صفحة 1
الكتاب: فتاوى سماحة الشيخ الخليلي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] بسم الله الرحمن الرحيم
...
الصلاة ـ الزكاة ـ الصوم ـ الحج
سماحة الشيخ
أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام لسلطنة عمان
الكتاب الأول
الأجيال
مقدمة
الحمد لله رب العالمين، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله. والصلاة والسلام على نبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد...
فيسر مكتب الإفتاء بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية بسلطنة عمان ممثلاً بقسم البحث العلمي أن يقدم للقارئ المتعطش للعلم والمعرفة فتاوى العبادات لسماحة الشيخ العلامة / أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام لسلطنة عمان، وقد تفضلت ( الأجيال للتسويق ) مشكورة بالإخراج والتصميم والطباعة والنشر.
وهذه الفتاوى تشتمل على أبواب العبادات و الصلاة والزكاة والصوم والحج وروعي فيها أثناء جمعها وتصنيفها:
{ ... الابتعاد عن التكرار، إلا ما دعت الحاجة إلى ذلك إذا كان في الجواب الآخر مزيد من الفائدة.
{ ... التركيز على القضايا التي يعم نفعها الجم الغفير من المسلمين من كافة الشرائح.
{ ... وضعنا في آخر الكتاب ملاحق تضمنت بعض البحوث القيمة التي أعدها سماحته لطلبة العلم والباحثين عن الحقيقة.
والله نسأل أن يتقبل منا هذا العمل وأن يعيننا على إخراج فتاوى سماحته في مختلف أبواب العلم، وأن يعم نفعه جميع المسلمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قسم البحث العلمي
بمكتب الإفتاء
فتاوى
الصلاة
الطهارات:
إذا تيقن من نجاسة بقعة فهل تصح الصلاة على فراش فرش عليها؟
إذا كان الفراش كالسمة المعروفة بعمان في عدم تواصل الأجزاء فلا يضير وجود النجاسة على جانب منه إذا لم يكن المصلي عليه، وأما إذا كان كالبساط فإن وجود النجاسة ولو بطرفه يضر المصلي لاتصال خيوطه. والله أعلم.
هل يتنجس الفلج باغتسال المجوس فيه؟ (1/1)
صفحة 2
روى الإمام الربيع بن حبيب رحمه الله عن أبي عبيدة عن جابر عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( الماء طهور لا ينجسه إلا ما غلب عليه فغير لونه أو طعمه أو ريحه )) وهذا مجمع عليه في الماء الجاري والماء الكثير ولو كان راكداً. ومختلف فيه في الماء القليل، وبهذا يتضح لك أن الأفلاج لا ينجسها اغتسال المجوس فيها. والله أعلم.
هل تتنجس ملابس الجنب بعرقه؟ وهل تتنجس ملابس الحائض والنفساء بعرقها؟
ليس جسم الجنب نجساً حتى تتنجس الملابس الملتصقة به، وكذلك الحائض والنفساء، وأمرهم بالاغتسال ليس لنجاستهم وإنما هو أمر تعبدي كغسل أعضاء الوضوء من الحدث الأصغر، والأدلة على ذلك كثيرة منها أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصلي في الثوب الذي يطأ فيه. ومنها قوله لعائشة رضي الله عنها (( ناوليني الخمرة )) فقالت: إنني حائض. فقال لها: (( ليست حيضتك في يدك )) وكان صلوات الله وسلامه عليه ينام مع نسائه في حالة حيضهن ويتصل جسده بأجسادهن. والله أعلم.
ما حكم الاستجمار؟ وهل يكون من البول فقط أم من البول والغائط؟
ذهب أصحابنا من أهل المغرب إلى وجوبه للأمر به في الحديث، والأصل أن يحمل الأمر على الوجوب، وذهب غيرهم إلى أنه مندوب إليه، والقول الأول أحوط وأولى بالإتباع ولا فرق في ذلك بين الأخبثين. والله أعلم.
ما حكم مياه الأودية طاهرة أم لا مع تغير أحد أوصافها وهو اللون بسبب ما تجرفه من أتربة؟
الماء لا ينجسه إلا ما غلب عليه فغير لونه أو طعمه أو ريحه، على أن يكون الغالب نجساً، وأما التراب فليس نجساً بل هو مشارك للماء في وصفيه وهما الطهارة والتطهير فلا يسلبه أحدهما. والله أعلم.
ما حكم الوضوء من المياه الراكدة إن لاقتها نجاسة؟
إن كان الماء كثيراً قدر قلتين فجائز اتفاقاً، وإن كان دون ذلك ففيه خلاف هذا إذا لم يتغير لونه أو طعمه أو ريحه. والله أعلم. (1/2)
صفحة 3
ما الفرق بين المني والمذي والودي. وما حكم كل منهم؟
المني: الماء الأبيض الغليظ الخارج بتدفق وتنتهي بخروجه اللذة سواء خرج من الرجل أو المرأة، ويعقب خروجه من الرجل انكسار ذكره وهو الذي يجب به الغسل.
المذي: ما يخرج في حال التشهي والملاعبة من غير انكسار للشهوة وهو أرق من المني.
الودي ما يخرج بعد البول أو بسبب غلبة طبع البرودة عليه. وهذان الماءان الأخيران ينقضان الوضوء ولا يوجبان الغسل من الجنابة. والله أعلم.
هل يجزي الاستجمار بالحجارة دون الماء لأداء الصلاة؟
لا تجزي الحجارة عن الماء عندنا بل لا بُدَّ من الجمع بينهما وذلك صنيع أهل قباء الذين أثنى الله تعالى عليهم بقوله: { لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ[108] } . والنبي صلى الله عليه وسلم قد أمر أن يصنع مثل ما صنعوا، وقد جاء إليهم النبي صلى الله عليه وسلم وسألهم بم استحقوا هذا الثناء من الله؟ فقالوا: إنهم يتبعون الحجارة الماء، وعليه فإن على الذي نسي استعمال الماء أن يعيد صلاته لأن صلاته غير تامة. والله أعلم.
هل يلزم استعمال الصابون عند الاغتسال من الجنابة وغسل النجاسات. وهل يجزي عند الغسل أقل من ثلاث عركات؟
لا يلزم استعمال الصابون في الغسل من الجنابة وكذلك في غسل النجاسات إلا إن لم تزل بدونه، والعرك في غسل النجاسات إلى أن تزول. والله أعلم.
هل يلزم على من سقطت عليه جنابة أن يغسل سائر جسده؟
لا أدري ما هو مرادك بقولك: سقطت عليه جنابة، فإن كان مرادك أنه أصابه مني في جسده فإنه يجب عليه في هذه الحالة غسل الموضع الذي أصابه المني فحسب وليس عليه غسل سائر بدنه. والله أعلم.
رجل استرسل عليه الريح أثناء الطواف بالكعبة ولم يعد الوضوء لكون الريح سيستمر خروجها لمدة طويلة فما عليه؟ (1/3)
صفحة 4
إن كانت الريح يستمر خروجها منه بحيث لا يجد فرصة للطواف بدون خروجها فعليه ما على صاحب السلس وهو أن يتوضأ عندما يقوم إلى الطواف ولا يضيره بعد ذلك خروجها وهكذا يصنع في قيامه إلى الصلاة وعليه تجديد وضوئه لكل صلاة ولكل طواف. والله أعلم.
أعاني من خروج غازات من المعدة على شكل لزوجة وتترك أثراً في الثوب فهل يجوز أن أؤمَّ الناس في الصلاة؟
إن كنت موقنا خروج شيء فلا تجوز إمامتك بالناس، بل إن كان ذلك مستمراً بحيث لا ينقطع فعليك أن تتوضأ لكل صلاة عند القيام إليها وصل غير إمام بالناس ولا يضرك ما خرج في إثناء صلاتك تلك لأن حكم السلس. والله أعلم.
ما حكم الصلاة بالثياب إن كانت كريهة الرائحة؟
إن لم تكن متنجسة فالصلاة بها جائزة، ولكن الأولى أن تكون ثياب الصلاة طيبة الرائحة. والله أعلم.
الغسل من الجنابة وأحكامه:
إذا جامع الرجل زوجته ولم ينزل شيئاً من المني فهل عليهما غسل؟
إذا التقى الختانان وجب الغسل سواء أنزل الرجل أو لم ينزل، هكذا ثبت في الحديث. وحديث (( الماء من الماء )) منسوخ إجماعاً. والله أعلم.
أنا شاب أبلغ من العمر 19 سنة وقد قرب موعد زواجي وعندما سألت أحد أصدقائي المتزوجين عن الطهارة بعد مجامعة الزوجة أجابني بصورة غير واضحة، أرجو الإفادة عن الطهارة بعد الجماع؟
الطهارة بعد الجماع هي نفس الغسل من الجنابة الذي يجب بالاحتلام ونحوه وهي الاستنجاء أولا ثم الوضوء أو الاقتصار على المضمضة والاستنشاق، ثم غسل الرأس وتعميم الجسد بالماء مع إيصال الماء باليد إلى مغابن الجسد كالسرة والرفغين والإبطين. والله أعلم.
هل يجوز التلفظ بالبسملة والنية أثناء الغسل من الجنابة؟ وهل يجوز للإنسان أن يغتسل وهو عار الجسد في مكان ساتر سواء كان هذا الغسل واجباً أو مسنوناً؟
لا داعي إلى التلفظ بالبسملة عند الغسل، والنية بالقلب مجزئة، ولا مانع من الاغتسال عارياً في مكان ساتر. والله أعلم. (1/4)
صفحة 5
هل تصح الصلاة بوضوء الاغتسال من الجنابة بعد مضي بعض الوقت؟
نعم تصح به الصلاة إن لم ينقضه شيء. والله أعلم.
إذا تيمم الجنب للصلاة فهل يجوز له قراءة القرآن ولمس المصحف الشريف؟
اختلف في التيمم هل هو رافع للحدث أو مبيح للصلاة فقط، والراجح الثاني والأولى أن ينوي بتيممه استباحة الصلاة وقراءة القرآن ولمس المصحف. والله أعلم.
ما حكم الماء الخارج من فرج المرأة بلذة؟
إن كان منياً أوجب الاغتسال وإلا ففيه الوضوء بعد الاستنجاء. والله أعلم.
هل يجزي المرأة تبليل الأصابع بالماء وإدخالها في الشعر عند الغسل من الجنابة بدون غمر الرأس بالماء؟
لا بد من أخذ كمية من الماء بكفيها وذلك لغمر قرونها به كما جاءت السنة. والله أعلم.
هل يجزي تعميم الجسد بالماء عند الغسل من الجنابة دون إمرار اليد عليه؟
اختلف في ذلك والراجح الإجزاء إن تتبع مغابن جسده. والله أعلم.
رجل أصابته جنابة فلما أراد الاغتسال وجد الماء بارداً جداً فنسي أن يسخنه وإنما قام بغسل مكان النجاسة واغتسل من السرة إلى الركبة ثم تيمم فصلى بذلك. فما حكم ذلك؟
إن خاف الضرر إن اغتسل بالماء فلا مانع من التيمم إلا أن يقدر على استعماله. والله أعلم.
ما قولكم فيمن ترك الاغتسال من الجنابة بسبب برودة الماء فصلى بغير اغتسال. فماذا يلزمه؟
لا تجوز الصلاة بدون غسل من الجنابة فإن تعذر الغسل لبرودة الماء وجب تسخينه إن أمكن فإن تعذر تسخينه مع عدم احتمال استعماله بحاله وجب المصير إلى التيمم، ومن صلى بغير غسل ولا تيمم فصلاته باطلة. والله أعلم.
ما قولكم فيمن استدل بقول الرسول صلى الله عليه وسلم (( ليست حيضتك بيدك )) على طهارة بدن الحائض والجنب فقام يصلي ويصوم من غير اغتسال حتى تبين له الحكم في المسألة، فماذا يلزمه في الصلوات والصيام السابقة؟
عليه قضاء ما صلاه في حال الجنابة لاشتراط رفع الحدث الأكبر لصحة الصلاة والصوم. والله أعلم. (1/5)
صفحة 6
ما قولكم في امرأة رأت ما يراه الرجل في المنام فلم تغتسل جهلاً منها بذلك ومضى عليها يوم كامل حتى تبين لها الحكم فماذا عليها أن تفعل؟
عليها الاغتسال والتوبة وإعادة الصلاة والصوم، إن صامت ذلك اليوم، وذلك إن رأت الماء. والله أعلم.
ما قولكم في امرأة تركت الغسل من الجنابة جهلاً بحكمه، وكانت تصلي ومضت فترة طويلة من زواجها حتى الآن فماذا يلزمها؟
عليها قضاء جميع الصلوات التي صلتها بجنابة، فإن لم تعرف تحديدها فلتقض الصلوات من يوم زواجها إلى اليوم الذي بدأت تغتسل فيه من الجنابة. والله أعلم.
امرأة توضأت للصلاة وصلت، ثم رأت في ثوبها السائل الأبيض ( المني )، هل تعيد وضوءها وصلاتها، أم ماذا تفعل؟
إن كان لا يحتمل خروجه بعد الصلاة فعليها أن تعيدهما. والله أعلم.
فيمن ترك المضمضة والاستنشاق عند غسل الجنابة جهلاً منه بوجوب ذلك، وبقي على ذلك مدة من الزمن، فما حكم الصلوات التي صلاها على هذه الحالة؟
إن كان يتوضأ لصلاته ويتمضمض ويستنشق فيعذر في الماضي، وعليه الاحتراز في المستقبل. والله أعلم.
أحكام الحائض والنفساء:
ما الحكم في من أتاها الحيض قبل الظهر بساعتين، هل يعتبر اليوم من ذلك الوقت حتى الغروب أم أنه حتى نفس الوقت من اليوم التالي؟ وهل يكون حسابها من ذلك الوقت أم من غروب الشمس؟
ذهب كثير من علمائنا إلى أن اعتبار أيام الطهر والحيض والانتظار غروب الشمس، وإنما اختلفوا في الحد الذي يفصل بين ما يعتبر من الغروب الماضي وما يعتبر من الغروب المستقبل، فقيل طلوع الفجر وقيل طلوع الشمس، وقيل الزوال، وذهب القطب رحمه الله في ( الشامل ) إلى اعتبار الأيام بالساعات فمن ساعة لمثلها يوم، وما نقص عن ذلك ليس هو باليوم الكامل، وانتقد القائلين بالطلوع لما يترتب عليه من الزيادة على اليوم ما ليس منه ونقص ما هو منه، وهذا القول أقرب إلى النظر. والله أعلم. (1/6)
صفحة 7
اغتسلت امرأة من الحيض، ولكنها فوجئت في اليوم التالي بوجود شيء من الكدرة في ثوبها، فهل يجب عليها في هذه الحالة أن تغتسل اغتسالا كاملاً أم تتوضأ فقط وتغسل ثوبها ثم تصلي؟
لا يجب بالكدرة وحدها إلا الوضوء. والله أعلم.
متى تطهر المرأة إذا أسقطت علقة؟ وإذا لم ينقطع الدم لمدة تزيد على عشرين يوماً فما الحكم؟
اختلف العلماء فيما تكون به المرأة نفساء إن وضعت، فقيل: تكون بالعلقة نفساء، وقيل: حتى تكون لا يذوبها الماء الحار لو ألقيت فيه، وقيل: حتى يكون ما وضعته مضغة، وقيل: بل مضغة مخلقة، وقيل: حتى يكون كامل الخلقة، وقيل: حتى يميز أذكر أم أنثى، وقيل: لكل مرحلة قدرها من أيام النفاس، وإذا اعتمدت قولا من هذه الأقوال عذرت لأن المجال مجال اجتهاد. والله أعلم.
إذا طهرت المرأة من حيضها وكان بها جرح في رأسها يتضرر إذا أصابه الماء فغسلت موضع النجاسة والرجلين وتيممت لبقية الأعضاء جهلاً منها بوجوب غسل الأعضاء الصحيحة، وبأن التيمم لا يشرع إلا للمريض الذي يتضرر بالغسل، فماذا يلزمها؟ علماً بأنها اغتسلت بعد أن برأ الجرح الذي برأسها.
إذا لم تغتسل المرأة الغسل المفروض من حيضها، وصلت مع تقصيرها في الغسل لزمها قضاء جميع الصلوات التي صلتها، ولو طالت المدة، والخلف في الكفارة. والله تعالى أعلم.
امرأة كانت عادتها في الحيض خمسة أيام، وفي الفترة الأخيرة أصبح يعاودها خروج الدم بعد أن تطهر وبعد الخمس، وغالباً ما يعاودها في اليوم التاسع أو العاشر، فهل يعتبر هذا الدم الأخير دم حيض أم دم استحاضة؟ (1/7)
صفحة 8
ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( أقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة أيام)) وهذا يعني أن حيضة المرأة لا تتجاوز عشرة أيام منذ بدايتها إلى نهايتها، فإن كانت لها عادة معلومة فتلك العادة هي المحكمة إذا التبس عليها الأمر عندما تستحاض، فإن رأت طهراً بعد عادتها وأردف بالدم مرة أخرى فلا تلتفت إليه، بل تستمر على صلاتها وصومها، اللهم إلا إذا تكرر لها ذلك ثلاث مرات، فقيل تعطيه للحيض في هذه الحالة وهو رأي علمائنا العمانيين ويسمون هذه الرجعة الدموية إثابة، أخذاً من ثاب يثوب بمعنى رجع، والهمزة للتعدية، ومفاد هذا الاصطلاح أن الحيض أعيد إليها مرة ثانية، ولكن إعطاؤها حكم الحيض لهذا الدم الذي ثاب إليها مشروط بشروط:
أولاها: أن لا تكون مدة الحيض الأصلية والطهر الفاصل والدم الذي بعده تجاوزت في مجموعها أقصى مدة الحيض وهي عشرة أيام وذلك بأن تكون مثلا أيامها خمسة وتطهر يومين ثم يعود إليها الدم يوماً أو يومين أو ثلاثة أيام، أما لو كانت أيامها سبعة مثلا ورأت الطهر يوماً أو يومين ثم تبعه دم لمدة ثلاثة أيام أو أربعة أيام فهو دم استحاضة لا تترك له الصلاة ولا الصوم.
ثانيها: أن تتكرر هذه الإثابة على وجه واحد، وذلك بأن لا تتفاوت أيامها في الثلاث المرات التي تأخذ بها في الاختبار. (1/8)
صفحة 9
ثالثها: أن لا تتفاوت أيضاً أيام الطهر الفاصلة بين الدمين بحيث تكون تارة يوماً وتارة يومين أو ثلاثة. وإنما تتكرر على وتيرة واحدة. والخلاف إن كان التفاوت حسب الساعات لا حسب الأيام فيهما، وبناء على هذا الرأي فإنها تجمع الدم الأخير إلى الدم الأول بعد أن يتكرر لها ذلك ثلاث مرات مع مراعاة الشروط المذكورة، وتلفق أيام الطهر الفاصل مع أيام الدم بحيث تجعلها كأيام الحيض حكماً، وإن كانت تصلي وتصوم فيها، وقيل لا تلتفت إلى الدم الذي يأتيها بعد أيامها المعتادة مع فاصل طهر بين الدمين ولو تكرر لها ذلك مراراً كثيرة، وهو قول أهل المغرب من أصحابنا. والله أعلم.
امرأة تشكو من نزيف مطول من مكان خروج الحيض وهي تصلي وتغتسل لكل صلاة، هل يجوز لها الصوم في شهر رمضان؟ وهل عليها الغسل لكل الجسد أم ذلك الموضع فقط؟
تصلي وتصوم إلا في الأيام التي اعتادت فيها الحيض ـ إن كانت لها عادة من قبل ـ فإنها تترك فيها الصلاة والصوم ثم تقضي صومها من بعد، وإن لم تكن لها عادة من قبل تحرت بتمييز دم الحيض عن دم الاستحاضة، وذلك أن دم الحيض أسود ثخين له رائحة نتنة، ودم الاستحاضة أحمر رقيق لا رائحة له، وإن عجزت عن التمييز بين الدمين ففي حكمها خلاف، وأقرب الأقوال إلى اليسر أن تجعل عشرة أيام حيضاً وعشرة أيام طهراً، لأن العشرة هي أكثر الحيض وأقل الطهر، ـ والأصل في الدم حمله على الحيض، ويجوز لها أن تصلي الظهر والعصر معاً بغسل واحد، وكذلك المغرب والعشاء، وتتم إن لم تكن مسافرة مع الجمع بين الظهرين والعشاءين، والغسل المطلوب عند من أوجبه هو غسل البدن كله، وهل هو لكل صلاة أو لكل صلاتين وللفجر أو للصلوات الخمس غسل واحد؟ خلاف، وقيل يجب غسل النجاسة والوضوء فقط. والله أعلم.
هل يجوز للمرأة الحائض أن ترتدي حلياً من ذهب أو غيره مكتوباً عليها اسم الله أو آية قرآنية كريمة؟ (1/9)
صفحة 10
إن كانت الحلي المكتوب عليها اسم الله غير مباشرة لجسد الحائض فلا مانع منها، وذلك أن تكون فوق ثوبها، وإن كانت مباشرة لجسدها فغير جائز. والله أعلم.
هل يجوز للحائض أن تستعمل الخضاب والكحل؟ وهل صحيح أن المرأة النفساء إذا لمست شيئاً يجب أن يغسل؟
تمنع الحائض من الزينة كالكحل والخضاب لما في ذلك من إغراء الزوج على مواقعتها، وأما وجوب غسل ما لمسته النفساء فلا أساس له في الشرع. والله أعلم.
هل يجوز للنفساء عمل شيء في منزلها قبل مضي أربعة عشر يوماً، كطهي الطعام وغسل الأواني وتنظيف المنزل والأولاد؟
لها أن تعمل كل شيء، وإنما تؤمر بترك الصلاة والصوم وعدم الجماع يحتاج إلى إضافة. والله أعلم.
عن امرأة حامل وفي أثناء الحمل جاءها نزيف، وظل هذا النزيف يومين أو ثلاثة ثم انقطع وقد يتكرر هذا أكثر من مرة، فهل يصح للمرأة أن تصلي بعد أن تغتسل من ذلك النزيف أم تترك الصلاة؟ وإذا كانت صائمة فهل تفطر وتبدله في وقت آخر أم صيامها صحيح وتستمر فيه؟
هذا النزيف ليس من الحيض في شيء، وإنما هو استحاضة تصوم المرأة وتصلي إلا أن تكون تتضرر من الصوم، فلها أن تفطر على أن تقضي ما أفطرت في أيام أخر. والله أعلم.
ما القول في امرأة انقطع عنها الحيض لمدة شهرين، وفي الشهر الثالث أتاها الدم لمدة خمسة أيام فظنت أنه حيض فتركت الصلاة، لكنها في اليوم السادس سقطت منها علقة من دم واستمر بها الدم بعد ذلك سبعة أيام ثم انقطع. فهل حكمها حكم الحائض في هذه المدة؟ أو حكمها قبل إلقاء المضغة حكم الحائض وبعد إلقائها حكم النفساء؟ أو هي نفساء منذ بدأها الدم؟ وما حكم تركها الصلاة في هذه الفترة كلها؟ وهل حكم المضغة في الأيام كحكم الوضع ( الولادة )؟ (1/10)
صفحة 11
اختلف العلماء فيما تكون به المرأة نفساء إن أسقطت، فقيل ولو كان دماً إن كان لا يختلط بالماء الساخن، وقيل بالعلقة، وقيل حتى تكون جامدة لا يذيبها الماء، وقيل بالمضغة المخلقة، وقيل حتى تكتمل الخلقة، وقيل حتى يتميز أذكر هو أم أنثى.
وذهب قطب الأئمة رحمه الله في الشامل إلى أن عدة النفاس بعد الإسقاط تختلف باختلاف الأطوار التي وصل إليها الحمل عندما سقط، ففي الدم أربعة أيام وفي العلقة تسعة، وفي المضغة أربعة عشر، وفي العظم غير المكسو لحماً أحد وعشرون، وفي تام الخلقة أربعون، ولست أدري على أي شيء بني هذا التفصيل، ولم أطلع على أدلة الأقوال السابقة لذلك أجدني عاجزاً عن الترجيح بينها.
وعلى أي قول من هذه الأقوال فإنها إن رأت الطهر قبل الوقت المحدد فعليها أن تغتسل وتصلي بلا خلاف، كما أن عليها أن تقضي الصلوات التي تركتها عندما رأت الدم قبل الإسقاط، فإن الحيض والحمل لا يجتمعان، والنفاس إنما هو بعد الوضع لا قبله. والله أعلم.
ما حكم قراءة الحائض للقرآن كالمعوذتين مثلا ً إذا أحست بالخوف؟
إن خافت فلها أن تقرأ ما يؤنس وحشتها. والله أعلم.
ما قولكم في دخول الحائض مدرسة تقع تحت المسجد؟
ليس للحائض أن تدخل المسجد إلا لضرورة كالفرار من عدو أو نحو ذلك، وعليه فإن كانت عندما تأتي إلى المدرسة تجتاز داخل المسجد فإن ذلك لا يجوز لها، وإن كانت لا تلج المسجد فليس عليها في ذلك حرج. والله أعلم.
فيمن خرجت مع زوجها وهي حائض، فحضرت الصلاة فدخل الزوج المسجد لأداء الصلاة فهل يصح أن تدخل معه أو تنظره عند مدخل قسم النساء؟
إن كان ذلك في أفنية المسجد لا حيث تقام الصلاة فلا حرج. والله أعلم.
هل يباح للمدرسات والطالبات قراءة القرآن وحفظه وهن حائضات؟ (1/11)
صفحة 12
الذي أراه وأعتمد عليه وجوب تجنب ذي الحدث الأكبر حيضاً أو نفاساً أو جنابة قراءة القرآن الكريم لقدسية كلام الله تعالى، وهو الذي يدل عليه ما رواه الإمام الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الجنب والحائض والذين لم يكونوا على طهارة (( لا يقرأون القرآن ولا يطأون مصحفاً بأيديهم حتى يكونوا متوضئين )) أي متطهرين الطهور المشروع للعبادة. وهو وإن كان مرسلاً فإن لمراسيل جابر حكم الوصل، على أنه معضوض بروايات أخرى منها ما أخرجه الخمسة وصححه الترمذي وأخرجه أيضا ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبزار والدارقطني والبيهقي وصححه أيضاً كل من ابن حبان وابن السكن وعبد الحق والبغوي في شرح السنة عن علي بن أبي طالب ـ كرم الله وجهه ـ قال: (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته ثم يخرج فيقرأ القرآن ويأكل معنا اللحم ولا يحجبه ـ وربما قال ـ ولا يحجزه من القرآن شيء ليس من الجنابة )). ولفظ الترمذي (( كان يقرؤنا القرآن على كل حال ما لم يكن جنباً )) وقد بالغ أهل العلم في تعظيم هذا الحديث حتى قال ابن خزيمة: هذا الحديث ثلث رأس مالي. وقال شعبة: ما أحدث بحديث أحسن منه. ومن المعلوم أن الحيض والنفاس لا يختلفان عن الجنابة فكل منهما حدث أكبر كالجنابة، ولا يقال إنه مجرد ترك من النبي صلى الله عليه وسلم لا يستدل به على حكم، كيف وراوي الحديث ـ وهو الإمام علي ـ يصرح أن الجنابة هي الحاجز بينه وبين قراءة القرآن، وليس من المعقول أن يقول ذلك الإمام علي اعتباطاً فإنه ليس ممن يرمي الكلام على عواهنه خصوصاً فيما يتعلق بالأحكام الشرعية، وقد روى أبو يعلى عنه أنه قال: (( رأيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ توضأ ثم قرأ شيئاً من القرآن ثم قال: هكذا لمن ليس بجنب، أما الجنب فلا ولا آية )) وهو نص في الموضوع، وأخرج أبو داود والترمذي وابن ماجة عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ عن النبي ـ (1/12)
صفحة 13
صلى الله عليه وسلم ـ قال: (( لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئاً من القرآن ))، ومهما قيل في إسناده فإن ابن سيد الناس ـ وهو من كبار أئمة الحديث ـ صحح بعض طرقه وروى الدارقطني عن جابر ـ رضي الله عنه ـ قال: قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (( لا تقرأ الحائض ولا النفساء من القرآن شيئا ))... وهذه الروايات لم يثبت ما يعارضها وذلك يقتضي عدم جواز إسقاطها، وإذا علمتم ذلك فعليكم أن تعلموا أن قراءة الطالبات والمدرسات القرآن أيام حيضهن لأجل الامتحانات ليس له مبرر، فالصوم فرضه موقوف وقفه الله في القرآن وقد عذرت الحائض والنفساء منه وأمرتا بتأخيره إلى وقت طهرهما، فما بالكم بشيء وقته البشر، وإنما على المسؤولين أن لا يضيقوا وقت الامتحان، بل الأحرى أن تكون له فترتان. والله أعلم وبه التوفيق.
هل يجوز للطالبة أن تكتب قرآناً إذا كان ذلك لأجل الامتحانات وهي في حالة الحيض؟
لا تكتب قرآناً كما أنها لا تقرؤه، ويجب اتخاذ احتياطات لامتحانات الطالبات في مادة القرآن في غير أيام الحيض. والله أعلم.
هل يجوز للزوج أن يجامع زوجته وهي في حالة استحاضة؟
نعم يجوز جماع المستحاضة لا الحائض. والله أعلم.
أرجو أن توضحوا لي كيفية جمع الصلاتين بالنسبة للمستحاضة؟
تصلي الظهر والعصر بين الوقتين تامتين من غير قصر، وكذلك المغرب والعشاء. والله أعلم.
ما قولكم في امرأة انقطع عنها الحيض ثلاثة أشهر، ثم بعد ذلك راجعها مدة يومين قطعت فيهما الصلاة، وفي اليوم الثالث أسقطت حملاً، فهل تعتد عدة النفاس، وماذا تفعل في اليومين اللذين قطعت فيهما الصلاة؟
تعيد الصلاة التي تركتها قبل الإسقاط، وتعتد بعد ذلك عدة النفاس بحسب السقط الذي أسقطته. والله أعلم.
النفساء إذا طهرت قبل الأربعين، هل تغتسل وتصلي أو لا بُدَّ أن تكمل الأربعين يوماً؟
عليها أن تغتسل وتصلي فور ما ترى الطهر ولو في يومها. والله أعلم. (1/13)
صفحة 14
ما قولكم في النفساء إذا استمر بها الدم بعد الأربعين، هل تغتسل وتصلي ويباشرها زوجها، أم لا؟
إن أتمت أربعين يوماً ولم تر الطهر فلتغتسل ولتصل ولتصم، ولا حرج إن باشرها زوجها. والله أعلم.
ما حكم تغسيل الحائض والنفساء للميت من النساء؟
لا حرج في ذلك. والله أعلم.
ما علامة الطهر من الحيض؟
إذا رأت القصة البيضاء فهي علامة الطهر وعليها الاغتسال والصلاة والله أعلم.
امرأة أسقطت جنيناً ميتاً وهي في شهرها الرابع، فهل تعتبر بذلك نفساء وتترك الصلاة؟
تنفس بذلك وتترك الصلاة حتى ترى الطهر أو تتم الأربعين. والله أعلم.
ما قولكم في امرأة عندما تغتسل من الجنابة لا تقوم بغسل شعرها، وقد مضى عليها زمن وهي على هذه الحالة، فما حكم صلاتها وصيامها؟
ثبت في الحديث عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: (( إن تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعر ونقوا البشر ))، وهو يدل على وجوب تعميم الشعر بالغسل، فمن أضاعت ذلك فعليها التوبة مع إعادة ما صلت من الصلوات بهذه الحالة، وما صامته من الصيام الواجب. والله أعلم.
الوضوء ونواقضه:
هل يجوز التطيب بعد الوضوء للصلاة؟
نعم، يجوز التطيب بعد الوضوء قبل أداء الصلاة ولا حرج فيه، بل هو الأولى. والله أعلم.
هل يلزم المشتغل بالوضوء رد السلام إذا سلم عليه؟
لا ينبغي التسليم على المشغول بوضوء أو غيره، ومن رد السلام في حال الوضوء فلا يضيره شيئاً. والله أعلم.
ما قولكم فيمن توضأ لصلاة الميت، فحضرته فريضة من الفرائض، هل يصح صلاته بذلك الوضوء؟
الوضوء يراد به رفع الحدث، والحدث هو معنى قائم بالنفس مانع من الصلاة، فإذا ارتفع الحدث جازت الصلاة، ولا داعي إلى تجديد الوضوء. والله أعلم.
ما قولكم فيمن نسي مسح الرأس أثناء الوضوء، هل يمسحه ويصلي أم يستأنف الوضوء من جديد لاختلال شرط الترتيب؟ (1/14)
صفحة 15
قيل يجزي من نسي مسح رأسه حتى فرغ من وضوئه أن يمسحه عندئذ، بناء على القول بعدم وجوب الترتيب ـ كما هو قول أبي عبيدة رحمه الله ـ وقيل لا بد من إعادة مسح الرأس وغسل ما بعده بناء على لزوم الترتيب. والله أعلم.
رجل توضأ للصلاة في بيته، ثم سعى إلى المسجد فقابل بعض النساء في الطريق فبادلهن التحية، فما حكم وضوئه؟
إذا كانت التحية شفوية من غير مصافحة، ولم ينظر إليهن بشهوة، فلا بأس عليه، وإلا فليستغفر الله وليعد وضوءه. والله أعلم.
فيمن صافح امرأة أجنبية وهو متوضئ ونسي إعادة الوضوء فصلى، ثم تذكر بعد الصلاة فماذا عليه؟
يستغفر الله من مصافحته للأجنبية، سواء كان على وضوء أم لا، والأحوط له إعادة صلاته التي صلاها بدون إعادة ذلك الوضوء. والله أعلم.
يذهب أصحابنا إلى منع المسح على الخفين، وذكر الشيخ الجيطالي إجماعهم على ذلك مستدلين عليه بنسخ آية الوضوء للأحاديث الواردة في المسح، أخذاً من قول الإمام علي ـ كرم الله وجهه ـ: (( سبق الكتاب الخفين ))، وقول ابن عباس: (( ما مسح رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد المائدة )). ولكن القائلين بالمسح لهم إجابات وردود منها؟
1. ... إن آية الوضوء نزلت في غزوة المريسيع، ومسحه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في غزوة تبوك، لحديث المغيرة بن شعبة المتفق عليه، قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم فتوضأ فأهويت لأنزع خفيه، فقال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين )) فمسح عليهما، فكيف ينسخ المتقدم المتأخر؟
2. ... قد عارض حديثي علي وابن عباس ما هو أصح منهما، وهو حديث جرير بن عبد الله البجلي لما روى عنه أنه ((رأى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يمسح على خفيه))، فقيل له: هل كان ذلك قبل المائدة أو بعدها؟ قال: وهل أسلمت إلا بعد المائدة؟ وهو حديث صحيح.
3. ... وذكر أبو القاسم بن منده أسماء من رواه في تذكرته فبلغوا ثمانين صحابياً. (1/15)
صفحة 16
4. ... أن المسح على الخفين يتمشى وروح التشريع الإسلامي المبني على التيسير { يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ } فما رأي فضيلتكم في هذه المسألة؟ نرجو منكم البيان والفصل فيها بما يشفي الغليل ويروي الظمأ، أثابكم الله ثواب المحسنين. آمين.
إن آية المائدة صريحة في غسل القدمين، كما أنها صريحة في غسل الوجه واليدين ومسح الرأس، وإذا ثبت ما روي من طريق المغيرة بن شعبة ومن طريق جرير أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مسح على خفيه بعد نزول المائدة، فروايتها لا تتجاوز أن تكون من الروايات الأحادية التي لا تقوى على معارضة القرآن، كيف وقد استقر أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على التحرز من الروايات التي يحدث بها الصحابة أنفسهم ـ مع نزاهتهم وقرب عهدهم به صلى الله عليه وسلم ووردهم من المنبع الصافي عندما يشتمون منها ما يخالف ظواهر القرآن، كما صنع عمر ـ رضي الله عنه في حديث فاطمة بنت قيس وكما صنعت عائشة في حديث ابن عمر رضي الله عنهم أجمعين في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه، وكما صنع ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ بحديث الحكم بن عمر الغفاري في تحريم ذوات الناب من السباع والمخالب من الطير، وهكذا كانوا ـ رضي الله عنهم ـ يزنون الروايات التي يتلقاها بعضهم بعض ـ مع أمانتهم جميعاً وولاية بعضهم بعضاً ـ بموازين الكتاب، وإذا كان ذلك في ذلك العهد الذهبي القريب من عهد النبوة، فما بالك ونحن بيننا وبين ذلك العهد أربعة عشر قرناً، هاجت فيها أعاصير الفتن، وماجت فيها تيارات الأحداث، واشتعلت نيران البدع، فأخلق الدين بعد جدته، وتكدرت النفوس بعد صفائها، ألسنا الآن أحوج ما نكون إلى إتباع هذا المنهج في الاحتراز وأخذ الحيطة والبعد عن الريب والتمسك بما أجمع عليه؟ وما يذكرونه من الروايات عن نحو ثمانين صحابياً هو سابق على نزول المائدة، فلا مجال للتمسك به بعدما نصت آية المائدة على غسل القدمين، (1/16)
صفحة 17
ولو جاز المسح على الخفين لأجل رفع الحرج ودفع المشقة، لجاز لأجل ذلك المسح على القفازين والكمين بدل من غسل اليدين و لجاز المسح على العمامة والقلنسوة ونحوهما، فتفطن لذلك، وأعلم أن السلف الصالح كانوا أحوط لدينهم وأرعى لذممهم، وأطوع لربهم ولرسوله ـ صلى الله عليه وسلم. والله أعلم.
ما حكم وضوء من صافح امرأة في حالة الحيض أو نفاس؟
إذا كانت أجنبية منه انتقض وضوؤه سواء كانت حائضاً أم غير حائض، أما الزوجة وذات المحرم فإن مباشرتهما لا تنقض الوضوء ـ ولو كانت في حالة الحيض أو النفاس أو الجنابة ـ لأنها لا تتنجس بشيء من ذلك. والله أعلم.
هل يجوز التلفظ بنية الوضوء داخل الحمام أو بنية الغسل من الجنابة، أو يعقد نية الوضوء أو الغسل قبل دخوله الحمام ويظل صامتاً داخل الحمام؟
النية المطلوبة هي عقد العزم بالقلب، والتلفظ باللسان ليس من النية في شيء وإنما اختاره من اختاره من العلماء ليكون عوناً للعوام على الاستحضار، وليس واجباً إجماعاً، ولا بأس به داخل الحمام. والله أعلم.
فضيلة الشيخ: هل يفسد الوضوء بالكلام أثناءه؟
لا يفسد الوضوء الكلام في أثنائه، وإنما قيل فيه الكراهة. والله أعلم.
هل ينتقض الوضوء بالضحك؟
الضحك ينقض الوضوء والصلاة عندنا وعند الحنيفية إذا كان في الصلاة لا خارجها. والله أعلم.
إذا سال الدم من أسنان شخص أثناء الوضوء، ثم رجع واستأنف وضوءه إلا أن الدم استمر ينزف، فماذا عليه أن يفعل إذا أراد الصلاة؟ (1/17)
صفحة 18
خروج الدم من الجسم ينقض الوضوء عندنا، للحديث الذي أخرجه الربيع ـ رحمه الله تعالى ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: في دم الاستحاضة (( إنه دم عرق نجس ينقض الوضوء )) وهكذا كل ما كان من الدماء نجساً وخرج من الجسم، وإذا استمر خروج الدم أو أي نجاسة أخرى من جسم الإنسان بغير انقطاع، فعليه أن يتوضأ عند قيامه إلى الصلاة مع توقيه إصابة النجاسة لجسمه أو ثيابه بعازل، ولا يضره في هذه الحالة خروج النجاسة ولو في أثناء صلاته، وله أن يجمع الصلاتين الظهر والعصر وكذلك المغرب والعشاء من أجل هذه الضرورة. والله أعلم.
وقال فضيلته في جواب على سؤال مشابه: حكم من يسترسل منه الدم كحكم من يسترسل منه البول ونحوه، وهو أن يتوضأ ويصلي بوضوئه فرضاً واحداً ويجدد بعده الوضوء لكل فرض، إلا أن يجمع الصلاتين، ولا يضيره خروج الدم منه، فقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون وجروحهم تثعب دماً. والله أعلم.
هل خروج القيح الممتزج بالدم من جرح الجسم يبطل الوضوء؟
إذا كان القيح أكثر من الدم فلا ينقض الوضوء، أما إذا غلبه الدم فهو ناقض. والله أعلم.
ما حكم من لمس عورته بيده من بين سرته الى ركبتيه وهو متوضئ؟ هل ذلك ينقض وضوءه أم لا؟ (1/18)
صفحة 19
ليس كل ما بين السرة والركبة ينقض الوضوء مسه، وإنما ينقض الوضوء مس الذكر من الرجل والفرج من المرأة، لحديث (( من مس ذكره فليتوضأ )) رواه الربيع ـ رحمه الله ـ من حديث بسرة بنت صفوان، ورواه جماعة من المحدثين عنها، وله شواهد عن كثير من الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ حتى قيل إنه أصح ما ثبت في الباب، وجاء في بعض الروايات (( أيما رجل مس ذكره فليتوضأ وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ )) وقاس أصحابنا على القبل الدبر في ذلك، وقالوا بانتقاض الوضوء بمس القبل أو الدبر أو ما بينهما، ويؤيد ذلك مفهوم المخالفة من حديث ابن عباس عند الربيع (( ليس على من مس موضع الاستحداد وضوء وليس على من مس عجم الذنب وضوء )) فإنه يدل بمفهومه على انتقاض الوضوء بمس ما كان أسفلهما. والله أعلم.
هل تقبيل الزوجة ينقض الوضوء؟
لقد ثبت أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يقبل بعض نسائه ثم يقوم إلى الصلاة من غير أن يعيد الوضوء، وقد كانت إحدى أزواج عمر ـ رضي الله عنه ـ تشيعه عندما يقوم إلى الصلاة إلى الباب وتقبله، وفي ذلك ما يكفي دليلاً على أن تقبيل الزوج لامرأته لا ينقض وضوءه. والله أعلم.
هل ينقض الوضوء النظر إلى المرآة؟
لا ينقض الوضوء النظر إلى المرآة. والله أعلم.
رجل توضأ ثم ذكر اسم كلب. ما تقول في وضوئه؟
لا ينقض ذكر الكلب وضوء ذاكره إلا إن شتم به أحداً من المسلمين. والله أعلم.
هل فرقعة الأصابع تنقض الوضوء؟
فرقعة الأصابع لا تنقض الوضوء ـ وإن كرهت ـ إذ ليس كل مكروه ناقضاً للوضوء. والله أعلم.
ما الحكم في وضوء من وجد في ثوبه دماً ولم يكتشفه إلا بعد أن أتم وضوءه؟
ليس لذلك أثر على وضوئه إن لم يكن الدم في جسده. والله أعلم.
هل يجوز للابن أن يوضئ أباه وأمه العاجزين عن الوضوء بسبب الشلل؟
إن كان السائل يقصد بالوضوء وضوء الصلاة المعهود فلا مانع من ذلك مطلقاً. والله أعلم. (1/19)
صفحة 20
ما هي الحكمة من تقديم المضمضة والاستنشاق على الأعضاء الواجب غسلها مثل الوجه واليدين؟
الحكمة ـ في رأي بعض العلماء ـ أن الماء إما أن يتغير طعمه أو لونه أو ريحه، وتغير اللون هو أكثر تأثيراً على الماء من تغير الطعم أو الريح، لأن تغير اللون دليل على ما خالط الماء من غيره، فالإنسان إذا وضع الماء في يديه وقربه من عينيه يشعر بتغير لونه، فإذا وضعه في فيه فإنه يشعر بطعم الماء، فإذا وضعه في أنفه يشعر بريحه، والحديث عن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يبين أن الماء باق على أصل خلقته وهو الطهورية والتطهير ما لم يتغير لونه أو طعمه أو ريحه، فقد جاء في الحديث الذي رواه الإمام الربيع ـ رحمه الله ـ عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: (( الماء طهور لا ينجسه إلا ما غلب عليه فغير لونه أو طعمه أو ريحه )) هذه هي الحكمة التي استظهرها بعض العلماء، وقد تكون هنالك حكمة قد خفيت علينا، والوضوء نفسه إنما هو أمر تعبدي. والله أعلم.
ما حكم ترتيب أعضاء الوضوء والموالاة فيه؟
اختلف العلماء في ترتيب أعضاء الوضوء هل هو واجب أم لا؟ ذهب فريق من العلماء إلى وجوب الترتيب، وهذا مذهب الإمام الربيع بن حبيب ـ رحمه الله ـ فإنه قال نبدأ بما بدأ الله تعالى به.
ومن العلماء من لا يرى وجوب الترتيب، فالذين قالوا بوجوبه نظروا إلى أن الواو في قوله تعالى: { فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ } تقتضي الترتيب، وهذا رأي طائفة من علماء العربية وهو رأي الإمام الشافعي، كما حكي ذلك عن غيره.
والذين قالوا بعدم وجوب الترتيب نظروا إلى أن الواو لمطلق الجمع، فإنه يقال: جاء زيد وعمرو، مع احتمال أن يكون زيد جاء قبل عمرو، ومع احتمال أن يكون عمرو جاء قبل زيد، ومع احتمال مجيئهما معاً. (1/20)
صفحة 21
كما تأتي الواو في الموضع الذي لا يمكن معه الترتيب فيقال تشارك محمد وعبد الله في التجارة، مع أن هذا التشارك لا يمكن أن يكون بالترتيب، وإنما هو فعل اثنين، ويقال: اقتتلت قبيلة كذا، وقبيلة كذا مع أن هذا الاقتتال لا يمكن أن يكون بالترتيب لأنه فعل طائفتين. وينبني على وجوب الترتيب وعدمه: أن الذي يترك غسل عضو من الأعضاء كاليدين مثلاً ثم يتذكر فعليه أن يبتدئ غسل ذلك العضو ثم يغسل ما بعده من الأعضاء، هذا على رأي من يرى وجوب الترتيب، وإلا فيجوز له غسل ذلك العضو الذي ترك غسله نسياناً في آخر الوضوء على رأي من لم ير وجوب الترتيب.
أما عن حكم الموالاة، فإن بعض العلماء يشترط الموالاة في أعضاء الوضوء والبعض لا يشترطها، فمن يشترط ذلك يقول ببطلان الوضوء إذا تأخر غسل عضو من الأعضاء حتى جف الماء الذي غسل به العضو الذي قبله، وعليه أن يستأنف الوضوء من جديد، وعلى رأي من لا يشترط الموالاة لا يبطل الوضوء بل يمكن غسل ذلك العضو بدون موالاة.
والأحوط للإنسان أن يلتزم الترتيب والموالاة، وذلك لأن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يؤثر عنه التنكيس في الوضوء بل الترتيب والموالاة، والإنسان يجب عليه أن يكون حريصاً على التأسي برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (( صلوا كما رأيتموني أصلي ))، فإذا نسي الإنسان عضواً من الأعضاء وتذكر بعد جفاف الأعضاء التي غسلها قبله فعليه أن يستأنف وضوءه من جديد، أما إذا صلى فعليه أن يعيد وضوءه وصلاته. والله أعلم.
ما معنى إسباغ الوضوء على المكاره؟
معناه الإتيان بالوضوء كاملاً غير منقوص في حال كراهة النفس مباشرة الماء بسبب البرد. والله أعلم.
هل يجزي المسح على العمامة بدل المسح على الرأس؟ وما معنى ما يروى عن عمر ابن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ ((من لم يطهره المسح على عمامته لا طهره الله))؟ (1/21)
صفحة 22
لا يجزئ المسح على العمامة، فإن الله خاطبنا بمسح الرؤوس لا العمائم، وما روي عن عمر لم يصح عنه ـ رضي الله عنه ـ والله أعلم.
ما حكم الوضوء قياماً؟
يكره كراهة تنزيه الوضوء قياماً، وإن تعذر القعود أو تعسر زالت الكراهة. والله أعلم.
ما حكم الدعاء أثناء الوضوء. هل هو فرض أم سنة؟
الدعاء أثناء الوضوء ليس بفرض ولا سنة، إذ لم ينص عليه الكتاب ولا السنة، ولم يثبت من فعله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بل ولا من فعل أحد من الصحابة، وإنما استحبه بعض أهل العلم لأن الوضوء عبادة وقربة إلى الله فهو مظنة استجابة الدعاء. والله أعلم.
أشعر في بعض الأحيان وخاصة بعد الانتهاء من الوضوء بخروج قطرات من البول، وعندما أنظر لأجل التأكد أرى في بعض الأوقات وأحياناً لا أرى شيئاً فهل يلزمني إعادة الوضوء كلما أحسست بذلك؟
إن كنت اعتدت أن تجد شيئاً من البول عندما تنظر فلا بد من أن تتطهر بغسل الموضع الذي أصابه البول من البدن والثوب وإعادة الوضوء، وإن كنت اعتدت خلاف ذلك فلا يلزمك حتى تتقين من خروج شيء عندما تقوم للصلاة. والله أعلم.
كيف يكون وضوء من ابتلي بسلس البول. وهل يصح له أن يؤم الناس وما هو علاج حالته؟
ليضع على قضيبه عازلاً يقي جسمه وثيابه ما يتقاطر من البول، وليتوضأ لكل فريضة عند قيامه إليها، ولا يؤم الناس في صلاتهم وليسأل الله العافية. والله أعلم.
ما حكم من ابتلي باستمرار خروج الريح إذا قام للصلاة؟ وهل يصح أن يصلي السنن والنوافل بوضوء الفريضة؟
على من ابتلي بسلس أو استمرار الريح، أو امرأة ابتليت بالاستحاضة أن يتوضؤوا للصلاة عند القيام إلى صلاة الفرض، وينووا بوضوئهم استباحة الصلاة، لأن الحدث مستمر بهم، ويصلوا الفرض وما حضر من الرواتب والنوافل بوضوئهم ذلك، ولا يضيرهم خروج النجاسة أو الريح في أثناء الصلاة، وإن حضر فرض آخر فلا بد من وضوء جديد، ويجوز جمع الصلاتين من أجل هذه العلة بوضوء واحد. والله أعلم. (1/22)
صفحة 23
ما معنى الحديثين الشريفين: ((لا وضوء من طعام أحل الله أكله)) والثاني: ((من أكل لحم الجزور فليتوضأ))؟
اعتبر أصحابنا ـ رحمهم الله ـ أن الحديث الأول ناسخ للأحاديث التي تأمر بالوضوء من الطعام، وثبت عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه أكل كتف شاة ومضمض ولم يتوضأ.
وأما الحديث الثاني فإنه ـ على رأي أصحابنا ـ من الأحاديث المنسوخة.
وذهب سائر أصحاب المذاهب إلى أن الحديث الثاني باق على حاله وهو مخصص للحديث الأول، وهؤلاء اختلفوا: منهم من قال بأن الوضوء على من أكل لحم الجزور واجب لأن لحم الجزور ينقض الوضوء، ومنهم من قال لا ينقض الوضوء، ولكنهم استحبوا الوضوء لمن أكله. والله أعلم.
فيمن احترقت يداه فعجز عن استعمال الماء ( الوضوء ) وعن التيمم فكيف يعمل إذا حضرت الصلاة؟
العاجز عن التيمم والوضوء يصلي دونهما، لأن اشتراطهما يسقط بعجزه فتصبح صلاته دونهما، ولا يسقط عنه فرض الصلاة بعجزه عن ممارستها وذهب بعض أهل العلم أنه يعدل عنهما إلى ضرب الهواء بيديه، واختلف هؤلاء فيما ينويه بذلك فقيل ينوي التيمم، وقيل الوضوء، وليس على ذلك من دليل وإنما مصدره المبالغة في الاحتياط. والله أعلم.
ما حكم الاستغفار بعد الوضوء وبعد الصلاة، حيث إننا وجدنا بعض العلماء يمنعه لكون الإنسان غير قائم على معصية في تلك الحالة. بين لنا الحق في ذلك؟
ثبت عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه كان يستغفر الله ثلاث مرات بعد صلاته، وما الاستغفار إلا طلب المغفرة من الله عز وجل، والعبد بحاجة إليه في كل وقت، وبعد الصلاة والوضوء ترجى إجابة الدعاء، فكيف يقال بمنعه بعدهما، على أن الإنسان قد يقصر في صلاته نفسها لكثرة عوارضه فيكون بحاجة إلى الاستغفار. والله أعلم.
رجل وجد في ثوبه نقطة حمراء، وغلب على ظنه أنه دم فهل عليه الإعادة؟
إن لم يتيقن أنه دم بقدر الظفر فلا إعادة. والله أعلم.
هل يجوز نزع الجلد الميت بعد الوضوء؟ (1/23)
صفحة 24
إن لم تكن به زهومة فلا حرج. والله أعلم.
ما قولكم فيمن توضأ ثم ذهب إلى المسجد، وفي الطريق أخذ يغني أغاني عاطفية، ثم دخل المسجد فصلى. فهل تعتبر صلاته باطلة؟
إن كان تغنى بطريقة خلاعية ماجنة فعليه إعادة وضوئها عند من يرى نقضه بالمعصية، فإن صلى أعاد الصلاة. والله أعلم.
هل رؤية التلفزيون تنقض الوضوء؟
العبرة بما يشاهد فيه، فإن كان ناقضاً لوضوء المتوضئ إن شاهده على الطبيعة فهو ناقض وإلا فلا، والله أعلم.
ما حكم وضوء من صافح مشركاً؟
من صافح مشركاً وهو على وضوء انتقض وضوؤه إن كان يداهما رطبتين أو إحداهما، وإن كانتا يابستين فلا حرج عليه في وضوئه. والله أعلم.
ما قولكم فيمن صافح امرأة أجنبية وهو متوضئ جهلاً منه بحكم المصافحة وصلى بذلك الوضوء، فماذا عليه؟
الاحتياط بإعادة تلك الصلاة أولى، وإن توسع ولم يعد بناء على أن المعصية غير المنصوص على نقضها الوضوء لا تنقضه فأرجوا أن لا يكون عليه حرج وإنما عليه الحذر في مستقبله. والله أعلم.
فيمن تيقن بعد الصلاة أن بعض رجله لم يصله الماء فماذا عليه؟
يعيد وضوءه وصلاته. والله أعلم.
هل تخليل الأسنان ناقض للوضوء؟
لا إن لم يخرج منها دم. والله أعلم.
هل يجوز التلفظ بالبسملة داخل الحمام لأجل الوضوء؟
إن كان المكان نظيفاً فلا حرج، ولا بد من ذكر أسم الله على الوضوء بأي صيغة كانت. والله أعلم.
فيمن صلى بغير وضوء ولا تيمم بسبب مرضه وصلى قاعداً بغير سجود، فهل عليه شيء في ذلك؟
إن كان غير قادر على الوضوء ولا التيمم ولا على القيام ولا الركوع ولا السجود فليس عليه إلا ما فعل، والله يتقبل منه، وإن كان قادراً على ما هو أكثر منه فعليه أن يأتي بما قدر عليه، فإن لم يفعل كان عليه القضاء. والله أعلم.
امرأة مضى عليها أربعون عاماً لا تمسح رأسها عند الوضوء جهلاً بفرضيته فهل تجدون لها رخصة في عدم إعادة الصلوات التي صلتها على هذا الحال؟ (1/24)
صفحة 25
ماذا عسى أن أقول في ذلك، فمسح الرأس ركن من أركان الوضوء، اللهم إلا على قول من يقول بأن تارك الصلاة لا يلزمه قضاؤها إن تاب. والله أعلم.
القبلة واللباس والسترة:
هل تصح الصلاة بالمكسي وتحته لباس غير السروال؟ وما حكم لباسه لغير الصلاة؟
إن كان اللباس ساتراً لما يجب ستره فلا مانع من الصلاة به. والله أعلم.
هل يجوز صلاة المرأة التي تكشف مقدمة رأسها في الصلاة وتلبس ملابس رقيقة وقصيرة تشف عن جسمها؟
لا يجوز صلاة المرأة بهذه الهيئة، وعليها أن تلزم تمام الستر المفروض. والله أعلم.
هل يجوز للمسلم جر إزاره في الصلاة أو خارجها؟
جر الإزار منكر وكبيرة من كبائر الإثم، وهو من صفات الفساق، ولا يقبل الله صلاة من صنع ذلك، وسواء كان في الصلاة وحدها أو في الصلاة وخارجها: { إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ } ، وكالإزار سائر الثياب، وإنما غلب الإزار في الحديث لأنه الغالب. والله أعلم.
هل النهي عن لبس الساعة في الصلاة هو نهي تحريم أو كراهة؟
نهي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن الصلاة بالآنك والشبه، وقيست بقية المعادن عليها بجامع الانطباع، واختلف في هذا النهي قيل للتحريم لأن الأصل فيه النهي وهو الذي رجحه الإمام السالمي ـ رحمه الله تعالى ـ وقيل للتكريه. والله أعلم.
ما حكم من صلى وهو يلبس ساعته في يده؟ وإذا كان لبسها أثناء الصلاة ممنوعاً شرعاً، فما الحكم إذا تذكرها المصلي بعد أن أحرم للصلاة؟
لا أرى الصلاة بالساعة وهي في اليد، لما ثبت في المسند الصحيح للإمام الربيع بن حبيب ـ رحمه الله تعالى ـ من نهيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن الصلاة بالآنك والشبه، فإن بقية المعادن حكمها كحكمها قياساً عليها. والله أعلم. (1/25)
صفحة 26
وفي فتوى مماثلة أضاف فضيلته: وإن كانت ثم ضرورة للمحافظة على المال ـ أي عليها ـ فلا بأس بالصلاة بها وكذلك الناسي، وإن تذكر أثناء الصلاة ألقاها كما فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين ألقى نعله في الصلاة لما أخبره جبريل أن فيها دم حمله. والله أعلم.
وفي فتوى أخرى قال فضيلته: ولكن ذلك لا يمنع أن يحملها المصلي في جيبه أو على أي موضع بحيث لا تلامس جسمه. والله أعلم.
ما حكم وضع السترة للمصلي؟ وأين يضعها؟ وكم ارتفاعها؟
يجب ذلك مع الإمكان، ويضعها في مكان قبلته، وارتفاعها شبران أو ثلاثة. والله أعلم.
ما حكم الصلاة مع النائم والمتحدث والمرأة والحيوان والتصاوير والماء الجاري والقبر؟
تكره الصلاة مع النائم والمتحدث، وأما المرأة وما بعدها إن كانت بين يديه فيضع بينه وبينها ستر وكفى. والله أعلم.
ما حكم الصلاة إذا مر أمام المصلي كلب أو حمار؟
في ذلك خلاف، فأكثر العلماء على أن الصلاة تبطل بذلك إن لم يكن المرور بعد السترة، وذهب بعضهم إلى عدم بطلانها، لأن الصلاة ليست حبلاً ممدوداً ينقطع بمرور المارة، وإنما هي صلة بين العبد وربه، يصلها بر القلب ويقطعها فجوره، وهو قول طائفة من علمائنا وهو الراجح، لعدم اطلاعنا على دليل من السنة بمقتضى البطلان، وإنما كل ما ورد في السنة يفيد المنع من مرور المار بين يدي المصلين والأمر بدفعه إن مر لا زيادة، والقول بالبطلان يتوقف على الدليل ولا دليل إلا ما ذكرنا، وهو غير كاف للاستدلال به عليه. والله أعلم.
إنني أعمل في دائرة عسكرية وألبس بنطلوناً يفصل جسمي، والمسافة بين البلد والعمل حوالي 95 كلم، فهل يجوز لي أن اصلي بذلك اللباس؟
إذا تعذرت الصلاة إلا بهذه الحالة، فلتصل ولا حرج عليك، فإنه يجوز في حال الاضطرار ما لا يجوز في حال الاختيار. والله أعلم.
ما مدى صحة الأحاديث النبوية التي تبين جواز الصلاة بالنعلين؟ (1/26)
صفحة 27
هي صحيحة، لكن تشترط فيها الطهارة وعدم ارتفاع الأصابع عن الأرض في حال سجود. والله أعلم.
ما قولكم في الصلاة بالإزار الرطب؟ وهل يلزم لبس الدشداشة فوقه أم يكفي عقدها عليه؟
لا مانع من الصلاة بالإزار الرطب إذا كان فوقه ثوب يمنع ظهور أجزاء الجسم التي تتمثل بالتصاق الثوب الرطب عليها، وكذلك يكفي الثوب الواحد في الصلاة وإنما يؤمر بعقده حذراً من انكشاف العورة. والله تعالى أعلم.
ما قولكم فيمن يصلي حاسر الرأس هل صلاته تامة؟
لا ينبغي لغير المحرم أن يصلي حاسر الرأس، لأنه يناجي ربه في صلاته، فينبغي أن يكون على أكمل هيئة وأحسنها لقوله تعالى: { يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ } ومن صلى حاسراً لم تفسد صلاته. والله أعلم.
ما حكم لبس الحذاء ـ في الوقت الحاضر ـ في حال أداء الصلاة، خاصة إن كان هذا الحذاء غير متيقن من طهارته؟
بما أن الحذاء المعاصر يرفع القدمين عن الأرض في حال السجود لا يجوز الصلاة به، فضلاً عما إذا كان متلبساً بنجاسة. والله أعلم.
فيمن أم بالناس ولباسه غير كامل بسبب ارتدائه بنطلوناً وقميصاً لا تصل أكمامه إلى المرفقين، وبدون غطاء للرأس؟
من ستر العورة التي هي بين السرة والركبة فلا مانع من إمامته، وقيل لا بد مع ذلك من ستر الصدر والبطن والظهر والعاتق. والله أعلم.
هل يجوز الصلاة بالثوب الذي فيه تصاوير؟ (1/27)
صفحة 28
في ذلك خلاف بين العلماء، ذهب فريق منهم إلى تحريم الصلاة بالثوب الذي فيه تصاوير، كما ثبت في الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام الربيع وأخرجه الشيخان وغيرهم من أئمة الحديث، أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ جاء إلى بيت عائشة ـ رضي الله عنها ـ وكانت قد اشترت نمرقة فيها تصاوير فلما رأى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ تلك النمرقة وقف خارجاً ولم يدخل، فقالت له عائشة ـ رضي الله عنها ـ يا رسول الله أتوب إلى الله مما فعلت، فقال لها ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ (( ما بال هذه النمرقة )) فقالت: اشتريتها لك لتتكئ عليها، فقال (( إن أصحاب هذه الصور ليعذبون يوم القيامة ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم )).
ومنهم من ذهب إلى استثناء الثوب، لأجل حديث أبي طلحة ـ رضي الله عنه ـ (( إلا ما كان رقماً في الثوب ))، ولكن الحديث لا يبيح الصلاة بالثوب الذي فيه تصاوير، وإنما يبيح إبقاء الصورة على ما هي عليه لئلا يفسد الإنسان ثوبه خلافاً لمن رأى ذلك كما روي عن الإمام أبي أيوب وائل الحضرمي ـ رحمه الله ـ وإذا كان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أبى أن يصلي في البردة التي أهداها إليه أبو جهم وردها عليه لأنها شغلته في صلاته عن الخشوع، فكيف بالثوب الذي فيه تصاوير، وكيف بغيره ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ وهو ـ صلى الله عليه وسلم ـ أخشع الناس قلبا وأرسخهم يقيناً، وأكثرهم استحضاراً لما يتلو في صلاته، وغيره ـ صلى الله عليه وسلم ـ يجب أن يكون أكثر احتياطاً، لأن التأثير عليه من قبل الوساوس الشيطانية أكثر. والله أعلم.
هل يجوز للإنسان أن يصلي بثوب لم يستر ذراعيه؟ (1/28)
صفحة 29
الواجب المتفق عليه في الصلاة هو ستر العورة، وعورة الرجل من السرة إلى الركبة، فإذا ستر الإنسان من سرته إلى ركبته فقد ستر عورته، واختلف هل عليه مع ذلك أن يستر بطنه وظهره وعضديه، قيل بوجوب ستر هذه المواضع وقيل باستحسان سترها، وعلى كل فإنه لو صلى في ثوب لم يستر ذراعيه فصلاته صحيحة تامة بالإجماع. والله أعلم.
هل صحيح أنكم أفتيتم ببطلان صلاة المصلين إذا كان سترة الإمام مسبلاً؟ إذا كان ذلك صحيحاً فما ذنب من كان في آخر الصف وهو غير مسبل إزاره؟ ثم إننا قد ابتلينا برجب من كبار السن يكون سترة دائماً وهو مصر على إسبال ثوبه، ويقول إن بطلان صلاة المسبل لم يكن في عهد الأئمة، ويقول بأن الإسبال محرم إذا قصد به الخيلاء فما ردكم عليه؟ (1/29)
صفحة 30
الفتوى صحيحة، وهي مما لا ينبغي أن يختلف فيه، لثبوت فساد صلاة المسبل بالأدلة التي لا ريب في صحتها، والذي يأخذ بقافية الإمام جميعاً إن فسدت صلاته فسدت صلاة صفه بلا خلاف، وإنما الخلاف فيما إذا شاركه أحد صحيح الصلاة في الأخذ بقافية الإمام ولو قليلاً، وسؤال ما هو ذنب الآخرين ممن هم في أطراف الصف من صنيع من يقف خلف الإمام؟ سؤال ساقط، فإن صحة الصلاة وفسادها مما يعود إلى خطاب الوضع لا إلى خطاب التكليف فلذلك لا يشترط فيها العمد، كالحدث الناقض للوضوء وإن لم يتعمده المحدث، أرأيت لو صلى أحد بنجاسة من حيث لا يدري، فإنه غير مسئول عن ذلك إن استمر على عدم درايته لسقوط خطاب التكليف عنه، إلا أنه لا يسقط عنه القضاء متى علم لفساد صلاته لأن فسادها من خطاب الوضع، فكذلك الشأن في هذه المسألة، ودعوى ذلك المصر الأهوج أن هذا القول لم يكن معهوداً في عهود الأئمة كذب بحت يدل على جهل قائله، وإصراره على الإخلاد إلى الباطل، فهذه آثارهم شاهدة على خلاف مدعاه، وكفى بسنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الفاصلة في ذلك، ودعوى أن حرمة الإسبال مقيدة بالخيلاء دعوى باطلة وقد أبّنا بطلانها في البحث الذي خصصناه لذلك كما أبّنا أن نفس الإسبال خيلاء فارجع إليه. والله أعلم.
الأوقات:
هل كراهة التنفل بعد صلاة العصر تنتهي بدخول وقت فريضة المغرب أم بعد الانتهاء من أداء فريضة المغرب؟
نص الحديث الثابت في النهي عن الصلاة بعد العصر (( لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس )) وهو كاف في الدلالة على أن النهي إنما ينتهي بالغروب. والله أعلم.
دخلت المسجد قبل أذان المغرب بحوالي نصف ساعة فهل أصلي ركعتي التحية أو لا؟
بما أن الشمس في ذلك الوقت تكون قد أذنت بالاصفرار فلا تركع ركعتي التحية، ويكفيك أن تأتي بالباقيات الصالحات قبل جلوسك. والله أعلم.
ما هو آخر وقت صلاة الفجر؟
آخر وقتها بداية ظهور شعاع الشمس. والله أعلم. (1/30)
صفحة 31
هل تجوز الصلاة على الميت في وقت استواء الشمس في كبد السماء؟
يجب تأخير الصلاة عن وقت الاستواء في الحر الشديد إلى وقت الزوال. والله أعلم.
رجل يدرس في دولة أوروبية، ولا يوجد مسجد في المنطقة التي يقيم فيها، ولا يوجد بها مسلمون يسألهم عن اتجاه القبلة وعن أوقات الصلوات فماذا يفعل؟
عليه أن يستعين على معرفة القبلة ببوصلة تحدد له جهة القبلة وهي موجودة ميسرة والحمد لله، وأما أوقات الصلوات فيستعين على معرفتها بالطلوع والغروب والزوال. والله أعلم.
هل يجوز تأخير صلاة العشاء إلى منتصف الليل أو إلى أكثر من ذلك؟
في جواز ذلك خلاف، وتركه أولى. والله أعلم.
هل يجوز التنفل بعد أذان الفجر أم لا؟ لأننا وجدنا عن السلف لا صلاة بعد أذان الفجر إلا السنة وركعتي الفرض؟
ليست العبرة بالأذان، وإنما العبرة بطلوع الفجر الصادق، فإن كان الأذان بعد ما طلع الفجر الصادق فلا صلاة قبل الفرض إلا سنة الفجر، وإن كان قبله فلا مانع من التنفل. والله أعلم.
من الأوقات التي لا تجوز فيها الصلاة وقت توسط الشمس في كبد السماء، متى يكون ذلك في الصيف أو الشتاء؟
ذلك في الحر الشديد دون الشتاء. والله أعلم.
الأذان والإقامة:
ما هو الصحيح في حكم الأذان والإقامة؟
الصحيح أنهما سنتان مؤكدتان، وسنة الأذان على الكفاية وكذلك الإقامة إن أقيمت الصلاة في جماعة فإنه يجزي أن يقيم واحد لها، وأما المنفرد فلا بد له من أن يقيم لنفسه، إلا إن دخل المسجد فوجد الجماعة قد صلت وصفوفهم لا تزال متراصة فقيل يكتفي بإقامتهم. والله أعلم.
ما الحكم فيمن ترك الإقامة للصلاة متعمداً؟
إن تعمد ذلك وهو منفرد فعليه إعادة صلاته، اللهم إلا إن وجد صفوف الجماعة التي صلت لم تنتقض فقد رخص له بأن يكتفي بإقامتها، وحكم الجماعة إن تركت الإقامة حكم المنفرد. والله أعلم.
ما الحكم فيمن نسي الإقامة حتى دخل في الصلاة؟ (1/31)
صفحة 32
لا حرج عليه إن نسيها، ويجزي على رأي بعض العلماء إن وجد صفوف الجماعة لم تنتقض أن يكتفي بإقامة الجماعة ولو تعمد ذلك. والله أعلم.
ما حكم تمديد الحروف عند الأذان إلى حد المبالغة، وهل في ذلك كراهة؟
روي عن أنس ـ رضي الله عنه ـ (( إن الأذان سهل سمح فليكن أذانك سهلاً سمحاً وإلا فلا تؤذن لنا ))، وهو يدل على أن الكراهة إنما هي مع الخروج عن حدود الاعتدال، أما تحسين الصوت من غير تكلف ولا خروج عن حدود السماحة فلا حرج فيه. والله أعلم.
رجل يؤذن في مسجد تقام فيه جميع الصلوات بما فيها صلاة الجمعة، ولكنه لا يتقن ألفاظ الأذان، فيقول مثلاً: أشهد أن محمد رسول الله، وللأسف لا أحد من جماعة المسجد ينتقده على ذلك رغم أن فيهم من هو ذو معرفة بعلوم الدين... وربما لو نصحه أحد لا يقبل منه ذلك فما حكم أذانه؟
هذا الرجل لا يصلح أن يكون مؤذناً، لأن الأذان شعار المسلمين وهو واجب في الجملة، سنة على كل أحد وحده، أي إذا أراد أحد من المسلمين الصلاة بنفسه فالأذان له على انفراد سنة. فيؤخر هذا الذي لا يحسن الأذان ويقام عنه من يحسنه. والله أعلم.
هل يجوز أن يؤذن لصلاة الفجر أذانين؟
ليس في الأذانين لصلاة الفجر ما يستنكر، فقد كان لصلاة الفجر في عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أذانان، وكان يقول لهم في رمضان (( إذا أذن بلال فكلوا فإنه يؤذن بليل وإذا أذن أبن أم مكتوم فكفوا )) وفي رواية فإنه رجل أعمى لا يؤذن حتى يقال له أصبحت أصبحت ))، هذا ولا يزال أصحابنا من أهل المغرب يلتزمون الأذان مرتين للفجر إلى يومنا هذا عملاً بالسنة، وهكذا في المسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف، وهذا كله يؤكد أنه ليس في تكرار الأذان للفجر ابتداع. والله أعلم.
ما قولكم فضيلة الشيخ في من أذن قبل دخول الوقت بساعة إلا ربع، فهل يكتفى بذلك الأذان عند دخول الوقت أم يرفع أذان ثان؟ (1/32)
صفحة 33
إن كان في البلد أذان آخر فلا حرج إن اكتفوا به، وإلا فلا بد من أذان بعد دخول الوقت. والله أعلم.
كيف يصلي من أدركته صلاة مكتوبة ولكنه لم يسمع الأذان؟
إذا كان في بلد يؤذن فيه فليس أذان إن أراد أن يصلي منفرداً، أما لو كان في صحراء أو بلد لا يؤذن فيه كبلاد الكفر ففي بعض الأقوال يلزمه أن يؤذن لنفسه، بناءً على أن الأذان فرض كفاية، وليس هناك من يقوم بهذا الواجب غيره. والله تعالى أعلم.
إذا أغمي على المؤذن أثناء الأذان، هل يكمل عنه الأذان؟
في هذه الحالة يعاد الأذان من أوله. والله أعلم.
هل يجوز للمؤذن أن يؤذن بدون وضوء ثم يتوضأ بعد الأذان؟
لا مانع من ذلك. والله أعلم.
ما حكم الأذان عند الخسوف والكسوف؟
هو بدعة، وإنما المشروع الصلاة، وأن يقال ( الصلاة جامعة ). والله أعلم.
لو أقام رجل للصلاة ثم تكلم بعد الإقامة!، فهل يؤثر ذلك على الإقامة بشيء؟
التكلم بعد الإقامة لا يؤثر على الصلاة ولا على الإقامة شيئاً. والله أعلم.
إذا تأخر المؤذن عن الأذان بربع ساعة أو أكثر، فهل يستخدم مكبر الصوت أو يؤذن بصوت منخفض؟
لا مانع من رفع الصوت بالأذان ولو تأخر أذانه عن أول الوقت. والله أعلم.
هل على المرأة أن تقيم الصلاة؟
الأذان والإقامة خاصان بالرجال دون النساء، فعلى المرأة أن تصلي وليس عليها أن تقيم للصلاة. والله أعلم.
جماعة مسافرون دخلوا مسجد لأداء الصلاة، وقد أقيمت الصلاة في ذلك المسجد فهل يلزم هؤلاء المسافرين أن يؤذنوا للصلاة أو يكتفوا بالأذان الأول؟
لا يلزمهم أذان آخر، وإن أذنوا فلا حرج عليهم. والله أعلم.
ما حكم الصلاة إذا كان المؤذن أو المقيم مسبلاً؟
لا يؤثر ذلك في الصلاة، وغيره أولى. والله أعلم.
فيمن يؤذن للصلاة وهو ابن عشر سنين فهل في ذلك حرج؟
بما أنه مميز فلا حرج في ذلك. والله أعلم.
هل يجوز أخذ الأجرة على الأذان وعلى الصلاة؟
هما عبادة، ولا أجرة على العبادة من قِبل الناس. والله أعلم. (1/33)
صفحة 34
هل يصح الأذان بالنعال إذا كان ذلك في صرح المسجد؟
لا حرج في ذلك. والله أعلم.
ما قولكم في مؤذن نقص من أذانه (( أشهد أن محمداً رسول الله )) وعندما نبهه الجماعة بعد الأذان أصر أنه لم ينقص شيئاً منه، بل حتى لو لم ينطق بذلك فأذانه تام على زعمه، أرجو أن تبينوا لنا الحق في هذا؟
على المؤذن أن لا يصر على موقفه إن أخطأ، فإن الرجوع إلى الحق فضيلة والإصرار على الباطل رذيلة، وإن أصر فإن لم يكن أحد في البلد أذن غيره فليعيدوا الأذان، وإلا اكتفوا بأذان من أذن أذاناً كاملاً في البلد. والله أعلم.
هل يجوز للمقيم أن يلتفت عن يمينه وشماله إذا قال (( حي على الصلاة، حي على الفلاح ))؟
نعم ذلك جائز، فإن حركته هذه إنما هي قبل الصلاة وليست داخلها فإن الدخول في الصلاة بالإحرام. والله أعلم.
عند إقامة الصلاة هل الأولى الاستمرار في التكابير بحيث تكون متتالية أم الأولى أن يفصل بين كل تكبيرتين؟
الاستمرار أولى. والله أعلم.
النية والتوجيه:
هل تجزئ في الصلاة نية واحدة؟ ومتى يؤتى بها قبل التوجيه أم بعده؟
ألفاظ النية غير واجبة مطلقا، إنما الواجب نفس النية وهي قصد القلب وإرادة وجه الله تعالى بالعمل، وإنما استحب بعض العلماء تأكيد ذلك باللفظ للاستحضار، ولم ترد بذلك سنة. والأولى عدم الفصل بين التوجيه والإحرام بمثل هذه الألفاظ. والله أعلم.
ما حكم التوجيه قبل الفرائض والسنن هل هو واجب أو سنة؟
التوجيه قبل الإحرام مما اتفق عليه عندنا، لحديث جاء من طريق عائشة رضي الله عنها، واختلف فيه هل هو واجب أو سنة مؤكدة أو نفل، ولا فرق فيه بين السنن والفرائض إلا من حيث تأكيده في الفرض. والله أعلم.
ما الدليل على أن التوجيه قبل تكبيرة الإحرام؟ (1/34)
صفحة 35
الدليل على أن التوجيه قبل الإحرام ما رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه والدار قطني والحاكم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا استفتح الصلاة قال (( سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ))، وروى الدار قطني مثله من رواية أنس. ورواه الخمسة من حديث أبي سعيد، وروى مسلم في صحيحه أن عمر رضي الله عنه كان يجهر بهذه الكلمات، وروى سعيد بن منصور عن أبي بكر أنه كان يستفتح بها، وروى مثله الدار قطني عن عثمان، وابن المنذر عن ابن مسعود ـ رضي الله عنهم ـ ومن حيث إن تحريم الصلاة التكبير حمل أصحابنا ـ رحمهم الله ـ هذه الروايات على ما قبل الإحرام، إذ لو كان التكبير سابقاً عليها لما صدق أن الاستفتاح بها. والله أعلم.
فضيلة الشيخ: مما تعلمناه وجرى به العمل عندنا أن نأتي أولاً بتوجيه نبينا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثم نأتي بتوجيه النبي إبراهيم ـ عليه السلام ـ فهل هذا هو الأفضل أو الأفضل أن نقدم توجيه النبي إبراهيم ـ عليه السلام ـ على توجيه نبينا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ أفتنا ولكم الأجر؟
التوجيه المشروع هو توجيه نبينا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ لثبوته في الأحاديث، وإنما يضم إليه توجيه أبينا إبراهيم ـ عليه السلام ـ استحباباً، ولا ضير إن تقدم أو تأخر. والله أعلم.
هل يجوز ترك التوجيه؟
التوجيه من سنن الصلاة التي لا يجوز تعمد تركها. والله أعلم.
فيمن أم جماعة للصلاة ونسي استحضار النية وتذكرها أثناء الصلاة، فماذا عليه؟
بما أنه تقدم ليؤم الناس فلا ريب أنه مستحضر لنية الإمامة وكفى. والله أعلم.
هل التوجيه للفريضة دون السنة أم فيهما معاً؟
بل فيهما معاً. والله أعلم.
هل يلزم التوجيه عند القيام للصلاة، وهل يجوز الدعاء في سجود الفريضة؟
التوجيه من السنة، ولا يجوز الدعاء في الفريضة في السجود. والله أعلم.
هل تكبيرة الإحرام قبل التوجيه أم بعده؟ (1/35)
صفحة 36
الإحرام بعد التوجيه إذ لا كلام بعد الإحرام إلا المأثور. والله أعلم.
ما قولكم في جواز التلفظ بنية الصلاة لأجل تأكيد نية القلب؟
لا يترتب على من فعل ذلك عقاب، بشرط أن لا يعتقد وجوبه، وأن لا يخطئ من لم يفعل كفعله، وأن يجعل النطق وسيلة للاستحضار بالقلب لا نفس النية. والله أعلم.
شخص يصلي بالناس ويقول بدلاً من (( الله أكبر )): (( الله اكبر )) والثانية (( الله وأكبر )) فما قولكم في ذلك؟
إن كان المراد في الأولى أنه يسقط الهمزة من لفظ الجلالة أو من أكبر فإن ذلك مع العمد مبطل للصلاة، ولا يعذر الجاهل في ترك تعلم الصواب، ومثله زيادة الواو بين لفظ الجلالة ولفظ أكبر، ولا يجوز تقديم إمام يرتكب هذا الغلط. والله أعلم.
الإستعاذة والقيام للصلاة:
هل تشرع الاستعاذة عند القراءة في صلوات السنن والنوافل، أو هي مشروعة عند القراءة في الفرائض فقط؟
ليست الاستعاذة مقصورة على صلاة الفريضة، كما أن القراءة في الصلاة ليست قاصرة على الفرض، والله تعالى يقول: { فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ[98] } ، فالآية تبين مشروعية الاستعاذة عند كل قراءة في صلاة أو غيرها. والله أعلم.
هل تجب الاستعاذة في كل ركعة من ركعات الصلاة؟
القول المتفق عليه في المذهب أن الاستعاذة إنما هي في الركعة الأولى من الصلاة، ولا استعاذة في سائر الركعات.
ما قولكم في رجل يصلي جالساً وسط الصف وهو يستطيع المشي لمسافة ثلاثة كيلومترات، فهل يجوز له ذلك؟
لا يصلي قاعداً إلا العاجز عن القيام، فإن القيام من أركان الصلاة لا يسقط إلا بالعجز عنه، ومن يمشي هذه المسافة غير عاجز عن القيام للصلاة، فلا تقبل منه صلاته قاعداً. والله أعلم.
فيمن عجز عن الكلام بسبب مرض مزمن فكيف تكون صلاته وصيامه؟ (1/36)
صفحة 37
عليه أن يُكيِّف الصلاة بقلبه، وأن يأتي بما قدر عليه من ركوعها وسجودها وقيامها وقعودها، وما عجز عنه فهو معفو عنه، ويلزمه الصيام ـ إن كان قادراً عليه ـ وإن كان غير قادر فليطعم عن كل يوم مسكيناً، هذا إن كان عقله سليماً وإن فقد العقل سقط عنه التكليف. والله أعلم.
القراءة:
هل يجوز التنكيس في قراءة القرآن في الصلاة... أي هل يجوز أن يقرأ المصلي ـ إماما كان أو منفرداً ـ في الركعة الأولى سورة من قصار السور ثم يقرأ في الركعة الثانية آيات من سورة البقرة كآية الكرسي أو أواخر السورة ثم يقرأ سورة الإخلاص، فهل هذه الطريقة صحيحة أو يجب عليه الترتيب كما ورد في المصحف؟
الأولى في قراءة الصلاة أن يلتزم فيها المصلي إماماً كان أو منفرداً الترتيب المصحفي، بحيث لا يقرأ في الركعة الأولى من أواخر القرآن ثم يقرأ في الثانية من أوله أو وسطه، وإنما قلت إن ذلك هو الأولى للخروج من الخلاف والعمل بالمجمع عليه، وإن كان جواز خلافه هو الأصح، ولأن في العمل بخلافه إحراجاً للمأمومين الذين يرون وجوب التزام الترتيب. والله أعلم.
ذكرتم سماحتكم بأن جواز التنكيس في قراءة القرآن في الصلاة هو الأصح فهلا تكرمتم علينا بتوضيح ذلك بالدليل؟
لقد أخرج الترمذي عن ـ أنس رضي الله عنه ـ قال: كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء، فكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به افتتح بـ: قل هو الله أحد حتى يفرغ منها، ثم يقرأ سورة أخرى معها، فكان يصنع ذلك في كل ركعة، فلما أتاهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أخبروه الخبر، فقال: ((وما يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة)) قال: إني أحبها. قال ((حبك إياها أدخلك الجنة)). قال الترمذي حسن صحيح غريب. وأخرجه البزار والبيهقي والطبراني. وأخرجه البخاري بمعناه تعليقاً. (1/37)
صفحة 38
وعن حذيفة قال: صليت مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذات ليلة فافتتح البقرة فقلت يركع عند المائة ثم مضى، فقلت يصلي بها في ركعة فمضى، فقلت يركع بها فمضى، ثم افتتح النساء فقراها، ثم افتتح آل عمران فقرأها مترسلا... الحديث. إذ لا يعقل أن يلتزم من كان يواظب على قراءة الإخلاص قراءة المعوذتين بعدها في كل مرة، وسورة آل عمران سابقة في الترتيب على سورة النساء، وقد قرأها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد النساء في نفس الركعة حسبما رواه حذيفة ـ رضي الله عنه. والله أعلم.
ما قول سماحتكم في قراءة آية السجدة في الصلاة هل يلزم السجود؟ ومتى يكون ذلك أثناء الصلاة أو بعدها؟
من قرأ آية السجدة في صلاته لزمه أن يسجد عند قراءتها على الصحيح، وهو رأي أصحابنا من أهل المشرق، كما نص عليه الإمام السالمي في معارجه وقطب الأئمة في شامله، وقد نص على وجوب السجود في الصلاة إمام المذهب أبو سعيد ـ رحمه الله ـ ومثله في منهج الطالبين وجامع ابن جعفر، وصحح هذا الرأي قطب الأئمة ـ رحمه الله ـ في الشامل، وعد ترك السجود مبطلاً للصلاة، وهو مبني على أن قراءة آيته تجعله حداً من حدود الصلاة، ويدل على صحة هذا القول ما رواه أبو داود الطيالسي أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قرأ في صلاة الفجر سورة السجدة فسجد وسجد الناس معه في الصلاة، والرواية من طريق ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ وذهب أكثر أصحابنا من أهل المغرب إلى التفرقة بين الفريضة وغيرها، فقالوا بالسجود في غير الفريضة أثناء الصلاة وفي الفريضة بعدها، والأول هو الصحيح لما علمت. هذا ولا معنى لما قيل من أن تعمد قراءة آية السجدة مكروه في المكتوبة، فإن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يدأب على قراءة سورتي السجدة والدهر في فريضة الصبح يوم الجمعة. والله أعلم.
هل هناك آيات من القرآن الكريم ورد فيها نهي عن قراءتها في الصلاة؟ (1/38)
صفحة 39
لا يمنع من قراءة شيء من القرآن في الصلاة، لعموم قوله تعالى { فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ } ، وهذا مما لا خلاف فيه. والله أعلم.
ما الدليل على عدم مشروعية قراءة شيء من القرآن بعد قراءة الفاتحة في صلاتي الظهر والعصر؟
دليل أصحابنا في عدم قراءة ما عدا الفاتحة في الظهرين حديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ الذي رواه ابن ماجه: أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يكن يقرأ فيها، ويعتضد ذلك بالقياس على سائر الركعات السرية التي لا يقرأ فيها إلا بفاتحة الكتاب، كما يؤيده أن السورة شرع لها الإنصات من قبل المأموم ويتعذر الإنصات لما يسر به. والله أعلم.
هل يجوز القراءة في الصلاة بالقراءات السبع؟
تجوز الصلاة بالقراءات السبع لشهرتها بل وبسائر العشر لصحة أسانيدها وموافقتها المصحف الإمام المجمع عليه. والله أعلم.
ما حكم الصلاة مع وجود لحن جلي أو خفي في القراءة؟
على المصلي أن يتجنب اللحن الجلي والخفي، وأن يتعلم النطق السليم بالحروف وأشكالها، وإذا أدى اللحن إلى فساد المعنى بطلت الصلاة ولو لم يتعمده المصلي. والله أعلم.
هل ترك كلمة أو آية أثناء القراءة في الصلاة والانتقال إلى آية أخرى يؤثر ذلك في صحة الصلاة؟
إن كان ذلك غير عمد وكان غير مخل بمعنى الآية أو الآيات فلا حرج عليه في صلاته. والله أعلم.
ما حكم قراءة البسملة قبل الفاتحة في الصلاة؟ وهل هي من القرآن وما الأدلة على ذلك؟
مذهبنا أن البسملة جزء من الفاتحة بل آية منها، ولابد من جهر الإمام بها، وهو مذهب الشافعية، وذهب إلى عدم الجهر بها الحنفية والحنابلة، ومذهب المالكية أو أكثرهم عدم مشروعية قراءتها، وقولنا هو الذي تؤيده الأدلة من السنة الثابتة كما يؤيده المصحف العثماني المجمع عليه. والله أعلم.
كيف تكون قراءة المأموم للفاتحة هل يسبق إمامه ثم يستمع أم عليه أن يتابعه؟ (1/39)
صفحة 40
يقرأ المأموم الفاتحة خلف الإمام من غير أن يسبق الإمام، وإنما يتابعه في القراءة. والله أعلم.
هل يجوز قراءة ((يهدنا)) بدلاً من ((اهدنا)) وهل يصح الائتمام بمن هذه قراءته؟
لا يجوز قراءة ((يهدنا)) بدلاً من ((اهدنا))، ومن أصر على هذه القراءة فصلاته باطلة، ولا يجوز الائتمام به. والله أعلم.
لقد أطلعنا على مسألة من كتاب قاموس الشريعة عن الشيخ ناصر بن أبي نبهان الخروصي ـ رحمه الله ـ ونود رأيكم فيها مع الدليل، وهي جواز إبدال حروف القرآن الكريم وقراءتها بالعكس على ما ذكر في المسألة أو على عدم الجواز؟
فكثير من الإخوة يتلون الفاتحة الشريفة على هذا الأسلوب، ويقولون هذه الطريقة تفتح الأقفال في حالة عدم وجود مفاتيح، ولها رياضة بهذه الطريقة أيضاً استناداً على هذه المسألة، وعلى ما ورد في ذلك من كتب الأسرار؟
تلاوة القرآن توقيفية لا مجال للرأي والنظر فيها، ولذلك لا يسوغ فيها التقديم والتأخير والزيادة والحذف، وعليه فإن عكس سورة من سوره ـ لا سيما أم الكتاب ـ لا أرى له وجهاً، فإن ذلك يخرج آيات الكتاب عن كونها بلسان عربي مبين ـ كما وصفه الله ـ إلى كلام ليس له معنى، وإن كان له معنى فهو لا يتفق مع معاني القرآن الكريم من قريب ولا بعيد، وهذا هو عين التحريف الذي عيب في الكتاب على أهل الكتاب فمالنا وله؟ على أنه ربما صادف ـ مع العكس ـ معنى باطلاً لا يليق بقدسية القرآن، الذي وصفه الله بقوله: { لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ... } ، وما استدل به الشيخ ابن أبي نبهان على الجواز لا دليل فيه: (1/40)
صفحة 41
أما أولاً: فقد وهم في القصة إذ نسب ذلك إلى النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ وإنما هذه قصة وقعت لعبد الله ابن رواحة ـ رضي الله عنه ـ عندما شاهدته امرأته يواقع إحدى جواريه فأنكر ذلك، فطالبته بقراءة القرآن، فتلا عليها أبيات ذكر فيها بعض ما جاء في الكتاب من وصف الله عز وجل بالمعنى، وقد أراد بذلك إيهامها أنه تلا قرآناً وما هو بقرآن، ولم يقصد قلب ألفاظ القرآن.
وأما ثانياً: فإن أبيات عبد الله بن رواحة ذات معنى هو حق في ذاته بخلاف تلاوة الفاتحة أو غيرها بعكس ترتيب حروفها.
وأما ثالثاً: فإنني أستبعد صحة هذه القصة نفسها لأمرين أولهما: أنه يبعد على امرأة عربية مسلمة في الرعيل الأول وقد طبعت على اللسان العربي أن لا تفرق بين الشعر والقرآن، وهل كان إيمانها بالإسلام إلا نتيجة إدراكها لمعجزة القرآن، ثانيهما: أنه لم يكن لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يقر عبد الله بن رواحة على الكذب، إذ جاء في قصته المروية أنه أنكر وطء الجارية، وأقره ـ صلى الله عليه وسلم ـ هذه الرواية بحاجة إلى مراجعة أسانيدها وتأمل مدلولها ولم أتفرغ لذلك الآن فاكتفيت بهذا القدر. والله أعلم.
نرجو أن تبسطوا لنا القول في مسألة قراءة ((مالك)) في قوله تعالى ((مالك يوم الدين)) وأي القراءتين أفضل بالألف أم بدونها؟ وما الدليل الذي اعتمد عليه صاحب كل قول؟ وما هو الراجح عندكم؟ (1/41)
صفحة 42
اعلم أن من اختار قراءة من القراءات السبع بها في الصلاة أو خارجها لم ينكر ذلك عليه، ولا يكون ذلك مخلاً بصلاته لشهرة هذه القراءات وصحة أسانيدها وتلقي الأمة لها بالقبول، إلا من شذ، ولم يكن خلافه مخلاً بما انعقد عليه الإجماع، وقد أفردت مؤلفات خاصة بهذه القراءات كما فعل ذلك الإمام الشاطبي في منظومته، وألحق جماعة من أهل العلم ـ من بينهم الإمام الجزري ـ بها بقية القراءات العشر، وعليه فما زاد على السبع من قراءات الثلاثة القراء الذين هم بقية العشرة المشهورين له نفس الحكم من جواز القراءة في الصلاة وغيرها، ومما لا خلاف فيه بين أهل العلم أن قراءتي ((ملك)) و((مالك)) في الفاتحة قراءتان سبعيتان متواترتان، فبالمد قرأ عاصم والكسائي من السبعة ويعقوب وخلف ـ في مختاره ـ من بقية العشرة، وقرأ سائرهم بعدمه، وعزا جماعة من المحدثين والمفسرين كل واحدة من القراءتين إلى عدد من الصحابة والتابعين، كما بينته في ((جواهر التفسير)) بتفصيل لا يحتمله المقام.
ولئن كانت القراءتان متواترتين فلا داعي إلى المفاضلة بينهما، لأن كل واحدة منهما حق لا يحتمل الباطل وصواب لا يشوبه الخطأ، لذلك عدلت عن الخوض في ترجيح إحدى القراءتين ـ وإن اقتحم لجة هذا الأمر جماعة من العلماء المحققين ـ وما أراهم إلا أنهم اعتنوا بما لا طائل تحته إلا الإطالة في البحث، ولا بأس بإيراد ملخص ما جاءوا به مع اختلافهم في ذلك إلى مذهبين: فريق ذهب إلى ترجيح قراءة ((ملك)) بدون ألف، ومن هؤلاء المبرد وأبو عبيد من علماء العربية، وطائفة من المفسرين كابن جرير الطبري والزمخشري والسيد الجرجاني والقرطبي وقطب الأئمة والإمام أبي نبهان والسيد محمد رشيد رضا، وفريق آخر ذهب إلى ترجيح قراءة ((مالك)) ومن هؤلاء أبو حاتم وابن العربي وابن عطية والشوكاني والإمام محمد عبده.
احتج الفريق الأول وهم المرجحون لقراءة ((ملك)) بدون ألف بما يلي: (1/42)
صفحة 43
1. ... إن قراءة ((ملك)) هي قراءة أهل الحرمين وهم أجدر بالإتباع، إذ هم أحرى أن يقرأوا القرآن غضا طريا كما نزل.
واعترض بأن قراءة أهل الحرمين لا تدل على الرجحان، لأنه لو سلم أن أوائلهم أعلم بالقرآن لم يسلم ذلك في عهد القراء المشهورين، ثم إنه لا فارق بين القراءة والرواية، مع أنه مما اتفق عليه المحدثون وغيرهم أن صحيح البخاري مقدم على موطأ مالك مع أن مالكا هو عالم المدينة، على أن كلتا القراءتين متواترتان كما سبق، وبعد التواتر المفيد للقطع لا يلتفت إلى أصول الرواة.
وقول بعضهم: لا يخفى أن أهل الحرمين قديماً وحديثاً أعلم بالقرآن والأحكام، غير مسلم، إذ لو كان كذلك لقدمت روايتهم على كل رواية، وكان رأيهم أولى بالاعتبار دون أي رأي، على أنه سبقت الإشارة بأن الروايات التي نقلها المحدثون وأثبتها المفسرون تفيد أن قراءة ((مالك)) هي قراءة كثير من أكابر الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ بل هي معزوة إلى العشرة السابقين منهم، وقد بسطت ذلك في جواهر التفسير.
2. ... إن قراءة ((ملك)) تعتضد بقوله تعالى ـ في وصف يوم الدين ـ { لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ } .
واعترض بأن ذلك يمنعه قوله سبحانه { يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا } ، وهو وصف لذلك اليوم نفسه، ونفي المالكية عن غيره يقتضي إثباتها له لأن السياق لبيان عظمته تعالى، ويعضده قوله إثره ((والأمر يومئذ لله)) إذ المقصود بالأمر واحد الأمور لا الأوامر.
3. ... إن قراءة ((ملك)) تنطبق مع قوله تعالى ((ملك الناس)) وهو في سورة الناس التي هي آخر القرآن ترتيباً.
واعترض بأن ما في سورة الناس يختلف عما في سورة الفاتحة، لأنه لو قرئ هنالك ((مالك الناس)) لتكرر معناه مع ما في ((رب الناس)) وأما هنا فلا تكرار لاختلاف المقام.
4. ... إن نفوذ الملك أعم من نفوذ المالك. (1/43)
صفحة 44
واعترض بأن ذلك غير مسلَّم، بل بينهما العموم الوجهي وذلك ظاهر في الملك الذي يشمل سلطانه مدينة فيها كثير من الناس والممتلكات ولكن لا مِلك ـ بالكسر ـ له فيها فهو ملك غير مالك بالنسبة إليها، وأصحاب المِلك ـ بالكسر ـ هم الذين يتصرفون فيما يملكون دونه.
5. ... إنه يلزم على قراءة ((مالك)) نوع تكرار لأنه بمعنى الرب.
واعترض بأن دعوى التكرار مدفوعة، لأن كل واحد من الوصفين أضيف إلى ما لم يضف إليه الأخر فاستقل كل منهما بفائدة، على أنها لو سلِّمت فهي لازمة على قراءة ((ملك)) بناء على ما ذكره الجوهري من تفسير الرب بالملك ومن شواهده قوله النابغة:
تخب إلى النعمان حتى تناله فدى لك من رب تليدي وطارفي
وقول الآخر:
وكنت امرأ أفضت إليك ربابتي وقبلك ربتني فضعت ربوب
6. ... إن الله سبحانه وصف ذاته بالملك ممتدحاً بذلك في قول ((مالك الملك)) والمِلك متصرف المُلك ـ بالضم ـ بخلاف المالك فأنه من المِلك ـ بالكسرـ واعترض بأن قوله تعالى: ((مالك الملك)) أدل على المالكية منه على الملكية، فإن إضافة مالك إلى الملك تدل على أن المالك أبلغ من المُلك لأن الملك ـ بالضم ـ هو مما اشتملت عليه مالكيته.
واحتج الفريق الثاني ـ وهم المرجحون لقراءة ((مالك)) بما يلي:
1. ... إن في قراءة ((مالك)) حرفاً زائداً، ولكل حرف في التلاوة عشر حسنات، فقد أخرج البخاري في تاريخه والترمذي والحاكم ـ وصححاه ـ عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: ((من قرأ حرفاً من كتاب الله فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها... )) وهو يفيد أن قراءة ((مالك)) أكثر ثواباً.
2. ... إن المالك أقوى تصرفاً في ملكه من الملك في ملكه؛ لأن الملك هو الذي يدير شئون رعيته العامة ولا تصرف له بشيء من شئونهم الخاصة، قال الإمام محمد عبده (وإنما تظهر هذه التفرقة في عبد مملوك في مملكة لها سلطان فلا ريب أن مالكه هو الذي يتولى جميع شئونه دون السلطان). (1/44)
صفحة 45
3. ... أن المِلك ملك للرعية والمالك مالك للعبيد، والعبد أدون حالاً من الرعية فوجب أن يكون القهر في المالكية أكثر منه في الملكية، فوجب أن يكون المالك أعلى حالاً من الملك.
4. ... أن الرعية بإمكانهم التخلص عن كونهم رعية ملِكهم باختيارهم أنفسهم وذلك بانتقالهم عن مملكته إلى مملكة أخرى وانتمائهم إلى جنسية سياسية غير جنسيتهم السابقة، وهو متعذر في المملوك فلا يمكنه إخراج نفسه أن يكون مملوكاً لمالكه، وهو يدل على أن القهر في المالكية أكثر منه في الملكية.
5. ... أن المملوك مطالب بخدمة المالك وليس له أن يستقل بأمره دونه، ولا يجب على الرعية خدمة الملك، وهو دليل على أن الانقياد والخضوع في المملوكين أبلغ منهما في الرعايا.
6. ... أن المالك له الحق في بيع مملوكه ورهنه بخلاف الملك، فلا يحق له بيع رعيته.
7. ... أن المالك يضاف إلى العاقل وغيره فيقال مالك الناس والدواب والشجر والأرض والمتاع، وأما المِلك فلا يضاف إلا إلى العقلاء كالناس، اللهم إلا أن يكون على طريق المجاز، وهو دليل بارز على أن المالكية أبلغ في السلطة وأقوى في النفوذ، فإن للعقلاء حرية في التصرف والاختيار ليست لغيرهم فضلا ً عما يفيده الشمول من عمق المعنى. (1/45)
صفحة 46
هذا ولا أظنك مع أقل نظرة وإمعان تخفى عليك قوة الوجوه التي رجحت بها قراءة ((مالك)) على الوجوه التي تقابلها، فقد شاهدت كيف أخذت تلك الوجوه التي رجحت بها قراءة ((ملك)) تتساقط أمام الاعتراضات التي وجهت إليها حتى لم يبق منها وجه سالم من الاعتراض، بينما ظلت هذه الوجوه شامخة الأنوف لم يحم حولها أي اعتراض، ومع ذلك كله فإني لا أجد داعياً إلى كل هذا البحث كما أسلفت من رأيي، إذ إن القراءتين متواترتان صحيحتان بالإجماع، وقد قرأ بكل واحدة منهما من قرأ بها من القراء المجمع على صحة قراءتهم وجواز الصلاة بها، على أن أي قارئ أخذ يقرأ بإحدى القراءات السبع أو العشر كان عليه أن يراعي جميع مفرداتها، وأن يحافظ على كيفية أدائها، ليكون قد وفاها حقوقها، فمن كان يقرأ بقراءة نافع مثلاً ـ كما هو المتبع عند أهل المغرب سواء اعتمد رواية ورش أم قالون ـ فمن حقه أن يقرأ ((ملك)) بدون مد، وهكذا لو قرأ بقراءة أبي عمرو أو ابن عامر أو حمزة أو ابن كثير، أما إن كان يقرأ بقراءة عاصم كما هو المتبع في بلاد المشرق ـ ومن بينها بلادنا عمان ـ فليقرأ ((مالك)) بالمد المتكون من حركتين حتى لا يشذ عن القراءة التي انتهجها، أما أن يقرأ بقراءة أحد القراء ثم يأخذ ينتقي بعض الحروف من القراءات الأخرى فهو مما لا يقر عند علماء المقارئ، فقد ذكروا فيمن أراد أن يقرأ بأكثر من قراءة ثلاثة أوجه:
أولها: أن يقرأ القرآن كله بإحدى القراءات مع مراعاة ما تستلزمه، فإذا فرغ بدأ في تلاوته بقراءة أخرى حتى يأتي على جميع القراءات السبع أو العشر أو ما أراده منها.
ثانيها: أن يقرأ السورة بقراءة أحد القراء، فإذا فرغ منها أعادها بما يريد القراءة به من القراءات وهكذا حتى يختم القرآن كله.
ثالثها: أن يكرر الآيات آية آيةَ كل آية يقرأها بكل ما يريد القراءة به من القراءات السبع أو العشر، وهكذا يصنع في جميع القرآن. (1/46)
صفحة 47
أما أن يخلط ما بين القراءات في التلاوة الواحدة، بحيث يقرأ هنا بقراءة عاصم مثلا ً ويقرأ هناك بقراءة الكسائي أو حمزة أو نافع أو ابي عمرو أو ابن عامر أو ابن كثير أو أبي جعفر أو خلف أو يعقوب فذلك مما لا يقر عند ذوي الاختصاص بعلوم القراءات، لأنه يؤدي إلى عدم انضباط التلاوة، بل يؤدي إلى أن تتعدد القراءات إلى أن تفوت الحصر، وبما أنك كسائر أهل عمان تتلو القرآن برواية حفص عن عاصم إتباعا لما في المصاحف المنتشرة بيننا أرشدتك إلى أن تلتزم ذلك في قراءة { ماَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ[4] } لئلا تشذ عن النهج المتبع عند القراء.
أما لو علمتك تتلو بقراءة نافع مثلا ً ـ كما هو الحال في بلاد المغرب ـ لنصحتك أن لا تقرأ إلا ((ملك)) بدون مد لتكون غير خارج عن قراءة نافع، ولكن أنى لك بقراءة نافع، وهي من حيث الأداء تختلف عما ألفناه، ففيها تفخيم اللام في نحو الصلاة، وضم ميم الجمع إن وليتها همزة كما في قوله تعالى: { يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ } ، وتشديد "ذال" يكذبون في قوله تعالى: { وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ[10] } بدلاً من التخفيف الذي نقرأ به، وضم سين سّد في قوله: { حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ } ، وكذلك قوله: { وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا } بدلاً من فتحها في قراءتنا، وكذلك قرأ ((فدية طعام مساكين)) بالجمع بدلاً من ((مسكين)) بالإفراد في قراءتنا وبتشديد الدال في ((عدلك)) من قوله تعالى: { الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ[7] } وقراءتنا بالتخفيف، وقرأ أيضاً نشرا ـ بالنون من الباء ـ في وقوله عز وجل: { وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ } ومثل هذا كثير. (1/47)
صفحة 48
هذا وقد أسفت أن وجدت أكثر أهل عمان فيما مضى لم يلتزموا قراءة قارئ معين في جميع القرآن، إذ كانوا يقرأون ((ملك يوم الدين)) بقصر الميم من ملك، مع أن تلاوتهم في سائر القرآن بقراءة عاصم المتبعة عند أهل المشرق، ومما يقرب من ذلك عدم التزامهم رواية حفص عن عاصم في موضع آخر وهو واو ((كفوا)) فإنهم يهمزونها فيقرأونها ((كفؤا)) ولا ريب أن في قراءتها ثلاثة أوجه: ضم الكاف والفاء مع الهمزة في آخره، وبه قرأ نافع وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر، إلا أن أبا جعفر سهل الهمزة وقرأها الباقون بالتحقيق مع اختلاف في الروايات عنهم أو عن بعضهم، وضم الكاف مع إسكان الفاء والهمزة، وهي قراءة حمزة ويعقوب، وبضمها مع إبدال الهمزة واوا وهي قراءة حفص عن عاصم. وبما أننا نلتزم في سائر القرآن رواية حفص عن شيخه عاصم بن أبي النجود لا ينبغي لنا العدول عن ذلك، هذا ما أردت بيانه، والله ولي التوفيق صلى الله عليه وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
فيمن شك في قراءة الفاتحة بعد ما جاوز موضعها فرجع إليها، وقرأها فهل تبطل صلاته؟
بعد أن تجاوز موضع العمل لا يرجع إليه من أجل الشك فيه، فمن جاوز موضع قراءة الفاتحة لا يجوز له أن يرجع إليها فيقرأها بسبب الشك فيها، فإن فعل ذلك بطلت صلاته، وإذا صلى فخرج من الصلاة ثم شك في شيء ولم يتيقن تركه فإن عليه أن يكتفي بتلك الصلاة، وليس عليه أن يعيدها. والله أعلم.
ما قولكم فيمن يقول بأن الإمام يحمل عن المأموم قراءة الفاتحة إذا أدركه في الركوع الأول؟
هو قول مرجوح، للأدلة الكثيرة الدالة على أن لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب في كل ركعة، وبهذا يتبين أن الراجح وجوب استدراكها على من فاتته وأن الإمام لا يحملها. والله أعلم.
ما حكم قراءة السورة بعد الفاتحة، وهل القراءة ركن من الصلاة وواجب الإتيان بها؟ (1/48)
صفحة 49
قراءة السورة أو ما تيسر من القرآن بعد الفاتحة الشريفة واجبة وليست بركن، إذ ليس كل واجب ركناً، ولذلك تجبر هذه القراءة إن نسيها بسجود السهو. أما الركن فلا يجبر بسجود السهو كالفاتحة مثلا، فمن نسيها أعاد الصلاة، وأما تعمد ترك الواجب فتبطل به الصلاة. والله أعلم.
فيمن أم الناس في صلاة المغرب، ولما قام للركعة الثانية قرأ الاستعاذة جهراً فهل تفسد صلاته بذلك وماذا عليه أن يفعل؟
إن كان ساهياً فليسجد لسهوه، وإن كان متعمداً فليعد صلاته. والله أعلم
..
ما قولكم فيمن أم قوماً فقرأ ((وفتحت السماء فكانت سراباً)) بدلا ً من ((أبوابا)) فهل يؤثر ذلك في صلاته وصلاتهم؟
لا يؤثر غلطه ذلك في صلاته شيئاً إن لم يتعمده، وكذلك صلاة المأمومين. والله أعلم.
ما قولكم في الإمام إذا أحدث وهو يقرأ السورة واستخلف أحداً من المأمومين فهل يقرا من حيث وصل الإمام الأول، أم يبدأ من أول السورة؟
يبدأ من حيث وصل الإمام. والله أعلم.
الركوع والسجود والتشهد والتسليم:
ما حكم من لم يقم الركوع والسجود في الصلاة؟
جاء في الحديث الشريف عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ((لا صلاة لمن لم يقم صلبه في ركوعه وسجوده)) وفي حديث المسيء صلاته أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يركع حتى يطمئن راكعاً، وأن يسجد حتى يطمئن ساجداً، وعليه فمن لا يتم ركوعه وسجوده بالطمأنينة فصلاته باطلة. والله أعلم.
هل تجوز الزيادة في الركوع والسجود؟
أما زيادة الركوع أو السجود في الصلاة عما شرع فلا، وأما زيادة التسبيح فيهما على الثلاث فلا مانع منه. والله أعلم.
إذا كان الإمام يطيل في الركوع والسجود، فهل يصح للمأموم أن يزيد في التسبيح عن ثلاث مرات؟
لا مانع من ذلك، وإنما الثلاث هي أقل ما يجزئ، كما يفيد حديث أخرجه النسائي وعليه العلامة نور الدين السالمي ـ رحمه الله ـ في جوهر النظام حيث قال:
أقل ما يجزي من التسبيح ثلاث مرات على الصحيح
والله أعلم. (1/49)
صفحة 50
ماذا تقول فيمن يصلي ويضع كفيه على نصف ساقيه عند ركوعه ـ أي تحت ركبته. وقد أمر أن يضع كفيه على ركبتيه، أتنتقض صلاته أم لا؟
إذا سوى ظهره معتدلاً فصلاته تامة. لعل له عذراً في عدم جعل يديه بركبتيه عند الركوع، فله عذره. والله أعلم.
عند القيام من الركوع هل يقال شيء بعد قول: (سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد)؟
نعم، يجوز بل يستحب أن يقال بعد ذلك: (حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه). والله أعلم.
هل يجوز للمصلي بعد قوله: (سمع الله لمن حمده) أن يقول: (ربنا ولك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك)؟
الأولى أن يقول: (ربنا ولك الحمد، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى)، حسبما جاء به الحديث. والله أعلم.
ما حكم السجود الذي يأتي به كثير من الناس عقب فريضتي الظهر والعشاء وعقب سنة الفجر، علماً بأنهم يزعمون أن هذا مما عهدوه عن علمائنا السابقين؟
السجود بعد الفريضة لم يثبت فيه سنة قوليه ولا فعليه عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلا في حالة السهو في الصلاة، وإنما روي عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ بغير إسناد متصل. وقد استحب جماعة من علمائنا السجود احتياطا عن السهو وشكراً لله تعالى على إتمام الصلاة. وذهب بعض علمائنا المتأخرين إلى ترك السجود مخافة أن يعتقده العوام من نفس الصلاة، وعلى هذا استقر العمل عندنا.
وقال سماحته في جواب آخر:
الرواية موقوفة على ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ ذكرها أبو غانم ـ رحمه الله تعالى ـ في المدونة بلا سند بلفظ ((من استطاع ألا يصلي صلاة إلا ويسجد بعدها سجدتين فليفعل)) وقول الصحابي إذا لم يرفعه إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يكون حجة إلا إذا أجمع الصحابة عليه. ولأجل ذلك كان عمل كثير من أصحابنا بالسجدتين على نية الشكر لله تعالى. والله أعلم. (1/50)
صفحة 51
ما قولكم في رجل قصد أحد الجوامع الكبيرة لتأدية فريضة من الفرائض، فوجد الجماعة يصلون، فدخل الجامع وهو مستقبل القبلة ووجه وأحرم واستعاذ وقرأ الفاتحة وهو يمشي ووصل صف الجماعة وهم يركعون، فركع حتى أتم صلاته، أصلاته تامة لأنه مشى لأجلها أم باطلة لأنه مشى بعد الإحرام؟
قد فعل ذلك أحد أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ((زادك الله حرصاً ولا تعد))، فالعودة إلى صنع ذلك مخالفة لنهي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فمن صنع ذلك فصلاته باطلة، وعليه أن يعيدها. والله أعلم.
ما هو الخشوع بالنسبة للصلاة؟ وكيف تكون القعدة الصحيحة للتشهد وفيما بين السجدتين؟
الخشوع روح الصلاة وحياتها، وهو تعظيم المقام واستحضار المقال، فهو في القلب وأثره في الجوارح. والقعدة الصحيحة في التشهد وفيما بين السجدتين هي اعتدال الظهر من غير ميل إلى الأمام أو الوراء. والله أعلم.
أيهما أفضل: التسليم بلفظ السلام عليكم أم بلفظ سلام عليكم؟
الأولى: السلام عليكم بالتعريف. والله أعلم.
هل يجزي التسبيح في الركوع والسجود مرة واحدة فقط؟
قيل يجزي مرة واحدة، والصحيح أن الثلاث هي أقل ما يجزي كما دل عليه الحديث. والله أعلم.
إلى كم يمكن أن يسبح المصلي في الركوع والسجود؟
يمكن أن يزيد حتى إلى أكثر من عشر مرات، والإتيان أولى، فإن الله وتر يحب الوتر. والله أعلم.
هل يصح أن يقال في الركوع ((سبحان ربي العظيم العلي الكبير وبحمده))، وأن يقال في السجود ((سبحان ربي الأعلى السميع العليم وبحمده))؟
ينبغي الاقتصار على المأثور. والله أعلم.
هل السجود على إصبع أو إصبعين من أصابع القدم يجزي في السجود؟
أقل ما يؤمر به السجود على ثلاثة أصابع من كل رجل. والله أعلم.
هل للمصلي أن يقتصر التشهد الأخير إلى ((عبده ورسوله)) أم عليه الإتمام؟
يجوز له إتمام التشهد، وإن اقتصر على الأول فلا حرج، لأن تلك الزيادة غير واجبة. والله أعلم. (1/51)
صفحة 52
ما هو الدعاء الذي يقال في التشهد الأخير من الصلاة؟
لا مانع من الدعاء بعد التشهد الأخير بأي شيء من خير الدنيا والآخرة ما لم يكن باطلا، وخير الدعاء ما أثر عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومن ذلك: ((اللهم أني أعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال))، وفي بعض الروايات زيادة ((ومن المأثم والمغرم)). والله أعلم.
هل يقرأ دعاء التشهد في الصلاة الأولى عند الجمع بين الصلاتين؟
ذلك جائز. والله أعلم.
هل يصح الاكتفاء بتسبيحة واحدة في الركوع والسجود للمأموم إذا كان الإمام يتعجل في صلاته؟
الاكتفاء بتسبيحة واحدة إنما هو رأي لبعض أهل العلم، والراجح خلافة لدلالة الحديث أن أقل ما يجزي ثلاث تسبيحات، فينبغي للمأموم أن يسبح ثلاثاً ولو مع الاستعجال. والله أعلم.
ماذا يقول المصلي بين السجدتين في صلاة الفريضة؟
لا يقول في الفرض شيئاً. والله أعلم.
هل يقول المصلي حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. بعد قيامه من الركوع؟
نعم، يقول ذلك لورود السنة به. والله أعلم.
ما حكم من لا يلامس أنفه الأرض في سجوده؟
في ذلك خلاف، والأصح فساد صلاته إن لم يلحق أنفه الأرض قط في سجوده. والله أعلم.
هل يسجد لسجدة العلق؟
فيها خلاف، وبعض علمائنا المحققين يرى سجودها. والله أعلم.
ما حكم صلاة من ينقر في سجوده وركوعه؟
النقر في الصلاة غير جائز وهو مبطل لها، وعلى الناقر أن يعيدها. والله أعلم.
ما قولكم فيمن يقول في التشهد: ((السلام على النبي)) بصيغة الغيبة؟
ذلك جائز، وهو رأي ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ وأخذ به أكثر أصحابنا ـ رحمهم الله تعالى. والله أعلم.
هل يجوز الدعاء في سجود الفرائض؟
يجوز ذلك في النوافل لا في الفرائض. والله أعلم.
من قرأ آية السجدة في الصلاة فمتى يسجدها؟
يسجد في أثناء صلاته إن قرأ آية السجود. والله أعلم.
هل يصح أن يسجد للتلاوة بالإيماء؟ (1/52)
صفحة 53
لا. إلا في حالة الضرورة. والله أعلم.
أحكام الإمامة وصلاة الجماعة:
يوجد كثير من الناس يتصدرون لإمامة الناس في صلاة الجماعة، ولكنهم يجهلون شروطها، فهل لفضيلتكم أن توضحوا لنا أهم الشروط التي ينبغي توفرها في إمام الجماعة؟
ينبغي أن يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله وأوسعهم فقهاً وأدقهم دراية، وأورعهم سلوكاً، لأن الإمام وفد القوم إلى ربه، فلا ينبغي لهم أن يختاروا لهذه المهمة إلا من كان أكفأ لها، ومما ينبغي ملاحظته اختيار الإمام الذي لا يأخذ أجراً على إمامته، لأن الإمامة قربة إلى الله، والقربات لا يقصد بها غير وجه الله، عكس ما انتشر في أوساط الناس في وقتنا هذا من الحرص على أخذ الأجور على الإمامة، ورفض الصلاة بالناس إن كانت بلا مقابل، ومع الإمكان يجب الاحتراز من الصلاة خلف هؤلا. والله أعلم.
ما القول ـ فضيلة الشيخ ـ في من طلب منه سكان قريته أن يكون إماماً لهم في صلاتهم، وليس عنده معرفة كافية لكي يؤمهم ولا معرفة بأدعية رمضان ولا بصلاة الميت ولا بنحو ذلك مما ينبغي عليه معرفته... فماذا يفعل؟
عليه أن يؤم المصلين إذا طلبوا منه بما معه من العلم، وليس له أن يعتذر لأن ترك الجماعة ترك لواجب من واجبات الإسلام. والله أعلم.
ما الحكم إذا جاءت جماعة إلى المسجد وليس فيهم من يحسن أن يكون إماما لهم فيقدمونه، هل لهم أن يصلوا فرادى أم يلزمهم أن يختاروا واحداً منهم ولو لم يحسن الإمامه؟
إن حضر جماعة من الناس وجب عليهم أن يقدموا أحدهم ليؤم بهم، وليس لهم أن يصلوا فرادى ولو كانوا جميعاً أميين، لأن إمامة الأمي جائزة ـ إن كانت بمثله، وصلاة الجماعة واجبة على الأعيان لا يصح تركها. والله أعلم.
ما قولكم في إمامة الفاسق وخاصة إذا كان المأمومون يعرفون عنه ارتكابه لشيء من الفواحش؟ (1/53)
صفحة 54
الفاسق ليس بأهل أن يؤم المسلمين في صلاتهم إذا وجد غيره، أما إن لم يوجد الغير فنقول هنا كما في الحديث: ((الصلاة جائزة خلف كل بار وفاجر)) ما لم يدخل فيها ما يفسدها. والله أعلم.
فضيلة الشيخ: ما حكم الصلاة خلف من لم يجهر بالبسملة؟
لقد اختلف الرواة عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في البسملة: هل كان يبسمل سراً أم جهراً؟ ولا ريب أن رواية الجهر تمتاز بالإثبات والمثبت مقدم على النافي، وقد أوضح رجحان رواية الجهر كل من قطب الأئمة من الهيميان والعلامة محمد رشيد رضا في (المنار) بما لا مزيد عليه. ولكن ذلك لا يعني أن المسألة تخرج عن كونها رأياً، لأن القائلين بالإسرار يتعلقون بأدلة أيضا، لذلك لا يعتبر الإسرار بالبسملة مانعاً من الصلاة خلف من يسر ما دام يلتزم الصلاة المشروعة بواجباتها ويتجنب إدخال النواقض فيها. والله أعلم.
وفي جواب على سؤال مماثل قال فضيلته: إذا كان مذهبه يقتضي ذلك فلا مانع من الصلاة خلفه، ومن كانت صلاته أتم وأكمل فهو أولى. والله أعلم.
ما قولكم فيمن صلى الفرض منفرداً، ثم جاءت جماعة فطلبوا منه أن يصلي بهم فأجابهم إلى ذلك واعتبر الصلاة الأولى نافلة فما حكم صلاتهم وما حكم فعله؟
صلاتهم صحيحة، وإن كان الأولى به أن يصلي معهم لا أن يصلي بهم. والله أعلم.
ورد في كتاب (مختصر البسيوي) أنه لا يصلي خلف العبد والأعمى ومن انتمى إلى غير عشيرته أو أدعى إلى غير مواليه فما قولكم في ذلك؟
هذه الآراء لم يتفق عليها، وعمل بخلاف ذلك، لعموم قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ((صلوا خلف كل بار وفاجر)). والله أعلم.
هل تصح إمامة البالغ عمره ثلاث عشرة سنة؟
نعم تصح إمامته، خصوصاً إن كان أقرأ القوم. والله أعلم.
هل تسقط الإقامة عن الإمام إذا أقام المؤذن بغير إذنه؟ وهل الإقامة واجبة أم أنها سنة؟ (1/54)
صفحة 55
إذا أقام المؤذن سقطت الإقامة عن الإمام والمأمومين إجماعاً، سواء كان ذلك بإذن الإمام أم لا، ولكن الإمام أملك بالإقامة، أي ينبغي للمؤذن أن ينتظر بها إذن الإمام، وفي حكم الإقامة خلاف، فمن العلماء من يرى وجوبه، ومنهم من يرى سنيتها، والراجح عند كثير من العلماء تأكيدها. والله أعلم.
إذا دخل المصلي المسجد ووجد أن صلاة الجماعة قد فاتته فصلى منفرداً وقبل أن ينتهي من صلاته قامت جماعة أخرى، فهل عليه أن يقطع صلاته ليصلي معهم أم يكملها؟ وإذا قامت الجماعة بعد انقضائه من الصلاة فهل يصلي معهم أم يكتفي بصلاته منفردا؟
نعم يقطع صلاته ويدخل مع الجماعة، لقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ((إذا أقيمت المكتوبة في جماعة فلا صلاة إلا المكتوبة)) أي المكتوبة التي أقيمت، وإن أقيمت المكتوبة في جماعة بعد ما صلاها فيؤمر أن يصليها مع الجماعة لقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم -: ((إذا جئت والناس يصلون فصل معهم وإن صليت في أهلك)). والله أعلم.
هل يجوز إقامة جماعتين مختلفتين كالمغرب والعشاء في مكان واحد في نفس الوقت؟
أما في مكان متقارب فلا يجوز إقامة جماعتين ولو اختلفت الصلاتان، وأما إن كان بينهما بعد فلا مانع من ذلك. لذلك أرى أن يبعد الذين يصلون المغرب بجماعتهم عن جماعة العشاء. والله أعلم.
أميّ لا يرضى إلا أن يكون في الصف الأول عند السترة، وهو جاهل بشروط الصلاة وأركانها وجميع هيئاتها فما يصنع به؟
الأولى أن يكون خلف الإمام أولاهم بالإمامة بعد الإمام، لقوله عليه الصلاة والسلام ـ ((ليليني ذوو الأحلام منكم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)) وغير ذلك خلاف الأولى، ولا يضير بالصلاة، وإنما ينبغي للعالم أن يعلم الجاهل واجباته في الصلاة وغيرها. والله أعلم.
فضيلة الشيخ: ما الحكم إذا كان الإمام يصلي بالناس جماعة فخرجت منه ريح فماذا يجب عليه أن يفعل؟ (1/55)
صفحة 56
اختلف العلماء في الحدث الذي لا تبني معه الصلاة ـ وهو ما عدا القيء والرعاف والخدش ـ فقيل لا يصح معه الاستخلاف وعلى المأمومين أن يستأنفوا صلاتهم كالإمام الذي أحدث، وهذا الذي عليه أصحابنا المغاربة ورجحه الإمام نور الدين السالمي ـ رحمه الله ـ في المعارج، وقيل لا تنتقض صلاة المأمومين بمثل هذا الحدث وإن انتقضت صلاة الإمام، وعليه أن يستخلف لهم، وعليه جمهور المشارقة. والله أعلم.
ما هي طريقة الاستخلاف في الصلاة؟
طريقة الاستخلاف الإمام أن يجبذ إليه من خلفه ليحل محله، فإن أبى فالذي يليه وهكذا، وعلى القول بجواز استخلاف المأمومين لأنفسهم إذا لم يستخلف الإمام فإنهم يدفعون من استخلفوه. والله أعلم.
هل يجوز أن يؤم المسافر بالمقيمين في الصلاة؟ وأيهما الأولى بالإمامة؟
لا مانع من ذلك، وإنما عليهم أن يتموا الركعتين الباقيتين خلفه فرادى، والرجل المقيم هو أولى بالإمامة، لأن حكم المسافر القصر. والله أعلم.
رجل صلى فرضاً من الفروض منفرداً، ثم دخل المسجد جماعة من الناس فأرادوا أن يصلي بهم إماماً فهل له ذلك؟
من صلى الفرض منفرداً ثم وجد جماعة فليصل معهم ولا يصلي بهم. والله أعلم.
ما قولكم في إمامة الأبرص هل فيها كراهة؟
لا كراهة في إمامة الأبرص. والله أعلم.
وقفنا على حديث: (أن صلاة الإمام مرتبطة بصلاة إمامه) فما معناه؟ وما دليل من أجاز صلاة المفترض خلف المتنفل، ومتى يكون ذلك؟ (1/56)
صفحة 57
ليس في ذلك حديث، وإنما هو قول طائفة من العلماء، وتدل عليه أشياء، منها عدم جواز تقدم المأموم إمامه، وحمل الإمام عنه بعض الواجبات، كقراءة ما زاد على الفاتحة، ووجوب إتمام المسافر خلف المقيم، وقول النبيىـ صلى الله عليه وسلم ـ ((إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا صلى قياماً فصلوا قياماً وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً))، حيث أسقط القيام وهو ركن متابعة للإمام، ومن أجاز صلاة المفترض خلف المتنفل فحجته حديث معاذ، والمانعون يرون الحديث خاصا لأجل تعليم الصلاة، ولا مانع من العكس. والله أعلم.
ما قولكم ـ فضيلة الشيخ ـ في رجل مسافر عين إماماً في مسجد ليصلي بالناس جماعة وفيهم المقيم والمسافر، فأخذ يصلي بهم الظهر والعصر جمعاً وقصراً وكذلك المغرب والعشاء، مما أدى إلى انقسام الجماعة فمنهم من يصلي معه ومنهم من يصلي كل صلاة في وقتها منفرداً أو مع إمام آخر؟
الأولى له إفراد كل صلاة في وقتها، وهذا الذي يتفق مع عمل الرسولـ صلى الله عليه وسلم، والمقيم يصلي خلفه ركعتين ثم يتم ما بقي من صلاته منفرداً. والله أعلم.
ما الحكم في رجل لا يصلي في جماعة، ويرى أن صلاته منفردا في هذا الزمن خير من الصلاة في جماعة لعموم الفساد وكثرة المنافقين، والذين لا يطمئن بالصلاة خلفهم فما حكم ظنه هذا؟ وهل تقبل صلاته منفرداً؟ (1/57)
صفحة 58
صلاة الجماعة فرض عين على القول الصحيح الذي تدل عليه أدلة الكتاب والسنة، فالله تعالى يقول: { وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ[43] } ، وقال سبحانه: { يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ[42] خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ[43] } ، فإن كثيرا من التابعين قالوا إن هذا الوعيد خاص في المتخلفين عن صلاة الجماعة من بعد الأمر، ونصوص السنة تدل كذلك على فرضية الجماعة على الأعيان: منها قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ((لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلا يؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار)) رواه الربيع والشيخان عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه، وتركه ـ صلى الله عليه وسلم ـ لتحريق بيوتهم بعدما هّم إشفاق منه على الأطفال والنساء الذين في البيوت، كما جاء في رواية أحمد بلفظ ((لولا ما في البيوت من النساء والذرية))، ومنها حديث ابن أم مكتوم عند مسلم وأحمد وأبي داود والشافعي وابن حبان، فقد جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وكان أعمى ـ فشكى إليه شسوع الدار، وعدم القائد، وكثرة الهوام والسباع في طريق المدينة، فقال له النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ((هل تسمع النداء؟ قال له: نعم، فقال له: ((أجب إذا فإني لا أجد لك رخصة))، وإذا كانت الرخصة لا توجد لمثل هذا، فأحرى ألا يكون للمبصرين الذين يتمتعون بوافر الصحة. وروى أحمد وابن حبان والحاكم وغيرهم بإسناد صحيح على شرط مسلم عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: ((من سمع النداء إلى الصلاة فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر)) قيل له: وما العذر يا رسول الله؟ قال: ((خوف أو مرض))، والأحاديث في هذا كثيرة وآثار السلف من الصحابة والتابعين أكثر من أن تحصى، منها ما (1/58)
صفحة 59
روى الجماعة إلا البخاري والترمذي عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: ((من سره أن يلقى الله غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات الخمس حيث ينادى بهن)) ـ يعني في الجماعات ـ ((فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى وإنها لمن سنن الهدى، ولو صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم ولو ضللتم لهلكتم، ولقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد رأيت الرجل يهادى بين الرجلين من المرض حتى يقيماه في الصف)).. ا هـ، وبالجملة فإن التهاون بصلاة الجماعة والإعراض عنها ليس من شيمة المؤمن، وإنما ذلك من درن المنافقين ـ والعياذ بالله، فهذا الرجل المعرض عنها بدعوى اختلاف حكمها باختلاف الزمن ليس من العلم والإيمان في شيء ليت شعري هل هذا أنزل عليه شرع جديد ناسخ لحكم وجوبها؟ وإنما عليه أن يتدارك نفسه بالتوبة إلى الله وملازمة صلاة الجماعة لأن لا يلقى الله بدون إيمان ولا عمل، وأسأل الله السلامة في الدارين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه. والله أعلم.
ما قولكم فضيلة الشيخ في رجل يترك صلاة الجماعة قبيل أو عند إقامتها ربما لشيء بينه وبين الإمام؟
فعله هذا غير جائز، فإن عليه أن لا يترك الجماعة لشيء بينه وبين الإمام، والدخول في الجماعة واجب، لقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ((إذا جئت والناس يصلون فصل معهم)). والله أعلم.
هل يجوز إقامة صلاة الجماعة في المساجد التي تقع على بعد خمسة كيلومترات عن المسجد الجامع؟
نعم، تباح الجماعة في المساجد الصغيرة إلا في يوم الجمعة، فعليهم أن يصلوا الجمعة حيث تقام إن كانت تقام في المسجد الجامع. والله أعلم. (1/59)
صفحة 60
روى النسائي وغيره أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ افتقد عليا في صلاة الصبح فدخل على فاطمة، فقال: ما شغل ابن عمك؟ فقالت؟ بات يصلي فلما طلع الفجر صلى واضطجع. فقال: لو صلى في الجماعة لكان أفضل. انتهى. قال الذين يرون أن صلاة الجماعة ليست بفرض على الأعيان: إن هذا الحديث يدل أن صلاته تامة حيث اعتد بها وأثبتها وفضل عليها صلاة الجماعة، قال محشي الإيضاح ولو كانت شرطاً أو ركناً لما صحت صلاة الفذ، ولم يكن فيها فضيلة، وقد ثبت الفضل، لأن أفعل التفضيل يدل على التفاضل، وكذلك قالوا في حديث محجن حيث أنكر عليه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أولا عندما لم يصل معهم، ثم لما أخبره بأنه قد صلى في أهله أثبت صلاته ولم يأمره بالإعادة، وكذلك لم يلزم عليا التوبة، ولو كانت صلاة الجماعة واجبة لألزمه. هذا كلامهم. فما الرد عليهم؟ أوضح لنا ذلك ولك الأجر والمثوبة من الله. وهل الأصح أنها شرط كما يقول الظاهرية أولا؟ (1/60)
صفحة 61
إنا وإن قلنا بوجوب صلاة الجماعة على الأعيان لا نقول إنها ركن من أركان الصلاة أو شرط من شروط صحتها، وإنما نرى الجماعة واجباً مستقلا، وهذا هو الذي ذهب إليه كل من قال بوجوبها، ما عدا الظاهرية القائلين بأن الجماعة شرط صحة الصلاة، ولم يوافقهم على ذلك أحد، فمن ترك الجماعة وصلى منفرداً أثم ولم تلزمه الإعادة، وليس في قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ((أفضل)) دليل على عدم الوجوب، فإن الصلاة نفسها ذات فضل ولكن تأديتها على وجهها المشروع أفضل، مثل ذلك مثل قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ((نية المؤمن خير من عمله)) مع أن العمل الخالي من النية غير متقبل عند الله، على أن صيغة التفضيل تأتي حتى فيما بين الخير والشر المحض ومن ذلك قوله تعالى: { أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا[24] } ، مع أن مستقر أصحاب النار ليس فيه شيء من الخير، ومقيلهم ليس فيه شيء من الحسن، ومنه قوله تعالى: { وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ } ، وقوله: { وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ } ، ولا خير في مشرك ولا مشركة، وليس في قصة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع علي ما يدل على إقراره على ترك الجماعة، بل في ضمن رده ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ على فاطمة إنكار لطيف لما صنع، على أن عليا ـ كرم الله وجهه ـ لم يعتمد ترك الجماعة وإنما ألجأه ما أصابه من إرهاق من قيامه الليل، وأما قصة محجن فغاية ما فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر عليه عدم صلاته مع الجماعة اعتدادا بصلاته في أهله ـ وليس فيها أنه أقره على صلاته منفردا مع سماعه النداء، وإذا كان عدم دخول المصلي في جماعة وجدها بعد صلاته مما ينكر ـ فما بالك بالتخلف عن الجماعة ممن لم يصل، على أنه من المحتمل أن يكون محجن أدى تلك الصلاة في أهله جماعة، ويستأنس لذلك بقوله: ((صليت في أهلي)) (1/61)
صفحة 62
كما يقول القائل: ((صليت في جماعة))، ومنه قوله تعالى: { وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ[219] } ، ومع هذه الاحتمال لا يبقى مجال للاعتماد على مثل هذه الحجة، فإن الدليل إذا طرقه الاحتمال سقط به الاستدلال، ولا نترك النصوص الصريحة في وجوب الجماعة على الأعيان لمثل هذه الاحتمالات الضعيفة. والله أعلم.
إذا انتقضت صلاة الجماعة لسبب من الأسباب. هل تعاد مرة أخرى جماعة أم تصلي فرادي؟
لا مانع من إعادتها جماعة، بل أرى ذلك واجباً مع الإمكان لوجوب صلاة الجماعة على الأعيان. والله أعلم.
إذا كانت جماعة قائمة تصلي فارتمى أحدهم على الأرض ميتاً، فهل يواصلون صلاتهم أم يخرجونه من الصف إلى خارج المسجد؟
يواصلون صلاتهم ما لم يقطع عليهم صلاتهم باعتراض الصف، فإن وقع معترضاً أعاد الصلاة الذين وقع بين أيديهم دون غيرهم. والله أعلم.
ما تقولون في الذين يصلون في بيوتهم القريبة من المسجد ويسمعون النداء؟
لا صلاة لهؤلاء، لقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ((من سمع النداء إلى الصلاة فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر)) قيل وما العذر يا رسول الله؟ قال ((مرض أو خوف))، وفي رواية ((لم يقبل الله منه الصلاة التي صلى)) أي في بيت. والله أعلم.
إن أتينا المسجد ووجدنا الجماعة الأولى قد انتهت فهل علينا أن نقيم للصلاة؟
عليكم أن تقيموا إلا إن كانت صفوف الجماعة الأولى لم تنفضّ، فلا عليكم إن اكتفيتم بإقامتهم. والله أعلم.
رجل دخل المسجد ووجد الصف مكتملا فماذا يفعل؟
يجر معه رجلاً من أحد الطرفين. والله أعلم.
إن أقام المؤذن للصلاة واكتمل الصف وصف الباقون في طرف الميمنة، فهل صلاتهم صحيحة؟ وهل يجب أن يبدأ الصف الثاني من الوسط؟
أمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بتوسيط الإمام في الصفوف، ولكن إن امتد الصف من الطرف إلى الوسط، فأرجو ألا يكون عليهم إعادة. والله أعلم. (1/62)
صفحة 63
إن كان جماعة يجمعون بين المغرب والعشاء في وقت العشاء، وأردت التنفل بالصلاة معهم، فهل أصلي ثلاثاً عندما يصلون المغرب أو أزيد عليها ركعة رابعة عملاً بحديث ((لا وتران في ليلة واحدة))؟
تصلي معهم كما يصلون على الصحيح، متابعة للإمام. والله أعلم.
ما قولكم فضيلة الشيخ في إمام أحدث في الصلاة فسمعناه وبعض المأمومين ولكنه واصل صلاته غير مبال بذلك فماذا علينا أن نفعل؟
إذا تيقنتم أن المحدث هو الإمام، فعليكم إعادة الصلاة التي أحدث فيها، وإذا أيقنتم أنه لا يبالي بالحدث في الصلاة فليس لكم أن تصلوا خلفه. والله أعلم.
هل يجوز أن ينوي المقيم صلاة سنة الظهر خلف الإمام المسافر وهو قائم ليصلي العصر قصراً وجمعاً مع الظهر؟
لا مانع أن يصلي المتسنن خلف المفترض، فلا مانع أن يصلي أحد سنة الظهر خلف من يصلي فرض العصر، أو سنة المغرب خلف من يصلي فرض العشاء. والله أعلم.
كيف يصلي المقيم فريضة الظهر مع جماعة مسافرين يصلون الظهر والعصر جمعاً وقصراً؟
لا مانع من صلاة المقيم خلف المسافر، على أن يصلي خلفه ركعتين ثم يتم الركعتين الأخريين بنفسه، وينبغي للمسافرين بعد فراغهم من الظهر إن أرادوا القيام للعصر أن ينتظروا بقيامهم لها فراغ المقيم من صلاة الظهر، ويتعين ذلك إن كان المقيم في وسط الصف. والله أعلم.
نلاحظ كثيراً من المصلين يصلون بجنب السواري بحيث تقطع صفوفهم فما حكم ذلك؟ وما حكم صلاة من صلى في صف هذا حاله من غير تعمد منه بل اضطرار؟ (1/63)
صفحة 64
هذه المشكلة تعود إلى جهل الناس بأمر دينهم وعبادة ربهم، فلو عبدوه بفقه في الدين وبصيرة من العلم لانحلت المشكلة، فإن الصلاة ما بين السواري منهي عنها في الحديث، وإنما يتوسع في ذلك عندما يضيق المسجد بالمصلين ولا يكادون يجدون متسعاً لأداء الصلاة، وذلك كما في الجمع والمناسبات التي يكتظ فيها المسجد بالمصلين، ولكن بما أن الناس لا يفقهون هذا لم يتقيدوا فيه بالقيد الذي ذكرناه، بل الأشد من ذلك أنهم كثيراً ما يتركون الصف حيث يمكن الإتصال ويصفون بين السواري، بل نجدهم يبتدئون الصف الأول فيما بين السواري ويتركون الفراغ، وبما أن الإنسان لو حاول تجنب هذا الأمر بنفسه لوقع في إشكال بسبب جهل سائر المصلين، نرى أن تطبق فيه قاعدة الأمر إذا ضاق اتسع وإذا اتسع ضاق. والله أعلم.
هل يجوز أن يصف الأطفال وسط الصفوف
، وخاصة عند بداية الصلاة؟
لا يمنع وقوف الأطفال المسلمين في وسط الصفوف، وإنما الأولى أن يكونوا في المؤخرة إتباعا للسنة. والله أعلم.
فضيلة الشيخ: إذا كان المسجد ضيقاً ولم يجد المصلون مكاناً يصطفون فيه إلا بين الأعمدة، فهل ترى لهم ذلك أم الأفضل أن يصطفوا عن يمين الإمام؟ وإذا كانت الصلاة تكره بين الأعمدة فما هي علة الكراهية؟
الأولى للمأمومين أن يصفوا خلف الإمام ـ ولو كانت الصفوف أو بعضها تتخللها السواري ـ وإن صف بعضهم عن يمين الإمام فلا مانع، غير أن وقوف الإمام يجب أن يكون متقدماً على موقف المأمومين، ولا ريب أن التقدم يتحقق باصطفاف المأمومين خلف الإمام أكثر مما لو كانوا على جنبه، وكراهية الصلاة بين السواري لئلا يتخلل صف المصلين قاطع. والله أعلم.
فيمن أتوا مسجدا فصلوا جماعة فيه قبل حضور الإمام الذي يصلي بالناس جماعة ثم أتى الإمام فهل يصح له الصلاة بمن معه من الجماعة؟ (1/64)
صفحة 65
لا مانع من تكرار الجماعة على الصحيح، وإنما منع من منع تكرار الجماعة في المساجد المعمورة مخافة أن يتساهل الناس في الإسراع إلى إجابة الداعي إلى الصلاة فيسبب ذلك تفرق الجماعة، وهذا ينافي الحكمة التي لأجلها شرعت الجماعة، أما إذا انتفت هذه العلة فإن المعلول يرتفع بارتفاعها، وعليه فإذا جاءت جماعة إلى المسجد ووجدوا المصلين قد صلوا وقد كانوا يريدون أن يصلوا معهم فلا مانع من أن يصلوا جماعة ثانية. والدليل على ذلك: أن رجلا ً جاء إلى المسجد في عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فوجد الناس صلوا فقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ (( هل من أحد يتصدق على هذا فيصلي معه )) وهو نص في الموضوع يجب ألا يتجاوز إلى غيره. والله أعلم.
ما الحكم في جماعة يصلون فرضاً من الفروض فتوفي إمامهم أثناء الصلاة؟
موت الإمام في أثناء الصلاة يقطع على المأمومين صلاتهم، وعليهم أن يستأنفوها من جديد لارتباط صلاتهم بصلاته على الصحيح. والله أعلم.
ما حكم الصلاة خلف الإمام الذي يسرع في صلاته؟
إذا كانت سرعته مخلة بالاطمئنان في الصلاة فلا تصح صلاته، ومن صلى خلفه أعاد. والله أعلم.
ما قولكم فيمن يصلي في الجماعة فأصيب بإغماء فسقط واعترض الصف فهل على المصلين إنقاذه أم يتركوه إلى نهاية الصلاة؟
إن أمكن إنقاذه فوراً فعليهم ذلك، واختلف هل يبنون على صلاتهم أو يستأنفوها؟ . والله أعلم.
ما قولكم في إمام مسجد يرى منه عدم الاستقامة ويمن بإمامته على الناس. فهل يصح أن يتقدم الناس ليصلي لهم وهل تصح الصلاة خلفه؟
أما هو فليس له أن يتقدم إماماً من غير أن تقدمه الجماعة، وأما أنتم فإن تقدم فصلوا خلفه لحديث: (( الصلاة جائزة خلف كل بر وفاجر )). والله أعلم.
ما قولكم في الصلاة خلف من يشرب السجائر إذا كان في المأمومين من هو أفضل منه؟ (1/65)
صفحة 66
عليهم أن يقدموا أبرهم وأتقاهم، وشرب السجائر من المحرمات، فلا ينبغي أن يُقدم من ابتلي بذلك، أما إن تقدم بنفسه فصل خلفه لعموم الحديث (( الصلاة جائزة خلف كل بر وفاجر )). والله أعلم.
ما قولكم في الإمام الذي يطيل القراءة في الصلاة مع وجود المريض وصاحب العمل وكبير السن؟
إن كانت الإطالة تؤدي إلى التنفير فهي ممنوعة. والله أعلم.
مسافر صلى المغرب ثم أم الناس في صلاة العشاء جمعا والمأمومون كلهم يصلون خلفه سنة المغرب، فهل تتم صلاته على ذلك؟
نعم، صلاته تامة ولو كانوا جميعا متسننين وهو وحده المفترض. والله أعلم.
فيمن يصلي بالجماعة بغير رضاهم مع أنه ينكر وجوبها، ولا يحضر سوى الصبح والعشاء، ومع ذلك فهو لا يحسن القراءة، فما حكم صلاته والصلاة خلفه؟
صلاته غير مقبولة ولا يصلى خلف. والله أعلم.
فيمن تعين إماماً لمسجد، فهل يجوز لغيره أن يؤم الناس ويؤذن من غير إذنه؟ وهل لمن يفعل ذلك ونصح أن يرد النصيحة؟
إن وجد الإمام الراتب في المسجد فليس لغيره أن يؤم إلا بإذنه، وكذلك حكم الأذان، ويجب على الكل قبول النصيحة. والله أعلم.
هل يجوز للإنسان الجاهل أن يؤم الناس في الصلاة؟ وإن كان لا يجوز فهل عليهم الإعادة إن ائتموا به؟
إن كان جهله يفضي به إلى الإخلال بالصلاة فلا يجوز له أن يؤمهم ولا يجوز لهم أن يأتموا به، وإن أمهم فليعيدوا صلاتهم. والله أعلم.
هل يجوز للصبي غير البالغ أن يؤذن ويقيم للصلاة ويصلي جماعة بالناس إن تعذر وجود الإمام؟
نعم، ذلك جائز على الراجح إن تأهل للصلاة. والله أعلم.
عتب أحد المصلين على الإمام أنه يفصل في تسليمة الصلاة بسكتة بين ( السلام عليكم ) وبين ( ورحمة الله ) فهل أصاب المعاتب الحق؟
ليس في ذلك حرج، والله أعلم.
إذا سلّم الإمام من ركعتين فسبح له من خلفه ولم يرجع، هل للمأمومين أن يتموا صلاتهم بأنفسهم، أو يتقدم أحدهم يتم بهم صلاتهم أم ليس لهم ذلك؟ (1/66)
صفحة 67
إذا نسي الإمام وسلّم من ركعتين وسبح له من خلفه فعليه أن يستقبل الركعتين الباقيتين ويصليهما، كما فعل الرسول ـ صلى الله عليه وسلم، أما إذا أتى بناقض بعد ذلك فإن صلاته تبطل، والخلاف في صلاة المأمومين.
ومثار الخلاف: هل صلاة المأموم مرتبطة بصلاة إمامه أم هي غير مرتبطة؟ وإذا تأملنا الأدلة وجدنا ما يدل على الارتباط فمن هذه الأدلة:
• ... أن المأموم ليس له أن يتقدم إمامه في شيء، فليس له أن يتقدمه في قراءة ولا في فعل ولا أي قول من الأقوال.
• ... أن الإمام يرفع بعض الأشياء عن المأموم في الصلاة لولاه لما ارتفعت عنه كقراءة السورة بعد فاتحة الكتاب.
• ... أن المأموم إذا كان مسافراً فإنه يصلي خلف المقيم أربعاً بالإجماع مع أن فرضه ركعتان فقط، وليس وجوب الأربع عليه خلف المقيم إلا لأجل وجوب متابعة الإمام، وهذه المتابعة تدل على ارتباط صلاته بصلاة إمامه.
• ... أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (( إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا صلى قائماً فصلوا قياماً، وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً )) وهو يدلنا دلالة ظاهرة على ارتباط صلاة المأموم بإمامه، وإلا لما سقط عن المأموم ركن من أركان الصلاة وهو القيام لأجل متابعته للإمام إذا كان الإمام معذوراً.
• ... وإذا كانت صلاة المأموم ترتبط بصلاة الإمام في هذه المواضع فإن نقض صلاة الإمام يفضي إلى انتقاض صلاة المأمومين على الصحيح، فليس لهم أن يستخلفوا لأنفسهم من يؤمهم، وليس لهم أن يتموا صلاتهم فرادى بل عليهم أن يعيدوا الصلاة من جديد. والله أعلم.
فيمن صلى بالناس إماماً، وبعد يوم تبين له أن الثوب الذي صلى به قد أصابه دم. فهل عليه فساد ومتى يقضيها، وهل عليه أن يخبر المأمومين بذلك؟ (1/67)
صفحة 68
إن كان الدم أقل من قدر ظفر فليست عليهم إعادة، وإن كان قدر ظفر فصاعدا فليعد وليخبر من وجده من المأمومين بذلك، ولا يكلف إخبار من لم يجده وقضاء الصلاة لا يتقيد بوقت فله أن يقضي صلاة الليل بالنهار وكذا العكس، اللهم إلا أنه ينهى عن القضاء في الأوقات التي لا تجوز فيها الصلاة، وهي عندما يطلع قرن من الشمس حتى تستكمل طلوعها، وعندما يغرب منها قرن حتى تستكمل غروبها، وعندما تقف في كبد السماء في الحر الشديد. والله أعلم.
أيهما أولى أن يقف وراء الإمام المسافر سترة، هل المسافر مثله أم المقيم الذي يصلي النافلة مع الإمام؟
إن كان المقيم متنفلا والمسافر مفترضا، فالمسافر أولى بقافية الإمام. والله أعلم.
هل تصح الصلاة برجل مسبل ثوبه؟
لا يضير الإمام فساد صلاة من خلفه، لكن فساد صلاته يضر بصلاة من خلفه، وعليه فإن أم مسبلاً فإن فساد الصلاة لا يتجاوز المأموم المسبل إلى الإمام غير المسبل. والله أعلم.
رجل يتأخر عن حضور الجماعة فيأتي حين يفرغ الإمام فيصلي بمن لم يدرك الإمام الأول. هل يجوز له ذلك؟
لا يجوز له ذلك، فإن الجماعة شرعت لجمع الكلمة وتأليف القلوب، وهذا العمل مناف لهذه الحكمة، وقد كان الواجب عليه أن يسعى إليها بعد النداء فوراً، فإن لم يسع فلا صلاة له. والله أعلم.
فيمن أتى المسجد لصلاة المغرب فوجد الجماعة قائمة، فبدلاً من أن يستدرك معهم أقام الصلاة هو ومن معه لوحدهم، قبل أن تنتهي الجماعة الأولى. فهل يصح لهم ذلك؟
لا تقام جماعتان في وقت واحد، وإن وقع ذلك فالثانية باطلة. والله أعلم.
فيمن أقام الجماعة قبل أن ينتهي الإمام الأول من الصلاة وهي صلاة المغرب. فهل على من صلى مع الإمام الأول وأراد جمع العشاء معها أن ينتظر انتهاء الجماعة الثانية، علماً بأنهم ـ كذلك ـ في سفر وقد شرعوا في فريضة العشاء؟ (1/68)
صفحة 69
بما أن الجماعة الأخيرة باطلة فلا مانع أن يصلي المسافرون الصلاة الثانية في جماعة قبل أن تنتهي الصلاة الأخيرة التي أقيمت على فساد من أول الأمر. والله أعلم.
جماعة دخلوا المسجد فصلوا الفريضة ثم بعد فترة قصيرة حضر جماعة المسجد فأقيمت صلاة الجماعة، فهل تبطل صلاة المصلين أولاً؟
لا تبطل صلاتهم بذلك، إلا إن كانوا قصدوا شق العصا فإن الطاعة لا تجامع المعصية. والله أعلم.
رجل دخل المسجد بعد صلاة الفجر أو العصر وقد أدى الفريضة فوجد الجماعة قائمة. فهل يصح له أن يدخل معهم؟
لا مانع من أن يصلي معهم بعد ما صلى الفجر أو العصر إن وجدهم يصلون، بدليل أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمر الرجلين اللذين حضرا صلاة الفجر في مسجد الخيف بعدما صليا في رحالهما بصلاتهما مع الجماعة. والله أعلم.
جماعة تفرقوا بسبب أمور دنيوية فصارت كل فرقة تصلي بنفسها بعد أن كانوا يصلون جماعة واحدة. فما الحكم في ذلك؟ وما حكم صلاة من صلى خلف إمام إحدى هذه الفرق؟
عليهم أن يقدموا الأصلح والأبر والأعرف بكتاب الله تلاوة وفقها، والأتبع لسنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عملاً وفهماً، فإذا اجتمعوا على ذلك زال الشقاق وردمت الفجوة وحصل الوئام ـ إن شاء الله ـ ومن شذ بعدئذ خرج عن الجماعة وكان من المتعنتين. والله أعلم.
في بعض الأوقات لا أقدر على متابعة الإمام في الصلاة، مما يضطرني أن أتأخر عنه بعض الشيء في الركوع والسجود فهل تبطل صلاتي بذلك؟
إن لم يكن بينك وبين الإمام حد في تأخرك عنه لم تبطل صلاتك. والله أعلم.
ما قولكم فيمن دخل الصلاة منفرداً فجاءت جماعة فأقاموا الصلاة، فهل عليه أن يقطع صلاته ويدخل معهم أم عليه أن يواصل منفرداً؟
نعم، يقطع صلاته ويدخل مع الجماعة، لقول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ (( إذا أقيمت المكتوبة في جماعة، فلا صلاة إلا المكتوبة )) أي المكتوبة التي أقيمت. والله أعلم. (1/69)
صفحة 70
فيمن سها عن قراءة الإمام في الصلاة فماذا عليه؟
إن كان المراد بالسهو عدم الاستحضار وكان ذلك بدون إرادة منه فليس عليه حرج، وإنما عليه أن يكابر خواطر النفس حسب استطاعته. والله أعلم.
فيمن أدرك الإمام في التشهد الأخير فدخل معه فهل عليه حرج؟
إن أدرك التشهد مع الإمام فلا حرج عليه. والله أعلم.
فيمن عليه قضاء صلاة فوجد جماعة تصلي نفس تلك الصلاة، فهل يصليها معهم أم يصليها منفرداً؟
لا مانع من أن يصلي القضاء في جماعة. والله أعلم.
إنني طالب في إحدى المدارس، ينتهي وقت الدراسة بعد الساعة الواحدة وتكون صلاة الظهر جماعة قد فاتت، فهل لي عذر أن أصلي منفردا؟
إن كنت تجد من يصلي معك من الطلبة فصل في جماعة، وإلا فأنت معذور. والله أعلم.
هل تجوز الصلاة خلف من ينتمي إلى غير عشيرته؟
هو آثم بانتمائه إلى غير عشيرته، ولكنه يدخل في عموم قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (( الصلاة جائزة خلف كل بر وفاجر ))، فلا مانع من الصلاة خلفه. والله أعلم.
يؤمنا رجل لا يجهر بالبسملة، وإني أجد كراهة من الصلاة خلفه، كون البسملة آية من القرآن فهل أصلي خلفه أم أصلي في مسجد آخر؟
لا مانع من الصلاة خلفه، فإنه متأول في إسراره بالبسملة، وإن تركت الصلاة خلفه وذهبت للصلاة وراء من يجهر بالبسملة فلا حرج، بل ذلك حسن. والله أعلم.
هل يجوز المرور أمام المصلي؟
لا، إلا من وراء السترة. والله أعلم.
هل من مسئولية الإمام أن يختار من يقف في السترة أن يكون غير مسبل، وهل يجب على الإمام أيضاً أن يتحرك من مكانه إن وقف في سترته رجل مسبل؟
ينبغي له أن ينبه على ذلك بالمرونة والحكمة، ولا يجب عليه تتبع أحوال الناس. والله أعلم.
رجل يؤم الناس وهو لا يجيد القراءة ويقلب معاني الآيات ولا يعلم من أحكام الصلاة شيئا، ويوجد في الجماعة شاب درس العلوم الشرعية، وقد طلب منه أن يأمهم للصلاة فامتنع بدون عذر، فهل يجوز له ذلك مع عدم وجود الأكفأ منه لهذا الأمر؟ (1/70)
صفحة 71
لا عذر له في ذلك، وعليه أن يؤم إن كان هو الأكفأ من الآخرين لقراءته وفقه وإن رفض فهو آثم. والله أعلم.
جماعة دخلت المسجد فوجدوا الجماعة قائمة، فشرعوا في إقامة صف آخر علماً أن الصف المتقدم لم يكن مكتملاً فهل تفسد صلاتهم؟
أخطأوا وخالفوا السنة، ولكن صلاتهم صحيحة إن لم يتعمدوا مخالفة السنة. والله أعلم.
ما حكم صلاة من يقف مائلاً عن الصف في صلاة الجماعة؟
إن كان ذلك لضرورة فلا حرج إذ يجوز في الاضطرار مالا يجوز في الاختيار، وإن كان لغير ضرورة فهو مبطل لصلاتهم. والله أعلم.
ما قولكم في وقوف الإمام داخل المحراب بسبب ضيق المسجد؟
بما أن ذلك لضرورة التوسع لكثرة المصلين في المسجد فلا مانع منه، أما مع السعة فالأولى أن يقف خارج المحراب في المسجد، ولا مانع من أن يكون سجوده داخل المحراب. والله أعلم.
فيمن أدرك الإمام بعد فراغه من الفاتحة، فهل عليه قضاء الفاتحة وحدها أم يقضي معها السورة؟
يستدرك الفاتحة التي فاتته وحدها. والله أعلم.
إذا سهى الإمام عن التشهد الأول فاعتدل قائماً فسبح له المأمومون، فهل يعود إلى التشهد أم يواصل صلاته؟
إن كان قد اعتدل في قيامه فلا يعود إلى الجلوس للتشهد، وإنما يجبره بسجود السهو. والله أعلم.
إذا صليت خاف إمام مقيم وأردت أن أجمع معها الصلاة الأخرى، فهل انتظر حتى يفرغ الإمام من دعائه أم أقوم مباشرة للصلاة بعد تسليم الإمام؟
في حال الجمع بين الصلاتين عليك أن تقوم إلى الثانية بعد التسليم من الأولى ولا تنتظر حتى يفرغ الإمام من دعائه وأذكاره. والله أعلم.
ما شروط الإمامة للصلاة؟
من شروط الإمامة الإسلام والعقل والبلوغ على قول، والذكورة والحرية، وقيل إن أذن السيد لمملوكه بالإمامة فله أن يؤم. والله أعلم. (1/71)
صفحة 72
رجل صلى بالناس فقام للركعة الثالثة قبل أن يقعد للتشهد سهواً منه، فسبح له الجماعة فرجع بعدما استوى قائماً، علماً أنه يأخذ بقول من يرى عدم الرجوع بعد الانتصاب فما حكم صلاته وصلاتهم؟
عليه وعليهم إعادة صلاتهم. والله أعلم.
ما قولكم فيمن يؤم الناس في الصلاة وهو كثير اللحن في القراءة، مما يؤدي إلى تغيير المعنى، وقد وجه إليه النصح ولكن بدون فائدة، فهل تصح الصلاة خلفه، وهل الأفضل للمرء أن يصلي منفرداً أم يصلي خلفه وهو على هذه الحالة؟
لا صلاة له ولا صلاة لمن صلى خلفه، فعلى الجماعة أن يقدموا غيره ليؤمهم وإن صلوا خلفه الفرض أعادوا، ولأن يصلي الإنسان منفرداً إن لم يجد جماعة غير هذه خير له من أن يصلي معهم الفرض. والله أعلم.
رجل صلى بالناس، وفي التشهد الأخير التفت إلى المأمومين بالدعاء من غير أن يسلم، فما حكم صلاة الجماعة في هذه الحالة؟
لعله نسي التسليم، وفي تركه نسياناً خلاف، وفي هذه الحالة على المأمومين أن يسلموا بأنفسهم، والله يتقبل منهم. والله أعلم.
ما قولكم في الإمام إذا حصر في القراءة فقرأ (( ردوها عليّ... الآية )) لأجل تنبيه الجماعة ليفتحوا عليه فهل عليه حرج في ذلك؟
إن فعل ذلك فلا حرج عليه. والله أعلم.
ما قولكم في الإمام إن قرأ سورة العصر { وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ[3] } فقدم وأخر فيها بغير عمد فهل تبطل صلاته؟
لا تبطل بذلك صلاته إن لم يتعمده. والله أعلم.
المصلي إن صلى في أحد الجوامع الكبيرة بحيث لا يرى فيها الإمام، فكيف تكون نيته هل يقول أصلي بصلاة الإمام. أم بلفظ آخر؟
يكفيه أن ينوي في قرارة نفسه أنه يصلي صلاة إمامه. والله أعلم.
ما قولكم في إمام مسجد يصر على مصافحة النساء ولا يمتنع عن ذلك، وقد نصحه كثير من الناس فلم يقبل النصح؟ (1/72)
صفحة 73
ذلك رجل مستهتر بالدين متلاعب به، وما كان ينبغي أن يقدم إماماً، وإن كانت الصلاة لا تحرم خلفه إن لم يدخل فيها ما يفسدها لعموم حديث (( الصلاة جائزة خلف كل بر وفاجر )). والله أعلم.
ما قولكم فيمن يؤم الناس ويسلم بهم تسليمتين؟
ليس في ذلك حرج، وقد قال به بعض أصحابنا. والله أعلم.
الإمام إن أخطأ في قراءة الفاتحة وصحح له في حينه، فهل يلزمه سجود السهو؟
ليس في ذلك سهو، لأنه لم يأت بتبديل في نفس صلاته. والله أعلم.
رجل يؤم الناس، وفي أثناء الصلاة فقد معرفته بالناس وحتى بأقاربه، فما حكم الصلاة التي صلوها خلفه؟
إن كان فاقداً لوعيه فلا يجوز الصلاة خلفه. والله أعلم.
هل يصح للإمام إذا التفت إلى المأمومين بعد الفراغ من الصلاة أن يقول لهم: صبحكم الله بالخير أو مساكم الله بالخير، أم الأفضل أن يقول: السلام عليكم؟
لا مانع من ذلك. والله أعلم.
رجل دخل مسجداً ونوى جمع المغرب والعشاء في وقت العشاء، فصلى المغرب في صرح المسجد ثم لما فرغ منها دخل أناس فأقاموا المغرب جماعة فدخل معهم، ثم بعد ذلك أدرك العشاء مع جماعة المسجد فهل عليه حرج فيما فعل؟
إن كان نوى بصلاته مرة ثانية فرض المغرب فصلاته صحيحة. والله أعلم.
ما قولكم في الصلاة خلف رجل يعترف على نفسه بالكذب وأنه يرى نفسه بين الناس كمقام النبي عيسى بين اليهود، وقد اعترف بأنه يرى الجماعة الذين يصلون خلفه بأنهم منافقون وليسوا بمؤمنين، وقد نصح هذا الرجل ليرتدع عن عما هو عليه فلم يقبل النصح؟
بئس الإمام ذلك الذي لا يراعي مأموميه ويتهمهم بالنفاق ويجعلهم كاليهود، فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، وعليه أن يتقي الله ويدع عنه هذه الأعمال، ويستبدل بها القول الطيب والعمل الصالح، ولا حرج في الصلاة خلفه على من شاء، عملاً بقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (( الصلاة جائزة خلف كل بر وفاجر )). والله أعلم. (1/73)
صفحة 74
ما قولكم في رجل إذا أقيمت الصلاة يبتعد عن شخص معين حتى لا يصف بجانبه فهل يصح له ذلك؟
إن كان ذلك لداع بحيث يتأذى منه فلا حرج عليه، وإن كان لغير سبب فالمسلم لا يبتعد من أخيه المسلم. والله أعلم.
رجل كبير في السن وبسبب عدم تمكنه من الاستواء في الصف يترك بينه وبين من يليه فرجه بمقدار شبر، فما حكم صلاة من يصف بعده؟
إن وجدت فرجه في الصف بهذا المقدار بطلت صلاة من رواءها في جهة الصف. والله أعلم.
نحن ندرس في إحدى الدول الأجنبية، ويتقدم للإمامة رجل مسبل، وقد ناقشنا هذا الموضوع معه ولكن دون فائدة، فهل ننقطع عن صلاة الجماعة أم نصلي معهم ونظل نعيد الصلوات مدة بقائنا هناك التي قد تطول إلى ثلاث سنوات؟
لا تنقطعوا عن صلاة الجماعة مهما كانت الأحوال، وإن لم يتبين لكم إسبال الإمام فلا إعادة عليكم، أما إن كان الإمام مصراً على الإسبال ولم يقبل النصح فلا بد من الإعادة. والله أعلم.
مسجد توجد به سارية تقطع الصف الثالث فهل يصح عند الصلاة أن يصف حولها، فقد وجدنا في فتوى لسماحتكم عدم صحة ذلك، وقد أخبرنا الناس بذلك، ولكن بعضهم أخذ يجادل ولم يقتنع علماً أن المسجد به متسع وليس ثمت ضرورة لذلك، فأرجو أن تبينوا لنا الجواب؟
إن كانت السارية وسط الصف بحيث تأخذ قافية الإمام فلا يجوز أن يصف حولها، لأنها تقطع الصف من الوسط ولا تكون له سترة، وإن كانت لا تقطع الصف من وسطه ولكن من جوانبه فالصلاة هناك مكروهة، إلا إن ضاق المسجد، أما أولئك الذين يجادلون في ذلك فجدالهم ينادي عليهم بحماقتهم وجهلهم بأمور الدين. والله المستعان.
إستدارك الصلاة:
كيف يفعل من أدرك الإمام في صلاته بعد تكبيرة الإحرام؟ ولو أدركه مثلاً في الركعة الثانية فكيف يتم صلاته؟ (1/74)
صفحة 75
إذا دخل المأموم على الإمام وقد سبقه الإمام بجزء من الصلاة فعلى المأموم أم يكبر تكبيرة الإحرام ثم يشرع في الصلاة، بادئاً حيث وصل الإمام، ويتابع الإمام في صلاته حتى تنتهي إلى السلام، فإذا سلم الإمام لم يسلم معه، وإنما يقوم بلا تكبيرة، فإذا استوى قائماً شرع ي قراءة الفاتحة والإتيان بكل ما فاته من الصلاة مع الإمام، فإذا انتهى إلى حيث أدرك الإمام جلس وسلم. فلو أدرك الإمام مثلاً في أول الركعة الثانية قام بعد تسليم الإمام بلا تكبيرة، فإذا استوى قائماً قرأ ثم ركع وسجد، فإذا انتهى من السجدة الثانية قام بتكبيرة، لأن هذا القيام من ضمن ما فاته من الإمام، ثم يقعد بلا تكبيرة ويسلم، فإذا فاته الإمام بركعة وقراءة من الركعة الثانية قام بعد تسليم الإمام وقرأ وركع وسجد، وقام وقرأ ثانية ثم يقعد ويسلم وهكذا. والله أعلم.
متى يستعيذ المستدرك لصلاة الإمام؟
اختلف ففي استعاذة المستدرك متى تكون؟ قيل عندما يقوم للاستدراك، وقيل عندما يشرع في القراءة وهذا أصح، لأنها شرعت للقراءة كما هو صريح قوله تعالى { فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ[98] } ، فإن أخرها إلى الاستدراك كان ما يقرؤه مع الإمام غير مسبوق بإستعاذة، وذهب قطب الأئمة ـ رحمه الله ـ إلى أن الإمام يحملها عن المستدرك. والله أعلم.
ما حكم صلاة المأموم إذا فاتته الفاتحة مع الإمام ولم يقرأها بل لم يقضها بعد تسليم الإمام، على أن هناك من يقول بأن الإمام يحمل عن المأموم قراءة الفاتحة؟
قراءة الفاتحة واجبه على الجميع، ولا يعذر منها مأموم ولا غيره ولا تصح بدونها صلاة. والله أعلم.
ماذا يقول المسلم عندما يدرك الصلاة مع الإمام وقد فاتته ركعة أو أكثر؟
ينوي أنه يصلي ما أدرك من صلاة الإمام ويقضي ما فاته، فإذا سلم الإمام قام المستدرك فصلى ما فاته إلى حيث أدرك الإمام. والله أعلم. (1/75)
صفحة 76
ماذا يقول المستدرك عندما يقوم لإكمال ما فاته من الصلاة، هل يكتفي بقراءة الفاتحة وسورة أو يعمل شيئاً آخر كالإقامة أو النية؟
يقضي ما سبقه به الإمام من قراءة، إن كانت الصلاة جهرية قرأ الحمد وسورة وإن كانت سرية قرأ الحمد وحدها، وأتى بجميع ما فاته كما سبق في الجواب السابق، أما الإقامة فلا تلزمه لأن إقامة المؤذن تكفي جميع المصلين. والله أعلم.
ماذا يفعل من أدرك الإمام في أول قراءته للسورة بعد الفاتحة؟
من أدرك الإمام في قراءة السورة فلينصت لقراءته، وليستدرك الفاتحة من بعد. والله أعلم.
ما قولكم في الذي يصليه المستدرك مع الإمام أهو أول صلاته وما يأتي به من بعد هو آخرها أم العكس؟ وهل عليه أن يقرأ السورة إن فاتته؟ (1/76)
صفحة 77
اختلف في الذي يصليه الداخل مع الإمام، هل هو أول صلاته وما يأتي به من بعد هو آخرها أو العكس؟ ذهب إلى الأول صاحب القواعد من أصحابنا وجمهور أصحاب المذاهب الأخرى، وإلى الثاني أكثر أصحابنا وبعض علماء غير مذهبنا، وقد تعلق كل واحد من الفريقين برواية، فالأولون يتعلقون برواية (( ما فاتكم فأتموا)) والآخرون برواية (( فاقضوا )) وكلتا الروايتين صحيحتان، وللإمام نور الدين السالمي ـ رضي الله عنه ـ بحث في الموضوع خلاصته أن لا دليل في الروايتين لكلا الفريقين، لأن القضاء في اللغة ليس محصوراً في الإتيان بالعمل بعد وقته استدراكا لما فات، وإنما ذلك اصطلاح طارئ لا تحمل عليه الآيات والأحاديث، ويدل لذلك قول الله تعالى { فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ } وقوله { فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ } فليس المراد بالقضاء في الآيتين استدراك الفائت، وإنما المراد به نفس ما يسمى في عرف الأصوليين والفقهاء بالأداء وإنما يكمن الدليل في قوله { مَا فَاتَكُمْ } ، فإن التعبير بالفوات دليل على أن ما يصليه الداخل مع الإمام هو آخر صلاته، وإذا تبين لك رجحان هذا القول لم يشكل عليك رد فروع المسألة إلى هذا الأصل، كوجوب قراءة السورة مع الفاتحة على من فاتته الركعتان الأوليان من الصلوات الجهرية عندما يقوم لاستدراكها. والله أعلم.
ما تقول فضيلة الشيخ: في رجل أدرك مع الإمام ركعتين في صلاة رباعية وقرأ معه التشهد الأخير إلى ( عبده ورسوله )، فهل إذا قضي ما فاته من الصلاة يلزمه أن يقرأ التشهد مرة أخرى من أوله أم من حيث وقف سابقاً، أم أنه يجلس ويسلم وليس عليه قراءة شيء؟
إذا أراد استدراك ما بقي من التشهد الأخير من الدعاء والصلاة والتسليم على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فذلك جائز، وإن سلم في جلوسه بعد الاستدراك فلا عليه شيء. واختار القطب ـ رحمه الله ـ أن يأتي المستدرك التشهد الأخير تماماً خلف الإمام. والله أعلم. (1/77)
صفحة 78
إذا أتى رجل على جماعة يصلون فوجد الإمام ومعه واحد عن يمينه، فهل له أن يصف بجنب الرجل الواقف عن يمين الإمام، أم يلزمه أن يجر المأموم إلى الخلف ليكونا صفاً وراء الإمام؟ وإذا جر المأموم ألا يؤثر ذلك نقضاً في صلاته ( أي صلاة المجرور )؟
عليه أن يجر المأموم إلى الخلف ولا يؤثر ذلك في بطلان صلاة المجرور. والله أعلم.
وأجاب سماحته على سؤال مشابه بما نصه: إن كانوا في المسجد فله أن يدفع الإمام إلى المحراب، وله أن يجذب المأموم نحوه. والله أعلم.
ما حكم صلاة من أدرك الصلاة مع الإمام في التشهد الأخير؟ وإذا انتقل المأموم من مكانه بعد أن سلم الإمام ليكمل صلاته فهل عليه شيء؟
دخوله على الإمام بعد أن صار في التشهد الأخير مختلف فيه، والراجح جوازه لعموم حديث (( ما أدركتم فصلوا ))، وأما انتقاله عن مكان صلاته بعد تسليم الإمام فهو مبطل لصلاته، وعليه أن يستأنفها من جديد بعد أن أبطلها. والله أعلم.
ما حكم من دخل المسجد ووجد الجماعة قائمة والصف الأول مكتملاً، هل له أن يدخل من بين المأمومين ليصف بجنب الإمام، أم يصلي بنفسه خلف الصف (منفرداً)، أم ينتظر حتى يأتي أحد يصف معه، أم ماذا يفعل؟
الأولى أن يجر أحد المأمومين حتى يصطف معه ويصليا جميعاً خلف الصف الأول، وإن أمكنه أن يتقدم حتى يحاذي الإمام بلا إيذاء لأحد من المأمومين فلا حرج عليه في ذلك. والله أعلم.
وفي إجابة لفضيلته على سؤال مشابه قال: عليه أن يجر أحد المصلين من طرف الصف ليصف معه، ولا يصف بنفسه. والله أعلم.
فضيلة الشيخ: ما تقول في من يدخل المسجد فيجد الجماعة قائمة فلا يدخل معهم بل يجلس حتى إذا كان الإمام في التشهد الأخير قام يصلي بنفسه؟ وإذا أذن المؤذن فهل يجوز لمن دخل المسجد أن يخرج لغرض دنيوي قبل أن يصلي مع الجماعة؟ (1/78)
صفحة 79
جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ (( إذا جئت والناس يصلون فصل معهم )) وهو يدل على عدم جواز التخلف عن الجماعة إذا أقيمت، لأن أمره ـ صلى الله عليه وسلم ـ كأمر الله للوجوب إلا إذا صرفته قرينة عن ذلك ( أي عن الوجوب )، وصح عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما يدل على وجوب استدراك الفائت من الصلاة على من دخل مع الإمام وقد فاته شيء منها وهو قوله (( ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا )) وفي رواية ((فأتموا ))، وهو كما يدل على وجوب الاستدراك يدل على وجوب الدخول، لذلك لا يصح لمن وجد جماعة تصلي أن ينتظر أو يخرج ليصلى بنفسه أو مع جماعة أخرى. وكذلك من دخل المسجد وقد أذن للصلاة ليس له أن يخرج قبل أن يصلي إلا لضرورة لا محيص عنها، أو كان يمكنه أن يعود فيصلي. والله أعلم.
وأجاب عنها أيضاً فضيلته بما نصه:
لا يعذر المسلم في عدم الالتحاق بالإمام في الصلاة إن سبقه، لقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ (( ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا )) وفي رواية أخرى (( فأتموا )) والأمر للوجوب ما لم تصرفه قرينة، ومن جهل ذلك فعليه، أن يتعلم على أن الاستدراك ليس له أحكام خاصة إلا ما دل عليه الحديث المذكور. والله أعلم.
إذا دخلت المسجد فوجدت الجماعة قائمة، فهل اقرأ التوجيه أولا أم أدخل بتكبيرة الإحرام مباشرة؟
اقرأ التوجيه ولو في حال مشيك، فإذا وصلت إلى الصف فكبر تكبيرة الإحرام وصل ما أدركت مع الإمام، فإذا سلم فقم لاستدراك ما فاتك بعد تكبيرة الإحرام مع الإمام. والله أعلم.
في الحديث: (( من أدرك الركوع فقد أدرك الصلاة ))، فهل يدل هذا على منع الاستدراك على من لم يدرك الركوع؟
له أن يستدرك إن أدرك الركوع، والخلاف فيما بعد ذلك، والراجح لجواز، لعموم حديث: (( ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا )) ولم يخصص هذا العموم مخصص. والله أعلم. (1/79)
صفحة 80
إذا أدرك المصلي الإمام في الركعتين الأخيرتين من صلاة العشاء، فهل يقضي الفاتحة في الركعتين الفائتتين وحدها أم الفاتحة مع السورة؟ وهل إذا قام للقضاء يقوم بتكبيرة؟ ومتى يقرأ التشهد؟
لا بد من استدراك الركعتين الأوليين اللتين سبق بهما الإمام في صلاة العشاء من قراءة الفاتحة وسورة، لأن السورة فاتت المستدرك أيضاً، ويقرأ التشهد عندما يجلس عند الإمام، وعندما يقوم إلى الاستدراك يقوم بلا تكبيرة. والله أعلم.
إذا أدرك المأموم الإمام ـ في صلاة المغرب مثلاً ـ وقد سبقه بركعة فكم مرة يقرأ التشهد في هذه الحالة؟
عند أكثر أصحابنا يقرأ التشهد مرتين، وعند غيرنا يقرأ مرة ثالثة قبل التسليم وبعد الاستدراك. والله أعلم.
فيمن أدرك الإمام في الركعتين الأخيرتين لصلاة الظهر وهو قاصد الجمع بين الظهر والعصر. فهل يكتفي بالركعتين اللتين صلاهما مع الإمام لصلاة الظهر ثم يقوم ليصلي ركعتي العصر أم عليه أن يتم صلاة الظهر أربع ركعات حسب صلاة الإمام؟
إذا صلى المسافر خلف المقيم وجب عليه الإتمام، سواء دخل معه من أول صلاته أو في أثنائها، ولو في الركعتين الأخيرتين، لأنه يجب عليه أن يأتم بإمامه فيصلي صلاته. والله أعلم.
استدركت مع الإمام صلاة المغرب، ولم أتمكن من قراءة الفاتحة وسورة، فماذا عليّ إذا لم أبدلهما؟
في هذه المسألة خلاف، قال بعض العلماء: إن الإمام يحمل عن المأموم القراءة إذا فاتته القراءة فقط ولم يفته غيرها، وقيل بل عليه أن يقضي ما فاته مع الإمام سواء كان ما فاته القراءة وحدها أو القراءة مع ما بعدها من الركوع والسجود، أو مع الركوع فحسب، بدليل قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ (( ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا )).
ومن العلماء من يرى أن الإمام إذا سبق المأموم بالقراءة فتلك الركعة بأصلها فائتة للمأموم وعليه أن يستدركها. والله أعلم. (1/80)
صفحة 81
عمن دخل على الإمام في الركعة الثانية، فمتى يأتي بالاستعاذة، وإن كان في المسألة خلاف فما الراجح عندكم؟
في ذلك خلاف والراجح أنه يأتي بها في أول قراءة يقرؤها مع الإمام، لأن الاستعاذة شرعت للقراءة، قال تعالى { فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ[98] } ، فلو أخر الاستعاذة كانت قراءته مع الإمام خالية منها، والقول الآخر أنه يؤخرها إلى القيام للاستدراك، ووجهه أن محلها الركعة الأولى وتلك هي الأولى، ولكن الراجح ما تقدم. والله أعلم.
في الشك والنسيان والبدل:
سماحة الشيخ: صلى جماعة فريضة الظهر، وبعد تسليم الإمام قال بعضهم: صلينا ثلاث ركعات فقط، وقال آخرون: بل صلينا أربعا، ثم اتفقوا على إعادة الصلاة، هل يلزمهم إعادتها بمجرد الشك؟
لا إعادة على الشاك في الصلاة بعد تمامها، وإن أراد الشاك الاحتياط فذلك خاص به دون غيره ممن لم يشك، لأن المصلي على يقين فلا يترك يقينه لشك غيره. والله أعلم.
سماحة الشيخ استدراكاً لسؤالنا السابق هل يعيدون الصلاة جماعة في الحال السابق أم يعيدونها فرادى؟ وما الحكم إذا خرج وقت الصلاة؟
لا مانع من إعادة الصلاة جماعة على الصحيح إن كان هنالك موجب للإعادة، وسواء كان ذلك في الوقت أو بعد الوقت، إذ لا دليل على المنع من إعادة الصلاة جماعة، وإن قاله بعض العلماء. والله أعلم.
رجل أم جماعة لصلاة العصر، وبعد انتهاء الصلاة اختلفت الجماعة فمنهم من يقول صلينا أربعا ومنهم من يقول صلينا خمسا، والذين قالوا خمساً سبحوا للإمام ولم يلتفت إليهم، بل استمر في صلاته حتى أتمها فما حكم صلاتهم؟
إذا كان الإمام أو غيره مطمئناً إلى أنه لم يزد في صلاته على أربع ركعات فلا يلتفت إلى تشكيك من أراد تشكيكه في صلاته، وكذلك إن شك نفسه في هذه الزيادة بعد خروجه من الصلاة فلا يلتفت إلى الشك. والله أعلم. (1/81)
صفحة 82
ما حكم من صلى فريضة العشاء وبعدها سنة الوتر، وأثناء تأديته الوتر داخله الشك هل سلم من فريضة العشاء أم أنه نسي التسليم، ولكنه مضى في صلاته. فهل يلزمه إعادتها؟
من شك في التسليم بعد مجاوزته محله فليس عليه شيء، وكذلك من جاوز أي حد من الحدود ليس عليه أن يرجع إليه. والله أعلم.
رجل أم جماعة لصلاة الفجر، ثم سافر عن بلده فوجد أن ثوبه كانت فيه نجاسة، ولم يرجع إلى بلده إلا بعد أسبوع، فماذا يفعل في صلاته وصلاتهم؟
يلزمه أن يبدل صلاته، لأن الصلاة بالثوب المتنجس لا تصح، وعليه أن يخبر الجماعة الذين صلوا خلفه إن أمكنه، فمن شاء منهم أبدل صلاته ومن شاء أخذ بالرخصة. والله تعالى أعلم.
ما الحكم إذا كان إنسان يصلي إحدى الصلوات الرباعية، وفي أثناء صلاته سهى ولم يدر كم صلى من الركعات، فأراد أن يبدل صلاته، هل يلزمه التسليم إذا أراد الخروج من هذه الصلاة؟
إذا نسي صلاته ولم يدر كم صلى فعليه أن يعيدها من جديد، وليس عليه أن يسلم لفساد صلاته. والله أعلم.
نسي رجل صلاة العصر ولم يتذكرها إلا في أثناء صلاته المغرب جماعة، فهل يلزمه أن يخرج عن صلاته مع الإمام ليقضي صلاة العصر، أم يتم صلاته وبعدها يقضي فريضة العصر؟ وإذا قضاها بعد المغرب هل يلزمه إعادة قضائها مرة أخرى في وقت العصر من اليوم التالي؟
الأرجح أن يتم فرض المغرب، فإذا فرغ صلى العصر التي نسيها، ولا إعادة عليه. والله أعلم.
ما حكم من نسي فرض الظهر ولم يتذكرها إلا والإمام يقيم لصلاة العصر فماذا يفعل؟
من نسي صلاة مفروضة ثم تذكرها مع حضور صلاة غيرها تقام في جماعة فعليه أن يصلي التي نسي في مكان لا ترتبط فيه صلاته بصلاة الإمام، ثم يستدرك مع الإمام الصلاة الحاضرة. والله أعلم.
رجل أصابته جنابة، ثم قام واغتسل وصلى الفجر، ثم نام في المسجد حتى طلوع الشمس، ولما استيقظ وجد شيئاً من الجناية في فخذه، وشك أنها متبقية من السابق فهل يعيد صلاته؟ (1/82)
صفحة 83
عليه أن يعيد صلاته، أما الغسل فالأولى أن يعيده احتياطا لئلا يكون المني خرج بعد الاغتسال.
رجل أصابت ثوبه نجاسة ولم ينتبه لها إلا بعد أن صلى بثوبه النجس خمس صلوات. فهل يلزمه أن يبدل تلك الصلوات؟ وإذا كان يلزمه أن يبدلها فهل يبدلها حين انتباهه أو يبدل كل صلاة في وقتها من اليوم التالي؟ وهل يبدأ بالصلاة الحاضرة أم بالبدل؟
عليه أن يبدل الصلوات الخمس جميعا على الترتيب حالما ينتبه، وإذا كان في وقت الحاضرة متسع فليبدأ بالفوائت كما فعل الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما حاصره المشركون، فقد قضى الظهر والعصر والمغرب في وقت العشاء. والله أعلم.
مرض رجل وكان في غيبوبة لمدة ثلاثة أيام، فماذا عليه بالنسبة للصلاة؟
عليه أن يقضيها إن فاق. والله أعلم.
ما الحكم في رجل ابتلاه الله بمرض، وبقي مدة شهر كامل لا يدري ما يحدث منه من حدث ولا ما يتكلم به، ولم يصل الصلوات الخمس، ثم عافاه الله من مرضه وعادت إليه صحته، فماذا يلزمه نظير ما فاته من الصلوات؟
اختلف العلماء في الإغماء هل سبيله سبيل الجنون أو هو مجرد مرض؟ فمن رآه جنونا لم ير على صاحبه قضاء الصلوات التي استغرق وقتها في الإغماء اللهم إلا إن أغمى عليه وقد دخل وقت صلاة، أو أفاق حال دخول الوقت فعليه في الحالين القضاء، ومن رآه مرضا ألزمه قضاء جميع الصلوات التي فاتت بسبب الإغماء، وهو أحوط وعليه الأكثر، ولا يلزم معها شيء من الكفارات أو الصيام، وإنما يكتفي بالقضاء فحسب، سواء كان قضاء صلاة عند كل صلاة أو جمعا لصلوات متعددة في القضاء. والله أعلم.
فضيلة الشيخ: لقد قدر الله عليَّ حادث سيارة فتكسرت أضلاعي ورقدت بالمستشفى مدة طويلة، وكنت أصلي كافة الصلوات، إلا أن البول كان يسترسل بصفة مستمرة، والآن والحمد لله شفيت من ذلك المرض، وأريد أن أوزع للفقراء أرزاً لكي أكفر عما ضاع مني من الصلوات، فهل هذا يكفي أم يلزمني إعادة تلك الصلوات؟ (1/83)
صفحة 84
لا تلزمك إعادة الصلوات ولا التكفير، لأنك لم تكن قادراً على أكثر مما فعلت، والله تعالى يقول { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } ويقول سبحانه { لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } ، ويقول { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا } ويقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (( إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم ))، وقد كان الصحابة يصلون وجروحهم تثعب دماً. هذا وإن أردت التصدق على الفقراء لجبر ما كان من تقصير لا يكاد يسلم منه إنسان على أي حال فحسن ذلك، والله يؤجرك عليه ويجزيك خيراً. والله أعلم.
شيخنا العلامة ـ حفظه الله تعالى ـ: وجدت في جامع الشيخ أبي محمد ـ رحمه الله ـ ص473 ما نصه: أجمع الناس على أن من صلى بصلاة إمام جاهلاً بحاله ثم تبين له أنه من أصناف المشركين أن عليه إعادة الصلاة وإن خرج الوقت، وقد وجدت في الأثر لبعض أصحابنا أن رجلاً صلى بقوم في بعض أسفارهم نحو سنة ثم تبين لهم أنه كان مشركاً، فأوجب الفقهاء عليهم الإعادة لما صلوا خلفه. إ هـ. وقد أشكل عليَّ فضيلة الشيخ إلزامهم بالبدل، فهم قد صلوا خلفه على حسب الظاهر، وهو الذي تعبدنا به الله سبحانه تعالى، ومن قواعد الشرع الشريف التيسير، ولما كان البدل فيه مشقة على الحائض عذرها الشارع، فلماذا لا يقال هنا بما قيل في مسألة الحائض؟ أرجو التوضيح من شيخي مع ذكر الدليل والله يؤجرك. (1/84)
صفحة 85
الصلاة خلف المشرك لا تنعقد، ولذلك ألزم الفقهاء من صلى خلف مشرك جاهلا بشركه قضاء صلاته واو استمر على ذلك مدة من الدهر، وهذا أمر واضح لا غبار عليه، أرأيت لو أن إنسانا صلى عاما كاملا بثوب متنجس جاهلاً بنجاسته ألا يلزمه قضاء تلك الصلاة؟ ولا تقاس هذه المسألة على مسألة الحائض، فإن ذمة الحائض غير مشغولة بالصلاة من أول الأمر، وذمة هذا المصلي لا تزال مشغولة لأن الصلاة التي أداها لم تكن على وجهها الشرعي، وإن خفي عليه ذلك ولم ينكشف له إلا من بعد، لذلك كان الراجح وجوب إعادة الصلاة التي صلاها خلف المشرك كاملة. والله أعلم.
رجل ترك الصلاة في مقتبل عمره عدة سنوات ـ لا يعرف عددها ـ فماذا يلزمه؟ وكيف يقضي الصلوات التي ضيعها؟
على من أضاع صلوات في شبابه أو مشيبه أن يتحرى مقدارها ويقضيها، وليحتط في هذا التحري، واختلف في الكفارة، وعلى القول بوجوبها فقيل هي خمس كفارات وقيل واحدة وقيل لكل صلاة كفارة. والله أعلم.
وأجاب أيضاً: أوسط الأقوال أن عليه أن يقضي ما أضاع، ولو قضى مع كل مكتوبة نظيرتها حتى يطمئن قلبه إلى أنه قضى كل الفوائت، وله أن يقضي عدداً من الصلوات في وقت واحد، سواء كان وقت صلاة أم لا، ما عدا الأوقات المنهي عن الصلاة فيها، وعليه مع ذلك خمس كفارات لما أضاع من الصلوات. والله أعلم.
• ... وفي فتوى مماثلة قال فضيلته: يلزمه أولاً التوبة ثم قضاء الصلوات التي يتحرى أنه أضاعها، وعليه مع ذلك خمس كفارات احتياطاً كل واحدة منها إما عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكيناً. والله أعلم.
إذا شك المصلي في تكبيرة القيام قهل يرجع إليها؟
إن كان قبل أن يتجاوز موضع التكبير فليكبر، وإلا فلا يرجع بسبب الشك، بل ولو تأكد النسيان فلا يرجع إلى السنن ـ ومنها تكابير الانتقال ـ بعد مجاوزته موضعها. والله أعلم.
نواقض الصلاة:
ما هي الأحوال التي يجب فيها إعادة الصلاة؟ (1/85)
صفحة 86
إن صلاها بغير طهارة في جسمه أو في ثوبه أو في المكان الذي صلى فيه، وذلك أن يصليها مثلاً بلا وضوء أو بغير اغتسال من الحدث الأكبر أو مع التلبس بنجاسة في جسمه يمكن التخلص منها، أو في ثوبه أو مكانه أو أتى بناقض، سواء كان فعلاً أو تركا فعليه في جميع ذلك إعادة الصلاة. والله أعلم.
هل تجوز الصلاة إذا كانت باتجاه قبلة المصلي صورة فوتوغرافية؟
إن لم يقصد المصلي تعظيم الصورة لم تبطل صلاته، وإلا فسدت، وترك ذلك أحوط على أي حال. والله أعلم.
ما حكم من يلبس سناً من الذهب؟
لبس الذهب حرام على الرجال، ولا تصح صلاة لابسه. والله أعلم.
هل تشبيك الأصابع في الصلاة يبطلها؟
كل عبث في الصلاة ينافي الخشوع فيها هو من مبطلاتها. والله أعلم.
هل يجوز الصلاة خلف العبد العاصي لسيده؟
إن كان لا يزال مملوكاً وهو عاص لسيده فلا صلاة له، ولا تجوز الصلاة خلفه. والله أعلم.
ما سبب جواز الصلاة خلف من يقول آمين في الصلاة، وعدم جوازها خلف من يقنت وكلا الحالتين فيها كلام الآدميين، والحديث يقول: (( صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين ))؟
لأن القنوت يطول به التكلم فيبقى المأموم في فراغ. والله أعلم.
ما قولكم فيمن صلى خلف إمام مسبل لم يعلم بإسباله إلا بعد الإنتهاء من الصلاة؟
إن كان لم يره قبل أن يدخل في الصلاة، ولم يعلم بإسباله حتى صلى فلا حرج عليه. والله أعلم.
هل تبطل الصلاة إذا ابتسم الإنسان في صلاته؟
قال كثير من العلماء: إن الابتسام ينقض الصلاة إذا كان أثناء الصلاة، ولكن ذهب بعض المحققين ومنهم القطب ـ رحمه الله ـ إلى أن الابتسام لا ينقض الصلاة لأن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ابتسم في صلاته، وعندما سئل عن سبب ابتسامه أجاب: بأنه تبسم له جبريل فابتسم له، ولهذا رأى القطب ـ رحمه الله ـ عدم نقض الصلاة بالابتسام فيها، بخلاف الضحك أو ما زاد على الضحك كالقهقهة مثلاً. (1/86)
صفحة 87
هل تصح الصلاة خلف من يكثر العبث بثيابه وبأصابعه ويرفع رأسه ويخفضه، وهل يدخل ذلك في عموم حديث: (( صلوا خلف كل بر وفاجر ))؟
هذه الأعمال ناقضة للصلاة، وعليه فلا يجوز الصلاة خلف من يأتي بها، لأن صلاة المأموم مرتبطة بصلاة إمامه، وأما جواز الصلاة خلف البر والفاجر فهو مشروط بأن لا يدخل فيها ما يفسدها. والله أعلم.
رجل صلى الظهر ثم ذهب إلى صلاة العصر فشاهد في ثوبه دماً يابساً، فغسل ثوبه وصلى الظهر ثم العصر فهل صلاته صحيحة؟
إذا غسل الدم فصلاته صحيحة تامة، ولكن اختلف العلماء في وجوب إعادته للصلوات الخمس إذا كان الدم يابساً، فمن قال بذلك فقد بنى رأيه على الاحتياط فحسب، وإلا فمن المحتمل أن ييبس الدم في الوقت الذي بين صلاة الظهر وبين صلاة العصر، ولذلك لا أرى عليه وجوباً أن يعيد إلا تلك الصلاة الواحدة التي تيقن أنه صلاها وقد كان الدم في ثوبه. والله أعلم.
رجل انتبه وهو في الصلاة بوجود دم في ثوبه فماذا يفعل؟
يخرج من صلاته ويغسل الدم ثم يستأنف صلاته، وإن أمكنه خلع الثوب الملوث بالدم في أثناء صلاته فقد أجيز له البناء عليها بعد خلعه له. والله أعلم.
ما العلة في فساد صلاة المصلين إن كان سترة الإمام مسبلاً؟
العلة في ذلك أن فراغ قافية الإمام من أحد المصلين يؤدي إلى بطلان الصلاة، فلو لم يكن وراءه إلا سارية مثلاً أو مجنون لا يميز أو من لا يصلي رأساً لما صحت صلاة المأمومين، وبما أن صلاة المسبل باطلة بنص الحديث فحكمه كحكم هؤلاء. والله أعلم.
ما حكم سرط النخامة في الصلاة؟
في ذلك خلاف، والأحوط إعادة الصلاة. والله أعلم.
هل كثرة التثاؤب في الصلاة يفسدها، وماذا عليه أن يفعل أثناء التثاؤب؟
إن كانت غالبة على الإنسان وهو لها كاره فلا حرج عليه في صلاته، وينبغي أن يضع يده على فمه أثناءها. والله أعلم. (1/87)
صفحة 88
نحن نعمل في جهة عسكرية، وقد تبين لنا أن بعض القطع المعدنية الموجودة في الملابس مطلية بالذهب، فهل تجوز الصلاة بهذه الملابس، وإن كانت لا تصح فما حكم صلاتنا؟
لا، إلا في حالة الضرورة التي لا مناص عنها، وما عليكم حرج في الصلوات التي صليتموها قبل أن تكتشفوا ذلك. والله أعلم.
رجل نسي في مخبئه قطعة خرقة وبها دم، فهل تبطل صلاته؟
أرجو أن لا تكون عليه إعادة إن لم يتعمد ذلك. والله أعلم.
ما حكم صلاة من أدرك صلاة الجماعة وهو في حالة سهو؟ وهل يلزمه أن يعيد صلاته؟
ليس للإنسان إلا ما عقل من صلاته، ومن صلى وهو غير حاضر القلب في كل صلاته فلا صلاة له، لأن صلاته فقدت روحها وهو الخشوع. والله أعلم.
ما قولكم فيمن يتلفت دائما في صلاته؟
الالتفات في الصلاة ناقض للصلاة، لأنه مخل بالخشوع فيها، فقد جاء في الحديث عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (( إياك والالتفات في الصلاة فإنه هلكة ))، وسألت عائشة ـ رضي الله عنها ـ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن الالتفات في الصلاة، فقال: (( هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد ))، وناهيك بهذا تحذيراً منه. والله أعلم.
إذا حدّث أحد مصلياً وهو في صلاته هل تنتقض صلاة المصلي أم لا؟
نعم، إن أصغى إليه، لا إن لم يصغ. والله أعلم.
إعادة الصلاة وقضاؤها:
هل تصح إعادة الصلاة المنتقضة في جماعة أم تعاد فرادى؟ (1/88)
صفحة 89
لا أجد مانعاً من إعادة الصلاة جماعة لو بطلت، وإن ذهبت طائفة من العلماء إلى خلاف ذلك، ففي بعض الآثار عن عمر ـ رضي الله عنه ـ أنه أعاد الصلاة جماعة في غير وقتها، كما صنع ذلك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في غزوة الخندق عندما صلى الظهر والعصر والمغرب في وقت العشاء جماعة، ولا أرى الذين ذهبوا إلى خلاف هذا الرأي إلا أنهم واقعون في التقليد من غير إمعان فيما بنوا عليه رأيهم، وذلك أنهم رأوا في الأثر عن بعض أهل العلم كراهة تكرار الجماعة في المسجد الواحد ولم يقصدوا بذلك إلا قطع دابر الفرقة بين الجماعات خشية أن يجد روادها سبيلاً إليها من خلال تعدد الجماعات، بحيث يعتمد بعضهم التأخر عن الصلاة في الجماعة الأولى من أجل إنشاء جماعة ثانية، وهكذا يتمزق الصف وتتشتت الكلمة وتفوت الحكمة التي من أجلها شرعت الجماعة، وهي وحدة الصف وراب الصدع وتأليف القلوب، ولا ريب أن رأيهم هذا مبني على أصل أصيل من الفقه وهو سد ذرائع الفساد، وهو أمر ملحوظ في مقاصد الشرع الحنيف، فلا غرو إن أخذ به أصحابنا وكثير من أصحاب المذاهب الأخرى، ولكن هذه العلة لا وجود لها فيما إذا أعادة الجماعة نفسها صلاتها من أجل فسادها في جماعة فإن الجماعة الأولى هي عين الثانية ولا محذور في هذا الأمر، فكيف يصلون مع ذلك فرادى والأحاديث عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ تحض على إقامة الصلوات في الجماعات وتدل على البون الشاسع بين صلاة الجماعة وصلاة المنفرد في الفضل، على أن الصحيح بأن صلاة الجماعة واجبة على الأعيان، لأدلة لا تقاوم وقد بسطتها في غير هذا الوضع، فكيف يسوغ مع ذلك أن يصلوا فرادى؟ هذا والذي أذهب إليه أنه لا مانع من تعدد الجماعات في المسجد الواحد، ولو لم يكن لإعادة الصلاة السابقة من الأمن من قصد تشتيت الجماعة، لما صح عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه رأي أحداً لم يدرك الجماعة فقال: (( هل من أحد يتصدق على هذا فيصلي معه ))، وكفى بذلك حجة، (1/89)
صفحة 90
وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل. والله أعلم.
استغرقت في النوم حتى فات وقت صلاة العصر، فاستيقظت وقت صلاة المغرب، فقدمتها وأخرت العصر بعدها، فهل أصبت في ذلك، وهل عليَّ إعادة صلاتها في اليوم التالي؟
لقد كان الأولى أن تصلي العصر ثم المغرب، ولكن بما أنك قدمت المغرب ثم صليت العصر فنسأل الله لك القبول، ولا داعي إلى صلاتها في اليوم التالي، وإنما تصلى بعد الاستيقاظ. والله أعلم.
ما قولكم فيمن ترك الصلاة لفترة وذلك بسبب مرضه، حيث أجريت له عملية جراحية في عضو من أعضاء الوضوء، مما يجعله يشعر بآلام شديدة إذا أراد الصلاة أو الوضوء، فهل عليه شيء؟
قد كان عليه أن يصلي على أي حال ولو مستلقياً، فإن لم يقدر على الوضوء تيمم، وإن لم يقدر عليها صلى بدونهما، وبما أنه لم يصل فعليه قضاء ما فوَّت من الصلوات مع التوبة إلى الله. والله أعلم.
امرأة أصابها مرض الشلل، وتركت الصلاة والصوم حتى توفيت، فكيف يقضى عنها الصوم والصلوات؟
قد كان عليها أن تصلي حسب استطاعتها ولو مضطجعة، وأما الصيام فعليها أن تطعم عن كل يوم منه مسكيناً، وبما أنها لم تطعم في حياتها فليطعم ورثتها عنها، أما الصلاة فقد فاتت ولا يصلي أحد عن أحد. والله أعلم.
ما قولكم فيمن أخر الصلاة حتى انتهى وقتها؟
عليه التوبة والقضاء، والخلاف في الكفارة، وعلى القول بوجوبها فهي عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكيناً. والله أعلم.
ما قولكم في قضاء ركعتي سنة الفجر، هل يجب على من فاتته قضاؤها، ومتى يجب ذلك؟
بما أن هذه السنة ليست في أصلها واجبة، وإنما هي مؤكدة فقضاؤها كذلك مؤكد وليس بواجب، ويجوز قضاؤها بعد الفرض وبعد طلوع الشمس. والله أعلم.
ما قولكم فيمن أجريت له عملية جراحية، فترك الصلاة بسبب عدم انقطاع الدم واستمرار البول، فلما عوفي قام بقضاء الصلوات التي تركها، فهل يلزمه شيء لتركه الصلاة في حالة مرضه؟ (1/90)
صفحة 91
عليه التوبة لتأخيره الصلوات عن أوقاتها، لأن الواجب عليه أن لا يفوت الوقت مع الإفاقة، ولو كان جرحه يتصبب دما وبوله مسترسلاً، وفي الكفارة خلاف، والأصح عدم وجوبها. والله أعلم.
ما قولكم في امرأة لم تصل في حياتها إلا وتجمع بين صلاتين، سواء كانت في الحضر أو في السفر. فماذا عليها؟
عليها أن تتم صلاة الحضر، وما صلته قصراً من فروض الحضر فعليه قضاؤها تماما. والله أعلم.
ما قولكم فيمن أخر صلاة إلى وقت صلاة أخرى بسبب بعض الأعمال. فهل يصلي الفائتة أولاً ثم يصلي الحاضرة، أم يصلي الحاضر أولاً؟
ليس له أن يفوت الصلاة من أجل أي عمل، بل عليه أن يصلي ولو في حال موافقة العدو في الجهاد، أو حال التداخل بالسلاح، كما شرحه الفقهاء، وكذلك إن تعذرت عليه الطهارة عليه أن يصلي كيفما أمكنه، وإذا لم يفعل ذلك فعليه القضاء والتوبة، ويبدأ بالفائتة قبل الحاضرة. والله أعلم.
فيمن سمع بالقول القائل بحرمة الإسبال، ولكنه لم يتأكد من صحته لعدم إطلاعه على الدليل، فلما تبين له ذلك ترك الإسبال، فهل يلزمه قضاء ما مضى من صلاته؟
إن كان تائباً توبة نصوحاً فالله يقبل منه، إن كان غير مصر على الإسبال مع قيام الحجة عليه بحكمه، والله واسع المغفرة. والله أعلم.
فيمن مضى عليه زمن وهو يصلي مسبلاً ثوبه جهلاً بحكم الإسبال، فهل يلزمه قضاء تلك الصلوات؟
إن لم يتعمد الإسبال فيما مضى ـ مع علمه بحكمه / فعليه التوبة إلى الله، وتأتي التوبة على معصيته ولا يجب عليه القضاء فيما فات. والله أعلم.
رجل أصيب بالشلل، ولم يقدر على أداء الصلاة مدة أربعة أشهر، والآن يرغب أن يكفر عن تلكم الصلوات التي لم يصلها، فماذا عليه؟ (1/91)
صفحة 92
الصلاة لا تعوض بكفارة ولا بغيرها، وإنما عليه أن يصلي على أي حال، ولو كان مستلقياً على فراشه، بل ولو لم يستطع أن يفعل شيئاً إلا أن يكبر لكل صلاة خمس تكبيرات فعليه ذلك، ولا يعذر منه، وبما أن هذا لم يفعل شيئاً من ذلك فعليه التوبة إلى الله وقضاء ما أضاع من الصلوات، والخلاف في الكفارة هل تجب عليه أو لا؟ وعلى القول بوجوبها قيل لكل صلاة كفارة، وقيل خمس كفارات، وقيل واحدة، وهي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً. والله أعلم.
السهو وأحكامه:
ما حكم سجود السهو وسجود التلاوة؟
حكم سجود السهو الوجوب، لفعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ له عندما سها، ومثل هذا الفعل منه ـ عليه الصلاة والسلام ـ محمول على الوجوب، لأنه بيان لفريضة أجملت في القرآن، وما كان بياناً لفرض فحكمه حكمه، ويتأكد ذلك بقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (( صلوا كما رأيتموني أصلي ))، وكذلك حكم سجود التلاوة لملازمة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ له، حتى في صلاة الفرض، كما أخرجه أبو داود الطيالسي عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قرأ في صلاة الفجر سورة السجدة فسجد في الصلاة وكفى بذلك دليلاً على وجوب سجود التلاوة، ويقويه أن الله عز وجل أنكر على من لا يسجدون بقوله: { وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ { س }()[21] } . والله أعلم.
متى تكون سجدة السهو هل قبل السلام أم بعده؟ وما قولكم في رجل صلى وخرج من صلاته بالتسليم، ثم تذكر أن صلاته لم تتم، فهل يقيم الصلاة مرة أخرى أم يتم ما بقى من صلاته، أم ماذا يفعل؟
في سجود السهو خلاف، قيل هو قبل السلام وقيل بعده، وقيل إن كان لنقص فقبل السلام وإن كان لزيادة فبعده وهو أحسن ما يجمع به بين الروايات المختلفة، ومن سها قبل أن يتم صلاته فسلم فليتم صلاته وليسجد لسهوه. والله أعلم. (1/92)
صفحة 93
إذا سها الإمام في الصلاة وسجد سجود السهو، هل يسجد المأموم الذي سبح للإمام مع أنه متأكد أنه غير ساه، أو يختلف عن الإمام في عدم لزوم سجود السهو؟
إن سجد الإمام للسهو قبل التسليم سجد المأمومون معه لارتباط صلاتهم بصلاته ووجوب متابعتهم له، وإن سجد بعد الصلاة لم يكن عليهم سجود، وإنما ذلك جائز لهم إن أرادوا. والله أعلم.
ما حكم سجود السهو لمن صلى الظهر والعصر جمعا، فوقع منه السهو في كلتا الصلاتين؟
اختلف في الذي يجمع الصلاتين هل يسجد لكل واحدة منهما للسهو إن سها فيهما، وذلك أن يسجد للأولى بعد التسليم إن سها فيها، وكذلك يفعل في الثانية، أو يسجد لهما جميعاً بعد الثانية، والأول أصح. والله أعلم.
زدت في الصلاة السرية سورة مع الفاتحة سهواً، فتذكرت وأنا في منتصف القراءة فماذا أفعل؟
اقطع القراءة واركع، وبعد فراغك اسجد لسهوك. والله أعلم.
فيمن أم جماعة في صلاة المغرب فسها عن القراءة بعد الفاتحة فركع، فلما سبحوا له رجع إلى القراءة وأكمل صلاته، فلما انتهى قال له أحد المأمومين بأنه أفسد صلاته بسبب إعادة ركناً مرتين، فهل ترى ـ سماحتكم ـ في صلاته بطلاناً؟
من ترك قراءة ما زاد على الفاتحة في ركعة جهرية نسياناً فنبه أو أنتبه بعد ما خر راكعاً، ففي عودته إلى القراءة خلاف، والصحيح أنها تجبر بسجود السهو، لأنها ـ وإن لم يسع بحال تعمد تركها ـ لا ترقى إلى حد الركنية، فإذا انتقل عنها إلى الركوع نسياناً لم يكن له أن يرجع إليها ـ كما هو الشأن في الأركان ـ، أما لو وقع في ذلك من لا يتمكن من ترجيح قول على قول فرجع إليها فقد أخذ برأي من آراء علماء الأمة، فلا ينبغي أن يلزم إعادة الصلاة، اللهم إلا أن يكون ذلك من الاحتياط في الدين، والحرص على الخروج من عهدة الخلاف، وهو من الورع الذي على العالم أن لا يحمل الناس بفتواه عليه. والله أعلم.
ما قولكم في الإمام إذا أخطأ في القراءة، فهل يلزمه سجود السهو؟ (1/93)
صفحة 94
إن كان مجرد خطأ في القراءة لسهو فيها، من غير سهو عن شيء من أعمال الصلاة فليس عليه أن يسجد لسهوه. والله أعلم.
فيمن أستدرك مع الإمام بعد الفاتحة، فهل يلزمه سجود السهو بعد القضاء؟
إن لم يسه فلا سجود عليه. والله أعلم.
فيمن سلم من ركعتين في صلاة الظهر، وتذكر بعد أن سجد سجدتين بعد التسليم، هل يستأنف الصلاة أم يبني على ما مضى؟
أما من سلم ولم يسجد سجدتين فله أن يقوم ويبني على صلاته، والدليل على ذلك حديث ذي اليدين فإن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ سلم من ركعتين فقيل له: يا رسول الله: أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال عليه أفضل الصلاة والسلام: (( كل ذلك لم يكن )) فقال له ذو اليدين: بل كان رسول الله، فقال عليه أفضل الصلاة والسلام ـ: (( أكما يقول ذو اليدين )) قيل له: نعم، فاستقبل القبلة ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأتم الصلاة. ولقد تحدث الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في أثناء الصلاة لأجل العذر ولأجل الاستطلاع على ما يقوله ذو اليدين، وذهب أصحابنا في هذه المسألة إلى أن حديثه ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان في الوقت الذي لم يحرم فيه الكلام في الصلاة بعد، وأما الحديث بعد أن حرم الكلام في الصلاة وبعد أن جاء عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قوله: (( إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين )) فهو حديث ناقض للصلاة، ويجب أن يستأنف من جديد.
وأما السجدتان فهما ليستا من الصلاة، ولذلك فإن إتيانهما عمل خارج عن الصلاة، وتبطل الصلاة بهما، ويجب استئنافها من جديد. والله أعلم.
ما قولكم في الرجل إذا سها في صلاته ولم يدر كم ركعة صلى، وإنما انتبه في التشهد الأخير، فهل تكون صلاته صحيحة على هذه الحال؟
بما أنه لم يكن عارفاً بصلاته، ولا بما أتاه منها وما لم يأته فليعد صلاته من أولها إذ العبادات تؤدى باليقين لا بالشك، واليقين بعيد في مثل هذه الحالة. والله أعلم.
صلاة الجمعة:
ما الأدلة على جواز إقامة الجمعة في القرى؟ (1/94)
صفحة 95
أمر الله سبحانه وتعالى بالسعي إلى الجمعة إذا نودي لها، ولم يخصها بمكان دون غيره ولا بحال دون أخرى، ولم تأت السنة القولية مبينة شيئاً من ذلك، وإنما أقامها ـ صلى الله عليه وسلم ـ في المدينة المنورة وثاني جمعة كانت بجواثي، وقد قالوا أنها قرية بالبحرين ومصر لها عمر ـ رضي الله عنه ـ الأمصار ولكن لم يأت بحال ما يدل على نهيه عن الصلاة في غيرها بل روى ابنه رضي الله عنه أنه كان يمر على المياه التي بين مكة والمدينة وأهلها يقيمون الجمعة فلا ينكر عليهم، ونقل محبوب ـ رحمه الله ـ عن صحار أو ضمام أنه قال: لو كانت الجمعة بخراسان لكانت أهلا لأن تؤتى، لذلك كله نرى أن لعلماء المسلمين أن يجتهدوا، وإذا رأوا إقامتها في مكان ما ونودي لها وجب السعي إليها، ولم يسع التخلف عنها لحصول النداء، وتعليق الأمر في الآية عليه. والله أعلم.
ما هي الحجة التي حملت علماء هذا العصر للإفتاء بوجوب إقامة صلاة الجمعة في جميع مدن عمان، مع أنه في عصر الأئمة والعلماء السابقين لم يكن تقام إلا في مدينتي نزوى وصحار، ولم يأمروا بإقامتها في غيرهما؟ وهل يأثم من تركها في غير هاتين المدينتين؟ أفتنا ولك الأجر. (1/95)
صفحة 96
صلاة الجمعة من الفروض الثابتة بنص الكتاب العزيز والسنة النبوية وإجماع علماء الأمة، وليس في الكتاب ولا في السنة ما يدل على حصرها ببلدان معينة، وإذا كانت الظروف سابقاً قضت بصلاتها في نزوى وصحار من عمان، فإن ذلك لا يطرد في كل زمان، وهل هناك نص أو إجماع على حصرها في بقاع معينة، على أننا نجد أن المسلمين لم يصلوها بنزوى في أيام الإمام الوارث بن كعب ـ رضي الله عنه ـ وقد أقامها فيها الأئمة ـ رحمهم الله ـ من بعده، كما أقامها الإمام العادل الشهيد عزان بن قيس ـ رحمه الله ـ أينما حل من أرض عمان، وما التمصير الذي يذكر عن الفاروق ـ رضي الله تعالى عنه ـ إلا واقعة حال، وما أحسن ما قاله الإمام نور الدين السالمي ـ رضي الله عنه ـ في ذلك فقد قال في جوهره:
لأنما التمصير حال يعرض
فيستقيم تارة ويمرض
وإنما عينها الفاروق
لأنها في عصره تروق
لو كان ذا التعيين مما وقفا
عينها لنا النبي المصطفى
ولهذا يتضح أنه بعد أن رأى العلماء أن تقام الجمعة في مدن عمان الرئيسية وأمر سلطان البلاد، لا يجوز التخلف عنها في أي بلد أقيمت، ومن صلى الظهر بدلها من غير عذر فلا صلاة له. والله أعلم.
لقد نظرت في كتب السلف والخلف منذ مبعث الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى عهد العلماء المتأخرين، فوجدتهم يحجرون صلاة الجمعة في عمان إلا في صحار ونزوى، وعلى هذا سارت أسلافنا وعلماؤنا الذين نقتفي أثرهم ونقتدي بهم، ولا أدري ما الذي غير الأمر، أشريعة جديدة أم قوم ارتكبوا مخالفات الأمر؟ فأرشدني وأفتني وأعوذ بالله من الرياء. (1/96)
صفحة 97
من أين جئت بهذا الادعاء؟ ومتى رأيت أن الجمعة من عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا تقام إلا في صحار ونزوى؟ وبأي كتاب وأي سنة قيدت بهذين الموضعين، فالله تعالى يقول { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ } ولم يقيد ذلك بصحار ونزوى، والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: (( لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين )) وقال: (( من ترك ثلاث جمع تهاوناً بها طبع الله على قلبه ))، والمسلمون لم يختلفوا في أصل وجوبها، وإنما اختلفوا في شروطها، وآراؤهم كلها مبنية على اجتهادات لا على نصوص، وقد صلاها المسلمون في أماكن متعددة في عمان، ففي عهد الإمام عمر بن الخطاب الخروصي ـ رحمه الله ـ في القرن التاسع الهجري أقيمت في جميع أنحاء عمان، وقد نص الإمام محمد بن سليمان المفرجي على إقامتها حتى في القرى والمسافي، ورسالته في ذلك موجودة، وفي عهد الإمام العدل عزان بن قيس ـ رحمه الله ـ صلاها بمسقط ونزوى وسمد وفنجا وجعلان، وكل مكان نزل فيه فصادفته به، وفي عهد الإمام محمد بن عبد الله الخليلي ـ رحمه الله ـ أمر بإقامتها بجعلان، وقد كان من رأيه الموافقة على إقامتها في جميع أنحاء عمان، كما نص على ذلك في رسالته التي وجهها إلى الشيخين ماجد بن خميس وإبراهيم بن سعيد العبريين، وإن كان التبس عليك في ذلك ما ذكر في كتب الأصحاب من تمصير عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ الأمصار لها فإن ذلك نظر منه حسب ما يقتضيه الحال ولم تكن نزوى من جملة الأمصار، وقد أقامها فيها أئمة العدل واسمع في ذلك ما قاله الإمام السالمي ـ رحمه الله ـ في بيان حكمة التمصير:
لأنما التمصير حال يعرض
فيستقيم تارة ويمرض
وهذه صحار بعد العزة
وبعد ما كان بها من قوة
صارت كأدنى بلد يعتبر
ومسكدا مكانها قد عمروا
وإنما عينها الفاروق
لأنها في عصره تروق (1/97)
صفحة 98
وقال:
لو كان ذا التعيين مما وقفا
عينها لنا النبي المصطفى
فمن أين جئت بهذه الدعوى أن المسلمين حجروا الجمعة في غير نزوى وصحار حتى أنك جئت شيئاً إداً عندما قلت: أشريعة جديدة أم قوم ارتكبوا مخالفات الأمر؟ فهل ترى أن هذه شريعة جديدة، أو أن الجهل حجب الحقيقة عنك.
وإذا لم تر الهلال فسلم
لأناس رأوه بالأبصار
هل يجوز أن تقام صلاة الجمعة في عدة مساجد في المدينة الواحدة؟ حيث إن جماعة كانوا يقيمون الجمعة في مسجد، ثم بني آخر فأراد بعضهم إقامة الجمعة في المسجد الثاني، فهل يشرع لهم ذلك؟
إذا كان المسجد الأول يتسع لكل المصلين فلا معنى لإقامة جمعة ثانية، لأن المراد من الجمعة الاجتماع، والتفرق ينافي هذا الغرض، ومن المعلوم أن الناس كانوا على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يسعون إلى الجمعة التي تقام في مسجده الشريف، فلو كانت الجمعة كغيرها من الصلوات لأمرهم أن يقيموها في أمكنتهم كما يؤدون سائر الفروض، وإنما أباح العلماء التعدد في حال الضرورة لا غير. والله أعلم.
* وفي فتوى مماثلة أجاب سماحته: تقام الجمعة في المسجد الجامع، لأن المراد بها جمع الناس، وإظهار كثرة المسلمين، وإبراز وحدتهم وإعلاء كلمتهم، ولا ريب أن الجامع بذلك أولى. والله أعلم.
لقد كثر تعدد صلاة الجمعة في الولايات. فما حكم ذلك؟
إقامة الجمعة في الولايات أمر محمود لما في ذلك من جمع الناس على ذكر الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتآخي الناس في ظل شعائر الله سبحانه وتعالى. والله أعلم.
لما جاء الأمر بإقامة الجمعة في القرآن مجملاً، ولم يقيد بمكان ولا شرطه بحال، وكذا السنة، فما الذي خصت به جواثي حتى كانت البقعة الثانية بعد المدينة أقيمت فيها الجمعة في عهده ـ عليه الصلاة والسلام ـ ولم تقم في مكة التي صارت بعد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الأمصار السبعة بالإجماع؟ (1/98)
صفحة 99
إقامتها في جواثي دون مكة في عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع تمصير مكة بعد ذلك فيما مصر بالإجماع، إنما هو راجع إلى النظر في الظروف والأحوال، ولذلك أتضح أن أمر الجمعة في تحديد أماكن إقامتها راجع إلى الاجتهاد، حسب ما تقتضيه الظروف ويستلزمه النظر. والله ولي التوفيق.
هل على المسلم أن يصلي تحية المسجد إذا دخله أثناء خطبة الإمام من يوم الجمعة؟ وإذا تأخر الخطيب يوم الجمعة بعض الوقت فهل عليه شيء إذا تخطى رقاب المصلين ليصل المنبر، لعدم وجود باب يوصله إلى المنبر من غير تخطي رقاب المصلين؟
اختلف العلماء في صلاة من دخل المسجد والإمام يخطب، والراجح جوازها بل استحبابها، لحديث سليك الغطفاني عند الشيخين، ولا بأس بتخطي الرقاب للخطيب يوم الجمعة إن جاء إلى المسجد متأخراً. والله أعلم.
ما حكم الذين يتخلفون عن حضور صلاة الجمعة؟ وما حد المسافة التي يعذر عندها الإنسان عن حضور الجمعة؟ وهل للإمام أن يناقش من تخلف عنها؟ وهل يتبرأ من المتخلف عن حضور الجمعة بغير عذر؟ افتنا فضيلة الشيخ والله يجزيك خير الجزاء وأحسنه. (1/99)
صفحة 100
قال الله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ[9] } ، وصح في الحديث عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال (( لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين ))، وقال أيضاً: (( من ترك ثلاث جمع متواليات طبع الله على قلبه ))، وجاء عنه في رواية أخرجها ابن ماجه عن جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنه ـ أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (( واعلموا أن الله قد افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا في يومي هذا في شهري هذا في عامي هذا إلى يوم القيامة، فمن تركها في حياتي أو بعدي وله إمام عادل أو جائر استخفافاً بها أو جحوداً لها فلا جمع الله له شمله، ولا بارك له في أمره، ألا ولا صلاة له، ولا زكاة له، ولا حج له، ولا صوم له، ولا بر له، حتى يتوب، فمن تاب تابَ الله عليه )). وذكر الإمام أبو سفيان محبوب بن الرحيل ـ رحمه الله ـ أن أهل عمان كتبوا إلى الإمام أبي الشعثاء ـ رضي الله عنه ـ يستفتونه عن الجمعة، هل يلزم السعي إليها من لم يسمع نداءها؟ فأجابهم: لو لم يسع إليها إلا من سمع نداءها قل الساعون إليها، بل يسعى إليها من فرسخين وثلاثة. هذا وقد ثبت عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه همّ أن يحرق بيوت المتخلفين عن صلاة الجمعة كما همّ أن يحرق بيوت المتخلفين عن الجماعة. وما همّ ـ عليه الصلاة والسلام ـ بتحريق بيوتهم إلا لتركهم واجباً عليهم، وفي هذا ما يدل على أن للإمام أن يسائل الناس عن أسباب تخلفهم عن الجمعة والجماعة، بل له أن يعاقبهم على ذلك، ومن أصر على ترك الجمعة من غير عذر وجبت البراءة منه لتركه واجباً عليه. والله أعلم.
* وإتماماً للفائدة نورد فتوى سماحته الشيخ على سؤال مشابه يقول فيها: (1/100)
صفحة 101
(( والعلماء وإن اختلفوا في شروطها ـ أي في شروط صلاة الجمعة ـ فإنهم لم يختلفوا في أصل وجوبها، وعليه فهي ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، وما جاء من خلاف في شروطها يرفعه أمر الحاكم المسلم فإقامتها، وعليه فإذا أقيمت بأمر السلطان لم يجز لأحد أن يتخلف عنها، وتجدر العقوبة بالمتخلفين، إذ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هم بتحريق بيوت المتخلفين عن الجمعة بالنار. والله أعلم.
هل تجوز صلاة الجمعة باثني عشر شخصاً؟
لصلاة الجمعة شروط، منها: المصر، بحيث تقام في مصر كبير ولا تقام في القرى الصغيرة، ومنها: إذن الحاكم، ومنها: وجود الجماعة التي تقيمها. واختلف في العدد الذي تنعقد به، فقيل: تنعقد باثنين وقيل بثلاثة وقيل باثني عشر وقيل بثلاثة عشر، وقيل بأربعين وهو أكثر الآراء، وقيل بخمسين. وليست لهذه الأقوال أدلة يمكن التعويل عليها. والله أعلم.
هل خطبة الجمعة خطبتان أو خطبة واحدة على عهد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ؟
الاقتصار على الخطبة الواحدة إنما هو اقتصار على الفروض، وزيادة الخطبة الثانية عند من يعمل بذلك إنما هو عمل بالسنة، فقد ثبت عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه كان يخطب خطبتين ويجلس بينهما، وقد كان العمل به عند الأئمة الرستميين ـ رحمهم الله ـ كما في جواهر البرادي، ونص عليه غير واحد من العلماء، منهم صاحب القناطر في قوله: (( وهما خطبتان بينهما جلسة خفيفة ))، وقال الإمام أبو إسحاق الحضرمي في مختصر الخصال: (( والذي يخطب فيه خطبتان أربع خصال أحدهما الجمعة.. الخ )) وقال الإمام السالمي ـ رحمه الله ـ في مدارج الكمال:
لجمعة عرفة عيدين
يخطب فيهن بخطبتين
ويستحب سكتة بينهما
حتى تكون تلك فصلاً لهما (1/101)
صفحة 102
وحكى العلامة أبو الحسن البسيوي في الجزء الثاني من جامعة أن الإجماع انعقد على مشروعية الخطبتين والجلوس بينهما، وأورد كلامه بنصه وفصه العلامة أبو مسلم في نثار الجوهر، ونص على الخطبتين الإمام الثميني في النيل، والشيخ عامر في الإيضاح، والشيخ إسماعيل في القواعد، وكثير غيرهم، وقد بحثت هذه المسألة بحثاً واسعاً في رسالة كتبتها خصيصاً فيها، وأزلت ما علق ببعض الأذهان من لبس في هذه المسألة. والله أعلم.
هل يصح لإمام راتب في مسجد أن يترك الإمامة بالناس يوم الجمعة لأجل السعي لصلاة الجمعة؟
إذا كان في مكان تصلى فيه الجمعة فلا يصح له أن يبقى في المسجد ليؤم المصلين ظهراً، إذ لا ظهر يوم الجمعة في بلد تقام فيه الجمعة، اللهم إلا إذا كان ثم عذر يمنع من السعي، فللمعذور أن يصلي الظهر، وفي الأثر عن أبي سفيان محبوب بن الرحيل ـ رحمه الله ـ قال: كتب أهل عمان إلى جابر بن زيد ـ رحمه الله ـ يستفتونه في الجمعة هل يلزم السعي إليها من لم يسمع نداءها؟ فأجابهم: لو لم يسع إليها إلا من سمع نداءها لقل الساعون إليها، يسعى إليها من فرسخين أو ثلاثة. وقد عرف عن السلف ـ رحمهم الله ـ الحرص التام على شهود الجمعة فهذا صحار بن العباس العبدي ـ رحمه الله ـ كان يسعى إليها من بعد صلاة الفجر، وبعد قضائها يقفل راجعاً إلى بيته، ولا يصل إليه إلا عند صلاة المغرب، وقريب من هذا يذكر عن جابر وأبي عبيدة وحاجب ـ رحمهم الله ـ، فلا معنى لتهاون المتهاونين بأداء الجمعة، فإن في ذلك وعيداً شديداً جاءت به الأحاديث الصحيحة. والله أعلم.
ما تقول سماحة الشيخ في رجل يؤم الناس للجمعة وهم كارهون، يكرهون سماع خطبته لما فيها من ألغاز ومضايقة لمشاعر المسلمين، ويكرهون الصلاة خلفه لسيرته غير المرضية، فهل يجوز للمصلين أن يخرجوا إلى بلد آخر تقام فيه الجمعة، أم يلزمهم أن يصلوا خلفه وهم غير راضين عنه ولا عن صلاته؟ (1/102)
صفحة 103
الجمعة يجب أن تكون جامعة غير مفرقة، ومؤلفة غير منفرة، فإنما شرع الاجتماع في الجمعة وغيرها لتأليف القلوب واستلال السخائم، والقضاء على أسباب الخلاف، واستئصال جذور الأحقاد، واستغلال خطبة الجمعة لتنفير الناس وغرس الأحقاد والعداوات أمر لا يرضاه الإسلام ولا يقره، وجدير بمن كان هذا ديدنه أن تكون الصلاة خلفه مكروهة لكراهة إمامته. وفي الحديث عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (( ثلاثة لعنهم الله: رجل أم قوماً وهم له كارهون، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، ورجل سمع حي على الصلاة حي على الفلاح ثم لم يجب ))، وعليه فإنني أرى أن يطلب من الجهة المختصة منع من يستغل خطبة الجمعة هذا الاستغلال السيئ، وأن تقام بدلاً منه من عرف بالاحتراز فيما يقوله في الخطبة. والله أعلم.
سماحة الشيخ: هل يجوز أن يؤم المسافر بالمقيمين لصلاة الجمعة؟ وهل من بأس إذا قال الإمام للمؤذن بعد الخطبة ( أقم الصلاة )؟ وإذا وجد من هو أفصح من الإمام فهل له أن يخطب بدلاً عن الإمام؟ وما حكم ذكر راوي الحديث عقب ذكر الحديث في خطبة الجمعة؟
اختلف في إمامة المسافر في الجمعة، فذهب فريق من العلماء إلى المنع، وهو الذي ذهب إليه الإمام نور الدين السالمي ـ رضي الله عنه ـ في ( الحجج المقنعة ) نظراً لأن المسافر لا تلزمه، وقيل بالجواز وهو الذي ذهب إليه العالمان الجليلان هاشم وموسى ـ رحمهما الله ـ واعتمده المحقق الخليلي ـ رضي الله عنه ـ وهو أصح عندي، لأن المسافر وإن لم يلزمه الجمعة فإن ذمته مشغولة بصلاة سواء أداها ظهراً أم جمعة، وإذا حضرت الجمعة وأقيمت صارت واجبة عليه، وبهذا تختلف إمامته عن إمامة المتنفل بالمفترض.
• ... وأما أمر الخطيب المؤذن بالإقامة بعد الفراغ من الخطبة فلا مانع منه.
• ... وأما أن يخطب رجل ويؤم غيره لغير عذر، فهذا مما اختلف فيه، والمذهب الجواز. (1/103)
صفحة 104
• ... ورواية الحديث عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الخطبة غير ممنوعة والأولى في ذلك حذف الإسناد للاختصار ـ إذا كان الحديث صحيحاً، وذكر الإسناد لا يؤثر في الخطبة شيئاً. والله أعلم.
نحن جماعة نقيم الجمعة في مسجد المعبيلة وعددنا ثلاثون فرداً، فهل نصلي فيه صلاة الجمعة أم نذهب إلى السيب إلى أقرب مسجد تقام فيه الجمعة، أم نصلي يوم الجمعة صلاة الظهر؟
عليكم أن تسعوا إلى صلاة الجمعة حيث تقام، ولا يسعكم أن تصلوا الظهر ما دامت الجمعة تقام، بل يجب عليكم السعي إليها ولو إلى فرسخين أو أكثر كما قال جابر رحمه الله (( يسعى إليها من فرسخين وثلاثة ))، ولا تتوانوا في ذلك، ولا تنفردوا بأنفسكم بإقامة الجمعة، فإن الجمعة ليست كغيرها فلا تتعدد إلا للضرورة التي لا محيص عنها، لأنها شرعت لجمع الناس، والتعدد تفرق مناف للجمع. والله أعلم.
تقع منطقتنا على بعد 14 كيلو متراً عن جامع ولاية صحم، فهل نلزم شرعاً بأداء صلاة الجمعة في الولاية؟ علماً بأنه لا تقام الجمعة في بلدتنا.
يسعى إلى الجمعة من فرسخين وثلاثة كما قال جابر ـ رحمه الله. والله أعلم.
يبلغ عدد الرجال في قريتنا ثلاثون رجلاً فهل نستطيع أن نقيم الجمعة فيها؟
نظراً إلى صغر هذه القرية وقلة سكانها أرى أن تصلوا الجمعة في أقرب مكان تقام فيه، وأن لا تنفردوا بأنفسكم بإقامتها، وإن تعذر ذلك لبعد المكان فأنتم معذورون وصلوا الظهر. والله أعلم.
ما قولكم عن صلاة الجمعة، تقام في معسكر المرتفعة وتقام في مسجدين، وبين هذين المسجدين مسافة خمس دقائق بالسيارة أو أقل من ذلك، فهل تقام أم لا؟
تقام في مسجد واحد من المسجدين، والأولى بذلك أوسعهما، ولا تعدد الجمعة لغير داع. والله أعلم.
ما قولكم فيمن كان قادراً على السعي إلى الجمعة، في بلد تقام فيه ولم يسع، وصلى الظهر إماماً بمن معه، ما حكم صلاتهم جميعاً؟ (1/104)
صفحة 105
من كان قادراً على السعي إلى الجمعة، في بلد تقام فيه ولم يسع، وصلى الظهر، فلا صلاة له ولا لمن صلى خلفه. والله أعلم.
ما حكم إقامة صلاة الجمعة في حال اجتماع الجمعة والعيد؟
صلاة الجمعة فريضة، وصلاة العيد سنة، والسنة لا تسقط الفريضة، وعليه فلا بد من إقامة الجمعة ولو صادفت يوم عيد، هذا هو القول الراجح. والله أعلم.
ما حكم صلاة الظهر جماعة يوم الجمعة، بسبب فواتها على الفرد من غير تعمد؟
إن كان ذلك التخلف لضرورة لا محيص عنها، فلا مانع من أن يصلوا صلاة الظهر في جماعة، شريطة أن لا يؤدي ذلك إلى التهاون بالجمعة. والله أعلم.
هل يصح للإمام أن يأمر المأمومين في صلاة الجمعة بعد انتهائه من الخطبة بتسوية الصفوف والتراص؟
أمر الإمام المأمومين بتسوية الصفوف هو من السنة، لثبوت ذلك عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ سواء في جمعة أم غيرها، كما أن للمأموم أن يأمر غيره من المأمومين بتسوية صفوفهم، لأن ذلك من التعاون على الخير، وجاء عن ابن محبوب ـ رحمه الله ـ أن للمأموم أن يقول بين الإقامة والصلاة يوم الجمعة تقدم أنت ـ يا فلان أو تأخر أنت إذا رأى خللاً في الصف ـ، وأن ذلك لا يؤثر في صلاته. والله أعلم.
عندما أذهب لأداء الجمعة أشعر بمضايقة شديدة أثناء الجلوس لاستماع الخطبة، بسبب مرض في جسمي، ولا أستطيع أن أجلس كهيئة جلوس التشهد، لذلك أحتاج إلى تغيير هيئة الجلوس ولأكثر من مرة، فهل يجوز لي ذلك، أم يعد ذلك من العبث؟ وهل النهي عن الكلام أثناء الخطبة للتحريم أم التنزيه؟ وهل يشمل الكلام ذكر الله، أم ما يدور بين شخص وآخر من الكلام؟ (1/105)
صفحة 106
لا مانع من الجلوس على خلاف هيئة الجالس للتشهد، وبما أن المراد من الخطبة وعظ الحاضرين فإن التكلم يمنع في أثنائها ـ إن فاته الإنصات إليها ـ والنهي للتحريم، ولذلك جاء في الحديث (( من قال لأخيه والإمام يخطب صه ـ أي اسكت ـ فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له )) وذكر الله ينبغي أن يكون بالقلب حال الخطبة لا باللسان. والله أعلم.
ما القول في المأمومين إذا أمنوا على دعاء الإمام في خطبة الجمعة؟
اختلف العلماء في التأمين على دعاء الخطيب في خطبة الجمعة، والذي نختاره جواز ذلك، ولكن الأولى عدم رفع الصوت. والله أعلم.
فضيلة الشيخ: ما حكم صلاة النفل نصف النهار ساعة كون الشمس في كبد السماء وذلك في يوم الجمعة؟
ينهى عن الصلاة وسط النهار عندما تكون الشمس في كبد السماء، وذلك في الحر الشديد، ولكن يستثنى من النهي يوم الجمعة ـ لدلالة السنة على ذلك ـ والحكمة في ذلك أن شدة الحر من فيح جهنم ـ والعياذ بالله ـ وفي يوم الجمعة يسكن هذا الفيح. والله أعلم.
ما الحكم إذا صلى الشخص الجمعة بنية أنها ( سنة ) جاهلاً بحكم وجوبها؟ وهل يلزمه شيء؟
عليه أن يبدلها ظهراً أربع ركعات، فإن الجمعة لا تنعقد إن نواها سنة، وعليه التوبة إلى الله سبحانه وتعالى لجهله الواجب عليه. والله أعلم.
صلى رجل ما أدرك وأبدل ما فاته من صلاة الجمعة، ولم يستمع إلى الخطبة، فهل يعيد فرض الظهر أم لا؟
إن أدرك ركعة كاملة صلى معها ركعة وأجزاه ذلك، وإن أدرك أقل من ركعة صلى ما أدرك، واستدرك ما بقي من أربع ركعات. والله أعلم.
ما تقول سماحة الشيخ في الركعتين اللتين بعد صلاة الجمعة هل ننويها سنة الجمعة أم سنة الظهر؟
الركعتان سنة على المشهور، وبما أنهما بعد الجمعة فهما سنة الجمعة، وليستا سنة الظهر. والله أعلم. (1/106)
صفحة 107
سماحة الشيخ: رجل جاء لصلاة الجمعة، وأثناء استماعه للخطبة تذكر أنه جنب فقال في نفسه أستمع للخطبة، ثم بعد الانتهاء اغتسل وأبدل الصلاة، ولكنه نسي أن يبدلها وتذكر بعد ثلاثة أيام فماذا عليه؟ افتنا ولم الأجر.
من ذكر أنه جنب وهو في المسجد لصلاة الجمعة أو غيرها فعليه أن يخرج فوراً ليغتسل، لأن الجنابة تمنع شرعاً من دخول المسجد أو البقاء فيه، وبقاؤه فيه لاستماع الخطبة يأثم به من وجهين: أولهما لانتهاكه حرمة المسجد ببقائه فيه وهو جنب، ثانيهما: لتفويته الجمعة الواجبة عليه، لأنها لا تصح مع التلبس بالأحداث، وهو متلبس بالحدث الأكبر في هذه الحالة، وعليه فإنه يلزمه قضاء صلاته والتوبة إلى الله مما صدر منه. والله أعلم.
ما وقولكم في من يحضر مسجلاً يوم الجمعة في المسجد ويضع فيه شريط قرآن يرد خلف المقرئ جماعة بعبارة الإعجاب ( الله اللهَ يا شيخ ) فهل هذا جائز؟
هذه الحالة من البدع التي يؤمر الناس بتركها، لما فيها من التشويش على من يريد أن يصلي تحية المسجد، ومن يريد ذكر الله من الحاضرين، وإنما الأولى أن يقرأ كل منهم القرآن على انفراد. والله أعلم.
ما قولكم في جواز إقامة صلاة الجمعة في مسجد كتيبة الحدود الشمالية واستيطان المنطقة من قبل الجنود العاملين في الكتيبة، وهي منطقة عسكرية يحظر دخولها إلا بتصاريح من القائد أو ضابط العمليات، علماً أنه لو أقيمت فريضة الجمعة فسيقيمها الجنود فقط وهم مسافرون كلهم؟
لا يجوز للإنسان أن يوطن إلا حيثما يستقر ويطمئن، قال الإمام السالمي ـ رحمه الله ـ:
ووطن الإنسان حيث يسكن
وتطمئن نفسه ويوطن
يراه خير منزل لا يخرجه
منه سوى أمر عظيم يزعجه (1/107)
صفحة 108
وهذه الصفات لا تنطبق على الكتيبة التي ذكرتها، فاستيطان من لم يكن من سكان منطقتها غير جائز، والأصل في هذا عمل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ إذ لم يكونوا يتمون إلا في موضع استقرارهم وطمأنينة أنفسهم، والجمعة إنما تجب على الموطنين ويسقط بها عنهم فرض الظهر إجماعاً، أما إن كانوا جميعاً مسافرين فإنها لم تشرع لهم إقامتها، بدليل أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يقمها في أسفاره، وقد صادفته يوم عرفة في حجة الوداع ومعه جماهير المسلمين، فصلاها ظهراً وصلوها معه كذلك. والله أعلم.
ما رأيكم فيمن يقول: إن صلاة الجمعة لا تصح في دولة خاضعة تحت حكومة غير إسلامية مثل تنزانيا؟
يكفي أن يكون على رأس الدولة أحد يدين بالشهادتين ـ وإن لم يعمل بهما ـ في مشروعية صلاة الجمعة، وناهيكم أن السلف صلوها في ظل دولة بني أمية وهو الذين بدلوا أحكام الله، وساموا عبادة الصالحين الخسف والهوان، وقد يطلق الإمام حتى على الكافر الملي، فقد قال تعالى في فرعون وحاشيته: { وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ } . والله أعلم.
ما قولكم فيمن لا يشهد الجمعة، ويعتذر ببعد الجامع عن منطقته، ووجود خلافات قبلية بينهم وبين أهل المنطقة التي يوجد بها الجامع؟ (1/108)
صفحة 109
يجب السعي إلى الجمعة إذا نودي لها في أي أرض لا يفضي الذهاب إليها إلى قصد الصلاة، فعندما سئل جابر ـ رحمه الله ـ عن الجمعة هل تلزم من لم يسمع نداءها؟ أجاب: (( لو لم يسع إليها إلا من سمع نداءها لقل الساعون إليها، أسعى إليها من فرسخين وثلاثة )). وكان صحار بن عباس العبدي ـ رضي الله عنه ـ يسعى إليها من بعد الفجر يعود إلى أهله عند المغرب، فما بال هؤلاء يعتذرون عن السعي، وأما الخلافات القبلية فلا دخل لها في شؤون العبادات، لأنها شرعت لجمع الشتات وتوحيد الصف ولم الشمل، وعلى كل حال فإن هؤلاء إن لم يسعوا إليها مع النداء إليها أضاعوا فرضاً وأهملوا واجباً. والله أعلم.
هل يلزمنا السعي لصلاة الجمعة إذا كان الجامع الذي تقام فيه الجمعة يبعد عنا مسافة ( 53 ) كيلو متراً؟
في هذه الحالة تعذرون إن لم تسعوا إليها، وإن سعيتم إليها فذلك خير. والله أعلم.
سمعنا في بعض خطب الجمعة: (( وإن من البدع في العبادات صلاة الداخل إلى المسجد بعد جلوسه والإمام يخطب، والحق أن من جلس لا يقوم إلا لأداء صلاة الجمعة )) نرجو توضيح المقصود بذلك؟
نعم، يشرع للداخل في المسجد والإمام يخطب أن يصلي ركعتين، ولكن بعد جلوسه ينهى عن القيام للصلاة حال الخطبة. والله أعلم.
ما حكم تسليم الخطيب على الجماعة في خطبة الجمعة؟
يستحب السلام على الجماعة من قبل الخطيب قبل الأذان عندما يصعد المنبر، فمن ترك ذلك لم يقدح تركه في خطبته. والله أعلم.
ما حكم إمام يخطب بغير العربية لمأمومين لا يعرفون العربية، ولا أحد يستطيع أن يخطب غيره، وهو يأتي بالآيات القرآنية والأحاديث ثم يفسرها باللغة غير العربية؟
إن أتى بأركان الخطبة بالعربية ـ وهي الحمد لله والشهادتان والصلاة والسلام على نبينا محمد مع النصوص القرآنية والأحاديث النبوية ـ فلا حرج إن كان سائر الخطبة بلغة أخرى يفهمها المصلون. والله أعلم.
فيمن يخطب لصلاة الجمعة، فمر على آية سجدة فكيف يسجدها؟ (1/109)
صفحة 110
قيل يسجدها على المنبر إن أمكنه، وقيل ينزل ويسجد، وقيل لا سجود عليه، لأنه أتى بها استشهاداً لا تلاوة. والله أعلم.
إذا أحدث الخطيب في خطبة الجمعة فما عليه أن يفعل؟
يستخلف غيره ليكمل الخطبة ويقيم بهم الصلاة. والله أعلم.
ما قولكم في رجل مسافر، وجد جماعة تصلي الظهر في يوم الجمعة وهم من أهل تلك البلدة وتقام فيها الجمعة، فهل يصلي معهم أم لا؟
إن كانوا معذورين فنعم، وإلا فلا. والله أعلم.
رجل استمر مدة طويلة يصلي الجمعة ناوياً بها أنه يؤدي السنة وليس الفريضة، فماذا عليه؟
عليه أن يعيدها ظهراً. والله أعلم.
فيمن فسدت عليه صلاة الجمعة، هل يعيدها أربعاً أم ركعتين، وهل من فرق في كون المصلي مقيماً أو مسافراً؟
الجمعة لا تصح إلا في جماعة، وفي وقتها المحدد، من غير أن تتقدمها جمعة أخرى، لذلك أرى على من فسدت عليه أن يعيدها أربعاً إن كان مقيماً، وركعتين إن كان مسافراً، سواء في الوقت أو بعده. والله أعلم.
إذا فسدت صلاة الإمام في صلاة الجمعة فهل تعاد ظهراً أم جمعة؟
قيل تعاد ظهراً، وقيل جمعة، وقيل بالتفرقة بين ما إذا كان ذلك في الوقت أو بعده، والأول أرجح. والله أعلم.
دخل رجلا المسجد ليؤدي صلاة الجمعة، ولكنه جاء متأخراً فوجد الخطيب يخطب الجمعة. فهل يصلي ركعتين تحية أم لا يستمع إلى خطبة الخطيب؟
الأصل في من يدخل المسجد أن يصلي تحية المسجد، كما ثبت ذلك عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بلفظ الأمر وبلفظ النهي عن الجلوس قبل أن يؤدي هذه التحية، قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (( إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس ))، وقال ـ عليه أفضل الصلاة السلام ـ: (( إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين ))، وقد جاء هذا الحديث بلفظه في مسند الإمام الربيع بن حبيب ـ رحمه الله ـ، وقد رواه الشيخان من طريق أبي قتادة ـ رضي الله تعالى عنه. (1/110)
صفحة 111
وأختلف العلماء في ما إذا كان الإمام يخطب لصلاة الجمعة ودخل داخل، هل يصلي ركعتين أم لا؟ مع أتفاق الجميع على أن الإنسان لو كان داخل المسجد من أول الأمر، وشرع الخطيب في الخطبة، يمنع في ذلك الحال أن يصلي شيئاً من الصلوات، والخلاف في هذه المسألة على أقوال متعددة:
القول الأول: المنع مطلقاً:
فقد ذهب إلى المنع مطلقاً جماعة من العلماء، فقد نسب إلى كل من الخلفاء الثلاثة عمر وعثمان وعلي، كما ينسب إلى أكثر السلف من الصحابة والتابعين، وهو قول مالك وأبي حنيفة وقتادة وشريح الكندي وعروة وجماعة آخرين من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار، ونسبه الإمام السالمي ـ رحمه الله ـ إلى المذهب.
القول الثاني: الإباحة:
وذهب إلى القول بالإباحة، بل إلى أطلاق ندبية هذه الصلاة لمن دخل المسجد ولو كان الإمام يخطب جماعة من الصحابة، منهم أبو سعيد الخدري، وروي عن ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ، وهو القول الذي قال به أكثر المحدثين، وذهب إليه الإمام الشافعي وأحمد، ومال إليه بعض الميل أبو سعيد الكدمي ـ رحمه الله تعالى.
القول الثالث:
تخيير الداخل إذا دخل المسجد والإمام يخطب بين الجلوس وأداء تحية المسجد، وهذا القول نسبه الإمام نور الدين السالمي ـ رحمه الله تعالى ـ في المعارج إلى بعض أصحابنا وبعض أصحاب المذاهب الأخرى.
القول الرابع:
وفيه تفصيل، فإن كان الإمام توقف هنيهة ليصلي داخل صلى وإلا جلس، حكاه الشيخ إسماعيل في قناطره عن بعض أصحابنا.
القول الخامس:
إذا صلى الإنسان في بيته قبل أن يذهب إلى المسجد، ثم ذهب ووجد الإمام يخطب لم يكن له أن يصلي، وأما إذا لم يصلى في بيته فلا مانع من الصلاة ولو كان الإمام يخطب، وهذا القول للأوزاعي، وحكاه الشوكاني عن صاحب المنتقى.
وإذا جئنا إلى استعراض الأدلة وجدنا أصحاب كل قول من هذه الأقوال يستدلون بدليل قوي كان الدليل أو ضعيف، واكتفي هنا بذكر أدلة القولين الأول والثاني. (1/111)
صفحة 112
فالذين يقولون بالمنع مطلقاً يستدلون بأدلة منها:
1. ... قول الحق سبحانه وتعالى: { وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ } ولا ريب أن الخطبة تشتمل على كثير من الآيات القرآنية.
2. ... قول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الحديث الذي رواه الشيخان عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ: (( إذ قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة أنصت فقد لغوت ))، فإذا كان الإنسان يمنع أن يقول لصاحبه والإمام يخطب أنصت، مع أن في ذلك أمراً بمعروف ونهياً عن منكر، فالأولى أن يمنع من الصلاة، لأن الصلاة تتنافى مع الإنصات لخطبة الخطيب.
3. ... ما رواه الطبراني عن ابن عمر ـ رضي الله تعالى عنهما ـ عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: (( إذا دخل أحدكم المسجد والإمام يخطب فلا صلاة ولا كلام حتى يفرغ الإمام )).
4. ... ما رواه النسائي وأبو داود أن رجلاً جاء إلى المسجد ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الخطبة، وكان الرجل يتخطى الرقاب، فقال له النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (( اجلس فقد آذيت ))، ولم يأمره ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يصلي.
وقد تعقبت هذه الأدلة بالآتي:
1. ... أما الآية الكريمة فقد قالوا فيها: أنها ليست نصاً في الموضوع، إذ ليست الخطبة كلها قرآنا، وكذلك فإن المعومات تخصص بكثير من المخصصات، وقد خصص عموم هذه الآية الكريمة بقراءة فاتحة الكتاب خلف الإمام ولو كان الإمام يقرأ، إذ قال ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ كما جاء في الحديث الذي رواه الربيع ـ رحمه الله ـ: (( لا تفعلوا إلا بأم القرآن )).
2. ... أما الدليل الثاني فقد ردّ عليه: بأن مصّلي التحية يجوز أن يطلق عليه أنه منصت، فقد جاء في افتتاح الصلاة من حديث أبي هريرة أنه قال: (( يا رسول الله سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول فيه؟ )) فأطلق على القول سراً السكوت. (1/112)
صفحة 113
3. ... وأما الدليل الثالث فقد تعقب بأن الحديث ضعيف، لأن من رواته أيوب بن نهيب، وهو ضعيف، ضعفه أبو حاتم وأبوزرعة، وأقر تضعيفه الحافظ ابن حجر في فتح الباري، والشوكاني في نيل الأوطار.
4. ... وأجابوا عن الدليل الرابع بأنه واقعة عين، ولعل تلك القصة وقعت قبل مشروعية تحية المسجد، ومن المحتمل أن يكون الرجل قد صلى ثم أخذ يتخطى الرقاب ليقترب من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليسمع خطبته، كما يحتمل أن يكون أمره ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ إياه بالجلوس لأجل بيان جواز ترك تحية المسجد، ولقد أضاف ابن جزم في المحلى جواباً آخر إلى هذه الأجوبة، وهو أن الحديث ضعيف لأجل أنه من رواية معاوية بن صالح وهو غير ثقة، ولكن رد عليه المعلق على المحلى العلامة المحدث أحمد محمد شاكر إذ قال: إن الحديث صحيح، والرجل الذي ضعفه ابن حزم هو ثقة، وثقه غير واحد من أئمة الحديث، وذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري أن ابن خزيمة وغيره من أئمة الحديث قد صححوا هذا الحديث وعلى كل فهو حديث فيه ما فيه من الاحتمال، على أن ترك أمر الرسول ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ لذلك الرجل أن يصلي ركعتين يحتمل أن يكون بسبب أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد شاهد منه الإيذاء، فأمره أن يجلس، واستحب له الجلوس من صلاة ركعتين مع إيذائه للناس، ويحتمل أن يكون أمره ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالجلوس مع شرط الصلاة.
والذين قالوا باستحباب صلاة الركعتين أثناء الخطبة استدلوا بأدلة منها: (1/113)
صفحة 114
1. ... الحديث الذي رواه الشيخان وغيرهما من أئمة الحديث، عن جابر بن عبد الله أن رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يخطب، فقال له: (( هل صليت؟ ))، فقال له: لا، قال له: (( قم فصل ))، ولقد جاء بيان اسم هذا الرجل في رواية لمسلم أنه سليك الغطفاني، وجاء في بعض روايات مسلم أن الرسول ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ قال للرجل: (( هل صليت ركعتين؟ )) قال: لا، قال: (( قم فصلهما )) وفي رواية (( قم فاركعهما )) وجاء في رواية أخرى أن الرسول ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ قال: (( إذا دخل أحدكم المسجد والإمام يخطب فليركع ركعتين ))، وأخرج هذه الرواية مسلم من طريق جابر بن عبد الله، وقد ذكر الحافظ في فتح الباري وغيره من أئمة الحديث أن الحديث متفق عليه.
ولقد أجاب المانعون بكثير من الأجوبة منها:
1. ... أن القضية واقعة حال، ويحتمل أن يكون ذلك الأمر خاصاً بسليك، ويؤيد ذلك أن أصحاب السنن وغيرهم رووا عن ابي سعيد ـ رضي الله عنه ـ أن رجلاً دخل المسجد ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يخطب، وكان على حالة بزة فأمره صلى الله عليه وسلم أن يصلي ركعتين وحض له على الصدقة، وجاء في رواية لأحمد ابي سعيد ـ رضي الله تعالى عنه ـ أن الرسول ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ قال: (( إن هذا الرجل دخل المسجد وهو في حالة بزة، فأمرته أن يصلي ركعتين، وأنا أرجوا أن يفطن له رجلاً فيتصدق عليه ))، وأيدوا ذلك برواية ذكرها ابن حبان أن الرسول ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ قال لذلك الرجل: (( لا تعودن لمثل هذا ))، وذكر ذلك أيضاً ابن بركة في جامعه، قال إن الرسول ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ أمر الرجل أن لا يعود لمثل ذلك. (1/114)
صفحة 115
ولكن تعقبت هذه المناقشة كلها بأن الرسول ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ لم يقصد مجرد الحث على التصدق على ذلك الرجل، وإنما قصد مع ذلك مشروعية الصلاة، والدليل على هذا رواية مسلم التي تنص على أن كل من دخل يوم الجمعة والإمام يخطب يشرع له أن يصلي ركعتين، ويؤيده أن الرسول ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ كرر الأمر لسليك الغطفاني بالصلاة مرتين أو ثلاثا، كما في رواية أحمد وابن حبان والنسائي وغيره من أئمة الحديث.
2. ... أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قطع خطبته لما دخل سليك وانتظره حتى يتم صلاته، ولكن تعقب ذلك بما ثبت في بعض الروايات عن ابي سعيد ـ رضي الله عنه ـ أن سليكا كان يصلي والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ مستمراً على خطبته.
3. ... أن أولئك المعترضين على الاستدلال على بهذه الرواية قالوا: أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما أمر سليكا بأداء ركعتين أنقطع عن خطبته، وفي وقت الانقطاع سقط عن سليك فرض الإنصات، ولما سقط عنه فرض الإنصات صحت له الصلاة.
وقال ابن العربي: إن هذا الجواب هو أقوى الأجوبة، وتعقب ذلك الحافظ العسقلاني في فتح الباري بأنه من أضعف الأجوبة، فإن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعدما أمر سليكا عاد إلى الخطبة، وكان سليك يصلي والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يخطب.
4. ... أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمر سليكا بالصلاة قبل أن يشرع في الخطبة، لما جاء في رواية الليث في حديث جابر عن مسلم (( إن الرجل دخل والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قاعد على المنبر )). (1/115)
صفحة 116
وأجيب بأن هذا القعود يحتمل أن يكون بين الخطبتين، مع أن ذلك القعود لا يتسع لمقدار ركعتين، والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يستمر بعده في الخطبة الثانية، ويكون بذلك سليك مؤدياً للركعتين في أثناء أداء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ للخطبة الثانية، على أن الرواية يحتمل أن تكون من باب التجوز، لأن معظم الروايات ناصة على أن الرجل دخل والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يخطب.
5. ... إن الداخل إذا دخل والإمام يصلي سقطت عنه تحية المسجد، والخطبة صلاة. وأجيب بأن الخطبة ليست بصلاة، لما هنالك من الفارق بين الخطبة وبين الصلاة، والداخل في حال الخطبة مأمور بشغل البقعة بالصلاة قبل جلوسه، بخلاف الداخل في حال الصلاة فإن إتيانه بالصلاة التي أقيمت يحصل به المقصود، هذا مع تفريق الشارع بينهما فقال: (( إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة ))، ولم يقل ذلك في حال الخطبة بل أمرهم فيها بالصلاة.
6. ... إن الإمام تسقط عنه سنة التحية، لأنه إذا دخل جلس على المنبر فكذلك المأموم.
وأجيب: بأنه قياس مع النص، والقياس مع النص لا يعول عليه، وأيضاً فإنه قياس مع الفارق لأن الإمام عندما يدخل يشتغل بالخطبة وجلوسه على المنبر يعتبر من مقدمات الخطبة، كما ثبت ذلك عن النبي ـ عليه أفضل الصلاة والسلام.
7. ... ما قاله بعض المالكية من أهل المدينة كانوا لا يصلون تحية المسجد في حال الخطبة، والحديث الأحادي عندهم يرد لمخالفة أهل المدينة له.
وأجيب بأنه لا نسلم أن الحديث الآحادي يرد إذا خالفه أهل المدينة في العمل، وإنما ذلك رأي للمالكية، وليس بمجمع عليه عند المسلمين، وأن أبا سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ من أهل المدينة، وقد صلى هاتين الركعتين، ولما أرادت شرطة مروان أن تمنعه من ذلك قال: لم أكن لأدعهما وقد سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يأمر بهما. (1/116)
صفحة 117
8. ... أن هذا الرجل يحتمل أن يكون قد ترك فريضة من الفرائض وفاتته الفريضة، وقد كوشف النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بذلك، ولذلك أمره أن يصلي ركعتين قضاء لهذه الفريضة.
ورد هذا: بأنه تكلف في التأويل، مع أن الظاهر خلاف ذلك، إذ حديث جابر بن عبد الله الذي ينص على أن من دخل المسجد والإمام يخطب يؤمر أن يصلي ركعتين يرد كل الرد على هذا التأويل، مع أنه مردود أيضاً بما ثبت أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمر سليكا بذلك مرة بعد هذه المرة أو مرتين بعدها، ولم يكن في كل أحواله هذه تاركاً لفريضة أن لو صح ما يقولون. وبالجملة فإنه يتضح من هذا البحث أن الحجة التي يعتمد عليها القائلون باستحباب الركعتين هي من أقوى الحجج وأظهرها، ولقد قال الإمام أبو سعيد ـ رحمه الله تعالى ـ: وإذا كان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمر الرجل بذلك وثبت عنه ذلك فلا ينبغي العدول عنه، مع أن كثيراً من الأدلة تقتضي استحباب صلاة ركعتين لمن دخل المسجد، ولا يبعد أن يقال بتأكيد هاتين الركعتين، وإسقاطهما يحتاج إلى دليل، ولقد تعقب الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري نقول الناقلين عن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ أنهم كانوا يمنعون هاتين الركعتين في حال أداء الخطبة وقال لم أجد ذلك صريحاً عن أحد من أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولقد بسط المقال في ذلك في شرح حديث جابر بن عبد الله في صحيح البخاري، ومن أراد الاطلاع على كلامه فليرجع إليه، والله سبحانه وتعالى أعلم، وبه التوفيق.
ما قولكم في جواز إقامة صلاة الجمعة في إحدى معسكرات الجيش، حيث لا يسمح لدخول الناس من خارج المعسكر إلا لعدد قليل منهم وفي حالة الطوارئ يمنع ذلك منعاً مطلقاً، والمسجد مع ذلك لا يتسع لجميع من تجب عليه الجمعة، فهل ترون جواز إقامتها في هذا المعسكر؟
الأسلم والأحوط في هذه الحالة عدم إقامة الجمعة داخل المعسكر. والله أعلم. (1/117)
صفحة 118
بلد تقام فيه صلاة الجمعة في مسجدين مختلفين أحدهما للأصحاب والآخر للمخالفين، ومسجد الأصحاب يخطب فيه إمام لا يحسن الخطابة من حيث عدم إفصاحه وطلاقة لسانه، مما يؤدي إلى عدم فهم مضمون الخطبة، وكذلك عدم إسماعه لقراءة القرآن أثناء الصلاة، وأما مسجد المخالفين فهو بخلاف ذلك تماماً، فهل يصح لنا أن نترك الصلاة مع الأصحاب ونصلي مع المخالفين لأجل ما ذكرنا في السؤال؟
يجب اختيار الخطيب والإمام، وأن يكون أفصح القوم لساناً، ففي الحديث عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله ))، وصلاة المسلمين ببعضهم جائزة ـ وإن اختلفت مذاهبهم ـ ما لم يأتوا فيها بناقض. والله أعلم.
هل يجوز أن أترك صلاة الجمعة في الجامع الأقرب، وأصليها في الجامع الأبعد لعدم استقامة الإمام وظهور فسقه، الأمر الذي يجعلني بعيداً عن الخشوع والاطمئنان في الصلاة؟
إن كنت لا تنوي بذلك تفريق الجماعة، ولم يؤد ذلك إلى فرقتهم، وإنما هو من أجل الاطمئنان في صلاتك وخشوعك، فلا حرج عليك في ذلك. والله أعلم.
صلاة المرأة:
ما الفرق بين صلاة الرجل والمرأة من حيث الأداء؟
الرجل يقيم لصلاته، والمرأة ليست عليها إقامة، والرجل يجافي يديه عن جنبيه في سجوده والمرأة تضم نفسها، والمرأة لا تنحني كثيراً من أجل الستر بخلاف الرجل وذلك في الركوع، وفي السجود لا ترفع عجزها عن رجليها كثيراً بخلاف الرجل. والله أعلم.
هل يصح للنساء أن يصلين في المسجد. وما الأدلة على ذلك؟ (1/118)
صفحة 119
نعم يصح لهم أن يصلين في المسجد، وقد نهى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن منع إماء الله بيوت الله، ولكنه ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ أمرهن أن يخرجن تفلات ـ أي غير متبرجات بشيء من الزينة ـ وأن يتصلبن في حديثهن، فلا يلن الكلام للرجال خشية الفتنة عليهم وعليهن، ولقد نهى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ المرأة إذا أصابت بخوراً أن تشهد الصلاة في المسجد، مع المحافظة التي كانت في الصحابيات ـ رضي الله تعالى عنهن ـ، وقالت أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ: لو رأى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما أحدثت النساء لمنعهن من المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل، ولقد ذكرت أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن النساء في عهد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ كن يخرجن إلى المسجد متلفعات بمروطهن، فإذا التزمت النساء المسلمات هذا الشرط وخرجن إلى المساجد وهن متحفظات محافظات على أمر الله تعالى غير متبرجات بزينة ولا مميلات بحديثهن، ولا متعرضات لشيء من الفتنة، فلا مانع من ذلك، وينبغي أن يكون بين النساء وبين الرجال فاصل، بحيث لا يرينهم ولا يرونهن، وإنما يصل إليهن الصوت. والله أعلم.
هل تصح صلاة المرأة إن لم تفرق شعرها؟
لا دليل على عدم صحة صلاتها، وإنما تؤمر بالفرق. والله أعلم.
هل يجوز للمرأة أن تظهر قدميها في حال الصلاة؟
اختلف العلماء في قدمي المرأة هل هما عورة أو لا؟ وعلى ذلك الاختلاف في جواز إبرازهما في الصلاة وغيرها، واستثناء الوجه والكفين يدل على عدم جواز إظهارها. والله أعلم.
* وقال سماحته في جواب لسؤال مماثل:
الحوطة في سترهما، للخروج من عهدة الخلاف، وحديث أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ يرجع ذلك. والله أعلم.
ما حكم شهود المرأة صلاة عيدي الفطر والأضحى المبارك؟ (1/119)
صفحة 120
شهود المرأة صلاة العيد في يومي الفطر والأضحى مما ثبت بالسنة، فقد أمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بإخراج العواتق والحيض في ذلك اليوم، وأمر من لم تكن عندها جلباب أن تستعير جلباباً من جارتها، ولكن ذلك مشروط بعدم اختلاط الجنسين، وعدم الإتيان بما يخل بالآداب الإسلامية. والله أعلم.
امرأة كانت تصلي بغير تكبيرة الإحرام، فلما تبين لها الحكم شرعت في قضاء تلك الصلوات، وهي الآن في حالة السفر، فهل تقضيها سفرية أم حضرية؟
تقضيها بحسب الحالة التي كانت عليها عندما أضاعتها، فإن كانت أضاعتها في حال الحضر فعليها قضاؤها حضرية ولو في السفر، وكذلك إن كانت أضاعتها في حال السفر تقضيها سفرية ولو في الحضر. والله أعلم.
امرأة توفي زوجها وبقيت في بلده، فهل يلزمها إتمام الصلاة أم القصر؟
بما أنها مستقرة هنالك تتم صلاتها، إلا إن نقلت وطنها عنه إلى مكان آخر. والله أعلم.
فتاة عمرها ثلاث وعشرون سنة، ولدت وهي معوقة ولا تستطيع النطق، ولكن عندها شيء من الفهم، ولكن أهلها لم يهتموا بتعليمها الصلاة، فما يجب على هذه الفتاة وعلى أهلها؟
عليهم أن يعلموها الصلاة، ولتصلها ولو بتكييف ألفاظها في قلبها، مع الإتيان بحركاتها، فإنها لا تعذر عن ذلك مع القدرة عليه. والله أعلم.
امرأة عمرها سبع وعشرون سنة، كانت تصلي فيما سبق من غير أن تقرأ الفاتحة في الركعة الأولى، فماذا عليها؟
عليها أن تعيد الصلوات التي صلتها بهذه الحالة منذ بلوغها، ولو كان ذلك بإعادة صلاة مع كل صلاة. والله أعلم.
امرأة لزوجها وطنان، وكانت تصلي في أحد أوطانه سفراً فماذا عليها؟
عليها أن تتم الصلاة حيثما يتم، وقصرها حيث يتم خطأ عليها جبره بالقضاء. والله أعلم.
ما قولكم في النساء اللائي يستعملن موانع الحمل مما يؤدي إلى استمرار خروج الدم أكثر من شهرين وبصورة غير منتطمة، ويكون الدم أحمر فاتح وليس له رائحة، فهل تقطع الصلاة والصوم لذلك؟ (1/120)
صفحة 121
لا يعد هذا حيضاً لا من حيث الوقت ولا من حيث الوصف، أما من حيث الوقت فإن دم الحيض أكثره عشرة أيام، وما جاوز ذلك فهو استحاضة، وأما من حيث الوصف فإن دم الحيض دم أسود ثخين له رائحة، وما كان رقيقاً أو أحمر أو لا رائحة له فهو استحاضة، وعليه فإنه تؤمر بأن تصلي وتصوم في حال رؤيتها هذا الدم، إلى أن ترى الدم الذي فيه صفات الحيض. والله أعلم.
امرأة وقع عليها حادث، مما أفقدها الوعي لعدة أيام، فلما أفاقت كان بها كسور في بعض أعضائها، ولم تستطع الحركة من مكانها، فأرادت أن تقضي الصلوات التي فاتتها، فكيف يكون قضاؤها وهي على هذه الحالة، وإن عجزت عن الوضوء فكيف تفعل؟
تقضي تلك الصلوات ولو بالإيماء، فإن قدرت على الوضوء تؤضأت، وإن لم تقدر تيممت، وإن لم تقدر سقط عنها الوضوء والتيمم، وتصلي كما أمكنها. والله أعلم.
ما حكم ائتمام النساء بالإمام في المصليات المنفصلة عن المسجد، كما هو الحال في بعض المساجد؟
أما النوافل فيتسامح فيها مالا يتسامح في الفروض، فلا بأس بصلاتهن مع الجماعة في النوافل في هذه المصليات، مع كونها وراء المسجد أو محاذيات له، وأما في الفروض فلا مانع من صلاتهن أيضاً مع الجماعة مع تقارب الصفوف لا مع تباعدها. والله أعلم.
هل يجوز للمرأة أن تأتم بالإمام وهي في بيتها إن كان بيتها بجوار المسجد وتسمع صوت الإمام بواسطة المكبر؟
لا، إلا إن كانت خلف الصفوف ولم تكن المسافة بينهما سحيقة. والله أعلم.
هل يصح للمرأة أن تصلي في الأماكن العامة كالحدائق مثلاً؟
المرأة مأمورة بالستر على أي حال، فينبغي أن تختار مكاناً ساتراً في حال صلاتها، فإنها تركع وتسجد هناك وهي مأمورة بالاستتار، وإن كانت في مكان ليس بساتر فعليها أن تبتعد حسب وسعها عن الرجال، وأن تصلي في المكان البعيد عن أنظار الرجال، حيث لا تتبين لهم حركاتها ولا يكتشفون تفاصيل جسمها عندما تركع وتسجد. والله أعلم. (1/121)
صفحة 122
سماحة الشيخ: هل تصح إمامة المرأة لبنات جنسها في الفرائض؟
اختلف العلماء في إمامة المرأة، فقيل تصح في الفرض وفي النفل، وقيل في النفل دون الفرض. وقد جاء في بعض الروايات عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما يدل على الإذن للنساء بالإمامة، والأصل الإطلاق حتى يثبت التقييد وعليه فلا مانع من إمامتها ببنات جنسها، على أن يكن بعيدات عن أنظار الرجال، وتكون في وسط الصف الأول من صفوفهن. والله أعلم.
صلاة السفر:
ما تقول سماحة الشيخ في من يخرج من بلده للعمل وطلب الرزق، ويستمر فترة من عمره خارج وطنه، فهل يقصر صلاته أو يتمها؟ وهل القصر واجب أو مباح؟ وإلى متى حد السفر؟ (1/122)
صفحة 123
اختلف المسلمون في قصر الصلاة في السفر هل هو عزيمة أو رخصة؟ والأدلة الثابتة عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ تؤكد أن القصر ليس مجرد رخصة وإنما هو عزيمة ـ أي واجب ـ، فإن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يثبت عنه أنه أتم الصلاة في سفره، وما روي عنه من ذلك لم يصح في النقول الصحيحة، كما قاله العلامة ابن القيم، ونحن مأمورون أن نصلي كما كان ـ صلى الله عليه وسلم ـ يصلي، ولو كان القصر رخصة لأوضح ذلك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقوله أو فعله ولو مرة واحدة، أضف إلى ذلك أن السنة القولية جاءت معززة لما ثبت من فعله ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ، فقد روي عنه (( صلاة المسافر ركعتان حتى يؤوب إلى أهله ))، وروي عنه (( ألا وأن تقام الصلاة في الحضر أربعاً وقصرها ركعتان، إلا وأن تقام الصلاة في السفر ركعتين وقصرها أربع ))، وناهيك بعمل الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ الذين هم خير القرون وأعلم الناس بهدي خير الخلق ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ، وقد ثبت عنهم الإنكار على إمامهم وخليفتهم عثمان بن عفان عندما أتم الصلاة بمنى حتى قال ابن مسعود (( صليت خلف رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بمنى ركعتين وخلف أبي بكر ركعتين وخلف عمر ركعتين، فليت لي من أربع ركعتين مقبولتين ))، وقد اعتذر إليهم ـ أي عثمان ـ بأن إتمامه في منى لأن له فيها حكم المقيم، من حيث إنه له أهل فيها، ومن كان كذلك فهو مقيم حسبما سمعه من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم. هذا وقد اختلفت المذاهب الإسلامية في تحديد مدة السفر، فقد جاء في بعضها تحديده بأربعة أيام، وفي بعضها بثلاثة أيام وفي بعضها بخمسة عشر يوماً، والسنة لم يأت فيها تحديد، فقد أقام ـ صلى الله عليه وسلم ـ بمكة ثمانية عشر يوماً وهو يقصر الصلاة، كما أنه أقام في غزوة تبوك شهراً أو أكثر وهو يقصر الصلاة، وكان أصحابه ـ رضي الله عنهم ـ يقصرون بالمقام في الأسفار ولو إلى سنتين، وبهذا يتضح أن العبرة (1/123)
صفحة 124
بالاستقرار لا بغيره، فمن رأى أنه مستقر في بلد هو مقيم فيه إقامة غير محدودة، عازم على استمراره في الإقامة به فليتم صلاته، وإلا فليقصرها. والله أعلم.
أرجو التكرم علينا ببيان مسافة القصر وما اختلف فيها؟
مسافة القصر فرسخان، وهي أربعة وعشرون ألف ذراع، واختلف العلماء في هذه الأذرع، فقيل بالذراع العادي وعليه فهي اثنا عشر كيلو متراً، وقيل بالذراع الهاشمي، وعليه فهي ثمانية عشر كيلوا متراً. والله أعلم.
إنني مقيم في مسقط للعمل، هل يجوز لي أن أصلي وطنا فيها؟
إذا أقمت في مكان فإن الأفضل لك أن تفرد كل صلاة في وقتها، فإن الجمع غير واجب بل جائز فحسب، والأفضل منه الإفراد، وإنما الواجب على المسافر قصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين ما دام لم ينو استيطان البلد الذي سافر إليه، أما إذا نوى الاستيطان فعليه أن يتم الصلاة، والمقيم في بلد إذا كان مطمئناً إليه لا يريد الانتقال عنه إلا لحاجة يعتبر من المواطنين فيه، وعليه فإن كنت تعمل في مسقط وأنت راغب في الاستمرار فعليك أن تصلي تماماً، أما إذا كنت غير راغب في البقاء فعليك أن تقصر الصلاة والإفراد خير لك من الجمع. والله تعالى أعلم.
ما قولك فضيلة الشيخ في رجل مقيم في مدينة روي ويعمل في بوشر، هل يصلي في بوشر تماماً أم قصراً؟ وهل له الجمع؟ (1/124)
صفحة 125
مسافة القصر هي فرسخان، فمن جاوزهما وجب عليه قصر الصلاة، لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ صلى بالمدينة الظهر أربعاً وصلى بذي الحليفة العصر ركعتين ـ كما في حديث جابر ـ رضي الله عنه ـ عند مسلم ـ، وبين ذي الحليفة والمدينة فرسخان، هذا والمسافة من بوشر إلى روي أكثر من فرسخين، لذلك يجب القصر على من كان مقيماً بإحدى البلدتين وسافر إلى الأخرى، إلا إذا امتد العمران وتداخلت البلدان، أو نوى توطين حوزة تشملهما معا، فإنه يبدأ قياس مسافة القصر في هذه الحالة بعد الخروج من الحوزة التي وطنها، ومن وجب عليه القصر جاز له الجمع، والإفراد أفضل لمن كان مقيماً بالبلد.. والله أعلم.
إنني أعمل في مسقط وساكن بالإيجار أنا وعائلتي، ولا أذهب إلى مسقط رأسي إلا في الإجازة الأسبوعية، فهل أقصر الصلاة أم أتمها؟
في مثل هذه الحالة أرى أن تتم الصلاة في مسقط، ولا يمنع ذلك الإتمام أيضاً في مسقط رأسك، ما دمت مبقياً على وطنك الأول. والله أعلم.
* وحول السؤال ورد لسماحته عن رجل من عمان ويعمل بالإمارات، وقد مضى علي سبع سنوات يقصر الصلاة، وهو يذهب إلى بلده كل شهر أو شهرين مرة فهل يستمر في الجمع أو يتم صلاته؟ (1/125)
صفحة 126
صلاة السفر عندنا واجبة وليست رخصة، ما دام الإنسان مسافراً لم ينو الاستيطان في البلد الذي انتقل إليه، أما إذا نوى اتخاذه وطناً وجب عليه الإتمام، وليست للسفر عندنا مدة، وإنما ذلك يعود إلى قصد الإنسان، فمتى نوى الإقامة في بلد مع الطمأنينة وعدم المزعج وجب عليه الإتمام، وإلا فلا، ولكن صلاة السفر لا تقتضي وجوب جمع الظهرين والعشاءين، وإنما الجمع مجرد رخصة، والأفضل لمن أقام في بلد ولو لمدة قصيرة أن يفرد كل صلاة في وقتها، غير أنه لا يتمها إلا إذا صلى خلف متم، وبهذا يتضح أن حكم صلاة المسئول عنه عائد إلى قصده، فإن كان نوى الإقامة في الأمارات من غير قصد للانتقال فعليه أن يتم، وإن كان لم يقصد ذلك فعليه أن يقصر الرباعيات إلى ركعتين، والإفراد أولى من الجمع. والله أعلم.
رجل من بلد غير البلد التي يعمل بها، وهو يومياً يغادر إلى بلده بعد انتهاء وقت العمل، حيث لا يملك بيتاً في البلد التي يعمل بها، وتجب عليه صلاة الظهر في البلد التي يعمل بها قبل مغادرته إلى بلده، وتجب صلاة العصر عليه في بلده فماذا يفعل هل يصلي سفراً أو تماماً؟
عليه أن يقصر صلاة الظهر إذا صلاها خارج أميال وطنه، وإذا صلى العصر داخل وطنه فليصلها تماما. والله أعلم.
وللفائدة فقد أجاب سماحته على سؤال مشابه بما نصه:
من جاوز مسافة القصر وهي فرسخان عندنا ـ أي اثنا عشر كيلو متراً ـ وجب عليه أن يقصر الصلاة، ولو صلاة واحدة. والله أعلم.
نحن موظفون من سكان منطقة الحاجر التي عن مقر عملنا حوالي ثلاثين كيلومترا، وحد السفر كما علمنا فرسخان، علما بأننا ننتهي من العمل الساعة الثانية والنصف بعد الظهر، فهل علينا أن نجمع الظهر مع العصر أم نصلي تماما لا نقصر ولا نجمع؟
إن كنتم مقيمين في الحاجر وقد وطنتموها وحدها دون سائر مناطق مسقط فيجب عليكم قصر الرباعية في مقر العمل، والإفراد أولى لكم من الجمع، وإن كان الجمع جائزا. والله أعلم. (1/126)
صفحة 127
ما تقول في مسافر يصلي بالناس ويتم صلاته في سفره، هل له ذلك؟ وهل نصلي خلفه؟
قصر الصلوات الرباعية في السفر واجب على المسافر إلا إذا صلى خلف مقيم، إذ لم يتم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في سفره قط، ولم يحدد مدة للسفر، وقد كان أصحابه ـ رضي الله عنهم ـ يقيمون في أسفارهم في البلدان أوقاتاً متفاوتة في الطول والقصر، منهم من يقيم أياماً، ومنهم من يقيم أشهراً، ومنهم من يقيم سنوات، ومع ذلك كانوا يقصرون الصلاة، وروي عن الحسن أنه قال مضت السنة أن يقصر المسافر ولو عشر سنين، وعليه فليس للمسافر أن يتم، ولا يصلى خلفه إن أتم، اللهم إلا أن يكون متأولاً. والله أعلم.
أنا من العاملين في دولة قطر مقيم فيها مع أهلي لمدة العقد الذي بيني وبين الدولة وهي خمس سنوات، أقطن الدوحة ومقر عملي يبعد عن الدوحة بخمسة عشر كيلو متراً، فتجب علي بعض الصلوات في الدوحة مقر السكن، وتجب علي بعضها في مقر العمل، فلا أعرف كيف أصلي في المكانين، هل أتم الصلاة أو أقصر وأفرد أم أجمع؟
ما دامت إقامتك محدودة، وأنت لا تنوي الاستمرار على العمل بعد انتهاء المدة، بل تنوي العودة إلى بلدك فعليك أن تقصر الصلاة، وأما إن كانت إقامتك غير محدودة وكنت مطمئناً راغباً في الاستقرار، أو كنت نويت اتخاذ تلك الدار وطناً ثانياً لك، فعليك الإتمام حيث أنت مقيم، وإذا خرجت من ذلك الموضع الذي حددته وجاوزته بقدر مسافة القصر وهي فرسخان ـ أي اثنا عشر كيلو متراً ـ فعليك القصر، والإفراد أفضل لك من الجمع إلا في حال جدك في السير فالجمع عندئذ أفضل. والله أعلم.
أنا رجل أعمل في الجيش وأنتقل بحكم عملي من مكان لآخر، فما هو الواجب علي في صلاتي القصر أم الإتمام؟
حكم قصر الصلاة في السفر لا يتغير بتغير وسائل الانتقال ما دام المسافر مجاوزاً مسافة القصر، ذلك لأن قصر الصلاة في السفر عزيمة وليس مجرد رخصة، كما تدل على ذلك الأحاديث. والله أعلم. (1/127)
صفحة 128
كيف تكون صلاة من خرج من بلده صباحاً وتجاوز الفرسخين، وعند عودته وجبت عليه صلاة الظهر فيما دون الفرسخين، فهل يصليها حضراً أم سفراً؟
في ذلك خلاف، والراجح أن القصر داخل الأميال حال العودة من السفر تابع للقصر خارجها، فمن لم يقصر الصلاة خارج الأميال، وعند عودته حضرته الصلاة داخل الأميال فعليه أن يتمها، على الراجح من أقوال العلماء. والله أعلم.
ما تقول في من خرج من بيته قاصداً السفر في وقت حضرت فيه صلاة مكتوبة رباعية، ووصل المكان الذي سافر إليه قبل خروج وقت تلك الصلاة، فهل يصليها قصراً أم تماماً؟
اختلف في الذي يخرج من داره وقد حضر وقت الصلاة، فقيل يصليها أربعاً، وقيل ركعتين وهو الصحيح، لأن الوقت كله وقت أداء، لأجل مراعاة العكس، وهو ما إذا دخل عليه الوقت في السفر ودخل وطنه ولم يصل فإنه يتم إجماعاً وكذا العكس في العكس. والله أعلم.
ما حكم الصلاة خلف إمام يتم الصلاة في مكان يجب عليه القصر فيه لكونه مسافراً؟
إذا أتم المسافر حيث يجب عليه القصر فلا يصلى خلفه، إلا إن كان متأولا، والله أعلم.
فضيلة الشيخ: إذا صلى الإنسان في بلده صلاة المغرب، ثم رحل إلى بلد آخر فهل يصلي العشاء قصراً أو تماماً؟
إذا صلى الإنسان في بلده أولى الصلاتين ثم سافر منها ولم يحضر وقت الثانية إلا وقد جاوز عمران بلده فعليه أن يقصرها، إن كان سفره تقصر فيه الصلاة بلا خلاف. وإنما الخلاف فيما إذا سافر بعد حضور الوقت وتعدى أميال وطنه أو قصد تعديها ولم يُصلِ إلا بعد خروجه من حدود بلده، فقيل عليه الإتمام، وقيل: بل يقصر وهو الراجح، لأن العبرة بالحالة التي هو عليها عند ما يصلي فكما أنه لو دخل عليه الوقت وهو في سفره فعاد ولم يُصلِ إلى حضره والوقت باق لزمه الإتمام إجماعاً، فكذلك العكس في العكس، لأن الوقت كله وقت أداء لا فرق بين أوله ووسطه وآخره. والله أعلم.
مسافر أتم الصلاة في حال سفره جهلا منه بوجوب القصر في السفر فماذا عليه؟ (1/128)
صفحة 129
من صلى تماماً في سفره جهلا لزمه أن يبدل جميع الصلوات التي صلاها تماماً، لأن قصر الصلاة في السفر عزيمة، وليس مجرد رخصة وعليه فمن أتم في سفره كمن قصر في حضره، وإلى ذلك يشير حديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ الذي رواه أبو غانم الخراساني ـ رحمه الله ـ في المدونة عن أبي المؤرج عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس ـ رضوان الله عليهما ـ قال: خطب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال في خطبته (( ألا وأن تقام الصلاة في الحضر أربعا وقصرها ركعتان، ألا وأن تقام الصلاة في السفر ركعتين وقصرها أربع )). قال القطب ـ رحمه الله ـ: المراد من الحديث أن من صلى أربعا في السفر كمن صلى ركعتين في الحضر، وقيل تلزمه الكفارة والقضاء، وقيل لا قضاء ولا كفارة، لأنه أتى بالواجب وزاد عليه، والقول الأول ( أي القول بوجوب القضاء فقط ) هو أوسط الأقوال وأعدلها. والله أعلم.
ما حكم من كان مسافراً، وعند عودته نسي أن يصلي قبل دخوله بلده، وكان وقت الصلاة الأولى قد انتهى ووقت الثانية حضر، فماذا عليه وكيف يؤدي الصلاتين وهو داخل بلده؟
عليه أن يصلي في بلده كلتا الصلاتين تماما، لأنه كان ناسياً فتذكر في وطنه، ومن نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا تذكرها فذلك وقتها هكذا يستفاد من السنة، ولا يبعد أن يقال بأنه يتم ولو كان ذاكرا وتعمد التأخير، وبناء على القول باشتراك وقت الصلاتين، وهو قول قوي تؤيده السنة ـ وإن قل العمل به. والله أعلم.
رجل رجع من سفره بعد فوات صلاة المغرب فجمع الصلاتين ( المغرب والعشاء ) في بيته، فهل يصليها تماما أو يقصر الصلاة الثانية؟
من رجع من سفره وجمع الصلاتين في بلده فعليه أن يصليها تماما ولو فات وقت الأولى على الراجح، وبعض العلماء يميلون في هذه الحالة إلى وجوب خروجه من بلده ليصليها خارجها. (1/129)
صفحة 130
ولكن لا أرى التشدد لثبوت الجمع عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فقد روى الإمام الربيع رحمه الله عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: صلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الظهر والعصر معا والمغرب والعشاء معا، من غير خوف ولا سفر ولا سحاب ولا مطر. وقد رواه الشيخان وغيرهما من طريق عمرو بن دينار عن جابر عن ابن عباس ببعض تغيير في اللفظ. والله أعلم.
كيف ينوي المسافر صلاته إذا أراد الصلاة خلف إمام مقيم؟
المسافر إن صلى خلف مقيم ينوي أن صلاته بصلاة إمامه، لوجوب المتابعة عليه للإمام، وذلك يكفيه، ولا يلزمه التلفظ بالنية. والله أعلم.
ما قول فضيلتكم في المسافر إذا عقد نية جمع الصلاتين عند بداية الصلاة الأولى، فكيف يعقد النية عند بداية الصلاة الثانية هل يذكر الصلاتين جميعا أو ماذا يفعل؟
النية هي القصد بالقلب، وليس التلفظ من النية في شيء، ولم تكن هذه الألفاظ معهودة في عهد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا في عهد الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ وإنما استحسنها بعض من جاء من بعدهم، نظراً إلى أن كثيراً من الناس العوام لا يدركون المعاني التي تنوى، وإنما يستعينون بترجمتها إلى ألفاظ على استحضارها في القلب، وإذا استحضر المصلي عند القيام للثانية النية بقلبه فذلك أولى. والله أعلم.
ما تقول في رجل مسافر صلى بأناس مقيمين صلاة الظهر، وأخبرهم إذا أتممت ركعتي الظهر وقمت لصلاة العصر فأتموا صلاتكم عندي، فهل صلاة المقيمين تامة أو لا؟
على المقيمين أن يتموا صلاتهم فرادى بعد أن تنتهي صلاة الإمام المسافر أما أن يصلوا ركعتين من صلاة الظهر خلف المسافر، ثم يتموا صلاتهم خلفه وهو يصلي العصر، فذلك مما لا يصح بحال. والله أعلم.
هل للمسافر أن يجمع بين الصلاتين في الوقت الذي بينهما، أم يؤجل أولاهما إلى وقت الثانية؟
له أن يجمع الصلاتين متى شاء، من أول وقت الأولى إلى آخر وقت الثانية. والله أعلم. (1/130)
صفحة 131
هل يجوز لنا ـ نحن الإباضية ـ في حال سفرنا أن نصلي صلاة الجمعة خلف غيرنا؟ وهل يجوز أن نصلي معهم وننويها قصراً؟
إن أقوموها في بلاد الإسلام، ولم يلابسها شيء مما يخل بأحكامها، فالواجب أن تنووها معهم جمعة، وإن أقاموها في بلاد الكفر وكانوا في إقامتهم لها متأولين، فلا حرج عليكم إن نويتم أداء فرض الظهر وراءهم، لأن الفرض الذي أنتم مخاطبون به ركعتان كالجمعة. والله أعلم.
كيف ينوي من أراد أن يصلي بالناس التراويح وهو مسافر، وكيف يعقد لفظ النية؟
من أمّ في صلاة السفر أو غيرها، فعليه أن ينوي أنه إمام لمن يصلي بصلاته، وكذلك ينوي في صلاة التراويح، أنه يصلي قيام رمضان إماماً لمن يصلي بصلاته إن كان إماماً، والتلفظ بالنية غير مشروط، وإنما النية المطلوبة القصد بالقلب، فعليه أن يستحضر بقلبه ما يصليه سواء تلفظ أم لم يتلفظ. والله أعلم.
ما قولكم في المسافر إذا وجد الجماعة المسافرين يجمعون العشاءين والوتر، وقد دخل عليهم في الركعة الثالثة من المغرب، فمتى يقضي الركعتين المتبقيتين من المغرب، هل بعد تسليم الإمام من صلاة المغرب أم إذا فرغوا من الصلاة كلها؟
يؤدي الركعتين الفائتتين بعد تسليم الإمام من صلاة المغرب، وإذا فاته شيء من صلاة العشاء فليستدركه بعد تسليم الإمام منها كذلك. والله أعلم.
إذا لم يستطع المسافر تحديد أوقات الصلاة في بعض البلاد الأجنبية كالسويد مثلاً، حيث تطلع الشمس وتغرب في وقت قصير جداً، وكذلك الصائم هناك فماذا يفعل المسلم في هذه الحالات؟
إذا كان البلد يتعذر فيه إقامة الصلاة في مواقيتها لقصر الزمن، ليلاً كان أو نهاراً، كما إذا كانت الشمس تطلع ساعة من نهار أو تغرب نحو ذلك، وجب الرجوع في أمر الصلاة إلى المواقيت الزمنية حسب المناطق الاستوائية المحاذية لذلك البلد، وكذلك في الصوم. والله أعلم. (1/131)
صفحة 132
رجل سافر من بلده ( فنجا ) إلى مسقط، وعند عودته وجبت عليه صلاة الظهر في مطرح، ورأى أنه يمكنه الوصول إلى فنجا قبل خروج وقت صلاة الظهر ليصليها تماماً، فاستمر في السير حتى وصل بلده قبل خروج وقت الظهر فصلاها تماماً لا قصراً، فهل ما فعله موافق للحق أم كان يلزمه أن يقصر الصلاة؟
من أدركته صلاة في سفره، ولم يصلها حتى عاد إلى وطنه والوقت باق، فعليه أن يصليها تماماً لا قصراً. والله أعلم.
هل يشرع لمن جمع الصلاتين المغرب والعشاء في سفره أن يصلي بعدهما سنة المغرب؟
لقد صلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ المغرب والعشاء بالمزدلفة جمعاً، ولم يصل بينهما شيئاً، ولم يؤثر عنه أن قضى بعد العشاء سنة المغرب، وفي ذلك ما يكفيك حجة ودليلاً. والله أعلم.
ما القول في رجل مسافر أمّ جماعة مسافرين لصلاتي المغرب والعشاء، وبعد ما انتهى من صلاته تذكر أنه قد صلى المغرب في وطنه، فماذا عليه هو وهل يلزمهم إعادة الصلاة؟
من أم قوماً في صلاة، فإذا هو قد صلاها من قبل لزمتهم إعادتها دونه. والله أعلم.
كيف يصلي المسافر على متن الطائرة، إذا كان لا يعرف القبلة، ولا يستطيع أن يؤدي الصلاة بكامل أركانها من ركوع وسجود؟
المسافر على الطائرة إن أمكنه أن يصلي قائماً ولم يدر جهة القبلة، فعليه أن يتحراها ويقيم الصلاة بكل أركانها، وإن لم يستطع فليصل على مقعده إلى حيثما اتجهت به الطائرة. والله أعلم.
رجل مسافر دخل مسجداً ونوى أن يصلي جمعاً صلاتي الظهر والعصر، فقام وصلى الظهر، فجاءت جماعة أيضاً مسافرون وأرادوا أن يصلوا جميعاً صلاة الظهر والعصر، فقام الرجل وألغى صلاة الظهر أي جعلها نافلة بعد الانتهاء منها، فدخل في صلاة الجماعة بنية فرض الظهر والعصر جمعاً، هل هذا الرجل أصاب الحق أم أخطأ؟ وقد جاء في الحديث (( لا يصلي أحدكم فرضاً مرتين )).
لا حرج عليه في ذلك، فقد أخذ برأي مشهور. والله أعلم. (1/132)
صفحة 133
ما تقول في رجل خرج من بيته مسافراً، وعند عودته في الطريق إلى بيته أدركته صلاة الظهر ولم يصلها، وقال أصلي فيما بعد حتى نسي أن يصلي إلى أن وصل بيته، فتذكر أنه لم يصل الظهر، وقد حان وقت صلاة العصر، فقام وصلى الظهر أولاً كاملة ـ أي أربع ركعات ـ ولم ينوها قصراً، ثم قام وصلى العصر كذلك، فهل هذا صواب أم خطأ؟
لقد أصاب حين صلى الظهر أربعاً بعدما ذكرها عندما وصل بلده، فمن نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا تذكرها، بحسب ما هو عليه من حضر أو سفر عند الذكر. والله أعلم.
أتممت عدة صلوات وكان حكمها القصر، فماذا علي أن أفعل؟
عليك قضاء الصلوات التي أتممتها قصراً مع الاستغفار. والله أعلم.
رجل يعمل بالعاصمة وغير مقيم بها ويقصر الصلاة، فإذا صلى خلف إمام مقيم هل يقول ( أصلي فريضة عشاء الآخرة أربع ركعات ) أو لا يذكر عدد الركعات؟ وهل يقول صلاتي بصلاة إمام الجماعة؟
لا داعي إلى ذكر الركعات، وعليه أن ينوي صلاته صلاة إمامه. والله أعلم.
كيف تصلي المتزوجة من بلد بعيد عن بلد الزوج؟
يجب على المرأة أن تتبع زوجها في القصر والإتمام، إلا إن اشترطت سكنى في بلاد أهلها. والله أعلم.
ما قولكم ـ سماحة الشيخ ـ فيمن تزوج من بلد تبعد عن بلده مسافة تقدر بخمسة وثلاثين كيلو متراً أو أكثر، وكثيراً ما يذهب لزيارة أهل زوجته ويصلي قصراً، فما الحكم إذا أراد أن يستوطن تلك البلد بحيث يتم صلاته فيها؟
لا حرج عليه من توطينه بلداً تزوج منه. والله أعلم.
هل صلاة السفر عزيمة أم رخصة؟ وما مسافة القصر؟ وما الأدلة على ذلك؟
من العلماء من يرى أنها عزيمة من العزائم أي لا يراها مجرد رخصة، وهذا هو القول الذي عليه مذهبنا والذي عليه الحنفية وجماعة من الحنابلة، وهناك من يراها سنة ومن يراها رخصة من الرخص، والقول بأنها عزيمة يتأيد بأدلة كثيرة منها: (1/133)
صفحة 134
1. ... حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ (( فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر )).
2. ... قول جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنه ـ (( صلاة السفر ركعتان تماماً لا قصراً على لسان نبيكم ـ صلى الله عليه وسلم ـ )).
3. ... ما رواه الإمام أبو غانم الخراساني في مدونته عن أبي المؤرج عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ خطب فقال في خطبته: ألا وأن تقام الصلاة في الحضر أربعاً وقصرها ركعتان ألا وأن تقام الصلاة في السفر ركعتين وقصرها أربع.
أما الأدلة من قال بأنها مجرد رخصة أو بأنها سنة يصح تركها:
1. ... قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (( صلاة السفر صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته )).
ووجه الاستدلال: أنها مجرد صدقة وليست زيادة على ذلك، والجواب: أن الحديث لا يدل على إسقاط وجوب صلاة السفر، فالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (( فاقبلوا صدقته )) والأمر للوجوب، وكون صلاة السفر صدقة ككون يوم العيد ضيافة من الله سبحانه، فلا يجوز لأحد أن يصوم يوم عيد الفطر أو النحر بإجماع المسلمين.
2. ... قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (( إن الله قد وضع عن المسافر الصيام وشطر الصلاة )) ووجه الاستدلال: أن وضعه الصيام ليس بعزيمة بالإجماع وكذلك قصر الصلاة.
ويمكن أن يجاب: بأن وضع الصيام ووضع شطر الصلاة إنما عطف أحدهما على الآخر بمجرد النظر إلى الوضع، مع غض النظر عن الاتفاق في الأحكام، فشطر الصلاة الذي وضع عن المسافر لا يلزم أحداً من المسافرين أن يقضيه بالإجماع، بينما الذين يفطرون في شهر رمضان بأي سفر يلزمهم القضاء بالإجماع. (1/134)
صفحة 135
أما تحديد مسافة السفر، فإن القول المأخوذ به عندنا أنها فرسخان، والفرسخان اثنا عشر كيلوا متراً تقريباً، والحجة لهذا ما جاء في الحديث الذي رواه مسلم عن جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنه ـ أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (( أقام في ذي الحليفة في سفره إلى حجة الوداع يوماً وليلة وكان يقصر الصلاة )).
وما رواه أبو غانم أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ خرج بأصحابه إلى ذي الحليفة وقصر الصلاة ورجع بهم وقال: (( أردت أن أعلمكم مسافة القصر )). وتحدد بعض المذاهب المسافة بأربعة برد، ومنهم من يحدد المسافة بمسير ثلاثة أيام، ومنهم من يقدر المسافة بغير ذلك من التقديرات.
وذهب بعض العلماء في الوقت المتأخر إلى أن قصر صلاة السفر إنما يصح لكل من جاوز فرسخا، لاعتباره أنه يصدق عليه اسم مسافر، وهذا المذهب قريب من مذهب الظاهرية، والذين يرون أن القصر يصح لكل من يطلق عليه اسم مسافر من دون تحديد بعد، ولكن إذا ورد التحديد من الشارع فالأولى الأخذ بذلك التحديد بل هو الواجب. والله سبحانه وتعالى أعلم.
إذا دخل المسافر مسجداً به موطّنون ولا يوجد بينهم من يؤمهم، فطلبوه أن يتقدم لإمامتهم فكيف يصلي بهم؟
يصلي بهم ركعتين، وهم يتمون خلفه، كما فعل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عندما صلى بأهل مكة ركعتين، ثم قال لهم: (( يا أهل مكة إنا قوم سفر فأتموا صلاتكم )). والله أعلم.
رجل يصلي بالناس وهو مسافر، فكيف تكون إمامته في الصلوات الرباعية؟
إن كان غير مستقر في تلك البلدة، فعليه أن يصلي بها صلاة المسافر، وإن أمهم فليصل بهم ركعتين في الرباعية. والله أعلم.
إذا صلى مسافر خلف مقيم، وفسدت صلاة المسافر، فهل يصليها تماماً أم قصراً؟ وهل يختلف إن كان أول الوقت أو بعده؟
يصلي صلاة إمامه في الوقت وبعده، وقيل بعد الوقت ركعتين. والله أعلم.
هل القصر في السفر واجب؟ وهل يأثم من لم يقصر؟ (1/135)
صفحة 136
قصر الرباعية في السفر واجب، إلا إن صلى المسافر خلف المقيم فعليه الإتمام، والمقيم آثم لمخالفته السنة، وعليه الإعادة والتوبة، واختلف في الكفارة، ذلك إن كان عمداً. والله أعلم.
فيمن سافر وأراد جمع المغرب والعشاء، فدخل المسجد فوجد الجماعة قائمة لصلاة العشاء. فماذا عليه أن يفعل؟
يصلي المغرب بعيداً عن الجماعة، ثم ينضم إلى الجماعة ويصلي العشاء، وإن كان لا يدرك ذلك فليصل مع الجماعة نافلة ثم يصلي الفرضين. والله أعلم.
رجل وجبت عليه صلاة المغرب في حال السفر، فهل يجوز له الجمع مع العشاء إذا وصل مشارف وطنه قبل انتهاء وقت المغرب؟
ليس له الجمع، إلا إن استصحب حكم السفر، وذلك مشروط بأن يكون قد صلى صلاة رباعية قصراً، أما إن لم يصل قصراً، لعدم حضور صلاة خارج الأميال، أو لكون الصلاة التي صلاها لا تقصر وهي المغرب أو الفجر، أو صلى رباعية تماماً لكونه صلاها خلف الإمام المقيم، أو كانت امرأة وكانت حائضاً أو نفساء قبل أن تعود إلى أميال وطنها، ففي جميع هذه الأحوال يلزمه الإتمام، ولا يباح له الجمع من أجل السفر. والله أعلم.
ما حكم فيمن أراد جمع صلاة الظهر والعصر معاً، فوجد جماعة فصلى معهم ظناً منه أنهم يريدون الجمع، فلما سلم الإمام لصلاة الظهر لم يقم لصلاة العصر مباشرة بل مكث بعض الوقت، فاعتقد الرجل أنهم لن يجمعوا الصلاتين، فقام بنفسه لصلاة العصر، فلما أتم منها ركعة كاملة قام الجماعة لصلاة العصر، فجعل هذا الرجل تلك الركعة نافلة، وأعاد الفريضة مع الجماعة، فهل من بأس في صلاته وصلاة الجماعة؟
إن لم يكن الفاصل بين الوقتين مقدار الصلاة الثانية فلا حرج، والأحوط إعادة الثانية في وقتها على أي حال. والله أعلم.
رجل مسافر صلى المغرب والعشاء جمع تأخير فانتقضت صلاة العشاء، فهل يعيد الصلاتين أم العشاء وحدها؟
يعيد العشاء وحدها. والله أعلم.
هل ينتقض الجمع إذا تكلم المصلي بينهما؟ (1/136)
صفحة 137
في ذلك خلاف، والأصح عدم انتقاض الجمع بالكلام بين الصلاتين. والله أعلم.
فيمن يجمع الصلاتين وهو مقيم في سفره بدون عذر، وإنما لأجل مشاهدة التلفاز أو لعب الكرة. فهل يجوز ذلك؟
لا ينبغي للمقيم الجمع بين الصلاتين إلا لأمر داع كمرض أو حاجة، وهؤلاء الذين يجمعون الصلاتين من أجل الراحة مخالفون للسنة. والله أعلم.
هل يصح جمع الصلاة لمن ابتلاه الله بسلس البول؟
من به سلس البول يجب عليه أن يتوضأ لكل صلاة إلا إن جمع الصلاتين ويجوز له الجمع لهذا العذر من غير سفر، ولكن مع الإتمام. والله أعلم.
ما قولكم في رجل أجنبي مقيم في أحد المساجد لإمامة الناس، فهل يصح للموطّنين أن يصلوا معه الفرائض؟ وما تقول في مواطن من الداخلية استقر في السيب، هل يصح له أن يؤم المصلين في الفرائض؟
الصلاة لا فرق فيها بين مواطن وأجنبي، لأن المعيار هو الموافقة للشريعة وأحكامها أو عدم ذلك، والتوطين الذي يترتب عليه الإتمام هو أن يقصد الموطن الإقامة الدائمة في البلد الذي وطنه، ولا مانع في هذه الحالة أن يؤم المصلين هناك. والله أعلم.
ما قولكم في رجل اتخذ مسقط وطناً ثانياً له، وله ولد يعمل في مسقط أيضاً، فهل على هذا الولد أن يتخذ وطن أبيه وطناً له أم عليه القصر؟
إن كان الولد غير بالغ فهو تبع لأبيه، وإن كان بالغاً فهو مستقل بنفسه، وحيثما وصل لزمه الإتمام. والله أعلم.
فيمن طال سفره أكثر من أربعة عشر عاماً. فهل يلزمه القصر أم الإتمام؟
إن سكن سكنى المستقر المطمئن فعليه الإتمام. والله أعلم.
ما قولكم فيمن تقدم لطلب وظيفة إمام مسجد، على أن ينوي الاستيطان في المنطقة التي تعين بها بعد حصوله على الموافقة على توظيفه؟
لا بد من التوطين من أول الأمر. والله أعلم.
هل يجوز خلع الوطن؟ وكيف يتم ذلك؟
نعم، لمن أراد الانتقال من ذلك إلى غيره، على أن يكون خلع الوطن بعد الخروج منه إلى مسافة القصر. والله أعلم. (1/137)
صفحة 138
أسكن في المنطقة الداخلية، وأدرس في الجامعة، ومقيم حالياً في السيب فهل يجوز لي أن اتخذها وطناً لي وأتم الصلاة فيها؟
إن كنت ناوياً الاستقرار الدائم في السيب ـ حتى بعد التخرج ـ فأتم فيها الصلاة، وإلا فلا والفيصل في ذلك طمأنينة القلب وعدمها. والله أعلم.
رجل تزوج من بلد غير بلده، فهل يصح أن يستوطن فيها ويتم الصلاة بها؟
إن كان يرى نفسه مطمئنة في تلك البلدة راغباً في الإقامة بها، فلا حرج عليه في توطينها. والله أعلم.
صلى بنا رجل مسافر عدة سنوات، وكان يتم بنا الصلاة جهلاً منه بحكم صلاة السفر، فهل تلزمنا الكفارة والقضاء أم لا؟
لا تجب عليكم الكفارة، ولعسر القضاء ـ وأنتم لم تقصدوا مخالفة السنة ـ أرى الأخذ برأي من لا يوجب القضاء. والله أعلم.
جماعة مسافرون يجمعون الظهر والعصر، أدركهم رجل مسافر أيضاً في صلاة العصر فدخل معهم، ولكن فصل بينه وبين الصف رجل يصلي نافلة، فهل تصح صلاته على هذه الحالة؟
إن لم تكن هناك فرجة بين المتنفل والصف، ولا بين مصلي العصر والمتنفل، ولم يكن المتنفل آخذاً قافية الإمام فصلاته صحيحة، لأن المتنفل في هذه الجالة ساداً للفرجة، ولكن إن خرج من الصف فعلى هذا المصلي مع الجماعة أن يسد الفرجة فوراً، فإن لم يسدها بطلت صلاته. والله أعلم.
هل تصح الصلاة خلف من يتم في السفر بغير تأول، وماذا يلزم من يأتم به؟
لا، وعلى من صلى خلفه الإعادة. والله أعلم.
رجل وجبت عليه فريضة المغرب في السفر، وسوف يرجع إلى وطنه قبل صلاة العشاء، فهل يصلي جمعاً أم قصراً؟
يجوز له الجمع، وأما القصر فالمغرب لا تقصر، وإنما تقصر الرباعية إلى ركعتين في حال السفر. والله أعلم.
فيمن رجع من سفره، ولم يتمكن من أداء صلاة المغرب في وقتها حتى دخل أميال وطنه وقد فات وقت المغرب، فماذا يفعل؟
يجمع الصلاتين هناك مع إتمام العشاء، إن كان لم يقصر خارج الأميال، ومع قصرها إن كان قصر خارجها. والله أعلم. (1/138)
صفحة 139
جماعة سافرت إلى بلد، فلما حضرت الصلاة صلى أحدهم تماماً، فلما سألوه عن السبب أخبرهم بأن له أختاً تسكن في ذلك البلد، ولذلك فهو يتم الصلاة فيها، فهل يصح له ذلك أم لا؟
إن كانت إقامته في غير ذلك البلد، بحيث تصل المسافة حد القصر، فلا يجوز له الإتمام وعليه القصر، ولا يسوغ له الإتمام أن فيه أخته، إذ لا ربط بين وجود أخته وبين التوطين. والله أعلم.
إنني من سكان مسقط وأعمل في وزارة الدفاع، ومقيم حالياً في محافظة صلالة لأجل العمل، وأسكن مع أهلي في بيت مستأجر، ولا أدري متى يتم نقلي من مكان عملي الحالي، فهل يلزمني القصر في صلالة أم الإتمام؟
وطن الإنسان موئل استقراره وطمأنينته، فإن كنت ترغب في الاستقرار بصلالة، والاستمرار بها فأتم الصلاة، وإلا فلا. والله أعلم.
رجل تزوج امرأة، وعندما يذهب هو وزوجته إلى زيارة أهلها كانت تتم الصلاة هنالك جهلاً منها بأن المرأة تابعة لزوجها في قصر الصلاة وإتمامها، وبقيت على هذه الحالة مدة خمسة وعشرين عاماً فماذا يلزمها؟
عليها أن تصلي بصلاة زوجها، والخلاف فيما صلته من قبل تماماً حيث يقصر والأصح أن عليها قضاء تلك الصلوات. والله أعلم.
عند جمع الصلاتين، هل يجوز أن يفصل بينهما بحديث أو بدعاء؟
يكره ذلك لغير ضرورة. والله أعلم.
هل يصلى سنة المغرب عند الجمع الصوري؟
تسقط سنة المغرب بالجمع بين العشاءين، سواء مع القصر أو الإتمام. والله أعلم.
نحن طلبة مدراس، يبدأ وقت الدراسة قبل صلاة الظهر، وينتهي بعد صلاة العصر، ولا نتمكن من الصلاة خلال فترة الدراسة، فماذا نفعل؟
لا بد لكم من الصلاة، وإنما لكم الجمع بين الظهر والعصر في مثل هذه الحالة ولو كنتم مقيمين، وإنما عليكم الإتمام في حال الإقامة. والله أعلم. (1/139)
صفحة 140
رجل يعمل في المستشفى، وعمله يتطلب أن يسجل حالات المرضى في جهاز الحاسوب أولاً بأول، وتتوقف على ذلك حياة المرضى، وفي بعض الحالات تفوته بعض الصلوات بسبب ذلك، فماذا يفعل في مثل هذه الحالة؟
في هذه الحالة يباح له أن يجمع بين صلاتي الظهر والعصر، وكذلك المغرب والعشاء جمعاً صورياً. والله أعلم.
السنن والنوافل:
ما هي السنن المستحبة من غير السنن الراتبة التي عقب الفرائض؟
السنن كثيرة، منها: سنة العيدين وقيل بوجوبها على الكفاية، وسنة الخسوف وسنة الكسوف وسنة تحية المسجد وقيل بوجوبها، لثبوت الأمر بها والنهي عن الجلوس قبلها من قوله ـ صلى الله عليه وسلم.
ومنها: سنن التهجد، وصلاة الضحى، وصلاة الاستسقاء، وغيرها من الصلوات المأثورة. والله أعلم.
ما حكم صلاة تحية المسجد؟
تحية المسجد فيها خلاف، قيل بوجوبها وقيل بسنيتها، وأقل ما أرى أن يقال فيها إنها مؤكدة، لقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (( إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس ))، وهو دليل وجوب إتيانها قبل الجلوس، إذ الأصل في الأمر أنه للوجوب ما لم تصرفه قرينة، وفي رواية أخرى (( إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين ))، وهو نهي عن الجلوس قبل ركوعهما، والأصل في النهي التحريم ما لم تصرفه عنه قرينة. والله أعلم.
شيخنا العلامة: ما رأيكم في رجل أراد أن يصلي ركعتين نافلة قبل صلاة المغرب؟ وما القول في صلاة النفل جلوساً؟
ورد في حديث البخاري عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ (( أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمر بصلاة ركعتين قبل المغرب ))، وفي بعض الروايات (( لمن يشاء ))، وقد ذهب كثير من العلماء إلى عدم استحباب الصلاة في ذلك الوقت خشية أن تطول فيضيق وقت المغرب. والله أعلم.
* ولا بأس بصلاة النفل جلوساً، ولكن الأولى القيام فيها، فإن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم، هكذا ورد في الحديث. والله أعلم. (1/140)
صفحة 141
عن امرأة تريد أن تعتاد أداء سنة الضحى كل يوم، إلا أن لديها أولاد يمنعونها عن الصلاة في كثير من الأحيان لكون بعضهم رضعا... فكيف تفعل؟
الصلاة خير موضوع فمن شاء فليكثر ومن شاء فليقلل، هذا في النوافل، أما الفرائض فلا يصح الإقلال منها، وإنما على الإنسان أن يأتي بها تامة، وصلاة الضحى من ضمن الصلوات المسنونة المرغب فيها، وقد كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يصليها، وإن كانت عائشة ـ رضي الله عنها ـ لم تطلع على ذلك. ولذلك نفت أن يكون عليه الصلاة والسلام سبحها، ولكنها قالت: ( إني لأسبحها )، وهذا يدل على أن المرأة كالرجل في صلاتها، وعليه فلا مانع أن تصليها المرأة ولو كانت مرضعاً، اللهم إلا أن يمنعها منها زوجها ـ إذا كانت تمنعها من أداء حقوقه ـ، فإن طاعته أولى لأنها واجبة، وسنة الضحى مندوب إليها، ولا يترك الواجب للمندوب. والله أعلم.
رجل يصلي الضحى وبعض الأحيان يشتغل عنها بسبب العمل، هل عليه شيء؟
لا حرج على من يصلي الضحى إن اشتغل عنها بسبب الأعمال، والله يتقبل منه، وهكذا حكم جميع النوافل. والله أعلم.
إذا صلى المسلم الوتر، ثم بدأ له أن يتنفل بشيء من الركعات، فهل له ذلك؟
لا يصح التنفل بعد الوتر، ومن شاء التنفل بعد الإيتار فلينم قبل أن يتنفل، وإلا أخر الوتر وقدم النفل، عملاً بحديث جابر بن عبدالله ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: (( أيكم خاف ألا يقوم من آخر الليل فليوتر ثم ليرقد، ومن وثق بقيام من آخر الليل فليوتر من آخره، فإن قراءته محضورة وذلك أفضل )). رواه أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجه.
وروى الجماعة إلا ابن ماجه عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (( اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً ))، وبالجمع بين هاتين الروايتين يتضح امتناع التنفل بعد الوتر على من لم ينم بعده، لا على من نام. والله أعلم.
كيف تصلي صلاة التسبيح؟ (1/141)
صفحة 142
صلاة التسبيح هي أربع ركعات تجوز ليلاً ونهاراً، والأولى صلاتها ظهراً، يصليها الإنسان في كل يوم أو في كل جمعة أو في كل شهر أو في كل عام أو مرة في العمر، من صلاها ليلاً فصل بعد التشهد الأول بسلام، ومن صلاها نهاراً جاز له الوصل والفصل، يأتي فيها بالباقيات الصالحات في كل ركعة خمساً وسبعين مرة، وهي (( سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ))، يقول ذلك بعد الفراغ من القراءة خمس عشرة مرة، وفي الركوع عشر مرات، وبعد الرفع من الركوع عشر مرات، وفي السجدة الأولى عشر مرات، وبين السجدتين مثل ذلك، وفي السجود الثاني مثل ذلك، وعند الرفع منه قبل القراءة أو التشهد مثل ذلك. والله أعلم.
ما هو القول الراجح في حكم صلاة العيدين هل وجوبها أم سنيتها؟ وأين تؤدى؟
صلاة العيدين سنة مؤكدة، وقيل إنها فرض كفاية، والدليل على أنها سنة مؤكدة ملازمة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لها، وبالجمع بين صنيعه هذا وحديث حصر الصلاة المفروضة في الصلوات الخمس، يظهر أنها سنة مؤكدة، ويستحسن أن تصلى في مكان خارج البلد تأسياً بالرسول ـ صلى الله عليه وسلم. والله أعلم.
كيف تؤدي صلاة العيد على أرجح الأقوال؟ حيث نرى اختلافاً في كيفية تأديتها بين بلاد وأخرى.
في صلاة العيد وجوه شتى كلها جائزة ـ إن شاء الله ـ، والمعمول به عندنا أن يكبر لها ثلاث عشرة تكبيرة، ولأصحابنا في ذلك وجهان الأول أن يكبر خمساً بعد الإحرام وخمساً بع القراءة من الركعة الثانية وثلاثا بين الركوع والسجود في نفس الركعة، والثاني أن يكبر بعد الإحرام ستاً، وبعد القراءة من الركعة الثانية سبعاً، ولا يكبر بين الركوع والسجود، وهذا الذي أعمل به. والله أعلم.
ما حكم من ترك السنن المؤكدة، وهل يأثم في ذلك؟
من ترك السنن المؤكدة فهو خسيس المنزلة وأمره إلى الله. والله أعلم. (1/142)
صفحة 143
ما قولكم فيمن يؤدي السنن والنوافل وهو مقيم، وذلك أثناء تأدية الجماعة لصلاة الفريضة في حالة الجمع؟
شدد في ذلك جماعة من العلماء، لأجل حديث (( إذا أقيمت المكتوبة في جماعة فلا صلاة إلا المكتوبة ))، ولكن يتجه لي القول بالجواز، نظراً إلى أن النهي في الحديث من أجل المحافظة على جمع الشمل ومنع التفرقة، وهنا لا يفترق الشمل، لأن المتنفلين قد أدوا فرضهم، وهم غير متعبدين بالحال بالصلاة التي يصليها الإمام وجماعته. والله أعلم.
صلاة الضحى كم ركعة تصلى؟ وهل يفصل بالتسليم بين كل ركعتين؟
أقلها ركعتان، وأكثرها ثماني ركعات، وإن صلاها أربعاً جاز الوصل والفصل فيها، وإن زاد فلا بد من الفصل بتسليمة بعد كل ركعتين. والله أعلم.
ما هو الصحيح في صلاة الوتر والوصل أم الفصل؟
كلا الأمرين ثابت بالسنة. والله أعلم.
ما حكم تحية المسجد بعد أذان الفجر؟
إن كان الأذان بعد انشقاق الفجر فركعتا السنة تجزيان عن تحية المسجد، ولا يصل الداخل غيرهما، وإن كان الأذان قبل الفجر فليركع ركعتي التحية. والله أعلم.
هل يجوز الاقتصار على سنة الوتر بعد فريضة العشاء دون صلاة السنة قبلها؟
سنة العشاء ليست واجبة، فمن اقتصر بعد الفريضة على الوتر فلا حرج عليه. والله أعلم.
هل يجوز أن تصلى ركعتي الإحرام جماعة، وهل القراءة فيهما سرية أم جهرية؟
يجوز صلاتها جماعة وفرادى، وإن صليتا جماعة فالقراءة فيهما جهرية ليلاً أو نهاراًً. والله أعلم.
فيمن أراد أن يفصل بعد الركعتين في صلاة الوتر، هل عليه أن يعيد التوجيه في الركعة الأخيرة، وكيف الحال إذا أراد أن يصلي الوتر خمساً أو سبعاً؟
إن اكتفى بالتوجيه الأول أجزأه، وإن أعاده فذلك جائز، وكذلك فيما زاد إلى خمس ركعات أو سبع ركعات. والله أعلم.
هل تصح صلاة الاستخارة بعد أداء الوتر؟ وكيف تكون علامات الاستجابة أو عدمها؟ (1/143)
صفحة 144
بما أن صلاة الاستخارة صلاة ذات سبب فلا مانع من أن تكون بعد الوتر، ويمكن للإنسان أن يستدل على أن الخير في الإقدام على الأمر الذي استخار فيه بانشراح صدره له أو رؤيا صالحة تشجعه عليه، والعكس في العكس. والله أعلم.
هل يصح لي أن أتنفل بثلاث ركعات؟
لا تتنفل بثلاث ركعات، إلا إن وجدت جماعة تصلي فرض المغرب وقد صليته، فصل معهم نافلة. والله أعلم.
ما قولكم في صلاة التنفل هل يفصل بين ركعاتها بالتسليم أم يوصل بين ركعاتها؟
الأولى في صلاة الليل الفصل، وفي النهار الوصل. والله أعلم.
ما حكم صلاة التطوع قبل صلاة العيدين؟
ينبغي أن لا يصلى قبلها ولا بعدها شيء. والله أعلم.
وجدنا في كتاب الزمرد الفائق: أنه يروى عن الشيخ حميد بن خميس بن علي الحجري أنه كان عالماً وعليه مدار الفتوى في بلد الواصل، وكان يروى عنه أنه كان ينكر على من يقدم النوافل قبل الفرائض، فما رأي سماحتكم في ذلك؟
نعم، ما ذكر هنا عن الشيخ إنما هو رأي ينسب إلى بعض العلماء، ولكن الراجح ما دلت عليه السنة، وهو ثبوت التنفل قبل الفرائض، فإن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يصلي قبل الظهر وقبل العصر وقبل العشاء، وسنة الفجر ثابتة مؤكدة عند الكل بإجماع، ولاحظ للنظر مع الأثر. والله أعلم.
ما حكم صلاة التطوع بعد أذان العصر مباشرة؟
لا مانع من التطوع بعد أذان العصر وقبل أداء الفريضة. والله أعلم.
ما الراجح عندكم فيمن صلى الفجر أو العصر، ثم وجد جماعة يصلون، هل يصلي معهم نافلة، أم لا؟
اختلف العلماء في ذلك، وقد جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (( إذا جئت والناس يصلون فصل معهم ))، وثبت أيضاً في الحديث الصحيح عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (( لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس)) والحديثان كل واحد منهما عام من وجه وخاص من وجه. (1/144)
صفحة 145
فقول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (( إذا جئت والناس يصلون فصل معهم )) عام في الوقت، لأن (( إذا )) من أدوات العموم، وخاص في الصلاة، لأن الصلاة التي يؤمر بصلاتها هي الصلاة التي صلاها الإنسان في بيته أو مكان آخر ثم وجد جماعة تصليها.
وقوله ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ: (( لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس )) عام في الصلاة وخاص في الوقت، لأن الصلاة المنهي عنها ـ بمقتضى عموم الحديث ـ كل صلاة، ولكنه خاص في الوقت لأنه يتقيد بالصلاة بعد العصر، وبالصلاة بعد الصبح وفي مثل ذلك يقول العلامة ابن رشد: إذا تعارض دليلان، كان أحدهما خاصاً من وجه وعاماً من الوجه الآخر، والآخر على العكس منه، ينبغي النظر في الخصوصية والعمومية فإن كان أحد الخصوصين أقوى من الخصوص الآخر، كان الخصوص الأقوى مخصصاً لعموم الدليل الآخر، وإن كان أحد العمومين أضعف من العموم الآخر كان ذلك العموم مخصصاً للخصوص الآخر.
فإذا وقع التعارض وكان الدليلان متساويين من قبل القوة والضعف، بحيث لا يرجح أحد الخصوصين على الآخر، ولا يرجح أحد العمومين على الآخر، فإنه يلتمس له مرجح من الخارج، ونحن نجد أن المرجح في الموضوع من الخارج وأن النهي عن الصلاة بعد العصر كالنهي عن الصلاة بعد الصبح. (1/145)
صفحة 146
ولقد جاء في رواية أخرجها بعض أئمة الحديث، أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان بمنى فوجد رجلين لم يصليا مع الناس صلاة الصبح، فطلبهما فجيء بهما ترجف قلوبهما، فسألهما (( ما بالكما لم تصليا مع الناس ألستما بمسلمين )) قالا: بلى، ولكننا صلينا في رحالنا، فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (( إذا جئتما والناس يصلون فصليا معهم ولو صليتما في رحالكما، هي لكما نافلة )) والحديث وارد في الصلاة بعد الصبح، ويحمل الأمر بالصلاة بعد العصر على هذا، لتساوي النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر. وعموم الأمر بالصلاة لمن وجد جماعة تصلي، وهنالك من العلماء من يستثني الصبح وحدها من عموم الأمر بالصلاة لمن وجد جماعة تصلي، ومنهم من يستثني المغرب لأن المغرب، وتر النهار، والوتر لا يتكرر، ومنهم من استثنى الصبح والمغرب، ومنهم من استثنى الصبح والعصر والمغرب، وهذه الخلافات ينبغي ردها إلى ما ثبت من الدليل والثابت هو ما قدمناه. والله أعلم.
فيمن أعتاد على صلاة الليل، وفي أحدى الليالي نام عنها ولم يستيقظ، فماذا عليه أن يفعل؟
يكتب له أجر نيته، ونومه صدقة من الله عليه، وإن قضى صلاة ليله بالنهار ضوعف له الأجر. والله أعلم.
ما الراجح عندكم في صلاة الكسوف والخسوف. هل هما ركعتان بركوعين كسائر الصلوات أم لكل ركعة ركوعان؟ (1/146)
صفحة 147
ثبتت صلاة الكسوف عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بصفة مخالفة لسائر الصلوات، فقد روى الإمام الربيع ـ رحمه الله ـ بسنده عن ابن عباس والسيدة عائشة ـ رضي الله عنهما ـ أن كل واحد منهما قال: (( كسفت الشمس على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فصلى بالناس فقام قياماً طويلاً فقرأ نحواً من سورة البقرة، ثم ركع ركوعاً طويلاً، ثم قام قياماً طويلاً ـ وهو دون القيام الأول ـ ثم سجد ثم قام قياماً طويلاً ـ وهو دون القيام الأول ـ ثم ركع ركوعاً طويلاً وهو دون الركوع الأول، ثم قام قياماً طويلاً ـ وهو دون القيام الأول ـ ثم سجد ثم تنصرف )).
ولقد دل حديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن صلاة الخسوف كصلاة الكسوف، وذلك لأنه كان ممن صلى مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ صلاة الكسوف، فلما كان والياً في البصرة وخسف القمر صلى بهم كما رواه عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في صلاة الكسوف، وبهذا يتبين أن صلاة الكسوف والخسوف تصليان كما دلت عليه السنة. والله أعلم.
ما هو التهجد؟ ومتى يبدأ؟
قيام الليل هو التهجد، ويبدأ من منتصف الليل إلى ما قبل بزوغ الفجر، وقيل بل هو من بعد صلاة العشاء مباشرة. والله أعلم.
ما حكم ما يفعله الناس من تقديم الطعام أثناء خروجهم لصلاة الاستسقاء؟
الأولى إتباع السنة في ذلك، وقد وردت السنة بالصدقة والصيام قبل الخروج إلى المصلى، ثم الخروج والدعاء. والله أعلم.
في حال صلاة السنن كالوتر والتراويح، هل يوجه بعد كل تسليم، وهل يستعيذ بعد كل إحرام أم تكفيه الاستعاذة الأولى؟
هو مخير بين أن يوجه قبل كل إحرام وأن يقتصر على التوجيه الأول، ولا بد من الاستعاذة بعد كل إحرام قبل القراءة. والله أعلم.
فيمن دخل المسجد لصلاة الفجر، ولم يبق إلا مقدار ما يصلي ركعة واحدة من سنة الفجر قبل أن تقام الجماعة، فهل يبدأ في صلاة السنة أم ينتظر حتى تقام الفريضة، ثم يصلي السنة بعد ذلك؟ (1/147)
صفحة 148
إن كان موقناً أنه لا يتمكن من إتمام السنة حتى تقام صلاة الفريضة فلينتظر لئلا يعرض صلاته للقطع، وإن شرع في السنة وأقيمت الفريضة فليقطعها وليدخل مع الجماعة. والله أعلم.
هل تصلى صلاة السنن متصلة الركعات أم يفصل بالتسليم بين كل ركعتين وهل يقرأ فيها مع الفاتحة شيء من القرآن، وهل يجتزى بالتوجيه الأول أم لا بد منه بعد كل تسليم؟
لا بد من الفصل في الليل بعد كل ركعتين، ويجوز في النهار الفصل، والقراءة في السنن والنوافل هي قراءة الفاتحة وما تيسر من القرآن في كل ركعة، ويجوز الاقتصار على التوجيه أول قيامه إلى الصلاة، كما تجوز إعادته بعد كل ركعتين. والله أعلم.
ما هو الراجح عندكم في صلاة الكسوف، هل هي ركوعان وقيامان لكل ركعة أم هي ركوع واحد وقراءة واحدة؟
الراجح ما دلت عليه السنة، وهو أنه لكل ركعة ركوعان وقيامان. والله أعلم.
هل تصلى سنة المغرب في صلاة لسفر أم لا؟
في حال إفراد كل صلاة في وقتها تصلى سنة المغرب بعد فرضه، سواء في السفر أم الحضر، وأما في حال الجمع بين الصلاتين فتسقط سنة المغرب كغيرها، إذ لا يمكن أن تتخلل الفرضين صلاة أخرى حال الجمع. والله أعلم.
هل تصح سنة تحية المسجد بعد غروب الشمس وقبل فريضة المغرب؟
إن كانت الشمس غربت فلا مانع من ذلك. والله أعلم.
فيمن صلى السنة والنوافل عقب الفريضة، فهل يكتفي بتوجيه الفريضة في السنة والنوافل أم لا بد أن يأتي به في كل واحدة؟
يجزيه ذلك في السنة والنوافل. والله أعلم.
هل تصلى سنة الزوال يوم الجمعة بعد الأذان الأول، أم يتحرى زوال الشمس؟
إن صلاها بين الأذانين فذلك خير. والله أعلم.
فيمن يصلي السنة خلف المفترض فما هو لفظ النية في ذلك؟
النية هي القصد بالقلب، وينوي من صلى سنة راتبة خلف مفترض أنه يصلي تلك السنة بصلاة الإمام، أي مرتبطة بصلاة الإمام. والله أعلم.
ما هو آخر وقت لأداء صلاة الوتر؟ (1/148)
صفحة 149
ما بين صلاة العشاء إلى مطلع الفجر الوقت كله وقت أداء للوتر، وإن صلاه بعد ذلك صلاة قضاء. والله أعلم.
عمن طلع عليه الفجر وهو لم يصل الوتر بعد، فدخل المسجد ولم يبق عن الإقامة إلا بقدر ما يصلي السنة أو الوتر، فأيهما يقدم، وماذا ما لو أقيمت الفريضة؟
يصلي الوتر أولاً فالسنة فالفرض، وإن أقيمت الفريضة قدمها. والله أعلم.
ما الراجح عندكم في قضاء سنة الفجر لمن لم يتمكن من أدائها قبل الفريضة، هل يكون بعد الفرض أم بعد طلوع الشمس؟
يصليها على الراجح بعد الفرض. والله أعلم.
فيمن كان يصلي سنة الفجر، فأقيمت الصلاة فماذا يفعل؟
إن أحرم الإمام قطع هو صلاته ودخل معه. والله أعلم.
ما حكم من كان يصلي الوتر في جماعة في حال السفر جهلاً منه؟
يعذر فيما مضى، وليترك ذلك في المستقبل. والله أعلم.
هل يجوز للإنسان أن يتهجد بعد فريضة العشاء، إن خشي أن لا يقوم آخر الليل؟
نعم ذلك جائز. والله أعلم.
رجل يؤذن لصلاة الفجر، فإذا فرغ من الأذان قعد حتى يحين وقت الفريضة فإذا حان وقتها قام وصلى السنة فهل عليه في ذلك شيء؟
ليس عليه من ذلك شيء، وإنما ينبغي ـ إن كان دخوله المسجد بعد انشقاق الفجر أن يصلي السنة قبل أن يقعد. والله أعلم.
هل يجوز أن تصلى النوافل قعوداً؟
لا مانع من أن يصلي أحد صلاة النفل قاعداً. والله أعلم.
رجل يصلي نافلة فنادته أمه، هل يقطع صلاته ويجيب والدته أم يتم صلاته؟
إذا كان نداء الوالدة ضرورياً فورياً فليقطع صلاته، وإلا فليتمها ثم يستجب لندائها. والله أعلم.
ما قولكم في الدعاء حال السجود في صلاة النافلة هل يمنع أم لا يمنع؟
لا يمنع الدعاء في صلاة النفل في السجود وغيره. والله أعلم.
قيام رمضان:
سماحة الشيخ: نظراً لكثرة الترغيب في قيام رمضان ( التراويح ) والحث على ملازمته، توهم بعض عوام الناس أنه من الفرائض، وأن تاركه آثم إثماً كبيراً. نرجو التكرم ببيان حكم قيام رمضان ومنزلته من الفروض والسنن؟ (1/149)
صفحة 150
الصلوات المفروضة هي الصلوات الخمس، وما عداها فليس فرضاً، كما جاء ذلك في حديث الأعرابي، وأما الوتر وسنة المغرب وسنة الفجر فهي سنن مؤكدات، وإن كان هناك من العلماء من يرى وجوب الوتر، أما قيام رمضان فهو من السنن التي ينبغي للإنسان أن يحرص عليها، وقد صلاه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في جماعة بضع ليال، ثم امتنع من الخروج إلى أصحابه خشية أن يفرض عليهم، وقد كانوا يقومون رمضان فرادى أو جماعات متفرقة، فجمعهم عمر ـ رضي الله عنه ـ على إمام هو أبي بن كعب ـ رضي الله عنه ـ، وأجمع المسلمون على استحسان هذا الصنيع، وقالوا في من تركه خسيس الحال. والله أعلم.
ما القول الصحيح في عدد ركعات قيام رمضان؟ وأيهما الأفضل في سنة العشاء أن تصلى ركعتين أم أربعاً؟
لقد صلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قيام رمضان المعروف بالتراويح ـ ثماني ركعات ـ وزاد أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ ثماني أخرى، وزاد عمر ـ رضي الله عنه ـ ثماني أيضاً، وهذه الزيادة من الخليفتين الراشدين ـ رضي الله عنهما ـ دليل على عدم الحصر، ولقد مضى أكثر أهل عمان على صلاتها ثماني ركعات، وإنما يبدأون بسنة العشاء أربعاً كما كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يصلي أحياناً بعد العشاء أربعاً، وقد التبس الأمر على كثير من الناس، فظنوا الكل قيام رمضان لذلك رأى بعض جهابذة المتأخرين أن تصلى بعد الفرض سنة العشاء ركعتين ثم يصلى بعدها قيام رمضان ثماني ركعات، حسبما فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكل ذلك جائز { وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ } والله تعالى أعلم.
الملاحظ أن الناس يؤدون صلاة التراويح بسرعة شديدة خشية الإطالة على الناس، ويرون أن أداء عشرين ركعة بسرعة خير من ثمان ركعات ببطء، مع أن السرعة تذهب الخشوع، فما الذي تراه سماحة الشيخ في هذه الحال؟ (1/150)
صفحة 151
الصلاة لا بد لها من الخشوع لأنه روحها، ويفقده تفقد تأثيرها على النفس وسلطانها في الحياة، لذلك أرى ثماني ركعات يخشع فيها القلب وتطمئن فيها الجوارح خيراً من عشرين ركعة لا يكاد يحضر فيها القلب، ولا يستيقظ فيها النفس، على أن الثابت عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في التراويح أنه صلى ثماني ركعات، وإنما زاد عليها خلفاؤه الراشدون، والاقتصار على ما صلاه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع الخشوع، أولى من الزيادة التي تصحبها سرعة لا يبقى معها الخشوع. والله أعلم.
هل تنوى فريضة العشاء وسنة الوتر من صلاة التراويح في شهر رمضان، أم أن نية كل منهما مستقلة؟
ليست فريضة العشاء والوتر من التراويح، وإنما التراويح سنة القيام. والله أعلم.
ما قولكم سماحة الشيخ في الأدعية التي تقال بعد كل أربع ركعات من صلاة التراويح؟
الأدعية التي تردد في التراويح عندنا ليست واجبة وليس جزءاً من الصلاة، وإنما يستحسن للإنسان أن يدعو الله بعد كل صلاة لقوله تعالى { فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ[7] وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ[8] } وقد درج الناس عندنا على استعمال الدعاء بعد أربع ركعات من التراويح، أو الإتيان بالباقيات الصالحات، وليس ذلك من الوجوب في شيء، كما أنه لا توقيف في ذلك على شيء بعينه. والله أعلم.
هل يلزم الإتيان بالتوجيه عند كل ركعتين في قيام رمضان؟
في ذلك خلاف بين العلماء، والأولى الاقتصار على توجيه نبينا محمد ـ صلى الله عليه وسلم. والله أعلم.
ما هو الأفضل في قيام رمضان أن يصلى بقيامين أم ثلاثة؟
في كل فضل، ولكن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ صلى قيام رمضان ثمان ركعات، فالاقتدار به أولى. والله أعلم.
فيمن فاتته التراويح جماعة، فهل يجب عليه قضاؤها؟
لا يجب عليه قضاؤها، وإنما يستحب له ذلك. والله أعلم.
ما قولكم فيمن يصلي بالناس في صلاة التراويح بثلاث قيامات، ثم الوتر بعد ذلك بركعة واحدة فهل يصح ذلك؟ (1/151)
صفحة 152
لا مانع من ذلك. والله أعلم.
صلاة الميت:
ما حكم صلاة الجنازة في المساجد؟
ذهب بعض العلماء إلى كراهة صلاة الجنازة في المساجد لغير عذر، والراجح جوازها، لثبوت ذلك عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم. والله أعلم.
أمر رجل بالصلاة على ميت فصلى عليه، غير أنه لم يقرأ التوجيه، هل صلاته تامة؟
تصح الصلاة على الميت وإن لم يوجه لها قراءة. والله أعلم.
إذا خرج المولود من بطن أمه ميتاً، هل يصلى عليه؟
لا يصلى عليه، إلا إن بانت دلائل حياة بعد الخروج. والله أعلم.
هل تجوز الصلاة على الميت في سبلة بنيت قرب المقبرة، أعدت لحاجة الناس إليها عند حدوث المطر أو الحر، لأن الأرض التي قرب المقبرة متلوثة؟
لا مانع من ذلك. والله أعلم.
هل من مانع من الصلاة على الغائب؟ وكيف تؤدى؟
لا مانع من الصلاة على الغائب، والصلاة عليه كالصلاة على الحاضر هي أربع تكبيرات، يقرأ الفاتحة بعد الأولى والثانية، ويدعو بعد الثالثة، ويصلي ويسلم على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد الرابعة، ثم يسلم من صلاته. والله أعلم.
هل يجب الغسل على من غسل ميتاً أم أنه مندوب؟
يسن الغسل لغاسل الميت، ولا يجب ذلك عليه. والله أعلم.
فيمن وُجد قتيلاً، هل يغسل ويصلى عليه؟
نعم، تجب له جميع حقوق الموتى من غسل وتحنيط وصلاة ودفن، إلا إن كان معروفاً بأنه غير مسلم. والله أعلم.
هل يصلى على تارك الصلاة؟
إن كان منكراً للصلاة فلا يصلى عليه، وإن كان غير منكر، وإنما تركها انتهاكاً ففي ذلك خلاف. والله أعلم.
هل يعطى مكان دفن الجنين، سواء كان الجنين متخلقاً أو غير متخلق حكم القبر من الحرمة؟
إذا ولد ميتاً فليس لقبره حرمات القبور، وإن ولد حياً فمات كانت له حرمات القبور. والله أعلم.
ما قولكم فيمن قتل نفسه. هل يغسل ويصلى عليه أم لا؟
يغسل، والخلاف في الصلاة عليه، وحديث الربيع: (( صلوا على كل بر وفاجر )) يدل على الصلاة عليه، وإنما الأولى أن يصلى عليه غير المنظور إليه. والله أعلم. (1/152)
صفحة 153
هل تصح صلاة المرأة على الميت مع الجماعة؟
لا مانع من صلاتهن على الميت وراء الرجال، مع عدم اختلاطهن بهم، فإن صلاتهن على الأموات شفاعة ودعاء. والله أعلم.
هل تجوز الصلاة على الميت بالحذاء؟
لا مانع من الصلاة على الميت بالحذاء الطاهر. والله أعلم.
إذا لم ينقطع الدم من جرح الميت، فهل يكتفي بالتيمم له أم لا بد من تغسيله؟
إن أمكن غسله فلا بد من تغسيله ولو سالت جروحه دماً، وإن تعذر غسله عدلوا إلى التيمم له. والله أعلم.
ما قولكم في مسافرين يجمعون بين الصلاتين، فحضرت صلاة جنازة بعد فراغهم من الصلاة الأولى، فهل يصلون معهم على الميت، أم ينتظرون ثم يتمون صلاتهم؟
في هذه الحالة عليهم الانتظار، إذ لا يجوز في حال الجمع بين الصلاتين الفصل بينهما بصلاة، ولو كانت صلاة الجنازة. والله أعلم.
من أولى بالصلاة على الميت أبوه أم أخوه أم ابنه؟
الأب هو أولى بذلك لعظم حقه. والله أعلم.
كنا في حال دفن ميت، فحضر وقت صلاة الفريضة فصليناها داخل المقبرة مستدبرين للقبور، فهل صلاتنا تامة أم لا؟
إن كنتم لم تصلوا على القبور، ولم تستقبلوها في صلاتكم، فهي تامة ـ إن شاء الله. والله أعلم.
هل يصح لمن قام بتغسيل الميت أن يتركه مدة ساعة قبل أن يكفنه، وذلك بسبب ذهابه إلى منزله ليقوم بتبديل ملابسه؟
ذلك خلاف الأولى. والله أعلم.
إلى أي جهة يوجه رأس الميت أثناء الغسل، وكم شخص ينبغي أن يقوم بتغسيله؟
إن أمكن توجيهه إلى القبلة فذلك أولى، فتجعل رجلاه إلى القبلة ورأسه في الجهة المقابلة وإلا فلينظر ما هو أسمح في تغسيله ويشارك في تغسيله، العدد الذي يحتاج إليه من غير حد. والله أعلم.
هل يجوز الصلاة على المدين، وما معنى امتناع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن الصلاة على من مات وعليه دين؟ (1/153)
صفحة 154
يصلى على المدين كما يصلى على غيره، لعموم قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ (( الصلاة على موتى أهل القبلة المقرين بالله ورسوله واجبة، فمن تركها فقد كفر )) وقوله (( صلوا على كل بر وفاجر ))، وامتناع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن الصلاة على من مات وعليه دين ولم يوجد له وفاء إنما هو لعظم قدره ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع أنه كان يأمر غيره بالصلاة عليه. والله أعلم.
هل يجب الاغتسال على من غسل ميتاً؟
يجب عليه الوضوء، وأما الاغتسال فهو مسنون وليس بواجب. والله أعلم.
ما قولكم فيمن يزعم أن الميت لا يغسل حتى يحضر رجل دين يقرأ عليه نية الغسل، فهل ذلك صحيح؟
ذلك قول باطل، وجميع المسلمين رجال دين، وحسبهم النية بقلوبهم. والله أعلم.
أحكام المساجد والمصليات:
في منطقتنا مسجد، وقبلة هذا المسجد منحرفة عن القبلة الصحيحة، فما حكم الإسلام في ذلك؟ وهل صلاتنا السابقة مقبولة؟ وهل يجوز الاستمرار في الصلاة بهذا المسجد إذا لم يغير اتجاه القبلة المنحرفة؟ وإذا وجب تغيير الاتجاه المنحرف إلى الاتجاه الصحيح، من المسؤول عن هذا العمل؟
أما صلواتكم السابقة على اكتشافكم الخطأ في الاتجاه فما عليكم قضاؤها، والله يتقبلها ما دمتم متحرين للصواب، أما استمراركم على الخطأ بعد اكتشافه فغير جائز، وعليكم أن تتجهوا الوجهة الصحيحة ولو لم يعد تصميم المسجد على النحو الصحيح والاتجاه القبلي، بل يكفي أن تكون الصفوف متجهة نحو القبلة، أما المسؤولية فهي على كل مصل، لمطالبة الكل بأن يتحرى الصواب، وأما تغيير المسجد إلى الاتجاه الصحيح فمسؤولية المسئولين. والله أعلم.
هل يجوز الصلاة في أرض اغتصبت من أشخاص وأقيم عليها مسجد؟
اختلف في صحة الصلاة في الأرض المغتصبة، والأحوط ترك ذلك خشية أن تحمل الصلاة فيها على إقرار الغصب. والله أعلم. (1/154)
صفحة 155
عن إمام يصلي بالناس ويتأخر عن المحراب إلى الخلف بدرجة، وعندما يسجد لا يضع رأسه داخل المحراب، وعندما سألناه عن ذلك قال لا يجوز أن أدخل في المحراب. فما الحكم الشرعي في ذلك؟ افتنا ولكم الأجر.
المحراب من المسجد على الصحيح فحكمه حكم المسجد، فله أن يصلي فيه ولا مانع من ذلك. والله أعلم.
هل يجوز لرجل أن يذهب إلى الجامع للصلاة ويترك المسجد القريب منه؟
إن كان القريب لا يتعطل بذهابه إلى الجامع، فأرجو ألا يكون بذهابه إلى الجامع حرج، لأن اجتماع الناس في جامع البلد مما يقوي وحدتهم وتضامنهم في ظل عبادة الله عز وجل. والله أعلم.
تخاصم رجل مع زميل له، وبسبب هذا الخصام هجر أحدهما المسجد وذهب يصلي في مسجد بعيد، فهل يأثم الذي ترك المسجد الأقرب؟
ليس لأحد أن يهجر مسجداً بسبب خصومة مع أحد، فإن المساجد لله، ولا دخل لخصومات الناس في شأنها. والله أعلم.
فضيلة الشيخ: يوجد في بلدنا مصلى قديم ـ لصلاة العيد ـ جدرانه ومحرابه باقية واستغنى عنه الناس بمصلى آخر جديد، وأرادوا الاستفادة من أرض المصلى القديم ببناء المحلات على أرضه، فهل يجوز ذلك؟ أفدنا حفظك الله.
لا يجوز أن تقام أي مبنى في أماكن المصليات، لأن حكم المصليات حكم المساجد، اللهم إلا أن تحول إلى مساجد يذكر فيها اسم الله أكثر. والله أعلم.
ما القول في المصليات التي تصلي فيها النساء، هل يجوز نقلها من مكانها إلى مكان آخر؟
قال العلماء: حكم المصليات كحكم المساجد في كل مباح أو ممنوع، بجامع أن كلاً من المصليات أو المساجد إنما أسست لذكر الله وللتقرب إليه بصنوف العبادات، وعليه فلا وجه لنقل المصلى عن مكانه إلى مكان آخر. والله أعلم.
هل يسمح بجعل الساعات المنبهة في المساجد، والتي في تنبيهها ترنيمة كالجرس أم لا؟
الأولى والأحوط عدم جعل مثل هذه الساعات في المساجد، إذا كانت تشغل المصلين، وإن لم تشغلهم فلا حرج في ذلك. والله أعلم. (1/155)
صفحة 156
المساجد في الصيف تكون في قرانا بدون كهرباء عامة، فهل تجوز الصلاة في غير المسجد لشدة الحر داخل المسجد، كأن تكون خارجه أو في المصلى حيث الهواء أكثر والجو ألطف؟
لا مانع من الصلاة خارج المسجد في الصيف، على أن لا تعطل الجماعة، فصلاة الجماعة واجب عيني، سواء أقيمت في المسجد أو في غيره. والله أعلم.
هل تجوز كتابة آيات القرآن الكريم على جدران المساجد أم لا؟
تكره كتابة القرآن الكريم في الجداران، سواء المساجد وغيرها، كراهة تنزيه وليس كراهة تحريم، وعليه فالتنزه عن ذلك أولى، ومن فعله لا يعد آثماً، وإن لم يكن من ذلك بد فالأولى كتابة قوله تعالى { إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ[18] } أو قوله تعالى { وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا[18] } . والله الموافق.
هل يجوز الصلاة في حجرة فيها صور؟
لا بأس بالصلاة في غرفة فيها صور ,مع عدم استقبال الصور في الصلاة. والله أعلم.
قد يضطر الإنسان أحياناً أن يصلي في مكان فيه تماثيل ومجسمات فإذا تنحى عنها جانباً، أو واراها بكرسي أو ما شابهه فهل عليه من بأس؟
لا بأس بالصلاة في مكان توجد فيه تماثيل ـ إن واراها المصلي جانباً ـ ولم يدل الحال على تعظيمها، وإن كان يجد مناصاً عن الصلاة فيه فالأولى له أن يختار لصلاته ما هو أليق بها من البقاع. والله أعلم.
هل يجوز للمصلي أن يصلي وعلى قبلته مصباح يضيء الغرفة، ويمكن الاستغناء عنه بآخر موجود في جهة أخرى من الغرفة؟
لا يؤدي ذلك إلى فساد الصلاة مع سلامة العقيدة، وإن كان خلاف الأولى. والله أعلم. (1/156)
صفحة 157
ورثت والدتي منزلاً قديماً من الطين مرفقاً به مبرزاً مطابقاً للمنزل تماماً تحيط به ثلاثة جدران بارتفاع ذراع تقريباً، ولا ينفصل هذا المبرز عن المنزل بشيء وهو مكشوف ليس له سقف، ومعرض لدخول الأطفال وأحياناً الحيوانات، ويتجمع فيه الجيران أثناء الليل للسهر والسمر حتى وقت النوم، ولكن بعض الناس عندما يتأخرون عن الصلاة في المسجد يصلون فيه، فهل تجوز الصلاة في هذا المكان؟
الصلاة في مكان غير ممنوعة شرعاً، لعموم حديث (( أينما أدركتك الصلاة فصل... إلخ ))، وإنما يمنع التعمد في عدم إجابة الداعي إلى الصلاة في المسجد، ومن كان له عذر شرعي عن حضور صلاة الجماعة فلا يمنع من الصلاة في هذا المكان. والله أعلم.
هل يجوز أن يترك مسجد من المساجد دون أن يصلى فيه، وذلك لمدة معينة كشهر رمضان مثلاً؟
إن كان مسجداً عامراً بالصلوات في جميع الأوقات، فلا يجوز هجره في بعض الأوقات. والله أعلم.
هل يجب على من يحج أو يعتمر رجلاً كان أو امرأة أن تصلي بمسجد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فترة إقامته بالمدينة المنورة؟
لا يجب ذلك على الحاجة ولا على الحاج، وإنما في الصلاة بمسجد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فضل عظيم، إذ الصلاة فيه تعدل ألف صلاة في غيره إلا المسجد الحرام، كما ثبت في الحديث عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم. والله أعلم.
ما قولكم في اصطحاب الآباء لأبنائهم إلى المسجد بقصد تعويدهم على الجماعة، ولكن في بعض الأوقات تصدر من هؤلاء الأطفال حركات تضايق المصلين، فهل في هذه الحالة يمنعون من حضور المسجد؟ (1/157)
صفحة 158
إن كان بإمكان هؤلاء الأولاد أن يعوا ويفهموا فعلى الآباء أن يزجروهم ويؤدبوهم، لأنهم مأمورون بأن يأمروهم بالصلاة لسبع، وإن كانوا ـ لا يعون ولو حاول آباءهم توعيتهم ـ ولا يمكنهم أن يتأدبوا ـ ولو حاولوا تأديبهم ـ وذلك لصغرهم وعدم استعدادهم الذهني لوعي ما يؤدبون به، فالأولى منعهم خشية شغلهم المصلين عن صلاتهم وخشوعهم. والله أعلم.
هل تجوز الصلاة في مسجد من طابقين بإمام واحد في نفس الوقت؟
نعم، إذا كانت بينهما فتحة. والله أعلم.
يريد أحد الإخوة زيادة طابق في مسجد قائم حتى يتسع لعدد كبير من المصلين، إلا أن زيادته تلك سوف تؤدي إلى كشف ما في البيوت المجاورة للمسجد من عورات، فهل يجوز ذلك؟
إن كان المصلون في الطابق الأعلى يرون ما لا تجوز رؤيته فذلك غير جائز. والله أعلم.
ما حكم الصلاة في مسجد يسكن بجواره أهل الكتاب، ويستقون من بئره ( أي بئر المسجد )؟
لا مانع من الصلاة به، ولا يضيره أن أهل الكتاب جيرانه وإن استقوا من بئره. والله أعلم.
لدينا مصلى للعيد منذ القدم، وأصبح موقعه الآن بين المساكن وضاق بالمصلين. فهل يجوز بيعه للمصالح العامة كالفلج أو المساجد، أم يغير إلى مسجد أو مدرسة للقرآن ويّبنى مصلى للعيد جديد؟
لا يجوز ذلك، وإنما يجوز أن يّبنى في موضعه مسجد، إذ المصليات لها حكم المساجد. والله أعلم.
لدينا مسجد قديم ونريد إعادة بنائه من جديد. فهل يجوز لنا أن نبني مسجداً آخر من المواد غير الثابتة ليتسنى لنا الصلاة فيه أثناء إعادة بناء المسجد الأصلي؟
أما أن تبنوه مسجداً ثم تحولوه إلى شيء آخر فذلك غير جائز، ولكن ابنوه مصلى مؤقتاً، ولا بأس بعد ذلك أن تستعملوه في مصلحة أخرى. والله أعلم.
لقد شاهدنا في هذا العصر كثيراً من المساجد تبنى من طابقين، فيجعل الطابق العلوي للصلاة، والطابق الأسفل مجلساً للمناسبات، أو مدرسة للقرآن الكريم، فهل هذا جائز؟ (1/158)
صفحة 159
المسجد له أرضه وسماؤه أي أعلاه وأسفله، فإن أنشئ من طابقين بحيث كان أحدهما مسجداً للصلاة والآخر غير مسجد لم يعط كله حكم المسجد، وإن كان من قبل مسجداً، ثم جدد بهذه الطريقة كان لجميعه حكم المسجد، ولم يجز أن يدخله جنب أو حائض أو نفساء، كما لا يجوز في أي طابق منه عمل أي شيء لا يجوز في المساجد. والله أعلم.
ما قولكم في بناء مسجد بجوار آخر مما يؤدي إلى تفرقة المصلين، مع العلم أن ما بين المسجدين لا يتجاوز ثمانية بيوت طولاً ويفصل بينهما طريق؟
المساجد لا تبنى إلا من أجل جمع الشمل وتوحيد الكلمة والقضاء على نعرات الشقاق والنزاع، وذلك عندما تجمع المصلين على كلمة الله المؤلفة بين القلوب الجامعة على الخير. أما إن بنيت من أجل تشتيت وتفريق الكلمة فإنها لا تكون لها حرمة المساجد باتفاق أهل العلم، بل يكون حكمها حكم مسجد الضرار الذي نهى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن القيام فيه بنص القرآن، وأقر هو عليه الصلاة والسلام أن يحرق ويهدم عل من فيه، ويدل على ذلك أن الله ذكر التفريق بين المؤمنين من جملة الأسباب التي اقتضت هذا الحكم، وكل سبب منها مؤثر في الحكم بذاته، فهو مستقل بذلك عن غيره، كما يدل قوله تعالى إثر نهي نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن القيام فيه { لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ } وهو يدل على أن ما أسس على غير تقوى ليس له حكم المساجد قط وكيف يكون مؤسساً على التقوى ما بني للتفريق والشقاق؟ لذلك نص أهل العلم سلفاً وخلفاً على أن ما كان كذلك من المساجد لم تكن له حرمة المسجد، بل يجب هدمه وتمنع الصلاة فيه. والله أعلم.
ما قولكم في ما يفعله عامة الناس اليوم من الجلوس في المسجد وإقامة العزاء فيه والقهوة بعد الصلاة؟ (1/159)
صفحة 160
أمر الله سبحانه بتكريم المساجد في قوله: { فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ } وفي التعبير بـ (( أذن )) إشارة إلى أمرين:
الأول: عدم جواز التجرؤ على أي عمل فيها بدون إذن من الله لأنها بيوته.
الثاني: أن ما ينافي رفع هذه المساجد وذكر اسم الله فهو غير مأذون به فيها وأكد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما دلت عليه الآية، في نهيه عن اتخاذ المساجد طرقاً أو أسواقاً أو إنشاد الضوال فيها، وناهيك بما في هذا النهي دليلاً على حظر كل اجتماع في المسجد يؤدي إلى اللغو وهجر المقال وقبيح الفعال، وذلك ما لا تخلو منه مجالس العوام، سواء كانت لعزاء أو غيره. والله أعلم.
هل يصح أن يقف الأطفال في الصف الأول في صلاة الجماعة؟
الأولى بالأطفال أن يكونوا في مؤخرة الصفوف، فهكذا كانت السنة المتبعة في عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، يقف في الأمام الرجال ثم الصبيان ثم النساء. والله أعلم.
فيمن دخل المسجد فوجد الصف مكتملاً فأراد أن يجر أحداً معه، فهل يأخذ من أول الصف أم من وسطه؟
الأولى أن يأخذ من طرف الصف، لئلا تبقى فرجة في الصف ولا يسدها أحد، وأما إن كان الناس ينتبهون لسدها، فلا مانع من الأخذ من وسطه. والله أعلم.
ما حكم من وجد الجماعة قائمة، والصف مكتملاً، ولم يجر أحداً معه، وإنما صف وحده في وسط الصف؟
لا صلاة لمن وقف وحده خلف الصف. والله أعلم.
ما حكم صلاة المائل عن الصف من يمين ويسار، وماذا عليه أو عليهم إن كانوا مجموعة سواء كانوا يتقدمون أو يتأخرون عن الصف بقليل؟
إن كان ذلك لضرورة فلا حرج، إذ يجوز في الاضطرار ما لا يجوز في الاختيار، وإن كان لغير ضرورة فهو مبطل لصلاتهم. والله أعلم.
فيمن دخل المسجد فوجد رجلين يصليان جماعة، فأراد أن يدخل معهما. فكيف يفعل لأجل أن يصف معهما؟
يجر المأموم إلى الحلف ليصفا معاً، أو يدفع الإمام إلى قدام ليكونا معاً خلفه. والله أعلم. (1/160)
صفحة 161
لقد وجدت جواباً للشيخ محمد بن عبدالله بن عبيدان في الصفحة 81 من الجزء الأول من (( جواهر الآثار )) عن وقوف الرجل وحده خلف الصف في صلاة الجماعة جاء فيه (( فيه خلاف، وبالجواز نأخذ هكذا حفظته عن أبي سعيد ))، ووجدت الشيخ صالح بن علي يميل إليه، ووجدت عن بعض العلماء بأن إقامة الصفوف مستحبة وليست واجبة، فما قولكم في جواز الأخذ بهذا الرأي؟
القول بأن تسوية صفوف المأمومين في الصلاة مستحبة وليست واجبة قول مرفوض وإن قاله من قاله لمخالفته السنة الصحيحة الثابتة عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الصريحة في وجوب تسوية الصفوف، وقد أورد القول هذا إمامنا نور الدين السالمي ـ رحمه الله ـ في معارجه وأتبعه قوله: (( وليس بشيء، لأنه مخالف للسنة قولاً وفعلاً )).
والأحاديث الدالة على وجوب تسوية الصفوف والتراص بين المصلين جاءت من طرق شتى، منها الصحيح ومنها الحسن وإليكم طائفة منها:
1. ... أخرج مسلم والنسائي عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: (( استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، ليليني منكم أولو الأحلام والنهي، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم )) ووجه دلالته على وجوب التسوية أمران:
أ- ... الأمر بالاستواء، والأمر للوجوب ما لم تصرفه عنه قرينة.
ب- ... النهي عن الاختلاف، والنهي للتحريم ما لم تصرفه عنه قرينة أيضاً، وقد أكد هذا النهي بذكر ما يترتب على مخالفته، وهو اختلاف القلوب والنهي عن اختلافها ثابت بالكتاب والسنة. (1/161)
صفحة 162
2. ... أخرج مسلم وأبو داود والترمذي عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (( ليليني منكم أولو الأحلام والنهي ثم الذين يلونهم ـ ثلاثاً ـ، وإياكم وهيشات الأسواق )) وفي رواية أبي داود والترمذي زيادة (( ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم )) قبل قوله (( إياكم )) ومراده بهيشات الأسواق ما يكون فيها من أصوات أو اختلاط.
3. ... روى البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير قال: سمعت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: (( لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم ))، وروى مسلم عنه أنه قال: كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يسوي صفوفنا حتى كأنما يسوي بها القداح، حتى رأى أنا قد عقلنا عنه، ثم خرج يوماً فقام حتى كاد أن يكبر، فرأى رجلاً باديا صدره، فقال (( عباد الله لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم ))، وأخرج ذلك عنه أيضاً أبو داود والترمذي والنسائي، وفي رواية عنه لأبي داود: أقبل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على الناس بوجهه فقال: (( أقيموا صفوفكم ـ ثلاثاً ـ، والله لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم )) قال: فرأيت الرجل منا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وركبته بركبته وكعبه بكعبه ))، وأخرج عنه أيضاً في رواية أخرى: كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يسوي صفوفنا إذا قمنا للصلاة وإذا استوينا كبر.
فأنظر كيف كانت عناية النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بتسوية صفوف المصلين ومباشرة ذلك بنفسه، بجانب أمرهم بذلك بقوله، وتحذيرهم من مخالفة ذلك بتوعدهم عليها أن يخالف الله بين وجوههم أو بين قلوبهم.
4. ... روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (( سووا صفوفكم فإن تسوية الصف من تمام الصلاة )) وهذا يعني أن صلاة من لا يسوون صفوفهم لا تتم. (1/162)
صفحة 163
وأخرج عنه البخاري ومسلم أيضا مرفوعاً (( أتموا صفوفكم فإني أراكم من وراء ظهري ))، وفي لفظ (( أقيموا الصفوف ))، وأخرج عنه البخاري قال: أقيمت الصلاة فأقبل علينا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال (( أقيموا صفوفكم وتراصوا فإني أراكم من وراء ظهري )) وزاد في رواية (( وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه )) وأخرجه النسائي أيضا.
وأخرج عنه أبو داود أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال (( رصوا صفوفكم وقاربوا بينها وحاذوا بالأعناق، فوالذي نفسي بيده إني لأرى الشيطان يتخللكم ويدخل من خلل الصف كأنها الحذف ))، وفي رواية له قال محمد بن الشائب صليت إلى جانب أنس يوماً فقال: هل تدري لم جعل هذا العود في القبلة؟ قلت: لا والله، قال: كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يضع يده عليه فيقول (( استووا وعدلوا صفوفكم ))، وفي أخرى: إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان إذا قام إلى الصلاة أخذه بيده ثم التفت فقال (( سووا صفوفكم )) وأخرج عنه أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (( أتموا الصف المقدم ثم الذي يليه، فما كان من نقص فليكن في الصف المؤخر )) وأخرج النسائي من طريقه أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يقول (( استووا، استووا، استووا، فوالذي نفسي بيده إني لأراكم من خلفي كما أراكم من بين يدي ))، وفي رواية أخرى (( رصوا صفوفكم وقاربوا بينها وحاذوا بالأعناق )).
5. ... أخرج أبو داود عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال ((أقيموا الصفوف وحاذوا بين المناكب وسدوا الخلل، ولينوا بأيدي إخوانكم، ولا تذروا فرجات الشيطان، ومن وصل صفاً وصله الله، ومن قطعه قطعهُ الله... )) وأخرج منه النسائي قوله (( من وصل صفاً... إلخ. (1/163)
صفحة 164
6. ... روى أبو داود والنسائي عن البراء بن عازب ـ رضي الله عنه ـ قال: كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يتخلل الصفوف من ناحية إلى ناحية، يمسح صدورنا ومناكبنا وهو يقول (( لا تختلفوا فتختلف قلوبكم ))، قال: وكان يقول (( إن الله وملائكته يصلون على الصفوف الأول )) ولفظ النسائي (( الصفوف المقدمة )).
7. ... روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال (( أقيموا الصف فإن إقامة الصف من حسن الصلاة )).
وبالجملة فإن الروايات في ذلك مستفيضة، فلا مجال للعدول عنها إلى آراء الرجال، وقد عقل الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حكم هذه المسألة، فلذلك كانوا حراصا على إتباع طريقته وتطبيق سنته، فقد أخرج مالك في الموطأ عن نافع مولى ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أن عمر بن الخطاب كان يأمر بتسوية الصفوف، فإذا جاءوا فأخبروه أن قد استوت كبر، وأخرج أيضاً عن أبي سهل نافع بن مالك الأصبحي قال: كنت مع عثمان، فقامت الصلاة وأنا أكلمه في أن يفرض لي، فلم أزل أكلمه وهو يسوي الحصى بنعليه، حتى جاء رجال قد كان وكلهم بتسوية الصفوف فأخبروه أن قد استوت، فقال لي: استو في الصف ثم كبر.
هذا وفي روايتي أنس والبراء ـ رضي الله عنهما ـ عند أبي داود دلالة على فضل الصف الأول ثم الذي يليه ثم الذي يليه، كما أن في رواية أنس ما يدل على وجوب إتمام الصفوف الأول فالأول، وقد وردت بكل ذلك روايات شتى منها ما أخرجه الإمام الربيع بن حبيب عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ (( لو يعلم الناس ما في الصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يتساهموا عليه لتساهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا )) رواه البخاري مع اختلاف يسير في لفظه وتقديمه وتأخيره في جمله. (1/164)
صفحة 165
وأخرج مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال (( لو يعلمون ـ أو تعلمون ـ ما في الصف الأول لكانت قرعة )) وروى أبو داود عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يصلي على الصف الأول ثلاثاً، وقال (( لا يزال قوم يتأخرون عن الصف الأول حتى يؤخرهم الله في النار ))، وروى النسائي من طريق العرباض بن سارية أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يصلي على الصف الأول ثلاثاً، وعلى الصف الثاني واحدة.
وأخرج مسلم وأبو داود والنسائي عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ رأى في أصحابه تأخراً، فقال لهم: تقدموا فأتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم، لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله ))، وروى مسلم وأبو داود والنسائي عن جابر بن سمرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ (( ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟ قلنا: وكيف تصف الملائكة عند ربهم؟ قال: يتمون الصفوف المقدمة ويتراصون في الصف )).
وكثيراً ما رأينا عوام الناس لا يبالون أن يصفوا صفاً ثانياً وثالثاً ورابعاً قبل أن يتموا الصف الأول، وهذا من جهلهم بالسنة وعدم مبالاتهم بالخطأ في الدين، وكثيراً ما رأيناهم يرجحون مياسر الصفوف على ميامنها، مع ما استقر في الإسلام من ترجيح الميامن، وقد كان من سنة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حب التيامن، وروى أبو داود عن عائشة رضي الله عنها ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (( إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف )). (1/165)
صفحة 166
وأعظم من ذلك خطأ وأشد مخالفة للسنة عدم التزامهم إنشاء الصفوف وراء الإمام، فكثيراً ما يبدأون الصف الثاني والثالث في طرف الصف وغالب بدايتهم من الطرف الأيسر إمعاناً في مخالفة السنة، وإرضاء الشيطان ـ والعياذ بالله ـ والسنة صريحة في توسيط الإمام فقد روى أبو داود عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ (( وسطوا الإمام وسدوا الخلل ))، وأفظع من ذلك كله أن يدخل أحدهم المسجد فيرى الجماعة قائمة، وفي الصف الذي أمامه متسع، ولكن تأبى عليه نفسه أن يخطو خطوات يسيرة ليقف في الصف الذي مع المصلين، وإنما يقف صفاً وحده، فيأتم بالإمام ولا يبالي أن يقف وراء الصف على اليمين أو على اليسار، وصلاة مثل هذا باطلة، بل تبطل ـ على الصحيح صلاة ـ من يقف صفاً وحده، ولو لم يجد متسعاً في الصف الذي بين يديه وكان مستقبلاً لظهر الإمام، لما رواه أصحاب السنن ـ وصححه أحمد وابن خزيمة ـ عن وابصة بن معبد ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ رأى رجلاً يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد صلاته، وروى نحوه ابن خزيمة وابن حبان من حديث علي بن شيبان، وفيه أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال (( لا صلاة لمنفرد خلف الصف ))، وقد شدد في ذلك بشير بن المنذر ـ رحمه الله ـ وهو أحد حملة العلم إلى عمان ـ فقد روى عنه هاشم بن غيلان أنه سئل عن رجل دخل والناس في صلاتهم فقام خلفهم وحده ولم يجر أحداً، ولم يدخل في الصف وصلى بعض صلاته، ثم جاء واحد فقام معه؟ فقال بشير: صلاة الأول فاسدة وصلاة الداخل معه فاسدة، لأنه صلى مع رجل لا صلاة له. قال هاشم: فأخبرت بذلك سليمان ـ يعني ابن عثمان ـ فقال: الذي دخل أصلح للأول صلاته، وتعقبه الإمام السالمي ـ رحمه الله ـ بقوله: إن دخل بعد أن أحرم فلا صلاح، وكيف يصلح الفاسد؟ وإن دخل قبل أن يحرم فلا فساد أصلاً. (1/166)
صفحة 167
وقال بعض علمائنا: إن تعذر عليه أن يجر معه أحداً فليلتصق بالصف في قيامه، فإذا أراد الركوع والسجود تأخر بقدر ما يمكنه الركوع والسجود، فإذا انتهى منهما عاد إلى موقفه الأول ملتصقاً بالصف، قال الإمام نور الدين السالمي: وإنما أمروه بذلك لوجوب الصف عليه، ولأنه منهي عن المقام وحده، ولم يمكنه الصف، فأمروه أن يلزق بالصف حال القيام، ثم يتأخر للركوع والسجود لتعذرهما عليه إلا بالتأخر، فإذا قام لصق بالصف مرة أخرى لوجوب الصف عليه، وهو وجه من الحق ولا يشبه اللعب، خلافاً لزاعم ذلك، ورخص له بعضهم أن يبقى مكانه بعد ركوعه وسجوده، من غير أن يعود إلى الالتصاق بالصف، وقيل: يجوز له أن يقف صفاً وحده في حال الضرورة، بشرط أن يكون مستقبلاً للإمام، ورخص له بعضهم ولو وقف على جانب، وهذان القولان مردودان بحديثي وابصة وعلي بن شيبان المتقدمين.
احتج المرخصون بحديث أبي بكرة عند البخاري وهو أنه انتهى إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو راكع فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال (( زادك الله حرصاً ولا تعد ))، ووجه الاحتجاج به أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يأمره بالإعادة وقد ركع دون الصف، والركوع جزء من الصلاة، وما جاز في الجزء جاز في الكل، وحمل هؤلاء الأمر بالإعادة في حديث وابصة لأجل ارتكاب، المكروه وقال بعضهم إنما أمره بإعادة الصلاة تغليظاَ وتشديداً.
وتعقب ذلك الإمام السالمي بقوله: ولا معنى للوجهين، لأن الأمر بالإعادة دليل النقص لا الكراهية، وليس الإغلاظ في تكرار الصلاة، وإنما الإغلاظ في المبالغة في الزجر، على أن الجمع بين الحديثين ممكن بطريق أولى وأسهل، وذلك أن تحمل حديث أبي بكرة على الفعل قبل ثبوت النهي، وتحمل حديث وابصة عليه بعد ثبوت النهي، فإن القدوم على الفعل قبل النهي عنه لا يفيد فساداً، بخلافه بعد النهي ـ عند من جعل النهي دالا على الفساد. (1/167)
صفحة 168
وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: واستنبط بعضهم من قوله (( لا تعد )) أن ذلك الفعل كان جائزاً ثم ورد النهي عنه بقوله (( لا تعد )) فلا يجوز العود إلى ما نهى عنه النبي ـ صلى الله عليه وسلم.
هذا ومن غرائب استدلال المجيزين، ما استند إليه طائفة من أهل العلم منهم ابن بطال في دعوى الجواز، وهو صلاة أم سليم خلف الصف، كما في حديث أنس عند الربيع والشيخين وغيرهم، وقد تعقب استدلالهم ابن خزيمة بقوله: لا يصح الاستدلال به، لأن صلاة المرء خلف الصف وحده منهي عنها باتفاق من يقول تجزئه أو لا تجزئه، وصلاة المرأة وحدها إذا لم يكن هناك امرأة أخرى مأمور بها باتفاق، فكيف يقاس مأمور على منهي؟
بهذا تبين لك أن الصحيح وجوب تسوية الصفوف وتراصها، وعدم جواز وقوف الرجل وحده خلف الصف، والله أعلم، وبه التوفيق وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
ما قولكم في مسجد بجوار مصلى النساء، فأراد جماعة هذا المسجد هدم المصلى لبناء دورات مياه للمسجد مكانه، لعدم وجود مكان آخر لذلك، لأن هذا المصلى مهجور منذ زمن بعيد، وغير مستغل لغرض آخر، هل يجوز ذلك؟
قال أهل العلم: إن للمصليات أحكام المساجد، وعليه فلا يجوز أن تبنى دورات مياه في مكان هذا المصلى ولو تقادم عهده. والله أعلم.
نريد تحويل مصلى العيد من مكانه المعهود إلى مكان آخر، وذلك لوجود الحرج والمشقة في الوصول إليه، حيث إنه يقطع بيننا وبينه وادي سمائل، فلربما سال ونحن لم نصل إلى المصلى، ولربما سال ونحن فيه، وكم مرة صلينا في أحد المساجد لتعذر الوصول إليه، إضافة إلى أن طريقة غير معبدة، وفي قطعها كثير من الصعوبات والعراقيل، فما قولكم في ذلك؟
لا حرج في ذلك لأجل مراعاة هذه الظروف، ويبقى المصلى السابق إلى أن تتبدل الأحوال، فلعله يقام مكانه مسجد مع اتساع العمران. والله أعلم. (1/168)
صفحة 169
ما قولكم فيمن تبرع بمبلغ من المال لبناء مسجد، واتفق مع المقاول على بنائه في مدة محدودة، وعند الإخلال في المدة تكون على المقاول غرامة مالية تعادل مائة ريال عماني، وما قولكم في مسجد بني وبقي مبلغ للمقاول بذمة القائم على بنائه، فما قولكم في الصلاة فيه؟
هذا الاتفاق لا يجوز شرعاً لما فيه من الجهالة، فقد تعترض المقاول ظروف تمنعه من الاستمرار في العمل، ومن ذا يدري هل يمكنه إنجاز العمل في وقته المحدد أو لا يمكنه؟ لذلك أرى على المتبرع أن يعف عن أخذ شيء على المقاول في مقابل تأخر العمل، أما إن تمادى المقاول عن عمد فعلى القاضي الشرعي أن يردعه بما يراه من وجوه الحق، وأما الصلاة في مسجد بني بهذه الطريقة، وتعلق بذمة القائم على بنائه حق للمقاول الذي نفذ البناء فلا تمنع، لأن الحق إنما هو في ذمة ذلك الشخص. والله أعلم.
شخص لديه مبلغ من المال حق المسجد وأراد أن يسافر، وأمن المال شخصاً آخر إلى أن يعود، وعند عودته سأله عن المال وطلب إرجاعه، فأجابه أن المال أدخله في عمل تجاري ( مشروع تجاري )، وعنده الاستعداد لدفع مبلغ معين شهرياً لصالح المسجد، مع الاحتفاظ بالمبلغ الأصلي للمسجد فما قولكم في ذلك؟
لا يجوز ذلك، إلا إذا أتم عقد مضاربة بينه وبين وكيل المسجد، وعليه أن يسلم المال إلى الوكيل بدون تردد. والله أعلم.
ما حكم الكلام في المسجد بغير ذكر الله؟
إن كان تعلماً للخير أو تعليماً له، أو أمراً بالمعروف أو نهياً عن المنكر، فهو مباح محمود، وإن كان حديثاً دنيوياً فهو محجور مذموم. والله أعلم.
ما حكم الشرع الشريف في إقامة مناسبات العزاء في المساجد؟
ينبغي تنزيه المساجد عن مثل ذلك، لما في هذه التجمعات من رفع الأصوات في المساجد بأحاديث الدنيا، إلى غير ذلك مما يستنكر شرعاً. والله أعلم.
هل يجوز ترميم مسجد للنساء من أموال مسجد آخر تعود عليه من التبرعات، ومن ثمن طنا النخيل؟ (1/169)
صفحة 170
يتبرع الإنسان بماله الذي يملكه لا بمال غيره، فكيف بمال الوقف، فإنه لا ينتقل عن الوقفية، وإنما يجوز إن كان الوقف لمسجد وفضل ريع الوقف ـ أي غلته ـ عن حاجة ذلك المسجد، أن ينفق الفاضل في عمارة مسجد آخر، مع بقاء الأصل للمسجد الموقوف له. والله أعلم.
ما قولكم في مسجد قريب من مسجد جامع كانت تقام فيه صلاة الجماعة، وذهب عنه الناس إلى الصلاة في الجامع، وأصبح المسجد مغلقاً، فما قولكم في جعل المسجد للنساء يؤدين فيه الصلاة بدلاً من إغلاقه؟
لا مانع من ذلك لأنه عمارة للمسجد بذكر الله. والله أعلم.
يوجد في بلدة سناو مصلى للعيد، عليه سور وبه محراب، وقد تركه أهل البلدة الآن وانتقلوا إلى غيره، بسبب وقوعه في وسط البلد، ونرى الآن أن بعض الأولاد أخذوا يلعبون فيه كرة القدم، فهل ذلك جائز؟ وهل يسعنا السكوت عنهم؟
إن كان محاطاً بسور فله حرمة، ولا يجوز أن يترك مسرحاً للعب. والله أعلم.
ما حكم إقامة مصليات النساء بمساجد أحياء مسقط، حيث الكثافة السكانية وحيث حاجة الأسرة المسلمة داعية إلى وجود هذه المصليات، للاستماع إلى الدروس الوعظية والمحاضرات الدينية التي تلقى في بعض المناسبات العطرة، فضلاً عن فضل الصلوات للخاليات من الواجبات المنزلية العائلية، كالنساء الكبيرات أو من يجدن من ينوب عنهن في إدارة شئون المنزل في تلك اللحظات الثمينة؟
إنشاء هذه المصليات هي من الضرورة بمكان، فعلاوة على الأسباب المذكورة في السؤال، هنالك كثير من الدواعي إليها، كحضور كثير من الرجال الوافدين بعائلاتهم إلى مسقط في أيام العطل، ولا تجد نساؤهم أماكن للصلاة ومستلزماتها، فيضطرهن ذلك إلى مزاحمة الرجال في المساجد، وفي دورات المياه بها، وهي مشكلة عويصة لا يحلها إلا وجود هذه المصليات ومرافقها. والله ولي التوفيق. (1/170)
صفحة 171
لقد قرأت في بعض الكتب أن زخرفة المساجد هي من علامات الساعة، فهل يعني هذا عدم جواز زخرفة المساجد، بالرغم من أنها بيوت الله، والتي ينبغي أن يكون مظهرها حسناً ولائقاً، كبيت الله الحرام والمسجد النبوي مثلاً؟
نعم، الزخرفة في المساجد ممنوعة، وأقل ما فيها الكراهة، وليس حسن مظهر المساجد بالزخرفة وإنما بدوام الذكر فيها، فقد كان مسجد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عريشاً، وكانت سواريه من جذوع النخل، ومع ذلك أشرق منه النور الذي بدد الظلمات من أرجاء الأرض. والله أعلم.
هل يجوز تعليق بعض اللوحات التي ترشد الأطفال لكيفية الصلاة في المسجد مع وجود صور توضيحية بها؟
لا داعي إلى ذلك، فتركها أولى. والله أعلم.
قرأت في بعض كتب الشافعية أنه ليس للمسجد الواقع في حريم البحر ركعتي تحية، وإن ذلك المسجد مستلزم للهدم، لأنه وضع في أرض هي ملك مشاع لجميع المسلمين، فهل هذا القول ثابت في المذهب الشافعي، وهل وافقهم غيرهم من العلماء على هذا الحكم؟
هذا قول مبني على حرمة إحداث شيء في حريم البحر، وهو مشهور عند المسلمين ـ حتى عند غير الشافعية ـ وقد قال به كثير من علماء مذهبنا. والله أعلم.
جرت العادة في مناسبات الأعياد كالأضحى والفطر وباقي المناسبات، بأن تقام ولائم الغداء جماعة داخل المسجد، وذلك لضيق متسع بيوت الجماعة من أجل اجتماع شملهم فهل يجوز ذلك أم لا؟
إن لم يكن لهم مناص من ذلك فلا مانع منه، على أن يتجنبوا كل لفظ قبيح، وأن يتجنبوا إيذاء المسجد بأي أذى. والله أعلم.
ما حكم الإسلام في تعليق إعلانات المعاهد التدريبية وحملات العمرة والحج على أبواب المساجد بغرض جلب الزبون؟ (1/171)
صفحة 172
المساجد هي بيوت الله، ولا يجوز فيها إلا ما أذن الله به، قال تعالى { فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ } فالمأذون به فيها عبادة الله من صلاة وذكر وتلاوة ودعوة إلى الحق وتعلم وتعليم، أما الإعلانات المذكورة فهي بعيدة عن المأذون به. والله أعلم.
هل يجوز إدخال المقابر في المسجد ودفن الموتى فيه؟
لا يجوز إدخال المقابر في المسجد، ولا دفن موتى داخل المسجد. والله أعلم.
ما حكم المذاكرة في المسجد، والكتاب الذي يذاكر فيه به صور بشرية؟
إن كانت هذه الصور غير خلاعية، وكانت المطالعة لأجل ما في هذه الكتب من العلم، فلا مانع من ذلك، وأما إن كانت الصور خلاعية فلا. والله أعلم.
امرأة تسكن بقرب مسجد، وتريد أن تقوم بتنظيفه وكنسه، فهل يصح لها؟
لا مانع من ذلك لغير الحائض. والله أعلم.
ما قولكم في جواز إعلان دعوات الزواج بعد صلاة الجمعة؟
إن كانت هذه الدعوات يعلن عنها في المساجد فذلك مكروه، كيف وقد نهي عن إنشاد الضالة في المسجد، وإن كان الإعلان عنها بعد الخروج فلا مانع. والله أعلم.
ما قولكم في إغلاق أبواب المساجد ما بين الظهر والعصر، وما بين العشاء والفجر؟
إن كان في إغلاق أبواب المسجد في غير أوقات الصلوات صون له فلا مانع منه. والله أعلم.
ما قولكم فيمن قام يوم الجمعة بعد الفرض وقبل سنة الجمعة معلناً في مكبرات الصوت بالجامع عن شهر البلديات وعن المقابر والمغاسل وقعادة الماء بالبلدة فهل يجوز ذلك؟
المساجد بنيت لما بنيت له، فلا يجوز فيها شيء من أمور الدنيا، حتى أن الحديث الصحيح شدد في إنشاد الضالة بالمسجد، فكيف بالقعادة وغيرها، فذلك لا ريب أنه باطل يجب تغييره. والله أعلم.
ما قولكم في نقل ما فضل عن حاجة المسجد من أثاث وأدوات، والمسجد في غنى عنها إلى مسجد بحاجة إليها؟
لا مانع من نقل ما فضل عن حاجة المسجد واستغنى عنه من أثاثه وأدواته لأن الغاية منها واحدة. والله أعلم. (1/172)
صفحة 173
ما قولكم فيمن يجفف تمراً فوق سطح المسجد، هل يجوز له ذلك؟
بنيت المساجد لما بنيت له، ولا يجوز استغلال سطوحها لتجفيف التمور أو غيرها. والله أعلم.
هل يجوز أن يبني المسجد غير المسلمين؟
قال تعالى { إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ } ، وهذا النص وإن كان في العمارة المعنوية فإن العمارة الحسية التي هي التشييد والبناء يجب أن لا يقوم بها إلا المسلمون، فلا يمكّن الكفار من ممارسة بناء المساجد وتشييدها، لما في ذلك من منافاة تعظيمها والمحافظة على حرماتها. والله أعلم.
ما قولكم في رجل وقع عليه حادث اصطدام سيارة وتكسرت أعضاؤه وتغير شعوره، وله حوالي خمس سنوات في المستشفى، ولا يعقل من الليل إلى النهار ولا يعرف أولاده ولا أهله، وهذا الرجل كانت بيده أموال مساجد بلدته يطنيها ويقبض ثمن غلتها من الدلال ويسجل الخارج والداخل من الأثمان سنوياً فطلبنا من أهله الكتب التي يسجل فيها فلم نجد شيئاً يدلنا على ضبط أموال هذه المساجد، فهل على المذكور ضمان في ماله أم يعذر من قبل الله، فإذا قلتم بالضمان فما مقدار الذي يقوم أهله بإخراجه، بين لنا ذلك مأجوراً؟
لا نقوى على القول بضمانه، ما لم يثبت الضمان بحجة شرعية، هذا فيما بينه وبين الناس، أما ما بينه وبين ربه فالله أولى به، لأنه العليم بسرائر عباده. والله أعلم.
هل يجوز بيع شيء من أصول أموال المساجد، إذا كان هناك اضطرار إلى ذلك بسبب خراب؟
يجوز ذلك مع الضرورة، لمصلحة المسجد أو ماله، والضرورة تقدر بقدرها. والله أعلم.
لمسجد أموال تزيد عن حاجته، فهل يجوز الأخذ منها في عمل مدرسة لتحفيظ القرآن، وكما له فائدة زيادة سنوية من الأموال الموضوعة في البنك، فماذا يفعل بها؟ أفتنا ولك الأجر. (1/173)
صفحة 174
لا مانع من إنفاق الفاضل من غلة مال المسجد على أي باب من أبواب البر التي تتفق عليها جماعة المسجد الموقوف له المال، والمراد بالفاضل ما زاد عن حاجة المسجد بحسب مقتضى وقفية المال، أما الإيداع في البنوك بحسب النظام الربوي فهو حرام، سواء كان المال المودع لمسجد أو غيره، ومع الاضطرار إلى الإيداع فيها، فيجب أن يكون بموجب نظام الحساب الجاري لا حساب التوفير. والله أعلم.
فتاوي متنوعة:
ما الحكمة في جعل صلاة النهار سرية وصلاة الليل جهرية، ما عدا الركعة الثالثة من صلاة المغرب والركعة الثالثة والرابعة من صلاة العشاء؟
هذه تعبدات خفية لا يعلم حكمتها إلا الله، مثلها مثل اختلاف عدد الركعات في صلوات الفروض. والله أعلم.
ركعتا الوضوء، هل هما الركعتان اللتان تقدمان تحية المسجد أم غيرهما؟ وهل ركعتا الوضوء لهما وقت محدد في تأديتهما؟
إن دخل المسجد بعد الوضوء أجزت ركعتا التحية عن ركعتي الوضوء، وإلا صلى ركعتين قبلهما إثر الوضوء. والله أعلم.
هل رائحة الدخان في ثيابنا تنقض الصلاة؟
لا يؤثر دخان السجائر تنجساً على الملابس التي يصلي بها، وإن كان محرماً شرابه. والله أعلم.
هل يجوز الإسراع في الصلاة؟
الإسراع في الصلاة ـ إن كان مخلاً بالطمأنينة ـ فهو غير جائز. والله أعلم.
ما حكم ترك العصي البنادق ونحو ذلك أمام المصلي، وهل تؤثر نقضاً في صلاته؟
لا مانع من وضع الأسلحة أمام المصلين، فإن الأصل الإباحة، والمنع لا يكون إلا عن دليل، بل الأدلة تدل على خلاف ذلك. والله أعلم. (1/174)
صفحة 175
ما قولكم في المار بين يدي المصلي، هل يقطع الصلاة أم لا؟ فقد قال الإمام نور الدين السالمي في المعارج أن أكثر قول أصحابنا يقطع، ثم وجدت عنه فتوى في العقد الثمين أنه لا يقطع إلا المشرك والحائض والكلب والخنزير وامثالهما فيما دون خمسة عشر أو سبعة عشر ذراعاً. وفي كتاب القواعد ج1 ص252 قيل لا يقطعها شيء ونسب هذا القول إلى الربيع وابن محبوب وهاشم وبعض المغاربة (( ليست الصلاة حبلاً ممدوداً كل ما جاء يقطعها، وإنما تعرج إلى السماء يصلها بر القلب ويقطعها فجوره، فلا يقطعها شيء من ذلك ونحوه ولو مر بينه وبين سجوده إلا إن مس نجاسة ))، نعم نهي عن المرور بين يدي المصلي والمار آثم إن تعمد، وللمصلي أن يمنعه ويدفعه وأن يعنف، ورغم ذلك لا يؤثر في صلاته لأنها صلة روحية بينه وبين ربه؟
في هذه المسألة خلاف كثير، وبالجمع بين الروايات أرى وجوب دفع المصلي إن مر أحد بينه وبين سترته إن كانت له سترة ـ أو بينه وبين سجوده ـ إن لم يكن له سترة، ولا يجوز لأحد أن يمر بين يديه، وأما انتقاض الصلاة فلم أجد عليه دليلاً، لذلك أجدني أميل إلى رأي الربيع وهاشم وابن محبوب، ومن قال بقولهم من أهل المغرب ـ رحمهم الله جميعاً ـ، وهو أن الصلاة ليست حبلاً ممدوداً فتقطع بمرور المارة، وإنما هي صلة بين العبد وربه، يصلها بر القلب ويقطعها فجوره. والله أعلم.
ما الحكم إذا فاجأ المصلي القيء أو الرعاف أثناء الصلاة؟
القيء والرعاف لا ينقضان الصلاة وإنما ينقضان الوضوء فحسب، لحديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ عند الربيع ـ رحمه الله ـ (( القلس والرعاف ينقضان الوضوء دون الصلاة، فإذا انفلت بهما المصلي من صلاته فليتوضأ وليبن على صلاته )) وإنما يشترط على لمنفلت بهما أن لا يتكلم في أثناء انفلاته، ولا يستدبر القبلة إلا للضرورة. والله أعلم.
هل يجوز الصلوات التالية في الأوقات التي يكره فيها الصلاة: قضاء الفوائت، صلاة الجنازة، ركعتا الطواف؟ (1/175)
صفحة 176
لا مانع من ذلك، إلا في وقت الطلوع والغروب والاستواء. والله أعلم.
كم دقيقة للانتظار بين الأذان والإقامة لصلاة المغرب؟
لا بأس بالانتظار بعد الأذان نحو خمس دقائق. والله أعلم.
هل حدد العلماء فترة انتظار المصلين لفريضة المغرب؟ وإذا كان الجواب نعم فما سر الاستعجال لإدراك السنة؟
ينبغي التعجيل في أداء صلاة المغرب لضيق وقتها، وقد شدد بعض العلماء فقال وقتها مقدار ما تصلى، وتعجيل سنتها لترفع مع الفرض كما قال بعض العلماء، ولم أجد في ذلك سنة. والله أعلم.
رجل أتى المسجد ويعلم أن الفجر قد طلع والصبح قد بان، ثم بدأ بتحية المسجد وانتظر حتى قبل قيامه لصلاة الفريضة بقليل فصلى سنة الفجر، فهل هو في صواب؟
لا، بل يصلي سنة الفجر فور وصوله، وتغنيه عن تحية المسجد. والله أعلم.
متى يبدأ وقت صلاة العيدين وإلى متى نهايته؟
بداية صلاة العيدين من ارتفاع الشمس قدر رمح إلى ما قبل استوائها. والله أعلم.
إذا دخل رجل المسجد وسلم على الناس وهم في حال الصلاة، فهل يجوز رد السلام عليه سراً؟
لا يسلم على المصلي، وليس عليه رد السلام. والله أعلم.
لقد اختلف الناس في كيفية تأدية الصلاة، فكيف كان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يؤدي صلاته؟ وهل هناك أحاديث في هذا الموضوع؟ وما رأيكم فيها؟
هذا إنما يفهم بتمحيص الروايات ودراسة متونها وأسانيدها وملابساتها، وعملنا في الصلاة، مبني على الاحتياط، ولذلك كانت صلاتنا صحيحة بالإجماع. والله أعلم.
ما قولكم في رجل يؤم الناس وهو من هواة كرة القدم، هل تجوز الصلاة خلفه؟ (1/176)
صفحة 177
لا تمنع الصلاة خلف هواة كرة القدم، إن كانوا مستقيمين في دينهم عاملين بأمر ربهم، عارفين بالتلاوة الضرورية في الصلاة وأحكامها، ففي الحديث (( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله )) وفي الحديث أيضاً: (( الصلاة جائزة خلف كل بار وفاجر )) وإنما الواجب على هذا الرجل الرياضي أن يستر عورته عند ممارسة الرياضة، وحدها من السرة إلى الركبة، كما يجب عليه إلا تكون رياضته على حساب صلاته وسائر واجباته. والله أعلم.
سماحة الشيخ: وجدت في جواب لأحد العلماء المنع من التعري في حال الإستتار عن أعين الناس؟ ووجدت قولاً آخر بجوازه بحجة أننا لم نؤمر بالاستتار عن الملائكة. فما قولكم. حفظكم الله.
التعري ينافي الحياء من الله تعالى وملائكته، وأقل ما يقال فيه انه مكروه، إن كان في مكان ساتر ومن غير عذر. والله أعلم.
ما قولكم في امرأتين لم تصليا فرضاً من الفرائض حتى ذهب وقته، وكان زوج إحداهما قد صلى في الوقت. فماذا على المرأتين؟ وهل يأثم الرجل في هذه الحالة؟
الكل آثم فالمرأتان آثمتان بتركهما الصلاة المفروضة حتى خرج وقتها، والرجل آثم بإقرارهما على ذلك، وعليهم جميعاً التوبة إلى الله، وعلى المرأتين قضاء صلاتهما، كما أن عليهما الكفارة ـ في قول أكثر العلماء ـ، وهي إما عتق رقبة أو صوم شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكيناً. والله أعلم.
هل التسبيح بالمسباح مأمور به أم بدعة مستحبة؟
حمل السبحة من البدع الحادثة، وإنما يجوز اتخاذها للأذكار المحصورة بعدد من الخلوات. والله أعلم.
هل الذي لا تنهاه صلاته عن الفحشاء والمنكر لا صلاة له، اعتماداً على قوله تعالى: { اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ[45] } ؟ (1/177)
صفحة 178
معنى ذلك أن من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فصلاته لم تكن على الوجه المشروع، فهي غير مقبولة عند الله. والله أعلم.
ماذا على التي لا يصلي زوجها؟
على المرأة التي لا يصلي زوجها أن تنصحه بأي طريقة حتى يثوب إلى رشده. والله أعلم.
ما الحكم إذا كان الإنسان مريضاً، ولا يستطيع أن يصلي قائماً ولا قاعداً بل يصلي مضطجعاً؟ ولا يستطيع الوضوء إلا بلفظ من أهله أو يمسح عليه أحد منهم، وهو يتلفظ بالنية والدعاء ومضت عليه أيام على هذا الحال فماذا عليه؟
الوضوء لا يشترط له التلفظ بالنية ولا بالدعاء، وإنما يكفي ذكر اسم الله تعالى أوله ـ أي أول الوضوء ـ، ومن عجز عن إقام الصلاة فليصلها كما أمكنه، سواء قاعداً أو مضطجعاً أو على أي حال، ولا يكلفه الله ما لا طاقة له به { لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } . والله أعلم.
ما قولكم في رجل وجبت عليه الصلاة ولم يسارع لأدائها، وهو بقلبه لم يقصد التهاون فيها، وإنما فاته وقتها دون قصد التقصير فماذا يلزمه؟
تأخير الصلاة ليس من ديدن المسلم الذي يؤمن بالله واليوم الآخر، لأن الصلاة أعظم ما يهم المسلم، وله بذلك في رسول الله أسوة حسنة، ولقد أخبرت عنه أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنه يكون يحدثهم ويحدثونه فإذا حضرت الصلاة كأنه لا يعرفهم ولا يعرفونه، وقد جاء التأكيد على الصلاة في الكتاب والسنة أكثر من التأكيد على أي شيء آخر، والذي يؤخر الصلاة عن وقتها من غير عذر يلزمه القضاء والكفارة ـ عند جمهور أصحابنا ـ، وذهب بعضهم إلى عدم وجوب الكفارة لعدم ورود النص على كفارة الصلاة، وهو الذي جنح إليه الإمام نور الدين السالمي ـ رحمه الله ـ في أجوبته، ونفسي تميل إليه، ولكن الكفارة أحوط لمن أراد أن يستبرئ لدينه. والله أعلم.
من صلى وهو صائم، وفي أثناء صلاته نزل إلى فمه شيء من البلغم أو البصاق فكيف يفعل؟ (1/178)
صفحة 179
عليه أن يلفظ ما بداخل فيه من البلغم ونحوه عن يساره أو على ثوبه، وليمض بعد ذلك على صلاته، وله أن يخرج خرقة أو نحوها من جيبه ليبصق فيها مع الاضطرار. والله أعلم.
هل يجوز الصلاة على بساط النايلون المصنوع من البلاستيك أو لا؟
لا مانع من الصلاة على بسط النايلون وغيرها من كل الفرش الطاهرة، لعدم قيام الدليل على المنع. والله أعلم.
إذا انتقض وضوء المصلي وهو في الصلاة، فهل يخرج فوراً ويتخطى رقاب المصلين أو يتم صلاته مع الإمام ثم يعيدها فيما بعد؟
إذا انتقض وضوء المصلي في حال الصلاة فلينصرف فوراً، ولا ينتظر الفراغ ولو كان مع إمام جماعة. والله أعلم.
ما قولكم فيمن عطس في الصلاة هل، يتلفظ بكلمة ( الحمد لله ) أم يكره ذلك؟
من عطس في حال الصلاة فلا مانع من حمده لله سراً. والله أعلم.
هل يجوز أن يتكئ الرجل العاجز على عصا أثناء صلاته الفريضة، أو الأفضل أن يؤديها قاعداً؟
ذهب أبو عبيدة ـ رضي الله عنه ـ إلى جواز الاستناد للعاجز حال تأديته الصلاة، وذهب الجمهور إلى أن العقود أولى، وللاتكاء على العصي حكم الاستناد. والله أعلم.
ما قولكم فيمن زاد في صلاته ركعة أو أكثر نسياناً؟
عليه أن يسجد سجدتي سهو بعد السلام. والله أعلم.
إذا كانت اليد اليمنى متعطلة، فهل يجوز المسح على الوجه باليد اليسرى، وذلك عند التلفظ بالشهادتين؟
لا مانع من ذلك. والله أعلم.
هل يصح الالتفات بالسلام إلى المأمومين بعد أداء فريضة المغرب مباشرة؟
لا مانع من ذلك. والله أعلم.
هل يجوز للإنسان المسلم أن يصلي ركعات نفلاً على أرواح الأولياء، أو أنه يعتبر شركاً بالله؟ أفتني سماحة الشيخ ولك عند الله تعالى خير الجزاء. (1/179)
صفحة 180
العبادات أمور توقيفية ليس للإنسان أن يزيد فيها ما لم يشرع، قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ))، وفي رواية (( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ))، وقال ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ: (( إن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدى هدي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار )). وصلاة ركعتين على أرواح الأولياء إما أن تكون قربة إليهم أو قربة عنهم، وكل ذلك باطل، فإن كانت قربة إليهم فذلك عين الشرك، لأن العبادات لا يتقرب بها إلا لله، ومن فعل ذلك فقد جعل لله نداً وذلك هو الشرك بعينه، وإن كانت قربة عنهم فهي بدعة وضلالة، لأن الصلاة لا ينوب فيها أحد عن أحد حياً كان أو ميتاً. والله أعلم.
هل يلزم التلفظ بالنية أو هي بالقلب كافية، وذلك في حال الاغتسال من الجنابة أو إزالة النجاسة أو الوضوء أو في حال القيام للصلاة؟ نرجو منكم التكرم بالإفادة. (1/180)
صفحة 181
النية هي قصد الشيء بالقلب، يقال: كان فلان ناوياً أن يفعل كذا أي كان عاقداً عزمه على فعله، سواء أخبر عن هذا العزم أم لا، وتقول: نويت اليوم أن أزورك. أي عقدت العزم على زيارتك، وهذه هي النية الشرعية المعنية بقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ (( إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى ))، وليس التلفظ ركناً منها ولا شرطاً لها، وقد ثبت أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يكن يتلفظ بما يعبر عن نيته عند قيامه للصلاة، ولا عند وضوئه أو تطهره من نجاسة، وهكذا كان الصحابة والتابعون، وإنما أحدثت هذه الألفاظ من بعد لأجل هون العوام على استحضار معانيها، وقد نص المحققون من العلماء أنها غير لازمة، ومن هؤلاء قطب الأئمة في شامل الأصل والفرع، والإمام نور الدين السالمي في معارجه، وقد أطالا في بيان ذلك بما فيه مقنع للمستبصر، هذا والنية التي هي القصد بالقلب إنما تجب في غير معقول المعنى من الأعمال، وذلك كالصلاة والوضوء، أما ما كان معقول المعنى كالتطهر من النجاسة فلا تجب له النية، فلو فعله الإنسان ساهياً لم يكن عليه حرج ولم تلزمه الإعادة. والله أعلم.
ما حكم صلاة الخوف؟ هل الوجوب أو الجواز؟
الصلاة واجبة بل هي فريضة على أي حال، وإنما التخفيف من وظائفها لأجل الخوف جائز ليس بواجب. والله أعلم.
هل تصح الصلاة وراء المخالف الذي يضم يديه في الصلاة ويتم في موضع السفر؟
بما أنه متأول فيما يعمل فلا حرج في الصلاة خلفه. والله أعلم.
رجل لديه أولاد وهم بالغون سن الرشد، لكنهم قاطعون للصلاة ولا يرتادون المسجد، فماذا يكون واجب والدهم تجاههم؟ (1/181)
صفحة 182
ليس بين العبد والكفر إلا ترك الصلاة، هكذا ثبت عن النبي الهادي الأمين عليه أفضل الصلاة والتسليم، وهذا يدل على أنه لا نصيب في الإسلام لمن أضاع الصلاة، والواجب على الأب إن حصل من أولاده أو بعضهم إضاعة الصلاة ألا يتساهل في تأديب هذا المضيع لصلاته إن كان قادراً على ذلك، وإلا فما عليه إلا ما كان في مقدوره، وإن لم يحصل ارتدع من أولاده فعليه أن يقاطعهم، لأن في صلتهم تشجيعاً ضمنياً لهم على هذا المنكر العظيم. والله أعلم.
ما المقصود بكلمة الأهل في قوله تعالى: { وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا } ؟ وما مدى مسئولية الرجل عن عبادة زوجه؟ وهل تسأل المرأة عن عبادة زوجها؟
الأهل هم الخاصة الذين يرعاهم الزوج كالزوجة والأولاد ومن يقع تحت مسئوليته، فعليه أن يأمر هؤلاء بالصلاة وأن يصطبر هو نفسه عليها، ولا ريب أن الرجل مسئول عن امرأته، كما جاء في حديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ (( كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ))، فإن انحرفت عن الطريق السوي فعليه أن يقومها، فإن تركت الصلاة فعليه أن يدعوها إلى إقامتها وأن لا يتساهل معها في ذلك، والمرأة أيضاً عليها ـ حسب جهدها ـ أن تأمر زوجها بحسن العبادة والاستقامة على طريق الحق، أما إن عجزت عن ذلك فإن ذلك لا يقع تحت مسئوليتها، إذ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، اللهم إلا إن كان انحرافه عن الطريق السوي يخرج به عن ملة الإسلام، وهنا لا يجوز لها المقام معه. والله أعلم.
ما هو أفضل الذكر في آخر الليل وآخر النهار؟
جاء في الحديث عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (( أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي، لا إله إلا الله ))، وهو دليل على أن كلمة التوحيد هي أفضل الذكر لأن العقيدة تنبني عليها، والأعمال لا تصح إلا بها، ويليها التسبيح والاستغفار للأمر بها في القرآن، وكذلك سائر الأذكار المحمودة كالتكبير والحوقلة. والله أعلم. (1/182)
صفحة 183
من المسائل التي لم يتفق عليها المسلمون مسألة التأمين بعد قراءة الفاتحة في الصلاة، وقد كثر القيل والقال بين فئة المثبتين وفئة المانعين لها، وأكثر ما استدل به القائلون بجوازه ما ذكره الشوكاني في نيل الأوطار حيث يقول: وقد استدل صاحب البحر على أن التأمين بدعة بحديث معاوية بن الحكم السلمي ( إن هذه صلاتنا لم يصلح فيها شيء من كلام الناس )، ولا شك أن أحاديث التأمين خاصة وهذا عام، فإن كانت أحاديثه الواردة عن جمع من الصحابة لا يقوي بعضها بعضا على تخصيص حديث واحد من الصحابة، مع أنها مدرجة تحت العمومات القاضية بمشروعية مطلق الدعاء في الصلاة، لأن التأمين دعاء فليس في الصلاة تشهد وقد أثبتته العترة، فما هو جوابهم في إثباته فهو الجواب في إثبات ذلك، على ان المراد بكلام الناس في الحديث هو تكليمهم لأنه اسم مصدر كلم لا تكلم، ويدل على أن ذلك السبب المذكور في الحديث... إلخ.
نرجو من سماحتكم التكرم ببيان رأي علماء المذهب في استدلال المثبتين للتأمين في الصلاة بتلك الأدلة، والله يجمع شمل المسلمين ويؤلف بينهم، ويأخذ بأيديهم إلى ما يحبه ويرضاه.
1. ... لا ينبغي للمسلمين أن تشتد الخصومة بينهم في مسائل فرعية، للاجتهاد فيها مجال رحب، ما دام كل مجتهد يتعلق فيها بما يراه حجة ويرتضيه دليلاً، وأنت تدري أنه لا يقطع عذر أحد في رأي رآه إلا إن خالف دليلاً شرعياً اجتمع فيه وصفان، قطعية متنه ونصية دلالته، ولا تثبت قطعية المتن إلا بالتواتر دون الآحاد والشهرة، ولا تكون نصية الدلالة مع احتمال معنى آخر ولو مرجوحاً، فإنه يخرج بالاحتمال عن النصية إلى غيرها كالظهور، وتنزل دلالته عندئذ من القطع إلى الظن. (1/183)
صفحة 184
2. ... لا يسلم ما قاله الشوكاني أن منع كلام الناس في الصلاة لم يرد به إلا حديث واحد ـ وهو حديث معاوية بن الحكم السلمي ـ رضي الله عنه ـ، بل جاء ذلك في العديد من الروايات، منها حديث زيد بن أرقم عند الشيخين وأبي داود والترمذي والنسائي بألفاظ متعددة، وحديث ابن مسعود عند الشيخين وأبي داود والنسائي.
3. ... حمل الكلام في حديث معاوية على التكلم ـ كما ذهب إليه الشوكاني ـ مدفوع بما دلت عليه خاتمة الحديث (( إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن ))، وذلك بعد أن قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ (( إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ))، ويؤكد ذلك ورود عبارة (( شيء )) في صدر الحديث، فإنها أعم العمومات.
4. ... الاتفاق على مشروعية التشهد في الصلاة ليس حجة على من منع التأمين فيها، لأن للتشهد وضعاً خاضاً، فقد كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعلمه أصحابه كما يعلمهم السورة من القرآن، كما جاء في حديث ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ، على أن معظم عبارات التشهد هي في حقيقتها تسبيح لله لما في طواياها من التنزيه له سبحانه عن الشريك في الألوهية والربوبية، وقد أجمعت عليه الأمة، وليس المجمع عليه كالمختلف فيه.
5. ... ما روي عن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ من أحاديث التأمين محمول عند القائلين بمنعه على ما كان قبل نسخ الكلام في الصلاة، فهي مندرجة في ضمن المنسوخ، ولا ريب أن الأخذ بذلك أحوط ما دام نسخ كلام الآدميين متيقناً وهو داخل ضمنه. والله أعلم.
ما قولكم فيمن يسرع في صلاته ولا يتم ركوعها ولا سجودها، ولا يتدبر فيها ولا يخشع؟ (1/184)
صفحة 185
الصلاة المقبولة هي صلاة الخاشع، قال تعالى { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ[1] الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ[2] } ، وقال { فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ[4] الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ[5] } ، وقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (( لكل شيء عمود، وعمود الدين الصلاة، وعمود الصلاة الخشوع )). والله أعلم.
يؤمنا إمام يقنت في صلاة الفجر ونحن لا نقنت، فما حكم صلاتنا وما علينا أن نفعل؟
بما أن القنوت كلام خارج عن الصلاة وهو في عداد المنسوخ، فإن صلاة الفرض خلف القانت لا تجوز، فصلوها معهم نفلاً، وليعد كل منكم فرضه إن لم تتمكنوا من إقامة جماعة بأنفسكم في صلاة الفجر. والله أعلم.
لقد اطلعت على فتوى لسماحتكم لشخص حنفي يصلي خلف إمام شافعي فأمرتموه بإعادة صلاته بسبب قنوت الإمام الشافعي. فهل معنى هذا أن صلاة الإمام الشافعي ليست صحيحة بسبب القنوت؟ نرجو منكم التكرم بالإفادة.
لم أتعرض في جوابي لصلاة الشافعي ولا غير الشافعي جوازاً ولا بطلاناً، وما كان لي أن أحكم ببطلان أحد يتمذهب بمذهب ويؤدي صلاته طبق تعاليم ذلك المذهب، فإن علماء المسلمين لهم اجتهادات وآراء في الصلاة وغيرها من العبادات، ولا يعد الخلاف في ذلك من القضايا المفضية إلى الإشكال، ما يقتضيه مذهب السائل من أن الوقفة الطويلة في الصلاة من غير عمل تؤدي إلى بطلان الصلاة، وما استقر عليه الرأي في هذا المذهب باتفاق من أن مشروعية القنوت نسخت بأحاديث دالة على النسخ لم يختلف في صحتها ـ وإن اختلف في ثبوت النسخ بها ـ، ويتلخص دلائل النسخ في ثلاثة أمور:
أولها: تحريم الكلام في الصلاة بما ليس قرآناً ولا تسبيحاً ولا تكبيراً، بعد أن كان ذلك مباحاً أول الأمر، وهو الوقت الذي كان فيه القنوت مشروعاً، وهذه الأحاديث الناسخة. (1/185)
صفحة 186
1. ... أخرج البخاري ومسلم والنسائي عن زيد بن أرقم ـ رضي الله عنه ـ قال ( كنا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه حتى نزلت { وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ } ، فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام ) ورواه أبو داود بلفظ قريب منه، والترمذي بلفظ آخر كذلك.
2. ... أخرج البخاري ومسلم وأبو داود عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: ( كنا نسلم على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الصلاة فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا، فقلنا يا رسول الله: كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا، فقال ( إن في الصلاة لشغلاً )، وروى مثله النسائي، وفي حديثه أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (( إن الله تبارك وتعالى أحدث في الصلاة أن لا تكلموا إلا بذكر الله وما ينبغي لكم، وأن تقدموا لله قانتين )).
3. ... روى مسلم وأبو داود عن معاوية بن الحكم السلمي أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال له (( إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن )).
ومن الواضح الجلي أن القنوت خارج عما ذكره، بل هو معدود في كلام الناس الذي دل الحديث على منعه، ولا يرد على ذلك التشهد في الصلاة، فإن للتشهد حكماً آخر لأنه كلام مأثور ومحصور، فقد كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعنى به عناية خاصة حتى كان يعلمه أصحابه كما يعلمهم السورة من القرآن، كما جاء في حديث ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ وليس القنوت كذلك. (1/186)
صفحة 187
ثانيها: الروايات الدالة على عدم بقاء مشروعية القنوت، كحديث أنس عند أحمد أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (( قنت شهراً ثم تركه ))، وفي لفظ عند أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه (( قنت شهراً يدعو على أحياء من أحياء العرب ثم تركه ))، وحديث أبي مالك الأشجعي قال: قلت لأبي: يا أبت إنك قد صليت خلف رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأبي بكر وعثمان وعلي هاهنا بالكوفة قريباً من خمس سنين أكانوا يقنتون؟ قال: أي بني محدث، ـ أي ما كانوا يفعلونه. رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وصححه الترمذي، ورواه النسائي بلفظ: صليت خلف رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلم يقنت، وصليت خلف أبي بكر فلم يقنت، وصليت خلف عمر فلم يقنت، وصليت خلف عثمان فلم يقنت، وصليت خلف علي فلم يقنت، ثم قال: (( أي بني بدعة )).
وقد روي نحو هذا عن ابن عباس عند الدار قطني والبيهقي، وعن ابن مسعود عند الطبراني في الأوسط والبيهقي والحاكم وعن أم سلمة عند ابن ماجه، وحكى الترمذي أن عدم مشروعية القنوت هو قول أكثر أهل العلم.
ثالثها: أن روايات القنوت لم تخص صلاة الفجر وحدها، فعن أنس ـ رضي الله عنه ـ عند البخاري قال: ( كان القنوت من المغرب والفجر )، ونحوه عن البراء بن عازب عند أحمد ومسلم والترمذي، فكيف يخص القنوت بالفجر لو لم يكن منسوخاً، مع أن الروايات جاءت به فيها وفي المغرب؟ فإما أن يكون باقياً حكمه فيهما، وإما أن يكون منسوخاً فيهما، والقول ببقائه في إحداهما ونسخه في الأخرى تحكم. (1/187)
صفحة 188
وعلى أي حال فإني لا أمنع من القنوت من كان مستنداً في عباداته إلى مذهب يقتضي بقاء مشروعية القنوت، ولكن ينبغي أن لا يتعجب أحد إن أفتيت من كان مذهبه الذي يتعبد به يقتضي عدم القنوت ـ لثبوت نسخه ـ بإعادة الصلاة التي يصليها خلف القانت وهو يعلم منه ذلك، فإن ذلك لقصد الاحتياط لا غير، فإن الحوطة في أمور العبادات مسلك اتبعه كثير من العلماء، فالشافعية أنفسهم كثيراً ما يعيدون الظهر بعد الجمعة احتياطاً لاختلال بعض شروط الجمعة التي يرونها، وقد رأيت جماعة منهم يفعلون ذلك في المسجد الحرام.
هذا والله أسأل أن يهدينا وإياكم سواء السبيل، وأن يرينا الحق حقاً ويوفقنا لاتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً وأن يعيننا على اجتنابه، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
قال الله تعالى في كتابه العزيز { حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى } فما المقصود بالصلاة الوسطى؟
في الصلاة الوسطى خلاف، والراجح أنها صلاة العصر، للأدلة الدالة على ذلك. والله أعلم.
سماحة الشيخ: نسأل عن حكم التلفظ بكلمة آمين بعد قراءة الفاتحة في الصلاة؟ وما سبب ترك علمائنا لها؟
اعلم أن آمين ليست من القرآن إجماعاً، لعدم وجودها في المصحف الإمام الذي أجمع الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ على كتب كل ما كان قرأناً بين دفتيه، وإبعاد ما ليس بقرآن عنه، وقد انتشرت نسخه في الأمصار وتوزعت على الأمة، ولم يكن نكير من أحد على شيء منه، وقد اعتمد على هذه النسخ في إيصال القرآن إلى أجيال الأمة جيلاً بعد جيل إلى زماننا هذا.
وقد صرح بعدم قرآنيتها الفقهاء والمفسرون وغيرهم، وإليك ما قاله المفسر الشهير أبو حيان في تفسيره الكبير ( البحر المحيط ): (( كذلك تكلموا ـ يعني المفسرين ـ على آمين ولغاتها، والاختلاف في مدلولها وحكمها في الصلاة، وليست من القرآن فلذلك أضربنا عن الكلام عليها صفحاً )). (1/188)
صفحة 189
وقال الألوسي في تفسيره ( روح المعاني ): (( وليست من القرآن إجماعاً ـ إلى أن قال ـ حتى ذكر غير واحد أن من قال: إن آمين من القرآن كفر )).
وإذا كانت لفظ آمين من غير القرآن فهي من كلام البشر، وكلام البشر ثبت منعه في الصلاة بعد أن كان مباحاً من قبل، فقد أخرج البخاري ومسلم والنسائي عن زيد بن أرقم ـ رضي الله عنه ـ قال: ( كنا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه، حتى نزلت { وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ } فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام )، وجاء ذلك بلفظ آخر قريب من هذا عند أبي داود وبآخر عند الترمذي.
وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: (( كنا نسلم على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو في الصلاة فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا، فقلنا: يا رسول الله كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا؟ فقال: إن في الصلاة لشغلاً )) ونحوه عند النسائي، وفي حديثه أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (( إن الله تبارك وتعالى أحدث في الصلاة أن لا تكلموا إلا بذكر الله وما ينبغي لكم، وأن تقوموا لله قانتين ))، وفي حديث معاوية بن الحكم السلمي عند مسلم وأبي داود أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال له: (( إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن ))، ومن المعلوم أن التأمين ليس مما ذكره في شيء، لذلك قال أصحابنا والزيدية إنه داخل فيما نسخ من الكلام في الصلاة، وما ورد فيه من الأحاديث فهو محمول على ما قبل النسخ، وإنما خفي ذلك على من رأى بقاء مشروعيته كما خفي على طائفة من الناس نسخ القنوت في الصلاة، مع تصريح غير واحد من الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ أن القنوت منسوخ. (1/189)
صفحة 190
ولا يعترض علينا ببقاء مشروعية التحميد والتشهد في الصلاة، لأن التحميد من جنس التسبيح، والتشهد وإن لم يكن قرآناً فإنه كله تمجيد لله عز وجل، وله وضع خاص، فإن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يعتني به عناية خاصة، كما يدل عليه قول ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ (( كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن )) وهو واضح في أن له حكم القرآن في تلاوته في الصلاة، وناهيك بإجماع الأمة على عدم نسخ التحميد والتشهد في الصلاة حجة ودليلاً على عدم دخولهما ضمن المنسوخ من الكلام، وليس المجمع عليه كالمختلف فيه.
هذا واعلم أن مسلك أصحابنا في الصلاة الاحتياط بعدم الأخذ إلا بالروايات التي لا يحوم حولها أي ريب في المسائل المختلف فيها، لأن الصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام الذي يلي العقيدة مباشرة، والمحققون من العلماء على اختلاف مذاهبهم لا يقبلون الحديث الآحادي كحجة في المسائل الاعتقادية، لعدم إفادته القطع، فكانت الصلاة المجاورة للعقيدة في الترتيب حرية بالحيطة، على أن من العلماء من قال في صلاة أصحابنا إنها ثابتة بالإجماع، لأن ما يتركونه من الأعمال فيها مختلف فيه عند غيرهم، ومن قال به لا يرى تركه يؤدي إلى بطلان الصلاة، وكفى بهذا دليلاً على صحة صلاة من لا يؤمّن.
وإن كان هناك من يشنع علينا ترك التأمين فجوابه أنه أولى به أن يشنع على من ترك البسملة وهي آية من كتاب الله، مثبتة في جميع المصاحف بالإجماع، من تشنيعه على من ترك التأمين وهو من غير القرآن إجماعاً. والله أعلم.
بماذا يرد على من يقول ببطلان صلاتنا، وعلى من يطالبنا بالبرهان على صحة هيئة الصلاة التي نأتي بها من عدم الرفع والضم والقنوت وغيره؟ (1/190)
صفحة 191
أولئك الذي يقولون ما يقولونه من بطلان صلاتنا هم أنفسهم غير متفقين في شيء مما خالفونا فيه، فالرفع منهم من يراه مع كل انتقال، ومنهم من يراه في وقت الإحرام فحسب، ومنهم من يراه مكروهاً في جميع الحالات، وهو قول لمالك إمام المالكية من المذاهب الأربعة، وقد ذكره عنه من المالكية القرطبي المفسر المشهور في تفسيره لسورة الكوثر، وقال اللخمي من المالكية بأنه بدعة، والضم هو مكروه في الأشهر عن مالك، وهو الذي نص عليه في كتابه المدونة، وألف أحد المفتين المالكيين كتاباً في بيان سنية السدل، والقائلون بالضم مختلفون كذلك في كيفيته اختلافاً كثيراً، واختلفوا كذلك في البسملة وفي تحريك السبابة وفي القنوت إلى غير ذلك، فقبل أن يدعوا بطلان صلاتنا عليهم أن يحاسبوا أنفسهم في اختلافهم هذا، مع أن صلاتنا ـ والحمد لله ـ صحيحة بالإجماع، فإن من خالفنا في شيء من صلاتنا من أصحاب المذاهب الأربعة لم يقولوا في كتبهم بوجوب فعل ما لم نفعله، ولا بفساد الصلاة بفعل ما نفعله ولا يفعلونه، بل ما خالفونا فيه يعدونه من السنن والمستحبات، وأصحابنا ـ رحمهم الله ـ آخذون بالأحوط في كل شيء. والله أعلم.
فيمن يصلي ويزكي ويعمل أعمال البر، ولكن مع ذلك يرتكب الفواحش كالنظر إلى المحرمات والغيبة فما مكانته عند المسلمين؟
من أصر على كبيرة من الكبائر فهو خليع عند المسلمين لا ولاية له، وإن أتى بعض الطاعات فإن الطاعات تحبطها الكبائر، قال تعالى { إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ } والمصر على الكبيرة يتبرأ منه بعد تتويبه إن لم يتب. والله أعلم.
ما قولكم في رجل من أهل الاستقامة، إذا صلى بأهل الاستقامة وافقهم في صلاتهم، وإذا صلى بالمخالفين صلى مثل صلاتهم فهل يصح ذلك؟
هذا رجل متذبذب، والتذبذب مذموم في الدين، وإنما عليه الثبات على مذهب أهل الحق والاستقامة. والله أعلم.
ما حكم المسح على الوجه بعد الانتهاء من الصلاة؟ (1/191)
صفحة 192
مسح الوجه بعد التسليم جاءت فيه روايات لا تخلو من مقال، والأولى أن يكون بعد الدعاء، لأن الروايات التي جاءت بالمسح بعد الدعاء أقوى. والله أعلم.
ما قولكم فيمن له زوجة لا تصلي، وهو دائم النصح والزجر لها، ولكنها لا تصغي إليه فماذا يلزمه في ذلك؟
لا خير في امرأة لا تصلي ولا في رجل لا يصلي، فإن وافقت على الصلاة فبها ونعمت، وإلا فليسرحها سراحاً جميلاً. والله أعلم.
ما الحكمة من تقديم السنة قبل الفريضة في صلاة الفجر؟
ذلك أمر توقيفي، فلا مجال للبحث فيه. والله أعلم.
فيمن فاتته صلاة الجماعة في المسجد، فهل يصح له أن يصلي بأهله في منزله، وهل يصح له كذلك أن يصلي بهم صلاة سنة قيام رمضان؟
كلا الأمرين جائز. والله أعلم.
هل يشترط الوضوء واستقبال القبلة في سجود التلاوة، وهل يستدل على ذلك بقوله تعالى: { وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ } وقوله: { لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } ؟
اختلف العلماء في اشتراط الوضوء واستقبال القبلة ـ مع الإمكان ـ لسجود التلاوة، والراجح اشتراطهما، فلا تسجد إلا بوضوء ـ مع الإمكان ـ، فإن لم يمكن فتيمم، وكذلك لا بد من استقبال القبلة في حال السعة لا في حال العذر، وقد جاءت روايات مبينة سبب نزولها وهو يؤكد ذلك. والله أعلم.
هل يجوز الصلاة خلف أهل الخلاف، حتى وإن كانوا لا يفون بحق الطهارة في بعض المسائل؟ (1/192)
صفحة 193
إن الأصل الذي درج عليه السلف الصالح هو جواز الصلاة بل وجوبها خلف أي واحد من أهل القبلة الدائنين بوجوب الصلاة ـ إن لم يأت فيها بما يبطلها ـ فعلاً أو تركاً، قال الإمام أبو عبدالله محمد بن محبوب ـ رضي الله عنه ـ وهو من علماء النصف الأول من القرن الثالث الهجري ـ: (( فالذي نحن عليه ومضى عليه أسلافنا من الفقهاء أنه لا بأس بالصلاة خلف أئمة قومنا إذا أقاموا الصلاة لوقتها، فمن خالف في ذلك كان في الصدر منه حرج، ولا تسقط ولايته حتى يزعم أن جابراً وغيره ممن لم ير بالصلاة خلفهم بأساً ليسوا على صواب، وأنهم كانوا في ذلك على غير الحق، فإذا صار إلى هذه المنزلة استتابه المسلمون من ذلك، فإن تاب وترك ما اختاره من رأيه لم تسقط ولايته، وإن أصر وأدبر كان حقاً على المسلمين البراءة منه. ونحو كلامه هذا جاء في كلام صاحب الإيضاح ـ رحمه الله.
وذكر الإمام نور الدين السالمي ـ رحمه الله تعالى ـ في معارجه أمثلة من فعل الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ، إذ كانوا يصلون وراء أصحاب الأهواء والضلال ثم قال: وكان ابن عباس وجابر بن زيد وأبو عبيدة مسلم والربيع بن حبيب ـ رضي الله عنهم ـ يصلون معهم الجمعة وغيرها ما صلوها لوقتها، يرون ذلك عليهم حقاً واجباً وفرضاً لازماً، لما جاء في ذلك من الأحاديث عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم. (1/193)
صفحة 194
والأصل لهذا الذي عوّلوا عليه ما رواه الإمام الحافظ الحجة الربيع بن حبيب عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس ـ رضي الله عنهم ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: (( صلوا خلف كل بر وفاجر ))، وأدرج الربيع ـ رحمه الله ـ في الحديث زيادة (( ما لم يدخل فيها ما يفسدها ))، وعليها عوّل أكثر العلماء ـ بناء على ارتباط صلاة المأموم بصلاة إمامه ـ وهو الحق للأدلة الكثيرة الدالة عليه، منها عدم جواز تقدم الإمام في شيء، من أقوال الصلاة وأعمالها، ولو لم يكن ارتباط بين صلاتيهما لما منع المأموم أن يتقدم إمامه في شيء، ومنها أن الإمام يرفع عن المأموم بعض ما كان واجباً عليه لو لم يكن وراء الإمام، وذلك كالقراءة بعد الفاتحة، وحتى الفاتحة نفسها في بعض الأقوال، ومنها أن على المسافر إن صلى خلف المقيم أن يتم إجماعاً، خلاف ما لو لم يصل خلفه، ومنها ما جاء في الحديث الصحيح (( إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإن صلى قائماً فصلوا قياماً، وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً.. إلخ ))، فتراه أسقط ركناً من أركان الصلاة ـ وهو القيام ـ لأجل متابعة الإمام، ولو لم يكن ارتباط لما كان شيء من ذلك. ويؤخذ من كل ما تقدم جواز الصلاة خلف جميع أهل ملة الإسلام، إلا من يأتي في صلاته بما يخلها من غير أن يكون متأولاً، وذلك كالالتفات في الصلاة وعدم إقامة الركوع والسجود فيها، ومثله الإخلال بطهارة البدن أو الثياب أو المكان.
أما الحركات التي يأتي بها الإمام متأولاً فلا تضير من صلى خلفه، والأصل في المسلم الالتزام التام بكل ما يدين به من الواجبات كالطهارة ونحوها، وإذا علمت عن أحد بعينه عدم الالتزام في الطهارة أو غيرها فلا يجوز لك أن تصلي خلفه إلا نافلة، سواء كان من أهل المذهب أو من أهل المذاهب الأخرى. والله أعلم بالصواب، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه. (1/194)
صفحة 195
هل يجوز الصلاة على فراش مصنوع من (( النايلون )) أو على أي فراش لم تنبته الأرض؟
الأصل في الصلاة جوازها في كل مكان إلا الأماكن التي استثنيت، وقد استثنى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعض البقاع كالمقبرة والمجزرة وقارعة الطريق، وهذا يدل على جواز الصلاة على كل شيء إلا أن يكون الفراش أو البقعة نجسة، وحُصر (( النايلون )) من جملة الفرش الطاهرة إذا لم تلتبس بنجاسة، فلا بأس بالصلاة عليها، وكذلك كل ما لم تنبته الأرض، فإن الصلاة على غير ما أنبتت الأرض غير محجورة ـ على الصحيح ـ، والذين منعوا الصلاة على غير ما أنبتت الأرض إنما احتجوا بقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (( جعلت لي الأرض مسجداً )) والاحتجاج بالحديث ضعيف جداً لأسباب منها:
1. ... أن الحديث وارد مورد الامتنان، والكلام إن سبق منطوقة مساق الامتنان لا يحتج بمفهومه المخالف، نحو قول الله سبحانه في بيان آلائه على بني أدم { وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا } فإنه لا يستظهر من هذا المنطوق مفهوم يقتضي تحريم ما عدا الطري كالقديد والمشوي من لحوم البحر، بل الآية واردة مورد الامتنان، وما كان كذلك فلا عبرة بمفهومه، وكذلك هذا الحديث فإن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إنما ذكر فيه بعض خصائص هذه الأمة.
2. ... أن المفهوم في الحديث الشريف هو أضعف المفاهيم لأنه مفهوم لقب، وهو أضعف المفاهيم لا يحتج به عند جمهور العلماء، وإن قال بالأخذ به طائفة قليلة من علماء المسلمين، لذلك أرى أن الأرجح والأصح هو جواز الصلاة على حصر ( النايلون )، وعلى الفرش ما لم تكن متنجسة. والله أعلم.
هل يجوز جمع الصلوات كما جاء في الحديث الذي رواه جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (( أنه صلى الظهر والعصر جمعاً والمغرب والعشاء جمعاً، في غير خوف ولا سفر ولا سحاب ولا مطر ))؟ (1/195)
صفحة 196
هذا الحديث صحيح، وقد رواه الحافظ الحجة الإمام الربيع بن حبيب ـ رحمه الله ـ عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ قال: (( صلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الظهر والعصر والمغرب والعشاء من غير خوف ولا سفر ولا سحاب ولا مطر ))، وقد رواه الشيخان وغيرهما من رواية عمرو بن دينار عن جابر بن زيد عن ابن عباس ـ رضي الله عنه، وفي رواية الشيخين زيادة هي ((صلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الظهر والعصر معاً والمغرب والعشاء من غير خوف ولا سفر )) قيل لابن عباس: ما أراد بذلك؟ قال أراد أن لا يحرج أمته. وفي روايتهما أيضاً عن عمرو بن دينار قال: قلت لجابر بن زيد أظنه أخّر الظهر وعجل العصر، وأخّر المغرب وعجل العشاء، ولكن من تأمل كلام جابر ـ رضي الله عنه ـ وجد كلامه لا يعدو أن يكون ظناً، فإنه قال في جوابه لعمرو بن دينار حينما قال له: أظنه أخر الظهر وعجل العصر. بقوله: (( وأظن ))، وذلك لا يتجاوز أن يكون ظناً من الظنون.
وأما الرواية فهي مطلقة غب الإباحة، وقد قال الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ (( صلوا كما رأيتموني أصلي )) وأفعاله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كلها تشريعات لأمته إلا ما قام الدليل على خصوصيته به. وقول ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: أراد أن لا يحرج أمته، لا يقتضي حصر إباحة الجمع في وقت الحرج فقط، وإنما يدل على أن الإسلام يعنى برفع الحرج عن الناس، ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان منهجه نفي الحرج عن أمته، ومع هذا كله لا ينبغي للإنسان أن يتساهل فيجمع الصلاتين من غير عذر باستمرار، أما إن وقع ذلك في بعض الأحيان لأسباب تؤدي إليه فلا يقال إن فاعله قد أخطأ، ويجب أن يعلم المسلم أن هذه الحادثة لا تعدوا أن تكون دليلاً للجواز، من غير أن يتكرر ذلك من الإنسان. والله أعلم.
فيمن نوى إتمام الصلاة وهو يصلي خلف مسافر فما حكم صلاته؟ (1/196)
صفحة 197
إن كان مقيماً فإن عليه أن ينوي الفرض خلف الإمام، وإن كان مسافراً ولا يعرف الإمام هل يتم الصلاة أم يقصرها فإن عليه أن ينوي أنه يصلي بصلاة إمامه، أما أن ينوي التمام وهو مسافر ثم يقصر إمامه الصلاة فذلك يستلزم الإعادة. والله أعلم.
هل يجوز للمرأة أن تحضر المغسلة التي يغسل فيها الميت، وهل لها أن تغسل زوجها بعد موته أو يغسلها زوجها بعد موتها؟
حضور المرأة تغسيل الرجل الأجنبي منكر، ويجوز تغسيلها لزوجها بعد موته والعكس. والله أعلم.
إلى أي يوم من أيام التشريق يستمر التكبير في عيد الأضحى، وكم عدد الصلوات التي يكبر بعدها؟
يبدأ التكبير من صلاة الظهر في يوم النحر إلى آخر يوم من أيام التشريق، وهو الثالث عشر من ذي الحجة بعد صلاة العصر. والله أعلم.
ما قولكم في التكبير أيام التشريق عقب الفرائض، هل يجهر به الإمام وحده، أم يجهر به المأمومون كذلك؟ وما حكمه؟
التكبير أدبار الصلوات في أيام التشريق يجهر به الإمام والمأمومون. والله أعلم.
ما حكم الخشوع في الصلاة وما هي الطريقة لاستجلاب الخشوع لأنني كثيراً ما يكون فكري مشتتاً أثناء الصلاة؟
الخشوع روح الصلاة، وبدونه هي هيكل لا روح له، ومما يقوي الخشوع استدامة ذكر الله واستشعار عظمته وجلاله وفضله ونعمته وثوابه وعقابه، والنظر في آياته في الأنفس والآفاق. والله أعلم.
ما قولكم فيمن يشغله الشيطان عن صلاته بالوسوسة؟
يكابر الشيطان وليتعوذ منه قبل دخوله في الصلاة، وليستشعر جلال المقام وليستحضر حقيقة المقال. والله أعلم.
ما حكم من يشغله فكره عن فهم الصلاة واستحضار معانيها، وما معنى قوله تعالى { الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ[5] } ؟
إن استحضر ما أمكنه من قراءته وذكره في الصلاة، ولم يأل جهداً في دفع حديث النفس فلا حرج عليه، والله يقبل منه، وأما الساهون عن الصلاة فهم الذين يغرقون في الأفكار حتى لا يستحضروا شيئاً منها. والله أعلم. (1/197)
صفحة 198
نحن موظفون في إحدى الوزارات وقد خصصنا أحد المكاتب للصلاة فيه، غير أنه يوجد دورة مياه في جهة القبلة، مما نضطر إلى استقبالها أثناء تأدية الصلاة، فهل تجوز الصلاة في هذه الغرفة؟
لا مانع من صلاتكم فيها، ولكن الأحوط لكم أن تنصبوا بينكم وبين الجدار سترة عملاً بقول من قال بأن للكنيف سترتين، وذلك للخروج من عهدة الخلاف. والله أعلم.
فيمن اقترض مالاً بالربا وبنى به بيتاً، فهل تقبل الصلاة فيه؟
تقبل الصلاة فيه مع التوبة. والله أعلم.
نحن طلبة ندرس في إحدى الدول الأوروبية، وتحضرنا الصلاة في بعض الأيام ونحن موجودون في مبنى به مطعم تشرب فيه الخمور وبه مكان للرقص والغناء وأصناف المنكرات، فهل تصح الصلاة في هذا المكان، وخاصة أن أصوات الموسيقى تصل إلى الغرفة التي نصلي فيها، مما يشغلنا ذلك عن الخشوع بينوا لنا طريق الصواب؟
إن وجدتم مكاناً آخر تطمئنوا في صلاتكم به فذلك أولى لكم، وإلا فصلوا حيثما أدركتكم الصلاة. والله أعلم.
هل يعتبر تطويل كم القميص من الإسبال؟
إن خرج عن المألوف فهو مكروه، ولكن لا يحرم حتى يلامس الأرض أو يقصد به الخيلاء. والله أعلم.
متى يكون ثلث الليل في فصل الصيف وفي فصل الشتاء؟
الثلث الأخير من الليل عندما يمضي ثلثاه ويبقى منه الثلث، وهذا الضابط أدق من الساعات، لأن ما بين دخول الصيف ودخول الشتاء فوارق يومية. والله أعلم.
رجل مصاب بمرض الكلى، ويقوم بعملية غسل مما يؤدي إلى فوات صلاتي الظهر والعصر وأحياناً المغرب والعشاء فماذا يفعل؟
بما أنه يعي الصلاة فعليه أن يصليها ولو بمجرد قراءتها إن لم يستطع إلا ذلك، وإن عجز عن النطق فليكيفها بقلبه. والله أعلم.
رجل أصيب بالشلل، فلم يتمكن من الصلاة حتى توفي، وقد أخبرني قبل وفاته أن أسأل عما يلزمه، فهل يصح لنا أن نصلي عنه بعد وفاته؟ (1/198)
صفحة 199
قد كان عليه أن يصلي على أي حال ولو كان مضطجعاً، بمجرد قراءة ألفاظها مع قصد أداء فريضة الله عليه، وبما أنه لم يفعل ذلك فقد فات الأمر بإفضائه إلى ربه، إذ لا يصلي أحد عن أحد والله أولى بعباده. والله أعلم.
رجل مبتلى بالوسوسة إذا قام إلى الصلاة ولا يكاد يعقل منها شيئاً بسبب ذلك فماذا يفعل؟
عليه أن يستجمع فكره عند قيامه إلى الصلاة وتكبيره للإحرام، ثم لا يلتفت إلى ما يلقيه الشيطان على باله من الوسوسة، وليكابر خواطر النفس بقدر المستطاع. والله أعلم.
فتاوى
الزكاة
الزكاة والمجتمع المسلم:
متى شرعت الزكاة؟
مشروعية الزكاة إجمالاً في العهد المكي ـ على الصحيح ـ بدليل الآيات المكية التي نصت على ذلك، كقوله تعالى في سورة المزمل: { وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا } ، فهي من أول السور القرآنية نزولا، وما قيل من أن هذه الآية مدنية ليس بصحيح، لأنها لو كانت مدنية لما كان هذا الجزء وحده مدني، ولكانت كلها مدنية، مع أن الجزء الأول منها هو ناسخ لما كان مفروضاً من قبل في صدر السورة من قيام معظم الليل، وهذا مما كان في العهد المكي فذلك دليل واضح على مكية هذا الآية الكريمة.
ومن أدلة ذلك قوله تعالى في سورة المعارج: { وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ[24] لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ[25] } وما نزل في سورة النساء من قوله تعالى: { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ[1] الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ[2] وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ[3] وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ[4] } . (1/199)
صفحة 200
وقوله تعالى من سورة فصلت وهي مكية: { وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ[6] الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ } وما نزل في سورة النساء من قوله تعالى: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللّهِ } . فإن هذه الآية وإن كانت مدنية تحكي حالة كانت في العهد المكي، فإن المؤمنين قيل لهم: كفوا أيديكم في العهد المكي، وعندئذ قيل لهم: أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، وقد فرض عليهم بعد ما انتقلوا إلى المدينة المنورة الجهاد ولم يؤمروا عندئذ بكف أيديهم، وهذا يعني أن الزكاة كانت مفروضة، ولكنها موكولة إلى ضمائر الأغنياء أنفسهم، ويؤدي كل واحد منهم من ماله بمقدار ما يسد به حاجة الفقراء بقدر استطاعته، وعندما استقرت الأوضاع في المدينة المنورة أنزل الله تعالى تفاصيل أحكام الزكاة، واستمرت على ما هي عليه، أما فرضها إجمالاًَ ففي مكة المكرمة. والله أعلم.
ما هي النية التي ينبغي أن يستحضرها كل من المزكي والآخذ للزكاة؟
إن معطي الزكاة ينوي بزكاته العبادة، طاعة لله تعالى الذي منّ عليه بما أعطاه من المال، وفرض عليه هذا الجزء من المال يخرجه، وينوي المزكي تزكية نفسه وتطهيرها من آثار الشح، وينوي الرحمة بالفقراء والمساكين، وأما الآخذ فيأخذها ليسد بها حاجته، ويعف بها نفسه، حتى لا يأخذ شيئاً من أموال الناس. والله أعلم.
ما هي الشروط العامة في المال الذي تجب فيه الزكاة؟
الزكاة حق مخصوص يجب في أصناف مخصوصة, وقد مضى عليه وقت مخصوص وهو الحول، فمن شرط وجوب الزكاة في المال أن يكون من الأصناف التي تجب فيها الزكاة، وأن يبلغ النصاب، وأن يحول عليه الحول بعد بلوغه النصاب. والله أعلم.
ما العلاقة بين الزكاة والصدقة والضمان الاجتماعي، وهل الضرائب من ضمن الزكاة؟ (1/200)
صفحة 201
الزكاة تدخل ضمن الصدقة، وهي تتميز عن سائر الصدقات بكونها فريضة محكومة في أصناف مخصوصة من المال، تجب فيها إذا بلغت قدراً مخصوصاً، وعندما يمضي على ذلك زمن مخصوص وهو، هذا هو حكم معظم الأصناف التي تزكى، اللهم إلا الثمار فهي تزكى في أوقاتها من غير نظر إلى الحول، والصدقة أعم من ذلك، فتشمل ما كان مفروضاً وغير مفروض، وجميع الأنواع التي يتصدق بها الإنسان كالثوب أو قطعة أرض أو الخيل أو السلاح أو إلخ، فالصدقات أنواعها متعددة، وكل من الزكاة وعموم الصدقة من الممكن أن يفسر بأنه ضمان اجتماعي، بحسب سنن الله سبحانه وتعالى في شريعته التي أنزلها على خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ، وإنما هذه التسمية مستجدة طارئة، وإلا ففي الزكاة والصدقة ما يسد مسد هذا الضمان الاجتماعي، هذا وأما الضرائب فهي لا تدخل في الزكاة ولا تتعلق بجانب الدين قط، أما من حيث جوازها وعدمه، فإن الأصل في مال المسلم عدم جواز أخذه إلا بإباحة منه، وأخذ الضريبة في مقابل خدمة تقوم بها الدولة مع عدم إجحاف بحق المواطن، وإنما كانت بقدر الخدمة فلا مانع منها، وإلا فهي ممنوعة. والله أعلم
ما مدى تأثير الزكاة في المجتمع المسلم؟
الزكاة تثمر في نفس المزكي الرحمة والعطف على الفقراء والمساكين، وتطهر قلبه من آثار الش، وذلك هو المعنى من قوله تعالى: { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا } ، فهي تطهر النفس من آثار الشح وتزكيها ـ أي تنمي ما فيها من أخلاق فاضلة ـ فهي داعية الرحمة والعطف، وتقضي حاجة المساكين، وتجعل قلوبهم تميل نحو إخوانهم الأغنياء، وتستل ما في القلوب من السخائم والأحقاد تجاه الطبقة التي منَّ الله عليها بالمال. والله أعلم.
ما عقوبة من ترك الزكاة عمداً أو تكاسلاً؟ (1/201)
صفحة 202
عقوبة من ترك الزكاة نص عليها القرآن الكريم، فالله تعالى يقول: { وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ[34] يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ[35] } .
ودلت السنة النبوية أن من أتاه الله تعالى مالاً ولم يؤد زكاته صفح له يوم القيامة صفائح من نار، يكوى بها جنبه وظهره ووجهه، وهذا ما دلت عليه الآية الكريمة. والله أعلم.
هل يجوز الأكل من ولائم من لا يخرج الزكاة، وهو يمتلك أموالاً كثيرة من الإبل والغنم؟
أما الأكل من الولائم فلا يمنع، وإنما تبقى الزكاة حقاً في ذمته. والله أعلم.
ما هي الفروق الأساسية بين الزكاة في الإسلام والزكاة في الشرائع الأخرى؟
الكل إسلام، فإنه ما من نبي إلا وجاء بالإسلام، وإنما هنالك اختلاف في الشرائع وليس هناك اختلاف في الدين، فالأنبياء بنو علات لأن دينهم واحد وهو الإسلام، وشرائعهم متعددة بحسب اختلاف الظروف التي تنزلت فيها تلك الشرائع، والأدلة على ذلك كثيرة من القرآن الكريم، لكن ينبغي أن يقال: ما هو الفرق بين الزكاة الواجبة على هذه الأمة وبين ما كان يجب من زكاة على الأمم السابقة في شرائع أنبيائها؟ والجواب عن هذا: بأن هذه الأمة اتضح لنا من خلال النصوص الشرعية كيفية أداء الزكاة فيها، أما ما كان في الأمم السابقة لم يتضح لنا، فعلينا أن نقف عند هذا القدر من المعرفة، ولا نتجاوز ذلك بمجرد التخمين والظنون. والله تعالى أعلم.
زكاة الأنعام (( الإبل، البقر، الغنم )):
ما هو نصاب زكاة الإبل وزكاة الغنم، وهل هناك فرق إذا كانت هذه الحيوانات مربوطة ويشترى لها طعام في أغلب أيام السنة في أيام القحط، أو كانت مطلوقة ترعى من الصحراء بنفسها؟ (1/202)
صفحة 203
النصاب في الإبل خمس، وفي الغنم أربعون، واختلف في اشتراط السوم في الزكاة، فمن اشترطه لم ير الزكاة في المعلوفة، ومن لم يشترطه أوجب فيها الزكاة، والأول الأصح. والله أعلم.
ما مقدار الخارج من زكاة النعم: الإبل والبقر والغنم؟
أما الإبل ففيها في كل خمس شاة، إلى أن تصل خمساً وعشرين ففيها بنت مخاض ـ وهي التي بلغت عاماً ـ فإن لم توجد فابن لبون ـ وهو ابن عامين ـ حتى تبلغ ستا وثلاثين ففيها بنت لبون، حتى تبلغ ستا وأربعين ففيها حقة ـ وهي التي بلغت ثلاث سنوات ـ، حتى تبلغ إحدى وستين ففيها جذعة ـ وهي التي بلغت أربع سنين، حتى تبلغ ستا وسبعين ففيها بنتا لبون، حتى تبلغ إحدى وتسعين ففيها حقتان، حتى تبلغ مائة وعشرين ففيها ثلاث بنات لبون، فإن زادت ففي كل أربعين ابنة لبون وفي كل خمسين حقة، ففي مائة وثلاثين حقة وابنتا لبون، وفي مائة وأربعين حقتان وبنت لبون، وفي مائة وخمسين ثلاث حقاق، وفي مائة وستين أربع بنات لبون، وفي مائة وسبعين ثلاث بنات لبون وحقة، وفي مائة وثمانين حقتان وبنتا لبون، وفي مائة وتسعين ثلاث حقاق وبنت لبون، وفي مائتين أربع حقاق أو خمس بنات لبون، والبقر والإبل في العدد والسن وإنما الاختلاف في الأسماء فقط، وأما الغنم ففيها الزكاة إذا بلغت أربعين شاة، وتجب فيها شاة واحدة إلى مائة وإحدى وعشرين شاة ففيها شاتان، إلى مائتين وواحدة ففيها ثلاث شياه إلى أربعمائة ففيها أربع شياه، ثم في كل مائة شاه إلى ما لا غاية له، وقيل في ثلاثمائة وواحدة أربع شياه، ثم في كل مائة شاة. والله أعلم.
توجد لدينا غنم قد بلغت النصاب تشرب وتبيت في مكان واحد، ولكن كل واحد منا يتصرف في غنمه. فهل فيها زكاة؟
إن كانت مشتركة في المرعى والمحلب والفحل ففيها الزكاة؛ لأنها في حكم المال الذي يملكه مالك واحد ـ وإن تعدد ملاكها بسبب الخلطة ـ وإن لم تكن كذلك فلا زكاة إلا فيما بلغ بنفسه قدر النصاب. والله أعلم. (1/203)
صفحة 204
معي ثلاث من الإبل، ومع أخي ثلاث أخر، ونحن في بيت واحد، ولكن كل واحد منا مختص بإبله. فكيف تكون الزكاة فيها؟
ليس فيها زكاة؛ لأن كل واحد مستقل بملكه، ولم يبلغ ملك أحدهما النصاب. والله أعلم.
هل في صغار المواشي ( الفصيل ) زكاة؟
نعم فيها زكاة، وتجب إذا استغنت عن رضاع أمهاتها، وقيل إذا بلغت شهراً، وقيل شهرين، وقيل إذا تجاوزت الوادي. والله أعلم.
رجل وجبت عليه زكاة في خمس من الإبل، وليس عنده شاة فماذا يفعل؟
يشتري الشاة ويخرجها ليصيب السنة، ويخرج من عهدة الخلاف، والله أعلم.
رجل عنده عدد من الخيول، فهل فيها زكاة، وما الدليل؟
لا زكاة في ذلك، بدليل إسقاط النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ الزكاة من الخيل، كما جاء الحديث الشريف الصحيح عنه عليه أفضل الصلاة والسلام.
لماذا لم يأخذ النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ الزكاة من بعض الأموال النامية في عصره كالخيل من الحيوانات، والخضروات من المزروعات؟ (1/204)
صفحة 205
الزكاة فرضها الله تعالى في المال، وقد جاء الحكم بذلك عاماً في القرآن الكريم، فإن الله تعالى يقول: { وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ[24] لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ[25] } وقال: { وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ[19] } ، ولكن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ بين بعلمه للناس أصناف المال التي تجب فيها الزكاة، وذلك أنه ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ أخذ الزكاة من الأموال التي تتوق إليها النفوس لأنها قوام حياتهم، فالمواد الغذائية المستهلكة التي تقتات وتدخر هي قوام حياة الأمة، كذلك ما قيمة للسلع، وكذلك الماشية التي تؤكل وهي بهيمة الأنعام، فإن هذه هي الأموال التي تتوق إليها النفوس ويحتاج إليها البشر، ومن المعلوم أن الخيل من الأمور الكمالية وليست من الأمور الضرورية في حياة البشر، إذ هي تتخذ للركوب ولا تؤكل ـ في الغالب ـ، بخلاف بهيمة الأنعام التي تسد حاجة الناس في طعامهم. والله أعلم.
زكاة الحرث:
تعددت الأقوال في الحاصلات الزراعية التي تجب فيها الزكاة، فيرى البعض أنها تجب في الأقوات الأربعة فقط، وهي الحنطة والشعير والتمر والزبيب، ويرى البعض أنها تجب في كل ما يقتات ويدخر، والبعض يرى وجوبها في كل ما أخرجت الأرض، ويرى البعض وجوبها في كل ما ييبس ويكال فأين الحق وما الدليل؟
في كل حق ـ إن شاء الله ـ، لأن هذه مسائل رأي وليست مسائل قطعية، فالخلاف فيها لا يخرج عن حدود الحق، ولكن الأرجح أن الزكاة تجب في كل ما يقتات ويدخر، لأن الحاجة إلى ذلك أدعى وتطلع النفوس إلى ذلك أكثر، وما تطلعت إليه النفوس لحاجتها إليه تجب الزكاة فيه، كما يفهم ذلك من خلال النظر في أنواع الأموال التي أوجب النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ فيها الزكاة، فقد أوجب الزكاة فيها لتطلع نفوس الفقراء إليها، لأن الحاجة إليها داعية. والله أعلم.
في أي المحاصيل الزراعية تجب الزكاة؟ (1/205)
صفحة 206
تجب الزكاة في كل ما يقتات به ويدخر كالأرز والبر والشعير والزبيب والتمر. والله أعلم.
هل تجب الزكاة في غير الحبوب الست، أعنى التمر والعنب والشعير والبر والسلت والذرة، وما الدليل عليه؟
تجب الزكاة في كل ما يقتات به ويدخر، ولا تنحصر في الأصناف الست. والله أعلم.
هل تجب الزكاة في المال الأخضر؟ وكيف ذلك مع التوضيح؟
أما الثمار التي هي التمور وكذلك الزبيب فتجب فيهما الزكاة، كما تجب في أنواع الزرع إن كان الزرع مما يقتات به ويدخر، وذلك ببلوغ النصاب وهو ثلاثمائة صاع. والله أعلم.
ماذا تقول سماحة الشيخ فيمن يقول بأن الزكاة في الزروع تجب في القليل والكثير، لعموم قوله: ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ (( فيما سقت السماء العشر ))، لأنه لا يعتبر له حول فليس له نصاب؟
القول الراجح أن الزكاة تجب في خمسة أوسق لنص الحديث على ذلك، والحديث العام يحمل على الحديث الخاص، كما هو معروف عند الأصوليين. والله أعلم.
ما هو نصاب الحبوب؟ وما مقدار الصاع؟ وكيف يقدر بالمكاييل والأوزان العصرية؟
تجب في خمسة أوسق ـ أي في ثلاثمائة صاع ـ، فهذا هو نصاب هذه الحبوب، والصاع هو خمسة أرطال وثلث بالأرطال البغدادية، والرطل البغدادي هو نصف منّ من أمنان نزوى ـ التي كانت متداولة أولاً بعمان ـ، والصاع من الأرز يساوي كيلوين وخمسين غراماً. والله أعلم.
كيف يمكن معرفة النصاب في غير المكيلات كالقطن والزعفران مثلاً؟
القطن والزعفران ليس هما من الأشياء المدخرة المقتاتة فلا زكاة فيهما، وإنما الزكاة في المدخر المقتات، اللهم إلا إن كانت اتخذت من أجل الاتجار، فتزكى زكاة عروض التجارة. والله تعالى أعلم.
متى يعتبر النصاب في الثمار قبل الجفاف أم بعد الجفاف؟ ولماذا؟ وما الدليل؟ (1/206)
صفحة 207
يعتبر النصاب بعد الجفاف، بدليل ما مضى عليه العمل منذ عهود السلف بأن تزكى النخيل بعد، وهكذا سائر المزكيات إنما تزكى عند الحصاد، فالله تعالى يقول { وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ } ، والحصاد إنما يكون بعد اليباس، والله أعلم.
ما هو مقدار زكاة النخيل؟
إن كانت تسقى بالأنهار أو الأمطار ففي غلتها العشر، وإن كانت تسقى من الآبار فنصف العشر. والله أعلم.
ما مقدار الزكاة في ثمار تسقى بالأفلاج، علماً بأن هذا الماء يشترى ويبذل الإنسان فيه جهده، وقد يكون بقيمة كبيرة ولا سيما في الصيف؟
الأفلاج حكمها حكم الأنهار، فالواجب فيم سقته من الثمار والزروع العشرن ولكن يسوغ أن تعتبر تكاليف شراء مياهها في أيام ـ الجدب إذا كانت بأثمان غالية ـ مسقطة للزكاة من العشر إلى نصف العشر. والله أعلم.
كيف تكون زكاة الأرض التي تزرع مرتين في العام؟
زكاة الزروع والثمار لا تتوقف على مرور الحول، فعندما يكون الحصاد تجب الزكاة، إذا بلغ الحاصل مقدار النصاب. والله أعلم.
هل يجوز أن تزكى الثمار بعد بيعها ويخرج ذلك؟
لا بأس من تزكية القيمة بقدر زكاة الثمار، وهي العشر فيما سقي بدون تكاليف، ونصف العشر فيما سقي بالتكاليف. والله أعلم.
هل تجب الزكاة في غلة النخيل إذا كان يصل النصاب، غير أنه يصرف في إيجار سقيه وعماره أكثر من غلته، ويبقى صاحب الأصل بدون شيء تقريباً؟
الزكاة حق واجب في المال وإن كانت تكاليف المال باهظة، وفي مثل هذه الحالة تنتقل الزكاة من العشر إلى نصف العشر في زكاة الزروع والثمار. والله أعلم.
يوجد مال يسقى بالفلج، ولكن دخل هذا المال أقل من مصروفه، فهل تجب على صاحبه زكاة؟
إن كانت جميع غلة المال تحتاجها نفقاته فليس عليك زكاة، إذ لا زكاة إلا عن ظهر غنى. والله أعلم. (1/207)
صفحة 208
رجل ربح من الطني أو بيع البسور ألف ريال مثلاً، في حين أنه أنفق فيها ما يقارب تلك القيمة في أجور العمال والإصلاحات، وقد يكون ربحه أقل من التكاليف، فهل عليه حينها زكاة؟
إن كانت النفقات أكثر من الريع أو مثله فلا تجب فيه الزكاة. والله أعلم.
ما قولكم في رجل عنده نخل (( مبسلي )) فبسله، فأنزل الله عليه المطر وضاع البسر، وصارت عليه مغارم كثيرة ولا تفي قيمة البسر لتلك المغارم، فهل عليه زكاة في هذا البسر؟
إن كان لم يقصر في الزكاة، وإنما أخّر اخراجها بعد الحصاد لانتظار من يجنيها أو الالتماس من يأخذها من مستحقيها فلا حرج عليه لأنه أمين فيها وهي شريك في المال فتذهب معه بذهابه، وأما إن كان قصّر في إخراجها بحيث تمادى في دفعها إلى مستحقيها فعليه ضمانها وتبقى متعلقة بذمته. والله أعلم.
رجل أجر أرضه لآخر، فعلى من تكون زكاة المحصول؟
القول الذي عليه أصحابنا والجمهور أن زكاة الزروع تجب على من له الزرع لا على من له الأرض؛ لأن الزكاة حق الزرع وليست حق الأرض، بخلاف رأي الحنفية. والله أعلم.
أعطى رجل رجلاً آخر ماله ليقوم بإصلاحه وأخذ غلته (( البيدار )) فعلى من تكون الزكاة في هذه الحالة؟
تكون على الذي يأخذ المال لإصلاحه ويأكل الغلة، أي على الثاني ( البيدار ). والله أعلم.
رجل لديه زروع وثمار يسقي في نصف السنة الأولى بكلفة ونصف السنة الأخيرة بغير كلفه، فكم يخرج منه؟ وما الحكم إذا سقي أحدهما أكثر من الآخر؟ وما الحكم إن جهل مقدار السقي بأحدهما؟
في مثل هذه الحالة يؤخذ بالمحاصصة، فما سقي بكلفة ففيه نصف العشر وما سقي بدونها ففيه العشر. والله تعالى أعلم.
رجل يمتلك مالاً، وغالب شربه من بئر خاصة به، وتارة يشرب مع فلج البلاد بالشراء، فكيف تكون زكاته هل العشر أم نصف العشر؟ (1/208)
صفحة 209
زكاته بالمحاصصة ـ على الراجح ـ، فإن كان الماء الذي يسقي به المال أكثره أو أقله بالنزح اعتبر ذلك بحسابه، وكذلك إن كان الشراء للماء يكلفه مؤونة ثقيلة من حيث المادة، فإن الزكاة تعود إلى نصف العشر. والله أعلم.
متى يلجأ إلى الخرص وما حكم من أخطأ فيه؟
الخرص هو التقدير، وذلك إنما يكون فيما إذا تعذر أن توزن أو تكال المنتوجات الزراعية، فإنه يعمل بالتقدير في هذه الحالة، دونما إذا أمكن الكيل أو الوزن، وإذا أخطأ الخارص يؤتى بغيره ويرجع إلى الصواب. والله أعلم.
هل في غير النخيل والأعناب خرص كالزيتون مثلاُ؟
نفس الزيتون القول المعتمد أنه لا زكاة فيه. والله أعلم.
ما قولكم فيمن يملك أشجاراً ونخيلاً، ولكنه يبيع ثمارها ويزكي من قيمتها نقوداً، فهل يصح له ذلك؟
لا بأس من تزكية القيمة بقدر زكاة الثمار، وهي العشر فيما سقي بدون تكاليف، ونصف العشر فيما سقي بالتكاليف. والله أعلم.
زكاة النقدين:
كم مقدار نصاب الزكاة من النقود في عملة عصرنا هذا بالريال العماني؟
لقد جعل الشارع نصاب النقدين عشرين مثقالاً في الذهب، ومائتي درهم في الفضة، وبما أن العملة الورقية تقدر قيمتها في وقتنا هذا؛ لأن الرصيد المعتبر في مقابلها حقيقة أو اعتباراً، فنصاب الأوراق النقدية ما يساوي قيمة عشرين مثقالاً، أي خمسة وثمانون جراماً، وذلك يختلف باختلاف غلاء الذهب ورخصه، وارتفاع العملة وانحطاطها. والله أعلم.
بأي النقدين نحدد النصاب في زكاة الأوراق النقدية بالذهب أم بالفضة. وما هو السبب؟
يمكن تحديد زكاة هذه الأوراق بالذهب أو بالفضة عندما يكون كل من الذهب والفضة معياراً لقيم الأشياء، ولكن في وقتنا هذا أصبح المعيار هو الذهب، فبقدر تفاوت الأوراق النقدية عندما توزن بقيمة الذهب يكون التفاوت في تأثيرها في المشتريات وغيرها، فلذلك يعول على نصابه في تحديد نصاب هذه الأوراق. والله أعلم. (1/209)
صفحة 210
هل يمكن أن يكون النصاب في زكاة الذهب مبلغاً ثابتاً لا يقبل الصعود ولا الهبوط ولماذا؟
الذهب أصل برأسه، فهو أصل لغيره وليس غيره أصلاً له، فهو الأصل في وجوب الزكاة في الأوراق النقدية، وترجع الأوراق النقدية إلى الذهب ولا يرجع الذهب إلى الأوراق النقدية، وقد جاء تحديد زكاة الذهب بعشرين مثقالاً بنص حديث رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ، وعليه عمل الأمة، فيؤخذ بذلك ولا يحتاج أن ينظر في قيمة الذهب عندما تقاس قيمته بغيره من العملات المتداولة. والله أعلم.
هل تجب الزكاة في المبلغ المدّخر للحاجة، كبناء منزل أو للزواج إذا حال عليه الحول؟
نعم، تجب فيه الزكاة إن حال عليه الحول وقد بلغ النصاب، ولو بالإضافة إلى مبلغ آخر من المال. والله أعلم.
ما قولكم فيمن يعمل ويتقاضى راتباً مقداره مائتا ريال أو أكثر. فكيف يكون حسابه للزكاة؟
إذا اجتمع عنده من المبلغ بقدر النصاب وحال عليه الحول زكاه، ثم يزكي بعد ذلك في كل حول ما اجتمع عنده على رأس الحول، ويضم الزيادة إلى الأصل. والله أعلم.
قام جماعة من المسلمين بعمل صندوق للأعمال الخيرية كالمساعدة المالية وإعمار المساجد ومساعدة المنكوبين من الكوارث والحوادث، وقد يصل المبلغ في الصندوق آلاف الريالات العمانية. فهل على هذه المبالغ زكاة عندما يحول عليهن الحول، أم أن الزكاة تجب على المبلغ المجتمع في هذا الصندوق؟
إن كان ذلك تبرعاً من غير تملك له من قبل هؤلاء المشاركين فلا زكاة فيه؛ لأنه خرج من حيز ملكهم، ولكن تجب الزكاة فيما كان ملكاً لهم من المبلغ المجتمع إن بلغ النصاب وحال عليه الحول فتؤخذ الزكاة من المجموع، فتنوب كل من شارك بقدر حصته. والله أعلم.
ما قولكم فيمن أراد أن يخرج زكاة نقوده, وقد سبق أن اشترى بيتاً بألف ريال عماني وأجره رجل آخر. فما الحكم في الألف ريال الذي اشترى بها البيت هل تكون من جملة نقوده أم من أمواله المستغلة؟ (1/210)
صفحة 211
إذا كان شراؤه للبيت بألف ريال بعد أن حال الحول على نقوده لزمه أن يزكي عن الألف كما يزكي سائر النقود, وأما إذا كان شراؤه قبل أن يحول عليها الحول فهي من ضمن الأموال التي يستثمرها. والله أعلم.
هل تجب الزكاة في الرصيد المدخر من الراتب الشهري وقد حال عليه الحول. على أن هذا الادخار الشهري إنما هو لتغطية المعيشة وحاجيات الأسرة؟
إن كان بلغ النصاب وحال عليه الحول بعد ذلك فالزكاة فيه لازمة , ـ وإن كان مدخراً للإنفاق على الأسرة _, فإن الشارع لم يفرق بين ما كان للنفقة أو لغيرها إن كان من جنس ما يزكي وبلغ النصاب وحال عليه الحول, والمال كله منفعته الإنفاق. والله أعلم.
تشارك أفراد بمبالغ نقدية في شركة تجارية, ووصلت هذه المبالغ بمجموعها النصاب فهل فيها زكاة؟ على أن حصة كل فرد لا تبلغ النصاب؟ ومع التوضيح؟
نعم، تجب فيها الزكاة؛ لأن الذين اشتركوا في هذه المؤسسات أصبح مالهم كمال واحد، فتجب الزكاة ولو كانت حصة كل واحد منهم لا تبلغ النصاب، سواء كانت هذه الشركة عملية ـ كما في السؤال ـ أو كانت أمراً واقعاً من غير أن يكون لأحد عمل فيه، كأن يرث الكل مالاً ويصبح المال مشتركاً فيما بينهم، فإن الزكاة تجب في المال كله من غير اعتبار لحصة كل واحد منهم. والله أعلم.
ما قولكم فيمن عنده ألف ريال عماني جعله في تجارة وأخذ به سلعة, وبقيت السلعة عنده إلى أن حال عليها الحول ولم يبعها ولو أراد بيعها لزادت عن ألفي ريال فما حكم زكاتها؟ هل هي على ما جعلت عليه (( ألف ريال )) أو فيها زكاة الزائدة؟
اختلف العلماء في زكاة التجارة, هل هي على التأسيس أو بحسب ما تكون عليه عند الحول, والثاني هو الأرجح. والله أعلم.
رجل معه 3000 ريال عماني وحال عليها الحول, ولكنه في نصف هذا الحول زاد ماله 2000 ريال عماني, فهل في هذا الزائد زكاة رغم عدم حولان الحول عليه؟
يضيفه إلى الأصل ويزكي الجميع. والله أعلم. (1/211)
صفحة 212
هل على الصراف زكاة في نقوده التي يتعامل بها؟
نعم، على الصراف تزكية جميع نقوده. والله أعلم.
زكاة الجمعيات:
مجموعة من الناس قاموا بإنشاء جمعية تعاونية وهي ليست تجارية، الغرض منها خدمة أعضائها لأجل بناء مسكن أو زواج وما إلى ذلك، على أن يلتزم كل واحد من الأعضاء بدفع مبلغ من المال شهرياً حسب ما اتفق عليه، فبعض الأعضاء يدفع مائة وخمسين والبعض مائتين وعمر هذه الجمعية خمس سنوات تقريباً، حتى يستوفي كل عضو ما دفعه للجمعية.
سماحة شيخنا نتساءل عن بعض الأمور المترتبة على هذه الجمعية ونرجوا من سماحتكم الجواب الشافي حتى نكون على بصيرة من أمرنا.
كيف تؤدى زكاة الأموال المودعة في الجمعية، هل تخرج من أموال الجمعية أم كل عضو عليه أن يؤدي زكاة ماله في الجمعية؟
الجمعية المشتركة حكمها حكم المالك الواحد، فتزكى جميعاً زكاة المالك الواحد. والله أعلم.
إذا كانت الزكاة تجب أن تؤدى من أموال الجمعية، فكيف إذا كانت هذه الأموال المودعة تسلم لأحد أعضاء الجمعية كل ستة أشهر وربما قبل ذلك، بحيث لا يحول عليها الحول؟
يزكى باسم الجمعية ما كان مجتمعاً، وما انتقل إلى أحد الأعضاء كان عليه. والله أعلم.
اتفق خمسة من الشباب على تكوين جمعية أساسها القرض الحسن، بحيث يدفع كل واحد منهم مائتين وخمسين ريالاً عمانياً في نهاية كل شهر، على أن تؤول إلى أحدهم لمدة سنة، وفي السنة التالية تؤول إلى آخر منهم، والخلاصة أن كل واحد منهم يأخذ ما دفعه من غير زيادة ولا نقصان، وقد جرت العادة ألا يطالب المشترك في الجمعية بماله قبل حلول دوره تقدم أو تأخر، وقد يتشارطون على ذلك كتابة. هل تجب الزكاة على الدائنين في مثل هذه الحالة، لا سيما أن أغلبهم لا يملك من النقد إلا نصيبه من الجمعية؟ (1/212)
صفحة 213
الذي أراه أن من أخذ نصيبه من هذا القرض عليه أن يزكيه إن بقي في يده نقداً لم يستهلك حتى حال عليه الحول، أما الذين دفعوا منابهم ولم يحن وقت أخذهم نصيبهم من الجمعية فلا زكاة عليهم إلى أن يؤول إليهم حقهم؛ لأن حكم هذا القرض حكم الدين المؤجل، ومما قاله علماؤنا ـ رحمهم الله ـ في الدين المؤجل أن زكاته على المدين لا على الدائن إلى أن يحين أجله. والله أعلم.
اتفق عشرة أشخاص لعمل جمعية، يدفع كل شخص منهم مائة ريال عماني من راتبه الشهري، وكل ثلاثة أشهر يستلم أحدهم مبلغ ثلاثة آلاف ريال عماني علماً بأن المدة تستغرق ثلاثين شهراً، فهل في هذا المبلغ زكاة؟
نعم، تجب الزكاة في المبلغ النقدي السائل إن بلغ النصاب وحال عليه الحول، وكذلك المبلغ الذي على الوفي الملي إن كان حالاً، وأما ما عدا ذلك فلا زكاة فيه. والله أعلم.
زكاة الأوراق المالية:
سماحة الشيخ / هل في الأوراق النقدية زكاة، ولماذا؟ (1/213)
صفحة 214
لا يشك عارف بطبيعة البشر نفوسهم مجبولة على حب المال بدافع من حب المنفعة لأنه قوام الحياة، والقرآن الكريم ينص على ذلك في قوله تعالى: { وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا[20] } ، وقوله: { وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ[8] } ، وإذا كانت هذه غريزة بشرية، والإسلام الحنيف دين الفطرة، فإنه لا يصطدم معها، ولكن يوجهها الوجهة المرضية لتعود بالمنفعة والخير إلى الإنسان فرداً ومجتمعاً، وذلك من خلال فرض القيود والواجبات فيما يتعلق بكسب المال والانتفاع به، إذ لو تركت هذه الغريزة وشأنها لعادت قوة عارمة تسيطر على كل ما في الإنسان من هواجس إنسانية تشد الفرد إلى مجتمعه، وتجعل من المجتمع جسداً واحداً يتألم أي عضو منه، وماذا عسى أن تكون حيلة هذه الهواجس إذا هيمنت غريزة حب المال على العقل والقلب، واستحكمت في الفكر والوجدان، فأصبحت داء عضالاً ومرضاً فتاكاً يستعصي علاجه ويتعذر استئصاله، فلا يلبث الإنسان عندئذ أن يكون المال جماع، يلهث وراءه واطئاً بقدميه على جميع القيم، وملقياً وراء ظهره جميع الفضائل، غير مبال في سبيل إرواء هذا السعار المتأجج في نفسه بإتلاف الأرواح، وقطع الصلات وحل الروابط، وربما أفضى به الأمر إلى الاعتداء على أخص خاصيته، وأقرب قرابته طمعاً في احتواء تركته، وفي مثل هذه الأجواء المسممة بهذا الطبع الفتاك تنضب عواطف الرحمة، وتغور مشاعر الإحسان، فلا يرق قوي لضعيف، ولا يعطف كبير على صغير، ولا يحنو والد على ولد، ولا يجل ويبر ولد والداً، ولا يهتم قريب بقريب، وإذا بالإنسان الذي حمل أمانة الخلافة في الأرض وحش ضار أشد خطراً على بني جنسه من سباع الحيوان. (1/214)
صفحة 215
والله خالق الإنسان هو العليم بكل ما اشتمل عليه طبعه، وانطوى عليه وجوده جسماً وروحاً، قلباً وعقلاً، وجداناً وفكراً، غريزة وضميراً، فهو العليم بمنافعه الشخصية والنوعية ومضاره، وقد شرع له في دينه ما يحميه من هذه المضار ويحوط منافعه بسياج محكم من العبادات والأحكام، فلذلك شرع الله إنفاق الأموال في أبواب البر، وعلى رأس ذلك الزكاة المفروضة فيها، ففي هذا الإنفاق تحرير للنفس من سلطان حب المال إذا هي اعتادت عليه، ويشير القرآن الحكيم إلى الحكمة العالية في قوله تعالى: { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا } فالصدقة تطهر النفس من الشح وحب الاستئثار، وتزكيها بما تغرس فيها من خصال الخير، كحب الإيثار والرحمة والشفقة، وبهذا يتماسك المجتمع المسلم متحداً في المشاعر والأحاسيس، والآمال والآلام، والمباديء والغايات، ويصدق عليه قول النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ: (( ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ))، ولا غرو في ذلك، فإن الإسلام دين الفطرة { فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ } وهذا كله من دواعي الفطرة، فالناس خلقوا متفاوتين في المواهب الفطرية والكسبية، ولا غنى لأحد منهم عما اختص به غيره من زيادة موهبة، حتى تكون حياة هذا الجنس من الخلق حياة تعاونية اجتماعية لا يستقل فيها أحد بمصالحه عن بني جنسه، واختصاص الإنسان من بين سائر الكائنات في الأرض بشدة افتقاره إلى بني جنسه طبيعة ملازمة له منذ بداية وجوده، فالمولود من البشر أحوج من المواليد الأخرى إلى عظيم العناية والمبالغة في رعايته، وهذا الأثر النفسي للزكاة ليس محصوراً في نفس المزكي فحسب، بل يتجاوزها إلى نفس المنتفع بالزكاة وهو الفقير والمسكين، فإن من شأن الإحسان أن يكون ذا (1/215)
صفحة 216
أثر على نفس المحسن إليه، إذ النفوس مجبولة على حب من أحسن إليها، فإذا دفع الغني زكاته إلى المحتاج زال ما في نفس المحتاج من السخيمة والحقد الناتجين عن شعوره بالحرمان، فتتلاحم القلوب وترتبط النفوس بعضها ببعض، والوحدة بين الأمة فقرائها وأغنيائها وأقويائها وضعفائها مطلب أساسي من مطالب الإسلام، ويظهر أثر ذلك في كل عبادة من العبادات المشروعة فيه.
أما إن ظلت الثروات تنصب في خزائن الأغنياء، ولم يكن فيها نصيب للفقراء والمعوزين، فإن ذلك داع بلا ريب إلى أن تتأجج نار الحسد في قلوب الفقراء ويطغى طوفان الحقد على صدورهم، وهو من أسباب انحلال عرى الوحدة بين، وقد يصل اكتظاظ الصدور بالحقد إلى انفجار مدمر لا يبقي ولا يذر، وهو الذي وقع فعلاً في المجتمعات التي سادها النظام الرأسمالي الجائر، وانحصرت فيها الثروات عند طائفة مخصوصة من الناس، بينما السواد الأعظم منهم يتضور جوعاً، ويعاني الشدائد، فأدى الأمر إلى انفجار أحقاد الجماهير عن ثورات حمراء أفرزت نظاماً معاكساً جهنمي الطبع يأتي على الطارف والتليد، ويلتهم الأخضر واليابس، ألا وهو النظام الشيوعي الذي ذاقت الإنسانية ويلاته ردحاً من الزمن. (1/216)
صفحة 217
ومعظم ثروة الناس في العالم المعاصر هي هذه الأوراق النقدية، التي يقضى بها المصالح، ويتبادل بها المنافع، ويشبع منها الجائع، ويكتسي بها العاري، فماذا عسى أن تكون حالة الأمة إن كانت دُولة بين الأغنياء يضاعفون رصيدهم منها في المصارف الربوية؛ لأجل امتصاص ما تبقى عند غيرهم من الثروات التي لا تكاد تذكر من قلتها؟ أليس في ذلك ما ينافي حكمة الله البالغة من مشروعية الزكاة لسد حاجات المحتاجين، ورأب صدع الأمة، وتطهير نفوس الأغنياء من الأثرة والشح، ونفوس الفقراء من البغضاء والحقد؟ أليست هذه الحالة هي التي جاء القرآن الكريم ليقضي عليها من خلال أحكامه العادلة، وقد نبه على أنها مبدأ مرفوض في الإسلام، عندما قال تعالى ـ بعد تبيان أحكام الفيء ـ { كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ } أليست هذه هي الطبقية الممقوتة، والفجوة السحيقة الفاصلة بين الطبقات؟ (1/217)
صفحة 218
والقرآن الكريم أفاد وجوب الزكاة في الأموال، ولم يميز بين صنف وآخر منها، بل جاء بما يفيد عموم الحكم فيها، وذلك في قوله عز وجل { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا } ، فإن الأموال جمع مال، وهو كل ما يجوز تملكه والتصرف فيه، وتعريف الجنس بالإضافة كتعريفه بالتنكير في إفادة عموم الحكم، ويتأكد ذلك بصيغة الجمع، إلا أن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ عندما أخذها من صنوف المال التي يحتاج إليها الناس في قوام حياتهم وهي ما يدخر ويقتات به من الزروع والثمار، وكذلك الأنعام من الماشية، وإنما كانت هذه الأصناف من قوام الحياة لأن الحياة تتوقف على الأقوات، وغالب أقواتهم آنذاك من هذه الحبوب ومن بهيمة الأنعام، وأما النقدان فقد كانا وسيلة تبادل هذه المنافع وغيرها فلذلك عدّا من ضرورات الحياة، فشرعت الزكاة فيها، ومما هو جدير بالانتباه أن نفوس البشر جميعاً تتطلع إلى النقدين وإلى هذه الأصناف الأخرى أكثر من أي نوع آخر من صنوف المال، لحاجتها الملحة إليها، فكان من حكمة الله تعالى البالغة أن شرع بواسطة نبيه عليه الصلاة والسلام أخذ الزكاة من هذه الأصناف لسد حاجات الفقراء بها وفي الأخذ من هذه الأصناف دون غيرها تنبيه للناس بأن كل ما كان على صفتها فالزكاة فيه واجبة، وإنما أخذ النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ الزكاة منها آنذالك لأنها وحدها هي الأموال التي كانت متوفرة عند العرب من هذا النوع، وقد ألحق علماء الأمة بحكمها كل ما كان على صفتها، فلذلك أوجبوا الزكاة في الأرز وما أشبهه من الحبوب المدخرة المقتاتة، ولم يحصروها في تلكم الأصناف بعينها. (1/218)
صفحة 219
ومما لا يرتاب فيه عاقل أن الأوراق النقدية حلت محل النقدين في الثمينة، وأن حاجة الفقراء إليها في زماننا أشد من حاجتهم إلى نفس النقدين، بل ومن حاجتهم إلى أي صنف من أصناف المال فإسقاط زكاتها يعني هدماً لهذا الركن الإجتماعي المالي من أركان الإسلام من أهم جوانبه، لأن قضاء مصالح الناس متوقف عليها.
هذا وقد أجمع المسلمون جميعاً على وجوب الزكاة في التجارة، استلهاماً لهذا الحكم من إشارات النصوص الشرعية وفهم مقاصد الشريعة، وإذا وجبت في التجارة فكيف لا تجب في وسائل الاتجار، وقد انحصرت في عصرنا هذا في هذه الأوراق وحدها، وبالجملة فإنه لا مناص عند من فهم مقاصد الشرع من القول بوجوب الزكاة في هذه الأوراق، ولا يكابر في هذا إلا جاهل متعنت.
هذا وقد استلهم جمهور الأمة ـ وفيهم أصحابنا رحمهم الله ـ وجوب الزكاة في كل ما كان من أصناف المال ينطبق عليه ذلكم الوصف الذي أشرنا إليه، وجعلوا من عمل النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ بياناً للمقصود من الأموال في الآية الكريمة، لعدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه، وذهب الحنفية إلى الأخذ بعموم الآية فأوجبت الزكاة ـ إذا حال الحول مع كمال النصاب ـ على كل ما يسمى مالاً نظراً إلى أن السنة لم تأت بما يفيد الحصر. (1/219)
صفحة 220
وإذا كان مقصد الشارع الحكيم في مشروعية الزكاة في الأموال ما سبق بيانه من الحكم البالغة التي تعود مصلحتها إلى الإنسان فرداً ومجتمعاً، سواء كانت هذه المصلحة تتعلق بتهذيب نفسه أو قضاء حاجاته، فإن هذه الحكم نفسها هي القطب الذي تدور عليه أحكام الربا، فما كان تحريم الربا إلا لكبح جماح الشهوة المالية في النفس، وإيجاد جو إنساني تسود فيه الرحمة والعطف والحنان والمودة والوئام بين أفراد الأمة أغنيائهم وفقرائهم، فالأغنياء يقضون حاجات الفقراء بالصدقات والإقراض، ولا يجعلون من تلكم الحاجات شباكاً لاصطياد أموالهم وانتزاع ثرواتهم، حتى يخرجوا منها صفر الأكف، ولم يقتصر الشارع الحكيم في تحريم الربا على جنس دون آخر، وما كان ذكره لبعض صنوف المال إلا لكون تلك الأصناف هي مدار حاجة الناس يومئذ، ولا يعني ذلك بأي وجه من وجوه الدلالة الشرعية تخصيص حكم الربا بها، والأمة فهمت من قوله عليه السلام: (( إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم )) أن اتحاد الجنسين ـ أي جنس المبيع والثمن ـ موقع في الربا ـ إن لم يكن البيع يداً بيد، حتى أم علماءنا ـ رحمهم الله ـ شددوا في بيع الأجناس المتقاربة في الوصف بعضها ببعض ـ وإن لم تكن من نوع واحد ـ إلا أن يكون البيع يداً بيد، قال الإمام السالمي ـ رحمه الله تعالى ـ
ولا يباع التمر بالزبيب نسيئة الأرز بالحبوب
والسمن بالأوداك والورس بما شابهه كالزعفران فاعلما
مع أنه من المعلوم أن السمن والأوداك، والورس والزعفران لم ينص عليها بأعيانها في الحديث. (1/220)
صفحة 221
وأما ما يعتور هذه الأوراق من التذبذب في قيمتها نتيجة التضخم تارة والانكماش أخرى، فإنه لو كان له أثر شرعي على هذه الأوراق لكان ذلك الأثر هو حرمة تداولها في المعاملات لما في ذلك من الغرر، لا أن تسقط زكاتها ويباح رباها، في حين أن الناس يعتمدون عليها في قضاء مآربهم، وتبادل مصالحهم، ونجد أن الناس اليوم عالمهم وجاهلهم برهم وفاجرهم مؤمنهم وكافرهم قد أطبقوا إطباقاً تاماً على جعل هذه الأوراق القطب الذي تدور عليه جميع معاملاتهم الخاصة والعامة، فإنهم جميعاً متواطئون على تبادلها في بيعهم وشرائهم، ودفعها في جميع المعاوضات والتخلص من التبعات، فهل تدفع اليوم ديات القتلى وأروش الجرحى وصدقات النساء، وسائر الحقوق إلا منها.
بم تقدر الأوراق المالية بالذهب أو بالفضة؟ وما العلة في ذلك؟ وما شروط إخراج زكاة هذه الأوراق النقدية؟
تقدر بما قدرت به رسمياً، فإن كانت مقدرة بالذهب ـ كما هو الشأن في غالب العملات في وقتنا هذا ـ فإنها تقدر به، وإن كانت رسمياً مقدرة بالفضة فإنها تقدر بالفضة، وشروط زكاة هذه الأوراق كشروط سائر الزكاة، فلا بد من أن تبلغ النصاب وأن يحول الحول عليها. والله أعلم.
ما أدلة وجوب الزكاة في النقود، وما الحكمة من إيجابها، وما القول إذا ثبت حقاً أن هذه الأوراق النقدية المتداولة اليوم ليس لها قيمة حقيقية ذهباً أو فضة في البنوك. فهل فيها زكاة أم لا؟
النقود التي كانت متداولة في العصور السابقة هي الذهب والفضة، فمن الذهب صيغت الدنانير ومن الفضة صيغت الدراهم، وقد جاء الإسلام الحنيف بما يدل على وجوب الزكاة في هذين النقدين، فالذهب تجب الزكاة فيه إذا بلغ عشرين مثقالاً والفضة تجب فيها الزكاة إذا بلغت مائتي درهم، كما ثبت ذلك في الحديث عن رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ. (1/221)
صفحة 222
وإذا جئنا إلى الحكمة فإننا نستطيع أن نستشف ذلك من خلال اطلاعنا على ما نصت السنة على وجوب الزكاة فيه، ذلك لأن القرآن الكريم أوجب الزكاة إجمالاً في المال قال الله تعالى: { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا } وقال: { وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ[24] لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ[25] } وقال: { وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ[19] } فأوجب القرآن الكريم الزكاة في المال من غير أن يفصل أنواع المال التي تجب فيها الزكاة، وجاءت السنة النبوية ـ على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ـ ناصة على صنوف من الأموال تجب فيها الزكاة، من بين هذه الأموال الماشية، التي هي من ضمن ما تتطلع إليه النفوس، لأنها من ضرورات الناس في معايشهم، وكذلك الحبوب التي يتخذها الناس مادة لغذائهم، وكذلك جاءت الزكاة في نص حديث رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ في الذهب والفضة، مع ما جاء من دلائل القرآن العامة والمجملة التي تدل على ذلك. (1/222)
صفحة 223
ومن المعلوم أن هذه الأشياء التي وجبت فيها الزكاة بنص حديث رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ من الحبوب والماشية وغيرها، إنما هي أشياء تتوقف عليها ضرورات الحياة، فكل من الماشية التي هي النعم، والحبوب التي هي مادة غذائية من الأمور التي تتوقف عليها معايش الناس، فلذلك جعل الله سبحانه تعالى الزكاة فيها أمراً واجباً؛ لأن النفوس تتطلع إليها، ولئن كان هذا هو السبب في وجوب الزكاة في أمثال هذه الأشياء، فلا ريب أن الذهب والفضة بما أنهما وسيلة لتبادل المنافع بين الناس وقضاء الحاجات جعل الله تبارك وتعالى فيهما الزكاة وهي فريضة واجبة لا يجوز التردد فيها، وجاء القرآن الكريم ناصاً على أن الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله متوعدون بعذاب أليم. يقول سبحانه: { وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ[34] يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ[35] } .
وعندما حصل تبادل المنافع بهذه الأوراق النقدية التي اتخذت الآن وسيلة لقضاء الحاجات وأداء الحقوق ورد المظالم وغير ذلك من أنواع المعاملات بين الناس، حلت هذه الأوراق محل الذهب والفضة، فلا ريب أن الزكاة واجبة فيها؛ لأن الأمة تتطلع فقراؤها إلى هذه الأوراق النقدية، كما كانت تتطلع سابقاً إلى الذهب والفضة وإلى المواد الغذائية وإلى الماشية التي هي من قوام الناس في معايشهم، فلذلك كانت الزكاة فيها أمراً لا مناص عنه، فهي واجبة ولا تجوز المماحكة في ذلك، ولو لم تكن مؤمنة بذهب أو بفضة. والله تعالى أعلم.
زكاة الحلي: (1/223)
صفحة 224
امرأة عندها حلي منذ عشرين سنة ولم تؤدي زكاته، ثم باعته بخمسمائة ريال عماني وأرادت التوبة، فهل عليها أن تؤدي الزكاة عن السنين الماضية، أم يجزيها أن تؤدي زكاة سنة واحدة، وما هو الراجح عندكم في وجوب الزكاة في الحلي؟
الراجح وجوب الزكاة في الحلي للأحاديث الناصة على ذلك، وهي وإن كانت لا تخلو من مقال، فإن عمومات الأحاديث الصحيحة الموجبة للزكاة في الذهب والفضة تؤيديها، بخلاف الأحاديث والآثار المسقطة للزكاة في الحلي، فإنها مع ضعفها معارضة بالعمومات، ومن ترك الزكاة أعواماً فعليه أن يزكي عن كل عام على الراجح؛ لأن الزكاة حق مالي ولا يسقطه مرور الزمن، وقيل بل يجب عليه أن يزكي زكاة عام واحد، وقيل تجزؤه التوبة، والأول هو الراجح. والله أعلم.
ما قولكم في حلي امرأة قيمته في الزمن السابق خمسون قرشاً ومضت عليه خمس وثلاثون سنة لم تخرج زكاته، وأرادت في هذه الأيام أن تخرجها، فرأت أن قيمة ذلك تستهلكه جميعاً فماذا يلزمها؟
اختلف العلماء في الزكاة هل هي حق في الذمة أو هي شريك في المال، فمن رآها حقاً واجباً في الذمة أوجب على من ترك الزكاة أعواماً أداء زكاة تلك الأعوام، ولو استهلكت جميع المال، ومن قال إنها شريك قال بوجوب التزكية إلى أن ينقص المال عن النصاب؛ فإن نقص لم تجب الزكاة في سائره، وذلك الذي يعنيه المحقق الخليلي ـ رحمه الله ـ في قوله:
وفي تيعة عامين ما زكيت لهم
خلاف لأصلين التشارك والذمم
والأرجح في المسألة كون الزكاة شريكاً، ومن العلماء من يوجب على من ترك الزكاة سنين عديدة زكاة عام، ومنهم من يوجب عليه الزكاة كلها إلا إذا افتقر فإنها لا تتعلق بذمته. والله أعلم.
ما هو الحل الأمثل لمن لم يعرف أسعار الذهب والفضة في السنوات الماضية، وتجب عليه الزكاة في تلك السنوات؟
يرجع في هذا إلى طمأنينة القلب، فالبر ما اطمأن إليه القلب. والله أعلم. (1/224)
صفحة 225
أراد رجل أن يخرج زكاة حلي زوجته، حيث إن من شروط عقد الزواج أن يتحمل الزوج زكاة ذهب زوجته. فهل يصح ذلك؟ وهل له أن يأخذ من هذه الزكاة لنفسه بسبب فقره وديونه؟ وهل يجب في حلي البنات الزكاة؟
هذا شرط لا يخلو من جهالة؛ فإن استمر على تحمله فذلك، وإلا فعليه زكاة حليها، وإن دفع هو زكاتها لم يكن له أن يأخذها لنفسه، أما إن دفعتها هي فيجوز لها أن تدفعها إليه إن كان مستحقاً للزكاة، وحلي البنات تجب فيه الزكاة إن بلغ النصاب، فإن كان مشتركاً مشاعاً بينهن ففيه الزكاة إن بلغ النصاب، وإلا فنصاب كل واحدة منهن مستقل برأسه. والله أعلم.
هل تجب الزكاة في حلي المرأة؟ وما قيمته بالعملة العمانية، وكم قيمة العشرين مثقالاً؟ وهل تخرج قيمة الزكاة من ثمن الذهب المشترى به أولاً أم الثمن الحالي؟
نعم, تجب الزكاة في حلي المرأة إذا بلغ النصاب، فإن كان ذهباً فنصابه عشرون مثقالاً، وهي تقدر بنحو خمسة وثمانين جراماً من معايير وقتنا هذا، ةوإن كان فضة فنصابه مائتا درهم، وتقدر بنحو خمسمائة وخمسة وتسعين جراماً بحسب معايير وقتنا هذا، وكل واحد من الذهب والفضة هو أصل برأسه؛ فلذلك لا يحتاج أن يقوم بالقيمة، وإنما العملات المختلفة تعاد قيمتها إلى الذهب والفضة وليس العكس؛ لأن الذهب والفضة هما الأصل لتلك العملات، وليست هي الأصل لهما، وإخراج زكاة الحلي يمكن أن يكون من نفس الحلي، ويمكن أن يكون بالقيمة، ويمكن أن تحسب القيمة وتقدر في كل وقت بقدرها، فإن كلاً من الذهب والفضة ترتفع قيمته أحياناً وتنزل أحياناً. والله أعلم.
هل في الأحجار الكريمة كالماس وأمثاله زكاة إذا كانت للاستعمال وليست للتجارة؟ (1/225)
صفحة 226
الزكاة تجب في الحلي إن كان ذهباً أو فضة، لحديث عائشة وغيرها من الأحاديث الموجبة للزكاة في الحلي، وهي وإن كانت لا تخلو من نقد عند صيارفة الحديث، فإن اعتضادها بعمومات الأحاديث الصحيحة الموجبة للزكاة في مطلق النقدين كاف لترجيحها على الروايات المعارضة لها، على أن هذه الأخيرة هي أوهى من الأولى إسناداً ومتناً، ولذلك قال أصحابنا ـ رحمهم الله ـ بوجوب زكاة الحلي إن كان ذهباً أو فضة، ووافقهم على ذلك الحنفية وغيرهم، ولكنهم لا يوجبون الزكاة في غير العين من الحلي كالأحجار الكريمة، وخالفهم في ذلك الإمام زيد ومن وافقه على قوله من أهل البيت؛ فأوجبوا الزكاة في كل حلي ولو لم يكن ذهباً أو فضة، أما إذا كانت يقصد بها التجارة ففيها الزكاة إجماعاً. والله أعلم.
هل الزكاة تكون في قيمة الشراء بالنسبة للحلي أو عن وزنها؟
يجوز إخراج جزء من الحلي المزكى في الزكاة بعد وزنه، أو إخراج ربع عشر قيمته بعد اعتبار القيم. والله أعلم.
امرأة لديها ذهب في حد الزكاة، وعليها دين أكثر من حد الزكاة، فهل تزكي أم لا؟
إن كان الدين غير منسأ سقطت زكاة ذهبها بقدر الدين. والله أعلم.
ما قولكم في الزكاة التي تخرج من الحلي. هل تنقص قيمته بقدر الزكاة المخرجة، أم تظل القيمة نفسها وتخرج نفس القيمة كل سنة؟
إن كان الحلي موجوداً قائماً فلا تنقص قيمته بالزكاة، فيخرج منه كل عام نفس المقدار، ولكن لا بد من اعتبار قيمته في كل عام، فقد ترتفع وقد تنخفض. والله أعلم.
امرأة لم تزك ذهبها منذ سنين فماذا تفعل؟
تزك ما وجب عليها من زكاة تلك السنين. والله أعلم.
ما الحكم في زكاة الذهب المخلوط بالفضة؟ (1/226)
صفحة 227
يقدر الذهب بنفسه والفضة بنفسها. ويحمل بعضهما على الآخر، فإن كانت الفضة مثلاً بمقدار مائة وعشرين درهماً، والذهب بمقدار ثمانية دنانير حمل بعضهما على الآخر وزكي الجميع كل بحسابه، وإن كانت الفضة أقل من الذهب كأن تكون بمقدار خمسين درهماً والذهب بمقدار عشرة دنانير فإنه يحمل بعضهما على بعض، وتخرج زكاة الجميع من كل بقدره. والله أعلم.
ما هو السبب في وجوب الزكاة في حلي النساء المستخدم في الزينة، وعدم وجوب الزكاة في اللؤلؤ والماس والجواهر الثمينة التي قد يقدر الفص الواحد منها بالآف الدنانير؟
لأن الزكاة أمر تعبدي، وقد تعبدنا الله تعالى بالزكاة في الذهب والفضة، ولم يذكر الأموال الأخرى كاللآليء وغيرها، وكذلك أحاديث رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ دلت على هذا، فلذلك قلنا بعدم وجوب الزكاة في هذه المجوهرات، مع أنها تجب في الذهب والفضة، ولو كانت قيمتها دون قيمتها. والله أعلم.
ماذا تقول سماحة الشيخ: فيمن يقول بأن المقصود من قول الرسول ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ (( وفي الرقة ربع العشر )) أنها الدراهم المضروبة، ولا تطلق على الحلي المصوغ؟
قال ذلك جماعة من أهل العلم، ولكن ذهبنا إلى خلاف هذا الرأي، وبدليل ما جاء في حديث مسلم أن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ استعمل خاتماً من ورق، أي من الفضة، فالرقة والورق بمعنى واحد، والذين قالوا بأن الرقة لا تطلق على المصوغ قالوا مثل ذلك في الورق، والحديث دل على خلاف ذلك، فحملنا معنى الحديث على ما دلّ عليه الحديث، وخير ما يبين السنة السنةُ. والله أعلم.
كانت عائشة ـ رضي الله عنها ـ تخرج زكاة بنات أختها من غير أموالهن، ولكنها لم تخرج زكاة حليهن ما هو السبب في ذلك؟ (1/227)
صفحة 228
من المحتمل أن يكون رأى عائشة ـ رضي الله عنها ـ عدم وجوب الزكاة في الحلي، ومن ناحية أخرى يجب النظر في صحة هذه الرواية وثبوتها، فإن هنالك رواية أخرى عن عائشة دلت على خلافها، ومع تعارض الروايتين عن الصحابي يؤخذ بما يتفق مع السنة المرفوعة إلى النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ ولا يؤخذ بالرواية الأخرى. والله أعلم.
هل تجب الزكاة في التحف الذهبية واللآليء والجواهر الموضوعة للزينة والتي لا نماء فيها؟
أما الذهب والفضة فنعم، وأما إن كانت من الجواهر الأخرى فلا تجب فيها الزكاة كأن تكون من لؤلؤ أو زبرجد أو ياقوت أو عقيق أو أي جوهر آخر. والله أعلم.
هل من يقول بالزكاة في غير المعد للنماء، ولا يقول بزكاة العوامل من الدواب يعد مفرقاً بين متماثلين مع التعليل؟ (1/228)
صفحة 229
لا ريب أن الحلي إن كانت ذهباً أو فضة تجب فيه الزكاة على الراجح، ولدلالة الأحاديث المروية عن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ على ذلك، واعتضادها ـ وإن كان فيها مقال ـ بالأصل العام، وهو وجوب الزكاة في الذهب والفضة كما دل على ذلك القرآن الكريم، ودلت على ذلك الأحاديث العامة الموجبة للزكاة في هذين النوعين في المال، وكذلك الزكاة تجب في الماشية إن كانت سائمة بلا خلاف أما إذا لم تكن سائمة ففيها خلاف، ذلك لأن الحديث عن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ جاء بالإطلاق والتقييد، والأصل في المطلق أن يحمل على المقيد فالرسول ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ يقول: (( في خمس من الإبل شاة )) ويقول: (( في خمس الإبل سائمة شاة )) ومن المعلوم أن الأصوليين يقولون: عندما يجتمع المطلق والمقيد فالإطلاق يحمل على التقييد، كما يحمل العموم على الخصوص عندما يجتمع الخاص والعام، أي عندما يأتي في المسألة الواحدة دليل عام ودليل خاص، وبهذا يتبين أن الراجح بأن هذه الماشية عندما تكون غير سائمة ـ أي معلوفة ـ لا تجب فيها الزكاة، لأجل دلالة هذا الحديث، فإن كانت هذه العوامل سائمة فالراجح وجوب الزكاة فيها، لعدم وجود الدليل الذي يخرج العوامل من الماشية عن حكم وجوب الزكاة، وأما إن كانت معلوفة أي غير سائمة فلا زكاة فيها، وبهذا يتبين أن من قال بوجوب الزكاة في الحلي إن كان من ذهب أو فضة، وقال بعدم وجوب الزكاة في العوامل ـ ولو كانت سائمة ـ فرق بين متماثلين، لأنه أخذ بإسقاط الزكاة من غير السائمة من الماشية بما دل عليه الحديث المقيد، والدليل المقيد مقدم على الدليل المطلق. والله أعلم.
ماذا ترى سماحة الشيخ فيما جاء في كتاب (( فقه الزكاة )) للدكتور يوسف القرضاوي من ترجيح عدم وجوب الزكاة في الذهب والفضة إذا كانا حلياً لامرأة، ورده على أدلة القائلين بالوجوب؟ (1/229)
صفحة 230
الزكاة عبادة من العبادات فرضها الله في أصناف مخصوصة من المال، ومعظم العبادات في الإسلام يوقف بها عند النص، ولا يتجاوز بها حدوده إلى القياس والنظر، كما هو الشأن في جوارح الوضوء ووصفه ونواقضه وعدد ركعات الصلوات.
وقد أوجب الله الزكاة في الذهب والفضة، وتوعد من منعها في كتابه بقوله: { وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ[34] يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ[35] } والآية مطلقة في الذهب والفضة ولفظ (( يكنزون )) لا يدل على أن القصد به ما كان مستوراً لدلالة الحديث على أن الكنز ما لم تؤد زكاته وإن كان مستوراً، وأن ما أديت زكاته ليس يكنز وإن كان مستوراً، وفي الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ قال: (( ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي حقها إلا جعلت له يوم القيامة صفائح، ثم أحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبهته وظهره )) وهو مبين لمعنى الآية ومفيد ـ بإطلاقه ـ شمول حكمه لكل عين، سواء كانت مسككة أو غير مسككة، وبهذا تعلم عدم خروج الحلي من عموم هذا الحكم. (1/230)
صفحة 231
أما القاعدة التي استند إليها الدكتور القرضاوي بانياً عليها قوله بعدم وجوب زكاة الحلي: وهي أن الزكاة تجب فيما كان نامياً من الأموال، دون ما لا يصلح للنماء، فهي قاعدة غير متفق عليها، لأن جعل النماء وعاءً للزكاة إنما هو رأي طائفة من الفقهاء فحسب، ونازع في ذلك آخرون، والمسائل المختلف فيها لا يرفع خلافها إلا الرجوع إلى القواعد المجمع عليها دون المتنازع فيها، وكيف يلزم أحد قولاً مبنياً على أصل لا يسلم له، على أنا نقول: إن الذهب والفضة بطبيعتهما مؤهلان للنماء، ولا يخرجهما عن ذلك استعمالهما حلياً؛ لأن الحلي لا ينتقص من قيمته مرور الزمن ولا يستهلكه الاستعمال، وبإمكان صاحبه عند حاجته إلى إنمائه أن يتصرف فيه ببيع، فينمي قيمته أو يحول عينه إلى نقد إن كان ذهباً أو فضة، هذا عندما كانت العملة المتبادلة في البيع والشراء لا تخرج عن كونها من أحد الصنفين.
هذا كله لو سلمنا لتلك القاعدة، ونحن لا نسلم لها؛ لأن الزكاة ضرب من ضروب العبادات ومناطها التوقيف، فإذا فرضها الشارع في جنس لم يكن لأحد أن يخرج شيئاً من أفراد ذلك الجنس عن حكمها إلا بتوقيف آخر، (( ولا حظ للنظر مع الأثر)).
هذا وتعتضد أدلة الوجوب العامة التي أشرنا إليها بأدلة خاصة ناصة على ما تفيده تلك بعموماتها منها:
1. ... / ما رواه أبو داود والحاكم والدار قطني والبيهقي عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنها قالت: دخل علي رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ فرأى فتخات من ورق، فقال: (( ما هذا يا عائشة؟ )) فقالت: صنعتهن أتزين لك يا رسول الله. قال: (( أتودين زكاتهن؟ )) قالت: لا، أو ما شاء الله. قال: (( هو حسبك من النار )) قال الحافظ ابن حجر إسناده على شرط الصحيح وأورد عليه أن عائشة ـ رضي الله عنها ـ الرواية لهذا الحديث كان من مذهبها عدم تزكية الحلي، فقد روى ابن أبي شيبة عن القاسم قال: كان مالنا عند عائشة، وكانت تزكيه إلا الحلي، ومثله عن عمرة. (1/231)
صفحة 232
وهذا الإيراد مردود من أوجه:
• ... أن العبرة عند تعارض مذهب الصحابي وروايته بروايته دون مذهبه، فإن رأيه لا يوجب حكماً بخلاف روايته ولو نقل رأيه تواتراً، وهو معنى قولهم: (( العبرة بما روى الصحابي لا بما رأى )).
أما روايته فثبوتها بالإسناد الصحيح شاغل للذمة ومثبت للحكم، ولا يعارض الموقوف المرفوع، ولا تقدح مخالفة الصحابي لما رواه مرفوعاً في صحة تلك الرواية شيئاً، ولو كان ثم قدح لكان القدح في عمله، وإنما يتعذر له باحتمال نسيان الرواية بعدما أداها إلى الثقة الذي نقلها عنه.
• ... أن روايتها مثبتة ورأيها ناف، والمثبت مقدم على النافي عند التعارض كما تقرر في الأصول.
• ... أن روايتها قول محكي عن المعصوم ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ، والقول أقوى دليلاً وأوضح حجة من العمل ولو ثبت رفعه، والعمل أقوى وأوضح من الترك، وما زعم أنه رأيها لم يستند إلا بمجرد ما ظهر للراوين عنها أنها كانت لا تزكي حليهم.
• ... أنه يحتمل أنها كانت تتبرع بتزكية حلي أولاد أخيها من مالها، من غير أن يعلموا بذلك، ومن الذي يستطيع الجزم بنفيه، فإن الشهادة على النفي شهادة تهاتر عند الفقهاء.
• ... أن روايتها تعتضد بالأدلة العامة الموجبة للزكاة في الذهب والفضة، بخلاف ما قيل إنه رأيها، وما اعتضد بالعموم أولى بالأخذ به مما خالفه.
• ... أن الدليلين إذا تعارضا وكان في أحدهما شغل الذمة وفي الآخر براءتها، أخذ بما شغل الذمة للاحتياط، ولتحقق اشتغالها به، واليقين لا يرفعه إلا اليقين، هذا إذا جاز تناسخها، فكيف والنسخ هنا متعذر إذ الموقوف لا ينسخ المرفوع. (1/232)
صفحة 233
وأورد عليه أيضاً أنه في سنده يحيى بن أيوب الغافقي وهو مختلف فيه، ويرد على هذا الإيراد بأنه ممن احتج به البخاري ومسلم وآخرون، وهو أوثق في الرواية وأدق في الدراية من الرافضين له، ولو أخذنا نرد الأحاديث بمثل هذه التجريحات لما كاد يسلم منها إلا القليل، ولقل التعويل على السنة في بناء الأحكام.
2. ... / ما رواه أبو داود عن أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ قالت: كنت ألبس أوضاحاً من الذهب، فقلت: يا رسول الله أكنز هو؟ قال: (( ما بلغ أن تؤدى زكاته فزكي فليس بكنز )) وقد أعل بعتاب بن بشير وتفرد ثابت بن عجلان بروايته عنه، والاثنان من رجال البخاري، وهو مما يوهن تجريحهما.
3. ... / ما رواه أبو داود من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وأخرجه النسائي وابن أبي شيبة وأبو عبيد أن امرأة أتت إلى رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ ومعها ابنه لها وفي يدها مسكتان غليظتان، فقال لها: (( أتعطين زكاة هذا؟ )) قالت: لا، قال: (( أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة بسوارين من نار )) قال فخلعتهما فألقتهما إلى النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ وقالت: (( هما لله ورسوله )).
وقد أعل بالاختلاف في اتصاله وإرساله. (1/233)
صفحة 234
وذهب من ذهب من العلماء المسقطين لزكاة الحلي على حمل هذه الأحاديث على ما إذا جاوز الحلي حد الاقتصاد المعتاد إلى حد الإسراف والتبذير، بوصف المسكتين اللتين كانتا في يدي المرأة بأنهما غليظتان، وبأن الفتخات فسرت بالخواتم الكبار، ومن ناحية أخرى فإن أزواج النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ لهن أحكام خاصة إذ لم يكن كأحد من النساء، فلذلك كن مطالبات بالتقشف والخشونة، وهو تحكم من قائله، فإن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ لم يترك الناس في لبس من أمرهم، فلو كان حلي المرأة لا يجوز بمقدار لبينه ـ عليه الصلاة والسلام ـ ولكان حرياً بأن ينهى عن الإسراف مع بيان حده، لا بأن يوجب فيه الصدقة، فإن الصدقة لا تبيح المحجوز، وما كان للنبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ أن يقرّ أحداً على معصية، ثم إن في إقراره ـ عليه الصلاة والسلام ـ أزواجه على الزينة المحرمة عليهن مع تزكيتها مخالفة صريحة للواجب عليه من إقامتهن على المنهج السوي، على أنه لا دليل ـ ولو ضعيفاً ـ على أن لأزواج النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ أحكاماً خاصة في باب الزينة، فما هذا القول إلا افتئات من قائله، وخوض فيما لم يأذن به الله { قُلْ ءَاللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ[59] } ومتى كانت الصدقة تبيح المحجورات، ولو كان الأمر كذلك لجاز للرجل أن يتحلى بالذهب ويلبس الحرير مع تزكيته لهما. (1/234)
صفحة 235
ومهما قيل في هذه الأدلة فإن اعتضادها بالعمومات الصحيحة الثابتة يقوي الأخذ بها والاستناد إليها، وليت شعري ما هي الروايات التي تقوى على معارضة هذه الروايات أو التي تصلح لتخصيص تلك العمومات؛ فإن كل ما أستند إليه القائلون بعدم وجوب زكاة الحلي أو هي حجة وأضعف سنداً من هذه الأدلة، إذ لا يوجد لديهم نص على إسقاط زكاة الحلي إلا حديث واحد أخرجه ابن الجوزي عن جابر ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ قال: (( ليس في الحلي زكاة ))، وهو معلوم بعافية بن أيوب، الذي نص البيهقي على أنه مجهول، ولا عبرة بقول ابن الجوزي: (( ما نعلم فيه حرجاً )) ولا بقول المنذري: (( لم يبلغني فيه ما يوجب تضعيفه ))، فإن مثل هذا القول لا يعد تعديلاً. وهو حديث واحد معارض بثلاثة أحاديث هي أصح منه سنداً وأقوى متناً وأوضح دلالة، ومن القواعد المتبعة في الترجيح تقديم المثبت على النافي وليس لديهم نص آخر.
أما استدلالهم بقول: النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ (( يا معشر النساء تصدقن ولو من حليكن ))، فليس فيه ما يدل على ما ذهبوا إليه؛ لأن الصدقة في الحديث غير محصورة في صدقة الفرض، ومن الواضح جداً أن النساء حريصات على زينتهن ضنينات على استبقائها، لما جبلت عليه المرأة من حب الزينة، والحديث ورد مورد تحذير النساء من عقاب النار وحثهن على التوقي منه بالصدقة، ولو مما هو أحب شيء في نفوسهن، اختباراً لإيمانهن وهو من باب: (( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ))، فالحديث مستحث لهن إلى إيتاء الصدقة ولو من أعز ما يملكنه بعد أداء حق الزكاة منه اتقاءً لسخط الله، وهو كما لو قلت لأحد: تصدق ولو من كرائم أموالك. وليس فيه ما يدل أن الكرائم لا تزكى. (1/235)
صفحة 236
وأما استدلالهم عليه بأن الأصل براءة الذمة، فجوابه: أن هذا الأصل قد ارتفع بثبوت وجوب الزكاة في عموم الذهب والفضة، من غير تمييز بين حلي وغيره بالأدلة العامة وبوجوبها في الحلي خاصة بالأدلة الخاصة.
وأما استدلالهم بما روى عن عدد من الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ من إسقاط زكاة الحلي كعائشة وابن عمر وابن عباس، فهو مردود بأن رأي الجماعة من الصحابة عورض برأي جماعة أخرى، منهم عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وابن مسعود، فقد أخرج البيهقي عن شعيب بن يسار أن عمر ـ رضي الله عنه ـ كتب إلى أبي موسى الأشعري: (( أن مر من قبلك من نساء المسلمين أن يصدقن حليهن )).
وهو وإن أعل بالإرسال لأن شعيباً لم يدرك عمر، فإن الظاهر أنه لا يقوله إلا بعد ثبوته عنده بالشهرة.
وأما ما روي عن الحسن من قوله: لا نعلم أحداً من الخلفاء قال في الحلي زكاة: فهو مجرد إخبار عن علمه، وليس عدم علم أحد بأمر دليلاً على عدمه، ولو أن روايته جاءت جازمة بعدم وجوب زكاة الحلي عند الخلفاء لكانت رواية شعيب أرجح منها، لوجوب تقديم المثبت على النافي.
وأخرج ابن حزم وغيره عن علقمة قال: قالت امرأة لعبد الله بن مسعود: (( لي حلي )) قال: (( إذا بلغ مائتين ففيه زكاة )).
وروى ابن حزم وغيره عن عمرو بن شعيب عن أبيه قال: كان عبد الله بن عمرو بن العاص يأمر بالزكاة في حلي بناته ونسائه. (1/236)
صفحة 237
ولعمري ليس رأي تلك الطائفة أولى بالقبول من رأى هذه الطائفة، وإنما الاحتكام إلى الدليل، ولو لم يكن ثم دليل لكان قول الموجبين أرجح لثبوت ذلك عنهم نصاً بخلاف الآخرين، فإن غاية ما روي عنهم هو عدم تزكيتهم، وهو لا يدل على ثبوت رأي عنهم في ذلك، إذ هو مجرد ترك، والترك لا يعارض الفعل فكيف يعارض القول الذي هو أقوى من العمل، وقد تتبعت ما روي عنهم في ذلك فوجدته لا يعدو أن يكون ظناً من رواته، اللهم إلا ما روي عن جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: (( ليس في الحلي زكاة ))، وذكر الشافعي أنه روي مثله عن أنس وابن عباس، غير أنه شك في صحة ذلك عنهما حيث قال: ولا أدري أثبت عنهما.
أما المروي عن عائشة فهو ما أخرجه مالك في الموطأ أن عائشة زوج النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ كانت تلي بنات أخيها يتامى في حجرها يلبسن الحلي فلا تخرج عن، وروى مثله ابن شيبة عنها وعن عمرة.
وروى مالك بن نافع أن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ كان يحلي بناته وجواريه الذهب ثم لا يخرج عن حليهن الزكاة، وروي عن أسماء كذلك أنها كانت لا تزكي الحلي، وهذه الروايات كلها لا يمكن الاعتماد عليها في اعتبار ذلك رأياً لهؤلاء الصحابة. (1/237)
صفحة 238
إما أولاً: فإن الرواة لم يصرحوا بالطريق التي علموا منها ذلك عنهم، ومن المحتمل أن يكونوا بنوا هذه الرواية على عدم اطلاعهم على تزكية أولئك الصحابة لحليهم، فظنوا ذلك مذهباً لهم، مع أن الزكاة لا يتقيد أداؤها بساعة معلومة يمكن للراوي أن يلازم فيها المروي عنه، فيحكم عليه بعدم أدائها إن لم يره أداها، وإنما وقتها مطلق فيتأتى أداؤها في حال مفارقة الراوي للمروي عنه، وإن كان كثير التلبس به كنافع مع ابن عمر، وما الذي يمنع أن يكون ابن عمر يؤدي هذه الزكاة في غيبة نافع عنه، وأن تكون عائشة تؤديها عن أولاد أخيها من مالها من غير علمهم، على أنها قد روي عنها ـ رضي الله عنها ـ نص في زكاة الحلي، فقد روى عنها البيهقي أنها قالت: (( لا بأس بالحلي إن أعطيت زكاته )). ورواه عنها ابن حزم في المحلى كما روي من طريق حسين المعلم عن سالم عن عبد الله بن عمر أنه كان يأمره بذلك كل عام، وهاتان الروايتان أرجح في الاعتبار من رواية النفي؛ لأن المثبت مقدم على النافي، ولا ريب أن سالماً أكثر اطلاعاً على خاصية أبيه عبد الله من نافع مولاه، وأن عروة الراوي عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أدرى بأحوالها من القاسم وعمرة لكثرة روايته عنها، وما وافق الحديث المرفوع من رأى الراوي هو أرجح مما خالفه.
واستدل المسقطون للزكاة في الحلي بأن الحلي قد يكون من الجواهر الغالية التي تفوق الذهب والفضة، فلماذا تسقط منها الزكاة وتجب إن كان ذهباً أو فضة، وبأن الأصل في الزكاة أن تكون من عين المزكى وذلك متعذر هنا. (1/238)
صفحة 239
وهذا مدفوع؛ لأن الزكاة عبادة وهي تتوقف على التوقيف، ولاحظ للنظر مع الأثر، على أنه لا يبعد أن تكون الزكاة في الحلي الذهبي والفضي دون ما إذا كان من سائر المعادن لأجل أن الذهب والفضة تتوق إليهما الأنفس أكثر من غيرها لأنهما الأصل في الثمينة، ومن ناحية أخرى فإن معرفة عامة الناس بهما أكثر من معرفتهم بغيرهما، ففي تزكية الحلي منهما جبر لخواطر الفقراء المحرومين، وهذا كما حرم التأني بهما دون غيرهما مما هو أغلى منهما، وعليه فيكون أداء زكاتهما من غير الحلي مما هو من جنسه أو بقدر الثمن يعتبر حقاً واجباً في ذمة صاحب الحلي، كوجوب حق زكاة الفطر وهي زكاة الأنفس من غير جنس المزكي عنه. والله أعلم.
هل يعطى الذهب الأبيض المعروف حالياً حكم في تحريم لبسه على الرجال وفي إخراج الزكاة منه أم لا؟
الذهب الأبيض ليس له حكم الذهب في تحريمه على الرجال ووجوب الزكاة فيه إذا كان مخالفاً للذهب في طبيعته، وإطلاق اسمه عليه لا يعطيه حكمه كالقهوة المطبوخة بحب البن، لا تعطى حكم الخمر مع أن اسم القهوة لغة الخمر. والله أعلم.
زكاة عروض التجارة:
ما هي شروط زكاة عروض التجارة؟
تزكى عروض التجارة بعد أن تصل قيمتها النصاب في أحد النقدين، ويشترط لزكاتها مرور الحول، وهي كغيرها من الأموال الناضة، فعندما تكون غارقة في الدين أو غارقاً بعضها في الدين فإن الزكاة لا تجب فيها، لا أن يكون ما فضل عن مقدار الدين يصل إلى النصاب، فيزكي الفاضل عن مقدار الدين، على أن يكون الدين المسقط للزكاة حالاً، أي واجباً على المدين أداؤه. والله أعلم.
تاجر لديه بضاعة مخزنة للبيع. هل تجب فيها الزكاة؟
بما أن تلك البضاعة هي معروضة للبيع، ومتى جاء المشتري من أجل أن يشتريها باعها صاحبها، فإن الزكاة فيها واجبة كسائر ما في متجره من عروض التجارة. والله أعلم.
هل في السيارات التي تؤجر لنقل الركاب أو البضائع زكاة؟ (1/239)
صفحة 240
الزكاة في دخلها إن حال عليه الحول مع بلوغ النصاب لا فيها. والله أعلم.
هل في المتجر ( مكان التجارة وما فيه من آلات ) زكاة، وما الحكم إذا كانت عليه ديون؟
نعم، تجب الزكاة في رأس مال التجارة النقد، والمواد المتجر فيها، بعد إعطاء كل ذي حق حقه، وإسقاط الديون الحاضرة من رأس مال التجارة. والله أعلم.
إذا أجر رجل مزرعته لآخر نظير مبلغ من المال شهرياً، وزرعها ذلك المستأجر، فعلى من تكون الزكاة على المالك أم المستأجر؟
على الزارع لا على صاحب الأرض ـ على الأرجح ـ، وإنما صاحب الأرض يزكي النقود عندما يحول عليها الحول، أو تضم إلى ماله المزكى عند بلوغ الحول. والله أعلم.
تاجر لديه ثروة تجارية في صورة عروض وبضائع، اشتراها بثمن ولم يبعها بعد، فكيف يزكيها: وما هو الدليل على وجوب الزكاة في عروض التجارة؟
تزكى عروض التجارة بقدر قيمتها في الوقت الذي تجب فيه الزكاة ـ أي عندما يحول عليها الحول ـ والدليل على وجوب الزكاة في عروض التجارة النصوص العامة الدالة على ذلك، مع الإجماع المنعقد على وجوب الزكاة في التجارة. والله أعلم.
تاجر يبيع ويشتري بالسعر الحاضر، وآخر يتربص حتى ترتفع الأسعار ثم يبيع ( أي أنه محتكر ) وقد تمكث عنده السلعة أعواماً كثيرة. فكيف تكون زكاة كلا التاجرين؟
كل منهما عليه أن يحسب ما عنده من عروض التجارة على رأس كل عام. ويزكيها مع النقود. والله أعلم.
هل يخرج التاجر زكاته من السلعة نفسها أي جزءاً منها، أم من قيمتها نقوداً؟ وأيهما الأفضل وما الدليل؟
كل ذلك جائز، فإن أخرج من السلعة نفسها بقدرها جاز، وإن أخرج قيمتها بقدر القيمة في ذلك الوقت جاز أيضاً، ولا تفضيل لأحد الوجهين على الآخر إلا عندما تكون حاجة الفقراء إلى أحد الوجهين أدعى منها إلى الوجه الآخر، فيرجع ما كانت الحاجة إليه أدعى. والله أعلم. (1/240)
صفحة 241
جماعة أرادوا الاشتراك في تجارة، حتى يكون الربح بينهم بالسوية، فدفع كل منهم مبلغاً معلوماً ثم هم يدفعون كل شهر مبلغاً حتى يكتمل المبلغ المطلوب للتجارة. فكيف تزكى الأموال إذا حال عليها الحول؟
حكمه حكم المال الواحد، فيزكى كما يزكى المال الذي يملكه شخص واحد، وينوب كل واحد من الشركاء قدر نصيبه. والله أعلم.
كيف يزكى صاحب الدكان عروض تجارية. , وهل هناك فرق بين كساد البضاعة ورواجها من حيث الزكاة؟
تقوم زكاتها عندما يحول عليها الحول، وتخرج الزكاة بقيمتها في ذلك الوقت، سواء كانت رابحة أم كاسدة. والله أعلم.
ما قولكم في الآلة التي يستخدمها الإنسان في عمل من الأعمال. هل تجب فيها الزكاة؟
لا زكاة فيما يتخذه الإنسان آلة لعمل من الأعمال، وقد اختلف العلماء في الإبل إذا كانت عوامل هل فيها زكاة أم لا، وكذلك البقر، فقيل لا زكاة في العوامل، وقيل بل فيها زكاة كمثل غيرها من الإبل وهي السوائم، وقيل إن كان دخلها بمقدار ما يزكى فلا زكاة فيها وإلا ففيها زكاة، وإلى هذا يشير المحقق الخليلي ـ رحمه الله تعالى ـ عندما قال:
وفي الأخذ من غير السوائم قرروا
خلافاً لهم عم العوامل حين طم
وإذا كان ذلك فيما يزكى أصلاً كالإبل والبقر، فكيف إذا كان مما لا يزكى أصلاً كالآلات فلا زكاة فيها. والله أعلم.
زكاة العقارات والأسهم والسندات:
هل تجب الزكاة في العقار أم في دخله؟ وما الدليل؟
الزكاة تجب في دخل العقار لا في أصله، وذلك ببلوغه النصاب واستكماله الحول. والله أعلم.
هل تجب الزكاة في الأراضي التي يقصد صاحبها الاحتفاظ بها كاستثمار عقاري أو الاحتفاظ بها بغية ارتفاع قيمتها؟
لا زكاة فيها إلا أن يريد بها الاتجار، فمتى أراد إدخالها في التجارة ففيها الزكاة بعد مضي عام. والله أعلم.
شخص لديه منزل يعيش فيه، وآخر قد أجره لغيره، وعنده كذلك سيارة ولكن لا يزال عليه ديون كثيرة فهل عليه زكاة. (1/241)
صفحة 242
الزكاة هي في دخل السيارة ودخل المنزل إن بلغا نصاباً وحال عليه الحول. لا في نفس المسكن والسيارة، وإذا كان المالك مديناً والدين حاضر غير آجل سقط من زكاة ماله بقدر ما عليه من ديون، فإن كان الدين مستغرقاً لماله الذي يزكي فليس عليه أن يزكيه. والله أعلم.
رجل باع قطعة أرض ثم قبض نصف ثمنها وبقي عنده عاماً كاملاً. هل تجب الزكاة في ثمن القطعة كاملاً أم في النصف الذي ملكه؟
إن كان النصف الباقي منسأ إلى وقت معين ولم يحضر ذلك الوقت عندما حال الحول على ما وصل إليه من الثمن، فإن الزكاة تكون فيما قبض لا فيما لم يقبض. أما إن كان ذلك ديناً عاجلاً وليس بآجل ـ أي لم يكن منسأ إلى وقت ـ فإن الزكاة تجب في الجميع، بشرط أن يكون هذا الدين على وفي ملي، إلا إن اتخذت للتجارة، بحيث كانت للبيع ويستعاض عنها بأمثالها عندما يبيعها البائع التاجر، ففي هذه الحالة تجب فيها زكاة عروض التجارة، وإنما يزكى دخلها إن عمّرها وأجّرها فعندما يحول على دخلها الحول وقد اكتمل النصاب يزكى وإلا فلا. والله أعلم.
هل تجب الزكاة لمن عنده عقارات، كالذي يشتري أرضاً ثم يبنيها ثم يعرضها للبيع، والبعض من الأراضي لم يبنها. فهل فيها زكاة؟ وكيف؟
إن كان اتخذ ذلك تجارة بحيث يشتري الأراضي من أجل بيعها أو من أجل بنائها وبيعها. وكانت هذه طريقة مطردة فعليه زكاة التجارة فيها، وإن كان لم يقصد الاتجار، وإنما عرض بيعها لعارض فلا زكاة عليه فيها، وإنما الزكاة في ثمنها إن بلغ النصاب وحال عليه الحول أو ضم إلى مال يزكى من قبل. والله أعلم.
هل في الأسهم والسندات زكاة، وما مقدارها؟ وكيف تزكى؟
نعم إن بلغت النصاب، وتقوم بسعرها في ذلك الوقت، فيخرج منها واحد من أربعين ـ أي اثنان ونصف في المائة ـ وزكاتها زكاة التجارة، وتجب زكاة التجارة في رأس المال وربحه بالقيمة الحقيقية وقت وجوب الزكاة. والله أعلم. (1/242)
صفحة 243
رجل يمتلك أسهماً في شركات تجارية. فهل عليه زكاة في قيمتها أم في دخلها فقط؟
الزكاة في المواد التي يتجر فيها، لذلك تجب تزكية الشركات حسب قيمتها. والله أعلم.
هل تجب عليّ الزكاة في قطعة أرض أنوي بناءها والسكن فيها مستقبلاً، وهل تجب عليّ الزكاة في قطعة أرض استثمارية؟
لا زكاة في العقار سواء كان أرضاً خالية أو مبنية، وإنما الزكاة في دخلها إذا بلغ النصاب وحال عليه الحول، أما إن كنت تتجر في الأراضي وذلك ببيعها وشرائها واتخذت ذلك مهنة لك فعليك زكاة التجارة، وإلا فزكها بعد البيع. والله أعلم.
كيف يزكي أصحاب مقاولات البناء أموالهم وهي تدور باستمرار في استثماراتهم وقد تستغرق أعمالهم أكثر من عام؟
يعدون ما بأيديهم من النقود وسائر العملات، وما لهم من الأجور في ذمم غير المعسرين وغير المماطلين، ويزكون الجميع. والله أعلم.
مبنى له دخل سنوي معلوم مؤجر، هل تجب الزكاة على هذا الدخل، علماً بأنه لا يكفي تسير أمور صاحبه في حياته؟
أكثر العلماء على عدم وجوب الزكاة في المباني المؤخرة إلا إذا مضى حول على إيجاره وهو في يد صاحبه، ويعني ذلك أن حكم الإيجار حكم سائر الأموال النقدية، وذهب بعض العلماء المتأخرين إلى أن ما أعد للإيجار من المباني حكمه حكم المال المتجر به في الزكاة، واختار الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه (( فقه الزكاة )) وجوب الزكاة في الإيجار فور استلامه، كما تزكى الثمرة حال حصادها، على أن تكون زكاته كزكاة النقد والتجارة أي ربع العشر. والله أعلم.
زكاة الدين:
فيمن قرض دراهم وحال عليهن الحول، ولا يزال بيد المستقرض، فهل على القارض فيهن زكاة؟
القرض دين، وزكاة الدين على الدائن إن كان حالاً وكان على وفي ملي، أما إذا فقد شرطاً من هذه الشروط سقطت عنه الزكاة. والله أعلم.
ما قولكم في القروض هل تجب فيها زكاة؟ ومن يؤديها؟ (1/243)
صفحة 244
زكاة الدين على الدائن إن كان غير مؤجل، أو مؤجلاً حان أجله، وعلى المدين إن كان مؤجلاً لم يحن أجله. والله أعلم.
هل تجب الزكاة في القرض الذي لا يرجى رجوعه؟
لا زكاة فيه حتى يستوفيه، لأنه ميئوس منه. والله أعلم.
من له دين لا يرجو سداده ثم سدد له بعد سنوات، كيف يزكيه؟ وكذلك إذا رجا سداده وإذا شك في سداده هل عليه بأس في انتظار ذلك حتى يسدد له؟
تجب الزكاة في الدين إذا كان الدين على وفي ملي، وبشرط أن يكون حاضراً فأما إن كان غير حاضر فلا زكاة فيه حتى يحضر، وإن كان الدين على مفلس فإنه في كلتا الحالتين لا زكاة على الدائن، وعندما يستوفي دينه ولو بعد سنين فليزكه زكاة عام واحد، والله تعالى يتقبل منه. والله أعلم.
رجل عليه دين يقوم بتسديده وفق برنامج زمني، وبالمقابل لديه مبلغ يساوي نصف أو ثلثي الدين تركه لأعمال المضاربة، هذا وقد حال الحول على المبلغ المخصص للمضاربة، فهل تجب فيه الزكاة إذا كان قد بلغ النصاب، وإذا كان كذلك فهل يجوز له أن يسدد من الزكاة شيئاً من الدين الذي عليه؟
إن كان الدين حالاً فإن القول المعتمد عليه ـ عندنا ـ أنه يسقط من زكاة ماله ـ إن كان ناضاً أو تجارة ـ بمقدار ذلك الدين الحال، وأما ما لم يحل فلا يسقط من الزكاة شيئاً، وعليه أن يزكي الباقي من ماله. والله أعلم.
تاجر يشتري البضاعة من تجار الجملة بالدين، وليس له مال، ثم يدفع لهم بعد البيع فهل عليه زكاة على ما في متجره؟
نعم، عليه الزكاة إن كانت البضاعة الموجودة في تجارته الخالصة من الدين الواجب تصل إلى حد النصاب، وأما إن كانت مستغرقة في الدين الواجب قضاؤه فلا زكاة فيها. والله أعلم.
هل زكاة الدين على الدائن أم المدين، سواء كان الدين حالاً أو مؤجلاً، وسواء كان على وفي ملي أم على معسر؟
أكثر القول أن زكاة العاجل على الدائن إن كان المدين وفياً ملياً، وإن كان آجلاً فعلى المدين. والله أعلم. (1/244)
صفحة 245
ما الفرق بين القرض والديّن وما الفرق في زكاتهما وكيفية ذلك؟
القرض هو أن يأخذ أحد من أحد شيئاً ما ليرد مثله، بحيث لا يكون هناك تبايع ما بين الجانبين، وإنما يكون اقتراضاً كما هو معروف، كأن يأخذ ذهباً ليرد ذهباً مثله، أو يأخذ فضة ليرد فضة مثلها بنفس ذلك المقدار، أو حيواناً ليرد حيواناً بنفس ذلك المقدار، أو براً ليرد براً أو شعيراً ليرد شعيراً بنفس ذلك المقدار، هذا هو القرض. والفرق بين الدين والقرض أن الدين يحدد له وقت بينما القرض ـ في قول أكثر العلماء ـ لا يحدد له وقت. وقيل يحدد له وقت، فإن كان القرض غير محدد بوقت ـ كما هو قول جمهور أهل العلم ـ ففيه الزكاة مليّ، وإن كان محدداً بوقت ـ بناءً على جواز تحديد القرض بوقت ـ، فهو كالدين المنسأ الذي لم يحضر وقته، فتجب الزكاة فيه على المدين لا على الدائن ما دام الدين لم يحضر وقته. والله أعلم.
هل يشترط في الزكاة أن يكون المزكي غير مدين لغيره؟
يختلف الدين، فإن كان مستغرقاً للمال حتى لا يبقى مقدار النصاب منه غير مشغول بالدين ـ وكان حالاً أي واجباً أداؤه ـ فالزكاة تسقط عن المدين، وإن كان الدين غير مستغرق للمال كله، بل بقي منه مقدار ما يجب فيه الزكاة، أو كان الدين غير حال ففي الأولى يزكي ما تبقى، وفي الثانية يزكي الجميع. والله أعلم.
زكاة الفطر:
ما هي زكاة الأبدان، وكيف تحسب، ومتى تخرج، ولمن توزع؟
زكاة الأبدان هي زكاة تجب لا في المال وإنما في الأنفس، فبقدر ما يكون الإنسان عنده من عائلة يقوم بعولها وجوباً عليه، فإن عليه أن يخرج عن نفسه وعن كل واحد من هؤلاء صاعاً من الطعام يدفعه إلى فقراء المسلمين، ويبدأ وقت وجوبها بغروب شمس آخر يوم من رمضان ويستمر إلى خروج الناس إلى المصلى، فعندما يخرجون إلى المصلى وتقام الصلاة وتقام الصلاة ينتهي وقت وجوبها ووقت. والله أعلم.
ما هو مقدار الواجب من زكاة الفطر، وما الدليل؟ وهل يرخص بالزيادة على المقدار المحدد؟ (1/245)
صفحة 246
مقدار الواجب هو صاع من الطعام، من بر أو شعير أو تمر أو زبيب أو ذرة أو أقط، كما نص على ذلك الحديث ويجزي كل ما يقتات به كالأرز، وينبغي أن يكون المخرج من جنس ما يقتات به المخرج غالباً، وإن زاد على الصاع كانت الزيادة صدقة، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً. والله أعلم.
هل تفرق زكاة الفطر على الأصناف الثمانية؟
تدفع زكاة الفطر إلى الفقراء والمساكين لإغنائهم يوم العيد عن السؤال، ولا تنفق في نحو الجهاد والمؤلفة قلوبهم مما تدفع فيه الزكاة المشروعة. والله أعلم.
هل تجب زكاة الفطر عن الجنين؟
لا زكاة عن الجنين حتى يولد. والله أعلم.
هل يجوز إعطاء زكاة الفطر للأولاد أو الجدات الفقراء؟
إن كان الأولاد بلغاً قد انحازوا عن أبيهم فلا مانع من إعطائهم من زكاة الفطر أو غيرها، وكذلك إن كانت الجدة مستقلة ولم يكون واجباً عليه عولها، أما إن كان عول هؤلاء عليه فلا يصح له دفع الزكاة إليهم؛ لأن زكاة المرء لا تدفع لمن يجب عليه عوله. والله أعلم.
هل يجوز لنا أن نعطي زكاة فطرة الأبدان بعد ثبوت رؤية هلال شوال في الليل وخاصة أنه يصعب دفعها في الصباح قبل الخروج إلى المصلى، لبُعد إقامة مستحقيها؟
لا مانع من ذلك، فقد قيل تجب بغروب شمس آخر يوم من رمضان، والله أعلم.
ما هو الأفضل في زكاة الفطر إخراج القيمة أم الإطعام؟
الأفضل إتباع السنة بإخراج الطعام. والله أعلم.
والدي يخرج عني وعن أولادي وبقية أسرتنا في المنزل زكاة الفطر، ونحن نعمل وقادرين على أدائها، ولكن الوالد لا يرضى ذلك، وخوفاً منه لأنه يمكن أن يبقى في نفس شيء ومأكلنا ومشربنا واحد، ونفترق في المنام كل في منزله فماذا ترون؟
إن قام بدفع زكاة الفطر عنكم ـ مع موافقتكم ـ فلا حرج. والله أعلم.
زكاة أموال الغير:
هل للإنسان ـ وهو أمين أيتام ـ أن يزكي نقود الأيتام ما داموا غير بالغين أم يمنع من تنفيذها حتى يبلغوا رشدهم؟ (1/246)
صفحة 247
الزكاة واجبة في مال اليتيم كما هي واجبة في مال البالغ؛ لأنها حق في المال لا في الذمة ـ على الصحيح ـ. والله أعلم.
قال بعض العلماء بعدم وجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون. فما أدلتهم؟ وما رأي سماحتكم في ذلك وما الدليل؟
القول الذي نعتمده أن الزكاة واجبة في مال الصبي والمجنون، كما أنها واجبة في مال البالغ والعاقل؛ لأن الزكاة حق واجب في المال، وليس حقاً متعلقاً بالذمة، وعمومات الأدلة تدل على ذلك، من ذلك قول الله تبارك وتعالى { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا } وقال النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ: (( أمرت أن آخذها من أغنيائكم وأردها إلى فقرائكم ))، من غير تفرقة بين بالغ وصبي أو بين عاقل ومجنون، فهي حق في المال على الرأي الراجح، والذين قالوا بعدم وجوب الزكاة في أموال هؤلاء نظروا إلى أن ذمتهم غير مشغولة، فهم اعتبروا الزكاة مما يجب على الذمم وليس حقاً واجباً في المال، فلذلك أخذوا بهذا الرأي، فكما لا تجب عليهم الصلاة والتعبدات الأخرى لا تجب عليهم، ورأيهم له وجه من النظر لو كانت الزكاة حقاً واجباً في الذمة كما يقولون، ولكن بما أنها حق واجب في المال، فالراجح خلاف رأيهم. والله أعلم.
هل يجوز أن يتكفل الزوج بدفع زكاة حلي زوجته؟ وهل يجوز أن يشترط ذلك في العقد؟
تلزم الزكاة صاحبة الحلي، وليس على زوجها أن يزكي عنها؛ لأن الزكاة عبادة من العبادات التي تحتم على الإنسان في خاصة نفسه، ولا ينتقل وجوبها إلى غيره، إلا إذا رضي الزوج أن يزكي عنها، وأدى الزكاة من تلقاء نفسه سقطت عنها مع تفويضها له أن يؤديها، وأما اشتراط أداء الزكاة عنها على الزوج في حالة العقد فهو اشتراط باطل؛ لأن الشرط مجهول. والله أعلم.
مات والدي وأنا أعلم أنه لم يؤد زكاة ماله، فهل يجب عليّ إخراج الزكاة نيابة عنه؟ (1/247)
صفحة 248
إذا لم يوص الهالك بحقوق الله الواجبة عليه ففي وجوب أدائها على الوارث من تركه مورثه خلاف، والراجح الوجوب لقوله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ للرجل الذي سأله عن حجة أخته التي نذرت أن تحج فماتت ولم تحج: (( أرأيت أن لو كان على أختك دين أكنت قاضيه )) قال: نعم، قال: (( فدين الله أحق بالقضاء )). والله أعلم.
استلمت عشرة آلاف ريالاً من وكيلي بعد مضي أربعة عشر عاماً من وفاة الوالد، حيث كنت طفلاً قبل ذلك، ولا أدري هل زكيت أم لا؟ وهل أسأل الوكيل وأصدقه أم لا؟
سل الوكيل وصدقه إن أجابك بالسلب أو الإيجاب. والله أعلم.
مصارف الزكاة:
هل يجوز دفع الزكاة لأحد الزوجين؟ وما الحكمة من عدم جواز دفع الزكاة لأصول المزكي وفروعه؟
يجوز للزوجة أن تدفع الزكاة إلى زوجها الفقير، وأما هو فإن كان يدفع الزكاة إليها فيما كلف بأن يتحمله عنها من نفقتها وكسوتها فلا يجوز ذلك؛ لأن مصلحة الزكاة تعود عليه، وأما إن كان يدفعها فيما لا يعود بالمصلحة عليه فلا حرج في ذلك، كأن يعطيها الزكاة لأجل قضاء ديونها التي تحملتها في غير النفقة الواجبة عليه لها، وأما الأصول فنظراً إلى أن الإنسان مكلف بعول أصوله وفروعه ـ عندما يكونون غير قادرين على عول أنفسهم ـ قيل بعدم جواز دفع الزكاة لهؤلاء، وقيل: بأن للإنسان أن يدفع زكاته إلى أولاده إن أبانهم عنه ـ أي كانوا مستقلين بأنفسهم عنه ـ. والله أعلم.
هل تستحق الأخت والبنت الزكاة؟
نعم، إن كانتا في معزل عنه، ولم يكن مسئولاً عن عولهما، وكانتا فقيرتين؛ لأن صرف الزكاة إلى الأقارب الفقراء مما يضاعف الأجر، فاصرفها إلى أقاربك الفقراء يجتمع لك أجر الصدقة والصلة. والله أعلم.
هل يجوز لمن يقدر على الكسب لصحته وقوته أن يعطى من الزكاة؟ (1/248)
صفحة 249
لا يصح؛ لأن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ قال: في الحديث الذي أخرجه الإمام الربيع من طريق ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ (( لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي، ولا لمتأثل مالاً )). والله أعلم.
هل يجوز للإنسان إخراج جزء من زكاة ماله لتعمير مسجد من المساجد، أو استكمال أشياء ناقصة كالمصاحف؟
الزكاة لها أصناف مخصوصة مبينة في القرآن، وليس منها بناء المساجد، ولا يصح التعدي في الزكاة، لما رواه الربيع ـ رحمه الله ـ بإسناده عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ عن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ (( لا صلاة لمانع الزكاة والمتعدي فيها كمانعها ))، والمراد بالمتعدي فيها من يعطيها غير أهل. والله أعلم.
هل يجوز للمرأة أن تعطي زوجها مبلغ الزكاة عن أموالها لسداد دينه؟
نعم. والله أعلم.
قام الإخوة الأجلاء بزنجبار بإنشاء معهد إسلامي يستقبل الطلبة من مختلف مناطق تنزانيا، تدرس فيه علوم القرآن الكريم والفقه والسنة الشريفة، ويتم التركيز على علوم اللغة العربية بمختلف فروعها، وليس للمعهد مورد ثابت حتى الآن لتسيير أعماله، فهل يجوز صرف الزكاة في توفير التغذية لهؤلاء الطلبة؟
إن كان هؤلاء الطلبة من الفقراء فهم أحق بالزكاة؛ لأنهم يستحقونها لفقرهم، ومن ناحية أخرى فهم في جهاد ما داموا في طلب العلم، والله يوفقكم للخير. والله أعلم.
هل يجوز صرف أموال الزكاة في شراء كتب مفيدة، ثم صرفها (( أي الكتب )) إلى مستحقيها من طلبة العلم؟
لا، وإنما يصرف المبلغ من الزكاة لطالب العلم المحتاج، وهو الذي يشتري به ما يحتاجه من كتب وغيرها. والله أعلم.
كيف نعرف الذي يستحق الزكاة من غيره؟ (1/249)
صفحة 250
الغني هو الذي لا يحتاج إلى شيء زيادة على دخله من حيث نفقاته الضرورية، فمن كانت نفقاته الضرورية يكفي دخله لتغطيتها فهو من الأغنياء، ولا يجوز له أن يأخذ الزكاة، وكذلك لو كان قادراً على الكسب وإنما يهمل القيام بهذه المسؤولية من أجل إخلاده إلى الدعة وحبه للراحة، فإنه لا يعد من الفقراء الذين يستحقون الزكاة. والله أعلم.
هل الأولى دفع الزكاة إلى الجباة أو إلى الفقراء والمستحقين مباشرة، وهل يمكن أن توزع قيمتها؟
يجب دفع الزكاة إلى القائم بالأمر الذي يأخذها بحقها ويضعها في مستحقها ـ إن وجد ـ، وإلا دفعها كل أحد بنفسه إلى من يستحقها، وفي دفع الثمن خلاف والأولى غيره، وإلا مع تعذر قبول الأصل. والله أعلم.
رجل فقير الحال محتاج، ولكنه يتناول الدخان ويلعب الميسر، فهل يجوز أن يعطى من الزكاة؟
مساعدة أمثال هؤلاء الفساق مما يدفعهم إلى المضي في سبيل العتو والفجور والفساد، والزكاة إنما تعطى الغارمين في غير معصية، ومن كان مصراً على فسقه فليس، حقيقاً بأن يعطى من الزكاة ولا من الصدقات، اللهم إلا إن تاب وأقلع عن غيه فإن إعطاءه من الزكاة مساعدة له على التوبة. والله أعلم.
هل (( الحج )) من مصرف سبيل الله؟
وإن قيل ذلك، فإنه ينبغي للإنسان أن يحج من خالص ماله، لا من الجزء الذي يخرجه زكاة. والله أعلم.
هل يعطى الفقير ما يكفيه من المال، أم أنه يعطى مقداراً محدداً فقط؟ (1/250)
صفحة 251
يعطى الفقير مقدار ما يكفيه من المال، والعلماء مختلفون كثيراً في مصارف الزكاة التي يصرفها الإنسان، فمنهم من قال بأنه يقتصر في ذلك على ما لا بد منه، فله أن يأخذ بمقدار ما يستر عورته وما يتقي به البرد والحر من اللباس، ويأخذ بقدر ما يسد جوعه، وليس له أن يلبس ما فضل عن الحاجة من اللباس، وأن يأكل ما زاد على سد الجوع كالحلوى والفاكهة من الزكاة ومنهم من رخص أكثر من ذلك، وقال لا بأس بأن يأكل بالمعروف بقدر ما يأكل الناس في زمانه، وأن يلبس بالمعروف بقدر ما يلبس الناس في زمانه من غير إسراف ولا مخيلة، ومنهم من وسع أكثر من ذلك، فأباح له أن يكرم ضيفه، ومنهم من وسع أكثر من ذلك فأباح له إن كان طالب علم أن يشتري بها كتبه وما لا بُدَّ له منه في طلب العلم، ومنهم من وسع له أن يتزوج بها، ومنهم من وسع له أن يحج بها، فالناس في ذلك مختلفون بين موسع ومضيق، وخير الأمور الوسط، فالإنسان ـ ولا ريب ـ تراعى حاجته، والناس يتفاوتون في ذلك بحسب تفاوت ظروفهم الاجتماعية، فإن من الناس من يتحمل مسؤوليات جمة، فقد يكون الإنسان مقصوداً من قبل الناس فلا بد له من أن يقوم بضيافتهم. ومثل هذا ينبغي أن يوسع له في الزكاة، ومنهم من تكون حاجته محصورة في نفسه وفي عياله فقط، ولا تتعدى هذا الإطار إلى ما وراء، فمثل هذا ينبغي أيضاً أن يقدر له، قدره ويدل على ذلك أن الله تعالى قد جعل للغارمين نصيباً من الزكاة، وفي ذلك إشارة إلى ما قد يصرفه الإنسان بسبب اقتضاء الظروف الاجتماعية صرفه من الأموال. والله تعالى أعلم.
ما معنى (( المؤلفة قلوبهم )) ولماذا يعطون من الزكاة؟ (1/251)
صفحة 252
هم قوم دخلوا في الإسلام من غير أن يرسخ الإيمان في قرارة نفوسهم وقد كان لهم تأثير في مجتمعهم بسبب مكانتهم الاجتماعية، ومن بين هؤلاء أبو سفيان صخر بن حرب، ويعلى بن أمية، فقد كان النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ يعطيهم نصيباً من الزكاة من أجل تأليفهم، لما لهم من مكانة في مجتمعهم القرشي، وهؤلاء كانوا يعطون لأجل مصلحة الإسلام حتى لا ينقضوا ضد الإسلام، ولا يعينوا خصومه عليه، بسبب أن إيمانهم لم يرسخ في قرارة قلوبهم وإنما إسلامهم يوم لات حين مناص، عندما أصبح الإسلام قاهراً متمكناً ولم يجدوا مفراً عن الدخول فيه، واستمر الحال كذلك إلى أن قوى الإسلام وعظمت شوكته واشتد عوده، فرأى عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ الاستغناء عنهم، وأدرك أنهم لا يؤثرون في الإسلام شيئاً إذ لا مقدرة لهم على التأثير، كيف والناس من حولهم صقل الإيمان نفوسهم، وقطع صلتها بجميع علائق الجاهلية، فلم ير لهؤلاء أي تأثير أن لو لم يعطوا، وأجابهم أنهم كانوا يعطون من الزكاة عندما كان الإسلام ابن لبون أما الآن وقد بزل فلا، وهذه نظرة منه إلى مقصد الشارع من فرض هذه الفريضة لهم، ةفإن مقصد الشارع النظر في مصلحة الإسلام وسد حاجة الإسلام، وعندما أصبح الإسلام غنياً عن هذا الجانب لم تكن هناك حاجة إلى هؤلاء، ولذلك رأى عمر ـ رضي الله عنه ـ أن يرد سهمهم إلى بقية المخارج التي دفعت الزكاة فيها. والله أعلم.
ما المقصود بـ (( في الرقاب )) في آية الزكاة ومن هم الغارمون؟ (1/252)
صفحة 253
أما (( في الرقاب )) فيراد بها الذين كانوا أرقاء، ولكنهم يسعون إلى فك رقابهم من الرق بالمكاتبة، التي أرشد إليها القرآن الكريم في قوله تعالى: { فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا } ، فإن المكاتب يعان على فك رقبته بإعطائه من الزكاة مقدار ما يمكنه من سداد ما عليه، حتى ينعم بالحرية التامة، أما الغارمون فهم الذين أنفقوا نفقات تحملوا بسببها الديون، من أجل إصلاح ذات البين، ومن أجل الأمور الحسنة التي ليس فيها إسراف ولا مخيلة، ولا شيء من معصية الله تعالى، فهؤلاء يعطون من الزكاة بقدر ما يتمكنون من سداد ديونهم. والله أعلم
ما رأي الأصحاب ـ رضي الله عنهم ـ في معنى المطلب السابع من مطالب الزكاة (( وفي سبيل الله )) فمن هم أهله الذين عنتهم الآية الكريمة، وأين يصرف هذا السهم في عصرنا الحاضر؟
سبيل الله تعالى يراد به الجهاد في سبيل الله، فهؤلاء ينفق عليهم من الزكاة بقدر ما يسد حاجتهم، وبقدر ما يتمكنون من القيام بمهمتهم، ويدخل في سبيل الله عند البعض شراء الأسلحة وإعداد الوسائل التي تمكن المسلمين من دحر أعدائهم الكافرين، ويدخل في ذلك كل ما يعود بالعزة على الإسلام والمسلمين، ومن المعلوم أنه عندما تكون الدولة الإسلامية هي التي تتبنى مشروع الزكاة، ويتوسع وعاء مصرف الزكاة بسبب ما تتحمله هذه الدولة من التبعات، فكل ما يعود بالخير على الأمة الإسلامية فمثل ذلك، ومن ذلك إنشاء المدارس من أجل العلم الشريف النافع، وبناء المستشفيات التي تعود بالمصلحة على الناس، وهذه من الأمور المستجدة في هذا العصر، أما أصحابنا ـ رحمهم الله ـ فإنهم يجعلون سبيل الله الجهاد، الذي هو سبب لتقوية هذه الأمة ونشر دين الله في الأرض. والله أعلم.
من هو (( ابن السبيل )) ولماذا يعنى به في الإسلام؟ وهل هناك من شرط لإعطائه من مال الزكاة؟ وكم يعطى؟ وهل اللقيط يدخل في ابن سبيل؟ (1/253)
صفحة 254
ابن السبيل هو المسافر المنقطع عن أهله في غير معصية لله تعالى، فإنه يعطى من مال الزكاة لسد حاجته، إن كان فقيراً في سفره، ولو كان غنياً في حضره، إعطاؤه من الزكاة حتى لا يبقى ضيعة، لأنه مع افتقاره في سفره لو أهمل ولو يعط من الزكاة، ولم ينفق له من المال ما يسد حاجته، لأدى ذلك إلى ضياعه، والإسلام يرعى حقوق البشرية، ولذلك فرض هذه الفريضة في مال المسلمين من أجل تلافي هذا الأمر، وإغناء ابن السبيل بقدر ما يسد حاجته، وفي إشارة إلى أن الإسلام يشجع على السياحة من أجل التفكير في آيات الله في الأنفس والآفاق، ومن أجل الاستفادة من المعارف المتبادلة بين الناس، ودراسة أوضاع الناس الاجتماعية وغيرها، أما اللقيط فإن له نصيباً من بيت مال المسلمين، وهو يستحق من الزكاة إن كان فقيراً، ولكنه يختلف عن ابن السبيل؛ لأن ابن السبيل ينتقل من مكان إلى مكان، ولذلك أضيف إلى السبيل فهو بمثابة من جعل السبيل أباه وأمه، بسبب التزامه السير في الطريق. والله تعالى أعلم.
هل يجوز أن يعطى غير المسلمين من الزكاة أو صدقة التطوع أو زكاة الفطر؟ (1/254)
صفحة 255
أما الزكاة المفروضة في الأموال فإنها لفقراء المسلمين دون غيرهم، والدليل على ذلك قول النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ (( أمرت أن آخذها من أغنيائهم وأردها إلى فقرائهم ))، وهذا يعني أن الكافر ليس له حق من هذه الزكاة، ولا يعطى منها شيئاً، إنما قال علماؤنا بأنه عندما يتعذر وجود أي موحد بر أو فاجر موافق أو مخالف، ولا يتمكن الإنسان من وجود من يستحق الزكاة من المسلمين، في هذه الحالة يعطى لفقراء أهل الذمة، ويقدم فقراء النصارى على فقراء اليهود في ذلك، وعمل بذلك عمر بن عبد العزيز ـ رضي الله عنه ـ عندما سدت الزكاة حاجة جميع الفقراء المسلمين، وصارت تفضل عن حاجتهم، أمر أن يعطى منها فقراء أهل الذمة، وهذا اجتهاد منه ـ رضي الله تعالى عنه ـ، وعلى ذلك أصحابنا عندما تكون الزكاة سادة لحاجة المسلمين، ولا يوجد في المسلمين من يستحق الزكاة بسبب غنى الكل وعدم حاجة أحد إليها.
أما زكاة الفطر فهي أيضاً لفقراء المسلمين، وليست لغيرهم وإنما أباح الإمام أبو سعيد ـ رضي الله عنه ـ إعطاءها لفقراء أهل الذمة.
وصدقة التطوع لا مانع من أن يعطى منها غير المسلمين بقصد تأليف قلوبهم، ودفع المخمصة عنهم، عندما يكونون مضطرين في حالة عدم حربهم للمسلمين. والله تعالى أعلم.
عندي مجموعة من النقود كان أصحابها قد أحضروها إلى للمساهمة بها في المشاريع الخيرية، ويوجد شاب يتيم في كفالة إخوته وهم ميسورو الحال، وهو لا يزال طالباً ويريد الذهاب للحج فهل تحق له هذه الأموال كزكاة بعد أخذ رأي أصحابها؟ أم أنني أقوم بتوزيعها للفقراء أم ماذا أفعل بها؟
الزكاة تدفع إلى الفقراء والمساكين لسد حاجاتهم، والحج فريضة تجب على المستطيع وتسقط عن العاجز، فلا داعي إلى أن يعال قاصد الحج بالزكاة. والطريق المشروع في ذلك توزيع هذه المبالغ على الفقراء والمساكين. والله أعلم. (1/255)
صفحة 256
هل يجوز إعطاء الصدقة لفقراء غير المسلمين، علماً بأن في أفريقيا الكثير من الفقراء فهل نختار منهم المسلمين؟
أما الصدقة فتختص بالمسلمين إلا عندما يكونون جميعاً أغنياء، فعندئذ تصرف إلى فقراء أهل الذمة، وأما التبرعات الأخرى فلا حرج في صرفها لغير المسلمين، إن كانوا لا يتقوون بذلك ضد الإسلام والمسلمين. والله أعلم.
هل يجوز قضاء دين الميت من الزكاة؟
أما دين الميت الذي استدان لمصلحته بنفسه فإنه لا يقضى من الزكاة، وإنما يمكن أن يقضى من الصدقات؛ لأن الأحياء هم أحوج إلى الزكاة، ولكن إن كان استدان هذا الدين لمصلحة المسلمين فإنه يقضى من الزكاة، نظراً إلى كونه استدانه لا لمصلحته الشخصية. والله أعلم.
لماذا عبر القرآن الكريم عن بعض المصارف بـ (( اللام )) وبعضها بـ (( في ))؟
المصارف التي عبر عنها باللام فهي تملك الزكاة، وأما المصارف التي عبر عنها بـ (( في )) فهي لا تملك، ولكن تنفق الزكاة في مصلحتها، (( فالرقاب )) مثلاً لا يملكون، ولكن يعطون من الزكاة لأجل فكاك رقابهم ـ أي يكاتبون ـ، وكذلك (( في سبيل الله )) لأن سبيل الله تعالى وعاء عام يشمل كل مصلحة إسلامية، فالإنفاق هنا في سبيل الله وليس تمليكاً لسبيل الله. والله أعلم.
هل يجب توزيع الزكاة على الأصناف الثمانية، أم يجوز صرفها إلى واحد فقط؟
كل من أعطي من الزكاة من هذه الأصناف سقط الحق الواجب لعطائه. والله أعلم.
توجد مدرسة لعلوم الدين والشريعة بزنجبار، وأقيمت على نفقة المحسنين، فهل يجوز أن تدفع الصدقات والكفارات الموصى بها والزكاة لهذه المدرسة وتكون كالصدقة الجارية؟
أما الزكاة فلا؛ لأنها خصصت بنص القرآن، فلا يتجاوز بها المنصوص عليه، وكذلك الكفارات إذ لا تعطى إلا المساكين، وأما الصدقات وسائر النفقات التي يراد بها البر فنعم. والله أعلم. (1/256)
صفحة 257
يقول البعض: بأن مصرف المؤلفة قلوبهم قد نسخ، وأن الله قد أعز الإسلام فاستغنى وأعتنى عن هؤلاء بانتشار الإسلام فهل هذا صحيح؟
أم النسخ فلا، ولكن ينظر في الحكمة لماذا شرع هذا النصيب في الزكاة، فإن مشروعيته من أجل قوام أمر المسلمين، فهؤلاء لا يستحقون الزكاة لفقرهم ولا لكونهم قائمين على الزكاة، فهم ليسوا من الجباة، ولكنهم يعطون منها لأجل كفاف شرهم، واجتلاب خيرهم، وعندما يكون نظام المسلمين قائماً من غير حاجة إلى هؤلاء، لا يكون هنالك داع لإعطائهم، ولذلك منعهم عمر ـ رضي الله عنه ـ ما كانوا يعطونه من قبل، بسبب أنهم استغني عنهم بقوة الإسلام. والله أعلم.
ما هي شروط العاملين وكم يعطون؟
أما العاملون على الزكاة فهم الذين يقومون بجبايتها ودفعها إلى المستحقين عند أمرهم بذلك، ويعطون بقدر عنائهم، وذلك يختلف باختلاف الزمان والمكان. والله أعلم.
إخراج القيمة في الزكاة كثيراً ما يكون أنفع للفقير لاسيما في صدقة الفطر، هل هو جائز أم لا؟ وماذا ترجحون؟
دفع القيمة في الزكاة بدلاً من العين المزكاة ذهب إلى جوازه أكثر أصحابنا والحنفية، و ذهب بعض أصحابنا وأكثر المذاهب الأخرى إلى منعه، ومن راعى أن الحكمة في الزكاة سداد حاجة المضطر أباحه، وهو رأي سديد. والله أعلم. (1/257)
صفحة 258
وقال سماحته في جواب آخر لسؤال مماثل ما نصه: (( هذه المسألة مما اختلف فيه أهل العلم، فجمهور أصحابنا والحنفية يقولون بجواز إخراج القيمة، وجمهور أصحاب المذاهب الأخرى مع بعض أصحابنا يقولون يجب إخراج الزكاة من نفس النوع المزكى، أما الذين قالوا بجواز إخراج القيمة فإنهم نظروا أن الحكمة من مشروعية الزكاة هي سداد حاجة الفقراء والمساكين، مع ما تعقبه في النفس من آثار الخير، وهذا يحصل بدفع القيمة كما يحصل بدفع الأصل، ولربما كانت القيمة في بعض الأوقات أجدى من دفع الأصل، وأما الآخرون فجعلوا هذا الإخراج أمراً تعبدياً، ولذلك رأوا عدم تجاوز ما دلت عليه النصوص من فرض مقادير معينة في نفس صنوف الأموال التي تزكى.
ومما استدل به أصحابنا ومن معهم من الذين قالوا: بجواز إخراج القيمة. حديث معاذ حيث كان يدفع لرسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ من اليمن بعض العروض التي يحتاج إليها المسلمون من غير أصناف الأموال التي تزكى، وذلك من الزكاة التي كان يخرجها أهل اليمن من أموالهم، وإنما أعل الحديث بأن الذي رواه وهو طاووس لم يدرك معاذاً ففيه انقطاع، ولكن هذه العلة تنجبر إذا ما نظرنا إلى علة مشروعية الزكاة والحكمة من ذلك. والله أعلم.
هل هنالك شروط لمن يعمل في توزيع الزكاة. ما هي؟ ولماذا؟
لا بد من أن يكون هذا العامل أميناً، والأمانة لا تكون إلا بالإسلام، فمن لم يكن من المسلمين فليس بأمين، وهذا يعني أن المشرك لا يؤتمن عليها، كذلك الخائن ـ ولو كان من الأمة الإسلامية ـ لا يؤتمن. كما قيل: كفى بالمرء خيانة أن يكون أميناً لخائن أو يكون أمينه خائناً، والعدالة بحيث يوزعها بطريقة عادلة لا يحابي أحداً على غيره. والله أعلم.
هل يجوز جبر الناس على أداء الزكاة؟ وما الفرق بينها وبين سائر الفروض كالصلاة والصيام والحج؟ (1/258)
صفحة 259
الزكاة ركن من أركان الإسلام يتعلق بها، حق لله وحق للعباد، وجبر الناس عليه من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهما واجبان على كل مسلم حسب وسعه، ويجب حمل الناس على جميع الواجبات لا الزكاة فقط، وإلا فلا معنى للأمر والنهي والأحكام والحدود، أرأيت إن ترك الناس الصلاة والصيام هل يسوغ للقائم بالأمر تركهم وشأنهم؟ على أن الحديث الصحيح ورد بقتل تارك الصلاة، وروى سعيد بن منصور أن عمر ـ رضي الله عنه ـ هم بضرب الجزية على كل ذي حجة ولم يحج. والله أعلم.
رجل ضيع إحصاء ماله وتقويم تجارته للزكاة سنوات عديدة. وأراد أن يستدرك ما فاته، ماذا يفعل؟
عليه أن يتحرى بقدر ما تطمئن نفسه ويسكن قلبه، ويخرج ما عليه من الزكاة وفي مثل هذا يقال (( استفت قلبك )). والله أعلم.
هل للأب إعطاء زكاة ماله لأحد أبنائه البالغين المديونين؟
لا حرج عليه إن أعطى أحد أولاده المستحقين من زكاة ماله إن كان منفصلاً عنه مستقلاً بشئون معيشته، لا سيما إن كان قد ركبته الديون وأرهقته النفقات، فإن إعطاءه من الزكاة في هذه الحالة أمر مطلوب شرعاً. والله أعلم.
كيف نعرف المستحق للزكاة؟
من كان واجداً لنفقته ونفقة عياله فهو غير مسكين وإن كان دخله قليلاً؟ ومن لم يكفه دخله فهو مسكين وإن كثر دخله. والله أعلم.
هل للصدقة حد أدنى معلوم أو يترك هذا للمتصدق؟ وهل يجوز إخراج الصدقة وجزء من الزكاة إلى الجماعات الإسلامية العاملة في حقل الدعوة والجهاد الإسلامي؟
ليس للصدقة النفل حد، وإخراجها وجزءاً من الزكاة إلى المجاهدين والعاملين في مجال الدعوة الإسلامية محمود، فإن ذلك مما يدخل في مفهوم في سبيل الله، ولو أخرجت الزكاة كلها في هذا السبيل لكان ذلك حسناً، خصوصاً مع شدة الحاجة إلى مثل هذا العون. والله أعلم. (1/259)
صفحة 260
على ديون أكثر من ( 37000 ) ريال لبناء منزل خاص للسكن، وقد مضى أكثر من 3 سنوات ولم أتمكن من رد هذه الديون إلا القليل، وذلك لتلبية متطلبات الحياة علماً بأني استقطع معظم راتبي لهذه الديون، وذلك لكونها من أشخاص وليس من البنك، والدائنون يحتاجون إلى أموالهم الآن، خصوصاً بأنهم يدفعون زكاة هذه الأموال فهل تجوز لي الزكاة لأرد على الناس حقوقهم، علماً بأنني أنوي الحج، ولكن هذه الديون تمنعني؟
نعم تحق لك الزكاة؛ لأنك مدين في أمر ضروري وهو السكنى، فخذ من الزكاة والله يعينك. والله أعلم.
هل يصح إعطاء الزكاة الواجبة للأب الأم والجدة؟
الوالدان إن كانا فقيرين وولدهما في سعه لزمه عولهما، فلذلك لا يصح له دفع الزكاة إليهما. والله أعلم.
أسئلة متنوعة في الزكاة:
هنالك سماحة الشيخ: شبهة يثيرها المستشرقون، وهي أن فريضة الزكاة وصرفها للفقراء والمساكين يعني وجود الفقر بصورة دائمة ووجود الفقراء باعتبارهم طبقة فرض لها حق الزكاة، فكيف نرد عليهم؟ (1/260)
صفحة 261
إن الله تبارك وتعالى قسم الأرزاق بين عباده بعدله وبحكمته، فهو تبارك وتعالى أعطى كل أحد ما أعطاه مما يتفوق به على الآخرين، ليكون هنالك تكامل في البنية البشرية، وقد فضل بعضهم على بعض في الرزق، وفضل بعضهم على بعض في القوة، وفي موهبة العقل، وفي السلطة، وفي شتى المزايا التي يختص بها من يشاء من عباده وهو القائل سبحانه: { نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ } ، وقال سبحانه: { وَاللّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْرِّزْقِ } ، وهذا يعني أن وجود التفاضل في الجنس البشري أمر لا محيص عنه، تقتضيه الفطرة البشرية ليتم التكامل بين الناس، وليكون هنالك ما يكون من أسباب الترابط والاجتماع فيما بينهم، ومصارف الزكاة ليست منحصرة في الفقراء والمساكين وحدهم، بل مصارفها متعددة، والله تعالى يقول: { إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ } ، فالزكاة تصرف في هذه المصارف الثمانية بأسرها، وإنما قدم الفقراء والمساكين لأجل ردم الهوة التي تفصل بين طبقات الناس، حتى لا تكون هذه الهوة واسعة، فيكون بذلك التقارب ما بين الطبقتين الطبقة الغنية الواجدة، والطبقة الفقيرة المحتاجة المعدمة، وهذه السنة ـ سنة الله تعالى في خلقه ـ في جميع المجتمعات البشرية، فهل يمكن أن يقال في هذه المجتمعات البشرية الراقية الآن بأنه لا يوجد فيها فقراء، فهل في الولايات المتحدة الأمريكية لا يوجد فقراء؟ وهل في الدول الأوربية لا يوجد فقراء؟ هذا وقد ضمن الإسلام للمسلمين ما ضمنه من الحقوق على اختلاف طبقاتهم ومواهبهم، وفرض على بعضهم للبعض حقوقاً بقدر ما منح الله سبحانه أولئك الذين فرض عليهم.. (1/261)
صفحة 262
فالإسلام لم يحرم الإنسان من الملكية الخاصة بل أباح له التملك، ولكن مع تقييد هذه الملكية بقيود وضوابط أخلاقية، حتى لا يطلق الإنسان لنفسه العنان فيكون إثراؤه على حساب بني جنسه، وهذا بخلاف ما يوجد في المجتمعات الرأسمالية، وقد شاهدت بنفسي تباين الأوضاع في المجتمعات الرأسمالية، فهونكونج عندما كانت مستعمرة بريطانية شاهدت فيها العمارات الشاهقة التي هي كأنما تعانق السحاب وتناغي النجوم، وقيل لي إن فرداً قد يملك أكثر من عمارة من هذه العمارات، وإيجارها إيجار مرتفع جداً، بحيث قيل لي: بأن الشقة الواحدة يصل إيجارها في ذلك الوقت إلى ما يساوي أربعة آلاف ريال عماني في الشهر الواحد، بينما وجدت طائفة من الناس هناك لا مأوى لهم إلا أن يأووا إلى قوارب الصيد في البحر أو إلى هياكل السيارات المتحطمة، وهذا مما يدل على أن الفجوة ما بين الطبقتين فجوة سحيقة جداً، وهذا أمر لا يقره الإسلام، فالإسلام يأمر بالعطف والرحمة، ولا يأمر بالقسوة والشدة، ونجد أن انفجار الثورات الشيوعية في المجتمع الغربي ما كان إلا بسبب نتيجة القسوة التي كابدها الناس في ظل النظام الرأسمالي القاسي الشديد، فماركس نفسه عانى ما عانى من الحرمان، وتسجل ذلك امرأته في رسالة بعثت بها لصديق لها تقول: بأنهم اجتمع عليهم مبلغ من المال لصاحبة المسكن الذي كانوا يسكنونه بسبب الإيجار وبعض القروض، فما كان منها إلا أن باغتتهم في ليلة مطيرة شديدة البرد بالشرطة فأخرجوهم من المسكن وحاول زوجها بكل جهد أن يقنع أحداً أن يتقبل إيواءهم ولم يحصل، وتحدثت عن ابنة ولدت لهم، وكابدت من مرض ثم توفيت قالت: وظللنا نبكي عليها ولم نجد لها ثوباً نكفنها له... ثم قالت: واأسفاه لقد وفدت ابنتنا إلى الدنيا ولم ترزق مهداً وغادرتها ولم ترزق كفناً. (1/262)
صفحة 263
هذا هو النظام الرأسمالي، فهل قضى على هذه الفجوة ما بين تلك الطبقات هناك، وما هي أسباب مشكلات العمال والإضراب الذي يقع منهم إلا شعورهم بالحرمان، فالإسلام الحنيف فرض الزكاة وحقوقاً غيرها من أجل سد حاجات الفقراء والمساكين، فالله تعالى يقول: { لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ } ، فقد جعل إيتاء المال واقعاً في تسلسل درجات البر إثر العقيدة فوراً، وهذه حقوق من غير الزكاة، بدليل قوله من بعد { وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ } والمجتمعات الإسلامية عندما طبقت نظام الزكاة كاد ينعدم الفقر، ففي عهد الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز ـ رضي الله عنه ـ لم يجد جباة الزكاة لها من يستحقها من الفقراء، فأمر عمر ـ رضي الله عنه ـ أن يزوج بها العزاب، ثم أمر بعد ذلك بأن يبنى لها مساكن للذين لا يملكون مساكن، ثم أمر بعد ذلك أن يواسى بها فقراء أهل الذمة. والله أعلم.
إذا أخطأ المزكي في صرف الزكاة. فماذا يفعل؟
إن وضعها في غير موضعها خطأ، لزمه أن يعيد دفعها إلى مستحقيها، والله أعلم.
سماحة الشيخ: ماذا تقول فيمن لا يوجب النية في الزكاة لأنها دينّ؟ فهل هذا صحيح ولماذا؟ (1/263)
صفحة 264
القول الراجح أن الزكاة كسائر العبادات لا تؤدى إلا بنية خالصة؛ لأنها من جملة الأعمال, وقد قال ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ (( إنما الأعمال بالنيات ))، ولا أعرف للقول الآخر وجه إلا أن قائليه جعلوا الزكاة من العبادات المعقولة المعنى؛ لأن المراد بها سداد عوز المحتاجين، ولكن ذلك لا يكفي لإسقاط اشتراط النية؛ لأن كثيراً من التعبدات المتعلقة بالزكاة ليست معقولة المعنى، كالنصاب والحول والمقدار المخرج، وتحديد الأصناف التي تزكى. والله أعلم.
أيهما الأصل تعجيل الزكاة أم تأخيرها؟ وهل يجوز التأخير وما حده؟
الأصل إخراجها حال وجوبها من غير تأخير، واختلف في جواز تأخيرها بناء على الاختلاف في الأمر المطلق هل يفيد الفور أو التراخي، والأولى بالمسلم أن لا يتراخى في أدائها، على أن التشديد في المطالبة بها من قبل أولي الأمر إلى حد المقاتلة عليها دليل على عدم جواز تأخيرها، كما كان ذلك من الصديق ـ رضوان الله عليه ـ وأقره وتابعه عليه الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ. والله أعلم.
ما الفرق بين الخراج والزكاة؟
الخراج قد يكون بسبب صلح بين المسلمين وأعدائهم الكافرين فيما يتعلق بأرض يملكونها، وهو أمر يعود إلى النظر في مصلحة الدولة الإسلامية، وأما الزكاة فهي عبادة توقيفية حددها الشارع. والله أعلم.
هل يجوز نقل الزكاة في حالة الاستغناء وعدم الاستغناء؟
يجوز نقل الزكاة من بلد استغنى أهله إلى بلد آخر به الفقراء والمحتاجون. والله أعلم.
وقال سماحته في جواب آخر:
اختلف أهل العلم في هذه المسألة فمنهم من منع نقلها ورأى أنها تصرف في نفس البلد، ومنهم من قال بجواز نقلها لأجل سد الحاجة في البلد الآخر، وهذا القول أرجح نظراً إلى أن الأمة الإسلامية أمة واحدة متكافئة متكاملة. والله أعلم.
إذا أسقط الإمام الدين عن المعسر، فهل يعتبر ذلك الإسقاط زكاة؟ (1/264)
صفحة 265
لا أدري معنى إسقاط الإمام الدين عن المعسر وكيف يسقطه؟ فإن الدين إن كان لغير الإمام فلا معنى لإسقاطه له بدون إذن رب الدين، وإنما يمهل إلى إيساره، وإن كان لدولة الإسلام وأسقطه الإمام لاستحقاق المدين لفقره، فإنه لا زكاة في ملك الدولة. والله أعلم.
إذا أخرج رب المال زكاته، ولكنها سرقت قبل التسليم، فماذا يعمل؟
عليه أن يعوضها ما لم تصل إلى مستحقها. والله أعلم.
لماذا لم يوجب الشارع الزكاة على غير المسلمين؟ وما الفرق بين شرط الصحة والوجوب مع التمثيل؟ (1/265)
صفحة 266
نحن لا نقول بأن الزكاة لا تجب عليهم، بل نقول بأنهم مخاطبون بفروع الشريعة كما أنهم مخاطبون بأصولها، لدلائل كثيرة من القرآن الكريم تنص على ذلك، منها قول الله تعالى ـ عندما حكى عن أهل النار أنهم يسألون ما سلككم في سقر فحكى إجابتهم يقوله: { قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ[43] وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ[44] وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ[45] وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ[46] حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ } ، فهم مع كونهم معذبون لأنهم كانوا يخوضون مع الخائضين وكانوا يكذبون بيوم الدين حتى أتاهم اليقين، أيضاً يعذبون بسبب كونهم من غير المصلين وكونهم لم يطعموا المسكين، فهم متعبدون بفروع الشريعة كما أنهم متعبدون بأصولها، وكذلك من أدلة ذلك أن الله تبارك وتعالى يقول: { يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ[40] وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ[41] وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ[42] وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ } بجانب كون الله تبارك وتعالى خاطبهم بالإيمان وبقبول هذا الدين وبالإنضمام إلى هذا المعتقد، خاطبهم أيضاً بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ولكن لا تصح منهم الصلاة ولا تصح منهم الزكاة إلا باعتناقهم الإسلام، فهنالك فرق بين شرط الوجوب وشرط الصحة، فالمحدث أخل بشرط من شروط الصحة إن صلى بحدثه وهو قادر على الوضوء، ولا يعني ذلك أن الصلاة غير واجبة عليه، كذلك إن كان محدثاً حدثاً أكبر وصلى بحدثه ذلك، فقد صلى متلبساً بما يخل بصحة الصلاة بتركه الاغتسال مع (1/266)
صفحة 267
قدرته على الاغتسال، ولا يعني ذلك أنه ما لم يغتسل فالصلاة غير واجبة عليه، وهكذا يقال في كل العبادات التي تتوقف على شرائط لصحتها، لا يعني ذلك عدم وجوبها على من لم يوف بتلك الشرائط، وإنما هذه شرائط لصحة العمل لا لوجوب العمل، وكذلك إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وجميع الأعمال الواجبة في الإسلام، مما يتوقف على عقيدة الإسلام يعد الإسلام شرطاً لصحتها ولا يعد شرطاً لوجوبها. والله تعالى أعلم.
عل في العسل زكاة؟
جمهور الأمة لا يقولون بتزكية العسل، وهناك من يقول بتزكيته، ورأى الجمهور أن العسل ليس من الأموال الضرورية لقوام الحياة. والله أعلم.
ما الحكمة من اشتراط الحول في الزكاة؟
الزكاة فرض تعبدي، والفروض التعبدية المؤقتة تجب في أوقات مخصوصة، فالصلاة شرعت في أوقات مخصوصة، والصيام والحج شرعا في وقت مخصوص، ولو فرضت الزكاة في كل الأوقات لكان ذلك أمراً فيه كلفة على الناس، والله تعالى يريد بعباده اليسر ولا يريد بهم العسر، فلا يكلفهم إلا ما يطيقون.. فليس في اشتراط الحول في الزكاة اجتياح لحق الفقراء. ولا فيه كلفة على الأغنياء. ىوالله أعلم.
ما قولكم فيمن أخرج مبالغ من المال صدقة للمضطرين من أهل مذهبه، ولم ينوها من الزكاة حال الإخراج، ثم تذكر بعد ذلك بأن عليه زكاة، فهل يصح تجديد نيتها بعد دفعها إلى المستحقين؟
الزكاة فرض واجب، وإخراجها عبادة والعبادة لا تصح إلا بنية، والنية لا تكون بعد العمل وإنما قبله، لذلك يجب على من عنده مال تجب فيه الزكاة، وأعطى الفقراء من غير أن يقصد الزكاة، أن يعيد دفعها مع النية. والله أعلم.
من شروط المال الموجب للزكاة أن يكون فاضلاً عن الحوائج الأصلية، فما هي هذه الحوائج في هذا العصر؟ (1/267)
صفحة 268
ما كان مستهلكاً من قبل ميقات الزكاة فلا زكاة فيه، فإن الزكاة لا تجب فيما أكل من النخيل مثلاً بسراً ورطباً ثم بعد ذلك جاء المزكي يأخذ زكاة التمر، ولا يدخل فيه ما أكل رطباً وبسراً، وكذلك بالنسبة إلى الاستهلاكات التي يستهلكها الإنسان من ماله قبل الزكاة، فإنها لا تدخل في الزكاة. والله أعلم.
هل يجوز التبادل شرعاً بالزكاة المخرجة من الحلي، حيث تجب الزكاة على المرأة الأولى فتعطيها المرأة الثانية وتجب على المرأة الثانية فتعطيها الأولى؟
هذا هو عين التحايل على الله تعالى الذي لا تخفى عليه خافية، فلا تسقط عنهن الزكاة بهذا الصنيع، إذ كل واحدة تسترد ما أعطت بحيلتها هذه، فليتقين الله وليؤدين الزكاة إلى الفقراء والمحتاجين. والله أعلم.
أقرضت صديقي مبلغاً من المال، وبعد مضي سنة احتجت لذلك المبلغ، فلم يستطع إعادته بسبب الإعسار، فإذا اعتبرت ذلك القرض هو زكاة من مالي عند وجوب الزكاة هل يصح ذلك، وإذا كان يصح اعتبار القرض زكاة له يجب إبلاغه أم أكتفي بالسكوت؟
أعطه الزكاة في يده، ثم اطلب منه وفاء دينك لوجود ما يقضيك به. والله أعلم.
هل للرجل أن يمنع زوجته من أداء الزكاة؟
ليس للزوج أن يمنع زوجته من أداء الزكاة، وليس للمرأة أن تطيع زوجها في ذلك، فإن الزكاة فريضة واجبة لا تصح إضاعتها، (( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق )). والله أعلم.
ما هي الطريقة المتبعة في معرفة النصاب، ضع لي في هذه المسائل أساساً أبني عليه؟
لا بد من بلوغ النصاب، ثم يبدأ حساب الحول من بعد البلوغ، فإن نقص في أثناء الحول عن النصاب أعاد الحساب بعد بلوغه مرة أخرى، إلا ما سبق له أن زكاة من قبل فأنه يبني فيه على الحول الأول، وإن نقص من بعد ثم زاد فاكتمل النصاب مرة أخرى. والله أعلم.
ما قولكم فيمن يخرج زكاة أمواله مقسطة شهرياً على إمام جماعة يصلي بالناس، فأيهما الأولى التقسيط لكل شهر أم سنوياً؟ (1/268)
صفحة 269
إن كان الرجل فقيراً مستحقاً للزكاة فليعطه في كل حول من زكاته، وذلك أولى من أن يقسط له في كل شهر. والله أعلم.
هل المعتبر في الزكاة هي السنة القمرية، أم السنة الشمسية، وكيف الانتقال من الشهر القمري إلى الشهر القمري الآخر كمن المحرم إلى رمضان المبارك؟
الأحكام الدينية ترتبط بالأشهر القمرية، لقوله تعالى { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ } ، فلا وجه للاعتماد على السنة الشمسية، ولا أرى وجهاً لتأخير الزكاة عن شهر وجبت فيه إلى شهر آخر يوقت لها، فإنها كسائر العبادات تؤدى في مواقيتها. والله أعلم.
هل تجب الزكاة في السلاح؟
يلزم الزكاة في السلاح ـ إن كان محلى بذهب أو فضه ـ بقدر النصاب. والله أعلم.
فتاوى
الحج
الإحرام:
فيمن قدم بالطائرة إلى جدة قاصداً مكة المكرمة، هل له أن يحرم من الميقات الذي يحرم منه أهل جدة أم لا؟
الصحيح أن يحرم من قبل، لأن جدة داخلة في المواقيت. والله أعلم.
إذا سافر الرجل المريد للحج أو العمرة من عمان إلى جدة بالطائرة، ثم ذهب مباشرة من جدة إلى مكة المكرمة بالسيارة لأداء العمرة، فمن أين يحرم؟
يحرم من آخر مطار يطير منه، فإن كان يطير من مسقط ولا ينزل في أي مكان بعد ذلك إلا في جدة فليلبس ثوبي إحرامه في مسقط وليتجرد من ثيابه المعتادة، وإن كان يطير من الرياض كذلك، وإن كان يطير من البحرين فكذلك، ولا يعني ذلك أنه يجب عليه أن يحرم قبل الميقات، ولكن هذا من باب الاحتياط لئلا يجاوز الميقات وهو على غير إحرام، وإن كان يعرف مكان الميقات وهو على ظهر الطائرة ويتمكن من التجرد من ثيابه المعتادة قبل أن يتجاوز الميقات فلا حرج عليه في ذلك، وعلى أي حال فإنه يلبي بالعمرة أو بالحج قبل أن يتجاوز الميقات. والله أعلم. (1/269)
صفحة 270
ما قولكم فيمن أراد العمرة، فذهب بالطائرة إلى جدة ثم المدينة ثم عاد بالطائرة إلى جدة، ثم عن طريق البر إلى مكة المكرمة، من أين يحرم هذا المعتمر، وإذا أحرم في الميقات الثاني ولم يحرم بالميقات الأول هل عليه شيء؟
يحرم في حال انطلاق الطائرة من المدينة المنورة. والله أعلم.
حسب ما علمنا فإنه لا يمكن لشخص دخول مكة إلا وهو محرم بالعمرة، ولكننا سمعنا بالأمس بعد أن اجتمعنا مع المقاول أن سيخرج بنا من المدينة ذاهباً إلى مكة يوم التروية وسنفرد بالحج فقط، فهل تلزمنا العمرة وهل يلزمنا الاعتمار بعد الحج؟
لا يلزمكم التمتع فأفردوا الحج، وإن شئتم الاعتمار من بعد فبعد أيام التشريق. والله أعلم.
خرج رجل لأداء الحج بنية التمتع بالعمرة إلى الحج، فلما وصل الميقات أحرم من الميقات وردد تلبيته ( لبيك اللهم بحجة وعمرة ) ثم طاف وسعى وقصر وحل وإحرامه وبقي حتى يوم التروية، ثم أحرم بالحج وفعل مناسك الحج جميعها بما فيها الهدي، فما الحكم في ذلك؟
هو متمتع ويلزمه هدي التمتع، فإنه ولو أحرام بالحج والعمرة يجوز له التحلل من إحرامه بعمرة، كما أمر النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ أصحابه في حجة الوداع. والله أعلم.
رجل أراد السفر إلى الحج أو العمرة من عُمان إلى جدة، ثم ذهب من جدة إلى المدينة المنورة بالطائرة لقضاء الزيارة ثم عاد إلى جدة بالطائرة ليذهب بعدها إلى مكة المكرمة بالسيارة لأداء العمرة، من أين يحرم هذا الرجل؟
يحرم قبل ركوبه الطائرة، ولا حرج إن لبى بعدما تسير به الطائرة، ولكنه يتجرد من ثيابه المعتادة في ثوبي إحرامه قبل ركوب الطائرة، لئلا تمر به الطائرة على الميقات وهو في غير حالة الإحرام. والله أعلم.
هل يجوز الاستحمام أو تبديل ملابس الإحرام بعد النية للذهاب إلى منى وعرفة وقبل النحر؟
نعم، ذلك جائز مع اجتناب ممنوعات الإحرام. والله أعلم.
هل يجوز شك الإحرام بإبرة كي لا يقع؟ (1/270)
صفحة 271
يكره ذلك لما فيه من التشبيه بالمخيط. والله أعلم.
هل للمسلم الإفراد بالحج ولم يسبق له أداء العمرة؟
لا مانع من ذلك. والله أعلم؟
ما حكم نية التلبية وقد وجبت فريضة الصلاة، هل تكون قبل الصلاة أو بعدها؟
الأولى الشروع في التلبية بعد صلاة سواء كانت فرضاً أو سنة. والله أعلم.
ما هي الطريقة الصحيحة في لبس الرجل الإحرام؟
لبس الإحرام يكون بالاتزار والارتداء، وترك المخيط والمحيط، والارتداء بمخالفة جانبي الرداء على المنكبين، والاضطباع الذي اعتاده الناس في الإحرام خطأ إلا في حال الطواف في الثلاثة الأشواط الأولى، وصفته تعرية المنكب الأيمن وإدارة الرداء تحت المنكب. والله أعلم.
رجل نسي مالاً بمكة المكرمة وتذكر بعد توديعه وخروجه من مكة، فهل يرجع مكة محرماً ولو كان ذلك اليوم من أيام التشريق، ثم إذا تأخر صاحب المال فتبعه رجل آخر فهل عليه ما على الأول من إحرام؟
لا يلزمهما أن يحرما لدخول مكة إن لم ينويا العمرة. والله أعلم.
ما قولكم فيمن أحرم بالحج في غير أشهر الحج؟
قيل إن أحرم بالحج في غير أشهره تحول إحرامه إلى عمرة، وقيل بل يبطل. والله أعلم.
هل توجد نية لفظية على الحاج أو المعتمر عند وصوله إلى الميقات الشرعي ويريد الإحرام، سواء عن نفسه أو عن غيره، وما هي إذا كانت موجودة؟
النية هي بالقلب لا باللسان، وإنما التلبية تكون نطقاً لا استحضاراً. والله أعلم.
هل يجوز لبس الساعة والحزام للمحرم؟
لا يلبس المحرم الحزام إلا إن اضطر إليه لشد إزاره وحفظ نقوده، والأحوط له أن لا يلبس الساعة، وإن ترخص بعض العلماء فيها مع الحاجة إليها لمعرفة الوقت. والله أعلم.
هل يجوز طبخ الطعام بماء الورد والزعفران للمحرم؟
إن كان الطبخ استهلك الطيب في المأكول والمشروب فلا مانع منهما للمحرم، وإن كان أثرهما ظاهراً فيحرم استعمالها عليه. والله أعلم. (1/271)
صفحة 272
هل يجوز التطيب قبل الإحرام وهل يعمل به عند أصحابنا، فقد روت السيدة عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: كنت أطيب رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ عند إحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت؟ نرجو توضيح لنا ذلك عند الإحرام وقبل طواف الإفاضة؟
القول المعمول به عند أصحابنا وأكثر المذاهب الأخرى أن الطيب قبل الإحرام لا يمنع إن غسل، وذلك أن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ عندما طيبته عائشة ـ رضي الله عنها ـ في ليلة مبيته بذي الحليفة بحجة الوداع واقع نساءه جميعاً واغتسل من الجنابة بعد الوقاع، وبهذا يجمع مطلق الروايات ومقيدها. والله أعلم.
الطواف:
سئل أبو عبيدة ـ رحمه الله ـ عمن طاف للحج أو العمرة فشك هل طاف أربعة أشواط أو خمسة أو ستة أو سبعة فأجاب بأنه يبني على الأقل ويكمل الطواف ويصلي ركعتين ويعيد الطواف، ولا يجزؤه ذلك حتى يتيقن أنه طاف سبعة أشواط، وليس كالصلاة إذا دخله الوهم هل صلى ثلاث ركعات أو أربعاً إنه يبني على الأقل ويزيد الركعة ويسجد للسهو، فإذا كان كذلك فما الحكمة من ذلك وما الفرق بين الصلاة والطواف في الشك؟
قيل لا فرق بينهما بل يبني على الأقل في كليهما وهو الأظهر، وقيل بالتفرقة التي ذكرها أبو عبيدة ـ رحمه الله ـ، وهي مبنية على الاحتياط، ولم أجد دليلاً يدل عليها. والله أعلم.
رجل أو امرأة بلباس الإحرام لمسا الحجر الأسود والركن اليماني وكساء الكعبة، ما حكم لمس الطيب من هذه الأشياء؟
أما الحجر الأسود والرّكن اليماني فبما أنه يسن لمسهما فإنه لا حرج عليه إن لمسهما مع عدم تيقنه وجود الطيب المؤثر فيهما، فإن علق به شيء فليغسله ولا حرج عليه، والله أعلم.
وقع في يد زميلي كتيب أثار فيه مؤلفه شبهات حول الحجر الأسود، فقد وردت أحاديث تحث على استلامه وتقبيله، زاعماً أن هذه الأحاديث تنافي دعوة الإسلام للتوحيد ونبذ الأوثان، فما رأيكم في هذا الموضوع؟ (1/272)
صفحة 273
تقبيل الحجر الأسود واستلامه أمران ثابتان بالسنة الصحيحة عن رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ الذي لم نعرف الإسلام إلا عن طريقه، ولذلك فرض الله تعالى علينا إتباعه وجعله من مقتضيات الإيمان، حيث قال سبحانه { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا[36] } وقال { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا[21] } ، وقد انعقد إجماع الأمة على مشروعية تقبيل الحجر ولمسه، وعليه فدعواه أن ذلك ينافي دعوة الإسلام لنبذ الأوثان ضلال وكفر فشتان ما بين من يأتي ذلك طاعة لله ورسوله ـ وهو معتقد أن الحجر لا ينفع ولا يضر ـ وبين من يقدس الأوثان التي نهى الله عن الاقتراب منها، والفارق بين الوثنية والإسلام أن المسلم لا يفعل شيئاً إلا بقصد الطاعة لله، انطلاقاً من أوامره، فطوافنا بالكعبة المشرفة وصلاتنا إليها إنما هي عبادة لله لا لها، فالله هو الآمر بذلك، وأما الوثني فيأتي ما يأتيه من غير شرع من الله، ولا لقصد عبادته بل لعبادة الوثن، الذي يعتقد أنه بإمكانه أن يضره أو ينفعه أو أن يقربه إلى الله. والله أعلم.
هل يكون هناك رمل في العمرة ممن يعتمر وهو يسكن بمكة وليست عمرة القدوم؟
نعم؛ لأن حكمه حكم طواف القدوم. والله أعلم.
ما معنى الرمل؟ وهل يجب على الحاج أن يرمل وكيف؟
الرمل هو المشي بقوة وإسراع، وهو من السنن الثابتة في السعي بين العلمين الأخضرين، وثبت أيضاً عن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ في طواف القدوم في الأشواط الثلاثة الأولى، واختلف في بقاء حكمه، فقيل به وقيل بعدمه، لأن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ فعله ليري المشركين القوة والنشاط. والله أعلم. (1/273)
صفحة 274
ما حكم الرّمل؟ وفي أي الأشواط يكون؟
هو مسنون ـ على الراجح ـ في الأشواط الثلاثة الأولى من طواف القدوم. والله أعلم.
ما قولكم في ركعتي الطواف هل يصح أداؤهما بعد صلاة الفجر وقبل طلوع الشمس، وبعد صلاة العصر وقبل غروب الشمس؟ أفتنا ولك الأجر.
نعم، إن طاف في هذين الوقتين، لأنها صلاة ذات سبب، ولا مانع من الصلاة ذات السبب في هذين الوقتين، والله أعلم.
هل يجوز تأخير ركعتي الطواف إذا كان ذلك الوقت لا تجوز فيه الصلاة؟
لا مانع من تأخير ركعتي الطواف بل هو الواجب، إن لم يكن الوقت تباح فيه الصلاة. والله أعلم.
ما هي الأوقات التي لا تصح فيها الصلاة إطلاقاً حتى سنة الطواف؟
هي الطلوع والغروب والاستواء في الحر الشديد. والله أعلم.
ما قولكم في الطواف بالطابق الثاني؟
لا يطاف في الطابق الثاني إلا مع تعذره في الطابق الأرضي. والله أعلم.
هل يجب على من أراد الطواف بالبيت العتيق خلع نعليه؛ وأن لا يطوف إلا حافياً، ويمنع من حملهما في يده أو تحت إبطه في حال الطواف؟
لا يلزم الطائف بالبيت أن يخلع نعليه، ولا يمنع من حملهما في يده أو تحت إبطه. والله أعلم.
ما قولكم في الطواف بالبيت بالحذاء للحاج والمعتمر؟
لا مانع إن كان طاهراً غير مغطٍ للقدم في حال الإحرام. والله أعلم.
ما حكم الاضطباع وفي أي الأشواط يكون؟
قيل في الأشواط الثلاثة الأولى، وقيل في جميع أشواط الطواف، والله أعلم.
هل عند الإحرام بالحج أو العمرة وأثناء الطواف يكشف المحرم عن كتفه الأيمن، ثم بعد الطواف يغطي كتفه أم يظل الكتف مكشوفاً؟
الاضطباع المسنون هو في الثلاثة الأشواط الأولى لا في الأشواط الأخرى. والله أعلم.
ما قولكم في الطواف والسعي فوق سطح الحرم؟
أما الطواف في سطح المسجد الحرام فإن الطائف لا يحاذي فيه شيئاً من البيت الحرام، إذ المطاف يكون أعلى من البيت، لذلك لا أرى وجها له، وإنما له في حال الزحام أن يطوف ويسعى في الطابق الوسط. والله أعلم. (1/274)
صفحة 275
هل يجوز الطواف بالبيت الحرام والإمام يخطب الجمعة؟
هو خلاف الأولى إن قصد التجميع. والله أعلم.
هل المفرد بالحج يطوف طواف القدوم؟ وهل يمنع لمن لم يسق الهدي أن يجعل حجه إفراداً؟
اختلف في طواف القدوم للمفرد، والراجح مشروعيته من غير سعي، إن أتى إلى مكة قبل ذهابه إلى منى، ويجوز الإفراد لمن لم يسق الهدي. والله أعلم.
هل يجب تقبيل الحجر الأسود أو الإشارة إليه من بعيد، وكذلك الركن اليماني؟
أما الحجر الأسود فيقبل فإن تعذر فليمسح فإن تعذر أشير إليه، وأما الركن اليماني فيمسح من الإمكان، ولا يقبل ولا تجب الإشارة إليه. والله أعلم.
طواف الإفاضة:
ما هو الوقت المحدد لطواف الإفاضة؟
هو بعد التحلل يوم النحر، ولا بأس بتأخيره ولو عشرة أيام. والله أعلم.
ما قولكم في تأخير طواف الإفاضة إلى ما بعد يوم النحر؟
لا مانع من تأخير طواف الإفاضة إلى ما بعد يوم النحر، بل حتى ولو بعد أيام التشريق. والله أعلم.
ما قولكم فيمن طاف طواف الإفاضة، ثم نام في مكة في النهار، ورجع في المساء إلى منى؟
ذلك خلاف الأولى، ولا يلزمه شيء. والله أعلم.
هل يجوز للحاج أن يأكل بعد طواف الإفاضة؟
لا مانع من الأكل والشرب بمكة بعد طواف الإفاضة، وإنما شدد بعض العلماء في القيلولة، والراجح جوازها، لثبوت أن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ قال بعد طوافه. والله أعلم.
رجل حج، ولما وصل إلى بلده تبين له أنه طاف طواف الإفاضة ستة أشواط فقط، فماذا يلزمه؟
إن كان لم يجامع أهله ورجع إلى الحرم وأعاد طواف الإفاضة في عامه يتم حجه ـ على رأي بعض العلماء ـ، وهو أرخص ما قيل في المسألة، وإن كان غير ذلك فلابد من إعادة الحج. والله أعلم.
ماذا على من لم يطف طواف الإفاضة جهلاً؟
من لم يطف طواف الإفاضة حتى رجع بطل حجه، وعليه الحج من قابل؛ , لأن طواف الإفاضة ركن من أركان الحج. والله أعلم. (1/275)
صفحة 276
فيمن أحرم مقرناً وقد جاء متأخراً يوم عرفة في آخر النهار، ولم يدخل مكة لكي يطوف بالبيت، فما حكم عمرته وحجه؟
قيل يجزؤه طوافه لحجه وعمرته، وهو الذي يدل عليه حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ والله أعلم.
طواف الوداع:
ما قولكم فيمن زار مكة المكرمة لتأدية مناسك العمرة، ولكنه عند مغادرته مكة لم يطف طواف الوداع، فماذا عليه أفدنا أفادكم الله من أوسع علمه؟ ودمتم ذخراً ومرجعاً للأمة الإسلامية؟
الأرجح أن العمرة كالحج من هذه الناحية، فمن لم يطف طواف الوداع عند مغادرته للبيت بعد العمرة فعليه دم. والله أعلم.
امرأة لما انتهت من أداء مناسك الحج رجعت إلى بلدها دون أن تودع. فماذا عليها؟
على من لم يطف طواف الوداع دم ترسله إلى الحرم ليذبح هناك. والله أعلم.
ماذا على من ترك طواف الوداع؟
عليه دم، وإنما يرخص للحائض. والله أعلم.
ماذا على من طاف طواف الوداع للحج ولم يكمل سبعة أشواط؟
عليه أن يعيد طوافه، وإن لم يعده حتى خرج من مكة فعليه دم. والله أعلم.
ما قولكم فيمن ودّع البيت ثم رجع إلى محل إقامته فأكل وشرب ونام، فماذا عليه؟
عليه أن يعيد طواف الوداع، فإن لم يعده حتى سافر فعليه دم. والله أعلم.
هل يجوز للحاج أن يشتري ويأكل ويشرب بعد طواف الوداع في داخل الحرم؟
أمّا الشراء فلا يشتري في داخل الحرم بعد الوداع، وأمّا الأكل والشرب ففيهما خلاف، والأحوط تركهما. والله أعلم.
هل يمنع شرب الماء من مكة المكرمة على من طاف طواف الوداع قاصداً الرجوع إلى وطنه؟
القول الصحيح أنه لا مانع من شرب الماء بعد طواف الوداع. والله أعلم.
هل يجوز للحاج أن يشتري من مكة بعد طواف الوداع؟
يمنع الحاج من البيع والشراء بعد طواف الوداع، لأمر النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ الناس عند الانصراف أن يكون آخر عهدهم بالبيت، والبيع والشراء بعده مخالفة لهذا الأمر. والله أعلم. (1/276)
صفحة 277
إذا أتى الحاج إلى بيت الله الحرام وودع، ولما خرج أحس بالرغبة إلى الأكل والشراب، ولكنه لم يجدهما إلا بالشراء، فاشترى وأكل، فهل عليه شيء.
البيع والشراء ممنوعان بعد الوداع، ومن فعلهما أو أحدهما أعاد الوداع. والله أعلم.
إذا أراد الحاج أن يخرج من مكة المكرمة وأتى إلى البيت وودع، وخرج من المسجد الحرام وأكل وشرب، من غير أن يشتري فهل عليه شيء؟
لا حرج على المودع إن أكل أو شرب على الراجح، وإن شدد بعضهم في ذلك، وإنما يمنع من البيع والشراء. والله أعلم.
هل يجوز شراء المأكولات والمشروبات بعد طواف الوداع؟
للمودع أن يشتري زاده فقط. والله أعلم.
ما قولكم فيمن طاف طواف الوداع، وقبل أن يخرج من مكة اشترى شيئاً من المرطبات فشربها. فهل يلزمه شيء؟
من اشترى بعد طواف الوداع فعليه إعادة الطواف. والله أعلم.
ما قولكم فيمن ودع البيت الحرام ونام في منزله، وبقي إلى وقت الظهر، واشترى طعام لغدائه، هل في ذلك من بأس؟
من ودع البيت ليس له أن يبقى بعد ذلك إلا لضرورة لا محيص عنها، ذلك لأنه يؤمر أن يكون آخر عهده في مكة بالبيت الحرام.
والله أعلم.
هل يصح بعد وداع البيت الحرام الأكل والشرب للحاج وهو في مكة؛ لأن سيدنا عمر بن عبد العزيز ـ رضي الله عنه ـ ودّع البيت، ثم كتب رسالة ثم أعاد طواف الوداع، فما قولكم في ذلك؟
إعادة الطواف من باب الاحتياط، وقد بالغ بعض العلماء فأوجبوا الدم على من أكل أو شرب، والراجح عدم وجوب ذلك. والله أعلم.
إذا كان الحاج مريضاً ولا يستطيع أن يطوف طواف الوداع، فهل يلزم أن يحمل ويطاف به، أم يدخل البيت الحرام ويشير بيده إلى البيت فقط؟، أفتني ولك الشكر.
طواف الوداع لا بد منه للحاج، وإنما رخص الرسول ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ للحائض في تركه، كما جاء في حديث ابن عباس عند الشيخين، ولا تغني عنه الإشارة إلى البيت الحرام، ولا بأس بحمل المريض في حال الطواف. والله أعلم. (1/277)
صفحة 278
امرأة خرجت لأداء فريضة الحج وأدت جميع المناسك ـ والحمد لله ـ، إلا أنها أدركتها الحيضة عند طواف الوداع. فهل عليها دم؟
ليس عليها دم؛ لأن الحيض عذر يمنع من الطواف، ويسقط به طواف الوداع بنص الحديث. والله أعلم.
من طاف ثلاثة أشواط ولم يستطع إكمال الأشواط السبعة من طواف الوداع بسبب الزحام ماذا عليه؟
عليه أن يتم ما بقي ويبني على ما تقدم ـ إن لم يفسد وضوؤه ـ، فإن فسد عاد الطواف. والله أعلم.
ما رأيكم فيمن طاف أربعة أشواط من طواف الوداع ثم خرج خارج المسجد ليستريح ثم عاد ليتم الأشواط الباقية، ولم يستطع لشدة الزحام الطواف في صحن الطواف، وطاف في المسجد فهل عليه شيء؟
لا حرج عليه كما تقدم. والله أعلم.
بعدما يطوف الحاج بالبيت طواف الوداع ويبقى متهيئاً للرحيل، هل له أن يصلي سنة الضحى أو يتصل هاتفياً أو يزود سيارته بالوقود؟
كل ما ذكر في هذه المسائل الثلاث مباح بعد طواف الوداع، فالصلاة ولو نفلاً والاتصال بالهاتف لا يؤثران على طواف الوداع، وكذلك شراء ما يحتاج إليه في السفر من وقود وغيره. والله أعلم.
هل يجوز وداع البيت الحرام قبل صلاة الجمعة، بحيث أن المودع يغادر بعد صلاة الجمعة؟
لا مانع من ذلك. والله أعلم.
ما حكم من اشترى نعالاً وهو ناسٍ بعد طواف الوداع؟
إن كان مضطراً إليها ليلبسها في طريقه فلا حرج عليه. والله أعلم.
ما حكم من اشترى ماءً بعد طواف الوداع وهو ناسٍ ولكنه في حالة عطش؟
لا حرج عليه. والله أعلم.
عن جماعة من المسلمين ذهبوا إلى الديار المقدسة لأداء العمرة وأدوا جميع المفروضات والمسنونات ما عدا طواف الوداع، لأجل أن واحداً من بين هؤلاء الجماعة قال لهم لا يلزم علينا ذلك، فرجعوا إلى وطنهم، فهل يلزمهم شيء لعدم تأديتهم طواف الوداع؟
عليهم دم لتركهم طواف الوداع. والله أعلم.
السعي بين الصفا والمروة:
ما قولكم في الحاج أو المعتمر إذا طافا بالبيت وسعيا، هل لهما الارتياح خلالهما لكبر سن أو مرض؟ (1/278)
صفحة 279
ليس عليه في ذلك حرج، وإن طال الفاصل بين الطواف والسعي. والله أعلم.
إذا طاف طائف بالبيت أو سعى بين الصفا والمروة وزاد شوطاً أو شوطين خطأ لا عمداً، هل في ذلك بأس؟
إن كانت الزيادة خطأ فلا حرج عليه، وإنما استحسنت الإعادة احتياطاً، والله أعلم.
ما حكم الإسلام فيمن ترك السعي أثناء تأدية الحج؟
اختلف في حكم السعي، قيل هو فرض، وقيل سنة، واجبة، وقيل نفل، وعلى الأول فمن تركه فسد حجه، وعلى الثاني فعليه دم وهو رأي أكثر علماء المذهب، وعلى الثالث لا شيء. والله أعلم.
رجل أغمي عليه بعد طواف الإفاضة، فلم يتمكن من السعي بين الصفا والمروة؟ فما حكم حجه؟ علماً بأنه رجع إلى وطنه, وهو لم يسع بين الصفا والمروة؟
ذهب أكثر أصحابنا إلى أن السعي سنة تجبر بالدم، وعليه فحجه تام وعليه. والله أعلم.
هل يجوز السعي بين الصفا والمروة بدون وضوء؟
نعم يجوز ذلك، لعدم اشتراط الوضوء في السعي. والله أعلم.
ما قولكم في صحة عمرة من طاف بطهارة، وسعى بدون طهارة؟
لا تشترط الطهارة في السعي، وإنما تشترط في الطواف، وعليه فعمرته صحيحة. والله أعلم.
ما حكم من سعى بادئاً بالمروة مختتماً بالصفا ثم تحلل بعد ذلك؟
يعود إلى إحرامه، ويكمل سعيه ملغياً الشوط الأول الذي بدأ من المروة إلى الصفا، وعليه دمان. والله أعلم.
ما حكم من سعى في جهة واحدة من الصفا إلى المروة ذهاباً وإياباً؟
لا مانع من ذلك، فإن تقسيم المسعى إنما هو من أجل التيسير، وهو أمر حادث لم يكن من قبل. والله أعلم.
إذا سعى خمسة أشواط ولم يتذكر إلا بعد أن تحلل فماذا عليه؟
يعود إلى إحرامه ويتم سعيه وعليه دم. والله أعلم.
هل الصعود على جبلي الصفا والمروة من شروط السعي؟ وهل فرق بين الذكر والأنثى؟
هو من السنة للذكور، بقدر ما يرى أحدهم الكعبة. والله أعلم.
إذا لم يستطع الساعي بين الصفا والمروة قراءة الذكر المأثور على جبلي الصفا والمروة، فهل يقرؤه أثناء سيره بينهما؟ (1/279)
صفحة 280
لا مانع من ذلك. والله أعلم.
ما حكم سعي المرأة التي حاضت بعد الطواف هل يجوز أم لا لكون مكان السعي الآن داخل المسجد الحرام؟
أما السعي فلا تمنع منه الحائض، وأما دخول المسجد فهو المحجور عليها، وينبغي النظر في المسعى هل هو داخل في المسجد أو لا. والله أعلم.
الحلق والتقصير:
فيمن اعتمر وبعد أن انتهى من مناسك العمرة لبس المخيط سهواً، وبعد مدة قصيرة أسرع إلى الحلق والتقصير، ولكنه لم يخلع لبس المخيط بل قصر به. فماذا عليه؟
من أحرم لحج أو عمرة ولبس المخيط بعد أداء المناسك قبل الحلق لزمه دم. والله أعلم.
ما قولكم في حلق أو تقصير الرجل نفسه بنفسه للتحلل من الإحرام بالحج أو العمرة؟
لا مانع من ذلك، مع أنه يكره كراهة تنزيه مع وجود من يقوم بذلك من غير المحرمين. والله أعلم.
هل يصح للحاج أو المعتمر أن يحلق أو يقصر لنفسه بنفسه؟ وإن فعل ذلك عمداً ماذا عليه؟
لا حرج على المحرم إن حلق أو قصر لنفسه بعد أداء المناسك. والله أعلم.
هل يمكن للحاج أو المعتمر الحلق أو التقصير لغيره قبل أن يحلق أو يقصر وإذا حلق أو قصر لغيره ماذا عليه؟
لا يحرم ذلك، وإنما يكره كراهة تنزيه. والله أعلم.
حلق بعضنا بعضاً بعد انتهاء العمرة، استناداً على فتوى الإمام محمد بن عبد الله الخليلي ـ رحمه الله ـ من كتاب (( الفتح الجليل )) إذ يقول ( يحلق المحرم محرماً بعد الإنتهاء من أعماله، وكذلك يحلق لعله في رأسه ) انتهى ماذا أنتم قائلون؟
لقد أصاب الإمام ـ رحمه الله ـ إذ لا دليل على المنع من ذلك، وفي المنع حرج شديد. والله أعلم.
ما الذي يحل أو يصح أن يفعله الحاج بعد الحلق والتقصير؟
كل شيء إلا الجماع. والله أعلم.
ماذا على من قدّم الحلق على الهدي والرمي؟
في ذلك خلاف بين العلماء، قيل من فعل ذلك ناسياً فلا حرج عليه، وهو الراجح لحديث (( ارم ولا حرج ))، وحديث (( انحر ولا حرج )) وقيل يلزم من فعل شيئاً من ذلك دم على أي حال. والله أعلم. (1/280)
صفحة 281
الخروج من مكة إلى منى والعكس:
هل يلزم المبيت في منى لأهالي الحرم؟
يلزم المبيت بمنى كل أحد، إلا السقاة والرعاة. والله أعلم.
إذا أردت التأخير وأنا حاج، ففي أي يوم أخرج من منى ومتى؟
إن كنت لم تتعجل في يومين فابق بمنى إلى اليوم الثالث عشر بعد زوال الشمس ورمي الجمار. والله أعلم.
متى يخرج الحاج من مكة إلى منى، صباح يوم ثامن الحج أم بعد الزوال من ذلك اليوم؟
يصح لمن أحرم بالحج أن يخرج إلى منى في يوم التروية صباحاً أو بعد الزوال، لا حرج عليه في ذلك كله، وإنما يسن له أن يصلي جميع الصلوات الخمس بمنى. والله أعلم.
ما قولكم في أناس أحرموا للحج من مكة، وأفاضوا في ليلة ثامن وأصبحوا في منى من كثرة الزحام في ذلك اليوم، فهل جائز ذلك كونهم قدموا الإفاضة؟
لا مانع من تقديم الإحرام للحج قبل يوم التروية، كما أنه لا يمنع أيضاً مبيت ليلة التروية بمنى. والله أعلم.
وجدنا أناساً يحرمون في اليوم السابع من ذي الحجة بعد صلاة المغرب في يوم التروية، ويبيتون في منى محرمين، فهل هذا جائز أم عندهم رخصة في ذلك، أم فيه خطأ؟
لا إثم عليهم إن أحرموا في اليوم السابع أو ما قبله، كما لا إثم عليهم في مبيتهم بمنى قبل يوم التروية. والله أعلم.
هل يجوز للحجاج مغادرة منى في الساعة الحادية عشر صباحاً، للعلم أنهم وكلوا ناس ليرموا عنهم الجمرات، وذلك في يوم 12 من ذي الحجة؟
لا يجوز للمتعجل أن يخرج من منى ثاني أيام التشريق إلا بعد الزوال، وكذلك المتأخر في آخر أيام التشريق. والله أعلم.
الوقوف بعرفة:
ما معنى الوقوف بعرفة؟ وكيف يجب أن يكون؟ وإلى أي وقت؟ (1/281)
صفحة 282
الوقوف بعرفات هو الوجود بها للدعاء والذكر، وبدايته من بعد الزوال وأداء فرضي الظهر والعصر قصراً وجمع تقديم، ونهايته غروب الشمس، كل ذلك في اليوم التاسع من ذي الحجة، ومن أدرك قبل غروب الشمس الوقوف بعرفات قدر ما يأتي بالباقيات الصالحات فقد أدرك عرفات إجماعاً، واختلف فيمن أدرك ذلك ليلاً في ليلة النحر، والصحيح أن من أدرك الوقوف بعرفات ليلاً أو نهاراً ثم وقف بجمع ليلة النحر، وأدرك ثمَّ صلاة الغداة فقد أدرك الحج، لحديث عروة بن مضرس المشهور. والله أعلم.
ماحكم من لم يقف بعرفة إلا بعد الغروب، ولحق الجمع بمزدلفة؟
تم حجه. والله أعلم.
ما المقصود بعدم الخروج من عرفة قبل غروب الشمس، هل المقصود عدم الخروج من عرفة أم عدم مغادرة المكان الذي أقام فيه الحاج حال وقوفه؟
تمنع الإفاضة قبل غروب الشمس من عرفات، وشدد علماؤنا في الانتقال من مكانه إلى غيره للإفاضة قبل الغروب، وجعلوه من الإفاضة. والله أعلم.
ما قولكم في الحاج إذا خرج من عرفة قبل غروب الشمس ولم يجاوزها ولكن في حدودها، وما رأي المذاهب الأخرى؟
ذهب أصحابنا والمالكية إلى أن الإفاضة قبل غروب الشمس تبطل الحج، وذهب غيرهم إلى أنه يترتب على ذلك دم، ونص علماؤنا على أن الشروع في الإفاضة ـ ولو لم يخرج من حدود عرفات ـ تعد إفاضة له حكمها. والله أعلم.
ما قولكم فيمن نزل من عرفات قبل غروب الشمس؟
من أفاض من عرفات قبل غروب الشمس قيل فسد حجه، إلا إن رجع إلى عرفات ووقف بها قبل غروب الشمس، ولو مقدار ما يأتي بالباقيات الصالحات، وقيل بعدم فساد حجه، ولكن عليه دم. والله أعلم.
عند الدفع من عرفة بعض الحجاج يقدمون النساء، فهل ذلك جائز؟
الرجال والنساء في الإفاضة من عرفات سواء. والله أعلم. (1/282)
صفحة 283
عن قول صاحب الإيضاح: (( ومن فاته الوقوف بعرفات فعل بمنى ما يفعل الحاج ويرحل إلى بلده ولا يصيب النساء ولا الصيد حتى يحج من قابل )) هل عن أثر أو عن نظر، وهل هذا القول معتبر لدينا أم أنه متروك؟
القول المذكور في الإيضاح في الذي يحرم بالحج ولا يقف بعرفات لعدم إدراكه ذلك أنه يأتي بما يدركه من أعمال الحج ولا يصيب النساء ولا الصيد هو قول لبعض أصحابنا. وليس عليه من دليل معروف عندنا، لذلك نرى الأخذ بخلافه. والله أعلم.
ما قولكم في العمانيين الذين لم يقفوا في مخيمهم بعرفة في اليوم التاسع ووقفوا في مكان آخر من عرفات، وذلك لكثرة الزحام؟
قال النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ (( وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف ))، فمن وقف في أي مكان من عرفات فقد أدى ما عليه من الوقوف، والله يتقبل منه، ولا يختص بجزء من أرض عرفات دون آخر. والله أعلم.
هل يمكن للحاج أن يدعو بأدعية مأثورة، أو الأفضل أن يلبي يوم عرفة؟
كل ذلك جائز، وفي التلبية خير، فلا ينبغي قطعها قبل رمي الجمرة يوم النحر. والله أعلم.
ماذا يفعل المريض إن لم يتمكن من الوقوف بعرفة؟
الحج عرفة، فمن لم يتمكن من الوقوف يوم عرفة ولا ليلة النحر فعليه أن يعيد حجه، أما إذا تمكن من الوقوف فوقف عشية يوم عرفة بعد الزوال وفي الليل قبل الفجر ولو بمقدار ما يأتي بالباقيات الصالحات فقد تم حجه، مع الإتيان بسائر المناسك. والله أعلم.
رجل ذهب مع حملة حج مكونة من ستين فرداً، وهم في عرفات خرجوا قبل غروب الشمس من المكان الذي وقفوا فيه، وضلوا في السير من زحمة الحجاج إلى نهاية عرفات ولم يخرجوا من حدود عرفات إلا بعد غروب الشمس، وعند المبيت بالمزدلفة خرجوا منها بعد منتصف الليل، ورموا جمرة العقبة الكبرى يوم عاشر الساعة الثانية والربع من الليل، فهل عليهم شيء في هذا العمل؟ (1/283)
صفحة 284
إن كانوا نووا بخروجهم من مكانهم الشروع في الإفاضة فعليهم دم من أجل ذلك، وعليهم دم لتركهم المبيت بالمزدلفة. والله أعلم.
مزدلفة والخروج منها:
متى يمكن للحاج أن يغادر المزدلفة؟ وماذا عليه أن يفعل هناك قبل أن يغادر؟
يغادر المزدلفة بعد صلاة الفجر، ويؤمر هناك بجمع المغرب العشاء تأخيراً، وأن يصلي هناك الفجر، ويذكر الله عند المشعر الحرام. والله أعلم.
هل يجوز للصحيح القادر كامل القوى أن يغادر المزدلفة قبل طلوع الفجر أو قبل طلوع الشمس؟ وهل يجوز للحاج سواء القادر الصحيح أو غيره أن يرمي جمرة العقبة في ليلة العاشر من ذي الحجة؛ لأن المعروف أن ابتداء الرمي يكون صباح يوم عاشر؟ وهل هناك فرق بين الأصحاء وبين أصحاب الأعذار؟
يغادر المزدلفة بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس، ويباح للنساء والضعفاء الإفاضة من المزدلفة بعد غروب القمر، وفي رميهم قبل طلوع الشمس جمرة العقبة خلاف، والأولى أن لا يرموا إلا بعد الطلوع. والله أعلم.
عمن ضل عن أصحابه في المزدلفة، فجعل يلتمسهم حتى أوشكت الشمس على الشروق ـ أو كادت ـ ولم يقطع وادي محسر ماذا عليه؟
على من لم يجاوز وادي محسر إلى أن طلعت الشمس دم. والله أعلم.
عندما يدفع الناس من عرفة إلى مزدلفة بعض الناس لا يبيتون بالمزدلفة، وإنما يبيتون بمنى ويصلون بها الفجر، فهل ذلك جائز؟ وماذا على من يفعل ذلك،
إن كانوا ضعفاء أو مصطحبين لنساء فلا مانع من إفاضتهم من المزدلفة إلى منى بعد غروب القمر، كما جاء في حديث أسماء وغيره. والله أعلم.
هل يجوز للحاج أن يخرج من المزدلفة للجمرات قبل صلاة الفجر؟
يجوز للنساء والضعفاء مغادرة المزدلفة إلى منى ليلة النحر بعد غروب القمر، بعد أن يذكروا الله عند المشعر الحرام، على أن يرموا بعد طلوع الشمس. والله أعلم.
هل يجب على الحاج الذكر عند المشعر الحرام، وفي حالة عدم الذكر هل يجب عليه شيء؟ وهل المشعر الحرام مكان معين في مزدلفة أم مزدلفة كلها؟ (1/284)
صفحة 285
نعم يجب الذكر: لقوله تعالى { فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ } والأمر للوجوب ما لم تكن قرينة صارفة عنه، ولا قرينة، ويجزي أي ذكر كدعاء وتهليل وتحميد وتلبية، فإن فعل أي شيء من ذلك سقط عنه الواجب، وما زاد فهو فضل، وإن لم يفعل شيئاً قط فعليه دم. والله أعلم.
رجل أصابته نجاسة في مبيته بالمزدلفة ولم يدرك الماء ليغتسل، هل يصح له التيمم لصلاته ودعائه عند المشعر الحرام؟
من أصابته النجاسة ولم يجد الماء فعليه أن يزيلها بما تمكن به إزالتها، والتيمم بعد ذلك لصلاته، ولا يمنع في هذه الحالة من ذكر الله بالمشعر الحرام أو بأي مكان آخر، فإن الذكر لا تشترط له الطهارة التامة، بل لو كان المسلم جنباً فإنه يباح له الذكر. والله أعلم.
رمي الجمرات:
هل توجد رخصة للحاج أن يرمي الجمرات أيام التشريق قبل الزوال، وكذلك إذا لم يجد فرصة في النهار، فهل يصح له الرمي بعد صلاة العشاء؟
إن رمى بالليل فلا حرج عليه، وأما قبل الزوال فلا يخلو من حرج. والله أعلم.
ما هو الوقت المحدود لرمي الجمار؟
رمي جمرة العقبة في أول يوم ـ وهو يوم النحر ـ من بعد طلوع الشمس فصاعداً، ورمي الجمار الثلاث في أيام التشريق من الزوال فصاعداً. والله أعلم.
في اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر يزداد الزحام فيما بعد الزوال، فهل يباح مع وجود هذا الزحام ـ والمعروف في الحج ـ أن يرمي الحاج قبل الزوال ولو بوقت مبكر؟
الرمي بعد الغروب لضرورة الزحام أهون وأولى من الرمي قبل الزوال، لما فيه من تقديم الفريضة المؤقتة قبل الوقت. والله أعلم.
هل يجوز رمي الجمار في الصباح في يومي الحادي عشر والثاني عشر من ذي الحجة؟ (1/285)
صفحة 286
رمي الجمار في أيام التشريق أوله منذ زوال الشمس، كما حدد فعله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ وهذا هو الذي عليه الجمهور، والرمي قبل الزوال رخصة قال بها بعض العلماء، والسنة تدل على ما تقدم. والله أعلم.
ما رأيكم في رمي الجمرات أيام التشريق قبل الزوال بسبب كثرة الزحام والمشقة والتعب للحجاج، والله يقول: { وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } وقوله: { وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ } ؟
تأخير الرمي إلى الليل أولى من تقديمه قبل الزوال، لما في ذلك من تقديم العبادة على وقتها. والله أعلم.
هل يجوز رمي الجمار قبل الزوال خلال أيام التشريق؟
لا ترمى الجمار أيام التشريق قبل الزوال عند الجمهور، وإنما رخص في ذلك بعض العلماء، وهو من الشواذ. والله أعلم.
هل يجوز رمي الجمرات بالليل، وكذلك طواف الإفاضة؟
طواف الإفاضة لا بأس به إن كان بليل، وأما رمي الجمار فيجوز بالليل لمن كان خائفاً أو كان من الرعاة. والله أعلم.
هل يباح رمي جمرة العقبة ليلة النحر، ولمن يباح من الناس؟
يباح للنساء والضعفاء رمي جمرة العقبة ليلة النحر قبل الفجر وبعد غروب القمر لحديث أسماء في الصحيحين، وحديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ فمن رمى في ذلك الوقت وهو يشعر بضعف في جسمه عن تحمل الزحام فلا حرج عليه، أما من رمى قبل ذلك فعليه الإعادة في وقته، فإن لم يتمكن أو تهاون لزمه دم. والله أعلم.
هل يجوز رمي جمرة العقبة بعد منتصف ليلة النحر؟
لا يجوز رمي جمرة العقبة إلا بعد طلوع شمس يوم النحر، وإنما رخص في رميها قبل الفجر للنساء فقط. والله أعلم.
فيمن استأجر حجة عن الغير وفي الرمي ذكر نفسه ولم يذكر الغير، هل يجزيه ذلك؟
إن كان نوى ذلك بقلبه أجزاه. والله أعلم. (1/286)
صفحة 287
رجل ذهب للحج مستأجراً وعند رمي الجمرات أخذ معه جمرات ليرمي عن رجل آخر وهو ناو أن يرمي عن الاثنين، وعندما وصل إلى الجمرة الأولى رمى أربعة عشر حصاة، ولكنه ذكر اسماً واحداً منهما ونسي الآخر، أو أنه أخطأ بسبب الزحام، ثم أكمل رمي الجمرة الوسطى والكبرى، وبعد انتهائه تذكر فعاد ليرمي عن الرجل الذي نساه في الجمرة الأولى، رغم أنه رمى أربعة عشر حصاة في الجمرة الأولى فهل يلزمه شيء؟
لا يلزمه شيء، وليعد الرمي عمن نسي. والله أعلم.
رجل استأجر الرمي عن خمسة أفراد، فلما اشتد عليه الزحام عمد إلى الحصى فصّر في كل صّرة خمسة جمرات بعدد من استأجر عنهم، ثم رمى الجمرة بسبع صرر من صرره تلك، فهل يكفيه ذلك؟ أم لا بد من الرمي جمرة فجمرة؟
لا يجزيء ذلك، ولا بد من رمي كل حصاة على حده. والله أعلم.
هل يجوز للمستأجر أن يأجر أحداً في رمي الجمار عمن أجره دون أن يتفق مع من أجره؟
نعم، إن اضطر إلى ذلك. والله أعلم.
إذا لم يستطع المستأجر رمي الجمار لأمراض ونحوها وأناب عنه غيره في ذلك، فهل عليه من بأس؟
لا بأس بإنابة الحاج عن غيره أحداً يرمي عنه الجمار مع عجزه عن ذلك. والله أعلم.
هل تجوز النيابة في رمي الجمار عن السائقين والطباخين المشتغلين بمصالح الحجاج وهم أصحاء؟
إن لم يتمكنوا من الرمي بأنفسهم لاشتغالهم بمصالح إخوانهم الحجيج فلا بأس بالنيابة عنهم، وإن تمكنوا من ذلك فليرموا بأنفسهم ولو ليلاً في أيام التشريق. والله أعلم.
قصدت إلى أداء فريضة الحج وأنا بصحة جيدة وأكملت كل الواجبات ما عدا اليوم الأخير عن رمي الجمرات كلفت أحد الزملاء بالرمي عني خوفاً من الزحام وشدة الحرارة، هل هذه الحجة تامة أم لا، نرجو الإفادة؟
أرجو أن تكون حجتك تامة. والله أعلم. (1/287)
صفحة 288
الحاج الذي يذهب إلى رمي الجمرات الثلاث في اليوم الحادي عشر، وحمل معه إحدى وعشرين حصاة، ولما وقف عند الجمرة الأولى رمى جميع حصياته ناسياً ثم رجع في نفس الوقت بالطريق الذي جاء منه حتى وصل تحت الجبل وأخذ من تحته إحدى وعشرين حصاه ورجع وأعاد الرمي، هل عليه شيء بسبب نسيانه وبسبب الحصى التي أخذها من مسافة كيلو مترين من مكان الرمي؟
ليس عليه في ذلك حرج. والله أعلم.
إذا وصل الحاج إلى الحاجز الذي على النقصة التي يرمى عليها الجمار، هل من اللازم وصول الحجر إلى محل النقصة؟ أو يرميه سواء أصاب المكان أم لم يصبه؟
لا بد من إصابة الجمرة في الرمي، ومن لم يصبها فكمن لم يرمها. والله أعلم.
هل التحقق من وصول الجمرة والنظر إليها حين رمي الجمار شرط في تمام الرمي أم لا؟ وإذا لم يتحقق الحاج من ذلك، فهل رميه تام أم غير تام وماذا عليه؟
لا بد من تحقق وصول حصى الرمي إلى الجمرة، وإلا كان في حكم من لم يرم. والله أعلم.
ما قولكم فيمن رمى الجمرات الساعة 11 ولم يغادر منى حتى صلى الظهر؟
لا يجوز الرمي في أيام التشريق إلا بعد الزوال. والله أعلم.
الهدي:
ما قولكم في الأضحية التي فيها عيوب، مثل القرناء والجدعاء والخرماء ومقطوعة الأذن، علماً أن الأغلب في الأغنام التي توجد عند البادية أكثرها مقطوعة الأذنين أو مشروخة الأذنين وتلك يجعلوها علامات ورمز لأغنامهم، فإذا لم يجد صاحب الأضحية للتطوع أو للتمتع أو للقران إلا هذه الأنواع ما الحكم فيه؟
هذه كلها عيوب لا تجوز في أنواع الأضاحي المذكورة في السؤال. والله أعلم.
ما قولكم فيمن حج متمتعاً وهو في سن السابعة عشر، وأهدى هدياً يتذكر أن في دبرها عوار وكانت هزيلة، وقد مضى على ذلك سنوات عدة، فماذا تأمرونه أن يفعل؟
يحتاط بإرسال هدي، مع هديه وإن أعاد الحج فذلك أعظم لأجره. والله أعلم. (1/288)
صفحة 289
رجل حج وفي يوم النحر اشترى الهدي، ولكثرة الزحام سلم الهدي للذباح ولم يره فيما بعد، الأمر الذي جعله لم يسلم الذباح أجرته؟
إن اطمأن بأن الجزار ذبح الهدي فما عليه إعادة الهدي، وإنما يدفع أجرة الذبح إلى فقراء المسلمين. والله أعلم.
ما قولكم في تكفل البنك الإسلامي بذبح هدي المحرم بالحج، وذلك بإعطائه قيمة الأضحية؟
من أين للحاج أن يعلم عند التحلل أن الهدي بلغ محله، مع أن الله يقول: ـ { وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ } ، فدعوا المشكل، وامشوا في الطريق الواضح. والله أعلم.
هل يجوز للحاج أن يشتري هدياً عن طريق البنك الإسلامي، حيث إنه لا يدري متى يذبح ولا يدري هل هو صالح أم لا؟ وإذا كان جائزاً متى يحل إحرامه؟
لا يجوز ذلك؛ لأن الإحلال من الإحرام للمتمتع موقوف على النحر، ولما في ذلك من الريبة. والله أعلم.
ما قولكم في الهدي عن طريق البنك الإسلامي، وكذلك عن الجمال التي لم يرها الشخص وقد يشترك عدة أشخاص، ولكن مع عدم حضورهم شخصياً؟
لا بد من تأكد الحاج أن الهدي بلغ محله بالنحر، وعندئذ يتحلل من إحرامه، وهذا لا يتأتى حال تكفل البنك بالإهداء. والله أعلم.
ما قولكم في تقديم النحر للهدي في اليوم السابع أو الثامن من ذي الحجة؟
لا يجوز نحر الهدي قبل ميقاته الزماني، كما لا يجوز في غير ميقاته المكاني وميقاته الزماني يوم النحر، فمن نحره قبله فليعده. والله أعلم.
ما حكم الهدي قبل يوم العاشر من ذي الحجة، حيث إنني رأيت بعض الحجاج يهدون في اليوم السابع، منهم في مكة، ومنهم في الحديبية، ويزعمون بأنه صحيح؟
قد وقت للهدي يوم النحر بالسنن القولية والفعلية، ومن نحر قبل يوم النحر لم ينحر في ميقاته، فلا هدي له، وعليه إعادته. والله أعلم. (1/289)
صفحة 290
هل يجوز تأخير النحر للمتمتع بالحج إلى اليوم الثاني أو الثالث ويحل إحرامه قبل الذبح، وذلك نظراً لغلاء الذبائح في اليوم الأول بدون أن يستفيد منها أحد، حيث يتعذر الأكل والإطعام منها في ذلك اليوم. وهل يجوز الذبح خارج الحرم كيوم عرفة في عرفة، حتى يكون منفعة الأكل النسك تحصل في ذلك اليوم؟
لا يصح للمتمتع أن يحل إحرامه قبل ذبح هديه، وإن لم يتمكن من النحر في يوم النحر بقي على إحرامه إلى أن ينحر، ولا يصح الذبح قبل يوم النحر ولا خارج الحرم، فالنبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ كانت أعماله في حجة الوداع ترجمة دقيقة لمناسك الحج، وكل ما كان من المناسك أوسع حكماً من فعله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ بينه لأمته، حتى لا يتقيدوا بعمله، ـ كقوله (( وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف، ووقفت هاهنا وجمع كلها موقف، ونحرت هاهنا ومنى كلها منحر )) وفي رواية أخرى (( ومنى كلها منحر وفجاج مكة كلها منحر ))، وقد كان النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ يتمنى في حجة الوداع أن لم يسق الهدي حتى يجعلها عمرة كما أمره أصحابه، ولو أن الهدي يبلغ محله قبل يوم النحر لنحر النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ هديه قبل يوم النحر وجعلها عمرة كما كان يتمنى، وكذلك تحديد النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ مكان النحر، دليل على عدم جواز النحر خارج حدود الحرم. والله أعلم.
هل يجوز نحر الهدي قبل يوم النحر؟
الراجح أن هدي التمتع يجب أن يكون يوم النحر لا قبله؛ لأن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ قال: (( خذوا عني مناسككم ))، وقد نحر يوم النحر؛ ولأن التمتع لا يتحقق إلا بالإحرام للحج، فلا وجه لتقديم فديته عليه، وما يعمله الناس رخصة قالها بعض العلماء، ولا دليل عليها. والله أعلم.
هل يأخذ المضحي من أضحيته شيئاً؟ وهل يستوي ذلك في الحرم وفي الحل؟
لا يمنع الإنسان من أكل بعض ضحيته، سواء في الحرم أو في الحل. والله أعلم. (1/290)
صفحة 291
هل يجب على الحاج أن يذبح ضحيته بنفسه؟ وكيف يوزع اللحم؟
يجزيه إن ذبح بنفسه أو ذبح له غيره، وليأكل بنفسه وليطعم غيره. والله أعلم.
فيمن اعتمر في شهر شوال وعاد إلى بلده، ثم عاد لأداء فريضة الحج مفردا، هل عليه هدي؟
لا يلزم من عاد إلى بلده هدي. لخروجه عن حكم المتمتع. والله أعلم.
ما قولكم في القارن بالحج والعمرة هل عليه هدي، وهل من حرج على من أناب غيره في الهدي، وما قولكم أيضاً في الرمي من بطن الوادي؟
اختلف في القارن هل عليه هدي أو لا؟ والراجح أنه لا يلزمه، ولا حرج على من أناب غيره في الهدي، والرمي من بطن الوادي مأمور به، فليحتل الإنسان جهده حتى ينفذ هذا الأمر. والله أعلم.
فيمن تمتع بالحج وليس معه هدي قيل يحرم بالحج في اليوم السادس ويصوم، فهل يكون هذا الصوم في نفس اليوم أم في اليوم السابع من ذي الحجة؟
نعم، يصوم المتمتع الذي لم يجد الهدي السادس والسابع والثامن من ذي الحجة، وسبعة أيام بعد الفراغ من أعمال الحج. والله أعلم.
هل يجوز للمتمتع والقارن أن يذبحا هديهما في مكة المكرمة؟ لأن بعض العلماء فرق بين هدي التمتع والجزاء، فقالوا إن هدي التمتع والقران يكون في منى، وأما الذي يلزم بسبب قتل الصيد أو قطع الشجر وأمثاله يكون بمكة، ما هو الدليل على ذلك؟ مع أن الحديث جاء أن فجاج مكة كلها منحر، وقد أشار صاحب الإيضاح إلى جواز الذبح في مكة لهدي التمتع والقران. أفيدونا أفادكم الله تعالى.
الصحيح جواز نحر كل هدي في جميع فجاج الحرم، كما جاء في الرواية (( وفجاج مكة كلها منحر )) بعد قوله (( ومنى كلها منحر ))، وإنما اقتصر بعضهم على منى في نحر هدي التمتع والقران لأن زيادة (( وفجاج مكة كلها منحر )) لم تأت في جميع الروايات، وإنما في بعضها. والله أعلم. (1/291)
صفحة 292
عن الهدي في الحج يقولون إن رأس البقر عن سبعة أشخاص، ورأس الجمل عن سبعة أيضاً، فهل للبقرة والناقة المجزية عن سبعة أفراد عمر معين، أم يجزي ما ذبح ولا يشترط سنها، سواء كانت صغيرة أم كبيرة؟
لا يجزي من الإبل عن سبعة إلا الثني، وهو ما أتم ست سنوات، ومثله ما بلغ هذا السن من البقر. والله أعلم.
فيمن كان مقيماً في مكة المكرمة منذ سنة هل عليه هدي إذا تمتع بالعمرة إلى الحج أو أقرن بينهما؟
لا يجزي على المقيم بمكة حكم التمتع، ولا يلزمه هدي، لقوله عز وجل { ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } . والله أعلم.
هل يجوز للحاج بعد اليوم العاشر أن يهدي ثم يحلق ثم يخلع إحرامه ثم يرمي؟
يبدأ الرمي ثم النحر ثم الحلق؛ فإن قدم وأخر لنسيان أو جهل عذر. والله أعلم.
ما قيمة الهدي الذي ينبغي أن يهدى في يوم النحر؟
لا يحدد بالقيمة، وإنما هي الجذع من الضأن أو الثني من الماعز. والله أعلم.
وجي عليّ دم بسبب خطأ في عمرتي، فاتفقت مع الذابح إن يأخذ اللحم بدون أجرة، وعندما ذبح قال أنا لا أريد لحما أريد أجرتي، فما الحكم في ذلك وأين يكون الذبح؟
لا يجوز أن يعطى اللحم للذابح في مقابل ذبحه، وإنما يعطى أجرة مستقلة، والذبح في منى أو في أي مكان من الأرض الحرمية. والله أعلم.
الفدية:
ما حكم المعتمر إذا رأى الدم في لباس إحرامه بعد تحلله من العمرة، ولا يعلم متى أصابه؟
لا يؤثر ذلك في عمرته شيئاً. والله أعلم.
الشعر المتساقط من وجه أو رأس المحرم، هل له عدد معين حتى تلزم به فدية؟
إن تساقط بنفسه فلا شيء فيه. والله أعلم.
إذا وجب دم على الحاج أو المعتمر، هل يحق له أن يأكل منه، وإذا أكل منه ماذا عليه؟
إن كان دم فدية فلا يأكل منه، وإن أكل أعاده. والله أعلم.
إذا امتخط المحرم فخرج دم من أنفه، فهل عليه شيء من ذلك؟
من امتخط فجرى من أنفه دم لم يلزمه فدية، لعدم ارتكابه ما يوجبها، والله أعلم. (1/292)
صفحة 293
إذا خرج من الإنسان الحاج دم ليس عن عمد وهو محرم، ماذا عليه؟
إن تسبب له فعليه فدية، إن كان قليلاً فإطعام مسكين، وإن كان كثيراً فدم، وإن لم يتسبب فلا عليه. والله أعلم.
إذا انتهى المحرم بالعمرة من عمرته ولبس المخيط وغطى رأسه قبل أن يحلق أو يقصر نسياناً، هل عليه من بأس؟
من لبس المخيط أو غطى رأسه قبل الحلق أو التقصير نسياناً لزمه دم إن بقي على ذلك من الليل إلى النهار أو من النهار إلى الليل، وكذلك عن استمر على اللبس بعد ولم يبادر إلى الخلع فور تذكره، أما إن بادر إلى الخلع فليس عليه شيء. والله أعلم.
ما قولكم في استياك المحرم إن أدمى ذلك فاه، فهل يجب عليه شيء؟
اختلف العلماء في استياك المحرم إن أدمى فاه، هل تجب به فدية أو لا؟ وبما أن الاستياك سنة مشهورة، وهو من الأشياء التي تكاد تكون من الأمور الضرورية للإنسان، أميل إلى ترجيح رأي من لا يلزمه فدية، وعلى القول بوجوبها فهي دم واحد لإحرامه كله. والله أعلم.
فيمن دفع من عرفات إلى منى فاشتبه عليه الأمر، هل قطع وادي محسر قبل طلوع الشمس أم بعدها ماذا عليه؟
الأصل عدم وجوب الفدية حتى يثبت ما يوجبها، وعليه فمن لم يتأكد أنه طلعت عليه الشمس قبل أن يقطع وادي محسر لم تلزمه فدية. والله أعلم.
رجل أدركه البرد في أثناء مبيته بالمزدلفة فوضع لحافاً على جسده ولم يغطِ رأسه، فهل عليه بأس في ذلك؟
إذا غطى جسده من البرد ولم يغطِ رأسه فلا بأس عليه. والله أعلم.
ما قولكم في الحاج الذي ضل عن رفقته ولم يبت بالمزدلفة ولا بمنى، وترك رمي جمرة العقبة ماذا عليه؟
إن كان بقي بالمزدلفة إلى غروب القمر ليلة النحر فليس عليه دم لترك المبيت بها، ولكن يلزمه دم عن ترك رمي جمرة العقبة، وآخر عن ترك المبيت ليلة بمنى. والله أعلم.
إذا لم يتجاوز الحاج بأي حال من الأحوال وادي محسر قبل طلوع الشمس. هل عليه دم؟
إن كان قادراً على تجاوزه ولم يتجاوزه لزمه دم. والله أعلم. (1/293)
صفحة 294
رجل معتمر، وأثناء الطواف تلاصق جسمه بامرأة بغير عمد منه ثم خرج المني منه، فما المطلوب منه أن يفعل بعد ذلك، وإن فعل متعمداً فماذا يلزمه في كلا الحالين؟
الذي يطوف ببيت الله الحرام إنما يتجه بعقله وقلبه وأحاسيسه ومشاعره إلى الله العزيز الحكيم، فيبعد جداً من مؤمن يخشى الله ويتقيه ويستشعر عظمته أن يستشعر في مثل ذلك الموقف لذة ملامسة امرأة، حتى يفضي به إلى الإنزال، إنما هذا شأن الذين لا يخشون الله ولا يتقونه، ولا يعظمون شيئاً من حرمات الله عز وجل، ومن فعل ذلك عمداً فلا ريب أنه تفسد عمرته، بجانب ما يجب عليه من التوبة إلى الله ـ عز وجل ـ من صنيعه هذا، فإن هذه معصية والمعصية يضاعف وزرها بمكة المكرمة، فضلاً عن كونها بجوار بيت الله تعالى الحرام، وبجانب هذا أيضاً تلزمه إعادة العمرة، كما تلزمه بدنة لأنه أفسد إحرامه بما يشبه الجماع وهو الإنزال عمداً مع ملامسة امرأة أجنبية، أما الذي يقع ذلك منه عن كره وهو غير راض بذلك فإنه لا يكلف ما لا يتحمله، فعليه أن يسارع إلى التطهر، وعليه أن يرجع ليبدأ الطواف من جديد، ولكنني كما قلت أستبعد جداً أن يحدث ذلك لمؤمن يخشى الله ويتقيه، ويعظم حرماته ويستشعر عظمة وجلالة مثل ذلك الموقف العظيم، إذ من البعيد جداً أن يشتغل مؤمن في مثل ذلك الموقف بشهوة النساء. والله أعلم.
ما قولكم فيمن نفر لطواف الوداع من منى إلى مكة قبل الزوال؟
عليه دم لنفره من منى قبل الزوال. والله أعلم.
ذهب رجل لتأدية فريضة الحج وكان مفرداً بالحج وأدى جميع المناسك ولكنه لم يسع بين الصفا والمروة، ولم يطف طواف الوداع فماذا عليه؟
عليه دمان، دم لتركه السعي، ودم لتركه طواف الوداع، وإن منَّ الله عليه بالحج في القابل فليجعله احتياطاً. والله أعلم.
ما حكم من أخَّر الرمي في اليوم الثاني عشر إلى بعد غروب الشمس ولم يبت بمنى؟
عليه دم لتركه المبيت بمنى مع غروب الشمس عليه بها، والله أعلم. (1/294)
صفحة 295
ماذا على من خرج من منى قبل الزوال في اليوم الثالث من أيام التشريق؟
من أفاض من منى قبل الزوال في النفر الأول أو الثاني لزمه دم. والله أعلم.
العمرة:
هل يجوز للحاج أن يعتمر قبل أن يحج من تاريخ الحادي إلى اليوم السابع من ذي الحجة؟
نعم، إن كانت هي عمرة التمتع أو عمرة القران، وأما أن يعتمر في أثناء التمتع فلا يجوز ذلك. والله أعلم.
هل يجوز للحاج الاعتمار في اليوم الثالث عشر صباحاً؟
لا يعتمر في أيام التشريق، وإنما تبدأ العمرة من ليلة الرابع عشر. والله أعلم.
ما قولكم فيمن اعتمر عن أمواته مثل أمه وأبيه وغيرهم، فهل في ذلك حرج؟
لا حرج في ذلك. والله أعلم.
هل هناك عدد من العمرات تكفي عن حجة الفريضة؟
لا يغني عن الحجة المفروضة الاعتمار ولو تكرر، فلا بد من أداء فريضة الحج. والله أعلم.
ما قولكم فيمن قصد مكة المكرمة حاجاً، فأحرم بعمرة، وبعد إحلاله من العمرة بدأ له أن يخرج إلى المدينة المنورة لأمر ما فهل له عند رجوعه إلى مكة أن يحرم بعمرة عن أحد أقاربه، أم ماذا عليه أن يفعل؟
لا تتكرر العمرة في أشهر الحج، وإن أراد العودة بإحرام إلى مكة فليكن إحرامه بالحج. والله أعلم.
هل يجوز اعتمار عمرتين خلال أسبوع؟
لا مانع من ذلك. والله أعلم.
ما رأيكم فيمن أدى العمرة عن نفسه، وفي نفس الوقت استأجر عمرة عن شخص آخر، هل يجوز أم لا؟
إن كان أُجّر ليعتمر عن غيره عمرة ينشؤها من الحل القريب إلى الحرم بعد فراغه من عمرته، فلا حرج في ذلك مع التزامه جميع واجبات العمرة، ولكن لا ينبغي للإنسان أن يجعل العمرة تجارية. والله أعلم.
هل تجوز عمرة التطوع بعد الإحلال من عمرة التمتع وقبل الإحرام للحج؟ وهل تجوز بعد الإفاضة من منى في الثاني عشر؟
الاعتمار ينافي التمتع، فلا يجوز إلا بعد أيام التشريق. والله أعلم. (1/295)
صفحة 296
ما قولكم فيمن خرج لأداء العمرة، وبعد انتهاء عمرته اعتمر الثانية والثالثة والرابعة، هل يصح تكرار هذه العمرات أم لا يصح، سواء كان مستأجراً أو متطوعاً أفدنا آجرك الله تعالى؟
اختلف أصحابنا وغيرهم في جواز تكرار العمرة، والقول الصحيح الجواز، لعدم قيام دليل على المنع؛ لأن العمرة ليست موقوتة بوقت كالحج بل هي كسائر أعمال البر غير الموقوتة، فحكمها كحكمها في جواز التكرار، والحديث دال على الترغيب فيها، فقد قال النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ (( تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة ))، وما دامت العمرة ممكنة في جميع الأوقات فيحمل الترغيب في الحديث على ذلك بخلاف الحج، لعدم جوازه إلا في ميقات زمني معين، وفي حديث آخر عنه ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ ( العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ). والله أعلم.
ما قولكم فيمن قصد العمرة من عمان وأحرم من ذي الحليفة، أيجوز له أن يعتمر بعدما أحل من عمرته بما شاء من العمرات عنه أو عن غيره، وهكذا من قضى الحج عنه أو عن غيره، أيجوز له أن يعتمر ليلة الثالث عشر من ذي الحجة عنه أو عن من استأجر؟
من قصد مكة للعمرة فلا مانع بعد قضاء مناسكها أن يكرر العمرة متى شاء، وأما الحج فيقضي مناسكه أولاً، ثم إن شاء الاعتمار عن الغير فليعتمر من ليلة الرابع عشر فصاعداً، أي بعد أيام التشريق. والله أعلم.
هل تجوز العمرة قبل الحج؟
العمرة جائزة قبل الحج وبعده، وإنما يمنع المتمتع من العمرة إلى الحج أن يفصل بينهما بعمرة أخرى. والله أعلم.
ما هي صفة العمرة؟ وكيف تتم زيارة قبر الرسول ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ؟ (1/296)
صفحة 297
إذا أردت العمرة فاغتسل غسل الإحرام وتوضأ وصل ركعتي سنة الإحرام، وإن حضرت صلاة مكتوبة أجزأت، ثم قل: اللهم إني أردت العمرة فأعني عليها وتقبلها مني، ثم تلبي وصيغة التلبية: ـ لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، وتقول: معها أحياناً "لبيك بعمرة تمامها وبلاغها عليك يا الله. "
وتستمر على هذه التلبية إلى أن تدخل المسجد الحرام، ويستحب لك أن تدخل من باب السلام، وتقول ـ في حال دخولك ـ اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت ربنا يا ذا الجلال والإكرام، فإذا رأيت البيت الحرام قلت: اللهم زد بيتك هذا شرفاً وتعظيماً وبراً وتكريماً، وزد من حجه أو اعتمره هداية وفضلاً وبراً وتقوى. (1/297)
صفحة 298
ثم تشرع في الطواف مبتدئاً بتقبيل الحجر الأسود إن أمكنك، وإلا لمسته إن أمكنك وقبلت يدك بعد اللمس، وإن لم يمكنك أشرت إليه بيدك، ثم تطوف جاعلاً البيت على يسارك، وتأتي في طوافك بالباقيات الصالحات وتدعو بما شئت، وليس في الدعاء حصر، وإنما استحب بعض العلماء الدعاء بالآتي: اللهم إني أسألك إيماناً بك، ووفاء بعهدك، وتصديقا ً بكتابك، واتباعاً لسنة نبيك ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ، اللهم إني أعوذ بك من الشك والشرك والشقاق والنفاق وسوء الأخلاق، وسوء المنقلب وسوء المنظر في الأهل والمال والولد، اللهم إني أسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم، والفوز بالجنة، والنجاة من النار، اللهم إن هذا البيت بيتك، والحرم حرمك، والأمن أمنك، والعبد عبدك، فحرم لحمي ودمي وشعري وعظمي وكل شيء مني على النار، واستحب حال محاذاة الميزاب الدعاء الآتي: اللهم إني أسألك الراحة عند الموت، والعفو والتيسير عند الحساب، والفوز بالثواب والنجاة من العذاب يا كريم يا وهاب، وعندما تحاذي الركن اليماني تلمسه إن أمكنك وتقول بعده: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. وهكذا حتى يتم طوافك، ثم تصلي ركعتين خلف المقام وتدعو بما شئت، ثم تتجه إلى زمزم وتشرب من مائها وترش منه على وجهك ورأسك، ثم تتجه إلى الصفا فإذا رقيت عليه كبرت ثلاثاً أو سبعاً، وقلت: لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، وتصلي على النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ، وتدعو بما تيسر لك، ثم تنحدر ماشياً وأنت تقول ـ في حال مشيك: اللهم اجعل هذا المشي كفارة لكل شيء كرهته مني ولم ترضه مني. فإذا وصلت إلى الإشارة الضوئية الخضراء هرولت في مشيك حتى تصل إلى الإشارة الأخرى، وقلت في هرولتك: رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم، إنك أنت العلي وأنت الأكرم وأنت الرب وأنت الحكم، حتى تصل إلى المروة وتفعل مثل ما فعلت على (1/298)
صفحة 299
الصفا، هكذا إلى انتهاء سبعة أشواط، تبتدئ بالصفا وتختتم بالمروة، ثم تحل إحرامك بحلق شعرك أو التقصير منه.
أما الزيادة فإنك تأتي زيارة قبر النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ إلى مسجد رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ وأنت تتلو { لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ[128] فإن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ[129] } ، فإذا دخلت المسجد صليت المكتوبة إن كانت حاضرة وإلا صليت ركعتين تحية المسجد، ثم تأتي إلى قبر النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ وتستقبل القبر وتستدبر الكعبة، وتقول: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا نبي الله، السلام عليك يا صفوة خلق الله، السلام عليك يا محمد بن عبد الله، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، بلغت الرسالة وأديت الأمانة ونصحت الأمة وكشفت الغمة، فجزاك الله عنا وعن جميع أمتك خير ما جزى نبيا عن أمته، وتصلي وتسلم عليه وعلى آله وصحبه، ثم تتأخر قليلاً وتسلم على أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ قائلا: السلام عليك يا خليفة رسول الله، السلام عليك يا ثاني اثنين إذ هما في الغار، السلام عليك يا أبا يكر، السلام عليك يا صديق، السلام عليك يا عتيق، السلام عليك ورحمة الله وبركاته، جزاك الله عن رسوله ودينه وأمة رسوله خير ما يجزي به عباده الصالحين، ثم تتأخر قليلاً وتسلم على عمر ـ رضي الله عنه ـ قائلاً: السلام عليك يا أمير المؤمنين، السلام عليك يا عمر بن الخطاب، السلام عليك يا حليف المحراب، السلام عليك يا شديد الغار في ذات الله، جزاك الله عن رسوله ودينه وأمة رسوله خير ما يجزي به عباده الصالحين. وليست للتسليم صيغة محدودة، ولكن هذه من الصيغ المستعملة. والله أعلم. (1/299)
صفحة 300
متى يكون أداء العمرة أفضل في رجب أم شعبان أم رمضان؟
العمرة في رمضان أعظم أجراً، لقول النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ لأم سنان الأنصارية (( إذا كان رمضان فاعتمري، فإن عمرة في رمضان تعدل حجة معي )). والله أعلم.
إذا أراد الحاج أن يتعجل من منى في يوم الثاني عشر من ذي الحجة بعد الزوال، وأتى مكة المكرمة العصر وأراد أن يعتمر في تلك الليلة، هل يصح له ذلك؟
إن اعتمر فلا حرج عليه؛ لأنه قد أكمل مناسك الحج بتعجله في يومين، ولكن الأولى له أن يعتمر في اليوم الثاني أو ما بعده. والله أعلم.
ما قولكم في رجل حاج سواء كان عن نفسه أو مستأجراً عن الغير، إذا قضى عمرة التمتع وبقي في مكة المكرمة إلى أن يحرم بالحج، هل يباح له أن يعتمر بين تمتعه وحجه، إذا أراد أن يتبرع عن أهله أو يستأجر عن غيره؟ نرجو التكرم بالجواب.
ليس لأحد في خلال مدة التمتع أن يعتمر، لما بين عمرة التمتع والحج من الارتباط. والله أعلم.
هل هناك وجه لمن تمتع بالعمرة إلى الحج أن يأتي بالعمرة إلى أن يأتي اليوم الثامن للإحرام بالحج؟
قال تعالى { فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ } ، ومن اعتمر خلال التمتع لم يتمتع بالعمرة التي أحرم بها إلى الحج، لذلك لا أرى وجهاً للعمرة في خلال هذه المدة. والله أعلم.
ما قولكم في العمرة فريضة أو سنة، وإن كانت فريضة فهل تكرارها مرتين أو ثلاث يعدل عن حجة، كما أخبرنا النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ أم معناه الترغيب ولا يسقط بها الفرض؟ (1/300)
صفحة 301
اختلف العلماء في العمرة هل واجبة أو مسنونة، ولكل من القولين أدلة، وعلى القول بالوجوب فهي واجب مستقل عن الحج، لا تسقط فريضة الحج ولو تكررت، وإنما جاءت الأحاديث مرغبة في الإكثار من العمرة للأجر، فقد أخرج الإمام الربيع ـ رحمه الله ـ في مسنده عن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ أنه قال (( العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ))، وروى الترمذي وغيره عنه ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ أنه قال: (( تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحج المبرور جزاء إلا الجنة )). والله أعلم.
هل تلزم العمرة كل مسلم كما تلزم الحج أم لا؟
اختلف فيها على قولين والراجح أنها واجبة لقوله { وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ } وللأحاديث التي نصت على أنها فريضة مع الحج. والله أعلم.
الإجازة في الحج والعمرة:
أرغب في الذهاب إلى الحج، على أن أعطى مبلغ الأجرة بعد عودتنا من الديار المقدسة للمقاول، بموافقة منه على ذلك؟
إن وافق المقاول على ذلك، وكان عندك وفاء الدين إن مُتَّ فلا حرج عليك. والله أعلم.
ما قولكم فيمن أجر رجلاً للحج عنه، يعطيه نصف المبلغ عند ذهابه، والنصف الآخر يعطيه له عند عودته؟
لا حرج عليه في ذلك. والله أعلم.
هل للرجل الموسر أن يستأجر حجة عن غيره، وإذا صح له ذلك، فماذا يفعل بالمبالغ، هل له أن يدخلها في ماله، وإذا كان غير ذلك فهل يردها إلى من استأجر منه، أو الأفضل أن يتصدق بها على فقراء الحرم، أو يصرفها على فقراء بلده أو في بلد المحجوج عنه؟ (1/301)
صفحة 302
إن كان ثقة أميناً بصيراً بأمور الحج فلا حرج عليه، وأما الأجرة فمرد حكمها إلى كيفية الاستئجار، فإن استأجر ضامناً فعليه ما زاد على الأجرة من مؤنة الحج وله ما فضل، وإن شاء صرفه إلى فقراء المسلمين أو في أي وجه من وجوه البر، وإن استأجر أميناً فله بقدر نفقاته فقط، سواء زادت الأجرة أو نقصت. والله أعلم.
رجل ضعيف النظر والسمع والبصيرة، لا يقدر على المشي وتدهورت حالته الصحية، هل يجوز له تأجير شخص آخر للحج عنه، وكم مقدار الأجرة بالريالات؟
لا مانع من ذلك، والأجرة حسبما يتفقان عليه، ولا تحد بسعر معين. والله أعلم.
ما قولكم فيمن استأجر عدد ست حجج تقريباً عن أشخاص أموات بدون أن ينفذ حجة عن نفسه أولاً، وتظاهر مع ذوي الهالكين أنه جائز من أجل الاستيلاء على أموالهم، فهل يجوز له ذلك، وكيف يتخلص من ذلك؟
هذا عمل غير جائز، وعليه التوبة إلى الله، ورد كل ما أخذ من المؤجرين إليهم، وأن يحج عن نفسه. والله أعلم.
ما قولكم فيمن استأجر حجة عن غيره، اصطحب معه ابنه الطفل، هل يجزيه ذلك الحج الذي حجه؟
إن كان مراد السائل بهذا أنه يطوف بالبيت ويصطحب معه ابنه، ويقف بعرفات ويصطحب معه طفله، وكل هذه المناسك يؤديها ومعه طفله، فإن ذلك يجزيه بطبيعة الحال؛ لأن الطفل واقف عن نفسه، وهو واقف عن نفسه، فيجزى كل واحد منهما صنيعه. والله أعلم.
ما قولكم في رجل أمي أراد أن يستأجر حجة، علماً أن هذا الرجل يجالس العلماء والحجاج ويعرف شروط الحج والعمرة، وقد حج عن نفسه وأهله، فهل هذا يصح له الاستئجار على هذه الحالة؟
نعم، بشرط أن يسأل عن كل ما لا يعلم حكمه، حتى لا يقدم على شيء بجهل. والله أعلم.
ما قولكم فيمن حج عن نفسه، وأراد أن يستأجر حجة عن شخص آخر، وهو غير عالم بأمور الحج، فهل يجوز له ذلك؟ (1/302)
صفحة 303
لا يجوز له أن يستأجر حجة عن الغير، حتى يكون عارفاً بمناسك الحج معرفة تمكنه من أدائها على الوجه المشروع، وإلا كان مخاطراً بنفسه معرضاً لها للتلف. والله أعلم.
هل يجوز استئجار عمرة عن رجل أو امرأة وهما حيان؟
العمرة عن الحي لا تجوز، إلا أن تكون نافلة ففيها خلاف، وقد ترخص العلماء في أخذ الأجرة على ذلك، إلا أن الأحوط الترك، لما في ذلك من الخطورة فإن التقصير غير مأمون. والله أعلم.
رجل أجّر بحجة من مكة أو المدينة لحد الأموات، لقصد تخفيف تكاليف الأجرة وذلك لعسر حاله، فهل هناك فرق بين إن كان ميسوراً أو معسراً؟
(( إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى ))، فمن عمل ذلك لعسره وهو ينوي ما هو أفضل لو كان موسراً أثيب على نيته، (( والله ذو الفضل العظيم )). والله أعلم.
ما قولكم فيمن أراد أن يؤجر بالحج، فهل يصح له أن يؤجر بها من عليه ديون ربوية لأحد البنوك؟
الوافد إلى الله يحب عليه أن يتطهر من جميع الأرجاس، ومنها رجس الربا، حتى يحسن الوفادة إلى الله، ويطلب ممن أراد أن ينيب أحداً في الحج أن يختار البر التقي، والله أعلم.
رجل سافر إلى الحج، وعندما وصل المدينة المنورة أجّر أحد المواطنين السعوديين بالحج عن أحد الأموات، فهل يصح ذلك، وإذا كان المستأجر من مكة فهل عليه أن يذهب إلى المدينة للزيارة؟
نعم ذلك صحيح، ولكن أجر هذه الحجة أقل من أجر الحجة التي تكون من بلد المحجوج عنه، { وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ } ، وإن كان العقد على الحج وحده من غير ذكر الزيارة، فلا تدخل الزيارة في العقد. والله أعلم.
عمن استأجر حجة، هل يلزمه أن يصلي سنة الوداع في منزل المستأجر عنه أم يكفي أداؤها في مسجد بلد المستأجر؟
تستحب الركعتان ولا تجبان. والله أعلم.
ما قولكم في امرأة كبيرة في السن ترغب في تأدية فريضة الحج، ولكنها تجد مشقة لكبر سنها في ركوب السيارة، فهل يجوز لها أن تؤجر من يقوم بتأدية فريضة الحج بدلاً عنها؟ (1/303)
صفحة 304
لا مانع من ذلك. والله أعلم.
أجرت امرأة بحجة وصوم رمضان وقراءة ختمة في حياتها، فاعترضها قائلون بعدم جواز ذلك إلا بعد موتها، وهي عاجزة لا تستطيع الذهاب للحج، فما قولكم في ذلك؟
لا يحج أحد عن أحد في حياته إن كان المحجوج عنه قادراً على الحج بنفسه، وأما الصوم فللوارث أن يصوم عن موروثه العاجز في حياته، وأما قراءة القرآن فلا يؤخذ ولا يعطى عليها أجر، وعليه فأرى أن يقرأ كل أحد لنفسه، فإن لم يستطع فلا يؤجر غيره. والله أعلم.
هل يلزم الحاج المستأجر عن أحد إذا قضى جميع مناسك الحج والزيارة أن يتصدق بشيء من الدراهم من غير لوازم الحجة، وإذا تصدق هل يكون الأجر له أم للمؤجر؟
لا يلزمه التصدق، وإن تصدق فأجر ذلك له. والله أعلم.
ما قولكم في رجل استأجر حجة عن رجل متوفي، والمستأجر من سكان عمان الداخل والمؤجر من مسقط، هل على المستأجر أن يصلي الركعتين في بيت المؤجر أم يصلي في المسجد حيث يشاء، وإذا كان يجب عليه أداء الركعتين في بيت المؤجر هل له الصلاة قبل سفره إلى الحج بأيام، أم عليه الصلاة في وقت السفر؟ أفدنا جزاك الله خيراً؟
يبدأ السفر بصلاة ركعتين في بيته ـ أي بيت الميت ـ أو في مسجده الذي كان يصلي فيه، ولا عليه أن بقي في بيته أياماً بعدما أنشأ نية السفر في دار المحجوج عنه، وليست الركعتان واجبتين على أي حال. والله أعلم.
ما قولكم في رجل أراد أن يستأجر حجة عن رجل هالك، وهو لا يفهم شيئاً من مناسك الحج وأركانه ولا أحكامه، فهل يجوز له أن يستأجر أم لا؟ وهل على المؤجر ذنب في ذلك؟
إن الله يعبد بالعلم ولا يعبد بالجهل، والحج ليس تجارة كما يظن كثير من الناس فيسابقون إليه، ولا يجوز لمن كان بمثل هذه الحالة أن ينوب عن غيره في الحج بأجرة. والله أعلم
ماذا ترى فيمن استأجر حجة وهو لا يفقه من الحج شيئاً؟
هو مخاطر بدينه. والله أعلم.
ما هي الشروط الواجب توافرها في المستأجر للحج؟ (1/304)
صفحة 305
الأمانة والفقه والقدرة على أداء المناسك على الوجه المرضي. والله أعلم.
حجت امرأة في العام الماضي، وأرادت أن تحج عن أمها العاجزة في العام القادم مع العلم أنها أمية، هل يجوز لها ذلك؟
لا مانع من نيابتها عن والدتها العاجزة في الحج، إن توفر كل ما يجب توفره في السفر إلى هناك، مع استنادها إلى أهل المعرفة فيما تأتيه من الأعمال. والله أعلم.
هل يجوز للمرأة أن تستأجر حجة عن أحد من الناس غير أهلها؟
قيل: إن المرأتين تنويان عن رجل واحد في الحج، وقيل: بل امرأة واحدة، وهو الذي يقتضيه حديث الخثعمية. والله أعلم.
هل يلزم من استأجر حجة عن غيره أن يخرج من بيت المؤجر، إذا كان كلاهما في بلد واحد أو في بلدين مختلفين؟
يصح من بيت المحجوج عنه أو من مسجده، والأولى العمل بحسب المتفق عليه. والله أعلم.
إنني أعمى ولا أستطيع أن أدبر نفسي في الحج، فهل يحق لي أن استأجر من ينوب عني في الحج؟
إذا أمكنك أن تحج بنفسك فذلك ما يجب عليك، وإلا فلا مانع من أن تؤجر من ينوب عنك في الحج. والله أعلم.
رجل يذهب إلى الحج عدة مرات بالإيجار ولم يحج عن نفسه، ماذا عليه؟
إذا كان موسراً فعليه أن يحج أولاً عن نفسه، وفي المعسر خلاف، هل له أن يحج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه. والله أعلم.
هل يجوز لمستأجر الحجة أن يعتمر في العشر قبل الذهاب إلى منى، سواء هذا الاعتمار عنه أو عن غيره بالأجرة مثلاً؟
لا عمرة أثناء التمتع من العمرة إلى الحج، وإنما العمرة سائغة بعد الانتهاء من مناسك الحج. والله أعلم.
ما قولكم في رجل يعمل بالجيش، استأجر حجة عن غيره، وقبل سفره كلَّف من قبل الجيش ليذهب مع الحجاج العسكريين كمرشد لهم، وبذلك تتكفل الحكومة بجميع مصاريفه، فهل ينفذ الحجة التي استأجرها أم لا؟ (1/305)
صفحة 306
إذا كان قد اتفق مع أحد أن يحج عن ميته فليس له أن يذهب في رفقة مكفولة النفقات كرفقة الحجاج العسكريين؛ لأنه سوف يأخذ عناء سفره ممن أجره بالحج عن الميت، وبعثة الحج العسكرية ما أريد بها إلا تشجيع العسكريين للحج عن أنفسهم، فلا وجه لجعلها وسيلة للاستغلال. والله أعلم.
ما قولكم في الحاج الذي يستأجر عدة عمرات، ويحمل سلاماً للرسول ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ مقابل عشرة ريالات. هل في ذلك حرج؟
لا حرج من الاعتمار عن الغير للحاج بعد أداء مناسك الحج، ولو تكرر ذلك مرة بعد أخرى، أما التسليم على النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ عن الغير مقابل أجرة ـ كالتي في السؤال ـ فذلك أمر في صدري منه حرج. والله أعلم.
ما قولكم في رجل استأجر حجة بكمية من المال فحج، وبقي معه بعض المال فهل يرجعه إلى المؤجر أم يأخذه لنفسه؟
إذا كان الحاج عن الغير أعطى الأجرة فله أن ينتفع بالباقي منها، أما إذا أعطي نفقات سفره فعليه أن يرد الباقي إلى الوصي أو الوارث. والله أعلم.
هل يحق لرجل عاجز عن الحج أن يؤجر من يحج عن والدته، وهو لم يحج عن نفسه؟
الأولى له إن كان عاجزاً عن الحج بنفسه أن يؤجر من يحج عنه، قبل أن يؤجر من يحج عن أمه، وإن عجز فلا حرج عليه. والله أعلم.
هل يحق للرجل أن يحج عن غيره بعد أن حج عن نفسه، وهو لا يقرأ من القرآن سوى قصار السور؟
الأولى أن لا يستأجر من لا يعرف أمور دينه الحج عن غيره. والله أعلم.
ما الحكم في رجل ذهب ليحج عن غيره، وقد استأجر مجموعة من الحجج، وفي مكة أجّر الحجج الباقية بعد أن حمل هو حجة؟
لا يصح لمن استأجر ليحج عدة حجج إلا أن يستأنف سفراً جديداً لكل حجة من الموضع الذي كان فيه الإنفاق. والله أعلم.
رجل حج عن نفسه وهو ميسور الحال، فهل يحق له أن يستأجر حجة حيث إنه يطمع في الأجر والأجرة؟
لا يمنع الموسر أن يحج عن غيره، إن كان حاجاً عن نفسه. والله أعلم. (1/306)
صفحة 307
هل يصح لرجل أن يؤجر رجلاً آخر لأداء فريضة الحج، وهو يسمع عنه بأنه يتناول المشروبات المحرمة؟
لا يصح أن يؤجر للحج عن أحد إلا الأمين، ولا يكون مرتكب الكبيرة أميناً، لا سيما السكير الذي يؤدي به السكر إلى فقدان عقله. والله أعلم.
رجل صحيح البدن وتتوفر فيه كل شروط الحج، ولكنه أراد أن يؤجر بحجة بسبب أنه لا يستطيع تحمل التعب ومشاق الطريق، ويعاني بعض الألم في الرأس أثناء السفر البعيد، وفي حالة ركوب السيارة يخرجه هذا الألم في بعض الأحيان عن صوابه بنقص في العقل ويصبح كالمجنون، فهل له أن يؤجر من يحج عنه؟
لا مانع من ذلك، إن كان لا يجد وسيلة لأداء الحج بنفسه. والله أعلم.
عندي أخوان أحدهما كان يسقي زروع الحنطة في العوابي ومعه إخوانه من البلد فهجم عليه جماعة في الزروع إعتداءً منهم يريدون ذبحهم وسلبهم وسلب النساء، فدافعوا عن أنفسهم، وجاء الخبر أن المعتدين يريدون ذبح أخيك ومن معه ولم يرض على ذلك، وخرجت البلاد كلها معه فقاتل حتى قتل فهل يجوز الحج عن هذا الرجل؟
إن كان خرج دفاعاً عن أخيه ولم يعتد، وإنما اعتدي عليه فلا حرج إن حج عنه أحد، وإن كانت له سابقة استقامة على الحق من قبل فليدع له، ولا حرج في ذلك. والله أعلم.
توفي رجل وهو سكران، ويريد والده الحنون أن يؤجّر بحجة عنه، فهل يصح له ذلك؟
إن كان هذا الميت غير مرضي السيرة فلا مانع من الحج عنه، على أن لا يدعو له الحاج، وإنما يدعو لعامة المسلمين. والله أعلم.
ما قولكم في نيابة الزوجة عن والدة زوجها في الحجة عنها وبمالها، وذلك لعسرها؟
لا مانع من ذلك، وكل منهما مثاب ـ إن شاء الله ـ. والله أعلم. (1/307)
صفحة 308
إنني امرأة توفي أبواي وأجتهد وأعمل بما في وسعي لكي أرجع لهما بعض الشيء، وإن كان لا يساوي أي شيء إطلاقاً مقابل ما قدماه لي من تربية وتعليم وتأديب، فقد قمت بعد وفاتهما بالتصدق عنهما وقراءة القرآن والحج عنهما، مع العلم أنهما لم يوصوا بذلك لضيق السعة، وحيث إني ميسورة الحال قمت بذلك ولم أحج عن نفسي بعد، فما قولكم في ذلك؟
حجي عن نفسك، ويقبل الله منك ما فعلته عن أبويك، وفي الصدقة عنهما خير كثير. والله أعلم.
توفي جدي وكان مدرساً، فأراد ورثته الحج عنه فهل يجب عليهم أو يجوز لهم ذلك، وهو لم يوص بحجة؟
أما الوجوب فلا يجب على ورثته أن يحجوا عنه إن لم يوص به، سواءً كان مدرساً أو غير مدرس، وأما الجواز فلا مانع من ذلك، بل هو مستحب، ويؤجرون عليه ـ إن شاء الله ـ. والله أعلم.
رجل انكسر من أعلى ركبته وأدخل له قضيب من حديد في رجله، مما جعله غير مستطيع لأداء فريضة الحج، فما قولكم في الإنابة عنه للحج؟
لا مانع من أن ينيب أحد غيره، ليحج عنه بسبب عجزه. والله أعلم.
امرأة توفي زوجها وترك لها أولاداً صغاراً، فأرادت أن تحج عن زوجها، فهل يجوز لها ذلك؟
نعم، يجوز لها ذلك. إن حجت من مالها لا من مال اليتامى. والله أعلم.
هل جائز الحج عن الهالك المقتول ـ عمداً كان القتل أو خطأ ـ بالدية المسلّمة إلى ورثته؟
نعم كل ذلك جائز، إن دفع أي أحد منهم ذلك من نصيبه من تلك الدية، أو اتفقوا على دفع ذلك من نصيبهم، وكانوا جميعاً بلغاً عقالاً. والله أعلم.
ما قولكم في رجل لديه ناقلة ـ باص ـ، وفي كل سنة ينقل عليه أشخاصاً بمبالغ إلى الحج، وفي نفس الوقت يستأجر حجة ليؤديها عن أحد الهالكين، فهل تلك الحجة تعتبر مجزية عن الهالك؟ (1/308)
صفحة 309
نعم لا مانع من ذلك، ما دام ذلك الذي أجره أن يحج عن ميته عارفاً بقضيته ومطلعاً على أمره، فإن التجارة والسعي في الحج لا يبطلانه، بدليل قول الله تبارك تعالى: ـ { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ } . والله أعلم.
رجل أجر بحجة عن ولده المتوفى، وأجرت الأم عن نفسها بحجة أيضاً، وبعد رجوع الرجلين المستأجرين قالا إنهما حجا عن الولد، فهل يسقط ذلك فرض الحجة الواجبة عن الأم؟
بما أن الحجة لم تكن عنها وإنما كانت عن ولدها، فإن ذلك لا يسقط الفرض الواجب عليها، فإن استطاعت الحج بنفسها فلتحج، وإن لم تستطع فلتنب غيرها. والله أعلم.
إنني أود القيام بأداء مناسك الحج والعمرة عن ابني المتوفى، والذي قد ترك سبعة آلاف ريال، ولم يوص بذلك؟
إن تبرعت عنه بالحج فذلك حسن، ولو لم يوص بذلك. والله أعلم.
هل يجوز الحج عن طفل هالك وعمره من ثمان سنوات إلى إحدى عشرة سنة؟
لا مانع من الحج عن الطفل، وعسى أن يكون في ذلك خير للحاج. والله أعلم.
ما قولكم فيمن يحج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه؟
أما السنة فهي تقتضي منع الإنسان أن يحج عن غيره حتى يحج عن نفسه، وإنما أباح بعض العلماء ذلك للمضطر، وقد أخذ بذلك بعض الصالحين. والله أعلم.
ما قولكم في رجل أراد أن يحج عن أمه، وهو غير متزوج ولم يحج عن نفسه؟
يحج أولاً عن نفسه، ثم يحج عن أمه، سواءً كان متزوجاً أو غير متزوج. والله أعلم.
ما قولكم في امرأة تستأجر الحج عن غيرها، سواء من الرجال أو النساء، وقد سبق لهذه المرأة من قبل أن أدت الفريضة عن نفسها، وهي ملمة بشروط الحج، فهل نيابة هذه المرأة جائزة؟ (1/309)
صفحة 310
أما نيابة المرأة عن الرجل في الحج فالصحيح جوازها، وقيل تحج امرأتان عن رجل، والدليل للقول الأول حديث الخثعمية التي أجابها رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ بإجزاء حجها عن أبيها عما فرض الله عليه، وأما الاستئجار ففيه من الخطورة ما يجعل الرجل يحذر منه فضلاً عن المرأة، وذلك لما يخشاه الإنسان من التقصير في أداء المناسك. والله أعلم.
ما قولكم في امرأة لديها (( ابن )) وهو مريض في ظهره، وتريد أن تحج عنه، فهل يجوز لها ذلك؟
إن كان عاجزاً عن الحج، وسبق لها أن حجت عن نفسها، فلا مانع من ذلك. والله أعلم.
رجل أراد أن يحج عن والديه الذين لم يحجا في حياتهما، فما قولكم في ذلك؟
إن حج عنهما قبل الله ذلك منه وآجره وآجرهما، ودَين الله كدَين خلقه، كما جاء في الحديث. والله أعلم.
إذا مات الوالدان ولم يؤديا فريضة الحج، فهل يجوز أن أنيب عنهما أحداً في تأدية هذه الفريضة أم لا يجوز؟ وهل هناك فرق بين الذكر والأنثى؟
لا مانع من نيابة أحد عن الميت أو العاجز في الحج، لا سيما القريب كالولد عن والده، ولا فرق في ذلك بين أن يكون النائب والمنوب عنه ذكرين أو أنثيين أو أحدهما ذكراً والآخر أنثى، والدليل عليه حديث الخثعمية التي جاءت إلى رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ فقالت له: يا رسول الله إن فريضة الله على عبادة في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع الثبوت على الراحلة، أفأحج عنه؟ فقال لها: (( أرأيت أن لو كان على أبيك دين فقضيته أكان مجزياً؟ قالت: نعم، قال: فذاك ذاك ))، وحديث الرجل الذي جاء إلى رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ وسأله عن أخته التي نذرت أن تحج ولم تحج، فأمره النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ أن يحج عنها. والله أعلم.
جدتي كبيرة في السن وعاجزة عن المشي، وترغب الذهاب للحج، ولكن ليس لديها استطاعة، فهل يحق لها أن ترسل حجة عنها؟ (1/310)
صفحة 311
النيابة في الحج تجوز عن العاجز، سواءً كان رجلاً أم امرأة، بدليل حديث الخثعمية التي جاءت إلى رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ فقالت له: يا رسول الله إن فريضة الله عل عباده في الحج قد أدركت أبي شيخاً كبير لا يستطيع الثبوت على الراحلة أفأجع عنه؟ فقال لها: (( أرأيت أن لو كان على أبيك دين فقضيته أكان مجزياً؟ )) قالت: نعم، قال: (( فذاك ذاك )). والله أعلم.
هل يجوز للمرء أن يحج عن غيره بإيجار قبل أن يحج عن نفسه إذا كان غير ميسور الحال؟
السنة تدل على المنع من نيابة أحد عن غيره في الحج قبل أن يحج عن نفسه وكفى بها حجة، ومن العلماء من يرخص في ذلك للمحتاجين، ولكن الرأي الأول أحب إلينا لموافقة السنة وللاحتياط. والله أعلم.
هل تحج المرأة عن غيرها؟
لا مانع من ذلك، فقد أباح النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ للخثعمية أن تحج عن أبيها. والله أعلم.
أيحق للفقير أن يحج عن غيره، مع أنه لم يحج عن نفسه، لعدم توفر المادة لديه، والحاجة هي التي تدفعه إلى استئجار الحج عن غيره؟
اختلف العلماء في النيابة عن الغير في الحج لمن لم يحج عن نفسه، فمنهم من منع مطلقاً أخذاً بالحديث، ومنهم من رخص لمن كان لا يمكنه الحج عن نفسه، وكان بحاجة تدفعه إلى استئجار الحج عن غيره. والله أعلم.
هل يلزم الولد أن يحج عن والدته المتوفاة والتي لم توص ِ بحجة عن نفسها، لكونها لم تكن تملك نقوداً؟
لا يلزمه أن يحج عنها، وإن حج عنها كان ذلك براً منه بها يثاب عليه، كما يكون طاعة لله، ويرجى لها الثواب إن كانت من أهل الخير. والله أعلم.
هل يجوز للعاجز عن الحج أن ينيب عنه غيره ليحج عنه؟ (1/311)
صفحة 312
يجوز للعاجز أن ينيب عنه غيره من الأبناء فيحج عنه ولو في حياته، والدليل على جواز النيابة عن الحي العاجز في الحج حديث الخثعمية التي جاءت إلى النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ فقالت له: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع الثبوت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال لها: (( أرأيت أن لو كان على أبيك دين فقضيته أكان مجزياً عنه؟ )) قالت: نعم، قال: (( فذاك ذاك )). والله أعلم.
ما رأيكم في غني حج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه؟
ينهى الإنسان أن يحج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه خصوصاً الغني، ومن فعل ذلك فقد أساء، ولا أستطيع القول بأن حجه عن الغير باطل، ولكن عليه أن يبادر مستقبلاً بالحج عن نفسه. والله أعلم.
رجل استؤجر أن يحج عن امرأة، فلما خرج من بيته نسي اسم المرأة وحج عن رجل ثاني هو من أقارب المرأة، وأدى جميع مناسك الحج، ولما رجع اعترف بخطئه، فهل عليه أن يعيد الأجرة إلى أصحابها، أم تكون الحجة باقية عليه إلى السنة القادمة؟
لقد خان هذا الرجل أمانته، فعليه أن يرد الأجرة إلى أربابها، وعليهم أن يؤجروا غيره لهذه المهمة. والله أعلم.
امرأة كبيرة السن، لا تستطيع ركوب السيارة ولا الطائرة وتريد الحج، فهل يمكن أن يحج عنها أم لا؟
نعم، لا مانع من ذلك، بدليل حديث الخثعمية التي استفتت رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ في الحج عن أبيها فأفتاها بذلك، وكان يمنعه عن الحج كبر سن، وعدم استطاعته الثبوت على الراحلة. والله أعلم.
إذا رجل استأجر حجة، فهل العمرة والزيارة تكون تبعاً لهذه الحجة؟
إن كان الناس متعارفين فيما بينهم بأن العمرة والزيارة تدخلان في الحج في التأجير فالعرف متبع، وعلى المستأجر أن يأتي بهما مع الحج. والله أعلم. (1/312)
صفحة 313
رجل ذهب إلى الحج مستأجراً من امرأة تسمى سالمة، وهناك عند التلبية عنها بالحج والعمرة ذكرها باسمها هذا والناس شهود، ولكن عند الفراغ من أداء المناسك أمر أحدهم أن يكتب له كتاباً إلى الرجل المؤجر يشهد بأني أديت الحج عنها، ولكن الكاتب كتب سلامة بدل سالمة خطأ منه فلما وصل المتاب عند المؤجر غضب، وادعى أننا لم نحج عن سالمة وإنما حججنا عن سلامة، فهل له ذلك، وهل حجتنا غير تامة بسبب خطأ ذلك الكاتب؟
أما فيما بينه وبين الله فإن قصد الحج عن نفس تلك المرأة التي استأجر أن يحج عنها فنرجوا أن يتقبل الله منه وأن يجزي صنيعه، فإن الخطأ والنسيان معفو عنهما، وأما في الحكم الظاهر، فبما أن الشهود شهدوا أنه حج عن غيرها بموجب التسمية التي سماها فلا ريب أنه عليه أن يعيد الحج أو يرد الأجرة. والله أعلم.
ما تقول فيمن أُجر بحجة بأجر معلوم، ثم جعل على الحجاج رسوم، ما تقول في هذه الرسوم أتكون على المؤجِر أو المؤجَر؟
الأجير بالخيار إن علم بحدوث الرسوم التي لم تكن معهودة من قبل سفره إلى الحج، فإن سافر كانت الرسوم عليه دون المؤجر، وإن رجع على المؤجر قبل سفره واتفقا على أي شيء فهما على ما اتفقا. والله أعلم.
امرأة توفي عنها والداها الأم ثم الأب، وأرادت أن تؤجر بحجة عن أمها بنصيبها الذي ورثته من أبيها، على أن تضيف إليه شيئاً من مالها لعدم كفايته علماً بأن هذه المرأة لم يسبق لها أن حجّت عن نفسها، فهل يصح لها ذلك؟
إن كان ذلك لا يعطل حجها عن نفسها بحيث تجد ما تؤدي به فرضها فلا حرج، وإلا فعليها أولاً أن تؤدي فرضها. والله أعلم.
رجل توفي، وكان في حياته يشرب الخمر ويقيم الصلاة في شهر رمضان، أما باقي الأيام فيعلم الله إن كان يصلي أم لا، وبعد وفاته أراد أهله أن يحجوا عنه فهل الحج مقبول أم لا؟ (1/313)
صفحة 314
إن كان لم يوصِ بالحج فالأولى لهم أن لا يحجوا عنه، بسبب حالته السيئة التي كان عليها حسب ظاهر أمره، وإن حجوا عنه فالدعاء يكون لعامة المسلمين، فإن كان مات على توبة فيما بينه وبين ربه دخل فيهم. والله أعلم.
فتاوى نسائية:
أيجوز للمرأة الذهاب إلى الحج مع جملة النساء الذاهبات، وليس لواحدة منهن محرم؟
إن لم يكن مع إحداهن زوج ولا ذو محرم فلا يجوز لهن السفر مع الرجال الأجانب، نعم يجوز لهن ذلك إن وجد مع بعضهن أزواج أو محارم أمناء. والله أعلم.
ما هي الشروط التي يجب توافرها في المحرم الذي يصاحب المرأة في الحج؟
يشترط في المحرم المصاحب أن لا يكون كافراً ولا فاسقاً، أي أن يكون مسلماً مستور الحال على الأقل. والله أعلم.
هل يجوز أن يعطيني ولدي مالاً لأحج به؟
لا مانع من السفر إلى الحج بانفاق ولدك، فإن ذلك من بره بك. والله أعلم.
ترغب أختان في تأدية فريضة الحج، على أن يتولى أمرهن زوج بنت إحداهن أثناء تأدية شعائر الحج، فهل يجوز ذلك للأخت، أم يحرم عليها السفر مع زوج ابنت أختها، أرجو توضيح ذلك؟
زوج بنت الأخت ليس بذي محرم من خالة زوجته، بل هو أجنبي منها، ولكن إن لم تجد ذا محرم يرافقها، ولم يكن لها زوج يرافقها إلى الحج، فلا حرج في سفرها مع أختها المرافقة لزوج ابنتها. والله أعلم.
امرأة ترغب في أداء فريضة الحج، ولديها مال تريد أن تبيعه لابن ابنها لأداء مناسك الحج، علماً بأن لهذه المرأة إخوان هل يجوز بيع هذا المال؟
لا مانع أن تبيعي مالك أو شيئاً منه للحاجة، لا سيما لأجل السفر إلى بيت الله المحرم وأداء المناسك العظام، وكذلك لا يمنع بيعك لابن ابنك أو غيره، ما دام البيع ليست فيه محاباة، ولو مع وجود إخوة للمبيع له. والله أعلم.
هل يصح للمرأة أن تسافر للحج مع ابن عمها؛ لأنها لا تجد محرماً تسافر معه أفتنا ولك الأجر؟ (1/314)
صفحة 315
ليس ابن العم من ذوي المحارم، وفي الحديث الصحيح عن رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ قال: (( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مع غير ذي محرم، ولا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم ))، فقال له رجل (( إني اكتتبت في غزوة كذا، وإن امرأتي خرجت حاجة ))، فقال له النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ (( اذهب وحج مع امرأتك ))، وإنما رخص بعض العلماء للمرأة غير الواجدة لذي المحرم ولا للزوج أن تحج مع جماعة المسلمين، شريطة أن يكونوا ثقات أمناء، وأن تكون معهم نساؤهم، واستدلوا لذلك بإذن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ في آخر عام خلافته لأمهات المؤمنين أزواج النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ أن يحججن مع رفقة المسلمين، ولم ينكر ذلك عليه أحد من الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ فكان إجماعاً. والله أعلم.
هل يصح للمرأة أن تحج بدون زوجها؟ وإن كانت أرملة أو مطلقة، هل لها أن تحج بدون محرم إذا أمنت على نفسها؟
جاء في الحديث الصحيح عن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ (( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع زوج أو ذي محرم ))، وسواء في ذلك سفر الحج أو غيره من الأسفار، وإنما إذا تعذر على المرأة أن تجد زوجاً أو ذا محرم فهنا يجوز لها أن تحج في رفقة المسلمين الأمناء المصطحبين لنسائهم، وذلك بأن يكون العديد من الناس قد اصطحبوا معهم زوجاتهم أو اصطحبوا معهم ذوات محارمهم، وهي تأمن أولئك وتطمئن إليهم في أمانتهم وثقتهم واستقامتهم على الحق، فلا حرج عليها أن تحج في هذه الرفقة. والله تعالى أعلم.
إذا أدرك الحيض المرأة بمنى ماذا تفعل، مع العلم أنها تذهب في اليوم التاسع من ذي الحجة إلى عرفة ثم ترمي في العاشر الجمرة الكبرى، ثم تهدي ثم تقصر وتذهب لطواف الإفاضة، وفي هذه الحالة يلزمها طواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة. أرجو الإفادة؟ (1/315)
صفحة 316
تفعل الحائض من مناسك الحج كل شيء، ما عدا الطواف بالبيت فتؤخره مع السعي إلى أن تطهر. والله أعلم.
امرأة ذهبت إلى الحج وهي على خصام مع زوجها ولم تستأذنه في الذهاب وهي تحج أول مرة فهل يجوز ذلك؟
عليها أولاً أن تصالح زوجها لتفد إلى الله وهي متخلصة من جميع شوائب الأوزار. والله أعلم.
امرأة تملك ذهباً يقدر بـ (600) ريال، أرادت أن ترهن هذا الذهب بمبلغ 400 ريال لتؤدي بهن الحج، وهي ليس عندها أحد هل يحق لها ذلك؟ وإذا لم يحق لها ذلك، فهل يمكنها بيعه والذهاب بقيمته للحج؟
لا مانع إن باعت المرأة حليها أو رهنته لأجل الحج، شرط أن يكون الرهن شرعياً. والله أعلم.
هل يجوز للمحرمة بالحج أن تخضب بالحناء؟ فقد وجدنا رواية في منهج الطالبين أن زوجات النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ يختضبن بالحناء وهن محرمات ما صحة هذه الرواية؟
لم أطلع على سند لهذه الرواية، وصحة الروايات موقوف على معرفة أسانيدها صحة وضعفاً، وأظن أن المراد بالرواية أنهن يحرمن وأثر الخضاب في أيديهن وأرجلهن وهذا غير ممنوع، والحناء من الزينة وليس من الطيب فلا يحرم على المحرمة. والله أعلم.
ما حكم استعمال المرأة الأدوية لمنع الحيض في أيام الحج، وماذا تفعل المرأة الحائض في أيام الحج؟
لا مانع من ذلك لأجل التمكن من طواف الإفاضة قبل مغادرة رفقتها، وتأتي الحائض جميع مناسك الحج إلا الطواف بالبيت. والله أعلم.
من أحق بمرافقة المرأة لتأدية فريضة الحج من غير والدها وأخيها وابنها وابن أخيها وعمها والزوج؟
يجوز لها أن ترافق كل ذي محرم، كابن زوجها وأبيه وخالها. والله أعلم.
ما حكم المرأة التي تبتلى بدم الحيض والنفاس خلال مناسك الحج؟ (1/316)
صفحة 317
الحائض والنفساء تأتيان جميع مناسك الحج ما عدا الطواف بالبيت، فإنه لا يطوف به إلا طاهر، فإذا حاضت المرأة قبل أن تطوف طواف العمرة وكانت ناوية التمتع ولم تطهر قبل التروية نوت القران، وأدخلت الحج في العمرة وكفاها طواف الإفاضة إلى أن تطهر. والله أعلم.
امرأة تنوي الذهاب للحج، ولكنها تريد الذهاب بمبلغ أودعته في البنك بدون ربا فهل يصح ذلك؟
عليها أن تتوب إلى الله من الإيداع في البنوك، لما في ذلك من التشجيع على المعاملات الربوية، وإن كانت لا تأخذ من الربا شيئاً، فلا حرج عليها إن حجت بالمبلغ المودع. والله أعلم.
ما شروط الحج بالنسبة للمرأة؟
لا تختلف شروط حج المرأة عن شروط حج الرجل، وإنما تزيد المرأة بشرط واحد وهو أن يصحبها زوج أو ذي محرم، لحرمة سفرها بنفسها، والطاعة والمعصية لا يجتمعان. والله أعلم.
ما هي محظورات الإحرام بالنسبة للمرأة؟
محظورات الإحرام بالنسبة إلى المرأة هي نفس ما يخطر على الرجل، فالجماع ومقدماته، والطيب والصيد وحلق الشعر محظور على المحرم، رجلاً كان أو امرأة وإنما لها أن تلبس المخيط وتغطي رأسها، بل ذلك واجب عليها للستر، ولكنها لا تلبس القفازين ولا النقاب. والله أعلم.
ما أحكام إحرام المرأة، والشروط التي يجب مراعاتها في ملابس المرأة المحرمة؟
أحكام إحرام المرأة كأحكام إحرام الرجل في المنهيات، غير أنها تلبس المخيط وتغطي الرأس وتكشف عن وجهها وكفيها فقط. والله أعلم.
فيمن لم تتمكن من طواف الإفاضة ولا الوداع بسبب المحيض، ولم ينتظرها أصحاب الحملة ماذا عليها؟
الحائض تعذر عن طواف الوداع، كما دلّ عليه حديث عائشة وابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ ولا تعذر عن طواف الإفاضة؛ لأنه ركن من أركان الحج، فإن لم تطف حتى عادت إلى أهلها فلا حج لها، وعليها أن تحج من قابل. والله أعلم. (1/317)
صفحة 318
امرأة لا يوجد لديها أحد من الأقارب الرجال سوى زوج مدين بمبالغ ولا يستطيع الذهاب إلى الحج، فأذن لزوجته الذهاب إلى الحج، والزوجة لديها استطاعة، فهل يحق لها أن تحج مع شخص من الجماعة أو من جيرانها؟
يجوز لها ـ على رأي بعض المسلمين ـ الحج برفقة جماعة المسلمين الذين اصطحبوا نساءهم. والله أعلم.
امرأة رهنت صوغ لابنتها وتريد الذهاب إلى الحج، والمبالغ التي تريد الذهاب بها إلى حج البيت من مبالغ هذا الرهن، ولا يوجد لديها ما تفدي به الرهن إلا أن ابنتها أبرأتها من قيمة الرهن، ويوجد لديها مال أخضر لسداد قيمة الرهن، هذا مع العلم أن الصوغ تابع لها وليس لزوجها؟
لا مانع من سفر هذه المرأة إلى الحج، لاختلاف حال الرهن عن الدين؛ لأن الرهن مضمون في المرتهن، وكذلك حكم الدين إن كان عند المدين وفاه ولم يكن حاضراً، وكانت عند الدائن وثيقة تثبته، فلا مانع بسببه من السفر إلى الحج. والله أعلم.
هل تلزم المرأة بالصلاة في الحرم حيث تكثر فيه زحمة الرجال والنساء؟
لا يلزم المرأة الحاجة أن تصلي في المسجدين الشريفين، وإنما يستحب لها ذلك إذا كانت في مأمن من الزحام مع الرجال، ولم تكن على حالة تخشى معها الفتنة، أما إذا لم يتوفر لها هذان الشرطان فصلاتها في بيتها ألزم. والله أعلم.
إذا أحرمت المرأة بالعمرة في أيام الحج، وأتاها الحيض عند دخولها مكة المكرمة، واستمر بها حتى يوم الثالث عشر من ذي الحجة، إذ رأت الطهر فيه فهل يلزمها طواف العمرة وطواف الإفاضة، أم يكفيها طواف واحد لحجها وعمرتها ووداعها؟
يكفيها طواف واحد لحجها وعمرتها ووداعها إن لم تبق بعد الطواف. والله أعلم.
ما قولكم في أخوين لهما أم عاجزة، وكل منهما عازم على أداء فريضة الحج عنها، فالأكبر يقول إن نيتي سابقة، والأصغر يقول أنا كذلك، فما رأيكم في ذلك، وهل يصح أن يحج الإثنان عنها فريضة الحج في عام واحد؟ (1/318)
صفحة 319
لا يحجان عنها جميعاً في عام واحد، ولهما أن يحجا عنها حجتين واحدة تلو الأخرى، على أن ينوي الأول حجة الفريضة وينوي الثاني نافلة أو احتياطاً لما عسى أن يكون في الحجة الأولى من التقصير، وإن اختلفا فليرجعا إلى القرعة. والله أعلم.
رأيت دماً فتبينت أنه ليس بحيض فطفت طواف الإفاضة وسمعت عن شيوخ في السعودية أن الحائض تحتشي بخرقة وتطوف طواف الإفاضة؛ لأن بدونه يبطل حجها فما ترون في هذا؟
إن كنت لم تتيقني الحيض قبل طواف الإفاضة فحجك صحيح، ولا يجوز طواف الإفاضة للحائض بحال ـ وإن أفتى به من أفتى ـ لدلالة السنة والإجماع على خلافه، وإنما أول من أفتى بالجواز شيخ الحشوية ابن تيمية فتابعه على ذلك من تابعه من أهل نحلته. والله المستعان.
أريد أن أحج عن والدتي ولي إخوان وأخوا، وهنالك خلاف بيني وبينهم، حيث تقدم رجل إلى خطبتي ولم يوافقوا، فدفعت إليهم الشيوخ والوالي والقاضي ولم يوافقوا حتى كلفهم الشرع، وتزوجت عن طريق القاضي، والآن رموني بالخصامة ولم يسلموا علي، هل إذا حججت يلزمني شيء؟ وقام فاعلوا الخير ليصلحوا بيننا، فرفضوا ولم يوافقوا على ذلك؟
إن أمكنك أن تصالحيهم قبل السفر إلى الحج فذلك أولى، وإلا فما عليك من حقدهم وأنت لم تسيئي إليهم، فحجي على بركة الله. والله أعلم.
امرأة أحرمت من الميقات للحج أو للعمرة، ثم جاءتها الدورة الشهرية وذلك في الخامس من ذي الحجة كيف تؤدي هذه الحجة أو العمرة؟
تؤدي جميع المناسك إلا الطواف بالبيت فتؤخره إلى أن تطهر من حيضها، وإن كانت محرمة بعمرة للتمتع بالعمرة إلى الحج فإن عليها أن تنتظر حتى تطهر بإحرامها، فإن وصل ميقات الحج وذلك بدخول يوم التروية قبل أن تطهر فلتدخل الحجة في العمرة، وتكون قارنة بينهما بإحرام واحد، ويجزيها طواف بالبيت بعد الطهر لحجها وعمرتها. والله أعلم.
امرأة معتمرة تحللت بقص أظافرها هي وجملة نساء، فماذا عليهن؟ (1/319)
صفحة 320
أخطأت في ذلك خطأ بيناً، فالتحلل إنما يكون بالأخذ من شعر الرأس لا من الأظافر، وبما أنها لم تفعل ذلك فإنها يلزمها أن تدفع فدية عن كل مرة دم ينحر هنالك في البلد الحرام، وكذلك كل امرأة فعلت مثل فعلها، عليها أنه تفتدي بمثل هذه الفدية. والله أعلم.
امرأة أحرمت بالعمرة فأحست بوجود بعض الدم القليل وكانت تشك بأنها الدورة الشهرية، ولم تكن متأكدة فذهبت للحرم وأدت المناسك، وفي المنزل أدركت بأنها العادة الشهرية، فما حكم عمرتها؟
إن كان فيه صفة دم الحيض وطافت بالبيت وهي على تلك الحالة فطوافها باطل، لأن الطهارة مشترطة في الطواف، فإن لم تعد وانتهت عمرتها فعليها إعادة العمرة. والله أعلم.
امرأة ذهبت للحج وتركت أولادها في منزلها، ومنهم بنت كبيرة فذكر لها الناس أن الحج باطل ما دامت تركت الأولاد بأنفسهم؟
لا معنى لقولهم ببطلان حجها، فإنه افتئات وجرأة على الله، وإنما ينظر في أولادها، هل بقاؤها عندهم ضرورة أو بإمكانهم الاستغناء عنها؟، فعلى الأول تكون مقصرة في المحافظة عليهم، ولكن مع ذلك تكون مؤدية لفرضها، وعلى الثاني هي موفية بما عليها. والله أعلم.
هل يجوز للمرأة الحاجة المشاركة في حفلات الزفاف؟ حيث إنها تتخالط مع جميع الأجناس؟
إن لم يكن في ذلك ما يحرم شرعاً فلا حرج، وإلا فتمنع منها الحاجة وغيرها. والله أعلم.
هل يلزم المرأة أثناء زحمة الحج الصلاة في الحرم، وكما أنه في ذلك الوقت تتلامس أجسام الرجال والنساء من كثرة الحجاج والزحام، وأيهما أفضل الصلاة بالمنزل أو الحرم في ذلك الوقت؟
لا يلزمها، وصلاتها في البيت أفضل لها تفادياً للزحام. والله أعلم.
ما حكم المرأة التي تغير ملابس الإحرام قبل أن يصلها خبر النحر عنها؟
تغيير الملابس لا يؤثر على إحرامها، وإنما تمنع من الطيب قبل النحر. والله أعلم.
هل يجوز للمرأة زيارة قبور الصحابة وأهل بيت الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ؟ (1/320)
صفحة 321
اختلف في ذلك، والجواز مشروط بأن تكون الزيارة للاتعاظ بالموت، ولا يصحبها عويل ولا غيره من المنكرات. والله أعلم.
ماذا يلزم المرأة إن غطت وجهها ويدها؟
أما المرأة فلا تتعمد تغطية الوجه في إحرامها إلا لضرورة، وإن غطته عمداً فعليها دم، وإن كان خطأ أو نسياناً فعليها نزعه عندما تتذكر فوراً، وتمنع من لبس القفازين في يديها. والله أعلم.
امرأة ذاهبة إلى الحج وعندما وصلت إلى هناك لم تؤد أي منسك من مناسك الحج بسبب الدورة الشهرية، فما حكم حجها، وما المفروض عليها فعله؟
عليها دم لتحللها من الإحرام بغير أداء المناسك، وعليها الحج من قابل ولتسأل الفقهاء عندما تعزم الحج عن واجبها عندما تواجه مثل هذا الظرف، فإن شفاء العي السؤال. والله أعلم.
امرأة زنت فاعترفت بذنبها وتابت إلى الله، وتريد أن تحج فما حكم الشرع في ذلك؟
تحج، والله يتقبل من المتقين، والتائب بإخلاص من المتقين. والله أعلم.
امرأة رفعت صوتها بالدعاء في طواف أو سعي أو غيره، وذلك حتى يسمعها ويردد خلفها نسوة لا علم لهن بالقراءة والكتابة، فما حكم ذلك؟
إن كان ذلك بقدر ما تسمعها النسوة اللاتي حولها فلا حرج. والله أعلم.
هل يجوز للمرأة إذا أرادت الإحرام للحج أو العمرة أن تغسل جسمها بالصابون، علماً بأن رائحته لا تلبث أن تزول بعد ذلك؟
لا مانع من ذلك. والله أعلم.
لي زوجة طالبتني بالطلاق، وقد صرفت عليها مصاريف لتأدية فريضة الحج هي وأمها، فهل لي المطالبة بهذه المصاريف، وهل للطلاق تأثير على الحج؟
لا علاقة للحج بالطلاق، فلا تأثير للطلاق على الحج، وما أعطيتها إياها من مال سواء كان ذلك لحج أو غيره فلا تحق لك مطالبتها به. والله أعلم.
هل يجوز للمرأة أن تغطي رأسها في الإحرام بالحج أو العمرة؟ وإن كان في ذلك خلاف، فما الراجح لديكم؟ (1/321)
صفحة 322
أما تغطية الرأس فواجبة على المرأة في الإحرام وغيره، ولعلك تبحث عن تغطية الوجه في حال إحرام المرأة، ولئن كان كذلك فإنها لا تغطي وجهها إلا عند محاذاتها الرجال، فإنها تسدل من خمارها على وجهها من غير أن تتنقب كما دل عليه حديث عائشة ـ رضي الله عنها _. والله أعلم.
هل يلزم المرأة الحاجة أو المعتمرة أخذ شيء من شعر رأسها، وإن لم تفعل ذلك فماذا عليها؟
عليها أن تأخذ من أطراف شعرها عند التحلل قدر أصبعين وقيل قدر أربعة أصابع عرضاً، فإن لم تفعل وتحللت بدون ذلك فعليها دم. والله أعلم.
رجل صافح امرأة وهو محرم هل حجته باطلة؟
مبطلات الحج محصورة، وليس منها مصافحة المرأة. والله أعلم.
امرأة أرادت الذهاب إلى الحج فوافق زوجها، ولكن لا يستطيع الذهاب معها، فطلبت من أخاها أن يكون لها محرماً فوافق الأخ بشرط أن تتنازل الأخت عن ميراثها من والدها، وقالت الأخت سأنظر في ذلك بعد الحج، فأصر الأخ على أن يكون ذلك قبل الحج، وأخذ يهددها بالنزول من كل حملة تصعد إليها وهو فيها. فما قولكم في ذلك؟ وما الحل لذهابها إلى الحج مع تأخر الأخ؟
بئس الأخ هذا الذي يجعل من الواجب شراكاً لصيد المطامع، وأكل أموال الناس بغير حق، وبئس الصنيع صنيعه، هذا وإن خرجت في رفقة جماعة المسلمين الأمناء المصطحبين لنسائهم أو ذوات محارمهم فلا حرج عليها في ذلك، والله يتقبل منها. والله أعلم.
كثير من الحجاج يحصل معهم اختلاط النساء والرجال، وبالأخص في السكن حيث يأتي الرجل ويجلس مع زوجته وسط نساء أجنبيات، وكذلك في الركوب في السيارة، فما قولكم في ذلك؟
للنساء حرمات، فلا يجوز اختلاطهن بالرجال الأجانب في السكن ولا في المركب، وعليهم أن ينظموا أنفسهم فبدون ذلك لا تستقيم أحوالهم. والله أعلم.
أثناء الطواف تتلاصق الأجسام من شدة الزحام، وكثير من الناس يضعون زوجاتهم أو محارمهم أمامهم ويحاولون حفظهن عن الملاصقة، فهل في ذلك شيء، وما هي الطريقة الأفضل؟ (1/322)
صفحة 323
تلك حالة ضيق فيوسع فيها ما ضاق حكمه في غيرها، فإن الشيء إذا اتسع ضاق وإذا ضاق اتسع، وإنما يتخذ الإنسان أنجح الوسائل لاتقاء التلاصق بين الرجال والنساء. والله أعلم.
امرأة، أثناء تأدية مناسك الحج وهي محرمة كانت مختمرة خوفاً من الفتنة، حيث كساها الله الجمال، فهل عليها شيء أو حجها تام، ومن المعلوم بأن الخمار يلاصق الوجه أحياناً حيث إنه متحرك؟
إن أسدلت على وجهها من خمارها من غير أن تتنقب فلا حرج عليها، وذلك لدفع الفتنة. والله أعلم.
هل يجب على المرأة التسليم على قبر النبي المصطفى وصاحبيه من الخارج دون الوقوف أمام القبر الشريف؟
لا يجب عليها ذلك، ويجزي تسليمها على النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ وعلى صاحبيه ولو من بعيد، أي لا يشترط أن تقف حيال القبر. والله أعلم.
هل حج المرأة من مسئولية الزوج أم لا؟
هو غير مسئول عن ذلك، فإن الحج إنما هو على من استطاع إليه سبيلاً، وهي عبادة يستقل بها كل إنسان في خاصة نفسه، فالمرأة تستقل بها والجل يستقل بها، وعلى أي حال إن تبرع زوجها، بمؤنة حجها فإن عليها أن تحج في هذه الحالة من مال زوجها. والله أعلم.
ما قولكم في امرأة تستأجر حجاً وتسافر بدون محرم؟
ليس لها أن تسافر إلا مع ذي محرم أو زوج، على أن استئجارها الحج عن الغير فيه من المحاذير مالا يخفى. والله أعلم.
هل يصح لزوج المرأة أن يمنعها عن أداء فريضة الحج؟
ليس للزوج أن يمنع زوجته عن حجة الفريضة، كما أنه ليس له أن يمنعها عن الصلاة والصيام والزكاة. والله أعلم.
إن ما يلاقيه الحاج من المتاعب في هذا الوقت كثير، فهل هناك رخصة للنساء إذا أقمن أيام التشريق بمنى، وأخرن طواف الزيارة وطفن طوافاً واحداً للزيارة والوداع؟
لا مانع من ذلك. والله أعلم.
هل يصح للنساء أن يؤجرن أحداً على رمي الجمار، سواء كن مستأجرات أو عن أنفسهن؟
لا مانع من ذلك لأجل الضرورة. والله أعلم. (1/323)
صفحة 324
ما قولكم في امرأة تريد الذهاب إلى الحج نافلة من مال ولدها، والذي عليه ديون كثيرة، وكذلك لهذه المرأة زوج مريض ومصاب بالشلل، ولا يوجد من يرعاه في حال غيابها أحد سوى زوجة ابنه، فهل يصح حجها على هذه الحالة؟
قيامها بزوجها أعظم أجراً لها من حج النافلة، وقضاء دين ولدها أولى من حج الفرض والنافلة. والله أعلم.
امرأة ذهبت لأداء الحج والعمرة، فأتتها الدورة الشهرية فكيف يكون أداؤها للمناسك؟
إن كانت محرمة بالعمرة أخرت الطواف إلى طهارتها إن كانت لم تطف، وإن كانت محرمة بالحج فعلت كل المناسك إلا الطواف فتؤخره إلى طهرها، وإن كانت متمتعة أدخلت الحج في العمرة، وأخرت الطواف إلى طهارتها. والله أعلم.
ما الحكم في نساء ذهبن لأداء فريضة الحج بدون أن يكون معهن محرم؟
إن كان لواحدة منهن زوج أو ذو محرم فلا حرج عليهن على بعض القول، وإلا فقد عصين بسفرهن وحدهن، والأحوط إعادة الحج. والله أعلم.
امرأة كبيرة السن ولا تعقل، وقد ادخرت أموالاً عند أمين لها، وكانت تريد الحج أيام صحتها ولكنها لم تتمكن، فأراد بعض الأولاد أن يأخذ من هذه الأموال لكي يحج عنها، فتشاجر الأولاد في ذلك، بعضهم يقول نحج من هذه وبعضهم معارض، فما قولكم في ذلك؟ .
إن كانت أدخرت هذه المبالغ للحج فلا مانع من الحج عنها بها، والأحوط والأفضل أن يتبرع أحد أولادها فيحج عنها. والله أعلم.
ما قولكم في رجل توفي ولم يوص بشيء وقد ترك مالاً، والبنات يرغبن في تأدية حجة وصوم وكفارات فهل يجوز لهن إخراج ذلك، وإذا لم يرض الأبناء فماذا يفعلن؟ تكرموا بالإجابة. أجركم الله خيراً.
يجوز لهن ذلك، وإذا رفض قبول ذلك شركاؤهن في الإرث، فليخرجن مؤنة ذلك من حصتهن. والله أعلم.
هل للمرأة أن تستأجر حجة أو عمرة عن الغير؟
الأحوط والأسلم للرجل أن لا يستأجر عن الغير، فما بالك بالمرأة؟ والله أعلم.
هل يجوز للمرأة المسلمة أن تحج عن أختها المسلمة؟ (1/324)
صفحة 325
إن كانت المحجوج عنها عاجزة عن السفر إلى الحج لمرض أو هرم فلا مانع من ذلك. والله أعلم.
امرأة تنوي الذهاب للحج وهي لا تتجاوز الثلاثين أو الخامسة والثلاثين من عمرها وتنجب أولاداً، فهل يجوز لها أن تحج وتطوف أم لا؟
هذا السؤال غريب، فإن الحج فريضة واجبة على الذكر والأنثى الشباب والعجوز إن استطاع إليه سبيلاً، وكيف يقال إنه غير جائز للشابة ـ مثلاً ـ وهو عبادة كالصلاة؟ وهل يقال بسقوط فرض الصلاة عنها في شبابها، أو إنها غير جائزة له؟ والله أعلم.
هل يجوز للمرأة أن تذهب للحج بدون محرم، وهل تعدد النساء في الرفقة في سيارة واحدة يكفي عن وجود محرم لكل امرأة، وهل على صاحب السيارة ذنب إذا سمح لمرأة لا محرم لها بالذهاب؟
لا يجوز لامرأة أن تحج ولا أن تسافر إلا مع ذي محرم، فإن لم يكن ذو محرم وأرادت الحج فلتصحب جماعة المسلمين المصطحبين لنسائهم، ولا تسافر مع نساء لا محرم لواحدة منهن ولا زوج. والله أعلم.
لدي أخت تكبرني في السن وهي تعاني من أمراض من حين لآخر، فهل يصح أن تؤجر أحداً يحج عنها وهي على قيد الحياة، لعدم استطاعتها الذهاب لتحمل أعباء السفر ومشقته، وهل الأفضل لها أن تحج بنفسها رغم عدم قدرتها، أم توصي بذلك بعد موتها، نرجو منكم إرشادنا للصواب ولكم الأجر؟
هذه المرأة إن كانت غير قادرة على الحج بنفسها، فلا حرج عليها إن أنابت غيرها في حياتها. والله أعلم.
أرادت امرأة كبيرة في السن الذهاب لأداء فريضة الحج فاستأذنت زوجها ولم يسمح لها بالذهاب، بالرغم أن ولد ابنتها وابنتها سيقومان بمساعدتها هناك في الأراضي المقدسة، وستتحمل كل المصروفات دون اللجوء إليه، وهو مصر على كلامه، وهي تقول ذلك منذ أربع سنوات؟ فما رأيكم في ذلك؟
ليس له أن يمنعها من ذلك؛ لأن الحج فريضة واجبة على الذكر والأنثى كالصلاة، وإن أصر على المنع فلها أن تسافر لأداء هذا الفرض بدون إذنه. والله أعلم. (1/325)
صفحة 326
هل يجوز للمرأة أن تتعاطى حبوب منع الحيض أيام الحج، حتى تستطيع أن تؤدي الحج وترجع مع الحملة؟ وهل الحاجة عن نفسها والمستأجرة سواء؟
لا مانع من ذلك لأجل الضرورة، ولا فرق في ذلك بين الحاجة عن نفسها وعن غيرها. والله أعلم.
امرأة ذهبت إلى الحج، وعند وصولها مكة المكرمة وهي محرمة للعمرة أدركها الحيض فماذا تفعل؟
في مثل هذه الحالة تبقى على إحرامها، ولا تدخل المسجد الحرام حتى تطهر، فإن طهرت طافت وسعت، وإن استمر بها الحيض إلى أيام الحج أدخلت الحج في العمرة، وطافت في يوم النحر أو بعده وسعت، طوافاً واحداً وسعياً واحداً لحجها وعمرته. والله أعلم.
إحدى النساء المسلمات تنوي الحج، وهي قادرة وليس لها ذو محرم، فهل تسافر مع المقاول وعنده مجموعة من النساء؟ أم عليها أن تؤجر من يحج عنها؟
إن لم تجد المرأة ذا محرم فلا جناح عليها أن تحج مع رفقة من المسلمين المصطحبين نساءهم، ولا تصح إنابتها للغير مع قدرتها على الحج بنفسها. والله أعلم.
امرأة علمت بوفاة زوجها وهي في الحج قبل الوقوف بعرفة، فهل تكمل مناسك الحج أم تعتمر وتترك المناسك؟
تكمل مناسك حجها، ولا يجوز لها أن تتخلف عنه بعد إحرامها، وهو لا ينافي عدتها، بل تستمر على أداء مناسك الحج وهي معتدة. والله أعلم.
إذا حاضت المرأة ولم تطف بعد طواف الإفاضة، وفي نفس الوقت قرب موعد ذهابها إلى بلدها ولا تستطيع التأخر عن رفقتها، وإلا ذهبوا عنها فماذا تفعل؟
لا حرج إن عادت إلى أهلها، ثم عادت في عامها من أجل الطواف الباقي عليها وذلك قبل أن يباشرها زوجها، وإلا فسد حجها، والله أعلم.
إذا امرأة أتاها الحيض في يوم التروية فكيف يكون حجها، للعلم أنها لم تطهر حتى نهاية الثاني عشر من ذي الحجة؟
تأتي بجميع أعمال الحج إلا الطواف بالبيت، فحتى تطهر من حيضها. والله أعلم.
فتاوى متنوعة:
ما هي أركان الحج؟
هي ثلاثة: ـ الإحرام، والوقوف بعرفات، وطواف الإفاضة بالبيت العتيق. والله أعلم. (1/326)
صفحة 327
يقول الله تعالى { الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ } ، فما هي أشهر الحج؟
شوال وذو القعدة وعشرة من ذي الحجة على الصحيح. والله أعلم.
توفي والدي في حادث سيارة ووجبت له الدية كاملة، وقيل لنا بأنها حرام فهل يجوز أن أحج أو أتقرب منها في أنواع البر لوالدي الهالك؟ وهل يجوز للورثة أن ينتفعوا منها؟ نرجو الإفادة.
الدية حق بينه الله في كتابه، فلا يصح لأحد أن يحرّمها، ومن حرّمها فقد افترى على الله إثماً عظيماً، وهي حق للمقتول يستحقه وارثه، فللورثة أن يتصرفوا فيها في أبواب الخير كما أرادوا، فإن شاءوا أمسكوها وانتفعوا بها، وإن شاءوا تقربوا بها إلى الله حسبما أرادوا. والله أعلم.
ما فضل ذي الحجة على غيره من الشهور، وبخاصة الأيام العشر منه؟
شهر ذي الحجة شهر عظيم، فهو شهر حرام، وقد اختصه الله تعالى بأن فرض فيه الحج، وأقسم بلياليه العشر في قوله (( والفجر وليال عشر ))، ولكن ليس بأفضل من شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، وفرض على الكل صيامه. والله أعلم.
ما قولكم في رجل هو وولده يعملان ويقيمان في بيت واحد، راتب الأب يصرفونه للبيت وراتب الولد يدخرونه، إذا أراد الأب أن يحج من هذه الدراهم التي يدخرونها من راتب ولده، هل حجه صحيح؟ نرجو التكرم بالرد مشكوراً.
لا مانع من ذلك، ما داما متفقين على ذلك. والله أعلم.
هل يجوز الأكل والنوم والصلاة في مكة في النهار في أيام التشريق، وذلك بعد رمي الجمار؟ أفدنا جزاكم الله خيراً.
لا مانع من الأكل والشرب والصلاة بمكة للحاج عند ما يذهب إليها من منى لطواف الإفاضة أو لغرض آخر من الأمور الجائزة، وإن كانت الصلاة في منى في خلال تلك الأيام أفضل من الصلاة في المسجد الحرام. وكذلك النوم نهاراً، وإنما يمنع المبيت خارج منى. والله أعلم. (1/327)
صفحة 328
ما رأيكم في رجل اقترض مبلغاً كبيراً لبناء منزل من مؤسسة حكومية خال من الربا، وهو يعلم بأنه غير قادر على تسديد المبلغ في أقل من سبع أو ثمان سنوات، حيث أنه يدفع أقساطاً شهرية من راتبه، وأراد أن يحج هل عليه من بأس؟
إذا كان الدين موثقاً، وكان عنده ما يمكن قضاؤه من التركة لو توفي، فلا حرج عليه. والله أعلم.
رجل استدان مبلغاً لمدة سنة واحدة، وقبل انتهاء الفترة بثلاثة أشهر أراد أن يذهب لأداء فريضة الحج ولم يدفع المبلغ الذي عليه فهل يصح له ذلك؟
إن كان الدين في وثيقة شرعية، وكان عنده قضاؤه لو فاجأه الحِمَام، فلا مانع من الحج. والله أعلم.
رجل مدين لبنك ولأشخاص، فهل يصح له تأدية فريضة الحج؟
إذا كان الدين خالياً من الربا وكان عنده وفاؤه فلا حرج عليه إن حج، شريطة أن يكون موثقاً، وأما إن كان متلبساً بالربا فعليه أولاً التوبة. والله أعلم.
رجل أوصى بعد موته بحجة ورماضين وهو لم يحج من قبل، هل تثبت له الوصية أم لا؟
إن كان يملك من المال ما يكفي لمؤنة الحج فلا يعذر عن الوصية إن حضره الموت قبل أن يحج. والله أعلم.
رجل ذهب إلى الحج متأخراً وأحرم بالحج وأدرك الناس في عرفات، فإذا رمى جمرة العقبة هل يحلق ويفسخ إحرامه؟ وهل عليه طواف الإفاضة؟ نرجو أن توضح لنا.
نعم، يحل من إحرامه بعد الرمي، وما عليه غير طواف الإفاضة، وإنما عليه دم لعدم مبيته بمنى ليلة عرفة. والله أعلم.
امرأة توفي زوجها وولدها في حادث سير، ولم يتركوا إرثاً يستحق ذكره، وأخيراً قامت المرأة بتأجير اثنين ليحجوا عن زوجها وولدها، رغم أن ولدها تارك أطفالاً، والمتوفون لم يوصوا بحج، وليس لدى المرأة سعة من المال حتى تؤدي حجتين، ولكنها أصرت وسلمت كل ما تملك مقابل الحج، وتركت الأطفال بدون شيء من ورث أبيهم، هل يحق لها ذلك؟
ليس لها أن تتصرف في تركة الهالكين إلا برضى الورثة إن كانوا بلغاً عقالاً، وإلا فهي ضامنة لما أخرجته في مالها. والله أعلم. (1/328)
صفحة 329
هل يحق للحاج أن يتقاضى مبلغاً معيناً مقابل السلام على رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ؟
أخذ الأجرة على التسليم على النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ لا ينبغي، إذ لا يكلف ذلك عناء. والله أعلم.
هل يجوز للباصر أن يحج من المال الذي يجمعه من التنجيم؟
لا. والله أعلم.
إذا نوى رجل الحج وكان قد رهن مالاً له لرجل آخر، فهل يصح له الحج قبل أن يفدي ماله، مع العلم أنه يمتلك التكاليف التي يستطيع أن يذهب بها إلى الحج؟ افتنا ولك الأجر.
ما تسمونه الرهن هو بيع الإقالة، فإن كان على وجهه الشرعي فهو جائز، ولا مانع من حج من باع مالاً بالإقالة؛ لأن حق المشتري ليس في ذمه البائع، وإنما هو في المال المبيع. والله أعلم.
هل على الحج أن يستعمل أدعية معينة أثناء تأدية فريضة الحج؟
لا، وإنما يؤمر بمطلق الذكر، إلا ما ورد من بعض الأذكار عن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ كقوله (( ربنا آتنا في الدنيا حسنة... إلخ بين الركنين في الطواف. والله أعلم.
هل الشرب من ماء زمزم واجب أو مستحب للحجاج؟
الشرب من ماء زمزم ليس من مناسك الحج وليس بواجب، وإنما هو ماء مبارك، وقد جاءت فيه روايات بعضها صحيح وبعضها دون ذلك، وأصحها حديث (( زمزم طعام طعم )) أخرجه مسلم، ورواه غيره بزيادة (( وشفاء سقم )). والله أعلم.
إذا غادر الحاج المتمتع مكة قبل تأدية الفريضة وبعده العمرة إلى جدة أو الطائف مثلاً ماذا عليه؟
ليس عليه شيء. والله أعلم.
ماذا ينبغي للمسافر إلى الحج أن يفعله وهو في طريقه، منذ خروجه من منزله حتى مكان الإحرام؟ (1/329)
صفحة 330
يؤمر قاصد الحج بالتخلص من التبعات وقضاء الديون، وأداء الحقوق وصلة الأرحام والجيران وإحسان معاملتهم، وتدارك تقصيره في حقهم، ثم باختيار الرفقة، وعند بدء السفر يودع منزله بركعتين، فإذا ركب سيارته أو أي وسيلة للنقل غيرها أتى بالآيتين الكريمتين { سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ[13] وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ[14] } ، ثم بالورد المأثور (( اللهم إني أسألك في سفرنا هذا البر والتقوى... إلخ، ويذكر الله في حله وترحاله وسيره ووقوفه وينيب إلى الله في كل حالاته. والله أعلم.
رجل توفي في حادث سيارة، وقد حصل أولاده على ديته، ويريدون أن يأجروا بحجة من تلك الدية التي حصلوا عليها، فهل يجوز ذلك؟
الدية هي من ضمن الميراث، تقسم على الورثة كسائر التركة، فإن تبرع بها الورثة أو بجزء منها لحجة فلا مانع من ذلك. والله أعلم.
ما حكم الإسلام في الممتنع عن الحج مع القدرة المالية والبدنية والأمن؟ وما الدليل؟
حكمه الكفر ودليله: (( ومن كفر فإن الله غني عن العالمين )). والله أعلم.
قال في كتاب الوضع (( حجوا قبل أن تنبت بالبادية شجرة لا أكلت منها دابة إلا هلكت. )) نرجو ما عندكم حول هذا الحديث.
الحديث لم يبلغ مرتبة الصحة عند أهل الحديث، ففي إسناده مقال. والله أعلم.
أريد الذهاب إلى الحج لتأدية الفريضة، وعليّ دين لبنك الإسكان مقسم إلى فترات لمدة خمسة وعشرين سنة، فهل يجوز لي الذهاب إلى الحج؟ تفضلوا بالإجابة مأجورين.
إن كان الدين مشوباً بالربا ـ كما هو المعروف عن بنك الإسكان ـ فيجب عليك التخلص من الربا، ففي الحديث (( لعن الله الربا وآكله ومؤكله وكاتبه وشاهده )) وقال: (( هم سواء )) يعني في الإثم، فعليك التخلص من معاملة الربا أولاً، حتى تفد إلى الله طاهراً. والله أعلم.
هل يجزي الحج عن الكتابة في الوصية لعدد من الكفارات؟ (1/330)
صفحة 331
الحج فرض برأسه، والكفارات فروض مستقلة على من لزمته، ولا يجزي فرض عن فرض، فمن كانت عليه كفارة فعليه أداؤها ولا يجزي عنها الحج، والأصل أداؤها في حياته، وأما الإيصاء بها بعد موته فهو مجرد احتياط، لئلا يفاجأه الموت قبل أدائها، وهي تجب بحسب ارتكاب أسبابها من إضاعة الصيام أو الصلاة ـ عند من يرى فيها الكفارة قياساً على الصوم ـ أو قتل الخطأ أو الظهار أو الحنث في اليمين، ولكل كفارة من هذه حكمها. والله أعلم.
فضيلة الشيخ البعض يزعم أن يوم الثامن من ذي الحجة في عمان يوافق معهم يوم عرفة ففي ذلك اليوم يستحب الصوم لمن أراد، ويوم التاسع في عمان يزعمون أنه يوم العيد وصومه حرام، تفضل علينا بالإفادة؟
ليس قولهم هذا بشيء، فإن هذه العبادات منوطة بالأهلة، لقوله تعالى { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ } ، وباختلاف الأهلة تختلف الأحكام بين بلدة أخرى. والله أعلم.
رجل حج بيت الله الحرام عن نفسه، وفي العام التالي نوى أن يحج عن والدته التي لا تستطيع الذهاب إلى الحج وحدها، فلما اقترب موسم الحج قالت الوالدة لولدها لا تتعب نفسك، فالأفضل أن لا تحج عني ولست بحاجة لأن تذهب عني للحج، وهناك بعض الخلافات بين الوالدة وولدها، هل يلحق الولد ضمان لتأخره عن الذهاب إلى الحج؛ لأنه عقد النية بذلك، وهل يلحق الوالدة ضمان لأنها أخرته هي بنفسها؟
ليس عليه في ذلك حرج، إلا من حيث إسخاطه لأمه، فليرض أمه وليبرها وليتق الله، وليحج عنها من بعد. والله أعلم.
لقد طلب مني أحد الإخوة أن أسوق عنه سيارته وهو قاصد الحج، فهل يلزمني أن أحج إذا ما وصلت معه الديار المقدسة؟ أم أن ذلك يعود إلى رغبتي؟ تكرم بالإجابة ولك الأجر والثواب ـ إن شاء الله. (1/331)
صفحة 332
ليس من المعقول أن يرضى ضمير مسلم بأن يصل إلى الأماكن المقدسة في وقت الحج ويتقاعس عن أداء المناسك. وهل ذلك إلا دليل انطفاء حرارة الإيمان في النفس. نسأل الله العافية.
هل يجوز للرجل أن يستلف مبلغاً ليكمل به المصاريف المتوخاه لحجه، وهو يعمل وله من المكافآت لنهاية الخدمة ما يكفي لسداد المبلغ المستلف؟
إن كانت السلفة مضمونة في مال المستلف، وأوصى بها المستلف، فلا حرج عليه إن حج في هذه الحالة. والله أعلم.
إذا وصل الحاج المدينة ومكة هل يصلي سفراً أم لا؟
السفر إلى مكة والمدينة لا يختلف عن السفر إلى غيرهما في حكم قصر الصلاة، فالنبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ بقي بمكة ثمانية عشر يوماً يقصر الصلاة، ويقول: (( يا أهل مكة إنا قوم سفر فأتموا صلاتكم )). والله أعلم.
ما قولكم في رجل ربح ربحاً وفيراً عن دراهمه عن طريق الرهن، وأراد أن يحج، فهل عليه شيء إن حج بنقوده الأصلية؟
إن كان الربح من طريقة مشروعة فلا حرج عليه، ولو حج من الربح نفسه، وإلا فعليه التوبة أولاً. والله أعلم.
ما الحكم في قيمة حجة جهزها أحد المسلمين ليحج بها، هل يجب فيها الزكاة في تلك السنة التي يحج فيها؟
على المكلف أن يزكي عن النفقة التي أعدها للحج ما لم يستعملها إن حال عليها الحول. والله أعلم.
ما قولكم في امرأة قالت إن زوجت فلاناً من ابنتي فبالله علي أن أذهب إلى الحج ماشية حافية، وزوجها قال إنه سيزوج ابنته بذلك الإنسان. فهل يصير على المرأة شيء من ضمان أم لا؟ أفتونا مأجورين.
عليها أن تحج، ولا يلزمها المشي ولا أن تذهب حافية. والله أعلم.
عن رجل صلى خارج مسجد الرسول ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ في مكان المحيط بالمسجد، ويقصد أنه مع الجماعة، فهل صلاته تامة أو لا؟
إذا كان خلف الإمام أن بجانبه مع اتصال الصفوف فلا مانع من ذلك. والله أعلم. (1/332)
صفحة 333
وجبت عليَّ غرامة في حادث، وقام الإخوان والأقارب بالمساعدة وجمع بعض المبالغ لكي أدفعها لأصحاب الغرامة، ولكنهم عفوا عنها وبقيت المبالغ المجموعة في يدي. هل يصح أن أحج بها أم لا؟
الأولى أن ترجع إلى الذين ساهموا في المساعدة، فإن أباحوا لك التصرف فيما بقي بيدك فلا مانع من أن تحج به، وكذلك إن كنت مطمئناً إلى رضاهم بذلك. والله أعلم.
رجل مسلم كان قد حج وأقام الصلاة وصام رمضان وأدى الزكاة وأقام الواجبات كلها، ثم أشرك بالله، ثم رجع إلى الإسلام مرة ثانية، فهل تلك الأعمال الخيرية التي عملها سابقاً يعطى ثوابها أم لا؟ وإن كان في المسألة خلاف فما الراجح؟
جاء في الحديث عن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ (( من أشرك ساعة حبط عمله فإن تاب جدد له العمل ))، وقوله عليه الصلاة والسلام هو الفيصل في كل النزاع، وهو ظاهر في أن الله سبحانه يعطي ثواب العمل لمن تاب وآمن وعمل صالحاً من المرتدين، ولكن مع ذلك يلزمه أن يعيد الحج إن كان قد حج في الإسلام الأول، وكانت لديه استطاعة على الحج عندما رجع إلى الإسلام من جديد، هذا ما رجحه الإمام نور الدين السالمي ـ رضوان الله تعالى عليه ـ، نظراً إلى أن كل من أركان الإسلام يتكرر بخلاف الحج، فإذا عذر عن الحج بعد إسلامه الثاني اعتماداً على سابق حجه، كان إسلامه الأخير خالياً من ركن من أركان الإسلام، وهو رأي حسن، ولا ينافي أن يثيبه الله على حجه الأول إذا أحسن القول والعمل. والله أعلم.
هل الأفضل لزائري قبر رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ أيام قيامهم بالمدينة أن يصلوا جمعاً أم قصراً؟ (1/333)
صفحة 334
المسافر إلى مكة أو المدينة أو غيرهما مطالب بالقصر للصلوات الرباعية، ما لم يصل خلف مقيم، فإن صلى خلف مقيم أتم، والقصر لا يقابله الجمع حتى يقال أيهما أفضل، وإنما يقابله الإتمام ويقابل الجمع الإفراد؛ لأن القصر هو قصر الرباعيات سواء كان المسافر يجمع أو يفرد، والإفراد هو أفضل للمقيم في البلد ولو يوماً أو يومين، والجمع هو أفضل للجاد في السير. والله أعلم.
هل يجوز للرجل في طواف العمرة أن يتكلم بغير الذكر والتسبيح، كأن يعرف أهله بأركان الكعبة والحجر الأسود وغير ذلك من أجزاء الكعبة؟
لا مانع من ذلك ما لم يخرج عن مصالح الدين. والله أعلم.
إذا عرفنا أن الإسبال يفسد الصلاة، فما حكم صوم وحج من يسبل متعمداً؟
أما الصيام فإن كان الصائم مصراً على الإسبال في صيامه فلا ريب أن صيامه باطل، لإصراره على كبيرة أثناء الصوم، وأما الحج فمن أسبل فيه إحرامه فعليه دم. والله أعلم.
رجل أراد الذهاب إلى الحج، ولا يملك المال الذي يستطيع به الذهاب إلى الحج، وقد تكفل أحد من أصحاب الخير بإعطائه المبلغ لوجه الله، مساعدة له لتأدية الحج. هل يكون حجه صحيحاً؟
إن كان ذلك العطاء عن طيب خاطر، من غير طلب ومن غير إلجاء، فلا مانع من أن يحج به والله تعالى أعلم.
إنني رجل فقير حصلت على زكاة فهل أحج بها؟
الزكاة لا يحج به، وإنما تدفع في النفقات الضرورية، والله يوفقك للخير، والحج يجب على من استطاع إليه سبيلاً، لا على غير المستطيع. والله أعلم.
أدعى بعض الشباب أن فريضة الحج لا تؤدى إلا بعد الزواج وتحصين النفس، بالرغم من توفر الاستطاعة العلمية والبدنية والمالية لديه، فما قولكم في هذه المسألة؟ (1/334)
صفحة 335
هذه دعوى مردودة، وهي لا تصدر إلا من أهل الجهل المركب الذين يقولون على الله ما لا يعلمون، وكفى بذلك إثماً مبيناً، وما الحج إلا ركن من أركان الإسلام وفريضة من فرائضه، فلا يتوقف وجوبه ولا أداؤه على الزواج، كما لا يتوقف عليه إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان. والله أعلم.
رجل اقترض مبلغاً لأداء فريضة الحج، على أن يتم سداد المبلغ فيما بعد فما قولكم في حجه؟
ليس ذلك مشروعاً. والله أعلم.
رجل طلب مساعدة لأداء فريضة الحج وذهب بها، فما رأيكم في حجه؟
الحج لا تطلب من أجله مساعدة مادية؛ لأنه فرض على القادر ببدنه وماله، وإن فعل ذلك ووجد اليسر فالأولى له والأسلم أن يعيد حجه. والله أعلم.
إنسان يستطيع الذهاب إلى الحج، ويملك الصحة والمال، وإذا قيل له لما لا تذهب للحج يقول كتبتها في وصيتي. كيف تكون حجة هذا الرجل؟
الوصية لا تغني عن الحج، فإن الواجب على القادر أن يحج بنفسه، وإنما الوصية احتياطاً لئلا يفجأه الموت قبل حجه، وإن نوى أن لا يحج فهو مخالف لأمر الله، وهو مصر على ترك فريضة من فرائضه. والله أعلم.
والدي أقرضني مبلغاً من المال لأجل الذهاب إلى الحج، وسأرد المبلغ، وما القول إذا منحني إياه؟
أما القرض من أجل الحج فلا داعي إليه؛ لأن الحاج يؤمر بأن يتخلص من التبعات، ومنها القروض قبل سفره. والله أعلم.
أعمل مديراً بالبنك، فهل يجوز أن أعطي والدي مبلغاً من النقود ليتمكن من الذهاب لأداء الحج من الراتب الذي استلمه من البنك؟
أما المبلغ فلا مانع من أن تعطيه أباك، وإنما يقع عليك الإثم إن كانت المعاملة في البنك ربوية. والله أعلم.
ما قولكم في رجل حاج لبيت الله الحرام، هل يجوز له أن يشارك أصحاب الملاهي كأصحاب الطبول والفنون التقليدية والأعراس؟
لا يجوز ذلك لحاج ولا لغيره. والله أعلم. (1/335)
صفحة 336
رجل يريد الحج وله أخت تريد الحج أيضاً، وهي متزوجة وزوجها لا يذهب معها؛ لأنه لا ينوي الحج، وقام الأخ بمنعها إلا أن تسافر معه، وطلب منها أن تسترضيه ( بسبب بعض الخصومات )، وهي تريد الذهاب وتسترضيه بعد رجوعها من الحج؟
حسن ما يريده أخوها من سفرها معه، ولكن لماذا يفرض عليها أن تكون مبادرة الاستعطاف من قبلها، فلماذا لا يبادر هو إلى استعطافها، أليس هو مطالباً بما هي مطالبة به من القضاء على الأحقاد والإحن، وتطهير الصدر منها، مع أنه رجل ومن شأن الرجل أن يكون أقوى على التحكم في عواطف، وأقدر على ضبط النفس، فلئن كانت هي ملومة مرة على إهمالها حق التراضي بينها وبينه، فهو ملوم على ذلك عشر مرات، وعليه فليسارع إلى إرضائها وليحجا معاً، يظفر بخير السبق إلى الخير والسلام. والله أعلم.
ما قولكم فيمن حج بمال تكفل به ابنه العامل في بنك ربوي؟
إن كان يعلم أن ابنه جاءه بالنفقة من مصدر محرم فليعد حجه، وإلا فكل ذي يد أولى بما تحت يده. والله أعلم.
إنني دائماً في موسم الحج وفي كل عام أحج عن الغير، وهذا العام قال لي صاحب الراحلة إنك معفي عن الكرى، فهل لي رخصة وأنا مستأجر طبعاً علي إيجار المنزل والأكل فقط؟
لا حرج عليك إن كان من طيب خاطر. والله أعلم.
هل من الجائز أن أذهب إلى الحج كسائق سيارة، ثم أحج وآخذ مقابل السياقة 130 ريالاً؟
لا مانع من ذلك. والله أعلم.
ما قولكم فيمن حج بيت الله الحرام، ومن بعد ذلك أذنب وعصى، فهل تجب عليه إعادة الحج؟
من تاب تاب الله عليه، ولا تجب إعادة الحج بسبب مقارفة المعصية. والله أعلم.
ما قولكم فيمن حلف بأن يمشي إلى الحج حافياً، أو قال صومي وصلاتي باطلة إذا عملت كذا وكذا، هل هذا قسم أم لا؟ وإذا كان كذلك فماذا عليه؟ (1/336)
صفحة 337
قيل عليه ما ألزمه نفسه من المشي إلى الحج حافياً، وقيل يجزيه أن يحج، وقيل يجزيه كفارة يمين، ومن قال إن عمل كذا فصومه باطل أو صلاته باطلة أو هما باطلان فعمله لزمته التوبة والكفارة المغلظة، وهي عتق رقبة أو صوم شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكيناً. والله أعلم.
ما قولكم في رجل عليه دين لأحد البنوك، فحصل هذا الرجل على مساعدة مالية من غير البنك فسدد منها ما عليه للبنك، كما أعطى منها لوالديه ليستعينا بها على أداء فريضة الحج، هو هل يصح الحج بهذا المبلغ الذي حصلا عليه؟
لا حرج إن حج الوالدان مما منحهما إياه الولد، وإن كان الولد مديناً بطريقة ربوية، فإن إثم الربا على المتعاملين به، دون الذين لا يتعاملون به. والله أعلم.
هل يصح الحج عن المجنون؟
لا مانع من ذلك. والله أعلم.
يقول بعض الناس إنه يجب لمن أراد الحج أن يمكث في المدينة المنورة ثمانية أيام، وصلاة خمسة وأربعين فرضاً. فهل هذا من السنة؟
هذه كله لا أساس له من الصحة، إذ لم يأت بهذا دليل من السنة ولا عرفه السلف، والله أعلم.
هل يجب على من يريد الحج أن يصلي في بيته أو مسجده قبل سفره؟
لا يجب عليه ذلك وإنما ذلك مستحب، وهي صلاة الوداع من أجل الحج. والله أعلم.
أنا شاب في سن الدراسة، هل يصح لي أن آخذ مبلغاً من المال من أهلي وأقوم بأداء فريضة الحج؟
نعم، يجوز لك الحج. والله أعلم.
أرغب أن أعتمر في شهر رمضان المبارك لما لها من فضل، وأنويها عمرة واجبة متمتعاً بها للحج، ثم أعود إلى بلدي، وعند عودتي للحج في اليوم الثامن منه أحرم بالحج ولا أعتمر، فهل يلزمني هدي، لقوله تعالى { فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ } فهل يجوز لي ذلك؟ تكرموا علينا بالإجابة أكرمكم الله بثوابه. (1/337)
صفحة 338
لا يلزمك الاعتمار إن قصدت الإفراد بالحج وقد اعتمرت من قبل، ولا تكون متمتعاً باعتمارك في رمضان؛ لأن رمضان قبل أشهر الحج، فلا يجب عليك الهدي، والله أعلم.
ما قولكم فيمن نوى الحج وهو كافل لشخصين في أحد البنوك العاملة في السلطنة؟ وما قولكم في الإجازة الممنوحة للحاج من الدولة هل تجزي لأداء المناسك؟
عليه التوبة إلى الله عز وجل إن كانت هذه المعاملة ربوية، فإن من شارك في المعاملة الربوية يدخل ضمن الذين لعنهم الله، بنص حديث رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ إذ الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ يقول: (( لعن الله الربا وآكله ومؤكله وكاتبه وشاهده )) ثم قال: (( هم سواء )) يعني في الإثم، وتجزي الإجازة الممنوحة من الدولة لأداء مناسك الحج ما دامت متسعة لها، والله تعالى أعلم.
هل تجب زيارة المساجد الصغيرة الموجودة في المدينة على الحجاج؟
زيارة المساجد التي اعتاد الناس زيارتها في رحلتهم إلى الحج بالمدينة غير واجبة وغير مسنونة، ففي الحديث الصحيح عن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ (( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام ومسجدي هذا ومسجد أيلة )) يعني بيت المقدس، اللهم إلا مسجد قبا فقد روى أن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ كان يذهب إليه ماشياً وراكباً. والله أعلم.
هل اختيار الصاحب في الذهاب إلى الحج واجب؟
ينبغي للمسافر إلى حج أو غيره أن يختار الرفيق الصالح، الذي يرشده إلى الخير، ويقومه إذا اعوج، ويعينه إذا احتاج، ولا بد في الأسفار من رفيق، لما يعرض للمسافر من أحوال يحتاج فيها إلى المعين والمؤنس، ولذلك روي (( الواحد شيطان والاثنان شيطانان والثلاثة رفقة )). والله أعلم.
ماذا يجب أن يتصف به الصاحب في السفر إلى الحج؟
عليه أن يتصف بالإخلاص وسعة الصدر، وحسن المعاملة والصراحة فيها. والله أعلم.
ماذا على من أساء في صحبته على أصحابه؟ (1/338)
صفحة 339
عليه أن يتراجع عن الإساءة، ويعدل سيرته ويسترضي إخوانه. والله أعلم.
هل واجب على الحاج زيارة المدينة خاصة إذا كان الوقت ضيق لديه؟ فبعض الناس يقولون (( من حج ولم يزرني فقد جفاني ))، فهل هذا حديث صحيح؟
هذا الحديث غير صحيح، والزيارة للحاج غير واجبة. والله أعلم.
قال ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ (( العمرة في رمضان تعدل حجة ))، هل ينال هذا الثواب لمن أجر عنه؟
يرجى له ذلك. والله أعلم.
ما قولكم في المتمتع إذا أراد أن يخرج إلى جدة هل يصح له ذلك، وهل جدة من الحل أم من الحرم، فإذا كانت من الحل فماذا يفعل إذا أراد الرجوع إلى مكة؟
لامانع من ذلك، وليس عليه إحرام لدخوله مكة، وإن كانت جدة من الحل. والله أعلم.
ما قولكم في رجل أوصى بوصية ـ حجة ـ هل يؤجر وهل له أجر على كتابتها؟
نعم، إن أراد وجه الله، ولم يتهاون في أداء الحج بنفسه. والله أعلم.
علماً أن استفسارنا كان يتعلق بوصية حجة النافلة، حيث إن السائل قد أدى الفريضة، هل يؤجر على كتابة وصية النافلة؟
تجعل هذه الحجة حجة احتياط لئلا يكون قد أخل بشيء من واجباتها. والله أعلم.
هل يجوز للشخص الذي سبق وأن حج مرة واحدة أن يحج مرة أخرى بنية الفرض بعد أن شك في الحجة الأولى؟
إن نوى بذلك الاحتياط عن الفرض فلا حرج. والله أعلم.
شخص عليه دين للبنك منذ فترة طويلة، ويسدد دينه حسب الاتفاق مع البنك شهرياً، أراد هذا المقترض أن يذهب إلى الحج من غير المبلغ الذي اقترضه من البنك، علماً بأنه ليس لديه دين مع أي شخص آخر، فهل يصح له الذهاب إلى أداء فريضة الحج؟ (1/339)
صفحة 340
التائب إلى الله يجب عليه التخلص من آثار المعصية، ومن أراد الوفادة إلى الله بحج أو عمرة فعليه أولا أن يتوب ويتخلص من آثار المعاصي، ومن المعلوم أن التعامل بالربا أخذاً أو عطاء في مقدمة كبائر الإثم، لذلك كان على الحاج أن يتخلص من ذلك قبل حجة، وإن حج قبل ذلك خشية أن يفاجئه ريب المنون مع اعتقاده التوبة، فإني استحسن له أن يعيد الحج بعد تخلصه إن منَّ الله عليه باليسر. والله أعلم.
إذا لم يتمكن الحاج أو المعتمر عند ذهابه لزيارة قبر الرسول ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ التسليم عليه بالقرب منه، فهل يصح من أي مكان من المسجد النبوي الشريف؟
يجوز له ذلك. والله أعلم.
أفدنا أفادكم الله في تفسير الآية { وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً } ما المقصود بالاستطاعة في الآية الكريمة، وجزاكم الله خيراً؟
الاستطاعة هي مؤنة الحج، مع القدرة البدنية والأمان. والله أعلم.
ما حكم كم ذهب إلى الحج وعليه ديون للبنك ولبعض الناس، وكذا من كان راهناً لماله؟
أما من حج وهو متلبس بقروض ربوية فالأحوط له والأسلم أن يعيد الحج بعد ما يتخلص من هذه القروض، حتى تكون وفادته على الله وهو طاهر من رجس الربا، وأما الرهن فإن كان رهناً شرعياً ـ وهو مجرد وثيقة تبقى بيد الدائن إلى أن يستوفي حقه من المدين، من غير أن يستفيد من وراء الرهن شيئاً ـ فلا يمنع من الحج، بخلاف ما إذا كان من التحايل على الربا، وأما الدين الخالي من الربا فإن كان مؤجلاً غير حاضر، وكان عند المدين ما يكفي لسداد دينه لو مات، فلا مانع من الحج إن كان موثقاً. والله أعلم. (1/340)
صفحة 341
من المعلوم أن الحاج لا بد أن ينضم إلى مقاول حيث يقوم المقاول بتسجيل المنضمين معه في كشف لوزارة الأوقاف، وكشف آخر للسلطات المختصة ويطلب المقاول من كل حاج خمسة ريالات عمانية مقابل كفالة أو بالأحرى مقابل توقيع المقاول على الكشوفات المذكورة، فما حكم هذه الريالات الخمسة التي يأخذها المقاول؟
إن كان يأخذها في مقابل جهد يقوم به أو مغرم يغرمه فهي له حلال، وإن كان يأخذها هكذا من غير أن تكون في مقابل أي شيء فهي حرام، إلا إن طابت نفوسهم له. والله أعلم.
هل يجوز للإنسان أن يحج حجة واحدة وينوي بها لأمه وأبيه؟
لم أجد في السنة ما يدل على ذلك، وإنما جاء في الأثر ما يشبه هذا إذا لم تكف النفقة، والذي أختاره أن يحج عن كل واحد منهما حجة مستقلة، فإن تعذر ذلك عليه فليبدأ بالحج عن أمه لعظم حقها. والله أعلم.
هل يجوز لرجل أن يذهب للعمرة مع ابن عمه، وابن عمه هذا ميسور الحال، فيقوم عنه بتحمل جميع تكاليف السفر من ( تذكرة ـ وإقامة وغيرهما من الطعام والشراب )؟
إن كان ذلك بغير طيب منه فلا حرج عليه. والله أعلم.
رجل أخذ سلفة من وزارة الدفاع لبناء منزل، ويدفع لوزارة الدفاع أقساطاً شهرية، فهل يجوز له إن يذهب إلى الحج؟
إن كان الدين موثقاً وعنده وفاؤه لو مات، وقد أدى أقساطه الواجبة عليه، فلا مانع من أن يحج. والله أعلم.
إذا امرأة عملت عملية جراحية لمنع الولادة المسمى بعملية ربط، هل يجوز لها أن تذهب إلى الحج، لأن بعض الناس قال لها لا يجوز هذا؟
لها أن تذهب إلى الحج، بل عليها أن تحج الفريضة. والله أعلم.
هل يجوز للمرأة أن تصلي كاشفة الوجه في المسجد الحرام؟
لا مانع من ذلك، حيث تكون آمنة من نظر من يرغب في التفرج عليها من الرجال. والله أعلم.
ورد في الحديث بشأن الصلاة في المسجد الحرام أنها تعادل مائة ألف صلاة، فهل هذا خاص بالمسجد الحرام أم في جميع المساجد التي داخل حدود الحرم؟ (1/341)
صفحة 342
هذا حكم خاص بالمسجد الحرام دون غيره من المساجد. والله أعلم.
من المعلوم أن فريضة الحج واجبة على كل مسلم، وهي ركن من أركان الإسلام، وتلزم المسلم مرة واحدة في العمر، فإذا أداها المسلم بأحسن وجه ممكن، وبعد رجوعه من الحج ارتكب المعاصي، فهل يعتبر حجه باطلاً ويلزمه إعادة الحج الواجب، وتكون هذه الحجة تطوع؟
إن تاب تاب الله عليه وقبل حجه. والله أعلم.
ماذا ينوي من أراد أن يحج عن نفسه حجة ثانية؟
فريضة الحج لا تتكرر إلا لسبب كنذر، وعليه فإنه ينوي بالحجة الثانية التنفل. والله أعلم.
الملاحق
الإسبال
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. (1/342)
صفحة 343
أما بعد: فإن صدق الإيمان يبعث الإنسان المؤمن إلى أن يصوغ حياته وفق المباديء التي آمن بها، ولو كان في ذلك خروجه من أحب شيء إليه، وأشد الأمور اتصالاً ببيئته التي نشأ فيها وتقلب في أكنافها، ومن ثمَّ كانت تلكم النقلة البعيدة للمؤمنين الأولين من حياة الجاهلية التي نشأوا عليها، إلى حياة الإسلام التي صاروا إليها فقد أداروا ظهورهم لكل ما هو جاهلي، وأقبلوا بوجوههم إلى كل ما هو إسلامي، ما كانت ألفتهم لما أداروا له ظهورهم ومشقة ما أقبلوا عليه بوجوههم، ولا غرو فقد رضوا الله رباً والإسلام ديناً وبمحمد ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ رسولاً وبالقرآن حجة ودليلاً { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا[36] } ، ا كانوا يفرقون في الدين بين ما هو جزئي وما هو كلي، بين ما هو جوهري وما هو شكلي؛ لأن الكل من الدين الذي فرضه الله فلا مناص عن تقبله والرضوخ له، بهذه الروح الإيمانية الدافقة بالحياة العملية المجسدة لشرع الله كان ذلكم السلف العظيم أمة مثالية خضعت لها رقاب الأمم، وأسلمت لهم الدنيا قيادها، وعندما أخذ ذلك المد الإيماني ينحسر في الخلف ـ الذين حملوا أمانتهم فلم يحملوها حق حملها، ولم يقدروها حق قدرها ـ أخذوا يفرطون في كثير من واجبات الدين، مدعين تارة أنها من شكلياته وليست من جوهرياته، وتارة أنها لا تتلاءم مع روح العصر ومقتضيات الحضارة الحديثة، كأن الإسلام ـ دين الله الحق الذي وسع السموات والأرض ـ لم يتسع لمتطلبات هذا العصر ومقتضيات حضارته، مع أننا جميعاً موقنون أن رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ لم يغادر هذه الأمة إلى الرفيق الأعلى إلا بعد أن حل لها كل مشكلة، وبصرها بكل ما تأتي وما تذر في الأمور الخاصة والعامة، والقضايا الكلية والجزئية، فقد (1/343)
صفحة 344
علّم ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ الإنسان المسلم كيف يأكل وكيف يشرب، وكيف يلبس وكيف ينتعل، وكيف يركب، وكيف يمشي، وكيف يقضي حاجته السرية، وكيف يفرز فضلات جسمه، وهو في ذلك كله { وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى[3] إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى[4] } .
وقد ألف الناس كثيراً من العادات المنكرة، فسرت في أوساطهم سريان النار في الهشيم، وتعمقت في المجتمعات حتى أصبحت كالخصال الفطرية المطبوعة، وصار المخالف لها شاذاً في مجتمعه محتقراً بين قومه ومن بين هذه العادات التي يعاني منها مجتمعنا ما استحسنه كثير من رجال عصرنا من الإسبال المذموم شرعاً، فقد تفشت ظاهرة إسبال الثياب، حتى أتت على العامة، وشملت كثيراً من الخاصة، وبلغ من ألفة الناس لها واستحسانهم إياها أن صاروا يستخفون بمن عمل بالسنة النبوية فلبس إلى أنصاف ساقيه، كأن رجولة الإنسان لا تكمل عندهم حتى يغطي قدميه، ويمسح الأرض بفضل ثوبه، وإذا ذكر أحدهم بما في ذلك من وعيد ثابت عن رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ أخذ يتملص تارة بدعوى أنه خاص بإسبال الإزار دون سائر الثياب، وأخرى بأنه فيمن قصد له الخيلاء ولسنا منهم، هكذا يسول لهم الشيطان ويملي لهم، إلى أن عاد عندهم المنكر معروفاً والمعروف منكراً. (1/344)
صفحة 345
ومن حيث إن كثيراً ممن يؤمون المصلين غشيتهم غاشية من هذه الفتنة، فاحتملهم سيلها الجارف، ورمت بهم أعاصيرها الهوجاء في مكان سحيق من قعرها، أقبل كثير من الذين نور الله بصائرهم بالإيمان، وشرح صدورهم للحق على السؤال عن حكم الصلاة وراء هؤلاء الأئمة المسبلين، وعندما أجبتهم ببطلان صلاتهم وصلاة من صلى خلفهم دارياً بحالهم عارفاً بحكمهم، استنكر ذلك كثير من الناس، ورأوني قد جئت شيئاً إداً لا يعدو أن يكون مصدره عقم التفكير وسوء الفهم لروح التشريع، وما ذلك إلا لأنهم حكّموا العادة في الدين وآثروا الهوى على الدليل، وركنوا إلى التقليد الأعمى، وجنفوا إلى المماحكة الرعناء، وما أبلغ قول القائل:
قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد
وينكر الفم طعم الماء من سقم
وقد وجه إلى أخيراً بعض الشباب المتقين ـ حرسهم الله من كل سوء ـ سؤالاً طلبوا فيه جواباً شافياً في هذه المسألة، مدعوماً بالحجج الساطعة مستأصلاً للشبه التي يماحك بها من ماحك فيها، فحررت له هذا البحث مقسماً على العناوين التالية:
1. ... التشديد في الإسبال.
2. ... لا فرق بين الإزار وغيره في حكم الإسبال.
3. ... الخيلاء صفة لازمة للإسبال.
4. ... صلاة المسبل والمؤتم به.
وقد يتساءل بعض الناس لم هذه العناية بهذه القضية التافهة؟ أو ليس الواجب أن تصرف هذه العناية إلى القضايا الأساسية في الدين؟ (1/345)
صفحة 346
والجواب: أن رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ قد عنى كل العناية بهذه القضية وأمثالها، ولم يكلها إلى فهوم الناس أنفسهم، وقد بلغت عنايته ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ بها أنه كان كلما رأى مسبلاً سارع إلى الإنكار عليه، وقد شغلت هذه القضية جانباً لا يستهان له من أحاديثه ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ وستقف على جانب منها ـ إن شاء الله ـ في هذه العجالة، فلو كانت قضية تافهة لما استحقت هذه العناية البالغة منه ـ عليه الصلاة والسلام ـ في وقت كان يواجه فيه جحافل الجاهلية، وتحديات المشركين، ومكائد أهل الكتاب، ومؤامرات المنافقين، ولنا فيه ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ أسوة حسنة، وإذا شاع المنكر وجب الحزم في مقاومته، والجد في مناهضته، وتصحيح المفاهيم الخاطئة دين في ذمة كل قادر، والله أسأل أن يوفقنا جميعاً لقول الحق والعمل به، وأن يجنبنا كبوات الأفهام، ومزلات الأقدام، وعثرات الألسن والأقلام.
التشديد في الإسبال:
الإسبال لغة: إرخاء الشيء وإرساله، يقال أسبلت السحابة ماءها إذا أمطرت، وأسبلت العين دمعها إذا جرى، وأسبل الفرس ذنبه إذا أرخاه. ويطلق في العرف الفقهي على معنى لا يخرج عن مدلوله اللغوي، وهو إرخاء الثياب حتى تجاوز الكعبين، وهو من منكرات اللباس، لما فيه من البطر والخيلاء المحرمين شرعاً، وقد شدد فيه رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - _، فزجر عنه وتوعد عليه بما لا يدع مجالاً للريب في كونه من الكبائر المردية ـ والعياذ بالله. وإليك طرفاً مما نقل عنه في ذلك: (1/346)
صفحة 347
1. ... روى الإمام الحافظ الحجة الربيع بن حبيب ـ رحمه الله ـ عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنهم ـ قال: سمعت رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ يقول: " إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه، ولا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين، وما أسفل ذلك ففي النار ـ قال ذلك ثلاث مرات ـ، ولا ينظر الله إلى من يجر إزاره بطراً "، وأخرجه الإمام مالك في الموطأ، والإمام أحمد في مسنده، وأبو داود والنسائي وابن ماجة في سننهم، عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عبد الرحمن بن يعقوب عن أبي سعيد وصححه أبو عوانة وابن حبان، قال الحافظ في الفتح ورجاله رجال مسلم.
ولفظه عند مالك سألت أبا سعيد الخدري عن الإزار فقال: ا أخبرك بعلم سمعت رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ يقول: " إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه، لا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين، ما أسفل من ذلك ففي النار، ما أسفل من ذلك ففي النار، لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطراً "، ولفظه عند أبي داود، سألت أبا سعيد عن الإزار فقال: على الخبير سقطت، قال: رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ " إزرة المؤمن إلى نصف الساق، ولا حرج ـ أو ولا جناح ـ فيما بينه وبين الكعبين، ما كان أسفل من الكعبين فهو في النار، من جر إزاره بطراً لم ينظر الله إليه "، ورواه الطبراني من طريق زيد ابن أبي أنيسة عن العلاء عن نعيم المجمر عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ، وأخرجه النسائي عن محمد بن عمرو ومحمد بن إبراهيم التيمي جميعاً، عن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبي هريرة رضي الله عنه، وصحح النسائي الطريقين معاً، ورجح الدار قطني الأول.
2. ... روى البخاري والنسائي عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ أنه قال: " ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار ". (1/347)
صفحة 348
3. ... أخرجه من طريقة أيضاً مالك في الموطأ والبخاري ومسلم أن رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ قال: " لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطراً".
4. ... روى الإمام الربيع في مسنده الصحيح عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنهم ـ قال: قال رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ " لا ينظر الله يوم القيامة إلى رجل يجر ثوبه خيلاء ".
5. ... روى النسائي من طريق ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ قال: " إن الله لا ينظر إلى مسبل ".
6. ... روى البخاري وأبو داود والنسائي عن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ قال: " من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة "، فقال: أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ يا رسول الله إن إزاري يسترخي إلا أن أتعاهد، فقال: له رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ" إنك لست ممن يفعله خيلاء "، وليس في قوله هذا عذر لمن تعمد الإسبال، مدعياً أنه لم يرد به الخيلاء؛ لأن أبا بكر ـ رضي الله عنه ـ ما كان يتعمده، كما سيأتي بيانه ـ إن شاء الله ـ في محله.
7. ... قال البخاري في صحيحه: حدثنا مطر بن الفضل، حدثنا شبابة، حدثنا شعبة قال: لقيت محارب بن دثار على فرس وهو يأتي مكانه الذي يقضي فيه، فسألته عن هذا الحديث، فحدثني فقال: سمعت عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ يقول: قال رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ " من جر ثوبه مخيلة لم ينظر الله إليه يوم القيامة "، فقلت لمحارب: أذكر إزاره؟ قال: ما خص إزاراً ولا قميصاً، ـ قال البخاري: تابعه جبلة بن سحيم وزيد بن أسلم وزيد بن عبد الله عن ابن عمر عن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم -، وقال الليث عن نافع عن ابن عمر مثله، وتابعه موسى بن عقبة وعمر بن محمد وقدامة بن موسى عن سالم عن ابن عمر عن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ " من جر ثوبه خيلاء ". (1/348)
صفحة 349
8. ... روى مسلم في صحيحه عن نافع وعبد الله بن دينار وزيد بن أسلم كلهم يروون عن ابن عمر أن رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ قال: " لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء "، وعن نافع عنه بلفظ " إن الذي يجر ثيابه من الخيلاء لا ينظر الله إليه يوم القيامة "، وعن سالم عنه بلفظ: من جر ثوبه من الخيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة "، وروى من طريق شعبة قال سمعت من مسلم بن يناق يحدث عن ابن عمر أنه رأى رجلاً يجر إزاره، فقال له: ممن أنت؟ فانتسب له، فإذا رجل من بني ليث فعرفه ابن عمر قال: سمعت رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ يقول: " من جر إزاره لا يريد بذلك إلا المخيلة فإن الله لا ينظر إليه يوم القيامة ".
وكفى بهذه الأحاديث الناصة على حرمان المسبل من نظرة الله إليه زجراً بالغاً وتقريعاً رادعاً { لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ[37] } ، فأشفق على نفسه من عقاب الله عن التلبس بهذه الفعلة المهلكة، والروايات في هذا أكثر من أن تحصيها هذه العجالة، وسيأتي بعض ما لم أذكره ـ إن شاء الله ـ في أثناء فصول هذا البحث، ولعل أشد ما روي في ذلك وعيداً وأبلغه تخويفاً وتحذيراً ما أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة من طريق أبي ذر ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ قال: " ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم "، قلت: من هم خابوا وخسروا؟ قال: " المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب أو الفاجر ". (1/349)
صفحة 350
ولشدة غضب الله على المسبل ربما لم يهمله إلى الآخرة، بل يعجل عليه العقوبة في الدنيا: فقد أخرج البخاري في صحيحه من طريق أبي هريرة وابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أن رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ قال: " بينما رجل يجر إزاره إذ خسف به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة "، فما الذي يؤمن المسبلين من أن يهلكهم الله بعذاب من عنده في الدنيا قبل ما توعدهم به في الآخرة.
لا فرق بين الإزار وغيره في حكم الإسبال:
إن كثيراً من الذين زين لهم إسبال الثياب يماحكون في ذلك، بدعوى أن حرمة الإسبال والوعيد عليه منحصران في الإزار دون غيره من الثياب، ومن المعلوم أنه لو لم يذكر إلا الإزار وحده في الحديث لما كان فيه دليل على انتفاء حكمه عن غيره من الثياب، إذ لا يخرج ذلك إلا مخرج الاستدلال بمفهوم اللقب، وهو أضعف المفاهيم باتفاق الأصوليين والفقهاء، ولذلك لم يأخذ به إلا قلة نادرة من الفقهاء، فما بالك والأدلة متضافرة على انطباق حكم الإزار نفسه على سائر الثياب، ودخول كل مسبل فيما جاء من الوعيد، ومن ذلك ما سبق الاستشهاد به فيما تقدم، كحديث أنس عند الربيع ولفظه " لا ينظر الله يوم القيامة إلى رجل يجر ثوبه خيلاء "، وحديث ابن عمر عند البخاري وأبي داود والنسائي، ولفظه " من جر ثوبه خيلاء.. إلخ "، وحديثه عند البخاري بلفظ " من جر ثوبه من مخيلة.. إلخ " وفيه " قلت لمحارب أذكر إزاره؟ قال: ما خص إزاره ولا غيره "، وأحاديثه عند مسلم منها بلفظ "لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء "، ومنها بلفظ " إن الذي يجر ثيابه من الخيلاء لا ينظر الله إليه "، وآخر بلفظ " من جر ثوبه من الخيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة ". (1/350)
صفحة 351
وروى من طريقة الطبراني أنه قال: رآني رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ أسبلت إزاري فقال: " يا ابن عمر كل شيء يمس الأرض من الثياب في النار "، وأخرج من طريقة أبو داود والنسائي وابن ماجة أن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ قال: " الإسبال في الإزار والقميص والعمامة، من جر شيئاً منها خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة "، وهو حديث صحيح السند، صححه النووي في كتاب الإيمان من شرحه على مسلم، وأحال عليه في كتاب اللباس، ولا يطعن فيه ما قيل في عبد العزيز ابن أبي رواد من رجال سنده، فإنه من رجال البخاري، وهو مولى المهلب بن أبي صفرة، فلا يقدح فيه عدم معرفة أبي بكر بن أبي شيبة له. وروى أبو داود عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال: ما قال رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ في الإزار فهو القميص، ويؤكد ذلك أن الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ عندما سمعوا من رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ الوعيد في إسبال الإزار فهموا انطباق حكمه على كل ثوب، وأقرهم ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ على ما فهموا، ومن أدلة ذلك ما أخرجه الإمام الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنهم ـ أن رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ لما ذكر الإزار قالت: أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ والمرأة يا رسول الله؟ قال: " ترخي شبراً "، قالت: إذا ينكشف عنها، قال: رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ " فذراعاً لا تزيد عليه "، وروى نحوه الإمام مالك في الموطأ عن أبي بكر بن نافع مولى ابن عمر عن صفية بنت أبي عبيد عن أم سلمة، ورواه من طريق أم سلمة أيضاً أبو داود والنسائي، وروى الترمذي والنسائي من طريق نافع عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أن رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ قال: " من جر إزاره خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة "، فقالت: أم سلمة فكيف تصنع النساء بذيولهن؟ قال: " يرخين شبراً "، فقالت أم سلمة إذا تنكشف (1/351)
صفحة 352
أقدامهن، قال: " فيرخين ذراعاً لا يزدن عليه "، وفي رواية أبي داود عنه: رخص رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ لأمهات المؤمنين في الذيل شبراً فاستزدنه فزادهن شبراً، فكن يرسلن إلينا فنذرع لهن ذراعاً.
ووجه هذه الدلالة أن أم سلمة وغيرها من أمهات المؤمنين ـ رضي الله عنهن ـ فهمن من ذكر الإزار شمول حكمه لجميع الثياب، وإلا لما استفهمن عن حكم النساء مع أنه يجررن ذيول قميصهن، وقد أقرهن رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ على ما فهمن، واستثنى النساء من عموم هذا الحكم، فأمرهن بإرخاء شبر، فاستزدنه فزادهن شبراً آخر فكان ذراعاً، ولو كان حكم الإسبال خاصاً بالإزار لما أشكل عليهن ذلك، ولأبانه ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ في جوابه. وإجازة النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ الإسبال للمرأة للضرورة التي يقتضيها الستر الواجب عليها، قال العلامة الباجي في المنتقى: " وهذا يقتضي أن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ إنما أباح ما أباح منه للضرورة إليه، وهذا لفظ أفعل وارد بعد الحظر، ومع ذلك فإنه يقتضي الوجوب؛ لأنه نهي عن إرخاء الذيل، ثم أمر المرأة بإسبال ما يسترها منه وذلك على الوجوب، ولا يحل للمرأة أن تترك ما تستتر به "، وقال الإمام نور الدين السالمي ـ رحمه الله تعالى ـ: " وإنما جاز لها ذلك لأن المرأة كلها عورة إلا وجهها وكفيها، وهذا التعليل مستفاد من قولها ( إذا ينكشف عنها )، فإن فيه إيماءاً إلى أن العلة في ذلك الستر "، وما ورد من النص في حديث ابن عمر عند أبي داود والنسائي وابن ماجة على أن الإسبال في الإزار والقميص والعمامة، لا يدل على أن ما عداها من الثياب لا ينطبق عليه حكمها، لأن ورود الحكم في مطلق الثوب في روايات صحيحة لا يخصصه ذكر بعض أنواع الثياب في روايات أخرى، إذ لا يخصص الحكم العام ذكره لبعض أفراد ما يدل عليه عمومه، ولذلك قال ابن حزم: " وحق كل ثوب يلبسه الرجل أن يكون إلى الكعبين لا أسفل البتة "، (1/352)
صفحة 353
ونص ابن رسلان على دخول الطيلسان والرداء والشملة في حكم الإسبال. وقال الآبي والثوب عام في الثوب والإزار وفي المصنفات حديث " الإسبال للإزار والقميص والعمامة من جر شيئاً منها لم ينظر الله إليه ". وسئل ابن تيمية عن طول السراويل إذا تعدى الكعب هل يجوز؟ فأجاب: طول القميص والسراويل وسائر اللباس إذا تعدى ليس له أن يجعل ذلك أسفل الكعبين كما جاءت بذلك الأحاديث الثابتة عن رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ، وقال: " الإسبال في السراويل والإزار والقميص " يعني نهي عن الإسبال ".
وقال ابن القيم " وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: قال رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ" من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة "، وفي السنن عنه أيضاً ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ قال: " الإسبال في الإزار والقميص والعمامة، من جر شيئاً منها خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة "، وفي السنن عن ابن عمر أيضاً عنه قال: " ما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الإزار فهو في القميص ". (1/353)
صفحة 354
وذكر النووي في شرحه على صحيح مسلم أن الحديث الصحيح دل أن الإسبال يكون في الإزار والقميص والعمامة. وقال الإمام نور الدين السالمي ـ رحمه الله تعالى ـ في شرحه حديث أنس " لا ينظر الله يوم القيامة إلى رجل يجر ثوبه خيلاء " ـ أي كان إزاراً أو غيره كما جاء في حديث ابن عمر عند أبي داود والنسائي وابن ماجة مرفوعاً " الإسبال في الإزار والقميص والعمامة، من جر شيئاً منها خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة "، قيل ومثل ذلك الطيلسان والرداء والشملة. وبما ذكر يتبين شمول هذا الحكم لما كان كالبشت والجبة أيضاً، وقد نص على الجبة ابن العربي. وذكر الإزار في أغلب الروايات لما ذكره الطبري في قوله " وإنما ورد الخبر بلفظ الإزار لأن أكثر الناس في عهده كانوا يلبسون الإزار والأردية فلما لبس الناس القميص والدراريع كان حكمها حكم الإزار في النهي "، وتعقبه ابن بطال بقوله " هذا قياس صحيح لو لم يأت النص بالثوب فإنه يشمل جميع ذلك ".
وما أورده الطبري لا ينافي ما قاله ابن بطال؛ لأن أغلب الروايات نصت على الإزار للمعنى الذي ذكره، وقد أوضح ذلك الآبي بقولك: " وإنما خص الإزار في بعض الأحاديث لأنه أكثر ما كان الجر فيه في عهده ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ ". (1/354)
صفحة 355
قال الحافظ ابن حجر: وفي تصوير جر العمامة نظر إلا أن يكون المراد ما جرت به عادة العرب من إرخاء العذبات فمهما زاد على العادة في ذلك كان من الإسبال، وقد أخرج النسائي من حديث جعفر بن عمرو بن أمية عن أبيه قال: كأني أنظر الساعة إلى رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ على المنبر وعليه عمامة قد أرخى طرفها بين كتفيه، وهل يدخل في الزجر عن جر الثوب تطويل أكمام القميص ونحوه؟ محل نظر، والذي يظهر أن من أطالها حتى خرج عن العادة كما يفعل بعض الحجازيين دخل في ذلك، قال شيخنا في شرح الترمذي: ما مس الأرض منها خيلاء لا شك في تحريمه، قال: ولو قيل بتحريم ما زاد على المعتاد لم يكن بعيداً، ولكن حدث للناس اصطلاح بتطويلها، وصار لكل نوع من الناس شعار يعرفون به، ومهما كان من ذلك على سبيل الخيلاء فلا شك في تحريمه، وما كان على طريق العادة فلا تحريم فيه ما لم يصل إلى جر الذيل الممنوع، ونقل عياض عن العلماء كراهة كل ما زاد على العادة وعلى المعتاد في اللباس من الطول والسعة.
هذا وقد يقول قائل: إن كان الأمر كما تدعون، فما بال بعض كبار علماء السلف ـ رحمهم الله تعالى ـ نص على خصوصية الإزار بحرمة الإسبال مستنداً في قوله إلى أن الوعيد إنما في الإزار وحده؟
وجوابه، لا يخلو من قال بهذا من علماء السلف، إما أن يكون لم تبلغه الروايات التي ذكرناها في غير الإزار من الثياب، وإنا أن يكون مطلعاً عليها إلا أنه ذهل عنها حال صدور هذا القول عنه، وهو في كلا الحالين معذور، ويعد قوله هذا من جملة الخطأ المعفو عنه، ولا يعذر من قامت عليه الحجة باطلاعه على شيء من هذه الروايات في الإعراض عنها، وتقديم رأي الرجال عليها، لوجوب التسليم لما جاء عن الله أو عن رسوله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ. (1/355)
صفحة 356
وليس خفاء بعض أحاديثه ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ على أكابر العلماء فيفتوا بخلافها أمراً مريباً، فإن إحاطة الإنسان أيا كان بجميع سنته ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ متعذرة، وناهيك أن كبار الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ خفي عنهم الكثير منها، ولربما كان أحدهم يجد ما خفي عليه من أحاديث عند من هو أقل منه علماً وأدنى منه في الفضل رتبة، غير أنهم ـ رضي الله عنهم ـ ما كانوا يتثبطون عن اتباع السنة والاحتكام إليها عندما تثبت عندهم روايتها، وتقوم عليهم حجتها، وقد نقل العلامة ابن تيمية في رسالته التي سماها " دفع الملام عن الأئمة الأعلام " صوراً من ذلك.
والعالم وإن بلغ من مراتب العلم لا يكون قوله مع خلوه عن الدليل حجة يستدل بها في الأحكام، فضلاً عن جواز ترجيح قوله على ما ثبت من سنته ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ، فإن قوله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ نفسه حجة يستدل بها، أما قول غيره فهو بحاجة إلى أن يستدل له بما يبين حقه وصوابه، وقد أمرنا الله تعالى أن نحتكم عند التنازع والخلاف إليه وإلى رسوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ حيث قال: { فإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً[59] } ، فما لنا وللمراء والجدال وحجة السنة قائمة، وأعلامها خفاقة، ودلائلها صريحة.
الخيلاء صفة لازمة للإسبال: (1/356)
صفحة 357
إن العاقل لينأي بنفسه عن موارد الإثم ومراعي الوباء ومنازل التهم، ومن سولت له نفسه أنه ـ وإن ركب متن الدواهي واقتحم لج الأخطار ـ في مأمن من السوء وسلامة من العطب، فهو امرؤ غرور لنفسه أو مغرور بها، وما من خطر يهدد سلامة الإنسان أخطر من عوامل الشر في نفسه، وناهيك أن عمر ـ رضي الله عنه ـ قد أشفق على نفسه من نفسه فلم يأمن عليها النفاق، وكان يسأل حذيفة ـ رضي الله عنه ـ صاحب سر رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ إن كان عنده نبأ عن النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ بأنه أحد المنافقين، مع ما سمعه من رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ من بشائر الخير له، وما كان يتلى على ألسنة المسلمين من الثناء عليه بما هو أهله، وما هم إلا شهود الله في أرضه، فأنى لأحد أبناء عصرنا أو غيره من العصور الزاخرة بالفتن، المتعفنة من أمراض النفوس أن يزكي نفسه ويأمن عليها من هواها، فيمد لها حبل رغباتها في إسبال الثوب أو غيره، مدعياً أنها بمنأي من الريبة، مأمونة من الخيلاء والبطر؟ ! ألا ما أقتل هذا الغرور وما أعظم هذه المصيبة ! وما أشر هذه البلوى. أيرى هذا الغرور نفسه أبر وأطهر وأتقى وأزكى من نفوس أصحاب رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ الذين مثلهم في التوراة والإنجيل، وقد عطر القرآن الكريم أرجاء الكون بنشر محامدهم، وتخليد ذكرهم بحسن ثناء الله عليهم، وهم خير القرون قطعاً بشهادة أصدق خلق الله ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ، فأين ـ لعمر الله ـ الغزالة من الذبابة، والثريا من الثرى، والضراح من الضريح؟ ! وهيهات أن تعلو التخوم النجوم، أو يفضل الرعديد الصنديد، ونحن نجد فيما دوّن من أخبار رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ وصح بالنقول الثابتة عنه أنه لم يكن يتسامح مع هؤلاء الصحابة الأطهار إن وجد أحدهم مسبلاً ثوبه، بل كان يتشدد النكير عليهم في ذلك ـ كما سنقف عليه إن شاء الله قريباً ـ، مع أنه ـ - صلى الله عليه وسلم - (1/357)
صفحة 358
ـ أخبر الناس بهم، وأعلمهم بطهر سرائرهم وسلامة طواياهم، وبعدهم عن البطر والاختيال، فما بال هذا الذي يحرص على سمات أهل الخيلاء وصفات أهل الكبر، فيرسل ثوبه يكتسح بفضله الأرض، أو ليس حرصه على ذلك دليلاً بيناً على تلبسه بالخيلاء من حيث يعلم أو لا يعلم؟ وإلا فما الذي دعاه إلى التشبه بالمختالين إلى حد أن يرى مخالفتهم في هذه الصفة نقيصة يتحاشاها ووصمة يربأ بنفسه عنها، مع أنه يدعي عدم الانخراط في سلكهم والتأثر بطبعهم، فما أبعد البينة عن الدعوى، وما أدل الواقع على عكس المدعى، أو ليس " من تشبه بقوم فهو منهم "؟ فما بالك بالمصر على التشبه الملازم لهذه الصفة؟ .
فإن قيل إن النهي عن الإسبال والوعيد عليه قد اقترنا في أغلب الروايات بالخيلاء أو البطر، وهو دليل تقييدهما بهما، وإن كانا مطلقين في روايات أخرى، لوجوب حمل المطلق على المقيد، ـ كما اتفق عليه جمهور الأصوليين وفرع عليه الفقهاء أكثر المسائل الفقهية ـ، ويؤيده أن كثيراً من شراح السنة ذهبوا إلى أن النهي والوعيد في الإسبال مقيدان بالخيلاء، ويعضده قول رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ لأبي بكر ـ رضي الله عنه ـ " لست ممن يصنعه خيلاء".
فالجواب: نعم يحمل المطلق على المقيد مع انتقاء القرائن الدالة على غير قصد التقييد، وقد دلت القرائن هنا على أن ذكر الخيلاء أو البطر في كلام الشارع لأجل التأكيد دون التقييد ـ كما سأبينه بمشيئة الله تعالى ـ، أما أقوال الشراح الذين حملوا ذكر الخيلاء على التقييد فتعارضها أقوال غيرهم ممن خالفوهم في ذلك، كما أن بعض أولئك المرخصين قد ناقضوا أنفسهم، بأنفسهم كما سأبينه ـ إن شاء الله ـ، مع تحكيم الحجة والدليل في أقوال الفريقين، وإلى القارئ الكريم أقوال الفريق الأول الذي ترخص في المسألة: (1/358)
صفحة 359
1. ... النووي في شرحه على صحيح مسلم قال: " وظواهر الأحاديث في تقييدها بالجر خيلاء تدل على أن التحريم مخصوص بالخيلاء، وهكذا نص الشافعي على الفرق كما ذكرنا، وأجمع العلماء على جواز الإسبال للنساء، وقد صح عن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ الإذن لهن في إرخاء ذيولهن ذراعاً والله أعلم، وأما القدر المستحب فيما ينزل إليه طرف القميص والأزار فنصف الساقين كما في حديث ابن عمر المذكور، وفي حديث أبي سعيد " إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه، لا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين، ما أسفل من ذلك فهو في النار " فالمستحب نصف الساقين، والجائز بلا كراهة ما تحته إلى الكعبين فهو ممنوع، فإن كان للخيلاء فهو ممنوع منع التحريم، وإلا فمنع تنزيه، وأما الأحاديث المطلقة بأن ما تحت الكعبين في النار، فالمراد بها ما كان للخيلاء؛ لأنه مطلق فوجب حمله على المقيد والله أعلم.
2. ... الآتي في شرحه على صحيح مسلم، قال: " ودل الحديث على أن النهي إنما يتعلق خبره لهذه العلة، فمن استعجل فجر ثوبه خلفه أو كان إزاره لا يثبت على كتفه فلا حرج ـ إلى أن قال ـ لأنه مطلق فيرد إلى المقيد ".
3. ... السنوسي ذكر نحو هذا الكلام، ثم قال: " وإن لم يكن خيلاء فهو مكروه ".
4. ... العيني، قال في شرحه على صحيح البخاري: " وهذا مطلق يجب حمله على المقيد وهو ما كان للخيلاء " ز
5. ... القسطلاني في شرحه على البخاري، قال: " وهذا الإطلاق محمول على ما ورد من قيد الخيلاء، وقد نص الشافعي ـ رحمه الله ـ على أن التحريم مخصوص بالخيلاء، فإن لم يكن للخيلاء كره للتنزيه ".
6. ... العلامة السهر نفوري في شرحه لسنن أبي داود، قال: " قال العلماء المستحب في الإزار والثوب إلى نصف الساقين، والجائز بلا كراهة ما تحته إلى الكعبين، فما نزل عن الكعبين فهو ممنوع، فإن كان للخيلاء فهو ممنوع منع تحريم، وإلا فمنع تنزيه ". (1/359)
صفحة 360
7. ... الشوكاني، قال في نيل الأوطار: " وقد عرفت ما في حديث الباب من قوله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ لأبي بكر " إنك لست ممن يفعل ذلك خيلاء " وهو تصريح بأن مناط التحريم الخيلاء، وأن الإسبال قد يكون للخيلاء وقد يكون لغيره، فلا بد من حمل قوله " فإنها من المخيلة " في حديث جابر بن سليم على أنه خرج مخرج الغالب، فيكون الوعيد المذكور في حديث الباب متوجهاً إلى ما فعل ذلك اختيالاً، والقول بأن كل إسبال من المخيلة أخذاً بظاهر حديث جابر ترده الضرورة، فإن كل أحد يعلم أن من الناس من يسبل إزاره مع عدم خطور الخيلاء بباله، ويرده ما تقدم من قوله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ لأبي بكر لما عرفت، وبهذا يحصل الجمع بين الأحاديث وعدم إهدار قيد الخيلاء المصرح به في الصحيحين، وقد جمع بعض المتأخرين رسالة طويلة جزم فيها بتحريم الإسبال مطلقاً، وأعظم ما تمسك به حديث جابر، وأما حديث أبي أمامة فغاية ما فيه التصريح بأن الله لا يحب المسبل، وحديث الباب مقيد بالخيلاء، وحمل المطلق على المقيد واجب، وأما كون الظاهر من عمرو أنه لم يقصد الخيلاء، فما بمثل هذا الظاهر تعارض الأحاديث الصحيحة )). وسيأتي إن شاء الله ذكر الأحاديث التي أشار إليها وبيان دلالتها على حرمة الإسبال مطلقاً.
وبعد هذا الذي نقلته من نصوص المترخصين أضع بين يدي القاريء الكريم بعض نصوص الفريق الآخر، وهم المتشددون من غير مراعاة لقيد الخيلاء:
1. ... ابن العربي، قال في عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي: " لا يجوز لرجل أن يجاوز بثوبه كعبه ويقول لا أتكبر فيه؛ لأن النهي قد تناوله لفظاً وتناول علته، ولا يجوز أن يتناول اللفظ حكم، فيقال إني لست ممن يمتثله؛ لأن تلك العلة ليست فيّ ن فإنه مخالفة للشريعة ودعوى لا تسلم له، بل من تكبره يطيل ثوبه وإزاره، فكذبه معلوم في ذلك قطعاً ". (1/360)
صفحة 361
2. ... الحافظ ابن حجر العسقلاني، قال في فتح الباري ـ بعد نقله كلام ابن العربي ملخصاً ـ " وحاصله أن الإسبال يستلزم جر الثوب، وجر الثوب يستلزم الخيلاء، ولو لم يقصد اللابس الخيلاء، ويؤيده ما أخرجه أحمد ابن منيع من وجه آخر عن ابن عمر في أثناء حديث رفعه " وإياك وجر الإزار فإن جر الإزار من المخيلة "، وأخرج الطبراني من حديث أبي أمامة " بينما نحن مع رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ إذ لحقنا عمرو بن زرارة الأنصاري في حلة: إزار ورداء قد أسبل، فجعل رسوله الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ يأخذ بناصية ثوبه ويتواضع لله ويقول: عبدك ابن عبدك وأمتك حتى سمعها عمرو فقال: يا رسول الله إني أحمش الساقين، فقال يا عمرو إن الله أحسن كل شيء خلقه، يا عمرو إن الله لا يحب المسبل " وأخرجه أحمد من حديث عمرو نفسه لكن قال في روايته: عن عمرو عن فلان، وأخرجه الطبراني أيضاً فقال: عن عمرو ابن زرارة، وفيه ضرب رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ بأربع أصابع تحت ركبة عمرو فقال: " يا عمرو هذا موضع الإزار "ثم ضرب بأربع أصابع تحت الأربع فقال: " يا عمرو هذا موضع الإزار.. الحديث "، ورجاله ثقات وظاهره أن عمرو المذكور لم يقصد بإسباله الخيلاء وقد منعه من ذلك لكونه مظنة، وأخرج الطبراني من حديث الشريد الثقفي قال: " إرفع إزارك "، فقال: إني أحنف تصطك ركبتاي، قال: " ارفع إزارك فكل خلق الله حسن، "وأخرجه مسدد وأبو بكر بن أبي شبيبة من طرق عن رجل من ثقيف لم يسم، وفي آخره "... ذلك أقبح مما بساقك "، وأما ما أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن مسعود بسند جيد أنه كان يسبل إزاره فقيل له في ذلك فقال: إني أحمش الساقين، فهو محمول على أنه أسبله زيادة على المستحب، وهو أن يكون إلى نصف الساق، ولا يظن به أنه جاوز به الكعبين والتعليل يرشد إليه، ومع ذلك فلعله لم تبلغه قصة عمرو بن زرارة والله أعلم، وأخرج النسائي وابن ماجة وصححه ابن حبان من حديث (1/361)
صفحة 362
المغيرة بن شعبة " رأيت رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ أخذ برداء سفيان بن سهيل وهو يقول: يا سفيان لا تسبل فإن الله لا يحب المسبلين ".
3. ... قال الحافظ أيضاً ـ بعد ذكره حديث ترخيص رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ لأمهات المؤمنين شبراً ثم استزدنه فزادهن شبراً ـ، ويستفاد من هذا الفهم التعقب على من قال إن الأحاديث المطلقة في الزجر عن الإسبال مقيدة بالأحاديث الأخرى المصرحة بمن فعله خيلاء، ـ وبعد أن ذكر كلام النووي في ذلك ـ قال: ووجه التعقب أنه لو كان كذلك لما كان في استفسار أم سلمة عن حكم النساء في جر ذيولهن معنى، بل فهمت الزجر عن الإسبال مطلقاً سواء كان عن مخيلة أو لا، فسألت عن حكم النساء في ذلك لاحتياجهن إلى الإسبال من أجل ستر العورة؛ لأن جميع قدمها عورة، فبين لها أن حكمهن في ذلك خارج عن حكم الرجال في هذا المعنى فقط، وقد نقل عياض الإجماع على أن المنع في حق الرجال دون النساء، ومراده منع الإسبال لتقريره ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ أم سلمة على فهمها، إلا أنه بين لها أنه عام مخصوص، لتفرقته في الجواب بين الرجال والنساء في الإسبال، وتبيينه القدر الذي يمنع ما بعده في حقهن، كما بين ذلك في حق الرجال، والحاصل أن للرجال حالين حال استحباب وهو أن يقتصر بالإزار على نصف الساق، وحال جواز وهو إلى الكعبين، وكذلك للنساء حالان، حال استحباب وهو ما يزيد على ما هو جائز للرجال بقدر ذراع ـ إلى أن قال: ويستنبط من سياق الأحاديث أن التقييد بالجر خرج للغالب، وأن البطر والتبختر مذموم ولو لمن شمر ثوبه. (1/362)
صفحة 363
4. ... نقل الحافظ جانباً من كلام النووي الذي سبق نقله عنه، وما تضمنه من نسبة القول بالتفريق بين أن يكون الجر للخيلاء أو لغير الخيلاء إلى الشافعي، وقال عقبة: والنص الذي أشار إليه ذكره البويطي، في مختصره عن الشافعي، قال: لا يجوز السدل في الصلاة ولا في غيرها للخيلاء، ولغيرها خفيف، لقول النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ لأبي بكر، ثم أتبعه الحافظ بقوله: وقوله ( خفيف ) ليس صريحاً في نفي التحريم، بل هو محمول على أن ذلك بالنسبة للجر خيلاء، فأما لغير الخيلاء فيختلف الحال، فإن كان الثوب على قدر لابسه لكنه يسدله فهذا لا يظهر فيه تحريم، ولا سيما إن كان عن غير قصد كالذي وقع لأبي بكر، وإن كان الثوب زائداً على قدر لابسه فهذا قد يتجه المنع فيه من جهة الإسراف فينتهي إلى التحريم، وقد يتجه المنع فيه من جملة التشبه بالنساء، وهو أمكن فيه من الأول، وقد صحح الحاكم في حديث أبي هريرة أن رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ لعن الرجل يلبس لبسة المرأة، وقد يتجه المنع فيه من جهة أن لابسه لا يأمن من تعلق النجاسة به، وإلى ذلك يشير الحديث الذي أخرجه الترمذي في الشمائل والنسائي من طريق أشعث بن أبي الشعثاء ـ اسم أبيه سليم ـ المحاربي عن عمته ـ واسمها رُهم بضم الراء وسكون الهاء، وهي بنت الأسود حنظلة ـ عن عمها ـ واسمه عبيد بن خالد ـ قال: كنت أمشي وعلي برد أجره، فقال لي رجل: " ارفع ثوبك فإنه أنقى وأبقى " فنظرت فإذا هو النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ فقلت: إنما هي بردة ملحاء فقال: " أما لك فيّ أسوة " قال: فنظرت فإذا إزاره أنصاف ساقيه، وسنده قبلها جيد، وقوله ملحاء ـ بفتح الميم وبمهملة قبلها سكون ممدود ـ أي فيها خطوط سود وبيض، وفي قصة قتل عمر أنه قال للشاب الذي دخل عليه: ارفع ثوبك فإنه أنقى لثوبك وأتقى لربك، وقد تقدم في المناقب، ويتجه المنع أيضاً في الإسبال من جهة أخرى وهو كونه مظنة الخيلاء. (1/363)
صفحة 364
5. ... أفتى المحقق الخليلي ـ رحمة الله عليه ـ بوجوب رفع الثوب في أثناء الصلاة على من ارتخى ثوبه فيها دون قصد، وسيأتي نص كلامه إن شاء الله.
والخلاصة أن الذين فرقوا بين حالتي الخيلاء وعدمها استندوا إلى دليلين:
أ- ... ذكر الخيلاء في كثير من روايات النهي والوعيد، وجعلوا ذلك من باب التقييد، فحملوا الروايات المطلقة عليه، تمسكاً بقاعدة حمل المطلق على المقيد.
ب- ... عذره ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ لأبي بكر ـ رضي الله عنه ـ عندما قال له: إن إزاري يسترخي إلا أن أتعاهده، فرد عليه ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ بقوله: " إنك لست ممن يفعله خيلاء".
والذين لم يفرقوا بين هذه الحالة وتلك استدلوا بما كان من رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ من إنكاره على مل مسبل، من غير بحث عن قصده، حتى أنه لم يقبل عذر عمرو بن زرارة عندما اعتذر إليه بأن إسباله لتغطية حمش ساقيه، بل قال له " يا عمرو إن الله قد أحسن كل شيء خلقه، يا عمرو إن الله لا يحب المسبل "، ومثله قوله للذي اعتذر إليه بأنه أحنف تصطك ركبتاه " ارفع إزارك فكل خلق الله حسن " وفي رواية " ذلك أقبح مما بساقك "، مع ما يستلزمه الإسبال من التشبه بالنساء لأنه من خصائصهن، ومن التشبه بأهل الخيلاء، وكونه مظنة لها، وبجانب هذا كله فإن رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ أقر أم سلمة على ما فهمت من عموم تحريمه، وإنما رخص لهن رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ في الإسبال ذراعاً لضرورة تغطية القدمين، ولا يعقل أن يكون هذا الترخيص مع الخيلاء، فتفريقه بين الرجال والنساء في الحكم دليل على حرمة الإسبال مطلقاً على الرجال. (1/364)
صفحة 365
ومن استقرأ أدلة القولين، وأمعن النظر في ما روى عن رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ في هذه المسألة لم يشك أن مذهب المتشددين هو أقوم قيلاً وأصح دليلاً، فقد تضافرت الروايات عن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ بالإنكار على كل مسبل من غير أن يبحث عن نيته في ذلك، بل المفهوم من كلامه ـ عليه الصلاة والسلام ـ أن نفس الإسبال من الخيلاء المذموم، فقد أخرج مسلم في صحيحه عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال: مررت على رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ وفي إزاري استرخاء، فقال: " يا عبد الله ارفع إزارك " فرفعته، ثم قال ( زد ) فزدته، فما زلت أتحراها بعد، قال بعض القوم: إلى أين؟ قال: إلى أنصاف الساقين.
وروى الترمذي عن حذيفة ـ رضي الله عنه ـ قال: أخذ رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ بعضلة ساقي ـ أو ساقه ـ فقال: " هذا موضع الإزار، فإن أبيت فأسفل، فإن أبيت فأسفل، فلا حق للإزار في الكعبين، " وأخرجه عنه النسائي بلفظ " الإزار إلى أنصاف الساقين ـ العضلة ـ فإن أبيت فأسفل فإن أبيت فمن وراء الساق، لا حق للكعبين في الإزار ".
وروى أبو داود عن قيس بن بشر التغلبي قال: أخبرني أبي ـ وكان جليساً لأبي الدرداء ـ قال: كان بدمشق رجل من أصحاب النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ يقال له ابن الحنظلية وكان رجلاً متوحداً قلما يجالس الناس إنما هو صلاة، فإذا فرغ فإنما هو تسبيح وتكبير حتى يأتي أهله ـ وذكر عنه حديثاً طويلاً جاء فيه ـ: أن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ قال " نعم الرجل خريم الأسدي لولا طول جمته وإسبال إزاره "، فبلغ ذلك خريماً فعجل فأخذ شفرة فقطع به جمته إلى أذنيه، ورفع إزاره إلى أنصاف ساقيه. (1/365)
صفحة 366
فهل ترى أن رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ عندما كان ينكر على أصحابه الإسبال كان يرى فيهم من البطر والخيلاء ما الناس اليوم منه براء؟ كلا والله، فإن أولئك كانوا أبر قلوباً وأرسخ إيماناً وأعدل سيرة وأنقى سريرة وأزكى عملاً، وإنما هو تشريع عام بدأ فيه رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ بأقرب الناس إليه وأحبهم إلى قلبه وأرفعهم منزلة عند الله، وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، والذي اتبعوهم بإحسان ـ رضي الله عنهم ورضوا عنه ـ، أو يظن ظان أن أولئك أولى بتهمة الخيلاء والبطر من المسبلين في هذا العصر؟ ومن بين أولئك الذي حذرهم النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ من الإسبال حذيفة، الذي اختاره ـ عليه الصلاة والسلام ـ لأن يكون مستودع سره ومؤتمنه فيما أخفاه عن غيره. إني لأربأ بأي عاقل أن يظن ذلك.
هذا وقد صرح رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ بكون نفس الإسبال من ضروب الخيلاء، ولذلك حذر منه، وذلك فيما أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي والحاكم ـ وصححاه ـ والطبراني عن جابر بن سليم ـ في حديث طويل إشتمل على نصائح جمة وجهها إليه رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ جاء فيه: " ارفع إزارك إلى أنصاف الساق، فإن أبيت فإلى الكعبين، وإياك وإسبال الإزار، فإنها من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة "، وهو نص فيما قلته من أن الإسبال نفسه من الخيلاء، وأن ما ورد من ذكره الخيلاء مقروناً به ليس من باب التقييد الذي يحمل عليه مطلق النهي في الروايات الأخرى، وإنما هو من باب تأكيد الذم وتغليظ الزجر لفاعله، ولذلك نظائر كثيرة في القرآن الكريم، من ذلك قوله تعالى: (1/366)
صفحة 367
{ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ } وقوله: { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ } . وقوله: { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ } . إذ لا يتصور أن يكون قتل الأنبياء حقاً في أي حال، حتى يكون قوله بغير حق في هذه الآيات تقييد الحكمة لاستثناء الحالات التي يكون فيها قتلهم حقاً منه، ومثله قوله تعالى: { قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلاَدَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ اللّهُ افْتِرَاء عَلَى اللّهِ } .
إذ لا يتصور أن يكون قوله ( سفها بغير علم ) تقييداً للوعيد بالخسران للذين قتلوا أولادهم، فتخرج منه طائفة قتلت أولادها من غير سفه ولا جهل، وكذلك لا يتصور أن يكون قوله ( افتراء على الله ) تقييداً لوعيد الذين حرموا ما أحل الله لهم من رزقه، ومن هذا الباب قوله عز وجل: { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ } ، فإنه من غير المعقول أن يكون قوله ( بغير الحق ) تقييداً لتحريم الإثم والبغي، إذ لا يتصور أن يكون حقاً في أي حال، وإنما تخرج هذه الأوصاف كلها مخرج تغليظ الزجر وتأكيد الذم على ما اقترنت به، ويتعين أن يحمل عليه ذكر الخيلاء في أحاديث الإسبال لأمرين:
أولهما: نص حديث جابر بن سليم المتقدم على أن الإسبال من المخيلة.
ثانيهما: زجر النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ لكل من رآه مسبلاً من أصحابه وهم أنزه من غيرهم عن الخيلاء، ويؤكد ذلك حرمة الخيلاء على الإطلاق، سواء في حال الإسبال أو عدمه، فلو لم يكن الإسبال نفسه محرماً لكان الأجدر أن يكون الزجر والوعيد على الخيلاء من غير ذكر الإسبال. (1/367)
صفحة 368
هذا ولو سلمنا أن الإسبال قد ينفك عن الخيلاء ويكون المسبل غير مختال، لما سلمنا دلالة ما ورد من أحاديث النهي عن الإسبال مقروناً بالخيلاء على عدم شمول حكمها غير المختال، لأن هذه الدلالة هي من باب مفهوم المخالفة ومن شرط الاستدلال بالمفهوم أن لا يكون منطوقة وارداً مورد الأغلب المعتاد، لأن ما كان كذلك ليس له مفهوم يعتد له، نص على ذلك الأصوليون، وعول عليه الفقهاء، قال: الإمام نور الدين السالمي ـ رحمه الله ـ
وشرطه أن لا يكون مقتضى يمنع من تخصص الحكم الرضى
وذاك مثل عادة للعرب في نحو أن يجري مجرى الأغلب
ولذلك لم يعتبر المفهوم في قوله تعالى: { وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم } ، فاتفق على حرمة الربائب على أزواج أمهاتهن ولو لم يكن في حجرهم؛ لأن ذكر الحجور في الآية وارد مورد الأغلب المعتاد، وما يذكر من خلاف في ذلك في الصدر الأول كاد يكون منسياً لشذوذه، والاتفاق من بعد على العمل بخلافه، ومن هذا الباب قوله تعالى في سورة الأنعام { وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ } . وقوله في سورة الإسراء { وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم } . إذ لا قائل بتقييد النهي عن قتل الأولاد بحالتي الإملاق أو خشيته، وبهذا يسقط كل ما تعلق به من قال إن أحاديث الباب المطلقة محمولة على قيد الخيلاء. (1/368)
صفحة 369
وأما قول رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ لأبي بكر ـ رضي الله تعالى عنه ـ " إنك لست ممن يصنعه خيلاء، " فلا حجة فيه لمن أدعى عدم حرمة الإسبال على من لم يتلبس بالخيلاء؛ لأن أبا بكر ـ رضي الله عنه ـ ما كان يتعمد الإسبال فلا ينطبق حكمه على من تعمده، وإنما كان استرخاء إزاره ـ رضي الله تعالى عنه ـ لنحافة جسمه، فكان لا يستمسك إلا أن يتعاهده، وما كان ـ رضوان الله عليه ـ يدعه مسترخياً بل كان يرفعه كلما استرخى، بدليل ما أخرجه أبو داود في سننه أنه قال: " إني لأتعاهد ذلك منه "، وقد دل على هذا ما ذكر من أوصافه ـ رضوان الله عليه ـ، فقد روى ابن سعد من طريق طلحة لن عبد الله بن عبد الرحمن ابن أبي بكر عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: كان أبو بكر أحنى لا يستمسك إزاره، يسترخي عن حقويه، ومن طريق قيس ابن أبي حازم دخلت على أبي بكر وكان رجلاً نحيفاً.
قال العيني: وسبب استرخائه كون أبي بكر أحنى نحيفاً لا يستمسك، فإزاره يسترخي عن حقويه، قال الكرماني: يصح أحنى بالحاء المهملة والجيم، ويقال رجل أحنى الظهر بالحاء المهملة ـ ناقصاً ـ أي في ظهره إحديداب ـ، ورجل أجنأ ـ بالجيم مهموزاً ـ أي أحدب الظهر، ثم إن الاسترخاء يحتمل أن يكون من طرف القدام نظراً إلى الإحديداب، وإن يكون من اليمين أو الشمال نظراً إلى النحافة، إذ الغالب أن النحيف لا يستمسك إزاره على السواء. وقال ابن القيم في التهذيب وكان رجلاً نحيفاً قليل اللحم، وكان لا يستمسك إزاره إذا شده على حقويه، فإذا سقط إزاره جره، فرخص له رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ في ذلك وعذره.
وبهذا يتضح مراد النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ بقوله " إنك لست ممن يفعله خيلاء "، فهو بمعنى لست ممن يفعله قصداً، وغاية ما يدل عليه أنه لا يأثم من استرخى إزاره بغير قصد، وإنما عليه أن يرفعه كلما تفطن له. (1/369)
صفحة 370
قال: الحافظ ابن حجر " لا حرج على من انجر إزاره من غير قصد مطلقاً "، وأما ما أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن عمر أنه كان يكره جر الإزار على كل حال، فقال ابن بطال: هو من تشديداته، وإلا فقد روى هو حديث الباب فلم يخف عليه الحكم، قلت: بل كراهة ابن عمر محمول على من قصد ذلك، سواء كان عن مخيلة أو لا، وهو المطابق لروايته المذكورة، ولا يظن بابن عمر أنه يؤاخذ من لم يقصد شيئاً، وإنما يريد بالكراهة من انجر إزاره بغير اختياره ثم تمادى على ذلك ولم يتدارك، وهذا متفق عليه، وإن اختلفوا هل الكراهة فيه للتحريم أو التنزيه.
ومثل هذا في الحكم من أذهله أمر فجر ثوبه بدون قصد، وقد وقع ذلك لرسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ كما في حديث أبي بكر عند البخاري قال: خسفت الشمس ونحن عند النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ فقام يجر ثوبه مستعجلاً حتى أتى المسجد، فإنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ أذهله ما وقع واستعجل الذهاب إلى المسجد، فلم يشتغل بغير ما هو مقبل عليه، ولذلك قال الحافظ: لا حجة فيه لمن قصر النهي على ما كان للخيلاء، حتى أجاز لبس القميص الذي ينجر على الأرض لطوله. (1/370)
صفحة 371
هذا وإنك لتجد بعض أولئك الذين أباحوا الإسبال لمن لم يقصد به الخيلاء ناقضوا أنفسهم فيما قالوه، فهذا القسطلاني يقول في (( إرشاد الساري )) ما قاله الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري ـ من غير أن يعزوه إليه ـ وما هو إلا دليل أنه قد ارتضاه وأقره إذ عزاه إلى نفسه، ونص كلامه ( وقد جرت العادة بإرخاء العذبات، فما زاد على العادة في ذلك فهو من الإسبال، وكذا تطويل الأكمام إذا مست الأرض وقد حدث للناس اصطلاح بتطويلها للتمييز، ومهما كان ذلك للخيلاء أو أوصل إلى جر الذيل الممنوع فحرام )، فإن قوله ( فما زاد على العادة في ذلك فهو من الإسبال ) يوحي إلى منع ما خرج عن المعتاد في إطالة العذبات والأكمام لإعطائه حكم الإسبال المحرم، ثم صرح بما أوحى إليه في قوله ( ومهما كان ذلك للخيلاء أو أوصل إلى جر الذيل الممنوع فحرام )، حيث عطف على ما كان للخيلاء ما أوصل إلى جر الذيل الممنوع بأو المفيدة للتقسيم والتنويع، وجعل كلا القسمين حراماً، وهو بين التناقض مع ما نقلناه عنه من قبل أن ما لم يكن للخيلاء كره للتنزيه. ومثل هذا صنع الشوكاني، فقد قال قبل ما نقلناه عنه ( ويدل على عدم التقييد بالخيلاء ما أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وصححه من حديث جابر بن سليم ) وذكر حديثه السالف الذكر، وحديث أبي أمامة عند الطبراني في قصة عمرو بن زراره ـ ثم قال: ( والحديث رجاله ثقات، وظاهره أن عمرو لم يقصد الخيلاء ). ولا ريب في مناقضة هذا الكلام لما سبق نقله عنه ومنه قوله: ( فما بمثل هذا الظاهر تعارض الأحاديث الصحيحة )، وقد فاته أن غاية ما في تلك الأحاديث من ذكر الخيلاء تأكيد الذم وتغليظ الزجر كما سبق، وكون عمرو ابن زرارة ما قصد الخيلاء ليس ظاهراً فحسب وإنما هو صريح في اعتذاره إلى رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ عن الإسبال بأنه أحمش الساقين، ولم يقبل منه النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ اعتذاره هذا، كما لم يقبل اعتذار من (1/371)
صفحة 372
اعتذر إليه بأنه أحنف تصطك ركبتاه، ولئن كان رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ لم يقبل عذر هذين، فأحرى أن لا يقبل عذر من لم يكن به ما بهما.
هذا ويترخص في الإسبال للضرورة، كمن يؤذيه البرد أو البعوض في قدميه ولم يجد ما يرفع به الأذى إلا أن يسبل عليهما ثوبه، قال الحافظ في الفتح ( ويستثنى من إسبال الإزار مطلقاً ما أسبله لضرورة، كمن يكون بكعبيه جرح مثلاً يؤذيه الذباب ـ مثلاً ـ إن لم يستره بإزاره، حيث لا يجد غيره، واستدل على ذلك بإذنه ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ لعبد الرحمن بن عوف في لبس القميص الحريري من أجل الحكة، والجامع بينهما جواز تعاطي ما نهى عنه من أجل الضرورة، كما يجوز كشف العورة للتداوي )، وقال القطب في شرح النيل ( ويجوز جره خوف البرد أو ناموس أو نحوه من المضار ). ومثله قول الإمام السالمي في معارجه ( وكذلك إذا لم يسبله خيلاء، وإنما أسبله لعذر كخوف البرد والبعوض، ففي كلام بعضهم أنه لا بأس به ).
صلاة المسبل والمؤتم به: (1/372)
صفحة 373
الصلاة هي أم العبادات، ورأس الأعمال الصالحات، فهي وقفة العبد الذليل بين يدي الملك الجليل، الذي عنت له الوجوه وخشعت له القلوب، وخضعت لعزته الرقاب، وسجدت لجلاله الجباه، وولهت من هيبته النفوس { تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا } ، فلا غرو إذا كان من شرائطها الطهارة المطلقة ظاهراً وباطناً، حساً ومعنى؛ لأنها عبادة يشترك فيها الجسم والروح، والعقل والقلب، والفطر والوجدان، فهي تنافي التلبس بمعاصي الله ظاهراً أو باطناً، كما تنافي التلبس بالنجاسات أو الأحداث، وكيف تكون الصلاة ـ وهي أم العبادات، صحيحة مع اقترانها بمعصية العبد المصلي، والله تعالى يقول: { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } ، وأين إخلاص الدين من هذا الواقف بين يدي الله في صلاته، وهو مكابر لأمره، صاد عن طاعته آت في صلاته بما حذره الله منه من الأعمال، ومن ثمَّ نجد الفقهاء المحققين يفتون ببطلان من صلى من الرجال وهو لابس ثوب حرير أو متحل بالذهب المحرم على غير الإناث، وما أحراه بذلك، فإن صلاته بهما إن دلت على شيء فلا تدل إلا على عدم مبالاته بعبادته وعدم اكتراثه بحرمتها.
وإذا اتضح لك حكم من صلى بالذهب أو الحرير المحرمين، لم يشكل عليك ما أفتيت به من بطلان صلاة من تلبس فيه بالإسبال، الذي هو رمز الكبر والبطر والخيلاء، وإن كنت لم تقتنع بذلك، فهلم إلى ما أنقله لك من نصوص السنة وأقوال السلف، لعلك تجد فيها طمأنينة قلبك وسكون نفسك. (1/373)
صفحة 374
قال أبو داود في سننه: حدثنا موسى بن إسماعيل حديثاً أبان حديثاً يحيى عن أبي جعفر عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال: بينما رجل يصلي مسبلاً إزاره إذ قال: له رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ" اذهب فتوضأ "، فذهب فتوضأ، ثم جاء، فقال: " اذهب فتوضأ، فقال له رجل: يا رسول الله مالك أمرته أن يتوضأ ثم سَكَتَّ عنه قال: " إنه كان يصلي وهو مسبل إزاره، وإن الله لا يقبل صلاة رجل مسبل "، وهو وإن قال فيه الحافظ المنذري: " في إسناده أبو جعفر رجل من أهل المدينة لا يعرف اسمه، فإن ذلك لا يقدح في الاستدلال به، ولذلك عول عليه المحققون كابن القيم في التهذيب، وابن العربي في العارضة، والإمام النووي في رياض الصالحين، حتى أنه قال فيه: رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط مسلم.
ويعتضد بما رواه الطبراني ـ بإسناد حسن ـ عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ أنه رأى أعرابياً يصلي قد أسبل فقال: " المسبل في الصلاة ليس من الله في حل ولا حرام "، قال الحافظ ابن حجر: " ومثل هذا لا يقال بالرأي "، يعني أنه لا يبعد من أن يكون قد استند في قوله هذا إلى أثر عن الشارع عليه ـ أفضل الصلاة والسلام ـ، فهو مرفوع حكماً، وإن كان موقوفاً لفظاً.
ويؤيد ذلك أن أبا داود قد رفعه في سننه من طريقة، فقد قال: حدثنا زيد بن أخزم حدثنا أبو داود عن أبي عوانة عن عاصم عن أبي عثمان عن ابن مسعود قال: سمعت رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ يقول: " من أسبل إزاره في صلاته خيلاء فليس من الله جل ذكره في حل ولا حرام "، قال أبو داود: روى هذا جماعة عن عاصم موقوفاً على ابن مسعود، منهم حماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وأبو الأحوص، وأبو معاوية.
قال العلامة المحدث الشيخ أحمد محمد شاكر: " وهو في مسند الطيالسي رقم ( 351 ) عن أبي عوانة وثابت عن عاصم، وهذا إسناد صحيح ولا يضره وقف من وقفه، فرفعه ثقة وهي مقبولة. (1/374)
صفحة 375
وليس في حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ اكتفى بإعادة المسبل وضوءه دون صلاته، إذ الصلاة أحرى أن تعاد ـ ولكن أمره بإعادة الوضوء تغليظاً، لأنه أيضاً عبادة منافية للتلبس بالمعاصي، ولذلك قال طائفة من أصحابنا بأن المعصية تهدم الوضوء، قال العلامة ابن العربي بعد ما ذكر الحديث: (( يعني ويعيد الصلاة )) ـ ثم قال ـ (( ومعناه أن الصلاة حال تواضع، وإسبال الإزار فعل متكبر متعارضان، وأمره له بإعادة الوضوء أدب له وتأكيد، عليه ولأن المصلي يناجي ربه، والله لا ينظر إلى من جر إزاره ولا يكلمه فكذلك لم يقبل صلاته )).
وحكى ابن حزم في المحلى عن مجاهد أنه قال: (( كان يقال من مس إزاره كعبه لم يقبل الله له صلاة ))، وقال ابن حزم (( فهذا مجاهد يحكي ذلك عمن قبله وليسوا إلا الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ لأنه ليس من صغار التابعين بل من أوسطهم ))، وحكى أيضاً عن ذر بن عبد الله المزهبي قال (( كان يقال: من جر ثوبه لم تقبل له صلاة ))، وأتبع ابن حزم ذلك بقوله: " ولا نعلم لمن ذكرنا مخالفاً من الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ " وعلل ابن حزم هذا الحكم بقوله: " فمن فعل في صلاته ما حرم عليه فعله فلم يصل كما أمر، ومن لم يصل كما أمر فلا صلاة له ))، وقال قبل ذلك: " ولا تجزي الصلاة ممن جر ثوبه خيلاء من الرجال، وأما المرأة فلها أن تسبل ذيل ما تلبس ذراعاً لا أكثر، فإن زادت على ذلك عالمة بالنهي بطلت صلاتها، وحق كل ثوب يلبسه الرجل أن يكون إلى الكعبين، لا أسفل البتة، فإن أسبله فزعاً أو نسياناً فلا شيء عليه.
وقد صرح كثير من علمائنا ببطلان صلاة المسبل، وإليك بعض نصوصهم في ذلك: (1/375)
صفحة 376
1. ... قال الإمام أبو محمد بن بركة: " ومن أسبل إزاره في الصلاة خيلاء فلا تجوز صلاته لما روى عبد الله بن مسعود عن رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ " من أسبل إزاره في الصلاة فليس من الله في حل ولا حرام "، وقوله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ " فضل الإزار في النار "، ومن طريق أبي هريرة أن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ قال: " ما تحت الكعب من الإزار في النار "، وفي نهاية رواية ابن مسعود رأى رجلين يصليان أحدهما ينقر سجوده والآخر يرخي إزاره في الأرض فقال: أحدهما لا ينظر الله إليه، والآخر لا يغفر الله له "، وفي الرواية أن الذي لا ينظر الله إليه صاحب الإزار وصلاته مقرونة بالوعيد غير جائزة ".
وقد أورد كلامه هذا كل من صاحب بيان الشرع وصاحب منهج الطالبين والإمام السالمي ـ رحمه الله تعالى ـ في معارجه وأقروه.
2. ... قال الشيخ عامر ـ رحمه الله تعالى ـ في الإيضاح: " وكذلك من يجر إزاره خيلاء في الصلاة فلا تجوز صلاته ـ وذكر بعض ما روى في ذلك ـ ثم قال: " ولا تجوز الصلاة بهذا لما فيه من الوعيد".
3. ... سئل المحقق الخليلي ـ رحمة الله عليه ـ عمن ارتخى إزاره في الصلاة حتى صارت طرته إلى الكعب من الرجل أو أسفل من الكعب، أيؤمر وجوباً أن يرفعه وهو فيها؟ وهل هذا من مصالح الصلاة أو لا؟ فأجاب: " وجوباً، وإن أبى فصلاته فاسدة لأنه معصية للرواية النبوية الصحيحة بالوعيد الشديد ولا صلاة لعاص "، قيل له وإن كان لا يشغله أن يتركه مرتخياً بل يجد راحة في نفسه ونشاطاً في بدنه في تركه كذلك، إلا أنه كاره بقاءه مخافة دخوله في النهي عن تذييل الإزار، فيحتمل به ما لا يحمله فوق طاقته من الوزر، فعلى هذا ما الأولى له لزوماً، وإن تركه كيف يكون عليه، أو لا شيء عليه؟ فأحال على ما سبق من جوابه ".
4. ... قال قطب الأئمة ـ رحمة الله عليه ـ: " وأفسد بعضهم الصلاة بجره فيها ولو بغير خيلاء ". (1/376)
صفحة 377
وقد علمت مما مضى أن التحقيق كون كل إسبال خيلاء، وبهذا يندرئ عنك أي شك في بطلان صلاة المسبل، إلا من كان معذوراً بنحو ما تقدم ذكره، وناهيك بقوله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ: " إن الله لا يقبل صلاة المسبل " نصاً صريحاً على ذلك، ومثله قوله: " ليس من الله جل ذكره في حل ولا حرام "، فإنه بمعنى ليس من الله في شيء، وفي هذا من الزجر الوعيد ما ليس بعده، وقال النووي: معناه قد بريء من الله وفارق دينه، وقال ابن رسلان: مراده لا يؤمن بحلال ولا حرام، وقيل: لا يجعله في حل من ذنوبه ولا يمنعه ويحفظه من سوء الأعمال، وقيل: لا يحل الله له الجنة ولا يحرم عليه النار، وقيل: ليس هو في فعل حلال، ولا له احترام عند الله تعالى.
أما المؤتم بالمسبل فيسري البطلان إلى صلاته من صلاة إمامه، لارتباط صلاته بصلاته، ولا عبرة بقول من قال: إن صلاة المأموم غير مرتبطة بصلاة الإمام، للأدلة الدالة على الارتباط وهي:
أ- ... أن المأموم ليس له أن يتقدم إمامه في شيء من أفعال الصلاة أو أقوالها، فلا يحرم قبله، ولا يقرأ قبله، ولا يأتي بالركوع أو السجود أو القيام أو القعود قبله، وإن فعل ذلك متعمداً بطلت صلاته، فلو لم تكن صلاته مرتبطة بصلاته لما قيد به فيما يأتي به من أعمال الصلاة وأقوالها.
أن الإمام يحمل عن المأمومين قراءة ما عدا الفاتحة إجماعاً، بل والفاتحة في رأي بعض المذاهب، كما يحمل عنه قوله سمع الله لمن حمده، ولو لم تكن صلاة المأموم مرتبطة بصلاة إمامه لما حمل عنه شيئاً.
ب_ أن فرض المسافر ركعتان بلا خلاف، وإن صلى خلف المقيم وجب عليه أن يتم الرباعية إجماعاً، ولم يكن ليجب عليه ذلك لولا ارتباط صلاته بصلاته. (1/377)
صفحة 378
ب- ... أنه مما اتفق عليه ثبوته عن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ قوله: " إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا صلى قائماً فصلوا قياماً وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً "، فلولا ارتباط صلاة المأموم بصلاة إمامه لما سقط عنه ركن من أركانها وهو القيام.
فإن قيل: أولستم تجيزون الصلاة خلف مرتكب الكبيرة؟ وقد روى الربيع في مسنده الصحيح عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس ـ رضي الله عنهم ـ أن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ قال: " الصلاة جائزة خلف كل بر وفاجر "، وفي رواية " صلوا خلف كل بر وفاجر "، فما بالكم تناقضون ذلك بمنعكم الصلاة خلف المسبل؟ وما الفارق بين المسبل وحالق اللحية الذي أبحتم الصلاة خلفه وكل منهما عاص لربه؟
فالجواب: أن المسبل مدخل في صلاته ما يفسدها بإسباله، وقد قيد الربيع ـ رحمه الله ـ إطلاق الحديث بقوله " ما لم يدخل فيها ما يفسدها ".
ولا ريب أنه استند في هذا التقييد إلى ما ذكرنا من الأدلة وأمثالها، والفارق بين المسبل وغيره من العصاة كحالق اللحية بيّن؛ لأن المسبل متلبس بالمعصية في أثناء الصلاة، كلابس الذهب والحرير من الرجال، فكما لا تصح صلاة من لبسهما ولا تجوز إمامته فكذلك المسبل، وتوبة من تلبس بشيء من ذلك موقوفة على التخلي عنه، وحالق اللحية لم يباشر معصيته في أثناء الصلاة بل قبلها، ولو شاء التوبة في أي وقت لما لزمه نزع شيء هو فيه، وإنما تجب عليه النية الصادقة أن لا يعود إلى حلقها، وهو كاف في التفريق بين حكميهما.
هذا ما أردت بيانه نصرة للحق وإحياء للسنة ومقاومة للبدعة، والله ولي التوفيق هو حسبي ونعم الوكيل، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
مشروعية تثمير أموال الزكاة (1/378)
صفحة 379
الزكاة عبادة مالية إجتماعية، ومدلول لفظها من حيث اللغة إما النماء والبركة، وإما الطهارة والصلاح، ففي اللسان (( مادة زكا )) ( الزكاء ممدود النماء والريع، زكا يزكو زكاء وزكوا، وفي حديث علي كرم الله وجهه (( المال تنقصه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق ))، فاستعار له الزكاء إن لم يكن ذا جرم، وقد زكاه الله وأزكاه، والزكاء ما أخرجه الله من الثمر ).
وفيه أيضاً ( والزكاة الصلاح، ورجل تقي زكي أي زاك من قوم أتقياء أزكياء، وقد زكا زكاء وزكوا ـ إلى أن قال ـ فالزكاة طهرة للأموال، وزكاة الفطر طهرة للأبدان، وفي حديث الباقر أنه قال: (( زكاة الأرض يبسها ))، يريد طهارتها من النجاسة كالبول وأشباهه، بأن يجف ويذهب أثره ) انتهى.
ومن أصول دلالات لفظها تتبين الحكمة الربانية في مشروعيتها، فهي تحقق النماء والطهارة، وتعود فائدتها على معطيها وآخذها وعلى مجتمعهما. (1/379)
صفحة 380
أما معطيها فإنه يستفيد بها طهارة نفسه ونماء فضائلها، لأنها تخلصه من حب الأثرة والاستبداد بالمال، والشهوة المالية الجامحة، التي لا تلبث عندما تستحكم في النفس أن تسيطر على أحاسيسها ومشاعرها، وتستولي على جميع تصرفاتها وأعمالها، حتى يتحول الإنسان إلى سبع ضار لا يبالي بما يأتي به من الإجرام في سبيل إشباع هذه الشهوة المسعورة، وما جرائم قطاع الطرق والعصائب الإرهابية التي تشيع الذعر وتهدد الأمن إلا نتائج استحكام شهوة المال في الأنفس، ولا تقف خطورتها عند حد، بل كثيراً ما تؤدي إلى نضوب العواطف وجفاف المشاعر، حتى لا تراعى حرمة للحمة القرابة والنسب، فكم سمعنا باغتيال ولد لوالده، وعدوان قريب على قرابته، طمعاً في الاستئثار بما في أيديهم من المال، وما من علاج لهذا الداء أنجح وأجدى من تربية النفس على إنفاق المال فيما يعود بالخير والإحسان على الأمة، ونجد في نظام الزكاة المشروعة في الإسلام المرهم النافع والمبضع المستأصل لهذا الداء، وبتعود الإنسان إيتاءها تتفجر في نفسه مشاعر الرحمة، وتغمرها عواطف الإحسان، فلا يشعر بهدوء بال ولا استقرار نفسي مع تصاعد أنات الفقراء والبؤساء حتى يفيض عليهم من صلاته، ويغمرهم بشفقته وحنانه، وهذا هو ما أشار إليه الحق تعالى في قوله { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا } . (1/380)
صفحة 381
وأما آخذها فإنها ـ مع دفعها لخصاصته وسدها لعوزه، وتمكنه بها من مقاومة لأواء الحياة ومواجهة عسر مطالبها تطفئ في نفسه سعير الحقد ولهيب الحسد، اللذين تؤججهما مشاهدته للتباين الكبير بين وضعه ووضع الغني المستأثر بالثروات، الذي يتقلب في أعطاف النعيم، غير مبال بصيحات أولي المسغبة التي تصعدها حاجتهم الملحة إلى ضرورات الحياة، إلا أنه عندما تردم هذه الهوة السحيقة بالزكاة التي تجسد المشاركة المالية الإجتماعية بين طبقتي الأغنياء والفقراء يتلاشى ما في نفوس الفقراء من حقد وكراهية لطبقة الأغنياء، فلا تلبث قلوبهم أن تفيض بالمودة لهم، وألسنتهم أن تلهج بالثناء عليهم والدعاء لهم، وباجتماع هاتين الطبقتين على كلمة سواء يجتمع الشمل وتتآلف القلوب، وتتوحد المشاعر والأحاسيس، وينعم المجتمع بأسره بالهدوء والاستقرار، والراحة والسكينة والرحمة والمودة، ويتجسد فيه معنى قول النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ: (( ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ))، وقوله (( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً.
ولئن كان الإنفاق في جميع وجوه الخير وسبل الإحسان مطلباً من مطالب الإسلام، حضت عليه آيات جمة من الكتاب العزيز، وتظافرت على العناية به أحاديث الرسول ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ، فإن الزكاة ـ وهي على رأس ضروب الإنفاق المأمور به ـ ركن من أركان هذا الدين، التي يقوم عليها صرحه ويشمخ بها بنيانه، كما نص على ذلك حديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ: (( بني الإسلام على خمس ))، ويؤكده اقترانها في الآي القرآني بأهم ركن عملي من أركانه وهو الصلاة. (1/381)
صفحة 382
ويلحظ أن الزكاة في الإسلام لم توكل إلى ضمائر الأغنياء، فتتفاوت قلة وكثرة بقدر ما في نفوسهم من قوة الدوافع على السخاء أو ضعفها، بل بين الشارع مقاديرها ليتساوى الناس كلهم فيها، ولا يكون بينهم تفاوت إلا بقدر تفاوتهم في الأملاك التي فرضت فيها، كما يلحظ أن الأصناف التي أجمعت الأمة على تعلق حق الزكاة بها هي من صنوف المال الذي تتوقف عليه ضرورات حياة الإنسان، من أنواع الحبوب المدخرة المقتاتة، والأنعام والتجارة، والنقدين اللذين هما أهم وسيلة لتبادل منافع الحياة، كما أنهما المعيار لقيم الأشياء.
وباستقراء ذلك يتبين أنه يتنازع فرضية الزكاة حقان، حق رباني وحق إنساني، فالحق الرباني هو حق التعبد الذي هو صلة بين العباد وربهم، يتميز ـ بحسن أدائه لوجه الله ـ الطائع من العاصي، ومن هذه الناحية لا فرق بين الزكاة وبين سائر العبادات كالصلاة والصيام والحج.
وأما الحق الإنساني، فهو عون الأقوياء للضعفاء على القيام بمطالب العيش ولوازم الحياة، وما يستلزم ذلك من جيشان القلوب بالشفقة والرحمة والحنان، وما يستتبعه من تكافل الأمة، وتراص صفوفها، وشيوع المودة بينها، وانحسار البغضاء عنها، وقد تتفاوت أنظار الفقهاء في الأصل الذي يبنون عليه اجتهادهم في فروع مسائل الزكاة الجزئية من هذين الأصلين، ولذلك يختلفون تسامحاً وتشدداً في بعض المسائل الفرعية من هذا الباب، كما سيتضح ذلك ـ إن شاء الله ـ من خلال تعرضنا لأقرب المسائل شبها بموضوع البحث، فإن من راعى الحق الإلهي أحجم عن التوسع لأنه عد الزكاة كالصلاة والصيام في وجوب الالتزام فيها بقيود الأدلة الشرعية النصية، ومن راعى الحق الإنساني توسع في النظر في حدود مصلحة الفقراء وسائر المستحقين للزكاة، نظراً إلى أنها شرعت من أجل سد خلتهم وقضاء مآربهم في الحياة.
إخراج الزكاة من غير جنس المزكى: (1/382)
صفحة 383
لا خلاف بين الأمة في أن الأصل في إخراج الزكاة أن يكون المخرج من جنس ما يزكى، اللهم إلا فيما دون الخمس والعشرين من الإبل، حيث تدفع شاة عن كل خمس منها، فإن بلغت خمساً وعشرين وجبت فيها بنت مخاض، وكذلك البقر عند من يجعل حكمها كالإبل في الزكاة، وإنما اختلفت الأمة في العدول عن هذا الأصل بحيث يكون الثمن بديلاً عن العين الواجب أداؤها بالنص، وهذا الخلاف إنما يعود إلى اختلاف الأنظار في ترجيح أحد الأصلين اللذين أشرنا إليهما من قبل على الآخر، فمن ترجح عنده جانب التعبد على جانب المصلحة شدد في المسألة، وألزمه أن يكون المدفوع من جنس المال الواجبة زكاته، كما يتقيد في أداء الصلاة مواقيتها وعدد ركعاتها وسائر ما فرض فيها من قول وعمل، وكما يتقيد في الصيام بزمنه المحدود وأحكامه المشروعة، وكما يتقيد في الحج بمشاعره المعلومة وسائر أحكامه المرسومة، كيف والمال نفسه إنما هو مال الله، ولئن أضيف إلى من أورثه الله إياه فليست تلك الإضافة إلا مجازاً، إذ غاية ما في ذلك أن الإنسان مستخلف فيه ومؤتمن عليه، قال تعالى: { وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ } ، وقال: { وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ } ، ولئن كان الشارع الحكيم بين للناس كيفية هذا الإنفاق، فإن التقيد بما بينه أمر لا مناص منه، ومن ترجح عنده جانب المصلحة التي من أجلها شرعت الزكاة، ورأى أنها تتحقق بدفع البديل عن الجنس كما تتحقق بدفعها من الجنس، تتحقق بهذا العطاء سواء روعي في ذلك جانب المعطي، وهو تطهير نفسه من رجس الشح، وتخليصها من آثار حب المال، وغرس الفضائل والقيم فيها بالتعويد على البر والإحسان، أو روعي جانب المعطى، وهو ذو الخصاصة، والمصلحة في جانبه هي دفع الخصاصة عنه وإذهاب آثار الحقد والحسد والكراهية عنه. (1/383)
صفحة 384
ولعلماء الإباضية كغيرهم رأيان في المسألة، فبعضهم قال بعدم الجواز كما هو مذهب الأئمة، مالك والشافعي وأحمد، والأكثرون منهم يرون الجواز كما هو مذهب الإمام أبي حنيفة، قال الإمام نور الدين السالمي ـ رحمه الله ـ (( ثم اختلف هؤلاء، فقال بعضهم لا يعطى فيها غير الذهب والفضة، وقال الأكثر منهم يعطى باعتبار القيمة والعروض وغيرها كالتمر والزبيب عن الحب )).
وأعاد الإمام السالمي الخلاف إلى اختلافهم في ترجيح أحد الأصلين المتقدم ذكرهما، قال (( فمن قال إنها عبادة، قال: إن أخرج من غير تلك الأعيان لم تجزئ لأنه أتى بالعبادة على غير الجهة المأمور بها فهي فاسدة، ومن قال هي حق للمساكين لا فرق عنده بين القيمة والعين )).
وذكر الإمام السالمي إثر هذا مناقشة للمانعين ملخصها، أنه بثبوت مشروعية الزكاة لأجل الأصلين المذكورين، لا ينبغي أن ينسى أدقهما من أجل أجلاهما، فلعل الأدق هو الأهم، فإن سد خلة المحتاج أسبق الاعتبارين إلى الأفهام، وجانب التعبد في اتباع التفاصيل مقصد شرعي، وباعتباره صارت الزكاة قرينة للصلاة والحج في كونها من مباني الإسلام، وما من شك أن على المكلف جهداً في تمييز أجناس ماله وإخراج حصة كل مال من نوعه وجنسه وصفته، ويدل على أن التعبد مقصود بتعيين الأنواع أن الشرع أوجب في خمس من الإبل شاة، فعدل عن الإبل إلى الشاة لا إلى النقدين أو التقويم، وإن قدر أن ذلك لقلة النقود في أيدي العرب فهو مدفوع بذكره عشرين درهماً في الجبران مع الشاتين، فلم لم يذكر في الجبران قدر النقصان من القيمة، وما الداعي لتقديره بعشرين درهماً والشاتين إن كانت الثياب والأمتعة في معناها. (1/384)
صفحة 385
ونسب الإمام السالمي إلى أصحاب هذا الرأي قولهم: فهذا وأمثاله من التخصيصات يدل على أن الزكاة لم تترك خالية عن التعبدات كما هو الشأن في الضحايا والهدايا، فإنه لا تجزيء القيمة فيهما، لأن الشرع أوجب ذلك علينا، والواجب ما لا يسع تركه، ومتى ساغ غيره وسع تركه فلا يكون واجباً.
وأجاب الإمام السالمي عن هذا كله: بأن تخصيص الزكاة بأعيان الأموال إنما هو تسهيل على أرباب الأموال، لأن كل ذي مال يسهل عليه الإخراج من النوع الذي في يده، ثم إن الأمر بالأداء إلى الفقير إيجاب للرزق الموعود، بخلاف الهدايا والضحايا فإن المستحق فيه إراقة الدم، وهي لا تُعقَل، ووجه القربة في المتنازع فيه سد خلة المحتاج وهو معقول، على أن ذكر الدراهم في الجبران يدل على جواز إعطاء القيمة عن الغير، إذ لولا ذلك لكان الجبران من جنس المال، كما وجب في الخمس من الإبل شاة )).
وهذا الجواب ينم عن ميل الإمام السالمي إلى مذهب القائلين بجواز دفع القيمة، وإلى هذا جنح الإمام البخاري، وأفرد لذلك بابا في صحيحه وهو (( باب العرض في الزكاة ))، وذكر أوله الأثر الذي رواه طاوس عن معاذ ـ رضي الله عنه ـ أنه قال لأهل اليمن: ائتوني بعرض ثياب خميص أو لبيس في الصدقة مكان الشعير والذرة أهون عليكم وخير لأصحاب النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ بالمدينة.
قال ابن رشد: وافق البخاري في هذه المسألة الحنفية مع كثرة مخالفته لهم لكن قاده إلى ذلك الدليل. (1/385)
صفحة 386
وقال الحافظ ابن حجر في أثر معاذ: ( هذا التعليق صحيح الإسناد إلى طاوس لكن طاوس لم يسمع من معاذ فهو منقطع، فلا يغتر بقول من قال ذكره البخاري بالتعليق الجازم فهو صحيح عنده لأن ذلك لا يفيد إلا الصحة إلى من علق عنه، وأما باقي الإسناد فلا، إلا أن إيراده له في معرض الاحتجاج به يقتضي قوته عنده، وكأنه عضده عنده الأحاديث التي ذكرها في الباب، وقد روينا أثر طاوس المذكور في كتاب الخراج ليحيى بن آدم من رواية ابن عيينة عن إبراهيم ابن ميسرة وعمرو بم دينار فرقهما كلاهما عن طاوس.
وأجاب الإمام السالمي في معارجه عما ذكره الحافظ من انقطاع سند هذا الأثر ـ لأن طاوسا لم يسمع من معاذ ـ بما حكاه الحافظ بنفسه في التلخيص عن الإمام الشافعي أنه قال: طاوس عالم بأمر معاذ وإن لم يلقه، لكثرة من لقيه ممن أدرك معاذاً، وهذا مما لا أعلم من أحد فيه خلافاً.
وأجاب البدر العيني عما قيل من انقطاع سند الأثر ـ وسماه إرسالاً ـ بأن المرسل حجة عندهم أي الحنفية.
وحمل بعض المانعين هذا الأثر على أنه في الجزية لا في الصدقة، كما ذكره البيهقي وقال: هذا هو الأليق بمعاذ والأشبه بما أمره به النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ من أخذ الجنس في الصدقات إلى فقرائهم لا أن ينقلها إلى المهاجرين بالمدينة الذين أكثرهم أهل فيء لا أهل صدقة.
قال الحافظ: فإن ثبت ذلك سقط الاستدلال، لكن المشهور الأول، وقد رواه ابن أبي شيبة عن وكيع عن الثوري عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس أن معاذ كان يأخذ العروض في الصدقة.
ونقل الحافظ عن عبد الوهاب المالكي قوله: كانوا يطلقون على الجزية اسم الصدقة فلعل هذا منها.
وأجاب البدر العيني على من حمل الصدقة على الجزية بأربعة أوجه: ـ
أولها: أنه قال مكان الشعير والذرة، وتلك غير واجبة في الجزية بالإجماع، وهذا الوجه سبقه إليه الحافظ ابن حجر. (1/386)
صفحة 387
ثانيها: أن النصوص عليه لفظ الصدقة كما في لفظ البخاري، والجزية صغار لا صدقة، ومسميها بالصدقة مكابر.
ثالثها: أنه قاله حين بعثه رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ لأخذ زكاتهم، وفعله امتثال لما بعث من أجله وسببه وهو الزكاة، فكيف يحمل على الجزية.
رابعها: أن الخطاب مع المسلمين، لأنه يبين لهم ما فيه من النفع لأنفسهم وللمهاجرين والأنصار، فلولا أنهم يريدون المهاجرين والأنصار لما قال خير لأصحاب النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ بالمدينة وهم المهاجرون والأنصار، لأن الكفار لا يختارون الخير للمهاجرين والأنصار
ثم إن العلامة العيني ذكر بعض الإيرادات التي تعقب بها على الاستدلال بأثر معاذ وأجاب عليها.
منها: قولهم مذهب معاذ عدم جواز نقل الصدقات، أجاب عليه بأنه لا أصل له، لأنه لا ينسب إلى أحد من الصحابة مذهب في حياة رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ.
ومنها: ما نسب إلى الإسماعيلي من أنها لو كانت من الزكاة لم تكن مردودة على الصحابة، وقد أمره ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ أن يأخذ الصدقة من أغنيائهم فيردها على فقرائهم.
وأجاب عليه العيني: بأن ذلك ليس على إطلاقه، وإنما هو خير للفقراء منهم، وهو من باب حذف المضاف وإقام المضاف إليه مقامه، وما كان نقل الزكاة إلى المدينة إلا بأمر رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ الذي بعثه لذلك، ولأنه يجوز نقلها إلى قوم هم أحوج من الفقراء الذين هم هناك، وفقراء المهاجرين والأنصار أحوج للهجرة وضيق حال المسلمين في ذلك الوقت.
وذكر الحافظ بأنه أجيب هذا الإعتراض: بأنه لا مانع من أنه كان يحمل الزكاة إلى الإمام ليتولى قسمتها، وقد احتج به من يجيز نقل الزكاة من بلد إلى بلد، وهي مسألة خلافية أيضاً. (1/387)
صفحة 388
ثم قال العيني: فإن قلت قد قيل إن الجزية يومئذ من قوم عرب باسم الصدقة، فيجوز أن يكون معاذ أراد ذلك في قوله في الصدقة. قلت: قال السروجي قال هذا القاضي أبو محمد، ثم قال: ما أقبح الجور والظلم منه، وما أجهله بالنقل، إنما جاءت تسمية الجزية بالصدقة من بني تغلب ونصارى العرب بالتماسهم في خلافة عمر ـ رضي الله تعالى عنه ـ، فقال: هي جزية فسموها ما شئتم، وما سماها المسلمون صدقة قط.
فإن قلت قال الطرطوشي قال معاذ للمهاجرين والأنصار بالمدينة، وفي المهاجرين بنو هاشم وبنو المطلب ولا تحل لهم الصدقة، وفي الأنصار أغنياء لا تحل لهم الصدقة، فدل على أن ذلك جزية، قلت: قال السروجي ركة ما قاله ظاهرة جداً، وهو تعلق بحبال الهوى وخبط العشواء؛ لأنه أراد بالمهاجرين والأنصار من تحل له الصدقة لا من تحرم عليه، وكذا الجزية لا تصرف إلى جميع المهاجرين والأنصار بل إلى مصارفها المعروفين فافهم، فإن قلت إن قصة معاذ اجتهاد منه فلا حجة فيها، قلت: كان معاذ أعلم الناس بالحلال والحرام، وقد بين له النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ لما أرسله إلى اليمن ما يصنع به.
وقد أجاب بعين جوابه على الإعتراض الأخير الحافظ ابن حجر في الفتح.
وحمل بعضهم ما فعله معاذ على أنه كان واقعة حال لا دلالة فيها، لاحتمال أن يكون علم بأهل المدينة حاجة لذلك، وقد قام الدليل على خلاف عمله ذلك، وأجاب عنه الإمام السالمي: بأن الحاجة لا تبيح ما كان ممنوعاً، على أنه يمكنه أن يبيع الحب ويشتري الثياب فتندفع الحاجة. (1/388)
صفحة 389
وأنتم ترون أن محور الاستدلال لجواز دفع البدل عن الجنس في زكاته الأثر المروي عن معاذ ـ رضي الله عنه ـ وهو مذهب صحابي، والخلاف بين الأصوليين والفقهاء في حجية مذهب الصحابي مشهور، ولكن بما أن ما كان من معاذ لم يكن بعد عهد النبوة وإنما كان في زمن رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ وكان ما يأخذه من الأثواب في مقابل الحبوب الواجبة في الزكاة يبعثه إلى المدينة المنورة، حيث مستقر الرسول ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ لا يخامر العقل شك في أنه ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ كان على علم بصنيعه، وهذا يعطي الدليل دفعة من القوة لا يستهان بها، كيف وعند علماء الحديث أن قول الصحابي: كنا نؤمر بكذا أو ننهى عن كذا يعطي حكم الرفع، لأن قوله هذا يدل على أن الأمر والنهي المعنيين قد كانا في عهد النبوة، حيث يتلقى الكل الأوامر والنواهي التشريعية عنه ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ، غير أن انقطاع السند بين طاوس ومعاذ يوهي حجية هذا الأثر، أما ما أورده الإمام البخاري إثره من الروايات الصحيحة لعضد ما استدل به عليه، فإن دلالتها على ذلك أوهى من دلالة الأثر إذ لا تشتم إلا من بعيد.
هذا، ويبدوا واضحاً من أقوال علمائنا الذين جوزوا إعطاء البدل في الزكاة أنهم راعوا مصلحة الفقير وسد حاجته، والصور المحكية عنهم في ذلك توحي بأنهم متفاوتون في توسيع دائرة الرخصة وتضييقها. (1/389)
صفحة 390
ومن أمثلتها ما في منهج الطالبين للعلامة الشقصي قال: (( وسئل أبو الحواري ـ رحمه الله ـ عن رجل معه زكاة مثل حب أو تمر، فيرى فقيراً أو يتيماً فقيراً عرياناً فيأخذ له ثوباً فيعطى ثمنه من ذلك الحب أو التمر كما يكون السعر في البلد، فإن كان الذي تجب عليه الزكاة يشتري الثوب من عند غيره أو يعطى كراء النساج فلا بأس بذلك، وهو جائز في بعض القول، وإن أعطى الثوب من عنده أو عمله بيده وحسب ذلك من زكاته فلا يجوز، وقد قيل في بعض القول إن أعطى فقيراً ثوباً وحسبه من زكاته أن ذلك جائز، ويروى أن معاذ بن جبل ـ رضي الله عنه ـ قد فعل ذلك، وسواء كانت الزكاة من الحب أو التمر أو الورق، أشار بذلك على الفقير أو لم يشر عليه، أعلمه بذلك أو لم يعلمه إذا قبضه الفقير وصار إليه، وكذلك إن طحن من حب الزكاة أو خبزه وأطعمه الفقراء وابن السبيل فجائز ذلك كله، ولو كان في يوم العيد واشترى للفقير لحماً أو ضحية في يوم الأضحى جاز ذلك إن اشترى من عند غيره، وأما إن أعطاه من عنده وحسب ثمنه من زكاته فلا يجوز له ذلك على القول الذي نأخذ به، وأما فيما يروى عن معاذ بن جبل ـ رضي الله عنه ـ فهو جائز كان ذلك من عنده أو من عند غيره، وقول إنه لا يجوز من هذا كله شيء إلا أن يسلم الزكاة للفقير كما وجبت، ثم يفعل الفقير فيها بعد ذلك ما يشاء.
ويتخلص من هذا أن في المسألة ثلاثة أقوال: ـ
أولها: عدم جواز إعطاء البديل مطلقاً.
وثانيها: جوازه بشرط أن يشتريه صاحب المال من غيره، مراعاة منه لمصلحة الفقير لا أن يدفعه من عنده ابتداء، والظاهر أن هؤلاء نظروا إلى أن الجنس هو الأصل، وأن دفع غيره معاوضة، والمعاوضة لا تكون إلا بين متعاوضيين، فلا يجوز أن يكون البائع هو عين المشتري.
وثالثها: الجواز مطلقاً، أخذاً بما دل عليه الأثر المروي عن معاذ ـ رضي الله عنه ـ. (1/390)
صفحة 391
وفي منهج الطالبين أيضاً ما نصه: (( وفي جواب موسى بن محمد ما تقول فيمن وجبت عليه زكاة شعير، فأتاه فقير فقال له: تأخذ مني بدل ما يقع لك من زكاة هذا الشعير لك ذرة، أو وجبت عليه زكاة بر وأراد أن يفرقها فقال للذي يعطيه تأخذ مني بالذي أعطيك من زكاة البر شعيراً، ففعل ذلك الفقير، قال: إن فعلا ذلك برأيهما فلا بأس بذلك، إن كان ذلك بعدل من السعر، وقول إن ذلك لا يجوز، وقيل إنه يجوز أن يدفع الفقير من عليه زكاة بما على الفقير له من الدين ويبرأ من ذلك، وكذلك يجوز أن يقترض الفقير من صاحب الزكاة بالدراهم عروضاً على ما اتفقا عليه، وقيل إذا أقام الفقير وكيلاً يقبض له الزكاة جاز ذلك لمن يسلم له من الزكاة، وقيل لا يجوز ذلك على حال، وقيل يجوز ذلك إذا صار للفقير من يد الوكيل، وقيل إذا أنفذه الوكيل بأمر الفقير حيث يأمره بإنفاذه جاز ذلك، وقيل لا يجوز أن يدافع الفقير بما عليه من الدين بالزكاة، ولا يأخذ بالدراهم عروضاً ولا بالعروض دراهم من صاحب الزكاة، وأجاز ذلك من أجازه، ويروى أن معاذ بن جبل ـ رضي الله عنه ـ قال يفترض الثوب وغيره من العروض من الزكوات وهو وال على اليمن، وكان فقيه الأمة على عهد رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ )).
وفي هذا الكلام المحكي هنا تأكيد لما سلف من اختلاف العلماء في إعطاء الفقراء بدل ما يستحقونه من زكوات الأموال بسعره، مع إيراد الاختلاف في المقاصصة بين الفقراء وصاحب المال، وذلك بأن يحط الغني عن الفقير من دينه الذي عليه له بقدر ما يريد أن يعطيه من الزكاة، فقيل بجوازه مطلقاً، وقيل بعدمه على الإطلاق، وقيل بجوازه بشرط أن يكون للفقير وكيل يقوم مقامه، ولم يتبين وجه هذا الاشتراط فإن ما يمكن أن يقوم به الوكيل يمكن أن يقوم به الأصيل، والذين جوزوا ذلك لا ريب أنهم نظروا إلى مصلحة الطرفين، فإن صاحب المال يستفيد بذلك اقتضاء دينه، والفقير يستفيد به فكاك رقبته من ربقة الدين. (1/391)
صفحة 392
وفي المنهج أيضاً: (( سئل أبو محمد ـ رحمه الله ـ عمن يمسك زكاته حتى ينزل به ضيف يطعمه منها يريد بذلك توفير ماله؟ فقال: الذي حفظناه أن الزكاة لا يراد بها توفير المال ولا مكافأة، فإن نزل به أحد ممن يستحق الزكاة وأطعمه منها، وعرفه أنه من الزكاة من قبل أن يطعمه، فأرجو أن لا يكون عليه غرم ـ إن شاء الله ـ، وقال أبو سعيد ـ رحمه الله ـ: إن من وجبت عليه الزكاة في حبوب مختلفة رديء ووسط جيد، فقيل يجوز أن يعطى من الرديء والوسط بقيمته عن الجيد، وقيل لا يجوز إلا أن يخرج من الجيد عن الرديء مكوك بمكوك وكذلك من الوسط؛ لأنه يخرج الأفضل عن الأدون عند صاحب هذا القول، ولا تجوز عنده القيمة، وكذلك فيمن معه شيء من زكاة ماله، فأراد أن يأخذه ويعطي بدله، ـ قال ـ إذا ميّز ذلك من ماله ليؤديه ولم يكن أنفذه، فله الخيار إن شاء أمسكه وأعطى مكانه أفضل منه وإن شاء أنفذه، قيل له: وإذا كانت الزكاة من عنده، وأبدل منه ما هو أدون منه، إلا أنه أكثر منه هل يكون سواء؟ قال: إذا لم يكن مثلاً من الزكاة أو أفضل منها خرج بمعنى العروض في بعض ما قيل، ويختلف في أداء الزكاة من غير ما يلزم من العروض بالقيمة من الدنانير والدراهم، فأجاز ذلك بعض، ولم يجزه آخرون إلا أن يكون القابض إماماً أو والي إمام، لأن لهم الزكاة خاصة، فإن كانت لهم دون غيرهم فإن شاءوا أخذوها وإن شاءوا أخذوا بها ما شاءوا من غيرها، وليس كذلك الفقير في معاني هذا القول )). (1/392)
صفحة 393
ويستفاد من هذا الذي نقلناه أن من العلماء من يفرق بين أن يكون قابض الزكاة إمام المسلمين أو واليه، وبين أن تعطى الفقراء مباشرة، فيترخص في الحالة الأولى أن يكون الدفع من غير الجنس الواجبة فيه الزكاة، ولا يترخص في ذلك في الحالة الثانية، لأن الإمام أولى بالنظر في مصالح المسلمين جميعاً، ومن بينهم الفقراء الذين تجب لهم الزكاة لهم، فينظر في القبول والرفض ما يعود عليهم بالمصلحة، وهذا معنى كون الزكاة لهم دون غيرهم، إذ الإمام وولاته ليس لهم الاستئثار بالزكاة، وإنما غاية ما يخولونه فيها وفي غيرها النظر في مصالح الأمة.
تثمير أموال الزكاة:
حدد الله في كتابه مصارف معينة للزكاة في قوله عز من قائل: { إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ } ، ولا يجوز لأحد صرف الزكاة في غير هذه المصارف المشروعة بنص الكتاب، وما من شك أنه لا يتسنى لأي أحد أن يضعها بنفسه في جميع هذه المصارف، لتوقف ذلك في بعضها على وجود ولي أمر للمسلمين، يضع كل شيء في نصابه الشرعي، فيأخذ الزكاة بحقها ويضعها في مستحقها، إذ من هذه المصارف سبيل الله، وهو مصرف واسع يشمل وجوهاً شتى من مصالح الأمة في دينها ودنياها، والقائم برعاية ذلك كله هو ولي أمر المسلمين، الذي يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويقيم فيهم حدود الله وينفذ فيهم أحكامه، فإنه أجدر برعاية مصالحهم، وأحق بجمع صدقاتهم ووضعها حيث أمر الله، فيعطي الفقراء والمساكين والعاملين عليها وسائر الأصناف المفروضة لهم مستحقاتهم منها بحسب ما يقتضيه ميزان العدل، أما مع انفراط عقد المسلمين وعدم وجود من يقوم برعاية مصالحها، فإن كل واحد منهم مطالب بأن يتحرى الأمانة والعدل في أداء ما فرض الله عليه من زكاة ماله. (1/393)
صفحة 394
هذا، ولم أجد في شيء من كتب الفقه السابقة تعرضاً لاستثمار أموال الزكاة قبل وضعها في مواضعها، وإنما أفادت مراجع الفقه وغيرها ما ذكرته من قبل من اختلاف نظرة الفقهاء بين التوسعة والتضييق في بعض المسائل، بناء على اختلاف نظرتهم في ترجيح أحد الأصلين على الآخر، فمن راعى جانب التعبد شدد في ذلك، ومن راعى جانب المصلحة كان بخلافه.
ولئن كانت المصلحة هي المحور الذي يدور عليه الفقهاء الموسعون، فإن قضية الاستثمار يجب أن تكون موضوعة في إطار المصلحة، فيحكم بجوازه أو منعه بناء على ثبوتها أو انتفائها، إلا أنه لا يمكن أن يترك الحبل على الغارب في ذلك، فيباح لكل أحد أن يتصرف وفق ما يدعيه من المصلحة التي يراها، وإنما ولي أمر المسلمين الأمين هو بمثابة الوكيل الشرعي لهم جميعاً في رعاية مصالحهم، فإن وجد أن الزكاة قد سدت حاجة الفقراء والمساكين، وكانت بيده فضلة منها لو تركت لاستهلكت، فلا مانع في هذه الحالة ـ حسب نظري ـ من استثمار هذه الفضلة الزائدة عن حاجة أهلها فيما يعود عليهم بالنفع الأعم. (1/394)
صفحة 395
وربما كان في صنيع عمر ـ رضي الله تعالى عنه ـ عندما حبس الفيء على المسلمين لينتفعوا بريعه من غير أن يقتسموا أصله ـ ما يستأنس به لصحة هذا النظر وسلامة هذا الاتجاه، وكذلك صنيعه ـ رضوان الله عليه ـ عندما رأى الإسلام اشتد عوده وعظمت منته، وبسقت دوحته، ولم يكن بحاجة إلى استعطاف المؤلفة قلوبهم لاستدرار نفعهم واتقاء ضرهم، وقف عنهم سهمهم من الزكاة، وليس ذلك إلا لما أبصره من حكمة التشريع، وأدركه من أبعاد المصلحة، فإن مشروعية إشراكهم في الزكاة ما كانت إلا لاجتلاب نفعهم ودفع ضررهم، وبما أن المسلمين أصبحوا في غنى عن ذلك لما آتاهم الله تعالى من قوة، ووهبهم من تمكين، رأى ذلك الخليفة الراشد البصير أن بقية مصارف الزكاة هي أولى بالتوفير، فوقف عنهم هذا السهم، وكان ذلك على مرآى ومسمع من سادة الأمة المهاجرين والأنصار ـ رضي الله عنهم ـ، ولم يكن منهم نكير، فكان ذلك إجماعاً سكوتياً.
ولئن ساغ اجتهاد ولي الأمر في ذلك عندما يرى مصلحة الفقراء والمساكين متعينة في استثمار نصيبهم من الزكاة، بعد سداد خلتهم وإشباع مسغبتهم، فإنه لأحرى أن يجوز في نصيب المصرف السابع وهو سبيل الله، لأنه من أصله موكول إليه ومردود إلى نظره، وقد نص الفقهاء على أن له أن يشتري به ما يراه مصلحة للمسلمين لأجل إعلاء كلمتهم وحماية بيضتهم، ففي الإيضاح ما نصه: ( وكذلك جائز له ـ أي للإمام ـ أن بشتري من الصدقة العدة والسلاح والخيل للجهاد )، لأنه قال تعالى: { وَفِي سَبِيلِ اللّهِ } .
بل نص على أن عامل الإمام في الزكاة يجتهد وسعه فيما يعود بالمصلحة على أصنافها بعد ما يكون في يده إلى أن يدفعها إلى إمامه، ففي الإيضاح أيضاً: ـ (( وكذلك العامل هو الناظر فيما استعمل عليه، وفي جميع ما يصلح له البيع، وفي شراء ما يصلح له الشراء )).
ونحوه في النيل وشرحه. (1/395)
صفحة 396
ويقال مثل ذلك في سهام بقية المصارف، ما عدا العاملين، فإن ولي أمر المسلمين هو الناظر لمصلحتهم جميعاً، والراعي لحقوقهم، والمؤتمن على دينهم ودنياهم، ولابد له من استشارة فقهاء الأمة وذوي الخبرة والحنكة في مصالحها.
وخلاصة القول أن استثمار أموال الزكاة إنما ينبني جوازه على رأي الذين غلبوا الجانب المصلحي فيها، ولابد ـ في نظري ـ من أن يكون القائم بذلك هو ولي أمر المسلمين، نظراً لما هو الأصلح، وحرصاً على ما هو الأوفر لمستحقي الزكاة، مع استشارة لأهل النظر من خبراء وفقهاء، والله ولي التوفيق الهادي إلى سواء السبيل، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وحي السنة في خطبتي الجمعة (1/396)
صفحة 397
الحمد الله وكفى، وصلاته وسلامه على سيدنا محمد المصطفى، وعلى آله وصحبه وسائر عباده الذين أصطفى أما بعد. فإن خبر قدرة عرفه التأريخ، وأفضل إمام سار علىهديه الراشدون هو رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ، باب الهداية ومفتاح السعادة، لذلك كان التأسي به ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ آية الإيمان وكمال التصديق، قال الله تعالى: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا } ، ومن ثمَّ كانت سنته ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ مصدراً هاماً من مصادر التشريع فإنها مرآة تعكس معاني التنزيل، ومعالم يهتدي بها إلى حقائق التأويل، وما أحوج العالم والعامل إلى جعل السنة نصب أعينهما، يستوحيان بها الدراية، ويستمدان منها الهداية، وهذا شأن كل من أراد السلامة لنفسه ولكن السنة قد تشتبه أحياناً بالبدعة، بسبب التباس بعض الروايات ببعض، حتى يعرض الناس عنها حرصاً على سلامة دينهم من المحدثات ويلوموا من عملها كأنما ارتكب فجوراً أو أخل بلازم ومن سنة تثنية الخطبة يوم الجمعة والجلوس بين الخطبتين، فقد ظنها بعض أصحابنا ـ رحمهم الله ـ من محدثات معاوية بن أبي سفيان، فتركوها ولم يعملوا بها، بينما هناك فريق آخر عرف المسألة حق المعرفة، فحض على اتباع السنة فيها، وكلا الفريقين من أهل نحلة الاستقامة. (1/397)
صفحة 398
وفي هذا العصر وقع الإختلاف فيها بين مشائخ العلم بقطرنا، حتى بقي في نفوس بعض الناس خواص وعوام حرج على من عمل بها لعدم ايلافهم إياها، ولا غرو، فإن الطباع تشمئز مما تألفه، والقلوب لا تطمئن إلا إلى كان معروفاً عندها، ومن حيث إن إظهار الحجة ودرء الشبهة في هذه الحالة مما يلزم القادر، رأيت ضرورة كشف الستار عن حقيقة الموضوع، بنصب الأدلة وإظهار العلة، فإن الأقوال إن لم يؤيدها الدليل وتصدقها الحجة، ـ وإن جلت منزلة من قالها ـ لا قيمة لها عند من رام التحقيق، فما هي إلا كالهياكل التي فقدت الأرواح، أو كالمصابيح التي نضب منها الوقود وما أبلغ قول من أجاب ـ وقد سئل فيم لذتك ـ؟ فقال في حجة تتبختر اتضاحاً، وشبهة تتضاءل افتضاحاً، هذا وإلى القارئ الكريم ما فتح الله على عبده في المسألة والله ولي التوفيق.
حكم الخطبتين يوم الجمعة والجلوس بينهما: (1/398)
صفحة 399
إن الخطبتين في الجمعة والجلوس بينهما مما ثبت عن رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ، وعمل به أصحابه ـ رضي الله عنهم ـ، فقد روى البخاري عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال: ( كان رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ يخطب خطبتين يقعد بينهما )، وروى النسائي والدار قطني من هذا الوجه ( كان يخطب خطبتين قائماً يفصل بينهما بجلوس )، وروى الجماعة ابن عمر أيضاً قال ( كان النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ يخطب قائماً ثم يقعد، ثم يقوم كما تفعلون اليوم )، ولفظ البخاري ( كما تفعلون الآن )، وهو يدل على أن ذلك قد استقر عليه عمل الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ وقوله: ( ثم يقوم ) يعني يقوم خطيباً مرة ثانية، كما تدل عليه الروايات الأخرى، وأقوى ما يوضح ذلك حديث جابر بن سمرة ـ رضي الله عنه ـ الذي أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود عن سماك قال أنبأني جابر بن سمرة ( أن رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ كان يخطب قائماً ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب قائماً، فمن نبأك أنه كان يخطب جالساً فقد كذب، فقد والله صليت معه أكثر من ألفي صلاة )، وروى مسلم وغيره عن سماك عن جابر بن سمرة أيضا قال: ( كانت للنبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ خطبتان يجلس بينهما، يقرأ القرآن ويذكر الناس )، هذا كلام من صلى مع رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ أكثر من ألفي صلاة كما أخبر بنفسه، ويعني بقوله يقرأ القرآن ويذكر الناس حال الخطبة لا حال الجلوس بين الخطبتين، لما جاء في رواية ابن عمر التي أخرجها أبو داود قال: ( كان النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ يخطب خطبتين، كان يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ المؤذن ثم يقوم فيخطب ثم يجلس فلا يتكلم ثم يقوم فيخطب )، فقد استفيد من هذا الرواية أن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ لا يتكلم بشيء حال الجلوس بين الخطبتين، ورواية أبي داود لحدث ابن عمر هذا ـ وإن ضعفت بعبد الله العمري ـ فهي صالحة للتقوى بها على إيضاح إبهام (1/399)
صفحة 400
الرواية الصحيحة وأيضا فإن ذلك يتأيد بما ألف عند الجميع أن قراءة القرآن والتذكير إنما يكونان حال الخطبة لا حال الجلوس بين الخطبتين. هذا ما ثبت عن الهادي الأمين ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ في الصحاح والسنن ـ وكفى به حجة ودليلاً لمن أراد التأسي به ـ عليه صلوات الله وتسليماته ـ امتثالا لأمر الله سبحانه الذي يحض على اتباعه ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ وينص على جعل ذلك من مقتضيات الإيمان برسالته، فالله تبارك يقول { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ } ، ويقول سبحانه { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا } ، ويقول عز شأنه { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا } ، وقد أتت في هذا المعنى أحاديث صحيحة عن رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ، منها قوله: ( تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبداً، كتاب الله فما لم تجدوه في كتاب الله ففي سنتي )، وقوله ( إن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدي محمد..... إلخ ). ومن هنا كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان ـ رضي الله عنهم وأرضاهم ـ أحرص الناس على التأسي به ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ واتباع سنته والاستضاءة بنوره واستمداد المعارف من فيضه وهذه هي طريقة أهل الاستقامة، في الدين إذ لم يكونوا يعدلون بسنته ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ سنة أحد من الناس، ولا يرضون بتقليد غيره في أمور دينهم، فهذا الإمام شمس الدين أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني ـ رضوان الله عليه ـ حكى عنه أنه لما حج وزار قبره ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ قال مشيراً إلى القبر الشريف: ـ لا تقليد إلا لصاحب بهذا القبر، وأما الصحابة فهم أولى بالاتباع لعهدهم (1/400)
صفحة 401
برسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ، وأما التابعون فهم رجال ونحن رجال، حكى هذه القصة العلامة ابن أبي نبهان نقلاً عن والده البحر الزاخر الإمام أبي نبهان ـ رضي الله تعالى عنهما ـ، وناهيك بما قرره في ذلك حامل لواء السنة إمامنا نور الدين السالمي ـ رضوان الله تعالى عليه ـ في غير ما وضع من مؤلفاته الفائقة، ومن ذلك قوله في أنوار العقول:
والأصل للفقه كتاب الباري إجماع بعد سنة المختار
والاجتهاد عند هذي منعا وهناك من كان فيها مبدعاً
وهذه مقتطفات مما قاله في جواهره الموضوع:
نقدم الحديث مهما جاء على قياسنا ولا مراء
حسبك أن تتبع المختارا وإن يقولوا خالف الآثارا
فنحن حيث أمر القرآن لا حيثما قال لنا فلان
لأنني أقفوا الدليل فاعلما لم أعتمد على مقال العلماء
فالعلماء استخرجوا ما استخرجوا من الدليل وعليه عرجوا
فهم رجال وسواهم رجل والحق ممن جاء حتما يقبل (1/401)
صفحة 402
وهكذا شأن فحول العلماء، الذين لا يأسرهم التقليد ولا يمتلكهم الهوى فكيف يلام بعد هذا من عمل بسنة ثابتة لأجل مخالفة فلان أو فلان، على أنك تعلم أن الحديث إذا ورد عمل به ـ على الصحيح ـ في خصوصه وعمومه، وإن خالف مذهب الصحابي الذي رواه، لأن الحجة في روايته لا في مذهبه، مع احتمال أن يطرقه الذهول والنسيان وإذا كانت مخالفته الصحابي الراوي للحديث لا تلغي شيئاً من دلالة الحديث، ولا تسقط العمل بموجبه، مع أن الصحابي أدري بموجب الرواية وملابساتها، فكيف بمخالفة من عداه ولعمري لا أعجب ممن يرضي بتقليد من يخطئ ويصيب، ويعروه الذهول والنسيان، ويدع تقليد رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ المؤيد بالموحي، والمحفوف بالعصمة الموصوف بقول الله عز وجل { وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى[3] إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى } ، وهل عرف الدين إلا به، أم هل برزت الشريعة إلا من بابه ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ وهل يكون غيره ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ وإن امتطى السماء أو ناطح الجوزاء ـ إلا مدينا له ومتعبد باتباعه، إذا لا يمكن أن يهتدي إلا بهداه ولا أن يستضيء إلا بشمسه، فكيف يعارض قوله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ بقول غيره أو عمله بعمل سواه، والله در نور الدين السالمي ـ رحمه الله ـ حيث قال:
ولا تناظر بكتاب الله ولا كلام المصطفى الأواه
معناه لا تجعل له نظيراً ولو يكون عالما خبير (1/402)
صفحة 403
وحكم فعله في ذلك كحكم قوله، فإن أقواله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ وأفعاله وتقريراته تشريعات لأمته، على أنَّا نقول ليس في الخطبتين ولا في الجلوس بينهما ما يخالف طريقة أسلافنا ـ رحمهم الله ـ، فهذه آثارهم ـ بحمد الله ـ ناطقة بأن للجمعة خطبتين، وممن نص على ذلك الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن قيس الحضرمي ـ رحمه الله ـ في مختصر الخصال حيث قال: والذي يستحب فيه خطبتان أربع خصال إحداها الجمعة...... إلخ، وتابعه الإمام نور الدين السالمي ـ رحمه الله تعالى ـ في مدارجه حيث قال:
لجمعة عرفة عيدين يخطب فيهن بخطبتين
وتستحب سكتة بينهما حتى تكون تلك فصلا لهما (1/403)
صفحة 404
وبمثل هذا صرح في الحجج المقنعة، ونحو ذلك للشيخ إسماعيل في القواعد والقناطر، والشيخ عامر في الإيضاح، والإمام ضياء الدين عبد العزيز الثميني في النيل ـ رحمهم الله تعالى جميعاً ـ، غير أن الإمام نور الدين السالمي ـ رحمه الله ـ حكى عن أصحابنا أن المفروضة هي الخطبة الأولى، والثانية سنة يجوز تركها، وهو ظاهر كلام الإمام أبي إسحاق ـ رحمه الله ـ في خصاله، وهو الذي حكاه العراقي في شرح الترمذي عن مالك وأبي حنيفة والأوزاعي واسحق بن راهويه وأبي ثور وابن المنذر وأحمد بن حنبل ـ في رواية ـ، قال وإليه ذهب جمهور العلماء، كذلك في نيل الأوطار للشوكاني، وذهب الشافعي وأحمد في أشهر الروايات ـ ومالك ـ في رواية ابن المجاشون عنه ـ إلى اشتراط الخطبتين، وحكاه القاضي عياض عن عامة العلماء، وليس هذا موضع بحث أدلة القولين، وأما الجلوس بين الخطبتين فقد اختلف فيه أصحابنا ـ رحمهم الله ـ، منهم من استحنه ومنهم من كرهه، والخلاف مذكور في (( المذهب )) و(( النيل )) و (( القواعد )) و (( الإيضاح )) ونص عبارة (( الإيضاح )) قد اختلف أصحابنا في الجلوس بين الخطبتين قال بعضهم يجلس بين الخطبتين جلسة خفيفة وقد روى عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أنه خطب خطبتين وجلس جلستين، ولعله ذكر الجلسة قبل أن يخطب منتظراً لفراغ الأذان، ولذلك ذكر الجلستين والله أعلم. وما ذكر احتماله في الرواية عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ هو عين ما صرح به حديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ في بيان خطبة رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ على حسب رواية أبي داود المتقدم ذكرها، وعلى القول بالجلوس بين الخطبتين اقتصر الشيخ إسماعيل ـ رحمه الله تعالى ـ في (( القناطر )) حيث قال: ( وهما خطبتان بينهما جلسة خفيفة )، ولم يذكر قولاً آخر، وأنت إذا أوسعت المسألة بحثاً لم تجد للقول بكراهة الجلوس بين الخطبتين مستنداً إلا توهم بعض السلف أن ذلك أمر محدث، لم يفعله رسول الله (1/404)
صفحة 405
ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ ولا أبو بكر وعمر وعلي، وإنما أحدثه عثمان حينما كبر وشق عليه الاستمرار على أداء الخطبة قياماً، ومنهم من نسب ذلك إلى معاوية حينما كثر شحم ولحمه فشق عليه القيام، وقد صار هذا الظن متداولاً في الأسفار ينقله الآخر عن الأول، وهذا ما قاله الإمام ابن بركة ـ رحمه الله ـ في جامعه: ولم يرفع إلينا أن أبا بكر ولا عمر ولا علياً كانوا يجلسون، وإنما فعل ذلك عثمان في آخر سنه للكبر، وقال بعض معاوية هو الذي أحدث الجلوس ا هـ. وقد حذا حذوه في ذلك جميع العلماء الذين لم يروا الجلوس، وهذا نص كلام الإمام نور الدين السالمي ـ رضي الله عنه ـ في (( الحجج المقنعة )) ـ بعد أن ذكر الاختلاف فيمن أحدث الجلوس هل هو عثمان أو معاوية ـ قال وأنت خبير أنه إذا كان الجلوس بين الخطبتين محدثاً فالمندوب تركه، أما أولا فالتأسي بالسنة أولى من العدل إلى البدعة وإن كانت جائزة، وأما الثانية فلأن عثمان أو معاوية إنما أحدث الجلوس لما حصل له من العذر، لا ينبغي للصحيح الغير المعذور أن يتأسى بالمعذور، وإن كان فعل المعذور جائزاً ـ مثلاً ـ، إذا كان المشروع خلافه والفضل في غيره ا هـ. (1/405)
صفحة 406
فأنت ترى أن مدار احتجاجهم في عدم استحباب الجلوس على ظن حدوثه، ولكن من طلب الحقيقة من مظانها بالرجوع إلى كتب الحديث وتتبع الروايات الواردة في الموضوع ظهرت له بخلاف ما ظنوه وعرف منشأ هذا الظن الذي تداولته الألسنة وتناقلته الأقلام، حتى جرى من أفهام بعض مشائخ عصرنا مجرى اليقين وخلاصة الأمر أن الجلوس بين الخطبتين قد سنه الرسول ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ لم يحدثه عثمان ولا معاوية، وقد أسلفنا ذكر بعض الأحاديث الدالة على ذلك، ولكن قد إلتبس الأمر على بعض العلماء بسبب ما أحدثه عثمان وما أحدثه معاوية، أما عثمان فإنه لما تقدم في العمر استرخت قوائمه فلم يقدر على القيام حال أداء الخطبة فكان يتخلل خطبته جلوس غير الجلوس المشروع بين الخطبتين، وأما معاوية فإنه لما كثر شحم بطنه ولحمه شق عليه القيام فخطب جالساً، واقتدى به في ذلك بعض عماله وقد استجر ذلك إنكار أصحاب رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ عليه وعلى من اقتدى به من عماله وبفعل هؤلاء يعرض جابر بن سمرة حينما قال ـ بعد ما وصف خطبة النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ: ( فمن نبأك أنه كان يخطب جالساً فقد كذب، فقد والله صليت معه أكثر من ألفي صلاة )، وروى مسلم عن كعب بن عجرة ـ رضي الله عنه ـ أنه دخل المسجد وعبد الرحمن بن أم الحكم يخطب قاعداً فقال انظروا إلى هذا الخبيث يخطب قاعداً، وقال الله تعالى: { وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا } ، وفي رواية ابن خزيمة ( ما رأيت كاليوم قط إماماً يؤم المسلمين يخطب وهو جالس ) يقول ذلك مرتين، ولعل بعض الروايات التي وردت في قصة معاوية كانت سبباً للبس الحاصل، لعدم وضوح ألفاظها، كرواية ابن أبي شيبة عن طاوس: خطب رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ قائماً وأبو بكر وعمر وعثمان وأول من جلس على المنبر معاوية، فقد يوهم قوله ( وأول من جلس على المنبر معاوية ) أن مراده به (1/406)
صفحة 407
الجلوس بين الخطبتين، ولكن الرواية الأخرى تدفع هذا الإيهام، فقد روى ابن أبي شيبة عن طاوس أيضاً ( وأول من خطب قاعداً معاوية حين كثر شحم بطنه )، قال إمام المحدثين الحافظ بن حجر في الفتح هذا مرسل يعضده ما روى سعيد بن منصور عن الحسن قال: ( أول من استراح في الخطبة يوم الجمعة عثمان، وكان إذا أعيى جلس ولم يتكلم حتى يقوم، وأول من خطب جالسا معاوية )، وروى عن معمر عن قتادة ( أن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يخطبون يوم الجمعة قياماً، حتى شق على عثمان القيام فكان يخطب قائماً ثم يجلس، فلما كان معاوية خطب الأولى جالسا والأخرى قائماً )، هذه الروايات تجلو الحقيقة وتكشف اللبس مع أن المبصر إذا رأى رواية طاوس الأولى طالعته الحقيقة من ثناياها بعد دقة الإمعان، فإن قوله ( وأول من جلس على المنبر معاوية ) مسبوق بقوله ( خطب رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ قائماً وأبو بكر وعمر وعثمان )، وهي تقتضي أن جلوس معاوية حال الخطبة لا بين الخطبتين، فإنه بذلك يكون التضاد بين فعله وفعلهم، وبهذا كله تعلم لأن ما نقله الإمام نور الدين السالمي ـ رحمه الله ـ عن طاوس أنه قال ( الجلوس يم الجمعة بدعة، وأول من فعله معاوية، ثم ردوه من بعد ) يريد به الجلوس حال الخطبة لا بين الخطبتين ـ كما حمله عليه الإمام ـ، وهو ظاهر فيما نقله عن الشافعي أنه قال إنما خطب معاوية جالسا حين كثر شحم بطنه ولحمه. ثم إن الإمام نور الدين السالمي ـ رحمه الله ـ بعد ما قرر في من استحبه من أصحابنا ـ رحمهم الله ـ ومن خلال ذلك استشف حقيقة ما أحدثه معاوية، وإليك عبارته بتمامها قال: وما ذكرته من أن الجلوس بين الخطبتين محدث هو عين ما صرح به الأصحاب ـ رحمهم الله ـ وقيل إنه غير محدث وأن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ قد فعل ذلك ففي كشف الغمة ( أنه كان ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ يخطب قائماً ويجلس بين الخطبتين ويقرأ القرآن (1/407)
صفحة 408
ويذكر الناس )، ولعل الشافعي استدل بهذا الحديث فأوجب الجلوس بين الخطبتين، وحينئذ فيشكل ما قاله من وجوب الجلوس بين الخطبتين، مع قوله إنما خطب معاوية جالساً حين كثر شحم بطنه ولحمه ويجمع بين قوليه بأن يقال: أن الذي حكاه عن معاوية هو الجلوس في حال الخطبة وأن الذي أوجبه هو الجلوس بين الخطبتين والله أعلم. وذكر صاحب القواعد عن بعضهم استحباب الجلوس بين الخطبتين، ولعله لأجل ما روى من الحديث المتقدم ذكره، ففي استحباب الجلوس حينئذ قولان لأصحابنا، وعلى القول باستحبابه فهو جلسة خفيفة لا يتكلم فيها الخطيب بشيء والله أعلم ا هـ. كلامه رحمه الله.
وإذا استقر أن في المذهب قولين في المسألة، فهل الأجدر بالعاقل أن ينساق وراء القول العاري من الدليل إلا مجرد وهم اصطبغت به أفكار بعض العلماء، أو الوقوف مع السنة الثابتة عن رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ، إني لا أخال أحداً ممن يريد السلامة لنفسه يختار الوجه الأول، إلا إذا آثر الرجوع من البصيرة إلى العمى، ومن الحقيقة إلى الوهم، وأما قول ابن بركة ـ رحمه الله ـ ولم يشاهد مشائخنا بحضرموت يجلسون فنحن على فعلهم، فمردود بأن السنة هي الحجة على فعلهم، وليس فعلهم حجة على السنة، ونحن معشر أهل الحق والاستقامة أولى الناس بتتبع السنة واتباعها، وإيثارها على كل حجة بعد كتاب الله تعالى، وإحياء ما اندرس من رسمها، وما أحوجنا اليوم ـ ونحن في عصر هبت فيه عواصف الزيغ والإلحاد، فأطفأت مشاعل الحق، وطمست معالم الحقيقة، ونشرت أوبئة الفساد ـ أن نحرص على اتباع هدى نبينا ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ وتطبيق سنته وعدم التساهل في شيء منها. (1/408)
صفحة 409
هذا ولا ريب أن كثيراً من الناس يقولون: كيف تخفى هذه السنة على جهابذة العلماء المتبحرين، وتظهر لأمثالكم من الضعفاء، وشتان بين الأرض والسماء، وأين الغزالة من الذبابة؟ والجواب: أن من استقرأ أحوال العلماء لم يدر بباله هذا الأشكال، فكم رأينا عالما خفي عليه ما ظهر لمن هو أقل منه علما بمراحل، والإحاطة بسنته ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ مستحيلة حتى على أكابر المحدثين، كما بينه العلامة ابن تيمية في دفع الملام عن الأئمة الأعلام، كيف وهؤلاء أصحاب رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ الذين كانوا أكثر الناس التصاقا به واطلاعا على أحواله، وحفظا لسنته، قد كانوا بحيث يخفى على أحد كبرائهم من سنته ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ ما يرويه له من هو أقل منه صحبة، وأدنى منه مرتبة وأيسر منه علما، ناهيك بالعمرين اللذين كانا ـ رضي الله عنهما ـ بحيث لا يجهل قدرهما علما وعملا وملازمة للرسول ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ، وعدم الانفكاك عن صحبته، ومع ذلك فقد خفي عنهما كثير من سنته ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ، مما حفظه غيرهما ممن لا يعتبر من كبار الصحابة، وقد اضطرا إلى البحث والسؤال عما حفظ عن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ مرارا عديدة، فوجدا ضالتهما عند من لا يقاس ما عنده بعشر ما عندهما، ولم يكن في ذلك حط لقدرهما ولا خفض لمنزلتهما، وأيضا فإن الذهول والنسيان مما جبل عليه البشر، فقد يطلع العالم على حديث ثم ينساه ويعمل بخلافه، ولذلك تجد كثيرا من أئمة الحديث تخالف آراؤهم ما رووه وصححوه عن سيد البشر ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ، ومن بين هؤلاء بعض كبار أئمتنا فهذا الإمام المحدث أبو عبيدة مسلم بن أبي كرمة التميمي ـ رضوان الله تعالى عنه ـ نجد له في المدونة وغيرها من الأسفار من الآراء ما يخالف ما ثبت من طريقه من المسند الصحيح من أحاديث لا مرية في صحتها، كتحديد مدة الحيازة بعشرين عاما، مع أنه روى تحديدها بالعشر بإسناد (1/409)
صفحة 410
صحيح، وكقوله بكراهة التنزيه في ذوات الناب من السباع والمخالب من الطير، مع أنه روى عن جابر بن زيد عن أبي هريرة ـ رضي الله عنهما ـ عن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ أنه قال ( أكل ذوات الناب من السباع والمخالب من الطير حرام )، ومثل ذلك وقع لتلميذه الإمام الحافظ الحجة الربيع بن حبيب ـ رضوان الله عليه ـ فيما رواه المسند الصحيح من الأحاديث، ونقل عنه من الآراء، فهل يظن بهما أنهما يتعمدان مخالفة السنة، أو أنهما يدلسان في روايتها، كلا والله، بل هما أورع من ذلك وأنزه، وأحرص على اتباع الحق وأبعد من الحوم حول الباطل، وما علينا إلا أن نحملهما على حسن الظن، وأن لا شك في صحة ما روياه وفي وجوب العمل به. (1/410)
صفحة 411
وباستقراء هذه الحقائق يتجلى إمكان خفاء سنة الجلوس بين الخطبتين على بعض أسلافنا ـ رحمهم الله ـ، وأن ذلك لا يخل بمقامهم ولا ينقص من أقدارهم، كما أن ذلك لا يقتضي ترك هذه السنة عند من ثبتت عنده، ولا يقتضي القدح في رواية من رواها، فإن الإحاطة بجميع السنة ـ أمر مستحيل ـ كما قلنا والله سبحانه وتعالى قال في كتابه { وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } ، ومن رجع إلى آثار السلف وجد فيها رداً لأحاديث رواها الإمام الربيع بن حبيب ـ رحمه الله ـ بأصح إسناد عندنا، فهذا العلامة ابن مداد ـ رحمه الله تعالى ـ قال: إن حديث العرنيين غير صحيح مع أن الحديث في المسند الصحيح للإمام الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنهم ـ عن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ، وقد تجاسر ابن مداد ـ عفى الله عنه ـ على إنكاره لعدم إطلاعه عليه فالله المستعان، ووقع مثل ذلك لكثير من العلماء كالإمام ابن أبي نبهان الذي أنكر حديث سنة الزوال الثابت في المسند الصحيح وغيره من كتب الحديث المعتبرة، وقد جره إنكار الحديث إلى القول بكراهة هذه السنة الشهيرة، وعزا ذلك إلى أبيه العلامة الكبير أبي نبهان ـ رضي الله تعالى عنه ـ، وكالإمام ابن بركة الذي قال: إن أبا عبيدة ومالكاً كانا متعاصرين وكانا يطعنان في حديث أبي هريرة في تحريم ذوات الناب من السباع، وهو الحديث المتقدم ذكره مع أنك تعلم أن أبا عبيدة هو الذي روى هذا الحديث بإسناد أشهر صحة من الشمس في رابعة النهار، وكذلك رواه أئمة الحديث عنه قومنا من طرق صحيحه، حتى أن بعضهم وصفه بأنه متواتر، وإنما أوهم ابن بركة أن هذين الإمامين يطعنان في الحديث ما روى عنهما من القول بكراهة السباع فقط، مع أن ذلك لا يعني طعنهما في الحديث، على أن الإمام مالكاً قد صدر كلامه في هذه المسألة في المدونة بالتحريم حسبما جاء به الحديث، وقد تابع ابن بركة على هذا الظن الإمام نور (1/411)
صفحة 412
الدين السالمي ـ رحمه الله ـ في المشارق، مع جلالة قدره وعلم كعبه في علم الحديث وسائر علوم الشريعة، ثم أنه ـ رضي الله عنه ـ انتبه لهذا الخطأ فرده في شرحه الحافل على مسند الإمام الربيع بن حبيب ـ رحمه الله ـ، ومثل هذا يقع كثيراً من العلماء المحققين للدلالة على نقص البشر وعلى انفراد الله بالكمال.
وبعد: فإني لا أظن شكا يبقى في مسنونية الخطبتين للجمعة والجلوس بينهما لذلك أهيب بمشائخ العلم وأئمة الجمع أن يحيوا هذه السنة، ليحرزوا أجرين: أجر أحيائها وأجر إرشاد الناس إليها، وإبادة الشك الذي لابسهم فيها، ـ وإن كنت لا أقول بوجوبها ـ إلا أن في اتباعه ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ ما لا يجهل من الفضيلة التي يجب الحرص عليها والمسابقة إليها، ولا يظنن أحد أنني أردت بما كتبت الرد على أحد أو النيل منه، فتالله لم يكن ذلك من مقصدي، ولكنني أردت إزالة الحرج الذي وجده بعض إخواننا في صدورهم على من عمل بهذه السنة، والنصيحة لهم ليعيدوا ويمعنوا النظر فيها، إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنبت، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
مسجد الضرار (1/412)
صفحة 413
الوصية لا تغير حكماً من أحكام الشريعة، فلا تُحلُّ حراماً ولا تحرم حلالاً، ولا تُحِقُّ باطلاً ولا تُبطلُ حقاً، فكما لا يجوز للإنسان أن يعتدي في حياته على ملك غيره فيبنيّ في أرضه مسجداً بغير إذنه، كذلك حكم الإيصاء به، فلا تثبت به الوصية إن أوصى به بعد مماته، وكما لا يجوز بناءُ مسجد يؤدي إلى مضارة أحد بعينه أو بمصلحة عامة للناس، فكذلك الوصية به بعد الوفاة، وكما لا يحل لأحد أن يبني في حياته مسجداً بجوار مسجد يضر به ويفرق جماعته، كذلك الوصية به لا تصح ولا يجوز إنفاذها، إذ لا فرق في مثل هذه الأمور بين أن يفعلها الإنسان بنفسه أو يوصي بها بعد موته، لأن الوصية شرعت لتكون قربةً إلى الله يستدرك بها الإنسان بعد مماته ما فاته من صنيع الخير في حياته، ليكون رصيداً يُحسبُ له يوم الحساب، فكيف يباح ويصح الإيصاءُ بما خالف الحق؟ ! وبناءُ المساجد من القربات التي تزيد في الإيمان، ويرتقي بها صاحبها أوج معارج الفضل، قال تعالى { إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ } وفي الحديث عن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ " من بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة "، وبما أنه من القربات إلى الله فإنه يجب أن يكون مضبوطاً بضوابط الشرع، غير خارج عن حدود الله، فإن كلَّ عمل خرج عن حدود الله أدى إلى سخطه ـ والعياذ بالله ـ، من أجل ذلك نزل ما نزل من التشديد في مسجد الضرار الذي بناه المنافقون في عهد رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ، فقد نهى الله نبيَّه ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ عن الصلاة فيه والقيام به، قال تعالى { وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ (1/413)
صفحة 414
مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ[107] لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ } ، وفي قوله تعالى هذا ما يؤذن بأن كل مسجد لم يؤسس على التقوى لا يعطى حكم المساجد الشرعية، ولا تحل الصلاة به، لأنه لا حق في حكمه بمسجد الضرار، والصفات الأربع التي كانت لمسجد الضرار، وكانت مقصد الذين اتخذوه وهي: الضرار والكفر والتفريق بين المؤمنين والارصاد لمن حارب الله ورسوله كل منها علة مؤثرة في الحكم، مستقلة بترتب امتناع الصلاة في المسجد الذي تلبست به عليها، ولا يلزم اجتماعها جميعاً، أرأيتم لو بني المسجد لمجرد الإرصاد لمن حارب الله ورسوله، من غير أن يكون معه تفريق بين المؤمنين ولا غير ذلك مما ذكر، هل يقال بجواز الصلاة فيه؟ كلاَّ وألف كلاَّ، فكيف يقال بجواز الصلاة في مسجد بني لتفريق الجماعة؟ ! وقد فهم ذلك أهل البصائر من علماء السلف والخلف على اختلاف مذاهبهم الفقهية، فألحقوا بمسجد الضرار كل ما كان له شبهّ به، وفي مقدمة هؤلاء الصحابة الكرام ـ رضي الله عنهم ـ، وإليكم بعض نصوص أهل العلم في ذلك: ـ
• ... قال قطب الأئمة ـرحمه الله ـ في (( تيسير التفسير )) ( 5/152 ): وعن عطاء لما فتح الله الأمصار على عمر ـ رضي الله تعالى عنه ـ أمر المسلمين أن يبنوا المساجد وأن لا يتخذوا في مدينة مسجدين يضارُّ أحدهما صاحبه، وروى عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أنه كتب إلى عماله وأمرهم أن يهدموا كل مسجد ضارَّ آخر ـ يعني هدم المسجد الحادث الضًّار لسابقه ـ.
• ... قال القطب ـ أيضاً ـ في " هيميان الزاد " ( ج7 ق2 ص257 ): وكل مسجد بني ضراراً أو رياءً وسمعةً أو لغير الله مطلقاً فحكمه حكم مسجد الضرار. ثم ذكر قصة عمر. (1/414)
صفحة 415
• ... وذكر ذلك ـ أيضاً ـ كلا من البغوي في تفسيره ( 3/ 148 )، والخازن في تفسيره ( 3/ 148 ) ط. مصطفى البابي الحلبي.
• ... وذكر مثل ذلك ـ أيضاً ـ نظام الدين النيسابوري في " غرائب القرآن ورغائب الفرقان " ( 7/ 18 ) ط. دار المعرفة للطباعة والنشر.
• ... قال الزمخشري في كشافه ( 2/ 214 ) ط. دار المعرفة: وقيل كل مسجد بني مباهَاة أو رياءً أو سمعة أو لغرض سوى ابتغاءه وجه الله أو بمال غير طيب فهو لاحق بمسجد الضرار، وعن شقيق أنه لم يدرك الصلاة في مسجد بني عامر فقيل له: مسجد بني فلان لم يصلوا فيه بعد، فقال: لا أحب أن أصلي فيه، لأنه بني على ضرار. وكل مسجد بني على ضرار أو رياء أو سمعة فإن أصله ينتهي إلى المسجد الذي بني ضراراً، ثم ذكر حكاية عطاء لقصة عمر ـ رضي الله عنه ـ.
• ... قال القرطبي في تفسيره " الجامع لأحكام القرآن " ( 8/ 254 ) ط. دار إحياء التراث العربي: قال علماؤنا لا يجوز أن يبنى مسجد إلى جنب مسجد، ويجب هدمه والمنع من بنائه، لئلا ينصرف أهل المسجد الأول فيبقى شاغراً، وذكر بعده منع تعدد الجوامع التي تصلى فيها الجمعة في المصر الواحد وأورد قصة شقيق ـ إلى أن قال ـ: قال علماؤنا: وكل مسجد بني على ضرار أو رياء أو سمعة فهو في حكم مسجد الضرار لا تجوز الصلاة فيه.
• ... قال العلامة السيد محمد رشيد رضا في تفسيره " المنار " ( 11/ 39 ) ط. دار المعرفة ـ عند تفصيله أغراض بناء مسجد الضرار ـ: ( 3 ) التفريق بين المؤمنين الذين هنالك، فإنهم كانوا يصلون جميعاً في مسجد قباء، وفي ذلك من مقاصد الإسلام الاجتماعية ما فيه، وهو التعارف والتآلف والتعاون وجمع الكلمة، ولذلك كان تكثير المساجد وتفريق الجماعة منافياً لمقاصد الإسلام ـ إلى أن قال ـ: وهذا يدل على أن بناء المساجد لا يكون قربة مقبولة عند الله إلا إذا كان بقدر حاجة المؤمنين المصلين، وغير سبب لتفريق جماعتهم... إلخ. (1/415)
صفحة 416
• ... تابعه على ذكر ذلك العلامة المراغي في تفسيره ( 11/ 25، 26 ) ط. دار إحياء التراث العربي.
• ... بين ابن العربي الحكمة مما ذكر بقوله في كتاب " أحكام القرآن " ( 2/ 1013 ) ط. دار المعرفة: وهذا يدلك على أن المقصد الأكثر والغرض الأظهر من وضع الجماعة تأليف القلوب والكلمة على الطاعة، وعقد الذمام والحرمة بفعل الديانة، حتى يقع الأنس بالمخالطة، وتصفو القلوب من وضر الأحقاد والحسد.
• ... قال الجصاص في كتاب " أحكام القرآن " ( 3/ 157 ) ط. دار الكتاب العربي: قوله تعالى { لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ } فيه الدلالة على أن المسجد المبني لضرار المؤمنين والمعاصي لا يجوز القيام فيه، وأنه يجب هدمه، لأن الله نهى نبيه ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ عن القيام في هذا المسجد المبني على الضرار والفساد، وحرم على أهله قيام النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ فيه، إهانة واستخفافاً بهم، على خلاف المسجد الذي أسس على التقوى.
• ... قال ابن حزم في المحلى ( 4/ 44 ) ولا تجزي الصلاة في مسجد أحدث مباهاة أو ضرراً على مسجد آخر، إذا كان أهله يسمعون نداء المسجد الأول، ولا حرج عليهم في قصده، والواجب هدمه وهدم كل مسجد أُحدث لينفرد فيه الناس كالرهبان ـ إلى أن قال ـ: وعلى قدر ما بناها ـ عليه السلام ـ بالمدينة لكل أهل محلة مسجدهم الذي لا حرج عليهم في إجابة مؤذنه، وما واجب تغييره، ثم قال: وقد هدم ابن مسعود مسجداً بناه عمر بن مسعود بظهر الكوفة، ورده إلى مسجد الجماعة. (1/416)
صفحة 417
• ... قال الإمام نور الدين السالمي ـ رحمه الله تعالى ـ في المعارج ( 6/ 66 ) وينهى عن تكثير المساجد وتقاربها في البلد الواحد، لما يؤول في ذلك من تشتت الجماعات وتفرق الأصحاب، وتقليل العمارة للمساجد، وتقوية الأجر الحاصل بكثرة الجماعة، وقال في موضع آخر منه ( ص68) ـ بعد أن ذكر الأحاديث الواردة في فضل بناء المساجد ـ: ولعمري إن ذلك العموم مخصص، فلا يصح إبقاؤه على ظاهره، إذ لو جاز ذلك للزم أن يجوز بناء المساجد على عدد البيوت في القرية، ولا قائل بذلك، وما هو إلا منكر لو فعله أهل قرية وجب الإنكار عليهم، ولا يسمع تعللهم بأنهم لم يريدوا ضراراً.
هذا ونصوص أهل العلم في هذا أكثر من أن يحصيها يراع أو يتسع لها سفر، وما أوردناه كاف في تبيان منهجهم الحق، ولئن كان الحكم الشرعي فيما بني من المساجد مجاوراً لغيره بحيث يؤدي إلى تفريق جماعته هدمه ـ إن كان قائماً ـ، فكيف يسوغ إنشاؤه من جديد؟ إنه لمنكر لا قرار له في حكم الإسلام، ولو أوصى به من أوصى، فإن الوصية ـ كما قلت ـ لا تحق باطلاً، فكيف إن كانت أرضه غير مملوكة للموصي، ولم يقره مالكها على وصيته فيها، أو كان ـ مع ذلك ـ يؤدي بناء المسجد فيها إلى مضرة أحد بعينه، أو مضرة لمصلحة عامة الناس؟
وقد نص العلماء على حرمة بناءه المسجد في الأرض المغتصبة، على أن كل ما كان بخلاف مقتضى الشرع فهو مردود، لقول النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " ( 1 )، وفي رواية " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " ( 2)، ورفع المضار أياً كانت من مقاصد الشريعة الغراء، وفي الحديث " لا ضرر ولا ضرار في الإسلام " ( 3 )، ولا داعي إلى إيراد ما قالوه في ذلك لشهرته.
هذا، ولأن المساجد بيوت الله المقدسة التي لم يأذن سبحانه فيها إلا بما يؤذن بقدسيتها، كان بناؤها في رأي أهل العلم موقوفاً على التشاور بين أهل الصلاح والنظر والاتفاق عليه. (1/417)
صفحة 418
• ... قال الشيخ عامر ـ رحمه الله ـ في الإيضاح ( 2/ 560 ): وإن أرادوا أن يبنوه فليشاوروا أهل دعوتهم بعد اتفاق من أهل المنزل على ذلك، وإن لم يتفق خيار أهل المنزل على بنيانه فلا يبنوه حتى يتفقوا.
• ... وقال صاحب النيل وشارحه ـ رحمهما الله ـ ( 5/ 235 ): ( وإن أرادوا بناءه شاورا فيه أهل ) أي خيار أهل ( دعوتهم وإن غير منزلهم بعد اتفاق ) خيار ( أهله ) ـ أي أهل المنزل ـ ( عليه لا إن لم يتفق عليه خيار أهله ) ولا تعتبر فيه غير الخيار.
• ... وقال شيخنا ابن جميّل ـ رحمه الله ـ في سلك الدرر ( 2/ 50 )
يبنونه من بعد الائتمار على اتفاق الصلحا الأخيار
وبناءً على هذا كله فهذه الوصية باطلة لا تصح، وإنما يسوغ للورثة مع اتفاقهم أن ينقلوا هذا المبلغ الموصى به إلى حيث تكون الحاجة داعية إلى بناء مسجد على رأي الصلحاء الأخيار واتفاق أهل المحلة، من غير إضرار بمسجد ما أو مصلحة ما، وفي ذلك المثوبة والأجر ـ إن شاء الله ـ. (1/418)
صفحة 419
هذا ولم أرد بإيراد ما أوردته من كلام أهل العلم مع الدليل الشرعي من كتاب الله إلا التنبيه على خطأ ما يقع فيه الناس من تكثير المساجد في الحي الواحد، مما أدى إلى فرقة الجماعات وتشتتها، ولئن ساغ شيء من التسامح في ذلك في المدن المكتظة بالعمارات الغاصة بالسكان الذين تضيق بهم المساجد القائمة، فكيف يمكن التسامح بمثله في القرى، مع أن المساجد التي بها تكفي لأضعاف المصلين، على أن كثيراً من هؤلاء يشحون ببناء المساجد في الأماكن التي هي أحوج إليها ـ وما أكثرها ـ، فيستحبون أن ينفقوا أموالهم حيث يأثمون بدلاً من إنفاقها حيث يؤجرون، وهذا كله ناشئ إما عن الجهل وإما عن الحمية، فلا يرضى أحدهم أن يبني مسجداً إلا في قريته أو عند عشيرته، وذلك منافْ لهدي الإسلام الداعي إلى التلاحم والتآلف بين جميع أتباعه، من غير التفات إلى هذه العصبيات الباطلة الممقوتة، ومما زاد الطين بلة سكوت أهل العلم في عصرنا عن هذا المنكر، وهو مما يجب عليهم تغييره، وتعريف عوام الناس به، والله أعلم وعليه قصد السبيل، وهو المستعان على كل شيء، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. (1/419)
صفحة 420
فتاوى النكاح
النفقة
فيمن طلق زوجته، وهي حامل، فهل يجب عليه أن ينفق عليها حتى تضع حملها؟
نعم يجب على المطلق أن ينفق على مطلقته الحامل حتى تضع حملها، وعليه أجرة الإرضاع من بعد؛ لقوله تعالى: { وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فإن أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } ( ) والله أعلم.
ما قولكم فيمن طلق زوجته، وتصالحا على دفع نفقة لأولاده من غير حكم حاكم، ثم بعد ذلك نكث في عهده، وقطعها عنهم، فهل يلزم بدفعها لهم؟
بما أنه ألزم نفسه ذلك في صلح يعترف به، نرى لزوم ذلك عليه، لحديث: »الصلح جائز إلا صلحًا أحلَّ حرامًا أو حرَّم حلالاً«( ) وهذا الصلح ليس فيه أحد هذين الأمرين، لذلك رأيت إمضاءه حكمًا، والله أعلم.
توفي زوجي، وله أولاد من غيري، فهل تحق لي النفقة؟ وهل لي شيء من الميراث؟ ولي دين على زوجي، فهل يحق لي استرداده بعد وفاته؟
أما النفقة؛ فلا نفقة للمعتدة عدة الوفاة، وأما حقك من الإرث؛ فهو الثمن مع الأولاد إن لم يكن له زوجة أخرى، وأما ما لك عليه من دين؛ فإن ثبت ذلك بالحجة المقبولة شرعًا، فهو يخرج من التركة قبل قسمة الميراث، والله أعلم.
1. ... هل تستحق المسلمة المطلقة من زوجها طوال حياتها لعدم وجود مصدر آخر لها؟ مع تأويل آيتي 241 و 242 من سورة البقرة وهما: { وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } ؟ (2/1)
صفحة 421
النفقة للمطلقة واجبة على المطلق في خلال العدة فقط، وذلك في الطلاق الرجعي دون البائن، اللهم إلا أن تكون المطلقة المبتوتة حاملاً، ففي هذه الحالة تجب لها النفقة إلى أن تضع حملها، بدليل قوله تعالى: { وَإِن كُنَّ أُوْلَتِ حَمْلٍ فَأَنفْقُواْ عَلَيْهنَّ حَتىَّ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فإن أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَاَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمَرُواْ بَيْنَكُم بِمَعَروُفِ وَإِن تَعَاَسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى } ( ) والدليل على عدم النفقة للبائن، إن لم تكن حاملاً حتى في العدة، حديث فاطمة بنت قيس التي طلقها زوجها فبتَّ طلاقها، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم تسأله عن النفقة، فلم يجعل لها نفقة ولا سكنى، وهو ثابت عند أئمة الحديث وعليه العمل، نستخلص من كل ذلك أنه لا نفقة للمطلقة بعد العدة، وإنما استحقت النفقة والسكنى في خلال العدة للعلاقة الباقية بينهما، وذلك أن الزوج أملك بها في خلال العدة، كما يدل عليه قوله تعالى: { وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدّهِنَّ فِي ذَلِكَ } ( )، وإذا لم تكن نفقة للمتوفى عنها زوجها ولا للبائن غير الحامل أثناء عدتهما مع أنهما مأمورتان بالانحباس عن الزواج حتى تنتهي العدة، فمن باب أولى أن لا تكون النفقة للمطلقة بعد عدتها. (2/2)
صفحة 422
أما آيتا (141و142) من سورة البقرة فمدلولهما لزوم المتعة للمطلقة من قبل مطلقها، وهي عبارة عن شيء من المال يمكن الاستمتاع به من غير تحديده بمقدار، ولا يعني ذلك أنها مدد دائم بل هي عطية مقطوعة، من غير خلاف بين علماء الأمة، على أن كثيرًا منهم حصر وجوب المتعة للمطلقة فيما إذا كانت غير مدخول بها ولا مسمى لها صداق، تخصيصًا لهذا العموم بقوله تعالى: { لَّا جُنَاحَ عَلَيِكْمُ ْإِن طَلَّقْتُمُ الَنِسَاءَ مَالَمْ تَمَسَّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتَعِوُهُنَّ عَلَىَ اَلْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى اَلْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَعَا باَلْمَعْرُوفِ حَقًَّا عَلَى اَلَمُحْسِنِينَ } ( ) والله أعلم.
ما قولكم فيمن توفي عنها زوجها وهي حامل، فهل تحق لها النفقة من تركة الزوج؟ أم لها نصيبها من التركة وتنفق على نفسها؟
الأشهر أنه لا نفقة لها من تركة الزوج، وإنما النفقة من مالها، وإن كانت حاملا، والله أعلم.
إذا أبت المطلقة المكوث في بيت زوجها، وخرجت منه، فهل على زوجها نفقتها أيام عدتها؟
إذا خرجت فقد أسقطت نفقتها، والله أعلم.
سافر زوجي منذ خمس سنوات، ولم يترك لي ولا لأولاده في كل هذه المدة شيئًا من النفقة، ثم جاءه مال أثناء غيابه من جهة معينة، فهل يجوز أن آخذ منه ولأولاده بقدر حاجتنا منه أم لا؟
نعم، لك أن تأخذي قدر نفقتك ونفقة أولادك، والله أعلم.
ما قولكم في رجل طلق زوجته وهي حامل، فماذا يلزمه تجاهها؟
عليه نفقتها حتى تضع حملها، فإن أرضعت له؛ فعليه أجرتها مع نفقة الطفل، والله أعلم.
فيمن طلق زوجته وهي حامل، وينفق عليها نفقة شهرية، فهل يلزمه شيء بعد وضع حملها؟
عليه نفقتها، ونفقة مولودها إن قامت بإرضاعه، والله أعلم.
إنني امرأة مطلقة، ولي ولد يبلغ من العمر سنة ونصف السنة، وحامل في شهري الثالث، فهل لولدي الرضيع نفقة وللجنين؟ وكم تقدر؟ (2/3)
صفحة 423
لك نفقة إلى أن تضعي، وللولد المحضون نفقة، وتقدير ذلك إلى القاضي، والله الموفق.
ما قولكم فيمن طلقها زوجها، واتفقا على أن تكون الأم هي حاضنة الأولاد؛ ظنًّا منها أن الشئون الاجتماعية ستجري لهم راتبًا شهريًا، غير أنها لما تقدمت بذلك رُفض طلبها لوجود أب لهؤلاء الأولاد، فأصبحوا كلًا عليها، وخاصة أنها امرأة ضعيفة لا تجد ما تنفقه عليهم، فهل في هذه الحالة يحق لها أن ترجع عما اتفقت عليه مع زوجها؟
نعم، لها أن ترجع عما اتفقت عليه مع زوجها لأجل الجهالة، وعليه أن يقوم بالإنفاق على أولاده، والله أعلم.
عن امرأة تزوجت منذ خمسة عشر عامًا، وزوجها لم يُحسب عليها، ولم يدفع النفقة الواجبة عليه لها، والآن هو تارك لها في منزل أبيها، ولم يؤد شيئًا من حقوقها، هل يحق لها المطالبة بنفقتها خلال الأعوام الماضية؟
نعم لها ذلك، والله أعلم.
فيمن طلق زوجته، وبقي الأولاد عندها، فهل على الزوج أن يوفر لهم النفقة والسكن أو لا؟
على أبي الأولاد أن يوفر لهم النفقة والسكنى، ولئن كانت أمهم أحق بحضانتهم؛ فلتكن عندهم، والله أعلم.
ماذا يلزم الأب تجاه ابنه عندما يكون جنينًا في بطن أمه؟
عليه أن ينفق على أمه حتى تضعه، ثم عليه نفقته، وأجرة الرضاع لأمه إن كان قد طلقها، والله أعلم.
فيمن توفي زوجها في ليلة العرس، وقبل أن يطأها، فهل يحق لها النفقة من تركة زوجها في فترة العدة؟
لا نفقة للمعتدة إن لم تكن حاملًا اتفاقًا، وإنما لها الإرث، والله أعلم.
هل يجبر الأب على الإنفاق على أولاده بعد بلوغهم إن كان طلبهم لمعاشهم يشغلهم عن مواصلة دراستهم، كما هو مشاهد في هذا العصر؟
أرى ذلك وجهًا وجيهًا إن كان الأب صاحب ثروة تتسع لذلك، والله أعلم.
ما قولكم في المعتدة من طلاق بائن، هل لها سكنى أو نفقة؟
لا سكنى لها ولا نفقة على القول الراجح عند أصحابنا، والله أعلم. (2/4)
صفحة 424
فيمن تزوج امرأة، وبقيت في بيت أهلها أربع سنوات، ولم ينقلها إلى بيته، فهل يلزم أن يدفع لها نفقتها؟
إن امتنع من نقلها، وهي تطالبه به؛ فعليه نفقتها، والله أعلم.
التفريق في النفقة بين الغنية والفقيرة، ما مبرر هذا التفريق أولًا؟ والسؤال الثاني: إذا كانت المرأة غنية، وتزوجها رجل لم يكن في مستواها، هل تُراعى حالة الزوج هذا؟ أم حالة الزوجة؟
أما التفريق بين الغنية والفقيرة والمتوسطة؛ فإنما هو راجع إلى ما كانت عليه المرأة من قبل أن ترتبط برباط الزوجية مع الرجل، فالمرأة التي درجت في بيت غنى، وعاشت في كنف والدين غنيين كريمين ينفقان عليها بسخاء، ليست كالمرأة التي درجت في شظف العيش والفقر والشدة والتعب، وكذلك المرأة المتوسطة الحال تكون بين هذه وتلك، وحتى لا تكون هذه المرأة الغنية التي عاشت في كنف أبوين غنيين في رغد العيش وبحبوحة من الحياة معرَّضة فيما بعد - عندما تنتقل إلى الزوج - لنكد العيش، أُمِر الزوج بأن يراعي حالتها، لئلا تُحِسَّ بفجوة ما بين الحياة التي كانت عليها من قبل والحياة التي انتقلت إليها من بعد، وهذا لا يعني أن يكون هذا الزوج غامطًا للمرأة الأخرى حقها إن كانت تلك المرأة من أسرة فقيرة، فهو من حيث النفقة يؤمر أن يعدل، ولكن مع هذا كله إنما أُمر أن يراعي الحالة التي كانت عليها الزوجة الغنية لئلا تشعر بفجوة بين حالتيها التي كانت عليها من قبل والحالة التي انتقلت إليها من بعد، أما الذين راعوا جانب الزوج؛ فإنهم راعوا قول الله: { لِيُنفِقْ ذُو سَعَة مِن سَعَتِهِّ وَمَن قُدِرَ عَلَيهْ ِرِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا ءَاتَهُ الله لَا يُكَلّفُ الله نَفْسًَا إلّا مَا ءَاتَهَا سَيَجْعَلُ الله بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا } ( )، وهذه الآية الكريمة نزلت في المطلقات والنفقة عليهن، سواء أكانت هذه النفقة في الطلاق الرجعي إلى أن تنتهي العدة الشرعية أو كانت بسبب قيام هذه المرأة بإرضاع الأولاد وتربيتهم، (2/5)
صفحة 425
فإنها لها النفقة، والنفقة تعود إلى حالة الرجل وينظر فيها إلى يساره وإعساره، فإن كان موسرًا أُمِر أن يتوسع في الإنفاق، وإن كان معسرًا أُمر أيضًا أن ينفق بقدر استطاعته، ولا يكلفه الله إلا ما كان قادرًا عليه، ومن المعلوم أن النفقة التي هي للمطلقات إنما هي امتداد للنفقة التي تكون في أيام الحياة الزوجية، ولَمَّا كانت امتدادا للنفقة التي كانت في أيام الزوجية، فلا ريب أن مراعاة هذا الجانب أولى، وهو جانب اليسر والعسر في الرجل، ولذلك أَمِيل إلى اعتبار حالتي اليسر والعسر في الرجل، فماذا عسى أن تكون حالة الرجل الذي دُخْلُه قليل، وقد تزوج امرأة موسرة عاشت من قبل في رغد العيش، أَيُكلَّف أن يوفِّر لها ما لا تطيق حالته، مع أنها هي نفسها رضيت أن تكون له زوجة، مع معرفتها بحالته، بحيث لم يغرر بها، وإنما كانت دارية بفقره عندما تزوجته، وهذا مما يقوي أنه يجب أن يراعي هذا الجانب جانب الإيسار والإعسار في الرجل، لأجل أن لا يكلف ما لا يطيق كما قلت، والنص دل على ذلك، بينما الذين قالوا بالرأي الآخر، وهو الرأي السابق إنما عولوا على النظر، ولم يعولوا على النصِّ، وإن كان النص واردًا في المطلقات، إلا أن المطلقات إنما النفقة عليهن تكون امتدادًا للنفقة أيَّام كنَّ في حكم الحياة الزوجية، والله تعالى أعلم.
هل للحاكم في النفقة الشرعية جبر الزوج لزوجته أن يؤديها بالمبالغ النقدية كل شهر، أو كل يوم كذا كذا، حسب وُسْعِهِ يتحرَّى العدل في ذلك، إذا قالت الزوجة: لا يأتيني بالنفقة، وهو يقول آتيها كل يوم أو كل شهر، ولكن تسرف به، وقالت: أُريد مبالغ نقدية، ورأى الحاكم ذلك قطعا للشقاق؟
إن اقتضت ذلك الضرورة، ورأى القاضي فيه حلًا للمشكلة؛ فلا مانع منه، والله أعلم.
أثر الوطء في الحيض والدبر:
فيمن عدِّتها سبعة أيام، ورأت الطهر بعد خمسة أيام، وجامعها زوجها فرأت بعد الجماع أثرًا للدم، فما الحكم في ذلك؟ (2/6)
صفحة 426
قد أساءا بالجماع قبل انتهاء المدة المعتادة، فليستغفرا الله، ولا حرج عليهما، والله أعلم.
ما قولكم في رجل بداية زواجه تفاجأ بأن زوجته حائض، ولم يقاوم رغبته النفسية، وباشر الجماع كاملا مع زوجته مستخدمًا مانعًا طبيًّا، وتقدم بالسؤال إلى أحد المشايخ في الولاية، وكان الجواب كفارة قدرها خمسون ريالًا عمانيًا للفقراء والمساكين، وقام الزوج بدفع الكفارة، وبعد مضي سنة تقريبًا غلط نفس الغلطة، وجامع زوجته وهي حائض، وندم على ما فعل، وقصده التوبة إلى الله من قلبه، وعدم الوقوع في الخطيئة، علمًا بأن الرجل عنده أطفال من زوجته، ولا يستغني عنهم، فما هو الحل من سماحتكم؟ وإن كانت قد طلقت من رقبته فهل له رجعة؟
من قال بأنها تنفصل عنه؛ فأنه يقول بحرمتها عليه إلى الأبد، وليس ذلك طلاقًا، فالطلاق تحل إثره الرجعة إن كان رجعيًّا، وتزوجها من جديد إن كان بائنًا بينونة صغرى( )، وبعد أن يتزوجها رجل آخر إن كان بائنًا بينونة كبرى( )، وأما المحرمة فلا تحل بوجه من الوجوه، ولكن القول الذي نأخذ به هو وجوب التوبة والكفارة اللهم إلا إن كان مصرًا على ما فعل، فإن ذلك ينافي الإمساك بمعروف، وعلى القاضي الشرعي في مثل هذه الحالة أن يخلصها منه بالفراق، والله أعلم.
ما قولكم في الموطوءة في الحيض، هل تحرم على زوجها أم لا؟ وماذا يلزم من فعل ذلك؟
الآية الكريمة: { وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاْعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ فيِ الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ الله َيُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ } ( ) وهي دالة على تحريم الوطء في الحيض، وعلى من وقع في ذلك التوبة إلى الله مع كفارة، وهي دينار الفراش ( ) على الأحوط، ولكن لا يؤدي ذلك على الراجح إلى أن تحرم المرأة عليه، والله أعلم. (2/7)
صفحة 427
ما حكم إتيان الزوجة في الفم والدبر والحيض؟ وما يلزم من يفعل ذلك؟
أما الوقاع في الفم؛ فهو بطبيعة الحال مناف للطبيعة، ولكن مع هذا لم يأت نص عن الشارع فيه بشيء، إلا أنه لا ريب بأن الفم موضع يجب أن ينزَّه، فهو من ناحية مولج الطعام والشراب، ومن ناحية أخرى موضع لذكر الله، فيجب أن لا يُدنَّس بأي دنسٍ، ومن المعلوم أن إدخال الذَّكَر في الفم في ذلك الوقت لو لم يُمْنِ قد يؤدي إلى أن تخرج إلى الفم إفرازات منه، وهذه الإفرازات لا شك في نجاستها، فلذلك نقول بحرمة هذا الصنيع، ولكن لا نقول بترتب شيء عليه، وأما الوطء في الحيض؛ فقد جاء في روايات يشدُّ بعضها أنه يترتب عليه مع التوبة إلى الله تبارك وتعالى وجوب كفارة، وهو ما يسمى بدينار الفراش، أي أن يوزِّع الرجل قيمة دينار على الفقراء والمساكين، وقِيسَ على ذلك الوطء في الدبر بجامع الحرمة في كل واحد من الأمرين، والله تعالى أعلم.
ما قولكم فيمن جامع زوجته وهي حائض، وقد أخبرته بذلك قبل جماعها؟
بئس ما فعله، فقولها حجة عليه؛ لأنها مؤتمنة على دينها، وأما حكمها عنده؛ فإن تاب إلى ربه، وأقلع عن غَيِّهِ فلا حرج عليه إن أمسكها، وأما إن أصرَّ على فعله؛ فعلى الحاكم أن يفرق بينهما، لأن إمساكه لها ليس إمساكًا بمعروف، والله أعلم.
امرأة يكرهها زوجها على مباشرتها في أيام حيضها، فرفعت أمرها إلى القاضي الشرعي، فهل يمكن أن ترد إلى زوجها إن ثبت ذلك منه بمجرد أن يدفع الكفارة التي تترتب على هذا الفعل؟
الوطء في الحيض حرام لا يحله دفع الكفارة، وإنما الكفارة من تمام توبة التائب منه، وإصرار الزوج على فعله هذا من غير الإمساك بمعروف كما هو مشروع، فلا يجوز أن تردَّ إليه امرأته معه، والله أعلم.
امرأة مكَّنت زوجها من معاشرتها في ليلة زفافها وهي حائض، وكانت جاهلة بحرمة ذلك الفعل والزوج لم يعلم بأنها حائض، فماذا يجب عليها، وهل يُؤدي ذلك إلى حرمتها على زوجها؟ (2/8)
صفحة 428
يجب على هذه المرأة أن تتوب إلى ربها عز وجل، وعليها دينار من الذهب تدفعه أو تدفع قيمته إلى فقراء المسلمين تكفيرًا لخطيئتها، ولا تعذر بجهلها إذ لا جهل ولا تجاهل في الإسلام، وأما الحرمة على الزوج؛ فهي وإن ذهب إليها جمهور العلماء من أصحابنا إلا أنَّا لا نقوى على القول بها؛ لعدم وجود نص دال عليها، والله أعلم.
رجل جامع زوجته من دبرها جهلًا منه بعقوبة ذلك، وعندما سأَل قيل له: إن زوجته تحرم عليه بفعلة ذلك، والبعض قال: إنها تطلق ويعيدها مرة أخرى، فأرجو أن تبينوا حكم ذلك؟
أما قول من قال: إنها تطلق منه ويعيدها مرة أخرى، فهو قول لم أجده عن أحد من علمائنا، ولا عن أحد من علماء الأمة، ولا وجه له، فما هو إلا من تخبط قائله، والأقوال الموجودة عن السلف في هذه المسألة لا تتعدى قولين أولهما: أن المرأة تحرم على من أتى ذلك منها حرمة أبدية؛ لمخالفته حكم الله عز وجل، وشذوذه عن الفطرة، بإلقائه بذور الحياة في أرض عقيم غير صالحة للحرث، وهذا القول مبني على الإيالة( ) في حياة الأمَّة ومستمد من قاعدة سد الذرائع على أهل الفساد.
وثانيهما: عدم حرمتها عليه لعدم الدليل عليها، وقد ثبت زواجه بها بحكم شرعي، فلا يرفع ثبوته إلا حكم شرعي آخر، وهذا القول أرجح عندي وأسلم من الخطر، فإن تحريمها عليه لا يؤدي إلى التفرقة بينهما فحسب بل يبيحها لغيره من الأزواج وأنى تباح للغير؟ ! وقد ثبتت زوجيتها بالسابق بحكم الكتاب والسنة والإجماع، ولم يأت في أصل من هذه الأصول الثلاثة ما يدل على انحلال هذه الرابطة الزوجية بينهما، وما ثبت بالنص لا يرفع بآراء الرجال، فليتب إلى الله توبة نصوحًا وليمسك عليه زوجه وليتق الله ربه والله أعلم.
يقول الله عز وجل: { نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ } ( ) فهل يجوز وطء المرأة في دبرها؟ وإن كان ذلك لا يجوز فهل يترتب عليه تحريم الزوجة؟ (2/9)
صفحة 429
الآية الكريمة { نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ } ( ) هي دالة على جواز الوطء بأي كيفية، شريطة أن يكون المأتي موضع الحرث، وهو الفرج، ولا يجوز في موضع الفرث( ) بحال، ومن فعل ذلك فقد أتى كبيرة، ويجب عليه ما يجب على الواطئ في الحيض من التوبة والكفارة، والله أعلم.
من المعلوم أن ناكح زوجته من دبرها تحرم عليه حرمة أبدية، ولكن ما قولكم فيمن فعل ذلك جهلًا بحرمته؟
تحريم المأتية في الدبر حرمة أبدية غير مبني على دليل فقهي غير الإيالة التي اعتمدها بعض الفقهاء، وهي سد ذرائع الفساد، وقطع طرقه على المفسدين، وهو أمر حسن لو لم يترتب عليه من الإشكال ما لا نجد له حلًا، وذلك أن تحريمها على زوجها يؤدي إلى تحليلها لغيره، وما دامت عقدة الزواج ثبتت بنص؛ فإن التفريق الذي يحلها لغيره لا بد من أن يكون ثابتًا بنص أيضًا، و إلا فما يحلها للآخر؟ ! لذلك أرى أن التوبة مجزية في ذلك مع إخراج دينار الفراش، فإن المسألة خطيرة، والله المستعان، وهو أعلم بالصواب.
ما قولكم فيمن واقع زوجته في دبرها عالمًا بحرمة فعلته أو جاهلًا؟
إن كان وطئها في الدبر؛ فذلك حرام قطعًا، وإن كان وطئها في القبل ولكن من جهة الدبر؛ فهو مباح، لقوله تعالى: { نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ } ( ) وإن ارتكب الحرام بجهل؛ فهو غير معذور، إذ الجهل لا يكون ردءًا لصاحبه من الإثم، فعليه التوبة إلى الله مع دينار الفراش كفارة عن فعله، والله أعلم.
جامعت زوجتي في الفرج، وهذه أول مرة يقع ذلك بيننا، وقد ندمنا على ذلك ندمًا شديدًا، واستغفرنا الله، وعزمنا على عدم العودة، فما يلزمنا من هذا الفعل؟ (2/10)
صفحة 430
إن كنت جامعتها في الفرج، وهي غير حائض، فذلك جائز؛ لأن الجماع لا يكون إلا في الفرج، ولعلك تقصد أنك جامعتها في الدبر، فإن كان الأمر كذلك؛ فعليك مع التوبة كفارة، وهي دينار الفراش، وهو مثقال من الذهب تدفعه أو تدفع قيمته إلى فقراء المسلمين، والله أعلم.
زوجي يواقعني من جهة الخلف، فما حكم ذلك؟ وما حكم العلاقة الزوجية؟
إن كان يولج في القبل؛ فلا حرج إن أتاك من جهة الخلف؛ لأن العبرة بالمولج لا بالكيفية، وقد قال تعالى: { نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ } ( )، بشرط أن يكون إلقاء البذور في موضع الحرث، وأما إن كان يولج في الدبر؛ فذلك عين الحرام، ولا يجوز لك البقاء عنده، والله أعلم.
فيمن جامع زوجته بعد عشرين يومًا من نفاسها اعتقادًا منه أنها بعد خروجها من المستشفى قد طهرت، فماذا عليه؟
عليه التوبة إلى الله تعالى، وأن يدفع إلى الفقراء ما يسمى دينار الفراش، هذا إن كان وطئها في الدم، وإن كان في غير دم؛ فليستغفر الله، والله أعلم.
هل تطلق المرأة من زوجها إن جامعها وهي حائض؟
أما الطلاق فلا يقوله أحد، وإنما قال كثير من العلماء إنها تحرم عليه حرمة أبدية، والذي نأخذ به خلاف ذلك شريطة التوبة إلى الله وعدم العودة، ويؤمر بدفع دينار الفراش إلى فقراء المسلمين، والله أعلم.
ذكر الشيخ بيوض في فتاويه أن كفارة جماع الحائض هي دفع كل من الزوجين دينار الفراش إلى فقراء المسلمين، وهذا قول المغاربة( )، فما قول المشارقة( ) في هذه المسألة؟ (2/11)
صفحة 431
أكثر المشارقة لا يقولون بدينار الفراش، وإنما يقولون بحرمة المرأة على زوجها بوطئه إياها في الحيض، وإنما لم نأخذ بهذا الرأي لعدم الدليل على الحرمة، وبما أن العقد ثابت في الأصل؛ فإن إخراجه عن هذا الأصل يتوقف على الدليل الثابت لا على مجرد الاجتهاد، على أنه وردت بدينار الفراش روايات لا نرى إهمالها، وإن قيل ما قيل في أسانيدها، فإنها يشد بعضها بعضًا، والأصل فيه إجزاء الدينار الواحد.
فيمن أدخل ذكره في دبر زوجته أثناء جماعها بدون عمد منه، ومن غير قصد ارتكاب المحظور؛ فما عليه؟
لا يترتب على ذلك شيء؛ لأنه لم يتعمد ارتكاب المنهي عنه، والله أعلم.
فيمن جامعها زوجها وهي طاهر، ثم تبين لها دم الحيض عند الاغتسال، فماذا عليهما؟
ليس عليهما حرج؛ لأنهما لم يقدما على الجماع إلا وهي طاهرة، وإنما تبين الحيض من بعد، والله أعلم.
هل يحل مباشرة الزوج لزوجته النفساء إذا رأت الطهر قبل الأربعين أم لا؟
يمنع من ذلك، إلا إن استقرت لها عادة أن تطهر قبل الأربعين؛ فلا مانع عندئذ، والله أعلم.
ما قولكم فيمن أتى زوجته في أيام آخر الحيض طاهرة غير متطهرة، ماذا عليه؟ وإذا أتاها في أوله أو وسطه، بين لنا الأحكام في ذلك. (2/12)
صفحة 432
اختلف العلماء في الذي يأتي امرأته وهي حائض، فقيل: تحرم عليه، وهو قول أكثر أهل المشرق، وقيل: لا تخرج منه، وهو قول أبي نوح صالح الدهان وموسى بن أبي جابر ـ من قدامى علمائنا المشارقة ـ، وهو قول أكثر أصحابنا من أهل المغرب وأئمة قومنا، واختلف هؤلاء في وجوب الكفارة عليه، فقيل: بوجوبها مع التوبة إلى الله بكامل شروطها، وقيل: بإجزاء التوبة، واختلف من أوجبها في مقدارها، فقيل: درهم، وقيل: دينار وقيل: نصف درهم، وقيل: نصف دينار، وقيل: بالتفرقة بين أول أيام الحيض وآخرها، وتوقف جابر وأبو عبيدة والربيع، هذا ولست أقوى على التفريق بسبب المباشرة في الحيض؛ لأن العقد ثابت بحجة شرعية، وحله لا يتم إلا بدليل شرعي؛ ولأنه يترتب عليه تزوج المرأة برجل آخر إن فرق بينهما، وفي هذا من الخطر ما لا يخفى على اللبيب، فإنها إن كانت في حكم الله زوجة الرجل الأول، فكيف يحل تزويجها بآخر؟، لذلك أرى إن لم يتورع الرجل فيطلقها من تلقاء نفسه أن يفتى بالكفارة، فإنها وإن كانت الأحاديث الموجبة لها ضعيفة يستأنس لإيجابها بعدم ورود ما يعارض تلك الأحاديث، وليست هذه الكفارة تقتضي تحليل المباشرة في الحيض كما توهم ابن النظر، وإنما هي عقوبة هذا العمل الشنيع، وإلا فإن الوطء في الحيض من أكبر الكبائر، لقول الله تعالى { فَاْعْتَزلُواْ النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ } ( )، وللأحاديث الصحيحة الصريحة في وعيد من أتى هذا الأمر الشنيع، والله أعلم.
المحللات والمحرمات من النساء:
هل يجوز أن يتزوج الرجل بربيبة أبيه أم لا؟
لا مانع من أن يتزوج بربيبة أبيه، وإنما يكره له ذلك كراهة تنزيه، والله أعلم.
هل يجوز أن يتزوج الرجل أم زوجة أبيه؟
لا مانع من ذلك، لعموم قوله تعالى: { وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } ( )، ولم يدل دليل على تخصيصها من هذا العموم، والله أعلم.
هل يجوز للرجل أن يتزوج ابنة أخت أخيه؟ (2/13)
صفحة 433
إن كانت بنت أخته؛ فلا تحل له، وإن كانت بنت أخت أخيه، ولم تكن بنت أخته هو؛ فلا حرج، والله أعلم.
امرأة خرج زوجها عن عقيدة أهل الحق والاستقامة، فهل تحرم عليه؟
لا يخلو إما أن يخرج من الملة، وذلك بإنكار ما علم من الدين بالضرورة، وإما أن لا يصل إلى هذا الحد، ففي الحالة الأولى تحرم عليه حرمة أبدية إلا أن يعود إلى الإسلام؛ لأنه مرتد عنه، وفي الحالة الثانية: لها أن تقيم معه مع اتقاء متابعتها له على ضلالته، والله أعلم.
أنا امرأة دخلت في دين الإسلام قريبًا، وبقي زوجي على دينه السابق، وأصر على ذلك، فهل عصمة الزوجية باقية بيننا؟
لا تحل مسلمة لغير مسلم: { لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ } ( )، وعلى هذا فإن أصر هو على البقاء على ملته؛ فأنت منفصلة، وإنما تعتدين عدة الطلاق، وبعدها تحلين لمن شئت الزواج به من المسلمين، والله أعلم.
هل يصح زواج الرجل بأرملة عمه؟
لا مانع من ذلك، والله أعلم.
فيمن تزوج امرأة، وطلقها قبل الدخول بها، هل يجوز لأبيه أن يتزوجها؟
لا تحل لأبيه؛ لأنها صارت بالعقد حليلة لابنه، وقد قال تعالى: { وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ } ( )، والله أعلم.
الجمع بين القريبات:
إن اتفقنا على الزواج أنا وامرأة، على أن أقوم بتزوجها بعدما أطلق عمتها، فهل في ذلك حرج؟
لا يجوز لك الجمع بين المرأة وخالتها أو المرأة وعمتها، بل ولا يجوز أن تتزوج الثانية منهما في عدة الأولى، ولا الاتفاق على هذا الزواج مع الثانية في حال كون الأولى في عصمتك، والله أعلم.
فيمن طلق زوجته، وبعد مدة أراد أن يتزوج بأختها، فهل يصح له ذلك؟
إن كانت عدة المطلقة قد انتهت فلا حرج في ذلك، والله أعلم.
رجل عنده زوجة مصابة بمرض السرطان، فتشاور مع أهلها على أن يطلقها، ويتزوج بأختها بعد موافقتها، على أن يقوم بالإنفاق على الزوجة الأولى هي وأولادها، فما ترون سماحتكم في ذلك؟ (2/14)
صفحة 434
إن كانت لا يرجى لها برء، ولا يتمكن من قضاء وطره منها؛ فليس عليه حرج إن طلقها، وإنما يؤمر بأن يراعيها، ويحسن إليها، ويكرمها { وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ } ( )، ولا يتزوج أختها حتى تنتهي عدتها منه، والله أعلم.
ما حكم من طلق زوجته، وتزوج بأختها قبل أن تنتهي عدة الأولى، فهل زواجه بها صحيح أم باطل؟
لا يجوز الجمع بين الأختين بنص القرآن الكريم، فقد قال الله تعالى في تعداد المحارم: { وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ } ( )، ولا ريب أن مطلقة الرجل ما دامت في عدتها منه هي في حكم الزوجة من هذه الناحية ما دام الطلاق رجعيًا، ومن أجل ذلك كان أحق بها بنص القرآن، حيث يقول الله تعالى: { وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ } ( )، وهما يتوارثان ـ بالإجماع ـ إن مات أحدهما قبل انتهاء عدتهما منه، وعليه فإنه لا يحل أن يعقد زواجًا بأختها قبل انتهاء عدتها، فإن تزوجها فزواجهما باطل، ومن تعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه، ومثل ذلك: حكم الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها، والله أعلم.
هل يجوز أن أتزوج على زوجتي ابنة ابنة أخيها؟
لا يحل لك أن تجمع بين امرأتك وبين ابنة ابنة أخيها، للحديث الصحيح: »لا تنكح المرأة على عمتها، ولا المرأة على خالتها لا الصغرى على الكبرى ولا الكبرى على الصغرى«( )، وقد انعقد الإجماع أن عمة الأب وعمة الأم وكذلك خالتاهما لهن هذا الحكم، كما أن تحريم العمات والخالات في القرآن يصدق على عمات الأبويين وخالاتهما بلا خلاف، وقد ضبط أصحابنا ـ رحمهم الله ـ حكم الجمع بين المرأتين بأن كل امرأتين لو كانت إحداهما ذكرًا لما حلت له الأنثى يحرم الجمع بينهما، إن كان ذلك بسبب النسب، فدع عنك هذه المرأة فإنها حرام عليك، وفيما أحل الله لك غنى عمَّا حرم عليك، والله أعلم. (2/15)
صفحة 435
ما قولكم علماء المسلمين في رجل أراد أن يتزوج أرملة عمه، علمًا بأنه متزوج من ابنة هذا العم، فهل يجوز أن يجمع بينهما؟
أما علماء المسلمين فنحن دون مستواهم، وإنما نحن من ضعاف طلبة العلم المسلمين، ولكن ابتلينا بما لسنا أهله من الإفتاء، والذي عرفناه في هذه المسألة أنه لا مانع من الجمع بين زوجة الرجل وابنته وإنما يكره ذلك كراهة تنزيه، والله أعلم.
فيمن طلق زوجته، وتزوج أختها قبل أن تنتهي عدة الأولى، ودفع لها صداقها، فهل يصح له ذلك؟
عقده عليها قبل أن تنتهي عدة أختها التي طلقها يعد باطلًا؛ فليدع سبيلها، فإن أرادها؛ فلينتظر إلى أن تنتهي عدة أختها، فإذا انتهت؛ فليتزوجها بعقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية، والله أعلم.
ما قولكم فيمن له زوجتان، ثم تبين له أنهما أختان من الرضاع؛ فماذا يفعل معهما؟
يمسك الأولى، ويدع الثانية، والله أعلم.
ما رأي سماحتكم في الزواج من مطلق الخالة؟
لا مانع من ذلك، كما لا يمنع الزواج من مطلق العمة، وإنما يمنع الجمع بين بنت الأخت وخالتها، وبين بنت الأخ وعمتها، كما في قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: »لا تنكح المرأة على عمتها، ولا المرأة على خالتها لا الصغرى على الكبرى، ولا الكبرى على الصغرى«( )، وذلك من أجل الحفاظ على حسن العلاقة بين الأسر، والله أعلم.
ما قولكم في جواز الزواج من فتاة سبق وأن طلقها ابن الأخت، وهي ابنة عمه، فهل يجوز لخال الرجل المطلق أن يتزوجها؟
لا مانع من تزوج الخال مطلقة ابن الأخت أو تريكته، وكذا العكس، وإنما كره ذلك كراهة تنزيه فقط، والله أعلم.
هل يجوز الجمع بين المرأة وابنة عمتها؟
يباح ذلك مع كراهته كراهة تنزيه؛ لئلا تكون قطيعة بين الأقارب، والله أعلم.
رجل متزوج من ابنة عمه، وأراد الزواج من ابنه عمه الثاني؛ فهل يجوز له ذلك؟
يكره ذلك كراهة تنزيه لا كراهة تحريم، والله أعلم.
الرضاع:
فيمن رضع من امرأة مع ولدها، فهل يجوز أن يتزوج كل منهما أخت الآخر؟ (2/16)
صفحة 436
الذي رضع من أم الآخر تحرم عليه مرضعته وجميع بناتها؛ لأنهن أخواته من الرضاعة، سواء كانت ترضع معه أو التي قبلها أو التي بعدها، وكذلك تحرم عليه جميع نسيباتها اللواتي يحرمن عليه من قبل أمه التي ولدته، كبنات أبنائها، وبنات بناتها، وأمها، وخالاتها، وعماتها، وأخواتها، وكذلك تحرم نسيبات زوجها صاحب اللبن الذي رضعها، كبناته ـ ولو من غير المرضعة ـ وأمه وأخواته وعماته، وخالاته، وبنات أبنائه، وبنات بناته، وبالجملة فإن الرضاع مثل النسب، سواء من كان من قبل المرضعة أو من قبل زوجها صاحب اللبن، وأما إخوة الراضع وأخواته الذين لم يشاركوه في هذا الرضاع، فلا يسري عليهم حكمه، فلأبناء المرأة التي أرضعته أن يتزوجوا من أخواته، كما أن لإخوته أن يتزوجوا ببنات مرضعته، والله أعلم.
امرأة آيس ألقمت ثديها ابن ابنها لأجل إسكاته عن البكاء، فهل يعد ذلك رضاعًا، وهل يجوز لأولاد بنت الراضعة أن يتزوجوا من أخوات الابن المرضع؟
إن كان لم يمص منها لبنًا ولا ماءً، وإنما مص حلمة ثديها فقط؛ فلا يعد ذلك رضاعًا، ولا يؤدي إلى حرمة زواج كان مباحًا من قبل، وإن كان امتص منها لبنًا أو ماءً، وساغ ذلك في حلقه إلى جوفه؛ فقد أصبح من الرضاع، ولكن لا مانع من أن يتزوج أبناء عمته بأخواته اللواتي لم يرضعن من جدتهن؛ لأن رضاعه لا يسري حكمةً عليهن، والله أعلم.
أرضعت عمتي أخي وأختي، ثم أرضعت ابنة عمي، فتقدم أخوها لخطبتي، فهل يجوز زواجي منه، أم أنه يعتبر من الرضاع؟
لا يكون ابن عمك في هذه الحالة أخاك من الرضاع، فلا مانع من أن تتزوجيه، وإنما أخوك وأختك هما أخوا أخته من الرضاع، وحرمة هذا الرضاع لا تسري إليكما، فتزوجا باسم الله، وعلى بركة الله، والله أعلم.
تزوَّجْتُ ربيبة أبي، فقامت أمها بإرضاع أحد أبناء هذه الربيبة، فهل لهذا المرضع أن يتزوج ابنة عمه أم لا؟ (2/17)
صفحة 437
إن كان اللبن الذي رضعه ابنك من جدته هو لجدة أبيك، بمعنى أنها لم تكن زوجة لغيره في ذلك الوقت، بحيث كان ذلك الوقت في وقت الزوجية أو بعد الزوجية قبل أن تتزوج بآخر؛ فهو أخوك من الرضاع -وإن كان ابنك- وأخو إخوتك، فلا يحل له أن يتزوج بأي واحدة من بنات أعمامه أو عماته، والله أعلم.
فيمن رضع من امرأة، فهل يصح لأولاد المرضعة أن يتزوجوا من أخوات المرضع؟
لا مانع أن يتزوج الرجل أخت رجل أرضعته أمه؛ لأن الذي رضع من أمه أخوه، أما إخوته الذين لم يرضعوا من أمه؛ فلا تسري عليهم هذه الحرمة؛ لأن الرضاع كالنسب، وللرجل أن يتزوج أخت أخيه من النسب إن لم تكن أختًا له، فكذا الرضاع، والله أعلم.
فيمن رضعت من جدتها، فهل يجوز التزاوج بين إخوتها وبين أولاد أخوالها وخالاتها، أم لا يجوز ذلك؟
لا مانع من ذلك، وإنما تلك الابنة الراضعة وحدها هي أخت أخوالها وخالاتها من الرضاع، بسبب إرضاع جدتها لها، فلا تحل لأي أحد من أبنائهم، والله أعلم.
أرغب في الزواج من امرأة، وقد رضعت من أمي رضعة واحدة، وقد استفسرت عن جواز زواجي بها عدة علماء من مختلف المذاهب، فكانت إجابتهم متباينة، فبعضهم حرَّمها علي، وبعضهم حرَّمها بثلاث رضعات، وآخرون قيدوها بخمس رضعات مشبعات، وكلهم يستدلون بروايات عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فما سبب هذا الاختلاف؟ وما قولكم في ذلك؟
قطع الخلاف متعذر، فإن تلك هي سنة الله في خلقه، ولكن على الإنسان أن يتحرى السلامة لنفسه { بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ } ( )، ولك في غير هذه الفتاة التي أرضعتها أمك غنىً، فكيف والله تعالى يقول: { وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَة } ( ) فأطلق ولم يقيد، على أن في الروايات اضطرابًا بالغًا، فكيف يرضى أحد الأخذ بالمضطرب؟ ! فاتق الله، واستغن بما لا شبهة عليك فيه يبارك الله لك في حلالك، والله أعلم. (2/18)
صفحة 438
فيمن تزوج ابنة عمته، وقد رضعت أمها من زوجة أبيه، فما حكم هذا الزواج، وما حكم الأولاد الذين ولدوا على هذه الصورة من الزواج؟
هذا زواج باطل، فإن عمته تلك بسبب رضاعها من امرأة أبيه أصبحت أخته من الرضاع، فلا تحل له أي واحدة من بناتها؛ لأنهن بنات أخته، وعليه فإنه يجب عليه أن يخلي سبيلها، وأما الأولاد فهم أولاده من أجل صورة النكاح الفاسد الذي حصل، والله أعلم.
أرضعت شيخة محمدًا على ابنتها فاطمة، ثم إن محمدًا هذا تزوج عائشة ابنة شيخة التي هي أخته من الرضاع، حيث إن شيخة لَمَّا أرضعت محمدًا أرضعته رضاعًا قليلاً، فظنوا أن ذلك لا يحرم الزواج، فما ترون في هذه القضية علمًا أن لهما الآن أولادًا عدة؟
قليل الرضاع وكثيره يحرم الزواج على الصحيح، وهو مذهبنا ومذهب الجمهور، كما أفاده العلامة العيني في (عمدة القاري شرح صحيح البخاري)، ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب بنص الحديث، وعليه فإنه لا يحل له أن يستمسك بهذه المرأة؛ لأنه أخته، ويجب علية تسريحها، ولأجل شبهة الخلاف أرى أن يكون التسريح بطلاق، هذا والأولاد أولاده للشبهة الحاصلة من عقد الزواج، والله أعلم.
زوجتي أرضعت ابن أختي، وترغب أختي أن تخطب ابنتي لولدها الثاني (أخ المرضع)، فهل يجوز له أن يتزوج من ابنتي رغم إرضاع زوجتي لواحد من إخوانه؟
نعم يجوز له ذلك؛ لأنه لم يرضع من زوجتك، ورضاع أخيه منها لا يسري إليه حكمه، وإنما يحرم على الراضع وحده أن يتزوج بأي واحدة من بناتك، ولو من غير مرضعته ومن بناتها ولو من غيرك، والله أعلم.
امرأة أرضعت أخي الأصغر، ثم إن هذه المرأة ولدت ابنة، فهل يجوز لي الزواج منها، وللعلم فإن أمي لم ترضع أحدًا من أولاد تلك المرأة؟
لا مانع من زواجك بها؛ لأن أمها أرضعت أخاك ولم ترضعك، فهي أخت أخيك، وليست أختك، فتزوج بها على بركة الله، والله يوفقك لما فيه الخير، والسلام عليك. (2/19)
صفحة 439
امرأة أرضعت بنتًا مع ابنها الأصغر، ثم أراد الابن الأكبر أن يتزوج هذه البنت التي أرضعتها أمه، فهل يجوز زواجه بها؟
هي أخته من الرضاع، ولا تحل له بحال، والله أعلم.
امرأة ولدت ولدين أرضعت هذه المرأة ابنة أحد أولادها، فهل يجوز للبنت المرضَعة أن يتزوجها ابن عمها؟ وهل يجوز أن يتزاوج أبناء الآخرين بعضهم من بعض؟
أما الذي رضع من جدته؛ فبنات عمه حرام عليه؛ لأنهن بنات أخيه من الرضاع، ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب بنص الحديث، وأما إخوته وأخواته الذين لم يرضعوا من جدتهم؛ فلا يصدق عليهم هذا الحكم، فلا مانع من التزاوج بينهم وبين أولاد عمهم، والله أعلم.
ما قولكم في أخوين اسم الأول عامر والثاني حمود، وهذا له زوجتان، فأرضعت إحدى زوجتيْ حمود ابنة عامر واسمها عائشة، والآن يرغبان في تزاوج أولادهما، فهل ذلك جائز؟
تحرم الراضعة من امرأة عمها على جميع أولاد عمها؛ لأنه أبوها من الرضاع، وعلى أولاد مرضعتها؛ لأنها أمها من الرضاعة، وأولادهما إخوتها، ولا يسري هذا الحكم على إخوتها وأخواتها الذين لم يرضعوا، والله أعلم.
هل يجوز أن أتزوج بامرأة أرضعتني أمها رضعة واحدة من ابنتها الكبرى علمًا أنني على مذهب الشافعي؟
الشافعية والحنابلة لا يرون حرمة الرضاع إلا بخمس رضعات فصاعدًا، أما أصحابنا والحنفية والمالكية فيرون الرضعة الواحدة محرمة، ونسبه صاحب العمدة من الحنفية إلى الجمهور، والله أعلم.
فيمن عنده زوجتان، فهل يصح أن ترضع كل واحدة منهما أولاد الأخرى؟ (2/20)
صفحة 440
نعم، ولكن مع الاحتراز في أمر الزواج؛ لأن من رضع من امرأة فإن تلك المرأة تكون أمه وجميع أبنائها يكونون من أخوته، وجميع بناتها يكن أخواته، وجميع أخوتها يكونون أخواله، وأبوها يكون جده وهكذا، إذ يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، وكذلك بالنسبة إلى زوج المرأة المرضعة إن لم يكن والدًا للطفل من حيث النسب، فإنه يكون والدًا له من حيث الرضاع، وجميع نسيباته يحرمن على ذلك الطفل الراضع إذا ما كن يحرمن عليه من قبل أبيه الذي ولده، والله أعلم.
امرأة أرضعت طفلًا وبعد عدة سنوات أرضعت طفلة أخرى لا تقرب إلى الولد المرضع السابق، فهل يجوز التزاوج بين هذين المرضعين إن كانت أم الولد ليست متأكدة إن كان ابنها رضع من تلك المرأة أم لا؟
هي أخته من الرضاع، ولا تحل له بحال ـ ولو كان بين رضاعه من تلك المرضعة ورضاعها منها مائة عام أو أكثر ـ وعدم تأكد أمه أو أمها من الرضاع ليس بحجة، بل ولو أنكرتا لَمَا كان لقولهما أثر في الحكم مع قول المرضعة بأنها أرضعت، والله أعلم.
فيمن ادَّعت إرضاع رجل، ثم أنكرت ذلك الإرضاع، فهل يقبل كلامها الأخير أم لا؟ علمًا أن ابنتها تثبت هذا الرضاع.
اختلف العلماء في قبول رجوع المرأة عن قولها بعدما ادَّعت إرضاع أحد من الناس، فقيل: يقبل، وقيل: لا، والأحوط الخروج من عهد الخلاف، ويتأكد ذلك بتأكيد ابنتها أن الرضاع واقع، فإن »البر ما اطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في الصدر«، والله أعلم.
هل يجوز لرجل متزوج من امرأة أن يتزوج عليها امرأة أخرى قد رضعت من أم الأولى؟
لا يجوز له الجمع بينهما؛ لأنهما أختان، وللرضاع حكم النسب، فكما يحرم الجمع بين الأختين من النسب؛ يحرم الجمع بين الأختين من الرضاع، والله أعلم.
هل يجوز أن يتزوج الرجل أخت أخيه من الرضاع؟ (2/21)
صفحة 441
إن كان قد رضع هو من أم تلك الفتاة أو من زوجة أبيها؛ فلا تحل له بحال؛ لأنها في هذه الحالة أخته من الرضاع، وإن كان أخوها رضع من أمه هو أو أرضعتها امرأة أجنبية؛ فلا مانع من زواجه بها؛ لأنها في هذه الحالة ليست أخته من الرضاع، والله أعلم.
امرأة أرضعت مجموعة من أولاد أختها، وتشك في واحد منهم إن كانت أرضعته أم لا، فهل يجوز له أن بتزوج إحدى بناتها؟
أما الحرمة فلا تقع حتى يتيقن أنها أرضعته؛ لأن الأصل عدم ذلك، ولكن الورع باب واسع، »ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات؛ فقد وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه«، هذا »والبر ما اطمأن إليه القلب والإثم ما حاك في الصدر«، والله أعلم.
عندي أولاد أكبرهم رضع من جدته من أبيه، كما أن لدى أخي سعيد أولادًا كذلك، أرضعت والدتي منهم الأكبر، وكانت رضاعة ولدي وابن أخي من قبل الوالدة مع أخي الأصغر وهو راشد، هل يجوز لأولادي الذكور الزواج من بنات أخي؟ وهل يجوز لأولاد أخي الزواج من بناتي؟ وهل يجوز لأولاد أولادي الزواج من أولاد أولاد أخي إذا لم يكن فيما بينهم رضاع؟
ابنك الذي رضع من أمك هو بمثابة أخيك وأخ أخوتك (أعمامه) من الرضاعة، فلا تحل له أي واحدة من بنات أعمامه؛ لأنه عمَّهن من الرضاعة، وأما إخوته وأخواته وأولاد عمومته وأولادهم؛ فلا يسري عليهم هذا الحكم، إذ لا يؤثر عليهم رضاعه، فلا يمنع أبناؤك الآخرون من الزواج من بنات أعمامهم، ولا أبناء إخوتك من التزوج من بناتك، ولا أولاد أولادكم من التزاوج بينهم على طريقة الشرع الشريف، والله أعلم.
أريد الزواج من ابنة خالتي، غير أن أمي تقول: إن جدتي أرضعتني مع ابنها، فلما سألتُ جدتي عن ذلك أخبرتني أنها حاولت إرضاعي في إحدى الليالي، وكانت تظن أنني ابنها، ولكنها انتبهت لذلك قبل أن تقوم بإرضاعي، ولكن أمي ما زالت مُصرَّة على قولها، فما تروْن في جواز زواجي بهذه المرأة؟ (2/22)
صفحة 442
كلام أمك يورث قضيتك شبهة، فترك هذه المرأة خير لك، وفي غيرها من النساء سعة »فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات؛ فقد وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه«، والله أعلم.
فيمن أرضعت أخ زوجها مع ولدها، فهل يجوز أن يتزاوج أولادها وأولاد أخوة المرضع؟
لا مانع إن أرضعت امرأة طفلًا أن يتزاوج أولادها وأولاد أخوته؛ لأن رضاعه هو لا يسري حكمه على إخوته وأولادهم، والله أعلم.
إنني أرغب أن أزوج ابنتي بابن أختي، غير أن أمي أرضعت ابن أخت لي أخرى غير الأولى التي يريد ابنها الزواج من ابنتي، فهل يصح الزواج؟
لا مانع من ذلك؛ لأن أمك لم ترضع هذا الذي تريد أن تزوجه، ولم ترضع ابنتك، ولا يكون رضاع إحدى بنات إحدى أخواتك مانعًا من ذلك، وإنما هي التي تحرم على أبناء أخوالها وأبناء خالاتها، والله أعلم.
هل يصح أن أتزوج رجلاً رضعت أخته من أمي؟
بما أنه لم يرضع هو من أمك، وإنما أخته هي التي رضعت منها، فلا مانع من أن تتزوجيه، والله أعلم.
تزوجت برجل، وبعد مدة تبين أنه أخي من الرضاع، فما الحكم الشرعي في ذلك؟
إذا كان هذا الزواج عن جهل ولا عن عمد، بحيث لم تعرفي أنه أخوك من الرضاع، ولم يعرف هو ذلك، ثم اتضح لكم ذلك بحجة مقبولة شرعًا فسخ العقد، ولحق به الأولاد، وليس عليكم إثم في ما مضى لعدم ثبوت هذه الأخوة عندكم، والله أعلم.
امرأة حلبت جزء من لبنها، ومزجته بكوب عصير، فجاء ابن أختها فشرب من ذلك الكوب، فهل يحرم التزاوج بين هذا الطفل، وبين بنات خالته؟
الحوطة في مثل هذه الحالة أن لا يكون تناكح بين الجانبين، فإن بعض العلماء يشدد في ذلك، والله أعلم.
رجل تزوج بامرأة أرضعتها أمه عدة مرات، وكان يعلم ذلك قبل العقد غير أنه يحتج بأن المسألة خلافية، ويجوز له على ذلك الزواج بها، فما ترون سماحتكم في هذا؟ (2/23)
صفحة 443
هي أخته من الرضاع، ولا تحل له، ويجب التفريق بينهما، وأي خلاف في ذلك ما دامت الرضعات متعددة كما يقول أبواه، مع أن الصحيح أن الرضعة الواحدة كافية في التحريم، وهو الذي عليه أصحابنا والجمهور، والله أعلم.
فيمن أرضعت أمه طفلة مرةً واحدة، فهل يجوز له أن يتزوجها أو أن يتزوج أختها التي لم ترضع من أمه؟
أما تلك التي أرضعتها أمه فلا تحل له ولو أرضعتها مرة واحدة، وأما أختها التي لم ترضعها أمه، فلا حرج إن تزوجها؛ لأنها أخت أخته، وليست أخته، والله أعلم.
فيمن أرضعت ولدًا مع ابنها، فهل يجوز لأخ المرضع أن يتزوج ابنة مرضعة أخيه؟
نعم يجوز له ذلك، وأما الذي رضع منها؛ فهو ولدها، فتحرم عليه المرضعة ونسيباتها جميعًا اللاتي يحرمن عليه من قبل أمه التي ولدته، والله أعلم.
فيمن رضع من امرأة، فما حكم التزاوج بين أخوة المرضع وأولاد مرضعة أخيهم؟
أما الراضع فتحرم عليه بنات مرضعته جميعًا، وكذلك بنات زوجها صاحب اللبن ولو من غيرها، بل تحرم عليه نسيبات المرأة المرضعة ونسيبات زوجها صاحب اللبن اللواتي تحرم أمثالهن عليه من قبل أبيه وأمه، وأما إخوته الذين لم يرضعوا من تلك المرأة فلا يشملهم هذا الحكم، فلا مانع من التزاوج بينهم وبين أولاد المرضعة، والله أعلم.
أريد الزواج بابنة خالتي علمًا أن خالتي هذه رضعت من أمي مع أختي، فهل يصح هذا الزواج؟
هي بنت أختك، ولا تحل لك، والله أعلم.
أرضعتني خالتي على ابنها، فهل يجوز لابن خالتي هذا أن يتزوج بأختي؟
إن كانت أختك هذه لم ترضع من خالتك وإنما أنت الراضع منها، فلا حرج أن يتزوجها ابن خالتك، وإن كان أخاك أنت من الرضاع؛ لأن حكم رضاعك من خالتك لا يسري إلى أخوتك وأخواتك، والله أعلم.
هل يصح أن أتزوج بامرأة رضعت أمها من أمي؟
هي بنت أختك، ولا تحل لك، والله أعلم.
ما قولكم فيمن أرضعت ابن عمها خطأ، فهل يجوز أن أتزوج إحدى أخوات الراضعة من جهة الأب؟ (2/24)
صفحة 444
هن خالاته من الرضاع، فلا يحل له أن يتزوج بأي واحدة منهن، ففي الحديث الصحيح: »يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب«، والله أعلم.
فيمن أراد أن يتزوج ابنة خالته، وقد رضع أخواه من جدته التي هي أم والدته، فما حكم هذا الزواج؟
لا مانع من ذلك؛ لأن حكم رضاع أخويه لا يسري إليه، والله أعلم.
ما قولكم في امرأة أرضعت ابنة ضرتها، وهذه الأخيرة أرضعت ابن المرأة الأولى، فهل يجوز لأخ المرأة أن يتزوج من بنات المرأة الثانية؟
يجوز لأخيها أن يتزوج غير التي أرضعتها أخته من بنات ضرتها، والله أعلم.
ما الحكم المترتب على الرضاعة، وما مقدار الإرضاع الذي يثبت به حكم الرضاع؟
يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، ولو كان رضعة واحدة، والله أعلم.
هل يصح لي أن أتزوج أخت أخي من الرضاع، إذا كان أخي هذا ليس شقيقًا وإنما هو أخ من الأب؟
إن كانت هذه التي تريد الزواج بها أرضعتها امرأة أبيك؛ فهي أختك من الرضاعة؛ لأن أباك هو صاحب اللبن الذي رضعته، فهو أبوها في حكم حرمة الزواج، وإن كانت لم ترضع من امرأة أبيك، وإنما أخوك رضع من أمها؛ فلا مانع من زواجك بها، والله أعلم.
ما قولكم فيمن أرضعت بنت ابنتها، ثم توفيت هذه المرضعة، فهل يصح لابن خالها أن يتزوج إحدى أخواتها؟
لا مانع من ذلك؛ لأن رضاع أختهن لا يسري إليهن حكمه، والله أعلم.
ما قولكم في أختين أرضعت كل منهن ابن الأخرى، فهل يصح التزاوج بين الأبناء الآخرين الذين لم يشاركوا في الرضاع؟
التزاوج بين الآخرين الذين لم يشاركوا في الرضاع غير ممنوع، والله أعلم.
هل يصح أن أزوج ابن أختي بابنتي، إذا كانت أمي أرضعت ابنة أخت لي أخرى غير التي أريد أن أزوج ابنها؟
لا مانع من أن تزوج ابن أختك الذي لم يرضع من أمك، ولو أرضعت أخاه أو ابن خالته، فإن حكم ذلك الرضاع لا يسري عليه، والله أعلم.
ما قولكم فيمن أرادوا الزواج من بنات امرأة، وقد أرضعت أم هؤلاء البنات ربيبة أبيهم؟ فهل يجوز ذلك؟ (2/25)
صفحة 445
نعم لا مانع من ذلك؛ لأن رضاع ربيبة أبيهم لا يسري حكمه عليهم، بل حتى رضاع أخيهم لا يتجاوزه حكمه إليهم، والله أعلم.
فيمن أراد أن يتزوج امرأة وقد رضع أخوه من أمها مع إحدى بناتها، وهي غير البنت التي تريد الزواج به، فهل يصح ذلك؟
إن كان هو لم يرضع من تلك المرأة التي أرضعت أخاه، فلا حرج إن تزوج ابنتها، سواء قارنت أخاه في الرضاع أو سبقت أو تأخرت، والله أعلم.
ما قولكم فيمن أراد أن يتزوج بامرأة قد شربت حليبًا من أمه مخلوطًا بدواء، فهل تحرم عليه بذلك أم لا؟
إن كان ساغ إلى جوفها شيئًا من لبن أمه ولو مخلوطًا بالدواء؛ فهي أخته، ولا تحل له، أما إن كان لم يسغ في جوفها؛ فلا حرج في زواجه بها، والله أعلم.
ما قولكم في امرأة عجوز ألقمت ابن ابنها ثديها، فهل يصح لهذا المرضع أن يتزوج من بنات مرضعته؟
لا يتزوج من بنات مرضعته، ولا بنات زوجها صاحب اللبن، إلا إن كانوا واثقين أنه لم يرضع منها لبنًا ولا ماء، والله أعلم.
ما قولكم فيمن أرضعته امرأة، ولا تعرف إن كان خرج من ثديها لبنًا أم لا، فهل يجوز لهذا المرضع أن يتزوج إحدى بنات مرضعته؟
في الأثر: »دع ما لا يريبك إلى ما لا يريبك«، وعليه فيؤمر هذا الرجل أن لا يتزوج ممن يشتبه أنها أخته من الرضاع، »فمن رعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه«، والله أعلم.
ما قولكم فيمن أرضعت أختها الصغيرة، فهل يجوز لابن الصغيرة أن يتزوج ابنة الكبيرة؟
لا يجوز لابن الصغيرة أن يتزوج بابنة الكبيرة في هذه الحالة؛ لأنها خالته من الرضاع، فقد أرضعت أمها أمه؛ فصارت أختها وخالة ولدها، وفي الحديث الصحيح، والله أعلم. (2/26)
صفحة 446
بعد ثماني سنوات من زواجي اتضح أخيرًا أن زوجتي هي أختي من الرضاعة، حيث تبين لنا أنني وزوجتي أرضعتنا امرأة واحدة، وقد أجمع الشهود على رضاع زوجتي من هذه المرأة، غير أنه لا يوجد شهود على رضاعي منها غيرها، ولم تزعم ذلك إلا بعد مرور هذه السنوات مع علمها بزواجي بدايةً، وكما نعلم أن من زعم ذلك بعد الزواج يحتاج إلى شهادة شاهدي عدل ولا شاهد، بالإضافة إلى وجود أولاد منها، وقد استفسرنا عن هذه القضية عند سماحتكم سابقًا فأفتيتم بالانفصال، فأرجو إعادة النظر في هذه القضية على ضوء ما شرحت لك؟
تعبيرك بقولك: »اتضح أخيرًا أنها أختي من الرضاعة« يدل على ثبوت ذلك عندك، وعليه فإن المعول على ما ثبت، وقولك هذا إقرار، ومن القواعد التي يأخذ بها الفقهاء أنه لا إنكار بعد إقرار، والله أعلم.
فيمن أرضعته امرأة وهو ابن ثمان سنين، فهل يجوز له أن يتزوجها؟
إن كان في حال الرضاع هو ابن ثمان سنوات؛ فلا يحرم هذا الرضاع شيئًا، وله أن يتزوجها، والله أعلم.
أريد الزواج من ابنة عمي غير أن جدتي أرضعت ابنة عمتي، فهل يجوز هذا الزواج؟
نعم ذلك جائز لك، ولا يؤثر إرضاع جدتكما لابنة عمتكما على زواجكما، والله أعلم.
أرغب في الزواج من امرأة رضعت أختها الأكبر مع أمي، فهل يصح هذا الزواج؟
بناء على ما ذكرته فهي أخت خالتك من الرضاع، وليست خالتك، فلا يحرم زواجك بها، والله أعلم.
رجل تزوج ابنة أخته من الرضاع، فما حكم هذا الزواج، ولمن ينسب الأولاد الذين ولدوا على هذا العقد؟
هذا الزواج باطل، ويجب التفريق بينهما، والأولاد أولاده من أجل شبهة الزواج، والله أعلم.
رجل تزوج امرأة من مسقط، ودخل بها، ثم بعد مدة تزوج امرأة أخرى من صحار، ثم مات عنهن، ثم تبين بعد موته أن الزوجتين أختين من الرضاعة، ما حكم الإسلام في هاتين المرأتين، مع العلم أن الهالك هو زوج هاتين المرأتين لم يعلم أنهن أختين من الرضاعة؟ (2/27)
صفحة 447
بما أن ذلك لم يكن عن قصد؛ فلا إثم عليهم، ويثبت نسب الأولاد إن ولدتا لأجل نكاح الشبهة، وإنما بقي النظر في ميراث الثانية منهما، وهي مسألة تحتاج إلى تأمل، والله أعلم.
امرأة أرضعت ولدًا من أولاد امرأة ثانية، فهل جائز التزويج بين هؤلاء الأولاد مع العلم بأن المرأة أرضعت ولدًا واحدًا فقط مع بنت واحدة من بناتها؟
الراضع من تلك المرأة هو كأحد أبنائها تحرم عليه مرضعته؛ لأنها أمه، وأمها لأنها جدته، وأخواتها لأنهن خالاته، وعماتها لأنهن عمات أمه، وخالاتها لأنهن خالات أمه، وبنات أبنائها لأنهن بنات أخوته، وبنات بناتها لأنهن بنات أخوانه، وكذلك يحرم عليه من قبل أبيه الذي ولده من النسب؛ لأنه في حكم أبيه من قبل حرمات النكاح، وأصل ذلك حديث: »يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب«، وأما إخوته فلا يسري عليهم هذا الحكم؛ لأن الراضع من تلك المرأة أخوهم، ولم يرضعوا منها، والله أعلم.
يوجد لدي أخ من أم، ولديه أولاد ذكور وإناث، وأرغب في زواج ولدي من إحدى بنات أخي، ولكن بنتي أرضعت مع أحد أولاده الذكور.
علما بأن ابنتي المرضعة متزوجة بأحد أولاده غير الذي أرضعت معه، ولكن لم يدخل عليها بعد، هل يجوز زواج ولدي من إحدى هذه البنات؟ (2/28)
صفحة 448
إن كانت ابنتها أرضعتها زوجة أخيك؛ فأخوك أبوها من الرضاع، وزوجته المرضعة أمها من الرضاع، ولا تحل ابنتك لأي واحد من أبناء أخيك زوج المرضعة، ولو كان من غير المرأة التي أرضعتها، كما لا تحل لأي واحد من أبناء المرأة التي أرضعتها، ولو كان من زوج آخر، وذلك أن الرضاع مثل النسب، يحرم منه ما يحرم من النسب بنص الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فانظر أولًا في زواج ابنتك بابن أخيك، فإن سؤالك يوحي بعدم جواز هذا الزواج، وأما تزوج ابنك بابنة أخيك؛ فإن كان هو لم يرضع من أمها ولا من زوجة أبيها، وهي أيضًا لم ترضع من أمه ولا من زوجة أبيه، وإنما أخته أرضعتها أمها أو زوجة أبيها، ولم يكن ثَمَّ سبب آخر للتحريم؛ فلا حرمة بذلك، والله أعلم.
تزوجت امرأة، ثم تبين لي أنها أختي من الرضاع، فهل الأولاد الذين ولدتهم هم أولادي، ويجب عليهم نفقتهم؟ وإن كان ذلك، فكم تقدر النفقة بالريالات؟
نعم هم أولادك، وعليك نفقتهم بالمعروف، وتقديرها يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، فإن لم يكن خلاف بين الجانبين؛ فليتفقا على ما فيه رضاهما، وإن اختلفا فالقاضي الشرعي هو الذي يحددها بعد مراعاة ذلك كله، والله أعلم.
عن امرأة أرضعت طفل في سن الرضاعة، فهل يجوز أن تزوج ابنها من أخت الطفل الذي أرضعته؟
لا حرج في ذلك؛ لأن رضاع أخيها من أم الذي يخطبها لا يسري إليها، فلا يؤثر عليها شيئًا، وإنما الراضع وحده هو الذي يحرم عليه أن يتزوج ببناتها أو بنات أولادها وهكذا، والله أعلم.
فيمن تزوج امرأة، وبعد ثمان سنين جاءت امرأة من نفس المنطقة، وتزعم أنها أرضعت الزوج والزوجة، علمًا أن هذه المرأة كانت حاضرة في فترة عقد الزواج، ولم تخبر بذلك، فما حكم علاقته الزوجية؟
إن صدقها الزوج؛ فليدع المرأة، وإن لم يصدقها؛ فهي غير حجة عليه إلا ببينة، والله اعلم. (2/29)
صفحة 449
فيمن تزوج امرأة، ثم تبين له فساد الزواج بسبب رضاع بينهما، فهل يجوز لهما أن يعيشا في بيت واحد لتربية أولادهما؟
نعم، والله أعلم.
زوَّجْت رجلًا بابنتي، وكانت له زوجة سابقة، وقد أنجبت كل واحدة منهما بنتًا، فأردت الزواج بابنة ضرة ابنتي، لكن أمها رفضت ذلك بحجة أنها أرضعت ابنة ابنتي على ابنتها، وقد أنكرت ابنتي ذلك، وكذلك زوجها، فهل كلامها هذا يمنعني من الزواج بها؟ علمًا بأن عمر البنت ستة عشر عامًا، وهي تصغر ابنة ابنتي بتسعة أشهر.
أما الحرمة؛ فلا تحرم عليك بما ذكرت، ولكن لا ينبغي لك أن تتزوج بفتاة هي أصغر من ابنة ابنتك، لِمَا قد يؤدي هذا الزواج من التنافر بين الجانبين خصوصًا مع عدم رغبتها، وفي نصيحة عمر ـ رضي الله عنه ـ: »لينكح الرجل تِرْبَهُ من النساء، ولتنكح المرأة تِرْبَهَا من الرجال«، هذا ما أختاره لك، والله الموفق للخير، والسلام عليكم.
ثبت في الحديث عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: »يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب«، وظاهره أن جميع الصور التي تقع فيها حرمة النكاح بسبب الأنساب تحرم نظائرها من أجل الرضاع، إلا أن من العلماء من استثنى في الرضاع بعض الصور، فما قول الفصل عندنا في ذلك؟ (2/30)
صفحة 450
نعم، ثبت في الحديث الصحيح الذي أخرجه الربيع والشيخان وغيرهم من طريق عائشة ـرضي الله عنها ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: »يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب«، وجاء في رواية: »ما يحرم من الولادة«، وفي رواية أخرى من طريقها أيضًا: »إنما الرضاع مثل النسب«، وهذه الرايات كلها تفيد قاعدة فقهية ينضبط بها حصر المحارم من قبل الرضاع، إلا أن من الفقهاء من استثنى بعض الصور، وهي التي كانت الحرمة فيها في الأنساب لعلاقة خاصة بين الذكور والإناث، ولا تتحقق في الرضاع، من حيث أن تلك العلاقة هي مناط حكم الحرمة بينهما، فإن انعدامها في الرضاع ينعدم به ذلك الحكم، وتبقى على أصل الإباحة، وهي صور عديدة، إلا أن الشائع منها صورتان وهي: أخت الابن وأم الأخ، فلا في حرمتها من قبل الأنساب؛ لأن أخت الابن في النسب لا تخلو إما أن تكون ابنة، وإما أن تكون ربيبة، وأم الأخ إما أن تكون أمًّا، وإما أن تكون حليلة أب، وفي كلتا الحالتين في كل واحدة من الصورتين لا مناص عن التحريم، أما في الرضاع فالكل من ذلك منْتَفٍ؛ فانتفت الحرمة بانتقائه، فأخت الابن إن كان هو الرَّاضع من أمها أو أرضعتهما امرأة أجنبية ليست أما ولا حليلة أب ولا ربيبة له، فلا موجب لحرمتها عليه، وكذلك مرضعة الأخ ليست أما ولا حليلة أب؛ فلا مُسوِّغ لتحريمها، وقد اقتصر على ذكر هاتين الصورتين جماعة من أهل العلم والتحقيق، منهم الزمخشري في الكشاف، وأبو حيان في البحر المحيط، وصاحب كنز الدقائق من علماء الحنفية، ونظم ذلك شيخنا العلامة ابراهيم بن سعيد العبري فقال:
واستثن من حكم "الرضاع كالنسب "
أم أخيه أمه في النسب
وأخت ابنه فإما ابنته
من ثم تحرمان بالإجماع
... أم أخ وأخت ابن ذي حسب
أولا فإنها حليلة الأب
بنفسه أو أنها ربيبته
من جهة الأنساب لا الرضاع (2/31)
صفحة 451
هذا وذهب فريق من أهل العلم إلى أنه لا داعي إلى الاستثناء، وذلك راجع ـ حسب رأيي ـ إلى ما ذكرته من أن العلاقة المقتضية للحرمة في النسب غير موجودة في الرضاع أصلًا، فأخت الابن لم تحرم في النسب لمجرد كونها أخت ابن، وإنما حرمت لأنها بنت أو ربيبة، وكذلك أم الأخ في النسب ليس منشأ حرمتها كونها أم أخ، وإنما منشؤها أنها لا تخرج عن كونها أما أو حليلة أب، وهو مما يدل بداهة على أن الخلاف بين هؤلاء وأولئك لا يعدو أن يكون لفظيًا، فإن الفريقين مجموعون على الحل في الرضاع والحرمة في النسب، وإن سرى إلى فهم بعض أئمة العلم المتبحرين خلاف ذلك، إذ ظن أن الخلاف معنوي فحكى القول بالمنع في الصورتين المذكورتين بسبب الرضاع كالنسب، وذلكم هو قطب الأئمة ـ رحمه الله تعالىـ في تفسيره: (تيسير التفسير) و(هيميان الزاد)، وقد عزا ذلك في (التيسير) إلى الشافعية، ويلمح من كلامه في الهيميان أنه يميل إليه، ونص ما في التيسير: »ولا يجوز تزوج أخت ابنك إذا ولدتها المرأة من رجل آخر؛ لأن وطء الأم يحرم البنت، وولدت أنت منها هذا الابن، وشهر منع المصاهرة لا الوطء لفقده، ويجوز إذا كان هذا الابن من الرضاع، ومنعته الشافعية، وفي أم أخيه من الرضاع القولان«، أما نص كلامه في الهيميان: »قيل: لا دليل يخص منه أخت ابن الرجل من الرضاع وأم أخيه من الرضاع، وزعم بعض أنه يجوز لك أن تتزوج أخت ابنك من الرضاع؛ ولو لم يجز أن تتزوج أخت ابنك من النسب، ويجوز أن تتزوج أم أخيك من الرضاع؛ ولو لم يجز أن تتزوج أم أخيك من النسب، والزمخشري ذكر جواز التزوج في المسألتين، وقال ـ كالمتبرئ منه ـ: »إنهم قالوا ذلك... إلخ«، ويلمح ما ذكرته من الميل إلى التشدد في كلامه، حيث عبَّر بالزعم عن القول بخلافه وأشار إلى تبرؤ الزمخشري منه إذ حكاه بقوله: »قالوا ذلك، وليس في كلام الزمخشري ما يدل على تنصله مما حكاه، وأنه يذهب إلى خلافه، فإن مثل هذا القول معهود في عباراته لغير (2/32)
صفحة 452
هذا القصد، ولست أرى ما حكاه الشافعية من القول بالمنع في المسألتين ـ كما في التفسير ـ إلا أنه سرى إليه ظنُّه مما ذكرته من أنهم لا يرون داعيًا إلى الاستثناء لتباين الحكم ما بين الصورتين في النسب والرضاع؛ لوجود ما يقتضي التحريم فيهما في النسب دون الرضاع، وهو ما تشهد به دواوين الفقه عند الشافعية، فقد نص الشيرازي في المهذب ـ وهو من الكتب المعتمدة عند الشافعيةـ على عدم سريان حرمة الرضاع إلى أصول الطفل الراضع، ولا إلى الفروع المساوية له، وإليك نصه: »وتنتشر حرمة الرضاع من الولد إلى أولاده وأولاد أولاده ذكورًا كانوا أو إناثا، ولا تنتشر إلى أمهاته وآبائه وإخوانه وأخواته، ولا يحرم على المرضعة أن تتزوج بأبي الطفل ولا بأخيه، ولا يحرم على زوج المرضعة الذي ثار اللبن على ولده أن يتزوج بأم الطفل ولا بأخته، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: » يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب«، وحرمة النسب في الولد تنتشر إلى أولاده، ولا تنتشر إلى أمهاته وآبائه ولا اخوته وأخواته فكذلك الرضاع«، وأقر ذلك شارحه صاحب التكملة الثانية للمجموع، بل نجد فيما نقله القطب نفسه في شرح النيل عن الحافظ ابن حجر -وهو من كبار أئمة الشافعية- ما يؤكد هذا، ونصه: »ولا يتعدى التحريم إلى أحد من قرابة الرضيع، فليست أخته من الرضاعة أختًا ولا بنتًا لأبيه، إذ لا رضاع بينهم«، (2/33)
صفحة 453
وقد أقر ذلك القطب، ولم يتعقبه بشيء، وفي كلام الشيرازي ما يدل على مرادهم بعدم الاستثناء، وأنه لا يعني إلا أن التحريم في النسب إنما هو لأجل سبب لا يوجد في هذه الصور في الرضاع، وهو الذي يوحي به كلام ابن كثير في تفسيره -وهو من علماء الشافعية أيضًا- فبعد أن ذكر عن بعضهم استثناء أربع صور، وعن غيرهم استثناء ست صور، قال: »والتحقيق أنه لا يستثنى شيء من ذلك؛ لأنه يوجد مثل بعضها في النسب، وبعضها إنما يحرم من جهة الصِّهر، فلا يرد على الحديث شيء أصلًا« انتهى، هذا وقد أومأ الإمام نور الدين السالمي -رحمه الله تعالى- إلى الصورتين المذكورتين في معرض ذكره ما يحرم بالرضاع، حيث قال: »فالرضاعة في باب التزويج كالنسب، لا فرق بينهما في شئ من الأمور، وقد استثنى بعضهم صورتين يجوز النكاح فيهما مع الرضاع دون النسب، ولم يحضرني ذكر الصورتين، وتعقب بعضهم ذلك الاستثناء؛ لأن الصورتين المذكورتين غير داخلتين في حكم التحريم حتى مع النسب، فلا يحتاج إلى استثنائهما« انتهى، ولا يخلو قوله: »لأن الصورتين المذكورتين غير داخلتين في حكم التحريم حتى مع النسب« أن يكون قصده ما ذكرناه في توجيه كلام من لا يقول بالاستثناء، وهو أن التحريم في النسب ليس لمجرد هذه العلاقة القائمة في الرضاع، وإنما هو سبب شرعي آخر كما ذكرناه، أو يكون قصده به عدم وجود ما يقتضي التحريم أصلًا حتى في النسب كما هو المتبادر، فإن كان الأول مراده؛ فهو كلام سليم لا غبار عليه، وإن كان الثاني؛ فلا يعدو أن يكون توهمًا ناشئًا عن عدم استحضاره للصورتين، مع ما ارتسم في ذهنه من كلام لا يرى الاستثناء، إذ كيف يتصور أن تكون الصورتان في النسب لا حرمة فيهما، مع أن إحداهما لا بُدَّ من أن تكون ابنة أو ربيبة، والأخرى لا بُدَّ من كونها أمًّا أو حليلة أب، وكل من هؤلاء حرام بالنص القطعي والإجماع. (2/34)
صفحة 454
ومن عجيب الملابسات أن أحد أشياخنا الأجلاء سرى إلى ذهنه من كلام الإمام السالمي هذا أنه يرى عدم
جواز النكاح في الصورتين المذكورتين في الرضاع، وكان ذلك سببًا لتوقف ذلك الشيخ عن الإفتاء بجواز النكاح فيهما، مع أن كلام السالمي بعيد عن هذه الدلالة، كما هو واضح بداهة.
هذا وبناءً على الاستثناء لأجل رفع اللبس، فإن ذكر هاتين الصورتين لا يعدو أن يكون من باب التمثيل لا الحصر؛ لوجود صور شتى ينتظمها حكمهما، وقد سبق أن ابن كثير ذكر عن بعضهم استثناء أربع صور، وعن استثناء ست صور، وفي ذاكرتي أن صاحب (البحر الزخار) استثنى ست صور -وهو من فقهاء الزيدية- وهي كلها تعود إلى أن الحرمة في نظائرها من حيث ناشئة عن أسباب لا توجد في الرضاع، ولعل أكثر العلماء استقصاء لهذه المسائل المستثناة وتفاصيلها هو العلامة ابن نجيم الحنفي في كتابه القيم: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق)، فقد تتبع ما استظهره من قبله، كما استظهر هو أيضًا صورًا أخرى لم يسبق إلى استظهارها فبلغت جميعًا إحدى وثمانين، ومن أجل إفادة الراغبين أحكي في هذا الجواب من كلامه ما انتظم سلكه درر هذه الفوائد الثمينة، قال: »ففي أم أخته ثلاث صور: الأولى: الأم رضاعًا، والأخت نسبًا بأن أرضعت أجنبية أخته نسبًا ولم ترضعه، والثانية: عكسه أن يكون لأخته رضاعًا أمٌّ من النسب، الثالثة: أن يكونا رضاعًا بأن أرضعت امرأة صبيًّا وصبيةً، ولهذه الصبية أمٌّ أخرى من الرضاع لم ترضع الصبي، وفي أخت ابنه ثلاث أيضًا، الأول: أن تكون الأخت رضاعًا فقط, بأن كان له ابن من النسب، ولهذا الابن أخت من الرضاعة ارتضعا على غير امرأة أبيه، والثانية: أن يكون الابن رضاعًا فقط، وله أخت من النسب، والثالثة: أن يكونا رضاعًا، ومراده من الابن الولد؛ فيشمل البنت. (2/35)
صفحة 455
وفي شرح الوقاية: »فإن قيل: "إلا أم أخته" إن أريد بالأم الأم رضاعًا وبالأخت الأخت رضاعًا لا يشمل ما إذا كانت إحداهما فقط بطريق الرضاع، وإن أريد بالأم الأم نسبًا وبالأخت الأخت رضاعًا أو العكس لا يشمل الصورتين الأخريين.
قلنا: المراد ما إذا كانت إحداهما بطريق الرضاع أعمُّ من أن تكون إحداهما فقط أو كل منهما« ا. هـ.
قال ابن نجيم: »ولا شك أن السبب في استثناء هذين عدم وجود العلة؛ فإنها في التحريم من الرضاع وجود المعنى المحرم في النسب، ولم توجد في هذين، أمَّا في الأولى؛ فلأن أم أخته من النسب إنما حرمت لكونها أمه أو موطوءة أبيه، وهو مفقود في الرضاع، وأما في الثانية؛ فلأن أخت ابنه نسبًا إنما حرمت لكونها بنته أو بنت امرأته، ولم يوجد في الرضاع، فعلم أنه لا حصر في كلامه، وقد ثبت ذلك الانتفاء في صور أخرى؛ فزاد على الصورتين في الوقاية أربعة( )، أم عمه وعمته، وأم خاله وخالته؛ لأن أم هؤلاء موطوءة الجد الصحيح أو الفاسد ولا كذلك من الرضاع، وفي شرحها: ولا تنسى الصور الثلاث في جميع ما ذكرناه« ا. هـ. يعني من اعتبار الرضاع في المضاف فقط أو في المضاف إليه أو فيهما. (2/36)
صفحة 456
وزاد الشارحون صورًا أخرى الأولى: أمًّا حفدته رضاعًا، بأن أرضعت أجنبية ولد ولده؛ فله أن يتزوج بهذه المرأة بخلافه من النسب؛ لأنها حليلة ابنه أو بنته، ولم يوجد هذا المعنى في الرضاع، والثانية: جدة ولده من الرضاع، بأن أرضعت أجنبية ولده، ولها أم فأنه يجوز له التزوج بهذه الأم بخلافه من النسب؛ لأنها أمه أو أم امرأته، الثالثة: عمة الولد من الرضاع بأن كان لزوج المرضعة أخت؛ فلأب الرضيع أن يتزوجها بخلافه من النسب لأنها أخته، ولم يذكروا خالة ولده؛ لأنها حلال من النسب أيضًا؛ لأنها أخت زوجته، الرابعة: يحل للمرأة التزوج بأبي أخيها من الرضاع، أو بأخي ولدها من الرضاع، أو بأبي حفدتها من الرضاع، وبجدِّ ولدها من الرضاع، وبخال ولدها من الرضاع، ولا يجوز ذلك كله؛ لما كان في حق الرجل. (2/37)
صفحة 457
قال: »ثم اعلم أن ما ذكرناه من صحة اعتبار الرضاع في المضاف فقط أو في المضاف إليه فقط يطرد في جميع الصور كما ذكره ابن وهبان في (شرح المنظومة)، وأفاد أنها تبلغ نيفًا وستين مسألة، ليس هذا المختصر موضع ذكرها، وأحال إلى الذهن في حل بعضها، وتبعه في الإضراب عن حلِّها العلامة عبد البر بن الشحنة، وأقول: -والقائل ابن نجيم- في بيان حلها: »إن مسألتي الكتاب أربع وعشرون صورة؛ لأن أم أخيه بتذكير الأخ وبتأنيث الأخت صورتان، لجواز إضافة الأم إلى الأخ والأخت، وكلٌّ منهما بالاعتبارات الثلاثة؛ فهي ستة، والأخت ابنة بتذكير الابن وتأنيث البنت صورتان؛ لجواز إضافة الأم إلى الأخ والأخت، وكل منهما بالاعتبارات الثلاثة فهي ستة، ولكل من الاثني عشر صورتان، إما باعتبار ما يحل للرجل أو ما يحل للمرأة؛ فإنه كما يجوز له التزوج بأم أخيه؛ يجوز لها التزوج بأب أخيها، فهي أربعة وعشرون، وأما الأربعة الثانية وهي: أم عمة وعمته وأم خاله وخالته؛ فهي أربعة وعشرون صورة أيضًا؛ لأن الأربعة بالاعتبارات الثلاث اثنا عشر، ولكل منهما صورتان، إما باعتبار ما يحل له أو لها، فإنه كما يجوز للرجل التزوج بأم عم ولده رضاعًا يجوز لها التزوج بأبي عم ولدها رضاعًا إلى آخر الأقسام، وأما الثلاثة الأخيرة أعني أم حفدته وجدة ولده وعمة ولده، فهي بالاعتبارات الثلاث تسعة، ولكل منها صورتان باعتبار ما يحل له أو لها، فإنه كما يجوز للرجل التزوج بأم حفدته يجوز للمرأة التزوج بأبي حفدتها من الرضاع كما قدمناه، لكن لا يتصور في حقها عم ولدها؛ لأنه حلال من النسب أيضًا لها؛ لأنه أخو زوجها، ولكن العدد المذكور لا ينتقص به؛ لأن بدله خال ولدها؛ لأنه كما قدمناه جائز لها من الرضاع دون النسب؛ لأنه أخوها، فصارت الثلاثة ثمانية عشر، فصار الكل ستًّا وستين صورة، فالمراد بالنيف في كلام ابن وهبان ست. (2/38)
صفحة 458
قال: »وهذا البيان من خواص هذا الكتاب بحول الله وقوته، قال: ثم تأملت بعد ذلك قول ابن الهمام: »إذا عرفت مناط الإخراج أمكنك تسمية صور أخرى«، ففتح الله تعالى بتسمية صورتين، الأولى: بنت أخت ولده حلال من الرضاع حرام من النسب؛ لأنها إما بنت بنته أو بنت ربيبته، وتصح فيها الأوجه الثلاثة، وكلّ منها إما أن تكون الأخت مضافة إلى الابن أو البنت فهي ستة، وكل منها إما باعتبار ما يحل للرجل أو لها، فإنه كما يجوز له التزوج ببنت أخت ولده رضاعًا يجوز لها التزوج بابن أخت ولدها رضاعًا، فصارت اثني عشر، الثانية: بنت عمة ولده جائزة من الرضاع حرام من النسب؛ لأنها بنت أخته، وفيها الوجوه الثلاثة فقط، باعتبار ما يحل له، ولا يتأتى هنا باعتبار المرأة، فإنه يحل له التزوج بابن عمة ولدها من النسب والرضاع جميعًا، بخلاف المسألة الأولى، فإنه لا يجوز لها التزوج ابن أخت ولدها من النسب؛ لأنه إما أن يكون ابن بنتها أو ابن بنت زوجها، وهو يحرم عليه التزوج بحليلة جده، فالحاصل أن هاتين الصورتين على خمسة عشر وجهًا، فصارت المسائل المستثناة إحدى وثمانين مسألة«.
انتهى المراد من كلام ابن نجيم، وقد حذفْتُ منه ما يمكن الاستغناء عنه من الشرح والبيان. (2/39)
صفحة 459
وأقول: بأن الاستثناء لا ينحصر في هذه الصور التي ذكرها، إذ كما تستثنى بنت أخت ولده من الرضاع تستثنى كذلك بنت أخ ولده، فإنها تحل إن كانت من الرضاع دون النسب، وكما يتوجه في تلك تخريجها على اثنتي عشر صورة؛ فهذه كذلك، ومثلها بنت أخي حفيده وبنت أخي حفيدته وبنت أخت كل منهما، ويتوجه في كل منها تخريجها على الوجوه المذكورة، وكذلك يحرم على المرأة أن تتزوج بابن خالة ولدها من النسب دون الرضاع؛ لأنه ابن أختها في النسب، ولا علاقة لها به في الرضاع، وفيه الوجوه الثلاث التي ذكرها في ابنة عمة الولد بالنسبة إلى الرجل، وعلى هذا فالوجوه التي يمكن أن تستثنى يزيد على المائة، لذلك أرى أن تكون هذه الصور كلها أمثلة لِمَا يستثنى، وأن يُعوَّل في ذلك على ضابط كلي تندرج ضمنه هذه الجزيئات جميعًا، وهو أنه يخرج من تلك القاعدة ما كان تحريمه في النسب منوطًا بما لا وجود له في الرضاع من الأسباب، والله أعلم بالصواب، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد, وعلى آله وصحبه أجمعين.
الزنا وأثره على الزواج:
سماحة الشيخ أكتب إليكم هذا البحث حول موضوع الزواج من الزانية، وقد سبق وأن أعلمتموني بأنه حرام، ولكن في المذاهب الأخرى هو جائز، وهذا هو رأي الجمهور، فهل من الممكن أن ترسلوا إلى الأدلة القاطعة أو حتى أسماء الكتب التي يمكن أن تفيدني بخصوص هذا الموضوع؟ !
فقد قرأت كتابًا يدعى (تفسير آيات الأحكام) لصاحبه الشيخ محمد علي الصابوني.. جاء فيه: أن الزاني في اللغة: هو وطء الرجل المرأة في الفرج من غير نكاح، ولا شبه نكاح. (2/40)
صفحة 460
وأيضًا في قصة "ماعز بن مالك الأسلمي" عندما زنى بجارية، فذهب إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقال له: »إني زنيت فطهرني«، فقال له الرسول -صلى الله عليه وسلم-: »لعلك قبَّلت أو غمزْتَ أو نظرْتَ«، قال: لا، فسأله النبي -صلى الله عليه وسلم- باللفظ الصريح الذي معناه (الجماع)، قال: نعم، قال: »حتى غاب ذلك منك في ذلك منها؟ « قال: نعم، قال: »كما يغيب الميل في المكحلة والرشاء في البئر؟ !«، قال: نعم، فسأله النبي -صلى الله عليه وسلم-: »هل تدري ما الزنى؟ «، قال: نعم, أتيت منها حرامًا ما يأتي الرجل أهله حلالًا.. إلى آخر الحديث(1).
فهل هذا دليل على أنه إذا لم يدخل الرجل على المرأة, ولم يقع مثل قول الرسول -صلى الله عليه وسلم- »حتى غاب ذلك منك في ذلك منها« إذا لم يحصل هذا, هل هذا دليل على جواز زواجهما بعد التوبة النصوح؟
وما رأيكم في حديث عائشة, أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- سئل عن رجل زنى بامرأة، وأراد أن يتزوجها فقال: »أوله سفاح، وآخره نكاح, والحرام لا يحرِّم الحلال«.
أراني شبه مقتنعة بهذا الحديث؛ لأنه كيف للحرام أن يحرِّم الحلال, وهذا يشبه من دخل بستانًا ثم سرق ثمرة، وبعد ذلك أتى صاحبه، واشترى منه ثمرة, فما سرق حرام، وما اشترى حلال, والسرقة لم تحرِّم الشراء والحلال, فما ردكم؟ ! وهذا الحديث مما أخذ به الفقهاء الأربعة من الأئمة المجتهدين, وسبق وأن قلتم إنه الأفضل للتائبة أن تتزوج العفيف, إن العفيف لن يرضى بهذا، وليس ببعيد أن يطلقها في اليوم التالي، ويفضحها إذا كانت قد فقدت غشاءها, وإن أبقاها؛ فلن يوجد هناك شيء اسمه الطمأنينة، وسيشك فيها في أقل التصرفات, فما مصير الزانية؟ إنه عدم الزواج؟ !
وهناك حديث ينص على أنه »لا ينكح المجلود إلا مثله«، فكيف التوفيق بين القولين؟ ! أرجو أن تفيدوني جزاكم الله خيرًا.
وإذا لم يدخل الرجل على المرأة، ولم ينزل، فهل يجوز لهما التزاوج؟ ! ولكم جزيل الشكر. (2/41)
صفحة 461
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فقد اطلعت على البحث حول زواج الزاني بالتي زنى بها, والذي أقوله: إن ما ذهب إليه أصحابنا -رحمهم الله- هو القول الأحوط والأسلم والأقطع لشأفة الفساد, وهو مرويٌّ عن جماعة من الصحابة -رضوان الله عليهم- منهم أم المؤمنين عائشة وابن مسعود والبراء بن عازب, فقد رُوِيَ عن كل من هؤلاء أن من زنى بامرأة ثم تزوجها فهما زانيان أبدًا, وهو الملائم لقاعدة من تعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه, وهذا هو الذي يتفق مع أشار إليه الكتاب العزيز من روح العلاقة الزوجية حيث قال تعالى: { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا } ( ) فالعلاقة الزوجية سكون وطمأنينة، وأنَّى يسكن قلب رجل أو امرأة إلى من بلاه بنفسه وقاسمه الفحشاء؟ أتعزب عن أحدهما تلك الساعات الماجنة التي انغمسا فيها جميعًا في حمأة الرذيلة، وتعاطيا فيها كؤوس الهوى، استجابة لنداء الشيطان؟ أو لا يمكن أن تكون بين أحدهما وبين آخر نفس تلك العلاقة الشهوانية التي كانت بينهما من قبل؟ أو لا تنتاب كلًا منهما هذه الوساوس، فتقضِ عليه مضجعه، وتؤرق ليله وتشغل نهاره؟ بلى وألف بلى، ولا يماري في ذلك إلا غمر أو غوي. (2/42)
صفحة 462
ولا ريب أن إباحة التزاوج بين الزانيين يفتح باب الفحشاء على مصراعيه عند عُبَّاد الشهوات ما دام الأمر ميسورًا إلى هذا القدر، بحيث يمكن للشاب والفتاة أن يلتقيا في ظل الفحشاء، وعلى بساط الشهوات؛ فيستمتعا ما شاءا، ثم يختتما صفحتهما للزواج، وكم من ذئب من ذئاب البشر افترس العديد من الفتيات بمخالب هذا الأمل الخادع، فرزأهن في أغلى شيء في حياتهن، ثم رفسهن برجله باحثًا عن أخريات، بعدما كانت كل واحدة منهن تأمل بأن يكون في يوم من الأيام شريك حياتها وفارس أحلامها، فإذا بهذا الأمل الحلو الذي كان يداعب خيالها باستمرار يتحول إلى ألم مرٍّ، وهم يملأ جوانب الصدر يقض عليها ليلها، بعد أن رزأها في كرامتها، وخلَّفَ في أحشائها جنينًا، إما أن يواجه الدنيا منبوذا هجينًا، وإما أن تكون نهايته الوأد في مصحات الإجهاض، أو ليس مثل هذا القول الصارم هو الترياق النافع لمثل هذا التلاعب بالأعراض والتغرير بأمثال هذه الفتيات الأغمار، خصوصًا في هذا العصر الذي استشرى فيه داء الفساد، ففتك بالفضيلة وأمات الأخلاق؟ على أن باب سد الذرائع من أبواب الفقه الواسعة التي تتسع لكثير من القضايا، وقد ولج منه كثير من الفقهاء منذ الصدر الأول لعلاج كثير من المشكلات. (2/43)
صفحة 463
هذا ومما يجب أن لا يعزب عن البال أن الرابطة الزوجية رابطة مقدسة يجب أن لا يحوم حولها دنس، وأن لا تلتصق بها ريبة، وفي مواقف السلف الصالح من العديد من القضايا ما يؤكد ذلك، ففي موطإ الإمام مالك: أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فرَّق بين رجل وامرأة تزوجها، واقترن بها قبل انسلاخ عدتها، وقال: »لا يجتمعان أبدًا«، وقد أخذ بمذهبه هذا مالك والليث والأوزاعي، ونص ما في الموطأ من حكم عمر في ذلك: عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وعن سليمان بن يسار أن طليحة الأسدية كانت تحت رشيد الثقفي، فطلقها، فنكحت في عدتها، فضربها عمر بن الخطاب، وضرب زوجها بالمخفقة ضربات، وفرَّقَ بينهما، ثم قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- »أيما امرأة نكحت في عدتها؛ فإن كان زوجها الذي تزوج بها لم يدخل بها فُرِّقَ بينهما، ثم اعتدَّت، بقيت عدتها من الزوج الأول، ثم كان الآخر خاطبًا من الخُطَّاب، وإن كان دخل بها فُرِّقَ بينهما، واعتدت بقية عدتها من الأول، ثم اعتدت من الآخر، ثم لا يجتمعان أبدًا، وذكر العلامة أبو الوليد الباجي في شرحه "المنتقى على موطأ مالك" أن القول بتأبيد تحريم المدخول بها في العدة على الداخل بها قاله أيضًا أحمد بن حنبل، واستدل له الباجي بحكم عمر -رضي الله عنه- واتبع ذلك قوله: وكانت قضاياه تسير وتنتشر وتنقل في الأمصار، ولم يعلم له مخالف؛ فثبت أنه إجماع، قال القاضي أبو محمد: »وقد روي مثل ذلك عن علي بن أبي طالب«، ولا مخالف لهما مع شهرة ذلك وانتشاره، وهذا حكم الإجماع. (2/44)
صفحة 464
وليس هذا فحسب بل لمالك قول بتحريمها عليه ولو دخل بها بعد العدة، وهو منصوص عليه في المدونة، بل حكى ابن الجلاب عنه أنها تحرم عليه بمجرد العقد، نقل ذلك القرطبي، وإذا كان هذا الحكم في وطء بني على عقد، وإن كان غير صحيح بل في نفس العقد غير الجائز، فما بالك بالزنى الصريح، أليس أحق بالحرمة الأبدية مع لزوم الحد الشرعي به؟ وقد علمت أن عمر _رضي الله عنه_ لم يقم الحد الشرعي على الذين فرق بينهما فرقة أبدية لتزاوجهما في أثناء العدة، بل اكتفى بتعزيرهما للشبهة الحاصلة.
وقد ثبت عن النبي _صلى الله عليه وسلم_ أنه قال في المتلاعنين: »لا يجتمعان إلى يوم القيامة«( )، وإذا كان الحكم في اللعان مع إمكان أن تكون المرأة بريئة فكيف بالزنى؟
أمَّا ما يُروى: من أن أوله سفاح وآخره نكاح؛ فهو محكي عن ابن عباس ـرضي الله عنهماـ، وليس عن عائشة، والله أعلم بصحته عنه، ومع تقدير صحته؛ فالأولى أن يحمل على ما لو زنى رجل بامرأة في جاهليتهما، فإن زناه بها لا يُحرِّمها عليه في الإسلام؛ لأن الإسلام جبٌّ لما قبله، وعلى أي حال فإنه قول موقوف على صحابي خالفه غيره من الصحابة، فلا تنهض به حجة.
وحديث: »لا ينكح المجلود إلا مثله« لا يقتضي بحال حصر النكاح في الذي جلد بسببه، حتى يعد دليلًا على جواز نكاح الزاني للمزني بها، وإنما يعني أن المحدود على الزنى ليس كفءًا لغير المحدود، وأما قياس الزنى على السرقة من البستان، فكما لا يحرم على السارق شراء البستان الذي سرق منه لا يحرم كذلك على الزاني أن يتزوج مزنيته، فهو قياس فاسد للبون الشاسع بين الأصل والفرع، فإن الإنسان لا يحرم عليه امتلاك بستان سرق منه أبوه أو ابنه، ويحرم عليه تزوج المرأة التي زنى بها أحدهما، ويجوز له أن يمتلك بستانًا كان ملكًا لأبيه أو ابنه ولا يجوز له أن يتزوج من كانت حليلة لأحدهما. (2/45)
صفحة 465
هذا والزنا المحرم هو الذي يجب به الغسل، ويثبت به الحد الشرعي، وهو غيبوبة الحشفة أو مثلها من فاقدها في فرج المرأة، والله أعلم.
إنني رجل متزوج، وكنت أرتكب فاحشة الزنا والعياذ بالله، ثم أني تبت إلى الله تعالى، وندمت على ما كان مني، فهل ما مضى مني يحرم علي زوجتي؟
هي زوجتك، ولا يحرمها عليك ما كانت تفعله في سرك، وعليك التوبة إلى الله ربك، واستتر بستره، فلا تكشف ستر الله عليك، والله أعلم.
ما قولكم في رجل أراد أن يتزوج امرأة كان قد قبَّلها، ورأى عورتها، ولامس ذكره فرجها، جهلًا منهما بحكم ذلك لصغر سنهما، ثم تابا، فهل يجوز زواجه بها بعد ذلك؟
إن كان لم يولج الحشفة في فرجها، وإنما هو مجرد مسٍّ؛ فلا تحرم عليه، ولا حرج عليهما إن تزوجها، والله أعلم.
فيمن خرجت مع شخص أجنبي عنها، وكشفت له عن جميع جسدها، ثم بعد مدة تزوجها، وبقيت عنده ست سنوات، فتابت مما كان منها قبل الزواج، فما حكم بقائها عنده بعد ذلك؟
تتوب إلى الله من كشف سوءتها( ) لغير زوجها، ولا حرج عليها في البقاء عنده بعد ذلك الزواج؛ لأنه لم يجامعها قبل الزواج، والله أعلم.
سماحة الشيخ: لقد اختلى بي خطيبي، ودخل الشيطان بيننا، وكان ما كان, حيث دفعني دفعًا إلى الزنا رغم أني كارهة لذلك, وحاولت مقاومته بكل ما أستطيع فلم أفلح, فما شرعية هذه الخطوبة, وهل يجبر الشرع هذا الشاب بالزواج مني؟ (2/46)
صفحة 466
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »ما خلا رجل بامرأة إلاّ كان الشيطان ثالثهما«( )، ومخالفة أمر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا تؤدي إلاّ إلى المأساة، ومن الذي يأمن الاشتعال إذا إجتمع الوقود والنار، والزواج رابطة مقدسة لا تدنس بأي شائبة، فإنه لقاء روحي قبل أن يكون لقاءً جسديًا، لذلك كان من شرطه أن يكون مبنيًا على الطهر والعفاف لا على الرجس و الفحشاء، فإن الله تعالى يقول: { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً } ( )، والسكون هنا سكون القلب وطمأنينته، وهل يسكن قلب زوج إلى زوجة بعدما بلا كل واحد منهما الآخر بنفسه، لذلك قال جماعة من الصحابة ـرضي الله عنهم ـ: »أيما رجل زنى بامرأة، ثم تزوجها؛ فهما زانيان أبدًا«( )، وهذا الذي عليه أصحابنا رحمهم الله بلا خلاف، فآيسي من الزواج به، وتوبي إلى الله، واستغفريه لذنبك، والله يعوضك القرين الصالح، واحذري الوقوع في هذه الأخطاء، فماذا عسى أن تكون عاقبة تعرض النعجة للذئب إلا الافتراس، والله المستعان.
فيمن اعترفت أمام زوجها بالزنا، وقدَّمت له ما يثبت كلامها، فطلقها الرجل، ثم قام بإرجاعها، فهل يجوز له ذلك؟
إن صدقها فيما قالته؛ فهي حرام عليه، والله أعلم.
ما حكم الإسلام في الزاني إذا ثبتت عليه جريمة الزنا ـ والعياذ بالله ـ بحيث زنا بفتاة بكر، وأنجب منها مولودًا عن طريق الحرام، هل يجوز له أن يتزوج من فتاة عفيفة؟ وهل يجوز للبنت الزانية الزواج من رجل عفيف؟ وما حكم الإسلام إذا حدث ذلك دون أن يسأل أهل العلم هل عليه إثم؟ وما حكم أولاده هل هم أخوة للمولود الذي أنجب من الزنا؟ (2/47)
صفحة 467
يجوز لكل منهما أن يتزوج من هو متصف بالعفة إن كان لا يدري بما حصل، وكذلك إن تابا إلى الله، وصارا عفيفين، وليستترا بستر الله؛ فلا يكشفا صفحتهما للناس، وولد الزاني لا يكون ولدًا شرعيًا للزاني، فلا ولاية له عليه، ولا توارث بينهما، وذلك لقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: »الولد للفراش وللعاهر الحجر«، وعليه فلا تكون أخوّة بينه وبين أولاد الزاني الشرعيين، ولا يترتب شيء من أحكام الأخوة بينهم إلاّ حرمة الزواج، والله أعلم.
ما حكم الإسلام في رجل متزوج ولديه أولاد، هل له أن يتزوج من امرأة زانية ثبتت عليها جريمة الزنا ـ والعياذ بالله ـ؟ وإذا تزوجها؛ فهل لهؤلاء الأولاد الذين أنجبهم من المرأة الزانية أن يتزوجوا من أولاد المسلمين؟
لا يجوز له ذلك، اللهم إلاّ إن تابت وثبتت عفتها، ولا مانع من التزاوج بين أولاده وسائر أهل الإسلام، والله أعلم.
أقر رجل لامرأته بالزنا بعد نكاحها؛ فصدقته، ولحقت بأهلها بعد مدة لِمَا رأت منه من إمارات دالة على صدق إقراره، منها أن إقراره صدر على جهة الندم مع وعده بعدم العودة وطلبه الكتمان عنه، وذلك إثر عثورها عنده على رسائل ودية موجهة إليه من بعض النساء ومعها صور شمسية لبعضهن، كما أنها عدَّتْه فاسد السيرة سكيرًا يبيت ليالي في غير منزله، وطالبه أهلها بطلاقها بعد ذلك وهي مقيمة عندهم وحامل، فأبى الطلاق، فما برحت المرأة بيت أهلها حتى طلقها القاضي منه بعد ولادتها، ثم زوجها أهلها برجل آخر بعد تسعة أشهر من وضعها دون أن ترى الحيض لكونها مرضعًا.
فهل الحرمة الواقعة بينها وبين زوجها الأول بإقراره بالزنا كافية في إثبات عدتها منه، فيكون واسعًا لها زواجها الأخير بعد وضع حملها أم لا بد من التفريق بينهما بالطلاق؟ وإن كان لا بُدَّ من التفريق؛ فما المخرج للزوج الثاني، علمًا أنه قد أنجب منها أولادًا؟ (2/48)
صفحة 468
هذه مسألة مشكلة، فإنها إن كانت عوَّلت على حرمتها عليه باعترافه بالزنى بصريح العبارة، فلِمَ الطلاق الذي حكم به القاضي عليه؟ وقد كان الواجب عليها أن تعتد إثره، وإن كانت عوَّلت على انفصالها عنه بالطلاق؛ فلِمَ لَمْ تعتدَّ عدة الطلاق؟ وإنما يمكن أن يكون لها مخرج من هذه الورطة بالرأي الذي يراه أصحابنا، وهو أن الزاني من الرجل أو المرأة ليس بكفء لغير الزاني بدليل قوله تعالى: { الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ } ( )، ونسخ جواز نكاح المشركات وإنكاح المشركين من أهل التوحيد لا يؤثر على حكم الزنى، ويعتضد ذلك بمفهوم قوله تعالى: { الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ } ( ) فاشترط لجواز حلهن الإحصان، والمراد به هنا العفة والطهارة في العرض، وهو يدل بمفهومه على أن غير المحصنات ـ وهن الفاجرات ـ لا يحلن للمحصنين وكذلك العكس، ولئن كان ذلك لا يحل ابتداء؛ فكذا الاستمرار بعد ثبوت الزنى بالمشاهدة أو الشهادة أو الإقرار، والآية الأخيرة هي في سورة المائدة، وسورة المائدة محكمة ليس فيها منسوخ، وعليه فإنها قد حرمت على الزوج الأول باعترافه أمامها بالزنى وتصديقها إياه، وطلاق القاضي على هذا ما جاء بشيء إلا تحصيل حاصل، فلا بترتب عليه وجوب العدة، ولا بدّ من أن يكون الزواج الأخير ما أراد به الرجل والمرأة مخالفة الشرع في شيء، فبناءً على ذلك كله لا يمنع أن يستمسكا بذلك العقد، ويلمح من كلام الحافظ الحجة العلّامة القنوبي( ) ـ حفظه الله تعالى ـ أنه يستحسن أن يجدد العقد من جديد دفعًا للشبهة، وليس هو إلاّ من باب الاحتياط فقط، فإن أخذتم به فحسن، والأولاد (2/49)
صفحة 469
الذين ولدوا على فراش الزوج الأخير هم له على أي حال، والله أعلم.
قام زوج أختي بالدخول إلى منزلي وقت غيابي، فهجم على زوجتي، واغتصبها، فلما وصلت إلى المنزل وجدت هذه الجريمة البشعة قد انتهت، والآن السؤال عن حكم زوجتي، وحكم أختي التي علمت بفعلة زوجها؟
أمّا زوجتك فتؤمر أن تعتزلها حتى تحيض حيضة واحدة لئلا يختلط الماءان، وأمّا شقيقتك فإن اعترف زوجها بما كان منه أمامها؛ فقد حرمت عليه، وحرم عليها، والله أعلم.
رجل له زوجتان وله منهن بنات، ولكن هذا الرجل سيء الخلق، يتحرش ببناته، ويريد منهن الفاحشة، وقد سجن بسبب ذلك، ولكنه لا يزال على عادته السيئة هذه، هذا فضلاً عن مضايقته لزوجتيْهِ وعدم إنفاقه على أهله، هل تحرم عليه زوجتاه بذلك؟
إن ثبت زناه بواحدة منهن حرمت عليه زوجتاه، و إلاّ فلا، وإن كان من شأنه التحرش بذوات محارمه؛ فلا ينبغي لامرأتيْه البقاء معه، خشية على البنات فضلاً عن وقوع الزنا منه بهن، والله أعلم.
كيف يتوب من ارتكب كبيرة الزنا مع كثير من الزانيات، مرات لا تحصى على فترات طويلة من عمره؟ وهل يجب عليه شيء من الكفارات؟ وهل يجب عليه الجهر بتوبته؟ (2/50)
صفحة 470
الزاني يتوب إلى الله عز وجل بإخلاص التوبة له، والله يقبل توبته، ويغفر حوبته، فإن القائل: { وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ } ( ) وفي الحديث الذي رواه الإمام الربيع عن أبي عبيدة عن جماعة من الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: »الذنب ذنبان، ذنب بين العبد وربه، وذنب بين العبد وصاحبه، فالذنب الذي بين العبد وربه من تاب منه كان كمن لا ذنب له، والذنب الذي بين العبد وصاحبه لا توبة منه حتى يرد المظلم«، وعليه فإن كان زنا بنساء عاقلات بالغات حرائر مختارات، فعليه التوبة وكفى، وإن كان زنا بمجنونة أو صبية أو أمة أو مكرهة؛ فعليه مع التوبة العقر لكل واحدة في كل مرة، وهو نصف عشر دية المرأة للثيب، وعشر ديتها للبكر، وإن كان زناه معلومًا؛ فعليه إعلان التوبة، و إلا تاب سرًا، والله أعلم. (2/51)
صفحة 471
شخص ارتكب كبيرة الزنا، وأراد التوبة لله عز وجل، وبعد إصراره على التوبة والنية بعدم العودة لارتكاب المعاصي، ظلت المرأة التي ساعدته على الفواحش تلاحقه باتصالاتها وتهديدها بافتعال المشاكل له ولزوجته وأولاده، بل توعدته بأن تتعدى محيط أسرته إلى العمل، بحجة حبها الشديد له، وعدم تحمل بعدها عنه، وأنها عانت الكثير من المشاكل لأجله، وأنه خانها بزواجه من غيرها، مع العلم أنها متزوجة ولديها أولاد، وقد نصحها وأوضح لها بأنه تاب إلى الله عز وجل، وأنه عليها التوبة مثله، فردت عليه بأن الله سبحانه وتعالى لن يغفر له؛ لأنه تسبب في إيذائها وأولادها، وإيذاء الكثير من الناس، ولأنها الآن تعاني الكثير من المشاكل، ورجوعه إليها يحل لها تلك المشاكل، ماذا يجب عليه أن يفعل لكي تكون توبته خالصة لله عز وجل؟ وماذا عليه ليصلح من خطأه تجاه تلك المرأة؟ وهو يعلم أن رجوعه إليها معصية لله عز وجل؟
1- ... عليه أن يتوب إلى الله بالندم والإقلاع عن معصيته، وعقده العزم على عدم العودة إليها مع استغفاره الله تعالى، وتلك هي توبته إن كانت التي زنا بها حرة بالغة عاقلة محتارة، وإن كانت بخلاف ذلك؛ فعليه أن يصدقها، والله أعلم.
2- ... يجب عليه أن يبتعد عن تلك المرأة مهما كلَّفه ذلك، ولا يلتفت إلى إغراءاتها وتهديداتها، { وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ } ( )، والله أعلم.
أنا فتاة مخطوبة، وأخرج مع خطيبي، فأغوانا الشيطان، فوقعنا في الرذيلة، ولكن كلها أشياء خارجية، ولم يباشرني مباشرة الأزواج، نود أن نتوب إلى الله، ونتزوج، ما رأيكم؟ (2/52)
صفحة 472
قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: »ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما«، فما أخطر الخلوة بين الذكر والأنثى، وما أضل عقل من يرضى لوليته أن تخرج مع رجل، قريبًا كان أو بعيدا سواء في حال الخطبة أو غبرها، وتوبتكما إلى الله تتوقف على أركانها الأربعة، وهي: الندم والإقلاع عن المعصية وعقد العزم على عدم العودة إليها والاستغفار، فتوبا إلى الله يغفر الله خطيئتكما، ولا مانع من زواجكما إن كان ما دار بينكما لم يصل إلى حد المواقعة، والله أعلم.
ما الحكمة من تحريم زواج الزاني بمن زنى بها، حتى وإن تابا؟
الحكمة في ذلك أن الزاني يبقى قلقًا إن تزوج مزنيته غير مطمئن إلى أمانتها في نفسها؛ لأنه أختبرها بنفسه وكذا العكس، والزواج علاقة مبنية على الثقة والاطمئنان، قال تعالى: { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا } ( )، والله أعلم.
فيمن زنا بامرأة، فحملت منه، ثم تزوجها، وبقيت عنده ثمان سنين، ولدت له خلالها عدة أولاد، ثم أنه ندم بعد ما عرف أنه كان مخطئًا بزواجه بها، وأراد التوبة إلى الله، فماذا يجب عليه أن يفعل؟
عليه أن يتوب إلى الله، ويدع هذه المرأة، ويستعيض عنها بمن لا يعلم عنها إلا خيرا، والله أعلم.
ما قولكم في امرأة حملت من سفاح، فتزوجها رجل قبل أن تضع حملها، فهل يجوز ذلك؟
قال تعالى: { الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ } ( ) فلا يجوز لعفيف أن يتزوج زانية ولا العكس، على أن المرأة الحامل لا يجوز تزوجها إلى أن تضع حملها، سواء حملت من النكاح أو سفاح، والله أعلم. (2/53)
صفحة 473
ما قولكم في امرأة غير متزوجة تبين بها حمل، فادَّعت أن ذلك بسبب تعرض رجل لها، فهل يصح له أن يتزوجها إن هي تابت من هذه المعصية؟ وهل يصح لمن علم منها ذلك السكوت عنها دون أن يرفع أمرها إلى الجهات المعنية؟
إن كانت تزعم أنه هو الذي زنا بها؛ فإن ذلك يحرمه عليها، للآثار المروية عن الصحابة كعلي وعائشة وابن مسعود والبراء ـ رضي الله عنهم ـ بأن من زنا بامرأة ثم تزوجها فهما زانيان أبدًا، كما روي عن عمر ـ رضي الله عنه ـ تحريم المرأة التي تزوجت في عدتها إن دخل بها المتزوج على ذلك الزوج، وهذه الآثار تقوى بإشارات من القرآن كقوله تعالى: { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا } ( )، فإن السكون المذكور هو سكون القلب وطمأنينته، ولا يمكن أن يطمئن قلب رجل إلى امرأة بلاها بنفسه، فاكتشف خبيئتها الخبيثة، وتقاسما الأوزار على فراش الفحشاء، وكذا العكس، كما أن تحريم كل واحد من المتلاعنين على الآخر الثابت بالسنة يؤيد ذلك، فإن الزواج طهر وعفاف، والبناء الصلح لا يشاد على قواعد الفساد، وإن هي تابت قبل أن يرفع أمرها إلى المعنيين بمثل هذه القضايا جاز تركها وشأنها، ففي الحديث عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: »من أصاب شيئًا من هذه القاذورات؛ فليستتر بستر الله، فإن من يبد لنا صفحته نُقِمْ عليه كتاب الله«( )، والله أعلم.
امرأة ارتكبت الزنى، وافتُضَّت بكارتها، ثم تزوجت بعد توبتها، وندمت على ما كان منها، والآن لم يدخل عليها زوجها بعد، هي محتارة كيف تواجه زوجها بذلك، هل يلزمها أن تعترف له بما كان منها، أم لا؟
لا داعي إلى اعترافها، وإن اعترفت أفسدت زواجها، وإنما توهمه أن بكارتها زالت بسبب آخر سترًا لنفسها، والله أعلم. (2/54)
صفحة 474
رجل له زوجتان، وعنده خليلة يعاشرها بالحرام، وقد اعترف أمام زوجته بذلك، ولما نصحته لم يزد إلا عنادًا، بل أخبرها أنه لا يمانع أن يكون لابنته أو لزوجته علاقة برجل أجنبي إذا أراد ذلك، ثم قال لزوجته: إن تحدثت إلى فلانة تكوني طالقة، فما الحكم الشرعي في هذه القضية؟
بئس الصنيع صنيعه، واعترافه بالزنى أمام زوجتيْه يُحرِّمهما عليه، وكذلك إن اعترف أمام إحداهما حرمت التي اعترف عندها، وما قاله عن عدم ممانعته أن تكون لزوجته أو لابنته علاقة برجل أجنبي دليل على أن الله مسخه، فهو أقرب إلى الخنازير منه إلى البشر، قاتله الله ما أضله وأفجره، ولئن تحدثت زوجته إلى من علَّق طلاقها على الحديث معها وقع طلاقها، والله أعلم.
رجل زنى بابنته؛ فهل تحرم عليه أمها؟ وماذا يلزمه؟
بئس ما فعل، وتحرم عليه أمها، وعليه التوبة إلى الله مع العقر لابنته إن كان اغتصبها، وهو عشر ديته إن كانت بكرًا، ونصفه إن كانت ثيبًا، أو صداق مثيلاتها، وعقوبته إن انكشف أمره القتل بالسيف، والله أعلم.
فيمن زنى بأخت زوجته، واعترف أمامها بذلك، ثم إنه طلب أهل المرأة من الرجل أن يطلقها؛ فطلقها، ونطق عليها طالق طالق طالق. فهل تجوز له المراجعة إن أرادها؟
أما إن اعترف أمام زوجته بالزنى؛ فإن زوجته تبين منه بذلك بحرمة أبدية، وأما إن لم يعترف أمامها، وهو زان بأختها؛ ففي حرمتها عليه خلاف على قولين، وبما أنه طلقها فلا أحب مراجعتها له، بل السلامة في تركها، ويتأكد ذلك مع تكراره لفظ الطلاق ثلاث مرات، فإنه إن قصد به التأسيس _ وهو إنشاء طلاق جديد في كل مرة _ لا ريب أن زوجته تبين بذلك بالثلاث، فترك المراجعة أسلم للجميع، وفيه الخروج من مأزق الخلاف، والله أعلم.
رجل زنى بزوجة أخيه، فهل يجوز التزاوج بين أولادهما؟ (2/55)
صفحة 475
يكره لأولاد الزانيين الزواج بينهم ـ إن كان أولاد الزانية ولدوا بعد الزنا ـ إلا أنه إن جاءت بهم بعد فترة لا يحتمل معها أن يكونوا من الزاني؛ فلا حرج في ذلك، والله أعلم.
رجل زنى بأخت زوجته، وقد حُكِمَ عليه بالسجن، وقد اعترفت المرأة بذلك، غير أن الرجل منكر ما اتهم به، ولهذا الرجل زوجة، فهل تحرم عليه بهذا الفعل؟
بما أنه لم يشهد عليه أربعة شهود عدول أنهم رأوه يزني، ورأوا الآلة في الآلة كالميل في المكحلة، ولم يعترف هو بالزنى، ولا صارح بذلك زوجته، فلا تحرم عليه بذلك زوجته، وإن كانت التي اتهم أنه زنى بها هي أختها، والله أعلم.
فيمن وجد زوجته في مكان مريب، فلما سألها عن سبب وجودها في هذا المكان اعترفت أنها كانت مع شخص، فلم يتمالك نفسه مما سمع، فقال لها: »أنت طالق طالق«، ثم إن القضية وصلت إلى الشرطة، فاعترفت المرأة بجريمتها، فهل يصح بعد ذلك لهذا الرجل مراجعة زوجته إن أرادها؟
إن كان لم يصدقها في اعترافها أو أنها كذَّبَت نفسها؛ فله أن يراجعها إن كان لم يطلقها من قبل قط، وإن كان طلقها طلقتين من قبل؛ فلا تحلُّ له حتى تنكح زوجًا غيره نكاحًا صحيحًا لا تدليس فيه، وإن كان طلقها طلقة واحدة، وقصد بقوله: »طالق طالق« طلقتين، فلا تحل له أيضًا حتى تنكح زوجًا غيره، وإن قصد واحدة، وأراد بالتكرار التأكيد؛ فله أن يراجعها بما بقي من طلاقها، كل ذلك إن كذبت نفسها في اعترافها أو كذبها الزوج، أما إن كانت باقية على اعترافها، وكان الزوج مصدقًا لها؛ فإنها تحرم عليه حرمة أبدية، وهذا إن كان اعترافها صريحًا لا غبار عليه، والله أعلم.
فيمن اعترف لزوجته أنه ارتكب الزنى قبل زواجه بها، ولم يكن يدري ما يترتب على هذا الاعتراف من أحكام شرعية، فما ترون في حكم بقائها في عصمته بعد اعترافه لها؟ (2/56)
صفحة 476
أساء إساءة بالغة باعترافه لها أنه زنى، وما كان ينبغي له ذلك، والله المستعان، ولئن كان اعترافه مقرونًا بالندم على ما حصل منه، وليس اعتراف مجاهر بمعصية الله، وأخبرها أن ذلك كان قبل زواجه بها، ولكنه تاب مما وقع فيه، وغيّر مجرى حياته من الشر إلى الخير، ومن الفساد إلى الصلاح، فقد رخص له في هذه الحالة أن يمسكها، ورخص لها أن تبقى معه مع استمرار التوبة والندم مما فات، والله أعلم.
رجل أحب امرأة، ومن شدة تعلق بعضهما ببعض اختلى بها، وتعانقا وقبَّلها من جميع جسدها، ونظر إليها، ونظرت إليه، حتى أنهما في بعض الأحيان أدى بهما الحال إلى الإنزال، فهل يجوز له أن يتزوجها بعدما وقع منهما ما وقع؟
بئس ما فعلا، وساء ما ارتكبا من أفعال تتنافى مع المروءة والأخلاق، فضلًا عن الدين والإيمان، وما لهما وهذه الأوساخ، وبين أيديهما طريق نظيف طاهر يمكن من إشباع كل منهما رغبته في الآخر بالمتعة المحللة التي يؤجران عليها بدلاً عن أن يأثما، وذلكم الزوج الشرعي الذي فيه سكن للنفس ومتعة للجسم واستقرار للحياة، هذا وبما أنهما انغمسا في هذه الرذيلة، فإن كانت المباشرة أدت إلى ولوج حشفته في فرجها إلى حدّ الغيبوبة؛ فلا ريب أنها تحرم عليه بذلك، ولو كان ذلك من وراء ثوب؛ لأن ذلك هو عين الزنا الذي يترتب عليه الحدّ الشرعي، وإن كانت ملامسة فقط من غير ولوج للحشفة؛ فلا يصل الأمر إلى حد الحرمة، أي حرمة الزواج بينهما، وإن كان فعلهما الذي ارتكباه حرامًا، وأي حرام يبوءان بإثمه إن لم يتوبا، والله أعلم.
فيمن زنا بامرأة وهي ذات زوج، فهل تتوقف توبته على استرضاء زوجها؟ أم تكفي توبته بينه وبين خالقه؟ (2/57)
صفحة 477
الذي اختاره في هذا أن يستر نفسه بستر الله، ويتوب إلى ربه بإخلاص نية وصفاء طوية، وأن لا يكشف صفحته للناس، عملًا بقول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ: »من أصاب شيئًا من هذه القاذورات؛ فليستتر بستر الله، فإن من أبدى لنا صفحته نقم عليه كتاب الله«، وليس في السنة ولا في كتاب الله أن من زنى بذاتِ زوجٍ تتوقف توبته على استرضاء زوجها، وإن ذهب إلى ذلك بعض جهابذة أهل العلم، فإن كلاًّ يؤخذ منه ويرد، والمزني بها ـ وإن كانت فراشًا لأحد الرجال ـ فإن من شاركها في الفحشاء منتهك لحرمة ربه، ورضاء الزوج بذلك لا يسقط حقًا، ولذلك لا يسقط به الحد عن أحدهما، على أن في اعترافه أمامه بذلك تكديرًا لصفو العلاقة الزوجية بين الزوجين، وهو مما يجب تفاديه، والله أعلم.
تزوَّجْتُ امرأة عندها ولد، وقد أوهمني وليُّها بأن ذلك الولد من زوج سابق، ثم تبين أنه من سفاح، فما الحكم في ذلك، وهل يجوز لي أن أبقيها في عصمتي على هذا الحال، والله تعالى قد قال: { إن الطيبون للطيبات والطيبات للطيبون والخبيثون للخبيثات والخبيثات للخبيثون } ( )؟
إن ثبت أنها زانية؛ فسرحها، فإن الله تعالى يقول: { الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ } ( ) هذا إن لم تتب، أما إن تابت توبةً نصوحًا؛ فما عليك في الاستمساك بها، فإن التوبة طهارة من الذنب، هذا والآية التي أوردتها ليست كما كتبتها، وإنما نصها { الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ } ( ) فاحرص على إيراد ألفاظ القرآن كما هي، والله أعلم. (2/58)
صفحة 478
حدثت علاقة غير شرعية بين والدتي وبين ابن عمي، وذلك بعد وفاة والدي، حيث كنت في السنة الثامنة، وبعد مضي خمس سنوات تزوجني ابن عمي هذا بدون رضاي، وإنما أجبرني عمي ووالدتي وابن عمي لتغطية الجرم الذي وقعوا فيه، هل يعتبر زواجي منه صحيحًا، بالرغم ما كان بين أمي وابن عمي الذي هو زوجي الآن؟
لا نكاح إلا برضاء المرأة، ولا يجوز لمن فجر بامرأة أن يتزوج ابنتها، وليْتَكِ من أول الأمر رفعت دعواك إلى القضاء الشرعي، وأرى إن لم يرض هذا الزوج أن يسرحك بأن ترفعي أمرك إلى القاضي الشرعي، لعله يجد لك حلاًّ، والله المستعان.
ما قولكم في من زنا بامرأة من دبرها أو من فرجها، هل يجوز له أن يتزوجها بعد ذلك؟
كل ذلك حرام، والزواج بعده لا يجوز، للأثر المروي عن علي وابن مسعود وعائشة والبراء بن عازب ـ رضي الله عنهم ـ: »من زنا بامرأة، ثم تزوجها؛ فهما زانيان أبدًا«، ولذلك أصل في القرآن، وهو قوله تعالى: { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا } ( ) والسكون هو سكون القلب، وذلك متعذر بين رجل وامرأة اختبر كل منهما الآخر بنفسه، والله أعلم.
هذه إجابة الشيخ الطالب أحمد بن الزين حول حكم زواج الزاني بمزنيته، وحكم التوارث بينهما، والعدة بعد وفاته؟
هو أن من زنا بامرأة وبعد استبرائها من مائه الفاسد؛ يجوز له أن يتزوجها، بلا خلاف بين كافة أهل العلم، وإذا تزوجها، ثم توفي بعد أن عقد عليها؛ تقرر مهرها، وإرثها منه بموته، وتعتد عدة وفاة أربعة أشهر وعشرًا. فما رأي سماحتكم؟ (2/59)
صفحة 479
اطلعت على هذا الجواب، وأقول: إن تحريم الزانية على من زنا بها قول مشهور قاله جماعة من الصحابة منهم علي وعائشة وابن مسعود والبراء بن عازب ـ رضي الله عنهم ـ، ويعضده أن الإمام مالكًا روى في الموطأ عن عمر ـ رضي الله عنه ـ أنه فرق بين رجل وامرأة تزوجها قبل انتهاء عدتها، وحرَّمها عليه حرمة أبدية، وهذا الذي ذهب إليه أصحابنا، واستدلوا له ببعض الإشارات من القرآن، كقوله عز وجل { لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا } حيث حملوا السكون على سكون القلب، مع تعذره بين رجل وامرأة خبر كل منهم الآخر بنفسه، واستدلوا له بتفريق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بين المتلاعنين، مع الأخذ بقاعدة سد الذرائع، ولكن إن كان الرأي المتبع في مذهب المستفتي بخلاف هذا، فلا معارضة عندنا إن عمل بمقتضى مذهبه، والله أعلم.
فيمن زنى بامرأة متزوجة، ثم ولدت بنتًا، وهو لا يدري إن كان حمْلُها منه أم من زوجها، فهل يجوز لأولاد ذلك الزاني أن يتزوجوا ببنات المزني بها أم لا؟
منع العلماء احتياطًا أن يتزوج أولاد الزاني بأولاد مزنيته التي حملت بهن بعد زناهما، خشية كونهن تولدن من مائه، وعند الأمن من ذلك لا أجد مانعًا شرعيًا من هذا الزواج، والله أعلم.
هل يجوز لمن ثبت عليه الزنى أن يتزوج بالمرأة العفيفة؟ وما معنى الآية: الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ } ( )؟
إن اعترف اعترافًا صريحًا، أو قامت البينة العادلة، وهي شهادة أربعة شهود عدول أنهم رأوه يزني، بحيث رأوا الآلة في الآلة، أي أن تقوم الحجة عليه بما يوجب الحد الشرعي، فلا تحل له عفيفة، اللهم إلا إن تاب إلى الله، وثبتت توبته، وذلك المراد من الآية الكريمة، والله أعلم. (2/60)
صفحة 480
رجل وجد عند امرأته صورة لشخص أجنبي، ورسائل غرامية من نفس الشخص، فاعترفت الزوجة أنها تبادل الرجل نفس الشعور ونفس الرسائل، ثم إن الزوج لما تبين له ذلك من زوجته طلقها، فهل يمنع أن يتزوجها الرجل الذي كانت بينها وبينه تلك العلاقة، علمًا أنها اعترفت أمام زوجها بأن ذلك الرجل لم يزن بها؟
أما في حكم الظاهر فلا يمنعان من الزواج إن لم يثبت أنه زنى بها، وأما فيما بينهما وبين الله تعالى فهما أدرى بحالهما إن كان سبق بينهما زنى أولا، فإن كانا يعلمان وقوع الزنى بينهما؛ فعليهما أن يتقيا الله، وأن يتوبا من خطيئتهما، وأن لا يقدما على الزواج، وإن كانا واثقين أن ذلك لم يقع منهما؛ فلا حرج في زواجهما، والله أعلم.
السائل يقول: امرأة زنت؛ فسترها الله، ثم تابت توبة نصوحًا، فلما تقدم إليها الخاطبون احتارت في أمر البوح لهم أو الكذب عليهم، فماذا تصنع؟ (2/61)
صفحة 481
إن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمر بالاستتار بستر الله، فهو عليه أفضل الصلاة والسلام يقول: »إذا أصاب أحدكم شيئًا من هذه القاذورات؛ فليستتر بستر الله، فإن من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله«( )، هذا وقد جاء فيما يذكر من سير الفاروق ـ رضي الله تعالى عنه ـ أن رجلاً جاء إليه، وقال له: يا أمير المؤمنين إن لي ابنة أصابت حدًّا من حدود الله، وأرادت بعد ذلك أن تقتل نفسها، ولكننا أمسكنا بها، فتابت توبة نصوحًا، وقد جاء الخاطبون يخطبونها، فهل أخبرهم بما كان من أمرها؟ فقال له عمر ـ رضي الله تعالى عنه ـ: »أنكحها كما تنكح العفيفة، وإلاّ جعلْتُك نكالاً«، يعني إن أخبرتهم بما كان من أمرها، وهتكت سترها؛ جعلْتُكَ نكالاً، بحيث إني أعاقبك على هذا الفعل، ومن المعلوم زوال العذرية _ إن كان هو الذي يقف في سبيل ستر نفسها _ لا يلزم أن يكون بارتكاب الفاحشة، فالمرأة تزول عذريتها بأسباب منها: الركوب الطويل، ومنها: القفزة، إلى غير ذلك مما يكون من الأسباب التي تؤدي إلى زوالها، فهي بإمكانها أن تستعمل المعاريض، فقد قيل: »إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب«، عليها أن تستعمل معاريض الكلام؛ لتتوقى بذلك الكذب، ولتكون أيضًا ساترة لنفسها بستر الله سبحانه وتعالى، والله أولى بستر عباده، والعباد أيضًا هُمْ جديرون بأن يستر بعضهم على بعض، وأن يستروا على أنفسهم، والله أعلم.
هل يجوز للرجل أن يتزوج ابنة من زنى بها؟
من زنى بامرأة لم تحلَّ له أصولها ولا فروعها، فإن الوطء المحرم كالوطء المباح من حيث آثاره في حرمة النكاح، وعليه فلا تحل لهذا الزاني ابنة مزنيته كما لا تحل له ربيبته بعد وطئه لأمها، وقد روي عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: »إن الله لا ينظر إلى رجل نظر إلى فرج امرأة وابنتها«( )، والله أعلم.
زنيت بأخت زوجتي، وقد تبنت إلى الله، وندمت على ذلك، وقد علمت زوجتي بما فعلت، فماذا عليَّ أن أفعل؟ (2/62)
صفحة 482
كان عليك أن تستتر بستر الله، وأن لا تبوح بما كان لزوجتك ولا لغيرها، عملاً بحديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: »من أصاب شيئًا من هذه القاذورات؛ فليستتر بستر الله، فإن من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله«، ولا يخلو علم زوجتك بذلك إمّا أن يكون باعترافك أو لا، فإن لم يكن باعترافك؛ فلا حرج في إمساكها، وإن كان باعترافك؛ فالأولى لك تكذيب نفسك أمامها فيما اعترفت به، والله أعلم.
مسلم زنى بامرأة نصرانية، ثم أسلمت، فهل يجوز لذلك الرجل أن يتزوجها؟
بما أنه مسلم عندما زنى بها لا تحل له أبدًا، والله أعلم.
هل يجوز لابن الزاني أن يتزوج بابنة مزنية أبيه التي ولدت بعد زناه؟
شدَّد أصحابنا في نكاح ابن الزاني ببنت مزنيته التي ولدت بعد زناه بها، وإن طال الزمن أو فصل بين زناه بها وولادتها لتلك البنت أولاد، وهذا لا يعدو أن يكون من باب الاحتياط، و إلاّ فالأصح الجواز لعموم قول الله تعالى: { وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } ( )، فإن لم تكن تولدت من نفس ذلك الزنى؛ فالحل فيها ظاهر، والله أعلم.
فيمن وقع بينهما زنى وهما طفلان، فهل يجوز لهما التزاوج بعدما يكبران؟
لا يؤثر زنى الصبيان شيئًا، فلا يحرم التزاوج بسببه إن كان كل من الزانيين صبيًا، والله أعلم.
فيمن رأت زوجها يرتكب فاحشة اللواط هل تحرم عليه زوجته؟
إن رأت الميل في المكحلة، حرمت عليه في قول أصحابنا اتفاقًا، والله أعلم.
هل يجوز الزواج من امرأة من امرأة زانية؟
إن كانت زانية معترفة بزناها أو مجاهرة به أو أنها شهد عليها أربعة شهود؛ فلا تحل إلاّ لزانٍ مثلها، والله أعلم.
ما قولكم في امرأة رأت زوجها يرتكب الفاحشة في بقرة هل تحرم عليه زوجته بهذا الفعل الشنيع؟
إن كانت رأت الميل في المكحلة؛ فهي حرام عليه، وتبين منه عن حكم الزوجية، ولا تحل له من بعد، ولا يجوز له أن يتزوجها إن كانت غير زوجة له عندما أبصرت الذي أبصرته، والله أعلم. (2/63)
صفحة 483
رجل يريد الزواج من امرأة، وقد زنا بعمتها، فهل يجوز له ذلك أم يحرم هذا الزنا الزواج من هذه المرأة؟
الزنى بالعمة لا يحرم بنت أخيها على من زنى بها، إنما عليه أن يتوب بينه وبين ربه، وأن لا يخبر التي يريد الزواج بها بما حصل، والله أعلم.
ما قولكم فيمن زنا بشقيقة زوجته، فهل يقع على زوجته من ذلك شيء؟
إن لم يعترف بذلك أمام زوجته؛ فلا تحرم عليه إن كان ذلك سرًا على الصحيح، وقيل: تحرم، والله أعلم.
فيمن حدث بينها وبين زوجها نزاع، وتكلمت عن أهل الصلاح بكلام فاحش، واتهمتهم بالزنى، فرد عليها الزوج: هل زنى بك أحد منهم؟ قالت: نعم، وهي كاذبة ثم بعد ذلك ندمت إلى ربها من سوء ما قالت، فما ترى عليها؟ وما حكم العلاقة الزوجية بعد إقرارها بالزنى؟
عليها التوبة إلى الله عز وجل من قذفها المحصنين، وبما أن الزوج لم يصدِّقْها في دعواها الزنى؛ فلا تحرم عليه، والله أعلم.
فيمن ارتكب فاحشة اللواط، هل يؤثر ذلك في صحة عقد زواجه؟
عليه التوبة بينه وبين ربه، ولا يؤثر ذلك في زوجته إن لم يعترف عندها بفعله، والله أعلم.
رجل أراد الزنى بامرأة تعيش معهم في البيت، فدخل في الغرفة التي تنام فيها، فلما قضى منها وطره تبين له أنها زوجته، وقد تعمدت أن تنام في تلك الغرفة بعدما عرفت بنية زوجها؟ فهل يعتبر الرجل في هذه الحالة زانيًا؟
يبوء بإثم الزنى لقصده إياه، ولكل امرئ ما نوى، والخلاف في حرمة زوجته عليه بسبب ذلك، والله أعلم.
فيمن اعترفت له زوجته مختارة بأنها زنت بعد زواجهما، وهي نادمة أشد الندم، وباكية أشد البكاء، وذلك على سبيل العفو منه، حيث إنها كانت جاهلة لحكم اعترافها له بذلك، وقد صدَّقها لشدة بكائها، وطول تألمها وتحسرها، وحرصها على استعطافه ونيل عفوه، فهل من رخصة في عدم تحريمها عليه؟ وهل يجوز لكل منهما المقام مع صاحبه إذا كان مذهب أحدهما لا يحرمها عليه بذلك؟ (2/64)
صفحة 484
بئس ما قَدِمَت عليه أولاً وآخرًا، ونظرًا على الخلاف في المسألة؛ لا يسد لهما الباب مع توبتها، والله أعلم.
امرأة نامت في فراش رجل أجنبي، فجامعها هذا الرجل ظانًا أنها زوجته، فهل يعتبر الرجل في هذه الحالة زانٍ؟
ليس هو بزانٍ، وإنما الزانية هي، وتبوء بإثمه وأثمها، والله أعلم.
أرغب في الزواج من ابنة عمي، ولكن هناك مشكلة، وهي أن أبي زنى بأمها، فهل ذلك يمنع زواجي منها؟
بما أن خطأ أبيك وأمها كان بعد ولادتها، فلا شبهة في زواجك بها؛ فاقدم على بركات الله، والله يجمع بينكما في خير، والسلام عليكم.
فيمن واقع ابنته يظنها زوجته، فحملت منه، فما حكم الولد، وهل تحرم عليه زوجته بذلك؟
الولد ولد أمه، ولا يلحق بالواطئ، وفي حرمة أم البنت عليه قولان، والله أعلم.
فيمن نظر إلى فرج ابنته، فهل تحرم عليه أمها بذلك؟
بئس ما فعل هذا الذي تعمد النظر إلى سوءة ابنته، فإن النظر إلى العورات حرام، ولو كان ذلك من امرأة أجنبية، بل ولو كان ذلك من رجل، فكيف ينظر رجل إلى سوءة ابنته؟ واختلف في حرمة أمها عليه، فقيل: بأنها تحرم عليه، وقيل: لا ما لم يواقع الابنة والعياذ بالله؛ بناءً على أن النظر ليس له حكم الوقاع، والأخذ بالقول أحوط، على أن يدع الأم بطلاق، والقول الثاني من حيث الدليل أرجح، والله أعلم.
فيمن قال لزوجته: »إني زنيت بأمك«، فماذا يجب عليه؟
يجب عليه حدّ القاذف( )؛ لأنه قذف أمّ زوجته، إلاّ إن اعترفت هي بصحة ما قاله، ويجب عليه ـ إن لم يتراجع عن اعترافه ـ القتل بالسيف؛ لأنه اعترف بأنه زنى بذات محرم، وتحرم عليه زوجته إن استمر على هذا الاعتراف، والله أعلم.
إذا زنى رجل بامرأة في دبرها، ثم تزوجها، فهل زواجهما صحيح؟ وإذا كان صحيحًا، فهل يقاس عليه إذا أخبرها بأنه زنى بامرأة في دبرها أو أنه لائط؟ (2/65)
صفحة 485
بئس الصنيع ذلك، وهو محرم للنكاح كالزنى في القبل، واعترافه به مبطل للزواج إن صدقته، ولم يكذب نفسه قبل وطئها، كما هو الشأن في الزنى في القبل، والله أعلم.
إذا أخبر الرجل زوجته بأنه ارتكب فاحشة الزنا منذ زمن، فماذا عليه؟ وهل هناك فرق بين أن يخبر بذلك وهو تائب نادم وبين حالة الإصرار؟
يجب على من تورط، فوقع في شيء من هذه القاذورات أن لا يهتك ما أرخى الله عليه من ستره، عملاً بقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: »من أصاب شيئًا من هذه القاذورات؛ فليستتر بستر الله، فإن من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله«( )، ولئن كان استتاره أمرًا مطلوبًا شرعًا فيما بينه وبين أي أحد من الناس، فإن ذلك آكد فيما بينه وبين حليلته، لتستمر العلاقة بينهما قائمة على الصفاء وحسن الظن، فماله ولتكدير هذا الصفو بهتك ستره، والكشف عن طوايا قبح صنيعه؟ فإن كان قصده بذلك التوبة؛ فإن التوبة غير موقوفة على ذلك، وحسبه الإقلاع والندم والاستغفار، وعقد العزم على عدم العودة إلى الوقوع في هذه المستنقعات الخبيثة الوبيئة مرة أخرى، ليكون بذلك في عداد التائبين المطٍّهَّرين من رجس الآثام، اللهم إلا أن يتعلق بذمته حق لأحد من عباد الله، كوجوب العقر( ) للتي زنى بها، فإنه لا بدّ له من التخلص من تبعة ذلك الحق، إلا في حالة المحاللة بينه وبين ذي الحق بشرط أهليته لذلك، ففي مسند الإمام الربيع بن حبيب ـ رحمه الله ـ: أبو عبيدة قال: سمعت أناسًا من الصحابة يروون عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: »الذنوب على وجهين: ذنب بين العبد وربه، وذنب بين العبد وصاحبه، فالذنب بين العبد وربه إذا تاب منه كان كمن لا ذنب له، وأما ذنب بينه وبين صاحبه؛ فلا توبة له حتى يرد المظالم إلى أهلها«، وهذا مما لا خلاف فيه. (2/66)
صفحة 486
هذا وأما حكم حليلته التي اعترف عندها بمقارفته الفحشاء، فقيل: تحرم عليه إن كان ذلك بصريح العبارة بحيث لا يحتمل قوله معنى آخر، وذلك لأن الله عز وجل لم يجعل الزاني أهلاً لنكاح غير الزانية وكذا العكس، فقد قال تعالى: { الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ } ( )، وفي الآية ما يدل على انتقاء صفة الإيمان عن الزانيين، فلا يكون أحدهما أهلاً لأن يدخل في رباط الزوجية المقدس إلا مع نظيره، غير أن نكاح الزاني الموحد للمشركة وإنكاح الزانية الموحدة للمشرك نسخ حكمهما بقوله تعالى: { وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ } ( ) وبما أن المنسوخ إنما هو هذا الجزء من الآية، فإنما عداه باقِ على أصله، على أن الحياة الزوجية حياة استقرار وطمأنينة، وهي تتنافى مع القلق النفسي المتولد من آثار الخيانة الزوجية، قال تعالى: { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا } ( )، وهيهات السكون مع الاعتراف بالفحشاء، فإن المعترف له يبقى أسير الشكوك تجاه قرينه الذي أدين باعتراف لسانه، وقيل: إن كذبته فيما قال أو كذب نفسه قبل أن يواقعها؛ فله إمساكها، ولها البقاء معه؛ لانتفاء الشكوك في هذه الحالة، وكذا إن كانت هي التي اعترفت له بالفحشاء؛ فكذبها أو كذبت نفسها قبل أن يواقعها، وقيل: إن كان اعترافه حكاية لحالة مضت على سبيل التحسر والتندم على ما أسلف من سوء مع إعلان التوبة النصوح؛ فلا يحرمها عليه؛ لأنه بتوبته عاد إلى صفة الإيمان، وهو رأيٌ وجيهٌ، ودلالته ظاهرة، ولكن لا ينبغي له بحال أن يحوم حول هذا الحمى، فإن عثرات اللِّسان أخطر من عثرات القدم، وما أغناه عن الولوج في هذه المضايق المدلهمة، والمرور (2/67)
صفحة 487
بهذه المزالق الخطرة، فقد جعل الله له مخرجًا للتوبة النصوح بينه وبينها، وكفى بها حلاًّ لمشكلته، وأُنسًا له من وحشته، والله ولي التوفيق.
رجل أغتصب امرأة في مكان خالي لا يوجد فيه أحد ينقذها منه، وقد أبدت مقاومتها له، وفي النهاية تغلب عليها، وقضى حاجته منها، وبعد عودتها إلى البيت أخبرت زوجها بما حدث عليها، فماذا يجب على الزوج فعله، وهل تبقى معه على الحالة السابقة حلالاً له، أم تحرم عليه؟ مع العلم بأنها حامل؟
لا تحرم على زوجها بذلك؛ لأنها لم تخبره بأنها زنت راضية غير مكرهة، وإنما أخبرته بأنها أجبرت وقاومت ولم تستسلم، وهذا وقد قال العلماء إن من زني بامرأته كارهة فليستبرئها بحيضة ـ أي ينقطع عن معاشرتها حتى تحيض ـ خشية أن تحمل من ذلك الزنى، ولست أرى وجه هذا الاستبراء مع أن الولد يلحق به على أي حال إذا جاء في الحديث الصحيح: »الولد للفراش وللعاهر الحجر«، والله أعلم.
ما حكم إتيان الرجل الرجل؟ وما هو الحدّ الشرعي فيهما؟ (2/68)
صفحة 488
بئس الصنيع ذلك، فإنه من الفواحش الموبقات، وقد أنكره الله على قوم لوط إذ كانوا يأتونه متنكرين للفطرة السوية التي فطر الله عليها خلقه، وصبَّ عليهم من العذاب بسببه ما أباد خضراءهم، واستأصل شأفتهم، وجعلهم عبرة لأولي الألباب، وحكى قصتهم في كتابه بما فيه ردعٌ ومزدجرٌ لكل من كان له قلب، وكان فيما حكاه من مجادلة لوط ـ عليه السلام ـ لهم قوله: { أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ } ( )، وقال فيما أصابهم من العذاب { وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَسَاء مَطَرُ الْمُنذَرِينَ } ( )، وقال في هلاكهم: { فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ } ( )، ولا ريب أن فحش هذه الجريمة أعظم من فحش الزنا الذي هو من الكبائر الموبقات، فإنها مع استيفائها قبائحه تزيد عليه بما فيها من الشذوذ عن الفطرة، ولذلك تنفر عن الانحدار إلى دركاتها الهابطة طبائع الحيوانات، فما للإنسان ـ وقد أكرمه الله بمزايا ترفع قدره وتسموا بنفسه ـ يرضى أن يتساقط إلى ما دون قدر البهيمة العجماء، فيرتكس في حمأة هذه الرذيلة، ويتلطَّخ برجسها، وينقلب بنارها وعارها؟ !! ما هو ـ والله ـ إلا مسخ للطبيعة وتعفن في الفطرة، والله المستعان. (2/69)
صفحة 489
وأما عقوبة من ارتطم هذا المنكر، وانغمس في هذا الرجس، ففيها خلاف بين أهل العلم، قيل: هي حد الزنا نفسه بنوعيه في المحصن والبكر، وقيل: هي أن يرمي به من شاهق، فإن لم يمت رمي بالحجارة حتى يموت؛ لأن الله أهلك قوم لوط بحجارة من سجيل منضود، وقيل: بل يقتل حدًا، سواء كان بكرًا أم محصنًا، وهو الأصح للحديث، فقد روى أحمد وأصحاب السنن ـ إلا النسائي ـ والحاكم والبيهقي عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: »من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط؛ فاقتلوا الفاعل والمفعول به«( )، ويعتضد الحديث بما روي عن جماعة من الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ من القول بذلك وتطبيقه، فالأخذ به أولى، والله أعلم.
طلق رجل زوجته، ولكن بحكم القرابة ظل يتردد على بيت أهل الزوجة لرؤية الأولاد، ثم إن مطلقته حملت، واتهمته بهذا الحمل الآثم، ومع إنكار الزوج تَمَّ أخذ عيِّناتٍ من الطرفين، وفُحصت، وكانت الفحوصات كلها تثبت تورط هذا الرجل في هذه الفعلة الشنعاء، ما رأي سماحتكم في توافر الأدلة العلمية على ثبوت التهمة، وإنكاره الدائم للقيام بهذا العمل؟ وهل هذه الأدلة تثبت جرمه شرعًا؟
لا عبرة بكل ذلك في إثبات زنى ذلك الرجل بمطلقته، إلى أن يعترف بذلك اعترافا أو يشهد أربعة من الشهداء العدول أنهم أبصروا بأم أعينهم ذكره في فرجها كالميل في المكحلة: { فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ } ( )، وما هي في حكم الشرع إلا قاذفة له، وأما لحوق الولد به؛ فإن كانت لم تمض مدة اللحوق المعتبرة عند الفقهاء -وهي عامان- فهو لاحق به نسبًا؛ لأن الله يحب الستر، والله أعلم.
نكاح الشغار: ( )
خطبت امرأة من أبيها، فوافق بشرط أن أقايضهم بأخت، فرضيْتُ بالشرط، غير أن أختي عارضت منذ البداية هذا الزواج، فهل يجوز لنا إرغامها عليه؟ (2/70)
صفحة 490
القياض يجوز في الأمتعة والأموال لا في النساء، ولا يجوز تزويج المرأة بمن لا تريده، فإن الزواج له شروط، ومن بينها رضا المرأة، والله أعلم.
ما قولكم في القياض في الزواج إن كان ذلك من غير تشارط، ويتم ذلك برضى المرأتين؟
القياض إنما هو في الأمتعة والأموال لا في النساء، والزواج على الطريقة المذكورة في السؤال ـ إن كان من غير تشارط بين الجانبين، أي أن لا يكون زواج كل واحد من الابنتين مشروطًا بزواج الأخرى ـ وكان بتراضٍ واستيفاء بقية شروط الزواج؛ فلا بأس به، والله أعلم.
ما قولكم في رجلين تزوج كل منهما بأخت الآخر، واشترى كل واحد منهما لأخته بنفس المبلغ الذي اشتراه الآخر، واشترطوا أن عقدهما وزفافهما في نفس اليوم، فهل ترون صحة هذا العقد أم بطلانه؟
إن كان ذلك مشروطًا بحيث لم تتم موافقة تزويج أحد الأخوين أخته للآخر إلا بشرط أن يزوجه هو أيضًا بأخته؛ فذلك عين الشغار المنهي عنه بنص الحديث، وما دفع كل واحد منهما لأخته ما صورته صداق إلا خديعة تضفى على هذا العمل الشائن، كيف ونفس الشرط جزء من الصداق، حتى ولو أصدقها الزوج نفسه، فما بالك والزوج لم يصدق، فليس في ذلك وجه للنكاح الصحيح؛ لأن كل واحد منهما كان بضعها صداقًا للأخرى فضلاً عن حرمانهما من صداق المثل، وما قد يكون من فرض هذا الزواج عليهما بدون اختيار منهما، لذلك أرى فسخ مثل هذا العقد، والله أعلم.
اتفق رجلان على أن يزوج كل منهما ابنه بابنة الآخر بنفس المهر أي يكون مهر هذه مهرًا للأخرى، فما الحكم في ذلك؟ (2/71)
صفحة 491
هذا هو عين الشغار، فإن دفع الصداق إنما هو أمر صوري، والزواج لا بد له من شروط، وهي: رضى المرأة، وإذن وليها، وصداق، وبينة، فلا بد من مراعاة هذه الشروط جميعًا، ولا بد من أن تكون كل واحدة من الابنتين راضية بالصداق الذي تعطاه من قبل زوجها، وأن ألا يكون بضع إحداهما صداقًا لبضع الأخرى، وعليه فاشتراط أن يكون زواج كل واحد منهما معلقًا بزواج الأخرى مما يدخل في اعتبار كون الأبضاع بعضها صداقًا لبعض، والله أعلم.
تزوجت ابنة عمي بالمقايضة حيث تزوج أخوها من أختي، وقد حدثت مشاكل بين أختي وزوجها، مما جعله يطلقها بالثلاث، وبسبب ذلك أجبرني الأهل بأن أطلق أنا أيضًا أخته بالثلاث، وقد وقع ذلك رغمًا مني، فما الحكم في ذلك؟
بئس الزواج، وبئس الطلاق، إذ المقايضة ليست زواجًا، وإنما هي عين الزنا، ولم تشرع المقايضة في النساء، وإنما هي في المتاع والبهائم، وأمَّا الطلاق الصادر من كل منكما؛ فهو طلاق بدعة لا يصدر ممن يخشى الله ويتقيه، فدع هذه المرأة عنك، وتزوج غيرها زواجًا شرعيًا لا شبهة فيه، والله أعلم.
هل يجوز للرجل أن يزوج ابنته لولد أخته وابنة أخته يزوِّجها ابنه؟
إن لم يكون ذلك مشروطًا في الزواج، وكانت كل واحدة راضية بالزوج، ولكل واحدة صداقها يدفع إليها؛ فلا حرج، والله أعلم.
رجلان تزوج كل منهما أخت الآخر، وأصدق كل منهما زوجته بمهر غير المهر المدفوع إلى الزوجة الأخرى، وتم العقد في ليلة واحدة وكذلك العرس، فما الحكم في هذا الزواج؟
إن كان ذلك بتشارط بينهما؛ فهو غير جائز على الراجح؛ لأن الشرط جزء من الصداق، ولا يجوز أن يكون بضعٌ صداقًا لبضعٍ، والله أعلم.
رجل زوَّجَ ابنته بستة آلاف، وتزوج لابنه بستة كذلك، غير أن الأب أخذ ثلاثة آلاف من مهر ابنته، وكمَّل بها المهر الذي تزوج به ابنه، ثم إن الأب توفي، فما يلزم الابن في ذلك؟
إن كان الأخ موقنًا بذلك؛ فعليه أن يردَّ إلى أخته الذي أخذه منها أبوه بغير حق، والله أعلم. (2/72)
صفحة 492
نكاح المحلل:
فيمن طلق زوجته طلاقًا بائنًا بينونة كبرى، فتزوجها شخص آخر لأجل تحليلها، فحكم القاضي على ثلاثتهم بالسجن، ثم إن المرأة تزوجت برجل، فطلقها بعد ثلاثة أسابيع مما أثار حوله الشبهة، وهي أن هذا الزوج الأخير كان لنفس الغرض، وهو التحليل، فهل على هذه الحالة تجوز لزوجها الأول أم لا؟
الذي يتجه لي إقدامه على محاولة التحايل لتزوجها من غير أن تحل له يُحرِّمها عليه، فإن من تعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه، وهذا رأي شيخنا سعيد بن خلف الخروصي ـ حفظه الله تعالى ـ، والله أعلم.
طلقت زوجتي بالثلاث، فهل يجوز لي أن اتفق مع رجل على أن يتزوجها على سنة الله ورسوله، ثم يطلقها، ثم أتزوجها بعد ذلك بعد انتهاء عدتها؟
بئس ما قصدت، فإن ذلك اشتراك في الزنى، فإن فعلتموه كان كل منكم زانيًا، فالرجل الذي تدعوه إلى ذلك يكون زانيًا، إذ ليس ذلك نكاحًا شرعيًا على سنة الله ورسوله كما تزعم، فإن الزواج الشرعي هو إحصان، وليس ذواقة بين المرأة والرجل، قال تعالى: { مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِين } ( ) والمرأة تكون زانية مع كل منكما، وأنت كذلك، بل تكون بدعوتك إلى هذا الأمر شر الثلاثة، فاتق الله، ودع منك ما حرَّمهُ، والله أعلم.
كرَّرْت على زوجتي الطلاق ثلاث مرات، وقد خرجت من عدتها، فهل يصحُّ لي مراجعتها بدون محلل؟ (2/73)
صفحة 493
إن كنت قصدت بقولك هذا التأسيس بتكراره، وهو إنشاء طلاق جديد في كل مرة بانت منك بالثلاث، ولا تحل لك حتى تنكح زوجًا غيرك نكاحًا صحيحًا لا تدليس فيه، ثم تخرج عنه بوجه من وجوه الفراق، وبعد عدتها منه تَحِلُّ لك بعقد جديد مع لوازمه الشرعية، أما الذي تسمونه المحلل؛ فهو لا يحللها، وإنما يحرمها إلى الأبد؛ لأن صنيعه هو عين الزنى، وقد ناط الله حِلَّها بنكاح زوجٍ، لا بوطء زانٍ، وذلك أن يتزوجها لقصد العشرة الزوجية، لا لتحليلها لمن حرُمَت عليه، وأن تتزوجه هي لأجل العشرة الزوجية، وهذا كله لأن الطلاق يتبع الطلاق ما دامت المرأة في العدة، وإن لم تقصد به التأسيس؛ حُمِلَ التكرار على التأكيد، ولا مانع من مراجعتها في هذه الحالة؛ لأن قصدك بالثاني والثالث عين الأول، والله أعلم.
الزواج بالكتابية: (2)
ما قولكم في زواج المسلم بالنصرانية، هل يجوز ذلك في شرع الله عز وجل، ومن يتولى العقد المسلم أم النصراني؟ (2/74)
صفحة 494
جاء نص الكتاب الكريم محلًا لنكاح الكتابيات، فإن الله عز وجل يقول: { الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ } (3)، والآية الكريمة نزلت عندما كانت سيطرة المسلمين تهيمن على الجزيرة العربية من أقصاها إلى أقصاها، وكان تعامل المسلمين في ذلك الوقت مع من كان في جزيرة العرب، إذ لم يكونوا يخرجون عن جزيرة العرب، وهذا يعني أن النساء اللاتي يحل الزواج بهن من الكتابيات هن النساء اللاتي في بلاد الإسلام، وتحت ذمة المسلمين، وتحت توجيه الدولة الإسلامية، أما ما عدا ذلك؛ فإن الأمر يقتضي عدم إباحتها، نظرًا إلى عدة أسباب منها: أن هذه المرأة قد تكون حربية، وعندما تكون حربية يكون سبْيُها مشروعًا، وكيف تسبى امرأة رجل مسلم. (2/75)
صفحة 495
الأمر الثاني: أن هذه المرأة قد تحرص على أن تستقل بتربية الأولاد سواءً كان أبوهم حيًا أم كان ميتًا، والإنسان غير مضمون بقاءه، فإن الموت يغشى كل حي، وكل إنسان موعود به، فلا يدري الإنسان متى يفجؤه ريب المنون، وربما كان أولاده في حالة الصغر، وعندما تكون أمهم على غير ملة الإسلام، ولا تكون تحت سيطرة الدولة الإسلامية؛ فإن ذلك يؤدي بطبيعة الحال إلى أن تربيهم وفْقَ هواها، وتنشئهم على حسب عقيدتها وعلى حسب ملتها، إلى غير ذلك من الأسباب الأخرى، ونحن نعلم أن هذه الإباحة إنما كانت في ذلك الوقت من أجل أن تكون سببًا لإقناع غير المسلمين بالإسلام، فإن الله تبارك وتعالى جعل المخالطة تغري على الإتباع، فالمسلم عندما يتزوج غير المسلمة ـ أي عندما يتزوج كتابية ـ ويكون تعامله معها بالحسنى يؤدي ذلك إلى اقتناعها بالإسلام, ويؤدي بالتالي إلى اقتناع أسرتها بالإسلام, ولكن عندما تكون القضية بعكس ذلك, عندما تكون المرأة هي المؤثرة، ولا يكون الرجل هو المؤثر, وعندما يكون غير المسلمين هم المؤثرين سواءً كان ذلك في العقيدة أو في الأخلاق، فإن الحكم ينبغي أن يكون بخلاف ذلك، ومما يؤسف له أن كثيرًا من الناس اندفعوا إلى تزوج غير المسلمات غير مبالين بأفلاذ كبدهم، وما يترتب على نشأتهم في أحضان غير المسلمات من الانحراف، وقد أدى الأمر فعلاً إلى الانحراف، فكثير من هؤلاء خرجوا عن ملة الإسلام، واعتنقوا ديانات أخرى ـ والعياذ بالله ـ وذلك أمر فيه خطورة كبرى، ونجد عندما كانت الدولة الإسلامية مهيمنة منع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ بعض أكابر الصحابة من تزوج غير المسلمات، فقد تزوج حذيفة بن اليمان امرأة كتابية، فكتب إليه عمر ـ رضي الله عنه ـ: »طلق هذه المرأة«، فأجابه حذيفة: »إن الله أحلها لي، ولا أحب أن أطلقها«، فكتب إليه عمر ـ رضي الله تعالى عنه ـ: »يا حذيفة أنت صاحب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، ولقد خشيت (2/76)
صفحة 496
أن يندفع الناس بسببك إلى جمال أهل الكتاب، ويتركوا نساء المسلمين أيامى، فأقسمت عليك بالله أن لا تضع كتابي هذا من باب سد الذرائع، ولئن كانت هذه نظرة عمر بن الخطاب ـ رضي الله تعالى عنه ـ في ذلك الوقت مع هيمنة دولة الإسلام، فكيف والأمور في وقتنا هذا انقلبت رأسًا على عقب؟ ! وصار بإمكان المرأة الكتابية أن تربي أولادها على غير الإسلام في حياة والدهم، ولا يكون لأبيهم عليهم أي سلطان، فأحرى إذًا أن يمنع المسلم الآن من أن يتزوج غير المسلمة، والله تعالى أعلم.
ما قولكم فيمن أسلمت، وبقي زوجها على النصرانية، فهل يفرق بينهما لكونها لا تحل له، بناء على قوله تعالى: { وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ } ( )؟
نعم لا تحل له بحال، إذ لا تحل مسلمة لكتابي، فإن أسلم قبل أن تتزوج؛ فهي زوجته بالنكاح الأول، والله أعلم.
رجل يدَّعِي أنه مسلم، غير أنه تارك للصلاة جاحد لفرضيتها وكذلك الصيام، وهو مع ذلك ينكر وجود الجنة والنار، وقد تزوج بامرأة مسلمة، وهو غير منكور عليه في عشرته الزوجية، وقائم عليها حق القيام، ولا يمنع أولاده عن الصلاة بل يحثهم على المواظبة عليها، فما حكم هذا الرجل؟ وما حكم بقاء المرأة في عصمته؟ ومن أولى بالأولاد منهما؟
حكم هذا الرجل حكم أهل الشرك؛ لإنكاره ما علم من الدين بالضرورة، والله تعالى يقول: { وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ } ( )ويقول: { لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ } ( ). فيجب على هذه المرأة أن تنفصل عن هذا الرجل، ولا يجوز لها المقام معه، وهي أحق بالأولاد، وليس له شيء من حقوق الزوجية، والله أعلم.
فيمن أسلمت، وبقي زوجها على كفره، وهو من أهل الكتاب، فهل تبقى العلاقة الزوجية بينهما أم تنقطع بمجرد دخولها الإسلام؟ (2/77)
صفحة 497
لا تبقى علاقة زوجية بين مسلمة وكافر، فإن الله تبارك وتعالى يقول: { وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ } ( )، ولفظة المشرك تصدق على الكتابي وعلى غيره، ويقول سبحانه وتعالى: { لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ } ( ) فإذا أسلمت المرأة انقطعت علاقة الزوجية بينها وبين زوجها الكافر، ولكن مع ذلك فإنه إن أسلم قبل أن تتزوج بغيره فقيل: هو أحق بها، ولكن لا بد من عقد جديد، وقيل: يبقى معها بالعقد السابق، وهو الراجح المأخوذ به عندنا في المذهب؛ لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أبقى ابنته بعدما أسلم زوجها ـ بعد زمن غير قصير ـ أبقاها معه بنفس العقد السابق، فيؤخذ بهذا الرأي، وإن كان تجديد العقد أحوط، ولها هي أن تتزوج بعد أن تعتد منه؛ لأنه بحكم إخلاده إلى الكفر محرم عليها، فلا تمنع من الزواج انتظارًا لإسلامه، والله أعلم.
هل يجوز لرجل مسلم أن يتزوج امرأة من أهل الكتاب قبل دخولها الإسلام، وإن تزوجها، فما حكم زواجهما؟
أبيح زواج المسلم بزواج الكتابية الذمية لا المحاربة، عندما كانت الدولة الإسلامية مهيمنة على الأوضاع قادرة على المحافظة على جميع قيم الأمة وعقيدتها، بحيث لا يمكن أن تؤثر الكتابية على أولادها، فتحوِّلهم إلى عقيدتها أو إلى سلوك قومها، أما الآن فالأمر بالعكس، فجميع الكفار اليوم حرب على الإسلام وأهله، وكأيِّن من امرأة تدعي أنها كتابية سَلَبَتْ من المسلم أولاده؛ فهودتهم أو نصرتهم، فأصبحوا حربًا على الإسلام، ولذلك صور المشاهدة، ومع هذا كله لا نرى جواز تزوج المسلم بغير المسلمة، ويجبر إن وقع الزواج على فسخه، والله أعلم.
نكاح المتعة:
ما حكم المذهب في زواج المتعة؟ وما حكم زواج رجل من الشيعة بامرأة من أهل السنة زواج المتعة؟ (2/78)
صفحة 498
الذي نذهب إليه، ونعتمد أن نكاح المتعة قد نُسِخ؛ لأن النكاح إنما هو ربط مصير، وليس النكاح مجرد تذاوق للشهوات ما بين المتزاوجين، والله سبحانه وتعالى يقول في النكاح: { مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ } ( )، أي لا يقصد بالنكاح مجرد سفح الماء، وإنما يقصد به بناء أسرة، وإنشاء عش للذرية، وقد جاء في الروايات الكثيرة من طرق شتى بعضها عن الإمام علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن نكاح المتعة قد نسخ، وعليه فإنه لا يعمل بالمنسوخ، ولو وقع ذلك بين الشيعة أنفسهم الذين يرون جواز نكاح المتعة فلا اعتراض عليهم؛ لأن كلا الطرفين يقول بالجواز، أم أن يتزوج أحد الزوجين زواج المتعة ومذهبه لا يبيح ذلك فلا، والله أعلم.
ما الدليل على حرمة زواج المتعة؟ وهل الآية الكريمة في قوله تعالى: { فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ } ( ) دالة على مشروعية المتعة؟ أرجو أن تبينوا لنا الجواب الشافي في هذه المسألة؟
الآية ليست في نكاح المتعة، وإنما الاستمتاع هو ما يستمتعه الرجل من زوجته الشرعية، وأجرها هو صداقها الشرعي الذي فرضه الله لها، والقرآن الكريم في معرض ذكر هذا الحكم نفسه بين الغاية من مشروعية الزواج حيث قال: { مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ } ( )، فإن من الصواب هو الإحصان لا سفح الماء فقط، وذلك يحصل بالنكاح الموقوت، فإن الإحصان لا يحصل به، ولا يستفاد منه إلا سفح الماء وحده، وأحاديث نسخ نكاح المتعة مشهورة جاءت من روايات عدة، لا يتسع المقام لذكرها، فارجعوا إلى الكتب التخصصية، والله أعلم.
أيضًا هناك أنواع أخرى كالزواج العرفي وزواج المتعة، مع رجاء إلقاء الضوء على الصورة الصحيحة التي كان قائمًا عليها زواج المتعة في صدر الإسلام قبل أن يمنع، وهل يصح تحديده بفترة محددة؟ (2/79)
صفحة 499
حتى تكون صورة الزواج صحيحةً في الإسلام لا بدّ من توفر أربعة شروط وهي: الولي والمهر والرضى والشهود، واختلال شيء من شروطه يجعل منه عقدًا فاسدًا، والزواج العرفي: هو عقد يفتقر إلى الولي، فهو بدون ذلك زواج فاسد، وهنا من المناسب أن نبين أن اشتراط الولي ليس معناه الحكر على الفتاة أو التسلط على رغباتها، كلا وإنما لكون المرأة أشد تأثرًا بالجوانب العاطفية، ويمكن أن تنساق وراء عاطفتها دون روية أو تفكير، فيؤدي بها ذلك إلى ما لا تحمد عاقبته، كما أن الولي مأمور بمراعاة مصلحة ابنته أو موليته، فلا يجوز له أن يعضلها عن الزواج بالكفء من الرجال، ففي الحديث عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: »إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلاّ تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير«(1).
هذا وأما نكاح المتعة؛ فنحن مع جمهور الأمة الإسلامية أنه منسوخ، وهو بعد نسخه لا يملك أحد من البشر إباحته، ونسخ المتعة جاء بالكتاب والسنة، أما الكتاب: فلأن زوجة المتعة لا ترث ولا تورث، وقد بين الله تعالى في كتابه أن الزوجة هي التي ترث زوجها ويرثها زوجها، ولقوله تعالى: { مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ } (2) وزواج المتعة إنما غايته سفح الماء، أما السنة: فقد جاءت أحاديث صحيحة في نسخ حكم المتعة، ومن ذلك روايات من طريق علي بن أبي طالب ـ كرم الله وجهه ـ، والأصل في الزواج أن لا يبنى على التوقيت، وتحديده بفترة زمنية يبطله، والله أعلم.
فيمن سافر خارج وطنه، فأراد الزواج من هناك على أن يطلقها إذا رجع إلى وطنه، فهل يصح الزواج على هذه النية؟
الزواج ليس هو مجرد قضاء شهوة، وإنما هو ربط مصير بمصير، ولا يجوز لرجل أن يتزوج من أجل أن يطلق، فإن ذلك مناف لطلب الزواج، والله أعلم.
ما قولكم فيمن أراد السفر، فتزوج بقصد أن يعف نفسه في مدة سفره الطويلة، ناويًا طلاقها بعد العودة، فهل يصح ذلك؟ (2/80)
صفحة 500
يجب عليه أن لا يتزوج من أجل الطلاق، ولكن ينوي التمسك بها فإن دفعته الظروف من بعد إلى طلاقها، فالله لم يعسر عليه الأمر، والله أعلم.
فيمن يعتقد في مذهبه بجواز زواج المتعة، فما حكم توارث الزوجين إن مات أحدهما، وما حكم العدة على المرأة إن مات عنها زوجها عند من يرى مشروعية هذا النكاح؟
يلزم القائلين بانعقاد نكاح المتعة أن يتوارث الزوجان إن مات أحدهما قبل انحلال عقد الزوجية، وأن تعتد منه إن مات، والله أعلم.
زواج المسيار:
تحدثت وسائل الإعلام مؤخرًا عمَّا يسمى بزواج المسيار، وهو زواج يتم بين رجل وامرأة بعقد تتعهد فيه المرأة بالتنازل عن حقوقها المادية من إعاشة ومسكن ونفقة بعد الطلاق لها ولأولادها ـ إذا أنجبت أولاد ـ، ما رأي سماحتكم في مثل هذا الزواج؟
أولًا: قبل أن أجيب عن سؤالك أحب أوضح أن هذا المصطلح "زواج المسيار" هو ليس مصطلحًا شرعيًا حتى يكتفى بذكر اسمه لمعرفة حكمه، وإنما هو مصطلح جديد لا يمكن أن يحكم عليه من لفظه، لأن الإسلام يعتبر المعاني والمقاصد لا الألفاظ والأسماء، ولأجل ذلك لا بد أن تتعرف على هذا النوع من الزواج، وما هي شروطه وكيفيته؟
وعلى كل حال فقد سبق الجواب عن الشروط التي لا يمكن للزواج أن يصحَّ بدونها، ولا بد من معرفة أن الزواج في الإسلام شرع ليكون سببًا للسكن والاطمئنان للرجل والمرأة، ومراعاة للمودة والرحمة، وعروة يرتبط فيها مصير الرجل بمصير المرأة ومصير المرأة بمصيره، بل أنه رباط جماعي بين أسر الزوجين، يقول تعالى مبينًا بعض مقاصد الزواج: { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } ( ). (2/81)
صفحة 501
فالزواج بهذا ليس مجرد وسيلة لسفح الماء بل هو تحقيق لمعاني الإحصان والعفاف والسكون، وقد ذكر الحق في كتابه هذا الملحظ فقال: { مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ } ( ) وفي حق النساء قال: { مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ } ( ).
يُضاف إلى هذا كله أن الزواج يحمل الرجل مسؤولية أهله وولده، فهم أمانات لا تنفك من عنقه، وهو مسؤول عنهم أمام الله تعالى يوم القيامة، وكما أن الرجل مسؤول عن المرأة، فإن المرأة مسؤولة عن حال زوجها، وكل منهما مأمور بحسن العشرة للآخر، ولأجل كل هذه الاعتبارات نرى سد هذا الباب، والمحافظة على قدسية الزواج وأهدافه وغاياته..، والله تعالى أعلم.
زواج الإماء:
ما حكم نكاح الإماء في الإسلام، وما معنى قول الله سبحانه وتعالى: { وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ } ( )؟ (2/82)
صفحة 502
إن الله تبارك وتعالى شرع نكاح الحرائر من النساء للأحرار من الرجال، وفي قصر إباحة النكاح عليهن حكمة بالغة، منبثقة من روح الإسلام العلية، التي تتمشى بتشريعات الإسلام في دروب مصلحة البشر، هذه الحكمة تتجلى لمن نظر في حكم إلحاق الأولاد بالأمهات في الحرية والرق، وأن من واجب المسلم الحر أن يربأ بِقُرَّة عينه وفلذة كبده عن النزول في حضيض الرِّق الذي طالما حرص الإسلام على إبادته، ولذلك شرع عتق الرقاب في شتى الملابسات، ومن تحذير الإسلام من نكاح الإماء ما جاء في سنن ابن ماجه عن الضحاك بن مزاحم قال: سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: »من أراد أن يلقي الله طاهرًا مطهرًا فليتزوج الحرائر«( )، ورواه أبو إسحاق الثعلبي من حديث يونس بن مراد وكان خادمًا لأنس، وزاد فقال أبو هريرة: سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: »الحرائر صلاح البيت والإماء هلاك البيت ـ أو قال ـ فساد البيت«( )، وعن عمر رضي الله عنه: »أيما حرٍّ تزوج بأمة فقد أرق نصفه«( )، يعني يصير ولده رقيقًا، وقال سعيد بن جبير: »ما نكاح الأمة من الزنى إلا قريب«، قال الله تعالى: { وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُم } ( ) أي نكاح الإماء، ولكن الإسلام ـ الذي هو دين السماحة واليسر ـ من شأنه الاستجابة لضرورات البشر، ووضع الحلول السليمة لجميع مشاكلهم الناجمة في الحياة، لذلك أباح نكاح الإماء مع الضرورة المركبة من أمرين: عدم حصول الطول إلى نكاح المحصنات، وخوف العنت، وهو الزنى في قول القرطبي، وقال القطب رضي الله عنه: »إنه الزنى أو المشقة والجهد الحاصلان من كبت الغريزة ومعاكسة الفطرة«، وبهذا فسَّره السيد محمد رشيد في تفسيره "المنار"، وقال: »ذلك أن مقاومة هذه الداعية التي هي أقوى وأرسخ شؤون الحياة تفضي إلى أمراض عصبية وغير عصبية ـ إذا طال العهد على مقاومتها ـ« أهـ وقول القرطبي هو الذي ذهب إليه الجمهور، ولكن الثاني (2/83)
صفحة 503
أقرب إلى يسر الشريعة وسماحتها، بل وأقرب إلى مدلول الكلمة اللغوي، وأما الطول في الآية؛ فإن العلماء ذهبوا فيه ثلاثة مذاهب:
?المذهب الأول: أنه بمعنى السَّعة والغنى، وهو رأي ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والسدي وابن زيد، وذهب إليه مالك في "المدونة" والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور، ومرادهم بذلك المقدرة على صداق الحرة مأخوذ من قولهم: طال يطول طولاً في الأفضال والقدرة، ومنه قولهم: فلان ذو طول، أي ذو قدرة في ماله، قال القرطبي في تفسيره "الجامع لأحكام القرآن": »قال أحمد بن المعذل: قال عبد الملك: الطول كل ما يقدر به على النكاح من نقد أو عرض أو دين على مليٍّ، قال: وكل مال يمكن بيعه أو إجارته؛ فهو طول، قال: وليست الزوجة ولا الزوجتان ولا الثلاثة طولاً، وقال: وقد سمعت ذلك من مالك، وقال عبد الملك: لأن الزوجة لا ينكح بها، ولا يصل بها إلى غيرها، إذ ليست بمال، وقد سُئِل مالك عن رجل يتزوج أمة، وهو ممَّن يجد الطول فقال: أرى أن يفرق بينهما، فقيل: إنه يخاف العنت، فقال: السوط يضرب به، ثم خففه بعد ذلك« اهـ بلفظه، وبمثل هذا الذي قاله عبد الملك ورواه عن شيخه مالك، صرح قطب الأئمة ـ رضوان الله تعالى عليه ـ في "شرحه على النيل"، وهو عكس ما يفهم من كلام صاحب "النيل" ـ رضي الله عنه. (2/84)
صفحة 504
? المذهب الثاني: أن الطول هو الحرة، فمن كان تحته حرة أو أمكنه التوصل إليها اندفعت ضرورته إلى الأمة؛ فصارت حرامًا عليه، إذ هي ـ كما يقول مسروق وغيره ـ كالميتة تباح للمضطر فقط، وهذا الرأي هو المفهوم من كلام صاحب النيل ـ رحمه الله تعالى ـ، وقال جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنه ـ: »من وجد صداق الحرة؛ فلا ينكح أمة«، وعنه: »لا تنكح الأمة على الحرة، وتنكح الأمة على الحرة«، وقال الحسن: »من جمع بين حرة و أمة في عقدة فرِّق بينه وبين الأمة«، وفي مدونة أبي غانم ـ رضي الله عنه ـ: »سألت أبا المؤرج عن نكاح الأمة، هل يجوز للرجل الحر أن ينكح أمة؟ قال: حدثني أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أنه قال: لا يحل نكاح الأمة إلا لمن خشي العنت منكم، ولا يتزوج الحر إلا أمة واحدة« اهـ، وهذا هو قول الإمام مالك في كتاب محمد، عكس ما قاله في "المدونة"، وتبعه على رأيه هذا ابن حبيب من أصحابه، وقال اللخمي: »وهو ظاهر القرآن، ورجحه الطبري، وروي عن أبي حنيفة وصاحبه أبي يوسف«، وقد أجاد الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده في بيان الطول هنا حيث قال: »فسروا الطول بالمال الذي يدفع مهرًا، وهو تحكم ضيقوا به معنى الكلمة، وهي من مادة الطول بالضم، فمعناها الفضل والزيادة، والفضل يختلف باختلاف الأشخاص والطبقات، وقد قَدَّر بعضهم كالحنفية المهر بدراهم معدودة، فقال بعضهم: ربع دينار، وقال بعضهم: عشرة دراهم، وليس في الكتاب ولا في السنة ما يؤيده، بل ورَدَ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال لمريد الزواج: »التمس ولو خاتمًا من حديد«، وهو في الصحيحين والسنن، ورُوِي أن بعضهم تزوج بتعليم الزوجة شيئًا من القرآن مهرًا، وتزوج بعضهم بنعلين، ولم يقدر السلف المهر بقدر معين، وتفسير الطول بالغنى لا يلائم تحديد المحددين، فإنه لا يكاد أحد يجد أمة يرضى أن يزوجها سيدها بأقل من ربع دينار أو عشرة دراهم أو نعلين، وفسره أبو حنيفة بأن يكون عنده حرة (2/85)
صفحة 505
يستمتع بنكاحها بالفعل، أي ومن لم يكن منكم متزوجًا امرأة حرة مؤمنة؛ فله أن يتزوج أمة، فحاصله عدم الجمع بين الحرة والأمة، قال: »والطول أوسع من كل ما قالوه وهو الفضل والسعة المعنوية و المادية، فقد يعجز الرجل عن التزوج بحرة وهو ذو مال يقدر به على المهر المعتاد لنفور النساء منه لعيب في خُلقِه أو خلقه، وقد يعجز عن القيام بغير المهر من حقوق المرأة الحرة، فإن لها حقوقًا كثيرة في النفقة والمساواة وغير ذلك، وليس للأمة مثل تلك الحقوق كلها، فاستطاعة الطول له صور كثيرة« اهـ كلامه، وقال القرطبي: »فإن وُجِد المهر، وعدم النفقة، فقال مالك في كتاب محمد: لا يجوز له أن يتزوج أمة، وقال أصبغ: ذلك جائز إذ نفقة الأمة على أهلها إذا لم يضمها إليه« اهـ، وأنت إذا تدبرت سماحة الإسلام ويسره، وتناوله الأوضاع البشرية تناولاً أتى على كل جليلة ودقيقة، ووضعه الحلول السليمة لجميع المشاكل في غير إفراط ولا تفريط، أدركت ترجيح ما قاله الأستاذ الإمام، إذ العوائق عن تحصيل الحرة ليست هي مجرد عدم صداقها، ولعل هذا مراد من قال: إن الطول هو الحرة، يعني أن إمكان حصولها مانع من نكاح الإماء، غير أن الأستاذ جاء بمزيد من إيضاح لم يسبق إليه، وقد رأيت قطب الأئمة ـ رضي الله عنه ـ ذهب نفس هذا المذهب، وهذا نص كلامه في "شرح النيل": »وإن كان له مال، ولم يجد حرة أول لم تقبله الحرائر تزوج أمة فصاعدًا، حتى يكتفي؛ لأن المدار على رفع العنت، وعدم الطاقة على الحرة« أهـ. (2/86)
صفحة 506
? المذهب الثالث: أن الطول هو الجاد والصبر لمن أحب أمة وهَوِيَهَا، حتى صار بذلك غير قادر على نكاح غيرها، فإن له أن ينكح الأمة إذا لم يقدر على زمِّ هواه عنها، وخشي الوقوع في المحظور بسببها، وإن كان قادرًا على نكاح الحرة بالنظر إلى المقومات المادية، وهو قول قتادة والنخعي وعطاء وسفيان الثوري، وعليه حمل العلامة أبو زكريا والبدر وأبو ستة ـ رحمهما الله ـ ما رُوِي عن أبي الشعثاء الإمام جابر بن زيد ـ رضي الله عنه ـ أن امرأة استشارته في رجل يخطب إليها أمتها، فقال جابر: لا، فعاد الرجل، فعادت تستشيره، فقال: لا، فعاد، فعادت، فقال: لا، فقال الرجل: إن لم تُزوِّجِنِيها زنيت بها، فعادت إلى جابر وحدثته بما قال الرجل، فقال: زوجيه فهذا العنت، وتعقب القطب رحمه الله تعالى حملهما كلام جابر على هذا المذهب؛ لأن جابرًا يعلم فقر الرجل، وبقي أن يعلم خوفه من العنت، وقد علم ذلك من مراودته مولاتها مرة بعد أخرى، حتى قال: إن لم تزوجينها زنيت بها، وبناءً على هذا المذهب يكون قوله تعالى: { ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ } ( )، بيانًا لعدم الطول، وهو على المذهبين السابقين ثاني شرطيْ جواز نكاح الإماء، وهذا هو الحق الذي يتألق نوره أمام كل متأمل، فإنه سبحانه قال: { وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ } ( )، ولم يقل: ومن لم يستطع منكم طولاً أن يترك نكاح الإماء، والعجز عن ترك نكاح الأمة شيء غير العجز عن نكاح الحرة. (2/87)
صفحة 507
? وفي المسألة مذهب رابع: روي عن مجاهد أنه قال: »مما وسَّع الله على هذه الأمة نكاح الأمة والنصرانية وإن كان موسرًا«، وممن قال بذلك أبو حنيفة، إذ لم يشترط خوف العنت إذا لم تكن تحته حرة، قالوا: إن كل ما يمكن أن يتزوج به الأمة يمكن أن يتزوج به الحرة، فالآية على هذا أصل في جواز تزوج الأمة مطلقًا، قال مجاهد: »وبه يأخذ سفيان: وذلك أني سألته عن نكاح الأمة، فحدثني عن ابن أبي ليلى عن المنهال عن عباد بن عبد الله عن علي ـ كرم الله وجهه ـ قال: إذا نكحت الحرة على الأمة كان للحرة يومان وللأمة يوم، قال: ولم ير علي به بأسًا«، ويقرب من هذا قول ابن وصاف شارح دعائم الإمام ابن النضر ـ رحمه الله تعالى ـ حيث قال: »إن اشتراط عدم الطول وخوف العنت في الآية تأديب لا إيجاب، وأنه يجوز تزوج الأمة مع القدرة على الحرة؛ لأن النظر يوجبه، وحجة العقل يؤيده؛ ولأنه يجوز للحرة تزوج العبد ولو وجدت العبد«، وبه قال ابن قاسم صاحب مالك، واحتج بقوله تعالى: { وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى } ( )، ولم يقل: وأنكحوهن لِمَن لا يستطيع الحرة، وخاف العنت، ومن حجتهم عموم قوله تعالى: { وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } ( ) وحملوا قوله تعالى: { وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ } ( )، إلى قوله { ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ } ( )، على نحو قوله تعالى: { فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فإن خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً } ( )، إذ الكل متفقون على جواز نكاح الأربع لمن خاف أن لا يعدل، وعليه فله أن يتزوج أمة من وجد الطول، ولم يخش العنت، وقد رُوِي عن مالك في الذي يجد طولاً الحرة أن يتزوج أمة مع مقدرته على طول الحرة، وقال مرة: ما هو بالحرام البيِّن وأُجوِّزه، وقال القرطبي: »إن ذلك ضعيف من قوله«، والحق أن هذا المذهب من الضعف بمكان، (2/88)
صفحة 508
فإنه يقتضي إلغاء القيود الشرعية، وسلب كثير من نصوص الشريعة دلالاتها، وذلك يتنافى مع إيجابية الشرع الشريف، ولا حجة لهم في شيء مما تمسكوا به، فدعوى ابن وصاف أن النظر يوجبه وحجة العقل تؤيده واهية جدًا، إذ الشريعة لا تستورد من العقليات، وإنما تستقى من مناهلها التي هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس، ولا يصح هنا قياس نكاح الحر الأمة على نكاح الحرة العبد لوجود الفارق، وهو حرية أولاد الأمة من الحر، وأيضا فإن القياس إنما يصح مع عدم ورود النص، والنص واضح كما ترى، أما احتجاج ابن القاسم بقوله تعالى: { وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى } ( ) فهو احتجاج بمطلق مع وجود المقيد، مع أن الأصوليين كادوا يتفقون على حمل المطلق على المقيد إلا خلافًا شاذًا لبعضهم، وهو ضعيف جدًا، وأما احتجاجهم بقوله تعالى: { وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُم } ( )، فهو احتجاج بعموم وردت عليه عدة متخصصات، كتحريم الجمع بين الأخت أو العمة وبنت الأخ، وتحريم الملاعنة على زواج الملاعنة، ولا غرو في تخصيصها بالقيدين الواردين في الآية التي نحن بصدد بيانها، ودليل الخطاب له دوره الفعال في تخصيص عمومات الأدلة الشرعية. (2/89)
صفحة 509
وأما احتجاجهم باتفاق العلماء على إباحة القدوم على نكاح الأربع لمن خاف عدم العدل بينهن مع قوله تعالى: { فإن خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً } ( )، فهو مردود بأنَّ اتفاق العلماء على نكاح الأربع لمن خشي عدم العدل بينهن محمول على العدل فيما لا تستطيعه الطاقة البشرية، وهو ما عُرِف من عادة الناس أنهم لا تتساوى عاطفتهم القلبية بين أزواجهم، وذلك أمر فطري غير مستطاع دفعه، لذلك عفا الله عنه بقوله تعالى: { وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ } ( )، على أنك تجد الفارق واضحًا والبون شاسعًا بين خوف الحيف بين النساء الذي عُلِّقَ على عدمه جواز تعددهن، وبين وجود الطول الذي شرط عدمه في جواز نكاح الإماء مع خوف العنت، فإن خوف العجز عن العدل لا يعدو كونه أمرا توقعيًا، ووجود الطول واستشعار الأمن من العنت كلاهما أمر واقع، وما أسْحَقَ الهوة بين الواقع والمتوقع، فقد لا يقع المتوقع، وهل الواقع إلا واقع، ولا يرد علينا أن الأمر بالاقتصار على واحدة معلق على خوف عدم العدل لا على وقوعه؛ لأن الخوف هاهنا غير مقصود لذاته في الحكم، وغير محذور في الأمر، وإنما غاية ما في الآية تحذير المسلم من التعرض لِمَا قد لا يفي بواجباته، و إلا فالخوف من ترك العدالة أمر وتركها أمر آخر، وليس أحدهما لازمًا للآخر ولا ملزومًا له، فإنه قد يعدل الزوج مع خوفه من ترك العدل، وقد يحيف مع أمنه من الحيف، وبما قررناه هنا يتجلى ضعف قول من ألغى الشرطين في جواز نكاح الإماء أو أحدهما، وصحة قول من التزمهما، وهو قول جابر بن عبد الله وابن عباس وعطاء وطاوس ومكحول والزهري، وبه قال الشافعي وأبو ثور وأحمد وإسحاق، واختاره ابن المنذر وغيره، وهو مذهب مالك في "المدونة" من رواية ابن نافع وابن القاسم وابن وهب وابن زياد، وقاله أصبغ من أصحابه ومطرف وابن الماجشون وصحَّحه القرطبي، (2/90)
صفحة 510
وباعتبار هذين الشرطين ترجيح قول من قال: إنَّ من كان تحته حرة أو كان قادرًا عليها بالوسائل المادية والمعنوية ليس له أن ينكح أمة بحال، فإن "ال" في المحصنات من الآية داخل على جنس غير محصورة أفراده، وذلك يقتضي صدق الحكم ـ سلبًا وإيجابًا ـ على أقل ما يصدق عليه الجنس من أفراد مدلولاته، ألا ترى أن من حلف أن لا يتزوج النساء، ولا يشتري العبيد يحنث بتزوج واحدة من النساء، وشراء واحد من العبيد، ومن حلف أن يتزوج النساء ويشتري العبيد يبرُّ ـ كذلك ـ بتزوج واحدة وشراء واحد، وهكذا من أمكنه نكاح محصنة واحدة صدق عليه أنه وجد طولاً إلى نكاح المحصنات، وامتنع في حقه نكاح الإماء، هذا والخلاف في هذه المسألة يستتبع كذلك الخلاف في مسألتين لاحقتين بها: -
? الأولى: هل له أن ينكح أكثر من أمة واحدة، قيل: ليس له ذلك؛ لأنها أبيحت للضرورة والضرورة تندفع بنكاح واحدة، وهو قول ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ كما تقدم، وقال به مسروق جماعة، وذهب إليه الشافعي وأبو ثور وأحمد وإسحاق، وهو ظاهر كلام الإمام ضياء الدين عبد العزيز الثميني ـ رضي الله عنه ـ في "النيل"، حيث قال ما نصه: »وللحرِّ نكاح أمة بعدم طول وخوف عنت، وبهما جازت واحدة«، وقال القطب ـ رضوان الله تعالى عليه ـ في شرحه: »وإن لم تكفه واحدة، ولم تمنعه من العنت تزوج حتى يخرج من العنت أو تتم أربعة« اهـ كلامهما، وقول القطب مبنيٌّ على ما سبق عنه أنه لا يرى الحرة طولاً إذا لم تمنعه من العنت، وكان به حاجة إلى المزيد، ولم يجد طولاً لغير أمة، وبمثل قوله ـ في جواز التعدد إلى أربعة ـ قال مالك وأبو حنيفة وابن شهاب والحارث العكلي، وقال حماد بن أبي سليمان: »ليس له أن ينكح من الإماء أكثر من اثنتين، ومن المعلوم أن نكاح الإماء إنما يسوغ في حال الاضطرار لا في الاختيار، وما كان كذلك؛ فلا يجوز أكثر مما تندفع به ضرورة المضطر. (2/91)
صفحة 511
? الثانية: هل تبقى زوجية الأمة إن تزوج عليها حرة، قيل: ببقائها، وهو قول سعيد ابن المسيب وعطاء وابن أبي ليلى والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي، وهو مقتضى ما تقدمت روايته عن الإمام علي ـ كرم الله وجهه ـ، حيث قال: »للحرة ليلتان وللأمة ليلة«، ولم يفرق هؤلاء بين أن تكون الحرة عالمة بالأمة أو غير عالمة، وظاهر ما نقله أبو غانم في "المدونة" عن شيخه ابن عبد العزيز بقاء النكاح إن علمت بها الحرة، لا إن لم تعلم، وذلك أنه قال: »لا أفرق بينهما، ولا أوجب عليه فراقها؛ لأنها تقدمت على علم، وذلك برضى منها« اهـ، وقيل: للحرة في ذلك الخيار إن علمت، وعليه ففي أي شيء يكون لها الخيار؟ فقيل: في القيام مع الزوج أو مفارقته«، وهو قول الزهري ومالك وأحمد وإسحاق، وروي أيضًا عن سعيد بن المسيب، وقيل: في إقرار نكاح الأمة أو فسخه، وعليه ابن الماجشون من أصحاب مالك، وقال النخعي: »إذا تزوج الحرة على الأمة فارق الأمة إلا أن يكون لها منها ولد، فإن كان لا يفرق بينهما، وقال مسروق: »يفسخ نكاح الأمة؛ لأنه أمر أبيح للضرورة كالميتة، فإذا ارتفعت الضرورة ارتفعت الإباحة، وهو مقتضى ما رواه أبو غانم في مدوَّنته عن أبي المؤرج قال: »حدثني أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: إذا تزوج الحرة على الأمة؛ فهو طلاق الأمة«، وهو ظاهر كلام القطب ـ رضي الله تعالى عنه ـ فيما كتبه على "المدونة"، حيث تعقب ما سبق عن ابن عبد العزيز بقوله: »للفرقة وجه ظاهر، هو أن لا تحل له الأمة إذا وجدت الحرة، فيفرق بينه وبين الأمة«، وقال الإمام الثميني ـ رحمه الله ـ في "النيل": »ولا تنكح حرة على أمة، وجوَّز إن رضيت، وكانتا بتثليث في الأيام، ومن تزوج حرة على أمة بلا علمها؛ فلها أن تنكره بعده، وقيل: نكاح الحرة طلاق الأمة.. « إلخ ما قاله. (2/92)
صفحة 512
وهنا يجمل بنا أن نقف لحظة لنمعن النظر في وصف الفتيات بالمؤمنات في الآية، هل اتصافهن بالإيمان شرط في إباحتهن؛ فلا تحل الكتابيات منهن أم لا؟ نجد اشتراط الإيمان في إباحتهن أمرًا ضروريًا في سلامة بناء الأسرة المسلمة، والحكمة في ذلك جلية، وهي وجوب محافظة المسلم ـ المعتز بإسلامه المعتد بإيمانه ـ على أفلاذ كبده عن سيطرة الكتابيين عليهم بحيث يكونون لهم أرقاء، إذ أولاد الأمة تبعٌ لسيدها: { وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً } ( ) وهذه الحكمة مما استجلاه ـ من أعماق أسرار التشريع ـ العلامة الكبير المحقق الخليلي ـ رضوان الله تعالى عليه ـ، وبناء على رعاية هذا الشرط يمنع من نكاح الإمام الكتابيات منعًا باتًا لا هوادة فيه، وهو قول أصحابنا ـ رحمهم الله ـ وبه يقول مالك والشافعي وأصحابهما والثوري والأوزاعي والحسن البصري ومكحول ومجاهد وعليه جمهور السلف والخلف، وذهب طائفة منهم أصحاب الرأي إلى أن نكاح الأمة الكتابية جائز، قال ابن عبد البر: »ولا أعرف لهم سلفًا إلا أبا ميسرة عمرو ابن شرحبيل، فإنه قال: إن إماء أهل الكتاب بمنزلة الحرائر منهن، وحملوا قوله تعالى: { المُؤْمِنَاتِ } على معنى الوصف الفاضل لا على أنه لا يجوز غيرها، واحتجوا بالقياس على الحرائر، وذلك أنه لَمَّا لم يكن وصف المحصنات بالمؤمنات مانعًا من تزوج الكتابيات؛ فكذلك الإماء«، وأيد مذهبهم من المتأخرين الإمام محمد عبده، فإنه قال: »والمؤمنات ليس بقيد في الحرائر ولا في الإماء، وإن قيل به، وإنما هو لبيان الواقع، فإنه كان نهاهم عن نكاح المشركات في سورة البقرة، وهن أولئك الوثنيات اللواتي لا كتاب لقومهن، وسكت عن نكاح الكتابيات، والنهي عن نكاح المشركات لا يشملهن؛ فكان الزواج محصورًا في المؤمنات فذكره؛ لأنه الواقع، أي ولأنهم لم يكونوا معرضين لنكاح الكتابيات، ثم صرح بحل زواجهن في سورة المائدة، وهي نزلت بعد سورة (2/93)
صفحة 513
النساء بلا خلاف، وفي الوصف بالمؤمنة إشارة إلى ترجيحها على الكتابية عند التعارض« اهـ كلامه، وأنت إذا تأملت آية المائدة التي استدل بها على إباحة الكتابيات من الإماء وهي قوله تعالى: { الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ } ( ) إلى قوله: { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ } ( ) وجدت دلالتها على المنع أقوى منها على الإباحة، فإن المراد بالمحصنات الحرائر في قول أكثر المفسرين، وإن سلَّمنا ما يقوله بعضهم أن المراد بالمحصنات العفيفات؛ فتشمل الحرائر والإماء، فإنا لا نسلم جواز نسخها لقيد الوصف بالإيمان في سورة النساء، فإن آية النساء خاصة وآية المائدة عامة، والخاص قطعي الدلالة، فلا ينسخه العام الذي هو ظنيها، وإن كان قطعي المتن، اللهم إلا عند الحنفية الذين دلالة العام قطعية، ويبنون على ذلك جواز نسخه الخاص، وهو ضعيف عند الجمهور، وقد سبق أن دليل الخطاب له دوره الفعال في تخصيص عمومات الأدلة الشرعية، وذلك باستقراء عمل الصحابة فمن بعدهم، وحكمة اشتراط الإيمان بينة كما أوضحناها، على أن في قوله تعالى في آية النساء: { وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ } ( )، إيماء إلى اعتبار مفهوم الصفة كما قاله العلامة الكبير السيد محمد رشيد رضا، ويجمل بنا أن ننقل هنا قصة حكاها ابن العربي المالكي ـ إتمامًا للفائدة ـ قال: »درَّسنا أبو بكر الشاشي بمدينة السلام، قال: احتج أبو حنيفة على جواز نكاح الأمة الكتابية بقوله تعالى: { وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ } ( )«، ووجه الدليل من الآية أن الله خيَّر بين نكاح الأمة المؤمنة والمشركة، فلولا أن نكاح الأمة المشركة جائز لَمَا خيَّره الله بينهما أن المخايرة إنما هي بين جائزين لا بين جائز وممتنع، ولا بين متضادين، والجواب أن المخايرة بين الضدين تجوز لغة وقرآنا؛ لأن الله سبحانه قال: { أَصْحَابُ الْجَنَّةِ (2/94)
صفحة 514
يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا } ( ).
وقال عمر في رسالته لأبي موسى: »الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل«، جواب آخر قوله تعالى: { وَلَأَمَةٌ } لم يرد به الرِّق المملوك، وإنما أراد به الآدمية والآدميات، والآدميون بأجمعهم عبيد الله وإماؤه، قاله القاضي بالبصرة أبو العباس الجرجاني« انتهى كلامه، والعجب ممن يستدل بقوله تعالى: { وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ } ( ) على جواز نكاح الأمة غير المسلمة، كيف لا يتأمل ما بعده في الآية؟ فقد وليه قوله تعالى: { وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ } ( )، فلئن كان ذلك دليلا على جواز نكاح الأمة غير المسلمة؛ فهذا دليل على جواز إنكاح العبد غير المسلم، إذ لا فرق بين دلالة كلمة "خير" في الجملتين، مع أن هذا لم يقله مسلم جاهل بله العالم، وليس إتباع النهي في الموضعين بهاتين الجملتين إلا للتنفير عن المنهي عنه فيهما، والترغيب في ضده، ولا تفيد كلمة "خير" في أي منهما معنى التفضيل.
وأما الوثنيات وغيرهن من المشركات؛ فكما لا يجوز نكاح الحرائر منهن؛ فكذلك الإماء من باب الأولوية؛ وذلك مما لا خلاف فيه، هذا ما حضرني من الجواب على هذه المسألة من غير استقصاء لأبحاثها، ولا تتبع لدقائقها، فإن ذلك فوق طوقي فأنظر فيه أيها الشيخ بإمعان، فما كان من حق فاقبله، وما كان من باطل فردَّهُ، وإلى الله أبرأ من الحول والقوة، وهو حسبي ونعم الوكيل، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
روى الإمام الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نهى عن وطء السبايا من الإماء فقال: »لا تطأوا الحوامل حتى يضعن، ولا الحوائل حتى يحضن«، فهل النهي للتحريم أم للكرهة؟ وما معنى الحوائل؟ وهل النهي عام للحرائر والإماء أم خاص بالإماء؟ (2/95)
صفحة 515
هذا الحكم في السبايا، فإن كانت السبية حاملاً؛ فلا يجوز لمن دخلت في ملكه بالسبي أن يواقعها حتى تضع حملها، إذ لا يجوز له أن يسقي زرع غيره، لذلك قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الرجل الذي أراد أن يواقع جاريته قبل أن تضع حملها: »لقد هممت أن ألعنه لعنًا يدخل معه قبره«( )، وأما الحوائل فهن غير الحوامل من النساء، والحوائل: جمع حائل، وهي التي يأتيها الحيض حالاً بعد حال، ولا يجوز لمن دخلت في ملكه حائل أن يواقعها حتى يستبرئها بحيضة، وقيل: بحيضتين قياسًا على عدة الأمة، ولا تدخل الحرائر في هذا الحكم، إذ الحرائر لا توطأ بملك يمين، وإنما بالنكاح الشرعي، وهو لا يكون إلا بعد عدة إن كانت ذات زوج من قبل، ولا يجوز تزوج الحامل، فإن عدتها أن تضع حملها، فلا معنى لاستبرائها، وبما تقدم تعلمون أن النهي للتحريم لا للكراهة فحسب، والله أعلم.
ما تقولون في رجل اشترى أمة، ثم دخل بها من دون عقد النكاح سوى عقد البيع والشراء المتقدم، فولدت له ولدًا ذكرًا، واعترف به أبوه، وهلك أبوه مخلفًا مع ذلك الابن إخوة، فخاصماه الإرث، وزعما بأنه لا حق له في إرث أبيه، فما قولكم في ذلك؟
أجاب عليها الشيخ العلامة إبراهيم بن سعيد العبري ـ المفتي السابق للسلطنة: ـ (2/96)
صفحة 516
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي تتم بحمده الصالحات، والصلاة والسلام على سيد البريات، نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد: فهذا جوابك عن الذي اشترى الأمة فوطئها قبل أن يستبرئها فحملت بولد منه، فإن ولدته بعد مضي ستة أشهر بعد وطئه إياها؛ فالولد ولده وهو لاحق به، يرثه كسائر أولاده، وهو حر غير مملوك، واستعجاله في الوطء قبل الإستبراء لا ينفي عنه حكم الولد، فهو كمن تزوج الحرة في عدتها، بل هي أخف في أمرها من وطء الحرة في عدتها، فلو حملت منه الحرة، وجاءت بولد بعد ستة أشهر للحقه حملها، وهو معنى قولهم إن النكاح الفاسد يثبت إلحاق الولد بالمتزوج، ويثبت به النسب، والله أعلم، وعليك السلام ورحمة الله وبركاته وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
? قال الشيخ هاشم بن عيسى: هذا الجواب مطابق للحق والصواب.
? قال الشيخ محمد بن راشد بن عزيز: هكذا.
? قال الشيخ إبراهيم بن سيف: هذا الجواب صحيح ـ إن شاء الله ـ.
? قال الشيخ محمد بن علي الشرياني: نظرت جواب الأشياخ قضاة المحكمة الشرعية بمسقط؛ فهو مطابق للحق، والميراث ثابت كغيره من إخوته.
? قال الشيخ أحمد بن ناصر السيفي: نظرت جواب حملة العلم، وما بعد مقالهم مقال.
وأجاب عليها سماحة الشيخ بقوله: (2/97)
صفحة 517
لقد أطلعت على جواب مشايخ العلم في ثبوت نسب من ولدته أمة وطئها سيدها قبل الاستبراء ولحوقه بالسيد الواطئ إن أتت به بعد ستة أشهر، وهو حق لا غبار عليه، يدل على صحته الحديث الصحيح: »الولد للفراش وللعاهر الحجر«، والفراش إنما يكون بالملك مع الاعتراف بالوطء في الإماء، كما يكون بالعقد الشرعي مع إمكان الوطء في الحرائر، وقصة عبد بن زمعة مع سعد بن أبي وقاص من أوضح الأدلة على ذلك، حين اشتجرا مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على غلام ولدته أمة زمعة، وكان قد ادعاه أخو سعد، وعهد به إلى أخيه، فطالب به سعد أمام النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فقال عبد بن زمعة: هو أخي ولد على فراش أبي، فقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: »الولد للفراش وللعاهر الأثلب«( ) بعدما أمَّر عبدًا أن يأخذه، ولكن الذي لاحظته أن سؤال السائل ليس فيه ما يدل على أن الوطء كان قبل الاستبراء، إنما غاية ما فيه أن السيد باشر الأمة بدون عقد نكاح، وكأن هذا السائل يحسب أن حكم الإماء كالحرائر، والواقع أن عقد النكاح لا يكون بين الرجل وأمته، وإنما عليه استبراؤها فقط، بقول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: »لا تطأوا الحوامل حتى يضعن، ولا الحوائل حتى يحضن«، وعلى كل حال فإن لحوق الولد بالسيد في هذه القضية لا بُدَّ منه، سواءً كان وطؤه الأمة قبل الاستبراء أو بعده، والله أعلم.
مسائل طبية:
في حالة إصابة أحد الزوجين بمرض "الإيدز" مرض العوز المناعي، وامتناعه عن إعلام شريكه بمرضه، فكيف يكون السبيل الذي يمكن اتباعه في حماية الطرف السليم؟ أو بمعنى آخر هل يجوز المعاشرة بين الزوجين إذا كان أحدهما مصابًا بهذا المرض؟
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.. أما بعد: (2/98)
صفحة 518
فإن الحمية مطلوبة في الإسلام، ولذلك شرع في الإسلام التوقي من كل أسباب الهلاك والأمراض، وقد جاء في الحديث عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الأمر بالفرار من المجذوم كالفرار من الأسد، كذلك جاء في أحاديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما يدل على التوقي من أسباب الهلاك والأمراض المعدية والفتاكة كلها، فمن أجل ذلك كان لزامًا على الإنسان أن يتوقى الإصابة بهذه الأمراض، وعندما يكون أحد الزوجين مصابًا بهذا المرض الفتاك مع معرفته أن المعاشرة تؤدي إلى نقل المرض إلى الطرف السليم في ذلك؛ فلا ريب أن المعاشرة تكون في مثل هذه الحالة محرمة، اللهم إلا إذا كان من الممكن اتخاذ الحواجز الوقائية دون الإصابة كاتخاذ العازل ونحوه، إن كان ذلك يؤدي إلى عدم وقوع الإصابة بالطرف السليم بنفس هذا المرض، أي عدم انتقال العدوى إليه، فلا مانع من المعاشرة في هذه الحالة، والله أعلم.
ما حكم جواز حمل المرأة المصابة بمرض "الإيدز"، مع العلم بأن احتمال إصابة جنينها بالمرض كبير، فهل يجوز لها أن تحمل؟
نحن لا نقول بأنه لا يجوز الحمل إذا كان من المحتمل أن لا يصاب الجنين بهذا المرض، وكان احتمال الإصابة احتمالاً خفيفًا، أما عندما يكون احتمال الإصابة بنفس المرض ـ أي انتقال العدوى إلى الجنين ـ احتمالاً قويًا؛ ففي مثل هذه الحالة يمنع الحمل، حتى لا يتعرض الجنين لنقل العدوى إليه، والله تعالى أعلم.
دلَّتِ التجارب على أن الجنين في رحم امرأة مصابة بمرض " الإيدز" غالبًا ما يصاب بتشوهات خلقية، فما هو الحكم الشرعي في إجهاضه؟ (2/99)
صفحة 519
الله تبارك وتعالى نهى عن قتل الأولاد، والوليد مصيره أن يكون ولدًا، وبما أن الله عز وجل أوجده؛ فلا سبيل شرعًا إلى القضاء عليه، وليس الإنسان مسؤولاً عن الجنين وما يصيبه وما يقع عليه، فإن كان المخلوق عرضة للبلاء، ولكنه مسؤول عن الاعتداء عليه أو على غيره، فلا يجوز الاعتداء على الجنين بالإجهاض مهما كان الأمر، فإن إصابته بالمرض ليست بسبب الإنسان الذي تُسوِّل له نفسه أن يعتدي عليه بالإجهاض، حتى يكون هو مسؤولاً عن هذه الإصابة، وإنما ذلك قدر الله تعالى، فليس له بحال من الأحوال أن يقضي على حياة الجنين؛ فإنه مسؤول عن ذلك، والله تعالى أعلم.
هل يجوز قتل الطفل متى ثبتت إصابته بمرض "بالإيدز" علمًا بأن فترة حياته لا تتجاوز الأربع سنين على حسب ما دلت عليه التقارير الطبية؟
نهى الله تعالى عن قتل النفس المحرمة بغير حق، وتوعد على قتلها بالعذاب الشديد، فإن الله عز وجل يقول: { وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ } ( )، ويقول: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا } ( )، ويقول: { وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا } ( )، كل ذلك يدل على أن قتل النفس المحرمة بغير حق أمر فيه خطورة كبرى، وهذا الطفل ما هي جنايته حتى يقتل؟ وما هو سبب العدوان عليه في حياته؟ إن كان أصيب بهذا المرض؛ فإن إصابته لا تسوغ بحال من الأحوال أن يعتدى عليه، إذ ذاك ابتلاء من الله تعالى، والابتلاء لا يخول أحدًا من الناس أن يجرؤ على المبتلى فيقتله، والله تعالى أعلم.
ما هي حقوق المصاب بمرض "الإيدز" من حيث العمل والدراسة والتعامل؟ (2/100)
صفحة 520
إن كان ذلك لا يضر بالآخرين، بحيث اشتغاله بأي عمل من الأعمال أو انخراطه في سلك الدراسة أو تعامله مع الجنس البشري لا يسبب نقل العدوى إليهم؛ فحكمه كحكم غيره من هذه الناحية، أما إن كان ذلك يؤدي إلى العدوى؛ فلا ريب أن صاحب العدوى مأمور بأن يجتنب الناس لئلا ينقل إليهم علته ووباءه، كما يؤمر بعزل المجاذيم ونحوهم من المصابين بالأمراض المعدية، والله تعالى أعلم.
ما هو دور الإسلام في الوقاية من مرض "الإيدز"؟ (2/101)
صفحة 521
الإسلام يحض على التوقي من كل هذه الأمراض الفتاكة، وله علاج لكل مشكلة، وقبل كل شيء هو ينهى عن الفحشاء، ويمنع الإنسان من الاقتراب منها، فالله تعالى يقول: { وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً } ( )، ثم إنه يقطع السبيل على الشيطان، ويسد عليه المنافذ، فهو يحرم النظرة إلى المرأة الأجنبية، ويحرم الاختلاط الذي يؤدي إلى وقوع الفحشاء، ولذلك حرم الخلوة بين الرجل والمرأة الأجنبية، ففي الحديث عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: »ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم منها«( )، وفي الحديث أيضًا: »من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة إلا مع ذي محرم«( )، وفي حديث ثالث: »ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما«( )، وجاء أيضًا في حديث آخر عنه عليه أفضل الصلاة والسلام أنه قال: »إياكم والدخول على النساء«( )، فقال رجل من الأنصار: أرأيت الحمو يا رسول الله؟ فقال-صلى الله عليه وسلم-: »الحمو الموت«..، ومن هذا الباب ما يأمر به الإسلام الحنيف المرأة المسلمة من الحجاب الشرعي والتمسك بآداب بالإسلام والتقيد بقيوده، وعدم تجاوز حدود فضائله، ومن هذا ما جاء في سورة النور من قوله تعالى: { وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلَا (2/102)
صفحة 522
يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } ( )، وكذلك يأمر الإسلام بالزواج لقوله سبحانه: { وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ } ( )، وفي الحديث عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: »يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع؛ فعليه بالصوم، فإنه له وجاء«( ) وفي هذا علاج لهذه المشكلة، ولو أن المسلمين أخذوا بهذه التعاليم الربانية، ووقفوا عند حدود الله سبحانه وتعالى لَمَا وجدت هنالك هذه الأمراض، التي تنشأ عن الانحراف الخلقي والارتماء في أحضان الرذيلة والفحشاء، والله تعالى أعلم.
ما رأيكم في زواج شخص مصاب بمرض نقص المناعة المكتسبة (الإيدز) من فتاة مصابة بنفس المرض، مع العلم أن الطبيب المتابع لحالتها لا مانع لديه، وإذا كان الجواب بنعم، فما رأيكم في مسألة الإنجاب، أي هل يجوز لهم إنجاب الأطفال؟
لا مانع من زواجهما، والأولى لهما أن يتقيا الولادة، لِمَا يُخشى على الأولاد من الإصابة بنفس المرض، والله أعلم.
ما حكم إجراء الفحوصات الطبية على الزوجين قبل الزواج للتأكد من سلامتهما من الأمراض الوراثية؟
لا أجد داعيًا إلى هذا الأمر إن لم تكن هنالك ريبة، وإنما على الإنسان أن يتوكل على ربه سبحانه وتعالى، وما قدره الله تعالى لا بد أن يكون، وإن كانت هنالك ريبة ويخشى أن تترتب عليها مضرة في الزوجة أو النسل؛ فلا حرج في إجراء الفحوص، والله تعالى أعلم.
ما حكم الفحص الطبي الذي يقوم به الزوجان قبل الزواج للتأكد من خلوهما من الأمراض؟
لا داعي إليه؛ فهو مكروه إن لم تدع إليه الضرورة، والله أعلم. (2/103)
صفحة 523
امرأة لا تستطيع الإنجاب نظرًا لوجود مشكلات في الرحم، وكانت الطريقة الوحيدة هو أخذ البيضة من هذه المرأة مع حيوانات منوية من زوجها وتلقيحها به، ثم وضع هذه البيضة الملقحة في رحم امرأة أخرى قادرة على القيام بأعباء الحمل ومتطلبات الجنين، ما رأي الإسلام في هذا العمل، وهل يعتبر هذا من باب الزنا المحرم؟
نعم إنَّ ذلك زنى، وإن لم يترتب عليه الحد الشرعي بسبب الشبهة، و إلا فكيف يسوغ شرعًا نقل حيوان منوي من رجل إلى امرأة هي غير حليلة له، وبأي وجه يستحِلُّ ذلك، وليس ادعاء أن الإسلام يواكب التطور بمجد شيئًا في تحليل ما حرم الله، وإنما هذه مقالة من يسعون إلى حَلِّ عُراه ونقض قواعد بأمثال هذه الدعايات، وإلا فإن الإسلام طيب لا يقبل إلا طيبًا، فلا يقر من التطورات إلا ما وافق طهارته وصفاءه، والله أعلم.
ما قول سماحتكم: امرأة لديها طفل رضيع لم يتجاوز عمره بضعة شهور، وهي الآن حامل في شهرها الثاني، ولكنها تعاني بعد ولادتها الأولى من دوار شديد لا يذهب عنها إلا بعد تناول دواء معين، وقد نصحتها الطبيبة بعدم تناول الدواء أثناء فترة الحمل لخطورته على الجنين، وهي حائرة لا تدري ماذا تفعل؟ هل تستمر بالحمل رغم المتاعب الصحية التي ستلِمُّ بها؟ أم يجوز لها إسقاط ما في بطنها؟
إن كان استمرار الحمل ينذر بالخطر على حياتها؛ فلها التخلص منه؛ لأن المحافظة على الأصل أولى، وإن كان يسبب إرهاقًا وتعبًا لها من غير أن يؤدي ذلك إلى هلاكها؛ فلا يصح لها التخلص منه؛ لأن الحمل له حرماته وحقوقه، إذ هو نسمة خلقها الله، وقد قال عز وجل: { مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا } ( )، فلا يضحي بحياته من أجل راحتها هي، والله أعلم. (2/104)
صفحة 524
ما حكم إنجاب المرأة من زوجها المتوفى عن طريق التلقيح الصناعي من حيواناته المنوية المحفوظة في مراكز المني أو التلقيح الصناعي؟ وما رأي سماحتكم بمطالبة بعض الأطباء العرب بإنشاء مراكز المني والتلقيح الصناعي بالعالم العربي والإسلامي؟
الإنجاب الفطري الذي أباحته شريعة الله تعالى الغراء هو ما يكون بين زوجين مترابطين برباط الزواج المقدس ولم ينحل، ولا ريب أن هذه الرابطة تنحل بينهما بمجرد موت أحدهما أو بما يقتضي حلها بينهما في الحياة من طلاق أو غيره، وعليه فحمل المرأة من زوجها المتوفى بعد وفاته من منيه المحفوظ لدى المصحات المختصة يعد من ضروب الزنا، ولا يكون هذا الحمل شرعيًا؛ فلا يلحق المولود به نسبًا، أما ما ينادي به بعض الأطباء العرب من إنشاء مراكز للمني للتلقيح الصناعي؛ فهو أمرّ يؤدي إلى اختلاط الأنساب، وانحلال نظام الأسرة، وتقطع العلاقات والوشائج بين الناس، وما هو إلا شبيه بالإباحية الجنسية الممقوتة، والله المستعان.
ما حكم تنظيم النسل بواسطة تحديد أيام الدورة الشهرية للمرأة؟
إن كان ذلك بتوقي الوقاع في فترة معينة، وبتوافق الزوجين على ذلك؛ فلا مانع منه، وأما إن كان باستعمال الموانع؛ فإن ذلك لا يصار إليه إلا مع الضرورة القصوى، ومع استشارة الأطباء المهرة الذين يؤتمنون على هذه الصنعة، وبشرط أن يكون ما يتخذ من الوسائل أقل ضررًا من غيره، والله أعلم.
العلاقات الأسرية:
أخوة في بيت واحد، وعندهم زوجات، وكلُّ واحدٍ يأمر زوجة الثاني، وكذلك ذهابهن للمستشفيات وغير ذلك، ما جوابكم في ذلك جزاكم الله خيرًا؟ (2/105)
صفحة 525
إن كانت هذه النساء لا يظهرن لأحمائهن إلا مستترات، ولا يخل بهن أحماؤهن إلا مع زوج أو ذي محرم، ولا يدخلون عليهن إلا بإذن؛ فلا حرج في ذلك، وإن كان الأمر بخلاف ذلك؛ ففيه حرج وأي حرج، ففي الحديث عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: »إياكم والدخول على النساء«، قيل له: أرأيت الحمو يا رسول الله؟ قال: »الحمو الموت«، والله أعلم.
إنني امرأة ملتزمة بالتعاليم الإسلامية، ولِي زوج يرتكب وينتهك حرمات الله سبحانه وتعالى، ويتعاطى المسكرات، ويمارس فاحشة اللواط، وما من شِعْبٍ من شِعَبِ الضلال إلا وهو هائم فيه، وقد طلب مني الوطء في غير الموضع الطبيعي، وقد قاومته، ولكن أبى إلا أن يطاوع شيطانه، فهل يا سماحة الشيخ أكون حرامًا عليه بهذه الفعلة، وبماذا تنصحني؟
بئس الحالة حالة زوجك التي ذكرتها في السؤال، وكان ينبغي أن تختاري الزوج الصالح من أول الأمر، ففي الحديث: »إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه؛ فزوجوه«، وعلى أي حال فإن الخروج عنه خير من البقاء معه إلا إن تاب، وفي حرمتك عليه بإتيانك من غير المأتى الطبيعي خلاف، والصحيح أنك لا تحرمين عليه لكن تجب عليك مقاومته إن أراد ذلك ثانية، والفاحشة التي ذكرتها عنه لا تضيرك شيئًا إن لم تكوني رأيت ذلك بنفسك أو اعترف هو بها عندك بلفظ صريح، واسألي الله له الهداية، ففي ذلك حل لمشكلتك إن شاء الله.
نرى بعض الأخوة يتشددون كثيرًا في مصافحة النساء الأجنبيات، حتى صار يُحكى عن بعضهم أنهم يمتنعون عن مصافحة ذوات المحارم، ويُحكى عن العلماء المتقدمين أمثال الشيخ الرقيشي والشيخ أبي زيد والإمام الخليلي ـ رحمهم الله ـ يحكى عنهم من عاصرهم أنهم ما كانوا يمتنعون عن مصافحة الأجنبيات، ولم يزجروا أحدًا عن ذلك؛ فبين لنا الحكم الشافي في ذلك؟ (2/106)
صفحة 526
أما ذوات المحارم فلا تمنع مصافحتهن، وأما غيرهن؛ فلا تجوز مصافحتهن، لقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: »لأن يطعن أحدكم بمخيط من حديد في رأسه خير له من أن يمس امرأة ليس له عليها سبيل«( )، وقد امتنع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من مصافحة النساء عندما جئن إليه لمبايعته، وقال: »إني لا أصافح النساء«( )، والله تعالى يقول: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا } ( )، وقد أخبرت أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يصافح أجنبية قط، وما ثبت عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قولاً أو فعلاً لا يعارض بقول غيره أو فعله، وفي آثار أصحابناـ رحمهم الله ـ التشديد في مصافحة الأجنبيات، حتى أن صاحب النيل وشارحه رحمهما الله قالا في رضاع الشبهة: »تمتنع المناكحة ولا تباح به المصافحة«، فلا شبهة لمن تمسك بما عسى أن يجده في الأثر من جوازها، والله أعلم.
رجل دخل في الإسلام، وتزوج بامرأة مسلمة، ولكنه تبين أنها تشرب الخمر، ومُصرَّة على ذلك، فهل ترون استبقائها خيرًا له أم تطليقها؟
إن كانت مُصرَّة على شرب الخمر؛ فلا خير في استبقائها، وتطليقها خيرًا له من إمساكها، والله أعلم.
فيمن لعن زوجته، ورَدَّت عليه بالمثل، فهل يؤثر ذلك على علاقتهم الزوجية؟
باء باللعن أحدهم، والبادئ أظلم، ولا يؤثر ذلك على الزوجية شيئًا، والله أعلم.
ما قولكم في امرأة تعاني من سوء عشرة زوجها لها، وقد هجرها أكثر من خمس سنوات، وبقيت في بيت ابنها، فهل يحق لها أن تطلب الطلاق؟ أم تبقى في بيت ابنها مادام الزوج ساكتًا عنها؟
إن طالبت بالطلاق لتقصيره في حقها من العشرة؛ فلها ذلك، وإن بقيت مع ابنها مع سكوت زوجها عنها، وسكتت عن طلب الطلاق؛ فلا حرج عليها، والله أعلم. (2/107)
صفحة 527
ما قولكم فيمن يزوج أبناءه الذكور من ماله؛ فهل يلزم أن يعدل بينهم وبين الإناث؟
اختلف في تزويج الرجل لأبنائه إذا بلغوا، قيل: هو واجب عليه مع القدرة، وقيل: هو إحسان منه، فعلى الأول لا يجب عليه العدل بينهم وبين أخواتهم، وعلى الثاني: يجب عليه، والله أعلم.
ما رأي الإسلام في عمل المرأة، وهل الأفضل لها وللمجتمع الإسلامي أن تعمل خارج المنزل، أم الأجدى والأنفع أن تتفرغ لرعاية بيتها وتربية أولادها؟
لا ريب أن عمل المرأة الطبيعي هو داخل البيت، ولكن بجانب هنالك أعمال لا يمكن أن يقوم بها الرجل مع المحافظة على تعاليم الإسلام كتعليم الفتاة، فإن تعليم الفتيات يجب أن يكون من النساء لا من الرجال حتى لا يكون بينهن وبين الرجال اختلاط، وكذلك معالجة النساء فإن الطب النسائي يجب أن تقوم به النساء لا أن يقوم به الرجال، وكذلك ما يدخل في هذا الإطار كالتضميد والتمريض، فإن ذلك أيضًا مما يجب أن تقوم به النساء لا أن يقوم به الرجال، فهذه الأعمال الضرورية التي لا بد منها يجب أن تقوم بها المرأة في الإطار النسوي، لا أن يقوم بها الرجال، والله تعالى أعلم.
إذا فعلت المرأة قضية وهي في عصمة زوجها؛ فعلى من تقع المسؤولية على الأب أم على الزوج؟
هي مسؤولة عما ارتكبت، وليست المسؤولية على الزوج وعلى الأب إن كانا لم يقصرا في الواجب عليهما من أمرها بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن الله يقول: { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } ( )ويقول: { كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ } ( )، والله أعلم.
فيمن عَلِمَ أن زوجته تخرج بصحبة رجل أجنبي، هل تحرم عليه بذلك؟
لا تحرم الزوجة على زوجها إن عصت ربها بخروجها مع أجنبي، وإنما على الزوج أن يردعها عن ذلك، والله أعلم.
ما رأي سماحتكم في المرأة التي تكتب التمائم (الحروز) لزوجها حتى يحبها، وتعيش معه حياة سعيدة، وهي عبارة عن آيات قرآنية؟ (2/108)
صفحة 528
الأولى والأحوط أن تكتفي بالدعاء، وإذا كان ما تكتبه آيات من القرآن؛ فأرجوا أن لا يضيق ذلك، بشرط أن لا يترتب عليه ضررٌ على الزوج، والله أعلم.
فيمن طلب من والده أن يزوجه، ولكن الأب يعتذر في كل مرة بحجة واهية، والابن يخاف على نفسه مزالق الشيطان، فهل على هذا الابن إثم إن تزوج من غير موافقة أبيه؟
إن كان يخشى على نفسه العنت؛ فليتزوج على -بركة الله- وإن لم يرض بذلك والده؛ لأن الزواج في حقه واجب عليه الإحصان نفسه، وما عليه من عدم موافقة أبيه على ذلك، والله أعلم.
سماحة الشيخ نحن أسرة أصلها من أخوين شقيقين، وعدد أفراد هذه الأسرة حوالي (20) فردًا بين ذكر وأنثى من كبير وصغير، وتزوج من أبناء هذه الأسرة ينفرد في بيت مستقل بنفسه هو وأسرته، وأحيانًا تجتمع كافة الأسرة في بيت واحد لمناسبة ما، على سبيل المثال لوجبة غداء أو وجبة عشاء، أو في مناسبات الأعياد تجمعنا جميعًا أضحية واحدة، الرجال مع الرجال والنساء مع النساء، والصغير مع الكبير، من أجل التفاف الشمل الأسري، كما أن حال حصاد المحاصيل الزراعية من رطب وتمور وغيره من المحاصيل يحصل في اشتراك جميع الأسرة من ذكور وإناث صغيرهم وكبيرهم كما هو معتاد من عهد الآباء والأجداد، بنفوس راضية وبضمير طاهر، وتعاون صادق بالوفاء الإيمان الطاهر الزاكي النابع من صميم القلوب ـ والله علام الغيوب ـ، سماحة الشيخ إنه يوجد فرد من أبناء هذه الأسرة وكأنه متدين مثل الأولاد الجدد المتدينين، ومتشدد في كثير من الأمور مثل: منع مصافحة ذكور الأسرة المذكورة بإناثهم، ومنع أسرته من الاشتراك في جمع وحصاد المحاصيل الزراعية كسائر الأسر، ومنع أسرته من المشاركة في عمل ما مع أفراد الأسرة في مناسبة جامعة لكافة أفراد الأسرة، وإنه يعتقد إن مثل هذا التجمع، والاشتراك في الأسرة عمل غير جائز دينيًا.
سماحة الشيخ بماذا تنصح كافة هذه الأسرة؟ وبماذا تنصح هذا الفرد من هذه الأسرة؟ (2/109)
صفحة 529
ملاحظة: شيخنا الجليل إن في سورة النور آية رقمها (61) قوله تعالى: { لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا } ( )، نرجو توضيح دلالة الآية؟ (2/110)
صفحة 530
يحب أن تخضع عادات الناس لأحكام شرع الله لا العكس، ولا حكم مع الاختلاف إلا القرآن والسنة النبوية الثابتة، فإن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بين لنا أنهما الحصنان الواقيان من الهلكة اللذان تركهما لنا، بل الحق سبحانه وتعالى قال: { فإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } ( )، ولا مجال لاتباع هوى النفس أو الركون إلى العادات والتقاليد مع مخالفتها شرع الله { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا } ( )، وفيما أنزله الله في كتابه، ونطق به رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الواجبات الاجتماعية والآداب الأسرية ما يكفي رادعًا لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وما يكفي لصون الأسرة والمجتمعات من التفكك والتصدع والفساد والانحلال، ناهيكم أن الله سبحانه أمر الجنسين بغض البصر قبل الأمر بحفظ الفروج، وما ذلك إلا لأن غض البصر وسيلة لحفظ الفرج، فمن أطلق لبصره العنان تردَّى ـ والعياذ بالله ـ في الموبقات، ثم أمر المؤمنات بالاحتشام التام في اللباس بحيث لا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ومحارمهن، وكذلك في الحركات والمشي بحيث لا يسمع جرس حليهن، ولا تصدر منهن أية إثارة لهواجس النفوس وخيالاتها؛ لأن حسَّ الرجل مرهف تجاه المرأة وكذا العكس، فبالله عليكم هل تمكن المحافظة على هذه الآداب مع اختلاط الجنسين في الأعمال ومزاولتهما الأشغال المشتركة بينهما؟ هذا وقد في الحديث الصحيح عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ النهي عن الدخول على النساء بمنتهى التحذير، حيث قال: »إياكم والدخول على النساء«، فقال له رجل من الأنصار: أرأيت الحمو يا رسول الله؟ فقال: (2/111)
صفحة 531
»الحمو الموت«( )، وهو كاف في الدلالة على أن هذه الآداب لا يجوز التساهل فيها حتى بين الأسرة الواحدة، وقد شدَّد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مصافحة النساء حتى جعل الطعن بمخيط من حديد في الرأس أهون منه، وامتنع ـ صلى الله عليه وسلم ـ نفسه من مصافحة النساء حتى في المبايعة، وقد جعل الله فيه الأسوة الحسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر، وكم وقع الناس في شر العواقب بسبب تساهلهم في هذه الأوامر والتوجيهات القرآنية والنبوية، ولو أني كنت أسجل القضايا التي مرَّت بي من هذا القبيل لجاوزت ألف قضية، منها أن فتاة حملت من زوج خالتها، وأخرى مارست معه الفحشاء ولم يصل الأمر إلى الحمل، وامرأتين تآمرتا على قتل زوجيهما مع خليليهما في أسبوع واحد من شهر رمضان المبارك، أَوَلاَ يكفي ذلك كله داعيًا إلى التمسك بهذه الأخلاق الشرعية، والتزام هذه القيود الدينية؟ ! فكيف ينعت المتمسك بها بالتشدد؟ !
أما آية النور؛ فهي دليل على جواز الأكل من بيوت أولئك، لا على التساهل في الاختلاط بين الجنسين من غير أن يكونوا محارم، على أن جميع من ذكروا في الآية من ذوي المحارم، والله أعلم.
هل يمكن أن تحدثنا عن الهيكل الداخلي للأسرة؟ (2/112)
صفحة 532
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فإن الله تبارك وتعالى خلق الإنسان خلقًا عجيبًا، وفضله على غيره تفضيلاً، وسخَّر له منافع هذا الوجود، وخلق له الكائنات التي في هذه الأرض، وهذا الإنسان إنما فضل تفضيلاً على غيره، وأُتِيَ ما أُتِيَ من الملكات والطاقات لأجل أنه يضطلع بأعباء ومسؤوليات الخلافة التي شرفه الله تعالى بها، وهذه الخلافة لا يمكن أن تقوم مع تشتت الإنسان في حياته، فحياة الإنسان حياة اجتماعية، لذلك كان لا بد من انتظام أفراد في سلك واحد يجمعهم، ومن أجل هذا شرع في الإسلام ما شرع من الزواج، ومراعاة الحقوق الزوجية بين الزوجين، ومراعاة حقوق الآباء والأمهات على الأبناء والبنات والعكس، ومراعاة حقوق القرابات على اختلافها، فإن الأسرة إنما هي نواة للمجتمع، بل هي المجتمع الأصغر، وبما أن الإنسان كائن اجتماعي؛ فلا بد أن يكون عاملاً في إطار أسرته ومجتمعه وأمته، حتى يكون هنالك التكامل، وتكون الأسرة أسرة واحدة مترابطة يشدُّ بعضها على يد بعض، ويرعى بعضها بعضًا، ويحرص البعض على مصلحة البعض الآخر، وكذلك المجتمع؛ لأن هذا التكامل عندما يكون بين المجتمع يكون المجتمع مجتمعًا راقيًا ناهضًا، وكذلك الأمة، فإن الأمة إنما تتحد وتتكامل إذا اتحدت آلامها وآمالها ومبادؤها وغاياتها، وصارت كما قال الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ: »ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى«( )، فلذلك كان لزامًا أن يصلح شأن الأسرة، والله سبحانه تعالى أوجد ما أوجد من الأحكام التي أقرها على رسله في كتبه، وجاء بيانها فائقًا كل بيان فيما أنزل على قلب نبينا محمد ـ عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام ـ، لأن الفطرة التي فطر عليها العباد إنما هي من عند الله، والدين الذي بعث به رسله إنما هو أيضًا من عند الله، ونحن نرى (2/113)
صفحة 533
كيف جاء الامتنان في كتاب الله سبحانه وتعالى بما هيَّئَه لعباده من المناخ الأسري الذي يجد فيه الإنسان الطمأنينة وقرة العين واستقرار النفس وراحة البال، فالله سبحانه يقول: { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } ( ) وقال عز من قائل { وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ } ( ) فترون أن الله تعالى في آية سورة الروم يمتن على عباده بهذه الآية الكبرى، وهي أنه خلق لهم من أنفسهم أزواجًا من أجل السكون إليها، وترون دقة التعبير في قوله سبحانه وتعالى: { من أنفسكم } ، ذلك لأن المرأة إنما هي من جنس الرجل، فلم يجعل الله سبحانه الرجل جنسًا والمرأة جنسًا آخر، وإنما جعل الاثنين نوعين يرجعان إلى جنس واحد، كل واحد منهما مكمل للآخر، ثم لم يكن مجرد هذا الخلق فحسب، بل أوجد الله سبحانه وتعالى ما أوجد بينهما من أسباب الترابط والتراحم والتعاون على الخير، والتكامل في شؤون الحياة، وذلك أنه جعل في قلبي الاثنين المودة والرحمة، فالرجل يحمل في قلبه مودة ورحمة لامرأته، والمرأة أيضًا في قلبها مودة ورحمة لزوجها، وبدون هذه المودة لا يمكن أن تكون الأسرة أسرة سعيدة، فلذلك كان من الضرورة بمكان أن يكون بين الزوجين التفاهم والتواد، وهذا يعني أن يكون كل واحد منهما متقربًا على الآخر، بحيث يعمل من الأعمال ما يجعل الآخر يحس بأنه ساع إلى اكتساب وده، وراغب في نيل محبته، وأن تكون هذه المعاملة ليست حبًا عاطفيًا فحسب، بل هو حب إيماني، ولذلك تفيض هذه المعاملة بالرحمة التي جعلها الله سبحانه وتعالى فيما بين عباده المؤمنين. (2/114)
صفحة 534
هل يلزم الرجل عدالة إذا تزوج لأحد أولاده، فيعطي الآخرين مثله، وللأنثى نصف ذلك، وإذا كان هذا التزويج قبل حدوث الآخرين هل تلزمه العدالة؟
العدالة بين الأولاد في العطية واجبة بنص الحديث، وتركها ظلم، واختلف فيها، فقيل: هي بحسب الميراث للذكر مثل حظ الأنثيين، وقيل: لا فرق بين ذكر وأنثى؛ لأن هذه عطية وليست ميراثًا، واختلف في تزويج الأولاد الذكور، هل هو حق لمن بلغ منهم على والدهم أو لا؟ وعلى الأول: فإن زوج من بلغ منهم فليس عليه لمن لم يبلغ ولا للإناث في مقابل ذلك شيء؛ لأنه حق لمن بلغ دون من لم يبلغ، وللذكر دون الأنثى، وإنما عليه أن ييسر للإناث تزويجهن بالأكفاء، وأن لا يرزأهن من مهورهن شيئًا، وعلى الثاني: تجب العدالة بينهم وفق ما ذكرناه من قبل، والله أعلم.
الحضانة:
وجدنا في شرح النيل للإمام القطب هذه الأبيات:
وما سقوطها لعذر قد بدا
وهي على المشهور لا تعود إن
... وارتفع العذر تعود أبدًا
كان سقوطها بتزويج قرن
فما مراده من هذين البيتين؟
مراده بذلك أن الحضانة إن سقط حق المرأة فيها لسبب عذر، ثم ارتفع السبب عاد حقها فيها، وإن كان سقوطها من أجل الزواج، ثم طلقت لم يعد، وهو رأي المالكية والعاصمي صاحب النظم مالكي المذهب، وأكثر العلماء على أن حقها يعود إليها بالطلاق أو موت الزوج، ومنشأ الخلاف: هل المراد بقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: »أنت أحق به ما لم تنكحي«( ) التوقيت أو التعليل، والثاني أرجح، والله أعلم.
المرأة المطلقة إن تزوجت، فهل يبقى لها حق حضانة ولدها؟
هي أحق بحضانته ما لم تتزوج، فإن تزوجت سقط حقها من الحضانة، إلا إن كان هنالك ما يدعو إلى بقائه معها، والله أعلم.
ما قولكم في فتاة توفي أبوها، فأصبحت تحت ولاية عمها، فصار هذا العم يعاملها بقسوة، مما جعلها تكره العيش معه، ولا تطيق البقاء عنده، فهل يصح أن تنتقل ولايتها إلى خالها؛ فيقوم بجميع شئونها، وحتى تزويجها؟ (2/115)
صفحة 535
الولاية للعم، وبإمكانها أن تسكن عند خالها، إذ الخال أيضًا له حق الحضانة، ولا بد من مراعاة مصلحتها في أولوية الحضانة، ولا يلزم أن يكون الحاضن وليًا، والله أعلم.
ما هي مدة حضانة الأم لأولادها ذكورًا وإناثًا؟
تراعي في ذلك مصلحة المحضون ذكرًا كان أو أنثى، ومع التشاجر يجب أن يجتهد القاضي في رعاية مصلحة الطفل، والله أعلم.
هل يجوز للرجل أن يتنازل عن حق حضانة ابنته لأمها إن تزوجت بعده مقابل أن تتحمل هي نفقتها؟
لا مانع من تنازله عن حضانة ابنته لأمها المتزوجة، سواء تحملت نفقتها أو لا، والله أعلم.
هل يجوز اشتراط التنازل عن حضانة الأولاد مقابل الفدية؟
إن تراضى الطرفان بذلك؛ فلا حرج في ذلك، فمرد ذلك إليهما، والله أعلم.
رجل طلق زوجته طلاقًا بائنًا، ولديهما طفل صغير، فما مدة الحضانة، وما مقدار النفقة اللازمة على الزوج؟
الأم أحق بحضانة الطفل ما لم تتزوج حتى يجاوز سن الحضانة، وقد اختلف في سن الحضانة، والراجح أن العبرة لا بالسن، ولكن بمصلحة الطفل، فمن كان أحسن تربية له، ورعاية لمصالحه وتوجيهًا له في أمور دينه ودنياه كان أولى بأن يكون تحت كفالته، والنفقة تختلف في المقدار باختلاف البيئة، ومتطلبات الإنفاق فيها، والله أعلم.
إذا تزوجت المرأة بقريب من الطفل كعمه مثلاً، فما هو الراجح في المذهب؟ هل تسقط الحضانة أم لا؟
لم أجد من أصحابنا من فرَّق بين كون زوج الأم نسيبًا للطفل أو غير نسيب في إسقاط حقها من الحضانة بزواجها، وإنما هو رأي لبعض المالكية والحنفية والحنابلة على اختلاف بينهم، هل هو مطلق النسب أو شرط أن يكون ذا رحم أو شرط الولادة؟
ما معنى قول الشيخ السالمي في جوهره:
وقال بعض أمه أولى به
... في كل حال وهو من صوابه (2/116)
صفحة 536
يرى الإمام السالمي ـ رحمه الله ـ أن الأم أحق بحضانة الولد على أي حال ولو تزوجت، وهو قول مروي عن الحسن البصري، وذهب إليه ابن حزم، وهو رواية عن أحمد في الطفلة دون الطفل ـ أي في الأنثى دون الذكر ـ، ولم أجد قول الإمام السالمي لأحد من قبله من علماء المذهب، وإنما كان يذهب مذهبه من شيوخنا العلامة الجليل الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري( ) حسب ما سمعت منه مشافهة، والله أعلم.
جاء في الحديث عن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ: »أنتِ أحق به ما لم تنكحي«، فهل تحد هذه الأحقية بمدة معلومة؟
لم يأت في السنة دليل على أن أحقية الأم بالحضانة موقوتة بزمان من عمر الطفل، وإنما تلك اجتهادات من العلماء، والأخذ بما دلت عليه السنة أولى، إلا إن كانت في ذلك مصلحة متعينة للطفل كالتعليم وحسن التربية، فإن مدار الأحكام الشرعية على مراعاة مصالح البشر.
هل رواية تخيير الطفل بين أبويه صحيحة؟ وهل تحد بزمن؟
رواية تخيير الطفل بين أبويه أكثرها موقوفة على الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ، فقد روى ذلك موقوفًا على أبي بكر وعمر وعلي، ولم أجده مرفوعًا إلا في رواية أبي هريرة، والله أعلم.
إذا كان المولود ذكرًا أو أنثى مقيمًا مع أمه، وهو بالغ، وأبوه يطلبه، وهو يختار البقاء مع أمه، فهل يجبر أن يذهب مع أبيه أو يترك مع أمه على حسب اختياره، ما لم تتزوج الأم أو يصح تقصيرها؟
الأنثى أولى بها أمها حتى تتزوج لحاجتها إلى رعايتها وتعليمها ما يتعذر على الأب أن يعلمها إياه، والذكر إن بلغ؛ فهو حر إن أراد البقاء مع أمه أو الانتقال إلى أبيه أو الاستقلال بنفسه، والله أعلم.
في يتيمة عمرها ثمان سنين تزوجت أمها، وعندها جدة لأم وجد لأب، فمن أحق بحضانتها من هؤلاء الثلاثة؟
ينظر القاضي الشرعي أيهما أرعى لمصلحة الطفلة، فمن كان منهما أرعى لمصلحة الطفلة؛ فهو أحق بها، والله أعلم. (2/117)
صفحة 537
ما تقول في رجل قد توفي وترك أطفالاً، منهم من بلغ سن الرشد، ومنهم من لا يزال صغيرًا، فالأولاد الآن عند أمهم وأخيهم البالغ، وجدُّ الأولاد يرغب أن يكون تحت رعايته، وذلك بعد أن تزوجت أمهم زوجًا آخر، وكذلك أخوهم البالغ يرغب أن يكون تحت رعايته، فمن الأولى برعايتهم؟
الأم أولى بالحضانة ما لم تتزوج، فإن تزوجت أسقطت حضانتها، لحديث: »أنت أحق به ما لم تنكحي«( ) اللهم إلا أن يتفق الجميع على أن يظلوا مع أمهم؛ فلا مانع من ذلك، ولست أدرى ما القصد بالجد في السؤال، هل المراد به أبو الأب أو أبو الأم؟ فإن كان المراد به أبا الأب؛ فهو أولى من الأخ البالغ بالحضانة، وإلا فالأخ أولى في بعض القول، وبالجملة فإن في المسألة خلافًا طويل الذيل لا يطويه إلا حكم القاضي الشرعي، أو اتفاق الجانبين على رأي، والله أعلم.
فيمن طلق زوجته، وله منها ابن بلغ من العمر ثلاث عشرة سنة، أدَّبه أبوه، وعلَّمه مبادئ العلوم، وأخذته أمه إلى أهلها، ولَمَّا طلبه أبوه أصرَّ أن يبقى مع أمه، فبقي معها، وأضاع علمه الذي تعلمه، وتخلق بأخلاق سيئة، فهل يجبره الشرع الشريف أن يكون عند أبيه نظرًا لمصلحته؟، وقد زوَّجه أبوه بابنة خاله، ودفع مهرها، فهل يجبر أبوها على تسليمها إلى الولد عند الأب؟ (2/118)
صفحة 538
إذا كان بقاء الولد مع أمه المطلقة تترتب عليه مفاسد خلقية لفساد البيئة، فإن إجباره على السكنى مع أبيه من ضمن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الواجبين على كل من يؤمن بالله واليوم الآخر، وعليه فيجب على من تولى فصل الأحكام الشرعية أن يعين الوالد على إنقاذ فلذة كبده من الهلكة، لدخول هذه الإعانة تحت مدلول قول الله تعالى: { وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى } ( )، وأي بر وأي تقوى أعظم من إنقاذ الإنسان نفسه وولده وأهله من نار الآخرة، والله تعالى يقول: { قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا } ( )، أما إجبار الأب على تسليم ابنته إلى زوجها، وهو في بيت والده، فإن كان التزويج تأسس على ذلك، ولا مضرة دينية أو دنيوية تترتب على ذلك؛ فهو سائغ، و إلا فلا، والله أعلم.
النسب:
ما قولكم في ابنة الزنى، هل يصح أن تنسب إلى من زنى بأمها، خاصة أن بعض المعاملات الرسمية تتطلب إثبات شخصيتها، علمًا أن ذلك يتم بموافقة الرجل نفسه؟
قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: »الولد للفراش وللعاهر الحجر«( )، وهذا يعني أنه لا حق للعاهر ـ أي الزاني ـ في ولد الزنى، ولو تكون من مائه، فلا ينتسب إليه، ولا يرث أحدهما الآخر، ولا ولاية له عليه، سواء كان الولد ذكرًا أم أنثى، وقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: »وللعاهر الحجر«، يعني: أن حظ الزاني الرجم، وقيل: المراد به أنه خائب من كل شيء؛ فلا نصيب له في الولد، وقد أنكر المسلمون على معاوية استلحاقه زياد بن أبيه ونسبته إلى أبي سفيان بسبب الزاني، وعدُّوا ذلك من مخالفاته لأحكام الله، وأحكام رسوله عليه الصلاة والسلام، والله أعلم.
رجل زنى بامرأة، وحملت منه، ثم وضعت حملها، وقد جاء هذا الرجل يطلب الطفلة، علمًا بأن المرأة قد تزوجت برجل أخر، فهل له المطالبة بهذه الطفلة؟ (2/119)
صفحة 539
إن كانت حملت منه سفاحًا؛ فالابنة التي وضعتها ابنة أمها؛ لأن الولد من السفاح لا يلحق المسافح لحديث: »الولد للفراش وللعاهر الحجر«، فإن كانت المسافحة فراشًا لأحد ألحق به ما ولدت من السفاح، و إلا ألحق بها وحدها، وبما أن هذه الأم عندما حملت لم تكن فراشًا لأحد؛ فالابنة ابنتها، وليس للزاني إلاّ الحجر، والله أعلم.
امرأة هربت مع أحد الهنود إلى بلده، وتزوجها هناك، وقد حملت منه، والمرأة قد طلبت الطلاق من هذا الرجل، فلمن ينسب الولد الذي حملت به؟
إن كانت تزوجت بذلك الهندي ـ ولو كان الزواج مشتبهًا فيه ـ فالولد للفراش، أي ينسب إليه، ولا بد من طلاق حتى تنفصل عنه، والله أعلم.
فيمن زنى بامرأة، وولدت منه، فهل يصبح المولود ابنًا شرعيًا له، ويكون بينهما توارث؟ حيث إن الرجل تزوج المرأة بعدما تبين حملها؟
لا يصح الزواج في حالة الحمل، »والولد للفراش وللعاهر الحجر«( ) بنص الحديث، وعليه فلا يكون ذلك المولود ابنًا شرعيًا للزاني، وليس بينهما توارث، والله أعلم.
هل يجوز أن ينسب ابن الزنى إلى الزاني أو أن ينسب إلى زوج أمه الذي تزوجها بعد وقوع الزنى؟
»الولد للفراش وللعاهر الحجر« بنص الحديث، فلا مجال لنسب ابن الزنى إلى الزاني، ولا إلى زوج أمه الذي تزوجها فيما بعد، أما زوجها الذي ولد على فراشه؛ فهو الذي ينسب إليه في الحكم الشرعي، ولو تكون من غير مائه، وإن لم تكن الأم ذات زوج عندما ولدته؛ فهو ابن أمه، والله أعلم.
امرأة طلقها زوجها، ثم تزوجت برجل آخر، وبعد ستة أشهر وضعت مولودًا؛ فلمن يكون هذا الولد، هل للزوج الأول أم للثاني؟ وهل تبقى علاقة بين الزوج الأول وبين هذه المرأة بسبب هذا الولد؟
أما المرأة؛ فلا علاقة لمطلقها بها، فإن كانت ولدت بعد ستة أشهر من زواج الثاني بها؛ فهي زوجته، والولد ولده، وإن ولدته قبل مضي ستة أشهر من زواجه بها؛ فالزواج باطل، والولد ولد الأول، والله أعلم. (2/120)
صفحة 540
رجل سافر عن زوجته ثلاث سنوات، وعند رجوعه وجدها حامل في الشهر السابع، فقاما باجهاضه، ثم قتلاه، وقاما بدفنه، فما يلزمهما، وما حكم العلاقة الزوجية بينهما؟
بئس ما فعلاه، وعليهما التوبة إلى الله مع دفع دية الولد( ) إلى غيرهما من الورثة، وأما المرأة فإن كانت لم تعترف عند الزوج بالزنى؛ فإنها لا تحرم عليه؛ لأن الولد للفراش، والله أعلم.
رجل زنى بامرأة مطلقة؛ فحملت منه، فهل يلحق الولد بالمطلق أم بالزاني؟
جاء في الحديث عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: »الولد للفراش وللعاهر الحجر«، وعليه فإن هذا الولد لا يلحق الزاني، وإنما يلحق بالمطلق إن كانت مدة اللحاق لم تنتهي ـ وهي سنتان ـ وإن انتهت المدة؛ فالولد ولد أمه، ولا علاقة للزاني به شرعًا؛ وإن كان من مائه، والله أعلم.
رجل متزوج منذ ثلاث سنين ولم ينجب، فلما ذهبا للطبيب تبين له أنه مصاب بالعقم، ثم بعد سنة حملت المرأة؛ فشك الزوج، واتهمها بالزنا، وقال لها: اذهبي إلى بيت أهلك، وحاوَلَتْ الزوجة تبرئة نفسها، ولكنه لم يقتنع، والآن قاربت المرأة على وضع حملها، والرجل متحير بين الطلاق والإمساك، فهل إذا طلقها يعتبر الولد ولده، وتلزمه نفقته أم لا، وهل له أن يلاعنها؟
»الولد للفراش وللعاهر الحجر«، هذا هو الحكم الثابت عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وقد أجمعت الأمة عليه؛ فلا مخلص له من الولد سواء طلقها أم لم يطلقها، فهو ولده تلزمه نفقته، ويرث كل منهما الآخر إذا ماتا، ولا يجوز له أن يتخلص من الولد باللعان؛ لأنه لم يشاهدها تزني، وإنما يبني لعانه على قول طبيب لا يؤمن منه الكذب الخطأ والوهم، فليتق الله، وليمسك عليه زوجه، وليحسن إليها وإلى ولده، والله أعلم.
فيمن زنى بامرأة نصرانية، فولدت له ولدًا، ثم توفي بعد مدة، فهل يلحق هذا الطفل بأبيه؟ وهل يدفن في مقابر المسلمين أم في مقابر النصارى؟ (2/121)
صفحة 541
هو ابن أمه؛ لأن الولد لا يلحق إلاّ بنكاح شرعي، أما الزنى فلا يثبت به اللحوق، وهو في الحياة الدنيا تبع لأمه في الأحكام، فإن مات دفن في مقابر أهل ملتها، والله أعلم.
إلى من ينسب ابن الزنى سواءً عُرفت أمه أو لم تُعرف؟
يقال في الحالين هو (فلان بن أبيه)، ولا ينسب إلى أب معين، ولو كان الزاني بأمه معروفًا، للحديث الصحيح: »الولد للفراش وللعاهر الحجر«، فإن كانت أمه معروفة كان بينه وبينها من العلاقة النسبية ما يكون بين سائر الأولاد وأمهاتهم، و إلاّ كان مجهول النسب من الجانبين، والله أعلم.
ما قولكم فيمن طلق زوجته مرة واحدة فراجعها، ثم طلقها طلقة ثانية، فراجعها كذلك، ثم إنه طلقها طلقة ثالثة، فلما رأى أنها خرجت عنه، وأنه لا سبيل له إليها، تحايل في الفتوى حتى أرجعها، فطلبه القاضي هو والمرأة، واعترفا بالمعاشرة بعد وقوع الطلاق الثالث، فقام القاضي بسجنه، غير أن المرأة حملت منه بمعاشرته بعد الطلاق، فلمن يكون هذا الولد؟ هل لأمه أم ينسب للزوج؟
تستمر مدة اللحوق إلى عامين، وعليه فالولد ولده؛ لأن الولد للفراش وللعاهر الحجر، والله أعلم.
رجل عقد الزواج بامرأة في شهر مايو من عام: 1999م، وبنى عليها في شهر سبتمبر من عام: 2000م، أي بعد سنة وشهرين، وبعد مضي 19 يومًا من دخوله عليها وضعت طفلاً ذكرًا في منزل أهلها أثناء غيابه، وعندما علم الزوج بهذا الأمر طلَّقها، وبعد الأخذ والرد تبين أن رجلاً آخر زنا بها، واعترفت المرأة بذلك.
لمن يكون المولود؟ هل للأب الزاني أم الأم أم الرجل الذي طلقها؟ وهل يلزم المطلق أي نفقة؟ (2/122)
صفحة 542
العبرة في الأحكام الشرعية بالشهور القمرية لا بمايو ولا سبتمبر ولا غيرهما، قال تعالى: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ } ( )، وقال: { إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ } ( )، وأي أشهر حرم في سبتمبر أو مايو أو نحوهما، وأما من تزوج فولد له بعد مدة قصيرة، فالنظر أولاً في إمكان لقائه بها بعد العقد، فإن أمكن اللقاء، وولدت بعد ستة أشهر قمرية منذ العقد؛ فالولد ولده؛ لاحتمال أن يكون باشرها بعد العقد عليها، وإن كان متعذرًا لقاؤهما؛ فالعبرة بالدخول، فمن ولدته بعد ستة أشهر منذ الدخول بها؛ فهو ولده، ومن ولدته قبل ستة أشهر في الصورتين؛ فهو ابن أمه، ولا يلحق به ولا بالزاني، فإن اللحوق لا يكون إلا بالزواج دون الزنى، لقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: »الولد للفراش وللعاهر الحجر«، اللهم إلا أن تكون ذات زوج من قبل، ولم تنقضه مدة اللحوق منذ فارقها إلى أن ولدته، فالولد في هذه الحالة ولده حكمًا، والله أعلم.
فيمن تزوج امرأة، وبعد خمسة أشهر من دخوله عليها وضعت ولدًا، فما الحكم في هذه القضية؟
إن وضعت قبل مضي ستة أشهر منذ عقد عليها، وأمكنت خلوته بها، فالولد يتبع الزوج الذي قبله، إن كانت المرأة مطلقة أو مميتة، ولم تنقطع مدة اللحوق، ويتبع أمه إن كان الأمر بخلاف ذلك، ولا خلاف في هذه الحالة أن زواجه بها باطل، لأنه ثبت أنه تزوجها وهي حامل، وإنما الخلاف في جواز تجديد عقده عليها، فقيل: تحرم عليه إلى الأبد، وقيل: يحل له تزوجه من جديد، إن كان كل منهما غير عالم بالحمل، ولم يطأها بعد علمهما به أو علم أحدهما، وكان الحمل يتبع زوجًا سابقًا، وبدون ذلك تحرم عليه إلى الأبد، والله أعلم. (2/123)
صفحة 543
امرأة قذفها زوجها قبل الدخول بها، وقد مضى على العقد سنة ونصف، وهي الآن حامل، وتطالبه بالنفقة والرجل ينكر الدخول، وينفي عنه الولد، فما الحكم؟
إن كان في وضع يمكن معه أن يلتقي بها ويعاشرها؛ فالولد يلحقه بمجرد العقد، ولا مناص له منه إلا إن تخلص منه بلعان، والله أعلم.
رجل زنى بامرأة، ثم تزوجها، وبعد سنة وضعت بولد، فما حكم هذا الزواج؟ ولمن يكون هذا الولد، علمًا أنه تكَوَّن قبل العقد؟
إن كانا معترفين بالزنا؛ فالنكاح باطل، وأما الولد فللفراش ـ ولو كان الأمر كذلك ـ: إن جاءت به بعد ستة أشهر من الزواج، لأجل الشبهة، والله أولى بأمرهما، والله أعلم.
عن رجل تزوج بامرأة، وبعد خمسة أشهر وخمسة عشر يومًا من عقده عليها وضعت بولد، فما قولكم في ذلك؟
الزواج باطل، والولد لأبيه إن كان يلحق زوجًا سابقًا، و إلا فهو ابنة أمه، واختلف في جوازها لمن تزوج بها في الحمل بعقد جديد بعد وضع حملها، فقيل: تحرم عليه حرمة أبدية، وقيل: تجوز له بأربعة شروط، وهي: أن لا يكون عالمًا بالحمل، وألاَّ تكون هي عالمة به، وأن لا يطأها بعد علمهما أو علم أحدهما بالحمل، وأن يكون الحمل تابعًا لزوج سابق، والله أعلم.
رجل تزوج ابنة عمه، فولدت له ولدًا، ثم حملت بآخر والزوج في سفر، ثم أن الزوج رجع من سفره بعدما وضعت زوجته، فقام بتطليقها، ولم يعترف ببنوة الولد، بحجة أنه لم يباشرها قبل سفره، فما الحكم الشرعي في ذلك؟
ما دام ولد على فراش ذلك الرجل الذي تزوج أمه؛ فهو ولده شرعًا، ولا محيص له عنه، والله أعلم.
فيمن ساءت العشرة بينه وبين زوجته، وله منها خمسة أولاد، وقد زعمت بأن اثنين من الأولاد ليسا منه، وإنما هما من الزنى، والآن تطلب منه الطلاق، فهل يصح إمساكها بعد ذلك، وما حكم الولدين اللذين زعمت أنهما من الزنى؟ (2/124)
صفحة 544
قولها ذلك لا ينفي عنه الولدين بل هما ولداه، »فالولد للفراش وللعاهر الحجر«، وإن لم يصدقها في دعواها الزنى؛ فليمسكها، ولا حرج عليه، والله أعلم.
فيمن تزوج امرأة بإذن خالها، ودون وليها، فولدت له، ثم طلقها، فهل ينسب الأولاد إلى هذا الزوج؟
هم أولاده؛ لأن نكاح الشبهة يترتب عليه اللحوق، والله أعلم.
رجل تبنى ابن أخت زوجته الذي ولدته بالزنى من شخص آخر، فهل تبنيه لهذا الطفل يحرم عليه زوجته؟
التبني باطل، والزوجة لا تحرم بذلك، والله أعلم.
ما قولكم في امرأة تزوجت برجل في شهر رمضان، وقد سافر عنها ولم يدخل بها، وبعد انقضاء عشرة أشهر منذ العقد ظهر بها حمل، فقالت: غصبني فلان في شهر الحج، وهذا الحمل منه، وفعلاً حاكمته مع القاضي؛ فحكم بينهما بأن حلف المدعى عليه الغصب ـ بعد عدم البينة ـ يمينًا بالله أنه ما غصبها، فبقي الحمل، هل حكمه لأبيه الشرعي حيث إنها فراش له، وللعاهر الحجر، أو حكمه لأمه حيث إنها اعترفت بعدم الدخول، وادعت الغصب، وأن الحمل من الغاصب، والمرأة بكر، أرأيت لو اتفق الزوج مع المرأة على عدم الدخول والمواقعة، فهل ينتفي الولد عن أبيه في الحكم؟ أم لا ينتفي؟
اختلف العلماء في إلحاق الولد بالفراش، هل يكون بالعقد أو بالدخول؟ والجمهور على القول الأول، وهو الصحيح، غير أنه لا بُدَّ من التقييد بأن يمكن اللقاء بينهما، فمن تزوج امرأة، وكان هو في بلد وهي في بلدة أخرى، ولم يسافر إليها، ولم تسافر إليه؛ لم يلحق به الولد، وفي هذه المسألة ينظر هل بقي بعد عقد الزواج عليها مدة في البلد بحيث يمكنهما اللقاء؟ فإن كان كذلك ألحق به الولد، وإن سافر فور العقد بحيث لم يمض من الزمن مقدار ما يمكنهما فيه اللقاء؛ لم يلحق به، والله أعلم.
مسائل متنوعة في الزواج:
فيمن اندرجت من مذهبنا إلى المذهب الشيعي، فأرادت الزواج برجل من نفس مذهبنا، فلمن ترجع في إتمام الزواج؟ هل لمذهبها السابق أم لمذهبها الذي عليها الآن؟ (2/125)
صفحة 545
أما أمر الولاية إن كان لأوليائها موقف؛ فيرجع إلى القضاء الشرعي، وأما طريقة الزواج؛ فكلٌّ يعمل بمذهبه، والله أعلم.
خرج رجل وزوجته لنذر إلى مسجد أو لعين جهلاً منهما، فهل تحرم عليه زوجته؟
إن سارا معًا معتقدين نفعًا من العين أو قدرة على رفع الضراء؛ فهما معًا مرتدان عن الإسلام، وإن عادا إلى الإسلام، فقيل: يبقيان على زواجهما بالعقد السابق، وقيل: يجددان العقد، وأما إن أسلما أحدهما، وظل الآخر على ردته؛ فتنحل بينهما عقدة النكاح، وكذلك إن كان المسير من أحدهما مع استمساك الآخر بالإسلام، فإن المرتد لا يحل للمسلمة ولا العكس، والله أعلم.
هل يجوز النوم بعد الجماع مباشرة بدون غسل ولا وضوء؟
يكره ذلك، وإنما يأمر بالاستنجاء والوضوء، واستكفى بعضهم بالمضمضة والاستنشاق بعد الاستنجاء، والله أعلم.
هل يجب غسل الذكر والفرج لإعادة الجماع؟
يندب ذلك، وهو أطيب لهما، والله أعلم.
ما حكم الإسلام في زواج الأقارب؟
جاء في بعض الروايات الترغيب في الإبعاد في الزواج لئلا يضعف الولد، ولكن الرواية بذلك ضعيفة عند علماء الحديث، فلذلك لم يأخذ بها الفقهاء، والله أعلم.
فيمن قبل عورة طفلته بلذة فهل تحرم عليه أمها؟
بئس ما صنع هذا الجاهل المغرور، وقد اختلف في حرمة أم البنت بذلك، فقيل: تحرم عليه إلى الأبد، وقيل: لا تحرم حتى يواقع الابنة، إذ ليس المس والنظر كالوقاع، وهو أرجح، ولكن إثم ذلك عظيم إن لم يتب إلى ربه، ويقلع عن غيه إلى رشده، فليتدارك نفسه بالتوبة والخلاص قبل لات حين مناص، والله ولي التوفيق.
فيمن علم أن زوجته تخرج بصحبة رجل أجنبي، هل تحرم عليه بذلك؟
لا تحرم الزوجة على زوجها إن عصت ربها بخروجها مع أجنبي، وإنما على الزوج أن يردعها عن ذلك، والله أعلم.
فيمن طلب من والده أن يزوجه، ولكن الأب يعتذر في كل مرة بحجة واهية، والابن يخاف على نفسه مزالق الشيطان، فهل على هذا الابن إثم إن تزوج من غير موافقة أبيه؟ (2/126)
صفحة 546
إن كان يخشى على نفسه العنت على بركة الله ـ وإن لن يرض بذلك والده ـ، لأن الزوج في حقه واجب عليه لإحصان نفسه، وما عليه من عدم موافقة أبيه على ذلك، والله أعلم.
فيمن تزوج بامرأة، فتبين أنها حامل، وبعد الترافع لدى القاضي، حكم ببطلان العقد، فتزوجها أخوه بعد ذلك، ثم طلقها فهل تصح للزوج الأول إن أرادها؟
اختلف في جواز تزوج الرجل بامرأة تزوجها وهي حامل، فقيل: بأنها تحرم عليه بذلك حرمة أبدية، وقيل: تحل له بعد وضع حملها أن يتزوجها زواجًا جديدًا بأربعة شروط: وهي أن لا تكون هي عالمة بالحمل، وأن لا يكون هو عالمًا به، وأن يكون لم يطأها بعد علمهما أو علم أحدهما بالحمل، وأن يكون ذلك الحمل تابعًا لزوج سابق شرعًا، ومع اختلال أحد هذه الشروط؛ لا يجوز له الزواج بها، والله أعلم.
فيمن جامعها زوجها وهو سكران، فهل يلحقها إثم من ذلك؟
لا إثم عليها، وأما الرجل؛ فلا يأثم بالجماع، وإنما يأثم بالسكر، والله أعلم.
فتاوى الفراق:
الطلاق الرجعي:
زوجي كان يستعد للسفر، فذهب إلى البيت لكي يأخذ بعض الأغراض، وينقلها إلى بيت أهلي، فحدثت مشاجرة بينه وبين أختي فقالت له: ماذا تعمل بأغراض أختي؟ هل يعني هذا أنك طلقتها؟ فسكت عنها، فكررت عليه السؤال، فرد عليها بغضب نعم طلقتها، علمًا أن ذلك تم في غيابي، فهل يثبت هذا الطلاق؟
جاء في الحديث: »ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والعتاق«، ولا يتوقف الطلاق على حضور المطلقة ولا الإشهاد، وعليه فإنك قد طلقت بكلام زوجك هذا طلقة واحدة، فإن لم تكن هذه الطلقة مسبوقة بطلقتين من قبل؛ فلا مانع من أن يراجعه، وطريقة المراجعة أن يشهد شاهدين خلال العدة قبل انتهائها أنه راجعك بصداقك، وعلى ما بقي من طلاقك، ويخبرك الشاهدان بذلك قبل الجماع، والله أعلم.
فيمن ادعت على زوجها أنه طلقها بالثلاث، فأنكر طلاقها البتة، وقال: إن كانت تريد الطلاق، فأنا الآن أطلقها، فهل تطلق بذلك ثلاثًا أم طلقة؟ (2/127)
صفحة 547
طلقت بذلك طلقة واحدة إلا إن كانت صادقة في قولها أنه طلقها ثلاثًا، ففي هذه الحالة تكون طالقة بالثلاث، والله أعلم.
قلت: »زوجتي طالق«، وذلك في غيابها بحضور أشخاص، ولا أنكر ذلك، فهل تطلق بذلك، علمًا أنني لم أطلقها، وهل يصح لي مراجعتها؟
كيف تقول إنك لم تُطَلِّق، وقد قلت لامرأتك: طالق، فما هو الطلاق في نظرك؟ ولا فرق بين أن يكون الطلاق أمام المرأة أو في غيابها، وإن كانت لا تزال في العدة والطلاق رجعي؛ فلك مراجعتها في أثناء العدة بصداقها، وعلى ما بقي من طلاقها، وذلك بإشهاد شاهدين على ذلك، والله أعلم.
في من طلق زوجته طلاقًا واحدًا، وبعد أن مضى شهر من طلاقها أراد مراجعتها، فهل يصح له ذلك؟
إن كانت هذه الطلقة غير مسبوقة بطلقتين من قبل فله أن يراجعها بأن يشهد شاهدين أنه راجعها بصداقها، وعلى ما بقي من طلاقها، ويخبرها الشاهدان بالرجعة قبل أن يجامعها الزوج، ولا بد من أن تكون الرجعة قبل انتهاء عدتها، أما بعد العدة؛ فهو كواحد من الخطاب لا تحل له إلا بعقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية، وهي رضاها، وإذن وليها، وصداق جديد وبينة، وعدة المطلقة الحائض ـ أي التي تحيض عادة ـ ثلاث قروء ـ أي ثلاث حيض ـ وقبل انتهائها تجوز للزوج مراجعتها كما ذكرنا، أما الآيس والصبية؛ فعدتهما ثلاث أشهر، والحامل عدتها وضع حملها، سواء طالت المدة أم قصرت، والله أعلم.
طلقت زوجتي وأنا في حالة غضب شديد، حتى أني لا أدري أطلقتها مرة واحدة أم أكثر فهل لي مراجعتها على هذه الحالة؟ (2/128)
صفحة 548
الأصل في الطلاق أنها طلاق واحد حتى يثبت خلاف ذلك، وعليه فلا مانع من مراجعتك إياها ما دمت لا تعلم أنك طلقتها أكثر من طلقة، ولم تقم عليك الحجة بخلاف ذلك، ولم تكن هذه الطلقة مسبوقة بطلقتين من قبل، وإذا كانت هي لا تزال في عدة الطلاق؛ فلك أن تراجعها بإشهاد شاهدين أنك رددتها إلى عصمة الزوجية بصداقها، وعلى ما بقي من طلاقها، أما إن كانت العدة قد انتهت؛ فلا بد من عقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية، وهي رضاها وإذن وليها وصداق جديد وبينة، والعدة هي ثلاثة قروء، أي ثلاث حيض على الراجح، والله أعلم.
طلقت زوجتي طلقة واحدة، ثم راجعتها بعقد جديد، وبعد مدة حدث سوء تفاهم بيني وبينها، فكتبن إلى أهلها أخوتها بطلاق أختهم، فهل يصح لي بعد ذلك مراجعتها؟
الظاهر أنك طلقتها أولاً طلقة واحدة، ثم طلقتها مرة أخرى طلقة ثانية، وعليه فإن كانت لا تزال في عدتها؛ فلا عليك أن شئت أن تراجعها بإشهاد شاهدين أنك راجعتها بصداقها، وعلى ما بقي من طلاقها، ويخبرها الشاهدان بذلك قبل أن تباشرها، وأما بعد عدتها؛ فلا بد من عقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية، والله أعلم.
فيمن طلق زوجته طلقة واحدة، ثم راجعها، ثم كتب لها رسالة كتب فيها: »تحرمين علي، وتحلين على أي رجل بعدي«، فهل تطلق بذلك مع قصده الطلاق، وهل له مراجعتها؟ (2/129)
صفحة 549
تطلق بهذا طلقة ثانية، وقد افترى على الله مرتين: مرة بتحريمها على نفسه، ومرة بتحليلها لغيره، فإن في كلا الأمرين ردًا لحكم الله الذي جاء بقوله: { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ } ( )، فمن أين صارت حرامًا عليه؟ ومن أين صارت حلالاً لغيره؟ فعليه التوبة إلى الله من كلا الأمرين، وأن يكفِّر كفارتين، ولا مانع من مراجعتها، والله أعلم.
رجل تزوج امرأة، ودخل بها، ثم تبين له أنها ليست بكرًا، وأنها مصابة بالصرع، فطلقها، فهل يحق له المطالبة باسترجاع المهر؟
بما أنه طلقها؛ فقد ملك السهم قصده، ولا دعوى بينهما، وإنما عليه أن يوفيها حقها، والله أعلم.
هل يجوز للرجل تطليق زوجته وهي حامل؟
يجوز تطليقها وهي حامل، فإن أراد ذلك؛ فليطلقها طلقة واحدة بقوله: »أنت طالق«، وذلك بحضرة شاهدين وكفى، والله أعلم.
حلفت على زوجتي يمين الطلاق قائلاً لها: »أنت طالق طالق«، فهل يجوز لي مراجعتها؟
هذا إنشاء الطلاق، وليس يمين الطلاق، وتطلق به المرأة تطليقتين إن قصدت بالتكرار التأسيس، وهو إنشاء طلاق جديد في الثانية؛ لأن الطلاق يتبع الطلاق ما دامت المرأة في العدة، وتطلق به طلقة واحدة إن لم تقصد به التأسيس حملاً على التأكيد، وعلى الأول؛ فتحل لك مراجعتها إن لم تطلقها قط قبل هذه الطلقة، وعلى الأخير تحل لك إن كنت لم تطلقها تطليقتين، والله أعلم.
قلت لزوجتي: »والله إن خرجت من باب البيت اعتبري نفسك طالقة«، وكنت أقصد بذلك تهديدها وتخويفها عن الخروج، فهل يعتبر ذلك طلاقًا؟
الأحوط لك أن تراجع زوجتك رجعة شرعية؛ لأن قولك: »اعتبري نفسك طالقة« يحتمل الإنشاء أي إنشاء طلاق، وفي هذه الحالة تعد هذه طلقة واحدة، والله أعلم. (2/130)
صفحة 550
ما قولكم فيمن طلق زوجته، وبعد خمس سنوات أراد أن يتزوجها من جديد، فهل يصح له ذلك؟
إن كان لم يطلقها ثلاثًا؛ فلا مانع أن يتزوجها بعقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية، وهي رضاها وإذن وليها وصداق جديد وبينة، والله أعلم.
وقع خلاف بيني وبين زوجتي بسبب أحد الأولاد، وكنت أنصحه لأمور دينه والمواظبة على الدراسة، فرد علي بكلام غير لائق، وغضبت عليه فضربته، فتدخلت والدته تدافع عنه، وأنا في حالة غضب شديد قلت لها: »طالق بأربع« علمًا أنني أعاني من مرض الضغط والسكر، وأثناء ذلك أشتد علي المرض، فقلت بذلك اللفظ، وكان قصدي أن أطلقها طلقة واحدة، وهذا لأول مرة يحدث بيننا، علمًا أنني لدي منها عشرة أولاد أرجو الإفادة من سماحتكم، هل يعتبر هذا طلاق؟ وهل لي الرجوع؟
إن كنت قصدت أن تقول لها: »أنت طالق«، فانفلتت منك كلمة لم تقصد النطق بها؛ فإنها تطلق واحدة كما قصدت، ولك أن تراجعها إن كانت هذه الطلقة غير مسبوقة بطلقتين من قبل، وإن قصدت النطق بقولك بأربع، ولو لم تقصد معناه؛ فقد بانت منك بالثلاث، وما زاد فوزرٌ عليك، وفي هذه الحالة لا تملك رجعتها، ولا تحل لك حتى تنكح زوجًا آخر نكاحًا صحيحًا لا تدليس فيه، والله أعلم.
فيمن قال لزوجته: »مطلقة فلانة بنت فلان تحرمي علي، وتحلي على أي زوج تريدينه«، والآن يريد مراجعتها، فهل له ذلك؟ (2/131)
صفحة 551
بئس ما قال جاء أمرًا إدًّا، إذ تجرأ على الله بالكفر مرتين، مرة بقوله: »تحرمين علي«، ومن حرم ما أحل الله فقد كفر، كيف والله يقول: { وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ } ( )، فما باله يزعم تحريمها عليه؟ ! ومرة بقوله: »وتحلين لأي رجل تريدينه«، فمن أين لك ذلك؟ ! والله فرض عليها عدة شرعية لا تحل لرجل آخر إلا بانتهائها، وذلك ما نص عليه قوله تعالى: { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ } ( ) فهل يسقط هو ما فرض الله من عدة؟ قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ } ( )، ألا فليتب هذا الأرعن من هذه الورطة الكبرى، وليشفق على نفسه من عذاب ربه، أو لم يقرع مسامعه قول الله تعالى: { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ } ( ) وأما مراجعته لها؛ فحكمها مبني على قصده من الهراء الذي جاء به، فإن قصد بالتحريم طلاقًا ثانيًا فهي طلقة ثانية، وإن قصد به بينونة كبرى بانت به بالثلاث، ولم تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، وإن قصد به ظهارًا؛ فهو ظهار، وعليه كفارته قبل وطئها ولو راجعها، وإن لم يكن له قصد؛ فحكمه حكم اليمين، وعليه كفارة يمين، وله في هذه الحالة مراجعتها إن لم يكن هذا الطلاق مسبوقًا بطلاقين من قبل، والله أعلم.
رجل كتب لزوجته رسالة جاء فيها: »فلانة مطلقة بتاريخ كذا بلا رجعة«، فهل له مراجعتها؟
إن قصد بذلك أنها طالق بالثلاث فهي ثلاث، ولا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره نكاحًا صحيحًا لا تدليس فيه، وإن كان لم يقصد ذلك؛ فهي طلقة واحدة، وله أن يراجعها إن كانت غير مسبوقة بطلقتين من قبل، والله أعلم.
فيمن طلقها زوجها طلاقًا رجعيًا، ولها أولاد، فهل تبقى في بيت زوجها مع أولادها إن سمح لها بذلك أم ليس لها ذلك؟ (2/132)
صفحة 552
أما في أثناء العدة؛ فتبقى في بيت الزوج، وأما بعد ذلك؛ فلا إلا إن خصص لها ولأولادها مكانًا خاصًا بحيث لا يختلط بها، فلا مانع من أن تقيم حينئذ مع أولادها لأجل الحفاظ على مصلحتهم، والله أعلم.
تزوجت امرأة على حسب رغبة الأهل مع عدم اقتناعي بهذه الزوجة، وبعد مرور الأيام ظهرت المشكلات التي كانت متوقعة، وفي لحظة غضب رفعت سماعة الهاتف، وأضمرت في نفسي أن أقوم بتطليقها، ولا أدري هل تلفظت بذلك أم لا، ثم تراجعت، ولم أخبرها بما وقع، فهل يقع بذلك الطلاق؟
إن كنت بما يدل على تطليق امرأتك بصريح العبارة؛ فهي منك طالق، وذلك إن كانت تفوهت الطلاق بلسانك، ولو لم تكن هي حاضرة، ولم يكن أحد سواك حاضرًا، فإن نطقك بالطلاق حلٌّ للعقيدة التي تربط بينكما، وإن أردت في هذه الحالة إعادتها إلى عصمة الزواج؛ فلا بد من أن تراجعها بإشهاد شاهدين على الرجعة، ويخبرها بذلك الشاهدان، ويكون ذلك في خلال عدتها، وإن كنت لم تنطق بالطلاق؛ فلا يقع الطلاق، ولو أضمرته في نفسك، والله أعلم.
طلاق الثلاث:
ما قولكم في رجل طلق زوجته، وحرَّمها وحلَّلها، وكان في حالة سكر، ولديه بعض الإحساس يعرف الشرق من الغرب حسب كلامه، وتلفظ بطلاق الثلاث، والمرأة في حال الحيض؟ (2/133)
صفحة 553
ما أضل هذا الرجل وأغواه وأحيره وأعماه، فقد شرب الحرام، وافترى على الله الكذب، إذ ادعى تحريم ما يشاء على نفسه، وتحليل ما يشاء لغيره، كأنما هو الخالق العظيم والشارع العليم، فإن التحليل والتحريم أمرهما إلى الله لا إلى الخلق: { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ } ( )، هذا مع وقوعه في بدعتين محرمتين، وهما طلاق الثلاث والطلاق أثناء الحيض، كل ذلك ناتج عن اتباعه هوى نفسه، وعدم تقواه لربه، وقد بانت امرأته بالثلاث، فلا سبيل له عليها حتى تنكح زوجًا غيره نكاحًا صحيحًا لا تدليس فيه، وعليه أن يتوب إلى ربه من خطاياه قبل لات حين مناص، والله أعلم.
ما الفرق بين طلاق الثلاث بلفظ واحد وبين التكرار، وما هي الأدلة على ثبوت طلاق الثلاث بلفظ واحد، ومن حلف بالطلاق، فهل يقع طلاقه؟
الطلاق الذي يحق للزوج الرجعة بعده هو الأول والثاني، فإن طلقها الثالثة؛ فلا سبيل له إليها حتى تنكح زوجًا غيره نكاحًا صحيحًا لا تدليس فيه، ثم تخرج عنه بوجه من وجوه الفراق، وبعد عدتها منه تحل للأول بعقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية، والثلاث دفعة كالثلاث المتفرقات على الراجح وعليه العمل؛ لأن »من ألزم نفسه شيئًا ألزمناه إياه«، وللروايات الكثيرة الدالة عليه، والحلف إن كان بصيغة التعليق؛ فبوقوع المعلق يقع المعلق عليه، وإن كان بصيغة القسم ففيه خلاف، والأصح أنه يترتب عليه الإثم دون الطلاق، والله أعلم.
ما قولكم فيمن قال لزوجته: »طالق طالق طالق بالثلاث«؟ (2/134)
صفحة 554
إن كان صرح بكلمة »ثلاثًا« فقد بانت منه بالثلاث، فلا يملك رجعتها، ولا تحل له أبدًا حتى تنكح زوجًا غيره نكاحًا صحيحًا لا تدليس فيه، وإن كان لم يصرح بها، وإنما قال لها: »أنت طالق طالق طالق«، فمرجع ذلك إلى نيته في الطلاق، فإن قصد به التأسيس -وهو إنشاء طلاق جديد في كل مرة- بانت منه بالثلاث؛ لأن الطلاق يتبع الطلاق ما دامت المرأة في العدة، وإن لم يقصد به التأسيس حمل على التأكيد، وطلقت واحدة، والله أعلم.
ما قولكم في رجل له زوجتان، فقال لهما: »أنتما مطلقتان«، ثم بعد فترة حضر معه بعض أباليس البشر، فقالوا: لا يكفي ما قلته، فقال لكل زوجة: »أنت فلانة بنت فلان مطلقة بالثلاث«، والآن هو يسأل إن كان له مراجعتها أم لا؟
بئس ما قالوا له، وبئس ما عمل، فهُمْ من أباليس البشر وهو من أتباعهم، وشياطين الإنس والجن لا يدعون إلا إلى ما فيه الندم والحسرة، وقد بانت كل واحدة من الزوجتين بالثلاث؛ فلا سبيل له إليهما، ولا تحلان له حتى تنكحا زوجًا غيره، نكاحًا صحيحًا لا تدليس فيه، والله أعلم.
قد سألتكم عن طلاق الثلاث دفعة واحدة فأجبتموني على سؤالي بالجواب التالي: -
أطلعت على هذا السؤال، وعلى خلفيات هذه القضية، والذي نعمل به، ونعتمده في الفتوى هو أن طلاق الثلاث دفعة واحدة كالثلاث المتفرقات في كونها تبين بها المرأة، ولا تحل أبدًا حتى تنكح زوجًا آخر نكاحًا صحيحًا لا تدليس فيه، وهو الذي عليه جمهور الأمة، ولكن إن أخذ الزوجان بالرأي المخالف لهذا الرأي؛ فلسنا نعترض عليهما، فإن كان صاحبا العلاقة في هذه القضية استفتيا، فأفتيا بجواز الرجعة، واطمأنا إلى الأخذ بالرأي الآخر الذي أفتيا به؛ فلا نعترض عليهما، والله أعلم. (2/135)
صفحة 555
فأرجو زياد ة التوضيح، هل الرأي المخالف هو القائل بأن طلاق الثلاث دفعة واحدة واقع مرة واحدة؟ وهل هذا جائز شرعًا في الشريعة الإسلامية، وكما فهمت من الرسالة التي استفتيت بها مفتي مصر والسعودية أنها مؤكدة بحديث شريف، وهذا الرأي يأخذ به مئات الملايين من المسلمين، وإنكم لم تعترضوا على الأخذ بهذا الرأي، فلو تزوجنا على هذا الأساس، هل تعتبر زوجتي على سنة الله ورسوله؟
ذهب جمهور الأمة إلى أن طلاق الثلاث دفعة له حكم الثلاث المتفرقات في حرمة مراجعة المطلق للمطلق، وحرمة زواجه بها، حتى تنكح زوجًا غيره نكاحًا صحيحًا لا تدليس فيه، وعلى هذا كان العمل في عهد الصحابة والتابعين، وممن صرح بذلك ابن العربي المالكي حيث قال: »مضى العصران الكريمان ولم يكن مخالف لهذا القول«، وقد أطبق المسلمون على القول بذلك قرنًا بعد قرن، إلى أن جاء ابن تيمية وتلميذه ابن القيم فقالا برد الثلاث إلى واحدة، فالذين يعولون على فتواهما هم الذين ترخصوا، فأباحوا مراجعة المرأة لمن طلقها ثلاثًا دفعة، وأما الذين أخذوا برأي السلف؛ فهم الذين أغلقوا هذا الباب، وبهذا نأخذ، وعليه نعول، والله أعلم.
ما حكم طلاق الثلاث دفعة واحدة؟ وهل هناك اختلاف بين المذهب الإباضي وبين المذاهب الأربعة في حكم هذا الطلاق؟
طلاق الثلاث دفعة كطلاق الثلاث متفرقات، تبين بذلك المرأة بينونة كبرى، فلا تحل لمطلقها حتى تنكح زوجًا غيره نكاحًا صحيحًا لا تدليس فيه، ولا فرق في ذلك بين مذهب ومذهب، فأئمتنا وأئمة المذاهب الأربعة متفقون على ذلك، وبه نأخذ، وقد مضى على ذلك عصرا الصحابة والتابعين، والله أعلم.
طلقت زوجتي طلقة واحدة، ثم بعد فترة جاء أبوها، فطلب مني أن أطلقها بالثلاث، وأن أحرمها وأحللها، فأجبته فيما طلب، والآن أرغب في مراجعتها، فهل يجوز لي ذلك؟ (2/136)
صفحة 556
بئس ما فعل الأب، وما فعلته أنت، وقد بانت منك بالثلاث، فلا تحل لك حتى تنكح زوجًا غيرك نكاحًا صحيحًا لا تدليس فيه، وتبوء بإثم تحليل ما حرم الله، فإنها لا تحل لغيرك إلى انتهاء ثلاثة قروء، والله أعلم.
عندي زوجتان، طلقت أحدهما طلاق الثلاث، وحرمتها عليّ، وحللتها لغيري دون أن أنطق باسمها، فهل يلحق هذا الطلاق بزوجتي الثانية؟
بئس ما قلت، وساء ما صنعت، فقد تطاولت على الله بالتحليل والتحريم من تلقاء نفسك، وسوف تبوء بوزر ذلك إن لم تتب إلى ربك، مع ارتكابك مخالفة السنة بتطليقك إياها ثلاثًا، وفي الواحدة كفاية لو كنت تعقل، وقد بانت هذه المرأة المطلقة بالثلاث، ولو لم تذكر اسمها ما دامت هي المقصودة بالطلاق، أما ضرتها فلا يلحقها حكم الطلاق، إذ لم تطلق، ولكني لا أراها تسلم من عجرفتك وجهلك، والله المستعان.
طلقت زوجتي الاثنتين بلفظة: »أنتن طالق بالثلاث«، ولم أحرم ولم أحلل، وكان ذلك دون إرادتي، وإنما كنت في حالة غضب؟
أما التحليل والتحريم؛ فأمرهما إلى الله مالك الملك، لا إليك، { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ } ( )، وأعجب منكم أنكم لا تعرفون الطلاق إلاّ بالتحريم والتحليل، فهل عندكم برهان بهذا؟ ! أم تقولون على الله ما لا تعلمون؟ ! (2/137)
صفحة 557
مع أن تحريم ما أحل الله أو العكس كفر صحيح، وأما طلاق الثلاث دفعة؛ فهو كالثلاث المتفرقات تبين منه الزوجة، فلا تحل لمطلقها إلاّ بعد أن تنكح زوجًا غيره نكاحًا صحيحًا لا تدليس فيه، ثم تخرج عنه بوجه من وجوه الفراق، وبعد عدتها منه تحل للأول بعقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية، وعليه فإنهما بدون زواجهما من غيرك زواجًا صحيحًا لا تدليس فيه لا تحلان لك، وأما قولك بأن ذلك لم يكن بمحض اختيارك، فهل أشهر أحد في وجهك سلاحًا ليرغمك على ما فعلت؟ ! والله أعلم.
فيمن قال لزوجته: »أنت مفارقة بالثلاث«، فهل يجوز له مراجعتها؟
قوله: »مفارقة« بمعنى مطلقة في عرف أهل عمان، بحيث لا يفهم منه عند الإطلاق إلاّ الطلاق، وعليه فإن من قال: »أنت مفارقة بالثلاث« في حكم من قال: »أنت طالق ثلاثًا«، إن قال لزوجته بانت منه بالثلاث، فلا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره نكاحًا صحيحًا لا تدليس فيه، والله أعلم.
فوجئت بزوجتي وهي في حالة عصبية شديدة تطلب مني الطلاق بدون سبب، وقد حاولت تهدئتها ولكن دون فائدة، بل زاد ذلك من عصبيتها، فأغلقت علينا الباب، وقالت: »إذا لم تطلقني فسوف أقتل نفسي وأحملكم المسئولية«، وحفاظًا على حياتها اضطررت أن أطلقها بالثلاث، فقلت لها: »أنت طالق بالثلاث«، ثم أنها ندمت على ما صار منها، وطلبت مني أن أراجعها، وكما علمتم أنني لم أطلقها إلا اضطرارًا، فهل يصح لي مراجعتها على هذه الحالة؟
ليتك طلقتها طلقة واحدة؛ ففيها كفاية، ونحن نعتمد على ما درج عليه السلف من الصحابة والتابعين ـ رضي الله عنهم ـ أن طلاق الثلاث دفعة كالثلاث المتفرقات، ولكن إن وجدت من يجرؤ على الإفتاء بالقول الآخر؛ فلا اعتراض لنا على عملك به، والله يوفقك، والسلام عليك. (2/138)
صفحة 558
في حالة غضب شديد طلقت زوجتي بالثلاث، وأعطيتها ورقة شرعية على ذلك، ثم إني ندمت ندمًا شديدًا، ولمت نفسي على تطليقها، فأصبحت في حيرة من أمري، وأرغب في إرجاع زوجتي، علمًا إن زوجتي لم تسمع لفظ الطلاق مني، فأرجو منكم النصح والإرشاد، وإيجاد مخرج لي من هذه الحيرة؟
ماذا عسى أن أعمل لك وقد أوقعت نفسك في شباك المحنة، وأوردتها المستنقع الكدر، فماذا عسى أن أقول وقد اعترفت بنفسك في المحكمة أنك طلقتها ثلاثًا، ولا أعدل من شهادة الإنسان على نفسه، فاذهب فقد انكفأ الإناء وابتلع ما في جوفه الثرى, ولو أنك اتقيت ربك لجعل الله لك مخرجًا، فإن الله تعالى يقول: { وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا } ( ) ولكنك ركبت الأحموقة، وأسلمت قيادك لهواك، فلا تلم إلا نفسك التي أردتك، والله المستعان.
سبق أن طلقت زوجتي طلقة واحدة منذ سنوات ثم راجعتها، ثم إنه حدث شجار بيني وبينها؛ فلفظت عليها الطلاق ست مرات، وقد حرمتها وحللتها، فهل لي مراجعتها؟
المحلل والمحرم هو الله، وقد تطاولت على الله سبحانه بتحليلك وتحريمك بدون هدى من الله، وقد بانت منك امرأتك بالثلاث، وما زاد فوزرٌ عليك، والله أعلم.
طلقت زوجتي بالثلاث، ثم تبين لي أنها حامل، فهل يقع الطلاق؟ وما مصير الجنين الذي في بطنها؟
نعم يقع عليها الطلاق وإن كانت حاملاً، فالحامل وغيرها في الطلاق سواء، وإلا لما جعل الله عليها عدة، وقد قال الله سبحانه: { وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } ( ) وأما مصير الجنين فبيد الله سبحانه، وليس بيد أحد من عباده، وإنما يلزمك شرعًا أن تنفقها حتى تلد، فإن تكفلت بحضانته وإرضاعه؛ فعليك أن تؤتيها أجرها لقوله تعالى: { وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } ( )، والله أعلم. (2/139)
صفحة 559
فيمن قال لزوجته: »أنت طالق بالثلاث« أو أنه كرر الطلاق ثلاثًا، فهل تطلق بالثلاث أم يلحقها طلاق واحد فقط؟
إن قال لها: »أنت طالق ثلاثًا« بانت منه بالثلاث، ولم تحل له حتى تنكح زوجًا غيره نكاحًا صحيحًا لا تدليس فيه، وإن قال لها: »أنت طالق«، وكررها، فمرد ذلك إلى نيته بالتكرار، فإن قصد به التأسيس ـ وهو إنشاء طلاق جديد في كل مرة ـ لحقها الطلاق بحسب تكراره، فإن كرر ذلك ثلاثًا بانت منه بالثلاث، وإن لم يقصد به التأسيس حمل على التأكيد، وطلقت بذلك مرة واحدة، والله أعلم.
ما قولكم فيمن طلق زوجته ثلاثًا عن طريق الهاتف؟
تطلق منه ثلاثًا، والله أعلم.
ذكر مؤلف كتاب "الفقه على المذاهب الأربعة" عبد الرحمن الجزيري في الجزء 4/303 دار الكتب العلمية في مبحث تعدد الطلاق ما يلي: - (2/140)
صفحة 560
»يملك الرجل الحر ثلاث طلقات، ولو كان زوجًا لأمة، ويملك العبد طلقتين، ولو كان زوجًا لحره، فإذا طلق الرجل زوجته ثلاثًا دفعة واحدة بأن قال لها: أنت طالق ثلاثًا؛ لزمه ما نطق به من العدد في المذاهب الأربعة وهو رأي الجمهور، وخالفهم في ذلك بعض المجتهدين كطاوس وعكرمة وابن إسحاق، وعلى رأسهم ابن عباس، فقالوا: إنه يقع به واحدة لا ثلاث، ودليل ذلك ما رواه مسلم عن ابن عباس قال: »كان الطلاق على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة فقال عمر: الناس قد استعجلوا في أمر كان لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم؛ فأمضاه عليهم«، وهذا الحديث صريح في أن المسألة ليست إجتماعية وهو كذلك، فإنه رأي ابن عباس وطاوس وعكرمة وبعض المجتهدين، ومن القواعد الأصولية المقررة أن تقليد المجتهد ليس واجبًا فلا يجب الأخذ برأي مجتهد بعينه، وحينئذ يجوز تقليد أي مجتهد من مجتهدي الأمة الإسلامية في قول ثبت نسبته إليه، ومتى ثبت أن ابن عباس قال ذلك فإنه يصح تقليده في هذا الرأي كتقليد غيره من الأئمة المجتهدين، على أننا إذا قطعنا النظر عن التقليد، ونظرنا إلى الدليل في ذاته؛ فإننا نجده قويًا؛ لأن الأئمة سلموا جميعًا بأن الحال في عهد النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان كذلك، ولك عن أحد منهم في حديث الإسلام، وكل ما احتجوا به أنَّ عمل عمر وموافقة الأكثرين له مبنيٌّ على ما عملوه من أن الحكم كان مؤقتًا إلى هذا الوقت، فنسخه عمر بحديث لم يذكر لنا، والدليل على ذلك الإجماع لأن إجماع الصحابة يؤمئذ على الرضا بما عليه دليل، على أنه أقنعهم بأن لديه مستندًا، وليس من الضروري أن نعرف سند الإجماع كما هو مقرر في الأول، ولكن الواقع أنه لم يوجد إجماع، فقد خالفهم كثير من المسلمين، ومما لا شك فيه أن ابن عباس من المجتهدين الذين عليهم المعول في الدين، فتقليده جائز كما ذكرنا، و لا يجب تقليد عمر فيما رآه لأنه (2/141)
صفحة 561
مجتهد، وموافقة الأكثرين له لا تحتم تقليده، على أنه يجوز أن يكون قد فعل ذلك لتحذير الناس من إيقاع الطلاق على وجه مغاير للسنة، فإن السنة أن تطلق المرأة في أوقات مختلفة على الوجه الذي تقدم بيانه، فمن تجرأ على تطليقها دفعة واحدة؛ فقد خالف السنة، وجزاء هذا أن يعامل بقوله زجرًا له، وبالجملة فإن الذين قالوا: إن طلاق الثلاث بلفظ واحد يقع به واحدة لا ثلاث لهم وجه سديد، وهو أن ذلك هو الواقع في عهد الرسول وعهد خليفته الأعظم أبي بكر وسنتين من خلافة عمر ـ رضي الله عنه ـ، واجتهاد عمر بعد ذلك خالفه فيه غيره؛ فيصح تقليد المخالف كما يصح تقليد عمر، والله تعالى لم يكلفنا البحث عن اليقين في الأعمال الفرعية؛ لأنه يكاد يكون مستحيلا« انتهى المراد منه.
إذا قال رجل لزوجته طلقتك بالثلاث، وذهبت الزوجة إلى بيت أهلها، وعندما طهرت من الحيضة الثالثة؛ ذهب وعقد عليها بعقد جديد بجميع لوازمه الشرعية، من صداق وولي وبينة، واعتبر طلاقه لها طلقة واحدة، أخذًا بقول ابن عباس وطاوس وعكرمة وابن إسحاق وغيرهم ممن خالف رأي الجمهور، فما حكم فعله؟
رواية ابن عباس التي أخرجها مسلم بلفظ: »كان الطلاق طلاق الثلاث.. « إلخ، ضعفها جماعة من أئمة الحديث كما هو مبسوط في "السيف الحاد" "والربيع بن حبيب مكانته ومسنده" لمحدث العصر العلامة القنوبي حفظه الله، وذكر ذلك أيضًا كل من الحافظ ابن حجر والعلامة ابن العربي والشنقيطي في "أضواء البيان" وغيرهم، وقد أجاب جمهور العلماء على الاستدلال به بأجوبة أخرى كما في "الفتح" "وتفسير القرطبي" "وأضواء البيان" وغيرها، وليس هذا هو المشهور من رأي ابن عباس إذ لم يروه عنه أصحابه إلا طاوس، وسائر أصحابه حكوا عنه ما يتفق مع رأي الجمهور، هذا وأمَّا لو عمل أحد بذلك الرأي المخالف لرأي الجمهور من غير أن يحكم عليه بخلاف قاض شرعي؛ فإنه لا يُفرَّق بينهما، إذ لا حكر في الرأي، والله أعلم. (2/142)
صفحة 562
رجل طلق زوجته منذ خمس سنوات أنسته هذه المدة ألفاظ الطلاق التي لفظها على زوجته بحضور شاهدين عدلين، أحدهما والدها، ويقول بأن اللفظة كانت كالتالي: »فلانة بنت فلان مطلقنش، تحرمي عليّ، وتحلي على لآخر تبغيينه«، وهذا اللفظ أقرب أن يكون هو الذي قاله الزوج، ولكنه غير متأكد منه التأكيد القاطع، في حين يقول الشاهد الآخر إنك قلت: »فلانة بنت فلان مطلقنش بالثلاث تحرمي عليّ، وتحلي لآخر تبغينه«، وهذا اللفظ متيقنة منه الزوجة ـ كما تقول ـ علمًا بأن الأول أكثر ثقة عند الزوج دون الآخر؟
التحريم نفسه هو جرأة على الله قد تصل إلى الكفر الأكبر؛ لأن من حرَّم ما أحل الله فقد خرج من ملة الإسلام ـ إن لم يكن متأولاً ـ، وكذلك من أحل ما حرم الله، وقد جمع هذا الأرعن الأفاك بينهما، فيا ويله من عقاب ربه إن لم يتب، فمن أين له التحريم والله يقول: { وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ } ( ) ومن أين له تحليلها لغيره والله تعالى يقول: { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ } ( ) ألا ما أتعس الجهل وأضل أهله، ألم يسمع بقوله الله تعالى: { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ } ( )، وعلى هذا الرجل بجانب توبته إلى ربه أن يحتاط لنفسه بأن يدع هذه المرأة، والله أعلم. (2/143)
صفحة 563
أنا امرأة تزوجت رجل منذ أكثر من عشرين سنة، وولدت منه ثلاث بنات، وهذا الرجل يشرب الخمر، ويحصل بيني وبينه سوء فهم وشجار، حيث يسبُّني ويضربني دائمًا، ويهددني بالطلاق، وحسب العادة بدأ يتشاجر معي؛ فلفظ الطلاق ثلاث مرات أمام بناتي، وطردنا من المنزل، وفي اليوم الثاني ذهب إلى مكتب قاضي المحكمة الشرعية، وأقرَّ بأنه طلقني، وحصلتُ على صكٍّ صادرٍ من المحكمة الشرعية، ولكن الآن بعد هذه المدة جاء يطلب مني أن أرجع، ويقول: إني لا أزال زوجته، ويدَّعي بأنه كان سكرانًا وبدون وعي، ولم يكن ناويًا الطلاق، ونادمٌ على ما فعله، وإنه سيتوب، ويترك الخمر والمنكرات، أرجو الإفادة؟
لا ريب أن طلاقه ماضٍ؛ لأنه ذهب بنفسه إلى المحكمة، واعترف بالطلاق، ولا يصدق في دعواه عدم الوعي عندما أنشأ الطلاق؛ لأن قرائن الحال تكذِّبُه، ولكن إن كان الطلاق رجعيًا، ولم يكن مسبوقًا بطلاقين من قبل؛ فله الحق في مراجعتك، إن كانت العدة باقية لم تنته، إلا أن الشرع الشريف يفرض عليه إما الإمساك بمعروف أو التسريح بإحسان، فليس له أن يمسك ضرارًا، فقد قال تعالى: { وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لَّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلاَ تَتَّخِذُوَاْ آيَاتِ اللّهِ هُزُوًا } ( )، وإن ثبتت الحجة عندك بأنه يضارك؛ فارفعي أمرك إلى القضاء الشرعي، واطلبي التفريق بينك وبينه، وإن كان زوجك راجعك في أثناء عدتك، وكان الطلاق رجعيًا بحيث لم يطلِّقْكِ تطليقتين قبل هذه المرة، فأنت زوجته، ولا داعي إلى عقد جديد، والله أعلم.
ملَّكتُ على امرأة، ولم أعاشرها، فقلت وأنا مشتعل الأعصاب: »طالق بالثلاث«، والآن لا أريد أن أطلقها، فهل لي مراجعتها؟ (2/144)
صفحة 564
إن كان كلامك متصلاً، وقلت لها: »أنت طالق ثلاثًا أو طلقتك ثلاثًا أو هي طالق ثلاثًا«، ففي هذه الحالات كلها تطلق ثلاثًا، ولا رجعة لك حتى تنكح زوجًا غيرك، ولو كنت لم تدخل بها، أما إن كان غير متصل، وذلك بأن قلت لها: »أنت طالق«، ثم أتبعت قولك: »ثلاثًا« بعد سكتة، وكنت غير داخل بها طلقت واحد، وجاز لك تزوجها بعقد جديد، والله أعلم.
فيمن قال لزوجته: »أنت طالق مائة بالمائة«؟
الظاهر من كلامه أنه أراد أنه طلقها أقصى حدود الطلاق، وعليه فإنه تبين منه بالثلاث، فلا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره نكاحًا صحيحًا لا تدليس فيه، والله أعلم.
عن رجل قال لزوجته: »طالق«، ثم سكت عشر دقائق، فقال: »طالق بالثلاث«، فهل له مراجعتها؟
إن كانت هذه المرأة غير مدخول بها؛ فلا يلحقها إلا الطلاق الأول، وإن كانت مدخولاً بها؛ فتطلق بالثلاث، ولا تحل له أبدًا إلى أن تنكح زوجًا غيره؛ لأن الطلاق يتبع الطلاق ما دامت المرأة في عدتها، والله أعلم.
قلت لزوجتي في حالة غضب: »طالق بالواحدة، بالاثنين، بالثلاث«، فسألت الشيخ محمد بن أحمد الخزرجى في المسألة، فأفتى لي بجواز مراجعتها بسبب عدم ذكر اسم المطلقة، فأرجو من فضيلتكم الجواب الشافي في ذلك؟
من أخذ برأي عالم من علماء المسلمين أفتاه في مسألة بما لا يخالف النص أو الإجماع القطعيين؛ فلا اعتراض عندنا عليه، أما إن سألت عن رأينا فإنا نرى الأخذ بالاحتياط، والاعتماد على الدليل، وبما أن السلف من الصحابة والتابعين كانوا لا يشترطون ذكر اسم المطلقة، فإنا لا نرى اشتراطه، وإن أخذت بما أفتاك به فضيلة الشيخ في اعتراض عليك، والله أعلم، وبه التوفيق. (2/145)
صفحة 565
ما قولكم فيمن طلق زوجته، وقد ظن أن هذا الطلاق الأخير هو ثالث طلاق، غير أن أهل الزوجة يؤكدون أن الطلاق هو الطلاق الثاني فقط، علمًا بأن الزوج كثير النسيان، وقد بقي متحيرًا في ذلك، فهل الأفضل له مراجعتها باعتبار أنه طلقها طلقتين؟ أم الأفضل له الاحتراز في دينه؟
عليه أن يستفتي قلبه في ذلك، فإن كان واثقًا بما قالوه من أن هذه هي الطلقة الثانية؛ فله مراجعتها، لا سيما وأن الأصل عدم ثبوت إلا ما ثبت، وإن كان يجد في نفسه حرجًا؛ فليدع ما يريبه إلى ما لا يريبه، فالبر ما اطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في الصدر، والله أعلم.
ما قولكم فيمن حدث شجار بينه وبين زوجته، فقال لها: »تجهزي لأحملك إلى بيت أهلك، فوقفت أمه أمامه لكي تمنعه، فقال لها: »أوسعي لي الطريق وإلا بالثلاث«، فأخذت زوجته إلى أهلها، فقال لهم: »إن ابنتكم مطلقة«، ظنًا منه أنه قد وقع منه الطلاق في المرة الأولى، فما حكم الطلاق في كل مرة؟
بئس ما فعله هذا الأرعن السفيه الذي لم يرع حق أمٍّ ولا زوجةٍ، هذا وأما قوله بالثلاث من غير ذكر للطلاق؛ فلا يقع به الطلاق، فإن قصد بقوله: »ابنتكم مطلقة« هذا الذي قاله أي قصد حكاية ما جرى؛ فليس بذلك بطلاق، وإن لم يقصد الحكاية طلقت بقوله مطلقة، ولو لم يقصد به إنشاء طلاق، والله أعلم.
فيمن طلق زوجته طلاق الثلاث، ثم تزوجها آخر، فمكثت عنده ما شاء الله، فطلقها، فهل تحل للأول بعد أن تنقضي عدتها من زوجها الأخير؟
إن كان زواج الثاني بها زواجًا شرعيًا لا تدليس فيه، وذاق منها ما ذاق منها الأول، ثم افترقا، وانسلخت عدتها الشرعية، فإنها تحل للأول بعقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية، والله أعلم.
تكرار لفظ الطلاق:
إنني رجل أعاني من مرض نفسي، وقد سبق أن طلقت زوجتي ثلاث تطليقات متتابعات منذ ستة أشهر، وقد كانت المرأة حاملاً، ووضعت حملها، فهل لي مراجعتها؟ (2/146)
صفحة 566
إن كنت كررت لفظة الطلاق، ولم ترد به إنشاء طلاق جديد في كل مرة؛ فهو محمول على التأكيد، وتطلق المرأة به طلقة واحدة، وعليه فلك أن تتزوجها بعقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية؛ لأن العدة انتهت، والله أعلم.
فيمن قال لزوجته: »مفارقة مفارقة مفارقة، حرَّمْتُك، حرَّمْتُك«، ثم أردف قائلاً: »مفارقة، مفارقة، مفارقة«؟
تكرار الطلاق يعود إلى نية المطلق، فإن قصد به التأسيس ـ وهو إنشاء طلاق جديد في كل مرة ـ بانت منه بالثلاث إن كرر ذلك مرات؛ لأن الطلاق يتبع الطلاق ما دامت المرأة في العدة، وإن لم يقصد به التأسيس حُمِل على التأكيد، وخرجت عنه بطلقة واحدة، وكذلك التحريم إن نوى به طلاقًا؛ فهو طلاق جديد، وإن لم ينوِ به شيئًا كان يمينًا، ولزمت به كفارة يمين، وهو في حقيقته افتراء كذب على الله، فإن التحريم ليس من وظيفة البشر، وإنما هو من اختصاص الله سبحانه، { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ } ( )، والله أعلم.
فيمن قال لزوجته: »مفارقة مفارقة مفارقة، تحرمي علي، وتحلي لكل زوج تريديه«، ثم ذهب إلى منزل والدها، وقال له: »تعال وخذ ابنتك«، وطلَّقَها بلفظ المرة الأولى، فما الحكم في ذلك؟
إن أراد بالتكرار التأسيس، وهو إنشاء طلاق جديد في كل مرة؛ طلقت ثلاثًا حسب تكراره؛ لأن الطلاق يتبع الطلاق ما دامت المرأة في العدة، وإن قصد به التأكيد طلقت واحدة، ولكن قوله: »حرمت عليّ دليل على قصده التأسيس؛ فلا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره نكاحًا صحيحًا لا تدليس فيه، والله أعلم.
كررت على زوجتي الطلاق ثلاث مرات، وقد خرجت من عدتها، فهل يصح لي مراجعتها بدون محلل؟ (2/147)
صفحة 567
إن كنت قصدت بقولك هذا التأسيس بتكراره، وهو إنشاء طلاق جديد في كل مرة؛ بانت منك بالثلاث، ولا تحل لك حتى تنكح زوجًا غيرك نكاحًا صحيحًا لا تدليس فيه، ثم تخرج عنه بوجه من وجوه الفراق، وبعد عدتها منه تحل لك بعقد جديد مع لوازمه الشرعية، أما الذي تسمونه المحلل؛ فهو لا يحللها، وإنما يحرمها إلى الأبد؛ لأن صنيعه هو عين الزنى، وقد ناط الله حلها بنكاح زوج، لا بوطء زان، وذلك بأن يتزوجها بقصد العشرة الزوجية، لا لتحليلها لمن حرمت عليه، وأن تتزوجه هي لأجل العشرة الزوجية، وهذا كله لأن الطلاق يتبع الطلاق ما دامت المرأة في العدة، وإن لم تقصد به التأسيس حمل التكرار على التأكيد، ولا مانع من مراجعتها في هذه الحالة؛ لأن قصدك بالثاني والثالث عين الأول، والله أعلم.
قلت لزوجتي: »طالق طالق طالق، حرام عليّ، وحلال على غيري«؟ (2/148)
صفحة 568
بئس ما فعلت، وساء ما فعلت، فمن أين لك أن تحلّ شيئًا أو تحرمه من تلقاء نفسك؟ أظننت نفسك إله السموات والأرض حتى تفعل ذلك؟ أو أنك أردت تنازع الله في سلطانه؛ فادعيت ما لا يملكه غيره؟ يا هذا لقد جئت شيئًا إدًّا، تكاد السموات والأرض يتفطرن منه، وتنشق الأرض وتخر الجبال هدًّا، أَمَا رحمت نفسك، وأشفقت على ضعفك من عقاب الله؟ ولو دريت عظم ما ارتكبته لسفحت الدموع دما، وتمنيت أنك لم تلدك أمك، فتدارك نفسك بالتوبة النصوح، والرجوع إلى عقيدة الإسلام التي هدمتها بتحليلك ما حرم الله، فمن أين تحل لغيرك مع ما فرض الله عليها من العدة الشرعية؟ ومن أين حرمتها مع أنك كنت أملك برجعتها لولا هذه العجرفة التي ارتكبتها، والحماقة التي تلبست بها، إلى متى يقودكم الشيطان؛ فتنقادون ويدفعكم إلى المهالك؛ فتندمون؟ أمّا تكرارك الطلاق؛ فأمره راجع إلى نيتك، فإن أردت به التأسيس ـ وهو إنشاء طلاق جديد في كل مرة ـ فقد بانت منك بالثلاث؛ لأن الطلاق يتبع الطلاق ما دامت المرأة في العدة، ودعواك التحريم تدل على هذا القصد، و إلاّ فما معناها، أمّا لو قصدت بالتكرار التأكيد لكانت طلقة واحدة، لا تمنع من مراجعتها من بعدها في أثناء العدة، وتزوجها بعقد جديد بعدها، والله أعلم.
فيمن قال لزوجته: »طالق، طالق«، فسكت، ثم قال: »طالق طلاق السنة«؟
إن قصد بالتكرار التأسيس ـ وهو إنشاء طلاق جديد في كل مرة ـ ثم أراد بالمرة الثالثة طلاقًا ثالثًا؛ فهي ثلاث طلقات، ولا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، وإن قصد به التأكيد؛ فهي واحدة، والله أعلم.
طلقت زوجتي طلقة واحدة، ثم راجعتها، ثم بعد فترة طلقتها ثلاث تطليقات متتابعة، فهل يصح لي مراجعتها بعد ذلك؟ (2/149)
صفحة 569
إن كنت قصدت بالتكرار التأسيس ـ وهو إنشاء طلاق جديد في كل مرة ـ بانت منك بثلاث طلقات، وهي الطلقة الأولى واثنتان بعدها، ولم تصادف الثالثة محلاً، ولا تحل لك حتى تنكح زوجا غيرك، وإن كنت لم تقصد التأسيس؛ حُمِل على التأكيد، وخرجت منك بطلقة مضافة إلى الطلقة السابقة، وتجوز لك مراجعتها بما بقي من طلاقها، وهو طلقة واحدة، والله أعلم.
قلت لزوجتي: »طالق طالق طالق«، وحرمت، وحللت، فما الحكم في ذلك؟
إن كنت قصدت بالتكرار التأسيس، وهو إنشاء طلاق جديد في كل مرة؛ فقد بانت منك بالثلاث، ولا تحل لك حتى تنكح زوجًا غيرك، وأما التحليل والتحريم؛ فهما من شأن الله؛ ولا دخل لك في ذلك، ولكنك متطاول على الله؛ لأنك لا تخشاه ولا تقدره حق قدره، فالله المستعان.
طلقني زوجي ثلاث تطليقات متتالية، وقد اعتبرت طلقة واحدة باعتبار قصده من التكرار، فراجعني، ثم طلقني مرة أخرى بنفس اللفظ السابق، فما حكم رجوعي إليه؟ وهل لي الاختيار في الرجوع؟
إن كان قصد بالتكرار التأسيس ـ وهو إنشاء طلاق جديد في كل مرة ـ فإنك تبينين بذلك منه، ولا تحلين له حتى تنكحي زوجًا غيره نكاحًا صحيحًا لا تدليس فيه، وإن كان قصد به التأكيد؛ فهي طلقة واحدة مضافة إلى الطلقة السابقة، وله أن يراجعك ما دمت في العدة بما بقي من طلاقك وهو طلاق واحد، ولا يتوقف ذلك على رضاك، وبعد العدة يكون كواحد من الخطاب يجوز له أن يتزوجك بعقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية، والله أعلم.
فيمن قال لزوجته: »أنت طالق«، فأثارته الزوجة بكلامها، فقال لها مرة أخرى: »أنت طالق«، فطلب منها أن تخرج من الغرفة، وعند خروجها قال مرة ثالثة: »أنت طالق«، فما حكم تكرار الطلاق في هذه الحالة؟ (2/150)
صفحة 570
إن أراد في كل مرة طلاقًا جديدًا؛ فهي طالق ثلاثًا، لأن الطلاق يتبع الطلاق ما دامت المرأة في عدتها، وإن أراد في المرتين الأخريين تأكيد ما أنشأه من طلاق في المرة الأولى؛ تطلق واحدة، وله أن يراجعها، إن كان هذا الطلاق غير مسبوق بطلقتين من قبل، والله أعلم.
قلت لزوجتي: »يا فلانة بنت فلان أنت طالق.. طالق.. طالق«، ثم بعد مدة تبين أنها حامل، والآن أرغب في مراجعتها، فأرجو أن تبينوا لي الجواب على مذهب الإمام الشافعي؟
لا خلاف في ذلك بين مذهب الإمام الشافعي وغيره من أئمة المسلمين، فالمرجع في ذلك إلى ما قصدت، فإن كنت قصدت بالتكرار التأسيس ـ وهو إنشاء طلاق جديد في كل مرة ـ بانت منك بالثلاث؛ لأن الطلاق يتبع الطلاق ما دامت المرأة في العدة، وإن كنت لم تقصد به التأسيس؛ فهو محمول على التأكيد، وتطلق واحدة، ولك أن تراجعها إن كانت هذه الطلقة غير مسبوقة بطلقتين من قبل، والله أعلم.
فيمن طلق زوجته طلاقًا واحدًا، فراجعها، ثم طلقها ثلاث تطليقات متتاليات، ولكنه كان في حالة سكر، غير أنه لما صحا من سكره اعترف أنه طلقها، فهل له مراجعتها إن أراد ذلك؟
إن كان طلقها ثلاثًا، وقد كان طلقها واحدة من قبل؛ بانت باثنتين بعد الواحدة السابقة، فلا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره نكاحًا صحيحًا لا تدليس فيه، ثم تخرج عنه بوجه من وجوه الفراق، وبعد عدتها منه تحل للأول بعقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية، والله أعلم.
إنني أعاني من نوبات نفسية، وأتناول الحبوب المهدئة؛ لأجل العلاج، غير أني توقفت عن الحبوب بسبب صيام شهر رمضان، مما جعلني أطلق زوجتي طلاق الثلاث وأنا في حالة غير طبيعية، فهل يثبت الطلاق بذلك؟ (2/151)
صفحة 571
طلاق الثلاث دفعة كالثلاث المتفرقات على الراجح، تبين بها المرأة، فلا تحل لمطلقها إلا أن تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه، فإن كنت واعياً عندما طلقتها بالثلاث بانت منك بها، وإن كنت غير واع لأثر نفسي أو نحوه؛ فالطلاق غير واقع، وكذلك إن قصدت طلقة واحدة فزلت لسانك ونطقت بالثلاث عن غير قصد؛ فهي طلقة واحدة، ولا تمنع من مراجعتها إن كانت غير مسبوقة بطلقتين من قبل، والله أعلم.
فيمن قال لزوجته: " إن فعلت كذا، فأنت والله العظيم طالق بالثلاث" وبعد مدة أراد الزوج أن يتراجع ويلغي هذا التعليق، فهل له ذلك، والزوج والزوجة على المذهب الشافعي؟
تعليق الطلاق إنشاء لا يملك أحد الرجوع عنه، كتنجيزه وكسائر الإنشاءات الأخرى، اللهم إلا إذا استثنى المنشئ حال الإنشاء من غير تأخير، وهذا مما أخذ به علماء المذاهب الإسلامية قاطبة، والله أعلم.
رجل طلق زوجته بالثلاث، وكان في حالة غضب شديد، وفقدان الشعور بسبب شدة الغضب، فهل يقع طلاقه أم لا؟
إن كان واعياً لما صدر منه فطلاقه ماض، وتبين منه بالثلاث؛ فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه، وإن كان لم يع قط وإنما علم به من إخبار غيره به؛ فلا يقع طلاقه، والله أعلم.
حدث خلاف بيني وبين زوجتي فقمت بضربها، فتدخل أخوها للصلح بيننا، ونصحني بعدم ضربها، ولكني لم أقبل منه هذه النصيحة، فغضب وقال: سوف آخذ أختي معي، قلت له: "إن أخذتها فهي طالق، طالق، طالق" فقال لي: قل لا إله إلا اللهن فرفضت أن أقول بل قلت له: " أختك طالق، طال، طالق، خذ أختك فأنا طلقتها"، فما حكم مراجعتها بعد هذا؟
بئس ما قلت وساء ما صنعت، وما أنت بأهل لأن تكون زوجاً لمسلمة وأنت ترفض كلمة لا إله إلا الله، فضلاً عن رفضك نصيحة أخيها لك بعدم ضربها، أو تظن أن المرأة طبل تلهو بضربه متى شئت، وما أرى إلا أن تجعل بينك وبينها دأماء البحر، والحمد لله الذي خلصها منك. (2/152)
صفحة 572
إذا قال رجل لزوجته طلقتك بالثلاث، وذهبت الزوجة إلى بيت أهلها، وعندما طهرت من الحيضة الثالثة ذهب وعقد عليها بعقد جديد بجميع لوازمه الشرعية، من صداق، وولي، وبينة، واعتبر الطلاق لها طلقة واحدة، أخذاً بقول ابن عباس، وطاوس، وعكرمة، وابن إسحاق، وغيرهم ممن خالف رأي الجمهور، فما حكم فعله؟
رواية ابن عباس التي أخرجها مسلم بلفظ " كان الطلاق طلاق الثلاث.. إلخ" ضعفها جماعة من أئمة الحديث كما هو مبسوط في "السيف الحاد" و"الربيع بن حبيب مكانته ومسنده" لمحدث العصر العلامة القنوبي؟ حفظه الله، وذكر ذلك أيضاً كل من الحافظ ابن حجر، والعلامة ابن العربي، والشنقيطي في "أضواء البيان" وغيرهم، وقد أجاب جمهور العلماء على الاستدلال به بأجوبة أخرى كما في "الفتح"و"تفسير القرطبي"و"وأضواء البيان" وغيرها، وليس هذا هو المشهور من رأي ابن عباس إذ لم يروه عنه من أصحابه إلا طاوس، وسائر أصحابه حكوا عنه؟ يتفق مع رأي الجمهور، هذا وأما لو عمل أحد بذلك الرأي المخالف لرأي الجمهور من غير أن يحكم عليه بخلاف قاضْ شرعي فإنه لا يفرق بينهما؛ إذ لا حكر في الرأي، والله أعلم.
فيمن كرر لفظ الطلاق ثلاثاً، وادعى أنه أراد بذلك التأكيد ولم يرد التأسيس، فهل يقبل قوله، أم عليه أن يحلف يميناً أنه أراد غير ذلك؟
إن اتهم فعليه أن يحلف يميناً بالله سبحانه أنه ما قصد به إلا التأكيد، والله أعلم.
إنني طلقت زوجتي بقولي لها: (طالق طالق طالق حرُمت عليّ وحللت لأي رجل تبغينه)، حيث كنت في حالة (انهيار نفسي) غضب شديد وبكاء حاد، إثر خلاف كان بيني وبين أهلي حول زوجتي، مما جعل غضبي وحمقي ينصب على زوجتي وطلقتها، ولكنني لم أذكر اسمها أثناء لفظي بالطلاق، ولم أشهد أحداً بأني قد طلقتها. فهل لي رجعة؟ علماً أني كنت جنباً؟ (2/153)
صفحة 573
أما تكرارك الطلاق فحكمه عائد إلى قصدك، فإن قصدت به التأسيس ـ وهو إنشاء طلاق جديد في كل مرة ـ فإنه يقع بعدد ما كررت إلى أقصى الطلاق ـ وهو ثلاث مرات ـ وعليه ففي هذه الحالة تبين منك بالثلاث، فلا تحل لك حتى تنكح زوجاً آخر نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه، وإن لم تقصد به التأسيس كان محمولاً على التأكيد، وخرجت منك بطلقة واحدة، ولا مانع في هذه الحالة من مراجعتها، إن لم يكن هذا الطلاق مسبوقاً بطلاقين من قبل، وأما تحريمك إياها فهو افتراء كذب على الله تعالى، فإن التحليل والتحريم إلى الله ولا دخل للعباد فيهما، قال تعالى: { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ } ( )، وتجب عليك التوبة من ذلك، وأما تأثيره على الزوجة فبحسب نيتك أيضاً، فإن قصدت به الطلاق فهو طلاق، إن قصدت واحدة أو ثلاثاً فثلاث، وإن قصدت به الظهار أو الايلاء فكذلك، وإن لم يكن لك قصد فعليك بجانب التوبة كفارة يمين، والله أعلم.
رجل قال لزوجته( طالق طالق طالق)، وعندما سئل عن قصده قال لا أدري لأنني كنت غضبان، فما قولكم في ذلك؟
يحمل تكراره على التأكيد إلا إذا قصد التأسيس، لأن من شأن المنفعل تكرار الكلام تأكيداً، والله أعلم.
ما قولكم في رجل أمي لا يعلم التأسيس من التوكيد فقال لامرأته: ( طالق طالق طالق)، فهل له مراجعتها؟
إن كان لا يميز التأسيس من التوكيد فتكراره محمول على التوكيد، وتطلق به المرأة طلقة واحدة وله أن يراجعها على سبيل المراجعة الشرعية، إن كان هذا الطلاق غير مسبوق بطلاقين من قبل، والله أعلم.
ما الحكم فيمن قال لزوجته: أنت طالق ومفارقة والعيشة معك حرام؟ (2/154)
صفحة 574
إن قصد بقوله(مفارقة) بعد قوله(طالق) طلاقاً جديداً فهما تطليقتان؛ وإن قصد به تأكيد الأولى فهي طلقة واحدة، وكذلك قوله(حرام) إن قصد به إبانتها فهو كما قال تبين منه بالثلاث، وإلا فهو افتراء كذب على الله وعليه التوبة والكفارة، وسواء قصد بقوله مفارقة طلاقاً جديداً أو لا فلا مانع ـ إن كان لم يقصد بالتحريم إبانتها ـ من مراجعتها، وإنما تبقى عنده على الاحتمال الأول وعلى الاحتمال الثاني بطلقتين، وأما إن قصد بالتحريم إبانتها فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه، والله أعلم.
رجل طلق زوجته مرتين وراجعها في كل مرة؛ ثم بعد ذلك تلفظ بطلاقها من غير أن يسمعه أحد، فما الحكم في هذه المسألة؟
طلقت بمجرد ما تلفظ بطلاقها ولو لم يسمعه أحد، وبما أن هذه هي الطلقة الثالثة فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه، والله أعلم.
ما قولكم فيمن قال لزوجته بعد العقد وقبل الدخول عليها: ( فلانة بنت فلان طالق، فلانة بنت فلان طالق، فلانة بنت فلان طالق)، هل له مراجعتها؟
تطلق طلقة واحدة، والله أعلم.
التهديد بالطلاق:
امرأة يهددها زوجها بالطلاق إن لم تتناول حبوب منع الحمل، فماذا تفعل؟
إنا لله وإنا إليه راجعون، ما اجهل هذا الزوج وأحمقه وأكفره لنعمة ربه، وأما هذه المرأة المسكينة التي طوح بها سوء حظها إلى هذا الزوج العنيد؛ فإن كانت تخشى سوء المغبة بالطلاق فلها استعمال مالا يضر بصحتها من وسائل منع الحمل، والله أعلم.
حدثت مشاجرة بيني وبين زوجتي ما جعلني أقول لها "إذا لم تتأدبي فسوف يكون طلاقك بالثلاث" فما الحكم في ذلك؟
هذه تهديد بالطلاق وليس بطلاق، ولكن إياك والتلاعب بهذه الألفاظ؛ فإن انزلاق اللسان أخطر من انزلاق القدم، ولا ريب أن انزلاق القدم يعقبه السقوط، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، فاحذر مما مغبته الندم، والله أعلم. (2/155)
صفحة 575
فيمن اتصل بزوجته بالهاتف وقال لها: "إن لم تأت الآن فسأرسل ورقة الطلاق في الصباح بالثلاث"، فلم تذهب إليه ولا هو أرسل لها الورقة، فما حكم ذلك؟
إن قال "سأرسل ورقة الطلاق" ولم يقل "إن لم تأت فهي طالق" فهذا وعد بالطلاق؛ فإن أتمه تم وإن لم يتمه لم يتم، والله أعلم.
فيمن قال لزوجته: " والله إن دخل أهلك بيتنا فسوف أطلقك"، فدخل أهلها البيت ولم يطلقها فهل يقع طلاق بذلك؟
إن كان قال لها بهذه الصيغة التي في السؤال فذلك وعد بالطلاق؛ ولا يقع به الطلاق، وإنما عليه أن يكفر يمينه( ) ويتوب إلى ربه لأن في كلامه داعية القطيعة، وهو دليل أنه لا يخاف الله، فبئس الزوج هو وبئس ما يقوله، والله المستعان.
قال لي زوجي: "إذهبي إلى بيت أبيك تراني بطلقش، وأرسلي أحداً يأخذ ملابسك". فذهبت إلى بيت أهلي وقد مضى على ذلك مدة، ولم يأت إلى بيت أهلي ليردني إليه، فهل يعد ذلك طلاقاً منه؟
ما قاله إنما هو وعد بالطلاق وليس هو طلاقاً، فلا تطلقين به حتى يطلقك، وإنما لك الحق في مطالبته، إما بأن يؤدي حقوقك كلها وإما بأن يطلقك، والله أعلم.
فيمن يكرر على زوجته لفظ "أطلقش أطلقش"؛ يكرر ذلك عليها بسبب وبدون سبب، فهل تطلق منه بذلك؟
هذا وعد بالطلاق، فإن طلقها طلقت وإلا فلا، ولا ريب أن ذلك مناف للأخلاق التي يجب على الزوج أن يعامل بها زوجته، فهو آثم لعدم حسن عشرتها، والله أعلم.
فيمن حدث شجار بينه وبين زوجته فقال لها: "ليس لك دواء إلا الطلاق؛ ولكنه لن يحصل". فهل تطلق بذلك؟
ليس قوله: "ليس لك دواء إلا الطلاق" طلاقاً، بل تبقى زوجته ما لم يطلقها، وعليها طاعته والقيام بكل ما له من الحقوق الزوجية، وعليه لها أيضاً كل ما للمرأة على زوجها من الحقوق، والله أعلم.
فيمن قال لوالد زوجته: "إذا لم تمش ابنتك على الطريق القويم والله لأطلقها طلاق الثلاث"، فما قولكم في ذلك؟ (2/156)
صفحة 576
إن كان سؤالك عن قوله: "والله لأطلقنها طلاق الثلاث" هل يقع به الطلاق؟ فالجواب: أن الطلاق بذلك لا يقع حتى يوقعه؛ لأنه مجرد وعد مؤكد بالقسم؛ فإن قصد عدم تطليقها فليكفر يمينه، ولعمر الحق إن هذا الرجل من الهوس والحماقة بمكان، والله أعلم.
ما قولكم فيمن قال لزوجته: "لازم أطلقك.. لازم أطلقك"، فهل يقع بذلك الطلاق؟
هذا توعد منه لها بالطلاق، ولا يقع به الطلاق حتى يطلقها، والله أعلم.
لقد صارت خلافات بيني وبين زوجتي، قلت لها: "إذا ذهبت الوادي تراني أطلقك" فذهبت ولكن لم أطلقها، فقيل لي: إن الطلاق بذلك واقع، فرجعتها بلا شهود، والطلاق الثاني لفظت عليها "طالقة"، وأما الثالثة كنت في حالة نفسية وأتعالج في المستشفى ولفظت عليها "طالق"، فهل خرجت من عصمتي؟
أما قولك في المرة الأولى: "تراني أطلقك" فليس بطلاق منجز، وإنما هو توعد بالطلاق فلا يعتد بها، وإنما العبرة بما كان منك في المرتين الأخريين، فيقع كلا الطلاقين؛ إلا إن كانت الحالة النفسية التي ذكرتها في المرة الأخيرة أدت بك إلى فقدان وعيك، إذ لا اعتداد بتصرفات فاقد الوعي، هذا واعلم أن مراجعة الزوجة بعد الطلاق الأول أو الثاني تتوقف على إشهاد شاهدين، لقوله تعالى: { وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ } ( ) ولا يعتد بما يكون من المراجعة بين الرجل وامرأته من غير إشهاد، وعلى الشاهدين أن يبلغا المرأة قبل أن يعاشرها الزوج عشرة الأزواج وقبل انتهاء عدتها، ولئن خرجت من عدتها قبل ذلك فهي أملك بنفسها، فإن أرادها الزوج فبعقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية، والله أعلم.
الحلف بالطلاق:
رجل حلف إن دخلت أخته بيت فلان أو فعلت الشيء الفلاني بطلاق الثلاث، فدخلت المذكورة وفعلت المحلوف عليه، ماذا ترون في زوجته؟ هو الآن معنا؟ (2/157)
صفحة 577
في الحلف بالطلاق خلاف بين العلماء، فذهب المتقدمون إلى وقوع الطلاق بحنث الحالف بالطلاق، وهذا هو المعول عليه عند أصحابنا من أهل المغرب ـ رحمهم الله ـ، وعليه تفرعت أقوالهم في كثير من المسائل التي لها صلة بهذه المسألة، وذهب بعض المتأخرين من أشياخنا العمانيين إلى عدم وقوع الطلاق بذلك، لأن غاية ما فيه أنه حلف بغير الله تعالى، يأثم صاحبه ولا تنعقد به اليمين ـ على الصحيح ـ فلا كفارة عليه مع الحلف، وقالوا إن ذلك لا يعدو الحلف بالمصحف والكعبة والأرض والسماء، أو الحلف في العبادات كالصلاة والزكاة والصيام والحج، وكم أن الحلف بهذه الأشياء لا يترتب عليه حكم غير الإثم لتعظيم غير الله بالقسم، فكذلك الحلف بالطلاق، وهذا هو رأي العلامة الصبحي والمحقق الخليلي ونور الدين السالمي ـ رضي الله عنهم ـ، وقد خالفهم في ذلك الإمام العادل العلامة محمد بن عبدالله الخليلي ـ رضوان الله تعالى عليه ـ محتجاً عليهم بأن الحالف لم يقصد إلا إيقاع طلاق زوجته بحنثه، ولا يدور ببال أحد أنه قصد مجرد تعظيم الطلاق بالقسم، قال: ومن الدليل على ذلك أن من صدر منه هذا الحلف سرعان ما يتجنب زوجته إذا حنث، ولا يرى إلا أن الطلاق واقع عليها، وقال إنه ليس بأقل من كنايات الطلاق، وقد كنت أميل إلى تأييد رأي الأمام ـ رحمه الله ـ في رد حكم هذه المسألة إلى نية الحالف مع يمينه إذا اتهم، وذلك لما دل عليه حديث ركانة عندما طلق زوجته البتة، فإن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حلفه أنه ما أراد إلا واحدة، أخرج ذلك أبو داود والحاكم وآخرون، ولكنني اطلعت بعد ذلك على بحث نفيس لإمامنا نور الدين السالمي ـ رضوان الله عليه ـ في أجوبته، لم أتمالك مع تحقيقه البالغ إلا أن أتراجع عما كنت أميل إليه، ومما قاله فيه ـ رحمه الله ـ إن كنايات الطلاق لها ألفاظ تدل عليه من بعيد، وجعل الحلف بالطلاق منها تحميل للكلام ما لا يتحمله، فإنه لا يفهم لا من قريب ولا من بعيد (2/158)
صفحة 578
أن الحلف بالطلاق، يعني به الطلاق، اللهم إلا من مقاصد الناس، والمقاصد وحدها لا تكفي في هذا الباب، فإن اعتبارها وحدها يشبه اعتبار وقوع الطلاق بنحو قول: سبحان الله مع قصده، هذا معنى كلامه، وهو في منتهى النفاسة، والله أعلم.
رجل حلف بطلاق زوجته؛ أنه لا يعود امرأة معينة في حالة مرضها، ثم شب حريق في المنزل التي تسكنه تلك المرأة، فذهب الرجل مع من ذهب ودخل المنزل لإخماد الحريق، فلما رجع إلى منزله خرجت زوجته مغاضبة، وتدعي أن علق طلاقها بمجرد دخوله إلى المنزل، والزوج ينكر ذلك، فما قولكم؟
ينبغي النظر في هذه المسألة من وجوه، أولها: هل كان الحلف بصيغة التعليق أو بصيغة القسم، فإن كان بصيغة التعليق وذلك بأن يقول: "إن كان فعل كذا فامرأته طالق مثلاً" فإنه إن فعل ما علق عليه وقع الطلاق، وإن كان بصيغة القسم وذلك بأن يقول: "بطلاق زوجته لم يفعل كذا"، ففي ذلك خلاف إن حنث، قيل بعدمه وهو الأصح، لأنه مجرد قسم بغير الله لا يترتب عليه إلا الإثم؛ لحرمة القسم بغيره تعالى، فهو كالقسم بسائر الأعراض أو الأجسام؛ تجب عليه منه التوبة ولا يحنث به ـ أي لا تجب عليه به كفارة ـ، ثانيها: هل حلف بأنه لم يدخل أو لن يدخل، لأن هنالك فارقاً بين الصيغتين يترتب عليه الاختلاف في الأحكام، فقوله: "لم يدخل" في الماضي ولا يضيره الدخول في المستقبل وقوله: "لن يدخل" إنما هو في المستقبل ولا يضيره الدخول في الماضي، ثالثها: إن الدخول لإطفاء الحريق ليس هو دخول عيادة، فلا يحنث به إن أقسم أنه لن يعود صاحبة البيت، والله أعلم.
فيمن حدث بينه وبين أخيه شجار بسبب سيارة، فحلف أحدهما بأن لا يحرك الآخر السيارة من مكانها قائلاً له: "بسبيل وطلاق تحمل السيارة إلى الجراج"، نرجو بيان الحكم الشرعي في هذه المسألة؟ (2/159)
صفحة 579
الحلف بالطلاق إن كان بصيغة التعليق؛ وذلك بأن يقول الحالف مثلاً: "إن فعل كذا فامرأته طالق"، ففي هذه الحالة يقع الطلاق بوقوع المعلق عليه، وإن كان بصيغة القسم؛ وذلك بأن يقول مثلاً: "بالطلاق لا يفعل كذا"، ففي ذلك خلاف؛ والراجح عدم وقوع طلاق بذلك، ومن هذا الباب ما نطق به السائل وهو قوله: بسبيل وطلاق.. إلخ؛ فإن الراجح عدم وقوع الطلاق بوقوع المحلوف عليه، وإنما يأثم الحالف لحلفه بغير الله عز وجل، والله أعلم.
بيني وبين ابن عمي سوء تفاهم مما جعلني أحلف بالطلاق أن لا أدخل منزله، ثم بعد أربع سنوات أخبرت أن أبي قد توفي فخرجت لأشيع جنازته، ووقفت خارج منزل ابن عمي؛ مما جعل والد زوجتي يأمر ابنته كي تبحث عن أحد ليقول: أنه رآني داخل منزل ابن عمي، فما الحكم في ذلك؟
إن كان حلفك بصيغة التعليق وذلك بأن قلت: (إن دخلت فهي طالق)، فتطلق بدخولك الذي علقت عليه الطلاق، وإن كان بصيغة القسم وذلك بأن قلت: ( بالطلاق لا أدخل) فإن الطلاق لا يقع على الراجح، غير أنك تأثم بحلفك بغير الله، فتب إلى الله يتب عليك، والله أعلم.
حلفت على زوجتي بالطلاق إن دخلت منزل فلان، ثم بعد مدة طويلة أردت أن أسمح لها بذلك بسبب ظروف ملحة، فهل يصح ذلك أم لا؟
إن كان حلفك بصيغة التعليق، وذلك بأن تقول: ( إن دخلت بيت فلان فهي طالق) فإنها تطلق بدخولها؛ سواء كان ذلك برضاك أو بدون رضاك؛ لأن الطلاق المعلق يقع بوقوع المعلق عليه، وأنت لم تقيد في تعليقك الطلاق على دخولها ذلك البيت بكونه بغير رضاك، وإن كنت حلفت بصيغة القسم وذلك بأن تكون قلت لها: "بطلاقك لا تدخلين ذلك البيت" أو نحو هذا من القول ففيه خلاف، والراجح عدم وقوع الطلاق بمثله؛ لأنه مجرد قسم بغير الله تأثم به وتلزمك التوبة؛ لحرمة الحلف بغير الله، ولكن لا يقع به طلاق حتى مع الحلف، فأفهم الفرق بين الصيغتين وحكميهما، والله أعلم. (2/160)
صفحة 580
حلفت بطلاق زوجتي أن لا أشرب الخمر، ولكن بعد مدة عدت إلى شربه، فما الحكم في ذلك؟
بئس ما فعلت وساء ما صنعت، فقد حلفت بغير الله، وعصيت ربك بشرب الخمر المحرم، فبؤت بالإثم العظيم والوزر الثقيل إن لم تتب، ما الذي دعاك إلى أن تعرض العلاقة الزوجية بينك وبين زوجتك للصرم( ) من غير سبب يدعوك إلى ذلك، ويحك أما بك بقية من عقل وفضلة من رشد؟ أم أن الخمر لم تبق لعقلك باقية للتفكير؟ هذا وأما حلفك بالطلاق فإن كان بصيغة التعليق؛ وذلك بأن تقول مثلاً: "إن فعلت كذا فزوجتي طالق"، فإنها تطلق بمجرد ارتكاب ذلك، وإن كان بصيغة القسم وذلك بأن تقول مثلاً: "بالطلاق لا أفعل كذا" ففيه خلاف، والذي نأخذ به عدم وقوع الطلاق؛ لأنه مجرد حلف بغير الله، وإنما يأثم الحالف بمجرد حلفه بغير الله للتشديد في ذلك، والله أعلم.
فيمن حلف بالطلاق أنه لا يصالح في أمر ما، ثم أنه اضطر إلى المصالحة فصالح، فهل تطلق زوجته؟
إن كان حلفه بصيغة القسم وذلك بأن يقول مثلاً: "بطلاق زوجته لا يصالح" ثم صالح فإن الطلاق لا يقع على الراجح؛ لأن ذلك مجرد قسم بغير الله يأثم به الحالف ولا تطلق امرأته، وعليه التوبة إلى ربه؛ لأن الحلف بغير الله معصية لله ولرسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وإن كان بصيغة التعليق؛ وذلك بأن يقول مثلاً: "إن صالح فزوجته طالق" ثم صالح؛ فإن الطلاق يقع بذلك، والله أعلم.
ما قولكم في رجل حلف بطلاق زوجته أن لا يزوج أحداً من نفس قبيلته، ثم جاءه خاطب لابنته من نفس القبيلة فرفض الرجل أن يزوجه بها، وكانت البنت موافقة عليه، فلو قالت البنت لابن عمها مر العاقد عن أمري ورضاي، فهل يحصل الطلاق؟ (2/161)
صفحة 581
الحلف بالطلاق فجور وفسوق؛ لثبوت النهي عن الحلف بغير الله تعالى، فعلى من صدر منه التوبة إلى الله عز وجل، ولا يمنع هذا الحلف أن يزوج وليته بمن حلف أن لا يزوجه بها، فإن كان حلفه بصيغة التعليق وذلك بأن يقول: " إن زوجه بها فامرأته طالق" مثلاً وقع الطلاق بحسب ما علق إن زوجه بها، وإن كان بصيغة القسم وذلك بأن يقول مثلاً: "بالطلاق لا أزوجه بها" ففي وقوع الطلاق مع الحنث خلاف، والأصح عدم وقوعه؛ لأنه مجرد قسم بغير الله عز وجل يأثم ولا يقع الطلاق، والله أعلم.
قلت لزوجتي: "بطلاق الثلاث ما تروحي بيت أهلك إلا بعد يومين"، وفعلاً المرأة لم تذهب إلا بعد ذلك فهل، يقع الطلاق بذلك؟
بئس ما قلت، فإنك أقسمت بغير الله تعالى؛ ومن أقسم بغير الله فقد كفر، "يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم"، ما بالك تنسى ربك فتجعل له أنداداً؟ فإن قسم العبد لا يجوز بغير معبوده، فاتق الله وتب إلى ربك عن جعل الشريك والند له، وأمسك عليك زوجك، والله أعلم.
حلف زوجي بالطلاق أنه سوف يقوم بإلغاء تأشيرة زوجة أبيه؛ وهي هندية الجنسية خلال أربعة عشر يوماً، وذلك بسبب المشاكل التي تثيرها؛ والتي خلفت خلافات بيني وبين زوجي، والآن وقد مضى أكثر من أسبوعين ولم يلغ التأشيرة، فما الحكم الشرعي في حلفه؟
لا يخلو إما أن يكون بصيغة التعليق أو بصيغة القسم؛ فإن كان بصيغة التعليق وذلك بأن يقول لك: " إن لم يلغ تأشيرة زوجة أبيه فأنت طالق"، فالطلاق يقع في هذه الحالة بمضي المدة التي حددها لإلغاء التأشيرة، وإن كان بصيغة القسم وذلك بأن يقول: "بالطلاق لألغين تأشيرتها"، فإنه يأثم في هذه الحالة بقسمه بغير الله، ولكن لا يقع بذلك طلاق ولو لم يلغ التأشيرة على الراجح؛ لأنه مجرد حلف بغير الله تعالى؛ كما لو حلف بالصيام أو الزكاة أو الحج، والله أعلم.
حلفت على ابني بطلاق أمه؛ بسبب شربه للدخان، فما الحكم في ذلك؟ (2/162)
صفحة 582
بئس ما فعلت فأنت شر زوج وبئس العشير، وإلا فما الذي يعني الأم وطلاقها في أمر بينك وبين ولدك؟ ألا ما أجهلك بحق العلاقة الزوجية وقداستها، فتب إلى الله أولاً مما ارتكبته، وأما حكم ذلك فيتوقف على معرفة نص العبارة التي قلتها، والله المستعان.
فيمن حلف بالطلاق أنه لا يفعل الشيء الفلاني، فهل يقع الطلاق بهذا؟
إن كان حلف بصيغة التعليق؛ وذلك بأن يقول مثلاً: "إن فعل كذا فامرأته طالق" فالطلاق واقع بفعله ما علقه عليه؛ لأن هذا من الطلاق المعلق، وإن كان بصيغة القسم؛ وذلك بأن يقول مثلاً: "بالطلاق لا أفعل كذا" ففي وقوع طلاق امرأته إن حنث خلاف، والراجح عدم وقوعه، وإنما يأثم لحلفه بغير الله فليتب إلى الله عز وجل مما فعل فقد قال قولاً محظوراً، إذ الحلف بغير الله من الكبائر وليمسك عليه زوجه وليق الله ربه، والله أعلم.
حدث خلاف بيني وبين والدي، فحلفت بطلاق زوجتي أن لا يبيت أخوتي في بيته، فلو أنهم رجعوا إليه رغماً عني، فهل تطلق زوجتي بذلك؟ (2/163)
صفحة 583
بئس ما فعلت، فما الذي يعني الزوجة من خلافك مع أبيك، وإنما جمعت بين عقوق الأب والإساءة إلى الزوجة فمثلك لا يستحق أن يزوج، ولكن يا لسوء حظ هذه المرأة التي رمت بها الأقدار إلى عصمتك وأردتها إلى كنفك، ولو كنت تعلم حقوق الأبوة وحقوق الزوجية لجأرت من هذا العمل الأرعن الذي صدر منك، فيالك من أحمق جهول، هذا وإن كنت علقت طلاق زوجتك على مبيت أخوتك في بيت أبيك؛ وقع الطلاق بمجرد مبيتهم عند أبيهم، أما إن كان ذلك بطريقة القسم؛ وذلك بأن تقول مثلاً: "بطلاق زوجتي لا يبيت أخوتي في بيت أبي"، فقد ارتبكت أمراً إدّا بقسمك بغير الله؛ وهو كفر كما جاء في الحديث فعليك التوبة منه، ولكن اختلف في وقوع الطلاق بذلك مع الحنث؛ والصحيح عدم وقوعه، وبناءاً على وقوعه ـ إن كنت جئت بالتعليق كما ذكرنا في الصورة السابقة ـ فلك أن تراجع زوجتك إن كان هذا الطلاق غير مسبوق بطلاقين من قبل، وذلك في أثناء عدتها بعد وقوع طلاقها؛ وذلك بأن تشهد شاهدين أنك راجعتها بصداقها وعلى ما بقي من طلاقها، والله أعلم.
أنا شاب كنت متزوج ثم طلقك زوجتي منذ عدة أشهر، والآن أريد الزواج من فتاة ولكن هنالك مشكلة وهي أن في يوم من الأيام حصلت مشكلة بيني وبين زوجتي السابقة وفي منزل والدي، فاضطر والدي إلى اتخاذ قرار ضد المشكلة التي حصلت وحلف بالثلاث بطلاق أمي لو تقدم معي لخطبة أي فتاة، فهل يجوز أن يأتي معي لكي يتعرف على أحد من أهل الفتاة مثل خالها؛ وبدون التدخل في موضوع الخطبة فقط للتعارف بينهما، هل ذلك يثبت طلاق والدتي من والدي؟ (2/164)
صفحة 584
بئس ما قال هذا الأرعن الهزيل البعيد عن مدارك ذوي الأحلام، فهو وإن كان متقدماً في السن يعد طائشاً لا حلم له ولا بصيرة في قلبه، وإنما في قلبه عمى عن الحقيقة، وقبل كل شيء الحلف بغير الله تبارك وتعالى محظور، ثم ما الذي يعني المرأة من خلاف بين والد وولده أو بين ولد ووالده أو بين أخ وأخيه أو بين الجار وجاره أو بين زوجها وأي أحد كان، فما الذي يعني المرأة حتى تقحم في هذه الخلافات وتكون عرضة للطلاق من أجلها؟ إن هذا التصرف تصرف الطائشين الذين بعدوا عن حلوم الرجال كل البعد، ولا يكون إلا من الذين في قلوبهم مرض وفي بصائرهم عمى، وهذا الحلف إما أن يكون بصيغة القسم، وإما أن يكون بصيغة التعليق، فإن كان بصيغة القسم فهو حلف بغير الله، والحلف بغير الله لا يصدر من مؤمن بالله؛ لأن الحلف نوع من التعظيم، وهذا التعظيم لا يجوز أن يكون من الإنسان إلا لربه سبحانه وتعالى، وقد شدد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الحلف بغير الله عز وجل، وقد جاء في يعض الروايات عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: "لأن أحلف بالله كاذباً أهون علي من أن أحلف بغير الله صادقاً"، فعليه التوبة إلى الله؛ بسبب وقوع ذلك منه، وعلى القول الراجح لا يترتب عليه طلاق؛ إن وقع المحلوف عليه وهو الخطبة لك، وأما إن كان بصيغة التعليق وذلك بأن يقول: "إنها طالق ثلاثاً"، إن هو خطب لك تلك المرأة ففي هذه الحالة إن شارك في الخطبة بأي شيء ولو بالحضور ـ إن كان هذا الحضور يعد مشاركة منه ـ فإن امرأته التي علق طلاقها على فعل هذا الأمر تكون طالقاً ثلاثاً، والله تعالى أعلم. (2/165)
صفحة 585
رجل متزوج من امرأة وعنده اولاد منها، وأراد الزواج من امرأة اخرى، وعندما ذهب لخطبة المرأة الثانية قالت له: هل أنت متزوج من قبل، فقال: نعم تزوجت وطلقت، فقالت له: احلف بالله بذلك، فحلف الرجل على ذلك، ولكن الرجل حلف بدون قصد أو نية بالزوجة الأولى، ولم يكن له النية الصادقة على طلاقها، ولم يذكر اسم زوجته الأولى، ولم يحرم ولم يحلل، ولم يذكر كلمة الطلاق في وجه زوجته الأولى، فما الحكم في ذلك، هل تطلق زوجته الاولى منه؟ وإذا كانت تطلق هل له أن يراجعها، وماذا عليه لو أراد أن يراجعها؟ علما أن الرجل نادم ويريد استرجاع زوجته الأولى؟
التحليل والتحريم امرهما إلى الله، ولا دخل لأحد فيهما في طلاق ولا في غيره، { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ } ( ) ومن حلل ما حرم الله، أو حرم ما أحل الله فهو كافر لا صلة له بالإسلام، وأما ما كان من هذا الرجل من الحلف بأنه طلق؛ فإن كان قصد أنه طلق فيما مضى وهو لم يطلق فهو كاذب، وعليه كفارة حنثه، وأما إن كان أوهم سامعه بأن منشئ طلاق زوجته بذلك، فقد طلقت منه زوجته ولو لم يكن قاصدا طلاقها؛ لأن ثلاثا جدهن جد، وهزلهن جد، النكاح والطلاق والرجعة، وإن كان هذا الطلاق غير مسبوق بطلاقين من قبل فله أن يراجعها على سنن المراجعة، والله أعلم.
ما قولكم فيمن قال لآخر: "حلفت لك بالطلاق لا أعطيك شيء مما تطلبه"، فهل تطلق زوجته بذلك؟
هذا فاسق؛ لأن الحلف بالطلاق من شيمة الفساق، فعليه التوبة إلى الله، وبما أن حلفه بصيغة القسم لا يقع به طلاق، والله أعلم.
ما قولكم في شخص حلف بطلاق زوجتيه الاثنتين أنه ما يدخل منزل والده، بسبب مشكلات بينهما، فهل يصح هذا الحلف وماذا يلزم الابن؟ (2/166)
صفحة 586
بئس ما قال وساء ما صنع، فقد جمع بين معصيتين كبيرتين؛ وهما عقوق والده بالتأكيد على قطيعته وحلفه بغير الله، مع أن الحلف بغير الله كفر، لما فيه من تعظيم غير الله تعظيماً لا يليق إلا بالله، فما أخسر صفقته وأعظم خيبته، ويله إن لم يتب إلى الله نادماً مما اقترف، ويصلح بينه وبين ربه وبينه وبين والده، هذا وأما طلاق زوجتيه بحلفه فمرده إلى ما يأتي من التفصيل، ذلك أنه لا يخلو إما أن يكون حلفه بصيغة التعليق وإما أن يكون بصيغة القسم، فإن كان بصيغ التعليق وذلك بأن يقول: "إن دخل بيت أبيه فامرأتاه طالقتان "، فإن الطلاق يقع بمجرد دخوله بيت أبيه، وإن لم يدخل فلا طلاق، وهذه عاقبة الحماقة والجهل وسوء التصرف، فهو إما أن يظل قاطعاً أباه بما قاله محروماً من بره، وإما أن يخسر زوجتيه وتنقطع صلته بهما، وليت شعري ما جرمهما؟ فإنهما لم ترتكبا شيئاً فتستحقا هذا الجزاء، وإذا كان بصيغة القسم وذلك بأن يقول: "بالطلاق لا يدخل بيت أبيه"، فقيل حكمه كسابقه، والصحيح أن لا يقع به الطلاق؛ لأنه مجرد قسم بغير الله؛ يبوء المقسم به بأوزار الذنوب إن لم يتب، ولكن لا طلاق به ولا يمين تنعقد به، والله أعلم.
فيمن حلف بطلاق زوجته أن يعمل عملاً، وكان ذلك العمل محرماً بحكم الكتاب والسنة، ولما راجعه صوابه علم أن العمل من المحرمات شرعاً فامتنع من عمله ولم يقدم عليه، فماذا عليه في أمر زوجته والحالة هذه؟
ليس له أن يقدم على محرم، وينبغي النظر في أمر زوجته؛ لاختلاف الحكم باختلاف لفظه، فإن كان لفظه لا تعليق فيه؛ وإنما هو مجرد قسم بالطلاق، ففي وقوع الطلاق بالحنث خلاف شرحناه لك في جوابنا الأول، أما إذ قال إن لم يفعل ذلك الأمر فامرأته طالق طلقت من حينها، وإن كان ما علق على تركه الطلاق من المحرمات؛ فإن القصد عليها من الموبقات، والله أعلم.
الإكراه على الطلاق:
ما حكم طلاق المكره، وما يترتب عليه؟ (2/167)
صفحة 587
اختلف أئمة المسلمين وعلماؤهم منذ الرعيل الأول في وقوع طلاق المكره، والذي تقتضيه الأدلة عدم وقوعه فيما بين المكره وبين ربه وفيما بينه وبين الناس إن ثبت الإكراه، والله تعالى يقول: { يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ } ( )وإليك نبذة عن مما دونه علماء المسلمين في ذلك:
? قال العلامة ابن حزم الظاهري في كتابه"المحلى": وطلاق المكره غير لازم له، وقد اختلف الناس في هذا، فروينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن سليمان الشيباني عن علي بن حنظلة عن أبيه قال: قال عمر بن الخطاب: " ليس الرجل بآمن على نفسه إذا أخفته أو ضربته أو أوثقته"، ومن طريق عبد الرحمن بن مهدي عن عبد الملك بن قدامة الجمحي حدثني أبي: " أن رجلاً تدلى بحبل ليشتار عسلاً فأتت امرأته فقالت: لأقطعن الحبل أو لتطلقني، فناشدها الله فأبت فطلقها، فلما ظهر أتى عمر بن الخطاب فذكر له ذلك فقال عمر: ارجع إلى امرأتك فإن هذا ليس بطلاق"، وعن عبد الرحمن بن حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن: " أن علي بن أبي طالب كان لا يجيز طلاق المكره"، ومن طريق سفيان بن عيينه عن عمرو بن دينار عن ثابت الأعرج قال: سألت ابن عمر وابن الزبير عن طلاق المكره فقالا جميعاً: " ليس بشيء"، ومن طريق الحجاج بن منهال نا هشيم نا عبيد الله بن طلحة الخزاعي نا أبو يزيد المدني عن ابن عباس قال: " ليس لمكره ولا لمضطر طلاق"، ومن طريق عبد الرزاق بن المبارك عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن ابن عباس" أنه كان لا يرى طلاق المكره شيئاً"، وصح عن الحسن البصري طلاق المكره لا يجوز، وهو أحد قولي عمر بن عبد العزيز، وصح عن عطاء وطاوس وأبي الشعثاء جابر بن زيد، وعن الحجاج بن المنهال نبأنا عوانة عن المغيرة عن إبراهيم قال: "الطلاق ما عني به الطلاق"، وهو قول مالك والأوزاعي والحسن بن حي والشافعي وأبي سليمان وأصحابهم وأحد قولي الشافعي. (2/168)
صفحة 588
? وروي خلاف ذلك عن عمر كما روينا عن سعيد بن منصور نا فرج ابن فضالة حدثني عمرو بن شراحيل المعافري: أن امرأة سلت سيفاً فوضعته على بطن زوجها وقالت والله لأنفذنك أو لتطلقني، فطلقها ثلاثاً، فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب فأمضى طلاقها، وعن ابن عمر روينا عنه أنه سأله رجل فقال له: إنه وطئ فلان على رجلي حتى أطلق امرأتي؛ فطلقها فكره له الرجوع إليها، وهذا يخرج على أنه لم ير ذلك إكراهاً، وروي أيضاً عن عمر بن عبد العزيز وروينا عن علي بن أبي طالب: "كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه"، وقد روينا عنه قبل إبطال طلاق المكره، وروي أيضاً عن إبراهيم وصح عن أبي قلابة والزهري وقتادة وسعيد بن جبير وبه أخذ أبو حنيفة وأصحابه.
? وقول ثالث: وهو أن طلاق المكره؛ إن أكرهه اللصوص لم يلزم، وإن أكرهه السلطان لزمه، ورويناه عن الشعبي.
? وقول رابع: روينا عن إبراهيم أنه قال: إن أكره ظلماً على الطلاق فورك إلى شي آخر لم يلزمه، فإن لم يورك لزمه، و لا ينتفع الظالم بالتوريك، وهو أحد قولي سفيان أ. هـ كلامه.
وقال الإمام ضياء الدين الثمني ـ رضي الله عنه ـ في النيل: "المختار عندنا أنه لا يلزم مقهوراً ومكرهاً طلاق، لقوله عليه السلام: "ليس على مقهور عقد ولا عهد"، وفي رواية: "لا طلاق على مغلوب" أو قال: "مغصوب".
وفي ديوان الأشياخ ـ رحمهم الله ـ: طلاق الإجبار منها أو من غيرها ليس شيء، وعلى هذا درج القطب ـ رحمه الله ـ في شرح النيل، ولهذا الرأي الوجيه ـ الذي قال به جم غفير من الصحابة رضي الله عنهم والتابعين ومن بعدهم ـ أدلة كافية في ترجيحه على غيره من الآراء. (2/169)
صفحة 589
منها: عدم ترتب شيء من الأحكام على المكره؛ إن اضطر إلى قوله شيء يتنافى مع قواعد الإيمان ولو نطق بالشرك؛ لاستثناءه الكتاب في قوله عز من قائل: { إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ } ( )، وليس تطليق الزوجة أعظم من قول الشرك الذي يترتب عليه ـ في حكم الظاهر ـ الخروج من الملة وإباحة سفك الدماء وما يتبعه من الأحكام الخطيرة التي لا تدرأ عنه لو لا ثبوت الإكراه، هذا وقد ثبت من طريق عائشة ـ رضي الله عنها ـ عنه عليه أفضل الصلاة والسلام: "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوه عليه"( ) والطلاق مندرج تحت هذا الحكم لعموم الحديث.
ومنها ما جاء في السنن عنه صلى الله عليه وسلم: "لا طلاق في إغلاق" وهو وإن اختلف العلماء في معناه اختلافاً كثيراً، فلا مانع من الاستدلال به على عدم وقوع طلاق المكره، لشمول لفظة الإغلاق له، على أن القطب ـ رحمه الله ـ صوب حمله على معنى الإكراه وحسبنا أن هذا الرأي قال به من أجله الصحابة والتابعين من تقدم ذكره، وركن إليه الجمهور.
أما أدلة من خالفه فهي لم تسلم من الطعن، إما من صحتها، وإما في وجه الاستدلال بها، ومن هذه الأدلة:
ما جاء في السنن من حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ" ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة"( ). (2/170)
صفحة 590
وأجيب بأن المكره غير هازل، ولو سلم أنه هازل فهو مخصوص من هذا العموم بحديث الإكراه، على أن ابن حزم لم يسلم لصحة هذه الرواية، فقد قال في "المحلى": إنما رويناها من طريق عبد الرحمن بن حبيب بن أدرك: وهو منكر الحديث؛ لأن قوماً قالوا: عن عبد الرحمن بن حبيب، وقوماً قالوا: حبيب بن عبد الرحمن وهو مع ذلك متفق على ضعف روايته، ثم تعرض لروايات نظيرة لها في هذا المعنى عن أبي بردة والحسن، وأعلها جميعاً، منها ما أعله بالإرسال، ومنها ما أعله بالانقطاع الفاحش، ومنها ما أعله بوجود من ذكر بالكذب في إسناده، وهي مع هذا كله لم تتعرض لذكر الإكراه.
ومن أدلتهم: ما رواه سعيد بن منصور في سننه من حديث صفوان بن عمرو الأصم الطائي عن رجل من أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن رجلاً جلست معه امرأته على صدره وجعلت السكين على حلقه وقالت له: طلقني أو لأذبحنك. فناشدها الله تعالى فأبت فطلقها ثلاثاً، فذكر ذلك للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال" لا قول له في الطلاق".
وأجيب بأن الحديث لا يصلح للاستدلال؛ لأن صفوان الراوي ضعيف منكر الحديث، وقد رواه عنه الغافري بن جبلة، وصفه ابن القيم باللين، وقال عنه ابن حزم: مغمور، ورواه عن العازي بقية؛ وهو موصوف بالضعف والتدليس.
ومنها: رواية عطاء بن عجلان مذكور بالكذب؛ فلا تقوم بروايته حجة، وأيضاً فإن المحتجين به وهم الحنفية قد خالفوا بهذا الاحتجاج أصلهم في ترك العمل بالروايات إن خالفها رواتها من الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ، فإن الحديث من رواية ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ، والثابت عنه إبطال طلاق المكره، فما بالهم هنا أخذوا بروايته وعدلوا عن رأيه. (2/171)
صفحة 591
أما من فرق بين إكراه السلطان وغيره، فلعله يبني مذهبه على اعتبار إكراه السلطان حكماً منه يجب امتثاله، غير أن الأحكام لا عبرة بها ـ ممن صدرت ـ إلا إذا كانت مبنية على قواعد الشرع المستمدة من حكم الله وحكم رسوله الأمين ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وقد صح في الحديث عنه عليه أفضل الصلاة والسلام "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد".
أما من فرق بين أن يورك المكره أو لا يورك، فالظاهر أنه بنى رأيه على رعاية المقاصد، عملاً بقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" غير أن أدلة القول الأول لم تفرق، وهي أقوى من هذا الاستظهار.
هذا واختلف في حد الإكراه، فروي عم الإمام مالك اعتبار خوفه على نفسه أو ولده أو ماله وبذلك قال أكثر أصحابه، وقال القطب ـ رحمه الله ـ والمذهب أنه لا إكراه بإذهاب مال إلا إن كان يؤدي إذهابه إلى الموت أو ذهاب عضو، وقال الإمام الثميني ـ رحمه الله ـ واختلف في حد الإكراه فقال عمر: "ليس الرجل أميناً على نفسه إن أوجع أو ضرب"، وقال شريح: إن القيد كره والوعيد كره والسجن كره، وقال بعض: إن خاف قتلاً أو قيداً أو ضرباً فإنه يعذر و لا يلزمه الطلاق، وليس بعد الإيعاد إلا الفعل.
هذا ما حضرني من الجواب على هذا السؤال النفيس، ومن الله استمد العون على قول الحق والعمل به، وهو حسبي ونعم الوكيل، وصلى الله عليه وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
حدثت مشاجرة بيني وبين زوجتي؛ مما جعلها تهجم عليّ وتمسكني من الرقبة بإحدى يديها ومسكت بالأخرى الخصيتين حتى شارفت على الهلاك، فلن أجد منها فكاكاً غير أن أطلقها بالثلاث، فهل تطلق مني على هذه الحالة؟
إن كنت لم تجد لنفسك فكاكاً من قبضتها المهلكة إلا بقول ذلك فطلاق المكره غير واقع، والله يعلم السرائر من عباده والله أعلم.
ما قولكم فيمن هدده أبوه بالسلاح إن لم يطلق زوجته؛ فطلقها، فهل يقع طلاقه بذلك؟ (2/172)
صفحة 592
إن ثبت أن أباه هدده بالسلاح؛ ليبطش به إن لم يطلق امرأته في الحال، وهو في حال تهديده جاد غير هازل، وفي قرارة نفس الولد ـ أي الزوج ـ أن أباه سينفذ ما هدده به إن لم يطلق، فإن الطلاق لا يقع بذلك ولا تحسب هذه الطلقة، والله أعلم.
فيمن أكرهه والده على تطليق زوجته بدون موجب شرعي وبدون رغبة منه، فهل يقع طلاقه في هذه الحالة؟
بئس ما فعل هذان الأبوان إن أكرها ابنهما من غير موجب أن يطلق امرأته، وطلاق الابن لها ماض إلا إن أكرهاه بالسلاح ونحوه وخشي منهما الفتك به إن لم يطلق، فلا طلاق في مثل هذه الحالة، والله أعلم.
طلاق الهازل وفاقد الوعي:
رجل سأله صاحبه عن زوجته فقال: "مطلقنها" دون أن يقصد ذلك، وإنما قالها دون أن يدرك ما يترتب على اللفظ، وقد مضى على هذه القضية أعوام طويلة، والرجل يسأل عما يلزمه في ذلك؟
"ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة"، فإن كان طلقها من قبل ولم يكن قصد إنشاء طلاق آخر حمل على الطلاق الأول وإلا طلقت، هذا إن تعمد النطق بهذه الكلمة وإن كانت انفلتت منه بدون قصد النطق بها فلا عبرة بها ولا يقع بها الطلاق، والله أعلم.
امرأة تقول أن زوجها اتصل بها وقال لها: "طالق" على سبيل المزاح، والرجل ينكر أنه قال ذلك، وإنما اتصل بها ليبارك لها بالزواج لا غير فما الحكم في ذلك؟
إن كان قال لها: "أنت طالق"، فقد وقع عليها الطلاق ولو كان ذلك مجرد مزاح، وإن لم يقل ذلك فلا طلاق، وإن اختلفا بحيث ادعت عليه وأنكر؛ فالقول قوله مع يمينه، والله أعلم.
فيمن تزوج بامرأة، وقبل الدخول بها خطب امرأة أخرى، فسألوه عن زوجته الأولى فأخبرهم بأنه طلقها علماً أنه لم يطلقها، وإنما قال ذلك؛ لأجل أن يوافقوا على تزويجه، فهل تطلق زوجته بذلك؟ (2/173)
صفحة 593
جاء في الحديث عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة" فقوله: "إنها طالق". أو "إنه طلقها" يقع به الطلاق والله المستعان، وبما أنه طلقها قبل الدخول؛ فعليه لها نصف ما اتفقا عليه من الصداق عاجله وآجله، إلا إن عفت فأسقطته أو عفا فأتمه، والله أعلم.
ما قولكم فيمن طلق زوجته الطلاق الثالث وهو سكران، وقد كانت المرأة حاملاً ثم وضعت حملها، والآن يريد الرجل مراجعتها، فهل له ذلك؟
أما إن كان الطلاق الثالث واقعا، فإنها لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه، ولكن إن كان عندما طلق فاقداً وعيه بحيث لم يع أنه طلق امرأته، فقيل: إن طلاقه غير ثابت؛ لأنه لا يثبت حله في هذه الحالة كما لا يثبت عقده، وعليه فلينظر في أمرهما، فإن كان يدعي هو كذلك وصدقته المرأة في ذلك فهي زوجته، بناء على هذا القول، وهو الراجح، والله أعلم.
تشاجر إخوان، فحلف أحدهما بطلاق زوجته إن دخلت بيت أخيه، وكان فاقد العقل، ثم ندم على ذلك وتاب وتصالح مع أخيه، فهل يبقى عليه شيء من زوجته؟
لا أدري معنى قولك فاقد العقل، فإن كان مجنوناً فلا عبرة بحله ولا عقده، وإن لم يكن مجنوناً فطلاقه ماض، وبمجرد دخولها بيت أخيه تطلق، ولا يجدي رضاه شيئاً، والله أعلم.
رجل عمره تجاوز المائة، وقد أصابه ضعف في عقله، طلق زوجته بالثلاث بحضور زوجته الأخرى، فما حكم الطلاق؟ وهل يلحق الزوجة الثانية أم لا؟
لا تطلق إلا التي عناها بالطلاق دون التي لم يعنها، وإن كان فاقداً لوعيه فلا يقع طلاقه بحال، وإن كان واعياً بانت التي وجه إليها الطلاق بالثلاث ولم تحل له حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه، والله أعلم.
رجل تنتابه حالة من الجنون، وأصبح يكثر من ترديده كلمة الطلاق في حال صحوه وفي حال جنونه، والزوجة لا تستطع أن تحدد حالته في حال الطلاق، ولها منه عدة أولاد ما زالوا صغارا، فهل يقع طلاقه أم لا؟ (2/174)
صفحة 594
إن طلقها في حال وعيه فطلاقه ماض، وإن طلقها في حال جنونه فهو غير ماض، وهو الذي يستطيع في ـ حال صحوه ـ تحديد ما إذا كان ذلك في حالة وعي أو عدمه، ولا فرق في هذا الحكم بين صاحب الأطفال وغيرهم قلّوا أو كثروا، والله أعلم.
رجل وقع عليه حادث؛ فأصيب في رأسه مما أثر في عقله، ثم بعد ذلك قام بتطليق زوجته، فهل يقع طلاقه أم لا؟ وهل يحق للزوجة أن تبقى في بيته بعد تطليقها؟
إن كان طلق وهو فاقد الوعي فطلاقه غير ماض، وإن كان واعياً فهو ماض، وسكنى المرأة في بيته حق لها إن كان طلاقه غير ماض، وعليها أن تؤدي حقوقه، والعكس في العكس، والله أعلم.
طلقت زوجتي بالثلاث، وكنت في حالة غضب شديد فقدت فيه السيطرة على أعصابي وفقدت خلاله وعيي، وأقسم بالله إنني كنت في حالة لا أدري ما أقول فيها؟
إن ثبت أنك كنت فاقداً لوعيك، فطلاق من لم يكن ذا وعي بما يقول غير واقع، والله أعلم.
قلت لامرأتي طالق من غير أن أقصد تطليقها، ولم أذكر اسمها ولا حللت ولا حرمت، فما قولكم فيما قلت؟
1. ... "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد، النكاح، والطلاق، والرجعة"، فالطلاق ماض ولو لم تقصده ما دمت تلفظت به ووجهت الخطاب إليها ولو لم تذكر اسمها، وأما قولك: لا حللت ولا حرمت، فما هو إلا دليل على جهلك المركب، فهل الطلاق يتوقف على التحليل والتحريم، ومن أخبرك بهذا؟ ألا تدري أن تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله كفر، وأن التحليل والتحريم ليسا من شأن العبد، وإنما هما من شأن الله سبحانه { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } ( ) فاتق الله، ودع عنك التلاعب بدين الله، والله أعلم. (2/175)
صفحة 595
فيمن أراد أن يخطب امرأة، وسألته عن زوجته الأولى فقال لها: طلقتها، وهو لم يطلقها ولم ينو بذلك طلاقها، يقصد بذلك عدم معارضة المرأة الثانية على الزواج به، فهل تطلق زوجته بذلك؟
نعم تطلق بذلك امرأته، فإن ثلاثاً جدهن جد وهزلهن جد، النكاح، والطلاق، والرجعة، والله أعلم.
جاء في الحديث الشريف "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد، النكاح، والطلاق، والعتاق" فهل لو سألت امرأة زوجها عن صيغة الطلاق بقصد التعلم فقال: الطلاق أن يقول أنت فلانة بنت فلان ـ اسم زوجته ـ (طالق بالثلاث) فهل يساق ذلك مساق الجد، وتطلق منه زوجته بلفظه هذا؟
إن كان كلامه سيق مساق تعليمها بصيغة الطلاق لم تطلق، ولكنه كلام فيه مخاطرة، والعاقل لا يحوم حول الريب ولا يرعى حول الحمى، على أن قوله: إن الطلاق هو أن يقول لامرأته: (أنت طالق ثلاثاً) خطأ محض إذ لا داعي لكلمة ثلاثاً، فإنه طلاق بدعي، وإنما طلاق السنة، أن يطلق طلقة واحدة في طهر لم يباشرها فيه، فالعجب من الناس لا يعرفون الطلاق إلاّ من طريق البدعة، سعياً منهم إلى تضييق ما وسع الله عليهم وإغلاق ما فتحه لهم، ولو كان طلاق الثلاث مشروعاً محبوباً إلى الله لقل فاعلوه، ولكن بما أنه بدعة مخالفة لشرع الله، وهو بغيض إلى الله، تهافت الناس إليه، حتى إنه ليندر أن يقع طلاق بغير الثلاث؛ لأن نفوس الناس مشغوفة بالمحظور، والله المستعان.
طلقت زوجتي وأنا في حالة نفسية صعبة، حتى أنني بعد وقوع الطلاق فقدت الوعي وحملت إلى المستشفى، ولا أذكر الطلاق إلا أنني كنت أكرر لفظ الطلاق بدون قصد، وأخبرت بعد ذلك أنني نطقت بكلمة: مائة تطليقة، غير أنني لا أذكر ذلك أبدا، فما حكم هذا الطلاق؟
إن كنت كررت كلمة: (طالق) من غير قصد إنشاء طلاق جديد في كل مرة، وأفلتت منك لفظة مائة تطليقة من غير قصد، فهي طلقة واحدة، والله أعلم. (2/176)
صفحة 596
دخل زوجي البيت وهو سكران فقال: إذا خرجت من باب الشقة فاعتبري نفسك طالق، وبسبب الخوف الذي أصابني اضطررت أن أخرج إلى بيت أهلي، وبعد الأخذ والرد في القضية رجعت إلى بيت زوجي باعتبار إن الطلاق حصل وهو سكران، فلا يثبت، وبعد مدة من هذه القضية اعترف زوجي أمامي بأن الطلاق الذي حصل كان وهو واع، فما الحكم في هذه القضية؟
بما أنه اعترف أنه كان واعياً عندما نطق بطلاقك المعلق؛ فالطلاق واقع لوقوع المعلق عليه، وبقاؤك عنده بدون رجعة يعد زنا، وتحرمين عليه به، والله أعلم.
فيمن طلق زوجته طلاقاً واحداً فراجعها، ثم طلقها ثلاث تطليقات متتاليات، ولكنه كان في حالة سكر، غير أنه لما صحا من سكره، اعترف أنه طلقها، فهل له مراجعتها إن أراد ذلك؟
إن كان طلقها ثلاثاً، وقد كان طلقها واحدة من قبل، بانت باثنتين بعد الواحدة السابقة، فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه، ثم تخرج عنه بوجه من وجوه الفراق، وبعد عدتها منه تحل للأول بعقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية، والله أعلم.
إنني أعاني من نوبات نفسية، وأتناول الحبوب المهدئة؛ لأجل العلاج، غير أني توقفت عن الحبوب بسبب صيام شهر رمضان، مما جعلني أطلق زوجتي طلاق الثلاث وأنا في حالة غير طبيعية، فهل يثبت الطلاق بذلك؟
طلاق الثلاث دفعة كالثلاث المتفرقات على الراجح، تبين بها المرأة، فلا تحل لمطلقها إلا أن تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه، فإن كنت واعياً عندما طلقتها بالثلاث بانت منك بها، وإن كنت غير واع؛ لأثر نفسي أو نحوه فالطلاق غير واقع، وكذلك إن قصدت طلقة واحدة فزلت لسانك ونطقت ثلاثاً من غير قصد، فهي طلقة واحدة، ولا تمنع من مراجعتها إن كانت غير مسبوقة بطلقتين من قبل، والله أعلم.
رجل طلق زوجته بالثلاث، وكان في حالة غضب شديد وفقدان الشعور؛ بسبب شدة الغضب، فهل يقع الطلاق أو لا؟ (2/177)
صفحة 597
إن كان واعياً لما صدر منه فطلاقه ماض، وتبين منه بالثلاث، فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه، وإن كان لم يع قط وإنما علم به من إخبار غيره به، فلا يقع طلاقه منه، والله أعلم.
طلاق المشرك:
إذا طلق المشرك زوجته طلقة أو طلقتين أو ثلاثاً، ثم أسلما، فهل يهدم إسلامه طلاقه، فيستأنف الطلاق من جديد، أم يحسب عليه، فإن كان طلقها واحدة بقيت عنده بطلقتين، وإن كان طلقها طلقتين بقيت عنده بطلقة واحدة، وإن كان طلقها ثلاثاً حرمت عليه حتى تنكح زوجاً غيره.
نرجو من سماحتكم بسط القول في هذه المسألة، إذ لم نجد فيها جواباً موسعاً عند أصحابنا، حتى أن الشيخ السالمي _ رحمه الله _ ذكر في جوابه للشيخ المالكي أنه لم يجد هذه المسألة في الأثر إذ قال: -
إن الجواب بابه قد أغلقا
ولم أجده أثراً منمقاً
نعم سأل شيخنا العلامة أبو مالك إمامنا نور الدين السالمي _ رحمهما الله _ عن ذلك فكان من جوابه له:
إن الجواب بابه قد أغلقا
ولم أجده أثراً منمقا
لكنني أقول فانظر مشفقاً
خوف الخطا وحققن ودققا
التوب جب للذي قد سبقا
ولو يكون مائة قد طلقا
فإن ذا الخطاب ما تعلقا
عليه ما دام بشرك علقا
فحال من عن شركه قد عتقا
كحال من عن أمه قد فرقا
يغفر عنه كل شيء سبقا
فاحكم عليه بابتداء مطلقا
في آية الكتاب عفو أطلقا
والقيد يحتاج له من فرقا
واستأنفوا الطلاق من قد طلقا
أو لم يطلق من مضى موفقا
فذا دليل يدخل المطلقا
حيث الخطاب لم يكن تعلقا (2/178)
صفحة 598
وأنت ترى أن الإمام _ رحمه الله تعالى _ أجاب نظراً وأبان أنه لم يجد القول في المسألة عن أحد، وكان من اجتهاده أنه لا عبرة بما كان إبان شركه من الطلاق؛ لأن الإسلام جب لما قبله، وقد قال تعالى: { قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ } ( )، وجعل إطلاق الآية للعفو شاملاً للطلاق، وعليه ينهدم بالإسلام ما سبق من طلاق في حال الشرك، سواءً طلق واحدة أو اثنتين أو ثلاثاً، ويستأنف ثلاث طلقات من جديد، والخلاف في المسألة مشهور، وبما قاله الإمام قال عبد الرحمن ابن عوف _ رضي الله عنه _ من الصحابة كما رواه عنه قتادة، إذ قال لسائله "ليس طلاقك في الشرك بشيء"، وبهذا كان يفتي قتادة، وقال به الحسن وربيعة، وهو قول مالك وأبي سليمان وأصحابهما، وأيده ابن حزم مستدلاً له بقول الله تعالى: { وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ } ( )، وبقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"( )، قال: فصح بهذين النصين أن كل من عمل بخلاف ما أمر الله عز وجل به أو رسوله صلى الله عيه وسلم، فهو باطل لا يعتد به، ولا شك في أن الكافر مأمور بقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله ملزم ذلك، متوعد على تركه بالخلود بين أطباق النيران، فكل كلام قاله وقد ترك الشهادة المذكورة فقد وضع ذلك الكلام غير موضعه، فهو غير معتد.
ثم قال: فإن قيل: فمن أين أجزتم سائر عقوده التي ذكرتم، قلنا أما النكاح فلأن ـ رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ أقر نكاح أهل الشرك وأبقاهم بعد إسلامهم عليه، وأما بيعه وابتياعه؛ فلأن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يعامل تجار الكفار، ومات عليه الصلاة والسلام ودرعه مرهونة عند يهودي في أصواع من الشعير، وأما مؤاجرته، استأجر ابن أرقط؛ ليدل به إلى المدينة وهو كافر، وعامل يهود خيبر على عمل أرضها وشجرها بنصف ما يخرج الله عز وجل من ذلك. (2/179)
صفحة 599
وأما هبته وصدقته وعتقه، فلقول حكيم بن حزام: يا رسول الله أشياء كنت أتحنث بها في الجاهلية من عتاقة وصلة رحم وصدقة، فقال له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ" أسلمت على ما أسلفت من خير "( )، فسمى ـ عليه الصلاة والسلام ـ كل ذلك خيراً، وأخبر أنه معتد به، فبقى الطلاق لم يأت بإمضائه نص، فثبت على أصله المتقدم، فإن قيل فقد قال الله تعالى: { وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ } ( )، قلنا نعم، وهذا الذي حكمنا به بينهم، هو مما أنزل الله تعالى كما ذكرنا. أهـ كلامه، ومدار احتجاجه كما ترى على عدم الاعتداد بتصرف المشرك.
وذهب إلى أنه يعتد بطلاقه في الجاهلية ـ أي قبل إسلامه ـ كما يعتد به في الإسلام في جميع أحكامه عطاء وعمرو بن دينار وفراس الهمداني والزهري والنخعي وحماد بن أبي سليمان، وبه قال الأوزاعي، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأصحابهما، وتوقف في ذلك عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ فقد روى عنه قتادة أنه سأله رجل، طلق امرأته طلقتين في الجاهلية، وطلقة في الإسلام فقال له: "لا آمرك ولا أنهاك". (2/180)
صفحة 600
والخلاف في المسألة مشهور في كتب المذهب كما في المصنف وغيره من كتب أصحابنا، والقول باعتبار طلاقه هو قول ابن محبوب ـ رحمهما الله ـ، والقول الفصل هو الاعتداد بطلاقه قبل إسلامه، وإجراء جميع الأحكام التي تجرى على طلاق المسلم عليه، كما يعتد بجميع عقوده من نكاح وبيع وإجارة وغيرها، وما احتج به الإمام السالمي ـ عفا الله عنا وعنه ـ لا أرى وجيهاً في هذا المقام، فإن جب الإسلام لما قبله، وعفو الله تعالى عما سلف من الذين كفروا إن ينتهوا، إنما هو في الأمور التكليفية من فعل المناهي، وارتكاب المحارم، وترك الأوامر، ولا يدخل فيه ما كان راجعاً إلى خطاب الوضع كالنكاح والطلاق، وإلا لساغ لرجل تزوج في شركه امرأة أن يتزوج في الإسلام أصولها وفروعها، كما يترتب عليه أيضاً أن لا يلتفت في الإسلام إلى ما كان قبله من رضاع وغيره من أنواع أسباب تحريم الزواج، وأنى ذلك والأحاديث ترده، كما يقتضي إطلاق ذلك، جواز أن يتزوج الرجل في الإسلام من تزوجها أبوه او ابنه قبل الإسلام، ولا يقول ذلك قائل، وبهذا يتضح لك عدم وجاهة ذلك الاستدلال، والتفرقة بين النكاح والطلاق في ذلك لا أعرف وجهها. (2/181)
صفحة 601
1. ... وأما استدلال ابن حزم بالآية والحديث، لما ذهب إليه فقد أبعد فيه النجعة, إذ لا دليل فيهما من قريب أو بعيد على صحة قوله, فدلالة الآية الكريمة لا تعدو وعيد من تعدى حدود الله, ولا إشارة فيها إلى طلاق المشرك, بل سياقها ليس في الشرك إطلاقا؛ وإنما هو في إخراج المطلقة وخروجها من بيتها بعد الأمر بطلاق المرأة لعدتها ونصها: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا } ( ) فأي علاقة بينها، وبين ما ذهب إليه من إلغاء طلاق المشرك، وعدم الاعتداء به؟ إنَّ هذه كبوة لا تليق بصغار الطلبة فكيف بالعلماء المحققين.
وأما الحديث فغاية ما يدل عليه، أن العمل المخالف لتعاليم الإسلام وأوامر النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ لا اعتداء به في موازين الحق, ومن الوضوح بمكان أنه لا يعني طلاق المشرك من قريب ولا من بعيد, وما تفريق ابن حزم بين طلاقه، وعقوده، وسائر أحكام معاملاته، إلا كالتفرقة بين الضأن والمعز في أحكام الزكاة، وبين الذهب والفضة في أحكامها وأحكام الربا, وما هو إلاَّ تفريق بين الشيء ونفسه، فكفى بذلك دليلاً على ضعف استدلاله, والخلاصة: أن القول الصحيح أن ما كان من طلاق المشرك إبان شركه، معدود في الطلاق الذي يبينها منه، فلو طلق تطليقتين في الشرك وواحدة في الإسلام أو العكس، لكانت ثلاثاً تحرم عليه المطلقة إثرها حتى تنكح زوجاً غيره، والله أعلم.
كنايات الطلاق: (2/182)
صفحة 602
حدث خلاف بيني وبين أخت زوجتي، مما جعلني أمنع زوجتي عن دخول بيتها وقلت لها: " إذا دخلت منزل أختك فاعتبري ما بيني وبينك منتهي"؟
هذه كناية لطلاق معلق على دخولها بيت أختها, فإن دخلت وكنت قاصداً بذلك الطلاق، طلقت، وكان لك الحق في مراجعتها بإشهاد شاهدين على الرجعة؛ وذلك في أثناء عدتها, إلا إن كان هذا الطلاق مسبوقاً بطلاقين من قبل، والله أعلم.
رجل قال لزوجته: " طلاق. طلاق. طلاق" فهل تطلق زوجته بذلك؟
كلمة"طلاق" وحدها لا تفيد شيئاً يمكن اعتماده, لذلك أرى الرجوع إلى قصد المتكلم بها, فإن أراد بها" أنت طلاق" أي طالق ـ من باب إقامة المصدر مقام اسم الفاعل ـ فطلاقها واقع, وتكراره يعود أيضاً إلى قصده, فإن أراد به التأسيس ـ وهو إنشاء طلاق جديد في المرة الثانية ـ فيتكرر الطلاق كذلك؛ لأن الطلاق يتبع الطلاق ما دامت المرأة في العدة وإلا فلا, وإن لم يقصد بقوله هذا طلاقاً، فليس هو بطلاق، والله أعلم.
ما قولكم فيمن قال لزوجته: "إذا ذهبت إلى منزل فلانة بطلاق"؟
هذا كلام غير تام إلا بضرب من التأويل, وهو إن فعلت كذا فعلته مصحوباً بطلاق, فتكون الباء للمصاحبة, فإن كان هذا مراده عندما قاله لزوجته، وقع الطلاق إن فعلته، والله أعلم.
فيمن قال لزوجته: "مطلقة". ثم قال لأبيه: " إن زوجتي حرام، حرام، حرام" فما الحكم في ذلك؟
إن قصد بالتحريم طلاقاً جديداً فهو حسب قصده, وإن أراد بالتكرار تأسيس الطلاق في كل مرة، طلقت ثلاثاً, وإن لم يقصد ذلك، ولم تكن له نية بالتحريم، فعليه كفارة يمين مع التوبة, ولا تطلق إلا تلك الطلقة، والله أعلم.
رجل طلق زوجته طلقتين، وقد وصلت القضية إلى القاضي, فحلف الرجل أنه لم يطلقها, وبعد أربعة أشهر قال لها: "مالك رجعة في بيتي" , كررها ثلاث مرات، علماً بأن له منها طفلة، فكم يحدد النفقة لهذه الطفلة؟ (2/183)
صفحة 603
إن كان مراده بقوله هذا إنشاء طلاق، طلقت منه طلقة ثالثة, ولا تحل له بعد ذلك حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً لا تدليس فيه, ثم تخرج عنه بوجه من وجوه الفراق, وبعد عدتها منه، تحل للأول بعقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية, وإن كان لم يرد به الطلاق، فهي غير طالق, وعليه في كلا الحالين الإنفاق على ابنته, وإن لم يتفق الطرفان على قدر الإنفاق رد ذلك إلى القضاء الشرعي، والله الموفق.
وقع طلاق بيني وبين زوجتي، فقلت لها في حالة غضب" إذا ذهبت إلى بيت أهلك فأنت طايحة من رقبتي" فذهبت المرأة، فهل يقع طلاق بهذا اللفظ؟
هذا القول من كنايات الطلاق, فإن كنت قصدت به الطلاق، وقع طلاقها بذهابها إلى بيت أهلها؛ لأن النية هي المعتبرة في الكناية، والله أعلم.
زوجي رجل كبير في السن، وهو طريح الفراش, وفي يوم من الأيام قام من فراشه مغضباً دون أن يثيره أحد فقال لي: " أبعدي عني، أنت حرام عليّ أن تكوني زوجتي في الدنيا إلى يوم القيامة"، فهل أكون بذلك طالق منه؟
مرد ذلك إلى نيته، فإن قصد بقوله هذا الطلاق؛ فهو طلاق، إن أراد به واحدة؛ فواحدة، وإن أراد به ثلاثاً، فثلاث، وإن لم يرد به طلاقاً، فعليه كفارة يمين مع التوبة، والله أعلم.
ما قولكم فيمن قال لزوجته"والله العظيم إذا خرجت من بيتي من غير إذن مني، لن تكوني زوجتي" ثم خرجت هي وأخو زوجها، بحثاً عن ابنها المفقود، فهل يقع الطلاق بذلك أم لا؟
إن كان قصده بذلك أنها تطلق منه؛ فهي طالق، وإن لم يكن قصده ذلك، وإنما قصده التوعد بالطلاق، فإن لم يطلقها حنث، ولكنها لا تطلق، وإنما تلزمه كفارة يمين، وهي إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فعليه صيام ثلاثة أيام، والله أعلم.
قلت لزوجتي: "ما أريدك وأنت مفارقة وحرام عليّ"، علماً أنه سبق لي أن طلقتها طلقة واحدة، فهل يجوز لي مراجعتها؟ (2/184)
صفحة 604
إن كنت قصدت بقولك: "أنتِ حرام" طلقة ثالثة بانت بها، ولم تحل لك حتى تنكح زوجاً غيرك نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه، وإن كنت لم تقصد ذلك، وإنما أرسلت الكلمة هكذا، جاز لك أن تراجعها مع كفارة يمين؛ بسبب تحريمها، والتوبة إلى الله، والله أعلم.
رجل غضب على زوجته، فذهب بها إلى بيت أهلها وقال لها: "واحد اثنان ثلاثة أنت حرمت عليّ" والآن يسأل: هل تطلق زوجته بهذا اللفظ؟
قوله: واحد واثنان وثلاثة ليس بطلاق؛ إن لم يصحب ذلك ما يدل على الطلاق من قريب ولا من بعيد، وإنما قوله حرمت، فإن قصد به الطلاق فهو طلاق، وإن قصد به الظهار فكذلك، وإن لم يقصدهما فعليه كفارة يمين مع التوبة إلى الله؛ لتحريمه ما أحل الله، والله أعلم.
فيمن قال لزوجته: "أنت حرمت عليّ"، ثم بعد ذلك قال لها: "مطلقة"، فهل يصح له مراجعتها؟
أمّا قوله: "حرمت عليّ"، فإن قصد به الطلاق فهي طلقة واحدة، وقوله من بعد: "مطلقة" طلقة ثانية إن قصد به إنشاء طلاق آخر، وإن قصد به تفسير التحريم، فتخرج بطلقة واحدة مع وجوب كفارة اليمين والتوبة، لتحريمه ما أحل الله، وعلى غير الوجه الأول تكون طلقة واحدة، وتحل له مراجعتها إن كانت هذه الطلقة غير مسبوقة بطلقتين من قبل، وأما على الوجه الأول فتطلق طلقتين، وتحل مراجعتها إن كان لم يطلقها قط من قبل، والله أعلم.
حدث شجار بيني وبين زوجتي، فقلت لها: " إنني لا أريدك لي زوجة" علماً أنني سبق وأن طلقتها طلقتين؟
أما قولك: "لا أريدك زوجة لي" فهو من كنايات الطلاق، فإن أردت به الطلاق؛ وقع، وبانت منك بالطلقة الأخيرة بعد التطليقتين السابقتين، ولم تحل لك حتى تنكح زوجاً غيرك نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه، ثم تخرج منه بوجه من وجوه الفراق، وبعد عدتها منه تحل لك بعقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية، وإن كنت لم تقصد به الطلاق، لم يقع الطلاق، وهي لا تزال في عصمتك، والله أعلم. (2/185)
صفحة 605
قلت لزوجتي: "إذا لم تذهبي إلى بيت أهلك يوم السبت، تكوني محرمة" فلم تتمكن من الذهاب في ذلك اليوم، فما حكم ذلك؟
ليس لأحد أن يحرم شيئاً مما أحله الله؛ لأن ذلك مخالفة صريحة لأمر الله، قال تعالى: { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ } ( )، ولا يخلو إما أن تقصد بالتحريم الطلاق أو الظهار، أو لا تقصد أحداً منهما، فإن قصدت به أحدهما؛ فكما قصدت، وإن لم تقصدهما؛ فعليك التوبة إلى الله مما قلته، وعليك أن تكفر كفارة يمين، وهي: إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، وأمسك عليك زوجتك، واتق الله ربك، والله أعلم.
فيمن قال لزوجته: "محرمنش من الجمعة إلى الجمعة" ويقصد بذلك الوقاع، وقد واقع زوجته أثناء ذلك، قبل أن يسأل عن الحكم، فما قولكم في ذلك؟
إن كان قصد بذلك ظهاراً أو طلاقاً فذلك كما قصد، وإن لم يقصدهما، فعليه التوبة من تحريمه ما أحل الله، وعليه كفارة يمين، وهي: إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فعليه صيام ثلاثة أيام، وإن واقعها قبل أن يكفر مع عدم قصد الظهار أو الطلاق فلا إثم عليه، وإن امتنع عن المواقعة إلى أن مضت أربعة أشهر عمدا، خرجت منه بالإيلاء، والله أعلم.
أرادني زوجي أن أذهب إلى المستشفى للعلاج فرفضت، فقال لي: "أخرجي من بيتي، أنت محرمة عليّ إذا لم تذهبي مع فلان إلى المستشفى"، فلم أذهب في ذلك اليوم، بل ذهبت في اليوم الثاني مع شخص آخر غير الذي قصده زوجي، فهل أطلق منه بذلك؟
إن قال إنه حرمك وقصد بذلك طلاقك أو الظهار منك؛ فعليه ما نوى، وإلا فعليه التوبة وكفارة اليمين، والله أعلم. (2/186)
صفحة 606
فيمن قال لزوجته: "إن رأيتني أشرب الخمر مرة أخرى، فأنت طالق"، فهل إن رجع إلى بيته وهو سكران، يقع طلاقها؟
إن كانت لم تره يشرب الخمر، فلا يقع طلاقها، إن كان علق طلاقها على رؤيتها إياه يشرب الخمر، والله أعلم.
قلت لزوجتي يوماً من الأيام: "إنك إذا ذهبت إلى بيت فلانة بنت فلان فاعتبري نفسك طايحة من رقبتي"، وفي مناسبة فرح في هذا البيت استأذنت مني فسمحت لها، ولكنها ترددت في ذلك، ثم كررت لها القول أن تذهب، فأنا راض عنها رضى تاماً، وبعد مضي فترة سنة كاملة أو أكثر رجعت إلى نفسي، وأردت السؤال عن هذا الموضوع، وأؤكد لكم بأنني لست قاصداً الانفصال عنها، ولكن للتخويف والتهديد؟
يركب أحدكم الأحموقة فيقول ما يقول، ثم يتصرف بحسب هواه من غير أن يسأل عن حكمه الشرعي، وتلك هي نتيجة الجهل والله المستعان، أما ما قلته لها فهو من كنايات الطلاق، وكنايات الطلاق تختلف عن صريحه، فصريحه يقع به الطلاق على أي حال بحسب إنشاءه من تنجيز أو تعليق، وكناياته تتوقف على النية، فإن قصد اللافظ بها الطلاق فتطلق بها المرأة وإلاّ فلا، وعليه فقولك "إن ذهبت إلى بيت فلانة بنت فلان فاعتبري نفسك طائحة من رقبتي" يعود حكمه إلى القصد، فإن قصدت به الطلاق وقع بوقوع المعلق عليه، وهو ذهابها إلى بيتها، وإن لم تقصد به الطلاق فلا يقع، والله أعلم.
فيمن حدث شجار بينه وبين زوجته بحضور أهلها فقال: "واحد اثنان ثلاثة وعليكم أن تأخذوا ابنتكم"، فهل يقع بذلك الطلاق؟
أما العدد فلا يدل على الطلاق، إن لم يقترن بما يدل عليه بطريقة التصريح أو الكناية، وأما قوله: "عليكم أن تأخذوا ابنتكم"، فهو من كنايات الطلاق، فإن قصد به الطلاق وقع كما قصد، والله أعلم.
فيمن قال لزوجته: "اذهبي لا أنت زوجتي ولا أعرفك"، فهل يعتبر هذا الطلاق منه، وإذا كان كذلك، فهل له مراجعتها، وهل تلزمه كفارة؟ (2/187)
صفحة 607
إن قصد به الطلاق فهو طلاق واحد تجوز المراجعة بعده، إن لم يكن مسبوقاً بطلاقين من قبل، وإن لم يكن ناوياً به الطلاق فهو لا شيء، ولا كفارة في ذلك إلا التوبة من الكذب، والله أعلم.
رجل طلق زوجته طلاقين من قبل، ثم بعد ذلك قال لها: "جاءك طلاقك"، فهل يعتبر هذا اللفظ طلاقاً آخر؟
إن كان قصد بما قاله طلاقاً فهي طلقة ثالثة بلا ريب، وأما إن لم يقصد به إنشاء طلاق، وإنما قصد به التهديد بأنه سيأتيك طلاقك، ـ كما يقول القائل لآخر: جاءك حتفك تهديداً له بالقتل ـ فلا أرى أن الطلاق يقع بذلك، والله أعلم.
قلت لزوجتي: "أنت بريئة من ذمتي إذا خرجت من الغرفة" فخرجت، فهل ذلك طلاق أم لا؟
هذه العبارة من كنايات الطلاق، فإن قصدت بها الطلاق فذلك طلاق، وإن لم تقصد بها الطلاق، فلا يقع بها الطلاق، والله أعلم.
قلت لزوجتي: "أنت منفصلة عني"، فهل يعتبر ذلك طلاقاً؟
إن كنت قصدت بذلك الطلاق فهو طلاق، وإلا فلا؛ لأن ذلك مما يدخل في كنايات الطلاق، والله أعلم.
قال لي زوجي: "أنت لحمك محرم علي" فهل يعتبر هذا منه طلاقاً؟
كلامه هذا يحتمل معنيين، فإنه إما أن يقصد بحرمة اللحم حرمة طعمه، فهذا لا يقع به طلاق، ولا ريب أنه محق في ذلك، فإن لحم الآدمي حرام على أي حال، وإن كان يقصد به حرمة الاستمتاع، فهو يعود إلى نيته، فإن قصد بذلك الطلاق فهو طلاق، وإن لم يقصد به الطلاق فعليه كفارة يمين؛ لتحريمه ما أحل الله، وعلى أي حال فإني أرى أن تستقريه عن قصده بهذا الكلام وتعولي على قصده، والله أعلم.
قلت لزوجتي وفي حالة غضب: واحد، اثنان، ثلاثة، فهل تطلق زوجتي بذلك؟ (2/188)
صفحة 608
قولك: واحد، اثنان، ثلاثة، ليس بشيء إذ ليس هو من صريح الطلاق ولا من كناياته، اللهم إلا أن يكون مقروناً بألفاظ أخرى، هي من باب صريح الطلاق أو كناياته، فإن كان مقروناً بما يدل على الطلاق صريحاً، أعطي حكم الطلاق ولو لم تقصده، وإن اقترن بما يدل عليه كناية، أعطي حكم الطلاق مع قصده، وإن لم يقترن بهذا أو ذاك، فليس من الطلاق في شيء، والله أعلم.
لقد لفظت على زوجتي في حالة غضب، وبلهجتي المحلية قائلاً لها: "أنت خلاص واحد، اثنين، ثلاث) فهل تطلق بذلك؟
لا أدري ما مرادك بذلك، فإن كنت قصدت به الطلاق فالطلاق واقع، وإن كنت لم تقصده فلا يقع، والله أعلم.
قلت لزوجتي: طالق، طالق، طالق، قولاً لا رجعة فيه، علماً أني لم أقصد إلا طلاقاً واحداً، فما الحكم في ذلك؟
ما معنى هذا القصد مع قولك: لا رجعة فيه؟ فإن كنت قصدت به إيضاح قصدك التأسيس ـ وهو إنشاء طلاق جديد في كل مرة ـ فقد بانت منك بالثلاث؛ لأن الطلاق يتبع الطلاق ما دامت المرأة في العدة، وإن قصدت به نفاذ الطلاق فقط مع أنك لم تقصد التأسيس، فهي واحدة كما قصدت، والله أعلم.
فيمن قال لزوجته أنت طليقة، ولم يكن يقصد الطلاق، فما الحكم؟
ليس ذلك من صريح ألفاظ الطلاق، فإن كنت نويت به الطلاق فهو طلاق، وإن لم تنو به الطلاق فليس بطلاق، والله أعلم.
فيمن كان يطالب أباه أن يقتسم مع أخيه ميراث أبيهم، والأب يعرض عن ابنه قائلاً له: إن في الوقت سعة، وإنك عقدت على ابنة عمك ولم تبن بها بعد، وربما تبدي إعراضاً عنك وعدم رغبة فيك متى علمت بتحريضك هذا، فقال الابن بعد وقت: يوم ما تبغاني بس. والولد يزعم أن هذا القول خرج منه عفواً ولم يقصد به طلاقاً، فهل ترون عليه بأساً في التمسك بزوجته، وهل كلمة "بس" تحمل محمل الكنايات؟ (2/189)
صفحة 609
بناءً على ما يقوله الابن من أنه لم يقصد بذلك الطلاق فلا تطلق به امرأته، وأما حمل كلمة "بس" محمل كنايات الطلاق، فهو يتوقف على القرائن اللفظية أو الحالية التي تهيئ دلالتها على ذلك، وعند توافر هذه القرائن تحمل على هذا المحمل وتعطى أحكام الكنايات، والله أعلم.
فيمن قال لزوجته: "إذا ذهبت إلى مكان كذا فليس لك رجوع داخل البيت"، فهل يعد هذا طلاقاً؟
مرد ذلك إلى قصده، إن قصد به الطلاق فهو طلاق، وإلا فلا؛ لأن هذا اللفظ أقرب إلى أن يكون من كنايات الطلاق، والله أعلم.
أخبرت أخي أن يذهب إلى زوجتي ويقول لها: "طالق إن أردت اثنين، أو ثلاث، أو أربع" فاكتفت بالطلاق ولم تختر غيره، فما الحكم في ذلك؟
إن قصدت بذلك التخيير فلتختر هي، وإن قصدت بذلك إضافة طلاق جديد في كل مرة، بانت منك بالثلاث، والله أعلم.
فيمن قال لزوجته: "إن فعلت كذا فلا أعرفك ولا تعرفيني"، فهل هذا طلاق؟
هذا ليس بطلاق، إلا إن كان نوى به الطلاق، فيمكن أن يحمل على أنه من كناياته، والله أعلم.
ما قولكم في امرأة طلبت نقوداً من زوجها فرفض، فقالت له: "لماذا لا تعطيني ألست زوجتك والمسؤول عني؟ فرد عليها قائلاً: "لا أنت ما حرمتي"، وكررها ثلاث مرات بنفس اللفظ، فهل يعتبر ذلك طلاقاً؟
يرجع حكم ذلك إلى قصده، فإن قصد بقوله ذلك الطلاق طلقت، وإن لم يقصد به الطلاق، فهو كذب يؤثم عليه، ويجب عليه أن يتوب منه، والله أعلم.
ما قولكم فيمن قال لزوجته: "واحد، اثنان"، قاصداً بذلك طلاقاً، فهل تطلق بذلك، وهل له مراجعتها؟
إن كان سبق بينهما حديث فيه ذكر للطلاق، وكان قوله: واحد، اثنان يفهم منه بناءً على ذلك الكلام أنه تطليقة وتطليقتان، فهي ثلاث تطليقات، ولا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه، أما إن نطق به مبتوراً فهو ليس من صريح الطلاق ولا من كنايته، والله أعلم. (2/190)
صفحة 610
ما قولكم فيمن قال لزوجته: "إذا دخل فلان بيتي بخروجك من البيت، فدخل، فهل يعتبر قوله لها طلاقاً إذا لم يقصد بذلك الطلاق؟ فلو حاكمته فهل عليه يمين أنه لم يقصد الطلاق؟
ليس هذا طلاقاً، فلا يقع به الطلاق ولا يمين عليه، والله أعلم.
ما قولكم فيمن يقول لزوجته: "اخرجي من بيتي"، وطردها ثلاث مرات، وفي الرابعة طردها وأعطاها صداقها الغائب، فهل يعد هذا طلاقاً؟
إن أراد بذلك الطلاق طلقت، وإن كان لم يرده لم يقع؛ لأن قوله: اخرجي من البيت مع إعطائها الصداق الغائب يدخل في باب الكنايات.
قلت لزوجتي: "واحد، اثنان، أنت طالق"، فهل تطلق بذلك؟ وهل يحق لي مراجعتها إن خرجت مني؟
نعم تطلق بذلك، وأما مراجعتها فحكمها راجع إلى قصدك بذكر الأعداد، فإن كنت قصدت بها تعداد الطلاق الذي طلقتها إياه، فقد بانت منك بالثلاث، ولا تحل لك حتى تنكح زوجاً غيرك نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه، وإن كنت لم تقصد ذلك وإنما جعلت قولك: أنت طالق مستقلاً عن ذكر الأعداد قبله طلقت واحدة، وفي هذه الحالة تجوز لك مراجعتها إن كان هذا الطلاق غبر مسبوق بتطليقتين من قبل، والله أعلم.
رجل قال: "عليّ الطلاق الثلاث أن لا أعود مرة أخرى"، يقصد بعوده إلى الاستمناء, وقد عاد إلى الاستمناء، وقد سأل في هذه المسألة شخص فقال له: عليك كفارة وقدرها عشرون ريالاً، وكان هذا منذ عشر سنوات، ولكن قلبه لم يطمئن إلى ذلك الرأي، فما رأي سماحتكم في هذه المسألة؟
هذا كلام غير صريح، فإن كان قصد به تعليق طلاق زوجته ثلاثاً إن هو عاد، فيعطى ذلك حكم التعليق وتطلق زوجته ثلاثاً إن هو عاد، وإن كان لم يقصد ذلك وإنما ما دل عليه ظاهر اللفظ، وهو إن فعل ذلك فعليه أن يطلق زوجته ثلاثا، فالطلاق لا يقع بذلك، والله أعلم.
فيمن قال لزوجته، وقد أرادت أن تذهب لزيارة إخوانها المرضى: "زين اذهبي ولا تعودي لمنزلي، فهل تعتبر بذلك طالق؟
إن كنت قصدت بذلك الطلاق وقع، وإلا فلا، والله أعلم. (2/191)
صفحة 611
فيمن قال لزوجته: "إذا دخلت بيت أهلك تعتبري خارجة مني" فخرجت، فهل يعتبر ذلك طلاقاً؟
إن قصد بقوله "خارجة مني" الطلاق، فالطلاق واقع وهو طلقة واحدة، وإن لم يقصد الطلاق، فالطلاق غير واقع، والله أعلم.
حدث شجار بين زوجي وبين الجيران، مما جعله يمنعني عن دخول منزلهم وقال لي: "إذا دخلت بيت الجيران الذي بيني وبينك ينتهي"، فما الحكم لو أني دخلت حيث يمنعني؟
إن كان قصده بذلك تعليق طلاقك على دخولك بيت جيرانك، فإن دخلته وقع الطلاق، والله أعلم.
ما قولكم في رجل طلب منه تعبئة استمارة، وكان من ضمن بنودها، معرفة إن كان متزوجاً أم أعزباً، فكتب أعزباً مع أنه متزوج، ولكن لم يدخل بها بعد، فهل يؤثر ذلك على زواجه، وهل يقع بذلك طلاق؟
لا يقع بذلك طلاق إن لم ينوه، ويحتمل أن يكون قصده بقوله أعزب أنه في ذلك الحال ليست عنده امرأته، فيكون صادقاً, والله أعلم.
ما قولكم فيمن قال لزوجته: "حرمتك ما دمت حياً"، قاصداً بذلك تطليقها طلقة واحدة، فهل تحرم عليه حرمة أبدية أم تجوز مراجعتها؟
إن قصدت بذلك طلقة واحدة فتطلق واحدة، وتحل مراجعتها، إن كانت هذه الطلقة غير مسبوقة بطلقتين من قبل، والله أعلم.
ما قول علماء المسلمين _ رحمهم الله _ عن رجل تشاجر مع زوجته، وفي أثناء المشاجرة قالت الزوجة لزوجها: طلقني، فقال لها الزوج: طلاقك معك، ثم سكتا قليلاً فقالت له: زدني فقال لها: ثلاثين، فهل فيما قاله يقع طلاق أم لا؟
قوله طلاقك معك من كنايات الطلاق، فإن قصد به الطلاق وقع، وإن لم يقصده لم يقع، والله تعالى أعلم.
فيمن قال لزوجته: طا، طا، طا، فهل يقع الطلاق؟
لا يقع الطلاق، حتى ينطق الكلمة التي تدل عليه تامة، والله أعلم. (2/192)
صفحة 612
عن رجل حصل بينه وبين زوجته شقاق؛ بسبب شك الزوجة في أن زوجها متزوج عليها بدون علمها، فحلف الرجل بطلاقها إن كان متزوج عليها، وعلى مر الأيام أخذ الرجل يردد: أنت تقولين مطلقة، مطلقة، لماذا لا تذهبين إلى بيت أخيك، فما قولكم في هذه المسألة؟
قوله: "أنت تقولين مطلقة، مطلقة" إن كان مراده بتكرار "مطلقة" فيه مجرد حكاية قولها فالطلاق غير واقع، وإن أراد إقرار طلاقها، فهي طالق حسبما نوى بتكراره، والله أعلم.
ما قولكم فيمن طلق امرأته ثلاث مرات، وادعى أنه طلاقان، وذلك لأن واحداً كان بدون وعي منه، فهل تقبل دعواه؟
لا تقبل دعواه أنه كان غير واع عندما طلق، حتى يثبت ذلك ببينة تطمئن إليها النفس، ويسكن إليها القلب، والله أعلم.
شخص لفظ كلمة الطلاق عدد ثلاث مرات أمام زوجته، ووالد زوجته، ووالدته، وبعد انتهائه من لفظ كلمات الطلاق احتجت والدة الشخص المطلق، وقالت إذا أخرجت زوجتك من البيت فأنا أخرج برفقتها، ثم رد عليها: طالقة عشر مرات وليس ثلاث فقط، علماً بأن الشخص لفظ كلمات الطلاق دون أن يوضح من يقصده بذلك، نرجو إفادتنا، هل تحل له هذه الزوجة أم ثبت طلاقها؟
لا يشترط ذكر اسم المرأة المطلقة ما دام القصد واضحاً، والقرائن تدل عليه، وقد جاء في السؤال أنه عندما اعترضت عليه والدته في خروج زوجته من البيت، أجاب أنها مطلقة عشر مرات لا ثلاثاً فحسب، إن ذلك ليوضح تمام الإيضاح أنه لم يقصد غيرها، هذا وهي بذلك تبين منه، ولا تحل له أبداً حتى تنكح زوجاً غيره، والله أعلم.
فيمن يكرر دائما على زوجته قوله: "إن فعلت كذا احملي حقي على رقبتك، وإن فعلت كذا اعطني حقي"، فهل تطلق المرأة بهذا اللفظ؟
ليس هذا طلاقاً، فلا يقع به طلاق، والله أعلم.
ما قولكم فيمن قال لامرأته لفظة: "تالق"، فهل يقع الطلاق؟
إن كان من عادته قلب الطاء من طالق تاء، أو كانت تلك لغة قصدها، وقع الطلاق، والله أعلم. (2/193)
صفحة 613
رجل قال لزوجته: "لو بطلاق زوجتي ما أزوج أختي لفلان"، ثم بعد ذلك زوج أخته لفلان هذا، فهل تطلق زوجته بذلك؟
لا تطلق امرأته بمجرد هذا القول، إذ هو ليس من صريح ألفاظ الطلاق ولا من كناياتها، والله أعلم.
الطلاق قبل النكاح:
فيمن حرم على نفسه أن يتزوج بامرأة، فهل يصح زواجه بها إن رغب فيها وأرادها؟
المحرم هو الله عز وجل، وليس العبد { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ } ( ) فعليه التوبة إلى الله مع اعتقاد الحق، وهو أنه لا حرام إلا ما حرم الله، ولا حلال إلا ما أحل الله، وليتزوج المرأة وليكفر كفارة يمين، وهي إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، فإن لم يجد فليصم ثلاثة أيام، والله أعلم.
رجل خطب امرأة من وليها، فوافق الولي على التزويج على أن يتم العقد بعد شهر، فقال الولي للخاطب: أخاف إن زوجناك أنك تطلق، فقال الخاطب بلفظ المتعجب: أطلق، فبقي الرجل بداخله الوساوس خوفاً من أن تكون هذه الكلمة لها تأثير على علاقته بزوجته بعد العقد؟
لا يقع طلاق قبل عقد الزواج، لقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "لا طلاق قبل النكاح"( ) ولو صرح به ونواه، فكيف وكلمة: أطلق، إن قصد بها معنى إيجابياً لا تعني الطلاق منجزاً وإنما تدل على مجرد وعد بالطلاق، والوعد لا يقع به الطلاق حتى ينجزه، مع أنه لم يقصد بها إلا مجرد الاستنكار، فليدفع عن نفسه الوساوس وليتزوج على بركة الله، والله أعلم.
هل معنى قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "لا طلاق إلا بعد نكاح" أنه لا يقع طلاق قبل عقد النكاح ولو تكرر ذلك منه؟
نعم، الطلاق لا يقع على غير الزوجة، فلو طلق أحد امرأة قبل زواجه بها لم يكن ذلك الطلاق شيئاً، ولو كرره ألف مرة، والله أعلم.
الطلاق بالكتابة: (2/194)
صفحة 614
ما قولكم فيمن طلق زوجته بالكتابة، فهل طلاقه واقع؟
اختلف العلماء في الذي يكتب طلاق امرأته دون أن يتلفظ به، هل يكون له حكم الطلاق أم لا؟، والراجح أن الطلاق يقع بالكتابة كما يقع بالقول؛ لأن القلم أحد اللسانين، وهو يعبر عن كل ما يعبر عنه اللسان ويفهم عنه ما يفهم عن اللسان، فلا مناص عن وقوع الطلاق، واحتجاج القائلين بخلاف ذلك بقول الله تعالى: { قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا } ( ) مردود بأن الآية أدل على الطلاق منها على خلافه، فإن الاستثناء دليل على أن المستثنى من جنس المستثنى منه، وإذا كان ذلك في مطلق الرمز فكيف بالكتابة التي هي أكثر دلالة وأبين معنى؟ والله أعلم.
ما رأيكم في من كتب إقراراً بطلاق زوجته، ثم مزق هذا الإقرار بعد شهر، علماً بأنه لم يعلم به أي أحد، فهل يعتبر هذا الإقرار طلاقاً؟
نعم يثبت طلاقه، والقلم أحد اللسانين، فهو حجة على صاحبه، والله أعلم.
ما قولكم فيمن طلق زوجته بواسطة رسالة دون لفظ منه، أيقع الطلاق أم لا؟
الطلاق واقع على الصحيح، وإن لم يكن هذا الطلاق مسبوقاً بطلاقين من قبل فلا مانع من مراجعتها، وذلك بإشهاد شاهدين على الرجعة قبل انتهاء عدتها، ويخبرها الشاهدان بالرجعة قبل أن يواقعها الزوج، والله أعلم.
ما قولكم في رجل كتب طلاق زوجته في رسالة، ثم ندم على ذلك وتدارك الرسالة قبل وصولها إلى زوجته، فهل يقع طلاقه على ذلك؟
القلم أحد اللسانين، والكتابة كالنطق فتطلق المرأة سواء وصلتها الرسالة أم لم تصلها، هذا هو القول الصحيح، والله أعلم.
التوكيل في الطلاق:
حصل خلاف بيني وبين زوجتي بسبب أهلها، وكنت على أهبة السفر فقلت لوالدي: أنا مسافر وافعلوا ما تريدون وأنا راض به. فذهب والدي بعد ذلك وطلق المرأة، فهل يقع الطلاق على هذا، أو لا بد أن أصرح له الأمر بتطليقها حتى يقع الطلاق؟ (2/195)
صفحة 615
إن كنت أردت بما قلته لأبيك تفويضه في طلاق امرأتك فالطلاق واقع، وإلا فالطلاق غير واقع إلا إن أتممت ما فعله، والله أعلم.
فيمن قال أمام جماعة من الناس: الذي يقوله فلان أنا أتمه، فقال هذا الفلان: زوجتك طالق، فهل يقع بذلك طلاق؟
لا يقع بذلك طلاق إلا إن أتمه الزوج بعد تطليق الآخر لها، أو يكون قصد الطلاق بما قاله له من قبل، هذا ما أراه فلينظر فيه، والله أعلم.
ما قولكم في رجل أوكل إلى آخر أن يطلق له زوجته، فأخبر هذا الأخير أم الزوجة بأن فلان أمرني أن أطلق فلانة، ولكن الوكيل لا يدري إن كان موكله أمره أن يطلق طلقة واحدة أم ثلاثاً، ثم بعد مدة توفي الوكيل والآن الرجل يريد أن يرد زوجته فهل يصح ذلك؟
الأصل في الطلقة أنها طلقة واحدة حتى يثبت خلاف ذلك، وعليه فله أن يراجعها في العدة إن لم تكن هذه الطلقة مسبوقة بطلقتين من قبل، والله أعلم.
الطلاق بالنية:
اطلعت على الاختلاف في مسألة طلاق النفس هل هو واقع أو لا؟ وقد استدل القائلون بعدم وقوعه بالحديث المروي عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ "إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به نفسها ما لم تتكلم به أو تعمل"، فهل هذا الحديث ثابت عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ؟
نعم هو حديث ثابت، على أن الطلاق حل لما عقد بالقول، فلا يكون إلا بالقول، كما أن العقد لا يكون إلا بالقول، والله أعلم.
فيمن نوى أن يطلق زوجته، وقد أخبر أخاها بذلك وعلمت هي بنيته، فهل يقع الطلاق بنيته؟
إن كان لم يقل لها: "طلقتك" أو نحو هذا من القول، فالطلاق غير واقع بها، والله أعلم.
فيمن يجول بخاطره طلاق زوجته، وأحياناً يخبر عما ينويه، فهل تطلق الزوجة بذلك؟
إن كان أخبر عن مجرد النية ولم يقل أنه طلقها، فلا تطلق بمجرد النية أو بإخباره عنها، والله أعلم.
طلاق الحاكم: (2/196)
صفحة 616
فيمن سافر مع زوجته إلى إحدى الدول فتركها هنالك ولم يسأل عنها، فاضطرت إلى العودة إلى بلدها ومضت سنوات دون أن يتصل بها، فأبلغت المحكمة فتم الاتصال به عن طريق المراسلة، وطالبوه بالرجوع غير أنه لم يستجب لهم، وعاودوا الكَرة مرة بعد مرة لكن دون فائدة، فاضطرت المحكمة بأمر القاضي إلى تطليق المرأة، ثم أنها اعتدت عدة الطلاق، وبعد عامين رجع الزوج وعاشر زوجته، ولما أخبر قال إنه لم يطلق زوجته وإنما المحكمة هي التي طلقتها، علماً أن أغلب المحاكم في تلك الدولة غير شرعية، فهل يثبت طلاق هذه المرأة، وما حكم تصرف الزوج؟
إن كان الحاكم بالطلاق اعتمد على أصل شرعي وبنى حكمه عليه وكان عارفاً بالأحكام الشرعية، فطلاقه ماض، وليس للزوج في هذه الحالة أن يعود إلى المرأة إلا بأن يتزوجها بعقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية، وإن كان الحاكم بالطلاق جاهلاً بأحكام الفقه أو تعمد بناء حكمه على قوانين وضعية لا على أسس شرعية، ففي هذه الحالة لا يعد حكمه شيئاً، وللرجل أن يتمسك بزوجته، وعليه أن يجبر تقصيره في حقها بحسن الوفاء لها وجميل صحبته معها، والله أعلم.
ما قولكم في امرأة جاءت تدعي على زوجها أنه طلقها ثلاثاً والزوج ينكر طلاقها، فأتت بثلاثة شهود وهم: والدي زوجها، وامرأة أخرى، المرأة شهدت، والأب والأم كتما الشهادة، فقام القاضي بسجن الأب والزوج فاعترف أنه طلقها مرة واحدة، فما الحكم في ذلك؟ فإن قلت عليه يمين فيحتمل تجاسره على الحلف كما تجاسر على نكران الطلاق أول الأمر، فكيف يمكن للمرأة أن تعيش مع رجل قد طلقها بالثلاث هذا إذا أراد ردها إليه؟
إن قامت بينة عادلة بموجب دعواها فذلك، وإلا فلها عليه أن يحلف يميناً بالله تعالى بأنه لم يطلقها إلا واحدة، فإن حلف كان أملك برجعتها ما لم تنقض عدتها، والله أولى بأمره، والشرع لا يحكم إلا بما ظهر، وعليها أن تتخلص منه بما يمكنها من فدية، وإن انتهت عدتها فهي أملك بنفسها، والله أعلم. (2/197)
صفحة 617
لقد قام القاضي بتطليق زوجتي بدون رضىً مني، وذلك بسبب عدم استطاعتي على مواقعة النساء، علماً بأني مصاب بهذا المرض قبل الزواج، وقد قمت بإجراء عملية جراحية وأنا بصدد العلاج، فما الحكم الشرعي في ذلك؟
سبق السيف العذل، وقد كان الأولى بك أن تعالج نفسك قبل الزواج، حتى لا تدخل الهيجاء بغير سلاح، والسلام عليك.
إذا طلق القاضي المرأة من زوجها، فهل تلحقها بعد ذلك تطليقات زوجها إن أوقعها الزوج في عدتها من تطليق القاضي أم لا تلحقها، فيجوز له مراجعتها ولو تمت بها الثلاث؟
يلحقها الطلاق في العدة عندما يكون للزوج الحق في رجعتها، والتي يطلقها القاضي لا حق للزوج في مراجعتها؛ لأن المراجعة في هذه الحالة مصادمة لحكم القاضي الشرعي، وبهذا تعد بائنة بينونة صغرى، لذلك لا أرى وجهاً للحوق طلاق الزوج لها فيما بعد، والله أعلم.
تقدمت إلى المحكمة الشرعية امرأة تطلب الطلاق من زوجها؛ لعدم إنفاقه عليها وعلى أولادهما، وعدم توفير سكناً لهم وتقصيره الشديد في حقها وحق أولادهما، وكل ذلك بسبب تعاطيه المسكرات ولهوه وعدم مبالاته، كما أنه لا يمتلك شيئاً يمكنه الإنفاق منه، علماً أنه قد تعهد عدة مرات بأداء ما عليه من واجبات تجاه زوجته
وأولاده، إلا أنه لم يف بما وعد، ولم يشعر بالمسئولية، وهو رافض أن يطلق زوجته ولو تم حبسه مدة طويلة، إذ أن أكثر وقته داخل الحبس فلا تأثير للحبس عليه في إجباره على الطلاق، وهو على هذه الحالة منذ عدة سنوات، والآن هذه المرأة ما زالت تتردد إلى المحكمة لإنهاء قضيتها، فما رأي سماحتكم في ذلك؟
يرفع عنها الضرر، ويطلقها القاضي الشرعي، وذلك من باب رفع الضرر، وهو من واجبات القاضي، والله أعلم وهو ولي التوفيق.
إن اختلف الزوجان وحكّموا الحكمين، فاتفق الحكمان على تطليق الزوجة من زوجها، فهل يلزمهما حكم الحكمين أم لا؟ (2/198)
صفحة 618
اختلف العلماء في الحكمين، هل لهما أن يطلقا أو أن مهمتهما الصلح فقط، وبما أن المسألة خلافية فإن حكم القاضي هو الذي يرفع الخلاف فيها، والله أعلم.
هل الطلاق الذي يتم في محكمة شرعية من قاض شرعي يعتبر طلاقاً ماضياً، وهل للمحكمة التراجع عنه بعد إمضائه؟
إن كان هذا الطلاق مبنياً على أسس شرعية؛ لرفع الضرر عن المرأة فهو ماض شرعاً، ولا سبيل للزوج إليها، اللهم إلا إن تزوجها بعقد شرعي مع جميع لوازمه الشرعية، وهي: رضاها، وإذن وليها، وصداق جديد، وشاهدان، وليس للمحكمة التراجع عن ذلك الطلاق بعدما أمضته بحكم شرعي، فإنه تراجع عن الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال، والله أعلم.
هذا الاستفتاء ورد من قاضي محكمة سمد الشأن، حضر عندي أحد المواطنين ومعه فتوى منكم، في قضية طلاقه لزوجته، وقد أحضر والد المرأة، وقال: ما عندي مانع ولكن الرجل طلق طلاق الثلاث على حضرة شاهدين، من أجل هذا توقفت عن رد هذه المطلقة على زوجها حتى أسمع كلام الشاهدين، فحضرا على يد الشيخ نائب القاضي بالمحكمة فشهدا بطلاق الثلاث، والآن الذي أشكل علينا أن الرجل يقول لم يطلق إلا طلاقاً واحداً، والمرأة تقول ما طلقت إلا واحداً، فهل يسعنا السكوت أم لا، علماً بأن الشاهدين من مستوري الحال؟
إن كان الشاهدان عدلين فلا تصغ إلى كلام الزوجين، فإن في هذا حقاً لله عز وجل، والله أعلم.
التعليق: ( )
قال رجل إنه طلق زوجته طلقتين، وبعد ذلك قال لها: إن خرجت من البيت فأنت طالق، فخرجت، فما الحكم في ذلك؟
بما أن الرجل اعترف أنه طلقها طلقتين، ثم علق طلاقها على خروجها فخرجت، فقد بانت منه بالثلاث، فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه، والله أعلم.
ما قولكم في رجل قال لزوجته: "والله العظيم لو جامعتك خلال شهر فأنت طالق" ثم إنه جامعها قبل إنقضاء الشهر، فماذا عليه في ذلك؟ (2/199)
صفحة 619
تطلق منه بمجرد إيلاجه الحشفة في فرجها، فإن استمر بعد ذلك على جماعها فذلك زنى يحرمها عليه، وقد كان المخلص له في طعنها طعنة مغيبة للحشفة، وفي أثناء ذلك يشهد شاهدين على المراجعة قبل أن يزيد، على أن يكون فعلة ذلك في حال الستر، والشهود من وراء الستر، والله أعلم.
قلت لامرأتي: "إذا قلت زوجي ما يعطيني فلوساً فاعتبري طالقة بالثلاث" فقالت: "كان زوجي ما أعطاني فلوساً"، فهل يقع الطلاق في هذه الحالة أم لا؟
الظاهر من أمركما أنك قلت لامرأتك فيما قلته لها: "إن قلت إن زوجي ما يعطيني فلوساً فأنت طالق ثلاثاً"، وهي لم تقل ذلك وإنما قالت "كان ما أعطاني"، فاختلفت الصيغتان الصيغة المعلق عليها والصيغة التي قالتها؛ لأن الأولى بلفظ المضارع والثانية بلفظ الماضي؛ لذلك لا نرى وقوع الطلاق بما قلته، والله أعلم.
قلت لزوجتي على إثر خلاف بيننا: "إذا خرجت من البيت فأنت طالق"، وكان قصدي بالخروج خروجها الذي يكون كردة فعل منها؛ بسبب النزاع لا مطلق الخروج، ثم اصطلح الأمر بيننا، وبعد مدة خرجت بسبب نشوب الخلاف في أمر آخر غير الأمر الأول، فهل تطلق بذلك، وهل لي مراجعتها؟
بما أنك أطلقت القول من ناحية، ومن ناحية أخرى خرجت هي بسبب كلامك، فالطلاق واقع، ولكن إن كنت لم تطلقها طلقتين قبل هذه الطلقة، فلك أن تراجعها بإشهاد شاهدين أنك رددتها إلى عصمة الزوجية بصداقها وعلى ما بقي من طلاقها, ويخبرها الشاهدان بذلك قبل أن تواقعها وذلك خلال عدتها, أما إن انتهت من عدتها فلابد من عقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية، والله أعلم.
قلت لزوجتي: "إن صافحت رجلاً أجنبيا فأنت حرام عليّ"، فهل يقع بذلك طلاق؟ (2/200)
صفحة 620
إن كنت قصدت بقولك "حرام عليّ" الطلاق أو الظهار، فذلك مرده إلى نيتك, فإن قصدت به الطلاق وصاحفت رجلاً أجنبياً ـ أي غير ذي محرم منها ـ طلقت منك طلقة واحدة, وتجوز لك مراجعتها في أثناء العدة بإشهاد شاهدين أنك راجعتها بصداقها وعلى ما بقي من طلاقها, وإن كانت عدتها انتهت فلا بد من عقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية, وإن كنت قصدت به الظهار، فعليك أن تكفر بعتق رقبة، فإن لم تجدها فصيام شهرين متتابعين، فإن لم تستطع فبإطعام ستين مسكيناً, وذلك كله قبل المسيس, وإن كنت لم تنو به طلاقاً ولا ظهاراً فحكم ذلك حكم اليمين, وعليك إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة, وعلى العاجز عن جميع ذلك صيام ثلاثة أيام وهي كفارة اليمين, وذلك الذي ذكرناه كله بعد مصافحتها لرجل أجنبي، والله أعلم.
أردت أن أمسح المخاط عن ابني بثوب زوجتي فلم ترض بذلك, فقلت: "إذا لم أنظفه بثوبك فأنت طالق" فلم ترض، غير أني سحبت ثوبها ونظفته به، فهل يقع بعد ذلك طلاق؟
ما الداعي لهذا الشقاق والتلاعب بالطلاق؟ أهذا هو الإمساك بالمعروف الذي أمر الله به في قوله: { فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ } ( ), والعشرة بالمعروف التي حض عليها بقوله: { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } ( ), أو أن هذه هي الغطرسة والعناد؟ فمالك ولثوبها تدنسه بالمخاط هلا استعملت في ذلك ثوبك؟ أو أنك اغتررت بقوتك وتطاولت على ضعفها؟ فحسبك الله ذو القوة المتين الذي ينصف المظلوم من ظالمه, ثم لم تكتف بذلك حتى أقحمت الطلاق في هذه التفاهة, أين العقول معشر الرجال؟
هذا وأما الطلاق فهو غير واقع؛ لأنه علق على عدم شيء وقد كان ذلك الشيء ـ وإن كان معصية ـ فلا يقع طلاقها، وإنما عليك إصلاح ما أفسدت من ثوبها، كما عليك أن تجبر خاطرها، وأن ترضي ضميرها، والله أعلم وهو ولي التوفيق. (2/201)
صفحة 621
فيمن وقع خلاف بينه وبين صديقه, فقال له: "زوجتي طالق إن دخلت بيتك ثانية"، فهل يقع الطلاق إن دخل بيت صديقه؟
بئس ما فعله هذا الأرعن، الذي لا يقدر العلاقة الزوجية حقها, فيعرضها للانفصام لأسباب تافهة لا ناقة لزوجته فيها ولا جمل, ومثل هؤلاء الحمقى ليسوا أكفاء للاقتران بالنساء الفضليات, والواجب على من أراد الزواج أن يتعلم الحقوق الزوجية, وأن يعرف لماذا شرع الطلاق، ومتى يسوغ شرعاً وعقلاً إيقاعه, هذا ويقع الطلاق المعلق بوقوع المعلق عليه, فتطلق امرأة هذا القائل بدخوله بيت صديقه كما قال، والله أعلم.
فيمن قال: "إذا ركبت زوجتي سيارة في هذا اليوم فهي طالق بالثلاث" ولم تركب المرأة في ذلك اليوم وإنما ركبت في يوم آخر, فظن الرجل أن زوجته قد طلقت بذلك, فذهبت إلى المحكمة وقال لهم "بأني طلقت زوجتي بالثلاث وأريد شهادة على هذا", وقد مضى على ذلك عدة أشهر, ويسأل إن كان الطلاق واقعاً بهذا أم لا؟
يركب أحدكم الأحموقة ثم يسعى إلى الناس في طلب حلها, لم تكتف بارتكابها أول مرة إذ علقت طلاق الثلاث على ركوب زوجتك السيارة في ذلك اليوم, بل ارتكبتها مرة أخرى بتطليقها ثلاثاً مع عدم ركوبها في نفس اليوم كما قلت, والإنسان مؤاخذ باعترافه, أما من حيث الحكم فيما بينك وبين الله فالطلاق غير واقع إن كنت لم ترد إنشاء طلاق باعترافك, وأما في الحكم الظاهر فأنت مؤاخذ باعترافك كما قلت، والله أعلم.
قلت لزوجتي: "بالطلاق إلى ذهبت إلى بيت أهلك"، وبعد مدة قلت لها مرة أخرى: "بالطلاق زوجتي لم تسكن هذا المنزل)، وأقصد بذلك منزل أخي، فهل يعتبر ذلك طلاقاً؟ (2/202)
صفحة 622
بئس ما صنعت وساء ما عملت، قبح الله الجهل والجاهلين، ما أراك إلا تركت زوجتك شبحاً للطلاق من غير بصيرة ولا وعي، أما من حيث الحكم فقولك: "بالطلاق إلى ذهبت إلى بيت أهلك" فهو أشبه بالهذيان منه بالكلام المفهوم، فإن كنت قصدت به تعليق طلاقها على ذهابها إلى بيت أهلها، فإنما تطلق إن ذهبت لا إن لم تذهب، وأما قولك: "بالطلاق زوجتي لم تسكن هذا المنزل" فالراجح في مثله عدم وقوع الطلاق؛ لأنه مجرد قسم بغير الله يأثم صاحبه من غير أن يقع به طلاق، ولا تنعقد به يمين، وبالجملة فلا أراك إلا متهوراً، والله أعلم.
طلقت زوجتي مرتين؛ وذلك بسبب الخلافات التي تنشب بيننا باستمرار، وكانت تصر دائماً على طلب الطلاق، وفي المرة الأخيرة قلت لأولادها: "إن كانت هي مصرة على الطلاق فهي طالق" فهل هذا الطلاق واقع أم لا؟
هذا طلاق معلق على إصرارها على طلب الطلاق، فإن كانت مصرة على ذلك فالطلاق ماض، وتبين منك بهذه الطلقة لأنها ثالث، فلا تحل لك حتى تنكح زوجاً غيرك نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه، وإن لم تكن مصرة فلا، والله أعلم.
فيمن قال لزوجته: "إن رسب أولادك في الدراسة هذه السنة فأنت طالق"، وقد رسب بعض أولادها في بعض المواد فقط وليس رسوباً تاماً، فما الحكم في ذلك؟
الطلاق يقع إن أوقع بصريح العبارة ـ ولو لم ينوه المطلق ـ ففي الحديث" ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة"، وفي هذه المسألة المرجع في الحكم إلى قصده، فإن قصد بما قال تعليق طلاقها على رسوب جميع أولادها أو بعضهم فبحسب قصده يقع الطلاق، وكذلك إن قصد مطلق الرسوب ولو في بعض المواد، أو في جميعها، والأحوط أن يراجعها بإشهاد شاهدين في عدتها على المراجعة إن كان هذا الطلاق لم يسبق بطلاقين من قبل، والله أعلم.
فيمن قال لزوجته: "إن أمرت أحداً من أبنائي أن ينام في غير بيتي فأنت طالق"، فماذا على الزوجة أن تفعل للخروج من هذا المأزق؟ (2/203)
صفحة 623
في هذه الحالة عليها أن تتفادى أمر أي واحد من أبنائه بأن ينام في غير بيته، وإن شاءوا الخروج فليخرجوا بأنفسهم؛ لئلا تعرض نفسها للطلاق، والله أعلم.
رجل له زوجتان حصل خلاف بينه وبين إحداهما، وعندما حاول إرضاءها شرطت عليه بعض الشروط وكتبتها في ورقة، ومن ضمن هذه الشروط أنه إذا ذهب إلى زوجته الأخرى تطلق هي منه، والزوج لم يطلق وإنما وافق على هذا الشرط، فما الحكم في ذلك؟
إن كان علق طلاق زوجته الأولى على ذهابه إلى بيت زوجته الثانية بلسانه أو قلمه، فطلاقها يقع بوقوع المعلق عليه، وإن كان لم يكن ذلك منه، فلا يقع طلاقها، والله أعلم.
فيمن قال: "زوجتي طالق ـ ثلاث مرات ـ إن أتى أبي بشيء إلى بيتي"، وذلك لأن إخوته يعيرونه بمساعدة أبيه له؟
بئس ما قاله الابن، فقد عق أباه وأساء إلى زوجته، وما الذي يقحم هذه الزوجة المسكينة في أمر بينه وبين إخوته، ولكنها الحماقة وعدم مراقبة الله، ومراقبة الذمم التي فرض على عباده مراقبتها، هذا وحكم طلاقه هذا أنه معلق على إتيان أبيه بشيء إلى بيته، فإن وقع المعلق عليه وقع الطلاق، وإنما النظر في نوع الطلاق، فهو إما أن يكون قال لهم: "إن أتى أبي بشيء إلى بيتي فزوجتي طالق ثلاثاً"، وفي هذه الحالة تبين منه بالثلاث، إن أتي أبوه بشيء إلى بيته، ولا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه، وإما أن يكون قال لهم: "إن أتى أبي بشيء إلى بيتي فزوجتي طالق"، وكرر ذلك ثلاث مرات، فهنا تطلق واحدة إن لم يقصد بتكراره التأسيس، والله أعلم. (2/204)
صفحة 624
ما قولكم في رجل يمنع زوجته عن أشياء، ويعلق طلاقها بفعله، كأن يقول لها: "إذا ذهبت إلى بيت أهلك فأنت طالق، وإن تكلمت بالهاتف فأنت طالق"، وهذا دأبه ثم يسمح لها بعد ذلك، وفي يوم من الأيام قال لها: "إذا لم تعودي من عملك إلى البيت الساعة الثامنة والنصف فاعتبري نفسك طالقاً"، وقد قصد بذلك تهديدها، وقد تأخرت الزوجة عن الوقت الذي حدده لها زوجها ـ بسبب عدم وجود السيارة ـ مما اضطرها إلى أن تذهب إلى بيت أمها، وتأخر وصولها إلى بيتها، فهل بتأخرها هذا وهي مضطرة تطلق من زوجها؟ أفتونا مأجورين.
إذا علق طلاقها على أمر، ففعلت ما علق عليه الطلاق طلقت منه ـ وإن سمح لها أن تفعله ـ إذ لا عبرة بسماحه لها، ولا يهدم ذلك إنشاءه الطلاق المعلق على فعل ما سمح لها أن تفعله، اللهم إلا إن كان قيد في تعليقه وقوع الطلاق بما إذا فعلت ذلك الأمر بدون إذنه، ثم أذن لها في فعله ففعلته بإذنه، فهنا لا يقع الطلاق؛ لعدم وقوع المعلق عليه كما هو، ولا ريب أنه إن علق طلاقها على عدم عودتها إلى البيت إلى ساعة معينة، فلم تعد إليه إلى تلك الساعة، فطلاقها ماضٍ، ولو كان قصد به مجرد التهديد إذ لا هزل في الطلاق، كما ثبت في الحديث: "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة"، والله أعلم.
ما قولكم فيمن حدث بينه وبين زوجته شجار في حوالي الساعة الثانية عشر والنصف ليلاً فقال لها: "إن بت في هذا البيت اليوم فأنت طالق ستين طلاقاً"، فخرجت المرأة من الغرفة التي كانا فيها ونامت في غرفة أخرى، ثم إنه حملها إلى بيت أهلها في الساعة الثالثة ليلاً من نفس اليوم، فما الحكم في هذه المسألة؟
إن باتت أكثر الليل في ذلك البيت، بحيث مضى نصف الليل ولم تخرج بانت منه بالثلاث، وما زاد فوزر عليه، ولو خرجت من نفس الغرفة وباتت في غرفة أخرى؛ لأن البيت نفس البيت الذي علق طلاقها على مبيتها فيه، والله أعلم. (2/205)
صفحة 625
ما حكم من قال لزوجته وهو في مرض موته: "إذا أنا مت فأنت طالق"؟
لا أثر لهذا الطلاق، وعليها عدة الوفاة، ولها الميراث الذي تستحقه بالزوجية، والله أعلم.
قلت لزوجتي: "بالطلاق وتمشي مكان ما، والطلاق تطلعي من الباب إلا بإذني"، وبعد أن هدأت النفوس واستغفرت الله، سمحت لها بالخروج من غير إذني إذا أرادت، فهل يقع الطلاق؟
إن كنت قصدت بهذا أنها إن مشت إلى أي مكان وقع طلاقها، فإن مشت إلى أي مكان فالطلاق واقع لا مناص منه، وإن كنت أضمرت في قرارة نفسك، أنها إن فعلت ذلك بدون إذنك وقع طلاقها ـ ودلت القرائن على هذا الإضمار ـ فطلاقها يقع، إن خرجت أو مشت بدون إذنك، وإن أذنت لها فلا طلاق يقع عليها، والخلاصة أن مرد هذه القضية إلى نيتك وضميرك، والله أعلم.
فيمن قال لزوجته: "إن بايعت الرجال بطلاقك" والرجل عنده متجر، فجاء شخص ليشتري من ذلك المتجر فامتنعت المرأة عن مبايعته، لكنه أخذ حاجته بنفسه، ووضع النقود على الطاولة، فهل يقع الطلاق على هذه الصورة؟
بما أنها لم تبايعه، وإنما أخذ حاجته بنفسه كما جاء في السؤال، فإن الطلاق لم يقع، والله أعلم.
رجل غضب على زوجته وقت ذهابها إلى بيت أهلها، وقال: "إما أن تأتي الآن وتطبخي لي الغداء أو تطلقي بالثلاث"، فخرج الرجل من ساعته من بلده إلى مسقط، وعندما بلغ الزوجة قوله، بادرت فوراً بالمجيء إلى بيته فلم تجده، فما قولكم في هذا التطليق هل يقع؟ وهل يؤثر عدم تمكنها من طبخ الغداء لزوجها لكونه غير موجود في البيت؟
إن لم يتحقق الطبخ والمجيء فالمرأة طالق بالثلاث، كما علق بنفسه ذلك على عدم فعلها الأمرين، وبما أنها فعلت أحدهما، وقع طلاقها والله المستعان، هذا ما ظهر لي فانظر في ذلك، والله أعلم. (2/206)
صفحة 626
فيمن قال لزوجته: "إذا سرت بيت فلان أو كلمتيهم، محرمنش بالثلاث"، وقد كرر هذا اللفظ مرتين، وبعد مدة اتصل أحد أهل البيت، الذين نهى الرجل زوجته أن تكلمهم في الهاتف، فكلمته المرأة، فهل يقع الطلاق بذلك؟
لقد أجبت عن هذه المسألة أكثر من مرة، بأن تكليمها لذلك الرجل يؤدي إلى حرمتها على الزوج كما علق بنفسه، وأمر الطلاق من خطاب الوضع لا عبرة فيه بالعمد وعدمه، والله أعلم.
فيمن قال لزوجته: "إذا دخلت بيت زوج أختك فأنت طالق"، وبعد مدة حصل زوج أختها على بيت آخر فدخلته، فهل تطلق بذلك؟
مرد ذلك إلى نية الزوج، فإن قصد بقوله: "بيت زوج أختك" بيتاً معيناً، فلا يقع الطلاق بدخولها غيره، وإن قصد به أي بيت يملكه، فتطلق بدخولها أي بيت يملكه، ولو لم يسكنه، وهذا لأن الإضافة تأتي لما تأتي له الألف واللام من المعاني، والله أعلم.
حضر إلينا في المحكمة رجل وقال: قبل قرابة شهرين قلت لزوجتي: "إذا انتقلت أختي إلى المعمورة وزرتها فبطلاقك"، وقد انتقلت أختي إلى المعمورة قبل حوالي أسبوعين، وذهبت لأزورها بعد انتقالها مرتين، وقد جامعت زوجتي بعد أن ذهبت لزيارة أختي مرتين، وكنت أقصد إذا انتقلت أختي إلى بيت معين في المعمورة، وهي لم توفق في استئجار ذلك البيت، وإنما استأجرت بيتاً آخر في المعمورة، ولم أنطق بلساني، وإنما كنت أقصده في قلبي، فما رأيكم، هل يقع الطلاق؟
أرى أن تدعو الزوجة وتسألها، هل فهمت من قوله الذي قاله لها الاطلاق أو التقييد، حسب دعواه في كلامه الأخير، فإن كانت فهمت منه التقييد فالمسألة أهون؛ لأنها مصدقة له بدعواه، وإن كانت فهمت منه الاطلاق ـ أي إن انتقلت أخته إلى أي بيت في المعمورة ـ ففي حكم الظاهر طلقت منه، ووطؤه لها قبل مراجعتها يحرمها عليه، والله أعلم. (2/207)
صفحة 627
حصل نزاع بيني وبين زوجتي بسبب العمل، فقلت لها: "والله إذا عملت فأنت طالق"، فهل يتم الطلاق بمجرد مباشرتها التسجيل، أم بمباشرة العمل؟ وهل له أن يتراجع عن هذا الطلاق، أم لا؟
لا يمكن تدارك التعليق للطلاق، فمتى وقع المعلق عليه وقع الطلاق، وبما أنك علقت طلاقها على عملها، فمتى عملت وقع طلاقها، وذلك بمباشرتها للعمل، والله أعلم.
لزوجتي أعمام وعمات وأخوال فقلت لها: "إن ذهبت إلى غير هؤلاء فأنت طالق" ولم أقصد بهذا المنع الجيران القريبين من البيت، وقد دخلت المرأة بيت أحد الجيران، فذهبت إلى الشيخ قاضي جعلان؛ فأخبرني بأن المرأة طلقت بذلك، فأرجعنا المسألة إليك لبيان الجواب فيها؟
من الأحوط لك أن تشهد شاهدين على مراجعتها قبل أن تنتهي عدتها، وذلك للخروج من عهدة الخلاف، والله أعلم.
قلت لزوجتي: "إذا نظرت إليك فلانة مرة أخرى، ولم تنازعيها تراه بطلاقك"، فما الحكم في ذلك؟
إذا نظرت إليها فلانة، ولم تنازعها طلقت، والله أعلم.
فيمن قال لزوجته: "إذا كلمت فلانا، أو دخلت بيته، فأنت طالق"، وقد دخلت الزوجة ذلك البيت وكلمت الرجل، فهل تطلق بذلك؟
تطلق طلاقين؛ بدخولها وبتكليمها إياه، والله أعلم.
ما قولكم في رجل قال: "حرام عليّ زوجتي بالثلاث، إن لعبت الورق أو لمستها"، ثم بعد مدة حضر مجلس تلعب فيه هذه الأوراق، فهل تطلق زوجته بذلك؟
بئس ما قال فإنه خاطر بأهله، ولكن إن كان لم يلعب بهذه الأوراق، ولم يلمسها، فلا تطلق امرأته بحضوره مكان اللعب بها، والله أعلم.
رجل حدث بينه وبين زوجته خلاف حول كيس أغراض، فقال لها: "إذا لم تطلقي الكيس فأنت طالق" فأطلقته، فما قولكم في ذلك؟
إذا أطلقت الكيس، لم تطلق، والله أعلم.
ما قولكم في امرأة أثارت ضجة مع زوجها، فقال لها: "إن لم تمتعني عن ذلك، فأنت طالق بالثلاث"، فسكتت وأخذت تبكي، فهل يقع الطلاق في هذه الحالة؟ (2/208)
صفحة 628
إن لم تستمر على ضجتها فالطلاق غير واقع، وعلى هذا الرجل أن يحذر من التلاعب بالطلاق، فليس في كل مرة تسلم الجرة، والله أعلم.
ما قولكم فيمن قال لامرأته: "بطلاق الثلاث إذا لم تسافري معي إلى صحم"، فأبت أن تسافر إلى صحم، فهل يقع الطلاق في هذه الحالة؟
الظاهر من هذه العبارة أن قائلها قصد تعليق الطلاق ثلاثاً على عدم السفر معه إلى صحم، والقرينة الدالة على قصده ذلك السفر بعينه، وعليه فإنها بعدم سفرها معه تطلق منه ثلاثاً، ولا سبيل له عليها، ولا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه، وإن كان لم يقصد ذلك السفر بعينه فإن ذهبت معه إلى صحم قبل انقضاء أربعة أشهر منذ قال ذلك، لم يقع طلاقها بقوله هذا، والله أعلم.
حصل خصام بيني وبين زوجتي فقلت لها: "إذا قمت بالخروج من باب المنزل إلى الخارج بدون إذني، فأنت طالق" وبحكم العمل فإن معظم أوقاتي أكون خارج المنزل، فأحياناً يخرج الأولاد خارج المنزل ويتطلب الأمر إرجاعهم، وأنا لست موجوداً لتطلب الإذن مني، والآن وبعد سماحي لها بالخروج ورضائي عنها، هل تعتبر هذه المرأة طالقة، أم يعتبر الأمر منتهي بمجرد سماحي لها بالخروج، أو يتطلب السماح لها في كل مرة تريد الخروج من النزل؟
إن كنت أذنت لها إذناً مطلقاً بأن تخرج متى شاءت، لم يقع الطلاق بخروجها، والله أعلم.
ما قولكم في رجل وقع بينه وبين والده بعض من سوء التفاهم، وحلف الولد أنه لا يقبل شيئاً من والده أي من العطاء في حياته، ولا بعد مماته، وإن قدر الله موت أبيه قبله لا يقبل شيئاً من ميراثه، وأكده بطلاق زوجته إذا هو أخذ ميراثاً من أبيه، فهنا هل تطلق الزوجة إذا أخذ زوجها ميراثه من أبيه المتوفى؟
إن كان علق طلاق زوجته على قبوله إرث أبيه، فإن قبل إرثه طلقت زوجته، وبئس ما فعل هذا الأرعن العاق لأبيه، والمسيء إلى أهله، والله أعلم. (2/209)
صفحة 629
ما حكم من قال لزوجته بواسطة الهاتف: "إذا كنت تريدين الطلاق فأنت طالق بالثلاث"؟
إن أرادت الطلاق عندما قال لها ذلك، وقع طلاقها ثلاثاً، وبانت منه بالثلاث، والله أعلم.
حدثت مشاجرة بيني وبين أخي، بحضور زوجته والتي هي أخت زوجتي، فلما اشتد النزاع بيننا قال لزوجته: "إذا دخلت بيت أخي فأنت طالق"، والآن تم الصلح بيننا، وأريد أن تدخل زوجتي بيت أخي. فكيف السبيل إلى ذلك؟
دعها تدخل، وبعد دخولها أشهد شاهدين أنك راجعتها بصداقها وعلى ما بقي من طلاقها، ويخبرها الشاهدان قبل أن تباشرها، والله أعلم.
رجل قال لزوجته: "إذا خرجت من البيت فأنت طالق"، فخرجت المرأة بعد أن استأذنت من عمها ووالد زوجها، ولما علم الزوج بخروجها قال لها: ألم أقل لك إذا خرجت من البيت فأنت طالق؟ وعندما يسأل الزوج يقول هي مطلقة، فما الحكم في ذلك؟
إن علق طلاقها على فعل شيء ففعلته وقع طلاقها، وعليه فهي طالق بخروجها إلى ذلك المكان طلقة واحدة، وأما قوله لها من بعد: أنت مطلقة، فمرده إلى نيته فإن أراد به إنشاء طلاق جديد، وكان ذلك في عدتها طلقت طلقة ثانية؛ لأن الطلاق يتبع الطلاق ما دامت العدة باقية، وإن أراد به الإخبار عن الطلاق الواقع بخروجها إلى المكان الذي علق طلاقها على خروجها إليه، فلا يعد ذلك طلاقاً جديداً، وإنما هي طلقة واحدة، وإذا لم تصل الطلقات إلى ثلاث فله مراجعتها في خلال عدتها منه، وأما بعد العدة، فلا بد من عقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية، والله أعلم.
ما قولكم فيمن كتب رسالة إلى والد زوجته، أنه يرغب في طلاق زوجته إن قبلوا برد المهر الذي دفعه إليها؟
إن علق طلاقها على رد المهر، فلا يقع الطلاق حتى يرد الصداق، فإن رد وقع؛ لأن الطلاق المعلق على شيء لا يقع إلا بوقوع ذلك الشيء، والله أعلم.
ما قولكم في رجل زوجته تأخذ من مال الغير، وقال لها: "إذا عدت لمثل هذا فأنتي طالق"، ولم ير بعد ذلك ما يكره، ماذا عليه أفدنا مأجوراً؟ (2/210)
صفحة 630
هذا رجل جاهل لا يحسن التصرف، فإنه أدخل نفسه في مأزق، فلعل الزوجة تأخذ بدون علمه، فماذا عسى أن يصنع؟ وبما أنه وقع في هذا الأمر يلزمه أن يسألها كلما أراد جماعها هل أخذت أو لم تأخذ؟ والله أعلم.
فيمن قال لزوجته: "أنت طالق في آخر يوم من عمري"، فما حكم هذا الطلاق؟ وهل لها الميراث؟
تطلق في آخر يوم من عمره، ولا يجوز له وطؤها، إذ لا يدري ما هو آخر أيام عمره، وإن كان هذا الطلاق غير مسبوق بطلاقين من قبل فلها الميراث، وعليها عدة الوفاة، والله أعلم.
حصل نزاع بيني وبين زوجتي، وبعدها خرجت إلى عملي، وبعد ذلك تفاجأت بزوجتي وهي تحضر إلى مكان عملي في المحكمة فقلت لها: "لقد فضلت الطلاق بنفسك"، فهل يعتبر ذلك طلاقاً؟
إن كنت لم تعلق طلاقها على خروجها من البيت، أو مجيئها المحكمة، لا بصريح العبارة، ولا بكنايتها، فلا يقع بذلك طلاق، والله أعلم.
أخوان تخاصما، وحلف كل منهما لا يدخل منزل الآخر، وربط كل منهما فعل ذلك بطلاق زوجته، فما الحكم في قضيتهما؟
بئس ما فعلا، فقد جمعا بين أمرين منكرين، وهما قطيعة الرحم، وتعريض العلاقة الزوجية مع زوجتيهما للانفصام، وعليهما أن يتوبا إلى الله، وأن يتواصلا بالبر والتقوى، وأن يراجعا زوجتيهما إن كان هذا الطلاق رجعياً، والله أعلم.
فيمن قال لزوجته: "إن فعلت كذا فأنت والله العظيم طالق بالثلاث"، وبعد مدة أراد الزوج أن يتراجع ويلغي هذا التعليق فهل له ذلك، والزوج والزوجة على المذهب الشافعي؟
تعليق الطلاق إنشاء، لا يملك أحد الرجوع عنه كتنجيزه وكسائر الإنشاءات الأخرى، اللهم إلا إذا استثنى المنشئ حال الإنشاء من غير تأخير، وهذا مما أخذ به علماء المذاهب الإسلامية قاطبة، والله أعلم.
المراجعة:
ما قولكم في رجل تزوج امرأة وبقيت عنده عشرة أشهر، ولم يكتب ورقة بحقها الغائب، ثم إنه طلقها وقد مضى على طلاقها شهران، وأراد أن يراجعها وهي غير راغبة في الرجوع، فما قولكم؟ (2/211)
صفحة 631
إن كان أصدقها جميع الصداق المتفق عليه فيما بينهما ـ سواء كان كله عاجلاً أو كان بعضه عاجلاً وبعضه آجلاً ـ ولم يرزأها منه شيئا، وكانت عدتها لم تنته بعد وهي ثلاثة قروء ـ أيّ ثلاث حيض ـ فإن له أن يراجعها في هذه الحالة رضيت أم أبت، وإن كانت قد حاضت ثلاث حيض منذ طلاقها، فلا رجعة له عليها؛ لانسلاخ عدتها، إلاّ أن يتراضيا على عقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية، من رضا المرأة، وإذن الولي، وصداق جديد، وإن كان رزأها شيئاً من الصداق العاجل أو الآجل فلا رجعة له عليها، إلا أن يتفقا على رد ما أخذه منها ويراجعها برضاها، والله أعلم.
ما قولكم في رجل طلق زوجته قبل سنوات، ثم راجعها، ثم طلقها مرة ثانية، ولكنها لم تخرج من منزله، فذهب إليه والده وأخوه وطلبا منه أن يراجعها فأبى، وقال قد انتهيت منها ولا أريدها، وجاءها بعد هذا الكلام وأعطاها صداقها الآجل المتبقي لها عليه، وقال لها لم أنت جالسة وأنا قد فلتك، فخرجت من بيته وقد مضت مدة لا تقل عن شهرين، ثم جاءها يطلب مراجعتها، فهل له ذلك على هذه الحالة، أفيدونا ولكم جزيل الأجر وعظيم الثواب؟
طلقت بذلك طلقتين، ولا مانع من مراجعتها في خلال عدتها، بإشهاد شاهدين على الرجعة، وإخبارهما لها قبل دخوله بها، وإن كانت عدتها قد انتهت، فلا بد من عقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية، وهي رضاها، وإذن وليها، وصداق جديد، وبينة، والعدة هي ثلاثة قروء ـ أيّ ثلاث حيضات ـ إن كانت ممن يحيض ولم تكن حاملاً، وإن كانت حاملاً فتنتهي عدتها بوضع حملها، وإن كانت آيساً من الحيض، أو كانت صبية، فثلاثة أشهر، والله أعلم.
طلقت زوجتي طلقة واحدة، ثم رغبت في مراجعتها، فلم يوافق أبوها إلاّ بدفع مهر جديد، فما الحكم الشرعي في ذلك؟
إن كانت لا تزال في عدتها فلك أن تراجعها، ولو لم يرض والدها، وأما بعد عدتها، فلابد من عقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية، والله أعلم. (2/212)
صفحة 632
طلقت زوجتي طلقة واحدة، وبعد مرور شهر على طلاقي لها ندمت على ذلك، فطلبت أن ألتقي بها فوافقت، وبينت لها أسباب الطلاق، واتفقنا على تجنب تلك المشاكل، وقد أخبرتها بأني قد راجعتها وأنها أصبحت زوجتي كما كانت، وكانت المراجعة بأن قلت لها أرجعتك، وبدون شهود، ولم يعلم أهلها بذلك، وقد مرّ على مراجعتي لها ثمانية أشهر، فهل تعتبر مراجعتي لها والذي تم بيني وبينها رجعة شرعية أم لا؟
الرجعة موقوفة على إشهاد شاهدين لقوله تعالى ـ عندما بين أحكام الرجعة في سورة الطلاق ـ { وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ } ( )، وعليه فإن قولك لها: "أرجعتك" وليس معكما شاهد لا يعد شيئاً، وإن أردتها الآن بعد انقضاء عدتها فلا بد من عقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية، وهي رضاها، وإذن وليها، وصداق جديد، وبينة، فإن رفض وليها ووافقت هي فلترفع أمرها إلى القضاء الشرعي، وهذا كله إن كنت لم تواقعها بعد قولك لها أرجعتك، أما إن كنت قد واقعتها فقد حرمت عليك، والله الموفق.
رجل طلق زوجته، وأراد مراجعتها؛ فأخبر الشاهدين بأنه ينوي مراجعة زوجته، وكان إخباره لهما وهما متفرقين، ولم تعلم الزوجة بذلك إلاّ بعد معاشرته لها، فما ترون في صحة هذه المراجعة؟
يجب إحضار الشاهدين معاً وإخبارهما بالمراجعة، لا بنية المراجعة فحسب؛ لأن النية شيء آخر غير عين المراجعة المطلوبة، وليس بمجرد النية يتم العمل، فمن نوى الزواج لم يتم له الزواج حتى يتزوج، وكذا من نوى الصلاة والصيام أو الحج لا تكفيه نيته بها عن الأعمال التي تثبت ماهيتها، وعليه فإني أرى أن هذه المراجعة لم تتم، ومباشرة الرجل مطلقته قبل المراجعة يحرمها عليه، والله أعلم. (2/213)
صفحة 633
طلقت زوجتي طلاقاً رجعياً، وبما أن الطلاق الرجعي يكون الرجل أحق بزوجته لقوله تعالى: { وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحًا } ( )، لذلك قمت بمعاشرتها لمدة خمسة أشهر تقريباً، وفي خلال تلك المدة سألت أحد المشايخ في هذه القضية فأجابني بأن الموافقة تجعلها زوجتي، فما الحكم في هذه المسألة؟
ما أجهلك وما أجهل من سألته فأجابك، ألا قاتل الله الجهل والجاهلين، من أين لك أن للزوج أن يستمتع بزوجته إبان عدتها ولو كان الطلاق رجعياً؟ ومن أين لذلك الأرعن الهزيل الأحمق التعيس أن الموافقة تجعلها زوجتك؟ ؟ وما معنى الطلاق إذاً؟ ولئن كنت في عدتها أحق بردها ـ كما قال تعالى ـ فإن ذلك هو الرد الشرعي، الذي يكون بنطق وإشهاد، كيف والله تعالى يقول: { فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ } ( )، ألا إن مواقعتها هي عين الزنا وكفى بذلك إثماً مبينا، والله أعلم.
طلقت زوجتي طلاقاً واحداً، وراجعتها بغير إشهاد، وإنما جامعتها ظناً مني أن المراجعة تكون بالجماع، فما قولكم في ذلك، هل هذه المراجعة صحيحة أو لا؟
ماذا عسى أن أقول لك؟ إنما هذه عاقبة الجهل، وثمرة التهور، ونتيجة الاندفاع الغاشم، ليت شعري كيف تكون مراجعتك لها بالفعل دون القول وبغير إشهاد؟ هل طلاقك لها إلاّ قول نطقته، فكيف تكون مراجعتك لها بمجرد الوقاع؟ ؟ أو لم تقرأ في كتاب الله ما أشترطه الله سبحانه من الإشهاد على المراجعة حيث قال في سورة الطلاق: { وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ } ( )، إني لا أرى لك مخرجا، فإنك لم تتق الله فيجعل لك مخرجا، ومواقعتك لها بدون رجعة زنا، فتحرم عليك به إلى الأبد، والله المستعان.
فيمن قال لزوجته: "طالق، طالق"، فدخل السجن قبل أن يراجعها، فأرادت المرأة المراجعة، فكيف تتم؟ (2/214)
صفحة 634
الذي يراجع هو الرجل لا المرأة، فإن كانت لا تزال في عدتها، وأراد مراجعتها فليشهد شاهدين على الرجعة، ولو كان في السجن، والله أعلم.
رجل طلق زوجته كتابياً فوصلتها الرسالة واستقبلت العدة، ثم تدارك وراجعها قبل انقضاء العدة، بحضرة شهود فكتب إليها الرد مع الشهود، فلما وصلتها رسالة الرد إذا هي قد تزوجت بعدما انتهت عدتها، فهل المراجعة صحيحة، وهل هناك فرق بين أن وصلتها الرسالة وهي متزوجة، أو وصلتها وقد انتهت العدة ولم تتزوج بعد؟ أفتونا مأجورين؟ (2/215)
صفحة 635
في هذه المسألة خلاف بين العلماء على أقوال عدة، فقيل: إن وصلها الخبر بعد انتهاء العدة، لم يدركها الزوج وإن لم تتزوج بغيره، وهو مروي عن بعض السلف، وانتصر له ابن حزم في المحلى، كما أطال المحقق الخليلي ـ رحمة الله عليه ـ في تأييده، وقيل: لا يدركها إن تزوجت الزوج وعليه أكثر أصحابنا، حتى أن الإمام نور الدين السالمي ـ رحمه الله تعالى ـ ذكر أنه ما كان يدري أن في المسألة خلافاً حتى أطلعه عليه سائله، وقيل: يدركها ما لم يدخل بها الثاني، ذكره ابن حزم في المحلى، وابن قدامة في المغني، والإمام الثميني ـ رحمه الله ـ في النيل، وقيل يدركها وإن دخل بها الثاني، وعليه مالك والشافعي وانتصر له القطب ـ رحمه الله تعالى ـ في شرح النيل، ونفسي تميل إليه، ذلك لأن مراجعتها في العدة غير موقوفة على رضاها فعلمها بها وعدمه في ذلك سواء، على أن المراجعة في خلال العدة حق ثابت للزوج لقوله تعالى: { وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ } ( ) ونكاح الزوج الثاني ساقط الاعتبار بشغل ذمتها بالزوج الأول، فيندرج تحت قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ "عفي عن أمتي الخطأ والنسيان"( ) وقد قاس القطب هذه المسألة على مسألة تزويج المرأة من قبل وليين لزوجين مختلفين فهي للسابق منهما، وهو قياس جلي وإن لم يره نور الدين السالمي، وفي المسألة قول خامس نسبه ابن حزم إلى عطاء، وهو أنها إن أصيبت لم يدركها الأول، وإن لم تصب فهو أولى بها، والله أعلم.
فيمن أشهد على مراجعة زوجته شاهداً واحداً فقط، فما حكم ذلك؟
لا بد للرجعة من شاهدين ولا تجوز بشاهد واحد؛ لقوله تعالى: { وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ } ( ) والله أعلم.
فيمن طلق زوجته طلقة واحدة، وأعطاها الصداق الآجل، وسلمها أمتعتها، ثم إنه راجعها من غير مهر ولا عقد، فهل مراجعته صحيحة؟ (2/216)
صفحة 636
إن كانت لا تزال في عدتها، وأشهد شاهدين على الرجعة وأخبرها الشاهدان بها، فالمراجعة صحيحة، والله أعلم.
ما قولكم فيمن طلق زوجته طلاقاً واحداً، وردها إلى عصمته بغير إشهاد جهلاً منه بحكم المسألة، وقد واقعها بعد هذه المراجعة؟
الجهل ليس عذراً، والإشهاد لا بد منه في الرجعة؛ لقوله تعالى: { وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ } ( )، وبما أنه واقعها بدون إشهاد فهي حرام، وليخل سبيلها، والله أعلم.
طلقت زوجتي طلاقاً رجعياً، فلما أردت مراجعتها رفض أبوها، فما الحكم الشرعي في هذه المسألة؟
إن كانت عدتها باقية، فأشهد شاهدين على المراجعة، وليخبرها الشاهدان بذلك قبل أن تواقعها، وقبل أن تنتهي عدتها، وليس لأبيها اعتراض، والله أعلم.
فيمن طلق زوجته طلاقاً رجعياًً، فرفضت المراجعة، فهل من حق الزوج أن يسترد المهر الذي دفعه إليها؟
إن راجعها في أثناء عدتها فالمراجعة ثابتة ـ وإن لم ترغب هي فيها ـ إن كانت تجوز له الرجعة، وإن استمر طلاقها فعليه أن يصدقها ما بقي لها من الصداق، والله أعلم.
رجل طلق زوجته، ثم راجعها بنفسه، وكان بحضرته عندما راجعها أخو المرأة، وأمها، وأختها، وإخوة لها صغار، فأرجعها بهؤلاء الشهود فقط، فهل يكفي ذلك أم لا؟
إن كان ردها بحضور شاهدين، أو شاهد وشاهدتين، فالمسألة هينة والرجعة صحيحة، وإنما يؤمر أن يخبرها الشهود بالرجعة قبل أن تنتهي عدتها، وقبل أن يباشرها، وأما إن كان راجعها بنفسه من غير إشهاد فالمسألة عويصة؛ لأن الله تعالى قال في المراجعة: { وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ } ( ) والله أعلم.
سألنا الشيخ محمد الخزرجى مفتي دولة الإمارات العربية المتحدة عن رجل طلق زوجته طلقتين، ثم مسكها في بيته وجامعها، ظناً منه أن ذلك مراجعة منه لها، فأجاب الشيخ بأنه إذا نوى بوطئها مراجعتها فالمراجعة صحيحة، فما قول فضيلتكم في ذلك؟ (2/217)
صفحة 637
المراجعة عندنا بالقول، لا بالوقاع، ولكن إن كان المراجع آخذاً بمذهب من المذاهب الإسلامية، فلا اعتراض لنا عليه، والله الموفق.
فيمن قال لزوجته: "طلاقك معك"، هل تطلق بذلك؟
قوله طلاقك معك يفيد الطلاق، فتطلق به المرأة، والله أعلم.
منعت زوجتي من دخول بيت أختها، وبعد مدة سألتها إن كانت دخلت أو لا؟ فقالت إنها لم تدخل، فقلت لها إن كنت كاذبة في كلامك فاعتبري نفسك طالق، وبعد شهر أقرت لي بأنها كاذبة في كلامها، وأنها قد دخلت بيت أختها، ثم أني قد قمت بمسح رأسها تداركاً لما وقعت فيه، علماً أنه قد تمت المعاشرة بيننا بعد هذه الحادثة، فما الحكم في ذلك؟
بئس ما قلت وساء ما صنعت، وماذا يجديك مسحك لرأسها، أو تظن أن الحرام يحل بمسح الرأس؟ وعليه فإن كنت تعني بذلك أنها طالق إن كانت قد دخلت، فقد طلقت بذلك، فإن باشرتها بغير مراجعة شرعية فحكمكما أنكما زانيان، والله المستعان.
هل يجزي إشهاد الأب والولد في الرجعة؟
نعم والله أعلم.
فيمن قال لمطلقته قد راجعتك دون إحضار الشهود، ثم مسها على ذلك، فهل من رخصة في عدم تحريم امرأته في هاتين الحالتين:
الأولى: إن كان جاهلاً لحكم الإشهاد على الرجعة؟
الثانية: إن كان مذهب أحدهما لا يحرمها عليه بترك الإشهاد؟
إن كان الزوجان على مذهب يسوغ عدم الإشهاد على الرجعة، أو كانا جاهلين بفرض الإشهاد، فلا يحكم بتحريمها عليه، بخلاف ما إذا كان حالهما عكس ذلك، والله أعلم.
فيمن علق طلاق زوجته على زواجه بامرأة أخرى غيرها، وبعد أعوام عديدة وقع الشيء المعلق عليه الطلاق، فجامع الرجل زوجته وهو ناس تعليقه طلاقها، ثم تذكرت المرأة موضوع الطلاق، فافترقا بسبب ذلك، ثم أنها تزوجت بعد ذلك برجل آخر، وبعد فترة طلقها، والآن هل يصح للزوج الأول أن يتزوجها من جديد؟ (2/218)
صفحة 638
إن كان جامعها وهو ناسٍ تعليقه طلاقها على زواجه بامرأة أخرى، فإن تلك المواقعة لا تحرمها عليه إذ لم يقصد الزنى، اللهم إلا إن كانت هي ذاكرة ووافقته على الوقاع، وأما إن تذكرا معاً بعد الوقاع، فلا مانع من أن يتزوجها من بعد، والله أعلم.
طلقت زوجتي طلاقاً رجعياً وراجعتها في عدتها، وأشهدت خمسة أشخاص وذلك بحضورها، غير أن الشهود أبوا أن يشهدوا، فما الحكم في ذلك؟ وهل تعتبر المراجعة صحيحة؟
إن أشهدتم على الرجعة فالرجعة صحيحة، وعليهم أن يشهدوا، والله أعلم.
الاحسان للمطلقة:
طلقت زوجتي وهي كبيرة في السن، ولم تنجب، ولدي زوجتان وأولاد، ولكنني أريد أن أحسن إليها مدى الحياة وذلك بأن تعيش معي في المنزل، حيث إن المنزل واسع فأقسم لها جزءاً من المنزل، وهي ترغب في ذلك لسوء معاملة أهلها لها، فهل لي أن أفعل ذلك، وهل لهم حق الاعتراض؟
قال الله تعالى: { وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ } ( ) وإن من عدم نسيان الفضل بين الرجل ومطلقته، أن يحسن إليها في معاشرتها، وأن يرعاها في حاجاتها، وعليه فإن قيامك بإيوائها على النحو الذي ذكرته أمر مرغب فيه، وفيه الفضل، والله يؤجرك عليه، وليس لأحد اعتراض في ذلك ما دامت هي راغبة فيه، وإنما يجب أن لا تخلو بها وأن لا تظهر زينتها لك، والله أعلم.
هل للمطلقة متعة، وما مقدارها؟
في ذلك خلاف، والراجح نعم؛ لعموم الآية، ولا تحد بحد إلا المعروف، والله أعلم.
امرأة بانت من زوجها بينونة كبرى، فهل يصح أن تبقى في بيته؛ لكي ترعى أطفالها؟
إن كانت تكون في معزل عنه، ولا يخلو بها إلا مع حضور ذي محرم منها فلا حرج، والله أعلم.
هل يصح أن تسكن المرأة في بيت مطلقها مع أولادها؟
لا مانع من سكون المرأة في بيت مطلقها بمعزل عنه مع أولادها، بحيث لا تخلو به بنفسها، والله أعلم. (2/219)
صفحة 639
ما قولكم في رجل كبير في السن، وقد طلق زوجته التي تقاربه في السن طلاق الثلاث، وقد طلب ابنهما الذي يسكن مع والده أن تبقى معهم في البيت، فهل يصح لها ذلك بعد طلاقها، وكيف تفعل لترضي ابنها؟
إن كان معهما ولدها أو ذو محرم منها، فلا مانع من بقائها معه، مع عدم خلوته بها، إلا مع وجود ذي محرم منها، أما خلوه بها في المنزل وحدهما فذلك غير جائز؛ لأنه أجنبي منها، ويجب على الولد أن يرضى بحكم الله ورسوله، { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا } ( ) وقد ثبت في الحديث: " ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم "( ) والله أعلم
هدم الزوج الثاني للطلاق:
فيمن طلق زوجته طلقتين، ثم تزوجها رجل آخر فمات عنها، وأراد الأول أن يتزوجها، فهل تحسب عليه الطلقتان الأوليتان؟
نعم على قول أكثر العلماء؛ لأن الزوج الثاني عندهم لا يهدم إلا الثلاث، وقيل بخلافه، والأول هو الذي عليه العمل، والله أعلم.
فيمن طلق زوجته طلاق الثلاث، ثم تزوجها آخر، فمكثت عنده ما شاء الله، فطلقها، فهل تحل للأول بعد أن تنقضي عدتها من زوجها الأخير؟
إن كان زواج الثاني بها شرعياً لا تدليس فيه، وذاق منها ما ذاق منها الأول، ثم افترقا وانسلخت عدتها الشرعية، فإنها تحل للأول بعقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية، والله أعلم.
الخلع: ( )
ما الفرق بين الخلع والطلاق؟
الخلع ما كان بعوض من المرأة المختلعة، والطلاق ما كان بدونه، ويملك الرجل في عدة امرأته من الطلاق الرجعي رجعتها، ولو بدون رضاها وذلك بإشهاد شاهدين على الرجعة، وأما المختلعة فهي من أول يوم أملك بنفسها، ليس له أن يردها إلى عصمته بدون رضاها، وكلتاهما بعد العدة تتزوجان من شاءتا، والله أعلم.
هل الخلع طلاق، أو فسخ للعقد؟ (2/220)
صفحة 640
ذهب الأكثر إلى أنه طلاق، وقيل بأن الخلع هو فسخ للعقد، وليس طلاقاً، وهذا رأي ابن عباس، وجابر بن زيد ـ رضي الله عنهما ـ ومال إليه الإمام نور الدين السالمي ـ رحمه الله ـ من المتأخرين، والله أعلم.
فيمن طلق زوجته مرتين، ثم في الثالثة افتدت منه، فهل تصح له مراجعتها بعد ذلك إن أرادها؟
الخلع هو طلاق ـ في رأي جمهور أهل العلم، وبه نأخذ ـ وعليه فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه، والله أعلم.
هل يجوز أن يخالع الرجل زوجته في طهر مسها فيه؟ وهل تصح مراجعتها بعد الخلع؟
الخلع كالطلاق، في وجوب أن يكون في طهر لم تمس فيه المرأة، وتجوز مراجعة المختلعة بعقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية، والله أعلم.
ما الفرق بين الخلع والطلاق؟ وما عدة كل منهما؟
الطلاق هو أن يطلق الرجل المرأة من غير أن يأخذ منها شيئاً، وأما الخلع فهو أن يفسخ العقدة في مقابل أن ترد إليه ما دفعه إليها من الصداق أو بعضه، وعدتهما واحدة على الصحيح وهي ثلاثة قروء، وقيل: بل عدة الخلع حيضة، والله أعلم.
ما قولكم في رجل يسيء معاملة زوجته بالضرب والشتم، ويهددها بالطلاق لولا أن والده يمنعه، ثم إن الزوجة لم تستطع أن تتحمل أذاه، فطلبت منه الطلاق، فوافق على أن تدفع له ضعف المهر الذي دفعه لها، فهل يحق ذلك؟ (2/221)
صفحة 641
1. ... ليس للرجل أن يلجئ زوجته إلى أن تفتدي منه بسوء معاملته لها، فإن فعل ذلك فإن كل ما يأخذه منها ولو فلساً واحداً فهو سحت، قال تعالى: { وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً (20) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا } ( ) وقال { : وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ } ( ) وعندما يكون النشوز منها، فله أن يخالعها على أن تدفع له مثل ما أعطاها من الصداق، أو أقل لا أكثر منه، بدليل قوله تعالى: { فإن خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } ( ) مع قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ" أما الزيادة فلا"( ) والله أعلم.
طلقت زوجتي ثلاث تطليقات في طهر مجامع فيه، وذلك مقابل أن تعيد إلى نصف المهر الذي دفعته لها، فهل لي مراجعتها إن اتفقنا على المراجعة؟
إن كنت قصدت بالتكرار التأسيس ـ وهو إنشاء طلاق جديد في كل مرة ـ بانت منك بالثلاث؛ لأن الطلاق يتبع الطلاق ما دامت المرأة في العدة، وفي هذه الحالة لا تحل لك حتى تنكح زوجاً غيرك نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه، وإن كنت لم تقصد به التأسيس حمل على التأكيد، وخرجت منك بطلقة واحدة، وفي هذه الحالة لك أن تراجعها في خلال عدتها؛ بإشهاد شاهدين أنك راجعتها بصداقها، وعلى ما بقي من طلاقها بشرط رضاها ورد الفدية إليها ـ إن كنت أخذت منها فدية ـ ولو فلساً واحداً، أما بعد العدة فإن أردتها فبعقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية وهي رضاها، وإذن وليها، وصداق جديد، وبينة، والله أعلم. (2/222)
صفحة 642
حدثت مشاكل بيني وبين زوجتي أدت إلى الطلاق، ثم تكفل أبوها بأن يدفع الحق الغائب وهو ألف ريال، ولكني رفضت أن أتسلم هذا المبلغ، وأريد أن أرد زوجتي، فهل يصح لي ذلك؟
لك أن تتزوجها بعقد جديد، وأما مراجعتها بدون عقد جديد فإن كانت عدتها انتهت فلا سبيل إليها؛ لأنها أملك بنفسها بعد العدة، وإن كانت لم تنتهي فقيل بجواز مراجعتها إن رضيت برد الفدية إليها، وقيل لا بد من عقد جديد ولو في أثناء عدتها، والله أعلم.
ما قولكم في رجل طلق زوجته طلاقاً رجعياً، ثم إن هذه الزوجة أبرأته من صداقها الحاضر والمؤجل، ثم أراد الرجل أن يرجع زوجته فذهب إلى القاضي، ولكن القاضي قال: إن الرجل إذا طلق زوجته بحضور الشهود وأبرأته من صداقها فلا تصح له مراجعتها إلا بعقد جديد وشاهدين وصداق. فأرجو من فضيلتكم بيان الحكم في هذه المسألة، ولكم الثواب؟
إن كانت أبرأته من صداقها فهي أملك بنفسها، وإنما قيل: إنه له أن يراجعها إن أبرأته منه، شريطة أن تكون راضية بذلك، وقيل: لا بد من عقد جديد مع كافة لوازمه الشرعية، وهي رضاها، وإذن وليها، وصداق جديد، وبينة، والله أعلم.
رجل أراد أن يطلق زوجته، ولكنه اشترط على ولي المرأة استرجاع المهر الذي دفعه لها، فكتب الولي على نفسه صكاً في ذلك؛ لإعساره في ذلك الوقت، فقام الرجل وطلق المرأة، وفي أثناء العدة توفي هذا الزوج، فهل تلزم المرأة أن تعتد عليه، وهل لها نصيب من تركته؟
حكم هذا الطلاق حكم الفدية، وعليه فليس لها ميراث، ولا عدة وفاة تلزمها، وإنما عليها الاستمرار في عدة الطلاق إلى أن تنتهي، ثم تتزوج بمن شاءته ووافق عليه وليها من الرجال، والله أعلم.
طلقني زوجي مقابل ردّ الصداق إليه، فهل يجوز أن يراجعني إن أراد ذلك؟ (2/223)
صفحة 643
أما الطلاق المبني على رد الصداق فهو خلع، والأرجح في الخلع أن تكون المراجعة بعده بعقد جديد مع كافة لوازمه الشرعية، وهي رضى المرأة، وإذن الولي، وصداق جديد، وبينة، وقيل: تجوز المراجعة المألوفة بينهما على أن يرد إليها ما اختلعت به، ويشهد على ذلك شريطة أن يكون ذلك برضاها، والله أعلم.
طلقت زوجتي بناءً على رغبتها، مقابل فدية، فهل يحق لها بعد ذلك أن تطالب بصداقها الآجل؟
ذلك يعود إلى الاتفاق الذي بينكما، فإن كنتما متفقين أن الآجل من الصداق داخل في الفدية فلا مطالبة لها، وإن كنتما اتفقتما على أن الفدية بما دفعته إليك فقط فلها المطالبة، والله أعلم.
إذا أرادت المرأة أن تفتدي نفسها من زوجها، فهل يجوز لها أن تدفع له أكثر مما أصدقها إياه؟
السؤال جاء مقلوباً، فإن الذي ينبغي السؤال عنه، هل يحوز للرجل أن يأخذ فدية من زوجته أكثر مما أصدقها؟ لا عن جواز دفع المرأة أكثر مما أخذت من الزوج، ولا ريب أن الزوج ليس له أن يضار زوجته؛ فيأخذ منها شيئاً مما آتاها فضلاً عن أخذه أكثر منه؛ لأن الله تعالى يقول: ( ولا تعضلونهن لتذهبوا ببعض ما آتتيتموهن) ويقول سبحان: { وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً (20) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا } ( )، وإن كانت المضارة منها فله أن يأخذ ما أصدقها، وفي الزيادة خلاف والراجح المنع، لحديث "أما الزيادة فلا "والله أعلم.
فيمن طلبت من زوجها أن يطلقها، فطلب منها أن تبرئه من صداقها، وقال لها: أنت طالق بالثلاث، وقد مضى على ذلك سبعة أشهر، والآن يريد أن يراجعها إن كان يصح له ذلك؟ (2/224)
صفحة 644
إن كان طلقها ثلاثاً فقد بانت منه بالثلاث، فلا يملك رجعتها، ولا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه، وأما إن كان بارأها فأبرأته من صداقها وأبرأ لها نفسها، ثم طلقها بعد ذلك، فلا يلحقها الطلاق بعد البرآن، سواء كان الطلاق طلقة واحدة أو ثلاثا، وله أن يتزوجها بنكاح جديد مع جميع لوازمه الشرعية، والله أعلم.
حصل خلاف بيني وبين زوجتي، فطلبت مني الطلاق وأبرأتني من صداقها الآجل، فقلت لها: أنت طالق بالثلاث، وقد مضى على ذلك عام كامل، فهل يجوز لي مراجعتها إن أردت ذلك؟
إن كانت افتدت منك؛ فقد خرجت منك بالفدية، وتطليقك إياها لم يصادف موضعا؛ لأن الفدية أبانتها منك، وعليه فلا مانع من أن تتزوجها بعقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية، أما إن كنت طلقتها ثلاثاً من أول الأمر من قبل الفدية؛ فقد بانت منك بالثلاث، فلا تحل لك حتى تنكح زوجاً غيرك نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه، والله أعلم.
طلقت زوجتي واحدة، وكنت في حالة سكر، ثم راجعتها، ثم إنها بعد مدة افتدت نفسها، وقد تبت إلى الله تعالى من كل معصية، وحججت إلى بيت الله الحرام، والآن أرغب في مراجعة هذه المرأة فهل يجوز ذلك؟
إن أردتها فلا بد من موافقتها، على أن يكون ذلك بعقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية، وهي رضاها، وإذن وليها، وصداق جديد، وبينة، والله أعلم.
اختلعت مني زوجتي مقابل مبلغ ألف ريال، وقد دفعت جزءاً منه، ثم إن المرأة ندمت، وطلبت أن ترجع إلى عصمتي، على أن أرد لها ما دفعته لي، وهي الآن في العدة، فهل يحتاج إلى عقد جديد، أم مجرد ردي للمبلغ هو إرجاع لها؟
إن رجعت لها المبلغ فلك أن تتزوجها بعقد مع جميع لوازمه الشرعية، وقيل: يجوز في العدة أن تراجعها برد ما افتدت به إليها، والأول أحوط، والله أعلم. (2/225)
صفحة 645
تزوجت من امرأة، وبعد عدة أيام من زواجي منها طلبت مني الخلع؛ لترك سبيلها وإرجاعها إلى بيت أهلها مقابل ذهبها، ومحاولة مني لتهدئتها تظاهرت لها بالقبول، وأخذت منها الذهب، ثم بعد عدة أيام أوصلتها إلى بيت أبيها لزيارة أهلها، وأبلغتها أنني على سفر إلى خارج البلاد، وسألتها إن كانت تريد الخلع أم لا، وردت أنها لا تريد الخلع في الوقت الحاضر، وسوف تنظر بعد عودتي من السفر، وبعد يوم واحد ذهبت إلى منزل أهلها، وأبلغت أباها بأنها إن ذهبت إلى منزل إحدى أخواتها فإنها طالق مني بالثلاث (وقصدت التهديد فقط)، وللأسف الشديد أخذها والدها إلى منزل إحدى أخواتها؛ ليتم الطلاق.
هل تم الخلع بيني وبينها بعد استلامي الذهب أم لا؟
وهل الطلاق يقع، ولم أقصد الطلاق إنما التهديد فقط؟
وهل يجوز لي مراجعتها إن حصلت إحدى الحالتين؟
نعم تم الخلع بينكما، وبوقوع الخلع لا يلحقها الطلاق، فلك أن ترجع إليها بزواج جديد مع جميع لوازمه الشرعية، وهي رضاها، وإذن وليها، وصداق، وشاهدان، والله أعلم.
فيمن قال لزوجته: "أنت مطلقة بالثنتين على تربية أولادك ثلاث سنوات"، وبعد أربعة أشهر جاءها وأبرأها من الشرط، ثم قال: "أنت طالق"، فهل يصح له مراجعتها، وهل طلاقه الأخير واقع عليها؟
أما الطلقتان السابقتان فهما ماضيتان، ولا تأثير عليهما مما يقوله من بعد، وأما الطلقة الثالثة فإن كانت بعد عدتها من الطلقتين السابقتين فلا تلحقها، وكذلك إن كانوا اتفقوا على أن تفتدي منه بتربية الأولاد؛ لأن الطلاق بعد الخلع لا أثر له، وبناءً على ذلك تبقى بينهما طلقة واحدة، ويجوز له إن أرادها أن يتزوجها بعقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية، وهي رضاها، وإذن وليها، وصداق جديد، وبينة، والله أعلم. (2/226)
صفحة 646
رجل متزوج ولديه ابنة، وقد حصل خلاف بينه وبين زوجته، وقد حاول أهل الخير الصلح بينهما؛ لإعادة الأمور إلى مجاريها، ولكن الزوجة رفضت، وأصرت على الطلاق، وكان الزوج قد دفع لها مهراً قدره أربعة آلاف ريال ونصف، وأهل الزوجة مصرون على أن يردوا مبلغ ألفي ريال فقط مقابل الطلاق، والزوج يريد المهر كاملاً لإتمام الطلاق، نرجو من سماحتكم توضيح حق الزوج من المهر، في حالة إذا كانت الزوجة هي التي تطلب الطلاق؟
إن كان الزوج هو الذي يريد طلاقها، فليس له أن يسترد شيئاً مما أعطاها، لقوله تعالى: { وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً (20) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا } ( )، وإن كانت هي الراغبة عنه، من غير أن يقصر فيها، حتى يلجئها إلى الافتداء، فلا مانع من أن يسترد منها ما اتفقا عليه، ولو جميع الصداق، والله أعلم.
إذا اختلف الزوجان، فهل يجوز جبر الزوجة على الرجوع إلى بيت الزوج، إذا كانت الزوجة تخشى وتخاف على نفسها من انتقام الزوج، بالإضافة إلى كراهيتها للزوج، ورغبتها في الانفصال عنه؟
وهل يحق للزوجة أن تختلع من زوجها، إذا تحقق خوفها على نفسها من انتقام الزوج وكراهيتها له، مقابل فدية تدفعها؟
أما إن كان الزوج يريد الانتقام منها وبدا ذلك منه، فلا يمكن من ذلك، إذ للأنفس حرمات، وقد شرع الله تبارك وتعالى أمرين للزوج، إما الإمساك بالمعروف، وإما التسريح بالإحسان، وليس الإمساك للانتقام من الإمساك بالمعروف، أما إن لم يبد ذلك منه؛ فالأصل أن عليها طاعة الزوج، والخلع جائز ولكنه يتوقف على رضى الزوجين به، فإن لم يرض به الزوج لم يكره عليه، وإن ضارّها وثبتت مضارته لها، حمل على طلاقها، والله أعلم. (2/227)
صفحة 647
رجل عقد على امرأة بعد حيضتين من اختلاعها من زوجها الأول، فهل تحرم عليه بذلك؟
بما أن من علماء الأمة من يرى أن العدة من الخلع حيضة واحدة ويستند إلى حديث، لا أرى أنها تحرم بالعقد عليها بعد حيضتين، وإنما يجددّ عقد نكاحها بعد الحيضة الثالثة، والله أعلم.
حدث شجار بيني وبين وزوجتي، حتى وصلت القضية إلى فضيلة القاضي، وطلب مني أن أقبل منها فدية، ثم إن القاضي أخبرني أن المرأة افتدت نفسها بمبلغ ثمانمائة ريال، وليس لي عليها سبيل، علماً بأنني لم أطلقها فما الحكم في ذلك؟
إن وافقت على الفدية، ودفعتها إليك خرجت منك بالخلع، ولو لم تطلقها، فلا سبيل لك عليها، والله أعلم.
ما قولكم في رجل طلق زوجته قبل أن يدخل بها، بناءً على رغبتها مقابل أن تدفع له ضعف مهرها الذي دفعه لها، فهل يجوز له ذلك؟
إن علم أنها كارهة ولم يضطرها إلى الفدية بسوء خلقه، فلا حرج فيما أخذه منها من الفدية، بشرط أن لا تزيد على الصداق، والله أعلم؟
افتدت زوجتي مني، وقد قبلت منها الفدية، ولكن بدون أن ألفظ عليها، فهل تعتبر ذلك كطلاق الثلاث؟ وهل لي مراجعتها إن أردت ذلك؟
هذا خلع وليس طلاق الثلاث، ولا هو كالطلاق الرجعي، بل المرأة تكون أملك بنفسها، فإن أردتها فبعقد جديد مع كافة شرائطه، وهي رضى المرأة، وإذن وليها، وصداق جديد، وبينة، والله أعلم.
فيمن تغاضبت مع زوجها؛ فخرج عنها إلى بيت آخر ولم يعد إليها، وقد مضى عليه أكثر من خمسة عشر سنة، والمرأة الآن تعيش مع أولادها، وهي تخشى أن يلحقها إثم من جهة زوجها، رغم أنها كارهة له، فهل يجوز لها أن تفتدي منه؟
لعله يرضى بالفدية، فلتعرضها عليه، فإن رفض؛ فلتطلب تحكيم حكم من أهلها وحكم من أهله، والله الموفق.
ما قولكم فيمن طلبت طلاقها من زوجها، فقال لها: "إذا دفعته لي ألف ريال أطلقك"، فقالت: أدفع، فهل تلزم بدفع المبلغ؟ (2/228)
صفحة 648
إن سبق طلاقه الدفع الذي وعدت به فذلك وعد منها، لا يتوقف عليه مضي طلاقه إن لم يعلقه به، والله أعلم.
افتدت ابنتي من زوجها بناءً على رغبتها؛ بسبب المشاكل التي بينهما، وقد فديناها بجميع المهر الذي دفعه إليها، وقد بقي لدينا صك بالصداق الآجل، فهل المبلغ الذي فيه من حق الزوجة أم لا؟
إن كنتم اتفقتم على الفدية بجميع الصداق، فلا يبقى لها شيء، وإن كانت ببعضه؛ فهو على حسب ما اتفقتم، والله أعلم.
ما قولكم في امرأة تزوجت من رجل، وقبل أن يدخل بها اكتشفت فيه خصالاً يجعل الحياة الزوجية معه مستحيلة، فطلبت منه الطلاق على أن ترد إليه الصداق، فهل من حق الزوج أن يتمسك بعدم الطلاق بعد إصرار الزوجة على ذلك؟ أم أنه يجبر على طلاقها؟
بعدما تم عقد النكاح بينهما مستوفياً جميع شرائطه الشرعية؛ فالرجل أملك بالأمر، وهو الذي بيده عقد النكاح، وإنما يراعى في الأحكام الشرعية رفع الضرر عنها "إذ لا ضرر ولا ضرار في الإسلام"، وعندما يكون الضرر لا محيص منه، فلا بد من تدخل القضاء للحيلولة دونه، والله أعلم.
ما قولكم في امرأة طلبت من زوجها الطلاق؛ لما تعانيه منه من ضرب وشتم، وهي فقيرة لا تملك من أمرها شيئاً، فاشترط الزوج أن تغرم أربعة آلاف ريال فيطلقها، فوافقت لأجل الخلاص منه بالطلاق، فهل تلزم بدفع هذا الغرم، علماً بأن المرأة ليس لها مأوى؛ وتسكن مع عمها في مسكن من المساكن الشعبية، ولها منه طفل يبلغ سنة وخمسة أشهر وهي حامل في الشهر الثالث؟ (2/229)
صفحة 649
قال تعالى: { وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فإن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19) وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً (20) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا } ( )في هذه الآيات التحذير الشديد من أن يضطر الرجل والمرأة إلى الفدية، ولو كانت شيئاً قليلاً وقد آتاها من الصداق شيئاً كثيراً؛ لأن الصداق حق واجب على الرجل للمرأة، لا يجوز له أن يحتال عليها ليسقطه أو يسقط شيئاً منه، وذلك بما استحله منه مما كان حراماً عليه لولا عقدة النكاح التي من شروطها الصداق، فكيف يحل له أن يأخذ منها هذا المبلغ الكبير، وقد اضطرها إلى الافتداء، فليتق الله هذا الرجل في صنيعه هذا، والله أعلم.
ما قولكم في امرأة تغاضبت مع زوجها، فخرج عنها إلى بيت آخر، ولم يعد إليها منذ اثني عشر عاماً، وهي تعيش الآن مع أولادها، وتخاف الله من تقصير في حق زوجها، فهل لها أن تفتدي نفسها منه؟ وهل يلزمه قبول الفدية، وهل لها حق النفقة هي وولديها منه في الاثني عشر عاماً الماضية؟
إن كان هو الذي خرج عنها، ولم يكن تسبب في ذلك منها؛ فهو الذي قصر في حقها، ومن قبلها لم يكن تقصير حسبما يبدو من السؤال، وليس عليها حرج إن افتدت منه، إما إلزامه قبول الفدية؛ فلا أقوى على القول به، وإنما الأولى في ذلك أن تحل مشكلتها صلحاً، وما دخل الرفق شيئاً إلا زانه، والله أعلم. (2/230)
صفحة 650
حدثت مشاكل بيني وبين زوجتي؛ فذهبت إلى بيت أهلها، فلما أردت إرجاعها لم يوافق على ذلك أهلها، فتم بيننا صلح على يد شيخ المنطقة، على أن يدفعوا لي ألفي ريال، يدفعونها مقدماً، والألف الآخر بعد ستة أشهر، وبعد فترة تبين أن المرأة حامل، ولم يقروا بذلك من قبل، فهل الخلع ثابت بذلك، أم يجوز لي أن أردها بعدما تبين حملها؟
الخلع ثابت، وعدتها أن تضع حملها، وإن أردتها فلا بد من موافقتها برضاها، والأحوط أن يكون ذلك بعقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية، والله أعلم.
حدث خلاف بيني وبين زوجتي التي لم أدخل بها حتى الآن، وقد امتنعت عن ذهابها إلى بيت الزوجية، مما استدعى الأمر دخولها السجن حتى تذعن لزوجها، وقد تدخل شيوخ المنطقة؛ لأجل الصلح على أن تخرج من السجن؛ فتنصح وتقنع لتعدل عن رأيها، وإن لم توافق يرجع المهر الذي دفعته إليها وأطلقها، فقبلت بهذا الصلح راجياً رجوعها إلى رشدها، والسؤال هو: هل لي أن أرجع عن هذا الصلح، وأطالب بحقي في عودة زوجتي إلى بيتي؟ أرأيت لو أني طلقتها، هل لي أن أمنعها عن الزواج بمن كانوا سبب الخلاف؟
إن كنت اتفقت معهم على الفدية، منجزاً، أو معلقاً على شيء، ووقع المعلق عليه؛ فليس لك الرجوع، وإن كان مجرد وعد، فذلك له حكم آخر، وأما معارضتك لأن تتزوج برجل ما بعد خروجها عنك، فليس لك ذلك؛ لأن ذلك يعود إليها وإلى أوليائها، والله أعلم.
رجل تزوج امرأة برضاه ورضاها، ورضى ولي أمره وولي أمرها، وتم الزواج ودخل بها، وظلت معه فترة ثمانية أيام، أرجعها بعدها إلى أهلها وقال لها: أنت طالق، كما قال لها أن تغرم حقه، فهل يجوز أن تغرم الزوجة له حقه في هذه الحالة؟ أم على الزوج أن يعطيها صداقها الغائب؟ (2/231)
صفحة 651
بئس ما يفعل الرجل أن يكره هو امرأته، ويفرض عليها مع ذلك أن تفتدي منه، فإن ذلك مناف للتسريح بإحسان الذي أمر به الله في قوله: { فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ } ( ) وقد جاء في كتاب الله نهي صريح عن أخذ الرجل شيئاً من المرأة إذا أراد أن يستبدل بها غيرها، فقد قال عز وجل: { وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً (20) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا } ( ) وحسب العاقل تنفيراً عن ذلك وتحذيراً قوله سبحانه: { أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً } ( ) وقال تعالى: { وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ } ( ) بهذا كله يظهر أن ما يفعله الأزواج من مضايقة النساء، إذا أرادوا طلاقهن؛ ليفتدين منهم سحت، وإنما يأكلونه نار ـ والعياذ بالله ـ والله أعلم.
طلقني زوجي طلاقاً بائنا، وكتب عليّ بأن أرد عليه مبلغاً وقدره ألف ريال، وذلك دون علمي، وبدون علم والدي، علماً بأن الطلاق لم يكن برغبتي، ولا افتديت منه حنى أرد له هذا المبلغ، فهل هذه الكتابة ثابتة عليّ ومعتمدة؟
إن كان طلقك فعليه الصداق كاملاً ولا فدية له، وإن كنت افتديت منه فعليك ما ألزمته نفسك، والله أعلم.
رجل تزوج بامرأة؛ فساءت العشرة بينهما، فطلبت منه الطلاق فوافق، بشرط أن تدفع له المهر الذي أمهرها إياه، وترد له كل ما أنفقه عليها من ملابس وحلي وغيره، فهل يحق ذلك؟
إن اتفقا على الفدية فإنها تقع على ما دفعه من صداق دون النفقة التي أنفقها عليها، ولا يجوز له أن يأخذ منها أكثر من الصداق الذي دفعه إليها، لقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ "أما الزيادة فلا"، والله أعلم. (2/232)
صفحة 652
ادعى الزوج أمام المحكمة أن زوجته تعاني من أمراض نفسية، ولم يخبره وليها بذلك قبل الزواج، وقبل حكم المحكمة اتفقا على الفدية بأن تدفع له ألف ريال، خمسمائة بعد خمسة أشهر، والخمسمائة الأخرى بعد زواجها، أو كنفقة حيث أنها حامل، وقال لها الزوج: مطلقة، فهل قوله لها طالق بعد أن اتفقا على الفدية صادف محلاً؟ علماً بأنها لم تدفع له شيئاً بعد؟
الفدية ماضية بعد اتفاق الجانبين عليها، والطلاق لم يصادف محلاً، والله أعلم.
ما قولكم في امرأة افتدت من زوجها وقبل الزوج الفدية، ثم طلقها بالثلاث، ثم أراد أن يتزوجها بعد سنتين، ولم تنكح بعد طلاقه إياها زوجاً آخر، فهل له ذلك؟
لا طلاق بعد الفدية؛ لأنها خرجت منه بالفدية، فلم يصادف تطليقه إياها موضعاً، لذلك جاز له أن يتزوجها بعقد جديد، والله أعلم.
الإيلاء( ):
فيمن قال: "إذا لم يتزوج ابني من ابنة عمته فزوجتي طالق"، دون أن يحدد فترة لذلك؟
بئس ما فعل هذا الأرعن الذي جعل الطلاق عرضة لهوسه، وإن لم يتزوج ابنه ابنة عمته طلقت امرأته بمرور أربعة أشهر ـ وهي مدة الإيلاء ـ، وليس له أن يطأها قبل ذلك، فإن وطئها حرمت عليه زوجته، أما إن تزوج الابن ابنة عمته في خلال أربعة أشهر، بقيت زوجة الأب في عصمته، والله أعلم.
ما قولكم فيمن حلف بالله أن لا يجامع زوجته؟
حلفه بالله أن لا يجامعها، هو الإيلاء الذي نص على حكمه في القرآن الكريم، وحكمه أن يمهل أربعة أشهر، فإن جامعها في خلالها فهي زوجته وعليه كفارة يمين، وإن لم يجامعها حتى مضت، خرجت منه بتطليقة، قال تعالى: { لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فإن فَآؤُوا فإن اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ فإن اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } ( ) والله أعلم. (2/233)
صفحة 653
قال رجل لزوجته وهي تطالبه في مبالغ لها عليه: "إن لم أدفعها إليك في أول واحد بالطلاق" ثم كرر "بالطلاق إن لم أدفعها إليك"، فالآن تبحث المرأة عن الحكم في هذه المسألة؟
يبدو أن في عبارته قصوراً، ولكن هذا هو دين العوام كثيراً ما يأتون بغير المفهوم من الكلام، ولكن بما أنه معروف أنه قصد تعليق طلاقها على عدم دفع المبلغ إليها، فإن أولى ما بمثل هذا اللفظ أن تجعل الباء فيه للمصاحبة، فيكون عدم الدفع مصحوباً بطلاقها، وعليه فيعطى ذلك حكم الإيلاء، فإن دفع ما تطالبه به قبل مضي أربعة أشهر فهي زوجته، وإن لم يدفعه حتى مضت الأربعة أشهر، خرجت بطلقة، وليس له أن يباشرها في الأربعة حتى يدفع ما عليه إليها، والله أعلم.
رجل تشاجر مع زوجته؛ فذهبت إلى بيت أهلها، فقال لها الزوج: "إذا لم تعودي إلى منزلي فأنت طالق"، فلم تعد، فما الحكم في ذلك؟
إن كان مراده بقوله: "إن لم تعودي" إن لم تعد في ذلك الوقت؛ فلم تعد، طلقت، وإن تكن له هذه النية أعطى قوله حكم الإيلاء، فإن عادت في خلال أربعة أشهر لم تطلق، وإن لم تعد طلقت، والله أعلم.
اللعان( ):
ما حكم النكول عن اللعان؟
إن نكل الزوج بعدما قذفها؛ فعليه حدّ القذف، وإن نكلت هي بعدما لاعنها الزوج؛ فعليها حد الزنى على الصحيح، والله أعلم.
هل اللعان يمين أم شهادة؟
هي شهادة من الزوج تضمنت يميناً، والله أعلم.
هل للزوج أن يلاعن إذا أقام الشهود على الزنى؟
لا داعي للعان، ولا معنى له، إن كانت الشهادة مستوفية لجميع شرائطها، والله أعلم.
هل الفرقة الحاصلة باللعان طلاق أم فسخ؟ ومتى تقع؟ ومن يبدأ بالملاعنة؟
هي فسخ؛ لأنها تحرم عليه للأبد، وتقع بمجرد ملاعنة الزوج، وقيل حتى تلاعنه المرأة، وذهب أبو المؤثر ـ رحمه الله ـ من علمائنا إلى أنها تبين منه بمجرد القذف منه، وهو محكي عن بعض التابعين، ولعله مجاهد، والله أعلم. (2/234)
صفحة 654
فيمن اتهم زوجته بالزنا، ولما ترافعا إلى المحكمة الجزائية، حكمت المحكمة ببراءة الزوجة من التهمة الموجهة إليها، فهل يجوز لهذا الزوج أن يراجع زوجته بعد ذلك؟
إن كان قذفها، وتلاعنا، حرمت عليه باللعان، وإن كانا لم يترافعا إلى القضاء الشرعي، فقيل تحل له إن تاب إلى الله من قذفه إياها، وقيل غير ذلك، والله أعلم.
رجل متزوج منذ سنين، ولا زالت زوجته موجودة لديه، ولكنه في الآونة الأخيرة اتهمها بالخيانة مع رجل أجنبي، وهو مصر على ذلك:
ما الحكم الشرعي في هذا الاتهام، هل تكون زوجته، أم أنها انحلت عقدة الزواج بينهما؟
وما حكم وجود هذه المرأة في المنزل الذي يسكنه زوجها، فيما إن رأى الحكم الشرعي أنها غير زوجته بعد هذا اللفظ؟
وهل الشرع يلزمها بالخروج من المنزل التي هي شاركت فيه طوال فترة الزواج، علماً بأنه لا يوجد لديها أحد سوى الزوج أو الأولاد المتزوجين في حال وقوع الطلاق بينهما؟
هذه المسألة خلافية، ولا يرفع خلافها إلاّ حكم من قاض شرعي، فإن جمهور أهل العلم يرون أن التفرقة بينهما تتوقف على الملاعنة، فإن لم تكن ملاعنة فالعلاقة الزوجية باقية، وذهب بعض أهل العلم إلى أنها تحرم عليه بمجرد القذف، والاعتماد على القول الأول، شريطة أن يتوب إلى الله من قذفه إياها، ويصلح ما بينه وبينها، والله أعلم.
فيمن طلق زوجته ورماها بالزنى، وأنكر طفلته أن تكون منه، فما حكم ذلك؟
بينهما اللعان فيما يتعلق بالطفلة، إن كان ذلك في خلال عدتها منه، وإلاّ وجب عليه حدُّ القاذف، والله أعلم.
الظهار( ):
فيمن طلق زوجته ولما أراد مراجعتها قال: "سوف أرجعها، ولكني إن جامعتها؛ فقد زنيت بأمي"، فذهبوا إلى أحد الناس فسألوه عن حكم ذلك، فأجابهم بأن عليه صيام سبعة أيام, وعلى زوجته أن تذبح ذبيحة بقيمة ثلاثين ريال توزعها على ستين مسكيناً. فما قولكم في ذلك؟ (2/235)
صفحة 655
هذا هو الظهار, وعليه كفارة الظهار قبل أن يواقعها, وهي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين, فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، كل ذلك قبل المسيس, وإن مسها قبل التكفير حرمت عليه، وعليه التوبة مما فعل, أمّا ما صدر من إفتاء فهو بدعة وضلالة وزيغ وجهالة، والله أعلم.
ما الحكم فيمن قال لزوجته: إن نمت معك في الفراش فأنت مثل أمي؟
إن لم ينم معها ولم يواقعها حتى مضت أربعة أشهر خرجت منه بالإيلاء, وإن نام معها من غير مواقعة، انتقل الحكم إلى الظهار ولم تحل له حتى يكفر قبل المسيس, وذلك بعتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً, فإن مضت أربعة أشهر ولم يكفر، خرجت منه بالظهار، والله أعلم.
سألني رجل عن مسألتين, الأولى أنه قال لامرأته: " إن جاءها فكأنه جاء أمه"، ثم تاب من قوله، وكفر كفارة الظهار، وترك زوجته حتى بانت منه, فالجواب في المسألة خلاف, ويرى الشيخ محمد بن شامس لما سألناه عن هذه المسألة جواز ردها إليه, والمسألة الثانية أنه طلقها تطليقتين، ثم تزوجت، ثم طلقت، ثم تزوجها الزوج الأول وطلقها واحدة, فالجواب في المسألة خلاف, واختار الشيخ موسى أن التزويج لما كان يهدم الثلاث؛ فمن باب أولى يهدم الطلقتين والواحدة, ووصل عندي هو وأبو المرأة قائلين أنها راضية بردها إلى زوجها, وهي قد خرجت من العدة, وعملاً بفتوى الشيخ موسى، وقول غيره من العلماء, وعموم قوله تعالى: { فإن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا } ( ) فقد زوجته إياها تزويجاً جديداً، والله الموفق, هذا ما حصل، فما رأيكم شيخنا في هذا، نرجو التعليق عليه صحة وفسادا، وكتبه أخوكم سالم بن حمد بن سليمان الحارثي؟ (2/236)
صفحة 656
أما المسألة الأولى فلا إشكال فيها، من حيث إن الرجل كفر كفارة الظهار قبل المسيس، وفي لزوم الكفارة، إن خرجت عنه المرأة بمضي أربعة أشهر بعد الظهار خلاف بين أهل العلم، فقيل بلزومها، ولو خرجت سواء تزوجها من بعد، أم لم يتزوجها؛ لأن الكفارة تجب بنفس الظهار، وهو الذي عليه أهل المغرب من أصحابنا، قال القطب رحمه الله: "ويجدد التكفير بحسب حاله، مما قدر عليه من عتق، أو صوم، أو إطعام، سواء تزوجها أو تركها، وهذا يلزم كفارة الظهار من ظاهر، سواءً فاتته، أو حرمت بعد الظهار، أو تركها هو بلا تكفير حتى تمت الأربعة، وبالجملة فإنها تلزم بنفس الظهار، وقيل إنما تلزم شرطاً لإدراكها، ومذهبنا الأول" أهـ. وقيل لا تلزم إن خرجت، ولو تزوجها من بعد بعقد جديد وعليه الإمام السالمي ـ رحمه الله ـ، والقول الأول أرجح وأحوط على الكفارة في القرآن، ولم ينص على التوقيت بالأربعة الأشهر، وإنما قال به أصحابنا ـ رحمهم الله ـ حملاً للظهار على الإيلاء، وهو من باب حمل المطلق على المقيد، مع عدم اتفاقهما في الحكم والسبب معاً، وفي ذلك خلاف حسب أصول أصحابنا وقومنا، ولا ينبغي ترك ما نص عليه لأجل الحمل على غير المنصوص.
وأما المسألة الثانية: فقد أخذ شيخنا فيها برأي اعتمد فيه على ترجيح بآية من كتاب الله حسبما فهمه من تأويلها، فلا حرج عليه في ذلك، وما قاله موسى ـ رحمه الله ـ هو الذي ذهب إليه إمامنا السالمي ـ رضي الله عنه ـ وقال به ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ من الصحابة وشريح من التابعين وعليه الحنفية، وهو أن الزوج يهدم ما دون الثلاث من الطلاق كما يهدم الثلاث، وقيل لا يهدم ما دون الثلاث، وعليه عمر بن الخطاب، ومعاذ بن جبل من الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ، وقال به ابن محبوب والقطب ـ رحمهما الله ـ وعليه المالكية، والشافعية، وهؤلاء أخذو بظاهر النص، إذ لم يرد إلا في الثلاث، وأولئك عولوا على القياس، والله أعلم. (2/237)
صفحة 657
طلقت زوجتي طلقة واحدة؛ فتدخل الأهل لإقناعي بمراجعتها فقلت: "إذا رجعت زوجتي؛ فأكون قد عاشرت وعاملت والديّ"، فهل يصح لي مراجعتها على هذه الحالة؟
بئس ما قلت، وساء ما صنعت، فما الذي دعاك إلى هذا القول الزور الذي ما أنزل الله به من سلطان، ولا يرضاه لعباده؟ وما الذي دعاك إلى إقحام أبويك في خلاف بينك وبين أهلك؟ إنها الحماقة التي أعيت من يداويها، لقد كان لك فيما تقوله مجال واسع، ولكنك أبيت إلا أن تدخل في هذا المضيق، وتندفع إلى هذه الهوة السحيقة التي لا تنتهي إلى قرار، وأمّا الحكم الشرعي فيما قلته، وهو لزوم كفارة الظهار إن راجعت هذه الزوجة، وذلك قبل مسيسها، وهي عتق رقبة، فإن لم تجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم تستطع فإطعام ستين مسكيناً، والله أعلم.
ما قولكم فيمن خرجت عنه زوجته بالظهار، هل يصح له أن يتزوجها بعقد جديد بعدما تخرج من عصمة رجل آخر؟
يجوز له أن يتزوجها، ولكن لا يطئها حتى يكفر بعتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، كل ذلك قبل المسيس، والله أعلم.
رجل قال لزوجته: "أنت طالق حرمتش، إذا أمي تحل لي تحلي أنت" وهو في حالة غضب، أو إذا قال لها: "أنت طالق بثلاث حرمتش، إذا تحل أمي تحلي أنت" وهو في حالة غضب، وبعد ثلاث أشهر أراد أن يسترجعها، فما رأيكم؟ (2/238)
صفحة 658
في الصورة الأولى هي طالق واحدة مع الظهار، وفي الصورة الثانية هي طالق ثلاثاً مع الظهار، ففي الصورة الأولى له أن يراجعها، إن كان هذا الطلاق غير مسبوق بطلقتين من قبل، على ألاّ يطأها حتى يكفر كفارة الظهار، وهي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، وإن مضت أربعة أشهر منذ ظاهر ولم يكفر، بانت منه بالظهار، وفي الصورة الثانية تحرم عليه حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه، ثم تخرج عنه بوجه من وجوه الفراق، وبعد عدتها منه، تحل للأول بعقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية، ولكن لا يحل له أن يطأها حتى يكفر كما سلف، وإن مضت أربعة أشهر منذ تزوجها ولم يكفر، بانت منه بالظهار أيضا، والله أعلم.
يقول الحق سبحانه وتعالى: { الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا } ( ).
ما معنى هذه الآية؟ وما هو التلفظ الذي يتم به الظهار وما حكمه؟ وماذا على من عاد في قوله؟
معنى الآية الكريمة أن المظاهر كاذب في قوله، حيث جعل زوجته كأمه وهي ليست أمه، ولا تعطي حكمها بأيّ وجه من الوجوه، وأما لفظه وهو أن يقول: لامرأته أنت عليّ كظهر أمي، هذه عبارة الظهار الصريحة، فيقع بها الظهار، وإن لم يقصده إن نطق بها عن قصد، وما عداها فهو من الكنايات كأن يقول لها: أنت كأمي؛ لاحتمال أنها في الاحترام والتقدير، فإن قصد به الظهار فهو ظهار وإلاّ فلا، وحكمه أنه يحرم به وطء الزوجة حتى يكفر، فإن كفر قبل مضي أربعة أشهر منذ ظاهر منها فليمسكها ويباشرها، وإلاّ فلا بد من أن يتزوجها بعقد جديد عندنا، والكفارة هي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعينن فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، كل ذلك قبل المسيس، والله أعلم. (2/239)
صفحة 659
فيمن قال لزوجته: "يا أمي)"، ولم يقصد بذلك شيئاً، وإنما سبقت لسانه إليها فماذا عليه؟
ليس عليه حرج، وليحذر ذلك في المستقبل، والله أعلم.
رجل قال لزوجته: "إن أتيتك ـ يقصد الجماع ـ كأني جامعت إحدى أخواتي"، فما الحكم في ذلك؟
هذا هو الظهار، وتجب عليه الكفارة قبل المسيس، وهي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يجد فإطعام ستين مسكينا، والله أعلم.
رجل ظاهر من زوجته ثم عاد، وقد صام كفارة الظهار، ولكن انتهت الأربعة أشهر قبل أن يتم الكفارة بسبعة أيام، فهل تكون قد فاتته زوجته في هذه الحالة، أم أنه له مراجعتها ما دام بدأ في الكفارة قبل انتهاء فترة الظهار؟
ما دام قد بادر إلى الصيام قبل انتهاء المدة وهي أربعة أشهر فهي امرأته، ولا تفوته بذلك إن شاء الله، والله أعلم.
فيمن قال لزوجته: "أنت يا فلانة حرام، اذهبي إلى أهلك، إن كانت والدتي تحل لي أنت لي"، فهل يعتبر ذلك طلاقاً؟
كلامه الأخير دل على أنه قصد بقوله: "اذهبي إلى أهلك، أنت عليّ حرام" الظهار منها، وعليه فإنه تجب عليه كفارة الظهار، وهي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، وذلك كله قبل المسيس، والله أعلم.
فيمن قال لوالد زوجته: "إن كانت تجوز لي والدتي تجوز لي ابنتك، وهي طالق"، فما حكم هذه المسألة؟
اجتمع في هذه المسألة ظهار وطلاق، فالمرأة طالق، وإن راجعها لم يحل له أن يطأها حتى يكفر، والكفارة هي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، كل ذلك قبل المسيس، والله أعلم.
فيمن قال لزوجته: "لن أعود إلى شرب الخمر إن شاء الله، وإن عدت تحرمي علي كما تحرم عليّ أمي"، ثم بعد شهر أو شهرين عاد إلى معاقرة الخمر مرة أخرى، فماذا عليه؟ (2/240)
صفحة 660
عليه أن يعتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا، كل ذلك قبل أن يمسها، فإن مضت أربعة أشهر منذ فعل هذه الفعلة، خرجت منه زوجته بظهاره، ولا بد له من التكفير، ولو أرادها بعقد جديد، والله أعلم.
ما قولكم فيمن قال لزوجته: "أنت أبي وأمي، وأحبك مثل محبة أبي وأمي"، وكذلك تقول له زوجته، فهل في ذلك من حرج؟
إن كان مراده أنها كأبيه وأمه في الحب، فلا حرج، ولكن لا ينبغي هذا القول وتركه أسلم، وأما قوله: أحبك مثل محبة أبي وأمي، وقولها ذلك له، ليس فيه شيء من الريبة، والله أعلم.
أحكام الغائب والمفقود:
جماعة غرقوا في سفينة، منهم من نجا، ومنهم من مات، وقد عرفوا بصورهم، والصنف الثالث لم يعرفوا؛ بسبب تغير أجسادهم، والصنف الرابع لم يعثر عليهم، فما الحكم في الصنف الثالث والرابع؟
أما من لم تعرف صورته، فيكفي أن يستدل عليه بالقرائن الدالة عليه وإن كانت ثياباً أو غيرها ـ إن وجدت ـ وإلا كان لهم حكم المفقودين، وأما الصنف الرابع فهم مفقودون، ينتظر بهم أربع سنين، ثم يحكم القاضي الشرعي بوفاتهم، ويطلق أولياؤهم نساءهم، ويعتددن عدتين، عدة الوفاة وعدة الطلاق، وتقتسم أموالهم بين ورثتهم بعد الحكم عليهم بالوفاة، والله أعلم.
امرأة فقد زوجها في موسم الحج، بعد حادث انهيار نفق المعيصم، ولم يعرف عنه شيء، فما حكم زوجته في هذه الحالة؟ (2/241)
صفحة 661
حكم هذه الزوجة لا يتغير عنه قبل وقوع هذه الحادثة، حتى تتبين سلامة زوجه أو وفاته، فإن لم يتبين شيء من ذلك حتى مضت أربع سنين، فلترفع أمرها إلى القاضي الشرعي، وهنا يحكم القاضي بوفاة زوجها، ويأمر وليه بأن يطلقها، وعليها عدتان عدة الطلاق وعدة الوفاة، ويقتسم ماله بين ورثته، فإن ظهر حياً بعد ذلك رجعت إليه زوجته وماله، إلا أن تكون المرأة تزوجت بزوج آخر دخل بها، فهنا يخير الزوج المفقود ـ إن ظهر ـ بينها وبين أقل الصداقين، فإن اختارها اعتدت من الزوج الأخير، وعادت إلى الأول، وإلا فهي للأخير، وفي حال انتظارها في الأربعة الأعوام لا يحرم عليها شيء مما كان يحل لها، ولها النفقة من ماله؛ لأن حكم الزوجية باق بينهما، والله أعلم.
رجل خرج من بلده منذ خمسة وستين عاما، ولم يعرف عنه شيء، وبحث عنه في البلدان المجاورة؛ فلم يتبين خبره، فهل هذه المدة كافية للحكم بموته، فتقسم تركته، وتعتد زوجته منه، أم لا؟
أرى إن أربع سنوات كافية للحكم عليه بالموت، كما ذهب إليه الإمام الخليلي( ) ـ رضوان الله عليه ـ، بناء على عدم التفرقة بين الغائب والمفقود، وهو رأي وجيه، يستند في هذا العصر إلى ما حصل من قرب البعيد، وإمكان تقصي الحقائق ولو مع تنائي الديار، والله أعلم.
شيخنا الجليل ما قولكم فيمن حج بيت الله الحرام، ووقع حادث نفق المعيصم؛ فلم يعرف عن هذا الرجل أين آل مصيره، ولم يظهر عنه شيء، وقد مضى عليه أربه سنوات، فكيف تكون حالة زوجته؟
بناءً على ما قرره الفقهاء أرى أن تذهب امرأته إلى قاضي الولاية، ويدعو القاضي بوليه؛ فيطالبه أن يطلق امرأته ـ أي المفقود ـ ويحكم القاضي بوفاته، وعندئذ تعتد عدتين، عدة الطلاق وعدة الوفاة، والله أعلم.
فيمن غاب زوجها، فكم المدة التي يحكم بعدها بموته، ويحل لها الزواج؟ (2/242)
صفحة 662
ترفع أمرها إلى القضاء الشرعي؛ لينظر القاضي هل غائب أو مفقود، فيعطي كلاً حكمه، ويطلقها بعد أن يحكم عليه بالموت، ويأمرها بأن تعتد عدتين، عدة للطلاق وعدة للوفاة، والله أعلم.
العدة:
هل يجوز أن يدخل على المعتدة أولاد أختها، وأولاد خالتها، وأولاد عمتها؟
لا فرق بين المعتدة وغيرها من النساء فيما يحل ويحرم، إلا في ثلاث حالات وهي: أن المعتدة تمنع من الطيب والزينة، والمبيت في غير بيتها الذي اعتدت فيه، أما بقية الأمور فهي فيها كغيرها، يحرم عليها ما يحرم على غيرها، ويحل لها ما يحل لغيرها، ودخول الرجال ذوي المحارم كأبناء الأخ، وأبناء الأخت، والربيب، ونحوهم عليها جائز، سواء كانت معتدة أم غير معتدة، وأما الرجال غير ذوي المحارم فلا يجوز خلوتهم بها، إلا مع حضور ذي محرم منها، سواء كانت معتدة، أو غير معتدة, لحديث: "ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم"، والله أعلم.
ما الحكمة في كون عدة الوفاة أطول من عدة الطلاق؟
عدة المطلقة ليست بالأشهر وإنما هي بالقروء ـ أي الحيض ـ سواء طالت مدتها أو قصرت، إلا أن تكون صبية أو آيساً، فعندئذٍ تعتد ثلاثة أشهر، وقد جعل الله عدة المميتة أربعة أشهر وعشراً؛ لأن من حكم العدة استبراء الرحم، وقد عرف أن الجنين يتحرك بعد أربعة أشهر، وزيد عليها عشرة أيام للاحتياط؛ لأن من الأجنة ما يكون ضعيفاً، والله أعلم.
المرأة المعتدة كغيرها من النساء حلاً وحرمة، إلا في ثلاث: تمنع من الزينة، ومن التطيب، ومن المبيت في غير بيت زوجها، فما ترى سماحتكم لو زادت في ذلك، كعدم لمس التراب، وعدم النظر في المرآة، وما شابه ذلك مما هو معمول به عند العامة، هل عليها حرج في ذلك؟
إن اعتقدت وجوب ذلك عليها فهي عاصية لربها، وهالكة إن لم تتب من هذا الاعتقاد الفاسد، والله أعلم.
ما هو الفرق بين عدة الوفاة، وعدة الطلاق، من حيث التزين والطيب، والنفقة، والسكن والمبيت؟ (2/243)
صفحة 663
أما عدة الوفاة فلا نفقة للمعتدة فيها، إلا إن كانت حاملاً على رأي لبعض أهل العلم، وإنما لها السكنى حيث بلغها نعي زوجها، وعليها المبيت هنالك، ويجب عليها ترك الزينة والطيب، وأما عدة الطلاق؛ فإن كان الطلاق رجعياً؛ فلها النفقة والسكنى، وتؤمر بالتطيب والتزين ترغيباً للزوج في المراجعة، وليس لها الخروج من البيت إلا لحاجتها، ولا يجوز للزوج إخراجها، وإن لم يكن رجعياً فهو بائن، وفي هذه الحالة لا نفقة لها ولا سكنى، وهي بالخيار في أمر الطيب والزينة إن لم تكن مع المطلق، ولها الخروج متى شاءت، والله أعلم.
ما المراد بالتربص في قوله تعالى: { وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } ( ) وبما تدل السنة في ذلك، وما ترون في مفهوم النساء الآن، من أن المتربصة لا تخرج من بيتها أبداً حتى تنقضي المدة لأي شأن من شؤونها؟
المراد بالتربص في قوله تعالى: { وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } ( ) نفس المراد بالتربص في قوله: { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ } ( ) وهو التأني والتبصر عن النكاح، وليس في القرآن ما يدل على غير ذلك، وإنما دلت السنة على منع الطيب والزينة للميتة، كما دلت على التزامها المبيت في بيت الزوج، فقد أمر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الفريعة بنت مالك بن سنان أن تمكث في بيتها حتى يبلغ الكتاب أجله، ومع ذلك أجيز للمعتدة أن تخرج لحاجتها والاستئناس بصواحبها، من وقت انتشار الناس إلى وقت هدوئهم، بهذا يتضح أن ما اعتادته النساء من الغلو إبان العدة أمر خارج عن الدين، وإنما هو من العادات التي تعمقت في المجتمع؛ نتيجة الجهل وسوء الفهم للأدلة الشرعية، نسأل الله العافية. (2/244)
صفحة 664
هل يجوز للمعتدة أن تكشف عن وجهها؛ إن أرادت أن تكتب وكالة لأحد؟
ذلك جائز، ولا فرق بين المعتدة وغيرها في ذلك، والله أعلم.
ما أقل مدة تصدق فيها المرأة؛ إن ادعت الخروج من عدتها الشرعية؟
أرى أن أقل مدة تصدق فيها المرأة إن ادعت الخروج من عدتها الشرعية تسعة وعشرون يوماً، بناء على أن أقل الحيض ثلاثة أيام، وأقل الطهر عشرة، كما هو رأي أكثر أصحابناـ رحمهم الله ـ وإن القروء في قوله سبحانه وتعالى: { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ } ( ) هي الحيض، كما هو قول جم غفير من أساطين الفتيا من لدن الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ وممن روي عنه ذلك من الصحابة عمر وعلي، ورواه بعضهم عن أبي بكر وعثمان، وهو قول أبي موسى الاشعري، وابن مسعود، وابن عباس، وآخرين، وقال به من التابعين ومن بعدهم أكثر من أن يحصوا عددا، وعليه جمهرة أصحابنا العمانيين، واتفق عليه الأحناف، وقال به أكثر الحنابلة، وانتصر له أتم الانتصار العلامة ابن القيم في "زاد المعاد"، وإنما رجحت هذا الرأي لشواهد ظاهرة تشهد له، منها أن المراد الرئيسي من العدة استبراء الرحم، وهو إنما يكون بالحيض دون الطهر، ومنها قوله تعالى: { وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ } ( )، والحيض وجودي، بخلاف الطهر فإنه عدمي، وقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ "الرجل أحق بزوجته ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة"( )، وقوله: "طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان"( )، وغير هذا مما لا يمكنني الآن استقصاؤه، وحاصل ما في الأمر أن العدة ثلاث حيض يتخللها طهران، فإن حاضت أقل الحيض وطهرت أقل الطهر، وكانت حيضتها الأولى فور طلاقها، أمكن أن تخرج من عدتها بمضي تسعة وعشرين يوماً، وعدة الخلع هي نفس عدة الطلاق باتفاق أصحابنا، غير أن أصحاب الحديث يرون الاكتفاء بحيضة واحدة في الخلع؛ لحديث"اعتدي بحيضة"، وهو ما لا نعرف أحدا من (2/245)
صفحة 665
أصحابنا قاله، والله أعلم.
عمن لم تحض منذ صغرها، واعتدت بالأشهر، ثم تزوجت بعد انقضاء الأشهر الثلاثة، فإذا بها تضع حملاً بعد مضي ستة أشهر من زواجها؟
يجزي المراهقة وغيرها ممن لم يحض الاعتداء بثلاثة أشهر، وليس هذا مقصوراً على صبية فقط، لعموم قوله تعالى { وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ } ( )، وإنما ذهب من ذهب من أصحابنا ـ رحمهم الله ـ إلى أنها تعتد عاماً للاحتياط فقط، إذ اعتبروا ثلاثة أشهر للعدة، وتسعة للحمل، وقد بين الإمام الكبير أبو نبهان ـ رضي الله عنه ـ في أجوبته أن ذلك من باب الاحتياط، وليس هو باب الحكم، والآية ظاهرة في الشمول، فلا معنى للزيادة على مدلولها، ومما يقوي هذا الرأي أن إمامنا المحقق الخليلي ـ رضي الله تعالى عنه ـ استظهر لمن قال إن المبتلاة تعتد ثلاثة أشهر فقط، من قوله تعالى: { وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ } ( )، حيث بين سبحانه أن اعتداد الآيسات بالأشهر للارتياب، وقال إن الريب كما يحصل في الآيس يحصل في المبتلاة، أما وضعها الحمل بعد ستة أشهر منذ زواجها بالأخير؛ فإنه يقتضي إلحاق الولد به؛ لأن الستة الأشهر هي أقل مدة يثبت بها لحوق الولد، والله أعلم.
رجل طلق زوجته طلاقاً واحداً قبل أن يدخل بها، غير أنه كان يختلي بها، ثم بعد أربعة عشر يوماً، تزوجت برجل آخر، فما حكم هذا الزواج؟
ليس لها أن يتزوجها رجل آخر، إلا أن تقاررا هي والزوج الأول الذي طلقها بأنه لم يمسها قط، فقيل لها أن تتزوج في هذه الحالة، وذلك عند من يقول بأن العدة حق الزواج، والله أعلم.
ما مدة العدة الشرعية للمعتدة عدة الطلاق؟ وما حكم مراجعة الزوج لزوجته في عدتها، إن كان الطلاق رجعياً؟ (2/246)
صفحة 666
إن كانت هذه المرأة ممن يحيض؛ فعدتها ثلاث حيضات، لقوله تعالى: { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ } ( ) ـ أي ثلاث حيض ـ ولا مانع من أن يراجعها زوجها ما لم تنته الحيضة الثالثة، وإن كانت حاملاً فإلى أن تضع حملها، لقوله تعالى: { وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } ( ) وإن كانت آيساً؛ فعدتها ثلاثة أشهر، لقوله تعالى: { وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ } ( )، وللزوج أن يراجعها على جميع هذه الأحوال ما لم تنته عدتها، والله الموفق.
امرأة زوجها أبوها وهي صبية، ولما بلغت طلقها زوجها قبل أن يتمكن من الخلوة بها، فهل تلزمها عدة الطلاق أم لا، إن أرادت الزواج من غيره؟
إن كان لم يدخل بها الأول فلا عدة عليها، لقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا } ( )، والله أعلم.
ما قولكم فيمن طلقها زوجها، وبعد أربعة أشهر توفي عنها، فهل تلزمها العدة؟
إن كانت ممن يحضن ولم تحض ثلاث حيض منذ طلقها، وكان الطلاق رجعياً، ثم مات عنها لزمتها عدة الوفاة؛ لأنه مات في أثناء عدتها، وإن كانت ممن لا يحيض لصغر أو كبر بلغ سن اليأس؛ فعدتها للطلاق ثلاثة أشهر، وبعدها إن مات الزوج لم تلزمها عدة الوفاة، والله أعلم.
رجل تزوج امرأة ودخل بها، ثم طلقها، فهل تجوز له أختها قبل أن تنتهي عدتها؟ (2/247)
صفحة 667
لا يجوز الجمع بين الأختين بنص القرآن الكريم، فقد قال الله تعالى في تعداد المحارم: { وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ } ( )، ولا ريب أن مطلقة الرجل ما دامت في عدتها منه، هي في حكم الزوجة من هذه الناحية ما دام الطلاق رجعياً، ومن أجل ذلك كان أحق بها بنص القرآن، حيث يقول الله تعالى: { وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ } ( )، وهما يتوارثان بالإجماع إن مات أحدهما قبل انتهاء عدتها منه، وعليه فإنه لا يحل له أن يعقد زواجاً بأختها قبل انتهاء عدتها، فإن تزوجها فزواجهما باطل، ومن تعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه، ومثل ذلك حكم الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها، والله أعلم.
امرأة وقع طلاقها في يوم 17 ربيع الثاني 1421هـ، وفي يوم 17 جمادى الآخرة 1421هـ أكملت شهرين فقط, فقالت بأنها حاضت بعد الطلاق ثلاث حيضات وطهرت منها, وأنها لا تحس بحمل فيها, وتقول أيضاً إذا يلزمها يمين بالله في ذلك فهي مستعدة لأدائه, فأولاً: هل تجبر شرعاً هذه المرأة على الرجوع إلى مطلقها دون رضاها, ثانياً: هل يبيح لها الشرع الزواج بعد انقضاء المدة المذكورة؟
إذا مضى من الزمن ما يمكن أن تحيض فيه ثلاث حيضات وادعت أنها حاضتها، فهي مصدقة في دعواها؛ لأنها أمينة على أمرها، مسؤولة عنه بينها وبين ربها, لقوله تعالى: { وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ } ( ) ولا داعي إلى تحليفها, ومن المعلوم أن الشهرين من المحتمل جداً أن تحيض المرأة فيها ثلاث حيضات, كيف وهي تصدق أنها حاضتها في تسعة وعشرين يوماً، نظراً إلى احتمال أن تحيض أقل الحيض وهو ثلاثة أيام، وتطهر أقل الطهر وهو عشرة أيام, فيكون حيضها كله تسعة أيام يتخلله طهران, كل طهر منهما عشرة أيام، والله أعلم. (2/248)
صفحة 668
هل يجوز لمن طلق زوجته طلاقاً واحداً أن يراجعها قبل انقضاء ثلاثة أشهر من طلاقها, وإذا راجعها هل تعتبر تلك الطلقة باطلة, وماذا يقول إذا أراد مراجعتها, وهل للزوجة الحق في الرفض؟
فيما ذكرته خطأ من ناحيتين, أولاهما: أنك جعلت العدة ثلاثة أشهر وليس الأمر كذلك، فإن أصل العدة ليس بالشهور وإنما هو بالقروء، قال تعالى: { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ } ( )ـ أي ثلاث حيض ـ وقد تكون الثلاث الحيضات في أقل من ثلاثة أشهر, وقد تكون في مدة أطول منها, وإنما الشهور بدل من الحيض فيمن لا تحيض؛ لبلوغها سن اليأس أو لصباها, قال تعالى: { وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ } ( ) ثانيتهما: أنك ذكرت أن الطلاق يكون باطلاً بالمراجعة وليس كذلك, فإن تلك الطلقة تبقى معدودة من ضمن طلقات المرأة, ولكن المراجعة تتسخ حكم الطلاق في منع الاستمتاع, والمراجعة هي أن يشهد الرجل شاهدي عدل أنه راجع زوجته بصداقها وعلى ما بقي من طلاقها، وذلك قبل انتهاء عدتها, فإن حق المراجعة ينتهي بانتهاء العدة، ويكون عندئذ المطلق كواحد من الخطاب, ثم يخبرها الشاهدان في أثناء عدتها قبل أن يباشرها الزوج بأنه راجعها, وليس لها حق الرفض لقوله تعالى: { وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ } ( ) والله أعلم.
تزوجت امرأة، وطلقتها قبل الدخول من غير علمها، وبعد مشورة أهل الصلاح راجعتها، والآن هي حامل، فأرجو أن تبينوا لي الحكم الشرعي فيما فعلت؟ (2/249)
صفحة 669
لا مراجعة إلا في إبان عدة الطلاق، ولا عدة إلا على الممسوسة، إن الله تعالى قال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا } ( )، وعليه فإن كنت لم تتزوجها بعقد جديد بعد طلاقها، قبل المسيس، وإنما اكتفيت بالمراجعة؛ فمراجعتك لها باطلة، ومباشرتك لها تعد زنا ـ والعياذ بالله ـ والله أعلم.
طلقني زوجي من غير تحريم، ومن غير شهود، ولم يدفع الصداق المؤخر، ثم توفي بعد ذلك، فهل تلزمني العدة أم لا؟
التحريم بيد الله وليس بيد المخلوق، ومن حرم من تلقاء نفسه؛ فقد كفر بالله، ويثبت الطلاق ولو لم يكن معه شهود، وعلى المطلق الصداق الغائب، ولئن كانت عدة الطلاق انتهت؛ فلا عدة وفاة عليك، ولا ميراث لك، والله أعلم.
امرأة طلقها زوجها الطلاق الثالث، ثم توفي بعد أيام، وقد زعموا أن أهل هذه المرأة قد سألوكم فيما يلزمها من العدة، فأفتيتموهم بأنه إن لم يمض على طلاقها أربعون يوماً، فإن عليها أن تعتد أربعة أشهر وعشراً، فهل يصح هذا الكلام عنكم، أم لا، وهل لها الميراث منه، أم لا؟
هذا كلام باطل، فإن عدة الطلاق أولاً ليست أربعين يوماً، وإنما هي ثلاثة قروء؛ أي ثلاث حيض ـ، إلا إن كانت المرأة حاملاً فعدتها أن تضع حملها، أو تكون صبية أو آيساً فعدتها ثلاثة أشهر، والطلاق البائن لا ترث بعده المرأة مطلقها ولو مات في نفس اليوم الذي طلقها فيه، ولا عدة عليها في هذه الحالة إلا عدة الطلاق، والمطلقة ثلاثاً تبين بينونة كبرى؛ فلا ترث بحال، ولا عدة عليها إلا عدة طلاقها، التي يجب عليها أن تستمر عليها، والله أعلم.
امرأة حصل بينها وبين زوجها شقاق، وطلبت منه الطلاق ولكنه رفض، ووصل أمرها إلى القضاء، وحكم عليها بالحبس مدة ثلاثة أشهر، وبعد خروجها من السجن قررت عدم الرجوع إلى زوجها، وافتدت منه بخمسة آلاف ريال. (2/250)
صفحة 670
فهل يجوز لها أن تتزوج من رجل آخر قبل أن تنتهي عدتها؛ لأن زوجها لم يعاشرها معاشرة الأزواج؟
العدة واجبة عليها ما دامت قد دخل بها الزوج، ولو افترقا سنين قبل الطلاق، والعدة ليست ثلاثة أشهر ـ كما جاء في السؤال ـ وإنما هي ثلاثة قروء ـ أي ثلاث حيض ـ فإن حاضت ثلاث حيضات جاز تزويجها بما أنزل الله من أحكام الزواج، والله أعلم.
سماحة الشيخ: مسألة من كتاب "اللباب" عن الأثر: رجل آلا من امرأته وكانت حاملاً، فمضت أربعة أشهر ولم تضع، هل تبين بالإيلاء؟ قال: هكذا عندي، قلت: هل لها أن تزوج حين بانت بالإيلاء، أم ليس لها أن تزوج حتى تضع؟ قال: عندي أن ليس لها أن تزوج حتى تضع، قلت له: وإن تزوجت قبل أن تضع، ولم يدخل بها حتى وضعت، ثم دخل بها بذلك النكاح الأول، هل يثبت التزويج ويجوز ذلك، ولا يفرق بينهما، قال: معي إنه قيل في ذلك باختلاف قول يثبت النكاح ولا يفرق بينهما، وقول لا يثبت ذلك ويفرق بينهما؛ لأن النكاح وقع قبل أن تنقضي منها أسباب الحمل من الأول، قلت له: فإن وطئها قبل أن تضع، هل تحرم عليه، قال: معي أنه قيل: تحرم عليه بذلك، ولا أعلم في ذلك اختلافاً، قلت له: فعلى قول من يقول إن النكاح لا يثبت، ويفرق بينهما إذا جاز بها بعد وضع الحمل، هل يملك الزوج ردها، قال: معي أنه لا يملك الزوج ردها، لأنها بائنة منه بعد الأربعة الأشهر، والله أعلم.
? البحث الأول: عن وجه قوله "قول يثبت النكاح ولا يفرق بينهما، إذا تزوجها وهي حامل قبل أن تضع" وهل هذا القول يطرد على المتوفاة والمظاهر منها، إذا انتهى أجل الوفاة، وأجل الظهار قبل وضعها؟
?البحث الثاني: إن وطئها قبل أن تضع، هل يسوغ الخلاف بعدم تحريمها، بناء على القول بأن كل وطء حصل بشبهة لا يحرم المرأة، أو على القول تنزيل الجاهل منزلة الناسي، حكاه أبو نبهان في بعض مباحثاته؟ (2/251)
صفحة 671
قد اطلعت على ما حكاه صاحب "اللباب" عن الأثر، وأقول بأن القول بجواز العقد على من آلى منها زوجها وهي حامل بعد مضي أربعة أشهر، وقبل أن تضع حملها هو من الخطأ بمكان، ولا يجوز الأخذ به؛ لمخالفته دلائل القرآن، ومقاصد الشريعة الغراء.
وليس كل خلاف جاء معتبراً
إلا خلاف له وجه من النظر
وأي وجه لهذا القول من النظر، مع قول الله تعالى: { وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } ( )، وهو عام ولا يجوز تخصيصه مراعاة لحرمة الجنين، ولئن كانت الحامل من سفاح لا يجوز العقد عليها ـ باتفاق أصحابنا ـ ولو تزوجها زانِ مثلها، مراعاة لحرمة جنينها، فما بالك بجنين النكاح الذي هو أولى بالحرمة؟ ولئن كان هذا قولاً باطلاً من أساسه؛ فما بني على الباطل باطل، على أن لا خلاف في الحامل المميتة، أن عدتها لا تنقضي إلا أن تضع حملها، ولو قيل بعدم لزوم الحداد عليها بعد أربعة أشهر وعشراً، فإن من لا يقول بأن تنتهي بوضع حملها إن وضعته قبل أربعة أشهر وعشر يقول بأبعد الأجلين، وأبعدهما هنا الوضع، أي عندما يتجاوز حملها أربعة أشهر وعشرة أيام منذ الوفاة، فلا وجه للتخريج الذي أشرت إليه، ومع ظهور بطلان هذا القول، يظهر ظهوراً أولياً بطلان القول؛ بعدم حرمتها عليه إن وطئها قبل الوضع، ولو خرج على مراعاة أنه حصل شبهة، أو على تنزيل الجاهل منزلة الناسي.
هذا ولا ينبغي ذكر هذه الأقوال وإظهارها لعوام الناس؛ لما فيها من المفسدة، والله المستعان.
لقد توفي زوجي واستقبلت العدة، فأخبروني بأنه لا يجوز أن أمس التراب، أو الذهب، أو الفضة، أو استعمال الصابون، أو رؤية الرجال الأجانب، فما حكم ذلك شرعاً؟ (2/252)
صفحة 672
أحسن الله عزاءك في مصابك، وعظم لك الأجر، وعوضك ما هو خير وأبقى، هذا والمعتدة عدة الوفاة كغيرها من النساء في باب الحلال والحرام، ولا تمنع مما يباح لغيرها من النساء إلا ثلاث حالات، وهي: أنها تمنع من الزينة، والطيب، والمبيت في غير بيتها، أما سائر الأحكام فهي كغيرها، فمس التراب لا وجه لمنعها منه، وكذلك مس الذهب والفضة من غير أن تتزين بهما، والصابون غير المعطر لا تمنع منه؛ بخلاف المعطر، وتمنع من الخلوة بالأجانب، لا من رؤيتهم، والله أعلم.
هل يجوز للمعتدة عدة الوفاة أن تغتسل بالصابون، وتستاك بالمعجون، أو تكلم محارمها، أو صديقاتها بالهاتف؟
المعتدة ليست لها أحكام تختلف عن أحكام سائر النساء إلا في ثلاث حالات، وهي: ـ أنها تمنع من الطيب، والزينة، والمبيت في غير بيتها، أما في سائر الأحكام فهي كغيرها، وإنما يحرم عليها ما يحرم على سائر النساء مع ما ذكرته، وبهذا يتبين لك أن كل ما ذكر لك في هذه المسائل مباح لها، اللهم إلا الاستحمام بالصابون؛ فيشترط فيه أن لا يكون معطراً، والله أعلم.
ما قولكم فيمن وضعت حملها بعد شهرين من وفاة زوجها، هل عليها أن تكمل العدة، أم تنتهي بوضع حملها؟
انتهت عدتها بوضع حملها؛ لقوله تعالى: { وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } ( ) ولحديث سبيعة الأسلمية التي وضعت حملها بعد وفاة زوجها بأيام، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حللت فانكحي"، والله أعلم.
هلك رجل عن زوجتين، فاعتدت إحداهما في بيت أولادها، ومكثت الأخرى في بيت زوجها، علماً بأن هذا البيت كبيرجدا، ويمكن تأجيره بمبلغ ستمائة ريال شهرياً، والورثة بحاجة إلى هذا المال، فهل من حق هذه المرأة أن تعتد في هذا البيت مع ثبوت الضرر ببقية الورثة، خصوصاً وأن هناك بيوت أخرى يمكن أن تكمل فيها عدتها، وفي حالة إصرارها على البقاء، هل تلزم بدفع إيجار للبيت؟ أفتونا مأجورين. (2/253)
صفحة 673
نعم من حقها أن تقيم في ذلك البيت، فإن من السنة أن تعتد المرأة حيث بلغها نعي زوجها، فالتي خرجت من البيت أخطأت، والتي بقيت أصابت، ولكن من جهل الناس وطمعهم في الدنيا صوبوا المخطئ، وخطأوا المصيب، ألا ما أعجب أمركم، وحرصكم على الدنيا كأنكم ترون أنكم مخلدون فيها، أما تعلمون أنكم عما قريب صائرون إلى ما صار إليه، ولعل ذلك قبل أن تنتفعوا من التركة بشيء.
تفاني الناس في الفاني ضلالاً
وما خلقوا له ولوه ظهرا
توفي زوجي وحصلت على إجازة من جهة عملي مدتها أربعة أشهر وعشرة أيام، وذلك بموجب قانون الخدمة المدنية، حيث أنني أعمل مدرسة، علماً أنني حامل، والآن الإجازة التي حصلت عليها قد انتهت، فكيف الحكم في مباشرة عملي، وحتى تنتهي عدتي؟
تنتهي عدتك بوضعك الحمل، لقول الله تعالى: { وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } ( )، وإنما يجوز الخروج لما لا بد منه، فلا حرج عليك في الخروج في النهار للتدريس وغيره، على أن يأويك الليل في بيتك، والله يوفقك للخير، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
انتشر بين النساء أن المرأة إذا توفي زوجها، تؤمر بالاغتسال في كل أسبوع ما دامت في عدتها، وعندما نقوم بنصحهن لا يقبلن ذلك، ويقلن أن هذه العادة موجودة منذ خلق الدنيا، فما قولكم في ذلك؟
أما كون تلك العادة منذ خلق الدنيا فهو مجرد اجتراء في القول جزافاً، فإن الدنيا خلقت قبل آدم عليه السلام بما لا يحصيه من القرون إلا الله عز وجل، وإن كان مرادهن منذ وجود الإنسان على الأرض؛ فهو أيضاً قول باطل؛ لأنه يتوقف على الدليل ولا دليل، وإنما هذه بدعة من المحدثات، وفي الحديث "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"( ) والله أعلم.
فيمن توفي زوجها، فهل يجب عليها الترك، أم هو سنة فقط؟ (2/254)
صفحة 674
إن كان مرادك بالترك العدة الشرعية التي فرضها الله سبحانه على النساء بنص قوله: { وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } ( ) فهي فريضة بهذا النص القطعي، وإن كان مرادك ما حمله الجهلة المعاندون المرأة المعتدة من الآصار، التي ما أنزل الله بها من سلطان، فهي ليست من الدين في شيء، وإنما هي بدع وضلالات، ففي الأثر المجمع عليه "كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار"، والله أعلم.
ما هي مدة العدة الشرعية للمتوفى عنها زوجها؟
إن عدة المرأة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام، لقوله تعالى: { وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } ( ) إلا إن كانت حاملاً؛ فعدتها تنتهي بوضع حملها؛ لقوله تعالى: { وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } ( ) ولحديث سبيعة الأسلمية التي وضعت حملها بعد وفاة زوجها بأيام؛ فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها: "حللت فانكحي"، والله أعلم.
ما قولكم من توفي عنها زوجها، هل يصح لها أن تلبس في عدتها لباسها المعتاد، حيث أنه من المعلوم أن لباس النساء العمانيات يكون عليه الزري والسجاف، ويكون الثوب مختلط به أكثر من لون واحد، فهل يجب عليها أن تلبس اللون الأسود؟
تلبس أي لباس كان، إلا لباس الزينة، فليس لها التزين في لباسها كما ليس لها التزين بالحلي، وعليه فما ذكرته من السجاف والزري( ) ممنوع عليها، أما السواد فلا يجب عليها التقيد به، بل لها أن تلبس ما شاءت من الألوان من غير لباس الزينة، والله أعلم.
ما قولكم في العادة الموجودة عند نساء أهل عمان، وهي أن المرأة إذا خرجت من عدة الوفاة حضرت النساء وقمن بتغسيلها وقت المغرب، وتقام الذبائح للعشاء، وتسمى هذه العادة بالغسالة؟ (2/255)
صفحة 675
كل ذلك من البدع المحرمة، والله أعلم.
هل يلزم المعتدة الغسل بعد خروجها من عدة الوفاة؟
لا غسل من العدة؛ فإن العدة ليست حدثاً فيغتسل منها، والله أعلم.
امرأة توفي زوجها، وطلب منها أهلها أن تبقي في العدة أحد عشر شهراً، وطلبوا من أهل الزوج أن تعتد في بيتهم أي في بيت الزوج، فهل يصح ذلك أم لا؟
تعتد أربعة أشهر وعشراً، إلا إن كانت حاملاً فتعتد إلى أن تضع حملها، وتؤمر بالاعتداد في حال الاختيار في البيت الذي أتاها فيه نعي زوجها، والله أعلم.
هل يجوز للمعتدة عدة الوفاة أن تغتسل بالصابون؟
إن كان الصابون غير معطر فلا مانع منه، والاستحمام بالماء وكل منظف غير معطر مباح، والله أعلم.
ما قولكم في المعتدة المميتة، هل يجوز أن يدخل عليها زوج ابنة أخيها؟
المعتدة كغيرها من النساء من هذه الناحية، وزوج بنت الأخ أجنبي من عمة زوجته، فلا تجوز لها الخلوة به، سواء كانت في العدة أو في غيرها من الأحوال، وأما مع وجود ذي محرم منها مع استتارها؛ فلا حرج إن دخل عليها في العدة، أو في غير العدة، والله أعلم.
هل يلزم المرأة المعتدة عدة الوفاة أن تلبس النقاب؟
المعتدة كغيرها من النساء في جميع الأحكام إلا ثلاثة، وهي: أنها تمنع من الطيب، والزينة، والمبيت في غير بيتها، وفيما عدا ذلك لا تختلف عن غيرها، فلا يلزمها التنقب إلا حيث يلزم غيرها، وذلك في مظان الفتنة والريبة، والله أعلم.
امرأة مصابة بالصمم، وقد توفي زوجها، فلما أراد أهلها أن يلقنوها نية الاعتداد لم تسمع منهم شيئاً، فما الحل في ذلك؟
التلفظ بالسان ليس من النية في شيء، وإنما النية هي القصد بالقلب، فإن قصدت العدة أجزاها ذلك، وإن لم تتلفظ بلسانها، والله أعلم.
ما قولكم فيمن يقول إن المرأة المعتدة عدة الوفاة، لا تبدأ عدتها حتى يحضر رجل دين يقرؤها نية الاعتداد؟ (2/256)
صفحة 676
ذلك قول باطل، فإن العدة كغيرها من العبادات يؤديها الإنسان بينه وبين ربه، وحسبه أن ينويها بقلبه، والله يعلم السائر من عباده، والله أعلم.
هل يجب على المعتدة عدة الوفاة لبس السواد؟
لا يجب عليها ذلك، وإنما عليها أن تتجنب ثياب الزينة؛ كالحرير، إلا إن لم تجد غيرها، والله أعلم.
في المطلقة إذا توفي زوجها، فهل تعتد عدة الوفاة، أم تكمل عدة الطلاق؟
إن كان الطلاق رجعياً، اعتدت عدة الوفاة من يوم وفاته، وإن كان بائناً، أتمت عدة الطلاق، وليس عليها غير ذلك، والله أعلم.
ما قولكم فيمن توفي زوجها ولم تستقبل عدتها، زاعمة أن المتوفى لم يكن زوجها إلا في الظاهر، ذلك لأنه زنى بها وحملت منه، ولما خاف أن يظهر الأمر تزوجها فبقيا على تلك الحال، فهل تسقط عنها العدة بذلك، أم لا، وإن كانت تلزمها، فهل يسع القاضي السكوت إذا رفع الأمر إليه؟
تجب عليها العدة إن كانت في الظاهر زوجة له، ولو كانت السريرة بخلاف ذلك، والله هو يتولى السرائر، ولا يحل للقاضي السكوت عنها إن رفضت إن كان قادراً على ذلك، والله أعلم.
هل يجوز للمرأة أن تتبع جنازة زوجها حتى مكان غسله؟ وكيف تكون نية العدة؟
إن كانت ترافقه بغير نواح، ومن غير أن تزاحم الرجال الأجانب فلا مانع، وإلا فهو ممنوع، ونية العدة كسائر النيات للأعمال، هي القصد بالقلب إلى أداء العمل قربة إلى الله، والله أعلم.
ما قولكم فيمن توفي زوجها، وترك محلات تجارية وعقارات، فهل يجوز لها وهي في العدة أن تتصل بالهاتف بالعاملين في هذه المحلات، أو تجتمع بهم في بيتها بحضور ابنها، وذلك لتتابع معهم مواضيع العمل؟
نعم، لها أن تخاطبهم بالهاتف، أو تكلمهم بحضور ذي محرم منها، مع تسترها كما يجب، والله أعلم. (2/257)
صفحة 677
امرأة توفي عنها زوجها ليلة العشرين من شوال بعد صلاة المغرب، ولم تلفظ بنية عدتها ـ على ما جرت عليه العادة ـ إلا في الصباح، حيث أجل دفنه إلى ذلك الحين، هل يكون يوم التاسع والعشرين من صفر هو آخر يوم من عدتها، على اعتبار أن يوم التاسع والعشرين من صفر هو تمام أربعة أشهر وعشرة أيام، أم غير ذلك؟
أولاً: على كل أحد أن يعلم أن النية هي غير التلفظ بالسان، وإنما النية هي قصد التقرب إلى الله بالعمل، وذلك هو عين الإخلاص، وهو سر بين العبد وربه، لا يطلع عليه ملك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده ـ كذا جاء في بعض الروايات عن حديث قدسي رباني ـ والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما كان هو ولا أصحابه يأتون بألفاظ النيات في الصلاة، ولا في الصيام ولا في غيرهما، وإنما كانوا يكتفون بما وقر في نفوسهم، من قصد التقرب إلى الله سبحانه بأعمالهم، وضبط تلك الأعمال بضوابط الحق، وقد حدثت هذه الألفاظ من بعد، عندما تفشى في الناس الجهل، وكثر بينهم العوام الذين لا يدرون ما ينوون، وكيف ينوون، فأحدث بعض أهل العلم لهم هذه الألفاظ؛ لتكون لهم عوناً على استحضار ما تترجمه من المعاني التي هي عين النية، وهذا يعني أنها أريد بها أن تكون وسيلة للعوام؛ للتوصل إلى النية، ولكن مع الأسف وقف الناس عند الوسيلة، ولم يصلوا إلى المقصد، إذ كل ما يهمهم أن يرددوا هذه الألفاظ، ولو لم يستحضروا معانيها، فضاعت بذلك النية التي هي روح العمل. (2/258)
صفحة 678
ثانياً: تجب النية فيما كان أمراً تعبدياً محضاً، أي غير معقول المعنى، وتندب فيما كان معقول المعنى، واختلف في العدة من أي القسمين هي، فالجمهور من العلماء أنها معقولة المعنى، وأن مشروعيتها لاستبراء الرحم، والوفاء بحق الزوج بعد موته؛ ولذلك لم يشترطوا لها النية، واعتبروا أن الدخول فيها بمجرد موت الزوج في نفس اللحظة، حتى ولو لم تكن المرأة بذلك عالمة، بل إن علمت بموته بعد انتهاء المدة المقررة للعدة ـ وهي أربعة أشهر وعشر ـ تكون قد أدت ما عليها من عدة، ولا يجب عليها أن تعتد من جديد، وعلى هذا فإنه في مثل الساعة التي مات فيها الزوج في اليوم العاشر بعد أربعة أشهر تنتهي عدتها، وعليه فإن عدة هذه المرأة تنتهي بعد صلاة المغرب من ليلة الثلاثين من صفر، أو أول ليلة من ربيع الأول، والله أعلم.
ما رأي سماحتكم في الرجل الذي يقوم بالعقد على المرأة المتوفى عنها زوجها، أي بمعنى قراءة نية عدة الوفاة عليها؟ (2/259)
صفحة 679
أولاً: علينا أن ندرك أن النية هي عقد العزم بالقلب، وليست نطقاً باللسان، وذلك مفهوم من نفس دلالتها اللغوية، فإنه لو قال قائل: نويت بالأمس أن أزورك، لم يفهم السامع منه إلا قصد الزيارة، ولا يمكن أن يفهم منه أنه كان يردد أنه سيزور فلاناً، والنية المطلوبة شرعاً إنما هي أن يقصد الإنسان بعمله وجه ربه، وذلك هو الإخلاص المراد في قوله تعالى: { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } ( )، والإخلاص سر بين العبد وربه، والنية ضرورية في الأمور التعبدية، التي هي غير معقولة المعنى، كالوضوء فإنه غسل لجوارح معينة من الجسد، من دون أن تكون متلبسة بنجس أو دنس، ولا تلزم في الأمور المعقولة المعنى كغسل النجاسات، وإن كانت تنبغي، والعدة هي في أكثر أقوال أهل العلم من النوع الثاني، فلذلك لو مات رجل ولم تعلم امرأته بوفاته حتى مضت أربعة أشهر وعشرة أيام، لأجزاها ذلك عن الاعتداد فيما بعد على قول أكثر أهل العلم، ومن يرى خلاف ذلك، لا يشترط التلفظ، بل يجزيها القصد بالقلب إجماعاً، على أنا لو سلمنا على ما يقوله العوام من ضرورة التلفظ؛ فكيف لا تلتفظ بنفسها؟ ولماذا يتوقف ذلك على أن يدخل الرجل يقرؤها النية؟ وهل العدة أشد من الصلاة، والصيام، والزكاة، والاغتسال من الجنابة والحيض والوضوء؟ ولماذا لا يدخل عليها رجل ليقرؤها النية في هذه الأحوال؟ حتى أن العوام يظنون أن العدة لا تصح لو قرأت النية بنفسها، أو أقرأتها امرأة مثلها، فالله المستعان إن منشأ ذلك كله الجهل وعدم فهم الدين، والله أعلم.
هل يجوز للمعتدة عدة الوفاة أن تبخر نفسها، أو بيتها باللبان؟
بما أن اللبان له رائحة طيبة فلتجنبه، والله أعلم.
نسمع بأن المرأة المعتدة عدة وفاة لا يجوز أن يراها الرجال بعد خروجها من العدة، حتى تمضي عليها كاملة، فهل هذا صحيح؟
هذا كلام باطل، لا أساس له من الصحة، والله أعلم. (2/260)
صفحة 680
فيمن جاءها خبر نعي زوجها وهي في غير بيته، فهل يلزمها أن تسافر إلى البلد الذي فيه بيته فتعتد فيه، أم لا؟
تعتد حيث بلغها نعيه ـ أي حيث كانت مقيمة عندما بلغها نعيه ـ ولا يجب أن يكون البيت مملوكاً له، كما يدل عليه حديث الفارعة بنت سنان، والله أعلم.
ما قولكم فيمن اعتدت لوفاة زوجها في بيت أهلها، وليس في بيت الزوج، فهل يلزمها إعادة العدة؟
أساءت بذلك، وليس عليها لها أن تعيد الاعتداد، والله أعلم.
امرأة توفي عنها زوجها، فعلى من تجب نفقتها أثناء عدتها؟
نفقتها على نفسها، إلا أن تحمل نفقتها غيرها من والد، أو ولد؛ لأن المعتدة عدة الوفاة لا نفقة لها، إلا إن كانت حاملاً، فقيل نفقتها من مال زوجها الميت، وقيل أيضاً من مالها، والله أعلم.
المعتدة إن ماتت في عدتها، هل تعطر، أم لا؟
اختلف في ذلك على قولين: قيل تتطيب، وقيل لا، والأصح جواز التطييب؛ لأن تعبدها بالعدة انتهى، ولا تقاس على المحرم؛ لأنه يحشر ملبياً بخلافها، والله أعلم.
ما حكم الشرع فيما يتمسك به الناس في مجتمعنا من عادة ذبح الذبائح، وصنع الطعام، ودعوة النساء عند خروج المرأة المتوفي عنها زوجها من عدتها؟
ذلك من البدع المنافية للسنة، فإن إقامة الولائم في المصائب أمر ينافي الفطرة، ويصطدم مع الشريعة، ولئن كان السلف الصالح شدّدوا في إقامة الولائم إبان المصاب، فما با لكم بتجديد ذلك بعد مضي أربعة أشهر وعشر، على أن أعمال المؤمن يجب أن تكون محكومة بهدي القرآن والسنة، وقد قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"( )، وقال: "إن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار"( ) والله أعلم.
فيمن توفي زوجها، وعلمت بذلك في وقت الظهر، فمتى تبدأ حساب عدتها؟
تبدأ عدتها من ساعة وفاة زوجها، وقيل بل من ساعة علمها، والأول أرجح، والله أعلم. (2/261)
صفحة 681
امرأة توفي عنها زوجها وهي مريضة في المستشفى، وقد أجريت لها عملية خطيرة في الرأس، ولم يخبروها عن وفاة زوجها خوفاً على صحتها، فهل يصح أن تبقى في المستشفى من غير عدة؟
هي في العدة سواءً كانت في البيت، أو في المستشفى، وسواءً كانت واعية، أو فاقدة للوعي، فإن العدة هي التربص عن الزواج، وتؤمر المميتة مع التربص بترك الطيب والزينة، ولا ريب أنها ستجتنب ذلك كله، أو ستجنبه، والله أعلم.
هل يجوز للمعتدة عدة الوفاة أن تذهب إلى المستشفى لتلقي العلاج؟
لا مانع من ذلك، والله أعلم.
وهل يصح أن تذهب بولدها إلى الطبيب؟
لا مانع من ذلك أيضا، والله أعلم.
فيمن توفي عنها زوجها قبل الدخول بها، فهل تجب عليها العدة؟
نعم عليها العدة، ولو لم يدخل بها، والله أعلم.
فيمن توفي زوجها وهي مرقدة في المستشفى, وليس لديها الوعي الكامل، فهل تلزمها العدة, أم لا؟
العدة هي امتناع عن الزواج إلى انقضائها، وتؤمر المرأة بالحداد في عدة الوفاة, وذلك بترك الزينة والطيب، ولا فرق في ذلك بين كونها في المنزل أو خارجه، وإن قصرت في شيء؛ لعدم تكامل وعيها فهي معذورة، وإنما يؤمر أولياؤها بمراقبتها، والله أعلم.
هل يجوز أن أدخل على أرملة أخي؛ بحضور الوالدين وزوجتي، إذا كنت أنا العائل لهذه الأرملة، ولأولادها؟
لا حرج في ذلك، إن لم تخل بها، والله أعلم.
فيمن توفي زوجها وهي حامل، ووضعت حملها في اليوم الرابع من عدتها، فهل تنتهي عدتها بذلك، أم تكمل العدة كاملة؟ (2/262)
صفحة 682
القول الراجح أن عدتها تنتهي بوضع حملها، فمتى وضعته حلت، بدليل قوله تعالى: { وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } ( ) وقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لسبيعة الأسلمية وقد وضعت حملها بعد وفاة زوجها بأيام: "حللت فانكحي"، ولا وجه لحصر هذا الحكم في سبيعة، فإن الأصل عدم الخصوصية، ولئن الراوية للحديث ـ هي أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ زوج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ روته في مقام فض النزاع الذي كان في المسألة بين ابن عباس ـ القائل بأبعد الأجلين ـ وأبي هريرة وعبد الرحمن بن أبي سلمة القائلين بوضع الحمل، ولو كانت ثمة خصوصية لما جهلتا هي وعلمها من بعدها، ولأن في رواية النسائي للحديث أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعدما قال لها ذلك تلا قوله تعالى: { وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } ( )، ولأن في بعض الروايات التصريح بعموم هذا الحكم، والله أعلم.
فيمن طلق زوجته في حملها، وهي موجودة في بلد، ولم يبلغها طلاقها، وقد وضعت حملها، فهل يجوزله مراجعتها، أم أنها انتهت عدتها بوضع حملها؟
انتهت عدتها بوضع حملها، عند من يرى العدة عبادة معقولة المعنى، لذلك أرى أن يتزوجها إن أرادها بعقد جديد مع كافة شرائطه الشرعية، والله أعلم.
امرأة توفي زوجها ولها ربيبة ـ أي بنت زوجها من غيرها ـ هل يجوز لزوج البنت الدخول عليها أثناء العدة؟ (2/263)
صفحة 683
لا يجوز لزوج الربيبة أن يخلوا بها، سواء كانت معتدة أو غير معتدة؛ لأنه أجنبي منها، وقد قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة إلا مع ذي محرم"، وهذا الحكم غير محصور في العدة، وإنما جهل الناس أدى بهم إلى التهاون في غير حال العدة، والتشدد على المعتدة، فأفرطوا في ناحية، وفرطوا في أخرى، ولا فارق بين المعتدة وغيرها إلا في ثلاث حالات أولها: عدم التطيب، والثاني: عدم الزينة، والثالث: عدم المبيت في غير بيتها، وفي سائر الأحوال هي كغيرها، ولقائها الرجل الأجنبي مع ذي المحرم منها لا يمنع في عدة، ولا غيرها مع تمام الاحتشام، والله أعلم.
ما قولكم في رجل توفي عن زوجته وهي حبلى، فوضعت بعد وفاته بأيام و ساعات، هل تنتهي عدتها، أم لا؟ علماً أن أكثر قول أصحابنا ـ يقولون بأبعد الأجلين ـ عملاً بالدليلين ـ وهما الآية التي في سورة البقرة { أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } ( ) والثانية: التي في سورة الطلاق { وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } ( ) لكن وجدت عن شيخنا القطب في "وفاء الضمانة" عدة أحاديث عن النسائي وهي مرفوعة, وقصة سبيعة الأسلمية, وكما تعلم لا حظ للنظر مع وجود الأثر؟
ذهب جمهور أصحابنا ـ رحمهم الله ـ في هذه المسألة مذهب علي وابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ وهو الاعتداد بأبعد الأجلين جمعاً بين دلالة الآيتين, وذهب جمهور الأمة، وقليل من أصحابنا إلى أنها تنتهي عدتها بوضع حملها، سواء طالت مدة الحمل أم قصرت, وهذا هو الأصح؛ بدليل حديث سبيعة الأسلمية المخصص لعموم آية البقرة, وقد أخرجه الربيع، والشيخان، وأصحاب السنن, وتخصيص عمومات القرآن بأحاديث الآحاد أمر مشهور عند الأمة, ويعتضد ذلك هنا بآية الطلاق { وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } ( )، وقول أكثر أصحابنا أن حديث سبيعة خاص بها ينظر فيه من أربعة أوجه: (2/264)
صفحة 684
أولهما: أن الأصل في الأحكام الشرعية عدم الخصوصية؛ فعلى مدعيها الدليل.
ثانيهما: إن راويه الحديث أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ روته حجة على من قال بأبعد الأجلين، أنها حدثت به عندما اختلف في المسألة أبو هريرة، وابن عباس، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، فقال: ابن عباس بأبعد الأجلين، وقال أبو هريرة، وأبو سلمة بمجرد وضع الحمل، فأرسلوا إليها من يسألها فروت لهم الحديث، فلو كان الحديث خاصاً لكانت هي أولى بمعرفة ذلك.
ثالثهما: أن في رواية النسائي أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ تلا الآية بعدما ذكر لها الحكم.
رابعهما: أن في بعض الروايات أنه صرح بعموم الحكم، والله أعلم.
هل يجوز للمعتدة عدة الوفاة أن تخرج من بيتها؛ لتقضي بعض شؤونها إذا لم يوجد معها من يخدمها؟
نعم ذلك جائز لها، والله أعلم.
ما رأي سماحتكم فيما تقوم به المعتدة عدة الوفاة من تغطية كل جسمها، ويديها، وأرجلها، وصب الزيت، وعدم مقابلة الأطفال، والنياحة، والتعري، وحمل السيوف، وزيادة أيام العدة، وغيره من البدع؟
يقول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ " إن أصدق الحديث كتاب الله, وخير الهدي هدي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ, وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار "( )صدق رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويقول ـ أيضاً ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد "( ).
ويقول ـ عليه الصلاة والسلام ـ: " لعن الله من أحدث في الإسلام حدثاً أو أوى محدثاً "( ).
هذه الأحاديث كلها تفيد أن كل ما خالف كلام الله تعالى, وهدي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فهو معدود من البدع الضالة التي تؤدي بصاحبها ـ والعياذ بالله ـ يوم القيامة إلى النار. (2/265)
صفحة 685
وقد بين الله تعالى الدين فيما أنزل من كتاب, وفيما جاء به رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من بيان, وامتن على الناس بإتمام النعمة، وإكمال الدين، بعد أن بلغ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الأمانة, ونصح الأمة، وكشف الغمة, فقد قال الله تعالى ـ فيما أنزله على عبده ورسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في عرفة في حجة الوداع: { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا } ( )، ولم يبق ـ بعد يومئذ ـ شيء يستحق البيان، بل كل شيء بينه لنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وقد اكتمل الدين.
وإجمالاً أقول: بأن كل ما ذكر في هذا السؤال فهو من البدع والضلالات، التي لا تجوز في الإسلام.
أما من ناحية الستر؛ فإن المرأة مطلوب منها أن تستر بدنها عن أنظار الرجال، سواء أكانت في العدة، أم في غير العدة، ومطلوب منها أيضاً أن لا تجلس مع الرجال، إلا إذا كان هناك داعي للجلوس، بشرط أن لا تكون في خلوة معهم. (2/266)
صفحة 686
1. ... فقد جاء في كتاب الله تعالى ما يدل على وجوب الستر، فالله تبارك وتعالى يقول مخاطباً للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا } ( )، ويقول الله سبحانه وتعالى: { وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } ( ). (2/267)
صفحة 687
وهذا الحكم ليس خاصاً بالمعتدة، فإن المعتدة ليس لها أن تتزين، حتى تمنع عن إظهار الزينة لطائفة من الناس، بل هي ممنوعة من الزينة رأساً، فمن هنا يتبين لنا أن حكم الستر ليس مختصاً بالمعتدة، وتشديد الناس على المعتدة مع التساهل في غير حالة الاعتداد إنما يعد إفراطاً وتفريطاً، وكل من ذلك ممنوع في الإسلام، فالإسلام اعتدال.. إن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ منع المرأة أن تختلي بالرجل الأجنبي، ومنع الرجل أن يختلي بالمرأة الأجنبية، فقد قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم"( )، ويقول ـ صلى الله عليه وسلم ـ: " إياكم والدخول على النساء، فقال له رجل من الأنصار: أرأيت الحمو يا رسول الله؟ ـ والمقصود به قريب الزوج ـ فقال ـ صلوات الله عليه وتسليمه ـ: "الحمو الموت"( )، فإذا كان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يشبه حما المرأة بالموت؛ لما في دخوله عليها، واختلاطه بها، وخلوته معها من المحذور، فكيف بغيره؟ رغم أنه من عادة الناس أن يغادروا على نساء أقاربهم.
ويقول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: " ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما"( )، فمن العجيب أن يتسامح الناس إذا لم تكن المرأة معتدة، ويتساهلون حتى يدعوا الرجل يدخل عليها ـ وهو الذي لا يجوز أن تختلي به أو يختلي بها ـ فيجلسها منفردين.. هذا ترك لما فرضه الله تعالى في كتابه، وعلى لسان رسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ.
وبجانب ذلك يتشدد على المرأة في حالة الاعتداد ـ إذا كانت عدتها عدة وفاة ـ بحيث تمنع من مقابلة الأطفال، وهذا التشدد ليس له أساس من كتاب الله تعالى، ولا سنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ. (2/268)
صفحة 688
إن المرأة مع النساء المسلمات المؤمنات الصالحات يجوز لها أن تبدي ما فوق السرة، وما تحت الركبة، سواء في الاعتداد أو في غير الاعتداد؛ لأن عورة المرأة مع المرأة المسلمة البرة كعورة الرجل مع الرجل، وهي ما بين السرة و الركبة! فكيف يتشدد على المرأة في حالة الاعتداد، ويقال إنه لا يجوز لها أن تصافح المرأة إلا من وراء حجاب؟، وعليها أن تستر مع النساء يديها، وتستر وجهها.. هذا أمر لا أساس له من كتاب ربنا، وسنة نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ "ومن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"( ) كما قال نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ كذلك الإدهان بالزيت، وعدم ملامسة المذكر من الأشياء، والتقوقع في مكان واحد داخل حجرة مظلمة، كل ذلك ليس له أساس من كتاب أو سنة، ولا قال به أحد من علماء المسلمين.
وإجمالاً يجوز للمعتدة كل ما يجوز لغيرها من النساء، ما عدا ثلاثة أشياء وهي: الزينة، والطيب، والتردد خارج البيت بغير ضرورة، فالمعتدة لا يجوز لها أن تتزين، أو تتطيب، أو تبيت خارج بيتها، إلا في حالات الضرورة القصوى. (2/269)
صفحة 689
ويجوز للمعتدات إذا كن ذوات عدد، وكل واحدة منهن لم تكن تجد من يؤنسها في بيتها، أن يجتمعن في بيت واحد في النهار، ولكن يفترقن في الليل، وتعود كل واحدة منهن إلى بيتها تنام فيه، كما جاء بذلك نص عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فقد أباح ذلك رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ للنساء المتأيمات( ).. أما النياحة فممنوعة شرعاً لقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة صوت مزمار عند نعمة وصوت مرنة عند مصيبة"( )، فهي من البدع المنكرة، بل من الكبائر؛ لأن اللعن لا يكون إلا على كبيرة، فالنائحة مرتكبة لكبيرة، وقد جاء في رواية ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "إن الرجل ليعذب ببكاء أهله عليه"( )، وتحمل هذه الرواية ـ إذا لم ينه هذا الرجل عن هذا العمل ـ على ما سوى البكاء المعتاد، الذي أباحه الشرع، فعلى الإنسان أن يحذر أهله من النياحة، أو أن يقر نواح نائحة بعد موته؛ لأن ذلك مما يخالف هدي الإسلام الذي أمر به الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ.
ومن الضلالات الكبرى، والأمور المضحكة المبكية، فيما ذكر هنا في هذا السؤال، أن المرأة إذا كانت يوم انتهائها من عدتها يخرج الرجال جميعاً من بيتها...؟ ما هو الداعي إليه؟ وما الدليل عليه؟ وكذلك خروج الحوامل.. ما هو الداعي إليه؟ (2/270)
صفحة 690
إن الموت والحياة بيد الله سبحانه وتعالى، فلا يكون خروج الرجال مع خروج المعتدة من عدتها سبباً لموتهم، ولا تكون غيبتهم أيضاً سبباً لسلامتهم { كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } ( )، { وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ } ( )، وكذلك الحوامل لا يدني موتهن، ولا موت أجنتهن حضورهن عند المعتدة، ولا يسلم أجنتهن ولا يسلمهن من الموت خروجهن من عندها، وغيابهن عن المكان الذي تكون فيه المعتدة عند خروجها من العدة..، وأدهى من ذلك وأمر.. أن تجتمع النساء عندها في يوم خروجها من العدة، وأن تذهب بها امرأة إلى مكان الاغتسال، وخلفها امرأة أخرى تحمل سيفاً وترفعه فوق رأسها، ، فذلك من البدع والضلالات التي يجب محاربتها..، وأعظم من ذلك كله أن تعرى أمام النساء؛ فإن أية امرأة لا يجوز لها أن تنظر إلى عورة امرأة أخرى، كما لا يجوز لرجل أن ينظر إلى عورة امرأة، وكما لا يجوز لرجل أن ينظر إلى عورة رجل آخر، فقد قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "لعن الله الناظر والمنظور إليه"، نعم يجوز ذلك في حالات الضرورة القصوى كالعلاج ونحوه..، وأنصح المسلمين والمسلمات بأن يتبعوا كتاب الله وسنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وأن لا يجعلوا للمعتدة حكماً يختلف عن غيرها، اللهم إلا في الأشياء الثلاثة التي ذكرتها: الزينة، والتطيب، والتردد خارج بيتها بغير ضرورة.
وعلى المسلمين أن يحاربوا البدع والخرافات التي تخالف كتاب الله وسنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ.
وإذا دعا داع لدخول رجل أجنبي عليها، وكان معها ذو محرم؛ فلا مانع من ذلك. (2/271)
صفحة 691
وكذلك يجب أيضاً على النساء أن يلتزمن الستر، الذي فرضه الله تعالى عليهن في غير حالة العدة، وأن يلتزمن بما أمر الله تعالى به في قوله: { وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا } ( )، إلى آخر الآية، وقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ } ( )، إلى آخر الآية، وذلك في غير حالة الاعتداد، فإن الحرمة في ذلك لا تختلف بين حالة الاعتداد وغيرها..، والله تعالى نسأله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
امرأة معتدة عدة الوفاة، أجريت لها عملية جراحية في عينها، ولم تستطع الاعتداد في بيت زوجها لسوء حالتها الصحية، ولعدم وجود مستشفى هناك، فهل يجوز لها أن تعتد في بيت أهلها؛ لأجل هذه الأسباب؟
لا مانع من ذلك مع الضرورة, والله أعلم.
إذا طلت المرأة كم تكون عدتها؟ وقد قال الله سبحانه وتعالى: { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَء } ( )، هل هذه القروء هي ثلاثة أشهر، أم أنها ثلاث حيضات؟ وهل للأمة نصف ما للحرة من العدة؟ وهل تكفي العدة حيضتان؟ وإذا لم تحض وصار لها عشرة أشهر دون حيض، فما حكمها حينذاك؟
قال الله تعالى: { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ } ( )، والقروء جمع قرء ـ بفتح القاف وضمها ـ ويطلق لغة على الحيض والطهر، وهو من باب المشترك، ومن أمثلة مجيئه بمعنى الحيض قول الشاعر:
يا رب ذي ضغن وضب فارض
له قروء كقروء الحائض
ومن أمثلة مجيئه بمعنى الطهر قول الأعشى:
أفي كل عام أنت جاشم غزوة
تشد لأقصاها عزيم عزائكا
مورثة مالاً وفي الحي رفعة
لما ضاع فيها من قروء نسائكا (2/272)
صفحة 692
ولأجل اشتراك معنى الحيض والطهر في لفظ القرء، اختلف في المراد منه في الآية، فقيل: هو بمعنى الحيض، وقيل: بمعنى الطهر، والخلاف في ذلك من عهد الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ ولكل رأي حجته، ولكن الراجح الذي تسكن إليه نفسي أن القروء هي الحيض، بدليل قوله تعالى: { وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ } ( )، والحيض وجودي، الطهر عدمي، وقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ "طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان"، وقوله للمستحاضة: " اتركي الصلاة أيام أقرائك"، ولحديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ عند الربيع ـ رحمه الله ـ " الرجل أحق بزوجته ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة"، ولأن العدة يقصد بها بجانب التعبد استبراء الرحم، والاستبراء بالحيض لا بالطهر، إلى ما وراء ذلك من الأدلة الكثيرة، وعدة الأمة نصف عدة الحرة، ولما كان انتصاف الحيضة متعذراً كانت عدتها حيضتين، والآيس والصبية عدتهما ثلاثة أشهر، وأما من انقطع عنها الحيض قبل الاياس فعدتها ثلاثة قروء، ولو أبطأ حيضها، والله أعلم.
ما هو الراجح عندكم في عدة الحامل إذا توفي عنها زوجها؟
الصحيح عندي في هذه المسألة هو ما دلت عليه السنة النبوية ـ على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ـ وإليك ما جاءت به السنة: (2/273)
صفحة 693
روى الإمام الحافظ الحجة الربيع بن حبيب ـ رحمه الله ـ عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس ـ رضي الله عنهم ـ قال: اختلفت أنا وأبو سلمة بن عبد الرحمن في المرأة الحامل إذا وضعت بعد وفاة زوجها بليالْ، قال فقلت: عدتها آخر الأجلين، فقال أبو سلمة: إذا وضعت حلت، فجاء أبو هريرة فسئل فقال: أنا مع أبي سلمة، فبعثنا كريباً مولى ابن عباس إلى أم سلمة فسألها عن ذلك، فقالت: ولدت سبيعة الأسلمية بعد وفاة زوجها بليال، فذكرت ذلك لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: "حلت"، وروى القصة مالك في الموطأ، والشيخان، والترمذي، والنسائي من رواية أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ كما في المسند. وروى البخاري ومسلم حديث سبيعة من طريق سبيعة نفسها، وأخرجه الترمذي، والنسائي من طريق أبي السنابل، ومالك، والبخاري، والنسائي من طريق المسور ابن مخرمة، والنسائي من طريق زفر بن أوس بن الحدثان النصري، والبخاري، وأبو داود، والنسائي من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عبدالله بن عتبة بن مسعود، وكثرة طرق هذا الحديث ترتفع به إلى درجة الشهرة، أما ما قيل من أن هذا الحكم خاص بسبيعة، وأن كل مميتة حامل سواها تعتد بأبعد الأجلين؛ فهو مدفوع بأوجه:
أولها: أن الأصل في الأحكام الشرعية عدم الخصوصية, ومن ادعاها فعليه الدليل, على أن يكون نصاً ثابتاً عن الشارع كما في سائر أدلة الخصوصيات.
ثانيها: أنه لم يرو عن أحد ممن روى قصة سبيعة من الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ أن هذا الحكم خاص بها, بل كان استدلالهم بما رووه على شمول هذا الحكم لكل مميتة حامل, كما هو واضح في سياق رواية أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ للحديث, عندما اختلف في المسألة أبو هريرة وأبو سلمة بن عبد الرحمن القائلان بانتهاء العدة بوضع الحمل, وابن عباس القائل بأبعد الأجلين, فلو كان الحكم خاصاً؛ لما جهله أولئك الصحابة وعرفه من بعدهم. (2/274)
صفحة 694
الكتاب: فتاوى سماحة الشيخ الخليلي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] ثالثها: ما جاء في بعض الروايات أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعدما أجاب سبيعة في قضيتها تلا قوله تعالى: { وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } ( ), وكفى به دليلاً على أن هذا الحكم في جميع ذوات الأحمال.
رابعها: ما أخرجه عبدالله بن أحمد في زوائد المسند, وأبو يعلى, والضياء في المختارة, وابن مردويه، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن أبي بن كعب ـ رضي الله عنه ـ قال: قلت للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ "وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن" أهي المطلقة ثلاثاً، أو المتوفى عنها؟ قال: "هي المطلقة ثلاثاً والمتوفى عنها"، قال الحافظ ابن حجر: وهذا الموضوع وإن كان لا يخلو شيء من أسانيده من مقال، لكن طرقه تشعر بأن له أصلاًً، وتعضده قصة سبيعة.
خامسها: أن هذا هو الذي انتهى إليه عمل الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ واتفق عليه رأيهم، ما عدا أبا السبطين ـ كرم الله وجهه ـ أما ابن عباس فقد روي عنه رجوعه عن القول بأبعد الأجلين، وروايته قصة سبيعة في معرض ذكر خلافه مع الذين اختلف معهما في المسألة مؤذنة بذلك، ورأي الصحابة أولى بالإتباع، بهذا كله تعلم أن آية الطلاق مخصصة لآية البقرة، وأن أجل الحوامل وضع حملهن، سواء كن مطلقات أو مميتات، وسواء طالت مدة الحمل أم قصرت، والله أعلم.
رجل طلق زوجته في مرض موته، وطلب منها أن تبرئه من مؤخر صداقها، فوافقت على ذلك بعد إلحاح منه؛ لأن المرأة لم ترد الطلاق، وخاصة أن الزوج كان في حاجة إلى من يعتني به في مرضه، علماً أن الزوج لم يتمكن من مباشرتها منذ تزوجها، فهل تلزمها العدة وهل لها الميراث؟
إن كان أرخى عليها ستراً؛ فعليها العدة، وبما أنه طلقها من تلقاء نفسه، وهو الذي طلب أن تبرئه من صداقها، نرى أن لها الميراث منه، ولو خرجت من العدة، بل قيل ولو تزوجت، والله أعلم. (2/275)
صفحة 695
امرأة تركها زوجها سنوات عديدة, ثم توفي، وقد أخبرها رجلان من أهل البلد بطلاق زوجها لها، وهي لم تعلم بهذا الطلاق من قبل، فهل يثبت هذا الطلاق, وهل تلزمها العدة؟
إن كانا شاهدي عدل مأمونين فالطلاق ثابت، وعليها عدة الطلاق منذ وقوعه، وإلا فهي زوجته, عليها عدة الوفاء من ساعة الوفاء, والله أعلم.
مسائل متنوعة في الطلاق:
فيمن طلق زوجته طلقتين, ثم تزوجها رجل آخر؛ فمات عنها, وأراد الأول أن يتزوجها، فهل تحسب عليه الطلقتان الأوليتان؟
نعم على قول أكثر العلماء؛ لأن الزوج الثاني عندهم لا يهدم إلا الثلاث, وقيل بخلافه, والأول هو الذي عليه العمل، والله أعلم.
ما قولكم في رجل متزوج، وقد عاش مع زوجته سنين طويلة, ثم تزوج الرجل بامرأة أخرى، وطلق زوجته الأولى, وكان قصده من طلاقه حرمان زوجته من ميراثه, وقد أقر أمام أهل الزوجة بذلك، فهل يثبت الطلاق وهو على هذه النية؟
يقع الطلاق، وإن إثم المطلق بسوء نيته، والله أعلم.
من قضايا الزواج (2/276)
صفحة 696
الحمد لله على آياته الظاهرة, وهباته الغامرة, أحمده تعالى بما هو له أهل من الحمد وأثني عليه, واستغفره من جميع الذنوب وأتوب إليه, وأؤمن به وأتوكل عليه, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله, وحده لا شريك له, خلق فسوى, وقدر فهدى وله الآخرة والأولى, وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله, أرسله الله بالطريقة السواء, والشريعة السمحاء, والملة الحنيفية البيضاء, فبلغ رسالة ربه, وأدى أمانته, ونصح الأمة, وكشف الله به الغمة, وجاهد في سبيل الله, ودعا إليه بالحكمة والموعظة الحسنة حتى أتاه اليقين ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين, أما بعد: فإن كثيراً من الناس يقعون في أخطاء كثيرة؛ بسبب عدم إلمامهم بمعارف القرآن الكريم, ومعارف السنة النبوية ـ على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ـ وسيكون موضوعنا منصباً على بعض الأخطاء المتعلقة بقضية من أهم القضايا والتي تشغل بال كل أحد, ألا وهي قضية الزواج, الذي هو ربط مصير بمصير, فالله سبحانه وتعالى كرم الإنسان تكريماً ـ مع ما جعل في نفسه من الميل الفطري إلى الجنس الآخر ـ فكل من الذكر والأنثى يميل بفطرته إلى الجنس الآخر, ولا يستغني عنه بحال من الأحوال, فإما أن يلبي داعي الفطرة بالطرق السليمة, وإما أن يؤدي ذلك ـ والعياذ بالله ـ إلى انفجار تتلاشى معه الأخلاق, وتتحطم معه الفضائل, لذلك كان تأطير الزواج في إطار من أحكام الله سبحانه وتعالى مطلباً شرعياً مدنياً لا يستغني عنه أي إنسان كان, ولا ريب أن الزواج جعله الله سبحانه وتعالى من تكريم هذا المخلوق, إذ لم يكن هذا اللقاء الفطري بين الذكر والأنثى غير مضبوط بضوابط شرعية ـ كما هو شأن الحيوانات العجماء ـ بل جعله سبحانه وتعالى يتم في إطار من القيود الاجتماعية والخلقية التي ميز الله سبحانه وتعالى بها الإنسان, وجعل من ثماره امتداد هذا الجنس (2/277)
صفحة 697
البشري, مع تسلسل الأجيال جيلاً بعد جيل كحلقات في سلسلة واحدة, يشد كل جيل منها إلى الأجيال السابقة, هذا التكريم إنما خص الله به الإنسان؛ لأنه تبارك وتعالى جعله خليفةً له في الأرض, ولأن الإنسان بطبيعته يرغب في أن يكون له امتداد بعد فنائه, ورغم أن كل إنسان له عمر محدد في هذه الحياة, إلا أن هذا الامتداد جعله الله سبحانه وتعالى في الذرية التي تتعاقب جيلاً بعد جيل, فالإنسان يحس أنه في انتقاله إلى الدار الآخرة لا ينقطع وجوده في هذه الدنيا, متمثلاً هذا الوجود في الذرية الصالحة المتعاقبة, وقد امتن الله سبحانه وتعالى على عباده بنعمة الأزواج ونعمة الذرية، فهو عز وجل يقول: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } ( ), ويقول سبحانه: { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } ( ), ويقول عز من قائل: { وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ } ( ), كل ذلك يدعو الإنسان إلى أن يفكر في هذه الآلاء العظيمة الغامرة من آلاء الله سبحانه وتعالى، وأن يحرص دائماً على الارتباط بأحكام الله التي أنعم عليه بها، والزواج باعثه كامن في فطرة كل أحد من الناس خلقه الله سبحانه وتعالى سليماً، وهو بجانب ذلك مطلب مدني اجتماعي؛ لأن المدنية تتوقف عليه، ومن آيات الله تعالى الظاهرة أن جعل الإنسان يتميز عن غيره من الحيوانات، بأن جعل الحيوان يشتهي بقدر قوته، أما الإنسان فرغبته (2/278)
صفحة 698
في الجنس الآخر تفوق قوته، وما ذلك إلا لأجل أن تكون حياته حياة مدنية، وقد أطر هذا اللقاء بالإطار الشرعي الذي فيه التكريم البالغ للإنسان بكلا نوعيه، الذكر والأنثى، فالله سبحانه وتعالى حض أولاً على الزواج، فهو عز وجل يقول: { وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ } ( ), وجاء ذلك في حديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء"، وفي معرض الحث على ابتغاء الولد يقول الرسول ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ "تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة"( ), ونجد في كتاب الله سبحانه وتعالى أيضاً ما يدل على أن ولي المرأة لا يجوز له بحال من الأحوال أن يقف عائقاً في وجه تحصينها بالزواج, فهو سبحانه وتعالى يقول: { وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } ( ), فترون أن الله سبحانه وتعالى ـ في هذه الآية الكريمة يخاطب أولياء أمور النساء بأن لا يقفوا سداً في طريقهن؛ للحيلولة دون الوصول إلى رغبتهن من نكاح أزواجهن, وهي وإن كانت في المطلقات اللاتي يرغبن في الرجوع إلى أزواجهن بعد أن تنتهي المدة المقررة للاعتداد الشرعي منهم, إلا أن معناها يشمل كل ولي يقف في وجه وليته بأن لا تتزوج, وفي معرض هذا الأمر الرباني يبين الله سبحانه وتعالى أن هذه الموعظة هي موجهة إلى كل من كان يؤمن بالله واليوم الآخر, ومعنى ذلك أنه من لم يتعظ بها فليس هو من (2/279)
صفحة 699
الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر؛ لأنه خالف إيمانه في عدم الامتثال لأمر الله سبحانه تعالى: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا } ( ),
? ثم إننا نجد في أحاديث الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـما يدل على أن للمرأة الحق في اختيار شريك حياتها, فالرسول ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ يقول: "الثيب أحق بنفسها من وليها, والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها"( ), وهنا تتجلى عظمة الإسلام واستجابته لداعي الفطرة, فإن الإسلام الحنيف ينزل كل (2/280)
صفحة 700
شيء منزلته, فالمرأة قد تختلف في وضعها بين حالة كونها بكراً، وحالة كونها ثيباً, أما الثيب فقد مارست الحياة وجربت الأمور, ولذلك كانت أحق بنفسها من وليها, وإنما وليها يأذن بالزواج الشرعي الجائز عندما تختار هي شريك حياتها، أما البكر فهي بخلاف ذلك، وإنما لها حق الاستئذان، وإذنها صماتها؛ لأنها من شأنها أن تتجلل بالحياء، فقد لا تستطيع أن تصرخ بمبتغاها، لذلك كان سكوتها دليلاً على رضاها، وهذا يعني أن أولياء أمور النساء ليس لهم أن يجبروا ولياتهم على التزوج بمن يريدون، بل عليهم أن يقدروا شعورهن، ويحترموا أحاسيسهن، فإن المرأة هي التي تشارك الرجل تكاليف الحياة، وهي التي تعيش معه، فمن هنا كان هذا التكريم في الإسلام للمرأة، إذ لم يكن الأمر برمته موكولاً إلى ولي أمرها، أما مشروعية الولاية للرجل على المرأة فذلك أيضاً من تكريم الإسلام للمرأة؛ لأنه من المعلوم أن المرأة تجيش عاطفتها جيشاناً يملأ جميع جوانب دماغها، حتى لا يبقى هنالك مجال للتفكير عندما تتأثر بدافع عاطفي بخلاف الرجل، وهذا الكلام تقرره البحوث الحديثة التي يحررها الباحثون الاجتماعيون، فقد ذكرت باحثة فرنسية اجتماعية أن العاطفة عندما تشب في المرأة تشغل كلا جانبي دماغها، فيصبح لا يوجد مجال صالح للتفكير، أما العاطفة عندما تشب في الرجل فإنها تشغل جانباً واحداً من جوانب دماغه، ويصبح الجانب الآخر من دماغه صالحاً للتفكير، فالمرأة مع هذا الهيجان العاطفي لا يؤمن منها أن تندفع وراء عاطفتها، فتربط مصيرها بمن لا تحمد عاقبة مصاحبته فيما بعد. فمن أجل ذلك جعل الله سبحانه وتعالى للرجل حق الولاية عليها، ولئن كان الأمر كذلك فإنه لا يستغرب أن يكون الزواج في الشريعة الإسلامية منوطاً برضى الولي، وهذا الذي تشير إليه الآيات القرآنية، ويصرخ به حديث الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عندما يقول ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ "لا نكاح إلا بولي"( )، ثم بجانب ذلك (2/281)
صفحة 701
نرى أن الإسلام عندما يأمر بالتزويج لا ينظر إلى جانب الغنى والفقر، فالغنى والفقر أمرهما إلى الله سبحانه وتعالى: { إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا } ( )، فمن كان عائلاً فإن الله سبحانه وتعالى هو المتكفل بإغنائه بقدر ما كتب الله سبحانه وتعالى له من رزق، فلا معنى للحيلولة بين أن ترتبط المرأة في زواجها بالرجل الفقير، ونجد في حديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن العبرة في اختيار الرجل لشريكة حياته، وفي اختيار المرأة شريك حياتها بالتقوى، فهو ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ يقول: "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير"( )، وقال ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ "تنكح المرأة لمالها وجمالها وحسبها ودينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك"( )، فيؤمر الرجل أن يحرص على المرأة الصالحة الديّنة، وتؤمر المرأة أن تحرص على الرجل الصالح الديّن؛ لأن كل واحد منهما بصلاحه وتقواه يشد أزر الآخر، ويعينه على تقوى الله سبحانه وتعالى، وهذا هو المطلوب في العشرة الزوجية؛ لأن المطلوب من الزوجين التكامل فيما بينهما في حياتهما الخاصة، وفي تربيتهما لأولادهما، فهما عندما يكونان متقيين لله سبحانه وتعالى يحصل هذا التكامل على أحسن وجه. (2/282)
صفحة 702
? ولربما وقف بعض أولياء الأمور حائلاً دون رغبة ولياتهم من الارتباط بهذه الرابطة المقدسة بسبب أو بآخر، وأعمال هؤلاء منافية للإيمان بالله واليوم الآخر؛ لأن الموعظة في كتاب الله وجهت إلى من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، ولئن كان الحافز إلى ذلك الطمع الذي هو في نفوس كثير من الآباء، بحيث يرون بناتهم يشتغلن في أعمال تدر عليهن مداخيل، فيحرصون دائماً على أن يكون هذا الكسب لهم دونهن، وعندما يخرجن من أيديهم يصبح هذا الكسب لهن ولأزواجهن دونهم، فإنه مع الوعيد الشديد الذي يترتب على عضلهن من الزواج يترتب عليهم ـ أيضاَ ـ وعيد الظلم؛ لأنهم ظالمون لهن بأكلهم أموالهن بغير حق، يقول الله سبحانه: { وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } ( )، ويقول تبارك وتعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرًا } ( ). (2/283)
صفحة 703
ولئن قارفن أية معصية بسبب عضلهم لهن؛ فإن إثم ذلك يعود عليهم معهن؛ لأنهم هم الذين دفعوهن إلى المعصية، لأن الرغبة في الزواج فطرة موجودة في كل من الذكر والأنثى، ومعاكسة الفطرة تؤدي إما إلى الأمراض النفسية والعصبية، وإما إلى انفجار تتحطم معه جميع الأخلاق، وتتلاشى معه جميع القيم ـ كما تقدم ـ ويحل العار بالأسرة كلها، فعلى كل من كانت له ولية أن يسارع بتزويجها بمن رضيت به زوجاً من الأكفاء المؤمنين بالله واليوم الآخر، فإن ذلك أصون لهم ولهن، ولكن هناك الكثير من الأمور التي تقف عوائق دون تحقيق هذه الرغبة من قبل الشباب أو الفتيات، من بينها المغالاة في المهور، فالمغالاة فيهن من أخطر الأمور؛ لأنها تؤدي إلى ارتكاب الفحشاء ـ والعياذ بالله ـ فهي تحول بين الشاب ومبتغاه، وبين الفتاة ومبتغاها، كما يقول إمامنا السالمي ـ رحمه الله تعالى ـ
فيشتهي النساء وهو لم يجد
وتشتهي الرجال وهي لم تجد
فتحمل الشهوة في الصنفين
على ارتكاب فاضح وشين (2/284)
صفحة 704
فتيسير الصدقات من المطالب الشرعية من أجل تلبية داعي الفطرة، على أن الصداق المفروض فرضه الله سبحانه وتعالى من أجل التمييز بين الحلال والحرام، وجعله رمزاً لقوامة الرجل على المرأة، فلذلك لا عبرة بالمغالاة في المهور، فإنها لا تدل على قيمة المرأة، ولو كانت المغالاة دليلاً على قيمة المرأة لكانت أولى بذلك بنات النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع علو أقدارهن وعظم مرتبتهن؛ لأنهن ينتسبن إلى النبي العظيم الذي أرسله الله رحمة للعالمين، وشرفه على الخلق أجمعين، وأي أحد لا يجد شرفاً في الارتباط به ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن طريق المصاهرة؟ ! ولو كان الأمر كذلك لتسارع الناس إلى المغالاة في مهورهن من أجل نيل هذا الشرف العظيم، ولكن كانت صدقاتهن من أيسر الصدقات، وهكذا كانت صدقات المهاجرين والأنصار، فلم تكن هناك مغالاة في الصدقات، على أن هذه المغالاة ليست ناشئة عن رغبة الفتيات أنفسهن، وإنما هي ناشئة عن رغبة أوليائهن الذين يريدون أن يثروا من هذا الطريق، وهذا عار ليس بعده عار، ولئن كانت العرب في جاهليتها ترى من العار أن يثري الرجل من وراء الدية التي ينالها بسبب العفو عن قتل قريبه، فإن هذا العار أعظم وكأنه يبيعها بيعاً وهي بضعة منه، على أن هذا الصداق ليس للولي حق فيه، فإنه حق للمرأة وحدها، بدليل أن الله سبحانه وتعالى قال: { وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فإن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًاً } ( )، ولم يقل وآتوا أولياء النساء أو آباء النساء صدقاتهن نحلة، وإنما قال { وَآتُواْ النَّسَاء } ( )، ثم جعل العفو عن جزء منه يعود إليهن لا إليهم، فهو حق لهن دونهم، ومحاولة الاستكثار من الصداق من أجل الإثراء من قبل هؤلاء الأولياء أمر يتنافى مع شريعة الله سبحانه وتعالى السمحة. (2/285)
صفحة 705
? ومن الأمور التي تقف عائقاً دون تحقيق الرغبة الفطرية التي تشغل بال الشباب والفتيات إغراق الناس أنفسهم في الترف، فإن الترف طريق إلى التلف ـ والعياذ بالله ـ والتقارب اللفظي ما بين الترف والتلف يوحي بما بينهما من الترابط السببي، والتآخي المعنوي، فإن الترف مفض إلى التلف، ولذلك لم يذكره الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز إلا مقروناً بالشر، فقد ذكر الله سبحانه وتعالى عذاب الدنيا وبين أن من أسبابه الترف عندما قال: { حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ } ( )، وقال: { وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (11) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ (12) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ } ( )، وذكر عذاب الآخر وبين أن سببه الترف، فعندما ذكر أصحاب الشمال قال: { إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ } ( )، وذكر عموم العذاب الذي يشمل الجميع، فبين أن سببه فساد المترفين، فقال: { وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا } ( )، وذكر تكذيب المرسلين، وبين أنه ناشئ عن الترف، فقال سبحانه: { وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاء الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ } ( )، وقال: { وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ } ( )، وذكر معارضة المصلحين والوقوف في وجوههم وبين أنه ينشأ عن الترف، فقال تعالى: { (2/286)
صفحة 706
فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ } ( )، فالترف يقع عائقاً دون تحقيق هذه الرغبة، فكثير من المترفين يرون أن من السعادة لبناتهم أن يتمرغن في أوحال الترف كما تمرغوا، ومن ذلك أن الواحد منهم إذا خطبت إليه كريمته اشترط لها المنزل الفخم، والأثاث الحديث الغالي النفيس، والسيارة الفخمة وغير ذلك مما يشترط ولا داعي إليه، وهي في قرارة نفسها تريد أن تحصن نفسها، وتريد أن تستجيب لداعي فطرتها، فما الداعي إلى هذه الأمور التي لا علاقة لها بهذا المطلب؟ . (2/287)
صفحة 707
?وعندما تتحقق هذه الأمور، وتتيسر بمشيئة الله لا بد أن يكون هذا اللقاء ـ كما قلت ـ مؤطراً في إطار الشريعة السمحة، ومن هنا يجب على الإنسان قبل أن يقدم على أمر الزواج أن يكون على بينة من أمره وبصيرة مما يأتي ومما يذر، لكيلا يقع في الندم ولات الساعة مندم، فقبل كل شيء أباح الله سبحانه وتعالى هذا الزواج بين مسلم ومسلمة، وحذر من تزويج المشركين كلهم من غير استثناء، ومنع تزوج المشركات، عندما قال الله سبحانه وتعالى: { وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللّهُ يَدْعُوَ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } ( )، فالله سبحانه وتعالى حذر في هذه الآيات ـ من نكاح المشركات، ومن إنكاح المشركين؛ لأن هذه الرابطة رابطة مقدسة، فلذلك يجب أن تكون بين مؤمن ومؤمنة، ولأن المفاسد التي تترتب على إنكاح المشركين، أو نكاح المشركات تفوق الحصر، وإنما أباح الله سبحانه وتعالى فيما سلف أن يتزوج المسلمون من الكتابيات؛ لأن أهل الكتاب أقرب إلى الإيمان من خلال معرفتهم بالنبوات، واطلاعهم في كتابهم على ما جاء من أوصاف النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهذا الحكم ينبغي أن يكون منوطاً بغلبة المسلمين، وظهور أمرهم، ونفوذ سلطانهم، لا في أي وقت من الأوقات، فإن هذه إباحة كانت لحكمة، فإن الله سبحانه وتعالى يريد لعباده الخير، ومن ضمن هذا الخير الهداية، وهذه الهداية قد تحصل لأهل الكتاب من خلال الاحتكاك بالمسلمين، والاطلاع على محاسن الإسلام والمعرفة بأدلته وبراهينه، فقد يفضي ذلك إلى أن تسلم المرأة التي تعيش في كنف الرجل المسلم، ثم قد (2/288)
صفحة 708
يفضي ذلك إلى أن تسلم أسرتها بسبب الاطلاع على محاسن الإسلام من خلال هذه الممارسة واللقاءات المستمرة، التي تكون بعلاقة المصاهرة التي تكون بين المسلمين والكتابيين، وذلك ميسور عندما يكون سلطان المسلمين قائماً، ودولتهم غالبة، ورايتهم خفاقة ضاربة في الأرض، أما عندما تكون الغلبة للكفار على المسلمين، فإن الأمر قد ينقلب إلى عكس ذلك، ولذلك نحن نقول بأن تزوج المسلم في وقتنا هذا بغير مسلمة أمر لا يجوز، ومفاسد ذلك ظاهرة، فقبل فترة، جاءني رجل عماني من قبيلة عمانية ومعه خاله، وقد بلغ خاله من الكبر عتياً، بحيث جاوز السبعين أو الثمانين من العمر؛ لإدخاله في الإسلام، وسألته عن سبب ذلك، فأجابني بأن أب هذا الخال ـ جد الذي جاء به ـ تزوج امرأة نصرانية فولدت له هذا الولد، ثم طلقها، فاحتوت على الولد وربته في الكنيسة، ونشأته على النصرانية، وذريته ما زالت على النصرانية، ومن عجيب الأمور أيضاً أن جاءني شاب مسلم متدين بابن عمه ليدخله في الإسلام، وهو كاثوليكي نصراني، وجنسيته بلجيكية، وحرت في هذا الأمر؛ فأخبرني أن السبب في ذلك أن جده كان يتزوج من كل ملة من الملل من غير مبالاة، وكانت الأمهات يربين أولادهن على ملتهن، وحدثني أن عمةً له وهي كاثوليكية قد تزوجت يهودياً في فرنسا، وهم من قبيلة عمانية عريقة، وأنا كنت أعرف أب جد هذا الشاب، أي أب هذا المزواج الذي يتزوج حسب شهوته من أي ملة كانت ـ وحدثني( ) أن في أسرته نحو أربعين من هم على المذهب الكاثوليكي النصراني!، فكيف مع ذلك يباح للمسلم في مثل هذا الوقت أن يتزوج من غير المسلمة، مع أن الإنسان لا يتوقع وفاته، فقد يفاجئه ريب المنون وهو في ريعان شبابه, وفي أوج طموحاته وآماله، وفي هذه الحالة تتحكم الأم في تربية أبنائها على غير الإسلام ـ عندما تكون غير مسلمة ـ فعلى الآباء أن يتقوا الله سبحانه وتعالى في فلذات أكبادهم، وأن لا يلقوا بأبضاعهم إلى النار، وفي الحديث، عن (2/289)
صفحة 709
النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ "اختاروا لنطفكم فإن العرق دساس"( )، وجاء في الحديث عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ "إياكم وخضراء الدمن، قيل وما خضراء الدمن يا رسول الله؟ قال: المرأة الحسناء في منبت السوء"( )، هذا ونجد أن مراعاة المصلحة كانت من شأن أهل القيادة في الإسلام، حتى في حالة نفوذ الدولة الإسلامية وقوتها، وانتشار سلطانها في أرجاء الأرض، فقد جاء عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أنه بلغه عن حذيفة بن اليمان أنه تزوج امرأة كتابية، فكتب إليه أن طلق هذه المرأة، فأجابه إن الله سبحانه وتعالى أحلها لي، ولا أريد أن أطلقها، فكتب إليه عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ قائلاً: يا حذيفة أنت صاحب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد خشيت أن يندفع الناس بسببك إلى جمال الكتابيات، ويتركوا نساء المسلمين أيامي، فأقسمت عليك بالله أن لا تضع كتابي هذا حتى تطلقها، فلم يضع حذيفة كتاب عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ عندما قرأه حتى أن طلق تلك المرأة، امتثالاً لأمر الخليفة. (2/290)
صفحة 710
وهناك أيضاً ضوابط تتعلق بالأنساب والأسباب لا بُدَّ من مراعاتها، فالتحريم جاء منصوصاً عليه في كتاب الله عز وجل لطائفة من النساء، منهن من حرمن تحريماً أبدياً بنص القرآن، ومنهن من كانت حرمتهن مؤقتة، فالله تبارك وتعالى يقول: { وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاء سَبِيلاً } ( ) ويقول الله عز وجل: { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فإن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا } ( )، فلا بد من مراعاة الحرمة التي تكون بسبب النسب، كالأم، والأخت، والبنت، والعمة، والخالة، وبنت الأخ، وبنت الأخت، أو التي تكون بسبب، والسبب قد يكون مصاهرة أو رضاعاً، فتحرم مثلاً بالمصاهرة زوجة الأب، وكذلك الجد وإن علا، وزوجة الابن وإن سفل، وأم الزوجة وإن علت، وبنت الزوجة إن سفلت بشرط الدخول، وهنالك حرمة بسبب الرضاع، وقد نص القرآن الكريم على صنفين من النساء يحرمن بسبب علاقة الرضاع، وهن الأمهات والأخوات، ثم جاءت السنة النبوية ـ على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ـ لتضيف أصنافاً أخرى منها ما يتعلق بعلاقة المصاهرة، ومنها ما يتعلق بعلاقة الرضاع، فمن حيث المصاهرة دل الكتاب العزيز على تحريم الجمع بين الأختين، ولكن السنة النبوية أضافت إلى ذلك حرمة الجمع بين البنت وعمتها، والبنت (2/291)
صفحة 711
وخالتها، "لا تنكح المرأة على عمتها ولا المرأة على خالتها، لا الصغرى على الكبرى، ولا الكبرى على الصغرى"( ) وكذلك جاءت السنة النبوية ـ على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ـ ببيان المحرمات بسبب الرضاع، فقد أخرج الإمام الحافظ الحجة الربيع بن حبيب ـ رحمة الله تعالى عليه ـ في مسنده الصحيح عن أبي عبيدة عن جابر ابن زيد عن أم المؤمنين عائشة ـرضي الله عنها ـ قالت: إن أفلح أخ أبي القعيس هو عمي من الرضاعة استأذن علي فأبيت أن آذن له، فلما جاء رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أخبرته، فقال: "ائذني له فإن الرضاع مثل النسب"، وقد أخرج الحديث الشيخان البخاري ومسلم من طريق عائشة ـ رضي الله عنها ـ وفي روايتهما زيادة، وهي أن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يا رسول الله أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل، فقال ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ: "إنه عمك فليلج عليك"، وفي بعض روايات مسلم زيادة: وكان أبو القعيس زوج المرأة التي أرضعت عائشة، وجاء في بعضها أن أفلح أخ أبي القعيس عندما استأذن على عائشة قال لها: ائذني لي فإنني عمك، فقالت له: من أين صرت عمي، قال لها: أرضعتك امرأة أخي، فقالت له: أرضعتني امرأة أبي القعيس ولم يرضعني أبو القعيس، ومع هذا عندما أخبرت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال لها: "إنه عمك فليلج عليك"، وفي رواية أخرجها الإمام الربيع والشيخان وغيرهم عن طريق عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: بينما رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في بيتي إذ سمعت صوت رجل يستأذن في بيت حفصة، فقلت له: يا رسول الله هذا صوت رجل يستأذن في بيتك، فقال: أراه فلاناً لعم حفصة من الرضاعة، فقلت له: لو كان عمي فلاناً حياً لدخل علي، فقال: "نعم يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب"، وجاء في رواية عند الترمذي "يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة"، وجاء أيضاً في الصحيحين عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن النبي ـ صلى (2/292)
صفحة 712
الله عليه وسلم ـ عرضت عليه ابنة عمه حمزة ليتزوجها، فقال: " إنها لا تحل لي إنها ابنة أخي من الرضاعة أرضعتني وأباها ثويبة الأسلمية"، وأخرج الإمام مسلم عن طريق علي ـ كرم الله وجهه ـ أنه قال لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يا رسول الله مالك تنوق في قريش وتتركنا، فقال: "وهل يوجد فيكم" قال: نعم، قال: "من"، قال: بنت حمزة، قال: " لا تحل لي إنها ابنة أخي من الرضاعة"، وأخرج البخاري وأبو داود وغيرهما عن أم حبيبة ـ رضي الله عنها ـ أنها قالت لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: يا رسول الله هل لك في أختي، قال لها: "ماذا"؟ قالت له: تنكحها. قال: "أو تحبين ذلك؟ " قالت: لست بمخلية وأحب أن يشركني في الخير أختي، فقال لها ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "إنها لا تحل لي". فقالت: أولسنا نسمع أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة، قال لها: "بنت أم سلمة". قالت له: نعم، قال: "لو لم تكن ربيبتي في حجري لما حلت لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة أرضعتني وأباها ثويبة الأسلمية، فلا تعرضن علي أخواتكن ولا بناتكن"، من خلال هذه الأحاديث الشريفة يتبين لنا أن حرمة الرضاع منتشرة كانتشار حرمة النسب، لا فارق بين الحرمتين، وعليه فإن المرأة لو أرضعت طفلاً ذكراً فهذا الطفل يصبح ولداً لها، فهي حرام عليه؛ لأنها أمه من الرضاع، تحرم عليه كما تحرم عليه أمه من النسب، وأمها ـ وإن علت ـ هي حرام عليه؛ لأنها جدته من الرضاع، تحرم عليه كما تحرم عليه جدته أم أمه التي ولدته، وبناتها جميعاً ـ سواء التي رضعت معه، أو التي كانت قبل ذلك بعشرات السنين، أو التي ولدت من بعد رضاعه من تلك المرأة بعشرات السنين ـ كلهن عليه حرام؛ لأنهن جميعاً أخواته من الرضاع، فهن يحرمن عليه كما تحرم عليه أخواته من أمه التي ولدته، وخالات المرضعة هن خالات أمه، فهن حرام عليه، وبنات أبنائها هن حرام عليه؛ لأنهن بنات أخوته ـ سواء الذين رضع معهم، أو الذين ولدوا قبله بعشرات السنين، أو (2/293)
صفحة 713
الذين ولدوا بعده بعشرات السنين ـ كما تحرم عليه بنات أخوته من النسب، وبنات بناتها هن بنات أخواته يحرمن عليه أيضاً، كما تحرم عليه بنات أخواته من النسب، وزوج تلك المرأة يكون أباً له من الرضاع، والحرمة تنتشر في نسيبات ذلك الزوج، كما تنتشر في نسيبات أبيه الذي ولده سواء بسواء، فأم ذلك الزوج هي جدته؛ فهي حرام عليه؛ لأنها أم أبيه من الرضاع، تحرم عليه كما تحرم أم أبيه الذي ولده، وأخوات ذلك الزوج هن عماته من الرضاع؛ فهن جميعاً حرام عليه، وعمات ذلك الزوج هن عمات أبيه من الرضاع؛ فهن حرام عليه، وخالات ذلك الزوج هن خالات أبيه من الرضاع؛ فهن حرام عليه، وبنات ذلك الزوج ـ ولو من غير تلك المرأة المرضعة ـ هن أخواته من الرضاع فهن حرام عليه أيضاً، وبنات أبناء ذلك الزوج هن بنات أخوته، وبنات بنات ذلك الزوج هن بنات أخواته؛ فهن جميعاً حرام عليه، وامرأة ذلك الزوج غير تلك التي أرضعته هي امرأة أبيه من الرضاع، تحرم عليه كما تحرم عليه امرأة أبيه الذي ولده، ولو قدرنا أن المرأة أرضعت طفلةً أنثى، فإن هذه الطفلة تكون بنتاً لها؛ فتحرم على أبي تلك المرضعة؛ لأنه جدها من الرضاعة، وعلى إخوة تلك المرضعة؛ لأنهم أخوالها من الرضاعة، وعلى أعمام تلك المرضعة؛ لأنهم أعمام أمها من الرضاعة، وعلى أخوال تلك المرضعة؛ لأنهم أخوال أمها من الرضاعة، وعلى أبناء تلك المرضعة ـ سواء الذي رضعت معه؛ أو الذي ولد قبلها بعشرات السنين؛ أو الذي ولد بعدها بعشرات السنين ـ لأنهم جميعاً إخوتها من الرضاعة، وأبناء بنات تلك المرأة هم أبناء أخواتها من الرضاع؛ فهم كلهم حرام عليها، وزوج تلك المرأة المرضعة يكون أباها من الرضاعة؛ فهو حرام عليها، وأبوه جدها؛ فهو حرام عليها، وإخوة ذلك الزوج هم أعمامها؛ فهم حرام عليها ـ كما يدل على ذلك حديث عائشة في قصة أفلح أخ أبي القعيس ـ وكذلك أبناء ذلك الزوج من غير تلك المرأة هم إخوانها من الرضاع، وأبناء أبنائه هم (2/294)
صفحة 714
أبناء إخوتها من الرضاع؛ فهم حرام عليها، وأبناء بناته هم أبناء أخواتها من الرضاع؛ فهم حرام عليها، وبالجملة فما يحرم على الراضع من قبل أبيه الذي ولده، ومن قبل أمه التي ولدته، يحرم عليه من قبل المرأة التي أرضعته، ومن قبل زوج تلك المرأة المرضعة؛ لأن الرضاعة كالنسب في انتشار الحرمة لا فرق بين الأمرين، ولكن مع هذا يخطئ كثير من الناس ـ للأسف الشديد ـ في هذا الأمر، فمن الجهلة من يقول: لا يحرم إلا الرضيع بالرضيع، أي الحرمة تقع بين الطفل والطفلة اللذين كان رضاعهما في وقت واحد، وهذا جهل عظيم، وهو مناف لما دلت عليه السنة ـ على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ـ، ومنهم من لا يعتقد أن الحرمة تنتشر في أنساب ونسيبات زوج المرأة المرضعة، ويعتبرون أنه لا علاقة للزوج بهذا الرضاع، وهذا القول هو في منتهى الجهل؛ لأن الزوج بنص حديث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو أب للطفل الراضع أو الطفلة الراضعة من امرأته، وكثير من الناس يقعون في المحظور بسبب هذا الجهل، ويتزوجون على غير بصيرة من أمرهم، وينتهي الأمر بعد ذلك إلى الفرقة التي تترتب عليها المشكلة بسبب الأولاد الذين يكونون ضحايا لجهل الأبوين وجهل الأسرتين، فلأجل ذلك يجب على الإنسان عندما يقدم على الزواج أن يكون على بينة من أمره وعلى بصيرة مما يأتي، ومما يذر. (2/295)
صفحة 715
? وذهب أصحابنا ـ رضي الله عنهم ـ إلى أن الرجل الذي يزني بالمرأة لا تحل له بعد ذلك بحال من الأحوال، وهذا القول روي عن طائفة من الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ فقد روي عن كل من الإمام علي، وعائشة أم المؤمنين، والبراء بن عازب، وابن مسعود ـ رضي الله عنهم ـ أنه قال: "أيما رجل زنى بامرأة ثم تزوجها فهم زانيان أبداً"، ولم يكن ذلك إلا من أجل سد ذريعة الفساد، ولئن كان هذا القول صدر من هؤلاء الصحابة الكرام في ذلك العهد الزاهر، عهد الطهر والعفاف، وعهد النزاهة والحشمة والوقار، وعهد الحرص على تعاليم الإسلام، وتعاليم السنة النبوية، والاشمئزاز من الرذيلة، وعدم الرغبة في الحوم حول حماها، فكيف بالحال في زماننا هذا، الذي انتشر فيه الفساد، وغرق الناس فيه إلى الأذقان، أليس الأولى أن يوصد باب الذواقة بين الشهوانيين في حرمانهم من الزواج بعد ذلك، فإنه عندما يعرف كل منهم بأن هذه الذواقة تؤدي بهما إلى الحرمان، يتأففان منه، ولو دفعتهم إليه الشهوة، على أن الزواج رابطة مقدسة، يجب أن لا تشوبها ريبة، وأن لا تحوم حول حماها، فإن القرآن الكريم يبين لنا أن الزواج اطمئنان، يقول الله سبحانه وتعالى: { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } ( )، فالزواج جعله الله سبحانه وتعالى كنف رحمة، يأوي إليه الرجل والمرأة، وهو سبب للطمأنينة التي تغشى صدورهما، فيطمئن كل واحد منهما إلى الآخر، ولذلك عبر القرآن عنه بهذا التعبير عندما قال تعالى: { لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا } ( )، بحيث يسكن الرجل إلى المرأة، أي يطمئن إليها طمأنينة كاملة، وتسكن هي إليه أيضاً، وأنى لرجل عاشر امرأة على بساط الدعارة والفجور، وقاسمها الفحشاء، ونازعها الرذيلة أن يطمئن إليها في يوم من الأيام؟ ! وأنى لها أن تطمئن إليه، (2/296)
صفحة 716
ولو تابا معاً، ومن هنا نجد هذا العلاج علاجاً ناجحاً في إغلاق الأبواب أمام هؤلاء الشهوانيين، الذين لا همّ لهم إلا شهواتهم، على أن كثيراً منهم كانوا ذئاباً مفترسة، حيث رزؤا الفتيات في أعمار الزهور، وفي أعز ما يملكن، وهو عفتهن وكرامتهن، بسبب اصطيادهم لهن بهذا الأمل الخادع، وهو أن يكون هذا الشاب لهذه الفتاة في يوم من الأيام فارس أحلامها، وشريك حياتها، وإذا به بعدما يرزؤها في أعز ما تملك، يرفسها برجله، ولا يبالي بمصيرها، ولربما يكون قد ملأ أحشائها بجنين يؤرقها بأناته المتصاعدة، التي تحسها بأحاسيسها ومشاعرها؛ بسبب المستقبل المظلم الذي ينتظره، فأما أن يكون وءداً في مصحات الإجهاض، وإما أن يكون حياته كلها تعب وعناء واحتقار وازدراء، فلا كرامة له عند الناس، من أجل ذلك كان الحذر ـ كل الحذر ـ من الوقوع في هذا الشباك الخادع أمراً مطلوباً، وكان بجانب ذلك اجتثاث هذه الآمال بصوارم هذه الأحكام من الإدراك العميق لمقاصد الشريعة الإسلامية. (2/297)
صفحة 717
? ومن الأخطاء التي يقع فيها الناس ما يسمى في العرف الشرعي بالشغار، بحيث يشترط هذا على ذاك وذاك على هذا أن يزوج كل واحد منهما الآخر وليته، وهذا أمر غير جائز، فإن كان هنالك صداق فإن الصداق كثيراً ما يكون صورياً فقط، بحيث يدفع كل واحد من الأبوين إلى ابنته الشيء اليسير الذي يرضيها به، بينما الصداق في الزواج الشرعي لا يدفع من قبل الولي وإنما من قبل الزوج. وأيضاً فإن الصداق يجب أن يكون بحسب رغبة المرأة لا بحسب رغبة الولي، فلا يجتاح حقها من أجل مراعاة وليها أو من أجل قريبها من أخ أو غيره، وبجانب هذا كله فالشرط هو جزء من الصداق، وكما أنه لا يجوز أن يكون بضع امرأة صداق امرأة أخرى، فكذلك اشتراط امتلاك هذا البضع من أجل تحليل ذلك البضع هو أمر غير جائز، لأنه يدخل في الصداق المحظور شرعاً، فيجب التنبه لذلك، على أننا وجدنا العواقب الوخيمة التي تترتب على هذا الزواج، فما يكاد زواج من هذا النوع ينجح قط، بل سرعان ما تكون هنالك خلافات ويكون هنالك شقاق ما بين أحد الزوجين والآخر، وبسبب هذا الشقاق تحرص الأسرة الأخرى أيضاً على انتزاع ابنتها من الزوج الآخر وإن كانت على وفاق معه. (2/298)
صفحة 718
? ومن الأخطاء أن يلتقي الرجل بالمرأة التي يريد الزواج بها قبل العقد من غير محرم، في حين أنه قد جاء في الحديث عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة إلا مع ذي محرم منها"، ويقول ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ "ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم"، وقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ "إياكم والدخول على النساء"، فقال له رجل من الأنصار: أرأيت الحمو يا رسول الله (أي أخو زوجها) فقال: "الحمو الموت"، أي خطورته على زوجة أخيه كخطورة الموت، وذلك لأن الخلوة بين الرجل والمرأة الأجنبيين مفضية إلى أن تتغلغل وساوس الشيطان في نفس كل منهما، فمن هنا كانت هذه الخلوة محرمةً شرعاً، والناس كثيراً ما يتساهلون في ذلك بسبب أن هذا الرجل هو أخ زوج هذه المرأة، أو هو ابن خالها، أو هو ابن خالتها، أو هو ابن عمها، أو ابن عمتها، أو هو زوج أختها، فالخلوة في أي حال من الأحوال محرمة لا تجوز، ولكن بمجرد وقوع الخلوة ـإن لم تكن مباشرة بالوقاع التي تغيب فيه الحشفة في الفرج ـ لا تحرم المرأة على الرجل، لأن الحديث عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ "العينان تزنيان، واليدان تزنيان، والرجلان تزنيان، ويصدق ذلك أو يكذبه الفرج".
كما أن هناك أخطاء كثيرة تقع في الطلاق، وعلى من يريد الزواج أن يتعلم أحكام الطلاق، ويدرسها قبل أن يقدم على الزواج، لما في الخطأ في الطلاق من عواقب وخيمة، يتجرع الكل مرارتها وغصصها، ونسأل الله تبارك وتعالى العفو والعافية، ونسأله أن يهدينا إلى سواء الصراط، إنه على كل شيءٍ قدير، وبالإجابة جدير، نعم المولى ونعم النصير، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. (2/299)
صفحة 719
فتاوى المعاملات
روح الاقتصاد في الإسلام
الحمد لله خالق الخلق، وباسط الرزق، الذي له ملك السماوات والأرض، وبيده الأمر » والنهي من محظور ومكروه ومندوب وفرض, أحمده تعالى بما له أهل من الحمد وأثني عليه، وأستغفره من جميع الذنوب وأتوب إليه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حيٌّ لا يموت، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى سراجاً للمهتدين، وإماماً للمتقين، ونعمة على الخلق أجمعين، فبلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، فجزاه الله تعالى خير ما جزى نبياًّ عن أمته، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه.
أما بعد: فإن الموضوع الذي نريد أن نتحدث عنه هنا – وهو الاقتصاد الإسلامي – يعد موضوعاً هاماًّ جداًّ في حياة الأمم، لأن الاقتصاد في كل عصر من العصور هو عصب هذه الحياة، لذلك أصبح يحرك السياسات الدولية، ويبدِّل الأحوال من وضعٍ إلى وضع، وقد لقي العناية البالغة في الشريعة الإسلامية التي جاءت من العزيز الحميد، الذي يعلم ما في طوايا هذه النفوس، ويعلم ما في الكون. (3/1)
صفحة 720
إن موضوع المال موضوع مهم جداًّ، وجاء في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يدل على أن الإنسان يُسأل عنه من أين اكتسبه، وفيمَ أنفقه( )؟ ؟، لأن منهج الإسلام في الاقتصاد مبني على النظرة السليمة إلى المال، وهي أن هذا المال مال الله تعالى رب السماوات والأرض، وإنما الإنسان مستخلف فيه، ويدل على ذلك قول الله تعالى: ?وآتوهم من مال الله الذي آتاكم?( )، ويقول سبحانه: ?وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه?( ), ولما كان هذا المال مال الله كان الإنسان أميناً عليه، وحرياًّ أن يتحرى فيه أمر الله، بحيث لا يقدم فيه ولا يحجم إلا ببينة من ربه، فلا يتصرف فيه تصرفاً مطلقاً كما يملي عليه هواه, وجاءت الآيات القرآنية محذِّرة من أخذ هذا المال من غير حله، وقد شدَّد الله سبحانه في أمر الرّبا، وجعله حرباً بين الله تعالى وبين العباد الذين يأكلونه، وحرَّم جميع المكاسب الخبيثة، يقول الله تعالى: ?الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ?( )، وبيَّن تعالى أن الربا، وإن ظنه الإنسان نماء للمال، فما هو إلا ممحقة له، والصدقة التي يتصورها الإنسان نقصاً في المال، ما هي إلا بركة ونماء فيه، فإن الله تعالى يقول: ?يمحق الله الربا ويربي الصدقات?( )، ويقول عزَّ من قائل: ?يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين* فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون ?( )، ويقول: سبحانه في معرض التحذير من أكل أموال اليتامى ?إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيرا ?( )، ويقول: ?ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام (3/2)
صفحة 721
لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون?( )، ويقول: ?يأيها الذين ءامنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما* ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً فسوف نصليه ناراً وكان ذلك على الله يسيرا ً?( )، وجاء في أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام كثير من الروايات التي تبيّن مجملات الكتاب العزيز، والتي تحذر مما حذّر منه الكتاب العزيز، من ذلك قوله: عليه الصلاة والسلام"لعن الله الربا وآكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه"، ثم قال: "هم سواء"( )، يعني في الإثم، وقال: " اتقوا السبع الموبقات"( )، وذكر من بينها أكل الربا، ويقول: "القليل من أموال الناس يورث النار"( )، وقال: "ردوا الخيط والمخيط وإياكم والغلول فإنه عار على أهله يوم القيامة"( )، وفي الحديث الذي أخرجه الربيع والشيخان من طريق أبي هريرة قال: سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام خيبر، ولم نغنم ذهباً ولا فضة إلا الأموال والمتاع، فأهدى رجل من بني الضبيب يُسمى رفاعة إلى رسول الله غلاماً أسود يُسمى مدعماً، فتوجه الرسول نحو وادي القرى، فبينما مدعم يحط رحال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذ جاءه سهم غرب أصابه فقتله، فقال الناس هنيئا له الجنة، فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ "لا والذي نفسي بيده، إن الشملة التي أخذها من المغانم يوم خيبر لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه ناراًً "، فلما سمع الناس ذلك جاء رجل بشراك أو شراكين، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم"شراك أو شراكان من نار"( ). والأحاديث في ذلك كثيرة جداً. (3/3)
صفحة 722
وجاء في أحاديث الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ التحذير من الكثير من الأمور التي يكون منها كسب المال، ولكنه مكسب خبيث، فقد حرّم ثمن الكلب، وحلوان الكاهن، ومهر البغي، وعسب الفحل، وحرّم الرشوة والإشارة إليها واضحة في كتاب الله تعالى وجعلها من أسباب اللعن، وحذّر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من جميع بيوعات الغرر، وحذّر من الكثير مما يتصرف فيه الناس لمجرد أهوائهم رغبةً في تنمية المال، وفي كتاب الله أيضاً تحريم الميسر، وقد قرنه الله بالخمر والأنصاب والأزلام: ?يأيها الذين ءامنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون* إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ?( )، فكسب المالِ إنما يجب أن يكون من طريق طيب نظيف، ومن وجه يفيض بالرحمة وتكتنفه الأخلاق الطيبة، لا من وجهٍٍٍِِ يصبح الإنسان فيه أشبه بالوحوش المفترسة، فذلك يؤدي إلى سخط الله. هذا والنفوس جبلت على حب المال، فالله تعالى جعله قوام الحال، وجعل قضاء الحوائج والوصول إلى المطالب من خلاله، فلذلك أشربت هذه النفوس حبه، كما يقول الله في وصف الإنسان: ?وإنه لحب الخير لشديد ?( )، ?وتحبون المال حباً جماً?( )، وهذا الحب عندما يتنامى في النفس البشرية يسيطر على جميع جوانبها, في فكرها ووجدانها وأحاسيسها فيصبح حب المال متحكماً في الحياة بأسرها، فتقوده هذه الشهوة إلى الكثير من الأمور التي تؤدي إلى الإرهاب وإشاعة الرعب بين الناس، وتتلف الأنفس وتزهق الأرواح، وتسفك الدماء، وتستباح الحرمات من أجل تنمية المال، وربما وصل الأمر إلى أن تتقطع الصلات بسبب هذا الحب الجارف للمال بين الأقربين, فقد يتعدى الإنسان على أقرب خاصته, ليصل إلى ما بيد أخيه أو حميمه من الثروة، من أجل ذلك كله جاء الإسلام بالعلاج الصحيح الذي يجعل هذه الغريزة بناءة بدلاً من أن (3/4)
صفحة 723
تكون هدامة، ونجد ذلك واضحاً في وضع القيود لاكتساب المال، فلا يُباح للإنسان أن يكتسبه من أي وجه من الأوجه، بل من الوجوه المشروعة فقط، كما جعل الله علاج هذا المرض بالإنفاق حتى يستعلي الإنسان على هذه الرغبة، وحتى تتفجر في نفسه مشاعر الرحمة، ويكون العطف على الغير من طبيعتها، وجاء القرآن الكريم مبيناً قيمة الإنفاق، وما يؤدي إليه عدم الإنفاق من الخطر العظيم، فالله تعالى جعل الإنفاق في الخير من أسباب القرب إليه، ومن أهم الوسائل التي تبلغ رضوانه، وذلك في قوله تعالى: ?فأما من أعطى واتقى* وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى* وأما من بخل واستغنى* وكذب بالحسنى* فسنيسره للعسرى* وما يغني عنه ماله إذا تردى ?( )، فالله تعالى يبين في أن من اتصف بصفات الطائفة الأولى كان ذلك سبباً للوصول إلى ما يصبو إليه كل عاقل من التيسير للحسنى ومعناه أن يتبوأ خير دار، وكما ترون فقد ذكر الله تعالى العطاء مقدماً على التقوى، وذكره مقدماً على الإيمان والتصديق، وذكر في المقابل البخل الذي يؤدي به إلى الإعراض عن التقوى والاستغناء بما في يده عن طاعة الله تعالى، ويؤدي به إلى التكذيب بالحسنى وتكون عاقبته أن ييسر صاحبه للعسرى، نسأل الله تعالى السلامة.
ونجد أن الله تعالى عندما يتوعد الكفرة، لا يتوعدهم على مجرد الكفر، وإنما يتوعدهم على ما يفعلون من هذه الأفعال الخطيرة، فعندما توعد في سورة (ق) كل كفار عنيد قال: ?ألفيا في جهنم كل كفار عنيد*مناع للخير معتد مريب* الذي جعل مع الله إلهاً ءاخر فألقياه في العذاب الشديد ?( )، فأول ما وصف به الكافر أنه مناعٌ للخير، وكذلك عندما يسأل الذين يدخلون سقر، يكون جوابهم: ?لم نكُ من المصلين* ولم نكُ نطعم المسكين ?( )، فذكر أولاً أنهم ليسوا من المصلين، وبجانب ذلك أنهم لم يكونوا يطعمون المسكين. (3/5)
صفحة 724
فإذاً من أهم واجبات الدين، ومن أهم أسباب النجاة والسعادة، إنفاق المال ومن المعلوم أن المال إنما هو مال الله سبحانه، ويجب أن يكون التصرف مضبوطاً بالضوابط التي أمر الله بها، ومقيدً بالقيود الشرعية حتى لا يخرج عن كونه إنفاقاً شرعياً، فتجد القرآن يوصي بالإنفاق في سبيل الله وهو وعاء يشمل كل أنواع البر، قال تعالى: ?مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبةٍ أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبةٍ والله يضاعف لمن يشاء والله واسعٌ عليم ?( )، ولكنه ضبط هذا الإنفاق بضوابط خلقية حتى لا يتلبس بما يحبط الثواب، فيقول تعالى: ?الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا مناً ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ?( )، وبين خطورة المن والأذى فيقول: ?قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم?( )، ثم يتبع قوله ذلك: ?يأيها الذين ءامنوا لا تبطلوا صدقتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الأخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلداً لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكفرين ?( )، ففي هذه الآيات حذر الله تعالى من إحباط العمل بالمن والأذى، فالصدقة يحبطها الرياء والمن والأذى، والذين ينفقون أموالهم مناً وأذى لا يستطيعون أن يتوصلوا بإنفاقهم إلى شيء؛ لأنهم مثل الصفوان- وهو الصخر الصلب الذي عليه طبقة خفيفة من التراب – لا يمكن أن ينبت عليه شيء، فإذا نزل عليه المطر كانت العاقبة أن يتكشف عن منظره الكالح بزوال تلك الطبقة الترابية التي تغطيه، فإذا بالأمر يؤدي إلى اليأس من أي فائدة، هذا شأن الذي ينفق ماله رياءً أو مناً أو أذى، فالله تعالى مَنّ عليه بأن أعطاه المال، فكيف يمن على غيره؟ بل يجب عليه أن يشكر ربه على تيسير هذا المال، وعلى منّه عليه أن أنفقه في سبيل الخير. (3/6)
صفحة 725
والقرآن يحض على الإنفاق مذكراً بأخطر المراحل التي يمر بها الإنسان، ففي معرض التذكير باليوم الآخر الذي تنقلب فيه علاقة المودة إلى عداوة إلا المتقين، يأمر بإنفاق المال فيقول: ?أنفقوا مما رزقنكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفعة والكفرون هم الظالمون?( )، كذلك في معرض التذكير بالموت يأمر الله بالإنفاق قبل أن يأتي ذلك اليوم فيقول: ?يأيها الذين ءامنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخسرون * وأنفقوا من ما رزقنكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول ربِ لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين?( )، فجدير بالإنسان أن يستعد للقاء الموت بالإنفاق في سبيل الله قبل أن يباغته ويتمنى أن يمهل ولو لوقت قصير ليتصدق بشيء وأنى له ذلك؟ وقد أمر الله بإنفاق الطيب، أي المال الذي تتشوق إليه النفس ويميل له القلب، ولا ينفق مما يزهد فيه من رديء المال، وقد بيّن القرآن أن البر يكون في الإنفاق من مما تميل إليه النفس من المال: ?يأيها الذين ءامنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بئاخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله عني حميد ?( )، وقد بيّن القرآن أن البر يكون في الإنفاق مما تميل إليه النفس من المال: ?لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم ?( )، وعندما ذكر خصال البر كان المذكور إثر العقيدة إنفاق الإنسان مما يحب من ماله على المحتاجين: ?ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من ءامن بالله واليوم الأخر والملائكة والكتاب والنبين وءاتي المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب?( )، وهذه الحقوق من غير الزكاة بدليل أن الله تعالى أتبع ذلك قوله: ?وأقام الصلاة وءاتى الزكاة ?, ومن المعلوم أن العطف يقتضي التغاير بين المتعاطفين، فلا (3/7)
صفحة 726
يكون المعطوف عليه عين المعطوف، والله تعالى في معرض الدعوة إلى الإنفاق يبين لعباده أنه يغدق عليهم الخير الجزيل على الإنفاق فيقول: ?من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة?( )، ويقول: ?الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً والله واسع عليم?( )، فالشيطان يأمر بالفحشاء، والله يأمر بالخير والبر، ويعد المنفق مغفرة في الدار الآخرة وفضلاً يشمل الآخرة والدنيا، ويبّين الله أن كل نفقة فهو بها عليم: ?وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم ?( )، والإنفاق في الإسلام متنوع، فمنه إنفاق مقيد وهو الزكاة التي تجب بمرور زمن مخصوص وهو مرور الحول، وهناك إنفاق مطلق، والقرآن يشير إلى أهمية الزكاة وأنها تضاع من قبل المشركين ويعدهم الله بالويل، وقد فرضت في بداية الإسلام ووكلت إلى الأغنياء ينفقونها بقدر ما يرون، ولم يجعل لها حداً، وليس كما يقال إنها فرضت في المدينة، ويدلّ على ذلك الآيات الكثيرة التي نزلت في مكة مثل سورة فصلت التي نزلت في مكة، وفيها: ?وويل للمشركين * الذين لا يؤتون الزكاة?( )، وفي سورة المزمل: ?وأقيموا الصلاة وءاتوا الزكاة?( )، وما قيل إن هذه الآية من بين آيات السورة نزلت في مكة غير صحيح، فصدر هذه الآية يدل على نسخ ما فرض في أولها من قيام معظم الليل، وكان ذلك في مكة المكرمة، ثم خفف على الناس وذلك قبل فرض الصلوات الخمس، ثم فرضت الصلوات الخمس ليلة الإسراء، ويقول سبحانه بعد أن بيّن أعذار الناس الداعية إلى التخفيف عنهم: ? وأقيموا الصلاة وءاتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضاً حسناً ?( )، وهناك الكثير من الآيات نزلت بمكة تدل على هذا الفرض، مثل ما في سورة الذاريات وهو قوله تعالى: ?وفي أموالهم حقٌ للسائل والمحروم?( )، وما في سورة المعارج وهو قوله سبحانه وتعالى: ?في أموالهم حقٌ معلوم* للسائل والمحروم ?( )، ويدل على ذلك أيضاً ما أُنزل في المدينة المنورة مما (3/8)
صفحة 727
يدل على أن المرحلة التي أمر الله فيها الناس أن يصبروا على ما يلقون من أذى كانوا مأمورين بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وكان ذلك قبل أن يفرض عليهم القتال، وكان ذلك كما هو معلوم بمكة.
والزكاة تؤدي إلى تربية ضمائر الأغنياء حيث تتفجر هذه النفوس بمشاعر الرحمة والرغبة في الإحسان وتستل الأحقاد التي في نفوس الفقراء الذين يشعرون بالنقمة وحب الانتقام من الأغنياء، فمن حكمة الله أن يسن هذا الإنفاق ليكون هناك تواؤم وانسجام بين طائفتي الأغنياء والفقراء، وبيّن أن كون المال دولة بين الأغنياء غير مرغوب فيه في الشرع، وأمر الزكاة أمر خطير في الإسلام، والوعيد على ترك الزكاة كثير، وجاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة لمانع الزكاة والمتعدي فيها كمانعها"( ) أي الذي يضعها في غير موضعها الشرعي، وبيّن الله تعالى أن الزكاة تطهير، قال تعالى: ?خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ?( )، على أن تسمية الزكاة تدل على الطهارة والنماء، فمعنى زكا نما، وزكا أيضاً طهر، فهي تربي النفوس على الفضائل وتبتعد بها عن آثار الشح، فترتفع بها ارتفاعا. (3/9)
صفحة 728
والإسلام بهذا النظام المالي يفارق النظامين المشهورين الشيوعي والرأسمالي، فالشيوعية تمنع الفرد أن يتملك، أما الرأسمالية فتعطيه حرية التملك المطلق، فلا تفرض عليه قيوداً خلقية ولا اجتماعية، بعكس الإسلام الذي أجاز للفرد أن يتملك، لأن هذه سنة الحياة، ولأن تقدم عجلة الحياة لا يكون إلا بالتنافس على اكتساب الخير، ولكن هذه الملكية مضبوطة بضوابط، فالله تعالى فرض الإنفاق المطلق عندما تكون الزكاة غير سادة حاجة الفقراء ولا بد من إيتائهم المال لأنه جسر يصل الأفراد بعضهم ببعض، وبذلك يكون المجتمع الصالح، فتذوب الفوارق، وتتحطم الحواجز، وتكون الرحمة والإحسان، وعلى الإنسان أن يبادر قبل الموت بالإنفاق في سبيل الله، والنفقات المطلوبة كثيرة، فالزكاة المفروضة يجب أن تؤدى، ثم مع هذا هناك ميدان واسع للتنافس بين أهل الخير، فينفق المال على المحتاجين من غير الزكاة المفروضة، وكذلك هناك مجالات أخرى، فإنفاق المال في إنشاء المدارس- ولاسيما المدارس القرآنية والدينية – من أعظم البر الذي يقرب إلى الله تعالى، وكذلك إقامة المراكز – ولاسيما في عطل الصيف – من أجل تنافس الطلاب على حفظ كتاب الله واقتناء المعارف الدينية، وكذلك طباعة الكتب، وإنشاء المكتبات، وإنشاء جميع مراكز البر، وإنشاء المؤسسات التي تقدم القروض الحسنة البعيدة عن التعامل بالربا.. الخ، فليتنافس في ذلك المتنافسون، واستغفر الله لي ولكم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
فتاوى البيوع
البيع بالتقسيط: (3/10)
صفحة 729
في حالة الشراء بالتقسيط يدفع المشتري الدفعة المقدمة، ولنقل مثلاً أنها خمسة آلاف ريال من أصل خمسة عشر ألفاً، فالباقي عشرة آلاف، تقوم الشركة بعدها باحتساب فوائد قسطها بواقع(8% )سنوياً، أي أن فوائد عشرة آلاف في السنة الواحدة هي ثمانمائة ريال تضاف للعشرة آلاف، وإن طلب تقسيطها على سنتين ضوعفت الفائدة السنوية، ثم قسمت على سنتين لتحديد مبلغ القسط الشهري وهكذا، فما الحكم سماحة الشيخ في هذه المعاملة؟
هذه المعاملة لا يخلو إما أن تكون دائرة بين طرفين فقط، أو تكون دائرة بين ثلاثة أطراف، فإن كانت دائرة بين طرفين فهي دائرة بين البائع والمشتري من غير أن يتدخل طرف ثالث، وفي هذه الحالة إن كان هذا البيع مجزوماً من أوله بأنه يكون بالأقساط إلى مدة عام أو عامين بسعر كذا، بحيث يزيد السعر إن كان الطرفان اتفقا على أن يكون إلى عامين، ويقل إن اتفقا على أن يكون إلى عام، مع الجزم بأحد الوجهين ـ كما قلنا ـ فإنه لا حرج في ذلك، فلا مانع مثلاً من أن يبيع أحد سلعة بثلاثة ريالات نقداً ويبيعها نسئة إلى مدة عام بأربعة ريالات، ولكن الممنوع أن تكون العقدة عائمة، بحيث لا يجزم بشيء، وذلك بأن يقول البائع للمشتري: أبيعك هذه السيارة أو هذا البيت أو هذا الشيء أياً كان بعشرة آلاف نقداً وبخمسة عشر ألفاً نسئة إلى مدة كذا، فإن هذه العقدة تكون في هذه الحالة عائمة، وذلك مما يدخل في بيعين في بيع، وقد نهى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن بيعين في بيع، كما جاء في رواية أخرى أنه نهى عن صفقتين في صفقة، وذلك لا يجوز، لعدم البت كما ذكرنا، وجواز هذه الزيادة مشروط بأن لا تكون مطردة، وذلك أنه قد يتأخر المشتري من تسديد الثمن لسبب من الأسباب فلا يحمل زيادة على سعر الأصل إن تأخر لعسر ـ مثلاً ـ، وإن تأخر لغير عذر فإنه يطالب بالحكم الشرعي أن يدفع، وإذا تأخر عن الدفع فالقضاء الشرعي يتدخل في هذه الحالة ولو ببيع بعض ما يملك من أجل سداد (3/11)
صفحة 730
دينه, أما إن كان هناك طرف ثالث، وذلك بأن يجتمع في هذه الصفقة بائع ومشتري وممول، والممول يدفع إلى البائع الثمن على أن يكون المشتري يدفع إليه الأقساط ففي هذه الحالة يكون الممول مقرضاً ويستوفي ما أقرض بزيادة، وكل قرض جر نفعاً فهو حرام كما جاء في الحديث عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، ففي رواية الإمام الربيع ـ رحمه الله ـ عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه نهى عن بيعتين في بيعة، وعن قرض جر منفعة، وقد جاء في بعض الروايات"كل قرض جر نفعاً فهو حرام"، ورواية الإمام جابر ـ رحمه الله ـ وإن كانت مرسلة إلا أنه لثقته وضبطه وأمانته وكثرة من لقيهم من الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ يعد مرسله كالمتصل ـ عند أصحابنا، فلذلك يأخذون بمراسيله ويعتبرونها حجة، هذا مع اعتضاد ذلك بالإجماع، فإن الإجماع منعقد على أن كل قرض جر منفعة فهو ربا، سواء كانت منفعة مادية أو معنوية، بل حتى لو توصل المقرض إلى شفاعة من المقترض إلى أحد ولولا هذا الإقراض لم يتوصل إليها، فإن ذلك يعد حراماً، ولذلك حرمت ضيافة المقترض للمقرض إن لم يكن بينهما من قبل تداخل وضيافة بحيث يتزاوران وكل واحد منهما يضيف الآخر، وكذلك إن حمله على دابته أو على سيارته بسبب ذلك القرض، فإن ذلك أيضاً يكون حراماً، جاءت بذلك الروايات عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهي وإن كانت لم تخلُ من مقال إلا أنها تعتضد ـ كما قلت ـ بالإجماع، وتعتضد بالأقوال المروية عن الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ، وقد ثبت ذلك عنهم، وذلك أنهم جعلوا القرض قربة إلى الله تعالى لا يأخذ المقرض من المقترض بسببها أي نفع والله تعالى أعلم.
في بعض الحالات بعدما يتفق المشتري مع البائع على السيارة وعلى القيمة يقول له: الدفعة المقدمة ألف ريال، فلا يكون معه ألف ريال، فيقدم سيارته القديمة كدفعة مقدمة، ثم بعد ذلك يدفع باقي المبلغ بالتقسيط، فما الحكم في هذه الصورة؟ (3/12)
صفحة 731
بيع السيارة بالسيارة لا بُدَّ من أن يكون يداً بيد، لأن بيع الشيء بمثله مع النسئة مما يدخل في الربا، فلا يجوز بيع الشيء من جنسه إلا يداً بيد، فبيع السيارة بالسيارة لا بد أن يكون يداً بيد، فإن كان ذلك يداً بيد، بحيث تجعل السيارة في مقابل ألف، لا على أن تكون هناك صفقتان في صفقة واحدة، بحيث يشتري هذا سيارة هذا بألف على أن يبيعه سيارته الجديدة بعشرة آلاف، ولكن تكون هذه السيارة جزءاً من الثمن من أول الأمر، فإن كانت جزاءاً من الثمن مع إضافة ما تبقى فلا مانع من ذلك، ولا مانع – أيضاً – بعد ذلك أن يكون باقي المبلغ بالتقسيط، أما أن تكون مشتراة أو مشروطة في البيع والشراء، بحيث يشتري هذا من هذا وهذا يشتري من هذا، مع كون كل واحد من البيعين شرطاً في صحة البيع الآخر، بحيث يكونان في صفقة واحدة فذلك غير جائز والله أعلم.
لو إنسان أراد أن يشتري سيارة معينة اختارها وعينها ثم ذهب إلى إحدى شركات التمويل وطلب منهم أن يشتروها له بالنقد ووعدهم أنه بعد ذلك سيشتريها منهم، وفعلاً قامت الشركة بشراء السيارة له ثم اشتراها منهم، فهل في ذلك من حرج؟
أما إن اتفقا من أول الأمر على صفقة البيع بحيث هو يشتريها من تلك الشركة الممولة قبل أن تشتريها هي من الشركة البائعة فذلك لا يجوز، للنهي أن يبيع الإنسان ما ليس عنده، وللنهي أن يربح الإنسان ما لم يضمن، لكن إن كان ذلك مجرد وعد بحيث أن تلك الشركة تشتريها ثم تبيعها له بعد أن تحرزها – بعد أن تمسك مفتاحها – فلا حرج في هذه الحالة، لأنه اشترى ما صار ملكاً لبائعة، وإنما ينهى أن يبيع البائع ما ليس عنده ويشتري المشتري ما ليس عند البائع والله تعالى أعلم. (3/13)
صفحة 732
في بعض الأحيان بعدما يتفقان على السعر يتم دفع مبلغ الأقساط أحياناً باسم الشركة مباشرة وهذا لا إشكال فيه، وأحياناً يدفع لإحدى شركات التمويل التابعة لنفس الشركة كأن تكون بعض شركات السيارات عندها شركات تمويل تابعة لنفس المالك، فهل في هذه الحالة يصح ذلك أم لا؟
لا يخلو الحال من أحد أمرين: إن كانت شركة التمويل تقرض هذا فذلك غير جائز، لأنه قرض جر منفعة، بحيث تدفع مبلغاً معيناً للبائع ثم بعد ذلك تستوفي بعد فترة أكثر من ذلك المبلغ، وإن كانت الشركة التي يدفع إليها هي بمثابة الوكيل عن البائع فتستوفي حق البائع، ويعود ذلك إلى البائع، من غير أن يكون هناك وسيط بين الجانبين، هذا الوسيط يدفع قرضاً ثم بعد ذلك يستوفي أكثر من ذلك القرض – إن لم يكن الأمر كذلك – فلا مانع والله أعلم.
من الإشكاليات التي تدخل في الشراء بالأقساط إشكالية التأمين الشامل، فالكثير إن لم نقل جميع شركات السيارات لا ترضى أن تبيع بالأقساط إلا بهذا الشرط؛ شرط التأمين الشامل، وكما تعلمون أن الكثير من الشباب ليس عنده القدرة على الشراء بالنقد فهو محتاج للسيارة ومحتاج للشراء بالأقساط، فماذا ترون إذا دخل في عقد البيعة اشتراط أن يؤمن على سيارته تأميناً شاملاً؟ (3/14)
صفحة 733
أولاً قبل كل شيء التأمين التجاري سواءً كان تأميناً شاملاً أو غير تأمين شامل هو في الأصل غير جائز، وإنما يصار إليه بقدر الضرورة عندما يضطر الإنسان إلى أن يشتري سيارة، على أن يجعل هذه ضريبة يأخذها من يأخذها بغير حق منه، وهو عندما يقتضي الأمر أن يأخذ شيئاً من شركة التأمين فإنه لا يأخذ أكثر مما دفع، وإن أعطي أكثر مما دفع جعل ذلك من المال الذي جهل ربه فيرده إلى فقراء المسلمين، إن كان بهذه الطريقة فلا حرج، فهذا إن كان مضطراً إلى السيارة، وهو ينوي أن يدفع لشركة التأمين لضرورته، على ألا يستوفي منها إذا اقتضى الأمر أن يأخذ شيئاً إلا مقدار ما أخذ فحسب، فنظراً إلى ضرورته إلى السيارة مع نيته هذه فلا حرج في ذلك والله أعلم.
في بعض الحالات تقوم الوكالة بتأمين السيارة بنفسها وإدخال قيمة التأمين ضمن المبلغ العام للشراء أو تعتبره مجانياً كوسيلة للترغيب في الشراء، فما الحكم في ذلك؟
ما دام هو غير راضٍ بالتأمين، وهي بنفسها تدفع ذلك، فأمر ذلك إليها بنفسها والله أعلم.
مسألة الرهن في بيع السيارات فإنه بعدما يتم، يكتب في الملكية أن السيارة مرهونة لمصلحة كذا، وتكون السيارة في قبضة المشتري يستعملها كيف شاء، فما الحكم في ذلك؟ (3/15)
صفحة 734
ينبغي ألا يكون شرط الرهن داخلاً في صفقة البيع حتى لا يكون عقدان في عقد: عقد الرهن وعقد البيع، وإنما تكون صفقة الرهن بعد أن تتم صفقة البيع بسبب عدم قدرته على الوفاء وهذا للاحتياط، وإلا فقد أجاز أهل العلم أن يشترط الرهن للمبيع إلى أداء الثمن إن لم يكن حاضراً، وتكون الملكية بيد المرتهن في هذه الحالة، والأصل في الرهن ألا يكون بيد الراهن ولكن بيد المرتهن، لقوله تعالى: (فرهان مقبوضة)، وإنما وقع الخلاف بين أهل العلم في جواز أن يكون الرهن في يد طرف ثالث غير المرتهن وغير الراهن باتفاقهما، ولكن عندما يكون الرهن من أمثال السيارات الأشياء التي فيها ملكية فالمقصود من الرهن الاستيثاق من إمكان استيفاء صاحب الحق من حقه، فلا مانع من أن يكون هذا الرهن رهناً غير منتقل، إنما يمنع بموجبه المالك من التصرف، وتكون ملكية العين المرتهنة بيد المرتهن، أو أنه يسجل فيها عدم إباحة التصرف في العين المبيعة إلى أن يؤدي ثمنها والله أعلم.
من المتعارف عليه أنه إذا اشترى إنسان سيارة بالأقساط ثم أنه استطاع بعد ذلك أن يدفع المبلغ كاملاً في أي وقت فإنه مباشرة يتم تنقيص المبلغ الذي اشترى به، فما الحكم في ذلك؟
إن كان ذلك مشروطا ًفي صفقة البيع فلا يجوز؛ لأنه مما يدخل في بيعين في بيع، وأما إن كان غير مشروط في صفقة البيع وإنما يتم فيما بعد ففيه خلاف بين أهل العلم، مع أنه ورد أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عندما أراد جلاء بني النضير عن المدينة المنورة تعلق بهم الأنصار لحقوق كانت لهم عليهم فأمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الأنصار أن يحطوا ويتعجلوا، ولكن هذه الروايات طعن فيها وقيل بأنها لا تصح، إلا أن الأصل عدم المنع، ولا دليل يمكن أن يستند عليه يدل على المنع وعليه فإن أصل الإباحة يقوي الرواية السابقة ويعضدها، فلا مانع من ذلك، ولكن بشرط ألا يكون تشارط على هذا في أثناء صفقة البيع ـ كما تقدم ـ والله أعلم. (3/16)
صفحة 735
هل الشراء بالأقساط يعتبر ربا، مع العلم بأنه لو دفعت جملة واحدة لكان أقل تكلفة، أما بالأقساط فإنه يزيد المبلغ؟
ليس ذلك ربا، ولا حرج فيه إن اتفق المتبايعان على السعر من أول الأمر والله أعلم.
كنت أمتلك منزلاً ثم بعته بسبب الديون، والآن أولادي يريدون شراء منزل لي عن طريق البنك وذلك على حسب الاتفاق الذي تم بيننا سيتم شراء منزل من قبل البنك بقيمة ( 20ألف ريال) وسأشتري المنزل نفسه من البنك بقيمة(25ألف ريال)، هل يجوز هذا الشراء؟ أم لا يجوز؟ .
إن كان البنك يشتريه ويقبضه ثم يبيعه له بما يتفقان عليه من الثمن فذلك جائز، وإلاّ فلا والله أعلم.
هنالك بعض الشركات التي تقوم بأنشطة التمويل لأغراض البناء وشراء السيارات دون أن يكون ذلك ظاهراً على مسماها، وتقوم هذه الشركات بممارسة عملها كالتالي:
يتقدم المشتري بطلب شراء سيارة معينة قيمتها 000’10، علماً بأن لديه 5000حالياً، طالبا ًأن تتحمل الشركة مبلغ5000.
يحضر البائع والمشتري إلى المكتب ويوقع عقد بيع داخلي بين الشركة والبائع بمبلغ000 ’10ويسلم الملكية إلى الشركة، تقوم الشركة بتسليمه مبلغ 000’10.
يتم تحديد السعر الذي سيدفعه المشتري إلى الشركة بواقع المبلغ المتوفر(000’5)والمبلغ الذي تحملته الشركة(5000) مضافاً إليه(7%)سنوياً ولمدة سنتين مثلاً، وتكن النتيجة كالتالي:
5000×(7%)=350في السنة الأولى.
2500×(7%)=175في السنة الثانية.
المبلغ المستحق=5000+525=5525ريالاً.
القسط الشهري=5525/24=208’230.
تكتب الشركة عقد بيع داخلي آخر من الشركة إلى المالك الجديد، ويقدم المالك الجديد شيكات شهرية بالمبلغ المطلوب وللمدة المتفق عليها، علما ًبأنه يدفع أيضاً تأميناً.
يتم تغيير الملكية من المالك الأصلي إلى المالك الجديد دون ورود اسم الشركة.
عند سؤال ممّثل الشركة عن الفرق عن الشركات السابقة يقول إن المفتي قد أفتى بذلك، وأن الله أحلّ البيع وحرم الربا. (3/17)
صفحة 736
والسؤال الذي يدور في ذهني، ما الفرق والنتيجة واحدة، فبالنسبة للشركات الأخرى تدفع أنت الخمسة آلاف للمالك الأصلي وتدفع الشركة له الباقي ثم تدفع أنت للشركة شيكات بالمبلغ المتبقي مع إضافة7%، الفرق فقط هو العقد الصوري الداخلي، فالنتيجة واحدة وهي أن الشركة تحملت عنك 5000وردتها لها بفائدة7%في السنة.
والنتيجة أننا نوهم أنفسنا بهذا التحايل على الدين بأن العملية بيع وشراء، ونحن نعلم أن المسألة فيها مستفيدون هم ركني الربا هنا، هم الشركة وهي في الحقيقة لم تشتر السيارة وإنما كان شرائها بهدف التمويه وهو مرتبط بالشراء الثاني، والمشتري الأصلي الذي كان بحوزته5000 وأخذ 5000وردها بفائدة.
فنرجو منكم التوضيح لما هذا الأمر من أهمية للحياة اليومية للشباب المسلم، وحتى لا يستغل الشباب المسلم من حيث لا يحتسب، والله يوفقكم؟
لم أُفتِ بجواز هذه المعاملة، فإن ذلك هو عين الربا، وإنما قلت بأن الطريقة السليمة أن تشتري الشركةُ السيارةَ وتضمنها وتستلمها ثم تبيعها لمن أراد أن يشتريها، سواء نقداً أو نسيئة بالثمن الذي يتفق عليه الطرفان، ويجوز رفع الثمن ـ لأجل الإنساء ـ أكثر من قدره عندما يكون نقداً، ولا بدّ من أن تكون الصفقة الثانية بعد الصفقة الأولى وبعد القبض والله أعلم.
ما قولكم في شراء السيارة بالأقساط، حيث تبيع الشركة السيارة للبنك، والمشتري يدفع شيكات للبنك، ولكن يسلم الشيكات للشركة، والشركة تدفع للبنك، فهل يجوز ذلك؟
أما إدخال طرف ثالث في البيع وهو البنك فذلك غير جائز، إذ البيع إنما هو بين طرفين البائع والمشتري، وأما اتفاق المشتري والبائع على أن يشتري منه سيارة بالأقساط بقيمة معينة يحددانها من أول الأمر، وهي أوفر من قيمة النقد، فلا مانع من ذلك والله تعالى أعلم. (3/18)
صفحة 737
يجيز بعض العلماء شراء السلع المختلفة بالأقساط وهو ما يعرف بالبيع الآجل. وفي هذه الحالة يكون سعر السلع أعلى من سعرها في حالة البيع نقداً، وهو ما يعرف بالبيع العاجل. فما قولكم في ذالك؟
لا مانع من ذالك بلا خلاف، إن كان السعر متفقا ًعليه من أول الأمر والله أعلم.
رجل اشترى سيارة من الوكالة بخمسة آلاف ريال عماني نقداً، لكي يبيعها لشخص آخر بستة آلاف ريال – أقساطاً – لمدة سنتين، هل هذا جائز؟ وإذا كان جائزاً هل يلزم أن تكون أولاً باسم المشتري الأول ثم تحول إلى المشتري الثاني؟
لا مانع من ذلك إن كان لا يبيعها إلا بعد قبضها، ولا فرق بين حكمي النقد والنسيئة في ذلك والله أعلم.
اشترى بنك تجاري منزلاً بمبلغ خمسة عشر ألف ريال عماني، واتفق مع شخص ما على أن يشتري ذلك المنزل من البنك بمبلغ وقدره عشرون ألف ريال، على أن يدفع خمسة آلاف ريال عماني مقدماً للبنك، والباقي على هيئة أقساط لمدة ست سنوات. هل يعتبر هذا من الربا؟
إن كان اشتراه بعدما تملكه البنك فلا حرج في ذلك، وإن كان اشتراه قبل ذلك فهو من باب بيع ما ليس عندك والله أعلم.
أراد شخص بناء منزل، فقال له المقاول: إن كنت ستدفع لي المبلغ بعد شهرين فقيمة البناء بعشرة آلاف ريال، وإن كنت ستدفع المبلغ على هيئة أقساط شهرية فسيرتفع المبلغ إلى خمسة عشرة ألف ريال، فما حكم هذه المعاملة؟
أما أن تكون العقدة عائمة هكذا فذلك غير جائز، وأما إن تعاقدا على أحد الأمرين فهو جائز والله أعلم.
شركة تقوم بأعمال البناء والخدمات على النحو التالي:
يتقدم الشريك بطلب بناء منزل له، ويتم تحديد السعر وإخبار العميل بأن سعر البناء نقداً كذا، وسعر التقسيط كذا – مثلاً لمدة 5 سنوات بملغ كذا –, بشرط أن لا تزيد المدة عن 90 شهراً. بعد ذلك تقوم الشركة بعد الاتفاق وإبرام العقد مع الشريك بأحد الأعمال التالية، بعد أن يدفع الشريك 30% من قيمة المنازل كدفعة مقدمة. (3/19)
صفحة 738
1-تقوم الشركة ببناء المنزل بنفسها.
2-تقوم الشركة بالتفتيش عن مقاول أو شركة تقوم بعملية البناء نيابة عن الشركة، وعمل عقد بين الشركتين على أن تتحمل الشركة الأولى الرقابة وضمان البناء، ودفع المبلغ نقداً للشركة أو المقاول الثاني.
فهل يلزم إخبار الشريك طالب البناء بالمقاول وسعر البناء نقداً مع الشركة الثانية؟ وهل يجوز أن يرشح الشريك مقاولاً آخر يطمئن إليه ليتعامل مع الشركة لبناء بيته، بدلاً من أن تختار الشركة الأولى المقاول المنفذ؟ علماً أنه في بعض الأحيان تتحمل الشركة الأولى مثلاً بعض الأعمال ويخصم من السعر، مثلاً تتحمل أعمال الحفر أو الخشب أو بعض الالآت أو المعدات وغيرها؟
1-إن كانت الشركة هي التي تقوم ببناء المنزل فلا غبار على ذلك، مع التقيد بجميع الأحكام الشرعية في المعاملات، لأن حكمها في هذه الحالة حكم المقاول والله تعالى أعلم.
2-أما إن اتفقت مع مقاول يقوم بالعمل مع دفعها المبلغ المتفق عليه نقداً إليه واستيفائها من الشريك أكثر منه بالأقساط، فإن كان ذلك الفارق لأجل الزمن وحده الذي تسدد فيه الأقساط فذلك من باب القرض الذي جر منفعةً، وهو حرام بالإجماع، وإن كان لأجل وساطة الشركة بين الشريك والمقاول مع قيامها بالإشراف أو مشاركتها في العمل بجزءٍ منه أو بشيء من المواد التي يتطلبها البناء فلا مانع من ذلك، وللشريك حق اختيار المقاول أو ترشيحه والله أعلم. (3/20)
صفحة 739
3-أما شراء الشركة لبيت اختاره الشريك نقداً، وبيعه له أقساطاً بأكثر من سعره الذي اشترته به فهو جائز، بشرط أن يكون البيع الثاني بعد تمام البيع الأول، بحيث لا تتم صفقته إلا بعد الصفقة بين البائع الأول والشركة، ودخول البيت في ضمان الشركة واستحقاقها لمنافعه شرعاً، على أنه ينبغي أن يكون البيع الأول بإشهاد أو مكاتبة ولو بصفة عرفية بين البائع والشركة المشترية، ولا مانع من أن تكون الكتابة الرسمية ونقل الملكية بعد تمام الصفقة الثانية من البائع الأول إلى المشتري الثاني مباشرة والله أعلم.
ما حكم التعامل مع بعض الشركات التي تقوم بتمويل بعض الأشخاص في عمل مشروع معين، مثال ذلك شخص يريد فتح مخبزة بتكلفة وقدرها عشرون ألف ريال، حيث تقوم هذه الشركة بشراء أدوات المخبزة بنفس التكلف(عشرين ألف ريال)وتدفعه إلى الشخص، على أن يقوم هذا الشخص بدفع اقسط شهرية لهذه الشركة خلال فترة محددة، ويقوم كذلك بدفع فوائد محددة إضافية لهذه الشركة، بحيث يصل المبلغ إلى ثلاثة وعشرين ألف ريال تقريباً؟
هذه المعاملة هي عين الربا المحرم؛ لأن الشركة مقرضة قرضاً جر نفعاً والله أعلم.
إذا اشترى شخص سيارة بالأقساط، وبعد فترة من الزمن؛ أي بعد سداد عدة أقساط، حصل على مبلغ من المال، فأراد أن يذهب إلى البائع ويسدد له جميع الأقساط المتبقية جملة واحدة، وبما أن سعر النقد أقل من سعر الأقساط، فإن البائع يخفض من قيمة المبلغ المتبقي، فما قولكم في ذلك؟
لا مانع من ذلك على الراجح؛ لأنه من باب الحط والتعجل والله أعلم.
ما حكم شراء السيارات بالأقساط الشهرية من الوكالة؟ وما حكم ذلك من طريق شركات التمويل الاستثمارية؟
مع العلم بأن كلا الجهتين تأخذ أرباحاً من المبلغ المقسّط، وهل هناك شروط لصحة عقد شراء السيارات من الوكالة؟ (3/21)
صفحة 740
إن اشتراها من الشركة مع الاتفاق على الثمن المقطوع فلا مانع منه، وأمّا شركات التمويل فإن اشترتها أولاً وحازتها ثم باعتها له فذلك جائز, وإن كانت تدفع الثمن وتأخذ زيادة عليه, فذلك قرض جرّ منفعة فهو ربا والله أعلم.
تقوم الشركة ببيع منزل أو سيارة بمبلغ معين، على أن يتم سداد المبلغ على أقساط خلال سبع سنوات، وبعد مضي سنتين تيسر الحال عند العميل وأراد أن يدفع المبلغ نقداً، فتقوم الشركة بتخفيض المبلغ الذي عليه، ويقوم بالإذن بتخفيض المبلغ الإدارة التنفيذية، متمثلة في المدير العام، وذلك بتخويل من الشركاء له باتخاذ جميع المعاملات التي في صالح الشركة والعملاء؟
رخص في ذلك جماعة من أهل العلم، وهذه هي مسألة (حطوا وتعجلوا) المشهورة عند الفقهاء، ولا مانع من الأخذ بها، إذ لم يأت دليل على المنع، وذلك مشروط بأن لا يكون متفقاً عليه عند عقد البيع والله أعلم. (3/22)
صفحة 741
نود من سماحتكم بيان الحكم الشرعي في شراء السيارات بالأقساط الشهرية ولفترة معلومة وبنسب سنوية ثابتة، حيث تقوم وكالة بيع السيارة بعرض مشروع تمويل عملية الشراء على أكثر من شركة تمويل، من بينها بنوك، ويُبلغ المشتري بنسب الفوائد السنوية التي تعرضها كل شركة على حده ليختار الأنسب أو المتدنيّة من بينها، مع إمكانية المساومة لتخفيض نسب الفوائد المعروضة، كما أن النظام المتبع أصبح يقتضي بأن يكتب المشتري السندات (الشيكات) الشهرية باسم البنك أو شركة التمويل التي ستستردّ الوكالة أموالها منها، مع أنه بحسب ما يتبادر فإن الجهة الممولة تقوم بشراء السيارة من الوكالة بالنيابة عن المشتري ثم تبيعها له بمبلغ أكبر في مقابل السداد الآجل، ويدّون على ملكية السيارة بأنها مرهونة لجهة التمويل؛ أي أن تلك الجهة شريك في امتلاك السيارة حتى سداد قيمتها كاملة، بمعنى أن التعامل وفق ما تقدم أصبح بين المشتري وجهة التمويل بشكل شبه مباشر، من ناحية أخرى فإنه من المتعارف أنّ المشتري إذا استطاع تسديد كامل المبلغ أو جزء منه قبل موعده فإن جهة التمويل تقوم بتخفيض جزء من المبلغ المضاف على القيمة النقدية الأصلية للسيارة.
وأخيراً، يُلزم المشتري بالأقساط أن يقوم بتأمين السيارة على مدى سنوات السداد تأميناً شاملاً تحدد قيمته تبعاً لقيمة السيارة؟ (3/23)
صفحة 742
التعامل على هذا النحو فيه الكثير من الوجوه المحرمة، منها: أن هذه العقدة مترددة بين البيع والقرض، فإن التمويل في حقيقته قرض، فإن ترتبت عليه زيادة فذلك عين الربا، وإن كان بيعاً فإنه لا يجوز لأحد أن يبيع ما ليس عنده، بل إن كان المبيع مما يقبض فليس له أن يبيع ما لم يقبض، لثبوت النهي عن ذلك في الحديث عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم –( )، ومن ناحية أخرى فإن الاتفاق على أن تكون السيارة مرهونة للممول حتى يستوفي حقه إن اعتبر الممول بائعاً كان ذلك شرطاً زائداً في البيع، وقد نهى النبي – صلى الله عليه وسلم – عن شرطين في بيع( )، وكذلك تشارط الحط من الثمن مع تعجيل الوفاء إن دخل في صلب العقد كان حراماً، والحلقة الأخيرة في سلسلة هذه المعاملة اشتراط التأمين الشامل، وكفى به، فينبغي للعاقل تفادي هذا الأمر والله المستعان.
1-ما هو حكم في رجل اشترى سيارة وتمّ التبايع بالطريقة التالية:
ذهب هذا الرجل إلى الشركة الموردة للسيارة واختار منها نوع السيارة ودفع الدفعة المقدمة مبلغاً وقدره600 ريال، وبعد ذلك قيل له ستدفع الأقساط عن طريق شركة للتأجير، وفعلاً ذهب إلى تلك الشركة وتم توقيع الشيكات في تلك الشركة، وهي الآن تتقاضى الأقساط على أنها الشركة المالكة للسيارة، علما ً إنه لا يعلم أن السيارة انتقلت باسم الشركة.
فما هو الحكم، وماذا عليه، وهو الآن يمتلك السيارة هل يبيع السيارة أم كيف يتصرف لكي يستبرىء لدينه؟
إن كانت الشركة تدفع إلى الجهة البائعة مبلغاً من المال نقداً ثم تأخذ بالأقساط أكثر منه من مشتري السيارة، فذلك من باب القرض الذي جرّ منفعة، وهو حرام بلا ريب، إلاّ إن كان الدفع و الاقتضاء سواء، ولا يمكن أن يقال بأن الشركة الممولة أصبحت مالكة للسيارة بتمويلها؛ لأنها لم تشتر هي السيارة ولم تقبضها من الجهة البائعة والله أعلم. (3/24)
صفحة 743
2-ما هو الحكم إذا اتفق مع أخيه بأن يشتري السيارة من شركة، بحيث تنتقل السيارة باسم أخيه، وبعد ذلك يشتريها منه بالتقسيط، علماً أن الأخ سيشتري نقداً بالمبلغ المتبقي؟
إن كان أخوه يشتريها نقداً ثم يبيعها له بعد القبض بالأقساط، فلا حرج في ذلك والله أعلم.
اشتريت سيارة جديدة من الوكالة، ودفعت جزءاً من المبلغ، على أن أدفع المبلغ المتبقي بالتقسيط الشهري، وقالت لي الوكالة إن المبلغ المتبقي عليك سوف تقوم بدفعه إلى شركة مختصة بالتمويل، ولما ناقشت الأمر معهم قالوا لي بأن هذا هو النظام المعمول به الآن، وأن الشركة ستقوم بدفع المبلغ المتبقي عليك نقداً للوكالة، وأنت بدورك تسدد الأقساط للشركة، علما ًبأن الشركة زادت على قيمة السيارة مبلغاً آخر نظير طول مدة التقسيط.
فما الحكم في ذلك، وكيف الخلاص إن كنت قد وقعت في ذلك؟
إن كنت اتفقت مع الشركة الممولة على أن تقوم هي بدفع الثمن نقداً على أن تدفعه إليها بالأقساط وبالزيادة فأنت في هذه الحالة واقع الربا المحرم، وكذلك إن أبرمت هذا الاتفاق الشركة البائعة ورضيت أنت به، أمّا إن كان اتفاقاً مع الشركة البائعة على البيع بالأقساط من أول الأمر بالقيمة التي اتفقتما عليها، من غير أن تكون على علم باتفاقها هي مع شركة أخرى، فأنت إذاً مشتر بثمن معلوم تدفع أقساطه في الأصل إلى البائع، فإن أمرك بدفعها إلى آخر فذلك مجرد إحالة، فإن كان بينهما اتفاق على ربا فإثمه على المتفقين والله أعلم.
شخص أراد أن يشتري سيارة من أحد الوكالات بقيمة أربعة آلاف ريال عماني، على أن يدفع نصف المبلغ نقداً والنصف الآخر أقساطاً شهرية.
والطريقة المتبعة في الوكالة أن يتم الاتفاق بينها وبين المشتري بعد تعيين السيارة، على أن يدفع الأقساط من المبلغ المتبقي لطرف ثالث هي إحدى شركات التمويل.
1-ما رأي الشرع في دخول الطرف الثالث في عقد البيع؟ (3/25)
صفحة 744
إن كان الطرف الثالث يمول ليتقاضى أكثر مما دفع فذلك لا يجوز قطعاً، لأنه قرض جرّ منفعة، وهو حرام بالنص والإجماع والله أعلم.
2-هل يصح العقد شرعاً إذا اشترطت الوكالة الزيادة في المبلغ المتبقي حالة التأخر في دفع أي قسط شهري؟
لا يجوز ذلك، وإنما يجوز اتفاق الطرفين على مقدار الثمن والأقساط من أول الأمر والله أعلم.
3-ما حكم مجرد وجود هذا الشرط في عقد البيع ولو لم يضطر إليه المشتري؟
بما إنه عقد محرم فهو غير جائز والله أعلم.
4-ما الحكم في وجود هذا الشرط عرفاً دون التنصيص عليه في عقد البيع؟
المتعارف عليه كالمتفق عليه فلا يجوز بحال والله أعلم.
تشترط أغلب وكالات بيع السيارات في حالة الشراء بالأقساط، أن يتم عقد البيع أو الشراء عن طريق طرف ثالث في العملية وليس مباشرةً، فما رأي الشرع في ذلك؟
إدخال طرف ثالث بين المتبايعين بالأقساط، من أجل دفع الثمن واستيفاء ما هو أكثر منه، يعد من ضروب الربا والله أعلم.
شخص أراد أن يشتري سيارة من الوكالة فوجدها نقداً بمبلغ وقدره 5700 ريال تقريباً، وبالتقسيط بمبلغ 7500 ريال تقريباً، هل يصح لرجل آخر أن يشتريها نقداً ويبيعها للشخص السابق حسب الاتفاق بينهما، بحيث يستفيد الجميع من ذلك؟ وهل هناك فرق بين أن يتم الاتفاق بين الطرفين في الثمن قبل قبض السلعة أم لا؟
إن كان الرجل يشتري السيارة ويقبضها، فلا مانع أن يبيعها بعد قبضها لمن يشتريها بالأقساط، ولا قيمة لاتفاقهما قبل البيع، لنهي الإنسان عن بيع ما ليس عنده والله أعلم.
إذا كان من البيوع المحرمة وشخص اشترى سيارة بهذه الطريقة، هل يقوم ببيعها ويخسر مبالغ كثيرة بسبب البيع؟ أو يبقى على سيارته ويتوب إلى الله حيث إنه لا يعلم بحرمته؟
إن كان أقدم على ذلك عارفاً فعليه التوبة والله أعلم. (3/26)
صفحة 745
رجل أراد أن يبني بيتاً عن طريق بنك، على أن البنك يكون ممولاً بين صاحب البيت والمقاول، بحيث إن البنك يعطي المقاول المبلغ ليبني البيت، ثم يدفع صاحب البيت للبنك المبلغ والزيادة في المبلغ قسطاً شهرياً، ما حكم ذلك وهل يعتبر ربا أفدنا أفادكم الله؟
بما أن صاحب البيت هو الذي يتفق مع المقاول، والبنك هو قارض ومستوف فقط، فذلك عين الربا، والله قد حرم الربا أخذاً وعطاء والله أعلم.
ما حكم بيع السيارات بالتقسيط؟ حيث يشتري شخص ما سيارة بالتقسيط من إحدى الوكالات مباشرةً دون تدخل وسيط أوجهة تمويل، وتحدد الفائدة من بداية الأمر بحيث يتم حساب القيمة الإجمالية التي سيدفعها المشتري خلال تلك المدة، إلا أن في هذه المعاملة ما يلي:
أولاً: يشترط أن تكون ملكية السيارة مرهونة للوكالة، بحيث تمثل شريكاً للمشتري في السيارة لحين استيفاء كامل المبلغ منه.
ثانياً: يشترط أيضاً أن يؤمن المشتري على السيارة تأميناً شاملاً إلى انتهاء فترة محددة، فإن لم يؤمن هو تأميناً شاملاً أو حدث أن تأخر في إحدى المرات عن ذلك قامت الوكالة بهذه المهمة بصفتهم شريكاً له، وأضافوا القيمة عليه إضافة إلى فائدة على قيمة التأمين هذه. (3/27)
صفحة 746
ثالثاً: تنقص الوكالة قيمة الفوائد إذا ما قام المشتري بدفع المبلغ كاملاً قبل انتهاء المدة المحددة، ولكن ليس بالضرورة أن يكون هذا الشرط في العقد، فهل هذه المعاملة داخلة في مسألة(شرطين في بيع)المنهي عنها؟ علماً أن الوكالة إنما اشترطت ذلك لأجل الاستيثاق وهو إلى فترة تسلمها للمبلغ كاملاً، أضف إلى ذلك أن المشتري وإن أمن تأميناً شاملاً فهو في نيته أنه إن حصل حادث للسيارة مثلاً لا يأخذ من شركة التأمين إلا ما دفع، ويقوم بنفسه بدفع الباقي للوكالة، فإن كان كذلك فما ترون من وقع فيها ظاناً الجواز لكونه نظر إلى أن المعاملة مباشرة بينه وبين الوكالة دون أن ينظر إلى الشروط، وما مقترحاتكم في تصحيح هذه المعاملة إن أمكن تصحيحها للحاجة إليها؟ وما هي نصيحتكم في هذا الموضوع للشباب؟
هذه المعاملة فيها مخالفات للشريعة متعددة:
أولاً: أنه عقد اشتمل على أكثر من شرط، وقد نهى النبي- صلى الله عليه وسلم – عن شرطين في بيع( )، والشرطان في البيع يؤديان إلى بطلان البيع رأساً فلا يتم معهما، لذلك كان هذا العقد باطلاً، والشرطان هنا ظاهران:
الشرط الأول: أن تكون ملكية السيارة مرهونة للوكالة.
الشرط الثاني: أن يؤمن المشتري على السيارة تأميناً شاملاً.
والأمر الثاني: من مخالفات أوامر الشريعة في ذلك اشتراط شرط لا يجوز شرعاً وهو ما ذكر من التأمين، وهذا لأن التأمين مخالف لأحكام الشريعة الغراء لما فيه أيضًا من الربا، فهو شرط باطل لا يصح. (3/28)
صفحة 747
الأمر الثالث: أن هذا العقد اشتمل على عقد آخر متفرع عنه، فإن اشتراط الرهن يعني أن يكون هناك عقدان – عقد البيع وعقد الرهن – وهذا أيضًا غير جائز، إذ النبي- صلى الله عليه وسلم – نهى عن بيعين في بيع( )، وحمل على ذلك كل عقدين يجتمعان في عقد واحد، فكل مما يدخل في نحو هذا الإطار يعد مخالفاً لنهي النبي- صلى الله عليه وسلم -، نعم لو كان هنالك شرط واحد فحسب وهو أن يشترط أن لا تسلم إلى المشتري حتى يستوفي ثمنه تاماً لكان ذلك سائغاً مع عدم وجود أي شرط آخر.
وكذلك كون الوكالة تسقط شيئاً من الثمن إن كان ذلك مشروطاً أو متعارفًا عليه من أول الأمر فهو لا يجوز، لأنه مما يدخل في(بيعين في بيع )، بحيث يكون البيع بالنقد بسعر كذا وأن يكون عندما لا يتعجَّل في دفع هذه الأقساط بسعر كذا، فإن هذه العقدة هي باطلة من هذه الناحية.
أما لو كان البائع لا يخبر قط المشتري، فضلاً عن أن يشترط له ذلك، وإنما ينظر هو إسقاط بعض الثمن هو عندما يأتي المشتري بالثمن تاماً من أول الأمر، أو عندما يقدمه قبل وقته، فذلك سائغ على رأي كثير من العلماء، وهي مسألة الحط والتعجل، هذا من غير أن يكون مشروطاً، ولا أن يكون متعارفاً عليه، لأن ما عرف عرفاً كالذي يشترط شرطاً.
وأما بالنسبة إلى البدائل فأنا أقترح أن تكن هنالك شركة يقوم بها أهل الصلاح والخير لشراء السيارات وبيعها، فعدما يأتي أحد يعرض على هذه الشركة أنه يريد سيارة معينة فهي تشتري له هذه السيارة نقداً ثم تبيعها له بالأقساط، على أن يكون عقد البيع بعد أن تشتري هي وتمسك مفتاح السيارة، فذلك أمر لا حرج فيه، ولو كان الثمن ضعف الثمن الأصلي، لا حرج في ذلك عندما يتفق الجانبان، وتكون عقدة البيع الثانية بعد استيفاء جميع عقدة البيع الأولى بشروطها، فلا حرج في ذلك، فهذا هو البديل الذي أراه. والله أعلم.
هل يجوز شراء سيارة أو تأثيث منزل عن طريق البنك أو شركة ممولة لذلك؟ (3/29)
صفحة 748
إن كان ذلك غير مشوب بربا ولا غرر ولا غيرهما من الممنوعات شرعاً، فلا حرج والله أعلم.
ما حكم شراء السيارة بالأقساط (كما سمعت أنه نوع من بيع الأجل)، ولكن الوكالة تلزمك على أن تؤمّن على السيارة تأميناً شاملاً حتى تسدد جميع قيمة السيارة؟
إن كنت تتفق مع الشركة على سعر رفيع للسيارة، بدون أن تتفقا على التأمين، فليس عليك حرج ولو أدخلت في ذلك مَا تدفعه على التأمين والله أعلم.
أردت أن أشتري سيارة من الوكالة، وكلما أذهب إلى وكالة اشترط عليهم بأن لا ترهن لشركة التأجير، وفي أحد الأيام ذهبت إلى إحدى الوكالات ونسيت بأن اشترط عليهم هذا الشرط، وعندما استلمت الملكية من الوكالة وجدت السيارة مرهونة للشركة، فاحترت ماذا أفعل, فأرجو منكم أن ترشدوني إلى الحل, علماً بأن راتبي بسيط, أرجو أن تنقذوني من هذه الحيرة؟
إن كنت لم ترض بذلك، ولم تجد مناصاً عنه، فأرجو أن تكون سالماً – إن شاء الله – والله أعلم.
ما حكم شراء السيارات بطريقة الأقساط؟ ونرجو التوضيح للطريقة الصحيحة، وقد ترهن السيارة لشركة من شركات التأمين؟ (3/30)
صفحة 749
بيع الأقساط إن كان بين البائع والمشتري لا مانع منه، فالإنسان له أن يبيع السلعة لمن يشتريها نقداً بعشرين ريالاً، وأن يبيعها لمن يشتريها بالأقساط بخمسة وعشرين ريالاً، لكن بشرط أن يتفق الجانبان من أول الأمر على أن يكون البيع بالأقساط بخمسة وعشرين أو بالنقد ويكون بعشرين، لا أن تكون الصفقة عائمة بين الأقساط والنقد، أما أن يدخل عميل ثالث أو شريك ثالث ما بين المتبايعين على أنه يمول هو ثم بعد ذلك يتقاضى أكثر مما دفع من المشتري فهذا هو الربا، اللهم إلا أن يشتري هو هذه السلعة بنفسه ويدفع ثمنها بنفسه، وتنتقل إليه ملكيتها، ثم بعد ذلك يبيعها للمشتري الآخر، فلا مانع من ذلك، أما الرهن فيكون مقبوضاً، ويمكن أن يكون القبض قبض ملكية حتى يكون حق صاحب الحق ثابتاً في تلك السلعة، فإن كان ذلك بعد البيع – أي بعد أن آلت إليه – فلا مانع من ذلك، أما قبل ملكه لها فليس للإنسان أن يرهن ما لا يملك.
بضاعة معينة كسيارة أو بيت، يريد شخص شراءها، ولا يملك ثمنها نقداً، فيتفق مع جهة معينة أو شخص ليقوم بشرائها له، بحيث تقوم تلك الجهة بشراء تلك البضاعة على أن تبيعها له بأكثر مما اشترتها به، حتى تربح في تعاملها معه، ما حكم هذه المعاملة؟
لا بد من أن يشتري ذلك الوسيط تلك البضاعة فتنتقل إلى ملكيته، وعندئذٍ يكون البيع، أما أن يتفق معه على أن يشتريها منه بثمن كذا قبل أن يكون قابضاً ومالكاً فلا، لأن ذلك من بيع ما ليس عندك، وهو مما نهي عنه.
يأتي زيد إلى عمرو ويخبره بأنه يريد شراء سيارة مثلاً وليس عنده مال، فبقول له عمرو أنا أشتري السيارة وأبيعها لك أجلاً أو تقسيطاً بزيادة، واشتراها عمرو وتملكها ثم باعها لزيد كما قال، على أن ذلك الاتفاق السابق وعد لا عقد، فيحق لزيد ألا يشتريها وإن صارت بيد عمرو؟ (3/31)
صفحة 750
إن كان هذا الوعد وعداً غير ملزم وإنما قال له سأشتريها – إن شاء الله -، فلا حرج إن باعها له فيما بعد على حسب ما يتفقان عليه فيما بعد.
ما هي شروط بيع التقسيط ليكون صحيحاً؟
أولاً: لا بد أن لا يكون المبيع من جنس الثمن، لأنه إن كان من جنس الثمن فذلك لا يجوز إلا أن يكون يداً بيد، الأمر الثاني: أن يتفقا على الأقساط من أول الأمر، بحيث لا تكون تلك العقدة عقدة عائمة بين الأقساط والنقد.
عزم أبي على شراء سيارة من وكالة السيارات ودفع الدفعة المقدمة (ألف ريال عماني) وأمّن على السيارة في إحدى شركات التأمين، وكانت قيمة السيارة نقداً (ستة آلاف وثلاثمائة ريال عماني)، وقيمتها بالأقساط (سبعة آلف ريال عماني). والآن يريد أبي أن يشتري هذه السيارة عن طريق شركة:
1-هل يجوز أن يتم البيع عن طريق هذه الشركة، علماً بأن إجراءات البيع لم تستكمل بين أبي ووكالة السيارات؟
2-هل يجوز أن يشتري أبي السيارة بالأقساط، علماً بأنه يتدخل البنك في هذه الحالة كممول للمشتري؟
إن كانت الشركة تشتري السيارة من المؤسسة التي تبيع وتقبضها ثم تبيعها للعميل بالأقساط فلا حرج في ذلك، وأما بيعها قبل أن تشتريها فهو غير سائغ، وتمويل البنك حكمه حكم القرض، وكل قرض جرّ نفعاً فهو ربا والله أعلم. (3/32)
صفحة 751
ظهر في الآونة الأخير مشروع يقصد مساعدة الشباب بإقامة المهن، فيأمر الذي يريد أن يعد دراسة للمشروع الذي يريده والأدوات التي يحتاجها، وبعد ذلك يرفع تقريراً عن ذلك، فإذا تمت الموافقة على ذلك يتم إرسالها إلى الشركة التي تبيع هذه السلع التي يحتاجها، فيستلم هو هذه السلع من تلك الشركة وتتولى هذه الجهة دفع المبلغ عنه ثم يدفع هو مقسطاً بقيمة ترتفع عن المبلغ، مع العلم بأنه لا يعطى مبلغاً في يده، وإنما تتولى تلك الشركة أو الجهة الحكومية بالتفاهم مع الشركة التي تبيع هذه السلع وتدفع لها المبلغ، ثم هو يدفع إلى الجهة الأولى أو الحكومة المبلغ مقسطاً بقيمة أعلى، فما الحكم الشرعي في ذلك؟
إن كانت الجهة الممولة – سواءً كانت جهة حكومية أم جهة غير حكومية – هي تشتري أولاً من الشركة البائعة ثم تبيع لهذا فلا حرج في ذلك، ولو أمر هو بأن يذهب ليستلم, ولكن كونه هو الذي يستلم من أول الأمر قبل أن تشتري هي-أي الجهة الممولة – فذلك مما يدخل في الربا والله أعلم.
بيع المزايدة والجملة:
ما قولكم في بيع الجملة، بمعنى أنك إذا اشتريت كمية أكبر أو عدداً أكبر تكون قيمتها أقل من شراء نفس الكمية أو العدد عن طريق المفرد؟
إن كان ذلك بكيل محدود أو وزن محدود فلا حرج والله أعلم.
ما حكم(المزايدة) في الشرع، حيث إن الدلال( ) يقول بسعر ثم المشترون يزيدون على هذا السعر حتى يتم البيع لأحد المشترين؟
المزايدة فيما بيع بالنداء جَائزة ولا مَانع منها والله أعلم.
ما قولكم في رجلين يزابنان على شراء سلعة ما من الدلال في السوق، فقال الأول للثاني لا تزابن أنت بل أُزابن أنا، وأعطيك النصف من هذه السلعة ما حكم هذه المعاملة؟
ذلك غير جائز لما فيه من الإجحاف بقيمة المبيع والله أعلم. (3/33)
صفحة 752
قام شخص بشراء مزرعة قائمة من صاحبها بمبلغ ثمانية آلاف وخمسمائة ريال عماني عن طريق ثلاثة دلاّلين، وقد دفع المشتري نصف المبلغ على أن يدفع الباقي بعد أسبوعين، علاوة على أنه دفع للدلالين الثلاثة حقهم في الدلالة (مبلغاً وقدره أربعمائة ريال)، وبعد مضي المدة المتفق عليها تأخر المشتري عن دفع ما بقي عليه للبائع لأكثر من ثلاثة أشهر تقريباً، وأخذ يماطل في ذلك، فقام البائع بترجيع المبلغ للمشتري، وقد قبله دون اعتراض وأعاد له مزرعته، فالمشتري الآن يطالب الدلالين بإرجاع مبلغ الدلالة الذي دفعه لهم، فهل يحق له ذلك؟
قبوله لرد المزرعة إليه أمر لا يعني الدلال بعدما تم البيع، وإنما هو تصرف صادر عنه، وقد أنهى الدلال مهمته، فليس له أن يسترد شيئاً من أجرته والله أعلم.
بيع المرابحة( ):
ورد في فتوى لكم عن حكم المواعدة في بيع المرابحة للآمر بالشراء إن كان هناك ضرر ما نصه:
والوعد ملزم ديناً، وإنما الخلاف في الإلزام حكماً، والراجح أنه إن أدى الأمر إلى التضرر فالضرر يرفع حكماً، لقاعدة لا ضرر ولا ضرار في الإسلام.
السؤال (1): الخلاف في الإلزام حكماً خلاف في المذهب أم أنه مع بقية المذاهب؟
السؤال (2): الضرر متى يزال حكماً وكيف؟، فمثلاً إن تضرر المصرف وخسر من جراء انسحاب العميل عشرة آلاف ريال، هل يلزم العميل بدفع تكاليف الخسارة أم يلزم بإكمال الصفقة مع المصرف والتي سيربح فيها المصرف؟
ليس هو خاصاً بالمذهب، فجمهور العلماء من كل مذهب يرون أن لا يلزم حكماً، ولكن بما أن الأحكام الشرعية منوطة برفع الضرر عن الناس، أرى أن مع وقوع الضرر على الموعود يُحكَم بلزوم الوفاء به والله أعلم.
بيع المشاع( ): (3/34)
صفحة 753
إذا باع رجل نصيبه من مال مشاع وهو ثلث المال، قيل بتمام البيع وأن الجهالة لا تفسد بيعه ولا تحرمه والجهالة بموقعه معروفة، ثم قالوا بصحة الغير، فبينما هم يثبتون البيع فإذا بهم يجيزون النقض بالغير بعلة الجهالة، فما القول في هذا؟
يرى كثير من العلماء جواز بيع ما فيه جهالة إذا كان المتبايعان يتتاممانه بعد زوال الجهالة، وبهذا يتضح وجه جواز بيع المشاع لغير الشريك، مع إثبات النقض فيه عند من يرى ذلك والله أعلم.
عن رجل يملك مالاً هو وإخوته، فباع ماله دون أن تقسم الأموال بينه وإخوته، فأراد المشتري قبض مال البائع فرفض باقي الإخوة وطلبوا منه أن يأتيهم بوكيل من أخيهم أو تجعل المحكمة الشرعية وكيلاً عنه، حيث أن البائع من زنجبار، فقال المشتري أنا أقاسمكم وليس لأخيكم شيء إلا إذا استقاله، فإذا قاسموه بدون وكالة شرعية من أخيهم واستقال أخوهم المال فهل له ذلك؟ وإذا الإخوة لم يوافقوا على مقاسمة المشتري إلا بوكالة من أخيهم ألهم ذلك شرعاً؟
الأصح عدم جواز بيع المشاع وخصوصاً للغائب، لما في ذلك من الجهالة، وقسمة الشاري لا تصح، لأن الشراء لم يثبت، وانتقال الملكية فرع عن ثبوت البيع والله أعلم.
بيع الذرائع (العينة) ( ):
للوسائل حكم المقاصد، هل هناك علاقة بين هذه العبارة وبيع الذرائع؟
نفس طريقة بيع الذرائع غير مباحة وإن لم تصحبها نية سيئة والله أعلم.
رجل احتاج إلى دراهم، فاشترى من رجل عشر جواني أرز بمبلغ مائة وعشرين ريالاً عمانياً لمدة سنة كاملة، ثم إن المشتري رد هذا المباع إلى المشتري منه عن مائة ريال عماني حاضرة، هل من بأس في مثل هذه الطريقة، وإذا قلت بذلك، فكيف تكون توبة المشتري الأول؟
هذا البيع من بيوع الذرائع المنهي عنها، وإنما سميت بيوع ذرائع لأن فيها تذرعاً إلى الربا، وإذا كانت كذلك فلا ريب في حرمتها، وأما التوبة فإنما تكون بنقض المبيع ورد الزيادة والله أعلم.
البيع قبل القبض وبيع مالا يُملك: (3/35)
صفحة 754
ما قولكم في رجل فقير لديه قطعة أرض زراعية مشتركة بينه وبين أولاده القصر، ويرغب الآن ببيعها لسد نفقات أولاده وتلبية حاجاتهم المعيشية من المأكل والمشرب والملبس، ولم يجد مشترياً يشتري نصيبه فقط من المزرعة. فما رأي سماحتكم ببيع الوالد نصيب أولاده وذلك لنفقتهم، وكيف يكون التصرف في ثمن المبيع؟
إن اضطر إلى ذلك فلا حرج عليه، وهو القائم بشئون أولاده والأولى برعاية مصالحهم والله الموفق.
سماحة الشيخ: أنا عضو في شركة بمبلغ 2000ريال عماني، وهذه الشركة تقدم خدمات بناء منازل أو شراء مواد بناء أو شراء سيارات وأشياء أخرى.
تقدمت إليهم بطلب خدمة شراء مواد بناء وقد تم الاتفاق المبدئي مع الشركة بمبلغ 10000ريال عماني وتم الاتفاق على النحو التالي:
دفع30%من قيمة المشروع: 10000 ×30%=3000ريال عماني
إذ عليّ أن أدفع مبلغ 1000 ريال حيث إن مشاركتي العضوية 2000 ريال عماني. ثم تم طرح مبلغ 1000 ريال عماني من المبلغ 10000 ريال عماني بالباقي 9000 ريال عماني وهو المبلغ الذي يتم الحساب عليه من حيث الفوائد للشركة.
الشركة تأخذ 6% في السنة الواحدة يعني 9000×6% =450 ريال عماني.
اتفقت مع الشركة بأن يتم السداد خلال سبع سنوات وأخبرتني الشركة بأني سوف أدفع مبلغ 152,100 شهرياً لمدة سبع سنوات، يعني مبلغ 12776,4 ريال عماني.
كيف تتم عملية الشراء:
تتم عملية الشراء بأن أذهب إلى الشركة واطلب المواد التي أريدها في استمارة خاص بالشركة.
المثال الأول: أريد كمية 500 كيس أسمنت، تقوم الشركة بمخاطبة شركة أخرى ويتم الاتفاق بينهما وتدفع هذه الشركة إلى الشركة الأخرى المبلغ ثم تقوم الشركة التي أتعامل معها بقيد المبلغ إلى حسابي الذي وضعته الشركة حتى أكمل مبلغ 10000 ريال عماني وهكذا. (3/36)
صفحة 755
مثال ثاني: أريد أطقم حمامات أقدّم إلى الشركة استمارة الخاصة بالشركة ثم أذهب إلى شركة أخرى وأختار النوع الذي أريده ثم تقوم الشركة التي أتعامل معها دفع المبلغ للشركة الأخرى بعد أن يتم اختياري أنا للنوع.
مثال ثالث: أنا من ولاية الرستاق أريد بعض المواد للبناء مستعجلة أقوم بشراء المواد من محل مواد البناء وأخبرهم بأن تكون الفاتورة باسم الشركة التي أتعامل معها، ولكن أنا الذي أدفع المبلغ نقداً للمحل ثم أذهب إلى الشركة فتدفع لي المبلغ الذي دفعته للمحل، ثم تقوم بوضع المبلغ في حسابي حتى يصل المبلغ 10000 ريال عماني.
إذا اكتمل المبلغ إلى 10000 ريال عماني أقوم بسداده بالأقساط حسب الاتفاق المبدئي.
هل هذه المعاملات شرعية، وما الفرق بينها وبين شركات التمويل الأخرى حيث نذهب إلى شركة التمويل ونخبرها بالسيارة التي نريدها ثم تقوم الشركة بدفع المبلغ إلى الوكالة، ثم تبيع لنا شركة التمويل بالأقساط الشهرية، فما حكم هذه المعاملة؟
أمّا على ما وصفت فهي غير شرعية، وإنما الطريقة السليمة في ذلك أن تشتري الشركة ما أنت تريده وتقبضه، ثم تبايعك إياه بعد قبضه وضمانه بالقيمة التي تتفقان عليها والله أعلم.
عميل طلب من تاجر أن يقرضه دراهم، فقال إنه ليس عنده نقود، وبايعه سلعة بمبلغ عشرين ريالاً، ثم قال له اعرضها على من يرغب يشتري فما وجد لها غير خمسة عشر ريال، فاشتراها التاجر ثانية، علماً بأنه لم ينقلها من مكانها، فهل في هذا حرام؟
نهى النبي _ صلى الله عليه وسلم _ عن بيع ما لم يقبض وربح ما لم يضمن، وهذه المعاملة ضرب من ذلك والله أعلم.
تقوم شركات التمويل في بعض الأحيان ببيع السيارات التي يتأخر أصحابها عن سداد أكثر من ثلاثة أشهر من أقساطها، فما حكم شراء هذه السيارات من هذه الشركات؟ مع العلم أن السيارة تبقى مقيدة باسم هذه الشركة لحين سداد الأقساط. (3/37)
صفحة 756
إن كان وقع العقد ـ عقد البيع ـ بين الشركة والمشتري، فلاَ يجوز بيع هذه السيارات ولا شراؤها من الشركة إن باعتها، إلاَّ إن حكم قاضٍ شرعي بالبيع لسبب شرعي والله أعلم.
هل يجوز للزوج أن يبيع مال زوجته دون إذنها؟
لا يجوز له أي تصرف في مالها بدون إذنها. والله أعلم.
رجلان اشتريا أثر ماءٍ إلا ربعا من بادة يوم الخميس، ثم قايض به أحدهما، ولم يعلم شريكه بالقياض، فهل ذلك القياض ثابت؟
ليس لأحد أن يتصرف في مال غيره إلا بإذنهِ، فإن أتم الشريك فذلك، وإلا رد القياض والله أعلم.
لامرأة منزل، أراد شخص شراءه، فذهب لزوج المرأة ودفع له ألفي ريال، ثم أخبر الزوج زوجته فرفضت البيع، وعندما ذهب الزوج لرد المبلغ إلى صاحبه الدافع للألفين رفض استقبال ماله، فهل ينعقد البيع في هذه الحالة؟
الكل أولى بملكه حتى الوالد وولده والزوج وزوجه، فإن كانت الزوجة لم تفوض زوجها في بيع مالها فالبيع لا ينعقد، ولو باع الزوج من تلقاء نفسه والله أعلم.
ما قولكم فيمن اشترى قطعة أرض في إحدى شوانب( ) زنجبار لأجل بناء بيته فيها، ثم تبين له أنها مما اغتصبته الحكومة، وعثر على صاحب الحق فيها وهو غير البائع لها، فأخبره بأنها جزء من الوقف الذي هو – أي صاحب الحق – آخر من بقي من الموقوف عليهم من جهة النسب، وأنها من بعده لفقراء المسلمين، ثم قال له أنه راض على بنائه عليها سواء أعطاه ثمنها أم لا، فهل يكون رضاه بذلك سائغاً شرعاً، ومسوغاً للشاري أن يستنفع بالأرض فيما أراد؟ (3/38)
صفحة 757
بما أن هذه الأرض يتعلق بها حق لفقراء المسلمين فليس بوسع الباقي من الموقوف لهم الأصليين أن يتسامح فيها، لأنها ليست له ملكاً خالصاً، وإنما يملك منفعتها إلى حين، ولكن المخلص لهذا المشتري أن يبقي هذه الأرض موقوفة كما كانت ويدفع ريعها إلى مستحقيه، ويباح – على رأي طائفة من أهل العلم – أن يتملكها، شريطة التعويض عنها بما هو أجدى منها للوقف من الأصول، كأرض تستغل أو مزرعة أو مسكن، شريطة أن يتم ذلك بموافقة جماعة من الأمناء أهل النظر في مصالح الأوقاف الله أعلم.
ما تقول شيخنا في رجلين اتفقا على أن يشتري أحدهما للآخر سيارة ويدفع قيمتها نقداً، بشرط أن يشتريها منه الآخر أقساطاً وبفائدة اتفقا عليها، فما حكم هذا البيع؟
نهى النبي – صلى الله عليه وسلم – عن بيع ما ليس عندك، فهذا العقد منتقض لأن اتفاقهما على البيع الثاني بالأقساط وبثمن معلوم هو عقد للبيع فيما لم يكن مملوكاً للبائع بعد والله أعلم.
ما قولكم في رجل باع مال امرأة دون توكيل شرعي، فهل يثبت البيع؟
لا يثبت البيع إلا إن أتمته والله أعلم.
تقوم المحاكم التجارية والجزائية ببيع بعض الأملاك من عقارات ومنقولات بالمزاد العلني أو المناقصات، وذلك بسبب إعسار صاحبها في سداد دين عليه، وقد يكون البيع لصالح بنك أو غيره، فما حكم شراء هذه المبيعات؟
لا يجوز شراء شيء من ذلك، ما لا يحكم به قاض شرعي لموجب شرعي والله أعلم.
ما قولكم فيمن كان لديه منزل ثم فاوضه رجل على البيع، وحددا مبلغاً مشافهة دون عقد مبدئي أو تقديم عربون أو شهود، واتفق البائع أيضاً مع رجل آخر على البيع ودفع عربوناً، وتم كتابة البيع للشخص المشتري، فهل يجوز للأول المطالبة بإتمام الاتفاق؟
إن كان عقد البيع لم يحصل بين الجانبين فلا مطالبة له بشيء، وإن كان البيع الأخير تم بعدما تم البيع بين المتبايعين الأولين فالبيع الأول هو المعتمد، والثاني لا يعد شيئا، لأن البائع باع ما لا يملك والله أعلم. (3/39)
صفحة 758
امرأة تربي مجموعة من الأغنام، وهي في نهاية الخمسينات، وتعاني آلاماً في القدمين قد تصل في بعض الأحيان لدرجة العجز عن القيام من شدة الألم، وهي في معظم الأحيان تعتمد على الخادمة في إطعام وسقي هذه الحيوانات، هذا إلى جانب أنها تقوم بشراء العلف لها من السوق، وفي بعض الأحيان لا تتمكن من توفير الكمية الكافية لهذه الأغنام، علماً بأنها ممن يتقاضون راتب الضمان الاجتماعي وتعتمد عليه بشكل كبير في تمويل تكاليف تربية هذه الحيوانات، حيث إن أولادها الذين يعملون يستطيعون تغطية التزاماتهم المالية بصعوبة، وقد نصحها أولادها كثيراً بالتخلص من هذه الحيوانات خوفاً عليها من الذنب للأسباب المذكورة أعلاه، ولكنها ترفض ذلك بحجة أنها مرتبطة بهذه الحيوانات كثيراً ولا تتخيل حياتها بدونها، وأنها في السابق أسهمت في توفير أكثر من ذبيحة، علماً بأن ما تنفقه على هذه الذبائح يفوق بكثير ما يمكن أن تتكلفه تلك الذبائح في حال شرائها من السوق، فما الحكم فيما تفعله هذه المرأة؟ وهل يجوز لأولادها بيع هذه الحيوانات دون رضاها؟ وإن كان الجواب بلا، فما نصيحتكم لهم وكيف يتصرفون مع أمهم؟
لا يجوز لهم بيعها بدون رضاها، لأنها أولى بما تملك، وإنما عليهم إقناعها إلى أن تقتنع والله أعلم.
شخص اشترى سيارة من إحدى الشركات على نظام الأقساط، ثم باعها إلى شخص آخر، وعلى حسب نظام الشركة تكون ملكاً للشاري والشركة إلى حين تسديد الأقساط، علماً بأن الشخص ينوي في نفسه أن يسدد الأقساط المتبقية، فما ترون في ذلك؟
الظاهر أن هذا الرجل ما باع إلى ملكه، فلا حرج عليه فيما صنع والله أعلم.
بيع الإقالة( ):
ما قولكم فيمن أراد بيع شيء من ممتلكاته كبيته الذي يسكنه، أو دكانه الذي يتجر به، أو مائه الذي يسقي به ماله الأخضر بيع إقالة لمدة معينة، فهل يلزم البائع تسليمه للمشتري أولا؟ وهل يحل للمشتري أخذ خراجه قبل قبضه أو لا؟ (3/40)
صفحة 759
ثانياً: إذا كان المباع جزءاً من البيت أو الدكان، فهل يشترط فصله من المساحة والمساكن الأخرى لأجل
ألا ترى إذا تعلل الطرفان للكاتب بقولهما اكتب الصك ونحن لن نختلف فيما بيننا، فهل يسع الكاتب ذلك إذا خشي عدم صحة المعاملة أو لا؟ وهل يعتبر الصك الشرعي قبضاً للبيع حيث تعينت أوصافه فيه دون قبض الأصل، مع أنه عندما يأمرهما الكاتب بالتخلية يصرحان له بدفع العقد وذلك قبل كتابة الصك، وقد ظهر أيضاً أن بعض الناس يبيع شيئاً واحداً بيعين، وذلك بسبب دفع العقد وعدم القبض، وبعضهم يشتري ما لا يعرفه هو ولا من ينوب عنه، والمعاملة على تلك الورقة القرطاسية، فهل يحل للمشتري أخذ العقد قبل قبضه المبيع وتخلية البائع منه كما أسلفنا سابقاً أو لا؟ وما معنى الحديث"الخراج بالضمان"( )؟ وما هي المدة الكافية للتخلية؟
ثالثاً: إذا كان المبيع المذكور مؤجراً لشخص آخر، فهل تسليم قيمة الإيجار للمشتري قبضاً له أو لا؟ وهل يشترط إعلام صاحب الإيجار بعقد البيع أو لا؟ نرجو الإفادة في ذلك، وتوضيح ما أشكل ولك الأجر من الله عز وجل. (3/41)
صفحة 760
بيع الإقالة من البيوع المستحدثة التي لم تكن معروفة عند الرعيل الأول من هذه الأمة، وإنما حدث في القرن الخامس للهجرة بسمرقند، ومن هناك انتشر في بقاع كثيرة من الأرض, وقد اختلفت فيه الأمة بين موسع ومضيق، وكان اللجوء إليه من الحيل التي استعملها بعض الفقهاء للاستغناء به عن المعاملات الربوية الصريحة، ولا أراه حسب تعامل الناس به في عصرنا إلا رباً خفياً، والله يعلم السرائر من عباده، وبما أن من الأصول المتبعة عندنا في المذهب وعند كثير من أهل المذاهب الأخرى سد الذرائع، فإني أرى منعه بتاتاً من الضرورة بمكان لحماية الأمة من آفة الربا، ولا أدل على كونه من ذرائع الربا من أن أغلب عوام الناس المتعاملين به لا يعرفونه بيعاً بل يسمونه رهناً، وما هو إلا دليل واضح أن المتعاملين به لم يقصدوا إلا الإقراض الذي يجر نفعاً باستغلال المشتري عين المبيع إلى أن يسترده البائع بالإقالة المعهودة، وفي هذا من وضوح الحقيقة ما لا يخفى على ذي لُبٍ من كون المشتري لم يقصد إلا الغلة، مع أن أصحابنا الذين قالوا بأنه بيع منجٌر مع مراعاة شرطه اشترطوا في جواز استغلال المشتري للعين المبيعة أن يكون قصده الأصل لا الغلة، ونصوا على أن قصد الغلة هو الربا بعينه، هذا والأدهى من ذلك أنهم يبيعون من هذه المبيعات ما لا علم للمشتري بعينه، بل كثيراً ما تكون العين المبيعة مشغولة بعقد آخر، كأن تكون مؤجرة على أحد من الناس، فيكتفي المشتري بتحويل الإيجار إليه من غير قبض للمبيع، بل ولا علم به إلا بمقدار الأجرة التي تتقاضى عليه في الشهر أو العام، مع أن بيع ما لم يكن فارغاً من العقود غير جائز، وكثير من المتبايعين يتفقون على أن يستأجر البائع العين المبيعة من المشتري من أول الأمر مع تحديد الإيجار، وذلك بطبيعة الحال داخل فيما يسمى بيعين في بيع – أي عقدين في عقد – وقد نهي عنه، وداخل أيضاً في باب الشرطين في بيع وغير ذلك من المحظورات، لذلك أجنح (3/42)
صفحة 761
إلى منع هذا النوع من البيع رأساً لما يكتنفه من المناهي، وقد اتفق علماء عمان في عهد أحد أئمة العدل على منعه، وهو رأي وجيه حازم، ولئن كان أولئك الأعلام رأوا ذلك في تلك العصور التي كان الناس فيها أكثر احتياطاً وتوقياً للمحجور، فما بالك بهذا العصر الذي لعبت فيه الأهواء بالناس وذهبت بنفوسهم كل مذهب، أما قاعدة الخراج بالضمان فهي فيمن ضمن شيئاً فاستغله، ثم استحق عليه بوجه من الوجوه، فإن خراجه له، كالذي يشتري مالاً ثم يشتفع منه والله أعلم.
لقد اختلط في عصرنا هذا مفهوم الرهن مع مفهوم بيع الإقالة عند كثير من الناس، مما أدى بهم إلى الوقوع في المحظور، فنرجو من سماحتكم أن توضحوا لنا المفهومين حتى نكون على بصيرة من الحق؟
الرهن هو توثيق مادي للدين، بتسليم المدين إلى الدائن عيناً يمتلكها المدين، لتبقى في يد الدائن إلى أن يستلم حقه من غير أن يستغلها وينتفع بريعها، وإنما تبقى في يده ضماناً لحقه، وقد أرشد الله إلى ذلك في حال السفر عند فقدان الكاتب { وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهن مقبوضة } ( ) وذلك في حال عدم الاطمئنان إلى المدين، بدليل قوله تعالى إثره { فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي أؤتمن أمنته } ( )، والفرق بينه وبين بيع الإقالة أن بيع الإقالة نقلُ لملكية العين المبيعة من البائع إلى المشتري حالاً – عند من يقول بثبوته – مع بقاء حق الإقالة للبائع إلى مدة يتفقان عليها، وبعد انتهاء مدة الإقالة – عند من يقولُ بوقفه – في حال عدم مطالبة البائع بحقه في الإقالة إلى انتهاء مدتها والله أعلم.
رجل باع بيتاً بالإقالة واستلمه المشتري فقام بتأجيره، لمن يكون العائد من الإيجار للمالك الأول أم للمشتري بالإقالة؟ (3/43)
صفحة 762
بيع الإقالة فيه خلاف كثير، ومن أباحه من علمائنا اختلفوا في حكمه، فمنهم من قال بأنه بيع ثابت مع بقاء شرط الإقالة للبائع، ومنهم من قال بأنه موقوف، فمن قال بثبوته قال غنمه للمشتري وغرمه عليه، بشرط أن يكون قصده الأصل لا الغلة، وإن قصد الغلة فقد دخل في الربا، ومن قال بوقفه قال يوقف الغنم والغرم أيضاً، وإن استحق الأصل في النهاية كان له الغنم وعليه الغرم والله أعلم.
ما هو حكم الرهن الذي يتعامل به الناس، وهو أن يرهن أحدهم بيتاً أو مزرعة أو غير ذلك لآخر لمدة معينة، ويقوم المرتهن باستغلال هذا المال لنفسه، وبعد انتهاء المدة إذا لم يفك المالك الأول الشيء المرهون يمتلك المرتهن المال ويسمونه بالترم فما حكم ذلك؟
نعم هو صنف من أصناف الربا، فإن الرهن المشروع بالكتاب والسنة هو مجرد وثيقة في يد المرتهن، ولا يجوز له تملكه ولا استغلاله، وهو غير بيع الإقالة، وإنما بيع الإقالة أن يبيع أحد لغيره شيئاً، ونفس البائع متعلقة بالمبيع، ولذلك يشترط على المشتري الإقالة إلى مدة ما، وقد اختلف فيه فقيل بثبوته، وعليه فللمشتري غنمه وعليه غرمه، شريطة أن يقصد شراء الأصل واستيفاءه، لا مجرد الانتفاع بالغلة، لأن قاصد الغلال مربٍ، وما تَسميةُ الناس له رهنا إلا دليل على عدم قصد الأصل، وهذا هو عين الربا، وقيل هو موقوف، وعليه فغنمه وغرمه موقوفان إلى أن تنقضي مدة الإقالة، فيستحق المشتري المبيع مع غنمه ويكون عليه غرمه، أو يعود إلى البائع بسبب الإقالة، فيكون أيضاً له غنمه وعليه غرمه والله أعلم.
ما قولكم في رجل اشترى مزرعة بها نخل أو زراعة مثل القت وغيره بيع الإقالة لمدة عشر سنوات، وبعد انتهاء المدة أراد صاحب المزرعة أيّ البائع أن يفدي ماله، وبما أن المشتري (المرتهن في عرف أهل عمان ) قد قام بأعمال المزرعة ومصروفاتها، فهل على المرتهن أن يدفع الفائدة الزائدة على خدمة المال لمدة تلك العشر سنوات أم لا؟ (3/44)
صفحة 763
نعم، على القول بأنه موقوف، أمّا على القول بثبوته فلا يلزمه ذلك. والله أعلم.
هل يجوز للرجل أن يبيع بيته بنية الإقالة؟
نعم على رأي من أجازه مع استيفاء شروط الجواز، وهي أن يكون الثمن بسعر عادل لا استغلال فيه لحاجة البائع، مع كون المشتري قاصداً تملك الأصل لا مجرد الانتفاع بالغلة، وأن يسلمه البائع إلى المشتري، لا أن يبقى فيه ويدفع إليه الإيجار والله أعلم.
رجل أراد أن يحافظ على مبلغ معين من المال، واشترى بذلك المبلغ دكاناً ببيع الإقالة، ثم هذا الدكان أجره لشخص ثان غير مالكه بمبلغ معين. ما رأيكم في ذلك؟ وهل هذا ينطبق على الماء والنخيل والبيوت؟
إن كان مراده من الشراء بالإقالة الغلة فذلك عين الربا، لأن قاصد الغلال مربٍ، وإن كان مراده الأصل لا مجرّد الغلة وحدها فذلك جائز؛ عند من يقول بثبوت بيع الإقالة، شريطة أن يتحمّل صيانة المبيع بنفسه والله أعلم.
رجل باع ماله إلى شخص آخر بيع الإقالة إلى مضي عشرين سنة، وقبل انقضاء المدة توفي ذلك الرجل المشتري، والورثة يطالبون البائع في الفداء قبل انقضاء المدة المذكورة، فهل يحق لهم المطالبة في مال ذلك الرجل؟
نعم لهم ذلك والله أعلم.
رجل أخذ خمسة آلاف مقابل أن يستثمر المُقرِض دكاكين معينة كخمسة دكاكين محددة، هذه المعاملة لمدة عشر سنوات، لا يحق لمشتري الدكاكين الإقالة فيها، وإنما هي حق لآخذ الخمسة آلاف(البائع)، وكل فائدة هذه الدكاكين يأخذها المشتري، حتى إذا انقضت المدة وهي العشر سنوات، انتقلت ملكيتها إليه وللبائع الخمسة آلاف، بينما إذا أراد صاحب الدكاكين (البائع) أن يفك هذا الرهن أو بمعنى آخر أن يفسخ البيع أعاد المبلغ وهو الخمسة آلاف، وكل فائدة أخذها المشتري فهي له، ولو كانت ما كانت، فلا ترجع إلى(البائع) صاحب الدكاكين.
ما الحكم في هذه المعاملة؟ (3/45)
صفحة 764
هذا هو الربا بعينه، فلا يجوز بحال، وليس للمرتهن أن ينتفع بشيء من الرهن، حتى لو كان سلاحاً لم يجز له حمله، فكيف بالانتفاع بالريع، ومن أجاز بيع الإقالة لم يجزه إلاّ مع قصد الأصل والله أعلم.
رجل اشترى محلات تجارية من رجل بالإقالة بإخلاص نيته راغباً في الأصل، وبما هو جائز شرعاً، وقبض هذا المبيع، ثم أجر هذه المحلات لأناس من بينهم البائع نفسه، وظل يستغل هذه المحلات سنين، ومدة الإقالة لا زالت باقية، فهل ما أخذه المشتري من الإيجارات هي حقه، أم للبائع الحق إذا أراد فك البيع أن يحسب جميع ما أخذه للمشتري ويسقطه من المبلغ الذي باع به؟
بما أنه أجرها للبائع فإن في الإيجار شبهة، وبيع الإقالة نفسه مبني على أساس متداع، فقد شبهه بعض أهل العلم بنكاح الربيبة، وآخرون بأكل الميتة ولحم الخنزير، فالورع في تركه والله أعلم.
فيما يتعلق ببيوعات الإقالة إذا ما انتهت مدة الإقالة، وجاء المشتري للمحكمة يطالب بالمبلغ الذي دفعه، وكان من أمرهما أن اتفقا على مبلغ معين يعتبرانه إيجاراً للعقار، ففي إطار هذه القضية:
هل يجوز إجراء صلح بينهما يتفقان عليه، كأن يتسامحا عن المبالغ التي دفعت إيجاراً مع عدم مطالبة البائع بالمبالغ التي دفعها إيجاراً للمشتري، وينحصر الصلح في المبلغ الأصلي فقط؟
وفي حالة ما إذا طالب البائع بضمّ قيمة الإيجار إلى المبلغ الأصلي، فهل يجوز في هذه الحالة تناسي قيمة الإيجار، وإجراء صلح في المبلغ الأصلي فقط مع إعطاء المشتري مدة لسداد المبلغ؟
وإذا ما جاء الطرفان يتنازعان قبل أو بعد انتهاء مدة الإقالة، فهل يحول هذا العقد إلى عقد إثبات، باعتبار حرمة بيوع الإقالة؟
قال تعالى { وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون } ( ) وعليه فليس لمن دخل في هذه المعاملة إلاّ رأس ماله فقط، اللهم إلاّ على القول بجواز المحاللة بين المتعاملين، فلا مانع في هذه الحالة من التوسط بينهما من أجلها والله أعلم. (3/46)
صفحة 765
إذا عرفنا أن ما يعرف اليوم بالرهن غير جائز إذا قصد المرتهن الغلة, فهل على الراهن من حرج إذا رهن شيئاً من ممتلكاته في حال حاجته إلى دراهم إلى أن يمن الله عليه باليسر؟
نعم, لأنه يعلم ما جرت به العادة الفاسدة بين الناس والله أعلم.
إذا باع رجل لآخر بيتاً أو متجراً بيع إقالة لمدة معينة, هل يصح للمشتري استعمال ذلك البيت أو المتجر نفسه؟
نعم, إن كان قصد الأصل لا الغلة وحدها, وهو مبني على قول من يرى أن بيع الإقالة جائز وثابت والله أعلم.
رجل باع محلات تجارية لرجل آخر بيع إقالة, وكتب ذلك البيع ومدته وشهد عليه شهود, فهل يجوز للمشتري أن يستغل المحلات بالاستعمال أو التأجير؟
إن كان لا يقصد الغلة, وإنما قصد الأصل, وكان البيع عادلاً, فلا مانع من ذلك عند من يرى ثبوت بيع الإقالة والله أعلم.
أحد يريد بيع أثر( ) ماء ببيع القطع والأصل بالإقالة لمدة عشر سنوات عن ثلاثة آلاف ريال عماني لأحد, فما الحكم في ذلك؟
الأولى له و الأسلم أن يبيع بيعاً منجزاً لا بيع إقالة والله أعلم.
إن رفض البائع بعد فترة استغلال المشتري للمحلات فقال له: لا أسمح لك باستغلال محلاتي، ولو كنت بعتها لك بيع إقالة، فماذا يفعل المشتري؟ وهل يحق للبائع هذا؟
بناءً على ثبوت بيع الإقالة فالمحلات للمشتري وليست للبائع، وعلى القول بالوقف فالبائع أولى بها والله أعلم.
رجل وكيل أيتام، ومعهم مال نقدي ورثوه عن أبيهم، ويريد أن يرتهن لهم به مالاً أو بيتاً، هل يجوز؟
إن كان المراد بالرهن أن يأخذ لهم عقاراً أو مالاً يستغلونه فذلك غير جائز قطعاً، لأن الانتفاع بغلة الرهن ضرب من ضروب الربا. والله أعلم. (3/47)
صفحة 766
ما قول سمحاتكم.. في شخص باع منزله بيع الإقالة (رهن) لأحد أقاربه لمدة عشر سنين، والآن مضى من الوقت أكثر من خمس سنين ولم يتفقا على إيجار، علماً بأن المشتري لم يدخل المنزل ولم يستلم مفاتيحه عند البيع، والآن لو أراد إيجاراً عن البيت كل شهر، فهل له الحق عن ذلك؟ وإذا أراد أن يخرجه من المنزل فهل من حقه ذلك، علماً بأن البائع (الراهن) لا يملك سكناً إلا البيت المذكور وهو رجل فقير؟
نرى أن هذه العقدة مترددة بين البيع والرهن، لذلك نرى بطلانها، فالبيع باطل من أساسه، وبناءً على ذلك لا نرى للمشتري إلا الثمن، ولا للبائع إلاّ المبيع والله أعلم.
عن شخص ارتهن قطعة أرض بها مزروعات نخيل أي (بيع الإقالة) عن مبلغ يفوق قيمة الأرض، وذلك لفترة معلومة من الزمن، ومن بعده أصبح الورثة تشكل عليهم عبئاً ثقيلاً للقيام والاعتناء بها طوال العام الواحد، وهي لا تعود عليهم بالنفع، فهل يمكن للورثة استرداد حقوقهم ومطالبة الراهن في المقابل بأخذ المال الذي يخصه؟
إن كان ذلك رهناً فنعم، وإن كان بيع إقالة ومضت مدة الإقالة فلا والله أعلم.
قام رجل بفداء ربع مبلغ الرهن، حيث كان المنزل هو الرهان المقيد فيه بين الراهن والمرتهن، وبما أنّ المدة المتبقية بينهما عند المكاتبة قليلة، فهل إذا انتهت هذه المدة يترم(55) المنزل، وهل من حق المرتهن أن يأخذ المنزل بعد أخذه ربع المبلغ، أم هل تجدد المكاتبة بينهما على المبلغ المتبقي؟
أمّا الرهن فلا يحدد بمدة يملك بعدها المرتهن العين المرهونة، وإنما هو مجرد وثيقة تبقى في يد صاحب الحق حتى يستوفي حقه، ولعل السائل لا يفرق بين الرهن وبيع الإقالة، وليس تعارف العوام أن بيع الإقالة رهن إلاّ حجة قاطعة بأن ما يتعاملون به مما يسمى بيع إقالة حرام، فإنهم لا يقصدون به بيعاً، وإنما يتذرعون به إلى الربا المحرم شرعاً والله المستعان. (3/48)
صفحة 767
سماحة الشيخ عندي بيت ورهنته بمبلغ ثلاثة آلاف وثلاثمائة ريال عماني فطلب مني صاحب المبلغ شهرياً أربعين ريالاً، فهل هذا المبلغ جائز أم لا؟
بئس ما فعلتما فقد عرضتما أنفسكما لسخط الله تعالى، فإن هذا هو عين الربا الذي لعن الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم آكله ومؤ كله وكاتبه وشاهديه وقال "هم سواء" أيّ في الإثم، ولا يجوز لك أن تعطيه فلساً واحداً أكثر مما أخذته منه. والله أعلم.
ما قول سماحتكم في رجل باع منزله بيع الإقالة عن ألفي ريال عماني لمدة عشرة أعوام، والبائع لم يخرج من المنزل بل ظل ساكناً له، ويدفع للمشتري مبلغاً وقدره ثلاثون ريالاً شهرياً، وقد دفع البائع خمسمائة ريال لهذا الإيجار، وحالياً يطلب استرجاع منزله، فهل يجوز للمشتري أخذ تلك المبالغ؟
لعن الله البائع والمشتري، فقد اتفقا على الربا الذي حرمه الله ولعن فاعله والله أعلم.
رجل باع مزرعة بيع الإقالة (رهن) على شخص منذ أربع سنوات عن مبلغ وقدره ألف ومائتا ريال عماني، وطلب الشخص بدل الغلة مائة وخمسين ريالاً عمانياً في السنة الواحدة، والآن وصل مجموع المبلغ الذي وصله ستمائة ريال عماني.
هل هذا المبلغ يسقط من قيمة الإقالة أو أني أعطيه المبلغ كاملاً؟
هذا هو عين الربا، وليس للمشتري إلاّ ما دفع من ثمن والله أعلم.
باع شخص لأشخاص آخرين أثر ماء من مائه الذي يملكه من الفلج، بقيمة ألف وثلاثمائة ريال لمدة عشرين عاماص بيع الإقالة للبايع ولورثته من بعده، ما حكم هذه المعاملة؟ وكيف يكون الخلاص منها إذا كانت منها إذا كانت محرمة؟
إن كان البيع بسعر عادل، وكان المشتري قصد الأصل لا الغلة وقبض المبيع بنفسه ففيه رخصة لبعض أهل العلم فمن ترخص بذلك لم يعنف، وإلا فهو عين الربا، وعلى المشتري الخلاص مما دخل في ذمته والله أعلم. (3/49)
صفحة 768
رجل رهن بيتاً لآخر لمدة عشرة سنوات، وبعد مضي المدة علم أحد اقاربه بذلك فاشتراه منه ببيع الإقالة، على أن يفكه من الأول، وبعد مضي مدة طلب منه إيجاراً عن البيت لأنه يسكنه أو يخرج منه، فما حكم ذلك؟
بئس الصنيع صنيعهما، وهما شريكان في الباطل، والله المستعان، فإن أيّ مبلغ إضافي فوق قدر ما دفعه إليه إن دفعه إليه فهو ربا والله أعلم.
رجل رهن مالاً لمدة عشر سنوات، وقام المرتهن باستغلال الرهن وهو يقصد الأصل لا الغلة، ويأخذ المغنم ويدفع المغرم، وبعد إنتهاء مدة معينة أراد تمديدها، فما الحكم في ذلك؟
الأولى ترك ذلك رأساً، وتمديد المدة بعد إنقضائها مما يثير شبهة في هذا الأمر أكثر فأكثر ولا نرى جوازه والله أعلم.
رجل إحتاج إلى مبلغ من المال، ولديه مبنى مكون من خمس شقق سكنية، وهي مؤجرة حالياً بمبلغ(250 ريال شهرياً) لكل شقة، فعزم أن يبيع إحداهن بيع غقالو ليسد حاجته، وينوي بإتمام عقد البيع ان ينقل إيجار تلك الشقة إلى المشتري، ولم يقصد بذلك معاملة ربوية، وقصد أن يكون البيع نافذاً إن انتهت مدة الإقالة بينهما، فما حكم الشرع في ذلك؟
بما إن المبيع مشغول بالإيجار ولم تنتهي مدته، فإنه لا يجوز أن يشغل لعقد آخر، فضلاً عن كون نية المشتري غير مأمونة أن تكون متجهة إلى الغلة لا إلى ابتغاء الأصل والله أعلم.
ورثت من أحد أقاربي منزلً اشتراه بالإقالة، ولقد وجدته عند البائع قد استئجره، فصار هذا البائع يدفع لي إيجاراً سنوياً عن هذا المنزل، فهل يجوز هذا الإيجار أم لا؟
إن كان المتبايعان إتفقا على البيع وكان المشتري قصد الأصل وأنت أيضاً تريد أن يكون لك الأصل، فلا بئس إن أخذت بقول المرخصين في ذلك، على أن يكون عليك المغرم كما أن لك المغنم والله أعلم. (3/50)
صفحة 769
رجل باع بيته بالإقالة على رجل آخر بمبلغ من المال لمدة عشر سنوات، وقبض المشتري البيت من البايع، ولكن نظراً إلى أن البايع لا يملك إلاّ هذا البيت فقد سكن فيه ولم يخرج منه، وطلب من المشتري أن يؤجره عليه على حسب الايجارات المتعارف عليها في البلد، فوافق على ذلك وأجر البيت بمبلغ من المال حسب الاتفاق بينهما، هل مبلغ الايجار هذا يعتبر ربا؟ وهل يحق للمشتري أن يخرج البائع من البيت ويسكنه بنفسه؟
نعم يعد من الربا، وهو داخل في باب البيعين في بيع أي عقدين في عقد، وقد نهى عن ذلك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، كما يدخل ذلك في ربح ما لم يضمن، وهو منهي عنه بالسنة، وكفى بذلك إثماً مبيناً والله أعلم.
فيمن يتعامل بما يسمى عند العمانيين (بيع الإقالة)، هل يحل لمرتهن أن يأخذ قيمة إيجار البيت المرهون الذي سكنه الراهن، إذا كان المرتهن ينقص ما يدفعه له الراهن من قيمة المال الأصلي الذي إتفقا عليه أثناء عقد الرهن؟ وإذا كان هذا المال لا ينقصه المرتهن فما حكم أخذه؟
لا يحل للمشتري الانتفاع بغلة ما إشتراه بالإقالة ما دام الأمر لا يعدو أن يكون رهناً كما هو متعارف عليه، إذ ليس للمرتهن الانتفاع بالرهن، اللهم إلا أن يحسب ذلك من الثمن والله أعلم.
وإذا قلتم لا يجوز أخذ ذلك المال، وعلم الراهن بذلك فلم يدفع للمرتهن قيمة الإيجار، ولكن المرتهن أصرّ على المطالبة بتلك الفائدة، فكيف يكون التصرف؟
عليه أن يتخلص من نفس عقدة البيع والله أعلم.
شخص متورط في عملية الرهن، حيث أخذ من شخص ثلاثة آلاف ريال على أن يبيعه بيته بيع الإقالة، ثم يستأجر من عنده على حسب المبلغ الذي أقرضه إياه، حيث يأخذ منه غلة 14%، وحيث إن الراهن سوف يغلق بيته ويذهب عنه بمبلغ زهيد، فهل له أن يستعين بالقاضي الشرعي في فك هذه المعاملة؟
نعم، يستعين بالقاضي الشرعي على منع الظلم، وهذه معاملة مبنية على حرام، وكلاهما حقيق بالعقوبة والله أعلم. (3/51)
صفحة 770
شخص له مبالغ من المال في أيدي الناس، وقد أخذ في هذه الأموال صكوكاً شرعية عن طريق بيع الإقالة إلى مضي عشر سنوات، على أن يأخذ في الألف ريال عماني مائة ريال عماني في نهاية السنة، مع ثبات رأس المال لصاحبه مع العلم أن البيت المكتوب بين الطرفين قيمته ثلاثة آلاف ريال عماني على سبيل المثال، وهو لم يخرج من بيته عند كتابة العقد، فما الحكم في الفائدة التي يحصل عليها هذا المشتري؟
هذا هو عين الربا، فبئست المعاملة وبئس البائع والمشتري والوسيط بينهما، وكلهم شركاء في لعنة الله إن لم يتوبوا والله أعلم.
ما قول سماحتكم في رجل احتاج واضطر إلى رهن منزله بالإقالة، وتم الاتفاق فيما بينهم على أخذ أربعة عشر ريالاً في كل مائة ريال، وبعد مدة وقع الخلاف بينهم في هذا المبلغ، فتقدم المرتهن بشكوى طالباً المبلغ المتفق عليه، فرفض صاحب المنزل دفع هذا المبلغ، فطلب القاضي من بعض المشايخ التدخل بالصلح، فوقع الصلح بينهم على أن يدفع صاحب المنزل خمسين ريالاً مقدماً، ثم في كل شهر يدفع ثلاثين ريالاً من أول السنة، فرفض دفع ذلك المبلغ، وطلب صاحب المنزل الحكم الشرعي بهذا الرهن وصحته.
فما قولكم في هذا الرهن، والصلح الذي قام به المشايخ نرجو التوضيح؟
هذا هو الربا بعينه، ولا يجوز الصلح بتحليل ما حرم الله والله أعلم.
رجل يمتلك محلاً للتجارة، فباعه على الرجل بيع الإقالة لمدة شهرين، فهل يجوز استغلال هذا المحل في هذه المدة؟
إن كان المشتري لم يقصد الأصل، وإنما قصد الانتفاع بالغلة فذلك عين الربا، وإن كان قصد الأصل وقبض المبيع فله الانتفاع على بعض الآراء والله أعلم. (3/52)
صفحة 771
شخص رهن منزله لرجل آخر، وهذا المنزل اقتربت مدة الإقالة له فيه على الانتهاء (الترم)، وليس عنده مبلغ يفك به المنزل، ويريد أن يحيل رهن البيت إلى رهن المزرعة، وهي أيضاً مرهونة، واقتربت مدّة الإقالة على الانتهاء ( الترم )، وهي مزرعة كبيرة تصل إلى عشرين ألفاً، وليس عنده ما يفك به المزرعة، فما رأي سماحتكم في ذلك؟
ما تسمونه رهناً هو معاملة مخالفة للشرع من أساسها، فالرهن الشرعي هو مجرد وثيقة في مقابل الدين، لا يغلق بما تسمونه الترم، فقد جاء في الحديث " لا يغلق الرهن لصاحبه غنمه وعليه غرمه"، وهذا غير معمول به اليوم، لذلك أرى السلامة لك في بيع شيء من المال بيعاً منجزاً، وفكاك البيت بثمنه والله الموفق.
رجل اشترى من رجل بيتاً ببيع الإقالة إلى مضي عشر سنين زماناً، فبعد مضي سنتين تلف البيت في يدي المشتري بالإقالة بحريق أو غير ذلك، ولم يبق منه شيء سوى الجدر، فماذا يكون على المشتري من ضمان للبائع، وماذا سيكون على البائع من المبالغ التي استلمها من المشتري؟
في بيع الإقالة خلاف، قيل بثبوته وقيل بوقفه إلى انتهاء مدة الإقالة، وعلى الأول ما يصيب المبيع من تلف عائد على المشتري لأن المغنم بالمغرم، وعلى الثاني فذلك موقوف إلى انتهاء مدة الإقالة، فإن رجع البائع على المشتري بطلب المبيع فله المغنم وعليه المغرم، وإلا فهما للمشتري وعليه والله أعلم.
اشتريت مطعماً بالإقالة، واتفقت مع البائع على أن يدفع لي أجره شهرية، فدفع أجرة أربعة أشهر مقدماً، علماً بأن قيمة الإيجار يدفعه عمال المطعم، وإنما البائع يتسلم هذه المبالغ ويعطيني إياها ما حكم هذا البيع؟
هذا هو عين الربا، فلا يجوز ذلك بحال، والحرمة تدخله من عدة أبواب منها أنه يدخل في بيعين في بيع، لأن الصفقة اشتملت على بيع وإيجار، فهما صفقتان، ومنها أن هذا البيع يشبه بيوع العينة، إلى غير ذلك والله أعلم. (3/53)
صفحة 772
ما قولكم فيمن اشترى بيتاً بالإقالة وقصده الأصل، والبيت مستأجر من قبل أناس لا يعرفهم المشتري ولم يتفق معهم، وإنما الاتفاق جرى بينهم وبين البائع والمشتري يأخذ الأجرة مقدماً كل ستة أشهر؟
لا يجوز بيع ما كان مشغولاً بعقد آخر كإيجار، حتى تنتهي المدة المتفق عليها، ولا يجوز الانتفاع بإيجار بيت قبل قبضه والله أعلم.
توجد نقود في المحكمة الشرعية لأيتام، ويريد القاضي أن يشتري لهم بيتاً بالإقالة لكي يحصلوا منه على غلة شهرية من إيجاره المتفق عليه، فهل يصح ذلك أم لا؟ وما هو الأصلح لهم؟
الأسلم والأحوط أن يشتري لهم عقاراً أو ماء بالأصل لا بالإقالة، لِما في معاملات الناس في بيوع الإقالة من الريب، فإن من شروط جواز أخذ المشتري للغلة في بيع الإقالة تحمله المغرم وكونه قصد الأصل لا الانتفاع بالغلة، لأن قاصد الغلال مربٍ، على أن الاتفاق على دفع البائع إلى المشتري إيجاراً من قبل القبض هو من جملة علل هذه المعاملة، وهذا أمر شائع في هذه المعاملات، واليتامى يجب على أية حال رعاية مصلحتهم المادية والمعنوية، لقوله تعالى: { ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خيرٌ } (57) والله أعلم.
ما قول فضيلتكم في عملية رهن المنازل والأموال الخضراء وغير ذلك علماً بأنها تعود بربح؟
إن كان المراد بالرهن الإقالة التي تعارفت العامة في عمان على تسميته رهناً، فهو مختلفٌ فيه: قيل إنه موقوف إلى مضي مدة الإقالة، فإن رجع إلى البائع فله مغنمه وعليه مغرمه، وإن بقي للمشتري فله كذلك مغنمه وعليه مغرمه، وقيل هو ثابت وللمشتري غلته وعليه نفقاته قبل وقوع الإقالة، ولا بد مع ذلك أن ينوي المشتري أنه يريد الأصل لا مجرد الغلة. والله أعلم. (3/54)
صفحة 773
ما قولكم في رجل يرتهن بيوتاً، ويشرط على الراهن بأن يخصم عليه عشرة ريالات في المائة وذلك لمدة سنة، وبعد انتهاء السنة إذا لم يفتد البيت يخصم عليه مرة ثانية كما سبق وهكذا، فهل هذا يجوز شرعاً؟ وإذا لم يجز ذلك بين لنا الطريقة التي يجب على المسلمين اتباعها.
ما ذكرته في الصورة المسماة رهناً هو عين الربا، فكل قرض جر نفعاً فهو ربا، وقد تعارف عوام أهل عمان على تسمية بيع الإقالة رهناً، والرهن الشرعي يختلف عن بيع الإقالة، فالرهن هو ما يمسكه ذو الحق من عينٍ مملوكة وثيقة إلى أن يؤدي إليه المدين حقه، ولا يجوز للمرتهن أن ينتفع بتلك العين المرتهنة، وإنما تبقى في يده وثيقة في حقه، أما بيع الإقالة فهو أن يبيع أحدٌ أحداً شيئاً مما يملك، ويشترط البائع الإقالة إلى مدة معينة، فإن مضت المدة لم يبق له حق فيها، واختلف العلماء في ثبوت هذا ووقفه، وتتفرع جميع أحكامه على هذين الأصلين، وكذلك الغرم والغنم، فعند من يقول بثبوته يقول للشاري مغنمه وعليه غرمه، فله غلته وعليه نفقاته، ولكن لا بد له أن يقصد الأصل من أول الأمر، فإن قصد الغلة ولم يقصد الأصل فهو مراب، كما قال الإمام السالمي ـرحمه الله ـ ( لأن قاصد الغلال مرب)، وعند من يقول بوقفه فالغلة والنفقات موقوفة إلى أن تمضي مدة الإقالة، فإن مضت كان لمن صار إليه الأصل المغنم وعليه المغرم. والله أعلم.
رجل ارتهن منزل صاحبه بعشرة آلاف ريال، واشترط المرتهن على صاحب المنزل أن يدفع له إيجاراً عن سكن المنزل، أو أن يخرج منه ويأجره غيره، فهل هذا الإيجار حرام؟
بئس العقد والشرط فهذا هو عين الربا بعينه، وحسبك أن هذا العقد ينطوي على أربعة أشياء كلها محرمة شديدة التحريم، أولها: ربح ما لم يضمن، وقد صح النهي عنه على لسان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ (3/55)
صفحة 774
ثانيها: وجود أكثر من شرط في العقد، وقد نهى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن شرطين في بيع، ثالثها: اجتماع عقدين في عقد، وقد نهى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن بيعين في بيع، رابعها: التدرج المكشوف إلى الربا، وهو محرم بأي وسيلة كان. والله أعلم.
فيمن رهن بيته لرجل ثم اكتراه منه، وهو ـ أي الرهن ـ فيه، غير أنهما اتفقا على أن يسلم الراهن المرتهن مبلغاً معلوماً، فكيف أمرهما في الشرع؟
يختلف الحكم بين كون الرهن مقصود في البيع رهناً مقبوضاً أو بيع خيار ـ حسبما شاع عند أكثر أهل زماننا بعمان من إطلاق اسم الرهن عليه اصطلاحاً عرفياً ـ؛ فإن كان الأول فليس للمرتهن التصرف بحال، وإن كان الثاني فإن للعلماء أقوالاً في بيع الخيار، منهم من يرى تحريمه على الاطلاق وهو الراجح، ومنهم من يجوزه، وبناءً على جوازه اختلف المجوزون في حكمه، منهم من يرى ثبوته ومنهم من يرى وقفه إلى انقضاء أمد الخيار، فإن بنينا على صحة بيع الخيار، فللمشتري الانتفاع بالمبيع سواء بسكناه ـ إن كان بيتاً أو بإيجاره، وعليه كل ما يتطلبه المبيع من إصلاح وغيره، ولكن ليس له أن يتوطأ من البائع على أن يستأجره منه، بل على البائع أن يسلمه إليه، فإن شاء أن يستأجره منه بعد تسليمه إليه والتخلي منه بلا مواطأة من قبل فلا مانع منه ـ على هذا الرأي ـ، وأما إن قيل بأنه موقوف إلى انتهاء المدة فالمنفعة والمغرم كذلك موقوفان إلى انتهاء المدة، ويؤولان إلى من ثبت له المبيع، أما ما شاع عند الناس اليوم من بيع بيت خياراً مثلاً واستئجار البائع له من المشتري من غير تسليم له، فهو باب من أبواب الربا، إذ ليس مراد المشتري البيت وإنما مراده ما يستنزفه من ثروة البائع بالإيجار، مع تخلصه من كل مغرم يسببه إصلاح البيت، فهذا من القروض الجارة للنفع، وكل قرضاً جرَّ نفعاً فهو ربا، والله أعلم. (3/56)
صفحة 775
فيمن باع بيته بيع إقالة وقبضه المشتري، ثم أراد البائع استئجار البيت من المشتري بأجرة يتفقان عليها؟
يشترط في استئجار البائع بيته الذي باعه بالإقالة أن يسلمه للمشتري، وأن لا يكون بينهما من التواطؤ على الاستئجار، فإذا حصل الشرطان فلا بأس بهذا الاستئجار على رأي المرخصين، مع كون المشتري قصد تملك الأصل، والراجح منعه. والله أعلم.
أخي المتوفى كان قد باع بيته بيع الإقالة، وكان قد قام قبل وفاته مع أسرته باستئجار البيت لمدة (8) سنوات، وتبقى له جزء من مبلغ الإيجار، فهل للمشتري الحق في المبلغ المتبقي من الإيجار إضافة إلى المبلغ المذكور في عقد البيع، أو يُكتفى بإعطائه المبلغ المتبقي من الإيجار ونسترجع البيت؟
إن تبايعاه وهما متواطئان على الإيجار، أو اتفقا على الإيجار قبل استلام المشتري للمبيع فهذا هو الربا الذي لعن الله على لسان رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "آكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه "(58)، وليس للمشتري إن أراد الخلاص إلا ثمن المبيع من غير زيادة والله أعلم.
فيمن له صكوك لبيع الإقالة لمدة ستين سنة، وقد انتهت المدة المحددة بمضي الستين سنة، فما حكم البيع؟
ما مضت مدة الإقالة المحددة له فبيعه ماضٍ والله أعلم.
في رجل باع بيته بيع الإقالة، ثم خرج من البيت بضع أيام أو ساعات، ثم استأجره الراهن بمبلغ ثلاثين ريالاً شهرياً، فما القول في هذا الاستئجار مع بيع الإقالة هل يجوز ذلك؟
أما من باب الحكم فإن القضية مردها مع الشقاق إلى القضاء الشرعي، وأما من باب الجائز، فإن كان المشتري بالإقالة إنما قصد شراء البيت، ولم يكن بينه وبين البائع تواطؤ على الاستئجار، وقد استلم البيت من البائع فلا مانع من إيجاره بعد قبضه على رأي من يرخص، وإلا فلا، والراجح منع هذه المعاملة على الإطلاق والله أعلم. (3/57)
صفحة 776
فيمن باع بيتاً بالخيار لآخر، فطلب البائع من المشتري أن يؤجره إياه لأنه ساكن فيه، فعند اتفاقهما على ذلك، فهل ترى حرجاً عليهما؟ وفيمن اشترى نخيلاً وشجراً بالخيار، فطلب المشتري من البائع أن يبقى عنده ويقوم بسقيه وتعميره كصفة بيدار له، وعند دراك الغلل يتصرف المشتري فيها، فهل ترى في هذا شبهة؟
إذا كان ذلك مشترطاً وتواطأ عليه البائع والمشتري فلا يصح، أما إذا اتفقا على ذلك من جديد بعد البيع والقبض فقد رخص فيه بعض أهل العلم إن قصد المشتري تملك الأصل لا الغلة وحدها، والراجح أن ذلك لا يجوز على الإطلاق، أما قيام البائع بخدمة المال واستئثار المشتري بغلته فهو من الربا المحرم بالإجماع والله أعلم.
فيمن باع مالاً بالإقالة والمشتري يأخذ غلته سنوياً ولم يصلح المال بشيء، والمال يحتاج للإصلاح وحرث الأرض وسمدها، ويريد المشتري أن يحمّل ذلك البائع، أفتنا على من يرجع المغرم؟
من كان بيده المال ويأكل غلته فعليه مغرمه، وأما ما ذكرته فذريعة من ذرائع الربا المحرم والله أعلم.
رجل باع لرجل آخر بيع الخيار، وصار بينهم موافقة أن لا يلزم المشتري شيء من الخسارة التي تحتاج إليه النخلة، وكتب له صكاً بذلك، فهل يثبت هذا الشرط على صاحب الأصل، أم هل فيه خلاف؟
بئس ما اتفقا عليه، كيف يكون للمشتري المغنم خالصاً وعلى البائع المغرم؟ وهل هذا إلا عين الربا؟ هذا بجانب كون البيع مشتملاً على شرطين، وهما الإقالة وتكفل البائع بالقيام بشئون المال، لأجل ذلك كان البيع معيباً والعقد باطلاً والله أعلم.
رجل باع ماله بالإقالة لمدة عشر سنوات بألف ريال عماني، وقام بدفع أقساط عبارة عن مائتي ريال عماني في كل سنة، فما قولكم في المائتين هل هي غلة المال أو رأس المال، علماً بأنه لم يكن بينهما اتفاق في الغلة وإنما بينهما بيع الإقالة فقط؟ (3/58)
صفحة 777
ما أعجب هذا السؤال وما أعجب حال السائل، فالظاهر أنه ممن لا يفرقون بين الحلال والحرام والمباح والمحظور، وإلا فكيف سوَّغ عقله أن يأخذ المشتري مائتي ريال غلة في كل عام؟ وهل هذا إلا من أمر الربا المحرم الملعون هو وراكبه ـ والعياذ بالله ـ، والذي يبدو أن هذا البيع باطل من أصله، من حيث إن المتبايعين تشارطا أن تكون الغلة بينهما، وهو شرط ثانٍ فوق الإقالة، والشرطان في البيع يبطلانه، فضلاً عما في ذلك من التذرع إلى الربا، ودخوله في بيع ما لم يقبض وربح ما لم يضمن والله أعلم.
رجل باع ماله بيع إقالة لمدة عشر سنوات عن مائة ريال، والمال يساوي عشرة آلاف ثم انتهت المدة المذكورة ولم يفد ماله بسبب العسر، وبقي المال لا يزال قيد الرهن وطالت المدة إلى عشر سنين أو أكثر، والمرهون عليه لا زال يستغله في هذه المدة المذكورة، والآن أراد صاحب المال أن يفدي ماله، فهل يثبت له ذلك من أنه لم يترمه عليه ـ أي لم يفوته عليه ـ، أفيدونا ولكم الأجر؟
لقد فَّوت البائع حقه بتهاونه إلى أن مرَّت مدة الإقالة، فلا سبيل له إلى الفدية بعد مضي المدة المتفق عليها، إلا برضى المشتري، هذا من حيث الظاهر، وأما فيما بينهما وبين ربهما فلا ريب أن هذه معاملة ما أراد بها المشتري إلا أكل مال أخيه بغير حق، فليتق الله في ذلك والله أعلم.
ما قولكم في رجل مرتهن بيوتاً بالإقالة إلى مدة عشر سنوات، وبعد ذلك استأجر أهل البيوت بيوتهم وسكنوها ويدفعون إيجاراً للمرتهن؟ (3/59)
صفحة 778
إن كان المتبايعان بالإقالة اتفقا على البيع والإيجار معاً فذلك حرام من أربعة أوجه أولها: أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نهى عن بيعين في بيع أي عقدين في عقد، ثانيها: أنه نهى عن بيع ما لم يقبض وربح ما لم يضمن، ثالثها: أنه نهى عن شرطين في بيع، وقد اجتمعت في هذا العقد ثلاثة شروط وهي الإقالة والإيجار وتحديد الأجرة، رابعها: أن فيه تذرعاً إلى الربا وكفى به إثماً مبيناً، أما إن اتفق المتبايعان على البيع، ولم يذكر الإيجار حتى قبض المشتري المبيع، ففي استحقاق المشتري في هذه الصورة الأجرة خلاف، مبني على ثبوت بيع الإقالة أو وقفه، فمن يراه ثابتاً يرى جواز ذلك له، على أن يكون عليه غرمه، ومن يراه موقوفاً يرد المغنم والمغرم إلى من استحق المبيع من المتبايعين إما بمضي مدة الإقالة وإما بالأداء والله أعلم.
في رجل باع بيته بالإقالة لمدة عشر سنوات، على أن يستكري البائع البيت من المشتري باثنين وعشرين ريالاً شهرياً، وبعد مضي سنتين جاء المشتري وقال تزيد في الكراء أو ترد عليَّ الدراهم؟، فما رأيكم فهل ذلك سائغ؟ (3/60)
صفحة 779
هذا البيع غير شرعي من بداية أمره لالتباسه بالربا المحرم شرعاً، فإن العقد بينهما ليس هو إلا صورة تمويهية، أراد المتبايعان أن يتسترا بها ليتوصلا إلى الربا، فإن من الواضح في مثل هذه الصورة أن المشتري لم يرد البيت بالشراء، وإنما أراد ما يدره العقد الثاني ـ عقد الإيجار ـ من أرباح، فعلى كل منهما أن يرد إلى الآخر ما أخذه منه من نقود، وأن يتوبا إلى الله تعالى ويستغفراه من هذه الورطة التي رمت بهما في حمأة الربا الوبيئة، دع ما ارتكباه من أنواع المنهيات التي اشتمل عليها هذا البيع، منها الجمع بين بيعين في بيع، فإن الإيجار كالبيع في الحكم، ومنها أخذ الربح دون ضمان، وكل من ذلك نهي عنه بنصوص السنة، فقد ثبت عنه ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ النهي عن بيعين في بيع، كما ثبت عنه النهي عن ربح ما لم يضمن الإنسان والله أعلم.
عن رجل يريد بيع ماء بالإقالة على اثنين بصك واحد، فهل يجوز ذلك؟
لم أفهم هذه المسألة، فإن كنت تعني أنه باع نفس الماء بيعتين فذلك غير جائز بحال والله أعلم.
هل يجوز للرجل أن يبيع بيته بيع إقالة مع نيته أن يستأجر البيت بعد البيع، دون أن يعلم المشتري بذلك، سواءً كان عن طريقه مباشرة أو عن طريق شخص آخر؟
هذا ليس بيعاً سليماً، ما دام المشتري لا يستلم المبيع ويتصرف فيه تصرف المالك في ملكه، فيجب اتقاء ذلك والله أعلم.
ما قولكم إذا اتفق البائع والمشتري في بيع الإقالة على الإيجار من أول الأمر، فما حكم ذلك؟
نفس بيع الإقالة فيه من الريب والشُبه ما يحار منه اللب، فكيف إذا اتفق المتبايعان على الإيجار من أول الأمر، فإن ذلك هو الربا الصريح الذي لا ريب فيه والله أعلم.
رجل توفي وترك أيتاماً، وقد باع بيته بيع الإقالة ثم استأجره عن طريق اتفاق مسبق بينه وبين المشتري، فهل تصح تلك الطريقة؟ وهل يصح لنا نحن كفلاء الأيتام أن ندفع تلك الأجرة للمشتري؟ (3/61)
صفحة 780
الاتفاق بين المتبايعين بالإقالة على أن يستأجر المبيع البائع من المشتري هو من ضروب الربا المحرم، ويدخله النهي من وجوه شتى، فلا يجوز ذلك بحال، ولا يجوز لمن علم به أن يُقره، فلا يجوز لولي الأيتام أو وكيلهم دفع هذا الإيجار والله أعلم.
رجل باع بيته بالإقالة ثم رأى غبناً في ثمن مبيعه كما هو معروف بأن ثمن بيع الإقالة أقل بكثير عن بيع القطع وحفاظاً عن غياب الأموال، فعلى ضوء ذلك هل يصح للبائع أن يبيعها بالقطع لرجل آخر عند عسره عن فكها؟ وهل من فرق إذا رضي المشتري أو لم يرض؟ وكذلك بصورة أخرى إذا أخذ البائع المبلغ ممن وعده بالشراء ففك بها مبيعه من المشتري، ثم عقد البيع للآخر الذي قبض منه الثمن، فهل هذا الصنيع سائغ شرعاً؟ أو يعتبر قرضاً حيث لم يعقد له البيع إلا من بعد ويكون داخلاً في النهي عن قرض جر منفعة؟ وأيضاً إذا رضي المشتري الأول بهذه الصورة التي بيناها وكانوا جميعاً في مجلس واحد، واتفقوا على ذلك برضاهم جميعاً، بأن أخذ البائع الثمن من الآخر ثم أعطى الأول في آن واحد ومجلس واحد، ما قولكم في ذلك؟
ليس للمالك الأصلي أن يبيع بالقطع ما باعه بالإقالة حتى يخلصه من الإقالة، وله أن يقترض من أجل تخليصه، ثم يبيعه للمقترض من بعدما يتم التخليص، على أن يكون عقد البيع بعدما يكون المبيع بيده والله أعلم.
اشتريت دكاناً بالإقالة من شخص وقد قمت بحيازة هذا الدكان وتسلمت مفتاحه، فإذا أردت تأجير هذا الدكان فماذا تقول في المبلغ العائد من الإيجار؟ وهل لي أن أؤجره إلى الشخص الذي بايعني إياه أم الأولى تجنبه؟ وهل هناك فرق عندما أقصد العائد الشهري الذي يأتي منه أو لا أقصده في نفسي؟
إن كنت نويت من أول الأمر أن مرادك الأصل لا الغلة، فقد رخص جماعة من أهل العلم بأن تستغله، ولكن إن أجرته فأجره غير الذي ابتعته منه حذراً من الريب، والسلامة في تجنب هذه المعاملة من أساسها والله أعلم. (3/62)
صفحة 781
اشتريت منزلاً من أحد الناس وأبلغني أنه مرهون، واتفقت مع البائع صاحب البيت أن نسدد الرهن أولاً، وفعلاً جهزت قيمة الرهن وتوقف الأمر على أن يحضر الراهن والمرتهن لاستلام قيمة الرهن، وأما عن ثمن المنزل فقد دفعته للبائع وتحرر في ذلك عقد ولم يتم نقل الملكية حتى يتم سداد الرهن أولاً، وفجأة علمت أن البائع قام ببيع المنزل إلى شخص آخر، وتم نقل الملكية إليه بعد رهن المنزل إلى شخص آخر غير المرتهن الأول الذي أخذ قيمة رهنه وحل محله المرتهن الجديد، مع العلم أن عقد البيع الأول الصادر لي من صاحب المنزل سابق على العقد الأخير، فما حكم البيع الثاني شرعاً؟
إن كان المراد بالرهن بيع الإقالة، فإن المبيع بالإقالة لا يجوز التصرف فيه ببيع ولا غيره حتى يرجع إلى البائع، وإن كان المراد به الإثبات فإن الحق يتعلق بالعين المرتهنة، فلا يسوغ التصرف فيها والله أعلم.
عند محاورتنا لبعض الناس في بيع الإقالة قال: لا يوجد أحد في هذا العصر يقرضك مالاً ولا يريد فائدة، فماذا نرد عليه؟
هذا لا يقتضي جواز هذه المعاملة، بل على الناس أن يسعوا إلى إنشاء المؤسسات التي تقرض الناس قرضاً حسناً، من غير أن يلجأوا إلى المعاملات المحرمة.
ما هو الحكم الشرعي في بيع الإقالة المتعارف عليه الآن، إذا كانت هذه المعاملة خالية من وجود الغلة، وإنما باع له الأصل بالإقالة ولم يشترط عليه الغلة، فما حكم ذلك؟
إن كان البيع بسعر عادي ليس فيه غبن على أحد الجانبين، وكان بجانب ذلك المشتري لم يقصد الغلة وإنما قصد الأصل، وإنما يأخذ الغلة لأنه أراد الأصل بنفسه، واعتبر هذا البيع بيعاً قائماً على أسس البيوع الأخرى، ما عدا أن البائع اشترط الإقالة، فلا حرج عليه إن أخذ برأي من يجيزه له، وإن كان الراجح منع هذه المعاملة على الإطلاق والله أعلم. (3/63)
صفحة 782
في بيع الخيار إلى مدة معينة، هل يجوز للمشتري أن يستغل ما اشتراه من البائع إلى تلك المدة المتفق عليها، وذلك كأن يبيع رجل لآخر خمسة آثار ماء بقيمة ( عشرة آلاف ريال) خياراً إلى مضي اثنتي عشرة سنة، فهل يجوز للمشتري أن يسقي بذلك الماء طوال تلك الفترة، ولماذا؟ وماذا يستحق من يتعامل بهذه المعاملة في هذا الوقت؟
قيل هو بيع موقوف، والمغنم والمغرم تابعان للأصل، فمن كان له الأصل بعد مضي مدة الخيار فله مغنم المبيع في خلال تلك المدة وعليه مغرمه، وقيل هو بيع ثابت، ومغنمه للمشتري ومغرمه عليه، بشرط أن يكون مبتغاه الأصل لا الغلة وحدها، فإن كان قصده الغلة فذلك عين الربا، والقول الراجح عدم جواز هذا البيع على الإطلاق والله أعلم.
مواطن باع منزلاً بالإقالة، وصاحب المنزل لم يخرج منه ولم يسلمه للمشتري، وعندما سلم المشتري مبلغ الشراء أسقط المشتري إيجار سنة مقدماً، فما الحكم في هذا البيع؟
هذا هو عين الربا الذي لعن الله على لسان رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ آكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه والله أعلم.
شخص ارتهن قطعة أرض بها مزروعات (نخيل) بيع الإقالة عن مبلغ يفوق قيمة الأرض وذلك لفترة معلومة من الزمن، ومن بعده أصبح الورثة تشكل عليهم عبئاً ثقيلاً للقيام والاعتناء بها طول العام الواحد وهي لا تعود بالنفع، علماً بأن أغلب الورثة صغار لم يبلغوا سن الرشد ولا دخل لهم، فهل يمكن للورثة استرداد حقوقهم ومطالبة الراهن بأخذ المال الذي يخصه؟
إن كان ذلك رهنا فنعم، وإن كان بيع إقالة ومضت مدة الإقالة فلا والله أعلم.
أحد إخواننا يريد بيع أثر ماء بيع القطع والأصل بالإقالة لمدة عشر سنوات، عن ثلاثة آلاف ريال عماني لأحد إخوانه، فما حكم الشرع في ذلك؟
الأولى له والأسلم أن يبيع بيعاً منجزاً لا بيع إقالة والله أعلم.
بيع الثمر قبل دراكه:
فيمن اقتعد نخيلاً لمدة خمس سنوات، لكي يدفع الثمن أقساطاً، فهل يصح أم لا؟ (3/64)
صفحة 783
لا يجوز بيع الثمر قبل دراكه وأمن العاهات عليه، للأحاديث الثابتة عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في النهي عن بيع الثمار حتى تزهو، وإذا كان هذا حكم الله ورسوله في الثمار التي لم تدرك، فكيف بالثمار التي لم تخلق، إن هذا إلا من أكل الحرام المحض، والتجاسر على أحكام الشريعة الغراء بالوطء عليها بدون مبالاة، نعوذ بالله من هذه الحالة ومن سوء مغبتها.
ما قولكم في قعد الأموال لمدة سنة كاملة قبل أوان جناء ثمارها، هل ذلك جائز أم لا؟
لا يصح بيع الغلل قبل دراكها، لأن ذلك من بيع المعاومة، فإن كانت اتفاقية العقد مشتملة على الثمار التي لم تدرك كانت حراماً والله أعلم.
هل يجوز للوكيل أن يقعد ضواحي بها نخيل وأشجار للمسجد، ويعين لها سقي بقيمة معينة ولمدة معينة خمس سنوات أو أكثر، أثمرت تلكم النخيل أم لم تثمر، على أن يدفع المستقعد سنوياً مبلغاً معيناً لمدة معينة؟
هذا هو بيع السنين المنهي عنه بنصوص الأحاديث النبوية، فقد نهى ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن بيع الثمرة قبل دراكها، فكيف إن كانت الثمرة لم تخلق رأساً، ولا يسِّوغ ذلك كون الغلة المبيعة غلة موقوف، فإن الوقف وغيره في ذلك سواء والله أعلم.
هل يجوز قعد المال الموقوف سنوياً، وإذا منع ذلك فهل يجوز إعطاؤه من يكفله وتكون للمال عوضاً عن عمارته؟
لا يصح بيع الغلة قبل حضورها، لأن ذلك من بيع السنين المنهي عنه بالأحاديث الصحيحة، وإذا كانت غلة الموقوف لا تفي بمصاريفه فلا بأس بإعطائها من يقوم بكل ما يلزم من عماره إلى أن يفتح الله والله أعلم.
بيع المحرمات:
ما قولكم في بيع السجائر المعروف بالدخان وما حكم من يقوم ببيع ذلك؟ (3/65)
صفحة 784
السجائر حرام لضررها بالجسم والمال، وفي استعمالها تبديل لنعمة الله، والله تعالى يقول: { ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب } (59)، وهي قتل للنفس لكثرة الأمراض المهلكة الناتجة عنها، وقد قال تعالى: { ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما * ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً فسوف نصليه ناراً وكان ذلك على اللهِ يسيرا } (60) وبيع الحرام حرام وثمنه حرام، ولا أرى فارقاً بين تجار السجائر وتجار المخدرات، لأن في الكل ضرراً بالغاً وخطراً شديداً، كما لا أرى فارقاً بين استعمال السجائر واستعمال المخدرات في الحرمة، وإني لأعجب من الذين يحاربون المخدرات ويحكمون على تجارها بالإعدام، ولا يرون في الاتجار في السجائر وفي استعمالها حرجاً، فإن ذلك من المفارقات التي يحار منها العقل والله المستعان.
ما حكم الإسلام في زراعة أشجار الغليون ( التتن) حيث إن بعض الأسر تقوم بزراعته وتعتبره المصدر الرئيسي في الكسب؟ وما حكم بيعه؟
هو شجر خبيث، وثمنه خبيث، لا يحل بحال من الأحوال والله أعلم.
هل يجوز بيع الدخان في وقف المسجد؟ إن كان المراد بالدخان السجائر فلا يجوز بيعها في أي مكان، وإن كان شيئاً آخر يرجى بيانه والله أعلم.
هل يجوز الشراء من محل يبيع الخمر، علماً أننا مجاورون له ومضطرون للشراء منه، لوجود سلع فيه لا تجدها في غيره؟
إن كان المبيع الذي تشترونه حلال العين، فبيع بائعه للحرام لا يحرمه، ويتأكد حله عندما تضطرون إليه ولا تجدونه في غير ذلك المحل والله أعلم.
ما حكم بيع وشراء الدجاج المستورد؟
إن كان مستورداً من بلاد الكفر فلا يحل أكله ولا بيعه ولا شراؤه، إلاَّ إن قامت حجة مقبولة شرعاً بأنه مذكى ذكاة شرعية، وإن كان مستورداً من بلاد الإسلام فبخلاف ذلك. والله أعلم.
ما حكم بيع الدم للمستشفيات؟ وما الأدلة على ذلك؟ وهل هناك ضوابط لمثل هذه القضية؟ (3/66)
صفحة 785
لا يجوز بيع الدم لنجاسته، ولأنه جزء من جسم الإنسان، وإنما يجوز التبرع بما فضل عن حَاجة المتبرع من دمه عند الحَاجة والله أعلم.
رجل لديه تجارة من ضمنها مواد مشتبه في أن تكون بعض مكوناتها شحوماً خنزيرية، وقد علم بذلك بعد أن اشتراها وباع قسماً منها، فما حكم ما تم بيعه؟ وماذا عليه أن يعمل بالباقي هل يرجعه إلى البائع، وإن رفض هل يبيعه للمشركين أو يوزعه عليهم؟ أو ماذا يفعل به؟
ليس عليه فيما سبق بيعه شيء، لأنه لم يكن على علم بما يحتويه المبيع، أما ما بقي عنده فإن تأكد احتواءه على الحرام كشحوم الخنزير فعليه التخلص منه برده إلى البائع واسترداد الثمن منه، فإن رفض قبوله فعليه إتلافه ولا يصح له بيعه ولو إلى مشرك، لأن ثمن الحرام حرام، ولا توزيعه على المشركين، لعدم جواز إطعام الحرام ولو لمستحله، وفي الحديث " أن رجلاً أهدى إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ راويتي خمر فقال له النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ " ألم تعلم أن الله حرَّمها؟ فقال أفأبيعها؟ فقال له: إن الذي حرَّم شربها حرم بيعها" فقال أفأكرم بها اليهود؟ فقال: إن الذي حرم شربها حرم أن يكارم بها اليهود"(61)، ولسائر المحرمات حكم الخمر والله أعلم.
هل يلحقنا إثم وذنب من شراء مبيع حلال العين ولكنه يباع في محل تجاري يباع فيها أشياء حرمها الإسلام؟
لا حرج في ذلك إن لم يكن في ذلك تشجيع على بيع المحرمات. والله أعلم.
ما حكم من يشتري أو يبيع بعض المنتجات التي يكون لها مضرة بجسم الإنسان أو به مواد محرمة أو نحو ذلك؟
إن كانت ضراً لا نفع معه فلا يجوز بيعها ولا أخذ ثمنها لحرمة استخدامها رأساً، وإن كانت فيها منافع مباحة شرعاً، والمشتري يشتريها من أجل منافعها ويتقي ضررها فلا منافع من بيعها وابتياعها وأخذ ثمنها، وذلك كالإسبرتو الذي هو مادة مسكرة، ولكنه يتخذ لغير الشرب وإنما لمنافعه الأخرى والله أعلم. (3/67)
صفحة 786
ما حكم بيع أحذية النساء ذات الكعب العالي، التي تحدث أصواتاً عند المشي بها، وإن كان لا يجوز فماذا نفعل بالباقي؟
ما كان من هذه الأحذية تثير فتنة للرجال من قبل النساء اللاتي يلبسنها فلا يجوز الاتجار فيها، وذلك لأنه من التعاون على الإثم وقد نهينا عنه، وإن لم تكن من ورائه فتنة ولا فيه مخالفة لحكم شرعيّ فلا حرج فيه، وإن كان يمكن تعديل ما بقي عندك حتى يتفق رضعه مع مقتضيات الشرع الشريف فذلك هو الواجب والله أعلم.
بيع العربون:
ما حكم بيع العربون؟
بيع العربون، جاء في الحديث عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه نهى عنه، وقد أحذ جمهور العلماء وهم أصحابنا والشافعية والمالكية والحنفية بمنع بيع العربون، بينما يجيزه الحنابلة.
اتفق رجل مع آخر على شراء منزل ودفع دفعة مقدمة ( عربون) بما مقداره (ألف ريال عماني)، وتم الاتفاق الشفهي بينهما بأنه عندما يتوفر لدى المشتري المبلغ الكلي لشراء المنزل فسيتم التكاتب بينهما، وإذا لم يتوفر المبلغ فيتوقف أمر البيع، وعقدا لذلك مدة وقدرها شهران، وبعد مضي المدة لم يستطع المشتري توفير المبلغ، وبناء عليه جاء للبائع وطلب منه رد مبلغ العربون وأخبره بأنه ينقض البيع لعدم استطاعته توفير المبلغ، إلا أن البائع أنكر عليه ذلك، مدعياً أن مبلغ ( العربون ) أصبح من حقه، وليس له المطالبة به، لكونه عطل عليه بيع المنزل، فهل ذلك من حقه شرعاً أم لا؟
بيع العربون غير جائز، فقد نهى عنه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وعليه فيجب رد ذلك المبلغ إلى صاحبه والله أعلم.
إذا أراد الإنسان شراء سلعة أو عقار مثلاُ، فهل يجوز له أن يدفع مبلغاً من القيمة مقدماً لحجز تلك السلعة (العقار) وهو ما يسمى ( عربوناً)؟
نعم، على أن يكون جزءاً من الثمن، ولا يستحقه البائع إلا بدفعه العين المبيعه إلى المشتري والله أعلم.
فسخ البيع ورده: (3/68)
صفحة 787
سماحة الشيخ أفتونا في رجل اشترى منزلاً من رجل أبكم، وأن هذا الأبكم بكامل قواه العقلية، والطرف المشتري اشترى المنزل عن طريق البنك بواسطة شخص وسيط بين البائع والمشتري، وأخذ الوسيط من المشتري مبلغ مائتي ريال عماني كعربون وسلمها للبائع، وسلم البائع الملكية الأصلية إلى المشتري لكي يخلص الإجراءات المتعلقة بالبنك، وبعد ذلك تم إبرام اتفاقية بين المشتري والبائع تنص على أن أيّاً منهما إن أراد فسخ البيع عليه دفع مبلغ ألفي ريال عماني للآخر، ويشهد على ذلك شاهدين عدول.
لقد تم الكشف الهندسي على المنزل بواسطة مهندس من البنك وتمت الموافقة على شراء المنزل عن طريق البنك، وبعد ذلك وقع البائع أمام البنك وأمام شهود من البنك على عقد البيع، وبعد ذلك كان المفترض أن يذهب البائع إلى دائرة الإسكان ليتم التنازل عن ملكية المنزل للمشتري، وهنا تدخل أخ البائع الأكبر وأرغم على فسخ البيع.
لقد اشترى المشتري هذا المنزل بموجب قرض من البنك، وفقدانه لهذا المنزل يعني إلغاء القرض الذي يصعب الحصول عليه مرة أخرى؟
بما أن هذه الاتفاقية كانت بينهما بعد عقد البيع، فالبيع صحيح ثابت، والاتفاقية لا تعتبر شيئاً، فلا يلزم أحدهما أن يقبل فسخ العقد، وإن أراد الفسخ فبحسب ما يتفقان عليه من جديد، سواء تراضيا أن يكون يعوضٍ أو لا، والله أعلم.
رجل اشترى قطعة غيار لسيارته من محل بقيمة عشرة ريالات مع قطع غيار أخرى، واشترى نفس القطعة التي بقيمة عشرة ريالات من محل آخر ولكن بقيمة تسعة ريالات.
هذا الرجل استخدم فقط القطعة التي اشتراها من المحل الأول والتي كانت بقيمة عشرة ريالات ولم يستخدم باقي القطع مع القطعة الأخرى والتي هي بقيمة تسعة ريالات والتي كانت من المحل الثاني. (3/69)
صفحة 788
فذهب هذا الرجل ليُرجع هذه القطعة ( التي من المحل الثاني بقيمة تسعة ريالات) إلى المحل الذي ابتاعها منه فرفض صاحب المحل بحجة أنه لم تباع منه، فوق ذلك إن هذا الرجل قد أضاع ورقة الشراء ولا توجد نسخة أخرى في المحل.
فذهب إلى المحل الأول حتى يرجع باقي السلع الأخرى التي اشتراها منه مع تلك التي كانت بقيمة عشرة ريالات والتي قد استخدمها، وأدخل تلك القطع الصغيرة مع تلك القطعة التي من المحل الثاني والتي رفض بائعها أن يسترجعها.
فأخذها المحل الأول بقيمة عشرة ريالات، وهذا الرجل لم يخبر صاحب المحل الأول إن هذه القطعة قد ابتيعت من محل آخر.
فهل على هذا الرجل من حرج فيما فعل؟ وإن كان عليه حرج فماذا يفعل؟
نعم عليه حرج في ذلك، ويجب عليه إخبار صاحب المحل بذلك وأن يدفع إليه فارق السعر والله أعلم.
العيوب في البيع:
رجل اشترى سيارة فظهر عيب في السيارة، فأراد المشتري أن يرد السيارة فهل له ذلك؟ وكيف يكون الرد هل يتم بمحض إرادة صاحب الخيار أم يشترط لحصوله وجود التراضي بين العاقدين أو الترافع للقضاء، وهل يختلف في رد السيارة قبل القبض وبعد القبض، أم لا يوجد فرق بين وقوعه قبل القبض وبعده وكيف تكون صيغة الفسخ وإجراءاته؟
إن كان العيب مما لا يتسامح في مثله عادة من الناس في تعاملهم فللمشتري الغير، وذلك بأن يرجع إلى البائع الذي لم يخبره بالعيب، وفي هذه الحالة إمّا أن يتفقا على الحط من القيمة بقدر العيب، وإمّا أن يفسخ العقد، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الفسخ قبل القبض أو بعده، إن كان فور ما علم المشتري بالعيب من غير تأجيل، وإن لم يتراضيا فليترافعا إلى القضاء الشرعي، وإمّا إن كان العيب مما يتغاضى الناس عنه عادة في تعاملهم فلا عبرة به والله أعلم.
رجل أتى برطب غير ناضج طبيعياً، وإنما هو ناضج عن طريق دفنه في الرمل لينضج عن طريق الشمس، وأخبر الدلال بذلك ليخبر المشتري حتى يكون المشتري على علم به، فهل على البائع شيء؟ (3/70)
صفحة 789
إن كان الدلال اشترطه وبين جميع عيوبه، واشتراه أحد على علم بكل أحواله، فلا حرج والله أعلم.
يقام في نزوى سوق الجمعة حيث تباع فيه السيارات المستعملة، فيقوم أصحابها بتسليمها إلى الدلال على أنها مجرد حديدة والمفتاح خير منها، دون توضيح العيب الذي فيها، مع العلم أنه ليس هناك مجال لفحصها. فما رأي الدين في ذلك؟
ذلك من الغرر المنهي عنه، ولا يجوز إلاّ على مذهب أهل العراق والله أعلم.
في مسألة العيوب في السيارات، بعض الناس عندما يبيع السيارة لا يذكر العيوب التي فيها ولذلك أسواق معروفة، وفي أحيان كثيرة لا تذكر العيوب وإنما يقول له أبايعك إياها حديدة أو أبايعك المفتاح ونحو ذلك من العبارات، فهل هذا صحيح؟ وهل إذا اكتشف بعد ذلك عيوباً له أن يرجع إلى هذا البائع أم لا؟
السيارة كغيرها، فلا بد من تشخيص عيوبها إن كانت بها عيوب، وقوله أبيعك حديدة أو أبيعك مفتاحاً ونحو هذا ليس بشيء، لأن المشتري ما قصد أن يشتري المفتاح، فلا بد من تشخيص عيوبها، هذا هو القول الراجح، وإن كان من أهل العلم من يقول بأنه إن قال له بأن كل عيب في هذا المبيع موجود ورضي المشتري فلا حرج، ولكن في هذا غرر، إذ لا يدري العيوب الموجودة في المبيع والله أعلم.
ما هي العيوب التي يلزم إظهارها والعيوب التي يتسامح بها؟ فإن السيارة لا تخلو مهما كان من العيوب البسيطة، فهل كل عيب يذكر أم ما هو العيب الذي لا بد من الإخبار به؟
العيب الذي ينقص من قيمتها وينفر المشتري من أن يشتريها بتلك القيمة والله أعلم.
إذا كانت السيارة قديمة، ومتعارف على أن القديم لا يخلو من عيوب وقد تكون العيوب كثيرة لا تحصر، فهل يمكن بيعها بغير ذكر هذه العيوب؟
لا بد من تشخيص العيوب، إلا إذا رضي الطرف الآخر بعدما عرف العيوب فلا مانع والله أعلم.
أحكام المتبايعين: (3/71)
صفحة 790
إنني رجل أعمى مصاب بالشلل، أمتلك بيتاً قيمته أربعون ألف ريال، ولي زوجة لم أنجب منها ولي ورثة آخرون، فهل يجوز لي بيع هذا البيت لزوجتي؟
لك أن تبيعه لزوجتك من غير محاباة على حساب الورثة والله أعلم.
هل يصح البيع أو الشراء مع الأطفال وقبول الهدية منهم؟
أما الهدية فلا، وأما مبايعتهم بما جرت العادة بين الناس أن يتسامحوا في التعامل مع الأطفال فيه فلا حرج، على أن يكونوا مميزين. والله أعلم.
هل يصح البيع والشراء لرجل لا ينطق الكلام ولا يقرأ ولا يكتب ولا يسمع إلا عن طريق الإشارات؟
تكفي الأعجم إشارته إلى قبول البيع والشراء، إذ ليس البيع بأشد من قبول النكاح، وتكفي فيه الإشارة، وإن أضيف إلى ذلك قبول وليه أو وكيله فهو أولى والله أعلم.
هل يجوز الشراء من أي محل أثناء تأدية صلاة الجمعة، سواء بذهاب الأطفال أو غيرهم؟
يحرم البيع والشراء إذا نودي لصلاة الجمعة على المخاطب بها دون غيره والله أعلم.
امرأة آل إليها إرث، فهل يجوز لها بيعه لأحد الوارثين وهي فاقدة للسمع؟
لها أن تتصرف في مالها بالبيع والهبة إن كانت واعية قادرة على التصرف، ولا يمنعها من ذلك فقدانها للسمع والله أعلم.
رجل باع مزرعته بدون استشارة أبنائه، فما قولكم في ذلك؟
هو حر في تصرفه، وليس عليه أن يستشير أولاده في بيعه وشرائه. والله أعلم.
شخص يملك بيتاً واحتاج إلى بيعه ليذهب للعلاج في الخارج ومنعه أولاده من بيعه، فهل لهم الحق في ذلك مع العلم أنهم لهم رواتب ويستطيعون إعاشة أنفسهم هل يحق له بيع المنزل أم لا؟
لا مانع من بيعه لما يملكه، ولا يحق لأولاده الاعتراض عليه والله أعلم.
الشهادة والدعاوى في البيوع: (3/72)
صفحة 791
إذا تم بيع أرض قبل ظهور الملكية للشخص البائع على أن يقوم بالإجراءات بعد ذلك المشتري، وتم هذا البيع بوجود شاهدين رجل وامرأة واحدة مع وجود البائع والمشتري، فهل تعتبر ورقة البيع مقبولة إذا عرضت على المحكمة مستقبلاً بوجود الشاهدين، ذلك لأني أعلم أن شهادة الرجل تعادلها شهادة امرأتين، ومن حكم البيع: { فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان } (62) ثم وضح الله السبب في ذلك بقوله تعالى { ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى } (63) وفي مسألتي إذا لم تكن هناك امرأتان للشهادة وذلك لعدم توافر امرأة أخرى، فما الحكم في ذلك؟
وهل تعتبر شهادة المرأة مقبولة باعتبار أنها تتذكر الموقف وعقد البيع جيداً، وهذا قد يمحي السبب وهو المرأتان لكي تذكر إحداهما الأخرى، أرجو إفادتي في هذا الأمر؟
لا بد من شهادة رجل وامرأتين من الذين يرتضون من الشهداء، إن لم يشهد رجلان في القضية والله أعلم.
شخص اشترى من آخر منزلاً ولم يقبض المبيع ولا تصرف فيه بإيجار أو غيره، والبائع بعد مضي حوالي عشرين سنة من يوم البيع أضاف على المبنى طابقاً آخر وهو ساكن فيه، ثم إنه انتقل عنه وجعل يؤجر الجميع ويستلم الإيجار ولا معارضة ولا استنكار من المشتري، ثم إن البائع مات وبقي ورثته يؤجرون المبنى ويستلمون الإيجار، وفي هذه الآونة الأخيرة قام المشتري بالمطالبة بنصيبه من المبنى والبائع مات وماتت حجته، والمشتري يحتج بصك معه فيه البيع والشراء ويقول إنه تسامح بسكنى المنزل لابن عمه وليس لديه حجة تثبت دعواه هذه، وعلى كل فهل هذا المشتري يثبت له الجزء الذي اشتراه بعد هذا كله أم يقال إنه لم يقبض والبائع مات ولا حجة له، لأنه مات وماتت حجته والصكوك تبقى والحقوق تقضى، أم كيف وجه الحكم في ذلك نرجو الإفادة؟ (3/73)
صفحة 792
بما أن المشتري لم يقبض ما اشتراه، والبائع يتصرف في المبيع تصرف المالك في ملكه، واستمر على ذلك إلى أن مات، وظل ورثته من بعده على نفس الحال فلا حجة للمشتري على ورثة البائع، بل نرى هذا البيع معلولاً من أساسه والله أعلم.
في قضية عانية وهي أن أرباب فلج أخرجوا بادة(64) باتفاق منهم وتشاور بينهم لتباع في مصالح فلجهم وخدمته، وفعلاً بيعت خياراً بعد أن أخرجت ومضى لها سنون يتصرف بها المشترون، وفي هذه الأيام اختصموا فيها، فالجمهور منهم يقولون إن هذه البادة اشتريناها أصلاً بعد أن كانت خياراً عن مبلغ 2100 ريال إذا كان الخيار عن مبلغ 1600 ريال ومن بينهم الوكيل والعريف، يقولون بعنا هذه البادة قطعاً لخدمته، وأن هذا البيع وقع باطلاع أهل البلد، ومن لم يحضر حضر نائبه وهذا البيع وقع من أكثر من سنة، بينما يقول أهل البلد إن البادة باقية على بيع الخيار فقط ولم نحضر على بيع قطع فيها ولا نرضاه وإنا لا ننكر السوم في هذه البادة أي سوم بيع القطع اطلعنا على السوم في ذلك فقط، ولأنا لا نرضى بيع البادة إلا بالنداء، وعليه فطلبناهم أي مدعي بيع القطع الحجة على أن البيع وقع عن رضى الكل واطلاع على الشركاء فوعدوا إحضارها، فلو فرضنا إحضارها وما استقامت أو ما عدلت، فهل هنا أيمان على المعارضين لحسم مادة النزاع أم لا؟ لأن هذا من المشاعات، ورأيتم أن لو ردّوا اليمين على المشتركين هل يحلف الكل إن رضوا أن يحلفوا بعدد مقّدر من الأعيان أم كيف؟ نرجو الإفادة؟ (3/74)
صفحة 793
في الحديث عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ " البينة على المدعي واليمين على من أنكر"(65) وهو على عمومه، سواءً كان المدعي فرداً أو جماعة، وعليه فإن على المشترين إن ادعوا أنهم اشتروا بالقطع بعد شرائهم الأول بالخيار أن يقيموا البيّنة، فإن عجزوها أو كانت غير مقبولة كانت لهم اليمين على المدعي عليهم، أن يختاروا من أكابرهم من شاءوا ولهؤلاء أن يردّوا اليمين على المدّعين، فإن ردّوها لزمت جميع المدعين لأن عددهم محصور والله أعلم.
اجتمع أهل بلدي على تصريج عامد فلج ذلك البلد الذي كان غير مصرج من قديم الزمان، وعلى جوانبه نخيل كثيرة ثابتة ليس لها شرب إلا من سالة ذلك الفلج لكونه غير مصرج، هذه النخيل لمساجد وأيتام وهي تباع وتشترى بصفتها ثابتة لا تحتاج إلى أضعاف قيمتها، ولعدم وجود بادة قعد بذلك الفلج، فهل هذا العمل جائز لأهل البلد، وهل يجوز لي الموافقة عليه بصفتي شريكاً ووكيلاً للمساجد وبعض الأيتام(66)؟
في ذلك خلاف بين العلماء، وأقترح ـ لأجل الاحتياطي في الدين ـ أن يقف قاضٍ شرعي على الفلج والنخل من حوله، فيحكم فيه بما أراه الله، لأن حكم القاضي يرفع الخلاف في المختلف فيه بخلاف الفتوى، وإن تعذر ذلك واتفقت كلمة أهل البلد على التصريج فما عليك بأس إن وافقتهم، لأنهم آخذون برأي شرعي مشهور، ومن عمل بقول من أقوال المسلمين غير معارض لنص قاطع رجيت له السلامة. والله أعلم.
نحن نساء توفي والدنا قبل إحدى وأربعين عاماً، وترك لنا مالاً فقام جدنا بضمان حقوقنا بعدما أخذ حصته من الإرث، وكنا عندما توفي والدنا صغاراً، وحينما بلغنا الرشد لم يدفع لنا حقنا الذي ضمنه، ولم نسأله نحن، وذلك من باب الاحترام، والآن قمنا بمناشدته في مالنا الأخضر، فأجاب قائلاً: إنني بعته وضمنت لكم حقكم نقداً، كل ذلك ونحن لا نعلم، فهل لنا أن نطالب جدنا مالنا الذي باعه دون علمنا، أم نرضى بما ضمن لنا من الحقوق؟ (3/75)
صفحة 794
من باب البر بالجد ورعاية حقه الأبوي ينبغي عدم التشدد معه، والوصول إلى حل مرض لتزول الشحناء، وهذا يعني أخذ ما تيسر وترك ما تعسر. والله أعلم.
إنني شاب مسكين أكسب رزقي من بيع الملح، وسعر الجونية نصف ريال، هذا وقد اشترى مني عمي خمساً وستين جونية ملح، وانتظرت أن يدفع لي حقي فطال انتظاري، وطالبته بذلك فأنكر وجحد، فاندهشت وأقسمت بالله أن يدفع لي أو أشتكيه، فكلمت الناس ولكنه أصر على الإنكار، فشاورت جدي ـ أي أباه ـ في أن اشتكيه لكنه رفض لأنه يسيء إلى سمعته في المجتمع، فبماذا تنصحني؟
إن كنت تجد البلغة من غير أن تشكو بعمك فالإبقاء على حسن الصلة أولى رعاية للقرابة، وكفّر يمينك بإطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فإن عجزت عن ذلك فصم ثلاثة أيام والله أعلم.
رجل باع ماله لأحد أولاده ولا علم لباقي أولاده بهذا البيع ولم يعلموا به إلا بعد وفاة الوالد، فهل يحق للوالد هذا التصرف؟ وما قول الشرع فيه؟
إن أقام الشاري بينه على شرائه للمال في حياة الهالك ثبت له، لأن لصاحب المال في حياته حق التصرف في المال، سواء ببيعه لوارث أو غير وارث، وإذا كان في نفوس الورثة حرج فليرفعوا أمرهم إلى القاضي الشرعي والله أعلم.
ما حكم الشرع في شهادة الحق أمام القضاء، وذلك بذكر أسماء المجني عليهم رغم أن ذلك قد يسىء إليهم؟
إن كانت الشهادة تتوقف على ذلك فليس في ذلك حرج، فالحق أولى أن يقال. والله أعلم. (3/76)
صفحة 795
هناك أراض باقية آثار من عمارتها وأفلاجها تسمى بوثيلة والشبيكة، هي ذات مساحة كبيرة، وهذه الأراضي حسب ما أخبرنا به آباؤنا بأنها ملك النوافل، ونحن لم نحفظها مزروعة، وعزز قولهم صلح الإمام الخليلي ـ رحمه الله ـ، والآن أردنا تثبيت الملكية لتلك الأراضي، فظهر لنا معترضون من قبائل مجاورة تدعي بشراكتهم فيها، وأن هذا الصلح لا يدل على كل هذه الأراضي بل على جزءٍ منها، فما رأي سماحتكم في هذا القول؟ وبما تفسرون هذا الصلح؟
ما حرره الإمام ـ رحمه الله تعالى ـ عليه الاعتماد، ولا مجال للعدول عنه، ولكن تحديد هذه الأراضي يتوقف على وقوف قاضٍ شرعي على حدودها للتمييز بين الداخل فيها والخارج عنها والله أعلم.
ادعى رجل على آخر أنه دمّر ساقية له ورثها عن أبيه تمر في ماله ـ أي مال المدعي عليه ـ وأشهد شهوداً على دعواه، ثلاثة منهم يشهدون أن أباه كان يسقي منها ولا يعلمون أنها له أو لغيره، وشهد الرابع أنها ملك له، ويقول المدعى عليه أن أبا المدعي كان يسقي من هذه الساقية ولكن ليس على سبيل التملك وإنما على سبيل المعروف والإذن من صاحب المال الأول الذي اشترى منه هذا المال، وأشهد على ذلك شهوداً بأن أب المدعي كان يسقي من هذه الساقية على سبيل المعروف لا على سبيل التملك، علماً بأن أب المدعي توفي منذ ما يقارب الأربعة عشر عاماً، والمدعى عليه اشترى المال منذ سنتين فقط، فما الحكم في هذه الدعوى؟
قول المدعى عليه إن أبا المدعي كان يسقي من هذه الساقية على سبيل المعروف لا على سبيل التملك ينزله منزلة المدعي في هذه الدعوى لأنه اعترف بالسقي، ولكنه ادعى أنه على سبيل المعروف فعليه البينة، وبما أنه جاء بالبينة فقد ثبتت له دعواه، أما دعوى المدعي الأول فبينتها غير كافية لأنه لم يشهد له إلا شاهد واحد بحسب دعواه والله أعلم. (3/77)
صفحة 796
توفي والدي وقد باع قبل موته منزلاً وسيارة لإحدى بناته، ولكن لم يشهد أحداً على هذا البيع، وإنما تمت كتابته بخط يده على ملكية المنزل بأنه قد باعه لابنته، وقد أخبرني وأخبر والدتي فقط بهذا البيع، فكيف يحكم في هذا البيع خاصة أن من الورثة من لم يبلغ سن الرشد؟ فهل نخرجه من المال ثم نقسم الباقي أم يقال بأن هذا البيع غير ثابت؟ نرجو الإفادة؟
القلم أحد اللسانين، فاعتراف الإنسان بقلمه كاعترافه بلسانه، وهذا يعني أن كتابته حجة لكونها معروفة، ويتأكد ذلك بإخباركم بذلك والله أعلم.
الشرط في البيع:
ما معنى قول الإمام نور الدين السالمي في مدارج الكمال صحيفة (105) ذكر الشرط في البيع:
والثاني نحو الرهن أو ما يحمل
وكالتبري من عيوب تعقل
وكون شاته لبوناً أو ولد
في بطنها فالبيع في الكل اعقد
والشرط في صحة هذا الشرط
هو كونه ذا ثمن بقسط
وكونه ليس بمجهول فما
قد كان مجهولاً يرد فاعلما (3/78)
صفحة 797
اختلف العلماء في البيع والشرط، هل يثبتان أو يبطلان، أو يثبت البيع دون الشرط على ثلاثة أقوال، ولكل قول من هذه الأقوال حجة، فمن قال بثبوتها احتج بما ثبت عنه ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ أنه ابتاع بعير جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنه ـ فشرط جابر ظهره إلى المدينة فأقر ذلك ـ عليه أفضل الصلاة والتسليم(66)، كما استدل لذلك أيضاً بالأحاديث التي ورد فيها ذكر الاشتراط معتبراً شرعاً، كقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ" من باع نخلاً قد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع"، رواه الإمام الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنهم ـ(67)، ورواه الإمام مالك والشيخان والترمذي والنسائي عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ(68)، والظاهر أن من أبطلها معاً يستدل لقوله بأن الشرط والبيع كل منهما عقد فإذا اجتمعا صارا كبيعين في بيع، وقد صح عنه ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ النهي عن ذلك، وأما من أثبت البيع وأبطل الشرط، فحجته حديث بريرة، فقد اشترتها أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ واشترط أهلها ولاءها، فأثبت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ البيع وأبطل الشرط، وهؤلاء يقولون في حديث جابر ـ رضي الله عنه ـ إن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أقر جابراً على ركوب البعير من طيب نفسه ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ إكراماً لجابر لا رعاية للشرط، وهو خلاف الظاهر. (3/79)
صفحة 798
وتحرير المقام أن الشرط يختلف حكمه باختلاف نوعه، فمن الشروط ما لا اعتبار له، كشرط يخالف حكماً شرعياً، ومن هذا الباب اشتراط الولاء، فإن الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب؛ كما أخبر بذلك الشارع الأمين ـ صلى الله عليه وسلم ـ، واشتراط ما يخالف حكماً شرعياً لا يقره الشرع الشريف، وكذلك اشتراط المجهول، فإن المجهول كما لا يجوز بيعه لا يجوز اشتراطه، ومن الشروط ما هو سائغ اشتراطه، وذلك ما دلت عليه السنة أو ما قيس على ذلك، وقد ذكر الإمام نور الدين السالمي ـ رضي الله عنه ـ مجموعة من هذا النوع في هذه الأبيات، ومن ذلك اشتراط بقاء المبيع في يد البائع رهناً إلى أن يدفع الشاري قيمته واشتراط حمل المبيع إلى مكان معهود، واشتراط أن المبيع خال من عيوب معهودة، واشتراط كون الشاة مثلاً لبوناً أو حاملاً، وكما يشترط في الشرط أن يكون غير مجهول كذلك يشترط فيه أن يكون مما يزيد في قيمة المبيع، هذا وأما الشرطان في البيع فقد نهى عنهما رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ(68) واتفق علماؤنا ـ رحمهم الله ـ على أنهما يبطلان مع البيع، إلا الإمام الربيع ـ رضي الله عنه ـ فإنه قال يبطلان الشرطين وثبوت البيع. والله تعالى أعلم.
رجل متقاعد يبيع بيته بثمن أقل من ثمن السوق، ويشترط على المشتري أنه سيستأجر منه البيت بإيجار رمزي قدره ريال واحد شهرياً إلى أن يتوفاه الله، ثم بعد ذلك للمشتري أن يتصرف في البيت كيفما شاء؟
هذا بيع باطل، لاشتماله على عقدين وهو عقد البيع وعقد الإيجار، وعلى شرطٍ مجهول وهو بقاؤه في يد البائع بأجر رمزي إلى مدة لا يعلمها إلا الله، لأنه لا يدري أحد بأجله أقريب هو أم بعيد. والله أعلم.
أنشأ شخص مبنىً ولم يكمل بناءه، فتكفل له أحد بإكماله وفق مواصفات مخطط البناء، على أن يستأجره بعد انتهاء بنائه مدة استيفائه ما أنفق على إكماله، فما حكم هذا العقد؟ (3/80)
صفحة 799
نهى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن بيعين في بيع(69) أي عقدين في عقد، وقد اشتمل هذا العقد على استئجار البناء وإيجار المبنى فلا يجوز والله أعلم.
ما قولك في رجل يرغب أن ينتسب عضواً في إحدى الشركات الخاصة بالمشاريع والخدمات وقروض البناء، وتقوم أعمال السمسرة في المجالات العقارية، ويشترط من الراغب في العضوية أن يدفع مقدماً (2000 ريال عماني) حتى تقبل عضويته، وبالتالي إذا رغب هذا العضو في بناء أو شراء منزل ينتظر دوره أولاً بأول إلى إن يصل دوره، وبالتالي يدفع من قيمة العقار الذي يرغب شراءه أو بناءه 30% وما يتبقى عليه يدفعها على مسار القسط الشهري حسب المدة التي تحددها الشركة.
وهنا يأتي السؤال، إذا كان هذا العضو الذي يرغب في البداية الانتساب إلى هذه الشركة لا يتوفر لديه المبلغ المطلوب للعضوية، وإنما تتوفر لديه قطعة الأرض التي يرغب في المستقبل بناء منزله عليها، فيبيعها على الشركة بيع القطع عن مبلغ يتفق عليه مع الشركة، ويعتبر جزءاً من ذلك المبلغ لاشتراكه في العضوية، والجزء الباقي من المبلغ يبقى وديعة لدى الشركة إلى أن يصل دوره لقرض البناء، ثم يقام له منزل على مساحة أرضه التي باعها سابقاً على الشركة، وبالتالي يباع له العقار بالمبلغ الذي يتفق عليه مقابل دفع 30% من قيمة العقار؟
إن كان البيع مشروطاً بأن تعاد إليه الأرض فهو غير جائز، وإن لم يكن مشروطاً بذلك فلا حرج والله أعلم. (3/81)
صفحة 800
قمت بشراء قطعة أرض بغرض البناء والبيع بعد ذلك، بمبلغ وقدره (1600ريال)، على أن أقوم بدفع نصف المبلغ وهو (8000ريال) في ذلك الحين والنصف الآخر يؤجل دفعه بعد ستة شهور، وتم كتابة فصل دين بالمحكمة الشرعية بنفس المبلغ، كما أنه تم الاتفاق بيني وبين البائع بشرط جزائي داخلي على أن يدفع المشتري مبلغ وقدره (2000 ريال) كفائدة في حالة مضي على المبلغ المذكور ثمانية شهور، على أن يدفع المشتري ( 10000 ريال) بعد بيع المنزل الذي تم بناؤه على القطعة نفسها، وبالفعل تم الانتهاء من بناء المنزل قبل الموعد المحدد، ولكن للأسف الشديد لم يوفقني الله في بيع المنزل، وتم الاتصال بالبائع على تمديد مهلة الشرط الجزائي وقد وافق البائع على التنازل عن الشرط الجزائي على أن أدفع مبلغاً (7000 ريال) المتبقية، حيث تم استلام مبلغ ( 1000 ريال) مسبقاً وقمت بإبلاغ الشهود الذين شهدوا على بيع الأرض وزوجة البائع وبالفعل قمت بتوفير المبلغ ( 7000 ريال) وتم المقابلة مع البائع بحضور الشهود لتسليمه المبلغ إلاّ أنني للأسف الشديد فوجئت بعدم الموافقة من قبل البائع باستلام المبلغ بحجة عدم الموافقة على التنازل عن الشرط الجزائي ويطلب مبلغ وقدره (9000 ريال). علماً بأنني لم أقم ببيع المنزل حتى الآن. ما رأي الشرع في هذا الموضوع من الناحية الشرعية؟
ذلك الشرط باطل، فإنه شرط أحلّ حراماً وهو الربا المحرم شرعاً وكفى به إثماً مبينا والله أعلم.
عند شراء سيارة بالأقساط لمدة سنتين بمبلغ خمسة آلاف ريال، وبعد انتهاء سنة واحدة فقط من الأقساط تيسرت الأمور، وعند قيام المشتري بسداد المبالغ المتبقية نقداً يقوم البنك أو الوكالة أو الشركة بتخفيض مبلغ معين من تلك الأقساط، نظير الدفع النقدي، مخالفاً للاتفاق الذي بينه وبين شاري السيارة ما رأيكم في ذلك؟
إن كان ذلك غير متفق عليه من قبل فلا بأس به والله أعلم. (3/82)
صفحة 801
شخص يريد شراء سلعة معينة من إحدى الشركات وذلك عن طريق التقسيط، إلا أن هذه الشركات تشترط لقبول التقسيط أن يحضر الشخص ضماناً بنكياً، فهل يجوز ذلك أم لا؟
عن كان هذا الضمان لا يترتب عليه شيء من الربا، فلا مانع منه. والله أعلم.
قمنا بشراء مال أخضر فشرط علينا البائع في هذا المال فطرة "منّا(70) وربعاً"، ثم بعناه لشخص آخر، فشرطنا عليه هذا الشرط، فهل يلحقنا إثم إذا لم ينفذ هذا الشرط؟
بما أنكم اشترطتم ذلك على المشتري، فإن قصَّر في ذلك فالمسئولية واقعة عليه، وقد برئت من ذلك ذمتكم. والله أعلم.
لدي بيت وأردت بيعه لشخص آخر على أنه سيقترض من البنك لتسديد المبلغ إلى وأنا عارف بذلك، فهل يجوز لي أن أعقد هذه الصفقة وإتمامها؟
أما عقد صفقتك على هذا الأساس فهو باطل، لأنه عقد مؤسس على أمر لا يجوز شرعاً وهو القرض الربوي والله أعلم.
تابع للسؤال السابق: فإذا كان هذا البيت لمَّا يتم بناؤه وهو عند السقف، هل لي أن أبيعه إياه على اعتبار أنه جاهز ويكون عليَّ إتمام هذا البيت من بناء وتجهيز؟ وهل لي بيعه على هذه الحالة التي هو عليها؟
أما بيعه على ما هو عليه من غير شرط فهو جائز، وأما الشرط فيدخله الخلاف على ثلاثة أقوال ـ إن كان شرطاً واحداً فقط ـ، فقيل بجواز البيع والشرط، وقيل ببطلانهما، وقيل بجواز البيع وبطلان الشرط والله أعلم.
لقد اشتريت قطعة أرض من زميل لي وقد أعطيته من المبلغ الذي اتفقنا عليه أكثر من النصف، ولكنه أراد أن يفض البيعة ويرد لي المبلغ الذي أعطيته إياه، علماً بأن هناك شهوداً على هذا البيع، وقد شرطت عليه شرطاً إذا أراد التراجع عن البيع أن يدفع لي مبلغ الأرض الحالي وليس المبلغ الذي اتفقنا عليه من قبل؛ بمعنى أنه أبايعه من جديد، فهل هذا حلال أم حرام؟ (3/83)
صفحة 802
إن كان هذا شرطاً اتفقتما عليه من قبل فهو من الشروط التي تعل البيع، فلا يصح معه البيع لما فيه من الجهالة، إذ لا يدري كم تكون قيمة الأرض عندما يريد ذلك والله أعلم.
باع رجل مصنعاً بمبلغ قدره خمسة آلاف ريال عماني، واشترط البائع على المشتري بأن يؤجره المصنع مقابل مبلغ قدره مائتان وثمانون ريالاً شهرياً، واشترط عليه أيضاً أن يعطيه مبلغاً قدره خمسة آلاف ريال عماني لتشغيل المصنع بصفة قرض لمدة خمسة عشر عاماً، علماً بأن الأرض المقام عليها المصنع مستأجرة وليست ملكاً للبائع؟ أفيدونا جزاكم الله عنا خيراً؟
هذا بيع فاسد لاشتماله على شرطين والله أعلم.
رجل يملك عقاراً يرغب في تأجيره لجهة حكومية، وبعد التفاوض أخبروه أن النظام المتبع عندهم يلزم المالك بتأمين المبنى ضد الحريق:
1ـ فإذا علم بذلك بعد توقيع العقد، فهل يؤدي ذلك إلى بطلان العقد، لا سيما أن شرطهم ملزم به؟
2ـ إذا علم بذلك قبل توقيع العقد، فهل يجوز له تأجير المبنى لتلك الجهة، مع العلم أنه مستفيد مادياً لأنهم يدفعون له الإيجار
مقدماً كل سنة؟
1) ... هذا شرط يبطل صفقة العقد ما دام للمؤجر مناص عنه، والله يعوضه ما هو خير وأنفع { ومن يتق الله يجعل له مخرجا *
ويرزقه من حيث لا يحتسب } (71) والله أعلم.
2) ... الواجب ترك ذلك العقد إلى غيره، والله يعوضه ما هو خير له والله أعلم.
شخص ذهب إلى محل من محلات بيع الذهب، ومعلوم أن الإنسان إذا اشترى من هذه المحلات عادةً يشتري بسعر أعلى، فمثلاً عندما يأتيهم أحد بذهب قديم يريد بيعه لهم سيقولون له هل: ستشتري من عندنا ذهب غيره؟، فإذا قال نعم قدروا ذهبه القديم بقيمة أعلى، أما إذا لم يكن يريد ذهباً آخر منهم فيقدرونه بقيمة أقل، فما الحكم في هذا التعامل؟
هم إن رفعوا السعر من تلقاء أنفسهم من غير أن يكون هنالك تشارط، بحيث لا يشترط على نفسه أن يشتري من عندهم فلا مانع من ذلك، وإنما ينهى عن التشارط في هذا والله أعلم. (3/84)
صفحة 803
مسائل تجارية معاصرة:
شركة تسوق ميداليات ذهبية عن طريق سلسلة تسويقية، بمعنى أن من يشتري منها عليه أن يأتي بزبائن آخرين، فإذا أتى بعشرة زبائن أعطته الشركة عمولة نقدية.
وللمشتري الحق في أن يختار إحدى الطرق التالية لشراء الميدالية:
1) ... أن يدفع قيمة الميدالية كاملة وهي 700 دولار أمريكي ويستلم الميدالية مباشرة عن طريق البريد، وإذا ما أتى بعشرة زبائن قبض عمولة مقدارها 400 دولار عن كل عشرة زبائن وهكذا دواليك (400 دولار عن كل عشرة زبائن).
2) ... أن يدفع قيمة الميدالية ناقصة وهي 300 دولار أمريكي، وإذا ما أتى بعشرة زبائن استلم الميدالية، ثم إذا ما أتى بعشرة آخرين قبض عمولة مقدارها 400 دولار عن كل عشرة زبائن وهكذا دواليك (400 دولا عن كل عشرة زبائن).
3) ... أن يدفع قيمة الميدالية ناقصة وهي 300 دولا أمريكي، ويدفع بقية المبلغ وهي 400 دولار عن طريق 8 أقساط متساوية قيمة كل قسط 50 دولاراً ويستلم الميدالية بعد دفع القسط الأخير، ثم إذا أتى بعشرة قبض عمولة مقدارها 400 دولار عن كل عشرة زبائن.
4) ... أن يفع قيمة الميدالية ناقصة وهي 300 دولار أمريكي، وإذا ما أتى بعشرة زبائن استلم الميدالية، ثم إذا ما أتى بعشرة آخرين قبض عمولة مقدارها 400 دولار عن كل عشرة زبائن وهكذا دواليك (400 دولار عن كل عشرة زبائن) وللمشتري في الحالة الرابعة إذا لم يتمكن من جلب الزبائن الحق أن يسترد مبلغه كاملاً (300 دولار) ويخرج من العقد أو أن يستلم ميدالية أصغر ويستمر في محاولة جلب الزبائن للحصول على العمولة؟ (3/85)
صفحة 804
ثبت في الحديث عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه نهى عن بيعين في بيع، ولهذا النهي صور متعددة، منها أن يتفق الطرفان على أن يبيع أحدهما عيناً بثمن معلوم على أن يشتري هو من الآخر شيئاً بثمن آخر، ومنها أن يبيع العين له بثمنين مختلفين، ثمن أوفر إن اختار أن يبتاعها نسيئةً وثمناً أقل إن اختار أن يشتريها نقداً، ولا يجزمان بإحدى الصورتين، وإنما يبقى العقد عائماً، والخيار للمشتري فيما يختاره من الصورتين، ويدخل فيه كل عقدين كعقد بيع وإيجار معاً، ومن المعلوم أن الصور المذكورة في هذه المعاملة لا تخرج عن هذا النهي، فهي تندرج في ضمن عقدين في عقد، وهو عقد البيع وعقد القيام بالعمالة للشركة من قبل المبتاع فهي غير جائزة بسبب ذلك، فضلاً عما فيها من الغرر والجهالة، إذ لا يدري هذا المبتاع هل يتمكن من الإتيان بعشرة من الزبائن أو لا، وهو مما يزيد المعاملة حرمة فضلاً عما اشتملت عليه هذه المعاملة من الصورة الربوية الواضحة في بيع ميدالية الذهب بأوراق نقدية نسئة، مع أن الذهب والأوراق كلاهما جنس واحد، ولذلك يحمل كلٌ منهما على الآخر في الزكاة، فلا يجوز بيع أحدهما بالآخر إلا يداً بيد كالذهب والفضة، هذا ما أراه والله أعلم.
فقد دخلت في معاملة أود أن أسأل سماحتكم عن حكمها وتتخلص في الآتي:
تقوم شركة ببيع بطاقات، بحيث يشتريها الفرد من شخص مقابل (40) دولاراً، ثم يقوم المشتري بإرسال مبلغ للشركة وقدره (40) دولاراً، ويدفع للشخص الذي في (المرتبة الأولى) مبلغاً وقدره (40) دولاراً.
ثم يرسل الشهادة التي اشتراها للشركة فتقوم بالرد عليه بإرسال ثلاث شهادات بحيث يكون اسمه في المرتبة السابعة.
فيقوم الشخص ببيعها لثلاثة أشخاص مقابل(40) دولاراً لكل منها. (3/86)
صفحة 805
وكلما اشتراها ـ أي الشهادات ـ أشخاص أكثر ارتفع اسم الشخص الذي في المرتبة السابعة إلى التي أعلى منها، وهكذا حتى يصل اسمه إلى المرتبة الأولى، وبالتالي سيدفع له كل من اشترى شهادة فيها اسمه ( المرتبة الأولى) مبلغاً وقدره (40)دولاراًً، فتصبح لدية ثروة من المال مقابل ذلك.
ما حكم هذه المعاملة؟ وماذا على من دخل فيها من متعلقات مالية؟ فإن قلتم بعدم الجواز ماذا يفعل من اكتسب أموالاً عن طريق هذه المعاملة؟
هذه معاملة محرمة من وجهين، أولهما: الربا الذي حرمه الله تعالى، فإن بيع النقد نسئة ربا ولو مَعَ عدم التفاضل، فكيف ببيعه كذلك متفاظلاً، وقد حذر الله من الربا وجعله حرباً بينه وبين العباد، وثانيهما: الغرر، إذ لا يدري أحد هل سينجح في بيع هذه الشهادات المتضمنة لهذه المبالغ حتى يتمكن من جمع هذا المبلغ، أولا؟ والغرر حرام، وهو داخل في المقامرة. والله أعلم.
شاب معه شيك بمبلغ 505 ريالات بتاريخ مؤجل، ثم احتاج للمال فذهب لأبيه، وقال أعطيك الشيك وتعطيني المبلغ نقداً.. فقال الأب أعطيك 500 ريال فقط و5 ريالات لي. هل يجوز ذلك؟
هذا هو الربا بعينه، وإن تراضيا بذلك فهما ملعونان والله أعلم.
رجل لديه سند مالي ( شيك) مؤجل أو حوالة مالية مؤجلة، فهل له أن يبيعها بسعر أقل من قيمتها الأصلية؟
لا يجوز له ذلك، لأنه من باب بيع النقد باستيفاء ما هو أكثر منه بعد حين، وذلك عين الربا والله أعلم.
ما حكم التعامل بالشيكات في بيع الذهب إذا أعطيت لموظف المحل وقت البيع ولكن بتاريخ مؤجل؟ وما هي الطريقة المشروعة في مثل هذه الحالة.
إن كانت مؤجلة فلا، وإن كانت غير مؤجلة فهي كالنقد والله أعلم.
أجر زيد محله لعمرو والذي قام بالتجارة فيه حتى أصبح مشهوراً، ولما انتهت مدة الإيجار وطالب زيد عمراً برجوع محله إليه اشترط عليه عمرو دفع قيمة الإشهار، فما حكم ذلك؟
ذلك لا يسوغ، لأنه من أكل أموال الناس بغير حق والله أعلم. (3/87)
صفحة 806
عن بطاقة الائتمان، ومن صور استعمالها أنه يحق لمن يحمل هذه البطاقة أن يسحب من فروع البنك المبلغ الذي يجده، ويسدد نفس المبلغ خلال مدة لا تتجاوز أربعة وخمسين يوماً، وإذا لم يسدد المبلغ المسحوب خلال هذه الفترة يأخذ البنك فوائد بنسبة معينة حسب المبلغ المسحوب، كما أن البنك يأخذ عن كل عملية سحب نقدي لحامل البطاقة عمولة معينة أو مبلغاً معيناً، ويحق لحاملها أيضاً الشراء من المحلات التجارية التي يتعامل معها البنك دون أن يدفع مالاً نقدياً، وتكون السلفة عليه للبنك، وإذا تأخر عن سداد قيمة الذي اشتراه خلال مدة معينة يأخذ البنك مبلغاً معيناً عن كل مائة ريال ـ من قيمة البضاعة المشتراه ـ، فما حكم استعمال هذه البطاقة؟ وهل هنالك صورة أخرى صحيحة إن كانت هذه الصورة فاسدة؟
إن كان لهذا الشخص مال في البنك بحيث يقتطع من ماله، ولا يؤخذ في مقابل ذلك ربا فلا حرج في ذلك، أما إن لم يكن له مال في البنك وكان يدفع عنه مبلغ من المال، فإن كان بغير ربا فهو جائز، وإن كان بربا فالربا حرام بالنصوص القاطعة ولا يجوز التحايل على الربا بأي طريقة من الطرق، وإذا كان هو موقناً بأنه سيسدد المبلغ قبل المدة المحددة، وهو ـ أيضاً ـ يوصي أحداً بأنه إذا مات يسدد هذا المبلغ بسرعة لئلا يؤخذ ربا، وكان في حالة ضرورة وحالة حاجة لهذه المعاملة فلا حرج عليه في هذه الحالة، على أن يتم التسديد عاجلاً قبل أن يجد البنك فرصة لأخذ الربا من عنده والله أعلم.
رجل مبتعث من قبل وزارة من الوزارات للدراسة في إحدى الدول، ومما يستحقه من هذه البعثة أن يصرف له تذكرة سفر، ولكنه قد يحبذ السفر براً بسيارته، ويريد أن يسترجع قيمة التذكرة، ولما كانت الوزارة لا تصرف قيمة التذاكر نقداً، فإنه يتفق مع مكتب للحجز والسفريات، والذي يقوم بالحجز عن طريق التذكرة بالتنسيق مع الوزارة أن يأخذ قيمة التذكرة من قبل مكتب الحجز السفريات مع ملاحظة: (3/88)
صفحة 807
1ـ أن الوزارة لا تصرف قيمة التذكرة لمكتب السفريات إلا بعد فترة ( شهر أو شهرين أو أكثر)،
وبالتالي فلا يعطي مكتب السفريات المبلغ للشخص إلا بعد استلامه المبلغ من الوزارة.
2ـ أن مكتب السفريات يأخذ مقابل أتعابه نسبة معينة من مبلغ التذكرة الذي يستلمه من الوزارة (حوالي 15%) من قيمة التذكرة.
3ـ أن المبتعث يختار مكتب سفريات معين قبل أن تحجز الوزارة التذكرة، وذلك لأنه يتفق مسبقاً مع هذا المكتب على تعويضه قيمة التذكرة وعدم استعماله التذكرة، لأن بعض المكاتب الأخرى قد لا تتعامل بهذه الطريقة بعضها مبلغاً أقل من البعض الآخر.
فما الحكم الشرعي في هذه المعاملة؟
إن كانت التذكرة حقاً له حسب النظام فلا حرج في اتباع هذا الأسلوب لاستخراج حقه، على أن يكون ما يأخذه مكتب السفريات عناءً على أتعابه، وليس من باب بيع النقد بالنقد متفاوتاً والله أعلم.
في عصرنا هذا ومع التقدم العلمي ـ وكما يقال أصبح العالم قرية صغيرة ـ وتطورات أساليب التجارة وأصبح بالإمكان شراء البضائع والسلع بقراءة مواصفاتها ومميزاتها ورؤية شكلها فقط على شبكة المعلومات ( الإنترنت)، فهل يمكن المتاجرة بهذه الطريقة، وتتم الصفقة من غير أن يتلاقى البائع بالمشتري؟
نعم، تتم الصفقة بمثل هذه الطريقة نظراً لحاجة الناس إليها وتوقف مصالحهم عليها مع الأمن من الغرر، لأن معظم الشروط التي اشترطت لصحة المعاملات إنما تدور حول دفع الغرر عن كلا المتبايعين والله أعلم. (3/89)
صفحة 808
نرى البعض يقوم ببيع شركته أو مصنعه، فيقوم بتقويم الموجودات من المعدات والآلات والمخزونات، ويضيف عليها قيمة أخرى للعلامة التجارية، أو مقابل العاملين والموظفين الذين قام بتدريبهم في السابق لأداء هذا العمل، ولولا تدريبه لهم لما نالوا هذه الخبرة، فما رأي سماحتكم في ذلك، علماً بأن العلامة التجارية لها اعتبار عند الناس، إذ بعض العلامات التجارية المشهورة يثق بها الناس أكثر من غيرها، وهذا مما يجلب الزبائن للمشتري؟
إن كان ذلك بسبب ارتفاع قيمة الشركة وبسبب رواج ما تبيعه وما تنتجه، فإن ذلك يعتبر ويعتد به ويعد له قيمة والله أعلم.
ما حكم بيع أو شراء قيمة المحل وشهرته دون جدرانه، أي قاعدته التجارية، أو ما يسمى بالخلو؟ هو من أكل المال بغير حق والله أعلم.
فيمن يبيع محلاً ويضيف إلى قيمته مبالغ أخرى لموقع هذا المحل المتميز، مما يعرف بخلو الرجل؟
إذا كان يبيعه وليس يتخلى عنه فقط بحيث تنتقل ملكيته إلى المشتري فليزد ذلك في قيمة المبيع والله أعلم.
سماحة الشيخ، أحد الطلبة يدرس في المملكة المتحدة ويحصل سنوياً على تذاكر سفر له ولزوجته ولثلاثة من أولاده إذا رغب في اصطحابهم معه إلى هناك، فهل يجوز له أن يستفيد من هذه التذاكر بالسفر مع أولاده إلى دولة أخرى في حالة عدم رغبته في اصطحابهم إلى المملكة المتحدة؟ لا مانع من ذلك والله أعلم.
وبما أن هذا الطالب يحتاج إلى شراء عدد من التذاكر خلال العام نظراً إلى أنه متزوج، فهل يجوز له أن يستفيد من ذلك المبلغ عن طريق شراء تلك التذاكر وفي أوقات مختلفة؟
لا مانع من ذلك والله أعلم.
من المعلوم أنه قد نهي عن البيع والشراء في المسجد، ونحن نرى في عصرنا الحالي أن بعض الناس يتصلون من داخل الحرم وفي أثناء الطواف بالبيت، فهل هذا الاتصال يعد من قبيل البيع والشراء بين الشخص المتصل وشركة الاتصالات؟
إن كان الاتصال لمصلحة دينية، أو ضرورة دنيوية لا محيض عنها، فلا حرج. والله أعلم. (3/90)
صفحة 809
نرغب في طمأنة عملائنا بأن الشركة لا تتعامل مع عملائها بنظام الربا، فالتعامل مع الشركة خالٍ من الربا، فإن التعامل يتماشى مع الشريعة الإسلامية، وقد أفتى العلماء المعاصرون بجواز ذلك، وها هو نص فتوى الدكتور علي محي الدين القرداغي، أستاذ ورئيس قسم الفقة والأصول بكلية الشريعة ـ جامعة قطر ـ الوظيفة المعاملات المالية، ما حكم المعاملة المالية التالية: أقوم بالتجارة في البورصات العالمية ( لندن/ نيويورك/ هونج كونج) بشراء وبيع العملات والمعادن عن طريق وسيط مالي بنظام المارجن حسب القواعد التالية:
1ـ يتم فتح حساب لدى الوسيط في بنك في أمريكا، حيث أضع مبلغ (10000 مارجن دولار).
2ـ أقو بشراء / بيع العملات والذهب بواقع ( 2000 دولار لكل صفقة) حيث يتم تقسيم المبلغ ( 10000) إلى خمسة صفقات، ويقوم الوسيط المالي بتزويدي بباقي المبلغ لكل صفقة بحيث أشارك بمارجن (20%) على سبيل المثال من قيمة الأسعار بيعاً وشراءً.
3ـ انتظر الأسعار لتصبح في صالحي ربحاً، وأقوم ببيع الصفقة / الصفقات وتوضع قيمة المعاملة في حسابي في البنك، وأقوم بدفع مبلغ ( 35 دولاراً عمولة) عند البيع عن كل عملية مالية تم إنهاؤها للوسيط المالي بغض النظر عن كوني ربحت أم خسرت، ولكن لا يأخذ الوسيط مني أي عمولة عند عملية الشراء.
4 ـ لا يتحمل الوسيط المالي قيمة الخسائر الناتجة عن التعامل بحيث أقوم أنا بتحمل جميع ما ينتج عن ذلك والمخاطرة بقيمة المبلغ الذي قمت بدفعه (2000 دولار) لكل صفقة، ويمكنه تغطيتي والاستمرار في التعامل ما دام في حسابي ما يغطي قيمة الخسائر، وإذا لم يكن هنالك ما يغطي الخسائر يقوم هو ببيع الصفقة مباشرة إذا تجاوزت قيمة الخسائر (2000 دولار) ويأخذ ( 35 دولار عمولة) أيضاً عن عملية البيع مع الملاحظة أيضاً أنه لا يأخذ شيئاً من الأرباح في حالة الربح عند البيع، ولكن يأخذ عمولته فقط. (3/91)
صفحة 810
5ـ المبلغ الذي أملكه لا يكفي لتسديد قيمة الصفقة الواحدة؛ ولكن أدخل السوق بمساعدة الوسيط المالي في مقابل ( 1000 دولار) لا مع عدم ربحه أو خسارته، ولكن مقابل عمولته، ويكون هو بذلك قد وفر لي فرصة التعامل في السوق عن طريقه.
6 ـ أعرف أن الفيصل في تعاملات الذهب والفضة والعملات هو: أن تكون يداً بيد، وألا يبيع المرء شيئاً لا يملكه، وأنا ملتزم بذلك، وأيضاً لا آخذ فوائد من البنك في حالة بيع الصفقات ووضع المال فيه خلال الليل، حيث يعطيني فوائد على ذلك ولكنه يأخذ مني فوائد عند حصول عملية شراء تبييت المال بالليل في البنك، فما حكم ذلك إن حصل مع حرصي على عدم تبييت أي صفقة بيعاً أو شراءً حتى لو حدثت خسارة لتفادي موضوع دفع أو أخذ الفوائد؟
7 ـ إذا كانت تلك المعاملة غير جائزة شرعاً بسبب عدم امتلاكي لجميع قيمة الصفقة، فهل تصبح جائزة عند امتلاكي للمبلغ في حسابي ولكن لم أدفع القيمة كلها ودفعت جزءاً والوسيط المالي قام بدفع الباقي، أم تصبح جائزة عندما أقوم بدفع كامل قيمة الصفقة وحدي دون تدخل الوسيط المالي معي، ويكون دور الوسيط في تلك الحالة هو توفيره الدخول للسوق وبيان الأسعار والتحليلات المالية في مقابل عمولته ( 25 دولاراً) أرجو الإفادة؟
جواب الدكتور: لا شك أن التعامل في العملات من أصعب المعاملات المالية في الفقة الإسلامي؛ بحيث يشترط فيه التقابض في المجلس، وهو ما سماه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ: " يداً بيد"، ولكن الفقهاء المعاصرين اعتبروا تسجيل المبلغ في الحساب البنكي بمثابة القبض، وبذلك صدرت القرارات والفتاوى الجماعية؛ ولذلك فمن أهم شروط التعامل بالعملات ما يلي:
1) ... أن يتم البيع والشراء بصورة فورية وليس فيها شرط التأجيل.
2) ... أن تدخل العملتان وتسجلا في حسابي البائع والمشتري.
3) ... أن يدفع ثمن الصفقة بالكامل دون أي تأخير. (3/92)
صفحة 811
4) ... ألا يكون هناك فائدة في إجراء هذه الصفقات، فإذا وجدت أي فائدة ربوية فإن العقد فاسد وباطل ومحرم.
ولذلك فالسبيل الوحيد للخروج من هذا المحرم أحد الأمرين: إما أن يشتري الإنسان بقدر ما عنده من نقود، أو يأخذ قرضاً بدون فائدة من الوسيط، كما أنه لا يأخذ أي فائدة ربوية من نقوده، وبالمناسبة فإن هناك بعض الصناديق للاستثمار بالعملات تلتزم بهذه الشروط.
وأجاب عنها سماحة الشيخ المفتي: أرى أن من الضرورة التقيد بما قاله المجيب في جوابه، ومع هذا التقيد بالشرطين المذكورين أرجو أن لا تضيق هذه المعاملة والله الموفق.
التسعير:
ما رأي سماحتكم في التسعير؟ فقد ذهب البعض على أنه لا يجوز على أهل الأسواق، وأفتى البعض بجواز التسعير في الأقوات وفي زمن الاضطرار، وأجاز البعض التسعير العادل إذا احتاج الناس إليه؟
الأصل في التسعير أنه غير جائز، لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ امتنع عنه، وقال: بأنه يريد أن يلقى الله وليست عليه ظلامة لأحد(73)، فمعنى ذلك أن التسعير ظلم، وقد قال: " دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض"(74)، والتسعير هو مناف لهذه الحكمة، ولكن إن أدى الأمر إلى ضرر الناس، بحيث أخذ التجار يحتكرون المواد الضرورية التي تتوقف حياة الناس عليها وهي الأقوات ورفعوا أسعارها في وقت الاضطرار إلى ذلك، فإن للحاكم أن يتدخل هنا بقدر ما يرفع الضرر عن المسلمين والله تعالى أعلم.
الغش: (3/93)
صفحة 812
ما رأيك في رجل كان يبيع سلعته بالكذب في بعض الأحيان، مع العلم أن الرجال الذين كان يبيع سلعته عليهم منهم يعرفه ومنهم من لا يعرفه ومنهم لا يذكره، ولكن الذي لا يذكره ربما يكون حياً، ومنهم قد توفي ولم يكن له وارث، ومنهم له وارث، وأراد هذا الرجل أن يتوب عن هذه الأمور التي سلكها من قبل، ولكن من شروط التوبة أن يرد ما أخذه بغير رضى صاحبه، وإذا طبق هذا الشرط على هذا الرجل ليس عنده من المال الكافي لذلك، وما الحكم إذا تاب عن ذلك ثم رجع في هذا الأمر ثم تاب مرة أخرى ولم يعد؟
أما من يعرفه أو يعرف وارثه فإن طلب منهم المحاللة أو من ورثتهم بعد موتهم فوافقوا على ذلك فقد برئت ذمته بذلك مما لهم، وأمّا من لا يعرف لهم وارثاً ولا يعرفهم بأنفسهم فمرد ذلك إلى فقراء المسلمين، فإن أمكنه التخلص مما عليه لهؤلاء الفقراء فليفعل، فإن لم يمكنه فليوص به، لعل الله يهيء له سبب التخلص في حياته أو يقيض له من يقضي عنه هذا الحق بعد وفاته، فإن لم يكن شيء من ذلك فالله أولى بعذره، وهو يقضي عنه خصمه يوم القيامة ـ إن علم منه صدق التوبة ـ، والله أعلم.
ما قولك فيمن يشتري زبداً أجنبياً، ثم يصنعه في بيته ويجعله في أواني خاصة، ويقول هذا سمن بقري بلدي، هل هذا يجوز أم لا؟
ذلك هو الغش بعينه، ( ومن غشنا فليس منا )(75) والله أعلم.
ما حكم من يقوم بترجيع عداد الكهرباء الخاص بالمنزل؟ وإذا كان الجواب غير جائز؛ كيف يحسب تلك الأموال من قيمة الفواتير؟ وبعد حسابها لمن تعطى؟ وإذا كانت هذه الأموال ترجع إلى الشركة مثلاً، ولا يستطيع من قام بذلك بترجيع هذه الأموال للشركة كيف يتصرف بها؟
لا يجوز له ذلك، لأنه من أخذ أموال الناس بغير حق، وهو محرم بالنصوص القطعية من الكتاب والسنة، وعليه رد ذلك إلى الشركة نفسها، لأنها صاحبة الحق، ولو كان ذلك بإرسَاله إليها بواسطة البريد، ولو لم يذكر اسمه في الرسَالة التي يوجهها إليها والله أعلم. (3/94)
صفحة 813
ما قولكم في قول التاجر الذي يقول هذه البضاعة بخمسة ريالات وتنزل قيمتها إلى أربعة ريالات؟
إن كان في ذلك كاذباً فهو آثم والله أعلم.
بعض البائعين يقومون بترجيع عدّاد السيارة، فإذا كانت القراءة تشير مثلاً أنها قطعت خمسمائة ألف يرجعها إلى ثلاثمائة ألف أو مائتي ألف، فهل هذا جائز أم لا؟
هذا من الغرر ومن الخيانة والمخادعة، ولا يجوز ذلك في المعاملة والله أعلم.
أصبحت الشهادات الدراسية آفة هذا العصر، وذلك لارتباطها بكثير من الوظائف، من هذا المنطلق يسعى بعض الصالحين لنيل شهادة الماجستير أو الدكتوراه على اعتبار أنها وسيلة وليست غاية في حد ذاتها، فما حكم الشرع في إنابة الغير لكتابة الرسالة الجامعية مقابل مبلغ مادي يتفق عليه الطرفان؟
ذلك من التمويه المحرم والتدليس الباطل فلا يجوز بحال، كيف وطلب العلم نفسه عبادة وقربة إلى الله تعالى، يجب أن يكون خالصاً لوجهه الكريم، وأن لا يشاب بشائبة من حب السمعة والظهور، ففي الحديث عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ" من تعلم العلم ليباهي به العلماء أو ليماري به السفهاء لقي الله وهو خائب من الحسنات(76)، على أن هذا الأسلوب المذكور في السؤال ليس هو رياء فحسب بل هو زور بين وخيانة واضحة، لما يترتب على ذلك من رفعه إلى قدر لا يستحقه، وإيلائه ثقة ليس لها أهلاً، وتحمله مسئوليات ما كان ليحملها لولا هذا الزور، وهو مما يؤدي إلى ضرر ديني واجتماعي عظيم، وكفى به مفسدة والله المستعان.
وإذا كان المنيب يجمع المصادر والمراجع وكل ما يطلبه منه المستأجر لكتابة البحث، فهل حكمه نفس الحكم السابق أم لا؟
لا عبرة بجمع المراجع والمصادر، فإن ذلك لا يرفع الجاهل إلى مصاف العلم، فلا فرق بين الحكمين والله أعلم.
وإذا نال شخص شهادة علمية بغير وجه مشروع فكيف تكون توبته؟
عليه مع التوبة التخلص من تلك الشهادة، والتجرد مما أضفته عليه من ثياب الشهرة الباطلة، بكشفه خبيئة أمره والله أعلم.
الاحتكار: (3/95)
صفحة 814
ما قولكم في عين ماء تنزل من جبل وتسيل في الوادي، وهي ليست ملكاً لأحد وليست قرب سكن لأنها في الفلاة، لكنها في بعض الأحيان عند المحل ينزل عندها أصحاب البادية ثم بعد ذلك يذهبون إلى مكان آخر، وأراد أحد من الناس أن ينتفع به حيث إنه يعمل لها حوضاً، والماء الذي يفيض من الحوض ينقله إلى مكان آخر عن طريق الأنابيب، هل يجوز له ذلك؟
ليس له أن يحتكره عمن اعتاد الانتفاع به من الناس، بل ينتفع به هو وغيره والله أعلم.
هل توجد نسبة محددة لربح التاجر في بيع بضاعة معينة أم لا؟ وهل للتاجر حرية البيع بأي ثمن أراد، فمثلاً يشتري بضاعة بريال ويبيعها بعشرة؟ وما قولكم إذا كان يبيع بثمن يرهق المشتري لضعف الأحوال الاقتصادية في بلاد التاجر؟
إن كان المشتري عارفاً بالقيمة، ورضي من تلقاء نفسه أن يشتري البضاعة بأضعاف قيمتها فلا حرج في ذلك، وإنما يمنع الاحتكار الذي يؤدي إلى مضاعفة البلاء وإرهاق الناس في معائشهم والله أعلم.
الرشوة وأحكامها:
ما تقول عن الرشوة في الإسلام؟ رجل رشى مجموعة من الناس لكي يحظى بالفوز على لقب رفيع، حيث إنه يدفع مبالغ باهظة وذلك للحصول على ذلك اللقب، فماذا عن الراشي والمرتشي؟
قال تعالى: { تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فساداً والعقبة للمتقين } (77)، فطلب العلو مقرون بالفساد، ناهيك إذا كان ذلك عن طريق الفساد وهو الرشوة المحرمة، مع أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: " لعن الله الراشي والمرتشي"(78)، فلا ريب أن من سلك هذا المسلك ليس من الدين في شيء والله أعلم.
ما قولكم في إغداق الهدايا سنوياً في بعض الشركات لبعض المسؤولين ممن يحملون مناصب عليا ويناط إليهم مسؤولية اتخاذ قرارات مهمة في القطاع الخاص، وهذه الهدايا قد تكون غالية الثمن، وقد تكون بسيطة ورخيصة بأن لا تتعدى الثلاثين ريالاً أو نحوه، فهل يجوز أخذ هذه الهدايا؟ وإلى أي حد يجب أن تقبل؟ (3/96)
صفحة 815
هي من الرُشا التي لا يجوز أخذها بحال، فلعن الله الراشي والمرتشي والله المستعان.
حقوق الملكية الفكرية:
توجد في بعض الكتب أو الأشرطة عبارة ( حقوق الطبع محفوظة). هل يجوز لي طباعة أو تصوير أمثال هذه الكتب أو الأشرطة، بهدف الاستعمال الشخصي لا التجاري، أم أن في فعلي هذا مخالفة وانتهاكاً لحق الناشر أو المؤلف، وإن كان لا يجوز، ألا يعتبر هذا احتكاراً من باب التحكم في السعر؟
لا وجه لاحتكار العلم، فإن الانتفاع به حق مشروع للجميع، ولا أصل لقول: إن حقوق الطبع أو النسخ محفوظة، وإنما رأى من رأى من أهل العلم مراعاة ذلك دفعاً للضرر، فإن الضرر مزال، " ولا ضرر ولا ضرار في الإسلام"(79) فإن كان فتح باب الطبع أو التسجيل يؤدي إلى تضرر بعض المؤسسات التي قامت من أجل النهوض بالعلم ونشره، بحيث يُخشى لو لم يتقيد بهذا النظام أن يفضي الحَال إلى تعثرها وعدم قدرتها على النهوض بأعباء مهماتها العلمية، فلا مانع من مراعاة هذا النظام والتقيد به، وهو مما يدخل ضمن المصَالح المرسلة التي اعتمدها الفقهاء في ترجيح الآراء واستنباط الأحكام، وهذا إنما يكون في الذي يطبع أو يصور أو ينسخ لأجل الاتجار لا لمجرد الإفادة والاستفادة، أمَّا من قصد أحد الأمرين فلا وجه للحجر عليه. والله أعلم.
نحن مؤسسة لإنتاج الأشرطة السمعية والمرئية وتوزيعها، نقوم بإصدار الشريط متضمناً عبارة ( حقوق النسخ محفوظ)، والذي دعانا إلى ذلك كثرة التكاليف وخوف الخسارة.
والأسئلة هي:
هل مارسنا حقاً مشروعاً بمنع غيرنا من النسخ لأجل ما ذكرناه من أسباب؟
هل يجوز لغيرنا أن يقوم بنسخ ما ننتجه لغرض تجاري أو غيره دون إذن منا؟ (3/97)
صفحة 816
الأصل في العلم أنه لا يحتكر، ولكن بما أنكم لو لم تفعلوا ذلك لترتبت عليكم مضار مَادية، ومن القواعد الفقهية ( أن الضرر مزال) ( ولا ضرر ولا ضرار في الإسلام)، لاَ أرى مَانعاً من إتباعكم هذا الأسلوب الذي أصبح متعارفاً عليه دَوليّاً، وأراكم مَارستم حقاً مشروعاً لكم، ولا يجوز لغيركم إيقاعكم في الضرر والله أعلم.
سمعنا من أحد الأخوات أنك أصدرت فتوى في عدم جواز السحب من الأشرطة الأصلية، فإذا لم نقم بالسحب في سبيل الدعوة من الأشرطة الأصلية فسوف لا تنتشر الأشرطة بكثرة بين الناس، ولو أردنا أن نوزع الأشرطة الأصلية فقط فإن الناحية المادية لا تساعدنا على ذلك، فهل تسمح لنا بالسحب من الأشرطة الأصلية أم لا؟
الأصل في العلم أنه لا يحتكر، ولكن أجبنا بما أجبنا به من أجل دفع الضرر فقط عن أصحاب المكتبات، الذين ينفقون نفقات طائلة في إعداد آلات السحب وتهيئة أثاث المعرض وغير ذلك، ومع تفادي الضرر فلا مَانع من السحب، لأن العلم كما قلنا لا يحتكر والله أعلم.
الصرافة وأحكامها:
هل يجوز صرف عملة بشيكات عملة أخرى؟
رخص في ذلك بعض العلماء المعاصرين ـ إن كان للشيكات ما يغطيها من المال ـ والله أعلم.
ما حكم عقد الصرف بين عملتين إذا قبضت الأولى في المجلس، وأحال القابض صاحبه على شخص في بلد العملة الثانية يقبض منه العملة الثانية؟
لا يجوز ذلك لاشتراط التقابض في الصرف، وإنما رخص بعض الفقهاء المعاصرين إن كان وكيل الطرف غير القابض يقبض من وكيل الآخر المبلغ في نفس اللحظة، في البلدة الأخرى عبر الاتصال بالهاتف والله أعلم. (3/98)
صفحة 817
هناك الكثير من الإخوة الذين يرسلون أموالاً إلى أقاربهم في شرق أفريقا وذلك بصفة شهرية، ويتم ذلك عن طريق إعطاء المبلغ المراد توصيله إلى الأقارب لتاجر يملك محلات أو تجارة هناك، بحيث يذهب الأقارب إلى المحل لاستلام المبلغ، ووجه الارتياب في هذه المعاملات هو أن التاجر عادة ما يأخذ فائدة تفوق عنائه، وأيضاً استلام المبلغ من قبل الأقارب يتم بعد أيام من استلام التاجر له، رغم أن بعض التجار باستطاعتهم الاتصال هاتفياً بوكلائهم في نفس اليوم.
ما رأيكم في هذه المسألة، وماذا إذا لم يجد الشخص طريق لإرسال المال إلى أهله إلاّ هذه؟
لا بد من التبادل الفوري بين المتعاملين بالصرف، وقد رخص علماء العصر ـ لأجل الضرورة ـ أن يكون التبادل عبر الهاتف، وذلك بأن يُحضِرَ طالبُ الصرف العملة التي عنده عند التاجر، ويتصل التاجر بوكيله في البلد الذي يوجد فيه من تصرف إليه العملة الأخرى ليصرفها إليه فيتم التقابل في نفس الوقت، أمّا الزيادة في الثمن إن كانت لا لأجل التأخير وإنما هي لأجل العناء فقد رخص فيها بعض المعاصرين، إذ اعتبروا العملات المتعددة كالذهب لا تجوز النسيئة في صرف أحدهما بالآخر، مع جواز تفاوت مقدارهما في التبادل لتفاوت قيمتهما، وأمّا مع عدم التبادل في نفس الوقت فذلك غير سائغ، لأنه من الإنساء فيما يعد جنساً واحداً، والله أعلم.
هي نفس المسألة السابقة إلاّ إن التاجر لا يأخذ أيّ فائدة البتة وذلك لحاجته للعملة المحلية ليتخلص بها من عملة تلك البلدان، ولكن المشكلة فيها التأخير الذي في بعض الأحيان له أسباب، وبعضها ليس له مبرر؟ (3/99)
صفحة 818
مفهوم مما تقدم، وإنما يلجأ المضطر إلى صرف عملته بعملة دولية كالدولار، ويرسل تلك العملة المطلوبة دولياً إلى حميمه في البلد النائي، أو يتبع طريقة السفتجة(80) التي أحلها بعض الصحابة كابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ، وذلك بأن يجعل التاجر أميناً في إيصال المبلغ إلى حميمه بأي عملة كانت، مع مراعاة أن يكون الدفع إليه بحسب السعر في يوم الدفع. والله أعلم.
ما حكم الحوالة المصرفية الصادرة أو الواردة؟
إن كان المحيل يدفع مبلغاً من المال إلى مؤسسة لتتولى هي نقله إلى الجهة المحال إليها فلا مانع من ذلك، وإن كان مع ذلك صَرفٌ للعملة إلى غيرها فهنا تكمن المشكلة، لأن الصرف يشترط فيه التقابض في المجلس، ولكن بعض المعاصرين ترخص في ذلك، أخذاً بالمروي عن ابن الزبير في قضية السُفتجَة والله أعلم.
عندي رغبة في مزاولة مهنة الصرافة، وهذه المهنة قابلة للربح والخسارة حيث إن العملة التي باليد اليوم قابلة إلى أن تنخفض بالغد، فهل يجوز العمل في هذا؟
إن كان الصرف يداً بيد وبسعر يومه فلا حرج عليك، وإن لم يكن كذلك فهو أمر فيه حرج والله أعلم.
ما حكم تحويل العملة وإرسالها بواسطة البنك، بحيث تسلم مثلاً العملة العمانية في بنك مسقط لتستلم عملة إماراتية في بنك دبي، مع العلم أن البنك يأخذ ثمن التحويل والإرسال؟ وهل الفترة بين التسليم والاستلام لها تأثير في الحكم؟
أمّا الاتفاق على الصرف فلا يجوز لاشتراط التقابض في الصرف، وإنما يجوز تحويلها إلى بنك دبي على أن يأخذها المحولة له بحسب رغبته هناك، فإن أراد أن تكون بصرف آخر فلا حرج، بشرط أن يكون بسعر يومه، وأن لا يفترقا وبينهما شيء، ولا مانع من أخذ البنك أجرةً على عنائه والله أعلم.
ما حكم تحويل العملة أي بيع الصرف في البنك؟
يشترط التقابض في الصرف كما سبق والله أعلم.
هل صرف العملة العمانية بأخرى أجنبية ربا، علماً بأننا نضطر إليه عند سفرنا إلى خارج عمان؟ (3/100)
صفحة 819
أولاً: لا بد أن يكون ذلك يداً بيد، فعندما يكون ذلك يداً بيد فلا حرج، أما التفاوت فأمر طبيعي، وقد عد العلماء في المجامع الفقهية الفرق بين العملات كالفرق بين الذهب والفضة، فيجوز فيها التفاضل يداً بيد ولا يجوز فيها الإنساء والله أعلم.
كما تعلمون أن كثيراً منا يسافر إلى الخارج تارة للعلاج أو لمهمة يكلف بها أو لغيرها من الأسباب، ويقوم الفرد منا بصرف مبلغ ما للحصول على عملة تلك البلد المسافر إليها، وعندما يذهب إلى الصراف لصرف المبلغ لا يصرف له المبلغ كاملاً وإنما يقوم الصراف بأخذ جزء منه فائدة له. ما قول سماحتكم في ذلك؟
إن كان ذلك نقداً، ولم يكن نسئة، فلا حرج والله أعلم.
هل العملتان المختلفتان هما جنس واحد أم جنسان مختلفان؟
هما جنس واحد كالذهب والفضة، لاشتراكهما في النقدية والله أعلم.
أعمل في (شركة وساطة مالية) حيث إن طبيعة عملي بيع وشراء العملات عن طريق جهاز الكمبيوتر، الذي تأتينا عن طريقة الأسعار من بورصة أجنبية، حيث نقوم ببيع وشراء العملات ونحن بالمكتب، وتعتبر هذه تجارة، حيث إن الشخص الذي يريد أن يدخل في السوق عليه أن يدخل بمبلغ كبير من المال بعدها يتم التعامل مع البورصة، وهذه العملية بها ربح وخسارة، فيمكن للشخص أن يسحب ربحه في نفس اليوم من البنك الذي أودعت فيه الأموال الخاصة به، هذا بخصوص المشتري، أمّا مجال عملي فهو كوسيط بين رجل الأموال والشركة المنمية للأموال، فأحصل على مبلغ من المال من جراء هذه العملية؟
إن كان التبايع لهذه العملات يداً بيد أو كان في حكم ذلك على حسب سعر السوق لها فهو مباح، وإن كان بخلاف ذلك فلا يباح والله أعلم.
إذا باع شخص مبلغاً من العملة العمانية لشخص آخر بمبلغ من العملة السعودية، ولكنه أي البائع قد استلم شيكاً بقيمة العملة السعودية، فهل يعتبر قبض الشيك قبضاً لقيمته من العملة السعودية، حيث إنه يشترط لصحة الصرف تقابض البدلين في مجلس العقد؟ (3/101)
صفحة 820
إن كان الشيك يقوم مقام العملة في المعاملة فلا حرج في ذلك، لأنه بمثابة شراء الشيك نفسه والله أعلم.
في رجل باع ماله الأخضر الذي في عمان وهو في أفريقا بثلاثة آلاف شلنج بيع خيار، فأراد أن يفدي ماله من المشتري، فهل يصح فداؤه بالشلنجات التي شرى بها المال أم تصرف الشلنجات بالريالات نقداً عمان الحالي؟
إذا كان الصرف الذي وقع به البيع غير موجود أو غير متعامل به في البلد الذي وجد فيه المتبايعان بالخيار، فلا حرج أن تكون الفدية بالصرف المتعامل به، شريطة أن يكون بسعر يومه ـ كما جاء في الحديث ـ(81) والله أعلم.
يشتري الشخص شيئاً يسيراً، ولا يكون في يده إلا عملة خمسين ريالاً، والبائع لا يملك ما يرده المشتري ـ كباقي ـ في تلك اللحظة، فيأخذ البائع الخمسين ريالاً ويقول للمشتري تعال لأخذ ما تبقى لك في وقت آخر، ما حكم هذه المعاملة؟
هذه المعاملة غير جائزة، لأن الصرف يجب أن يكون يداً بيد، كما جاء في حديث طلحة بن عبيد الله أنه جاء يريد أخذ ذهب مقابل فضة من عنده رجل، فأخذ يقلب الذهب ويقول: حتى يأتي خازني من الغابة، فأنكر ذلك عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ وقال: لا أبرح مكانكما، فإني سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: " الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء"(83) ـ أي خذ وأعط ـ، وفي رواية عمر ـ رضي الله عنه ـ قال لطلحة: لتدن إليه ذهبه ولتأخذن ورقك، فإني سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: "الذهب بالورق ربا هاء وهاء"، فلا بد أن يكون الصرف يداً بيد، وبما أن هذا البيع فيه بيع وصرف فلا بد أن يكون الصرف يداً بيد، فإما أن يجد البائع ما يرده مما تبقى عن القيمة، وإما أن يترك الخمسين أمانة في يده ثم ينصرف، وعندما يأتي فيما بعد يرد إليه الخمسين التي دفعها كاملة إليه ثم يدفع الثمن مع استيفاء ما تبقى من حقه. (3/102)
صفحة 821
ما حكم مبادلة حلي بحليّ أخرى سواء بزيادة دراهم أو بدونها من غير اعتبار لوزنيهما، كما تفعل النساء في محلات المجوهرات؟ وهل الحكم سواء في بيع سيارة بأخرى بزيادة دراهم أو بدونها؟
أما في السيارات فلا إشكال مع التقابض، وأما في الحلي فلا بدّ من التقابض مع التساوي، إلا إن عوضت الزيادة بنقد ولم يكن إنساءٌ لشيء من ذلك، اللهم إلا إن كان البدل والمبدل من جنسين، كأن يكون أحدهما ذهباً والآخر فضة، فلا حرج في التفاضل في هذه الحالة مع التقابض. والله أعلم.
ما قولكم في الشيكات السياحية، حيث يدفع للصراف المبالغ العمانية ـ مثلاً ـ فيعطيه شيكاً بعملة أخرى يستلمه متى شاء، وهذا فيه أمان لصاحب المال خاصة مع كثرة السرقات وانتشارها؟
أباح علماء مجمع الفقه الإسلامي ذلك، باعتبار أن شراء الشيكات بأوراق النقد يعتبر نفسه صرفاً، وبقبض الشيكات يحصل التقابض المشترط في الصرف، وكذلك حكم صرف الشيكات وقبض المبلغ المتضمن في الشيك والله أعلم.
أعمل في محل بيع ذهب بوظيفة مدير، وما يحيرني مسألة أنني في بعض الأحيان يأتيني شخص معروف وذو مكانة اجتماعية كبيرة راغباً في شراء بعض القطع الذهبية، وعند كتابة ورقة البيع لا يدفع يداً بيد كما ورد في الحديث الشريف، ويطلب أن يكون البيع بورقة على الحساب، وذلك برضاء وموافقة صاحب المحل، والسؤال هنا كيف يكون موقفي؟ علماً بأن صاحب المحل لا يكون موجوداً في معظم الأحيان، وهذه تعليماته في مثل هذه الحالات وفي التعامل مع مثل هؤلاء، وعلماً بأنني أقوم بتسجيل أوراق الشراء على الحساب في بعض الأحيان بعد الاتصال بصاحب المحل وإبلاغه بذلك؟
لا بد من أن يكون البيع يداً بيد إن بيع ذهب أو فضة بأوراق النقد، فإن تعذر ذلك في المحل فعليك أن تجتنب مباشرة البيع وتسجيل الفواتير، ولتولّ ذلك غيرك، وليكن منك الإشراف العام على التجارة، ومباشرة البيع والتسجيل فيما كان يداً بيد، تجنباً للمحارم والله أعلم. (3/103)
صفحة 822
القياض في السلع:
إذا كان إنسان عنده سيارة قديمة وأراد شراء سيارة جديدة، تقوم وكالة السيارات بتقييم السيارة القديمة، ثم يقال له عليك أن تدفع مبلغاً زيادة على قيمة سيارتك، فما حكم الإسلام في هذه المعاملة؟
لا حرج في ذلك، بشرط أن يكون تبادل السيارات يداً بيد. والله أعلم.
لقد شاع بين الشركات التي تبيع السيارات نظام استبدال سيارة قديمة بأخرى جديدة، أي ترسل لهم سيارتك القديمة فيقيمونها لك بشرط أن تشتري منهم سيارة جديدة، وبدون أن يعطوك مبلغاً عن سيارتك القديمة نقداً، فقط ينقصوا ذلك المبلغ من سعر السيارة الجديدة، فما رأيكم في ذلك؟
إن كان ذلك بطريق القياض مع دفع فارق السعر فلا حرج، وإلاّ فلا يجوز بيعان في بيع. والله أعلم
من صفحة 138 إلى صفحة 146
ربا النسيئة ( في المؤسسات المالية )
رجل قال لآخر أريد أن تبحث لي عن مبلغ قدره سبعون ألف ريال عماني، وأعطيك من عشرة آلاف ألفاً واحداً, وبعد ما قبض المشترط على نفسه بذلك أبىَ أن يدفع المبلغ الذي اشترط به. هل ملزم بدفع المبلغ أم أن هناك شيئا من الشبهة؟
الظاهر أن هذا مقرض له، فذلك إذاً عين الربا. والله أعلم.
أخذت من بعض الناس مالاً يقدر بألف وخمسمائة ريال عماني، بشرط أن أرجع هذا المال إلى صاحبه بعد مضي حول بزيادة (350) ريالاً عمانياً، بشرط أن أكتب هذا الحق في خالص مالي. هل أدفع المال كاملاً مع الزيادة، أو أدفع الذي أخذته فقط؟
لا يجوز لك أن تزيده على مَا أخذت منه شيئاً، فإن الزيادة ربا، وهو لعنة على آكله ومؤكله. والله أعلم.
هل إذا وافق المشتري بدفع مبلغ الربا يكون قد ارتكب إثماً؟
نعم، فإن الربا ملعون آكله ومؤكله. والله أعلم.
هل إذا لم يدفع المقترض مبلغ الربا يكون قد خان العهد؟
لا، فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل. والله أعلم. (3/104)
صفحة 823
رجل حصل على سلفة من صندوق لبناء منزل، ولكن طلب منه توقيع معاملة على زيادة 2% علما أن ذلك لم يطبق بعد، فما قولكم بارك الله فيكم؟
التوقيع على ذلك التزام بدفع الربا وهو حرام. والله أعلم.
عن التعامل مع بنك لا يستزيد في الاقتضاء أكثر مما دان إلا بمقدار نسبة محدودة لا تضر المعطي ولا تنفع الآخذ، خصوصا مع اعتبار إنفاق الدولة على المشروعات الحيوية للبلاد، مع تصور أن هذه الزيادة تستهلك في أجور العاملين بالبنك؟ إلخ..
إن الله سبحانه وتعالىحرم كثير الربا وقليله على عباده وقد عده في كتابه حرباً بينه وبين عباده الذين لا يتقونه في معاملاتهم، قال سبحانه وتعالى: { يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربوا إن كنتم مؤمنين*فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون } ( ) وتوعد عليه أشد الوعيد حيث قال: { الذين يأكلون الربوا لا يقومون إلا كما يقوم الذى يتخبطه الشيطن من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربوا وأحل الله البيع وحرم الربوا فمن جآءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك اصحب النار هم فيها خلدون } ( ), والربا قليلاً كان أو كثيراً لا منفعة فيه لأحد المتعاملين به، وإنما مضرته عليهما معاً مضرة بالغة، لأنه داء لكل خير، وممحقة لكل بركة، قال تعالى { يمحق الله الربوا ويربى الصدقت والله لا يحب كل كفار أثيم } ( )، وفي تذليل الآية بقوله { والله لا يحب كل كفار أثيم } دليل بينّ على كفر وإثم آكل الربا، وهو كفر نعمة إن كان دائناً بتحريمه، وكفر شرك إن لم يكن دائناً به ولكن اعتقد حليته. (3/105)
صفحة 824
هذا وقد تضافرت الروايات عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على التحذير من أكل الربا والتنفير عنه، منها قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: " اتقوا السبع الموبقات "( ) وذكر من بينها أكل الربا، وفي حديث آخر: " لعن الله الربا وآكله ومؤكله وكاتبه وشاهده "( ) ثم قال: "هم سواء " يعني في الإثم، وفي حديث عن ابن مسعود رضي الله عنه ـ مرفوعاً: "الربا ثلاثة وسبعون باباً أيسرها في الإثم مثل أن ينكح الرجل أمه "( )، وحسب العاقل زاجراً عن الربا ومحذراً منه تشبيه أصدق البشر وأفضل من مشى على التراب ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ أيسر باب من أبوابه بحالة تشمئز منها جميع طبائع الخلق، وتجمع على حرمتها شرائع الحق، وهى إتيان الرجل أمه، وعليه فإني لا أجد مسوغاً لإباحة التعامل مع البنوك بالطريقة التي جاءت في السؤال، وتبريرها بما ذكر فيه، إذ ليس من المقطوع به أن جميع هذه الزيادة التي تؤخذ على المقترض تنصب في أجور العَاملين بالبنك لأجل هذا التعامل بعَينهِ، وهبها كذلك فإن هذه الزيادة غير مقطوعة بل تستمر مَا لم يقض المدين الدين الذي عليه، بل تتضاعف مع مرور الزمن حتى تتراكم، فتكون كمثل أصل الدّين أو تزيد عليه، فإن كانت نسبتها 5% مثلاً فإنها بمرور عشرين عَاماً تصبح كمثل أصل الدين، وهب المدين لا يتمادى في قضاءِ الدين إلى هذه المدة، إلاّ أن احتمال ذلك وارد، ومن يدري لعله يفلس أو يخسر فتضطره الظروف القاسرة إلى التمادي.
وأمّا إنفاق الدولة على المشروعات التي تفيد المواطنين كالمدارس والمستشفيات وغيرها، فلا يسوغ بها أخذ الربا من أحد مواطنيها وإن قل، فإن هذه المؤسسات تقام بميزانية الدولة، التي تعتمد على كثير من الموارد، من بينها الموارد الطبيعية كالنفط والمعادن، وإن لم تكن لها موارد فبإمكانها فرض ضرائب بقدر ما يكفي لسد حاجتها في إنشاء هذه المؤسسات، وتسديد طلباتها على المستفيدين منها من المواطنين. (3/106)
صفحة 825
أمَّا جعل ذلك ذريعة لأخذ الربا من الذين يقترضون منها، فلم نعلم أن أحداً من علماء الإسلام أبَاحه، ولو قال بإباحته أحد لكان قوله رداً عليه، لمصَادمته النصوص القاطعة بتحريم الربا، والإنفاق في الخير لا يسوغ الحرام، ففي الحديث "لا يقبل الله صدقة من غلول "( )والغاية لا تبرر الوسيلة.
وبعد، فإن انتشار الوعي الديني، الذي يتبعه الالتزام في أوسَاط الشعوب المسلمة من أهم مقومات حياتها، لما يتبع ذلك من التزام الحكومات النظم الإسلامية في الأوضاع الاقتصادية وغيرها، عندمَا تجد نفسها مضطرة إلى ذلك، بسبب إباء شعوبها أن تنغمس في الحرام، ولكن التساهل هو الذي يجر الويلات، ومن تأخر خطوة تقهقر بعدها خطوات، نسأل الله العفو والعافية، ونعوذ بالله من الخذلان، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
بنيت بيتاً وأصبحت مديناً بمبلغ اثني عشر ألفاً وخمسمائة ريال عماني لأناس اقترضت منهم ذلك المبلغ، وقرأت في كتاب (الربا والقرض في الفقه الإسلامي)بجواز الاقتراض بالربا عند الضرورة، فهل هذه الضرورة تبيح لي ذلك لسداد هذا الدين؟
الضرورة لا تبيح الربا، فإن الضرورة التي تبيح بعض المحجورات هي التي تفضي إ إلى الهلاك، وهب أنك اقترضت بطريق الربا، فهل تنحل مشكلتك أو أنها تزداد تعقداً؟ ! فإن الربا يضاعف ما تتحمله من دين فيزداد حملك ثقلاً وكاهلك مشقة، فانظر في ذلك تجد رحمة الله بك عندما حرم الربا في تعاملك والله أعلم.
رجل ممن يجب عليهم الزواج وبحث عن المال عبر كل سبل الحلال ولم يجد ما يكفيه لإتمام زواجه، فهل يجوز له الاقتراض عن طريق الربا، فهو كالمضطر إلى أكل الميتة خوف الهلاك، فإنه إن لم يفعل ذلك خاف على نفسه الوقوع فيما حرم الله؟
الربا نفسه كالزنى في الحرمة، فإنه أحد الكبائر الموبقات، وإنما له أن يقترض وينوي في قرارة نفسه أن لا يدفع إلا قدر القرض من غير زيادة، على أن يلتزم ذلك بعون الله والله تعالى أعلم. (3/107)
صفحة 826
تقدمت بطلب سلفة من مقر عملي وطلعت الموافقة بعد ست سنين، وهم يأخذون 10% للصندوق التقاعدي ويحسبونها خدمة للمستلف، وإذا كان لا يحق لي أخذها فهل لي التنازل عنها لشخص آخر؟
لا معنى لأخذ الزيادة على المستلف لصندوق التقاعد، فإن الزيادة تعد من الربا ولو صرفت في مصرف من مصارف الخير، إذ لا يقبل الله صدقة من غلول، نعم لو كان الإنسان يدفعها من تلقاء نفسه بغير اشتراط عليه فذلك حسن، لذلك أرى أن تراجعهم فإن تنازلوا عن هذا الشرط فذلك المبتغى وإلا فاستغن بالله، ومن استغنى بالله أغناه الله، وما تركته لوجه الله لأجل حرمه أو شبهة فلا تتنازل عنه لغيرك، إذ الواجب أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك والله أعلم.
فيمن له على أناس دراهم مؤجلة له إلى مدة سنين، يدفع كل شهر منها ألف ريال، واحتاج صاحب الدراهم إلى بيع تلك الورقة بالدراهم التي فيها إلى شخص آخر، على أن يسقط عنه الثلث، هل يجوز ذلك أم لا؟
هذه المعاملة من المعاملات التي يحرمها الإسلام، فإن بيع الدين بالدين مما ينهى عنه في البيوع، فكيف بشراء دين بأقل من قدره قبل حلول أجله، ثم استيفائه كاملاً غير منقوص عند حلول أجله، إن صورة الربا في ذلك ظاهرة والله اعلم.
هل يجوز أخذ سلفية من البنك لأجل الزواج؟ إن كانت السلفية من دون شي من الربا فلا مانع منها، أما إن كانت ربوية فلا تجوز، والله أعلم.
رجل يعيش في بيت بالأجرة، ثم اخذ قرضاًَ بالربا بحجة الضرورة، فما الحكم الشرعي في ذلك؟ ذلك حرام, لحديث " لعن الله الربا وآكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه" وقال " هم سواء "( ).
ما قولكم في التعامل مع البنك، للاقتراض من اجل بناء منزل أيجوز ذلك أم لا؟
إن كان البنك يقرض قرضاً حسناً من غير ربا فلا مانع منه، وان كان يقرض بالربا المحرم، فلعن الله الربا وآكله ومؤكله وكاتبه مشاهديه، سواء كان الاقتراض لأجل بناء مسكن أو لغير ذلك والله أعلم. (3/108)
صفحة 827
نرجو من سماحتكم بيان الحكم الشرعي في اتفاق تم بين جهة معّنية وبنك معّين على أن يقوم البنك بإقراض موظفي هذه الجهة قرضاً إسكانياً بفائدة ثابتة ووقت سداد معلوم؟
بما إن القرض يرد بزيادة فهو من باب الربا، الذي لعن الله على لسان رسوله –صلى الله عليه وسلم – آكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه والله أعلم.
رجل أراد أن يأخذ قرضاً من البنك لأنه وقع في ضيق من المال، وعليه دين، فهل يجوز ذلك؟
إن كان قرضاًً خاليا من الربا فنعم، وإلاَّ فلا والله أعلم.
رجل لديه حساب بنكي وبه مبلغ من المال، وفي كل عام يحسب له زيادة بنكية، ومن المعروف أنها ربا، فإذا أراد أن يستلم هذه الزيادة ويدفعها كمساعدة لهيئة رياضية، هل يجوز ذلك؟
إن أخذها فقد أكل المحرم بنصوص الكتاب والسنه، وكفى به إثماً مبيناً، ولا يجديه إنفاقها في أي باب, ففي الحديث " لا يقبل الله صدقة من غلول" والله أعلم.
لديّ حساب ودائع يدفع لي زيادة، ولكنني لا أستعمل المبلغ وإنما أعيد إيداعه في حساب خاص لبنت أختي الصغيرة، هل يلحقني أي ذنب من هذه الأموال حاليا أو مستقبلاً؟
نعم، لأنه قبول منك للربا، وكفى به إثماً مبينا. والله أعلم.
رجل اشترى بضاعة بقيمة ألفي ريال عماني، واستأجر محلاً تجارياً، ثم باع هذه البضاعة لأحد العمال، على أن يدفع ذلك العامل أجرة المحل بالإضافة على دفع مائة ريال شهرياً لصاحب البضاعة الأول، غير مخصومة من الثمن الأصلي، وإنما بمثابة ربح على المساهمة بالألفين السابقين؟
ذلك هو عين الربا فلا يجوز بحال، وإنما يجوز الاتفاق على أن يبيع البضاعة له بما يتفقان عليه من ثمن، من غير إضافة إلى ذلك والله أعلم.
رجل وضع مالا في أحد البنوك الربوية ليست بكثيرة ولكن لحاجة الزمان، هل الأرباح لهذه الأموال حلال أم حرام؟ وكيف يخرج الزكاة عن هذه الأموال، هل يسحب من نفس المال أم يخرج من الأرباح الزكاة؟ (3/109)
صفحة 828
ليست هي أرباحاً وإنما هي عين الخسارة، لأن الزيادة هي عين الربا، والربا ممحوق بحكم الله تعالى، وعليه فمن أخذ شيئاً من هذه الزيادة فقد اقترف الربا الملعون آكله ومؤكله وكاتبه وشاهده بنص الحديث، ولا يقبل الله زكاة منها، فإن الزكاة طهارة للمال ولا طهارة في الربا، وفي الحديث " لا يقبل الله صدقة من غلول". والله أعلم.
ما قولكم في الفتوى التي صدرت منذ مدة من بعض الناس بتحليل ما يسمى بفوائد البنوك؟ وأخذ ضعاف النفوس يستغلونها ويتحججون بها للانغماس والتعاطي مع ( ربا البنوك)، وللأسف نجد من بيننا من يروج لهذه الفتوى، هل من نصيحة لأولئك لعلهم ينتهون؟ (3/110)
صفحة 829
ثبت في الحديث عن الرسول –صلى الله عليه وسلم – أنه قال " الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعرفهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام "( ) ونحن نقول لا شبهة في هذا الأمر بل حرمة ذلك واضحة بينة وضوح الشمس في رابع النهار، فإن هذه المعاملة إنما هي من باب أخذ القرض ودفع أكثر منه، وكل قرض جر نفعاً فهو ربا، جاء ذلك مرويا عن النبي – صلى الله عليه وسلم-( )، وقد انعقد الإجماع بأن كل قرض جر نفعا فهو ربا، ومن المعلوم أن ما ذكره العلماء من الربا الذي أجمع عليه هو ربا الجاهلية، وربا الجاهلية كان بهذه الطريقة ( أمهلني وأزيدك )، وهكذا فإنه بقدر ما تتأخر مدة الدفع تكون الزيادة، فعندما يأخذ أحد مثلاً عشرين ألف ريال من بنك يؤدي ثلاثين ألفاً، أو يؤدي خمسة وثلاثين ألفاً، وقد يؤدي أربعين ألفاً بحسب ما يبقى هذا الدين عنده فإذاً هذا هو الربا المحرم بلا خلاف بين أهل العلم، بل جاء النص القطعي بتحريمه، إما التذرع إلى إباحة ذلك بكون البنك يتجر، وأن هذا الاتجار هو المضاربة، وأن المضاربة محللة فقبل كل شيء علينا أن نتساءل هل بين البنك وبين من يودع فيه هذه النقود عقد مضاربة؟ أم إيداع يترتب عليه ما يترتب من الربا؟ ! إنما البنك بمثابة الأمين ينفق هذه الأموال في هذه الطرق المتنوعة، التي تعود بالدخل ليأخذ البنك نصيبه منه، ويعيد إلى الآخرين نصيبهم من الربا المحرم، بينما المضاربة الشرعية هي أن يتفق الجانبان على المضاربة في شيء معين، أو أن يكون المضارب يضارب مضاربة مطلقة في أي شيء، بحيث يأذن صاحب رأس المال إلى المضارب أن يضارب في أي شيء، بحيث يوكله توكيلًا تاماً بأن يضارب فيما يرى فيه المصلحة أو في نوع من أنواع السلع، وعندما يكون ربح يقتسمه الجانبان، على أن تكون حصة صاحب رأس المال ليست هي نسبة مئوية مما دفع من رأس ماله، وإنما هي نسبة مئوية من (3/111)
صفحة 830
الربح الذي عاد إلى المشروع من تلك المضاربة، ومن المعلوم أن صاحب رأس المال – في معاملة البنوك الربوية – يأخذ نسبة مئوية بقدر ما دفع من رأس المال، من غير نظر إلى الربح و عدمه، حتى ولو كانت خسارة، هذه النسبة مضمونة له، فمن أين صح أن تكون هذه النسبة بقدر رأس ماله مضمونة له؟ هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى لا يؤمن – إن لو سلمنا أن هنالك مضاربة – من أن تكون هذه المضاربة في المشاريع المحرمة في الخمور والرقص والزنا والفساد بأنواعه، لأن هذه البنوك لا تديرها أيدٍ أمينة حتى تمتنع عن هذه الأمور، ثم أنه من المعلوم أن البنوك تقرض، وبجانب هذا القرض تأخذ ربا، هذا الربا من جملة الربح الذي يعود إلى صاحب رأس المال، فالمسألة واضحة لا غبار عليها.
إذا اشترى رجل كيسا من الأرز على أن يرجعها كيسين من القمح، فما حكم ذلك؟
هذا هو عين الربا، فالأرز والقمح جميعاً من جنس الطعام، والطعام فيه الربا، ولا يجوز ذلك، بل ولا يجوز ولو لم يكن كيساً بكيسين إلا يداً بيد.
هل يجوز أخذ قرض من بنك إسلامي؟
إن كان قرضاً حسناً بغير ربا فلا مانع منه، وإلا فهو ممنوع. والله أعلم.
إنني مواطن اضطرتني ظروف الحياة إلى توفير مسكن لأسرتي عن طريق السلفة من البنك، وكنت أعلم بحرمة ذلك، ولكن كنت أظن بأن اضطراري إليه يرفع الحرمة، وقد استمعت لندوة سماحتكم مع بعض المشايخ، وإلى ما دار في هذا النقاش وخاصة الحديث " لعن الله الربا.. إلخ " فهممت بالتخلص من التعامل مع البنك، ولكن المبلغ كبير لا أستطيع توفيره بالسلفة من أحد، إلا ببيع البيت وبناء أو شراء آخر، وقد لا يتبقى لي من البيع ما يكفي ذلك، فهل تجدون لي عذراً بالبقاء على ذلك ما دامت النية هي الخلاص منه مع أي فرصة سانحة عندما يقدرني الله تعالى على ذلك أم ماذا أفعل؟
سلِ الله عز وجل أن يمن عليك بالخلاص، وانوِ التخلص في قرارة قلبك، ومتى واتتك الفرصة فلا تتوان في ذلك والله اعلم. (3/112)
صفحة 831
التعامل مع المؤسسات المالية:
اتفقت مع شركة مقاولات لأشتري منها منزلاً، على أن أدفع شيكات لهم عن طريق البنك الذي أتعامل معه، ثم تغير نظامها فطلبت مني تحويل المبالغ إلى البنك الذي تتعامل هي معه، والبنك يأخذ عمولة على كل تحويلة، فما حكم هذه العمولة هل هي جائزة أم لا؟
إن كانت في مقابل عنائه وجهده فلا حرج والله أعلم.
ما حكم التعامل مع بنك لا يتعامل بالربا، لكن أرصدته مودعه في بنك يتعامل بالربا؟
إن كانت هذه المعَاملة الربوية تفضي إلى العميل الذي يتعَامل مَع البنك فذلك حرام والله أعلم.
هل يجوز للمسلم أن يضع أمواله في أحد البنوك الربوية ولكن بغير ربا؟
لا، لما في ذلك من التشجيع على المعاملات الربوية، إلا إن لم يجد لنقوده مأمناً في غير البنوك، فإن هذه الضرورة، والضرورة تقدر بقدرها والله أعلم.
ما حكم وضع المال في البنوك الربوية بدون ربا وبالحساب الجاري؟
لا يجوز ذلك لغير المضطر، لأن البنوك تتجر بهذا المال في طرق ربوية، وعلى غير النهج الشرعي الجائز، وإنما المضطر الذي لا يجد لماله مأمناً في غير البنك فله ذلك، والضرورة تقدر بقدرها. والله أعلم.
ما تقول في رجل عنده دراهم وخاف عليهن من السرقة، وتركهن في البنك بلا ربا، هل يجوز ذلك، وكذلك إن تركهن وأخذ عليهن زيادة وأعطاها الفقراء، هل يجوز ذلك أم لا؟
لا يجوز له أخذ زيادة عليها وإن أعطاها الفقراء، فإن أخذها حرام ودفعها إلى الفقراء لا يؤجر عليه، ولا يجوز له أن يودع شيئاً من المال بنكاً يعامل بالربا، إلا إن كان لا يجد له مأمناً في غير البنك، فله الإيداع حتى ترتفع ضرورته، والضرورة تقدر بقدرها والله أعلم.
هل يجوز إيداع النقود في البنك الربوي بلا زيادة عند الخوف عليها من السرقة؟
يجوز ذلك بقدر الضرورة، وعند ارتفاع الضرورة يرتفع حكم الإباحة، ولا يجوز أخذ شيء من الزيادة عليها بحال. والله أعلم. (3/113)
صفحة 832
هل يجوز لنا حفظ الأموال في البنوك الربوية في حساب جارٍ أي بدون ربا، وذلك خوفاً من الحوادث التي تقع في المنازل كالسرقة والحريق؟
لا يجوز ذلك إلا في حالة الاضطرار، والضرورة تقدر بقدرها. والله أعلم.
قام جماعة بإنشاء صندوق تبرعات ليكون سنداً لهم في أوقات الحاجة والشدة، وحيث إن هذه المبالغ تزداد يوماً بعد يوم، ولا يستطيع أحد من هذه الجماعة الاحتفاظ بهذه المبالغ لأسباب أمنية وأسباب أخرى، قامت الجماعة بإيداع هذه المبالغ في أحد البنوك، وتولدت من هذه المبالغ أموال تسمى عندهم بالفائدة، والسؤال ما حكم إيداع مبالغ الصندوق في البنوك، حيث إنهم لا يستطيعون الاحتفاظ بها عند أحدهم؟
لا يجوز إيداعها في البنوك الربوية إذا وجد لها مأمناً خارجها، اللهم إلا إن تعذر وجود مأمن لها، فتترك في البنك على أنها وديعة، لا يتصرف فيها ولا تأخذ عليها زيادة والله أعلم.
فيمن لديه مبلغ وقدره مائة ألف ريال، وأراد أن يستودعها أحد البنوك، لخوفه من أن يضعها في منزله وتتعرض ـ لا قدر الله ـ للنهب أو الحريق أو غيرها من المخاطر، فهل يصح له ذلك، مع العلم أن البنك سوف يتاجر بهذا المبلغ، وسيختلط بالربا وسيحصل على زيادة من جراء إيداعه لهذا المبلغ بالبنك، وهل له أن ينفق تلك الزيادة على الفقراء والمساكين؟
لا يجوز له ذلك، إلا إن لم يجد له مأمناً في غير البنك، وعندئذ يجوز، بشرط أن يكون الإيداع على نظام الحساب الجاري والله أعلم.
ما حكم استئجار صندوق في بنك ربوي لحفظ المال فيه؟
إن كان ذلك لمجرد الحفظ لعدم وجود مأمن لماله خارج البنك، فلا حرج والله أعلم.
أنا عندي واحد وعشرين ألف ريال عماني، وخفت الضياع على هذا المبلغ، فوضعته في البنك أمانة ليس فيها ربا، فهل هذا حرام؟
ليس لك وضعها في بنك يعامل بالربا، إلا إن لم تجد لها مأمناً في غيره. والله أعلم. (3/114)
صفحة 833
هل يجوز الاحتفاظ بأموالنا وهي الرواتب الشهرية والتي تأتينا ونحن ندرس في الغرب وذلك في البنوك علماً بأنه من الصعب الاحتفاظ بها في المنزل؟
لا مانع من ذلك في مثل هذه الحالات الضرورية. والله أعلم.
هل يجوز إيداع المبالغ المتبرع بها في البنك، والأخذ منها حسب الحاجة حتى يستكمل بناء المسجد؟
إن وجد لهذا المبلغ مأمن في غير البنك لم يجز إيداعه في البنك، وإن لم يوجد مأمن آخر فتلك ضرورة، والضرورة تقدر بقدرها، فإن ارتفعت ارتفع حكمها، على أن تودع هذه المبالغ على الحساب الجاري، دون أخذ زيادة عليه. والله أعلم.
قام أحد الإخوة في إحدى المكتبات بفتح حساب للمكتبة في أحد البنوك تجمع فيه تبرعات أهل الخير، حيث يضع من يريد التبرع المال المتبرع به على هذا الحساب في البنك، ثم تقوم المكتبة باستخراج هذا المال في نهاية كل شهر، من غير زيادة، فما حكم ذلك؟
ذلك مقدر بقدر الضرورة، إذ لا يؤمن من البنك أن يتجر في الطرق غير المشروعة بهذه المبالغ والله أعلم.
رجل حصل على ألف ريال، وأراد الزواج به بعد سنتين أو أقل، فلم يقدر على الاحتفاظ به في المنزل، واحتفظ به في البنك بدون ربا، فهل يجوز له ذلك؟
إن كان يجد مناصاً عن البنك، بحيث يجد مأمناً لماله خارجه فلا يجوز له إيداع شيء في البنك، لأن البنوك تعامل بالربَا، وفي هذا الإيداع تشجيع لها على ذلك، وإن كان لا مناص له، بحيث لم يجد المأمن فليجعلها أمَانة ـ وإن كان المؤتمن غير ملتزم ـ، ولكن للضرورة، والضرورة تقدر بقدرها، فإذا ارتفعت ارتفع حكمها. والله أعلم.
فما قولكم سماحة الشيخ في رجل لديه مكتبة، وجاءه مدير أحد البنوك واتفق معه على أن يبتاع منه بعض الأدوات القرطاسية الموجودة في المكتبة، وقال: افتح حساباً معنا فتصل إليك قيمة المشتريات على رقم حسابك، فما رأي سماحتكم في هذه المعاملة، ولكم منا جزيل الشكر والتقدير؟ (3/115)
صفحة 834
لاَ أدري ما وراء هذه الاتفاقية، فإن كانت خالية من المعاملة الربوية والغرر فهي مباحة. والله أعلم.
قمت بوضع مبلغ من النقود في أحد البنوك من أجل الحفاظ عليه، وبعد مدة أخذت المبلغ ولم يبق لي شيء سوى الزيادة الربوية، ولا زالت موجودة على اسمي، فكيف التصرف فيها؟
أرى رفض قبولها أسلم لك، إلا إن تعذر ذلك، فاصرفها على فقراء المسلمين للتخلص منها. والله أعلم.
يعمد بعض أولياء الأمور إلى فتح حساب لأولادهم في البنك، فما حكم ذلك؟
إن كان هذا الحساب يؤدي إلى شيء من المعاملات الربوية أو شيء من المحرمات، فذلك عين الحرام الذي يجب أن يُتقى.
رجل له عدة أبناء فتح لهم جميعاً حساباً في البنك، وهذا النوع من الحسابات مخصص للأطفال، بحيث إذا بلغ الطفل يكون له رصيد ضخم في البنك، فما حكم هذا النوع من الحسابات؟ وإذا كان محرماً فعلى من الوزر؟ وإذا بلغ الطفل فماذا عليه أن يفعل؟
إن كان ذلك مشوباً بشيء من شوائب الربا فهو حرام بالنصوص القاطعة التي لا جدل فيها، ويبوء بوزر ذلك ولي الصبي الذي وافق على هذه المعاملة المحرمة، فإن بلغ الصبي ووافق على صنيع وليه كان شريكه في الوزر، وإن لم يوافق فعليه التخلص من كل شائبة من هذه الشوائب، وإنما يأخذ رأس ماله خالصا. والله أعلم.
من يأتيه راتبه الشهري عن طريق البنك، هل يصيبه الربا؟ مع العلم أنه يقوم بسحبه عندما ينزل مباشرة؟
إن كان يأخذ حقه فقط من غير زيادة، بحيث لا يتمكن البنك من الاتجار بالطرق الربوية بذلك الراتب فلا مانع.
لماذا لا تقومون بالتشجيع لإقامة البنوك الإسلامية إذا كانت البنوك التجارية تتعامل بالربا؟
الرأي لمن يملكه لا لمن يراه، وإن كان الأمر بالتشجيع فمستعدون للتشجيع. (3/116)
صفحة 835
احتّج والدي بأن جميع أموال الموظفين تُسلّم إلى هذه البنوك، والتي بدورها تستثمرها في مشاريعها قبل أن تسلمها للموظفين، وبالتالي فإن جميع الموظفين تنطبق عليهم القاعدة، كذلك احتج الوالد بأن المسألة خلافية، فهنالك بعض العلماء من أفتى بحلّية هذه الأموال التي تؤخذ من هذه البنوك، فكيف يمكن الرد على هذين الاحتجاجين؟
هذه ليست حجة مقبولة، فإن تسليم رواتب الموظفين إلى هذه البنوك لم يكن بموافقتهم، وإنما هو أمرٌ يجري من ورائهم، على أنه لو كان ذلك برضاهم لم يكن ليغير حكم الله، فإن أهل الأرض جميعاً لو اجتمعوا على ارتكاب حرمة من حرم الله لم يغير ذلك من حكمها شيئاً، وليس الخلاف المدعى شيء، فإن إجماع الأمة منعقد على أن كل قرض جر نفعاً فهو ربا، ومحاولة لبس الحق بالباطل من قبل بعض أدعياء العلم من أجل التهوين من حكم المسألة لا يعد عذراً لأحد، فالحلال بين والحرام بين، وقد قامت حجة الله على عباده بما أنزله في كتابه وبينه رسوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ:
وليس كل خلاف جاء معتبراً
إلا خلافاً له وجه من النظر
والله أعلم.
نحن مجموعة نقوم بجمع تبرعات خيرية لإنفاقها لوجه الله سبحانه وتعالى، وتبرعات أخرى من أجل بناء فتح حسابات في البنوك مع تفادي المعاملات الربوية فيه حتى تسهل مهمة الجمع لهذه التبرعات، وأضاً خوفاً من تعرض هذه المبالغ للتلف كالسرقة مثلاً، نرجو فتوى سماحتكم حول موضوع إمكانية فتح الحسابات أم لا؟ علماً بأننا نرى كثيراً من مثل هذه الحسابات ونتبرع لها! فهل بهذا التبرع نكون قد دخلنا ضمن المتعاونين على الإثم والعدوان؟ مع أننا لا نقصد إلا الخير؟
الضرورة تقدر بقدرها، فإن لم يكن لهذه التبرعات مأمن إلا في البنوك، فلا حرج في إيداعها بها مع تفادي الربا وجميع المعاملات المحرمة والله أعلم. (3/117)
صفحة 836
هل يجوز للمواطن المتقاعد أن يأخذ راتب التقاعد، إذا علم بأن هذا الراتب يأتي عن طريق البنك، بحيث أن ما يدفعه المواطنون العاملون في الدولة من رواتبهم أثناء عملهم يذهب إلى البنوك وتأخذ الحكومة أو الهيئة المسؤولة من هذه الأموال، نسبة معينة من الربا على هذه الأموال؟
لا حرج عليه في ذلك، لأن ما يتقاضاه لا يأتيه من طريق الربا، وإنما هو كله حق له، ومَا يأخذه البنك منه فما هو إلاَّ أجرة على عمله، والله أعلم.
معاملة آكل الربا:
قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ" كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به"(1)، ولكن إذا أطعم رب الأسرة زوجته وأطفاله من الربويات وهم لا يعلمون، هلب يكون حكم لحومهم كذلك؟ أفدنا جزاك الله خيراً.
قال تعالى: { ولا تزر وازرة وزر أخرى } (2)، فمن أطعم أسرته من الحرام ولا علم لهم به فما عليهم من إثمه شيء، وما أطعمهم إياه فهو حلٌّ لهم، إذُ الأصل الحل فيما بيد أي أحد حتى تثبت حرمته، فكل ذي يد أولى بما تحت يده بحسب الظاهر، وعليه تبنى الأحكام الشرعية، فلا يشمل الأسرة الوعيد الذي جاء به الحديث إن كانوا على غير علم بما أتى به رب الأسرة من الطعام. والله أعلم.
رجل أبوه يتعامل بالربا وهو يعيش معه في بيت واحد، فهل يجوز ذلك مع استنكار ذلك الرجل من فعل أبيه؟
{ ولا تزر وازرة وزر أخرى } (3)، فما عليه من صنيع أبيه شيء وإن عاش معه. والله أعلم.
هل للرجل البالغ أن يأكل من مال أبيه الذي يتعامل بالربا، بحيث إن الابن لم يحصل على مصدر رزق أوعمل؟
إن لم يكن الربا متعيناً فيما يرُزَقهُ، فلا إثم على الولد. والله أعلم.
لي صديق يعمل في إحدى البنوك الربوية، وأقوم بزيارته، ثم أتناول معه في بيته القهوة وأحياناً وجبة الغداء، فهل يلحقني ذنب من وراء ذلك؟
وهل ينطبق عليَّ حديث الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ" كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به"(4)؟ (3/118)
صفحة 837
لا يحرم طعامه، فإن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أكل من طعام اليهود(5) وهم معروفون بأكل الربا، وإنماا لحرام عمله، والأجر الذي يتقاضاه عليه والله أعلم.
(1)أخرجه الترمذي في كتاب الجمعة باب ما ذكر في فضل الصلاة.
(2)الآية رقم (18) من سورة فاطر. (3) الآية رقم (18) من سورة فاطر
.
(4) ... أخرجه الترمذي في كتاب: الجمعة، باب ما ذكر في فضل الصلاة (428).
(5) ... من ذلك ما أخرجه البخاري في كتاب: الهبة، باب: قبول الهدية من المشركين (2617) ومسلم في كتاب: الطب، باب: السم من طريق أنس بن مالك.
هل يجوز شراء المنزل الذي تم بناؤه عن طريق البنك الربوي؟
لا يحرم عين البيت لأنه بني بقرض ربوي، وإنما يحرم الربا نفسه. والله أعلم.
رجل بنى منزلاً عن طريق الربا، فما حكم من يأكل من طعامه وشرابه وخاصة أقرباؤه كالوالدين والأرحام؟
ليس عليهم في ذلك إثم، إذ لا يحرم طعامه وشرابه، وإنما الإثم في نفس المعاملة الربوية المحرمة. والله أعلم.
هل يجوز قبول شيءٍ من شخص يعمل في مؤسسة ربوية وليس له دخل آخر إلا من هذه المؤسسة؟
نعم، لأن الحرمة تتعلق بذمته، وقد قبل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هدايا اليهود، وضيافتهم(65)، مع أن اليهود ـ كما هو معلوم ـ أكثر الناس إرباء، وقبل كذلك ما كان من المشركين من الهدايا(66) مع أعمالهم المخالفة للشرع، لأن كل ذي يد أولى بما تحت يده، والله أعلم.
ما حكم الزواج بمال اقتراض بدين الربا؟
الزواج لا يترتب عليه فسخ، ولكن ما كان بمهر محرم فإن الله تبارك وتعالى لا يبارك فيه.
ما حكم معاملة أصحاب الحرام سواء كان الحرام قائماً بيده أو فات من يده ولزم ذمته؟ (3/119)
صفحة 838
أما إن كان ذلك المال بعينه حراماً فلا تجوز معاملته فيه، وذلك بأن يسرق شيئاً ويبقى بعينه في يده فلا تجوز معاملته فيما سرق، أو أن يغصب شيئاً بعينه فلا تجوز معاملته فيما غصب، وأما إن كان الحرام متعلقاً بذمته فلا مانع من أن يكون التعامل بينه وبين المسلمين في غير العين التي هي حرام، وهناك رأي ـ وقد سبق أن بحثناه بحثاً موسعاً في بعض الفتاوى(67) ـ لبعض العلماء وهو أن المشرك إن اغتصب شيئاً من المسلمين تجوز معاملته فيما غصب، لأنه تنتقل ملكيته إلى الغاصب المشرك، وهذا الحكم لا يتعدى المشركين والخارجين من ملة الإسلام إلى المسلمين، اللهم إلا من يرى أن المستحل من أهل التوحيد ملحق بحكم المشركين، ونحن اخترنا الرأي الآخر وهو حرمة معاملة الغاصب سواء كان مسلماً أو كان مشركاً، وإن كان مسلماً فسواء كان مستحلاً أو منتهكاً. والله تعالى أعلم.
توبة آكل الربا:
ما حكم من وقع في الربا عن طريق بيوع الذرائع، ولكن لم يقصد ذلك، وإنما فعله بنية حسنة؟
عليه التوبة على أيّ حال، لأن النيات الحسنة لا تحول الحرام إلى حلال. والله أعلم.
اضطررت لأخذ قرض من البنك، مع علمي بأنه حرام ولكن بعد ذلك تراجعت، ولكن المبلغ كبير لا أستطيع سداده؟
سَلِ الله عز وجل أن يمن عليك بالخلاص، وانو التخلص في قرارة قلبك، ومتى واتتك الفرصة فلا تتوان في ذلك والله أعلم.
ربا البنك موجود مع مبالغ صندوق التبرعات، فهل يصح أخذها وتوزيعها في وجه من وجوه البر، على أن الجماعة تتعلل بأنها لا تأكل هذه الأموال والمسماة بالفائدة، وإنّما خصصت لدفع البلاء كالديات والغرامات؟
هذه ليست فائدة، لأنها ممحوقة البركة بنص القرآن، { يمحق الله الربا ويربى الصدقات } (68) ولا يجوز قبولها بحال، وإن دخلت في الحساب فيجب التخلص منها بدفعها إلى فقراء المسلمين، على سبيل التخلص لا الصدقة، فإن الصدقة لا تكون إلا من المَال الحلال والله أعلم. (3/120)
صفحة 839
ما قولكم فيمن أودع نقوداً في إحدى البنوك، وبعد استرجاعها واستلامها وجد عليها زيادة تبلغ أربعة آلاف ريال، ثم عرف أنها ربا، فهل يردها إلى البنك أم هل له إحراقها أو تمزيقها؟
كان عليه أن لاَ يأخذها، أمَّا وقد أخذها فلا يردها إليهم، وليس له إحراقها ولا تمزيقها، ولكن يدفعها إلى فقراء المسلمين، تخلصاً لا تصدقاً. والله أعلم.
رجل أودع مبالغ في البنك، فأخذ زيادة من هذه المبالغ جهلاً منه فماذا يفعل بهذه الزيادة؟
عليه في هذه الحالة أن يتخلص مما أخذ من الربا بدفعه إلى فقراء المسلمين. والله أعلم.
اقترض شخص من أحد البنوك بربا، وابن هذا الشخص أودع ماله في بنك آخر، وقام البنك بإعطائه مالاً زائداً (ربا)، فهل يجوز لهذا الولد أن يتخلص من هذا الربا بإعطائه أباه بنية التخلص من الربا ومساعدة أبيه؟ أو هل يجوز أن يتخلص منه عن طريق إقامة الولائم؟
ذلك من أخذ الربا وإعطائه، فيجتمع للأب والابن الإثمان. والله أعلم.
قمت بإيداع مبلغ في أحد البنوك كأمانة فقط لا أستزيد عليه، وبعد فترة تحصلت على جائزة مالية كهدية أخذتها لحاجتي الماسة إليها هارباً من مغبة الاقتراض من البنوك، ونيتي التخلص منه بعد تحسن حالتي. سماحة الشيخ: هل توجد أدنى رخصة في ذلك، علماً أن سماحتكم ـ أبقاكم الله ـ تدركون متغيرات العصر ومتطلبات الحياة؟
الخلاص فيما ذكرته، وهو التخلص منها بدفعها إلى فقراء المسلمين، فإن لم تتمكن في حياتك فالإيصاء بذلك. والله أعلم.
فيمن يريد الخلاص من الربا نتيجة الغلة في بيع الإقالة، ماذا يفعل؟
إن أرادوا لأنفسهم الخلاص فليجعلوه وفاءً للدين ليقسطوا من الدين بقدره والله أعلم.
ما قولكم فيمن أخذ ألف ريال عماني، شريطة أن يدفع له كل سنة مبلغ مائة ريال عماني، جهلاً منه بأن ذلك رباً ثم تبين له ذلك، فكيف الخلاص إذا أراد التوبة؟ (3/121)
صفحة 840
يقول الله سبحانه وتعالى: { وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون } (1)، وهذه الآية دالة دلالة قاطعة على أن على المربي أن يرد أخذ من الربا إلى صاحبه وليس له إلا رأس ماله، وعليه فإنه ليس لهذا القارض إلا ألف ريال، وعليه أن يرد الباقي إلى المقترض مع التوبة النصوح إلى الله والله أعلم.
رجل توفي وترك أموالاً وأولاداً، وقام جد الأولاد بالمتاجرة بأموالهم بالربا والرهن الذي يأخذ عليه غلة، ثم أودع الأموال في البنوك الربوية، والسؤال:
1ـ ماذا يفعل الأولاد بهذه الزيادة في الأموال التي في البنوك، فهل يجوز لهم أن يعطوها لأحد أقاربهم ليبني
بها بيتاً له نظراً لشدة فقره وكثرة أولاده وليس عنده ما يكفيه لبناء منزل جديد له؟
هل يجوز الانتفاع بهذه الأموال في تصليح بيت الأولاد نظراً لخراب نوافذه وبعض أجزائه؟
2ـ بالنسبة للزيادة الحاصلة من الرهائن هل ترد الزيادة إلى أصحابها في الحال؟
3ـ هل يجب على الأولاد إخراج الزكاة المستحقة على هذه الأموال طيلة هذه السنوات مع العلم أنهم لو فعلوا ذلك الآن فإن الأموال التي ستبقى لهم ستكون قليلة جداً، وهم الآن ما زالوا في مرحلة الدراسة وليس عندهم ما يعتمدون عليه بعد الله تعالى سوى هذه الأموال؟
1ـ لا يجوز الانتفاع بالربا ولا النفع فكل سحت والله أعلم.
2ـ ما زاد على ما دفعه المرتهن إلى الراهن مما دفعه إيجاراً يجب رده إليه والله أعلم.
3ـ لا زكاة في المال الحرام فإنه يجب التخلص منه جميعاً والله أعلم.
سماحة الشيخ: أختي لديها قرض من بنك تجاري وكما تعلمون سماحتكم بأنه يعتبر ربا وهي تخاف الله، ولقد فكرت بأن تجعل البنك يستقطع راتبها كاملاً ولكن لم تستطع، لأن زوجها عاطل عن العمل منذ ثلاث سنوات، وهي معيلة لثلاثة أطفال أيضاً، فماذا تفعل؟
عليها التخلص بحسب طاقتها، فما زاد على ضرورتها فلتتخلص به من هذا القرض الربوي. والله أعلم. (3/122)
صفحة 841
أنا شاب قبل الاستقامة اقترضت مبلغاً من بنك ربوي وقدره خمسمائة ريال عماني لتغطية تكاليف الزواج، ولم أستطع دفع ذلك المبلغ حتى الآن إلى البنك، وأنا تائب إلى الله، فهل أنا مرابٍ؟ وهل يصح لي أداء فريضة الحج أو العمرة؟ وإذا كان الجواب لا، فبماذا تنصحني؟
أنصحك أن تتقي الله وأن تتوب إليه توبةً نصوحاً، وأن تنوي الخلاص من هذا الأمر، وما تنفقه في الحج أو العمرة فأنفقه أولاً في الخلاص من هذا الشيء لتتخلص من أوزاره، حتى تفد على الله تبارك وتعالى وأنت طاهر.
رجل اقترض من البنك خمسة وعشرين ألف ريال بغرض شراء منزل فعندما ردها خمسين ألف، فإذا تاب هذا الرجل وقضى الدين فهل عليه بيع المنزل؟
الصفقة المحرمة هي ليست في شراء المنزل، حتى يقال إن عليه أن يتخلص من ذلك المنزل، فالمنزل لا يحرم عليه، وإنما تحرم هذه المعاملة.
رجل عامل بالحرام لسنوات عديدة حتى مالاً عظيماً، فماذا عليه إن أراد التوبة؟ وكيف إن كان قد خلط الحرام بالحلال؟
توبته كما قال الله تعالى: { وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون } (1)، فالتائب لا يأخذ إلا رأس ماله، وعليه أن يرد الحق إلى صاحبه، فإن تعذرت عليه معرفة صاحبه بسبب جهله به، وكان ذلك أمراً متعذراً لا يمكن أن يتوصل إليه بأي حال من الأحوال، ولا إلى ورثته إن كان قد مات، ففي هذه الحالة يعد هذا المال مجهول الأرباب، وما كان مجهول الأرباب ففقراء المسلمين أولى به.
قد ذكرتم في بعض محاضراتكم أنواع البيوع الملتوية المحرمة، وقد اقتنعت بحرمة ذلك وأنا من ضمن الذين سلكوا هذه الأساليب المتخفية ـ أسال الله أن يغفر لي ذنبي ـ فما هي نصيحتكم لي، وقد انغمست في هذا الباطل، وفي هذه البنوك الربوية المعاصرة؟ (3/123)
صفحة 842
عليك أن تتخلص، فإن كنت قد اشتريت شيئاً بالإقالة وتقاضيت بسببه شيئاً من الأجر الذي لا يجوز لك فعليك الخلاص من ذلك، بدفع ذلك إلى صاحبه إن عرفته وإن تعذرت عليك معرفته فإلى فقراء المسلمين، باعتباره مالاً مجهول الأرباب، وإن كان الأمر بخلاف ذلك بحيث كنت أنت الدافع فعليك التوبة والله يتقبل منك، وبالنسبة للبنوك الربوية عليك إن كنت قد أخذت شيئاً أن تدفع ما أخذته إلى فقراء المسلمين، لأنه أصبح مالاً مجهول الأرباب، وإن كنت قد أعطيتها فتب إلى الله وتخلص من هذه المعاملة.
رجل كان يتعامل بالربا ـ أي يقرض الناس مبلغاً من المال لنفترض ألف ريال عماني فيأخذ عنها ألفاً ومائتي ريال عماني ـ واستمر على هذه الحالة مدة طويلة من الزمن، وبعد أن هداه الله أدى فريضة الحج، فما حكم الشرع في هذا الحج؟ وهل يرد الأموال الربوية السابقة إلى أصحابها، وخاصة أنه تاب توبة نصوحاً؟
نعم، عليه رد كل ما أخذه من الربا إلى أهله، لقوله تعالى: { وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون } (1)، وقد كان الواجب عليه ردها قبل حجه، ليفد على الله وهو طاهر والله أعلم.
التأمين:
ما حكم التأمين؟
إن الذي يؤمّن حياته ـ حسب التعبير الشائع ـ أو ماله أو أيّ شئٍ يمكن تأمينه حسب النظام المتبع، إنما يدفع مبالغ نقدية قد لا يعود إليه شيء منها، وقد يعود إليه ما هو أكثر منها بأضعاف مضاعفة، على أنّ ما يتلف من يديه إن لم يعد إليه شيء منه، إنما يتحول إلى جيوب غيره، وما ينتقل إليه إن عاد إليه شيء أكثر مما دفع، ما هو إلا من مساهمات سائر المَؤمِّنين في نفس شركة التأمين، وهذا يعني أنّ المشارك في التأمين هو جاهل بما يعود إليه وما يتلف مما أعطى؛ فعقد التأمين إذاً عقد جهالة، فهو من عقود الغرر المنهي عنها في الإسلام، ويضاف إلى ذلك أمران: (3/124)
صفحة 843
أولهما: قد تعود إليه مساهمات غيره فتكون لصالحه وقد يكون العكس، وهذا ضرب من الميسر الذي حرّمه الله بنص القرآن، إذ الميسر ما هو إلاّ أن يدفع الناس مبلغاً من المال كل منهم يسعى أن يربح بما دفع أضعافه، فإمّا أن يعود بالأضعاف، وإما أن ينقلب بخسرانه رأس المال.
ثانيهما: أن صفقة التأمين هي صفقة بيع مال بجنسه، إذ المؤمّن يدفع عملة نقدية لشركة التأمين، وعندما يأتي التعويض يكون كذلك عملة نقدية، ومن المعلوم أن بيع الشيء بجنسه نسئةً ربا ولو لم يكن تفاضل بينهما ولا جهالة، فكيف مع التفاضل والجهالة بالثمن والمثمن؟ إذ لا يدري أحدٌ مقدار ما يدفعه على مرِّ السنين ولا مقدار ما يُدفع إليه.
وبجانب كل ما تقدم، فإن شركات التأمين تنمي حصيلة هذه المساهمات بالاتجار بها، ومن المعلوم أنها لا تتقيد في تجارتها بقيود الأحكام الشرعية، فلا يؤمن أن تتجر بالخمور والبغاء والربا وسائر المحرمات، لعدم انضباط تعاملها بضوابط الشرع، وريع كل ذلك يعود مع الأصل إلى الذين تعوضهم الشركة، والمسلم يحتاط لدينه، ويتقي الشبهات فضلاً عن المحرمات.
على أنه جاء في كتاب الله التحذير الشديد من أخذ مال الغير بغير حق، فقد قال عزّ وجلّ: { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنت تعلمون } (2)، وقال تعالى: { يأيها الذين ءامنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراضٍ منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما * ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً فسوف نصليه ناراً وكان ذلك على الله يسيرا } (1)، وقد أثيرت مسألة التأمين سابقاً بإحدى دورات مجمع الفقه الإسلامي بمدينة جدة، فكان رأي الشيخ الزرقا شاذاً ما بين آراء سائر العلماء، وكان قرار المجمع مخالفاً لرأيه والله أعلم. (3/125)
صفحة 844
لقد صدر قرار إلزام الناس بأن يؤمنوا سياراتهم، فهل يجوز للإنسان صاحب السيارة أن يتبع مقتضى هذا القرار فيؤمّن سيارته، مع ما هو معلوم من أن التأمين يقتضي أن يدفع إنسان مبالغ قد يخسرها جميعاً وقد تعود إليه بعضها أو كلها أو أكثر منها، فما هو حكم الإسلام في ذلك؟
نظام التأمين المتبع لا يتفق مع مَا تقتضيه الشريعة الإسلامية الغراء، من تحريم أكل أموال الناس بغير حق، يقول الله عز وجل: { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنت تعلمون } (2)، ويقول سبحانه: { يأيها الذين ءامنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراضٍ منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما * ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً فسوف نصليه ناراً وكان ذلك على الله يسيرا } (3)، وفي الحديث " القليل من أموال الناس يورث النار"(4)، ويقول ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ" لا يحل لأحد أن يأخذ عصى أخيه بغير طيب نفسه"(5)، وقد حرم الله الميسر تحريماً حازماً لا هوادة فيه، وهو عبارة عن أكل أموال الناس بيسر، ولا ريب أن التأمين ضرب من الميسر، ولا أدل على ذلك من أن صاحبه لا يدري هل يسترد شيئاً مما دفع فيه أو مثل ما دفع أو أكثر منه، أو يخسر كل ما دفعه، هذا فضلاً عن كون شركات التأمين قد تنمي ثرواتها بطرق لا يبيحها الإسلام، كالاتجار في الخمر والمشاركة في محلات الرقص والفساد والتعامل بالربا، إلى غير ذلك من الشبه والمحرمات التي تترتب على التأمين، لذلك أرى ضرورة أن يجتهد كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر في طلب المسئولين بأن يلغوا هذا القرار، والله لا يضيع عمل عامل، وهو عز وجل ولي التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
... (3/126)
صفحة 845
سمعت أن التأمين على السيارات لا يجوز شرعاً فما هي علّة التحريم؟ علماً بأن بعض الناس إذا وقع عليهم حادث يتطلب منهم دفع مبلغ من المال، ولا يجدونه بسبب العسر، فيكون التأمين نافعاً لهم؟
علة التحريم الغرر، فهو نوع من المقامرة، وبجانب ذلك هو بيع نقد بنقد مع التفاوت والنسئة، وذلك عين الربا بالإجماع والله أعلم.
إننا عازمون على شراء حافلة لنقل الركاب داخل وخارج السلطنة، ونظراً لتبعات العمل المتخلص في حركة النقل، ووفقاً للظروف السائدة أن يتم التأمين على الحافلة والركاب جميعاً أو بمصطلح (تأمين شامل)، كما أن خطوط الحركة تتعدى حدود الدولة إلى دولة أخرى يحددها طالب التأمين، وعليه فهل هناك حرج في إقدامنا بالتأمين على الركاب والحافلة معاً؟
التأمين ضرب من ضروب معَاملات الربا والمقامرة، لذلك لا نقوى على إباحة ذلك، إلا في حالات الضرورة التي لا محيص عنها والله أعلم.
حيث عن ابني قد توفاه الله عز وجل غرقاً في سيارة كان يركبها وزميل له، وقد قمت بالتنازل عن أية مطالبات تجاه أولياء المتوفى الثاني، كونه سائقاً للسيارة ومتسبباً في إقحام السيارة في البحر، فقامت شركة التأمين باستدعائي وطالبتني باستلام الدية المقررة، فهل يجوز لي أخذ هذه الدية؟ وما وجه حرمتها إن كانت حراماً؟
أنت تنازلت عن حقك الشرعي، فدع الدخول في مضايق قضايا التأمين، والله يعوضك مَا هو خيرٌ لك، ويجزيك خيراً على ما قدمت، { وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله } (1). والله الموفق.
تسبب بعير في حادث سير وتوفي على إثره اثنان، وقررت المحكمة على شركة التأمين دفع الدية، فما حكم هذه الدية هل يجوز أخذها أم لا؟
مَا كان من جهة التأمين ففيه مَا فيه من الملابسات التي يجب أن تتقى، وإنما الدية واجبة على عَاقلة المخطئ شرعاً والله أعلم. (3/127)
صفحة 846
رجل توفى في حادث سيارة، وبعد ذلك أقام ورثة الهالك القصر ( الصغار) وكيلاً شرعياً لكي يطالب بحقوقهم الشرعية، فتقدم الوكيل أمام المحكمة الجزائية مطالباً بدية من تلك السيارة التي وقع خطأ الحادث منها، فعندما وصلت الدية إلى المحكمة الشرعية تنازل الورثة الكبار عن نصيبهم من تلك الدية، ومنهم الأرملة، بحجة أن تلك الدية واردة من شركة التأمين، وقد طلب الورثة الآخرون من الوكيل أن يتنازل عن إخوانهم الصغار من تلك الدية فرفض الوكيل التنازل.
سماحة الشيخ هل هذه الدية حلال أم حرام؟ وإذا كانت هذه الدية حلال فهل يمكن التصرف وإعاشة الصغار منها؟ وإذا أصر الورثة الكبار على التنازل عن نصيبهم من الدية، فهل يحق للورثة الصغار ( الوكيل) أخذ الدية بالكامل؟ وهل يجوز أن تؤخذ هذه الدية والحج منها عن الهالك أو ما شابه ذلك؟
الدية حلال إن لم تكن من مصدر حرام كالتأمين، وحق الصغار متعلق بالجاني لا بالشركة، ولا يجوز أن يطعموا إلا بالحلال، ومن تنازل عن حقه من الدية لم ينتقل إلى غيره، وإنما يسقط منها، والحج لا يكون إلاَّ بالمال الطيب دون الخبيث، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيباً والله أعلم.
رجل تعرضت زوجته لحادث دهس ونتج عن ذلك إصابتها بكسور أقعدتها في الفراش مدة طويلة، وذهب زوجها للمطالبة بحقها من الشرطة، فعُرض عليه أمران:
إما الذهاب إلى شركة التأمين لأخذ التعويض، أو حضور المحكمة التي بدورها سوف تستدعي ممثلاً عن شركة التأمين، في كلا الحالتين مطلوب منه أخذ التعويض من شركة التأمين، فما حكم أخذ التعويض من شركة التأمين؟ وإذا كان الجواب بعدم الجواز، فهل للزوج أن يجبر زوجته على التنازل عن حقها؟
لاَ يجوز أن يأخذ أحد من شركة التأمين، إلاَّ أن يكون اضطر إلى التأمين قسراً، فله أن يأخذ مقدار مَا دفع من نفس الشركة، وليس للزوج أن يجبر زوجته على التنازل عن حقها، ولكن يأمرها بعدم أخذه من التأمين. والله أعلم. (3/128)
صفحة 847
لقد أمنت سيارتي في إحدى شركات التأمين، بقيمة 175 ريالاً عمانياً، وبعد فترة من الزمن حدث أن أصيبت السيارة بكسر في الزجاج الأمامي، وذهبت إلى شركة التأمين لتعويضي قيمة الزجاج الأمامية على أن أدفع مساهمة مقدارها خمسون ريالاً عمانياً، علماً بأن قيمة الزجاجة مع التصليح في حدود مائتين وثمانين ريالاً عمانياً، في هذه الحالة فإنني قد دفعت مبلغاً من المال يوازي (175 + 225=225 ريالاً عمانياً)، فما يكون حكم النقود التي سوف تدفعها شركة التأمين وهي بمقدار 280- 225=55 ريالاً عمانياً، حيث إن هذه النقود تعتبر زيادة؟
لك أن تأخذ من شركة التأمين بقدر مَا دفعت إليها لا غير، وإن زادَ مَا أخذته منها فأعطه فقراء المسلمين والله أعلم.
شخص قام بالتأمين على حياته وبيته، بمبلغ وقدره سبعة آلاف ريال عُماني، ثم توفيّ، هل يجوز للورثة أخذ الزيادة التي تأتي من شركة التأمين، وقدرها تسعة آلاف وسبعمائة ريال عُماني؟
عقد التأمين غير سَائغ شرعاً، لما فيه من المقامرة والربا، أمَّا المقامرة فإن المؤمن لا يدري هل يسترد مما دفعه أولا، وإن استرد هل سيكون مثل مَا دفعه أو أقل أو أكثر بكثير، وأمَّا الربا فإنه يدفع نقداً ليسترد نقداً، فهو من باب بيع النقد بمثله معَ النسئة والتفاضل، لذلك لا أرى لورثة المؤمن إلاَّ مَا دفعه إلى شركة التأمين فحسب، ومَا عداه فحكمه حكم المال الذي جهل أربابه. والله أعلم.
أعمل في إحدى الدوائر، ومن ضمن اللوائح المعمول بها هو أن يتم تأمين الموظف على الحياة من قِبَلها دون أن يتحمل أية رسوم، وعند وفاة الموظف يدفع للورثة تعويضاً من شركة التأمين، هذا بالإضافة إلى حقوق الموظف من جهة العمل، ما حكم الشرع في هذا؟ (3/129)
صفحة 848
التأمين غير جَائز لما فيه من المخالفات لنظم الشريعة الإسلامية، ولكن بما أن الدائرة التي يعمل فيها هي التي تؤمن بدون تدخل من الموظف، فلا إثم عليه، إذ: { ولا تزر وازرة وزر أخرى } (1)، وإنما على الموظف أن يوصي ورثته بأن لا يأخذوا شيئاً من شركة التأمين لو مَات. والله أعلم.
ما قول سماحتكم فيمن لديه عمال يشتغلون لدى مؤسستة من المسلمين وغيرهم من الملل الأخرى، هل له أن يؤمنهم لدى شركات التأمين، أو يرغمهم على تأمين أنفسهم، علماً بأن القوانين في البلاد تحمل الكفيل كافة المسؤوليات تجاه المكفول؟ فهل يجوز ذلك؟
التأمين حرام، لا يجوز إلاَّ في حَالة الضرورة التي لاَ مناص عنها. والله أعلم.
ما قول سماحتكم عن رجل أمَّن نفسه في شركة التأمين وتوفي، والآن ورثته أرادوا توزيع المبلغ الذي حصلوا عليه من شركة التأمين على الفقراء، فهل يصح ذلك أم لا؟
هذا تخلص لهؤلاء من آثار الورطة التي وقع فيها موروثهم، ولا حرج في هذا الخلاص على الوارث المعطِي أو الفقير المعطَى، فإن كل مَال جهل أربابه ففقراء المسلمين أولى به، ولهذا المَال حكم مجهول الأرباب. والله أعلم.
رجل أرادت جهة عمله أن تقدم له قرضاً بأقساط ميسرة دون أية زوائد، إلا أن إجراءات القرض تقتضي التأمين على المسكن الذي هو في أمسّ الحاجة إليه، خاصة وأنه مقبل على زواج وليس لديه مسكن، فهل يجوز له الاستفادة من هذا القرض، مع أنه على يقين في قرارة نفسه أنه فيما إذا حدث أي حادث للمسكن فإنه لا يلجأ إلى شركة التأمين للحصول على التعويض، وإنما يتحمل التعويض بنفسه، فهل تجد من رخصة في ذلك؟
إن عد مَا يؤخذ منه من جملة الضرائب، وكان في قرارة نفسه أن لا يأخذ من شركة التأمين أكثر مما دفع إليها، فأرجو أن لا يضيق عليه ذلك والله أعلم. (3/130)
صفحة 849
سماحة الشيخ: إنني أعمل في وزارة، والوزارة تقدم لنا قروضاً ميسرة لبناء أو شراء مسكن، والقرض خال من الربا، ولكن هناك ما يسمى بالتأمين على القرض وعلى المسكن ضد السرقة والحريق وما شابه ذلك، وهذا التأمين إجباري يخصم من راتب المستقرض سنوياً بنسبة ما، وأنني متردد من أخذ القرض بسبب التأمين، مع العلم بأني محتاج إلى بناء مسكن لي ولعائلتي، ما رأي سماحتكم في هذا القرض؟
إن كنت توافق على التأمين فهو غير سَائغ، وإن كنت غير موافق عليه وإنما أمضِيَ من ورائك فأنت غير مسئول عما يفعله غيرك والله أعلم.
رجل يعمل في شركة، واقترض منها مبلغاً لبناء منزل، والشركة تؤمن هذا المبلغ سنوياً، وتأخذه من راتب الموظف عند كل تأمين، ما الحكم الشرعي في حالة وفاة هذا الموظف في المبلغ المتبقي عليه، هل على الورثة أن يقبلوا من الشركة إسقاط هذا المبلغ؟
ليس له أن يرضى بالتأمين، وأمَّا إسقاط الشركة حقها فذلك أمرٌ جَائز، ولا حرج على الورثة في تقبله والله أعلم.
شخص يريد العمل لصالح شركة هاتف عالمية، وذلك كمروج وبائع لخدمات هذه الشركة للناس في مختلف أقطار العالم، ولكن سياسة الشركة تستدعي أن يفتح الزبون حساباً لدى الشركة، ليسدد ما عليه من مبالغ نظير استئجار أو شراء خدمات الشركة ببطاقة الائتمان المصرفية، فهل على هذا الشخص إثم إن هو عمل لصالح هذه الشركة، علماً بأنه ليس عليه فتح مثل هذا الحساب لدى الشركة، لأنه لا يريد استئجار أو شراء خدماتها، إنما هو مجرد مروج وبائع لخدمات الشركة لغيره من الناس الراغبين في ذلك؟ أفتني ولكم الأجر والثواب؟
الترويج لمعَاملة فيها شيء من الملابسات التي لا يقرها الشرع غير جائز، لقوله تعالى: { وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } (1)، وعليه فإن كان يشترط للمتعامل مع هذه الشركة أن يكون بطريقة بطاقة الائتمان، فهو غير سائغ شرعاً. والله أعلم. (3/131)
صفحة 850
لدينا طريقة لمن يشترك في نظام التأمين، كل شخص مشترك في نظام التأمين يدفع تأميناً سنوياً، فلو نوى كل واحد من الأشخاص المشتركين في النظام أن لو حدث أي ضرر مالي لأي واحد منهم أن يتبرع بمبالغ التأمين التي دفعها لصالح الشخص المتضرر، فمثلاً لو كان مجموع ما دفعته المجموعة في شركة التأمين ثلاثين ألفاً، فوقع لأحدهم حادث، ودفعت الشركة عنه عشرة آلاف، فإنها تعتبر من ضمن الثلاثين؟
إن كانت هذه المجموعة وافقت على التأمين من تلقاء نفسها فذلك غير جَائز، لأنها بنت معَاملتها على مَا هو محرم، وإن كانت غير موافقة عليه، وإنما أكرهت عليه، وقد وقع التراضي بينها أن تنتصر من الشركة باسترداد حقها عندمَا يقع حَادث على أحد منها، باسترداد مَا أمكنها استرداده مما أخذ منها، والسماح به لمن وقع عليه الحَادث، فأرجو أن لا يضيق ذلك والله أعلم.
جماعة من الناس اتفقوا على أن يأمنوا في شركة تأمين واحدة كافة مركباتهم، ثم يعتبروا هذا المال ( الذي تأخذه الشركة غصباً طبعاً) تبرعاً من كل واحد منهم لأي واحد يحدث لسيارته عطب يستدعي أخذ النقود من الشركة، بمعنى أنه لو كانت المبالغ التي أمنّوا بها سياراتهم قد بلغت ولعدة سنوات( 1,500ريال)، وحدث حادث لسيارة أحدهم، وكانت مصاريف التصليح لها( 1000 ريال) فيأخذ صاحب السيارة من الشركة ذلك المبلغ، معتبراً تبرع زملائه له بذلك، وإن زادت مصاريف التصليح عن القيمة الموجودة ( 1,500ريال)، أخذ تلك الزيادة بنية أنهم سيأمنون في هذه الشركة مستقبلاً؟
إن أخذه انتصاراً للكل، ووافق الجميع بعد الأخذ على تبرعهم بحقوقهم له، ففي ذلك سعة. والله أعلم.
لقد وقع حادث اصطدام بين سيارتين، وكان المخطئ أخي وقد توفي وتوفيت معه امرأة، وحكمت المحكمة الجزائية على شركة التأمين بدفع الدية للهالكين، فهل يجوز استلام هذه الدية؟ (3/132)
صفحة 851
إن كانت الدية تؤخذ للتملك من قبل شركة التأمين فلا يسوغ، وإن أخذتموها على أنه مال مجهول الأرباب يصرف على الفقراء المضطرين فلا حرج. والله أعلم.
وقع حادث سير لسيارتي بقيادة أخي وكان المخطئ السيارة الأخرى، فاقتضى الأمر أن تدفع لي شركة التأمين غرامة مالية عوضاً عن سيارتي، وقدرها ألف وأربعمائة ريال، وذلك بالحكم على المخطئ من قبل المحكمة الجزائية، وقمت باستلام المبلغ من شركة التأمين، فما حكم هذا المبلغ؟
لا يجوز أخذ الدية والغرامة من شركة التأمين إلا الفقير المضطر بقدر ضرورته، فقط، ذلك لما فيه من معاملات مبنية على أسس غير مشروعة، وحكم المال الذي بيده حكم المال المجهول الأرباب، فيجوز للفقير المحتاج أن يأخذ منه بقدر حاجته. والله أعلم.
سيارة مؤَّمنة تأميناً شاملاً وتحطمت كلياً في حادث سير، وتوفي صاحبها ورجل آحر معه، وغرمت شركة التأمين مبلغ خمسة آلاف ريال، هل يجوز أخذ هذا المبلغ؟
ما كان من شركة التأمين فلا يجوز أخذه، وإنما يأخذون قيمة السيارة الحقيقية ممن كان السبب في تحطمها والله أعلم.
لي أخ أخذ سلفة من بنك تجاري واستمر في دفع الأقساط مدة سنة تقريباً، وانتقل إلى الدار الآخرة، وأنا حالياً أرغب في سداد المبلغ المتبقي إلا أن البنك أفادنا أنه قام بتأمين السلفة والتأمين هو ملزم حالياً بسداد باقي المبلغ، علماً بأن البنك سوف يجمع المبلغ الذي أدفعه أنا إضافة إلى المبلغ الذي يدفعه التأمين وهذا قانون متداول لدى البنوك، أفدنا أفادكم الله ولكم الأجر والثواب؟
هذه المسألة مشكلة من أساسها، ولكن بما أن البنك هو الذي أمَّن ورضي أن يتنازل عن حقه عليكم بموجب التأمين، فيسعكم السكوت. والله الموفق. (3/133)
صفحة 852
ما قول سماحتكم في شركة تأمين، يقوم المؤمن بدفع مبلغ (50) ريالاً عمانياً شهرياً لهم عن كل طفل وذلك لتأمين دراستهم العليا بعد إكمال دراستهم الثانوية، حيث إن هذه الشركة ستتكفل بكافة مصاريف دراساتهم الجامعية، وفي حالة عدم رغبتنا في إكمال الدراسة عن طريقهم سيقومون بإعادة المبالغ التي قمنا بدفعنا لهم؟
هذه معاملة فيها الكثير من الغرر، والغرر محرم في الإسلام، ولذلك حرم الله الميسر، وجاءت السنة النبوية ـ على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ـ بتحريم بيوع الغرر وجميع المعاملات التي فيها غرر، لذلك لا أرى وجهاً لجوازها. والله أعلم.
لقد وقع حادث اصطدام مما تسبب في وفاة أم وابنتها، ومحور الموضوع يدور حول الأم، حيث إن المحكمة سألت وكيل الورثة (ابنها) بمطالبتة بحق أمه أم لا؟ فكان جوابه نعم إن كانت شركة التأمين تقوم بدفع الدية دون علمه بالأحكام الشرعية في ذلك، وعلى ضوء المطالبة قررت المحكمة بإلزام شركة التأمين بدفع الدية للورثة، وبعد استفتاء وكيل الورثة عن حكم أخذ الدية من شركة التأمين اتضح له عدم جواز ذلك، ثم قامت الشرطة تطالب الوكيل بأخذ المبلغ المتفق عليه بصورة مستمرة لأنه قرار من المحكمة ولا بد من تنفيذه، هل يحق للوكيل أخذ المبلغ وصرفه في وجوه البر كتوزيعه على الفقراء أو إصلاح لطريق.. إلخ؟
نظراً إلى أن المبلغ تقرر دفعه من قبل الشركة فليأخذه وليصرفه إلى فقراء المسلمين تخلصاً منه. والله أعلم.
رجل مات في حادث سير بسبب تدهوره ودفع لورثته ديةٌ من التأمين، فما الحكم الشرعي في هذه الدية؟ وهل يصح الحج منها؟
إن كانوا أخذوها من التأمين فليتخلصوا منها بدفعها إلى فقراء المسلمين، وإن أخذوها من القاتل فلا عليهم شيء وإن كان دفع إليه من شركة التأمين ما دفع لأن الحرام يتعلق بذمته. والله أعلم.
امرأة غير متزوجة في العقد الثاني من العمر، توفيت في حادث سير، وحصل أهلها على دية من شركة التأمين: (3/134)
صفحة 853
1ـ هل يجوز التبرع بجزء من هذه الدية لصالح أحد المساجد لتكون صدقة جارية لها؟
2ـ وهل يجوز تأجير حجة عنها من هذه الدية؟
3ـ وهل يجوز لوالديها أخذ شيء من هذه الدية لصالحهما؟
المال الذي يأتي من شركة التأمين هو مال مشتبه، وما كان كذلك فلا يجوز بناء مسجد به ولا الحج منه، وإنما يتخلص منه بدفعه إلى فقراء المسلمين لأجل التخلص لا للصدقة، والوالدان إن كانا فقيرين فلهما ما لغيرهما من الفقراء بقدر حاجتهما، وإلا فلا. والله أعلم.
لديَّ سيارة قمت بشرائها عن طريق الأقساط، وقمت بتأمينها تأميناً شاملاً، حيث إن النظام لا يسمح إلا بالتأمين الشامل في مثل هذه الحالات، وقد قدر الله أن أتسبب في حادث سير، وكان الخطأ عليَّ حسب تقدير رجال الشرطة، فتم إصلاح السيارتين عن طريق تأمين سيارتي بمبلغ وقدره ألف وخمسمائة ريال عماني، وأنا حقيقةً لم أدفع لشركة التأمين سوى مبلغ مائتين وخمسين ريالاً، ولم يكن لدي من المال ما أصلح به السيارتين، وكنت في حاجة ماسة للسيارة، فماذا عليَّ في مثل هذه الحالة؟
إن كنت في غنى فادفع هذه الزيادة التي أخذتها إلى فقراء المسلمين، وإن كنت معسراً فانوِ الخلاص متى يسر الله لك. والله أعلم.
ما رأي سماحتكم في خمسة أشخاص من أسرة واحدة حصل لهم حادث سير، وكان الخطأ من سائق السيارة الأخرى التي اصطدمت بسيارتهم، فتوفي نتيجة الحادث الأم أما أبناؤها فبهم كسور بالغة وهم طريحي الفراش بالمستشفى وربما تطول فترة بقائهم للعلاج بالمستشفى، المبالغ التي نحصل عليها من شركة التأمين كدية للمتوفين وتعويض المصابين، هل هي جائزة؟ وإذا رغبنا في إنفاقها في أوجه الخير كبناء مسجد وغيره، هل يجوز ذلك؟ (3/135)
صفحة 854
أما ما كان من شركة التأمين فلا يجوز أن ينفق في بناء مسجد، لأن المساجد لا يحل بناؤها بالمال الحلال الطيب، وقد قال العلماء بأن كل مسجد بُنيَ بمالٍ حرام أو بأرض مغصوبة فهو لا حق بمسجد الضرار في عدم جواز الصلاة فيه، ومن المعلوم أن الاشتراك في التأمين التجاري في مؤسساته هو حرام لحرمه هذا التأمين، وإنما يجوز لمن اضطر إلى ذلك ولم يجد مناصاً منه أن يؤمن بشرط أن لا يأخذ من الشركة إلا مقدار ما دفع من غير زيادة، وإنما يأخذ ذلك المقدار استرداداً لماله بطريق الانتصار، وما زاد على ذلك فعليه أن يصرفه إلى فقراء المسلمين، لأنه مال مجهول الأرباب، أو أن يرده إلى أمثاله من الذين اضطروا إلى التأمين في تلك الشركة اضطراراً من غير رغبة منهم، هذا كله إن كان وليُّ أمر القتلى هو الذي يستلم من تلك الشركة، أما إن كان الجاني هو الذي يدفعها إليه فإنه في هذه الحالة يأخذ حقه ممن عليه الحق، وما عليه إن كان ذلك الجاني أخذ ذلك المبلغ من التأمين، فإن الحرمة إنما تتعلق بذمته. والله أعلم.
في مسألة أخذ الديات من شركات التمويل، سبق وأن أفتيتم سماحة الشيخ بعدم جواز ذلك إلا أن يأخذ الإنسان مقدار حقه في ذلك، إلا أنه في بعض الأحيان يريد الإنسان ألا يدخل فيها إلا أنه يطلب منه أن يوقع على الورقة ـ ورقة المطالبة أو الاستلام ـ ثم الشخص المتسبب هو الذي يذهب إلى الشركة ويطالب بالمبلغ إلى أن يناله ثم يدفعه إليه، فهل له أن يوقع؟
لا يشارك في ذلك بشيء، إنما يطلب حقه منه وحده والله أعلم.
ربا الفضل(1):
ما حكم ربا الفضل؟ وما دليله؟
الراجح مَا مَال إليه الإمام أبو يعقوب الوارجلاني، وأشار إلى اختياره القطب ورجحه الإمَام الخليلي ـ رحمهم الله جميعاً ـ، وعليه في عصرنا إمام المعقول والمنقول القنوبي ـ حفظه الله ـ، وهو عدم جواز ربا الفضل، وذلك للأحاديث الواردة في ذلك والله أعلم. (3/136)
صفحة 855
ما حكم مبادلة حليّ بحليّ أخرى، سواء بزيادة دراهم أو بدونها، من غير اعتبار لوزنيهما، كما تفعل النساء في محلات المجوهرات؟ . وهل الحكم سواء في بيع سيارة بأخرى بزيادة دراهم أو بدونها؟
أمَّا في السيارة فلا إشكال مع التقابض، وأمَّا في الحلي فلاَ بدَّ من التقابض مع التساوي، إلاَّ إن عوضت الزيادة بنقد، ولم يكن إنساءٌ في ذلك، اللهم إلاَّ إذا كان البدل والمبدل منه من جنسين، كأن يكون أحدهما ذهباً والآخر فضة، فلاَ حرج في التفاضل في هذه الحالة مع التقابض والله أعلم.
فيمن باع ذهباً قديماً واشترى جديداً، لكنه لم يقبض الثمن، بل إنه دفع ما عليه من زيادة جهلاً منه، ماذا عليه الآن؟
لاَ بدَّ من التقابض حَالاً، وإن لم يمكنه استرجاعه فليتب إلى الله من صنيعه. والله اعلم.
هل يجوز أن تستبدل المرأة ذهبها بذهب آخر، فمثلاً تبيع خاتماً من ذهب وتأخذ مكانه سلسلة من ذهب، وإذا كان لا يجوز فهل يجوز أن تبيع خاتماً من ذهب مثلاً بعشرين ريالاً وتأخذ آخر بعشرين ريالاً أيضاً؟
القول الذي نأخذ به أن الذهب بالذهب وسائر الأصناف لا تباع متفاضلة، كما لا تباع نسئة، وإنما يجب أن يكون بيعها يداً بيد ومثلاً بمثل، لقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ" الذهب بالذهب والفضة بالفضة.. ـ إلى أن قال ـ يداً بيد مثلاً بمثل فمن زاد أو استزاد فقد أربى"(1)، ولقوله " بع الجمع بالدراهم وابتع بالدراهم جنيباً(3,2)، وعليه فيجب وزن الخاتم والسلسلة، فإن كان وزن ذهبهما واحداً جاز بيع أحدهما بالآخر يداً بيد، وإلاَّ فلا بدَّ من أن يكون البيع بإحدى العملات والشراء كذلك والله أعلم. (3/137)
صفحة 856
جاء في شرح الجامع الصحيح الجزء الثالث، عند الحديث عن مسألة بيع الربوي بالربوي ما نصه: " أمّا إذا كان الربوي يشاركه مقابله في العلة، فإن كان بيع الذهب بالفضة أو العكس فإنه يشترط التقابض إجماعاً، وإن كان في غير ذلك من الأجناس كبيع البُرّ بالشعير أو التمر أو العكس، فظاهر الحديث المنع وإليه ذهب الجمهور "(4).
والسؤال عن ما يلي: ـ
أ ـ ما وجه التفريق بين الذهب والفضة وغيرهما من الأجناس، فيجوز بيع أحدهما بالآخر مع شرط التقابض، ولا يجوز في غيرهما من الأجناس؟
ذلك لأن الذهب والفضة مشتركان في النقدية، فكلاهما ثمن للمثمنات، وقد نص حديث طلحة بن عبيد الله(5) على عدم الجواز التعامل فيها بالصرف إلاًّ يداً بيد، وعليه الإجماع. والله أعلم.
ب ـ الجمهور يقولون بأن البر والشعير جنسان كما حكى عنهم ذلك الشيخ السالمي ـ رحمه الله ـ فلم يمنعون بيع أحدهم بالآخر وقد اختلف الجنسان؟
لا يبين لي إلاَّ أن القول بأنهما كل منهما جنس ينبني عليه جواز الإنساء فيما بينهما، وإنما المنع مبني على أنهما جنس ولحد والله أعلم.
نلاحظ كثيراً من النساء يذهبن إلى محلات بيع الذهب، ويبعن الذهب القديم، الذهب بالذهب هل يجوز ذلك؟
نعم، إن كان يداً بيد ومثلاً بمثل. والله أعلم.
ما حكم شراء وبيع العملة الصعبة بالريالات المحلية، مثل: شراء الدولار مقابل ثلاثمائة وخمسة وثمانين بيسة؟ (3/138)
صفحة 857
لا يخلوا هذا البيع، إما أن يكون نقداً أو نسئة، فإن كان نقداً فلا داعي إلى التشديد لجواز بيع الشيء بجنسه نقداً ولو متفاضلاً، على رأي أكثر أئمتنا ـ رحمهم الله تعالى ـ، وهب التفاضل غير جائز، فإن العملة الصحيحة هي قيمة السوق لا القيمة الرسمية الإجبارية، وإنما هذه تفرض فرضاً من قبل السلطات التي لا تتقيد بأحكام الله ورسوله، وإن كان نسئة فهو غير جائز لحرمة بيع الشيء بجنسه نسئة ولو مع عدم التفاضل، ولا ينحصر ذلك في أصناف معينة، والعملات مع اختلافها جنس واحد لأنها تؤدي مهمة واحدة، كما أن الذهب والفضة جنس واحد بالإجماع لاشتراكهما في النقدية. والله أعلم.
رجل اشترى ذهباً بالأوراق النقدية نسيئة لمدة معلومة، فهل هذه المعاملة جائزة؟ وإن كانت غير جائزة فهل يكفي للتوبة أن يرجع المشتري قيمة الذهب للبائع؟ أو لا بد أن يرجع الذهب نفسه؟ وما قولكم إن كان الذهب قد ذهب من المشتري بأي طريقة كانت؟
اختلف أهل العلم في الأوراق النقدية، هل تعد مع الذهب جنساً واحداً فيحرم بيع أحدهم بالآخر، أو أنهما جنسان فيحل ذلك، والأول أرجح لاشتراكهما في النقدية كالذهب والفضة، فإن الذهب نقد بطبعه، والأوراق نقد اصطلحت عليه دول العصر، ولكن لا يقطع في المسألة عذر المخالف، ونختار لمن وقع في ذلك التوبة وكفى. والله أعلم.
امرأة لديها ذهب وتريد استبداله بذهب آخر، فطلب منها بائع الذهب وصنع ما عندها من ذهب على الميزان وأعطاها بدلاً منه كمية أقل، وقال لها إذا أردتِ أكثر ادفعي الفرق؟
اختلف في ذلك، والأرجح المنع. والله أعلم.
رجل أخذ من آخر عشرة ريالات عمانية وأعطاه تسعة ريالات وتسعمائة وخمسين بيسة يداً بيد، ما قولكم في هذه المعاملة؟
هذا هو ما يسمى بربا الفضل، وفيه خلاف أهل العلم والحوطة في تركه، والأدلة من الحديث تقتضي منعه، لذلك نميل إلى عدم جوازه. والله أعلم. (3/139)
صفحة 858
ما الحكم في رجل اشترى ذهباً ثم عاد إلى نفس المحل بعد أيام راغباً في استبداله، وقام موظف المحل بكتابة عقد بيع جديد واستلم من المشتري أو سلمه فرق السعر؟ وإذا كان ذلك غير صحيح، فما هي الطريقة الصحيحة في مثل هذه الحالات؟ وهل يأثم الموظف على ذلك علماً بأن ذلك بمعرفة صاحب المحل؟
لا بدّ في هذه الحالة إن رد الذهب أن يسترد القيمة، ثم يكون بيع الذهب الذي أراده بعقد جديد وينقد ثمنه والله أعلم.
شخص يريد أن يبيع الذهب، فاتفق مع المشتري بقيمة معينة وتراضيا على تلك القيمة، فهل يلزمهما في هذه الحالة معرفة وزن الذهب وقيمته بالسوق قبل أن يتم هذا البيع أم مجرد الاتفاق والتراضي كافٍ؟
إن كان ذلك بعملة غير الذهب فلا حرج إن بيع غير موزون يداً بيد والله أعلم.
1ـ شخص يمتلك صيغة ذهبية، فذهب إلى الصائغ ليبيعها له، فقال له الصائغ إن هذا الذهب قيمته خمسمائة ريال، ولكن الصائغ لم يعطه قيمتها نقداً بل قال له بأن يأخذ صيغة ذهبية أخرى بما يعادل قيمتها خمسمائة ريال، فما حكم هذه المعاملة؟
لا بد من أن يكون بيع الذهب بالذهب يداً بيد مثلاً بمثل والله أعلم.
2ـ وإذا كانت تلك المعاملة أعلاه جائزة، فما قولكم إذا اختار البائع صيغة قيمتها أكثر من خمسمائة ريال على أن يدفع للصائغ فارق القيمة فقط، فهل هذا جائز؟
في هذه الحالة لا بد من بيع كل واحدٍ من الصيغتين الذهبيتين بقيمة مستقلة يداً بيد. والله أعلم.
الديون وأحكامها والانتصار(1): (3/140)
صفحة 859
نرجو أن تبيّنوا لنا حكم الشرع الحنيف في هذه المسألة آجركم الله، كان لرجل عند رجل مستحقات ولا يملك إثباتها، بل ملك الثاني ما يلغي صحة ادعاءات الأول، وعليه فقد قُضي بأن ليس للأول شيء من تلك المستحقات عند الثاني؟ ؟ وأغلقت القضية على ذلك ـ ثم كان أن استدعىَ الثاني الأولَ في قضية أخرى لا تمتُّ بصلة الأولى بطلب من المحكمة للتحقيق معه، بيد أن الشهادة الحقة التي يملكها الأول فيما استُدعى له هي كافية لو أدلى بها لتزجّ به إلى السجن مما دعاه إلى الكذب على المحكمة، كذبة هذا أدّى إلى حصوله ـ أي الأول ـ على مبلغ من المال من الثاني حكمت به المحكمة، فإذا علمتم سيّدي أن هذا المبلغ الظفر، وهي مقاصة الممَاطل المحكوم فيه للأول على الثاني ـ في هذه القضية الثانية ـ يساوي ويزيد قليلاً على المبلغ الذي كان مُستحقاً للأول على الثاني، ولم يحكم به له قضاء، هل له حق الانتفاع به على اعتبار أنه استرد ماله من الثاني، أم يرجع القليل الزائد عليه إن كان ثم زيادة، أم ليس له حق الانتفاع به بتاتاً، وعليه فهل يعيده إلى صاحبه أم يجوز له صرفه إلى أيّ جهةٍ خيرية، بما أن المحكمة حكمت به له؟ (3/141)
صفحة 860
هذه المسألة ترتبط بالمسألة المعروفة عند أصحابنا بمسألة الانتصار، وعند غيرهم بمسألة من مَاله من غير علمه، وفي ذلك خلاف بين أهل العلم، فمذهب أصحابنا وطائفة من أصحاب المذاهب الأخرى جواز ذلك، وذهبت طائفة إلى المنع، وقد احتج المجيزون بأدلة، منها قوله تعالى: { والحرمت قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } (1) وقوله تعالى: { ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل } (2)، وحديث هند بنت عتبة زوج أبي سفيان، الذي أخرجه الإمَام الربيع والشيخان من طريق ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ وجَاء فيه أنها قالت لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح، لا يعطيني مَا يكفيني وولدي، أفآخذ من مًله ماله بدون علمه؟ فقال لها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ" خذي مًا يكفيك وولدك بالمعروف"(3)، واحتج المانعون بأدلة لا تقوى على مُعارضة أدلة المبيحين، أقواها حديث أخرجه أبو داود أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: " أدِّ الأمَانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك"(4) وهو حديث ضعيف الإسناد وفيه انقطاع، على أنه لو سلم أنه صالح للاستدلال به فإن دلالته على مَا ذهبوا إليه غير واضحة، إذ المنتصر آخذٌ لحقه وليس بخائن، ومَا أوردوه على أدلة المبيحين يمكن رده بدون أدنى تكلف، ولولا الشاغل عن الإطالة لأوضحت ذلك، وإذا ثبت جواز الانتصار فللمظلوم أن يقاص ظالمه بقدر حقه من غير زيادة، ولو كان من غير جنسه؛ على الراجح، غير أنه لا يباح اتخاذ الوَسائل المحرمة لذلك كالرشى والكذب وشهادة الزور، فإن اعتمد على شئ من هذه الوسائل فعليه التوبة من ذلك، كما أن عليه أن يرد مَا زاد على حقه. والله أعلم. (3/142)
صفحة 861
في آية الدين في سورة البقرة وردت أوامر بشأن توثيق المعاملات المالية المختلفة، وما حكم الشرع في هذه الأوامر من حيث الإباحة أو الوجوب أو الندب؟ خاصة في هذا العصر، وما حكم الكتابة والشهادة في آية الدين؟
ذهب جمهور العلماء ـ ومنهم أصحابنا ـ أن ذلك خارج مخرج الندب والإرشاد، وذهب بعض علماء السلف أنه للوجوب وعليه الظاهرية، واعتمده بعض علماء الأمة المتأخرين، وهو إذا تؤمل له وجه وجيه من النظر، فإن الأصل في الأمر الوجوب، ويعتضد ذلك بالتأكيدات المتلاحقة في آية الدين، على أن في ذلك حكمة بالغة، فإن الكتابة أدعى إلى حفظ الحقوق، وسلامة الصدور من الظنون السيئة، والمجتمعات من التفكك والخلاف، الناتجين عن الخصام في الحقوق عندما يختلف فيها الأطراف والله أعلم.
هل يلزم الإشهاد على الاقتراض؟ فإن كان المقترض منه أميناً، هل يلزم هنا؟
نعم، علىَ المقترض أن يشهد أو يكتب على نفسه صكاً، خشية غشيان الموت والله أعلم.
عليّ دين كثير، وجاءني رجل يريد أن أسلفه مبلغاً من المال، وحسب كلامه أنه في أشد الحاجة إليه، فهل يجوز لي أن أؤجل الدّين إلى أجل غير مسمى، وأعطي السائل حاجته؟
إن كان الدين لم يحضر أجله فلك أن تقرضه، وإلاَّ فعليك قضاءَ الدين أولاً والله أعلم.
أرجو توضيح الفرق بين الدين المؤجل والحاضر؟
الدين المؤجل هو الذي ضرب لوفائه أجل ولم يحضر ذلك الأجل، والدين الحاضر هو الذي لم يضرب لوفائه أجل، أو ضرب لوفائه أجل وحضر ذلك الأجل والله أعلم.
ما حكم وفاء الدين في المسجد؟
ينبغي تنزيه المسجد عن ذلك، خشية أن يصحب ذلك حديث يتعلق بالمداينة والله أعلم.
أيهما أفضل التصدق مع وفاء الديون؟ أم وفاء الديون أولاً ثم التصدق؟
إن كان الدين حالاّ فلا يجوز تأخيره وتقديم الصدقة على وفائه، إلاّ إن رضي صاحب الدين، لأن الفريضة لا تضاع من أجل النافلة والله أعلم
هل تعتبر الاستدانة لغير حاجة ضرورية أمراً محرَّماً؟ (3/143)
صفحة 862
إن كانت الاستدانة لمصلحة ـ ولو لم تكن ضرورية ـ لا تحرم والله أعلم.
ما قولكم فيمن له على فلان دين، ويخجل بمطالبته، هل يأثم بذلك؟
لا يأثم بذلك والله أعلم.
ليس عندي مبلغ من المال الآن لسداد هذه الديون والكفارات وبالتالي أرغب في بيع منزلي الذي أسكنه لأنتهي من السداد وأستأجر منزلاً أعيش فيه؟
إن لم تقدر على الوفاء في حياتك، فأوص به بعد موتك والله أعلم.
إذا جهل أحد الورثة الدّين وتجاهله، بحجة دعوى الحي على الميت باطلة، لعدم ثبوته في صك، في حين يقره الآخرون، فما الحكم الشرعي في وفائه، وهل للمتجاهل إثم في ذلك أو ضمان لانفراده برأيه؟ وحجة الذين يقرون كون ذوي الحقوق غير مشكوك في مطالبتهم.
على الذين أقروا بالدين منابهم منه، وعلى الذين لم يقروا به أن يحلفوا بالله أنهم ما علموا أن على موروثهم هذا الحق، وقيل إن شهد عدلان من الورثة به ثبت على الكل، وهو الأظهر والله أعلم.
عندما يقترض شخص من شخص، وينسى المدين إرجاع الدين، ويستحي صاحب الدين أن يطالبه بحقه، فهل يصح للدائن أن يقترض من المدين قدر ذلك المبلغ، ولا يرجعه له ولا يخبره؟
لا، بل عليه أن يذكره بدينه والله أعلم.
رجل أقرض رجلاً آخر مبلغاً من المال بدون علم أحد من الناس، وشاءت الأقدار أن يتوفى الرجل المقترض قبل أن يسدد المبلغ الذي اقترضه، وقال الرجل المقرض في قلبه بأنني سامحت المتوفى من المبلغ ولم يبلغ أحد عن ذلك. فهل يلحق المتوفى وورثته أو المقرض شيء من الإثم؟ وهل يجب على الرجل المقرض أن يبلغ ورثة المتوفى عن الأمر؟
إن عفا عن حقه الذي عليه(1)، فإن الله أكرم من أن يؤاخذه به، وليس على الورثة شيء إن كانوا غير عالمين بالحق، وإن كانوا عارفين به وأراد مسامحتهم فليخبرهم بذلك والله أعلم.
أحد عليه دين لأحد، مبلغ قدره خمسة ريالات، وعندما أراد أن يوفيه دينه لم يجده فماذا يفعل؟ (3/144)
صفحة 863
يبحث عنه، فإن أيس من معرفته فليعط ذلك لفقراء المسلمين، فإن وجده خيّره بين الأجر وغرمه له والله أعلم.
اشترى رجل سلعة من تاجر بمبلغ مائة ريال ـ مثلاً ـ ديناً لمدة شهر أو أكثر، فهل يجوز للمشتري أن يدفع أكثر من مائة ريال عند سداد الدين؟ علماً بأن البائع لم يشترط على المشترى ذلك؟
الزيادة على قيمة السلع للوفاء إن لم يشترطها الدائن غير ممنوعة، وقد اقترض النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بكراً وقضى رباعية وقال: " إن خير الناس أحسنهم قضاءً"(2)، وفي هذا دليل الجواز. والله أعلم.
فيمن استدان قروشاً منذ مدة، فهل عليه شراء قروش إن وجدها، أم يدفع قيمتها في هذا الوقت، وكم قيمة القرش الواجب بالريال؟
في وقت قضاء الدين، ويسأل عنها الصَّاغة والله أعلم.
هل يجوز لمن استلف ريالات عمانية أن يفي بدراهم الإمارات مثلاً؟
يدفع قيمته إذا كان يقضي بسعرها وقت القضاء فلا بأس والله أعلم.
عن رجل يعمل في إحدى الشركات، وتقوم هذه الشركة بتأمين عمالها على نفقاتها الخاصة، كما تقوم بقرض الموظفين لبناء المنازل بدون ربا، وإذا مرض المقترض أو عجز عن سداد المبلغ أو توفي تعفيه الشركة عن السداد ويبقى المنزل له ولأولاده، فهل في ذلك شيء على المقترض؟
إن عفت الشركة عن قيمة البيت وأسقطته عنه أو عن ورثته بطيب خاطرها، فلا حرج في ذلك والله أعلم.
يستبيح بعض العمال بأوربا أخذ بعض الحاجات من المصانع، واستغلال بعض المصالح والأشياء مقابل شعورهم بأن حقوقهم مهضومة، وبدعوى أن الخيرات الموجودة بأوربا نهبت قديماً من بلدانهم زمن الاستعمار، فكأنهم يستردون حقهم المغصوب، فما حكم هذا التصرف؟ (3/145)
صفحة 864
ما من شك أن اليهود والنصارى اليوم في حكم أهل الحرب، فإنهم ما فتئوا يوقدون نار الحرب على دين الله وأهله، ويكيلون لهم المؤامرات وينصبون لهم الدسائس، ولكن أين الكيان الإسلامي الذي يُوجِّه إليهم دعوة الحق ويقيم عليهم حجته، ويعلن عليهم الحرب إن واجهوه بالصد والعناد( فإن من واجب أهل الإسلام أن يدعوا قبل الحرب، وليس إعلان الحرب من قبل أفرادهم لما يؤدي إليه ذلك من الفوضى، وإنما يعلنها قائدهم الناصر للملة، وأنى لنا به( وليست إباحة أموال المشركين مطلقة في الإسلام، وإنما هي إبان جهادهم لإعلاء كلمة الحق ورفع راية التوحيد، وإلا لأبيحت كذلك نساؤهم بعد استبرائهن، وهل إلى ذلك من سبيل؟ وعليه فإني لا أرى وجهاً أعلم.
أخبرني صديق لي أنه ظُلم من قبل جهة عملة ولم يرق لفترة طويلة من الزمن وفي إحدى المرات سنحت له الفرصة أن يستغل تلك الجهة، أي أن يحصل على مبالغ، فقد أوكلت إليه مهمة الإشراف على عمل ما وأودع تحت تصرفة الأموال اللازمة لذلك، على أن يوافي الجهة بالمستندات التي تثبت صرف تلك الأموال، ومن بينها مكافآت لأشخاص ساهموا معه، وقد وقّع كل منهم أمام اسمه على أنه استلم مبلغ المكافأة المقررة له حسب القانون، ثم إن صاحبي زاد في المبالغ وكان هناك مبلغاً فائضاً وضعه في جيبه.
والآن وبعد أن مضى على الحادثة مدة طويلة من الزمن، تقارب العشر سنوات، استقام صاحبي وتاب إلى الله سبحانه وتعالى، وبقي له معالجة هذه المشكلة، فهو لا يعرف كم من المال قد أخذ ولا الأشخاص الذين صرف لهم، وقد أتلفت الوثائق بعد أن مرت عليها خمس سنوات ـ حسب القانون المعمول به في الدولة. هل يأخذ صاحبي بمقولة بعض" مالنا وعاد إلينا" لإحساسه بالظلم من جهة عمله، أم ماذا عليه أن يفعل؟ (3/146)
صفحة 865
الانتصار إنما يباح للإنسان في حق متعين له إن ظُلمه فلم يتوصل إليه إلا من طريقه، أما الحقوق التي هي غير مقدورة بقدر كالترقيات ونحوها فلا مجال للانتصار فيها، وعليه فعلى هذا الرجل أن يتوب إلى الله ويدفع ما جهل ربه إلى فقراء المسلمين خلاصاً، أما ما علم ربه فيدفعه إليه والله أعلم.
ما حكم من اقترض مبلغاً من المال بالعملة السعودية، وبعد فترة سدد هذا الدين بما يعادله بالعملة العمانية حسب السعر يوم السداد وليس بالسعر السابق وقت استلام المبلغ، فما حكم هذه المعاملة، مع العلم أن أسعار تغيير العملة إلى أخرى غير ثابتة حسب السوق؟
إن كان التسديد بحسب سعر العملة المسدد بها يوم السداد وكان ذلك نقداً فلا حرج ـ إن شاء الله ـ والله أعلم.
فيمن ظُلم هل يجوز له أن يأخذ حقه بنفسه، وإذا جاز له ذلك، فما الأفضل أن يأخذ حقه بنفسه أو أن يتركه حتى يحاكمه بين يدي الملك العدل؟ (3/147)
صفحة 866
ذهب أصحابنا ـ رحمهم الله ـ إلى جواز أن يأخذ الإنسان حقه بيده في غيبة الظالم إذا لم يجد المنصف أو لم تكن له بينة في حالة إنكار الظالم، وهذا يسمى عندهم انتصاراً، أخذاً من قوله تعالى: { ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل } (1)، ووافقهم على هذا الرأي أكثر الشافعية وبعض المالكية، والحجة لهم قوله تعالى: { والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } (2)، وقوله تعالى: { وجزؤا سيئة بسيئة مثلها } (3)، ومن السنة حديث هند زوج أبي سفيان التي شكت إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قائلة إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني وولدي، أفآخذ من ماله، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ" خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف"(4)، وذهب الحنابلة وأكثر المالكية وبعض الشافعية إلى منع ذلك مستندين إلى أحاديث تمنع أخذ الإنسان حقه بيده، وقد أجابوا عن الآيات بأنها عامة مخصصة بهذه الأحاديث، وعن حديث هند أنه خاص بنفقة الزوجة والأولاد، لتعذر إقامة الدعاوى والبينات كل يوم في الإنفاق، وبالجملة فإن المسألة تحتاج إلى بحث واسع لا يسع له المقام، هذا من ناحية الحكم في الانتصار، أما من ناحية الأفضلية بينه وبين تركه فلا ريب أن الترك أولى، أما أولاً فلقوله تعالى: { فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين } (5)، وأما الثانية فلأن ترك الدخول في المختلف فيه أسلم والله أعلم.
إذا توفي المدين ونحن ورثته، هل يجوز إكراهنا فوراً على السداد؟
قيل تحل ديون المدين بمجرد موته إن كان ذلك ديناً، وهو رأي حسن. والله أعلم. (3/148)
صفحة 867
توفي رجل في حادث سير، وقد عينني ورثته وكيلاً عنهم، هذا وبذهابي إلى البنك المحول عليه راتبه الشهري، تبين أنه قد اقترض من البنك مبلغاً من المال وقدره ستة آلاف وسبعمائة ريال عماني سدد منها أربعة آلاف وعشرة ريالات مضافاً إليها الربا، هذا وقد أفادني البنك بأنه يتبقى عليه مبلغ قدره ألفان وتسعون ريالاً، لكن شركة المؤمن لها البنك ستقوم بدفع المبلغ لكون المقترض قد توفي، في حالة قيام المتوفي بدفع المبلغ المذكور( 4010) وإذا أضيف إليها الربا سيصبح المبلغ وهو مجمل القرض أو يقل بقليل، هل يتم السكوت عن البنك في ذلك ويتصرف البنك مع الشركة؟ وهل سيلحقني أي إثم فيما لو وافقت شركة التأمين بدفع المبلغ المتبقي؟
أم أنه من الواجب والأسلم تسديد مبلغ الدين، كالتصرف ببيع أية ممتلكات قد تكون للمتوفى؟
إن كانت الشركة تقوم بالتسديد من تلقاء نفسها، من غير طلب منك وتوسط لديها فلاَ إثم عليك، أمَّا أن تتوسط لهم في ذلك فلا والله أعلم.
عليَّ ديون كثيرة ولا مال عندي لأُسدد الديون المتراكمة علي، فهل يجوز لي أن آخذ قرضاَ من بنك ربوي؟ مع العلم بأن أصحاب الديون يُعجلونني بالدفع ولا خيار عندي غير ذلك؟
البنك الربوي إن أقرضك تضاعف دينك، فما هذا الحل الأهوج؟ !، وإنما عليك أن تسعى في قضاء دينك حسب وسعك، { لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } والله أعلم.
شخص له دين على آخر، وماطل المدين عشرات السنين ثم نزلت قيمة العملة وأصبح ثمنها بخساً وأراد أن يدفع الآن، فكيف يكون الدفع؟
إن الذي عليه أهل العلم من السلف والخلف اعتمده المعاصرون أن العملة ـ وإن انحطت قيمتها ـ تكون هي المعيار لوفاء الدين المبني عليها، ما لم تُلغ أو تفقد جميع قيمتها والله أعلم. (3/149)
صفحة 868
عن رجل له نقود على رجل آخر وهي ألف ريال عماني، ولم يستطع الحصول عليها منه، فأتاه شخص آخر وقال له تنازل عن ثلاثمائة ريال وأنا أعطيك الباقي وأقوم بدوري بمتابعة الذي عليه الحق، سواء أعطاني أم لم يعطني، فهل يعتبر هذا ربا أم لا؟ وما حكمه؟
هذا من باب بيع الدين، وذلك منهي عنه، والتفاوت بين الأخذ والعطاء هو عين الربا. والله أعلم.
توفي رجل وترك زوجة وأولاداً وكان قد اشترى سيارة من الوكالة بالأقساط، وبعد وفاته قررت الوكالة استرداد السيارة أو دفع المبالغ المتبقية على المتوفى، فقررت زوجته شراء السيارة بالدين من بعض الأشخاص، وأيضاً قامت بكتابة السيارة باسم أحد إخوتها على أمل استرداد السيارة بعدما يكبر أحد أبنائها، وهذا ما هو متعارف عليه بينها وبين أهلها أن المالك للسيارة هي وليس أخاها، وبعد فترة توفيت الزوجة في حادث سير وبنفس السيارة، وبعد مدة من وفاتها طالب الأشخاص الدائنون بالمبالغ المستحقة عليها، في هذه الحالة من يتحمل سداد هذه الديون هي بوصفها المالك الحقيقي للسيارة بدون أوراق رسمية، أم أخوها بوصفه المالك في الأوراق الرسمية، مع العلم أنها تركت مبالغ كافية لسداد المبلغ المطلوب؟
إن كانت هي المالكة الحقيقية للسيارة فالدفع من تركتها، وتؤول السيارة إلى ورثتها والله أعلم.
هل يجوز للدائن أن يأخذ مبلغاً أكثر من دينه؟
لا يجوز للدائن أن يأخذ أكثر من دينه، وإن أخذ أكثر منه فقد وقع في الربا والله أعلم.
إنني مطالب بمبلغ لأحد الأشخاص مقداره ألف ريال عماني واجبة السداد، ولا يوجد لدي مبلغ نقدي لكي أسدد هذا الدين سوى وجود صك شرعي أطالب فيه شخصاً آخر بمبلغ خمسة آلاف ريال عماني، فذهبت إليه راغباً إحالة ذلك الصك إليه وأتنازل له عن مبلغ خمسمائة ريال، ويعطيني ما بقي لي من المبلغ الذي بالصك قدره ثلاثة آلاف ريال، فما حكم هذه المعاملة؟ (3/150)
صفحة 869
إن كنت تتنازل عن جزءٍ من دين حاضر فلا حرج في ذلك، وإن كنت تحط جزءاً منه في مقابل التعجل في اقتضائه ففي ذلك خلاف لأهل العلم، ومن ترخص وأخذ بالرخصة فلا يعنف، ومن احتاط فخرج من عهده الخلاف فذلك أحزم والله أعلم.
توفي رجل وترك أوراقاً بخط يده ديوناً على نفسه ودون أن يشهد فيها أحداً، وترك ورثة منهم البالغ وأكثرهم غير بالغين، والبالغون منهم والوصي يقرون أن ما كتب هو بخط الهالك، فهل تثبت هذه الديون عليه؟
إن ثبت أن اعترافه بخط يده، وكان اعترافه صريحاً فهو حجة عليه والله أعلم.
ما هو بيع الدين بالدين أو الكالئ بالكالئ؟ وما حكمه؟
هو أن يكون لأحد على أحد دين، ولشخص على آخر مثله، فيتفقان على أن يستوفي كل واحد من الدائنين حقه من المدين الآخر غير المدين الذي دانه هو، وحرم ذلك من أجل عدم التقابض والله أعلم.
ما حكم توثيق دين القرض بالكتابة والشهادة؟ وما تفسيركم لقوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه } ،
إذ يرى بعض الفقهاء أن الأمر بهما في الآية إرشاد إلى الأوثق والأحوط ولا يراد به الوجوب.
جمهور العلماء على أن هذا الأمر أمر إرشاد، هذا الذي ذهب إليه الأكثرون، وذهب ابن حزم الظاهري ـ وأظنه رأي الظاهرية جميعاً ـ إلى أن الأمر للوجوب وأنه لا بد من تسجيل الدين وتوثيقه، والجمهور استدلوا بقول الله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه } ، ومعنى ذلك إن أمن بعض الناس من بالبعض بأن يقضي دينه أمر مشروع وجائز، وعلى من كان مأموناً أن يحرص على قضاء ما عليه من الدين، وأن يؤدي الأمانة التي أؤتمن إياها حتى يتخلص من تبعاتها، وفي هذه الحالة لا يلزم أن تكون هنالك كتابة إن كانت هنالك ثقة وطمأنينة، كذا فهم ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ وأخذ بذلك جمهور أهل العلم والله أعلم. (3/151)
صفحة 870
في بعض مكاتب تأجير السيارات أو في بعض الوكالات إذا تأخر بعض العملاء عن تسديد ما عليهم يضطرون لرفع القضية إلى القضاء، وهذا قد يضطرهم إلى دفع مبالغ إلى مندوب الشركة الذي يتابع القضية أو إلى توكيل محام في بعض الأحيان، وهذا يستلزم دفع مبالغ لهؤلاء، فهل يجوز شرعاً أن يلزم الشخص المتأخر مبالغ هؤلاء الأشخاص ونحوهم؟
الأصل أنه عليه الدين الذي عليه فحسب، ولكن إن كان تمادى وامتنع من وفاء هذا الدين فسبب خسارة على الطرف الآخر بسبب تماديه مع قدرته على الوفاء وإنما كان مماطلاً، فبسبب تعريضه الطرف الآخر للخسارة يتحمل هو هذه الخسارة التي تسبب لها والله أعلم.
القرض:
طلب رجل من عدة أشخاص أن يشاركوه في تشييد عمارة سكنية تجارية، على أن يساهم أحدهم بمبلغ من المال حسب الاستطاعة، وعلى صاحب المال أن ينتظر بعد الانتهاء من التشييد خمس سنوات، أي أنه لا يحق له أن يطالب بمبلغه قبل الانتهاء من المدة، وخلال هذه السنوات الخمس يحق لصاحب المبلغ أن يحصل على جزء من عوائد الإيجارات للعمارة، يتفق بشأنه مع المالك، وبعد خمس سنوات يعود إليه مبلغاً كاملاً، علماً بأنه ليس له في العمارة أي اسم، أي أن الملكية باسم صاحب الأرض، فهل هذا جائز؟
هذا هو عين الربا، فإن كل قرض جر منفعة فهو ربا بالإجماع، ولا يجوز أن تكون الزيادة ـ وهي الجزء الذي يتقاضاه في مقابل التأخير من العوائد التي من الإيجارات حلالاً له؛ لأن المقرض يحتسب أجره عند الله تعالى، فلذلك حرم الله عليه أن يستزيد على ما أقرض ولو فلساً واحداً، والنص القرآني صريح في ذلك، وذلك قوله تعالى: { وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون } ( )، وعليه فإن على هذا الرجل أن يقنع بما دفع فقط، وفي الحلال ما يكفيه عن الحرام والله أعلم. (3/152)
صفحة 871
رجل بنى بيتاً بتمويل من أحد، وبعد الانتهاء من بنائه، يتم توزيع الدخل الشهري أو السنوي من الإيجارات بالتساوي بينه وبين الممول، علماً بأنه سوف يكون شريكاً معه في مدة سنوات الاستثمار، وهي إحدى عشرة سنة، هل يوجد في ذلك حرج أو شبهة شرعية تحرم هذا النوع من الاتفاق والشراكة؟
هذا قرض جرَّ نفعاً فهو ربا بالإجماع والله أعلم.
عن أناس يقبضون مساعدة راتب من الضمان الاجتماعي، وإذا حصلوا على ألف ريال، يقرضونها الناس ويأخذون منها الربا سنوياً، فهل تصح لهم المساعدة وهم على ذلك؟
لا، وهؤلاء محتالون. والله أعلم.
يا سماحة الشيخ إنني على وشك عقد اتفاقية مع إحدى الشركات العاملة بالسلطنة، بمقتضى أن أقترض منها مبلغاً لكي أبني منزلاً لي، على أن أسدد المبلغ في خلال خمسين شهراً، وعلى أن أعطي للشركة حق الانتفاع من المنزل بعد اكتمال بنائه حتى نهاية سداد المبلغ، علماً بأن المبلغ المقترض بدون ربا، حيث إن الشركة لا تتاجر في المحرمات، ما حكم الشرع في هذا العقد؟
كل قرض جرَّ نفعاً فهو ربا، وبما أنهم ينتفعون بالبيت المبني فهو عين الربا والله أعلم.
نرغب في بناء منازل، وتقدمنا بطلبات قروض للشركة التي نعمل لديها، وقد وجهنا المسئولون للتقدم إلى أحد البنوك للحصول على قروض سكنية، وتعهدت الشركة بدفع الربا المترتب على هذه القروض كمنحة منها، فهل يجوز لنا هذا القرض؟
إن كان القرض خالياً من الربا فذلك سائغ، وإلا فلا يجوز، ولو تكفل بدفع الربا آخر والله أعلم.
شركة تعمل في مجال الأسماك، طلبت من إحدى الشركات التمويل مبلغاً قدره خمسون ألف ريال عماني، فطلبت هذه الشركة منهم عقاراً أو أرضاً تساوي قيمته مائة ألف ريال عماني كضمان حتى سداد المبلغ، وبما أنهم لا يملكون شيئاً من ذلك طلبوا مني بأن أضع عقاراً أملكه كضمان لهذه الشركة، على أن يعطوني نسبة من أرباحهم السنوية حتى انتهاء فترة الضمان؟ (3/153)
صفحة 872
ذلك غير سائغ شرعاً، لأنك في هذه كأنك أقرضتهم العمارة بشيء من الفائدة وهذا لا يجوز والله أعلم.
هل يجوز أخذ قرض من البنك لبناء بيت، على أن تقوم الشركة بدفع الفائدة من القرض للبنك؟
إن كان القرض خالياً من الربا فذلك سَائغ، وإلاَّ فلا يجوز ولو تكفل بدفع الربا آخر. والله أعلم.
هل يجوز أخذ قرض لأجل بناء مسكن، مع العلم بأن القارض لا يأخذ زيادة، ولكن يلزمك أن تؤمن على البيت حتى تدفع له كامل المبلغ، ولكي يضمن مبلغه من شركة التأمين إذا توفي المستقرض؟
أمَّا القرض فغير ممنوع، وأمَّا التأمين فممنوع، ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه. والله أعلم.
ما حكم الاقتراض من شخص يعمل بأحد البنوك، علماً بأن القرض هو شخصي، وليس به أي زيادة ربوية؟
لا مَانع منه والله أعلم.
رجل اقترض من عند آخر مبلغاً من المال، وعلى الشخص المقرض مبلغ من المال للمقترض، فأرسل المقترض ما عليه من المال للمقرِض، مع خصم الدين الذي على المقرض للمقترض، فلم يرض المقرِض، فماذا على المقترض؟
بما أنه أخذ حقه الذي له، فليس عليه في ذلك حرج والله أعلم.
أعطيت أحد الإخوة مبلغاً قدره مائتا ريال عماني، وذلك لدفعها كتأمين لقرض في بنك تجاري، على أن يرد المبلغ لي بعد شهر، وعندما طالبته بالمبلغ قال لي بأن التأمين حرام ولا أرد لك المبلغ حتى تأتيني بفتوى هل حرام أم حلال؟ فأنا أطالبه بحقي بغض النظر عن كيفية صرفه لذلك المبلغ؟
عليه أن يرد القرض الذي اقترضه، ولا يسقط هذا الحق كونه اقترضه للتأمين، فإن ممارسته للحرام لا تحل له أكل أموال الناس والله أعلم.
هل القروض الإنتاجية التي تُمنح للأفراد وتؤخذ عليهم فائدة تعتبر ربوية؟
إن كان المقترض يدفع ما اقترض من غير زيادة فلا ربا، أما إن كانت زيادة فكل قرض جر نفعاً فهو ربا. (3/154)
صفحة 873
أراد رجل الخلاص من قرضه الربوي، وكان يمتلك عقاراً فأراد بيع ذلك العقار، فاشترته زوجته، لكنها أخذت قرضاً ربوياً لشراء ذلك العقار، علماً بأن زوجها على علم بذلك القرض الربوي، فهل يأثم على ذلك؟
نعم إن أقرها على الحرام، فإقراره إياها على الحرام هو حرام.
ما رأي سماحتكم إذا اشترط في عقد القرض أن يكون الوفاء في بلد آخر؟
ذلك غير جائز لأنه مما يؤدي إلى التخفيف عن المقرض، والله تعالى أعلم.
هل يجوز إقراض المنافع؟
هذه المسألة وقع فيها خلاف، هل ربا في المنافع كسكن الدار ونحوها، والاحتياط في الامتناع من ذلك، وإن توسع أحد بحيث أخذ برأي المجيزين فإنه لا يعنّف والله تعالى أعلم.
سماحة الشيخ ما رأيكم في الاقتراض من بيت المال أو مال الوقف، وهل هنالك شروط لذلك؟
بيت مال المسلمين هو لخدمة المسلمين جميعاً، ولكن القائم على أمر المسلمين هو الذي يوجه استغلال هذه المؤسسة المالية في الطرق المشروعة التي تعود بالمصلحة على الأمة، فإن رأي المصلحة تقتضي إقراض بعض المسلمين من بيت مال المسلمين لأجل درء مضرة عنهم فإن ذلك من السائغ، كما أنه يسوغ أن يعطي منه المضطرين، إذ هو في الأصل لمصلحة المسلمين، وأما الوقف فإنه يصرف فيما وقف له، ولا يجوز العدول عن ذلك، فإن كان القائم عليه أقرض أحداً منه فإنه يكون في هذه الحالة ضامناً لما أقرض والله تعالى أعلم.
سماحة الشيخ هل يجوز الإنفاق على اللقيط المحتاج وإطعام الجائع وكسوة العاري إن لم يكن فقيراً في بلدة بنية القرض؟ (3/155)
صفحة 874
هؤلاء كيف يكون إطعامهم في حالة ضرورتهم إلا وهم مضطرون، والضرورة تعد فقراً، وهب هذا غنياً في بلدة، ولكن لا يتوصل إلى ما عنده من الثروة لينتفع بها في هذه الحالة، فإن دفع ما هم محتاجون إليه أمر مشروع وضروري، ولذلك نجد أن الله تبارك وتعالى قال في معرض ذكر أعمال البر: { وءاتى المال على حبه ذوى القربى واليتمى والمسكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب } ( )، ثم قال: { وأقام الصلاة وءاتى الزكاة } ( )، ومعنى ذلك أن إيتاء المال هؤلاء يجب أن يكون من غير أن يقرضوا، إذ هؤلاء في حاجة، نعم من كان يجد ثروة في بلدة وهو في حال احتياج لا لمطعمه، وإنما لأمور أخرى في سفره، فإنه لا مانع من أن يقترض من الناس ويسدد القرض بعد ذلك عندما يتمكن منه، وذلك عندما يعود إلى أهله أو يتمكن من استيراد بعض ثروته لسداد هذا القرض الذي عليه والله تعالى أعلم.
فضيلة الشيخ، إنني حالياً أسكن عند والدي في منزله الخاص به، حيث إن نصف البيت قائم بالطين والنصف الآخر بالأسمنت، وقد قمت بهدم الجزء المبني بالطين وغيرته بالأسمنت بمبلغ قدره ثلاثة آلاف وستمائة ريال عماني، وسؤالي هنا: هل لي الحق بأن أطالب والدي بصك شرعي يثبت حقي على العمل الذي قمت به فقط، حيث إن والدي يوجد لديه أبناء ذكور وإناث، الذكور يعملون والإناث متزوجات؟
إن كنت قمت بذلك تبرعاً فهو غير جائز، لأن من تبرع بشيء فليس له أن يطالب به، ولو كان المتبرع له هو غير الوالد، فكيف عن كان الوالد؟ وإن كنت لم تتبرع له، ولكن كان ذلك بطريقة القرض، والاتفاق على أن تبني البيت ويحتمل هو الخسارة فذلك جائز، وتركه أفضل تقديراً لمقام الأبوة والله أعلم. (3/156)
صفحة 875
رجل عليه دين وهو في الوقت نفسه يدفع قسط سيارة، ولكونه كان يعمل في صلالة بينما منزله في قريته مؤجر لمؤسسة حكومية فقد كانت حياته كفافاً، لكنه أُجبر على النقل من قِبل جهة عمله إلى منطقة مسقط، حيث تكاليف المعيشة أصعب من ارتفاع أجور السكن، فتعقدت أموره وما يبقى من راتبه لا يكفي إلا أيام معدودة، فحاول بيع سيارته ولو بالخسارة فلم يجد المشتري، ثم إنه حاول عمل جمعية فلم يجد من يشاركه للارتباط في جمعيات أخرى، ثم حاول الاستدانة ممن يتوسم فيهم الخير والصلاح فأخفق لعدم استطاعتهم، ثم إن أصحاب الحقوق واجب الوفاء لهم وحالته شاقة وحياته صعبة وأسرته تتكبد معه هذه المعاناة، وسط كل ذلك قُطعت عنه خدمة الهاتف ثم قطعت خدمة الكهرباء لعدم القدرة على السداد، وحتى ضروريات المعيشة يأخذها من البقالة على أن يسدد كل شهر ويعجز عن ذلك، فهل له أن يأخذ سلفة من البنك تساوي ما عليه فقط، وذلك بقسط أقل بكثير مما يدفع حالياً للسيارة، مما سيوفر له بعض المال؟
إن كان القرض بدون ربا فهو مباح، وإلا فإن الربا سيضاعف الحساب عليه، ومن أين له القيام بتسديده فيما بعد؟ هذا من الناحية الدنيوية، فضلاً عن الناحية الدينية، (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) والله أعلم. (3/157)
صفحة 876
هل يجوز شرعاً أخذ قرض من البنك بقصد إقامة مشروع صناعي أو زراعي أو غيره، مع العلم أن البنك يأخذ رسوماً إدارية بواقع 3% فقط، وذلك عن الأعمال التي يقوم بها لإتمام المشروع من حيث دراسة جدوى المشروع ومتابعة تنفيذ المشروع بإرسال مهندسين ومختصين للتوجيه والإرشاد، إضافة إلى أعمال إدارة القروض، علماً بأن هذه الرسوم لا تغطي مصاريف البنك من رواتب وإيجار وغيره، وتتم التغطية من الدولة بواقع 6% لكل مشروع، وقد أقامت الدولة هذا البنك بقصد التنمية وإيجاد فرص عمل، وليس بقصد الحصول على الفوائد من رأس المال، ونظراً لعدم الحصول على فتوى حول هذا الموضوع فقد أحجم الشباب الملتزم عن الدخول في هذه المشاريع وانحسارهم عن ساحة التنمية وبروز غيرهم؟
إن كنتم على يقين بأن البنك لا يأخذ شيئاً من الربا، وإنما يأخذ جزءاً من نفقاته الضرورية، فلا مانع من ذلك، وإلا فكل ربا حرام والله أعلم.
شخص يعمل بأحد أجهزة الدولة، وهذا الجهاز يعطي قرضاً مالياً لبناء منزل لكل العاملين، وهذا القرض يكون عن طريق البنك، في بداية دفع القسط الشهري المترتب على هذا القرض يتم استقطاع الربا، ولكن في نهاية كل سنة يتم تعويض الموظف عن ذلك الربا الذي استقطع من راتبه ويُسلم المبلغ، ( الربا تتحمله جهة العمل)، فما حكم الشرع في هذه المعاملة؟
الموافقة على الربا والاتفاق عليه حرام، ولو كان الدافع غير المقترض والله أعلم.
أنا امرأة مطلقة ولدي ابنتان وولد، وأسكن في منزل الورثة الذي تركه لنا والدي، حيث إن لدي إخوة متزوجين ويسكنون معي في نفس المنزل، والبيت صغير ولا يسع كل هذا العدد، لذا أود أن أتقدم بطلب قرض إسكاني إلى البنك، لأنني في حاجة ماسة لذلك، فهل يجوز لي ذلك؟ (3/158)
صفحة 877
إن كان القرض بدون ربا فهو سائغ وإلا فلا، لما جاء في حديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: " لعن الله الربا آكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه"( ) وهو مما أجمع عليه، فاحذري الدخول في هذه المزالق، { ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب } ( ) والله أعلم.
إذا اشترط على طالب القرض إعطاء ضمان من بنك يقضي بقيام البنك بسداد الدين عند حلول الأجل إذا عجز المدين عن ذلك، ليصبح البنك بعدئذٍ هو الدائن له ويصير الدين ربوياً، فهل على المقترض من حرج إذا وافق على الضمان لأجل تحصيل القرض، وفي نيته أن يسدد الدين في الأجل ولو باقتراض من أناس آخرين؟
هذه معاملة علقت على محرم، وما علق على المحرم فهو حرام والله أعلم.
لقد قالوا في القرض لا يؤجل عند الأكثر، وقد يطلب فقير من ذي سعة قرضاً، ولا يطمئن المقرض من المقترض أن يعطيه قرضاً إلا أن يؤدي له إياه أقساطاً، لأنه ربما لا يستطيع الوفاء أو يتمادى، ويريد إنقاذه من ربا البنوك فيتفقان على الأقساط شهريًاً، ويثبت له بيته إلى أن يتم الوفاء، ولكن يبقى البيت في يد صاحبه، فهل ترى هذا جائزاً، كما أن المقترض يرى ذلك أخف لديه من أن يسلم دفعة واحدة؟
لا مانعَ من ذلك إن لم يكن مشوباً بربا، وهذا لأن من العلماء من أجاز التأجيل في القرض، ولا دليل يمنعه والله أعلم.
رجل يريد أن يقترض مبلغاً معيناً من البنك ليسدد به ديناً هو عبارة عن قيمة أغراض اشتراها من رجل يدين بالهندوسية ويلح في طلب حقه، وللرجل قطعة مال مشترك مع إخوته ولم يجد لها مشترٍ، فهل القرض الذي يأخذه حرام أم حلال؟ أم ماذا يفعل بالبيت؟ وإذا افترضنا أنه أخذ هذا القرض مع علمه السابق بأنه حرام، فماذا عليه حتى يرضى عنه الله سبحانه وتعالى؟
لا يحل له ذلك، إلا أنه إن تاب وأخلص التوبة يقبل الله توبته، وليتخلص من هذا الدين والله أعلم. (3/159)
صفحة 878
كما تعلمون سماحتكم أن كثيراً من الشباب حالت ظروفهم دون الحصول على وظيفة يستعينون بها على قضاء حوائجهم في الحياة من مأكل ومشرب وملبس، ويتمكنون من تحصين أنفسهم بالزواج وإنشاء منازل لهم تؤويهم وأسرهم، فقلة فرص العمل بالبلاد تقف حجر عثرة أمام هؤلاء الشباب الطامح إلى تحقيق أمانيه وآماله.
إزاء هذا قامت الحكومة بإنشاء مجموعة من الصناديق الوطنية التي تهدف إلى توفير فرص عمل جديدة للباحثين عن العمل، والمساهمة في القيام بمشاريع تجارية صغيرة، بحيث تقدم هذه الصناديق قروضاً ميسرة للشباب الراغب في ذلك لقيام هذه المشاريع، إلا أن هذه الصناديق تشترط إلى جانب تسديد هذه القروض على أقساط شهرية أن تدفع نسبة تعادل (2%) زيادة على المبلغ المقترض لتغطية المصروفات الإدارية لهذه القروض، هل يجوز التعامل مع هذه الصناديق والاقتراض منها مع أخذها نسبة الفائدة المذكورة أعلاه؟ علماً بأن هذه الصناديق هي المجال والمنفذ الوحيد حالياً للاقتراض، خاصة في ظل عدم تعاون أفراد المجتمع مع هؤلاء الشباب والأخذ بأيديهم لتكوين مشاريع لهم، كما تعلمون سماحتكم أهمية رأس المال في كل عمل، فهل يبقى الشباب العاطل عالة على أسرهم يتكففون الناس أم يلجأون إلى هذه الصناديق ويقترضون منها؟ وإلا فما البديل عنها؟
إن كانت هذه الزيادة لا تتجاوز قدر النفقات الضرورية من أجل تسيير أعمال هذه الصناديق فلا مانع من ذلك والله أعلم.
الجمعيات التعاونية
فئة من الإخوة يدخرون جزءاً من رواتبهم يجمعونها، فيأخذها شخص ثم الآخر ثم الآخر وهكذا، ويكون الأخذ بالقرعة، فما قولكم في هذه المعاملة؟
إن كانوا لا يتفاوتون من حيث التقاضي، وإنما يتفاوتون في الزمن فقط تقدماً وتأخراً فلا مانع من ذلك، وإن كان ينعم بعضهم بقسط أوفر وبعضهم بقسط أقل بسبب القرعة فهو من المقامرة المحرمة، ولا يجوز بحال والله أعلم. (3/160)
صفحة 879
اجتمع إخوة أو جماعة على تكوين ما يسمى بصندوق التعاون، وهو أن يدفع كل فرد من المشتركين مبلغاً معيناً كل شهر، لتكون تلك الأموال أو المبالغ التي تجمع عوناً لهم على نوائب الزمن، وشروطه وبنوده كالتالي:
1ـ الذي يعمل يدفع كل شهر عشرين ريالاً عمانياً، والذي لا يعمل والمتقاعد يدفع كل شهر خمسة
عشر ريالاً.
2ـ يجوز خفض دفع المبلغ بشرط أن لا يقل عن نصف مقداره الحالي ويكون بعلم الجميع مع الاجتماع
وكذلك رفعه.
3ـ لا يجوز للمشترك أن يؤخر الدفع لأكثر من ثلاثة أشهر، وإن جاوز ستة أشهر فيعتبر منسحباً، وليس
له المطالبة بالمبالغ التي دفعها سابقاً، ولا يدخل مرة أخرى إلا باتفاق المشتركين ويلتزم بما يفرض عليه.
4ـ يجوز تنمية أموال الصندوق باتفاق المشتركين وبالطريقة التي تتفق مع الشريعة الإسلامية.
5ـ تصرف مالية الصندوق في المصالح الجماعية للمشتركين، وفي الظروف التي تكون خارجة عن إرادة
الشخص.
6ـ يجوز للمشترك الاقتراض من الصندوق بعد سنة من بداية اشتراكه، ويشترط أن لا يزيد المبلغ على
الربع من المبلغ الإجمالي، وذلك بعد النظر وحسب شروط الموافقة.
7ـ لا يلزم الصندوق بمساعدة مرتكب جريمة سكر أو جريمة مخلة بالشرف.
8ـ تكون أموال هذا الصندوق لصالح الذكور المشتركين وذريتهم الذكور فقط.
9ـ يفوض بالتوقيع اثنان من المشتركين للإيداع والسحب إذا اقتضى الأمر، وعليهما بيان ما يثبت معرفة ذلك
فما الحكم في هذه المعاملة؟
لا أرى مانعاً من ذلك، إلا أنه ينبغي أن يعاد النظر في المادة رقم (3)، فإن كان المشترك يحرص في اشتراكه هذا على ثواب الآخرة، وهو يعد ما يدفعه تبرعاً فلا مانع من أن يكون ليس له الحق في استرجاع ما دفعه، لأن ما تبرع به الإنسان يكون خارجاً من ملكه، وأما إن كان من أجل المنفعة التي يحصل عليها، فيجب إلغاء هذه المادة والله أعلم. (3/161)
صفحة 880
هل يجوز لغرض توفير دعم مادي للجمعيات الخيرية طرح بعض المنتجات الاستهلاكية غير المكلفة كالأقلام والميداليات وبطاقات المعايدة... إلخ، يتم بيعها بقيمة تكون أضعاف تكاليف إنتاجها؟ مثلاً ميدالية تكلف مائة بيسة يتم بيعها بريال واحد؟، على أن يتم سحب بالقرعة على هدايا تشجيعية لمن يقوم بشراء هذه المنتجات؟ وما هي الطريقة الشرعية الأنسب لتحقيق نفس الهدف؟
بيع هذه المنتجات بأضعاف قيمتها جائز، إن كان المشترون عارفين بقيمتها الحقيقية، واشتروها بأضعافها راضين مختارين، ولكن دفع الهدايا التشجيعية إلى المشترين بطريقة السحب بالقرعة غير جائز، لما فيه من الغرر، فإن كل واحد من المشترين يتطلع في هذه الحالة إلى أن تكون الجائزة له، وهذا التطلع هو الحافز إلى أن يشتري، ولا يدري أينال الجائزة أم لا؟ وهو عين المقامرة المحرمة الممقوتة شرعاً، والطريقة الشرعية هي جمع التبرعات، وتنميتها لصالح الجمعيات في الوجوه الجائزة شرعاً والله أعلم.
ما رأي سماحتكم في مجموعة من الشباب كونوا صندوقاً تعاونياً يساهم كل شخص بمبلغ 10 ريالات شهرياً، وفي حالة احتياج الشخص لمبلغ من المال يقدم طلباً للقرض من الصندوق(مثلاً: احتاج 200 ريال)، ثم يقوم بتقسيط هذا المبلغ لمدة عشرة أشهر، بحيث يدفع كل شهر عشرين ريالاً، بالإضافة إلى القسط الشهري 10 ريالات، ما رأي الشرع في ذلك؟
ذلك أمرٌ حسن، ولكن ينبغي أن ينمَّى هذا الصندوق بمشروع تجاري لئلاَّ تأكله الزكاة وهو لا ينمو، لذلك أقترح ذلك على القائمين بهذا المشروع والله يوفقهم للخير. (3/162)
صفحة 881
لقد اشتركت مع مجموعة من الأصدقاء في تكوين جمعية تعاونية يكون الدفع فيها بشكل شهري، حيث اشتريت أربعة أسهم، وكان عدد المشتركين ما يقارب من تسعة وستين سهماً، ولكن بعد التوزيع انسحب عدد منهم، لأن التوزيع لم يكن عادلاً ـ أي لا بالقرعة ولا على حسب الحاجة ـ، فكل الأفراد محتاجون هذه الأيام، فكان في البداية لي سهم واحد في نهاية السنة الأولى حيث كنت أجمع به تسديد دينٍ مستحق علي للبنك، ولكن للأسف بعد الآن لم يتبق سوى أربعة وأربعون سهماً أي لا يكفي لسداد ديني، وبقيت أسهمي متوزعة على السنة الثالثة والرابعة.
وإنني أنوي الانسحاب من هذه الجمعية، حتى أتمكن من تسديد ديوني البنكية بأسرع وقت ممكن، فهل علي ذنب إن فعلت ذلك؟ وهل يحق لي الانسحاب؟
نظراً إلى أنك واجهت مشكلة لم تكن تتوقعها عندما دخلت في هذا الأمر، فليس عليك حرج في الانسحاب والله أعلم.
جمعية إقراضية يصل دخلها الشهري إلى مائة وثمانين ألف ريال شهرياً، وتضم ما يزيد على الألف وأربعمائة مشترك، ولا يخفى عليكم ما تواجهه الجمعيات من صعوبات في تلبية حاجات المشتركين ورفع فاقتهم وحل ظروفهم المالية الصعبة، إذ تحاول الجمعية جاهدة أن توجد الحلول المناسبة ليكتب لها الاستمرارية وتحقيق الهدف من إنشائها وفق شرع الله عز وجل، رأت إدارة الجمعية القيام ببعض الإصلاحات التي من شأنها أن تحسن سير الجمعية وهي كالتالي:
أولاً: استحداث نظام (تغطية الشخص المنسحب) أي لو أن شخصاً انسحب من الجمعية فإن الجمعية تفقد
جزءاً من رأس مالها لذلك تسعى الجمعية أن تحافظ على سد ثغرة الحاصلة بالانسحاب ويكن بالآتي:
إيجاد البديل عوض الشخص المنسحب على أن يسدد الشخص البديل كل ما دفعه المنسحب من مبالغ
مع أخذ البديل لنفس الدور الذي كان للمنسحب، والسؤال:
1ـ ما حكم هذه المعاملة؟
2ـ إذا فرضت الجمعية لزوم إيجاد البديل سواء أكان عن طريق المنسحب أو إدارة الجمعية وعدم (3/163)
صفحة 882
السماح لمنسحب بأخذ ماله إلا بعد إيجاد البديل، فهل للإدارة ذلك، علماً بأن كثرة الانسحاب
يضعف سير الجمعيات ويخلل توازنها ويلحق بالجمعية بعض الأضرار، وعند تعذر إيجاد البديل
فإن الشخص المنسحب لا يسلَّم ماله إلا بعد وصوله للدور الذي يستحق به مبلغ الإقراض؟
ثانياً: رأت إدارة الجمعية لحل إشكالية أصحاب الظروف والحالات الصعبة من المشتركين الذين لا
يستطيعون الاستمرار في سداد قسط الاشتراك أو انتظار فترة الوصول إلى الدور الذي به يحصل
المشترك على مبلغ الإقراض حسب نظام القرعة ما يأتي: ـ
استقطاع مبلغ شهري من المال قدره واحد وعشرون ألفاً من أصل المبلغ الإجمالي وهو مائة وثمانون
ألف ريال لصالح المشتركين، على أن يشمل صنفين هما:
ـ المشترك الجديد حتى تصل فترة اشتراكه إلى عام يعطى هذا الصنف ثمانية آلاف ريال، بواقع ألفين ريا
لكل مشترك، ويكون بالقرعة فيشمل أربعة مشتركين لكل شهر.
ـ أصحاب الظروف الصعبة من المشتركين، والذين يعانون من ضغوط مالية، بعد أن تجاوز مدة الاشتراك سنة، ويعطى هذا الصنف مبلغاً قدره اثنا عشر ألفاً بواقع ألفين لكل مشترك، مع ملاحظة أن المشترك الذي تتعدى فترة اشتراكه سنة ولا تحاصره شيء من الظروف يبقى مع الصنف السابق، وعليه
فإن حصول صاحب الظروف على جزء من مبلغ المقدم من القرض أكثر من غيره مراعاةً لحل أزماته
ومشكلاته، شريطة أن يقدم صاحبها ما يثبت على صحة حاجته وظروفه، علماً بأن الواحد
والعشرون ألف جار استقطاعها من قبل، وإنما الذي سيتغير توزيعها وتقسيمها.
ثالثاً: دفعاً لاستمرار حركة الجمعية وتشجيعاً منها أن يحاول أعضاؤها المشتركون أن يحثوا الناس على
الاشتراك، رأت الإدارة أن تتقدم بهذا الاقتراح لمعرفة حكمه الشرعي وهو كالتالي:
كل مشترك يأتي بشخص أو أكثر يعطى قرضاً ما يعادل المبلغ الذي ينظم به الداخل عن طريقه لمدة
أربعة أشهر، لتوضيح ذلك بالمثال الآتي: (3/164)
صفحة 883
زيد مشترك في الجمعية قام بإحضار عمرو ومحمد وكان مجموع أسهم كل منهما مئتى ريال شهرياً،
فلزيد أحقية الحصول على مبلغ ثمانمائة ريال من مبلغ القرض بعد مضي أربعة أشهر على دخول
المشتركين الجدد الذين جاءوا عن طريقه؟
1ـ لا مانع من اشتراط البديل في انسحاب أحد من المشاركين، من أجل الحفاظ على استمرار الجمعية،
وقيامها بالدور المطلوب منها والله أعلم.
2ـ لا مانع من اقتطاع ذلك المبلغ لتغطية حاجات ذوي الظروف الطارئة الضرورية، مع حساب ما أخذوه
عليهم عندما تأتي فترة أخذهم دورهم في أخذ القرض والله أعلم.
3ـ لا مانع من تشجيع الذين يأتون بشركاء جدد يسهمون في دفع عجلة الجمعية إلى الأمام بقروض رمزية
كما ذكر في السؤال والله أعلم.
كُلفت من قبل بعض الإخوة بإدارة جمعية مالية مساهمة، والحقيقة أن هذه الجمعية مسؤولية كبيرة وعظيمة، فهي تحتاج إلى وقت وجهد، وكذلك إلى شيء من المال لشراء السجلات ودفاتر الإيصالات والمكالمات الهاتفية، ناهيك عن المسئولية في حفظ هذه المبالغ والتي قد تصل إلى عشرات الآلاف من الريالات، وكل هذه المسئولية على عائق الشخص المسئول عن هذه الجمعية، فهل يجوز لهذا الشخص أن يطلب من المشتركين في هذه الجمعية أن يدفعوا له مبلغاً رمزياً ـ وليكن نصف في المائة ـ مقابل ما يقوم به من هذه الأعباء والمسئولية؟ وإذا اعتبرنا النصف في المائة مبلغاً كبيراً في حالة زيادة عد المشتركين، فهل لكم أن ترشدونا في قيمة المبلغ المعقول؟
نعم يجوز له أن يأخذ منهم قدر التكاليف التي يتحملها، وإن فضل شيء رد إليهم والله أعلم.
أشخاص أقاموا جمعية وعملوا فيها دون مقابل مادي، وبعد انتهاء مدة الجمعية وتسليم كافة المبالغ لأصحابها وُجد فائض مالي، فكيف يتم التصرف بهذا المبلغ؟ وهل يجوز للأشخاص المذكورين الانتفاع بالمبلغ أو توزيعه بينهم؟ (3/165)
صفحة 884
إن كانت إدارة الجمعية مفوضة في ذلك فإنها تعطى ذلك لهم بقدر عنائهم، وما بقي فمرده إلى جميع المشاركين والله أعلم.
مجموعة أشخاص اشتركوا في جمعية مالية مرتبطة بجمعيات أخرى، ومدة الجمعية عشر سنوات، ولهذه الجمعية مؤسسون يديرون أموال الجمعية المرتبطة بالجمعيات الأخرى، أراد هؤلاء المؤسسون استحداث نظام جديد في الجمعية وهو مضاعفة السهم للمشترك عند استلامه للمبلغ، وذلك مع مضاعفة قيمة المبلغ الذي يستلمه، مثال ذلك اشترك شخص بسهم قيمته خمسون ريالاً لمدة عشر سنوات، فيكون المبلغ الذي يستلمه عندما يأتي دوره ستة آلاف ريال عماني، فإذا ضاعف قيمة السهم إلى مائة ريال فيستلم مبلغاً قدره اثنا عشر ألف ريال، ويستمر في دفع المبلغ المفترض إلى نهاية المدة، ذلك يؤثر سلباً على بقية المشتركين بتأخير الأدوار، فما حكم الشرع في هذا النظام؟ وهل يجب على المؤسسين مشاورة جميع المشتركين في الجمعية أم لا؟
إن كان ذلك يضر بغيره من المشتركين ويؤثر عليهم فهو غير جائز والله أعلم.
التحقت بإحدى الجمعيات الخيرية دون أي شروط سوى شرط واحد وهو عند الاستلام أحضر صكاً شرعياً
بالمبلغ المستلم، أرت الانسحاب من هذه الجمعية فاندهشت لما أبدوه حول انسحابي من أنه يجب أن ادفع فلهم عن كل مائة ريال واحد، ولما سألتهم عن سبب هذه الزيادة المأخوذة عني أخبروني بأنها عمولة المكتبية، فهل يجوز ذلك شرعاً؟
إن كانت الجمعية تنفق ذلك فيها لا بُدَّ منه من النفقات الضرورية لأجل تسيير أعماها فذلك جائز والله أعلم.
اشترك شخص في جمعية دون شروط عدا شرط الصك الشرعي، ولما جاء دوره في الاستلام أخبره بأن يحضر شيكات من البنك بالإضافة إلى رهن المنزل أو أن يرهن أرض تعادل المبلغ، فهل يجوز ذلك شرعاً؟
يجوز الرهن من غير استغلال للعين المرتهنة من قبل المر تهن والله أعلم (3/166)
صفحة 885
نحن و لله الحمد ندير مجموعة من الجمعيات الخيرية، والتي كما تعلمون أنها جمعيات غير ربحية ولا تجارية، بل هي جمعيات تعتمد على القرض الحسن والتكافل بين أبناء المجتمع الواحد، ومن المعروف أن مشرفي هذه الجمعيات لا يتقاضون راتباً ولا مقابلاً نظير جهودهم، بل يرجون من الله السداد والمثوبة ويتسابقون في أن يكونوا أنفع الناس للناس، إلا أن مصاريف هذه الجمعية أصبحت تشكل عبئاً على القائمين على مثل هذه الجمعيات، وهذه المصاريف تتمثل في الآتي: -_
<طباعة قوائم المشتركين شهرياً من جهاز الحاسب، طباعة دفاتر إيصالات ودفاتر لتسليم المبالغ للمشتركين تصل كل طبعة إلى مائة دفتر أو يزيد، شراء أجهزة ترتبط بالحاسب الآلي لحفظ بيانات المكالمات التي تخص الجمعية 3 نقوم عادة في حالة فصل اي عضو من الجمعية لعدم التزامه بقوانين الجمعية ولم يستلم دوره بعد، بإيجاد مشترك آخر يشتري رقم المشترك الأول، وبمعنى آخر ان المشترك الجديد سيحل محل المشترك المفصول عن طريق دفع كل المبالغ التي دفعها فيه الأول، وتعاد تلك المبالغ للمشترك المفصول، فمارأي سماحتكم؟
ومتابعة سيرها، إنشاء مقر في المستقبل لتسهيل عمل الإدارة).
كما نود عمل صندوق للجمعية لكي ترتكز عليه ويحفظها من نوائب الدهر شأنها شأن كل مؤسسة تحمي نفسها برأس مالها.
وحرصاً منا على مسيرة هذه الجمعيات على ما يرضي الله تعالى نتوجه إليكم بالأسئلة: -
1-ما رأي سماحتكم في أخذ نسبة مقدارها (1%) من مجموع المبلغ المسلم لكل شخص (أي عشرة ريالات في كل ألف)؟ وهل يشترط رضى المشتركين بذلك علماً بأن المشترك تعهد بأن يكون خاضعاً لأي بند جديد تراه الإدارة للمصلحة العامة؟ (3/167)
صفحة 886
2- ... ما رأي سماحتكم إذا توفي أحد المشتركين – لا قدر الله – وكان دائناً للجمعية وليس مديناً ولكن دوره لاستلام حصته من الجمعية لم يصل بعد، فهل يعجل له ماله الذي دفعه أم أن الأمر يتسع لنا في تخيير الورثة بالاستمرار في الدفع عن صاحبهم أو إعطائهم المال حسب دوره في الجمعية طالت الفترة أم قصرت؟
2)إذا كان الورثة مالكين الأمر بحيث لا يكون من بينهم يتيم ولا مجنون فالخيار لهم، وإلاّ فمع إمكان تقديمهم على غيرهم، فذلك أولى والله أعلم.
3)لا حرج ما دام يرد إلى المفصول حقه كاملاً والله أعلم.
نحن مجموعة أفراد من أسرة واحدة اتفقنا على أن يدفع كل شخص مبلغ عشرة ريالات شهرياً، وذلك منذ ما يقارب الخمس سنوات، وفي بعض الأحيان نتوقف عن الاستمرار في دفع المبلغ المقرر وذلك لظروف خاصة، وكان الهدف من تجميع هذا المبلغ هو الاستفادة منه في الحالات الطارئة التي تحدث –لا قدر الله – على أحد هؤلاء الأعضاء تدفع عنه كتأمين حتى ينظر في أمره، وأيضاً مساعدة الأقارب والمحتاجين في حالة وجود فائض منه، وقد بلغ مجموع المبلغ الحالي خمسة آلاف ريال. هل على هذا المبلغ زكاة؟، وفي حالة وجوب الزكاة عليه، فكيف تحسب الآن منذ تكوين هذه الجمعية وحتى الآن؟
إن كانت الجمعية لمصلحة المشاركين فيها فقط فهي مال خاص تجب فيه الزكاة إن حال عليه الحول وقد بلغ النصاب، وإن كان لمصلحتهم ولمصلحة غيرهم فهو كالوقف الخيري ولا زكاة فيه والله أعلم.
الرهن:
ما هو الرهن وكيف العمل به شرعاً؟
هو عين متمولة يدفعها من عليه الحق إلى من له إلى أن يسترد حقه، لتكون وثيقة في يده والله أعلم.
ما هو الإثبات الشرعي؟
هو إثبات الدين في عقار ونحوه إلى أن يستوفيه الدائن من المدين والله أعلم
.
ما هي الطريقة المثلى التي أقرها الشرع الحكيم في رهن البيوت؟ (3/168)
صفحة 887
الطريقة السوية في ذلك أن يثبت حق الدائن في البيت، يمنع صَاحبه من التصرف فيه حتى يقضي دينه وتبرأ ذمته، ويبقى البت في اليد مَالكه يسكنه أو يؤخره، وإنما يمسك الدائن ملكيته لضمان حقه، وإن كان بخلاف ذلك فهو قرض جر نفعاً فهو ربا والله أعلم.
رجل ارتهن بيتاً من رجل بمبلغ معين من المال، فأجر البيت على صاحبه بإجار شهري، وكان ذلك على رضي الطرفين، هل يعتبر هذا نوعا من الربا؟
نعم، هو عين الربا الذي لعن الله آكله ومؤكله وكتابته وشاهديه، فإن المرتهن لا يخق له الانتفاع بالرهن، وإنما يبقى في يده وثيقه لدينه فقط والله أعلم.
ما رأيكم في شخص قام ببناء عمارة سكنية تجارية، وأثناء البناء تعسرت عليه بعض المبالغ، ولم يستطع إتمام البناء، ولديه عمارة أخرى في موقع آخر، والمحلات التجارية التي توجد بهذه العمارة مؤجرة بالكامل، فقام برهن هذه المحلات بالكامل كل محلٍ على حدة لعدة أشخاص، علماً بأن المرتهنين يتقاضى قيمة إيجار المحل مقابل قيمة مبلغ الرهن، والآن أراد الراهن أن يفك ذلك الرهن، فهل المبالغ التي يستلمها المرتهن من إيجار المحل خلال فترة الرهن هي حق من حقوقه الشرعية، أم أن تلك المبالغ مرجعها للراهن؟
الرهن لا يجوز فيه استغلال المرهون من قبل المرتهن، وعليه فإنه يجب أن يقتصر على استيفاء المبلغ الذي دفع إلى الراهن دون الايجار المتفق عليه، لأن أخذه يعد من الربا والله أعلم.
رجل ارتهن منزلاً بـ 200 ريال عماني لمدة لا تقل عن أربع سنوات، وبعد ذلك أجر المنزل بثلاثين ريالاً لغير صاحب المنزل، وأن هذا المرتهن يقوم بتصليح المنزل من هذا المبلغ، فهل هذا يكون داخلاً في حكم الربا؟
نعم، هو عين الربا، إذ لا يجوز للمرتهن الانتفاع بالعين المرتهنة والله أعلم.
شخص رهن بيته لآخر، وطلب الراهن من المرتهن بأن يؤجر له البيت لمدة غير معلومة، مع العلم أن الأجر خارج عن مبلغ الرهن، فما الحكم الشرعي في هذا؟ (3/169)
صفحة 888
ذلك هو عين الربا والله أعلم.
رجل ارتهن من آخر بيتاً بعشرة آلاف ريال. ويُعطي الراهن المرتهن سنوياً ميلغاً قدره (1200) ربحاً، فما حكم هذا الرهن؟
هذا هو عين الربا، لعن الله آكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه والله أعلم.
رجل اقترض من جهة مبلغاً، على أن يدفع لهم أقساطاً معلومة لوفائها، وطلبوا منه أن يثبت لهم في حقهم شيئاً، فأثبت لهم بيته، ثم أراد أن يبيع ذلك البيت، فهل له أن يبيع، وهل للمشتري أن يستغل ذلك البيت بسكن أو إيجار؟
بما أنه أثبت حق الدائن في البيت فليس له بيعه بدون إذن الدائن، إلاَّ بعد وفاء حقه وله ـ أي المدين ـ الانتفاع به بالسكنى والإيجار والله أعلم.
رجل أراد أن يرهن منزله حتى يسدد ما تبقى عليه من نقود للمقاول، وهو في أمسّ الحاجة لهذا المال، فهل يلزمه عند رهن المنزل أن يخرج منه، على الرغم أنه في حاجة شديدة إلى سكناه؟
رهن المنزل لا يكون إلا بإثبات حق الدائن ـ أي الدين ـ فيه، ويتصور فيه القبض بتسليم الملكية ـ في الوقت الحَاضِر حسب نظمه ـ إلى صَاحب الدين، مع بقائها باسم المدين، وإنما تكون أمَانة بيد الدائن والله أعلم.
هل يجوز الرهن في آثار الماء، وكيف يكون القبض والحيازة فيها؟ وهل يجوز للمرتهن السقي بتلك الآثار، مع رضى الراهن أي مالكها؟
الرهن في ذلك بمجرد منع التصرُّف في الأصل وقبض الملكية، وأمّا الانتفاع بسقي الماء فهو من الربا، ورضى صَاحبه لا يحله، كما لا يحلُّ أكل الربا رضى مقترضه والله أعلم.
رجل يريد أن يرهن بعض ماله، فهل سيبقى هذا المال المرهون في يد صاحبه الراهن، في حين أن المرتهن يأخذ الثمار والغلال، أم أن المرتهن يتولى هذا المال بمجرد الرهن، ويبقى معه طوال مدة الرهن إلى أن يسترد الرهن؟
ليس للمرتهن الانتفاع بالعين المرهونة، وإنما هي وثيقة فقط تبقى في يده لضمان استيفاء حقه، أمَّا مَا ذكرتموه من الانتفاع بالثمار والغلال فذلك عين الربا والله أعلم. (3/170)
صفحة 889
دفع شخص نخيله إلى شخص آخر كرهن عنده مقابل اقتراض مبلغ من المال، فهل يحق للمرتهن الانتفاع بثمار هذه النخيل إذا كان يرعاها، (أي يرويها ويحرثها وينظفها ويقوم بتسميدها)؟ وهل يحق له الانتفاع بثمارها إذا كان صاحبها الأصلي هو الذي يقوم بهذه الأشياء المطلوبة لها؟
ليس له ذلك، فإن المرتهن لا يجوز له الانتفاع بالرهن، وإنما على مَالك النخيل أن يقوم مَا تتطلبه من أعمال، والرهن في الأصول إنما هو مجرد إثبات حق لصَاحب المَال حتى لا يضيع مَاله، ويمنع الراهن بموجبه من التصرف في العين المرهونة إلى فكاك الرهن والله أعلم.
أعمل موظفاً بإدارة إسكان، وأقوم من ضمن وظيفتي بتوثيق العقود المختلفة ( كعقود البيع والمبادلة والرهن)، هل عملي هذا فيه نوع من الشبهة أم لا، نظراً لما يحتويه عقد الرهن من تحديد الفائدة التي يتحملها الراهن؟
إن كان الرهن غير مشوب بمعاملة محرمة، وإنما هو مجرد وثيقة شرعية في مقابل دين للمرتهن على الراهن، من غير أن يكون في معَاملة ربوية، فلا حرج في ذلك، ومَا خفي عليك لم يلزمك البحث عنه والله أعلم.
رهنت بيتي لرجل، وكنت أدفع له إيجاراً، وقد استلم حتى الآن ما يقارب ألفي ريال عماني، فهل يجوز ذلك أم إن هذا المبلغ يسقط من قيمة الرهن؟
بئس ما فعلتما، فقد عرّضتما أنفسكما لسخط الله تعالى، فإن هذا هو عين الربا الذي لعن الله على لسان رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ آكله وموكله وكاتبه وشاهديه وقال " هم سواء "( )، أي في الإثم، ولا يجوز لك أن تعطيه فلساً واحداً أكثر مما أخذت منه والله أعلم.
رجل ارتهن مبنى به محلات وشقق سكنية بمبلغ يقارب من قيمة العقار السوقية، وتم الاتفاق في العقد على أن يكون الرهن حيازياً، أي أن المرتهن استغل إيجار العقار لنفسه حتى يقوم الراهن بسداد مبلغ الرهن، وينص العقد على أن مدة الرهن خمس سنوات، فهل يجوز للمرتهن في هذه الحالة أن يستغل عوائد المبنى لنفسه؟ (3/171)
صفحة 890
كل قرض جرَّ نفعاً فهو ربا والمرتهن ليس له الانتفاع بالرهن والله أعلم.
رجل اشترى بيتاً من شركة، وهذه الشركة تشترط رهن البيت في مؤسسة حتى تتم سداد الأقساط، ونتيجة لهذا الرهن؛ فإن المؤسسة تأخذ مبلغاً معيناً عند بداية الرهن وعند فك الرهن، فهل هذا الرهن جائز شرعاً؟
أمًّا أخذ المرتهن شيئاً من الرهن فهو غير جائز، بل يعد من ضروب الربا والله أعلم.
يوجد لديّ منزل قد اشتريته منذ فترة وجيزة، وقد أجرته بمائة وعشرة ريالات عمانية شهرياً، وخلال هذه الأيام وقع أخي الأكبر في ظروف وأصبح مطالباً مالياً بسداد مبلغ خلال شهرين تقريباً لذا قد عزمت على رهن منزلي المستأجر أعلاه، ولا أعرف أحكام الرهن الصحيح، وخوفا من الوقوع في الربا ت والعياذ بالله ـ وضحوا لنا ذلك؟
الرهن الشرعي المباح هو أن تثبت له الحق في البيت فلا يباح لك التصرف فيه، من غير أن ينتفع بشيء من غلته، وإن انتفع كان ذلك ربا والله أعلم.
عن رجل ارتهن مزرعة، ولكنه قال أنه ليس لديه وقت لزراعتها، فقال للراهن: قم انت بزراعتها وادفع لي مبلغ مائة وخمسين ريال كل شهر عن المبلغ، فوافق الراهن على اعتبار انه إيجار للمزرعة فدفع إيجاراً مدة ثلاثة أشهر(أربعمائة وخمسين ريال) ثم توقف عن الدفع. والآن يسأل: هل يحق للمرتهن مطالبة الراهن بدفع هذا المبلغ، علماً بأن المزرعة ليس بها دخل وبها عمال؟
هذا هو عين الربا، ولا يحل أخذ أي شيء من هذا المبلغ، وهذه المعاملة يكتنفها الحرام من عدة أوجه. والله أعلم.
ما قولكم فيمن يرتهن نخلاً أو بيتاً مثلاً فيستغل ذلك الرهن، كأن يأخذ ثمرة النخل أو أن يؤجر البيت لصاحبه ويأخذ ثمنه، فهل يجوز ذلك شرعاً؟ (3/172)
صفحة 891
هذا هو عين الربا، الذي حرمه الله في كتابه وعلى لسان رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وقد لعن الله المتعاملين به على لسان رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، إذ ليس للمقرض أن يقتضي أكثر مما اقرض ولو بفلس واحد، والرهن الشرعي ما هو إلا وثيقة بيد المسترهن يستوثق بها من استيفاء حقه، وليس له أن ينتفع به في شيء، وإلا فقد خاض غمار الربا والعياذ بالله منه. والله أعلم.
رجل رهن دكاناً، ثم اجرَّه، فهل النقود التي يستلمها من الإيجار حرام أم حلال؟
إن كان الرهن وثيقة الدين، فما على الراهن حرج إن انتفع بماله سواء كان بالسكنى أو بالإيجار. والله أعلم.
رجل رهن بيته على بنك، ثم عقد عقداً آخر بالمحكمة فما حكم ذلك؟
إن كان البيت مشغولاً بعقد فالعقد الثاني باطل والله أعلم.
عندي بيت في تنزانيا، وأريد أن أرهنه في بنك ربوي واستخدم النقود ـ نقود الرهن ـ في تجارة ما، فهل يجوز ذلك؟ مع العلم أني في حاجة لذلك المال.
هذه معاملة ربوية إن كان البنك يستغل البيت أو يتقاضى زيادة على القرض، وفي الحديث " لعن الله الربا وآكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه"( )، والحاجة لا تبيح الربا المحرم والله أعلم.
رجل رهن أرضه مقابل مبلغ من المال، وأخذ المرتهن يستغل الأرض طيلة تلك الفترة إلى أن رجع المال فماذا يلزم كلاً منهما؟
هذا قرض جر نفعاً وهو ربا بالإجماع، وعلى الجانبين التوبة وعلى المقرض رد ما أخذه إلى المقترض ما عدا مقدار قرضه والله أعلم. (3/173)
صفحة 892
احتجت مبلغاً من المال قدره خمسة آلاف ريال، وذهبت إلى أحد المواطنين الميسورين وطلبت منه هذا المبلغ، ووافق أن يمنحني وطلب مني أن أقوم برهن ملكية منزلي الذي أقيمن فيه لإثبات حقه، وأطلب المدة التي تكفي لرد المبلغ وطلبت مدة عشر سنوات، ولكن طلب مني أن أدفع مبلغ خمسين ريالاً إيجار المبلغ، والآن مضى عامان وأنا أدفع له، حيث دفعت ألفاً ومائتي ريال عماني، هل الذي أدفعه كل شهر خمسين ريال ينزل من مبلغ الخمسة آلاف أم لا؟ وهل له الحق أن يخرجني من منزلي إذا توقفت عن دفع الإيجار الشهري مثل ما يقول أم لا؟
مع العلم بأنه يوجد عندي مهلة باقية قدرها (8) سنوات لرد المبلغ.
ذلك الاتفاق هو عين الربا ولا يحل بحال، وعليه أن يعتبر ما تدفعه من قضاء الدين، ولا معنى لإخراجك من البيت، وإنما عليك أن تقتضي حقه والله أعلم.
استلف رجل من آخر مبلغاً من المال فأسلفه برهن (24) نخلة، ثم قال الذي أسلف لصاحب الرهن انتفع باثنتي عشرة نخلة وانتفع أنا الباقي، فهل تصح صورة هذه المعاملة؟
ذلك هو عين الربا والله أعلم.
رجل وكيل أيتام ولديهم مال ورثوه من أبيهم، ويريد أن يرتهن لهم به مالاً وبيتاً، هل يجوز ذلك؟
إن كان المراد بالرهن أن يأخذ لهم عقاراً أو مالاً يستغلونه فذلك غير جائز قطعاً، لأن الانتفاع بغلة الرهن ضرب من ضروب الربا والله أعلم.
هل تلحق عقوبة الربا الراهن إذا كان الراهن غير متعلم لا يعرف أن هذا هو الربا؟
عليه أن يتعلم، ولو كان الجهل سلامة للمرء لكان خيراً له من العلم والله أعلم. (3/174)
صفحة 893
قمت برهن حجرتين من منزلي مقابل مبلغ وقدره ألفان وتسمعائة ريال عماني، على أن تكون مدة الرهن عشر سنوات، ومبلغ خمسين ريالاً عمانياً كقسط شهري، عموماً استمريت بدفع القسط المتفق عليه لمدة سبع سنوات وعشرة أشهر، حينها توقفت عن الدفع حيث أصبح إجمالي المبلغ المدفوع أربعة آلاف وسبعمائة ريال عماني، أي بفارق زيادة قدرها ألفان ومائة ريال عماني عن المبلغ الأصلي. صاحب الحق المرتهن لا يزال يطالب بالمبلغ الأصلي ألفين وستمائة ريال عماني، فهل يحق له ذلك؟
بئس ما اتفقتما عليه، فهذا هو عين الربا الذي لعن الله على لسان رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ" آكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه"( )، وقد جعله الله حرباً بين آكليه وبينه، وليس للمرتهن إلا ما دفع فقط والله أعلم.
قام رجل بفداء ربع الرهن، حيث كان المنزل هو الرهان المقبوضة بين الراهن والمرتهن، وبما أن المدة المتبقية بينهما عند المكاتبة قليلة، إذا انتهت هذه المدة فهل يترم( ) المنزل؟ وهل من حق المرتهن أن يأخذ المنزل بعد أخذه ربع المبلغ؟ أم تجدد المكاتبة بينهما على المبلغ المتبقي؟
أما الرهن فلا يحدد بمدة يملك بعدها المرتهن العين المرهونة، وإنما هو مجرد وثيقة تبقى في يد صاحب الحق حتى يستوفي حقه، ولعل السائل لا يفرق بين الرهن والإقالة، وليس تعارف العوام أن بيع الإقالة رهن إلا حجة قاطعة بأن ما يتعاملون به مما يسمى بيع إقالة حرام، فإنهم لا يقصدون به بيعاً، وإنما يتذرعون به الربا المحرم شرعاً والله المستعان.
شخص أراد أن يبيع منزله لشخص آخر مقابل أن يقوم المشتري بإعطاء البائع أرضه السكنية إضافة إلى مبلغ خمسة وعشرين ألف ريال عماني، إلا أنه لن يدفع هذا المبلغ جميعه للبائع، ولكن يدفع جزء منه والباقي على أقساط شهرية، فقال له البائع: أسلمك البيت بعد أن تسدد جميع الأقساط، واتفقا على ذلك، فما حكم هذا البيع؟ (3/175)
صفحة 894
ليس للبائع منع تسليم البيت المبيع إلى المشتري لأجل تأخير ثمنه، حتى لا يكون من باب المنفعة في مقابل الدين، وإنما له أن يمسك الملكية ويبقيها باسمه إلى أن يستوفي ثمن المبيع والله أعلم.
ارتهن أبي مزرعة من شخص آخر بقيمة تسعمائة ريال عماني، وبعد أن تم عقد الرهن واتفق الطرفان، قام أبي بتولي أمر هذه المزرعة وكأنها صارت ملكه وأخذ يأكل غلتها وذلك لمدة أربع سنوات، مع العلم بأنه لم يشتر هذه المزرعة وإنما أكل غلتها بدون مقابل جهلاً منه الحكم الشرعي، ومعتبراً أن الرهن كأنه بيع، ولم يكن صاحب المزرعة بأقل جهلاً فقد رضي بذلك، وهذه العادة وللأسف الشديد متفشية وخاصة في أوساط كبار السن والذين لا يقتنعون بكلام ناصحهم:
1ـ ما الحكم الشرعي لفعل أبي هنا؟
الرهن إنما هو وثيقة دين، ولا يحل للمرتهن أن ينتفع بأي شيء من الرهن، وإلا وقع في الربا والله أعلم
2ـ ما حكم أكلنا أنا وإخوتي من غلة هذه المزرعة؟
لا يحل لكم ذلك والله أعلم.
3ـ ما صحة حديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ" الرهن لمن رهنه له غنمه وعليه غرمه"؟
هو مُجمعٌ على معناه والله أعلم.
4 ـ هل من كلمة توجه لهؤلاء الناس تردعهم عن هذه العادة؟
عليهم أن يتقوا الله وأن يتجنبوا هذه المزالق والله أعلم.
الشركات:
شخص سلّم آخر مبلغاً من المال لإنشاء شركة صناعية، فسجلها الآخر باسمه، وتقاسما الأرباح طوال ما يربو على 15 سنة، ازدهرت الحركة واكتسبت شهرة وأموالاً عقارية ومنقولة، وبعد تلك المدة أرجع الثاني للأول مبلغاً ضئيلاً من المال مخبراً إياه دون اتفاق سابق أنه أنهى الشراكة بينهما، مدّعياً أن المبلغ المقدم مجرّد سلفة، ولا رأس مال في الشركة له، في حين أن ذلك المصنع متواصل النشاط وبقي يجني أرباحه لوحده.
أستفتي سماحتكم عن حكم الشرع في هذا التصرف؟
وكيف يمكن إرجاع الحقوق لصاحبها في مثل هذه الحالة، لكي ينجّي الشريك الثاني نفسه في الدنيا والآخرة؟ (3/176)
صفحة 895
إن كان جعله أميناً أو شريكاً له في الشركة فهما على مَا اتفقا، وعلى الثاني أن يدفع للأول كامل حقه، وإن كان دفع الأول للثاني مَا دفعه إليه على أنه سلفة فما عليه إلاّ أن يرد المبلغ، ولكن هذا يتنافى مع تقاسمهما الأرباح لمدة اثني عشر عَاماً، وإن كان غمطه حقه فتوبته موقوفة على رد المظالم والله أعلم.
شركة تعمل في استيراد وتصدير العملات العربية والأجنبية، ولا تحدد نسبة الفوائد التي تعود على الشخص المشترك، فهذه الأرباح قابلة للزيادة والنقص حسب الأرباح التي تعود على الشركة. فما حكم الاشتراك في هذه الشركة؟
إن كانت الشركة متقيدة بالشريعة الإسلامية في جميع معاملاتها، بحيث لا يكون الصرف إلا يداً بيد فهو سَائغ، وإلا فلا، والله أعلم.
ما قولكم في المساهمة في شركة أو جمعية تعاونية تعمل في سلك التجارة، إلا أن جزءاًَ صغيراً من تجارتها يدخل في بيع السجائر، أو غيرها من البضائع التي تدخل في المحرمات شرعاً لاستعمالها لغرض محرم؟
إن كان فيها اشتراك في محرم، فلا تجوز المشاركة فيها والله أعلم.
توجد في المدارس النظامية مؤسسة تسمى بـ (الجمعية التعاونية) المشتهرة على الألسنة باسم ( المقصف)، وهي مؤسسة تابعة للمدرسة وتقوم ببيع وجبة الإفطار لطلبة المدرسة، وهذه المؤسسة تقوم في بداية كل سنة بجمع المساهمات من الطلاب، وتكون الأرباح موزعة على المديرية التي تتبعها هذه المدرسة بنسبة معينة، والمدرسة بنسبة معينة والطلاب المساهمين كذلك، علماً بأن الجمعية التعاونية تودع أرباحها إلى نهاية السنة في أحد البنوك، ويكون ربح الطالب المشارك زيادة عن مشاركته، أو ترجع له نفس الحصة التي شارك بها من غير زيادة، فما حكم هذه المعاملة؟
ليس لأحد أن يشارك في مؤسسة لا تجتنب الربا، وإن اضطر إلى المسَاهمة فليأخذ رأس مَاله فقط، هذا إن كان الإيداع في البنك يترتب عليه أخذ شيء من الربا، وإلا فلا جناح في ذلك والله أعلم. (3/177)
صفحة 896
إن لم تدخل المؤسسة أموالها في البنوك وإنما استغلتها في التجارة الخاصة بها ( بيع الأغذية للطلاب والقيام بمشاريع مثمرة للمدرسة)؟ فما حكم المشاركة؟
لا مَانع والله أعلم.
إذا طلبت المدرسة من أحد المعلمين المواطنين القيام بإدارة أمور هذه المؤسسة؟ فهل يقبل على الحالة الأولى؟
لا، إلا مع توقي الربا والله أعلم.
(على الحالة الأولى): لو شارك أحد الطلاب في هذه المؤسسة بالمساهمة المالية (جهلاً)، ثم أُربح مالاً نهاية السنة فماذا يصنع به الآن؟
يتخلص منه بدفعه إلى الفقراء إن اختلط بالربا والله أعلم.
ثلاثة إخوة اشتروا مالاً أخضر، الأول دفع ألفاً وخمسمائة قرش فضة، والثاني دفع ألفاً وستمائة قرش فضة، والثالث دفع ألفاً وثمانمائة قرش فضة وموجود بالخارج، واقتسم المال بين الأول والثاني، والثالث لم يعط شيئاً (الموجود في الخارج) لأنه ليس له وكيل، والشهود شهدوا على قسمة المال ولم يعطوا المذكور الموجود في الخارج شيئاً من المال، والمال باسم الثلاثة، فما الحكم؟
لكلٍ نصيبه بقدر ما دفع من الثمن، وإن تشاجروا فليترافعوا إلى القضاء الشرعي والله الموفق.
لقد تم الاتفاق بيني وبين قريبي على أن يشاركني في شراء منزل، وهذا المنزل مؤجر على أن يكون الإيجار بنسبة الاشتراك برأس المال لكل منا، علماً بأني بعد فترة سوف أقدم على شراء المنزل المشار إليه لحاجتي للسكنى فيه، فهل هذا الاتفاق فيه ربا أم لا؟
إن كنتما اشتركتما في الشراء فحصة كُلٍ منكما بحسب شركته، وليس في ذلك ربا، ولو أنكما اتفقتما من بعد على أن تشتري حصة صاحبك أو يشتري حصتك والله أعلم.
إذا كانت شركة مساهمة تقسم الربح مرة في العام، فهل يجوز لها أن تحسب الربح بحساب شهور العام، فتعطي من اشترى أسهماً وسط العام من الربح دون ما تعطي من اشترى أول العام؟ (3/178)
صفحة 897
إن كان توزيع الربح بحسب الأسهم، وبحساب دقيق، بحيث يعطى كل ذي حقٍ حقه فلا مانع من ذلك، وهذا لا يتم إلا بمعرفة الربح ومقداره في جميع أشهر العام والله أعلم.
فتحت شركتنا صندوقاً تعاونياً يدفع المشترك مساهمة شهرية، على أن تقوم الشركة ببناء أو شراء منازل يتم تمليكها للمشتركين حسب قرعة تجرى سنوياً لاختيار عدد معين من المشتركين في هذا الصندوق، ويقوم المشترك بعد حصوله على المنزل بدفع رسم استعمال شهري مقابل استخدامه لذلك المنزل ولمدة زمنية محددة، ـ تم الاتفاق عليها سابقاً ـ لحين توفير المساكن لجميع المشتركين، علماً بأنه يتم رهن قطعة الأرض والبناء لصالح الشركة لحين الانتهاء من تمليك المنازل لجميع المشاركين، فما رأيكم في هذه المعاملة؟
إن كان ملك هذه المنازل يظل للشركة إلى حين استيفاء ثمنها، وتكون ملكيتها بيد الشركة من أجل الاستيثاق من الوفاء، ويكون الرسم إيجاراً للشركة، فأرجو أن لا يكون في ذلك حرج والله أعلم.
نحن خمسة أشخاص نود الاشتراك في بناء بيوت على الطريقة الآتية:
1- ... أماكن مختلفة. كل منا يملك أرضاً سكنية باسمه في
2- ... يدفع كل خمسمائة ريال شهرياً (أي المبلغ الإجمالي في الشهر ألفان وخمسمائة ريال، ثلاثون ألف ريال سنوياً).
3- ... ُبني في كل عام بيتاً لأحدنا في أرضه ( وذلك بالاتفاق ما بيننا أو بالقرعة).
4- ... يستلم صاحب الأرض المتفق على بنائها المبلغ شهرياً، ويقوم ببنائها حسب خارطته، على ألا تقل قيمة البيت عن (ثلاثين ألفاً) وله أن يزيد عن ذلك إذا أراد.
5- ... يكون البيت ملكاً للجميع وعلى صاحب الأرض أن يستأجر هذا البيت بعد اكتمال البناء بغيجار يحدد مسبقاً عند الاتفاق على الشراكة، ولكنه لا يتم تحصيل الإيجار إلا بعد إكمال بناء البيت.
6- ... يوزع الإيجار على خمسة أشخاص بالتساوي. (3/179)
صفحة 898
7- ... تنتهي الشراكة بعد أن يكمل بناء جميع الأرض، ويكون لكل منا بيت ملك له، وله أن يتصرف به ما يشاء، ما حكم هذه المعاملة شرعاً؟
لا أجد مانعاً من العمل بهذا النظام، وفي ذلك احتراز من الربا والوقوع فيه والله أعلم
ما قولكم في شركة يُسلّم إليها الناس بضائعهم لتبيعها وتتقاضى منهم أجرة محددة بنسبة معينة من قيمة البضاعة أو من ربحها، على حسب الاتفاق؟ وما الذي يعجبكم في حكم المضاربة بغير النقود؟
لا مانع من أن تبيع الشركة البضاعة، على أن تكون شريكة في الربح أولها نسبة من قيمتها فيما أرى، ولا بد في المضاربة أن تكون بالنقود أو العملات المتداولة لأجل الضبط والله أعلم.
بعض الشركات يكون لها فروع، فيذهب إنسان إلى فرع من فروعها فلا تكون تلك السلعة موجودة، وإنما هي موجودة في الشركة الأم، فيقول بإبرام الصفقة مع ذلك الفرع مع أن السلعة غير موجودة فيه، فهل هذا يدخل في بيع ما ليس عنده أم تعتبر شركة واحدة ويكون البيع صحيحاً؟
إن كان المالك واحداً للفرع والأصل ـ سواءً كان المالك فرداً أو جماعة ـ ففي هذه الحالة لم يبع ما ليس عنده، وإنما باع ما لم يكن حاضراً هنالك، ولكن المواصفات الدقيقة الآن أصبحت تقرب صفة المبيع من إدراك المشتري فلا حرج في ذلك والله أعلم.
المضاربة( ):
ما هي الأركان التي يقوم عليها عقد المضاربة؟
أركان المضارب، وهو العامل الذي يعمل، وصاحب رأس المال، ورأس المال نفسه، مع كون التجارة معروفة، فإما أن يطلق له العنان بحيث يتجر بأي شيء، وإما أن يحدد له صاحب رأس المال ما يتجر فيه والله أعلم.
صاحب رأس المال، هل يشترط فيه البلوغ والعقل أم يمكن أن يضارب بأموال اليتامى والمجانين؟ (3/180)
صفحة 899
اليتامى والمجانين لا يجوز أن يكون العقد بينهم وبين المضارب، لأنهم لا يملكون التصرف، وإنما يملك التصرف في أموالهم وفق مصلحتهم القائم بأمرهم، فإن كانت المصلحة متعينة لهم في ذلك، ولا يخشى عليهم تلف مالهم فلا مانع من ذلك، لأن ذلك يندرج ضمن قوله تبارك وتعالى: { ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خيرٌ } ( ) أي تراعى مصلحتهم، وكذلك حكم المجانين والله أعلم.
هل تجوز المضاربة بالعروض؟ فبدلاً من أن يعطيه نقداً يعطيه عروض يتاجر بها؟
لا، يجب أن يعطيه نقداً، لأن العروض ترتفع قيمتها وتنزل( ) والله أعلم.
إذا دفع إنسان ماله لآخر مضاربة وحدد له وقتاً معيناً تنتهي عنده المضاربة كأن قال له: خذ هذا المال لسنة أو سنتين، فما هو الموقف من هذا التقييد ولو انتهت المدة ولم يبع السلع بعد، فما رأي سماحتكم في ذلك؟
عن كان لم يبع السلع ولم يتيسر له ذلك فإن ما باعه فقد انتهى الأمر فيه باستحقاقه النسبة التي اتفقا عليها من ربحه، وإن كان قد قام بعناية فوق ما استحقه من ربح الذي باعه، فإن هذه العناية يحسب له أجرها أجر المثل، والسلعة ترجع إلى صاحب المال والله أعلم.
هل يجوز اشتراط مبلغ معين للمضارب في المضاربة؟
اشتراط مبلغ معين هو خلاف ما تقتضيه المضاربة، لأن المضاربة إنما هي مشاركة في ريع التجارة، وليست أجرة معينة تحسب للمضارب والله أعلم.
بنك إسلامي خارج البلاد يطلب المشاركة في أمور تجارية على أساس الربح والخسارة، ولكن للربح شرط، وهو إذا بلغت الأرباح نسبة معينة وتعدتها، فإن الزيادة على النسبة المذكورة لا توزع للمشاركين، بل تحول للميزانية الاحتياطية، وإذا تعرض البنك لأي خسارة فسيتم تغطيته من الميزانية الاحتياطية، فهل المشاركة جائزة أم لا؟ أفيدونا وجزاكم الله خيراً.
إن كان ذلك برضى الجميع فلا حرج والله أعلم. (3/181)
صفحة 900
اتفق أخوان على القيام بأعمال تجارية مختلفة ومشروعة، قدم أحدهم رأس المال والآخر خدمات لتنمية رأس المال وتحقيق الربح، هما شريكان في التجارة، علماً بأن الشخص الذي قدم رأس المال اشترط بأن لا يشترك في الخسارة وإنما يشترك في الربح فقط، وبعد فترة متفق عليها بأن يرجع رأس المال كاملاً إلى صاحبه الذي قدمه؟
هذا هو عين الربا، فإن المضاربة الشرعية تقتضي أن يكون المضارب أجيراً ليس عليه من الخسارة المالية شيء، وحسبه أن يخسر عناءه، وإنما الخسارة المالية كلها على صاحب رأس المال، فإن ربحت المضاربة كان الربح بينهما حسب النسبة المتفق عليها، وما اتفق عليه الطرفان حسبما جاء في السؤال هو خلاف ذلك، فهو ربا محض، لأنه من جنس القرض والله أعلم.
رجل طلب مبلغاً من المال من البنك لشراء سيارة، وكان الاتفاق بينه وبين البنك على أن يبيع الرجل السيارة ويتقاسما الربح بعد البيع، فيعيد المبلغ الذي استلفه من البنك بالإضافة إلى نصف الربح، وهذا ما يسمى بالمرابحة، فما الحكم الشرعي في ذلك؟
إن كان متفقين على أن يشتري تلك السيارة ويبيعها على هذا النحو فهذا يدخل في ذرايع الربا، أما إن كان البنك أعطى العميل مبلغاً من المال على أن يتاجر في السيارات، بحيث يبيع ويشتري ويكون الربح بينهما قسمين، وتكون الخسارة على البنك نفسه لأنه هو صاحب المال، والعميل يتاجر بهذا المال فقط ـ إن كان الأمر كذلك ـ فلا حرج فيه، لأن هذه هي المضاربة الشرعية والله أعلم.
امرأة أعطت أخيها مبلغاً من المال قدره عشرة آلاف ريال، وهو في الأصل لابنتها، وذلك حتى يدخله في تجارته عن طريق المضاربة، ولم تتم المكاتبة بينهما لا في المدة ولا في نسبة الربح، ولا في أي شرط من الشروط، ثم احتاجت صاحبة المال إلى مالها لأمر ألمَّ بها:
ـ هل لها أن تطلب رأس المال من المضارب؟
ـ هل يجب عليه توفير رأس المال سواء كان مستطيعاً أو غير مستطيع؟ (3/182)
صفحة 901
ـ ما الحكم الشرعي إن هو رفض إعطاءها رأس المال بدعوى أنه تاجر به في تجارته، ولا يستطيع جمعه إلا
بعد سنين، لا سيما وأنه لم تكن بينهما مكاتبة ولا شروط، بل كانت الثقة بينهما هي الأصل؟
اخطأت المرأة في إدخال مال ابنتها في التجارة إن كانت لا تملك أمرها أو لم تكن راضية بذلك، وعليها ضمانه إن تلف، أما الأخ المضارب فلا يلزم ـ إن كان لا يعرف أن هذه المرأة جاءت به من غير مالها ـ أن يرده إلى أن يتمكن من تصفية هذه التجارة وإعطائها حقها ونصيبها من الربح، وإن كان متواطئاً مع أخته على ما صنعا وهو يدري أم المال غير مالها فعليه التعجيل في توفير المبلغ لها والله أعلم.
رجل يملك سجلاً تجارياً ويريد أن يعمل بالتجارة، بحيث يفتح على سبيل المثال محل خطاط، وسوف يعمل بالمحل موظفان أحدهم أكثرة خبرة في مجال الخط ونقوشه عن الآخر، وحيث إنهم جميعاً متفقون على المبدأ بحيث لا يكون للموظفين راتب مقطوع من أول الأمر أو لصاحب السجل (أصل رأس المال) نسبة محددة، فإنهم قد عزموا على تقسيم نسبة الربح بالنسبة بينهم جميعاً، بحيث يأخذ صاحب السجل التجاري (50%) من نسبة الأرباح نظراً لكونه صاحب السجل والممول للمشروع والمتحمل لنفقاته وغراماته، بينما يأخذ الفرد الثاني نسبة (30%) من الأرباح لكونه الأكثر خبرة في مجال كتابة الخطوط ونقوشها، أما الثالث فله نسبة (20%) من الأرباح لكونه الأقل خبرة من زميله، فإذا كان الجميع راضين عن هذا الاتفاق، فما مدى مشروعية هذا الاتفاق؟
لا مانع منه، فإن هذه هي المضاربة الشرعية والله أعلم.
الأسهم والسندات:
ما حكم بيع وشراء الأسهم؟ (3/183)
صفحة 902
أولاً: يجب أن يكون معلوماً عند المتاجرين بهذه الأسهم بيعاً أو شراءً أنَّ الإسلام يحرم الغَررَ في المعاملات كلها، ولذلك حرم المقامرة لما فيها من الغرر، ونص النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على النهي عن بيع الغرر( )، كما نص على النهي عن بيوع بعينها لما فيها من الغرر، كبيع الثمرة قبل دراكها( )، واتفق أهل العلم على أنه مما يدخل في بيع الغرر كل مَا كان مستوراً، فكان مجهول العين أو الوصف أو المقدار، كالتمر في الظرف بدون نقش، ومَا كان في داخل الأرض من الثمار كالجزر... إلخ، وعليه فإنه لا يحل بيع وشراء الأسهم إلاَّ بعد معرفة مقدار رؤوس أموالها، وإحراز ما حققته من أرباح، والتمييز مَا بين الأموال الناضة ـ أي النقدية ـوبين عروض التجارة التي تتعرض لارتفاع السعر وانخفاضه، وتقدير كل من ذلك بقدره، ثم بجانب ذلك لاَ بُدَّ من أن يكون بيع الأموال النقدية يداً بيد ومثلاً بمثل، كما نص عليه الحديث الشريف، وذلك قوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ" الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والزبيب بالزبيب والملح بالملح، يداً بيد مثلاً بمثل، فمن زاد أو استزاد فقد أربى"( )، على أن تكون الشركة ذات الأسهم المتداولة متقيدة بأحكام الشريعة الإسلامية، بحيث تجتنب الربا والغش والغرر، وجميع المعَاملات المحجورة، ولا تتجر إلاَّ في أعيان مباحة، هذا مَا ظهر لي والله أعلم
.
ما قولكم في التعامل بأسهم لسوق الأوراق المالية؟ ولقد سمعت سؤالاً عن هذا الموضوع ولم أفهم الإجابة من لدنكم، فأرجو التوضيح؟ وهل هنالك ما يدل على أن سوق الأوراق المالية من مساؤى الربا، علماً بأنه يعتبر من نوع المضاربة المالية، أي أن المشتري لا يعلم بالربح ولا بالخسارة؟ (3/184)
صفحة 903
أولاً: هذا المشتري ما الذي يشتريه، إذ يدخل الإنسان السوق ويتجر بيعاً وشراءً فلا يعرف ما الذي اشتراه وما الذي باعه، وبلغني أن أحداً من الناس دخل السوق وفي ظرف مدة يسيرة استفاد نصف مليون، بأي طريق؟ ما الذي يبيعه؟ وما الذي يشتريه؟ مع أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نهى عن بيوع الغرر، فبيوع الغرر بيوع محرمة، ولذلك حرم الميسر من أجل الغرر الذي فيه، ومن ذلك أن يبيع الإنسان الثمر قبل دراكه، حرم لأجل الغرر، أو أن يبيع السلعة غير مكشوفة، فلا يعرف نوعها ولا يعرف حجمها ولا يعرف قدرها، كذلك هذا الذي يشتري الأسهم، ما هو الشيء الذي يشتريه؟ لا بد من أن يكون على بينة، بحيث يعرف ما يبيعه وما يشتريه، لا أن يبيع شيئاً وهمياً أو أن يشتري شيئاً وهمياً ويربح في شيء وهمي، فإن كانت شركة تعرض أسهمها للبيع فلا بد أن تعرف ما هو رأس مالها؟ وإن كانت تتجر ففي أي شيء تتجر، هل تتجر في مواد البناء، أم تتجر في الحديد، وما هو مقدار الحديد الذي عندها؟ وإن كانت تتجر في المواد الغذائية، فما هي مقاديرها؟ ومن أي نوع هي؟ حتى يعرف مقدارها، وإلى كم سهم تنقسم؟ وما هي حصة هذا المشتري من هذه الكمية الموجودة من هذه المواد الغذائية؟ ومعنى ذلك أنه لا بُدَّ من أن تقدم كشوفاً بكل ما عندها، ثم بجانب ذلك لا بُدَّ من أن يكون البيع فيما عندها من الأموال الناضة ـ أي الأموال النقدية ـ يداً بيد ومثلاً بمثل، وأن تكون هذه الشركة أيضاً قائمة على أسس شرعية، بحيث لا تتجر في الربويات ولا يتعامل الناس بطريق الربا.
هل يجوز بيع وشراء أسهم في سوق الأوراق المالية، إذا كان شخص اشترى أسهماً من هذا السوق بمبلغ ريال واحد للسهم، وباعه بعد ذلك في فترة ما بريالين؟
إن كان ذلك سعراً حقيقياً، وباعه نقداً يداً بيد، فلا حرج في ذلك والله أعلم.
هل يجوز شراء الأسهم من الشركات المساهمة العامة، والتي تُطرح عن طريق سوق الأوراق المالية؟ (3/185)
صفحة 904
إن كانت الشركات متقيدة في معاملاتها بالشريعة الإسلامية، وكان بيع أسهمها لا غرر فيه، والبيع نقداً يداً بيد، فلاَ مانع من ذلك والله أعلم.
ما حكم الإسلام في شراء وبيع الأسهم من الشركات بسوق الأوراق المالية؟
أولاً: يجب الاحتياط والتحرز باستقصاء أحوال هذه الشركات، وما إذا كانت متقيدة بالضوابط الشرعية في معاملاتها، بحيث إن كانت خارجة عن إطار الشريعة فإن المساهمة فيها غير جائزة، أما إن كانت متقيدة بأحكام المعاملات الشرعية فإن ذلك يجوز، بشرط أن يحصى ما فيها من النقود والعروض، ويكون البيع بسعر السوق الحقيقي يداً بيد، حتى لا يقع هناك بيع شيء بجنسه نسئة، مع اعتبار أن تكون النقود بقيمتها، بناء على اعتبار ربا الفضل كما هو قول طائفة من المحققين والله أعلم.
أريد شراء ألف سهم من شركة الأسماك بسعر عشرة آلاف ريال عماني للمضاربة فيها، سواء أخذ الأرباح السنوية، أو البيع في حالة ارتفاع سعر السهم، فما حكم الشريعة الإسلامية في ذلك؟
بما أنهذه الأسهم مرتبطة بالمعاملات الربوية، لأن معَاملاتها مربوطة بالبنوك، أرى أن تجتنب ذلك والله اعلم
ما حكم التعامل بالأسهم من حيث: -
أ ) ... الاكتتاب بالأسهم مع شركات الخدمات.
ب ) ... الاكتتاب مع شركات المساهمة الاستثمارية والبنوك.
ت ) ... الاكتتاب في أسهم المصانع.
إن كانت الشركات والمؤسسات التي يتعامل مع أسهمها متقيدة بالشريعة الإسلامية، فلا حرج في التعامل معها، وإن كانت غير متقيدة بأحكام الشريعة الإسلامية فالاكتتاب فيها ممنوع والله أعلم.
ما حكم التعامل في بيع وشراء الأسهم السابقة بدون انتظار الفائدة السنوية، من حيث ارتفاع قيمة السهم وانخفاضه، علماً بأن هناك شركات المحافظ المالية لديها عقود، يمكن للشخص أن يستثمر مبلغاً قدره خمسة آلاف ريال عماني، وهي تقوم بشراء وبيع الأسهم عنه لمدة عام، وبعد عام تعطيه الفائدة بدون تحديد مقدار الفائدة؟ (3/186)
صفحة 905
يشترط أولاً: أن تكون الأسهم في شركات متقيدة بأحكام الشريعة، ثم أن تكون التجارة فيها بالقيمة الحقيقية لا الاسمية، وأن يكون البيع يداً بيد والله أعلم.
ما الحكم فيمن قام بشراء أسهم من إحدى الشركات بسعر السهم في ذلك اليوم، وقد قام بتسليم المبلغ نقداً، وبعد عدة أيام قام بعملية بيع تلك الأسهم بسعر أعلى نتيجة لارتفاع سعر السهم، وقد قام بتحصيل المبلغ بشيك مسحوب على أحد البنوك؟ وإذا كان هذا حراماً فما هو وجه الحرام فيه أفدنا أفادك الله؟
أولاً: يجب أن التأكد من أن تلك الشركة نظيفة المعَاملة، بحيث تتقيد بأحكام الشريعة الإسلامية في جميع معَاملاتها، وإن لم تكن كذلك فالدخول في جميع معَاملاتها حرام، ويجب ثانياً معرفة القيمة الحقيقية لمحتويات هذه الشركة، وإلاَّ كان ذلك داخلاً في بيوع الغرر التي نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم(1) ـ، ثم يجب أن يكون البيع نقداً، لأن من محتويات الشركة الأموال الناضة؛ أي النقود، ولا يجوز بمثلها إلاَّ يداً بيد والله أعلم.
ما رأي الشرع الشريف في السندات التي تطرح من قبل المؤسسات، حيث يحصل المشترك على نسبة محددة سلفاً من الفوائد، وذلك على مدار السنة؟
تحديد الفائدة غير جائز، فقد يعتري المؤسسة الربحُ والخسارة، ويجب أن يكون المشترك يتحمل قسطه من الخسارة، كما ينال نصيبه من الربح والله أعلم.
هل السندات التي تصدرها البنوك هذه الأيام جائز التعامل معها، وشراء أسهم منها بفائدة معينة، وبزمن معين حسب علمي؟
ذلك هو عين الربَا والله أعلم.
رجل ساهم في شركات تجارية منذ سنوات، وكان لا يعلم أن هذه الشركات تقوم بممارسة الربا (معاملة البنوك على سبيل المثال)، وكذلك تقوم بعملية التأمين لصالحها ومرافق إنتاجها، والآن قد اتضح للمساهم ذلك ماذا يفعل؟
عليه أن يتخلص منها ويأخذ ماله فقط والله أعلم. (3/187)
صفحة 906
ما هو الحكم الذي يمكن أن يخرج الإنسان من العهدة في بيع الأسهم وشرائها وخاصة ما إذا كان السهم مقبوضاً، وله إثبات بسند قبض؟
يبيعه بسعر اليوم يداً بيد، ويقبض ماله، ويدفع مَا زاد للفقراء والله أعلم.
في حالة وجود أسهم في شركة تتعامل مع البنوك الربوية فكيف يمكن التخلص من هذه الأسهم؟ وهل يجوز بيعها لشخص آخر لأن الشركة ترفض شراءها؟
لا مانع من بيعها لمن يبتاع مع إخباره بحقيقة أمرها، على أن يتخلص البائع من الفائدة بدفعها إلى فقراء المسلمين، ما دام موردها غير جائز شرعاً والله أعلم.
ما حكم استثمار الأموال في سوق الأوراق المالية عن طريق شراء وبيع مختلف أنواع الأسهم، علماً بأن الأموال معرضة للربح والخسارة؟
هذه معاملة فيها جهالة وغرر، إذ لا يدري الإنسان متى يرتفع سعر هذه الأسهم ومتى ينخفض، وعلى أي أساس يكون النزول والارتفاع، هذا مع عدم قبض شيء في البيع والشراء، لذلك أرى التعامل بها على موجب نظامها المتبع مما يدخل في المنهي عنه والله أعلم.
شركة أسمنت أرادت أن تزيد من طاقتها الإنتاجية فطرحت أسهماً للبيع، قيمة السهم الواحد ألف وثمانمائة ريال عماني، علماً بأن قيمة السهم بعد مضي سنة واحدة سوف يرتفع إلى أكثر من ريالين، ما قولكم في هذه الزيادة؟
إن كانت هذه القيمة هي قيمة السوق الحقيقية فلا حرج في الزيادة والله أعلم.
المقاولات:
لدينا عمل في مقاولات البناء، ويتقدم إلينا الكثير من الناس بطلب بناء منازل سكنية أو محلات تجارية لهم، ممولة من البنك، وهذا التمويل هو عبارة عن قروض ربوية تلقاها المذكورون من ذلك البنك، فهل يجوز لنا نحن المقاولين ذلك؟
إن كان الاتفاق بينكم وبين أرباب البيوت، من غير أن تدخلوا في معاملات ربوية فلا مانع منه، ولا يضيركم تعامل أصحاب البيوت مع مؤسسات ربوية والله أعلم. (3/188)
صفحة 907
أباح صاحب أرض لتاجر بناء متجر فيها على أن يؤول ملك المتجر إلى صاحب الأرض بعد مدة معلومة محددة باعتبار إيجار المتجر للتاجر من وقت انتهاء البناء إلى أن يستوفي تكلفة البناء، وذلك برضى الطرفين، فما حكم هذا العقد؟
في مثل هذه الحالة ينبغي أن تكون الأجرة على الأرض، وأن تكون أوصاف البناء محددة، وأن يكون أمد الاستغلال محدداً، وأن لا يكون غرر على المستغل ولا على الطرف الآخر والله أعلم.
شركة قامت بشراء قطعة أرض، وعملت خرائط تتكون من محلات وعد 16 شقة، وتم تحديد مواصفات الشقة تحديداً دقيقاً تفصيلياً من حيث مساحة الغرف والارتفاع ونوع وشكل المواد المركبة وتاريخ الانتهاء من العمل وغير ذلك، وحالياً تنوي الشركة أن تبيع هذه الشقق للعملاء عند بداية العمل في العمارة، بسعر (أربعة عشر ألف وخمسمائة ريال)، على أن يدفع العميل مبلغ (سبعة آلاف ريال) مقدماً، والمبلغ الباقي بعد تسليمه المفاتيح، ويحق للمشتري أن ينقض البيع إذا كانت المواصفات غير مطابقة حسب ما وضح في عقد البيع، وأن يطالب بالتعويضات جراء الضرر؟
إن كانت المواصفات دقيقة من حيث مواد البناء وتفاصيله واتساعه ومتانته، فلا حرج في ذلك ـ إن شاء الله ـ والله أعلم.
أصبحت المقاولات من المعاملات المشكلة في عصرنا الحاضر، وذلك لجهل الناس بحكمها، ومما أشكل علينا عدة صور يقوم بها المقاولون وهي كالآتي:
1ـ يأخذ المقاول البيت بقيمة عشرين ألفاً مثلاً ويعطيه عماله ليقوموا ببنائه بأقل من تلك القيمة، بحيث
يكون ربحه في الصفقة ألفين أو ثلاثة.
2ـ يأخذ المقاول البيت بنفس القيمة وهي عشرون ألفاً ويعطي عماله أجرة عنائهم، وهي ما يسمونها قيمة
اليد أو اليد العاملة.
3ـ يأخذ المقاول البيت بنفس القيمة السابقة ويخبرهم بالقيمة على أن يأخذ منهم نسبة (5%) أو (6%)
حسب ما يتفقون عليه؟
4ـ يأخذ العمال البيت بقيمة معينة، وتكون الاتفاقية عن طريق المقاول، فلا تتم إلا بتوقيع المقاول ولا (3/189)
صفحة 908
يرضى على التوقيع إلا بنسبة معينة، وهو ما يسمونه التوقيع على الختم.
فما ترى شيخنا في تلك الصورة السابقة؟ وهل يختلف الكلام إذا كان العمال لنفس الشخص المقاول أو كانوا مستأجرين؟ وإذ كانت جميع الصور خاطئة، فما هو الصواب في هذه المسألة؟
أما الصورة الأولى فإن كان المقاول لا يقوم بأي عمل ولا يحضر مواد البناء ولا غيرها فهي غير جائزة، إذ لا وجه للربح الذي يأخذه، وأما الصورة الثانية، فإن كان العمال يأخذون عناءهم منه ويتحمل صاحب البنيان نفسه إحضار مواد البناء فهي كسابقتها، وإن كان المقاول هو الذي يحضر المواد كما أنه يؤجر العمال فلا حرج فيها، والصورة الثالثة تعود أيضاً إلى الصورتين السابقتين في حكمها، فإن كان المقاول هو الذي يتكفل بإحضار المواد فلا حرج، وإلا فليس له أن يأخذ أجرة من غير عناء ولا مغرم، وأما الصورة الرابعة فلا أجد فيها مبرراً لأخذ الأجرة على مجرد التوقيع والله أعلم.
يقوم بعض المقاولين باستئجار بعض العمال، وبعد ذلك تأجيرهم للغير، فما حكم هذه المعاملة؟
ذلك غير جائز، لما فيه من أخذ الأجرة بغير عناء والله أعلم.
يقع المقاول أو المهندس أو البنَّاء في أخطاء عند البناء، مع شهادة أهل الاختصاص لهم بذلك.. وتترتب على هذه الأخطاء أضرار على صاحب المنزل. ما الجهة المطالبة بتعويض الضرر الحاصل؟
الخطأ في الأموال مضمون، والضامن هو الواقع في الخطأ منهم والله أعلم
درجت عادة الناس عند بنائهم البيوت على كتابة عقد مع المقاول، يدفع الأخير بمقتضاه مبلغاً مالياً محدداً عن كل شهر يتأخر فيه عن تسليم المنزل لصاحبه في الوقت المعين.
والذي دعا الناس إلى ذلك إرادة دفع الضرر المترتب عليهم من جرّاء هذا التأخير، فقد يكون إيجار ذلك المنزل ثلاثمائة ريال شهرياً، فيتأخر المقاول عن التسليم سنة، فتفوت على صاحب المنزل من ذلك مبالغ طائلة، والسؤال: (3/190)
صفحة 909
هل يشرع هذا العقد إذا كان بمقدار الضرر وبرضا الطرفين؟ . وإذا كان لا يشرع فكيف يتوصل صاحب المنزل إلى إزالة الضرر الحاصل؟
يجب أن يراعى مَا يحيط بالمتقاعد من الظروف والملابسات، فينظر أولاً بالنسبة إلى المقاول هل تعمد الإهمال حتى يتأخر عن إنجاز العمل في الوقت المحدد، أو أنه ألجأته إلى ذلك ظروف لا مناص عنها؟ فإن كان تأخيره لظرف قاسر لم يستطع الخلاص منه فلا يجوز أن يكلّف شيئاً، ثم ينظر في حَال المالك هل يتضرر بهذا التأخير أو لا؟
فإن كان يتضرر مادياً، وكان التأخير ناشئاً عن إهمال المقاول فعليه أن يعوضه بقدر تضرره والله أعلم.
عندما يبرم اتفاق بين المقاول ومالك المنزل يوضع نص جزائي، وهو خصم مبلغ يومياً أو شهرياً في حال تأخر المقاول عن البناء، وغالباً ما يكون هذا المبلغ أقل من المبلغ الذي يمكن أن يتحصل عليه عند إيجار المبنى في تلك المدة، فهل نستطيع تنفيذ هذا النص الجزائي عندما لا يستطيع المقاول تقديم عذر مقبول عن سبب تأخره في تسليم المبنى؟
في هذا الاتفاق شيء من الغرر، والغرر في المعاملات مرفوض في الإسلام، وإنما ينبغي أن يتفق الطرفان على أن يحتكما إلى القضاء الشرعي عند حدوث شيء من هذه الحالات، فإن كان التأخير بتهاون من المقاول ألزمه القاضي ما يترتب على تهاونه من تضرر المالك والله أعلم.
السلم(1):
ما هي المعاملات التي يجوز فيها السلم؟ وهل هي خاصة بالطعام أم يشملها مع غيرها؟ وما هو ضابط ما يجوز فيه السلم؟ (3/191)
صفحة 910
استمد حكم السلم من تعامل الناس به بالمدينة المنورة، فقد هاجر إليها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والناس يسلمون في الحبوب فأقرهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على ذلك، وإنما شرط عليهم أن يكون ذلك إلى أجل معلوم وبوزن معلوم أو كيل معلوم، واختلف العلماء من أجل هذا في السلم في الأنواع الأخرى مما يحتاج إليه الناس لغير مطعمهم، فمنهم من حصر الرخصة في الطعام وحده، لأنه حري بالتسامح فيه من أجل الاقتيات، وليس المقتات به كغيره، ثم إن هذه رخصة والرخصة لا تتعدى مكانها ولا يقاس عليها لأنها بنفسها خارجة عن سنن القياس، وكل ما خرج عن القياس فإن غيره عليه لا يقاس، وإنما كانت رخصة للنهي عن بيع الإنسان ما ليس عنده، ومن المعلوم أن السلم لا يكون إلا في غائب غير موجود، ومنهم من أباحه في كل ما يمكن أن يضبط بضوابط تحدده، وكان مما يحتاج إليه الناس، فيدخل في ذلك كل ما يحتاج إليه الناس للباس أو غيره من ضروراتهم، على أن يكون ذلك له ضوابط تحدده كما تضبط الحبوب بالكيل والوزن، ومن المعلوم أن ضوابط الأجناس تختلف فمنها ما يدخل الوزن في ضبطه ومنها ما لا يكون بالوزن رأساً وإنما هو بطوله وعرضه وسائر أوصافه التي تراعى في قيمته، وما من ريب أن هذه المعاملة وإن كانت في أصلها رخصة والرخص لا تتعدى مواضعها إلا أن هذه الرخصة إنما كانت من أجل مراعاة حاجة الناس، لذلك كان الأخذ بها فيما تشتد إليه الحاجة أو يدخل في حكم الضرورة أرفق بالناس وأوفق بمصالحهم، خصوصاً في هذا العصر لحاجة الناس إلى الاستيراد لكثير مما يعد من ضرورات حياتهم، كالعتاد الحربي وآلات العمل وغيرها مما لا يمكن الحصول عليه إلا بالاستيراد، وقد يتعذر الاستيراد إلا بهذه الطريقة، على أن الدقة في ضبط أوصاف كل هذه الأشياء المطلوبة يمكن أن تحددها تحديداً دقيقاً حتى تكون في حكم الشيء المشاهد، وكثيراً ما تكون لها نظائر من قبل معروفة عند الجميع، وعندما تطلب يمكن أن (3/192)
صفحة 911
تصنع وفق أوصافها وإن لم تكن موجودة وتسلم في الوقت المتفق عليه بين الطرفين، وأرى من الضرورة الأخذ بذلك اعتماداً على هذه الرخصة في وقتنا هذا وإلا لتعطلت المصالح أو يلجأ الناس إلى معاملات غير مباحة أصلاً والله تعالى أعلم.
جاء في الحديث ما يدل على اشتراط أن يكون السلم إلى أجل معلوم، هل يمكن أن يكون الأجل فصلاً كالصيف أو الشتاء أو القيض أو ظهور ثمرة معينة، وإن قيل بالجواز، فهل يحدد من بداية الفصل أم نهايته؟
نظراً إلى أن الأجل لا بد من أن يكون معلوماً، فإن هذا يقتضي أن تكون المدة محددة، والفصل يطول، إذ الفصل يأخذ مدة ثلاثة أشهر، ولأجل هذا فإننا نرى أن يحدد ذلك بميقات شهري تفادياً لهذه المشكلة والله تعالى أعلم.
هل يجوز تأخير قبض رأسمال السلم عن مجلس العقد؟ ولماذا؟
لا، لأن هذه رخصة، والرخصة لا يتجاوز بها ما ضبط به التعامل في عهد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي رخصها، وإباحة أن يسلم بثمن غير حاضر مما يؤدي إلى أن يكون بيع غائب بغائب، لأن الثمن غائب والمثمن غائب، فيكون من باب بيع غائب بغائب، مع أن السلم الأساسي إنما هو بيع غائب بحاضر، ولا يجوز بيع غائب بغائب، وإنما ترخص من ترخص لمدة ثلاثة أيام، ولكن لا نرى مسوغاً لهذه الرخصة والله أعلم.
هل يجوز أن يكون رأس مال السلم منفعة كسكنى الدار أو عروض أم يلزم أن يكون في النقد؟ وما حكمها في الأوراق النقدية الحاضرة؟
لا بد من أن يكون ذلك نقداً، وقد كان النقد من قبل دراهم ودنانير، والآن أصبح النقد هذه الأوراق، ولذلك يشترط أن يكون التعامل بالعملة المتداولة المعروفة بين الناس والتي تضبط بها أثمان الأجناس البديلة والله أعلم.
إذا كان المسلم فيه معدوماً وقت العقد كالحب لا يوجد إلا في فصل معين، إلا أنه عادة يوجد عند نهاية الأجل، فهل هي جائزة؟ (3/193)
صفحة 912
لم يأت في الحديث ما يدل على اشتراط أن يكون موجوداً، فلذلك لا حرج في ذلك، لكن بشرط أن تكون مدة السلم إلى فترة يمكن أن يتيسر فيها هذا المسلم فيه ـ أي المثمن ـ وبهذا تنحل المشكلة، ولا يشترط أن يكون موجوداً في وقت العقد والله أعلم.
من المعاملات المرتبطة بهذا الاشتراكات السنوية في مجلات دورية ونحوها، بحيث يدفع المشترك قيمة الاشتراك لسنة كاملة، ثم كلما صدر عدد من هذه المجلة وأُعطي إياه، فهل هذه المعاملة جائزة؟ وهل هي داخلة في السلم أم لا؟
إذا كانت المجلة مضبوطة بضوابط، ومقدرة بحيث تكون صفحاتها محدودة ومعينة، فلا مانع من ذلك والله أعلم.
الاستصناع:
ما صورة عقد الاستصناع عند أصحابنا ـ رضوان الله تعالى عليهم ـ وما أدلة مشروعيته؟
لا تختلف صورة عقد الاستصناع عند أصحابنا عنها عند غيرهم، فهو اتفاق بين طرفين على أن يصنع أحدهم للآخر شيئاً عَلى أوصاف معلومة، وبقدر معلوم، ومن مَادة معلومة إلى أجل معلوم، وأدلة جوازه كثيرة منها أدلة الإجارة، وإن كان المستصنع يقدم إلى الصانع الأجرة من قبل عند العقد، مَعَ كون المادة على الصانع فهو مما يدخل في السّلم، وأدلته أدلة جواز السلم والله أعلم.
هل الاستصناع وعد أم عقد، وما رأي أصحابنا ـ رضوان الله عليهم ـ في ذلك؟
إن اتفق عليه الطرفان كما تقدم فهو عقد والله أعلم.
هل عقد الاستصناع عقد مستقل بذاته أم هو مندرج تحت عقد السلم؟
هو كما تقدم والله أعلم.
إذا صنع إنسان سلعة مع صانع كنجار أو حداد، فهل من حرج إذا دفع له مبلغاً مقدماً؟
لا حرج في ذلك والله أعلم.
الأجرة والإجارة: (3/194)
صفحة 913
عن فتنة هوجاء وقعت بين صاحب محل أكراه لغيره وبين مكتريه، إذ خسر المكتري جميع التجهيزات التي جهز بها المحل، وقد أنفق عليها الملايين ولم يشرع في الاستغلال إلا قليلاً، وخسر صاحب المحل قيمة محله، لأن النار التي التهبت فيه أذهبت رونقه وكادت تأتي عليه، وقد كان اتفاقهما على أن يكتري صاحب المشروع المحل من صاحبه لمدة ثلاث سنوات، ودفع من إيجاره لمدة ستة أشهر فقط، وصاحب المحل يطالبه بدفع ما بقي منه، كما يطالبه بإصلاح محله ليسلمه إليه سليماً كما استلمه منه... إلخ ما في السؤال.
الذي أراه في هذه المسألة أن هذه جائحة أصابت كلا المتعاملين في ماله، فقد أودت بتجهيزات صاحب المشروع كما أفسدت على صاحب المحل محله، ولا ضمان على أحد الرجلين للآخر في ماله، فليتحمل كلٌ منهما خسارته إن لم يجدا من ينصفهما من المفسد أو لم يمكن العثور عليه، وقبل الدخول في حكم استمرار العقد إلى غايته المتفق عليها أو انفساخه ـ لعدم تمكن المكتري من الانتفاع ـ أرى أن أنقل بعض نصوص العلماء من أئمة المذهب وغيرهم في أصول هذه المسألة ونظائرها، وللشيء حكم نظيره.
قال صاحب (النيل) الإمام الثميني ـ رحمه الله ـ: هل عقد الإجارة لازم كالبيع أو جائز ولكل رجوع فيه؟ قال القطب ـ رضوان الله عليه ـ في شرحه: ولو نقد الثمن ودخل في العمل ما لم يتمه وهو ظاهر قول أبي زكريا في كتاب (الأحكام)، ثم نقل ـ بعد كلام له ـ عن أصحاب الديوان ـ رحمهم الله ـ أنهم نقلوا الخلاف الذي ذكره صاحب النيل.
وقال في (النيل) أيضاً: ومن كرى داراً بمعلوم نقد سنة معينة ثم أخذت ظلماً من ساكنها بعد أن سكن فيها بعضها حتى انقضى الأجل فلا رد على ربها لقدر المنع، ولزمه بالأمر العام له ولغيره، وكذا إن حبس حتى انقضى، وإن وقع ذلك قبل الدخول فيها وجب الرد ولو نقد، وإن هدمت قبل التمام أجبر ربها ببنائها وإصلاحها أو يرد الباقي إن امتنع. (3/195)
صفحة 914
قال القطب ـ رحمه الله ـ في شرحه: وإن انهدم البعض فقط ولم تكن على المكترى مضرة فيه ولا نقص مصلحة لم يجبر على البناء ولا على رد الباقي.
وقال الشيخ عامر صاحب الإيضاح ـ رحمه الله تعالى ـ: وإن أكرى رجل لرجل داراً بكراء معلوم في سنة معلومة فنقده الأجرة، ثم إنه سكن نصف تلك السنة فأخذت الدار من يده ظلماً، أخذها منه سلطان جائر، فسكن فيها أو أغلقها ومنعه من سكناها حتى انقضى الأجل الذي بينهما، فقد ذكر في الأثر أنه ليس على رب الدار ما ينوب الذي منع فيه من سكنى الدار، إلا أن يكون أمراً عاماً للناس فله عليه رد ما منع من سكناها بحسابه، وكذلك إن أخذه سلطان جائر فحبسه حتى انقضى الأجل الذي بينهما فلا رد على رب الدارـ إلى أن قال ـ: وإن حبس من سكناها أو منع أو أخذت منه قبل دخوله فيها فله الرد على رب الدار نقد أو لم ينقد والله أعلم. وإن هدمت الدار قبل السنة فله على رب الدار بنيان داره وإصلاحها أو الرد لما ينوب الذي بقي من السنة بحسابه إن أبى على إصلاح داره، لأن رب الدار لما فات من حساب السنة، إلا أن يتفقا أن يسكن الآن بقيمة سنته فلا بأس، وقد قيل: له السكنى لما بقي من السنة دون الرد إلا أن يتفقا عليه. وهذا فيما يوجبه النظر على قول من ذهب إلى أن الأجرة بمنزلة البيع، ولكن إنما يدرك عليه السكنى بعد الأجل حيث يدرك عليه إصلاح داره في الأجل والله أعلم.
قال العلامة المحشي ـ رحمه الله تعالىـ: قوله: إلا أن يكون أمراً عاماً... إلخ. إنما فرق بين الأمر العام والخاص، لأنه في الخاص قصده الظالم بذلك وأراد ضرره وحده، بخلاف العام فإنه بمنزلة المصيبة التي جاءت من قبل الله كالهدم مثلاً، فلذلك كان له الرجوع والله أعلم.
وقد نقل هذا قطب الأئمة في شرحه على (النيل) وأقره.
وقال العلامة الخرقي من الحنابلة ـ في مختصره ـ: فإن جاء أمر غالب يحجز المستأجر عن منفعة ما وقع عليه العقد لزمه من الأجر بمقدار مدة انتفاعه. (3/196)
صفحة 915
قال شارحه العلامة ابن قدامة الحنبلي في (المغني): وجُملته أن من استأجر عيناً مدة فحيل بينه وبين الانتفاع بها لم يخل من أقسام ثلاثة، أحدها: أن تتلف قبل قبضها فإن الإجارة تنفسخ بغير خلاف نعلمه، لأن المعقود عليه تلف قبل قبضه، فأشبه ما لو تلف الطعام المبيع قبل قبضه، الثاني: أن تتلف عقيب قبضها فإن الإجارة تنفسخ أيضاً وسقط الأجر في قول عامة الفقهاء، إلا أبا ثور حكي عنه أنه قال يستقر الأجر، لأن المعقود عليه لما أتلف بعد قبضه أشبه المبيع، وهذا غلط لأن المعقود عليه المنافع وقبضها باستيفائها أو التمكن من استيفائها ولم يحصل ذلك فأشبه تلفها قبل قبض العين.
الثالث: أن تتلف بعد مضي شيء من المدة، فإن الإجارة تنفسخ فيما بقي من المدة دون ما مضى، ويكون للمؤجر من الأجر بقدر ما استوفى من المنفعة، قال أحمد في رواية إبراهيم بن الحارث: إذا اكترى بعيراً بعينه فنفق البعير يعطيه بحسب ما ركب، وذلك لما ذكرنا من أن العقود عليه المنافع، وقد تلف بعضها قبل قبضه، فبطل العقد فيما تلف دون ما قبض، كما لو اشترى صبرتين إحداهما وتلفت الأخرى قبل قبضها، ثم تنظر إن كان أجر المدة متساوياً فعليه بقدر ما مضى، إن كان قد مضى النصف فعليه نصف الأجر وإن كان قد مضى الثلث، فعليه الثلث كما يقسم الثمن على المبيع المتساوي، وإن كان مختلفاً كدار أجرها في الشتاء أكثر من أجرها في الصيف، وأرض أجرها في الصيف أكثر من الشتاء، أو دار لها موسم كدور مكة، رجع في تقويمه إلى أهل الخبرة، ويسقط الأجر المسمى على حسب قيمة المنفعة، كقسمة الثمن على الأعيان المختلفة في البيع، وكذلك لو كان الأجر على قطع مسافة كبعير استأجره على حمل شيء إلى مكان معين وكانت متساوية الأجزاء أو مختلفة، وهذا ظاهر مذهب الشافعي. (3/197)
صفحة 916
ثم قال: القسم الثاني أن يحدث على العين ما يمنع نفعها، كدار انهدمت وأرض غرقت أو انقطع ماؤها، فهذه ينظر فيها، فإن لم يبق فيها نفع أصلاً فهي كالتالفة سواء، وإن بقي فيها نفع غير ما استأجرها له مثل أن يمكن الانتفاع بعرصة الدار والأرض لو وضع حطب فيها، أو نصب خيمة في الأرض التي استأجرها للزرع، أو صيد السمك من الأرض التي غرقت انفسخت الإجارة أيضاً، لأن المنفعة التي وقع عليها العقد تلفت فانفسخت، كما لو استأجر دابة ليركبها فزمنت بحيث لا تصلح إلا لتدور في الرحى، وقال القاضي في الأرض التي ينقطع ماؤها لا تنفسخ الإجارة فيها وهو منصوص الشافعي، لأن المنفعة لم تبطل جملة، لأنه يمكن الانتفاع بعرصة الدار بنصب خيمة أو جمع حطب فيها، فأشبه ما لو نقص نفعها مع بقائه، فعلى هذا يخيّر المستأجر بين الفسخ والإمضاء، فإن فسخ فحكمه حكم العبد إذا مات، وإن اختار إمضاء العقد فعليه جميع الأجر، لأن ذلك عيب فإذا رضي به سقط حكمه، فإن لم يختر الفسخ ولا الإمضاء، إما لجهله بأن له الفسخ أو لغير ذلك، فله الفسخ بعد ذلك والأول أصح، لأن بقاء غير المعقود عليه لا يمنع انفساخ العقد بتلف المعقود عليه كما في البيع، ولو كان النفع الباقي في الأعيان مما لا يباح استيفاؤه بالعقد، كدابة استأجرها للركوب فصارت لا تصلح إلا للحمل أو بالعكس انفسخ العقد وجهاً واحداً، لأن المنفعة الباقية لا يملك استيفاؤها مع سلامتها، فلا يملكها مع تعيبها كبيعها، وأما إن أمكن الانتفاع بالعين فيما اكتراها له على نعت من القصور، مثل أن يمكنه زرع الأرض بغير ماء، أو كان الماء ينحسر عن الأرض التي غرقت على وجه يمنع بعض الزراعة أو بسوء الزرع، أو كان يمكنه سكنى ساحة الدار إما في خيمة أو غيرها لم تنفسخ الإجارة، لأن المنفعة المعقود عليها لم تزل بالكلية، فأشبه ما لو تعيبت، وللمستأجر خيار الفسخ على ما ذكرنا، إلا في الدار إذا انهدمت، فإن فيها وجهين: (3/198)
صفحة 917
8- ... أحدهما: لا تنفسخ الإجارة.
9- ... والثاني: تنفسخ، لأنه زال اسمها بهدمها، وذهبت المنفعة التي تقصد منها، ولذلك لا يستأجر عرصة دار ليسكنها... إلخ.
ثم قال: القسم الثالث أن تغصب العين المستأجرة، فللمستأجر الفسخ، لأن فيه تأخير حقه... إلخ ما شرحه من فروع هذا القسم، ثم استطرد في ذكر سائر الأقسام.
ونستخلص من هذه النصوص المتعددة: أن المكتري لا يكلف إصلاح اكتراه عندما تعرض له عوارض خارجة عن ممارسته قد تؤدي إلى تحول العين المكتراة عن طبعها وعدم صلاحها للغرض الذي اكتريت من أجله، بل نستخلص منها أن للمكتري أن يرجع إلى المكري فيما دفعه إليه من الكروة إن تعذر انتفاعه بالعين المكتراة بسبب ما طرأ عليها مما هو خارج عن تسببات المكتري، سواء كان هذا الرجوع بالفسخ الذي يطرأ على العقد تلقائياً بسبب هذه العوارض، أم كان بما للمكتري من حق الخيار بسببها، وهي نصوص واضحة لا غبار عليها، لذلك لا أجد داعياً إلى تحليلها والتعليق عليها، بل النص المنقول أولاً من (النيل) وشرحه صريح في أن عقد الإيجار مختلف في كونه ملزماً أو غير ملزم من غير أن يطرأ ما يمنع من الانتفاع بالعين المؤجرة، وإني وإن كنت لا أرى وجهاً للقول بعدم الإلزام لأنه عقد اتفق عليه الطرفان، وقد أمر الله بالوفاء بالعقود في قوله: { يأيها الذين ءامنوا أوفوا بالعقود } (1)، فيدخل هذا العقد في عموم هذا الأمر، وهو للوجوب، إذ لا مناص عن حمله عليه، فإني أرى انحلال عقدة الأجر عندما يطرأ على العين المؤجرة ما يحول دون انتفاع المستأجر بها، ولا يجوز حمل الإيجار على البيع، فتحمل الخسارة على المستأجر كما تحمل على المشتري فيما لو فسد المبيع أو ضاع بعد قبضه لاختلاف القضيتين، فإن العقد في البيع واقع على العين المبيعة والثمن عوض عنها، فإذا مكّن منها المشتري كان ضمانها عليه لأنه مالك لتلك العين. (3/199)
صفحة 918
أما عقد الإيجار فهو واقع على منفعة العين المؤجرة والثمن عوض عن تلك المنفعة، لأن المستأجر لا يملك العين وإنما يملك المنفعة، فلو حيل بينه وبين استيفاءٍ تام لها لم يكن عليه من الثمن إلا بقدر ما استوفاه، وكان مثله مثل المشتري إن ضاعت العين المشتراة قبل تمكينه من قبضها، فإنه تسقط عنه قيمتها أو قيمة ما ضاع منها إن ضاع بعضها دون بعض، وقد نبّه على هذا صاحب المغني في طوايا ما سبق نقله عنه.
نعم يبقى عقد الإيجار فيما لو كان الطارئ على العين المؤجرة يمكن تلافيه من قبل المؤجر (مالك العين) بالإصلاح بحيث لا تفوت مصلحة المستأجر.
والخلاصة أني لا أرى على المستأجر في المسألة التي وجهتموها إلى إلا الأجرة الَّلازمة عليه قبل أن يطرأ على البناية المستأجرة ما طرأ والله أعلم.
ما قول سماحتكم في رجل أُجرَّ ليرافق مريضاً إلى خارج السلطنة، وأخذ المؤجر يماطل بالسفر حتى مضي مدة طويلة، وفيما بعد ألغى مهمة السفر بعد ما كان المؤجر لديه عمل مهم يود أن يواصل عمله ليطعم أولاده وأسرته، فما قول سماحتكم في ذلك؟
الأجرة حسب اتفاقهما، وإن اختلفا فمردهما إلى القضاء الشرعي والله أعلم.
سماحة الشيخ: تعاقدت مع عامل في بناء سور للمنزل، ودفعت للعامل بعض الأجرة وبقي بعضها، وتم سفر العامل إلى بلاده، وبعد أربع سنوات قام كفيل العامل والعمال المساعدون بمطالبتي بالمبلغ المتبقي للعامل، مع أن العامل ذكر لي بعدم دفع المبلغ للكفيل، وبما أن العامل حالياً في بلاده، فأرجو إفادتي في هذا الموضوع؟
ذلك الحق إنما هو للعامل وليس للكفيل، فلا يسقط عنك بدفعه للكفيل، وإنما عليك البحث عن صاحبه والله أعلم.
رجل أوصى قبل وفاته أن يُقرأ عنه القرآن الكريم ويختم مرتين، ويوهب له الأجر، بأن تكون أجرة ذلك من ماله، هل يجوز قراءة القرآن للميت بالأجرة؟
في ذلك خلاف، والراجح المنع والله أعلم.
ما رأي سماحتكم في الشخص الذي يقوم بتأجير قراءة القرآن لشخص ميت؟ (3/200)
صفحة 919
الأجرة على القرآن غير جائزة، وقراءَته عن الغير أمر غير معهود عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والصدر الأول من هذه الأمة، والأولى اتباعهم والله أعلم.
فيمن يقرأ القرآن بالأجرة، فهل يجوز لهذا القارئ أن يقرأ سراً، إذا كان هذا القارئ يحصل له نشاط في القراءة السرية أكثر من القراءة الجهرية، وهو بذلك يراعي مخارج الحروف من مخارجها الصحيحة، أفدنا جزاكم الله خيراً؟
للإنسان أن يقرأ القرآن سرّاً وجهراً، { ولكل درجت مما عملوا } (1)، ولكن لا أرى وجهاً لقراءة القرآن بالأجرة، فإن تلاوة القرآن عبادة من العبادات التي يتقرب بها إلى الله، ومَا كان من الأعمال عبادة وقربة إلى الله فلا يؤخذ عليه أجر، فإن أخذ الأجر ينافي الإخلاص المطلوب في العبادة، وقد قال عز وجل: { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين } (2) والله أعلم.
ما قولكم في استئجار قراءة القرآن واستئجار الصوم؟
في ذلك خلاف، والأحوط اجتناب ذلك والله أعلم.
ما قولكم في رجل لديه سجل تجاري وهو لا يستخدمه، وأحياناً يطلبه بعض الناس مقابل إعطائه مبلغاً من المال، فهل يعتبر هذا المال حلالاً أم حراماً؟
الورع في ترك ذلك، لما فيه من الشبهة والله أعلم.
هل يجوز شرعاً تأجير رقم الأجرة بدون المركبة؟
إن كان تحصيل الرقم يكلف مَالاً وعناءً، فلا حرج في تأجيره والله أعلم.
في رجل حصل على ترخيص لرقم سيارة أجرة، وأراد بيع أو تأجير هذا الرقم على آخر، فهل تصح هذه المعاملة؟ فقد تفشت في المجتمع، مع العلم بأن هذا الرجل صاحب الرقم يدفع أموالاً لإنهاء المعاملة واستخراج الرقم.
يمكن أن تخرَّج الرخصة في ذلك، عَلى اعتبار أن المنفعة متوقفة عَلَى هذه اللوحة، فصاحبها لا يؤذن له في امتلاك سيارة من ذلك النوع بدونها، وكذلك المستأجر لها ومبتاعها يتوقف تحقق منفعته التي يرومها عليها، والأصل فيما ينتفع به جواز بيعه وهبته وإيجاره والله أعلم. (3/201)
صفحة 920
تعاقدت مع معلمة لتعليم قيادة السيارة، وكان الاتفاق على أن أدفع لها مبلغ ثلاثمائة ريال عماني، مقابل حصولي على رخصة قيادة، وقد دفعتُ لها القسط الأول مائة وسبعين ريالاً، على أن أدفع القسط الثاني مائة وثلاثين ريالاً عند نهاية التعليم وأخذ الرخصة، وشاءت الأقدار بموت المعلمة، مع عدم حصولي على الرخصة، الآن ما الموقف من دفع القسط الثاني مائة وثلاثين ريالاً للورثة مع عدم حصولي على الرخصة؟
الاتفاق على التعليم إلى خروج الرخصة أمر فيه غرر، فإن تتاممه الطرفان بعد صدور الرخصة تم، وإلاَّ رجعا إلى أجر المثل، وعليه فأرى عليك دفع مَا يرضى به الورثة، وإلاَّ فارجعوا إلى أجر المثل والله أعلم.
عندي سيارة تعليم، وأريد أن أؤجرها لشخص بمبلغ ثابت شهرياً، ويقوم الشخص المستأجر بالعمل بالسيارة، ويكون مسؤولاً عن السيارة كل المسؤولية، ووقت استردادها تكون في حالتها السابقة، سواءً ربح أو خسر، ويستخدم السيارة استعمالاً شخصياً وتجارياً وجزاكم الله خيراً؟
إن كانت الأجرة معلومة، فلا حرج في ذلك والله أعلم.
إنني أقوم بتعليم سياقة السيارة، وسؤالي هو بطريقة التعاقد أو الاتفاق بيني وبين المتعلمين وهناك طرق الاتفاق أو التعاقد وهي:
1ـ نظام الساعات: ويكون الاتفاق بمبلغ معين للساعة، ويتم الموافقة بين الطرفين.
2ـ يتم الاتفاق بمبلغ معين حتى حصوله على رخص السياقة.
3ـ يتم الاتفاق بعد الامتحانات للسياقة بمبلغ معين يتم الاتفاق عليه بين الطرفين، وإذا نجح في الامتحان الأول أو انتهى عدد الامتحانات المتفق عليه يكون المبلغ كامل للمدرب سواءً نجح في الامتحان الأول أو الأخير. (3/202)
صفحة 921
4ـ يتم الاتفاق بمبلغ معين، وبعد ذلك يحسب كم عدد الساعات بالمبلغ هذا ثم يقوم المدرب بزيادة ما يقرب 10ساعات إضافية في حالة إكماله الساعات المحددة ولم يحصل على الرخصة، فيقوم المدرب بإعطائه 10 ساعات إضافية، وإذا حصل على الرخصة بأقل من الساعات ففي هذه الحالة يكون المبلغ المتفق عليه في الأول كاملاً للمدرب، وهذا برضا الطرفين.
أما النظام الأول فهو لا غبار عليه، لأنه ليس فيه غرر على أحد الطرفين، فإن مقدار الجهد معلوم والأجرة معلومة، وأما بقية الأنظمة ففيها جهالة، لذلك كان التعاقد بموجبها موقوفاً على تراضي الطرفين بعد الانتهاء من التدريب، فإن تتاماه تم عندئذ، لزوال الجهالة بانتهاء العمل المتفق عليه، وإن تناقضاه انتقض وعادا إلى أجر المثل والله أعلم.
راجت في بلادي تجارة بيع السجائر بأنواعها المختلفة إلى القوارب الأجنبية التي تصل بأعداد كبيرة يومياً إلى الميناء، ويصرح المتعاملون فيها بحرمة شرب الدخان أو مكروهيته على قول بعض المتفقهين منهم ـ ولكل جزاء عمله ـ، لكن المشكلة أن هذه السجائر تصل بكميات كبيرة تفوق الوصف، مما نتج عنه اعتماد كثير من الأهالي عليها كمصدر دخل رئيسي، وذلك بتأجير بيوتهم كمخازن لحفظها وتأجير سياراتهم لنقلها من المخازن إلى الميناء، وبعضهم يقول إن السجائر حرام شرب دخانها لكن لا يوجد ما يمنع شرعاً الاستفادة من الاتجار فيها، أو نقلها بالسيارات وتأجير المخازن لحفظها، ويضربون المثل على ذلك بالحمار يحرم أكل لحمه بينما يجوز استخدامه، فما قولكم في ذلك؟
المشاركة في المعصية معصية، وأجرتها محرمة، ولا يجوز قياس ذلك على حكم بيع الحمار، فالحمار تجوز منفعته وهي محللة أصلاً، بخلاف السجائر فهي ضرر لا نفع فيها، فأي وسيلة من وسائل نشرها محرمة، لأنها وسيلة إضرار، وأخذ أجرتها حرام أيضاً والله أعلم. (3/203)
صفحة 922
رجل عنده قطعة أرض تجارية، وأراد البنك أن يستغلها لفترة محدودة ببناء عمارة بتلك الأرض، وبعد مضي المدة المتفق عليها مع صاحب الأرض تعود تلك الأرض وما عليها من مبانٍ لمالكها، فما هو الرأي الشرعي في ذلك؟
بغض النظر عما عسى أن يكون في أصل هذه المعاملة من المحاذير، فإن الإيجار لمؤسسة ربوية غير جائز لما في ذلك من التعاون على الإثم، وقد قال تعالى: { وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } (1) والله أعلم.
مسجد جامع به محلات تجارية هي وقف له يرجع إيجارها في خدمة المسجد، أحد هذه المحلات مؤجر كمحل للحلاقة لبعض الأجانب، إلا أنهم يقومون بحلق وتقصير اللحى، علماً بأن هذا المحل ملاصق لمبنى المسجد فالسؤال: ما حكم أخذ هذا الإيجار من هذا الوقف، وإدخاله في مصلحة المسجد الجامع؟
لا يجوز تأجير شيء لأمر فيه معصية، قال تعالى: { وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } (2) والله أعلم.
ما حكم تأجير الدكاكين للحلاقة لمشركين، مع العلم أنهم يحلقون اللحى؟
نظراً إلى جوار المسجد، وإلى طبيعة العمل الذي يقومون به فيها، لا يجوز ذلك والله أعلم.
معنا محلات تجارية خاصة بالمسجد، وقد قمنا بتأجير بعضها لحلاقين، وأنتم تدرون عمل الحلاقين، فإنهم يحلقون الرؤوس واللحى، فنرجو التكرم بتوضيح الموضوع بالجواز من عدمه؟
قال تعالى: { وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } (1)، ومن المعلوم أن التأجير لمن يحلق اللحى من باب التعاون على الإثم والله أعلم.
شخص بنى مسجداً في منطقة وألحق بهذا المسجد دكاكين تجارية، وقام بتأجير هذه الدكاكين إلى حلاقين؟ وما حكم الشرع في هذه المحلات التجارية؟، وهل يجوز الانتفاع بمردود هذه المحلات لصيانة المسجد؟
إن كان الحلاقون يلتزمون أن لا يحلقوا ما لا يجوز حلقه، فلا حرج في هذا الإيجار للمسجد والله أعلم. (3/204)
صفحة 923
هل يصح تأجير المتجر لبيع أشرطة الغناء، أو للبنوك الربوية، وكذلك تأجيره لتجميل النساء؟
لا يجوز تأجير شيء لأي معصية والله أعلم.
ما قولكم في تأجير المباني للبنوك الربوية؟
تأجير المباني للبنوك الربوية التي تتبع النظام الربوي في معاملاتها غير جائز، لما فيه من التشجيع على الحرام والعدوان عليه، وقد قال تعالى: { وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } (2) والله أعلم.
ما حكم الدين الإسلامي في شركاء قاموا بتأجير محل لبنك من البنوك الربوية لمدة تزيد عن عشرين عاماً وحتى الآن، علماً بأن أحد الشركاء يريد التخلص من تلك الشراكة، وهو في نفس الوقت لا يود بيع حصته وذلك للموقع الممتاز للمحل، كما أن البنك لا يعتزم إنهاء العقد إلا بانتهاء المدة المحددة للإيجار، ومن ناحية الشركاء لا يودون إنهاء العقد، فما الحكم وكيف لهذا الشريك الخلاص؟
عليه أن يسعى إلى إقناع شركائه بالتخلص قدر استطاعته والله أعلم.
شباب يعملون في شركة، ويقتضي العمل أن يداوموا مع بعض، فاتفقوا أن يداوم بعضهم اليوم وفي اليوم الآخر يداوم الآخر، فما الحكم في ذلك وما حكم راتبهم؟
هو غير جائز، والأجرة التي يأخذانها محرمة، لأنها منوطة بالدوام والله أعلم.
اصطلح العاملون في وظيفة حكومية أو عسكرية واحدة على بيع إجازاتهم لبعضهم البعض، أو على أن يبيع المناوب مناوبته لشخص آخر، فما حكم ذلك؟
إن كان ذلك أجرة على العمل الذي يقوم به المناوب، وكان محدداً معلوماً، فلا حرج والله أعلم. (3/205)
صفحة 924
رجل يعمل في إحدى المؤسسات ولديه استحقاقات مالية نظير قيامه بعمل إضافي، إلا أنه لم يتم صرف هذه الاستحقاقات له، بحجة عدم توفر المخصصات المالية ببند العمل الإضافي، وقد رأى مسؤوله المباشر أن تجرى عملية الصرف من أحد البنود الأخرى (بند المهمات)، مما يترتب على ذلك تغيير كافة الأوراق الرسمية الخاصة بالصرف، بمعنى أن يقوم هذا الرجل بإعداد أوراق جديدة عن قيامه بمهمات غير حقيقية وذلك حتى يتمكن من الحصول على استحقاقاته.
ما هو الحكم الشرعي في الحصول على المستحقات بهذه الطريقة؟
إن كان يستحقها فعلاً ـ حسب نظام العمل ـ فهي له حلال، وإن كان لا يستحقها وإنما ذلك مجرد تحايل فلا تحل له والله أعلم.
عامل يسند إليه عمل يؤديه في أربع ساعات، ويتقاضى عليه أجرة ثمان ساعات، بموافقة صاحب العمل، وبتقدير للتوقيت منه، فما هو الحكم في هذه المسألة؟
إن كان ذلك برضى المعمول له، فما به من حرج والله أعلم.
ما حكم تأجير محل تجاري ليباع فيه المحرمات كأشرطة الغناء وعلب السجائر، ومحلات الحلاقة المشتملة على حلاقة اللحية، وإن كان المؤجر لا يدري أولاً ثم علم، فهل يجوز له تجديد العقد؟
قال تعالى: { وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } (1)، وتأجير دكان أو غيره لبيع المحرمات مما يدخل في التعاون على الإثم، بل هو من أسباب الفساد وانتشاره بين الناس، فلا يجوز ذلك ابتداءً، ولا الاستمرار عليه والله أعلم.
ما قولكم فيمن استأجر رجلاً ليعمل في نخيله بقيمة معينة، على أن للمستأجر شراء النبات الذي يلقح به النخيل وذلك قبل ظهور ثمار النخيل، سواء خسر المستأجر أو ربح؟
إن كانت الأجرة على العمل، فلا حرج في ذلك والله أعلم. (3/206)
صفحة 925
أ ـ شخص اكترى محلاً فارغاً لإنشاء تجارة فيه لأول مرة (أي لم يكن محل تجارة في السابق)، فكونه المكتري وأصلحه وأعده وجهّزه، علماً بأن صاحب المحل اشترط عليه أن يعيده إليه عند نهاية المدة المتفق عليها في الكراء دون قيد وشرط.
هل للمكتري في هذا النوع حق في القاعدة التجارية أو المطالبة بحق إشهار المحل؟
ب ـ شخص اكترى محلاً سبق أن كان محل تجارة، وكان الكراء أيضاً لمدة معينة، وعلى شرط أن يسلم
المحل إلى صاحبه عندما يحتاج إليه أو تنتهي المدة المتفق عليها دون قيد أو شرط، هل للمكتري حق في القاعدة التجارية أو حق إشهار المحل؟
والفرق بين النوعين: كون المكتري الأول أنشأ المحل التجاري إنشاءً، بينما الثاني وجد المحل قديماً في التجارة.
إن اتفق الجانبان على إكراء المحل التجاري إلى زمن محدود فالإكراء صحيح، وهما على شرطهما الذي اتفقا عليه، وما قام به المستأجر من إعداد المحل للتجارة إمَّا أن يكون بدون موافقة صاحب المحل، وإمَّا أن يكون بموافقته، ففي الحالة الأولى يعد متبرعاً، ولا عناء له على مَا عمل عند الخروج من المحل، وفي الحالة الثانية يعول على اتفاقهما والله أعلم.
ما قولكم في رجل يعمل في مقاولات بناء ولديه عمّال، فأخذ مقاولة بخمسين ألف ريال عماني وأعطاها لعماله بخمسة وأربعين ألفاً، والعمل على مسئوليته وعلى اسمه، وإن تعاقد مع عمّال غير عماله، فما قولكم في هذه الفائدة التي يحصل عليها؟
إن كان العمال في ذمته وعلى مسؤوليته، وقد اتفق مع صاحب العمل على أن ينفق هو على البناء، فإن زاد الإنفاق عما اتفقا عليه من الثمن فعليه الخسارة، وإن فضل شيء فله الربح، وكان هو الذي يشتري مواد البناء فلا حرج في الربح، أما إن يتفق على عمل ما مع أحد ثم يحوله إلى غيره بسعر أقل، من غير أن يخسر شيئاً، فذلك داخل في ربح ما لم يضمن والله أعلم. (3/207)
صفحة 926
بضاعة لا يسمح باستيرادها إلا للمواطنين فقط، فإذا قام أحد المواطنين باستخراج تصريح دخول تلك البضاعة وأعطى التصريح لرجل أجنبي لاستيراد هذه البضاعة لصالح أجنبي، على أن يأخذ المواطن مقابل ذلك التصريح مبلغاً مقداره 2,5 في المائة، فهل يجوز ذلك؟
إن كان استخراج التصريح يكلف المواطن عناء ولم يكن في ذلك غرر فلا بأس بذلك والله أعلم.
توجد الآن بما يسمى بمكاتب بيع العقارات وتخليص المعاملات ( السماسرة)، فعندما يتم عقد البيع بواستطهم بين البائع والمشتري يأخذون مبلغاً من البائع والمشتري معاً مقابل أعمالهم، فما حكم هذه العمولة التي تؤخذ من البائع والمشتري؟
هي مباحة لهم، في مقابل جهدهم الذي يبذلونه والله أعلم.
رجل اشترى لابنه سيارة يستخدمها لقضاء حوائج البيت ويذهب عليها للدراسة، فهل يصح له أن يستخدمها بعد وفاة أبيه لأموره الخاصة؟ علماً بأن المتوفى ترك أيتاماً؟
لا يجوز له استخدامها إلا مع دفع إيجار المثل لهذا الاستخدام بقدر ما يقدره العدول، ويسقط منه بمقدار حصته والله أعلم.
هل يجوز لأحد أن يؤجر سيارته لفندق، أكثر نزلائه من السياح الإفرنج، إذا كان لا يأمن أن تحمل عليها الخمور؟
دع ما يريبك إلى ما لا يريبك والله أعلم.
عن رجل عنده عمارة فأجرها لبنك وأخذ أجرته، والآن جاء يسأل عن حكم هذه الأجرة؟
إن كان المستأجر استأجر تلك العمارة على أن يستغلها في غير مباح كاتخاذها مصرفاً ربوياً أو دار بغاء، وكان ذلك متفقاً عليه بين المستأجر ومالكها، فذلك حرام، والأجرة على الحرام حرام، وإن كان الاتفاق بين الطرفين ليس على هذا الأساس فالأجرة جائزة له، وعندما تكون حراماً عليه أن يتخلص منها بدفعها إلى فقراء المسلمين والله أعلم. (3/208)
صفحة 927
اشتركت في موقع أجنبي بالإنترنت وأخبروني أنهم سيقومون بإرسال إعلانات لمواقع أخرى إلى بريدي الإلكتروني، كل إعلان استلمه من عندهم يعادل خمسة سنتات، هذه الخمسة هي أجرتي لأني قمت بقراءة إعلان ما، ستقوم الشركة بعد ذلك ـ وعندما يصل رصيدي إلى مبلغ معقول ـ بإرسال شيك مالي إلى عنوان المنزل، ما حكم ذلك؟
لا حرج في ذلك، على أن تأخذ بالخير وتتقي الشر والله أعلم.
ما حكم فتح محل لتأجير الإنترنت، ويأتي المستخدم ليستخدمه الساعة بريالين أو بريال ونصف حسب الإيجار المقرر، مع العلم أنه من الممكن أن يستخدم في الخير والشرظ
إن كان ذلك في خدمة مصلحة ظاهرة جائزة فلا حرج، وإلا فهو غير سائغ والله أعلم.
رجل يستخرج مأذونيات عمل ويبيعها على أشخاص أجانب لإحضار شخص من بلدة للعمل في البلاد، فما حكم البيع هل هو حلال أم لا؟
إن كان بيع المأذونيات بقدر عناء مستخرجها وغرامته فلا مانع منه، وإن كان استغلالاً فلا يجوز والله أعلم.
ما حكم الأموال التي يستلمها الشاب الذي يعمل في البنك الربوي وحكم المهر الذي يقدمه؟
الأجرة على العمل المحرم محرمة، والمهر لا يحرم لذاته، وإنما يبقى الإثم على من ارتكب الحرام أو أقره والله أعلم.
إذا أعطى صاحب سيارة سيارته لسائق يعمل فيها نقلاً بالأجرة وتقاضى من السائق في نهاية كل يوم عمل مبلغاً ثابتاً من الكسب، وترك ما زاد على ذلك جزاء عمله، وذلك لأن الغالب المعتاد في بلادنا أن السائقين غير ناصحين لأصحاب السيارات، ولا يصدقونهم فيما يكسبون، ثم يلجأ أصحاب السيارات إلى تقدير الكسب اليومي عن تجربة وخبرة من أنفسهم على سبيل الاحتياط، فلا يشددون على السائق إذا تعذر عليه إيفاء المبلغ لقلة الكسب، فما قولكم في هذه المعاملة؟
في هذه الحالة ينبغي لمن أراد إتباع الطريقة السليمة أن يؤجر السائق سيارته بمبلغ معين سواء كان شهرياً أو يومياً والله أعلم. (3/209)
صفحة 928
أنوي القيام بتأسيس مؤسسة عمانية لتشغيل العمالة الوطنية، على أن يتقدم كل من يطلب عملاً إلى مؤسستنا، وتقوم المؤسسة بتسجيل كل بياناته في الحاسوب، كما أن مندوب المؤسسة يقوم بالاتصال بالشركات والمؤسسات العامة بالسلطنة، وحصر طلباتهم، وننوي تحصيل بعض الرسوم من المواطن الذي يتم تعينه، وذلك بنسبة معينة من أول راتب أساسي للشخص، فهل ذلك جائز؟
هذه الرسوم هي أجرة على عملكم الذي تقومون به فهي مباحة، وأما الراتب فهو مجهول، ونسبته وإن كانت محددة إلا أنها مجهولة المقدار بسبب الجهالة التي في الراتب قبل الاتفاق عليه، وعليه فإن تراضى الطرفان بعد معرفة الراتب جاز أخذه، وإن أنكر أحد الطرفين فله ذلك، على أن يرجعا إلى أجر المثل الذي يقدره الخبراء المختصون والله أعلم.
ما قولكم في جواز تأجير الرجل اسمه التجاري على آخر ليستعمله مقابل مبلغ من المال
لا أرى وجهاً لجواز ذلك والله أعلم.
ما رأيكم في أعمال الوساطة لجلب الأيدي العاملة، وتسهيل حصولها على تأشيرات للعمل، مقابل مبالغ مالية يتفق عليها بين الوسيط المحلي والوسيط في بلد العامل الأجنبي على النحو التالي:
1ـ يتكفل الوسيط المحلي بالحصول على تأشيرة عمل للعامل.
2ـ يتحمل العامل تكاليف التأشيرة وتذكرة السفر كاملة.
3ـ يدفع العمل مبلغاً مالياً يتفق عليه للوسيط المحلي في بلد العامل (المبلغ المدفوع عادة ما يكون باهظاً فوق طاقة العامل الذي يدفعه مرغماً بسبب الحاجة).
4ـ يدفع الوسيط في البلد الأجنبي مبلغاً يتفق عليه للوسيط المحلي (في عمان) نظير الحصول على التأشيرة.
وفي أغلب الأحيان يكون الهدف من هذه العملية هو الحصول على إذن خروج للعامل من بلده دون الحضور إلى عمان، وإنما الخروج إلى دولة أخرى، وبعد خروجه تعاد التأشيرة لإلغائها واستصدار تأشيرة أخرى بنفس الطريقة، ولنفس الغرض، وهذا ما يعرف بالمتاجرة بالتأشيرات؟ (3/210)
صفحة 929
ذلك غير جائز، لأن فيه تزويراً إن كان القصد من وراء ذلك الخروج إلى دولة أخرى للذي تمنح له التأشيرة، وهي الدولة التي ينوي التحايل على دخولها والاستقرار بها بهذه الطريقة الملتوية، ولا ريب أن التزوير غير جائز إلا إن كان فيه إنقاذ لأحد من هلكة والله أعلم.
سماحة الشيخ: أمارس هواية التحكيم في مباريات كرة القدم، ومن خلال ذلك قد تحدث هفوات غير متعمدة كظلم فريق على حساب الفريق الآخر، مما يجعل الفريق المظلوم يكيل الشتائم، بحقي، وقد يصل بهم الأمر لتوجيه الشتائم إلى والدي والأقارب، وما يصبّرني على ذلك هو حاجتي إلى المال، حيث نمنح من ممارسة مهنة التحكيم مبالغ تساعدنا على التقليل من أعباء المعيشة الغالية.
وعليه من خلال ما أسلفت فيه، ما الحكم في ممارسة التحكيم؟ وما حكم المبالغ التي أُمنح إياها من التحكيم؟
إن كان التحكيم والحكم عادلين فلا حرج في ممارسة ذلك، ولا في المبالغ التي تمنحها، ولكن مع تجنب أي شيء مما يخالف الأحكام الشرعية والآداب الإسلامية، وقد يحرم الشيء المباح إن كان يؤدي إلى الوقوع في الحرام، كالتجني على الوالدين بالسباب والشتم والله المستعان.
إنني مقاول وأقوم ببناء المساكن والمنشآت بالسلطنة، ولدّي مجموعة من العمال الذين يقومون بالبناء، وفي بعض الأحيان يقوم أفراد أو شركات المقاولات باستئجار بعض من العمال لدّي لفترات معينة، حيث أطلب من المستأجر مبلغاً أكثر من أجرة العامل، حيث إنني مسؤول عن سلامتهم وتأمينهم وأضمن حقوقهم في حالة أن المستأجر لم يسدد المبلغ المتفق عليه بيننا، فما الحكم الشرعي في الفارق بين ما أدفعه للعمال من راتب وما أستلمه من المستأجر؟ (3/211)
صفحة 930
لا يجوز ذلك، فإن الإنسان لا يؤجر، وأنت لا تملك رقاب أولئك، أما إن كنت تقوم بجهود فيما يتعلق ببقائهم بالسلطنة وممارستهم العمل فلك أن تأخذ منهم من الأجر ما يكافئ جهدك، وأما الكفالة وحدها فلا تبيح أخذ الأجر، إذ لا أجر على الكفالة والله أعلم.
ما حكم أخذ الأجرة على تعليم القرآن الكريم وعلوم الشرع الحنيف، سواءً اشترط المعلم أو الطلبة أو من تولى مشروع تعليم القرآن وعلوم الشرع الأجرة أم لم يشترط؟
شدّد جماعة من علمائنا المتقدمين في أخذ الأجور على تعليم القرآن الكريم، وقالوا بأن القرآن لا يكتسب منه، واعتبروا ذلك من اشتراء الثمن القليل بالقرآن العظيم، ولكن من المعلوم أن الناس عندما كانوا لا يتقيدون عندما يقومون بتعليم القرآن بأوقات معينة، لأن هذه الأوقات يقضونها في التعليم من غير أن يتفرغوا فيها للعمل والكسب كان الأمر سهلاً، إلا أن نمط الحياة تغيّر، وطبيعة الناس تغيّرت، ومن المعلوم أن الجهاد في سبيل الله سبحانه عمل شريف يقرّب العباد إلى الله، وهو من أعظم القربات التي تقربهم إلى الله سبحانه وتعالى زلفى، ومع هذا لم يكن هناك مانع من أن ينتفع الناس من وراء هذا الجهاد بالغنائم التي يحرزونها، فقد أباح الله سبحانه وتعالى الغنائم عندما يكون الجهاد في سبيل الله من أجل إعلاء كلمة الله بين المسلمين والمشركين من أموال أولئك المشركين، مع اشتراط إخراج الخمس { واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى } (1) إلى آخر الآية الكريمة، وهذا يدل على أن العمل الأخروي عندما يعمله الإنسان ولا بدّ من أن يتفرغ وينقطع له، لا يمنع من أخذ شيء مقابل هذا التفرغ والانقطاع، وإلا لأدى ذلك إلى تعطيل الأعمال، فلو أن القائمين على تعليم القرآن وتعليم علم الشريعة وعلى أمور البر والإحسان طلب منهم أن يتخلّوا عن أي أجر دنيوي وأن يكونوا متفرغين لأعمالهم من أجل الأجر الأخروي فحسب، فلا ريب أن هذا سيؤدي (3/212)
صفحة 931
إلى تعطيل هذه الأعمال بأسرها، ومقاصد الشريعة تعتبر، فمقصد الشرع الشريف المحافظة على مصالح الناس الدينية والدنيوية، وبهذا تتعطل المصالح الدينية، ويتبعها تعطل المصالح الدنيوية، فلا ينبغي التشدد في مثل ذلك، ولا سيما لمن عاش في مثل هذه العصور، وأبصر ما أبصر من تطورات الأزمان وتغيرات الأحوال، إنما الذي يطالب به الذي تبرع بالتعليم وبالدروس إلى الناس ليتعلموا منه أمور دينهم. ويتدارسوا عليه كتاب ربهم سبحانه وتعالى ويتحفظوه، أن يخلص النية لله تعالى، بحيث لا يقصد مجرد ذلك العطاء القليل الذي يعطاه، فإن ذلك العطاء لا يساوي شيئاً بجانب الثواب العظيم الذي أعده الله سبحانه وتعالى لمن أحسن صنعاً، وأخلص النية لله عز وجل، فهذه عبادة عليه أن يكون متقرباً بها إلى الله، وإنما يعتبر العطاء بلغة له، ليتمكن من القيام بهذا العمل الشريف، وليتمكن من الاضطلاع بهذه المهمة المقدسة، وبهذا تكون نيته خالصة، وبجانب كونه ينتفع بما يعطاه في هذه الدنيا لا يفوته أجر الآخرة، فإخلاص النية من أهم الأمور في مثل هذه الأحوال والله تعالى أعلم.
اتفقت مع شركة مقاولات على أن أشتري منهم منزلاً بالأقساط، على أن يتم السداد عن طريق شيكات يسحبونها شهرياً من حسابي الخاص من البنك، وذلك على تسعين شهراً، ولكن عندما تم تشيد المنزل تغير النظام المعمول به في الشركة بحيث يتم سحب المبلغ من حسابي إلى حساب الشركة مباشرة دون حاجة إلى شيكات، ونتيجة لهذا التغيير في النظام فإن البنك الذي به حسابي الخاص بدأ يأخذ عمولة مالية عن كل تحويل يتم شهرياً، فما حكم هذه العمولة هل هي جائزة أم لا؟
إن كانت في مقابل عنائه وجهده فلا حرج فيها والله أعلم. (3/213)
صفحة 932
شخص عنده محل تجاري فقام بتأجيره لشخص آخر، فإذا تاجر ببعض البضائع المحرمة كالدجاج غير المذبوح على الطريقة الشرعية وما شابه ذلك من المحرمات، فمن الذي يأثم، هل البائع فقط أم يأثم كذلك صاحب المحل؟ وهل مطالب صاحب المحل بالتأكد من البضائع التي تباع في ذلك أم لا؟
صاحب المحل إن أجّره من هو في ظاهر أمره مأمون على الدين فليس له أن يستقصي الأمر، وليس له أن يفتش، وإن كان شخصاً متهماً فعليه أن يشترط عليه من أول الأمر، ثم بعد ذلك يكون البائع هو المسئول عن تبعه هذا الأمر والله أعلم.
شخص استأجر سيارة أجرة بسائقها لتوصله لمكان معين بقيمة معينة بقيمة ريالين أو ثلاثة مثلاً، ثم تعطلت السيارة في منتصف المسافة، فهل يلزمه أن يدفع المبلغ كاملاً لأنه اتفق معه عليه، أم بمقدار المسافة التي حمله إليها؟
قيل لا يلزم أن يدفع شيئاً حتى يصل إلى المكان الذي قصده، وقيل بالمحاصصة، أما أن يلزم أن يدفع كل ما اتفق عليه مع أنه لم ينتفع إلا باليسير فلا والله أعلم.
بعض الأشخاص الذين يقومون باستئجار بعض السيارات يقولون بأن هذه السيارة في هذه الفترة هي كملك لي، بمعنى أنه يتصرف فيها كيفما شاء، فلا يحافظ عليها وربما أسرع بها وربما سار بها بسرعة كبيرة في أماكن ترابية ونحو ذلك، فهل يصح له ذلك مع أنه مستأجر لهذه السيارة، أم يلزمه المحافظة عليها حتى يرجعها إلى أصحابها؟
هو أمين فيها، فعليه أن يحافظ عليها كما يحافظ على ماله، ويترفق بها كما يترفق بما يملك والله أعلم.
ما قولكم فيمن يملك سيارة أجرة، وفي بعض الأحيان يرّكب نساءً سواءً كنَّ مسلمات أو غير مسلمات يجدهن في الطريق ويحملهن لمسافات غير كبيرة، فهل يجوز له ذلك؟ (3/214)
صفحة 933
هذه الأمور تراعى فيها الظروف والأحوال، فعندما تكون هنالك ضرورة، بحيث يكون في ذلك إنقاذ لنفس، ودفع هلكة، ففي مثل هذه الحالات يتسامح ما لا يتسامح في غيرها، كما تقول القاعدة الفقهية ( الشيء إذا ضاق اتسع وإذا اتسع ضاق) فإذا ضاق الشيء اتسع حكمه، وإذا اتسع هو ضاق حكمه، فلا بد من مراعاة مثل هذه الأحوال، ومع هذا إذا كانت هناك ضرورة داعية لمثل هذا فعليه أن يتقي الله تبارك وتعالى، وأن يغض من بصره، وأن يحذر من الشيطان ودخوله عليه والله أعلم.
شخص يملك عقاراً معيناً كمنزل أو محل يرغب في تأجيره، فإلى أي حد هو مطالب بالتأكد من المستأجر من ناحية كونه يستخدم فيه شيئاً من الحرام، كأن يرتكب في منزله شيئاً من المعاصي أو يبيع فيه شيئاً من المحرمات أو المشتبه فيها كالسجائر أو اللحوم غير المذكاة أو لحوم الخنزير أو نحو ذلك، فهل هو مطالب أن يتثبت عن ذلك، ثم إذا ثبت له بعدما استأجره أنه يستخدمه في شيء من المحرمات كيف يكون تصرفه معه؟
الأصل في الناس حسن الظن، خصوصاً المسلمون، وليس عليه التفتيش والتنقيب عن هذه الأحوال، والناس لا يتُجسس عليهم مسلمهم وكافرهم، لأن الله تعالى أطلق منع التجسس حيث قال: { ولا تجسسوا } (1) ولم يقل ولا يتجسس بعضكم على بعض، كما قال: { ولا يغتب بعضكم بعضا } (2)، وإنما أطلق النهي عن التجسس، فالتجسس الأصل فيه أنه ممنوع سواءً كان على المسلم أو على الكافر، وليس من الورع ولا من الإسلام أن يبقى الإنسان يتجسس على أحوال الناس، وما يفعله الإنسان بينه وبين ربه فهو المسئول عن ذلك، وإن تبين له أنه اتخذ ذلك البيت وكراً للفساد، كأن يفتح فيه ماخوراً أو يفتح فيه مخمرة أو يصنع فيه شيئاً من هذه الأشياء فهنا عليه الإنكار عليه، وعليه السعي إلى إنهاء العقد والله أعلم. (3/215)
صفحة 934
زوجتي تعمل في أحد البنوك التجارية، وهي راغبة ـ إن شاء الله ـ في إنهاء خدماتها من البنك خلال الأشهر القادمة، وهي عليها دين ما يقارب الستة آلاف ريال للبنك وسأقوم بتسديده عنها عند استلامي مبلغ الجمعية التي أشترك فيها، علماً بأن زوجتي تستحق مبالغ عن نهاية الخدمة من قبل التأمينات الاجتماعية كراتب تقاعدي أو مستحقات مرة واحدة حسب مدة الخدمة، فما حكم هذه المستحقات، هل هي حلال أم حرام؟، وهل يجوز أخذ هذه الأموال لسداد مبلغ الجمعية المترتب عليّ؟
الأجرة هي في حكم العمل من المحل أو الحرمة، فإن كان العمل الذي تقوم به حلالاً فأجرته حلال وإلا فلا، ولئن كانت مضطرة إلى هذا المبلغ فلها منه قدر ضرورتها، وعن الشق الثاني من السؤال فذلك يتوقف على الضرورة كما قلنا والله أعلم.
الأعمال المحرمة والمباحة:
ما قول سماحتكم في رجل يتاجر بملابس نسائية، أيلزمه شيء أم لا يلزمه إذا كانت هذه الملابس يستخدمها المشتري وخاصة النساء للزينة والتبرج، وخياطتها بتفصيلات شبه عارية؟
إن كان يعلم أن هذه الملابس تتخذها النساء للتبرج الجاهلي فلا يجوز له الاتجار فيها، بل هو رأس الضلال، لأن المعين على الباطل شريك فيه، فقد قال تعالى: { وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } (3) والله أعلم.
إنني أعمل في مجال المحاسبة حيث طبيعة عملي هي قبض الأموال، وهي تشتمل على القروض (بدون ربا) والمساعدات وأموالاً تابعة لأقسام أخرى، وأموال تابعة لمطاعم، بحيث أي مصروفات أو مدفوعات تتم عن طريقتنا، إلا أن المطاعم يوجد فيها خمور.
فما حكم العمل في هذا المجال؟
لك أن تدفع ما عدا قيمة الخمور وسائر المحرمات، فإن أيّ تعاون فيها إنما هو من التعاون على الإثم والعدوان المنهي عنه بنص القرآن، ومثل الدفع الأخذ، فإن أخذ قيمة الخمر وسائر المحرمات حرام والله أعلم. (3/216)
صفحة 935
ما الحكم الشرعي في عمل يسند إلى موظف يتعلق بطباعة تصاريح الخمر، ولو اعتذر أحد الموظفين عن القيام به أسند إلى شخص آخر، ولو اعتذر الجميع لأجبر الموظف على عمل ذلك؟
ذلك العمل حرام، فإن كل من شارك في الخمر فهو ملعون بنص الحديث(1) وكفى به رادعاً والله أعلم.
رجل يعمل بوظيفة مسئول، ومن قبله يتم التوقيع على أشياء واردة من الخارج، كدخول اللحم والسمك وغيرها، ومن بين تلك اللحوم الخنزير، وهو لا يستطيع بحكم عمله منع دخول تلك اللحوم إلاّ إذا كانت فاسدة.
ما قول سماحتكم.. في عمل هذا الرجل من جهة دخله الشهري؟ وإذا قلتم لا يجوز الانتفاع بذلك الدخل وعليه أن يستقيل مثلاً من وظيفته، فلربما لن يجد عملاً آخر يستر به نفسه وأولاده، وأنتم أدرى بالوظائف في هذا الوقت فهي قليلة جداً إن لم تكن نادرة؟
إن كان يشارك في بيع الخنزير أو ترويجه أو إعداده فعمله حرام، وعليه تركه، وإن كان متجنباً له وإنما يقوم ببيع غيره فلا حرج عليه والله أعلم.
أود إفادة سماحتكم بأنني أعمل في دائرة المالية بفندق، ويوجد لدى الفندق الكثير من المأكولات والخمور وغيرها، وإن طبيعة عملي هو فحص وإرسال الفواتير إلى الشركات والوزارات المختلفة التي قامت بإرسال وفد للضيافة في الفندق، وإنني أستلم الراتب شهرياً من البنك.. فهل في هذه الحالة الراتب الذي أستلمه من الفندق حرام أم حلال؟
" لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومشتريها وحاملها والمحمولة إليه وآكل ثمنها"(1)، وبما أن عملك له علاقة بمعاملات الخمور فهو حرام، والأجرة على الحرام حرام والله أعلم.
سماحة الشيخ في الحديث الشريف عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: " لعن الله آكل الربا ومؤكله وشاهده وكاتبه"(2). (3/217)
صفحة 936
نظراً للحرمة الواقعة على من شهد الربا أو كاتبه فضلاً عن حرمة من يأكل ذلك الربا بنص هذا الحديث الشريف، فهل هذا الحكم ينطبق على من هم يعملون في الوظائف التي تتطلب وتقتضي عليهم وظائفهم التعامل مع البنوك، فهم يقومون بإحضار كشوف الحساب للأرصدة المالية في آخر كل شهر، ليتعرفوا على الربا المرصود ويقوموا بدورهم بالتحقيق من صحة الرقم المرصود من قبل البنك للفائدة، وإرساله بعد ذلك إلى جهة الاختصاص.
فهل يلحقهم من غبارة شيء، وذلك من خلال تلك المعاملة؟ وهل الحديث الشريف ينطبق على أصحاب تلك الفئة من الوظائف؟
: { وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } (1)، فإن كان العمل له ارتباط بمعاملة ربوية فالعامل شريك في إثمه والله أعلم.
ما قولكم في من يعمل بالمصارف التجارية براتب شهري منتظم كغيره من الموظفين في باقي المؤسسات؟ لكنه يظن أن ذلك الراتب حرام بسبب المعاملات البنكية؟
إن كانت هذه المصارف ربوية فلا ريب أن العمل فيها حرام، والأجرة على الحرام حرام والله أعلم.
فيمن يقوم من خلال عمله بتوقيع الشيكات في البنك الربوي ويتقاضى أجرة عمله منه؟
يترك العمل ويتوب إلى ربه توبة نصوحاً والله أعلم.
لقد تخرجت كمهندس مدني منذ أربع سنوات.. ومنذ ذلك الحين وأنا أعمل بشركة، ولكن في تخصص آخر عن مجال دراستي في الجامعة، وعثرت على وظيفة شاغرة ببنك، حيث إن طبيعة عملي ستكون الإشراف على المباني التي سيقوم بتنفيذها البنك والتأكد من سلامة التنفيذ وفقاً للخرائط المقدمة، بمعنى آخر سيكون دوري هو الإشراف الهندسي وهذا هو تخصصي الدراسي.
ووفقاً لما تقدم.. أرجو من سماحتكم إجابتي عما إذا كان حلالاً أم حراماً أن التحق بتلك الوظيفة؟ وهل سأكون مشاركاً في ذنب يغضب الله ورسوله بالعمل في هذه الوظيفة؟
إن كان تعامل البنك ربوياً ففي ذلك عون له على تعامله هذا، وإن لم يكن ربوياً فلا حرج في ذلك والله أعلم. (3/218)
صفحة 937
ما رأي سماحتكم في العمل بالهيئة العامة لسوق المال؟
إن كانت الهيئة تتقيد في عملها بالضوابط الشرعية فلا مانع من العمل بها، وإلاّ فلا بدّ من تجنب المعاملات المحرمة والله أعلم.
حصلت على وظيفة في بنك، هل الراتب الذي أتقاضاه حلال أم حرام؟
إن كان هذا البنك لا يعامل بطريقة فيها شيء من الربا ولا يتلبس بشيء من المعاملات المحرمة فالعمل فيه جائز، والراتب على العمل حلال، وإن كان فيه معاملات ربوية أو أيّ معاملة محرمة فلا يجوز العمل فيه، ولا يحل راتبه والله أعلم.
أنا رجل أعمل مندوباً في شركة لبيع الأثاث، وتتعامل هذه الشركة أحياناً مع البنوك حيث تورد لها الأثاث، فما حكم عملي كمنسق لهذه المعاملات بين الشركة والبنوك؟
إن كانت هذه المعاملة خالية من الربا والغرر وكل محرم فلا حرج عليك فيما تعمله وإلاّ فأنت شريك في الوزر، { وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } (1) والله أعلم.
شخص يعمل في شركة تجارية بوظيفة مندوب علاقات عامة، طبيعة عمله تخليص المعاملات في القطاع العام والخاص، علماً بأن هذه الشركة تقوم بوساطة عن طريق الأسهم في سوق الأوراق المالية، ومن المعلوم أن هذا الشخص لا يتعامل بهذه الأسهم، فهل يجوز له أن يعمل في هذه الشركة على الوظيفة المذكورة؟
إن كان لا يشترك في هذه الأسهم قط من حيث عمله، وإنما يخلص بقية المعاملات الجائزة للشركة فلا حرج والله أعلم.
ما حكم العمل في سوق الأوراق المالية، هل هو حلال أم حرام، علماً بأن الأجر يأتي من إيرادات السوق من كل الشركات بمختلف أنواعها، وهذه الشركات هي شركات التأمين والبنوك وغيرها؟
بما أن المعاملة يدخل فيها التأمين والبنوك الربوية وسائر المعاملات التي هي غير مضبوطة بضوابط الشريعة الغراء فالعمل في هذه المؤسسة جائز، أمّا لو كانت المؤسسة متقيدة بقيود الشريعة الغراء فلا مانع من العمل بها والله أعلم. (3/219)
صفحة 938
ما الحكم في وظيفة المحاسبة في الحالتين التاليتين:
أولاً: عندما تقترض شركة بفوائد (الربا) يقوم المحاسب بتسجيل الربا مع بقية حسابات الشركة، علماً
بأنه ليس هو صاحب قرار الاقتراض، وليس هو الذي يقوم بعملية الاقتراض؟
ثانياً: إذا كان المحاسب يقوم بعملية الاقتراض، ولكن قرار الاقتراض لغيره؟
كلا الأمرين غير جائز، لحرمة التعاون على الإثم والله أعلم.
هل هو حرام أم جائز العمل في شركات التأمين والبنوك؟ وماذا حكمه؟
كل مؤسسة تعمل بما يخالف شريعة الله فالعمل فيها حرام والله أعلم.
ما حكم التكسب بالشعر؟ حيث تكتب القصيدة إلى أحد الحكام خارج الوطن فيأمر هذا الحاكم بإعطاء مبلغ من المال لمن كتب القصيدة دون أن ينظر ويرى الحاكم هذه القصيدة، وكذلك هذه القصيدة لم تُقرأ أمامه، وإنما كتبت هذه القصيدة من أجل الحصول على العطاء والمال، فما حكم ذلك؟
التكسب بالشعر من السحت، لما فيه من وصف المذموم بصفة المدح، والمبالغة في الإطراء وتجاوز الحقيقة في الوصف، وكل ذلك لا يقره الإسلام، ولذلك ذم الله الشعراء في القرآن ما عدا طائفة استثناها، إذ قال تعالى:
{ والشعراء يتبعهم الغاوون * ألم تر أنهم في كل وادٍ يهيمون * وأنهم يقولون مالا يفعلون * إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً وانتصروا من بعد ما ظلموا } (1)، ومن أجل ذلك قال الفقهاء برد شهادة الشاعر المتكسب بشعره والله أعلم.
لديّ مكتب عقاري، وتقدم لمكتبنا أحد المواطنين راغباً في بيع مزرعته، ولهذه المزرعة تصريح لبناء فندق، علماً بأننا وجدنا من يرغب في شراء هذه الأرض من أجل بناء فندق، فهل على المكتب حرج من التوسط في هذا البيع على الصفة المذكورة للأرض؟
إن كان في الفندق ارتكاب محَارم، كبيع الخمور والرقص وسَائر المنكرات فعلى المكتب نصيبه من الوزر، وإلاّ فلا والله أعلم. (3/220)
صفحة 939
احتج الكثير من الناس بأن الإسلام دين يسر وليس دين عُسر، فمن لم يجد عملاً فليس عليه بأس بالعمل في مثل هذه البنوك، وذلك لأنه مضطر إلى ذلك، وإلا فإنه سيظل عاطلاً عن العمل، فكيف الرد على هذه الادعاءات؟ وما موقف الإسلام من ذلك؟
لا يعني يسر الإسلام أنه يبيح ارتكاب الحُرم واقتراف الآثام وتعدي الحدود، { ومن يتق الله يجعل له مخرجاً * ويرزقه من حيث لا يحتسب } (2)، وفي ذلك ما يكفي من كان له قلب عن التحايل على الحرام بهذه المعاذير والله أعلم.
ما حكم العمل في البنوك؟
إن كانت البنوك متقيدة بالشريعة الإسلامية، بحيث تتجنب الربا والغرر والمعاملات المحرمة، وتضبط معاملاتها بضوابط الشريعة، فالعمل فيها جائز، وإلا فلا " لعن الله الربا وآكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه".
تقدم ابن عمتي للزواج من أختي، وهو يعمل بأحد البنوك ككاتب، فوافق الوالد على تزويجه، ولكني عارضت ذلك الزواج بسبب عمله في البنوك؟
إن كان البنك يعامل بالربا فالعمل فيه حرام، للحديث الصحيح عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ" لعن الله الربا وآكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه" ثم قال: " هم سواء"(1) أي في الإثم، وكفى به دليلاً على الحرمة والله أعلم.
ما حكم من تتطلب أعمالهم القيام بإجراءات استيراد أو نقل أو تخليص الخمور؟
قال تعالى: { وتعاونواعلىالبروالتقوىولاتعاونواعلىالإثموالعدوان } (1) فأي عمل له صلة بالخمور ولو من بعيد فهو محرم غير جائز للآية والأحاديث، فيجب اتقاء ذلك والله أعلم.
هل يجوز العمل في الهيئة العامة لسوق المال بوظيفة في صيانة كهربائي والتابعة لمبنى سوق الأوراق المالية؟
بما أن العمل لا يتعلق بالمعاملات لا أقول بحرمته، وإن كان الأسلم تركه، والله أعلم. (3/221)
صفحة 940
أنا شاب انتهيت من الدراسة ولم أجد عملاً، وحالة أسرتي ليست جيدة من الناحية الاقتصادية والاجتماعية، حيث إن أبي متقاعد وعليه ديون، وعندي إخوة كثيرون ـ والحمد لله ـ، ووجدت في آخر الأمر عملاً واشترطوا عليّ ارتكاب معصية ولم أقبل، ولكن أهلي أصروا عليّ أن أذهب إلى ذلك العمل مع ذلك الشرط، فما نصيحتكم لي؟
ابحث عن عمل لا تلجأ فيه إلى ما حرم الله، { ومن يتق الله يجعل له مخرجاً * ويرزقه من حيث لا يحتسب } (2) والله أعلم.
امرأة تعمل في أحد البنوك الربوية، حيث المعاملات الربوية والاختلاط بين الرجال والنساء، وقد حاول زوجها معها مراراً لتترك هذا النوع من العمل ولكن دون فائدة:
1ـ ما حكم هذه المرأة؟
بئس ما أصرت عليه، فإن المعاملات الربوية يُلعن من شارك فيها بنص الحديث، فقد قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: " لعن الله الربا آكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه"، ثم إن الاختلاط بين الجنسين هو نار الفتنة التي تطلع على الأفئدة، ولا يرضى لنفسه الاصطلاء بها مؤمن ولا مؤمنة، ثم إن طاعة الزوج أوجب الواجبات، فكيف تصر امرأة مسلمة على مخالفته؟ والله المستعان.
2ـ وماذا يفعل زوجها معها بعد أن حاول كثيراً في منعها ولكن دون فائدة؟
عليه أن يتبع جميع الأساليب، بما في ذلك الترغيب والترهيب واللين والشدة، ولا يكلفه الله ما لا طاقة له به، فإن الهداية بيد الله وبالله التوفيق.
3ـ وهل يلحقه شيء من الإثم بعد أن قام قدر وسعه في نصحها؟
إن لم يقصر فيما يجب عليه فالإثم عليها لا عليه والله أعلم.
إنني متزوجة وزوجي عليه ديون كثيرة، ورغم راتبه الكبير إلا أنه يكاد لا يبقى منه شيء، مما ألجأه إلى الاقتراض من بنك ربوي من أجل الصرف على والده، والذي بدوره عليه أيضاً ديون كثيرة، وقد أمره بذلك أبوه، فلجأت للعمل في أحد البنوك التجارية (الربوية) ـ تحت وطأة هذه الظروف ـ وأسئلتي كالتالي:
*هل العمل في البنك حلال أم حرام؟ أم يعتمد على نوعيته؟ (3/222)
صفحة 941
*ما الحكم الديني في العمل بالبنك إذا كان العمل بعيداً عن القروض؟
*بماذا تنصحوني أيها الشيخ العلامة، هل أترك العمل بالبنك؟ علماً بأن عليّ التزامات مالية لجهات
مختلفة، منها وكالة السيارات والمساعدة في مصاريف المنزل، حيث ما ذكرت لكم عن راتب زوجي
والتزاماته، وغير ذلك من التزاماتي؟
*ما حكم المبالغ والرواتب التي استلمها من البنك من قبل؟
*ما هو المطلوب مني الآن؟ وكيف المفترض أن أفعل، وما ترونه هو الصواب لي في هذه الحالة؟ مع العلم بأنني أملك قطعة أرض وهذه السيارة التي أدفع أقساطها الآن، هذا لا غير؟
أسأل الله أن ييسر لك الخير، وأن يباعدك من الشر، ويحفظك من السوء، وبعد: فإن من الخطأ الذي وقعت فيه أنت وزوجك الاقتراض من البنوك الربوية، فإن الربا يشترك في إثمه آكله ومؤكله، فقد نص على ذلك قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ" لعن الله الربا آكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه" وقال: " هم سواء"، ولا يبرر صنيع زوجك أن أباه أمره بذلك، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وهذا وأما العمل في البنك الربوي، فإنه وإن كان عملاً جانبياً ولا يباشر العامل الجوانب الربوية، إلا أنه يعد من التعاون عليه، لذلك لا أجد رخصة فيه، فإن الله تعالى قال: { وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } (1)، وبناءً عليه فإن نصيحتي لك أن تستبدلي هذا العمل بعمل آخر هو أبرأ لذمتك فيما بينك وبين ربك تعالى: { ومن يتق الله يجعل له مخرجاً * ويرزقه من حيث لا يحتسب } (2)، وما استلمته من الرواتب في هذا العمل فإن الله أحق بالعفو عنه مع التوبة، وأوصيك بتقوى الله، وإيثار الدار الآخرة والله المستعان.
ما قولكم فيمن حصل على فرصة عمل ببنك في قسم الشؤون القانونية التابع لذلك البنك والتي يرغب الالتحاق به لغرض اكتساب مزيد من الخبرة تؤهله للحصول على وظيفة أفضل مستقبلاً، فما قولكم في ذلك؟ (3/223)
صفحة 942
إن كان ذلك لكسب الخبرة من غير أن يشارك قط في شيء من المعاملات الربوية فلا حرج والله أعلم.
المساقاة والمزارعة:
هل تصح المساقاة والمزارعة من ثلاثة أشخاص، رجل له الأرض، وآخر منه العمل، وثالث عليه معدات العمل، ولهم الربح بنسبة معينة؟
عقد المساقاة هو عقد استثنائي أبيح فيه من المصلحة، وإن كان لا يخلو في أصله من الغرر، فهو أشبه بالرخصة، والرخص لا تتعدى مواضعها الواردة فيها، ومن المعلوم أن الغرر الذي يكون على العامل بسبب ضياع جهده عندما تفسد الثمرة أو تصيبها جائحة أهون من الغرر الذي يلحق صاحب المعدات، الذي يخسر ماله عندما يكون الناتج من العمل لا يحقق الربح المطلوب للوفاء بالنفقات، لذلك لا أرى جواز هذه الصورة في المساقاة، وإن كنت لم أجد حكم ذلك منصوصاً عليه، والله أعلم.
إن كلف السقي مؤنة من المال ـ سواء بقعد الفلج أو فاتورة الماء ـ فعلى من تلك المؤنة؟ وهل للعرف تحكيم فيها؟ وإن اقتضى الأمر مد أنابيب للري فعلى من يكون؟
إن كان في ذلك عرف متبع فهو الذي يحكم في ذلك، وإن لم يكن في ذلك عرف فإن الأصل في الماء أن يكون على صاحب النخل والشجر، وكذلك الأنابيب، وإنما على المساقي العمل، هذا ما بان لي، والله أعلم.
إن اقتضى الأمر استخدام المبيدات ـ سواء التي تنفع الشجر أو الثمر ـ فتكون على من منهما؟
استخدام المبيدات هو لمصلحة الثمر، ومن هنا يتبين لي أنه على المساقي لأنه القائم بالعمل، إلا إن تشارطا بخلاف ذلك. والله أعلم.
هل يصح أن يشترط العامل أجرة بعض العمال على المالك؟ وإن أجيب بعدم الصحة، فهل تفسد المزارعة أو المساقاة بذلك؟
بما أن العامل الأصلي الذي تم العقد معه بأن يقوم بأعمال المساقاة هو المسئول عن جميع أعمالها، لا أرى وجهاً لاشتراطه على المالك أن يكون عليه أجور العمال الفرعيين، واشتراطه ذلك يخل بصحة عقد المساقاة فيما أرى، والله أعلم. (3/224)
صفحة 943
ما قولكم في رجل دفع مالاً لآخر في أرضه نخلاً وشجراً، وجعل له النصف مما يغرسه، ولم يذكر الأرض في الاتفاقية التي كتبها بقلمه نفياً وإثباتاً، وحيث إن المال توجد فيه بعض النخيل الكبيرة فقد ساقاه عليها، وجعل له الثلثين من ثمرتها، والمدة اثنا عشر عاماً، واشترط أن جميع ما يحتاج المال من المصرف في الغرس والمساقاه فهو على الغارس، وبعد انتهاء المدة أراد القسمة، ولكن من وجهة نظر الغارس أن تكون القسمة في الأرض والنخل والشجر بالنسبة فيما غرس، على أنها مساقاة أصول، مستدلاً بما ذهب إليه بعض كبار العلماء قال: تجوز المساقاة في الأصول، كأن يدفع رجل لآخر أرضاً ليغرسها نخلاً أو شجراً ويقوم بسقيه وإصلاحه إلى أن يثمر على أن له الربع أو الثلث مثلاً، بشرط أن تحدد المدة بإثمارها مثلاً، وأن يأخذ العامل نصيبه من الأرض والشجر معاً، ثانياً عدم استثناء رب المال الأرض في الاتفاقية: هل يستحق الغارس نصيبه مما غرسه في الأرض أم لا؟ وإذا قلتم إن الغارس لا يستحق النخل مع الأرض والنخلة مستقرة للبقاء مدة طويلة فهل للغارس حق أن يحفر بئراً مثلاً، وأن يزرع في الأرض البيضاء في نصيبه فيما لا غنى عنه في غير إذن صاحب الأرض أم لا؟
ينتهي أمد المساقاة بانتهاء المدة التي حدداها، وتعود الأرض المزروعة إلى صاحبها، أما الأرض المغروسة نخلاً وشجراً فهي تابعة للنخيل أو الشجر، لعدم استقلال النخيل والأشجار عن الأرض، ولو لم ينص في الاتفاقية على دخولها، وقسمة الأرض بحسب قسمة النخيل أو الشجر. والله أعلم.
الهبة والهدية والعطية(1):
سمعنا بأنه ليس للإنسان أن يرد الهدية، ولا نعرف إن كان في هذا سنّة، أم أن هذا مما تعارفه الناس، وهل للإنسان أن يُرجع هَدية من تعرض له بالسب أو شتم أحد أقاربه أو كذب عليه؟
لاَ مَانع من رد هدية من لا يرتضى، أو يخشى أن يترتب على قبولها مَا يحذر والله أعلم. (3/225)
صفحة 944
أعطيت أخي نخلة من مالي عطاءً ليس عن ضمان ولا غير ذلك، وكنت إذ ذلك ميسور الحال، والآن أصبحت فقيراً وذا عائلة والآن أنا بحاجة إلى هذه النخلة، هل لي الرجوع في هذا العطاء أم لا؟
ليس للمعطي أن يرجع في عطيته، سواءً كان من أعطاه قريباً أو بعيداً والله أعلم.
شخص أحسن على والده كثيراً وكوّن له أموالاً كثيرة، وأراد الوالد أن يكافئه دون باقي إخوته، فهل له ذلك أم لا؟
له أن يكافئ ولده الذي أحسن إليه بقدر إحسَانه، من غير إيثار له على غيره والله أعلم.
رجل اشترى مالاً مع أثري ماء، وأراد أن يبيعه على أحد أولاده، هل يحق له ذلك؟
إن كان يعطي مثل ذلك بالعدل لجميع أولاده ذكوراً وإناثاً فلاَ حرج، وإلاَّ فليس له أن يؤثر بعض أولاده على بعض، أما البيع فلا يمنع منه والله أعلم.
رجل أراد أن يتنازل لأولاده عن جزء من ماله، بحيث لا يطالبونه بأي شيء من الإرث بعد موته خارج ما تنازل عنه؟ وهل يجوز تقسيم ما تنازل عنه حسب ما يراه هو؟
إن كان يوزع مَاله بين ورثته جميعاً عطية منجزة في حياته فله ذلك، إلاَّ فلا والله أعلم.
فيمن لها أولاد ذكور وإناث، فأرادت أن تقسم مالها بينهم كل حسب نصيبه من الميراث، وذلك برضى جميع الأولاد، فهل يصح لها ذلك؟
إن قسمت بالعدل فلا حرج. والله أعلم.
ما قولكم في رجل له عدة أولاد، وهو غير عادل معهم، إذ إنه يشتري العقارات ويكتبها باسم أولاده الصغار الذين من زوجته الأخرى، فهل يجوز له ذلك، وهل لأولاده الآخرين حق في اعتراضهم على فعل أبيهم؟
هذا من الحيف الذي لا يرضاه الله، وللأولاد الكبار ـ إن لم يرضوا بصنيع أبيهم ـ أن يرفعوا أمرهم إلى القضاء الشرعي والله الموفق.
رجل عنده بنين وبنات، وبما أنه زَّوج الذكور، فهل يلزمه إعطاء الإناث نصف مصاريف زواج إخوتهن؟ أم ماذا عليه؟
يلزمُه ذلك على قول من يقول بأن تزويج الذكور تبرع منه وليس حقاً واجباً عليه، وأمَّا من يراه حقاً فلا يلزمه والله أعلم. (3/226)
صفحة 945
أعطى شخص ابنته بيتاً وذلك عن ضمان لزمه لها، مع العلم أن له أولاد عمّ آخرين، وليس له أولاد فهل تثبت هذه العطية أم لا؟
لا مَانع من عطية الوالد لولده، ولو كان له ورثة آخرون، وإنما عليه أن يعدل بين أولاده في العطية، إلاَّ إن كان تخصيصه لبعضهم بها بسبب ضمان لزمه له كما في صورة السؤال، فإن الضمان حق يجب الوفاء به، ولو بين الوالد وولده والله أعلم.
ما هو حكم الشرع الشريف في هبة الأقارب على الفرضية التالية:
رجل وهب أحد أبنائه بالإضافة إلى أحد أحفاده جزءاً من ممتلكاته، وحرر بذلك مستندات كتابية مشهود عليها، مع الأخذ في الاعتبار المعطيات التالية:
1ـ إن هذه الهبات لم تستغرق كل تركة الواهب.
2ـ إن مستندات الهبة نصت على ما يثبت قبض المال الموهوب من قبل الموهوب له.
3ـ إن الواهب لم يحرم سائر أبنائه من هبات قد تكون مماثلة أو أكثر من حيث القيمة وأحفاده أوصى
لهم من ثلثه. وخص أرملته بوصية من الثلث فوق حقها من الميراث.
أفيدونا زادكم المولى فهماً في العلم وتبصرة في الدين؟
إن كان أعطى هذا الولد مثل مَا أعطى غيره، ولم يؤثر أحداً على أحد، لا ذكراً على أنثى ولا العكس فلا حرج عليه، ولا وصية لوارث، فلا تستحق زوجته فوق حقها الشرعي من الميراث، إلا إن وافق جميع الورثة على إثبات الوصية والله أعلم.
أعطى والدنا في حياته بعض إخواننا دون البعض، والعطية عبارة عن أرض مقام عليها منزل، ولا يوجد عنده شيء آخر، وقد توفي، وبعض الإخوة أطفال، فما حكم هذه العطية شرعاً؟
أمَّا فيما بينه وبين الله فلا يجوز، إذ يجب على الأب العدل بين أولاده ذكورهم وإناثهم، وأمَّا في الحكم فإن القضاءَ لا يتدخل فيما أمضاه ومَات عليه، ولله الأمر من قبل ومن بعد. والله أعلم.
رزقني الله خمسة أولاد، أكبرهم أهداني منزلاً وأريد أن أجعله وقف ذرية للأبناء الأربعة، مع العلم أن عندي ست بنات، هل جائز تخصيص المنزل المذكور للأبناء فقط؟ (3/227)
صفحة 946
ذلك من الإيثار الذي لا يجوز شرعاً والله أعلم.
شيخنا الجليل: لديّ مسألة وأنا مبتلي بالحكم فيها وهي من مسائل الخلاف، فأرجو تفضل سماحتكم بالرد عليها حتى أكون على بصيرة من أمري.
عن رجل وهب بيته لابنه الصغير الذي يبلغ العامين، وعند الرجل أولاد من امرأة طلقها قبل أن يتزّوج أم الولد الوهوب، وظل أمر الهبة سراً، وكان الرجل وزوجته وولده الصغير يقضون بعض الأيام في هذا المنزل حيث إنهم يسكنون في بلد آخر، بعد ذلك أصيب الرجل بخلل عقلي وحَجر عليه قاضي البلاد التصرف في أمواله، ثم تقدم الأولاد بعد علمهم عَن الهبة بعد حوالي أربع سنوات مطالبين برد الهبة إلى ملك أبيهم، فحضر أخ المحجور عليه ووكيله من قبل الشرع، وأجاب أن أولاد أخيه أهملوا أباهم وتركوه بعد طلاق أمهم، فتزوج امرأة أخرى ووجد إحساناً من الزوجة الثانية، أحب أن يكافئها على إحسانها، فوهب ابنها منه ولم يخبرها بذلك، وعلمت الآن بعد الكشف على الأوراق التي كان يخفيها الزوج، وحيث إنه لم يعد قادراً على التنقل طلب وكيل الأب من أخ الزوجة أن يؤجر البيت، وهو الآن مؤجر منذ شهر أو شهرين حسب قوله، ويطلب الوكيل أن تبقى الهبة على ما هي عليه.
هذه هي المسألة وأترقب رد سماحتكم حتى أتمكن من الحكم في القضية؟
قول الوكيل دعوى تفتقر إلى بينة، وعمل الأب حسب ظاهره مناف لأمر الشارع، وقد قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"(1)، وعليه فأرى إبطال العطية لمنافاتها حكم الشارع والله أعلم.
أعطى رجل أحد أبنائه نخلة، فقبضها الولد حتى وفاة والده، فخاصمه الورثة فيها، وقالوا نجعلها في الموقوف فهل لهم ذلك؟
إن قبضها فلا والله أعلم.
رجل له مجموعة من الأولاد والبنات، وقد أعطى بعض أولاده الذكور نوقاً وأراضيَ، ولم يعط البعض الآخر، وقد توفي الرجل بعد ذلك، فهل هذه العطية ثابتة نرجو الجواب؟ (3/228)
صفحة 947
يأثم بإيثاره بعض أولاده بالعطية على بعض، ولكن العطية تمضي في الحكم إن أحرزوا والله أعلم.
أعطانا والدنا أرضاً، وبعد مسح الأرض من الدولة أُخبِرْنا أنها متأثرة، وأعطونا قطعتين لي ولأخي باسمنا، فهل يحق لباقي إخوتي المطالبة بنصيب من هاتين القطعتين؟
إن كان والدكما أعطاكما هَاتين القطعتين في حياته، وأحرز تما العطية، فهما لكما خاصة والله أعلم.
رجل أعطى حفيده ضاحية من ماله مع بيته، وقد قبض المعطى له هذه العطية في حياة المعطي، وقام بإصلاحها فهي في حوزته، هل تثبت هذه العطية على الورثة، وهل له نصيب من تركة جده الهالك أفتنا مأجوراً؟
إن كان حَاز في حياة المعطي عطيته وكان المعطِي جَائز التصرف فهي ثابتة، فإن كان أحَد الورثة لم تمنعه العطية حَقَّهُ من الإرث والله أعلم.
بناءً على السؤال السابق:
قبضت تلك العطية من جدي قبل أن يتوفى بما يقرب من ثلاثة عشرة سنة، وقمت بالتصرف فيها، فسكنت البيت وسوّرته وسقيت المال واستغللته، فهل يعتبر قبضاً أم لا؟
إن كان الأمر كما تقول فهو قبض والله أعلم.
ما قول الشرع الشريف في رجل أصيب بحادث وتأثر فأصبح معوقاً، وتحصل على نقود إثر إصابته، وكان يعمل وتحصّل على مكافأة، فاجتمعت له نقود فسلّمها إلى زوجته التي هي في عصمته وله منها خمسة أولاد، وله من زوجة سابقة طلقها ثلاثة أولاد لا ينالون منه شيئاً، فالمرأة التي في عصمته الآن قبضت النقود واشترت منزلاً باسمها، فالظاهر بأن هذا الرجل آثر أولاده الآخرين وحرم أولاده السابقين، فهل يسمح له الشرع بذلك؟
إن كانت العطية لزوجته لا لأولاده منها، ولم يقصد بذلك حرمان أولاده الآخرين، فلا مَانع منها، والله يعلم السرائر من عباده والله أعلم. (3/229)
صفحة 948
نحن أربعة توفيت والدتنا فقام والدنا بالزواج من امرأة ثانية وأنجب منها سبعة أبناء، وفي الآونة الأخيرة استدعانا شيخ المنطقة ليخبرنا بأن والدنا ينوي تبرئة ذمته وإعطائنا حقوقنا، وتم تقييم المنزل الذي يملكه وصرّح بأنه يرغب في تقسيم قيمته على أبنائه الأحد عشر، بعد ذلك يبقى المنزل لأبنائه السبعة من الزوجة الثانية، فاعترضنا على ذلك لأنهم سيأخذون نصيبهم من ثمنه معنا، ثم يكون المنزل لهم بعد ذلك، ثم واجهنا والدنا بأملاكه الأخرى بما فيه مزرعة فنفى أمرها ولم نصل لحل وخرجنا من عند الشيخ دون نتيجة، وعلمنا بعد ذلك أنه قام بتسجيل المنزل باسم زوجته الحالية دون علمنا، ثم علمنا بأنه قد تقدم بشكوى ضد أحد أبنائه السبعة من زوجته الحالية يطالبه فيها باسترجاع المزرعة والتي كان قد سبق وسجلها باسمه، كما نما إلى علمنا بأن والدنا يمتلك شركة ومبالغ في البنوك وأنه يرغب بتسجيل هذه الشركة باسم أحد أبنائه من زوجته الحالية، وأخيراً وجدنا والدنا بعد تقدمه في السن منصرفاً في اللهو والمجون، فبعد كل ذلك هل لنا الحق في المطالبة بحقوقنا خشية ضياعها؟ وهل له الحق فيما قام به، وما سيقوم به من تسجيل أملاكه لزوجته الثانية وأبنائها منها دون سائر الأبناء من زوجته الأولى؟
أما الأولاد فلابد له من العدل بينهم، وليس له إيثار أحد على أحد، وأما الزوجة فإن شاء فلا مانع من أن يعطيها من ماله ولا يشترط استئذان الأولاد في ذلك والله أعلم.
رجل سجل منزله باسم زوجته الثانية قاصداً حرمان أبنائه من زوجته الأولى، وستعود ملكية المنزل بعد ذلك لأولادها، وقد اعترف بذلك أمام شيخ المنطقة، فما الحكم في ذلك؟ (3/230)
صفحة 949
أما فيما بينه وبين ربه سبحانه فلا ريب أنه آثم إن قصد بإعطائه البيت لزوجته الثانية إيثار أولاده منها على بقية أولاده من زوجته الأولى، وأما في الحكم الظاهري فإن تصرفه هذا لا يمنع، لأنه حسب ظاهره تصرف في ماله بما يحق له، فالله وحده هو الذي يحاسبه على طويته والله أعلم.
رجل فبل وفاته كتب مبلغاً من المال لابن أخته، فتوفي الرجل وأصبح ابن أخته من ضمن الورثة، في هذه الحالة هل يصبح هذا المال لابن الأخت وحده، أم يقسم لجميع الورثة؟
عن كان أقر له بهذا المبلغ عليه فالإقرار ثابت، ويكون المبلغ للمقرر له وإن كان وارثاً، والله أعلم.
رجل كتب صكوكاً لزوجته ـ التي هي عمتي ـ في أملاكه فهل هذه الصكوك ثابتة أم لا؟ وقد قمت بتسفيرها للخارج للعلاج على حسابي وأقمت لها عزاء بمال من عندي، فهل هذا كله يتحمله الزوج ويدفعه أم لا؟
إن لم يكن اتفاق بينك وبين فيما يتعلق بالعلاج، وأنفقت ذلك من مَالك فليس لك أن تطالب بشيء؛ لأنك تعد متبرعاً بما أنفقت وكذلك العزاء ونفقاته، أمَّا مَا أعطاه الزوج لزوجته فعطيته منجزة، وكذلك مَا أوصى به من ضمان لها عليه، فإن الضمان حق ثابت على الضامن للمضمون له والله أعلم.
لقد تنازل لي ابن أخي عن بيته كهبة لي بقاعة المحكمة، وبموجب صك شرعي، هل هذا تنازل ثابت أم لا؟
إن كان تنازل عما يملكه بنفسه، وكان ذا أهلية للتصرف، فتنازله ثابت والله أعلم.
إنني كتبت لزوجتي ورقة فيها ألفاً ريال عماني، وقد أخذت زوجتي الورقة وقد كتبت لها هذا المبلغ بعد مماتي، والآن أنا على قيد الحياة، فهل هذا يثبت أم لي الرجوع؟
إن كنت أعطيتها هذا المبلغ بعد وفاتك وقيدت بذلك العطية، فحكم ذلك حكم الوصية، "ولا وصية لوارث"(1)، وبما أنّ الزوجة وارثة فلا يثبت هذا العطاء إلاَّ إن كان من ضمان والله أعلم. (3/231)
صفحة 950
من القضايا المهمة والتي يكثر السؤال عنها الهبات التي تعطى للأطفال عند ميلادهم، هل هي للطفل وحده أم يجوز للأم الانتفاع بها؟ علماً أن هذه الهدية تختلف باختلاف المولود، فالذكر يعطى أكثر من الأنثى، كما أن الطفل الأول يعطى أكثر من الأطفال الآخرين، وذلك راجع إلى مقدار الفرحة التي يحدثها المولود، وأيضاً فإن كثيراً من الناس يدفعونها من غير استحضار مقصد معين للهدية أهي للطفل أم لأمه؟، نرجو منكم البيان في هذه المسألة؟
هذه العطايا ينظر فيها على العرف عند الناس، فإن العرف محكّم في حياة الناس، فإن كان الذي يقدم هذه الهدية لا ينوي بها الأم وحدها أو الطفل وحده فهي تعود إلى تصرف القائم على ذلك الطفل، فالأم هي التي تتصرف فيها، فإن كانت الهدية نقداً تنفق على الطفل، وإن عناها شيء من الحاجة فلا مانع من أن تستفيد من هذا المال كذلك، مع القيام بالإنفاق على الطفل خارج ذلك المال حسب حاجته، وإن كان هنالك شيء من القرائن التي يمكن أن تدل على قصد الأم أو قصد الطفل أخذ بها، وأبرز هذه القرائن طبيعة الهدية، هل يمكن تكون منفعة للطفل وحده، أو تكون منفعة للأم وحدها ـ لأن بعض الهدايا لا يمكن أن تنتفع بها الأم، وبعض الهدايا لا يمكن أن تسخر منفعة للطفل، فمثال الهدايا التي لا يمكن أن تنتفع بها الأم ثياب الأطفال، فهذه قرينة ظاهرة على أنها ما أريد بها إلا الطفل، لأن الأم لا يمكن أن تنتفع بها، أما إن كانت الهدية مما لا يمكن أن ينتفع بها الطفل كعطر أو غيره مما تكون الأم أحوج إليه فهذه لمصلحة الأم وتعود إليها، هذا وإن كان هنالك تسامح بين الناس، بحيث اقتضى العرف بينهم أن تقدم هذه الهدايا بمناسبة ميلاد الأطفال من غير اعتبار لأن يكون المنتفع الأم أم الطفل فهذه لمصلحة الجميع، فيمكن أن تكون لمصلحة الطفل ويمكن أن تكون لمصلحة الأم والله تعالى أعلم. (3/232)
صفحة 951
سماحة الشيخ أحياناً تكثر الملابس المهداة، حيث يملك الطفل من النوع الواحد جملة كبيرة تخرج عن حاجته، فكيف يتصرف بهذه الكمية الزائدة؟ وهل يمكن للأم أن تقوم بإهدائها لامرأة أخرى ولدت طفلاً؟
إن كان الطفل يوفر له ما يحتاج إليه، وذلك بأن تكون الأسرة هي القائمة على ذلك، كأن يكون الأب هو القائم على ذلك، وهو في نفس الوقت لا يرى حرجاً أن تقوم أم الطفل بإهداء هذه الملابس إلى غيرها من النساء عندما يلدن فلا حرج في ذلك والله أعلم.
وهل يجوز أن يشتري بها بعض الألعاب والكماليات للطفل؟
بما أنها لمصلحة الطفل فلا حرج في ذلك والله أعلم.
من المعلوم أن الشارع الحكيم قد أو جب على الآباء العدل بين الأولاد في العطية لقوله: ـ صلى الله عليه وسلم ـ" اتقوا الله واعدلوا بين أبنائكم"، ولكن لا يخفى عليكم أن حاجات هؤلاء تختلف بحسب اختلاف سنهم، فمثلاً قد يحتاج أحدهم إلى ملابس بينما الآخر مستغنٍ عنها في ذلك الوقت، وقد يحتاج أحدهم إلى حقيبة ودفاتر بينما الآخر لا يحتاج، فهل يلزم تعويض الآخر مثل ما أعطي الأول أم لا؟
هذا لا ينافي العدل، لأن العدل المطلوب ألا يؤثر الأب أو الأم أحد الأولاد على الآخرين، إذ العدل إنما هو منع الإيثار، وذلك بأن يعطي هذا مع حرمان الآخرين، أما إن كان يعطي أحدهم لحاجته مع استغناء الآخر، وعند حاجة الآخر أيضاً يعطيه مثل تلك الحاجة التي هو بحاجة إليها فلا مانع من ذلك، لأن هذا لا يتنافى مع العدل، بل أبيح إن كان أحد الأولاد فقيراً وكان الآخرون في غنى أن يعطي الأب ابنه الفقير بقدر ما يسد به.
حاجته ولو لم يعطِ الآخرين، لأن هذا ليس من الإيثار، وإنما هو من تقديم المساعدة إلى من هو محتاج إليها والله أعلم
عما يعطيه الوالد لأولاده من مصروف مدرسي، فهو يتفاوت من ولد لآخر، فقد يعطي أحدهم مثلاً مائتي بيسة مراعاةً للسن والحاجة، فهل في ذلك حرج؟ (3/233)
صفحة 952
إن كان في ذلك مراعاة للحاجة، ولم يكن إيثاراً لأحد على آخر فلا مانع منه والله أعلم.
إذا أنفق الوالد على بعض أولاده مبالغ لتدريسهم، نظراً لأنه لم يجد للدراسة المجانية، فهل يلزمه أن يعوض الآخرين مقابل هذه الدراهم؟
إن كان الآخر وجد فرصة للدراسة وهذا لم يجد الفرصة للدراسة، فلا يعد ذلك إيثاراً، ولا مانع منه والله أعلم.
لو اشترى الوالد لأبنائه الذكور ما يحتاجه الرجال كالخناجر أو السيوف، أو العكس، كأن اشترى لبناته ذهباً ونحوه، فهل يلزمه أن يدفع للطرف الآخر مثل ذلك؟
يشتري لكل جنس ما هو بحاجة إليه، فإن اشترى للذكور الخناجر وما أشبهها، فإنه يشتري للإناث الحلي من الذهب وما أشبهه، ليكون ذلك عوضاً عما أعطوه الذكور، وكذلك إن اشترى للإناث يعطي للذكور ـ مع الحاجة ـ ما هم محتا جون إليه أو ما به تكون زينتهم، ولا تلزمه المساواة في ذلك، وإنما هو بقدر الحاجة، وليس ذلك من الإيثار والله أعلم.
نرى الرجال والنساء إذا ما ذهبوا إلى زيارة امرأة والدة يعطون الصبي (المولود) مبلغاً من المال فما حكم ذلك؟
لا مَانع من ذلك، وإنما يكون هذا العطاء ملكاً للصبي والله أعلم.
الذين عرفناه أن الطفل إذا ولد وأهدي شيئاً يصبح ملكه، ولكن هناك عادة معنا نحن العمانيين وهي عادة النحل، وإذا نحلت المرأة بعد ذلك ترد النحل للمرأة التي نحلتها، والمرأة التي لم تنحلها تتوقف عن نحلها هل هذا النحل يعتبر ملكاً للمولود، أو يجوز أن يتصرف فيه الوالدان بحكم أنهم يرجعون هذا النحل للإنسان الذي نحلهم؟
إن كانت هذه عَادة متداولة فلا حرج، عَلىَ أن تأخذ أمُّ الطفل مَا تأخذه عَلىَ أنه لها لا لَه والله أعلم.
كثير من الأطفال يحصلون على هدايا مادية ومالية، فهل يجوز للأم التصرف بذلك المال من أجل شراء لوازم الطفل؟ وهل يجوز أخذ شيء من ملابس الطفل المهداة إليه لتكون لطفل آخر؟ (3/234)
صفحة 953
أما أن تكون هدية الطفل لمصلحته فنعم، وأما كون الأم تتصرف فيما أهدي إلى الطفل، فهذا مبني على القول بأن لها ما للأب، وهذا القول هو الأرجح، حتى أن جمهور العلماء الذين قالوا يجوز للأم ذلك، لأنها داخلة في مسمى الوالد، وكثير منهم أباحوا حتى للجد من قبل الأب ومن قبل الأم والجدة من قبل الأب والجدة من قبل الأم الرجوع، لأن كل واحد منهم يدخل في مدلول كلمة الوالد، فأباحوا لهم الرجوع، وأما التصرف فإنما هو من أب مباشر وأم مباشرة والله تعالى أعلم.
رجل استخرج من الحكومة أراضي سكنية لبعض أولاده، وفي حياته لم يسلم تلكم الأراضي للأولاد، فبقيت مستنداتها في حوزته، وبعد موته أرادوا هذه الأراضي دون بقية الورثة، علماً بأنهم لم يبذلوا في استخراج تلكم الأراضي جهداً ولامالاً، فهل يصح لهم ذلك؟
إن كانت الدولة منحتها لأولده وظلت كما هي، فهم أحق بما منحوا والله أعلم.
رجل له راتب مشيحة، وحصل على مبلغ مساعدة من الدولة من بند المساعدات، ثم حصل على مساعدة أخرى لبناء بيته، فما حقيقة هذه المبالغ التي حصل عليها، وما الفرق بينها وبين الجوائز التي تقدم من بعض الشركات؟
مَا أتاه من المَال من غير تحايل ولا طمع، وإنما كانت عطية خالصة من وليّ الأمر فلا حرج، ولا حرج في قبول عطايا الشركات أيضاً، إن لم تكن لسبب غير جَائز، ولا بطريق السحب المبنيّ على إسهام من المعطي والله أعلم.
موظف يعمل بإحدى المؤسسات في مجال الشؤون المالية، وبحكم هذا العمل يُقدم له تخفيضات لسلع يشتريها لنفسه، وبعض الأحيان تكون مجانية على سبيل الهدية حسب المعمول به في هذا المجال، فهل في هذه الحالة تكون تلك المعاملة جائزة شرعاً أم لا؟ وإذا كانت غير جائزة فما المخرج إذا أراد أن يبرئ نفسه؟
الأولى له والأسلم أن يتورعَ عن أخذ هذه الهدية لنفسه، ويجعلها للفقراء المسلمين، سواءً وزعها عليهم، أو جعلها في وقف يعود إليهم والله أعلم. (3/235)
صفحة 954
شخص أهدى ساعة فيها ذهب 22 قيراطاً، هل يجوز أن يلبسها؟ وإذا كان لا يجوز هل يجوز بيعها لشخص قد أخبره بأنه سيلبسها؟
لا يجوز لبسها، ويجوز بيعها لامرأة أو لغير مسلم والله أعلم.
أنا أخ لثلاث بنات، وقد اشترى أبي بيتاً قبل وفاته وكتبه باسمي، فهل للبنات والوالدة حق في إرث البيت بعد وفاة الوالد؟
إن كنت تعلم أن أباك آثرك بذلك دونهن فهو غير جائز، وعليك التخلص، فإن العدل واجب بين أولاده الذكور والإناث في العطية، فخلص نفسك وأباك من الإثم والله أعلم.
ما قولكم في جملة أولاد أعطوا قطعة أرض تقدم بطلبها أبوهم وحدد أسمائهم، فهل يجوز إضافة أولاد آخرين معهم، أو تكون لهم وحدهم؟
إن كان الأولاد الذين أعطوا أحرزوا العطية فهي لهم وحدهم. والله أعلم.
لي مجموعة من الأولاد، فأعطيت أحدهم مزرعة دون إخوانه، فهل عليَّ حرج في الرجوع عن هذه العطية؟
لا حرج عليك في الرجوع، بل العدل في العطية بين الأولاد أمر واجب. والله أعلم.
تنازلت امرأة لأخيها عن بعض أملاكها التي ورثتها من والدها برضى نفسها أمام القاضي مع وجود شاهدين في ذلك التنازل، وفي الآونة الأخيرة توفي الأخ، ثم قالت لزوجة أخيها: أرجو أن لا يطلع فلان على هذا التنازل وهو ابن أخيها الهالك من ضمن الأخوة الوارثين، هل يجوز لها أن تقول هذا؟ وهل يجوز لها أن تلغي التنازل الذي تنازلت به لأخيها؟
إن كان هذا التنازل برضى لم يشبه إكراه ولا حياء وحاز المتنازل له حصتها فلا وجه لإخفائه، ولا يجوز شرعاً الرجوع؛ لأن الراجع في هبته كالكلب الآكل لقيئه. والله أعلم.
إنني رجل متزوج من امرأتين ولديّ أربعة أبناء ذكور، وأثنتا عشر بنتاً، وأمتلك سبعمائة نخلة، فأردت إعطاء أحفادي مائة نخلة، فهل يجوز لي ذلك؟
إن كنت أردت بذلك البر والإحسان إليهم، ولم تقصد الإلجاء، فلا مانع من ذلك، وإن قصدت أن تلجئ المال عن ورثتك فإن ذلك تحايل على الحق، وكفى به إثماً مبيناً. والله أعلم. (3/236)
صفحة 955
ولد وهبه أبوه قطعة أرض في البيت الذي يسكنه حالياً، وذلك لكي يبني بها ما يلزمه لإتمام زواجه، مع أن هذا الوالد لديه أولاد غير أشقاء لابنه المعني، ولكنهم يصغرونه سناً، وفي الآونة الأخيرة سمع الوالد فتوى مقتضاها بأنه غير جائز شرعاً إعطاء هذا الولد دون إخوته، إلا إذا أعطى الأخوة مثله، والبناء الآن قائم، فهل يصح أن يقوم الابن بشراء قطعة الأرض هذه؟
نعم. يشتري الابن من أبيه تلك القطعة ويدفع إليه ثمنها، وتنحل المشكلة ـ إن شاء الله ـ والله أعلم.
رجل لديه مزرعة، ويرغب في كتابة جزء من هذه المزرعة لأبناء ابنه، وله ولد وثلاث بنات. فهل يجوز له ذلك؟
أفيدونا أفادكم الله.
إن كان ذلك منحة أو إيصاء ولم يقصد حرمان وارث من حقه فله ذلك، وإن قصد الحرمان فذلك غير جائز، وكذلك إن أوصى بأكثر من الثلث. والله أعلم.
هل للولد حق في جبر والده على انتزاع شيء من ماله؟ وهل للأب أن يخص الولد من دون الورثة أو الأولاد بشيء؟
ليس للولد أن ينتزع شيء من ملك أبيه بغير رضاه، وعلى الأب أن يعدل بين أولاده بالعطية بحسب ميراثهم. والله أعلم.
هل يحق للأب أن يرجع عن عطيته لأولاده؟
لا مانع من رجوع الأب في عطيته لأولاده. والله أعلم.
رجل أعطى أحد أولاده بئراً فحازها الولد له، وللمعطي أولاد فهل له الرجوع في عطيته؟
إن كان لم يعدل بين أولاده في العطية فعليه أن يرجع إلى العدل، ولو بانتزاع ما أعطى لولده. والله أعلم.
ما قولكم فيمن كان له دين على أخيه المسلم، ثم عفا عن ذلك الدين، فما قولكم في الرجوع في هذه العطية؟
ما تبرع به للغير لا يرجع فيه، فإن العائد في صدقته كالكلب العائد في قيئه. والله أعلم.
هل يجوز لي أن أكتب لزوجتي بيتاً من بيوتي عطية ليست من ضمان، ولكنها مكافأة على حسن عشرتها لي، وهل فرق بين هبتي لها في حياتي أو بعد مماتي؟ (3/237)
صفحة 956
لك أن تهبها في حياتك، وأما الإيصاء بذلك بعد موتك فلا. لحديث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ" لا وصية لوارث"(1)، وعليه الإجماع. والله أعلم.
توفي والدي وأخبرني أنه ينوي إعطاء أمي وأختي شيئاً من المال في حياته، فهل تثبت العطية، ولم يوص فهل تثبت وصية في ماله وله أيتام وعليه ديون، ومتى نقسم الميراث؟
العطية لا تثبت بمجرد القصد، بل لا بُدَّ من أن يجتمع فيها عطاءٌ وقبول وقبض، وبما أن أباك لم يعط أمك ولا أختك في حياته، وإنما نوى إعطاءهما فالعطية غير ثابتة، وبما أنه لم يوص بشيء فلا تثبت وصية في ماله، إلا إن شاء الورثة التبرع عنه بشيء، وكان ذلك في نصيب البلّغ العقلاء منهم دون غيرهم، فإن ذلك عائد إليهم ويرجى لهم الثواب به، وقضاء الدين قبل قسمة الميراث، لقوله تعالى: { من بعد وصية يوصى بها أودين } (2). والله أعلم.
رجل توفي وقد أعطى ابنه ناقة في حياته، فهل تدخل هذه الناقة في القسمة بين الوارثين؟
إن كان قد أعطاها لابنه وقبلها الابن وحازها فهي ملكه دون سائر الورثة. والله أعلم.
هل لابن الأخ الرجوع فيما تبرع به لأداء حجة عن عمه الهالك؟
بعدما تبرع ابن الأخ فليس له الرجوع فيما تبرع به والله أعلم.
ما قولكم في زوج أعطى زوجته بيته بجميع ما فيه وهو في حياته، على الرغم من أن الزوجة وارثة؟
يجوز له التصرف في حياته فيما يملك، ما دام بحالة لا يمنع فيها من التصرف. والله أعلم.
قامت جهة عمل المتوفى بإعطاء أرملته مبلغاً من المال كتعويض عن وفاة زوجها، فهل يكون المبلغ لها أم لجميع الورثة؟
إن كانت هذه عطية خالصة فهي حسب تخصيص المعطي؛ فإن للإنسان أن يعطي من ماله من يشاء، وإن كان ذلك من حقَّ واجب على تلك الجهة للمتوفى، فهو يعود إلى جميع الورثة بحسب استحقاقهم في الإرث. والله أعلم.
هل يجوز للأم أن تهب بناتها منزلها مكافأة على معروفهن ومساندتهن مع رضى البنات الأخريات؟ (3/238)
صفحة 957
ما قولكم في رجل لديه امرأة لها مال فأعطته زوجها، وبعد مدة أراد أن يرجع هذا المبلغ إلى الزوجة فقالت إن هذا المال لك ومبرأ منه في الدنيا والآخرة، وبعد مدة أراد الرجل أن يتزوج امرأة ثانية ولم تقبل، وقالت إذا أردت الزواج فارجع لي مالي، فهل أرجع المال أم لا؟
إن كانت أعطته من طيب خاطرها فهو حلال له، وإنما ينبغي له أن يعف عنه فيرجعه إليها عند مطالبتها إياه، وهذا هو الورع والحيطة بالنسبة إليه. والله أعلم.
ما قولكم في رجل اشترى أرضاً بمبلغ ثمانمائة ريال عماني، فباعها لأبنائه السبعة الذكور، وبنفس المبلغ الذي قاموا ببناء الأرض المشتراة به، ولديه ابنة فأراد أن يمنحها شيئاً من الثمانمائة، فماذا يفعل؟ علماً بأن الأب يعتبر هذا ميراثاً له، ويريد قسمته في حياته قبل موته. نرجو الإفادة أثابكم الله؟
إن أعطى الذكور شيئاً فيعطى الأنثى نصف ما أعطى الذكر وقيل هما سواء والله أعلم.
ما قولكم في رجل أعطى ابنته شيئاً من ماله الأخضر ثم رجع في عطيته وباعها، ثم تزوج امرأة أخرى ثم توفي، وقد خلف من هذه المرأة الأخرى أولاداً وأرادوا القسمة فكيف يكون مصير العطية؟
إن كانت لم تقبض العطية فله الرجوع، والتصرف فيها ببيع أو غيره يعد رجوعاً والله أعلم.
قمت بكتابة ملكية المنزل الذي أسكنه باسم أبنائي من المرأة الثانية، وكنت أقصد أن أتنازل عن المنزل الذي تقل مساحته، ولكن وقع خطأ غير مقصود في ذلك، فهل يجوز لي شرعاً إستبدال ملكية المنزل الثاني ليكون باسم الأولاد بدلاً من ملكية المنزل الأول الذي ستعود ملكيته باسمي شخصياً؟
عليك أن تعدل في العطية بين أولادك، وأن لا تؤثر أحداً على آخر من أجل أمه أو من أجل محاباة تؤثره بها، وعليه فإما أن تجعل هذه العطية للجميع، أو أن تمنح الآخرين ما يسد مسدَّ عطيتك لهؤلاء؛ وإما أن تسترد العطية من هؤلاء الذين خصصتهم بها والله أعلم. (3/239)
صفحة 958
لدي ثلاثة أولاد ذكران وبنت واحدة، وقد أعطيت كل واحد منهم بيتا خاصا به، ليس عليه ضمان أو حق عليّ لهم به هبة مني لهم، ولكن علي مرّ الزمان لهم أرمنهم غلا قلة الإحسان والمعروف وعدم الاهتمام، لذا فهل يصح لي أن أرجع عن عطيتي هذه، وهي حسبما ذكرت بأنها هبة وليست عن حق واجب علي لهم؟
المسألة فيها خلاف إن كانوا قد أحرزوا العطية، فإن رأيت أن تتغاضى وتسكت فذلك أولى، و إلا فلك أن تأخذ بالرأي الآخر والله أعلم.
ما حكم التهادي بين المسلمين و المشركين؟ وهل قبل رسول الله _صلى الله عليه وسلم _هدايا المشركين؟ (3/240)
صفحة 959
نعم، قبل الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ هدية المشركين، فقد أخرج الترمذي من طريق الإمام علي ـ كرم الله وجهه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أهدى إليه كسرى وقبل هديته، وأنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أهدى عليه قيصر وقبل هديته، وأنه أهدى إليه مشركون وقبل هداياهم(1)، وجاء أيضاً أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أهدى له حاكم القبط بمصر جاريتين وبغلة وأشياء أخرى فقبلها منه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأخذ إحدى الجاريتين لنفسه وهي ماريه التي ولدت له إبراهيم ابنه ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ، وأعطى الأخرى حسانا(2) وهذا يدل على جواز قبول هدية الكفار، وكذلك في رواية بلال ـ رضي الله تعالى عنه ـ أنه تحمل ديوناً فدعاه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فوجد على باب بيت الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أربعاً من النوق محملات، فقال: له النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ جاءت الفرج من عند الله، وقال له بأن هذه النوق بجميع احمالها أهداها إليك ـ صلوات الله وسلامه عليك ـ عظيم فدك، وقال له هي لك وما عليها من طعام وكساء وهذا دليل على جواز قبول هدية الكفار ولكننا في المقابل نجد دليلاً آخر يدل على خلاف ذلك، فعن عياظ بن حمار المجاشعي ـ رضي الله تعالى عنه أن أهدى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قبل إسلامه ـ ناقة، فقال له النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: هل أسلمت؟ قال له: لا قال له ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ "إني نُهيت عن عطاء المشركين"(3)، أو كما قال له ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ وهذا الحديث أختلف في الجمع بينه وبين الأحاديث الأخرى، منهم من قال بالتناسخ، وقد إختلف العلماء أيهما نسخ الآخر، قيل: هذا ناسخ لتلك الروايات، وقيل بل هي ناسخة له، ومن المعلوم أن النسخ يتوقف على معرفة التوقيت، بحيث يعرف القائل بالنسخ متى ورد الدليل الناسخ، ومتى ورد الدليل المنسوخ، وهذا أمر يتعذر في مثل هذه الحالة، فلذلك لا يمكننا أن نقول بالنسخ، (3/241)
صفحة 960
على أنه لا ينبغي أن نذهب إلى النسخ مع إمكان الجمع ما بين الدليلين، والجمع متيسر، وذلك بأن يقال بأن الامتناع منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن قبول عطايا المشركين إنما كان ذلك لسبب، وذلك عندما يعرف أنهم يريدون أن يشتروا بعطاياهم ولاءة ـصلى الله عليه وسلم ـ لهم، فلذلك امتنع في مثل هذه الحالة من قبولها، على أنه جاء في رواية عن أسماء بنت أبي بكر ـ رضي الله تعالى عنها ـ أن أمها وفدت عليها بهدايا وامتنعت من قبول هدايا أمها، ولكن سألت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن قبولها لهدايا أمها وعن صلتها لأمها، أي أن تهدي هي لأمها وتصلها، وكانت أمها على الشرك، فأمرها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن تقبل هداياها وأن تصلها(1)، ونزل في ذلك كما جاء في رواية البخاري، قول الله تبارك وتعالى: { لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوا من ديركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين } (2)، وهذا يعني أنه عندما يكون التهادي بين مسلم وغير مسلم لا لأجل التأثير على نفسية المسلم، ولا المعاداة البالغة من غير المسلم للمسلم بحيث يتقوى بتلك الهدية على حربه للمسلمين، فلا مانع من أن يكون هنالك تواصل، ومن المعلوم أن الهدايا التي تكون بمناسبات غير مشروعة في الإسلام ـ كعيد الميلاد مثلاً ـ لها أثر في اجتذاب نفوس المسلمين عندما يتقبلون هدايا النصارى في هذه الحالة، أو عندما يهدونهم هم، فذلك اعتراف ضمني بهذه المناسبة التي يهدون من أجلها او يتقبلون الهدية من أجلها، فلذلك نرى في مثل هذه الحالة فلا مانع من قبول هديتهم، ولا مانع من إعطائهم الهدية، والنص الصريح في قول الله تبارك وتعالى: { لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوا من ديركم أن تبروهم } (3) دليل على جواز الإهداء إليهم في غير حالة حرب، بحيث يتقوون بهذه الهدية على حرب المسلمين، بل وإن كانت فيهم عداوة ويضمرون الكراهية للمسلمين، (3/242)
صفحة 961
ويرجى بهذه الهدية أن يلان جانبهم، أو أن يقل عداؤهم للإسلام والمسلمين، فلا مانع في أن يهدى إليهم في مثل هذه الحالة، والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ دفع إلى المشركين أيضاً هدايا، فقد أهدى ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ رسولي كسرى إليه منطقة(4) من ذهب، وعمر بن الخطاب ـ رضي الله تعالى عنه ـ كسى أخاه الذي كان على الشرك ثوباً من حرير أعطاه إياه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ(5) وهذا مما يدل على جواز إهداء المسلم لغير المسلم والله تعالى أعلم.
بعض الناس يحتفلون بأعياد ميلادهم سنوياً، فما حكم الإسلام في ذلك؟ وهل يجوز إعطاؤهم الهدية في هذه المناسبة؟
هذا من تقليد غير المسلمين، وهو غير جائز شرعاً، ولا يجوز الإهداء في مثل هذه المناسبات.
هل على المسلم أن يتقبل هدية الكافر أو النصراني ـ أياً كان نوعها ـ أم يرفضها؟ (3/243)
صفحة 962
أنا أتعجب ممن يقول الكافر أو النصراني! وهل النصراني غير كافر؟ هذا الأمر نبهنا عليه كثيراً، ولكن الناس يتاصممون عنه، فالله تبارك وتعالى يقول: { لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة } (1)، ويقول: { إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية } (2)، ويقول الله سبحانه وتعالى: { لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة } (3)، ويقول: { لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم } (4)، فماذا عسى أن يكون الكفر إن كان النصراني غير كافر؟ فمن أين جاءوا بهذا الرأي؟ وأتعجب كثيراً من التفرقة بين الكافر والنصراني! على أننا نقول بأن القول الراجح الذي عليه جمهور العلماء أن الكافر الكتابي هو مشرك، فالقرآن يدل عليه، فالله تبارك وتعالى يقول في أهل الكتاب: { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو سيبحانه عما يشركون } (5)، فقال سبحانه: { عما يشركون } ، فإذاً هم يشركون لاتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، ولئن كانوا يشركون فهم مشركون، إذ لا يمكن أن يقال في أحد مشرك وهو غير مشرك؟ وكذلك نجد أن الله تبارك وتعالى يقول { : يأيها الذين أوتوا الكتاب ءامنوا بما نزلنا مصدقاً لما معكم من قبل أن نطمس وجوهاً فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولاً } (6)، ثم يتبع ذلك ما يدل على توعدهم على شركهم عندما قال إثر ذلك { : إن الله لا يغفر أن يشرك به ولكن يغفر لمن يشاء } (7)، وهذا واضح، فإذاً لا معنى للتفرقة بين الكافر والنصراني، والمسألة أجبنا عليها.
هل يجوز في وقتنا الحالي قبول شيء من شخص لا يصلي ولا يصوم؟
إن لم يكن في ذلك تشجيع على تركه للصلاة وتركه للصيام فلا مانع من قبول هديته، إذ ليس هو أشد من المشركين والله أعلم. (3/244)
صفحة 963
ما رأي سماحتكم في هدية المقترض للمقرض؟
جاء عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ النهي عن إهداء المقترض للمقرض(8)، إلا أن يكون بينهما التهادي من قبل، وكان هذا الإهداء بسبب الاقتراض وإنما لما بينهما من صداقة قائمة من قبل، وجاء في رواية: "كل قرض جرَّ نفعاً فهو ربا"(9)، وهذه الرواية وإن كانت ضعيفة الإسناد إلا أنها تقوى بالإجماع، فإن الإجماع قد انعقد على عدم جواز انتفاع المقرض من المقترض بأي شيء في مقابل القرض الذي أقرضه إياه والله تعالى أعلم.
جماعة في بلدة طُلب منهم جمع تبرعات لبناء مكتبة تكون تابعة لها، وتم جمع هذه التبرعات، ولكن حدثت بعض الأمور التي أدت إلى تأخير بناء هذه المكتبة، فعرض بعض الإخوة فكرة بتطوير غرفة تابعة للمسجد لتقام عليها المكتبة في الوقت الحاضر إلى أن تتيسر تلك الأمور ويتم بناء المكتبة، فهل يصح لنا استخدام هذا المبلغ الذي تم تجميعه دون أن نعلم من تبرع بذلك، علماً بأنه قد يقع حرج بفعل ذلك، أي بإخبار كل من تبرع؟
ليس له ذلك، إلا إن وافق المتبرعون جميعاً على تحويل ما تبرعوا به إلى هذه الغرفة الموقوفة والله أعلم. (3/245)
صفحة 964
توفي رجل وترك أولاداً منهم البالغ ومنهم الصبي، وقد مُنح بعض هؤلاء الأولاد راتباً من الضمان الاجتماعي، والأولاد الذين كان لهم الراتب هم ثلاثة، وكان أكبرهم في وقت وفاة أبيه في أول المرحلة الثانوية، وكان لا يطالب إخوته الذين أصغر منه بشيء من الراتب لعدم الحاجة إليه، وكان الراتب طوال هذه الفترة يُصرف في الصالح العام للأسرة كحاجات المنزل وما شابه ذلك وبرضى وكيل هؤلاء الأيتام، وبعد أن أتم الأخ الأكبر من الذين يحق لهم الراتب المرحلة الثانوية كانت حاجته إلى الراتب، إلا أنه بعد التخرج من الثانوية كان لا يحق له الراتب حسب قانون الضمان الاجتماعي، فهل له الآن أن يطالب بشيء من الراتب بدعوى أنه لم يأخذ شيئاً منه طيلة ثلاث سنوات، مع العلم أن الراتب حالياً يُسلم باسمه هو؟ وهل له أن يطالب بحقه في الثلاث سنوات الماضية متعللاً بحاجته إليه ولأنه يتحمل إيجار المنزل ويدفع مصروفات الأكل والشرب والكهرباء وغير ذلك من المصروفات في فترة الدراسة بعد الثانوية؟ وإذا كان له ذلك، فهل له أن يطالب إخوته الأصغر منه الذين يستلمون الراتب ـ وهم بلَّغ ـ أم يطالب وكيل إخوته؟
ما سكت عنه من حقه من قبل في ميقاته ليس له الرجوع إليه من بعد والله أعلم. (3/246)
صفحة 965
رجل لديه عدة أولاد، فقام ببيع مزرعته لأحد أبنائه بمبلغ ألفي ريال عماني، وتم توثيق ذلك بصك شرعي، ومضى على ذلك عام كامل دون أن يستلم الرجل من ابنه أي جزء من المبلغ المتفق عليه، وذلك لضعف حالته المادية، لا سيما أنهم يعيشون من منزل ذلك الابن ويقوم بالصرف على والده وإخوته، فهل يجوز للرجل أن يتنازل عن ثمن الأرض بالكامل لابن؟، وإذا كان الجواب بلا، فكم الثمن المعقول كجزء من الألفين يطالب به ربع أم نصف المبلغ؟، وإذا تعذر ذلك فهل يحق للرجل أن يستلم من ابنه مبلغاً ولو كان زهيداً، ويظل يطالبه بباقي المبلغ حياً كان أو ميتاً يؤديه له أو لورثته؟، وهل يلحقه إثم عندما ميّز ابنه هذا وباعه جزء من المزرعة، وكان قصده مساعدته نظير إحسانه لوالديه دون رغبة منه في شرائها؟
إن كان ما يقوم به الابن من نفقات على الأسرة بأكملها يوازي هذا المبلغ الذي يتنازل عنه أبوه له فلا مانع من هذا التنازل، والله يوفقكم للخير والله أعلم.
أنا امرأة في الخامسة والخمسين من عمري، ولديّ أربع بنات وولدان، وجميعهم متزوجون ومستقرون في بيوتهم عدا ولدي الأصغر الذي ما زال أعزباً، وأنوي تزويجه وهو ولد مطيع لي وبار بي، وقد بذل الغالي والرخيص لمعالجتي في الخارج ثلاث مرات، ويوجد لدي منزل باسمي أريد أن أكتبه باسمه، فهل يحق لي ذلك؟
لا يجوز إيثاره على إخوته، وإنما لك أن تعوضيه بمقدار نفقاته التي أنفقها عليك فقط، اللهم إلا إن رضي جميع إخوته وأخواته بمنحه المنزل فلا حرج عندئذٍ والله أعلم.
العارية:
من أعير عارية فتلفت من غير تقصير منه، فهل عليه ضمانها؟ وهل يجوز اشتراط الضمان في العارية؟
لا ضمان عليه إن لم يقصر، إلا أن اشتُرط عليه الضمان، وذلك جائز لقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عندما استعار أدراع صفوان بن أمية "ولكن عارية مضمونة"(1) والله أعلم. (3/247)
صفحة 966
إذا خالف المستعير في استعمال العارية بحيث استخدمها في غير ما استعارها من أجله أو فرط في الاستعمال، فما عليه في حالة تلفها أو عدم تلفها؟
نعم عليه الضمان في كلتا الحَالتين والله أعلم.
فيمن استعار عارية لمدة معينة فتوفي المعير قبل انتهاء مدة الإعارة، فهل يجوز للمستعير استعمال العارية إلى نهاية المدة المتفق عليها؟، وإذا توفي المستعير، هل يجوز لورثته إكمال مدة الإعارة؟
بوفاة المعير انتقل الملك إلى ورثته، فليس للمستعير أن يستعمل العَارية في هذه الحَالة، إلا إن أذن له الورثة وهو جميعاً أهل للإذن، وإن مات المستعير فقد انتهت الإعارة لأنها أعيرت له دون ورثته، فليس لهم استعمالها إلا بإذن صَاحبها والله أعلم.
هل يجوز لمن استعار عارية أن يعيرها لغيره بغير إذن صاحبها؟
ليس له ذلك، وإن فعل فهو ضامن والله أعلم.
الغرر:
هل يجوز لشخص أن يعطي شخصاً آخر حيوانات ليراعها، ويتقاسما بينهما ما ولد؟ وما الدليل على جوازه وعدمه؟
ذلك غير جائز، لما فيه من الغرر، وقد نُهي عن عقود الغرر( ) والله أعلم.
1-رجل أعطى ناقة سباق لآخر على أن يقوم بشأنها ويتحمل الخسائر، وصاحب الناقة لا يتحمل شيئاً، وفي حالة فوز الناقة في السباق وابتاعت فعلى هذا الآخر أن يعطيه شيئاً شرطه عليه من قبل مثل تسعة آلاف ريال أو خمسة آلاف ريال، فهل تجوز هذه المسألة؟ وإذا لم تجوز، فماذا عليه علماً بأنه لم يكن يعلم سابقاً؟
2- بعض الناس يفعل نفس الشيء مع اختلاف بسيط، وهو أن صاحب الناقة يعطي الناقة لشخص يقوم بشأنها مع أن صاحب الناقة يأخذ مقداراً من النقود في البداية حسب الاتفاق حوالي ألف ريال أو تسعمائة ريال، وإذا فازت وابتاعت يأخذ صاحب الناقة مزيداً من النقود وإذا فشلت هذه الناقة يأخذ الناقة من قام بها، وتكون النقود الذي أخذها صاحب الناقة أولاً عنده ولا يرجعها، ما رأيكم في ذلك؟ (3/248)
صفحة 967
هذه معاملة باطلة على كل الوجهين لما فيها من الغرر، ففي الصورة الأولى لا يدري الرجل الثاني – غير صاحب الناقة – هل تذهب معاناته سُدىً ويخسر كل ما أنفق في القيام بالناقة إن لم يتم بيعها بربح، أو ينال حظاً من ربح البيع، وفي الصورة الثانية يجتمع مع الغرر بيعان في بيع، وكل من ذلك حرام في الإسلام، مع أن الغرر شبيه بالميسر الذي حرمه الله بالنص، فكلتا المعاملتين باطلة لا تجوز والله أعلم.
وجوه الإنفاق:
يقوم بعض الناس بإنفاق أموالهم في أمور لا تؤدي إلى الإصلاح والخير، بينما تنقبض نفوسهم عن الإنفاق في جوانب العلم كالتدريس والكتب، والتبرع برحلات العمرة للطلاب المحتاجين من أهل العلم، فما نصيحتكم لهم؟
نصيحتي لهؤلاء أن يتق الله ولا ينفق المال إلا في ما يرضي الله، يذكر أن بعض ما نزل على الأنبياء السابقين: يا ابن آدم لماذا تشتري النار بثمنٍ غالٍ ولا تشتري الجنة بثمنٍ رخيص؟ وفسر العلماء أن اشتراء النار بثمن غالٍ أن ينفق النفقات فيما حرم الله، ولا ينفق النفقات ـ ولو كانت يسيرة ـ فيما أمر الله.
الدلالة والتعارف:
ما المقصود بالدلالة والتعارف؟ وما الفرق بينهما؟ وما ضوابط كل منهما؟ (3/249)
صفحة 968
الدلالة أن تطمئن نفس أحد من الناس إلى أحد غيره أنه لا يجد في صدره حرجاً أن يأكل ذلك من ماله، بل لو أبصره يأكل لسره ذلك لما بينهما من الألفة والمودة والانسجام، وشرط جوازها أن يكون الآكل لو أبصره صاحب المال لما داخله شيء من الحياء والريبة، فإن الحياء دليل عدم الاطمئنان، والأصل لها قوله سبحانه وتعالى: { أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت ءابائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم } فإن الأكل من مال الصديق في غيبته باطمئنان هو الدلالة، وأما التعارف أن يتعارف أبناء المجتمع الواحد على أمر يتعلق بأموالهم لا يجدون فيه حرجاً، كالذي جرى به العرف عندنا في عُمان من استعمال مياة الأفلاج للغسيل والوضوء وتغسيل الملابس واستعمال البيوت، وكالتقاط ما يتساقط من ثمر النخل غير المجدر في غير وقت هبوب الرياح، ومثل ذلك ما أدركنا عليه الناس في زنجبار من إباحة رعي الماشية في الأعشاب النابتة في أموال الغير، والانتفاع بما يتساقط من ثمار تلك الأموال، والزرع في أراضيها بدون استئذان أصحابها، وهذا كله سائغ ما دام الكل قد تعارف عليه والله أعلم.
الدلالة والتعارف هل يجريان على أموال الأيتام والمجانين والمساجد والقصّر ومن لا يملك أمره؟
أما الدلالة فلا؛ لأنها لا تكون في مال من لا يملك الإذن، وأما التعارف فنعم، لأن هؤلاء يجري على أموالهم ما يجري على أموال غيرهم، كيف والأفلاج التي ينتفع الناس بمياهها قد يكون من بين أربابها الصبي والمجنون والغائب والمسجد وغير هؤلاء والله أعلم.
ثلاثة أشخاص بينهم تعارف إذا أراد الأول مبلغاً من المال أخذه من الثاني وإذا أراد الثاني أخذه من الثالث وهكذا، ولا يكتب كل منهم المبلغ الذي يأخذه صاحبه والذي يعطيه إياه، ولا يعرف كل واحد منهم الذي له والذي عليه. (3/250)
صفحة 969
فهل يعتبر هذا قرضاً؟ وماذا يجب عليهم؟ وهل يجوز التعامل بمثل هذه الطريقة؟
إن كانوا متراضين بأن يأخذ كل منهم من مَال الآخر حَاجته من غير رد فليس ذلك بقرض، وإلاَّ فهو قرض والله أعلم.
رجل يمتلك قطعة أرض مزروعة بمحصول الذرة (علف للمواشي)، فتقدم شخص آخر لشراء المحصول، فاشترط صاحب الأرض أن يقوم المشتري بقطع المحصول بنفسه، وأثناء القطع وجد المشتري خلية نحل في وسط المحصول، مع عدم علم البائع بوجودها، فهل يصح للمشتري أخذ الخلية؟
إن كان ذلك مما تسمح به النفس عادة في عرف الناس في ذلك البلد فلا حرج في أخذها، وإلا فرب الأرض أولى بها ولا يحل أخذها بغير إذنه والله أعلم.
ما قولكم فيمن يكلف عامله بدفع مبالغ تجديد بطاقته سنوياً؟
إن كان تجديد بطاقة العامل مما يتحمله العامل عرفاً فلا مانع من أخذ تكلفة ذلك منه، وإلا فبحسب العرف والله أعلم.
ما حكم استخدام أجهزة ومعدات الدولة من قبل الموظفين في قضاء حوائجهم الشخصية مثل استخدام السيارات والهواتف والأدوات القرطاسية والمكتبية ودور الضيافة........ إلخ والخروج من العمل في وقت الدوام الرسمي؟
إن كان ذلك بموافقة من له الحق في الموافقة على ذلك فنعم. وإلا فلا والله أعلم.
من جعل لرجل أن يأكل من ماله ويطعم غيره ولم يحد فيه حدا، بل قال له: أنت في حل فيما يستقبل فيما أكلت من مالي أو أطعمته أحداً، فهل له أن يأكل من ماله أو يطعم غيره متى أراد؟
بما أنه أذن في ذلك فهو مباح له متى أراد أن يأكل من ماله أو يطعم غيره، إلا إن حد له في ذلك حدا، فعليه أن يقف عند الحد الذي حده والله أعلم.
اللقطة:
كيف يتم تعريف اللقطة؟
يقول: من ضاع له مال فليخبرني، ثم ينظر في كلام المخبر هل يتفق مع وصفها من جنسها ونوعها وكذلك ظرفها إن كان لها ظرف والله أعلم.
ماحكم اللقطة إذا أخذها الإنسان في صغره ولم يعرفّها؟ وماذا يجب ما عليه بعد أن بلغ سن التكليف؟ (3/251)
صفحة 970
إن كان قصر في تعريفها ولم يتمكن من تعريفها فيما بعد، فليدفعها إلى فقراء المسلمين أو قيمتها إن تلفت والله أعلم.
ما الحكم فيمن وجد لقطة النقود في عصرنا هذا، كورقة ريالٍ واحد أو ما كان أكثر منها أو أقل؟
إن أمكنه تعريفها بشيء كالأرقام مثلاً فليعرفها، وإلاَّ فليدفعها إلى فقراء المسلمين والله أعلم.
رجل أخذ لقطة في بلدٍ كان يعمل أو يدرس فيها، ولم يرجعها إلى أصحابها بل كان منه أن أخذها ولم يعرّفها، ثم رجع إلى بلاده، وقد مضى عليها زمان، ماذا عليه؟
يدفعها إلى فقراء المسلمين والله أعلم.
رجل لقط ريالاً عمانياً قدّام محل تجاري، ولم يعرف صاحبه، ماذا يفعل به
يعطيه لفقراء المسلمين والله أعلم.
ما قولكم في شخص التقط مالاً ولم يعرفه، وقام بشراء بعض الحاجيات منه كشراء الكتب والملابس، فهل هذا حلال أم حرام؟
إن كان مَا التقطه يمكن تعريفه بشيء مما يعرف، فإنه يجب عليه أن يعرفه بقدره، فإن لم يظهر له صَاحب ففقراء المسلمين أولى به، وإن كان هو نفسه فقيراً فلا حرج عليه إن انتفع به، وإن كان لا يمكن تعريفه بشيء ففقراء المسلمين أولى به من أول الأمر، وإن كان هو فقيراً جاز له أخذه والله أعلم.
ما قولكم فيمن لقط ساعة، أيجوز له الاستفادة بوقتها من خلال النظر إليها؟
لا مانع من ذلك، إن كان ذلك بدون تشغيلها، وإنما كانت مشتغلة من قبل والله أعلم.
ما قولك في رجل عثر على دابة وقام بتعريفها ولكنه لم يجد لها صاحباً، وظلت عنده سنة أو سنتين وولدت فما حكمها؟
إن كان ربها لم يعرف، فإن كان هو فقيراً فهو أولى بها، وإلاَّ ففقراء المسلمين أولى بها والله أعلم.
إذا وجد رجل نقوداً في مكة خلال أيام الحج بوسط طريق المركبات وتكاد أن تتلف، وأخذها ووضعها في الصناديق الموجودة أمام الحرم المخصصة للفقراء والمساكين، هل هو أصاب أم أخطأ؟ وماذا عليه أن يفعل إذا كان أخطأ؟
عليه أن يبحث عن صَاحبها، فإن آيس منه دفعها لفقراء الحرم والله أعلم. (3/252)
صفحة 971
يقوم بعض أصحاب محلات غسل الملابس ببيع الملابس التي لم يراجعهم أصحابها بعد مدة طويلة، فهل يجوز الشراء منهم لغرض توزيعها على المحتاجين؟
إن كان آيس من معرفة أصحابها، فلا حرج في ذلك والله أعلم.
رجل يعمل في شركة من الشركات، وتعمل هذه الشركة على رمي بعض الأغراض وقد تكون هذه الأغراض صالحة للاستعمال في خندق، ثم يهال عليها التراب، والسؤال: هل يحق لأحد الموظفين أخذ هذه؟
نعم هي حلال، ولا يجوز إتلاف المال النافع والله أعلم.
شاب يدرس في إحدى المؤسسات التعليمية، وكان قاطناً في السكن الداخلي للطلاب، وكان منه أخذ شيئاً مما يوزع على الطلاب ويُطلب منهم إرجاعه عند نهاية السنة الدراسية كالفراش مثلاً، وقد استعمل ما أخذه سنين، فماذا يجب عليه الآن؟
إن تعذر عليه رجعه، فليدفعه أو قيمته إلى فقراء المسلمين والله أعلم.
هل يضمن من وجد لقطة أو عنده مال مجهول ربه إذا دفعه إلى الفقراء ثم وجد صاحبه؟ وهل في ذلك فرق بين الغني والفقير؟
المشهور أنه يخير صاحب اللقطة بين قيمتها وأجر التصدق بها، فإن اختار قيمتها فعلى من أنفقها أن يعوضه عنها، وإن اختار الأجر فذلك خير له، وذهب الإمام أبو نبهان والسيد العلاَّمة مهنا بن خلفان ـ رحمهما الله ـ إلى أن من عرّف ولم يقصر ثم دفعها إلى الفقراء فليس عليه ضمانها، وقولهما من القوة بمكان، فإن ذلك الذي صنعه هو الواجب عليه، ولا تشغل ذمة أحد بأمر واحد مرتين، فإن أداه كما وجب عليه فقد برئت بذلك ذمته، وقد أحسن صنعاً فيما عمل، والله تعالى يقول: { ما على المحسنين من سبيل } (1) والله أعلم.
إذا وجد شخص نقوداً من مائة بيسة إلى ريال، فهل يعرِّفها سنة؟
يعرفها إلى أن يرى أنه لن يجد صاحبها حسب ما في نفسه والله أعلم.
إذ وجد شخص ساعة مثلاً وعرَّفها فلم يجد صاحبها، فهل يتصدق بها هكذا أم يبيعها ويتصدق بثمنها؟ وهل يدفع قيمة النقود لفقير واحد فقط؟
كل ذلك جائز والله أعلم. (3/253)
صفحة 972
من وجد مالاً في مكان عام، فهل يجوز أخذه( وهل هناك فرق باعتبار كمية ذلك المال؟ وإن كان لا يجوز، فكيف يتنصل من أخذه( وهل هناك فرق إذا كان الواجد له غنياً أو فقيراً(، مع العلم أن واجده لا يعلم صاحبه؟
إن كانت للمال علامة معرّفة فهو لقطة، واللقطة يجب التعريف بها إلا إن كانت من القلة بحيث لا تشح النفس بها عادة فيجوز أخذها لغير معرف، وإن أخذها وعرَّف بها ولم يظهر صاحبها وأيس من معرفته فهي لفقراء المسلمين، فإن كان اللاقط نفسه فقيراً فله الانتفاع بها بعد التعريف واليأس من معرفة صاحبها، وإن كان غنياً فليدفعها لفقراء المسلمين، وأما ما لا علامة له معرفة فالفقراء أولى به إن لم توجد وسيلة إلى معرفة صاحبه، ومن أخذه بغير وجه شرعي فخلاصه أن يرده إلى الوجه الشرعي والله أعلم.
المال المجهول:
هل يمكن الشراء بالمال المجهول أربابه بعض ما يخص طلبة العلم وتوزيعه عليهم؟
إن كانوا فقراء فنعم، لأن فقراء المسلمين أولى به والله أعلم.
رجل اشترى مالاً مسروقاً وهو يدري أنه مسروقُ من أحد العباد، وهو غير معروف في الحال ولا موجود ولا ورثته، فما يجب على المشتري وما يلزمه؟
إن لم يكن له وجود ولا لورثته، وتعذر الوصول إليهم، فمرد حقهم إلى فقراء المسلمين والله أعلم.
ما تقول في رجل صاحب ورشة يصلح إطارات السيارات، وترك عنده إطار سيارة وظل عنده مدة وصاحبه لم يرجعه إليه، هل يجوز بيعه أم يترك إلى أن يجئ صاحبه؟
يباع ذلك الإطار، وتُعطى قيمته لفقراء المسلمين، لأنه مال جهل أربابه ففقراء المسلمين أولى به، قياساً على اللقطة والله أعلم.
أطفال احضروا بعض الأواني إلى المنزل، ولا يُعرف أصحابها، فكيف يُتصرف بها؟
حكم هذه الأواني حكم المَال المجهول ربه، فإن عرف صَاحبها أعطيت له، وإلاَّ أعطيت الفقراء والله أعلم.
نرى بعض الناس ينذرون عند العيون وغيرها فيرمون عندها بعض النقود والمأكولات؟ ما حكم أخذ تلك النقود؟ (3/254)
صفحة 973
هي مجهولة الأرباب، وفقراء المسلمين أولى بها، فإن كان آخذها فقيراً فلا حرج عليه والله أعلم.
مال اليتيم وفاقد الأهلية:
مال ونخيل لرجل معتوه ومريض عاش مع أخته لسنين طويلة، وهذا المال لا يستفيد منه شيئاً وخسارته أكثر من ربحه، ويحتاج إلى رعاية وإصلاح، وليس هنالك من أحد له وليس منه دخل، فما رأي سماحتكم في التصرف في مال هذا اليتيم المريض المعتوه؟
إن كان المال لا دخل فيه فلكم بيعه على نظر العدول ذوي الخبرة في شئون الأموال، ويستعاض بثمنه عقار له ريع، يعود ريعه على صاحب المال بالإنفاق عليه منه والله أعلم.
رجل أصيب بسبب حادث بخلل في عقله، وقام يبعثر أمواله، فقمنا بإعطائه مبلغاً قدره عشرون ريالاً، واستمر على ذلك، ثم اشتكى مع القاضي ورفع المبلغ إلى أربعين ريالاً، فهل له ذلك أم لا يسمح له بتبذير ماله؟
إن ثبت بما لا ريب فيه اختلال عقله وفقدان توازنه، فيجب أن لا يسمح له بأن يبذر مَاله والله أعلم.
هل يجوز بيع مال اليتيم الأخضر الذي لا غلة فيه، وتكاليفه باهظة؟
يجب أن تراعى في مال اليتيم مصلحته، لقوله تعالى: { ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير } (1) والآية على إطلاقها، فتقيد جواز بيع ماله مع تيقن مصلحته في ذلك، وقاعدتا دفع المفسدة وجلب المصلحة معروفتان في الشرع، وليس من مصلحة اليتيم أن يترك ماله لاستهلاك خدمته حتى يفنى أو تتراكم الديون عليه، ومن المعلوم أن العقار في وقتنا هذا أجدى نفعاً وأكثر ريعاً وأقل مؤنة من المال الأخضر، فلا مانع من أن يستبدل مال اليتيم الأخضر عقاراً ما دامت المصلحة تقتضيه، شريطة أن يتم ذلك على أيدي الأمناء العدول ذوي الخبرة في شئون الأموال، وتحت إشراف الشرع الشريف. والله أعلم.
يوجد لأيتام ماء في فلج، ولكهم لا يملكون أرضاً يسقونها بذلك الماء، فلا يستفيدون منه، فهل يجوز بيع مائهم؟ (3/255)
صفحة 974
تراعى مصلحة اليتيم في ماله، فإن اقتضت المصلحة بيعه مع الاستعاضة عنه ما هو انفع وأجدى له فلا مانع منع، شريطة أن يتم ذلك على أيدي الأمناء ذوي الخبرة في مصالح الأموال والله الموفق.
أيتام توفي والدهم فقيراً معدماً وبقوا عند أمهم، إلا أنهم يعانون من ضيق المعيشة، وبيتهم تأثر من جراء الأمطار ومحتاج إلى صيانة، وقد ترك لهم والدهم شيئاً من النخيل، والآن ترى والدتهم أن تبيع هذه النخيل فتقوم بإصلاح البيت وتستعمل الباقي في مستلزمات المعيشة الضرورية، بعد أن يعطى الأولاد البالغون حقهم من المبلغ والبالغون اثنان وهما موافقان على البيع، وهذه الضرورة تلجئها إلى ذلك، لأن الراتب الضئيل الذي تتقاضاه هذه الأسرة لا يفي بمستلزماتها، وإذا رأيتم ذلك فإننا نرى أن تعين الأم وكيلة عن الأيتام في البيع وقبض الثمن، إذ إنه لو وكل غيرها لاحتاج إلى عناء، وهذا سيشكل عبئاً على الأيتام؟
أرى أن تراعى في ذلك مصلحة الأيتام فإن اقتضت الضرورة الملحة بيع المال فلا حرج في ذلك، وإن أمكن تفاديه بطريقة أو بأخرى فلا مجال للبيع لوجوب المحافظة على أموالهم، وتوكيل الأم إن اقتضته المصلحة لا مانع منه والله أعلم.
لي زوجة توفاها الله تعالى وتركت مالاً به صك شرعي إقراري لها به، وتركن أبناء ثمانية ست منهم صغار السن تحت كفالتي، وطلبت من الشخص المستأمن للصك الشرعي تسليمي الصك بصفتي شريكاً في الورث ومسئول عن أبنائي، ولكنه عارض، فهل من حقي ضمان حق أولادي وقبض وحفظ ما لديهم من أوراق وأموال، بما أني والدهم وأدرى بمصالحهم؟
احفظ أموال أولادك تحت إشراف الجهة المسئولة عن القُصَّر في الدولة والله أعلم.
ما قولكم في هالك ترك أيتاماً ومزرعة اقترض لها من البنك بالربا، وأراد وكيل الأيتام بيعها فرفض البنك إلا بتسديد المبلغ مع الربا؟
الربا حرام، وعلى الوكيل أن يراعي مصلحة الأيتام: { ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير } (1) والله أعلم.
الضمانات: (3/256)
صفحة 975
ما حكم الضمان الذي يقدمه البائع للمشتري على السلعة التي يشتريها منه، فقد يكون الضمان أبدياً أو لسنة، أو محدداً بمقياس آخر كعدد ساعات العمل، أو عدد الكيلومترات المقطوعة، كأن يشتري بحيث يقوم البائع بإصلاح الساعة أو استبدالها إذا أصابها شيء، فما الحكم في ذلك؟
إن كان الضمان غير محدود بحد زمني ولا غيره فهو غير جائز، فإن كان محدوداً بحد ولم تكن به جهالة فهو سائغ والله أعلم.
رجل لديه مبلغ الف درهم وذهب ليستبدلها بعملة عمانية، وقد أناب صديقاً له كان برفقته ليستبدل له الدراهم بعملة عمانية، وعند وصول صاحبه إلى المحاسب أخطأ المحاسب وأعطاه زيادة ضعف مبلغه، فأخبر نائبه صاحب المبلغ لهذه الزيادة ولكنه أصّر على أخذها، وقد أعطى صاحب المبلغ نائبه مبلغاً بسيطاً من هذه الزيادة، وقد توفى الله صاحب المبلغ. فما قول سماحتكم في هذه الزيادة على من تكون ضمانتها هل على صاحب المبلغ أم على نائبه الذي استلم الزيادة من يد الصّراف، أم عليهما معاً، كل يضمن المبلغ الذي أخذه؟
الضمان يتعلق بذمة كل واحد منهما، ولكن إن أدّاه صاحب المبلغ سقط عن واسطته، و إلاّ فإن ذمته تظل مشغولة به أيضاً، لأنه كان عليه أن يرجع إلى المحاسب بالزيادة التي اخطأ فيها قبل أن يدفعها إلى صاحب المبلغ والله أعلم.
عن مالين أخضرين(1) متجاورين لشخصين فمالت نخلة من المال الأول على مال الشخص الآخر، وهذه النخلة مهجورة وصاحبها لا يجني ثمارها من عدة سنوات، وكاد سقوطها أن يحدث ضرراً على مال جاره، فأبلغه بإزالة نخلته لكي لا يحدث الضرر، فإذا سقطت النخلة من تلقاء نفسها او أسقطها صاحب النخلة بنفسه وأحدثت ضرر في كلا الحالتين على مال جاره ماذا يجب على صاحب النخلة؟ (3/257)
صفحة 976
على من يخشى الضرر أن يتقدم إلى صاحب النخلة المخوف منها الضرر بطلب قطعها، فإن أبى فليرفع أمره إلى القضاء الشرعي، وإن وقعت قبل أن يحكم القاضي و بعد إقامة الحجة ممن يخشى ضررها على صاحبها وأضرت به فعلى صاحبها الضمان.
رجل أوقف سيارته في أحد المساجد التابعة للحكومة في المواقف الخاصة للوقوف، وفي هذه المواقف مصابيح للإضاءة، وفي أثناء رجوعه بالسيارة أصاب شيئاً منها ولم يتلف هذا المصباح، إلا أن الإسمنت المعتمد عليه انكسر، وقد قام عمّال المسجد بإصلاحه فما يلزم هذا الرجل؟
إن كانت الحكومة متحملة لإصلاحه فلا حرج عليه والله أعلم.
ماذا يلزم المتلف لشيء من الأغراض المنزلية التابعة للحكومة، وهذا التالف لم يتعمد التلف، وهو أحد القاطنين فيها؟
كسابقه والله أعلم.
إن شركات الطيران لتضمن زبائنها تقوم بحجز مقاعد السفر للزبائن، علماً بأن عدد الزبائن يفوق مقاعد الطائرة بكثير، وفي حالة تأخر أحد الحاجزين تقوم بإحلال غيره محله، ثم تعوض ذلك المتخلف قدراً من المال، وربما تكفلت بإعطائه ما يسد نفقة بقائه ونحوها، ثم تتكفل إجراء حجز قادم له.
ما حكم أخذ هذه التعويضات؟ وهل يجوز تعمد الزبون التأخير ليحظى بها؟
إن كان يتضرر من هذا التأخير، فله أن يأخذ العوض بقدر تضرره، لأن ذلك حق له، وأما أن يتعمد التأخير لقصد الانتفاع بالعوض، فهذا من التحايل الذي لا يقره الدين والله أعلم.
لدي عمال أجانب، وبعض هؤلاء العمال هرب من العمل ولم يَعُد، وقد مضى على بعضهم أكثر من سنتين، وسمعت عن بعضهم أنه غادر السلطنة، والذي لم يصلني خبر مغادرته لا أعرف أين مكانه، ولا أعرف الأحياء من الأموات منهم، ولهم عندي مبلغ وحقوق عليَّ، فكيف أبرئ نفسي منها؟
إن تعذر التوصل إليهم وإلى ورثتهم من بعدهم، فسبيل هذه الحقوق سبيل ما جهل أربابه من الأموال، وفقراء المسلمين أولى بذلك والله أعلم. (3/258)
صفحة 977
ما قولكم في رجل اشترى بضاعة من تاجر، ثم إنه مضت عليها سنوات حتى نسي المشتري إن كان دفع له حقه أم لا، فلما سُئل التاجر قال: لا أحفظ على المشتري شيئاً؟ فماذا يلزم المشتري في ذلك؟
إن كان استدان فالأصل عدم الوفاء حتى يثبت، وعليه أن يحالل صاحب الحق في حقه والله أعلم.
ما قول سماحتكم في رجل عليه مبلغ من المال لشخص وقد توفاه الله، فأراد الذي عليه المبلغ أن يدفعه للورثة، فذهب إلى أرملتيه وأعطى كل واحدة منهن نصف المبلغ الذي عليه، علماً بأن كل أرملة لديها أولاد ذكوراً وإناث، وبعد فترة من الزمن تذكر أن من بين الورثة بنات متزوجات وعددهن أربع بنات، فهل يكفي أنه دفع المبلغ الذي عليه لأرملتيه مع أولادهما، أم يعطي البنات المتزوجات نصيبهن مرةً أخرى؟
لا بُدَّ من تأكده بأن كل ذي حق أخذ حقه، وإلاّ فليرجع لأجل أن يتراددوا الحقوق التي بينهم والله أعلم.
كنت أدرس بمعهد التدريب خارج ولايتي، وكان عليّ دين لدكاكين، لكل واحدٍ منهما مبلغ أربعمائة وخمسين بيسة عمانية، ومرَّ على ذلك أربع سنوات، والآن لديَّ النية لإرجاع هذا المبلغ، ولكن مشكلتي أنني لست متأكداً من أصحاب الدكاكين إن كانوا هم أم لا( والدين غير مسجل في ورقة، فماذا أفعل؟
اسأل صاحبي الدكاكين عن وجودهما في هذين المتجرين، هل كان في تلك الفترة التي كنت تدرس فيها، فإن كان الجواب بنعم عرفت صاحبي الحق ودفعت لكلٍ حقه، وإلا فبإمكانك البحث عمن كان في هذين الدكاكين في تلك الفترة، فإن تعذر التوصل إليهما فادفع مالهما عليك إلى فقراء المسلمين لأنه مال جهل ربه والله أعلم.
ترك رجلٌ عصاه في المسجد، ولما فرغ من صلاته لم يجد عصاه، ولكنه وجد مكانها عصاً أخرى، فوقع في قلبه أن رجلاً آخر أخذ عصاه وترك هو عصاه، فأخذ الرجل العصا وسأل عن صاحبها في الحضور فلم يعثر على صاحبها، فأخذها لنفسه واستمرت عنده قرابة السنة، فما الحكم في هذه المسألة؟ (3/259)
صفحة 978
ما كان له أن يأخذ عصا لا يعرف ربها، وبما أنه أخذها ولم يتوصل إلى معرفة ربها فإن عليه أن يتخلص منها إلى ربها، فإن لم يعرفه ففقراء المسلمين أولى بها، لأنها سبيلها سبيل المال الذي جهل ربه والله أعلم.
موظف يعمل في مصلحة حكومية يقوم بتحصيل مبالغ من المراجعين مقابل خدمة تقدمها لهم تلك المصلحة الحكومية، ويقوم هذا الموظف في بعض الأحيان بتقسيط هذه المبالغ على العميل، ثم يفاجأ في بعض الأحيان أن بعض العملاء لا يقومون بتسديد باقي الأقساط التي عليهم، وبذلك يصبح ما استلمه منهم مبلغاً ناقصاً، وليس فيه سند استلام بحيث يقوم هذا الموظف بتسجيله وتوثيقه في سجل خاص بذلك ثم يرحل إلى الجهة المختصة، فهل يستطيع هذا الموظف أن ينفق ذلك المبلغ في سبيل الخير أو على الفقراء والمساكين؟ وإذا كان هذا الموظف نفسه محتاج، فهل من الممكن أن يستفيد منه؟ علماً بأن ذلك لا يسبب ضرراً لأي شخص من زملاء العمل أو غيرهم، وكذلك لا يستطيع إشهار ذلك المبلغ أمام مسئوليه لأنه ليس فيه سند استلام؟
عليه أن يستأذن من دفع إليه المبلغ في ذلك، فإن أذن فذلك وإلا فلا، وإن جهل من دفع ولم يكن خصصه لجهة معينة فإن صرفه في جهات الخير يرجع إلى نظر القائمين والله أعلم.
رجل اخذ بعضاً من حقوق الناس في صباه، فهل يلزمه رد هذه الحقوق؟ وإن كان وجدها في الطريق وأخذها، فما الحكم؟ فإن كان الجواب بنعم، فما السبيل إلى رجع تلك الحقوق؟
ذلك يتعلق بماله فعليه رده إلى أهله، ولا يلزمه إخبارهم بأنه اختلسه منهم، وما أخذه من الطريق فهو مجهول الأرباب ومرده إلى فقراء المسلمين عن لم يعرف أربابه والله أعلم.
مجموعة من الشباب وجدوا عربتين لنقل المواد، وقاموا بأخذهما أو سرقتهما، فهل يلزمهم جميعاً دفع القيمة أو تكون فقط على الذين أخذوا العربتين فيما بعد؟ علماً بأنهم لا يعرفون أصحابها؟
بما أنهم اشتركوا في السرقة فهم شركاء في الضمان والله أعلم. (3/260)
صفحة 979
قام شخصان بسرقة سمك من إحدى الشباك الملقى في البحر ولم يعرفا صاحبها فباعوه واقتسما ثمنه، فأراد أحدهم أن يبرئ ذمته من هذه التبعة، فهل يعيد المبلغ كاملاً أم يعيد الذي أخذه مناصفة؟ علماً بأن رب أو صاحب الشباك مجهول لديه؟
إن اتفقوا على التخلص فليدفع كل واحد منابه، وإلا فإن ذمتهم جميعاً مشغولة بجميع الضمان، وهو لفقراء المسلمين إن لم يعرفوا رب الشباك والله أعلم.
بعض الشباب سرقوا بعض الأمتعة من أحد المحال، فأراد أحدهم أن يبرئ ذمته فاشتبه عليه المحل بحيث يوجد هناك محل آخر شبيه به لبيع نفس الأغراض أو قريباً منها، فهل يعيد قيمة الأشياء المسروقة كاملةً أم يعيد قيمة ما أتلف ولمن؟
كالذي قبله والله أعلم.
ذهب بعض الشباب للغوص فوجدوا بقعر البحر مشبكتين عتيقتين بهما مجموعة من سمك الشارخة فأخذوه وباعوه واقتسموا الثمن فيما بينهم، ولكنهم لم يعرفوا إذا كانت هذه الشباك مهملة أم أنها لأناس، فكيف لمن أراد منهم أن يبرئ ذمته أن يعمل، هل يعيد جميع المبلغ أم يعيد المبلغ الذي ناله فقط؟
هو أيضاً كالذي قبله والله أعلم.
كاوي ملابس أراد السفر، فما كان من بعض الشباب المتهورين إلا أن أخذوا يبعثرون الملابس الموجودة بالمحل، فماذا على من أخذ بعض هذه الملابس إن أراد أن يبرئ ذمته منها ولكنه لا يعلم أصحابها؟
عليه الخلاص بدفع قيمة ذلك إلى صاحب الملابس وإلا لفقراء المسلمين والله أعلم.
جماعة يعملون بمسقط ويسكنون في بيت واحد، فحددوا أحدهم ليتولى عنهم مسئولية دفع الإيجار لصاحب البيت وكذا مبلغ الكهرباء والماء وحتى جلب المواد الغذائية وغيرها التي يحتاجونه يومياً وهم يدفعون مبلغاً محدداً كل شهر مثلاً عشرين ريالاً، فهل على المتولي شئونهم إثم إن أخذ ما بقي من مجموع المبالغ من شيء أم يرده إليهم؟
عليه رده إليهم إلا إن سمحوا به له والله أعلم. (3/261)
صفحة 980
إذا إنسان صدم سيارة واقفة وأدى ذلك إلى إصابتها بخدش طفيف، فهل يلزمه أن ينتظر صاحبها حتى يستسمحه أم يمكن أن يذهب نظراً إلى أن هذا الحادث بسيط ولم يؤثر في السيارة كثيراً؟
العبرة بما تعارف عليه الناس، إذ الأصل أن على من أتلف شيئاً أو أفسده أن يضمنه سواءً كان قليلاً أو كثيراً، ولكن إن وقع تعارف بين الناس بأنهم يتسامحون في هذا، ولا يكون في الصدر حرج من ذلك، وكل واحد مطمئن إلى ذلك لأنه عرف عام فيما بينهم فلا حرج في هذا عند ذلك والله أعلم.
شخص تسبب أو صدم سيارة وذهب ولم يقف ثم بعد ذلك ندم وأراد التوبة، لكنه لا يعرف ذلك الشخص الذي صدمه، فماذا يلزمه؟
عليه البحث عنه، وعليه أن يرجع إلى جهات الشرطة المسئولة عن حوادث السير والمرور، فلعله أن يتوصل إلى ذلك مع ضبط التاريخ، ولكن إن تعذر عليه نهائياً ولم يمكنه الوصول إليه فهو حق المجهول ربه مرده إلى فقراء المسلمين والله أعلم.
إنسان اشترى من شخص سيارة واتفقا على البيع إلا أنهما لم يقوما بنقل ملكية السيارة، وفي خلال تلك الفترة وقع على ذلك ضمانات أو نحو ذلك، فحسب نظام الشرطة هي تتعامل مع الملكية، والتي ما زالت باسم الشخص الأول (البائع)، إلا أنهما اتفقا على البيع قبل أن ينقلا الملكية، فهذه الضمانات وهذه الإصلاحات هل يلزم بها صاحب الملكية التي ما زالت باسمه أم المشتري؟
إن تمت الصفقة بينهما فإن الصفقة هي المعتبرة في انتقال المبيع من ذمة البائع إلى ذمة المشتري، فكل ما يترتب عليه إنما يعود إلى المشتري والله أعلم.
الجوائز وأحكامها:
شخص وضع أمواله في أحد البنوك الربوية وحصل على جائزة، فما حكم هذه الجائزة؟
هي حرام، فإنها لا تأتي إلاََّ من الحرام، ولو لم تودع البنك شيئاً من المَال لمَا أعطاك جائزة والله المستعان. (3/262)
صفحة 981
عما يسمى بالجائزة أو الهدية، والتي يحصل عليها الشخص عن طريق القرعة وذلك لإيداعه مبلغاً من المال في البنك الربوي أو فتحة حساباً فيه، فما حكم أخذ هذه الجائزة؟
هذه الجائزة محرمة، لأنها في مقابل الإيداع في البنك، فهي ربا مغلف، والله يعلم السرائر، وهب هذا لم يودع في البنك شيئاً أكان يعطيه جائزة، ولأنها أتت من معاملات البنك الربوية فالله المستعان.
حصلت زوجتي على سيارة في أحد السحوبات التي أجراها البنك الربوي، فما الموقف الشرعي من هذه السيارة تأخذها أم لا؟ وإذا لم نأخذها وأرجعناها إلى البنك ألا نكون بذلك قد ساعدنا البنك بصورة غير مباشرة؟ هل لزوجتي أن تأخذا السيارة من البنك ثم أقوم بشرائها منها بمبلغ من المال ثم تقوم هي بتوزيع هذا المال على فقراء المسلمين، وألا تعتبره صدقة منها؟
هل لنا أن نعطي جزءاً من هذا المال لإحدى المكتبات العامة؟
هل تستطيع زوجتي أن تأخذ السيارة ثم تعطيها لأحد أقربائها دون مقابل؟
ما هو موقفي أنا كزوج لهذه المرأة، إذا ما أصر أحد أهلها على أن تستلم السيارة، وأنا غير راضٍ بذلك؟
السلامة في ترك هذه السيارة رأساً، اللهّم إلاَّ أن يخشى أن تصرف أو تصرف قيمتها فيما لا يعود إلاَّ بمضرة على الدين والأخلاق، فعندئذٍ تؤخذ لا تملكاً ولكن بنية دفع هذه المضرة، وتباع وتعطى قيمتها لفقراء المسلمين، باعتبارها مَالاً مجهول الأرباب، ولا ينبغي صرفها في المكتبات العَامة، لأن هذه المؤسسات خيرية لا تقام إلاّ بالأموال الطبية والله أعلم. (3/263)
صفحة 982
أنا موظفة، وجرياً للإجراء المعمول به حيال تحويل راتب الموظف إلى حسابه في البنك، فقد قمت بفتح حساب لهذا الغرض فحسب، دون أن أحصل على أي زيادة من البنك، وقد تم إبلاغي من قبل البنك بأنني قد حصلت على سيارة من نوع مرسيدس وذلك خلال السحب الشهري للبنك، غير أنني لم أراجع البنك ولم أستلم تلك السيارة، ثم تم إبلاغي من قبل البنك بأنني قد حصلت على سيارة أخرى من نفس النوع.
علماً بأنه عند سماع بعض الناس عن عدم استلامي للسيارتين كانت لهم مطالبة بالتبرع بالسيارتين لأعمال خيرية، مثل المساهمة في رصف الطرق الداخلية في الولاية أو لجمعية المعوقين أو لتوزيعها على الفقراء أو لأية أعمال خيرية أخرى، وذلك بدلاً من التنازل عن السيارتين للبنك الذي قد يدخلها في عوائده أو يعيد سحبها مرة أخرى، ويكون هو المستفيد في الحالتين، فما الحكم في ذلك؟
علماً بأن هذا البنك ربوي.
احذري من أخذ السيارتين لامتلاكهما، فإن ذلك سحت، ومَا نبت من سحت فالنار أولى به، ولكن إن اعتبرت ذلك من المال الذي جهل ربه، فيمكن أن يترخص في صرفهما إلى مصالح فقراء المسلمين، لئلاَّ يتصرف البنك فيهما بما فيه ضرر على المسلمين والله أعلم.
رجل قام بإيداع مبلغ من المال في أحد البنوك التجارية الربوية، لأجل المحافظة على هذا المال من السرقة والضياع، دون أن يقصد من إيداعه هذا المال الحصول على جائزة نقدية عن طريق القرعة، وبعد فترة من الزمن القصير حصل هذا الرجل على جائزة نقدية قدرها 30,000 ر. ع نضير إيداعه مبلغاً بسيطاً في البنك، فهل يجوز أخذ هذه الجائزة النقدية والإستفادة منها في أعمال الخير، كتوزيعه على الفقراء والمساكين أو بناء المساجد وغيرها من أعمال الخير والصلاح؟ (3/264)
صفحة 983
من المعلوم أن هذه الجائزة لم تأت من قبيل التبرع من أحد لمن دفعت إليه، وإنما مما اجتمع في المعاملات البنكية من أدران الربا، فلا يجوز أخذها، والتصدق بها غير جَائز، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وفي الحديث "لا يقبل الله صدقة من غلول" وأمَّا بناء مسجد بهذا المال فهو من باب أولى غير جائز، فإن المساجد لا تبنى إلاَّ بالمَال الحلال، حتى أن أهل العلم قالوا بعدم جواز الصلاة في مسجد بني بالمَال الحرام والله أعلم.
امرأة حصلت على سيارة في سحب البنك الربوي الذي به حسابها، علماً بأنها عند فتح الحساب وقّعت على عدم الرغبة في أي ربا، والبنك أدخل اسمها بدون رأيها في عملية السحب وقد قامت بصرف قيمة السيارة من البنك، وزوجها عليه سلفة لبنك آخر ويريد دفع هذا المبلغ له إذا صح ذلك، وإلاّ فكيف يمكن التصرف في هذا المبلغ؟
إن وافقت على ذلك فقد وافقت على قبول الربا، فالأولى لها الرفض، اللهم إلا إن كان هذا الاتفاق بين زوجها وبين البنك، ولم تتدخل هي في شيء، فلا يعنيها فعل غيرها إن لم توافق عليه والله أعلم.
فتح رجل حساباً خاصاً باسمه من مصرف تجاري ربوي بطلب من جهة عمله وذلك من أجل تحويل راتبه الشهري إلى ذلك المصرف، وفي أحد الشهور تأخر في استلام راتبه من المصرف دون قصد، لكنه فوجئ باتصال من المصرف أبلغه فيه بأنه فاز بهدية كبرى، وهي عبارة عن مبلغ نقدي كبير.
أ_ فهل يمكن له أن يستلم هذا المبلغ ليستفيد منه إذا كان هذا الرجل في حاجة ماسة إليه؟
لا يحل له أخذها ما لم تلجئه إلى ذلك ضرورة لا محيص عنها، وفي حال الاضطرار يأخذ بقدر ضرورته، على نية التخلص عند يسره مما أخذه إلى فقراء المسلمين، ومع التخلص من سائرهما إليهم، باعتبارها مالاً مجهول الأرباب والله أعلم.
ب ـ وهل يجوز أن يتصدق به للفقراء والمحتاجين، أو أن يبني به مسجداً؟ (3/265)
صفحة 984
الصدقة إنما هي من مال الحلال، ففي الحديث "لا يقبل الله صدقة من غلول"، وإنما يتخلص منها إلى فقراء المسلمين باعتبارها مالاً مجهول الأرباب، أما المسجد فلا يبني إلا من المال الحلال الخالص، فقد نص العلماء أن كل مسجد يبني بمال حرام حكمه حكم مسجد الضرار في عدم جواز الصلاة فيه، ووجوب هدمه والله أعلم.
تم إيداع مبلغ من المال لوقف في أحد البنوك الربوية، وبعد فترة من الزمن أبلغ الأهالي القائمين على الوقف بأنه تم فوزهم بجائزة مقابل إيداعهم لذلك المبلغ.
فهل يمكن التصرف في المبلغ فيما يخدم المصلحة العامة كإدخاله في ميزانية إحدى الفرق التابعة للنادي، والذي سوف يتم استخدامه في مناشط الفريق الثقافية لإقامة مراكز صيفية لتعليم القرآن الكريم، وعلوم الدين والتي تحتاج إلى مبالغ؟
لا يجوز شيء من ذلك، لأن ذلك مال خبيث، لا يجوز إنفاقه في عمل طيب والله أعلم.
نجد في بعض المحلات التجارية عندما نشتري بضائع منهم بمبلغ معين نُعطى قسيمة (كوبون)، وكلما اشترينا أكثر حصلنا على قسائم (كوبونات) أكثر، إلى أن يتجمع لدينا عدد معين، ثم نستبدل هذه الأوراق بجائزة ما، علماً بأنه قد يحدد عدد القسائم والجوائز المقابلة لها، ما الحكم الشرعي في مثل هذه الجوائز؟
إن كان الشراء من أجل هذه الجائزة فهو غير جائز، أو كان ذلك بطريقة السحب لما فيها من الغرر، وإن كان بخلاف ذلك فلا مانع من قبول الجائزة، والترك أحوط والله أعلم.
تقوم بعض شركات المرطبات بوضع صور على علب العصير، وبجانب ذلك تقوم بتوزيع كتيبات، وتطلب من المشتري أن يملأ هذه الكتيبات بالصور الموجودة على العلب، فإذا انتهى الشخص من ملء هذا الكتيب، فإن الشركة تقوم بإعطائه مكافأة على ذلك؟
كل مَا كان يدرك بطريقة السحب والاقتراع في البيوعات فإنه يدخل في الغرر المنهي عنه، فإن المشتري قد يشتري طمعاً في الجائزة، وقد لا ينالها فيخسر الصفقة، وإن لم يكن بطريق السحب فهو جائز والله أعلم. (3/266)
صفحة 985
ما الحكم فيما يسمى ( بالسحب الكبير) وذلك مثاله: ما أن لو اشترى رجل سيارة من الوكالة فله حق الدخول في السحب الكبير، وذلك عن طريق استمارة يأخذها، ويكتب بياناته الشخصية وينتظر يوم الاقتراع، فيمكن أن يعطى سيارة مجانية ويمكن أن تكون من نصيب غيره؟
ذلك من القمار المحرم والله أعلم.
تنتشر بعض المجلات مسابقات، ويشترط في الاشتراك فيها قص قسيمة من المجلة، بحيث لا يمكن أن يشترك في المسابقة إلاَّ من يشتري المجلة، ما حكم الشرع في الاشتراك في هذه المسابقات؟
إن كانت المسابقات فيها سحبٌ فذلك ضربٌ من المقامرة، وإن لم يكن فيها سحب وكانت بشرط ابتياع المجلة ففيها أيضاً، ريبة، أمَّا إن كانت بدون شيء من ذلك فلا مَانع والله أعلم.
تقوم بعض فرق كرة القدم ببيع قسائم ورقية تباع بقيمة نقدية معينة، والمطلوب هو الإجابة على سؤال بهذه القسيمة، ثم يكون المشارك مؤهلاً للدخول في السحب على الجوائز، ما قول سماحتكم في ذلك؟
هذا هو القمار المحرم، الذي جعله الله رديف الخمر في كتابه، وعده من عمل الشيطان وبالغ في إنكاره، فهو لا يحل بحال من الأحوال والله أعلم.
بعض كبار المحلات يقومون بتجهيز بعض الهدايا لزبائنهم، وذلك بأن يعطوهم بعض القسائم (الكوبونات) عن مشترياتهم، عن كل شراء بمبلغ معين مجموعة من القسائم، وهناك هدايا يمكنهم استلامها نظير تلك القسائم وما هذا إلا تشجيعاً للناس ليشتروا من عندهم، وربما أيضاً يخصصون سيارة مثلاً لتكون هدية يتم السحب للفوز بها، فما حكم ذلك علماً بأننا نشتري من هذا المحل ليس بسبب الهدايا، ولكن بسبب أن قيمة السلع به أرخص من غيره؟
إن كان ذلك بطريق السحب فهو حرام لدخوله في الغرر المحرم شرعاً، وإن كان ذلك لكل مشتر بقدر مَا اشترى فلا مَانع منه والله أعلم. (3/267)
صفحة 986
ما الحكم في ظاهرة الترويج للبضائع بشتى أنواعها، واتخذ لهذا الترويج صور مختلفة، من أهمها منح جائزة مجانية ـ حسب زعمهم ـ مع البضاعة، ويتم ذلك حسب طرق قد يبدو شكلها مختلفاً إلا أنها متفقة في الهدف، وهو جذب الناس لشراء هذه البضاعة، فما قول سماحتكم في ذلك؟
إن كانت هذه الجائزة بالسحب فهي غير جَائزة لما فيها من الغرر، وإن لم تكن كذلك جازت والله أعلم.
عند شراء بضاعة ما، يجد المشتري على البضاعة عبارة؟ اشتر اثنين واربح واحدة مجاناً؟
إن كان ذلك بطريق السحب، فكل عمليات السحب هي من القمار المحرّم، وإلاّ فذلك جائز والله أعلم.
عند الدخول في بعض الأماكن التي يعرض فيها (ضريبة دخول) على كل من يرغب في دخول إليها، يتم إجراء سحب على الورق إثبات الدفع، ليربح أحد الداخلين الجائزة المخصصة لذلك؟
كل عمليات السحب هي القمار المحرم والله أعلم.
في حال حرمة شيء من الجوائز، ما هو العمل الواجب القيام به من قبل المشتري، فيما قد ربح من جوائز؟
عليه الاحتراز من قبولها والله أعلم
لقد اشتريت من إحدى الوكالات سيارة وذلك لحاجتي الماسة لهذه السيارة، وعند شرائي هذه السيارة حصلت على هدية من الوكالة عبارة عن سيارة، علماً بأنني لم أطلب هذه سيارة، ولم اقصدها عند شرائي السيارتي الأولى، وقد سمعنا بأن الجوائز التي يحصل عليها المشتري دون أن يقصدها في شرائه فهي جائزة، والأصل إباحة، علماً بأنني محتاج لثمن هذه السيارة وعليه دين؟
إن كانت أتتك بغير طريق السحب فلا حرج عليك قبولها، وإن كانت بطريقة ففيها حرج والله أعلم. (3/268)
صفحة 987
رجل أخذ سيارته لتصليح في إحدى الوكالات المحلية، فلما وصل إلى مقر الوكالة وجدها قد عملت عرضاً على السحب، بحيث إن كل من يصلح سيارته بما قيمته عشرة ريالات يحق له الدخول في السحب، وذلك عن طريق تعبئة استمارة معدة لذلك تسمى بالكوبون. هذا الرجل لم يكن لديه علم سابق بهذا الأمر ولم يذهب لأجل هذا، وإنما نيته هو تصليح سيارته ليس إلا، ولم يقم بتعبئة الاستمارة الموضحة أعلاه، وإنما العامل المختص بذلك هو الذي قام بتعبئتها دون علم الرجل، نظراً لأن قيمة التصليح سيارته كانت أكثر من عشرة ريالات. وبعد فترة من الزمن فوجئ هذا الرجل بإدراج اسمه في الصحف المخلية، وأنه هو الفائز بالسيارة بعد إجراء السحب.
وسؤالي: هل يحق لهذا الرجل أن يستلم السيارة والانتفاع بها؟ أم ماذا يفعل؟
إن كان يقتطع شيء مما يدفعه، أو كانت المعاملة بطريقة السحب، فعليه تجنب ذلك، لأن هذا مما يدخل في باب الغرر المحرم شرعاً والله أعلم.
هل يجوز للتاجر أن يقدم هدية للزبائن وذلك للترويج، وذلك مقابل الشراء بمبلغ معيّن، مثلاًَ بما لا يقل عن 15 ريالاً عمانياً؟
تقديم الهدايا قد يفضي إلى أن يكون إقبال الزبائن على الشراء من أجلها، وإن لم تكن لهم رغبة في البضاعة، مع أنهم لا يدرون بالهدية ومقدارها، وهذا مما يدخل في الغرر المنهي عنه والله أعلم.
هل القرعة تحل على الإطلاق؟ وهل إن وجد إنسان جائزة في بضاعة اشتراها يجوز له أخذها؟
تجوز القرعة في غير مَا حرم الله، والجائزة التي لم يقصدها في شرائه ليس عليه فيها حرج والله أعلم.
رجل اشترى زجاجة عصير ولقي في غطائها مكتوب ريال واحد مجاناً، أو زجاجة عصير مجاناً أو حقيبة مجاناً، فما رأيكم في هذه الأشياء هل هي حلال أم حرام؟ (3/269)
صفحة 988
أمَّا إذا كان ذلك من الميسر فهو حرام، وذلك بأن يكون قاصداً حصول مَا حصل له من الربح بشرائه تلك الزجاجة، وإن لم يكن قصده ذلك فلا أحب له أخذ مَا يأخذه لئلا يتشبه بأهل الميسر، والاحتياط واجب، "ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه" والله أعلم.
تَعْمَدُ بعض الشركات إلى وضع مبالغ نقدية في داخل السلعة المبيعة لترويج مبيعاتها، فما حكم أخذنا لتلك المبالغ عندما نجدها؟
إن كان المشتري يشتري السلعة من أجل تلك المبالغ فهو من الغرر غير الجَائز، وأمَّا إن أتته من غير أن يحسب لها حساباً فلا يمنع من أخذها والله أعلم.
نحن شركة تجارية، نريد أن نقوم بعمل حملة ترويجية لأحد منتجاتها، وذلك من خلال تقديم بعض الجوائز أو الهدايا.. بأن نضع في بعض الأحيان في عبوات هذا المنتج بطاقة توضح نوع الهدية، وعندما يشتري العميل هذا المنتج فإن وجد في العبوة التي اشتراها بطاقة يقدمها مباشرة إلى إدارة الشركة ويحصل على هدية فوراً؟ مع العلم بأن ذلك لا يؤثر على الأسعار المطروحة في السوق للمنتج، فما حكم الشرع في ذلك؟
ذلك لا يجوز، لأن المشتري قد يشتري السلعة لأخذ الهدية فقط لا لقصد شراء السلعة، وقد يجد الهدية أو لا يجدها، فهذا نوع من القمار المحرم، ومن جهة أخرى لا يجوز للبائع أن يمتدح سلعته ويزينها للناس لجذبهم إليها، كما في أحاديث النبي- صلى الله عليه وسلم- والله أعلم.
ترصد من قبل المحلات التجارية جوائز لمسابقات شهر رمضان المبارك تذاع في الإذاعة والتلفاز وتنتشر في الصحف، فما رأيكم في أحقية صاحب الحظ لتلك الجائزة التي فاز بها عن طريق القرعة، والذي قام بجمع الأسئلة وأجاب عليها، ثم بعثها للإذاعة أو التلفاز؟
إن كان ذلك تشجيعاً على تنشيط المهَارة العلمية فلا مَانع منه والله أعلم. (3/270)
صفحة 989
تقوم بعض شركات الحليب بعمل دعاية لمنتجاتها، وذلك تشجيع منها على شراء هذه المنتجات، حيث تخصص جوائز معينة لمن يقوم بجمع مجموعة من الأغطية، وهذه الجوائز لا يتم توزيعها إلا بعد حصول أمرين هما:
الإجابة على مجموعة من الأسئلة المعدة لهذا الغرض.
إدخال الإجابات الصحيحة لهذه الأسئلة في سحب، فمن كان الحظ حليفه فإنه سوف يفوز بإحدى الجوائز، فما رأي سماحتكم فيمن ابتلى بأمثال هذه الجوائز؟
إن كان ذلك خاصاً بمن اشترى من ذلك الحليب، أو في مقابل دفع شيء من المال للمشارك فذلك غير جائز لما فيه من الغرر البين، وإن كان ذلك تشجيعاً على البحث العلمي، من غير اشتراط أن يكون المشارك باع شيئاً أو اشترى، ومن غير أن يدفع المشارك شيئاً من المال، فلا حرج في ذلك، وعلى الوجه الأول فمن أخذ شيئاً فليتخلص منه بدفعه إلى فقراء المسلمين والله أعلم.
ما رأي سماحتكم- حرسكم الله من كل مكروه- في جوائز مسابقات رمضان؟ وهي عبارة عن جوائز أعدت لمن يقوم بالإجابة على الأسئلة التي تعرض في التلفاز خلال شهر رمضان المبارك، مع ملاحظة أن هذه الإجابات يتم إدخالها في سحب، ثم يتم تحديد الفائزين من خلال هذا السحب؟
إن كانت غير مترتبة على ابتياع شيء، أو دفع شيء من المال، فليس فيها من حرج، وإلا فعلى ما سبق في الجواب الذي قبله والله أعلم.
دخلت إحدى قاعات عرض بيع السيارات واشتركت في اليانصيب وفزت بجائزة، فما حكمها؟
ليس ذلك فوزاً وإنما هو خسران وأي خسران، فإن ذلك ضرب من القمار المحرم إجماعاً والله أعلم.
هل يجوز أخذ الهدايا أو الجوائز لمن قدم لشراء سلعة بمبلغ كذا ريال فحصل على قسيمة (كوبون )يكتب فيها بياناته الشخصية ويدعها في صندوق، وبعد فترة يتم السحب، فإن حالفه الحظ حصل على جائزة أو نقد مالي، فهل هذا حلال أم حرام؟
لا، لأن ذلك من القمار والله أعلم. (3/271)
صفحة 990
ما قولكم فيمن حصل على مبلغ من المال عن طريق بنك تجاري ربوي، معتبراً أن هذا المال هدية من البنك، وبنى بهذا المال منزلاً ليقيم فيه وأولاده، أو لتسديد دين عليه لبنك آخر أو لأناس آخرين؟ نرجو الإفادة أفادك الله في هذا.
عليه أن يتخلص من ذلك المبلغ بدفعه إلى فقراء المسلمين، وفي ذلك خلاصه لأنه مال مجهول الأرباب والله أعلم.
ما قولكم في هدايا البنوك الربوية كالسيارات وغيرها، علماً بأن المتعامل مع البنك ليس لديه حساب توفير؟
لا يجوز أخذ شيء من ذلك، فإن في ذلك تشجيعاً على المعاملات الربوية، ولا ريب أن الناس يخادعون الله بشتى الأساليب وهم لا يخدعون إلا أنفسهم بذلك، فإن الله لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، فالزيادة سواءً كانت بأسلوب الهدية أو كانت بأي طريقة من هذه الطرائق إن كانت على ودائع فإنها تعتبر عين الربا، وكذلك إن كانت المعاملة في المؤسسات الأخرى كشركات بيع السيارات بهذه الطريقة المحرمة، وهي الطريقة الربوية، فإن الجائزة على ذلك تُعد محرمة، أما إن كانت هدية غير مشروطة بشيء فلا مانع من أخذها والله أعلم.
لقد علمنا في وقت سابق بأنكم أفتيتم بأن بيع بطاقات اليانصيب لصالح الأعمال الخيرية (الجمعيات الأهلية) يُعد ضرباً من ضروب القمار، كون الشاري لهذه البطاقة قد يشتري لأجل كسب الجائزة، فما هي الطريقة الشرعية الأنسب لهذا الهدف؟
الطريقة الشرعية هي جمع التبرعات وتنميتها لصالح الجمعيات في الوجوه الجائزة شرعاً والله أعلم.
ما حكم من شارك في أحد لجوائز السحب، وإذا كانت من غير قصد وأدرج اسمه في القائمة وفاز بإحدى الجوائز؟ وما قولكم في جوائز البنوك الربوية؟ وهل يجوز لي أن اشتري ذهباً أو فضة بمبلغ من المال وأدفعه على أقساط؟ (3/272)
صفحة 991
لا يجوز قصد الابتياع من هذا المعرض ابتغاء التوصل إلى الجائزة، لما في ذلك من الغرر، وهو من ضروب القمار، ومن أخذ هذه الجائزة بهذه الطريقة فعليه أن يتخلص منها بدفعها إلى فقراء المسلمين، وأما إن أتته من غير قصد لها فتركها أنزه له، وإن أخذها فلا أقوى على القول بأنها حرام عليه وجوائز البنوك لا تجوز بحال لأنها ربا خفي، ومصدرها لا ريب أنه من العوائد الربوية، فلا يجوز أخذها، وبيع الذهب والفضة بأوراق النقد نسيئة أجيز على رأي جماعة من أهل العلم إن لم يكن التسعير ولا الدفع إلا بالأوراق، ولكن الراجح عدم جوازه، لأن الأوراق لها حكم النقدين لحلولها محلهما في التعامل والله أعلم.
ما رأي سماحتكم فيمن يبيع القسائم (الكوبونات) بسعر ريال أو ريالين وربما أكثر، على أساس أن أرقام هذه الكوبونات ستدخل في السحب، والرقم الفائز يحصل صاحبه على سيارة مثلاً، مع ملاحظة أنه يكون مدوناً على القسيمة أحياناً أن هذا يباع لصالح مشروع خيري إنساني؟
لا، فإن هذه هي المقامرة المحرمة شرعاً، وهي لا تحل بحال، كيف وكل من اشترك فيها يطمع في الجائزة، وهي لا تكون إلا لواحد، ومن عداهم يخسرونها، وكلهم في الحقيقة خاسرون، على أن الإسلام يحرم كل غرر، ولذلك جاء عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ النهي عن كل غرر في البيع، كبيع الغلة قبل إدراكها، وكذلك كل ما كان مستوراً غير ظاهر، ولا يبرر هذا كون البيع لصالح مشروع خيري إنساني، فأهل الجاهلية الذين كانوا يتعاملون بالميسر كانوا ينفقون ما يحصلون عليه في إطعام الجائعين، وقد قال تعالى: { يأيها الذين ءامنوا إنما الخمر والميسر والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون } ، فلم يفدهم إنفاق ذلك على المحتاجين شيئاً، ولم يغير حكماً والله أعلم. (3/273)
صفحة 992
موظف يعمل بإحدى المؤسسات في مجال الشؤون المالية، وبحكم هذا العمل تُقدم له تخفيضات لسلع يشتريها لنفسه، وفي بعض الأحيان تكون مجانية على سبيل الهدية حسب المعمول به في هذا المجال، والسؤال هو: إذا كان هذا الموظف لا يحابي تلك الشركات في التعامل، وإنما يتحرى مصلحة الجهة التي يعمل لديها بقدر ما أوتي من معرفة في هذا المجال، ويبذل في ذلك كل جهده، فهل في هذه الحالة تكون
تلك المعاملة جائزة شرعاً أم لا؟ وإذا كانت الأخيرة فما المخرج إذا أراد أن يبرئ نفسه، علماً بأنه لا يستطيع إرجاعها لمضي فترة طويلة تم استهلاكهاـ أو أصبحت عاطلة عن العمل ـ فهل يمكن أن يقدرها بمبلغ من المال ويقوم بدفعه لعمل خيري، مثل المساهمة في بناء مسجد أو السهم الوقفي؟
الأولى له والأسلم أن يتورع عن أخذ هذه الهدية لنفسه، ويجعلها لفقراء المسلمين، سواءً وزعها عليهم، أو جعلها في وقف يعود إليهم والله أعلم.
ما حكم المسابقة التي يدفع فيها المشتركون مبلغاً مقابل اشتراكهم؟ علماً بأنهم راضون بذلك، ومن شروط المسابقة أن يُعطى الفائز بالمركز الأول مبلغاً أكثر مما دفع وهكذا للثاني والثالث، ويعطى الباقون أقل مما دفعوا؟
لا تجوز المسابقة إلا في نصل أو حافر أو خف، أو ما يعود بالمصلحة، ولا بد من إدخال أحد في المسابقة لا يشترك في الدفع، وبدون ذلك لا تجوز والله أعلم.
ما حكم المسابقة التي يدفع فيها المشتركون مبلغاً من المال مقابل قيمة ورق الأسئلة؟
ذلك غير جائز لما فيه من الغرر والله أعلم.
ما حكم من اشترك في هذه المسابقات؟ وإذا أراد التوبة ماذا يفعل؟
يدفع ما أخذه إلى فقراء المسلمين والله أعلم.
ما حكم الجوائز الفورية داخل غطاء الزجاجات، مثل المشروبات الباردة التي تباع في الأسواق؟
إن كانت الجوائز تعطى بغير طريقة السحب، ولم تكن فيها ريبة بأنها من مصدر غير جائز، فلا مانع من أخذها والله أعلم. (3/274)
صفحة 993
ما قولكم في رجل حصل على جائزة من البنك، وأراد التبرع بها لصالح خدمة الأفلاج، وعرض عليّ المبلغ بصفتي وكيل الفلج، ولكني لم أستلم المبلغ حتى أعرف إفادتكم بمشروعية ذلك؟
إن كنت تستلمها فلا تستلمها، فإنها عين الربا، أما إن استلمتها فتخلص منها بدفعها إلى فقراء المسلمين، فإن حكمها حكم ما جهل أربابه من الأموال، وكل ما جهل أربابه ففقراء المسلمين أولى به والله أعلم.
حصلت على جائزة من أحد البنوك الربوية، والجائزة هي عبارة عن مبلغ من المال، بحيث إنني أودعت مبلغاً معيناً في هذا البنك بدون أي ربا، وفوجئت بهذه الجائزة منه، مما دعاني أن أسأل أهل الذكر كيف أتصرف في هذا المبلغ؟ مع العلم أنني قدمت سلفة من أحد البنوك الربوية وكان الربا (13%) ولله الحمد انتهيت من سداد هذه السلفة للبنك المذكور، وكانت السلفة لبناء منزل لأسرتي، كما أنني مدين لإحدى المؤسسات بمبلغ ليس بالصغير، ويتم استقطاع جزء من راتبي شهرياً مقابل هذا القرض، وظروفي المعيشية صعبة، فأرجو الإفادة في كيفية التصرف في مبلغ هذه الجائزة البنكية؟
الجائزة البنكية ما هي إلا ربا مغلّف فلا يجوز أخذها، وإن كنت أخذتها فاصرفها إلى فقراء المسلمين، وإن اضطررت إلى أن تقضي بها دينك أو تستعملها في مصالحك فأوص بتنفيذها من بعدك في فقراء المسلمين والله أعلم.
رجل يستلم راتب التقاعد عن طريق البنك، فتلقى مكالمة هاتفية بأنه حصل على جائزة مالية وقدرها ثلاثمائة ريال عماني، ولما سأل عن سبب حصوله عليها قيل له أن البنك وزع جوائز على بعض عملائه، فكان هو من ضمن من حظوا بهذه الجوائز، فهل له أن يأخذ هذا المبلغ ويصلح به طريقاً لكي يتخلص منه كيلا يستفيد منه البنك، لأنه لا يريد إدخاله في حلاله؟
السلامة في تركه، وإن أخذه وأخبرهم أنه لا يستحله، وإنما يدعه في مصلحة عامة، من غير أن يكون متطلعاً إلى مثله، فأرجو أن لا يأثم والله أعلم. (3/275)
صفحة 994
ما الحكم الشرعي في أخذ الجوائز البنكية البسيطة كساعة يد عليها شعار البنك؟ علماً بأن مثل هذه الهدايا تعطى لمن يتعاملون مع البنك بشكل مستمر، فهل يجوز أخذها؟ وإذا كان الجواب بالنفي، فما حكم من أخذها قبل معرفته بالحكم الشرعي؟ وكل هذه الهدايا فيها شعار البنك، فكيف يمكن التخلص منها؟
مصادر هذه الهدايا إنما هي المعاملات المحرمة فهي غير جائزة، ومن أخذ منها شيئاً فليتخلص منه إلى فقراء المسلمين والله أعلم.
الكفالة والوكالة:
كفيل قام بتوريد عمالة وافدة، فتركهم يعملون بحرية حيث شاءوا وأي عمل شاءوا، بشرط أن يأخذ على كل فرد مبلغاً معيناً آخر كل شهر، يتراوح بين عشرين إلى ثلاثين ريالاً، ما حكم هذا المبلغ، وهل فيه أدنى شبهة، مع العلم أن الكفيل عندما يستورد عاملاً فإن عملية استيراده تكلفه مبالغ وجهد في متابعة معاملاته، فهل يضيع هذا الجهد هدراً، إذا كان المبلغ المعطى للكفيل حرام؟
لا يجوز أخذ أجرة عَلى الكفالة، وإنما يجوز للكفيل إن كانت الكفالة كلفته مَالاَ أن يأخذ من المكفول قدر التكلفة فقط، من غير زيادة شيء والله أعلم.
ما رأيكم فيمن استجلب عمالاً أجانب للعمل، واتفق معهم على أن يتحملوا جميع المصروفات من سكن وتذاكر وعلاج، ويعطوا الكفيل مبلغاً من المال إذا عملوا، ولا يعطونه شيئاً إذا لم يعملوا؟
أخذ الأجرة على الكفالة غير جَائز، وإن كان أخذها في مقابل مَا يوفره من إسكان ونحوه فلا حرج، والله أعلم.
رجل يقوم استخراج التأشيرات من دائرة العمل وبيعها على الأجانب، وبعد وصول العمال يقبض من كل عامل عشرة ريالات باعتباره كفيله، وقد اتخذ من هذا العمل تجارة لفترة من الوقت، فما قول سماحتكم في هذا الشأن؟ (3/276)
صفحة 995
نص العلماء على عدم جواز أخذ الأجرة على الكفالة، ومنها الكفالة التي اتخذها الناس الآن وسيلة من وسَائل الكسب، حيث يكفلون عدداً من العمال، ثم يرخون لهم العنان ليكتسبوا حيث شاءوا، ومَا عليهم إلاَّ أن يدفعوا ضريبة شهرية للكفيل، فمع مَا في أخذ الأجرة على الكفالة من حجر، فإن هذا العقد هو عقد جهالة، إذ لا يدرون مقدار ما يكتسبون والله أعلم.
لدي شركة تجارية، وطلبت مني شركة أخرى أجنبية من الدول المجاورة الكفالة، وذلك حتى يتسنى لها مزاولة الأعمال؟ توريد معدات؟ بالسلطنة، ويكون ذلك مقابل أجرة سنوية يتم الاتفاق عليها بين الشركتين، ما قول سماحتكم في هذا المبلغ؟ وما قولكم فيم إذا كانت أجرة الكفالة مشفوعة بمعاونة الشركة في تخليص بعض أعمالها؟
لا أجرة على الكفالة في الإسلام، ولكن يمكنك أن تقوم بأعمال تعوضك الشركة عنها والله أعلم.
أراد مني أحد الأصدقاء أن أكفله بمبلغ معين، وذلك ليسدد ما عليه للبنك بنفسه، فهل يجوز لي أن أكفله لذلك؟
إن كان في هذه المعَاملة ربا فلا تجوز الكفالة فيها، والكفيل شريك في اللعنة والله أعلم.
ما قولكم إذا أراد أحد كفالة أحد يقترض من البنك الربوي؟
الكفيل مشارك في الإثم، فإن كل من دخل في المعَاملات الربوية ـ ولو بشهادة ـ هو شريك في الإثم، فقد قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ" لعن الله الربَا وآكله ومؤكله وشاهديه"، أي في الإثم والله أعلم.
ما الحكم فيمن يجلب عمالاً من الخارج ـ مثلاً ـ ويكونون في كفالته، ويتفقون مع كفيلهم على أن يزاولوا تجارة معيّنة يبيعون ويشترون، دون أن يتدخل الكفيل في ربحهم وخسارتهم، وإنما عليهم فقط أن يعطوه كل شهر مائة ريال مثلاً، فهل هناك حرمة في ذلك؟
هذا من أكل أموال الناس بغير حق، فهو من السحت ـ والعياذ بالله ـ والله أعلم. (3/277)
صفحة 996
رجل لديه مؤسسة تجارية تعمل في مجالات ( المقاولات، الخياطة، ..... إلخ) ويعمل لديه عدد من العمال الأجانب يتولون تدبير شئونهم في البحث عن مصادر العمل، من أمثلة ذلك ( مقاولات البناء)، إذ يقوم صاحب المؤسسة بعقد اتفاقية بناء منزل مع أحد الأشخاص بحيث تشمل ضمانته للمشروع والإشراف والمتابعة لسير العمل، ثم يتولى مسئول العمال ترتيب كافة الإجراءات المتعلقة بالشروط والمواصفات والقيمة النهائية للمشروع، على أن يحصل صاحب المؤسسة على شيء معين من المال عن كل مشروع، أو شهرياً حسب الاتفاق بين الطرفين. احتساب ذلك مقابل كفالتهم واستخدام تسمية المؤسسة.
فما قول سماحتكم في ذلك؟
أما الضمانة فلا يؤخذ عليها أجر، وأمَّا الإشراف والمتابعة فلا مَانع من أخذ الأجرة عليهما والله أعلم.
لقد قمت بفتح محل خياطة وأحضرت له خياطاً، فهل يلحقني وزر إذا قام هذا الخياط بخياطة ملابس تخالف الشريعة الإسلامية، بوصفي أنني الكفيل أو صاحب المحل؟
من أعان على خير كان له نصيب من أجره، ومن أعان على إثم كان عليه نصيب من وزره، { وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } فإن كانت الملابس التي تُخاط في هذا المحل منكرة، وعلم بذلك صاحب المحل كان عليه نصيب من الوزر، لذلك أرى أن عليك أن تأمر الخياطين أن يتقيدوا بخياطة الملابس الجائزة شرعاً والله أعلم.
هل دعوى الموكِّل باسترجاع ما باعه وكيله بعد إلغاء وكالته لا تسمع؟ وأن حقه ضاع، لا لشيء إلا لأن الوكيل جاهل بعزله؟
لاَ بدَّ من إبلاغ الوكيل بعزله، وإلاَّ فما أمضاه مَاضٍ والله أعلم.
ما هي النسبة المئوية التي تحق للوكيل الشرعي، عناءً له في مطالبة أصحاب الديون واستلام الإيجارات والعقارات؟
هي على حسب اتفاق الطرفين من قبل، فإن لم يكن بينهما اتفاق فله عناء المثل، الذي يحدده القاضي الشرعي حسبما يراه من جهد الوكيل والله أعلم. (3/278)
صفحة 997
رجل توكل بوكالة شرعية عن بعض أقاربه للمطالبة ببعض المبالغ، وهو شريك في المبلغ، هل له الحق شرعاً المطالبة عن أتعابه، علماً بأنه قد طالب بالمبلغ لمدة خمس سنوات؟ وكم نسبة حقه في ذلك؟
له المطالبة بقدر عنائه بالنسبة إلى أنصباء شركائه، ولا يقدر ذلك بنسبة معينة، فإن اتفقوا على شيء من ذلك فحسن، وإلاَّ قدر له عناء المثل والله أعلم.
أحد الإخوة توكل عن جماعته في بيع أراضٍ، وحصل على مبلغ مقداره ثلاثون ألف ريال عُماني فماذا له من هذه الدراهم عن وكالته؟
إن اتفقوا على شيء معين فهم على مَا اتفقوا عليه، وإن لم يتفقوا فله أجر المثل، وذلك شيء يقدره أولو الخبرة والاختصاص والله أعلم.
ما قول سماحتكم في رجل وكيل لأموال المسجد، هل يحق له أن يستطني غلّة من أموال المسجد الوكيل لها، بواسطة دلال في المناداة، حاله كحال أي شخص في تلك البلدة؟
ينبغي له أن يترك غيره وكيلاً عنه ليزابن، ولا يزابن بنفسه والله أعلم.
يوجد حصة لفلج في بلد ما، وهي حصة دورية تقعد لصالح الفلج كل أحد عشر يوماً، هل يصح للوكيل القائم بأعمال الفلج أو من ينوب عنه أن يستقعد من تلك الحصة لماله الخاص؟
لا يجوز له ذلك، إلاَّ إن وكل غيره ليقوم مقامه، إذ لا يجوز أن يكون العقد إلاَّ بين متقاعدين، فلا يجوز أن يكون هو البَائع والمشتري والله أعلم.
توفي رجل وترك أولاداً يتامى ولم يكن له أخ أو أخت أو عم أو ابن عم، إلاَّ أقرباء له يلتقون معه في سادس جد، لِمَن تكن حق الوكالة الشرعية، للأقرباء الذين يلتقون معه في سادس جد، أو خال الأيتام؟ علماً بأنه عند سؤال الأرملة لاختيار أصلح وكيل للأيتام أفادت باختيار أخيها خال الأولاد؟
الأبَرُّ والأحزم هو أحق بالوكالة، وإن كان أبعد والله أعلم.
هلك رجل وترك ولداً عمره ست سنوات، وله أختان شقيقتان وابن عم، فمن هو الأولى بأن يكون وكيلاً شرعياً له في تربيته وأمواله وغير ذلك، وما هي صلاحية الوكيل؟ (3/279)
صفحة 998
الأولى بالوكالة من كان أحفظ للأمَانة وآهل للمسئولية وأبرَّ باليتيم، وإن كان أقرب أهله نسباً، وعلى القاضي الشرعي أن ينظر في ذلك والله أعلم.
ما قولكم في شخص أعطِيَ بضاعة يبيعها بالأجل ويستلم قيمتها ويجمّعها معه حتى تكتمل ثم يعطيها صاحبها، إلاَّ أنه في الفترة التي يجمع فيها بعض النقود تعوزه الحاجة إلى المال فيأخذ من تلك النقود لقضاء حاجته، ثم بعد وقت محدود يرجعها إلى ما بقي مما أخذ منه، فإذا ما اكتملت قيمة البضاعة المباعة دفعها إلى صاحبها كاملة دون نقصان فهل يأثم بفعله ذلك أم لا. علماً أنه ليس له أي مصلحة من قيمة تلك البضاعة التي يبيعها أفدنا ولك الأجر؟
ليس له فعل ذلك إلاّ بإذنٍ من صاحب المال، وهو على أيّ حال ينقلب بفعله هذا من الأمانة إلى الضمان، فإن ضاع شيء من الثمن كان له ضامناً بعدما استدانه حتى يرده إلى صاحبه والله أعلم.
أًصيب والدي بتأثر في رأس من جراء حادث وقع عليه، وله أعمال بحاجة إلى إنجاز، فهل يجوز عمل توكيل لي لأقوم بإنجازها؟
ذلك يتوقف على وعيه، فإن وعى صح توكيله، وإلا فلا، إلا إن كان توكيلك من قبل القضاء الشرعي والله أعلم.
ما حكم الشرع في الاشتراك السنوي في المجلات والدوريات، علماً بأنَّ ذلك لا يتم إلاَّ بحوالة مصرفية عَبر مصرف (بنك) تتعامل معه المؤسسة التي تنشر المجلة؟
إن كانت المعَاملة بين المشترك وبين البنك ليس فيها ربا، وإنما البنك لا يعدو أن يكون وكيلاً للمجلة في قبض الحق، فلا مَانع من ذلك والله أعلم.
هل لي بأن أتعاقد مع تاجر لتكون تجارته باسمي، وإنما الأموال أمواله، ولكنه لا يستطيع أن يتاجر باسمه بحسب ما تفضي به بعض القوانين في بعض البلدان، وهل لي أن آخذ منه من المال مقابل إعطائه اسمي؟
أما إن كانت الأجرة التي تستلمها منه في مقابل الكفالة، فهي غير جائزة، وإن كانت في مقابل عمل تقوم به فلا حرج والله أعلم. (3/280)
صفحة 999
رجل لديه محل لبيع المواد الغذائية، وقد أسس المحل بقرض من بنك تجاري بمبلغ قدره ألف وخمسمائة ريال عماني، وجلب له عمالاً وافدين تحت كفالته، على أن يتقاضى الرجل من هؤلاء العمال مبلغاً قدره ستون ريالاً عمانياً في صورة سلع عينية ومبلغاً نقدياً شهرياً، وأن يتكفل العمال بدفع المصاريف كإيجار المحل والكهرباء وأي التزامات أخرى، ولا يتحمل الكفيل الربح والخسارة، وذلك بمحض إرادتهم والاتفاق بين الطرفين، علماً بأنه قد تم تسديد المبلغ المقترض من البنك منذ فترة طويلة:
1ـ ما حكم المعاملة التي تمت بين ذلك الرجل والبنك؟ وما هي الطريقة التي يستطيع بها التفكير إذا كانت غير جائزة؟ وما الحكم في الأموال التي جناها صاحب المحل من الفوائد التي عادت له من استغلال المال المقترض من البنك في المحل، كذلك يوجد الدخان من بين المواد الغذائية بالمحل؟
2ـ ما الحكم في المبلغ الذي تقاضاه ذلك الرجل من العمال منذ تلك الفترة وحتى نهاية شهر ذي
الحجة 1419هـ نتيجة استغلاله للمبلغ المذكور؟
3ـ هل يحق للرجل استرجاع المبلغ المستغل على هيئة دفعات بقيمة مائة ريال في صورة سلعة ونقد،
حيث أراد العمال أن يكون المحل خاصاًَ بهم؟
4ـ هل يحق للرجل أخذ مبلغ شهري من العمال كونهم على كفالته بعد استرجاعه رأس المال، علماً
بأن المحل لا زال قائماً باسمه؟
5ـ ما الحكم إذا قام الكفيل بتأجير المحل للعمال بمبلغ يزيد عن المبلغ الذي يسدده الكفيل لصاحب
العقار، أم هذه الطريقة فيها شبهة؟ (3/281)
صفحة 1000
معاملة البنك إن كانت بدون ربا، حيث كانت بطريقة المضاربة الشرعية، أو القرض الحسن الذي لا يرد معه المقترض إلا ما اقترض من غير زيادة فهي جائزة، وإن كانت بطريقة الربا المحظور شرعاً فهي محرمة، هذا وإن اقترض من البنك أو غيره أحد فاستغل ما اقترضه فيما لا يحرم شرعاً فإن الحرمة تتعلق باقتراضه لا باستغلاله، فلا يحرم عليه ما جناه من أرباح إن كان الاستغلال لم يُشب بمحظور ـ كما ذكرنا ـ، وإنما عليه التوبة والتخلص من ذلك القرض الربوي والله أعلم. أما الدخان ونحوه فالتجارة فيه حرام ولا بد من التخلص مما اكتسبه منه.
ما تقاضاه من الأجرة فهو غير جائز، فإن أموال الناس محظورة إلا بوجه شرعي، ولا وجه هنا لما أخذه منهم، فإن كان ذلك من أجل الكفالة فالكفالة لا يجوز أخذ الأجر عليها، وإن كان لوجه آخر فإني لا أعرفه والله أعلم.
أما ما في المتجر من بضاعة وأثاث فله تمليكه لأولئك الأجانب، بعد تجريده وإحصائه لئلا يكون في المعاملة غرر، ولا مانع من تقسيط ثمنه حسب الاتفاق بينهم، ولكن بشرط أن يكون الدفع عُملةً عينية أو ورقية، أما إن كان سلعة من جنس ما كان في المتجر سابقاً فلا يجوز، لحُرمة اتحاد الثمن والمثمن في الجنس ما لم يكونا يداً بيد والله أعلم.
لا يجوز أخذ شيء على الكفالة كما تقدم والله أعلم.
ليس لأحد أن يؤجر عقاراً استأجره إلى غيره بأكثر مما استأجره به، إلا إن قام بعمل فيه كتأثيثه، وبشرط رضى صاحب العقار والله أعلم.
ما قولكم في أموال الفلج التي أراد الأهالي بيعها؟ وكيف تكون كتابة الصك؟ وهل يقر وكيل الفلج بالبيع، وكيف يكون الإقرار؟
إن كان وكيل الفلج مخولاً في مطلق التصرف في مصالح الفلج فهو الذي يقر، وإن لم تكن وكالته مطلقة فعلى أصحاب الفلج أن يطلقوها والله أعلم.
هل يجوز أن يوكل بيت التمويل أحد التجار توكيلاً شكلياً يقوم مقام الرهن، مع قيام التاجر بجميع العمليات بنفسه؟ (3/282)
صفحة 1001
إن كان المراد بالتوكيل الشكلي القائم مقام الرهن هو أن يكون التاجر ضامناً ويتحمل الخسارة التي ربما كانت بغير تسبب منه فهذا لا يجوز شرعاً، لأن للتوكيل أحكاماً وللمضاربة إن كان يقوم بالمضاربة في مال بيت التمويل أحكاماً أخر، ولا يجوز الخلط بينهما، ففي التوكيل ما هو إلا أجير حسبما اتفق عليه الطرفان، يجب عليه أن يقوم بما لزمه القيام به مع توفيته أجر عمله، وفي المضاربة يضارب بالمال الذي سلم إليه للمضاربة على أن يكون له جزءٌ من الربح، وإن خسرت التجارة فليس عليه خسران بالإجماع، وإنما حسبه أن يخسر عناءه، وإن كانت الخسارة عليه فالتجارة له، وليس لصاحب رأس المال إلا رأس ماله حال الربح أو الخسارة، لأنه مجرد مقرض، وكل قرض جر نفعاً فهو ربا والله أعلم.
رجل وكَّلَ بوكالة شرعية عن بعض أقاربه للمطالبة ببعض المبالغ وهو شريك في هذه المبلغ، هل له الحق شرعاً المطالبة عن أتعابه؟ علماً بأنه قد طالب بالمبلغ لمدة خمس سنوات، وكم نسبة حقه في ذلك؟
له المطالبة بقدر عنائه بالنسبة إلى أنصباء شركائه، ولا يقدر ذلك بنسبة معينة، فإن اتفقوا على شيء من ذلك فحسن، وإلا فله قدر عناء المثل والله أعلم.
منزل موصى به وقف ذرية، وورثته أولاد أخ وابنه بنت متزوجة وولد، وهذا المنزل الموقوف به له وصي شرعي، ثم إن ابنة البنت جعلت لها وكيلاً شرعياً من نفسها وليس من الورثة، فهل للوكيل ذلك النزاع أم للوصي الشرعي؟
إن كان لها حق شرعاً فهي توكل من شاءت في المطالبة بحقها والله أعلم.
نقوم بشراء بضاعة من خارج السلطنة، ويطلب البائع تحويل قيمة المبيع بحوالة مصرفية في بنك في بلده، فندفع الريالات العمانية إلى البنك هنا فيحولها على حساب البائع على عمله بلدة، فما حكم الشرع في هذا التعامل؟ (3/283)
صفحة 1002
إن كان هو وكَّل ـ أي البائع ـ البنك الذي في بلده، والبنك الذي في بلده وكَّل البنك الذي هنا، أو هذا البنك الذي هنا فرع للبنك الذي هناك، فهذا التوكيل يسّوغ أن يأخذ الوكيل المفوض الثمن من أجل أن يجعل ذلك الثمن في حساب المالك الذي باع تلك البضاعة، ولو كان ذلك بغير العملة التي تم بها عقد البيع، على أن يكون بسعر الوقت نفسه من غير أن يكون افتراق بين ممثلي البائع والمشتري وبينهما شيء والله أعلم.
سألني أحد الأشخاص عن قيمة أغراض معينة، فقمت بإخباره عن سعرها في المنطقة التي أقطنها، فقام بإرسال المبلغ المطلوب لشراء تلك الأغراض، ولكن عند وصول المبلغ اتضح لي بأنه يمكنني أن أشتري هذه الأغراض من منطقة بعيدة نوعاً ما عن مدينتي بسعر أقل، فقمت بالذهاب إليها وشراء الأغراض المطلوبة منها بسعر أقل وأرسلتها له، فهل يحق لي فرق السعر بين المدينتين؟
ليس لك إلا مقدار ما خسرته بذهابك إلى مكان بيع تلك الأغراض بسعر أقل، اللهم إلا إن أخبرت طالب الأغراض وسمح لك بما فضل عن ثمنها والله أعلم. (3/284)
صفحة 1003
رجل يملك محلاً لصيانة كهرباء السيارات، وجلب له عاملاً أجنبياً، ثم هرب ذلك العامل، وكان على ذلك العامل مبلغ من المال فقام الكفيل بتسديده نيابة عنه، وأشرف الرجل على محله بنفسه وجلب له عاملاً آخر، وكان يعطي العامل راتباً شهرياً، وبعد فترة أراد العامل تحمل مسؤوليات ونفقات المحل من صاحبه على أن يدفع للكفيل مبلغاً قدره تسعون ريالاً شهرياً، وتم الاتفاق على هذا، وبعد فترة من الزمن هرب العامل وجاء أجانب آخرون لاستثمار المحل على أن يدفعوا للرجل مبلغاً قدره أربعمائة وخمسون ريالاً مقدماً ومبلغاً شهرياً قدره خمسون ريالاً، على أن يُحضر ذلك الأجنبي شخصاً على كفالة الرجل، وتم له ذلك علماً بأنه يوجد بالمحل آلات وقطع غيار تزيد قيمتها على المبلغ المدفوع ثم جلب خمسة آخرين يتحمل تشغيلهم بمعرفة الوافد الأجنبي المستثمر للمحل، ورفع العامل الأجرة إلى مائة وأربعين ريالاً شهرياً، على أن يتكفل المستثمر الأجنبي بدفع كافة التكاليف للعمال والمحل:
ما الحكم في المبلغ الذي يستلمه الكفيل؟
وماذا عليه إذا كان المبلغ المستلم غير جائز أخذه؟
وما هي الطريقة التي يستطيع أن يكفر بها عن نفسه؟
إن كانت هذه الأجرة في مقابل الكفالة فهي محرمة لا تجوز، وإن كانت في مقابل تأجيرهم محلاً أو آلات عن غير غرر فلا مانع من ذلك، وإن أخذ أجرة حيث لا تجوز فعليه التوبة ورد المبلغ، وبذلك يكون قد خلص نفسه من تبعة مخالفة الشرع والله أعلم.
نحن ثلاثة أشخاص اتفقنا على أن نقيم مدرسة خاصة لتعليم الأطفال في الروضة والتمهيدي والابتدائي، وتم تكليف أحدنا للإشراف على هيئة التدريس وإدارة وتطوير المدرسة، لأنه أكثرنا تفرغاً ولديه دراية ومعرفة بالعمل، فهل لنا أن نعطيه مكافأة أو راتباً شهرياً نظير ما يقوم به من عمل؟
علماً بأن الشراكة بيننا بالتساوي؟
لا مانع من ذلك في مقابل جهده الذي يبذله والله أعلم.
الشفعة: (3/285)
صفحة 1004
ما قولك فيمن اشترى مالاً وله شرب معتاد من ماء زيد، والمشتري شريك في ذلك المال بالساقية أو بالطريق أو بهما جميعاً، فهل لزيد شفعة، حيث إنه يشرب من مائة؟
لا شفعة للشفيع ما دام الشاري شريكا، ولو شريك منفعة والله أعلم.
من اشترى مالاً بالإقالة، ثم بيع مال يشفعه المال المبتاع بالإقالة له، فهل تثبت الشفعة للمشتري بالإقالة إذا طلبها دون صاحب الأصل، أو تجب لصاحب الأصل دون المشتري بالإقالة، فإن قلتم إن الشفعة تجب للمشتري بالإقالة، فلمن يصير المال المشفوع إذا فك البائع بيع الإقالة؟ وإن قلتم إن الشفعة للبائع، فإذا تمت الإقالة فلمن يصير المال المشفوع أيضاً؟
إثبات الشفعة بالمال المشتري بالإقالة للشاري مبني على ثبوت بيع الإقالة، وأن الإقالة بيع جديد، وعليه فلا حق للبائع فيما اشتفعه المشتري إن رجع إليه المبيع، كما لو اشترى أحد من غيره مالاً بالأصل فاستحق به، الشفعة، ثم اشتراه منه البائع مرة أخرى، فإنه لا يستحق مع المال الذي اشتراه ما أشفع بسببه والله أعلم.
رجل اشترى مالاً يسقى بفلج، وهذا المشتري شريك في ماء المبيع، وتقدمت ابنة المشتري بطلب الشفعة باعتبارها شريكة أيضاً في الماء، ولها شركة في الأرض (أي ملاصقة المال)، فهل ترون لها شفعة فيه( مع أن المشتري والدها وهو شريك في الماء كما أسلفنا؟
لا شفعة لهذه المشتفعة من كلا الأمرين، من حيث إن المشتري شريك ولا شفعة على شريك، ومن حيث إنه أبو المشتفعة هذا ما أراه والله أعلم.
ممن تطلب الشفعة من المشتري أو القاضي، وماذا يقول مُريدها في المال الأخضر أو العقار؟ وماذا عن الإسراع والتأخير فيها؟
يسارع الشفيع إلى طلب شفعته من المشتري أو القاضي أو من يعتد به من الناس مع إشهاد الأمناء، وذلك بأن يقول مثلاً: نزعت شفعتي مما اشتراه فلان من فلان بثمنه، وأما البت في الإسراع والتأخير فمرد ذلك إلى القضاء الشرعي والله أعلم.
هل في العطية شفعة؟ (3/286)
صفحة 1005
لا شفعة في عطية. والله أعلم.
هل توجد شفعة في الأموال المعطاة غير الأقارب في مال يسقى من صوار واحد (مدخل الفلج ) إلا أن كل قسم بحوزته، ويسقى كل قسم في أوقات مختلفة؟
الشفعة في البيوع لا في الهبات، فلا شفعة فيما وهب أحد لغيره، سواء كان الموهوب قريباً أو أجنبياً. والله أعلم.
ما قولكم في المدة التي تفوت بها الشفعة عن الشفيع؟
قيل: تفوته بمجرد تمكنه من طلبها ولم يطلبها، وقيل: تفوت بمضي ثلاثة أيام، وقيل: هي حق لا يفوت بمرور الزمن والله أعلم.
رجل اشترى مالاً وله شركة في نصف ماء هذا المال، من أصل ثمانية وأربعين لأثراً، وقد شفع هذا المال شفيع آخر وله كذلك شركة في الماء. علماً بأن المال هو أقرب للشفيع من المشتري؟
إن كانَ المشتري شريكاً فلا شفعة لشفيع، إذ الشريك نفسه شفيع والله أعلم.
شخص أراد أن يبيع ماله أو بيته وبجواره شخص آخر، وأعطى هذا المبيع دلالا، هل يلزم على الشخص الثاني المجاور لهذا المبيع أن يزابن فيه ولو ارتفعت قيمة هذا المبيع، أو يسكت وبعد ما يباع يذهب يتشفع، أم ماذا يعمل؟
لا شفعة ـ على الرأي المعمول به ـ فيما بيع نداء والله أعلم.
عن أرض مجاورة لمزرعتي وتشربان من ماء واحد، قام صاحبها بالمناداة عليها، ولكن عندما أزيد عشرة ريالات يقوم شخص آخر بزيادة مائة ريال، فهل لي أن أتوقف عن المزابنة وأستشفعها؟
لا شفعة ـ على الرأي المعمول به ـ فيما بيع نداء والله أعلم.
رجل أراد وقف بعض ماله لمسجد في بلدته، وبعد عزمه وإخباره بهذا قام أصحاب الأموال المجاورة لماله بطلب الشفعة، فماذا يفعل؟ هل يمضي على عزمه؟ أم أن لهم الحق في شراء المال منه؟
لا شفعة في صدقة ولا في وقف، وإنما الشفعة في البيع والله أعلم.
أعطاني عمي أرضاً لبناء بيت وأخرجت لها ملكية، ولكن لم أبن فيها بيتاً، وهي مجاورة لأرض عمي وأريد الآن أن أبيعها فماذا عليّ؟ هل أخبره أم أتركه يشتفعها إن بعتها؟ (3/287)
صفحة 1006
إن كان عمك يتضرر من بيعك هذه الأرض لغيره، فله أن يتشفعها إن بعتها، لذلك أقترح أن تعرض عليه بيعها له، ففي ذلك اتقاء الشقاق والله المستعان.
هل للمستشفع فيما يُباع بالمزاد العلني شفعة؟
إن كان يباع بالمزاد العلني فالمشهور أن لا شفعة فيه لشفيع والله أعلم.
ما قولكم في شفيع يدعي صفقة البيع بأقل مما كتبه المشتري في صك البيع، مدعياً أن الصفقة سوماً أقل مما بلغ بالنداء، وإنما كان النداء فراراَ عن شفعة الشفيع، فإن كانت دعواه مسموعة وعجز البينة والبيع واقع بواسطة وكيل، فهل اليمين على الوكيل كونه من تصرفاته أم على صاحب المال، إن الصفقة هي التي بالنداء وتم البيع بكذا، أفتنا في ذلك؟
إذا ادعى الشفيع أن الصفقة بين البائع والمشتري بأقل مما أظهرا سمعت دعواه وطولب بالبينة، فإن أعوزته فله اليمين على المشتري، لأنه الذي يدفع إليه القيمة، والخصومة بينه وبينه، وليست بينه وبين البائع والله أعلم.
هل تجب الشفعة في بيع الإقالة إذا طلبها صاحبها من يدركها من الذي اشتراها؛ إذا كان ذلك المال المباع بالإقالة للغير في وسط مال الطالب للشفعة أو ملاصق لبيته الذي في بستانه، ويخاف أن يطلع هذا الرجل المشتري على أهله، فماذا ترى في ذلك؟
اختلف العلماء في البيع بالإقالة هل يدرك الشفيع شفعته عند البيع أو حال انتهاء مدة الإقالة؛ والخلاف مبني على الخلاف في بيع الإقالة هل هو ثابت أو موقوف؟ وبناءً على ذلك اختلف أيضاً فيما بيع قبل انتهاء مدة الإقالة، هل يدركه الشاري بالإقالة إن اشتفعه والله أعلم.
ما قولكم فيمن يطلب الشفعة في مال بجواره، وأثناء التحاكم وجد أن هذا المال انتقل إلى صاحبه الجديد عن طريق المقايضة مقابل عقار، ولم يحدد الثمن لكل من المال أو العقار، وقد اتهم المتقدم بالشفعة المتقايضين بأنهما متواطئان على إخفاء الثمن بقصد حرمانه من الشفعة، فهل ترون سماحتكم أن من حقه تحليفهما على ذلك؟ (3/288)
صفحة 1007
اختلف في القياض هل هو بيع أو غير بيع؟ وبناءً على هذا الاختلاف اختلف في الشفعة في القياض، فقيل بوجوب الشفعة فيه، لأنه ضرب ممن ضروب البيع، وقيل بعدم وجوبها، نظراً إلى أن الشفعة شرعت لدفع الضرر، وإيجابها في القياض لا يخلو من مضرة، هذا وإذا حكم القاضي بعدم الشفعة في القياض فلا وجه لتحليف المتقايضين والله أعلم.
رجل باع مالاً بالإقالة لمدة محدودة، وبعد انقضاء المدة عجز عن الفداء وترك المال فصار ملكاً للمشتري لا ينازعه فيه غريم، وبعد فترة طويلة باع المال بثمن زائد عن الذي اشتراه به فاستشفع صاحب المال الأول، فهل تثبت له الشفعة؟ وهل تكون بالثمن الأول أو الثاني؟
إذا لم يكن هنالك موجب للشفعة كشركة منافع أو شركة مشاع فلا وجه للشفعة، إذ لا مجال للشفعة من غير سبب لوجوبها، وإلا لجاز لكل من باع مالاً أن يشتفعه إن بيع من بعد ولو بعد حين، لأن بيع الإقالة كغيره من البيوع والله أعلم.
في صك فيه صورة بيع أرض من زيد لعمرو وتاريخ الكتابة منذ ست عشرة سنة، والبائع والمشتري في البلاد ولم تسبق في الأرض عمارة من احد ولم يعلم أحد بهذا البيع حتى يتداول بين الناس ويشتهر، وفي هذا الوقت وقع الخصام بينهما وعند ذلك جاء الشفيع يطلب شفعته من هذا المبيع، فإن صح هذا البيع هل طيلة هذه المدة تبطل الشفعة؟
إذا كان البيع غير مشهور ولم يعلم به الشفيع، ولم يتأن في طلب شفعته بعد علمه، فإن الشفعة لا تفوته بمضي المدة والله أعلم.
لقد أشكل علينا التفريق الموجود في الأثر في الشفعة بين ما باعه الابن لأبيه وما باعه الأب لابنه، والاستدلال بالحديث "أنت ومالك لأبيك"، وحسب فهمنا القاصر أن الظاهر أن المال إذا انتقل إلى الابن فهو لأبيه لا يعد انتقالاً حسب الحديث، وماذا يقال في الحديث الآخر "كل أحق بماله"، وهل الشفعة وجدت إلا لدفع المضرة( نرجو الإيضاح وتبيين الأرجح في المسألة ولكم الأجر؟ (3/289)
صفحة 1008
الذي يبدو أنهم قالوا ذلك من أجل تعظيم حق الأب وتمكن الولد من بره، فإنه ربما تساهل في ثمنه من أجل مراعاة حق الأبوة، فإن انتزع منه بالشفعة كان ذلك عائقاً للولد عما يطمح إليه من بره بأبيه، ومن ناحية أخرى فإن للوالد أن ينتفع بمال ابنه بدون إذنه دون العكس والله أعلم.
ما رأيكم فيمن انتزع شفعته من مال ترم بيع الإقالة هل يأخذه الشفيع بالثمن الأول أم أن المدة التي ترم بها المال تقدر بقيمة تضاف إلى القيمة السابقة بنظر العدول ويردها منتزع المال لاعتبار الفقهاء أن المدة به قسط من الثمن استحق المشتري بها المال لتأصيله؟ أرجو الإفادة لأهمية هذا السؤال وكثرة ما يقع بأخذ الشفيع المال بسهولة على قيمته الأولى من غير نظر وتقدير لهذه المدة التي نما فيها المال وصبر هو طيلة هذه السنوات استغلال مبالغة إن كان المال لا غلة فيه أو الغلة لا تكفي لعماره ومعاناته؟
اختلف في بيع الإقالة هل هو ثابت أو موقوف إلى انتهاء مدة الإقالة وعلى القول الأول فإن الشفيع يستحق الشفعة فيه بمجرد وقوع البيع وعلى الثاني يستحقها إذا مضت مدة الإقالة، ولا يزيد الشفيع على ما أعطى الشاري من الثمن، ومدة الإقالة تنطبق عليها القاعدة المعروفة ( الخراج بالضمان ) والله أعلم.
القسمة:
شركاء ثلاثة في محل تجاري، توفي أحدهم وأراد الاثنان إعطاء ورثة الشريك الثالث من الشركة، وتوجد بضاعة بالمحل، فماذا يفعل بها لإخراج الحق منها، وثانياً: يوجد أثاث والأسعار السابقة تختلف عن الحالية، فكيف يخرج حقه منها، وثالثاً: أن على المحل ديوناً فكيف العمل فيها أيضاً؟
1- تقوّم البضاعة الموجودة بسعرها الحالي، بغض النظر عن فائدتها وخسارتها، والله أعلم.
2- يقوّم الأثاث بقيمته الحالية، مع غض النظر عن كونها أرفع من قيمته الأصلية أو أدنى. والله أعلم.
3- الديون توزع بين جميع الشركاء، كما توزع سائر الأموال. والله أعلم. (3/290)
صفحة 1009
أتقدم لسماحتكم بفتوى حول قسمة منزل، هل يباع بالمزاد أم يقسم بالشبر أو يشترى من أحد الورثة؟ علماً بأن المنزل يحيط به سور من الطين وبه دكاكين، بحيث سمح لبعض الورثة بتعمير هذه الدكاكين واستغلالها ومضى على ذلك سنوات، والبعض منها قائم والآخر داثر، هل في هذه الحالة يحق للذي قام بالعمار في تعويض عن ما أنفقه أو يعتبر استغل حقه بمضي سنين الاستهلاك؟
كل ما تعذر اقتسام عينه يباع ويقتسم ثمنه، إلا إن اتفق الشركاء على بقاءه واقتسام منفعته، كاقتسام إيجاره بعد التأجير، وما أحدثه أحد الورثة من الدكاكين بإذن سائر الوارث فمرده إلى ما اتفقوا عليه، إن كان اتفاقهم على أن يكون الريع الذي يعود منها هو عوض بناءه فذلك، و إلا فتقوم الدكاكين في وقت بنائها، وينظر مقدار ما استفاده منها، فإن كان دون ما أنفقه عوض من أصل الثمن الذي بياع به العقار كله والله أعلم.
ما قولكم في شركاء ثلاثة في شجرة أمبا خسروا ثمرها وخسروا ثمن طناها بسبب أحد الشركاء، قيل له بأن يشتري السهمين فرفض وقيل له أن يبيع فرفض، فهل يجبر على البيع أو الشراء؟
ما لا يمكن اقتسام عينه يقتسم ثمنه، فمن رفض البيع والشراء أجبر على البيع والله أعلم.
لأم ولد وثلاث بنات، توفيت إحدى البنات وخلّفت ولداً، إحدى البنات الثلاث غير متزوجة والاثنتان والولد متزوجون، توفيت الأم وتركت مبلغاً قدره ستمائة ريال عماني، وكانت الأم تستلم ضماناً من الشئون الاجتماعية عنها وعن البنت غير المتزوجة، وكانت هذه البنت تساعد والدتها في رعاية إخوتها، فما حكم البنت غير المتزوجة في إرث أمها الهالكة؟
ما كان بيد الهالكة فحكمه أنه لها، إذ سكوت ابنتها يُعدّ رضى منها بأن يكون نصيبها لأمها، إلا إن أتت ببينة أنها كانت تودع أمها حقها، وبينت مقدار ما أودعتها بالبينة المقبولة شرعاً، فيعطى كل حقه والله أعلم. (3/291)
صفحة 1010
توفي رجل وترك أخوين لأب وترك أموالاً، وكان مما تركه قطعة أرض زراعية (عابية) في قرية من القرى التي تارةً تحيا وتارةٌ أخرى تموت بسبب ضعف فلجها، ففي الخصب يحيا وفي المحل يضعف أو يموت، فقسم الأخوان لأب بقية الأموال، وهذه العابية تُركت ولم تقسم إلى أن مات الأخوان لأب وخلّفا عليها ورثتهم، وهؤلاء الورثة منهم من توفي ومنهم لا زال حياً، وممن بقي حيا من ورثتهما ابن أخ وبنت أخ لأب هي ابنة عم لابن الأخ لأب، والآن يسأل ابن الأخ لأب، هل له الحق إذا أراد التصرف في هذه الأرض؟ وكيف يتصرف فيها؟
يأخذ منها نصيبه ويدع أنصباء الآخرين لهم، ويجب أن تكون القسمة بينهم على اتفاق، أو يوكّل غير الحاضر منهم من ينوب عنه والله أعلم.
والدي قسم ماله في حياته بين الجميع من هم له الحق في ميراثه، وعندما أراد أن يعطي كل واحد منهم حقه حصل نوع من التردد بين الأولاد، وقد ذهب إلى قاضي المحكمة الشرعية لكي يكتب ويبين حق كل واحد على حدة في مستند شرعي، وبما أن القاضي رفض أن يكتب إلا عندما يجمع جميع الأولاد مع زوجاته فلم يتم ذلك (وقد سأل أبي سماحتكم شخصياً ومعكم الشيخ حمود بن حميد الصوافي سابقاً عن هذا الموضوع ولا أعلم ما هو ردكم)، وقد تأثرت صحة أبي مما أدى ذلك إلى فقد للوعي والحركة لكي يتصرف في ماله، وفي الفترة ذاتها تحملت الواجب الذي يلزمني تجاه أبي وماله ومن هم في بيته وقمت بدفع مصاريف البيت والأموال من مالي الخاص، وعلماً بأنني أنا الوكيل الشرعي لأموال أبي منذ أكثر من ست سنوات والسؤال:
1- هل هذه القسمة ثابتة؟ قسمة أبي لماله على جميع أولاده وزوجاته، علماً بان هناك شهود على هذه القسمة، ولكن لم يقبض أحد من الأولاد حقه بعد.
2- هل يجوز للوكيل الشرعي أن يبيع بعض الأموال التي ليس لها مدخول لكي يدفع مصاريف البيت والأموال؟ (3/292)
صفحة 1011
3- إذا لم يباع شيء من الأموال لدفع المصاريف هل يلزم الأولاد جميعهم أن يصرفوا على أبيهم ومصاريف البيت والأموال ودفع المصاريف السابقة؟
4- توفي أخي بعد القسمة وله أيتام، فهل حقه يقسط أم يؤول لأولاده الأيتام؟
5- بما أنني الوكيل الشرعي لأبي، فهل يجوز أن أتنازل عن حق أبي من تركة أخي للأيتام (أولاد أخي) علماً بأن أبي فاقد الوعي والحركة.
1- لو اتفق الورثة جميعاً على القسمة وحاز كل منهم نصيبه لكانت ثابتة، ولكن بما أن ذلك لم يكن ولم يقبض أحد نصيبه فهي لا تثبت والله أعلم.
2- لا مانع من بيع الوكيل الشرعي ما تدعو إلى بيعه ضرورة الإنفاق لا سيما ما لم يكن منه نفع والله أعلم.
3- نعم إن لم يكن له مال، أما إن كان له مال فالنفقة الضرورية له ولمن يجب عليه عوله من ماله إلا أن يتبرعوا والله أعلم.
4- بما أن القسمة لم تثبت فهي كأن لم تكن والله أعلم.
5- ليس لك إسقاط حق أبيك، فإن ذلك من اختصاصه وحده، إلا أن أذن، وفي هذه الحالة لا إذن له والله أعلم.
بيعت قطعة أرض وهي ملك لجماعة ينتمون لقبيلة واحدة، وعندما أرادوا تقسيمها استثنت الفئة البيضاء الفئة السوداء بحجة أنهم عبيد ولا يحق لهم ما يحق للفئة البيضاء، فما قولكم في ذلك؟
الأرض لمن يملكها سواءً كان من البيض أو السود، وإن كانت مشتركة بينهم فهم فيها شركاء، ولا يجحف حق أحدٍ بلونه والله أعلم. (3/293)
صفحة 1012
رجل يمتلك قطعة أرض سكنية، فاتفق مع زوجته على أن يأخذوا معاً سلفة من البنك لبناء هذه القطعة، على أن يسدد الزوج السلفتين؛ سلفته وسلفة زوجته وكان مقدار القرض ثمانية آلاف ريال عماني، كلٌ منهما أربعة آلاف ريال عماني، وبعد بناء المنزل تم تأجيره على سنوات متفاوتة، وتم صرف قيمة الإيجار في مصاريف المعيشة، وبعد فترة تقرر بيع المنزل بمبلغ عشرين ألف ريال عماني، فهل للزوجة نصيب من قيمة بيع هذا المنزل، أم يكون الحق للزوج وحده، لكونه قام بسداد كافة الأقساط للبنك عنه وعن زوجته، وتحمّل كل ما ترتب عن إنشاء هذا المنزل؟
إن كان الزوج دفع الأقساط كلها، من غير أن تتحمل المرأة دفع شيء منها، فالثمن كله للزوج، إلا إن أراد أن يقابل معروفها بشيء يدفعه إليها والله أعلم.
إحياء الموات:
هل يشترط إذن الإمام لإحياء الموات، سداً لذريعة النزاع بين الناس، أم لا يشترط ذلك؟
جمهور فقهاء الأمة يشترطون إذن الإمَام في إحياء الموات واشترطت إذنه الحنفية، ورأي الجمهور أقوى، ولكن إن أفضى ترك الناس وشأنهم في ذلك إلى النزاع، فاستئصال شأفة النزاع بتدخل الحاكم واجب، لسد ذرائع الفساد والله أعلم.
فما رأيكم فيما جرت به عادة الناس من القيام بالتعاقد بيعاً وشراء في الأراضي السكنية أو التجارية الممنوحة من الدولة، وهي أراضٍ بيضاء لم يجر عليها نوع من الإحياء المفيد الملك شرعاً؟
فإن كان الجواب بالمنع، فكيف يجاب من يدعي أن حاجة الناس إلى ذلك تستدعي الترخيص، لأن الحاجة الماسة نازلة منزلة الضرورة التي ترتفع عندها الأحكام، وتتمثل هذه الحاجة في عدم تمكن أي إنسان من عمارة أرض بيضاء إلا بموافقة الدولة. (3/294)
صفحة 1013
ثم إن هنا بحثاً مفاده هو هل ممكن أن يقال إن المشتري هنا نازل منزلة المضطر للميتة، ولا يجدها إلا في يد من يطلب لها عوضاً، فإنه قيل إن كان واجداً لذلك ولم يقدر على أخذها ممن هي في يده بطريق آخر، إن له ـ إن لم يكن عليه ـ أن يدفع العوض ويأخذها، مع تصريحهم بتحريم ذلك العوض على من استعاضه عن الميتة، وإذا صح هذا التنظير أمكن القول بجواز ذلك للمشتري دون البائع، خاصة هؤلاء السماسرة وأصحابهم الذين اتخذوا ذلك مصدراً للربح.
ثم ما حكم بيع وصل استخراج الملكية لهذه الأرض ـ أن لو قيل بجواز التعاقد في ذلك ـ هل هو المنع قبل استخراج الملكية أو الجواز، بناء على ما قيل من أنه لا يشترط القبض فيما وعد به السلطان أو من ناب عنه؟
أرأيتم أن لو قيل بالحرمة مطلقاً فمن باع قبل معرفة هذا الحكم هل يلزم برد العوض أم تلزمه التوبة فحسب ويعفى عن رد ثمن ما باع، لأخذه له على جهة الاستحلال، والمستحل لا يلزم برد ما أتلفه أو أخذه على أكثر ما قيل فيه.
تفضلوا ـ شيخنا ـ بتوسيع دائرة الجواب على هذا السؤال، لوجود الحاجة الداعية إلى ذلك، ولكم جزيل الشكر وعظيم الجواب. (3/295)
صفحة 1014
ليس للإنسان أن يبيع مَا لم يمتلكه، والأرض قبل إحيائها ليست ممتلكة لأحد إن كانت مواتاً، فلا يحق لمن منحت له أن يبيعها حتى يحييها بِوَجْه من وجوه الإحياء، أمَّا منح الدولة لها إلى أحدٍ بعينه فلا يعدو أن يكون إذناً بالإحياء، ومَا ذكر تموه من حَاجة الناس ليس مسوغاً لإبَاحة البيع قبل التملك، فإن المخلص من هذه الحَاجة ممكن بالإحياء المعتبر شرعاً، وبإتباع الإجراءات المعمول بها في طلب الأراضي من أجل التمكين من إحيائها، وبما أن المشتري يمكنه الوصول إلى حاجته بطريقة شرعية، فلا يمكن إنزاله منزلة المضطر إلى الميتة، وإذا امتنع بيع الأرض قبل إحيائها، فأحرى أن لا يجوز بيع الوصل كما يفعله الناس، ومن وقع في شيء من ذلك فعليه رد الثمن، وتكفي هذه المحَاللة، هذا مَا أراه فانظر فيه ولا تأخذ إلا بعدله، فإنك أنت الداركة الخبير والجهبذة البصير والله أعلم.
ما حكم الحيازة في الفلوات، وإذا ادّعت قبيلة معينة بملكية جزء من الفلاة فهل يسمع دعواها أم لا؟
لا تسمع دعوى الخصوصية في الفلوات الخارجة عن حريم البلدان، فإن الفلوات لا تملك، ولا عبرة بالحوزات المدعاة والله أعلم.
أرض بجانب بيتي ليست ملكاً لأحد، أدخلتها في بيتي وسورت عليها، فما الحكم في ذلك هل تثبت لي أم لا؟
بما أن هذه الأرض غير مملوكة لأحد، وهي بجوار بيتك، فأنت أحق بإحيائها، والموات لمن أحياه والله أعلم.
ما قولكم في بيع أرض موزعة ليس فيها آثار ملك، وهل يعذر من يعتمد بيعاً كهذا على حسن الظن بالناس وحاجة الناس إلى ذلك؟
إن كانت الأرض مواتاً فلا تُمتلك إلا بالإحياء، لذلك يتوقف التعامل فيها بالبيع على الإحياء، وبدونه لا يصح اعتماد البيع والله أعلم.
أرض بيضاء ليس بها بنيان ولها ملكية، هل يجوز تأجيرها؟
إن كانت عمرت من قبل فلا مانع من تأجيرها من قبل مالكها، وإن كانت مواتاً فلا تؤجر حتى تحيى والله أعلم. (3/296)
صفحة 1015
ما قولكم في الأراضي التي يُحصل عليها من الدولة بسبيل المنحة أو التعويض عن ممتلكات، هل فيها شفعة إذا بيعت قطعة فأراد الشفعة صاحب القطعة المجاورة، علماً بأنها أراضٍ لم تعمر بعد لا من الممنوح ولا من قبل الشفيع، وإذا كان أحدهم قد وضع أعمدة من الأسمنت لمعرفة حدود قطعته، هل هذه الأعمدة تعتبر مانعاً للشفعة، إذا لم يكن هنا سبب للشفعة غير الجوار؟
لا يصح بيع ما لم يُحيى من الموات، والشفعة فرع عن ثبوت البيع، ومن المعلوم أن الجدر الفاصلة هي موانع من الشفعة لو كانت مستحقة ما لم تكن هذه الجدر مشتركة والله أعلم.
قطعة أرض كان يصلي فيها الناس صلاة العيدين، ثم انتقل أهل تلك المحلة وتركوا الصلاة في هذه القطعة، زعم رجل أن هذه القطعة كانت من ماله، وطمع الآن في حيازتها وضمها إلى ماله للانتفاع بها، فهل يجوز له ذلك أم تبقى هكذا إلى يوم القيامة لأنها استخدمت كموضع للعبادة ولا تتبدل؟
استخدام أرض لصلاة العيد باستمرار يخرجها عن حكم الموات الذي يباح لأي أحد إحياؤه، وإنما تكون عد هجرانها إلى غيرها من مترفقات البلاد العامة، وأما منع استعمالها لغير الصلاة فذلك بإحاطتها بجدار أو جعل محراب لها والله أعلم.
يتقدم بعض الناس بطلب إلى الحكومة للحصول على أرض تجارية أو سكنية، مقابل رسوم منخفضة، وبعد إتمام الإجراءات وسحب القرعة يحصل صاحب الطلب على (وصل) يستحق بموجبه تلك القطعة بعد سداد الرسوم المقررة، بعض الأشخاص المستحقين لا يتملكون قيمة الرسوم لاستلام قطعتهم، فيعمدون إلى بيع ذلك (الوصل ) إلى مشترٍ يقوم بسداد المبلغ عنه، فتستخرج الملكية باسم البائع، وعندها يتنازل عن الأرض لصالح مشتري ( الوصل )، فما هو حكم الشرع في شراء ( الوصل ) قبل استلام الملكية مع بيان الدليل؟ (3/297)
صفحة 1016
ذلك غير جائز، لأنه لم يمتلك شيئاً بعد، فهو يبيع ما لا يملكه ولا خلاف في النهي عنه، بل لا يجوز بيع الأرض الموات قبل إحيائها؛ إن تملكها إنما يكون بالإحياء والله أعلم.
من المعلوم أن الحكومة تقوم بعملية تخطيط الأراضي وتحديدها وعمل رسم مساحي لكل أرض، ويكون مثبتاً على أوراق رسمية، هذا بالإضافة إلى وضع ركائز حديدية لكل قطعة أرض على حدة، بحيث تكون كل قطعة أرض محددة ومعينة تعييناً تاماً، ثم يعطى صاحب الطلب وصلاً يكتب فيه استحقاقه لإحدى هذه القطع المحددة، ثم تصدر الملكية لصاحب الطلب بعد سحب القرعة وسداد الرسوم وإتمام كافة الإجراءات، فهل يعتبر هذا العمل من الحكومة بمثابة إحياء لهذه الأراضي الموات؟ فإن لم يعتبر ذلك نوعاً من الإحياء، فما هي وسيلة الإحياء المعتبر شرعاً؟
الإحياء لا بد من أن يكون بحائط أو سقي أو قلع شجر أو نحو ذلك والله أعلم.
سماحة الشيخ: أصبح إحياء الموات الآن لا كما يريد الإنسان، إذ قد تتدخل الجهات الرسمية لمنع الإنسان من الإحياء، فهل لا بد لمن أراد أن يبيع أرضاً أن يحييها؟ ما هي صور هذا الإحياء؟
إن أحياها بإحاطتها بسور أو بغرسها أو ببعثها، بحيث اعتنى بتسويتها وبقلع الشجر منها، فكل من ذلك يعد إحياء، ومثل ذلك لو جاء بآلات الحفر الحديثة وأمرهم بتسويتها والله أعلم.
الغصب:
نظراً لعموم البلوى بالأراضي المغصوبة في ريف زنجبار أصبح الامتناع عن التعامل على غلالها وعن الإجارة فيها أمراً فيه حرج شديد على بعض سكان الريف، ممن ليس لهم حظ من التعليم الدنيوي يمكنهم من العمل في العاصمة، ولا رأس مال يتاجرون به، ويخافون على بقية أصولهم في الريف إن هجروها وعلى عيالهم أن يضيعوها، فهل لهم من رخصة في عدم الامتناع عن ذلك؟
ما تبين لهم غصبه لم يحز لهم التعامل فيه، وما كان بخلاف ذلك فهو جائز، وما كان بين هذا وذاك فهو من المشتبه والله أعلم. (3/298)
صفحة 1017
ما قولكم في شراء تراب لأجل البناء مأخوذ من أرض مغصوبة، علماً بأن الحكومة قد منعت منعاً باتاً أخذ التراب من غير تلك الأرض التي غصبتها؟
لا يجوز ذلك، ومع الاضطرار لا بدَّ من تعويض الجهة المغصوب منها والله أعلم.
هناك أراضٍ غصبت وبني عليها عمارات ومحلات تجارية ماحكم البناء على هذه الأرض؟
ما حكم شراء البيت المبني على هذه الأرض؟
هل يجوز لأحد أن يستأجر هذه البيوت لفتح المحلات التجارية؟
هل لأحد أن يكون موظفاً من قبل الحكومة ومكتبه داخل هذا البنيان؟
كل هذه الأمور غير جائزة، فإن المال المغصوب لا يجوز التصرف فيه حتى يرد إلى مَالكه الذي غصب منه، ويكون التصرف فيه بإذنه والله أعلم.
من غصب شيئاً فزاد في يده، كأن يكون تاجر بما غصب، فهل يرجع ما اغتصب فقط أم يرجعه مع ربحه، كأن يكون أنشأ به تجارة فربح منها الآلاف أو كان حيواناً فتناسل هذا الحيوان؟
أما إن كان حيواناً فإنه يرجعه مع ما ولده، إذ النتاج إنما هو منه، وأما إن كان غصب نقداً وأتجر بذلك النقد وربح فإنه يرد مقدار ما اغتصب فقط والله أعلم.
التعزير بالمال:
سماحة الشيخ هل تجوز مصادرة أموال بعض الناس كانوا مسلمين أم غيرهم؟ (3/299)
صفحة 1018
أما أن يصادر مال إنسان هكذا من غير أن يكون ذلك المال وقع في يده بطريقة غير مشروعة فهذا غير جائز، لأن للأموال حرمات، فإما أن يكون هذا المال بنفسه، وإما أن يكون هذا المال مالاً وقع في يده بطريقة غير مشروعة، فإن كان ماله بنفسه فلا يجوز أن يصادر عليه سواء كان مسلماً أو كان ذمياً أو كان معاهداً، لأن مال المسلم محفوظ ومال الذمي والمعاهد أيضاً محفوظ، فالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول " كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه "، فكما لا يجوز أن يسفك دمه من غير موجب لذلك، ولا يجوز أن ينتهك عرضه، فكذلك لا يجوز أن يؤخذ ماله إلا بوجه من وجوه الشرع، أما إن كان ذلك المال مالاً مجهولاً ربه، وذلك بأن يكون ذلك شخصاً ظالماً، أخذ أموال الناس وسعى في الأرض فساداً وأتلف حقوق الناس، وجهل أولئك الذين هم أصحاب المال الذين يستحقون استرداد حقوقهم منه، فإنه في هذه الحالة يجوز أن يصادر عليه المال الذي يتصور بأنه وقع في يده من مال المسلمين الذين جهلوا، حتى يكون هذا المال لمنفعة جميع المسلمين، وهذا وقع في أيام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ـ رضي الله تعالى عنه ـ فإنه عندما وجه التهمة إلى بعض ولاته بأنهم تصرفوا تصرفاً غير شرعي وغير مأذون به في بيت مال المسلمين أخذ منهم بعض ما بأيديهم ورده إلى بيت مال المسلمين، ليكون لمنفعة المسلمين جميعاً، ووقع ذلك من أئمة العدل من أصحابنا، ومن بين من فعل ذلك الإمام عمر بن الخطاب الخروصي عندما حكم بمصادرة أموال بني نبهان، لأن هذه الأموال كلها كانت من مظالم العباد، وأصحاب الحقوق جهلوا فاعتبروا ولي أمر المسلمين هو الوكيل عن أصحاب الحقوق، ورد ذلك إلى مصلحة المسلمين جميعاً، ومن بينهم أيضاً، الإ (3/300)
صفحة 1019
مام عزان بن قيس والإمام سالم بن راشد ـ رحمهما الله ـ، فإن مثل هذه المصادر وقعت في أيامهما، أم أن يصادر مال امرئ مسلم من غير أن يكون هذا المال من أصل حرام فذلك غير جائز، إذ الأصل في أموال المسلمين أن تراعى حرماتها، بل وذلك هو الأصل أيضاً في أموال الذميين وفي أموال المعاهدين والله تعالى أعلم.
هل يجوز أن يعزّز الجاني بجرائم التعزيز بأخذ المال عن طريقة الغرامة أو المصادرة؟
أما عندنا فلا، ذلك لأن مال المسلم كما قلنا مصون، وقد دل على ذلك حديث " كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه "، إلا أن يكون أحد أخذ أموال الناس بغير حق، فإن ما أخذه منهم يرد إليهم إن عرفوا، وإن لم يعرفوا فمرده إلى بيت مال المسلمين، يتصرف فيه إمام المسلمين بحسب مصالح هؤلاء المسلمين، وكذلك أموال الذميين وأموال المعاهدين هي مصونة، ولا يجوز أخذ شيء منها إلا ما يؤخذ من الذمي بقدر الجزية المشروعة، التي تعود إلى بيت مال المسلمين في مقابل ما يكون له من أمن، ومن تمتعه بحقوق المواطنة في الدولة الإسلامية والله تعالى أعلم.
مسائل متنوعة:
ما هو تعريف المال عند أصحابنا؟ وما هي تقسيماته عندهم؟
المال كل ما يمتلك من أصول (1) وعروض (2) وحيوانات ونقود وغيرها والله أعلم.
هل تعتبر المنافع أموالاً متقومة أم لا؟، فيقتصر اسم المال على العيان دون منافعها؟
نعم تعد المنافع أموالاً، وتقوم بقدرها في الضمانات وغيرها، وذلك كسكنى الدور واستخدام المركبات وسائر الآلات، فمن استغل شيئاً من ذلك بدون إذن صاحبه فعليه ضمانه بقدر المنفعة التي استغلها والله أعلم.
قمت بشراء منزل من أمي وكان مبنياً بالطين منذ خمسة عشر عاماً، ثم قمت بهدمه وتغييره بالإسمنت، فهل يثبت لي البيت والأرض معاً أم لا؟
إنما يثبت لك ما باعته لك أمك، وهو العمارة دون الأرض. والله أعلم. (3/301)
صفحة 1020
مسألة بخصوص المكاتبة في البيوعات فنحن أهالي المنطقة عندنا أغلب الأموال تشرب بالحول، وليس يخص أحد بماء معلوم إلا قليل، وقد جرت العادة من قديم الزمان بأن يكتب الكاتب بينهما مهما بيع بالإقالة أو القطع أن يكتب له من بادة معلومة، وفي هذه البادة فضلة تخص أناساً آخرين يتصرفون فيها، وأنا متوقف من أجل هذه الشبهة، فأرجوا الإفادة؟
الأولى أن تتبع ما سبق من العادة، وإن بينت بطريقة لا تضر بأحد فلا مانع من ذلك والله أعلم.
هل تكون المعادن والكنوز ملكية فردية أم يمكن اعتبارها من أملاك الدول، سواء وجدت في أرض مباحة أو أرض مملوكة؟
كان الفقهاء المتقدمون يعدون المعادن والكنوز التي يحصل عليها الفرد ملكاً خاصاً به، ولكن من الفقهاء المعاصرين من يراها ملكاً عاماً للمسلمين، ودولتهم أولى بها إن كانت في أرض غير مملوكة، أما عن كانت في أرض مملوكة فمالكها أولى بها والله أعلم.
معاملة الغاصب فيما اغتصبه
ـ ما حكم معاملة الغاصب فيما اغتصبه؟
أقسام الغاصبين:
لا يخل الغاصب لهذه الأموال إما أن يكون موحداً أو مشركاً، والموحد إما منتهكاً أو مستحلاً.
الغاصب المنتهك: (3/302)
صفحة 1021
والقول إن كان منتهكاً في فعله، غير متأول في بطله بادعاء حله، أنه لا تصح معاملته فيما اغتصب على حال، ولا نحفظ جواز ذلك عن أحد في مقال، سوى أن من أتى ذلك قد اعتنق البلايا الموبقة، وارتكب الخطايا المحرقة، لأنه قد أكل المال الحرام، المغتصب على البلغ والأيتام، فليتدارك نفسه، قبل أن يحل رمسه، فيغسلها بالمتاب من أدران المعاصي، حذراً من يوم يؤخذ فيه بالأقدام والنواصي، إذ الله سبحانه وتعالى يقول: { يأيها الذين ءامنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالبطل إلا أن تكون تجرة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما * ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً فسوف نصليه ناراً وكان ذلك على الله يسيرا } ، وقال سبحانه: { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون } ، وقال سبحانه في الوعيد في أكل أموال اليتامى بغير حق: { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيرا } ، وقال: النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ" القليل من أموال الناس يورث النار"، رواه الإمام الحافظ الحجة الربيع بن حبيب ـ رحمه الله ـ في مسنده الصحيح عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس ـ رضي الله عنهم ـ، وعن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ" ردوا الخيط والمخيط، وإياكم والغلول، فإنه عار على أهله يوم القيامة"، وروى الإمام الثبت الربيع بن حبيب ـ رضي الله عنه ـ أيضاً ـ في مسنده الصحيح العالي عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنهم ـ عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: " من اقتطع حق مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار، فقال رجل: وإن كان شيئاً يسيراً يا رسول الله؟ فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ " وإن كان قضيباً من أراك"، وقد رواه أيضاً مالك في الموطأ وأحمد والنسائي وابن ماجه من (3/303)
صفحة 1022
حديث أبي أمامة، وفي مسند هذا الإمام الحافظ ـ رضي الله عنه ـ أيضاً: أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال: " خرجنا مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عام خيبر، ولم نغنم ذهباً ولا فضة إلا الأموال والمتاع، فأهدى رجل من بني الضبيب ـ يقال له رفاعة بن زيد ـ إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ غلاماً أسود يقال له مدعم، فوجه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على وادي القرى حتى إذا كنا بها، بينما مدعم يحط رحال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذ جاء سهم غرب فأصابه فقتله، فقال الناس هنيئاً له الجنة، فقال: النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ" لا والذي نفسي بيده، إن الشملة التي أخذها من المغانم يوم خيبر لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه ناراً"، فلما سمع الناس ذلك جاء رجل بشراك أو شراكين، فقال له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ" شراك أو شراكان من نار"، وعن أبي حميد الساعدي يرفعه "لا يحل لامرئ أن يأخذ عصى أخيه بغير طيب نفسه" رواه البيهقي وابن حبان والحاكم في صحيحيهما، وروى الدار قطني عن أنس يرفعه "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه"، فهذه الآيات والأحاديث مع نظائرها ـ تركناها مخافة التطويل ـ قاطعة بتحريم أكل أموال الناس بغير وجه حق يبيحها، وقاطعة بتعذيب من أتى ذلك وتحريم الجنة عليه، سواء كان المال قليلاً أو كثيراً، و لا فرق في ذلك بين أن يظلمه بنفسه أو يعامل من ظلمه مع علمه بظلمه.
والقول إن كان الغاصب مستحلاً لذلك المال سيأتي ـ إن شاء الله ـ آخر ما للذي اغتصبه المشركون من مقال.
الغاصب المشرك: (3/304)
صفحة 1023
وإن كان الغاصب لتلك الأموال من المشركين ففي معاملته فيما اغتصبه من أموال المسلمين خلاف شهير بين علماء الأمة قديماً وحديثاً، فقيل إن الأموال باقية لأربابها لا يحل لأحد أن يعامل المشركين فيها بعد اغتصابها، وهو قول سيد الأمة الصديق الأكبر أبي بكر ـ رضي الله تعالى عنه ـ وهو المأخوذ به عند الشافعية، وقال به إمامهم الشافعي وجماعة. وقال به من أصحابنا ـ رحمهم الله تعالى ـ الجم الغفير، منهم صاحب السؤالات والإمامان العادلان الرضيان عبد الوهاب وابنه أفلح بن عبد الوهاب المغربيان، والإمام ابن بركة وأبو الحسن، وسيدنا القطب الرباني والبحر الصمداني المحقق الخليلي، وابنه العيلم العلامة الصالح، وإمامنا الأكبر نور الدين السالمي ـ رحمهم الله تعالى ورضي عنهم ـ، وقد قال صاحب السؤالات وأبو الحسن ـ رحمهما الله ـ إنه المعمول به، وعند هؤلاء أن لصاحبها أن يحتال على إخراجها بدون قيمة من يد مغتصبيها الضلاّل، وإن اغتنمها المسلمون من المشركين ردت إليه ولو اقتسمت، إن أتى ببينة على أنها منه أخذت، وقيل: إن ادركها مقسومة فهي لقاسميها وإلا فهي له، وهو المروي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ، وبه يقول عمروس اليمن بن ربيعه وعطاء والليث ومالك وأحمد، ونقله ابن أبي الزناد عن أبيه عن الفقهاء السبعة، وروي عن الحسن وأبي حنيفة إلا في الآبق، فإن أبا حنيفة يقول فيه كالثوري أن صاحبه أحق به مطلقاً، وقيل: إن استيلاء المشركين على تلك الأموال ينقلها عن ملكية أربابها إلى ملكيتهم، فتصح معاملتهم فيها وقبولها منهم إن وهبوها، ولا يحل لأربابها أن يحتالوا على إخراجها بدون قيمة من أيدي غصَّابها، وهو قول علي بن أبي طالب والزهري وعمرو بن دينار، وهو أشهر الروايتين عن الحسن، وقال به من أصحابنا الإمام الحافظ المحدث الربيع بن حبيب والمحققون من أصحابنا المغاربة ـ رحمهم الله ـ كالإمام شمس الدين أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم (3/305)
صفحة 1024
الوارجلاني، وصاحب الإيضاح، وعليه العمل عند أهل المغرب، وصححه إمام المحققين قطب الأئمة ـ رضوان الله تعالى عليه ـ في غير موضع من جواباته، وعجيب مصنفاته، واختاره بعض علماء عمان المتأخرين.
احتج أرباب القول الأول بأدلة منها: قوله سبحانه وتعالى: { ولن يجعل الله للكفرين على المؤمنين سبيلا } ، ومنها قول: النبي ـ صلى الله عليه وسلم " لا عرق لظالم ولا ثواء على مال امرئ مسلم" والثواء بالثاء المثلثة والمد الإقامة، أي لا إقامة لأحد على مال مسلم، بل يلزمه رده والتخلص منه، أو بالتاء المثناة من فوق والقصر بمعنى الهلاك، ومعنى الحديث إذاً لا يهلك مال المسلم خروجه من يده، بل يبقى له متى أمكنه استرداده استرده بأي وجه أمكنه، ويحكم له برده بعينه إن كان موجوداً بعينه، وبمثله إن فقدت عينه، وبقيمته إن عدم المثل، ومنها ما رواه ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ من أن المشركين أغاروا على سرح المدينة فذهبوا به وفيه الغصباء ناقة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وامرأة من المسلمين، فركبت عليها ذات ليلة إلى جهة المدينة، ونذرت إن نجاها الله عليها لتنحرها، ولما وصلت المدينة بلغ خبرها إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: "لا نذر فيما لا يملك ابن آدم"، فدل ذلك على بقائها له ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وعدم استهلاكها بأخذ المشركين إياها، وهو ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ كغيره في غير ما قام الدليل على خصوصيته به، فظهر عليه المسلمون في عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فرده عليه ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ، وأبق له عبد فلحق بالروم فظهر عليه المسلمون فرده عليه خالد بن الوليد في عهد أبي بكر الصديق ـ رضي الله تعالى عنه ـ، وذلك في ملأ من أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، ولم ينكره أحد منهم، ومنها ما رواه الإمام شمس الدين أبو يعقوب ـ رحمه الله ـ في زيادة الترتيب عن الإمام أفلح بن عبد الوهاب ـ رضي الله عنهما ـ عن (3/306)
صفحة 1025
كتاب أخذه عن أبي غانم بشر بن غانم الخراساني من تأليف أبي يزيد الخوارزمي في السير رفع فيه أبو يزيد الحديث إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: أن رجلاً من الأنصار وجد مع رجل سيفاً لأخيه في السوق، فرافعه الأنصاري إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقص عليه الرجل القصة، ومن أين صار له السيف فقال: له النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ " ابتغ الغنيمة في غير مال أخيك"، ومنها ما رواه أيضاً شمس الدين ـرحمه الله ـ في الزيادة عن الخوارزمي أن رجلاً وجد فرساً يباع في السوق فعقل أنه لأخيه، فسأله عن شانه، فقال له صاحبه أصابني سهمي من غنيمة، فرافعه إلى النبي _ صلى الله عليه وسلم _، فقال ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ " المسلمون يد واحدة يرد بعضهم على بعض".
وأجيب عن الاستدلال بالآية الكريمة بأنها ليست نصاً في الموضوع، ولأهل التفاسير فيها أقاويل، وأجيب عن الاستدلال بحديث ـ لا عرق لظالم ـ بوجوه: (3/307)
صفحة 1026
الأول: أنه عان ويخصصه حكم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في دور مكة ورباعها، فقد دخل على أهل مكة عنوة فسوغ لهم جميع ما بأيديهم من كسب أو غصب، وقد كان للمهاجرين المسلمين فيها دور خالف عليها المشركون من بعدهم واغتصبوها فهنأهم لهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، ولم يرد على أحد من المهاجرين داره ولا انتزعها من أيدي المغتصبين، ومن تلك الدور المغتصبة دوره ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومولده ودور عبد المطلب، فإنها كانت بيد عقيل، ولما قال أسامة بن زيد لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عام الفتح، وكان رحل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بيده: أين تنزل غداً يا رسول الله؟ قال: ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ"وهل ترك لنا عقيل من منزل، أنزل بالأبطح"، ومنها دار خديجة زوج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ رضي الله عنها ـ التي فيها مولد فاطمة بنت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ـ رضوان الله عليها ـ، فإنها صارت إلى أبي سفيان، واغتصب أبو سفيان أيضاً دار أبي أحمد بن جحش فاستعدى عليها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلم يعده، فقال: يا رسول الله دار أبي اغتصبها أبو سفيان؟ فأعرض عنه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فأتاه من عن يمينه فأعرض عنه، فأتاه من قبل شماله فأعرض عنه، ثم مضى وهو يقول معرضاً بأبي سفيان:
دار ابن عمك بعتها
تنفي بها عنك الغرامة
اذهب بها اذهب بها
طوقتها طوق الحمامة
وابتيعت تلك الدار بعد ذلك في غلاء دور مكة بمائة ألف دينار، اشتراها أبان بن عثمان.
الوجه الثاني: أن إثبات الأموال للمشركين الغانمين لها إنما هو لأخذهم إياها مع اعتقادهم أنها حلال لهم، لا لمجرد تعنيهم في أخذها، فضلاً عن أن يستدل بأنه لا حق لعرقه، والذي هو تعنّيهم ومناولتهم. (3/308)
صفحة 1027
الوجه الثالث: أن المعروف عند الأمة أن معنى " لا عرق لظالم " لا أجرة للغاصب فيما تعناه في المغصوب، مثلاً أن يغصب بعيراً فيرعاه حتى ولو سمن، أو يزيل عنه القرد، ومثلاً أن يغصب أرضاً فيحفر بها بئراً فإنه لا أجرة له، ومثلاً أن يغصب جناناً فيسقيه من ماء مخصوص بالجنان أو غيره، فإنه لا أجرة لرعية أو إزالة القرد أو الحفر أو سقي الجنان، وليس المعنى أنه لاحظ له في المغصوب، فضلاً عن أن يستدل بالحديث على أنه ليس للمشركين حظ فيما غنموا، وحديث " لا ثواء على مال امرئ مسلم " مخصوص بما تقدم من إثبات أموال المهاجرين لمن اغتصبها من المشركين، كما خص بإعطاء اللقطة لمن يستحقها بعد النداء عليها وعدم ظهور ربها، وكما خص بجواز أخذ اللقطة إن كان مما تسمح به النفس عادة، ولو مع عدم اليقين برضا صاحبها، هذا مع التسليم بأن المشرك مؤاخذ على إقامته على المغصوب لكونه مخاطباً بفروع الشريعة على الصحيح، فهو معذب بغصبه، كما أنه معذب على عناده لربه إن مات على ذلك، وذلك لا ينافي عندهم بقاءه له حكماً، وحليته لمن انتقل إليه بهبة أو شراء، قالوا: ولو بقي الحديث على عمومه للزم المشرك أن يرد ما اغتصبه في حال شركه مهما أسلم، والإجماع على خلافه.
وأجيب عن الاستدلال بقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حديث العضباء: " لا نذر فيما لا يملك ابن آدم" بأنه لا دليل فيه من وجوه: (3/309)
صفحة 1028
الأول: أن ماله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليس كمالنا في مسألة غصب المشرك له، فإنه لا ينتقل بغصبه عن ملكه ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى ملك المشرك الغاصب له، فضلاً عن أن ينتقل إلى ملكية من احتال على إخراجه من يد المشرك، وذلك من خصوصياته ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ تعظيماً له علينا وتمييزاً لشأنه من بيننا، ويدل على أن هذا الحكم خاص به ـ صلى الله عليه وسلم ـ حكمه في دور المهاجرين بأنها لمن اغتصبها من المشركين، قالوا ولا يرد على هذا تركه ـ صلى الله عليه وسلم ـ دوره لمن اغتصبها، لأن ذاك إنما كان بطيب نفسه.
الثاني: إن حكمه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في دور مكة أمر صريح، وقوله: " لا نذر فيما لا يملك ابن آدمز كناية وتلويح بأن العضباء لم تدخل في ملك المرأة الراكبة عليها، والصريح مقدم على الكناية والتلويح.
الثالث: أن حديث العضباء متقدم لأنه في المدينة، وحديث الدور متأخر لأنه بمكة بعد الفتح، والمتأخر مقدم على المتقدم لكونه ناسخاً له.
الرابع: أن رواية حديث الدور متواترة، ورواية حديث العضباء أحادية جاءت من طريق ابن عمر.
الخامس: أن حديث الدور رواه شمس الدين أبو يعقوب الوارجلاني ـ رحمه الله ـ وهو أعلم بالفقه وأصوله والنحو واللغة ممن روى حديث العضباء عن ابن عمر، وذلك من المرجحات عند التعارض كما تقرر في الأصول.
السادس: أن المثبت مقدم على النافي عند الأصوليين، وحديث الدور أثبت فيه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أموال المهاجرين للمشركين، وحديث العضباء فيه نفي المال عن المغتصب، فيقدم المثبت على النافي.
وأجيب عن الاستدلال بحديث ابن عمر في قصة الفرس والعبد، بأن الفرس والعبد اتصلا بهروبهما بالمشركين، فكانا باقيين على ملك صاحبهما، بخلاف ما اغتنمه المشركون عليهم إذ الهارب المتصل بهم سبيله سبيل اللقطة والضالة. (3/310)
صفحة 1029
وأجيب عن الاستدلال بما رواه أبو يزيد الخوارزمي من قصة السيف بأنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ إنما أمره برده لكونه مديعاً أنه أصابه من سهمه في الغنيمة ولا بينة له فيما ادعاه، مع كونه مصدقاً لخصمه في دعواه أنه لأخيه احتج أرباب القول الثاني بحديث جاء عن ابن عباس مرفوعاً بذلك التفصيل أخرجه الدار قطني، ولكن قيل فيه إن طريقه ضعيف جداً.
احتج أرباب المذهب الثالث بحجتين، الأولى: ما تقدم ذكره من حكم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عام الفتح بمكة في دور المهاجرين بأنها لمن اغتصبها من المشركين. الثانية: أمره ـ صلى الله عليه وسلم ـ لسلمان وقد كان على دين فباعه المشركون ليهودي، فأمره ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ أن يستكتب فاستكتب، وأجيب عن الاستدلال الأول: بأنه لا دليل فيه على المطلوب، لأن الدور كانت في أيدي أهل مكة وقد أسلموا قبل أن يطالبوا برد ما اغتصبوا، وقد قال الله تعالى: { قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف } ، قال: ـ صلى الله عليه وسلم ـ" إنما قيل للجاهلية جاهلية لجهالة أهلها وضعف علمها، فمن أسلم على شيء وهو في يده فهو له"، وقال: عمر ـ رضي الله عنه ـ لسنا بنازعين شيئاً من يد أحد إذا أسلم عليه وأجمعت الأمة المحمدية على أن المشرك لا يؤاخذ برد ما بيده من المظالم إن أسلم عليه، وأُجيب عن الاستدلال الثاني: بأن سلمان إنما أخذه المشركون قبل أن يظهر الإسلام وهو يؤمئذٍ نصراني، ولا يخفى ما في تلك النصرانية من جعل عيسى ولداً وجعل الآلهة ثلاثة والكل شرك، وأيضاً فاليهودي الذي استكتب منه سلمان لم يغتصب سلمان وإنما اشتراه من غيره، فما لم تقم بينة أنه مغتصب فهو ملك لليهودي، ومع وجود هذا الاحتمال لا يتم ذلك الاستدلال، هذا حاصل ما وجدته في الأثر عن أولي العلم والبصر.
والذي أعول عليه وأرشد من استرشدني إليه هو القول الأول، لوجوه تؤذن بأن يكون عليه المعول: (3/311)
صفحة 1030
الوجه الأول: سلامة العامل به من إتيان المختلف في حله، وذلك مما ينبغي للإنسان مع الإمكان، و لا سيما من كان ضعيفاً كمثلي، وما أحرى ذلك بأهل الورع في الدين، فقد قال: عمر ـ رضي الله عنه ـ كنا ندع سبعين باباً من الحلال مخافة الوقوع في الحرام.
الوجه الثاني: أن في العمل به احتراماً للمسلم في ماله وعدم إحزانه بمعاملة عدوه فيما اغتصبه من حلاله، وفي العمل بغيره عكس هذا.
الوجه الثالث: أنه أدعى لجمع كلمة المسلمين وإهانة أعدائهم الكافرين، حيث يرونهم على مقاطعتهم فيما اغتصبوه من إخوانهم مجتمعين وعلى مخاصمتهم بسبب ذلك الغصب متحدين، وذلك محبوب طبعاً ومطلوب شرعاً، وقد أرشد إلى ذلك الكتاب العزيز في قوله سبحانه: { إنما المؤمنون إخوة } ، كما أرشد إلى ذلك الرسول الأكرم ـ صلى الله عليه وسلم ـ حيث وصف المسلمين بأنهم يد على من سواهم، فإن قلت: إن في حكمه ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ في دور المهاجرين بأنها لمن اغتصبها من المشركين ما يرد مقالك، إذ ذلك منه ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ إباحة لمعاملتهم فيها، فيلزم على ما تزعم أن يكون بذلك مهيناً للمسلمين ومعززاً لأعدائهم المشركين، قلت: إن أولئك المغتصبين قد أسلموا فصاروا إخواناً للمسلمين فبذلك انتفى المحذور، وصارت معاملتهم فيها من غير المحظور، إذ الإسلام جب لما قبله، ويعضد ذلك قوله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ: " من أسلم على شيء
وهو في يده فهو له"، والأثر المروي عن عمر ـ رضوان الله عليه ـ " لسنا بنازعين شيئاً من يد أحد إذا أسلم عليه"، وما ذلك إلا ترغيب في الإسلام وعدم إحراج لمن أراد الدخول فيه من الأنام. (3/312)
صفحة 1031
فإن قلت: هلا قيل في الحديث المذكور والأثر المروي عن عمر بأن الأصل فيهما أو لم يسلم حملاً لمفهومها على موافقة النص المشهور من حكمه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الدور، فحذف منهما العاطف والمعطوف لقرينة هذا النص، أو أنه إنما ذكر فيهما الإسلام وحده ترغيباً فيه، أو لكونه الواقع في القصة التي ورد لأجلها، أو إنما ذكر فيهما الإسلام احترازاً عمن لم يسلم، فإن ما بيده يؤخذ غنيمة في الجهاد، سواء كان له أولغيره من العباد، قلت: قد قال بذلك أحد جهابذة العلماء المتبحرين، ولكن يرد مقاله كون المفهوم هنا غير مخالف للنص بل موافقاً له، أمر لا ريب فيه، كالشمس في كبد السماء بيوم لا غيم فيه، فإن المغتصبين للدور قد أسلموا عليها قبل التمكن من المطالبة بردها، فلذلك أقرها ـ صلى الله عليه وسلم ـ لهم، وإنما يحتاج إلى هذه التأويلات أن لو كان النص مخالفاً للمفهوم. (3/313)
صفحة 1032
الوجه الرابع: ظهور برهانه وقوة أركانه، فإن أدلته أقوى دليلاً وأقوم قيلاً، لما تقدم من الإيراد على أدلة من خالفه، وأما الإيرادات التي وردت على أدلة هذا القول فيمكن الجواب عنها، ألا أن ما اعترض به على الاستدلال بالآية الشريفة يمكن الجواب عنها بأن كون الآية غير نص في الموضوع لا يمنع من الاستدلال بها، إذ غالب أدلة الشرع غير ناصحة على مستدلاتها، وإنما يستنتج منها الحكم استنباطاً، فلذلك تختلف الآراء، وتتعدد المذاهب، وأيضاً فالسبيل في الآية الكريمة نكرة في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي للعموم عند الأصوليين، فيؤخذ من ذلك نفي أي سبيل للكافرين على المؤمنين، ومن ذلك عدم انتقال أموالهم إلى من اغتصبها من المشركين، لا يقال إن عمومها مخصوص بحكم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في دور المهاجرين لمن خالف عليها من المشركين، لأنا نقول إنما حكم لهم بها بعد أن صاروا مسلمين، وأما من اعترض به على الاستدلال بحديث "لا عرق لظالم ولا ثواء على مال امرئ مسلم"، فيمكن الجواب عنه: (3/314)
صفحة 1033
بأن ذلك مسلّم أن لو سلم الاستدلال بحديث الدور على جواز المعاملة في المغصوب، وأما مع ما تقدم من الإيراد عليه فلا نسلم تخصيصه لعموم هذا الحديث من هذه الناحية، وإنما هو مخصص له فيما إذا أسلم المشرك على مال مسلم بيده، وأما تخصيصه بإعطاء اللقطة لغير ربها إن جهل ربها بعد النداء عليها، وتخصيصه بأخذ اللقطة إن كانت مما تسمح به النفس عادة ولو مع عدم اليقين برضى صاحبها، وبترك المشرك وما بيده إن أسلم عليه فذلك لمخصصات اقتضت ذلك، ولا يمنع ذلك من الاستدلال بالحديث على ما لم ينله التخصيص، وتسليم المعترض بمؤاخذة المشرك فيما بينه وبين ربه قاض بمنع معاملته فيما اغتصب، إذ لا يحل لامرئ أن يعامل أحداً فيما يؤاخذ عليه، لأنه من التعاون على الإثم، والتعاضد على الظلم، ومن هنا يظهر الفرق بين معاملة من أسلم فيما اغتصبه في حال شركه، ومعاملة من بقي على شركه فيما اغتصبه، فإن من أسلم غير مؤاخذ على غصبه، بخلاف من بقي على عناده لربه، وأما ما اعترض به على الاستدلال بحديث ابن عمر في قصة العضباء فيمكن الجواب عنه: بأنا لا نسلم أن عدل انتقال ملك المغضوب منه عن الذي غصبه من المشرك خاص به ـ صلى الله عليه وسلم ـ، بل هو وأمته في ذلك سواء، كما أنهم سواء في إزالة ملكهم عن المغضوب منهم إن أسلم الغاصب عليه بعد شركه، ويدل على ذلك تركه ـ صلى الله عليه وسلم ـ دوره لعقيل، ولا نسلم أن ذاك إنما كان بطيب نفسه؛ لأن السياق يأباه، وبقية الوجوه التي رجح به حديث الدور على حديث العضباء مسلمة أن لو سلم الاستدلال بحديث الدور على المطلوب، وأما مع ما تقدم من الإيراد عليه فلا، وأيضاً فإن ترجيح حديث الدور على حديث العضباء بكونه رواه الإمام شمس الدين أبو يعقوب – رحمه الله - معارض بكون الإمام شمس الدين هو الذي روى حديثي السيف والفرس، اللذين رواهما أبو يزيد الخوارزمي، وهما دالان على عكس ما استدل عليه بحديث الدور، وكون حديث العضباء يقتضي (3/315)
صفحة 1034
النفي وحديث الدور يقتضي الإثبات، فيرجع ما اقتضى الإثبات على ما اقتضى النفي، معارض بأن حديث العضباء مثبت للأصل، وهو بقاء الأموال لأربابها، عكس حديث الدور فإنه نافٍ للأصل، فالأولى إذا الأخذ بما أثبت الأصل، وأما ما اعترض به على حديث ابن عمر في قصة فرسه وعبده، فيمكن الجواب عنه بأن القائلين بانتقال أموال المسلمين إلى المشركين بغصبهم لها يقولون إن سبب انتقالها إليهم استيلاؤهم عليها واستحلالهم لها، وذلك حاصل في قصة الفرس والعبد كما في أموال المهاجرين، فإذاً لا فرق بين الأمرين إلا كون المغتصبين لأموال المهاجرين أسلموا عليها بخلاف الغاصبين لعبد الله ابن عمر وفرسه، وليت شعري هل المشركون الذين اتصل بهم العبد والفرس اعتقدوا بأنهما بأيديهم ضالة إلى أن يظهر ربهما أم استحلوهما لكونهما ملكاً للمسلمين؟ ! وأما ما اعترض به على الاستدلال بحديث السيف الذي رواه أبو يزيد الخوارزمي فيمكن الجواب عنه بأن سياق الحديث يأبى كون رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمر من بيده السيف أن يرده لصاحبه لكونه مدعياً أنه أصابه من سهمه في الغنيمة ولا بينة له على ذلك، إذ قوله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ "ابتغ الغنيمة في غير مال أخيك" دال بمنطوقه على إباحة الغنيمة من المشرك ما لم تكن ملكاً لمسلم، ودال بمفهومه على النهي عنها إن كان أصلها للمسلمين، ولو انتقلت بالغصب إلى المشركين، ولا عبرة بخصوص السبب مع عموم اللفظ، ويعضد ذلك قوله في الحديث الآخر "المسلمون يد يرد بعضهم على بعض"، هذا ما ظهر لي من الجواب عن هذه الإيرادات، ولم أجد ذلك عن أحد من أولي الدرايات. (3/316)
صفحة 1035
الوجه الخامس: أن الآيات والأحاديث التي سبق ذكرها في صدر الجواب تضمنت زجراً بالغاً، ووعيداً شديداً في أكل أموال الناس إلا بوجه مبيح، وأنت ترى أن هذه الأموال المغتصبة على المسلمين أصلها لملاكها وانتقالها عنهم يحتاج إلى دليل قاطع، لأن اليقين لا يزيله إلا يقين مثله، وحجج من قال بانتقالها غير كافية لما سبق من الإيراد عليها، ولمعارضتها بحجج أقوى منها في نفسها، وبكونها معتضدة بالأصل، فالأولى إذاً التمسك بها، لأن التعارض موجب للرجوع إلى الأصل، ولا سيما مع رجحانية ما يؤيده.
الغاصب المستحل:
وهذا بعض من يقول بجواز معاملة المشرك فيما اغتصبه من المسلم ألحق المستحل بالمشرك في ذلك إذا كان باستحلاله متأولاً على الخطأ لضلاله شيئاً من أدلة الكتاب، أو سنة الرسول الأواب، أو إجماع أولي الألباب، كالصفرية والنجدية والأزارقة، وسائر فرق الخوارج المارقة، فإنهم يستحلون أموال أهل التوحيد، ويدينون بسفك دمائهم على غير حق لربهم الحميد، فعلى رأي من ألحقهم بالمشركين تجوز معاملتهم فيما أخذوه على التأويل من أموال المسلمين، وإن كانوا في ذلك ضالين، وعن الحق مائلين، وممن قال بذلك إمامنا شمس الدين الوارجلاني، وسيدنا إمام المحققين قطب الأئمة، وإمامنا العلامة الجيطالي ـ أفاض الله عليهم شآبيب رضوانه وأسكنهم بحبوحة جنانه، ونفعنا بعلومهم ـ، ولكنك قد علمت ما هو الأرجح، والنفس إلى الأخذ به أجنح. (3/317)
صفحة 1036
وغني لأوصيكم بالتحرز عن المحجور، والابتعاد من المحظور، وتجنب كل ما يؤدي في دينكم إلى محذور، فما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور، فاستعدوا ـ رحمهم الله ـ ليوم النشور، فكأني بالدنيا قد مضت، وبز خاريفها قد انقضت، واقترب الوعد الحق، فنفخ في الصور، وآن النشور، وأُخذ بالنواصي والأقدام، وأُبرزت المعاصي والآثام، وزخرفت الجنان لمن نهى النفس عن الهوى، وجنبها ما تهوى، وبرزت النيران لمن أعطى نفسه هواها، وجنبها رضوان مولاها، فالفوز كل الفوز لمن كان يومئذٍ من الفائزين، والويل كل الويل لمن كان فيه من الهالكين، فيا رب عفوك لعبدك الذي كثرت ذنوبه، وعظمت عيوبه وجلت خطوبه.
وهذا ما فتح الله لي من الجواب على هذا البحث المستطاب، وقد خرج ما فيه الخطاب من حيز الاختصار إلى حيز الإطناب، وما ذلك إلا لما حل هنالك مما لا يحصى من الظلم ولا يستقصي من أسباب الإثم، والحمد لله بنعمته تتم الصالحات، وبمنته تتضح المشكلات، حمداً نستظهر به العلوم الخفيات، ونبلغ به منتهى الغايات، والصلاة والسلام على رسوله المبعوث بأكمل البينات، وأتم الكمالات، وعلى آله وصحبه الكرام أفضل صلاة وسلام، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
بيع الإقالة: (3/318)
صفحة 1037
كثر التعامل في مجتمعنا بما يسمى بيع الإقالة أو بيع الخيار، ولا يخفى عليكم ما تنطوي عليه عقدة هذا البيع من مفاسد جمة، أصبح المجتمع يعاني من ويلاتها، فكم من محتاج لزت به حاجته إليه ورجا أن يجد فيه المخلص من مشكلته، فإذا به يخسر الطارف والتليد، ويبقى عائلاً مسكيناً بسبب استغلال المشتري وجشعه الذي لا يرق معه لحالة مضطر، وقد وجدنا من الناس من يروج لهذه المعاملة محاولاً أن يضفي عليها الصفة الشرعية للبيوع، مستنكراً ما يقوم به المصلحون من النهي عنها بحجة أنه لم يتفق العلماء على منع هذا البيع، فجم غفير منهم أباحه كما تشهد به آثارهم وفتاواهم، ومن قلد عالماً كان سالماً، على أنه جرى العمل به بين ظهراني أئمة العدل وعلماء الإسلام، فلو كان محجوراً لشددوا فيه، ومن هؤلاء من ينزع في الاستدلال لإباحته منزعاً عجيباً، وذلك أنه يزعم أنه تناط به منفعة دينية ودنيوية، وهي أن فيه مندوحة للناس في حاجتهم عن القروض الربوية التي تقدمها مؤسسات الأموال مشروطة بالربا الصريح، فكانت إباحته ـ لهذا السبب ـ أمراً ضرورياً يقتضيه النظر في مصالح المسلمين، وقد أثرت هذه الشبهات في نفوس كثير من عوام الناس الذين لا يفرقون بين التمر والجمر ولا بين الذئب والحمل.
لذلك وجهنا إليكم هذا السؤال، راجين منكم تسليط الضوء على هذه المسألة بما فيه شفاء الغليل، وبما يقطع رأس كل شبهة، ويستأصل شأفة كل ريبة.
بعد حمد الله بما هو له أهل، والصلاة والسلام على نبيه الذي كشف به الغمة، وأزاح بطلعته دياجر الجهل المدلهمة، وعلى آله وصحبه نجوم الهدى لمن سرى في طلب الحق وأمّه.
مصطلحات بيع الإقالة: (3/319)
صفحة 1038
أعلم أن ما تعورف على تسميته عندنا ببيع الإقالة أو بيع الخيار بحثه علماء الأمة من شتى مذاهبها معنوناً بأسماء مختلفة، فالمشهور عند الحنفية تسميته بيع الوفاء، ومنشأ هذه التسمية عند أهل سمرقند، وقد سمي عندهم بأسماء أخرى، فمنهم من يسميه البيع الجائز، ومنهم من يسميه بيع المعاملة، وسماه آخرون بيع الأمانة وهو المشهور بمصر، وبيع الطاعة أو الإطاعة وهو المشهور عند أهل الشام، وسمي عند حنفية تونس الرهن، أما المالكية فقد اشتهر عندهم ببيع الثنيا، كما اشتهر عند الشافعية ببيع العهدة، وعند الحنابلة ببيع الأمانة كحنفية مصر، ويسمى في طرابلس الغرب بيع الوعدة، وعند أهل اليمن بيع الرجاء، وأشهر أسمائه عند غيرنا بيع الوفاء، ولعل ذلك راجع إلى أن هذا الاسم هو الذي سماه به أول الناس تعاملاً به وبحثاً في أحكامه وهو الحنفية كما سيأتي إن شاء الله.
نشأة هذا البيع:
لم يكن التعامل بهذا البيع معهوداً في الصدر الأول، ولذلك لم يرد له ذكر في الحديث الشريف، ولا في الآثار المروية عن الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ، ولا في أقوال التابعين، بل ذهب كثير من الفقهاء الذين بحثوا أحكامه إلى أن نشأته كانت في القرن الخامس الهجري ببلاد ما وراء النهر، وفي هذا يقول العلامة محمد بن محمد بيرم الثاني ـ من علماء الحنفية ـ في كتابه (الوفاء بما يتعلق ببيع الوفاء):
أعلم أنه لما كان الغالب على الناس في عصر المجتهدين وما قرب منه قصد النفع الأخروي، حتى كان المقرض منهم يقرض لوجه الله عز وجل لم يكن لهذا العقد وجود في دائرة الشهود، فلما انقلبت الأوضاع وغلب حب الدنيا على الطباع وصار الإنسان كما قال صاحب الفصول: ( لا يقرض غيره شيئاً كثيراً من ماله من غير أن يطمع بحصول نفع مالي) أحدثوه لتحصيل الأرباح بطريق مباح، وأضن أن مبدأ ظهوره كان بسمرقند، لأن الكلام فيه للسمرقنديين. ا هـ (3/320)
صفحة 1039
وقال الأستاذ المحاسني في شرحه على المجلة: ( إن بيع الوفاء حدث اعتباره والقول به بين العصر الخامس والسادس في ديار بخارى) وبيّن أن أصله أن تلك الديار تراكمت فيها الديون على أصحاب العقارات بدرجة كادت تذهب.
وذكر العلامة الشيخ مصطفى الزرقاء في بحثه ( بيع الوفاء وعقد الرهن) أن أول ظهوره وتعامل الناس به في القرن الخامس الهجري في مدينة بلخ.
الوجه الحقيقي لهذا البيع
وهو بيع لم يقصد به إلا التحايل على الربا بأسلوب المخاتلة والخداع ليخفى هذا القصد، فإن المتعاملين به يعمدون إلى إظهار وجه البيع منه ومواردة وجه الربا، وقد تفطن لذلك أهل العلم، فمنعه جمهورهم من أصله لما ينطوي عليه من سوء المقصد، ويترتب عليه من فساد في دين الأمة وأخلاقها، ولأن الحلال والحرام لا ينظر في حكمهما إلى الصور الظاهرة، فإن الله العليم الخبير هو الذي تعبد عباده بتحليل ما أحل وتحريم ما حرم، وهو سبحانه لا تخفى عليه خافية مما يعتمل بين طوايا النفوس وحنايا الضمائر، والعبرة إنما هي بالجوهر لا بالشكل، وبالحقيقة لا بالخيال، وهل تتحول الجناسة عن حكمها وتستحيل عن طبيعتها إن هي صبت في وعاء حسن الصورة نظيف المظهر طيب الرائحة؟
حكم هذا البيع عند الفقهاء: (3/321)
صفحة 1040
وقد اشتهر الحنفية بالتسامح في المعاملات والتوسع في كثير من الأحكام حسبما يوحي به الظاهر أحياناً من عدم مجانبة شرع الله، لذلك كانوا أكثر المذاهب توسعاً في أحكام هذا البيع، بل أصل نشأته كانت في أكنافهم، ولكنهم مع ذلك اختلفوا في حكمه إلى آراء متعددة، قال العلامة بيرم الثاني منهم: ( والتحيل لذلك وإن كان مشروعاً لكن صلوحية هذا لذلك ليس ببين، وليس هو من الأمر الهين، فلذلك اختلفت فيه أنظار من ظهر في عصرهم من نوادر الدهر وحاملي لواء المذهب النعماني بما وراء النهر) وقد أنهى العلامة البزازي في جامعه وهو من علماء الحنفية خلافهم في ذلك إلى توسعه أقوال، وهي مشروحة في أمهات كتبهم كما أوسعت في بحوثهم ورسائلهم بياناً وتفصيلاً، ولكن العلامة بيرم الثاني ردها إلى خمسة ثم قال: ( وما زاد عليها راجع بقليل تأمل إليها) ومن أجل اختصار الجواب أقتصر فيه على لإيراد هذه الخمسة بشيء من التلخيص والإيجاز فدونكها:
أولها: أن هذا العقد لا يعدو أن يكون رهناً في حكمه ولو عبر عنه بلفظ البيع، حتى لا يكون
للمشتري فيه غير حبس العين فيما يكون له على البائع من دين، ومعناه أنه ليس له أن ينتفع بشيء
من ريعه، وهو مذهب أبي شجاع وابنه والسعدي وأبي الحسن الماتريدي والقاضي الأمير، استدلالاً
منهم بأن العبرة في العقود بمعانيها لا بمبانيها، بدليل جعلهم الكفالة بشرط براءة الأصيل حوالة،
والحوالة بشرط عدم براءته كفالة، وما هو إلا اعتبار لجانب المعنى وإلغاء لظاهر المبنى، والذي يفهم
من الخيرية أن هذا هو رأي أكثر الحنفية، وما من ريب أن الأخذ بهذا الرأي يفوت على ذوي
الأطماع ما يرمونه من التذرع بهذه المعاملة إلى أكل الحرام، فإنهم لا يجدون سبيلاً إلى استغلال
العين التي اشتروها رأي العين عندما يلزمون به. (3/322)
صفحة 1041
ثانيها: أنه بيع جائز لازم إذا عقد بلفظ البيع من غير ذكر شرط فيه لا فرق بينه وبين البيع البات الصحيح في حكم ما، فلا يسوغ فسخه من طرف واحد وإنما بالتراضي بين الطرفين على جهة الإقالة، وهو الذي نقل غير واحد عن النسفي اتفاق شيوخه في زمنه عليه، وحجتهم أن متعاقديه تلفظاً بلفظ البيع من غير ذكر شرط الفسخ فيه وإن أضمراه بقلوبهما إذ ذاك، أو شرطاه نصاً قبل العقد بناء أن العبرة في الشرط المفسد بقرانه للعقد ذكراً باللسان دون تقدم ذكره عليه ولا قرانه به مضمراً بالجنان.
قلت: في هذا المذهب نظر لا يخفى على متأمل، ذلك لأن المعروف عرفا كالمشروط شرطاً، فإن توارد المتعاقدان على ما في نفسيهما من الشرط الذي تشارطاه من قبل العقد أو تعارفا عليه وإن لم يذكراه رأساً لم يختلف حكمهما عما لو تشارطا ذلك في صميم العقد، إلا أنه مع هذا لا يتفق هذا المذهب مع ما يجري عليه عمل الناس من النص على ذكر شرط الإقالة في وثيقة البيع. (3/323)
صفحة 1042
ثالثها: أنه بيع جائز لكنه غير لازم، فيحل للمشتري الانتفاع بالمبيع لجوازه ويفسخ بطلب أحدهما لعدم لزومه، وهو الذي ذكره قاضي خان أثناء كلام له، غير أنه يفيد أنه إن ذكرا البيع بلا شرط ثم ذكرا الشرط على وجه المواعدة جاز البيع ولزم الوفاء بالوعد، وهو كما أن لا يعتبر الشرط في صميم عقد البيع بل تسمية ذلك شرطاً من باب المجاز ليس إلا، إذ الشرط ليس كالوعد وقد عدوه من باب المواعدة، لذلك أنكر بيرم ما جاء من تصويره نقلاً عن حواشي جلال الدين على الهداية بأن يقول: "بعت منك هذا العين بألف على أني لو دفعت إليك ثمنك تدفع العين أليس إذ قال على أثره: "ولا يخفى أن هذا الذكر على وجه الشرط لكون كلمة (على) من أدواته عند الفقهاء لا المواعدة، ليت شعري أن لم يكن هذا ذكراً على وجه الشرط فما صورته؟ ! وإنما صورة الذكر على وجهها أن يقول أحدهما للآخر بعد الإيجاب والقبول: " أريد منك متى رددت عليك ما قبضت منك ترد عليّ ما قبضت مني فيقول: نعم" أو يقول للبائع ابتداءً: "إن رددت عليّ الثمن رددت عليك المبيع". اهـ
رابعها: أنه بيع فاسد سواء كان شرط الفسخ – أي الإقالة – مقروناً به أو سابقاً عليه أو جاء بعد العقد في مجلس العقد، وقيل ولو بعده وهو الصحيح عندهم كما في الخانية، أو لم يكن ملفوظاً قط وإنما تواطأ عليه حسب العرف بينهما، وعلى الفساد صاحب العدة واختاره ظهير الدين. (3/324)
صفحة 1043
خامسها: أنه مركب من رهن وبيع جائز بات، على معنى أنه يعتبر رهناً بالنسبة للبائع حتى يسترد العين عند قضاء ما عليه من الدين ويضمنها له المشتري بالهلاك أو الانتقاص ضمان الرهن، وبيعاً باتاً صحيحاً بالنسبة للمشتري في حق نزوله ومنافعه حتى يطيب له أكل ثمره والانتفاع به سكناً وزراعة وإيجاراً، وعليه استقر عمل شيوخ النسفي على ما نقله عنه الزيلعي، وذكر العمادي أن فتوى جده برهان الدين وأولاده ومشايخ زمانهم على أن الملك يثبت للمشتري شراء جائزاً في زوائد المبيع ولا يغرم لو استهلكها.
وهذا القول هو أقصى ما وصل إليه الحنفية من التوسعة والترخص فيه، وثم أربعة أقوال لهم غير ما ذكرت تركتها اختصاراً كما سبق، فمن أرادها فليرجع إليها في مظانها من كتبهم.
أما المالكية والشافعية والحنابلة فجمهور علمائهم على حرمة التعامل بهذا البيع وأنه فاسد من أساسه، وإن لم يخل مذهب من هذه المذاهب من اختلاف فيه.
رأي فقهاء الإباضية: (3/325)
صفحة 1044
وأما أصحابنا ـ رحمهم الله ـ فإن أوائلهم لم يتعرضوا لحكم هذا البيع لأن الله تعالى عافاهم منه إذ لم يكن معهوداً في زمانهم، وإنما سرى من بعدهم إلى أعقابهم داؤه، واستشرى في مجتمعاتهم وباؤه، فكان بحاجة إلى بحث أحكامه وتفصيل أدلته من قبل أولى العلم والنظر كسائر العقود المستجدة، وقد تفاوت نظرة أهل العلم إليه بين واقف على شكله الظاهر وغائص إلى أعماق جوهرة الباطن، وقد جمع الشيخ الخراسيني من فتاواهم وأحكامها وأقوالهم في مسائله كتاباً يشتمل على ثلاثة أسفار كل منها كبير الحجم سماه ( خزانة الأخيار في بيوعات الخيار)، ومما جاء من قوله في خطبة الكتاب: أما بيع الخيار ففي تحليله وتحريمه اختلاف بين أهل العلم لأنه لم يكن في قديم الزمان وإنما أحدثوه في آخر الزمان، فقد استهواهم الشيطان وزين لهم كثيراً من فعله وركض عليهم بخيله ورجله، للذي لا يريد الربا ظاهراً ويستحي أن يكون منه شاهراً، فأعلمه ببيع الخيار ودله، وحاد به عن الطريق وأزله، ولعمري أن أكثر الربا في التجارات لا سيما هذه البيوعات. اهـ وكلامه هذا دليل على الفطنة والدراية بما ينطوي عليه هذا البيع من الربا المبطن، وما يترتب على التعامل به من فساد في الدين.
ومثله قول العلامة الصحاري صاحب كتاب ( الكوكب الدري والجوهر البري): ( اختلف المسلمون في تحريمه وتحليله، لأنه غنما هو محدث باستهواء الشيطان وتضليله، زين لهم الشيطان سوء أعمالهم وركض عليهم بخيله ورجله، فذلك أعمى لهم، ولعمري إنه المحض الخالص من الربا المرجح، وإلى الشبهة في البيوعات أرجح). اهـ
وأنت ترى أن المؤلفين قد اتفقا على أن بيع الخيار لم يستلهم إلا من وحي الشيطان الذي لم يرد به إلا إضلال الناس وإغواءهم عن الحق وإيقاعهم في شراك حيله، وأنه عين الربا المحرم بالنص والإجماع. (3/326)
صفحة 1045
هذا وقد حكيا جميعاً عن العلامة أبي عبد الله محمد بن عمر بن أحمد بن مداد ـ رحمه الله تعالى ـ أن بيع الخيار يختلف حكمه باختلاف قصد المشتري بين ابتغاء غلته أو ابتغاء أصله، وأضاف إلى ذلك صاحب (الكوكب الدري) قوله: ومن ابتاع خيار اًطمعاً في غلته فهو المحرم المحجور، لقوله: ـ صلى الله عليه وسلم ـ " من أجبى فقد أربى " ولأنهم جعلوا هذا سلماً يترقون به إلى تحليل الثمرة لغباوة عقولهم، إذ أتوا بأقوال وأعمال منكرة أمرهم كمن تزوج بضة وأكن تحليلها لمن أبانها، وكمن باع نسيئة مثلاً بمثلين وأظهر في تأسيس البيع أنه بالتبر أو بالورق، وكمن فجر بخرعوبة وأظهر أنه نكحها.
ثم أضاف إلى ما تقدم قوله أيضا: " حجة من حرم ثمرة المبيع بالخيار أنه إن كان البيع على أصل المبيع فهو وما أغل لمشتريه، وإن كان على الثمرة صح تحريم البيع في الثمرة قبل دراكها على لسان رسول الله_ صلى الله عليه وسلم- فقد سماه رباً، وكذا صح نحوه عن بيع المعاومة. وحكى عن الشيخ عمر ابن المعقدي – رحمه الله – قوله: إن ثمرة بيع الخيار حرام، وهي كمن نكح أختا في عدة أختها حين طلق الأولى، وكمن طلق الرابعة من أزواجه فنكح الخامسة في عدتها، وهذا كله حرام محظور، وفاعله تسنم المحجور، وقيل كمن باشر عرسه وقد طهرت من الحيض قبل أن تتطهر بالماء، وكمن طلق عرسه تطليقتين ثم باشر فرجها، وحكى عن الشيخ صالح بن وضاح قوله: إنما أوقفوا بيوعات الخيار على زيادة الدراهم، وإذا كان البيع الصحيح على أعظم الخطر فكيف بالبيوعات الفاسدة؟ فنسأل الله تعالى النجاة مما يكر. (3/327)
صفحة 1046
وأمثال هذه النصوص واردة في " خزانة الأخيار" بكثرة، وقد حكى مؤلفها عن الشيخ الفقيه صالح بن وضاح- رحمه الله تعالى- أنه قال: " قد عاب هذا البيع بعض أصحابنا وأكثر مخالفينا حرموه، وقالوا: هذا بيع وقع على تحليل الثمرة ولم يقع على الأصل ولا على تحليل الثمرة، وإنما على زيادة الدراهم، يعطي الرجل صاحبه كذا وكذا دينارا ويبيع عليه مالاً لا يعرفه، يربي عليه كل سنة كذا وكذا ديناراً، فهذا لا يسع كل مسلم إلا إنكاره، وإذا كان البيع الصحيح مختلفا فيه- أي مع شرط الخيار ولو استوفى شروط إباحته عند من أباحه- وراكبه على خطر فكيف بالسقيم؟ نسأل الله النجاة من كل ما دخله ضيق وحرج". اهـ
وحكي عنه أيضا أنه قال: " نشهد الله في ليلتنا ويومنا زمان مضى من أيامنا وبقية أعمارنا أنا ناهون من رأينا وعاينا ومنكرون عليه بألسنتناما ما وجدنا إليه سبيلا إلى أن قال: وقد كنت في بُهلا لحاجه عرضت، فكلمني في هذه البيوع التي أحدثت الفقيه الرضي النقي المرضى عمر بن أحمد بن معد، فكان جوابي له إن شاء الله تعالى لانعملها ولا نفضلها ولا نأمر بها ولانرضاها من فاعلها، وننهاه عنها وننكر عليه فعلها ". اهـ.
وحكي عن العلامة مداد بن عبد الله بن مداد أنه قال: "سألت عن تحريم غلة بيع الخيار؟ السبب فيه كثرة إظهار الربا، ولا يقعد البيع إلا على عدد الدراهم إن كثرت الدراهم كثرت الإجارة وإن قلت الإجارة، ويقول المشتري عندي دراهم العشرة باثني عشر والعشرة بثلاثة عشر، ولا يعقدان البيع إلا تغطية، ويعقده المبيع سنين بكذا وكذا دينارا وهذا كله حرام حرام إلى يوم القيامة... إلخ. هذا وممن اشتد نكيرهم من العلماء على المتعاملين بيع الخيار الشيخ الفقيه راشد بن خلف بن راشد المنحي من علماء القرن الثاني عشر وكان مما قاله فيه:
لقد أكل الربا متجاهلونا
وتابعهم عليه الجاهلونا
ببيع خيارهم أكلوا حراماً
وكانوا للحرام محللينا
تراهم قيمة الألفين نقداً (3/328)
صفحة 1047
بدون الألف هم يتبايعونا
وبعد فيأخذون لكل ألف
قاعدات تسمى في السنينا
وسموها قاعدات لأصل
وهو فيها أراهم كاذبينا
وإن تنقص دراهمهم يكونوا
بقدر الناقصات مقصرينا
فلا بيع هنالك بل خداع
به أكل الحرام محللونا
لقد جمعوا لغيرهمُ حراماً
ومن أوزاره هم يضّلعونا
فتبا ثم بعدا ثم سحقا
وتقبيحاً لفعل الظالمينا
ولم يتناه أهل عُمان عنه
وذلك بئس ما هم يفعلونا
وخوف العار يستخفون ناسا
ولا يخشون خلاقا مبيناً
لقد ضلوا جميعاً بل أضلوا
كثيراً ثم أضحوا هالكينا
أليس الله ربهمُ عليما
بما تخفى صدور العالمينا
فهم قد خادعوا ذا العرش عمدا
وأنفسهم أراهم يخدعونا
وهم قد حاربوا ذا الطول جهلا
محاربة المجوس المسلمينا
أما يخشون زجراً يقتضيهم
فينقلبوا جميعاً خاسرينا
عليهم لعن خالقهم مقيما
يعمهمُ ولعن اللاعنينا
يذيقهم الإله غداً عذاباً
أليماً في جهنمهم مهينا
ونبرأ من فعالهم جميعاً
سوى قوم لذلك تاركينا
وقوم راجعين عن المعاصي
وهم من كل إثم تائبونا
وخوف الله ردوا ما استردوا
إلى من منه كانوا آخذينا
وإما ينتهوا عن ذا ولما
يكونوا للنصيحة سامعينا
فقد علم الإله الظلم منهم
( بإصرار) فهم لا يؤمنونا
ومعذرة إلى الرحمن قلنا
لعل البعض منهم يتقونا
ويقول أيضاً:
ظهر الفساد في جميع الدار
في البحر والبلدان والأقطار
غرتهم الدنيا ولذة عيشها
فتشاغلوا بتكاثر وفخار
عميت قلوبهم التي بصدورهم
وعيونهم فصحيحة الأبصار
قد أحدثوا حيلا بها أكلوا الربا
واستخرجوها من بيوع خيار
يتبايعون أصولهم بخيارهم
من مثل مال رائق أو دار
لم ينو بائعهم يبيع ولا الذي
يشري شراء الأصل والأشجار
فيحوز غلته الذي يبتاعه
متغافلاً عن نقمة الجبار
فيحوز غلته وغلته ربا
يهوي بآكله غداً في النار
فيجمّع الثمن الكثير من الربا
ويبوء يوم الحشر بالأوزار
هم أظهروا بيع الخيار بلفظهم
خوف المذمة واتقاء العار
فالله يعلم ما تكن صدورهم
وهو العليم بغامض الأسرار
غفلوا عن استدراج ربهم ولا (3/329)
صفحة 1048
غفلات ضأن عن هزبر ضار
هلا تناهوا عن فعالهم التي
ظهرت ظهور الشمس نصف نهار
ورؤسُ مالهم لهم فلينصفول
لا غيرها طوعاً بحكم الباري
ثم يردوا ما استردوا بعد من
تمر وحب كان أو دينار
من بعد توبتهم بقلب مخلص
صاف من الأعجاب والأكدار
ويستخلص من هذه النصوص عن علمائنا رحمهم الله تعالى أمور:
أولها: أن بيع الخيار بيع مبتدع لم يكن معهوداً في عهد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا في عهود الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم من أئمة السلف، وإنما حدث بعد ذلك بقرون، وهو خلاف ما يروجه أولئك الذين يسعون إلى التلبيس على عوام الناس بإضفاء صفة الشرعية على هذه المعاملة.
ثانيها: أن أصحابنا رحمهم الله تعالى لم يختلفوا قط في حرمة التعامل ببيع الخيار عندما يكون القصد منه التوصل إلى ما حرم الله من الربا، ولو كان ذلك بمجرد أن يقصد المشتري الانتفاع بالغلة من غير قصد امتلاك الأصل، لأن هذه النية وحدها كافية في إضفاء حكم الربا على هذه المعاملة.
ثالثها: أن الخلاف بين علماء المذهب قائم فيما إذا ضبطت هذه المعاملة بالقيود الشرعية لصونها من تسرب آفة الربا إليها، فمنهم من يحرمها على الإطلاق لما يشوبها من العلل، ومنهم من يبيحها بشرط مراعاة جميع تلك القيود والحذر من التفريط في اتقاء المحارم والشبهات، وهذا الاختلاف يدل على كلام الإمام أبي نبهان ـ رضوان الله عليه ـ (إن كان مراده به الغلة فالحرام أولى بها، وإن أراد به الأصل فالخلاف في تحليلها وتحريمها) وقد حكاه عنه الإمام السالمي ـ رضي الله تعالى عنه ـ وأقره، كما أيده في مواضع جمة من آثاره. (3/330)
صفحة 1049
رابعها: أن المسألة تخرج عن دائرة الرأي إلى حكم الدين القطعي عندما تكون المعاملة سبباً للتذرع إلى ما حرم الله من الربا وأكل المال بالباطل، لذلك نص من نص من أولئك العلماء على لعن من وقع في ذلك والبراءة منه واستحقاقه وعيد الله الشديد لأكله الربا، وهو الذي يؤذن به كلام الإمام السالمي ـ رحمه الله ـ في جوهره كما سيأتي:
وبالجملة فإن لأصحابنا ـ رحمهم الله تعالى ـ آراء في بيع الخيار، منهم من يرى بطلانه رأساً وفساداً أصلاً، لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نهى عن شرطين في بيع، وقد عدّ قائل ذلك الشرط الخيار فيه بمثابة الشرطين لتركبه من أصل الخيار وتحديد زمنه، فضلاً عن كونه مظنة التذرع إلى الربا؛ ومنهم من يرى صحته حال انضباط المتعاملين به بأحكام الشريعة من غير مقارفة لشيء من حارم الله وهؤلاء اختلفوا في رأيين:
أولهما: أنه يثبت من يوم العقد فيترتب عليه استحقاق مشتريه لغلته مع تحمله لجميع مغارمه، بشرط أن يكون قصد امتلاك الأصل لا نفس الانتفاع بالغلة فحسب.
ثانيهما: أنه موقوف إلى انتهاء مدة الخيار وعليه ففي مغنمه وغرمه رأيان؛ قيل: لبائعه مغنمه ومغرمه لأنه لا يستحقه مشتريه إلا بمضي مدة الخيار، وقيل: بل هما يدوران مع أصله فإن رجع الأصل إلى البائع بحكم الخيار كان له مغنمه وعليه مغرمه، وإن استحقه مشتريه بمضي مدة الخيار مع عدم فسخ البائع لعقدة البيع بما له من حق الخيار أخذ معه مغنمه وتحمل مغرمه، وقد حرر هذا الخلاف الإمام السالمي ـ رضوان الله عليه ـ في جوهوه تحريراً لم يُسبق إليه، مع إنزاله قوارع إنكاره على الذين خلطوا بين فروع هذا الاختلاف وأصوله، فلم يلتزموا رد كل فرع إلى أصله، فنشأ عن هذا تذرع الناس بهذه المعاملة إلى أكل الحرام المحض والانغماس في رجس الربا الوبئ، وإليكم ما قاله بنصه وفصه:
إن الخيار في البيوع يوجد
بعلة أو بشرط تعقد
فالأول الموجود في الأخبار
أصوله في جملة الآثار (3/331)
صفحة 1050
والثاني أن يشترطن المشتري
أو بائع مدته للنظر
أو يجعلان لهما الخيارا
ينظر كل واحد ما اختارا
إلى انقضاء ذلك الزمان
ثم يصير ثابت الأركان
وهو خيار الشرط فيه اختلفوا
أثبته قوم وقوم وقفوا
وبعضهم أفسده لأجل ما
حوى من الشرطين فيه فاعلما
هما حصول مدة الخيار
ونفسه لبائع وشار
والقائلون بالثبوت قالوا
يثبت ما لم تقصد الغلال
فإن قاصد الغلال مربى
في ماله عند جميع الصحب
وإنما يسوغونه لمن
قد قصد الأصل الذي يثبتن
يريد أن يأخذه تدرجاً
إذ لم يجد للقطع حالاً منهجا
هذا الذي قد جوزوه لا سوى
لكن فشا في الناس أتباع الهوى
فلا رتى من يشتريه أبدا
منهم لغير غلة قد قصدا
هم جعلوه منهجا للغلل
واستسهلوا مأخذه للمأكل
تراهمُ للمال يشترونا
وهم به للأصل لا يبغونا
إن قرب الوقت يؤخرونا
ومدة أخرى يمددونا
ويجعلون ذاك حسن خلقِ
وهو ضلال لا يكون في تقي
حالهما كحال الزانيين
كانا على ذا متراضيين
وقد مضى أن الربا أشد
من الزنا فالوصف لا يشتد
ومنهمُ من يزعمن أنا
مراده الأصل ويكذبنا
يخادع الله بقول كاذب
مع انه للأصل غير طالب
يقول لو قد تركوه يوما
أريده فلا أخاف لوما
فقوله لو تركوه يقضي
عليه باستلزامه ما يفضي
كأنه يقول لست ألقى
بدا فلا أتراك مالي ملقى
أمثل هذا من يريد الأصلا
كلا وربي ما أراد أصلا
لكنه يريد ما استغلا
من ذاك تلقاه يبيع الأصلا
ويشتري مالا على خيار
يقول في الخيار رزق جار
ينال فوق غلة الأصول
فتكثر الخيرات في المحصول
غلته لبيتنا تساق
تكثر عندنا بها الأرزاق
بائعه يقوم بالعمار
يالك من بيع بذا الخيار
وهو لعمر الله يأكلنا
ربا به غدا يعذبنا
إلا إذا ما تاب من خطيئته
ودان لله بحسن توبته
وحيثما عمّ الفساد قمنا
عن ارتكابه تشددنا
ومن يوقفه يوقفه إلى
أن ينقضي الوقت الذي قد أجلا
وبعد أن تم فيجعلنه
للمشتري وقبل ينفينه
فيجعل الغلة للبائع ما
لم ينقض الوقت الذي قد أبرما
كذاك كل مغرم يلزمه
فصاحب الأصل الذي يغرمه (3/332)
صفحة 1051
وبعضهم يوقفن الكلا
حتى يرى من يأخذن الأصلا
فيدفع الغرم ويأخذ الغلل
وذاك كله إذا تم الأجل
وأصله الخلف الذي عنده وجد
في عقده متى تراه ينعقد
فبعضهم يقول عند الصفقة
وبعضهم عند تمام المدة
وقبلها يكون مثل الحوز
وهو مراد أكثر المجوز
كانت فتاويهم على ذا تخرج
والناس عنها للحرام اندرجوا
وذاك أن بعض من تأخرا
صحح عقده وحلل الشرا
فأخذوه بقوله وعاملوا
من باع بالوقوف إذ يعامل
هم يأخذون غلة المبيع
ويلزمونه عنا التضييع
وأنت تدري أنه تخليط
بين الفروع وهو التخبيط
مشابه مسألة الصبية
حالهما متحد القضية
قد خلطوا بين فروع الكل
وقد كشفت فيها معنى العدل
رسالة سميتها الإيضاحا
أوضحت حقها بها إيضاحا
وإن نظرت في فتاوى الأثر
وجدتها على الوقوف تنبري
في نادر الأحوال تلقى مسألة
على ثبوت عقده مفصلة
فمن غباوة عرتهم حسبوا
بأنها فرع لما قد ركبوا
قالوا لنا غلته حلالا
والغرم أنت قم به كمالا
والربح بالضمان حكم يعرف
بينهمُ فما لهم تخلفوا
أيأكلونه طريا غضا
والغرم مضّ البائعين مضا (3/333)
صفحة 1052
ثم أخذ يبين تلك الفروع التي وقع فيها التخليط بما يطول به المقام، وكلامه إن دل على شيء فإنه يدل على أنه لا يرى تعامل الناس ببيع الخيار حسب النهج الذي اختطوه لأنفسهم يسوغ تخريجه على وجه من وجوه الإباحة قط، وهو الذي نص عليه في كثير من فتاواه كما في قوله: "اعلم أنهم اتفقوا على تحريم الخيار على قصد الغلة، وإنما أجازه من أجازه عند إرادة الأصل وقد تساهل الناس في زمامنا فجعلوه ذريعة إلى الربا-والعياذ بالله- فلو ارتفع للمجوزين رأس وشاهدوا ما عليه الناس لصاحوا عن لسان واحد ما الذي هذا أجزنا. فإنا لله وإنا إليه راجعون، انطمس العلم، وظهر الجهل، وذهبت الغيرة، وقلت الحمية الإسلامية، وكاد الناس أن يرجعوا إلى جاهليتهم الأولى" وقال فيه أيضاً: " وأما معاملته في نفس ما اشتراه بهذه الصفة فحرام لأنه ليس بالبيع قطعاً، كيف يكون بيعاً وهم على يقين أنهم لا يملكونه، إنما هو الربا في صورة الشراء سواء بسواء، والله المستعان".
وعندما سئل عن حكم المكاتبة بين المتعاملين به أجاب: " هذا لا يصح أن يكتب وليس هو ببيع فمن كتبه بيعاً فقد كذب، وأقول: نصحاً وإرشاداً إياك أن تكتب بيع الخيار فإن الناس قد عملوا فيه بغير الحق وجعلوه ذريعة إلى الربا، فإن كنت تحب سلامة دينك فاكسر القلم عن كتابته". (3/334)
صفحة 1053
وليس إنكاره رحمة الله تعالى على المتعاملين ببيع الخيار والمشاركين فيه ولو بكتابة أو شهادة بدعا، فقد سبق إلى ذلك أهل العلم والبصائر منذ قرون قبله، عندما استشرى هذا الوباء الفتاك والداء العضال بين الناس لنهمهم على الدنيا وشغفهم بزخرفها ولهوهم بفتنتها، فقد اجتمع علماء المسلمين بعمان في عهد الإمام محمد بن إسماعيل على كلمة سواء، وهي تحريم الانتفاع بغلة المبيع بالخيار ومنع الناس منعاً باتاً من الحوم حول حمى هذا الأمر استئصالاً لشأفة الفساد وقطعاً لدابر حزب الشيطان، وحرروا بهذا وثيقة شرعية أمضاها الإمام محمد بن إسماعيل وأكابر علماء عصره وإليكموها بنصها وفصها نقلاً عن كتاب " خزانة الأخيار في أحكام بيع الخيار":
بسم الله الرحمن الرحيم (3/335)
صفحة 1054
لما كان نهار يوم الأربعاء لست بقين من شهر جمادى الآخرة سنة ثماني وعشرين وتسعمائة، قد صح الحكم الصحيح الثابت الصريح من الإمام العدل إمام المسلمين محمد بن إسماعيل ومن حضره من المسلمين وما أجمعوا عليه، أن غلة بيع الخيار لا تجوز وأنها ربا حرام، لأن المراد بها الثمرة، ووافق ما نهى عنه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ" من أجبى فقد أربى"، وقد جاء في الأثر عن عمرو بن علي في قول المسلمين في بيع الخيار أنه غير ثابت، وهذا قول من لا يراه ثابتاً، الأصل فيه عنده أن هذا البيع قد وقع على الثمرة لا على الأصل، وكانت هذه حيلة على تحليلها، وكذلك قال الذين احتجوا بتحريمه قالوا لما صح عندنا أن بيع الخيار المراد به الثمرة حينئذ قلنا بفساد ذلك البيع، وكان هذا موافقاً لما نهى عنه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقوله: " من أجبى فقد أربى"، والدليل على هذا ما صح عندنا أنهم جعلوا هذا البيع طريقاً يتوصلون بها إلى تحليل الثمرة على الجهلة من قولهم، وأظهروا هذا البيع على تغطية ما لا يجوز، وكان قولهم هذا موافقاً للرجل الذي تزوج المرأة في السريرة تحليلاً لمطلقها، أو كالرجل الذي في نيته في بيع باعه مكوكاً بمكوكين أو تمراً بحب أو حباً بتمر ثم أظهر عند عقدة البيع أنه بدراهم، وكالذي وطئ المرأة في السريرة فأظهر أنه قد عقد عليها نكاحاً وأنه قد تزوجها، وما يجئ نحو هذا، وهذا كله حرام، فقد قيل: في النيات هن المهلكات وهن المنجيات، وكذلك قال: رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ " الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى" وقال: " نية المؤمن خير من عمله ونية الفاجر شر من عمله" وقد صح عندنا أن المراد ببيع الخيار الثمرة وإنما جعلوا هذا طريقاً فيما زعموا للتغطية على تحريمها، والدليل على فساد هذا إن كان هذا البيع وقع على النخلة وكانت الثمرة لربها، وإن كان المراد به الثمرة فقد وافق هذا البيع قول: النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ" من أجبى فقد (3/336)
صفحة 1055
أربى" فهذا أحد وجوه الفساد في ذلك، والوجه الثاني مثل هذا كمثل رجل تزوج امرأة ثم طلقها ثلاثاً فتزوجها متزوج لإحلالها لزوجها الأول، وهذا مما قال بفساده المسلمون على الزوج الأول والثاني، والوجه الثالث كرجل وافق رجلاً على شراء حب أو تمر عنده المكوك بمكوكين، تمراً بحب أو حباً بتمر ثم أشهد على نفسه أنه بدراهم فهذا بيع أيضاً في السريرة حرام، قال: فهذا قولنا في بيع الخيار والله أعلم. هكذا في الأثر كتبته كما وجدته.
نعم. ما كتب عني فهو من إملائي، والحق أحق أن يتبع وما بعد الحق إلا الضلال، كتبه الفقير إلى الله تعالى الإمام محمد بن إسماعيل بن محمد الحاضري بيده حامداً لله وحده مصلياً مسلماً مستغفراً.
صحيح ثابت ما حكم به الإمام من تحريم غلة بيع الخيار فهو الحق والصواب الموافق لآثار السلف؛
وبذلك جاء الأثر وعليه العمل، كتبه العبد الفقير لله مداد بن عبد الله بن مداد بيده.
صحيح ثابت ما حكم به الإمام العدل محمد بن إسماعيل في تحريم ثمرة بيع الخيار فهو الحق والصواب لا شك فيه ولا ارتياب، وبه جاء الأثر وبه نعمل، كتبه العبد الذليل لله تعالى محمد بن أبي الحسن بن صالح بن وضاح بيده.
صحيح ثابت ما حكم به الإمام العدل محمد بن إسماعيل في تحريم ثمرة بيع الخيار فهو الحق الصواب لا شك فيه، كتبه الفقير لله تعالى عبد الله بم محمد بن سليمان بيده.
صحيح ثابت ما حكم به الإمام العدل محمد بن إسماعيل في تحريم ثمرة بيع الخيار فهو الحق والصواب لا شك فيه ولا ارتياب، هكذا جاء الأثر عن أولي العلم والبصر، وعمل به أشياخنا، وسطره أفقر خلق الله أبو غسان بن ورد بن أبي غسان بيده، حامداً لله وحده مصلياً مسلماً. (3/337)
صفحة 1056
صحيح ثابت ما حكم به الإمام العدل محمد بن إسماعيل في تحريم بيع الخيار فهو الحق والصواب وعليه العمل لا شك فيه ولا ارتياب، هكذا جاء الأثر عن أولي العلم والبصر وعن أشياخنا، كتبه العبد الأقل عبد الله بن عمر بن زياد بن أحمد بيده. ا هـ.
وقد أورد هذا الحكم العلماء الذين تعاقبوا من بعدهم كالعلامة أحمد بن مداد بن عبد الله بن مداد، والعلامة عبد الله بن محمد القرن، وأورده إمامنا السالمي في تحفته، وكلهم أقروه وعولوا على مضمونه، وفي نصه ما يدل بوضوح عبارته أن هذا الرأي هو الذي درج عليه علماء السلف الذين كانوا قبل هؤلاء الحاكمين، وهو الحق الذي لا غبار فيه.
الرأي المختار ودرء الشبه عنه:
ولعمر الحق إن بيع الخيار وباء منتشر وشر مستطير، أفسد على الناس دينهم وأخلاقهم، وأهلك طارقهم وتليدهم، ولا غرو فإن الله عز وجل قد آذنهم بحربه إن لم يذروا الربا في قوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربوا إن كنتم مؤمنين * فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله } وقد وضح الصبح لذي عينين، فتبدى لكل ذي بصيرة أن التعامل به ليس هو إلا وسيلة من وسائل الربا، من أجل هذا ذهب من ذهب من أهل العلم إلى حرمته على الإطلاق، وهذا القول هو الذي اختاره وأعول عليه، وإن كنت لا أقطع عذر المخالف فيه ما دام يقيد الإباحة بما يمنع من سريان أحكام الربا إليه، فإنه ليس من شأننا أن نجعل الرأي ديناً، وإنما اخترت منعه على الإطلاق لأمرين: (3/338)
صفحة 1057
أولهما: أن شرط الخيار فيه يعود على أصل البيع بالنقض، فإن مشتريه تبقى ملكيته فيما اشتراه غير مستقرة، إذ لا يدري متى يأتيه البائع لاسترداده منه وانتزاعه من يده، وهذا مما يؤدي إلى عدم اطمئنانه إلى عمارته وإصلاحه، فقد يكلفه ذلك نفقات قد لا يتمكن من استردادها عندما يفاجئه البائع بطلب انتزاعه منه قبل الانتفاع بغلته، وهذا من أنواع الغرر وهو ممنوع شرعاً، ولئن كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أبطل البيع والشرط. في حين أن الشرط يفوت على المشتري الانتفاع بما اشترى، كما جاء في حديث ابن عباس – رضي الله عنهما – عند الربيع – رحمة الله- أن تميما الداري باع داراً واشترط سكناها، فأبطل النبي- صلى عليه وسلم – البيع والشرط لأن الشرط كان في عقدة البيع؛ وقال في حديث جابر إذ باع للنبي- صلى الله عليه وسلم- بعيراً فاشترط جابر ظهره من مكة إلى المدينة، فأجاز النبي- صلى الله عليه وسلم- البيع والشرط، إنما أجاز النبي- صلى الله عليه وسلم- ذلك لأن الشرط لم يكن في عقدة البيع؛ قال: الإمام السالمي- رحمة الله- لعل أرباب هذه العلة يمنعون ثبوت الشرط في البيع مطلقاً لأنه يمنع المشتري من مطلق التصرف، وذلك مناف لحكمة البيع لأنه إنما شرع لأجل المنفعة. اهـ. (3/339)
صفحة 1058
هذا وإن من أهل العلم من نسب إلى الأكثر عدم التفرقة بين الشرط والشرطين في إبطال صفقة البيع، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وغيرهما، وقد احتجوا بحديث النهي عن بيع وشرط، وحديث النهي عن الثنيا، ونحن وإن كنا لا نقول ببطلان مطلق الشرط ومطلق الثنيا، لأن حديث النهي عن بيع وشرط لا يخلو من مقال، ولأن النهي عن الثنيا مقيد بألا تعلم، ولتسويغ بعض الشروط في الحديث كما في قوله: ـ صلى الله عليه وسلم ـ " من باع نخلا قد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع" إلا أنا نقول بعدم صحة البيع والشرط إن كان الشرط يعود على صفقة البيع بالنقض، أو كان يقتضي تفويت منفعة المبيع على المشتري، أو كانت به جهالة، وحديث تميم الداري وأحاديث النهي عن الغرر كلها شاهدة على ذلك.
فإن قيل: جاء في الأحاديث ما يدل على تسويغ شرط الخيار في البيع. (3/340)
صفحة 1059
قلنا: ليس ذلك من هذا القبيل وإنما هو في مدة يتبين فيها كل من المتبايعين الغبن من عدمه، فاشتراط الخيار إنما هو لتفادي الغرر، كما جاء في حديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ عند أحمد والشيخين قال: ذكر رجل لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه يُخدع في البيوع وقال: "من بايعت فقل لا خلابة"، ونحوه في رواية أنس عند أحمد وأصحاب السنن والحاكم، على أن من أهل العلم من يرى أن مدة هذا الخيار لا تتجاوز ثلاثة أيام، وهو المروي عن عمر ـ رضي الله تعالى عنه ـ وذلك في قوله: " ما أجد لكم أوسع مما جعل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لحبان، جعل له الخيار ثلاثة أيام إن رضي أخذ وإن سخط ترك" وبهذا أخذ أبو حنيفة والشافعي، وحديث المصراة يدل عليه، وأين هذا من خيار يدوم سنين أو عقودا من السنين مع ما ذكرناه من الجهالة والغرر، فقد يكون المبيع بيتاً أو حانوتاً يحتاج إلى الترميم أو تجديد البناء، وقد يرجع البائع على المشتري بالخيار فور فراغه من ترميمه أو تجديد بنائه، وهو قد أنفق فيه النفقات ولم يحصل منه على طائل، فالجهالة فيه قائمة والغرر حاصل. (3/341)
صفحة 1060
ثانيهما: ما يُخشى من إباحته من تذرع ذوي الأطماع به إلى أكل الربا والانغماس في المعاملات المحرمة، وهذا هو الذي وقع فعلاً كما نقلنا عن العلماء الذين شددوا في هذه المعاملة، وكما سنبينه فيما سيأتي إن شاء الله، وسد ذرائع الفساد مطلب شرعي وأصل فقهي دلت عليه دلائل الكتاب والسنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، وعول عليه أهل العلم في الأحكام، ومن دلائل الكتاب عليه قول الله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا } فإن الله تعالى منع المؤمنين فيه من كلمة حق يقولونها لنبيهم ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى لا تتذرع بها اليهود إلى مقصد سوء وإضمار تنقيص لقدرة عليه الصلاة والسلام، ومن ذلك قوله تعالى: { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم } فقد منع الله سباب آلهة المشركين ـ مع ما في سبابها من الحمية للدين والغيرة على التوحيد وإهانة الشرك والمشركين ـ لئلا يؤدي إلى سباب المشركين لله عز وجل، وهو دليل لا غبار عليه أن الخير قد يجب تركه لئلا يفضي إلى شر أكبر؛ ومن أدلته في السنة قول: النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ " لا يرث القاتل المقتول، عمداً كان القتل أو خطأ". وما ذلك إلا لأجل قطع السبيل على الذين يريدون التعجل في الميراث، ولا يؤمن منهم أن يغدروا بموروثيهم ويُدَّعوا الخطأ في فعلهم، هذا مع أن الإرث حق للوارث في مال موروثه نصت عليه الشرائع واتفقت عليه الأعراف، ولكن هذا الحق يسقط شرعاً بالقتل ولو كان خطأ صوناً للدماء وسداً لذرائع سفكها. (3/342)
صفحة 1061
ومن ذلك ما جاءت به السنن من النهي عن التشبه بالكفار حتى في الأمور المعتادة كما ورد عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه كان قائماً عند دفن ميت، وكان أصحابه معه قياماً فمر بهم يهودي وقال: هكذا تصنع أحبارنا. فقعد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأمر أصحابه بالقعود، مع أن القيام مباحٌ أصلاً وهو من الأمور المعتادة عند الناس، ولكنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ آثر تركه خشية أن يتأثر المسلمون باليهود فيتبعوهم في سننهم، ومن هذا الباب ما نراه من تعليله صلوات الله وسلامه عليه كثيراً مما يأمر به أو ينهى عنه بمخالفة اليهود أو مخالفة أهل الكتاب أو المجوس أو المشركين لئلا تؤدي متابعتهم إلى ذوبان شخصية المسلم في عاداتهم.
وقد أخذ بسد الذرائع كثير من المسلمين وأوسعوه بحثاً وتمحيصاً، حتى أن من علماء العصر من ألف فيه كتاباً ضخماً كبيراً، وقد أطال ابن القيم في الاستدلال له وبيان وجوهه في كتابه(( أعلام الموقعين)) إذ ذكر له تسعة وتسعين وجها مما استظهره من أحكام الكتاب والسنة وأقول سلف علماء الأمة، كما أطال في بيان حجيته ووجوب التعويل عليه وقوة الاستدلال به في كتابه هذا وفي غيره، كما في تهذيبه لسنن أبي داود وكتاب(( إغاثة اللهفان)). (3/343)
صفحة 1062
وإذا عدنا إلى آثار أصحابنا رحمهم الله وجدنا أنهم قد تشجعوا في توسيع باب سد الذرائع بقدر ما لا نجده عند غيرهم، ومن هذا الباب ما ذهب إليه كثير منهم من تحريم المرأة على زوجها تحريماً أبدياً إن وطئها في حيضها أو في دبرها مع أن هذا التحريم يترتب عليه تحليلها لزوج آخر، والأصل فيها أن لا تحل له إلا بثبوت انفصالها عن الزوج الأول شرعاً، لأن زواجه بها ثابت بالكتاب والسنة، فانظر كيف سوغوا التفريق بين الزوجين بسبب ارتكاب هذا الأمر المحرم مع علمهم بما يترتب عليه من نكاح المرأة رجلاً آخر، وما ذلك إلا لسد الباب على الشهوانيين الذين لا يبالون بالوقوع في الرجس وارتكاب المحظور من أجل إرواء سعار شهواتهم، وقد بين هذا الإمام السالمي ـ رحمه الله تعالى ـ بقوله:
وإنما فرق من قد فرقا
لجعله باب المعاصي مغلقا
رأوا بأن فتح هذا الباب
بين الورى يفضي إلى العطاب
لأن غالب الورى يخشونا
فراقها والرب لا يخشونا
فعاقبوه بفسادها لكي
ينسد باب الفحش عن ذاك الفُتي
واستنبطوا حجته أن جعلوا
ذلك مثل أرث من قد يقتل
أيضاً وفي الأصول أن النهي قد
يفضي إلى فساد ما فيه ورد
من هاهنا تشجعوا وفرقوا
وحصل المطلوب حين وقفوا (3/344)
صفحة 1063
ومن هذا الباب قولهم بحرمة نكاح الزاني بمزنيته، وحرمة المنكوحة في العدة، بل شدد بعضهم فحرم نكاح المخطوبة في العدة؛ ولئن ساغ الأخذ بهذا في باب الأنكحة فإنه أحرى أن يؤخذ به ويعول عليه في المعاملات، لأن الأخذ به فيها لا يترتب عليه أي محذور، بل هو مزيد احتياط في الدين وورع عن الوقوع في الشبهات والحوم حول حماها، بخلاف ما يتعلق منه بباب الأنكحة، فإن الأصل في المرأة ـ كما قلنا ـ أن تكون حليلة لمن عقد عليها الزواج عقداً شرعياً حتى يثبت انفصالها عنه، وأنها لا تحل لغيره بدون ثبوت الانفصال، على أن الأصل حلية النساء للرجال بطريق النكاح الشرعي في غير ما دل الدليل الشرعي على منعه، وذلك لعموم قوله تعالى: { وأحل لكم ما وراء ذلكم } .
هذا وقد علمتم أن نشأة هذه المعاملة من أول أمرها كانت من أجل تفادي أكل الربا ظاهراً مع انطوائها على حقيقة الربا في باطنها، وهذا كله مما يرجح وجوب ترك التعامل بها على الإطلاق.
وأما ما أصبح سائداً عند المتعاملين بها اليوم من التذرع بها إلى الربا الواضح؛ فإن حرمته قطعية، ولا مجال للنظر والاجتهاد فيه لقطعية النصوص المحرمة للربا، ولم يعد قط للتقيد بما رآه المبيحون من شروط لحلها عندهم، فقد أصبح ذلك من مطويات النظريات التي لم يعد لها أثر في التطبيق، لذلك قلنا بأن هذه المعاملات مما يدخل في الحرام القطعي، وإن جادل في ذلك أولئك الذين استمرأوا الحرام حتى تخمت منه بطونهم، فعافت نفوسهم الحلال لما طرأ على فطرهم من الفساد، وعلى مداركهم من الضلال، والله المستعان.
شبه المجادلين في هذا البيع:
ولهم في مجادلاتهم هذه طريقان كما جاء في السؤال: -
أولها: ادعاء أن في المسألة خلافاً لأهل العلم، وأن من أخذ برأي من عدول العلماء فهو سالم. (3/345)
صفحة 1064
ثانيهما: أن في هذه الإباحة كفاية للمحتاجين لئلا يندفعوا إلى بيوت الأموال الربوية للاقتراض منها فإنه إن سُد على الناس هذا الباب لم يجدوا مناصاً على التعامل بالربا المحض.
وليس فيما قالوه شيء من الحق ولا نصيب من الصواب.
شبهة من أخذ بقول عالم فهو سالم:
أما أولهما: فإنه لا قائل قط من أهل العلم بجواز بيع الخيار على الإطلاق حتى تكون معاملاتهم هذه مباحة على قول أحد منهم، لأن الربا فيها ظاهر كما قال الإمام السالمي: " لو ارتفع للمجوزين رأس وشاهدوا ما عليه الناس اليوم، لصاحوا عن لسان واحد، ما هذا الذي أجزنا"، وإنما أجازه من أجازه بشرط كون المشتري ما قصد إلا الأصل ولم يكن مراده الانتفاع بالغلة وحدها وإلا كان واقعاً في الربا، وما جاء في الآثار عارياً عن هذا القيد فهو محمول عليه، لأنه ظاهر معروف عند الجميع، وكما أن الأدلة الشرعية في الكتاب العزيز والسنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام يجب حمل مطلقها على مقيدها ومجملها على مبينها وعمومها على خصوصها فإن آثار أهل العلم هكذا يجب التعامل معها، وإلا وقع الناس في الضلال المبين والفساد الماحق، وما المجادلة المبنية على الاستدلال بالمطلق مع إلغاء قيده الشرعي في حين كون تقييده معلوماً إلا من باب المجادلة بالباطل لإدحاض الحق، كما قال أحد مجَّان الشعراء:
فالله مال قال ويل للألى سكروا وإنما قال ويل للمصلينا (3/346)
صفحة 1065
فأنتم ترون كيف جعل من الحق الذي أنزله الله وسيلة لنقض عرى الحق وهدم دعائم الدين واستباحة محارم الله، وذلك كله راجع إلى تمسكه بإطلاق الوعيد للمصلين وإلغائه القيد الذي قيد به، ونحو هذا ما لو استدل أحد بإطلاق الأمر بالإنفاق في العديد من الآيات كقوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلةٌ ولا شفاعةٌ } وقوله: { وأنفقوا من ما رزقنكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت } على مشروعية الإنفاق فيما حرم الله كإنفاق المال في الخمر والدعارة وسائر وجوه الفساد.
ومما يقرب من هذا قول إحدى الشاعرات الداعيات إلى أن تعود المرأة المسلمة إلى تبرج الجاهلية وتخلع عنها جلباب الفضيلة الذي كساها الإسلام:
سيري كسير السحب لا
تأني ولا تتعجلي
لا تكسحي أرض الشوا
رع بالإزار المسبل
أما السفور فحكمه
في الشرع ليس بمعضلِ
ذهب الأئمة فيه
بين محرم ومحلل
ويجوز بالإجماع
عند قصد تأهل
وذلك أنها استغلت خلاف العلماء في وجوب ستر المرأة وجهها فأضفته على السفور المعروف في عالم اليوم الذي هو عين تبرج الجاهلية، وجعلت إجماعهم على جواز رؤية الوجه لمن قصد الزواج وسيلة لإباحة رؤية ما زاد عليه، وهو من التلبيس الذي لا يكون إلا ممن مرضت نفسه. (3/347)
صفحة 1066
وهب العلماء أباحوا بيع الخيار على النحو الذي يبيحه هؤلاء الذين يجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق. أيكون قولهم حجة على كتاب الله وسنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ؟ كلا وألف كلا، { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضللاً مبينا } ، وما أشبه أولئك الذين يستدلون بمجملات الآثار ومطلقاتها على إباحة بيع الخيار مع تصاممهم وتعاميمهم عن القيود التي قيدت بها هذه الإباحة عند المجوزين، ومع إهمالهم النظر فيما ارتكس فيه الناس اليوم من الربا الذي لا يماري في حرمته إلا من كان في قلبه مرض بسبب هذه المبايعة، ما أشبههم بالذين يستمسكون بمتشابه الكتاب ويتعاملون عن محكمه، أولئك الذين قال الله فيهم: { فأما الذين في قلوبهم زيغٌ فيتبعون ما تشبه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله } .
شبهة (( فيه كف الناس عن بيوت الربا )):
وأما ثانيهما: فهو من غرائب الاستدلال وعجائب التلبيس لا ندري أصدر عن علم من قائله أو عن جهل منه.
إن كنت لا تدري فتلك مصيبة
أو كنت تدري فالمصيبة أعظم (3/348)
صفحة 1067
ليت شعري أتباح محرمة من محارم الله لأجل اتقاء الناس الوقوع في محرمة أعظم منها، فإن ذلك يلزم قائله أن يبيح للناس الزنا لئلا يقعوا فيما هو أعظم منه وهو فاحشة قوم لوط، بل من البدهيات الظاهرة أنه يجب أن يكون الزنا مشروعاً عند الذي ركن إلى هذا الاستدلال، خصوصاً في ديار الغربة وفي أوساط الشباب ليتمكنوا من قضاء حاجتهم الشهوانية وإرواء ظمئهم الجنسي، لئلا يندفعوا إلى الشذوذ فيفقد بعضهم أو كلهم رجولته، وإلا فما الفارق بين الأمرين؟ هذا لو سلّم أن ما يجري به التعامل بين الناس اليوم وراء لافتة بيع الخيار هو أهون من الربا الصريح، ونحن لا نسلم لذلك، فإن الربا هو عين الربا سواء وقع مكشوفاً أو باحتيال، قال الإمام السالمي رحمه الله تعالى: " وهيهات لم يحرم الله شيئاً ثم يحله بالحيلة ولا تخفى على الله خافية" وقال أيضاً: " إن الحق لا يدفع بالحيل وقد هلك أهل السبت من قبلكم حين احتالوا على الاصطياد يوم السبت، وضعوا الشباك يوم الجمعة ورفعوها ليلة الأحد وقالوا: ما اصطدنا يوم السبت، فجعلهم الله قردة وخنازير { ويضرب الله الأمثال للناس } . (3/349)
صفحة 1068
وأقول: بأن من أتى الحرام مخادعاً محتالاً هو أعظم جرماً وأفحش إثماً ممن أتاه بغير احتيال؛ لأنهما وإن اشتركا في الحرام فإن المحتال زاد على غير المحتال بمخادعته لله وللمؤمنين { يخدعون الله والذين ءامنوا وما يخدعون إلا أنفسهم } ، وهو لا يدل إلا على استخفافه بمقام الألوهية واستهزائه بشرع الله تعالى، وذلك لا ينبئ إلا عن ضلال المعتقد في الله تعالى، وهو أبعد له عن المتاب، لأن فجوره ناشيء عن انحراف في التصور وظلمة في الفكر وفساد في الاعتقاد، ولأن استحلاله لمحارم الله تعالى بهذه الحيل أدى إلى الانهماك في غيه والاسترسال في ضلاله، أما من كان غير محتال فهو اقرب إلى التوبة والرجوع لأنه يشعر بحرمة ما يأتي، فقد يؤنبه ضميره يوماً فيثوب إلى رشده ويرجع إلى طاعة ربه، ولله در أيوب السُّختياني حيث قال في أمثال هؤلاء: " يخادعون الله كما يخادعون الصبيان لو أتوا الأمر على وجهه كان أسهل". (3/350)
صفحة 1069
هذا؛ ولا يكون في شرع الله بديلاً عن الحرام ما كان فاسداً ضاراً، وإنما شرع الله تعالى أنواعاً من المعاملات فيها كفاية وغنى عن مقارفة المحرمات، فمالنا وللدعوة إلى أن يكون البديل نفسه رجساً محرماً يتوصل إليه بمخادعة الله تعالى والمؤمنين؟ ! فهلا دعا هذا المستدل بهذه الشبهة الواهية إلى الاستغناء عن الربا خفية وجلية بالعقود المشروعة كالمضاربة والسلم وما استنتجت إباحته من الأدلة الشرعية كعقود الاستصناع وبيع المرابحة مع ضبط ذلك كله وقيده بقيود الشريعة العادلة؟ أليس في هذه كله ما يسد حاجة الناس ويغنيهم عن ارتشاف سموم الربا ويكفيهم عقوبة الله على مخادعته سبحانه ومخادعة عباده المؤمنين بالوسائل الملتوية والمسالك المنحرفة؟ ومع كل هذا فإن هناك حلاً جعله الله وسيلة للتكافل الاجتماعي والترابط الإيماني بين أفراد المجتمع المسلم وهو القرض الحسن الذي يرفع الله تعالى به الدرجات، ويضاعف من أجله الحسنات، فلئن كانت الصدقة بعشرة أمثالها فالقرض بثمانية عشر؛ كما جاء به الحديث، وهو مكسب أخروي يحرص عليه المؤمنون، مع ما يجعل الله بسببه من البركة في المال، أو ليس في إحياء ذلك كله غنية للعباد عن التهالك على الحرام والتدافع إلى الآثام؟ على أنه من الممكن أن يراعى في هذه الحلول تفاوت أحوال الناس، وانقسام مطالبهم إلى ضروريات وحاجيات وتحسينيات، فما كان منها من قبيل الضروريات كالأقوات والمساكن والملابس التي لا بد منها، وإعفاف النفس بالزواج الأول، فيمن يخشى على نفسه العنت والفجور، فسبيل حلها الصدقات أو القروض الحسنة، وما زاد عليه ككسب المال الحلال الزائد على حاجات النفس الضرورية، فيمكن أن يرد إلى صنوف المعاملات المباحة كالمضاربة والسلم والمزارعة والمساقاة وأنواع الإيجارات الشرعية، وفي ذلك مصلحة للمجتمع كله عندما تحرك رؤوس الأموال بما يعود بالخير على أصحابها وعلى العمال، مع ما يترتب على ذلك من فرض الزكاة التي (3/351)
صفحة 1070
يرجع عائدها إلى ذوي الخصاصة. وهذا كله يجب أن يؤطر في الإطار الشرعي لتجنب كل ما يؤدي إلى الانزلاق والوقوع في مهاوي الحرام، ولصون حقوق المحتاجين حتى لا تكون عرضة للتلف في مهب أعاصير شهوة المال في نفوس الأغنياء الذين ماتت ضمائرهم، فغارت ينابيع الرحمة في نفوسهم لاستبداد الطمع بمشاعرهم وأحاسيسهم، ليت شعري لِمَ لم يرجع من قال بضرورة إباحة بيع الخيار على علاتة بصره كرتين في هذه الجوانب، فيدرك ما فيها من السلامة وما يمكن أن تنتجه من ثمرات طيبة، عندما تصفو النوايا ويتعاون أصحاب رؤوس الأموال على إنشاء هذه المشاريع التنموية التي تصون مجتمعاتهن عن التردي في المهالك، أو أنها لا ترضي ضميره لأنها لا تسوق الناس جماعات ووحداناً إلى ارتكاب محارم الله والارتماء في أتون الربا المتأجج الذي يأتي على الطارف والتليد مما ملكت أيديهم؟ !.
ما أعجب شأن من آثر الخبيث على الطيب والحرام على الحلال والباطل على الحق!
صور من تعاملات الناس الفاسدة:
على أنه لم يبق عند ذي لب أدنى ريب أن معاملات الناس اليوم التي يعنونون لها ببيع الخيار، هي أبلغ في الإثم وأفحش في الحرمة وأبعد عن ساحة المباح مما اتفق العلماء على حرمته وأنكروه فيما دونوه من الآثار وعدوه من صنوف الربا، وهو أن يكون المشتري قصد من الابتياع الانتفاع بالغلة دون امتلاك الأصل، فإن تعامل الناس اليوم لم يقف عند هذا الحد، بل تجاوزه إلى ما لم يكن يدور بخلد أحد من علماء السلف، فإن غالب معاملات الناس اليوم التي يكتنفها ما يسمى ببيع الخيار في صنوف العقار من البيوت أو الحوانيت أو غيرها، ولا يدور يخلد البائع أن يسلم المبيع ولا بخلد المشتري أن يستلمه وإنما يتفقان على صفقتين، صفقة لما يسمونه بيع الخيار فيها إقرار البائع للمشتري بالبيع، وصفقة للتأجير فيها إقرار المشتري (3/352)
صفحة 1071
للبائع بتأجيره العين المبيعة، ولا تكون الأجرة بقدر قيمة العين الحقيقية ومنفعتها، وإنما هي بقدر ما دفع المشتري إلى البائع من المال الذي هو في صورته الظاهرة ثمن للبيع، وفي طوية المتبايعين قرض يدفعه صاحب المال إلى المحتاج في مقابل ما يتقاضاه منه من الربا في كل شهر أو في كل عام، وإنما يصور خديعة ومكراً أنه أجرة للعين المبيعة، وعندما يحتاج من يسمى البائع إلى مزيد من المال فالذي يسمى بالمشتري يقدم إليه الزيادة، وبقدرها يزداد الربا المسمى عندهم أجرة، وتضم هذه الزيادة إلى أصل الثمن الذي هو في حقيقته قرض ربوي، ويا لله للعجب من هذه المعاملة!! فإن كانت صفقة البيع واقعة بين المتبايعين وبموجبها استحق المشتري الانتفاع بالعين المبيعة فما بال هذه الزيادة تضاف مرة أخرى إلى الثمن حتى ولو كانت بعد الصفقة بأعوام!؛ وبأي تفسير تفسر!؟ وعلى أي محمل تحمل!؟ وهل سمعتم أن مشترياً يزيد بائعاً فوق الثمن الذي تمت عليه صفقة البيع بعد امتلاكه المبيع؟ على أنه ثبت بالاستقراء وتتبع ما عند المتعاملين بهذه المعاملة أن كل زيادة تضاف إلى الثمن الأول يترتب عليها من الزيادة في الأجرة بقدرها، وهذا مما اعترف به الذين وقعوا في هذه المعاملة النكراء، وصاروا يعضون على بنان الندم بما خسروه من أموالهم ولات ساعة مندم. { كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون } ، والعجب كل العجب أن يتمالأ الناس على هذا الأمر فتكتب هذه الزيادة في الصكوك الشرعية بأيدي كتاب العدل في المحاكم، ويعتمد هذه الصكوك قضاة شرعيون! ليت شعري أولم يطرق أسماع هؤلاء قول النبي – صلى الله عليه وسلم -: "لعن الله الربا وآكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه" وقال: "هم سواء"، أم يحسبون أن الله سبحانه تخفى عليه حقيقة هذه المعاملة وأنه يخدع كما يخدع الأغرار من الناس؟
أما في قلب هؤلاء رحمة بأنفسهم وإشفاق عليها من عذاب ربها؟ (3/353)
صفحة 1072
هذا وكما أن هذه الزيادة على الثمن الأصلي ولو بعد حين تقتضي الزيادة في الربا المسمى بالإيجار، فإن النقص منه باسترداد المشتري شيئاً من أصل ثمن البيع يؤدي إلى النقص في مقدار الربا الذي يتقاضاه المشتري من البائع في صورة الأجرة.
شبهة (تسليم البائع المفتاح للمشتري):
هذا وأما ما يفعله بعضهم من مجيء من يسمى بالبائع بالمفتاح وتسليمه للمشتري ثم استرداده منه بناء على أنه استأجر المبيع منه بعد تسليمه إياه، أو ما يكون من تخلية البيت أو الحانوت المبيع لبضع دقائق حسب تعارفهما، فما هو إلا إمعان في مخادعة الله تعالى والذين آمنوا، ولا يدل إلا على فساد عقيدة الذين يفعلون ذلك، وذلك أعظم جرماً وأشد فحشاً من الربا الصريح، لما في هذا الفعل من ضميمة سوء المعتقد في الله إلى التعامل بالربا، ولئن انخدع الناس وظنوا أن الإيجار ما تم إلا بعد القبض فإن الله العليم بخفايا ما في الصدور لا يعزب عن علمه أن ذلك لم يرد به إلا المخادعة، وأن المشتري لم يدر بباله قط أن يستلم المبيع وأن يحوزه، كما أن البائع لم يكن في قصده تسليم ما باعه للمشتري، فكل منهما ضامن لمبتغاه، فالبائع ضامن بأن المشتري لن يخرجه من البيت أو الحانوت الذي باعه إياه، والمشتري ضامن أن البائع سيظل حائزاً للعقار وسيظل يدفع إليه الربا في صورة الإيجار بمقدار ما دفعه إليه في صورة الثمن، وهبهما لم يتشارطا ذلك فإن ذلك مما تعورف عليه والمروف عرفا كالمشروط شرطاً.
وجوه بطلان هذا المبيع:
على أننا لو سلمنا أن ما كان بينهما لا يعدو أن يكون بيعاً أو إيجاراً فإن هذا العقد باطل من أصله لأربعة أمور: (3/354)
صفحة 1073
أولها: أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ " نهى عن بيعين في بيع" كما في حديث أبي هريرة عند أحمد والنسائي وأبي داود والترمذي وصححه، وفي رواية ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ عند أحمد قال: " نهى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن صفقتين في صفقة"، ومما يندرج في مدلول هذا النهي اجتماع عقدين عقد إيجار وعقد بيع في عين واحدة وبعقدة واحدة. ويؤيده نهيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن سلف وبيع كما سيأتي.
ثانيها: أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ" نهى عن شرطين في بيع " رواه الربيع رحمه الله بسنده إلى ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ، وأخرج أحمد وأصحاب السنن إلا ابن ماجة عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: " لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع "، وأخرجه من طريقه أيضاً ابن حبان والحاكم وصححه الترمذي وابن خزيمة، قال: الإمام السالمي ـ رحمه الله تعالى ـ " واتفقوا على فساد ما فيه شرطان فأكثر"، ولا يخفى أن في هذا العقد أكثر من شرطين، فالخيار نفسه شرط، ومدته شرط ثان، واستئجار البائع للمبيع شرط ثالث وتحديد قدر الإيجار شرط رابع.
ثالثها: أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نهى عن ربح ما لم يضمن، بل صرح بعدم حله كما في رواية أصحاب السنن عن عمرو بن شعيب قال: حدثني أبي عن أبيه حتى ذكر عبد الله بن عمرو قال: قال: رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ " لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك".
قال الترمذي فيه: حديث حسن صحيح، ويشبه أن يكون تصحيحه له بالتصريح فيه بذكر عبد الله بن عمرو كما ذكره بعض أهل العلم بهذا الفن. (3/355)
صفحة 1074
رابعها: أنه لا يرتاب عاقل في كون ذلك داخلاً في بيوع العينة، لأنه مما يندرج تحت ذرائع الربا، ولا ريب في تحريم بيوع الذرائع، فإن الذريعة إلى الحرام حرام، وقد سبق أن ابن القيم ذكر في استدلاله على تحريم ذرائع المحرمات تسعة وتسعين وجها في كتاب واحد، وقد جاءت الروايات عن الصحابة – رضوان الله تعالى عليهم- دالة على منتهى التشدد في أمر الذرائع، ومن هؤلاء عائشة وابن عباس وأنس، فعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنها قالت لأم ولد لزيد بن أرقم حين بلغها دخوله في بيع الذرائع: "أبلغي زيداً أن جهاده مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد بطل إلى أن يتوب" رواه البيهقي والدار قطني وغيرهما، وفي كتاب أبي محمد النجشي الحافظ عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أنه سئل عن العينة فقال: "إن الله لا يخدع، هذا مما حرم الله ورسوله"، وروى ذلك محمد بن عبد الله الحافظ المعروف بمطِّين في كتابه عن أنس ـ رضي الله عنه ـ، ورُوي عن أنس أنه قال: (اتقوا هذه العينة لا تبيعوا دراهم بدراهم بينهما حريرة)، ولات غرو في ذلك فإن الله تعالى يحاسب عباده بنواياهم { إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } ولئن كانت السورة الصحيحة الشرعية للعمل لا تفيد شيئاً عندما يكون القصد به قصداً غير مشروع كما في حديث عمر ـ رضي الله عنه ـ: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه"، فما بالك بما كان باطلاً صورة ومعنى.
الوسيلة لا تبيح المحرم: (3/356)
صفحة 1075
والوسيلة لا تبيح المحرم. بل هي عينها حرام إن أدت إلى حرام، كما ثبت في الصحيح من قول: رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا ثمنها"، ومعنى جملوها أذابوها وخلطوها، وهي بذوبانها واختلاطها لا تسمى شحماً لغة ولا عرفاً، ولكن لم يغنهم ذلك كله بل كانوا عرضة للعنة الله تعالى من حيث إنهم احتالوا على محارمه، على أنهم لم ينتفعوا بأعيانها وإنما بأثمانها، وليت شعري ما هو الفارق بين صنيع اليهود هذا وصنيع الذين يتذرعون إلى استباحة ما حرم الله من الربا بطريق بيع الخيار؟ أو ليس هؤلاء أحرياء بأن يعمهم الله بلغته كما صنع بأولئك؟ . (3/357)
صفحة 1076
ومثل ذلك ما كان من تحايل اليهود على اصطياد الحيتان التي تأتيهم يوم سبتهم شرعاً ويوم لا يسبتون لا تأتيهم، فقد نصبوا لها الشباك يوم الجمعة وأخذوها ليلة الأحد، فعاقبهم الله بأن مسخهم قردة وخنازير، ولم يعاقبوا على غير هذا من جرائرهم الكثيرة كقتلهم الأنبياء بغير حق، وأكلهم الربا بهذه العقوبة التي فيها عظة وذكرى لمن عاصرها ولمن أتى من بعدها، وما ذلك إلا لأنهم فعلوا ما فعلوا مخادعين لله، ومن خادع الله كان حريا بمثل هذا العقاب، ولذلك قال الله تعالى تذكيراً لهم ولغيرهم: { ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردةً خاسئين (65) فجعلناها نكالاً لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين } ، ليت شعري أيأمن هؤلاء الذين يتذرعون إلى محارم الله ببيع الخيار أن يفعل الله بهم ما فعله ببني إسرائيل فيكونوا قردة خاسئين؟ ! ولئن لم تمسخ أبدانهم ففي مسخ قلوبهم عظة للمتقين، أوليسوا يخادعون الله كما خادعه بنو إسرائيل، ولقد علموا ـ لو كانت لهم قلوب يعقلون بها ـ أن هذه المخادعة لا تفيد أحداً، ولو كانت تفيد لأفادت المحلِّلَ والمحلَّلَ له، لأن نكاح كل منهما في صورته الظاهرة نكاح صحيح استوفى شرائط صحة النكاح، لكن النية جعلته سفاحاً، فلذلك قال: رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "لعن الله المحلِّلَ والمحلَّ له" وهو حديث مشهور رُوي من طرق شتى وبألفاظ متعددة، إلا أنها تتحد في مؤداها فقد أخرجه أحمد من طريق علي ـ كرم الله وجه ـ إلا أن إسناده لم يخل من مقال، وأخرجه أحمد والترمذي والنسائي من طريق ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ وقال فيه الترمذي: (حديث حسن صحيح، وأخرجه الترمذي من حديث جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنه ـ، ورواه ابن ماجة والحاكم وصححاه والبيهقي من طريق عقبة بن عامر ـ رضي الله عنه ـ ورواه ابن ماجة من طريق ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ وأخرجه عنه الجوزجاني بلفظ آخر، وكذا رواه الحكيم من طريق ابن عمر (3/358)
صفحة 1077
ـ رضي الله عنهما ـ بمعناه. وأخرجه أحمد وابن أبي شيبة والجوزجاني والبيهقي بلفظ: "لعن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ المحلل والمحلل له" من طريق أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ وليس استحقاق اللعن إلا على كبيرة تؤدي إلى الطرد من رحمة الله والعياذ بالله، وما كان ذلك إلا لأن من ركب هذا الأمر قد خادع الله والمؤمنين بفعله، إذ أتاه في صورة ما أباحه الله في شرعه مع انطوائه على قصد آخر، وهل في هذا فرق بين النكاح والمعاملات المالية؟ . (3/359)
صفحة 1078
وقد أجاد تحريم هذا المقام ابن قيم الجوزية حيث قال: "فوازن بين قول القائل: آمنا بالله واليوم الآخر، وأشهد أن محمداً رسول الله، إنشاء للإيمان وإخباراً به، وهو غير مبطن لحقيقة هذه الكلمة ولا قاصد له ولا مطمئن به، وإنما قاله متوسلاً به إلى أمنه وحقن دمه أو نيل غرض دنيوي، وبين قول المرابي: بعتك هذه السلعة بمائة، وليس لواحد منهما غرض فيها بوجه من الوجوه ولا مبطناً لحقيقة هذه اللفظة ولا قاصداً له ولا مطمئناً به، وإنما تكلم به متوسلاً إلى الربا، وكذلك قول المحلل: تزوجت هذه المرأة أو قبلت هذا النكاح، وهو غير مبطن لحقيقة النكاح ولا قاصداً له ولا مريداً أن تكون زوجته بوجه ولا هي مريدة لذلك، هل تجد ينهما فرقاً في الحقيقة أو العرف؟ فكيف يسمى أحدهما مخادعاً دون الآخر؟ مع أن قوله بعت واشتريت واقترضت وأنكحت وتزوجت غير قاصد به انتقال الملك الذي وضعت له هذه الصيغة ولا ينوي النكاح الذي جعلت له هذه الكلمة، بل قصده ما ينافي مقصود العقد أو أمر خارج عن أحكام العقد، وهو عود المرأة إلى زوجها المطلق، وعود السلعة إلى البائع بأكثر من ذلك الثمن، بمباشرته لهذه الكلمات التي جعلت لها حقائق، ومقاصد مظهراً لإرادة حقائقها ومقاصدها ومبطناً لخلافه، فالأول نفاق في أصل الدين وهذا نفاق في فروعه، يوضح ذلك ما ثبت عن ابن عباس أنه جاءه رجل فقال: إن عمي طلق امرأته ثلاثاً أيحلها له رجل فقال: من يخادع الله يخدعه، وصح عن أنس وعن ابن عباس أنهما سئلا عن العينة فقالا: إن الله لا يخدع، هذا مما حرم الله ورسوله فسميا ذلك خداعاً، كما سمى عثمان وابن عمر نكاح المحلل نكاح دلسة، وقال أيوب السختياني في أهل الحيل: يخادعون الله كأنما يخادعون الصبيان فلو أتوا الأمر عياناً كان أهون عليّ، وقال شريك بن عبد الله القاضي في كتاب (الحيل): هو كتاب المخادعة".
دلائل أن تعامل الناس ببيع الخيار غير خارج عن الربا: (3/360)
صفحة 1079
ولا يخفى على لبيب أن ما يروجه الذين راقت لهم هذه المعاملات المحرمة من أن يبيع الخيار قال بجوازه طائفة من أهل العلم، لا يعدو أن يكون من ضروب هذه المخادعة الممقوتة وافتئاتا على العلماء الذين هم أنزه وأورع من أن يبيحوا للناس محارم الله، فإن القيد الذي قيدوا به هذه الإجابة لا يكاد يكون له وجود في معاملات الناس اليوم فقط، وإن كنت لم تقنع بكل ما أسلفناه فدونك من الشواهد ما يستأصل شأفة كل ريب اللهم إلا ممن كابر عقله وأنكر حسه:
*أولها: أن الصكوك التي تتضمن بيع الإقالة تشير بأن المعاملة لا تعدو أن تكون قرضاً جرّ منفعة، فهي وإن سميت بيعاً لم تنبن على البيع وإنما أسست على القرض، فالكُتَّابُ لا يكادون يكتبون إلا هذه العبارة (أقر فلان أن عليه لفلان كذا من المال وقد باعه بحقه هذا بيته الفلاني ـ مثلاً ـ واشترط عليه الإقالة لمدة كذا من السنين)، فبالله عليكم على ماذا تدل هذه العبارة؟ فإن لم تكن دليلاً على أن المعاملة مبنية على القرض فليس يصح في الأذهان شيء. (3/361)
صفحة 1080
*ثانيها: أنه لا يكون في قراره نفس البائع انتقال ملك ما باع عنه، ولا في قرارة نفس المشتري انتقال ما اشتراه إليه، فعند كل منهما أن الملك إنما هو ملك البائع، وإنما المشتري مرتهن فحسب، ولذلك يسمونه رهنا، ولكنه رهن يستغله المشتري لمصلحته في مقابل الدين الذي على البائع، وهذا الاستغلال لا ريب في ربويته، ولو لم يكن من طريق مغرم يدفعه البائع على أن إيجار للعين المبيعة، فإن الرهن المشروع إنما هو توثيق للدين بحيث يقبض الدائن عينا يملكها المدين إلى أن يأتيه بحقه، ولا بد من قبضه كما قال تعالى: { فرهن مقبوضة } ، والأصل فيه أن يكون بيد ذي الحق ـ وهو الدائن ـ إلا أن اتفق مع المدين على أن يقبضه طرف ثالث يكون في حكم النائب عن المرتهن، ففي ذلك خلاف لأهل العلم مبسوط في موضعه، ويبطل الرهن ببقائه في يد الراهن، ومن كل هذه الوجوه تنأى هذه المعاملة كل النأي عن الرهن الشرعي، وإن سموها رهناً، كما أنها ليست من البيع في شيء، ولئن كانت بعيدة عن الرهن والبيع معا فهي لا تعدو أن تكون حيلة من أجل أكل الربا، فالعين المبيعة أو المرهونة ـ حسب قولهم ـ لا تخرج من يد البائع وإنما حسب المشتري منه أن يأتيه بريعها مدراراً حسبما اتفقا عليه؛ على أن ذلك إنما هو بمقدار الدين أو القرض وليس بمقدار الانتفاع بالعين كما ذكرته، على أن الرهن الشرعي لا يغلق بمضي مدة محددة بل يبقى ملك المرتهن للراهن، ففي الحديث " لا يغلق الرهن " وفي رواية زيادة على ذلك " لصاحبه غنمه وعليه غرمه "، وهو دليل على عدم جواز انتفاع المرتهن بمنفعته ـ وهو عكس ما جرى عليه العمل في بيع الخيار ـ اللهم إلا ما جاء في بعض الروايات مما يدل على جواز الانتفاع ببعض ما يرهن في مقابل نفقته إن كان يستدعي الإنفاق، ومن ذلك رواه البخاري عن أبي هريرة أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: " الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهوناً، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهوناً، وعلى (3/362)
صفحة 1081
الذي يركب ويشرب النفقة"، وتخصيص ذلك بهذا الحكم إنما هو من أجل التيسير فإن العين المرهونة لا بد من أن تكون في يد المرتهن ومع حاجتها إلى النفقة قد يتعذر أو يتعسر أن يكون المالك الراهن هو الذي يتولى ذلك في هذه الحالة فأبيح للمرتهن الانتفاع بقدر هذه النفقة.
وقد شدد علماؤنا رحمهم الله في انتفاع المرتهن بما ارتهن لما في ذلك من الزيادة على الدين أو القرض وهي عين الربا، قال الإمام السالمي ـ رحمه الله ـ:
وماله يستعمل المرهونا
لأنه صار له أمينا
وبعد الاستعمال يضمننا
من بعد أن كان يؤمننا
وليس توارد هؤلاء جميعاً على تسمية هذه المعاملة رهناً إلا دليلاً واضحاً على أنهم لم يريدوا بهذه المعاملة بيعاً ولا ابتياعاً، وإنما أرادوا ما يتوسلون بها إليه من أكل المال بالباطل، وهي أيضاً ليست رهناً شرعياً لما ذكرناه من الفرق بينها وبين الرهن.
فإن قيل: أن تسميتها رهناً لا يؤثر في العقد شيئاً كما يقتضيه جواب الإمام السالمي ـ رحمه الله ـ حيث قال: "لا يؤخذ في هذا بفلتات لسانه وإنما يعامل فيه بمقتضى العرف والعادة، ولا ضير في التسمية ولا مشاحة في الاصطلاح إذ اتحد المقصود، ومن قواعد الفقه الشهيرة أن الأمور بمقاصدها، وفي الحديث: "وإنما لكل امرئ ما نوى". (3/363)
صفحة 1082
قلت: ما قاله الإمام ـ رحمه الله ـ هو كله حجة واضحة على أصحاب هذه المعاملة، إذ لم يكن قولهم هذا فلتة من فلتات اللسان، وإنما هو تعبير عن مكنون ضمير كل منهم، فإن الكل لا يتصورون خروج المبيع بهذه الصفقة عن ملك البائع وانتقاله إلى ملك المشتري، وليس في مقصود البائع أن يبيع ولا المشتري أن يشتري، وقرائن الأحوال التي ذكرها الإمام السالمي ـ رحمه الله ـ في (( جوهرة )) وفي (( أجوبته )) شاهدة على ذلك، وأدل من هذا كله على هذا أن المبيع لا يكاد يخرج من يد البائع، وإنما لمشتريه ما يتطلع إليه من ريعه الربوي الذي يتقاضاه من البائع في كل شهر، أو لا يكفي ذلك دليلاً على هذه الطوية؟ وهل يستدل على المخبر إلا بالمظهر؟ .
ثالثها: أن المشتري لا يعنيه حسبما هو متعارف عليه عندهم شيء من ترميم المبيع وإصلاحه، وإنما ذلك كله مما يكون على حساب البائع. (3/364)
صفحة 1083
رابعها: ما ذكرته من قبل من أن البائع عندما يحتاج إلى زيادة من المال لا يتردد المشتري أن يضيف إليه ما طلب مع إضافة ذلك إلى أصل الثمن. وما هذه الزيادة في الحقيقة إلا قرض جديد يضاف إلى سابقه ليضاف بسببه ربا فوق ربا القرض الأول، وإنما يلبس زوراً كما ألبس ما قبله ثوب الأجرة مخادعة لله وللمؤمنين، وهذا أمر لا يكاد ينكره أحد، فكم رأينا صكوك بيوع الخيار التي كتبت في المحاكم مذيلة بهذه الزيادات بأيدي كتاب العدل ومعتمدة من قبل القضاة الذين لا يتورعون عن هذه المعاملات، وأدهى من ذلك وأمر أن صاحب العقار الواحد قد يقترض في آن واحد من عدد من الناس، ويكتب ذلك العقار نفسه لكل واحد من أولئك بطريق بيع الخيار، من غير أن ينتقل إلى يد أحد منهم، وإنما يكتفي كل منهم بما تتلقفه يده في كل شهر من الربا المشروط المسجل أنه أجرة للعقار، وقد وقع هذا من رجل مرموق بما كان يشغله من منصب ديني جدير بأن يكون صاحبه في غاية العفة والنزاهة، ولكن مما يدعو للأسف أنه استغل وجوده في هذا المنصب لينحدر به إلى أسفل دركات هذه المعاملة الدنيئة، إذ اقترض من أربعين رجلاً قرضاً ربوياً وكتب بيته الذي يسكنه لكل واحد منهم بطريق بيع الخيار، وهو يدفع لكل واحد من أولئك المنهومين، بحب المال ربا على رأس كل شهر، سجل أنه إيجار لذلك البيت، وقد سقط بموته برقع النفاق الذي كان يواري هذه الحقيقة، فإذا بكل واحد من أولئك المقرضين يطالب بما يدعيه حقه، ولم يدع ذلك الهالك من تركته إلا ذلك البيت الذي لم يف حتى بربع مقدار تلك القروض التي أسموها ثمناً له، فإنها بلغت مائة وثمانين ألفاً، بينما لم يتجاوز ثمن بيعه بعد موته أربعين ألفاً، أليس في ذلك معتبر لأولئك الذين أوقعهم الشيطان في حبائل الهوى، واقتادهم بأرسان الطمع إلى مهاوي الردى، فأخذوا يدافعون عن مفاسد بيع الخيار بكل ما زينه لهم الشيطان من تدليس وتلبيس ومجادلة بالباطل لإدحاض الحق، ولعمر الله لو (3/365)
صفحة 1084
كان الحق أنشودتهم لكفتهم هذه العبر، { إن في ذلك لعبرة لمن يخشى } .
وليس ما ذكرته دعوى اختلقتها ونسجت بردها من خيوط الخيال، وإنما هي حقيقة واقعة وما يمنعني من التعريف بشخص المتورط المشار إليه إلا الحرص على ستر سوآت الموتى وعدم التشهير بهم، فإنهم أفضوا إلى ربهم: { وكفى بربك بذنوب عباده خبيراً بصيراً } .
على أن هذه القضية لم تكن فريدة من بين قضايا التعامل ببيع الخيار بهذا الأسلوب العجيب، فثم قضايا أخرى مثلها أو قريبة منها، ومن ذلك ما نبئته عن رجل من هؤلاء المحتالين معرفتي به عن كثب أنه باع مزرعة له عشرين بيعة خيار لعشرين رجلاً في آن واحد.
وبعد فإنه لا يبقى عند من كانت الحقيقة أنشودته مجال للارتياب في كون هذا الذي يسمونه بيع خيار ليس بيعاً أصلاً، وإنما هو وسيلة لا يواريها نسيج الباطل عن بصائر أولي البصر إلى ارتكاب المحارم والارتماء في مستنقعات الربا، وأنى للحقائق أن تخفى بما يضفي عليها من نسيج الزور، وقد كتب الله إظهارها وفضح المتعاملين فيها بغير حق، وما أبلغ قول الشاعر:
ثوب الرياء يشف عما تحته
فإذا التحفت به فإنك عار
كل قرض جر نفعاً فهو ربا:
ولئن لم يكن ذلك بيعاً فما هو إلا قرض. وأنتم تدرون أن كل منفعة عاجلة تترتب على القرض فهي محرمة، فقد روى الربيع ـ رحمه الله ـ عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد قال: " بلغني عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه نهى عن الاحتكار، وعن سلف جر منفعة، وعن بيع ما ليس عندك"، وهذه الرواية وإن كانت مرسلة فإن مراسيل جابر ـ رضي الله عنه ـ هي حجة عند أصحابنا لثقته وأمانته وضبطه بحيث تنزه ساحته عن الرواية إلا عن العدول الثقات مع كثرة من لقيهم وروى عنهم من الصحابة ـ رضوان الله تعالى عليهم ـ.
وقد رُوي هذا الحديث من طريق علي ـ كرم الله وجهه ـ بلفظ " كل قرض جر منفعة فه (3/366)
صفحة 1085
ربا" لكن في إسناده مقال، ورواه البيهقي في السنن الكبرى موقوفاً على ابن مسعود وأبي ابن كعب وعبد الله بن سلام وابن عباس ـ رضي الله عنهم ـ وهو مما انعقد الإجماع عليه، فلا يسوغ فيه القول بخلافه، ويعضده ما رواه ابن ماجة عن أنس ـ رضي الله عنه ـ أنه سئل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن الرجل يقرض أخاه المال فيهدي إليه فقال: " إذا أقرض أحدكم قرضاً فأهدي إليه أو حمله على الدابة فلا يركبها ولا يقبله إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك" وما أخرجه البخاري في تاريخه عن أنس أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: " إذا أقرض فلا يأخذ هدية"، ومهما قيل في هذين الحديثين فإن اتفاقهما مع أصول الشريعة يعضد دلالتهما، وإجماع الأمة على حرمة أن يكون القرض وسيلة لمنفعة ينالها المقرض من المقترض هو الفيصل في ذلك.
قال الإمام السالمي ـ رحمه الله ـ في شرح الحديث: والمراد بالسلف هنا القرض، فإن السلف يطلق على معانٍ، منها القرض الذي لا منفعة فيه للمقرض غير الأجر والشكر، وهو عمل من أعمال البر ولا يجوز أخذ النفع العاجل على شيء من أعمال الآخرة"، وقال في جوهر النظام:
وكل قرض جرّ نفعاً فربا
ويهلكنّ من لذاك ركبا (3/367)
صفحة 1086
وفي مغني ابن قدامة وكل قرض شرط فيه أن يزيده فهو حرام بغير خلاف. قال ابن المنذر: أجمعوا على أن السلف إذا اشترط على المستسلف زيادة أو هدية فأسلف على ذلك أن أخذه الزيادة في ذلك ربا، وقد روي عن أبي بن كعب وابن عباس وابن مسعود أنهم نهوا عن قرض جر منفعة، ولأنه عقد إرفاق وقربى فإذا شرط فيه الزيادة أخرجه عن موضوعه، ولا فرق بين الزيادة في القدر أو في الصفة، مثل أن يقرضه مكسرة ليعطيه صحاحاً أو نقداً ليعطيه خيراً منه، وإن شرط أن يعطيه إياه في بلد آخر وكان لحمله مؤنة لم يجز لأنه زيادة، وإن لم يكن لحمله مؤنة جاز، ـ إلى أن قال ـ وإن شرط أن يؤجره داره بأقل من أجرتها أو على يستأجر دار المقرض بأكثر من أجرتها أو على أن يهدي له هدية أو يعمل له عملاً كان أبلغ في التحريم، وإن فعل ذلك من غير شرط قبل الوفاء لم يقبله ولم يجز قبوله إلا أن يكافئه أو يحسبه من دينه، إلا أن يكون شيئاً جرت العادة به قبل القرض، لما روى الأثرم أن رجلاً كان له على سَماَّك عشرون درهماً فجعل يهدي إليه السمك ويقّومه حتى بلغ ثلاثة عشر درهماً فسأل ابن عباس فقال: أعطه سبعة دراهم، وعن ابن سيرين أن عمر أسلف أبي بن كعب عشرة آلاف درهم فأهدى إليه أبي بن كعب مرة ثمرة أرضه فردها عليه ولم يقبلها، فأتاه أبي فقال لقد علم أهل المدينة أني من أطيبهم ثمرة وأنه لا حاجة لنا فبِمَ منعت هديتنا؟ ثم أهدى إليه بعد ذلك فقبل، وعن زر بن حبيش قال: قلت لأبي بن كعب: ((إني أريد أن أسير إلى أرض الجهاد إلى العراق فقال إنك تأتي أرضنا فاش فيها الربا، فإن أقرضت رجلاً قرضاً فأتاك بقرضك ليؤدي إليك قرضك ومعه هدية فاقبض قرضك واردد إليه هديته))، رواهما الأثرم، وروى البخاري عن أبي بردة عن أبي موسى قال: قدمت المدينة فلقيت عبدالله بن سلام- وذكر حديثا فيه- ثم قال لي: (( إنك بأرض فيها الربا فاش، فإذا كان لك على رجل دين فأهدى إليك حمل تبن أو حمل شعير أو حمل قت فلا تأخذه (3/368)
صفحة 1087
فإنه ربا، قال ابن أبي موسى: ولو أقرضه قرضا ثم استعمله عملاً لم يكن ليستعمله على مثله قبل القرض كان قرضاً جر منفعة ولو استضاف غريمه ولم تكن العادة جرت بينهما بذلك حسب له ما أكله)).
ومثله في (الشرح الكبير)، وهو مما تواردت عليه آثار أهل العلم، ولئن كان علماء الأمة سلفهم وخلفهم يتشددون في انتفاع المقرض من المقترض ولو في توافه الأمور كالهدية المتواضعة أو الحمل على المركوب أو الضيافة ويعدون ذلك ربا ولو لم يكن بتشارط بينهما، فكيف بهذا القرض الذي يصور أنه بيع خيار ويترتب عليه إرهاق المقترض بضرائب الربا، وإن لم يسموه باسمه، وادعوا أنه إيجار فإن الله الذي حرم الربا لا تخفى عليه هذه النوايا فهو بها خبير.
خاتمة:
ولئن ساغ لبعض علمائنا فيما تقدم أن يبيحوا بيع الخيار مع تقييده بشروط لصونه من تسرب الربا إليه، فإنه لا يسوغ الآن بعدما وضح الصبح لذي عينين، وتبين لكل الناس كيف استغلت هذه الرخصة للوصول إلى الحرام المحض. أن يقال بإباحته، وإن عجبت فإني أعجب من وجود هذه الرخصة في المذهب عندنا، وإن كانت لبعض علماؤنا دون بعض مع ما عرفوا به من الاحتياط والتشجع على إغلاق الأبواب في وجوه الذين لا يؤمن منهم أن يتذرعوا بالرخص إلى محارم الله حتى أنهم بنوا على قاعدة سد الذرائع أحكاماً في الفقه لم يبنها أي مذهب آخر، كالذي أشرنا إليه فيما يتعلق بالأنكحة، فكيف فاتهم أن يبنوا على هذا الأصل أحكام هذه المسألة؟
هذا ولا ريب أن الذين أن الذين سبقوا إلى إباحة بيع الخيار كانوا أكثر احتياطا من الذين جاؤا من بعدهم، لأنهم قالوا بوقفه، وإن اختلفوا في مغنمه ومغرمه هل يرجعان إلى البائع أن تمضي مدة الخيار أو أنهما وقوفان كالأصل، فمن استحق الأصل بعد مضي مدة الخيار فاز بالمغنم ولزمه المغرم. (3/369)
صفحة 1088
وإنما انفتح باب الربا في معاملات الخيار عندما قيل بثبوت البيع واستحقاق المشتري لريعه، مع عدم انضباط الناس وتقيدهم بما وضعه أصحاب هذا القول من القيود على هذه المعاملة.
هذا ولا استبعد من الذين يغصون بكلمة الحق في هذا الجواب أن يملأوا الدنيا ضجيجاً ـ كعادتهم ـ بأن ما قلته تنقيص من أقدار العلماء الغابرين واجتراء على مقاماتهم وتفنيد لآرائهم، وما عليّ من هذا الضجيج شيء، فالله هو الخبير بنيتي ونواياهم، فإن أولئك العلماء أنفسهم لو عادوا اليوم إلى الدنيا لضاقت صدورهم مما يرونه من أعمال هؤلاء، وانشقت حناجرهم بالإنكار عليهم، ولو علموا أنه سيأتي أقوام لا هم لهم إلا أن يقتنصوا من أقوالهم ما يتذرعون به إلى ارتكاب المحارم لما فاهت أفواهم ولا سطرت أقلامهم شيئاً قط مما يتذرع به هؤلاء إلى هذه العظائم التي ترتكب والحرمات التي تنتهك فإنا لله وإنا إليه راجعون. (3/370)
صفحة 1089
وبعد ما أقبلت ـ في الأمر ـ حجة الحق تتبخر إيضاحاً، وأدبرت شبهة الباطل تتضاءل افتضاحاً، لم يبق في أيدي الذين يتعاملون عن الحقيقة ويؤثرون الوهم عليها، ويستحبون الباطل على الحق والضلال على الهدى ما يتشبثون به إلا المكابرة والعناد. وما لأحد بهؤلاء حيلة فإن الله تعالى يقول: { إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل ومالهم من نصرين } وقال: { فإنها لا تعمى الأبصر ولكن تعمى القلوب التي في الصدور } ، ومع ذلك كله أدعوهم إلى أن يتقوا الله ـ معذرة إلى ربي سبحانه ـ وأن يتفكروا في عاقبة هذه المخادعة لله وللذين آمنوا بترويح هذا الباطل والدفاع عنه، فإنهم ما يخدعون بذلك إلا أنفسهم، ألا وليتق الله كل من رحم نفسه وأشفق عليها من عذاب ربها، وليدع قربان أي شيء من هذه المعاملات ولو بالكتابة أو الشهادة أو الإمضاء أو الحكم بموجب ما يقتضيه هذا التعامل { يأيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزى والد عن ولده ولا مولود هو جازٍ عن والده شيئاً إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحيوة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور }
ألا هل بلغت اللهم فاشهد، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الهبة والهدية
تمهيد:
لقد ميز الله البشر بما جعل فيهم من الخصائص الاجتماعية التي تشد كل إنسان إلى بني جنسه، ويتحلى ذلك واضحاً في التداخل بين المصالح المشتركة للجنس البشري، لذلك كان كل فرد من أفراد هذا الجنس يحس في أعماق نفسه أنه لا غني له عن سائر أفراد بني جنسه، وبما أن الإسلام دين الفطرة، فقد تضمن في تشريعه المتقن الدقيق كل ما يكون من أسباب الألفة والمودة بين الناس، ومن بين هذه الأسباب التهادي، لما للهدية من أثر في استلال الأحقاد وتطهير النفوس من أدران السخائم
الحث على الهدية: - (3/371)
صفحة 1090
لذلك جاءت الروايات عن النبي – صلى الله عليه وسلم – حاضة أمته على التهادي، ومن بيننا ما أخرجه الترمذي من طريق أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم - قال: "تهادوا يذهب عنكم وحر الصدر ولا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة "، والجزء الأخير من الحديث أخرجه الشيخان من طريق أبي هريرة أيضاً.
وجاء في رواية عند البخاري في أدبه، وعند البيهقي وغيرهما من طريق أبي هريرة أيضاً أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: "تهادوا تحابوا"، وهذا يعني أن الهدية تورث المودة بين المتهادين.
الفرق بين الهدية والهبة:
والهدية غالباً تكون للتكريم، وهي في مدلولها تتفق مع الهبة، إلا أنها تكون من الأدنى إلى الأعلى، فقد يهدي الضعيف إلى القوي، والمحكوم إلى الحاكم، والصغير إلى الكبير، وإنما الهبة فتكون من الأعلى إلى الأدنى، كيف والله سبحانه تعالى هو الوهاب، وإُنما سُمي وهاباً لما يهبه عبادة من الآلاء الكثيرة والنعم الواسعة.
تعريف الهدية:
واللغويون قالوا بإن الهدية هي ما ينقل من المنافع من أحد إلى غيره، واصطلح الفقهاء على أنها ما يدفع من غير عوض، ورأى القطب – رحمة الله – أن يكون التعريف مقيداً بأنها ما كان بغير عوض مذكور، لأجل دخول هدية الثواب، وهي الهدية التي يهديها الإنسان المستضعف – غالباً – إلى من هو أقوى منه، تعرضاً لمثوبته عليها، وهديه الثواب حصلت في عهد الرسول – صلى الله عليه وسلم - فقد أُهدي إليه وأثاب على الهدية، كما ثبت ذلك في سنن الترمذي من حديث عائشة – رضي الله عنها -.
أقسام الهدية: (3/372)
صفحة 1091
وبناء على هذا فإن الهدية تنقسم إلى أقسام: منها هدية الثواب: وهي التي يهديها الفقير إلى الغني تعرضا ً لجدواه، وهي مشروعة عند أكثر الفقهاء، لأجل ما يروي عن النبي – صلى الله عليه وسلم – من التعامل بها، إذ عَوّض – عليه أفضل الصلاة والسلام – كثيراً ممن أهدوه على هداياهم بعدما قبلها، وقد جاء من طريق ابن عباس – رضي الله عنهما – أن أعرابياً أهدى إلى النبي –صلى الله عليه وسلم – بعيراً فعوضه عنه ستة أبعره، ولكنه لم يرضه هذا العوض، فأخذ يتشكى ويتسخط، حتى أن النبي – صلى الله عليه وسلم- خطب في الناس أنه لن يقبل هدية إلا من مهاجر أو أنصاري أو قرشي أو ثقفي أو دوسي تجنباً لهذا الإحراج، وروي أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ جاء إليه أحد من الناس فعوض عنها، وقال له: هل رضيت؟ فقال له: لا، فزاده النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقال له: هل رضيت؟ فقال له: لا، فزاده ثالثة ثم قال له: هل رضيت؟ فقال له: نعم فخطب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبيّن أنه رأى أن لا يتقبل هدية إلا من تلكم الجهات.
ورأى الإمام الشافعي بطلان هدية الثواب، لأنها شبيهة بالبيع أو أنها بيع مغلف، ومع ذلك لا يكون قدر الثواب معروفاً، وهذا هو الغرر. والغرر غير جائز في البيوع، بل يبطل به البيع.
ومنها هدية القربة إلى الله تعالى، لا لأجل منفعة دنيوية، وهذه شبيهة بالصدقة.
ومنها ما يكون بين الأقارب من أجل حسن الصلة بينهم، ويدخل في ذلك إهداء الرجل إلى أصهاره من أجل تقوية علاقته بهم وكذلك المرأة. (3/373)
صفحة 1092
وقد تكون الهدية من الخاطب إلى المرأة التي تقدم لخطبتها، من أجل تيسير مراده، وقد تهدي المرأة الرجل تودداً إليه لتنعم بالزواج منه، ومن المعلوم أن مثل هذا التهادي يجب أن يكون قبوله من المرأة أو الرجل مصحوباً بالرغبة في موافقة الآخر على ما في نفسه من الرغبة، أما عندما يقرر أي واحد منهما في نفسه رفض هذا العرض فعليه أن يرد الهدية، اللهم إلا أن يعوض عنها عوضاً هو خير منها.
أركان الهدية:
وللهدية ثلاثة أركان لا تحقق بدونها وهي: المهدي والمهدى إليه، والعين المهداة، ولكل منها أحكامه في الفقه الإسلامي.
المهدي:
أما المهدي فيشترط فيه أن يكون إنساناً بالغاً عاقلاً حراً مالكاً لما يهديه، ويجوز أن تكون الهدية من مال اليتيم عندما يرى الخليفة القائم على مصالحه أن مصلحة ماله تتوقف على الإهداء، وذلك مما يدخل فيما دل عليه قول الله سبحانه: { ويسئلونك عن اليتمى قل إصلاح لهم خير } ، ولئن جاز في مال اليتيم فأحرى أن تجوز في مال غيره من الصغار والذين لا يملكون التصرف في أموالهم، وذلك من قبل الوالد أو الولي أو الوصي أو الخليقة، على أن يكون ذلك مراعاةً لما يترتب على هذا الإهداء من مصلحة متيقنة لهم، تفي بقدر الهدية أو تزيد عليها.
وقد أجاز العلماء قبول هدية الصغير فيما يتسامح فيه الناس عادة، كما أجاز من يرى أن الرقيق يملك قبول هديته مما ملكت يده، وذلك يتضح فيما لو أهدي إلى الرقيق شيء أو وصي له به، أو استحق ملكه بأي وجه من الوجوه المشروعة.
المهدى إليه:
وأما المهدي إليه فيشترط فيه أن يكون صالحاً للتملك، ويدخل فيه الصغير والمجنون، وكل من لا يباح له التصرف في ملكه، كما يدخل الرقيق بناء على جواز تملكه كما تقدم. (3/374)
صفحة 1093
ويجوز الإهداء إلى المؤسسات والمرافق العامة، التي تعود منفعتها على الناس، فإن الإهداء إلى هذه المؤسسات بمثابة الإهداء إلى من يملك، لما لها من الشخصية الاعتبارية، كالمساجد والمعاهد والمدارس والمستشفيات وملاجئ الأيتام ومنازل الأضياف والفقراء والمساكين واليتامى وجميع المؤسسات الخيرية. كما يجوز الإهداء إلى المؤسسات التي لا يملكها أناس بأعيانهم، وإنما هي للعامة، على أن يكون هنالك من يتقبل هذه الهدية ويحرزها نيابةً عن هؤلاء جميعاً، كوالد الطفل وولي أمر اليتيم ومالك الرقيق والخليفة الشرعي والوصي الشرعي ومن حُوَّل إليه تمثيل المؤسسة في معاملاتها.
الهدية:
أما الركن الثالث وهو ما يهدى فسيأتي ـ إن شاء الله ـ الحديث عنه فيما بعد لجل تشعبه.
اشتراط القبول في الهدية:
هذا ويشترط في الهدية بذل مهديها لها وهو مما لا خلاف فيه بين العلماء، وقبول من أهدي إليه _على رأي الأكثرين منهم ـ وهو القول الراجح لاعتضاده بالكثير من الروايات، منها ما رواه البخاري من طريق أبي هريرة مرفوعاً " لو أهدي كراع أو ذراع لقبلت، ولو دعيت إلى كراع أو ذراع لأجبت " وفي رواية الترمذي " لو أهدي إلى كراع لقبلت، ولو دعيت إليه لأجبت "، والكراع هو ما كان دون المرفق، أصله في غير ذوات الأظلاف، وإنما يطلق على ذوات الأخفاف، ولكن استعمل حتى في الشاة، واشتهر ذلك حتى صار من الأمور الشائعة المعروفة. (3/375)
صفحة 1094
وذكر بعض العلماء ـ ومن بينهم الحافظ ابن حجر العسقلاني ـ أن ذكر الكراع والذراع هنا من باب التنبيه على الأدنى وعلى الأعلى، فالذراع أعلى واتلكراع أدنى، إذ كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أحب اللحم إليه لحم الذراع، ورد بأن ذلك كله إنما هو تنبيه على الأدنى، إذ الذراع وحده لا يسد جوع أحد إن لم يكن معه أعلى، فالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما أراد بهذا إلا الحض على قبول الهدية وإن كانت شيئاً قليلاً يسيراً، لما في قبولها من تطييب خاطر المهدي، وما في ردها من الجفاء، وهو من مكارم أخلاقه ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ إذ لم يكن عظم شأنه باعثاً له على احتقار ما يهدى إليه، ويؤكده ما جاء في حديث " لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة"، والمراد به ظلفها أو ما يكون مع ظلفها، وفي رواية الإمام الربيع بن حبيب ـ رحمه الله ـ "لا تحقرن جارة لجارتها ولو كراع شاة محرق". (3/376)
صفحة 1095
وذكر القبول في حديث أبي هريرة دليل على أنها لا تنتقل إلى ملك من أهديت إليه غلا بقبوله لها، ومما يؤكده ما أخرجه أبو داود من طريق أم كلثوم بنت أبي سلمة ـ وهي ربيبة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ أهدى إلى النجاشي حلة و أواقي من مسك، وكان ذلك عندما تزوج- صلوات الله وسلامه عليه- أمها أم مسلمة- رضي الله عنها- فقال: النبي- صلى الله عليه وسلم- لأم مسلمة(( إني أهديت إلى النجاشي حلة وأواقي من مسك ولا أرى النجاشي إلا قد مات ولا أرى هديتي إلا مردودة إلى فإن ردت إلى فهي لك"، فردت إليه ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ كما قال، فأعطى منها كل واحدة من أزواجه أوقية من مسك وأعطى الحلة وبقية الأواقي لأم سلمة ـ رضي الله عنها ـ ودلالته ظاهرة أن الهدية لم تنتقل إلى ملك من أهديت إليه لخروجها عنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ وإلا لما كان للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يقبل رجوعها إليه بعدما خرجت عنه، ومن العلماء من فرق بين أن يسلمها المهدي إلى رسوله أو إلى رسول من أهديت إليه، فإن سلمها إلى رسوله فهي لم تزل على ملكه حتى يتقبلها المهدى إليه، وإن سلمها إلى رسول المهدى إليه فاستلمها منه كان ذلك قبولاً لها نيابةً عمن أرسله، وبناءً على هذا الشرط فإن أهديت لصبي أو من لا يملك أمره فإن قبول والده أو وليه أو الخليفة القائم بأمره يكفي، أما إن لم يكن قبول من أحد هؤلاء فإنها تكون معلقة حتى يبلغ الصبي أو يرتفع المانع من اعتبار قبوله، فإن قبلها بعد ذلك فهي له وإلا فهي لصاحبها وله أن يرجع فيها قبل ذلك، وذلك بخلاف ما لو مات الصبي أو من لا يملك أمره.
اشتراط القبض: (3/377)
صفحة 1096
اشترط كثير من العلماء من أصحابنا ومن غيرهم القبض للهدية من قبل المهدى إليه أو من يقوم مقامه من وكيل أو غيره، ولذلك اشترط هؤلاء في الإهداء إلى الصبيان قبض أوليائهم أو وكلائهم أو الخليفة القائم بأمرهم أو من يقوم بمراعاة مصالح المسلمين من إمام أو محتسب، وفي مقدمة الأولياء الآباء، وهكذا حكم كل من لا يملك أمره كالمجانين أو الغياب، وإنما يقوم وكيل الغائب مقامه سواء كان توكيله من قبله أو من قبل ولي أمر المسلمين، ومن العلماء من لا يشترط القبول رأساً لثبوتها وانتقالها إلى المهدى إليه، ومنهم من اشترطه دون القبض وهو الذي رجحه صاحب النيل وتابعه شارحه قطب الأئمة ـ رحمهما الله ـ، ومن العلماء من فرق بين هدية الوالد وغيره، فاشترط القبض في هديته دون هدية غيره. (3/378)
صفحة 1097
وقد استدل من اشترطه ـ سواء في هدية الوالد إلى أولاده فحسب أو على الإطلاق ـ باسترجاع أبي بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ ما أهداه ابنته أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ وهو عشرون وسقاً من جاد النخل مما ينبته بالمدينة المنورة، ولم تقبض ذلك حتى مرِض مرض موته، فقاله لها: " وددت لو قبضته وإنما هو الآن مال الوارث وإنما هما أخواك وأختاك"، واعتذر إليها بأنه ما من أحد بعده أحب إليه غناه منها، وما من أحد ابغض إليه فقره منها، ولكنها بعدم قبضه فاتها، فكان لكل وارث حقه منه، وهي ـ رضي الله عنه ـ لم تترد التسليم لذلك بل ذكرت بأنه لو كان ما كان لما شرهت نفسها إليه، وأيد ذلك بما روي عن عمر ـ رضي الله عنه ـ أنه حذَّر الآباء الذين ينحلون أولادهم نحلاً ولا يسلمونها لهم، بل يبقى أحدهم قابضاً لنحلته حتى إذا مات الولد قال: هذا مالي ولم أنحله أحداً، وإن حضره هو الموت قال: هذا مال ولدي نحلته إياه، وبيَّن ـ رضي الله عنه ـ أنه ما لم يقبضه المنحول فهو ملك للناحل ويقع فيه الميراث، وروي مثله عن علي ـ كرم الله وجهه ـ وقال بعض أهل العلم بأنه لا يعرف لهؤلاء مخالف من الصحابة، فهو في حكم الإجماع، ويعني به الإجماع السكوتي، وهو وإن كانت حجته ظنية إلا أنه إن لم يعارض بحجة أقوى فلا مانع من الاستدلال به. (3/379)
صفحة 1098
والمستدلون بهذا على التفريق بين ما أهدي للولد وما أهدي إلى غيره راعوا مورد كل ما حكي عن الخليفتين أبي بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ إذ ما قاله أبو بكر إنما كان فيما بينه وبين ابنته، وما روي عن عمر إنما هو في نحل الآباء لأولادهم، أما جمهور الذين اشترطوا القبض فإنهم لم يقصروا هذا الحكم على مورده فحسب، وإنما نظروا إلى نفس اشتراط القبض فجعلوه حكماً مطرداً في كل ما يهدى سواء كان لولد أو لغيره، لأن الغلة واحدة، ولا معنى لتخصيصها بالولد دون غيره، وقولهم هذا من القول بمكان، إذ لا معنى للتشديد فيما بين الوالد والولد وعدم التشديد فيما بين الآخرين، لأن ما بين الوالد وولده من الانسجام والصلة داعٍ للتسامح أكثر مما بينه وبين غيره، على أنهم راعوا ذلك فيما بين الزوجين، فلم يشترط أكثرهم القبض فيما يهديه أحدهم للآخر، وعللوا ذلك بأن ما بينهم من الألفة والمودة والانسجام في شؤون الحياة كاف لجعل ماليهما كالمال الواحد، وهذا الذي ذهب إليه مشترطوا القبض في ثبوت الهدية ما عدا ابن بركة إذ لم ير وجهاً لاستثناء الزوجين.
حكم رجوع المهدي في هديته: (3/380)
صفحة 1099
عندما تنتقل الهدية إلى ملك من أهديت إليه حكماً سواء بمجرد الإهداء عند من يقوله، أو مع القبول عند من يشترطه، أو معه ومع القبض عند من يشترطهما جميعاً فلا يجوز للمهدي رجوعه فيها، لما ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: " مثل من أهدى إلى أحدٍ هدية ثم رجع في هديته كمثل الكلب يرجع في قيئه"، وفي رواية " ليس لنا مثل السوء، مثل الراجع في الهدية كمثل الكلب يقيئ ثم يرجع في قيئه"، وتضافرت بهذا الروايات من طرق شتى يشد بعضها بعضاً، وكلها تدل على سوء المثل فيمن يرجع في هديته، واستدل ابن بركة لهذا بأن الهدية قد انتقلت إلى ملك المهدى إليه وأخذها منه بغير إذنه يعد تعدياً على مال الغير، سواء كان ممن أهداها أو من غيره، والعدوان على مال الغير ظلم ترتب عليه الوعيد الشديد في القرآن والسنة، ومما جاء منه في القرآن قوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم أن الله كان بكم رحيما * ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً فسوف نصليه ناراً وكان ذلك على الله يسيراً } ، ومما جاء منه في السنة، قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ " القليل من أموال الناس يورث النار". (3/381)
صفحة 1100
والقول بحرمة الرجوع في الهدية هو الذي عليه أصحابنا والجمهور، وذهبت الحنفية إلى جواز ذلك ونسب إلى الهادوية، واستدل هؤلاء لما ذهبوا إليه بأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ شبه ذلك بحالة الكلب الذي يأكل حتى يشبع ثم يقيئ ثم يرجع إلى قيئه، والكلب غير مكلف، فمن وقع في ذلك لم يترتب على فعله هذا إثم، وهذا من عجيب الاستدلال، فإن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما ضرب لذلك هذا المثل الذي تتقزز منه النفوس وتنفر منه الطباع إلا لأجل التنفير منه. ولذلك قال " ليس لنا مثل السوء"، ومعناه أن على كل منا أن يحذر انطباق هذا المثل عليه، فإن مثل السوء لا يكون للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا لأتباعه، وإنما لمن انحرف عن الجادة وضل عن سواء السبيل، وناهيك ذلك حجة واضحة على حرمة ما ضرب له المثل، ومن رضي لنفسه ذلك فعلى من حوله نصحه وإرشاده وتبصيره بسوء هذا المثل الذي ينطبق عليه، فإن أصر وأبى إلا أن يتبع هواه فإنه ينبغي أن تعاد إليه هديته إذ لا خير في هدية أمثاله.
هذا ومما يؤيد الجمهور فيما ذهبوا إليه أن الهدية من أقوى أسباب التراحم والتلاحم بين الأقربين والأصدقاء، وما الرجوع فيها إلا مهيج للسخائم ومؤجج للأحقاد، وذلك ما لا جواز له في شرع الله تعالى، فإن جميع ما شرع في الإسلام مما يكون في العلاقات بين الناس مطفئ لنار الفتن وقاطع لدابر الشقاق والخلاف.
وأجاز أهل العلم الرجوع في هدية الثواب إن لم يعوض لأنها كانت من أجل العوض فإنه شح به المهدى إليه كان للمهدي أن يرجع فيها، بل من العلماء من ذهب إلى أنها حكمها حكم البيع بحيث ترد بظهور العيب فيها، وتجوز التولية والإقالة فيها، بل قيل إن الشفعة تترتب عليها بخلاف ما ابتغى به وجه الله فإنه في حكم الصدقة، وقد جاء في الحديث تشبيه المتصدق الذي يرجع في صدقته بالكلب أيضاً. (3/382)
صفحة 1101
هذا وبما أن الولد وماله لأبيه ـ كما جاء في الحديث ـ فإن إهداء الوالد لولده لا يعد خروجاً لما أهداه عن ملكه، فلذلك أجيز استرداد الوالد له، وهذا مما جاء استثناؤه في الحديث، ففي السنن عنه ـ صلاة الله وسلامه عليه ـ " لا يعود أحد في هديته إلا ما أهداه والد لولده"، وهذا الذي عليه أكثر أهل العلم، وذهب أحمد وأبو ثور إلى عدم استثناء ذلك، وبناء على قولهما فإن الوالد كغيره في هذا الحكم، إلا أن النص على هذا الاستثناء في الحديث مع ما جاء في الروايات الأخرى من أن للوالد أن ينتفع بمال ولده كماله يدل على أن رأي الجمهور أرجح، وعلى رأي الأكثرين فإن للأم في ذلك ما للأب لانطباق وصف الوالدية عليها، بل حقها على ولدها أعظم من حق أبيه، ومن العلماء من ألحق بهما في ذلك الجد والجدة من قبل الأب أو من قبل الأم، لأن وصف الوالد ينطبق عليهم جميعاً.
العدل بين الأولاد في العطية: (3/383)
صفحة 1102
مع ما أوتي الوالد من سلطة في مال الولد إلا أنه شدد عليه في نحلته لأولاده فمنع أن يؤثر أحداً منهم على غيره، وفرضت عليه العدالة فيما بينهم جميعاً، لما في محاباة بعضهم وتخصيصه بالعطية أو إعطائه أكثر مما أعطى غيره من إيغار لصدورهم وإيقاد لنار الحسد والبغضاء في نفوس المحرومين منهم، فإن جميع أولاده هم بحاجة إلى حنانه وبره، وجميع الأحكام الشرعية تدور حول المصلحة وتقتضي أن تكون الصلات بين الناس ـ لاسيما الأقارب ـ قائمة على الود والتفاهم والوئام والانسجام، وإن من أبرز سماتها سد ذرائع الفساد وقطع دابر الشقاق والخلاف، وهذا ما دل عليه حديث النعمان بن بشير أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: " اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم"، وجاء من طريقة ـ أيضاً ـ أن والده بشير بن سعد نحله نحلة بطلب من امرأته عمرة بنت رواحة ـ وهي أم النعمان ـ وقالت له: أشهِد عليها رسول الله ـ وقال له: يا رسول الله إني نحلت ابن غلاماً ـ وفي رواية نحلت ابني هذا نحلة من مالي ـ وأشهدك على ذلك، فقال له النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: " أكل ولدك نحلت مثله قال له: لا، قال له: فارجعه"، وفي بعض الروايات " لا تشهدنا إلا على حق"، وفي بعضها " هذا جور"، وفي أخرى " لا تشهدني على جور" وفي غيرها " أشهد على هذا غيري" إلى غير ذلك من الألفاظ المروية، وهي جميعاً تدل على عدم إقرار هذا الأمر، وهذه الروايات بعضها في مسند الإمام الربيع بن حبيب، ومنها ما هو في الصحيحين، وبعضها عند أصحاب السنن وغيرهم. (3/384)
صفحة 1103
من أجل هذا قال أصحابنا وطائفة من أهل العلم ـ منهم طاوس وأحمد وإسحاق ـ بأنه يتحتم العدل بين الأولاد. وذهب جمهور أهل العلم من المذاهب الأخرى إلى أن العدالة مستحبة وليست واجبة، وهو بعيد من الصواب لمخالفته هذه الأدلة الصريحة بوجوب العدالة، كيف وقد أمر بها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في قوله: " اعدلوا بين أبنائكم" مكرراً ذلك ثلاثاً لأجل تأكيده، وأمره ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أمر الله تعالى لوجوب طاعته وحرمة معصيته، فيحمل على الوجوب ما لم تصرفه قرينة، وليست هنا قرينة صارفة له إلى غير الوجوب، بل القرائن بأسرها متضافرة دلالاتها على تأكيد الوجوب، وكفى بالتكرار حجة على ذلك، فإنه لا يقصد به إلا التأكيد؛ بجانب كون النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ امتنع من الشهادة على ذلك، وسماه جوراً، ومفهوم ذلك أن هذا ليس بحق، وقال: " لا تشهدنا إلا على حق"، ومفهوم ذلك أن هذا ليس بحق، ونقيض الحق هو الباطل، فماذا بعد الحق إلا الضلال، والباطل مردود على فاعله.
الرد على أجوبة الجمهور على حديث النعمان بن بشير:
وقد حاول الجمهور التخلص من هذا الذي يدل عليه الحديث من المنع بالعديد من الأجوبة التي لا تفيد شيئاً، وقد أورد كل من الحافظ ابن حجر والشوكاني عشرة أجوبة لهم، حاولوا بها صرف حديث النعمان بن بشير عما يدل عليه من المنع.
منها: أنه أتاه أبوه جميع ماله فلذلك امتنع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الشهادة على هذه العطية وشدد في ذلك، وهو مردود بأنه جاء في بعض الروايات أنه نحله غلاماً، ولم يكن الغلام كل ما يملكه، وفي بعضها أنه قال: نحلت ابني هذا نحلة من ما ليس وهو نص على أنه أعطاه شيئاً من ماله ولم يعطه جميع المال، على أنه لم تأت رواية قط تدل ولو من بعيد على أنه نحله جميع ماله. (3/385)
صفحة 1104
ومنها: أن للإنسان أن يعطي غير أولاده جميع ماله، ولئن جاز ذلك في غير ولده فلم لا يجوز في ولده، على أنه لا يعطيه جميع المال وإنما بعضه، وهو مردود بكونه قياساً في مقابل النص، ولا يسوغ القياس مع النص- كما أفاد ذلك الحافظ ابن حجر-، على أن هناك فارقاً بيناً بين عطيته للأولاد وعطيته لغيرهم، إذ لا يخشى من عطيته من لغير الأولاد أن يثير عداوة وبغضاء بين الذين أعطوا وبين غيرهم، أما الأولاد فبخلاف ذلك- كما سبق- فإن إيثار بعضهم على بعض لا يترتب عليه إلا ثوران الغيرة في نفوس المحرومين فإن قيل: إن عطيته لغيرهم-أيضاً- قد تسبب لهم الاستياء والكراهية، لأنهم يحسبون أن أباهم آثر غيرهم بما يملك، والجواب أن ذلك وإن كان مما يتوقع إلا أن أثره أقل ضرراً من أثر ما يكون من الكراهية والقطعية بين الإخوة، فإن غيرتهم من الأجنبي ليست كغيرة بعضهم من بعض، صلة التي تجب أن تكون بينهم أنفسهم أبلغ مما يجب أن يكون بينهم وبين غيرهم. ومنها: أن من القرائن التي تصرف هذا الأمر من الوجوب إلى الندب صنيع أبي بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ فقد نحل أبو بكر ـ رضي الله عنه عائشة ـ رضوان الله عليها ـ نحلها. ونحل عمر ـ رضي الله عنه ـ ابنه عاصماً، وأجيب: بأن صنيع أبي بكر كان بموافقة سائر أولاده وطيب نفوسهم، كما نص على ذلك عروة، وهو يقول إلا عن دراية فإنه ابن أخت عائشة، وعلى هذا يحمل صنيع الفاروق ـ رضي الله عنه ـ ومن المعلوم أنه يجب ما ينسب إلى الخليفتين الراشدين ـ رضوان الله عليهما ـ على موافقة السنة لا على مخالفتها، على أنه لو ثبت خلاف ذلك فإن الحجة فيما قاله رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا فيما ذهب إليه غيره. (3/386)
صفحة 1105
ومنها: أن النبي ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ ذكر لبشير ما يدل على أن هذا من باب الإرشاد لا من باب الإلزام، إذ قال له: "ألا تريد أن يكونوا في برك سواء؟ "، قال له: نعم، قال له: "فرجعه إذن"، وهو مردود بأن هذه الرواية لا تقوى دلالتها على رد ما دلت عليه الروايات الأخرى من كون ذلك جوزاً وليس حقاً، إذ لا مسوغ على حمل ذلك على الإرشاد، مع كون الروايات الأخرى صريحة في دلالتها على خلاف ذلك، وإنما غاية ما تدل عليه هذه الرواية هو بيان الحكمة من هذا التوجيه النبوي الشريف، فإن الأب مطالب بتربية أولاده جميعاً على ما يحفزهم على بره والإحسان إليه، وهذا مطلب فطري تتطلع إليه نفس كل والد فضلاً عن كونه مطلباً شرعياً.
ومنها: أن هذه العطية لم تكن عطية منجزة، لأنها كانت بدون قبض، وأجيب بأن القبض حاصل، لأن العطية كانت ماضية من قبل، فإنه قال: "نحلت" وهو يدل على أن العطية قد أمضاها، وإنما جاء إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لطلب الشهادة منه على ذلك للاستيثاق بشهادته ـ عليه أفضل الصلاة والسلام.
ومنها: أن هذه العطية كانت ماضية ولكنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أراد إرشاده إلى الأولى، ويدل على أنها نافذة شرعاً أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمره بارتجاعها، ولا يكون الارتجاع إلا للذي نفذ، وهو مردود لأن أمره بالارتجاع ما كان إلا بسبب عدم موافقة العطية للأمر الشرعي. (3/387)
صفحة 1106
ومنها: أن امتناعه ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن الشهادة ما كان إلا لأنه هو الحكم بين الناس، و لا ينبغي لمثله أن يشهد، وإنما يسمع الشهادة من غيره؛ فلذلك أرشد بشيراً إلى أن يشهد غيره كما هو واضح في قوله: " أشهد غيري"، وما كان ليأمره بإشهاد غيره لولا أن ذلك جائز، وهو مردود بأنه قوله: " أشهد غيري" غير خارج مخرج الإرشاد والتوجيه، ولكنه وارد مورد التهديد والتغليظ، استنكاراً لفعله، وكيف يحمل هذا المحمل والروايات الأخرى تدل على أنه بعيد عن قصده ـ عليه الصلاة والسلام ـ كقوله: " لا تشهدنا إلا على حق"، وقوله: " لا تشهدني على جور"، وقوله: " هذا جور"، وهي دالة على أنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ لا يمتنع عن الشهادة إن استشهد على حق ولو كان هو الحكم بين الناس.
فهذه صور من الاعتراضات الموجهة إلى الاستدلال بالحديث على المنع، وهناك اعتراضات أخرى وهي كلها ساقطة متهالكة إذ لا يعدو أي منها أن يكون فراراً من الواضح إلى المشكل.
حكم ما لو اختص الوالد بعض أولاده بالعطية:
هذا وإذا ثبت عدم جواز اختصاص الوالد بعض أولاده دون بعض بالعطاء أو إيثار بعضهم على بعض فيه، فكيف لو فعل؟ هل يقر فعله مع تحميله وزر ما فعل؟ أو يرد لمخالفته الحق؟ . وذهب أكثر القائلين بالمنع إلى أن فعله ـ وإن كان محجوراً يبوء بوزره ـ لا يرد في الحكم وهو المروي عن أحمد، وذكر الإمام السالمي ـ رحمه الله ـ أنه ظاهر المذهب. (3/388)
صفحة 1107
ولئن كانت الأقوال ـ وإن جلت منزلة قائلها ـ لا تعدو أن تكون دعاوى أعوزتها البينات مالم تساندها الأدلة، فإني لا أرى لهذا القول وجهاً لقيام الأدلة على خلافه، فليت شعري كيف يقر غير الحق مع دلالة صريح الحديث أنه جور، وماذا بعد الحق إلا الضلال، وأدلة الكتاب والسنة شاهدة على أن كل ما خالف الحق فهو منقوض من أساسه ومردود على من جاء به، كيف وقد قال تعالى: { بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق } ، وقال: { إن الباطل كان زهوقا } ، وقال: { ليحق الحق ويبطل الباطل } ، وفي الحديث الصحيح عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"، وفي حديث آخر: " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"، فكيف يسوغ مع ذلك أن يقرّ في الحكم الشرعي أمر جاء مخالفاً لحكم الشرع الثابت بصريح السنة النبوية ـ على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ـ مع أن الله تعالى قد أمر بطاعته ـ صلى الله عليه وسلم ـ وحذّر عن معصيته حيث قال: { قل اطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم } ، وقال تعالى: { لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } ، وبين تعالى أن طاعة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من طاعته عز وجل حيث قال: { من يطع الرسول فقد أطاع الله } ، وأمر مع التنازع أنيحتكم إليه وإلى رسوله حيث قال: { إن تنزعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر } .
ولله در العلامة أبي محمد بن بركة- ما أصوب رأيه وأعمق نظره- حيث قال: بأن من فعل هذا فقد خالف الحق الذي جاء به شرع الله ومن خالف الحق رد إليه كارهاً. (3/389)
صفحة 1108
ولئن كانت المقاصد الشرعية تراعى في ترجيح الأقوال فإن مقصد الشارع من هذا واضح وهو إقرار العدالة بين الولاد ورفع الحيف في التعامل معهم لإبقاء العلاقات بينهم قائمة على الود والوئام، فلا مجال عن العدول عما يقتضيه هذا المقصد.
هذا وقد أرجانا فيما تقدم بيان الركن الثالث من أركان الهدية وهو العين المهداة ونختتم- إن شاء الله- حديثنا هذا ببيان ذلك.
العين المهداة:
قد اتضح مما سبق في بيان حكم الركن الأول أن المهدي لا بُدَّ من أن يكون مالكاً لما يهديه متمكنا شرعا من التصرف فيه، وبهذا يتضح أن ما يهدى يشترط فيه أن يكون مملوكا لمن أهدى.
وتتنوع الهدية إلى نوعين، لأنها إما أن تكون تمليكا للرقبة، وإما أن تكون تمليكا للمنفعة، فإن كانت تمليكا للرقبة، فإن العين المهداة تنتقل ملكيتها بجميع منافعها إلى من أهديت إليه، فلا تمنع يده أن يتصرف فيها أي تصرف مباح شرعا لمن ملكها، وإن كانت تمليكا للمنفعة فإن ملكية عينها تبقى لصاحبها الأول وهو مهديها، وإنما يملك من أهديت إليه منفعتها تلك المنفعة وحدها، وهذا يتصور في كثير من الأشياء، منها المنيحة وهي الشاة اللبون، تمنح أحدا لينتفع بلبنها إلى أمد، وذلك مما يعد من القربات، كما في مسند الإمام الربيع بن حبيب- رحمه الله- عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: " خير الصدقة المنيحة الصفي تروح بإناء وتغدو بآخر"، ومن المعلوم أن رقبة الشاة لا تنتقل ملكيتها بذلك إلى من أهديت إليه، فليس له بيعها ولا ذبحها ولا إهداؤها لغيره، وإنما ينتفع بما تدره من اللبن، وذلك هو ملك المنفعة، ومثل ذلك ما لو أعطى أحد غيره دابة ليركب على ظهرها أو يحمل عليها متاعه أو يستخدمها في الحرث أو السقي أو نحو ذلك، ومثل ذلك حكم السيارة وسائر المركبات والآلات، فإن العين في هذه الأحوال كلها تبقى ملكا لصاحبها، ولا يملك المعطى إلا المنفعة التي أبيحت له.
العمرى والرقبى: (3/390)
صفحة 1109
ومثل ذلك العمرى والرقبى، والعمرى هي أن يعمر أحد غيره عقارا كبيت يسكنه أو أرض يحرثها أو حديقة يستغلها، بحيث يقول له: أعمرتك أو عمرتك هذا المال مدة حياتك فإن مت رجع ذلك إلى، وقد وقع خلاف أهل العلم في حكمها، فمنهم من قال بأنها لا تسترد من قبل صاحبها، وهؤلاء استدلوا بحديث جابر بن عبدالله- رضي الله عنه- عند مسلم أن الأنصار- رضي الله عنهم- كانوا يعمرون إخوانهم المهاجرين- رضي الله عنهم- أموالهم فقال: لهم النبي- صلى الله عليه وسلم- " أمسكوا عليكم أموالكم فإن من أعمر أحدا عمرى فهي للمعمر ولعقبه أبدا"، والحديث يفيد أن العمرى تنتقل إلى ورثة من أعمرها كسائر تركته، ولكن هذا الإطلاق فيه قيد في حديث آخر، فعنه- صلى الله عليه وسلم- " من عمر- وفي رواية من أعمر- عمرى له ولعقبه فهي للذي أعمرها أبدا" وهو يفيد أن حكم العمرى بأنها للمعمر ولعقبه إنما هو مشروط بأن تكون مقرونة بالتعقيب، وذلك بأن يقول المعمر للمعمر: أعمرتك لك ولعقبك، وقد قال بهذا طائفة من أهل العلم وهو أرجح لوجوب حمل المطلق على المقيد، وذهب من ذهب من أهل العلم إلى أن العمرى ترجع مع التعقيب وعدمه إلى المعمر وهو المالك الأول، وهذا القول هو من الضعف بمكان لمخالفته الأدلة الشرعية وهي نصوص الحديث التي ذكرناها، ولئن كانت الهدية مشروطة بالقبول- كما سبق- فإن العمرى لا تكون نافذة إلا إذا قبلها المعمر.
وأما الرقبى فكالعمرى وإنما تختلف صيغة الإهداء فيها، وذلك أن المهدي يقول للمهدى له: قد أعمرتك كذا على أني إن مت قبلك فهو لك، وإن مت قبلي فهو لي، وذلك أن كلا منهما يكون مراقبا لموت الآخر.
هذا ومسائل الهبة والهدية أوسع مما ذكرنا، وإنما أوردت في هذا المقام ما سنح للذاكرة واتسع له الوقت، والله ولي التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
بيع العينة: (3/391)
صفحة 1110
الحمد لله ذي الجلال والإكرام، الذي شرع لعباده الحلال والحرام، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حيَّ عن بينة، وجعل فيما أباحه البيع، لضرورة الناس إليه، وفيما حرمَّه الربا، لترتب الكثير من المفاسد عليه. أحمده تعالى بما هو له أهلٌ من الحمد وأثني عليه، وأستغفره من جميع الذنوب وأتوب إليه، وأؤمن به وأتوكل عليه، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداًَ عبده ورسوله، أرسله إلى خلقه هادياً وبشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فبلَّغ رسالة ربه، وأدى أمانته، ونصح هذه الأمة، وكشف الله به عنها الغمة، صلى الله وسلم تسليماً عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، فبتحيتة الإسلام الخالدة التالدة أحييِّكم أيها الإخوة الكرام:
فالسلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته. (3/392)
صفحة 1111
إن الله سبحانه وتعالى لم يخلق عباده هملاً، ولم يتركهم سدى، بل خلقهم ليتحملوا أمانة، وهم مجزيون بأعمالهم، ومحاسبون عليها، وقد أقام عليهم الحجة بما أرسل إليهم من رسله، وأنزل عليهم من كتبه، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حيَّ عن بينة، وقد بيّن لهم ما أحله لهم وما حرمه عليهم، ولم يجعل لأحدٍ منهم أن يقدم بمجرد هواه على تحليل ما يريد تحليله، وتحريم ما يريد تحريمه، فإن أمر التحليل والتحريم إلى الله تبارك وتعالى. وقد قال عزَّ من قائل: { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون } ، فالحلال ما أحله الله سبحانه وتعالى، ولو راق للناس تحريمه، والحرامُ ما حرَّمه عليهم ولو أنهم اختاروا لأنفسهم تحليله: { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضللاً مبينا } ، وقد أنزل الله سبحانه وتعالى كتابه على عبده ورسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فيه تبيان كل شيء، ولكن في تضاعيف آياته وأحكامه مبهمات، هذه المبهمات فصَّلتها سنة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد بيّن الله سبحانه وتعالى لنا في كتابه أن من مهام الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ التي اضطلع بأمانتها تبيين مجملات هذا الكتاب، فهو تعالى يقول: { وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم } ، وجاءت سنته ـ صلى الله عليه وسلم ـ مفصلة لمجملات القرآن الكريم، ومُخصصة لكثير من عموماته، ومُقيدة لكثير من مطلقاته، وبما أن هذه السنة هي من وحي الله تعالى، لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا ينطق عن الهوى: { وما ينطق عن الهوى * إن هو وحي يوحى } ، ليس لأحد الاختيار في القبول والرفض فيما جاء عنه ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ بل يلزم التسليم التام لذلك؛ وذلك هو عنوان الإيمان يقول الله سبحانه وتعالى: { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك (3/393)
صفحة 1112
فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما } ، فما كان لأحد يؤمن بالله وبرسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يعترض على شيء من أمر الرسول ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ كما أنه لم يكن له أن يعترض على شيء من أمر الله سبحانه وتعالى، فالتسليم التام هو شأن المؤمن الذي رضي بالله رباً، وبمحمدٍ ـ صلى الله عليه وسلم ـ رسولاً، وبالقرآن الكريم هادياً ودليلاً، وسوف يكون حديثنا هنا منصباً حول بعض البيوع الممنوعة في الإسلام، وهو موضوع جديرٌ بالاهتمام. فكم هي البيوع المحرمة في الإسلام التي يتعامل بها الناس الآن إما لجهلهم بأحكام الله وبأحكام رسوله ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ وإما لجشعهم المالي، بحيث استولى هذا الجشع على نفوسهم، حتى لم يبق للإيمان أثرٌ فعلي في هذه النفوس، فانقادوا للشهوات المالية انقياداً. (3/394)
صفحة 1113
إن الله سبحانه وتعالى بين للناس ما يأتون وما يذرون، ولذلك شاع في الناس الكثير من الأحكام الشرعية، فتبين لهم الحلال والحرام، ولكن بقيت هناك شبهات متعددة، وقد جاء في الحديث الذي أخرجه الشيخان عن النعمان بن بشير عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: " الحلال بيّن والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعرفهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعِرضه، ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمِى، يوشك أن يقع فيه، ألا وإن لكل ملك حِمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد لمضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب". فالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يبين هنا أن الحلال بيّن والحرام بيّن، ولكن هنالك مساحة ما بين الأمرين، وهي مساحة الشبهات التي يجهلها الكثير من الناس، فهذه الشبهات يجب أن تُتَّقى، لأن من وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام، ومثله كمثل الذي يرعى حول الحمى، فإنه قد يندفع إلى أن يدوس ذلك الحمى، ويتجاوز ذلك الحجر، ولكل ملك حمى، وحمى الله تبارك وتعالى محارمه. ثم إن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أتبع ذلك بيان المضغة التي في الجسد يترتب عليها صلاح الجسد وفساده؛ فإن صلحت صلح الجسد كله، وإن فسدت فسد الجسد كله، وهي القلب، ذلك لأن للوقوف عند حدود الله تبارك وتعالى بالاقتصار على ما أحلَّ دون ما حرم تأثيراً في إصلاح القلب، وكذلك لتعدي حدود الله وانتهاك محارم الله سبحانه وتعالى تأثيراً في إفساد القلب، فالقلب يتأثر بالمعصية تأثراً بالغاً، فكيف للإنسان الذي يعيش في الحرام، يأكل الحرام ويشرب الحرام، ويلبس الحرام، وقد جاء في الحديث عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذٍكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يرفع يديه إلى السماء يا رب يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام وغُذِّي بالحرام فأنى يستجاب لذلك، وجاء في حديث أبي هريرة ـ رضي الله (3/395)
صفحة 1114
تعالى عنه ـ الذي أخرجه أحمد وأصحاب السنن وابن جرير الطبري ما يدل على تأثر القلب بأية معصية يرتكبها الإنسان، عندما يُسْلِسُ لها القياد ولا يقاومها حتى يتخلص من آثارها، وفيه أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "إن العبد إذا أذنب الذنب نُكتت في قلبه نُكتةٌ سوداء، فإن هو تاب ونزع واستغفر صقل، وإن هو عاد عادت حتى تملأ قلبه، فذلك الرَّان الذي ذكر الله في قوله: { كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون } ؛ وهكذا شأن معصية الله تعالى ـ والعياذ بالله ـ وهذا يدعوا الإنسان إلى أن يتحرى الحلال، وأن يحرِصَ عليه، وأن يقتنع به، وان يكف عن الحرام وعن الشبهات، حرصاً على إصلاح قلبه الذي هو سلطان جوارحه، تنقاد له الجوارح، وتتبعه في فساده وصلاحه، وقد أحل الله تبارك وتعالى من فضله لعباده البيع، وحِلِّية البيع أمرٌ ضروريٌ تتوقف عليه مصالح العباد جميعاً، وهو أمرٌ تُعورف عليه في الأوضاع البشرية جميعاً؛ ذلك لأن الناس محتاجون إلى الانتفاع بالمطعم والمشرب والملبس والمسكن وغير ذلك مما تتوقف عليه منافعهم، ولم تكن هذه الأمور ميسرة لكل أحد يستقل بتيسيرها لنفسه بنفسه، وإنما يحتاج الإنسان إلى ما في يد غيره، والنفوس جُبلت على الشر، فلو لم يشرع لهم البيع، ولو لم يتعارفوا على البيع، لكانت مشكلةٌ كبيرة، لأنه إما يبقى الإنسان محروماً مما يحتاج إليه ويفتقر من المنافع التي جعلها الله تبارك وتعالى في أيدي غيره من الناس، وإما أن يتناولها بالعدوان، وذلك مما يؤدي إلى التدافع، وتكون عندئذٍ الفتن، وتحصل الكوارث التي تأتي على الطارف والتليد، وتهلك الحرث والنسل، والله لا يحب الفساد. فلذلك شرع الله وسبحانه وتعالى أحكام البيع، وجعل البيع مما تميل إليه نفوس العباد من أجل قضاء المصالح وتبادل المنافع، ويسَّره لهم تيسيرا، ولكن بجانب ذلك فإن الله تبارك و تعالى لم يكل أمر البيع إلى أهواء العباد، وإلا لتصرفوا تصرفاً يؤدي إلى (3/396)
صفحة 1115
الضرر فيما بينهم، وإنما ضبط الله سبحانه وتعالى في أحكامه التي أنزلها في كتابه وبينها رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ البيع بضوابط أخلاقية، هذه الضوابط كلها تنم عن الرحمة، وتدعوا إلى البر والإحسان بين الناس، وتحدُ من جشع النفوس وحرصها على المال، فالبيع في الإسلام مظبوطٌ بهذه الضوابط، ولذلك نُهي عن كل بيع يترتب عليه فساد، لأن الله تبارك وتعالى جعل الإسلام للعباد { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } .
ونحن عندما نرجع إلى الأوضاع البشرية القديمة والحديثة، والأنظمة التي تتعلق بهذا الأمر المهم الحيوي في حياتهم، نجد أن ما جاء به العباد ظلمٌ في ظلم، فالعباد لم يشرعوا لأنفسهم القانون الأخلاقي في معاملاتهم فيما بينهم، بل نجد الاستغلال البالغ والوحشية التي تتجاوز الحدود، وهذا مما هو معروفٌ في جميع الحضارات التي تعاقبت على المحيط الإنساني منذ عهود قديمة، فجميع الأمم الموصوفة بالحضارات منذ أقدم العصور، كانت معروفة بالمعاملات الربوية، وعدم التورع عن الربا، واستغلال حاجة المحتاج. وكذلك عندما ننظر إلى الأوضاع المالية البشرية في العصر الحاضر فإننا نجد أن الأنظمة البشرية لم تأت بخير، فهي تستغل حاجة الإنسان استغلالاً دنيئاً خطيراً، فها هي هذه الأمم المتحضرة الآن التي تنادي باسم الحضارة الإنسانية وبحقوق الإنسان وترفع عقيرتها لتزعم بأنها راعية لهذه الحقوق نجدها منغمسة انغماساً غريباً في هذا الأمر، والمسلمون مع الأسف الشديد بسبب عدم استقلالهم في المناهج الاقتصادية هم تبعٌ لغيرهم، متأثرون بهذه المناهج تأثراً أتى على كل دقيقةٍ وجليلةٍ من معاملاتهم، فهم مناسقون وراء غيرهم انسياقاً، وقد اعتبروا المعاملات الربوية مظهراً من مظاهر الحضارة. حتى أن الذي ينادي بحرمة الربا ومنعه وأنه حربٌ بين العباد وبين ربهم سبحانه وتعالى يعدونه متخلفاً، وأنه ينزع منزعاً رجعياً في فكره، وعندما ننظر إلى الوضع في المجتمع الشيوعي (3/397)
صفحة 1116
نجد أن الشيوعية في مجتمعاتها حرمت الربا، ولكن بجانب ذلك لم تمتنع عن التعامل بالربا فيما بين دولها وما بين سائر الدول، بل هي تتعامل بالربا كما تتعامل المؤسسات الرأسمالية من غير فرق، وليس تحريم الربا في المجتمعات الشيوعية رفقاً بالعباد أو رحمةً بهم؛ ولكن لأن الأنظمة الشيوعية أتت على كل ما كان للناس من أموال وحقوق، فالدولة هي مالكةٌ للجميع، وليس البشر الواقعون تحت سلطاتها إلا كالدمى التي تتحرك بضغطٍ على الأزرار، فهي لم تأت بخير، ولكننا عندما ننظر إلى الإسلام دين الله سبحانه وتعالى الحق، وإلى منهجه الاقتصادي، وإلى حكمه في التعامل، نجد الرحمة والأخلاق، ونجد التربية للضمير الإنساني، هذه التربية التي لم يعرفها مجتمعٌ من المجتمعات، ولا فلسفة من الفلسفات، ولا نظامٌ من الأنظمة. هذه التربية للضمير الإنساني من خلال بعث الناس على التعاون فيما بينهم، تعاوناً يفيض بالرحمة وينضح بالإحسان ويتدفق بالمعروف. (3/398)
صفحة 1117
إن الله سبحانه وتعالى شدَّد في أمر الربا تشديداً بالغاً، فقد قال عز من قائل: { ... الذين يأكلون الربوا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطن من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربوا وأحل الله البيع وحرم الربوا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } ، ويقول سبحانه وتعالى: { يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا إن كنتم مؤمنين * فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون * وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون } ، والله تبارك وتعالى يبين في كتابه كيف يتدرج التعامل بالربا في أكل أموال الناس حتى تبقى أكفهم صفراً مما كانوا يملكون، فالله تعالى يقول: { لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة ... } ، فالربا مع مرور الزمن يؤدي إلى أن يكون أضعافاً مضاعفة، ذلك كله مما يدل على الرحمة العظمى التي جاء بها هذا الدين الحنيف، وأن العمل به فيه السلامة والسعادة، وفيه الرحمة والبر والإحسان، وعندما يهجر الناس العمل بهذا الدين تكون الكارثة الكبرى. وأحاديث الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ تضافرت بما يدل على التشديد في أمر الربا؛ فإن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: " اجتنبوا السبع الموبقات"، وذكر من بينها أكل الربا، فجعل أكل الربا من الموبقات أي المهلكات، ويقول: ـ صلى الله عليه وسلم ـ " لعن الله الربا وآكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه"، وقال: " هم سواء"، واللعن هو الطرد من رحمة الله تعالى ولا يكون الطرد من رحمة الله إلا بسبب مقارفةٍ كبيرة من الكبائر، فإن اللعن لا يكون إلا على كبيرة، فإذا ترتب على أي معصية من المعاصي لعن دل على أن تلك المعصية من كبائر الذنوب، وقد جاءت أحاديث كثيرة عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مشددة في أمر الربا، وإن طُعن في أسانيدها (3/399)
صفحة 1118
إلا أنها صالحة للاستشهاد بها والاعتضاد بها في التنفير من الربا، من ذلك الحديث الذي رواه الحاكم وصححه عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: " الربا ثلاثة وسبعون باباً، أيسرها في الإثم مثل أن ينكح الرجل أمه"، والحديث رُوي بمعناه من طريق أبي هريرة عند ابن جرير الطبري " في الربا اثنان وسبعون بابً"، وجاء من رواية البراء ـ رضي الله عنه ـ " الربا سبعون باباً"، وذكر هذه الأبواب لا يدل على الحصر، وإنما يدل على أن أبوابه كثيرة ووجوهه مختلفة، وشعبه متعددة، فعلى الإنسان أن يتقي الحَومَ حول الربا.
نحن لا نريد هنا أن نتناول موضوعات الربا التي هي معلومةٌ للعباد، ولكننا نريد أن نبين بعض الأشياء التي يتذرع بها الناس إلى أكل الربا، فإنها من الخطورة بمكان، وهي محاربةٌ بين هؤلاء الذين يأكلون الربا بهذه الأساليب الملتوية والطرق المتخفية، وبين ربهم سبحانه وتعالى، بل هم في قرارة نفوسهم يظنون أنهم بلغوا مآربهم ووصلوا إلى الأمن من العقاب بسبب هذه الطرق المتخفية التي يسلكونها ولا يدرون أن الله تبارك وتعالى يعلم السر وأخفى، وأنه عز وجل يحاسب الناس على ما في طوايا ضمائرهم، فهو العليم بذلك، ففي الحديث الذي أخرجه الإمام الربيع ـ رحمه الله ـ في مسنده الصحيح عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـقال: " إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى"، وأخرج الحديث الشيخان وغيرهما من طريق عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ بلفظ: " إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه". (3/400)
صفحة 1119
ومن المعلوم أن الفقهاء عندما يترخصون في بعض الأمور، إنما يتحدثون عن الظاهر الذي يتجلى لهم، ولكن النوايا يعلمها الله، وهو المتكفل بمحاسبة العباد عليها: { ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد * إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد * ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } ، والفقهاء وإن وُجد فيما بينهم المترخص في بعض الأمور لا في جميع الأمور، فإنهم يقولون: بأنه إذا اتضح تواطؤ الجانبين على الحرام، فإن ذلك مما يمنع حكماً بدون خلاف.
هذا وإن من بين الطرق الملتوية التي يسلكها الناس من أجل أكل الربا ما عُرف ببيوع الذرائع وهي البيوع التي تسمى بيوع العينة، ولأن أحد المتعاملين بها إنما يريد العين، فهو يريد بهذه الصورة الظاهرة للبيع التوصل إلى العين التي يقصد إقتراضها، ولكن بطريقةٍ فيها تمويه حتى تتجلى للناس وكأنها بيع، هذه البيوع بيوعٌ محرمة، وقد جاء في الحديث عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما يدل على هذه الحرمة، فقد أخرج أحمد وأبو داود والطبراني وابن القطان من طريق ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "إذا ضن الناس بالدرهم والدينار، وتبايعوا بالعينة، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد، أصابهم الله بذلٍ لا يرفعه عنهم إلا أن يراجعوا دينهم، وفي رواية أخرى: إذا تبايعتم بالعينة واتبعتم أذناب البقر وورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد أصابكم الله بذلٍ لا ينزعه عنكم إلا أن ترجعوا إلى دينكم"، فالمبايعة بالعينة هي المبايعة بهذه الطرق الملتوية التي تسمى بالذرائع، وسُميت بالذرائع لأن الناس اتخذوها ذريعة من أجل التوصل إلى المعاملات الربوية المتفشية بطرق مختلفة، طرقٍ قد يحسبها الإنسان في الظاهر آخذةً وجهاً من الوجوه الشرعية، ولكنها في الحقيقة ما أُريد إلا الربا. (3/401)
صفحة 1120
وقد ذهب أصحابنا وجمهور الأمة إلى تحريم بيوع الذرائع وعدم جواز التعامل بها بأي حالٍ من الأحوال، وهذا مما يدل عليه الحديث الشريف ويعضده ما رُوي عن أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ كما أخرج ذلك الدار قطني: أن أمَ ولدٍ لزيدٍ بن أرقم ـ رضي الله عنه ـ ذكرت لها بأنها باعت لزيد غلاماً بثمانمائة درهم نسيئة واشترته منه نقداً بستمائة، فقالت لها عائشة أم المؤمنين ـ رضي الله عنها ـ بئس ما شريت واشتريت، أبلغي زيداً بأنه أبطل جهاده مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وليس مثل هذا الكلام من الممكن أن يُقال من قبل أحد إلا بتوقيف من الشارع. فما كان لأم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ بأن تقول بأن زيداً أبطل جهاده مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بمجرد بمخالفتها له ومخالفته هو لرأيها الذي تراه، فلو كان هذا مجرد خلاف بين صحابيين لما أمكن بأن تقول مثل هذا القول، ولكنها أدركت أن الأمر فيه خطورة، وأنه ربما خفي الحكم على زيد، ولذلك أرادت أن تقوم عليه الحجة بإبلاغ أم الولد التي كان بينه وبينها التبايع لذلك حتى يتراجع عما هو عليه، ومن المعلوم أن بطلان الجهاد هو أن يحبط ثوابه، ولا يكون إحباط ثواب العمل إلا بارتكاب كبيرة من الكبائر، ولا عبرة بما قاله ابن حزم بأن هذا الحديث مما يدل على ضعفه أن يوجه مثل هذا الخطاب إلى زيد وهو أحد صحابة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد كان معروفاً بمناصرته الإسلام، فإن الله تبارك وتعالى وجه مثل هذا الخطاب أيضاً إلى صحابة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عندما قال: { يأيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون } ، فمن المعلوم أن الذين وجه إليهم هذا الخطاب هم صحابة، فإن الذين يمكنهم أن يرفعوا الصوت فوق صوت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من المؤمنين هم الصحابة إذا لم يكن مؤمنٌ في عهد رسول الله (3/402)
صفحة 1121
ـ صلى الله عليه وسلم ـ يمكن أن يلتقي به ويتحدث إليه حتى يتمكن من رفع صوته على صوته إلا هو من الصحابة، والذين جاءوا من بعده ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإن كان خطاب الذين آمنوا يشملهم إلا أنهم يتعذر ذلك عليهم، لأنه لا يمكن أن يكون بينهم وبين رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ خطابٌ في هذه الدنيا.
وقد أطال ابن قيم الجوزية في الجزء الرابع من كتابه " أعلام الموقعين" في بيان خطورة الذرائع، وأن كثيراً من الأحكام الشرعية جاءت من أجل سد ذرائع الفساد، وكثيراً من الخطاب الذي جاء في كتاب الله تعالى، وجاء في سنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ موجهاًَ إلى المؤمنين جاء من أجل سد ذرائع الفساد، فلربما يُنهى عن الشيء، ولكن لم يُقصد من النهي النهي عن ذات ذلك الشيء، إلا أنه نُهي عنه بسبب ما يؤدي إليه من الفساد، وقد استظهر القرطبي في تفسيره تحريم بيع الذرائع من قول الله تبارك وتعالى { يأيها الذين ءامنوا لا تقولوا رعنا وقولوا انظرنا واسمعوا } فإن هذه الكلمة من أجل كونها يمكن أن تستغل من قبل أعداء الإسلام للتنقيص من حق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نُهي عنها، فإذاً ما كان فعلاً هو أحرى بأن يُنهى عنه عندما يترتب عليه ما يترتب من الفساد، وبيوع الذرائع بيوعٌ خطيرة جداً. (3/403)
صفحة 1122
وقد بلغني أن جماعة من الناس يتعاملون بها، فعندما يريد أحدهم اقتراضاً، ولكن لا يجد من يقرضه بالطريق الشرعي القرض الحسن الذي أباحه الله سبحانه وتعالى وحض عليه، يسلك مع صاحب المال مسلكاً ملتوياً من أجل أخذ القرض بطريق ربوي غير مكشوف، فيأتي أحدهم إلى التاجر ويقول له أريد منك كذا، فيبايعه ـ مثلاً ـ كيساً من الأرز، وقيمة ذلك الكيس تقريباً عشرون ريالاً، فيبيعه له إلى أجل بخمسة وعشرين ريالاً، ثم على الفور يشتريه منه بعشرين ريالاً بقيمته، فتكون العشرون في مقابل خمسة وعشرين، هذا هو عين الربا، الذي لا يجوز أبداً. ومن المعلوم أن العلماء شددوا في ذلك، ولم يجيزوا بحالٍ من الأحوال هذا البيع ولو لم يكن تواطؤٌ بين الجانبين، ولو قبض المشتري السلعة التي اشتراها، فكيف ـ حسبما بلغني ـ بأن ذلك الكيس الذي يباع لا ينتقل من مكانه، ولا يقبضه المشتري من البائع، بل يبيع له على الفور، ولربما لم يره بعينه، وهذا أمرٌ فيه من الخطورة ما فيه، وهو من المحرمات على أي حال. (3/404)
صفحة 1123
ومن المعلوم ـ أيضاً ـ أن العلماء اتفقوا على عدم جواز بيع الطعام حتى يُكال، فمن اشترى من أحدٍ طعاماً كالقمح والشعير والأرز ونحو ذلك من الأطعمة فإنه لا يجوز له أن يبيعه لغير ذلك الذي اشتراه منه إلا بعد أن يمسكه ويكيله، وهذا مما دل عليه حديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، والمسألة في غير الطعام مختلفٌ فيها، وفي الطعام مجتمعٌ عليها لا خلاف في ذلك، والخلاف ـ في غير الطعام ـ على أقوالٍ بلغت ثلاثة عشر قولاً، فمن العلماء من يجعل حرمة ذلك سارية في أي شيء كان كما هو رأي ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ، ذلك لئلا يكون هذا البيع مقصوداً به أن تشترى دراهم بدراهم أو دنانير بدنانير، فلذلك قالوا لا بد من القبض، ولو كان ذلك البيع لغير ذلك المشترى منه، فكيف إذا كان المشتري الثاني هو البائع؟ فإن في هذا من التذرع إلى الربا ما لا يخفى، ولا حجة فيما قاله بعض الناس، من أن قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ " لا تفعل بع الجمع بالدراهم وابتع بالدراهم جنيناً" دال على جواز مثل هذه، إذ قالوا: بأن في هذا الحديث ما يدل على كون مثل هذه الحيل جائزة.
والجواب: إن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: " بع الجمع بالدراهم"، ولم يقل بع ذلك للذي تشتري منه، وإنما: بعه في سوق المسلمين ليشتري منك أي أحد، مع أن هذه المعاملة ليست فيها معاملة بتأخير الثمن، وإنما يبيع كل واحدٍ منهم بالثمن، ويمسك الثمن ثم يبتاع ما يريد أن يبتاعه بذلك الثمن، فلا دليل في هذا الحديث على ذلك قط. (3/405)
صفحة 1124
فتاوى الوصية
حكم الوصية والإشهاد عليها
من الذي يلزمه الإقصاء؟
جاء في كتاب الله سبحانه وتعالى قوله سبحانه: { كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ والأقربين بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ }()، وهي تدل على وجوب الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف، لكن جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم– أنه قال: (لا وصية لوارث)2 وهذا الحديث جاء من طرق متعددة حتى أنه بلغ درجة الشهرة لكثرة طرقه، ويتأيد ذلك بما في كتاب الله تبارك وتعالى من قوله سبحانه وتعالى بعد قسمته المواريث بين عباده بعدله: { تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(13) وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ }()3، ومعنى هذا أنه لا يجوز للإنسان أن يجتاز ما رسمه الله تبارك وتعالى له من الحدود فيما يتعلق بأمر المواريث، إذ لم يكلها الله تبارك وتعالى إلى أحد من خلقه، فلم يكلها إلى ملك مقرب ولا إلى نبي مرسل، وإنما قسمها بعدله فأعطى كل ذي حق حقه، وكل تدخّل في ذلك يعتبر تبديلا لقسمة الله، فمن أعطى أحدا أكثر مما أعطاه الله تبارك وتعالى فقد تجاوز حدود الله، وكان حقيقا بذلك العقاب الذي ذكره الله تعالى في الآية الكريمة، وقد وقع الإجماع على أن الوصية لا تجوز لوارث، بقي ماذا يقال في معنى الآية الكريمة؟ في ذلك خلاف بين أهل العلم، فمنهم من قال بأن هذا الحكم نسخ، ثم اختلفوا في ناسخه، فمنهم من قال بأن ذلك نسخ بالحديث المتقدم، ومنهم من قال: نسخ بآية المواريث، ومنهم من قال بأنه نسخ بكلا الأمرين، مع اعتضاد ذلك بالإجماع، هذا قول طائفة أهل العلم، وذهبت طائفة أخرى إلى أن هذا (4/1)
صفحة 1125
الحكم لم ينسخ، وإنما هو في الوالدين والأقربين غير الوارثين، وهذا القول قاله عدد من علماء التابعين، منهم الحسن وطاووس والضحاك، وهؤلاء قالوا بأن الآية من باب العموم الذي أريد به الخصوص، وهو الذي كان يميل إليه شيخنا أبو إسحق إبراهيم أطفيش، فقد قال: بأن هذا الحكم إنما هو في الوالدين غير الوارثين لشركهما أو لأنهما مملوكان، فإن شركهما لا يقطع حقهما من صلته بهما بعد موته وكذلك رقهما، فيوصي لهما بما يمكن أن يتملكاه بعد عتقهما، وهذا الرأي هو الذي جنح إليه العلامة أبو الحسن البسيوي في كتابه الجامع، وحكى بأن الآية الكريمة خصصت بما دل عليه الحديث، وهو وإن كان عاما؛ ولكن له جانب خاص، هذا الجانب هو الذي خصص الآية الكريمة، وهذا القول هو من القوة بمكان، وما هنا فالإنسان مطالب بأن يوصي لوالديه ولأقاربه الذين لا يرثونه.
هذا والقول بوجوب الوصية للأقربين الذين لا يرثون هو الذي قاله به أصحابنا بغير خلاف بينهم، وهو الذي يدل عليه ما ذهب إليه الزهري وأبو مجلز، وأيده المفسر الطبري، وهو من القوة بمكان، لأن الله تعالى قال: { كُتب }()، وكُتب بمعنى فرض، وقال: { حقا }()، وكلمة حقا تدل على الوجوب، وقال: { على المتقين }()، وكل أحد من المسلمين يجب أن يكون من المتقين مع أن على تفيد الوجوب، أما من قال بأن قوله سبحانه وتعالى: { حقا على المتقين }() قرينة تدل على صرف هذا الحكم عن الوجوب؛ لأن هذا الحق جعله الله على المتقين ولم يجعله على العامة، فالجواب عن ذلك أن الله سبحانه وتعالى قال: { وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِين }() فهل يسقط حق المتعة عن غير المتقي، ويحصر وجوبه في المتقين وحدهم فحسب؟ أو أن قوله سبحانه وتعالى: { عَلَى الْمُتَّقِين }() يدل على تأكيد هذا الحكم، إذ كل واحد يجب عليه أن يكون من المتقين. (4/2)
صفحة 1126
هذا ويقع كثير من الناس في الخطأ عندما يقولون بأن الوصية لفقراء الأقربين، في حين أنها ليست لفقراء الأقربين وإنما هي للأقربين؛ فقراء كانوا أو أغنياء، لأن الله تبارك وتعالى جعلها صله لهم بعد الممات، فكما أن على القريب أن يصل قريبه في حياته كذلك عليه أن يصله أيضا بعد مماته، حتى أن طائفة من العلماء ذهبت إلى أن من أوصى للفقراء مثلا ولم يوص للأقربين، فإنه يعطى الأقربون ما أوصى به للأبعدين، وهذا القول روي عن طاووس والحسن وقتادة وجابر بن زيد وجماعة آخرين، وروي عن أبي الشعثاء –رحمه الله– وعن طائفة من أولئك العلماء بأن الأقربين يعطون الثلث، والذي ذهب إليه أكثر أصحابنا بأن الأقربين يعطون الثلثين مما أوصى به لغير الأقربين من الفقراء وغيرهم، والموصى لهم يعطون الثلث، إلا الإمام السالمي –رحمه الله- فانه قال –كما في المدارج-: بأن الوصية تنفذ كما هي، ويتحمل هو تبعة مخالفته لحكم الشرع، ولعل الذين ذهبوا إلى الرأي الأول رأوا العمل بما دل عليه الحديث الشريف: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)، أما بقية علماء الأمة فإنهم قالوا: بئس ما فعل إن أوصى للأبعدين ولم يوص للأقربين، ووصيته تنفذ كما أوصى بها، ولا تبدل عما جاء به نص وصيته.
وكذلك تجب الوصية على من كان عليه حق لم يتمكن من أدائه في حياته، كأن يكون عليه دين أو صداق غائب لامرأته أو تبعة من وجه من الوجوه، كضمان لأحد من الناس، سواء كان ضمانا يتعلق بمال أو بعرض، وذلك بأن يكون قد انتهك عرضا –والعياذ بالله–، كأن يكون جنى على امرأة أو على رجل فيما يتعلق بشرفهما أو عرضهما. والله تعالى أعلم.
إن قلتم بوجوب الوصية، فكيف تردون على استدلال من استدل على عدم الوجوب بقوله صلى الله عليه وسلم: (ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي به يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده) قالوا: فالحديث في: (شيء يوصي به) بمعنى يريد أن يوصي به، وهو دليل الاستحباب؟ (4/3)
صفحة 1127
أولا: الحديث الآحادي لا يعارض القرآن، والقرآن صريح في وجوب الوصية، فالله تعالى يقول: { كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقربين بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ }() فقال سبحانه: { كتب }()، وكُتب بمعنى فرض، وقال: { حقا }()، كلمة حقا تدل على الوجوب، وقال: { على المتقين }()، وكل أحد من المسلمين يجب أن يكون من المتقين، مع أن على تفيد الوجوب.
ثانيا: هذا الحديث رواه الإمام الربيع –رحمه الله– بلفظ: (لا يحل لامرئ مسلم له شيء يوصي به يبيت ليلتين إلا ووصيه مكتوبة عند رأسه) وهو يدل على الوجوب، والأخذ بما وافق القرآن أولى من الأخذ بما خالفه.
ثالثا: يمكن حمل هذا الحديث على ما يتوافق مع الآية وحديث الربيع، فيكون التقدير: له شيء يجب أن يوصي به، ولا إشكال في ذلك؛ لأن الوصية لا تجب على كل أحد، وإنما تجب على من ترك خيرا، كما نصت الآية الكريمة. والله أعلم.
رجل توفي وأوصى بمبلغ لأشخاص، كان بينه وبين أهاليهم مشكلات وحروب قبلية. فهل يجب دفع هذا المبلغ أم لا؟ علما بأن ورثة الموصي لا يستطيعون الذهاب للموصى لهم وإخبارهم بالمبلغ الموصى به لهم؟
يجب إبلاغ الحقوق إلى أصحابها، فمن أوصى له بشيء وجب أن يبلغ إليه. والله أعلم.
هلك رجل وترك ورثة، وكان الهالك قد اقتسم مع والده ميراث أمه، واتفقا على أن يدفع الوالد مبلغ ألفي ريال عماني له مقابل تحمل تنفيذ وصية أمه؛ وهي عبارة عن صوم وصلوات وحجة وبعض الصدقات، وكان الهالك قد بدأ في تنفيذ الوصية بأن أجر بالحجة، وعندما رجع المؤجر من الحج وجد مؤجره قد توفي قبل أن يقبض منه أجرته، وكذلك كان للهالك مال، وكان قد رهن منه سبع نخلات، علما بأن الهالك قد توفي في حادث سير ودفعت لورثته دية، والسؤال هنا: (4/4)
صفحة 1128
1- ... ما حكم هذه الوصية، هل تعتبر لاغية بموت الرجل؟ فإذا كانت كذلك، فماذا عن حق المؤجر عن حجة أمه؟
2- ... هل يتم فك الرهن من الدية التي دفعت لورثته؟
3- ... هل يصح أن يخصم من نصيب الأب ألف ريال اللذان كان قد اتفق أن يدفعها لولده؟
4- ... هل يتم تنفيذ الوصية التي على الهالك من ديته؟ وهل يتم ذلك قبل توزيعها أم بعدها؟
1) لا تلغى الوصية بموت أحد إن كانت وصية شرعية صحيحة بل بجب إنفاذها، ويجب إخراجها من مال الميت الأول، فإن اقتسمه الورثة على أن تخرج الوصية من نصيب أحدهم وكان ذلك برضاه وجب إخراجها بعد موته من ماله. والله أعلم.
2) الدية من ضمن التركة فلا مانع من فك الرهن بها. والله أعلم.
3) هي من ضمن التركة، وتعود إلى جميع ورثة الميت الثاني. والله أعلم.
4) تنفذ الوصية من أي شيء من تركة الميت، وذلك قبل اقتسام التركة. والله أعلم.
امرأة أوصت شفاهة على بنات أختها بالمحافظة على أغنامها بعد موتها، على أن تكون هذه الأغنام سبيلا، وليس لهن منها إلا الجدي الصغير والعجوز وإلا ألبانها، ومكثت هذه الأغنام في أيديهن مدة أربعين سنة، بعدها أردن دفع هذه الأغنام لابن عم الموصية باعتباره الوارث لها، مع أنه لم يطالب بها طيلة هذه المدة، فهل لهن ذلك؟ وهل لابن عم الموصية الحق في أخذها ميراثا، أم تجب عليه المحافظة عليها كما ورد في الإيصاء؟
الوصية لا تبدل ما دامت متفقة مع تعاليم الدين، لقوله تعالى: { فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }()، وكيف ترجع ميراثا إلى الوارث؟ وقد أخرجها الموروث بالوصية عن ملك الوارث، وجعلها في باب من أبواب البر، وإنما يجب على الوارث –كغيره ممن تكون تحت يده– أن يحافظ عليها بحسب مقتضى الوصية. والله أعلم. (4/5)
صفحة 1129
وجد الورثة في دفاتر الهالك المحفوظة منذ عشرة سنين –وبخط يده وقلمه– كل ما له وما عليه من ديون، مع علمهم بأنه كان يقضي ما عليه إلا أنه لا يحذفه، فهل يلزمهم قضاء هذه الديون؟
الأصل ثبوت ما أثبته الهالك على نفسه بقلمه؛ لأن القلم أحد اللسانين، اللهم إلا أن يثق الوارث ويطمئن بأنه قد قضى تلك الحقوق في حياته، فلا مانع من الاكتفاء بذلك من جهة الطمأنينة لا الحكم. والله أعلم.
ما قول فضيلتكم في رجل هلك وخلف أخا، وأوصى بنصف منزله وبعضا من النخيل، ثم ألحق بالوصية تخصيص الجزء الموصى بعد كتابة الصك والشهود وتوقيع القاضي، بحيث ينقض ذلك الإلحاق الشهود، فهل يحق للوارث نقض ذلك؟
ليس للوارث شيء من الإرث إلا بعد إنفاذ الوصية، لقول الله تعالى: { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ }()، وما ثبت في الوصية ليس للوارث نقضه، وأرى أن القاضي قد أمضى على هذا التخصيص، فالظاهر أنه كان باطلاعه. والله أعلم.
نحن أهالي الفلج تلقينا طلبا من أحد المواطنين مفاده: أن والدته قد أوصت عليه وبحضور أناس آخرين شفويا بحفر ست ثقاب للفلج بعد وفاتها، وهذا الطلب قد مضى عليه ثلاث سنوات، ونحن نطالب المسؤولين بتنفيذ الوصية، إلا أننا لم نتلق ردا بعدم الممانعة، وها نحن نعود إلى سماحتكم للتكرم بالإفادة عن تنفيذ هذه الوصية، والوصي قد تعب بحملها، فإن كانت واجبة التنفيذ، والحال أنه ممكن في ساعد الفلج الغربي بحيث لا يضر أحدا أبدا حسب النظام المتبع، أما إذا كان لا يجب التنفيذ فنحن سنقف عند رأيكم.
إن كانت الوصية لا تضر بأحد، ولا تنافي حكما من الله فيجب تنفيذها، ولا يجوز التمادي فيها. والله أعلم. (4/6)
صفحة 1130
إذا كان إنسان مريض، وأثناء مرضه أوصى إخوته أن يقام عنه حجة وصيام رماضين، وعند وفاته تم تبليغ أولاده بالوصية التي أوصى بها، ولكن لم يقوموا بتنفيذ هذه الوصية، وقسموا جميع الأموال التي خلفها. فهل هذه القسمة تامة صحيحة دون تنفيذ الوصية، بحجة عدم وجود كتابة؟ وهل يلزم أن تكون الوصية كتابيا أم يستكفى بالشهود من اثنين إلى ثلاثة شهود؟
إن كانت الوصية ثابتة عندهم بشهادة عدلين فعليهم إنفاذها، وإن لم تكن مكتوبة، وإن اقتسموا المال فليعيدوا القسمة. والله أعلم.
ما حكم وصية المنافق هل تنفذ أم لا؟ (4/7)
صفحة 1131
النفاق ينقسم إلى قسمين: نفاق عقيدة ونفاق عمل، فنفاق العقيدة هو أن يبطن الإنسان عقيدة الكفر بين حنايا ضميره وفي طوايا نفسه، ويظهر عقيدة الإسلام، وهذا الذي كان عليه معظم المنافقين في عهد النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام، ومما يدل على ذلك قوله سبحانه وتعالى: { إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ }() وكذلك قوله سبحانه: { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ }()، وقوله تعالى: { وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون }()، وأما النفاق العملي فهو ما دل عليه الحديث الشريف: (ثلاث من كن فيه فهو منافق)، وفي رواية (أربع) إلى آخر الحديث، والنفاق العقدي هو وإن كان في حقيقته كفرا بالله سبحانه، وإشراكا من حيث الطوية التي ينطوي عليها هذا المنافق إلا أنه تجرى عليه جميع أحكام المسلمين في الظاهر، والوصية أمر لا يختلف فيه المسلم والكافر، ولو اعتبرنا ما في طوايا نفسه ولم نأخذ بظاهر قوله، فإن ذلك لا يمنع أن يحكم له بما يحكم لغيره من جواز الوصية، فوصية الكافر تنفذ كما تنفذ وصية المسلم إن كانت وصية ببر، ولذلك قال العلماء بأن الكافر كفر شرك إن أوصى لأقربائه، ومن بين أقربائه مسلم، فإنه يدخل في ضمن الموصى لهم، وكذلك العكس، فلو أوصى مسلم لقرابته ومن بينهم ذمي فإنه يدخل في ضمن الموصى لهم ولا يحرم منها؛ وذلك لأن الوصية لا يشترط لها الإيمان، وإنما هي تقرب إلى الله وصلة أيضا مع القرابة بالنظر إلى وصية الأقربين، وأما نفاق العمل فلا ريب أنه لا يؤدي إلى إبطال وصية صاحبه، مادامت لا تتصادم مع حكم الدين. والله أعلم. (4/8)
صفحة 1132
المجنون الذي يشهد الناس أن له عليهم ديونا، وقد دوّن في وصيته ذلك، إلا أنه بعد أن جنّ فقد مكان الوصية. فهل تثبت وصيته؟
كونه له عليهم ديون أمر لا يشترط فيه أن يوصى لهم، بل ثبوت ذلك الدين حجة على المدين، سواء كان ثبوته بإقراره أو بشهادة عادلة، إذ لو أوصى بأن لي على فلان كذا من الدين لما كان ذلك حجة؛ لأن هذه دعوى منه، بخلاف ما إذا أوصى بأن عليه ديناً، أو شهد شهود بذلك، أو وُجدت وثيقة شرعية تثبت الدين، ولكن ثبوت الدين عليه باعترافه إن كان عند الاعتراف مجنونا لا عبرة به. والله أعلم.
هل تجوز أن تشهد في الوصية امرأتان مع رجل؟
الوصية مطلب يطلب من الإنسان عندما تحضره الوفاة لقول الله تعالى: { كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقربين بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ }()، ولذلك قال العلماء بأن من حضرته الوفاة فعليه أن يوصي بهذا الحق، فإن وجد شهوداً عدولاً فليشهدهم، وإن لم يجد العدول فليشهد غير العدول، وإن لم يجد أحدا فليكتب وصيته، وإن تعذر عليه كتابتها في ورقة مثلاً فيكتبها ولو على الأرض، وإن لم يستطع ذلك كله فليجهر بالقول، ذلك عذر له فيما بينه وبين ربه، لعل ملائكة الله تعالى تسمع قوله وتكون شاهدة بذلك، ولا ريب أن شهادة الرجل العدل والمرأتين العدلين حجةٌ مقبولة فيما يتعلق بالحقوق والمعاملات، ومنها الوصية. والله أعلم.
من وجبت عليه الزكاة في حياته ولم يؤدها. فهل يعذر إذا أوصى بذلك في وصيته؟
إن كان تائبا إلى الله تبارك وتعالى من تقصيره، وكانت وصيته خشية أن يفاجئه الموت قبل التمكن من الأداء، لا لأجل التهاون بالأداء والتعويل على الوصية، من غير أن يقصد أن يؤديها في حياته، ففاجأه الموت فإن الله أولى بعذره، ونرجو له القبول عند الله، والله يعلم المفسد من المصلح. والله أعلم. (4/9)
صفحة 1133
كثير من الناس يؤخرون أفعال البر إلى وصاياهم. فهل للوصية ميزة لمزيد من الثواب؟
لا؛ بل جاء في الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم بأن أفضل الصدقة أن تتصدق وأنت صحيح شحيح، وجاء أيضا في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بأن درهما يتصدق به الإنسان في حياته خيرٌ له من مائة درهم بعد وفاته، إلا وصية الأقربين؛ فهي صلة بعد الموت ولو برّهم في حياته، فإن بِرّه لهم لا يسقط حقهم بعد مماته، وكذلك يؤمر الإنسان أن يوصي احتياطا بما عليه من الحقوق؛ لئلا يفاجئه الموت قبل أن يؤدي الحقوق التي عليه، وإلا فالإتيان بأعمال البر وصدقات النوافل في الحياة خيرٌ منه بعد الممات. والله تعالى أعلم.
ما قولكم فيمن أوصى بوصية بخط يده ولم يشهد عليها أحداً، فهل تثبت وصيته؟ وكان قد أوصى بحجة مع أنه كان قد حج في حياته، وأوصى بصيام، وأوصى بكفارات صيام، وصلوات، وتبرع، وأوصى لأناس من أقاربه وغيرهم، وعليه ديون أيضا.
إن كانت هذه الوصية بخط يده فهي ثابتة عليه، ولو لم يشهد أحدا عليها، والحج الذي أوصى به واجب إنفاذه ولو حج في حياته، وإنما تخرج من ثلث ماله، والوصية بالصيام يجزي عنها إطعام مسكين عن كل يوم أوصى بصيامه، وأما كفارة الصوم فهي إطعام ستين مسكينا عن كل كفارة، وأما الصلوات فلا يصلي أحد عن أحد إلا إن قصد بهن كفارات صلوات؛ فهن ككفارات الصيام، وتثبت وصايا التبرع إلا لوارث، فلا وصية لوارث إلا إن كانت من ضمان، ولا تزيد وصايا التبرع عن ثلث المال؛ فهي تخرج من الثلث، أما الحقوق الواجبة فتخرج من أصل المال. والله أعلم.
امرأة لا تملك مالاً ولا ذهباً، وقد أدت ما عليها من حج وزكاة وصيام، وقد قيل لها: إنه يجب عليها الوصية حتى ولو لم تملك شيئا. فهل هذا صحيح؟ (4/10)
صفحة 1134
ليس بصحيح، فالوصية إنما هي على من ترك خيرا، إذ الله تبارك وتعالى ويقول: { كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقربين بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ }()، فقول سبحانه: { إن ترك خيرا }() بمعنى إن ترك مالا. والله أعلم.
رجل يريد أن يوصي. فهل الأفضل أن يوصي للمسجد، أم للمقبرة (لحفر القبور)، أم لمدرسة (لمدرسيها وبنايتها)؟
أولاً يجب عليه أن يوصي لأقربيه الذين لا يرثونه، وهي وصية واجبة بنص القران، فالله تبارك وتعالى قال: { كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقربين بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ }()1، أما الوالدان فمن العلماء من قال بأن حقهما نُسخ، ومنهم من خصه بالوالدين المشركين؛ نظرا إلى أن المشركين لا يرثان، وقال الإمام أبو الحسن البسيوي بأن هذا القول هو الذي يعول عليه، فتجعل الآية الكريمة مخصصة بما دل من الروايات على أن المشرك لا يرث من المسلم، فلهما حق في الوصية ولو كانا على الشرك، وهو قول وجيه.
ثم إنه يجب عليه أن يوصي بما عليه من الحقوق التي لم يتمكن من أدائها في حياته، فما كان يخشى أن لا يؤديه في حيات من الحقوق فعليه أن يوصي به ليقضى عنه بعد مماته. (4/11)
صفحة 1135
وبعد هذا فلينظر في حاجة الناس، هل هم بحاجة إلى مسجد، أو إلى وقف للمسجد، أو إلى أن يوصي للمسجد بشيء من أجل إصلاحه، أم أن الحاجة داعية إلى مدرسة للقرآن؛ بحيث لم تكن المدرسة قائمة، أم أن الفقراء أحوج؟ فقد يرى أن الوصية لمدرسة القرآن أفضل؛ ولكن المدرسة قائمة ولها أوقاف كثيرة، وليست بحاجة إلى مزيد، وقد يرى أن المسجد هو أفضل، وأنه أولى بأن يوصي له؛ ولكن المسجد قائم وله أوقاف فاضلة عن حاجته، فلا داعي لأن يوصي له، وإنما على الإنسان أن يتحرى، وأن ينظر حيث الحاجة، فحيثما تكون الحاجة فثم موضع الوصية. والله أعلم.
يرى كثير من الناس أن الوصية تكتب إذا تقدم بهم العمر، فمتى يمكن للإنسان أن يوصي؟ وهل يغير وصيته كلما تقدم به العمر؟
الإنسان مطالب بأن يحرص على الوصية دائما منذ بلوغه الحلم، فقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر يجد ما يوصي به أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة تحت رأسه)، وهذا يدل على عظم شأن الوصية، فمن واجب الإنسان أن يحرص على أن يوصي بما علي من الحقوق، ويوصي لأقربيه الذين لا يرثونه، فإن ذلك حق عليه، وأن لا يتمادى في ذلك، وبإمكانه أن يغير الوصية من حال إلى حال. والله أعلم.
يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من مات ولم يوص مات ميتة جاهلية). فهل هذا الحديث صحيح؟
هذا الحديث لم أطلع عليه بهذا اللفظ. والله أعلم.
من أوصى بأن يضحى عنه بعد موته لعدة سنوات. ما حكم هذه الوصية؟ وهل هي مشروعة؟ وهل يجب تنفيذها بعد أن أوصى بها؟
بما أنه أوصى بقربة فلا مانع من تنفيذها، ولئن كان إذا أوصى بمباح يجوز تنفيذه بل يجب، فكيف إذا أوصى بما هو قربة. والله أعلم.
حد الوصية
هي تجوز الوصية بأكثر من الثلث إن أجاز ذلك الورثة أو بعضهم؟ (4/12)
صفحة 1136
الأصل في الوصية أن لا تكون إلا بالثلث، (الثلث والثلث كثير)، هكذا قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، وهذا في وصايا التبرعات، أما حقوق الناس فلا خلاف في أنها تخرج من أصل المال لا من الثلث؛ لأن حق الناس يتعلق بالمال كله، وأما حقوق الله ففيها خلاف، فمن العلماء من قال بأنها تخرج من أصل المال، ومنهم من قال بأنها تخرج من الثلث، والقول بإخراجها من الثلث هو قول الأكثرين من أصحابنا، فبه قال جم غفير منهم كموسى بن علي، وابن محبوب، وأبي سعيد، وأبي محمد، وأبي المؤثر وغيرهم، وإنما قال سليمان بن عثمان بأنها تخرج من أصل المال، وهذا القول يتبين لي رجحانه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن أن حق الله تعالى مقدم على حق المخلوقين حيث قال: (فاقضوا فدين الله أحق بالقضاء)، فهذا يدل على أن دين المخلوقين ودين الله يشتركان في كونهما يقضيان جميعا، إنما دين الله أحق، فلأجل هذا لا ينبغي أن يقال بأن دين الله يخرج من ثلث المال، بينما دين المخلوقين يخرج من أصل المال.
هذا وإذا وافق الورثة عند حضور الموت على الوصية بأكثر من الثلث فلا مانع من ذلك، واستدل لذلك بقول الله تبارك وتعالى: { فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }()، والمعنى: فلا إثم على من أصلح بين الموصي وبين ورثته، حتى يجنب الورثة الحيف والظلم، لئلا يكون قصد إلجاء المال عنهم، وفي نفس الوقت لا حرج أيضا أن يوافق الورثة على ذلك؛ لأن ذلك حق يتنازلون عنه. (4/13)
صفحة 1137
وقيل: ولو وافقوا على ذلك عند الإيصاء، فإن لهم الحق أن يرجعوا عن هذه الموافقة؛ لأن الوصية إنما تلزم بالموت، ولا تلزم بمجرد الإيصاء، وهذا القول من حيث النظر قول قوي؛ ولكن إذا جئنا إلى الآية الكريمة فإن الآية تجيز الصلح، والصلح يكون في حال الإيصاء، ولو لم يكن هذا الإيصاء نافذاً لما كان معنى لإثباته في النص القرآني، لذلك ذهب طائفة من العلماء إلى أن ما أثبتوه عند الوصية يكون ثابتاً عليهم عند موت الموصي. والله تعالى أعلم.
امرأة من أقاربنا توفت منذ أربعة أعوام، وتركت وصية تنفذ من مالها بعد موتها، وجعلت أوصياءها ابن عمها وابن أختها، وجعلتني ثالثهم، قمنا بالإجراءات اللازمة لتنفيذ الوصية؛ ولكن لم نجد شيئا بما ينفذ به هذه الوصية، حيث إن الميتة كان عندها بيت ملك في السيب في منطقة الحيل، والبيت هذا مكتوب وقف لأبناء إخوانها الأشقاء، ولما رجعنا إلى ابن أخيها الذي كان مقيما عندها في حياتها، وسألناه عن التركة رد علينا أنها لم تترك شيئاً سوى أثاث المنزل وسيارة مستعملة، وأيضا بعض المتاجر البسيطة التي لا تغطي الدين الذي عليها. فكيف ننفذ الوصية؟
يبدأ بقضاء الديون التي عليها ثم تنفذ الوصايا، والوقف هنا من جملة الوصايا؛ لأنه موصى به بعد موتها، وليس منجزاً في حياتها، والوصايا كلها ترجع إلى ثلث التركة؛ لأنها وصايا تبرعية بما في ذلك الوقف، وعليه فإن التحاصص فيما بينها في الثلث. والله أعلم.
ما قولكم في امرأة هلكت وتركت شيئا قليلا من المال عبارة عن بعض النخيل، ولها أربع بنات وابنا ابن ذكور، وكانت قد أوصت بحجة وبصيام شهرين متتابعين وبكفارات لا نعلم عددها، وقد كانت هذه الوصية على يد أخيها وبغياب الورثة، وبتقييم المال وجد أنه لا يتعدى ألفي ريال عماني؟ (4/14)
صفحة 1138
أما ما كان من الوصية من حقوق الناس فمخرجه من أصل المال، ولو استغرق المال كله، وليس للوارث إلا ما فضل من التركة، لقول الله تعالى: { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ }()، وأما ما كان من حقوق الله الواجبة ففيه خلاف بين العلماء، فمنهم من قال بأن حقوق الله كحقوق الناس تجب في أصل المال، ومنهم من رأى أنها في الثلث، أما وصايا التبرعات فهي من الثلث قولا واحدا. والله أعلم.
امرأة كبيرة في السن على ذمة رجل وليس لديها أولاد، ولديها الكثير من المال، ترغب أن توصي به، وتوكل عليه ابن أختها ليقوم بتنفيذ وصيتها التي فيها حجة وصيام شهر، والمتبقي من المال أوصت به لابن أختها منفذ الوصية يتصرف به دون غيره. فهل يحق لها ذلك؟
ليس لها أن توصي بأكثر من ثلث مالها إلا من ضمان عليها للموصى له. والله أعلم.
رجل أوصى بعمارة من ماله يبنى بثمنها مسجد أو عدة مساجد، وقيمة هذه العمارة تفوق ثلث ماله. فهل في هذه الحالة تكون الوصية ثابتة أم لا؟
إن زادت الوصية على الثلث ردت إليه، إلا إن رضي الورثة بالزيادة. والله أعلم.
جد أوصى ببيت لأكثر من عشرة من البنين منم البالغ ومنهم غير البالغ، وكان قد أوصى للأولاد، كما أوصى أن يأوي الأخوات، كما أوصى للعمات. فكيف يكون تنفيذ هذه الوصية؟
إن كان الموصى لهم غير ورثة، وكانت الوصية مع سائر الوصايا التبرعية لم تجاوز الثلث فهي ثابتة، وإلا فهي باطلة. والله أعلم. (4/15)
صفحة 1139
رجل هالك كان قد أوصى من ماله بوصايا، من ضمنها حجة عن والدته، وحجتين عن نفسه. فهل يلزم الورثة إخراج الحجج كلها، أم يجوز لهم إخراج الحجة المفروضة فقط؟ وكان أيضا قد كتب لأحد أولاده بأموال كثيرة من سقي فلج بجميع نخله ومائه، وكتبها عن ضمان بدون أن يوضح كيفية ذلك الضمان، حيث إنه كتبها بعد موته، ونظرا لكون هذا الولد وارثاً، فهل يثبت هذا الضمان؟ كما كتب لولد ولده بمال عن ضمان أيضا، ولم يوضح الضمان عن أي شيء. فما رأي سماحتكم في ذلك؟
أما الوصايا ففي حدود ثلث التركة، فما زاد على ذلك فعلى إجازة الورثة لها، إلا إذا كانت متعلقة بحقوق الناس فتنفذ من أصل التركة، وأما الوصية للوارث عن ضمان فهذه المسألة حكمية مرجعها القضاء، ولا فتوى في دعوى. والله أعلم.
رجل هالك كان قد أوصى لأقربيه الذين لا يرثونه بمبلغ خمسمائة ريال عماني، وقد ترك أولاده وعائلته دون عائل سوى مبلغ المعاش؛ والذي لا يزيد عن الثمانين ريالا إلا قليلا، وقد سلم بعض ما عليه من ديون، وبقي عليه من الديون مبلغ؛ وقدره ثمانون ريالا عمانيا. فهل نسلمه من هذه الريالات الموصى بها لأقربيه، والباقي توزع عليهم أم لا يجوز؟ وماذا ترى في كيفية توزيعها عليهم، هل على حسب مستوياتهم من ناحية الدخل أم بالتساوي بينهم؟ وإلى أي مرتبة منهم ترى توزيعها عليهم؟ علما بأن صلة القرابة كالآتي: إخوة (أخ من أم، وأخت من أب)، وأولاد أخ، وخال، وابن خال، وأولاد عم، بينه وبينهم أربعة جدود، وأولاد عم يبعدون عنه بخمسة جدود تقريباً، وهؤلاء يتفرعون من ناحية جده ثلاثة فروع، وهم فيما أظن في مستوى واحد، ولكل من أولاد العم أولاد. فهل الذين هم أقرب إليه أولى بإعطائهم من هذه الوصية دون غيرهم من الأولاد؟ (4/16)
صفحة 1140
لا تخلو هذه الوصية إما أن تكون في حدود ثلث المال أو أكثر من ذلك، فإن كان في حدود الثلث مع باقي وصايا الهالك فهي ثابتة، ولا يجوز صرفها عن موضعها الذي خصصها له الموصي لقوله سبحانه وتعالى: { فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إنه سميع عليم }()، وإن كان على الهالك دين فالدين يقضى من أصل ماله الذي تركه، ويقدم على الوصايا، وإن قدمت الوصية ذكراً في القرآن فإنها متأخرة رتبة عند جميع العلماء؛ لأن الدين حق ثابت بذاته على المدين ولو لم يُلزمه نفسه، بخلاف الوصية فإنها تجب بإلزام الموصي بها نفسه، وإنما قدم ذكرها في القرآن عليه للحض على عدم التفريط فيها، وأما ترتيب الحقوق الواجبة في المال بعد موت صاحبه فكما قال التلمساني: ...
إن امرؤ قد قدرت منونه
وبعد ذاك تنفذ الوصية
... ... جهز ثم أديت ديونه
ويقع الميراث في البقية
فإن كانت الديون التي على الهالك لم تقض فلتقض أولا ثم ينظر في الباقي، وتنفذ الوصايا من ثلثه. والله أعلم.
امرأة توفيت وخلفت مبلغا ماليا كبيرا يقدر بمائة وخمسين ألف ريال عماني، وليس لها من الورثة سوى عشرة من أولاد العم، وكانت قد أوصت قبل مماتها بوصية عن ضمان لأبناء الورثة. فما حكم هذه الوصية هل هي ثابتة أم باطلة؟
لها أن توصي بثلث مالها تبرعا كما تشاء، وأن توصي بأكثر منه إن كان من ضمان. والله أعلم.
ما قولكم في رجل أوصى بجلبة من ماله بعد موته، كما أوصى بثلث ماله لأناس آخرين، فما يكون خروج هذه الجلبة: من الثلث الذي كان قد أوصى به، أم تكون هذه الجلبة من أصل المال؟ علماً بأن وصية الجلبة المذكورة كانت قد كتبت قبل الوصية الأخرى بثلاث سنوات، وأصحاب الثلث يطالبون به كاملا، علما بأن صاحب الوصية كان قد سبق له أن أوصى بكتابة جلبة أخرى عن ضمان من نفس الموصى له. (4/17)
صفحة 1141
الوصية بغير ضمان لا تكون إلا من الثلث، ففي الحديث عن النبي –صلى الله عليه وسلم– قال: (الثلث والثلث كثير)، وعليه فإن كان هذه الوصية عن ضمان فهي من أصل المال، وإن تكن عن ضمان فهي تحاصص بقية الوصايا في الثلث. والله أعلم.
رجل أوصى بمزرعة وقفاً توزع غلتها لفقراء البلدة، مع العلم أن هذه المزرعة تقدر بنصف تركته، وله ورثة فقراء يستحقون الصدقة. فما قولكم في هذه الوصية؟
إن لم يوافق الورثة على الوصية أخرجت الحقوق اللازمة من أصل المال، وما زاد عليها من التبرعات رد إلى الثلث، وتكون المحاصصة بينهما فيه. والله أعلم.
إنني رجل مسن وقد يسر الله عليّ، وعندي بعض الأملاك والعقارات، ولا أحد يرثني إلا ابن أخ لي فقط، وهو رجل كبير وله أولاد، وبما أنني وكما ذكرت بلغت من العمر عتياً، فإنني أريد أن أوصي ببعض العقار أو أجرة بعض العقار لبعض الأيتام من الجيران والأقارب، وذلك لينتفعوا بها بعد موتي. فماذا تقول وبماذا توجه سماحتكم؟ وما هي الإجراءات الشرعية للوصية؟
لك أن توصي بالتبرعات الخيرية، على أن لا يتجاوز ما توصي به ثلث التركة، إلا إن كان حقاً عليك. والله أعلم.
امرأة توفيت تاركة بيتاً وأثر ماء بقيمة خمسمائة ريال مبلغاً نقدياً، وهو سبعمائة ريال، وكانت قد أوصت بحجتين: الأولى عنها والثانية عن والدتها ورمضانين، وما يتبقى يكون للورثة. فما حكم هذه الوصية؟ وهل يجوز الحج عنها وترك الحجة الثانية عن والدتها؟
ترد الوصية إلى الثلث، وتقدم حجتها على حجة أمها. والله أعلم.
رجل كان قد أوصى قبل موته بمبالغ للكفن، والمكفن، والمٌغسل، وحافري قبره، ولسائقي عربات نقل المياه، وللأقربين الذين لا يرثون، بالإضافة إلى كفارتين كل واحدة منهما إطعام ستين مسكينا، وبحجة وعمرة، مع العلم أن الهالك لا يملك سوى بيت واحد تقطنه أسرته المكونة من ثمانية من الأولاد وزوجته، كما أنه عليه الكثير من الديون. فما مدى إمكانية تنفيذ هذه الوصية؟ (4/18)
صفحة 1142
تقضى ديونه أولاً من تركته، وما بقي يخرج ثلثه للوصايا، ويحاصص الثلث بينها جميعاً، إلا ما كان حقا واجباً عليه لأحد من الناس، فله حكم الدين ويخرج من رأس المال. والله أعلم.
ما قولكم في رجل كان قد أوصى قبل موته بثلاثين حجة إلى بيت الله الحرام، وبثلاثين صلاة، وثلاثين رمضان، والمال الذي خلّفه ليس يكفي ما أوصى به؟
يُنفّذ ما يمكن إنفاذه من هذه الوصية من ثلث تركة الموصي بالمحاصصة بين ما أوصى به، ولا يلزم شيء فوق ذلك. والله أعلم.
ما قولكم في رجل هلك وخلّف زوجة وأخاً وأختاً من أب، وكان قد أوصى بجميع ما خلفّه من مال، ومما أوصى به حجتان، علماً بأنه كان قد أدى فريضة الحج قبل وفاته أربع مرات عنه وعن آبائه، وأوصى كذلك ببناء مسجد، علماً بأنه سبق وأعطى بيته لأحد المساجد، ولديه بيت آخر بالعاصمة، ويملك أشياء أخرى مثل الخنجر وغيره، اتضح أنه أوصى به لأحد أقاربه بحيث لم يبق من الميراث شيء؟
ما أوصى به ثابت ولو نفذه في حياته إن لم يُلغه من الوصية، وإنما يبطل من الوصية ما زاد على الثلث إن لم يقره الورثة، فما زاد على الثلث رد إلى الثلث. والله أعلم.
ما قولكم في الإيصاء بثلث المال، وما زاد الثلث؟ وهل للرثة اعتراض على الوصي؟
للإنسان أن يتصرف في الإيصاء بثلث ماله، وليس للوارث اعتراض في ذلك إن لم يوص بمحجور، أما ما زاد على الثلث فلا تثبت به الوصية إلا بموافقة الورثة، اللهم إلا إن كانت الوصية من ضمان، فإن الحقوق الواجبة تخرج من أصل المال لا من الثلث. والله أعلم. (4/19)
صفحة 1143
ما قولكم في رجل له زوجة، وكان له منه ابنان توفيا قبل وفاته، ثم توفي هو من بعدهما بعد معاناة مع المرض لشهور عدة قامت برعايته فيها زوجته، وليس له من الورثة سوى زوجته المذكورة وخالته، ووجد أن عليه ديوناً للزوجة عبارة عن مبلغ وقدره سبعمائة ريال عماني، ولأناس آخرين عبارة عن مبلغ قدره خمسمائة ريال عماني، وكذلك كان قد أوصى بصيام شهر رمضان عوضا عما فاته من صيامه، وأوصى للزوجة بالبيت حقاً من ضمان في حضرة أحد الجماعة. فكيف يكون توزيع الميراث بين الزوجة وخالة الهالك؟
يخرج أولاً من التركة ما عليه من الديون وما أوصى به وصية شرعية ثابتة، ثم تعطى من الباقي الزوجة الربع، والباقي قيل: يرد إليها لعدم العاصب أو ذي السهم، وقيل: يعطى الخالة؛ لأنها ذات رحم، وحكم القاضي هو الذي يرفع الخلاف إن لم يتفق الطرفان ويتصالحا. والله أعلم.
لدي ابنا عم لم يتزوجا، وبالتالي ليس لهما أولاد، هلك أحدهما، وكان قد ترك مالاً يقدر بسبعة آلاف ريال عماني، ووصية شرعية: بحجة عن نفسه، وأخرى عن أمه، وثالثة عن جدته لأبيه، ورابعة عن جدته لأمه؛ والتي ربته وأحسنت إليه في صغره، ووصى أيضاً بصيام شهر عنه قضاءً، وكفارتين عما لزمه، وكان قد خلّف أخاً أصغر منه لم يعرفه في حياته ولا أثناء مرضه، بل كان يتمنى زواله وانقضاء أجله حتى يرثه، وهو مدمن للخمر لا يعرف حقوق الأخوة والأهلية وما عليه تجاه أخيه. فهل يجوز أن لا يسلم هذا الرجل ما تركه أخاه الهالك وهو على حالته هذه، خوفاً من أن يصرف هذه الأموال في الفجور والفسوق وغير ذلك من الموبقات؟ علماً بأنني الوكيل والوصي على تنفيذ وصية الهالك، وهل تنفذ الوصية بالكامل أم من ثلث المال فقط؟
وصية التبرع لا تتجاوز الثلث، والباقي يعود إلى الوارث سواءً كان براً أو فاجراً، فإن فجور الوارث لا يمنعه من حقه في الإرث ما لم يخرجه من الملة. والله أعلم. (4/20)
صفحة 1144
ما قولكم فيمن أوصى بثلث ماله ليكون منه الحج والكفارات والرماضين إلى آخره، وما بقي من ثلث المال يعود إلى أناس آخرين لا يرثونه، إلا أن هناك ديوناً ورهناً في مال الموصي. فمن أين يتم إخراج هذه الديون والرهن وحقوق الناس عليه، هل من الثلث أم من جميع التركة؟
جميع ما على الميت من تبعات مالية تُخرج من أصل ماله، ثم تنفذ بعد ذلك وصاياه، ثم يوزع الباقي على الورثة بموجب قسمة الميراث التي جاء بها الكتاب والسنة. والله أعلم.
أوصى الهالك بوصايا عدة بعد موته، إلا أن الهالك لا يملك شيئاً إطلاقاً، والوصية التي أوصى بها تحتاج إلى مبالغ كثيرة، ونحن لا نملك هذه المبالغ لتنفيذ هذه الوصية. فما العمل؟
إن كان للميت مال ولو قليلاً فالوصية مردودة إلى ثلث ماله، وتقع المحاصصة في الثلث بقدر ما يتسع له، وإن لم يكن له مال رأساً فالوصية ساقطة، ولا يلزم الورثة إنفاذها. والله أعلم.
لقد اطلعت على وصية الهالك الذي جعلني وصياً عنه لإنفاذها، فقد أوصى بأجرة من يحج عنه وعن أبيه، وبكفارات، وأجرة صيام، وللأقربين الذين لا يرثون، وبأجرة حفر قبور، وبالتقدير: إن مجموع الوصية كان ألفين ومائتي ريال، ومجموع التركة: ألفان وخمسمائة ريال. فما رأيكم في هذه الوصية، هل أجرة الحج تخرج من رأس المال أم لا؟ وكذلك الحجة التي أوصى بها عن أبيه؟ وبقية الوصية؟
أرى أن تخرج هذه الوصية كلها من الثلث؛ لعدم وجود ما يدل على أن عليه ضماناً لأحد من الناس. والله أعلم.
هل الثلث من المال كله؟ فإذا كان رجل عنده مزرعة، وعنده مجموعة سيارات فأوصى بثلث المزرعة، وأبقى للورثة السيارات والباقي من المزرعة، لكن الورثة يقولون بأنهم بحاجة إلى المزرعة أكثر من السيارات. (4/21)
صفحة 1145
إن أوصى بشيء بعينه، ولم يكن ذلك زائداً على الثلث فإن وصيته تنفذ ولو كانت نفوسهم تتطلع إليه، فلو كان يملك مزرعة واحدة وأوصى بالمزرعة كلها، وله مال آخر بحيث إن تلك المزرعة لا تزيد عن ثلث ماله فوصيته تنفذ، ولا يجوز تغييرها. والله أعلم.
رجل جاوزت وصيته الثلث، وكان بعض ما أوصى به واجباً عليه من حقوق الله تعالى، وبعضها احتياطياً، وبعضها تنفلاً. فهل يحاصص بين هذه كلها، أم يقدم بعضها على الآخر؟
اختلف العلماء في حقوق الله هل تخرج من الثلث أو تخرج من أصل المال، والحديث الشريف يدل على أنها تخرج من أصل المال؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فاقضوا فدين الله أحق بالقضاء)، وبما أن دين الله أحق بالقضاء فهو حق واجب إخراجه ولو لم يوص به على الصحيح؛ لأن الحديث سيق في هذا المساق، هذا الذي ذهب إليه الحنابلة والشافعية، بينما أصحابنا والحنفية المالكية يقولون بأن حقوق الله لا تنفذ إلا إن أوصى بها؛ لكن بما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسائله: (فاقضوا فدين الله أحق بالقضاء)، فلا نرى التردد في الأخذ بما دل عليه الحديث الشريف.
وبناءً على هذا فإن ما كان من حقوق الله تعالى فهو يخرج من أصل المال، وما كان من الأمور الاحتياطية، أو كان من التنفلات فهو يخرج من الثلث. والله تعالى أعلم.
هل تجوز الوصية بأكثر من الثلث لمن لا وارث له؟
هذه المسألة مما اختلف فيه أهل العلم، والراجح الجواز، وذلك لأن بيت المال الذي ستؤول إليه تركة الميت بسبب عدم وجود الورثة هو غير وارث، وإنما هو حافظ للمال وصائن له، وأما المانعون فيرون أن بيت المال وارث في مثل هذه الصورة. والله أعلم.
رجل ترك مبلغ ستة آلاف ريال، وأوصى بأربعة آلاف ريال –أي بثلثي ماله – للأشياء التالية:
1- ... لمسجد بستمائة ريال.
2- ... لبعض أحفاده بخمسمائة ريال.
3- ... للفلج بأربعمائة ريال وهكذا. (4/22)
صفحة 1146
قالوا: يحاصص بينها. فكيف تكون طريقة المحاصصة بينها، هل يقسم نصيب كل مما ذكر على اثنين؛ لأن ثلث الوصية هو نصف ما أوصى به؟ وبما أن الثلث قسم على اثنين، فكذلك من استحق شيئاً من الوصية أخذه مقسوماً على اثنين؟
نعم، فمن أوصي له بستمائة يعطى ثلاثمائة، ومن أوصي له بخمسمائة يعطى مائتين وخمسين، ومن أوصي له بأربعمائة يعطى مائتين وهكذا. والله أعلم.
أحكام الموصي والموصى له
ما حكم الوصية للحمل؟
لا مانع من الوصية للحمل؛ لأن الوصية ليست كالإرث، فالإرث لا يستحقه إلا من كان مولوداً إبان موت الموروث، أما الوصية فهي بخلاف ذلك، ولذلك يمكن للإنسان أن يوصي للناس جيلاً بعد جيل، فيوصي لهذه الأسرة، ثم لأولادهم فيما بعد، ثم لأولاد أولادهم فيما بعد وهكذا، كما هو الشأن في الوقف عندما يوصي به الإنسان، ولكن الإرث لا يكون كذلك، فالإرث لا يكون إلا للجيل الأول، إلا أن ينتقل إلى ورثة الوارثين من خلال إرثهم لهؤلاء الوارثين، لا من خلال إرثهم للموروث الأول، فلذلك لا مانع من أن يوصي الإنسان للحمل. والله أعلم.
هل يجوز للطفل أن يوصي؟ وهل تثبت وصيته؟
أولاً نحن لا نسميه طفلاً ما دام عاقلاً، ووصية الصبي إن كان عاقلاً مختلف فيها بين العلماء: منهم من قال بأن الصبي لا يعتد بوصيته كما لا يعتد بطلاقه، ولا ببيعه ولا بابتياعه، ولا بمعاملاته جميعاً، وهذا هو قول الشافعي وأصحابه وكثير من العلماء، وذهب كثير من أصحابنا والحنفية والمالكية إلى أن الصبي إن كان عاقلاً فإنه وإن كان لا يباح له أن يتصرف في ماله إلا أن له أن يعتق. والله تعالى أعلم.
ما حكم وصية المريض والصبي؟ (4/23)
صفحة 1147
المريض له أن يوصي، بل هو أحوج ما يكون إلى الإيصاء، والله تبارك وتعالى يقول: { كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ والأقربين بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ }()، وحضور الموت في الآية يعنى به أن تكون أمارات الموت حاضرة، سواء كان ذلك لمرض أو لأنه حكم عليه بالإعدام، أو نحو ذلك.
وأما الصبي ففي وصيته خلاف: فمنهم من رأى أن له أن يوصي؛ لأن الوصية تختلف عن العطية، ولأن الصبي يتقرب إلى الله تبارك وتعالى بالقربات، فلا مانع من أن يوصي، وقد يلزم الصبي أيضاً ضمان في ماله بناء على أن بعض تصرفات الصبي يترتب عليها الضمان في ماله، فمن العلماء من قال بأنه يلزم الصبي ما أكله في بطنه أو ركبه بفرجه، فهنا يلزمه بعد البلوغ أن يؤدي ذلك من ماله، فقد يوصي بذلك من ماله؛ لأنه حق متعلق بالمال، هذا على القول بأن هذين الحقين يتعلقان بمال الصبي كما يقول بعض أهل العلم، ومنهم من منع وصية الصبي إلحاقاً بسائر معاملاته الممنوعة. والله أعلم.
الوصية لحفر القبور، هل تجوز على اعتبار أن الحفر عمل إنساني واجب؟
لا مانع من ذلك، وفي ذلك بر إن شاء الله. والله أعلم.
أحكام الوصي
رجل كتب وصية أوصى فيها ببعض الوصايا تُنفّذ بعد وفاته، ولكن الوصي رجع الوصية لصاحبها قبل وفاته متعذراً بعدم إمكانيته تحمل مسئوليتها، وظلت الوصية مع صاحبها حتى توفاه الله. فهل على الوصي –الذي اعتذر في حياة الموصي– تبعة في الوصية ومتابعة تنفيذها؟
إن تعذر الوصي في حياة الموصي لم تبق عليه تبعة بعد مماته. والله أعلم.
هل يجوز للوصي أن يقوم بدفع مبالغ الوصية من ماله الخاص على أن يسترده فيما بعد من تركة الموصي الهالك، وذلك في مثل حفر القبر، والمغسل، وفقراء الأقربين، والكفارات، وصوم رمضان، والحجة؟ وما قولكم في الأقربين، ومن هم؟ (4/24)
صفحة 1148
لا حرج عليه إن وجد عسراً في استخراج ذلك من مال الميت أول الأمر، فدفعه من ماله إلى أن يتيسر استخراجه من التركة، ووصية الأقربين هي لجميع الأقربين أغنيائهم وفقرائهم، ولا تخص لفقرائهم كما جاء في السؤال، وتوزع بينهم بالسواء بقدر ما تتسع له من درجاتهم، سواء كانت قرابتهم من قبل الأب أو من قبل الأم، وإنما يراعى تقديم الأقرب فالأقرب. والله أعلم.
رجل كتب وصية وأودعها أمانة عند أمين، وبعد سنوات توفي الموصي، كما توفي الشخص الذي كانت الوصية في أمانته من بعده بسنين، ووجدت الوصية من ضمن أوراقه، والوصي لا يعلم بها، وكان الورثة قد اقتسموا التركة. فهل على الوصي مطالبة الورثة بتنفيذ الوصية بعد مضي أكثر من عشرين سنة من وفاة الموصي، أو أنه يسعه السكوت عنها؟ ...
نعم عليه أن يطالبهم بذلك، وأن يرفع الأمر إلى القضاء الشرعي إن امتنعوا. والله أعلم.
أوصى رجل بثلث ماله بما يمتلكه من عقار ونقود ونخيل خيراً يصرف ذلك بعد وفاته من جميع ما يحتاجه الميت من تجهيز دفنه، وقراءة الأنعام والفاتحة وختمة رطبة، الباقي من الخير يبنى به مسجداً في أي مكان، حسب ما يراه وكيله سالمين. فمن الوكيل الوحيد في التصرف بالثلث الذي أوصى به المتوفى؟
بما أن الموصي عيّن وصيه الذي هو يتولى تنفيذ وصيته، والعمل المشار إليه مما يتعلق بإنفاذ الوصية، فإنه هو الذي يقوم به، اللهم إلا إن ثبت شرعاً أنه غير صالح لذلك. والله أعلم.
في رجل توفي وأوصى بوصية، وجعل وصيّهُ على هذه الوصية شخصاً من غير ورثته، وقد جعل له عن تنفيذ الوصية مبلغاً وقدره مائة ريال عماني، وأراد الورثة أن ينفذوا وصيته بأنفسهم ويعطوه المبلغ الذي أوصى به المتوفى للوصي. فهل يجوز لهم ذلك؟ (4/25)
صفحة 1149
بما أنه وصيٌّ عينه الموصي بنفسه، ولم يعتذر عن تحمل مسئولية إنفاذها عندما علم أن الموصي اختاره لذلك فليس له التخلي، بل يجب عليه الإنفاذ، وعلى الورثة أن يمكنوه من ذلك، إلا إن ظهرت لهم منه خيانة فعليهم إقامة الحجة بذلك عند القاضي الشرعي. والله أعلم.
ما قولكم في رجل أوصت على يديه والدتي بوصايا ينفذها بعد موتها، وقالت له: أمسك هذه ضاحية النخل، وحسب المبالغ التي قد تدفعها قيمة الوصايا في هذه الضاحية، ثم قام على الوارث وقال لهم: أدوا ما عليكم من قيمة الوصايا التي نفذها _وهم متكاسلون_ لأنهم جملة وراث بنين وبنات، والوصي منذ قبض هذه الضاحية يعمرها ويستغلها، فلا أدري ماذا عليه من استغلاله الضاحية وما يلزم الوارث؟
الإرث إنما هو بعد إنفاذ الوصايا وقضاء الديون لقوله تعالى: { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ }()، وعليه فإن لم يؤد الورثة ما بحوزتهم من حق الوصية أعيدت القسمة من جديد، وإن كان الموصي عين شيئا من ماله تنفذ منه وصاياه، فانه يراعى ذلك في الإنفاذ، إلا إن لم يكف ما عينه لإنفاذها فيرجع في الباقي إلى سائر المال، ويرد إلى الورثة ما زاد على نفقاته التي أنفقها على الضاحية من غلتها. والله أعلم.
عن رجل جعل رجلا وصيّهُ ومعه أحد الورثة، فلما توفي الموصي أراد الورثة أن ينفذوا وصية والدهم بأنفسهم دون الرجوع إلى الوصي. فهل يسع هذا الوصي أن يتخلى عن إنفاذ هذه الوصية؛ لأنه لا يحب أن يدخل في نزاع مع الورثة، لاسيما وأن أحد الورثة من جملة الموصى إليهم؟
إن كان أقر الموصي في حياته عندما اختاره وصيا ولم يعتذر إليه فإنه لا يحق له التخلي بعد وفاته، فإنه لم يختره لتحمل هذه الأمانة إلا لثقته فيه وائتمانه إياه، فعليه أن يكون مع حسن ظنه، وأن لا يخيب فيه أمله. والله الموفق.
ما قولكم: إذا عين الموصي أوصياءه لإنفاذ وصيته، أو عين أشخاصا بأعينهم من الأقربين، فأوصى لهم دون الباقين؟ (4/26)
صفحة 1150
أما إن أوصى لبعض الأقربين دون بعض فقيل بأن الوصية تعمم لكل من يستحقها من الأقربين، وقيل: إن كان الذين أوصى لهم تنالهم الوصية؛ بحيث إنه لم تكن هناك درجة أقرب منهم إليه فهم أولى بها دون الآخرين، وإن لم تكن تنالهم فإنها تعمم للجميع، أما إذا عين شخصاً ليكون وصيه فإنه يعتد بذلك وعليه أن يعين ثقة، وله أن يعين اثنين فصاعدا، وإن عين اثنين فصاعدا فإما أن يعتبرهم جميعا أوصياء معا، ففي هذه الحالة لا يستقل أحدهم بتنفيذ وصيته دون الآخر، بل لا بُدَّ أن يشتركوا في التنفيذ جميعا، أما إن قال مثلا: بأن الحاضر منهم يقوم مقام الغائب، والصحيح يقوم مقام المريض، والقادر يقوم مقام العاجز، والحي يقوم مقام الميت، فإن من حضر وهو صحيح قادر على تنفيذ الوصية فهو يقوم بتنفيذها، ولا حرج إن لم يشاركه الآخر. والله تعالى أعلم.
هل للوصي أن يوكل غيره في إنفاذ الوصية التي أوصى إليه بأن ينفذها؟
إن كان غير قادر على تنفيذها فله أن يستعين بغيره، مع مراقبة ما يفعله الغير، وليحرص على أن لا يستعين إلا بأمين. والله أعلم.
ما هي شروط الوصي الذي تسند له الوصية؟ وهل المعتبر في هذه الشروط وقت الإيصاء أم الموت أم إنفاذ الوصية، فمثلا لو جعل وصيه ابنه الصغير، فهل يكون وصيا شرعيا فينتظر إلى البلوغ، أم لا وتسند إلى غيره؟
إن كان عند الإيصاء صبيا، وعند الوفاة بالغا فإنه يعد وصيا ويتولى إنفاذ الوصية، وأما إن كان وقت الوفاة صبيا فإنه لا ينتظر إلى وقت بلوغه، وإنما يوكل إنفاذ الوصية إلى غيره، وذلك لما يؤدي إليه الانتظار من تعطيل المصالح، فإن تركة الميت تتعلق بها عدة حقوق: فيتعلق بها إنفاذ ديون الميت أولا، ثم إنفاذ الوصية، ثم إعطاء الورثة أنصباهم، والانتظار يؤدي إلى الإضرار بذلك. والله أعلم.
هل يجوز للوصي شراء ما بيع من مال الميت لتنفيذ الوصية؟ (4/27)
صفحة 1151
أما أن يكون هو البائع والمشتري فلا، وإنما يوكل من يشترى له، على أن يكون هناك أكثر من شخص يرغبون في الشراء حتى لا تكون في ذلك محاباة. والله أعلم.
ما يدخل تحت لفظ الوصية
ما قولكم فيمن أوصت لابنتها من بعد موتها ببيت لها عن ضمان، وذكرت بما اشتمل عليه من أبواب وجذوع وأثاث، وفي البيت مناديس وصياني وصفاري. فهل تدخل في المشتمل بعدما عينت من المشتمل الأبواب والجذوع والأثاث، أم أن الأثاث يطلق على كل شيء في البيت؟
من أوصى لأحد ببناية بما اشتملت عليه من جذوع وأبواب وأثاث، فإن كلمة الأثاث يندرج تحتها ما يصدق عليه هذا اللفظ عرفا؛ لأن العبرة بالعرف في مثل هذه الأمور، أما من ناحية اللغة فإن الأثاث يطلق لغة على متاع البيت، والمتاع كل ما ينتفع به؛ لأنه مأخوذ من الاستمتاع، وقد سمَّى الله الدنيا متاعا، هذا وإذا كان هنالك استثناء فإن الاستثناء قرينة دالة على أن ما عدا المستثنى داخل تحت مدلول اللفظ إذا كان من جنس المستثنى. والله أعلم.
رجل توفي وكان قد أوصى بثلث ممتلكاته خيرا، وهي منزل بُني بالمواد الثابتة، وبه دكانين في أرض محاطة بجدار إسمنتي، وثمانية عشر ألف ريال عماني، وبما أن أولاده ووالدتهم مقيمون في ذلك المنزل، فهل يعتبر من ضمن الوصية أم لا؟
كل ما يصدق عليه اسم تركة يدخل في التركة، وإنما يمكن الاعتماد على التقويم فيسلموا ثلث قيمة المنزل للوصية. والله أعلم.
توفي رجل وكان قد أوصى لزوجته بجلبة نخيل تسمى جلبة المحبوبة، ونصت الوصية على أن الجلبة تحتوي على نخلتي خصاب، وبعد وفاته أراد منفذ الوصية تنفيذ ما جاء فيها؛ إلا أنه ظهر أن هذه الجلبة تحتوي على أكثر من سبع نخلات، مع العلم وحسبما تقول زوجته الموصى لها بذلك أنه قال لها في حياته بأن لها الجلبة كاملة بعد وفاته. فما قولكم في ذلك، أتثبت لها الجلبة بما فيها من نخيل، أم تثبت لها النخلتان المشار إليهما في ظاهر الوصية؟ (4/28)
صفحة 1152
بما أنه ذكر نخلتين بعد ذكره الجلبة، فإن أكثر المشايخ رأوا أنها لا تستحق إلا نخلتي خصاب من أوسط نخيل الجلبة، وعليه نعتمد، هذا إن كانت الوصية من حق لها عليه، أما إن كانت تبرعا منه لها فلا تثبت؛ لعدم جواز الوصية للوارث إلا من ضمان. والله أعلم.
رجل أوصى بمبالغ لمن يغسله:
- ... من يدخل في لفظ التغسيل، هل هو من تولى العرك أم كل من شارك في الغسل كنصاب الماء والممسك للستر؟
- ... لو اشترك في الغسل والعرك أكثر من واحد، فهل يستحقون ذلك جميعهم؟
يراعى في ذلك العرف، والظاهر أن العرف يقتضي دخول هؤلاء جميعا فيما أوصي به لتغسيل الميت، ولو بصب الماء وإمساك الستر. والله أعلم.
رجل أوصى بثلث ماله بعد موته لأناس ربما لحقه ضمان منهم، والوصية ناطقة من أموال خضراء، وبيوت، ورموم ورثة، وغيره من الأموال. فهل يتم إخراج هذا الثلث من المبالغ النقدية التي خلفها الموصي، أم يكون من الأموال الخضراء والعقارات دون الدراهم؟
إن كانت الوصية المال فجميع التركة تدخل في المال إلا إن فسرها بقوله من كذا وكذا، فإنما تخرج من تلكم الأصناف المفسرة قدر ثلثها؛ لأن ذلك تخصيص لعموم التركة. والله أعلم.
ما قولكم في رجل أوصى بأربع نخلات من ماله لأربعة مساجد، ولم يحدد النخلات، ولم يكن بقرب هذه الأفلاج نخيل له، علما بأنه لديه أربعة أفلاج وبكل فلج نخيل. فكيف تخرج هذه النخلات؟ وهل يجوز للورثة شراء هذه النخيل وتعويض النخيل بالقيمة؟
تخرج هذه النخيل من وسط ماله، أي من أوسط النخيل التي يملكها الموصي، ولا يجوز تعويض القيمة عنها لما في ذلك من تبديل الوصية. والله أعلم.
لقد أوصى رجل لآخر ببيته، ويوجد في الوصية كلمة مستحقات، فما المقصود بها، هل هي الأثاث أم غير ذلك؟ وكذلك وجدنا أنه باع نفس البيت بيع إقالة، فماذا ترون في ذلك، علما بأن بيع البيت كان بعد كتابة الوصية؟ (4/29)
صفحة 1153
مستحقات البيت جميع ما يتكون منه: من أبواب وأخشاب وحريم وأمثالها، وتصرف الموصي فيما أوصى به بالبيع يعد رجوعا عن الوصية. والله أعلم.
من أوصى بشيء من ماله لرجل، ثم تبين أن له شيئان أو ثلاثة من جنس المال الموصى به، كأن يوصي له بسيارته أو بمزرعته فيوجد له أكثر من سيارة وأكثر من مزرعة. فكيف يتصرف في مثل هذه الحالة؟
المشهور في مثل هذه الحالة أن يعطى الوسط من حيث النوع ومن حيث الجودة. والله أعلم.
وصية الأقربين
هل الوصية للأقربين لازمة؟ فإذا كانت لازمة، فمن هم الأقربون اللازمة فيهم الوصية؟ علما بأن أموال الموصي ديون في أيدي الناس؟
تجب وصية الأقربين على من ترك خيرا، أي مالا ولو كان دينا في ذمة الناس، لقوله تعالى: { كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقربين بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ }()، وقد أسقط حق الوالدين بما دلت عليه السنة والإجماع أنه لا وصية لوارث، وبقي حق الأقربين الذين لا يرثون، وعليه فإن من كان له أبناء صلب يرثونه، فالأقربون في استحقاق هذه الوصية أولاد الأبناء، وكذلك الأجداد مع الآباء، ثم الإخوة والأخوات وأولادهم، ثم الأعمام والأخوال والخالات أولادهم، وهكذا. والله أعلم.
إلى كم تقطع وصية الأقربين؟ وإذا فضل شي، قليل من دراهم الوصية لا يمكن قسمتها، فإلى من تدفع؟
اختلف العلماء هل تقطع وصية الأقربين بعد أربعة آباء أو خمسة أو إلى سبعة؟ أقوال، وإن فضل شيء من الدراهم التي لا تمكن قسمتها بين الأقربين أعطيت الأقرب. والله أعلم.
إذا لم تكف الدراهم الموصى بها للأقربين، فهل يجوز قطعها في بعضهم دون بعض؟
إذا كان ما أوصى به للأقربين لا يكفي لهم جميعا، أُعطِي الأقرب فالأقرب منهم، وقطعت الوصية عندما يبقي من المبلغ ما لا يكفي للانتفاع به إذا قسم على الأفراد. والله أعلم. (4/30)
صفحة 1154
فيمن توفي له بعض أقاربه، وأراد أن يتصدق عنه بشيء. فهل الأفضل تركها لأقاربه أم لفقراء المسلمين؟ وهل هناك فرق إذا أوصى الهالك لأقاربه أو لم يوص؟
إذا أوصى أحد لأقربيه وجب تنفيذ الوصية فيهم، ووصية الأقربين واجبة عندنا لقول الله تعالى: { كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقربين بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ }()، وإذا لم يوص للأقربين وأوصي لغيرهم أعطي الأقربون الثلثين والثلث للآخرين في قول أكثر علمائنا، وقيل بعدم التبديل، أما إذا أوصى للفقراء مطلقا، وكان هنالك فقراء من أقربيه فلا مانع من إعطائهم من الوصية لفقرهم، شريطة أن لا يكونوا ورثة. والله أعلم.
ذكر العلماء أن وصية الأقربين تقطع قسمتها بدانق واحد. فما هو الحد الذي تقطع معه وصية الأقارب في هذا الوقت؟
تقطع وصية الأقربين في وقتنا هذا إذا انتهت إلى حد ما لا ينتفع به، والدانق لم يتفق عليه سابقا، وإنما هو رأي لبعض العلماء، وإلا فقد قيل: بنصف دانق وبدانقين، وكل هذه الآراء مبنية على الاجتهاد والنظر. والله أعلم.
ما قول سماحتكم في رجل أوصى بمائتي ريال للفقراء الأقربين الذين لا يرثون، مع العلم بوجود أولاد الابن، والإخوة الأشقاء، والإخوة من الرضاع، والأعمام والعمات، والأخوال والخالات وأولادهم، فكيف توزع هذه الوصية؟
الإخوة من الرضاع لا يدخلون في الوصية؛ لأن الرضاع سبب وليس بنسب، ومع اتساع الوصية يعطى منها هؤلاء كلهم بالسواء، ولا تختصر هذه الوصية بالفقراء، وإنما هي لكل قريب؛ لأنها حق للغني والفقير معا بسبب القربى. الله أعلم.
من لم يوص لأقربيه، ما الحكم؟
الوصية تجب على الإنسان لأقربيه إن كان واجدا لنص الآية، وإن لم يوص بها كان آثما؛ ولكن لا يصرف من ماله لأقربيه من غير وصية. والله أعلم. (4/31)
صفحة 1155
رجل كان قد أوصى قبل موته بمبلغ من المال لأقاربه الفقراء. فمن هم هؤلاء فقراء حسب تحديد الشرع؟ وهل تراعى درجة فقر كل منهم؟
تنفذ الوصية حسبما أوصى، فإن أوصى لفقراء قرابته فلتوضع فيهم، وإن كانت الوصية حقا للأقربين غنيهم وفقيرهم، لقوله تعالى: { كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقربين بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ }()، والفقير كل من لا يكفي دخله لنفقاته الضرورية. والله أعلم.
من هم الفقراء الأقربون، هل هم أولاد الأولاد من الذكور، أم من الإناث، أم جميع الأقارب الذين لا يرثون شيئا؟
وصية الأقربين غير خاصة بفقرائهم، بل هي شاملة للغني والفقير لقوله تعالى: { كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقربين بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ }()، فترى أنه لم يقيدها بفقراء الأقربين، والأقربون هم جميع القرابة الذين لا يرثون، سواء كانوا أولاد الأولاد، أو من كان من قبل الأب، أو من قبل الأم من الأقربين، وإنما يقدم الأقرب فالأقرب حسبما تتسع الوصية. والله أعلم.
رجل هالك كان قد أوصى بمبالغ للفقراء الأقربين بعد موته. فمن يكون هؤلاء الأقربون؟ وهل تعم الذكور والإناث على السواء؟
وصية الأقربين غير خاصة بالفقراء، بل هي شاملة للأقربين فقراء كانوا أم أغنياء؛ لأنها صلة لذوي القرابة بعد الموت، وقد ذكرها الله في القرآن مطلقة غير مقيدة بالفقر، فتقييدها بذلك من تصرف الجهال وليس من الحق في شيء، وهي خاصة بالأقرباء الذين لا يرثون؛ لحجبهم بمن هو أقرب منهم، أو لكونهم من ذوي الأرحام، كأولاد الأولاد مع وجود الأولاد، وكذلك الإخوة والأخوات وأولادهم، والأعمام والعمات، والأخوال والخالات وأولادهم، والذكر والأنثى فيها بالسواء. والله أعلم. (4/32)
صفحة 1156
رجل كان قد أوصى قبل وفاته لأرحامه بمبلغ مائتي ريال عماني، وله من الأرحام: أولاد أولاده، وأولاد أولاد عمه، وأولاد أولاد خاله، وغيرهم الكثير. فكيف يوزع هذا المبلغ بينهم؟
الأصح توزيع هذه الوصية بين أقربيه بالسواء إن لم يميز بينهم في وصيته. والله أعلم.
رجل أوصى للأقربين: منهم أولاد عم، ومنهم أولاد أخ. فمن منهم يأخذ أكثر من الوصية؟
اختلف في وصية الأقربين، هل توزع بينهم بالسواء أم يعطى الأقرب ضعف الأبعد؟ والراجح الأول؛ لاشتراكهم جميعا في صفة القرابة، وبناء على التمييز فإن أولاد الأخ أقرب من أولاد العم. والله أعلم.
رجل أوصى بمائة ريال عماني يخرج منها صلاة، والباقي للفقراء الأقربين، وكان قد ترك من الأقربين أولاد ابن، وأولاد بنت، وأولاد أخ، وأولاد أخت وأولادهم، وأولاد عم ذكورا وإناثا. فكيف تقسم هذه الوصية بينهم؟
كل هؤلاء أقربون فلهم حق في هذه الوصية، وتقسم بينهم بالسواء، لا فرق بين ذكر وأنثى، ولا بين أقرب وأبعد. والله أعلم.
ما قولكم فيمن أوصى قبل وفاته بألف ريال عماني لأقربيه الذين لا يرثون من ماله شيئا، وللهالك أحفاد، وأخ شقيق، وأبناء أخ شقيق. فهل للأخ وأبناء الأخ نصيب من هذا أم لا؟
نعم، هؤلاء كلهم أقربون، فلهم نصيبهم من الوصية، وإنما اختلف في توزيعها بينهم، فالمتقدمون من علمائنا يرون توزيعها بالدرجات، وإمامنا السالمي رحمه - يرى توزيعها بينهم بالسواء، وبه نأخذ. والله أعلم.
امرأة كانت قد أوصت لأرحامها بمال، ومن أرحامها أولاد أخ، وأولاد أخت، وأولاد خالة. فمن منهم يستحق من الوصية، وما المقدار لكل منهم؟
الوصية للأرحام يستحقها جميع الأرحام الذين لا يرثون، وهم الأقربون غير الوارثين الذين دلت على وجوب الوصية لهم مع ترك الخير آية من كتاب الله، ويشتركون جميعا في الوصية؛ لاشتراكهم في صفة القرابة ومعنى الرحم. والله أعلم.
رجل كان قد أوصى قبل وفاته بوصية للأرحام. فمن هم هؤلاء الأرحام؟ (4/33)
صفحة 1157
الأرحام كل من يربطه نسب ولو إلى خمسة آباء، وقيل: إلى سبعة آباء. والله أعلم.
ما قولكم فيما يكتبه كثير من الناس في وصاياهم للأقربين، حيث إنهم يكتبون فقراء الأقربين، وعند تنفيذ هذه الوصايا يحتار الورثة في أن يعطوا الأقربين دون تقييد، أو يقتصرون على مورد النص فيعطون الفقراء فقط خوفا عن دخولهم في قوله سبحانه وتعالى: { فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }()؟
يعتبر في هذا القصد وإن لم يدل عليه اللفظ. والله أعلم.
من أوصي لأقاربه الذين لا يرثون إلا أنه نص في وصيته أن المال لفقراء الأقربين. فهل يقصر تنفيذها على الفقراء منهم، أم تعمم علي جميع الأقربين؟
هذا من الخطأ الذي يقع فيه الناس بسبب الجهل، فوصية الأقربين تشمل كل قريب غنيا كان أم فقيرا، ولكن بما أن مقصد الموصي الإيصاء للأقربين جميعهم؛ ولكن الجهل جعله يكتب لفقراء الأقربين، نرى تعميم الوصية على الأقارب، وعدم قصرها على الفقراء منهم. والله أعلم.
في وصية الأقربين إن اقتصر بتوزيعها على الدرجة الثالثة من الموصى مثل ابن ابن، دون من هو أعلا من ذلك؛ ولكن وجد لهذا الميت الموصي قريبا له بالدرجة الخامسة، وأراد الوصي إعطاءه من الوصية مثل نصيب ما أعطى من بالدرجة الثالثة؛ لسبب معرفة صلة النسب بين الموصي وهذا القريب خوف التناسي. فهل في ذلك من حرج، أم يلزم التساوي في الإعطاء لكل الأقارب؟
لا يترك الأقرب ويعطى الأبعد ما لم يخصه الميت بوصية. والله أعلم.
إذا أوصي الهالك بوصية مثل مال أو فلوس لأحد الأقربين من بعد الوصية التي أوصى لهم بها، فهل يحق لهم نصيب من وصية الأقربين؟ (4/34)
صفحة 1158
إذا خصص أحد بعض أقربيه بوصية، وأوصى كذلك للأقربين بالوصية المشروعة لهم، فلا يمنع إيصاؤه لهؤلاء أن يدخلوا في الوصية العامة؛ لاحتمال أن ما أوصى به لهم خاصة لضمان لزمه، أو لوجه يقتضى الوصية، اللهم إلا أن يتضح أن وصيتهم من باب الوصية للأقربين. والله أعلم.
هل يحق للأقربين بأن يطالبوا بحق الوصية التي أوصى بها الهالك لهم شرعا؟
يحق لكل من أوصي له بشيء أن يطالب به بعد موت الموصي، سواء كان من الأقربين أو من غيرهم. والله أعلم.
الوصية للأقارب غير الوارثين
امرأة أوصت في حياتها بخمس نخلات لحفيدها (ولد ولدها) في حضور شهود ودون كتابة. فهل يحق لها ذلك إذا كان لديه إخوة؟
إن كان غير وارث فذلك جائز إن لم تتجاوز الوصية الثلث. والله أعلم.
رجل كان قد كتب وصية قبل وفاته بنصف منزله لابن أخيه، وذلك مقابل مبلغ ثلاثمائة ريال عماني؛ كان قد دفعه لعمه الهالك قبل وفاته عند بناء هذا المنزل، وقيمة المنزل المذكور تبلغ ألفا ومائة ريال عماني. فهل يجوز له ذلك؟ علما بأن الهالك خلف وراءه زوجة وأربعة من الأبناء.
ذلك تصرف من مالك المنزل، فماذا يقال فيه؟
رجل أوصى ببيته لأولاد ابنة أخته، فهل تثبت هذه الوصية وينتقل بها هذا البيت إلى الموصى لهم بعد وفاة الموصي، أم أنها غير ثابتة فيكون من ضمن التركة تقسم بين جميع الورثة؟
إن كانت هذه الوصية لا تتجاوز مع سائر ما أوصى الثلث فهي ثابتة، وإن تجاوزت الثلث ردت إليه بالمحاصصة. والله أعلم.
1- رجل أوصى ببعض ماله لأولاد أولاده ما تناسلوا الذكور منهم -هكذا أورد في الوصية-. هل تعم هذه الوصية نسل الأولاد الذكور والإناث أم نسل الذكور فقط؟
2- أصبحت الآن هذه البيوت والنخل الموقوفة متهدمة ولا ينتفع بها، فماذا نفعل، هل لنا أن نبيعها ونشتري بها ما فيه منفعة لهذا الوقف؟
1) بما أن الموصي نفسه خصص الوصية بأولاد أولاده الذكور فلا تدخل في هذا الذي أوصي به الإناث. والله أعلم. (4/35)
صفحة 1159
2) تجوز الاستعاضة عن الموقوف بما هو أجدى نفعا؛ على أن يكون ذلك باتفاق الموقوف لهم. والله أعلم.
الوصية للوارث
رجل توفي وأوصى بإعطاء البستان الغاص به لورثة رجلين، وورثة هذين الرجلين يختلفون في العدد، كما أن أحد ورثة الرجلين يرث الرجل المتوفى صاحب الوصية. فكيف تكون القسمة بينهم شرعا؟
يقسم البستان بين جميع ورثة الرجلين بالسواء، إلا من يرث الموصي منهم فلا نصيب له من الإرث، اللهم إلا أن يبين أن الوصية من ضمان لزمه لهم. والله أعلم.
ما قولكم في رجل توفي وله ولد وبنت، وكان قد أوصى أن يقسم المال الذي تركه بالنصف بين الولد والبنت، وأشهد على ذلك ثلاثة رجال، وبعد أن توفي والدهما أرادا أن يقسما الموروث بينهما؛ ولكن الولد رفض إعطاء أخته النصف كما هو مكتوب في الوصية، وقال لها: لك الثلث فقط؟
هذه الوصية باطلة من أساسها، لمخالفتها حكم الله المنصوص عليه في كتابه، والمتوعد مخالفه بأشد الوعيد، فتقسم التركة بكتاب الله. والله أعلم.
ما قولكم في رجل له زوجتان، واحدة منهن أدى حقوقها كاملة، أما الثانية فعقها مدة طويلة ولم يؤد حقها كما فرضه الله عليه، ثم رجع وندم على ما فعل وتاب إلى الله، وأراد بعد ذلك أن يوصي لها -دون زوجته الأخرى- من ماله شيئا بعد موته من الضمان الذي لحقه منها، فهل يجوز له ذلك؟
له أن يوصي لزوجته التي قصّر في حقها بقدر ما لها من حق بدون زيادة عن ذلك، ولا يلزمه بجانب ذلك أن يوصي لزوجته التي وفر لها حقها. والله أعلم.
رجل أوصي في حياته من ماله لبعض من أولاده دون الآخرين (صغار السن)، والآن بقي القليل من ماله. فهل يكون للذين كانوا صغارا ولم يوص لهم من قبل، أم يشترك فيه الجميع؟
الوصية للورثة باطلة، فلا وصية لوارث بالسنة والإجماع، اللهم إلا إن كانت من ضمان علي الموروث لوارثه، وعليه فإن الموصى به لهم من غير ضمان مع سائر التركة لكل وارث فيه حق بحسب قسمة الحق التي شرعها الله. والله أعلم. (4/36)
صفحة 1160
امرأة عندها بنتان وأخ خليص وأخ من أب، وبما أن كل ما تملكه من ميراث زوجها وابنها كانت قد كتبته لبنتها، والمرأة ما زالت على قيد الحياة، فهل بحق لأخيها الخليص شيء من الورثة؟
أما الوصية فلا وصية لوارث، وأما العطية فلا مانع من أن يعطي أحد أولاده في حياته، مع العدل بينهم. والله أعلم.
رجل توفي وترك صبية، وكان له زوجتان: للزوجة الأولي المتوفية ولد وبنت لا يزالا علي قيد الحياة، والأخرى التي لا تزال علي قيد الحياة لديها ثلاثة ذكور، ومثلهم من الإناث، وهم صغار في السن، ولا يزالون علي قيد الحياة أيضا، فكتب الهالك وصية للزوجة الثانية وأولادها بمبلغ خمسة آلاف ريال، ومنزل بمبلغ ستين ألف ريال عماني، في حين لم يوص لبقية أبنائه من الزوجة الأولى بشيء. فما قول سماحتكم في هذه الوصية؟
لا وصية لوارث إلا إن كانت ضمان. والله أعلم.
رجل أراد أن يكتب لزوجته بيتا أو شيئا من أملاكه من ضمان يخاف أن يكون قد لزمه لها أثناء المعاشرة الزوجية في حياتهما، ولكنه اشترط أن لا يكون لها أي حق في التصرف فيه، وألا تستغله إلا بعد موته. فهل له ذلك؟
هذه وصية، إذ الوصية لا يستحقا الموصى له إلا بعد موت الموصي، وثمَّ يتمكن من التصرف فيها، وهي لا تحق للوارث إلا إذا كانت من ضمان مؤكد وبقدره، أما إذا كان غير واثق من الضمان، وإنما هو مجرد احتياط، فليس له أن يوصي لوارثه زوجةً أو غيرها، وإنما تباح العطية للوارث في الحياة من غير حجر التصرف. والله أعلم.
عن رجل توفي وترك زوجتين، حيث أوصي لهما بالقيام الكافي أثناء العدة، وهاتان الزوجتان كل واحدة منهما في بيت لوحدها، وكل واحدة عندها في البيت ولدها وعائلتها، وعند الهالك عدة أولاد متفرقين، كل واحد في بيته. فما ترى لهاتين الزوجتين على الورثة الواجب دفعه لكل واحدة منهن من دراهم؟ (4/37)
صفحة 1161
الزوجتان وارثتان، ولا وصية لوارث بنص الحديث النبوي الشريف وبإجماع الأمة، وعليه فالوصية باطلة إلا إن اتفق علي إقرارها جميع الورثة؛ فذلك إليهم، وعندئذ يتفقون بينهم في القدر الذي يدفعونه، إذ لا إلزام في ذلك. والله أعلم.
ما قولكم فيمن أوصى لزوجته ببيته المرهون إلى البنك وعليه أقساط. فهل يثبت لها الإعطاء أم لا؟
الزوجة وارثة، والوصية للوارث غير جائزة، إلا إن رضي سائر الورثة، أو كانت من ضمان لازم شرعا، وما أوصي به وهو مرهون إن قيد في الوصية بعد فكاكه من الرهن ثبتت الوصية فيه، وإلا فلا. والله أعلم.
رجل أراد أن يوصي لأولاده الأيتام ذكورا وإناثا بعد موته بغلة دكاكين، وتوزع الشهرية لهم عوضا عما أعطي إخوتهم لزواج وسلاح، مادامت قبضة الدكاكين باقية بأيديهم. فهل يحق له ذلك شرعا؟
الوصية للوارث باطلة بإجماع، إلا أن تكون عن ضمان، وعلى الرجل أن يعدل بين أولاده في العطاء، فلا يؤثر أحدا على غيره، لحديث النعمان بن بشير عند الربيع -رحمه الله- وغيره، وعليه فمن أعطى أولاده الكبار فعليه أن ينصف للصغار، فيعطيهم بمقدار ما أعطى إخوتهم، سواء منحهم في حياته أو أوصي لهم بعد مماته على أن تكون الوصية لكل منهم بقدر ما ناب من العطاء لكل واحد من إخوتهم، وإنما يعطي الذكر ضعف الأنثى. والله أعلم.
ما قولكم في رجل أوصي بأن يكون من ماله بعد وفاته حق لأبنائه الذكور لزواجهم، في حالة عدم تمكنه في حياته من تزويجهم، حيث إنه كان قد زوج ابنه الأكبر، علما بأن الوصية مقصورة على الذكور فقط؟ (4/38)
صفحة 1162
اختلف العلماء في تزوج الولد إذا بلغ الحلم، هل هو حق على الأب له أولا؟ بناء على أنه حق واجب على الأب فليس عليه أن يوصي للصبيان الذين لم يبلغوا الحلم بقدر مهور زواجهم؛ لأن حقهم لم يجب عليه بعدم بلوغهم، وعليه فالوصية بذلك باطلة، إلا إن أقرها الورثة، وبناء على أنه غير واجب عليه تزويج البُلَّغ منهم، فعليه أن يوصي لغير البُلَّغ بقدر صدقات زواجهم، كما عليه أن يوصي لكل أنثى بنصف ما أوصي به للذكر. والله أعلم.
لدي الآن والحمد لله عشرة من الأولاد ذكورا وإناثا، وفي السابق كان لدي ولدان فقط، وقمت حينها بكتابة عن طريق المحكمة بأن يكون جزء من بيتي لهذين الولدين بعد وفاتي ضمانا لمستقبلهما. أما الآن وبعد أن رزقني الله بهذا الكم من الأبناء فقد بدأ إخوتهم الباقون يتنكرون لهذه الوصية ويطالبونني بإلغائها، وسؤالي لسماحتكم عن مدى صحة هذه الوصية؟ وهل الواجب أن أقوم بإلغائها، أم أنها صحيحة حسب ما حدده الشرع؟
الوصية للورثة باطلة بإجماع الأمة، لقول النبي -صلي الله عليه وسلم_: "لا وصية لوارث"، فيجب عليك الرجوع عن هذا الإيصاء الباطل المجانب للحق. والله أعلم.
رجل هلك قبل خمسة وعشرين عاما، وخلف أربعة أولاد ذكور وأربع إناث، وزوجة، وأموالا كثيرة، وطيلة هذه الفترة لم يفكر الورثة في اقتسام التركة، وبعد مضي هذه المدة أراد الورثة اقتسامها، فوجدوا وصية من الهالك بمبلغ ثمانمائة قرش للأولاد الذكور، وأربعمائة قرش للإناث، وثلاث نخلات للزوجة، وبمبلغ مائة قرش، والأموال تغطي كل ذلك، ولكن وكلاء البنات رفضوا هذه الوصية بحجة أنها لم تكتب عن ضمان لزمه لهم، ولا يوجد شهود بذلك. فما قول سماحتكم في ذلك؟
الوصية للورثة باطلة إلا إن أقرها جميع الورثة. والله أعلم.
ما قولكم في امرأة كانت قد أوصت لولدها من زوجها الهالك، مع أنها الآن في عصمة رجل آخر، ولديها منه أولاد. فهل يجوز لها ذلك شرعا، أم أنه يكتفي بالإرث مع إخوانه من أمه؟ (4/39)
صفحة 1163
لا وصية لوارث إلا إن كان ذلك من ضمان. والله أعلم.
ما رأي الشرع الشريف في رجل هلك وترك ثروة، وكان قد أوصي بجزء منها لزوجته وبعض أبنائه دون الآخرين، وذلك وفاء لضمان لزمه، ولم يحدد بالوصية نوع الضمان. فهل هذه الوصية ثابتة شرعا؟
إن كان ذلك من ضمان فتثبت الوصية، وإن اتهم سائر الورثة الموصي أنه أراد إلجاءً، فلهم يمين على الموصى لهم أنهم لا يعلمون أنه قصد بذلك الإلجاء. والله أعلم.
امرأة تملك بيتا أرادت كتابته لبناتها من ضمان لهن عما قمن به من رعاية لها في حال صحتها ومرضها، مع العلم أن لها أخت شقيقة. فهل يجوز لها ذلك، أم أن أختها الشقيقة لها حق في الإرث؟
إن لم يكن عليها لبناتها ضمان فلا يجوز لها أن توصي لهن، لحديث: "لا وصية لوارث"، وعليه الإجماع، وقيامهن بخدمتها أمر واجب عليهن، فإنه من البر اللازم علي الولد تجاه والديه، وإنما لها أن تعطي بناتها من مالها ما تراه عوضا لهن عن معروفهن من غير قصد إلجاء عن أحد الورثة، على أن تكون هذه العطية في حياتها لا إيصاء بعد موتها، والأخت وارثة مع البنات، فإن الأخوات مع البنات عاصبات. والله أعلم.
رجل أوصى لأولاده الذكور والإناث ببيت بما فيه من الأثاث مع قطعة مال أخضر على أن يسكنوا المنزل، وأما غلة المال فهي لعمار البيت، إلا إذا أرادوا القسمة، وحيث إن الأولاد عددهم ثمانية، وكل واحد منهم لديه عائلة فلم يستطيعوا السكن جميعهم. فهل يصح البيع، وتقسّم القيمة بينهم؟ (4/40)
صفحة 1164
هذه الوصية باطلة من أصلها؛ لأنها وصية لوارث، والورثة ليس لهم حق في التركة إلا ما فرضه الله لهم، ولم يكل الله تعالى أمر المواريث إلى نبي مرسل، ولا إلى ملك مقرب، وإنما تولى بنفسه تفصيلها في سورة النساء، وجعلها من حدوده التي لا يجوز تعديلها، حيث قال بعد بيان أحكامها: { تِلْك حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِين }()
وتغيير أي شيء من أحكام المواريث بوصية أو غيرها تجاوز لأمر الله وتعد لحدوده، وفي الحديث الصحيح عن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: "لا وصية لوارث"، وقد أجمع على ذلك المسلمون. والله أعلم.
توفي شخص وأوصى لأحد أبنائه وهو ابن صغير بقطعة أرض من ماله دون بقية إخوانه، ولما جاء الورثة لقسمة التركة وجدوا هذه الوصية، فأرادوا أن لا ينفذوها لما في الحديث عن الرسول _صلى الله عليه وسلم_: "لا وصية لوارث"؛ ولكن ما إن علم الأخ الصغير بنيتهم عدم تنفيذ الوصية حتى أقام الدنيا عليهم ولم يقعدها، وهددهم بأن لا يكلمهم إن لم يعطوه الأرض التي أوصى بها والده، وكذلك فعلت والدته، فاضطروا إلى إعطائه الأرض وإخراجها من المال المقتسم. فمن هو المذنب في هذه القضية، هل الأب الذي أوصى أم الأخ وأمه؟ (4/41)
صفحة 1165
الأب أذنب بوصيته للوارث، وذلك حيف وظلم وتعد على حدود الله، فإن للوارث نصيبه الذي حدده الله تعالى له، وقد قال تبارك وتعالى بعد قسمة المواريث: { تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ }(). والولد وأمه عاصيان آثمان، يبوءان بوزرهما؛ لأنهما حرصا على إنفاذ الباطل، فهو لا يستحق هذه الوصية بنص القرآن الكريم، وبنص حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ لأن القرآن دل علي أن كل تعد في أمر المواريث إنما هو تعد لحدود الله، وحديث النبي صلي الله عليه وسلم جاء واضحا صريحا في هذا، وقد كان جديرا بهذا الولد أن يحرص على التخفيف عن والده، وأن لا ينفذ الباطل الذي أوصى به والده، بل عليه أن يحرص على الابتعاد عن هذا الباطل، وأن يكون ضد إنفاذه. والله تعالى أعلم.
وهل رضاء الأبناء لتفادي هذه المشكلة يخفف عن والدهم؟
ذلك أمره إلى الله عز وجل، وإلا فقد وقع هو في مخالفة أمر الله. والله أعلم.
الوصية للفقراء ووصايا الضمان
ما مقدار المبلغ الذي يمكن تقسيمه على فقراء المسلمين من المبلغ الموصي به في الوصية؟
بحسب ما تقضيه الوصية. والله أعلم.
إذا كان في منزل ثمانية أفراد، وفي منزل آخر ثلاثة أفراد، وهؤلاء الثلاثة أحق من الثمانية، فهل يجوز أن يصرف للثلاثة ما يصرف للثمانية، أي بمبلغ مساو؟
إن كان ذلك مبلغا خاصا بالفقراء لم يحدده الشارع ولا الموصي فلا حرج. والله أعلم.
ما قولكم فيمن أوصى بعشرة ريالات لفقراء البلدة، علما بأن البلدة بها الكثير من الفقراء صغارا وكبارا، وتتفاوت درجات فقرهم، فمن منهم أحق بهذه الوصية؟ (4/42)
صفحة 1166
من كان أشد فقرا فهو أولى بهذه الوصية صغيرا كان أو كبيرا، وينبغي أن تقسم لثلاثة منهم فصاعدا. والله أعلم.
لدينا نخلات أوصي بتفريق غلتهن على الفقراء كفارة، ولكن لا أحد يرغب في التمر. فهل يجوز لنا طناؤها وشراء أرز أو غيره بديلا عنه ونقسمه؟
إذا لم يوجد من يقبل التمر فلا بأس بطناء النخل، وشراء أرز بقيمة الطناء وتوزيعه بدلا من التمر. والله أعلم.
رجل أوصي قبل وفاته بمبلغ معين لفقراء منطقته، ويطالب الفقراء الآن ببناء مخزن عام يخدم تلك المنطقة. فهل يجوز للوصي أن يستجيب لطلبهم، أم يوزع المبلغ حسب الوصية؟
إن كانت الوصية تقتضي التوزيع فعليه أن يوزع كما جاءت به الوصية، وللموزع عليهم الحق في أن يجمعوا هذا المبلغ برضاهم لبناء المخزن. والله أعلم.
رجل أوصي بخمسة ريالات عن ضمان ولا يعرف ربه. فأين يكون مرجع هذه الوصية؟
كل مال جهل أربابه ففقراء المسلمين أولى به، ويدل على ذلك حكم اللقطة، لذلك أرى أن تصرف هذه الريالات الخمسة الموصي بها إلى فقراء المسلمين، وفي ذلك تبرئة لساحة الوصي والموصي. والله أعلم.
جاء رجل مغترب من بلده، وقام ببلدنا حاجر دغمر، وعمل جابيا للعشور من محاصيل السمك، ثم عاد إلى بلاده منذ سنين، وقد توفاه الله، وأوصي بمائة وثمانين ريالا عمانيا تعطي لأهل بلد حاجر دغمر كضمان عليه. فماذا ترون فضيلتكم في هذا المبلغ؟ وكيف يجب توزيعه؟
إذا كان قد عمم أهل الحاجر في وصيته، ولم يخص الرجال أو الفقراء أو نحو ذلك، فإن هذا المبلغ يوزع بين جميع سكان الحاجر من ذكر وأنثى على عدد رؤوسهم. والله أعلم. (4/43)
صفحة 1167
رجل أوصى من ماله بعد موته بديتين لقتيلين مجهولين؛ قتلا في بلدته في زمن الجور، وهما عابرا سبيل لم يُعلما من أي قبيلة، بل ولا من أي بلدة، وأخبرني الموصي بنفسه أنه لما سمع الصريخ في البلاد خرج مع جماعة الخارجين من بلدته، وهو غير عالم بخروج الخارجين أنهم ليقتلوا أناسا، فعندما دنا منهما قُتلا في حضرته، فلا شك أنه كثر سواد البغاة، ورأى لنفسه أن يتخلص فأوصى من ماله بإنفاق ديتي قتيلين، وجعلني وصيا له، فأسألكم ماذا تأمروني في إنفاقهما، ومن المستحق لهما؟ وقد كنت قد سألت قاضي الولاية _الشيخ سيف بن راشد_ فأجاب شفاهة أن من رأيه أن يُشترى بهما ماء ويقعد سنويا، وتنفق قعادته في الفقراء الضعفاء، وأن يكون الأصل باقيا فيما إذا لو وجدوا ورثة القتيلين، وعُلموا من أي قبيلة أو من أي بلدة لكان الأصل موجودا لم يتغير؟
الظاهر أن هذا الموصي لا يلزمه شيء من دية القتيلين؛ لأنه لم يخرج لتكثير سواد البغاة، وإنما حصل ذلك أمامه بمجرد الصدفة، ولكنه لما وصى بهذه الدية لزم تنفيذ الوصية، وإذا لم يمكن التوصل إلى ورثة القتيلين لزم على الصحيح جعل هذه الدية الموصى بها في فقراء المسلمين؛ لأنه مما جهل أربابه، وكل مال جهل أربابه ففقراء المسلمين أولى به، والأصل في ذلك حكم اللقطة الثابت بالسنة، فإن رأيت توزيع هذه الوصية على فقراء المسلمين فحسن، وإن رأيت الأخذ برأي الشيخ سيف _قاضي الولاية_ فكذلك تبرأ ذمتك. والله أعلم.
رجل أوصى بمال للفقراء. فما هو أقل عدد من الفقراء يجزي لإنفاذ الوصية؟
الفقراء جمع، وأقل الجمع ثلاثة، فإن أعطي ثلاثة فصاعدا أجزى ذلك. والله أعلم.
الوصية بالكفارات
إن أوصى الميت بكفارة مغلظة، فهل يجوز إطعام ما دون الستين من المساكين، أو لا بُدَّ من إطعام الستين؟ (4/44)
صفحة 1168
ذهب أصحابنا والجمهور إلى أن الإطعام في الكفارات المغلظة يجب أن يكون لستين مسكينا، ولا يجزي أقل من هذا العدد، ولو كرر الإطعام بقدر ما يكفي للستين؛ لأن الشارع حدد عدد المساكين، والتقصير دون هذا العدد تقصير عن أمر الشارع، اللهم إلا أن يندر وجود المساكين لطغيان المال وشمول الغنى، فلا مانع عندئذ من إطعام العدد الحاصل، وتكرار الإطعام بقدر ما يكفي لستين مسكينا، وذهبت الحنفية إلى أن المقصود إطعام طعام يكفي لستين مسكينا ولو كان لمسكين واحد، ورد بأن ذلك هروب من الواضح إلى المشكل، فإنه ينبني عليه العدول عن العدد المذكور وهو ستون مسكينا إلى تحديد طعام ستين لمسكين واحد. والله أعلم.
رجل أوصى بكفارات. فهل الكفارات توزع قيمتها نقدا؟ وإذا صح ذلك، فكم تكون القيمة لكل فرد يستحقها؟ وكذلك أوصى بخمسة ريالات لمغسلة غسل الموتى وسمح منها الغاسل. فما مصير هذا المبلغ؟
لا مانع من إعطاء القيمة في الكفارات إن تعذر إخراج الطعام أو تعسر؛ لأن المراد سد حاجة المسكين، وريال عماني واحد مجز للمسكين الواحد بحسب سعر هذا الوقت، أما ما أوصى به للغاسل ولم يقبله فمرده إلى الورثة، وما رده الموصى له يرجع إلى الورثة. والله أعلم.
أوصت امرأة بأربع كفارات مرسلة إطعام عشرة مساكين عن كل كفارة. فهل يجوز العدول عن الإطعام إلى النقد؟ وكم تساوي قيمة النقد عن كل شخص؟ وهل يجوز دفعها لأربعة فقراء كل واحد كفارة؟
الأصل في ذلك الإطعام، ولم يذكر النقد عند السلف، وإنما يصار إليه بدلا من الطعام مع تعذر الإطعام، ويعطى كل واحد من المساكين ما يكفيه لغدائه وعشائه؛ وذلك يختلف باختلاف الزمان والمكان، فلا يمكن تحديده، وإنما على من اضطر إلى ذلك أن يقدر بنفسه ما ينفقه في يومه على غدائه وعشائه فيعطي ذلك للمسكين. والله أعلم. (4/45)
صفحة 1169
توفي رجل وكان قد أوصي بإطعام ستين مسكينا. فمن هو الذي ينطبق عليه لفظ مسكين في هذا العصر؟ وهل يمكن استبدال الإطعام بتوزيع مبلغ من المال؟
الفقير كالمسكين، وهو كل من لا يكفي دخله لحاجاته الضرورية، ولا ينبغي العدول عن الإطعام إلى إعطاء القيمة مع إمكانه. والله أعلم.
رجل هلك، وكان قد أوصى من ماله بعد موته بكفارات مغلظات، كل كفارة إطعام ستين مسكين. كيف يكون هذا الإطعام؟ وهل يكفي مثل ما نرى كثيراً من الناس يوزعون عن كل كفارة جونية أرز بدون إدام؟ وهل يجوز إخراج النقود بدل الإطعام؟
إن كان الأرز الموزع كافيا؛ بحيث يكون نصيب كل مسكين منه وافيا بقيمة الطعام والإدام فلا مانع من ذلك، وذلك للغداء والعشاء، وإن دفعت القيمة فلتكن بقدر ما يفي بغداء وعشاء كل مسكين. والله أعلم.
توفي والدنا، وكان قد أوصي بكفارة مغلظة إطعام ستين مسكينا، علما بأنه لا يوجد ستون مسكينا في منطقتنا، ولديه خمسة عشر ولدا وهم أيتام تتراوح أعمارهم بين سنتين واثنتي عشرة سنة. فهل يحق لهم من هذه الوصية شي؟ وإذا كان الجواب بنعم فما مقدار حق كل فرد منهم من هذه الوصية؟
تعطى هذه الكفارة للمساكين أينما وجدوا، والمسكين من لا يكفيه دخله لنفقاته الضرورية، ولا تعطى الكفارة لغير المساكين ولو كانوا أيتام، ولا مانع من إعطاء ورثته من كفارته إن كانوا مساكين. والله أعلم.
ما قولكم في رجل هلك، وكان قد أوصي بكفارة دون تحديد نوع هذه الكفارة. فكيف يمكن تنفيذها؟ وهل تعتبر مغلظة؟ وكيف تنفق، ومن هم مستحقوها؟
أقل الكفارات كفارة مرسلة، فتدفع عنه، وهي للمساكين. والله أعلم.
ما قولكم في رجل أوصى قبل وفاته من ماله بكفارات مغلظات ومرسلات، وبعد موته أراد ورثته إخراج دراهم مقابل هذه الكفارات. فهل يجوز لهم ذلك؟ وما هي القيمة المخرجة للكفارات المغلظات والمرسلات؟ (4/46)
صفحة 1170
اختلف العلماء في الكفارات، هل يجوز فيها دفع قيمة الطعام بدلا من الإطعام؟ ولا بأس بذلك مع الضرورة، وفي وقتنا هذا نرى لكل مسكين ريالا يسد مسد طعامه المطلوب، وعليه فمن أراد أن يدفع القيمة فليدفع عن الكفارة المغلظة ستين ريالا عمانيا لستين مسكينا، وعن المرسلة عشرة من الريالات، كل ريال لمسكين. والله أعلم.
عن رجل نفذ وصية والده، ومن ضمن ما جاء في الوصية خمس عشرة كفارة عن صلوات، كل كفارة إطعام ستين مسكين، وجاء تنفيذ الرجل للوصية بأن جمع كمية من الأرز بمقدار ما يعادل خمس عشرة كفارة، وجعل يفرقها بين المساكين دون أن يحصر عدد المساكين عن كل كفارة، ولربما نفذ كفارة لعشرة مساكين فقط. فما قول سماحتكم في ذلك؟ وأيضا من ضمن الوصية إطعام ثلاثمائة مسكين بدلا عن الصيام، والولد لم يتقيد بعدد المساكين؟ وهل نصف الصاع يكفي لكل مسكين ويجزي عن الإدام؟
لا بُدَّ من مراعاة العدد في الكفارات، وذلك بأن تكون كل كفارة إطعام ستين مسكينا، ولا مانع من أن يعطي أولئك المساكين أنفسهم من الكفارة الثانية والثالثة، وأما الإطعام الذي هو بدل الصيام فيجوز إعطاء المسكين الواحد إلى حد الكفاية، إلا إن كان الموصي قد حدد في وصيته إطعام عدد محدود من المساكين فلابد من التزام ما حدده. والله أعلم.
الوصي –سواء كان وارثا أم لا– هل يجوز له سهم من كفارة الإطعام؟
الكفارات إنما تعطي المساكين، فإن كان الوصي يصدق عليه وصف المسكنة، ورأى الوارث أن يعطى من الكفارات لمسكنته فلا مانع من ذلك، وإلا فلا. والله أعلم.
الوصية بقراءة القرآن
ما حكم الإيصاء بقراءة القرآن بعد الوفاة؟ (4/47)
صفحة 1171
اختلف أهل العلم في ذلك، وقد ذهب كثير منهم إلى إثبات هذه الوصية، والذي أراه أن القرآن يتلا تقربا وتعبدا، ولا يتلا اكتسابا، ولما كانت تلاوته عبادة فلا يؤخذ الأجر عليه، هذا إن كان أوصى بأن يؤجر من ماله بعد موته من يقرأ عنه شيئا من القرآن، حتى لا تكون تلاوة القرآن ذريعة للتكسب، أما إن أوصى بأن يقرأ القرآن من غير إيجار فلا مانع من إنفاذ هذه الوصية، وإن كنا لا نجد دليلا يدل على أن الميت ينتفع بهذه القراءة، نعم إن كان أوصى بتقوى الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وحج بيت الله الحرام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبالبر والتقوى، وبتلاوة كتاب الله والعمل به، وباتباع سنة رسوله الله -صلى الله عليه وسلم-، فإن هذا من الوصية الحسنة التي يؤمر الإنسان أن يوصي بها، كما وصى إبراهيم بنيه ويعقوب بأن لا يعبدوا إلا الله { وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّه اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ }()، هذا ومما ينبغي التنبيه عليه أن بعض الناس يوصون بقراءة القرآن الكريم على قبورهم، وهذه وصية باطلة؛ لأنها مخالفة لهدي الرسول صلى الله عليه وسلم، إذ هديه صلى الله عليه وسلم أن تكون زيارة القبور للاتعاظ والذكرى والدعاء للميت، لا أن تكون من أجل إقامة شعائر دينية، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، وأمر عليه أفضل الصلاة والسلام بقراءة القرآن في البيوت، فقال: "اقرؤوا القرآن في بيوتكم ولا تجعلوها قبورا" إشارة إلى أن المقابر ليست أماكن لقراءة القرآن، وقد (4/48)
صفحة 1172
أجاد في هذا الإمام السالمي -رحمه الله تعالى- عندما قال:
أتعمرن قبورنا الدوارس
... ... ... ... ويترددن إليها الدارس
وهذه المساجد المعدة
نتركها وهي لداك عدة
والمصطفى قد زارها وما قرأ
... ... ... ... إلا سلاما ودعا وأدبرا
حسبك أن تتبع المختارا
... ... ... ... وإن يقولوا خالف الآثارا
وقد سبقه إلى مثل هذا المحقق الخليلي -رحمه الله-، حتى أنه أفتى بإبطال هذه الوصية وبيع المال الموصى به لمصلحة المسلمين إن لم يكن الورثة معروفين، وإلا رد على الورثة. والله أعلم.
هل تجوز قراءة القرآن في الاجتماع للمآتم بصفة عامة؟ فالبعض يقرأ وفي نفس الوقت هناك سلام وكلام وعدم استماع للقرآن، وهذه القراءة على معنى القربة إلى الله تعالى وإهداء الثواب للميت.
قراءة القرآن في المآتم من الأمور التي يجب القضاء عليها، لما يحدث من امتهان لقيمة القرآن، فالناس لا يكفون عن الحديث حال القراءة، ويترددون جيئة وذهابا، والقارئ نفسه يبقى بين قيام وقعود، والله تعالى يقول: { وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ }()، وأين الإنصات والاستماع في هذه الحالات؟ لذلك أرى عدم جواز القراءة فيها. والله أعلم.
وقال سماحته في جواب من سؤال وصله:
نظرت في وصية هالككم، ورأيت ترك ما أوصى به من قراءة ثلاث ختمات عليه بعد وفاته، مع إطعام الطعام لمدة ثلاثة أيام؛ لأن ذلك لا يجديه شيئا، بل هو مخالف للسنة، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: "من عمل عملا ليس علية أمرنا فهو رد"، كما رأيت تعديل ما كتبه الكاتب أنه أوصى بخمسمائة ريال عماني لفقراء المساكين إلى فقراء المسلمين، وينبغي اتباع القواعد العربية في الكتابة، فتكتب كلمة ألفي ريال بدل ألفين ريال؛ لأن النون الداخلة على المثنى لا تجامع الإضافة. والله الموفق. (4/49)
صفحة 1173
فيمن أوصى بست ختمات: ثلاث منها تقرأ في بيته، وثلاث تقرأ في المسجد، ولهذا الرجل ولدان: واحد منهما يسكن في نفس البلدة، والآخر خارجها، فأراد الذي يسكن خارج البلدة أن ينفذ هذه الوصية من ماله الخاص، فهل يلزمه أن يقرأ هذه الختمات في نفس المكان الذي أوصى به والده الهالك، أم يسعه أن يقرأها في البلدة التي يسكن فيها الآن؟
قراءة القرآن بأجرة غير جائزة على الصحيح، لذلك لا أرى ثبوت هذه الوصية إلا إن قام الورثة أنفسهم بالقراءة بغير أجرة. والله أعلم.
الوصية بالصيام
امرأة أوصت أولادها بأن يصوموا عنها أربعة أشهر، وأن يحجوا عنها يعتمروا. فكيف يكون هذا الصيام؟
اختلف أهل العلم، هل يصوم أحد عن أحد أولا؟ فذهب كثير من العلماء إلى أنه لا يصوم أحد عن أحد أخذا بالقياس، نظرا إلى أن الصيام عبادة بدنية خالصة، ولما كان عبادة بدنية خالصة فلا يسوغ أن يصوم أحد عن أحد، كما لا يسوغ أن يصلي أحد عن أحد. ومنهم من استثنى صيام النذر؛ لأجل الحديث الذي جاء فيه: أن امرأة نذرت أن تصوم ولم تصم، وسأل ابنها رسول الله -صلى الله عليه وسلم– فأمره بالصيام عن أمه. وذهب فريق آخر من العلماء إلى أن من مات وعليه صيام صام عنه وليه، وهذا هو الذي جاء به حديث عائشة _رضي الله تعالى عنها_ عند الشيخين، ونصه: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه" وحمله بعضهم على صيام النذر خاصة، ولكن هذا يتنافى مع ما ذهب إليه أكثر الأصوليين من أن الحكم العام إذا ورد لفرد من أفراد مدلولاته في نص آخر لا يدل على أنه خاص بذلك الفرد، أي لا يخصص عمومه، بل يبقى عمومه كما هو، وقوله صلى الله عليه وسلم: "من مات وعليه صيام" الصيام فيه مطلق، و"من" من أدوات العموم. فمعنى ذلك: من مات وعليه أي صيام كان فإن ذلك الصيام يمكن أن يصومه عنه وليه. والولي هاهنا بمعنى القرابة. (4/50)
صفحة 1174
ومن العلماء من توسع -وهذا مذهب أصحابنا المشارقة- حتى أباحوا أن يصوم الأجنبي، وأباحوا أن يكون هذا الصيام بأجرة، ولكن بما أن ذلك لم يأت به حديث، وصيام شخص عن شخص خارج عن سنن القياس، لا نرى ذلك، ولولا النص عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما قلنا بصيام أحد عن أحد، فلا نقول بحال بأنه يسوغ أن يصوم غير الولي، وأن يكون هذا الصيام بأجرة، وإنما نقول بأن أولى الناس بالصيام هم ورثتها، فيقتسمون الأيام بينهم بحسب الميراث، وإن تكفل بعضهم فذلك خير، ولكن لا يصوم اثنان في وقت واحد، وإنما يصوم هذا عندما يفطر هذا، حتى لا يكون صيامان عن شخص واحد في يوم واحد. والله أعلم.
رجل هالك كان قد أوصى بسبعة رماضين تصام عنه، وستة كفارات، وبسبع صلوات، وعنده القليل من المال ولكنه يكفي لهذا ويزيد. فكيف يكون إنفاذ الكفارات والصلوات مع صعوبة إيجاد من يصوم عنه؟
الكفارات إن كانت كفارات صوم أو صلاة أو نحو ذلك فكل واحدة منها إطعام ستين مسكينا غداء أو عشاء أو قيمة ذلك، ولا مانع من مضاعفة العطاء لعدد قليل من المساكين إن لم يوجد العدد المطلوب، وكفارات الأيمان المرسلة: إطعام عشرة مساكين عن كل كفارة على النحو الذي تقدم، وإذا لم يوجد من يصوم عن الميت فليُطعَم عنه عن كل يوم أوصى بصيامه مسكين واحد. والله أعلم.
في رجل أوصى بصيام شهرين، فهل يجوز الإطعام عنه؟
من أوصي بصيام شهرين بدلا عن صيام رمضان، أو احتياطا، أو لكفارة يجوز فيها الإطعام، فلا مانع من العدول عن الصيام إلى الإطعام، خصوصا في حالات تعذر من يصوم. والله أعلم.
إن أوصى ميت بأن يصام عنه شهر، فعزّ الأجير، فهل يجزي الإطعام؟ وإن أجزى، فما مقداره؟ (4/51)
صفحة 1175
إن أوصى أحد الهالكين بصيام فعز من يصوم، فلا مانع من العدول إلى إطعام مسكين عن كل يوم أوصى بصيامه، والحجة لذلك قول الله سبحانه: { وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِين }()، بناء على أن الآية محكمة غير منسوخة، كما روي عن حبر الأمة وترجمان القرآن ابن عباس -رضي الله عنهما- وغير واحد من المفسرين والفقهاء، إذ قالوا: إنها نزلت في الشيخ الكبير، والمرأة العجوز، والمريض الذي لا يرجى برؤه، والحامل إذا خافت على جنينها، والمرضع إذا خافت على طفلها، وفسروا يطيقونه بـ: "يتكلفونه"، وإذا كانت الرخصة حاصلة لهؤلاء، مع أنهم على قيد الحياة، وليس ببعيد أن يكون في مقدورهم في يوم ما قضاء الصوم الذي أفطروه، فالميت الذي لم يوجد من يصوم عنه أولى بالعذر، على أن بعض العلماء من أصحابنا ومن قومنا أجازوا العدول عن الصيام إلى الإطعام حتى في حال السعة، إذ قالوا فيمن أوصي بصيام: جاز العدول عنه إلى الإطعام، ومن أوصى بإطعام لم يجز العدول عنه إلى الصيام، ويستأنس له بأن بعض العلماء لا يرون صيام أحد عن أحد؛ لأن الصيام عبادة بدنية تشترط فيها النية كالصلاة، وهو وإن كان قولا مردودا بالأحاديث الصحيحة فهو كاف لجعله من مرجعات القول الذي ذهبنا إليه. والله أعلم. (4/52)
صفحة 1176
رجل هالك أوصى بكفارتي صلاة، وصوم شهرين بدلا عن تضييع شهر رمضان المبارك، ولمن يعتمر عنه من مكة المكرمة، وبعشرة قروش يفرقن عنه في مكة المكرمة للفقراء، وبخمسة وعشرين قرشا لمن يعلم القرآن الكريم في بلدته. فما قولكم إن تعذر من يصوم عنه، أو غليت الأجرة حيث لا تكفي دراهم الوصية، أو لم يوجد الأمين في دينه، فهل يصح استبدال الكفارات عن الصوم؟ فإن قلتم بذلك وفضلت الدراهم، فأين مرجع هذه الفضلة؟ وكذلك دراهم التعليم، فإن البلاد القاطن بها الموصي لم يكن من يتعلم بها إلا القليل، وأكثر الناس ارتحلوا منها إلى البندر، والمدرس بها هو ابن الهالك. فهل يصح أن تدفع له هذه الدراهم المذكورة؟
إذا تعذر من يصوم عن الهالك أو تعسر جاز إبدال الصيام بالإطعام بعدد الأيام الموصى بصيامها، استنادا على قوله تعالى: { وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ }()، حسب رأي ابن عباس -رضي الله عنهما– أن الآية محكمة غير منسوخة، وأنها خاصة بالعاجز، حملا ليطيقونه على معنى يتكلفونه، وإذا كانت هذه الرخصة حاصلة للحي، فالميت أولى أن يترخص له، وإذا فضل شيء من الدراهم عن الوصية رد إلى الورثة، وأما ما أوصى به لتعليم القرآن في بلد معين فلا يصح تحويله عن ذلك البلد، اللهم إلا أن تعذر التدريس فيه فلا بأس من تحويل المنفعة إلى مكان آخر، وإن كان أقرب إلى البلد المخصوص في الوصية فهو أولى. والله أعلم.
ما قولكم في امرأة أوصت بأجرة من يصوم شهرين عنها بعد موتها. فهل يجوز العدول عن الصيام إلى الإطعام؟ وإذا جاز فما مقدار هذا الإطعام؟
لا مانع من ذلك، ويطعم مسكين عن كل يوم، ولا يجوز العكس. والله أعلم.
إذا أوصي الرجل بصيام أشهر ذكرها. فهل هنالك فرق بين تأجير الرجل والمرأة؟ أي هل يجوز أن نؤجر امرأة تصوم شيئا من هذه الأشهر؛ إذا كان الموصي رجلا؟ (4/53)
صفحة 1177
لا مانع من نيابة المرأة عن الرجل في الصوم؛ إن كانت ممن لا يحيض لبلوغها سن الإياس، حتى لا يكون الحيض فاصلا بين الصوم. والله أعلم.
رجل توفي وترك وصية، ومن ضمن ما ذكر فيها صيام أربعة أشهر بعد وفاته، مع العلم أن الوصية قد كتبت منذ ستين عاما، وقد أشار بعض ورثته بأن يدفع مبلغ من ماله للمسجد تعويضا عن صيام الأربعة أشهر، لهذا نود الإفادة هل يكف دفع المبلغ للمسجد، أم لا بُدَّ من صيام الأشهر الأربعة بالكامل، أم ماذا نفعل؟
الوصية لا يبطلها تقادم الزمن ولو إلى قرون، ولا يكون الدفع لمسجد بديلا عن الصوم الموصى به، وإنما يجوز إبداله بإطعام مسكين عن كل يوم. والله أعلم.
رجل توفي وترك أولادا بعضهم صغير والبعض الآخر كبير، وكتب في الوصية ثلاثة رماضين، ولم يجد أولاده أحدا يصوم هذه الرماضين. فهل يجوز للأولاد أن يصوموا هذه الرماضين؟
لا مانع من ذلك. والله أعلم.
ما قولكم في رجل توفي وكان قد أوصي برمضانين، هل على الوصي شيء، إن أجر بالصوم في شهر واحد على المستأجرين، أم يفرق بينهما شهرا تلو شهر؟
الأولى أن لا يكون صيامهما في وقت واحد، ويصام شهر ثم شهر. والله أعلم.
رجل كان قد أوصى قبل موته بخمسة رماضين، والوصي تكلف ببيع بعض مال الهالك بقيمة ضعيفة، ثم قام بتأجير الرماضين في تنزانيا؛ لأنه أقل تكلفة عن عمان. فهل يجوز له ذلك؟
لا مانع من ذلك إن وجد الأمناء الذين يصومون. والله أعلم.
رجل كان قد أوصي قبل وفاته بصيام شهرين متتابعين عنه خشية فساد في صومه لشهر رمضان المبارك، فلما توفي قامت زوجته بالصيام عنه الشهر الأول، فلما انقضى واصلت ابنته الصيام عنه في الشهر الثاني. فهل يجزي ذلك؟
نعم يجزي ذلك. والله أعلم.
تصادفنا عند إنفاذ الوصايا ممن كتب بأجرة صيام شهر أو غير ذلك، وتارة بصيام دون تخصيص أجرة. فهل هناك فرق في اللفظ؟ (4/54)
صفحة 1178
وإذا كتب بدلا وقضاء عما لزمه من إفساد صوم شهر رمضان أو لم يكتب، وأراد الوصي الإطعام بدلا من الصيام، وخاصة لمن لم يجد من يصوم، وأراد الوصي أن يوزع مبلغا دون الحبوب، والأجرة عن كل شهر مائة ريال لو أجر، وبالإطعام أو قيمته تقل عن الأجرة. فهل يوزع المبلغ حسب قيمة الأجرة أم قيمة الإطعام لعدد ثلاثين مسكينا للشهر؟ وهل يقاس هذا التوزيع مثل الإطعام عن الكفارات؛ بحيث يوزع لعدد ثلاثين مسكينا؟ أم يصح أن يوزع لأقل من ثلاثين مسكينا بخلاف الكفارات؟
إن أوصى بصيام ولم يذكر الأجرة جاز أن يصوم عنه الوارث بغير أجرة، ولا فرق أن يذكر بدل رمضان أولا يذكر ذلك، فيجوز الإطعام بدلا من الصيام على أي حال، ويجوز أن يكرر الإطعام ولو لمسكين واحد، نظرا إلى أن كل يوم مستقل عن غيره من الأيام، فالإطعام عن كل يوم مستقل أيضا، وذلك بخلاف الكفارات فإن الكفارة لا تتجزأ، وقد حدد لها عدد معين من المساكين. والله أعلم.
لقد اعتاد الناس الإيصاء بالصيام احتياطا لما قد ضيعوه من صيام رمضان، وينصون في الوصية بتأجير من يصوم عنهم شهرين أو أكثر، وحيث إن سماحتكم ترون عدم مشروعية الإيجار بالصيام وأنه إذا لم يقم أولياء الميت بالصيام عنه فيتعين الإطعام بدل كل يوم مسكين، وبناء على ذلك يظهر هنا تساؤل من وجهين:
الأول: أليس في هذا تغير للوصية التي نصت على التأجير بالصيام، وهي مختومة بالآية { فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }()؟
الثاني: أليس في ذلك تقصير وتفريط في حق الموصي الذي أوصي بالتأجير، وهو يعلم أن أجرة كل شهر تزيد عن مائة ريال عماني، وأن الإطعام المبدل منه لا تتجاوز قيمته عشرة ريالات تقريبا؛ لأن مقدار إطعام ثلاثين مسكينا حوالي (ا3) كغم؟ (4/55)
صفحة 1179
1- الوصية لا بُدَّ أن تكون موافقة للحكم الشرعي، ومن المعلوم أن الصيام عبادة بدنية خالصة، والأصل في العبادة البدنية أن لا ينوب فيها أحد عن أحد، فلذلك لا يصلى أحد عن غيره، وإنما ورد الاستثناء في الحديث الشريف في صيام الولي عن وليه إن مات وعليه صيام، كما جاء في حديث عائشة _رضي الله تعالى عنها_ عند الشيخين: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه"، لذلك قلنا بأنه إن كان سيصوم عنه غير الولي فإن العدول إلى الإطعام أولى؛ لموافقته السنة، على أنا لم نجد من يقول باستئجار من يصوم عن الغير إلا أصحابنا العمانيين، وقد نصوا على أنهم توسعوا في ذلك، أما أصحابنا المغاربة وغيرهم وسائر أصحاب المذاهب الأخرى فلا يقولون بذلك، وأنت تدرك أن مثل هذه الأمور يتوقف الحكم فيها على نص شرعي، فإن العبادات أمرها توفيقي. والله أعلم.
2- بما أن هذا هو الأوفق لحكم الشرع فلا تقصير في ذلك. والله أعلم.
الوصية بالحج
ما قولكم عن الوصي إذا أجر بحجة عن رجل يسكن بلدة نزوى، المؤجر والمستأجر يسكنان مسقط، وقد عقد المستأجر النية وصلى ركعتي القدوم ببيت الوصي أو بمسجد الوصي قائلا: إن الهالك سكن بهذا البيت أوصلي بهذا المسجد منذ سنوات طويلة. فهل يكفي فعله هذا؟ وإن كانت هذه الوصية فيها خمسة أشهر صياما بدلا من رمضان، والثلث يسع جميع الوصية، ولم يوجد من يستأجر ولو بأغلى الأثمان، والورثة فيهم اليتيم والغائب. فما نرى الأصلح فعله؟
عن السؤال الأول: يكفي ما فعله هذا الأجير، وعن السؤال الثاني: إن لم يوجد من يصوم عن الهالك حسب وصيته، فليطعم عن كل يوم أوصى بصيامه مسكين واحد. والله أعلم.
ما قولكم في امرأة أوصت بحجة وزيارة، ومكتوب فيها حجة الفريضة، وبعد كتابة الوصية وقبل موتها قامت بالتأجير بأداء فريضة الحج عنها، ثم توفاها الله بعد ذلك، فاحتار الوصي هل يلغي الحجة أم يؤجر لها من يحج عنها نافلة؟ (4/56)
صفحة 1180
إن لم تلغها الموصية بنفسها فإنها تبقى ثابتة، وعلى الوصي إنفاذها بعد موتها. والله أعلم.
رجل كتب في وصيته حجة عن والده، وبعدها ذكر لزوجته أنه كتب ذلك؛ لكنه عزم أن يحج عن والده بنفسه، وبالفعل حج عنه، وعند عودته عاجلته المنية قبل أن يغير في الوصية، وبما أن الوصية بالحجة ما زالت باقية، فهل تسقط لقيامه بها بنفسه أم تظل ثابتة؟
بما أنه لم يغير الوصية فهي باقية، ويلزم الحج عنه. والله أعلم.
كان والدي الهالك قد أوصى بحجة الفريضة، وبعد كتابته للوصية وقبل موته قام بالحج بنفسه أربع مرات. فهل علي -باعتباري الوصي- أن أحج عنه مرة أخرى؟ ومكتوب في الوصية "ويخرج هذا من ثلث ما عنده من أموال، وما بقي من الثلث يوزعه الوصي فيما يختاره"، وقمنا بتنفيذ جميع ما أوصى به، والآن نريد أن نبيع منزلا آخر له، فهل لنا أن نخرج ثلث القيمة كما هو مكتوب بالوصية؟
إن كان لم ينسخ وصيته بالحج فهي ثابتة ولو حج في حياته مرارا، والوصية تنفذ كما أوصى الموصي، فإن كان أوصى بإخراج ما فضل عن الثلث حسب رأي الوصي فذلك عام لجميع التركة من عقار وأموال خضراء ونقود وعروض. والله أعلم.
ما قولكم في رجل كتب وصيته من ماله بعد موته بحجة وعمرة وزيارة يؤديها الوصي بعد موته، علما بأن الموصي كان قد حج في حياته عن نفسه وأدى الواجب، وبقيت الوصية على حالها ولم يغيرها الموصي قبل موته، فهل يلزم الوصي أن ينفذها من مال الموصي حسب ما أوصى به أم لا، علما بأنه قد خلف أيتاما؟
من أوصى بحجة ثم حج بنفسه، ومضى عليه من الوقت ما يمكنه معه تغيير الوصية فلم يبدلها لزم الوصي تنفيذ ما أوصى، إذ من المحتمل أن يكون مرتابا في حجه وأراد الاحتياط. والله أعلم.
ما قولكم في رجل هلك وترك ابناً وزوجة، وخلف من المال أربعة آلاف وسبعمائة ريال عماني، وكان قد أوصى بمبلغ ألف وثمانمائة وخمسين ريالا بحقوق وتبرعات، ومن ضمنها حجة، وبما أنه كان قد حج في حياته فهل تجب الحجة أم لا؟ (4/57)
صفحة 1181
ما كان من هذه الوصية من حقوق الواجبة فهو من أصل المال، وما كان من التبرعات فمخرجه من الثلث، والحجة غير الواجبة تخرج من الثلث، وإن كانت التبرعات نافت على الثلث فمرد ذلك إلى الورثة إن كانوا كلهم بلغا عقالا، فإن رضوا بإخراجها من أصل المال فذاك، وإن لم يرضوا ردت إلى الثلث بالمحاصصة. والله أعلم.
رجل أوصى بحجة لبيت الله الحرام، ولم يقيدها بحجة فرض أو نفل، ثم توفي الموصي بعد أن حج حجة الفريضة عن نفسه. فهل يلزم إنفاذ هذه الحجة أم لا؟
الأصل في الوصية بقاؤها ما لم يثبت نسخها بقول ثابت من الموصي، وعليه فإن هذه الوصية بالحج باقية وإن حج الموصي في حياته بعد أن أوصى، إذ لو أراد نسخها لكتب ذلك، ويحتمل أن يكون أراد الاحتياط بها، لما عسى أن يكون وقع منه في حجه من تقصير. والله أعلم.
رجل توفاه الله وترك أولادا ذكورا وإناثا، وترك مالا لا بأس به بفضل الله ثم بمساعدة أولاده الذكور، وهناك أسئلة:
1- كتب في وصيته بحجة، وبعض من الورثة لم يثبتها؛ لكونه كان قد أجّر بحجة في حياته، وأراد أن يتبرع لوجه الله تعالى، علما بأن الحجة المكتوبة تاريخها قبل الحجة التي كان قد أجر بها في حياته. فهل تثبت الوصية؟
2- وقف بعضا من ماله لأولاده الذكور، وجعله وقفا مؤبدا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها لا بيع فيها ولا شراء، وعلى أن يجعله لإكرام الضيف. فما قولكم في هذه الوصية؟
3- ترك الميت أطفالا صغارا في السن، ويلزمهم وكيل شرعي، فهل يجوز أن يوكلوا أخاهم الأكبر عنهم؟
1- ما أوصى به يثبت وإن أنفذه في حياته إذا لم يشهد على إبطال ذلك من الوصية أو يكتب بإبطاله. والله أعلم.
2- لا وصية لوارث، وتخصيص الأولاد دون الإناث حيف، ومن عمل عملا ليس علية أمرنا فهو رد. والله أعلم.
3- على الجهة المسئولة أن تختار وكيلا أمينا لهم، سواء كان أخا أو غيره. والله الموفق. (4/58)
صفحة 1182
كان والدي قبل وفاته قد أوصى بحجة إلى بيت الله الحرام، وبما أنني لدي بعض الأصدقاء في المملكة العربية السعودية، فهل يجوز لي أن أبعث إليهم بمبلغ ليحج أحدهم عن والدي الهالك، أم أقوم بتأجير شخص من بلدتنا؟
إذا كانت هذه الحجة بوصية من الهالك، فالمفروض أن يخرج من يحج عنه من بلد الهالك، إما من بيته الذي يسكنه أومن مسجده الذي كان يصلي فيه، ولا ينبغي -مع الإمكان- أن يخرج من يحج عنه بالحجة من بلد هو أقرب إلى الحرم من البلد الذي كان يقيم فيه الموصي. والله أعلم.
رجل كان قد أوصى قبل وفاته بعدة وصايا منها حجة، علما بأنه رجل فقير وليس لديه دخل، ولا يمتلك إلا القليل من المال، والمال الآن مغرم وليس بمغنم، ويبلغ قيمته بالأصل أربعة آلاف ريال عماني، وخلف وراءه عيالا، وبهذا الوضع يمكن تنفيذ كافة الوصايا عدا الحجة؛ للعجز المالي. فهل يجوز لهم ترك تنفيذ الحجة؟
الأولى أن تكون الحجة كغيرها تدخل ضمن الوصايا بالمحاصصة، وبدلا من أن يكون السفر إليها من داره يؤجر لها من يسافر إليها من حيث تكفي النفقة كالمدينة المنورة. والله أعلم.
إنفاذ الوصية في الحياة
امرأة ترغب في إنفاذ وصيتها في حياتها، فهل يجوز لها ذلك؟
لا مانع من ذلك، إلا في وصية الأقربين فإنها حق بعد الموت. والله أعلم.
رجل حج عن نفسه عدة مرات كما كفر عن الكفارات التي تجب عليه، ثم أوصى عن نفسه من بعد موته بحجة وكفارات، ولكنه بعد مدة شعر بأنه ما زال قادرا على الحج فقام بأداء الحجة التي أوصى بها بعد موته، وبقيت الكفارات. فهل يصح له قضاء الحجة في حياته؟ وهل يجوز له أيضا إنفاق الكفارات بنفسه؟ وكم مقدار الكفارة الواحدة بالريال العماني؟ وكم نصيب المسكين من هذه الكفارة؟ (4/59)
صفحة 1183
كل ما ينفقه الإنسان في حياته خير له مما ينفق عنه بعد موته ولو أوصى به، سواء في ذلك الحج والكفارات والصدقات وقضاء الحقوق وغير ذلك، بل قيل: درهم في حياته خير له من سبعين درهما بعد وفاته، والوصية لا تعني إسقاط القيام بأداء هذه الحقوق في حياته، وإنما هي احتياط لئلا يفاجئه الموت قبل أدائها، اللهم إلا وصية الأقربين فإنها صلة بعد الموت، وكفارة اليمين هي إطعام عشرة مساكين، وأما كفارة القتل فهي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، وكفارة الظهار والصيام هي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا، ولا يقدر الإطعام بقيمة معينة؛ لأن ذلك يختلف باختلاف الزمان والمكان. الله أعلم.
ما قولكم في رجل أوصى بصيام شهر رمضان وبالصلاة وبكفارتين، ومكتوب في الورقة أنه مؤد له في حياته، والفقراء الأقربون أعطاهم في حياته، وله ورثة: ثلاث بنات وأخ من أب وعمتان؟
ما ثبت إيصاؤه به ولم يرجع عنه ينفذ سواء كان صياما أو كفارة، وأما الصلاة فلا يصلي أحد عن أحد، ووصية الأقربين لا تنفذ في الحياة؛ لأنها صلة بعد الموت، أما الإرث فللزوجة الثمن، وللبنات الثلثان، والباقي للأخ، وليس للعمات شيء؛ لأن العمة من ذوي الأرحام. والله أعلم.
امرأة أوصت بوصية ومن ضمنها صيام شهرين تطوعا، ثم أرادت تنفيذها في حياتها، فهل لها أن تكفر عن الصوم في حياتها أم لا؟
لا مانع من تنفيذ وصيتها في حياتها إلا وصية الأقربين، فإنها حق لهم بعد الموت، لقول الله تعالى: { كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقربين بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ }()، ولا مانع من إبدال ما أوصت به من صيام النفل بإطعام المسكين، بل ذلك أولى، فإن النيابة في صوم النفل لم يقم عليها دليل. والله أعلم.
الإيصاء بأكثر من وصية (4/60)
صفحة 1184
حضرة الشيخين الفاضلين الوالدين العزيزين محمد بن عبد الله السالمي وسعود بن عامر المالكي -حفظهما الله تعالى-
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وإني أحمد إليكما الله وأشكره، وأسأله لي ولكما التوفيق، ولكم حسن العزاء في المصاب الحادث، والله يتولى الفقيد بلطفه، ولا أراكم مكروها، وإنا لله وإنا إليه راجعون.. وبعد، فقد وصلني بحثكم فيما يتعلق بوصيتي الهالكة، هل كلتاهما ثابتتان أم تعتبر الثانية ناسخة للأولى؟ وإليكم الجواب:
إذا وجدت للميت وصيتان وعرف تاريخ كتابتهما، ولم ينص في الأخيرة على نسخها لما تقدم، فإن القول الراجح ثبوت كلتا الوصيتين؛ لأن الأولى ثبتت بيقين، ولا يرفع اليقين إلا يقين مثله، كما هو الحال في القواعد الفقهية المعروفة عند الجميع، واحتمال قصد الموصي نسخه الأولى بالثانية مجرد احتمال لا تبنى عليه حجة في رفع الثابت باليقين، ولبعض العلماء رأي آخر وهو التعويل على الأخيرة فحسب، ومنهم من يفرق بين ما إذا اتحدتا أو إذا اختلفتا، ولكن الرأي الأول هو الأرجح، غير أنه لا بُدَّ من اشتراط عدم مجاوزة ثلث التركة مع اجتماع الوصيتين والله أعلم. هذا وإني لأرى أن يعتمد في تنفيذ هاتين الوصيتين على الوالد حمود بن ناصر بن سالم الحجري لثقته وأمانته، وأن يكون له من العناء ما أثبت في الوصيتين للوصي، هذا والله يوفقكم للخير. والسلام عليكم. (4/61)
صفحة 1185
رجل هالك ترك بنتين وأخا من أب، كما ترك بعض المال يقدر بعشرة آلاف ريال عماني، وترك وصيتين ذكر في كل منهما حجة عنه وعن والده، وأخرى عن والدته، وصيام أربعة أشهر عنه، وأربعة أخرى عن والده، وبشهرين عن والدته، وبشهرين عن خالته، وبشهرين عن جدته، وبثلث ماله المذكور لأولاد أخيه من ناحية الأب وهو لم يرهم؛ فهم من مواليد تنزانيا، ولم يذكر في الوصية إن كان للذكور أم الإناث، والوصية كتبت من قبل ثمانية وعشرين عاما، وكررت الوصية الثانية من قبل خمسة عشر عاما حسب ما أوصى به في الوصية الأولى. فهل هذه الوصايا تنفذ جميعا من حجة وصيام وغيرها، أم لا تكرر ويؤخذ منها بقدر ثلث المال، أم لا يجوز ذلك؟ وقد قمت بإنفاذ الوصية المذكورة سابقا ولم يبق للورثة إلا القليل من المال، فما الحكم في ذلك؟
تثبت الوصيتان معا إن لم ينص في الثانية بأنها ناسخة لما تقدمها من الوصايا، ولكن إن زاد ما في الوصيتين على ثلث التركة ردتا إلى الثلث، إذ لا وصية بأكثر من الثلث إلا في الضمانات الواجبة. والله أعلم.
ما قولكم في رجل أوصى بوصيتين، فهل تثبتان أم تكون إحداهما ملغاة؟ علما بأن هذا الشخص تغير عقله من زمن طويل حسب ما يقوله أهله.
بما أن الوصيتين ثابتتان عندكم، ولم ينص في الثانية على إلغاء أولاهما فإنهما تنفذان جميعا، ولا يلغى منهما شيء إلا ما لا يمكن تكرره كفريضة الحج، وأما دعوى الورثة تغير عقله عندما صدرت منه إحدى الوصيتين فعليهم أن يقيموا على صحة ذلك بينة عادلة. والله أعلم.
كتبت امرأة وصية وذكرت فيها ما عليها من ضمان وغير ذلك من مستحقات لازمة، ثم كتبت بعدها وصية ثانية لم تذكر فيها ضمانا، وذكرت في وصيتها الثانية بأنها ناسخة لما قلبها. فهل تعتبر الوصية الثانية ناسخة للأولى، أم يثبت الضمان الذي في الأولى؟ (4/62)
صفحة 1186
إذا كانت الوصية الثانية ثابتة فهي ناسخة لكل ما في الأولى؛ إن أثبت ذلك الموصي فيها، بما في ذلك الضمان؛ لأن الموصي أمين نفسه. والله أعلم.
ما قولكم في رجل كان قد أوصى بوصيتين منفصلتين وبتواريخ مختلفة. فهل على الوصي تنفيذ الوصية المتأخرة فقط، أم كلاهما ثابتتان واجبتا التنفيذ؟ علما بأنه لا يوجد ما يفيد بنسخ المتقدمة؟
الأصل في الوصايا كلها الثبوت إلا ما دل الدليل على نسخه، وعليه فمن أوصى بوصيتين ولم يأت في الثانية ما يدل على نسخ الأولى أثبتت الوصيتان جميعا، اللهم إلا أن يذكر في الوصيتين ما لا يمكن تكرره، كأن يوصي في الوصيتين جميعا بعتق رقبة بعينها، أو يوصي بشيء بعينه لوجه من وجوه الخير في كلتا الوصيتين، وهذا كله ما لم تجاوز الوصية الثلث. والله أعلم.
امرأة توفيت وخلفت ورثة بنتا وأولاد عم فوجدنا وصايا، إذ أوصت للبنت في وصية بمال معين، وفي وصية ثانية ببيتها وبخلتين من أموالها؛ وهن عن ضمان، والوصية الثالثة صك شرعي؛ وهي ستمائة ريال عماني، وهذا قرض، ووصية فيها حجة ورمضانين وصلوات، وهي قد أدت حجة الفريضة عن نفسها في حياتها.
فما قول سماحتكم في الحجة الموصى بها؟ وما قولكم في الوصيتين الأوليتين اللتين عن ضمان، رغم أن البنت مريضة لم تتزوج حتى الآن، ولا تستطيع إطعام أمها؛ لأنها لم يكن لديها شيء، وبعد وفاة أبيها أطعمتها. فما قولكم في هذا الضمان وهي وارثة أمها، هل يثبت؟
العطايا التي في حياتها ليست من الوصية، وإنما هي عطايا منجزة، وتثبت جميع الوصايا إلا إن كان في المتأخر منها نص على نسخه المتقدم، والحجة تبقى الوصية بها إن لم تنسخنها ولو حجت في حياتها، والوصية للوارث لا ثبت إلا إن كانت من ضمان، ولئن نص الموصي أنها من ضمان قُبِل قوله، وإن اتُهم حلف الموصي له بأنه لا يعلم أنه قصد بذلك إلجاء. والله أعلم. (4/63)
صفحة 1187
امرأة وجدت لها وصية واعتراف، والإشكال في وصيتها لرجل يدعى مسعود بمائة ريال عماني ولزوجته عائشة، ولقد ذكر في الاعتراف أنها لمسعود المذكور بسبعمائة ريال عماني ولزوجته بثلاثمائة ريال عماني. فما الذي يعتمد، أينفذ ما تنص عليه الوصية أم ينفذ ما ينص عليه الاعتراف، علما بأن الوصية متقدم تاريخ تحريرها عن تاريخ تحرير الاعتراف؟ وهل تجوز وصيتها بجميع ما تبقى من مالها لمسجد ما؟ وهل يصدق قولها في الاعتراف إنها لا تعلم بوارث يرثها؟ وهل لفظ: "وجميع الذي تتركه بعد موتها" في الاعتراف يدل على جميع المال مع البيت، أم يدل على ما تبقى دون البيت؟ نرجو من سماحتكم إيضاح ما جاء في هذه الوصية، وكذلك الاعتراف، ولمن يكون ميراثها؟ علما بأننا حسب بحثنا لم نتوصل إلى وارث يرثها؛ لا من الفروض ولا التعصيب ولا من الأرحام، ويقال إن هناك ورثة لمعتقها، أيرجع ميراثها إليهم إن لم تثبت وصيتها للمسجد؟ وكذلك هل يرث الذكور فقط أم الذكور والإناث يقسم بينهم بالسوية، وذلك إذا ثبت لهم ميراثها شرعا؟
يثبت ما أوصت به لمسعود في كلتا الوصيتين، إذ لم تنص في الثانية أنها ناسخة للأولى، وقولها لا وارث لها هي مصدقة فيه إن لم تقم حجة بوجود الوارث، فإن قامت أخذ بها، والتوريث بالولاء مختلف فيه، وأكثر أصحابنا لا يقولون به، ومع عدم وجود الوارث يجوز لها الإيصاء بكل ما خلفته، والعموم في قولها: "وجميع الذي تتركه بعد موتها" مخصص باستثناء البيت، إذ الخصوص مقدم على العموم، وعلى القول بالتوريث بالولاء فلا تدخل فيه النساء إلا المرأة التي أعتقت بنفسها أو أعتقت المعتق. والله أعلم. (4/64)
صفحة 1188
توفي رجل ووجدنا في خزانته وصيتين: وصية أصلية كتبت من 8 أشهر، والثانية صورة لوصية كتبت منذ 16سنة لا يوجد لها أصل، فبحثنا عن أصل الوصية المذكورة ولم نجد لها أصلا سوى الصورة، ولعل الموصي مزقها واعتبر الثانية بدلا لها، إلا أنه لم يوجد دليل على ذلك. فما رأي سماحتكم في الصورة التي لم يوجد أصلها هل تنفذ، أم أن الوصية الأصلية حديثة التاريخ تكفي عن صورة الوصية؟
بما أنه ثبت إيصاؤه، فالأصل بقاء تلك الوصية ما لم يثبت نسخها. والله أعلم.
إنفاذ الوصية في غير ما أوصي بها
ما قولكم في الوصية والوقف هل يجوز التصرف فيهما؟ وهل يجوز للورثة التصرف بأموال الوقف؟
يجب الالتزام بإنفاذ الوصية من غير إخلال بشيء مما تضمنته، ما لم تكن فيها مخالفة لأوامر الشرع أو تعد لحدوده، والوقف إن كان ثابتا فلا يجوز التصرف فيه، اللهم إلا إن اقتضت المصلحة الظاهرة الاستعاضة عنه بغيره، وكان ذلك عن رأي الثقات الأمناء ذوي الخبرة في شئون الأموال، على أن يتم التصرف والاستعاضة على أيديهم. والله أعلم.
ما قولكم في رجل هلك، وكان قد أوصى بمال لمسجد، و المسجد الموصى له داثر، وهذه الأموال لا تكفي لإعمار هذا المسجد وترميمه، بالإضافة إلى أن أهل الحي الذي به المسجد قد رحلوا عن الحي فلا أحد يقطنه. فهل يجوز إعمار المسجد الجامع بهذا المال، وأيضا فهذا المسجد الموصى له لديه بعض الأموال. فهل يجوز أن يعمر به مال آخر؟
إذا اقتضى ذلك نظر أهل الصلاح والاستقامة في المحلة أو البلد، واتفقوا على ما رأوه من الصلاح والاستقامة في تحويل هذه المبالغ إلى المسجد الجامع فلا بأس بذلك. والله أعلم. (4/65)
صفحة 1189
يوجد ببلدة ما مسجد، وله مال بعض منه حي والبعض الآخر ميت، وهذا المال مقسم ما بين المسجد والفطرة و الأكفان، وله ماء مشترك، وكان أحد المواطنين قد أوصى بمبلغ ثلاثمائة ريال عماني، ثلثها لعمار المسجد، والثلث الثاني للفطرة، والثلث الأخير للأكفان. فهل يجوز تحويل المبلغ لإصلاح الأموال، أو نقعد الماء ونترك إعمار الأموال؟ علما بأن ترك الأرض خالية دون إعمار فيه ضياع لها؟
بما أنه حدد الوصية بنفسه فتنفذ كما أوصى بها. والله أعلم.
امرأة كانت قد أوصت قبل وفاتها باستغلال قطعة الأرض التي تمتلكها بزراعتها بأي محصول، على أن يقوم الذي يستغل هذه الأرض بقراءة المصحف الشريف بكامله مرة كل عام، سواء بنفسه أو يقوم بتأجير من يقوم بقراءته عنه، ونظرا لعدم قيام أحد باستغلال هذه الأرض فقد رأى بعض أصحاب الرأي باستغلال هذه الأرض ببناء مجلس عام لأهالي البلدة، وسيتم قراءة القرآن الكريم في هذا المجلس بصورة مستمرة، وعند كل عزاء يقام فيه. فهل يجوز لهم ذلك؟
لا تخرج الوصية عما حدده الموصي، وإذا تعذر إنفاذها ردت إلى الورثة. والله أعلم.
ما قول سماحتكم في رجل هلك وخلف بنين وبنات، وترك لهم أموالا اقتسموها فيما بينهم ما عدا ثلاثة مواضع، وكان الهالك قد أوصى بموضعين لأعمال الخير، و بموقع لأحد مساجد البلدة، وبعد مرور ستين عاما من وفاته حاول بعض الورثة بيع ما أوصى به الهالك لأعمال الخير والمسجد متجاهلين الوصية التي ما زال شهودها على قيد الحياة. فهل يجوز لهم ذلك؟ وبافتراض جواز ذلك فلصالح من يكون البيع؟
إن ثبت بحجة مقبولة شرعا أنه أوصى بالموضعين لجهة خيرية فلا يجوز بيعهما ولا امتلاكهما من قبل أحد، لمنافاة ذلك حكم الوصية الذي نص عليه قوله تعالى: { فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }(). والله أعلم. (4/66)
صفحة 1190
لوالدي وابن عمه عابية، وقد كانت تلك العابية لامرأة أوصت بها لمن يريد زراعتها واستغلالها أن يقرأ لها ختمة كل سنة. وبعد وفاة والدي وابن عمه تكفل أخي الأكبر وابن ابن عم والدي بالعابية، بعد ذلك توفي أخي وأردت أن أستغل تلك الأرض ببناء منزل فيها لأسرتي؛ ولكن كما تعلمون أن وزارة البلديات ووزارة الإسكان لن تصدرا لي إباحة البناء إلا إذا كانت ملكية الأرض باسمي. فهل يجوز لنا أن نثمن الأرض، وبثمنها نبني مسجدا يرجع إلى صاحبة العابية؟ أو أن هناك طريقة أخرى تراها سماحتكم مناسبة؟
تبقى كما أوصى بها الموصي. والله أعلم.
رجل أوصى بنخلة من وسط قطعة مال وجعلها للمسجد، ولما علم أقاربه طلبوا منه أن يبدل هذه النخلة التي هي في وسط القطعة لتكون من الأموال الأخرى، ولكنه رفض قائلا: إنني اخترت هذه النخلة ولن أبدلها، وبعد وفاة الموصي أراد ولده أن يبدل هذه النخلة المذكورة إلى أخرى، وتكون بالقرب من أموال المسجد. فهل يجوز له ذلك؟
ليس لولده أن يتصرف في ذلك إلا بحسب ما تقتضيه الوقفية؛ لأن ذلك تبديل لما أوصى به الموصي، وقد قال تعالى: { فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }()، وإنما يجوز لجماعة المسجد أن يقايضوا بهذه النخلة غيرها إن رأوا مصلحة المسجد متعينة في ذلك، على أن يكون ذلك بإشراف الأمناء ذوي الخبرة والدراية بالأموال وشئونها. والله أعلم. (4/67)
صفحة 1191
كان الوالد قبل وفاته يتكلم عن نخلة يريد أن يوصي بها لمصلحة الفلج، وكان هناك عدة وصايا على يد ابن أخت والدي، بعد الوفاة أردنا أن ننفذ الوصية؛ ولكن الوصي أفادنا أن الوصية لم يعثر عليها، فقمت أنا وإخواني بتنفيذ الوصية بشكل عشوائي، ثم بعد فترة من الزمن أفادنا الوصي أنه عثر على الوصية، واتضح لنا أن النخلة لم تذكر في الوصية، إنما أوصى بمائة ريال عماني لصيانة الفلج، فهل تجزي النخلة عن المائة ريال عماني المكتوبة في الوصية؟
أنفذوا الوصية كما وجدتموها من غير تبديل. والله أعلم.
ما قولكم في رجل أوصى ببيت بعد موته يباع ويبنى بقيمته مسجد، إلا أن البيت لم يوجد له إلا ثمن زهيد لا يصل إلى نصف قيمته الحقيقية. فما قولكم في إيجار هذا البيت، ويكفر من الإيجار عن الموصي، أو أنه يبنى له مسجد بالقيمة التي تحصل عليها من بيع البيت؟
على الوصي أن يجتهد في تحصيل أعلى قيمة ممكنة، وإن لم يمكن فلبيعه بقيمة غير بخسة، ويبن المسجد بما تيسر من قيمته. والله أعلم.
هل يحق للوصي بأن يتصرف بالوصية حيث ما يشاء، أم ينفذ على حسب حكم الشرع؟
الوصية يجب تنفيذها في الأمور التي خصصها بها الموصي ما لم تخرج عن حدود المشروع، وتبديلها من أسباب الإثم لقوله سبحانه وتعالى: { فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }(). والله أعلم.
رجل أوصى بثلث ماله لبناء المسجد الواقع بالقرب من فلج معين، وقد اختلف الورثة وبالتحديد المعنيين بتنفيذ الوصية وانقسموا إلى قسمين: قسم يرى إعادة بناء مسجد السوق، وتوسعة مسجد آخر، وقسم آخر يطالبون بإعادة بناء مسجد الخبيب، أو بناء مسجد جديد شمال المنطقة، أو مساعدة أهالي المزارع في إعادة بناء مسجدهم. فما ترون سماحتكم في ذلك؟
يجب إنفاذ الوصية كما نص الموصي، فلا يعمر بهذا المبلغ إلا المسجد الذي خصصه. والله أعلم. (4/68)
صفحة 1192
أخي المتوفى كان قد أوصى وبخط يده ببناء مسجد، وتم تثبيت الوصية شرعا، فقمت باختيار موقع بناء المسجد وأكملت إجراءاته، ولم أكن أعلم بأن هذا الموقع تجرفه الأودية، فأخبرني كبار السن بأن بناء المسجد هنا معرض فيما بعد لجرف الأودية له في حالة هطول الأمطار واستمرارها، فأوقفت تنفيذ المشروع، والآن أرغب أن أحول المشروع إلى مسجد جامع البلد القديم، والذي يحتاج إلى إعادة ترميم، علما بأن به مصلين كثر، والمواطنون بحاجة إليه أكثر من الموقع الآخر؛ والذي تحيط به ثلاثة أو أربعة منازل فقط، وفي موسم الأمطار يبقى مغلقا لكونه قريب من الوادي. فهل يجوز لي ذلك؟
إن كان الموصي لم يعدد الأرض التي يبنى عليها المسجد فلا مانع من بنائه بأي أرض تراها. والله أعلم.
تأخير إنفاذ الوصية
رجل توفي وأوصى بصلا ة واحدة، مع العلم بأنه إذا مات رجل وأوصى بصلا ة فقط جرت العادة أن يفرق له تمر أو شعير أو عيش، وهذا ما اتفقوا عليه في زماننا هذا. فهل يجوز شراء جونية عيش ووضعها مع يوم تفريق عيش الوقف، ألا وهو يوم التاسع من ذي الحجة؟
الأولى أن يعجل في إنفاذ وصية الهالك، ولا ينتظر بها يوم عرفة، فإن الوصية مقدمة حتى على الإرث لقوله تعالى: { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ }() والله أعلم.
وصل إلينا رجل وبيده وصية امرأة وقد جعلته وصيا لها، ومضى منذ وفاتها أكثر من عشرين سنة، وقد اقتسم الورثة المال وبعضهم توفي، وسؤاله هل يسعه السكوت أم لا؟ وإن كان لا يسعه فعلى من يوجه دعواه؟ وهل الأصل التنفيذ أم عدمه؟ وهل يختلف الحكم إذا كان الوصي عنده علم بالوصية؟
الأصل عدم إنفاذ الوصية حتى يصح إنفاذها، ولا يسع الوصي أن يسكت، بل عليه أن يرفع دعوى على الورثة ويقيم الحجة عليهم، وإن كان الوصي أهملها مع علمه بها وتحمله إياها فهو ضامن لها في ماله، وليرجع بعد ذلك على الورثة بعد إقامته الحجة عليهم. والله أعلم. (4/69)
صفحة 1193
رجل توفي، وكان قد أوصى بحجة تدفع من ماله، علما بأنه يمتلك قطعة أرض، ولم يتمكن الورثة من بيعها حتى الآن، وقد خلف بنتين لا تمتلكان شيئا من المال، وترغبان في تنفيذ وصية والدهما. فهل يجوز لهما أن تقترضا من أزواجهما مبلغا لأداء الحجة الموصى بها أم تنتظران حتى بيع قطعة الأرض؟
وهل يجوز تأجيل الحجة إلى عام آخر متى تم بيع قطعة أرض؟
الأولى لهما انتظار بيع قطعة الأرض ولو تيسر ذلك بعد عام؛ ذلك لأن الحج لا يقترض له ولو أراد الإنسان أن يحج عن نفسه فكيف بغيره. والله أعلم.
ما قولكم في رجل كان قد أوصى قبل وفاته بصيام عشرة أشهر، وبعد وفاته أعطى الورثة الوصي قيمة أجرة صيام العشرة أشهر، ولكن الوصي لم يقم بتنفيذ الوصية في حينها، ومرت السنون، والآن أصبح ما أعطاه الورثة لا يفي في هذا الزمان أجرة صيام شهر واحد بسب غلاء الأسعار، فماذا ترون سماحتكم؟
إذا ثبت أن الوصي تمادى من غير عذر في تنفيذ الوصية إلى أن ارتفعت الأسعار فلم يكف ما أعد لتنفيذ الوصية، مع أنه لو تعجل تنفيذها لكفى، فهو آثم غارم لما كان من قبله من التقصير. والله أعلم.
ما قولكم في رجل أوصى بمائة قرش يشترى بها مال تنفق غلته في يوم عرفة؛ ولكن الوصي لم يتمكن من الحصول على مال بهذه القيمة، فاحتفظ بالقروش إلى أن تغير الصرف، عندها بادر بصرفها عن خمسين ريالا، وكما تعلمون أن قيمة القرش في تغير مستمر، فمرة ترتفع وأخرى تنخفض. فهل ترون أن الضمان يلزمه؟ وماذا عليه أن يعمل؟
ليس على الوصي في ذلك كله حرج؛ لأنه لم يقصد إلا الإحسان والله تعالى يقول: { مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ }() وارتفاع سعر القرش وانخفاضه أمرهما إلى الله الذي يخفض ويرفع، وهو الذي بيده كل شيء، وأما ما تبقى بيده فعليه -إن لم يجد ما يشتريه به من أصل- أن يوزعه على الفقراء في يوم عرفة. والله أعلم. (4/70)
صفحة 1194
امرأة توفيت وقد كتبت وصيتها، غير أن الوصي لم ينفذ الوصية منذ 4سنوات. فهل على الورثة من ضمان أن لو قصروا في متابعة الوصية؟
الورثة ليس لهم أن يرثوا شيئا من المال إلا بعد إنفاذ الوصية وقضاء الدين، كما جاءت بذلك نصوص القرآن، فإن الله تبارك وتعالى قال: { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ }()، وقال: { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْن }() ٍ، وقال: { من بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ }()، فلا يجوز لهؤلاء الورثة أن يتساهلوا في أمر الوصية، ولو قدرنا أن الوصي تهاون وفرط في القيام بهذه الوصية فعليهم أن يقوموا بها، وإن كانوا في بلد إسلامي حيث يوجد من يحتكم إليه بشرع الله تبارك وتعالى فعليهم أن يحكموا إليه، ومن الواجب على الحاكم إن ثبتت عنده خيانة من الوصي أن يقيم شخصا آخر أمينا ثقة ينفذ هذه الوصية بأمانة، وإن اتهم ولم تثبت عليه خيانة فإن على الحكم أن يهيئ من يشرف عليه في جميع أعماله؛ لئلا تكون من قبله خيانة. والله تعالى أعلم.
رجل كان قد أوصى قبل وفاته بوصايا، والآن مرت سنين طويلة على ذلك، وتغيرت العملة عن تلك الفترة التي كانت فيها العملة المتداولة، وهي القروش الفرنسية. فكيف يكون تنفيذ هذه الوصية الآن، أيجعل الريال الواحد مكان القرش الواحد، أم على ما يبلغه من السعر الحالي؟
بما أن القروش أعيان مستقلة بقيمتها لم تزل ولا تزال كذلك فإنها تكون هي المعيار في إنفاذ الوصية، فإما أن تخرج بأعيانها كما تقتضيه الوصية، وإما أن تخرج أثمانها بحسب سعرها في يوم التنفيذ. والله أعلم.
تعذر إنفاذ الوصية (4/71)
صفحة 1195
رجل كان قد أوصى قبل وفاته بنخلتين يشتري بهن عبد ويعتق؛ لأنه لزمه عتق، وفي ذلك الزمان العبيد موجودون، ولم ينفذ الورثة الوصية إلى الآن، وأرادوا الآن إنقاذها إلا إنه في زمننا الحالي يتعذر إنفاذ مثل هذه الوصية لعدم وجودها، فهل يجوز بيع النخلتين وتفريق ثمنها على الفقراء أم لا؟
إذا تعذر الحصول على الرقيق حسب مقتضى الوصية فالأولى بهذه الوصية فقراء المسلمين في رأي بعض مشايخ العلم المتأخرين، واحتج له أن الله سبحانه جمع بين عتق الرقبة وإطعام المحتاج في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة، ويؤيده أن الله سبحانه جعل عوض العتق في الكفارة الصيام والإطعام في مواضع. والله تعالى أعلم.
ما قولكم في رجل كان قد أوصى بعتق رقبة، والرقبة لا توجد الآن، فماذا يعمل، علما بأن قيمة الرقبة أربعمائة ريال عماني؟
توزع قيمة الرقبة إن لم توجد -إذا أوصى موص بعتقها_ على فقراء المسلمين المحتاجين، فإنهم أحق بهذه القيمة. والله أعلم.
إذا أوصى الموصي بعد موته بعتق رقبة، ولم توجد الرقبة فماذا يفعل؟
يخرج من المال بقدر قيمة العبد، فإن وجد العبد اشتري وأعتق، وإن لم يوجد أنفذ ذلك في فقراء المسلمين؛ لأن الله تعالى جمع بين العتق وإطعام المساكين في قوله: { فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ }() والله أعلم.
ما قولكم فيمن أوصت لأولاد ولدها عن ضمان، وفي حياتها خططت الحكومة طريقا في جزء من المال بموافقتها، وبعد وفاتها وصل تعويض عن الجزء المقتطع من الحكومة، فهل التعويض لورثتها أم أنه للأولاد، حيث إنه عن ضمان؟ (4/72)
صفحة 1196
من أوصى لأحد بأرض من ضمان ثم اقتضت الضرورة أخذ جزء من تلك الأرض لمصلحة عامة كطريق مثلا، فإن التعويض عنه يعود إلى الموصى له، إن نيل بعد موت الموصي. والله أعلم.
فيمن أوصى بقطعة من ماله، ونص الوصية هو: "وبالجانب الفلاني لبني ابنته تعيبوه بنت محمد.. "، والإشكال أنه ليس أحد من بناته اسمها تعيبوه، بل هذا الاسم لزوجته، وهي معها أولاد منه من ذكر وأنثى، ولبناتها أبناء، وهؤلاء جميعا فيهم البالغ واليتيم، فهل ترون إبطال هذه الوصية أم ثبوتها، وإن ثبتت فلمن تصير؟
إن لم يكن له ابنة حية ولا ميتة اسمها تعيبوه فالوصية لأبنائها باطلة، وترجع إلى ورثته. والله أعلم.
رجل أوصى بأن يجهز بعد موته جهاز الموتى وأن يحفر له قبر ويكون ذلك من ماله الخاص، فتوفي هذا الرجل بدولة أخرى وتم تجهيزه ودفنه بها، فهل ما أوصى به لجهازه بعد موته راجع إلى الورثة أم ينفق ذلك في وجه من وجوه البر؟ وهل يلزم الوصي أن يذهب إلى تلك الدولة للتشاور مع الورثة البالغين حول ما أوصى به من كفارات، أم يبيع من ماله الموجود في بلده لإخراج الوصية من دون مشاورة الورثة؟
يرجع ذلك إلى الورثة إلا إن تبرعوا به لوجه من وجوه البر، وإن كانوا في منأى عن البلد الأصلي للميت؛ والذي فيه الوصي فيكفي أن يكتب إليهم ببيعه ما يبيعه من ماله لإنفاذ وصيته، ولا يلزمه السفر إليهم. والله أعلم.
ما قول سماحتكم في رجل أوصى بقطعة أرض ليعمل منها لبن للحود الأموات، ولبنيان حيطان للبيوت، ثم إن الناس استغنت عنه باستعمال الأسمنت في البنيان والقبور، وأصبح الطين لا داعي له، وبما أن هذه الأرض صالحة للسكنى لأنها قريبة من البلد، فهل يجوز أن يسكن فيها الناس لحاجة الناس لذلك، خاصة وأن مطلب الموصي نيل الثواب؟ (4/73)
صفحة 1197
إذا تعذر تنفيذ الوصية كما أوصى الموصي فالأولى أن يكون التنفيذ فيما هو قريب من نوع الوصية من المصالح، وعليه فإني أختار إيجار هذه الأرض، وشراء سقوف للقبور من قيمة الإيجار، وبناء حيطان بالأسمنت من هذه القيمة. والله تعالى أعلم.
كان الوالد مريضا لفترة طويلة في المستشفى ثم تعافى وخرج إلى بيت ولده الأكبر، ثم ذهب لزيارة إحدى بناته في منطقة مجاورة، وهناك كتب وصية دون علم أحد من أولاده سوى تلك البنت المقيمة هناك، مع أنه كان له وصية سابقة، وبعد فترة قصيرة وافته المنية في بيت ولده الأكبر. فبذلك كان له وصيتان: الأولى موجودة، والأخيرة لم نحصل عليها أبدا ولا نعرف عن مضمونها شيئا، مع مرور أكثر من عشر سنوات من البحث ومحاولة الحصول عليها، فماذا يلزمنا في ذلك؟ وهل نسير على الوصية الموجودة والتي يعلم بها جميع الورثة؟ علما أن الوصية الموجودة معنا تتضمن حجتين له ولزوجته الهالكة، وقد نفذهما بعد أن تشافى من مرضه، وبعض الأمور في الوصية لم يتمكن من تنفيذها كاملة، فماذا علينا في ذلك ونحن نريد أن نقسم الميراث في أقرب وقت؟
نفذوا الوصية التي وجدتموها ما لم يثبت عندكم نسخها، وبما أنه لم ينص على إلغاء الحجتين فهما ثابتتان ولو قام بتنفيذهما في حياته. والله أعلم.
والدتي أوصت بأن يكون الكفن على نفقتها الخاصة، وعندما توفيت قامت إحدى الجارات بإحضار الكفن، وبعد الانتهاء من العزاء قمنا بشراء الكفن من حساب والدتي لرجعه إلى الجارة؛ ولكنها رفضت استلام الكفن، فماذا يجب علينا فعله الآن؟
إن لم تقبله فتصدقوا به على الفقراء. والله أعلم. (4/74)
صفحة 1198
عن رجل أوصى ببناء مسجد في منطقة سماها، إلا أن الجهات المسئولة منعت من بناء المسجد في تلك المنطقة؛ وذلك لقربها من بعض المساجد. والسؤال هل ترجع الدراهم التي أوصى بها لبناء المسجد إلى الورثة أو أنه يبنى به مسجد في منطقة أخرى، والبحث إذا لم يرض بذلك الورثة أو كان فيهم بعض الأطفال ونحوهم ممن لا يصح رضاهم؟
إن تعذر إنفاذ الوصية فالموصى به يرجع إلى الورثة يقسم بينهم حسب نظام الإرث الشرعي، إلا إن رضي الورثة بأن يصرف إلى وجه من وجوه البر، كبناء مسجد آخر حيث تدعو الحاجة، فإن كان في الورثة يتيم أو من لم يرض بالنزول عن حقه، فليكن ذلك في نصيب من رضي من البلغ دون غيره. والله أعلم.
رجل أوصي بخمسين ريالا لمسجدين: أحدهما قائم ويصلى فيه، والآخر مندثر. فكيف يتصرف في هذه الحالة بنصيب المسجد المندثر؟
هذه المسألة مما وقع الخلاف فيه، فقيل أقرب المساجد إلى ذلك المسجد الموصى له هو أولى بهذا المال إن كان يتعذر أو يتعسر أن يجدد بناؤه، وقيل بأن ذلك للمسجد الجامع، وقيل بأن هذه الوصية لا محل لها فهي ترجع إلى الورثة، نظرا إلى أن كل وصية لا محل لها ترجع إلى الورثة، ولكن ينبغي للورثة بما أن والدهم ذكر بجانب المسجد المندثر مسجدا قائما أن يجعلوا الخمسين كلها للمسجد القائم. والله تعالى أعلم.
ما لا يلزم إنفاذه من الوصايا والوصايا الباطلة
ما رأي سماحتكم في رجل أوصى في حياته بإقامة عزاء له لمدة سبعة أيام، وثلاث فاتحات، وصيام شهرين متتابعين بعد موته، وتوفي هذا الرجل وخلف أيتاما، فهل تصح الوصية في ذلك؟
أما العزاء سبعة أيام فهو بدعة فلا يثبت به الإيصاء، وأما ما عداه فيخرج من الثلث. والله أعلم.
امرأة توفيت منذ أيام، وقد كتبت في وصيتها بأن يعزى لها لمدة سبعة أيام، فهل هذا جائز شرعا؟ وهل هناك مدة محددة شرعا لإقامة العزاء بالنسبة للرجال والنساء؟ (4/75)
صفحة 1199
هذه وصية مخالفة للشرع فهي باطلة، وحد العزاء ثلاثة أيام؛ لأنها الأيام التي أباح الشارع فيها حداد المرأة على غير زوجها من الرجال. والله أعلم.
ما قولكم في الوصية بالغسالة؟
إن كان المراد بالغسالة ما يقدم من الأطعمة بعد انتهاء العزاء فذلك من البدع المحرمة، والوصية بذلك باطلة لمخالفتها هدي الإسلام. والله أعلم.
هل يجوز للإنسان بأن يوصي من ثلث ماله بإطعام الواصلين في أيام العزاء الذين يأتون من أماكن بعيدة؟
هذه وصية باطلة لمخالفتها السنة. والله أعلم.
هل يجوز لصاحب العزاء بأن يطعم الواصلين الآتين من أماكن قريبة وبعيدة، من ماله الخاص، دون أن يمس مال الأيتام؟ وإذا كان لا يجوز، فهل يأثم الذين يأكلون من هذا الطعام؟
هذا العمل أيضا مخالف للسنة، ولا يجوز للواصلين تعمد البقاء من أجل الأكل من هذا الطعام. والله أعلم.
رجل أوصى بأن يؤدى عنه ما لزمه من أكل الميتة بعد موته، فهل يلزم الوصي أن يؤدي عنه شيئا أم لا؟ فإن كان يلزمه فما هو المقدار الذي يؤديه؟ (4/76)
صفحة 1200
إن كان أكله للميتة اضطرارا لم يلزمه شيء إجماعا؛ لإباحتها للمضطر بالنص القاطع، وإن أكلها اختيارا فهو مرتكب لإحدى الكبائر الموبقات، وهل عليه غير التوبة، ذهب أصحابنا المشارقة وجمهور الأمة إلى أن التوبة النصوح مجزية له، وذهب أصحابنا من أهل المغرب إلى أن التوبة يجب أن تقترن بكفارة مغلظة، وذلك عندهم حكم مطرد في ارتكاب أية كبيرة، والراجح القول الأول لما جاء في مسند الإمام الربيع -رحمه الله- عن أبي عبيدة -رضي الله عنه- أنه قال: سمعت أناسا من الصحابة يروون عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (( الذنوب على وجهين: ذنب بين العبد وربه، وذنب بين العبد وصاحبه، فالذنب الذي بين العبد وربه إذا تاب منه كان كمن لا ذنب له، وأما ذنبه بينه وبين صاحبه فلا توبة له حتى يرد المظالم إلى أهلها ))()، والحديث بعمومه يشمل كل ذنب إلا ما قام الدليل على تخصيصه منه، وعليه فلا يلزم الوصي أن يؤدي عن الموصي شيئا من المال بسبب هذه الوصية على أي حال. والله أعلم.
رجل توفي وخلف بنات اثنتين وزوجة وولد أخ وأولاد أولاد أخ، فوصى بالآتي:
علما بأن أولاد أولاد الأخ والدهم متوفى قبل الوصية:
1- تزوج إحدى بناته لأحد أولاد أولاد الأخ المتوفى.
2- توزع أمواله التي خلفها على بناته وزوجته وولد أخيه وأولاد أولاد أخيه المتوفى. فما حكم الشرع الشريف في هذه الوصية، أهي صحيحة أم لا؟
الوصية الأولى ثابتة مع موافقة البنات على ذلك، والثانية باطلة لمخالفتها الشرع الشريف. والله أعلم.
إذا أوصى شخص في حياته على أن لا يتبع فلان بن فلان جنازته ولا يقيم في عزائه، فهل يجوز إنفاذ هذه الوصية؟
ذلك إيصاء باطل، فليس لأحد أن يمنع أحدا من شهود جنازته أو المشاركة في عزائه. والله أعلم. (4/77)
صفحة 1201
ساحة الشيخ: بعض المواطنين كانوا يقطنون في السابق في مناطق نائية ذات طرق وعرة، وتحيط بها جبال صلبة، ثم انتقلوا من تلك المناطق الجبلية إلى سهل الباطنة. والسؤال هنا: عندما يتوفى أحد من أهالي تلك المناطق السابقة الذكر يوصي بدفنه بعد وفاته في منطقته السابقة ذات الطبيعة الوعرة، مما يؤدي إلى صعوبة الوصول إليها من قبل المشاركين في تشييع جثمانه؛ بسبب وعورة الطرق، وبعد المسافة، وصعوبة حفر القبر. فهل يجوز أن لا تنفذ تلك الوصية، ويدفن في إحدى المقابر القريبة من مسكنه الجديد؟ وإذا كان لا بُدَّ من تنفيذ الوصية، وكان هناك شخص آخر توفي ولم يوص بدفنه في مكان إقامته السابقة؛ ولكن أبناءه وأقرباءه أصروا على دفنه في منطقته السابقة في ذات الطبيعة الجبلية الوعرة، رغم اعتراض بعض أهله على ذلك. فهل يجوز أن يدفن في إحدى المقابر القريبة من مسكنه أيضا؟
لا مانع من أن يدفن في بلدته التي مات بها ولو أوصى أن يدفن في بلده الأصلي، إذ هذه الوصية لا ينتفع بها الموصي، فمخالفتها لا تضير شيئا. والله أعلم.
يسأل السائل عما يفعله بعض الناس في وصاياهم من تحديد مكان لقبرهم فيه، أو مكان لتغسيلهم فيه، وقد يكون في ذلك نوع من المشقة والعناء. فهل تنفذ مثل هذه الوصايا؟
هذه الوصية تنفذ في حال اليسر، ولا تنفذ في حال العسر. والله أعلم.
ما قولكم في امرأة أوصت ألا تكفن بالثوب الأبيض بعد موتها. فهل يجوز ذلك؟
يجوز تكفينها في غير ثوب أبيض. والله أعلم.
رجل توفي وأوصى بإيقاف قسمة تركته حتى يبلغ باقي الورثة سن الرشد. فما الحكم في ذلك؟
هذه وصية لا تثبت؛ لأن الإنسان ليس له منع الوراث حقوقهم بعد موته، وإنما له أن يوصي بأن يرعى حقوق اليتامى من يرتضيه لهذه المهمة. والله أعلم.
إذا حدد الموصي شخصا بعينه ليقوم بتغسيله بعد وفاته، بغض النظر إن كان ذلك الشخص يجيد تغسيل الميت أولا. فهل تثبت مثل هذه الوصية؟ (4/78)
صفحة 1202
لا ينبغي للإنسان أن يحدد شخصا يغسله إلا أن يكون خبيرا بتغسيل الموتى، فإن أوصى أن يغسله غير خبير بالتغسيل فإنه يكون مخطئا في هذه الحالة، ولا بأس أن يشارك الموصى إليه في التغسيل من غير أن يتولى هو التغسيل بطريقة فيها خطأ ومجانبة لطريق الحق، وإنما يحرص على أن يشارك غيره فيه ولو بصب الماء، مع مباشرة التغسيل من كان عارفا بطريقة الغسل. والله أعلم.
رجوع الوصي عن وصيته
فيمن أوصى بعد موته بمزرعة أو جزء منها ثم باعها في حياته. فماذا يعد تصرفه هذا؟
تصرفه فيما أوصى به ببيع أو غيره يعد تراجعا عن الوصية، فلا تثبت بعده. والله أعلم.
هلك رجل وترك وصية ضمان، ومن جملة الضمان أوصى بثلاث من أجود النخلات من ماله لأخيه لأمه، ولكن الهالك باع المال الذي كتب منه هذه النخلات في حياته، ولم تغير الوصية حتى وفاته. فهل تكون ثابتة أم لا؟ وهل يحق للموصى له شيء من هذه النخلات، أم يكون له قيمتها؟
بيع النخيل إبطال للوصية، وثم عدة احتمالات منها: أن يكون قد تخلص من الضمان في حياته، ومنها: أن يكون قصده بالوصية الاحتياط، وقد اتضح له فيما بعد عدم الضمان، ومنها: أن يكون قصده بذكر الضمان الاحتيال على إثبات الوصية، ثم رأى الإقلاع عن ذلك فأبطل الوصية ببيع الموصى به، ومن حيث إن الوصية تثبت بموت الموصي، وقد كان ما أوصى به حال موته ليس ملكا له فلا مساغ لإثبات الوصية، اللهم إلا أن يقيم الموصى له الحجة بثبوت الضمان، فله من تركة الهالك بمقدار ضمانه. والله أعلم.
رجل -ما زال حيا يرزق- كان قد أوصى منذ زمن طويل بستة أشهر صيام، والآن أراد تغييرها إلى ثلاثة أشهر فقط، ويريد أن يوزع عنها أرزا أو نقودا. فهل يجوز له ذلك؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب فكم يكون مقدار النفقة عن كل شهر؟ (4/79)
صفحة 1203
إنفاذ الواجبات في الحياة خير من الوصية بها بعد الموت، فإن الوصية احتياط لئلا يفاجئه الموت قبل الإنفاذ، والواجب على العبد أن يتخلص بنفسه، ومن أراد تغيير وصيته فلا مانع منه، وإن أراد أن يطعم عما أوصى بصيامه فليطعم عن كل يوم مسكينا؛ إن كان غير قادر على الصيام بنفسه. والله أعلم.
ما قولكم في رجل أوصى لابنه بمبلغ من المال، ثم أراد أن ينقض ما أوصى به، وكذلك أوصى لأولاد ابنه ببعض من النخيل، ويريد إلغاءها أيضا؟
الوصية للوارث لا تصح بحال ما لم تكن من ضمان؛ لأن الله تبارك وتعالى أعطى الورثة حقوقهم وميز أنصباهم من التركة، وبين أحكام ذلك كله بنفسه، فأية وصية لوارث بعد ذلك خروج سافر على حكم الله، وانتهاك لحرمة كتابه، ولأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- اشتهر عنه قوله: (( لا وصية لوارث ))()، وأما سائر الوصايا التبرعية فللموصي الحق في الرجوع عنها قبل موته؛ لأن الوصية إنما تستحق بموت الموصي والله أعلم.
ما قول سماحتكم في رجل هالك كان قد كتب -بكامل إرادته وتمام عقله- وصيته في ورقة رسمية وبتوقيع رسمي، وبعد وفاته قام صهر المتوفى وابنه بعمل ورقة غير رسمية يبطلون فيها الوصية. فهل يجوز لهم ذلك؟ علما بأن أموال الهالك وبيته وسياراته توجد حاليا خارج السلطنة، وتم التصرف فيها. (مرفق صورة من الوصية الرسمية، ومن الورقة الأخرى غير الرسمية). (4/80)
صفحة 1204
إبطال الموصي للوصية قبل موته ثابت سواء كان في صك رسمي أو غير رسمي؛ لأن للموصي الحق في أن يبطل ما شاء من وصيته قبل أن يموت، إذ الوصية لا تجب إلا بموت الموصي، والعبرة في ذلك بثبوت الإبطال بكتابة كاتب عدل وشاهد عدل، وأراك لم تتق الله بدعواك أن صهر الموصي وولده هما اللذان أبطلا الوصية بكتابة صك إبطالها، مع أن الواقع أن الإبطال كان بإقرار الموصي نفسه، كما ينص عليه الصك المرفق، وهو بخط كاتب عدل نعرف أمانته وصدقه، وكذلك نعرف أحد الشاهدين بالعدل والأمانة، فإياك يا أخي أن تفجر في خصومتك، فإن هذه صفة المنافق، كما جاء في حديث صفات المنافق، إذ جاء فيه: { وإذا خاصم فجر }(). هذا والسلام عليكم.
ما قولكم في رجل كان قد أوصى قبل أربعة عشر عاما بثلاثين نحلة وشجرتين لأولاد الوصي الذي استوصاه بعد موته، وتساوي ثلث ماله، وكان وقتها غير متزوج، وبعدها تزوج ولديه، الآن ولد عمره ست سنوات، وبنت عمرها تسع سنوات، فقام الرجل ببيع المال المذكور وبحضور الوصي، وسلم المبلغ للوصي للتأكد من القيمة، وبعد ذلك رده إليه ثم سلم ملكية المال المبيع للمشتري الذي اشتراه، وبعدها توفي الرجل في مساء يوم البيع. فما حكم الشرع في ذلك؟
إن باع ما أوصى به في حال جواز تصرفه فبيعه رجوع عن الإيصاء، وله أن يرجع في وصيته ما دام حيا. والله أعلم.
عن رجل أوصى بوصية وتركها عند وصيه؛ ولكن الوصي أطلع أبناء الرجل على وصية والدهم في حياته، ولسبب ذلك كانت المشاكل بين الرجل وأولاده، مع العلم أن الوصية في حد الثلث. فهل يجوز نقض الوصية وإبدال الوصي؟ وماذا يترتب على الوصي من أحكام الشرع بسبب فعله هذا؟ (4/81)
صفحة 1205
إن كان الموصي حيا فله أن يعدل ما أوصى به نفلا، أي غير ما يجب عليه، وله أن يبدل الوصي بوصي غيره، وان كان قد مات فلابد من إنفاذ وصيته ما لم يوص بباطل، أي بما لا يجوز له شرعا، وعلى الوصي وقد قبل القيام بمهمة تنفيذ الوصية في حياة الموصي أن لا يتلكأ في القيام بواجبه، ولا يجوز له تبديل ما تثبت به الوصية { فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللّه سَمِيعٌ عَلِيم }()، هذا وليس للورثة اعتراض على موروثهم في الإيصاء بالثلث إن لم يوص بما لا يحل شرعا. والله أعلم.
رجل أوصى بثلاث ضواحي لسبلة، وقد وجد ورثته من ضمن أوراقه أنه باع إحدى هذه الضواحي، وتاريخ البيع بعد تاريخ الوصية. فهل هذا البيع يبطل الوصية؟
تصرفه في المال الذي أوصى به بالبيع يعد إبطالا للوصية. والله أعلم.
هل يجوز للموصي أن يرجع عن وصيته؟ وهل يعتبر التصرف في العين الموصى بها رجوعا عن الوصية، كأن يوصي رجل بدراهم أو بريالات معينة ثم يستخدمها، أو ببيت فيهبه، أو بمزرعة فيبيعها؟
الوصية تثبت بموت الموصي، وقبل أن يموت له أن يتصرف فيها فيقدم ويؤخر ويبدل ويغير ويحذف ويزيد وهكذا، أما بعد أن يتوفى فلا تغيير فيها لأحد. والله أعلم.
موت الموصى له قبل الموصي
كان والدنا قد أوصى قبل وفاته بمبلغ خمسة عشر قرشا فضة لشخص بعينه، وبعد وفاته اتضح لنا من قول أقارب ذلك الشخص أنه متغرب منذ فترة طويلة بزنجبار، ولا أحد يدري أحي هو أم لا، فهل يجوز لنا شرعا دفع مبلغ الوصية لورثة ذلك الشخص (أبناء عمه)؟
عليكم أن تتبعوا أمره، وأن تسألوا الآتين من زنجبار عنه، فإن كان حيا وجب صرف ذلك إليه، وإن كان مات بعد الموصي فادفعوا ذلك إلى ورثته، وكذلك إن كان مات قبل الموصي وكان ذلك من ضمان لزم الموصي للموصى له، أما إن لم يكن الإيصاء عن ضمان ومات الموصى له قبل الموصي رجع الموصى به إلى ورثة الموصي. والله أعلم. (4/82)
صفحة 1206
رجل أوصي لأخته بشيء من المبلغ فتوفيت أخته قبله وهولا يزال على قيد الحياة. هل يلزمه تنفيذ الوصية لورثة أخته، علما بأن لها ولدا واحدا فقط؟
لا، إلا إن كانت الوصية من ضمان. والله أعلم.
ترك أحد أجدادنا وصية لزوجته بأن ترث مائة ريال عماني وجزء من المنزل، ولكن قبل وفاة الزوج توفيت الزوجة، وبعدها بشهرين توفي الزوج. فكيف ننفذ هذه الوصية؟ وهل تصح الوصية بعد وفاتها؟
الزوجة وارثة، ولا وصية لوارث بنص الحديث والإجماع، فلا يثبت الإيصاء لها ولو مات الزوج قبلها، وإن مات الموصى له قبل الموصي لم تثبت الوصية، اللهم إلا إن كانت من ضمان فتثبت في الحالين. والله أعلم.
ما قولكم فيمن يرثها أبناء عم ثلاثة، وقد أوصت بنصف مالها لأولاد أختها الخالصة الذي تستحقه أختها كما لو كانت حية، والأولاد الموصى لهم ثلاثة أبناء وبنت، وقبل موت الموصية توفي ولد وبنت وبقي ولد واحد وهو الوصي عنها في إنفاذ وصيتها، فهل الاثنان- البنت والابن- المتوفيان ورثتهما ينالون نصيبا من الوصية أم هي للولد الباقي فقط؟ بيد أن الوصية ما طرأ عليها أي تعديل قبل وفاة الموصية، ثم توفيت بعدها بعشر سنوات؟
ترد الوصية إلى ثلث تركتها مع بقية وصاياها، إذ ليس لأحد أن يوصي بما لا يجب عليه إن زاد على الثلث، وإنما ترد إلى ثلث مالها، وهذه الوصية لأولاد أختها دون أولادهم، فإن ماتوا وبقي واحد منهم فهي لذلك الواحد دون أولاد إخوته وأخواته. والله أعلم.
إذا مات الموصي والموصى له معا ولم يعرف المتقدم منهما، فهل تثبت الوصية؟
لا يستحق الموصى له المال الموصى به إلا بتحقق حياته بعد موت الموصي، وهذه المسألة شبيهة بمسألة ميراث الغرقى والهدمى، والراجح في ميراث الغرقى والهدمى أنه لا يرث أحدهما من الآخر؛ لأن الميراث لا يكون بشك، فكذلك الوصية. والله أعلم.
دخول من ولد بعد الوصية فيها (4/83)
صفحة 1207
توفي رجل منذ سنوات بعد أن أوصى بثلث ماله إلى أحفاده من أبنائه الذكور، وكان له وقت وفاته ابنان متزوجان، وثالث غير متزوج في ذلك الوقت، ثم تزوج بعد وفاة أبيه وأنجب أولادا قبل قسم التركة. فهل يكون لأولاده نصيب من هذه الوصية، أم هي مقصورة على أن أولاد الأخوين الذين تزوجا قبل وفاته؟
يستحق الوصية من كان موجودا من أولاد الأولاد في حال وفاة الموصي دون من حدث من بعد ذلك. والله أعلم.
أوصى جدنا لأولاد ولده صالح عن ضمان لزمه لهم، فهل تشمل هذه الوصية أولاد صالح الذين كانوا مولودين في الفترة ما بين إنشاء الوصية ووفاة الموصي؟ أم أن هذه الوصية تشمل أيضا الأولاد الذكور الذين ولدوا بعد وفاة الموصي، خصوصا وأنه رزق بأولاد ذكور بعد الوصية من زوجة أخرى؟
تشمل الوصية أولاد صالح الذين كانوا موجودين عندما توفي الموصي إن لم يعينهم، أما الذين ولدوا من بعد فلا تشملهم. والله أعلم.
لقد أوصت جدتنا -نحن أبناء صالح- بمال عن ضمان عليها لنا حسب منطوق الوصية، وسؤالنا: هل هذه الوصية مقتصرة على أبناء صالح الموجودين أثناء كتابة الوصية أو عند وفاة الموصية، أم أنها تشمل الذين ولدوا بعد كتابة الوصية والذين ولدوا أيضا بعد وفاة الموصية؟
الضمان إنما هو لمن كانوا موجودين إبان كتابة الوصية لا للذين بعد ذلك، فلا يدخلون في الوصية. والله أعلم.
بيع المال الموصى به
أوصي رجل بجميع أمواله وعقاراته من أفلاج وغيرها بعد موته لأولاد أولاده، فهل يجوز لهم بيعها وتقسيم ثمنها؟
لا يخلو إما أن يكون أوصى بهذه الأموال أن تكون ملكا لأولاد أولاده أو أنها موقوفة عليهم، فإن كانت موقوفة فلا يجوز اقتسام أصلها وإنما يقتسمون منفعتها، ولكن لهم أن يبيعوها إن اقتضت المصلحة ذلك، ويشترى بثمنها ما يكون بدلا عنها من العقار أو المياه أو الأموال، ليكون ريعه أيضا بين الموقوف لهم، وإن أوصى بها ملكا فلهم أن يبيعوها ويقتسموا ثمنها. والله أعلم. (4/84)
صفحة 1208
رجل أوصى قبل موته بنخلات معدودة لأقربائه تقسم غلتهن بينهم، وكما تعلمون بأن النخيل في هذه الأيام تحتاج إلى مؤونة أكثر من الغلة، وقد لا ينتفع الموصى لهم بشيء من ذلك مع ما تحتاج إليه من وكيل وغيره. فهل يجوز بيع هذه النخلات وإعطاء أهلها كل بقدر حقه؟
إذا كانت الوصية لمحصورين فلا مانع من بيع الأصل الموصى به، وقد أجاز الإمام الخليلي -رحمه الله- بيع مال موقوف لعدد محصور إن اتفقوا على ذلك، والوصية كالوقف. والله أعلم.
توجد سبلة قديمة مشتركة بين طائفتين من طوائف قبيلة ما، أقيمت بالبلاد سبلة عامة للجميع وصارت هذه السبلة مهجورة ومأوى للأقذار والحشرات، وتقول إحدى الطائفتين إن بعض شركائهم قد تعدى على بعض حريم من حريمها فاجتاحه، وهم الآن يريدون قسمة هذه السبلة أو بيعها لتقسم قيمتها على الرؤوس، وبعض أفراد الطائفة الأخرى لم يوافقوا، وقد أخبرنا مسئول بلادهم أنها إذا بقيت على هذا الوضع يغشى أن تقع فيها فتنة بينهم ويشجع على بيعها والانتفاع بقيمتها ولا تبقى ضائعة، لأن أهلها في غنى عنها، إذ كل واحد منهم معه مجلس خاص في بيته ومجلس عام في البلاد؟
عرضت هذه المسألة على المشايخ أهل العلم وأعدت النظر فيها بنفسي، فاتضح لي ولهم أن سبيل هذه السبلة سبيل الوصية، والوصية إن لم يكن لها موضع رجعت إلى جميع الورثة، لا فرق بين ذكر وأنثى تقسم بينهم قسمة المواريث حسبما شرع الله، وعليه فإن عرف ورثة من جعل هذه السبلة موقوفة رجعت إليهم وإلى ورثتهم من بعدهم، وإن لم يعرفوا فهي لفقراء المسلمين على القول الأرجح فيما جهل أربابه. والله أعلم. (4/85)
صفحة 1209
امرأة أوصت بقطعة أرض للنباهنة بمنطقة ما منذ عشرات السنين، حيث إن الأشخاص الموجودين في تلك الفترة قليلون وقد تكاثروا، منهم من يصل امتداد أسرته الآن إلى أكثر من خمسين شخصا، ومنهم من لا يتعدى خمسة أشخاص، ومن ذلك الوقت منهم من ترك المنطقة بعد الوصية، ومنهم من جاء إلى المنطقة وسكن فيها حتى يومنا هذا، وقد توفي أغلب الأشخاص الموجودين ولم يبق إلا الأبناء أو الأحفاد، وقد تم بيع هذه الأرض الآن. فكيف يكون تقسيم هذا المبلغ؟
إن كانت أوصت بها لمعينين فهي لهم فإن بيعت من بعد فثمنها يرجع إلى ورثتهم كل بقدر نصيبه في الإرث، إلا إن تعذرت معرفتهم فتئول إلى ذريتهم بعدد رؤوسهم. والله أعلم.
الوصية بمثل نصيب أحد الورثة
لقد توفي ابني تاركا أطفالا صغارا، ومن منطلق حرصي على مصلحة هؤلاء الأيتام فإني أريد أن أوصي لهم بجزء من مالي، وبما أنني رجل تاجر ورأسمالي معرض للزيادة والنقصان، فإني أخشي إن أوصيت لهم بشيء محدد من ممتلكاتي أن يزيد المال فيكون ما أخذوه أقل من نصيب أولادي الآخرين، أو ينقص فيكون ما أخذ أولادي أقل مما أخذه أولاد ابني المتوفى. فهل يجوز لي أن أوصي لهم بما يساوي نصيب أبيهم بعد وفاتي؟
نعم لك أن توصي لهم بمثل نصيب أبيهم أن لو كان حيا، أو بنصيب أبيهم أن لو كان حيا. والله ولي التوفيق.
عن وصية رجل أراد إنفاذ ما جاء فيها، ومن جملة ما أوصى به الموصي: أوصى لأولاد ابن أخيه الراحل بسهم أبيهم من تركته من جميع ما يتركه إلخ، فيكونون كواحد من بني إخوته الذين يستحقون ميراثه أن لو كان أبوهم حيا، وأبوهم قد مات قبله ولا سهم له في ماله، وكأن هذا الرجل الموصي أراد معنى قصرت عبارة المعبر عنه كما يفهم من سياق آخر العبارة. فما قول سماحتكم في ذلك، مع العلم بأن أولاد أخي الموصى لهم أيتام، وأكبرهم سنا بالغ إلا أنه أعجم؟ (4/86)
صفحة 1210
مراد الموصي يتضح من قوله فيما بعد: أن لو كان أبوهم حيا، وعليه فلا أرى مانعا من إنفاذ الوصية كما يقتضيها قصد الموصي.
توفي ولدي وخلف أولادا: ذكرين وأربع إناث، ولدي زوجة وبنت عم، فهل يجوز لي أن أوصي لأولاد ولدي بشيء محدد؟
إن أردت أن توصي لهم بمثل نصيب أبيهم أن لو كان حيا فلا حرج في ذلك، على أن لا يزيد عن الثلث، فإن زاد عن الثلث ردت الوصية كلها إلى الثلث. ولله أعلم.
الإضرار في الوصية
ما حكم من يوصي بماله بقصد حرمان الورثة؟
هذا أمر خطير، فإن الوصية إنما هي طاعة وقربة، وليست معصية ومجانبة لحكم الله تعالى، ولذلك شدد الحديث الشريف في ذلك تشديدا بالغا، فقد أخرج الدارقطني من طريق ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (الإضرار في الوصية من الكبائر)، أي مضرة الإنسان لورثته بأن يوصي لأحد بقصد حرمانه الورثة، وكذلك جاء في الحديث الذي أخرجه أبو داود من طريق أبي هريرة عن النبي -صلي الله عليه وسلم- قال: { إن الرجل أو المرأة ليعمل بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرها الموت فيضاران في الوصية فتجب لهما النار }()، والقران قبل ذلك هو أصرح وأدل ما يكون على الحكم، إذ الله تعالى يقول: { تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ }()، ففي هاتين الآيتين وعيد على تغيير حكم الله تبارك وتعالى ولو بالتحايل. والله أعلم. (4/87)
صفحة 1211
رجل لديه منزل واحد فقط، مكون من إحدى عشرة حجرة دون الحوش، وله ورثة أيتام، فقام ببيع هذا المنزل لزوجته التي ليس لديها أولاد منه، علما بأن الرجل لديه سجل تجاري وعمال، وليس بحاجة إلى بيع المنزل، وزوجته لا تملك قيمة المنزل المقدر بأربعين ألف ريال، بل باعه لها لكي يحرم الأيتام الذين يرثون من إرث والدهم، فهل يحق له ذلك؟
إن قصد حرمان الورثة فهو آثم. والله أعلم.
ما قولكم في امرأة أوصت بجميع تركتها لبعض ورثتها من ضمان لزمها، ومعلوم أن لها بنات يأخذن بالشرع ثلثي تركتها، أرادت بذلك حرمانهن من الإرث، وذلك واضح من الوصية؛ لأنها تأتي على جميع مالها، وأما كون هذه الوصية عن ضمان فتحايل على الشرع أرادت منه حرمان بناتها من الإرث، وإلا فلا ضمان لهم عليها فقد كانت تطعم من أوصت لهم بعد موت والدهم، وهم أيضا يرثون ثلث مالها لو كان هناك شيء بعد ما أوصت به، وهي ليس لديها شيء آخر سوى الذي أوصت به؟
بما أنها أوصت بذلك من ضمان لزمها فالوصية ثابتة، وإن كانت أرادت بما ذكرت التدليس فالله أولى بها، وإنما نحكم بالظاهر، والظاهر ثبوت الوصية. والله أعلم.
أم عندها أربعة أولاد: ثلاثة ذكور وأنثى، وترغب قبل وفاتها أن تكتب وصية ليكون ثلث مالها لأولاد اثنين من أولادها الذكور، أما ثالثهم فلا تريد أن تكتب له شيئا ولا لأولاده؛ بسبب مقاطعته لها منذ فترة طويلة جدا، ولا يأتيها حتى في العيد، وكذلك ابنتها الوحيدة والمطلقة تريد كتابة البيت باسمها مع عدد قليل من النخيل. فهل يحق لها ذلك؟
الظاهر أن قصدها من هذه الوصية الإلجاء، والإلجاء لا يجوز في الإسلام، فإن الله أعطى كل ذي حق حقه، وتعدي قسمة الله ظلم، والأولى لها أن توصي بما يلزمها من حقوق الله وحقوق الناس، ثم تتقرب من بعد إلى الله بما هو خير وأبقى من أصناف القربات. والله أعلم.
الدعاوى في الوصية (4/88)
صفحة 1212
رجل مات وخلف أيتاما، ويقول أصحاب القول بأنه ترك وصية، والأيتام ليس لهم علم بها، فهل تثبت هذه الوصية؟
يتوقف ثبوت الوصية على قيام البينة العادلة بها، أو تصديق الورثة بها إن كانوا بلغا عقالا. والله أعلم.
أوصى رجل لآخر بخنجر، وبعد وفاته نفذ الورثة وصية المتوفى، وبعد أشهر توفيت زوجة الهالك، وقام ورثتها من بعدها بالمطالبة بالخنجر مدعين بأن الوصية التي تركها زوجها المتوفى غير صحيحة. فما حكم هذه الوصية أهي نافذة أم لا؟
ينبغي أن ينظر في الوصية، فإن كانت صحيحة أو أقرها الورثة فلا وجه لإنكار أحدهم. والله أعلم.
ورثة يعتبرون وصية وريثهم الهالك غير صحيحة لعدة أسباب هي: ا - بأن الموصي لا يوجد له توقيع أو بصمة. 2- بأن الموصي ذكر في الوصية بأنه ليس له عاصب يعرف لحوق نسبه بنسبه، وهو له ابنة عم قام بتربيتها بعد موت أبيها؟ 3- بأن الوصي يقول بأنه ليس له علم بهذه الوصية. فما قولكم في ذلك؟
هذا كله لا يؤثر على الوصية شيئا، فإن توقيع الموصي في الوصية ليس ضروريا، وابنة العم ليست عاصبة بل هي من ذوي الأرحام، ولا ميراث لذي رحم مع عاصب أو ذي سهم، ولا يلزم علم الوصي بالوصية، أي لا تتوقف صحتا على علمه، بل يكف أن يكتبها كاتب عدل ويشهد عليها شهد عدل. والله أعلم.
امرأة مريضة وطريحة الفراش، وبعد مدة يسيرة توفاها الله، وبعد موتها أظهر الموصى له الوصية إلا أن ورثتها غير راضين عن الوصية؛ لكونها بغير علمهم ورأيهم. فما قول الشرع الشريف في ذلك؟ (4/89)
صفحة 1213
لا تتوقف صحة الوصية وثبوتها على علم ودراية الورثة، فإن كانت الوصية ثابتة في نفسها فلا عبرة باعتراض الوراث بل يجب إنفاذها؛ لأن حق الوارث في التركة إنما هو بعد إنفاذ الوصية وقضاء الدين كما نص عليه قوله تعالى: { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ }()، وقوله تعالى: { مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ }()، وقوله تعالى: { مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ }()، وقوله تعالى: { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ }(). والله أعلم.
رجل معه ثلاثة أولاد فتزوج الاثنين منهم في حياته، وقبل وفاته أوصى للثالث -بسبب عدم تزويجه له- بخنجر وغرفة من البيت، وقد قسم الورثة مال الميت ما عدا الخنجر والغرفة الموصى بها، ثم توفي الأخ الأكبر فقام أولاده بمطالبة عميهما بقسمة الغرفة والخنجر، ولم يعترفوا بالوصية بسبب عدم وجود كتابة، كما أن أحد الشهود توفي وبقي شاهد واحد. فما قولكم في هذه المسألة؟
إن كانت لم تقم بينة عادلة على الوصية لم تلزمهم. والله أعلم.
كان أخي المتوفى قد أوصى بحجة إلى بيت الله الحرام، وله أطفال صغار لم يبلغوا سن الرشد، فقمت بإيجار أحد الأشخاص بالحجة من أموال الورثة، وكان المبلغ ستمائة وخمسين ريالا عمانيا لا غير، وكانت وصية أخي بالحجة شفهية بيني وبينه والله شهيد بيننا. فهل أعتبر قد نفذت وصية أخي على وجهها الأكمل؟
إن لم يشهد شاهدان عدلان بموجب هذه الوصية، فعليك أن ترد ما أنفقته في الحج إلى الورثة إلا إن سامحوك، ومسامحة الأيتام بعد بلوغهم لا قبله. والله أعلم.
التبرُّع عن الميت
امرأة توفيت في حادث سير وتركت مالا وذهبا، غير أنها لم توص بحج، وأراد الورثة أن يحجوا عنها. فهل لهم ذلك؟ (4/90)
صفحة 1214
هذا من البر والإحسان، وهذه المسألة مما اختلف فيه أهل العلم، فعند أصحابنا والمالكية والحنفية أن حقوق الله تعالى الواجبة على الإنسان إن لم يوص بها فإنها لا يجب إخراجها من مال الميت ولو عرف ذلك الورثة، وإنما ينبغي لهم أن يخرجوا هذه الحقوق، وذهب الشافعية والحنابلة إلى وجوب إخراج الحق الواجب على الإنسان من ماله عندما يتضح ذلك ولو لم يوص به وهذا القول هو الذي أميل إليه، بدليل حديث النبي-صلى الله عليه وسلم- في مسند الإمام الربيع بن حبيب من طريق ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -عليه أفضل الصلاة والسلام- جاءته امرأة خثعمية وقالت له: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج، أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع الثبوت على الراحلة أفأحج عنه، فقال لها: { أرأيت أن لو كان على أبيك دين فقضيته أكان مجزيا }()، فقالت: نعم، فقال: { فذاك ذاك }()، وجاء في رواية الشيخين من طريق عائشة وغيرها أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بأن يقضى الحق الذي على الميت وقال: { فاقضوا فدين الله أحق بالقضاء }()، وقوله: (فدين الله أحق بالقضاء) يدل على أن دين الله تبارك وتعالى مقدم من حيث القضاء، وإن قال كثير من أهل العلم: إن دين الناس مقدم على دين الله؛ وذلك لتيسيره سبحانه، وإلا فالأصل في دين الله أنه مقدم على دين الخلق، ولما كان مقدما على دين الخلق، ودين الخلق ولو لم يوص به إذا ثبت أنه في ذمته وجب أداؤه من ماله، وكان ذلك مقدما على الوصية، كما يقول التلمساني: إن امرؤ قد قدرت منونه كفن ثم أديت ديونه وبعد ذاك تنفذ الوصية ويقع الميراث في البقية فدين الله من باب أولى يجب إنفاذه. هذا وإنما ذكرت الوصية قبل الدين في أربعة مواضع من سورة النساء في قول الله تعالى: { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ }()، وقوله: { مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ }()، وقوله تبارك وتعالى: { مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ (4/91)
صفحة 1215
تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ }()، وقوله تعالى: { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍِ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ }() لأجل التأكيد على الوصية؛ لأن الناس قد يتساهلون في أمر الوصية ما لا يتساهلون في الدين. والله أعلم.
في رجل مات ولم يوص بشيء من ماله أبدا، فأراد ورثته أن يتبرعوا بإخراج ثلث التركة عنه، فمن الأولى بذلك؟ وما هي الأوجه التي يستحسن أن يوضع فيها ذلك المخرج؟ وهل هناك فرق بين من كان مستقيما في دينه ففاجأته المنية قبل أن يوصي، وبين من لا يعلم حاله أو علم عدم صلاحه؟
من مات ولم يوص، وأراد ورثته أن يتبرعوا له بثلث التركة ينفق في الغير، فالأولى أن يبدأوا بما كان لازما عليه مما لم يوص به، سواء كان من حقوق الله أو حقوق الناس نحو حق الأقربين المفروض؛ لأن الوصية به لازمة بنص الكتاب، وكذلك أجرة من يحج عنه إن لم يحج بنفسه، وهكذا كل ما أضاعه من الحقوق الواجبة عليه، ثم تأتي بعد ذلك الأمور الاحتياطية كالاحتياط عما أضاعه من الزكوات أو بقي عليه من الضمانات التي لا يعرف ربها، ثم يأتي بعد ذلك الإنفاق المندوب إليه، كمواساة الفقراء من غير الزكاة الواجبة، وعون المحتاجين، وبناء المساجد والمدارس الدينية، وحج النفل، وكل ما كانت الحاجة إليه أمس فالإنفاق فيه أولى، ومن كان على استقامة وتقوى فهو أولى بأن يبرّ بعد موته بإنفاق ذلك عنه. والله أعلم.
امرأة توفيت وخلفت بنتا، وكانت قبل وفاتها قد كتبت البيت الوحيد الذي تملكه لبنتها، وبعدها مرضت فقامت بكتابة وصية توصي فيها بعمل حجة وصيام شهر رمضان وأشياء أخرى. فهل يجب على البنت بيع البيت وإنفاذ وصية أمها، علما بأنها فقيرة وأمها ليس لديها مال؟
بما أن البيت ملك للبنت -إن كانت الأم منحته لها في حياتها- والأم لم تترك مالا، فلا يلزمها ذلك حكما، اللهم إلا إن قصدت البر بأمها فإن ذلك حسن والله يؤجرها عليه. والله أعلم. (4/92)
صفحة 1216
امرأة توفيت قبل أن تكتب وصيتها مخلفة ثلاثة أبناء بارين بها، وكانت في حياتها دائمة التفكير في أداء فريضة الحجة، وقراءة ختمة، وصيام، ولكن عاجلها الموت قبل التنفيذ أمنيتها هذه، والآن يرغب أولادها في تحقيق رغبتها هذه برا بها ووفاء لذكراها، علما بأن كل منهم يريد القيام بتنفيذ هذه الأشياء عنها بنفسه. فهل يمكن ذلك أو يقوم كل واحد منهم بأداء أحد الأشياء، ثم يقتسموا التكاليف جميعا فيما بينهم بالتساوي؟
الأولى أن يتفقوا فيما بينهم؛ بحيث يتحمل كل واحد منهم شيئا. والله أعلم.
امرأة توفيت وتركت ابنة، ثم أرادت البنت أن تتصدق لوالدتها المتوفاة بتلاوة القرآن الكريم بالأجرة، فهل يجوز لها ذلك؟
لا مانع من ذلك، وأما وصول الأجر إليها فأمره إلى الله. والله أعلم.
موظف بالدولة توفي، فصرفت الدولة لورثته مبلغا يسمى مصاريف الجنازة والعزاء، علما بأن الهالك كان قد أوصى بهذه المصاريف تكون من ماله لخاص، فهل يجوز تنفيذ الوصية أو جزءا منها من هذا المبلغ؟
هذا المبلغ إن كان عطية من الدولة للميت فلا مانع من إنفاذ الوصية منه؛ لأن حكمه حكم تركته. والله أعلم.
منذ سبع سنوات لدينا امرأة كانت تطلب من ابنتها أن تقوم بعمل وصية لها، حتى أنها ذكرت لها أسماء الأشخاص الذين كانت تريد أن توصي لهم في تلك الفترة، مع العلم أن المرأة كانت عمياء؛ لكن البنت لم تأخذ الموضوع بنوع من الجدية إلا بعد مرور سبع سنوات؛ لكنها لم تستطع تذكر الأشخاص الذين كانت تريد أن توصي لهم على العلم أن المرأة مازالت على قيد الحياة؛ ولكنها كبيرة في السن وغير حاضرة العقل. فما حكم ذلك؟ (4/93)
صفحة 1217
الأمر قد فات، والوصية لا تكون باعتراف ولد عن والده ولا العكس، سواء الذكور والإناث، وإنما يقر الموصي بنفسه بما يريد الوصية به في حال حضور عقله، ولكن تؤمر البنت أن تتبرع عن أمها بأن تخرج من مالها -إن كانت ذات مال- ما أرادت الأم إخراجه إلى من أرادت الأم الوصية لهم، فإن جهلتهم فلتدفع ذلك إلى فقراء المسلمين، ولتخرج بعد وفاتها شيئا من المال إلى أقربيها الذين لا يرثونها. والله أعلم.
رجل ركب في سيارة مع آخرين، ثم انقلبت السيارة ومات الرجل، وبعد منازعات طويلة سلم صاحب السيارة غرامة مالية لأهل الميت. فكيف يكون التصرف فيها؟ مع العلم بأن الرجل ولد سفاح لا أب له. فهل يجوز لهم أن يتصرفوا فيها بإنفاقها في وجوه الغير لأجل الميت، مثل الحج والصدقة والإنفاق على الأقربين؟ وهل هذه الدية محرمة شرعا؟
هي لورثته وهم عصبة أمه، فإن رأوا إنفاقها في وجوه البر عن الميت، وهم ممن يحق لهم التصرف فلا حرج عليهم، بل ذلك مما يثابون عليه، وذلك كله بعد إنفاذ وصيته، ولا وجه لتحريمها ما داموا واثقين أن سائق السيارة كان مخطئا وكان ذلك سببا لانقلابها. والله أعلم.
إذا لم يوص الفقير بشيء، هل للورثة أن يقوموا بتنفيذ الوصية؟
نعم ذلك من البر والإحسان. والله أعلم.
فتاوى الوقف
تعريف الوقف
أي التعبيرين أصح: وقف أم أوقف؟
الوقف مصدر وقف يقف؛ لأن وقف يأتي لازما ومتعديا، فاللازم مصدره وقوف، والمتعدي مصدره وقف، ومما جاء متعديا في ذلك قول الله تبارك وتعالى: { وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ }()، وقوله سبحانه وتعالى: { وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ }()، هذه هي اللغة الفصحى، وذكر صاحب القاموس لغة ضعيفة أوقف يوقف، وكثير من الناس يقول: بأن ذلك خطأ؛ ولكن شاع ذلك عند كثير من الناس في استعمالهم. والله أعلم. (4/94)
صفحة 1218
هل يشترط في الوقف القول أو الكتابة أم تكفي مجرد النية؟ بمعنى لو نوى بقلبه أن الشيء الفلاني وقف، فهل يلزمه بمجرد هذه النية، وعليه إخبار الناس بذلك، أم يقال بأن الوقف لم ينعقد بعد؟
الوقف عقد من العقود، ولما كان عقدا فإنه لا بُدَّ من التلفظ فيه، ولا يجزي فيه أن ينوي في قرارة نفسه -من غير أن ينطق- بأنه وقف ذلك المال للفرض الذي خصصه له، فلو نوى في قرارة نفسه أن ذلك المال موقوف ولكنه مع ذلك لم يوقفه، فالوقفية لا يسري حكمها. والله تعالى أعلم.
ما حكم الوقف المعلق على غير الموت؟ كأن يقول: إذا حدت الشيء الفلاني فقد وقفت مالي الفلاني؟
بما أنه علق الوقف بحصول شيء معين فإن الوقف يثبت بوقوع ذلك الشيء، كمثل الوقف المعلق بالموت. والله أعلم.
ما يجوز وقفه
من وقف حصة له في مشاع، ما حكمه؟ وما هو المشاع؟
لا مانع من ذلك؛ لأن الوقف لا يشترط فيه أن يكون الموقوف متعينا متبينا واضحا، إذ الوقف كالصدقة بل هو صدقة تستمر بعد الموت، فكما أن للإنسان أن يتصدق بحصته من المشاع فكذلك له أن يقف حصته من المشاع، وليس ذلك كالبيع، إذ العوض عن الوقف ليس في الدنيا وإنما العوض عنه في الدار الآخرة.
والمشاع هو المال المشترك، سواء كان هذا الاشتراك بسبب ميراث، وذلك بأن يرث الإنسان حصة من مال، وبسبب ذلك الإرث كان ذلك المال مشتركا بينه وبين غيره فله حصة منه وللآخرين حصص منه، أو بسبب أنهم اشتروا المال جميعا ولم يقتسموه فيما بينهم، فلم يكن نصيب كل واحد منهم متميزا عن أنصباء الآخرين، بل حق كل واحد منهم في جميع المال وليس في جزء معين منه. والله أعلم. (4/95)
صفحة 1219
رجل يملك غنما، وكان يجعل المواليد الذكور منها وقفا يطلقها في سبيل الله، ولم يذبح منها شيئا ولا يأكل من لحومها، ويقال إنه أوصى لأولاده أن يحذوا حذوه بعد موته، فعمل أولاده مثله بعد وفاته، مع كونهم يملكون أغناما لم يخلفها والدهم بل اشتروها من مالهم الخاص، والبعض الآخر تحصلوا عليه هدية. فنرجو والحالة كذلك أن تتكرموا بإفادتنا هل ما كان يعمله الهالك هو وقف أو نذر؟ وهل يسري مفعول هذا العمل إلى ذريته فيما إذا ثبت بأنه قد أوصى وصية شفهية لا كتابية؟
جاء في السؤال أن الرجل -الذي هو الوالد- جعل مواليد هذه الأغنام الذكور وقفا، وعليه فلها حكم الوقف، ولا معنى لاعتبارها نذرا، ولا يسري هذا الوقف إلى ما امتلكه الأولاد من بعد، فإن للإنسان أن يوصي بجزء من ماله بعد موته لا أموال غيره، وإن كان الغير وارثا، والعبرة بثبوتها، مع غض النظر عن كون ذلك بالإشهاد أو الكتابة. والله أعلم.
ما الحكم الشرعي في أنني وقفت في حياتي أربعة آثار ماء من فلج الفليج عني وعن زوجتي وأختي وابنتها نصفها ليوم عرفة، ونصفها الآخر لفطرة رمضان لوجه الله، وليس لي رجوع فيها ما زلت حيا أو بعد الممات. فهل هذا جائز؟
ما وقفه الإنسان من المال في حياته، وأخرجه من ماله للموقوف له، وكان الموقوف له وجها من وجوه البر جاز ذلك، ولو كان أكثر من ثلث ماله. والله أعلم. (4/96)
صفحة 1220
نحيط سماحتكم علما بوجود مبالغ مالية ربوية عائدة لأموال الأوقاف وأموال الأيتام النقدية المحفوظة لدى البنك، وقد سبق حكمكم بأنها مجهولة الأرباب ومرجعها لفقراء المسلمين، فهل يجوز شرعا استغلال هذه المبالغ الربوية وتنميتها لمصلحة الفقراء المحتاجين، ليشترى بها بنايات سكنية أو محلات تجارية، يكون عائدها للفقراء، كمصدر رزق يخفف عنهم بعض مطالب الحياة الضرورية؟ علما بأنه توجد مبالغ أخرى محفوظة خاصة بالزكاة تكفي لسد حاجات الفقراء وقضاء مآربهم منه. بينوا لنا حكم الشرع الشريف فيه، ولكم الأجر والثواب.
بما أن هذه الأموال بعدما صارت مستلمة وهي مجهولة الأرباب أولى بها فقراء المسلمين، فلا يمنع أن تصرف لهم مباشرة، أو يشترى بها عقار أو نحوه ليعود ريعه عليهم، ويقصد بذلك الخلاص من الربا لا استباحته. والله أعلم.
رجل وقف طعاما وعلقه بمحل له بقوله: "وقفت مقدار كذا من الطعام معلقا بمحلي كذا، على أن يقوم كل من انتقل إليه محلي هذا بميراث أو بيع أو هبة أو غير ذلك بتنفيذه؛ بأن يطبخ ويقدم لقارئي القرآن في وقت كذا ومكان كذا، وهذا دون انقطاع إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها". مع العلم أنه عندما ينتقل هذا المحل من شخص إلى شخص آخر ببيع مثلا يقوم الخبراء بتحديد قيمة ذلك الوقف؛ لكي تطرح من قيمة المحل، ومع العلم أيضا أن قيام الشخص الذي انتقل إليه المحل بتنفيذ هذا الوقف قد يستهلك تلك القيمة المطروحة في سنوات معدودة، وهو مطالب بتنفيذه مدى الحياة ما دام ذلك المحل ملكا له. ما حكم هذا الوقف؟ وهل هو مطابق للشريعة الإسلامية؟
هذا وقف فيه إشكال، فإن قيمة الطعام تعلو وتنزل، والبيع للمال الذي شمل الوقف على هذا يكون مصحوبا بالغرر؛ لذلك أرى أن يقدر الموقوف بقدر من أول الأمر، ويفصل من المال المشتمل عليه، وينفق في سبيله إن كان سبيل خير. والله أعلم.
ما هو ضابط ما يجوز وقفه؟ (4/97)
صفحة 1221
هو كل مال متملك فيه منفعة، بحيث تبقى عينه وينتفع بمنفعته، فما كان له ريع فإنه يوقف لأجل أن يكون ريعه ملكا للجهة الموقوف لها، بينما العين تبقي غير متملكة لأحد بعد أن خرجت عن ملكية صاحبها الواقف وصارت وقفا، فلا تباع ولا تشترى ولا توهب ولا ترهن ولا يتصرف فيها أي تصرف. والله أعلم.
هل يجوز وقف المتنقلات كالمركبات وقطع الأثاث والسلاح؟
بما أن ذلك مما ينتفع به فهو جائز، إلا أن المنفعة هي التي تعود على الجهة الموقوف لها، بينما الأصل يبقى، فلا مانع من وقف المركبات أو الأسلحة أو الثياب أو الحلي أو الكتاب الذي يقرأ وينتفع بالقراءة منه من غير أن تتملك عينه، وهذه المتنقلات ينتهي وقفها بانتهائها، إلا إذا كان هنالك مال وقف لأجل تجديد ما تلاشت عينه منها، فيشترى بديل لذلك المال فلا مانع. والله أعلم.
رجل وقف دراهم لينتفع بها. فما حكم هذا الوقف؟ والمنتفع هل له أن يستهلكها أم يرجعها أو مثلها بعد الانتفاع؟
ما هي طريقة الانتفاع بالدراهم؟ هل المراد بهذا أن تلك الدراهم تقرض للمحتاج، ثم بعد يسره يردها لتقرض غيره، أم المراد غير ذلك؟ أما إن كانت موقوفة من أجل أن تقرض للمحتاجين، ثم بعد ذلك يردها المقترض وتبقى في حكم الموقوف ينتفع بها كل من كان محتاجا إليها مع ردها فلا حرج، أما إن كانت تستهلك عينها ولا يبقى حق في الذمة متعلق بسببها فهذا لا يعني الوقفية وإنما يعني التمليك. والله أعلم.
الإنفاق على الوقف والإشراف عليه (4/98)
صفحة 1222
نخل محاط بجدار، وفي أحد أركانه نخلة أوصى بها رجل أن تكون وقفا لكفن الموتى، ومنذ اثني عشر عاما ماتت هذه النخلة واندثر موقعها، وفي هذا العام عندما نزلت الأمطار تأثر جدار النخل من جهة موقع النخلة المذكورة، والآن يطالب ورثة صاحب النخل بإصلاح هذا الجدار، وهذه النخلة تخص ورثة ثلاثة أولاد وبنت عم وأولاد العم موجودون، والبنت توفيت ولها ولد صبي. فهل إصلاح هذه النخلة الداثرة منذ اثني عشر عاما يلزم أولاد العم أم يلزم ابن البنت المتوفاة، أم يمكن تسليمها للأوقاف؟
بما أنهم غير وارثين لهذه النخلة، وإنما هي موقوفة، فإصلاح موضعها يرجع إلى من بيده أمرها. والله أعلم.
ما قولكم في وقف الذرية الذي احتاج إلى وكلاء للمطالبة في دخله والنزاع من أجله، علما بأن الوكلاء هم من ضمن أفراد الذرية الذين وقف هذا المال لهم. هل يحق لهؤلاء الوكلاء أجرة عناء مقابل السعي والمطالبة في الوقف؟
لهم العناء بالمعروف. والله أعلم.
يوجد مال مخصص لفطرة الصائمين في البلدة، وهذا المال الأخضر يحتاج إلى خدمة ويتطلب مصروفات لهذه الخدمة طوال العام. فهل يصرف أولا تكلفة مصاريفه: من سقي وتنبيت وبيدار وما يحتاجه، ثم الباقي من الغلة تصرف للصائمين كتفطير لهم حسب القاعدة المعروفة السابقة، أم تصرف الفطرة أولا، وتكاليف الخدمة تحسب فيما بعد؟
ينفق من غلته أولا على خدمته، والباقي يصرف فيما أوصي به. والله أعلم.
بعض الأراضي الزراعية وقفها أصحابها بأن يقوم القائم بشأنها بعمل وليمة لإطعام الناس كل عام. فهل تؤول ملكية هذه الأراضي -سواء كانت خالية أم بها نخيل- إلى الأوقاف أم إلى القائم بشأنها؟
لا يملكها القائم بها، وإنما هو أمين فيها، وملكها خاص بما وقفت له. والله أعلم. (4/99)
صفحة 1223
ما قول سماحتكم في نخلة موقوفة لوقف ما -وموقعها في جزء من مال رجل ما- وقد أراد وكيل المال الموقوف أن يفسل فسيلة تحت تلك النخلة قبل طياحها أو موتها. فهل يكون موقع الفسيلة بجوار تلك النخلة، أم يقطع جزء من قاعدة جذورها ويغرس فيه تلك الفسيلة وكأنها خرجت منها، أم يأخذ لها إحراما من مال ذلك الرجل الذي تقع النخلة المذكورة بماله؟
يفسلها في موقع النخلة السابقة بعد سقوطها. والله أعلم.
عن رجل اشترى مالا أخضر يبس بدون ماء له بالأصل، وفيه خمسة عشر منا تمرا يابسا فطرة للمساجد، وكان ذلك الوقت بالمال بيدار قائم بأعمال إلمال كالسقي والنبات والجداد، وغير ذلك من المصالح، ويأخذ البيدار من كل نخلة عذقا فقط، وكان المحصول من المال يكافئ المصروف فقط، وكذلك فيه وصية عرفة ثلاثة قروش فضة، تعادل ريال ونصف عماني، مجموع النخيل ستة عشر نخلة مبسلي، وكانت الفطرة وما لعرفة تخرج من هذا المال سنويا آنذاك، أما الآن فالبيدار خرج من المال، وصاحبه أصبح يؤجر على سقي ماله، ويؤجر أيضا على النبات والجداد، ويأخذ له منه بالقعد، بحيث أصبح المصروف على المال أكثر من المحصول منه. فهل الفطرة وما لعرفة تلزم صاحب المال هذا ولو محصول المال لا يكافئ مصروفه، أم لم يلزمه ذلك بسبب زيادة المصروف على المحصول؟
لا ضرر ولا ضرار في الإسلام، هذه قاعدة شرعية تراعى مع مراعاة حق كل ذي حق، وعليه فإني أرى أن يجتمع أهل الصلاح والفضل والخبرة في شئون الأموال فيخرجوا من المال المذكور بعض النخيل لتكون ملك الوقف المشترط، ويخرج ما تتطلبه من إنفاق لخدمتها من غلتها. والله أعلم. (4/100)
صفحة 1224
بموجب النظام المالى المتبع فإن المبالغ التي يتم تحصيلها من قبل المستأجرين لبنايات وعمارات الأوقاف الخيرية، وبنايات أوقاف المساجد، والمحلات التجارية التابعة للمساجد، والمبالغ البسيطة الآتية من طناء النخيل، فإن هذه المبالغ يتم إيداعها جميعا في حسابات بأحد البنوك التجارية العاملة بالسلطنة نظير زيادة معينة على المبالغ المودعة، فتح لها حساب خاص مستقل عن حسابي الأوقاف الخيرية وأوقاف المساجد. ونظرا لعدم كفاية مبالغ الإيرادات الناتجة من إيجارات البنايات في صيانة هذه المباني بصفة دائمة طوال العام، حيث يستغل الجزء الأكبر من دخل هذه البنايات في صرف رواتب المدرسين، وأئمة المساجد والمؤذنين، وعمال النظافة الذين يتقاضون شهريا رواتبهم من دخل الأوقاف الخيرية ودخل أوقاف المساجد، مما نضطر في كثير من الأحيان إلى صرف مبالغ الصيانة من هذه الفوائد. فما مدى جواز الصرف منها؟
ما يسمى بالفوائد ليس هو من الفائدة في شيء، وإنما هو عين الخسارة، فإنه الربا الذي حرمه الله ولعن آكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه، وجعله ممحوقا من كل بركة { يمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا }()، ولا يحل أخذ شيء من الربا ولو صرف في وجوه البر، فإن الله لا يقبل صدقة من غلول. والله أعلم.
وقف رجل كل كتبه لله تبارك وتعالى، وحفاظا على تلك الكتب من الضياع والعبث جعل الرجل الواقف نفسه مسئولا وأمينا على تلك الكتب، وقد أناب غيره عنه في بعض الأوقات. فهل هذا الأمر جائز؟ وهل الوقف بهذه الصورة معتبر شرعا؟
يجوز للواقف أن يشترط لنفسه بأن يشرف على التصرف فيما وقفه في سبيل الله تعالى من الأموال لأجل الأعمال الخيرية، ويجوز أيضا أن يشترط بأن يكون مرد الإشراف على ذلك بعد وفاته إلى أحد أولاده، أو إلى الأفضل الأبر الأوفى من أولاده، فإن هذا الاشتراط لا ينافي الوقفية، ولا ينافي التقرب إلى الله سبحانه وتعالى. والله تعالى أعلم. (4/101)
صفحة 1225
جماعة ببلدة معينة قد وقفوا أموالا سميت بـ: (مال المسجد)، و(مال الكفن)، و(مال الفلج)، وحيث إنهم يفدون من مناطق متباعدة لطني الأموال المشار إليها، يضطرون إلى البقاء فيها يوما كاملا، وعليه فهل يجوز مبلغ معين لتغطية تكاليف ضيافتهم؟
إن كان ذلك بقدر زادهم بالمعروف من غير إسراف فلا حرج. الله أعلم.
بئر هي وقف للمسجد، وكان لها أراضي زراعية ليس بها نخيل ولا شجر فهي معطلة عن الزراعة، فرأى وكلاء المسجد أن تقسم هذه الأراضي إلى مساكن وتأجيرها للمواطنين، ولما قام البناء تم حفر هذه البئر ليسقى منها الساكنون في هذا البناء ومن حولهم، وبعد ذلك صدرت أوامر من الحكومة بتوفير الماء للمواطنين، فوافق جميع المواطنين على ترميم هذه البئر وتوزيع مائها لهم، ولم يعارض في ذلك إلا اثنان فقط. والسؤال-باعتباري مسئول عن الجماعة والبلد- هل لي الحق في البحث والاطلاع على الداخل والخارج من هذه الأوقاف؟ وهل يذهب المبلغ في صالح الرشداء والجماعة؟
الأوقاف تراعى فيها مصلحتها لا مصلحة الأعيان ولا الجمهور، فما كان أصلح للموقوف له عمل به وإلا فلا؛ لأن سبيل الوقف سبيل اليتيم، والله تعالى يقول: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ }()، وللجماعة أو أعيانهم الذين اتفقوا عليهم أن يسألوا الذين ولوهم أوقافهم عن الزيادة والنقصان فيها.
والله أعلم.
ما الحكم فيمن وقف مالا له في وجه من وجوه الخير في حياته، وشرط لنفسه الانتفاع به أو ببعض غلته، مع انتفاع من وقف لهم؟
للواقف أن ينتفع بالموقوف إن اشترط ذلك بنفسه في حياته، وله أن يشترط لنفسه الإشراف عليه في حياته، وله أن يشترط أيضا أن يكون أحد من ورثته هو المشرف عليه من بعد وفاته، ولا مانع كذلك من أن يخصص أحدا من الناس يشرف على هذا الوقف. والله أعلم.
إذا احتاج الوقف إلى النفقة من أجل إصلاحه أو تعميره، فمن أين يكون ذلك؟ (4/102)
صفحة 1226
لا يخلو إما أن يكون الواقف خصص له مصدرا لإصلاحه وترميمه وتعميره أم لا، فإن كان خصص له مصدرا فيصلح بالمصدر الذي خصصه الواقف، وإن لم يخصص له فإنه يصلح من غلته، والفاضل من الغلة يصرف في الجهة الموقوف لها. والله أعلم.
الوقف الخيري
نود الإفادة إلى أنه تحت إشراف المديرية العامة للأوقاف وبيت المال والزكاة وقوفات منها ما يخص المساجد، ومنها ما يخص الوقف الخيري. فهل يجوز الصرف من دخل الوقف الخيري في تعيين أئمة ومؤذنين للمساجد التي ليس لها دخل؟ وهل يجوز الصرف من الوقف الخيري لعمال يعملون فيما لا يخص المساجد؟
لا مانع من الصرف على الأئمة والمؤذنين من أوقاف الخير، وأما الذين يعملون فيما لا يتعلق بالمساجد فلا يجوز الصرف عليهم من هذه الأوقاف، إلا إن كانوا يعملون في تدريس ووعظ ونحوهما من أعمال الخير. والله أعلم.
نود الإفادة بأنه يوجد وقف خاص لأهالي بلدتنا، والأهالي يطالبون حاليا بصرف حسابات الكهرباء الخاصة بسبلة العزاء بالبلدة من دخل الأوقاف المذكورة. فهل يعتبر الوقف المذكور من الأوقاف العامة أم الخاصة؟ وهل يقاس الوقف المذكور على وقف الأفلاج فيتبع عرف البلدة، وعلى ذلك يسع الوزارة تسليم الأهالي ذلك الوقف أم لا؟
بما أن هذا الموقوف للبلد فكل مصلحة لأهل البلد يجوز إنفاذها منه، وهذه من ضمن المصالح العامة للبلاد، فلا مانع من صرف حسابات الكهرباء المستخدمة في مجلس البلاد العام منه. والله أعلم.
قبيلة لهم وقوفات خاصة بهم ويريدون بيعها لأجل بناء مجلس لعامة القبيلة ليجلسوا فيه وقت الفرح والترح، وحيث إن هذا الوقف لم يثبت أنه موقف لشيء معلوم سوى ما ذكر. فما قولكم في ذلك؟
إن كان هذا الوقف لمصالح القبيلة المشار إليها فلا مانع من بناء مجلس لهم من ريعه، وإن اضطروا إلى بيع شيء منه لهذا الغرض فلا مانع، ذلك كله إن كان غير مخصوص بشيء معين. والله أعلم. (4/103)
صفحة 1227
رجل ترتب عليه مبلغ للوقف، وهو يطلب بإعفائه من المبلغ، والرجل كبير وضرير وفقير وعاجز عن سداد الدين، وبحيث إن العائد من الوقف يتم توزيعه على المستحقين من الفقراء والمساكين بالبلدة والمذكور من ضمن المستحقين، فهل يجوز إعفاؤه منه؟
إن كان الوقف لصالح الفقراء، والمواطن المذكور من ضمن الفقراء فلا مانع من ذلك. والله أعلم.
مال أوصى به صاحبه من أجل الخير، توزع غلته على الفقراء والمساكين؛ ولكنه منذ خمس سنوات تقريبا قل الماء من فلج البلدة كثيرا حتى أنه لم يكن ليروي الأموال التي على مخرجه مباشرة، ونتج عن ذلك موت ثلاثة أرباع البلدة، ومن ضمنها هذا المال الموصى به من أجل الخير، حيث لم يتبق منه سوى شجرتي نخل وصرمتين، حيث إنها لا تكف لسداد أجرة العامل الذي يشتغل في هذا المال، وباقي الأرض خالية من الأشجار، ومساحتها قليلة تقدر بأقل من فدان. وسؤالنا لسماحتكم: هل يمكن بيع هذا المال والتبرع بثمنه لأحد المساجد لترميمه وإصلاحه، أم ماذا يفعل به؟
الوقف يبقي كما هو موقوف للغرض الذي وقف له، فإن اقتضت المصلحة بيعه فلا يجوز أن يصرف ثمنه إلى جهة أخرى، بل يشترى به من الأصول ما يكون عوضا عن المبيع، ويبقى للغرض الموقوف له لا يتبدل. والله أعلم.
الوقف على الذرية
ما ترون في رجل وقف بيتا له على في ذريته، ووقف له مالا لصلاحه، وما فضل من غلة المال يقسم على الذرية الموقوف لهم البيت المشار إليه، وهذا الوقف خاص بذريته ما بقوا، وإن فنوا فيرجع الوقف بجميع شروطه وحقوقه إلى فقراء المسلمين، وبعد فترة اختلف الموقوف لهم: فأراد بعضهم بيعه، وأراد بعضهم بقاءه على حاله، وأراد بعضهم قسمته خوف استئثار بعضهم به؟ (4/104)
صفحة 1228
إن الله تبارك وتعالى قد قسم المواريث بين عباده على مقتضى حكم كتابه، ولم يكل قسمتها إلى أحد من خلقه، حتى من هو أرفعهم عنده مكانة وأعظمهم منزلة، بل أنزل أحكامها مفصلة في سورة النساء من كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ثم أتبع أحكام المواريث بيانا قاطعا بأنها من حدوده فلا يصح لأحد تعديها، وأوضح عقوبة من تعداها، كما أوضح مثوبة من أطاع الله ورسوله بالتزام الوقوف فيها حيث قال عز من قائل: { تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ }(). وبعد فليس ثم من طريق لإبدال ميراث أو تغير شيء من أحكامه، فإن ذلك اعتراض على الله الذي أعطى جميع الورثة أنصباهم من ذكور وإناث، ومحاولة التملص من حكم الله دليل على عدم الرضى بما قضى، وذلك عنوان النفاق وشارة الشقاق، فإن الله سبحانه وتعالى يقول في محكم كتابه: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً }()، وليس الوقف على الذرية إلا نوعا من أنواع الإعراض عن حكم الله والخروج عن أمره، فإن لكل وارث حقا في كتاب الله يعود بعد موته على ورثته، والوقفية تنافي ذلك؛ لحرمان ورثة الإناث من الموقوف بعد موت موروثتهم، وصرف حقها إلى الذكران وذريتهم، على أن الحديث المشهور عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (لا وصية لوارث) يوصد هذا الباب، وقد أجمع المسلمون على صحته والعمل بمقتضاه، حتى عده بعضهم من المتواتر، والوقف حكمه كالوصية إن كان بعد موت الواقف، أما ما كان في حياته فإن كان (4/105)
صفحة 1229
على الذرية فإنه أيضا غير سائغ، إذ لا وجه في حياة الموروث أن يقسم شيئا من ماله على ذريته إلا على وجه العطية، وأحكام العطية تنافي أحكام الوقف من شتى الوجوه؛ منها أنه ليس للمعطي أن يمنع المعطى من التصرف في عطيته، ومنها أنها تنتقل بعد موت المعطى إلى ورثته بالإجماع، والوقف بخلاف ذلك، فإن ورثة الإناث يحرمون منه بعد موتها، لذلك لا أرى وجها لثبوت شيء من أوقاف الذرية عملا بقوله -صلى الله عليه وسلم-: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)، وليس الإسناد إلى باب من أبواب البر الذي يجملون به إلا مكرا وخديعة، كما قال إمامنا نور الدين السالمي -رضي الله عنه-، وإنما يقصدون بالإسناد التذرع إلى إثبات الوقف لا غير، وإلا فما المانع من جعل الوقف برا خالصا لا يشاب خيره بشر ولا طاعته بمعصية، هذا ما أراه. والله ولي التوفيق.
من وقف مالا وقال: وقفت هذا المال لأولادي ولأولاد أولادي. فهل يدخل في هذا البنات وبنات البنات؟ (4/106)
صفحة 1230
أولا علينا أن ننظر في هذا الوقف الذي هو للأولاد لأنه وقف للورثة، والوقف له حكم الوصية، والله تبارك وتعالى لم يجعل الوصية لوارث، وذلك واضح من النص القرآني الذي دل على أن التدخل في أمر الوصايا أمر لا يجوز بحال من الأحوال، فالله سبحانه وتعالى قد قسم المواريث بعدله، ولم يكلها إلى نبي مرسل ولا إلى ملك مقرب، وبعد قسمتها قال: { تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ }()، هكذا بين الله سبحانه وتعالى أن الخروج عما رسمه لعباده في قسمة المواريث إنما هو تعد لحدوده، وتوعد الذين يتعدون حدوده بهذا الوعيد الشديد؛ وهو أن لهم نارا خالدين فيها ولهم عذاب مهين، فليس هناك مساغ لأن يقف الإنسان وقفا على أولاده؛ لأن قسمة المواريث بينهم قسمة عادلة، والنبي –صلى الله عليه وسلم- قال: "لا وصية لوارث"، والوقف له حكم الوصية، -كما تقدم-، فلذلك يسأل عنه العبد كما يسأل عن الوصية، فلا يجوز أن يتعدى فيه حدود الحق، كما لا يجوز أن يتعدى حدود حق في الوصية. (4/107)
صفحة 1231
نعم لو وقف إنسان مالا لأسرة، ومن بين الأسرة الأولاد فذلك خير، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى علينا أن ننظر في مفهوم الأولاد ما هو؟ فإن مفهوم الأولاد يشمل البنين والبنات، فالله تبارك وتعالى يقول: { يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ }()، فسمي الجميع أولادا، وكذلك نجد أن الآيات القرآنية تدل على أن الذكر والأنثى كل منهما ولد، فالذكر ولد والأنثى ولد، على أن الذين يخصون أولادهم بالأوقاف، أو الذين يقفون الأموال لذراريهم هم بين صنفين: بين من يخص الذكور دون الإناث وفي هذا تعد عظيم، فلماذا يخص الذكر دون الأنثى، وقد أعطى الحق تبارك وتعالى كل واحد نصيبه؟ وإما أن يجعلوا هذا الوقف للذكور والإناث، ثم لأولاد الذكور دون أولاد الإناث، وفي هذا أيضا حيف على الإناث، فلماذا يخص هذا الوقف بأولاد الذكور دون أولاد الإناث؟ فلابد من النظر في ذلك والاحتراز من الزلل، وترك الأمر لله تبارك وتعالى كما فعل في قسمة المواريث، من غير اعتراض عليه سبحانه في ذلك. والله أعلم.
امرأة وقفت غنما لبناتها ينتفعن بألبانها ونسلها، ويذبحن منها أيام الأعياد وعند قدوم الضيوف، وبقيت الأغنام الآن في يد ابن بنت الموقفة، وهو يقول إنه لا يستطيع القيام بشئونها، وغذا دفعها إلى بعض أولاده يخشى عليها التبديل. فماذا يصنع فيها؟
الوقف على الذرية باطل من أصله، إذ { لا وصية لوارث }() كما ثبت في الحديث الصحيح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وللوقف حكم الوصية، لذلك أرى أن يرد هذا الوقف على ورثة المرأة الواقفة، فإن لم يوجد فإلى ورثتهم حسب قسمة الشرع الشريف في المواريث. والله أعلم.
رجل وقف مالا لأولاده الذكور دون الإناث، ولأولاد أولاده إذا ما تناسلوا درجة بعد درجة إلى يوم القيامة. انقرض الأولاد الذكور وبقي أولاد أولاده، وهم بدورهم لهم أولاد. فهل لهم نصيب من هذا الوقف -أي أولاد الأولاد- أم لا؟ (4/108)
صفحة 1232
هذا الوقف حيف وجور من أساسه، وذلك لما فيه من الإيثار البين، ولكن بما أن البنات انقرضن ولم يطالبن بحقهن لا نرى سبيلا للاعتراض عليه في هذا الوقت، ونرى أحقية جميع الطبقات الموجودة؛ لأن النص الموجود في الوصية ولأولاد أولاده بدون العطف بثم، أو ما يسد مسدها. والله أعلم.
رجل وقف نخلا وأرضا لأولاده، ولأولادهم من بعدهم، وحبس لهم غلته، وإذا عدموا فلفقراء المسلمين المستحقين، ولقد تأثر هذا الوقف بالقطع للطريق العام بأمر من له الأمر، فقطع واستحق تعويضا يبلغ ستة عشر ألفا وأربعمائة واثنين وستين ريالا عمانيا، فما هو قول الشرع الشريف في هذا المبلغ، أيقسم على الموجودين من أولاد أولاده أم يشترى به وقف ليأخذوا غلته؟ علما أن الموجودين الآن هم ابن ابن الموقف وابن وبنت ابنته فقط؟
يقسم بين الورثة حسب الميراث، فإن وقف الورثة باطل من أساسه لمخالفته حكم الله والله أعلم.
رجل وقف أموالا لأولاده ثم لأولادهم وأولاد أولادهم من بعدهم ما تناسلوا -أي ما دامت ذريتهم باقية-، فإذا انقرضوا فيكون يومئذ هذا الوقف لمسجده الذي بناه بنفسه فتنفق في مصالحه، وكان المسجد المشار إليه في محلة معروفة في بلد معروف، فتكون غلة هذا الموقوف مصلحة خالدة باقية الأجر للموقوف، وإذا كان هذا المسجد الآن فيه بعض الخراب وربما يتتابع خرابه، فهل يصح تصليحه من الدراهم المتجمعة من غلة هذا المال، أم لا تصح إلا برضا الموقوف لهم؟ وإذا رضوا هل في ذلك من حرج؟ وإذا اختلف الموقوف لهم: بعضهم يوافق على إصلاح المسجد، بينما البعض الآخر لا يوافق على ذلك، ويوافق بعضهم على هدم المسجد وبنائه من جديد من هذه الأموال، والبعض الآخر يرغب في قسمة غلته سنويا، وكذلك إذا كان هذا الموقوف نفسه محتاجا إلى إصلاح، فأي الأحوال أولى في هذه الحالة؟ (4/109)
صفحة 1233
الوقف على الأولاد باطل من أصله؛ لأن للوقف حكم الوصية، وفي الحديث الشريف "لا وصية لوارث"، وعليه الإجماع، وإسناد الوقف إلى باب من أبواب البر إنما هو نوع مكر كما يقول إمامنا السالمي -رضي الله عنه-، وعليه فأرى أن يقسم هذا الوقف قسمة الميراث بين جميع الورثة، فإن رأوا أن يجعلوه للمسجد فذلك أولى وأحوط. والله أعلم.
ما قولكم فيمن وقف ذرية، ومن ضمنه مزرعة نخيل، ونظرا لأن المزرعة لا تدر أي عائد، إضافة إلى أنها تحتاج إلى مصاريف وإشراف تستقطع من عائدات باقي الممتلكات، مما يشكل خسارة للوقف ذاته أو للمنتفعين أنفسهم. فهل جائز بيع هذه المزرعة ودفع ما يتحصل من ثمنها لشراء ممتلكات أخرى يكون عائدها لصالح الورثة؟
القول الذي أعتمده أن وقف الذرية باطل لقوله -عليه أفضل الصلاة والسلام-: "لا وصية لوارث"، وللوقف حكم الوصية، وعليه فلا مانع من بيعه واقتسام ثمنه حسب الميراث الشرعي. والله أعلم.
ما قولكم في رجل وقف مالا لأولاد أولاده، وقد أهمل هذا الوقف لفترة، ثم أراد أولاد الأولاد أن يقتسموه، فهل يجوز ذلك أم لا؟
إن كان أولاد الأولاد وارثين فالوقف باطل من أصله، لبطلان الوصية للوراث، وإن كانوا غير وارثين فلا مانع من بيع ما وقف لهم إن اتفقوا عليه جميعا؛ لأنه وقف لمحصورين. والله أعلم.
ما قولكم في تصرف بعض الأثرياء ممن يوصون بخمس بعض أموالهم الثابتة كضمان لأبنائهم من بعدهم، يخشون عليهم من الحاجة والمسغبة التي قد يتعرضون لها من بعدهم، وخصوصا حبس المنازل لهؤلاء، خوفا على أبنائهم من الضياع والمعاناة. فهل هذا الحبس يتنافى مع الشريعة الإسلامية؟ وإذا تم هذا الحبس من بعد وفاة الحابس ورضي الورثة من بعده، فهل يمكنهم من بعد ما يرون أن هذا العقار لم يعد صالحا للسكن، وأن مصلحتهم تقتضي التصرف فيه، فهل يجوز لهم ذلك؟ (4/110)
صفحة 1234
إن الله قسم المواريث بعدله، وأعطى كل ذي حق حقه، ثم قال تعالى: { تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ }()، وفي الحديث المشهور المجمع على صحته: { لا وصية لوارث }()، لذلك أجنح إلى القول ببطلان الوقف للورثة، وأن ذلك يعود إليهم إرثا، لكن إن أقروه وأمضوه إلى أن انقضى جيلهم ثبت عليهم، ولم يجز لمن بعدهم نقضه، فإن لم يصلح لما وقف له استعيض عنه غيره، فإن تعذر ذلك رجع الورثة. والله أعلم.
لقد أرادت صاحبة ملك بيت للسكن أن تغير في نص وقف هذا البيت، بعد أن كانت قد وقفته لها، ولأخيها المتوفى حاليا، وأولاد هذا الأخ وذريتهم من بعدهم، فهي -وفي كامل قواها العقلية- ترى حاليا وبعد مرور عشر سنوات على ذلك، أن يكون الوقف لواحد من الأولاد المذكورين أعلاه وذريته من بعده دون إخوانه. فهل يجوز لها تغيير الوقف على النحو المذكور؟
الذي نراه ونعتمده أن الوقف على الورثة باطل لا يصح؛ لأن للوقف حكم الوصية، وقد قال تعالى: { تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ }() وذلك بعد تبيان أحكام المواريث، وفي الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم–: { لا وصية لوارث }()، وهذا مما أجمع عليه. والله أعلم.
رجل وقف بيتا له مبنيا من الطين لأقاربه، وهو بيت قديم خرب ويوشك أن يندثر. فلمن يرجع هذا البيت لورثته أم لأقاربه؟ (4/111)
صفحة 1235
بما أنه أوصى بالبيت لأقاربه فهو كما أوصى، وليس لوارث فيه ميراث. والله أعلم.
اتفقت ابنتا الهالك على عدم تقسيم ميراثهما، وأن يجعلاه وقفا على أولادهما بطنا بعد بطن، فلما أنجبت كل واحدة منهما عدة أولاد نشأ بين الجانبين نزاع حول المال الموقوف، فأرادت كل واحدة منهما أن تفسخ الوقف وتأخذ نصيبها. فهل يجوز لهما فسخ الوقف في هذه الحالة؟
الوقف على الورثة باطل من أساسه من غير أن يبطله الواقف. والله أعلم.
رجل وقف مالا لأولاده، ونظرا للحال التي عليها الآن إذ لا يستفيد أحد من هذا المال، يرغب أصحاب الوقف في بيعه وبناء مجلس عام على أرض وقف لهم بالمنطقة. فهل يصح ذلك شرعا؟ وما هي الإجراءات الواجب اتخاذها إن صح ذلك؟
بعد اطلاعي على نص الوقفية أرى أن هذا الوقف باطل من أساسه؛ لأنه وقف لورثة ولا وصية لوارث، وعليه فإن اتفق الورثة على أن يبنوا به مجلسا فلا حرج عليهم في ذلك، ولكن لا بُدَّ من استقصاء الورثة أولا. والله أعلم.
وقف رجل بعض بيوته لأولاده وأولادهم من بعدهم، وفي الوصية توقيف أموال لإصلاح السبلة، والتي هي في داخل حوش البيت. فما الحكم الشرعي لهذه الوصية؟
إن كانت هذه السبلة في بيوت هؤلاء الأولاد فهي خاصة بهم، والوقف لها من باب الوقف للورثة، فهو باطل. والله أعلم.
رجل وقف بيته لابنتيه دون ورثته الآخرين مراعاة لمصلحتهما، حتى لا يضايقها سائر الورثة، على أن تنتفعا به في حياتهما ومن بعدهما نسلهما بطنا بعد بطن، فهل يجوز ذلك؟ وإذا اتفقت الابنتان بعد موته على تقسيم الوقف بينما تفاديا لما قد يحدث من نزاع بين أولادهما، فهل يجوز لهما ذلك؟ (4/112)
صفحة 1236
لا يجوز فعله هذا لمنافاته حكم الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، ولا يجوز للابنتين الاستئثار بالبيت قسمة ولا وقفا، وغنما يجب أن يقسم على جميع الورثة على حكم كتاب الله، إلا إن نزل الورثة عن حقهم فلهم ذلك، ويجوز عندئذ للبنتين اقتسامه، شريطة أن يكون نزول الورثة عن حقهم باختيارهم. والله أعلم.
سماحة الشيخ أنا رجل ميسور الحال، وأولادي كبار في السن وكل منهم مستقل ببيته، وأريد وقف بيتي وقفا مؤبدا لأولاد أولادي وجميع الذرية، فهل يجوز لي ذلك شرعا؟
أرى أن تعدل عن رأيك هذا، ففي وقف الذرية من الإشكال ما لا يخفى على اللبيب. والله أعلم.
فقد اطلعنا على جواب سماحتكم على رسالة أخواتنا حول تركة والدنا وما وقفه منها، وأنه لهن الحق في تغيير هذا الوقف، وقد سبق أن وقف ابن عمنا أحد بيتيه لتوزع غلته يوم عرفة، وقد أنكر الورثة هذا الوقف لكونه أكثر من الثلث، فثبت البيت الأصغر، أفلا يرد وقف أبينا إلى الثلث أيضا؟ أم هناك فرق بين الوقفين؟
الفارق بين الوقفين أن وقف ابن عمكم ليس هو لوارث، وإنما هو وقف خيري؛ لأن الذي وقفه إنما وقفه لتوزع غلته يوم عرفة، وإنما دخل عليه من حيث إنه زاد على الثلث، وسبيل الوقف بعد الوفاة سبيل الوصية، فلا يجوز بأكثر من الثلث، أما وقفكم فهو وقف لوارث وهو بعد الوفاة، فسبيله أيضا سبيل الوصية، ولا وصية لوارث بالنص والإجماع، لذلك لم نقل برده إلا الثلث لأن الوصية للوارث من أصلها لا تثبت. والله أعلم.
إذا كان الوقف على الذرية غير جائز كالوصية لهم، فما الحكم فيما لو أراد أحد أن يقف ماله على ذريته، تاركا لأولاده الخيار من بعده بين إمضاء الوقف وإبطاله؟
الأحب إلى ترك ذلك، وفي المشكلات المتنوعة التي تنجم عن مثل هذا الوقف ما يدعو إلى التحرز منه. والله أعلم. (4/113)
صفحة 1237
رجل توفي وخلف أموالا من بينها منزل، وقد تكلم أمام زوجته وإحدى الجارات، وفي مرة ثانية أمام أحد أبنائه بأنه ينوي أن يجعل هذا المنزل وقفا لأولاده من بعده لا يجوز فيه البيع والشراء، علما بأنه قد ترك وصية مكتوبة منذ خمس سنوات، ولم يثبت فيها هذا الوقف، والكلام عن نيته لجعل المنزل وقفا لأولاده كان قبل وفاته بفترة، ولم يتمكن من إثبات هذه النية في الوصية. فما قول سماحتكم في نية هذا الرجل التي صرح بها، هل تعتبر وصية ثابتة أم لا؟
قوله ينوي ذلك لا عبرة به، فإن من نوى الوقف لمسجد أو مدرسة أو غير ذلك لا يثبت ما نواه حتى يجزم به ويشهد عليه، على أن الوقف على الأولاد لا يجوز ولا يثبت، فإن الوقف كالوصية، ولا وصية لوارث نصا وإجماعا، والله تعالى قسم بين عباده المواريث بنفسه ولم يكلها إلى أحد من خلقه، و جعلها من حدوده التي توعد من تعداها بالخلود في النار، حيث قال بعد تقسيمها: { تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ }()، فلا عبرة بالذي قاله. والله أعلم.
نسألكم عن رجل أوصى بمال لجعله لذريته ومن بعد الذرية لفقراء الأقربين، لكن هذا المال أصبح أرضا بلقع، ولهذه الأرض ماء، والأرض أصبحت لا فائدة منها، مع أن ذريته تزيد كل يوم. فما رأي سماحتكم في هذا الموضوع، هل تجيزون بيع هذه الأرض، والدراهم تفرق على الذرية حسب الميراث أم لا؟ وما هو الحل في هذه القضية؟ (4/114)
صفحة 1238
وقف الذرية في ذاته مخالف لما آمر الله به من عدم الإيصاء للورثة، فإن الله قسم المواريث بعدله ولم يكلها إلى نبي مرسل ولا إلى ملك مقرب، وبين أنها من حدوده، ثم وعد من وقف عندها وتوعد من تعداها، حيت قال تبارك وتعالى: { تِلْك حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ }()، وفي الحديث الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: { لا وصية لوارث }()، وهو مم أجمع عليه، وقد اختلفوا فيما إذا أسندت الوقفية إلى باب من أبواب البر، فقيل بالجواز؛ لأنه منطو على بر، وقيل ببطلانه؛ لأن البر لا يتوصل إليه بالفجور ولا يبرره، وهو القول الصحيح، وعليه فلا حرج على الوراث في اقتسام هذا الوقف، والأولى لهم أن يرعوا حق الأقربين غير الوارثين فيعطوهم منه بقدر ما تطمئن نفوسهم من صلة. والله أعلم.
اتفقت فرقة من إحدى القبائل على توقيف أراضي ورموم وبئر لأبنائهم ولأبناء أبنائهم ما تناسلوا. ما حكم هذا الوقف، هل هو حرام أم حلال؛ لعدم وراثة البنات من هذا المكان؟ وإذا كان حرام كيف التخلص منه؟
بما أن هذا وقف فالوقف على شرط الواقف. والله أعلم.
قام رجل بوقف شيء من ماله وقفا ذريا. فكيف يحسب نصيب الأنثى مقارنة بنصيب الذكر؟
إن كان ذلك لذرية غيره فعلى ما نصت الوصية من التساوي أو التفاضل، وإن كان على ذرية نفسه فالذي نأخذ به أنه لا يجوز الوقف على وارث، كما لا تجوز الوصية له. والله أعلم. (4/115)
صفحة 1239
أبلغنا بعض الورثة أن مورثهم وقف مالا وماء وبيتين لأولاده، ويقولون إنهم في أشد الحاجة إلى الانتفاع منه؛ لأنهم فقراء ولا معيل لهم، وأن هذا الموقوف له قيمة تعادل نصف التركة، ولعلمك شيخنا أن التوقيف للوارث يعتبر وصية حسب رأي بعض العلماء، فهل ترى إثبات ذلك لأنك أرسخ علما، وأدق فهما، وأصوب رأيا؟
الوقف على الأولاد كالوصية في المنع، سواء كان الوقف على بعضهم أو على جميعهم، اللهم إلا أن يتم ذلك الورثة، فإن أتموه فقد نزلوا عن حقهم بأنفسهم، وعليه فإني أرى للورثة تغيير هذا الوقف ما لم ينقرضوا، فإن انقرضوا لم يكن ذلك لوارثيهم. والله أعلم.
لدي أولاد ذكور وإناث، ولدي أملاك من ضمنها المنزل الذي نقطنه والذي أريد أن أكتبه وقفا بعد موتي لجميع الورثة وألا يقسم بينهم، ليلجا إليه أي واحد منهم عند الحاجة للمأوى، مثال ذلك: عند اختلاف إحدى بناتي مع زوجها تستطيع أن ترجع إلى مأوى. فهل يجوز لي ذلك؟
الوقف كالوصية، وكما أن الوصية لا تجوز لوارث بالنص والإجماع فكذلك الوقف، ذلك لأن الله قسم المواريث بعدله ولم يكلها إلى نبي مرسل ولا إلى ملك مقرب، ثم قال تعالى: { تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ }()، وفي الحدث الصحيح: { لا وصية لوارث }()، وعليه فإني لا أرى لك أن تعدل عن هذا التوجيه القرآني النبوي إلى وقف بيتك لورثتك. والله أعلم.
بعض الناس يقومون بتوقيف أموالهم على ورثتهم أو أبناء القبيلة مع سائر الورثة، فهل مثل هذا الوقف ثابت شرعا لا يتغير؟ وإذا كان ثابتا شرعا، فهل يعطى أحد منه دون البعض الآخر من الورثة ذكورا وإناثا؟ وإذا لم يثبت فما مصيره؟ (4/116)
صفحة 1240
أما الوقف على الورثة فلا يصح؛ لأنه كالوصية، { ولا وصية لوارث }() وأما على القبيلة فجائز، وتدخل فيه الذرية إذا انطبقت عليهم صفة الاستحقاق حسب مقتضى الوصية، وتوزيع الوقف، أي دخله إنما هو على ما تقتضيه الوقفية. والله أعلم.
ما قولكم في رجل أوصى بمال تنفذ غلته لأولاد أولاده الذكور، ثم أولادهم وأولاد أولادهم إلى أن ينقرضوا، ثم لفقراء المسلمين من بعدهم، وورثة الواقف يرغبون في قسمته ميراثا بينهم، لا سيما وأنهم يختلفون فيه دائما حتى يفضي بهم الحال في بعض الأحيان إلى التضارب واستمرار القطيعة فيما بينهم، لكن قسمته وهو قد أسند إلى بر لا يجرأ عليه إلا من رسخ في العلم ومعه العلم والفهم إلى استنباط الأدلة من مضانها، لهذا فإن الورثة يقدمون موضوع قسمته إلى سماحتكم إن رأيتم لهم وجها في ذلك ليعتمدوه ويبنوا عليه قسمة هذا الموقوف؟
إن كان الورثة يرون إبطال هذا الوقف ويسعون إليه قبل انقضاء الطبقة الأولى منهم، أي الذين ورثوا الواقف مباشرة، فالإبطال سائغ؛ لأن للوصية الثابتة شروطا منها: أن لا تكون لوارث، هذا ما أراه. والله أعلم.
رجل أوصى لأولاده الذكور والإناث ببيت بما فيه من الأثاث، مع قطعة مال أخضر على أن يسكنوا المنزل، وأما غلة المال فهي لعمار البيت إلا إذا أرادوا القسمة، وحيث إن الأولاد عددهم ثمانية، وكل واحد منهم لديه عائلة فلم يستطيعوا السكن جميعهم. فهل يصح البيع وتقسم القيمة بينهم؟ (4/117)
صفحة 1241
هذه الوصية باطلة من أصلها؛ لأنها وصية لوارث، والورثة ليس لهم حق في التركة إلا ما فرضه الله لهم، ولم يكل الله تعالى أمر المواريث إلى نبي مرسل ولا إلى ملك مقرب، وإنما تولى بنفسه تفصيلها في سورة النساء، وجعلها من حدوده التي لا يجوز تعديها حيث قال سبحانه وتعالى بعد بيان أحكامها: { تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ }()، وتغيير أي شيء من أحكام المواريث بوصية أو غيرها تجاوز لأمر الله وتعد لحدوده، وفي الحديث الصحيح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: { لا وصية لوارث }()، وقد أجمع على ذلك المسلمون. والله أعلم.
امرأة توفيت وخلفت أولاد أخ وابنة بنت متزوجة وولدا، وأوصت لهم بمنزل وقف ذرية، كل من يريد أن يسكنه عليه أن يعمره. فمن الأولى بتعميره من هؤلاء الورثة؟ ثم إذا أراد الورثة قسمته لنزاع بينهم، فهل لهم قسمة ذلك المنزل؟
إن كانت تركت ولدا فهو وارث و"لا وصية لوارث"، ولا وصية لغير الوارث أيضا بأكثر من الثلث إلا إن أذن الوارث. والله أعلم.
رجل أوصى في ورقة وغابت على أولاده، ويقول فيها إنه وقف أغناما لهم يأكلون منها ويطعمون منها الضيوف، وبرضى الأولاد تركوها مع والدتهم تعمل فيها ذلك، كما وقف لهم أثر ماء يقعد كل سنة تمر، وغلته لعيدهم، وينفقون منها شيئا يسيرا. فهل هذا جائز أم لا؟ (4/118)
صفحة 1242
الوصية في كلا الوجهين باطلة؛ لأنها وصية لوارث، والله قد أعطى الورثة حقوقهم ولم يجز الوصية لهم، وقد جعل تعالى أحكام المواريث من حدود التي توعد على تعديها، حيث قال بعد بيان حقوق الناس في المواريث: { تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ }()، وفي الحديث المشهور: { لا وصية لوارث }(). والله أعلم.
أوصى والدي برموم وبيوت، ولم يوص لها بأموال لإصلاحها عند دثارها، وأصبحت الآن تهدد حياة البشر، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى لا يعرف نصيبه من هذه الرموم؛ لأنها بينه وبين أخيه ولم تقسم، والرموم التي اشتراها بنفسه لم يبق منها شيء؛ لأنه باعها في حياته، وعلى المتوفى ديون كثيرة. فما تقولون سماحتكم في هذه الوصية؟
لقد اطلعت على هذا السؤال كما اطلعت على صورة من الوصية، وعندي أن الوصية باطلة من أساسها؛ لأنها لأولاد الهالك وهم في مقدمة وراثه، والله تبارك وتعالى أعطى كل وارث نصيبه وجعل ذلك من حدوده، وتوعد من تعدها بأكبر الوعيد وهو الخلود في نار جهنم والعياذ بالله، فكيف بعد هذا يحق لمؤمن بالله واليوم الآخر أن يزيد وارثا فوق حقه الذي شرعه الله له؛ مع أن الحديث المشهور عن النبي -صلى الله عليه وسلم- "لا وصية لوارث" صريحا في حظر هذا الأمر، وما إسناد الوقف إلى البر إلا خديعة ومكر، فإن الحق لا يتواصل إليه بباطل. والله أعلم.
وقف الكفن والموتى
مال وقف لشراء أثواب الكفن لأموات المسلمين، وكانت هذه الوصية تنفذ في السابق، ولكن الآن تعسر علينا تنفيذها؛ لأننا لا نجد من يحتاج، فالكل يوصي بشراء كفنه من ماله الخاص. فما الحكم في ذلك؟ (4/119)
صفحة 1243
إن تعذر أو تعسر إنفاذ الوصية فيما وقف له فإنه ينفذ في باب من أبواب البر التي هي أقرب شبها إليه، فالموقوف لأكفان الموتى -مثلا- إذا لم يوجد له مصرف يصرف فيه حسب مقتضى الوقفية لا يمنع من إنفاذه في حفر قبور الموتى؛ لأن في كلا الأمرين سترا للميت وقياما بالمشروع في حقه، ويجوز صرفها إلى فقراء المسلمين. والله أعلم.
بيدي وقف لكفن الموتى، وقد تجمع لدي بعض النقود وثياب الكفن، ولكني لا أجد من يستعملها في بلدتي ولا في البلاد المجاورة لنا، ولا حتى الأحياء من فقراء المسلمين وذلك لكسوتهم؛ وذلك بسبب يسر الناس. فهل يجوز صرفها في شراء سقوف للمقابر، وفي أجرة حفر المقابر؟ لأنه المرغوب الآن، أم أحتفظ بها أمانة بيدي حتى يحتاج إليها الناس لتقلب الأزمنة من شدة و رخاء؟
الأولى أن تنفذ غلة هذا الوقف فيما يتعلق بدفن الموتى، كحفر القبور وشراء السقوف –كماء جاء في سؤال السائل-، وفي هذا تبرئة لساحة الوكيل. والله أعلم.
توجد لينا نخلة من زمن الآباء جعلوها للقبر المعروف بقبر الشيخ هاشم بن غيلان، وكانت سابقا يؤجر بها لتصليح خيمة على القبر، ومنذ مدة مر على القبر أحد مشايخ العلم وأمر بهدم الخيمة ومنع عن بنائها مرة أخرى، ففي ذلك الوقت سقطت نخلة وغرسنا أخرى مكانها، والآن هذه النخلة مقبلة بالغلة. فما نظركم في وضع هذه الغلة، نرجعها للمسجد، أو لمسجد النساء، أو للطرق، أو كسقوف للمقابر، أم تبقى على حالها للقبر، أفدنا سماحتكم؟
القراءة على القبور والبناء عليها من البدع التي لا تصح، وما وقف لذاك من الأموال فوقفيته باطلة، فإن عرف الواقف أو ورثته رد إليهم، وإلا فهو لفقراء المسلمين. والله أعلم.
دكان موقوف للأكفان، ونؤجره سنويا، ولكن لا أحد يقبل منا أن نعطيه كفنا أو أن ندفع له قيمة الكفن، وخاصة في الوقت الحاضر. فهل يجوز للوكيل أن يُسوّر به مقبرة قد أوصى بها نفس الموصي بالدكان، أو غيرها من مقابر المسلمين؟ (4/120)
صفحة 1244
إن لم يوجد من يقبل شيئا من هذه الأكفان لموتاه كُسي بها فقراء المسلمين الأحياء. والله أعلم.
قطعة أرض موقوفة لزيارة القبور، ومن بعدهم أراد ورثتهم التصرف فيها بالبيع والشراء أو الهبة. فهل لهم ذلك؟ وهل المشتري يسلم من الضمان؟
الوصية لزيارة القبور بدعة، فهي أولى بالبطلان. والله أعلم.
يوجد وقف لقراءة القرآن الكريم على الأموات، وهذا الوقف موجود لدى المواطنين، ولعدم وجود من يقرأ القرآن الكريم ويهبه الأموات فكيف يفعل بها؟
نرى أن يجعل في فقراء المسلمين. والله أعلم.
توجد ضاحيتا نخيل بمنطقتنا وقف لقراءة القرآن الكريم على القبور، وحسب إفادة مشرف الأوقاف أن هذه الأموال الموقفة لا يعرف من وقفها، وحيث إن سماحتكم سبق أن أصدرتم فتوى في بطلا ن وصية مثل هذه الأوقاف وبيعها وتسليم قيمتها إلى ورثة الموقفين، لذا نرفع الموضوع لسماحتكم إفادتنا برأيكم الشرعي في أمر هاتين الضاحيتين، وإن رأيتم بيعها فأين توضع قيمتها؟
أرى إنفاذ غلة هذا الوقف في المصالح العامة: كتعليم القرآن الكريم، أو في فقراء المسلمين، ولا مانع من بيعها للاستعاضة بثمنها بما هو أجدر نفعا من الأصول. والله أعلم. (4/121)
صفحة 1245
توجد عندنا مقبرة للموتى وكان يؤتى لها بالماء من الفلج الذي يبعد عنها بمسافة، فلما رأى والدي ذلك قام بحفر بئر على مقربة من هذه المقبرة، إلا أن المقبرة لم تسور في ذلك الوقت، ولكن بعد ذلك سور على المقبرة فدخلت البئر في سور المقبرة، ووالدي قد توفي الآن ولا نعرف قصده من هذه البئر هل هي وقف للمقبرة أم عامة؟ كما أنه لم يترك كتابة فيها، وعندما سألت بعض أقاربي الذين عاصروا والدي عن قصد والدي من البئر قالوا: لا ندري، إلا أن والدك لما رأى العناء على الناس في جلب الماء من الفلج قام بحفر هذه البئر. وسؤالي هو: إنني عازم على بناء منزل قريب من هذه البئر، فهل لي أن آخذ من مائها لبناء المنزل وكذا للاستخدام المنزلي بعدما يجهز المنزل؟ وهل لها حكم الوقف أم لا؟
بما أن الكل يقول بأن حفر هذه البئر إنما كان لأجل منع العناء عن الناس بتيسير الماء لهم من قريب؛ لئلا يعتنوا بحمله من الفلج في دفن الموتى، فإن الظاهر أن حافرها أرادها وقفا للمقبرة، ويعول في مثل ذلك القرائن، ورأى شيخنا سعيد بن خلف الخروصي -حفظه الله تعالى- جواز الانتفاع الموقوت بفضل مائها، وذلك في حال البناء مع تجنب ذلك فيما بعد في الاستخدام المنزلي، ورأيه وجيه والتنزه من ذلك أحوط. والله أعلم.
رجل وقف نخلات بعد موته لزيارة قبره وقبور أولاده من بعده، وآخر وقف للفقراء. فما حكم هذين الوقفين؟ (4/122)
صفحة 1246
أما ما وقف لزيارة القبور فهو وقف باطل لمخالفته أمر الله تعالى الوارد على لسان رسوله الأمين -صلى الله عليه وسلم-: لأنه نهى عن زيارة القبور لغير الاتعاظ وتذكر المصير الذي بين يدي كل إنسان، ومثل هذه الزيارة لا تصح الأجرة عليها، وأما ما وقف للتفريق لفقراء المسلمين فهو داخل تحت البر الذي يجب تنفيذه، ولا يجوز تحويل هذا الوقف ونحوه عما وقف له؛ لدخول ذلك تحت قول الله سبحانه: { فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيم }() اللهم إلا أن تقتضي المصلحة بيعه والاستعاضة عنه في جهة أخرى بما هو أجدى نفعا، ففي ذلك رخصة لبعض العلماء، شريطة أن يتم ذلك تحت إشراف أهل التقى والصلاح والخبرة بشئون الأموال، هذا والوقف المحكوم ببطلانه يعود إلى الورثة أو ورثتهم إن وجدوا ولو بعدوا، وإلا رد إلى فقراء المسلمين. والله أعلم.
جلبة صغيرة موقوفة، وقفها الهالك لأبناء أخيه إن كانوا متعلمين، وفقراؤهم أحق بذلك من غيرهم، ومنذ ستين سنة وهم يقتسمون غلتها بالسواء، والآن دثر المال وخرب ولم يبق منه إلا القليل، ويخشى ذهاب ماله، فأراد أحد أولاد الهالك أن يضمها مع وقف زيارة قبر هذا الشيخ وأسرته لقراءة القرآن الكريم. فهل يصح ذلك؟
لا يصح تبديل الوقف عما وقف له، اللهم إلا في بعض الحالات وليست هذه منها، ووقف الزيارة من الأوقاف التي لا تصح؛ لأن الزيارة إما أن يراد بما مجرد زيارة القبور وهي لا يصح أن يوقف لها؛ لأن زائر القبور إنما تصح له زيارتها للذكر والاتعاظ لا غير، ولا يصح أخذ أجر على ذلك، وإما أن تكون الزيارة مقصودا بها قراءة القرآن على المقابر؛ وذلك من البدع المحرمة، لحرمة اتخاذ القبور مساجد، والمحرم لا يصح أن يوقف له، فكيف يصح تحويل ما وقف لبر إلى أمثال هذه الأمور المنافية للدين، اللهم إن ذلك من المحجور قطعا. والله أعلم. (4/123)
صفحة 1247
أموال موصى بها للأكفان وقد اشتريت بعض الثياب من زمن سابق ولم يتم استعمالها، وفي هذا الوقت قد توقفنا عن شراء هذه الثياب؛ حيث إنه لا أحد يستخدم هذه الثياب ولا أحد يحتاج إليها، ومن زمن قريب قمنا بطناء بعض النخيل، ووضعنا بعض النقود القليلة في أمانتنا. فما هو رأي سماحتكم في هذه النقود القليلة؟
سوغ بعض أهل العلم أن يصرف الفاضل من هذه الأكفان عن حاجة الموتى إلى فقراء المسلمين، وسوغ غيرهم أن يصرف فيما يعود على الموتى بالمصلحة كحفر القبور، وأرى كلا الرأيين سائغا العمل به. والله أعلم.
هل يجوز تحويل الأموال الموقوفة لشراء الأكفان إلى شراء ألواح من الحجر لتسقيف قبور الموتى، أو شراء أدوات الحفر للقبور؟
أما تحويل الأموال الموقوفة إلى غير ما وقفت له فلا يجوز ذلك بحال، وأما صرف الفائض من الغلة عن حاجة الموقوف له فقد رخص بعض أهل العلم أن يصرف إلى ما كان من مصلحة الموتى كحفر القبور ونحو ذلك، ورأى آخرون صرف ذلك إلى فقراء المسلمين، وفي كل خير، ولكن مع بقاء الأصل كما هو غير مبدل. والله أعلم.
رجل هلك وترك ابنين، كما ترك وصية رهينة ثلاثين قرشا فرنسيا بحفر قبور، ومضى على ذلك زمن طويل، بعدها اقتسم الوارثان التركة، ووضعا الوصية في مال أحدهما، فأراد استئجار من يقوم بحفر القبور فلم يجد، وقد صار رجلا ضعيفا لا يستطيع الحفر. فهل يصح له وضع هذا المال كوقف أو في مال المسجد؟
لا يصح أن يغير ما وقف لحفر القبور عما وقف له، وبما أنه لا بُدَّ من حفر قبور للموتى، أرى أن يعان حافروا القبور من هذا الوقف. والله أعلم.
أناس قد أوصوا لأكفان موتى البلدة التي يقطنونها، وأصبحت غلة المال فائضة عن احتياجات أكفان موتى أهالي البلدة. فهل يجوز أن يشتروا بها أكفانا ويوزعوها على بلدان أخرى؟ (4/124)
صفحة 1248
إذا أوصي بمال لأكفان الموتى في بلد معين، وفاضت غلته عن حاجة ذلك البلد فلا مانع من توزيع أكفان من فائض الغلة على البلدان المجاورة. والله أعلم.
ما قولكم في رجل كان قد أوصى قبل موته بدكان تنفذ أجرته لأكفان الموتى، فعمل بهذه الوصية لفترة من الزمن، إلا أنه في الفترة الأخيرة استغنى الناس عن هذه الأثواب التي يكفن بها الموتى، فبقيت في يد الوكيل حتى أنها قاربت أن تتلف، فجمد الوكيل الدراهم المتحصلة من إيجار الدكان، وبمرور الزمن صارت مبلغا كبيرا. فهل يصح له أن يقسمها على فقراء المسلمين الأحياء الذين يراهم مستحقين لها؟ وهل يقسمها أثوابا أم دراهم؟
إذا تعذر تنفيذ وقف الأكفان فيما وقف له لانصراف الناس عن الأخذ من أكفان الوقف لموتاهم فلا بأس أن يكسى منه الأحياء المحتاجون، وإذا اقتضت المصلحة توزيع نقود من الوقف فلا بأس بذلك. والله أعلم.
رجل أوصى بنخلة لأكفان الموتى؛ لكن هذه النخلة عندما تعرض للطني تجنبها الناس نظرا لأن هذه الأموال كما يقولون لا تصرف في حقها، وإنما يستغلها القائمون عليها. هل للقائمين عليها أن يخفوا هذا الأمر عن الناس بحيث يكون سريا حتى يشتروا أو يتعاملوا معها؟
لا مانع من ذلك، وعليهم أن يحرصوا على ما فيه المصلحة. والله أعلم.
يوقف بولايتنا وقف يسمى (وقف زيارة)، وهو عبارة عن قطعة أرض زراعية صغيرة بها أربع نخلات، وقفت منذ فترة طويلة، وقد كانت تؤجر في الماضي لبعض المزارعين للاستفادة منها بجني حصادها، على أن يقوموا مقابل ذلك بزيارة قبور الأشخاص الذين وقفوها من أجل قراءة القرآن عليها. فما الحكم في ذلك؟ وماذا على وكيل هذا الوقف أن يفعل تجاه هذا الوقف؟
ذلك مخالف للسنة، وعليه فتصرف هذه الأوقاف في مصالح المسلمين كنشر العلم وتيسير أدواته. والله أعلم.
وقف طلبة العلم (4/125)
صفحة 1249
ما قولكم في مبالغ ماء موقوف لطلبة حفظ القرآن ودراسة الأثر، لم توزع منذ ثلاثة أعوام على المتعلمين، حيث تتجه النية في إنفاق هذه المبالغ المجتمعة من دخل ثلاث سنوات لبناء مدرسة لتعليم القرآن الكريم. فهل يجوز ذلك أم لا؟ علما بأن المتعلمين لا توجد لديهم مدرسة لتعليم القرآن الكريم. أفدنا ودمتم؟
إن كان الوقف موقوفا لتعليم القرآن فلا حرج؛ لأن ذلك من مصالح التعليم، وإن كان موقوفا لمتعلمي القرآن فيجب إنفاق غلته على المتعلمين، ولا يجوز صرفه لغير ذلك؛ لأنه من التبديل. والله أعلم.
فقد وقفنا على الاتفاق في فتوى وقف المتعلمين الذي تم بين سماحتكم وبين المشايخ في شأن غلة الماء الذي وقفه الإمام سلطان بن سيف، ونصت الاتفاقية على أنه يستحقه طلبة العلم الشريف الذين يقرءون العلوم الإسلامية، سواء كان هؤلاء المتعلمون من طلبة المعهد بجامع الولاية أو من طلبة المدارس النظامية بالولاية. فاللجنة تستفسر عن توزيع هذه الغلة، هل تعم جميع المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية والمعاهد والكليات ومحو الأمية، ومنهم من في الجامعات والكليات في داخل السلطنة وخارجها من بنين وبنات؟ وهل تدخل في الولاية القرى المتعلقة بها؟ ثم كيف يتم توزيع المبلغ على المستحقين، هل بالتفاوت أو بالتسوية؟ وهل حملة العلم يستحقون زيادة عن غيرهم؟
الوقف هو لمتعلمي العلم الشريف، والمراد به العلوم الدينية، فمن كان ملتزما بدراسة العلوم الدينية ومعتنيا بها يعطى من هذا الوقف، سواء كان في المعاهد أو في الجامع أوفي المدارس النظامية. والله أعلم.
إشارة إلى الفتوى التي تفضلتم بها حول إنفاق غلة الماء الذي وقفه الإمام سلطان بن سيف لمتعلمي العلم الشريف، نود أن نستوضحكم مرة أخرى عن نقاط ثلاث: (4/126)
صفحة 1250
الأولى: أن فضيلة الشيخ سعود بن سليمان الكندي قاضي المحكمة الشرعية بنزوى، وهو أحد أعضاء اللجنة المشرفة على توزيع الوقف يرى تعميم التوزيع على المعاهد والمدارس حتى الابتدائية، وبناء على ذلك فإن الطلبة كثيرون، والمال وإن توفر الآن بسبب تجميده منذ عدة سنوات إلا أنه في المستقبل يكون قليلا، وعدد الطلبة في تزايد مستمر، ومن ناحية أخرى هل يمكن تحديد من يدرس في المرحلة الابتدائية أنه ملتزم بالعلم الشريف معتن به طبقا لفتوى سماحتكم؟
الثانية: لو خصصنا ممن يدرس بالمدارس النظامية بعض الأشخاص باعتبار أنهم أحق من غيرهم لأحدث ذلك ولا شك نوعا من الإحراج، وأدى إلى حصول خلاف أو حقد للجنة وللمدرسين الذين استعانت بهم في تعين من يرون استحقاقه، وقد يكون مثار شقاق بين الطلبة. فهل يضير لو خصص جزء من الغلة لكل مدرسة على حدة، ثم يوزع بالتساوي بين جميع طلبتها؟
الثالثة: نصت فتوى سماحتكم على أن كل ملتزم بتعلم العلم الشريف معتن به، له الحق في هذا الوقف. فهل يكون التوزيع بينهم على حسب تفاوت درجاتهم في العلم حسبما يظهر، أم يتم التوزيع بينهم بالتساوي بغض النظر عن منازلهم في العلم أو المراحل التي يدرسون فيها؟
1- لا أرى توزيع هذه المبالغ على جميع الطلبة؛ بحيث يشمل الطلبة الابتدائيين لما يترتب على ذلك من الإشكال فيما بعد، ولعدم إمكان التمييز بين الجاد منهم في طلب العلم الشريف وغير الجاد في هذه المرحلة.
2- ومثل ذلك إعطاء كل مدرسة حصتها من الوقف لتوزيعه بين طلابها؛ لعدم انفكاكه عن الملاحظتين المذكورتين في الصورة السابقة.
3- أرى أن يقتصر في توزيع هذا الوقف على طلبة علوم الشريعة وما يرتبط بها من علوم الآلة، سواء كانوا في المدارس النظامية أو في الجامع، شريطة اهتمامهم بهذا الجانب من العلم، ويحسن تفضيل بعضهم على بعض في العطاء حسب نشاطهم في الطلب، وحسب تفاوتهم في العسر واليسر. والله أعلم. (4/127)
صفحة 1251
قطعة أرض بها أربع آثار ماء، موقوفة لمساعدة فقير عاجز ليجازي معلم ولده، وبعد وفاة الواقف وفي عصرنا الحاضر، فقد أصبح المعلم يأخذ الراتب الذي يكفيه ويفضل عنه، ولم تعد حاجة لريع الوقف تجاه المعلم. فهل يصح أن يعود هذا الوقف لأولاد أولاد الواقف المتوفى، ومنهم من هو فقير؟
لا يصح أن يرد الوقف إلى ذرية الواقف إلا في حالة بطلانه، ولا وجه لإبطاله هنا؛ لأنه قصد به وجه من وجوه البر من أول الأمر، والرواتب التي تدفع من الدولة لمعلمي القرآن الكريم لا تمنع من إعطائهم حقهم مما وقف لهم، ليستعينوا بها على نوائب زمانهم، ومن بدل ذلك دخل في قوله تعالى: { فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيم }(). والله أعلم.
رجل وقف ماء من فلج للتعليم في البلدة، والقعد يوجد فيه فضلة، وتوجد بعض المزارع والبلدان التي تعد من أعمال هذه البلدة تحتاج إلى معلم. فهل يجوز الإنفاق عليهم من المال؟
إن فضلت فضلة عن حاجة البلاد نفسها فلا مانع من صرفها في الوجه الذي وقفت له فيما حول البلاد فيما أرى، وانظر في ذلك. والله أعلم. (4/128)
صفحة 1252
سماحة الشيخ: إن مما نعلمه أن والدنا الهالك كان قد أعطي من قِبَل إمام المسلمين محمد بن عبد الله الخليلي –رضوان الله عليه– أثر ماء من فلج الملكي، وهذا الأثر خاص بوقف ماء المتعلمين المعروف عند أهل البلد، ولقد أعطي والدنا هذا الأثر من قبل الإمام باعتباره أحد المتعلمين مع الإمام في ذلك الزمان، وظل والدنا يستفيد من هذا الأثر من الماء في حياه الإمام وبعد مماته –رحمه الله– دون معارضة من أرباب الفلج وأهل الولاية، ولكن بعد وفاة الوالد طالبنا المسئولون عن الفلج عن قيمة هذا الأثر من الماء، فما كان من وكيلنا سابقا إلا أن قام بدفع القيمة السنوية لهذا الأثر من الماء، ومن بعد وفاة الولد وإلى يومنا هذا ونحن ندفع قيمته. فهل دفع القيمة السنوية لهذا الأثر واجب علينا، مع العلم أن الوالد ظل ينتفع به طوال حياته مع يسره، ونحن بعد وفاته أحوج إلى العون والمساعدة لضيق ذات اليد؟
إن كنتم من طلاب العلم الذين ينطبق عليهم الوصف المطلوب في الوقيفة فلا معنى لإلزامكم دفع قيمته؛ لأنكم مستحقون له كما كان والدكم. والله أعلم.
نود الإفادة إلى أنه يوجد منزل وقف للمتعلمين، وهو تحت قبضة أحد المواطنين بالبلدة، وقد تقدم جماعة من أهل البلدة المذكورة يطلبون تحويل هذا المنزل من سكن إلى مدرسة لتحفيظ القرآن. فما رأي سماحتكم في ذلك؟
إن كان البيت موقوفا لسكنى المتعلمين أو للتأجير على يكون ريعه يعود إلى المتعلمين فلا يجوز تحويله عن ذلك؛ لأن الله تعالى قال في الوصية: { فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيم }()، وللوقف حكم الوصية. والله أعلم. (4/129)
صفحة 1253
أمول وقف ثلثها للمتعلمين بولايتنا، وقد تكفلت الحكومة الآن بالنفقة علي المدارس كما هو معلوم لديكم، وقد ابتدر بعض الإخوان في الولاية بإقامة مركز صيفي لتحفيظ القرآن الكريم ودراسة علوم الشريعة الإسلامية، وهي بحاجة ماسة إلى من يوفر لهم وسيلة النقل التي توصل المتعلمين غلي مكان المراكز التعليمية، كما أنهم بحاجة إلى توفير الجوائز التشجيعية للمشاركين. فهل يجوز تحويل ثلث الأموال الموقوفة المذكورة آنفا إلى هذه المصلحة؟
لا مانع من ذلك، فإن القرآن الكريم أساس العلوم ومصدر الفهوم، والله يوفقكم لما فيه الخير. والله أعلم.
عن وقف ماء للمتعلمين ببلدنا الظاهرة، وما نصت عليه من تعبير على أن تنفق في البلدة دون غيرها من البلدان { فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيم }()، وقد رأينا شيخنا جوابكم الذي أيد دفع المبلغ لتدريس الفترة الصيفية لتحفيظ القرآن الكريم في منطقة تبعد عن بلدتنا بحوالي ثلاثة كيلومترات أو أقل بقليل، وهناك أودية تقطع بينهما، وهي أقرب لبلدة دبيك؛ لأنها لا تبعد عنها إلا بضعة أمتار إن لم تكن فيها، وإذا كان الأمر حسب ما نصت عليه الفتوى فإن هناك الكثير من المناطق قد تنهج نفس النهج. فم قول سماحتكم في ذلك؟
اطلعنا، والذي رأيناه من خلال مراجعتنا نص الوقفية أن الوقف نص على الجهة التي يصرف فيها الفاضل عن تعليم القرآن ببلدة الظاهر من دخل هذا الوقف، وهي المتعلمون الذين يطلبون العلم الشريف من أهل بلدة الظاهر نفسها، وعليه فإن هذا الوقف يجب أن لا يتعدى ما خصصه به الواقف، أما الفتوى التي صدرت منا فقد كانت قبل اطلاعنا على نص الوقفية. والله أعلم.
وقف عرفة (4/130)
صفحة 1254
نخل موقوف يُشترى من غلته أرز يوزع يوم التاسع من ذي الحجة من كل عام علي فئة معينة من الناس، فهل يجوز تبديل الأرز وتوزيع نقود بدل منه، علما بأن بعض الشركاء يعترضون علي ذلك؟
يتقيد بما نص عليه الواقف، إذ لا ضرورة تلجئ إلى التبديل. والله أعلم.
وقف عبارة عن مجموعة من النخيل تطنى غلتها سنويا، وفي يوم التاسع من ذي الحجة يُعمل بهذه المبالغ التي تحصل من غلتها وجبة غداء عامة للبلاد من غني وفقير، ولكن عندما تكون الغلة غير كافية فهل يجوز أخذ شيء من طناء أموال المساجد ليكمل بها هذه العادة؟ وإذا لم يكن شيء من ثمار هذا المال الموقوف ليوم التاسع فهل يجوز أيضا أخذ شيء من غلة المساجد لتستمر هذه العادة السنوية؟ وكذلك البعض اعتاد أخذ شيء من أموال المساجد –أي مما يفضل من غلتها– لإكرام الضيوف القادمين، أو عمل خرجات في إصلاح أمر من الأمور الدنيوية. فما حكم ذلك؟
لا يجوز شيء من ذلك، فانه تبديل للوقف عما وقف له، وقد قال تعالى: { فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيم }(). والله أعلم.
عن بئر ماء مع أرض له أوصى به ليوم عرفة وقفا لفقراء المسلمين، ومضت هذه الوصية منفذة طوال الأعوام الغابرة؛ يعمل بمبلغ الإيجار وجبة غداء في اليوم المذكور أعلاه، ونظرا لما نحن فية في هذا الزمان أصبح الفقراء غير موجودين في محلة واحدة، وإنما يعشون في مناطق مختلفة، فهل من الممكن أن يحول مبلغ الإيجار ليوزع نقدا على الفقراء ليشمل جزءا كبير منهم؟ وهل يجوز أن نخصم ربع هذا الإيجار ادخارا للبئر خشية أن يقع به ضرر ويكون محتاجا للصيانة؟
إن كانت الوصية غير مقيدة بالإطعام فلا مانع من صرف النقد لهم، وإن كانت مقيدة فبحسب التقييد، وصيانة البئر من داخلها بقدر الحاجة. والله أعلم.
وقف الفطرة (4/131)
صفحة 1255
مسجد جامع له بعض الأموال، كان ينفق من غلتها لإفطار الصائمين في رمضان، كما ينفق من ماله لمصالحه وفرشة وخدمة ماله، وإذا بقيت من غلته بقية يشترى أرز يفرق يوم عرفة حسب أوقاف عمان المعهودة. والآن زادت تكلفة غرامة الفطرة وأجرة من يعتني بها، حيث بلغت غلة المال خمسة وثلاثين ريالا، وما ينفق من أجل الاعتناء بها ثلاثين ريالا، فصارت الغلة كلها تستهلك في الفطرة. فهل يمكن إلغاء هذه الفطرة وتبديلها؛ وذلك لتبدل الزمن وتبدل أحوال الناس عن السابق؟
إذا لم ير الوكيل مصلحة في توزيع الفطرة حسبما تقتضي الوقفية، فلا مانع من تصرف آخر معقول، كتوزيع حاصل الغلة علي الصائمين الذين يستحقون الفطرة، إلى أن تعود أوضاع المال على ما كانت عليه من قبل. والله أعلم.
مال وقف لفطرة صائمي شهر رمضان من كل عام في مساجد القرية، وفي الآونة الأخيرة لم يعد هناك من يستفيد منها، نظرا لكثرة وصايا الفطرة إذ هذه المساجد تصنع فيها الفطرة، ولم يوجد لها من يأكلها. فهل يجوز توزيعها أرزا على فقراء المسلمين؟
ما أوصي به لفطرة الصائمين يطعمونها في مسجد ما، ولم يوجد من يحضر في ذلك المساجد للفطور، فانه يحول إلى مسجد آخر من المساجد المجاورة له، وإن لم يوجد تجمع في شيء من المساجد أعطي الطعام لجماعة المسجد الصائمين ليأكلوه ولو في بيوتهم. والله أعلم.
رجل وقف آباؤه أربع نخلات فطرة لصائمي شهر رمضان، ولكنه في الوقت الحاضر لم يجد لها من يقوم بشئونها، وحتى في حصادها يتعذر ذلك. فهل ترى سماحتكم وجها في بيعتها ووضع ثمنها في إصلاح شيء من المساجد، أو في شيء من طرق الخير وصولا لمصلحة هذا الوقف؟
تبقى للفطرة كما وقفت، وإن اقتضت المصلحة بيعها فلا مانع منه بشرطين:
أولهما: أن يشترى بثمنها شيء من الأصول ذات الدخل المستمر؛ لإنفاق دخله فيما وقفت له النخلات.
ثانيهما: أن يتم ذلك تحت إشراف الأمناء ذوي الخبرة في مصالح الأموال. والله أعلم. (4/132)
صفحة 1256
وقف للإفطار يخص أربع محلات، ولعدم وجود من يقبل الأكل فقد ترك تنفيذ الوصية منذ أربعة أعوام، مع العلم أن غلة الوقف تساوي مبلغ ثلاثمائة ريال عماني سنويا، وخوفا من غيابه قمنا بالمطالبة بهذا الحق، واقترحتا قسمته سنويا على تلك المحلات المشتركة وتأسيس صندوق لكل منها، على أن يعين مسئول أمين يقوم برعايته، وينفق في مصلحة كل حلة. فهل يجوز ذلك أم يترك كما هو عليه؟
الأصل في الوقف عدم جواز تغييره، لقوله تعالى: { فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيم }()، ولكن إذا تعذر صرفه فيما وقف لأجله، كعدم وجود من يقبل الأكل منه كما في هذه المسألة، فلا مانع من اجتماع أصحاب النظر وأهل الفضل على مصلحة ينفقونها فيه على تشاور بينهم وتعارف. والله أعلم.
يوجد مال موروث وهذا المال منه فطرة لمسجد في البلدة، ومقدار الفطرة أربعة أمنان، وفي السابق يأتي وكيل المسجد ويأخذ هذه الفطرة، ولكن منذ أن توفي وكيل المسجد لم يأت أحد لأخذها، ولذلك لمدة تتقارب ست عشرة سنة، مع العلم أن المسجد الذي له هذه الفطرة مندثر ولا يصلي فيه أحد. فما رأي سماحتكم في توزيع هذه الفطرة، علما بأن صاحب المال الحالي رجل معسر الحال، ويتقاضى راتبا من الضمان الاجتماعي. فهل يجب عليه إخراج هذه الفطرة من ماله الذي ورثه أم لا؟
الوقف بالفطرة علي هذا النحو أمر فيه إشكال كبير؛ ذلك لأن الأموال تنتقل من موروث إلى الوارث، ومن بائع لمشتر، وينقسم بعد أن كان مجتمعا، والغلة تزيد وتنقص، وتوزيع الفطرة على الصائمين ليأكلوها في بيوتهم سائغ في مثل هذه الحالة. والله أعلم. (4/133)
صفحة 1257
يوجد لدي مال (نخل) بولاية جعلان بني بو حسن، وبه أربع نخلات وقف (فطرة)، وقد تم بيع هذا المال منذ سنوات ماعدا الوقف، ونظرا لعدم وجود من يكفل هذا الوقف، حيث إنني من سكان ولاية صور وأقيم حاليا في محافظة مسقط، ولرغبة مشتري المال في شراء نخيل الوقف فإنني أرجو تكرم سماحتكم الإفادة عما إذا كان يجوز بيع هذا الوقف، واستغلال مبلغ البيع في أي مشروع خاص بالصدقات الجارية الذي يدار من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الموقرة؟
بما أنه وقف للفطرة فلا يجوز تحويله إلى مصرف آخر من مصاريف الخير، وإنما يجب أن يبقى كما هو، أما النخلات الخاصة بهذا الوقف فإن كان في بيعها مصلحة بينة وسيكون البديل أفضل منها قيمة وريعا فلا مانع من ذلك. والله أعلم.
رجل يملك نخلا فيه وصية بإخراج قدرة معين منه للفطرة يصل تقريبا إلى الثلث، ونظرا لعدم قيام هذا المالك على المال بنفسه فإنه يقوم بتأجيره مقابل قدر من لمال يعطيه العامل، إلا أن مقدار ما يغرمه على هذا المال قد فاق عوائد النخل الداخلة عليه بما فيها عائد الفطرة؛ بحيث لو نظر فيما يخرجه لوجد أنه أخرج قدرا يزيد عما يعود إليه من النخل بأسره. فهل هو مطالب بعد هذا بإخراج الفطرة؟
الأسلم والأولى أن يتفق مع أهل الخبرة على إخراج نخلات معينة بقدر حصة الوقف، علي أن تكون تلك النخلات راجعة إلى الوقف بربحها وخسرها وتخرج عنه. والله أعلم.
يوجد لدينا مسجد قديم متهدم لم يبق منه إلا أطلال، وقد أوصى له أحد فاعلي الخير بوزن ثلاثين منا من التمر من نخيله إذا كان بها ثمر، وحيث إن المسجد متهدم ولا تقام فيه الصلوات، فقد تجمع مبلغ مقداره مائة وخمسون ريالا عمانيا من قيمة التمر المباع الموصى بها للمسجد المذكور. نطلب من سماحتكم التوجيه الشرعي حول هذا المبلغ الموجود، والمبالغ التي سوف تجمع متى وجد في النخيل الثمار؟ (4/134)
صفحة 1258
يصرف هذا المبلغ إلى أقرب مسجد إلى المسجد الموقوف له من أجل تفطير الصائمين به، وإن تعذر ذلك صرف إلى الفقراء من الصائمين ليفطروا به ولو في بيوتهم. والله أعلم.
يوجد بمسجدنا وقف للفطور، وآخر للسحور، وآخر للهجور، والمسمى (بنقض الريق)، ولكن في هذا الزمان صار الناس لا يأتون لمثل هذه الوجبات وإنما يفطرون ويتسحرون في بيوتهم. فما حكم هذا الوقف، هل يجعل في مصلحة المسجد، أم يجعل للفقراء، أم يرد إلى ورثة الموقف إن علموا أولم يعلموا فماذا يصنع به؟
يصرف إلى الفقراء ليأكلوه في بيوتهم إبان الأوقات التي خصص بها. والله أعلم.
من أوصى بفطرة للصائمين في مسجد ما، ولم يوجد من يحضر في ذلك المسجد للفطرة؟
أما ما أوصي به لفطرة للصائمين يطعمونها في مسجد ما ولم يوجد من يحضر في ذلك المسجد للفطور فإنه يحول إلى مسجد آخر من المساجد المجاورة، وإن لم يوجد تجمع في شيء من المساجد أعطي الطعام لجماعة المسجد الصائمين ليأكلوه ولو في بيوتهم. والله أعلم.
رجل أوصى بفطرة تمر يفطر بها شهر رمضان المبارك لمسجدين: أحدهما عامر وله قيام وآذان وصلاة جماعة، وفي وسط البلد، وله نصف من الفطرة، والآخر مصلى نازح عن البلد التي بها المسجد المذكور، وله نصف الفطرة، وهذا المصلى ليس له بناء من أي شيء إلا بالحجر، ونازح عن طريق السيارات، ومن الشارع إلى هذا المصلى قاطع وادي، والمصلى مرتفع أعلي الوادي، وليس له مكان لشق طريق لوصول السيارة إليه، وبقربه بليدة صغيرة (حيل) وبها بيت واحد، وتبعد 3 كيلو ونصف، وفي القديم أهل البلدتين وأهل البليدة (الحيل) قرب المصلى يجتمعون كلهم للفطرة في هذا المصلى غير المعتمر، وبعصرنا كل شيء تبدل وتغير وقالوا: لا نذهب نفطر بمكان بعيد، إلا إذا كان تعطونا دراهم، والوكيل لهذا الفطرة محتار كيف يعمل؟ (4/135)
صفحة 1259
إن كانت الفطرة لأهل الحيل فلا مانع من إعطائهم إياها ليأكلوها حيث أرادوا، وإن كانت لجماعة المصلى فلا تعطى إلا لمن يصلي فيه، فإن لم يوجد فلتعط لجماعة أقرب مسجد إلى المصلى المذكور. والله أعلم.
رجل أوصي بثلاثين منا من التمر في ماله الأخضر فطرة لصائمي شهر رمضان، وكان المال فيه تسعة آثار ماء من الفلج، وقد توالت هذه الوصية من وارث إلى آخر، حتى دارت على خمسة ورثة من عصبة الموصي الأول، وقد باع الوارث الرابع سبعة آثار من أصل تسعة آثار من الماء المشار إليها، وبقي منه أثران فقط، ثم إن المال ماتت جميع النخيل فيه في عهد الوارث الخامس، وقام بفسله من جديد، واستقعد له ماء مع مائه القديم، وقد أثمر الفسل الجديد. فالسؤال هل الفطرة تبقى في هذا المال سارية المفعول تؤخذ منه كما تؤخذ سابقا من النخيل التي ماتت، علما بأن الوصية أمنان في عموم المال، وليست في نخيل محدودة ومعروفة في المال؟
هذه الوصية فيها من الجهالة مالا يحتاج إلى البيان، ولو قيل ببطلانها من أصلها لما كان ذلك بعيدا من الحق، والذي استحسنه لصاحب هذا المال أن يخرج من نخله ما تقدر غلته بقدر ما أوصى به، ويجعلها وقفا لما أوصى له. والله أعلم.
رجل كان قد أوصى بسبع نخلات من ماله لفطرة الصائمين، واستمرت هذه الفطرة كما أوصى بها لفترة طويلة، والآن ماتت النخيل الموصى بها وبقيت الأرض. فهل تلك الأرض راجعة للفطرة أم أنها راجعة للورثة بعد موت النخيل؟
الأرض للوقف ما لم يقيد الموصي الوصية بأن هذه النخلات وقائع. والله أعلم. (4/136)
صفحة 1260
رجل أوصى ببعض المال لفطرة الصائم في شهر رمضان المبارك، ومن العادة أن تكون هذه الفطرة في المسجد أو الأماكن المخصصة لها، وقد جاء على الناس زمان تعففت فيه عن الحضور إلى المساجد والإفطار فيها، أو حتى الأمكنة التي كانت حافلة بالناس، مما تعذر على الموصى عليه أو القائم بذلك المال إنفاقه في الشيء المخصص. فهل يجوز له نقل ذلك المال إلى عمارة المساجد؟
الأولى أن تعطى هذه الفطرة للصائمين ليأكلوها في بيوتهم، والفقراء أولى بذلك، فإن امتنعوا من قبولها جاز حينئذ أن تصرف في مصالح المسجد التي يراها القائمون. والله أعلم.
لدينا نخلات أوصي بغلتهن بعد إصلاح أصلهن لفطرة صائمي شهر رمضان بمسجد البلدة، واليوم لا أحد يجيء إلى المسجد للإفطار إلا القليل، مما جعل هذه الغلة تفضل، والمسجد يحتاج إلى إصلاح وتعمير ولا مال له. فهل يجوز أن نعمر بالغلة الفائضة المسجد أم لا؟
الأولى أن تفرق غلة هذه النخلات الفائضة عن إصلاح أصلهن على الصائمين ولو أكلوها في بيوتهم، وذلك أن قصد الواقف هو حصول الثواب بإفطار الصائمين من وقفه، لحديث "من فطر صائما.. الخ"، وهذا يحصل مع إخلاص النية، سواء كان الإفطار في المسجد المخصوص بالفطرة أو غيره، على أن الإمام أبا نبهان –رحمه الله– كان يرى أن يفطر جماعة المسجد من الفطرة المخصوصة بالمسجد خارجه ولو مع إمكان اجتماعهم في المسجد؛ وذلك لما يجره اجتماعهم فيه للأكل من رفع الأصوات المنهي عنه في المساجد، وما يكون من أحوال تتنافى مع قدسية المساجد ونزاهتها. والله أعلم. (4/137)
صفحة 1261
رجل كان قد أوصى بقطعة أرض كانت تؤجر، ومن غلتها تشترى حلوى السحور لشهر رمضان للذين يصلون صلاة السحور في مسجد البلدة، والآن لا أحد يحضر لصلاة السحور بالمسجد، فتم بيع هذه القطعة بمبلغ ثمانية آلاف ريال عماني. فما مصير هذا المبلغ، هل يصرف في إعادة بناء المسجد، أم يرجع لوقف المحلة الذي يصرف يوم تاسع لسكان المحلة؟ علما بأن المسجد يحتاج إلى إعادة بناء؟
يشتري بهذا المبلغ عقار أو ماء تصرف غلته في الوجه الموقوف له؛ وهو إطعام الحلوى للمصلين صلاة السحر في شهر رمضان المبارك، فإن لم يصل سحرا أحد في ذلك المسجد ففي أقرب مسجد تصلى فيه صلاة السحر. والله أعلم.
سؤال عن الديون التي ترتبت على وقف مسجد في فترة الوكيل السابق. فهل يجوز وفاء هذا الدين من وقف فطرة الجماعة، إذا اتفق جماعة المسجد على أن توفي هذه الديون من الفطرة الفاضلة، علما بأن الدين على وقف المسجد من عماره ومن وقف الجماعة؟
إن كان وقف الفطرة فائضا عن الحاجة التي وقف من أجلها، واتفق رأي الجماعة على صرف فضل غلته في قضاء الدين المتعلق بوقف المسجد فلا جناح في ذلك. -إن شاء الله-.
وقف الأضياف
توجد بادة ماء منذ قديم الزمان، وهكذا وجدت سبلة الجماعة، وهذه البادة موزعة على بعض أهل البلدة، على أن يقوموا بضيافة من يقيم في هذه السبلة من الضيوف. فهل قسمة هذا الماء في الميراث تخص الذكور دون الإناث، أم كما فرضه الله سبحانه وتعالى؟ وبما أنه الآن تعذر القيام بالضيافة لعدم نزول ضيوف بالسبلة، فهل يجوز التصرف في هذا الماء في منافع أخرى غير الضيافة لتعذرها؟ وإن رفض من بيده الماء فهل يجبره أهل البلدة على ذلك؟
هذا الماء مخصص بالضيافة، فإن تعذرت الضيافة صرفت غلته إلى المصلحة التي يراها أهل المنطقة، ولا يعود إلى الذكور ولا الإناث. والله أعلم. (4/138)
صفحة 1262
داراهم موقوفة لجماعة الورود، جعلت للضيافة والعزائم والنوائب التي تنوب القبيلة، والآن عمروا سبلة عامة جامعة للجماعة، وأرادوا صرف هذه الدراهم في بناء هذه السبلة، وتكون معدة لإنزال الضيف ولنائبة العزاء وغير ذلك، واتفق الجماعة على ذلك. فهل يجوز لهم ذلك؟
إذا كان الوقف للمصالح العامة فإن السبلة من ضمن المصالح ما دامت الحاجة إليها داعية، ولا مانع من إعانتهم ببعض ريع الوقف لبنائها، وأما إذا كان الوقف مخصوصا بشيء آخر لا تدخل السبلة فيه فلا يصح ذلك، والظاهر أن الوقف المذكور للمصالح العامة –حسبما رأينا في أجوبة الإمام الخليلي– رضي الله عنه– عن وقف الورود-. والله أعلم.
وقف جدنا مالا للقيام بواجب الضيف النازل في مجلسه، حيث كان مقصودا ينزل عنده الناس، ويفد عليه الركبان والقبائل من شتى أنحاء عمان، وقد أصبح المجلس معدوما لا وجود له يذكر، وكل من يرغب من أبناء أبنائه التكرم على ضيف أو أخ صديق يكرمه في منزله ومن ماله الخاص، كما أصبح المال ميتا يحتاج إلى كثير من الصيانة والقيام، وإن كان حيا فالحاصل منه لا يقاوم نصف المخسور عليه. فكيف وهو ميت مهمل. كما وقف المذكور بيتا يشبه الحصن ليكون مرجعا ومأوى لأبنائه وأبنائهم، لمن لم يجد منهم مأوى يأوي إليه، ولبناته ممن تخلو منهن من الزوج، وقد هجر هذا البيت وتهدم جدرانه وتكسرت أبوابه وسقطت نوافذه، لا يصان ولا يدخله أحد، وحسب النظر الحالي لن يحتاج إليه أي فرد من أفراد أسرته في الحاضر ولا المستقبل. فما هو رأي سماحتكم في هذا الوقف؟ هل للورثة بحال الحق في قسمة المال والبيت، لأنه لا وجود لما وقف من أجله؟
أما إن تعذر إنقاذ ما تقتضيه الوقفية فينبغي بيعه وشراء شيء من الأصول ذات الدخل كماء أو عقار بثمنه؛ لينفق دخله فيما هو أقرب شبها إلى غرض الوقف أو إلى فقراء المسلمين على مشورة أهل الصلاح والفضل، وإن كان ورثة الوقف فقراء فهم أولى بذلك. والله أعلم. (4/139)
صفحة 1263
وقف أجدادنا مالا لسبلة يطعم فيها عابر السبيل وكل من ينزل فيها، بحيث يكون العائد من المال ينفق في هذا القصد وفي إصلاح المال، وما يتبقى منه ينفق في يوم عرفة، والآن كبرت النخيل وأصبح العائد منها قليلا، وتهدمت السبلة، وما ينفق على المال أكثر مما يعود منه، وجدوى السبلة انعدمت؛ لأن ابن السبيل لا يقصدها إن وجد، فما الحل؟
أرى أن يباع الوقف ويستعاض عنه ما هو أنفع منه، نحو عقار أو ماء تنفق غلته في الموقوف له، فإن بقيت السبلة وبقي روادها كالمعتاد صرفت الغلة فيها، وما فضل وزع يوم عرفة كما يقضيه نص الوقف، وإن لم توجد السبلة فيصرف جميع العائد فيما كان يصرف فيه يوم عرفة، وذلك كله مشروط بأن يكون البيع والابتياع لا غبن فيهما على الوقف، وأن يكون بنظر الأمناء ذوي الخبرة في شئون الأموال. والله أعلم.
رجل وقف والده مالا للأضياف في سبلة عندهم بالولاية، ولا يخفى على سماحتكم حالة الأموال الآن وقلة غلتها وأن مصيرها للذهاب، ولا تبقى مصلحة تعود للموقف، فهل يجوز له بيع هذه الأموال الموقفة وتعمر بها السبلة لأنها تبقى، وهو قائم بها وما تحتاج إليه، وأولاده لا يتركونها لحاجتهم إليها؟
نظرا إلى كون هذا المال موقوفا على الأضياف وليس وقف ذرية أري في بيعه وصرف قيمته في عمارة السبلة تبديلا لما تقتضيه الوقفية، وقد قال تعالى: { فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيم }()، لذلك اقترحت على المعني بأمره أن يبيعه بيعا لا غبن فيه، ويشتري بثمنه عقارا كدكان يصرف ريعه في الأمر الموقوف له، وبهذا تنحل مشكلته إن شاء الله. والله أعلم. (4/140)
صفحة 1264
ما قولكم في رجل أوصى بسبلة لينزل بها الضيوف، ولها أموال لتكون وقفا مؤبدا في قبضة الأصلح من أولاده، وبعد وفاته بفترة اجتمع أولاده وقرروا هدمها وبناءها من جديد ظنا منهم أن السبلة لهم ولأولادهم من بعدهم وقفا، دون أن يطلعوا على نص الوصية؛ حيث إن الوصي لم يطلعهم عليها، وبعد بنائها وتأثيثها تحكم فيها أحد أولاده، غير الذي بيده الوصية (وذلك لاطلاعه على الوصية)، إلا أن أحد إخوته اعترض عليه لتحكمه في السبلة. فهل تبقى السبلة في يد الأصلح حسب نص الوصية، أم تكون في يد جميع المشتركين في بنائها؟ وإذا ثبت بأن الوصية تكون في يد الأصلح، فما قولكم فيما تحتاجه السبلة من مصاريف كالكهرباء والمياه والتأثيث، فهل تلزم هذه المصاريف جميع المشتركين في بنائها أم الذي بيده السبلة فقط؟ وهل للأصلح الحق في منع المشتركين من دخول السبلة، أو منع عامة الناس من ذلك؟
الأصل في ذلك إنقاذ ما في الوصية، إلا إن تبين فيها الحيف والظلم، كقصده اختصاص بعض أولاده بشيء دون الآخرين. والله أعلم.
رجل أوصى بوقف سبلة لينزل بها الضيوف، وأن تكون في يد الأصلح من أولاده، والسؤال:
1- إذا وجد الأصلح من الأولاد، فأين حق بقية الأولاد وذريتهم في هذه السبلة؟
2- هل يكون الوقف -في الشريعة الإسلامية– لفرد واحد من عائلة دون إخوته؟
3- إذا ثبتت الوصية، فهل للأصلح من الأولاد الحق في مطالبة إخوته وأولادهم بدفع مبالغ للترميم والكهرباء وغيره؟
إن كانت السبلة الموصى بها لمصلحة البلاد لا لمصلحة فرد من الورثة فالوصية ثابتة، وإن لم تكن لمصلحة البلاد وكانت لمصلحة قابضها من الورثة، ولم يرض بذلك الورثة فليرفعوا أمرهم إلى القضاء الشرعي، وكفى به فاصلا. والله الموفق.
نقل الوقف من مكانه (4/141)
صفحة 1265
كان والدنا وعمنا شركاء في الأموال والعقارات، ثم تفي والدنا فاقتسمنا الميراث نحن وعمنا، وكل منا أخذ حقه، واتفقنا جميعا على وقف قطعة أرض بها حفرة تنور تستعمل لشوي اللحم في مناسبة الأعياد، وحررنا فيها مكاتبة، والآن أراد أحد الشركاء الذين وقفوا تلك الأرض أن يحول منها التنور إلى جلبة قطع منها نخلة من ماله، وهذه الجلبة تقع في وسط الأموال، وبجوارها مال لنا به نخيل وأشجار، ولم تتعد الحفرة الجديدة ثلاثة أذرع، يفصل بينها وبين مالنا جدار ارتفاعه ذراع ونصف فقط. فهل يصح له نقل التنور الموقوف لاستعمال كافة أهل الحارة من مكانه الأصلي إلى مكان آخر يمتلكه الشريك المشار إليه؟ فإن كان جائزا، فهل الأرض الموجودة بها التنور الموقوف تعود لكافة الشركاء في الميراث، أم أنها تبقى على حالها؟ علما بأن الشريك الذي يحاول نقل التنور من مكانه الأصلي طامع في قطعة الأرض الموقوفة ليدخلها في منزله، ثم هل يجوز شرعا أن يعمل تنورا وسط أموالنا –وإن كان في أرضه الخاصة- إلا أن التنور تشعل فيه النار ويحتمل أن تسبب أضرارا في نخيلنا وأشجارنا؟
ليس للإنسان أن يرجع في وقف وقفه لباب من أبواب البر، نعم إذا اتفق الموقوف عليهم -وهم أهل البلد في مثل هذه القضية- على أن يتصرفوا في الوقف ويستعيضوا عنه من جهة أحرى –إن اقتضت ذلك المصلحة– فلا مانع منه، على رأي لبعض العلماء، وقيل بالمنع حتى في مثل هذه الصورة، لقول الله تعالى في الوصية: { فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيم }()، وللوقف حكم الوصية. والله أعلم.
سماحة الشيخ لدي سؤالان: (4/142)
صفحة 1266
1- رجل حفر بئرا في مقبرة بقصد استعمال مائها لرش القبر عند الدفن، وللصلاة لو حضرت لمشيعي الميت، وقد مات الرجل، والآن أصبح ماء البئر مالحا لدرجة أنه يتجمد في حال وضعه في إناء، وأصبح الناس لا يستعملونها، ويأتون بالماء بسهولة من الفلج بسياراتهم بدلا من استعمال الدلاء لجلب الماء من البئر. فهل يصح أن تهدم هذه البئر ويستبدل عنها بأخرى في مكان آخر، أو في مقبرة بلدة أخرى؟
2- حافر هذه البئر وقف لها أثر ماء من فلج معلوم، وقد تجمع شيء من المبالغ من قعدها. فكيف مصير هذا الأثر والمبلغ المتحصل من قعدها؟
1) يجوز هدمها، على أن تعوض عنها بئر أخرى لمصلحة تلك المقبرة نفسها. والله أعلم.
2) مصير هذا الوقف لمصلحة البئر الثانية. والله أعلم.
يوجد بالولاية سوق قديم يقع بين بيوت ومحلات بالية، من بينها بيت للوقف من الجهة الشرقية، وأموال من الجهتين الجنوبية والغربية، وهناك طريق يتوسط هذا السوق، فرأى أهالي الولاية القيام بإعادة تخطيط وتنظيم السوق حتى تكون له مساحات عامة يتمكن المتسوقون والبائعون بالانتشار فيها، بجانب توفير بعض المرافق العامة كمظلات للبيع والمواقف، ودورات المياه وغيره، مما يتطلب مساحة أكبر، لذا يكون لزاما هدم ودمج المنزل الموقوف. فهل يجوز هدم المنزل المذكور وتعويض الوقف بمنزل آخر في موقع مناسب؟
الأوقاف تراعى فيها المصالح كاليتامى الذين قال تعالى فيهم: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ }()، فإن كانت مصلحة الوقف متعينة في نقله من هذا الموضع إلى غيره فلا مانع من ذلك، بشرط أن يكون العوض خيرا من المعوض عنه من جميع الاعتبارات. والله أعلم. (4/143)
صفحة 1267
رجل وقف مكانا يخصص لاجتماعات قبيلته، إلا أن هذا الوقف أصبح الآن داثرا ومساحة الأرض صغيرة، والذين يقطنون بجوارها قليلون، والآن الناس ترغب بفتح باب التبرعات لشراء قطعة أرض بمكان آخر باسم هذا الوقف، وبناء مجلس عام أكبر حجما، ويضاف إليه مدرسة لتعليم القران الكريم، بدلا من الاجتماع في المسجد. فهل يجوز ذلك؟
لا مانع من نقل هذه المؤسسة الوقفية من مكانها إلى مكان آخر حيث تقطن تلك القبيلة الموقوف لها نفسها، شريطة أن تكون مصلحة الوقف متعينة في هذا النقل؛ لأن الأوقاف كاليتامى، وقد قال تعالى: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ }()، ولا مانع من تبرع المحسنين بما يزيد الوقف ثروة وريعا، وإنشاء مدرسة قرآنية هناك مما يعود بالمصلحة على الكل، فهو خير –إن شاء الله-. والله أعلم.
توجد نخلة نغال تخص وقف البلد، كانت في الماضي مخصصة لمن يقوم بتعبئة خرس ماء الشرب، وقد تنازل عنها القائم بذلك العمل في تلك الحقبة من الزمن، ونخلة النغال تقع وسط الشارع المؤدي إلى البيت الكبير؛ وهو أحد الصروح التراثية الشامخة، وقد تكلفت الشيء الكثير عملية ترميمه، كذلك يقصده الكثير من المواطنين والسواح، كذلك فإن لبلدية مسقط النية في رصف الطريق الجانبي والمؤدي إلى البيت الكبير، وبما أن هذه النخلة تتوسط الشارع فسوف تكون عقبة في عملية الرصف. فهل يجوز قطعها؟
لا بُدَّ من تعويض الوقف بنخلة أخرى تكون بديلا عن هذه النخلة التي يراد قطعها. والله أعلم.
جيل للفطرة غير صالح للزراعة، حيث قام صاحبه بزراعته عدة مرات ولكن بدون فائدة. هل يجوز تحويله إلى مكان آخر تحرق فيه مخلفات النخيل من قبل صاحب المال؟
لا بد من تعويض الوقف البديل الأصلح. والله أعلم. (4/144)
صفحة 1268
ما حكم الشرع الحنيف في جواز استبدال بئر وقف في مقبرة ماؤها شديد الملوحة بأخرى تكون موردا للمنفعة العامة في منطقة تقطنها فئة من الناس، عما بأن موقف البئر متوفى، وقد ترك لها وقفا لتمويل القيام بشئونها، والبئر الحالية لا ينتفع بها البتة لملوحة مائها، والمنطقة التي تقع فيها المقبرة المعينة تعاني من ندرة المياه الصالحة، إضافة إلى انعدام الحاجة إلى مياه البئر التي تتطلب الغرف بالدلو نظرا لعدم توفر الكهرباء، وفي المقابل سهولة حمل المياه إلى المقبرة عن طريق السيارات متى دعت الحاجة، وحيث إن القرية صغيرة، ومرافق غسل الموتى والصلاة عليهم توجد في القرية، فإن الحاجة إلى المياه قليلة جدا، وسهولة توفير المياه للمقبرة تيسر بعد حفر البئر بسنوات، حيث إنه لم يكن متيسرا في زمن حفر البئر، والوضع نفسه في القرى المجاورة، وعليه يتبين عدم جدوى استخدام البئر في وضعها الحالي، أو استبدالها بأخرى في نفس المقبرة، أو في مقبرة قرية أخرى مجاورة، وعليه نرجو التكرم بإفتائنا في جواز استبدال البئر المذكورة بأخرى في منطقة، الحاجة فيها إلى مورد ماء أكثر إلحاحا وأعظم منفعة؟
إن كان الانتفاع بالبئر المستبدلة لنفس الغرض الذي وقفت له البئر المستبدل منها فلا حرج في ذلك رعاية للمصلحة. والله أعلم.
يوجد عندنا بئر ماء موقوف لإصلاح كتب أحد من أهل العلم، ولم يبق في هذه المكتبة شيء من هذه الكتب؛ حيث تعرضت للسرقة. فهل يجوز نقل هذا الوقف إلى مكتبة أخرى موقوفة لطلبة العلم، أم ماذا نفعل بهذا الوقف؟
إن كانت هذه الكتب غير موجودة فلا مانع من صرف ريع الوقف إلى مكتبة أخرى، وإن كانت هذه المكتبة أقرب إلى هذه فذلك أولى. والله أعلم.
ما قولكم فيمن تقدم بطلب لشراء مال الوقف؛ وذلك لجاجته الشديدة إلى فتح طريق إلى منزله من هذا المال، ولعدم وجود مسار غيره؟ (4/145)
صفحة 1269
العبرة في هذا بمصلحة الوقف، فإن كان يعوض الوقف ما هو أصلح له من حيث القيمة والجدوى فذلك سائغ، شريطة أن يتم بنظر العدول ذوي النظر في مصالح الأموال وشئونها. والله أعلم.
أرض موقوفة ليوم عرفة وهي قع بين مقبرتين، ولا يستفاد منها للأمرين، ولا لأي غرض كان بحكم موقعها، فهي أرض بيضاء لم يوجد بها سوى أشجار الغاف فقط، ولضيق سعة المقبرة المجاورة لها فإن المقبرة بحاجة ماسة لها؛ لأنها مزدحمة ولم يوجد بها سعة، والناس بحاجة ماسة إلى تلك الأرض المذكورة. فهل يصح إضافتها إلى المقبرة أم لا؟ وإذا كان لا يصح فما الحل في ذلك؟
لا مانع من أن تضاف إلى المقبرة على أن يكون الوقف أرضا أخرى لا تقل عن هذه قيمة ولا مساحة ولا منفعة. والله أعلم.
ما قولكم في مال فطرة أو مال وقف في بلد، وأراد رب هذا المال أن يغيره من هذا البلد إلى بلد آخر؟
الظاهر أن هذا المال موقوف للفطرة، والموقوف لا يصح لأحد أن يتصرف فيه ببيع وغيره، وإنما يصح نقله بالقياض لمصلحة الوقف نفسه، تجوّزا على رأي بعض العلماء، إذا اتفق على ذلك أهل النظر والصلاح من جماعة المسلمين بالبلد الموقوف فيه. والله أعلم.
أتقدم لسماحتكم ببعض الأسئلة آملين التكرم بالإجابة عليها:
1- توجد لدينا أرض خاصة بالوقف، ونظرا لحاجتنا الماسة إلى جعل هذه الأرض مقبرة؛ نظرا لعدم توفر مقبرة لدينا، فهل يجوز لنا ذلك؟
2- إذا كان بالإمكان تحويل هذه الأرض إلى مقبرة، فهل تقدر بثمن؟ وإذا قدرت بثمن، فماذا يجب أن نعمل بثمنها المقدر؟
3- هذه الأرض محاطة بأراض أخرى، فهل يمكن إنشاء مقبرة عليها، حتى وإن أخبر أصحاب الأراضي المجاورة بعدم رضاهم بذلك؟
4- توجد لدينا مبالغ خاصة بالأكفان، ونظرا لعدم الحاجة إلى الأكفان؛ لكون أن أي إنسان يتوفى عنده أحد أقاربه لا يرغب في تكفين قريبه من هذه المبالغ، ففيم تصرف هذه المبالغ؟ (4/146)
صفحة 1270
5- هل يمكن أن نعمل بهذه المبالغ سور للمقبرة المزمع إقامتها في الأرض المشار إليها آنفا؟ ...
إن كانت موقوفة لمخصوصين واقتضى نظرهم ذلك فلا مانع من تحويلها إلى مقبرة، وكذلك إن كانت وقفا عاما للمصلحة العامة، وأما إن كانت لمصلحة مخصوصة فيشترط في ذلك التعويض الذي يراه أهل الخبرة بشئون الأموال، ويشترى بالعوض ما يكون بدلا للوقف، وإن كره المجاورون لها جعلها مقبرة نظر في المصلحة والمفسدة ودرئت عنهم المضرة، وما خصص للأكفان ولم تدع إليه الحاجة جعل في مصالح الموتى كحفر القبور، ولا بأس بأن تُسوّر به المقبرة. والله أعلم.
هل يجوز إخراج المصاحف أو الكتب الموقوفة لمسجد للقراءة منها خارج المسجد في مكان قريب منه؟ وذلك يحدث في الحالات التالية:
1- أن تكون في المسجد حلقة علم ويحتاج شخص إلى مراجعة القرآن -والمسجد ليس بكبير–، فقد يشوش على الحلقة أو تشوش عليه، فيخرج بالمصحف إلى مكان قريب.
2- قد يجتمع –خاصة في الصيف– مجموعة من الطلبة لطلب العلم فيحتاج أحدهم إلى القراءة الفردية بعيدا عن الاجتماع، فيخرج بالكتاب أو المصحف إلى خارج المسجد ثم يعيده بعد القراءة.
بما أن هذه المصاحف والكتب وقفت للفائدة، ومن العسير أن تتحقق الفائدة عندما يمنع قراؤها من إخراجها خارج المسجد، لما ذكر في السؤال من السببين، لا أرى مانعا من إخراجها لمراجعتها والقراءة منها بقدر الحاجة، ثم ترد إلى قرارها في المسجد. والله أعلم.
صرف الوقف في غير ما وقف له جوازا ومنعا
ما قولكم في رجل مسلم توجد بمحلته أموال موقوفة لمسجد وغيرها، هل يسعه السكوت والوقوف عنها إذا ما رأى أنه إذا فعل ذلك فإن تلك الأوقاف ستتعرض للخراب والتلف وللأيدي التي يخشى منها، فهل عليه أن يتولى ذلك أم يسعه التخلي؟ (4/147)
صفحة 1271
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان على كل أحد، لعموم قوله -صلى الله عليه وسلم-: { من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان }()، وكل عمل يؤدي إلى خراب الوقف من المنكرات التي يجب إنكارها على القادر بحسب استطاعته، والسكوت عن ذلك لا يجوز. والله أعلم.
يوجد لدينا بئران للوقف، وقد جعل لهذين البئرين نخيل، فماتت النخيل مع أن البئرين مياههما كثيرة، فأراد أهلها أن تؤجر هذه الآبار وتترك قيمتهما كمساعدة لمن تحصل عليه غرامة مالية، سواء في حادث أو في مشكلة مالية، علما بأن هذين البئرين كانتا موقوفة لها النخيل، وجعلت الغلة ليوم التاسع والعاشر من ذي الحجة من كل عام، يطبخ فيها عيش ويجتمع الناس للأكل، والآن تعذر وجود من يقوم بالطبخ والعناء، ولا أحد يأتي للأكل. فهل يجوز هذا التصرف؟
لست أدري لماذا وقفت هذه النخيل والبئران؟ فإن كانت لمطلق أهل البلد فلهم أن يتفقوا على رأي فيها، وإلا فلا يجوز صرف الوقف لغير أهله. والله أعلم.
بنى جدي في السابق بيتاً خارج الحي، وذلك لعزل مرضى الجدري فيه ولإغاثتهم فيه، وكان هذا المرض قد تفشى في ذلك الزمان، والذي يعزل فيه المريض خوف العدوى، فبقي البيت وآثاره منذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا، ونتيجة للنمو السكاني تكاثرت البيوت وتكاد تحيط بالبيت الآن، كما أنه لم يتضح لنا أن هذا البيت وقف مؤبد، ولا وجدناه في الإيصاء. فهل تصح لنا نحن الورثة ملكية هذا البيت؟
يجب إبقاء هذا البيت على ما وجد عليه، ولا يصح لورثة بانيه تملكه بحال، وكيف يتملكونه؟ والباني بناه من أول يوم للغرض الذي استعمل لأجله، وقد انقضت على ذلك أجيال، وإذا تعذر استعماله فيما بني له فلا مانع من استعماله في طرق البر التي أقرب إلى ذلك السبيل، أما عدم ذكره في الوصية فلا يدل على بقاء ملكيته؛ ذلك لأن الباني قد أخرجه عن ملكيته فعلاً في حياته. والله أعلم. (4/148)
صفحة 1272
بئر موقوفة مهجورة لا تصلح إلا لجار لها. فهل له عمارتها لسقي ماله بنية إهداء نصف مائها لموقفها؟
الأوقاف تراعي مصالحها، فحيث توفرت مصلحتها فثمَ حكم الله؛ لأن الله عز وجل يقول في اليتامى: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ }()، والوقف كاليتيم من حيث كونه غير مالك لأمره، فإن كانت مصلحة الوقف لا تحصل إلا بهذه الطريقة، أو أن هذه الطريقة هي أنجح الطرق في خدمة الموقوف، فليتفق مع وكيل الوقف أو القائم بأمره متى رغب في ذلك. والله أعلم.
مال أخضر لجدَي أخرجه وجعل نصفه خيراً والنصف الآخر وقفاً لمسجد البلد (الجامع القديم)، وكان والدي يبيع غلته كاملة، ثم يعطي نصفه للأرحام، والنصف الآخر لإمام المسجد المذكور، وبعد مضي سنين أوصى والدي بجميع الأموال تعود على تصرف أبناء عمه، وبعد مضي سنين أخرى استلمت أموالي، وكان هذا المال من ضمن تلك الأموال وفي سور واحد، والآن مات هذا المال ولم يبق منه إلا بعض النخلات العاجزة، كما توجد بئر قديمة. فما قول سماحتكم في تصرفي في أرض هذا المال المذكور، من حيث إنه في قبضة يدي إلى الآن منذ أن خلفه والدي من يد الوكيل المذكور؟
إن كان هذا المال موقوفاً لوجه من وجوه البر فلا يجوز صرفه في وجه آخر، وإنما يبقى كما هو؛ لأن للوقف حكم الوصية، وقد قال تعالى في الوصية: { فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيم }()، ولا يحق لوارث الواقف تغيير ما نصت عليه الوقفية، وإن كان هنالك ما يدعو إلى التصرف في أصل هذا المال للاستعاضة عنه بما هو أجدى وأنفع، فلا بد من أن يكون ذلك تحت إشراف الأمناء ذوي الخبرة في شئون الأموال، وأن تكون مصلحة الوقف متعينة في ذلك. والله أعلم.
1- هل الممتلكات والأموال الموقوفة لعائلات معينه باطلة؟
2- وإذا لم تبطل هذه الممتلكات والأموال الموقوفة، فهل تصح قسمتها؟ (4/149)
صفحة 1273
1) إن كانت الوقفية ثابتة شرعا فلا وجه لإبطالها، أما إن كانت متلبسة بأمر يبطلها شرعاً فهي باطلة. والله أعلم.
2) لا. والله أعلم.
هل للمرأة الحق في أن ترث من الأموال والممتلكات إذا كانت موقوفة؟
الوقف لا يورث، فلا يرثه رجل ولا امرأة إن كان ثابتاً شرعاً. والله أعلم.
هل يحق للزوجة أن ترث من الأموال والممتلكات إذا كانت موقوفة؟
كالذي قبله. والله أعلم.
ما رأيكم إذا آل مل موقوف إلى رجل، وهذا الرجل قام من قبل بمقايضة مال المساجد عدة مرات، ولا أحد ينكر ذلك خوفاً من بطشه. فهل يؤثم الجميع على سكوتهم، وإذا لجأ أحدهم إلى الشرع الشريف منكراً فعلته فهل ينأى بنفسه عن الإثم؟ مع العلم بأن هذا الرجل هو المسئول عن المنطقة. فما قولكم في ذلك؟
من سكت مع قدرته على الإنكار فهو آثم، ومن أنكر سقط عنه الإثم. والله أعلم.
والدي وعمي الأشقاء قاما بوقف مالهما الأخضر للخير وقفاً أبدياً، لا بيع فيه ولا شراء، ولا هبة ولا ميراث، ولا يرهن ولا يملك، حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وبعد هلاكهما رغب الورثة بقسمة هذا المال الأخضر الموقوف بينهم، وهذا الوقف كان قد كتب على صك شرعي ولم يصدق من قبل المحكمة، وكاتبه والشاهد الثاني توفيا، أما الشاهد الأول فهو على قيد الحياة. فما قولكم في ذلك؟
الموقوف للخير يصرف في وجه الخير، وليس للوارث فيه نصيب، فكيف يقتسمه الورثة؟ والله أعلم. (4/150)
صفحة 1274
عن رجل كان مسئول بلدة، فوقف مالاً للسبلة وللإكرام من محصول المال، ثم مات الرجل وخلفته ابنته الوحيدة القاصرة، فانتقلت المسئولية بعد ذلك لعدة أشخاص حتى آخرهم، والوقف ينتقل معهم، والأخير منهم لا يوجد له فرع ولا أصل سوى إخوة، فأوصى بالمال لأبناء أحد إخوته بعد موته كعطية منه، فلقد جعله من ممتلكاته، فهذا الرجل هو شبه مسئول، ولا سبلة توجد لديه ولا مجلس ولا كرم ولا إكرام، وإن ابنة الموقّف موجودة وعاجزة وفقيرة وبحاجة ماسة للعون. فما هو موقف الشرع الشريف في هذا المال؟ وفي تصرف هذا الرجل فيه، والمرأة تطالب بإعادة المال إليها؛ لأنه من مال أبيها؟
الوقف لا يعود إلى الوراث ما دام وقفاً معتداً به في أحكام الشرع، وإنما يصرف للجهة الخيرية الموقوف لها. والله أعلم.
هل يجوز شرعاً لأحد تغيير اسم الواقف على وقف معين وقفه في حياته دون علم ورثة الواقف، كمثال وقف مسجد فلان بن فلان، وتم التغيير إلى وقف الجماعة الفلانية؟
لا يُبدل الوقف عما نصه عليه الواقف، وإن كان في تبديل الاسم تبديل للمسمى فهو غير جائز. والله أعلم.
نخلة موقوفة لله، حيث يصنع من ريعها كل عام وليمة من الأرز واللحم لأهل البلدة، واستمر الحال بعد وفاة الواقف، والآن أصبحت الغلة لا تكفي لصنع هذه الوليمة، فاقترح بعض أهل البلدة توزيعها على الأولاد في العيد، واقترح البعض الآخر أن تعطى للمسجد. فماذا ترون الأصوب شرعاً؟
إن كانت الغلة لا تكفي لإنفاذها بموجب الوقفية، فلا مانع من صرف ما يمكن صرفه إلى من كانت تقام لهم الوليمة بموجب الوقفية، والأولى أن يوزع طعام على فقرائهم المحتاجين. والله أعلم. (4/151)
صفحة 1275
لدينا نخلة موقوفة لسحق البر، وذلك في السنين الماضية، والآن وكما تعلمون أن آلات سحق البر موجود في كل مكان، وقد تجمعت لها بعض الدراهم من الغلل، وبما أن النخلة المذكورة هي في بلد وخصصت لبلد آخر من البلدان التابعة لهذه الولاية، فأين نضع هذه الغلل المحصلة من هذه الخلة المذكورة؟
تصرف غلة هذه النخلة على فقراء المسلمين في البلدة التي وقفت لسحق البر فيها إذا تعذر صرفها فيما وقفت له. والله أعلم.
نخيل موقوف لورثة علي، تردت حالة النخيل ولم يعد منه نفع، بل ربما دفع الورثة من أموالهم الخاصة لإصلاحه، واقتضى نظر أربابه بيعه والاستفادة من قيمته في بناء سبلة خاصة بهم. فهل لهم ذلك، والمصلحة في ذلك ظاهرة للموقف ولأصحاب الوقف؟
بما أن الوقف لورثة علي، وفيهم الذكر والأنثى، ولا تستفيد الإناث من السبلة شيئاً، لا أرى وجهاً لجواز تحويل الوقف إلى سبلة، وإنما أرى جواز أن يباع ويستعاض عنه ما هو أجدى نفعاً وأكثر ريعاً، كالماء والعقار. والله أعلم.
ما قولكم في دمج غلة الموقوف للمساجد والمدارس، وسبلة للجماعة، وموارد ماء في الصحراء، وآبار داخل الحلة سنوياً، وصرفها لأي ٍ من هذه الأوقاف دون التمييز بينها وذلك للمصلحة العامة، وهذا الدمج للغلة دون الأصل؟
هذه أوقاف مختلفة لوجوه متعددة، لذلك لا أرى وجهاً لإدماجها، لما يفضي إليه ذلك من فوات إعطاء كل ذي حق ٍحقه من غير زيادة ولا نقصان. والله أعلم.
ما قولكم في رجل اشترى ضاحية في وسطها مفسل وقف مجهول الأرباب وليس من أهل البلد. فما حكم هذا المفسل، هل يفسل أم يباع، أم ماذا يفعل مالك الضاحية للتخلص من الوقف؟
يفسل ويبقى كما كان من قبل، إلا إن اقتضى رأي أهل النظر والصلاح بيعه للمصلحة والاستعاضة عنه بما هو أصلح، وإذا جهل أربابه فمرد منفعته إلى فقراء المسلمين. والله أعلم. (4/152)
صفحة 1276
رجل أسس منزلا وقد أوصى له بمال، وأيضاً ورثته من بعده قاموا يوصون له بمال إلى أن مضى عليه أكثر من مائتي سنة، والآن المنزل تهدم وجميع المشاركين فيه استغنوا عنه وبقي داثراً، وإن غلل ذلك المال لم تنفذ في شيء. فما يكون في تلك الغلة، هل يحق لهم أن ينفذوها في شيء من الصلاح الذي يؤدي لمجتمعهم، أم تبقى مجموعة لديهم؟
إذا كان البيت موقوفاً لمخصوصين واستغنوا عنه واتفقوا على أن ينفذوا غلته أو غلة المال الموقوف لإصلاحه فيما ينفعهم جميعاً فلا حرج من ذلك. والله أعلم.
امرأة أوصت، ومن وصيتها أنها أوصت بأرضها التي ورثتها وقفاً بعد موتها لأولاد خالد ولأولاد حمد وأولادهم ما تناسلوا لكل واحد منهم موجود بالبلاد، والخارج منها ليس بداخل معهم، وبثلاثمائة ريال وقفاً لهم عن ضمان لزمها لهم، وكذا الأرض السابقة عن ضمان لزمها لهم. هؤلاء الإخوة الموقوف لهم الوقف المذكور لا مصلحة لهم فيه ولا لنسلهم من بعدهم، وفي النهاية يتلاشى ولا يستفيد منه أحد، وعندهم سبلة عامة لهم ولأولادهم ولجماعتهم، ويريدون صرف هذا الوقف وبيعه في مصلحة السبلة، فهل ترى لهم ذلك؟
نظراً إلى أن هذا الوقف ليس خاصاً بهؤلاء، وإنما هو لهم ولأعقابهم من بعدهم، أرى بيعه وجعل ثمنه في سبلة الجماعة تبديلاً للوقفية، وعليه فالأسلم إن كان لا يستفاد أن يبيعوه ويستعيضوا بثمنه عقاراً تعود مصلحته على الموقوف لهم. والله أعلم.
وقف للمسجد أو للمدرسة هل يجوز صرفه مع الوقف الذي يوزع يوم تاسع الحج؟
يجب أن يصرف كل وقف فيما وقف له، ولا يجوز صرفه في مصرف آخر؛ لأن ذلك من التبديل غير الجائز شرعاً. والله أعلم. (4/153)
صفحة 1277
من المعلوم لدى العمانيين بأن بيت الرباط بمكة المكرمة أوصى به أحد المواطنين ليكون مقراً لفقراء الإباضية العمانيين والزائرين لبيت الله الحرام. فهل يعد خلافاً لما جاءت الوصية أن يسكنه أشخاص من نفس المذهب إلا أن رواتبهم الشهرية لا تقل عن أربعمائة ريال عماني، وهم والحمد لله ميسورون؟ وكذلك إذا كان ذلك البيت فارغا ً خاصة في غير مواسم الحج، فهل يجوز للأغنياء أو ميسوري الحال الإقامة به؟
أما من لم يكن من الفقراء فلا ينزل به إلا إن كان يعوض عن نزوله مبلغا ً يصلح به البيت مع الحاجة، أو يعود إلى مصلحة الفقراء الذين ينزلون فيه للحج أو العمرة، وذلك نحو تسديد فواتير الماء أو الكهرباء، ولا بد من اشتراط أن لا يزاحم المستحقين ويضايقهم عندما يتكاثرون ويضيق بهم البيت. والله أعلم.
هل يجوز بيع بئر موقفة للسبيل وشراء محلات تجارية بثمنها لتكون وقفاً لأيتام المسلمين أو بناء مسجد بهذا المال؟
إن كانت البئر موقوفة للسبيل فلا يجوز صرفها إلا لما وقفت له. والله أعلم.
ما الحكم إذا تعذر إنفاذ الوقف فيما وقف له؟
إن تعذر إنفاذ الوقف فيما وقف له فإنه ينفذ في باب من أبوب البر التي هي أقرب شبهاً إليه، فالموقوف لأكفان الموتى مثلاً إذا لم يوجد له مصرف يصرف فيه حسب مقتضى الوقفية لا يمنع من إنفاذه في حفر قبور الموتى؛ لأن في كلا الأمرين ستراً للميت وقياماً بالمشروع في حقه. والله أعلم.
قبيلتنا لديها سابقاً مال أسس لسبلة الجماعة تابعة لقبيلتنا من ذكور وإناث، والآن السبلة التغت ونرغب في دمج مال السبلة إلى مال وقف القبيلة الذي يوزع يوم عرفة، فهل يصح ذلك؟
إن كانت السبلة لنفس القبيلة ولم يكن للسبلة وجود قائم فلا مانع من صرف الغلة فيما تصرف فيه غلة وقف القبيلة إن أرادوا ذلك، إلى أن يعود وجود السبلة فيعود الوقف كما هو. والله أعلم. (4/154)
صفحة 1278
شيخي الموقور توجد لدينا بئر ماء، ولدينا لها ملكية من وزارة موارد المياه، وجعلناها موردا ً للشرب لمن يسكن حولها أو يمر عليها أو يحمل منها إلى منزله بسيارة أو خزان فوق السيارة أو على الدواب، ولكن لم نجعلها بأنابيب ويخذ منها للمنازل. فما حكم المورد الموقوف في الشرع؟ وهل يصح أن يجلب الماء بأنابيب ويوصل إلى خارج المنطقة الموقوف لها؟
إن كنتم وقفتموها لجهة خاصة وثبتت الوقفية فلا يجوز تجاوز تلك الجهة الموقوف لها. والله أعلم.
ما حكم الشرع في رجل طنا مال وقف، مثل مال الأكفان، ومال الفطرة، ومال المسجد جميعهم في صفقة واحدة بدون أن يميز بينها؟ وللعلم أنه يفعل نفس الشيء كل عام لعدة سنوات، وعندما يقول له أهل البلدة: اتق الله، يرد عليهم بأنه قد طناه وانتهى الأمر؟
إذا كان لكل وقف مصرف خاص –كما جاء في السؤال– فلا يجوز بيع غلل الأوقاف جميعا في صفقه واحدة، أما إذا كان مصرف الأوقاف جميعا واحدا واقتضت المصلحة أن تباع غلتها في صفقة واحدة فلا حرج في ذلك. والله أعلم.
ما قولكم في رجل كان قد أوصى قبل وفاته بمال للسبلة، واستمر الإنفاق لمدة طويلة حتى تغير الزمان وأصبح كل واحد لديه سبلة في بيته، ومات أولاد الموصي فأهمل المال ولم يبق إلا أثره. فهل هذا المال المذكور يعود للورثة الشرعيين ويتصرفون فيه ويقسم بينهم؟
بعدما خرج عن الورثة، بل أخرجه الموصي بنفسه لا يرجع إليهم، وإنما يصرف في المصالح الأخرى حسب اتفاق أهل البلد. والله أعلم.
ما قولكم في رجل وقف مالا لأجرة صيام شهر رجب، وغلته لمدة عشر سنوات لا تكفي إلا لإيجار شهر واحد فقط. فهل يجوز أن يبدل بالإطعام؟ (4/155)
صفحة 1279
من وقف مالا لصيام شهر رجب عنه في كل عام فلم تكف غلته، فلا مانع من جمع الغلل حتى إذا اجتمع ما يكفي لإيجار صيام شهر رجب أجر من يصوم عنه، وإن نفذت غلته في الفقراء من أول الأمر فهو حسن أيضا، ويستأنس له بما جاء في بعض الآثار أن من أوصى بالصيام عنه جاز للورثة العدول عن الصيام إلى الإطعام، وإن أوصى بالإطعام لم يجز العدول عنه إلى الصيام، ومما يقوي جانب الرخصة في زماننا تعذر أو تعسر من يستأجر الصيام لتغير الأحوال وتبدل الظروف. والله تعالى أعلم.
إتلاف الأموال الموقوفة
ما قولكم في قائم على وقف من نخيل وزرع فتسبب في حريق أتى على المال، فماذا يلزمه، هل يعذر في حال الخطأ، ويلزمه الضمان حال العمد؟ وفي حالة ما إذا لزمه الضمان فهل يلزمه بأن يزرعه من جديد؟ فإن كان كذلك أما ترون أن الحصاد قد يتأخر والموقوف له يتضرر؟
يسقط عنه الإثم في حال الخطأ، وأما الضمان فيجب عليه في العمد والنسيان، والضمان إنما هو بمثل ما أتلف إن أمكن التعويض بالمثل، وإن لم يمكن فالقيمة، وهي التي تتعين هنا لعدم إمكان المثل. والله أعلم.
تركت والدتي لدي مبلغ من النقود أمانة، وقمت بالتصرف فيها؛ حيث إنني قمت بحفر بئر ماء للشرب، وتكون هذه البئر على سبيل الوقف، وقمت بتسجيلها لدى الوزارة المختصة لأجل التقرب إلى الله تعالى، إلا أنني لم أخبرها بذلك ولم توقع هي على ورقة التسجيل، وبعدما أخبرتها رفضت ذلك وطالبتني برجع نقودها كاملة. فما قول سماحتكم في ذلك؟
بما أنك تصرفت بدون إذنها في نقوها فعليك مضانها كاملة. والله أعلم. (4/156)
صفحة 1280
رجل استأجر تنظيف بعض أموال الناس، وكان يقوم بحرق بعض مخلفات النخيل مما تسبب في نشوب حريق في النخيل المجاورة، وفيها عدد أربع نخلات للأوقاف، وجميع الناس الذين تضررت أموالهم من جراء الحريق قد تنازلوا عن المطالبة بالتعويض نظرا لكون المواطن المتسبب في الحريق رجلا فقيرا، وقد استأجر بعشرين ريالا فقط. فهل يجوز التنازل عن المطالبة بتعويض نخلات الأوقاف من عدمه؟
الوقف لا يملك أحد أن يتنازل عن حقه، فإن لم يجد الآن ما يسد به حقه فليبق ذلك دينا عليه إلى ميسرته، ويجوز أن يعان على وفاء هذا الحق من بيت المال أو الزكاة لكونه فقيرا وكونه غارما. والله أعلم.
جماعة قاموا بتسديد بعض تكاليف المسجد من مال الكفن على أمل رجعه مستقبلا، إلا أن ما توفر لمال المسجد لم يف بتسديد المبلغ المستحق لمال الكفن. فما مدى جواز ذلك؟ وما هي الوسيلة المناسبة لتسديد مستحقات مال الكفن حال وجوب تسديدها؟
لا يصرف وقف الكفن إلى المسجد لما في ذلك من التبديل، وعلى من تصرف بخلاف ذلك الضمان. والله أعلم.
البناء على الأرض الموقوفة
بلد بها ما يزيد على سبعين منزلا، وليس بها مسجد يسع لهم لإقامة شعيرة الصلاة، فهل يجوز إقامة المسجد في أرض موقوفة؟
إن لم تجدوا مناصا عن البناء في تلك الأرض الموقوفة فعوضوا الوقف بأرض أخرى لا تقل عنها قيمة ولا دخلا. والله أعلم.
رجل متوفى وقف أرضا سكنية لورثته، وبها جزء لم يسكن فيه أحد، فأراد الجماعة الذين بجوار هذه الأرض مع الورثة بناء مجلس عام في الجزء غير المسكون من هذه الأرض، يجتمعون فيه في المناسبات الضرورية من أعياد وعزاء والمشاورات بينهم، بحيث يكون المجلس موقوفا من ضمن وقف أرض وكتابة صك شرعي بذلك. فهل يجوز لهم ذلك؟
إن كان الموقوف لهم الأرض بحاجة إلى مجلس فلا مانع من بناء المجلس في جزء من هذه الأرض، لأن المجلس من متممات السكنى. والله أعلم. (4/157)
صفحة 1281
ما القول في ساقية ترابية تخترق نخلا للوقف، وهي لأصحاب أرض يسقون منها. فهل لأصحاب الساقية تصريج ساقيتهم، مع العلم أن مرور الماء في الساقية الترابية في مال الوقف ينتفع منه، بخلاف إذا ما صرجت فلا نفع لمال الوقف؟
تصرج الساقية لصون الماء، ويترك منها منافذ بقدر ريّ نخل الوقف حتى لا تتضرر. والله أعلم.
ما قولكم في مطهرة للنساء كانت مبنية من السعف، فقام أحد المتبرعين ببنائها من المواد الثابتة، ولكنه أخذ بقدر ذراعين من جانبيها من أرض الوقف، فأنكر عليه الوكيل ذلك، فهل يسع السكوت عن ذلك لأن المطهرة غير مملوكة، أم الأولى الحكم بإزالتها؟
لا يجوز بناؤها في أرض الوقف، إلا إن عُوّض الوقف عنها بأرض أخرى أكثر منها قيمة ونفعا. والله أعلم.
هناك قطعة أرض خاصة بالوقف، مقام على جزء منها دكان، وبجوار الدكان هناك جزء خال، يريد أحد الأشخاص بناء منزل مكان الدكان، وقد رأينا أن البنيان أفضل وأغلى وأجدى من الأرض -إذ العائد من البنيان أكبر من العائد من الأرض-. فما رأي سماحتكم في ذلك؟
لا بُدَّ في ذلك من مراعاة مصلحة الموقوف له، فإن تعينت المصلحة فلا حرج. والله أعلم.
قطعة أرض كان يوجد بها في السابق بئر ماء وقفها أحد أهل الخير والصلاح لعابري السبيل للتزود من مياهها والمكوث فيها ساعات للراحة، ونظرا لتغير الأحوال في الوقت الحاضر، وعدم الاستفادة من هذه الوقفية، وجفاف هذه البئر فإننا نستطلع رأيكم في مدى جواز بناء وحدات سكنية على هذه الأرض لتكون وقفا للمساجد الفقيرة يصرف ريعها لصيانة وترميم هذه المساجد، أو تكون وقفا خيريا للصرف من ريعها على جهات البر كالفقراء والمساكين والمتعلمين ووقف عرفة أو للمرضى، وغيرها من أعمال الخير والطاعات؟
الأولى أن تكون وقفا خيريا ينتفع به الفقراء والمحتاجون. والله أعلم (4/158)
صفحة 1282
ما قولكم في إمكانية تحويل محل تجاري تابع للمسجد في الوقت الحالي إلى مجلس عام ليبقى أيضا للمسجد نفسه، وقد سألتكم من قبل ولكن لعل السؤال وقع فيه لبس عليكم، وتوضيحا له نقول: بأن الأرض الموجود عليها الدكان الحالي هي في الأصل أرض موقوفة لأهالي المحلة وليست للمسجد، ولكن بعد حدوث مشكلة بين شخصين على هذه الأرض قام بعض الأغنياء ببناء الدكان المذكور الذي لا يتجاوز إيجاره الشهري مبلغا وقدره عشرة ريالات فقط. والسؤال الذي نود منكم الإجابة عليه هو هل يجوز وقف الأرض الموقوفة مرتين، علما بأننا لا نريد هذا الدكان لمصلحة شخصية، وإنما نريده أيضا ليكون مجلسا عاما للمحلة، لكي تقام فيه العديد من الواجبات كالعزاء وعقود القران بدلا من المسجد، وبذلك يكون المجلس تابعا للمسجد أيضا. فما قول سماحتكم في ذلك؟
بناء علي هذا الذي اتضح الآن -من أن الأرض ليست موقوفة للمسجد وإنما هي موقوفة للأهالي- لا أرى مانعا من هدم البناء الذي عليها وتحويل مكانه إلى مجلس لمصلحة الأهالي. والله أعلم.
أوصي والدنا -أبقاه الله- أن يكون عاضد من المال بجانب البئر وقفا من بعد وفاته، ويبعد عن هذه البئر مجرى للمياه، إذ تم تصريفه من الأعلى يصب في هذا المكان، وفي الفترة الأخيرة قام أحد إخواني بتغيير مجرى المياه في العاضد المحدد للوقف. هل يجوز تغيير مجرى المياه إلى محل الوقف؟ وهل يختلف الحكم باختلاف نوع الوقف؟ علما أنه يمكن جعل مجرى المياه في مكان بعيد عن المال المخصص للوقف، وهو أيضا من الأموال الخاصة بالوالد؟
إن لم يكن في ذلك ضرر على أحد، وكان لمصلحة الوقف فلا حرج. والله أعلم.
نخلات موقوفة يصلح بغلتها الطرق التي داخل البلاد، منها لطريق معينة من المكان الفلاني إلى المكان الفلاني، والآن قد بنت الحكومة مدارس في هذه الطريق، وجعلت عنه طريقا آخر رصفته بالقار ولم يحتج إلى خدمة. فأين توضع قيمة غلة تلك النخلات؟ (4/159)
صفحة 1283
إن أمكن أن تصلح بغلة هذه النخلات الطريق البديلة فذلك أولى، وإلا صرفت إلى فقراء المسلمين. والله أعلم.
ما قولكم في مال موقوف ليوم عرفة يؤخذ بغلله طعام ليؤكل يوم عرفة من شهر ذي الحجة الحرام، وهذا المال قد يكون يمر عليه جزء لترصيف الشارع، ووزارة المواصلات لا تنوي تعويض المواطنين عن أموالهم التي تدخل في الشارع، وتطلب من المواطنين التكاتف معها حول المصلحة العامة، ورصف الشارع هو مصلحة عامة، بقي السؤال هنا في مال الوقف الذكور ولا أحد من المواطنين يقوم بتعويض هذا المال للوقف؟
لا يجوز أخذ شيء من أرض الوقف إلا للضرورة، بشرط أن يعوض تعويضا عادلا على نظر العدول ذوي الخبرة في شئون الأموال. والله الموفق.
مواطن تبرع بمنزل ليكون وقفا للمتعلمين من أهل البلدة، وكان أحد المواطنين سكن بالمنزل لفترة طويلة من الزمن، الأمر الذي استدعى إضافة بعض الغرف بالمنزل، وفي الآونة الخيرة طلبت منه الوزارة بتسليم المنزل، وهذا ما حدث فعلا، ويطالب المواطن بتعويض مادي عن الإضافات التي أضافها، فهل يجوز ذلك؟
إن كانت إضافته لما في المنزل باتفاق مع أحد يمثل الوقف، واشترط له أن يدفع إليه غرامة فذلك حق له وله المطالبة به، أما إن كان قام بذلك من تلقاء نفسه فيعد متبرعا وليس له المطالبة بشيء. والله أعلم.
أناس وقفوا نخلة وماتت منذ زمن، وأراد أهل المزرعة مد ساقية مكانها. فهل يجوز أن يوقفوا بدلا منها نخلة في مزرعة أخرى؟ (4/160)
صفحة 1284
هناك أحد أمرين: هذه النخلة إما أن تكون نخلة أصيلة، أي هي وأرضها موقوفة، وإما أن تكون وقيعة بحيث إن مالكها يملك النخلة ولا يملك أرضها، فإن كانت وقيعة فبانتهائها انتهى كل شيء، وإن كانت أصيلة فإن الأرض تبقى للوقف، وفي هذه الحالة يجب أن تغرس هنالك نخلة بدلا من النخلة، ولا يجوز تحويل الوقف عن ذلك المكان إلا إن كانت المصلحة في ذلك متعينة، وذلك بأن يكون موضع هذه النخلة اقتربت منه الطريق مثلا فأصبح غير صالح للغرس، أو أن تكون هنالك حالة من الحالات أدت إلى أن يكون ذلك المكان غير صالح للغرس، ففي هذه الحالة لا مانع من أن يعوضوا عنه مكانا آخر، ويتركوا هذا المكان للانتفاع به بطريقة أخرى، هذا والأصل في النخلة أن تكون غير وقيعة، أما كونها وقيعة فهو أمر يتوقف على الدليل، ومن ادعى أنها وقيعة فعليه أن يأتي بالحجة. والله أعلم.
إخراج بدل غلة الوقف
مزارع معهودة، كانت تزرع في السابق في كل عام ثلاث زرعات، الأولى دخن، والثانية علس، والثالثة ذرة، وهذه المزارع المذكورة عهد فيها وقف بكيل هو تسعون مكيالا، ويخرج هذا الوقف من زراعة الدخن. فإذ عبطت هذه الزراعة المذكورة توقف هذا الوقف المذكور إلى العام المقبل مع السداد، ولا يخرج من زراعة العلس ولا من زراعة الذرة، وهذه المزارع داخلة في وسط جملة مزارع؛ ولكن المزارع قد فسلت ما حولها، وصارت المزارع التي فيها هذا الوقف في حالة المضرة من النخيل وفسلوها أهلها نخيلا، والآن ذهبت الزراعة منها وتناكر أهلها، ووقف عليها ناظر الأحكام، والذري وقف حكم بالحريم ستة عشر ذراعا، والذي سبق من الفسل قبل أن يحكم بهذا الحريم ثبت، لأنه نخيل صادرة تجد بميراد1، وهذه المزارع التي فيها الوقف الفسل الذي عليها نبت على حرم الثلاثة الأذرع. والسؤال إن عدم الحب المذكور للوقف أيكفي أن يبدل عنه حب الدخن بدلا عن المكيال مكيال، و يفرق على قاعدته؟ لأن حب الدخن لا يوجد، فما الحكم؟ (4/161)
صفحة 1285
إذا تعذر حصول الذرة والدخن من تلك الأرض فلا حرج في إبدالها بالبر، لأن المصلحة تحصل به أكثر مما تحصل بهما. والله أعلم.
رجل هلك وأوصى بماء تفرق غلته لأيتام فقراء المسلمين ثيابا بيضاء، وأراد الوكيل أن يفرق عنه دراهم، فهل يجوز له ذلك باعتبار أن الملابس لا تقبل في وقتنا هذا؟
إن لم يجد من يقبل الملابس فلا مانع من أن يفرق دراهم، إن وجد من يقبل الملابس فذلك أولى. والله أعلم.
تأجير الوقف
توجد أموال وقف في بلدتنا، وليس لها شخص محدد يرعها، وفي الآونة الأخيرة اتفق الأهالي على إعطائها بالقعد إلى أشخاص يقومون بإصلاحها ورعايتها ودفع الأجرة. فهل يجوز لهم ذلك، علما بأن هذه الأموال تكون من نخيل وعوابي زراعية؟
أما الأرض الفارغة فلا مانع من تأجيرها، وأما النخيل فلا يجوز بيع غلتها إلا بعد دراكها. والله أعلم.
قطعة أرض موقوفة كانت تستعمل جنورا1لدق حبوب القمح، فهل يجوز منحها أو تأجيرها لإقامة ناد مع مرافقه: من قاعة اجتماعات، ومكتبة، وبعض الملاعب، ومسرح لإقامة الحفلات؟
إن كانت في ذلك مفسدة دينية أو اجتماعية أو اقتصادية في جانب الوقف فإنه لا يسوغ شرعا. والله أعلم.
عزم ثلاثة إخوة من أصحابنا بزنجبار على وقف بيتهم المتألف من ثلاثة طوابق في حياتهم لمسجد الاستقامة والمدارس التابعة له، على أن يؤجر لهم البيت لمدة أربعين عاما بأجرة ثابتة يراعى في تحديدها قدرتهم على دفعها، وذلك لأنهم لا غنى لهم خلال هذه المدة عن السكنى في البيت، وإدارة أعمالهم التجارية فيه، وإنما حملهم على تنجيز الوقف خشية وقوع التبديل من ورثتهم. فهل الوقف بهذه الصفقة ثابت شرعا؟ وإن كان غير ثابت فتفضلوا بإرشادنا إلى ما به تحصيل البغية الصالحة وتحقيق المصلحة العامة؟
لا مانع منه لأن للواقف أن يشترط في وقفه ما لا يخل بتعاليم الإسلام. والله أعلم.
بيع الوقف والقياض به
شخص أوقف مالا لأشخاص معينين، فهل لهم بيعه أو قسمته؟ (4/162)
صفحة 1286
أولا أنبه أن الوقف مصدر من وقف يقف وقفا، وهو فعل يتعدى بنفسه ولا يحتاج في تعديته إلى همزة، فكما أنه يأتي الفعل بهذه الصيغة الثلاثية لازما يأتي كذلك متعديا، فوقف اللازم مصدره وقوف، ووقف المتعدي مصدر وقف، والدليل على أن وقف يتعدى بنفسه قول الله تبارك وتعالى: { وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ }() ولم يقل: { موقوفون }()، وكذلك قوله تبارك تعالى: { وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ }()، ولم يقل: { موقّفون }()، ولذلك قال بعض العلماء بأن أوقف خطأ، ومنهم من قال: هي لغة ضعيفة.
والوقف هو صدقة تستمر بعد موت الإنسان. فإن كان هذا الوقف وقفا عاما فليس لأحد أن يتصرف فيه، اللهم إلا إن أصبح لا يجدي نفعا، فعندئذ يمكن التصرف فيه ببيع على نظر العدول الثقات الأمناء ذوي الخبرة في شؤون الأموال، الذين يرون أن بيعه أمر ضروري لا بُدَّ منه لأجل أن تستمر منفعة الوقف التي تعطلت بسبب عدم القدرة على الاستفادة منه، أما فيما عدا ذلك فلا يجوز بيعه.
وإن كان وقفا موقوفا لقوم مخصوصين فهم يملكون المنفعة ولا يملكون العين، فلذلك لا يجوز لهم بيعه إلا أن يروا المصلحة في بيعه بسبب أنه لا يجديهم نفعا ولا يجدي من بعدهم نفعا. (4/163)
صفحة 1287
فالوقف إما أن يكون وقفا مقطوعا بحيث إنه يعود إلى الورثة بعد موت الطبقة الموقوف عليها، وإما أن يكون وقفا مستمرا في أعقابهم، فالذين وقف عليهم وقف مقطوع محدود بجيل معين، وبعده يعود إلى الورثة، فذلك الوقف لا يملكون منه إلا المنفعة، أما بالنسبة للوقف الذي يتحول إلى أعقابهم فيما بعدهم فإنهم أيضا لا يملكون عينه وإنما يملكون منفعته، فلا يسوغ لهم أن يبيعوه إلا عندما تتعين المصلحة وتتبين الضرورة إلى البيع، بحيث إنهم لا يجدون منفعة من بقائه بسبب عدم إمكان استغلالهم له، ففي هذه الحالة تنظر المصلحة؛ لأن الوقف حكمه حكم اليتيم وقد قال الله تبارك وتعالى في اليتامى: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ }(). والله أعلم.
وقفت أموالاً لينتفع بغلتها طلبة العلم الشريف، وجرى ذلك لفترة، ولكن منذ خمس سنوات لم نتحصل منها على شيء من الغلة، ومع هذه الأموال مياه أفلاج لسقيها. فهل لنا أن نتصرف في هذه الأموال والمياه بشيء من الوجوه، سواء كان ذلك بالقياض من جانب آخر من البلدة أو بالبيع، أو نتركها بغير سقي ونصرف الماء بالقعادة لينتفع المتعلمون بثمن القعادة، وتبقى الأموال مع أرضها موقوفة إلى ما شاء الله. فما حكم ذلك؟ (4/164)
صفحة 1288
ذهب فريق من العلماء إلى عدم جواز التصرف في أموال الأوقاف إلا بما تقتضيه الوقفية؛ لأن الأوقاف كالوصايا، وقد قال سبحانه وتعالى في الوصية: { فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيم }()، وذهب آخرون إلى جواز التصرف حسبما تقتضيه المصلحة، نظرا إلا أن المصلحة هي القصد من الوقف، وقد تختلف المصلحة بين زمان وآخر، ولابد من رعاية الظروف والأحوال، وهذا القول له مساغ في النظر، ولكن لا بُدَّ فيه من قيد، وهو أن يكون التصرف تحت إشراف الثقات الخبراء بمصالح الأموال، مع ضمان تعويض الوقف بما هو أصلح، وأما ترك أرض الوقف بلا سقي إلى أن تتغير الأحوال مع الاكتفاء بقعادة الماء حرصا على تجنب الإنفاق الجحف فيما لا طائل تحته فهو وجه سائغ، ولعله أسلم الوجوه. والله أعلم.
يوجد في إحدى الولايات مال وقف أو مال مسجد، والآن يباع عن طريق اللجنة المحلية، وأنا أرغب في شرائها للزراعة، فهل هذا حرام؟
إن كان البيع بقرار شرعي من قاض شرعي لمصلحة الوقف، وكان بأيدي الأمناء ذوي الخبرة في شئون الأموال فلا حرج في شرائه. والله أعلم.
يوجد عندي ثلاث نخلات فطرة صائم شهر رمضان، وأريد أن أبيع النخل التابع لي والذي من ضمنه هذه الثلاث نخلات، وأرغب في شراء نخل آخر بدلا عنها، وأريد تغيير الفطرة من النخل السابق الذي أريد بيعه إلى النخل الذي أرغب في شرائه، بشرط أن تكون الثلاث نخلات -الخاصة بالفطرة- من أحسن النخل الذي أشتريه، ويكون اختيارها بواسطة قاضي المنطقة أو مشايخ البلاد. فهل يجوز بيع الفطرة واستبدالها بنخل آخر؟
تراعى في ذلك المصلحة، فإن كانت المصلحة في الإبدال فلا حرج في ذلك، لأن للوقف حكم اليتيم، وقد قال سبحانه: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ }(). والله أعلم. (4/165)
صفحة 1289
رجل وقف نخلتين تفرق غلتهما على الفقراء والمحتاجين، وكان في أيام شبابه ينبّت هذه النخيل ويخرفها1 ويفرق غلتها، أما الآن فليس لديه الاستطاعة للقيام بذلك، ولم يحصل لها أحد يقبضها، فهل يصح له أن يبيع هذه النخلات ويفرق قيمتها، أم يكتب هذه النخلات وقفا لأحد المساجد أو جعلها للفلج؟
النخلتان قد خرجتا عنه ما دامت الوقفية منجزة في حياة الواقف، وإنما هو كواحد من أهل النظر في مصلحة الوقف، فإن اقتضت المصلحة بيع النخلتين واستبدالهما بشيء مما ينتفع بغلته بدلهما كماء أو عقار، على أن يكون هذا المستبدل للفقراء حسب الوقفية فلا مانع منه. والله أعلم.
ما قولكم في أرض موقوفة لأناس معينين، وكان تحديد الوقف لمن شاء أن يسكن منهم أو يزرع، ولكن بهذه الأرض بيوتهم فباع أحدهم بيته المبني بطين فاشتراه رجل ليس له شراكة بالوقفية، فسكن فيه أناس أجانب وسط عوائلهم، وأصحاب الوقفية جملة ولديهم أولادهم، فإذا كان كل واحد يقوم ببيع بيته ويستبدله بآخر يبنيه بهذه الأرض فأين يسكن الباقون؟ وهل لهؤلاء الشفعة أم لا؟
إذا كان الوقف صحيحا فلا يصح تغييره، لدخول ذلك تحت وعيد قول الله سبحانه: { فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيم }()، وبناء على ما في السؤال أستحسن رفع القضية إلى القاضي الشرعي لينظر القضية، إن لم يتم التفاهم مع هذا الشخص الذي يريد عدم التزام أحكام هذا الوقف. والله الموفق للخير.
إذا كان يوجد في بلدة ما مال موقوف لقبيلة من القبائل، وهذا المال لا يستفيد منه أحد، فهل يجوز بيع هذا المال وتوزيع قيمته لمستحقيه أو شراء مال آخر يستنفع منه أصحابه؟
لا يجوز توزيع ثمنه، وإنما يجوز أن يشترى بثمنه أصل آخر يكون أجدى من الأول، لتنتفع القبيلة بريعه، ويشترط لجواز ذلك أن يتم البيع والشراء تحت إشراف الأمناء ذوي الخبرة في شئون الأموال. والله أعلم. (4/166)
صفحة 1290
يوجد أمام منزلي أرض وقف غير مستفاد منها، بالإضافة إلى أنها تقع في وسط المنطقة، ولا يمكن استغلالها أو الاستفادة منها، وهي على هذا الحال منذ أمد طويل، فهل يجوز استبدالها بأرض زراعية ملك لي في موقع آخر مناسب، بحيث أستفيد أنا من القطعة الموقوفة بجانب الاستفادة من تأجير القطعة الزراعية من جانب وكلاء الوقف؟
الوقف حكمه حكم اليتيم، وقد الله تعالى: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ }()، فإن كانت المصلحة في ذلك متعينة ظاهرة وهي للوقف فلا حرج فيه، شريطة أن يكون ذلك بأيدي الأمناء العدول ذوي الخبرة في شئون الأموال. والله أعلم.
عندنا مال خاص لتعليم أولاد أسرتنا، وهذا المال في بلد كان يسكنه أجدادنا، وقد انتقلت الأسرة إلى بلدة أخرى مجاورة منذ زمن ليس بقصير، وقد أصبح المال في الوقت الحاضر مردوده قليل، والعناية به تكلف كثيرا. فما قولكم شيخنا في بيعه وشراء بيت في البلدة الجديدة بدلا منه، نقوم بتأجيره وصرف الإيجار على تدريس أولاد الأسرة؟
إن كانت مصلحة الوقف متعينة فلا مانع منه، لأن الوقف كاليتيم، وقد قال تعالى: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ }() وهو يعني أن اليتيم يجب أن تراعى مصلحته في جميع شئونه، وهكذا المساجد والأوقاف، ولكن يشترط لذلك أن يكون تحت إشراف الأمناء ذوي الخبرة في شئون الأموال. والله الموفق. (4/167)
صفحة 1291
توجد مواقع فسل نخيل تخص أوقافا منها للمساجد ومنها للصيام وغير ذلك على جانبي سواقي الأفلاج، هذه الفسائل أتت عليها طرق السيارات، حيث لم يكن هناك مجال لحركة الناس، حيث إن الطرق أصبحت شريان الحياة ولابد منها، هذا وإن وكلاء الأوقاف يريدون فسل هذه المواقع، ولا شك أن الطرق تتعطل ويترتب عليها تعطيل مصالح الناس وحركتهم. فما قولكم في هذه القضية؟ أيسمح لوكلاء الأوقاف بالفسل وتتعطل حركة ومصالح الناس؟ أم تترك هذه المواقع كما هي عليه الآن وتقدم مصالح الناس على مصالح الأوقاف؟
تعوض مواقع الفسل المملوكة للمساجد بمواقع أخرى لا تقل عنها قيمة ولا جدوى، سواء كان هذا التعويض من قبل المنتفعين بتوسعة الطريق أومن قبل متبرع بذلك، ولا تضاع حقوق المساجد. والله أعلم.
توجد أموال خضراء وأراض بيضاء وقفها أهل الخير والصلاح لمصابي مرض الجذام في كثير من ولايات السلطنة، وهناك توجه -لقلة عائد الأموال الخضراء- لبيع هذه الأموال واستغلال قيمة البيع في نواح تدر عائدا أكبر لهؤلاء المرضى. فما هو رأي الشرع الشريف في ذلك؟
إذا قام على هذا الوقف الأمين المخلص فيجور بيع هذه الأموال الخضراء والأرض البيضاء، وابتياع مشاريع استغلالية لأجل علاج هؤلاء المرضى، شريطة أن تكون المصلحة في جانب الوقف. والله أعلم.
أود أن استفسر عن وقف على طريق بجانب ساقية الفلج، ويتكون من ثلاث نخلات، فهل يجوز تعويض هذه النخلات بنخلات أخر، وردم حفرها، وتمرير طريق، علما بأن الوقف من زمن سابق منذ تكوين الساقية والطريق؟
إن كانت مصلحة الوقف متعينة في هذا العوض، وكان أوفر قيمة وأكثر دخلا فلا حرج في ذلك، على أن يتم ذلك تحت إشراف الأمناء ذوي الخبرة في شئون الأموال. والله أعلم. (4/168)
صفحة 1292
وقف والدي قبل وفاته من ماله نخلتين وشجرة ليمون صدقة، وعددا آخر لعرفة، وعددا آخر فطرة، والآن أقوم على عمارة هذه الوصية بجميع ما تحتاجه من مصاريف، وبالنظر إلى ما يعود من هذه النخيل مقابل عمارتها فهو لا يساوي تكاليف عمارتها، مما يضطرني أن أصرف عليها من مالي الخاص، فهل يجوز لي شرعا أن أقوم ببيع هذا المال ودفع ثمنه في عمارة مسجد أو فلج؟
إن اقتضت ذلك مصلحة الوقف فلا حرج في بيعه، على أن يشترى بثمنه عقار أو ماء يعود ريعه على الجهات الموقوف لها بحسب حصة كل منها. والله أعلم.
ما تقول في مال وقف تنفذ غلته خبزا يؤكل ليلة الجمعة بعد صلاة المغرب في المسجد الجامع، وفي هذه السنوات الأخيرة صارت غلته لا تكفي لسقيه فضلا عن احتياجاته الأخرى، ولجماعة الجامع مياه وأموال غير هذا تقعد سنويا ويوزع لهم الناتج من هذه الأموال ريالات حسب العادة المتبعة. فهل يجوز لوكيل الجماعة أن يأخذ مبلغا من المبالغ التي توزع لهم لإصلاح المال المذكور، وإذا كان لا يصح ذلك، فهل يجوز أن يباع ويشترى بثمنه عقار أو ماء؛ لأن غلتها أفضل؟
الأولى أن يباع هذا المال ويشترى عوضا عنه عقار أو ماء، شريطة أن يتم ذلك تحت إشراف الأمناء ذوي الخبرة في مصالح الأموال. والله أعلم.
إن خالي قد أوصى بجعل جلبة من ماله وقفا، يشترى بغلتها أرز ويوزع على أهالي الحلة في اليوم التاسع من ذي الحجة، ويقدر ثمن هذه الجلبة بحوالي ألف ريال عماني، إلا أن تكاليف هذه الجلبة من مياه وتحدير وتنبيت وغير ذلك تكون ضعف مردودها، أي إذا كان مردود الغلة عشرة ريالات فإن تكاليفها تصل إلى عشرين ريالا تقريبا، والوصي هو الذي يدفع الفارق من عنده، فضلا من أنه معرض للاتهامات لكونه لا يوزع أرزا، وقد فكرت أن أبيع هذه الجلبة وأشتري أرزا حسب الحاجة وأوزعه في اليوم المحدد لذلك، ويتم تكرار ذلك سنويا حتى انتهاء ثمن الجلبة، فهل يجوز ذلك شرعا؟ (4/169)
صفحة 1293
في هذه الحالة ينبغي لك أن تبيع الجلبة وتشتري بثمنها عقارا أو ماء، ويكون ريعه مصروفا في المصلحة التي كان صرف فيه ريع الجلبة. والله أعلم.
هناك مقبرة أصبحت الآن مكتظة وفي حاجة إلى توسعة، وهذه المقبرة بجوارها مباشرة أرض وقف، فهل يجوز ضم أرض الوقف هذه أو جزء منها للمقبرة أم لا؟
إن اقتضت الضرورة ذلك فيجوز ضم هذه الأرض الموقوفة إلى المقبرة، على أن يعوض بأرض أخرى أجدى وأنفع. والله أعلم.
ما قولكم في رجل قابض مال المساجد والفطر، فجاءه أحد المواطنين وعنده فطرة: ستون منّ تمر، وجاء يساومه في قيمة هذا التمر، علما بأن النوع الجيد من التمر يباع المنّ منه بريال عماني واحد. وهذا التمر (تمر الفطرة) مخلوط من سائر وطيب، وصاحب المال الذي فيه الفطرة هو بنفسه الذي يسقي المال، وعلى حسب ما تعلموا عندنا أموال في البلدة تعطى البيدار بالغلة. فهل يحق للوكيل أن يساومه بسعر أقل من قيمة التمر؟ لسبب أنه متكلف عليه بالمصاريف والسقي، وأصبحت الأموال سائبة؟
لا يباع شيء من غلة الموقوف بأقل من سعره، إذ لا محاباة في الوقف. والله أعلم.
بيت ونخل موقوفة، ويوجد صك شرعي بها، وقد بين أهل الوقف التشاجر والتنافس عليها، وحسما لهذا النزاع، هل يجوز بيعه وقسمة ثمنه بينهم؟
من حيث إن الوقف منجز في حياة الواقف، وقد مضى عليه أكثر من سبعين عاما، وهو للموقوف لهم ولذراريهم من بعدهم إلى قيام الساعة. رأى شيخنا سعيد بن خلف الخروصي عدم جواز قسمة هذا الوقف بين الموقوف لهم، وإنما يجوز بيعه ولاستبداله عقارا أو ماء بقيمته، ويقتسم الموقوف لهم منفعته، فإن تشاجروا في قبض هذا البديل فليترافعوا إلى القاضي الشرعي، وهو يعين أرشدهم لقبضه، وهذا هو الرأي الذي أراه. والله أعلم. (4/170)
صفحة 1294
ما قولكم في امرأة توفيت وتركت مالا مكونا من عدد من النخيل ومنزلا وقطعة أرض تصلح لزراعة القت بالبلدة، وقد وقفت هذا المال لأولاد أولاد ابن أخيها، علما بأنه لا توجد أوراق ثبوتية بذلك، إلا أن معظم أهل البلدة يعلمون بذلك. فهل يجوز بيع هذه الأموال وقسمتها بين الموقوف لهم؟ فإذا كان الجواب بالنفي، فهل يجوز بيع قطعة الأرض الصغيرة، وبقيمتها يتم إصلاح المنزل الذي أصبح داثرا وغير صالح للسكن، وذلك ليون مرجعا للعائلة بنفس البلدة؟
إذا كان الوقف لهم ولأولادهم من بعدهم فذلك غير جائز؛ لأن في هذا الوقف حقا لأعقابهم من بعدهم، وفي بيعه حرمان لهم من هذا الحق، أما بيع جزء منه لأجل المحافظة على سائره فيجوز إن اقتضته الضرورة. والله أعلم.
أناس عندهم كتب مخطوطة، وأصبحت متهالكة ومعرضة للتلف، وقد وقفت لطلاب العلم، وكما تعلمون فضيلتكم إعراض الناس عن قراءة المخطوطات القديمة لصعوبة المراجعة فيها وعدم فهرستها وتقطعها في بعض الأحيان، وقد خاطبتم في نقل هذه الكتب إلى مكتبة أمينة فيها صيانة للكتب المخطوطة من جميع النواحي، وهي محل للاستفادة من هذه الكتب وغيرها، وهي مكتبة وزارة التراث التي تعتبر مرجعا للناس، ويؤمن عليها من التلف. فما رأيكم باستبدال هذه الكتب بإحدى طريقتين:
أولا: أن تعوض عنها نسخة من كل كتاب طبعته وزارة التراث؛ بحيث تتكون مكتبة كبيرة للوقف، مع أن الكتب المخطوطة لا تتجاوز بضعة كتب، وتصبح المبدلة أسهل للمطالعة.
ثانيا: تبذل الوزارة قيمة عنها، ويشترى بها كتب تضاف إلى المكتبة الموقوفة، وفي نظر أهل الصلاح أن ذلك أفضل من خزنها في خزانة لا تفتح، وتصبح بعد فترة تالفة لا تصلح لشيء. فما قول سماحتكم في ذلك؟
إن كانت هذه الكتب تعوض بنظائرها من المطبوعات وكتب أخرى، وكانت المصلحة في ذلك متعينة فلا مانع منه. والله أعلم. (4/171)
صفحة 1295
نخلة موقوفة توزع ثمارها على أهل البلدة، وبعد فترة نبتت صرم "فسائل" لها، فتم قلعها وبيعها، فما حكم هذه المبالغ؟
حكم فسائلها حكم غلتها، فتصرف قيمتها فيما تصرف فيه الغلة. والله أعلم.
رجل هلك قبل عشرين عاما، كان قد وقف بيتا لأولاد الأولاد _ما بقي منهم أحد-، والآن أراد الأولاد بيعه واقتسام ثمنه، فهل يجوز لهم ذلك؟ فإن قلت: لا يجوز، فهل لهم الاستعاضة عنه بما هم أصلح وأجدى؛ لأن الأموال لا تفي بما عليها من المغارم، والماء لا يحتاج إلى مصاريف؟
إذا كان الوقف لقوم مخصوصين فلا مانع من بيعه واقتسام ثمنه فيما بينهم. والله أعلم.
وقف أحد أجدادنا نخلتين لصيام شهر، والذي يصوم شهر يستغلهن، وبعد سقطت النخلتان ولم يهتم أحد بفسل نخل آخر بدلهما، وفي هذه الأيام جاء رجل واشترى المال وفيه موضع نخلة من النخلتين المذكورتين، وقال إنه يريد أن يعطى الذي له علاقة بهذا الموضوع خمسين ريالا عمانيا، وللعلم ليس للموضع ماء خاص للنخلة، إنما تسقى من ماء أي كان عن طريق النضح، ولا يوجد من يصوم شهرا ليستغل النخلة في عصرنا هذا. فهل يجوز بيع هذا الموضع؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب فما يعمل بثمنها؟
تجب مراعاة مصلحة الوقف كاليتيم، ولا أرى مصلحة الوقف في هذا فلا يجوز ذلك، بل يجب فسل نخلة مكان النخلة السابقة، إلا إن عوض صاحب المال نخلة شاربة. والله أعلم.
بجوارنا أرض موقوفة لمقبرة، وبجانب تلك الأرض طريق مشاة يخترق أرض المقبرة إلى تلك المنازل، وتلك المنازل قديمة، والآن اضطر أهل تلك المنازل إلى طريق سيارة؛ لأنه لا طريق لهم من أي جهة، وعندهم أرض مطابقة لأرض المقبرة من جهة الغرب. فهل يصح أن تعوض المقبرة من الأرض المطابقة لها وتأخذ من أرض المقبرة بقدر مرور السيارة نظرا للحاجة الماسة لذلك؟ (4/172)
صفحة 1296
إن كان المرور فوق القبور فلا يجوز ذلك، وذلك لحرمة الموتى، وإن كان في موضع خال من القبور فلا مانع من ذلك، شريطة أن يكون العوض للمقبرة خيرا من المعوض عنه. والله أعلم.
توفي والدي وأوصى بثلاثة آبار: اثنتين في البلدة، والثالثة في بلدة أخرى تبعد قرابة الخمسة عشر كيلو، وقفا للورد، وقد ترك الناس في هذا الزمان استخدام الحبل والدلو لجلب الماء من البئر، وصاروا يستخدمون وسيلة الضخ لذلك، ولذلك توقفت المصلحة، وتوقف العمل بهذه الآبار. فما رأي سماحتكم في بيع إحدى الآبار الثلاثة، وبالأخص تلك التي تبعد عن البلدة، واستخدام الخزانات والثلاجات للشرب، علما بأن السكان الذين كانوا يستفيدون من هذه الآبار هم الذين يطالبون بذلك وباقي المبلغ يشترى به ماء لتعمير هذه الآبار سنويا؟
الأصل فيما أوصى به للوقف أن لا يباع، اللهم إلا إن اقتضت ذلك الضرورة، وإذا تعينت المصلحة في بيع إحدى هذه الآبار ورأى ذلك أهل الصلاح والنظر، فأرجو ألا يكون به بأس. والله أعلم.
أحد الصالحين وقف مال للذرية، ومن بعدهم لفقراء المسلمين، والآن –انقراض الذرية- تأثر بعضها بمشروع طرق، واستلم الوكيل تعويضا ماليا من الحكومة. هل يشتري بمال التعويض هذا مال يضم لذلك الوقف أم يوزع على الذرية الحاضرين؟
نعم يشتري به مال يضم إلى الوقف. والله أعلم.
رجل له مال من نخل، وبهذا المال عدد من النخيل الموقوفة، وله مال آخر، ويريد هذا الرجل أن ينقل هذا الوقف عن طريق القياض من المال الأول إلى ماله الثاني من نفس الفلج، ومساويا له في التربة ويفوقه في العمار، فهل يجوز له ذلك؟ وفي حالة الجواز من هو المتكفل بالمقايضة نيابة عن المال الموقوف، أهو القاضي، أم مشرف الأوقاف، أم وكيل المال المباشر، أم أعيان البلاد الذين لهم دراية في الأموال وقيمتها؟ (4/173)
صفحة 1297
تراعى في ذلك مصلحة الوقف، فإن كانت المصلحة متعينة جاز، ولابد من أن يتم ذلك على أيدي الأمناء ذوي الخبرة في مصالح الأموال. والله أعلم.
مال موقوف لبيت معروف، فاتفق أهله بيعه وبناء مسجد للصلاة بثمنه. فهل يجوز لهم ذلك؟
إن كان موقوفا لهم ولأعقابهم من بعدهم فليس لهم ذلك. والله أعلم.
هل يجوز لوكيل في مال وقف أو مال فطرة أن يبادل به إن رأى في ذلك، ويأخذ بدل الأصل أصلين وفوق ذلك بعض الدراهم؟ وهل يجوز له أن يفطّر بهذه الدراهم إذا لم تكن الغلة كافية للفطرة؟
يجوز له أن يعمل ما فيه مصلحة الوقف، ولا يجوز التفطير بثمن الأصل ولكن بالغلة. والله أعلم.
وقف رجل مالا لابني أخيه، فباع أحدهما المال. فهل يثبت هذا البيع أم لا؟
إن كان لهما ولذريتهما من بعدهما فلا يجوز بيعه لتعلق حق الغير به، وكذلك إن كان موقوفا لهما في حياتهما فقط ثم يعود إلى غيرهما، وأما إن كان عطية لهما فلهما حق بيعه إن اتفقا عليه. والله أعلم.
من جملة ما أوصى به والدي الهالك ضاحية للسبلة العامة، وكانت مبنية من الطين والحجر، والآن تهدمت ولم تعد صالحة للاستعمال، كما توجد بها نخيل لا تكفي غلتها في إصلاحها أو حتى فسلها، بينما قيمة الصرمة الآن عالية. فهل يجوز بيع بعض من نخيل هذه الضاحية لبناء السبلة؟
إن توقف بناء المجلس على بيع شيء من تلك النخيل فلا حرج في ذلك، على أن يكون البيع بقدر الحاجة ويكون بسعر عادل تحت إشراف الأمناء. والله أعلم. (4/174)
صفحة 1298
رجل وقف ماله، ونظرا لما آل إليه حال أغلب المواقيف بالسلطنة من قلة الدخل وعدم الجدوى الاقتصادية منها، بل إنها أصبحت تشكل عبئا على الأوصياء، مما يعني تلف مصدر دخل الفقراء، وحيث إننا نعلم أن المقصد الذي أراده الواقف هو ابتغاء مرضاة الله تعالى والتقرب إليه بعون عباده ببعض ما أتاه من فضله، فقد نظرنا في حال هذا الوقف المشار إليه فوجدنا دخله السنوي لا يتعدى خمسة ريالات، وذلك بعد إخراج مغارمه، مما يعني ذهاب هذه المنفعة عن أصحابها، وعلى مضي السنين يضعف هذا الوقف ويرغب الناس عنه شيئا فشيئا كما هو مشاهد. فهل يجوز استبدال هذا الوقف بنصف أثر ماء؛ ليكون مجموع ما للوقف أثرا كاملا يتم قعده سنويا بما لا يقل عن ثلاثين ريالا، إضافة إلى كون تغيره بفعل عوامل التغيرات التي تطرأ يعتبر قليلا بالمقارنة مع الأموال الخضراء، وقد التزم عندي المشتري نفسه باقتعاد هذا الماء سنويا عن مبلغ وقدره ثلاثون ريالا، فينتفع هو من جهة وينتفع الوقف من جهة أخرى. فما حكم ذلك؟
إن اقتضت ذلك المصلحة واتفق عليه أهل النظر والخبرة في شؤون الأموال فلا مانع منه؛ ولكن لا يجوز التشارط مع المساقب بأن يستأجر الماء؛ لأنه مما يدخل في نهي النبي -صلى الله عليه وسلم- عن بيعتين في بيع، وفي رواية: عن صفقتين في صفقة. والله أعلم.
رجل أوصى ببيته الذي يسكنه ليكون وقفا أبدا لتنتفع به عشيرته الأقربون، وبعد انقراضهم فعشيرته الأبعدون، وبضاحية لتكون وقفا أبدا ولتنفق غلتها في إصلاح هذا البيت الموقوف. فهل يجوز بيع هذا البيت نظرا لتهدمه واندثاره لأنه مبني بالطين، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى تشعب الأقارب وكثرتهم وصعوبة اتفاقهم على إعادة بنائه، ثم الاتفاق على كيفية الانتفاع به؟ (4/175)
صفحة 1299
إن تعذر ترميمه وإصلاحه لأجل الانتفاع به فلا مانع من بيعه على أن يعوض بثمنه بيت آخر يتلاءم مع المطلوب من الوصية حسب قصد الموصي، وهو انتفاع عشيرته الأقربين ثم عشيرته الأبعدين به. والله أعلم.
أربع نخلات للفطرة في مال شخص آخر، فهل يجوز أن يقوم القائم على هذه النخيل ببيعها إلى صاحب المال بسبب أن صاحب المال لم يستطع أن يقوم بصيانتها من سقي وغيره، علما بأن القائم عليها يقصد من البيع شراء مكان آخر للفطرة حيث يقوم صاحب المال بصيانتها؟
تراعى في ذلك مصلحة الوقف، فإن كانت المصلحة في ذلك متعينة فلا مانع منه، على أن يتم على أيدي الأمناء ذوي الخبرة في مصالح الأموال، وألا يكون غبن على الوقف لا في بيع الأصل ولا في ابتياع البديل، وأن يكون البديل خيرا من الأصل. والله أعلم.
تقدم مواطن بطلب شراء نخلتين تابعتين لأكفان وقف بلدته أو القياض بنخلتين أو ثلاث نخلات على عامد فلج البلدة المذكورة. فما قولكم في ذلك؟
الأسلم والأولى أن تكون المعاملة قياضا، على أن يكون البديل أغلى وأجدى للوقف من النخلتين، وأن يتم ذلك على أيدي الأمناء ذوي الخبرة في شؤون الأموال. والله أعلم. (4/176)
صفحة 1300
رأى أهل الصلاح في البلاد بيع بعض الأموال الموقوفة للمساجد والمدارس وغيرها من وجوه الوقف، واستثمار ثمنها في بناء عقار وتأجيره لمصلحة تلك الجهات المذكورة، ورأوا أن يقام هذا المبنى على أرض موقوفة لطرق البلدة، على أن يقوّم العدول قيمة الأرض بسعر السوق، وتحسب هذه القيمة ضمن تكاليف المشروع، وتكون الطرق شريكة مع جهات الوقف الأخرى، وتكون المشاركة بعدد الأسهم على أن تكون قيمة السهم ريالا واحدا، ولتوضيح المسألة على سبيل المثال: لو كانت قيمة الأرض خمسة آلاف ريال، فإن نصيب الطرق في المشروع خمسة آلاف سهم، هي قيمة الأرض، وتصبح الأرض وما عليها ملكا مشتركا للطرق والمساجد والمدارس وغيرها من الجهات التي ساهمت في إقامة المشروع. فنرجو من سماحتكم التكرم ببيان الحكم الشرعي في هذا التصرف؟
الأوقاف لها أحكام اليتامى، وقد قال سبحانه وتعالى: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ }() وعليه فحيث تكون مصلحة الأوقاف متعينة، فاتباع ذلك سائغ جائز ولا مانع منه. والله أعلم.
امرأة هالكة كانت قد أوصت ببناء مخزن لمقبرة البلدة يحفظ فيه معدات الحفر ولبن الدفن المصنوع من الطين في ذلك الزمان، وبعد مرور السنين وتغير الأحوال صار المخزن بعيدا عن المقبرة، إذ صار يفصله الشارع العام عن المقبرة وبعض المحلات التجارية والسكنية، والمقبرة تم عمل سور لها وبوابة من الناحية الأخرى البعيدة عن المخزن، وبمرور الزمن تهدم بعض سور المخزن وكذلك السقف، ولبن المقابر صار من الحجارة ولا يحتاج إلى حفظه في مخزن، وصار المخزن غير مفيد للمقبرة ويحتاج إلى مال لصيانته، فهل يجوز بيعه وجعل ثمنه في إصلاح المقبرة على رأي فضيلة قاضي الولاية والصالحين من أهل البلدة؟
إن تعذر الانتفاع به فلا حرج في بيعه وجعل ثمنه في مصلحة المقبرة المذكورة نفسها. والله أعلم. (4/177)
صفحة 1301
إن كانت نخلة موقوفة وكان الماء لا يكفيها، وظلت زمنا طويلا ميتة، فهل يستبدلونها بنخلة أخرى من أجل أن يستغلوا غلتها؟
إن كانت النخلة البديلة من حيث القيمة ومن حيث الريع أفضل، ورأى ذلك العدول الذين لهم النظر في شؤون هذه الأموال ولهم الخبرة في الغرس وما يحتاج إليه فلا مانع من ذلك. والله أعلم.
إذا كانت النخلة فوق تل أو فوق ركام من التراب وأرادوا تسوية ذلك التراب، فهل التراب يعتبر أيضا من الوقف ويباع ويستغل؟
تلك الأرض وما احتوته هي داخلة في الوقف. والله أعلم.
زكاة الوقف
نحن مجموعة أفراد من أسرة واحدة اتفقنا على تجميع مبلغ شهري في حدود عشرة ريالات شهريا على كل فرد، وكان القصد من تجميع هذا المبلغ أنه في حالة ارتكاب أي فرد من المشتركين حادث سير، وينتج عن ذلك إصابات دهس أو وفيات ويوقف الشخص على ذمة التحقيق يدفع هذا المبلغ كفالة (ضمان) عنه حتى تظهر نتيجة القضية (الحكم)، ثم يعاد المبلغ إلى الصندوق مرة ثانية. وقد مضى على تجميع هذا المبلغ ما يقارب ثمان سنوات، ووصل إجمالي المبلغ ما يقارب خمسة آلاف ريال عماني. فهل على هذا المبلغ زكاة؟
إن كنتم اعتبرتم هذا المبلغ وقفا خيريا؛ وذلك بأن يكون لا يعود إلى ملك الدافعين له لأنهم تبرعوا به لمصلحة العشيرة أو الأسرة فهو كسائر الأوقاف لا زكاة فيه، وإن كنتم تعتبرونه شركة بينكم بحيث إنكم لم تخرجوه من ملككم فالزكاة فيه واجبة. والله أعلم.
هل يتصور أن يكون في الوقف زكاة؟
الوقف هو صدقة، وليس في الصدقة صدقة، فمن وقف لمدرسة أو للفقراء أو للمساكين أو للقربى أو لنحو ذلك فلا زكاة في الوقف، والعلة في ذلك أنهم لا يملكون الأصل حتى يقال بأن في ذلك زكاة، وإنما هم مالكون للمنفعة فحسب، هذه المنفعة بمثابة الصدقة الجارية التي تجري عليهم. والله أعلم. (4/178)
صفحة 1302
لي أرض كتبتها وقفا في وجه من وجوه الخير بعد وفاتي، ومنذ ذلك التاريخ لم أزكها ظنا مني أنه لا تجب فيها الزكاة بعد الوصية، فهل ظني صحيح؟ وأنا أفكر الآن في بيعها، فهل يجوز لي ذلك؟ وهل يؤثر ذلك في مسألة الزكاة؟
الأرض لا زكاة فيها إلا إن كانت مستغلة بزراعة أو بعقار مؤجر، فالزكاة في هذه الحالة في غلتها، وبما أن هذا الوقف معلق بالوفاة فهو لا يثبت إلا بوفاة الواقف، وله أن يرجع عن هذا الوقف غير المنجز، ولا تجب فيها الزكاة ما لم يعرضها للبيع. والله أعلم.
رجوع الواقف عما وقف
رجل وقف عقارا له لينفق ريعه في وجه من وجوه البر بعد وفاته، ولم يكن وقفا منجزا في حياته، فهل يجوز له أن ينثني عن الوقفية أو يبدل العقار الموقوف بعقار آخر؟
بما أن هذا الوقف غير منجز في حياة الواقف، وإنما هو منوط بوفاته فإن له حكم الوصية، وللموصي أن يرجع فيما أوصى به من التبرعات، وله تبديل ما يرى تبديله حسب المصلحة التي يراها. والله أعلم.
هل يجوز شرعا للواهب أو الموصي أن يشترط عدم جواز الحجز على المال الموهوب أو الموصى به لدين الموهوب له أو الموصى له لأسباب مشروعة؟ وإذا كانت الإجابة بالإيجاب، فهل لجميع الديون أم لديون خاصة فقط؟ وإذا كان الدين سابقا أو لا حقا للهبة أو الوصية، فهل له نفس الحكم؟
هذا شرط باطل. والله أعلم.
عن شخص تصدق عن أهله بمال، وبعد فترة رأى أن يبدله بمال آخر، ويمكن أن يكون المبدل به أفضل من المبدل عنه، والمتصدق للمسجد، فهل يجوز ذلك أم لا؟
ليس له الرجوع في صدقته، اللهم إلا أن يتفق مع من بيده الوقف على القياض إن كانت في ذلك مصلحة الوقف، فلا يعدو من رخصة على بعض الأقوال. والله أعلم.
امرأة تملك بئر ماء للسبيل، وبعد فترة غيرت رأيها وباعتها لولدها بحجة أن هذه البئر جف منها الماء، ثم تدهورت ولا تستطيع أن تقوم بصيانتها لأنها فقيرة ولا تملك مالا إلا القليل، فهل يجوز هذا البيع؟ (4/179)
صفحة 1303
إن كانت وقفتها وقفا منجزا في حياتها فليس لها الرجوع في الوقفية لأنها أخرجتها من ملكها. والله أعلم.
هل يجوز الرجوع عن الوقف المنجز وكذلك الوقف المضاف، وذلك في غير وقف المسجد؟
مثال 1: شخص وقف بعض ممتلكاته لمدرسة القرآن الكريم أو المقبرة أو للمتعلمين أو غير ذلك من أنواع الوقوفات الخيرية، وقد قام بتسليم المال الموقوف إلى هذه الوزارة، ويتم صرف ريع هذا المال إلى الجهة الموقوف لها، وبعد أشهر أو سنوات من وقف هذا المال خاطب الوزارة برغبته في الرجوع عن هذا الوقف، فهل يحق له ذلك شرعا؟
مثال 2: شخص أوصى بوقف بعض ممتلكاته إلى جهة من جهات البر ثم بعد فترة طلب الرجوع عن هذا الوقف المضاف، فهل يحق له ذلك شرعا؟
من وقف وقفا في حياته وسلمه إلى الجهة التي ترعى الوقف فلا رجوع له فيه، وأما من أوصى بوقف شيء من ممتلكاته بعد موته فله الرجوع عن وصيته ما دام حيا. والله أعلم.
امرأة أوصت بعد موتها بنخلة من مالها لوقف يوم عرفة، ثم قام زوجها بطناء تلك النخلة في حياتها وحصل شقاق بخصوصها بين زوجها وأهل البلد، فهل يصح أن تغير هذه المرأة النخلة التي أوصت بها بمبلغ معين بديلا عنها ينفق يوم عرفة حسب الوصية الأولى؟
إن كانت أوصت بها بعد موتها ولم تجعلها وقفا في حياتها ولم تخرجها من ملكها إلى الجهة الموقوف لها فلها أن ترجع في وصيتها، وطناء النخلة في حياتها لا يؤثر شيئا على الوصية إن لم ترجع عنها، أما إن وقفتها في حياتها وأخرجتها من يدها إلى الجهة الموقوف لها فتلك الجهة أولى بها، وما لها أن تعود إليها أو تتصرف فيها. والله أعلم.
ما قولكم في رجل أوصى لأولاد ولده بقطعة من المال، فإن انقرضت درجة الأولاد ترجع إلى فقراء المسلمين، والآن يريد الولد التصرف في هذه القطعة الموصى بها ببيعها لوفاء الديون التي عليه، حيث لا يوجد له أموال أخرى، وليس له شريك من إخوته ولا أولاد إخوته، وعنده أولاد. فهل له وجه في التصرف في هذه الوصية؟ (4/180)
صفحة 1304
إن للموصى له الانتفاع بالغلة دون تملك الأصل، ثم إن في هذا الموصى به حقا لفقراء المسلمين بموجب الوصية، فلا أرى مساغا لبيع الموصى له هذا المال بسبب ذلك. والله أعلم.
رجل أوصى بتوقيف ماء للفلج، وقد احتاج الموصي إلى مائة ريال لضيق ذات يده، فهل له أن يرجع الآن عن هذه الوصية التي أوصى بها أن تنفذ بعد موته أم ليس له ذلك؟
إن كان هذا غير وقف منجز في حياته وإنما كان وصية بعد مماته فله الرجوع. والله أعلم.
انتقال الموقوف عليهم
ما تقول شيخنا في أموال وقفها الناس لحارة البلد، وقد كان جميع أهل البلد يقطنون في تلك الحارة، وكان يوزع على جميع المساكين، وفي الآونة الأخيرة ونظرا لتوسع العمران خرج الأهالي من الحارة وبنوا بيوتا خارج الحارة. فكيف تصرف المبالغ العائدة من هذا الوقف، علما بأن الوقف لم يحدد لأشخاص معينين؟
إذا كان البناء الجديد توسعا في الحارة السابقة بحيث صار امتدادا لها فالوقف يشمل أهله، وكذلك إن رأى أصحاب الحارة السابقة أن مساكنهم لا تصلح فاستبدلوا بها مساكن أخرى في مكان لم يشاركهم فيه مشارك، بحيث أصبحوا فيه يشكلون نفس الكيان الذي كان لهم سابقا في حارتهم القديمة. والله أعلم. (4/181)
صفحة 1305
يوجد وقف لإحدى الحارات كغيرها من حارات الولاية، وقد اتفق الأجداد السابقون على أحقية توزيع هذا الوقف للأشخاص الذين يملكون مساكن في هذه الحارة، أما الأشخاص الذين ينتقلون منها فإن نصيبهم يسقط منه، وفي هذه الآونة خرج عدد كبير من سكان هذه الحارة لتزايد عدد أفراد الأسرة وعدم وجود أماكن يقيمون عليها المباني في نفس موقع هذه الحارة، حتى أنه بقي حاليا بالحارة عدد بسيط جدا من السكان يتمثلون في منزلين فقط، وقد أوقف الوكيل توزيع نصيب الأسر التي خرجت من هذه الحارة مدعيا بأن الاتفاق المنصوص عليه من قبل السلف والأجداد السابقين يقضي بذلك، وعليه ألا يخالف ما تم الاتفاق عليه، كما أن أصحاب أملاك هذه الحارة يريدون الآن هذه العوائد على الجميع ما عدا شخص واحد، بالرغم من أن كافة ممتلكات هذه الأسر التي خرجت من هذه الحارة موجودة ومملوكة لهم وتتمثل في المنازل، كما أن الاتفاق كان من قبل أهالي الحارة السابقين وقد هلكوا جميعا، وفي الوقت الحاضر اتفق الأهالي جميعا على توزيعه، علما بأن جميع الحوائر بالولاية يتم توزيع نصيب الوقف لأي شخص منهم الساكن والخارج عن حارته، متمشيا حسب ظروف الزمان ومطالبه الحالية، لذلك يطالب أهالي هذه الحارة بنصيبهم من عوائد هذا الوقف مبررين ذلك أنهم لم يخرجوا لعدم حبهم لحارتهم؛ ولكن الظروف السكنية هي التي أجبرتهم على ذلك، كما أن جميع الأهالي يتساءلون لماذا تلك العوائد توزع بشكل يختلف عن الحوائر الثانية، بالرغم من أن تلك الحارة تقع وسط هذه الحوائر، وإن كانت الحجة هي الاتفاق مع الأجداد، فإن الأجداد الآن هلكوا. فما قولكم في ذلك؟
إن كان هؤلاء الذين خرجوا لا يزالون مرتبطين بها ولا يعدون منفصلين عنها فلهم الحق في هذا الوقف. والله أعلم. (4/182)
صفحة 1306
نحن جماعة أولاد عمران أوصى لنا جدنا عمران بأرض تكون وقفا لأولاده يوزع عائدها عليهم، وقد مضى على ذلك سنوات طوال، ولكن مع تقلب أحداث الزمن وتوزع مصادر الرزق اضطر بعض أولاده إلى الهجرة خارج الولاية فسكنوا واستقروا هناك، ومنهم من غير قبيلته ومنهم من بقي عليها. فهل يحق لأولاده الذين غيروا قبيلة جدهم أن ينتفعوا من هذا الوقف؟
إن كان هؤلاء من ذرية الواقف والوقف هو لذريته فلهم منه نصيبهم. والله أعلم.
ما قولكم في وقف مخصوص لقوم في بلدة، وبعد فترة انتقل بعض أهل هذه البلدة وسكنوا بلدة أخرى واستقروا فيها لسنين عديدة. فهل يبقى لهم حق في الوقف بعد انتقالهم من بلدتهم الأصلية أم يسقط، والوقف مسمى لأهل البلد التي فيها الوقف؟
إذا كان الوقف مشروطا فيه وجود الموقف عليهم في بلد معين فلابد من اعتبار هذا الشرط، وأما إن كان موقوفا عليهم وقفا مطلقا بدون قيد فلا وجه للتقييد. والله أعلم.
الدعاوى في الوقف
بجوارنا أرض موقوفة للمقبرة والسكن، وقد سكن فيها عدد من الناس في السابق بمواد غير ثابتة، والآن يوجد ادعاء بأنها مقبرة كاملة، وادعاؤهم في ذلك بأن في هذا الزمان لا يوجد من يسكن بمواد غير ثابتة، ويطالبون بتسويرها، علما بأنها أمام منازلنا. فهل يصح أن تستعمل كمقبرة بالكامل أو يجب فصلها: جزء للمقبرة، والجزء الثاني الذي أمام البيوت للسكن؟
يتبع فيها نص الوقفية إن وجد، وإلا فعلى القاضي الشرعي أن يتتبع ما عند المتداعيين من البينات فيها، ويفصل فيها بموجب ما ثبت عنده. والله أعلم.
رم اختصم فيه رجلان، أحدهما يدعيه لنفسه والآخر يدعيه لمسجد أو لمقبرة أو موقوفا لباب من أبواب البر، ولم يكن الرم بأيديهما، فطالبهما القاضي بالبينة باعتبارهما مدعيان. فهل يكون حكمه صحيحا؟ فإن عجزا عن البينة فما الحكم بينهما؟ (4/183)
صفحة 1307
ألزم الذي يتنازعه من يدعيه لنفسه ومن يدعيه وقفا لمصرف خيري يظل موقوفا عن الطرفين حتى تقوم لأحدهما حجة عن صحة دعواه، فإن عجزاها جميعا فحكمه أنه مجهول الأرباب. والله أعلم.
رجل قام بالاعتداء على أرض المقبرة الموقوفة بالبناء عليها، فقمت بإقامة دعوى قضائية ضده، وقام مجموعة من الناس بمساعدة هذا المعتدي قبل أن يحكم فضيلة القاضي بالصلح لمصلحته، فهل يجوز هذا الصلح على أرض مقبرة موقوفة؟
الصلح جائز إلا ما أحل حراما أو حرم حلالا، وانتهاك حرمات المقابر من ضمن تحليل الحرام الممنوع. والله أعلم.
رجل كان مستأجرا بناية الأوقاف الخيرية، وتجمعت في ذمته إيجارات بلغت جملتها أربعة آلاف وستمائة وثمانية وتسعين ريالا عمانيا وأربعمائة بيسة، وقدر عسر عن أدائها، وصدر بحقه قرار من لجنة الإيجارات يلزمه بدفع المبلغ المذكور، ولكنه لم يستطع دفعه نتيجة لكثرة الديون التي عليه، مما أدى إلى إيداعه في السجن منذ ستة أشهر، وفي محاولة من إخوته للإفراج عنه يقومون بالاتصال بأصحاب الحقوق للتفاوض معهم بإسقاط شيء من ديونه وقيامهم بتسديد المتبقي، وقد حضروا لدينا بطلب الموافقة بقبول مبلغ ألفي ريال وإعفاء أخيهم من المتبقي لبناية الأوقاف. فما حكم ذلك؟
أرى قبض ما تيسر دفعه من حق الوقف ويبقى سائر الحق في ذمته إلى أن يمن الله عليه بالإيسار، فإن لم يؤسر فالله أحق بالعفو.
رجل حفر بئرا مبتغيا بها الأجر، وقد وقف لها مالا لبعض ما يلزم لإصلاح البئر، فقام رجل بحوزتها لغرض التملك، فقام ورثة الموقف بمنازعته، فأراد بعض الناس عقد مصالحة بين الطرفين. فهل يصح ذلك؟
إن كان الصلح لمصلحة الوقف فنعم. والله أعلم. (4/184)
صفحة 1308
ليعلم من يراه بأن الرم الواقع غربي الطريق الجايز إلى الفسلة التي تخص وقف أهل غيلة في موضع المزارع، لقد صح لدينا أن تلك الأرض التي ذكرناها هي مقبرة ليس لأحد أن يحدث فيها حدثا، وأنها وقع فيها نزاع ما بين أرباب الوقف المذكور وأولاد أحد أهالي البلدة، وذلك بعد أن ناظرت الشيخ سالم بن حمود السيابي وقد صادق عليها بأنها مقبرة، سماحة الشيخ الجليل هل يسعنا السكوت إذا أراد أصحاب الوقف المحكوم عليهم بأن الأرض مقبرة ليقوموا عليها بناء؟
بما أن هذه الأرض مقبرة بحكم شرعي ثابت لا يجوز إحداث بناء فيها، إن أحدث بناء فيها من قبل أحد وجب على من عرف الحقيقة تغييره بإبلاغ الجهات المسئولة عنه، ولم يجز السكوت ممن كان قادرا على ذلك؛ لأنه منكر واضح للعيان، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: { من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان }(). والله أعلم.
قدمت إلينا في هذه المحكمة دعوى بين ورثة رجل، وتتعلق الدعوى بأرض اتفق طرفا النزاع على أنها وقف لذرية المتوفى، غير أنهم اختلفوا حول طبيعة هذا الوقف: حيث ادعى البعض أن الوقف لذريته ويطالبون بقسمته بين الورثة حسب الفروض الشرعية بحجة عدم وجود مصلحة في بقائه، ويخافون على الأرض الحيازة من قبل الغير، بينما عارضهم البعض الآخر في طلبهم هذا إذ قالوا بأن الوقف هو للفقراء فقط من ذريته، أما غير الفقير فلا يحق له الانتفاع بأرض الوقف. فما رأيكم سماحتكم في هذه القضية؟
البينة على مدعي الخصوصية. والله أعلم.
بيت المال
بيت المال وفيما ينفق (4/185)
صفحة 1309
تقدمت وزارة التربية والتعليم بطلب قطعة أرض فضاء تابعة لبيت المال تقع بجوار مدرسة البنات، وذلك بهدف إقامة مدرسة عليها، وقطعة الأرض المذكورة ذات موقع جيد لوقوعها على امتداد شارع فرعي، مع العلم بأن وزارة التربية سبق وأن أقامت المدرسة المشار إليها على أرض بيت المال أيضا. فهل يجوز التنازل عنها للوزارة المذكورة؟
أما التنازل فلا؛ لأن بيت المال لا يتحول عن حكمه كالوقف، وإنما يجوز السماح بإقامة مشروع ذي مصلحة للمسلمين على أرض بيت المال باعتباره وقفا عاما للمسلمين يستغل في مصالحهم، والمدارس العلمية التي تعلم ناشئتهم علوم دينهم ودنياهم هي من مصالحهم، مع استمرار حكم الأرض أنها لبيت مال المسلمين. والله أعلم.
قام المواطنون بحفر تنانير على الأراضي التابعة لبيت المال، حيث حفرت ثلاثة تنانير في مكان واحد، وقد تم عرض الموضوع على لجنة الأوقاف وبيت المال والتي رأت بردم تنورين وإبقاء واحد لمصلحة أهل البلد. فما ترون سماحتكم في ذلك؟
إن كانت الضرورة ملحة وداعية إلى بقاء هذا التنور لحاجة أهل البلاد إليه فلا حرج، شريطة أن تبقى الأرض لبيت المال. والله أعلم.
يوجد مصلى قديم كائن على أرض بيت المال، ونظرا لصغر حجم هذا المصلى فإن الأهالي يطالبون بتوسعته من ضمن أراضي بيت المال المحيطة به. فما الحكم في ذلك؟
إن تعذر نقل المصلى إلى أرض أخرى لأجل توسعته فلا حرج في توسعته في أرض بيت المال. والله أعلم.
مواطن تقدم إلينا بطلب الحصول على قطعة أرض من أموال بيت المال، وذلك لإقامة مدرسة لتعليم القرآن الكريم. فما هو الحكم الشرعي في ذلك؟
إن تعذر وجود أرض أخرى لبناء المدرسة عليها ما عدا أرض بيت المال فلا حرج في بنائها على أرض بيت المال، على أن تكون الأرض المبنى عليها ملكا لبيت المال بعد البناء. والله أعلم. (4/186)
صفحة 1310
نود إفادة سماحتكم بأنه يوجد مبلغ (تسعة آلاف ريال عماني) عبارة عن تعويض خاص ببيت المال، ويوجد حاليا بدائرة الأوقاف وهو غير مستغل، ويوجد مسجد في حاجة ماسة إلى إعادة بنائه إلا أن الإمكانيات المالية غير متوفرة. فهل يجوز استغلال المبلغ في بناء المسجد المذكور تحت إشراف الأمناء؟
إن كان بناء المسجد ضروريا وتعذر إلا بصرف هذا المبلغ فيه فلا حرج في ذلك، على أن يتم ذلك بأيدي الأمناء. والله أعلم.
هل يجوز إقامة مسجد على أرض خاصة ببيت المال؟ ومن البديهي أن المسجد لن يقوم أحد بدفع إيجار عنه، وسوف تخرج الأرض بذلك عن ملك بيت المال؟
لا يسوغ ذلك شرعا إلا مع تعذر وجود أرض أخرى يبنى عليها المسجد وحاجة الناس إليه. والله أعلم.
تقدم جماعة مسجد بطلب هدم وتوسعة مسجدهم في ضاحية بيت المال المجاورة له بمقدار ستة أمتار من جهة الغرب وثلاثة أمتار من الجنوب، وتوجد في المنطقة مساجد واسعة قريبة؛ لكن هذا المسجد يقع على مفترق طرق. فهل ترون جواز موافقتهم على ذلك؟
بما أنه لا ضرورة تدعو إلى ذلك لوجود مساجد أخرى، وقد شدد العلماء في بناء مساجد في الصوافي أرى عدم الموافقة على هذا الطلب. والله أعلم.
توجد في ولايتنا عدد من الأموال والضواحي، وقد عهدت أنها تابعة لأوقاف الجامع، وقد أمر أحد الأئمة السابقين بهدمه وضم أملاكه إلى أملاك بيت المال.
وبما أن هذه الإدارة هي المنوطة بعملية الإشراف على هذه الأملاك والقيام برعايتها وسقيها وطناء ثمارها، حالها كحال أملاك بيت المال بالولاية والولايات الأخرى التي تشرف عليها هذه الإدارة، والعائد من تلك الأموال يرجع إلى خزينة الدولة. (4/187)
صفحة 1311
وتعتزم الإدارة المسئولة عنه استخراج الإثباتات الشرعية والرسومات المساحية وسندات التملك، لكن في بادئ الأمر نود أن نستوضح منكم هل تقوم الإدارة بمخاطبة فضيلة الشيخ قاضي المحكمة الشرعية بطلب استخراج الإثباتات الشرعية؟ وهل تكتب تبعية هذه الأملاك لبيت المال أم هي تابعة لأوقاف المسجد المذكور؟ مع العلم بأن المسجد مهدوم وتحيط بموقعه القبور.
الذي نراه أن تصرف هذه الأوقاف إلى الجامع القائم الآن بالولاية، فإن فضل من غلتها شيء عن حاجة الجامع فليصرف في المصالح التي يراها أهل الصلاح كتعليم العلم الشريف. والله الموفق.
رجل كان بيدارا لضاحية تابعة لبيت المال، وقبل وفاته وبعد عجزه عن العمل في الضاحية تم الاتفاق معهم على إخلاء المنزل الواقع في الضاحية تأجيرهم قطعة أرض من الضاحية نفسها بمحاذاة منازل مشيدة أيضا على نفس الأرض، وبعد وفاته قامت زوجته بتسوير الأرض منذ فترة طويلة إلا أنها لم تقم ببناء منزل عليها، علما بأنها ملتزمة بدفع إيجار الأرض، وهي تطالب حاليا بالسماح لها ببناء منزل على الأرض لحاجتها لذلك؟
إن كان ذلك لمصلحة بيت المال فلا مانع منه. والله أعلم.
قامت دائرة بيت المال بشراء أعمدة إنارة ليتم تركيبها في طرق وممرات السوق التابع لبيت المال، وذلك من مصاريف صيانة أموال بيت المال، ولم يتم تركيب هذه الأعمدة لكونه سوف يتم إعادة بناء السوق على الطراز المعماري التراثي من جديد، وإنارته ستكون من ضمن المشروع. فهل يجوز نقل الأعمدة المشتراة لسوق بيت المال إلى الطريق المؤدي إلى مقبرة من نفس الولاية خدمة لصالح المسلمين؟
بما أن ذلك خدمة لمصالح المسلمين لا أرى مانعا منه. والله الموفق. (4/188)
صفحة 1312
من المتعارف عليه منذ فترة طويلة بأن أراضي بلدتنا خاصة ببيت المال إلا أن الوزارة لا يوجد لديها أي إثبات شرعي بذلك، كما لا يوجد أيضا من لديه الاستعداد للشهادة سوى أقوال الناس الشائعة بأن الأرض هي بيت المال، لذا نرجو من سماحتكم التكرم بإفادتنا بحكم الشرع الشريف في جواز السكوت عن الموضوع أو إثارته أمام جهات الاختصاص؟
إن كانت لا توجد بينة تثبت كون هذه الأراضي تابعة بيت المال فواسع السكوت عنها حتى توجد البينة. والله أعلم.
تأجير أرض بيت المال
انطلاقا من سياسة الحكومة في تثمير أراضي بيت المال في عدد من ولايات السلطنة رأت دائرة بيت المال تأجير الأراضي الصالحة للزراعة على المواطنين لاستغلالها بإيجارات رمزية سنوية دون أن تشترط مدة معينة للإيجار، كما أنه لم يوضح نوع الأشجار والمحاصيل الزراعية التي تغرس في تلك الأراضي، الأمر الذي دعا المواطن المستأجر إلى غرس أشجار كبيرة كالنخيل والأمباء والحمضيات، والذي يخشى منه مستقبلا في حال عجز المستأجر عن الاستمرار في استغلال الأرض مطالبته للحكومة بالتعويض عن الأشجار المغروسة. فهل ترون إضافة هذا الشرط في عقد الإيجار مستقبلا؟ مع إفادتنا برأيكم عن الحالات السابقة التي أشرنا إليها.
نرى أن يشترط على المستأجرين أن جميع ما يغرسونه في هذه الأرض مرده إلى بيت المال بعد انتهاء المدة المتفق عليها، ويقيد الإيجار بمدة معينة. والله أعلم. (4/189)
صفحة 1313
قامت الوزارة في السنوات الماضية بتأجير عدد من الأراضي الخاصة ببيت المال في عدد من المناطق لبعض المواطنين بقصد بنائها بالمواد الثابتة كمنازل ومحلات تجارية، ولم تشترط الوزارة مدة معينة لتعود تلك المباني لبيت المال، وإنما اكتفت بالإيجار الرمزي الذي يدفع سنويا، وبما أن سماحتكم أفتيتم سابقا بأنه يجب أن تكون هناك اتفاقية بأن هذه المباني يستغلها الباني إلى مدة معينة ثم تنتقل بعدها إلى بيت المال، فهل ترون سماحتكم إجازة السكوت فيما سبق وبقاء الوضع في المباني القائمة سابقا كما اتفق عليه بين الوزارة والمستأجرين، أم ترون إعادة النظر في تلك المباني ونطالب المستأجرين بموجب فتواكم التي أشرنا إليها؟
مصلحة بيت المال هي التي يجب رعايتها والمصير إليها في ذلك، فإن كانت المصلحة في تعويض المواطنين الذين بنوا على أرض بيت المال وتمليك البنايات لبيت المال أخذ بذلك، وإن كانت المصلحة في ترك المباني بأدي أهلها وأخذ أجرة عادلة عن الأرض منهم عمل به. والله أعلم.
في بعض بلدان عمان توجد أراض لا يدعي ملكيتها أحد وإنما مرجعها الحكومة، وقد قسمت: منها ما سمي "بيت المال"، ومنها غير ذلك، وما أطلق عليه "بيت مال" صارت وزارة الأوقاف مسئولة عنه والباقي يرجع لوزارة الإسكان، وكثير من هذه الأراضي التي منحت للمواطنين استعملت للزراعة وملكت أصحابها، بينما تلك التي أطلق عليه اسم "بيت المال" لم تملك أصحابها ويفرض عليهم "قعد" سنويا بحجة أنه لا يجوز شرعا تمليك تلك الأراضي أو إعفاؤها من القعد. فهل هذا صحيح؟ (4/190)
صفحة 1314
بيت المال حق للمسلمين جميعا لا يمتلكه أحدهم وإنما الدولة أمينة عليه، وقد أخذ العلماء من قول الله تبارك وتعالى: { لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُون }() وإلى قوله سبحانه وتعالى: { وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ }() دليلا على أن بيت المال لا تملك رقبته وإنما تملك منفعته فقط. والله أعلم.
قامت الجهات المسئولة بتأجير العديد من قطع الأراضي التابعة لبيت المال على بعض المواطنين بهدف إقامة المنشآت الحيوية عليها وخاصة تشييد المنازل، وبناء على فتوى سماحتكم التي لم تجز تأجير أراضي بيت المال إلا عن طريق التثمير فإن العمل تم بموجبها، إلا إن الإحجام من قبل المواطنين بدا واضحا منذ الوهلة الأولى، بخلاف بعض الأشخاص الذين قاموا بتشييد منازل وبمبالغ كبيرة هم حاليا يطالبون بتحويل عقد الاستثمار إلى عقد إجار، والقائمون بالإشراف على بيت المال يرون أن عملية إيجار الأراضي بها من المحاسن الشيء الكثير يأتي في مقدمتها المحافظة على تلك الأراضي وحفظها من التعدي من قبل المواطنين، كما أن تأجيرها يأتي من باب استغلال الأرض في مصلحة عامة، والشيء الأهم هو استغلال تلك الأراضي لصالح المواطنين الذين يفترض أن يكون بيت المال وجد في أساسه لخدمة مصالح المحتاجين، وعلى ضوء ذلك فإننا نرى بعد موافقة سماحتكم أن يتم تأجير تلك الأراضي بواسطة عقود إيجار وبمبلغ يقدر حسب موقع تلك الأراضي؟
قلنا بعدم جواز تأجير أراضي بيت المال إلا بطريقة الاستثمار خشية تسلط المستأجرين على بيت المال بحيث يتعذر فكاك ما بأيديهم منه ويتحكمون في مقدار الإيجار كما يهوون بأنفسهم، أما إن كان التأجير بطريقة عادلة لا حيف فيها على بيت المال فلا مانع. والله أعلم. (4/191)
صفحة 1315
طلبت مؤسسة بناء مشروع تجاري على أرض تابعة لبيت المال على أن تكون هذه الدكاكين وقف للمسجد. فهل تعفى من إيجار الأرض طالما أنها وقفت الدكاكين للمسجد أم لا؟
لا مانع من ذلك على أن يكون إسقاط الإيجار إلى حين ما تقتضي المصلحة العامة خلافه. والله أعلم.
ساقية مخصصة لسقي عدد من الأراضي التابعة لبيت المال والمؤجرة لبعض المواطنين بالولاية، وفي الآونة الأخيرة تم عمل صيانة للساقية المذكورة، بحيث يكون على كل مستأجر لأرض زراعية تنتفع بتلك الساقية المساهمة في عملية الصيانة وذلك بدفع مبلغ معين، إلا أن مواطنين اثنين رفضا دفع المساهمة، وفي هذه الحالة ليس أمام الوزارة إلا إلزامهم بدفع المبلغ الذي على كل واحد منهم أو سحب الأرض المؤجرة لهم وتأجيرها بالمزاد العلني، وعلى الوزارة تحمل المبلغ. فهل يجوز إلزامهم بذلك؟
بما أن في ذلك مصلحة الوقف فلا مانع من إلزامهم كما ذكرتم. والله أعلم.
مواطن مستأجر لأرض سكنية تابعة لبيت المال، وحيث إن المذكور قد أخذ مبلغا من المال من ولده وذلك لإصلاح المنزل القائم على أرض بيت المال، فهو يرغب في إثبات حق ولده وذلك عن طريق إثبات ذلك الحق في المنزل المذكور. فهل يحق له إثبات ذلك الحق في المنزل المذكور لولده نظير المبلغ الحالي الذي أخذه منه؟
إن كان ذلك من أجل تعويضه عن حقه بالعدل فلا حرج. والله أعلم.
بيع بيت المال أو التنازل عنه
سؤال عن بعض المحلات التجارية التابعة لبيت المال، حيث إن هذه المحلات تم تشييدها من قبل المواطنين على أرض تخص بيت مال المسلمين، وقد كانت تكلفة المحل الواحد ألف وثمانمائة ريال عماني، والوزارة ترى بيع هذه الأرض للمواطنين، إذا رأيتم سماحتكم جواز ذلك شرعا، حيث إن الإيجار الرمزي زهيد، ثم إن أصحاب المحلات يماطلون في الدفع؟ (4/192)
صفحة 1316
الأصل في بيت المال عدم جواز بيعه إلا إن اقتضت المصلحة، وفي هذه الحالة لا بُدَّ من أن يكون البيع بسعر عادل ويشترى بالثمن العوض الأنفع لبيت المال، على أن يتم ذلك بأيدي الأمناء ذوي الخبرة في شئون الأموال. والله أعلم.
أقيم عشرون دكانا على أرض بيت المال، عشرة منها للأوقاف بتمويل من الأوقاف وعشرة منها لبيت المال بتمويل من خزينة الدولة، وفي الوقت الذي تسعى الوزارة بتسليم السوق إلى وزارة أخرى اقترح الإخوة القائمون على الأوقاف وبيت المال بأن تسجل تلك الدكاكين كلها للأوقاف لحاجتها إلى الدعم المادي. فما رأي سماحتكم في ذلك؟
إن كانت الدكاكين العشرة التي خصصت لبيت المال من خزينة الدولة، ثم رأت الدولة جعلها للأوقاف للمصلحة قبل أن تسلم لبيت المال فلا مانع من ذلك. والله أعلم.
هل يجوز تحويل أراضي تابعة لبيت المال إلى الأوقاف؟
يمنع ذلك إلا إن عوض بيت المال بأرض أخرى تكون أصلح له من تلك الأرض. والله أعلم.
تقدم بعض المواطنين إلى الجهات المسئولة بطلب شراء أرض فضاء أو عقار تابع لبيت المال، كما أن البعض يطالب بشراء الأرض التي شيد منزلا خاصا به لتفادي الإيجار السنوي الذي يدفعه للوزارة عن تثميره ليضمن حقه كاملا في تملكه للأرض وللمنزل معا، حيث من المتبع حاليا تملك المستأجر للعقار فقط دون الأرض التي تعود ملكيتها لبيت المال، عليه فإننا نرجو الإفادة عن مدى إمكانية تحقيق مطلبهم في الشراء في الحالتين المذكورتين؟ كما نرجو التكرم بالإفادة عن مدى إمكانية رفع الإيجار لأراضي وممتلكات بيت المال بحيث تتناسب وتتوافق مع قيمة السوق، حيث من الملاحظ بأن الإيجار زهيد جدا؟ (4/193)
صفحة 1317
بيع أراضي بيت المال مشروط جوازه بأمور أولها: أن تكون القيمة عادلة لا غبن فيها على بيت المال. ثانيها: أن يستعاض بهذه القيمة عقار لبيت المال لا يقل قيمة ولا نفعا عن الأصل المبيع. ثالثها: أن يكون ذلك بإشراف الأمناء ذوي الخبرة في شئون الأموال. أما رفع إيجار أراضي بيت المال فيراعى فيه حال المستأجر فيفرق بين الغني والفقير، إذ المحتاج أولى بأن لا يوسع له من بيت المال. والله أعلم.
طلب أهالي بعض المناطق قطعة أرض من أراضي بيت المال لإقامة مجلس عام عليها. فما مدى جواز ذلك؟
بما أن المجلس يشغل جانبا من أرض بيت المال فلابد من تعويضه بأرض أخرى لا تقل عن هذه الأرض ثمنا ولا سعة ولا دخلا، أو أن يبنى المجلس لبيت المال بحيث تكون ملكيته له. والله أعلم.
طلب جماعة مسجد إقامة دورات مياه مع مصرف صحي للمسجد المذكور على أرض تابعة لبيت المال، فهل يجوز ذلك؟
يتعين في هذه الحالة أن يعوض بيت المال بأرض أخرى لا تقل عن هذه الأرض مساحة لا قيمة ولا فائدة. والله أعلم.
نرغب في بناء مسجد بأرض "بيت مال" ومساحتها أربعون كيلومترا مربعا، ثم نقوم بتعويض بيت المال بالثمن؟
في هذه الحالة لا بُدَّ من تعويض بيت المال بأرض مماثلة لا تقل عن هذه الأرض قيمة ولا ريعا، أو تعويضها بعقار تعود منفعته إلى بيت المال، وهذا أمر يعود إلى المسئولين عن بيت المال، فينبغي عرضه عليهم. والله الموفق. (4/194)
صفحة 1318
تقدمت مواطنة طالبة القياض بين أرض لبيت المال وأرضها التي تملكها في نفس الولاية، وقد طلبنا من فضيلة الشيخ قاضي المحكمة الشرعية الوقوف على هذه الأراضي، وبحضور مدير إدارة الأوقاف ومسئول مكتب الأوقاف ومن يختارهم من بين من أعيان الولاية، وعلى ضوء ذلك وافانا فضيلته بأن القطعتين متساويتان كل قطعة تمتاز عن الأخرى بشيء، فقطعة الأرض الخاصة تمتاز بقربها من الماء خصبا ومحلا وأرض بيت المال تمتاز بقرب الطريق منها ولا يصل إليها الماء إلا وقت الخصب، وتم تثمين الأرضيين كل قطعة عن ألفي ريال عماني ثم عرضنا على المرأة أن تدفع زيادة على أرضها لمصلحة بيت المال مبلغا وقدره خمسمائة ريال عماني فوافقت على دفع المبلغ، فنرجو من سماحتكم الإفادة عن رأيكم الشرعي في هذا القياض؟
لا مانع من القياض بين هاتين الأرضين على أن تستصلح الأرض التي تؤول إلى بيت المال بما يدفع من قبل صاحبة الأرض الأخرى وهو خمسمائة ريال حسب الاتفاق. والله أعلم.
توجد بعض الأراضي مختلفة الاستخدام تابعة لبيت المال واقعة بين منازل المواطنين، ولقد قام أصحاب المنازل ومنذ فترة طويلة بفتح أبواب عليها مما أدى إلى تأثر تلك الأراضي عند إعادة تخطيطها واستخراج سندات تملك لها؛ لأنه أصبح من الضروري فتح طرق بين أراضي بيت المال ومنازل المواطنين، علما بأن المنزل الواحد به أكثر من باب.
والسؤال عن أحقية أصحاب هذه المنازل بفتح أبواب على أرض بيت المال من عدمه، علما بأن تلك الأراضي كانت ملاصقة لمنازل المواطنين بدون إحرامات عند التخطيط الأول لها؟
ذلك يقدر بقدر ضرورة أصحاب تلك المساكن، فإن احتاجوا إلى فتح هذه الأبواب ولم يكن مناص عن فتحها على أرض بيت المال فلا حرج في ذلك. والله أعلم.
إعفاء من عليه حق لبيت المال (4/195)
صفحة 1319
مواطن مستأجر للأرض الزراعية التابعة لبيت المال، حيث إن المذكور قد ترتب عليه مبالغ قدرها مائة وثلاثون ريالا عمانيا وخمسمائة بيسة، وذلك عن الفترة من 1405هـ وحتى 1419هـ، وحيث إنه رجل فقير وهو يستلم راتبا من الضمان الاجتماعي ولديه عائلة، فإن مدير إدارة الأوقاف يوصي بإعفاء المذكور عن المبالغ المترتبة عليه تقديرا لظروفه، فهل ترون جواز ذلك؟
نظرا إلى فقر المذكور وسوء حاله لا أجد مانعا شرعيا من إعفائه عن المبالغ المترتبة عليه. والله أعلم.
رجل استأجر أرضا زراعية لبيت المال ودفع إيجار لعامي 1407هـ و408ا هـ، وفي عام 1409هـ تقدم برسالة إلى سعادة والي منح تتضمن تنازله عن عمارة الأرض لأحد المواطنين، وأحيل طلبه إلى إدارة الأوقاف إلا أنه لم يقم بتكملة الإجراءات حسب النظام المتبع، وقد تم مخاطبته بعدد من الرسائل من قبل إدارة نزوى لدفع الإيجار المترتب عليه ولم يتجاوب، وقد حضر أخيرا إلى إدارة الأوقاف قائلا بأنه لم يستغل هذه الأرض بسبب عدم وجود بئر ويطلب التنازل عنها للوزارة، ويطالب أيضا بإعفائه عن قيمة الإيجار المترتب عليه للأعوام السابقة؟
عقد الإيجار عقد ملزم ولا مجال للتنازل عن شيء منه إلا إن كان المستأجر فقيرا ويستحق المساعدة من بيت المال. والله أعلم.
مواطن استأجر أرضا زراعية تابعة لبيت المال بإيجار سنوي وقدره مائة وأربعون ريالا، وقد ترتب عليه مبلغ ستمائة وعشرون ريالا، وهو رجل فقير ورب أسرة كبيرة تتكون من ستة وثلاثين فردا، وليس لديه دخل سوى ما يحصل عليه من بيع الأعلاف والقت الموجودة بالمزرعة، وقد عجز عن دفع المبلغ المترتب عليه. فهل يجوز إعفاء المواطن المذكور من المبالغ المترتبة عليه وتخفيض قيمة الإيجار إلى خمسين ريال؟
لا مانع من إسقاط هذا الحق عنه لفقره، فإن بيت المال لمصالح المسلمين ومنهم الفقراء. والله أعلم. (4/196)
صفحة 1320
مواطن استأجر دكانا من الدكاكين التابعة لبيت المال، ثم توفي بعد ذلك وبقيت في ذمته إيجارات قدرها ألف وأربعمائة وخمسة وأربعون ريالا عمانيا لم يسددها في حياته، ثم تقدم وكيل أيتام أبناء المذكور برسالة تفيد بأن المتوفى عليه ديون كثيرة ولا يستطيع ورثته تسديد قيمة الإيجارات المتبقية عليه. فما مدى جواز ذلك؟
إن ثبت إعسار الميت فلا مانع من إسقاط هذا الحق، وإن كان في تركته ما يتسع لقضاء ما عليه من حق فليقض بحسب الوسع، إلا إن أدى ذلك إلى الضيق والشدة بأولاده اليتامى، فإن بيت المال أولى بالاحتمال في هذه الحالة. والله الموفق.
تقدم مواطن بطلب إعفائه عن قيمة إيجار الأرض الزراعية التي بحوزته والتابعة لبيت المال، وذلك لعدم استغلاله لهذه الأرض حتى الآن بسبب أن الجهات المسئولة عارضت حفر بئر بها لكونها قريبة من أحد الأفلاج
بالمنطقة، والأرض لا يوجد بها أي أثر للزراعة، فهل يجوز إعفاؤه عنها؟
لا مانع من ذلك نظرا إلى أن الرجل لم يتمكن من استغلال هذه الأرض. والله أعلم.
الاعتداء على بيت المال
هناك الكثير من المستأجرين للأراضي الزراعية التابعة للأوقاف وبيت المال يقومون بالبناء في تلك الأراضي دون أخذ موافقة من هذه الوزارة، وذلك مخالف للأنظمة المتبعة حاليا، وهم يسعون من وراء ذلك لجعل الوزارة أمام الأمر الواقع ويتخذون ذلك سبيلا للمطالبة بتملك تلك الأراضي. فهل يجوز مخالفة كل من يتعدى النظام المعمول به وإمكانية إزالة ما قام به دون أخذه للموافقة من هذه الوزارة؟
إن كان بناء أولئك من دون إذن من الجهة المختصة فإنه يعد اعتداء ويزال أثر الاعتداء، إذ لا ضمان لمعتد. والله أعلم.
فيمن أخذ شيئا من بيت المال زمن الإمامة العادلة بغير وجه من وجوه الحق، وأراد التوبة في الوقت الراهن، فماذا يلزمه؟ وإلي أي جهة يدفع هذا المال الذي أخذه؟ (4/197)
صفحة 1321
يرده إلى جهة أمينة قائمة بشئون بيت المال، فإن لم توجد فيحاول بنفسه إصلاح بيت المال بقدر ذلك المبلغ، فإن تعذر ذلك فليدفع ما أخذه إلى فقراء المسلمين المحتاجين. والله أعلم.
المساجد
بناء المسجد: حقوقه والإشراف عليه
نلاحظ في كثير من المساجد أن كثيرا من الناس شيبا وشبابا يتكلمون في أوقات الصلاة بغير ذكر اسم الله، وأغلب هذا الكلام في الأمور الدنيوية مما يودي إلى إزعاج المصلين بأصواتهم العالية وعدم خشوعهم، علما بأنهم على علم بذلك، فما نصيحتكم لهم؟ وما هو الحكم الشرعي في ذلك؟
الحديث بأمور الدنيا في المساجد من المنكرات، فإنها بيوت الله ولا يجوز فيها إلا ما أذن به، وقد قال سبحانه وتعالى: { فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ }() وما خرج عن ذلك فهو غير مأذون به فيها، وقد شدد النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى في إنشاد الضالة بالمسجد، وإذا منع إنشاد الضالة وهو مما تدعو إليه الحاجة فما بالكم بما لم تدع إليه الحاجة من الحديث الدنيوي؟ لا ريب أنه أحرى بأن يشدد فيه ويزجر عنه. والله أعلم.
كثير من الناس عندما يدخلون المسجد يدخلون معهم أجهزة الهاتف النقال دون إغلاقها مما يؤدي إلى إزعاج المصلين وعدم خشوعهم، فما هو الحكم الشرعي فيمن يفعل ذلك؟
ذلك حرام لأنه مما يمنع من في ذكر الله وذلك بالصد عن الخشوع في الصلاة وهو روح الذكر، فيجب ترك هذه الهواتف جانبا عن المسجد وإغلاقها، على أن كثير منها تصدر منها نغمات موسيقية مثيرة للنفس وصادة عن ذكر الله إذا كانت في أثناء الصلاة؟ لا ريب أنها أبلغ في المنكر وأعظم في الإثم. والله أعلم.
فضيلة الشيخ مفتي عمان الأكبر:
بصفتي عضو من المجتمع المسلم في أوكسفورد، أطلب توجيهك على أساس من القرآن والسنة الشريفة في مسألة بغاية الأهمية إلى كل المسلمين في بريطانيا:
السؤال: "هل يمكن نتيجة لظروف يمر بها مسجد هنا أن يسجل ويدار بواسطة غير المسلمين؟ " (4/198)
صفحة 1322
سبب هذا السؤال هو أن قاضي محكمة عليا قد حكم أن الأرض وملكية المسجد في أوكسفورد يجب أن تسجل لمحاميين غير مسلمين، أحدهما أنثى، هؤلاء المحامون يعملون كأوصياء على المسجد لفترة من الوقت حتى تحل المشكلة الموجودة حاليا في المسجد بين لجنة الإدارة القديمة والحالية؟
قال الله تعالى: { إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ }()، ولئن كانت عمارته لا تجوز من غير المسلمين فما بالكم بإدارته والاستيلاء على ممتلكته وأوقافه؟ فإن ذلك من خصوصيات المسلمين، ولا يجوز إقحام غيرهم في ذلك بحال، بل هو معدود من صلب عمارته، وقد قال سبحانه وتعالى: { مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله }(). والله أعلم.
هل يجوز بناء مسجد بمنطقة ذات كثافة سكانية فيها تقدر بسبعين نسمة، وعدد المنازل بها أحد عشر منزلا، وأقرب مسجد عامر يبعد منها بمسافة خمسمائة متر جنوبا، ويفصل ما بين الموقع المقترح لبناء المسجد وأقرب مسجد عامر مجرى وادي؟
اطلعت على ما حرر أعلاه وأرى أن المساجد يجب أن تكون بينها مسافة، فلا يبنى مسجد بجوار مسجد اللهم إلا إن كانت هناك ضرورة تدعو إلى ذلك كأن يكون الوادي الفاصل بينهما واديا فحلا يمنع ممن بهذه الضفة من الصلاة في المسجد الموجود في الضفة الأخرى عند سيلانه فلا حرج عندئذ من موافقتهم عليه. والله أعلم.
إنني وكيل لأحد المساجد بالبلدة ويوجد له أموال إلا أنه يحتاج إلى عناء من سقي وتأبير وإصلاح، وربما لا تكفي غلته لإصلاحه وحتى أحيانا لا يثمر إلا القليل، وبما أن غلة ثمار هذا المسجد مشتركة لمصلى آخر بالوزن ووكيله غيري، فهل يلزم الخسارة كلا من المسجد والمصلى الذي يوزن له من غلة ثمار المسجد كون المصلى له وزن معروف، ولكن تغيرت الأحوال بسبب ما تحتاجه الأموال؟ (4/199)
صفحة 1323
المغنم والمغرم مشتركان بين المسجد والمصلى بقدر حصة كل واحد منهما. والله أعلم.
جماعة كان لهم مسجد بني من طين في ولاية ما، ووالده يصلي فيه إماما وخطيبا من سنين عديدة، وبعد وفاة والده أقام من بعده ولده في المسجد يصلي إماما خطيبا، ولما انهدم بنيانه تقدم إلى وزارة الأوقاف
يطلب المساعدة لبنائه بالمواد الثابتة فلم يحصل على المساعدة من الحكومة، ولكن حصلت له الموافقة على بنائه بتكلفة ثلاثة آلاف وسبعمائة ريال عماني على نفقته الخاصة، واستمر بقيامه فيه مدة من الزمان، ولما ازداد عدد المصلين فيه لم يستوعبهم فتقدم للوزارة مرة ثانية يطلب المساعدة والسماح له بهدمه فحصلت له الموافقة فتم بنيانه بتكلفة قدرها ستون ألف ريال عماني، واستمر قيامه فيه يصلي إماما وخطيبا، وبعد أيام قليلة دخلت فئة من أهل حلة ليس لها علاقة بالمسجد ولم يكن لهم دخل في شؤون المسجد سوى الصلاة فيه في يوم الجمعة، وانضم معهم طرف آخر من أهل الحلة فساندوهم على انتزاع المسجد عن أصحابه الشرعيين ظلما وعدوانا، ومنعوا إمام المسجد من الصلاة فيه إماما، وبقي المسجد في أيديهم فطالبهم بإعادة المسجد إليه فلم يحصل منهم، وحيث إن ذلك الرجل لا يحب الخصام والشقاق استهانوا به فصبر على ما أصابه موقنا بأن العدل موجود، وهاهو يتقدم إليكم بسؤاله هذا راجيا من سماحتكم التوضيح فيما هو أحق أن يتبع؟
أرى أن يتقدم الشخص القائم بأمر المسجد إلى جهة الاختصاص بطلب رد المسجد إليه، ولا ريب أنه لا وجه لسلب المسجد من صاحبه القائم عليه من غير وجه شرعي. والله أعلم.
فقد بنيت مسجدا منذ عشر سنين، ولكن السؤال أن المال الذي بنيت به المسجد قد اقترضته من البنك، ولم يكن عندي علم أن الاقتراض من البنوك لا يحل، والآن بعد مرور هذه المدة من الزمن ما هو الحكم في هذا المسجد، فهل يهدم؟ مع العلم أنني قد رجعت أموال البنك كلها ولم يبق علي شىء. (4/200)
صفحة 1324
إن كان القرض خاليا من الربا فلا حرج عليك، وأما إن كان قرضا ربويا فذلك عين الحرام، ففي الحديث: "لعن الله الربا وآكله ومؤكله وكتبه وشاهديه" وقال: "هم سواء" أي في الإثم، وبناء المسجد طاعة وقربة إلى الله فكيف يكون قربة مشوبة بسخط الله سبحانه، وقد نص العلماء أن ما بني من المساجد بنفقة محرمة فحكمه أنه لاحق بمسجد الضرار لا تجوز الصلاة فيه ويجب هدمه، وهو واضح الدليل، فإن الله تعالى قال: { لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ }()، ومفهومه أن ما أسس على غير تقوى ليس حقيقا بالقيام فيه، وما بني بالمال غير المباح فليس مؤسسا على تقوى. والله أعلم.
نرفع لسماحتكم مسألة مسمى مسجد حلة القشي المعروف باسم مسجد أولاد أحمد، وتسميته باسم مسجد الإمام محمد بن عبد الله الخليلي -رحمه الله-؟
إن كانت جماعة المسجد اتفقت على هذا الرأي فلا مانع من ذلك.
تقدم رجل بطلب الموافقة بتوصيل التيار الكهربائي للمسجد المجاور لمنزله، هذا وبعد زيارة المسجد تبين بأنه عبارة عن غرفة لها محراب وتتسع لحوالي خمسين مصليا، والقبلة ليست على الاتجاه الصحيح بل منحرفة، ويوجد بها مكبر صوت، وتبعد هذه الغرفة عن المسجد القائم بالمنطقة بمسافة مائة وخمسين مترا فقط، ولا يوجد أي موانع من الوصول إليه، فالمسجد يتسع لكل المصلين وهو جامع البلدة المذكورة. فهل يجوز موافقته على ذلك؟
كلا لا يجوز بحال أن يتخذ هذا البناء مسجدا وهو بجوار مسجد لا يبعد عنه إلا بقدر هذه المسافة فحسب، وإن اتخذ مسجدا فحكمه حكم مسجد الضرار في عدم جواز الصلاة فيه ووجوب هدمه. والله أعلم. (4/201)
صفحة 1325
هل يجوز بناء دورات مياه ونقاط وضوء وذلك على نفقة أحد المتبرعين، هذا وبعد أن تم الاطلاع على خرائط المشروع تبين بأن دورات المياه ونقاط الوضوء ستنشأ في الطابق الأرضي، وسيكون أعلى منها في الطابق الأول غرفة دراسة ومكتبة ومخزن، وسيقام أعلى منه طابق ثان يشمل على مصلى ومكتب ومكتبة وغرفة للإمام، وسيكون في الطابق الثالث غرفة دراسة؟
إن كان بناء ذلك لمصلحة المسجد فلا مانع منه. والله أعلم.
يطلب أحد المسؤولين وضع حل للمساجد المهجورة والقديمة في ولاية ما، نظرا لكثرة المخاطبات التي تتلقاها الإدارة من بلدية الولاية، راجين تفضل سماحتكم بالاطلاع وإبداء الحكم الشرعي بشأن المساجد المشار إليها؟
ما كان من هذه المساجد غير مضار لمسجد آخر فلا معنى لهدمه إلا إن كان هدمه من أجل تجديد بنائه. والله أعلم.
تقدم مواطن بطلب رجع قطعة الأرض التي اشتراها من أحد المواطنين، وسمح ببناء مسجد بها، وبعد دراسة طلب بناء المسجد رأت الوزارة بأنها غير مناسبة لذلك؛ لوقوعها بين عدة مساجد وهي حاليا للاستعمال السكني لم يتم تغييرها إلى مسجد، فهل يجوز ردها إليه؟
لا مانع من ردها إليه. والله أعلم.
أفيدكم علما بأني إمام مسجد منذ سنة 1373هـ، وهذا المسجد خاص والآن يبنى من جديد، والوكيل وقف راتبي بسبب عدم وجود المسجد حاليا، وتستمر هذه الحالة مدة لا تقل عن ثمانية أشهر، وأنا متضرر والوكيل لم يقل لي من قبل. فما رأيكم في ذلك؟
إن كان الراتب من وقف المسجد فهو كما قال الوكيل، وإن كان من جهة أخرى يمكن من قبلها التسامح كالمؤسسات الحكومية فينبغي استمرار راتبك، ويمكن أن تعوض عن هذا الراتب من قبل الوزارة الموقرة من الأوقاف الخيرية العامة أو من جهة أخرى. والله أعلم.
تقدم بعض الأهالي بطلب الموافقة على إعادة بناء مسجد سابق، إلا أن الأهالي شرعوا في بناء مسجد جديد مطابق للمسجد القديم الذين تركوه على حاله بدون منفذ. فهل يجوز لهم ذلك؟ (4/202)
صفحة 1326
إهمال المسجد السابق غير جائز، اللهم إلا أن يدخل في ضمن المسجد الجديد ولو في صرحته التي يصلى فيها على قول من قال بأن صرحة المسجد منه. والله أعلم.
لقد اشترت امرأة منزلا بمبلغ ألف وثمانمائة وأربعة وتسعين ريالا، ووقفته لمسجدين منذ عام 1403هـ وسلمته لهذه الوزارة، وقامت الوزارة بتأجير المنزل وصرف عائده في أجرة القائمين على المسجدين، وكان الإيجار في ذلك الوقت كافيا لأجرة القائمين، ثم توقف الإيراد وتوقفت أجرة القائمين على المسجدين لعدم وجود من يستأجر، حسب قول المختصين بالإدارة هناك، فطلبت المرأة الموقفة بأن تستلم هذا الوقف وتتكفل بمصاريف صيانة المسجدين وأجرة القائمين عليها، وستقوم هي ببيع الأرض وما عليها من مباني، كما ستقوم ببناء محلات تجارية أخرى قرب المسجدين تخصصها لوقف المسجدين. فهل ترون سماحتكم جواز ذلك شرعا؟
أما أن تتولى الوقف بنفسها فلا مانع منه إن كانت أمينة، وأما تصرفها فيه بالبيع فلا يسوغ إلا إن اقتضت ذلك المصلحة، وكان ذلك بإشراف الأمناء وعن موافقة الجهة المسئولة في الدولة عن الأوقاف على أن يكون البديل أنفع للوقف. والله أعلم.
تقدم رجل بطلب إعادة بناء مسجد مبني بالطين على نفقته الخاصة، إلا أنه يوجد مسجد قائم منذ عام 1393هـ يبعد عن المسجد المذكور بمسافة مائة متر فقط، ولا يفصل بينهما فاصل ويقعان في أرض واحدة، ويرى غيره إعادة بناء المسجد الأخير، وقد أفاد المسئولون بأنهم قاموا بالصلح بين الرجلين المذكورين بأن يقوما بهدم المسجدين المشار إليهما ويدمجان في مسجد واحد طالما المسافة قريبة بينهما، والمسجد الآخر المشار إليه يقع على حافة الوادي ويتأثر بهطول الأمطار وجريان الأودية. فما ترون سماحتكم في ذلك؟ (4/203)
صفحة 1327
لا يجوز بناء مسجد يضار مسجدا آخر، وكل ما بني من المساجد بجوار غيره بحيث يضاره فحكمه هدم الأخير منهما، وعليه فأرى إما أن يدخل أحد المسجدين في الآخر فيكونا مسجدا واحدا، وإما أن يبقى المسجد الأنسب، ويحول الثاني إلى مدرسة أو مكتبة. والله أعلم.
نفيد سماحتكم بأنه توجد بمنطقتنا قطعة أرض مساحتها 5928. 66 م2 مخصصة لبناء مسجد؛ ولكن الظروف لم تسمح بالبناء بسبب إنشاء مسجد آخر بالقرب من المنطقة، وبناء عليه فقد قام أحد المواطنين بطلب استغلال الأرض المذكورة ببناء محلات تجارية ومدرسة لتحفيظ القرآن الكريم تكون وقفا لمسجد آخر يقع بالقرب من الأرض. فهل ترون جواز ذلك؟
لا مانع من لك. والله أعلم.
يوجد مصلى للنساء يحده من الغرب غرفة أو قلعة، ومن الشرق مال لشخص، ومن الجنوب طريق، ومن الشمال أموال لأشخاص آخرين، والسؤال:
1-هل مصلى النساء يعتبر في حكم المسجد؟
2- إذا كان هذا المصلى مندثرا هل يجوز شرعا بناء حظائر للأغنام والأبقار بالقرب منه؟ وإذا كان جائزا فما هي المسافة التي يجب أن تترك بين الحظائر والمصلى؟ مع العلم بأن روائح مخلفات الأغنام والأبقار سوف تصل للمصلى، وحيث إن بعض أهالي البلدة يتجاهلون منزلة مصلى النساء ويقولون إنه ليس كمصلى الرجال، حيث إن أحد الأشخاص يريد أن يبني حظائر للأغنام والأبقار؟
3- من المسؤول شرعا في الدفاع عن حرمة المصلى هل هم مشايخ البلدة؟
جاء في آثار علمائنا أن للمصليات حكم المساجد، وعليه فلا يجوز إيجاد حظائر للأغنام والأبقار بالقرب من مصلى الرجال أو النساء ولو كان مندثرا، إلا أن تكون بحيث لا تصل الروائح الكريهة إلى المصلين لو أُعيد
بناؤه، ويجب على جميع المسلمين من أهل الحي أن يصونوا مساجدهم، ومن كان أقوى فمسئوليته أكبر. والله أعلم.
نقل المسجد من مكانه (4/204)
صفحة 1328
ضمن المشاريع التي تقوم بها البلدية مشروع سد وادي، وتقع بقرب هذا السد قرية تم إخلاؤها من ساكنيها ولم يبق فيها سوى المسجد القائم فيها، والبلدية تعتزم حاليا هدم المسجد لترحيل الأهالي وإقامة السد. نرجو من سماحتكم التكرم إفادتنا عن مدى جواز هدم ذلك المسجد بعد أن أصبح لا حاجة إليه بعد إزالة كافة المنازل القائمة وترحيل أهاليها إلى مكان آمن بهدف إقامة السد، علما بأنه تم تعويض المسجد بمبالغ وأرض أخرى في المحلة الجديدة؟
المساجد لا تنقل من مكانها إلا للضرورة القصوى، فإذا تعذر بقاء المسجد مكانه فلا مانع من نقله إلى حيث ينتقل السكان، شريطة أن لا يكون البدل أقل من الأصل سعة ومتانة. والله أعلم.
هل يجوز بناء مسجد جديد بإحدى الولايات يكون عوضا عن المسجد القائم بها حاليا، والذي يقترح الأهالي تحويله إلى مدرسة للقرآن الكريم؛ نظرا لتأثره بصفة دائمة بمياه البحر، وقد تمت زيارته من قبل دائرة المساجد وتبين من تقريرها بأن ذلك المسجد يقع على مقربة من البحر، وقد أثرت فيه الملوحة بشكل ملحوظ، وأفادنا كبار السن من الأهالي بأن البحر إذ كان في حالة المد تتلاطم أمواجه في جدران المسجد، وأحيانا تجري بداخله خصوصا في فصل الصيف، علما بأن المسافة بين المسجد الحالي والموقع المقترح لبنائه تقدر بحوالي خمسين مترا تقريبا فقط؟
إن كان موقع المسجد السابق يعسر بقاؤه كمسجد لأسباب طبيعية فلا مانع من ذلك. والله أعلم. (4/205)
صفحة 1329
يوجد في بعض الوحدات والقواعد العسكرية مساجد قديمة: بعضها بني بالمواد الثابتة، وبعضها الآخر بغير ذلك، ونظرا لقدمها وضيقها استبدلت بمساجد حديثة تتسع للمصلين، هذا كما توجد مساجد أشبه بمصليات بالمواد الثابتة وغير الثابتة تؤدى فيها بعض الصلوات اليومية، والبعض الآخر لا يصلي فيه إلا أفراد قلائل. ما الحكم الإسلامي لتلك المساجد القديمة التي أقيمت بجانبها مساجد ثابتة؟ وهل يجوز إغلاقها أو هدمها ثم تسويرها لتكون لها حرمة المسجد حتى لا تحدث الفرقة وينقسم المصلون لقسمين؟ وهل يجوز إبقاؤها للانتفاع به كمكتبة أو مدرسة للقرآن الكريم أو مخزن للكتب والأدوات القرطاسية؟ علما بأن تلك المساجد قريبة من بعضها البعض؟
تبقى لتستخدم مكتبات دينية أو مدارس للقرآن الكريم مع إبقاء حرمات المسجد لها، وذلك أولى من هدمها أو إبقائها مساجد يصلى فيها لما في الوجه الأول من تعريضها لهتك حرماتها، وما في الوجه الثاني من الداعي لتفريق الجماعات. والله أعلم.
نحن جماعة بلدة وننوي إعادة بناء مسجد البلدة القديم، ولكن هذا المسجد يقع أمام مقبرة وكذلك في مكان ضيق ومرتفع بحيث لا يمكن توسعته، ولارتفاع المكان يصعب على كبار السن الوصول إليه. فهل يصح لنا بناء مسجد آخر في مكان مستو منخفض؛ حيث يسهل الوصول إليه مع ترك المسجد القديم لصلاة الجنازة؟
إن كانت تتعذر توسعته وأنتم بحاجة إليها فلا مانع من بناء مسجد آخر حيث السعة والمكان، وليكن المسجد السابق مصلى للأموات. والله أعلم.
يوجد مصلى للعيد غير مستخدم حاليا، وترغب الوزارة في تحويله إلى وقف للمساجد ليدر دخلا لها؛ نظرا لموقعه في منطقة تجارية، لا سيما وأنه يوجد البديل لهذا المصلى، فهناك العديد من المساجد الكبيرة التي تستوعب جموع المصلين الغفيرة، فهل يجوز ذلك؟
إن كان المصلى له محراب فلا يجوز تحويله إلى أي شيء، إلا أن يبني في موضعه مسجد، ويتأكد ذلك إن كانت الصلاة تقام فيه. والله أعلم. (4/206)
صفحة 1330
هل يجوز تحويل استخدام مسجد إلى مصلى للنساء، وإنشاء مسجد جديد عوضا عنه يبعد مسافة مائة متر؛ لأن المسجد السابق يقع على مدخل منزل أحد المواطنين وملاصق له، ولا توجد بالقرب منه مساحة لمواقف للسيارات، وهو صغير الحجم ومسقف بالمواد غير الثابتة ولا يمكن توسعته، حيث إنه محاط بأشجار من جهة الغرب والجنوب، ومن جهة الشمال منزل، ومن جهة الشرق طريق، ونسبة المصلين به حوالي عشرين مصليا في أكثر الأحيان، وقد وافق مشايخ وأعيان البلدة على تحقيق الطلب نظرا للأسباب أعلاه، أما الموقع المقترح فسيكون بعيدا عن المنزل، وسيقام المسجد على جزء من مزرعة مقدم الطلب، وستكون بالقرب منه مواقف للسيارات وأكثر مناسبة من المسجد السابق؟
لا مانع من موافقته على ذلك شريطة أن يظل المسجد السابق مسجدا له حرمات المساجد، وإنما يخصص لصلاة النساء على أن يتم ذلك بعد بناء المسجد الجديد. والله أعلم.
مصلى للأعياد قديم غير مستخدم؛ حيث إن الأهالي أقاموا مصلى في موقع آخر، ونظرا لكون المصلى المذكور يقع وسط الأحياء التجارية والسكنية فإن الوزارة تفكر في تغيير استعمال المصلى إلى تجاري سكني، فهل يجوز ذلك؟
إن كان المصلى غير مبني وإنما تقام في أرضه الصلاة فقط فلا مانع من ذلك، وإلا فإنه يمنع أن يستغل إلا لنحو مسجد. والله أعلم.
هل يجوز تحويل قطعة أرض تنازل عنها أصحابها لبناء مسجد ليتمكنوا من بناء مجلس عام عليها لقربها من عدة مساجد، ولعدم وجود مجلس عام في تلك المحلة وهي مناسبة لذلك؟
نظرا إلى أنها بجوار مساجد فلا مانع من أن تحول إلى مجلس. والله أعلم.
زخرفة المسجد (4/207)
صفحة 1331
نحن في بلدتنا نبني مسجدا جامعا كبيرا على حساب الأهالي، ومجموعة من الأهالي ملحون على عمل الكاشي المزخرف الملون على جدار المسجد كما نراه الآن منتشرا في المساجد، ومجموعة أخرى تريد عمل كاشي لكن غير مزخرف، أي من لون واحد سادة، وذلك بسبب احتجاجهم بكراهية الشرع للزخرفة، فاتفقنا جميعا على أن نترك لسماحتكم هذا الموضوع وإفادتنا بما هو خير لنا في ديننا ودنيانا وآخرتنا ومنفعة للمسلمين، فبماذا تأمرون سماحة الشيخ في ذلك؟
الخير لكم في دينكم ودنياكم وآخرتكم عدم زخرفة المسجد اتباعا للسنة واجتنابا لمحدثات الأمور والله يوفقكم للخير. والله أعلم.
ما حكم عمل الجبس المزخرف بلون واحد فقط (أبيض ) على جدر المنطقة المحيطة بمحراب المسجد؟
ترك المزخرف على كل حال أفضل وإن كان ذلك من لون واحد، ولكنه أسلم من الألوان المختلفة.
ما حكم الفرشة المزخرفة زخرفة كثيرة بفرشها في المسجد؟
زخرفة الفراش أضر من زخرفة الجُدر لأنها تشغل المصلي أكثر مما يشغله ما في الجُدر فيجب اجتناب ذلك. والله أعلم.
تأجير أرض المسجد
توجد مجموعة من الراضي البيضاء موقوفة للمساجد وهي غير مستغلة أبدا في أي غرض كان، وقد تقدم في الفترة الأخيرة أحد المواطنين بطلب استئجار الأرض لإقامة ملعب كرة قدم علها، فهل يجوز تأجير هذه الأرض لإقامة ملعب عليها سواء لكرة القدم أو أي نشاط رياضي آخر؟
إن كان اللعب بالكرة بحالة لا يستكمل فيها ستر العورة الواجب أو تؤدي إلى إهمال المحافظة على الصلاة فهو محجور شرعا، و التعاون عليها بأي وجه كان هو من التعاون على الإثم المنهي عنه بنص القرآن، ولا يسوغ تأجير أرض له سواء كانت موقوفة أو غير موقوفة. والله أعلم. (4/208)
صفحة 1332
رجل مستأجر للمحل التجاري التابع للمسجد، وقد تعهد ببناء دكان إضافة للدكان القائم على نفقته الخاصة بشرط أن يؤجر الدكان عليه وألزم نفسه بذلك، وبعد فترة لم يتمكن من إقامة المحل، وهو يطلب حاليا تسليمه الصك المتعهد فيه وإعفاءه من تعهده؛ وذلك نظرا لضعفه المادي. فهل ذلك سائغ شرعا؟
إن كان عاجزا فلا يكلف ما ليس في وسعه. والله أعلم.
رجل كان مستأجرا إحدى الشقق التابعة للمسجد وكان ملتزما بدفع الإيجار لفترة من زمن، بعدها توقف عن دفع الإيجار مما ترتب عليه مبلغ وقدره تسعمائة ريال عماني، ونظرا لكون المذكور كان صاحب شركة مقاولات وعليه التزامات مالية لأكثر من جهة، الأمر الذي حدا بتلك الجهات تقديم شكوى ضده لدى المحكمة، وفي الآونة الأخيرة تقدمت أسرة المذكور برسالة يطالبون من خلالها بإعفاء والدهم من المبلغ الذي عليه لهذه الدائرة. فما قول سماحتكم في ذلك؟
إسقاط حق المسجد ليس في وسع أحد، ولكن يبقى ذلك دينا عليه إلى حالة يسره { وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ }(). والله أعلم.
استأجر رجل محلين تجاريين وقف لمسجد، وقد ترتب على المذكور مبلغ وقدره مائتان وثمانون ريالا شهريا، وعند مطالبته بدفع المبلغ تعذر عن الدفع لعدم استطاعته توفير المبلغ، بعدما تقدم برسالة يطلب فيها إعفاءه عن نصف المبلغ المذكور أعلاه، فهل يسوغ ذلك؟
أما الإعفاء فلا أرى له مساغا لأنه لا يملك أحد أن يسقط حق مسجد، وإنما ينظر إلى ميسرته إن ثبت إعساره لقوله تبارك وتعالى: { وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ }(). والله الموفق.
توجد محلات تجارية بجوار عدد من المساجد المنتشرة في البلاد، وتلك المحلات يعود ريعها لصالح تلك المساجد، وهي مؤجرة، وأغلب الباعة في تلك الدكاكين من الوافدين ويمارسون فيها بيع مختلف المواد ومن بينها (السجائر)، وقد كتب إلينا بع المواطنين مستنكرين تلك الظاهر السيئة، فهل يجوز ذلك؟ (4/209)
صفحة 1333
إن كانوا يبيعون المحرمات كالسجائر فلا يجوز إقرارهم عليه، ويجب إنكار ذلك عليهم. والله أعلم.
مال لوقف مسجد وله سقي على أحد أهالي المنطقة من ماء فلج، ودورانه المعتاد كل عشرة أيام، وهذا الوقف مهجور منذ أكثر من ثلاثين عاما، ولا توجد به زراعة ولا نخيل، وعبارة عن أرض فضاء، وكل الأموال التي حوله على وشك الانقراض، من الذي عليه الشرب؟ وهل يصح له شراء مقدار هذا الشرب حسب معرفة أهل الخبرة في أصول الأموال وتبقى الأرض للوقف؟
يجب أن تكون للمسجد قعادة هذا السقي على من ينتفع به بحسب دورانه المعتاد، ولا يجوز استغلال ذلك من غير عوض، فإنه ظلم للوقف والموقوف له. والله أعلم.
بيع أموال المسجد
عن مزارع للمساجد كانت تزرع زراعة واحدة وهي البر، وكانت تسقى بالنزح منذ خمسة عشر عاما، لا أحد يريدها لتغير الظروف، ولأن الأودية سالت عليها وهدمت السياج الحامي لتلك الأرض مما أفقدها قيمتها، واعتذر وكيل المسجد بأنه لا مال عنده لإصلاحها. فكيف يتصرف فيها؟
الأصل في الأموال الموقوفة وجوب بقائها على ما هي عليه من الوقفية وعدم جواز تحويلها عن ذلك؛ لأنه سبحانه وتعالى يقول في الوصية: { فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيم }()، وللوقف حكم الوصية في ذلك لاشتراكهما في قصد التقرب إلى الله سبحانه، ولكن إن أدى بقاء الموقوف على ما هو عليه إلى ضرر عليه أو على ما وقف لأجله من المصالح فلا مانع من التصرف فيه بالقياض، بل وحتى بالبيع إن لم يكن من ذلك بد بشرط الاستعاضة بما هو أجدى نفعا وأقل ضررا من الأموال، ليكون في حكم الوقفية بدلا من الأصل وليس هذا تبديلا؛ لأن الواقف لم يقصد إلا المصلحة فأينما وجدت اتبعت. والله تعالى أعلم. (4/210)
صفحة 1334
مسجد له أراض موقوفة، وهي قريبة من مساكن أهل البلد وأراضيهم. فهل يجوز لأحد من أهل البلد استبدال أرضه بأخرى مساوية لها من أرض الوقف، وصلاحية تربتها بنفس صلاحية أرض الوقف، وبرضى الوكيل القائم ورضي أهل البلدة؟
لا بُدَّ من رعاية مصلحة الوقف، فإن كانت المصلحة في ذلك ظاهرة، بحيث يكون الغبن له لا عليه فلا حرج، وإلا فلا يجوز ذلك. والله أعلم.
تقدم إلينا شخص لشراء الوقف الذي أوصى به رجل من قبل وقفا أبديا لا يباع ولا يوهب تنفذ غلته لصلاح المسجد، وهو عبارة عن حجرة مع المسبح والمطبخ بالإضافة إلى غرفة تقع في أعلى البنيان؛ وذلك من بيته الكائن بالمنطقة المذكورة الذي آل حاليا للمواطن المذكور أعلاه المتقدم لشراء الوقف ويرغب في إعادة بناء هذا المنزل، ولا يمكنه تحقيق ذلك إلا في حالة شراء الجزء الذي يخص وقف المسجد لكونه ملاصقا للبيت، ولا يمكن فصله بأي حال من الأحوال. فهل ترون سماحتكم إمكانية ذلك؟
الوقف لا يملك لأحد بيعه، اللهم إلا إن تعذر الانتفاع به فعندئذ يباح بيعه على نظر أهل الصلاح والخبرة في شئون الأموال، على أن يشترى بثمنه تحت إشرافهم البديل الأنفع، وأن لا يكون غبن قط على الوقف لا في البيع ولا في الشراء. والله أعلم.
هل يجوز بيع أراضي المسجد لأجل تعميره؟ (4/211)
صفحة 1335
إن الأصل في الأوقاف عدم جواز التصرف فيها ببيع ولا غيره، لقوله تعالى في الوصية: { فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيم }()، اللهم إلا إن اقتضت الظروف التصرف، كما إذ لم يمكن أن يعمر المسجد بحال إلا ببيع الوقف، ولم يكن مرجوا أن ينال تبرعا من الدولة ولا من المواطنين لعمارته، فلا مانع من التوسع بالبيع لأجل هذه المصلحة، شريطة أن يتم ذلك بإشراف أهل الورع والأمانة، مع ضمان القيام ببناء المسجد، وألا يتجاوز البيع ما تدعوا إليه الضرورة، { والله يعلم المفسد من المصلح }() وهو ولي التوفيق.
هل يجوز بيع منزل موقوف لمسجدين؛ حيث إن المنزل داثر وإعماره يكلف الكثير من المال، وللمسجد وقوفات تجارية عبارة عن محلات في السوق التجاري بحاجة إلى إعمار، فقد رأى جماعة المسجد أفضلية بيع المنزل وبقيمة تعمر المحلات التجارية؛ لأن هذا سيوفر دخلا أفضل للمسجدين؟
إن كانت مصلحة المسجدين في ذلك متعينة فلا مانع منه على شرط ألا يكون فيه غبن في الثمن على الوقف وأن يتم ذلك كله بأيدي الأمناء ذوي الخبرة في شؤون الأموال. والله أعلم.
نرغب في بيع قطعة أرض صغيرة مساحتها مائتي متر مربع تابعة للمسجد، وذلك لبناء مثلا منارة للمسجد أو شراء مكيفات له؟
إن كان ما يراد بيعها من أجله ضروريا ويتوقف على البيع فلا مانع منه، شريطة أن يتم على أيدي الأمناء ذوي الخبرة في شؤون الأموال. والله أعلم.
يطلب أهالي منطقتين بإحدى الولايات شراء موقع نخلتين تخصان أحد المساجد لرصف الطريق المؤدية إلى المنطقتين المذكورتين. فما الحكم في ذلك؟
مثل هذه الحالة يسوّغ قطع النخلتين لتوسعة الطريق مع تعويض المسجد عنهما بما هو أنفع له منهما. والله أعلم. (4/212)
صفحة 1336
توجد أرض زراعية تابعة لأوقاف بعض المساجد، قام الوكيل بتأجيرها لأحد المواطنين للزراعة الموسمية وبعقد وقع بين الطرفين لمدة معينة، ونظرا لوجود طريق مارة بعرض متر على هذا الطريق تؤدي إلى منزل المستأجر، قام هذا المستأجر بتوسعة الطريق المذكورة من أرض الوقف تسمح لمرور سيارة، فالمستأجر يرغب في بقاء هذه الطريق بنفس المساحة الحالية على أن يقوم بشراء هذه الزيادة وفق ما يراه العدول الأمناء ذوو الخبرة في هذا المجال. فما ترون في ذلك؟
إن كانت الزيادة في هذه الطريق لا تؤثر نقصا في قيمة الأرض فلا حرج في ذلك، على أن تصرف قيمتها في مصلحة نفس هذا الوقف، وحبذا لو كان العوض أصلا يضاف إلى الوقف نفسه. والله أعلم.
نود الإفادة بأن وكلاء لوقف تقدموا بطلب بيع ضاحية تابعة لمسجد، وذلك لغرض إقامة حفلات تجارية تعود بالنفع لصالح المسجد، علما بأنه تم عرض الأرض في المزاد العلني، وبلغت قيمتها مبلغا وقدره ستة آلاف ريال عماني. فما ترون سماحتكم في ذلك؟
لا مانع من ذلك عن كان السعر عادلا، على أن يكون ذلك بأيدي الأمناء ذوي الخبرة في شؤون الأموال، ويتم على أيديهم اختيار البديل المناسب للوقف حسب المصلحة. والله أعلم.
تقدم أحد المواطنين بطلب تخصيص أرض من أراضي الوقف التابعة لمسجد الحارة؛ وذلك لتكون مقبرة للأموات. فهل يجوز ذلك في حالة تعويض المسجد بأرض أخرى أو تثمينها بالبيع؟
إن كانت الضرورة داعية إلى ذلك فلا حرج فيه، على أن يعوض الوقف بما هو أرفع قيمة وأكثر جدوى من الأصول. والله أعلم. (4/213)
صفحة 1337
توجد مجموعة من الأجيال تشرب من الفلج، بمعنى بعض منها لها مياه معلومة والبعض الآخر له شرب، والآن أصبحت تلك الأموال متروكة ونخاف عليها من الانقراض، ونطلب جمعها في مكان واحد بحيث يكون الأصلح وبماء معلوم. فهل يصح ذلك في أموال المسجد؟ إن كانت هي موقوفة لمسجد فإن المساجد تجب مراعاة مصالحها؛ لأن حكمها حكم اليتامى، وقد قال تعالى: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ }()، فما دامت المصلحة متعينة في هذا الجمع ورآه أهل العدل والنظر في مصالح الأموال فلا بأس به. والله أعلم. (4/214)
صفحة 1338
وفق الله والدي في إعادة بناء وتوسيع مسجدين للجماعة بقريتي، وحفر أيضا بئرا لتكون مورد ماء للشرب بالقرب من الشارع العام القديم؛ ولكن لا زال الانتفاع منه قائما، وقد وقف جلبة نخيل بها ثمان نخلات وأثر ماء من الفلج، وبما أن البناء كان من الطين رغب أهالي القرية هدم المسجد وإعادة بنائه والتنازل عن دخل الجلبة بأنفسهم، كما أن المسجد الآخر والذي أتولى رعايته مع المورد قد عملت له تغطية من الداخل والخارج بالأسمنت، لكن بدأت التغطية الخارجية تسقط، ونرغب في بنائه بالأسمنت المسلح، ولدي ألفا ريال عماني أوصى بها عمي الهالك للمسجد نفسه، وأحتاج إلى سبعة آلاف أخرى لا أتوقع الحصول عليها كلها ممن يسعى إلى الخير، وليس هناك سعة في أرض المسجد لبناء دكان للدخل، وأنوي تخطيط البناء بأن أبني بقاعه دكانا يكون تحت صرح المسجد ويحتاج للرفع عن المعتاد إلى شيء بسيط، فهل يصح بيع الجلبة للاستفادة في بناء المسجد والاستعاضة من دخلها بالدكان الذي أخطط لبنائه حسبما ورد؟ مع العلم أن إيجار الدكان يساوي عشر أضعاف دخل الجلبة؟ بما أن هذه الجلبة موقوفة لمسجدين وبئر فإن صرفها لمسجد واحد فقط غير جائز، إذ لا يملك أحد أن ينزل عن حق المسجد لمسجد آخر ولا حق البئر إلا إن عوضه ما يسد مسد حصته من هذا الوقف، بحيث يكون له ريعه ويكون أصل هذا العوض وقفا بديلا لذلك المعوض، وفي هذه الحالة يبقى هذا الوقف خالصا للجهة التي أبقي لها، فإن اقتضت الضرورة بيعه وذلك بأن يحتاج المسجد المختص بالوقف إلى عمارة وتتعذر إلا بالبيع فلا مانع عندئذ من بيعه. والله أعلم. (4/215)
صفحة 1339
مسجد يمتلك عدد خمس عشرة نخلة متفرقة، وكان أحد المواطنين وكيلا لتلك النخيل، ونظرا لكونها لا تدر أي نفع للمسجد فقد تخلى هذا الوكيل عنها، وقد قام شيخ المنطقة بالبحث عن شخص آخر يقوم مقامه ولكن دون فائدة، وتم رفع الموضوع لقاضي الولاية فاقترح فضيلته ببيع تلك النخيل وشراء البديل الأنفع للمسجد، وتم طرحها في مزاد علني، ولكونها غير مجتمعة في مكان واحد فقد تفاوتت أسعارها. فنرجو من سماحتكم إبداء الرأي الشرعي في ذلك؟
إن لم يكن غبن على الوقف في البيع حسب حال هذه النخلات فلا مانع منه، على أن يعوض الموقوف ما هو أجدى نفعا من الأصول، وعلى أن يتم ذلك تحت إشراف الأمناء ذوي الخبرة في شئون الأموال. والله أعلم.
تقدم أهالي بعض المناطق بطلب توسعة مسجدهم باستقطاع جزء من الأرض الزراعية الخاصة بمسجد آخر بتلك القرية بواقع عدد سبع نخلات، حيث لا يوجد مجال آخر لتوسعة المسجد المذكور إلا بقطع هذه النخيل. فما قول سماحتكم في ذلك؟
إن تعذرت توسعته -وكانت ضرورية- إلا بقطع هذه النخلات فلا حرج في ذلك، وإن أمكن تعويض المسجد عنها فذلك أحوط. والله أعلم.
تقدم بعض الأهالي بطلب شراء نخلة نغال تابعة للمسجد وهي تشرف على الطريق المؤدية إلى المحلة بغرض توسعة الطريق. فهل يجوز موافقتهم على ذلك؟
إن كان ذلك أمرا ضروريا فلا حرج، على شرط أن يكون البيع بسعر عادل وأن يعوض المسجد بثمنه ما يعود بالمصلحة عليه، وأن يكون ذلك بإشراف الأمناء الثقات ذوي الخبرة في شئون الأموال. والله أعلم.
مسجد أراد أهله تجديد بنائه ولكن المبالغ الموجودة له لم تكف، وللمسجد أملاك تأثرت من جراء مرور شارع فعوضت بمبالغ. فهل يصح أن يكمل بناؤه من مبالغ التعويض أم لا؟
إن كان بناء المسجد ضروريا وكان متوقفا على الأخذ من هذه المبالغ فلا مانع من ذلك بقدر الحاجة فقط. والله أعلم.
ما قولكم في طلب بعض المواطنين القياض مع مال تابع لمسجد مقابل مبلغ معين؟ (4/216)
صفحة 1340
القياض لا يكون بنقد وإنما بعين متمولة وإلا كان بيعا لا قياضا، وعليه فلابد هنا أن يكون البديل إما مالا أخضر وإما عقارا وإما ماء يثبت للوقف، على أن يتم ذلك بموافقة قاضي الولاية، مع كون المصلحة فيه متعينة للوقف. والله أعلم.
نرغب في توسيع المسجد بالبلدة بحيث يصبح جامعا لأهلها ولإقامة صلاة الجمعة فيه، وكما يعلم سماحتكم فإن أعداد المصلين في ازدياد، وحاليا لا تقام صلاة الجمعة في البلدة، كما أنه لا يوجد موقع آخر مناسب لبناء جامع جديد، وأن هذا الموقع هو المكان الأفضل؛ حيث يقع في وسط البلدة، ولهذا اضطررنا إلى أخذ جانب من مال المسجد لتوسعته، والتفاصيل كما يلي: من الغرب موقع (4) نخلات، ومن الجنوب (3)، ومن الشمال نخلتين، ومن الشرق (2) نخلات، كما أن هناك ساقية تحيط بالمسجد من الجهتين الجنوبية والغربية، وعندما يتم بناء المسجد سوف يتم نقلها حسب إمكانية توسع المسجد، أي على حافة الجهتين كما هو عليه الحال. فهل يسع ذلك؟
إن اقتضت ذلك الضرورة ولم يكن مناص منه فلا حرج فيه. والله أعلم.
هل يجوز بيع عابية موقوفة لمسجد وذلك لغرض تغطية المبالغ التي سوف تكفلها عملية الإصلاح وترميم المسجد، علما بأنه تعذر الحصول على مبالغ لتغطية تكاليف إصلاح المسجد؟
إن كان هذا الترميم ضروريا لأجل المحافظة على المسجد، وكان متعذرا إلا ببيع هذه العابية فلا حرج في بيعها لهذا الغرض؛ على أن يكون ذلك بأيدي الأمناء الموثوق بهم ذوي الخبرة في شئون الأموال، من غير أن يكون على المسجد غبن. والله أعلم.
مسجد يمتلك عدة نخيل، وفي الآونة الأخيرة تقدم أهالي البلدة بطلب بيع شيء من تلك النخيل لغرض بناء دورات مياه للمسجد المذكور. فهل يجوز ذلك؟
إن تعذر بناء هذه الدورات إلا ببيع هذه النخيل، وكان بناؤها من ضرورات المسجد اللازمة فلا أجد حرج من الترخص في ذلك. والله أعلم. (4/217)
صفحة 1341
معسكر يشغل قطعة أرض موقوفة لعدة مساجد، وقد تم تأجيرها للوزارة التابع لها هذا المعسكر منذ فترة زمنية طويلة، وقد وصلت القيمة الإيجارية للأرض حاليا مبلغا وقدره ألف ومائتا ريال سنويا. سماحة الشيخ المفتي: إن العائد من إيجار الأرض يصرف على المساجد ومدارس تحفيظ القرآن الكريم متمثلا في صرف رواتب شهرية للقائمين على المساجد من أئمة وعمال نظافة ومدرسي قرآن، بالإضافة إلى أعمال الصيانة التي تتطلبها تلك المنشآت، وهذا الأمر يكلف مبالغ طائلة، فقمنا بمخاطبة القائمين على المعسكر حول إمكانية رفع قيمة الإيجار لتصبح ألفين وأربعمائة ريال عماني بدلا من الإيجار السابق، وقد جاء ردهم بعدم إمكانية ذلك، وقد اقترحوا تعويض الوقف بأرض أخرى من نفس الولاية بدلا عن الأرض الحالية التي يشغلها المعسكر، وللعلم فإن الأرض المقترحة لن تكون بذات الأهمية، وكما تعلمون سماحتكم فإن موقع الأرض الحالية ذو أهمية؛ حيث إنها بالقرب من سوق الولاية، وتقع في منطقة نشطة تجاريا وعمرانيا فضلا عن كونها تمثل مصدر دخل ثابت لتلك المساجد التي وقفت من أجلها. فهل يجوز موافقتهم على ذلك؟
المساجد كالأيتام في وجوب المحافظة على أموالها ورعاية حقوقها واتباع مصالحها، وعليه فلا يجوز قبول عوض عن هذه الأرض الموقوفة للمساجد يكون أقل منفعة أو قيمة منها. والله أعلم.
ما قولكم في رجل توفي وترك وصية نصف مزرعة محاطة بجدار غير ثابت ونذر بها للمسجد، والمسجد مسجد نذر ينذرون عليه بذبائح وبالحلوى والخبز وغيرها من الأمور، ويقع في منطقة نائية في الجبال، وهذه الوصية منذ أكثر من 200سنة. فما قولكم في هذه الوصية؟
إن تعذر صرف الناس عن النذر لهذا المسجد فيجب أن يصرف ريع هذا الوقف إلى مسجد آخر كالمسجد الجامع. والله أعلم. (4/218)
صفحة 1342
مسجد يمتلك قطعة أرض، وهو بحاجة إلى ترميم حيث إنه في موسم الأمطار تنهمر المياه على المصلين من خلال السقف، والمسجد لا يمتلك مالا نقديا. فما هو رأيكم الشرعي حول إمكانية بيع الأرض لإعادة بناء المسجد وإصلاحه؟
مع ضرورة الترميم وتوقفه على بيع شيء من ممتلكاته لا يمنع ذلك، شريطة أن يقتصر منه على قدر الحاجة، وأن لا يكون غبن على المسجد في البيع، وأن يتم على أيدي الأمناء ذوي الخبرة في شئون الأموال. والله أعلم.
هل يجوز استغلال الضاحية الكائنة في الجهة الشرقية من موقع مسجد والتابعة لوقف هذا المسجد؛ وذلك بإقامة مدرسة لتعليم القرآن الكريم ودورات مياه للمسجد، وقد وقف عليها قاضي الولاية فكان رأيه هو لا نرى مانعا من إقامة ذلك على ضوء إجماع جماعة المسجد والصالحين لما سوف يؤديه المشروع من خدمة ولما سيعود به من منفعة. فما تعليق سماحتكم على ذلك؟
دورات المياه أصبحت من الضرورات للمسجد فنرى اعتماد رأي فضيلة القاضي. والله أعلم.
قطعة أرض وقف لمسجد البلدة، وموقع هذه القطعة قريب من موضع سيل الوادي، ومحاطة بأراض سكنية من الجهات الأربع، ومع ذلك هي بعيدة عن المسجد، واتخذها الناس معبرا لسياراتهم، وهي لا تصلح للزراعة وتكاد تنقرض مع مرور الزمن. فهل يجوز بيع هذه القطعة بواسطة الأمناء والاستفادة من عائدها لإصلاح المسجد، والذي هو في حاجة ماسة للإصلاح، وليس له أموال غيرها؟
لا بأس في بيعها بقدر ما تستحق من قيمة، والاستعاضة بثمنها أصلا يعود بالريع على المسجد الموقوف، على أن يتم ذلك تحت إشراف الأمناء من ذوي الخبرة في قضايا الأموال. والله أعلم.
نخيل موقوفة لمسجد البلدة، وهي تقع على الطريق العام بالبلدة، والآن يراد توسعة هذا الطريق بسبب حوادث السيارات. فهل يصح تعويض هذه النخيل بأخرى مثلها أو أحسن منها؟ وإذا تعذر إيجاد النخيل البديل، فهل يصح بيعها وبثمنها يتم صيانة المسجد الموقوفة له؟ (4/219)
صفحة 1343
إن كان الوقف يعوض بنخيل لا تقل قيمة ولا منفعة عن هذه النخيل فلا مانع من ذلك، وأما تعويض القيمة فلا، إلا إن صرفت القيمة في شراء نخيل لا تقل عن هذه النخيل المعوض عنها من جميع النواحي. والله أعلم.
لدي أموال موقوفة للمسجد الجامع بالبلدة، وهذه الأموال لها مدة طويلة وهي دائرة ولم نجد أحدا يتكفل برعايتها، وأصبحت موقفا للسيارات، كما أن مياهها يسقى بها أموال الآخرين، وهذه الأموال ودوران سقيها معروفة بوجودي في الحياة، وخوفا من أن تكون عوابي يابسة فيما بعد نستفتيكم في بيعها وإيجاد البديل الأصلح بثمنها للمسجد؟
الأوقاف حكمها حكم اليتيم في وجوب رعاية مصلحتها، فإن الله يقول في اليتامى: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ }()، وبما أن مصلحة هذا الوقف في بيع هذه الأراضي فلا مانع من بيعها بالنداء العلني أو السوم -إن كان أصلح-، على أن يشترى بقيمتها من الأصول ما هو أجدى نفعا للوقف، وشريطة أن يتم ذلك على أيدي الأمناء ذوي الخبرة في شئون الأموال. والله تعالى أعلم.
ما قولكم في أرض موقوفة منذ مدة طويلة لمسجد، فأراد أحفاد الواقف بيعها لغرض إعمار المسجد أو تقسيمها بينهم. فهل يجوز لهم ذلك؟
لا يصح بيع وقف مسجد في غير ضرورة داعية، كما لو تهدم المسجد ولم يمكن بناؤه إلا ببيع ماله، وأما تقسيم ثمن الوقف بين البائعين فذلك عين الظلم. والله أعلم.
والدي وقف أربع نخلات لمسجدين، وكانت تلك النخلات مغروسة أمام المنزل، وقد مضت عليها السنون وسقطت، والآن أريد أن أشيد منزلا وأضم القطعة التي كانت بها النخيل إلى المنزل، وأستبدل الموقوف بآخر من مالي الخاص. فهل هناك مانع شرعي في مثل هذا؟
لا مانع من ذلك بشرطين:
أولهما: أن يكون العوض خيرا من المعوض عنه.
وثانيهما: أن يتم ذلك بأيدي الأمناء ذوي الخبرة في مصالح الأموال. والله أعلم. (4/220)
صفحة 1344
ما قول الشرع في رجل هم ببيع شيء من أموال الوقف التابعة لأحد المساجد بغرض إنشاء دورات مياه للمسجد (مع أنه ليس وكيلا لتلك الأموال)، علما بأن أصحاب البلد قد أبدوا استعدادهم لتحمل نفقات هذا المشروع دون الحاجة لبيع أي شيء من أموال الوقف، ولكن هذا الرجل أبدى إصراره ورفضه لتلك الاستعدادات وأبى إلا أن تقام هذه الدورات من أموال المسجد؟
الوقف لا يباع إلا للضرورة، وفي حال عدمها لا يجوز بيعه، وبما أن الضرورة في مثل هذه الحالة المذكورة لا وجود لها لسد الحاجة بتبرع المتبرعين لا داعي إلى البيع ولا مبرر له. والله أعلم.
أهالي إحدى المناطق تقدموا بطلبهم فتح طريق لمحلتهم والتي ستعبر على مال لمسجد قصرى، وقد جاء في رسالتهم بأنهم على استعداد لدفع التعويض العادل عن مساحة الأرض التي تأخذها الطريق وحرمها. فهل يسوغ ذلك شرعا؟ علما بأنه لا يوجد مكان بديل لتحاشي مرور الطريق بأرض الوقف؟
مع الضرورة لا مانع من توسيع الطريق في أرض الوقف، على أن يعوض الوقف أرضا أخرى هي أوفر قيمة وأكثر دخلا. والله أعلم.
عندنا مسجد ببلدنا وله مال في بلدة أخرى، وهذا المال لا يجلب مصلحة للمسجد، ولا منفعة منه بل فيه دفع مغرم، ولا دخل لهذا المسجد حتى يسدد المغارم، وله مال آخر في بلدة ثالثة ولا فائدة منه أيضا. والمسجد محتاج إلى نوافذ وأبواب وإصلاح جدرانه وتسقيف الصرح، فهل يصح بيع هذا المال ويعمر من ثمنه المسجد، وما بقي من الثمن يشترى به مال من نفس البلدة التي بها المسجد؟
لا حرج في ذلك مادامت المصلحة تقتضيه؛ على أن يتم ذلك بأيدي الأمناء ذوي الخبرة في شئون الأموال. والله أعلم.
عندما يُبنى مسجد يقال للناس: من أراد أن يتبرع أو أن يوقف شيئا من ماله لأجل نفع هذا المسجد فعليه أن يفعل، فقام أحدهم وأتى مثلا بألف طابوقة واستخدم منها مثلا خمسمائة وبقي العدد الباقي، فكيف يتصرف به؟ (4/221)
صفحة 1345
هي ملك للمسجد فتباع لمصلحته، فإن كان المسجد بحاجة إلى عمارة فليعمر بها، وإن لم يكن بحاجة إلى عمارة فمن الممكن أن يدخل المبلغ في شراء أصل يكون وقفا للمسجد ويعود ريعه عليه. والله أعلم.
إتلاف أموال المسجد
شب حريق في نخيل تابعة للمساجد تسبب فيها عامل أجنبي استأجره مواطن لإزالة المخلفات الناتجة عن الشراطة وغيرها، وقد حرقت أمواله وأموال لمسجد، فوجد خمس عشرة نخلة للمساجد طالها الحريق بالكامل، وبسؤال المواطن للعامل هل قمت بإخماد الحريق فأجابه بنعم، فاعتمد على كلامه دون أن يراجعها بنفسه، ولكن بعد ذلك هبت ريح اشتعلت على إثره النار في بعض الحشائش الجافة وحدث ما لم يتوقع. فمن الضامن لها في هذه لحالة؟ وهل على المواطن من ضمان وإن كان فقيرا؟
بناء على ما اطلعت عليه من قبل لا أرى أن على ذلك المواطن ضمانا، لأنه لم يكن السبب في الحريق وإنما هو من فعل غيره، وذلك الغير بالغ عاقل، فالضمان يتعلق بالمتسبب دون صاحب العمل. والله أعلم.
تقدم إلينا شخص برسالة ذكر فيها بأنه يوجد بساحة المسجد عندهم نخلة عالية لا تدر أي مصلحة للمسجد، وهذه النخلة ضارة بالمسجد خاصة عند هبوب الرياح تشكل خطرا على بناء المسجد، وكذلك خط الكهرباء الخاص بالمسجد، فهل يجوز إزالة هذه النخلة لتفادي الضرر الذي سوف يلحق بالمسجد من جانب النخلة؟
بما أن إزالتها ضرورية فإزالتها واجبة دفعا للضرر. والله أعلم.
ما قول سماحتكم في رجل بنى مسجدا وبنى أيضا لهذا المسجد دكانا بجنبه، ثم أجر الدكان بثلاثين ريالا عمانيا، ومن هذا المبلغ ما يصرفه لصالح المسجد كإصلاح المصابيح وغيرها، وما بقي من المبلغ يأخذه له، فهل ترون عليه شيئا في دينه إذ هو القائم بشئون المسجد من أذان وتنظيف؟
بما أنه جعل الدكان وقفا للمسجد فقد أخرجه من ملكيته إلى ملكية المسجد، فليس له أن يأخذ من إيجاره شيئا. والله أعلم. (4/222)
صفحة 1346
هل يحق لأهل البلد أن يتصرفوا تصرف المالك في أرض بئر زراعية ومعهودة من قبل بالزراعة، ولأرض خاصة لمساجد الله، ومن بينهن جامع المسلمين على أن يوزعوا تلك الأرض سكنا لهم للتوسع، مع العلم أنهم يسكنون بيوتا غيرها من قبل ولديهم أملاك من نخيل وأراض، واتفق أمرهم على أن يجعلوا على كل بيت في أرض المساجد ريالين أو ثلاثة ريالات سنوية، ومنهم من ملك قسطه من الأرض شريطة أن يعوض المساجد نخلة أو نخلتين، وأن لو قعدت الأرض للزراعة ربما المصلحة أكثر من ذلك. فهل يصح شرعا السكوت عن عرفهم؛ حيث إنهم لم يناظروا علماء المسلمين لإبداء رأيهم عن هتك محارم الله؟
إن التصرف في أوقاف المسلمين بمثل هذه الحالة لا يصح لحرمة تبديلها، فإن الله سبحانه وتعالى يقول في الوصية: { فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيم }() والوقف داخل في حكم الوصية، اللهم إلا إذا نظر في ذلك أهل الصلاح والخبرة مصلحة للوقف وذلك بتوفير دخله فلا مانع من مثل هذا التصرف، شريطة أن يتم ذلك على رأي أهل المعرفة بالمصالح في الأموال المبرئين من الميل والهوى. والله أعلم.
توجد في بلدتنا أرض تخص مسجدا بجواره غير بعيدة عنه، فأراد وكيل المسجد والبلدية إقامة ملاهي وألعاب للأطفال مما يؤدي إلى اجتماع السفهاء الذين لا خير فيهم والذين يقومون بإزعاج المصلين وإزعاج أهل الطرق، وإذا أقيم هذا الملهى فإن أرض وقف المسجد ستذهب. فهل ترى هذا العمل يصح؟ وإذا جاز فكيف؟ وهل يصح لنا نحن الأهالي السكوت على ذلك؟
ليس ذلك للوكيل، وإنما عليه أن يستغل الأرض لصالح المسجد. والله أعلم.
صرف أموال المسجد في غير مصالحه (4/223)
صفحة 1347
بناء على الفتوى التي صدرت منكم في المسجد القديم بولايتنا بأنه لا مانع من تحويله إلى مدرسة للقرآن الكريم -لأجل الضرورة التي بينت في السؤال- مع مراعاة حرمات المسجد فيه، بحيث يكون حكمه حكم المسجد، فالآن قد بني عنه مسجد آخر بجانبه. والسؤال عن مال المسجد القديم هل يجوز تحويله لإصلاح المسجد الجديد أم لا؟
بما أن المسجد السابق عطل فلا مانع من صرف غلة ماله إلى المسجد الجديد، هذا إن كان بناء المسجد الجديد أمرا ضروريا؛ وذلك بأن يكون المسجد السابق لم يتسع للمصلين، وتعذرت توسعته لأجل ضيق أرضه، ولم يمكن أن تضاف إلى أرضه أرض مجاورة له، وأما إن كان الأمر بخلاف ذلك فإن إحداث المسجد الجديد بجوار القديم منكر تجب إزالته. والله أعلم.
ما قولكم في مال موقوف لبناء مساجد ويوجد فيه بقية نخل، فأراد العاملون في مال الوقف المذكور بناء مصلى للعيدين فيه بالإسمنت، فهل يصح ذلك؟
لا يجوز التصرف في الوقف بخلاف ما تقتضيه الوقفية، وإيجاد بناء في وسط الأرض الموقوفة مما يمنع الانتفاع بها في مصلحة الوقف، لذلك نرى ترك ذلك أسلم. والله أعلم.
مال موقوف لمسجد، وله سقي على أحد أهالي المنطقة من ماء الفلج، ودورانه المعتاد كل عشرة أيام، هذا الوقف مهجور أكثر من ثلاثين عاما ولا توجد به أي زراعة أو نخيل (عبارة عن أرض فضاء)، وكل الأموال التي حوله على وشك الانقراض، فمن الذي عليه الشرب؟ وهل يصح له شراء مقدار هذا الشرب حسب معرفة أهل الخبرة في شئون الأموال وتبقى الأرض للوقف؟
يجب أن تكون للمسجد قعادة هذا السقي على من ينتفع به بحسب دورانه المعتاد، ولا يجوز استغلال ذلك من غير عوض، فإنه ظلم للوقف والموقوف له. والله أعلم. (4/224)
صفحة 1348
تقدم أهالي بلدة ما بطلب الموافقة لهم على بناء دورات مياه لمسجد الدك، والذي يعاد بناؤه على نفقة أحد المواطنين في مال مسجد الحمامين، وذلك لعدم وجود موقع مناسب لإقامة هذه الدورات، عليه نرجو التكرم من سماحتكم إبداء رأيكم الشرعي حوله ليتسنى لنا عمل اللازم بشأنه وفق فتوى سماحتكم؟
نرى من باب الحيطة أن يعوض المسجد الذي له هذه الأرض بقدر قيمتها. والله أعلم.
نفيدكم علما بأنه يوجد مسجد كبير بسوق الولاية وعليه جماعة كثيرون من أهل البلدة والوافدين للسوق، ويوجد به دورات مياه مغلقة وذلك بسبب وجود بئر قريبة من المسجد، وقد تأثرت هذه البئر بالصرف الصحي، وبقي المسجد بدون دورات مياه سوى محلات للوضوء فقط، ولا توجد به سعة لإقامة دورات مياه مع الصرف الصحي، وقد خاطبنا إدارة الأوقاف بالمنطقة الداخلية ولم نجد حلا لهذا الموضوع، وتوجد أرض قريبة من هذا المسجد وهي تخص مسجد آخر، فهل يجوز أن نأخذ هذه الأرض؟
لا مانع من استغلال هذه الأرض بإقامة دورات مياه فيها للمسجد المجاور لها، على أن يعوض المسجد المالك لها بالبديل الأنفع على رأي الأمناء ذوي الخبرة في شئون الأموال. والله أعلم.
مسجد بُني على نفقة الأهالي، ويتبع له دكان مؤجر بإيجار شهري وقدره ثلاثون ريالا، وليس له دخل آخر، مع العلم بأنه يوجد للمسجد عامل يقوم بنظافته مقابل راتب شهري وقدره خمسون ريالا. فهل يجوز التصرف بالمبلغ المتحصل من إيجار الدكان وصرفه للعامل كراتب شهري، أم يبقى هذا المبلغ ادخارا لحاجات المسجد الضرورية، وراتب العامل يصرف من حساب تبرعات الأهالي؟ وهل يلزم وجود عامل بالمسجد؟
إن كان الدكان موقوفا لعمارة المسجد فلا يجوز صرف دخله لغير ذلك كأجرة للعامل؛ لأن ذلك خارج عن العمارة الموقوف لها. والله أعلم. (4/225)
صفحة 1349
رجل قام بحفر بئر على نفقته الخاصة لصالح المسجد، فهل له الاستفادة منها باستعمالها لسقي مزرعته المجاورة للبئر، مع تعهده باستمرارية تزويد المسجد بالماء وبدون دفع إيجار للمسجد؟
إن كان حفرها للمسجد فليس له الانتفاع بها، إلا إن كان يعوض المسجد قدر انتفاعه. والله أعلم.
مسجد يملك مالا أخضر، وهذا المسجد داثر، وبجانبه مسجد بحالة جيدة والناس تصلي فيه. هل يجوز الأخذ من مال هذا المسجد المندثر لصيانة المسجد المجاور له؟
لا مانع من ذلك مع بقاء الأصل للمسجد الأول فلعله يعود يوما إلى أداء دوره بعد عمارته. والله أعلم.
هل يصح بناء دورات مياه لمسجد على قطعة أرض موقوفة لصالح ثلاثة مساجد بالبلدة نفسها وعلى نفقتهم الخاصة؟
أرى أن يعوض الوقف عن هذه الأرض التي تقام عليها دورات المياه؛ ذلك لأن وقفيتها ليست لهذا الأمر وإنما تراعى حالة الضرورة.. والله أعلم.
عن محلة موقوفة، وقد بنى بها أحد المحسنين دكانا وجعله وقفا للمسجد، هل يجوز تغيير هذا الدكان إلى مجلس تابع للمسجد؟
إن كانت الأرض موقوفة للمسجد وبنى عليها دكان وكان لمصلحته فلا يجوز تغييره إلى مجلس.. والله أعلم.
يوجد لدينا مسجد في القرية التي نسكنها، والأهالي قديما كانوا يقطنون في بيوت مبنية بالطين، وهذا المسجد موجود من ضمن هذه البيوت، ثم انتقل أهل القرية إلى الجانب الآخر فبقي هذا المسجد من ضمن البيوت التي انهارت، ولم يوجد أحد يصلي فيه وليس يوجد بقربه ماء، والمسجد يوجد لديه غلة. فهل من الممكن نقل هذه الغلة إلى المسجد الآخر والذي تقام فيه الصلوات الخمس جماعة من الأهالي، وهذا المسجد يحتاج إلى إصلاحات مثل الصيانة و الأصباغ ولم توجد له دراهم تكفي لإصلاح المسجد، والمسجد الذي انهار لوجمت غلته لعدة سنوات قادمة لا تكفي لإصلاحه، وهو بعيد عن الأهالي؟
نعم تنقل الغلة مع إبقاء الأصل الموقوف له لعله يعمر في يوم ما. والله أعلم. (4/226)
صفحة 1350
تقوم الجهات المسئوله برصف طريق، فهل تجوز إزلة جزء من سور المسجد الذي تأثر بمسار الشارع العام الذي يرصف حاليا في تلك المنطقة؟
إن تعذر تفادي ذلك فعلى الجهة التي تقوم بهذا المشروع أن تصلح سور المسجد وأن تعوضه أرضا أخرى تكون أجدى له. والله أعلم.
مواطن سحب مياه لسقي مزروعاته من بئر مسجد، فهل يسوغ ذلك؟
يجب أن تراعى مصلحة المسجد، فإن كانت مصلحة المسجد متعينة في ذلك، وكان ذلك برأي الصلحاء أهل النظر فلا مانع منه. والله أعلم.
امرأة مطلقة وفقيرة ومعيلة لأولاد صغار السن، وتجد مشقة كبيرة أثناء بحثها عن سيارات نقل المياه، وتريد أن تنتفع بمياه الشرب من البئر التابع للمسجد الواقع على الشارع العام بالقرب من منزلها، فهل ترون جواز ذلك لها؟
إن كانت تنتفع بما يفضل من الماء عن حاجة المسجد فلا مانع من ذلك. والله أعلم.
هل يجوز قطع جزء من المسجد لفتح شارع فرعي بين المسجد والبيت المجاور له؛ حيث إنه كان فيه سابقا ممر للناس ولكن لا يسع مرور سيارة، وبعد توسعته سوف يتسع لسيارة كبيرة تحمل المياه، وفي الحقيقة هي تشوش على المصلين في وقت الصلاة عند تشغيلها، فهل يجوز فتح طريق لهذه السيارة؟
أما إخراج جانب من المسجد عنه من أجل إدخاله في الطريق فذلك غير جائز؛ لأن للمسجد حرماته إلى يوم القيامة، وإن كان ذلك الجزء غير داخل في المسجد وإنما هو من ممتلكاته ولا تترتب مضرة على إدخاله في الطريق فلا مانع من ذلك، شريطة تعويض المسجد بما هو أصلح له. والله أعلم.
يوجد مسجد بمطقتنا وقد تم هدمه وبني مبنى جديد (غير مسجد)، وتوجد للمسجد المذكور بعض النخيل، وقد تقدم بعض المواطنين بطلب تخصيص هذة النخيل لمسجد قرية مجاورة بدلا من المسجد الذي تم هدمه. فما قول سماحتكم في ذلك؟ (4/227)
صفحة 1351
إن كان هنالك أمل بأن يبنى مسجد عوضا عن المسجد الذي هدم فينبغي أن تخصص هذه الأموال للمسجد المبني، وإلا فتصرف الغلة إلى مسجد آخر من المسجد المحتاج إلى النفقة من جهة أخرى لعدم وجود وقف له. والله أعلم.
المسجد الشرقي ببلادنا تهدمت أسقفه وبعض من جدرانه وأصبح غير صالح لإقامة الشعائر الدينية فيه، وله أراض مر الشارع المرصوف في جزء منها، وعوض مبلغا يزيد على أحد عشر ألف ريال عماني، وقد بني على أرض هذا المسجد أو جزء منها مسجد جديد منذ سنوات، ويريد الآن بعض الناس أن يصرفوا المبلغ المعوض للمسجد الأصلي في توسعة المسجد الجديد؛ كونه قرب الشارع وبجوار منازلهم، مع أن معظم أهل البلد يقطنون الحارة الشرقية ويلحون على ترميم وإعادة بناء المسجد الشرقي؛ لأن له أموالاً وما يزيد من مصاريف التعمير هم على استعداد للتبرع له؛ كونه في وسط الحارة، علما بأن المسجد الجديد ليس له أي أرض بل أقيم على أرض المسجد المعوض. هل يجوز أن يبقى المسجد صاحب المال داثراً وثلثا أهل المنطقة يطالبون بأعماره لحجتهم إلى إقامة الشعائر الدينية فيه، وتعطى أمواله إلى مسجد آخر يوسع بها، وأن المنازل الواقعة في ناحية ذلك االمسجد هي أقل من ثلث المنازل؟
لا يجوز صرف هذا المبلغ إلى مسجد آخر وترك المسجد الموقوف له داثراً؛ لأن المال مخصوص بهذا المسجد، فكيف ينقل عنه إلى غيره مع حاجته إليه وحاجة الناس إلى هذا المسجد نفسه لإقامة الصلاة فيه. والله أعلم.
ما تقول في مسجد له طريق واحدة وهي من أمام المسجد وهي كذلك صعبة، وهناك جلبة نخل لمسجد ثان. فهل يجوز أن يشق طريق خلال هذه الجلبة للمسجد المذكور؟ علماً بأن هذه الجلبة حائلة بين هذا المسجد والطريق العمومي، والقصد من ذلك هو الصلاح والإصلاح. فما هو الحكم الشرعي في ذلك؟
لا يجوز استحداث طريق في وقف مسجد؛ لأن ذلك مضر بالوقف ومناف لأحكام الوقفية. والله أعلم. (4/228)
صفحة 1352
ما قولكم في وقف خيري للمساجد، فهل يجوز أن يبدل من فعل خير إلى وقف ذرية، والمساجد خربة، والغلة يأكلها رجل مفسد غير مصلح؟
لا يجوز تبديل الوقف عما وقف له، لقوله تعالى في الوصايا: { فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيم }()، وحكم الوقف كحكم الوصايا. والله أعلم.
لقد تقدم أهالي بعض المناطق بطلب الموافقة على تخصيص أحد المحلين التجاريين التابعين لوقف مسجدهم مدرسة لتعليم القرآن الكريم، فهل يجوز ذلك؟
إن كان المحل عاطلا بحيث لم يوجد من يستأجره فلا مانع من استخدامه لهذه المصلحة مؤقتا إلى أن يتهيأ الظرف المناسب لخلاف ذلك. والله أعلم.
صرف الفاضل من غلة مال المسجد
ما قولكم في رجل بنى محلات تجارية للجامع لكونه هو الذى بناه سابقا؛ وذلك لقصد عماره وتعميره، فهل صح لي أن أنفق ما فضل عن حاجة هذا المسجد الجامع من مصالحه لطلبة العلم فيه، وتشجيعهم لطلب العلم، وتقريبهم إليه للدراسة أم لا يصح ذلك؟
نعم ذلك جائز لك بل هو من القربات إلى الله لما فيه من نشر المعارف، وقد أفتى علماؤنا -رحمهم الله- بجواز إنفاق فضلات أموال المساجد في المنافع التي تتفق عليها الجماعة، ونشر العلم في مقدمة المنافع التي ينبغي الحرص عليها وإنفاق المال في سبيلها فامض في ذلك. والله أعلم.
وقف دخله السنوي يتراوح ما بين أربعمائة إلى خمسمائة ريال عماني يصرف بكامله إلى خطيب الجمعة، فهل يجوز ذلك أم لا؟ علما بأن مصريف الوقف يتحملها المستأجر، والمسجد حاليا ليس في حاجة إلى هذا المبلغ، وما الحكم لو كان الوقف مطلقا لا يختص بمسجد معين؟
إن كان المسجد في غنى عن ذلك واتفق أصحاب المسجد على أن يعان بهذا المبلغ خطيب الجمعة إلى أن يجدوا مخرجا فلا حرج في ذلك. والله أعلم. (4/229)
صفحة 1353
مواطن تقدم بطلب مساعدة شهرية نظير قيامه بإمامة المصلين بمسجد قامت الوزارة بإعادة بنائه، وقد تمت مخاطبة جهات الاختصاص بالوزارة لتوفير المساعدة إلا أن الرد جاء بالاعتذار، وقد اقترح بعضهم بتعين المذكور على مساعدة مقدارها ثلاثون ريالا عمانيا شهريا من دخل جامع السوق الذي يوجد به إمام وعامل نظافة معينين على درجة مالية، فهل ترون جواز ذلك؟
إن كان ذلك من فضل غلة أوقاف المسجد المذكور الزائد على حاجة المسجد الموقوف له فلا حرج على نظر أهل الرأي هنالك. والله أعلم.
توجد مساجد لها أموال ومساجد ليس لها أموال، فهل يجوز صيانة أو نظافة المساجد التي ليس لها أموال من دخل المساجد التي لها أموال؟
لا مانع من ذلك إن كانت الصيانة والنظافة من الفاضل عن حاجة تلك المساجد التي لها هذه الأموال. والله أعلم.
هل يلزم وكيل المسجد أن يشتري مكيفا للجماعة من عنده أومن وقف المسجد؟
إن كان في غلة الموقوف للمسجد فضلة وأرادت الجماعة منها مكيفا للتبريد فعلى الوكيل أن يشتري لهم منها، وأما أن يشتريه من ماله فلا يجب ذلك عليه إلا إن تبرع. والله أعلم.
هل يجوز شرعا الصرف على تكاليف حفر القبور وتجهيز الموتى من المبالغ الفائضة التابعة للمساجد إن تعذر وجود مبلغ لذلك؟
إن كان ذلك المبلغ فائضا عن حاجة المسجد واتفق رأي جماعة المسجد على صرفه في هذا السبيل فلا مانع منه. والله أعلم. (4/230)
صفحة 1354
نفيد سماحتكم بأن وكيل أحد الجوامع عقد اتفاقية بينه وبين المقاول للقيام بهدم وإعادة بناء مسجد من دخل المسجد، حيث بلغت قيمة الاتفاقية سبعة عشر ألف ريال عماني، وقد استلم المقاول المذكور حتى الآن مبلغا وقدره عشرة آلاف ومائة ريال عماني، وتبلغ أموال المسجد الحالي ألفين وخمسمائة ريال عماني، ولا زال المقاول يطلب سداد ما تبقى له من مبالغ، علما بأن المشروع شارف على الانتهاء. يرجى التكرم من سماحتكم إفادتنا بالرأي الشرعي الشريف في إمكانية صرف المبلغ من الدخل العام للمساجد والموجودة بالدائرة؟
يجوز الصرف من فضلات الأوقاف، بشرط أن يكون زائدا عن حاجة الجهة الموقوف لها، وكون الجهة المصروف لها لا تختلف عن الجهة الموقوف لها. والله أعلم.
مال موقوف لمسجد بإحدى القرى، وهناك صك بخط الشيخ العلامة ماجد ابن خميس بتفويض جماعة المسجد في إنفاق الفاضل من الغلة في إصلاحه وعمارته وضيافة النازل بتلك البلدة، فهل يجوز لجماعة المسجد صرف الفاضل من الغلة في إصلاح فلج البلدة المذكورة؟
مقتضى الصك الذي كتبه شيخنا الماجد -رحمه الله تعالى- أن الفاضل من غلة المال الموقوف عن إصلاحه وعمارته وضيافة النازل بتلك البلدة يصرف في أبواب البر التي يراها جماعة المسجد، وهذا يدل على تفويضهم في نظر المصلحة التي ينفذ فيها ما فضل من غلة المال، وعليه فلا أجد مانعا من إنفاق هذا الفاضل في مصلحة الفلج إن اتفق على ذلك جماعة المسجد. والله أعلم.
البناء على أرض المسجد
تقدم رجل بطلب عمل مظلة لسيارته على أرض موقفة لمسجد، فهل يجوز ذلك؟
يجب أن يحافظ على أراضي المساجد كما يحافظ على أموال اليتامى أو أكثر، فقد يبلغ اليتيم ويتسامح في حقه ولكن أنى للمسجد أن ينزل أحد عن حقه؟ فلا مجال لمثل هذا الطلب. والله أعلم. (4/231)
صفحة 1355
يوجد ببلدتنا مسجد أسس منذ ما يربو على مائة وعشرين سنة، ولهذا لمسجد -بجانبه- أموال وقف له (نخيل قائمة) وبجانب هذه الأموال أرض فضاء لا زرع فيها ولا ماء، ولقد أقام -على جزء منها- آباؤنا سبلة صغيرة منذ ثلاثين عاما كانت مركز اجتماعهم ومكان لقائهم واستقبال ضيوفهم، ونظرا لحاجة هذه السبلة للصيانة ولكونها صغيرة لا تتماشى والكثافة السكانية الحالية والتي هي أضعاف مضاعفة عما كانت عليه وقت بناء هذه السبلة، لجأ القاطنون إلى استخدام المسجد لإقامة ولائم الأفراح والعزاء، عليه وتنزيها لبيوت الله عن الحديث فيها واللغو وإعظاما لها نويت بناء سبلة عامة كبيرة مكان هذه السبلة القائمة؛ بحيث تتمدد هذه السبلة المزمع إقامتها على تلكم الأرض الخالية والتابعة لوقف المسجد، فهل يجوز لي ذلك؟ وفي حالة عدم الجواز هل يمكن تعويض المسجد نقدا عن قيمة هذه الأرض؟ ومن له حق تقييم هذه الأرض، هل هو الوكيل الشرعي لأموال المسجد أم جهة أخرى؟
لا بُدَّ في هذه الحالة من تعويض المسجد أرضا أخرى أوعقارا آخر أنفع له وأجدى من هذه الأرض، لأن المسجد كاليتيم، وقد قال تعالى: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ }() على أن يتم ذلك على رأي الأمناء ذوي الخبرة في مصالح الأموال وشئونها، بجانب وكيل المسجد. والله أعلم.
هل يجوز بناء مجلس عام على جزء من الأرض التابعة للمسجد ليخفف التجمعات البشرية؟
إن كان المجلس لمصلحة المسجد فلا مانع من ذلك، وإلا فلا بد من تعويض المسجد بأرض أخرى لا تقل عن هذه الأرض جدوى ولا قيمة. والله أعلم.
تقدم بعض المواطنين بطلب الموافقة على بناء مجلس عام على أرض تخص المسجد بالمنطقة، وذلك لغرض عقد اجتماعات فيه أيام مناسبات العزاء والأفراح وغيرها من المناسبات، فهل تصح موافقتهم على ذلك؟
لا مانع من ذلك إن كانوا سيعوضون المسجد أرضا أخرى هي أوفر قيمة وأكثر دخلا. والله أعلم. (4/232)
صفحة 1356
هل يجوز توسعة مسجد على أرض يوجد بها نخيل وهي وقف لذلك المسجد، على أن يتم قطع بعض من تلك النخيل، علما بأن أهالي البلدة سوف يتكلفون بمبلغ التوسعة على نفقتهم الخاصة؛ لكون المسجد ليس له مبلغ من المال؟
توسعة المسجد في أرضه لا مانع منها، ولكن ينبغي –احتياطا- تعويض وقفه عن نخيله التي تقطع. والله أعلم.
يوجد في بلدنا مسجد قديم متهالك، والآن نريد أن نهدمه ونعيد تعميره بالإسمنت، ويحتاج كذلك إلى توسعة، وتوجد هناك نخلة صغيرة تابعة لمال الهجور وتطل على حافة جدار المسجد، فهل يجوز لنا إزالتها أم نقوم بالتعويض عنها من مال المسجد؟
أرى أن تعوض نخلة الهجور بغيرها مما لا يقل عنها قيمة ولا غلة. والله أعلم.
امرأة وقفت أرضا لبناء مسجد جديد عليها، إلا أن تلك الأرض غير صالحة فهل لها استرجاعها؟ علما بأن قطعة الأرض تم تحويلها إلى مسجد والمواطنة ترغب في استرجاعها. فنرجو إبداء الرأي الشرعي حول إمكانية إعادة قطعة الأرض إليها بعدما وقفتها لبناء المسجد، ولم يتم بناؤه بسبب عدم توفر الشروط الواجب توافرها في ذلك، وللعلم فإن المذكورة قامت بناء مسجد آخر في نفس الولاية بدلا منه؟
بما أن هذه الأرض وقفتها الواقفة لبناء مسجد، وقد تعذر بناء المسجد على تلك الأرض، وقامت ببنائه على أرض أخرى أرى أن تعاد إليها. والله أعلم.
وقف عمار المسجد
هناك مبالغ وقف لجماعة المسجد، فهل يجوز صرفها لإعمار المسجد مع رضاهم بذلك؟
مما أن الجماعة اتفقت كلمتهم على ذلك فلا مانع منه. والله أعلم.
توجد فضلة في وقف عمار المسجد، فهل يجوز الأخذ من تلك الفضلة لصرفها للفطرة خلال شهر رمضان المبارك، وذلك لعدم وجود وقف خاص بالفطرة؟
لا مانع من صرف الفاضل من غلة وقف العمار في تفطير الصائمين في المسجد الموقوف له مع رضى الجماعة بذلك. والله أعلم. (4/233)
صفحة 1357
رجل أوصى بمبلغ لجماعة المسجد، والجماعة كثيرون وربما يصل عددهم إلى سبعين مصل، والمقيمون للصلوات الخمس عشرة أو أقل، فكيف يكون توزيع هذا المبلغ؟ وإذا أنفق هذا المبلغ في إصلاح المسجد برضا الجماعة فهل يجوز ذلك؟ علما بأن المسجد يحتاج إلى إصلاح وليس له دخل؟
إن رضي بذلك الموصى لهم جميعا فلا حرج، والأصل أنه لجماعة المسجد الملازمين للصلوات الخمس فيه، إلا في حالات الضرورة. والله أعلم.
مدارس القرآن
بناء مدارس القرآن
مسجد بحاجة إلى إعادة بناء، ولهذا المسجد عدد من الأموال الدائرة، وكذلك عدد من الأموال التي لا زالت تدر غلة، وبما أن إعادة بناء المسجد تحتاج إلى مبلغ يقدر بأربعين ألف ريال فإن بيع تلك الأموال الداثرة للمسجد لا تفي بالغرض. فهل يمكن تجاوز البيع إلى الأموال الأخرى لتكملة باقي المبلغ؟ كما أنه سيتم بناء مدرسة لتدريس القرآن الكريم تحت المسجد، فهل يجوز بناؤها من نفس تكلفة بناء المسجد المذكور؟
إن اقتضت الضرورة إعادة بنائه وتعذر ذلك إلا ببيع شيء من ماله فلا حرج من البيع ولو كان المبيع غير داثر، على أن يقدر ذلك بقدر الحاجة، وعلى أن يتم تحت إشراف الأمناء ذوي الخبرة في شئون الأموال، أما المدرسة فلا يجوز بناؤها من مال المسجد، اللهم إلا إن كانت للمسجد فضلات من غلله فائضة عن حاجته فإنها تصرف في المصالح التي تتفق عليها جماعة المسجد، ومنها بناء المدرسة. والله أعلم.
يوجد بيت وقف بالبلدة، وهو الآن غير مسكون وصار متهدما، ولقد اتفق أهالي البلدة على إقامة مدرسة لتعليم القرآن الكريم مكان البيت المذكور. فما قول سماحتكم؟
إن كان وقفا لتعليم القرآن واقتضت المصلحة ذلك فلا حرج. والله أعلم. (4/234)
صفحة 1358
ما قولكم في التعويض الذي دفعته الحكومة لرجل يدعي أنه من ذرية الشيخ راشد بن محمد القاسمي مؤسس المدرسة الدينية التي كان شيخها الشيخ حبيب بن يوسف، ثم خليفته الشيخ عبد الله بن محمد، فقد تسلم الرجل المذكور التعويض على أن يبني به المدرسة التي تسلم التعويض عنها، ولكنه صرفه في مصالحه الخاصة؟ ثم ما قولكم في الأوقاف التي وقفها أهل الخير على تلك المدرسة؟ وها هو الرجل يريد أن يبيع تلك الأوقاف بتلك الحجة المذكورة، فهل يجوز له ذلك بغير وكالة شرعية من الجهة المختصة؟ وهل يجوز لصلحاء المسلمين أن يقوموا بمنعه من ذلك؟ وكذلك هل يجوز أن يحول وقف المدرسة الذى هو بمجز الكبرى مع عدم وجود مدرسة دينية إلى مسجد جامع مجز الصغرى التام المسجدية دون جامع مجز الكبرى الذي هو غير التام المسجدية، لعدم وجود شرط شرطه المحققون من علماء الشافعية؟
التعويض ليس ملكا للوارث، وإنما هو حق للمدرسة، فيجب صرف المبالغ التي خصصت لأن تكون عوضا عن المدرسة في إنشاء مدرسة أخرى تكون بمثابة سابقتها، وما كان من وقف للمدرسة السابقة يرد إلى هذه المدرسة البديلة عنها، ولا يجوز بيع شيء من هذا الوقف، ومن اجترأ على البيع منع، ويجب على صلحاء المسلمين منعه من ذلك؛ لأنه يدخل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومع عدم قيام المدرسة البديل فلا مانع من صرف ريع هذا الوقف على مسجد تقام فيه حلقات العلم. والله أعلم.
بيع وتأجير أموال مدارس القرآن
نفيدكم بأنه توجد غرفة صغيرة مساحتها تقدر بحوالي عشرين مترا مخصصة لتدريس القرآن الكريم، والغرفة المذكورة مهجورة منذ فترة، وغير مؤهلة لتدريس القرآن فيها؛ حيث إنها بحاجة لصيانة ولا يوجد بما مرافق خدمية مثل دورة مياه، وبناء عليه تقدم أحد مواطني الولاية بطلب تثميرها، والمبلغ العائد من ذلك سوف يخصص للمدرسة، فهل يحوز ذلك؟ (4/235)
صفحة 1359
إن كانت توجد مدرسة للقرآن بديلة منها فلا حرج في أن يكون هذا الاستثمار لصالح المدرسة. والله أعلم.
نود إفادة سماحتكم إلى أنه وردت إلينا رسالة يطلب أهلها بيع عابية لمدرسة القرآن الكريم بمنطقة السياح، وذلك من أجل إعادة بناء المدرسة المندثرة، فهل يجوز ذلك؟
لا مانع من ذلك إن كان بناء المدرسة ضروريا وتوقف بناؤها على بيع هذه العابية، على أن يكون ذلك على أيدي الأمناء. والله أعلم.
توجد أرض بيضاء بوسط مال أخضر، هذه الأرض جعلت لمدرسة من زمن طويل، جعلها أجداد صاحب الأموال المحيطة بها، حيث إن هذه الأرض مرتبطة بالأموال الثلاثة المحيطة بها مباشرة والتي لا يوجد بينها حاجز، وكما أن هذه الأرض لا تصلح للمدارس الحديثة؛ لأنها تتطلب مساحة أكبر من هذه الأرض، بينما هذه الأرض مساحتها لا تزيد عن فدان واحد فقط، وأيضا من ناحية أخرى لا تصلح لإقامة المدرسة بها لوجودها وسط المزارع. فما رأي سماحتكم في هذه الأرض؟
الأصل أن تكون هذه الأرض لمدرسة يعلم فيها القرآن الكريم؛ لأنها المعروفة باسم المدرسة حسب العرف المشهور بين الناس سابقا، فلا يصح استغلالها لصالح مدرسة أخرى، وإنما يجب أن تكون منفعتها لما وقفت له، فإن تعذر نفعها فلا حرج في بيعها، على أن يستعاض بثمنها ما هو أجدي نفعا، كعقار يؤجر شريطة أن يتم ذلك تحت إشراف أهل الخبرة في مصالح الأموال، ومن ذوي الأمانة عند المسلمين. والله أعلم. (4/236)
صفحة 1360
مال عبارة عن أرض وبها نخيل موقوفة لمدرسة منذ خمسين عاما أو أكثر، ولم تستفد منه المدرسة، حيث إنه ينادى على غلته كل سنة ولا يأتي إلا بمبلغ خمسة عشر ريالا عمانيا أو أقل منه، وهذا المبلغ لا يكفي حتى للنبات والشراط والحدار، علما بأن هذا المال فيه مضخة مياه وتحتاج إلى وقود وزيت وغيره، فأصبح هذا المال عليه ديون، فضلا عن أن تستفيد منه المدرسة، ولا تنمو فيه الأشجار لملوحة الماء فيه. فهل يجوز شرعا بيع هذا المال وشراء بيت أو دكان بثمنه وتأجير هذا المحل التجاري؟
لا مانع من بيعه بموافقة قاضي البلد ونظر أهل الصلاح والخبرة بالأموال في مصلحة الوقف. والله أعلم.
ما حكم بيع قطعة أرض تخص الوقف الخاص بمدرسة لتعليم القرآن الكريم؛ وذلك لعدم استغلال هذه الأرض وعدم وجود مردود مفيد لهذه المدرسة من هذه الأرض، والغرض من بيعها بناء مدرسة جديدة لتعليم القرآن الكريم بجوار المدرسة القديمة المندثرة، ولأن المدرسة القديمة غير واسعة وليست مصونة البنيان لمرور الزمن عليها، ولمزيد البيان فإن هذه الأرض لم تُعد لها بل ولا أكثر المواقيف حرمة تحميها من قبل العابثين الذين يرمون مخلفات أموالهم بالأموال الموقوفة، كما توجد عابية بها نخل قائمة، وغلتها لا تفي بمخسور إصلاحها من جميع نواحي الإصلاح، وهي لا تسقى، و ليس لها نصيب من الفلج، فأردنا إدخلها في البيع؟
إن كانت المدرسة القديمة يتعذر تجديدها فلا حرج في بناء مدرسة بديلة منها، ولو كان ذلك بجزء من وقف المدرسة السابقة؛ لأن بدل الشيء له حكمه، وإن تعذر بناؤها مع الضرورة الملحة إليه إلا ببيع جزء من الوقف جاز بقدر ما تقتضيه الضرورة فقط من غير زيادة؛ لأن الضرورة تقدر بقدرها، وحسبما وصفت هذه الأرض في السؤال فإن بيعها من مصلحة الوقف. والله أعلم.
تملك أراضي مدارس القرآن (4/237)
صفحة 1361
لدينا وقف مكون من مدرسة لتعليم القرآن، وملحق بها منزل وأرض زراعية ومياه تسقى بها الأرض الزراعية، ولهذه المدرسة معلم كما أنه يصلي بالناس في المسجد، وذلك مقابل استغلاله للأرض الزراعية وانتفاعه بالسكن في منزل المدرسة، وله راتب شهري من وزارة الأوقاف والشئون الدينية، فهل يجوز لهذا المعلم أن يمتلك البيت الخاص بالوقف؟ وإذا ملك البيت وقام ببنائه ثم توفي أو تقاعد أو امتنع عن القيام بعمله كمعلم في مدرسة القرآن، فمن يدفع له أو لورثته من بعده كي يخليه وينتفع به المدرس الجديد الذي سيحل محله؟ وإذا سمح له بالبناء فقط دون التمليك، فمن سيدفع لورثته من بعده ما صرف في البناء؟
البيت الموقوف لا يملك من قبل أي أحد من الناس، بل يظل موقوفا كما كان، وإنما لمن يستحق الوقف الانتفاع به دون ملك رقبته. والله أعلم.
شيخ فقيه زاهد وقف مدرسة صغيرة الحجم لتعليم القرآن الكريم ملاصقة للمسجد وقفا، كما وقف لها بعض النخيل من ماله، والآن صارت المدرسة قديمة، وما عادت تستعمل، وتحتاج إلى إصلاح، وغلة النخيل لا تكفي لعمارها وبنائها من جديد، فهل يصح أن تحول من مدرسة إلى مكتبة تابعة للمسجد المذكور أعلاه؟
لا مانع من ذلك ما دامت المدرسة عوضت بمدرسة أخرى، والمكتبة مصدر نفع علمي كالمدرسة، فالمنفعة المطلوبة تحصل بها كما تحصل بالمدرسة، وإن اختلفت وجوه المنفعة في الحالين. والله أعلم.
معلم يدرس القران الكريم منذ ثمانية وعشرين عاما، ويسكن أرضا تخص المدرسة وهي ملاصقة للمسجد، فهل يجوز إصدار ملكية لذا المعلم في هذه الأرض، حيث إنه لا يأخذ ثمنا على قيامه بالمسجد؛ ولكن يحصل على شيء من التدريس وهو فقير وذو عائلة؟
إن كانت الأرض ملكا للمدرسة فلا يجوز إصدار ملكية فيها إلا باسم المدرسة، اللهم إلا أن تعوض عنها المدرسة أرضا أخرى هي أجدى منها نفعا وأغلي منها قيمة. والله أعلم. (4/238)
صفحة 1362
هل يجوز تحويل أرض الوقف المخصصة لمدرسة القرآن الكريم إلى مصلى للعيدين بناء على طلب أهالي المنطقة؟
جواز ذلك موقوف على تعويض الوقف ببديل لا يقل عن هذه الأرض قيمة ولاجدوى. والله أعلم.
صرف الفاضل من غلة مدارس القرآن
هل يجوز صرف مكافآت مالية للمواطنين الذين سيكلفون بإمامة المصلين في صلاة التراويح؛ وذلك من دخل أوقاف مدرستي القرآن الكريم، حيث إن الأموال النقدية لهاتين المدرستين كبيرة وغير مستغلة؟
إن كانت الإمامة تتوقف على ذلك، وكان في غلة المدرستين ما يفضل عن حاجتهما فلا حرج في صرف الفاضل عن الحاجة في ذلك على نظر العدول أهل النظر. والله الموفق.
وقف نفر من أهالي بلدة بعض الأموال كالأفلاج وغيرها من الأموال التي تخصهم في قريتهم وفي قرى أخرى، وهذا الوقف للمتعلمين؛ حيث كانت تنفق على متعلمي القرآن في هذه القرية، إلا أنه الآن وبعد افتتاح المدارس العصرية انقطع طلاب دراسة القرآن. فكيف يتصرف بهذه الأموال، فهل تنفق في القرى الأخرى على التعليم، أو تنفق في تحفيظ القرآن في الفترة الصيفية على المعلمين والطلبة، أم أن هناك طريقة أخرى؟ كما أنه توجد قطعة أرض تابعة لهذه الأوقاف لمدرسة القرآن، وحيث إنه لا مدرسة للتدريس، فكيف يتصرف بهذه الأرض، علما بأنها الآن غير مستفاد منها؟
الأولى إنفاق ذلك في تحفيظ القرآن في نفس القرية، أما قطعة الأرض فإن كانت لا تنتج شيئا فلا مانع من بيعها وابتياع أصل آخر بثمنها لينفق ريعه في تحفيظ القرآن الكريم. والله أعلم.
توجد أموال موقوفة لمدرسة قرآن، ينفق منها على المدرسة وعلى المدرسين والمدرسات الذين يدرسون القرآن فيها في الفترة الصيفية. فهل يجوز أن ينفق من أوقاف هذه المدرسة لمدارس أخرى هي بحاجة إلى ذلك؟
يجوز من الفضلات دون أصل الغلة. والله أعلم. (4/239)
صفحة 1363
يوجد في قرية الجاحس نصف أثر ماء موقوف لمدرسة هاتوه بقرية هاتوه، وقد أمكن الحصول من هذا الوقف على غلة هي عبارة عن مبلغ وقدره تسعون ريالا عمانيا، والآن لا توجد مدرسة بالمنطقة. ففي أي مصلحة ينفق هذا المبلغ؟
ينفق في المدرسة التي يدرس فيها أولاد هاتوه، فإن لم تكن بها مدرسة وكان الأولاد يذهبون إلى قرية أخرى للدراسة، فلينفق هذا المبلغ لأقرب مدرسة إلى هاتوه. والله أعلم.
في مدرسة للقرآن الكريم لها مال موقوف كان يدفع سابقا للمدرس الذي يقوم بالتدريس فيها، ثم إن المدرسة بقيت لسنوات بلا مدرس، والغلة يقبضها الوكيل، ثم تم تعيين عدة مدرسين الواحد تلو الآخر ويصرف لهم راتب من الوزارة، ولم يعطوا غلة هذا الوقف ولم يطالبوهم بها، والآن عين مدرس يتقاضى راتبا شهريا أيضا. ترى ما هو مصير غلل هذه الأموال الماضية والحاضرة؟ وهل يحق للمعلم الأخذ منها؟
إذا كان الراتب الذي تسلمه الوزارة إلى المدرس لا يفي بحاجته المادية فلتدفع إليه غلة هذا الوقف، وإلا أضيف إليه مدرس آخر لتعليم القرآن ودفع له من هذا الوقف. والله أعلم.
الأفلاج
المحافظة على أموال الأفلاج
عندنا مزرعة في بلدنا تزرع في أشهر الصيف برأ وله سقي من الفلج كل خمسة أيام، وبعد الصيف تزرع ذرة أربعة أشهر، وشعير أربعة أشهر، وله أيضا سقي كل خمسة عشر يوما، ونظرا إلى تعذر هذه الزراعة هل يجوز إبدالها بالقت؟ مع العلم أن سقي القت ليس كسقي البر والذرة بل يحتاج إلى ماء أكثر، وهذا الفلج مشترك وفيه نصيب للأيتام والأوقاف وغيرهم؟
لا مانع من استبدال هذه الزراعة بزراعة القت شريطة تعويض الفلج بقيمة زيادة السقي وعدم الإضرار به وبالشركاء فيه، خصوصا اليتامى والغياب والأوقاف وكل من لا يملك أمره. والله أعلم.
صيانة الأفلاج والإنفاق عليها (4/240)
صفحة 1364
عن السواقي التي تفرعت من مفرق الصورة -أعني بمفرق الصورة مبدأ تفرقها- ومن خمس سواقي متفرعة من هذا المفرق، وهذه السواقي الخمس كل واحدة منهن مشتملة على عدة منافذ للفلج لأجل بساتين الناس، وأيضا تتفرع منهن سواقي، فأراد أرباب الفلج إصلاح هذه السواقي الخمس، فهل يكون ثمن الإصلاح من مال الفلج أم لا؟
الفلج يتحمل تصريج وإصلاح الساقية الأصلية التي هي مجرى الفلج كله، وأما السواقي الفرعية فلا يتحملها الفلج، وإنما يقوم بإصلاحها أربابها المستفيدون منها. والله أعلم.
وكيل فلج قد عمل عادة وهي: أن يكون للفلج من يتتبعه و يوصل الماء لأصحابه يوم الثلاثاء ويوم الجمعة من كل أسبوع، بمبلغ وقدره 250ريالا، يوخذ هذا المبلغ من قعد الفلج كاملا، وقد مضت مدة طويلة على ذلك، وقد بدل هذا الوكيل بوكيل آخر، ولا زالت هذه العادة مستمرة. هل هذه العادة ثابتة شرعا أم باطلة؟
إن كانت فيها مصلحة الفلج فثابتة، وإلا فتغير. والله أعلم.
ما تقول في فلج لم تسبق العادة فيه عن خدمته دفع ما ينوب أموال المساجد والأوقاف والأفلاج، ويطالب البعض بالدفع. فما رأي سماحتكم؟ وإن قلتم بثبوت العادة، هل تدخل فيها الأوقاف الخاصة؟
لا أستطيع أن أقول بفرض هذه العادة لاحتمال أن يكون ذلك مجرد تبرع من أصحاب الفلج للمساجد والأوقاف، وإنما أرى أن يلزم كل أحد ما عليه في ذلك. والله أعلم. (4/241)
صفحة 1365
نوجه إليكم سؤالنا في فلج من رأسه إلى آخره يسمى الساعد الرئيسي، وكان سبقا مصرج إلى مكان اسمه المعتاد وما بقي يخدموه بالمحراث، والأجرة تسير بين الأهالي، ومتى توجد فضلة للفلج يقوم الوكيل بتصريج جزء منه، حيث قام الوكيل الأول بزيادة تصريج قطعة، وكذلك قام الوكيل الثاني بتصريج قطعة ثانية، والآن أراد الأهالي أن يصرجوه إلى آخره، والأهالي منهم الموافق ومنهم الرافض، وأغلبهم مشاركون من أول الفلج وآخره، ومنهم من لم يشارك في آخره، كما أنه يوجد في آخر الفلج أموال مواقيف وأموال مساجد. فهل يكون تصريج ما تبقى من الساقية على الأهالي أم من النقود التي توجد عند الوكيل؟
الأصل في تصريج الفلج أن يكون من دخله، إلا إن لم يكف دخله لذلك، ولا مانع من تصريجه بإذن جباه أهله إن لم يكن فيه ضرر على أحد. والله أعلم.
الاعتداء على الأفلاج وأموالها
لقد أوصى رجل بمبلغ وقدره ثلاثة آلاف ريال عماني نقدا للفلج، وفعلا تم استلام ذلك المبلغ بعد وفاة الرجل مباشرة، إلا أن وكيل الفلج أراد أخذ العشر من ذلك المبلغ، فهل يجوز له ذلك أم لا؟
المبلغ أوصي به للفلج لا للوكيل، فما وجه أخذ الوكيل جزءا منه؟ ما ذلك إلا جشع ودليل على عدم أمانة هذا الوكيل، وإلا لاتقى الله فيما أتمن. والله أعلم. (4/242)
صفحة 1366
سماحة الشيخ تعلمون أن للأفلاج نظاما متبعا في السلطنة، وهذا النظام يسمى بالبادة1وتباع بطريقة القعد على حسب دورانها، ومن هذا القعد يحصل الفلج على أموال تستخدم في مصلحة الفلج من تنظيف وصيانة، ويقوم بهذا العمن أشخاص متعارف عليهم من قبل أهل البلد في تحصيل هذه المبالغ، ولكن ما يحدث في بلدنا أن هؤلاء الأشخاص يقومون بصرف هذه الأموال لأجرة السيارات التي يستقلونها لأداء واجب العزاء، سواء القريب من البلد أو البعيد، كما يقومون بمشاوير طويلة بحجة أنهم يتابعون في بعض المصالح العامة، ويقوم بذلك عشرات الأشخاص مما يضطرهم الأمر إلى أنهم يتغدون على حساب المصلحة العامة للفلج، وتندرج تحت ستار هذه المصلحة مصالح شخصيه لهؤلاء الأفراد، مع العلم بأن الأشخاص المتعارف عليهم في قعد مياه الفلج لهم نسبة معينة من دخل الفلج، سواء كان ذلك الدخل من القعد أو من بيع ثمار النخيل الخاصة بالفلج، وتحسب لهم هذه النسبة عن دخل الفلج وما صرف عليه، وهي ما تسمى بالعشر. فهل هذا جائز؟
الفلج يشترك فيه الحاضر والغائب والرجل والمرأة والصغير والكبير واليتيم والوقف، فلا يجوز التصرف في شيء من أمواله إلا حسبما تقتضيه مصلحته، وليس من مصلحته الذهاب إلى العزاء والإنفاق في إشباع البطون بوجبات الطعام من غير أن يكون في مقابله عمل تعود مصلحته إلى الفلج، وإنما هو لمجرد الانتهاز، ومن وقع في ذلك فقد وقع في الظلم، حيث أكل أموال الغياب واليتامي والأوقاف ومن لا يملك أمره من الناس، فعليه أن يتقي الله ويعيد إلى كل ذي حق حقه. والله أعلم.
شيخنا الفقيه ما قولكم في عادة قد اعتادها أهالي بلد ما، حيث إن لديهم فلج يرفعونه في وقت المحل ويقعد بأكمله، فإذا أخذ أحدهم قعدا من الفلج وجاء وقت الخصب فيسيح الفلج وتسقط حقوقه، وكذلك إذا صارت فيه خدمة وخدمه الأهالي فإن حقوقهم تسقط عن تسييح الفلج. فهل هذه العادة ينبذها الدين الإسلامي ويرفض التعامل بها؟ (4/243)
صفحة 1367
لا يجوز إسقاط حق أحد، إذ لا تعدي على مال مسلم، لذلك أرى الحكم ببطلان هذه العادة. والله أعلم.
ما حكم الشرع الشريف حول طلبنا قعد الفلج الخاص بنا، والكائن بمنطقتنا، ودفع ما يتوجب على المقتعد من مبالغ نقدا في حينه دون تأخير أو أجل؛ وذلك نظرا لما ترتب على المقتعدين من مبالغ سابقة، وقد تراكمت هذه المبالغ ووصل بعضها إلى ألف ريال وزيادة، مما قد يصعب أداؤها، مع العلم بأن أهل المنطقة يقولون: إن العادة منذ قديم الزمان هو أن يخدم المقتعد الفلج مقابل إسقاط ماعليه من مبالغ، وإن الأفضل للفلج هو دفع المبلغ من المقتعد فورا. فما حكم الشرع في ذلك؟ وما رأيكم في المبالغ السابقة الموجودة بيد المقتعدين التي وجبت عليهم؟
على كل من عليه حق أن يدفع ما عليه، والفلج أولى بالتخلص من حقوق؛ لأن فيه حق اليتيم والغائب والمسجد والوقف، فهو بمثابة اليتيم الذي لا يرجى بلوغه، وإذا كان الأفضل والأصلح له دفع الحق نقدا فإن ذلك هو الذي يجب اتباعه، وعلى القائمين عليه مراعاة مصلحته. والله أعلم.
يقوم الأهالي عندنا بتغسيل موتاهم في مجاري الأودية، وبالطبع تختلف مسببات الموت، فمنهم ميت بسبب الأمراض المعدية والفتاكة المنتشرة في هذا العصر، ومنهم ميت بسبب حادث سيارة أو غيرها ينزف منه الدم بشكل كبير، ثم يؤتى بهذا الميت ويغسل في الوادي الذي يشرب منه آلاف من الناس القاطنين في البلدان المجاورة التي تصطف على مشارف الوادي، لذا نستلهم من سماحتكم التوجيه الصحيح وإفتاءنا في ذلك بتوجيه النصيحة إلى هؤلاء الناس؟
يجب أن يجنب الماء الذي يرده الناس للشرب من كل ما يلوثه ويتسبب في الإضرار بالناس، وعليهم أن يمتنعوا من تغسيل الموتى فيه إن كان ذلك يؤدي إلى الضرر، إذ لا ضرر ولا ضرار في الإسلام. والله أعلم. (4/244)
صفحة 1368
ما قول الإسلام في العادة الموجودة في بعض الأفلاج بعمان؛ حيث يصرف منها للضيف والعزاء وللأسفار التي يقوم بها أعيان الفلج؟ وكما تعلمون سماحتكم أن الفلج فيه الفقير والمسكين والوقف؟
بما أن الفلج مشترك بين اليتامى و الأوقاف والغياب وكثير ممن لا يملك الإذن، فلا يجوز فيه اتباع هذه العادة؛ لأنها من التصرف في ملك الغير بغير إذن، وقد دلت النصوص القاطعة على تحريم مثل ذلك، يقول سبحانه وتعالى: { وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ }()، يقول سبحانه: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيما }()، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: { القليل من أموال الناس يورث النار }()، ويقول: { لا يحل لأحد أن يأخذ عصى أخيه بغير طيب نفسه }()، وقد أجمعت الأمة على أن التصرف في مال الغير بدون إذن حرام. والله أعلم.
نحن جماعة البلدة نريد أن نصلي صلاة الاستسقاء، ومن بعد الصلاة نريد عمل صدقة نخرجها من المال الخاص بفلج البلدة، علما بأن الفلج خاص بأهالي البلدة، وفيه مشترك للأوقاف وأموال المساجد والأيتام ولناس غير موجودين حاليا بالبلدة، فهل يجوز لنا ذلك، أم أنه يجب أن يتبرع الأهالي كل حسب استطاعته؟
الإنسان يتصدق من خالص ماله، لا من مال وقف ولا مسجد ولا يتيم، وعليه فإن على من أخرج شيئا من ذلك الضمان. والله أعلم. (4/245)
صفحة 1369
فلج عام لقرية كاملة، فيها الغائب واليتيم والأم والأرملة والطفل وما إلى ذلك من ساكنين ومشاركين لهذا الفلج، وإن الوكيل أصبح مقاولا ويود ضم بعض أراضي الفلج لصالح مسجد يراد بناءه وإدخال الفلج في باطن المسجد، وفئة من الساكنين تعارض هذا الرأي، علما بأن للمسجد مكانه المعلوم سابقا والذي يعرفه الأهالي، وإن للفلج أراض تعود لمنفعة الفلج وصيانته وممتلكاته، فهل يجوز تصرف هذا الوكيل في ضم وإدخال الفلج في المسجد ولصالح المسجد وحرمان الفلج من فائدة أراضيه مستقبلا؟
لا يجوز البناء في حريم الفلج إن لم يكن سبق البناء فيه من قبل. والله أعلم.
بيع أموال الأفلاج
قامت الدولة بإصلاح جزء من أحد الأفلاج، ولكن رأى الآهالي أن يكون أسفل سقف الساقية سحوف من الجبل لحماية الخراسانات من التآكل، وهذه السحوف كلفت مبالغ وليس للفلج دخل كاف لها، فهل يجوز بيع شيء من نخيله لهذه المصلحة بيع الخيار أو القطع؟
إن كان ذلك ضروريا فلا مانع من بيعها بيع القطع. والله أعلم.
قمنا قريبا بترميم أحد المساجد في هذه البلدة المذكورة، وفي هذا المسجد يوجد موقع فسيلة بالقرب من ساقية الفلج والباب الرئيسي للمسجد، وهذا الموقع تابع للفلج، وفي هذا المكان القريب منه يتوضأ المصلون، وأردنا أن نعمل سقف من الأعلى، علما بأننا خصصنا مبلغا من المال للفلج بدلا منه أو نقله إلى مكان آخر. فهل يصح ذلك أم يبقى الموقع على حاله؟
أرى أن تعوضوا الفلج بموقع آخر لا يقل عن هذا الموقع قيمة ولا نفعا، وأن يكون ذلك بنظر العدول أهل الخبرة والدراية بشئون الأموال. والله أعلم. (4/246)
صفحة 1370
قام بعض أهالي إحدى القرى ببيع شيء من أموال الأوقاف دون الرجوع للوزارة المختصة لأخذ الموافقة على ذلك، وقد تمت مخاطبة نائب والي الولاية حول الموضوع، ومن جانبه قام باستدعاء أعيان ووجهاء القرية لبحث الموضوع معهم، وقد أفاد أعيان القرية بأنه لا توجد أموال موقوفة، ولكن توجد أموال وهبت لصالح فلج العزيزي بالبلدة، وتم بيعها بالإقالة بين الأهالي لغرض إصلاح الفلج المذكور. وبناء عليه نرجو التكرم من سماحتكم بالإفادة برأيكم الشرعي حوله؟ كما نرجو إفادتنا برأيكم حول تبعية الأوقاف الأهلية أو الأوقاف الخاصة التي لا تختص بالعبادات كأوقاف الأفلاج والآبار أو الأوقاف المختصة لقبيلة بعينها، أو لأي غرض آخر غير تعبدي، هل هي من مسئوليات الوزارة أم أن الوزارة تختص بالوقوفات التعبدية فقط؟
تجب مراعاة مصلحة الفلج، فإن كان هذا البيع من أجل مصلحته وكانت متوقفة عليه فلا مانع منه، ولكن لا معنى لجعله بيعا إقاليا؛ لأن قيمة ما يباع بالإقالة غالبا دون قيمة ما يباع بالقطع، اللهم إلا إن كان البائعون يضمنون فكاك البيع ورده إلى الفلج، ومع ذلك لا أرى جواز بيعه بالإقالة لما في هذا البيع من الريب، أما تحديد مسئوليات الوزارة في الأوقاف هل هي خاصة بالأوقاف التعبدية أو أنها شاملة لها وللأوقاف الخاصة؟ فلا يرجع إلى الإفتاء إنما يرجع إلى نظام الدولة المتبع. والله أعلم.
اتفق أرباب فلج على بيع بعض ممتلكات الفلج، وذلك بهدف إصلاحه، حيث قام أصحاب الفلج المذكور بمطالبة الجهات المسئولة بإصلاح الانهيارات التي وقعت في الساقية الرئيسية وأدت إلى عدم جريانه منذ عدة سنوات، والمياه محتجزة في داخله، إلا أن الجهات اعتذرت لعدم وجود مخصصات مالية. فما ترون في اتفاقهم؟ إن كانت المصلحة متعينة في ذلك فلا مانع منه. والله أعلم. (4/247)
صفحة 1371
ما قولكم في أرض للفلج عمرت فيها بيوت سكنية على قعد معين خاص، لكل بيت أربعة ريالات عمانية في العام، ومرجعهن للفلج ويقبضهن وكيل الموقوف بالبلد، مرت عليها سنوات كثيرة، فهل يصح عندكم بيعها للتملك، حتى لا يبقى للفلج ملك ودخل لمصلحته، والفلج غني عن بيع أراضيه؛ لأن الموقوف له سنين عديدة منذ عهد الآباء والأجداد، وأهل البلد غير راضين ببيعه. فما قول سماحتكم؟
إذا اقتضى نظر كبراء أهل الفلج -الذين لهم الرأي- أن يبيعوا هذه الأرض، على أن يستعيضوا عنها للفلج ما هو أكثر دخلا وأحسن جدوى فلا مانع من ذلك. والله أعلم.
أرض بيضاء خصصت وقفا للفلج، وتم استئجارها من قبل المواطنين بأجور رمزية سنوية، وقد رأى أهل الفلج أن العائد من إيجارها زهيد، لذلك اقترحوا تمليك كل مواطن بحوزته قطعة أرض منها نظير مبلغ من المال، على أن تجمع هذه الأموال وتستخدم في مشروع تجاري أو عقاري يخصص عائده للفلج، باعتبار أن هذه الطريقة أكبر نفعا للفلج وعائدها أضمن. فهل يجوز ذلك شرعا؟
لا يجوز بيع الوقف إلا في حال تعذر الانتفاع به وإمكان أن يستعاض عنه ما هو أجدى منه نفعا من الأصول التي تحل محله، شريطة أن يكون ذلك تحت إشراف الأمناء ذوي الخبرة في مصالح الأموال. والله أعلم.
بادة موقوفة لفلج، فهل يجوز أن تباع وتشترى وتورث ويكتب منها أوقاف لمسجد وفطرة، وهي تدفع إيجارا للفلج؟
الموقوف لا يباع ولا يشترى. والله أعلم.
قطعة أرض صغيرة تابعة للفلج، وهذه القطعة ترابية وليست زراعية وليس لها ماء، وتقع في وسط الحارة، وتقدر قيمتها بحوالي ثلاثمائة ريال عماني، ويريد أهالي الحارة بيعها؛ لأن الفلج في حاجة ماسة لثمنها لخدمته وإصلاح سواعده. فهل يحق لهم ذلك؟
إن كان بيعها لمصلحة الفلج فلا مانع منه، شريطة أن يتم ذلك على أيدي الأمناء. والله أعلم. (4/248)
صفحة 1372
أموال موقوفة لمصلحة أفلاج البلدة وأراضيها، وتوزع غلتها سنويا على الأفلاج وأراضي البلدة، رأى بعض أهل البلدة بيع هذه الأموال، والبعض الآخر يعارض البيع. فما هو الأفضل من رأي سماحتكم البيع والاستفادة من ثمن البيع أم الإبقاء على الوقف؟ الوقف لا يباع ولا يتملك، لذلك لا أرى وجها لبيع هذا الوقف من أجل الغرض الذي أشرتم إليه. والله أعلم.
قطعة أرض موقوفة للفلج ببلدتنا، وطلب أهالي البلدة بناء مسجد ومجلس عام على الأرض المذكورة. فما هو الحكم الشرعي في ذلك؟ إن كانوا يعوضون الموقوف بما هو أجدى وأنفع فلا مانع من ذلك، على أن يكون ذلك على نظر العدول ذوي الخبرة في شئون العقارات. والله أعلم.
ننوي الآن في منطقتنا بناء مسجد، وقد احتاج المسجد إلى توسعة لكون هذا المسجد تقام فيه صلاة الجمعة، وفي هذه الجهة توجد نخلتان ونضطر إلى إزالتهما؛ لكونهما تقعان في المنطقة المضافة إلى المسجد، وبسبب ذلك نرجو من سماحتكم ما هو الحكم الشرعي في الآتي: 1- إذا كانت النخلتان تابعتان لوقف الفلج؟ 2- إذا كانت النخلتان تابعتين لوقف المسجد نفسه الذي يراد بناؤه؟ على كلا الحالين أرى أن يعوض المسجد أو الفلج قيمة هاتين النخلتين. والله أعلم.
بيع ماء الفلج
هل يجوز أخذ ماء الفلج وبيعه؟
لا يجوز أخذ ماء الفلج لبيعه؛ لأن الفلج مشترك بين الحاضر والغائب والبالغ واليتيم والوقف وغيره، ومن فعل ذلك فقد ظلم نفسه. والله أعلم.
فلج فيه شركاء، ومن الشركاء المسجد واليتيم والغائب. فهل يجوز أن يأخذ ماء للبيع عن طريق المضخات والخزانات التي يقوم بها المواطنون في المنطقة الكائن فيها الفلج؟
ليس لأحد أن يعمل عملا فيه مضرة بشركائه، خصوصا عندما يكون الشريك يتيما أو وقفا أو غائبا أو من لا يملك أمره، ودفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة، فإن كان في هذا الضخ إضرار بالفلج المشترك فلا يجوز شرعا. والله أعلم. (4/249)
صفحة 1373
إنسان يملك فضلة من ماء، وهذا الإنسان ينوي بيع هذا الفضلة مع مال آخر يملكه. هل يحل له ذلك، أفتنا أفادك الله؟ إن كان البيع لا غرر فيه ولا ضرر على أحد، فلا يمنع أحد من بيع ما يملكه. والله أعلم.
تغيير نظام السقي بالأفلاج
أحد الأفلاج في بلدنا كان يحسب ماؤه على الساعة الشمسية (الخشبة) في النهار والنجوم في الليل، والليل والنهار في بلدنا غير متساويين، تارة يطول الليل في الشتاء وتارة أخرى يطول النهار في الصيف، وعندما يحدث هذا تحدث ما يسمى عندهم (بالفرطة)، وهو إذا قصر الليل وأصبح عشر ساعات ونصف يكون هذا القصر في طرفي الليل أوله وآخره؛ بحيث لا ينال صاحب هذا الوقت شيئا من الماء، ولكنه عندما يطول الليل في الشتاء يكون هذا الوقت نصيبه فيه بدل نصف ساعة فقد تكون ساعة وزيادة، وقد جرت البلاد على هذا الحال منذ مئات السنين لاضطرارهم إلى ذلك لعدم وجود طريقة أخرى تنظم الوقت عندهم، ولأن الماء كان مقسوما بالجملة، مثلا يأخذ الواحد ربع الماء -أي ستة أثار- وربعين وثلاثة أحيانا من طلوع الشمس إلى غروبها فتتفرق الفرطة وتعم الجميع، أما اليوم وقد صار البيع والشراء في هذه الآثار فتفرقت بين عدد من الناس، وصار الواحد يملك أثرا واحدا وأحيانا نصف أثر وربع أثر فظهرت المشكلة، فأصبح يتضرر البعض ولا ينال شيئا من الماء في الأوقات السابقة الذكر من السنة، ويمكث إلى عشرين يوما لا يسقي نخله بسبب هذه الفرطة فتتضرر النخلة وقت الصيف. فاجتمع أهل البلدة وملاك المياه ورأوا أن يحسبوا بالساعة، واتفق الأغلبية على ذلك، ولكن البعض عارض الفكرة وقالوا: لا نبدل شيئا مما وجدنا عليه آباءنا وأن البلاد فيها أموال الأوقاف وغيرها، فقال لهم الأغلبية: إن الأثر معروف أنه ثلاثون دقيقة -أي نصف ساعة-، وهذا متفق عليه، وكل من لديه أثر ماء سوف يأخذ عنها ثلاثين دقيقة بالساعة الحديثة لا زيادة ولا نقصان طال الليل أم قصر، وكذا النهار؛ لأن اليوم الواحد (4/250)
صفحة 1374
فيه أربع وعشرين ساعة فنحسبها باليوم الواحد، ويدور الماء كالمعتاد على أحد عشر يوما، فرأينا أن نبعث إليكم بهذا السؤال: هل يجوز لنا بأن نأخذ برأي الأغلبية وهو الحساب بالساعة الحديثة بدلا من الخشبة؟ ولكي يأخذ الكل حقه ثلاثين دقيقة للأثر الواحد لا زيادة ولا نقصان شتاء كان أو صيفا؟ أو نترك الحال كما كان عليه في السابق؟ التغيير إلى ما فيه المصلحة المشتركة أولى من المحافظة على نظام يخل بالمصلحة، ولا ريب أن اعتماد نظام الساعات أولى لما فيه من ضبط ما لكل أحد من حق في الماء، مع مراعاة الدقة في التوقيت. والله أعلم. لدينا في هذه البلدة عادة وهي أن الناس يردون مياه الفلج حسب سماعهم لأذان المؤذن، فإذا أذن المؤذن في أول الوقت حصل اعتراض من أصحاب المياه، وإذا أخر الآذان يخاف فوات الوقت، ويبقى المؤذن مترددا بين الأمرين، فكيف يكون الحل في ذلك؟ يؤذن حين دخول الوقت، والمياه تضبط بالساعات. والله أعلم.
وكيل الفلج
وكيل فلج من ثلاثين سنة أو أكثر يحاسبه الشركاء لمعرفة ما للفلج وما عليه علناً أمام الملأ، ويقوم الشركاء بمعرفة ما للفلج وما عليه، إلا أن بعض الشركاء اليوم يطلب محاسبة الوكيل عن السنوات الماضية كلها؛ لأنهم لم يحضروا محاسبة الوكيل في السابق بالرغم من علنية المحاسبة، وهؤلاء لهم نصيب أقل في الشركة. فهل يلزم الوكيل الرضوخ والإذعان لطلب هؤلاء؟
إن تمت محاسبته بحضور الأكثر من الشركاء فلا وجه لإعادتها مرة أخرى. والله أعلم. (4/251)
صفحة 1375
أتقدم إلى سماحتكم بالبحث في قضية شرعية وأطلب التفضل الإفادة بالحكم الشرعي فيها، وهي عن جماعة من الشركاء في فلج من أفلاج هذه الولاية، اجتمعوا فيما بينهم قبل أن يصلوا إلينا للأحكام لحل هذا الخلاف في إقامة وكيل لهذا الفلج للقيام بشئونه وما يحتاجه من خدمة وقعد ماء وغير ذلك، ولكنهم لم يتفقوا، ولطول الخلاف بينهم قام مجموعة منهم بتنصيب وكيل لهذا الفلج، لادعائهم أنهم هم أرباب الفلج، ولهم النصيب الأوفر من مائه، ولم يكن شركاؤهم على علم بذلك، فبناء على طلبهم قامت المحكمة بكتابة هذه الوكالة، وبعد أن وصلهم خبر إصدارها أقاموا عليهم دعوي عندنا طالبين نقض هذه الوكالة لكونهم غير راضين بها. فهل هذه الوكالة المذكورة صحيحة أم باطلة؟ أرأيت لو أن هذه الوكالة كان رأي الشرع فيها أنها باطلة ولم يتفقوا على إقامة وكيل لهذا الفلج، فما هو الحكم الشرعي لحسم هذا الخلاف؟
إن كانت مصلحة الفلج متعينة في تعيين هذا الوكيل أولاً فيجب إمضاؤها وإلا فلا. والله أعلم.
ائتمن وكيل على أموال الفلج، وقد أخذ من حساب الفلج مبالغ تقارب الأربعة آلاف ريال عن طريق القرض حسب قوله، والآن الفلج بحاجة إلى مبالغ لإجراء الصيانة، فأراد الوكيل بيع شيء من مال الفلج. فهل يجوز بيع مال الفلج وله مبالغ على الوكيل، علما بأن الوكيل لديه أموال؟ على الوكيل أن يؤدي ما عليه للفلج من مال، سواء كان ذلك ببيع شيء من ماله أو باقتراض من جهة أخرى لوفاء ما عليه، ولا يجوز والحال هذه أن يباع شيء من أموال الفلج. والله أعلم.
هل يرشح وكيل الفلج جميع المشاركين في الفلج؟ الوكيل يتفق على تعيينه الأعيان وبهم الكفاية. والله أعلم.
هل على الوكيل مشاورة الأهالي إذا أراد إصلاح الفلج؟ إن كان مفوضا في الإصلاح فليس عليه أن يرجع إليهم فيما فوضوه فيه. والله أعلم. (4/252)
صفحة 1376
يوجد تعارف لدى أهالي الفلج في تصريجه إلى مكان معين. فهل يصح أن يصرج ما بعده؟ يعول على ما تُعورف عليه، إلا إن اقتضت المصلحة غير ذلك، فإن اقتضت ذلك فليرجع إلى أصحاب الشأن. والله أعلم.
إذا كان التصريج جائزا، فهل يصرج من مال الفلج أم من مال المشاركين بعد المكان المتعارف على تصريجه؛ لأنهم المستفيدون خاصة إذا لم يرض كل المشاركين في الفلج؟ إن كان المستفيدون الشركاء فالتصريج من مالهم. والله أعلم.
الدعاوى في الأفلاج
أرباب فلج أخرجوا بادة باتفاق وتشاور بينهم لتباع في مصالح فلجهم وخدمته، وفعلا بيعت خيارا، ومضى على ذلك سنين يتصرف فيها المشترون، والآن اختصموا فيها، فالجمهور منهم يقولون بأنهم اشتروها أصلا بعد أن كانت خيارا عن مبلغ الربع منها، وعن ثلاثة آلاف ومائة ريال، إذ الخيار كان عن مبلغ ألف وستمائة ريال، ومن بينهم الوكيل والعريف يقولون: بعنا هذه البادة قطعا لخدمته، وإن هذا البيع وقع باطلاع أهل البلد، ومن لم يكن حاضرا حضر من ينوب عنه، وهذا البيع وقع منذ أكثر من عام، بينما خصومهم يقولون: إن البادة باقية على بيع الخيار فقط، ولم نحضر على بيع قطع فيها ولا نرضاه، وإنا لا ننكر السوم في هذه البادة -أي سوم بيع القطع- اطلعنا على السوم في ذلك فقط، ولا نرضى بيع البادة إلا بالنداء، وكلام غرمائهم أن البيع فيها انتهى من سنة ولا نرضى بإعادتها مرة أخرى، والأسعار تزيد وتنقص، وعليه فطلبنا من مدعي بيع الحجة على أن البيع وقع عن رضى الكل واطلاع الشركاء، فوعدوا بإحضارها، فلو فرضنا أنهم أحضروها وما استقامت أو ما عدلت، فهل هنا أيمان على المعارضين لحسم مادة النزاع أم لا؟ لأن هذا من المشاعات، وأريتم أن لو ردوا اليمين على المشتركين هل يحلف الكل إن رضوا أن يحلفوا أم يكتفى بعدد من الأعيان أم كيف؟ نرجو من عطفكم ما عندكم حول الموضوع في صدد الأحكام في هذه القضية مشكورا؟ (4/253)
صفحة 1377
في الحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم–: { البينة على المدعي واليمين على من أنكر }()، وهو على عمومه سواء كان المدعي فردا أو جماعة، وسواء كان المدعى عليه فردا أو جماعة، وعليه فإن على المشترين إن ادعوا أنهم اشتروا بالقطع بعد شرائهم الأول بالخيار أن يقيموا البينة، فإن عجزوها أو كانت غير مقبولة كانت لهم اليمين على المدعى عليهم، ولهم أن يختاروا من أكابرهم من شاءوا، ولهؤلاء أن يردوا اليمين على المدعين، فإن ردوها لزمت جميع المدعين؛ لأن عددهم محصور. والله أعلم.
ما قولكم في حرم ساقية الفلج وفرضة الفلج، بحيث إن هذه الساقية والفرضة تقع على حافة مزرعة أحد المواطنين، فإذا أراد هذا المواطن تسوير مزرعته، ما هي مسافة الحرم التي يتركها لهذه الساقية والفرضة؟ عليه أن يترك عامد الفلج من غير أن يضع عليه بناء، ويترك مع ذلك مجال لدخول العامل في الفلج. والله أعلم.
ما قولكم في حرم سل فلج، ولهذا السل ثقاب تبلغ من العمق من ثلاث إلى أربع قيم، وهذا السل وهذه الثقاب تقع على حافة مزرعة أحد المواطنين، فإذا أراد هذا المواطن تسوير مزرعته، فما هي مسافة الحرم التي يتركها لهذا السل وهذه الثقاب؟
الأولى أن يقف القاضي الشرعي في الولاية على المكان، ويحدد الحريم بحسب ما يراه من مصلحة الفلج. والله أعلم. (4/254)
صفحة 1378
توجد في بلدنا بئر قائمة، وهي وقف للفلج، وظلت منذ فترة طويلة غير مستخدمة لكون الفلج لا حاجة له للزيادة من تلك البئر، وبعد مرور السنوات لهجران تلك البئر قامت فئة من الناس باستخدامها وتوصيلها إلى منازلهم منذ حوالي عشرين سنة، وكان أهالي البلد يعلمون بذلك؛ ولكن لعدم حاجتها في ذلك الوقت لم يعترضوا على هؤلاء الناس، ولكن في الآونة الأخيرة وبسبب الجفاف الشديد قل منسوب الفلج وأصبح الفلج بحاجة لتلك البئر، وعندما تمت مخاطبة هؤلاء الناس لإزالة مضخاتهم عارضوا بسبب أن منازلهم معتمدة على هذه البئر، وليس لديهم مصدر آخر يتزودون به لمنازلهم، فنتج عن هذا الموضوع خلاف بين أهل البلد، فالفريق الأول يرى بأن حق الفلج من البئر باق ولم يتغير وهم لا ينكرون ذلك، إلا أنه وبما أن استخدامهم للبئر كان منذ فترة طويلة وكان تحت مرأى ومسمع من أهل البلد ولم تكن هناك أي معارضة من قبل أهل البلد في ذلك فإن استخدامهم لهذا البئر أصبح متعارفا عليه بالنسبة للجميع، وأما الفريق الثاني فإنه يرى أن استخدام هؤلاء الناس لهذه البئر كان لمجرد اكتفاء الفلج ذاتيا، وبما أن الفلج حاليا محتاج إلى هذه البئر فإنه على هؤلاء إزالة مضخات المياه من البئر المذكورة. فما قول سماحتكم في هذه المسألة؟ إن كانت الوقفية ثابتة فهي على أصلها، ولا يرفع حكمها استخدام الناس للبئر بخلاف مقتضى الوقفية، والحق في هذا لا يضيع بتقادم الزمن. والله أعلم.
بحث
تفسير آيات الوصية في سورة البقرة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، ، ، (4/255)
صفحة 1379
فيقول الله تعالى: { كُتِبَ عَلَيْكُم إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ والأقربين بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِين }() هذه الآية من سورة البقرة، والآيتان اللتان بعدها تتحدث عن الوصية، كما ورد أيضا ذكرها في غير هذه السورة، إلا أن ما في هذه الآيات الثلاث من السورة من أحكام الوصية أبين وأشمل.
وهذه الآيات مرتبطة بالآيات السابقة من قبلها والتي تتحدث عن القصاص؛ لأن القصاص يفضي إلى الموت إذا كان هذا القصاص قتلا، وهو أيضا مُسَبّبٌ عن الموت؛ لأن القتل قصاصا إنما يكون عقوبة على القتل.
والوصية أمر ينفذ بعد موت الموصي، ولذلك من كان يترقب الموت بسبب أو آخر، أو محكوما عليه بالقصاص أحرى بأن يحرص على كتبها، لتكون حجة له عند ربه، وسببا لفوزه ونجاته، وبهذا تسقط الوجوه التي ذكرها بعض المفسرين في اتصال هذه الآيات بما قبلها، كقول بعضهم: إنها معطوفة علي ما قبلها، والتقدير: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى }()، و{ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ والأقربين بِالْمَعْرُوفِ }()، ولكن أسقط العطف لأجل طول الكلام، فإن سقوطه لا دليل عليه، وإن حَمل على ذلك بعضهم أيضا قولَه تعالى: { لا يَصْلاهَا إِلاّ الأشقى الذي كذب وتولى }() أي: إلا الأشقى والذي كذب وتولى. وهذا مدفوع.
والخطاب في هذه الآية للمؤمنين الذين خوطبوا من قبل بقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى }() ولم يتكرر الخطاب، حيث لم تبتدأ هذه الآية كما ابتدأت تلك بقوله: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ }() لقرب هذا النداء الموجه إلى المؤمنين في ذلك الحكم. (4/256)
صفحة 1380
ولم تعطف هذه الآية على ما قبلها، بل فصلت عنها لأجل بيان استقلالية هذا الحكم عن الحكم السابق، فإن وجوب الوصية ليس مشروطا بالقصاص، فإن كل أحد إذا حضره الموت فالوصية المطلوبة منه في هذه الآية واجبة عليه.
والمراد بـ { كُتِبَ }(): فرض، كما في قوله سبحانه وتعالى: { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون }()، وقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى. و(إذا) هنا ظرفية تتعلق -على الصحيح- بقوله: { كُتِبَ }()، وهذا الكَتبُ الذي كتبه الله سبحانه وتعالى على عباده وإن كان أزليا فإنما يتوجه إلى العبد عندما يحضره الموت، فلذلك جاءت: { إذا }() هنا بعد قوله: { كُتِبَ }() لتفيد أن هذا الأمر يلزم ويتحتم على العبد عندما تحضره أسباب الموت.
{ حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ }(): حضور الموت عبارة عن حضور أسبابه، كالمرض الشديد ونحوه، مما هو مظنة لترتب الموت عليه كالحكم عليه بالقصاص، ففي هذه الحالة يتحتم على العبد أن يوصي كما فرض الله سبحانه وتعالى عليه. ولم يقل تعالى: إذا حضركم الموت، بل قال: { إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ }() لأجل بيان أن هذا الأمر يتوجه إلى كل أحد بذاته، فهو واجب عيني يتحتم على جميع أفراد هذه الأمة، وليس متوجها إلى مجموعها، بخلاف قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ }() فإن القصاص لا يجب على كل أحد فردًا فردًا، وإنما يجب على من تسبب له، ويجب على الأمة بمجموعها أن تعين عليه، بحيث يتمكن ذو الحق من الاقتصاص ممن عليه الحق.
وأُخِّر الفاعل { الموت }() وقدم المفعول { أَحَد }() لأجل تأكيد هذا الوجوب، فإن تقديم المفعول هنا على فاعله يفيد الاهتمام، بأن كل أحدٍ يحضره الموت يتحتم عليه إنفاذ هذا الأمر إن توفر الشرط المذكور هنا. (4/257)
صفحة 1381
وحضور الموت -كما قلت- حضور أسبابه، والعرب تكني بالموت عن الشيء الكريه، كما قال جرير:
أنا الموت الذي أخبرت عنه
فليس لِهاربٍ مني نجاء
ولا ريب أن أسباب الموت تؤدي إلى الموت، ولما كانت كذلك عُبِّر عنها بالموت، وإلا فبعد أن يحضر أحدًا الموت لا يتمكن من هذه الوصية المطلوبة منه.
{ إِن تَرَكَ خَيْرا }(): قال: { إِن تَرَكَ }() ولم يقل: إن يترك؛ لأجل تقريب المستقبل ليكون كالشيء الواقع، فالمستقبل هنا متأكد، فالذي عنده مال قد حضره الموت فمن المتأكد أنه سيترك المال، فلذلك عبر بصيغة المُضيّ كما في قوله تعالى: { وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ }() والخير هو المال، وكثيرا ما يعبر في القرآن بالخير عن المال، فقد قال الله سبحانه وتعالى: { وإنه لحب الخير لشديد }()، وحكى سبحانه عن عبده موسى عليه السلام قوله: { رب إني لما أنرلت إلى من خير فقير }()، وقال سبحانه وتعالى: { فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا }() أي غنىً.
{ الوصية }() هي نائب فاعل لـ{ كُتِبَ }()، فهي مرفوعة بـ{ كُتِبَ }()، ولم تدخل علامة التأنيث على { كُتِبَ }() لأجل الفصل ما بين الفعل ومعموله؛ لأن التأنيث غير حقيقي، فإن الوصية يعبر عنها بالإنفاق.
والوصية مأخوذة من: وصّى يوصّي توصية، أو أوصى يوصي إيصاء، وقد جاء جميعا في القرآن الكريم، فقد قال الله سبحانه وتعالى: { وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ }()، وقال الله عز وجل: { يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ }().
والوصية: فعيلة بمعنى مفعولة، وكلمة الوصية هي في الأصل: مُوصَّى بها، ولكن وصلت بالضمير، وأسقط الحرف الجار لأجل أن تأتي فعيلة بمعنى مفعولة، فإن فعيلاً بمعنى مفعول لا يكون من الفعل القاصر، أي الفعل اللازم غير المتعدي. (4/258)
صفحة 1382
والوصية هي بمعنى الدعوة إلى فعل شيء أو تركه، كما في قوله تعالى: { يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ }() أي يدعوكم الله إلى ذلك، وقوله: { ذلكم وصاكم به }() أي أمركم به، فالأمر والنهي داخلان فيما يُوصى به، فمن أمر بشي فقد أوصى بفعله، ومن نهى عن شيء فقد أوصى بتركه.
وإنما شاعت الوصية في عرف الناس -مع ما اشتقت منه كالتوصية والإيصاء- في أن يأمر أحدٌ أحدًا بفعل شيء بعد موته وفي حياته، ولكن في حال غياب الآمر، ويكون ذلك الشيء فيه مصلحة للأمير أو للمأمور.
وهي في العرف الفقهي في هذا الباب: جزءٌ من المال يأمُر صاحبُه بأن ينفذ عنه بعد موته في وجه من الوجوه المشروعة.
وقوله سبحانه وتعالى: { إِن تَرَكَ خَيْراً }() شرط غائي، ولذلك فإن جوابه مفهوم مما قبله، ولا حاجة إلى تقدير جوابٍ، وأبعد ما يكون قول من قال بأن الشرط الأول وهو قوله سبحانه: { إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ }() له جواباً يفهم مما سبق، والشرط الثاني وجوابه واردان تأكيداً لذلك الجواب، ويفهم جواباً الشرط الثاني من نفس جواب الشرط الأول وهذا تكلف.
بعض العلماء قدر: إن ترك خيرا فالوصية للوالدين، أي: فالوصية واجبة للوالدين. وعلى هذا فالوصية هنا مبتدأ، وهي وما بعدها من الخبر واقعةٌ في جواب الشرط، والفاء محذوفة على حد قول الشاعر:
*من يفعل الحسنات الله يشكرها *
ولكن حذف فاء الجواب لا يجوز إلا في ضرورة الشعر، فلا يحمل عليه كلام الله سبحانه وتعالى، فمِنَ التكلف البعيد دَعَوى مَنْ يزعم بأن الوصية هنا مبتدأ، وأنها واقعة في صدر جواب الشرط والفاء محذوفة.
وقولُه سبحانه: { لِلْوَالِدَيْنِ }(): الجار والمجرور متعلقتان بالوصية؛ لأجل تأويل الوصية بمعنى الإيصاء، أي الإيصاءُ أو التوصية للوالدين.
و{ والأقربين }() هم سائرُ ذَوِي قرابة الإنسان من غير والدَيْه. (4/259)
صفحة 1383
{ بِالْمَعْرُوفِ }(): المعروفُ هو ما تَأْنَسُ إليه النفسُ ولا ينكره العقل، وإنما سُمّي معروفًا لأجل ُطمَأنينة النفس إليه.
{ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ }(): تأكيدٌ ِلهَذا الكَتْب، أي الفَرْض، فإن ذلك أمرٌ متعيّن على كل مَنْ أراد أن يكون من الأتقياء، الذين يتقربون إلى الله سبحانه وتعالى بالطاعات ويتجنبون سَخَطه الذي يؤدي -والعياذ بالله- إلى عقوبته. وقولُه تعالى: { حَقّاً }() مصدرٌ مؤكِّدٌ لقولِهِ: { كُتِبَ }(). والمعنى حق ذلك حقا على المتقين، أو كتب حقاً على المتقين.
ولا يعني ذلك خروجَ العصاة من هذا الأمر وعدم تكليفهم به، بل العصاة وغيرهم مخاطبون به، وإنما قال سبحانه وتعالى: { حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ }() لأجل دفع النفوس إلى امتثال هذا الأمر، فإن كلَّ عاقل يحرص على أن يكون من المتقين، كما يحرص أن يكون من المحسنين، ولذلك قال الله سبحانه وتعالى أيضا في المتعة الواجبة للنساء المطلقات: { حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ }() ففي هذا إثارة إلى امتثال أوامر الله سبحانه وتعالى.
وقد كانت الوصية معهودة عند العرب في جاهليتهم، كوصية نِزار بن مَعَدِّ بن عدنان لِبَنِيِه الأربعة، ولكنهم كانوا يَحِيفُون فيها، فقد كان أحدهم يوصي للأباعد لأجل الشهرة والفخر، ويترك الأقارب لأجل الاحتقار والازدراء، وقد يُوصِي للأغنياء ويترك الفقراء.
والدينُ الإسلامي دين الفطرة، وعلاقة الإنسان بذوي قرابته علاقة فطرية، ولذلك جاء الإسلام ليؤصِّلَ هذه العلاقة في المعاملات، فكما أن الله سبحانه وتعالى فرض حسن المعاملة في الحياة ما بين الأقارب؛ فرض أيضًا هذه الصلة ما بين الإنسان وقرابته بعد موته، حتى يكون هذا الميت على ذكرٍ من أولئك الأقرباء، ولا ينسوه بموته.
ومن أجل ذلك أيضًا جعل الله سبحانه وتعالى أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض، فجعل الميراث للأقربين؛ سواء كانت هذه القرابة قرابة نسب، أو قرابة سبب. (4/260)
صفحة 1384
وفي الآية الكريمة كلام طويل لعلماء التفسير والفقهاء وغيرهم؛ ذلك لأن: - طائفة من المفسّرين وغيرهم قالوا إنها منسوخة.
- وطائفة منهم قالوا هي مُحْكَمة وليست بمنسوخة.
- وطائفة قالت نُسِخَ بعضها وأقِرَّ بعضُها.
والذين قالوا بأنها منسوخة اختلفوا في الناسخ أيضا، فمنهم من قال: الناسخ آية المواريث، فإن الله سبحانه وتعالى أعطى فيها كلَّ ذي حقٍّ حقه، فلكل أحدٍ من الأقربين الأَدْنَيْنَ إلى الميت -كالوالدين والأولاد والأزواج-
حقٌّ، وقد فَصَّل الله سبحانه وتعالى هذه الحقوق في آية النساء.
وذَكَر بعضُهم الاتفاق على أن آية النساء بعد هذه الآية الكريمة، وأنكره آخرون، وقالوا: لا دليل على أن آية النساء نزلت بعد هذه الآية.
ومن العلماء من قال بأنها لم تُنْسَخ ولا منافاة بينها وبين آية النساء، فآية النساء ذَكَرت الوصية، فقد جاء فيها قولُه سبحانه وتعالى: { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ }() و{ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ }() و{ مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ }() و{ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ }()، فإذَنْ آيةُ النساء مؤكِّدةٌ لِمَا في هذه الآية، وليس مدلُولها منافيًا لِمدْلول هذه الآية حتى يقال بأن تلك الآية نَسَخت هذه الآية، وهذا هو الذي عَول عليه ابنُ جرير الطبري، وقال بِهِ مِنْ قبله أيضًا كثيٌر من السلف. ومما قاله ابن جرير الطبري في تقريره لهذا المعنى: إنَّ النسخ إنما يكون في حُكْمَين مُتنافِيَيْن، في حين أن ذلك الحكم الذي جاء في آية النساء ليس حكمًا منافيًا لِهَذا الحكم، وإنما هو موافقٌ له، فكيف يُقال إن ذلك الحكم نَسَخَ هذا الحكم؟ (4/261)
صفحة 1385
ومن العلماء مَنْ قال: إن آية النساء نسخت هذه الآية نظراً إلى أنّ الوصية ذُكِرَت فيها مُنكَّرَةً، فلو كانت هذه الوصية مُقَرَّةً لكانت مذكورة بالتعريف لأجل العهد فيقال -مثلاً-: من بعد الوصية التي يُوصي بها، ولكن الله تعالى قال: { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ }() وفي هذا ما يدل –حسبما يقول هذا القائل- على أن تلك الآية رافعة لِهَذا الحكم الذي جاءت به الآية الكريمة. وحَمَل ذلك القائلُ التناِفَي والتضادَّ ما بين ما هُنا وما هناك على التنافي ما بين الإطلاق والتقييد، فقال: إن هذه الآية جاءت الوصيةُ فيها مُقَيَّدَةً، وآيات النساء جاءت الوصيةُ فيها مُطْلَقَةً، وعليه فالوصيةُ المقيَّدة تكون منسوخةً بالوصيةِ المطلقة المذكورة هناك؛ لأجل التنافي الذي بين التقييد والإطلاق. وهذا الكلام غير مُسَلَّمٍ به؛ ذلك لأن مِنَ القواعد الشائعة عند الأصوليين: أن المقيّد يقضي على المطلق وليس العكس، وهذا إذا وَرَدَ المطلق والمقيد معًا في حكم واحد وفي سَبَبٍ واحد. أمّا إذا لم يتفق التقييد والإطلاق في السبب وفي الحكم فَكُلُّ واحدٍ منها يُجرى مَجراه. (4/262)
صفحة 1386
ومن ناحيةٍ أخرى فإن الإطلاق الذي في سورة النساء ليس بمُنافٍ للتقييد الذي في هذه السورة؛ ذلك لأن الوصية التي يوصِي بها الميتُ لا تنحصر في هذا الذي ذَكَره الله سبحانه وتعالى هنا، فقد يُوصي الميت بحقٍّ واجب عليه لأحد من الأبْعَدِينَ، أو يوصِي بكفّارة واجبة عليه فيما قصّر في عبادته لله سبحانه وتعالى، أو يوصِي بغير ذلك من حقوق الله أو حقوق الناس كالزَّكَوات والديون والضمانات وغيرها. وعليه فالوصية في آيات النساء في قوله سبحانه وتعالى: { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ }()، وقوله: { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ }()، وقوله: { مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ }()، وقوله: { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ }() تشمل جميع أنواع الوصايا المشروعة، بينما الوصيةَ المذكورة هنا في هذه الآية لا تشملها. ومن المفسرين والفقهاء من قال بأن هذه الآية الكريمة نُسِخَت بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: { لا وصية لوارث }(). وقد رُدَّ على هؤلاء بأن هذا الحديث آحادي، أو لا يتجاوز مرتبة المستفيض، وأصلُ المستفيض آحادي، فلا يقوى الحديثُ الأحادي على نسخ آية من كتاب (4/263)
صفحة 1387
الله سبحانه، وإذا كان الحديث الأحادي لا ينسخ المتواتر من الحديث فكيف يُنسَخُ القرآنُ الذي هو أقوى حجة من المتواتر من الحديث بحديث آحادي؟ وأُجِيبَ عن هذا: بأن الحديث وإن كان أحاديا فإنه مُعْتضدٌ بالإجماع، وتَلَقَّته الأمة بالقبول، وأجْمَعَ المسلمون سلفًا وخلفًا على الأخذ به، ولذلك جاز النسخ به. ورُدَّ ذلك: بأن انعقاد الإجماع يخرجه عن كونه أحاديا، فإما أن يكون النسخُ بالإجماع نفسه، وإما أن يكون النسخُ بالحديث. أما الإجماع فلا ينسخ القرآنَ ولا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان الاعتماد على الحديث، فالحديثُ لم يخرج عن كونه أحاديا. على أنّ دعوى الإجماع هنا مردودةٌ؛ نظرًا إلى أن هذا الحديث لَمْ يَحُزْ ثقةَ البخاري ومسلم، فلم يُخْرِجَاهُ في صَحِيحَيْهِمَا، فكيف يُقال بعد ذلك إن الأمة تلقته بالقبول؟
وذهب آخرون إلى أن النسخ كان بآيات المواريث في سورة النساء وبالحديث معًا، فالحديث اعتضد بآية المواريث، وعند هؤلاء يعد الحديثُ مُبَيِّناً لِمَا دلّت عليه آية المواريث. وذَهَبَ آخرون إلى أن الآية الكريمة غير منسوخة بل هي مُحْكَمة، وقد قال بهذا القول طائفة من علماء السلف، وذهب إليه من العلماء المتأخرين الإمام محمد عبده، وسمعتُ شيخنا أبا إسحاق اطفيش يعتمد عليه ويرجّحه في تفسيره لِهَذه الآية في دروسه التفسيرية التي سمعتُها منه. (4/264)
صفحة 1388
ومُؤدَّى هذا القول: أنّ الوالدين قد لا يرثَان، ومع عدم استحقاقهما الإرث للمانع الذي يمنعهما منه لا يَمْنعهما ذلك حق الوالدية، فالله سبحانه وتعالى َوصَّى بالوالدين على أي حال؛ إذ يقول: { ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما }()، ويقول: { وَوَصَّيْنَا الإنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إلى الْمَصِيرُ وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا }() ومن المصاحبة بالمعروف في هذه الدنيا أن يصلهما الإنسان بعد موته، وصلتُه لَهُمَا بعد موته بالوصية. فالآية الكريمة -على هذا القول- هي في الوالدَيْن المشركين، إذ مَنَعَهُما من إرثهما عدمُ دينونتهما بالإسلام الذي يدين به ولدُهما، إذ لا يرث الكافرُ المسلمَ ولا المسلمُ الكافر.
وعدَمُ إرث الكافر من المسلم أمرٌ مجتمع عليه ولا خلاف فيه، ولكن هل تجوز الوصية للكافر؟
الجمهورُ على جوازها، وممّا يدل عليه: أن أمَّ المؤمنين صفية -رضي الله عنها- أوصتْ بجزء من مالِهَا لابن أخيها الذي كان لا يزال على اليهودية.
أمّا الذين ذهبوا إلى أن الآية نُسِخَ بعضها وبقي بعضها: فقولُهم أقرب إلى أن يكون من باب اعتبار أن هذه الآية الكريمة مُخَصَّصَةً بالحديث الشريف، وتخصيصُ العمومات القرآنية بالأحاديث أمرٌ واردٌ حتى ولو كان الحديث أحاديا. وهذا القول مرويٌّ عن طائفة من العلماء، منهم ابنُ عباس حبر الأمة وترجمان القرآن، فقد قال: نُسِخَ منها الوالدان وبقي الأقربون الذي لا يرثون. وقد كان النسخُ يستعمل في عُرف السلف بمعنى التخصيص، وروي ذلك عن الحسن والضحّاك وأبي مِجْلَز وقتادة وعددٍ من علماء التابعين ومَن بعدهم.
وهنا تأتي مسألة وصية الأقربين: (4/265)
صفحة 1389
هل وصية الأقربين واجبة؟ أو غير واجبة؟ عدا الوالدين اللذين يرثان، لأنها لا تجوز لَهُما ولا لمن يرث بالإجماع، وإن كان الإمام محمد عبده تسامح كثيراً في هذه القضية، وقال بأن الابن له أن يوصي لأحد والديه إن كانا يرثانه؛ لأجل اعتبار دفع الحاجة، وذلك كأنْ يُطَلَق أبوه أمّه، وتكون أمه غير قادرة على الكسب، وأبوه قادر عليه، ولو أُعطيت حصتها من الإرث فقط لَمَا أغنتها شيئا، فيوصي لَهَا بما يزيد على هذه الِحصّة. هذا القول وإن نَسَبَه إلى بعض السلف هو قولٌ بعيد، فإن كان يريد أن يَبَرَّ أمه فليعطها شيئا في حياته، ولا يخصها بالوصية بعد موته. هذا والقول بوجوب الوصية للأقربين ذهب إليه عدد كبير من علماء السلف، فقد روي عن ابن عباس كما جاء في تفسير ابن جرير وغيره، وروي أيضا عن الضحّاك، حتى أن ابن جرير وغيره أخرجوا عنه أنه قال: مَنْ مات ولم يوص لأقربيه فقد مات على معصية. وجاء أيضا نحو هذا عن قتادة والحسن ومسروق، وقد شدَّد مسروق النكيرَ على من أراد أن يوصي وصية رآها مسروقٌ لا تليق، وذَكَرَ له أن فِعْله هذا ينافي القرآن، وعليه أن يُسَلِّم لقَسْم ِ الله سبحانه وتعالى، فيوصي لأقربيه الذين لا يرثونه بالمعروف، ويترك الباقي على قسم الله تبارك وتعالى.
وروي أيضاً عن أبي مِجلَز ونصر بن يسار وعدد كبير من علماء التابعين وغيرهم، وهذا القول هو قول داود الظاهري، وإسحاق بن راهويه، وقد رواه البيهقي عن الشافعي في القديم.
وقد اتفق أصحابُنا على وجوب الوصية للأقربين الذين لا يرثون، وعوّلوا عليها وحرصوا على تطبيقها، فما من وصية يكتبها الإنسان منهم إلا ويوصي فيها لأقربيه الذين لا يرثونه، سواء كانوا أغنياء أو فقراء، فإن هذه صلة فرضها الله سبحانه وتعالى للقرابة بعد الموت، كما فرض الله سبحانه وتعالى صلتهم في الحياة. (4/266)
صفحة 1390
وقد روي عن طائفة من التابعين منهم جابر بن زيد -رحمه الله-: أنّ من أوصى للأبعدين ولم يوص للأقربين رُدت الوصية للأقربين، فأُعطوا منها الثلثين، والثلث منها يعطى للأبعدين. وهذا القول هو الذي عوّل عليه أصحابنا، وإن خالفهم في المتأخرين الإمامُ نور الدين السالمي -رحمه الله- فقال بأن ذلك يؤدي إلى تبديل الوصية، ومهما تكن مخالفته للحق وتَرْكُه ما فرضه الله سبحانه وتعالى عليه فإن ذلك لا يجيز تحويل ما أوصى به إلى الغير. وهذا القول هو الذي قال به الأئمة الأربعة وأتباعهم، والأوزاعي وغيره، فقد قالوا: إنْ أوصى للأبعدين وترك الأقربين فبئس ما صنع ولكن تُنفّذ وصيته.
وذهب طاووس إلى أنّ مَنْ أوصى للأبعدين ولم يوصِ للأقربين أُعطيت الوصية كلها للأقربين، وأُبعد منها الأبعدون.
وقد استدل القائلون بوجوب الوصية للأقربين بقوله تعالى: { كتب عليكم }() وبقوله: { حقا على المتقين }()، فقوله سبحانه: { كتب عليكم }() كقوله: { كتب عليكم الصيام }() وهو بمعنى: فُرِضَ، وقوله: { حقا على المتقين }() كقوله: { حقا على الحسنين }() وعليه فليس لأحد أن يتملص من هذا الحق بعدم أدائه كما وجب عليه. كما يستدلون لذلك أيضا بحديث أخرجه الإمام الربيع -رحمه الله- من طريق أبي سعيد الخدري -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يحلُّ لامرئ مسلمٍ لَه شيءٌ يوصي بهِ يبيتُ ليلتين إلا ووصيتُهُ مكتوبة عند رأسهِ). والحديث رواه الجماعة من طريق عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- بألفاظ متعددة: منها: (ما حَقُّ امرئٍ عنده شيء يريد أن يوصي به أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده). (4/267)
صفحة 1391
وقد تعلق الذين يقولون بعدم وجوب الوصية بقوله: (يريد أن يوصي به)، فقالوا: إن ذلك منوط بإرادة الإنسان نفسه. ولكن الروايات الأخرى ومن بينها رواية: (لا يحل لامرئ... ) تدل على خلاف ذلك، ولا منافات بين هذه الرواية ورواية: (ما حق امرئ مسلم... )؛ لأن رواية: (ما حق امرئ مسلم... ) تدل على أن هذا حق متعين على المسلم، فلابد له من أدائه. ووجوب الوصية للأقربين مقيد بتركه الخير، والخير هو المال -كما سبق- والآية أطلقت الخير هنا ولم تقيده بشيء، فهل هي على إطلاقها؟
مذهب الزهري -وعليه أصحابنا- أن الخير يُجرَى على إطلاقه، فمن ترك شيئا من المال -كما يدل عليه حديث: (له شيء يوصي به)- قليلا كان أو كثيرا فإن عليه أن يوصي به. وذهب بعضهم إلى تقييد هذا الشيء بربع الدينار، إلا أن قطب الأئمة -رحمه الله- تعقبه بقوله: ولو كان أقل من ربع دينار.
وقد روي عن بعض الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم- تقييد هذا المال بالكثرة، وهذا هو مذهب الإمام علي وابن عباس وعائشة. فقد روي عن الإمام علي: أن أحد أبناء عمه كان في فراش الموت فسأله عن الوصية، فسأله عما عنده، فأجابه: تسعمائة درهم. وفي رواية: سبعمائة درهم. فقال له: قال الله تعالى: { إن ترك خيرا }() وهذا شيء يسير. (4/268)
صفحة 1392
وروي عنه أن مولى له استأذنه في الوصية، فسأله عما عنده، فقال: سبعمائة درهم. فقال له: هذا شيء يسير. ولذلك رَوَى بعضهم عنه: أن ما زاد عن السبعمائة درهم يعتبر كثيرا. وروي عن ابن عباس أنّ من لم يترك ستين دينارا فليس عنده ما يطلق عليه خير، بل هو مال قليل لا تجب فيه الوصية. وروي عنه أيضا من وجه آخر أن من ترك أقل من ستمائة درهم -ستون دينارا في ذلك الوقت كانت مقابلة للستمائة درهم- فلا يقال بأنه صاحب خير وتجب عليه الوصية. وروي عن عائشة -رضي الله تعالى عنها-: أن ابن أبي مليكة استفتاها في وصية، فسألته عما عنده، فقال لَهَا: ثلاثة آلاف درهم. فسألته عن عياله فقال: أربعة. فرأت عليه بقولِهَا: قال الله تعالى: { إِن تَرَكَ خَيْراً }() وهذا شيء يسير فاتركه لعيالك. (4/269)
صفحة 1393
الكتاب: فتاوى سماحة الشيخ الخليلي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] وروي عن النخعي أن الكثير يتراوح ما بين الخمسمائة درهم إلى ألف درهم. وروي عن بعضهم أن الكثير ما كان من ألف درهم فصاعداً. وقد أخذ جماعة من العلماء من قول عائشة -رضي الله عنها- -عندما سألت ابن أبي مليكة عن عياله- أن مرد ذلك إلى اعتبارات: اعتبار كثرة الورثة وقلتهم، واعتبار كثرة المال وقلته، فتراعَى الحاجة في ذلك. أمّا الذين قالوا بالإطلاق؛ فقد استدلوا -كما قلت- بالحديث الشريف، وبنفس إطلاق كلمة { خيراً }()، فإن كلمة { خيراً }() تطلق على القليل والكثير، والله سبحانه وتعالى عندما أوجب الميراث قال: { مّما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا }(). فكذلك الوصية مما قل من المال أو كثر؛ لأن الوصية أخت الميراث، وقد علق الله سبحانه وتعالى جميع أحكام المواريث على إنفاذ الوصية وقضاء الدين: { من بعد وصية يوصي بها أو دين }(). ولابد من بعض الاعتبارات؛ فقد يترك الإنسان مجرد ثياب وملابس أو متاع البيت ونحوه من الأمور الضرورية التي يتركها للعيال، وفي هذه الحالة ينبغي أن يفُرض عليه أن يوصي، أمّا عندما تكون عنده فضلة من النقد المتداول فليوصِ بشيء منه. هذا ومسائل الوصايا كثيرة وأحكامها متعددة وتشعباتها مختلفة، فلا يمكن هنا أن نحشر جميع المسائل أوجلّها، والتي لا علاقة لَهَا بمدلول الآية الكريمة؛ لأن في ذلك خروجًا عن نهج التفسير. فأحكام الوصايا: منها ما يتعلق بالمال الموصَى به، ومنها ما يتعلق بمقدار الوصية، ومنها ما يتعلق بالموصِي، ومنها ما يتعلق بالموصَى له. وهذه الأحكام لها مظان، ومَنْ طلبها فليرجع إلى مظانها. وإنما بقيت الإشارة إلى أن الله سبحانه وتعالى أمَر في تلك الآية أن تكون الوصية بالمعروف، والوصية بالمعروف تعني أن تكون الوصية في حدود ما يُقبل ولا يُرفض، فإن المعروف سُمّي معروفاً لأن النفوس تألفه وتتقبله، والنفوس المقصودة هنا هي النفوس ذات الفطرة السليمة، والتي تأبى ما كان ضد المعروف وتنكره. والوصية (4/270)
صفحة 1394
بالمعروف تعني أن تكون الوصية في إطار الحدود الشرعية، ولا تتجاوزها، ومن ذلك:
ـ ألا تكون الوصية متعديةً للثلث، فإن تعدّي الثلث مخالف لأمر الشارع -عليه الصلاة والسلام-، حيث قال: (الثلث والثلث كثير). فمَنْ أكثر من الوصية يجب عليه ألا يتعدى في ذلك الثلث. والوصية بالثلث إنما هي في أبواب البر التي ليست متحتّمة على الإنسان، وكذلك وصية الأقربين مهما يكن الحكم فيها. أما الوصية التي تتعلق بالحق الواجب على الموصِي للموصَى له كالديون والضمانات فإنها تتجاوز الثلث إذا كان الحق يتجاوز الثلث، ولا خلاف في ذلك إذا كان حقاً للعباد، أما إذا كان لله سبحانه وتعالى كحج الفرض والزكاة والكفارات وغيرها من الفرائض المالية، أو تتعلق بذمة العبد، ففي ذلك خلاف؛ قيل: تخرج من الثلث، وقيل: تخرج من أصل المال. وأكثر أصحابنا يقولون بأنها تخرج من الثلث، وهذا القول مرويٌّ عن موسى ابن علي ومحمد بن محبوب وأبي المؤثر وأبي سعيد وابن بركة وغيرهم. وذهب سليمان بن عثمان إلى أن حق الله سبحانه وتعالى كحق العباد ُيخرج من أصل المال، فالوصية به من أصل المال لا من الثلث. وهذا هو القول الصحيح؛ لأن حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها- يعضده، وذلك أن الشيخين أخرجا عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فاقضوا، فَدَيْنُ الله أحق بالقضاء). فقوله صلى الله عليه وسلم: (أحق) يقتضي تقديم حق الله سبحانه وتعالى على حق العباد، وإذا كان حق الله سبحانه وتعالى مقدَّما فلا أقل من أن يُسَوَّى بحق العباد في إخراجه من أصل المال لا من الثلث. وإذا كانت الوصية من باب التبرعات وزادت على الثلث فترد إليه، اللهم إلا أن يرضى بذلك الورثة، بشرط أن يكونوا مالكين لأمرهم، فلا يكون فيهم صبي ولا مجنون ولا معتوه، أما إذا كان فيهم أحد من هؤلاء فإن نصيب هؤلاء من الميراث يجب أن يكون تاما. وذهب الظاهرية إلى أن الوصية بأكثر من الثلث تبطل على أي حال؛ لِمُنافاتها أمر (4/271)
صفحة 1395
الرسول صلى الله عليه وسلم، ورُدَّ عليهم بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (لا وصية لوارث إلا أن يشاء الورثة) وهذا يعني أن هذا حق للورثة، فإن شاءوا عفوا عنه، وإن شاءوا طالبوا فيه، فإن لم يعفوا عنه بطلت الوصية للوارث، وكذلك الوصية التي تزيد على الثلث.
ـ ومن ذلك: ألا يكون في هذه الوصية إيثار للغني على الفقير، ولا إيثار للأبعد على الأقرب.
وبعد ما ذكر الله سبحانه وتعالى حكم الوصية أتبعة بقوله: { فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيم }(). وقد استدل الإمام محمد عبده بهذه الآية الكريمة على أن الحكم الذي في الآية السابقة هو محكم غير منسوخ؛ وذلك لأن الله سبحانه وتعالى ذكر فيها مؤكدات متعددة فقال: { كتب عليكم }() و{ حقا على المتقين }()، ثم أتبع بقوله: { فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه }() فتوالي هذه المؤكدات بعضها إثر بعض يدل على أن هذا الحكم محكم وليس بمنسوخ، وهو ينطبق على من لا يرث من الأقربين، ومن لا يرث أيضا من الوالدين، وذلك إذا كانا مشركين، فإن شركهما لا يقطع حقهما كما تقدم. وأمرُ الوصية أمر عظيم، فلذلك حذر الله سبحانه وتعالى من التبديل بهذا التحذير الذي يتضمن الوعيد: { فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيم }().
{ فَمَن بَدَّلَهُ }(): الضمير في قوله سبحانه: { بَدَّلَهُ }() مذكر، وما سبق مؤنث؟ فإلى ماذا يعود؟
- هل يعود إلى الوصية نفسها فذُكّر، وإن كانت الوصية مؤنثة لأن تأنيثها غير حقيقي؟
- أو أن الوصية بمعنى الإيصاء وروعي هذا المعنى؟
- أو أن الضمير راجع إلى القول الذي يقوله الموصي؛ لأن الموصي لا بد من أن يقول قولا، أي فمن بدل قول الموصي؟
- أو إلى الحكم الذي أتى من عند الله سبحانه وتعالى في تلك الآية السابقة؟ (4/272)
صفحة 1396
- أو إلى الحق الذي سبق ذكره في قوله تعالى: { حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ }()؟
- أو إلى المعروف في قوله سبحانه: { الْمَعْرُوفِ }()؟
قيل بكل ذلك، وهناك قول ذكره بعض المفسرين في الآية السابقة
–وهو قول ضعيف جدا؛ لأن الآية لا تنافي بينها وبين آية النساء- وهو أن المقصود بهذه الوصية المذكورة التي كتبها الله هنا مجمل ومفصل في آية النساء، فهذه الوصية هي نفس الوصية التي جاءت في قوله تعالى في سورة النساء: { يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ }(). (4/273)
صفحة 1397
وبناء على هذا القول فقوله سبحانه: { فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ }() يخاطب بهذا الموصي نفسه إذا أراد أن يبدل؛ بأن يعطي أحدا أكثر من نصيبه، أو يحرم أحدا من نصيبه. ولكن الصحيح -كما قلت- غير ذلك، فإن الوصية المعنية هنا ليست هي تلك الوصية؛ لأن هذه الوصية هي من الموروث، بينما الوصية هناك هي من الله سبحانه وتعالى في قسمة المواريث بين عباده. والضمير في قوله: { بَعْدَ مَا سَمِعَهُ }() يعود إلى نفس معاني الضمير في قوله سبحانه: { بَدَّلَهُ }() أو إلى الحكم، أي: بعدما سمع هذا الحكم الإلهي من عند الله سبحانه وتعالى. { فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ }(): أي إثم ذلك التبديل، والتبديل مفهوم من قوله تعالى: { فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ }(): أي على الذين يبدلون ذلك الإيصاء، أو القول الذي صدر من الموصي. وهذا يعني تبرئة ساحة الموصي من تبعات هذا التبديل، فهي تقع على كاهل المبدل، سواء كان هذا المبدل هو الوصي؛ وذلك بألا ينفذ الوصية، أو أن ينفذها بخلاف ما أوصى الموصي، بأن يزيد أحدا على حقه، أو يحرم أحدا من حقه، أو يجحف بمال الورثة، فيعطي الوصية أكثر من قدرها مما تستحق، أو كان المبدل هم الشهود، وذلك إذا حرف الشاهد الشهادة أو كتمها، والتحريف يصدق على الزيادة والنقصان والتبديل. ويدخل في ذلك أيضا الحاكم بعدما يعلم بالوصية، بل ويدخل في ذلك المجتمع، فإنهم جميعا يجب عليهم أن يتناصروا على إنفاذها، من غير إجحاف بحق أحد، أو إعطاء أحد غير ما يستحق. وقد استدل بهذه الآية الكريمة من قال إن دين المدين يسقط عن تبعته إذ أوصى به، وقد نص على ذلك ألكيا الطبري وغيره، ولكن ابن العربي يقول: بأن الدين إذا ماطل المدين في دفعه وتساهل فيه إلى أن حضره الموت فأوصى به، فصدر من قبل الوصي تقصير في أداء الدين فإن التبعة لا تنحط عن المدين؛ لأنه (4/274)
صفحة 1398
تمادى في أداء الحق الواجب عليه، وقد كان الواجب عليه أن يسارع إلى أدائه، ولأن مطل الغني ظلم، فلا يجوز لمن عليه الدين أن يتمادى في أدائه من حال إلى حال وهو يعلم أن الموت قد يفجؤه ولا يتمكن من أدائه بنفسه، وقد يقع تقصير من بعد وفاته في أدائه من قبل الورثة أو من قبل الأوصياء، فإذا حصل هذا التقصير فإن التبعة تكون على المدين في حياته، كما تكون بعد موته على المقصر من وصي أو وارث. والآية الكريمة تقتضي أيضا الحث على الوصية، فلا يقول أحد بأنني لا أوصي لأنني لا أدري هل تنفذ وصيتي بعد مماتي أو لا تنفذ؟ فإن تبعة تنفيذها إذا كانت غير خارجة عن سنن الحق تقع على كاهل الأوصياء والورثة من بعد. وقد ذَيّل الله سبحانه وتعالى هذه الآية الكريمة بقوله: { إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيم }(): فهو سميع يسمع كل قول، ومنها: القول الذي صدر من الموصي حينما أوصى، فإن الله تعالى سميع به، ويعلم كل ما يكون، ومن بينه: ما يصدر من قبل الورثة أو الأوصياء من التقصير، فإن الله سبحانه وتعالى يحيط بكل ذلك علماً فيجزي كل أحد بما يستحق، وفي هذا تأكيد للوعيد الذي سبق في قوله سبحانه وتعالى: { فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ }(). ومما يجب التنبه له أن الحصر في قوله تعالى: { فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ }() حصر إضافي، وليس حصرا حقيقيا، فهو لا يعني أن الإثم ينحصر في شخص المبدل فقط، وإنما المراد بذلك بيان درء الإثم عن الموصي بعد أن يقوم بالواجب الذي عليه، فالتبعة تقع على كاهل الموصي أو الوارث أو الشاهد أو كل من يسعى إلى تبديل الوصية. وإنما قلت: إن الحصر هنا ليس حقيقيا وإنما هو إضافي؛ لأن الذي يعطى غير حقه وهو يعلم أنه غير حقه يأثم بأخذه له، فالذي يوصى له بأكثر من الثلث إذا أخذ ذلك من غير رضا الورثة يكون آثما بصنيعه ذلك، وإن كان هذا العطاء من قبل الوصي، والذي يأخذ أكثر مما أوصي له فإن هذا (4/275)
صفحة 1399
الإثم يشمله، حتى ولو كان المعطي ناسيا أو غافلا فأعطاه في حين غفلته أو نسيانه أكثر من حقه، بل عليه أن يذكره وألا يقبل أكثر من حقه، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما أنا بشر مثلكم تختصمون إلى، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ منه شيئا، فإنما أقطع له قطعة من نار). وإذا كان الوصي ذاكرا منتبها وأعطى الموصى له فإنما التبعة تقع على الاثنين المعطى والآخذ. وهكذا إذا أعطى الوصي غيب الموصى له، فإذا أوصي لأحد بحق وأعطى الوصي غيره فإنه يعد مبدلا، فالتبديل يكون بإعطاء أحد حق غيره، ويكون بحرمان أحد من حقه، ويكون بزيادة العطاء لأحد فوق ما يستحق. ثم تفرع عن ذلك الحكم حكم آخر وهو إذا ما خاف الوصي أو الشاهد أو أي أحد أن يحيف هذا الموصي على أحد كيف يتصرف؟ إن الله سبحانه وتعالى حذر من التبديل، وجعله من الأمور التي تستلزم الوعيد: { فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيم }()، ثم جاء التفريع الآخر الخارج من هذا التفريع؛ فهو في حكم الاستثناء له؛ وذلك قوله سبحانه وتعالى: { فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيم }(). { فمن خاف }()؛ ما هو الخوف المراد هنا؟
الخوف حقيقة هو: انفعال النفس لتوقع مكروه، ولكن يطلق مجازا على نفس التوقع، فالسؤال الذي يتجه هنا كيف يخاف أحدٌ جنفاً أو إثماً من قبل الموصي، مع أن الخوف من شيء متوقّع مستقبل، وهنا قد وقع هذا الأمر فعلاً، فكيف يطلق الخوفُ على تأثر النفس بالشيء الواقع لا بالشيء المتوقع؟
وقد أجيب عن ذلك بأن الآية تحتمل أمرين: إما أن تعني الحالة التي تكون قبل وفاة الموصي عندما يريد أن يوصي، فإذا حضره أحد وأحس من هذا الموصي شيئا يفضي إلى الحيف على أحد (4/276)
صفحة 1400
–سواء على الوارث أو على غير الوارث- فإنه يصلح ما بينه وما بين ورثته، أو ما بينه وما بين الذين أوصى لهم، بحيث لا تتجاوز هذه الوصية حدود الجائز شرعاً. وذلك بأن يحضر أحد في مجلس وصية، وإذا بهذا الموصي يوصي للأبعدين ويحرم الأقربين، أو يوصي وصية فيها ظلم لورثته، وذلك يتصور فيما إذا أوصى وقال: إن هذه الوصية من ضمان كذا، وهذه الوصية من ضمان كذا، وهذه الوصية من ضمان كذا، فتجتاح هذه الوصايا ماله، وقصده بذلك حرمان الورثة، وفي قرارة نفس السامع لهذه الوصية أن هذا الموصي لم تلزمه هذه الحقوق، وإنما يريد إبعاد ماله عن الورثة لأجل حرمانهم منه أو يريد إيثار بعض الورثة على بعض.
ومثل ذلك أيضاً: أن تكون لهذا الموصي ابنة أو بنات، أو أخ أو إخوة، أو أخت أو أخوات، أو إخوة وأخوات، فللابنة أو للبنات نصيبهن من الإرث، وللإخوة أو الأخوات أو للإخوة والأخوات الباقي؛ لأن الأخوات مع البنات عصبات، ولكنه يريد أن يحرم الإخوة والأخوات، فيوصي لأبناء البنات لأجل أن يعود ذلك الموصى به إلى البنات، ويقصد بذلك حرمان الإخوة والأخوات مما يستحقونه من الإرث. ومثل ذلك: أن يوصي لبعض أبنائه الذكور بحقوق يدعيها من ضمان لهم عليه، مع أن في النفس من ذلك حرجا؛ بحيث لا يتصور وجوب حق عليه لأبنائه، وإنما يقصد بذلك حرمان البنات، أو أن يوصي لأبناء الأبناء لأجل أن يعود ذلك إلى الأبناء، فيحرم بذلك البنات حقهن، أو أن يوصي لبعض أبناء الأبناء دون بعض، لأجل أن تعود مصلحة هذه الوصية على الأبناء الذين آثرهم أو اختصهم، أو يوصي لامرأته بدعوى أن عليه ضمانا لها. (4/277)
صفحة 1401
فإن جميع هذه الوجوه يمكن أن تعتبر من الجنف والإثم؛ لأن فيها حيفاً على بعض الورثة، أو على كلهم أحياناً. فمن حضر شيئاً من ذلك فإنه يخاف من ذلك أن يكون الموصي قد جنف جنفا يفضي به إلى الإثم، فيحاول التقريب ما بينهم لينبهه بما هو أولى له ليباعده عن ذلك. ومن هنا ندرك أن الخوف كما يطلق على التوقع، والتوقع ظن، فإنه يطلق على العلم أيضاً؛ لأن قوة الظن تفضي إلى العلم، وبهذا يندرئ هذا الإشكال أيضا، حتى لو اعتبرت الحالة بعد وفاة الموصي؛ ذلك لأن هذا الذي يصلح ما بين أصحاب هذه الحقوق إنما ينطلق من معرفته بالجنف والإثم في هذه القضية، ولذلك فسر ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- الخوف هنا بالعلم، وروي ذلك أيضاً عن قتادة والربيع بن هيثم أو الربيع بن أنس. وقد استبعد الفخر الرازي دخول الورثة في هذا الباب؛ نظرا إلى أنهم لم يسبق لهم ذكر، وإنما سبق ذكر الوصية والموصي، فيفهم من خلال ذلك أن المقصود الموصى لهم. ويكون المعنى: فمن خاف من موص جنفاً أو إثماً فأصلح بينهم أي: بين الموصى لهم. وقال: بأن المعنى أيضا لا يفيد دخول الورثة، فإنه لو أوصى بأكثر من الثلث لردت الوصية إلى الثلث، فلا يتوقع جنف أو إثم بجانب الورثة من خلال ذلك، ولو أوصى لبعض الورثة دون بعض ولم يرغب الآخرون لبطلت الوصية أيضا، فلا معنى لإدخال الورثة. ولكن من خلال ما فهمتموه من الصور التي ذكرتها من قبل يتبين أيضا احتمال دخول الورثة في ضمن الذين يقع الصلح بينهم في هذه القضية، فقد يتصور -كما ذكرت سابقاً- أن يوصي الموصي لبعض ورثته بدعوى أن عليه لهم ضمانا. ويحتمل أيضا أن يحاول أن يوصي للأبعدين غير الوارثين وصية يعود نفعها إلى بعض الوارثين، كوصيته لأزواج بناته، أو لأبنائهن، أو أبناء بنيه، أو نحو ذلك من الأسباب التي تفضي إلى حرمان بعض الورثة بعض حقوقهم. فكل ذلك مما يدخل في هذا الباب. وبناء على تفسير الخوف بالعلم، فإيثار هذه العبارة لما فيها من لطف (4/278)
صفحة 1402
الإشارة إلى أن الذي يتوسط بالصلح ما بين الأطراف المتنازعة بعد وفاة الموصي، أو بين الموصي وبين هذه الأطراف، سواء كانت هذه الأطراف الموصي لها أو الورثة، لا يلزمه أن يكون متيقنا أن الموصي وقع في الجنف أو الإثم، وإنما يكفي الظن الغالب، فلذلك كان التعبير بالخوف بدلا من التعبير بالعلم.
{ فمن خاف من موص جنفا أو إثما }(): الجنف هو الميل، ومنه قوله تعالى: { غير متجانف لإثم }()، ومن ذلك قول الشاعر:
تجانف عن حجر اليمامة ناقتي
وما قصدت من أهلها لسوائكا
وقد فسره غير واحد من أئمة التفسير -من الصحابة ومن بعدهم– هنا بالخطأ غير المقصود، وفسروا الإثم بالخطأ المقصود.
فالجنف أن يقع أحد في خطأ لم يتعمده، فعلى الذي تنبه لهذا الخطأ أن ينبهه لذلك، وأن يرده إلى الصلاح بإبعاده عن الفساد.
والإثم هو الخطأ المتعمد، فمن تعمد مخالفة الشرع يكون آثما، وإذا نبه أحد على الجنف -أي الخطأ غير المتعمد- فأصر عليه كان من ضمن الآثمين بذلك.
{ فأصلح بينهم }(): الإصلاح هو ضد الإفساد، وأصلح الشيء بمعنى: صيره صالحا بعد أن كان فاسدا، أو أوجده من أول الأمر صالحاً. فالإصلاح نقيض الإفساد، كما أن الصلاح نقيض الفساد، وأطلق الإصلاح على التقريب ما بين الجهتين المختلفتين؛ لأن في الاختلاف فسادا، فالجهتان المختلفتان واقعتان -بسبب اختلافهما- في الفساد، والذي يقرب ما بين الجهتين يحّول تينك الجهتين المختلفتين من الفساد إلى الصلاح. (4/279)
صفحة 1403
وإنما كان تعدي لفظة الإصلاح بـ { بين }() في مثل ذلك لأجل تضمين الإصلاح معنى الدخول؛ لأن الذي يصلح يدخل ما بين الجهتين، ويتوسط ما بينهما لأجل التقريب. { فلا إثم عليه }(): المصلح يستحق الثواب من الله سبحانه، ولكن الله عز وجل لم ينص هنا على الثواب، وإنما قال: { فلا إثم عليه }()؛ لأن الأصل في الوصية عدم التبديل، فالله سبحانه وتعالى أكد بقاء الوصية على ما هي عليه، ولكن بما أن هذا التبديل تبديل من باطل إلى حق، ومن فساد إلى الإصلاح كان الإثم مندرئا، وذلك يستلزم -ولا ريب- مثوبة الذي يقوم بهذا الإصلاح، وإنما لم تذكر المثوبة لأجل تهويل أمر تبديل الوصية. ومن ناحية أخرى: فإن الذي يصلح ما بين هذه الأطراف المتنازعة
–حتى يدرأ الجنف والإثم عن الموصي- قد يضطر إلى الإتيان بكلمات مجانبة للحقيقة في إصلاحه، وقد أبيح الكذب في إصلاح ذات البين، فلأجل ذلك ذكر الله سبحانه وتعالى أنه لا إثم عليه.
{ إن الله غفور رحيم }(): إن الله يغفر تبديل الوصية إذا كان التبديل لأجل الحق، أو يغفر ما يصدر من المصلح الذي يقوم بدور الإصلاح ما بين الجهتين، ويستخدم فيه كلمات مجانبة للحقيقة. أو المقصود: إن الله يغفر للموصي الذي كاد يقع في الخطيئة والإثم لولا تنبيه هذا المصلح، وانتشاله إياه من الوقوع في لمخاطر. { رحيم }(): يرحم المصلح الذي يحوّل فساد ما كاد أن يأتي به الموصي إلا صلاح؛ بمثوبته ورفع درجته وإبلاغه أمنيته. (4/280)
صفحة 1404
وقول الجمهور في تفسير الخائف هو الذي ذكرته؛ وهو إما أن يكون الوصي نفسه إذا حضر لهذه الوصية التي تصدر عن الموصي، أو الشاهد، أو من حضر المجلس أيا كان من الناس، أو الذين يأمرون بالمعروف وينهون عز المنكر، سواء كانوا من القضاة أومن سائر المصلحين، بينما ذهب أبو حيان مذهبا لم نجده لأحد من المفسرين غيره، فقد ذهب إلى أن المراد بقوله: { فمن خاف من موص }() أي: الذي يخاف من الموصين. فقوله: (من) هنا للبيان، وليس لابتداء الغاية، أي: الذي يخشى أن يكون قد وقع في الجنف والإثم من هؤلاء الموصين فلا حرج عليه أن يصلح ما بين أولئك الذين أوصى لهم؛ وذلك خشية أن يكون قد آثر بعضا على بعض، وأعطى أحدا ما لا يستحق، وحرم أحدا مما يستحق، فلا حرج عليه في حياته بنفسه أن يجمع هؤلاء الذين أوصى لهم وأن يصلح بينهم، أو أن يجمع بينهم وبين ورثته فيصلح بينهم؛ لئلا يكون في صنيعه هذا قد اجتاح بعض الحقوق الواجبة للورثة فأعطاها هؤلاء الذين أوصى لهم. (4/281)
صفحة 1405
والظاهر الذي يدل عليه السياق هو ما ذهب إليه الجمهور؛ ذلك لأن هذا الحكم -كما قلت- متفرع على الحكم الذي سبق في الآية السابقة: { فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيم }() وهي تقتضي أن يكون كل تبديل يترتب عليه إثم، ثم جاءت هذه الآية متفرعة عن تلك الآية لتدل على الاستثناء بأن بعض التبديل لا يكون إثما، وذلك إذا كانت الوصية لباطل، فمن أوصى بخمر أو خنزير أو لمفسدة كأن يوصي لمخمرة أو لكنيسة أو لشيء من الضلالات والفساد، فإن هذه الوصية باطلة من أساسها. وأمر الوصية أمر فيه حرج كبير، وقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم عليه، وعلى الخطورة التي تكون في الوصية، فإن على الموصي أن يتحرى مرضاة الله سبحانه وتعالى، وألا يكون لهوى نفسه نصيب في هذه الوصية، بل عليه أن يتحرى وجه الحق، وألا يريد بما يوصي به شيئا من إرضاء العواطف أو شيئا من المكاسب التي يتصورها أنها مكاسب. فقد روى الدارقطني عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله علية وسلم قال: (الإضرار في الوصيا من الكبائر). وقد رواه عنه أيضا ابن مردويه بلفظ: (الجنف في الوصية من الكبائر). وروى أبو داود عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الرجل أو المرأة ليعمل بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية فتجب لهما النار)، والحديث أيضا أخرجه عبد الرزاق عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- مرفوعا بلفظ: (إن الرجل ليعمل بالخير سبعين سنة فيحضره الموت فيحيف في وصيته فيختم عمله بالشر فتكتب له النار، وإن الرجل ليعمل بالشر مثل ذلك فيحضره الموت فيعدل في وصيته فيختم عمله بالخير فتكتب له الجنة)، فالأعمال بخواتيمها. وقد روى النسائي عن عمران بن حصين -رضي الله تعالى عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن رجل لا يملك إلا ستة مماليك، ولما حضرته الوفاة أعتقهم (4/282)
صفحة 1406
جميعا غضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (لقد هممت ألا أصلي عليه)، ثم قرع النبي صلى الله عليه وسلم ما بين الستة، فخرجت القرعة على اثنين فأعتقهما، وأرق الباقين؛ لأجل الورثة حتى لا يحرمهم من نصيبهم من تركة موروثهم. وقراءة أكثر القراء: { فمن خاف من موص }() بدون تشديد، وقرأ حمزة والكسائي من السبعة، وهي رواية أبي بكر عن عاصم، وعاصم هو أحد القراء السبعة أيضا: { فمن خاف من موصّ }() بالتشديد، وهذه هي قراءة يعقوب من سائر العشرة. وقراءة: { من موصّ }() هي من: وصّى يوصّي توصية، وقراءة { من موص }() من: أوصى يوصي إيصاء. هذا؛ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ، ، (4/283)