صفحة 1
الكتاب: فتاوى الشيخ سعيد القنوبي ج1 فتاوى الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي ج1
الصلاة الصوم الزكاة
الفهرس
الموضوع ... ص
*فتاوى صلاة الجماعة ... 20
س: هل تجوز صلاة المتنفل بالمفترض ، وصلاة المفترض بالمتنفل ؟ ... 21
وهل صحيح أن معاذ ابن جبل رضي الله عنه كان يصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء ثم يذهب إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة أي هو متنفل وهم مفترضون ؟
س: إذا سهى الإمام في قراءة القرآن وبدّل آية رحمة بآية عذاب أو العكس مثلا قال: "إن الإبرار لفي جحيم أو قال: "إن الفجار لفي نعيم " . فما حكم صلاته وصلاة من خلفه ؟ ... 21
س: إمام وقف أو سكن بعد قوله تعالى: "ويل للمصلين " ما حكم صلاته ؟ ... 21
س: إن دخل رجل المسجد وكبر تكبيرة الإحرام ولمّا جلس سلم الإمام ولم يصل معه شيئاً . فماذا يصنع ؟ ... 22
س: جاء رجل ووجد الصف مكتملاً وجذب شخصاً على يمين الصف وشماله ؟ ... 22
س: من وجد الجماعة في التشهد الثاني ؟ ... 22
س: إذا كان المأموم مقيم والإمام مسافر ؟ ... 23
س: إمام سهى في صلاة المغرب وسلم بعد التشهد الأول ولم يسبح أحد من المأمومين له فبعضهم سلم وبعضهم لم يسلم وبعضهم تكلم فما حكم صلاة كلاً من الإمام والمأمومين ؟ ... 23
س: إمام عوض الفاتحة قرأ التشهد سهو أو بعد السجود انتبه لذلك ؟ ... 23
س: إذا انتقضت صلاة الشخص الذي يصلي سترة خلف الإمام هل تنقض صلاة الصف الأول ؟ ... 24
س: إذا قام الإمام بعد الركعة الثانية ولم تجلس للتشهد وسبح له المأمومون ؟ ... 24
س: من صلى نافلة خلف من يصلي فريضة المغرب كيف يصنع ؟ ... 24
س: صلى إمام وعن يمينه شخص كما هو السنة وجاء بعد ذلك شخص أخر وتجهله بالسنة وقف عن يمين ذلك المأموم فهل للإمام أن يتقدم أو أن يقوم بتأخير المأمومين أو أن يقوم المأموم الأول بالتأخير ويؤخر ذلك الشخص معه . ... 24
س: إمام أسر في صلاة جهرية وتذكر في نصفها ؟ ... 25
س: شخص أمّ ناساً ويقوم بأعمال كمثل النذر للقبور . فهل تجوز الصلاة خلفه ؟ ... 25 (1/1)
صفحة 2
س:مأموم دخل المسجد وكبر للإحرام واستعاذ وبمجرد انتهائه من الاستعاذة انتهى الإمام من قراءته الفاتحة ... 25
س: إمام يصلي قائماً ثم إنه أصابه المرض واضطر للجلوس وجلس فهل أيضاً يجلس المأموم ويصلون خلفه جلوساً أم أنهم يواصلون الصلاة على حالهم السابق أي أنهم يصلون قياماً ... 25
س: الصبي الذي لا يفقه أمور الصلاة هل إذا كان في وسط الصف يكون قاطعاً للصف أو الصلاة؟ ... 26
س: هل للمرأة أن تؤم بالنساء ؟ ... 26
س: أين تصف المرأة إذا كانت تصف مع رجل ؟ ... 26
س: المستدرك إذا لم يتمكن من إتمام الفاتحة مع الإمام وقرأ جزءا من فاتحة الكتاب وركع الإمام فماذا يصنع وكذا الحال إذا كان الإمام سريع القراءة فلم يتمكن من إكمالها ؟ ... 26
س: سمعنا منكم في دروس سالفة أنّ العلماء قد اختلفوا على عدّة أقوال في مَن دخل المسجد ووَجَدَ الصفَّ قد اكتمَل ماذا يَصنع، وسؤالي حول الرأي المختار عندكم في هذه المسألة لِعموم البلوى بها، ولم لا يكون حديث وابصة بن معبد-الذي هو عند الترمذي وأحمد وحسّناه وأبي داوود وغيرهم الذي فيه أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلا يُصَلِّي خلف الصفِّ وحدَه فأَمَرَه أن يُعيد الصلاةَ وعند غيرهم زيادة: " أَلاَ دخلْتَ معهم أو اجْتَرَرْتَ رجلاً "-وحديث: " فلا صلاة لِفرد خلف الصف "-عند ابن ماجة وابن حبان وأحمد-فَيْصَلاً في هذه المسألة أم أنّ هذه الآثار لا تَصح ؟ أَلاَ يُمكِن أن يُقال يا شيخنا أنّ قصّة أبي بكرة رخصة تُبذَل لِلجاهل الذي لا يَعرف الحكم في هذه المسألة ؟ ... 27
س: ما حكم قراءة القرآن مِن المصحف إذا كان الإمام لا يَحفظ قدرا مِن القرآن وهو يريد أن يُطِيل في الصلاة بالناس ؟ ... 29 (1/2)
صفحة 3
س: عامل عند تاجر معيّن قد اتفق مع مجموعة العمال هناك أن يصلوا الظهر في مصلى خاص من أجل أنه لا يستطيع أن يخالف أمر الشخص الذي يعمل عنده .. المسجد قريب منهم لكن هم اعتادوا على أن يصلوا هكذا في رمضان فقط صلاة الظهر في ذلك المصلى ويصلونها جماعة. ... 30
س: دعاء الإمام جهرا وتأمين الجماعة، هل وَرَدَ في ذلك شيء ؟ ... 30
س: إذا كان الإمام مَجهول الحال هل يصح أن يؤمِّن الشخص ويستحضر في نيته تَخصيص ذلك أو تعليق أمر إجابة الدعوة أو التأمين إن كان هذا الإمام صالحا ؟ ... .3
*فتاوى صلاة السفر ... 31
س: ما حكم صلاة السفر، هل هي عزيمة أم هي رخصة ؟ ... 31
س: ما حكم من كان يُتمّ في السفر مستنِدا في ذلك إلى قول أحد مشائخه الذين يثق فيهم وهو أنهم يقولون: " من كان يملك مسكنا في السفر وكان يطيل المكث فيه فعليه الإتمام ولو لم ينو الاستقرار فيه " ثم تبيّن له بعد ذلك أنّ الراجح هو ما ذهبتم إليه ؟ وهل يجب عليه قضاء الصلوات التي صلاّها تماما عملا بقول شيخه ؟ وما حكم هذا الشخص إن كان يصلي بالناس في تلك الفترة ؟ ... 35
س: كانوا مسافرين مع جماعة وأثناء الوضوء دخلت فرقة منهم في المسجد فوجدت جماعة تصلي، في هذه الحالة هل يدخلون فيصلون معهم أم ينتظرون أصحابهم ليصلوا جمعا ؟ ثم إنّ الذين دخلوا إلى المسجد لا يدرون عن تلك الجماعة هل تصلي قصرا أم تصلي وطنا. ... 36
س: من يسافر من بلده إلى بلد آخر وبعد فترة يترك السفر فيصلي إتماما ظنا منه أنّ بلاد المسلمين تعتبر وطنا له أينما حلَّ فيها، فهل يصح هذا ؟ ... 36
س: في بعض الأحيان تكون في الدراسة والوقت يتأخر بها إلى الساعة الثانية، فهل تَجمع صلاة الظهر مع صلاة العصر جمعا صوريا ؟ ... 37 (1/3)
صفحة 4
س: نريدكم أن تحدثونا عن تعريف الوطن الذي يستقر فيه الإنسان، كما نريدكم أن تعرِّفوا لنا كذلك معنى الاستقرار والاطمئنان بحيث إنّ الإنسان إذا اطمأن ووصل إلى الدرجة التي تحدِّثونا عنها-بعد قليل-يكون بذلك موطِّنا، كما-أيضا-نريدكم أن تحدِّثونا عن عدد الأوطان التي يجوز للإنسان أن يتخذها. ... 37
س: لكن إذا أتينا إلى قضية الأوطان، متى يصح للإنسان أن يتخذ ذلك المكان وطنا، هل إذا امتلك فيه بيتا أو امتلك فيه مزرعة أم هناك شروط أخرى ؟ ... 38
س: وهل ما يقال من أنّ الإنسان إذا تزوج من منطقة تعدّ له وطنا ؟ ... 38
س: وهل ما يقال-أيضا-من أنّ الإنسان إذا ولد في منطقة حتى ولو سافر منها بعد ذلك لا تزال وطنا له ؟ ... 39
س: ذهب إلى مكان مجاور لبلده وشك هل ذلك المكان تعتبر مسافته وصلت حد السفر أم لا فبقي في الشك هل يصلي إتماما أم يصلي قصرا فصلى قصرا ؟ ... 39
س: على أية حال، نحن نريد أن تبيّنوا لنا المسافة التي إذا ما قطعها الإنسان يعتبر مسافرا ؟ ... 40
س: بما أنكم ذكرتم هذه المسافة الآن وهي اثنا عشر كيلومترا. ... 41
س: نعم، تقريبا .. ما يقرب منها .. متى يبدأ الإنسان يحسب هذه المسافة ؟ ... 41
س: عندما يجمع صلاة الظهر مع صلاة العصر يقول له البعض: " عليك أن تصلي السنّة " ويقول البعض: " لا، لا تصل السنّة، فذلك يكفيك "، فماذا تقولون ؟ ... 41
س: هو الآن يعمل في مسقط وكان يسكن عزبا مع بعض الإخوة من غير أن يحضر أهله واستمر على ذلك فترة والآن أحضر أهله معه-ويبدو أنه مستأجر-ولا يريد أن يستقر في مسقط وإنما ينوي أن يعود إلى بلاده في يوم من الأيام، فلو طال مكثه في العمل في مسقط هل يصلي إتماما أم قصرا ؟ ... 41
س: حتى ولو استمر عمله عشرين سنة-مثلا-وهو في مسقط ؟ ... 41
س: هل يجوز للمسلم في حال الجمع بين الصلاتين أن يتكلم بينهما بشيء من أمور الدنيا أو أن يأتي بالباقيات الصالحات ؟ وما هي الحكمة من تشدد بعض العلماء في ذلك ؟ ... 41 (1/4)
صفحة 5
س: متى يبدأ المسافر في القصر إذا كان قاصدا حد السفر، هل بخروجه من العمران أم بخروجه من المنزل أم بخروجه من حد السفر ؟ ... 42
س: كانوا عائدين من السفر ووقفوا عند مسجد هناك لكنهم لم يحصلوا على ماء فيه للوضوء، في هذه الحالة هل يتيمم لأنّ المسجد الثاني سيدخل في الأميال في مسافة السفر ؟ في هذه الحالة هل يتيمم ويصلون هناك أم يذهبون فيدخل في ... ؟ ... 42
س: ما المقصود بالجمع الصوري ؟ ... 43
س: إذن في هذه الحالة إذا كان الطبيب يجري عملية والعملية يتطلب منها أن تمتد فترتها إلى أن يدخل في وقت العصر مثلا، في هذه الحالة هل يجمع ؟ ... 43
س: إذا كان الإمام ينظر إلى شاشة أمامه فيها آيات القرآن الكريم ويقرأ منها أثناء الصلاة، هل يصح له ذلك ؟ ... 43
س: هل للمرء أن يختار بنفسه حوزة معيّنة يعتبر حدودها وطنا له أم أنّ ذلك مشروط بأمور معيّنة ؟ ... 44
س19: إذا صلى المسافر صلاة الظهر قصرا وسوف يصل في وقت العصر إلى بلده، فهل يجوز له أن يصلي الظهر والعصر جمع تقديم ؟ ... 44
س: إنني أعيش في ولاية الرستاق ومكان ولادتي وادي بني خروص بولاية العوابي وعندما أذهب إلى زيارة الأهل والأقارب في وادي بني خروص أصلي تماما، فماذا عليّ، هل أصلي تماما أم أصلي قصرا ؟ أرجوا إفادتي أفادكم الله. ... 44
س: نأتي الآن إلى ما يشيع على ألسنة بعض الناس يقول: " إنّ الوسائل الحديثة لم تترك في جسد الإنسان موضعا للتعب فيستطيع الإنسان أن يقطع المسافة التي حددها العلماء للسفر بسرعة وبدون تعب وبدون مشقة، فلماذا اللجوء إلى القصْر الآن ؟! " ؟ ... 44
س: هناك بعض المساجد فيها قسم خاص بالنساء بعضها مفصول عن المسجد الأصل وبعضها ملتصق به .. إذا أرادت المرأة أن تصلّي بصلاة الإمام .. فإذا كان المسجد مفصولا أو المصلى مفصولا، هل لها أن تصلي بصلاة الإمام ؟ س: هل هناك كيفية معيّنة-مثلا-يمكن أن تصوّرها لنا ؟ ... 44 (1/5)
صفحة 6
س: مسافر وَجَد الجماعة في صلاة العصر في الركعة الأخيرة فصلى هذه الركعة الأخيرة وحَمل الإمام على أنَّه يصلي ركعتين بِما أنَّه هو مسافر فقضى ركعتين ؟ ... 45
س: رجل مسافر وجد جماعة يصلون صلاة العصر ، وهذا الرجل لم يصل صلاة الظهر. فهل يجوز له أن يصلي معهم وينويها ظهرا ؟ وهل اتحاد صلاة المأموم وصلاة الإمام شرط لصحة الصلاة ؟ ... 46
س: رجل كان عائدا إلى بلدته من بلدة أخرى، وقد أراد أن يصلي صلاة الظهر والعصر " جمعا " ، فما هي أقرب مسافة يمكنه أن يصلي عندها قبل وصوله إلى بلدته ؟ ... 46
س: مأموم يصلي المغرب والإمام يصلي العشاء وهو مسافر ودخل هذا المأموم يظن أن هذا الإمام يصلي المغرب ثم تبين له أن الإمام يصلي العشاء فالإمام يصلي ركعتين لأنه مسافر والمأموم يصلي ثلاثاً ماذا يفعل المأموم هل يقطع صلاته أم أنه يواصل ؟ ... 46
س: رجل دخل مع جماعة تصلي الظهر وهو مقيم، فإذا دخل بنية الأربع ركعات فهل يضره أن يكون الإمام مسافرا ؟ ... 46
س: مسافر نوى الجمع بين الصلاتين وبعد أن فرغ من الصلاة الأولى لم يجمع الصلاة الثانية فهل هذه النية تؤثر على الصلاة الأولى ؟ وإن أراد الجمع بعد الانتهاء من الصلاة الأولى بدون أن ينوي نية من قبل الجمع فهل له ذلك ؟ ... 46
س: جماعة تصلي صلاتين جمعا فدخل عليهم رجل هل يدخل معهم أم ينتظر فيتبين له ما هي الصلاة التي يصلونها ؟ ... 47
.س: رجل أراد الجمع بين الظهر والعصر أو بين المغرب والعشاء وبعد الانتهاء من الصلاة الأولى تذكر فريضة منسية فماذا يفعل ؟ ... 47
س: جماعة مسافرة أرادت الجمع بين الظهر والعصر وبعدما انتهت من صلاة الظهر شرعت جماعة أخرى بالإقامة لصلاة الظهر ؟ ... 47
*فتاوى صلاة الجمعة ... 48
س: صلاة الجمعة، ما هي شروط وجوبها ؟ ... 48
س: بِالنسبة لِلمرأة قلتُم بِأنه يَصحّ لها أن تُصلِّي الجمعة ويُسقِط ذلك عنها الفرض، في حال نيتها تنويها فرضا ؟ ... 50 (1/6)
صفحة 7
س: هناك بعضُ الذين ليس لديهم حظٌّ مِن المعرفة يَنوون صلاةَ الجمعة سنّة، فما حكم صلاتهم في هذه الحالة ؟ ... 50
س: جماعة مسافرة مرّت على مسجد في يوم الجمعة، هل يُصلّون الظهر أم الجمعة ؟ ... 50
س: المسافرون، هل لهم أن يَجمَعوا مع الجمعةِ العصرَ ؟ ... 51
س: بعضُ المسافرين مِن فرط السرعة يَدخلون المسجد فيَجِدون وقتَ الخطبة لا يَزال طويلا فيُصلّون الظهرَ ثم يَخرُجون مِن المسجد ؟ ... 51
س: هل هذا الحكم شامل لِلجمعة وغيْرِ الجمعة ؟ لأنّ بعضَ المسافرين قد يَسمَعون أذانَ الظهرِ مثلا ولأنهم مُستعجِلون يَدخلُون .. يُصلُّون الظهرَ والعصرَ مثلا .. يَجمَعون ثم يَخرُجون مِن المسجدِ والجماعةُ لم تُقَمْ بَعدُ. ... 51
س: عددٌ مِن المحلات تَظَلُّ مفتوحةً في وقتِ صلاةِ الجمعة، ما هو الوقتُ المُحدَّد لِهذه المحلات في أن تغلق فيه أبوابَها إذا ما حَضَرَتْ صلاة الجمعة ؟ ... 51
س: في الآية [ 10، من سورة الجمعة ]: { فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ ... } هُنَاك مَن يَقُومُ بِقِرَاءة كِتاب مُعيّن يَتدَارَسه مَع مَجْمُوعَة مِن النَّاس بَعْد صَلاة الجمعة مُبَاشَرَة، هل يَصِحُّ هَذَا ؟ ... 52
س: بِالنسبة لِفَرْضَية صَلاة الجمعة على الإنسان، هَلْ تُصْبِح فريضةً عليه بِمُجَرَّد طُلُوعِ فَجْر يَوْمِه بِحَيْث لا يَصِح لَه أن يُسَافِر في ذَلِك اليَوْم أم له أن يُسَافر ؟ ... 53
س: نعود مرة أخرى إلى شروط وجوبها ذكرتُم بِأنها بِمجرّد أن يَسمع الإنسان النداء .. الآن ربما يَستمِع هؤلاء النداء لكنهم يَستمِعونه عن طريق الإذاعة أو عن طريق التلفزيون والمسجد يَبعُد عنهم أكثر مِن مسافة السفر، فهل تَجِب عليهم في هذه الحالة ؟ ... 53
س: الذين تَجِب عليهم لِكونهم قَريبِين مِن الجامِع الذي تُصلَّى فيه الجمعة ويَسمَعون النداءَ-كذلك-لكنّهم مع ذلك لا يَذهبون فيُصلُّون الظهرَ، ما حكم صلاتِهم ؟ ... 54 (1/7)
صفحة 8
س: ما حكم الأذان في المساجد المجاوِرة لِجامِع الجمعةِ ؟ ... 54
س: ما حكم خطبة الجمعة ؟ ... 54
س: هل لِهذه الخطبة-أيضا-شروط معيّنة ؟ ... 55
س: أثناء خطبة الجمعة قد يُخطِئ الخطيب في آية أو في حديث .. التصحيح عليه في وقت الخطبة، يَصحّ ؟ ... 56
س: ما هي الطريقة المناسِبة لِتنبِيه الخطيبِ في مثل هذه الأحوال التي نادِرا ما تَحدُث على أيّة حال ؟ هل يَذهب إليه لِيُسِرَّه في أُذنه أو شيءٌ مِن هذا القبِيل ؟ ... 57
س: ما حكم الاتكاء على العصا ونحوها في الخطبة ؟ ... 57
س: ما حكم الخطبة بِغيْر العربية لِلمسلمين الذين لا يَنطِقون بِها ؟ ... 58
س: في وقت خطبة الجمعة قد يَعطس أحدهم، أو يَدخل أحدهم-أيضا-فيُسلِّم، وهناك-أيضا-الدعاء الذي يَدعو بِه الإمام، والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - .. هل تَصحّ كل هذه الحالات ؟ ... 59
س: هل يَصحّ الكلامُ في وقتِ الخطبة إذا كانت هناك مصلحة كأن يَأمر أحدُهم أحدًا بِإغلاق الباب أو بِإطفاء المكيف أو بِإطفاء المروحة أو ما شابه ذلك .. مصلحة معيّنة ؟ ... 60
س: إذا دخل المصلي في صلاة الجمعة ووجد الإمام يخطب، فهل يصلي ركعتين تحية للمسجد أم يجلس ؟ ... 61
س: بعضُ المصلِّين يَمدّ يَده لِمُصلٍّ آخر أثناءَ الخطبة لِيُصافحَه، هل يُصافحه ؟ ... 61
*أحكام الجنائز ... 62
س: ما الكيفية التي يكون فيها حمل الجنازة ؟ ... 62
س: أين يكون مشيِّعو الجنازة ؟ ... 66
س: الآن الناس ابتكروا-إن صح التعبير-طريقة جديدة في حمل الجنازة فصاروا يصفون أمام الجنازة أسطرا طويلة ثم تمر الجنازة عليهم جميعا دون أن يكون أحد خلفها وقالوا صنعوا ذلك من أجل التيسير وعدم الزحام، فهل يصح هذا ؟ ... 66
س: إذا كانت الجماعة التي تصلي على الميت قليلة، هل الأوْلى أن يصفوا صفا واحدا أو ثلاثا ؟ ... 67
س: ولدها توفي وعمره سبعة عشر عاما-قبل شهرين تقريبا-لكن عندما أُخذ إلى القبر خرج من فمه دم، فهل يعني ذلك إشارة عقاب له أو الأمر طبيعي ؟ هي قلقة الآن. ... 68 (1/8)
صفحة 9
س: وإذا توفي في شهر رمضان، هل يُكمل عنه أولياؤه ؟ ... 68
س: ما حكم مرافقة المرأة للجنازة أثناء التشييع ؟ ... 69
س: ما الأوقات التي يُنهى فيها عن الصلاة على الميت ؟ ... 70
س: إذا أردنا أن نضرب على ذلك مثالا .. في حال اصفرار الشمس وقرب مغيبها، هل تصح الصلاة ؟ ... 70
س: وهل يشمل ذلك لحظات الدفن أيضا ؟ ... 71
س: الناس فيما يقرؤون أنهم بعد التكبيرة الثانية في صلاة الجنازة يأتون بالفاتحة والبعض يأتي بتسبيح وبغير ذلك، فأيهما الأصح ؟ بعد التكبيرة الثانية، ما الذي يأتي به الإنسان ؟ ... 61
س: امرأة مِمّن يباشرون تغسيل الأموات في مقبرة عامة تقول: في بعض الأحيان يأتون إلينا بجثث متعفنة .. في بعض الأحيان بجثث مشوهة نتيجة حادث معيّن لا نستطيع أن نتعامل معها في التغسيل ولكنّ أهلها يجبروننا على ذلك، فهل يصح لهم ؟ وهل تغسل مثل هذه الحالات ؟ ... 73
س: في بعض الأحيان تؤتى بالجثة مغطاة في كيس فإذا فتحت خرجت منها رائحة لا تطاق ؟ ... 74
س: هل يُرش على الكيس ماء في هذه الحالة ؟ ... 74
س: البعض يضع تحت رأس الميت حجرة ربما كوسادة، فهل ذلك مِن السنّة ؟ ... 74
س:يذكر العلماء في مصنفاتهم بأنه بعد وضع الميت في لحده يُكشَف عن وجهه، فهل ذلك مِن السنّة ؟ ... 74
س: ورد في روايات عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر النساء أن يغسلن ابنته بالماء والسّدر، ولكنّ العلماء يذكرون في غسل الميت أنه يُغسل أوّلا بالماء القراح، فمِن أين أتت هذه الزيادة ؟ ... 75
س: ما هي الطريقة الصحيحة لغسل الميت ؟ ... 75
س: مشروعية الفاتحة في صلاة الجنازة .. بعض الروايات هكذا ذكرَتْ، لكن هناك-أيضا-ما ورد يُثبت مشروعية قراءة سورة بعد الفاتحة، فهل هذا صحيح ؟ ... 76
س: بعد الدفن، هل تُشرع قراءة الفاتحة ؟ وإن كان لا يُشرع، فما هو الثابت في السنّة ؟ ... 76
س: هل مِن الضروري أن يُسنَّم القبر أم يُسطَّح ؟ وما هي الحكمة في وضع حجرين للذكر وثلاث حجرات للأنثى ؟ ... 76 (1/9)
صفحة 10
س: هل الأوْلى لحاضر الدفن القيام أم الجلوس، لأنّ البعض يقول: إنّ الله-تعالى-قال لنبيه: { ... وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ ... } [ سورة التوبة، من الآية: 84 ] قال: إنّ الأصل في أثناء الدفن القيام وأنّ جلوس النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما كان لعارض لأجل مخالفة اليهودي الذي مرّ بهم حينئذ؛ فهل يستقيم هذا الاستدلال ؟ وماذا ترون ؟ ومتى يَبدأ هذا القعود .. هل عندما يوضع في القبر أم قبل ذلك ؟ ... 78
س: ما قولكم في امرأة أطلقت على نفسها النار ببندقية وماتت إثر الطلقة فورا والسبب يرجع بينها وبين أهلها في عدم رضاهم عن زواجها وكلما دخلت منزل أهلها لرؤيتهم لا أحد يتحدث معها ولا يردون عليها السلام إذا سلمت عليهم ؟ وهل يُصلى على الذي قتل نفسه ؟ ... 79
س: بالنسبة للكفن الذي كُفِّنت به .. جرى دم من مجرى الطلقة، فهل يُصلى عليها في هذه الحالة أم يُغيَّر الكفن مرة أخرى ؟ ... 80
س: هل يحق للزوج المطالبة بما دفعه مهرا لها ؟ علما بأنّ أهلها هم السبب الرئيسي بإطلاق النار على نفسها وموتها. ... 80
س: هل يجب أن يكون غسل الميت كغسل الجنابة بحيث يقدم الرأس ثم الميامن قبل المياسر وهكذا ؟ ... 80
س: هل يُمكن للمُغسِّل أن يضع قفازين أو خرقة على يده طوال الغسل وليس فقط عند غسل العورة فقط ؟ ... 80
س: البعض يضع قطنا في فرج الميت، فهل ورد في السنّة ما يشير إلى ذلك ؟ ... 80
س: التكبيرات-طبعا-المعروفة هي أربع تكبيرات، لكن وردت أحاديث تزيد على هذه التكبيرات خمس، كحديث زيد بن أرقم كبّر خمسا ونسب ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وإذا كان-أيضا-بعض الأحاديث ثبتت .. تصل إلى سبع .. ثمان .. تسع وهلم جرا، ماذا يقال بعد كل تكبيرة ؟ وهل يصح أنّ آخر ما كبّر النبي - صلى الله عليه وسلم - على صلاة الجنازة أربع تكبيرات .. هل هذا الحديث-أيضا-صحيح ؟ ... 81
س: هل تغسيل الميت يُراد به النظافة أم هو تعبّد محض ؟ ... 82 (1/10)
صفحة 11
س: إذا توفيت المرأة وهي حامل وبداخلها جنين له حركة تدل على وجود حياة فيه، فهل يُخرج أم يُدفن معها ؟ ... 84
س: هل كفن الميت له هيئة مخصوصة .. بأيّ طريقة تحقّقت، فعندما يُكفّن الميت بمثل ما يلبس في حياته من إزار و " دشداشة " و " مصر " ونحوها ؟ وهل يمكن أن تُكفّن المرأة بما تلبس من ملابس حياتها أيضا ؟ ... 84
س: بالنسبة للحنوط هل هو ثابت في السنة ؟ ... 85
س: إذا توفي عدد من الأشخاص وفيهم رجال ونساء .. في حال الصلاة عليهم، كيف يكون ترتيبهم ؟ ... 85
س: الإمام أين يقف عندما يصلي على الرجل .. عند رأسه .. عند صدره ؟ ... 85
س: هل يجوز أن يقف الإنسان على قبر الميت فيقرأ عليه القرآن ؟ وأخٌ يقول: سمع أنكم أجزتم قراءة القرآن وإهداءه للميت. ... 86
س: توفي والده وأوصى بقراءة ختمتين في كل رمضان من ماله، ولأنّ المال لم يُقسَّم كان إخوةُ أبيه-أو أعمامُه-يُؤجِّرون على قراءة هاتين الختمتين، والآن لما آل الأمر إليه يقرأ بنفسه عن أبيه بدون أن يأخذ شيئا من المال، ما حكم ذلك المال الذي كان يُؤخذ من مال الميراث لتأجير هذه القراءة ؟ وهو الآن إذا قرأ عن أبيه، هل يصل الأجر إليه ؟ ... 86
س: زيارة الإناث-بالذات-للقبور ؟ ... 87
س: هل زيارة قبر بعينه من بين المقبرة مشروع أم يشرع فقط زيارة المقبرة بشكل عام ويُطلَق سلام عام على أهل المقبرة ؟ ... 88
س: أخٌ ذكر حديث أبي أمامة من أنه أمر أهله أن يُلقِّنوه وأسند ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - .. ما حكم تلقين الميت بعد الدفن ؟ ... 88
س: عند دفن الميت وبعد الانتهاء من دفنه يقوم أحد الناس بالدعاء جهرا ويُؤمِّن البقية، فهل هذا صحيح ؟ ... 89
س: هل في صلاة الجنازة-صلاة الميت-استدراك ؟ وكيف يكون إذا كان ؟ ... 89 (1/11)
صفحة 12
س: بعد الانتهاء من دفن الميت مباشرة يجلس المشيّعون ويقوم أحد الأشخاص بضرب الأرض حول القبر عدّة مرات وهو يقول: " لا إله إلا الله، محمد رسول الله " ويسمّونه بتوحيش القبر، ظنّا منهم لمنع الحيوانات المفترِسة خشية أن تصل إليه. ... 91
س: الميّت الذي يُغسَّل، هل يَشعر بالمغَسِّلِين ؟ ... 92
س: إذا أوصى الميت بأن يُدفن في بلاد بعيدة، هل تُنفّذ وصيته ؟ ... 92
س: في بعض الأحيان الناس ينتظرون الميت إلى أن يأتي أهله الأبعدون من أماكن بعيدة ويحبسون الناس فترة طويلة. ... 92
س: قد يوصي الميت بمبلغ لحافر القبر ولِمُغسِّله ومُكفِّنه ؟ ... 92
س: ما كيفية إدخال الميت في القبر ؟ ... 93
س: هل هناك أولوية لأرحامه في النزول إلى القبر إذا كان رجلا ؟ وماذا-أيضا-إذا كان امرأة ؟ ... 93
س: هناك من عندما يضع الميت في القبر يقرأ قوله تعالى: { مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى } [ سورة طه، الآية: 55 ]، فهل ورد شيء يُثبِت ذلك ؟ ... 94
س: البعض عندما يضعون الميت في القبر يقوم أحدهم بتمرير يده على التراب الموجود أعلى القبر وينطق بالشهادتين، وكأنه يُودِّعه بتلك الكلمات ؟ ... 94
س: البعض عندما يحمل الجنازة ينادي بصوت مسموع: " اذكروا الله .. اذكر ربك يا غافل "، فما رأيكم ؟ ... 95
س: تركّبت عند بعض الناس معلومة مفادها أنّ الآباء والأرحام لا يحملون جنازات أرحامهم وآبائهم وإنما يكتفون بالمشي خلفها، فهل هذا صحيح ؟ ... 95
س:البعض عندما يحمل الطارقة يُقَفِّزها ثلاث خطوات ثم يبدأ الانطلاق بها ؟ ... 96
س: الشهيد، كيف يكون التعامل معه في التغسيل ؟ هل يُغسَّل ؟ هل يُكفَّن ؟ ... 97
س: الحديث الذي ورد فيه أنّ الذي سار مع الجنازة إلى نهايتها أو رجع عنها له قيراط أو قيراطان من الأجر، ما صحّته ؟ وما حكم الرجوع عن الجنازة بعدما يسير الإنسان معها .. هل يلزم أن يبقى إلى آخرها أو يمكن أنه إذا بدا له أمر يذهب عنها ؟ ... 98 (1/12)
صفحة 13
* فتاوى صلاة الخسوف والكسوف ... 99
س: أطلعنا على أنّ خسوفا كليا للقمر سيكون في سماء هذه الدنيا وسيُرى-أيضا-مِن السلطنة، كيف يَتَعَامَل الناس مع هذَا الخسوف كما ورد في السنَّة ؟ ... 99
سادسا : أحكام صلاة العيد ... 108
أولا: أحكام متعلقة بالعيد ... 108
س: في لَيْلَة العيد .. هل هناك أَحْكَام شرعِية مُعَيَّنَة ينبغي على الناس أن يفعلوها أو يَصْنَعُوهَا قَبْلَ الصَّبَاح ؟ ... 108
س: بالنسبة للاغتسال في يوم العيد، ما حكمه ؟ وهل يُمكن أن يكون ذلك قبل الفجر ؟ ... 110
س: هل يُسَنُّ أن يَكون التكبير جماعيا .. يعني يَخْرج الناس لِيُكَبِّروا بِصَوْتٍ واحد إلى أن يَصِلُوا إلى مصلى العيد ؟ ... 111
ثانيا: أحكام صلاة العيد ... 112
س: بالنسبة للخروج إلى صلاة العيد .. الذهاب إلى صلاة العيد مِن طريق والعودة مِن طريق آخَر، هل هذا مِن السنّة ؟ ... 112
س: هل مِن السنَّة أن يكون الذهاب إلى صلاة العيد مَشْيا ؟ وإذا كان ذلك، فماذا على مَن رَكِب ؟ ... 113
س: وماذا عن المرأة أيضا .. هل تَخرُج لِصلاة العيد ؟ ... 113
س: إذا لَم تَخرُج المرأة لِصلاة العيد، هل تُصلِّيها في بيتها ؟ ... 114
س: ماذا على مَن لم يصل صلاة العيد ؟ ... 114
س: كيف يَصنَع مَن فاتته صلاة العيد .. كأن يكون شخصٌ في المناوبة مثلا وفاتته الصلاة يومَ العيد مع الجماعة، فهل له أن يصليها منفردا فيما بعد ؟ ومتى يكون قضاؤها ؟ ... 115
فتاوى السنن والنوافل ... 116
س: الناس-ربما-مسألة السنن يتهاونون فيها ويَظنون أنّ مرتبتها صغيرة جدا لا تَرقى إلى أن يُحافِظ عليها الإنسان، ما هي قيمة السنن في الإسلام ؟ ... 116
س: نودّ منكم تعريفا للسنن المؤكدة .. ما هي السنن المؤكدة ؟ ... 117
س: أنتم تحدثتم عن سنّة الفجر وأنها مؤكَّدَة، والبعض ذهب إلى أنها واجبة .. الآن بالنسبة لسنّة الفجر، ما حكم صلاة سنّة الفجر أثناء صلاة الإمام الفريضة ؟ ... 119
س: ما هي السّنن الراتِبة ؟ ... 122
س: ما هي السّنن المؤكَّدة ؟ ... 128 (1/13)
صفحة 14
س: سنّة الفجر .. مَن لم يُدرِكها قبل الفريضة، متى يأتي بها ؟ ... 129
س: ذكرتُم في جوابٍ سابِق أنه مِمّا يُقرَأ في سنّةِ الفجر الآية الثانية والخمسين مِن سورة الأنعام. ... 130
س: هل تارك السنّة المؤكَّدة يُعتبَر خسيس المنزلة ؟ ... 131
س: ما الفرق بيْن صلاة سنّة العشاء وصلاة الشفع ؟ ... 131
س: مَن عليه قضاء صلوات، هل له أن يَشتغِل بها عن السّنن المؤكَّدة والرواتب ؟ ... 132
س: السنن الرواتب، هل تُصلَّى في البيت أم تُصلَّى في المسجد ؟ ... 133
س: سواء كانت السنن القبلية أو البعدية ؟ ... 134
س: ويَستوِي في ذلك عندكم النهارية والليلة ؟ ... 134
س: هل تُستثنَى المؤكَّدات أم الكل يَشمَلها ؟ ... 134
س: ما صِحّة ما يُروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( إنّ خيرَ صلاةِ المرءِ في بيتِه إلا المَكتوبة ) ؟ ... 134
س: صلاة السنن في النهار أو في الليل، هل يُسلَّم بعدَ كلِّ ركعتيْن ؟ ... 134
س: ما حكمُ الصلاة قبلَ صلاةِ الجمعة ؟ وهل ثبتت صلاةٌ بعد صلاة الجمعة سواء في البيت أو في المسجد ؟ ... 136
س: بالنسبة إلى صلاة الجمعةِ الخطيبُ، هل يُسنّ له أن يُصلي في البيت قبل أن يصعد المنبر ؟ ... 139
س: لو نزلنا إلى واقع الناس نَجد أنّ هناك عددا مِن التصرفات يقوم بها بعضُ الناس فالبعض يدخل والإمام يَخطب فمنهم مَن يجلس ومنهم مَن يصلي والبعض يجلس فإذا سكت الإمام بيْن الخطبتين قام فصلى. ... 140
س: أحد الأشخاص قال له بعضُ الإخوة: " نصلي سنّة الفجر قبل الفريضة بِخمس دقائق "، هل هذا الكلام صحيح ؟ ... 141
س: سنَّة السُّحور، هل الأفضل أن تُصلّى في البيت أو في المسجد ؟ ... 142
س: مَن يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - في التشهد الأوَّل، هل فيه بأس ؟ ... 143
س: ما حكم تكرار الفاتحة في الركعة الواحدة ؟ ... 144
س: سَمع المشاهِدُون والمستمعون فتوى في عدم جواز تكْرارِ التحيات، هل هذا يَشمل الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - في التّشهد الثاني ؟ ... 145 (1/14)
صفحة 15
س: اللفظة الصحيحة لِلصلاة الإبراهيمية ؟ ... 145
س: قد يَجمع الإنسان الصلاتين .. في هذه الحالة، هل يأتي بِالسنَن الرواتب ؟ ... 145
س: تَحَدّثتم عن السُّنَن الرواتب في حال الجمع ولكن في حال القصر مِن غير جمع ؟ ... 148
س: ما قولكم في المروي أنَّ سعد بن معاذ كان لا يَسْتَبْرئ مِنَ البول ولذلك عُذِّبَ في القبر ؟ ... 148
س: أرجو بَيَان أصل صلاة التهجّد في السنّة ؟ وما مشروعيتها وحُكْمُها ؟ وهل تُؤَدَّى جماعة ويُتَّخَذ ذلك عادة ؟ وما وقتها ؟ وكم عدد الركعات ؟ وكيفية أدائها ؟ ... 150
س: مَن يُصلِّي هذه النوافل قبل أن يَنام نظرا لأنّ النوم في بعض الأحيان قد يَثقل عليه فلا يَستطيع أن يَقوم في آخِر الليل فيصليها قبل أن ينام .. العدد الذي ذكرتُم، هل يَحصل على نفس الأجر فيما لو صلاها في نِهاية الليل ؟ ... 150
س: ماذا يُقرأ في السنن الرواتب ؟ ... 150
س: ما تَفسِير الحديث : ( ومَا تَقَرَّبَ إليَّ عَبْدي ... ) ؟ ... 152
س: هَل هناك فرقٌ بيْن سُنَّةِ الشروق وسُنّةِ الضُّحى أم هي صلاة واحدة ؟ ... 152
س: الوتر والشفع منهم من يصليها ثلاثا دون فاصل ....؟ ... 153
س: هل له أن يصلي السنة أرع ركعات دون فاصل ؟ ... 153
س: ما حكم صلاة التراويح ؟ ... 153
* فتاوى القضاء والإعادة للصلاة ... 154
س: ما الفرق بين البدل والقضاء ؟ وما حكم من لم ينو قضاء ولا أداء لصلاته ؟ ... 154
رجل نسي أن يصلي إحدى الصلوات ثم تذكرها وقد وجبت الصلاة التي تليها . فكيف له أن يعيدها ؟ ولو أن هذه الصلاة المنسية كانت صلاة الظهر، وتذكرها وقد وجبت صلاة العصر والجماعة قائمة. فكيف تكون صفة إعادة صلاة الظهر في هذه الحالة، علما بأنه لا صلاة بعد صلاة العصر حتى وجوب صلاة المغرب؟ ... 154
س: من نام عن صلاة أو نسيها هل يصلها قضاء أو أداء ؟ ... 154 (1/15)
صفحة 16
س: فاتته صلاة الوتر وفي اليوم الثاني عندما كان يصلي مع الإمام صلاة التراويح صلى معه الوتر بعد التراويح .. الوتر التي فاتته وأجّل الوتر الحالية إلى آخر الليل ؟ ... 154
س: ما حكم الأذان والإقامة في صلاة القضاء ؟ ... 155
فتاوى عامة في الصلاة ... 155
س: التنكيس في القراءة في الصلاة كأن يقرأ في الركعة الأولى سورة الإخلاص ثم الركعة الثانية وسورة متقدمة عليها كالكافرون... " ... 155
س: شخص كان يصلي المغرب والعشاء لا يقرأ في الركعتين الأوليتين سورة . ... 155
ما هو القول الراجح في الصلاة الوسطى ؟ ... 156
س:يخرج منه الدم في أغلب يومه .. إذا كان هذا الدم يخرج من فمه باستمرار، فكيف تكون صلاته ؟ ... 156
س: سورة العلق وسورة الانشقاق، تجب فيها سجدة ؟ ... 156
س: هل تصح صلاة الإمام إذا قرأ سورة فيها سجدة ولم يسجد ؟ ... 156
س: من قرأ السجدة في وقت تحرم في الصلاة ؟ ... 156
س: شخص جمع بين لفظ الصلاة الإبراهيمية ولفظ آخر من الألفاظ التي فيها الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وذلك في التشهد الأخير من الصلاة . ... 156
س: ما حكم الإقامة للنساء ؟ ... 157
س: رجل يصلي منفرداً وبعد أن كبّر تكبيرة الإحرام سواء كان ذلك بعد ركعة أو ركعتين أو أكثر أو أقل تذكر بأنه لم يأتِ بالإقامة ؟ ... 157
هل تجوز إقامة متنفّلٍ لصلاة مفترضين ؟ ... 158
س: من اكتفى بقراءة البسملة بعد فاتحة الكتاب مع أنه تحفظ شيئا من كتاب الله ؟ ... 158
س: هل تلزم الكفارة لمن ترك الصلاة عمدا ؟ ... 158
س: حكم الصلاة بين السواري ؟ ... 158
عن الصلاة في الطائرة : ... 159
1) هل يلزمنا البحث عن مكانٍ للوقوف ؟ أم نصلي جلوساً في مقاعدنا ؟ وإذا صلَّيْنا جلوساً فهل نُرخي أرجلنا أم نجلس جلسة التحيات ؟
2) في بعض الأحيان لا نتمكن من إدراك وقت الفجر ، حيث تكون الطائرة مندفعة بسرعة نحو الشرق ، فإذا أبصرنا نور الفجر قد بدأ بالظهور لم نلبث دقائق معدودة حتى نرى الشمس قد طلعت وارتفعت . ما العمل في هذه المسألة ؟ (1/16)
صفحة 17
س: إنسان معوق لا يقدر أن يتوضّأ لكل صلاة وفي بعض الأحيان أثناء الوضوء ربما يلامس ملابسه شيء من النجاسة لا يستطيع التحرّز منها لأنه محمول على كرسي، فماذا يصنع في مثل هذه الحالة ؟ ... 159
س: عندما لا يكون الرجل مطمئنا إلى صلاة الإمام، هل له أن يشقّ الجماعة ليقيم هو صلاة أخرى ويحدث بذلك بلبلة في أوساط المصلين أم ماذا عليه أن يصنع في مثل هذه الحالات ؟ ... 159
س: هل تجوز الصلاة بالنظّارة ؟ ... 160
س: رجل صلى إحدى الصلوات ثم تبين له بعد ذلك أن بثوبه آثار بقية نجاسة ولكنها ليست رطبة. فهل عليه إعادة تلك الصلاة ، علما بأن هذا الثوب قد تم غسله ؟ ... 160
س: رجل قام بغسل جنابة كانت في ثوبه، فهل يجب عليه أن يغتسل بعد ذلك غسله من الجنابة ؟ وإن كان صائما فهل يجب عليه شيء ؟ ... 160
س: من قرأ الفاتحة في موضع التشهد ؟ ... 160
س: حكم الاستعاذة في الصلاة ؟ ... 160
س: ما الفرق بين الاستعاذة والبسملة في الصلاة ؟ ... 160
س: هل يجوز أن تصلى النافلة جلوسا ؟ ... 160
س: شخص شك في صلاته أنه لم يأتِ بالفاتحة وهو في السجود فما حكم صلاته ؟ ... 161
س: ما حكم مدافعة الشخص الريح وهو في الصلاة ؟ ... 161
س: شخص نسي التشهد الأول وانتصب قائماً واطمئن قائماً ؟ ... 161
س: من نسى سجود السهو لم يأتِ به بعد ذلك تلك الفريضة التي سها فيها ؟ ... 161
س: التفكير خارج الصلاة ؟ ... 162
س: شخص سهى في صلاته أثناء التشهد الأخير ووجد نفسه أنه يقرأ التحيات ووجد نفسه أنه يقرأ الفاتحة ... 162
س: إذا قرأ الفاتحة ولم ينتبه وسلم ؟ ... 162
س: من نسى السجدة من الركعة الأولى وتذكرها في الركعة الثانية ؟ ... 162
س: هل ثبت في السنة رفع اليدين في الدعاء ومسج الوجه بعد الدعاء أو السلام ؟ ... 163
س: صلاة الظهر متى تنتهي بالتحديد ؟ ... 163
ثانيا: فتاوى الصوم ... 164
أولا : كيفية استقبال شهر رمضان ... 165
س: تسأل عن الحدود التي يسلكها المسلم في رمضان في مشاهدة التلفاز. ... 165
ثانيا : أحكام وقت الإمساك ونية الصوم ... 166 (1/17)
صفحة 18
س: هل الصائم يعقد النية قبل الصيام كأن ينوي أن يصوم ثلاثين يوما-مثلا-أم أنّ لكل يوم نيته ؟ ... 166
س: أسرة صَحَت للسحور والأذان يؤذّن فلكي تدرك نفسها قامت بتناول وجبة السحور والأذان يؤذّن، فماذا عليها ؟ ... 166
س: السحور في الساعة ( لا تزال الثانية عشر ليلا، هل يتنافى ذلك مع الخيرية التي قال عنها النبي أمّتي بخير ما أخّروا السحور وعجّلوا الفطور ) عندما يتسحر الإنسان في الساعة الثانية عشر ليلا ؟ ... 198
ثالثا : ما يثبت به الصوم ... 169
س: بعد أيام قليلة سيتحرى الناس رؤية هلال شهر رمضان المبارك ويستنفرون في ذلك كل جهودهم، فهل لكم من كلمة توجهونها إلى الناس تحثهم على أهمية تحري الرؤية ؟ ... 169
س: هل من رأى الهلال ثم قَصَّر في الاتصال باللجنة التي أُعِدَّت لاستطلاع الهلال يُعدُّ آثما ؟ ... 170
س: البعض يشك في نفسه من أنّ الرؤية ثبتت حقيقة إلا أنّ اللجنة-مثلا-لم يصلها خبرها فهو يشك ويقول: " إنّ البلد الفلاني قد صاموا فلماذا لا أصوم معهم ؟! " فيصوم استنادا على الشك الذي يوجد في نفسه ؟ ... 170
رابعا : أحكام الصوم المستحب والمكروه والمحرم ... 171
س: ما هو الصيام المحرم والمكروه والمستحب ؟ ... 171
خامسا: ما ينقض الصوم وما لا ينقضه ... 187
س: البخاخ الذي يُستخدم لِضيق النَّفَس ؟ ... 187
س: الحبة التي يتناولُها مريض القلب ؟ ... 187
س: امرأة بدأت صيام ثلاثة أيام بعد نية نوتها لذلك ولكنها في اليوم الثالث شعرت بشيء يخرج منها وحسبت أنه حيض فتركت الصيام لكنه بعد ذلك اختفى وبعد ثلاثة أيام جاءها مرّة أخرى، هل يعدّ ذلك حيضا ؟ ... 188
س: كيف نتعامل مع المدرسات اللواتي لا يتحجبن ؟ وخاصة في رمضان. ... 188
س: امرأة تغتسل من الحيض في رمضان الكريم وأذّن عليها أذان الفجر وهي لا تزال تغتسل، كيف يكون صيامها في تلك الحالة .. هل تنوي مباشرة أو ماذا تصنع ؟ ... 188 (1/18)
صفحة 19
س: جدتها كبيرة في السن وتحتاج في تغيير ملابسها إلى أن تستعين ببعض الأشخاص سواء كانوا ذكورا أم إناثا، فهل يؤثر ذلك على صيامهم عندما يبدلون لها ملابسها ؟ ... 189
س: إذا كان الشخص يتوضأ وفي يده دهن وعند المضمضة أحسّ بطعم ذلك الدهن في فمه وهو صائم، هل يؤثر ذلك على صيامه ؟ ... 189
س: كثير من النساء يسألن عن استخدام الدهن وما يسمى بـ " الكْريم " أثناء الصيام، فهل يضر صيامهن ؟ ... 189
س: شخص توضأ للصلاة وبقي في فمه ريق اختلط بماء الوضوء, ماذا يصنع بذلك الريق ؟ هل له أن يبلعه ؟ ... 189
س: ما حكم استخدام العطور النفاثَة بالنسبة للصائم ؟ ... ... 189
س: شخص استيقظ في نهار رمضان وهو على جنابة، فإذا سارع بالاغتسال هل له أن يكمل الصيام ؟ وإذا لم يغتسل .. أهمل الاغتسال ؟ ... 189
س: مداعبة الرجل لامرأته في نهار رمضان والحديث معها بكلام الحب والعطف وما شابه ذلك، هل يضر ذلك الصيام ؟ ... 189
أحكام القضاء والكفارة ... 190
س: هل أيامُ القضاءِ لَها مِن الثوابِ ما لِشهرِ رمضان ؟ فالمرأة-مثلا-التي تَعترِضُها دورتُهَا الشهرية في رمضان ثُم تَقضِي هذه الأيام .. مِن حيثُ الفضل والأجر والثواب، هل حكمُها كحكمِ رمضان ؟ ... 190
س: قد يَكون أَفطرَ في أوَّل رمضان أو في وسطه أو في آخِره، فهل في القضاء يَلْزمُه أن يَصومَ ما أَفطرَه مُتَفَرِّقا أن يَصومَه مُتتابِعا ؟ ... 191
س: والدتُه صامتْ خمسة عشر يوما فقط ثُم مرضتْ فأفطرتْ يوميْن معهم في المنْزِل ثُم نُقِلَتْ إلى العِنَايَة وبقيتْ على إفطارِها حتى اليوم التاسع والعشرين توفيتْ ظهرا، ما هي الأيام التي يَلْزَمُ قَضَاؤُهَا عَنْها ؟ ... 192
س: رجل أجرى عملية قلب ولا يستطيع الصيام الآن ولكن ينتظر الشفاء ؟ ... 192
س: مَن كانت عليه أيام قضاء أو كان عليه يوم واحد، هل له أن يصوم يوم الثلاثين مِن شعبان ؟ ... 193 (1/19)
صفحة 20
س: امرأة كانت مريضة في شهر رمضان الكريم بالشلل النصفي وتركت من صيامه ستة عشر يوما وبعد مرور سنين تقول هي أنها لم تقض تلك الأيام ويقول أبناؤها بأنها قضت تلك الأيام فصارت في خلاف مع أبنائها هم يقولون بأنك قد قضيت وهي تقول بأنني لم أقض .. متشككة، فماذا تصنع في هذه الحالة ؟ ... 194
س: إذا كان المسلم لا يستطيع الصوم بسبب مرض ولا يستطيع القضاء في وقت لاحق، فهل عليه الكفارة عن كل يوم ؟ وما حكم إخراج هذه الكفارة، هل تخرج يوميا أم يجزيه أن يخرجها في بداية الشهر دفعة واحدة بشراء مؤونة رمضان لأسرة فقيرة أو عدد من الأسر ؟ ... 194
س: امرأة لَم تقض ما أفطرت من رمضان الماضي حتى دخل رمضان الحاضر، ماذا يلزمها ؟ ... 195
س: شخص عمل كبيرةً في نَهارِ رمضان وهو في خارِج الوطن .. في سفرِه، هل تَجِب عليه الكفارة كالذي في داخِل وطنِه ؟ ... 196
سابعا : أحكام السفر بالنسبة للصيام ... 197
س: مَن أراد أن يسافر وأراد أن يصبح مفطرا في هذا السفر، هل يلزم أن يَخرج من وطنه قبل أن يطلع عليه الفجر في وطنه ؟ ... 197
س: ولكن إذا كان سفره في منتصف النهار .. إذا خرج ماذا يصنع خارج الوطن إلى منتصف النهار مِن قبل زوال الشمس ؟ ... 197
س: نحن طلبة نقيم خارج السلطنة وسوف يطل علينا شهر رمضان ... ؟ ... 197
س: رجل أراد السفر في شهر رمضان وبيّت النية على أنه إذا طلع عليه الفجر وهو في وطنه يصبح صائما وإن خرج من وطنه قبل طلوع الفجر يصبح مفطرا فخرج من وطنه بعد طلوع الفجر ماذا يلزمه ؟ ... 198
ثامنا : أحكام المرض المبيح للإفطار ... 198
س: ما هُوَ ضَابِط المرض الذي يُمْكِن أن يُفْطِر الصائم بسببه ؟ ... 198
س: ما قولكم في المريض بمرض فقر الدم الشديد ويحتاج إلى نقل دم شهريا وصادف نقل الدم شهر رمضان، فهل نقل الدم إلى المريض يُفطِّره ؟ ... 199
س: عنده ولد عمره سبعة عشر عاما لكنه مصاب بمرض فقر الدم-شفاه الله-ولعل هذا المرض يحتاج إلى علاج مستمر، كيف يكون صيامه في هذه الحالة ؟ ... 199 (1/20)
صفحة 21
تاسعا: أحكام عامة ... 199
س: الحديث الناهي للمرأة عن الصيام بدون إذن زوجها ...؟ ... 199
س: الأطفال الذين برغبون في الصيام ..؟ ... 200
عاشرا : فتاوى ليلة القدر ... 201
س: ليلة القَدْر، هل هي مِن غروب الشمس أو أنها ... ؟ ... 201
س: ذكرتُم أنّه تستدرك ليلة القَدْر في أوتار الشهر الكريم، فهل أوتار العشر الأيام الأخيرة أو أوتار الشهر كاملة ؟ ... 201
س: ليلةُ القَدْر، هل هي ليلة واحدة تَدور حول العالَم وهنا يَظهَر إشكال لديه في مسألةِ أنّ الأوتار تَختلِف .. قد يَكون هذه الليلة وِتر في بلد بينما هي ليست كذلك في بلد آخَر ؟ ... 201
س: هل تَختصّ هذه الليلة .. ليلة السابع والعشرين مِن رمضان بِشيءٍ مِن الأحكام أو النوافل أو السّنَن بِحيث تُميَّز عن غيرِها ؟ ... 201
س: ما هو الراجِح في علاماتِ ليلةِ القدر ؟ وهل يَجوز إخبار الأصحاب بِهذا إذا تَبيّنَتْ له ؟
عاشرا : فتاوى عامة في الصيام
س: الحديث النَّاهِي للمَرأة عن الصيام بدون إِذْن زوجها هل يشمل ما تقْضِيه المرأة من الواجبات ؟
س: الأطفال الذين يرغبون في الصيام، ما هو سن التكليف الشرعي ؟ ومِن متى يُمكن أو يُعوَّد هؤلاء الأطفال ؟
الحادي عشر : فتاوى الاعتكاف ... 208
س: ما حكم الاعتكاف ؟ ... 208
س: هل لهذا الاعتكاف شروط معيّنة ؟
س: رجل مريض بالشلل أو لا يستطيع أن يَعتكف في المسجد، فهل له أن يَعتكف في بيته ؟ وهل للمرأة-أيضا-أن تَعتكف في بيتها دون المسجد ؟
س: هل يصح الاعتكاف في مصلّى صغير لا تُقام فيه الصلوات الخمس ؟
س: هل يُستحبّ للناس أن يَعتكفوا جماعيا ؟
ثالثا : فتاوى الزكاة
زكاة النقدين
زكاة الجمعيات
زكاة الدين
زكاة الفطر
ملخص عام لأحكام زكاة الفطر
س: نَوَدُّ-في البداية-أن تُعْطُونَا نُبذةً مُخْتَصَرَة عن زكاةِ الفطْر.
ثانيا : وقت وجوبها (1/21)
صفحة 22
س: هل يَجوز تعجيل زكاة الفطر خاصّة إذا كان يَصعب عليه أن يَجِد الفقير في وقت الإخراج ؟ فإن قيل بِجواز ذلك، هل يُشترَط أن يَبقى متحرِّيا حالة الفقير إلى حين صلاةِ العِيد ؟ قد يَكون يَرِث أو يَنال مالا فيَنتقِل مِن الفقر إلى الغنى وهذا فيه عليه نوع مِن المشقّة.
س: هل يَجوز أن يُقَدِّم المسلم زكاةَ الفِطْر قبل موعدها ؟ خاصة وأنه يراعي هذه الأيام الفقراء نظرا لأنهم يريدون أن يَشتروا حاجات لأبنائهم إذا كان يَتحصَّلون عليها نقدا.
س: رجل أخذ بِالقول المشهور وهو إخراجُها بعدَ فجر العِيد ولكن أخرَجها فلم يَتمكَّن مِن إيصالها إلى الفقير وإنما ظلَّت مَحجوزةً في بيته وصلّى صلاة العِيد ثم عاد إليها ؟
س: إذا أعطى أحدٌ غيرَه لِيَدفَعَ عنه فتَأخَّر المعطى حتى صُلِّيَتْ صلاة العيد ؟
س: يُخرِج زكاة الفطر لكنه لم يَجِد لها-مثلا-في ذلك الوقت فقيرا أو كان مشغولا .. أَحرزَها ثم صلى العيد وبعد ذلك أَخرجها، أَيَصِحُّ له ذلك ؟
س: لم يَعلَم عن زكاةِ الفطْر مِن قبل ولم يُؤدِّها مِن قبل، هل يَلزمه قضاء ؟
ثالثا : المقدار المخرج
س: كم هو الوزن في زكاة الفطر ؟
س: وهذا خاص بِالأرز ؟
س: مِمّا يُستخدَم في بلادِنا وفي بعضِ البلدان الطحِين، هل حكمُه كحُكْمِ الأرْز في المقدار .. صاع يَزِيد أو يَنقُص ؟
س: لو أنَّه استخدَم الكيلوجرامات، كم يُساوِي الصاع بِالكيلو ؟
س: ما حكم إخراجِ الزكاة بِالقمحِ المطحون ؟
س: هناك سؤال يَتَكَرَّرُ دائما .. عن إِخراجِ القيمة بَدَلا مِن هذه الأنواع التي ذَكَرْتُمُوها [ ص5-6 ] على اعتبار أنّه المقصُود بِها إِغْنَاء الفقِير في ذلك اليوم، فهل تَقُومُ القيمة مقام هذه الأنواع ؟
س: استنتج مِن خلال أجوبتكم القول بجواز إخراج زكاة الفطر نقدا ويقول بأنهم يعملون بذلك منذ سنوات، فهل يَكون آثِما إن أخرج زكاة الفطر نقداً ؟ (1/22)
صفحة 23
س: وإن كان الناس يَتشجّعون لإخراجِ القيمة نظرا لأنهم يَروْن أنّ مصلحة الفقير في هذا الوقت حاجته إلى النقد ؟
س: اللحوم بِأنواعها، هل تُعتبَر مِن غالِب ما يُقتات فيَصحّ إخراجُها زكاة لِلفِطر ؟
رابعا : على من تجب ؟
س: هل تُشرَع فقط على الغنِي أو على كلِّ قادِر ؟
س: إخراجها حتى عن الأطفال وحتى عن الرضَّع، هل تشمَلهم ؟
س: أيضا الشغالات المسلمات الموجودات في البيوت، هل يُخرِج عنهنّ صاحب البيت ؟
س: بالنسبة للزوجة أيضا ؟
س: هل يُخرِج المسافِر زكاةَ الفطر في سفرِه أو يَأْمُر بِإخراجِها في وطنِه ؟
س: مَن تزوّج في بيت أبيه ويَتولّى الأب عَوْلَ الأسرة بِأكملها بِما فيهم ولدَه وزوجتَه، في هذه الحالة مَن الذي يُخرِج زكاةَ الفِطْر ؟
س: أَرمَلَة عندَها مجموعة مِن الأطفال لا عائِلَ لَهم سِواها، هل تُخرِج عنهم زكاةَ الفِطْر ؟
خامسا : لمن تخرج ؟
س: تَحدّثْتُم عن الفقير الذي تَجِب عليه الزكاة أو لا تَجِب، نُرِيدُ منكم أن تُحدِّثُونا الآن عن الفقِير الذي تُدفَعُ إليه الزكاة على اعتبار أنّ عددا مِن الناس قد يَكون لديْهِم راتب محترم لكن عَدَد الذين يَعُولُونَهم كثِيرُون أو لا يَستَطِيعُون أن يُوفوا مُتطلّبَات الحياة، فهل هؤلاء فُقَراء ؟
س: هل هيَ مَقصورَة على الفقراء والمساكين أو أنّها تُعطى في مصارِفِ زكاةِ المال ؟
رس: زكاةُ الفِطْر، هل تُعطى لِشخصٍ واحد ؟
س: هل يُمكِن أن تُدفَع إلى أسرة واحدة أم لابد مِن حساب عدد أفرادها ؟
س: هل يَجوز إعطاءُ زكاة الفطر لِلوالدة أو الشغّالة ؟
سادسا: أحكام عامة في زكاة الفطر
س: إذا أَخرَجَ الإنسانُ زكاةَ الفِطْر عن أحدٍ قبل أن يُخبِرَه ثم أَخبَرَه بعدَ أن دَفَعَ الزكاة، هل تَبْرَأُ ذِمّةُ ذلك المُخرَج عنه ؟ علما بِأنه لَم يَنْوِ تلك العبادة. (1/23)
صفحة 24
س: هناك مَجموعةٌ مِن المتبرِّعِين هيّؤوا أنفسَهم لِجمْعِ الأموال مِن الناس قُبَيْلَ العِيد مِن أجْلِ أن يَشتَرُوا بِها أرْزا يُوزِّعونَه على الفقراء، فهل يُجزِي هذا الإنسان أن يُعطِيَهم ذلك المبلَغ حتى يَقُومُوا عنه بِتوزيعِ هذه الزكاة وهم ثِقات كما يَقول ؟
فتاوى عامة في الزكاة
س: إذا كان لديه مبلغ من المال، هل ينتظر أن يحول عليه الحول حتى يزكيه ؟
س: من وجبت عليه زكاة الذهب ولم يجد ما يزكي به إلا أنه كان يتصدق على أهل بيته بمبلغ في كل شهر، فهل عليه أن يجمع ذلك المبلغ ليزكي به ؟
س: هل يشترط للمزكي بأنه إذا أراد أن يعطي زكاته للفقير أن يخبره أن هذه زكاة ؟
س: عليها زكاةُ ذَهَب وزوجُها مَدِين، هل لها أن تُعطي زكاتَها لِزوجِها ؟
س: أَخرَجَ أكثرَ مِن القدر الذي يَجِب عليه مِن الزكاة بِنِية الزكاة لأنه أَخرَجَها قبلَ أن يحسب ماله لِمعرفة القيمة الواجِبَة عليه، فما حكم ذلك ؟
س: عنده ثمانية آلاف وحال عليها الحول ولكن لأنه يَبني منزلا يَترقّب ديونا آتِيَة هل باعتبار أنه يَترقّب ... ؟
س: يريد أن يدفع زكاته وهو يعلم أنّ هناك صندوق متخصّص في دفع الزكوات للفقراء، فهل يعطي ذلك المال للصندوق ؟
فتاوى الصلاة
أولا: أحكام صلاة الجماعة
س: هل تجوز صلاة المتنفل بالمفترض ، وصلاة المفترض بالمتنفل ؟ وهل صحيح أن معاذ ابن جبل رضي الله عنه كان يصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء ثم يذهب إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة أي هو متنفل وهم مفترضون ؟ (1/24)
صفحة 25
الجواب / اختلف العلماء في جواز صلاة المتنفل بالمفترض والصحيح الجواز لحديث إمامة معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه بقومه بعدما كان يصلي الفريضة خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو حديث صحيح وقد جاء التصريح بأنه كان يصلي بهم متنفلا وهم مفترضون عند الدار قطني وهو نص في موضع النزاع ، وأما صلاة المفترض بالمتنفل فلا مانع منها وقد دلت على صحتها أحاديث كثيرة يطول المقام بسردها اللهم إلا إذا لم يكن هنالك أحد من المفترضين يصلي خلف ذلك الإمام المفترض فإن بعض العلماء ذهب إلى أنه لا يصح للمفترض أن يصلي بهم والصحيح الجواز لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنَّ رجلاً دخل المسجد وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأصحابه فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمنكم يتصدق على هذا فيصلي معه رواه أبو داود والترمذي والدارمي وأحمد وابن أبي شيبة وابن حبان وابن الجارود وأبو يعلى والحاكم وغيرهم . وهو حديث صحيح ثابت وله شاهد من طريق أنس بن مالك عن السراج والدارقطني والطبراني في الأوسط والضياء في المختارة وإسناده لا بأس في الشواهد وقد قواه الزيلعي والحافظ ابن حجر ووهم الهيثمي في إسناده فضعفه لأجل ذلك وله شاهدان مرسلان من طريق الحسن البصري وأبي عثمان النهدي هذا ومن الجدير بالذكر أنَّ هنالك أدلة أخرى تدل على جواز إمامة المتنفل بالمفترضين غير ما ذكرناه هنا وقد ذكرت واحداً منها ورددت على اعتراضات من اعترض على الاستدلال بحديث معاذ رضي الله عنه في رسالة كتبتها في بعض أحكام الاستدراك ونبهت هنالك على أنَّ الخروج من الخلاف في هذه المسألة ونحوها حسن إذا أمكن المصير إليه والله ولي التوفيق .
س : إذا سهى الإمام في قراءة القرآن وبدّل آية رحمة بآية عذاب أو العكس مثلا قال: "إن الإبرار لفي جحيم أو قال: "إن الفجار لفي نعيم " . فما حكم صلاته وصلاة من خلفه ؟ (1/25)
صفحة 26
الجواب : ذهب الجمهور إلى أن صلاتهم جميعا فاسدة والصحيح عندي أنها صحيحة ولا سيما إذا كان قد قرأ غيرها مما يتم به المعنى . والله أعلم .
س: إمام وقف أو سكن بعد قوله تعالى: "ويل للمصلين " ما حكم صلاته ؟
الجواب :-أولاً لا ينبغي له ذلك في الصلاة ولا في غيرها ولكن إذا وقع منه ذلك فإنه لا يؤدي إلى البطلان إن شاء الله .
س : إن دخل رجل المسجد وكبر تكبيرة الإحرام ولمّا جلس سلم الإمام ولم يقرأ معه شيئاً . فماذا يصنع ؟
الجواب :-
أولاً لا يخلوا هذا المأموم أو هذا الذي دخل إما أن يكون مسافراً أو مقيماً وكذلك الإمام إما أن يكون مسافراً أو مقيماً فإن كانت صلاة المأموم وصلاة الإمام متحدة بأن كان كل منهما يصلي سفراً أو كان كل منهما يصلي حضراً فيكمل هذا المأموم صلاته ولا شيء عليه اللهم إلا إذا أقيمت جماعة فإنه يقطع صلاته ويصلي مع تلك الجماعة . أما إذا لم تقم جماعة فإنه يكمل صلاته ولا شيء عليه
وإما إذا كان الإمام يصلي حضراً وكان هذا الذي دخل يصلي قصراً فإنه نوى أن يصلي أربعاً أو نوى أن يصلي بصلاة ذلك الإمام ففي هذا الحال لابد من أن يقوم ويكبر تكبيرة الإحرام بل الأولى أن يقيم للصلاة وأن يوجه وأن يكبر للإحرام لأن فعله هذا سيخالف ما نواه . والله تعالى أعلم .
س : جاء رجل ووجد الصف مكتملاً وجذب شخصاً على يمين الصف وشماله ؟
الجواب :-
صلاة الرجلين باطلة لأن الشرط أن يوسطوا الإمام . والله تعالى أعلم
س: من وجد الجماعة في التشهد الثاني ؟
الجواب :-
اختلف العلماء في ذلك .
بعض العلماء يقول لا يدخل مع الإمام بل ينتظر حتى يجد جماعة أو يصلي هو بمفرده . (1/26)
صفحة 27
وذهبت طائفة إلى أنه يدخل لأنه قد أدرك الجماعة والحديث يقول "ما أدركتم فصلوا" وهذا قد أدرك شيئاً من تلك الجماعة ولكن الأولين يقيدون ذلك بحديث "من أدرك ركعة فقد أدرك الصلاة" . فقالوا هذا الإطلاق الذي فيه يقول: " فما أدركتم فصلوا" مقيد " من أدرك ركعة في الصلاة فقد أدرك أو من أدرك ركعة في الصلاة فقد أدرك الصلاة" .
وبعض العلماء يقول إن الجمعة لابد من أن يدرك الركوع من الركعة الثانية فإن لم يدرك تلك الركعة فإنه يصلي ظهراً أما بالنسبة إلى الصلوات الأخرى فإنه إذا أدرك ولو جزءاً بسيطاً فإنه يكون مدركاً لتلك الصلاة .
لاشك أن الأسلم أن من لم يدرك الركعة الأخيرة ووجد جماعة أخرى فإنه يقطع تلك الصلاة التي دخلها في التشهد الأخير أو في السجود أما من لم يجد جماعة ثانية فذلك لا يؤثر عليه بل يواصل صلاته هذا إذا كانت صلاة المأموم متحدة مع صلاة الإمام ..
أما إذا كانت صلاة المأموم تختلف عن صلاة الإمام كأن يصلي ركعتين فإنه لابد من أن يعيد الصلاة من أولها ذلك لأنه عندما دخل كان ناوياً بأن يصلي أربعاً أو كان ناوياً أن يصلي بصلاة الإمام وهنا لم يدرك صلاة الإمام فعليه أن يعيد الصلاة من أولها .
فإذن :- إذا وجد الجماعة فيقطع الصلاة التي دخل فيها في التشهد الأخير أو في السجود ويدخل مع الجماعة الجديدة وإن لم يأت جماعة جديدة فإنه يكمل صلاته إلا إذا اختلفت صلاته عن صلاة الإمام فإنه يعيد الصلاة من أولها أي ينوي ويكبر إلى آخره . والله تعالى أعلم .
س: إذا كان المأموم مقيم والإمام مسافر ؟
الجواب :-
الأحوط أن يعيد الصلاة من أولها .
س: إمام سهى في صلاة المغرب وسلم بعد التشهد الأول ولم يسبح أحد من المأمومين له فبعضهم سلم وبعضهم لم يسلم وبعضهم تكلم فما حكم صلاة كل من الإمام والمأمومين ؟
الجواب :- (1/27)
صفحة 28
أما الذي لم يتكلم وانتبه بعد ذلك وواصلوا صلاتهم فصلاتهم صحيحة مثلا : انتبه واحد ونبه الإمام أو انتبه الإمام نفسه وواصل الحاصل لم يجر كلام ولا التفات ويكون السكوت خفيفاً ليس طويلا فهؤلاء لا إشكال في صلاتهم بشرط أن يكونوا قد سلموا سهواً أما إن كانوا على يقين بأن الإمام أخطأ ومع ذلك سلموا فصلاة من سلم وهو متيقن بخطأ الإمام صلاته باطلة وعليه أن يتوب إلى الله ويعيد صلاته .
أما بالنسبة إلى من تكلم فهذه فيها أخذ ورد تحتاج نظر وتأمل حتى نتأمل وننظر جيداً في الحديث الوارد لأن العلماء فيه كلام كثير ولابد من التأمل فيه فإذا احتاطوا وأعادوا صلاتهم حتى يتبين الأمر فحسن إن شاء الله .
- هل يسجد في هذه الحالة قبل السلام أم بعد السلام ؟
يسجد بعد السلام .
س: إمام عوض الفاتحة قرأ التشهد سهوا وبعد السجود انتبه لذلك فماذا يفعل ؟
الجواب :-
لابد من أن يرجع ويأتي بالفاتحة وبعد ذلك بعض العلماء يقول يواصل صلاته أي من بعد السجود وبعض العلماء يقول لابد من أن يأتي بالركوع والسجود مرة ثانية فلا بد من إعادة الفاتحة لأن الفاتحة ركن فيرجع من السجود ويقوم للفاتحة ويأتي بالفاتحة وإذا أتى بالفاتحة هل يأتي بالركوع والسجود مرة ثانية هذا رأي لأهل العلم وبعض العلماء يقول لا يلزمه ذلك بل بعد الفاتحة يرجع إلى ما كان فيه ويواصل صلاته من ذلك الموضع . والله تعالى أعلم
- وإذا واصل الإمام وسلم ثم قضى بنفسه ؟
الجواب :-
أقول يعيدوا صلاتهم ويتوبوا إلى الله من تهاونهم بعدم الإعادة هذا الصحيح عندي وهذا الإمام جاهل عليه أن يتوب إلى الله من هذا الفعل . والله تعالى أعلم .
س: إذا انتقضت صلاة الشخص الذي يصلي سترة خلف الإمام هل تنتقض صلاة الصف الأول ؟
الجواب :- (1/28)
صفحة 29
أما إذا شاركه في السترة أحد مثلا اشترك اثنان في السترة وانتقضت صلاة أحدهما فلا بأس على من يصلي خلف الإمام أما إذا كان لم يشاركه أحد بأن كان قد أخذ قفوة الإمام تماماً ففي المسألة خلاف بين أهل العلم هل ينقض صلاة من يصلي في ذلك الصف تجد الأقوال في العقد الثمين . والله تعالى أعلم .
س: إذا قام الإمام بعد الركعة الثانية ولم يجلس للتشهد وسبح له المأمومون ؟
الجواب :-
ذهبت طائفة من أهل العلم إلى أنه يجب عليه أن يرجع فإن لم يرجع فإن صلاته فاسدة وهذا الرأي هو الذي كان يذهب إليه الإمام نور الدين رحمه الله تبارك وتعالى وذهبت طائفة من أهل العلم إلى أنه إن كان قد أطمئن في وقوفه فلا يرجع أما إذا كان لم يطمئن بأن كان في بداية قيامه أي لم ينتصب قائماً فإنه يرجع وهذا الرأي هو الرأي الصحيح وهو الذي ذهب إليه الإمام الخليلي رحمه الله فقد أجاب بما يقتضي ذلك إن صح الحديث ووقع له هو رحمه الله ولم يرجع مع أنه قد نبه إلى ذلك وسجد للسهو وهو الذي يدل له الحديث كما قلت ويسجد للسهو في هذه الحالة بعد السلام على الصحيح .
س: من صلى نافلة خلف من يصلي فريضة المغرب كيف يصنع ؟
الجواب :-
نحن نعرف أن من صلى نافلة خلف من يصلي فريضة ثنائية أو رباعية فالأمر سهل يتابعه في الثنائية أو في الرباعية ولا أشكال في الأمر .
بقي كيف يصلي لو كان الإمام يصلي صلاة ثلاثية كفريضة المغرب وكالوتر أيضاً ثلاث ركعات ؟.
منهم من يقول يصلي ثلاث ركعات .
ومنهم من يقول أنه يتبع ذلك بركعة رابعة عندما يجلس الإمام التشهد الثاني يجلس المأموم صامتاً لا يأتي بشيء ثم يأتي بالركعة الرابعة ويفعل كما يفعل المقيم أن لو صلى خلف إمام مسافر ..
وهناك قول ثالث أنه لا يصح أن يصلي خلفه أبداً. (1/29)
صفحة 30
وهناك قول رابع وهو أنه يصلي ركعتين وينهي صلاته وهذا أضعف تلك الأقوال كذلك القول بالمنع فيه ضعف فيبقى أقوى الأقوال إما أن يزيد ركعة أو يصلي خلفه ثلاثاً وإن زاد ركعة فحسن بمشيئة الله تبارك وتعالى .والله تعالى أعلم
س : صلى إمام وعن يمينه شخص كما هو السنة وجاء بعد ذلك شخص آخر ولجهله بالسنة وقف عن يمين ذلك المأموم فهل للإمام أن يتقدم أو أن يقوم بتأخير المأمومَين أو أن يقوم المأموم الأول بالتأخر ويؤخر ذلك الشخص معه ؟.
الجواب :-
نعم للإمام أن يقوم بدفع الشخصين خلفه كما فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وللمأموم الأول أن يتأخر وأن يقوم بجذب ذلك الشخص معه أيضاً فهذا لا يضر إن شاء الله تبارك وتعالى أما أن يتقدم الإمام فهذا مما لا ينبغي إلا إذا كان المكان لا يتسع للمأموم ولكن لو وقع في الماضي فلا شيء عليه لكن الإمام لا ينبغي أن يتقدم لأنه هو المتبوع . والله تعالى أعلم .
س: إمام أسر في صلاة جهرية وتذكر في نصفها ؟
الجواب :-
يجهر من ذلك الموضع الذي انتبه فيه . والله تعالى أعلم .
س: شخص أمّ ناساً ويقوم بأعمال كمثل النذر للقبور . فهل تجوز الصلاة خلفه ؟
الجواب :-
على كل حال من يقوم بالنذر للقبور أو للأشجار أو للأحجار أو للمساجد أو لأي شيء من تلك الأشياء لا يخلو من أحد أمرين أثنين إما أن يعتقد بأن هذه الأشياء تنفع وتضر بنفسها وهذا والعياذ بالله أمره خطير وللشيخ صالح جواب طويل هناك فارجع إليه ففيه فائدة بمشيئة الله تبارك وتعالى (1/30)
صفحة 31
وإما أن يكون يعتقد بأن الله تعالى هو الضار النافع ولكنه يعتقد بأنه هناك جماعة من الجن أو ما شابه ذلك يدفع لهم تلك الذبائح أو تلك المأكولات من باب اتقاء شرهم أو ما شابه ذلك لاشك بأن هذا لا يصح ولكن لا يمكن أن نحكم عليهم بالخروج من الإسلام إلى حضيرة الشرك بل نبين له أنّ هذا الأمر لا يجوز ولا يصح وأنه يجب عليه أن يرجع إلى ربه ويتوب إليه مما وقع فيه فإذا كان من القسم الأول فهو خارج من الإسلام والعياذ بالله تبارك وتعالى ولا شك بأنه لا يصلى خلفه ولا يحكم عليه بشيء من أحكام المسلمين أما إذا كان من القسم الثاني فهو فاجر إن لم يرجع إلى ربه وقد علمت حكمه . والله تعالى أعلم .
س :مأموم دخل المسجد وكبر للإحرام واستعاذ وبمجرد انتهائه من الاستعاذة انتهى الإمام من قراءته الفاتحة فماذا يصنع ؟
الجواب:-
الذي نأخذه به أنه يؤجل الفاتحة ويقضيها بعد ذلك . والله تعالى أعلم .
س : إمام يصلي قائماً ثم إنه أصابه المرض واضطر للجلوس وجلس فهل أيضاً يجلس المأمومون ويصلون خلفه جلوساً أم أنهم يواصلون الصلاة على حالهم السابق أي أنهم يصلون قياماً ؟
الجواب : الصحيح أنهم يصلون قياماً . والله تعالى أعلم .
س: الصبي الذي لا يفقه أمور الصلاة هل إذا كان في وسط الصف يكون قاطعاً للصف أو الصلاة؟
الجواب :-
على كل حال إذا كان الصبي يصلي فهذا لا يضر أن يكون في وسط الصفوف .
وأما إن كان الصبي لا يصلي أبداً مجرد أنه يقف جنب أبيه أو ما شابه ذلك الحاصل لا يأتي بالصلاة فالأصل أنه لا يصف مع المصلين بل ينهى عن ذلك لكن لو وقع ذلك فلا نقوى على القول إنه يقطع الصلاة لأنه سد تلك الفرجة ولم يقف الشيطان والعياذ بالله فيها فهو ليس أشد من السارية الموجودة في المسجد . والله تعالى أعلم .
س: هل للمرأة أن تؤم بالنساء ؟
خلاف بين أهل العلم
بعضهم قال : لا تؤم بالنساء إطلاقا لا فريضة ولا نافلة
وقيل : تؤم في النافلة دون الفريضة (1/31)
صفحة 32
وقيل : تؤم في النافلة والفريضة . وهذا القول عليه أبو محمد وأبو اسحاق ورجحه قطب الأئمة وهو الصحيح عندي , ولكن أقول مع ذلك لا يتخذوا ذلك عادة فالأصل أن تصلي مفردة . والله تعالى أعلم .
س: إذا أراد الرجل أن يصلي بزوجته في البيت فهل له أن يصلي بها الفرض وإذا كان له ذلك فأين تكون في اليسار أم في اليمين ؟
ج: أما الفرض فالأصل أن يُصلى في المسجد إلا إذا كان الإنسان معذوراً بعذر شرعي فإذا كان معذوراً بعذر شرعي له أن يصلي بزوجته أو بغيرها ممن هم في البيت وقد اختلف العلماء في الموضع الذي تقف فيه المرأة ذهب بعضهم إلى أنها تقف منه في جهة الشمال حتى تكون مخالفة لوقوف الرجل ثم إنه يمكن أن يأتي رجل فيقف عن يمين الإمام وتتأخر تلك المرآة إلى الخلف ولا تتغير من الجهة التي كانت واقفة فيها . (1/32)
صفحة 33
وذهب بعض العلماء إلى أنها تقف خلف الإمام وذلك لما ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم من طريق أنس رضي الله تعالى عنه عند الربيع وغيره من أئمة المحدثين أن أنساً رضي الله تعالى عنه وذلك الرجل الذي كان معه وقف خلف النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ووقفت المرأة خلفها ولم يأت أنها وقفت عن شمال الإمام أي في الجهة الشمالية ولا جهة اليسار ولا في جهة اليمين وإنما وقفت خلف الإمام على حسب ما يفهم من الرواية وأرى أن هذا الرأي وهو أنها تقف خلف الإمام هو الرأي الأصوب ولا يقال بأنه معارض للأحاديث التي فيها النهي أن يقف الشخص خلف الإمام منفرداً ولا الأحاديث التي فيها أن ابن عباس رضي الله عنه صف عن شمال النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ثم حوله عن جهة اليمين وكذا بالنسبة إلى الرجل الذي كان يصلي إلى غير ذلك فهذه الأحاديث لا تعارض فيها لأن هذه القضية تختص بالمرأة وتلك القضايا تختص بالرجال ولا يمكن أن يقاس هذا الحكم على الحكم الآخر بينهما وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . (1)
س: أين تصف المرأة إذا كانت تصف مع رجل ؟
خلاف بين أهل العلم
بعضهم قال : تصف عن شماله ولكنها لا تكون قريبة منه
وقيل : تصف خلفه . وهذا أقرب إلى الصواب . والله تعالى أعلم .
س: المستدرك إذا لم يتمكن من إتمام الفاتحة مع الإمام وقرأ جزءا من فاتحة الكتاب وركع الإمام فماذا يصنع وكذا الحال إذا كان الإمام سريع القراءة فلم يتمكن من إكمالها ؟
الجواب : يركع مع إمامه ثم بعد ذلك يقوم بقضاء ما تبقى عليه من فاتحة الكتاب .
__________
(1) - س: أين تصف المرأة إذا كانت تصف مع رجل ؟
خلاف بين أهل العلم
بعضهم قال : تصف عن شماله ولكنها لا تكون قريبة منه
وقيل : تصف خلفه . وهذا أقرب إلى الصواب . والله تعالى أعلم . (1/33)
صفحة 34
س: رجل استدرك مع الإمام في ركوعه وركع معه ثم بعد أن قام للقضاء نسي وركع فلما ركع تثبت وتيقن أنه ركع مع الإمام فماذا يفعل ؟
الجواب : يجلس من ركوعه ولا حاجة إلى أن يقوم ويسلم من صلاته بعد الانتهاء من الدعاء ويسجد لسهوه .
س: سمعنا منكم في دروس سالفة (1) أنّ العلماء قد اختلفوا على عدّة أقوال في مَن دخل المسجد ووَجَدَ الصفَّ قد اكتمَل ماذا يَصنع، وسؤالي حول الرأي المختار عندكم في هذه المسألة لِعموم البلوى بها، ولم لا يكون حديث وابصة بن معبد-الذي هو عند الترمذي وأحمد وحسّناه وأبي داوود وغيرهم الذي فيه أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلا يُصَلِّي خلف الصفِّ وحدَه فأَمَرَه أن يُعيد الصلاةَ وعند غيرهم زيادة: " أَلاَ دخلْتَ معهم أو اجْتَرَرْتَ رجلاً "-وحديث: " فلا صلاة لِفرد خلف الصف "-عند ابن ماجة وابن حبان وأحمد-فَيْصَلاً في هذه المسألة أم أنّ هذه الآثار لا تَصح ؟ أَلاَ يُمكِن أن يُقال يا شيخنا أنّ قصّة أبي بكرة رخصة تُبذَل لِلجاهل الذي لا يَعرف الحكم في هذه المسألة ؟
ج: لو كانت هذه الأحاديث متّفَقا عليها مِن حيث الصحةُ ومِن حيث الدلالة لكانت-نعم-قاطعةً لِلنزاع، ولكن هذه الأحاديث منها ما هو مختلَف فيه مِن حيث الدلالة ومنها ما هو مختلَف فيه مِن حيث الثبوت.
أما أحاديث الجر فهي لا تَثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بِحال بل هي ضعيفة جدا.
__________
(1) -ينظر: الملحق رقم 0. (1/34)
صفحة 35
وأما الأحاديث الأخرى فمنها ما هو ثابت، ولكنّ بعض العلماء الذين يقولون: " إنه يُنشِئ صفًّا جديدا أو أنه يَتقدَّم إن أمكنه ويَقف عن يَمين الإمام " يقولون: تلك الأحاديث محمولة على ما إذا كانت الصفوف غير مكتمِلة بِأن وَجَدَ الإنسان مكانا يقف فيه أما إذا كانت تلك الصفوف مكتمِلة فإنه ليس له أن يَقوم بِجرِّ أحدٍ وذلك لأنّ ذلك مِن الاعتداء على ذلك الشخصِ فقد يُحدِثُ له بلبلةً وارتباكًا ولا يَدري لِماذا جُرَّ، وقد يَكون ذلك الشخص جاهلا لا يَدري ماذا يَصنع إذا جَرَّه غيره وأيضا ستَبقى هنالك فرجة في ذلك الصف إلى غير ذلك مِن الأمور، والوقتُ ضيق لا يُمكِن أن أُفَصِّل الكلام فيها، وقد ذهب إلى هذا القول جماعة مِن أهل العلم ومِن كبار المتأخِّرين .. ذهب إليه العلاّمة أبو نبهان وابنه الشيخ ناصر-رحمهما الله تعالى-ولِلشيخ ناصر في ذلك جواب مفصَّل إلا أنّ الوالِد يَذهب إلى أنه يُمكِن الجر ولكنه لا دليل عليه فإن جَرَّ وإلا فلا بأس، أما الابن فلا يَرى الجرَّ بل يرى أنه يَقف خلف الصف.
وهذه المسألة تَحتاج إلى جواب طويل جدا بِذِكْر أدلتهم، وعلى كل حال فالمسألة كما ترى مختلَف فيها بيْن أهل العلم وليس فيها دليل قاطع لِلنزاع؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: يُريد رأيكم أيضا ؟
ج: على كل حال؛ هذا لا يُمكِن إلا بعد أن أُفَصِّل القول في هذه المسألة.
س: ما حكم قراءة القرآن مِن المصحف إذا كان الإمام لا يَحفظ قدرا مِن القرآن وهو يريد أن يُطِيل في الصلاة بالناس ؟
ج: هذه المسألة اختلَف العلماء فيها كثيرا:
منهم مَن منع مِن ذلك وذهب إلى حُرْمَة ذلك.
ومنهم مَن ذَهَبَ إلى كَرَاهة ذلك.
ومنهم مَن أَجَازَه في حالة الاضطرار دون الاختيار.
ومنهم مَن أجازَه لِمَن كان حافظا دون غير الحافظ. (1/35)
صفحة 36
وعلى كلّ حال لا ينبغي أن يُقْرَأَ القرآن مِنَ المصحف الشريف في حالة الصلاة، وإنَّما ينبغي للإمام أن يعتمد على حافظته، فإذا كان لا يَحفظ كثيرا فليَأْتِ بِمَا استطاع عليه ولا يلزم أن يقرأ القرآن بكامله في صلاة التراويح في شهر رمضان المبارك، وإذا وَجَد غيره من طلبة العلم الذِين يحفظون القرآن الكريم فإنه يقدِّمهم ولا غَضَاضَة عليه خلافا لِما يظنه بعض العوام مِن أنه إذا قدَّم غيره من صغار الطلبة أو ما شابه ذلك فإنه سيكون في ذلك شيء مِنَ التقليل من مَنْزِلَته أو ما شابه ذلك ..والعكس أنه إذا قدَّم غيره إذا كان أولى بالإمامة فإن الناس سيُبَجِّلُونَه ويقَدِّرُونه على أن الإنسان لا يسعى لتَبْجِيل الناس وتقْدِيرهم وإنَّما يسعى لِمرضاة الله-تبارك وتعالى-فليقدِّم غيره من الحفاظ كما أرشد إلى ذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم عندما قال: ( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله )، وإذا كانت هنالك جَماعة منهم-مثلا-مَن يَحفظ عشرة الأجزاء الأولى مِن القرآن ومنهم من يَحفظ من نِهايته ومنهم من وسطه فليتناوبوا .. (1/36)
صفحة 37
أوَّلا يصلي في الأيام الأولى ذلك الذي يَحفظ أول القرآن ثم يصلي الثاني وهكذا، أمَّا أن يَلْجَؤُوا إلى المصحف فلا ننصح بذلك بل ينبغي أن يُشدَّد فيه وقد علمتم بأن بعض العلماء ذهب إلى حُرْمَته ومنهم من ذهب إلى كراهته، وأنا الآن لست بصدد ترجيح الراجح مِن هذه الأقوال وإنَّما بصدد بيان أنه لا ينبغي ذلك أبدا وفي حالة الضرورة ينبغي أن يلجأ الإمام إلى غيره فهذا ليس من الأمور التي تُبَاح في حالة الاضطرار-مثلا-لأنَّه لا اضطرار في هَذَا إذا وُجِدَ من يقوم بذلك ثم إنَّه إذا لَم يُوجد من يقوم بذلك فبالإمكان أن يصلي الإمام في هذه الليلة بِهذه السور ويأتي بِها-أيضا-في الليلة الثانية وهكذا، ومِن المعلوم أن كثيرا من الناس يَحفظون جزأين أو ثلاثة من القرآن فبإمكانهم أن يأتوا بهذه الأجزاء في ليالي شهر رمضان؛ والله-تبارك وتعالى-ولي التوفيق.
س: عامل عند تاجر معيّن قد اتفق مع مجموعة العمال هناك أن يصلوا الظهر في مصلى خاص من أجل أنه لا يستطيع أن يخالف أمر الشخص الذي يعمل عنده .. المسجد قريب منهم لكن هم اعتادوا على أن يصلوا هكذا في رمضان فقط صلاة الظهر في ذلك المصلى ويصلونها جماعة.
ج: على كل حال؛ نحن ننصح أولئك التجار بأن يسمحوا لهؤلاء العمال، ولعل هؤلاء التجار يسمعون .. أن يسمحوا لهؤلاء العمال بأن يذهبوا لأداء الصلاة في المسجد، ولن يَخسروا شيئا بمشيئة الله تبارك وتعالى، بل لعل الله-تبارك وتعالى-يُهيِّئ لهم الربح من حيث لا يشعرون .. ننصح أولئك بأن يسمحوا لهم بذلك، فإن تعذّر الأمر وكانوا مضطرّين للعمل فعسى أن يُرخَّص لهم في الصلاة في هذا المصلى، أما إذا كان يُمكنهم أن يذهبوا إلى المسجد فلا؛ والله أعلم.
س: بعضهم يخاف على رزقه من أن يُقطَع بسبب هذه الأمور ؟
ج: على كل حال؛ كما قلتُ.
س: دعاء الإمام جهرا وتأمين الجماعة، هل وَرَدَ في ذلك شيء ؟
ج: هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم: (1/37)
صفحة 38
مِن أهل العلم مَن ذهب إلى أنه إذا دعا الإمام فإنّ المأمومِين أو مَن شاء منهم يؤمِّنون على دعاءِ ذلك الإمام إذا كان ذلك الدعاء لأمرٍ دنيوي أو كان لأمرٍ أخروي إذا كان ذلك الإمام رَجُلا صالِحا متّقِيا لِربِّه تبارك وتعالى، أما إذا كان ذلك الشخص مجهولا أو كان فاسِقا فإنه لا يُؤمَّنُ على دعائِه إذا دعا بِخيْر أُخروِي لَه أو كان داخِلا فيه.
وبعض العلماء ذهب إلى أنّ كلّ شخص يَدعو لِنفسِه فالإمام يدعو لنفسه وغيره يشتغل بالدعاء لنفسه ولا يلتفت إلى التأمين.
والمسألة الأمر فيها يسير ولا ينبغي التَّبْدِيع والتَّضْلِيل أو التَّحَامُل على مَن قال بِهذا الرأي أو بذلك الرأي، فإذا اشتغل الإنسان بنفسه ودعا أو ذكر الله تبارك وتعالى .. أتى بتلك الأذكار والأدعية الواردة عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-ولَم يشتغل بدعاء الإمام فذلك فيه خيْر وبركة بمشيئة الله تبارك وتعالى.
س: إذا كان الإمام مَجهول الحال هل يصح أن يؤمِّن الشخص ويستحضر في نيته تَخصيص ذلك أو تعليق أمر إجابة الدعوة أو التأمين إن كان هذا الإمام صالحا ؟
ج: هو-حقيقة-قضية التقدِيرات هذه فيها ما فيها لكن الأصْل لو دعا الإنسان بِدعاء لشخص مَجهول فإنه يدعو لِعموم المسلمين فإن كان ذلك الشخص من أهل الصلاح فإنه سيدخل في عموم المسلمين .. إذا طلب-مثلا-شخص من شخص أن يدعو له وهكذا في صلاة الجنائز-مثلا-إذا كان يريد أن يصلي على شخص مَجهول فإنه يدعو بدعاء عام .. إذا كان ذلك الشخص من أهل الصلاح فإنه سيدخل في ذلك العموم، وكذلك لو صلى على شخص فَاسِق فإنَّه يدعو لعموم المسلمين فإن ذلك الشخص الفاسق إذا كان مات على توبة صادِقة فإنه سيَدخل في ذلك العموم .. هذا الذي ينبغي أن يُسلَك؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: إذا كان الإمام ينظر إلى شاشة أمامه فيها آيات القرآن الكريم ويقرأ منها أثناء الصلاة، هل يصح له ذلك ؟ (1/38)
صفحة 39
الجواب : لا، لا يصح له ذلك، لأنّ ذلك يتنافى مع الخشوع، فمن اشتغل بالقراءة من شاشة أو من أوراق أو مما شابه ذلك فلا شك بأنه سيترك الركن الأعظم الخشوع، الذي يقول فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( والخشوع عمود الصلاة ).
{ ثانيا : أحكام صلاة السفر }
س1: ما حكم صلاة السفر، هل هي عزيمة أم هي رخصة ؟
ج: قد اختلف العلماء في حكم صلاة السفر؛ (1/39)
صفحة 40
ذهبت طائفة كبيرة من أهل العلم إلى أنّ القَصر واجب في السفر ولا يجوز لأحد أن يتركه إلا إذا صلى خلف إمام مقيم فإنه في هذه الحالة عليه أن يُكمل الصلاة لضرورة متابعة الإمام؛ كما هو مذهب جمهور الأمة؛ خلافا لمن شذّ وزعم أنّ المسافر يصلي خلف الإمام المقيم ركعتين ليس إلا، وهذا قول ضعيف جدا مخالف للسنّة الصحيحة الثابتة عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-ثبوتا أوضح من شمس الظهيرة، وقد ذكر غير واحد من أهل العلم أنّ هذا الكلام مسبوق بإجماع الأمّة الإسلامية؛ أما إذا صلى بمفرده أو صلى خلف إمام مسافر فإنّ عليه أن يقصُر الصلاة، وهذا القول مروي عن طائفة كبيرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فقد روي عن عمر بن الخطاب الخليفة الراشد رضي الله-تعالى-عنه، وروي عن عليّ بن أبي طالب وابن عمر وابن عباس وجابر بن عبد الله، بلْ حكاه غير واحد من أهل العلم عن اتفاق صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ وما روي عن عائشة وعثمان من أنهما قد أتما فقد حمَلت هذه الطائفة ذلك منهما على التأويل، وإلا فإنّ مذهبهما كغيرهما من صحابة رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-هو الوجوب، وقد قال بذلك الحسن البصري وسعيد بن جبير وقتادة والسُّدِّي، وذهب إليه-أيضا-عمر بن عبد العزيز رضي الله-تعالى-عنه، وهو مذهب الأوزاعي والثوري، وهو رواية عن الإمام مالك، ورواية عن الإمام أحمد، ورواية عن إسحاق، وقال به ابن القاسم وابن حزم، وهو مذهب الحنفية والهادوية، وذهب إليه-أيضا-ابن القيّم وطائفة كبيرة من العلماء من المتأخرين كالمَقْبِلِي والشوكاني وصِديق خان وغيرهم، وهذا هو مذهب أصحابنا-رضوان الله تبارك وتعالى عليهم-قاطبة؛ بينما ذهبت طائفة من أهل العلم إلى القول بالجواز،
واختلفوا في الأفضل، منهم من ذهب إلى تفضيل القصر، ومنهم من ذهب إلى تفضيل الإتمام، ومنهم من لم يذكر تفضيلا لأحدهما على الآخر، (1/40)
صفحة 41
وذكر بعض العلماء أنّ الإتمام واجب وأنّ القصر رخصة، بينما يعبِّر بعض العلماء بجواز الأمرين، ولا إشكال في هذين التعبيرين، لأنّ من قال بالجواز لا يريد بالجواز هاهنا أنه يجوز لأحد أن يترك القصر والإتمام، وإنما معنى ذلك أنه يجوز للإنسان أن يأخذ بهذا ويجوز له أن يأخذ بهذا، ومن عبَّر بوجوب الإتمام وجواز القصر فإنه أراد أنّ الإنسان يجوز له أن يترك القصر ولا يجوز له أن يترك الإتمام إلا إذا قصَر، وهذا التعبير وإن كان فيه ما فيه فلا بأس به ولكنّ الأولى أن يقال بجواز الأمرين ويُعنى بذلك أنه لابد من الإتيان بواحد منهما؛ والقول الأول وهو أنّ القصر واجب في السفر هو القول الصحيح؛ وذلك لأنه يجب على الإنسان إذا وجد خلافا بين أهل العلم أن ينظر إلى الأدلة من كتاب الله-تبارك تعالى-ومن سنّة رسوله-صلوات الله وسلامه عليه-إذ هما الفيصل في مثل هذه المسائل، ونحن إذا رجعنا إلى سنّة رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-فإننا نجد السنّة الفعلية والسنّة القولية تدلان دلالة لا غموض فيها على وجوب القصر في السفر، فالرسول-صلوات الله وسلامه عليه-قد قصَر في جميع أسفاره ولم يثبت أنه أتمّ في صلاة من صلواته في السفر البتّة، ومن روى عنه أنه قد أتم فقد أخطأ، وقد روى عنه القصر طائفة كبيرة من صحابته رضوان الله-تعالى-عليهم، ولا أرى أن أطيل المقام بذكر تلك الروايات مع الكلام على الصحيح والضعيف منها، إذ إنّ ذلك من الشهرة بمكان ولا عبرة بالضعيف-كما هو المعلوم-إلا إذا كان مما يمكن أن يرتقي بغيره من الروايات الثابتة، وعلى كل حال ففي الصحيح الثابت عنهم-رضوان الله تعالى عليهم-ما يغني عن الضعيف، وقد نصّت طائفة كبيرة من أهل العلم على أنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-قد لازم القصر (1)
__________
(1) -قال الشيخ: " السفر " بدلا من " القصر " والظاهر أنه سبق لسان. (1/41)
صفحة 42
في جميع أسفاره، وممن ذكر ذلك ابن رشد، وذكره-أيضا-الجصاص وابن قدامة وابن القيّم وقبله شيخه ابن تيمية، وذكره كذلك المَقْبِلِي والشوكاني وجماعة كبيرة، وذكره من علمائنا الإمام السالمي والشيخ الجيطالي وآخرون، وفي هذا ما يدل دلالة واضحة على الوجوب، وإلا لو كان الأمر يقتضي الجواز لترك القَصر-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-ولو مرة واحدة ليبيِّن لأصحابه أنّ ذلك ليس على الوجوب، أو لأفصح عن ذلك بلسانه، أما أنه قد لازم القصر ولم يذكر بأنّ ذلك ليس على الوجوب فلا يمكن أن يقال: إنّ ذلك لا يدل على الوجوب وإنما هو على الجواز فقط؛ أما الروايات التي تدل من جهة القول على الوجوب فهي كثيرة، من ذلك
ما جاء عن السيدة عائشة-رضي الله تعالى عنها-أنها قالت: " فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فأُقِرَّت في السفر وزيد في صلاة الحضر " وله ألفاظ متعيّنة، ومثله حكمه الرفع، وهذا الحديث رواه الإمام الربيع-رحمه الله-ورواه الإمام مالك والبخاري ومسلم والنسائي وأبو داوود والدارمي والطيالسي وعبد الرزاق وأحمد وابن خزيمة وابن حبان والبيهقي والطحاوي وابن حزم وآخرون، وقد اعتُرِض عليه باعتراضات ولكنها واهية وقد أجبنا عليها وأجاب عليها غيرنا ولا حاجة للإطالة بذلك فمن شاء ذلك فليرجع إليه في موضعه فإنه سيجد بمشيئة الله-تبارك وتعالى-أنّ تلك الاعتراضات لا تسمن ولا تغني من جوع؛ (1/42)
صفحة 43
ومن ذلك ما جاء عن ابن عباس رضي الله-تعالى-عنهما أنه قال: " فرض الله الصلاة في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين " والحديث رواه مسلم وأبو عوانة والنسائي وأبو داوود وابن ماجة وأحمد وابن خزيمة وابن حبان وابن أبي شيبة وعبد الرزاق وابن حزم والبيهقي والطحاوي والشافعي في " السنن المأثورة "، وروته جماعة كبيرة، ولا يمكن أن يُعترَض عليه بأنه من كلام ابن عباس رضي الله-تعالى-عنه، إذ إنّ مثل ذلك لا يمكن إلا أن يكون بتوقيف من النبي صلوات الله عليه وسلامه، إذ مثل ذلك لا يمكن أن يقال بالرأي، كما أنه لا يمكن أن يُعترَض عليه بأنه مخالف لحديث السيدة عائشة رضي الله-تعالى-عنها، لأنّ حديث ابن عباس-رضوان الله تعالى عليه-يدل على ما استقر عليه الأمر بينما حديث عائشة-رضي الله تبارك وتعالى عنها-فيه بيان كيفية افتراض الصلاة في أول الأمر .. كذلك لا يمكن أن يعترض عليه بأنه قد جاء في نهايته: " وفي الخوف ركعة " لأنّ هذه الزيادة شاذّة على التحقيق، وذكرتُ سابقا في غير هذه الليلة بأنه يمكن أن ترِد لفظة أو جملة شاذة في حديث بينما ذلك الحديث بكامله يكون صحيحا، ولذلك أمثلة متعدِّدة؛ (1/43)
صفحة 44
ومن ذلك حديث عمر-رضي الله تعالى عنه-أنه قال: " صلاة السفر ركعتان وصلاة الفطر ركعتان وصلاة الأضحى ركعتان وصلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر " ذكر فيه بأنّ صلاة السفر ركعتان وهي ليست بقصر، ثم قال: " على لسان محمد " صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذا الحديث روته طائفة كبيرة من أئمة الحديث، فقد رواه النسائي وابن ماجة وأحمد وابن حبان وابن أبي شيبة وعبد الرزاق والبزار والطحاوي والبيهقي، ورواه كذلك أبو نُعَيْم، وروته طائفة إلا أنّ بعض العلماء قد أعلّه بالانقطاع، لأنه من طريق ابن أبي ليلى وهو لم يسمع من عمر بن الخطاب على رأي طائفة، ولكنّ طائفة من أهل العلم قد نصت على أنه سمع منه، وجاء في رواية عند النسائي في " الكبرى " وعند ابن ماجة وابن خزيمة والبيهقي بأنّ عبد الرحمن قد رواه من طريق كعب بن عُجْرَة، وجاء عند الطحاوي بأنه رواه عن الثقة عن عمر رضي الله-تعالى-عنه، ولا إشكال في ذلك فعلى تقدير أنّ عبد الرحمن قد سمع من عمر-رضي الله تعالى عنهما-فيمكن أنه سمعه مرة منه وسمعه مرة عن الثقة الذي هو ابن عُجْرَة، فرواه مرة عن عمر مباشرة ورواه مرة عنه بالواسطة، وعلى تقدير عدم سماعه من عمر-رضي الله تعالى عنه-فإنه قد ذكر الواسطة عنه وكذلك الرواية التي فيها بأنه سمعه من الثقة فقد صرح بالثقة في رواية أخرى. (1/44)
صفحة 45
نعم، كنا نتكلم على حديث عمر رضي الله-تبارك وتعالى-عنه، وقلنا: إنّ عبد الرحمن بن أبي ليلى رواه في رواية عن عمر-رضي الله تعالى عنه-مباشرة ورواه في رواية عنه بواسطة كعب بن عجرة وفي رواية عن الثقة والظاهر أنه كعب، وقلتُ: بأنه يمكن أن يكون قد سمعه من عمر على رأي طائفة كبيرة من أهل العلم، وهذا هو الذي يؤخذ من كلام الذهبي وقبْلَه من كلام أبي نُعَيْم، وكذلك ذهبت إليه طائفة من المتقدمين وإن كان كثير من العلماء على خلاف ذلك، وإذا قلنا بهذا الرأي-وهو الذي يظهر-فلا إشكال في الأمر، وإذا قلنا بأنه لم يَسمع منه فقد بيَّن الواسطة الذي سمعه منه، ولا إشكال في ذلك على الرأي الأول، فإنه يمكن-كما قلتُ-أن يكون مرة يُحدِّث عن الأصل ومرة يحدث عن الفرع على أنه على تقدير عدم ثبوت الرواية الثانية فإنها تكون من باب المزيد في متصل الأسانيد، فيكون الراوي قد أخطأ في ذكره لكعب، وعلى كل حال ليس هذا الموضع يكفي لتحقيق الكلام على هذا الحديث، وقد ذكرنا ذلك في موضعه؛ (1/45)
صفحة 46
ومن ذلك-أيضا-حديث عمر-رضي الله تعالى عنه-أنه قال له الرسول-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-في حديث شهير عن القصر: ( صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ) فقوله: ( فاقبلوا صدقته ) حديث يدل على الوجوب، إذ إنّ أمر رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-يدل على الوجوب، لأدلة متعددة، وهو الذي ذهب إليه الجمهور، وهذا الحديث-أيضا-رواه الإمام مسلم، ورواه النسائي وأبو داوود والدارمي وابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان وأحمد وعبد الرزاق وابن الجارود، ورواه كذلك-أيضا-ابن جرير، ورواه البيهقي، ورواه النحاس في " الناسخ والمنسوخ " وأبو نُعَيْم وطائفة كبيرة من أئمة الحديث؛ ومن الأدلة على ذلك-أيضا-أنّ رجلا قال لابن عمر رضي الله-تعالى-عنه: " يا أبا عبد الرحمن إنا نجد في القرآن صلاة الحضر وصلاة الخوف ولا نجد صلاة السفر (1) ؟ " فقال: " يا هذا-كما هو في رواية-إنّ الله قد بعث إلينا محمدا ولا نعلم شيئا فإنما نفعل ما رأيناه يفعل " وقد جاء بغير هذا اللفظ، وقد رواه الربيع رحمه الله، ورواه مالك وأحمد وابن خزيمة وابن حبان والحاكم، وهو حديث صحيح، فهذا-أيضا-يؤخذ منه الوجوب؛
__________
(1) -قال الشيخ: " القصر " بدلا من " السفر " والظاهر أنه سبق لسان. (1/46)
صفحة 47
وهنالك أدلة أخرى لا داعي للإطالة بها، فهذه الأحاديث وغيرها كثير تدل دلالة واضحة على الوجوب، ولم يُجِب عنها أحد إلا باعتراضات أوهى من نسج العنكبوت، وقد ذكرناها مشفوعة بأجوبتها في غير ما كتاب فمن شاء ذلك فليرجع إلى " الرأي المعتبر " وإن كان مختصرا بالنسبة إلى أصله؛ وأما الذين قالوا بعدم الوجوب فإنهم استندوا إلى الآية القرآنية: { ... فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَة ... } [ سورة النساء، من الآية: 101 ]، ولا دلالة في الآية، لأنها على رأي كثير من أهل العلم ليست في صلاة السفر، وإنما هي في صلاة الخوف، وهو الذي يؤخذ من قول ابن عمر وسائِله: " إنا نجد صلاة الحضر وصلاة الخوف " هكذا قال السائل وأقره ابن عمر .. (1/47)
صفحة 48
قال السائل: " نجد ذلك في القرآن ولا نجد صلاة السفر " وأقره على ذلك ابن عمر، وهذا الرأي هو الذي رجحه ابن جرير، فإذن الآية لم تتعرض لقصر السفر رأسا، وعلى تقدير أنها في قصر السفر-كما هو رأي جماعة-أو في القصرين معا فإنّ نفي الجناح لا يؤخذ منه عدم الوجوب، إذ إنه تارة يدل على هذا وتارة يدل على ذاك، ومثل هذه الآية ما جاء في السعي بين الصفا والمروة، فإنه-أيضا-نُفِيَ الجناح مع أنّ الصحيح الراجح أنّ السعي بين الصفا والمروة واجب، والأدلة التي ذكرناها من السنّة تدل على أنّ نفي الجناح لا يراد به هاهنا نفي الوجوب؛ واستدلوا-أيضا-برواية أنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-كان يقصر في السفر ويتم، وهذه الرواية ليست بشيء، لأنها من طريق السيدة عائشة رواها عنها عطاء بن أبي رباح وروايته لا تصح من طريق السيدة عائشة رضي الله-تعالى-عنها، كما ذكر ذلك غير واحد من أئمة التحقيق، وقد جاء عنه من أربع طرق إحداها من طريق ابن وثاب وهو مجهول، والثانية من طريق المغيرة بن زياد وهو ضعيف، والثالثة من طريق طلحة بن عمرو وهو ضعيف، وجاء-أيضا-من طريق رابعة ولكنها-أيضا-ضعيفة، فهذا الحديث لا يُعتمد عليه، وكذلك ما جاء من أنه أقر السيدة عائشة على الإتمام ليس بشيء، لأنّ في إسناده راويا ضعيفا وهو العلاء بن عبد الرحمن، ثم إنّ السيدة عائشة لم تكن معه في سفر فتح مكة فكيف يقال بأنها أتمّت بخلاف فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وهي لم تكن مسافرة معه في ذلك السفر ؟! وكذلك ما جاء أنّ الصحابة كانوا يسافرون مع النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-وكان منهم من يصوم ومنهم من يفطر .. منهم الصائم ومنهم المفطر ومنهم الذي يقصر ومنهم الذي يكمل الصلاة، هذا معناه .. (1/48)
صفحة 49
هذا الحديث رواه البيهقي وليس بشيء، لأنه من طريق زيد العَمِّي ولا يؤخذ بروايته، والراوي عنه ضعيف-أيضا-فمثله لا يُفرَح به، وكذلك ما جاء أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أتم في الخوف، فهذه الرواية مُقتَطَعة من رواية أخرى، فالصحيح أنه صلى ركعتين ثم سلم ثم صلى بطائفة أخرى ركعتين فكان متنفلا؛ فهذه أقوى ما استند إليه القائلون بالجواز وهي كما ترون لا تَثبت عن النبي-صلوات الله وسلامه عليه-وإذا كان الأمر كذلك فإنّ القول بالوجوب هو القول الراجح، فلا ينبغي لأحد أن يتركه، ثم-كما ذكرتُ هو مذهب أكثر الصحابة، بل مذهب الصحابة قاطبة على رأي أكثرهم، وهو الذي ذهب إليه التابعون ومن تبعهم بإحسان أو أكثرهم، ولذلك قال الترمذي: " العمل على ما كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر " ونسبه البغوي إلى أكثر العلماء، ونسبه الخطابي إلى أكثر أهل العلم؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: ما حكم من كان يُتمّ في السفر مستنِدا في ذلك إلى قول أحد مشائخه الذين يثق فيهم وهو أنهم يقولون: " من كان يملك مسكنا في السفر وكان يطيل المكث فيه فعليه الإتمام ولو لم ينو الاستقرار فيه " ثم تبيّن له بعد ذلك أنّ الراجح هو ما ذهبتم إليه ؟ وهل يجب عليه قضاء الصلوات التي صلاّها تماما عملا بقول شيخه ؟ وما حكم هذا الشخص إن كان يصلي بالناس في تلك الفترة ؟
الجواب :
: (1/49)
صفحة 50
نعم، الصحيح هو وجوب القصر كما ذكرنا , إلا أنّ المسألة ليست فيها أدلة قاطعة، فالمسألة لا تخرج عن دائرة الظن، وإن كان الصحيح الذي تدل له السنّة هو ما ذكرناه، وإذا كان الإنسان يأخذ من قبلُ برأي من آراء أهل العلم ويظن أنّ ذلك الرأي هو الصواب فإننا لا نقوى على أن نُلزمه البدل، لأنّ هذه المسألة-كما قلتُ-لا تخرج عن دائرة الظن، أما إذا كان ذلك الرجل الذي يَستند إلى كلامه ليس من أهل العلم وإنما يتظاهر بالعلم وليس الأمر كذلك فهذا الشخص قد قصّر في حقيقة الواقع في طلب الحق ولم يطلب ذلك من أهله فعليه أن يتوب إلى الله وأن يعيد تلك الصلوات التي أتمها وهو مسافر، ثم إنّ العلماء-كما قلتُ-منهم من يقول بوجوب القصر، ومنهم من يقول بالتخيير ولكن لمدة معيّنة، ومنهم من يقول-أيضا-بالجواز مهما مكث الإنسان من السفر، أما أن يقصُر الإنسان في مكان وهو لم يستقر فيه وإنما لأنه بنى فيه بيتا أو ما شابه ذلك فهذا أمر عجيب، فهو لم ينو الاستيطان، فلا أدري هذا الشيخ الذي يذكره هل يأخذ برأي من يقول بالوجوب وأنّ الإنسان لابد من أن يقصر مهما مكث من الزمن إلا أنه يجهل تطبيق ذلك على هذه القضية ولذلك أفتى بأنّ من مكث في مكان وهو لم ينو الاستقرار لكونه قد ملك بيتا أو ما شابه ذلك، فإن كان الأمر كذلك فهذا خطأ في حقيقة الواقع وعليه أن يتوب إلى الله، وعلى ذلك الذي أخذ برأيه أن يتوب إلى الله-تبارك وتعالى-وأن يعيد تلك الصلوات، أما إذا كان ذلك الشيخ يأخذ برأي من يقول بالجواز إما اجتهادا وإما تقليدا لمن يقول بذلك ويظن أنّ ذلك هو الصحيح وأفتى من أفتاه بذلك فلا نقوى على أن نلزمه الإعادة، بل نأمره بتطبيق الصواب في المستقبل؛ والله أعلم. (1/50)
صفحة 51
س: كانوا مسافرين مع جماعة وأثناء الوضوء دخلت فرقة منهم في المسجد فوجدت جماعة تصلي، في هذه الحالة هل يدخلون فيصلون معهم أم ينتظرون أصحابهم ليصلوا جمعا ؟ ثم إنّ الذين دخلوا إلى المسجد لا يدرون عن تلك الجماعة هل تصلي قصرا أم تصلي وطنا.
الجواب :
أما إذا كانت تلك الجماعة تصلي تلك الصلاة التي تريد هذه الجماعة أن تقوم بأدائها فإنّ عليهم أن يدخلوا معهم وليس لهم أن ينتظروا أصحابهم، فإن جاء أصحابهم وأمكنهم أن يدخلوا في تلك الجماعة فعليهم-أيضا-أن يدخلوا فيها، وإن لم يتمكّنوا من ذلك فبإمكانهم أن يقيموا جماعة أخرى، لأنهم لم يريدوا معارضة الجماعة الأولى أو ما شابه ذلك وإنما تأخروا لسبب من الأسباب، بل لو تأخروا من قبلُ وفرَّطوا في ذلك فإنّ عليهم أن يتوبوا إلى الله وأن يقيموا صلاة الجماعة، لا كما قال بعضهم أنه ليس لهم أن يقيموا جماعة ثانية، هذا إذا كانت تلك الصلاة هي الصلاة (1) التي تريد تلك الجماعة أن تقوم بأدائها وذلك تارة يكون واضحا جليا وتارة يُفهم بالقرائن وتارة لا يمكن الإنسان أن يفهم ذلك، فإذا كان الوقت وقت تلك الصلاة .. مثلا كان ذلك الوقت وقت صلاة العصر فالظاهر أنّ تلك الجماعة تصلي العصر وعليه هؤلاء إما أن يصلوا معهم نافلة، وهذا هو الأفضل، لأمر النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-بذلك، بل لا ينبغي لهم أن يتأخروا إلا إذا كانت تلك الجماعة ليست الجماعة الأصلية بل كانت جماعة ثانية أو ثالثة فإنّ ذلك لا يدخل في أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - اللهم إلا إذا صلوا معهم تحيّة المسجد، فإنّ من دخل المسجد يؤمر بتأدية ركعتي تحية المسجد قبل أن يجلس إلا إذا أراد أن يصلي الفريضة ففي هذه الحالة بإمكانهم أن ينتظروا أصحابهم ويقوموا بتأدية تلك الصلاة معهم؛ والله أعلم.
__________
(1) -قال الشيخ: " الجماعة هي الجماعة " بدلا من " الصلاة هي الصلاة " والظاهر أنه سبق لسان. (1/51)
صفحة 52
س: من يسافر من بلده إلى بلد آخر وبعد فترة يترك السفر فيصلي إتماما ظنا منه أنّ بلاد المسلمين تعتبر وطنا له أينما حلَّ فيها، فهل يصح هذا ؟
الجواب :
هذا الشخص قد أخطأ الصواب فبلاد المسلمين وإن كانت بمشيئة الله-تبارك وتعالى-واحدة ولكنّ ما نشاهده من حدود تفصل بين الدول، وفي كثير من الدول لابد من موافقة تلك الدولة على الدخول في الدولة الثانية ومن إقامة مدة معيّنة وإذا أراد أن يبقى مدة أخرى لابد من أن يطلب الإذن أو ما شابه ذلك ثم إنه قد يأتي لدراسة ويمكث كذا كذا سنة من السنوات أو يأتي لعمل وهو يقصد أن يبقى مدة معيّنة من الزمن فهذا في حقيقة الواقع لم يستقر في هذه البلاد التي ذهب إليها .. في أيّ بلاد من البلاد .. (1/52)
صفحة 53
هو لم يستقر في تلك البلاد، وإنما جاء-كما قلتُ-لطلب علم أو طلب معيشة أو ما شابه ذلك من الأمور فهذا في واقع الأمر لا ينطبق عليه الاستقرار المعروف، فمن أراد أن يكمل الصلاة لابد من أن تكون نفسه قد اطمأنت في ذلك المكان وارتاح فيه وأراد أن يستقر فيه، أما أن يكون ارتاح لأهله أو ارتاح من أجل طلب المعاش أو ما شابه ذلك فهذه وإن كانت راحة نفسية ولكنها ليست هي الراحة أو ليس هو الاطمئنان الذي يوجب الإتمام في الصلاة، فالناس يجهلون بين الاطمئنان والاستقرار الذي يوجب الإتمام وبين الاستقرار والمودة مع أصحابهم وأصدقائهم وما شابه ذلك فهذا الأمر يختلف عن ذلك الأمر كما هو واضح جليّ لا يخفى، فالإنسان الذي استقر في ذلك المكان وأراد أن يعيش فيه وهو مطمئن فيه ويعرف بأنه لا يمكن أن يَخرج منه بأمر من دولة ولا بغير ذلك إلا إذا كان هنالك ظرف حادث أو ظرف سيطرأ له في المستقبل فإنّ الإنسان لا يدري ماذا سيأتي عليه في المستقبل، أما أن يكون يعرف في قرارة نفسه بأنه لن يبقى في هذا المكان فهذا يجادل ويماري بالباطل، وهو في حقيقة الواقع لا يكمل الصلاة إلا من أجل الحصول على دراهم معدودة ويُفرِّط في أمر دينه ويُؤثِّر على من يصلي خلفه، فعلى هؤلاء أن يعلموا ذلك يقينا وأنه لا يجوز لهم الإتمام بحال من الأحوال؛ هذا والله-تعالى-أعلم؛ وعلى كل حال، هذا لا يوجب تفريق المسلمين أو ما شابه ذلك .. كلاّ، فلا يمكن أن يُروَّج لذلك بمثل هذا الهراء التافه، فما يجمع بين المسلمين أكبر من هذا بكثير ولكن للصلاة من الأحكام ما لا يخفى مما لا يجوز لأحد أن يُفرِّط فيه. والله تعالى أعلم
س: سائلة تسأل : في بعض الأحيان تكون في الدراسة والوقت يتأخر بها إلى الساعة الثانية، فهل تَجمع صلاة الظهر مع صلاة العصر جمعا صوريا ؟
الجواب : (1/53)
صفحة 54
على كل حال، وقت الظهر لا زال باقيا في الساعة الثانية بل يمتد إلى ما هو أبعد من ذلك حتى قبيل وقت دخول العصر، لأنّ بمجرد خروج وقت الظهر يدخل وقت العصر، وهنالك وقت طويل بين هذا الوقت وبين دخول العصر، فبإمكانها أن تصلي في الثانية بل وفي الثانية والنصف الظهرَ، ولا زال الوقت.
س: نريدكم أن تحدثونا عن تعريف الوطن الذي يستقر فيه الإنسان، كما نريدكم أن تعرِّفوا لنا كذلك معنى الاستقرار والاطمئنان بحيث إنّ الإنسان إذا اطمأن ووصل إلى الدرجة التي تحدِّثونا عنها-بعد قليل-يكون بذلك موطِّنا، كما-أيضا-نريدكم أن تحدِّثونا عن عدد الأوطان التي يجوز للإنسان أن يتخذها.
الجواب : (1/54)
صفحة 55
الإنسان لا يخلو من أحد أمرين اثنين، إما أن يكون مُوطِّنا في ذلك المكان الذي يصلي فيه أو يكون مسافرا فيه، فإن كان قد اتخذ ذلك المكان وطنا فإنه يجب عليه الإتمام، ولا يجوز له بحال من الأحوال أن يقصُر الصلاة فيه، أما إذا كان مسافرا فيه فإنه يجب عليه القصر على القول الراجح-كما قدمنا في الدرس الماضي-ولا يجوز له أن يصلي أربعا إلا في حالة واحدة فقط وهي ما إذا صلى خلف إمام مقيم فإنه في هذه الحالة يجب عليه أن يتابع إمامه، ولا يجوز له أن يصلي ركعتين ثم ينفرد عن الإمام؛ أما بالنسبة إلى الموضع الذي يجب على الإنسان أن يصلي فيه وطنا فهو المكان الذي أراد أن يستقر فيه وكان مطمئنا إلى العيش فيه يريد أن يسكن فيه مدى الحياة اللهم إلا إذا عرَض له عارض بعد ذلك فإنه إذا عرض له عارض في المستقبل فإنّ لكل حادثة حكما يخصها، أما هو في الأصل فإنه يريد أن يسكن في ذلك المكان ولابد من أن يكون مستقرا مطمئنا مرتاحا إليه، فإن كان مطمئنا مرتاحا ولكنه لا يريد أن يستقر فيه فهو في حالة الواقع مسافر، والمسافر لا يجوز له الإتمام كما ذكرنا، وإذا كان يريد أن يمكث فيه ولكنه لا يطمئن في ذلك المكان فكذلك في حقيقة الواقع هو مسافر، فإذن لابد من أن يريد أن يمكث في ذلك المكان بأن يستقر فيه ويكون مطمئنا مرتاحا إليه، أما إذا لم يرد الاستقرار أو يريد ولكنّ هنالك مانعا يمنعه من ذلك فلا، وقد ذكرنا في الدرس الماضي بأنّ أولئك الذين يذهبون من دولة إلى دولة أخرى من أجل التعليم أو من أجل العمل فإنه لا يمكنهم أن يصلوا تماما، ذلك لأنه وإن أحبوا ذلك المكان واطمأنت نفوسهم فيه ولكنهم يعلمون علم اليقين بأنهم لن يبقوا في هذا المكان وإنما سيستمرون فيه مدة محددة كأربع سنوات للدراسة أو يمكن-أيضا-أن يستمروا مدة أطول من ذلك إذا كانوا يعملون في ذلك .. (1/55)
صفحة 56
في إمامة أو تعليم أو في أيّ عمل من الأعمال الأخرى ولكنهم متيقِّنون بأنهم لن يمكنهم أن يستقروا في ذلك، لأنّ أنظمة تلك الدولة التي يعملون فيها تمنعهم من الاستقرار فيها اللهم إلا إذا كانت تلك الدولة توافق لهم بأن يستقروا فيها على حسب شروط وهم سينفِّذون ذلك فذلك مجال آخر، أما إن كانوا لا ينوون الاستقرار أو أنّ أنظمة الدولة تمنعهم من ذلك-كما هو الواقع في غالب دول العالم-فلا يمكن أن يقال إنه يجوز لهم أن يكملوا الصلاة، سواء أرادوا الإمامة أو لم يريدوا ذلك، وكثير من الناس وللأسف الشديد يبحثون في الكتب عن قضية تعدد الأوطان ولكنهم لم يبحثوا قبل ذلك متى يجوز للإنسان أو يجب على الإنسان أن يتخذ وطنا ثانيا أو ثالثا أو رابعا أو أكثر من ذلك على رأي من يجيز ذلك، فإذن لابد من البحث في المسألتين .. في عدد الأوطان التي يجوز للإنسان أن يستقر فيها وأن يصلي فيها صلاة وطن، وما هي الأمور التي لابد من توافرها في ذلك الإنسان حتى يتخذ أكثر من وطن، أما عدد الأوطان فقد حدَّده بعض العلماء بأربعة أوطان، ونحن لا نستطيع أن نحدد ذلك بعدد معيّن وإنما نقول إنه يجوز للإنسان بل يجب عليه أن يصلي وطنا إذا استقر في مكان من الأمكنة أو في أكثر وأراد أن يعيش في تلك الأمكنة جميعا، أما إذا لم يُرد ذلك أو أنه أراد ولكنه يعلم أنه لن يُترك أو ما شابه ذلك فذلك مما لا يصح؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: لكن إذا أتينا إلى قضية الأوطان، متى يصح للإنسان أن يتخذ ذلك المكان وطنا، هل إذا امتلك فيه بيتا أو امتلك فيه مزرعة أم هناك شروط أخرى ؟
الجواب : (1/56)
صفحة 57
لا نستطيع أن نشترط شيئا من هذه الأمور، وإنما القضية هي استقرار النفس في ذلك المكان واطمئنانها إلى السكنى فيه، فبعض الناس قد يعيشون حياتهم من أولها إلى نهايتها وهم يستأجرون منزلا أو ما شابه ذلك، وبعض الناس يملكون منازل حتى في دول أخرى .. أي في غير تلك الدولة التي هم مواطنون فيها وهكذا، فإذن العبرة بالاستقرار والاطمئنان؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: وهل ما يقال من أنّ الإنسان إذا تزوج من منطقة تعدّ له وطنا ؟
الجواب:
الأصل أنّ المرأة تابعة لزوجها، فإذا تزوج إنسان امرأة هي تصير تابعة له بعد أن يقوم بنقلها، أما بمجرد العقد فلا، وإنما العبرة بدخوله بتلك المرأة أو بتبعية تلك المرأة له وإن لم يدخل بها، أما ما دامت مستقرة عند أهلها ولم يقم هو بنقلها .. كما هو العادة عند كثير من الناس أنّ الإنسان يعقد أوّلا على المرأة وتبقى هي في بيت أهلها ولا تكون تابعة له وإنما تتبعه بعد أن يقوم بنقلها أو ما شابه ذلك على اختلاف الناس فهي بعد ذلك تكون هي تابعة له، تصلي تماما في الموضع الذي يصلي هو فيه تماما، وتقصُر في الموضع الذي يقصُر فيه هو ولو كان ذلك في بيت أهلها الذي عاشت فيه من قبلِ أن يتزوجها هذا الشخص، أما أن يكون هو تابعا لها فلا .. نعم، إذا تزوج من منطقة وأراد أن يسكن في تلك المنطقة-سواء أراد أن يتحول من منطقته السابقة أو استقر في المكانين معا-ففي هذه الحالة يصلي تماما في الموضعين معا أو في ذلك الموضع لا بسبب زواجه من تلك المرأة وإنما بسبب أنه استقر في تلك المنطقة، فإذن ليست القضية قضية زواج من تلك المرأة، وإنما القضية استقراره واطمئنانه هو، وإلا فالمرأة هي التي تتبعه، فإذا قام بنقلها تصلي بصلاته وطنا أو قصرا؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: وهل ما يقال-أيضا-من أنّ الإنسان إذا ولد في منطقة حتى ولو سافر منها بعد ذلك لا تزال وطنا له ؟
الجواب: (1/57)
صفحة 58
إذا كان يسكن في تلك المنطقة وفي المنطقة التي انتقل إليها-أيضا-أي تارة يسكن هنا وتارة يسكن هناك ويريد أن يعيش في المنطقتين معا فنعم، أما إذا كان ترك تلك المنطقة الأولى وإنما يذهب إليها لزيارة أهله وأقاربه فيمكث معهم يوما أو يومين أو أكثر من ذلك فهو مسافر في حقيقة الواقع في تلك المنطقة، فإذن ليست هنالك عبرة بالولادة في المنطقة الفلانية، ونحن نعرف أنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-قد وُلد بمكة المكرمة وعاش فيها ما يقارب أربعين عاما قبل نبوته ثم مكث فيها ثلاثة عشر عاما بعد رسالته وفُرضت عليه الصلاة بمكة المكرمة ثم هاجر-صلوات الله وسلامه عليه-وهكذا بالنسبة إلى أصحابه المهاجرين رضي الله-تعالى-عنهم .. هاجروا إلى المدينة وكانوا عندما يأتون إلى مكة المكرمة يقصُرون الصلاة فيها، وإنما يصلون في المدينة تماما، أو في مواضع أخرى بعد انتقال بعضهم من المدينة عندما استقروا في تلك المناطق، كما استقر بعضهم في الشام وبعضهم في الكوفة وبعضهم في البصرة، فإذن لا علاقة لموضع الولادة في الإتمام والقصر، فإذا انتقل الإنسان صار ذلك الموضع كغيره من المواضع التي يصلي فيها قصرا؛ والله أعلم.
س: ذهب إلى مكان مجاور لبلده وشك هل ذلك المكان تعتبر مسافته وصلت حد السفر أم لا فبقي في الشك هل يصلي إتماما أم يصلي قصرا فصلى قصرا ؟
الجواب :
قد أخطأ في هذه القضية إذا كان اعتمد على هذا الشك فقط ولم يكن هنالك دليل آخر قد اعتمد عليه، إذ إنّ من شك في مكان هل هو من حدود الوطن أو لا فإنه ليس له أن يقصُر فيه بل يجب عليه أن يكمل الصلاة ثم إذا تبيّن له بعد ذلك بأنه خارج الوطن فإنّ عليه أن يعيد الصلاة، وإن تبيّن له بأنه في الوطن فلا إعادة عليه، أما أن يقصُر وهو لم يقم عليه الدليل بأنه خرج من وطنه فلا، إذ الأصل الوطن ولا يَنتقِل عنه إلا بدليل؛ والله-تعالى-أعلم. (1/58)
صفحة 59
س: على أية حال، نحن نريد أن تبيّنوا لنا المسافة التي إذا ما قطعها الإنسان يعتبر مسافرا ؟
الجواب:
هذه المسألة اختلف فيها العلماء اختلافا كثيرا جدا، وقد وصلت الأقوال في ذلك إلى ما يقرب من عشرين قولا، وأغلب تلك الأقوال قد انقرض القائلون بها، وإنما بقيت أقوال معدودة؛ والذي ذهب إليه أصحابنا-رضوان الله تعالى عليهم-أنّ مسافة القصر تُقدر بفرسخين، واعتمدوا في ذلك على قصر النبي-صلوات الله وسلامه عليه-بذي الحُلَيْفَة حيث إنه-صلوات الله وسلامه عليه-خرج من المدينة إلى ذي الحليفة وصلى بها ركعتين، ورأوا بأنّ الأحاديث التي اعتمد عليها القائلون بخلاف ذلك منها ما لا يَثبت عن النبي-صلوات الله وسلامه عليه-لضعف أسانيدها، ومنها ما لا علاقة له بهذه القضية البتّة، كاستدلال بعضهم بقضية المسح على الخفين أو ما شابه ذلك، فإنّ تلك الأحاديث-أيضا-لا تَثبت عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، وعلى تقدير ثبوت بعضها عنه-مثلا-فإنها منسوخة، وعلى تقدير عدم نسخها-وهو بعيد جدا جدا ولكن على رأي من يقول بذلك-فإنّ تلك الأحاديث لا علاقة لها بهذه القضية، وإن كان قليل من الناس الذين احتجوا بمثل ذلك، ومنهم-وهم كثير-قد احتجوا من نهي المرأة عن السفر من غير ذي محرم .. نهاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تسافر يوما، وفي بعض الروايات: يوما وليلة، وفي بعضها: ثلاثة أيام .. منهم من استدل برواية الثلاث، ومنهم من استدل برواية اليوم والليلة، ولكنّ هذه الأحاديث لا علاقة لها بالموضوع إطلاقا، ثم إنّ الحديث قد ورد بألفاظ متعددة .. ورد بما ذكرناه من الألفاظ، وورد بيومين، وورد بالنهي عن السفر مسافة بَرِيد، وورد على الإطلاق، وهي الرواية التي ينبغي أن يُعتمد عليها، ولست الآن بصدد الإجابة عن تلك الروايات، لأنه أوّلا وقبل كل شيء يحتاج إلى إطالة وذلك مما لا يمكن أن نصير إليه الآن، وثانيا لأنّ هذه الأحاديث لا علاقة لها بالموضوع أصلا .. (1/59)
صفحة 60
إذن ما ذهب إليه أصحابنا هو الذي تطمئن إليه النفس، فمن سافر هذه المسافة فإنه يقصر الصلاة، أما من سافر إلى مسافة أقرب من ذلك فليس له أن يقصر الصلاة اللهم إلا إذا أراد أن يتجاوز الفرسخين فإنّ كثرة كاثرة من أهل العلم قالوا إنّ من نوى أن يتجاوز الفرسخين فإنه يقصر الصلاة ولو لم يتجاوزهما، فهذا رأي كثير من أهل العلم بل هو رأي أكثرهم، وإن كانت هنالك طائفة من أهل العلم تقول بخلاف ذلك؛ والفرسخان قدَّرهما كثير من أهل العلم بما يقرب من اثني عشر بالكيلومترات وهي المقاييس العصرية، وإن كانت المسافة في حقيقة الواقع بين المدينة إلى ذي الحليفة لا تصل إلى ذلك ولكنّ ذلك قد اشتهر مع أهل العلم، ورأى المتأخرون أنّ ذلك يؤخذ به لأنه أحوط وأيضا فإننا لا نعلم الطريق التي سلكها-النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم-فلعله سلك طريقا تخالف هذه الطريق التي يسلكها الناس وهي تصل إلى المسافة المذكورة، فهذا الذي ذهبوا إليه، إذ إنهم لم يجدوا ما هو أقوى منه، بينما الأقوال الأخرى أدلتها من الضعف بمكان، لأنها-كما قلتُ-معتمِدة على أحاديث ضعيفة جدا أو ليست بمرفوعة وإما على أحاديث لا علاقة لها بالموضوع كالحديث الذي فيه النهي عن سفر المرأة من غير ذي محرم أو زوج؛ والله-تعالى-أعلم.
س: بما أنكم ذكرتم هذه المسافة الآن وهي اثنا عشر كيلومترا تقريبا متى يبدأ الإنسان يحسب هذه المسافة ؟
الجواب: (1/60)
صفحة 61
هذه المسألة-أيضا-فيها خلاف بين أهل العلم؛ والذي ذهب إليه كثير منهم أنّ الإنسان إذا تعدى عمران البلد فإنه يبدأ الحساب؛ وذهبت طائفة من أهل العلم إلى أنه يبدأ الحساب من المكان الذي استقر فيه؛ وهذا الرأي أفتى به الإمام الخليلي-رحمه الله تبارك وتعالى-لأهل زنجبار عندما امتدت عندهم مسافة البناء، فعندما كانت البيوت متلاصقة ويصعب وجود فاصل بين تلك البيوت فإنّ الإمام-رحمه الله تبارك وتعالى-قد رأى أنه يمكن أن يُؤخذ بهذا الرأي، إذ إنّ الإنسان لا يمكن أن يكون مستقرا في هذه المسافة على طولها، وهو رأي حسن سائغ؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: عندما يجمع صلاة الظهر مع صلاة العصر يقول له البعض: " عليك أن تصلي السنّة " ويقول البعض: " لا، لا تصل السنّة، فذلك يكفيك "، فماذا تقولون ؟
الجواب :
إذا جمع الإنسان بين الظهر والعصر أو بين المغرب والعشاء فإنه لا يأتي بالسنّة الراتبة التي هي بعد الظهر وهكذا بالنسبة إلى السنّة الراتبة التي بعد المغرب وبالسنّة الراتبة التي بعد العشاء وإنما يأتي بصلاة الوتر، أما بالنسبة إلى السنن الرواتب فلا .. لا يُؤتى بها في حالة الجمع في السفر، وإنما اختلف العلماء في الإتيان بها في حالة الجمع في الوطن عند من يجيز ذلك في أوقات الحاجة؛ منهم من يقول إنه لا يؤتى بها، ومنهم من يقول إنه يؤتى بها، واختلفوا في موضع سنّة الظهر وفي موضع سنّة المغرب؛ والسؤال لم يُوجه عن هذا فلذلك لا أرى الإطالة بذلك؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: هو الآن يعمل في مسقط وكان يسكن عزبا مع بعض الإخوة من غير أن يحضر أهله واستمر على ذلك فترة والآن أحضر أهله معه-ويبدو أنه مستأجر-ولا يريد أن يستقر في مسقط وإنما ينوي أن يعود إلى بلاده في يوم من الأيام، فلو طال مكثه في العمل في مسقط هل يصلي إتماما أم قصرا ؟
الجواب : (1/61)
صفحة 62
إذا كان لا ينوي الاستقرار بمسقط-مثلا-إطلاقا فإنه مسافر كما قدمنا، أما إذا كان هنالك احتمال قوي .. يمكن أن يستقر في مسقط فإنه يصلي بها وطنا بما أنه قد أحضر أهله إلى هنا فإذن جوابه ما ذكرناه سابقا، فإن كان هنالك احتمال عنده للاستقرار هنا فإنه يصلي بها تماما وإلا فلا.
س: حتى ولو استمر عمله عشرين سنة-مثلا-وهو في مسقط ؟
الجواب : رخص بعض أهل العلم في أنه يصلي تماما إن كان هنالك احتمال، أما إن لم يكن هنالك احتمال فلا أرى ذلك في هذا الوقت، وإن كانت المسألة بحاجة إلى شيء من النظر لكن الأصل الأصيل هو ما ذكرناه.
س: هل يجوز للمسلم في حال الجمع بين الصلاتين أن يتكلم بينهما بشيء من أمور الدنيا أو أن يأتي بالباقيات الصالحات ؟ وما هي الحكمة من تشدد بعض العلماء في ذلك ؟
الجواب : الجمع هو ضم صلاة إلى أخرى، فإذا جمع الإنسان بين الظهر والعصر فإنه ضم بينهما .. ضم هذه إلى تلك، فالجمع هو ضم شيء إلى آخر، فلذلك تشدد بعض أهل العلم في ذلك، وجعلوهما بمثابة صلاة واحدة؛ ورأى بعض أهل العلم إلى أنّ من تكلم بين الصلاتين فإنّ ذلك لا يُؤثِّر على الجمع؛ وهذا القول هو القول الصحيح، الذي ذهب إليه الأكثرون من أصحابنا ولاسيما من المتقدمين ورجحه غير واحد من المحققين من المتأخرين، وكما قلتُ: هو القول الصحيح ولكن لا ينبغي للإنسان أن يتكلم، إذ إنّ هذه المسألة فيها ما فيها من الخلاف، وأيضا كثير من أهل العلم قالوا: لا ينتقض الجمع إذا تكلم الإنسان لا أنه ينبغي للإنسان أن يتكلم، فإذن إذا وقع للإنسان شيء من ذلك فلا إعادة عليه، وجمعه صحيح، أما أن يتعمد ذلك فذلك مما لا ينبغي اللهم إلا إذا كانت هنالك ضرورة، كأن يسأل صاحبه: هل تريد أن تجمع ؟ حتى يقوم بالصلاة معه، أو يأمر الإمام شخصا بأن يتقدم أو يتأخر، أو يأمر بتسوية الصفوف، وما شابه ذلك من الأمور التي تقتضيها الضرورة. والله تعالى أعلم . (1/62)
صفحة 63
س: متى يبدأ المسافر في القصر إذا كان قاصدا حد السفر، هل بخروجه من العمران أم بخروجه من المنزل أم بخروجه من حد السفر ؟
الجواب
أنا قلتُ: إنّ أهل العلم قد اختلفوا في هذه المسألة؛ منهم من يقول: إنّ الإنسان يقصُر الصلاة بمجرد خروجه من عمران بلده إذا كان ينوي أن يتجاوز الفرسخين؛ وهذا قول أكثر أصحابنا، بل حكى عليه بعض العلماء من السابقين اتفاق أهل العلم ولكنه لا اتفاق على ذلك كما ذكره غير واحد من أهل العلم، إذ إنّ الخلاف موجود منذ زمان، فقد ذهبت طائفة من أهل العلم إلى أنّ الإنسان لا يقصُر الصلاة إلا إذا تجاوز الفرسخين؛ فالقول الأول هو الذي ذهب إليه-كما قلتُ-الأكثر، فإن أخذ بذلك فلا بأس، والقول الثاني-أيضا-له حجته، والترجيح بينهما ليس بالأمر السهل، إذ إنه ليس هنالك نص صريح يمكن أن يُعتمد عليه إلا ما جاء من الأحاديث أنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-كان إذا خرج من المدينة قصَر الصلاة، ولكنني لم أجد رواية صحيحة ثابتة يمكن الاعتماد عليها تدل على أنه قصَر قبل أن يتجاوز هذه المسافة، فالرأيان لهما من القوة ما لهما، والجمهور على القول الأول.
س: كانوا عائدين من السفر ووقفوا عند مسجد هناك لكنهم لم يحصلوا على ماء فيه للوضوء، في هذه الحالة هل يتيمموا لأنّ المسجد الثاني سيدخل في الأميال في مسافة السفر ؟ في هذه الحالة هل يتيممون ويصلون هناك أم يذهبون ويدخلون في الأميال سواء كانوا يخافون الخروج من؟
الجواب : (1/63)
صفحة 64
أما إذا كان الوقت باقيا فلابد من أن يدخل إلى الوطن ويصلي هناك ولا عذر له في التيمم إطلاقا، فلم يُجِز أحد من العلماء له أن يفعل ذلك، والحجة واضحة نيّرة على أنه يجب عليه أن يتوضأ وأن يصلي بعد ذلك، أما إذا كان يخاف من أن يخرج عليه وقت الصلاة الأولى مثلا حيث إنه أخر الظهر فإذا دخل وطنه فإنه سيخرج الوقت فهذه المسألة يوجد فيها خلاف بين أهل العلم؛ والقول الصحيح الراجح أنه يدخل وطنه ويتوضأ ويصلي الظهر أربعا والعصر أربعا؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم؛ ويكون هذا الجمع في الوطن لوجود الضرورة الماسة إلى ذلك، وينبغي للإنسان أن يَحذر في المستقبل من أن يؤخر الصلاة إلى مثل هذا الوقت فيكون قد أدخل نفسه بذلك في خلاف شهير بين أهل العلم، على أنّ كثيرا من الناس لا يعلمون أنّ الإنسان يجوز له أن يجمع في الوطن، بينما هو قول مشهور-كما قلتُ-ولكنه لا يصار إليه إلا في وقت الحاجة، ولا شك بأنّ هذا الوقت هو وقت الحاجة، إذ إنه لم يجد ماء؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: ما المقصود بالجمع الصوري ؟ (1/64)
صفحة 65
ج: على كل حال، كثير من الناس يسمعون بالجمع الصوري ولا يعرفون معناه .. الجمع الصوري هو أن يؤخر الإنسان الصلاة الأولى إلى آخر وقتها بحيث إنه يأتي بها قبل انتهاء الوقت بوقت قصير حيث إنه عندما ينتهي من تلك الصلاة يخرج الوقت .. يأتي بالظهر مثلا قبل خمس دقائق أو ما يقرب من ذلك وبمجرد سلامه منها يخرج وقت الظهر ويدخل وقت العصر ويصلي في ذلك الوقت العصر، وهكذا بالنسبة إلى المغرب يصليها قبل خروج وقتها بوقت يسير بحيث إنه عندما ينتهي منها يدخل وقت العِشاء ويصلي العِشاء بعد ذلك مباشرة، فهذا جمع في الصورة، فهو لم يصل الصلاتين في وقت إحداهما، وإنما صلى كل صلاة في وقتها، فهو جمع في الصورة، وليس جمعا حقيقيا .. هذا هو الجمع الصوري الذي قال به من قال من أهل العلم، وحملوا عليه-بعض أهل العلم-الحديث الصحيح الثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه جمع في المدينة من غير سحاب ولا مطر ولا خوف ولا سفر .. جمع فيه بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء .. صلى الظهر أربعا والعصر أربعا وكذلك صلى المغرب ثلاثا والعشاء أربعا، لكنّ الصحيح أنّ هذا الحديث لا يُحمل على هذا المعنى، وإنما يُحمل على أنه جمع بين الظهر والعصر في وقت إحداهما، وجمع بين المغرب والعشاء في وقت إحداهما، وهذا ليس بجمع صوري بل هو جمع حقيقي؛ والله-تعالى-أعلم.
س: إذن في هذه الحالة إذا كان الطبيب يجري عملية والعملية يتطلب منها أن تمتد فترتها إلى أن يدخل في وقت العصر مثلا، في هذه الحالة هل يجمع ؟
الجواب : نعم له أن يؤخر الصلاة الأولى إلى الصلاة الثانية ويجمع بينهما .. يصلي الظهر أربعا والعصر أربعا .. طبعا إذا كان مقيما، ولكنّ هذا ليس بجمع صوري، بل هو حقيقي، فالجمع الصوري هو ما ذكرتُه سابقا.
س: جمع حقيقي .. يعني أربع ركعات أربع ركعات ؟ (1/65)
صفحة 66
ج: نعم .. الجمع الصوري كل صلاة تصلى في وقتها، أما هذا الجمع يُؤتى بالصلاتين معا في وقت واحد ويُصار إليه في مثل هذه الحالة وما شابهها من الأوقات، بل بعض العلماء يُرخِّص حتى أكثر من ذلك لكن بشرط ألاّ يفعله الإنسان إلا في الأوقات النادرة.
س: هل للمرء أن يختار بنفسه حوزة معيّنة يعتبر حدودها وطنا له أم أنّ ذلك مشروط بأمور معيّنة ؟
ج: هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم؛ ولكنّ الوطن-كما قلتُ-هو ما استقرت فيه النفس وارتاح إليه القلب، فإذا استقر الإنسان في مكان فهو المكان الذي يصلي فيه وطنا، أما أن يتخذ حوزة كبيرة وهو لم يستقر في تلك الحوزة مثلا ويصلي فيها وطنا فهذا الرأي مما لا أراه بل أرى أنه مخالف للدليل الصحيح؛ والله-تعالى-أعلم.
س: إذا صلى المسافر صلاة الظهر قصرا وسوف يصل في وقت العصر إلى بلده، فهل يجوز له أن يصلي الظهر والعصر جمع تقديم ؟
ج: نعم، يجوز له ذلك، فإن شاء أن يجمع فليجمع، وإن شاء أن يصلي الظهر في وقتها فليصل وليؤخر العصر ويصليها بعد ذلك-إن شاء الله-في وطنه؛ والله أعلم.
س: إنني أعيش في ولاية الرستاق ومكان ولادتي وادي بني خروص بولاية العوابي وعندما أذهب إلى زيارة الأهل والأقارب في وادي بني خروص أصلي تماما، فماذا عليّ، هل أصلي تماما أم أصلي قصرا ؟ أرجوا إفادتي أفادكم الله.
ج: قد قدمنا الجواب على مثل هذا، وقلنا: إنّ العبرة بالاستقرار والاطمئنان، فإن كان هذا الإنسان قد اتخذ ذلك الموضع وطنا نعم يصلي به وطنا، وأما إن كان لم يتخذ ذلك وطنا كما هو الظاهر من حاله وإنما يذهب لزيارة أهله وأقاربه فإنه لا يجوز له أن يصلي وطنا، بل يجب عليه أن يقصُر الصلاة إلا إذا صلى خلف إمام مقيم-كما قلنا-فإنه يكمل لضرورة متابعته، والظاهر من حال هذا السائل هو هذا الثاني؛ والله أعلم. (1/66)
صفحة 67
س: نأتي الآن إلى ما يشيع على ألسنة بعض الناس يقول: " إنّ الوسائل الحديثة لم تترك في جسد الإنسان موضعا للتعب فيستطيع الإنسان أن يقطع المسافة التي حددها العلماء للسفر بسرعة وبدون تعب وبدون مشقة، فلماذا اللجوء إلى القصْر الآن ؟! " ؟
ج: على كل حال، يقول الله تبارك وتعالى: { ... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُم ... } [ سورة المائدة، من الآية: 3 ] فالله-تبارك وتعالى-عالم بما كان وبما سيكون، فهو عالم - سبحانه وتعالى - بوجود هذه الوسائل في هذا العصر .. أي بأنها ستوجد في هذا العصر ولم يُخبرنا في كتابه العزيز بأنّ الحكم سيتغيّر ولم يأت ذلك في سنّة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإذن العبرة بما دل عليه الدليل وهو أنّ من سافر تلك المسافة فإنه يجب عليه أن يقصر الصلاة، وسواء كانت الوسيلة هي الطائرات أو السيارات أو ما هو أسرع من ذلك مما يمكن أن يوجَد في وقت من الأوقات القادمة، ونظرا لعدم وجود الوقت كما أشرتم فإنني أكتفي بذلك؛ والله-تعالى-أعلم.
س: هناك بعض المساجد فيها قسم خاص بالنساء بعضها مفصول عن المسجد الأصل وبعضها ملتصق به .. إذا أرادت المرأة أن تصلّي بصلاة الإمام .. فإذا كان المسجد مفصولا أو المصلى مفصولا، هل لها أن تصلي بصلاة الإمام ؟
ج: هذه القضية لا يمكن أن نجيب عليها جوابا إجماليا، لأنّ ذلك يختلف من مسجد إلى مسجد، فإن كان هذا المسجد ملتصقا أو هذا المصلى ملتصقا بمصلى أو بمسجد الرجال فلا مانع من ذلك، أما إذا كان هنالك فاصل فلابد من النظر في ذلك الفاصل حتى يمكن أن نحكم عليه بما يستحقه من جواز أو منع؛ والله أعلم.
س: هل هناك كيفية معيّنة-مثلا-يمكن أن تصوّرها لنا ؟
ج: الأوْلى أن ينظر الفقهاء في كل مسجد بذاته حتى يمكن الحكم على ذلك، لأننا قلنا إذا كان متصلا لا إشكال في ذلك، أما إذا كان منفصلا فيصعب على كثير من الناس التقدير. (1/67)
صفحة 68
س: مسافر وَجَد الجماعة في صلاة العصر في الركعة الأخيرة فصلى هذه الركعة الأخيرة وحَمل الإمام على أنَّه يصلي ركعتين بِما أنَّه هو مسافر فقضى ركعتين ؟
ج: لا يَخلو الأمر:
إما أن تكون هنالك قرينة تدُل على أن ذلك الإمام كان يصلي قَصْرا أو يصلي تَمَاما.
أو لا تكون هنالك قرينة تدُل على أحد الأمرين.
فإن كانت هنالك قرينة تدُل على أنه يقصر فليقصر هذا المصلي ثم ليسأل عنه هل أتَم ذلك الإمام أو قَصَر لأن تلك القرينة ليست بصريحة وإنَّما مجرد احتمال .. مُجرد إشارة:
فإن قيل له إن ذلك الإمام قد قصر فلا شيء عليه. وإن قيل له قد أتَم فلابد من الإعادة.
وإن لم يجد من يسأله فلابد من أن يعيد صلاته ركعتين لأن الله-تعالى-لا يُعبد بالشك فهو في ذمته تلك الصلاة .. مفترضة عليه فلابد من أن يَخرج من ذلك اليقين بيقين مساوٍ له.
وإن كانت هنالك قرينة تدل على أن ذلك الإمام قد صلى أربعا فكذلك يصلي هذا أربعا ثم ليسأل:
فإن قيل له صلى أربعا فلا إشكال.
وإن قيل له صلى ركعتين فليعد الصلاة .. يصليها ركعتين.
وإن لم يجد فليعد كما بينَّا. وإن لم تكن هنالك قرينة فليصل ركعتين:
فإن قيل له إن الإمام قد صَلَّى ركعتين فقد صَلَّى ركعتين ولا شيء عليه.
وإن قيل له صلى أربعا فليعد. وكذا إذا لَم يَجد من يسأله.
هذا إذا كان ذلك المصلي مسافرا، أما إذا كان مقيما فليصل أربعا:
فإن كان الإمام صلى أربعا فلا إشكال.
وإن كان الإمام صلى ركعتين أو لَم يَجد من يُبَيِّن له هل صلى ركعتين أو أربعا فهنا الإشكال يأتي مِن جهة كيفية القضاء لأنَّه إن صلى معه مثلا الركعة الرابعة فكيف يقضي ؟:
فإذا كان الإمام مقيما فيأتي أولا بالركعة الأولى وبعد ذلك يأتي بالثانية ثم الثالثة وهذا أمر واضح. (1/68)
صفحة 69
وإن كان ذلك الإمام مسافرا فإن تلك الركعة كانت في حق الإمام الثانية وهكذا في حق هذا المأموم الذي صلى بصلاته ومعنى ذلك أنه يصلي الثالثة ثم الرابعة ثم يرجع إلى الأولى. فإذن لابد مِن الإعادة.
والحاصل أنَّه إذا تَبَيَّن لَه أنَّه صَلَّى كَصَلاة إمَامه فلا شيء عليه وإن لَم يتَبَيَّن له الأمر أو علم أن الإمام كان يصلي على خلاف ما صلى هو فلابد من الإعادة على كل حال مِنَ الأحوال؛ والله المستعان.
س: رجل مسافر وجد جماعة يصلون صلاة العصر ، وهذا الرجل لم يصل صلاة الظهر. فهل يجوز له أن يصلي معهم وينويها ظهرا ؟ وهل اتحاد صلاة المأموم وصلاة الإمام شرط لصحة الصلاة ؟
الجواب / لا ينبغي له أن يتعمد ذلك وأما إذا دخل معه وظن أنه يصلي الظهر فقد اختلف العلماء في صحة صلاته والقول بصحتها هو الظاهر عندي والله أعلم.
س: رجل كان عائدا إلى بلدته من بلدة أخرى، وقد أراد أن يصلي صلاة الظهر والعصر " جمعا " ، فما هي أقرب مسافة يمكنه أن يصلي عندها قبل وصوله إلى بلدته ؟
الجواب / في ذلك خلاف بين العلماء قيل ليس له أن يقصر داخل الفرسخين وقيل له أن يقصر ما لم يدخل عمران بلده بشرط أن يكون قد صلى خارج الفرسخين قصراً أما إذا كان يقصر خارجهما فليس له القصر داخل الفرسخين وهذا هو المشهور والأول قول طائفة من أهل العلم وله وجه قوي في النظر والله أعلم
س: مأموم يصلي المغرب والإمام يصلي العشاء وهو مسافر ودخل هذا المأموم يظن أن هذا الإمام يصلي المغرب ثم تبين له أن الإمام يصلي العشاء فالإمام يصلي ركعتين لأنه مسافر والمأموم يصلي ثلاثاً ماذا يفعل المأموم هل يقطع صلاته أم أنه يواصل ؟
الجواب :-
لأهل العلم في هذه المسألة خلاف منهم من يقول إذا تبين له أن الإمام يصلي صلاة تختلف عن الصلاة التي يصليها هو فإنه يقطع صلاته ويصلي من جديد تلك الصلاة التي يريد أن يؤديها في ذلك الوقت . (1/69)
صفحة 70
ومنهم من يقول يأتي بالركعة الثالثة للمغرب لأنه صلى مع الإمام ركعتين ولا يضره ذلك وإذا أخذ بهذا الرأي فلا بأس عليه .
س: رجل دخل مع جماعة تصلي الظهر وهو مقيم، فإذا دخل بنية الأربع ركعات فهل يضره أن يكون الإمام مسافرا ؟
ج: هو لابد من أن يدخل بنية الأربع لأنه مقيم سواء كان الإمام مسافرا أو كان مقيما فعليه أن يدخل بنية صلاة المقيم أو بنية الأربع وهي هي، بعد ذلك إذا كان الإمام مقيما فلا إشكال في القضاء، وأما إذا كان الإمام مسافرا فإنه سيُكمل أوّلا الركعة الثالثة والرابعة ثم بعد ذلك سيقوم بقضاء ما فاته؛ والله-تعالى-ولي التوفيق.
س: مسافر نوى الجمع بين الصلاتين وبعد أن فرغ من الصلاة الأولى لم يجمع الصلاة الثانية فهل هذه النية تؤثر على الصلاة الأولى ؟ وإن أراد الجمع بعد الانتهاء من الصلاة الأولى بدون أن ينوي نية من قبل الجمع فهل له ذلك ؟
ج :من نوى أن يجمع بين الصلاتين ثم عندما صلى الأولى ترك الجمع فلاشيء عليه وأما من أحرم على نية الإفراد ثم نوى بعد ذلك أن يجمع فقد ذهب الجمهور إلى أنه ليس له أن يجمع ما دام أنه لم يعزم على الجمع عند الإحرام للصلاة الأولى وذهبت طائفة من أهل العلم إلى أنه له أن يجمع إذا نوى الجمع من قبل أن يخرج من الصلاة الأولى (1/70)
صفحة 71
وذهب بعضهم إلى أن له أن يجمع ولو خرج من الصلاة الأولى ولا شك أن القول الأول هو الأحوط وأما إذا جئنا إلى الترجيح فان القول الثالث هو الذي يظهر لي وذلك لأدلة متعددة وأوضح تلك الأدلة أنه لم يأت أن الرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - أنه كان يأمر الناس بأن يجمعوا الصلاة الثانية إلى الأولى أو ينووا الجمع بين الصلاتين عندما كان يصلي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأصحابه في مكة وفي عرفه ولذلك فالقول الثالث هو القول الراجح وإن كان القول الأول هو الأحوط ؛ لأن فيه خروجا من عهدة الخلاف والخروج من عهدة الخلاف إذا أمكن من غير أن ينوي المخالف أن يخالف سنة ثابتة عن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وإنما مخافة أن تكون تلك السنة لم تثبت ولا شك أن هذا أسلم والله تعالى أعلم .
س: جماعة تصلي صلاتين جمعا فدخل عليهم رجل هل يدخل معهم أم ينتظر فيتبين له ما هي الصلاة التي يصلونها ؟
ما دام وجد الجماعة تصلي فليدخل معهم ثم بعد ذلك إذا تبين له أنهم يصلون صلاة مخالفة لصلاته هو فقد اختلف العلماء في وجوب الإعادة عليه .ذهبت طائفة من العلماء إلى أنه لا إعادة عليه ولو كانت تلك الصلاة مخالفة لصلاته هو , وذهبت طائفة أخرى إلى أن عليه الإعادة والقول بعدم الإعادة أقرب إلى الصواب والثاني أقرب إلى الاحتياط .
.س: رجل أراد الجمع بين الظهر والعصر أو بين المغرب والعشاء وبعد الانتهاء من الصلاة الأولى تذكر فريضة منسية فماذا يفعل ؟ (1/71)
صفحة 72
أما إن كان الجمع جمع تقديم فالأولى أن يأتي بالصلاة المنسية وأن يؤخر الصلاة الثانية إلى وقتها لكن إذا كان محتاجا للجمع مثلا يشق عليه أن يقف ليصلي الصلاة في وقتها لكونه مثلا كان راكبا مع بعض الناس ولا يمكن أن يقفوا في مكان آخر أو ما شابه ذلك فيأتي بالصلاة الثانية بعد أن يأتي بالصلاة المنسية وهكذا في حالة جمع التأخير يأتي أولا بالصلاة المنسية ثم يأتي بالصلاة التي يريد أن يجمعها مع الصلاة الأولى.
س: جماعة مسافرة أرادت الجمع بين الظهر والعصر وبعدما انتهت من صلاة الظهر شرعت جماعة أخرى بالإقامة لصلاة الظهر ؟
لأهل العلم خلاف وهو هل يصح للمسافر أن يؤخر الصلاة الثانية في الجمع إلى وقت أكثر من الوقت الذي تستغرقه الصلاة الثانية , بعض العلماء قال : إذا لم يدخل في الصلاة الثانية بمقدار ما يصلي تلك الصلاة فإن ذلك الجمع لا يصح , وبعض العلماء قال : يرخص له أن يتأخر وهذا القول لعله أقرب إلى الصواب فعليه ينبغي لهذه الجماعة أن تتأخر حتى تنتهي الجماعة التي تصلي الظهر ثم بإمكانهم أن يقوموا لصلاة العصر وذلك التأخير لا يضرهم بمشيئة الله سبحانه وتعالى . والله أعلم
{ ثالثا : أحكام صلاة الجمعة }
س: صلاة الجمعة، ما هي شروط وجوبها ؟
ج: إنّ صلاة الجمعة واجبة مِن الواجبات التي افترضها الله-تبارك وتعالى-على عباده .. أمر بها - سبحانه وتعالى - في كتابه العزيز (1) وثبت وجوبها-أيضا-بنصّ السنّة الصحيحة الثابتة عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-ثبوتا أوضح مِن شمس الظهيرة، وقد اتّفقت كلمة الأمّة على ذلك.
__________
(1) -قال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } [ سورة الجمعة، الآية: 9 ]. (1/72)
صفحة 73
وما جاء عن بعض أهل العلم مِن أنها سنّة أو ما شابه ذلك مِن الألفاظ فإنهم أرادوا به معنًى آخر، كما هو مبسوط في موضعه، ولستُ بِحاجة الآن إلى الإطالة بِذكر ذلك، وإنما أتكلم على شروط وجوبها كما جاء في السؤال:
1-فمِن جملة شروط وجوبها أنها لا تَجب إلا على الذكور، أما النساء فإنها لا تجب عليهن بِإجماع الأمّة كما يُفهَم مِن كلام بعضهم، وعلى تقدير أنّ هنالك مَن قال بِخلاف ذلك فإنّ ذلك مِمّا لا يُعتبَر به، فالمرأة لا تَجِب عليها الجمعة-أما إذا جاءت وصلّتْ الجمعة فإنّ صلاتها صحيحة بِمشيئة الله تبارك وتعالى-بل إنها لا تُسنّ في حقِّها-في حقيقة الواقع-إذا أردنا بالسنّة هاهنا أنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-قد أمرها بذلك بل يُسنّ في حقِّها أن تصلّي في بيتها كبقية الصلوات الأخرى، أما إذا أردنا بالسنّة أنه يَجوز لها وأنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-قد أباح لها فذلك مِمّا لا بأس مِن إطلاقه، فالسنّة بِمعنى الأمر لا تُؤمَر المرأة بذلك فإذا وُجِد في بعض الكتب بِأنّ المرأةَ لا يُسَنّ في حقِّها أن تصلّي الجمعة فإنّ هذه العبارة عبارةٌ صحيحة لا غبار عليها، وإذا وُجد في بعضها بأنّ ذلك جائزٌ في حقِّها فإنه-أيضا-لا غبار على ذلك، فهي تَجوز في حقِّها وتُجزيها عن صلاة الظهر ولكنّها لا تُسَنّ في حقِّها بِمعنى أنه لا يُندَب في حقِّها أن تَذهب إلى المسجد وأن تُؤَدِّيَ صلاةَ الجمعة هناك وإنما يُندَب في حقِّها أن تصلّي في بيتها وإن كانت صلاتُها مع الإمام تُجزيها عن صلاة الظهر.
2-ومِن ذلك الحرية، فالعبد لا تَجِب عليه صلاة الجمعة على أكثر قول أهل العلم.
ومنهم مَن ذهب إلى وجوبها عليه على الإطلاق، وهو قولٌ فيه مِن البُعد ما لا يَخفى. (1/73)
صفحة 74
ومنهم مَن فصَّل فقال: إن وافَق سَيِّدُه على أن يصلّيَ الجمعة فإنها تَجِب عليه وإن لم يُوافِق على ذلك فلا تَجب عليه، وهو قولٌ قوي له حظّ مِن النظر، فلا يَنبغي له أن يَتخلَّف عنها إذا أباح له سَيِّدُه ذلك.
3-ومِن ذلك البلوغ، فالصبي لا تَجب عليه الجمعة، بل ولا يَجب عليه شيءٌ مِن الواجبات، كما هو معلوم، بِنصّ حديثِ رَفْعِ القلم عن الثلاثة الذين معهم الصبي، وهو حديثٌ صحيح بِمجموع طرقه بل قوّى غيْر واحدٍ مِن أهل العلم بعضَ أفراد تلك الطرق، والأمّة متّفِقة على عدم وجوب الجمعة على الصبي-كما هو معلوم-ولكنه يُؤمَر بِإتيانها إذا بلغ سبع سنين.
4-ومِن ذلك العقل، فالمجنون لا تَجب عليه بل ليس لأحد أن يُبِيح له أن يَذهب إلى المسجد، لأنه سوف يُشَوِّشُ على المصلين كما هو معلوم مِن حال المجانين.
5-ومِن ذلك المسافر فالجمعة لا تَجب على المسافر، فهي واجبة على مَن كان مقيما في مكان، والعلماء قد اختلفوا في حال المسافر:
منهم مَن قال: إنها تَجِب عليه على الإطلاق.
ومنهم مَن قال: إنه إذا بقي في مكان للقيلولة فإنها تَجِب عليه أو كان مستقِرا في ذلك المكان استقرارا لا يَنوي به الإقامة.
ومنهم مَن قال: لا تَجب عليه مطلقا.
والقول بالوجوب مطلَقا ضعيف، والقول بوجوبها عليه إذا كان ماكثا في مكان ولا يَنوي الاستقرار فيه قولٌ قوي له وجهٌ مِن النظر وتُؤيِّده بعضُ الآثار فلا يَنبغي لِلمسافِر الذي مَكَثَ في مكان أن يَتخلَّف عنها، وقد كان الصحابة الذين يَأتون مِن أمكنة شاسعة إلى المدينة المنورة يُصلّون مع النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-وإن كنّا لا نَقوى على الجزم بِأنها كانت واجبةً في حقِّهم ولكننا نقول: إنّ هذه المسألة لا تَخلو مِن شيءٍ مِن الإشكال. (1/74)
صفحة 75
وإذا صلى هذا المسافر فإنّ صلاته تُجزيه عن الظهر، بِنصّ السنّة الصحيحة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وباتّفاق الأمّة، وإنما الخلاف إذا لم يَأْتِها هل يَكون آثِما بِذلك أو لا ؟ ويَنبغي لِلإنسان أن يُخرِج نفسَه مِن الخلاف في مثل هذه القضايا التي اشتدّ فيها النزاع وليس فيها دليلٌ واضح، فمَن أدّاها فإنه قد أدّى الصلاة ولا إثم عليه بِاتّفاق بِخلاف مَن تَخلّف عنها.
6-ومِن ذلك أن يَسمَع نداءَها، فمَن كان بعيدا لا يَتمكّن مِن سماع النداء بِسبب بُعْدِهِ لا لِمانع مِن الموانع-كصَمَمٍ ونَحوه مِن الضوضاء ونَحو ذلك-فلا تَجِب عليه، أما مَن كان يَسمَع ذلك أو يَتمكّن أن يَسمَع ذلك لولا ذلك المانع الذي مَنَعَه مِن السماع فإنها تَجِب عليه وذلك يُقدَّر:
1-بِمسافة فرسخ.
2-بل ذهب بعضُ أهل العلم إلى أنها تَجِب على مَن بيْنه وبيْن المسجد الذي تُقام فيه مسافةُ السفر وتُقدَّر بِذلك على مذهب هؤلاء العلماء بِفرسخيْن.
والقول الأول هو الأقرب، والثاني فيه سلامةٌ؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
هذه أهم تلك الشروط (1) .
ومِن ذلك شرطُ الإسلام ولكن هذا الشرط شرطُ صحّة، فهو شرطٌ في جميع العبادات، فالكافر لا تصحّ منه عبادة .. لا تصح منه الصلاة ولا الزكاة ولا الصيام ولا الحج وإن كان مخاطَبا بِها وعليه الإثم بِسبب تَرْكِها ويُعاقَب على ذلك يومَ القيامة، كما يَتّضِح ذلك مِن الأدلة التي تَدلّ على أنّ الكفارَ مُخاطَبون بِفروع الشريعة ولكنّ هذا الشرط-كما قلتُ-هو شرطٌ في جميع العبادات؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س:بِالنسبة لِلمرأة قلتُم بِأنه يَصحّ لها أن تُصلِّي الجمعة ويُسقِط ذلك عنها الفرض، في حال نيتها تنويها فرضا ؟
__________
(1) -فقد نَبَّهَ الشيخ فيما بعدُ إلى أنّ مِن الشروطِ الصحّةُ، كما ذَكَرَ بِأنّ الخطبةَ شرطٌ لِصحّة الجمعة. (1/75)
صفحة 76
ج: المرأة إذا خرجتْ مُحتشِمةً مُلتزِمةً بِشرْع الله-تبارك وتعالى-إلى المسجد فإنها تُجزِيها عن صلاة الجمعة (1) ، وبِمجرّد إرادة الدخول تُصبِح فريضةً عليها، لأنها تُجزِيها عن فريضة الظهر، وإلا لو كانت نَوَتْها سنّة أو نافلة أو ما شابه ذلك فهي لا تُجزِيها في حقيقة الواقع، فبِمجرّد إرادة الدخول تَنويها فريضة، لأنها تُسقِط عنها فريضةً أخرى وهي فريضة الظهر .. هذا ما يَتّضِح لي؛ والعلم عند الله.
س: هناك بعضُ الذين ليس لديهم حظٌّ مِن المعرفة يَنوون صلاةَ الجمعة سنّة، فما حكم صلاتهم في هذه الحالة ؟
__________
(1) -يُنظَر مع الشيخ لعلّه قصد أن يقول: " تُجزِيها عن صلاة الظهر " بدلا مِن أن يقول: " تُجزِيها عن صلاة الجمعة ". (1/76)
صفحة 77
ج: إذا كانت النيةُ النيةَ المطلوبة وهي النية القلبية فلا تُجزِيهم، لأنّ صلاةَ الجمعة فريضة بِنصّ الكتاب (1) وصحيح السنّة، فمَن نوى ذلك بِقلبه لا يُجزيه، وأما إذا كان يَنوي صلاة الجمعة الواجبة ولكن تَلفّظ بِلسانه بِأنها سنّة فذلك مِمّا لا بأس به، لأنّ هذه الألفاظ لا عبرة بها .. النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: ( إنما الأعمال بالنيات )، والنية-المقصودة أو-المطلوبة هاهنا هي القصد بالقلْب، أما تلك الألفاظ التي يأتي بها كثير مِن الناس فهي مِمّا لا دليلَ عليه، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - وصحابتُه الكرام-رضي الله تعالى عنهم-لم يَكونوا يَأتون بِشيءٍ مِن هذه الألفاظ، فهذه الألفاظ مُحدَثة، ونحن وإن كنّا لا نقول بِحرمتها ولكننا نقول: إنه لا ينبغي الاشتغال بها بل ينبغي الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ولو كان في الإتيان بها خيْر لأتى بها النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-ولنا فيه الأسوة الحسنة؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: جماعة مسافرة مرّت على مسجد في يوم الجمعة، هل يُصلّون الظهر أم الجمعة ؟
ج: المسافر لا تَجِب عليه الجمعة على الخلاف الذي ذكرناه والقول بعدم وجوبها عليه هو القول المشهور، وعليه فالذي ذهب إليه جمهور الأمّة أنّ المسافرين إذا مرّوا على مسجد فإنهم يُصلّون الظهر وليس لهم أن يُصلّوا الجمعة .. نعم إذا وَجَدوا هنالك جماعةً مُقِيمة فإنه يَنبغي لهم أن يُصلّوا معهم الجمعة بل ليس لهم أن يَتخلّفوا عنهم إذا دخلوا المسجد، أما أن يُقيموا هم الجمعة:
1-فليس لهم ذلك على مذهب الجمهور.
2-وذهبت طائفة مِن أهل العلم إلى مشروعية ذلك.
__________
(1) -قال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } [ سورة الجمعة، الآية: 9 ]. (1/77)
صفحة 78
ولكنّ القول الصحيح هو الأول، فمَن صلاّها جمعةً في الماضي فإنه يُمكِن أن يُترخَّص له في عدم الإعادة، لأنه إما أن يَكون قَلَّدَ بعضَ أهل العلم الذين قالوا بِذلك والمسألةُ ظنية والمسائل الظنية لا يُمكِن أن يُعنَّفَ فيها أحدٌ إذا كان قاصِدا لِلصواب طالِبا لِلحق، وإما أن يَكونوا لم يَعلَموا بِقولِ أحدٍ ولكنّهم يَطلبون الحق ووافَقوا قولاً مِن أقوال أهل العلم فيُمكِن أن يُترخَّص لهم في الماضي، أما في المستقبَل فلا يَنبغي لهم أن يُقيموا الجمعةَ إلا إذا صلَّوْها مع جماعةٍ مُقِيمة، فإذا وَجَدوا طائفةً مِن الناس يُصلُّون الجمعةَ فيَنبغي لهم-كما قلنا ألاّ يَتخلَّفوا عنهم في ذلك.
وكثير مِن الناس يَسألون عن الطلبة الذين يَدرسون-أو يَعملون-في بعض الدول الكافرة، هل لهم أن يُصلُّوا الجمعة ؟ والجواب هو ما أشرنا إليه وهو أنه ليس لهم أن يُقِيموا هم الجمعة ولكن إذا وَجَدوا جماعةً تُصلِّي الجمعةَ فلْيُصلُّوا معهم ولو كانوا في غيْرِ بلاد الإسلام .. هذا هو القول الصحيح، وإن كان بعضُ العلماء يَقول بِخلاف ذلك؛ والعلم عند الله تعالى.
س: المسافرون، هل لهم أن يَجمَعوا مع الجمعةِ العصرَ ؟
ج: في هذه المسألة خلاف بيْن أهل العلم:
ذهبت طائفة مِن أهل العلم إلى أنه ليس لِلمسافِر أن يَجمَع العصرَ مع صلاةِ الجمعة، وذلك لأنّ صلاةَ الجمعة صلاةٌ مُستقِلّة بِنفسِها ولم يَرِدْ عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-ما يَدلّ على جواز جَمْعِ العصرِ معها، ثم إنّ وقتَ الجمعة لا يَمتَد إلى وقتِ العصرِ بل يَنتهي بِمجرد انتهاء وقتِ الظهر فليس لهم على هذا الرأي أن يَجمَعوا العصرَ مع الجمعةِ.
وذهب بعضُ أهل العلم-وهم الأكثر-إلى جواز ذلك.
فمَن شاء أن يَحتاط لِدينه وأن يَأخذ بِالأحْزم وأن يُخرِج نفسَه مِن الخلاف فلا شَكّ أنّ الأوْلى له ألاّ يَجمَع، ومَن جَمَعَ فلا شيءَ عليه بِمشيئة الله تبارك وتعالى؛ والعلم عند الله تعالى. (1/78)
صفحة 79
س: بعضُ المسافرين مِن فرط السرعة يَدخلون المسجد فيَجِدون وقتَ الخطبة لا يَزال طويلا فيُصلّون الظهرَ ثم يَخرُجون مِن المسجد ؟
ج: هذا خطأٌ واضح .. عليهم أن يَتوبوا إلى الله-تبارك وتعالى-مِمّا وقعوا فيه وأن يَرجِعوا إليه - سبحانه وتعالى - وأن يَتعلَّموا أمورَ دِينِهم وألاّ يَرجِعوا إلى مثلِ ذلك مرّة أخرى فيَنبغي لهم أن يُصلُّوا مع الإمام صلاةَ الجمعة، أما أن يَخرُج الواحد مِن غيْرِ أن يُصلِّي مع جماعةِ المسلمين فهذا فيه ما فيه؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: هل هذا الحكم شامل لِلجمعة وغيْرِ الجمعة ؟ لأنّ بعضَ المسافرين قد يَسمَعون أذانَ الظهرِ مثلا ولأنهم مُستعجِلون يَدخلُون .. يُصلُّون الظهرَ والعصرَ مثلا .. يَجمَعون ثم يَخرُجون مِن المسجدِ والجماعةُ لم تُقَمْ بَعدُ.
ج: هذا-حقيقة-مِمّا يَنبغي أن يُشدَّد فيه، لأنّ هؤلاء إما أن يَنتظِروا تلك الجماعة وإما أن يَذهبوا إلى مكانٍ آخر-والمساجد موجودة، والأرض كلها مسجد بِحمد الله تبارك وتعالى-ويُصلُّوا هناك فالوقتُ مُمتَد بِحمد الله تبارك وتعالى، فإن كانوا على عَجَلَةٍ مِن أمرِهم فليُواصِلوا السيْر ثم بعدَ ذلك بِإمكانِهم أن يَأتوا بِالصلاة في أيّ مكان آخر؛ والعلم عند الله.
س: عددٌ مِن المحلات تَظَلُّ مفتوحةً في وقتِ صلاةِ الجمعة، ما هو الوقتُ المُحدَّد لِهذه المحلات في أن تغلق فيه أبوابَها إذا ما حَضَرَتْ صلاة الجمعة ؟ (1/79)
صفحة 80
ج: هو إذا نودي بِصلاة الجمعة فإنه يُمنَع البيع والشراء، فليس لأحد تَجِب عليه الجمعة أن يبيع أو أن يشتري، أو أن يبيع أو أن يشتري مِمّن تَجب عليه الجمعة ولو كان هو ليس مِمّن تَجِب عليه الجمعة .. هذا هو الرأي الصحيح، لأنّ الله - سبحانه وتعالى - قد عَلَّقَ ذلك بِنداء يوم الجمعة (1) .
وبعضُ العلماء ذَهَبَ إلى أنّ البيعَ والشراء يُمنَعان بِمجرّد دخولِ الوقت فإذا دَخَلَ الوقتُ فإنه يُمنَع البيعُ والشراء، وذلك لأنه في ذلك الوقت يَصحّ النداء وتَصحّ الصلاة فإذا دَخَلَ الوقتُ لا يَجوز البيعُ ولا الشراء على حسب ما ذكرناه (2) .
وبعض العلماء قال: إنّ ذلك يُمنَع بِالأذان الأوّل.
والصحيح أنه يُمنَع بِالأذان الثاني وإن كان الأفْضل لِلإنسان أن يَستعِدّ لِلصلاة إذا سَمع النداءَ الأول اللهم إلا إذا كان مُستعِدّا مِن قبلِ ذلك فإننا لا نَقوى على المَنع، لأنّ الله - سبحانه وتعالى - قَد عَلَّق ذلك بِالنِّداء والنِّداء المرَاد هَاهُنا هُو النِدَاء الثاني لأنَّه هُو النداء المعرُوف فِي عهْد النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-أمَّا النِدَاء الثاني فَهُو مُحْدَث .. قَد أُحْدِث في عَهْد عثمان على مَسْمَعٍ ومَرْأى مِن صحابة رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-لِمَصْلحةٍ رَأَوْها ولَعَلَّهم-أَيْضًا-استَنبَطُوا ذَلِك مِن النِّداء الأول لِصَلاة الفجر؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
__________
(1) -قال الله - سبحانه وتعالى - : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } [ سورة الجمعة، الآية: 9 ].
(2) -أي ليس لأحد تَجِب عليه الجمعة أن يبيع أو أن يشتري، أو أن يبيع أو أن يشتري مِمّن تَجب عليه الجمعة ولو كان هو ليس مِمّن تَجِب عليه الجمعة. (1/80)
صفحة 81
س: في الآية [ 10، من سورة الجمعة ]: { فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ ... } .. هُنَاك مَن يَقُومُ بِقِرَاءة كِتاب مُعيّن يَتدَارَسه مَع مَجْمُوعَة مِن النَّاس بَعْد صَلاة الجمعة مُبَاشَرَة، هل يَصِحُّ هَذَا ؟
ج: أمَّا إذا كَانَ هَذَا الكِتاب كِتابا عِلْمِيا كَكُتُبِ الفقه أو النَّحو أو العقائد أو ما شابه ذَلِك فَلا مَانِع مِن ذَلِك، لأنّ مَنْ شَاءَ أن يَحْضُر ذَلِك الدرس فإنه سَيَحْضر وَمَن شَاء أن يَخْرُج فَلا يَحضُر، فَهُو لا عَلاقَة لَه بِصَلاةِ الجمعة، ولَكنّ بَعض الناس يَقُومُون بِالخطَابَة قبْلَ صَلاةِ الجمَعَةِ أو بَعْدَهَا .. يَقُوم الواحد مِنْهم يَخْطُب خُطْبَةً يُنَبِّه فِيها على بَعْضِ الأمور أو مَا شَابَه ذَلك فهذا لَيْسَ بِمَشْرُوع، لأَنه خِلاَف هَدْي النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فَمَن أرَاد أن يُنَبِّه على بَعضِ الأمور المطْلُوبَة أو الممنوعَة فليَأْتِ بِذلك في خُطْبَة الجمعة إذَا كان هُو الخطِيب، أما إذا كَان الذي يَخْطُب شَخْصًا آخر فَلْيَطْلُب مِنْه ذَلك، أمَّا أن يَقُومَ بِالإتيانِ بِخُطْبَةٍ أخْرَى قَبْل خُطْبَة الجمعَة أو بَعْدَ الصَّلاة-أو مَا شابه ذَلِك-فَهَذَا مِمّا يَنْبَغِي أن يُنْهَى عَنْه لِخِلافِه لِهَدْي النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
س: إذن في رَأْيِكم: { ... فَانتَشِرُوا ... } لاَ يُفِيد الوُجُوب ؟
ج: لا .. هو لاَ يَدُلُّ على الوُجُوبِ إطْلاَقًا، ونَحْنُ عندما قُلْنَا بِعَدَم الخُطْبَة لَيْس لأجل هَذَا، وإنَّما لِمخالَفة ذَلِك لِهَدي النبي - صلى الله عليه وسلم - .
س: بِالنسبة لِفَرْضَية صَلاة الجمعة على الإنسان، هَلْ تُصْبِح فريضةً عليه بِمُجَرَّد طُلُوعِ فَجْر يَوْمِه بِحَيْث لا يَصِح لَه أن يُسَافِر في ذَلِك اليَوْم أم له أن يُسَافر ؟ (1/81)
صفحة 82
ج: له أن يُسافِر ولكن لَيْسَ لَه أن يُسَافِر إذَا نُودِي لِصلاة الجمعة فإذا نُودِي بِالأَذَان الثاني-وهُو الأذان المعْرُوف في عَهْد النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-فَلَيْسَ لَه أن يُسَافِر في ذَلك الوَقْت اللهُم إلا إذا كان يُسَافِر إلى مَكَان آخر تُقَام فِيه الجمعة ويُصَلِي الجمعة هُنَاك، فإن كان يُصَلّي الجمعة هُناك فلا مَانِع مِن ذَلك، و-كَذلك-إذا كَانَت هُنَالِك ضَرُورَة مُلِحَّة بِأَن-مثلا فِي عَصْرِنا هَذَا-يُرِيد أن يَذْهَب إلى مَكَان بَعِيد وهو بِحَاجَة إلَيْه وتُقْلِع الطَائِرة في ذَلَك الوَقْت فَهُو مُضْطَر في مِثْل هَذِهِ الحالة أن يَخْرُج فَيُبَاح لَه الخرُوج في مِثل هَذه الحالة، أمَّا قَبْل-ذَلك .. أيْ قَبْل-النِّدَاء فَلا مَانِع مِن ذلك.
وإن كان بَعض العلماء قَالَ: إنّ ذلك يُمنَع إذا حَضَرَ الوَقْتُ.
وبَعْضُهم قَالَ: إذَا نُودِي بِالأَذَان الأوَّل.
ولَكِنّ الصَحِيح-كَمَا قَدمْنَاه فِي مَسْأَلَة البَيْع والشِرَاء أنّ ذلك يُمنَعُ بِالأَذان الثاني. (1/82)
صفحة 83
وَبَعْضُ العلماء كَرَّهَ أن يَخْرُج الإنسان بَعْدَ طُلُوع الشَّمْس، وَهَذَا فِيه مَا فِيه، ذَلِك لأنّ الكَرَاهَة حُكْمٌ شَرْعِيٌ مِنَ الأحْكَامِ الخمْسَة المعْرُوفة وليْسَ لِلإنسان أن يَحْكُم بِحُكْم شَرْعِي إلا إذا كَانَ هُنَالِك دَليل يدُلُّ عَلَى ذَلِك الحكم .. نَعَم إذَا كَانَ يَقُول قَائِل: " إنّ ذَلِك مِن بَاب الأوْلى والأحْسن " فَذَلِك لا بَأْسَ بِه، وهُنالك فَرْق بَيْنَ الأوْلى وبَيْن القَوْل بِالنَّدب أو بَيْن القَوْل بِالكَرَاهَة، وبَعض الناس يَتَجَوَّزُون وذَلِك التَّجَوُّزُ لَيْسَ مِمَّا يَنبَغِي، فَفَرْق شاسِع بيْن النَّدْب وبَيْنَ الأوْلى، أو بَيْنَ " لا يَنبَغِي " وبَيْن الحكم بِالكَرَاهَة، فالحكْمُ بِالكَرَاهَة لا دَليل عَلَيْه، أمَّا أن يَقُولَ قَائِل: " إنّ الإنسان إذا كَان يُمِكنه أن يَتأخّر فالأوْلى له أن يَشهَد الجمعة ويَستفِيد مِن تلك الخطبة التي يَأتي بِها ذلك الخطيب ويَجتمِع بِالمسلمين " فذلك فيه خيْر وبركة بِمشيئة الله؛ والعلم عند الله.
س: نعود مرة أخرى إلى شروط وجوبها ذكرتُم بِأنها بِمجرّد أن يَسمع الإنسان النداء .. الآن ربما يَستمِع هؤلاء النداء لكنهم يَستمِعونه عن طريق الإذاعة أو عن طريق التلفزيون والمسجد يَبعُد عنهم أكثر مِن مسافة السفر، فهل تَجِب عليهم في هذه الحالة ؟
ج: لا .. قد يَسمَع الإنسان النداءَ هاهنا مِن مكّة المكرّمة أو مِن أيّ بلدٍ آخر-وإن كان هذا الوقتُ متأخِّرا ولكن لا زال الوقتُ باقيا لكن قد يَكون ذلك في بلدٍ مُتقدِّمة-فهل يُقال له لابد مِن أن يَخرُج ؟! لا .. إذا كان يَسمَع ذلك مِن غيْر هذه الواسِطة أو كان مِمّن يُمكِنه أن يَسمَع لولا ذلك المانع الذي مَنَعَه مِن السماع. (1/83)
صفحة 84
ومِمّا يَنبغي أن نُنبَّه إليه-أيضا-مِن الشروطِ الصحّةُ، فإذا كان الإنسانُ مريضا لا يَقوى على الخروج إلى الجمعة فمِن المعلوم أنها لا تَجِب على المريض، وقد نصّ الحديث على ذلك إن صحّ، وحتّى على تقديرِ عدم صحّتِه فإنّ المريض الذي لا يَستطيع أن يَذهب إلى الجمعة فإنه معذور؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: الذين تَجِب عليهم لِكونهم قَريبِين مِن الجامِع الذي تُصلَّى فيه الجمعة ويَسمَعون النداءَ-كذلك-لكنّهم مع ذلك لا يَذهبون فيُصلُّون الظهرَ، ما حكم صلاتِهم ؟
ج: صلاتُهم باطلة، ذلك لأنه يَجِب عليهم أن يَحضُروا الجمعةَ مع المسلمين وأن يُصلُّوا معهم، لأنّ الله-تبارك وتعالى-أَمرَهم بِالسعي إليها (1) ، ولأنّ الرسول-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-أَمرَهم بِذلك بل وشَدَّد في ذلك غايةَ التشدِيد حتى قال: ( لَيَنْتَهِيَنَّ أقوامٌ عن وَدْعِهِم الجمُعات أو لَيَخْتِمَنَّ الله على قلوبِهم ثم لَيَكُوننَّ مِن الغافلين )، فمَن سَمع النداءَ أو كان في موضعٍ يُمكِنه أن يَسمَع النداءَ-أو كان دُونَ الفَرْسَخَيْن على رأي مَن يَقول بِوجوب الجمعة عليه-فإنه يَجِب عليه أن يَذهب إليها، وليس له أن يَتخلَّف عنها، وإذا تَخلَّف عنها فهو آثِم .. عليه أن يَتوب إلى الله ولابد أنه سيُصلِّي الظهرَ في ذلك الوقتِ ولكن إذا صلاها قبلَ الجمعةِ فإنّ صلاتَه باطلة على رأي كثرةٍ كاثرة مِن أهل العلم .. عليه أن يَتوب إلى ربِّه وأن يَقوم بِإعادة تلك الصلاة .. إن تَمكَّن بِأن يَأتِيَ بِها مع المسلمين .. أن يُصلِّيها جمعةً فذلك هو الواجب وإن لم يَتمكَّن فلا مَحيص مِن أن يَأتِيَ بِها ظُهرا؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
__________
(1) -قال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } [ سورة الجمعة، الآية: 9 ]. (1/84)
صفحة 85
س: ما حكم الأذان في المساجد المجاوِرة لِجامِع الجمعةِ ؟
ج: أما إذا كان يُؤذَّن لِصلاة الظهر فذلك لا يَصح بل هو بِدعة مِن البِدَع، وأما إذا كان يُنادى بِذلك لِصلاةِ الجمعة بِأن كان ذلك المسجد مُمتلِئا لا يَتّسِع لِلمصلِّين فيَضطَر بعضُ الناس أن يُقِيموا جُمعةً أخرى ولكن ذلك بعد أَخْذِ الإذنِ بِذلك فيَصحّ ذلك لأجل الضرورة الملحة وإلا فإنّ الأصل الأصيل ألاّ تَتعدَّد الجمعة في المكان الواحد أبدًا وإنما يُشرَع التعدُّد في حالة الضرورةِ الملِحَّة وذلك بِما إذا كان لا يَتمكَّن الناسُ بِأن يُصلُّوا في ذلك المسجد لِكثرتِهم مثلا.
وبعضُ الناس يَسأل: هل تُصلِّي الجماعةُ الأولى الأصلية أوّلا ثم تَأتي الجماعة الثانية إذا كان المسجد لا يَتَّسِع لها وتُقيمُ الصلاةَ بعدَ ذلك في ذلك المسجد ؟ والجواب: لا .. هذا هو الذي ذهب إليه جمهور الأمّة، فلا يُمكِن أن تَتعدَّد الجمعةُ في مسجدٍ واحد، فمَن لم يَتمكَّن-لِهذا السببِ أو لِغيْره مِن الأسباب كأن يَكون قد تَأخَّر عن الصلاة لِسببٍ مِن الأسباب مِن نوم أو جاء مِن طريقٍ بعيدة أو ما شابه ذلك-فإنه ليسَ لهم أن يُقِيموا الجمعةَ في ذلك المسجد .. هذا هو الحق؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: دون الفرسخين يعني قبل اثني عشر كيلومترا تقريبا ؟
ج: بِالتقريب.
س: ما حكم خطبة الجمعة ؟
ج: الله أعلم؛ خطبةُ الجمعة اختلَف فيها أهل العلم:
منهم مَن قال: هي جزءٌ مِن الصلاة.
ومنهم مَن قال: هي شرْطٌ لِصحّة الصلاة.
ومنهم مَن قال: هي سنّة لِلصلاة.
وعليه:
1-فمَن يَقول: " هي جزءٌ أو شطْرٌ مِن الصلاة " فمَن لم يَحضُر خطبةَ الجمعة فليس له أن يُصلِّي الجمعة فعليه أن يُصلِّي ظُهرا، فمَن جاء متأخِّرا .. مثلا بعد انتهاء الخطبة ولو كان قبل تكبيرة الإحرام فليس له أن يُصلِّيَ الجمعة.
2-ومَن قال: " هي شرطٌ لِصحّة الجمعة " فإنّ مَن جاء: (1/85)
صفحة 86
1-قبل قيام الإمام مِن الركوع مِن الركعة الثانية على رأي.
2-أو قبل السلام مِن الصلاة على رأي آخر-والأولُ هو الأقرب إلى الصواب-فإنه يُصلِّي الجمعة ولكن إن لم يُخطَب لِلجمعة فإنه ليس لهم أن يُصلُّوا الجمعة، إذ إنّ مِن شرطها أن تكون بعد خطبة.
3-ومَن قال: " هي سنّة " فإنه يَقول: لا يَنبغي التفريط بِالخطبة ولكن إذا صَلَّت الجماعة مِن دون خطبة فإنّ صلاتَهم تلك صحيحة.
والقول الثاني هو القول الصحيح، فالخطبة شرطٌ لِصحّة الجمعة فإذا صلّت الجماعة مِن غيْر خطبة فإنّ صلاتَهم تلك تُعتبَر باطلة، أما مَن جاء قبل قيام الإمام مِن الركوع مِن الركعة الثانية فإنّ صلاته تلك صحيحة. (1/86)
صفحة 87
والدليل على شرْطيتها أنّ الله - سبحانه وتعالى - أَمَرَ بِالسعي إليها (1) والأمر يُفيد الوجوب، فذلك دليل على وجوبِها، والرسول-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-أَمَرَ بِالإنصاتِ لِلخطيب ونَهى عن الكلام بل حتّى على ما هو أقل مِن الكلام كتَقليبِ الحصى-كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح-وذلك دليل على وجوبها، و-أيضا-قد واظَب عليها النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-طيلة حياته ولم يَتركها ولا مرة واحدة أو يُبيِّن لِلأمّة أنها ليست بِواجبة ولو كان غيْر واجبة لَتركها ولو مرة واحدة أو لأفْصَح بِلسانه بِأنها لا تَجِب أمَا وأنه قد واظَب عليها طِيلة حياته ولم يُبيِّن أنها لا تَجِب فلا مَحيص مِن القول بِوجوبها، فلا يَجوز لِلجماعة أن تُصلِّيَ الجمعة مِن غيْر خطبة، ومَن صلاها قبل ذلك بِغيْر خطبة فإنّ صلاتهم باطلة .. عليهم أن يَتوبوا إلى الله وأن يُعيدوها ظُهرا اللهم إلا إذا كانوا يُقلِّدون مَن يَقول بِخلاف ذلك ومع ذلك فإنّ ذلك ما كان يَنبغي لهم فإنّ أولئك لم يَقولوا بِالتساهل بِذلك بل قالوا: " إنّ ذلك مِن السنن التي لا يَنبغي تَركها " ولكن مع ذلك-على هذا الرأي-لا يُطالَبون بِإعادة الصلاة ولكن في المستقبَل لا مَحيص مِن الخطبة؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: هل لِهذه الخطبة-أيضا-شروط معيّنة ؟
ج: هي لابد أن تَكون فيها موعظة لأنّ هذا هو الأصل في الخطبة، ولِلعلماء خلاف طويل في شروط خطبة الجمعة:
منهم مَن قال: إنه ليست هنالك شروط لهذه الخطبة وإنما ينبغي أن يأتي بما يَنطبق عليه اسم " الخطبة " وهي الخطبة المعروفة التي فيها الأمر بِالخيْر والدعوة إليه والموعظة الحسنة.
__________
(1) -قال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } [ سورة الجمعة، الآية: 9 ]. (1/87)
صفحة 88
ومنهم مَن قال بِاشتراط بعض الشروط، واختلفوا في ذلك:
1-ومِن جملة تلك الشروط التي اشترطها بعضُ أهل العلم أن تكون الخطبة مشتمِلة على حَمْدِ الله-تعالى-والثناء عليه، وذلك لأنّ هذا هو المعروف في خُطَبِ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولكنّ الصحيح أنّ هذا لا يَصِل إلى درجة الشرْطية وإن كان لا يَنبغي التهاون بِذلك بِحال مِن الأحوال.
2-ومِن ذلك الصلاةُ على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذا-أيضا-لا دليل على شرْطيته ولكن لا يَنبغي التهاون بِذلك.
3-ومِن ذلك أن يَأتي بِشيءٍ مِن القرآن الكريم، وهذا وإن كان لا يَصل-أيضا-إلى درجة الشرْطية على الصحيح ولكن لا يَنبغي التهاون بِذلك بل كان النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-يَأتي في بعضِ خُطَبِه بِسورة " ق " بِأكملها في الخطبة وإن كان لا يَجتزي بِذلك كما فَهمَ بعضُ الناس، إذ ذلك لا يُسمّى " خطبة ".
4-ومِن ذلك الأمر بِالتقوى .. هو طبعا لا يُراد الأمر بِالتقوى أن يُؤْتَى بِهذا اللفظ وإنما بِما يَدلّ على ذلك، وعلى كل حال لابد أن تَكون الخطبة مشتمِلة على شيءٍ مِن ذلك.
5-ومِن ذلك أن تكون في الوقت الذي تَصحّ فيه الجمعة، ولِلعلماء خلافٌ طويل في ذلك، والقول الذي ذهب إليه الجمهور هو أنّ وقتَ الجمعة هو وقتُ صلاةِ الظهر .. أي بعد زوال الشمس.
6-وأن يَحضُر الخطبةَ العددُ الذي تَصحّ بِه الجمعة، وفي ذلك خلافٌ طويل بيْن أهل العلم، وقد ذهب غيْر واحد مِن المُحَقِّقِين إلى أنه لابد مِن حضور اثنين مع الخطيب، وأما ماعدا ذلك فإنه لا دليل عليه، لأنّ بعضَ ذلك مأخوذٌ مِن بعض الأفعال وتلك الأفعال واقعةُ حال وذلك مِمّا لا يُمكِن الاستناد إليه في مثل هذه القضايا، وبعضُ ذلك مستنِد إلى بعض الأحاديث الضعيفة والضعيف لا وَزْنَ له في مثل هذه القضية. (1/88)
صفحة 89
فإذن لابد أن تكون الخطبة مشتمِلة على ما ذكرناه، أما تلك الشروط التي اشترَطها بعضُ أهل العلم فمِمّا لا دليل عليه؛ والعلم عند الله.
س: أثناء خطبة الجمعة قد يُخطِئ الخطيب في آية أو في حديث .. التصحيح عليه في وقت الخطبة، يَصحّ ؟
ج: أما إذا أخطأ في آية فإن كان يُمكِن أن يُنَبَّه في ذلك فإنه يُنَبَّه إلى ذلك. (1/89)
صفحة 90
وهكذا إذا أخطأ-مثلا-في حكم شرعي بِأن قال بِوجوب أمر وهو ليس بِواجب بل هو حرام مثلا، خِلافا لِمَن ادّعى بِأنه لا يُمكِن أن يَختلِف العلماء في مسألة .. بعضهم يَقول بِوجوب أمرٍ والآخر يَقول بِحرمة ذلك، وإنما بَعضهم يَقول بِالوجوب وبعضهم بِالإباحة أو الكراهة أو بعضهم بالتحريم وبعضهم بالندب .. هذا خلافٌ واقِع، ومَن نَظَرَ في شيءٍ مِن كتبِ الفقه عَلِمَ أنّ هذه الدعوى لا أصل لها، فإذا أخطأ في حكمٍ شرعي .. قال بِوجوب أمرٍ وهو ليس بواجب أو بِحرمة شيءٍ وهو ليس بِحرام أو ما شابه ذلك مِن الأحكام فإنه لابد أن يُرَدَّ عليه ولكن الذي يَنبغي أن يُنتبَه إليه أن يَكون هذا الحكم مِن الأحكام المُتَّفق عليها، أما إذا كان ذلك الخطيب يَأخذ بِقولٍ مِن أقوال أهل العلم أو كان هو نفسُه مُجتهِدا يَقول بِوجوب ذلك الأمر وبعضُ العلماء يَقول بِحرمة ذلك الأمر-مثلا-أو بِإباحته أو بِندبيته أو كراهته أو ما شابه ذلك فإنه ليس لأحد أن يَقوم ويَرُدَّ على ذلك الخطيب، لأنّ ذلك الخطيب هاهنا لم يُخطِئ وإنما تَعمَّدَ أن يَذْكُرَ ذلك لأنه يَرى إن كان مِن أهل الرأي أو يُقَلِّدُ مَن يَقول بِوجوب ذلك الأمر فكيف لأحد يَقوم يناقضه في مثل تلك القضية ؟! وإلا لأمكَن أن يَقع ذلك في أوقات متعدِّدة بل لأمكن أن تَعترِض جماعةٌ كبيرة .. الخطيب يَقول مثلا بِوجوب هذا الأمر فيَقوم قائل يَرُدُّ عليه .. يَقول له: " هذا حرام " لأنه يَرى ذلك أو يُقَلِّدُ مَن يَقول بِذلك وآخر يَقول: " هذا مكروه " وما شابه ذلك .. لا .. لابد أن يَكون ذلك الأمر مِن الأمور المُتَّفَق عليها بيْن أهل العلم، ومَن لم تَكن له دِراية بِالمُتَّفَقِ عليه والمُخْتَلَفِ فيه بيْن أهل العلم فيَنبغي له أن يَسكُت ويَكِل الأمر إلى غيْرِه؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم. (1/90)
صفحة 91
وهكذا بِالنسبة إلى الأحاديث .. قد يَأتي ذلك الخطيبُ-مثلا-بِحديثٍ ضعيفٍ في رأيِ بعضِ الناس وهو ليس كذلك أو ما شابه ذلك فليس لأحد أن يَقومَ ويَعترِض على ذلك، أو يَأتي الخطيب بِروايةٍ بِالمعنى أو يَكون ذاك الحديث جاء بِألفاظ مُتعدِّدة أو ما شابه ذلك .. لا يُمكِن لأحدٍ اطَّلَع على لفظٍ مِن الألفاظ فيَقوم يُخطِّئ ذلك الخطيب لأنه لم يَأتِ بِذلك اللفظ الذي يَحفظه هو أو ما شابه ذلك، وإنما ذلك في الأمور التي لا يُمكِن أن يَقع فيها خلافٌ .. كما قلتُ أن يَكون في حكمٍ شرعي مُتَّفَقٍ عليه بيْن المسلمين ويَكون ذلك الخطيبُ زَلَّتْ لِسانُه مَخافة أن يَنتشِر ذلك الكلام-وهو ليس بِرأي في حقيقة الواقع-بيْن الناس ويَعمَل بِه بعضهم فيَقعون بِذلك في المَحظُور والعياذ بِالله تبارك وتعالى، أو أن يُخطِئ في كتابِ الله-تبارك وتعالى-أو ما شابه ذلك.
وهكذا بِالنسبة إذا أخطأ في وجهٍ إعرابي أو ما شابه ذلك .. لا يُمكِن الرَّدُّ عليه في مثل ذلك، لأنّ الخطبةَ لا تَتأثَّر بِه و-أيضا-لا يَتأثَّر بِه اعتقادٌ أو ما شابه ذلك؛ والعلم عند لله.
س: هذا التصحيح في الأقوال المُتَّفَقِ عليها يَكونُ وقتَ الخطبة أم يُفضَّل أن يَكون بعد تسليمة الإمام مَنْعًا لِلإحراج مثلا ؟
ج: إذا كان يُعلَن ذلك .. بِأنّ ذلك مِن الأمور التي زَلَّ فيها لسانُ ذلك القائل وبعدَ ذلك قد لا يَعرِف أولئك الناس، وأما في بعض الأحيان فيُمكِن أن يُنَبِّه ذلك الخطيب بعدَ السلام مباشَرة ويُعلِن ذلك الخطيب بِأنه قد زَلَّتْ لسانُه وأخطأَ في المسألة الفلانية .. مثلا قال بِحرمة أمرٍ وهو ليس بِحرام أو ما شابه ذلك، فإذا أمكنَ ذلك فهذا لا شَكّ بِأنه أوْلى وأسْلم.
س: ما هي الطريقة المناسِبة لِتنبِيه الخطيبِ في مثل هذه الأحوال التي نادِرا ما تَحدُث على أيّة حال ؟ هل يَذهب إليه لِيُسِرَّه في أُذنه أو شيءٌ مِن هذا القبِيل ؟ (1/91)
صفحة 92
ج: إذا كان-طبعا-ذلك بعد الصلاة فإما أن يَكون بِذلك أو بِواسطة ورقة أو ما شابه ذلك ويَكون بِلفظٍ مناسِب: " لعله زلَّ لسانُكم-أو سَبَقَ لسانُكم-إلى كذا " أو ما شابه ذلك، ويُنبِّهه بِأنه يَنبغي أن يُنَبِّهَ الناسَ مِن قبلِ أن يَخرُجوا مِن الصلاة، و-بِالطبع-هذا لا يَقع إلا في حالات نادِرة؛ والعلم عند الله.
س: ما حكم الاتكاء على العصا ونحوها في الخطبة ؟
ج: على كل حال؛ هذا قال بِمسنونيته بعضُ أهل العلم، ولكنّ الذي يَظهر لي أنّ الأحاديث التي احتَجّ بِها هؤلاء لا تَصِل إلى مرتبة القَبول فهي مِن الضّعف بِمكان .. نعم صَحَّحَ حديثا واحدا منها بعضُ أهل العلم ولكنه لا يَصِل إلى تلك المرتبة فيما يَظهر لي، ثم إنّ الظاهِر مِن حال ذلك الحديث أنه قبل أن يُصنَع المِنبر لِلنبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-عندما كان يَخطُب على الجِذع، أما بعد ذلك فإنّ تلك الأحاديث التي استدلّوا بِها لا تَثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ولكنّني أُريد أن أُنَبِّه إلى أنه لا يَنبغي الإنكار على مَن خَطَبَ على عصا أو ما شابه ذلك.
نَجِد كثيرًا مِن الناس إذا سَمعوا مِن بعضِ أهل العلم بِأنّ الأمرَ الفلاني لم يَثبت عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، كَمِثل هذه القضية-يُبادِر بِالإنكار على مَن يَصنَع ذلك، وهذا مِمّا لا يَستدعي الإنكار لأنّ ذلك-أيضا-ليس بِممنوع، فمثل هذه القضية الأمرُ فيها سَهل .. بعضُ القضايا تكون مقصودة وهذه يَنبغي أن يُنَبَّهَ عليها ولكن بِما يَتناسَب مع حال ذلك المُنَبَّه ومع حال هذا المُنَبِّه أيضا، لأنّ الناس يَختلِفون في المَراتِب بيْن عالِم وجاهِل وصغير في السِّن وكبير إلى غيْر ذلك، فلابد مِن أن يَكون ذلك يَتناسَب مع حال المُنَبِّه ومع حال المُنَبَّه. (1/92)
صفحة 93
أما هذه القضية .. إذا خَطَبَ رجُل وكان في يَده عصا أو ما شابه ذلك فلا بأس عليه لكن بِما أنّ السنّة لم تَثبُت بِذلك لا نقول: " إنّ ذلك سنّة "، و-أيضا-لا شَكّ أنه إذا كان الإنسان لا يَحتاج إلى ذلك ولم تَثبُت به السنّة فلا داعِي إلى ذلك لكن-كما قلتُ-لو أَخَذَ الإنسان عصا لا يُنكَر عليه؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: على اعتبار أنّ العصا في بعض الأحيان جزء مِن تقاليد ... ؟
ج: فَالحاصِل ذلك مِمّا لا مانِع منه، ولكن فرقٌ بيْن أن نَقول: " هذا سنّة " أو نقول: " ذلك مِمّا لا مانِع منه " و-أيضا-ليس كل ما لم يَفعله النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-يُقال فيه: " بِدعة " فالبِدعة يَنبغي أن تُضبَط بِضابِط، ويُمكِن أن يَكون ذلك في وقتٍ آخر في غيْر هذا اليوم، لأنّ كثيرا مِن الناس إذا رَأَوْا شيْئا قالوا عنه: " هذا بدعة " فليس كل ما لم يَفعَله النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-يَكون بِدعة، بل تارةً يكون بِدعة وتارةً لَم يَستخدِمه لأنّ ذلك مِن الأمور التي لم تَكن له حاجة إليها أو ما شابه ذلك، فالحاصِل هذه المسألة لابد مِن أن تُضبَط وأن تُحرَّر حتى لا يَلتبِس الأمر على كثير مِن الناس الذين لا دِراية لهم بِشرْع الله تبارك وتعالى.
س: ما حكم الخطبة بِغيْر العربية لِلمسلمين الذين لا يَنطِقون بِها ؟
ج: هذه المسألة وقع فيها خلافٌ بيْن أهل العلم:
1-منهم مَن قال: إنّ الخطبة-وأعني بِذلك خطبةَ الجمعة-لابد مِن أن تَكون بِالعربية، لأنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-وخلفاؤه الراشدون كانوا يَخطبون بِالعربية، فلابد أن تَكون الخطبة بِالعربية ولكن يُمكِن أن تُفسَّر بعدَ ذلك بِلُغَة أولئك القوم .. إما أن تَكون جُملةً بعد جُملة أو أن تَكون بعد ذلك. (1/93)
صفحة 94
2-ومِن أهل العلم مَن ذَهَبَ إلى أنه لا مانِع مِن أن تَكون الخطبةُ بِغيْر العربية بِشرْط أن يَقرأ القرآن بِاللغة العربية-وهذا لابد منه في حالة الخطبة وفي حالة غيرها .. القرآن لا يُمكِن أن يُقرأ بِغيْر اللغة العربية، وإنما تُفسَّر معانيه بِغيْر اللغة العربية-وكذلك إذا أَمكَن أن يَأتِيَ بِالحمدلة والصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-لأنّ الناس ولو كانوا مِن غيْر العرب غَالِبًا مَّا يَعلَمون هذه الألفاظ.
وهذا القول الثاني هو القول الصحيح، فبِإمكانِه أن يَخطُب بِغيْر اللغة العربية .. نعم إذا كان هنالِك عَرَب وكان هنالك غيْرهم فلْيَجْمَع بيْن الأمرين، وذلك لأنّ المقصود مِن الخطبة الموعظةُ الحسنة .. المقصود منها الأمرُ بِالمعروف والنهيُ عن المنكر والدعوةُ إلى الخير، فإذا كان هؤلاء القوم الذين يَحضُرون خطبةَ الجمعة لا يَفقهون شيئا مِن اللغة العربية فكيف يُمكِن أن يَستفِيدوا مِن تلك الخطبة، فهم لا يَستفِيدون منها شيئا.
أما ما ذَكَرَه بعضُهم مِن أنّ الخطيب يَخطُب بِاللغة العربية حتى يَعرِف الناسُ أَهميةَ اللغة العربية ويَقوموا بِتَعلُّمِها فهذا لا يَقع في كثير مِن الأحيان .. كثير مِن أولئك الناس لا يُمكِنهم أن يَتعلَّموا العربية البتّة. (1/94)
صفحة 95
وأما ما كان يَصنَعه النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-مِن الخطبة بِاللغة العربية فذلك لأنّ ذلك لسان أولئك القوم والنبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-عربي والذين يَحضُرون خُطبتَه عَرَبٌ فلا يُمكِن أن يَخطُب بِغيْر اللغة العربية (1) .. أوّلا النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يَنطِق بِشيءٍ مِن اللغات غيْر العربية، ثم حتّى لو كان الأمرُ كذلك لَمَا كان هنالِك داعٍ وإلا لأمكَن أن يَأمُرَ بعضَ الصحابة بِأن يَقوموا بِترجَمة ألفاظه إلى غيْر العربية ولكن ما كانت هنالك حاجة، وكذلك في عهد الخلفاء الراشدين، بل في البلاد العربية إلى يومنا هذا ليستْ هنالِك حاجة إلى الخطبة بِغيْر اللغة العربية، فإذن ذلك يُناط بِالحاجة .. إذا كانت هنالِك حاجة لا مانِع مِن الخطبة بِغيْر العربية بل ذلك هو المطلوب إذا كان أولئك القوم لا يَعرِفون العربية .. هذا هو الرأي الصحيح في هذه القضية.
س: في وقت خطبة الجمعة قد يَعطس أحدهم، أو يَدخل أحدهم-أيضا-فيُسلِّم، وهناك-أيضا-الدعاء الذي يَدعو بِه الإمام، والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - .. هل تَصحّ كل هذه الحالات ؟
ج: هذه الأمور فيها خلافٌ بيْن أهل العلم، وتَحتاج إلى شيءٍ مِن التفصيل، والوقتُ لا يَكفي لِذلك فيما أحسب، ولكنّني أَختصِر الكلامَ في هذه القضايا، ولعلّنا نَتكلّم على ذلك في مناسبةٍ أخرى إذا قَدَّرَ الله - سبحانه وتعالى - ذلك.
أما الصلاةُ على النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-فنعم يُصلَّى عليه ولكنّ المصلِّي يُصلِّي بِصوتٍ خافِت حتّى لا يُشغِل غيْره.
وأما بِالنسبة إلى رَدِّ السلام:
فمنهم مَن قال: يَرُدُّ السامعُ السلام.
ومنهم مَن قال: لا يَرُد، لأنّ ذلك الذي سَلَّمَ لا حَقَّ له في الرد.
وهذا القول الذي ذَهَبَ إليه غيْر واحدٍ مِن المُحَقِّقِين.
__________
(1) -أُضيفَ: " بِغيْر اللغة العربية " لِلإيضاح. (1/95)
صفحة 96
وهكذا بِالنسبة إلى حالةِ تَشميتِ العاطِس، فينبغي لِمَن عَطس على رأي مَن يَقول بِالحمد أن يَحمد بِصوتٍ خافِت، ولا يَنبغي الاشتغال بِالرَّدِّ عليه وبعدَ ذلك أن يَرُدَّ ذلك العاطِس أيضا على مَن شَمتَه.
وأما بِالنسبة إلى التأمين على دعاء الخطيب فلا مانع مِن ذلك، لأنّ ذلك الخطيب في ذلك الوقتِ يَدعو والمراد مِن ذلك استجابة ذلك الدعاء فلا مانع مِن التأمين عليه لكن لو احتاط إنسان وخَرَجَ مِن الخلاف في مثل هذه القضية مَخافةَ الوقوعِ في المَحظور فلا بأس عليه بِمشيئة الله.
وهنا أُنَبِّهُ على تَحية المسجد في وقتِ الخطبة فذلك مِمّا ثبت عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-فلا يَنبغي التهاون بِمثل ذلك، فالإنسان إذا ورد حديث عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-وكان صحيحا ثابِتا عنه عليه أن يَأخذَ بِذلك الحديث.
ولا يَلتفِت إلى قولِ أيِّ عالِم مِن العلماء خالَف ذلك لِعدم اطِّلاعِه عليه أو لِتأوُّلِه لَه أو ما شابه ذلك، فإننا مُخاطَبون بإتباع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم .. نعم علينا أن نَحترِم علماء المسلمين وأن نَلتمِس لهم العُذر في مثل هذه القضايا فإنهم لم يَتعمَّدوا أن يُخالِفوا حديثًا عن رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-ولكنه لعلّه لم يَبلُغهم أو بَلَغَهم مِن طريقٍ لا تَقوم بِها الحجّة أو ظنّوا أنه منسوخ أو أنه خاص بِقضية مِن القضايا أو ما شابه ذلك مِن المعاني المعروفة، ففرق بيْن الاحترام وبيْن الالتزام بِما ثَبَتَ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
فمَن دَخَلَ المسجد في وقتِ الخطبة فلْيُحَيِّ المسجد بِركعتيْن خفيفتيْن. (1/96)
صفحة 97
ولكنّ بعضَ الناس ابتدعَ فيَقومون عندما يَجلس الإمام بيْن الخطبتيْن فيَقومون بِتأدية ركعتيْن وهذه بِدعة يَنبغي النهي عنها.وكذلك بعضُهم عندما يَشرَع الخطيبُ في الخطبة يَقوم ويُصلِّي ركعتيْن وهذه بِدعة يَنبغي النهي عنها؛ والعلم عند الله تبارك وتعالى.
س: هل يَصحّ الكلامُ في وقتِ الخطبة إذا كانت هناك مصلحة كأن يَأمر أحدُهم أحدًا بِإغلاق الباب أو بِإطفاء المكيف أو بِإطفاء المروحة أو ما شابه ذلك .. مصلحة معيّنة ؟
ج: إذا كانتْ هنالِك ضرورةٌ ملِحَّة فلْيَستعمِل الإشارة أما أن يَتكلَّم فلا .. نعم يُمكِن لِلإنسان أن يُكَلِّمَ الخطيب إذا كانت هنالِك مصلحة، فذلك ثابِتٌ في السنّة الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويُمكِن-أيضا-لِلخطيب أن يُكَلِّمَ بعضَ الناس، فإذا رأى رجُلا-مثلا-يَتخطَّى رِقابَ الناس ويُؤذِيهم فلْيَأْمُرْهُ بِالجلوس، كما أَمَرَ النبيُ-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-بِذلك، وفي هذه القضية أحاديثُ متعدِّدة ثابتَة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولكنّ الوقتَ كما تَرَوْنَ لا يَسمَح بِذِكْرِها أو ذِكْرِ بعضِها، فإذا كان الإنسان يُكَلِّمُ الإمامَ لِحاجةٍ مُلِحَّة كما فَعَلَ بعضُ الصحابة نعم، وكذلك بِالنسبة إلى الإمام، أما بقيةُ الناس فليس لأحدٍ أن يُكَلِّمَ غيْرَه إلا إذا كانتْ هنالِك ضرورةٌ بِأن يُشِير إليه إشارة .. رأى شخصا يَتكلَّم يُشير إليه إشارة أو يَلتفِت إليه التفاتة أو ما شابه ذلك، وهكذا بِالنسبة إلى القضايا التي تَكون مشابِهة لِهذه القضية.
كذلك بعضُ الناس يَقومون بِتسجيل خطبةِ الجمعة .. لا مانع مِن أن يَقوم شخصٌ بِالتسجيل بِشرْط ألاّ يَشتغِل عن الاستِماع، أو يَضطَر لِتشغيل مكيف أو لإصلاح مُكبِّر الصوت أو ما شابه ذلك مِمّا فيه مصلحةٌ لِلصلاة أو لِبعضِ المصلين أو ما شابه ذلك؛ والعلم عند الله تبارك وتعالى. (1/97)
صفحة 98
س: بعضُ المصلِّين يَمدّ يَده لِمُصلٍّ آخر أثناءَ الخطبة لِيُصافحَه، هل يُصافحه ؟
ج: إذا تَمكَّن مِن عدم مُصافحتِه فذلك هو الأوْلى ولكن إذا رأى هنالِك ضرورةً ملِحّة .. خاف-مثلا-مِن أن تَتفرَّق الكلمة وأن تَقع هنالِك فرقة أو خصومة وأن يُؤدِّيَ ذلك إلى ضرر فمُمكِن أن يَمدَّ يَده مِن غيْر أن يَتكلَّم .. هذا ما ذَهَبَ إليه بعضُ أهل العلم، ولَه وجهٌ؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: إذا دخل المصلي في صلاة الجمعة ووجد الإمام يخطب، فهل يصلي ركعتين تحية للمسجد أم يجلس ؟
ج: هذه المسألة اختلف فيها أهل العلم:
ذهب بعض العلماء إلى أنه يجلس، وليس له أن يصلي، لنهي النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-عن الكلام ولو كان ذلك من باب الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر في حالة خطبة الإمام، واحتجوا-أيضا-على ذلك بحديث ولكنه لا يصح.
وذهب بعض العلماء إلى أنه يصلي، لأمر النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-للرجل الذي دخل والنبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-يخطب فأمره النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-بالصلاة وهو حديث صحيح ثابت، وقد اعترض عليه كثير من العلماء باعتراضات كثيرة وقد أورد كثيرا من تلك الاعتراضات الحافظ بن حجر في " فتح الباري " وأجاب عنها بجواب مقنع كاف لمن شاء معرفة الصواب.
والذي نراه أنّ القول بمشروعية ذلك هو القول الصحيح، لأنّ هذا الحديث نصّ صريح وهو مخصّص لعموم النهي.
ومن الجدير بالذكر أنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-قد أمر بتحيّة المسجد ونهى عن الجلوس قبل الإتيان بتحيّة المسجد، وهذا الحديث الذي ذكرناه أيضا .. الذي فيه الأمر بتحية المسجد في وقت خطبة الجمعة مع نهيه عن الكلام ولو كان ذلك الكلام فيه أمر بمعروف أو نهي عن منكر فهذه الأمور جميعا تدل دلالة واضحة جلية لا غبار عليها على أنّ تحية المسجد من السنن المؤكّدة التي لا ينبغي لأحد أن يتركها؛ والله-تعالى-أعلم. (1/98)
صفحة 99
س: ما حكم رفع الصوت بالصلاة على النبي عند الخطبة ؟
الجواب :-
لا داعي أن يرفع صوته بالصلاة على النبي بل ينطبق سراًولكن ينطق بلسانه .. على أن طائفة من أهل العلم لا يروون الإتيان ونحن وإن كنا نرى الإتيان بها على حسب ما يظهر لنا ولكن من غير أن يرفع صوته ويشوش على الآخرين .
{ رابعا : أحكام الجنائز }
س: ما الكيفية التي يكون فيها حمل الجنازة ؟ (1/99)
صفحة 100
ج: إنني أحب-قبل كل شيء-أن أذكِّر المستمع الكريم بأنّ عليه أن يستعد لهذا اليوم تمام الاستعداد، وعليه أن يحاسِب نفسه قبل أن يفارِق هذه الحياة، فعليه أن ينفِّذ كل ما أمره الله-تبارك وتعالى-به في كتابه أو على لسان رسوله صلوات الله وسلامه عليه، وأن يجتنب كل ما نهاه عنه - سبحانه وتعالى - في كتابه أو على لسان رسوله صلوات الله وسلامه عليه، وأن يبحث في كل مسألة من المسائل التي اختلف فيها أهل العلم عن الحق والصواب من أقوالهم إذا تمكَّن من معرفة الحق والصواب وإلا فعليه أن يتحرى ذلك قدر استطاعته، وإذا كان قد وقع في شيء من معاصي الله-تبارك وتعالى-بأن كان قد فرَّط في شيء من واجبات الله فلم يأت بها أو أنه فعل شيئا من المحرمات فعليه أن يتخلص قبل فوات الأوان سواء كانت تلك الحقوق من حقوق الله-تبارك وتعالى-أو من حقوق عباده أو من ذوات الوجهين .. أي من الحقوق التي هي من جهةٍ لله-تبارك وتعالى-ومن جهةٍ للعباد، فإذا كان قد ترك شيئا من الصلوات أو الصيام أو الزكاة أو لم يأت بفريضة الحج فعليه أن يعيد تلك الصلوات التي فرَّط فيها سواء تركها أو أنه ترك شيئا من أركانها أو شروطها التي لا تتم إلا بها، وهكذا بالنسبة إلى الزكاة إذا كان لم يأت بها أو أنه قد أتى بها على غير الوجه الذي أمر به المولى-تبارك وتعالى-فإنه عليه أن يتخلص من ذلك .. أي عليه أن يقوم بأداء تلك الزكاة التي فرَّط فيها إلى أصحابها الذين بيَّنهم الله-تبارك وتعالى-في سورة التوبة (1) ،
__________
(1) - { إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } [ الآية: 60 ]. (1/100)
صفحة 101
وهكذا إذا كان قد فرَّط في شيء من العبادات .. من صيام-كما قلتُ-أو أنه لم يأت بالحج أو أنه قد أتى به على غير الوجه الصحيح أو أنه قد فرَّط في شيء من النذور أو الكفارات أو ما شابه ذلك، وهكذا بالنسبة إذا كان هنالك شيء من حقوق العباد .. إذا كان قد اغتصب شيئا من أموال الناس أو أنه قد أخذها بوجه صحيح ولكنه بعد ذلك لم يقم بأداء قيمة تلك الأشياء إلى أصحابها وما شابه ذلك، فإذا كان يعلم حكم ذلك في الشرع الحنيف فعليه أن يقوم بتنفيذ ذلك، وإن كان لا يعرف ذلك فعليه أن يسأل أهل العلم الذين يثق بدينهم وبعلمهم حتى يرشدوه إلى الطريق الصحيح للتخلص من هذه الحقوق. (1/101)
صفحة 102
ومن الجدير بالذكر أنّ كثيرا من الناس عندما يصابون بشيء من الأمراض لا يعرفون كيف يأتون بالصلاة-مثلا-ولا بالصيام، فتجد الواحد إذا أصابه مرض ولم يستطع أن يأتي بالصلاة على الوجه المعروف يترك الصلاة بنية القضاء مثلا، ومنهم من يكبِّر أربع تكبيرات مع قدرته على الإتيان بالصلاة ولو أنه نَقَصَ منها شيئا من الشروط، فإنه إن لم يتمكن من الإتيان بكل الأركان والشروط المعروفة فلابد من أن يأتي بما استطاع عليه من الصلاة، إذ إنه إذا لم يستطع على الإتيان بركن أو شرط من شروط الصلاة فإنّ الصلاة لا تسقط بذلك، فإذا كان-مثلا-لا يتمكن من الإتيان بالوضوء فعليه أن يتيمم، وليس من الصعوبة أن يجد التراب الذي يصح به التيمم فبإمكانه أن يطلب من بعض أهله أو من بعض الناس الذين يقومون بزيارته بأن يأتوا له بالتراب ولو كان في المستشفى-مثلا-وعليه أن يتيمم، وإذا كان لا يستطيع أن يتيمم فبإمكانه أن يصلي .. بل عليه ذلك ولو بغير تيمم، أما إن استطاع على الوضوء فلا يجزيه التيمم، وإذا استطاع على التيمم ولم يستطع على الوضوء أو لم يجد الماء فلا يجزيه أن يترك الصلاة بنية القضاء أو ما شابه ذلك، بل لابد من أن يأتي بالصلاة في وقتها المُقدَّر لها شرعا، وكثير من الناس يجهلون ذلك، وقد سألني كثير من الناس عن هذه القضية وأنّ كثيرا من أصحابهم أو منهم عندما كانوا في المستشفيات قد تركوا صلوات عدّة وهذا مما لا يجوز أبدا، فعلى المرء أن يتعلم أمور الدين، وعليه ألاّ يفرط في شيء من هذه الواجبات، فقد يموت في مرضه ذاك وهو قد ترك-والعياذ بالله-فريضة من فرائض الله بل ركنا من أركان الإسلام، وذلك يُعدّ كبيرة من كبائر الذنوب .. يموت على هذا والعياذ بالله تبارك وتعالى، وليس له أن يَسمع أحدا في المستشفيات أو ما شابه ذلك بأنه عليه أن يصلي أو يؤخر الصلاة ولا يلزمه أن يتوضأ ولو كان قادرا أو أن يتيمم ولو كان قادرا وواجدا لذلك .. (1/102)
صفحة 103
ليس له أن يستمع إلى أولئك، لأنّ للفتيا رجالا وللطب رجالا آخرين فلا يمكن أن تؤخذ الفتاوى من الأطباء ولا من غيرهم إن لم يكونوا على معرفة تامّة بشرع الله تبارك وتعالى .. نحن نسمع من كثير من الناس الذين يعملون في المستشفيات يقول: " لا يلزمك كذا " أو " يجوز لك كذا " أو ما شابه ذلك فهؤلاء ليس لأحد أن يستمع إليهم ولا أن يأخذ الفتاوى منهم، وهكذا بالنسبة إلى كثير من الجهلة الذين لا يعملون في المستشفيات مثلا، ومن أواخر الحوادث التي حُدِّثْتُ بها .. بالأمس حدّثني أحد الثقات بأنّ رجلا أعمى ذهب إلىالحج وكان لابسا لنعال مخيطة فرآه بعض الناس الذين يظنون أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ولكنه-وللأسف الشديد-جاهل بحكم الله تعالى .. جاهل بشرع الله جهلا فاضحا فقال له: " إنّ حجَّك باطل " وقد نَسب هذه الفرية إلى أحد علماء المسلمين .. افترى على الله وعلى رسوله وعلى أهل العلم، مع أنه لم يقل أحد من المسلمين ببطلان حجه، وإنما الخلاف هل الأفضل أن يلبس نعالا ليست بمخيطة أو أنه لا بأس من لباس النعال المخيطة ؟ والحق أنه لا بأس بذلك، إذ لم يأت دليل يدل على أنّ الأفضل أن يترك النعال المخيطة بل الدليل يدل على خلاف ذلك، وهكذا بالنسبة إلى الأحكام.
ونحن نحب أن ننبه إلى أنه لابد من التعاون بين الفقهاء وبين الاقتصاديين والأطباء والفلكيين وغيرهم من أصحاب العلوم ولكن ليس لأحد من أصحاب الاختصاصات الأخرى أن يتكلم في شرع الله .. الاقتصادي يأتي بما عنده من معلومات إلى الفقيه والفقيه ينبغي له أن يستفيد منها، وهكذا بالنسبة إلى الطبيب والفلكي إلى غير ذلك، أما أن يتكلم الفلكي في الأحكام الشرعية أو الطبيب أو صاحب الاقتصاد أو ما شابه ذلك من العلوم فهذا مما لا يصح. (1/103)
صفحة 104
فإذن على الإنسان أن يعتني بأمور دينه قبل فوات الأوان .. قبل أن يخرج من هذه الدنيا وهو مرتكب-والعياذ بالله تبارك وتعالى-لشيء مِن معاصي الله التي قد (1) تخلده في نار جهنم إن لم يتب قبل الخروج من هذه الدنيا إذا كانت تلك المعاصي كبيرة-والعياذ بالله تعالى-من جهنم ومما يُقرِّب إليها.
وعلى من ذهب لزيارة المريض .. عليه أن يذكِّره بالله تبارك وتعالى، وأن يأمره بالتوبة إلى الله-تبارك وتعالى-بأسلوب ليّن لطيف، وأن يسأله عن صلاته كيف يأتي بها إذا كان-طبعا-ذلك الشخص المريض ليس من أهل الفقه .. إذا كان من العوام الذين لا معرفة لهم بحكم شرع الله تبارك وتعالى .. لا بأس أن يذكِّره بذلك بل مطلوب منه ذلك، لأنّ ذلك من باب التعاون على البِرِّ والتقوى، ويأمره بأسلوب-كما قلتُ-لطيف طيِّب بالوصية، لأنّ الوصية للأقربين واجبة بنصّ الكتاب والسنّة الصحيحة الثابتة عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-ولا يوجد ناسخ لها، وإنما المنسوخ-على رأي بعض أهل العلم-الوصيةُ للأقارب الذين يرثون، أما للذين لا يرثون فلا.
وبعض العلماء يقول: " إنه ليس هنالك ناسخ، وإنما الآية التي فيها الوصية للوالدين يُراد بها من لا يرث من الوالدين .. إذا كان الوالد مشركا أو كان عبدا فإنه لا يرث ولكن له الوصية "؛ وهذا رأي قوي جدا، ولا أريد الإطالة في حكم هذه القضية، لكنني أحب-كما قلتُ-أن أنبه إلى أنّ مَن زار مريضا ينبغي له أن ينبهه إلى هذه الأمور، وإذا رآه لا يدري الأحكام الشرعية ممكن أن يذكر له: " هل أقسمت بشيء من الأَيْمان ولم تأت بها ولم تكفِّر عنها "، وهكذا بالنسبة إلى بقية العبادات .. من زكاة وصيام وحج ومن حقوق العباد إلى غير ذلك .. هذا أمر مطلوب.
__________
(1) -الظاهر أنّه مِن الأوْلى حذف: " قد ". (1/104)
صفحة 105
أما بالنسبة إلى السؤال المذكور وهو البحث عن كيفية حمل الجنازة فإنّ لأهل العلم خلافا في هذه القضية، وهذا الخلاف ليس على سبيل الوجوب .. أي ما هو الواجب في كيفية الحمل ؟ إذ إنه لم يقل أحد من أهل العلم بوجوب كيفية محددة من الكيفيات التي سأتعرض لها بمشيئة الله-تبارك وتعالى-بعد قليل، وإنما الخلاف بين أهل العلم في الأفضل .. أي ما هو الأفضل مِن هذه الكيفيات ؟
وينبغي للإنسان إذا وجد خلافا بين أهل العلم في قضية من القضايا بأن وجد بعضهم يقول بكذا وبعضهم يقول بكذا وبعضهم يقول بكذا .. ينبغي له أوّلا أن يعرف ما هو موضع النزاع بين أهل العلم .. هل هو في الوجوب وعدمه أو في التحريم وعدمه أو في الأفضل وعدم الأفضل، لأنه قد يظن أنّ هذا الأمر واجب .. أي أنّ هذا العالم أو هؤلاء العلماء يقولون بوجوب هذا الأمر وبعضهم يقول بوجوب الأمر الفلاني وبعضهم يقول بكذا إلى غير ذلك مع أنّ أولئك العلماء على وفاق على عدم وجوب شيء من تلك الأمور، وإنما الخلاف فيما بينهم في قضية الأفضل.
فإذن خلاف العلماء في مسألتنا هذه هو في الأفضل، وليس في الوجوب.
اختلف أهل العلم في هذه القضية:
1-فذهب بعضهم إلى أنّ الأفضل أن يَحمل الإنسان الجنازة أوّلا من جهة شِمال السرير .. وهي الجهة اليمنى للميت .. يضع مقدمة السرير على كتفه اليمنى ثم يحمل بعد ذلك مؤخرة السرير يضعها على كتفه اليمنى ثم يتحول إلى الجانب الثاني فيضع الجهة اليمنى من السرير-وهي الجهة اليسرى من الميت-على كتفه اليسرى ثم بعد ذلك يضع المؤخرة على كتفه اليسرى.
هذا وليس كما يظنه بعض الناس من أنه يحمل أوّلا الجهة اليمنى من السرير بأن يضعها على كتفه اليسرى .. ليس الأمر كذلك، لأنه إذا نظرنا إلى أنّ العبرة بالمحمول فالمحمول-في حقيقة الواقع (1)
__________
(1) -قال الشيخ: " الواضع " بدلا مِن " الواقع "، والظاهر أنه سبق لسان. (1/105)
صفحة 106
-ذلك الميت الذي على السرير، والأوْلى بأن يُحمل أوّلا من جهته اليمنى ثم يحمل من جهته اليسرى، وهكذا بالنسبة إلى الحامل فإنّ الأوْلى له أن يحمل أوّلا على يده اليمنى ثم بعد ذلك على يده اليسرى، وليس العبرة بالسرير، لأننا لم نقصد حمل السرير وإنما نحمل الذي على السرير .. هذا هو المراد من كلام أهل العلم عندما يقولون: " يَحمل من الجهة اليمنى " أي من جهة الميت اليمنى على يد الحامل اليمنى.
2-وبعض العلماء يقول: " أوّلا يَحمل-أيضا-من جهة الميت اليمنى .. أو بعبارة أخرى: يحمل السرير من الجهة اليسرى من الأمام ثم من الخلف ثم يدور .. يحمل من الجانب الثاني أوّلا من الخلف ثم من الأمام "؛ فإذن-على هذا الرأي-أوّلا يَحمل من جهة السرير اليسرى على يده اليمنى ثم من الجانب الخلفي من الجهة نفسها ثم من الجانب الخلفي من الجهة الثانية ثم من الجانب الأمامي .. يدور على السرير.
و-على كل حال-أصحاب هذين القولين يحتجون برواية تُروى عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ولكنّ هذه الرواية لا تثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لأنها من جهة أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود وهو لم يَسمع مِن أبيه.
3-وبعض العلماء ذهب إلى أنه يَحمل السرير من جهتيه .. يضع هذه الجهة على الكتف الأيمن وهذه على الأيسر ثم يفعل ذلك-أيضا-من الخلف؛ واحتجوا على ذلك برواية رواها ابن سعد والبيهقي في " المعرفة " ولكنها لا تثبت، بل هي أضعف من الأولى، لأنها من جهة الواقدي وهو لا يؤخذ بروايته ولا كرامة.
4-وبعض العلماء ذهب إلى أنّ الإنسان يفعل ما هو أيسر له ولا يؤمر بتقديم هذا الجانب ولا ذلك الجانب ولا بأن يَحمل من الجهتين معا-ولاسيما أنّ هذا الأخير فيه من المشقة ما فيه-فيَحمل ما رأى بأنه الأيسر. (1/106)
صفحة 107
وكثير من الناس عندما يريدون أن يَحملوا من الجهة اليسرى مثلا يأتي من الجهة اليمنى ويتقدم على الجنازة ويحمل من الجهة اليسرى وإذا أراد أن يحمل من الجهة اليمنى تقدم من الجهة اليسرى حتى مر أمام الجنازة وحمل من تلك الجهة، وهذا لا أصل له أبدا. فإذن ما دام لم يأت دليل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثابت يدل على صفة معيّنة من صفات الحمل فليحمل الإنسان ولينظر إلى الأيسر عليه وعلى بقية الذين يحملون الجنازة؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: هنا الحقيقة نؤكد على التنويه الذي ذكرتُموه مِن أنّ خلاف العلماء في هذه المسألة وتعدد آرائهم إنما هو من باب الأفضل، خشية أن يفهم ذلك طلبة العلم-أو غيرهم من الناس الذين يباشرون هذه الأمور-على غير مراده فيؤدي إلى اصطدام مع واقع الناس.
ج: نعم .. بعض الناس يظنون بأنهم يُحسنون صنعا .. يجدون قولا من أقوال أهل العلم ويشددون على عوام الناس إذا لم يأتوا بذلك القول مع أنّ ذلك العالم هو بنفسه لا يشدد في تلك القضية ويرى بأنّ الأمر واسع جائز، حتى في بعض المسائل التي اختلف بعض أهل العلم هل هذا واجب أو ليس بواجب ؟ .. بعض المسائل لا ينبغي التشديد فيها، ولكن التشديد في كثير من الحالات يأتي من بعض المبتدئين الذين لم يطلعوا على أقوال أهل العلم ولا دراية لهم بفقه الخلاف في هذه القضية.
نَعم .. نحن لا نهون الأمر في مخالفة ما ثبت عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-ولكنّ كثيرا من الأحاديث أيضا قد وقع فيها الخلاف بين أهل العلم .. بعض الأحاديث ثابت لا شك فيه وبعضها مختلَف فيه، وهكذا بالنسبة إلى الأقوال تختلف .. منها ما هو الخلاف فيه يسير والأمر ظني ولا ينبغي التشنيع والتشديد.
نعم .. ينبغي أن نُعلِّم الناس الأفضل بأسلوب لائق؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: أين يكون مُشيِّعُو الجنازة ؟ (1/107)
صفحة 108
ج: على كل حال؛ أرى الأسئلة لديك كثيرة وسأضطر أن أجيب باختصار شديد على بعض هذه الأسئلة وإن كان كثير منها يحتاج إلى شيء من التحرير لعدم تحرير ذلك في كثير من الكتب المشهورة عند طلبة العلم وعوام الناس.
هذه المسألة-على كل حال-أمرها سهل؛ أما من كان راكبا .. ولا ينبغي للإنسان عند القدرة أن يركب عندما يُشَيِّع الجنائز، بل ينبغي له أن يمشي .. عندما يكون راكبا فليمش خلف الجنازة، أما عندما يكون ماشيا فلا مانع من أن يتقدم على الجنازة أو يتأخر عنها-يعني يمشي خلفها-ولا مانع من أن يمشي أمامها أو عن يمينها أو عن شمالها، فالكل جائز ثابت في سنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ والله أعلم.
س: الآن الناس ابتكروا-إن صح التعبير-طريقة جديدة في حمل الجنازة فصاروا يصفون أمام الجنازة أسطرا طويلة ثم تمر الجنازة عليهم جميعا دون أن يكون أحد خلفها وقالوا صنعوا ذلك من أجل التيسير وعدم الزحام، فهل يصح هذا ؟
ج: أما ألاّ يكون أحد خلف الجنائز والكل يكون أمامها .. هذا مِمّا لا ينبغي .. ينبغي كما ثبت في السنّة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ... (1) أما صفوف بسيطة جدا إذا كانت في ذلك مصلحة مخافة الأذية أو ما شابه ذلك فالأمر يختلف، أما أن تمتد الصفوف وتكون طويلة فهذا لا أصل له أبدا.
س: في بعض الأحيان تكون الصفوف طويلة تكاد تستوعب كل الحاضرين ؟
ج: لا داعي لهذا أبدا.
على كل حال؛ أريد-أيضا-أن أنبه إلى أنّ الطفل إذا كان-طبعا-صغيرا لا يحتاج أن يُحمل على السرير بل يُحمل في الأيدي .. أنبه على هذا مخافة أن يُنكر بعض الناس على من يفعل ذلك، لأنّ كثيرا مِن الناس إذا سمعوا كلاما مِن بعض أهل العلم حملوه على العموم وقد يكون ذلك العالم لا يريد ذلك.
__________
(1) -يبدو أنّ الشيخ لَم يُنْهِ كلامه. (1/108)
صفحة 109
فإذن الطفل الصغير لا يحتاج أن يوضع على السرير .. يُحمل على الأيدي، أما إذا كان الطفل كبيرا فإنه يحمل كغيره من الأموات على السرير، والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: إذا كانت الجماعة التي تصلي على الميت قليلة، هل الأوْلى أن يصفوا صفا واحدا أو ثلاثا ؟
ج: على كل حال؛ هذه المسألة اختلف فيها أهل العلم:
1-منهم مَن قال: " إنّ صلاة الجنازة كغيرها مِن بقية الصلوات .. يَصُفُّ الناس أوّلا الصف الأول فإذا امتلأ الصف الأول في المواضع التي تمتلئ فيها الصفوف .. إذا كان ذلك في المسجد مثلا أو في مصلى فبعد ذلك يؤمرون بإنشاء الصف الثاني وهكذا بالنسبة إلى بقية الصفوف، أما إذا صُليت هذه الصلاة في فضاء فإنهم يصفون صفا واحدا حتى يكون طويلا ليس بإمكان من يصف بعد ذلك أن يستمع إلى الإمام وبعد ذلك بإمكانهم أن ينشئوا صفا ثانيا وهكذا بالنسبة إلى بقية الصفوف "؛ فهؤلاء ذهبوا إلى أنه لا فرق بين صلاة الجنازة وبين غيرها من الصلوات، لأنّ الأصل في هذه الصلاة أن يُحكم عليها بحكم بقية الصلوات إلا فيما دل دليل على أنها تختلف فيه معها.
2-وذهب بعض أهل العلم إلى أنه ينبغي للإمام أن يَصُفَّ الناس ثلاثة صفوف أو أن يَصُفّوا هم بأنفسهم ثلاثة صفوف لكن إذا رأى الإمام بأنهم صَفُّوا صفا واحدا ينبغي له أن يأمرهم بأن يصفوا ثلاثة صفوف ولو كانوا ستة أشخاص مثلا .. يصف اثنان في الصف الأول واثنان في الثاني واثنان في الصف الثالث أما بعد ذلك فلا وإنما تراعى الصفوف الثلاثة الأولى؛ واحتجوا على ذلك برواية تروى عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولكنها من طريق ابن لَهيعة وهو ضعيف لا يُؤخذ بروايته، ولكنهم قالوا إنها تتأيد برواية أخرى، ولكنها من طريق ابن إسحاق وهو مدلِّس مشهور ولم أطَّلع إلى الآن بأنه قد صرّح بالسماع فما دام الأمر كذلك فإننا لا نرى أنّ هذه الرواية تصل إلى درجة الثبوت. (1/109)
صفحة 110
وإذن يبقى الأمر على أنّ صلاة الجنازة في هذه القضية كغيرها من الصلوات فليَصُفوا أوّلا الصف الأول فإذا امتلأ فلينشؤوا بعد ذلك صفا ثانيا وهكذا؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: ولدها توفي وعمره سبعة عشر عاما-قبل شهرين تقريبا-لكن عندما أُخذ إلى القبر خرج من فمه دم، فهل يعني ذلك إشارة عقاب له أو الأمر طبيعي ؟ هي قلقة الآن.
ج: لا .. لا يلزم أن يكون ذلك فيه إشارة عقاب ولا غير ذلك، فلتترك الأمر على ما هو عليه، وإن كانت تستطيع أن تفعل شيئا من الخير فلتفعل .. ليس من باب أنه خرج من فمه دم، فلا علاقة له بذلك الأمر، لكن إذا كانت عليه حقوق للعباد مثلا وكانت تستطيع هي أو أبوه إن كان أبوه حيا أو أحد من إخوانه أو أقاربه أو حتى من سائر المسلمين أن يؤدوا تلك الحقوق التي عليه فليؤدوها عنه، وكذلك إذا كان عليه صيام فليصوموا عنه، كما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ( مَن مات وعليه صوم صام عنه وليه )، وهكذا إذا كان لم يؤد فريضة الحج وكان قادرا على أدائها ولكنه فرّط في ذلك فإذا استطاعوا فينبغي لهم أن يؤدوا عنه فريضة الحج، كما ثبت ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهكذا إذا كان لم يُؤد الزكاة فليؤدوا عنه .. إذا كانت لديه أموال فليؤدوا الحقوق التي عليه من ماله.
واختلفوا في الزكاة وفي الحج إذا لم يوص بهما وهكذا بالنسبة إلى الكفارات والنذور التي تحتاج إلى تكفير:
1-فبعض العلماء يقول: إنّ الكفارات والنذور التي هي بمثابة اليمين-أي التي يُكفَّر عنها كفارة اليمين-فإنها تؤدى من رأس المال.
2-وبعضهم يقول: إنها تؤدى مِن الثلث.
وكذلك بالنسبة إلى الحج هل هو مِن الثلث أو مِن أصل المال ؟ وهكذا الزكاة.
وكذا إذا كان لم يوص بذلك، اختلفوا هل تؤدّى عنه ؟ (1/110)
صفحة 111
1-منهم من يقول: إنّ ما كان فيه حق للفقراء والمساكين فليُؤَدَّ أوصى به أو لم يوص، وذلك كالزكاة فهي وإن كانت عبادة لله-تبارك وتعالى-فإنّ فيها حقا للفقراء والمساكين وهكذا بالنسبة إلى كفارات الأيمان وكفارات النذور بخلاف الحج فإنه لا حق فيه للعباد.
2-وبعض العلماء يقول تؤدى عنه وإن كان لم يوص بها سواء كانت زكاة أو حجا أو كانت من الكفارات؛ وهذا هو الواضح الذي تدل عليه الأدلة ولكن قبل ذلك ينبغي أن يُقنَع الورثة من باب الخروج من الخلاف إن أمكن ذلك.
فالحاصل أنه لا يمكن أن يُحكم عليه بحكمٍ بسبب خروج هذا الدم، إذ إنّ ذلك يمكن أن يكون طبيعيا؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: وإذا توفي في شهر رمضان، هل يُكمل عنه أولياؤه ؟
ج: هنالك أمران:
* إما أن يكون أفطر ذلك بسبب مرض وذلك المرض لا يرجو منه الشفاء فهذا كان ينبغي له أن يُطعِم عنه (1) وإذا لم يطعِم فإنه يُطعَم عنه بعد ذلك .. إذا كان قد أوصى بذلك فالأمر واضح، وإن كان لم يوص بذلك فينبغي أن يُقنَع الورثة-إن كانوا بالغين عقلاء-بذلك، وأما إذا كانوا بخلاف ذلك-أي منهم المجنون أو الصبي الذي لم يصل إلى سنّ البلوغ-فالأمر لا يخلو من إشكال، ذلك لأنّ هذه الكفارة لم يُتفق بين أهل العلم عليها:
1-منهم من يقول: إنّ المريض الذي وصل إلى هذا الحد ليس عليه الإطعام.
2-ومنهم من يقول: عليه الإطعام.
فأنا أقول: إنه ينبغي لبعضهم أن يتبرع عنه مخافة الوقوع في المحظور.
* أما إذا كان قد أفطر بسبب سفر .. مثلا سافر ومات و-طبعا-لم يتمكن من القضاء-لأنّ الشهر لا زال باقيا-أو كان ذلك بسبب مرض يرجو منه الشفاء بحسب الظاهر فإنه يُؤمر الأولياء بأن يقضوا عنه، للحديث الذي ذكرناه [ ص7 ]؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: ما حكم مرافقة المرأة للجنازة أثناء التشييع ؟
__________
(1) -الظاهر أنّ الشيخ قَصَدَ أن يقول: " يُطعِم عن نفسه ". (1/111)
صفحة 112
ج: أما إذا كانت تذهب إلى أن يُصلى عليه فالأمر يختلف، وأما إذا كانت بعد الصلاة .. أي إلى المقابر فلا .. تُنهى عن ذلك، وقد اختلف العلماء في هذا النهي هل هو للتحريم أو الكراهة.
ومهما كان لا ينبغي للإنسان أن يرتكب ما نهى عنه الرسول-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-ولو كان ذلك على سبيل الكراهة، إذ إنه لا يمكن أن يَنهى عن شيء إلا لسبب واضح من الأسباب، والله-تبارك وتعالى-لا يُعبد بالمكروه.
فإذن النساء تُنهى-نهيَ تحريم على رأي بعض أهل العلم، ونهي كراهة على رأي بعض أهل العلم-عن الذهاب إلى المقابر، وإذا كانت هذه المرأة أُمّا أو أختا أو جدة أو قريبة للميت فالنهي أشدّ، لأنها لا تستطيع أن تصبر على ذلك، إذ إنّ المرأة معروف عنها هذا الأمر فلتنتهِ ولتترك متابعة ذلك.
أما بالنسبة إلى صلاة النساء على الموتى فالأمر لا يخلو من أحد أمرين، إما أن يكون هنالك بعض الرجال الذين يصلون على الجنائز أو لا (1) :
* فإذا لم يكن هنالك أحد مِن الرجال فإنّ النساء يُؤمرن بأن يصلين على الجنازة.
وقد ذكَر بعض العلماء أنّ الخلاف الموجود بين العلماء في صلاة المرأة على الميت إنما هو عند وجود الرجال، أما عند عدم وجود الرجال فإنهن يؤمرن بالصلاة، لأنّ الصلاة (2) -على الصحيح-من فروض الكفايات، وإذا لم يوجد أحد من الرجال يقوم بهذا الفرض فإنّ المرأة مأمورة بذلك.
* أما إذا وُجد الرجال (3) فقد اختلف العلماء في ذلك:
1-قيل بأنهن يصلين على الجنائز.
2-وقيل: لا يصلين.
3-وقيل: إن كانت الميتة امرأة فتصلي وإن كان الميت رجلا فلا.
__________
(1) -" أو لا " زيادة منّا للإيضاح.
(2) -لعلّ الأحسن أن يُقال: " هذه الصلاة " لإزالة الوهم.
(3) -لعلّ الأحسن أن يُقال: " أحد مِن الرجال ". (1/112)
صفحة 113
والذي يظهر لي أنه لا مانع مِن صلاتهن، وقد ثبت أنّ النساء قد صلين على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهكذا صلّت أمهات المؤمنين على بعض الصحابة كسعد بن أبي وقاص رضي الله-تعالى-عنه، وهنالك أدلة أخرى لا داعي لذكرها الآن، فلا مانع من صلاة المرأة على الميت.
هذا وقولي: " أنه إذا كان هنالك أحد من الرجال تسقط عن المرأة " (1) إذا كان من الرجال البالغين، أما إذا كان صبيا فإنه لا تسقط به الصلاة، لأنّ هذه الصلاة-على الصحيح-مِن فروض الكفايات وغير البالغ لا تجزي منه فلابد مِن أن تصلي النساء عليه؛ والله أعلم.
س: ما الأوقات التي يُنهى فيها عن الصلاة على الميت ؟
ج: قد اختلف العلماء في هذه القضية:
1-ذهب بعضهم إلى أنه لا يُنهى عن الصلاة على الميت في أيّ وقت مِن الأوقات.
وقد حكى بعض العلماء اتفاق أهل العلم على ذلك، وحكاية هذا الاتفاق لا شك أنها خاطئة.
2-وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يُنهى عن الصلاة على الميت في ثلاثة أوقات:
* عند طلوع الشمس حتى ترتفع بمقدار قيد رمح.
* وعند استواء الشمس في كبد السماء وذلك في الحر الشديد عند بعضهم، ومطلقا عند طائفة منهم.
* وعندما يغرب قرْن مِن الشمس-أي عندما يبدأ جزء مِن الشمس في الغروب-حتى تغرب الشمس تماما؛ وهذا القول هو القول الصحيح، وذلك لما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في حديث عُقبة بن عامر-رضي الله تعالى عنه-أنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-نهى عن دفن الأموات في هذه الأوقات، إلا أنّ بعض العلماء حمل هذا النهي على دفن الأموات وقال: " إنه لا بأس مِن الصلاة في هذه الأوقات، وإنما ينهى عن دفن الأموات فيها "، وهذا ليس بشيء، والصحيح في هذه القضية أنه يُنهى عن الصلاة عليهم وعن دفنهم في هذه الأوقات الثلاثة.
__________
(1) -لعل الشيخ قَصَدَ أن يقول: " وقول بعض العلماء أنّه إذا وُجد أحد مِن الرجال فإنّ النساء لا يصلين على الجنائز ". (1/113)
صفحة 114
أما بالنسبة إلى الأوقات التي تُكره فيها صلاة التطوع فإنه لا يُنهى عن دفن الأموات وعن الصلاة عليهم فيها، وذلك لأنّ هذه الصلاة مِن الصلوات السببية والصلوات السببية تُستثنى مِن النهي، وذلك لأنه لا شك أنه يختلف النهي إذا كان مقصودا بالذات أو كان مِن باب الوسائل، وبذلك يتبين أنه لا مانع مِن الصلاة في الأوقات التي تُكره فيها الصلاة وإنما يُمنع مِن الصلاة على الميت في الأوقات التي يُنهى عن الصلاة فيها نهي تحريم؛ وذلك النهي على التحريم على رأي طائفة مِن أهل العلم-وهو الذي يظهر لي-وقال بعضهم أنه للكراهة؛ والله أعلم.
س: إذا أردنا أن نضرب على ذلك مثالا .. في حال اصفرار الشمس وقرب مغيبها، هل تصح الصلاة ؟
ج: في ذلك خلاف بين أهل العلم، وذلك أنهم اختلفوا في النهي .. هل يَبدأ وقت النهي بغروب جزء بسيط مِن الشمس أو أنه يبدأ قبل ذلك:
1-فبعض العلماء قال: " يبدأ النهي بغروب جزء مِن الشمس .. أي إذا غرب جزء قليل جدا مِن الشمس فيدخل وقت النهي "؛ وهذا قول طائفة كبيرة مِن أهل العلم.
2-وبعضهم يقول بأنّ النهي قبل ذلك بوقت .. بحوالي عشر (1) أو ربع ساعة تقريبا.
والقول الأول هو القول المشهور.
س: وهل يشمل ذلك لحظات الدفن أيضا ؟
ج: على نفس الخلاف فيما يظهر، ولكنّ الحديث نصٌّ على أنّ المنهي عنه عندما تغرب الشمس، ويُؤخذ بظاهر الحديث إلا إذا ترك أحد ذلك على جهة الاحتياط فذلك لا بأس منه، وإلا فالحديث نصٌّ على ما ذكرناه.
س: الناس فيما يقرؤون أنهم بعد التكبيرة الثانية في صلاة الجنازة يأتون بالفاتحة والبعض يأتي بتسبيح وبغير ذلك، فأيهما الأصح ؟ بعد التكبيرة الثانية، ما الذي يأتي به الإنسان ؟
ج: اختلف العلماء في هذه المسألة على عدّة أقوال:
__________
(1) -لعلّ الأحسن أن يُقال: " عشر دقائق ". (1/114)
صفحة 115
1-ذهب بعض العلماء إلى عدم مشروعية الإتيان بفاتحة الكتاب في صلاة الجنازة رأسا، فقالوا: " إنه لا يُشرع للإنسان أن يأتي بفاتحة الكتاب فيها ".
2-وذهب بعضهم إلى أنه إن أتى بها وقصد بذلك الدعاء فلا بأس، أما أن يقصد بها التلاوة المعروفة التي يُؤتى بها في صلاة الفريضة وصلوات النوافل فلا.
3-وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يأتي بها بعد التكبيرة الأولى فقط؛ وهذا مذهب طائفة كبيرة مِن أهل العلم، وهو الذي جاء عن إمام الذهب جابر بن زيد رحمه الله تبارك وتعالى.
4-وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يأتي بعد التكبيرة الأولى وكذا بعد التكبيرة الثانية بفاتحة الكتاب:
-منهم مَن قال: إنه يقتصر على الفاتحة بعد التكبيرة الأولى وكذا بعد التكبيرة الثانية.
-ومنهم مَن قال: إنه يأتي بعد التكبيرة الأولى-طبعا-بالاستعاذة وبعد ذلك بفاتحة الكتاب ثم يحمد الله ويمجده ويهلله وبعد ذلك يكبر التكبيرة الثانية ثم يأتي بفاتحة الكتاب ثم يحمد الله ويمجده ويهلله ويصلي على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ وهذا المذهب هو الذي رواه صاحب " المدوّنة " عن الإمام أبي عبيدة رحمه الله، وقد أخذَت به طائفة مِن أصحابنا.
إلى غير ذلك مِن الأقوال. (1/115)
صفحة 116
والصحيح عندي-ما ذهب إليه الإمام جابر، وجماعة مِن أهل العلم بل هو مذهب جمهور الأمّة، وهو-أنه يأتي بعد التكبيرة الأولى بالاستعاذة وفاتحة الكتاب وبعد الثانية يصلي على النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-والأفضل أن يأتي بالصلاة الإبراهيمية المشهورة-وإن اقتصر على صلاة مختصَرة كأن يقول: " اللهم صل على محمد وعلى آله " أو " اللهم صل على محمد وعلى آل محمد " أو ما شابه ذلك مِن الألفاظ فلا بأس، ولكنّ الأفضل أن يأتي بالصلاة الإبراهيمية كما قلتُ-ثم يكبر التكبيرة الثالثة ويدعو ويكبر بعد ذلك التكبيرة الرابعة ويسلّم (1) .
وبعضهم قال: إنه يدعو بدعاء مختصر بعد التكبيرة الرابعة وقبل السلام، كأن يقول: { ... رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار } [ سورة البقرة، من الآية: 201 ].
فهذا القول-الذي ذكرناه-وهو أنه يأتي بالفاتحة مرة واحدة هو القول الصحيح، لرواية ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
وقد اختلفوا في الفاتحة هل هي فريضة بل ركن مِن أركان هذه الصلاة أو إنها سنّة؛ والذي يظهر لي-وهو مذهب طائفة كبيرة مِن أهل العلم-أنها فريضة وركن مِن أركان هذه الصلاة، وذلك لحديث: ( لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ) وهو حديث صحيح .. عند الإمام الربيع (2)
__________
(1) -في جواب الشيخ على السؤال 5 مِن حلقة ليلة 12 رمضان 1424هـ ( 6/11/2003م ) يَتعرّض إلى مسألة مشروعية التوجيه في صلاة الميت، ومسألة مشروعية الزيادة على أربع تكبيرات فيها.
(2) -مسند الإمام الربيع بن حبيب، كتاب الصلاة ووجوبها، باب (38) القراءة في الصلاة:
حديث رقم 226: قال الربيع: عن عبادة بن الصامت قال: صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الغداة فثقلت عليه القراءة فلما انصرف قال: ( لعلَّكم تقْرؤون خلف إمامكمْ ؟ ) قال: قلنا أجل، قال: ( لا تَفعلوا إِلا بأم القرآن فانه لا صلاةَ إلا بها ). (1/116)
صفحة 117
والشيخين وغيرهم، وحديث: ( كل صلاة لا يُقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خِداجٌ فهي خِداجٌ فهي خِداجٌ ) وهو عند الإمام الربيع (1) وعند غيره مِن أئمة الحديث، فقوله في الحديث الأول: ( لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ) نصّ صريح، وقد قلنا (2) : " إنه يُحكم على صلاة الجنائز بما يُحكم به على صلاة الفرائض-أو تعطى نفس الحكم الذي تعطى صلاة الفريضة-إلا إذا دل دليل على خلاف ذلك "، أما ما جاء في رواية ابن عباس مِن النصّ على أنها سنّة أو ما شابه ذلك فكما قلتُ أكثر مِن مرة: " إنه لا ينبغي للإنسان إذا وَجد لفظ ' السنّة ' على لسان الصحابة-رضي الله تبارك وتعالى عنهم-أن يَحكم بأنهم أرادوا بذلك الأمر أنه مسنونٌ .. كلاّ بل يريدون بذلك الطريقة، وتارة تكون فريضة، وتارة تكون سنّة "، وقد مثّلتُ لذلك بقول السيدة عائشة: " سنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زكاة الفطر " (3) .
وهذا الذي ذكرتُه الآن مثال ثاني.
وكذلك هنالك عن ابن عباس-رضي الله تعالى عنه-عندما ذكر صلاة المسافر خلف الإمام المقيم قال: " سنّة نبيكم "، ومِن المعلوم أنه لابد مِن متابعة الإمام في هذه القضية، على الرأي الصحيح الذي عليه الجمهور، خلافا لابن حزم ومَن تابعه.وكذلك ما جاء عن ابن مسعود: " لتركتم سنّة نبيكم " مع أنه يريد أنها فريضة.إلى غير ذلك.
وهكذا بالنسبة إلى غير ذلك مِن الألفاظ.
__________
(1) -مسند الإمام الربيع بن حبيب، كتاب الصلاة ووجوبها، باب (38) القراءة في الصلاة:
حديث رقم 222: أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( مَن صلّى صَلاةً لم يقرأ فيها بأمِّ القرآنِ فهي خداجٌ ) قال الربيع: " الخداج " الناقصة وهي غير التمام.
(2) -في الجواب على السؤال 4 مِن حلقة ليلة 10 رمضان 1424هـ ( 4/11/2003م ).
(3) -تمّ ذلك في جواب الشيخ على السؤال 2 مِن حلقة ليلة 6 رمضان 1424هـ ( 31/10/2003م ). (1/117)
صفحة 118
ومِن هنا قال بعض أهل العلم عن حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - في غسل يوم الجمعة واجب .. قالوا: " لم يُرِد به الوجوب المتحتم، وإنما أراد أنه سنّة مؤكدة فأطلق الواجب ولم يُرد به الوجوب "، وهذه المسألة فيها خلاف شهير لا داعي لذكره الآن.
وهكذا بالنسبة إلى لفظ " المكروه "، ففي كثير مِن الأحيان لا يُراد به المكروه المعلوم وإنما يراد به المحرّم.
وقد جاء ذلك-أيضا-على لسان طائفة مِن أهل العلم المتقدمين؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: امرأة مِمّن يباشرون تغسيل الأموات في مقبرة عامة تقول: في بعض الأحيان يأتون إلينا بجثث متعفنة .. في بعض الأحيان بجثث مشوهة نتيجة حادث معيّن لا نستطيع أن نتعامل معها في التغسيل ولكنّ أهلها يجبروننا على ذلك، فهل يصح لهم ؟ وهل تغسل مثل هذه الحالات ؟
ج: إذا أمكن ذلك فلابد مِن الغسل، أما إذا لم يمكن ذلك أبدا فلا شيء عليهن في ترك الغسل، ذلك لأنّ الله-تبارك وتعالى-لا يكلف نفسا إلا وسعها، أما إذا كان بعض النساء يتقزّزن مِن ذلك أو ما شابه ذلك ويمكن لغيرهن أن يقمن بتغسيل هذه المرأة التي أصابها ما أصابها بسبب هذا الحادث أو ما شابه ذلك فلابد مِن التغسيل، فإذن العبرة هل يمكن أو لا يمكن.
فإن لم يمكن اختلفوا في ذلك:
1-مِن أهل العلم مَن يقول: إنه يتيمم لذلك الميت-طبعا-كان رجلا أو امرأة.
2-ومنهم مَن ذهب إلى أنه لا يتيمم له، ذلك أنه لم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يدل على مشروعية التيمم، ومِن المعلوم أنّ غسل الميت يُقصد به النظافة وما دام كذلك فالتيمم ليس فيه شيء مِن النظافة اللهم إلا إذا كان ذلك التيمم الذي يراد به البدل مِن الوضوء، أما التيمم الذي يراد به البدل مِن الغسل فلا دليل عليه، هذا الذي يظهر لي. (1/118)
صفحة 119
وقد خرّج الإمام السالمي-رحمه الله تبارك وتعالى-في معارجه ذلك على ما ذكرتُه هنا .. لا أقول: " إنّ الشيخ-رحمه الله تبارك وتعالى-ذهب إلى ذلك " لأنه لم يتعرض-حسب حافظتي-إلى الترجيح في هذه القضية، ولكنه سوّغه بعد أن ذكر الإمام الكدمي-رحمه الله-بأنه لا يوجد في المذهب .. سوّغه الإمام السالمي-رضي الله تعالى عنه-ورأى أنّ له وجها مِن الحق؛ وهو كذلك.
فإن تيمموا بقصد أن يكون ذلك عوضا عن الوضوء-لأنّ الوضوء مشروع في غسل الميت، وإن كان الوضوء في غسل الأموات طبعا لا يجب، وإنما هو سنّة-فذلك لا بأس به، وإن أخذوا برأي مَن يقول بالتيمم وتيمموا به بإرادة التيمم الذي يراد به أن يكون عوضا عن الغسل فأيضا لا بأس بذلك بمشيئة الله تبارك وتعالى، وإن أمكن أن يصبّوا عليه الماء-فقد قال بعض العلماء أنهم يصبون عليه الماء-صبّا-طبعا-إذا كان يصل إلى جسده ثم بعد ذلك تزال تلك الثياب فهذا لا شك أنه يُقدَّم على التيمم.
س: في بعض الأحيان تؤتى بالجثة مغطاة في كيس فإذا فتحت خرجت منها رائحة لا تطاق ؟
ج: هذا لا يمكن، و { لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ... } [ سورة البقرة، من الآية: 286 ] { ... لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا ... } [ سورة الطلاق، من الآية: 7 ] { ... يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْر ... } [ سورة البقرة، من الآية: 185 ] { ... ومَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج ... } [ سورة الحج، من الآية: 78 ]، فلا يكلف الله-تبارك وتعالى-بتغسيل هذا الميت الذي وصل إلى هذا الحد، فيسقط بذلك بمشيئة الله؛ والله أعلم.
س: هل يُرش على الكيس ماء في هذه الحالة ؟
ج: يُرش الماء فوق الكيس ! ما الفائدة ؟! هل سيصل إلى الميت ؟! لن يصل .. إذن لا قيمة لهذا .. هذا فيه إتلاف للماء مِن دون فائدة.
س: البعض يضع تحت رأس الميت حجرة ربما كوسادة، فهل ذلك مِن السنّة ؟ (1/119)
صفحة 120
ج: هذه المسألة-وهي وضع شيء تحت رأس الميت-اختلف فيها أهل العلم:
1-منهم مَن يقول: إنه يوضع تحت رأسه لبنة صغيرة.
2-ومنهم مَن يقول: لا يوضع تحت رأسه شيء؛ وهذا القول هو الظاهر عندي، وإن كان لم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يدل على هذا ولا على هذا، ولكنّ الراجح-كما قلتُ-هو أنه لا يوضع تحتَه (1) شيء، وذلك لأنّ هذا هو الأصل، ومَن قال بمشروعية شيء آخر فإنه هو الذي يُطالب بالدليل، فعدم الدليل في قضيتنا يكفي للاستدلال به على عدم مشروعية وضع شيء .. هذا الذي نراه.
س: يذكر العلماء في مصنفاتهم بأنه بعد وضع الميت في لحده يُكشَف عن وجهه، فهل ذلك مِن السنّة ؟
ج: هذه المسألة اختلف فيها أهل العلم؛ ولم يأت فيها شيء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وإنما رُوي عن عمر-رضي الله تعالى عنه-أنه أمر بأن يُؤخذ الثوب عن وجهه وأن يوضع على الأرض مباشرة، ولكنّ هذا-أوّلا-لو صحّ-طبعا-هو مذهب صحابي وليس فيه حجة، إذ الحجة لا تقوم إلا بكتاب الله-تبارك وتعالى-وسنّة رسوله - صلى الله عليه وسلم - أو ما يرجع إليهما بوجه مِن الوجوه المعتبَرة، أما مذاهب الصحابة-رضي الله تبارك وتعالى عنهم-إذا لم يتفقوا جميعا على شيء فإنه لا يُعوَّل عليها، على أنّ هذا الأمر مِن عمر-رضي الله تعالى عنه-لم يثبت عنه، لأنه مِن طريق مجالب وهو ليس بحجة لضعفه في الرواية، فذلك لا يثبت عنه رضوان الله-تبارك وتعالى-عليه.
__________
(1) -لعل الشيخ قَصَدَ أن يقول: " تحتَ رأسِه " بدلا مِن " تحتَه ". (1/120)
صفحة 121
نعم، الذي يظهر لي أنه لا يُكشف عن وجهه، وذلك لأنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-أمر بأن يُكشف عن رأس ووجه مَن مات وهو محرِم، وفي ذلك دلالة على أنه إذا مات الإنسان أنّ الأصل فيه ألاّ يُكشَف عن وجهه، ولذلك أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وصحبه-بألاّ يُغطَّى وجه المحرِم، وهكذا بالنسبة إلى رأسه، أما رواية الرأس فهي صحيحة .. عند الإمام الربيع (1) وعند الإمام البخاري وغيرهما، وأما رواية النهي عن تغطية وجه المحرِم فهي عند الإمام مسلم، وقد اختلف العلماء في ثبوتها:
1-منهم مَن ذهب إلى أنها شاذّة ولا تثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وذهبوا إلى أنه يُؤمر بكشف الرأس لا الوجه، بل قالوا: " إنّ المحرِم لا دليل على أنه يُؤمر أو (2) يُنهى عن تغطية وجهه ".
2-وبعض العلماء ذهب إلى إثبات هذه الرواية.
وعلى كل حال فهي بحاجة إلى شيء مِن البحث والنظر والتمحيص حتى نَحكم بثبوتها أو بعدم ثبوتها، وذلك لأنّ الرواية الأخرى ثابتة صحيحة فلماذا سكتوا عن هذه الزيادة والأصل أنه لا يُسكت عن مثل هذه الزيادة اللهم إلا إذا كانوا أرادوا أنّ الوجه داخل في الرأس ؟! .. الأصل أنه لا يَدخُل في الرأس ولكن قد يُدخَل فيه لعلّة أو لأخرى، فنظرا لهذا الاحتمال نقول: " إنه لا يمكن أن نجزم بشذوذ هذه الرواية "، والظاهر أنه يُكشَف عن وجه المحرِم وعن رأسه، لأنّ رواية الكشف عن الرأس يمكن أن تكون شاملة للأمرين معا.
__________
(1) -مسند الإمام الربيع بن حبيب، كتاب الحج، باب (4) غسل المُحْرِم:
حديث رقم 403: أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: يغسل المحرم بماء وسدر.
حديث رقم 404: ومِن طريقه أيضاً عنه - عليه السلام - قال: ( إذا مات المحرم غسل، ولا يكفن إلا في ثوبيه اللذين أحرم فيهما، ولا يمس بطيب، ولا يخمر رأسه ).
(2) -يُنظَر مع الشيخ لعلّه قَصَدَ حذفَ: " يُؤمر أو ". (1/121)
صفحة 122
وفي هذا-كما قلتُ-دلالة ظاهرة على أنّ غير المحرِم لا يُكشَف عن وجهه .. هذا ما يظهر لي؛ والعلم عند الله تعالى.
س: ورد في روايات عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر النساء أن يغسلن ابنته بالماء والسّدر، ولكنّ العلماء يذكرون في غسل الميت أنه يُغسل أوّلا بالماء القراح، فمِن أين أتت هذه الزيادة ؟
ج: هذه الرواية صحيحة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأرى أنه يُؤخذ بظاهر الحديث، لأنني لم أجد دليلا يدل على خلاف هذا الظاهر، فيُغسل مِن أوّل مرة بالماء والسّدر؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: ما هي الطريقة الصحيحة لغسل الميت ؟
ج: على كل حال؛ هي لا تختلف عن هيئة غسل الجنابة، فالكيفية هي الكيفية (1) ،
__________
(1) -يبيّن الشيخ في جوابه على السؤال 2 مِن حلقة ليلة 12 رمضان 1424هـ ( 6/11/2003م ) حكم غسل الميت بتلك الكيفية هل هو على الإيجاب أو على الندب والاستحباب. (1/122)
صفحة 123
فإذا أراد مَن يقوم بتغسيل الميت أن يُغسِّل الميت فإنه أوّلا يقوم بنزع ثيابه الأصلية-إذا كانت ثيابه تلك لم تُنزع مِن قبلُ، وإلا فإنه ينبغي عندما يُتحقق مِن موت الميت أن تُنزع عنه ثيابه الأصلية ويغطى بثوب عادي، وإن كان ذلك ليس على طريق الإلزام-وتُستر عورتُه-طبعا-قبل نزع الثوب، لأنه لا يمكن أن تُبدى لأحد-ولا ينبغي أن يَحضر تغسيل الجنازة إلا مَن كان يقوم بمساعدة ذلك الذي يقوم بتغسيل ذلك الميت، أما أن يأتي بعض الناس ويجلس مِن أجل النظر وما شابه ذلك فلا إلا إذا كان هنالك مصلحة بأن يريد بعض طلبة العلم أو ما شابه ذلك أن يتعلم، لأنّ تعلّم هذه الكيفية بالفعل أوضح مِن تعلمها بالقول-فإذا نُزعت ثياب ذلك الميت بعد ستر عورته-والمراد بالعورة ما بين الركبة والسرة-فإنه يُؤمر بأن يَرفَع الميت إلى أن يَقرب مِن حالة الجلوس ولا يُجلِسه لكن يكون قريبا مِن ذلك، ويكون ذلك بيسر وسهولة، ثم بعد ذلك يُؤمر بأن يَمسح على بطنه إن لم تكن امرأةً حاملا-أما إذا كانت المرأة حاملا فلا يؤمر بذلك، فإن لم تكن امرأة حاملا فإنه يُؤمر بذلك-مِن أجل أن تَخرج الفضلات التي يمكن أن تخرج، ثم يُغسَّل الموضع الذي تخرج منه النجاسة-وهو الموضع المعروف-بالماء .. طبعا هنا لا يُحدَّد بمرّات، وإنما يُحدَّد بالحاجة التي تقتضيها النظافة، فعندما يتأكد ذلك المُغسِّل بأنه قد زالت النجاسة ولم يبق منها شيء فإنه يترك تغسيل ذلك الموضع، ولابد مِن أن يضع على يده شيئا كخِرقة مثلا، لأنه ليس له أن يُباشِر عورة الميت بيده إلا إذا كان ذلك الميت صغيرا، ومع ذلك الأوْلى ألاّ يباشر عورته .. بعد ذلك يقوم بالوضوء للميت .. يُوضِّئ ذلك الميت كهيئة الوضوء المعروفة لكن-طبعا-لا يُدخِل شيئا مِن الماء في فيه .. أوّلا ينوي تغسيل الميت ويُسمّي الله .. (1/123)
صفحة 124
إن قال: " بسم الله " فذلك لا بأس وإن قال: " بسم الله الرحمن الرحيم " فلا بأس، وقد اختار كثير مِن أهل العلم أن يَقتصر على قوله: " بسم الله "-ولعلّنا نتكلم على ذلك في موضع آخر بمشيئة الله تبارك وتعالى-ويقوم بغسل يدي الميت ثلاث مرات .. إن وَضع المُغسِّل على يديه شيئا فذلك أفضل وإن لم يضع شيئا فلا بأس، أما بالنسبة إلى العورة فلابد مِن أن يضع على يده شيئا كخرقة كما قلتُ .. يُوضِّي الميت كالوضوء المعروف لكن لا يضع ماء في فيه وإنما يأخذ بيديه شيئا مِن الماء-مجرد بلل-ويُدلِّك أسنانه .. يُنظِّف أسنانه، وهكذا بالنسبة إلى الاستنشاق لا يأخذ شيئا مِن الماء، ثم يأتي بهيئة الوضوء المعروفة، فإذا انتهى مِن ذلك فإنه يقوم بغسل رأسه بماء وسدر ولكن لا يأخذ شيئا مِن السّدر وإنما يَخُضُّ الماء بالرغوة الموجودة في ذلك الماء .. هذا فيما يتعلق برأسه ولحيته أي فيما يتعلق بموضع الشعر .. يَغسِل أوّلا الشعر كله، ثم يبتدئ بغسل الميت مِن الجانب الأيمن كهيئة غسل الجنابة .. اليد اليمنى وما يليها إلى نهاية الجانب الأيمن .. يغسل البطن مِن الجانب الأيمن أيضا، ثم بعد ذلك يقوم بغسل الظهر مِن الجانب الأيمن، ثم يغسل الجانب الأيسر .. اليد وما يليها-أيضا-مِن العنق، وهكذا بقية الجسد إلى القدم، ويغسل الجانب الأيسر مِن البطن، ثم بعد ذلك يغسل الجانب الأيسر مِن الظهر .. هذه هي الكيفية باختصار شديد.
س: يتجاوز مِن السرة إلى الركبة، لأنه غسله في البداية ؟
ج: هو-في الحقيقة-لم أجد دليلا بأنه أوّلا لابد مِن تغسيل ما بين السرة إلى الركبة بكامله، وإنما أوّلا يَغسِل الفرجين، فإذا كان غسل ذلك الموضع مِن قبلُ فَليس بحاجة إلى أن يعيد ذلك مرة ثانية، وإلا فالأصل أنني لم أجد دليلا يدل على أنه يُقدِّم ذلك بل يُؤخِّره إلى عند (1) الغسلة المعروفة.-
__________
(1) -لعلّه يُمكِن أن تُحذف: " عند ". (1/124)
صفحة 125
ويَصنع-طبعا-هذا ثلاث مرات أو خمس مرات أو سبع مرات أو أكثر مِن ذلك إذا كانت هنالك حاجة، كما ثبت ذلك في الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وفي المرة الأخيرة-طبعا-لا يكون هنالك شيء مِن السّدر بل يكون الماء العادي ويضع معه شيئا مِن الكافور؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: إذن فهما غسلتان بالماء والسّدر والماء والكافور ؟
ج: هي ثلاث مرات .. أوّلا كلّهن بالسّدر .. ثلاث أو خمس أو سبع أو حتى أكثر، والأفضل أن يكون وترا.
س: مشروعية الفاتحة في صلاة الجنازة .. بعض الروايات هكذا ذكرَتْ، لكن هناك-أيضا-ما ورد يُثبت مشروعية قراءة سورة بعد الفاتحة، فهل هذا صحيح ؟
ج: أما الرواية بقراءة الفاتحة فهي صحيحة كما قدّمنا [ ص3 ]، وأما بالنسبة إلى زيادة السورة فقد جاءت عند بعضهم ولم تأت عند بقية مخرِّجي هذا الحديث، فهي بحاجة إلى شيء مِن النظر، فأخشى ما أخشاه أن تكون هذه الزيادة شاذّة و-على كل حال-هي بحاجة إلى البحث كما قلتُ؛ والله أعلم.
س: بعد الدفن، هل تُشرع قراءة الفاتحة ؟ وإن كان لا يُشرع، فما هو الثابت في السنّة ؟
ج: على كل حال؛ هذا الجواب يحتاج إلى إطالة، فإمّا أن تؤخِّر ذلك أو أن أجيب باختصار شديد ولعله لا يكفي في مثل هذه المسألة التي انتشر الكلام فيها كثيرا؛ والله أعلم.
س: لا .. إذن نؤخّره (1) .
__________
(1) -أجاب الشيخ عن هذه المسألة في جوابه على السؤال 12 من حلقة ليلة 12 رمضان 1424هـ ( 6/11/2003م ) حيث قال هناك: " وأما بالنسبة إلى ... قراءة القرآن على القبور فإنّ ذلك مِمّا لم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن صحابته الكرام-رضي الله تعالى تبارك وتعالى عنهم-كما نصّ على ذلك المحقّقون من أهل العلم.
وإنما جاءت في ذلك رواية من طريق ابن عمر-رضي الله تبارك وتعالى عنهما-فيها أنّ النبي-صلى الله عليه وآله وسلم-أمر بالقراءة على رأس الميت بأن يُقرأ بفاتحة الكتاب ويُقرأ بخاتمة ' البقرة ' عند رجليه، ولكنّ هذا الحديث لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لأنه جاء من طريق راويين ضعيفين بل أحدهما ضعيف جدا، فهو حديث باطل لا يُلتفت إليه، وقد جاء موقوفا عن ابن عمر-رضي الله تعالى عنهما-ولكن فيه راويا مجهولا، فالراويان الضعيفان في الرواية المرفوعة هما يحيى البَابُلْتِي وهو ضعيف لا يُحتج بروايته، والراوي الثاني هو أيوب بن نُهَيْك ولا يُحتج بروايته بل هو أضعف من الأول، والرواية الموقوفة مع أنها لا حجة فيها-لأنها على تقدير ثبوتها هي مذهب صحابي-هي لا تثبت عن ذلك الصحابي رضي الله-تبارك وتعالى-عنهما. ". (1/125)
صفحة 126
س:هل مِن الضروري أن يُسنَّم القبر أم يُسطَّح ؟وما هي الحكمة في وضع حجرين للذكر وثلاث حجرات للأنثى ؟
ج: أما بالنسبة إلى تسطيح القبر أو تسنيمه فالعلماء اختلفوا في الأفضل؛ والأفضل التسنيم، هذا هو الذي يظهر لي، وذلك لأنه قد ثبت أنّ قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - كان مُسنَّما، أما ما جاء في رواية أخرى مِن أنه كان بخلاف ذلك فإنّ هذه الراوية ضعيفة، لأنها جاءت مِن طريق مجهول وهو عمرو بن عثمان، بينما الرواية الأخرى صحيحة ثابتة، فرواية التسطيح لا تَثبت، فالأوْلى أن يكون مُسنَّما اللهم إلا إذا كان-في ديار حرب .. أي- (1) في ديار الكفرة ويُخشى مِن أن يقوم الكفرة بنبش قبر ذلك المسلم الذي دُفن هنالك فإنّ القبر يُسوَّى لأجل هذه المصلحة، وإلا فإننا نأخذ بما فعله الصحابة لقبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وهكذا الحال بالنسبة إلى قبري صاحبيه رضوان الله-تعالى-عليهما.
أما بالنسبة إلى الحكمة في وضع حجرين على قبر الرجل وثلاثة على قبر الأنثى ففي الحقيقة مَن أراد أن يَنقُش على حجر فلابد مِن إثبات ذلك الحجر قبل النقش عليه، فإننا نحن لا نقول بثبوت هذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فلا توجد رواية لا صحيحة ولا حسنة ولا ضعيفة خفيفة الضعف تدل على مشروعية هذا الأمر، وإنما الذي جاء أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أَمَر بوضع حجر على قبر أحد صحابته-رضوان الله تبارك وتعالى عليهم-مِن أجل أن يَعرف النبي - صلى الله عليه وسلم - قبر ذلك الصحابي رضوان الله عليه، وهذه الرواية لا بأس بها على ما يظهر لي.
__________
(1) -يُنظَر مع الشيخ لعلّه قَصَدَ حذفَ: "-في ديار حرب .. أي-". (1/126)
صفحة 127
أما ما ذكره بعض أهل العلم-جزاهم الله تبارك وتعالى خيرا-مِن وجود رواية أخرى تدل على وضع الحجرين وما ذكروه مِن أنّ هذه الرواية مُثبِتة والرواية الأخرى نافية-في الحقيقة ليست بنافية هي يمكن أن يقال ساكتة-فتُقدّم الرواية المثبِتة .. نعم، لو ثبتت هذه الرواية فلا كلام، ولكنّ هذه الرواية لا تثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقد بيّن الإمام العلاّمة أبو نبهان-رحمه الله-بأنه لم يثبت في ذلك شيء، فلا يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - شيء أبدا في وضع حجرين ولا ثلاثة لا على قبر الرجل ولا على قبر المرأة، وإنما هو مِن صنيع بعض الناس وانتشر وشاع وذاع فظنّ بعض أهل العلم أنّ ذلك مِن السنن الثابتة وليس كذلك، وهذا قد وقع في كثير مِن المسائل؛ والله-تبارك وتعالى-وليّ التوفيق.
س: أنا أخشى فقط ألاّ يَفهم البعض الكلام على مراده، هل في وضعها-الآن-بأس ؟
ج: على كل حال؛ نحن نقول لم يثبت في ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - شيء إلا ما ذكرتُه [ ص9 ] مِن قضية الحجر الواحد وأيضا لمعنى آخر، أما بالنسبة إلى وضع حجرين أو ثلاثة والتفريق بين المرأة والرجل فذلك لم يثبت.
ولكن كثيرٌ مِن الناس يفعلون ذلك فيمكن أن ننبه الناس بأسلوب لطيف مِن غير أن يكون هنالك أخذٌ وردّ وقيل وقال وأن يؤدي إلى سبّ بعض أهل العلم أو شتمهم كما يقع مِن بعض العوام الجهلة الأغمار الذين لا يفقهون شيئا مِن شرع الله تبارك وتعالى، فالسكوت في بعض الأحيان عن بعض هذه الأمور التي لا تصل طبعا إلى درجة التحريم أو الإيجاب أهون مِن سبّ أهل العلم والقَدح فيهم وما شابه ذلك، فعندما يريد الإنسان أن ينبه على شيء فليكن بأسلوب لائق ثم لا يلزم أن يكون في وقت الدفن، لأنه قد يتدخل بعض أهل الميت ويظنون أنّ في ذلك نَقصا لميتهم أو ما شابه ذلك، وللعوام حالات غريبة؛ والله-تبارك تعالى-أعلم.
س: إذن تُترك لوعي الناس بِتقدّم الزمن ؟ (1/127)
صفحة 128
ج: نحن علينا أن ننبه ونخبرهم بأنّ هذا لم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، لكن-طبعا-لا يصل إلى درجة التحريم.
س: هل الأوْلى لحاضر الدفن القيام أم الجلوس، لأنّ البعض يقول: إنّ الله-تعالى-قال لنبيه: { ... وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ ... } [ سورة التوبة، من الآية: 84 ] قال: إنّ الأصل في أثناء الدفن القيام وأنّ جلوس النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما كان لعارض لأجل مخالفة اليهودي الذي مرّ بهم حينئذ؛ فهل يستقيم هذا الاستدلال ؟ وماذا ترون ؟ ومتى يَبدأ هذا القعود .. هل عندما يوضع في القبر أم قبل ذلك ؟
ج: على كل حال؛ المسألة فيها كلام طويل عريض لأهل العلم، ولكن الآية لا يراد بها هذا القيام الذي يذكره هذا الأخ السائل، للآية معنى آخر ليس هذا، والوقتُ لا يكفي لذلك.
وأما الجلوس بعد وضع الميت في الأرض فهو ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
ولكن هل يُنهى عن الجلوس قبل وضع الميت في الأرض ؟
1-فبعض العلماء يقول: ذلك لا ينبغي.
2-وبعض العلماء يقول: الآن نُسِخ.
فالحاصل لا وجوب ولا تحريم في القضية، ولكن هل الأفضل الجلوس أو الأفضل القيام ؟ هذه المسألة فيها خلاف؛ ولا يمكننا أن نطيل في ذلك في هذا الوقت؛ والعلم عند الله.
س: ما قولكم في امرأة أطلقت على نفسها النار ببندقية وماتت إثر الطلقة فورا والسبب يرجع بينها وبين أهلها في عدم رضاهم عن زواجها وكلما دخلت منزل أهلها لرؤيتهم لا أحد يتحدث معها ولا يردون عليها السلام إذا سلمت عليهم ؟ وهل يُصلى على الذي قتل نفسه ؟
ج: إنه مهما كانت الأسباب لا يجوز للإنسان أن يقوم بقتل نفسه، فمن قتل نفسه متعمدا فهو خالد في نار جهنم (1)
__________
(1) -لئلا يُفهَم كلام الشيخ على غير مرادِه ننقل هذه الفتوى للشيخ أحمد بن حمد الخليلي:
" س7: عدم نطق المحتضر بالشهادتين، هل دليل على هلاكه مثلا ؟
ج: الحكم بالهلاك أمر عسير، فإنه لا يمكن أن يكون ذلك دليلا على الحكم بهلاكه .. لا يحكم على أحد بأنه هالك ما لم يكن هنالك نص قطعي متواتر يدل على هلاكه، وأنّى لنا بذلك في أحد من أهل زماننا ؟! إنما يُوكَل الأمر إلى الله سبحانه، والله يعلم السرائر من عباده، بل قال العلماء بأنّ من مات وهو على معصية ظاهرة في حكم الظاهر-كأن يموت وكأس الخمر في فيه، أو يموت على أيّ حالة من هذه الأحوال البعيدة عن الحق-لا يُحكم بهلاكه قطعا .. لا يقطع أحد بأنّه من أهل النار، إذ لعله جُنّ .. تاب أوّلا ثم جن وأتى ما أتى وهو في حالة الجنون .. مادام هنالك احتمال لا يحكم بهلاكه قطعا .. نعم هو في حكم الظاهر مات على عمل غير صالح ولكنّ السرائر إنما يعلمها الله تبارك وتعالى وحده. " المصدر: شريط " فتاوى في أحكام الجنائز " الجزء الأول. (1/128)
صفحة 129
والعياذ بالله تبارك وتعالى، كما دلت على ذلك النصوص الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ فليس له أن يقتل نفسه لأيّ سبب من الأسباب.
أما بالنسبة إلى فِعل أولئك الأهل الذي فعلوه مع ابنتهم لكونهم لم يرضوا بزواجها فلا شك بأنه مخالف لشرع الله تبارك وتعالى، فالوليّ ليس له أن يمنع من هو وليّ ومسؤول عنها مِن أن تتزوّج بمن أرادت إن كان ذلك الشخص لم يكن عاصيا لله تبارك وتعالى، أما إذا كان عاصيا لله-تبارك وتعالى-مرتكبا لكبائر من كبائر الذنوب ويَخشى أن يُضِلَّ ذلك الشخص تلك المرأة فهنا لابد أن يتدخل ويحاول أن يُقنع تلك المرأة ومع ذلك-أيضا-لا نقول: " إنه له أن يمنعها من الزواج بذلك الشخص " إلا في حالات نادرة جدا وذلك يكون بسؤاله لأهل العلم، أما أن يمنعها أن تتزوج بمن أرادت ولو كان-طبعا-مرتكبا لشيء من معاصي الله-تبارك وتعالى-فهذا مما لا يصح، فعلى هؤلاء الأهل أن يتوبوا إلى الله-تبارك وتعالى-قبل فوات الأوان، فعسى الله-تبارك وتعالى-أن يتجاوز عن سيئاتهم، وإلا فإنّ الذي فعلوه-والعياذ بالله تبارك وتعالى-ليس من الأمور الهيّنة، بل هو من معاصي الله تبارك وتعالى .. ما ذنب تلك المرأة إذا كانت لا تريد شخصا يريدون هم أن يزوجوها إياه وكانت ترغب في شخص آخر مع أنّ الإسلام قد أحلّ لها ذلك، كما نصت على ذلك النصوص الصريحة ؟! فعلى كل حال هذا هو الذي ينبغي أن يَنتبه له جميع الأولياء، وهو أنه ليس لهم أن يتدخلوا في مثل هذه الأمور .. نعم، ممكن أن يلجأوا إلى النصح والتوجيه والإرشاد ثم يطلبوا بعد ذلك من أهل العلم أن يُوجِّهوا من أرادت أن تتزوج من لا يصلح لها بسبب معصية الله-تبارك وتعالى-وما شابه ذلك، أما أن يمنعوها فليس لهم ذلك، ومن فعل ذلك فلا طاعة له ولا كرامة، ولا ينبغي أن يُلتفت إليه؛ والله-تبارك وتعالى-المستعان. (1/129)
صفحة 130
أما بالنسبة إلى الصلاة على من قتل نفسه فإنه لا يصلي عليه أهل الصلاح ومن يُنظَر إليهم من أهل الفضل، وإنما يصلي عليه بعض العوام، حتى يكون ذلك رادعا لمثله، فإنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-امتنع-كما ثبت ذلك عنه في الحديث الصحيح-من الصلاة على قاتل نفسه، وكذلك امتنع من الصلاة على من غَلّ في سبيل الله، وقد اختلف العلماء هل ذلك مقصور على هذين الصنفين أو أنه شامل لكل من ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب تساوي في بشاعتها هاتين المعصيتين أو تزيد عليهما ؟ ولا شك أنّ القول بالقياس عليهما هو القول الصحيح، فمن وقع في مثل هذه المعاصي الجرائم الكبيرة فإنه لا يصلي عليه أهل الفضل، وإنما يصلي عليه بعض العوام؛ والله المستعان.
س: بالنسبة للكفن الذي كُفِّنت به .. جرى دم من مجرى الطلقة، فهل يُصلى عليها في هذه الحالة أم يُغيَّر الكفن مرة أخرى ؟
ج: لكن إذا غُيِّر الكفن قد يكون الأمر كذلك في المرة الثانية فيصلى عليها لكن قبل كل شيء يحاولون بأن يضعوا شيئا من القُطن-أو ما شابه ذلك-في الموضع الذي يَخرج منه الدم، فإن لم يمكن أن يقف ذلك الدم فلا حول ولا قوة إلا بالله .. يصلون عليها ولا بأس، أما إذا أمكن إيقاف ذلك بوضع شيء عليه فلابد من استعمال ذلك.
س: هل يحق للزوج المطالبة بما دفعه مهرا لها ؟ علما بأنّ أهلها هم السبب الرئيسي بإطلاق النار على نفسها وموتها.
ج: ما نستطيع أن نقول أنّ له شيئا من ذلك، لأنها هي التي قَتلت نفسها .. لم تُجبَر على ذلك.
س: هل يجب أن يكون غسل الميت كغسل الجنابة بحيث يقدم الرأس ثم الميامن قبل المياسر وهكذا ؟ (1/130)
صفحة 131
ج: لا، ليس ذلك على الإيجاب، وإنما على الندب والاستحباب، فقد أمر النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-بأن تُقدَّم الميامن-كما ثبت ذلك في الصحيح-ولكنّ ذلك على الندب-كما قلتُ-فلا ينبغي أن تُخالف هذه الهيئة الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولكن من خالف ذلك لعدم معرفته بذلك-مثلا-أو لسهو وذهول أو ما شابه ذلك فلا شيء عليه بمشيئة الله، أما أن يتعمّد الإنسان أن يُخالِف السنّة الثابتة فإنّ ذلك مما لا ينبغي.
س: هل يُمكن للمُغسِّل أن يضع قفازين أو خرقة على يده طوال الغسل وليس فقط عند غسل العورة فقط ؟
ج: نعم، أنا قلتُ بالأمس (1) بأنه يمكن له ذلك، أما عندما يقوم بتغسيل الفرجين فلابد من ذلك، أما بالنسبة إلى بقية أعضاء الجسم فإذا فعل ذلك فذلك حسن، وإن كان ذلك لا يلزم.
س: يعني القفازان-الآن-تقومان مقام الخرقة ؟
ج: الحاصل يضع شيئا على يده التي يباشر بها الغسل.
س: البعض يضع قطنا في فرج الميت، فهل ورد في السنّة ما يشير إلى ذلك ؟
ج: على كل حال؛ ورد في السنّة الأمر بتطييب الميت، أما أنه يوضع في الموضع الفلاني وفي الموضع الفلاني أو ما شابه ذلك فتلك اجتهادات من أهل العلم، وقد اختلف العلماء:
1-منهم من قال: تُطيَّب الأماكن التي يَسجد عليها الإنسان تكريما لتلك الأماكن، أما ما عدا ذلك فلا يحتاج إلى تطييب.
2-ومنهم من يزيد على ذلك الفم والأنف.
3-ومنهم من يزيد على ذلك الفرجين. 4-ومنهم يزيد على ذلك الدبر (2) . وطبعا يضع ذلك-على رأي من يقول بذلك-بين الإليتين .. يضعه في قطنة ويضع تلك القطنة فوق ثوب ويربط ذلك الثوب الذي هو كالتُبّان مثلا.
__________
(1) -في الجواب على السؤال 8.
(2) -لو تُزاد هنا كلمة " فقط " للإيضاح. (1/131)
صفحة 132
و-على كل حال-بما أنّ ذلك لم يَرِد فلا أرى داعيا ولا حاجةً إلى وضعه في الفرجين، لأنّ هذين الموضعين ينبغي للإنسان ألاّ يباشرهما إلا في حالة الضرورة .. أي في حالة التغسيل، ولكن مع ذلك لو وَضع فلا ينبغي أن يضع في الفرج بنفسه وإنما يضع بين الإليتين ويُحاوِل ألاّ يلمس قدر طاقته، ومع ذلك أرى أنه لا داعي لذلك، وقد نصّ بعض العلماء على أنّ ذلك من البدع التي ينبغي اجتنابها، وذلك حسن؛ والله أعلم.
س: التكبيرات-طبعا-المعروفة هي أربع تكبيرات، لكن وردت أحاديث تزيد على هذه التكبيرات خمس، كحديث زيد بن أرقم كبّر خمسا ونسب ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وإذا كان-أيضا-بعض الأحاديث ثبتت .. تصل إلى سبع .. ثمان .. تسع وهلم جرا، ماذا يقال بعد كل تكبيرة ؟ وهل يصح أنّ آخر ما كبّر النبي - صلى الله عليه وسلم - على صلاة الجنازة أربع تكبيرات .. هل هذا الحديث-أيضا-صحيح ؟
ج: وردت أحاديث متعددة عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-في مشروعية التكبير على الميت، وقد اتفقت الأمة الإسلامية على ذلك، وإنما وقع بينهم الخلاف في الزيادة على أربع تكبيرات .. هل يزيد المصلي على ذلك في هذه الأوقات ؟ فبعض العلماء ذهب إلى أنّ تلك الزيادة كانت في الماضي ثم نُسخت بعد ذلك، لأنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-في أواخر أمره كبّر بأربع تكبيرات؛ وذكروا بأنه قد استقر الإجماع على ذلك؛ وليس الأمر كذلك، إذ إنّ الخلاف موجود؛ وقد قال بمشروعية الزيادة طائفة كبيرة من أهل العلم، وهذا القول هو القول الصحيح. (1/132)
صفحة 133
وينبغي للإنسان عندما يجد حكايات الإجماع في كثير من المسائل ألاّ يتسرّع بالحكم على الإجماع بناء على ما ذكروه من حكاية الإجماع، فإنني أجد في كثير من المصنَّفات-كـ " المُغْنِي " وكـ " البحر " وغيرهما-حكاية الإجماع على كثير مِن الأقوال مع أنه قد اختلف العلماء في تلك المسائل على أقوال متعددة، ومن أعجب ما رأيتُ أنني رأيتُ بعض العلماء قد حكى الإجماع على قول من الأقوال وحكى غيرُه الإجماع على عكس ذلك تماما.
فهذه الإجماعات لا ينبغي أن نتسرع في حكايتها وفي الحكم بالتخطئة على من خالفها، وهذه المسألة من ذلك القبيل، فلا إجماع في هذه المسألة أبدا، وإن حكاه من حكاه من أجِلَّة أهل العلم، فالخلاف موجود، والصواب مع من قال بمشروعية الزيادة على الأربع إلا أنه ينبغي أن يكون الأغلب أن يُكبر الإنسان في صلاته على الأموات بأربع تكبيرات، وأما أن يزيد في بعض الأحيان فذلك مما لا مانع منه.
فإذا صلى بخمس تكبيرات-مثلا-فقد ذهب غير واحد من أهل العلم إلى أنه يدعو بعد التكبيرة الثالثة بدعاء عام وبعد التكبيرة الرابعة يُخصِّص الميت بالدعاء إن كان ذلك الميت صالحا، وهذا وإن لم نجد نصّا صريحا يدل عليه ولكنه لا بأس به.وهكذا إذا زاد على الخمس فلا مانع، لما جاء من الروايات التي تدل على الزيادة، كالستّ والسبع والثمان؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: يبقى إذن ما بعد التكبيرات محصورا في الدعاء فقط ؟
ج: نعم، محصور في الدعاء، لأنّ هو ذلك المقصود من هذه الصلاة، ولكن لابد من الإتيان بالفاتحة بعد التكبيرة الأولى كما قلتُ بالأمس (1) ، لثبوت ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
هذا وقد اختلف العلماء في مشروعية التوجيه-وإن كان هذا لم يَرِد في السؤال ولكنه لا بأس مِن ذكره، لأنّ كثيرا من الناس يسألون عنه-:
1-فمن أهل العلم من قال بمشروعية التوجيه.
2-ومنهم من قال: إنّ الإنسان مخيّر في ذلك.
__________
(1) -في الجواب على السؤال 2. (1/133)
صفحة 134
3-ومنهم من قال بعدم مشروعيته، لأنّ ذلك لم يَرِد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وصحبه-ولأنّ-أيضا-هذه الصلاة مبنية على التخفيف.
وهذا القول-وهو قول من قال بعدم مشروعية التوجيه في صلاة الميت-هو الذي أراه؛ والعلم عند الله.
س: هل تغسيل الميت يُراد به النظافة أم هو تعبّد محض ؟
ج: لا نستطيع أن نقول: " إنه من أجل النظافة فقط "، بل هو للأمرين معا فهو تعبد وفي ذلك-أيضا-حكمة ظاهرة وهي النظافة، وذلك يظهر من أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بتغسيل ابنته-رضي الله تعالى عنها-بثلاث مرات أو بخمس أو بسبع، فذلك واضح منه، ثم-أيضا-ذلك واضح من التغسيل بالسّدر، وبالأَشْنَان عند الحاجة، ويُستعمل في ذلك الصابون والمنظِّفات العصرية في زماننا هذا زيادة على السّدر إن كانت هنالك حاجة تدعو إلى ذلك.
وقد تكون هنالك حِكم ويكون هنالك-أيضا-تعبُّد .. تجتمع، فمثلا الاغتسال ليوم الجمعة .. هنالك حكمة-ذكرها غير واحد من أهل العلم-وهي النظافة ولكن ليس-أيضا-هي المقصود الوحيد، بحيث إذا كان الإنسان نظيفا لا يقال: " إنه لا يغتسل "، فقد جاء عن بعض الصحابة-رضي الله تعالى عنهم-أنّ الناس كانوا في ذلك الزمان يعملون و-طبعا-لم تكن في ذلك الزمان مكيّفات وما شابه ذلك فكان يَخرج العَرَق منهم بكثرة فتخرج من بعضهم روائح فأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالاغتسال، ولكن ذلك مستمر بحيث إنه لو اغتسل شخص بالليل في عصرنا هذا ولم يَخرج منه شيء من العرق ولا شيء من الروائح التي تُكرَه فإنه لا يقال: " إنه لا يؤمر بالاغتسال " .. كلاّ، بل هو مأمور بذلك.
وهكذا بالنسبة إلى مشروعية الرَّمَل في الطواف؛ وبالنسبة-كذلك-إلى مشروعية الاضطباع في الطواف؛ فهنالك حكمة وهنالك مشروعية أيضا.
فمن المعلوم أنّ غسل الميت واجب كفائي، ولابد منه إذا كان الماء موجودا ويمكن استعماله من ناحية الذي يقوم بالتغسيل ومن ناحية الميت. (1/134)
صفحة 135
أما من ناحية الذي يقوم بتغسيل الميت إذا وَجد ماءً يُمكنه أن يستعمله، أما إذا وجد ماءً باردا جدا ولا يمكنه أن يستعمله ويخشى على الميت من أن تَخرج منه روائح .. يتعفن أو ما شابه ذلك إذا انتظر حتى يجد ماء صالحا لذلك ولم يكن لديه شيء يُسخّن به ذلك الماء فها هنا ضرورة في ترك الغسل، وهل يَتيمّم له أو لا ؟ سيأتي التنبيه عليه بمشيئة الله تبارك وتعالى وأما بالنسبة إلى الميت .. إن كان هذا الميت لا يُمكن تغسيله لأنه مات بسبب حريق مثلا، أو كان خنثى، أو كان امرأة ولا توجد هنالك امرأة ولا يوجد أحد-أيضا-من محارمها-وهذا طبعا على رأي كثير من أهل العلم وهم الذين يمنعون من أن تُغسِّل المرأة الرجل أو الرجل المرأة، ولا شكّ بأنّ هذا رأي قويّ ولاسيما بالنسبة إلى تغسيل الرجل للمرأة إلا إذا على رأي من يقول إنه يصب عليها الماء صبّا-فها هنا ضرورة في ترك تغسيل الميت، أما إذا أمكن فلابد منه ولو كان ذلك الميت قد اغتسل قبل وفاته مباشرة-مثلا-أو مات في بحر أو في نهر أو في فَلَجٍ أو ما شابه ذلك وليس به شيء من الأوساخ .. فهذا أمر لابد منه، ولكن-أيضا-تُراعى الناحية الأخرى من حيث عدد الغسلات أو ما شابه ذلك، كما جاء ذلك في الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
أما بالنسبة إلى التيمم للميت فقد قلنا (1) : إنّ العلماء قد اختلفوا فيه:
1-منهم من قال: إنه يُيمَّم عند عدم وجود الماء أو عند عدم القدرة على استعماله لأيّ سبب من الأسباب؛ وهذا رأي طائفة كبيرة جدا من أهل العلم.
2-ومنهم من قال: إنه لا يُيمَّم، لأنه لم يثبت عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله سلم-ولا يمكن أن يقاس على بقية الأحداث التي ثبتت فيها مشروعية الغسل، لأنّ القياس في مثل هذه الأمور مما لا يمكن أن يصار إليه.
__________
(1) -في الجواب على السؤال 3 من حلقة ليلة 11 رمضان 1424هـ ( 5/11/2003م ). (1/135)
صفحة 136
ولا شك أنّ الخروجَ مِن الخلاف والاحتياطَ أمر حسن، أما أن نقول: " إنّ ذلك واجب متحتّم لوجود هذا القياس أو ما في معناه " فإنه مما لا يخفى أنّ فيه من البعد ما فيه، فالاحتياط مطلوب والقول بوجوب ذلك فيه ما فيه، وقد أوضح ذلك الإمام السالمي-رحمه الله تبارك وتعالى-في معارجه، فمن شاء ذلك فليرجع إليه (1) ؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
__________
(1) -قال الشيخ في جوابه على السؤال 3 من حلقة ليلة 11 رمضان 1424هـ ( 5/11/2003م ): " ومنهم من ذهب إلى أنه لا يُتيمّم له، ذلك أنه لم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يدل على مشروعية التيمم، ومن المعلوم أنّ غسل الميت يُقصد به النظافة وما دام كذلك فالتيمم ليس فيه شيء من النظافة اللهم إلا إذا كان ذلك التيمم الذي يراد به البدل من الوضوء، أما التيمم الذي يراد به البدل من الغسل فلا دليل عليه، هذا الذي يظهر لي.
وقد خرّج الإمام السالمي-رحمه الله تبارك وتعالى-في معارجه ذلك على ما ذكرتُه هنا .. لا أقول: ' إنّ الشيخ-رحمه الله تبارك وتعالى-ذهب إلى ذلك ' لأنه لم يتعرض-حسب حافظتي-إلى الترجيح في هذه القضية، ولكنه سوّغه بعد أن ذكر الإمام الكدمي-رحمه الله-بأنه لا يوجد في المذهب .. سوّغه الإمام السالمي-رضي الله تعالى عنه-ورأى أنّ له وجها من الحق؛ وهو كذلك.
فإن تيمموا بقصد أن يكون ذلك عوضا عن الوضوء-لأنّ الوضوء مشروع في غسل الميت، وإن كان الوضوء في غسل الأموات طبعا لا يجب، وإنما هو سنّة-فذلك لا بأس به، وإن أخذوا برأي من يقول بالتيمم وتيمموا به بإرادة التيمم الذي يراد به أن يكون عوضا عن الغسل فأيضا لا بأس بذلك بمشيئة الله تبارك وتعالى، وإن أمكن أن يصبّوا عليه الماء-فقد قال بعض العلماء أنهم يصبون عليه الماء-صبّا-طبعا-إذا كان يصل إلى جسده ثم بعد ذلك تزال تلك الثياب فهذا لا شك أنه يُقدَّم على التيمم. ". (1/136)
صفحة 137
س: إذا توفيت المرأة وهي حامل وبداخلها جنين له حركة تدل على وجود حياة فيه، فهل يُخرج أم يُدفن معها ؟
ج: هذه المسألة قد اختلف فيها أهل العلم:
1-منهم من ذهب إلى أنه لا بأس من شَقّ بطن هذه المرأة وإخراج ذلك الجنين منها.
2-بل ذلك أمر لابد منه على رأي بعضهم؛ وهو الصحيح عندي، فما دام الولد حيّا وعُرِفت حياته فلابد من إخراجه فمراعاة الحي مقدَّمة على مراعاة الميت وفي زماننا هذا سهل-والحمد لله تبارك وتعالى-لوجود المستشفيات والوسائل الموجودة فيها.
3-ومن أهل العلم من ذهب إلى أنه لا يجوز إخراجه بل يُنتظر إلى أن يموت وتُدفن بعد ذلك وإن دفنوه قبل التحقق من موته فإنه لا بأس بذلك؛ وهذا هو الذي رجّحه الإمام نور الدين-رحمه الله تبارك وتعالى-في معارجه.
ولكنّ الصحيح هو القول الذي ذكرتُه [ ص6 ]؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
ولعلّ الشيخ رجّح ذلك-أيضا-لعدم وجود هذه الوسائل في هذا العصر (1) وإن كنتُ لا أقوى على أن أنسب إليه أنه سيجيز ذلك لو كانت هذه الوسائل موجودة، لأنّ كلامه قد لا يساعد على ذلك.
ومهما كان فالشيخ الإمام-رحمه الله-من كبار أهل العلم ولكنه-رحمه الله تبارك وتعالى-علّمنا أنه إذا وُجد الدليل فإنه يصار إلى الدليل، ولا يُؤخذ برأي من دون دليل ولو كان قائله من كبار أهل العلم، فرحمه الله وجزاه الله-تعالى-خيرا.
س: هل كفن الميت له هيئة مخصوصة .. بأيّ طريقة تحقّقت، فعندما يُكفّن الميت بمثل ما يلبس في حياته من إزار و " دشداشة " و " مصر " ونحوها ؟ وهل يمكن أن تُكفّن المرأة بما تلبس من ملابس حياتها أيضا ؟
ج: على كل حال؛ يمكن أن ننظر إلى هذه المسألة من ناحيتين .. من ناحية الإيجاب ومن ناحية الأفضل:
* أما من حيث الإيجاب فيُكفّن الإنسان بشيء يستره.
__________
(1) -لعلّ الشيخ قَصَدَ أن يقول: " لعدم وجود هذه الوسائل الموجودة-في هذا العصر-في عصره ". (1/137)
صفحة 138
* وأما من حيث الأفضل فالعلماء قد اختلفوا في ذلك؛ والظاهر أنّ الأفضل أن يُكفّن في ثلاثة من الثياب تكون على هيئة لفافات تتّسع للميت بطوله من جهة الرأس إلى الرجلين بل تكون هنالك بقية من ناحية الرأس ومن ناحية الرجلين ومن ناحية الرأس أطول، فيُكفّن أوّلا في ثوب يُلفّ عليه ثم يُلفّ الثاني على ذلك الأول ثم الثالث، ولا ينبغي أن يزاد على ثلاثة.
أما الحديث الذي فيه مشروعية الزيادة على الثلاثة عند تكفين المرأة فهو حديث ضعيف لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإنما الثابت أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كُفّن في ثلاثة أثواب .. هذا الذي نعتمده ونذهب إليه ونرى أنه الصواب؛ والله أعلم.
س: إذن ما تعارف عليه الناس من " دشداشة " وإزار وكمّ ... ؟
ج: على كل حال؛ هذا رأي لبعض أهل العلم أنه يُكفّن في مثل هذه الأشياء؛ ولكن ذلك هو الأقرب إلى الصواب.
س: يعني المقصود الستر فقط ؟
ج: هو الأصل هذا، لكن الأفضل أن يكون في ثلاثة أثواب على الهيئة التي ذكرتُها.
س: بالنسبة للحنوط هل هو ثابت في السنة ؟
ج: ذلك ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .. مأمور به .. في الثياب وفي المواضع التي ذكرتُها سابقا [ ص3-4 ] .. في مواضع السجود، وعلى خلاف في بقية المواضع الأخرى .. يوضع له في الفم وفي الأنف، وقيل: " إنّ الحكمة من ذلك من أجل طرد الهوام "، وكذلك-كما قلتُ-بعض العلماء يقول: " في القبل والدبر "؛ وبعضهم يقول: " في الدبر (1) "؛ ولا يعجبني ذلك بالنسبة إلى الفرجين، بل بعض العلماء نصّ على أنه بدعة من البدع.
س: إذا توفي عدد من الأشخاص وفيهم رجال ونساء .. في حال الصلاة عليهم، كيف يكون ترتيبهم ؟
__________
(1) -لو تُزاد هنا كلمة " فقط " للإيضاح. (1/138)
صفحة 139
ج: يُقدّم أوّلا الرجال ثم بعد ذلك الأطفال ثم بعد ذلك النساء، ولكن اختلفوا في المراد بهذا التقديم .. هل هو من جهة القبلة أي يوضع الرجال إلى جهة القبلة ثم بعد ذلك الأطفال ثم النساء وهكذا بحيث يكون الرجال أقرب إلى القبلة والنساء أقرب إلى الإمام، أو العكس وهو أنه يراد بالتقديم من جهة الإمام وهو أنّ الرجال يكونون أقرب إلى الإمام وبعد ذلك الأطفال ثم النساء وهكذا ؟ في هذا خلاف بين أهل العلم؛ والذي يُؤيّده الحديث أنّ الرجال يكونون أقرب إلى جهة الإمام، فأوّلا يكون الرجال إلى جهة الإمام ثم بعدهم الأطفال ثم النساء الكبار وبعد ذلك الصغار.
س: الإمام أين يقف عندما يصلي على الرجل .. عند رأسه .. عند صدره ؟
ج: في هذه المسألة خلاف بين أهل العلم؛ والذي يُؤيّده الدليل هو قول من قال: " إنّ الإمام يقف عند رأس الرجل وعند وسط المرأة " .. هذا هو الذي يدل عليه الحديث الصحيح الثابت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ وذكر بعض أهل العلم أنّ الحكمة من ذلك هو أن يستر الإمام عجيزة المرأة عن الرجال؛ ومهما كان سواء كانت هذه هي الحكمة التي راعاها الشارِع أو لم تكن هي فإنه ينبغي لنا أن نأخذ بالحديث الثابت عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-أدركنا الحكمة أو لم ندرك الحكمة من ذلك؛ والله أعلم.
س: هل يجوز أن يقف الإنسان على قبر الميت فيقرأ عليه القرآن ؟ وأخٌ يقول: سمع أنكم أجزتم قراءة القرآن وإهداءه للميت.
ج: في الحقيقة ما قلتُ ذلك؛ وينبغي التثبت، وأنا أشكر الأخ السائل-جزاه الله خيرا-على طرح سؤاله هذا وعلى تثبته من هذا الأمر؛ فأنا ذكرتُ قولا لبعض أهل العلم، بل قلتُ في جواب سابق (1) :
__________
(1) -كان ذلك في جواب الشيخ على السؤال 10 مِن حلقة ليلة 8 رمضان 1424هـ ( 2/11/2003م )، وهذا هو نصّ السؤال مع جواب الشيخ عليه هناك:
" س10: توفي والده وأوصى بقراءة ختمتين في كل رمضان من ماله، ولأنّ المال لم يُقسَّم كان إخوةُ أبيه-أو أعمامُه-يُؤجِّرون على قراءة هاتين الختمتين، والآن لما آل الأمر إليه يقرأ بنفسه عن أبيه بدون أن يأخذ شيئا من المال، ما حكم ذلك المال الذي كان يُؤخذ من مال الميراث لتأجير هذه القراءة ؟ وهو الآن إذا قرأ عن أبيه، هل يصل الأجر إليه ؟
ج: على كل حال؛ بعض العلماء حكى الاتفاق على صحة القراءة عن الميت إذا كانت-طبعا-في مسجد أو في مكان آخر في غير المقابر، ولا اتفاق في ذلك، لوجود الخلاف المشهور، ولكنّ الوقت لا يكفي للإطالة كما ترى.
وأما بالنسبة إلى أخذ الأجرة إذا كانت من الثلث .. إذا كانت هي وغيرها من وصاياه من الثلث .. طبعا من الوصايا التي تخرج عن دَيْن الله-تبارك وتعالى-وعن دَيْن العباد وعمّا يتعلق بحقوق الميت قبل الدفن فإنه لا مانع من ذلك على هذا الرأي. ". (1/139)
صفحة 140
إنّ بعض أهل العلم حكى الاتفاق على أنّ ثواب إهداء القراءة يصل إلى الميت، وقلتُ أيضا: إنّ بعض أهل العلم يرون خلاف ذلك.
و-كما قلتُ سابقا إنه ينبغي للإنسان أن يتأمل في حكايات الإجماع، ففي كثير من الأحيان نجد هذه الإجماعات التي لا خُطوم لها ولا أَزِمَّة .. يحكي فلان الإجماع وينبهر بعض الناس بهذه الحكاية لأنهم وجدوا في كتب الأصول أنه لا يجوز لأحد أن يخالف الإجماع وأنّ الإجماع حجّة من حجج الشرع، ونحن الآن لا نريد أن نتكلم في قضية مخالفة الإجماع لأنّ ذلك إذا ثبت ذلك الإجماع، وإنما نتكلم في قضية إثبات مثل هذه الإجماعات.
فهذا الإجماع-مثلا-لم يثبت عن أهل العلم أبدا، بل الخلاف مشهور عندهم منذ زمن طويل جدا جدا، فلا إجماع في هذه القضية البتّة.
فالعلماء اختلفوا في وصول ثواب قراءة القرآن إلى الميت؛ منهم من ذهب إلى أنّ ذلك لا يصل إليه، ومن أوصى بذلك لا تُنفّذ وصيته، لأنها مخالِفة لشرع الله-تبارك وتعالى-وفي الحديث: ( مَن عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ) أي مردود على صاحبه لا يُقبل منه؛ ومنهم من ذهب إلى أنه إذا أوصى بأن يُقرأ عليه في المسجد أو في البيت أو ما شابه ذلك فإنّ وصيته تُنفّذ أما إذا أوصى بأن يُقرأ عليه على قبره فإنّ وصيته لا تُنفّذ؛ ومنهم من يقول: إنها تُنفّذ ولكنها لا تُنفّذ عند القبر وإنما في موضع آخر.
ولا شك أنّ القراءة على القبور من البدع المخالِفة لهدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. (1/140)
صفحة 141
وأنا قلتُ (1) : إنّ مَن أوصى بأن يُقرأ عليه في المسجد أو في البيت إذا نُفذت-بناء على رأي بعض أهل العلم-لأنّ ذلك الموصي قد أخذ بقول من أقوال أهل العلم فله وجه على رأي بعض أهل العلم وإلا فإنّ الظاهر أنّ القراءة لا تصل إلى ذلك، فمن لم يُنفذ مثل هذه الوصية لا بأس عليه، كما هو رأي طائفة كبيرة من أهل العلم.
وأما بالنسبة إلى السؤال الثاني-وهو الأول في الترتيب-وهو عن قراءة القرآن على القبور فإنّ ذلك مما لم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن صحابته الكرام-رضي الله تبارك وتعالى عنهم-كما نصّ على ذلك المحقّقون من أهل العلم.
وإنما جاءت في ذلك رواية من طريق ابن عمر-رضي الله تبارك وتعالى عنهما-فيها أنّ النبي-صلى الله عليه وآله وسلم-أمر بالقراءة على رأس الميت بأن يُقرأ بفاتحة الكتاب ويُقرأ بخاتمة " البقرة " عند رجليه، ولكنّ هذا الحديث لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لأنه جاء من طريق راويين ضعيفين بل أحدهما ضعيف جدا، فهو حديث باطل لا يُلتفت إليه، وقد جاء موقوفا عن ابن عمر-رضي الله تعالى عنهما-ولكن فيه راويا مجهولا، فالراويان الضعيفان في الرواية المرفوعة هما يحيى البَابُلْتِي وهو ضعيف لا يُحتج بروايته، والراوي الثاني هو أيوب بن نُهَيْك ولا يُحتج بروايته بل هو أضعف من الأول، والرواية الموقوفة مع أنها لا حجة فيها-لأنها على تقدير ثبوتها هي مذهب صحابي-هي لا تثبت عن ذلك الصحابي رضي الله-تبارك وتعالى-عنهما.
وجاءت-أيضا-رواية أخرى في قراءة سورة " يس " على الميت، ولكنّ تلك الرواية ليست مما يُفرح به، لأنّ في إسنادها راويا متروكا، وفي إسنادها-أيضا-راويان مجهولان فلا يُؤخذ بها ولا كرامة.
__________
(1) -في الجواب على السؤال 10 مِن حلقة ليلة 8 رمضان 1424هـ ( 2/11/2003م )، وقد نُقل نصّ السؤال مع جواب الشيخ عليه في التعليق الموجود بحاشية الصفحة السالفة. (1/141)
صفحة 142
وهنالك كثير من الناس يسألون عن قراءة " يس " على الأموات .. أي قبل الموت .. عندما يرون أنّ الميت قريب من الموت في حالة الاحتضار .. بعض العلماء يقول بمشروعية قراءة " يس " عليه؛ وفي الحقيقة ورد حديث يُروى عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-يدل على ذلك ولكنّ هذا الحديث في إسناده مجهولان وقد أعلّه بعض أهل العلم بالاضطراب والوقف، فحديث في إسناده موقوفان (1) ومع ذلك معلّ بالاضطراب والوقف كيف يمكن أن يُعتمد عليه ؟! وله طريق أخرى ولكنها ليست مما يُفرح به، لأنّ في إسنادها كذّابا أو (2) متهما بالكذب، فلا ينبغي أن يُؤتى بذلك، وما ذكروه من الحكمة لا ينبغي أن يُلتفت إليه ما دام هذا الحديث لا يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
فإذن القراءة لم تثبت على الأموات:
فالمصطفى (3) قد زارها وما قرا ... إلا سلاما ودعا وأدبرا
إلى أن قال رحمه الله:
حسبك أن تتبع المختارا ... وإن يقولوا خالف الآثارا (4)
فحسبنا ذلك؛ والله المستعان.
س: زيارة الإناث-بالذات-للقبور ؟
ج: أما زيارة الرجال فلا مانع منها، وإنما مُنع منها في السابق ثم نُسخ بعد ذلك، فإذا كانت من أجل الاتعاظ والاعتبار فلا مانع من ذلك بل هي نافعة لقُساة القلوب في كثير من الأحيان.
وأما بالنسبة إلى زيارة النساء فإن كانت مصادفة من غير قصد بأن مرّت المرأة على المقابر فإنها تُسلِّم وتدعو بدعاء مختصر، كما ثبت ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أما أن تذهب قاصدة إلى المقابر فهذا مما اختلف فيه أهل العلم:
1-منهم من ذهب إلى مشروعية ذلك.
2-ومنهم من ذهب إلى عدم المشروعية.
__________
(1) -الظاهر أنّ الشيخ قَصَدَ أن يقول: " مجهولان " بدلا مِن قوله: " موقوفان ".
(2) -يُنظَر مع الشيخ لعلّه قَصَدَ حذف: " كذّابا أو ".
(3) -ورد في الطبعة التي بأيدينا: " والمصطفى " بدلا مِن " فالمصطفى ".
(4) -الإمام نور الدين السالمي، جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام، كتاب الأمانة، باب الوقف. (1/142)
صفحة 143
والمشروعية مشروطة بألاّ تُكثِر من ذلك وألاّ يقع منها شيء من الصراخ والعويل وما شابه ذلك.
والقول بجواز ذلك مع الاحتراز مما ذكرتُه قول قويّ، لوجود بعض الأحاديث المروية عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-التي تدل على ذلك؛ وأرى أنّ الوقت لا يتسع لذكر شيء منها؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
نعم، مع وجود هذا الخلاف الشديد وعدم صراحة بعض تلك الأحاديث إذا احتاطت المرأة وتركت الذهاب إلى المقابر واكتفت بالدعاء لأهل الصلاح في بيتها والمواضع التي تكون فيها وإذا مرت من غير قصد لذلك سلّمت ودعت بدعاء مختصر فذلك فيه خير وفيه خروج من الخلاف وفيه احتياط وذلك مطلوب .. ( دع ما يَريبُك إلى ما لا يَريبُك )؛ والله المستعان.
س: هل زيارة قبر بعينه من بين المقبرة مشروع أم يشرع فقط زيارة المقبرة بشكل عام ويُطلَق سلام عام على أهل المقبرة ؟
ج: هو الأصل-كما قلتُ-الزيارة تكون للاتعاظ والاعتبار ولكن أن يزور الإنسان بعض القبور إذا كانت قريبة من غير شدّ الرّحل إليها بأن يزور قبور شهداء أحد مثلا .. الرسول - صلى الله عليه وسلم - ذهب لزيارتهم، والعلماء والمسلمون يذهبون إلى ذلك، وهكذا بالنسبة إلى قبور الصحابة التي في البقيع، وهكذا بالنسبة إلى قبور بعض أهل الصلاح وأهل العلم وما شابه ذلك فذلك مما لا مانع منه؛ والله أعلم.
س: أخٌ ذكر حديث أبي أمامة مِن أنه أمر أهله أن يُلقِّنوه وأسند ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - .. ما حكم تلقين الميت بعد الدفن ؟
ج: إنّ هذا الحديث المروي عن رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-لا يثبت عنه، إذ إنه قد جاء من طرق ضعيفة جدا لا تقوم بها الحجة، ولذلك نقول: إنّ التلقين مما لا ينبغي، بل ينبغي أن يُنهى عنه، لعدم ثبوت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. (1/143)
صفحة 144
هذا، والمراد بهذا التلقين المنكَر المبتدَع الذي لم يثبت عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-هو التلقين الذي يكون بعد دفن الميت، أما التلقين الآخَر المشهور وهو أن يُلقَّن الإنسان عند قُرب وفاته بأن يشهد ألاّ إله إلا الله فهو ثابت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فينبغي للإنسان إذا حضر شخصا يوشك على الموت بأن يُلقّنه الشهادة .. بأن يَشهد ألاّ إله إلا الله إذا أمكن، بأن يَذكر ذلك الإنسان نفسُه اللهَ تبارك وتعالى، كأن يقول: " أشهد ألاّ إله إلا الله " حتى يَنتبه ذلك الشخص المُحتضَر فذلك هو المطلوب، وإن لم ينتبه فيمكن أن يأمره بذلك ولكن لابد مِن استعمال أسلوب لطيف حتى لا يتأثر ذلك الإنسان، فلابد من أن يأتي له بمقدمة بسيطة ولو بعدّة كلمات .. هذا إذا كان ذلك الشخص مسلما، أما إذا كان ذلك الشخص كافرا فإنه يُؤمر بأن ينطق بشهادة ألاّ إله إلا الله وأنّ محمدا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه سلم، كما ثبت ذلك عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-عندما أتى إلى عمه أبي طالب فأمره بأن يشهد ألاّ إله إلا الله، ولكنّ أبا طالب امتنع عن ذلك، وما جاء من الروايات بأنه دخل في الإسلام قبل وفاته فإنّ ذلك لا يصح، والثابت الصحيح بأنه لم يدخل في الإسلام؛ وكذلك عندما ذهب النبي - صلى الله عليه وسلم - لعيادة يهودي في المدينة أمره بأن يشهد ألاّ إله إلا الله وأنّ محمدا رسول الله، فالتلفت ذلك الغلام إلى أبيه، فقال له أبوه اليهودي: " أطع أبا القاسم " فدخل ذلك الابن في الإسلام والحمد لله تبارك وتعالى؛ أما بالنسبة إلى المؤمن-فكما قلتُ-ينبغي أن يُتلطف له، لأنّ بعض الناس قد يضيق بذلك وقد يمتنع من الشهادة-والعياذ بالله تبارك وتعالى-إلى غير ذلك. (1/144)
صفحة 145
هذا، ولم أجد في الروايات المروية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن يشهد ألاّ إله إلا الله وأنّ محمدا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإنما فيها أن يشهد ألاّ إله إلا الله، وذلك هو في الحقيقة قد دخل في الإسلام من قبلُ وإنما من أجل أن يَختم حياته بهذه الشهادة؛ نسأل الله-تبارك وتعالى-أن يميتنا على الإسلام، وأن يوفقنا لكل خير، وأن يأخذ بأيدينا جميعا لما يحبه-تبارك وتعالى-ويرضاه.
هذا، وللأسف الشديد أنّ بعض أهل العلم قد أخذوا من الحديث الذي جاء من طريق أبي أمامة-رضي الله تبارك وتعالى عنه-والذي فيه ذِِكر " فلان بن فلانة " أنّ الإنسان إذا ذهب إلى الحج وأراد أن يلبّي فإنه يقول: " لبيك عن فلان بن فلانة "، وقد جاءت-أيضا-رواية أخرى تدل على ذلك ولكنها باطلة عاطلة؛ والحق الحقيق بالقبول أنه يقول: " بن فلان " لا أن يقول: " بن فلانة " أو يكتفي بذكر اسم ذلك الشخص (1) ؛
__________
(1) -تعرّض الشيخ مرّة أخرى لبدعة التلقين للميت، وذلك في جوابه على السؤال 12 مِن حلقة ليلة 19 رمضان 1424هـ ( 13/11/2003م )، وهذا هو نصّ ذلك السؤال مع جواب الشيخ عليه هناك:
" س12: عند دفن الميت وبعد الانتهاء من دفنه يقوم أحد الناس بالدعاء جهرا ويُؤمِّن البقية، فهل هذا صحيح ؟
ج: هذا ليس بصحيح، بل هو بدعة من البدع، وينبغي للناس أن يُطبِّقوا السنن الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأن يتركوا البدع، فالدعاء بالتثبيت للميت أمر ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وصحبه-ولكن يدعو كل إنسان بمفرده، أما أن يقوم شخص يدعو لذلك الميت وتقوم البقية الباقية بالتأمين فذلك بدعة من البدع، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وهكذا بالنسبة إلى قراءة القرآن-كما بينتُ في جواب سابق [ في الجواب على السؤال 12 مِن حلقة ليلة 12 رمضان 1424هـ ( 6/11/2003م ) ]-فإنّ ذلك-أيضا-لم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وهكذا بالنسبة إلى تلقين الميت كما جاء في بعض الروايات الباطلة العاطلة بأن يقال لذلك الميت: " يا فلان بن فلانة ... " إلى آخر ذلك الحديث الباطل العاطل الركيك الذي لم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا كرامة.
فتلك البدع لا ينبغي لأحد أن يَحوم حول حماها، وإنما ينبغي أن نُطبِّق السنن، وأن نأخذ بما جاء في كتاب الله أو في سنّة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
فهذه البدعة-كما حدثني من حدثني-قد شاعت في هذه الأيام .. يدعو إنسان ويُؤمِّن الآخرون، وهذا ينبغي أن يُنبَّه الناس على أنه ليس من السنّة، بل هو البدعة بعينها؛ والله المستعان، ونسأله أن يُوفِّقنا للعمل بكتابه وبسنّة رسوله وأن نجتنب البدع؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم. ". (1/145)
صفحة 146
والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: هل في صلاة الجنازة-صلاة الميت-استدراك ؟ وكيف يكون إذا كان ؟
ج: صلاة الجنازة:
1-فريضة على الكفاية .. هذا الذي ذهب إليه جمهور الأمّة، وهو الصحيح عندي.
2-وذهبت طائفة من أهل العلم إلى أنها سنّة.
3-وذهبت طائفة من أهل العلم إلى أنها نافلة؛ وهم يعنون أنها سنّة ولكنها لا تصل إلى درجة التأكيد؛ وهذان القولان ليسا بشيء.
والصواب فيها ما قدّمتُه، لأدلة متعددة، ذكرها أهل العلم في كتبهم، ولا داعي لذكر ذلك، لأنّ هذا القول مشهور واضح جليّ.
لذلك نقول: " إنه إذا قامت طائفة من الناس بالصلاة على الجنازة فإنّ الفرض الكفائي يسقط بفعل تلك الجماعة "؛ وقد اختلف العلماء في عدد الجماعة:
1-منهم من قال: إنه يكفي أن يصلي عليه شخص واحد.
2-ومنهم من قال: يكفي أن يصلي عليه اثنان.
3-ومنهم من قال: ثلاثة.4-ومنهم من قال: أربعة.
وعند الإمكان .. أي عندما تكون هنالك جماعة فإنه ينبغي أن تصلي على الميت جماعة كبيرة على أقصى ما يمكن وألاّ يُكتفى بجماعة صغيرة لما جاء من مشروعية ذلك، أما عند الضرورة فإنّ للضرورة أحكاما تخصها، فيمكن أن يُكتفى بواحد إذا لم يوجد غيره، وإذا لم يوجد أحد من الرجال فإنه تصلي عليه النساء، وقد ذكرتُ ذلك في جواب سابق (1) ، فلا داعي للإطالة بذلك مرة ثانية.
أما بالنسبة إلى الاستدراك فإنّ الإنسان إذا جاء ووجد الجماعة تصلي على الجنازة فإنه إن أراد أن يصلي معهم فإنّ ذلك حسن، وإن كان ذلك ليس بلازم عليه، لأنّ الفرض الكفائي قد سقط عنه بفعل الجماعة التي تصلي على الميت. فإذا دخل معهم فاختلفوا في أوّل ما يأتي به، وذلك بناء على خلافهم .. هل ما أدركه المأموم هو أول صلاته أو هو آخر صلاته:
__________
(1) -في الجواب على السؤال 6 مِن حلقة ليلة 10 رمضان 1424هـ ( 4/11/2003م ). (1/146)
صفحة 147
1-والذي نراه ونأخذ به أنّ ما أدركه المأموم مع الإمام-سواء كان ذلك في الصلوات العادية أو كان ذلك في صلاة الجنازة-هو آخر صلاته، وعليه فإنه يتابع الإمام على فعله ذاك.
2-وذهب بعض أهل العلم إلى أنّ ما أدركه المأموم هو أول صلاته، وعليه فإنه بعد أن يكبر يأتي بفاتحة الكتاب وهكذا على الصفة المعلومة.
أما بالنسبة إلى قضاء ما فاته فقد اختلف العلماء في ذلك:
1-ذهب بعضهم إلى أنه لا قضاء عليه، وهذا-طبعا-في صلاة الجنائز لا في الصلوات الفرائض، حتى لا يظنّ بعض الناس أنه شامل للفرائض فلابد من أن ينتبه لذلك .. ذهب بعض العلماء إلى أنه لا قضاء عليه وإنما يُسلّم بعد إمامه، إذ إنه قد صلى على ذلك الميت جماعة من الناس ولا استدراك في هذه الصلاة.
2-وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يكبر من غير أن يأتي بشيء من الأدعية .. يأتي بالتكبيرات التي فاتته ويُسلِّم ولا شيء عليه.
3-وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يستدرك ما فاته ويختصر ما أمكنه في الدعاء؛ وهذا لا إشكال فيه على رأي، أما على رأي من يقول: " إنّ ما فاته هو أول صلاته وأنّ ما أدركه هو آخرها " فلابد من أن يأتي بفاتحة الكتاب، إذ إنّ هذا هو الفائت ولا يمكنه أن يقتصر على بعضها.
4-وبعضهم قال: إن بقي الميت في موضعه فإنه يستدرك، وإن لم يبق بأن حُمل فلا استدراك عليه.
والذي يظهر لي أنه لا مانع من الاستدراك حُمل الميت أو بقي في مكانه، إذ لا يُشترط بأن يبقى الميت في موضعه .. نعم، ذلك هو الأصل ولكن إذا لم يتمكن الإنسان من القضاء فليقض ما فاته وليختصر غاية ما أمكنه، وأرى هذا القول هو القول الصحيح، وإن كان إذا سلّم لا نقول: " إنه قد أخطأ "، لأنّ هذه المسألة مسألة اجتهادية وليس فيها دليل واضح على واحد من هذه الأقوال، ثم إنه قد قام بالفرض غيره من الناس فالصلاة في حقه ليست بفريضة .. هذا ما ذهب إليه غير واحد من أهل العلم؛ والعلم عند الله تعالى. (1/147)
صفحة 148
س: بعد الانتهاء من دفن الميت مباشرة يجلس المشيّعون ويقوم أحد الأشخاص بضرب الأرض حول القبر عدّة مرات وهو يقول: " لا إله إلا الله، محمد رسول الله " ويسمّونه بتوحيش القبر، ظنّا منهم لمنع الحيوانات المفترِسة خشية أن تصل إليه.
ج: هذا لم يثبت في سنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، إذ إنني لم أجد دليلا في السنّة يدل عليه؛ وهو الذي صرّح به العلامة الإمام أبو نبهان رحمه الله تبارك وتعالى، ولكنّ الأمر كما قاله هذا الإمام .. إن كانت فيه مصلحة للميت .. مخافة أن يأتي شيء من الحيوانات المفترِسة وتقوم بنبش ذلك القبر وتفترس ذلك الميت .. فإن كانت في ذلك مصلحة فلا مانع من ذلك، أما أن يقال أنّ ذلك ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فهذا مما لا أصل له.
هذا، وكثير من الناس يسألون عن قضية رَشِّ الميت (1) ، ولا بأس بالإجابة على هذا السؤال لشهرة البحث عن هذه المسألة، ونقول: إنه قد جاءت بعض الأحاديث تدل على ذلك، وقد ذهب غير واحد من أهل العلم إلى أنّ تلك الأحاديث يشدّ بعضها بعضا فتقوم بها الحجة، وهذا له وجه وجيه من الصواب.
ولكنّ كثيرا من الناس لا يكتفون بذلك بل يقومون برشّ بعض القبور المجاوِرة له وهذا خطأ واضح فلا يصح، ولذلك قال الإمام نور الدين رحمه الله تبارك وتعالى (2) :
وفضله يُردّ فوق النهر (3) ... لأنه به أحقّ فادْر
" وفضله " أي الماء المتبقي من رشّ قبر الميت.
فإذن الصواب يُرشّ قبر ذلك الميت من غير أن يُرشّ شيء من القبور الأخرى؛ والعلم عند الله تبارك وتعالى.
س: الميّت الذي يُغسَّل، هل يَشعر بالمغَسِّلِين ؟
__________
(1) -الظاهر أنّ الشيخ قَصَدَ أن يقول: " رَشِّ قبر الميت " بدلا مِن قوله: " رَشِّ الميت ".
(2) -الإمام نور الدين السالمي، جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام، كتاب الجنائز، باب القبر.
(3) -ورد في الطبعة التي بأيدينا: " القبر " بدلا مِن " النهر ". (1/148)
صفحة 149
ج: الله أعلم، عِلْم ذلك عند الله تبارك وتعالى، وليس ذلك بِبَعيد، لأنّه ثَبَت في الأحاديث بِأنّ الميت يَشعُر عندما يَأتي بعض الناس ويَمرّون عليه ويُسلِّمون عليه .. إلى غير ذلك مِن الأحاديث الكثيرة التي تدلّ على مثل هذه الأمور، والأوْلى أن نَرُد أمْر مثل هذه الأمور إلى الخالِق تبارك وتعالى، وليست هنالك فائدة كبيرة مِن الكلام على مثل هذه القضايا ومعرفة ما يقع في ذلك، بل علينا أن نعتبر بمثل هذه الأمور، ونعلم يقينا بأنه سيأتينا هذا اليوم جميعا الذي سنُغسَّل فيه وسنُحمَل فيه على الأعناق وسنُوارَى فيه في القبور، ونسأل الله السلامة مما يقع بعد ذلك.
س: إذا أوصى الميت بأن يُدفن في بلاد بعيدة، هل تُنفّذ وصيته ؟
ج: هذه الوصية ليست فيها مصلحة لذلك الميت، وعليه نقول لا تُنفَّذ؛ والعلماء اختلفوا في هذه القضية:
1-منهم مَن قال: إنّ ذلك حرام.
2-ومنهم مَن قال: إنّ ذلك مكروه.
ومهما كان فمثل هذه الوصية لا تُنفَّذ، إذ ليست هنالك مصلحة للميت، وكلّ أمر يخالِف سنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنه مردود على صاحبه.
نعم، إذا أوصى بِأن يُدفَنَ عند قبْرِ بعضِ أهلِ الصلاح-وما شابه ذلك-وكان ذلك في مكانٍ قريبٍ جِدّا-بِأن كان في المقبرة القريبة مِن بلدِه-فهذا قد تكون فيه مصلحة، أما أن يوصي هذا الشخص بأن يُدفن في بلاد بعيدة أو ما شابه ذلك فهذه الوصية لا تُنفّذ بل تردّ على صاحبها؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: في بعض الأحيان الناس ينتظرون الميت إلى أن يأتي أهله الأبعدون من أماكن بعيدة ويحبسون الناس فترة طويلة. (1/149)
صفحة 150
ج: لا داعي لمثل ذلك، بل ينبغي الإسراع في تجهيز الميت ودفنه، وينبغي-أيضا-الإسراع في تنفيذ وصية الميت ولاسيما فيما يتعلق بحقوق الناس، وكثير من الناس-وللأسف الشديد-يتساهلون بهذه القضية .. يهتمون بقسمة الأموال وما شابه ذلك ولا يَلتفتون إلى تنفيذ وصايا ذلك المتوفى، فينبغي الإسراع بذلك ولاسيما فيما يتعلق بالديون.
س: قد يوصي الميت بمبلغ لحافر القبر ولِمُغسِّله ومُكفِّنه ؟
ج: إذا أوصى لحافر القبر فتُنفّذ هذه الوصية، وأما-في الحقيقة-ما يتعلق بتغسيل الميت وما شابه ذلك فلا داعي لذلك؛ ومثل هذه القضية ينبغي أن يُسأل عن كل واحدة منها عند حدوثها، لأنّ الأصل .. هذه من الحقوق التي للميت فما الداعي إلى مثل ذلك ؟! نعم، إذا كان بعض الناس فقراء وبحاجة ماسّة فالأمر يختلف، فالحاصل حفر القبر فيه شيء من المشقة بخلاف بقية الأمور الأخرى، فحفر القبر تُنفّذ لِمَن حفره الوصية (1) ، أما بالنسبة إلى الأشياء الأخرى فينبغي أن يُسأل عن كل قضية قضية، ولا داعي لأن نُجيب على العموم لما في ذلك من المصلحة؛ والله أعلم.
س: ما كيفية إدخال الميت في القبر ؟
ج: اختلف العلماء في هذه المسألة؛ وهذا-طبعا-خلافٌ-كما ذكرتُ في بعض المسائل-ليس في قضية الوجوب وعدمه، إذ إنه لم يَقل أحد من العلماء بوجوب إدخاله على الصفة الفلانية من الصفات التي سأذكرها بعد قليل إن شاء الله تبارك وتعالى، وإنما خلافهم في الأفضل وفي الثابت في سنّة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وقد اختلف العلماء في الأفضل من هذه الكيفيات الثلاث:
1-منهم من قال: يُدخل الميت من جهة القبلة .. يُسلّ من الجهة معترِضا.
2-ومنهم من قال: إنّ الميت يُدخل من جهة رأس القبر .. يُدخل أوّلا الرجلان وهكذا.
__________
(1) -لعلّ الأحسن أن يقال: " تُنفَّذُ الوصيةُ لِمَن حفرَه "، دفعا للالتباس. (1/150)
صفحة 151
3-ومنهم من يقول: إنه يُدخل من جهة رجلي القبر .. يؤخذ الميت من رأسه ويُدخل-كما ذكرتُ-من جهة رجلي القبر؛ وهذا القول هو القول الصحيح؛ والله أعلم؛ فإذن يُسلّ من جهة رجلي القبر .. هذا هو الأوْلى.
وجاءت رواية فيها أنّ ذلك هو السنّة، ومن المعلوم عند المحدثين والأصوليين إذا قيل: " السنّة كذا " فيراد بها السنّة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم .. هذا الذي ذهب إليه جمهور أهل العلم، وقد حكى الحاكم في " المستدرَك " اتفاق أهل العلم عليه وليس بشيء، لوجود الخلاف في ذلك، ولكنّ القول الصحيح أنه إذا جاء أنّ السنّة كذا أو هذا السنّة أو ما شابه ذلك من الألفاظ التي فيها ذِكر " السنّة " فالمراد بذلك السنّة المروية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
س: هل هناك أولوية لأرحامه في النزول إلى القبر إذا كان رجلا ؟ وماذا-أيضا-إذا كان امرأة ؟
ج: لا شك أنّ الأقارب أوْلى، فالأصل هكذا ولكن بشرط أن يكون من يَدخل يَعرف السنّة في وضع الميت على الكيفية المعروفة أو على أقل تقدير بأن يَصف له بعض الحاضرين الذين يَعلمون ذلك السنّةَ الثابتة في كيفية وضع الميت.
والحاصل أنه يجوز أن يقوم بإدخال الميت الأقارب والأباعد ولا فرق بين الرجال والنساء في ذلك .. أعني بذلك الميت لا من يضع الميت، وإلا فإنّ النساء لا يَذهبن إلى المقبرة لِما ذكرناه-سابقا (1) -مِن نهي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد اختلف العلماء في هذا النهي هل هو للتكريه أو للتحريم كما قدّمنا (2) .. نعم، إذا كانت هنالك ضرورة ملِحّة بأن لم يوجد أحد من الرجال فللضرورة قدرها.
__________
(1) -في الجواب على السؤال 13 مِن حلقة ليلة 12 رمضان 1424هـ ( 6/11/2003م ).
(2) -في الجواب على السؤال 6 مِن حلقة ليلة 10 رمضان 1424هـ ( 4/11/2003م ). (1/151)
صفحة 152
فوضع الميت إذا كانت امرأة في القبر لا مانع من أن يقوم به بعض الأباعد، كما ثبت ذلك في سنّة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقد قام بوضع ابنته-رضي الله تعالى عنها-أبو طلحة وهو من الأنصار وليس هو من أقاربها مع حضور النبي - صلى الله عليه وسلم - ومع حضور زوجها عثمان بن عفان، وقد جاء في تلك الرواية بأنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - طلب أن يضع ابنته في القبر من لم يُباشِر في تلك الليلة .. أي من لم يُباشِر زوجه في تلك الليلة، وقد اختلف العلماء في الحكمة من ذلك، ولهم في ذلك كلام طويل، لا داعي لذكره في مثل هذا الوقت؛ والعلم عند الله تبارك وتعالى.
س: هناك من عندما يضع الميت في القبر يقرأ قوله تعالى: { مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى } [ سورة طه، الآية: 55 ]، فهل ورد شيء يُثبِت ذلك ؟
ج: هذا لا أصل له في سنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
وليُعلَم أنه إذا قلتُ عن شيء أو قال-أيضا-غيري عن شيء: " إنه لا أصل له في سنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " فإننا في بعض الأحيان نريد أنه لا أصل له في الثابت من سنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وفي بعض الأحيان يُراد به أنه لم يأت من طريق أبدا .. أي لم يُنسب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - . (1/152)
صفحة 153
وهذه الرواية من القسم الأول، إذ إنه قد جاءت رواية-تُنسب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بمشروعية قراءة هذه الآية عند وضع الميت في قبره ولكنّ هذه الرواية لا تَثبت عنه صلوات الله وسلامه عليه، لأنها من طريق عبيد الله بن زَحر وهو ضعيف جدا-كما هو معلوم-لا يُحتج بروايته، وفي إسنادها-أيضا-ضعيفان بل هما أشدّ من ذلك فلا يمكن أن يُحتج بمثل هذه الرواية .. الراوي الثاني الضعيف بل هو ضعيف جدا عليّ بن يزيد، وقد أخطأ الإمام النووي حيث قال: " عليّ بن زيد بن جُدْعان " وليس الأمر كذلك، وإن كان عليّ هذا-أيضا-ضعيفا ولكنه لم يصل إلى درجة عليّ بن يزيد، والراوي الثالث هو القاسم أبو عبد الرحمن، وقد قال ابن حبان الحافظ عن هؤلاء الرواة بأنهم إذا رووا خبرا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنه لا يُشك أنّ هذا الخبر مما عملته أيديهم؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
وإنما ينبغي أن يقال: " بسم الله، وعلى ملّة رسول الله " (1) .
__________
(1) -تعرّض الشيخ لهذا مرّة أخرى أثناء جوابه على السؤال 16 من حلقة ليلة 22 رمضان 1424هـ ( 16/11/2003م )، وهذا هو نصّ ذلك السؤال مع جواب الشيخ عليه هناك:
" س16: البعض عندما يضعون الميت في القبر يقوم أحدهم بتمرير يده على التراب الموجود أعلى القبر وينطق بالشهادتين، وكأنه يُودِّعه بتلك الكلمات ؟
ج: الله المستعان؛ هذه بدعة من البدع، والبدع كثيرة؛ وأنا بيّنتُ [ في الجواب على السؤال 10 من هذه الحلقة، أعلاه ] بأنّه لم يثبت عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-في قضية دفن الأموات شيء إلا ما جاء عنه-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-من أنه يقال عند وضع الميت: ( بسم الله، وعلى ملّة رسول الله )، وكذلك ما جاء من الدعاء لذلك الميت بالتثبيت بعد الانتهاء من دفنه، وكل شخص-كما قلتُ [ في الجواب على السؤال 12 من حلقة ليلة 19 رمضان 1424هـ ( 13/11/2003م )، وقد نُقِلَ نصّ ذلك السؤال مع جواب الشيخ عليه هناك في التعليق الموجود بحاشية الصفحة 3 مِن هذه الحلقة ]-يدعو بمفرده، من غير أن يقوم شخص بالدعاء ويؤمِّن كثير من الناس على دعائه ذلك، فإنّ ذلك-أيضا-من البدع؛ فينبغي الانتهاء عن هذه البدع وأن نطبِّق السنن الثابتة، وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم - ؛ والعلم عند الله. ". (1/153)
صفحة 154
أما هذه الرواية التالفة الباطلة التي فيها ذكر هذه الآية فلا.
قد يقول قائل: " هذه آية قرآنية والإنسان مخلوق من الأرض-كما هو معلوم-وبعد ذلك يوضع فيها-وهو مشاهَد-ثم إنه سيخرج منها في يوم القيامة " .. نعم، الأمر كذلك وإنما هل ثبت ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ لا، ذلك لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم .. هل يُمكن أن نحتج برواية عبيد الله بن زَحر الذي يقول عنه ابن حبان: " يروي الموضوعات عن الثقات، وإذا روى عن علي بن يزيد أتى بالطامات، وإذا اجتمع في هذا الإسناد خبر هؤلاء الثلاثة لم يُشك بأنّ هذا الخبر مما صنعته أيديهم " ؟! .. هل يُمكن أن نحتج بمثل هذه الرواية الباطلة العاطلة الموضوعة المخترعة المصنوعة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟! ليس كل شيء هو الواقع .. أي كذلك .. يمكن أن يُؤتى به.
ولا بأس أن أخرج عن هذه القضية لفائدة مهمة، وأنا أهتم بالفوائد والأحكام الشرعية ولا أتقيد بالأسئلة كثيرا، وهذا دليلي فيه حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، فهو عندما سئل عن حكم الوضوء بماء البحر قال: ( هو الطهور ماؤه، الحِلُّ ميتته )، فتكلم على حكم الميتة وعلى حكم الوضوء من ماء البحر مع أنه لم يُسأل إلا عن واحد منهما؛ فإذا كان في ذلك فائدة فلا مانع من ذلك. (1/154)
صفحة 155
على كل حال؛ عندما يقول المؤذن: " لا إله إلا الله " كثير من الناس يقولون: " حقّ .. لا إله إلا الله " لا شك في أنّ " لا إله إلا الله " حقّ، وأيّ حقّ، وكذلك بالنسبة إلى بقية الألفاظ " الله أكبر " حقّ، و " أشهد ألاّ إله إلا الله " حقّ، و " أشهد أنّ محمدا رسول الله " حقّ، و " حيّ على الصلاة " كذلك، و " حيّ على الفلاح " كذلك .. نحن علينا أن نطبِّق السُّنن ونتّبِع رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-ولنا فيه الأسوة الحسنة، لا أن نبتدع ونأتي ببعض الأمور المخترعة المكذوبة التي صنعتها أيدي بعض الرواة الكَذَبة الذين لهم أغراض لا تخفى على الفطِن في وضع مثل هذه الأحاديث ونسبتها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ والله المستعان.
س: البعض عندما يحمل الجنازة ينادي بصوت مسموع: " اذكروا الله .. اذكر ربك يا غافل "، فما رأيكم ؟
ج: هذا لا أصل له في سنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .. نعم، كثير من الناس يأتون بهذا، ومنهم من يقول: " صلّوا على النبي " بصوت مرتفع مع أنه هو لا يصلي عليه-صلوات الله وسلامه عليه-أو أكثرهم يصنع كذلك .. في ذلك الوقت، لا أقول: " لا يصلي عليه مطلقا " وهكذا .. هذا منكر.
العلماء منهم من يقول: إنّ المطلوب في هذا الوقت الصّمت والاعتبار والاتعاظ بمثل هذا الحال وأن يتذكر الإنسان بأنه سيصير في يوم من الأيام إلى مثل هذا الحال وأنّ الأمر لن يقف عند هذا الحد بل إنه سيُسأل في قبره وسيُحاسب يوم القيامة وسيكون مصيره إما إلى الجنة أو إلى النار والعياذ بالله-تبارك وتعالى-منها ومما يُقرِّب إليها.
ومنهم من يقول: لا بأس من أن يَذكر الله - سبحانه وتعالى - بصوت خافت .. يجمع بين الأمرين .. بين الاتعاظ والاعتبار وأخذ الموعظة وبين ذكر الله-تبارك تعالى-بصوت خافت. (1/155)
صفحة 156
أما أن ينادي هذا وهذا .. هذا من هنا وذاك من هناك: " اذكروا الله " أو ما شابه ذلك فهذا مما لا أصل له في السنّة، بل هو من البدع التي ينبغي الانتهاء عنها؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: تركّبت عند بعض الناس معلومة مفادها أنّ الآباء والأرحام لا يحملون جنازات أرحامهم وآبائهم وإنما يكتفون بالمشي خلفها، فهل هذا صحيح ؟
ج: نعم .. هذا مشهور عند كثير من العوام، وكثير من البدع مشهورة عند العوام.
هذا لا أصل له في سنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .. ينبغي أن يكون الأقارب في مقدِّمة الرَّكب .. لا مانع من أن يَحمل الأقارب وأن ينالوا ذلك الفضل العظيم الذي أخبر به الرسول-صلى الله عليه وعلى آله سلم-لمن حمل جنازة وكان-طبعا-يقصد بذلك وجه الله-تبارك وتعالى-ولا مقصود له سواه.
س: البعض عندما يحمل الطارقة-الحاملة التي عليها الميت-يُقَفِّزها ثلاث خطوات ثم يبدأ الانطلاق بها ؟ (1/156)
صفحة 157
ج: هذه بدعة، لا أصل لها أبدا .. لا تثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا عن صحابته الكرام ولا عن أهل العلم الذين اتبعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واقتدَوا به .. هذه بدع ينبغي أن يجتنبها الناس، وينبغي لنا جميعا أن نتعاون على البِر والتقوى وأن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر وأن ندعو الناس بالحكمة والموعظة الحسنة وأن نُخبرهم بما ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما لم يثبت حتى نقتدي بالرسول - صلى الله عليه وسلم - فيما ثبت عنه ونجتنب ما نهى عنه أو لم يثبت عنه صلوات الله وسلامه عليه، ومن المعلوم بأنه إذا كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يفعل بعض الأمور في مثل هذه الأشياء وتَرَك بعض الأمور أنَّ تلك الأمور التي تركها ليست بمشروعة .. لا يُمكن أن يقال تَرَكَها الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولكنه لم يَنه عنها .. نعم، وإن كان لم يَنه عنها لكنه لم يفعلها ولو كان في ذلك خير لفعله الرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وقد أحسن الإمام السالمي-رحمه الله تبارك وتعالى-عندما ذكر قراءة القرآن على القبور عندما قال (1) :
فالمصطفى (2) قد زارها وما قرا ... إلا سلاما ودعا وأدبرا
ولم تكن قراءة القبور ... بسنّة توجد في المأثور
على كل حال، ثم قال:
لو كان خيرا لم يَفُتْ محمدا (3)
فما فات الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم .. فلو كان في ذلك خير لفعله الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم قال:
حسبك أن تتبع المختارا ... وإن يقولوا خالف الآثارا
__________
(1) -الإمام نور الدين السالمي، جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام، كتاب الأمانة، باب الوقف.
(2) -ورد في الطبعة التي بأيدينا: " والمصطفى " بدلا من " فالمصطفى ".
(3) -ورد في الطبعة التي بأيدينا هكذا: ... .........................
لو كان خيرا سبق المختار *** له وصحبه متى ما زاروا (1/157)
صفحة 158
والعلماء قد شددوا في مخالفة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، ويعجبني ما ذكره الإمام المحقِّق العلاّمة سعيد بن خلفان-رحمه الله تبارك وتعالى-عندما سُئل عن قضية خالف فيها بعضُ أهل العلم سنّة ثابتة عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقال الإمام المحقِّق-رحمه الله-في ذلك: " ومِن العَجَب أن أَنُصَّ لك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنت تُعارضني بعلماء بيضة الإسلام من غير دليل ولا واضح سبيل .. أليس هذا في العيان نوعا مِن الهذيان ؟! " والإمام الخليلي-رحمه الله تبارك وتعالى-يقول: " وقول بخلاف الحديث يُضرب به عرض الحائط " .. على كل حال:
ولا تُناظِر بكتاب الله ... ولا كلام المصطفى الأوّاه
معناه لا تجعل له نظيرا ... ولو يكون عالما خبيرا (1)
وهذا-طبعا-إذا قال به بعض أهل العلم ظنّا منهم أنّ ذلك هو المطلوب أو ما شابه ذلك، فكيف إذا لم يقل بذلك أحد من علماء المسلمين قاطبة.
فهذا-على كل حال-مما ينبغي أن يُنهى عنه، ولكنني-كما قلتُ أكثر من مرة-أنه ينبغي أن نستعمل الحكمة في مثل هذه الأمور وألاّ نتسرع في نهي الناس فإنّ الناس في كثير من الأحوال لا يتقبلون مثل هذه الأمور لأنهم شبّوا وشابوا على مثل هذه القضايا فليس من السهولة أن يَرتدِع بعض العوام عن مثل هذه الأمور ولاسيما إذا كان من يقوم بالأمر والنهي طالبا صغيرا فإنهم قد لا يُصدِّقونه وقد لا يقبلون منه لأمر أو لآخر؛ فنسأل الله-تبارك وتعالى-التوفيق، والله أعلم.
س: الشهيد، كيف يكون التعامل معه في التغسيل ؟ هل يُغسَّل ؟ هل يُكفَّن ؟
__________
(1) -الإمام نور الدين السالمي، جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام، كتاب أصول الدين.
وورد البيتان في الطبعة التي بأيدينا هكذا:
ولا نُناظِر بكتاب الله *** ولا كلام المصطفى الأوّاه
معناه لم نَجعل له نظيرا *** ولو يكون عالما خبيرا (1/158)
صفحة 159
ج: على كل حال؛ الشهيد هو من مات في أرض المعركة .. إذا مات في ذلك ولم يُنقل فهذا هو الذي يُحكم عليه بحكم الشهيد في هذه القضية؛ وإلاّ فالشهداء كثيرون، كما ورد ذلك في سنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولكنّ المراد بالشهيد ها هنا هو الذي يُحكم عليه بهذا الحكم في باب الجنائز.
فعلى كل حال الشهيد يُدفن في ثيابه التي مات فيها إن كانت عليه ثياب-أما إذا سُلِب فلابد من أن يُؤتى له ببعض الثياب-ولا يُنزع منه إلا السلاح وما شابه ذلك أما ما عدا ذلك فهو يوضع عليه.
ولا يَحتاج إلى تغسيل بل يُدفن على ذلك.
وقد اختلفوا في الصلاة عليه:
1-ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يُصلّى على الشهيد.
2-وذهب بعضهم إلى أنه لا يُصلّى عليه.
والقول بالصلاة عليه قول قوي، وقد دلّت عليه بعض الأحاديث.
أما الأحاديث التي تدل على عدم مشروعية الصلاة عليه فهي نافية وغيرُها مُثبِت والمُثبِت مقدَّم على النافي؛ وفي ذلك احتياط وسلامة للدين، وقد ثبت أنّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد جاء بعد مدّة-بعد سنوات-وصلّى على شهداء أُحُد، وجاء في بعض الروايات التي قوّاها بعض أهل العلم بأنه قد صلّى عليهم-أيضا-بعد الانتهاء من المعركة، فرواية من روى خلافَ ذلك تُحمل على أنه لم يَعلم بذلك.
وليس بغريبٍ مِن أن يَنسى بعض الصحابة-رضوان الله تبارك وتعالى عليهم-بعض الأمور أو أنهم لم يعلموا بها أصلا، ولذلك أمثلة كثيرة لا يُمكن الإتيان بها في هذا الوقت.
فإذن يُصلّى عليه على الصحيح. (1/159)
صفحة 160
ومن العجب أنّ بعض أهل العلم قال: " يُجمع بين الروايات المثبِتة والنافية بأنّ رواية الإثبات تُحمل على ندبية الصلاة وعدم وجوبها، ورواية النفي تُحمل على عدم الوجوب " .. هذا كلام غريب .. لو جاء هذا في قضية وذلك في قضية أخرى .. أي في حادثة وذاك في حادثة .. أي صلى مرّة وصلى مرّة فيمكن أن يُحمل على هذا ولا يقال بالنسخ، أما أن يكون ذلك في قضية واحدة في وقت واحد فهذا مما لا يُمكن، لأنه إما أن يكون فَعَل أو لم يفعل، فكيف يقال: " هذا محمول على كذا وهذا على كذا " ؟! نعم، لو أرادوا بذلك الرواية التي فيها صلى بعد سنوات ولم يُثبتوا الرواية التي صلى في ذلك الوقت لكان لهذا وجه من الصواب، أما أن يقال بصحة جميع الروايات التي فيها أنه صلى في ذلك الوقت ولم يُصلِّ فهذا مما لا يُمكن أن يقال به، فهذا خطأ واضح؛ والله أعلم.
س: الحديث الذي ورد فيه أنّ الذي سار مع الجنازة إلى نهايتها أو رجع عنها له قيراط أو قيراطان من الأجر (1) ، ما صحّته ؟ وما حكم الرجوع عن الجنازة بعدما يسير الإنسان معها .. هل يلزم أن يبقى إلى آخرها أو يمكن أنه إذا بدا له أمر يذهب عنها ؟
__________
(1) -هذه صيغة الحديث كما ذكرها السائل، ويُنظَر مع الشيخ متنه عنده ما دام قد صحّحه، وهذا الذي وجدناه:
روى البخاري عن أبي هريرة - رضي الله عنه - : أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَال: ( مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَاناً وَاحْتِسَابا وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا فَإِنَّه يَرْجِعُ مِنَ الأَجْرِ بِقِيرَاطَيْن .. كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ ). (1/160)
صفحة 161
ج: هذا الحديث صحيح ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولذلك نقول: إنه ينبغي الاعتناء بهذا الأمر، وأن تُشيَّع الجنائز حتى تُدفن ويرجع بعد ذلك المسلمون، ويُشرع-أيضا-في ذلك الدعاء للميت، أما التلقين-كما قلتُ [ ص2 ]-لا يُلقَّن وإنما يُدعى له ويُسأل له التثبيت.
وأما بالنسبة إلى سؤاله عن الرجوع قبل ذلك (1) فالحاصل هو لا يجب عليه أن يرافقهم إن لم تكن هنالك حاجة تدعو إلى ذهابه معهم كأن يكون هو الأبصر بهذا الأمر ولا يَعرف أحدٌ كيف يوضَع الميت أو ما شابه ذلك .. إن لم تكن هنالك حاجة فلا مانع مِن أن يرجع، ولكن لا شك بأنه سيفوته الفضل؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
{ خامسا : أحكام صلاة الخسوف والكسوف }
س: أطلعنا على أنّ خسوفا كليا للقمر سيكون في سماء هذه الدنيا وسيُرى-أيضا-مِن السلطنة، كيف يَتَعَامَل الناس مع هذَا الخسوف كما ورد في السنَّة ؟
__________
(1) -لعلّ الأحسن أن يقال: " قبل الدفن "، للإيضاح. (1/161)
صفحة 162
ج: أوّلا أُرِيد أن أُنَبِّه إلى أنّ معرفة هَذِه الأمُور أصْبَحت الآن مِن الأمور الواضحة الجلية .. أي معرفة حُدُوث هذا الأمر-مثلا-بِأنه سيحدث في الليلة الفلانية وفي الموْقِع الفلاني وهل سيكون هَذَا الكُسُوف للقمر كُلِّيا أو يكون جزئيا ؟ وهل يكون في مَنطقة مُحَدَّدة مِن المَناطق أو يكون في كل مكان ؟ وهكذا بِالنِسبة إلى كُسُوف الشَّمس .. هَلْ سَيَكُون كُلِّيا أو جُزْئيا ؟ وأريد بِأنه سيكون كُلِّيا أَيْ في موضع مِن المواضع وإلا فإنه لا يُمكن أن يَكُون كسوف الشمس كليا في كل مكان مِن العالم، إذ إنّ ذلك مِن الأمور التي لا تُمكِن أبدا وإنما يَكون كليا في موضع مِن المواضع أو في مواضع محصورة فلا أريد بِموضع في منطقة واحدة فقط وإنَّما أريد في مواضع مُحدَّدة، فتعيين ذلك سواء كان ذلك بِالنسبة للشمس أو للقمر هَذا مِن الأمور التي لا تَتَنَافى مَعَ الغَيْب، لأنّ هَذَا يُدْرَك بِهَذِهِ العلوم العَصْرِية، فمَن يُشدِّد في مثل هذه الأمور لا معرفة له بِمثل هذه الحقائق، والإنسان ينبغي له أن يَتَكَلَّم إذا أراد أن يَتَكلم فيما يُتْقِنُه أَمَّا أن يَتكلم الإنسان الذِي لا علاقة له بِعلم الفلك-مثلا-في المسائل الفلكية فهذا مِمَّا لا يَصِح، وهكذا بالنسبة لِمَن لا معرفة له بِعُلوم الشرع الحنيف ليس له أن يتكلم في عُلُومِ الشرع الحنيف بل ذلك مَحْجُورٌ عليه، ومَن لا مَعْرَفَة لَه بِالطب ليس له أن يتكلم في القضايا الطبية، وهَكَذَا بالنسبة إلى علوم الاقتصاد وغيرها .. (1/162)
صفحة 163
الإنسان إذا أراد أن يتكلم فليتكلم فيما يُتقنه فيمكن أن يكون الإنسان عَالِما متبحِّرا في الفقه ولكن لا دراية له بعلوم الفلك فهل يُمكن بعد ذلك أن يَقُوم ويَتَكَلَّم في الأمور الفلكية ؟! هَذَا مِمَّا لا يَصِح، فإذن الكلام في مثل هذه القضايا-كما ذكرناه في قضية إمكان رؤية الهلال وفي عدم إمكان ذلك-هذا مِمَّا لا بَأْسَ، وهو ليْسَ مِن الكلام في أمور الغَيْب بل هو كلام مَبْنِي على حقائق لاَ يُمْكِن لأحدٍ أن يَتَجَاهَلَهَا أو أن يُنكرها، فلابد مِن التسليم لِمِثْل هذه الأمور.
أما بِالنسبة إلى ماذا يُشرَع في قضية حدوث الكسوف والخسوف ؟
أوّلا: الكسوف يكون للشمس ويكون للقمر .. بَعْضُهم يفرق بيْن قضية الكسوف وبين قضية الخسوف، والتفريق لا بأس به على رأي كثير مِن أهل العلم .. عندما يَقول الإنسان: " الكسوف " للشمس و: " الخسوف " للقمر، أما عندما يُطْلِق الإنسان هَذَا على هَذَا وهذا على هذا فلا مانع مِن أن يَقول: " كسوف الشمس " وأن يَقول: " كسوف القمر "، ومِنهم مَن يُفرِّق بيْن هذين الأمرين ولَهُمْ في ذلك كلام طويل ولا حاجة إليه لأنه لا تتعلق به شيء مِن الأحكام الشرعية. (1/163)
صفحة 164
أمَّا الذي ثبت عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-فإنه صلوات الله وسلامه عليه عندما عَلِم بِكُسوف الشمس خَرَجَ-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-مُسرعا فَزعا فأمر بِأن يُنَادَى للصلاة، والذي يُشْرَع أن يَقُوم شخص فينادي يقول: " الصلاةُ جامعة " .. هكذا جاء في بعض الروايات .. بِرَفْع لَفْظِ " الصلاة "، وجاء في بعضِ الروايات: " إنّ الصلاةَ جَامِعَة "، ويُمكن-أيضا-أن يُقَال: " الصلاةَ جَامِعَة "، فَوَرَدَ بِلَفْظ: " إنّ الصلاةَ جَامِعَة "، وَوَرَدَ بِلَفْظ: " الصلاةُ جَامعَة "، ومِن المعلوم بِأَنّ ذلك وَقَعَ مَرَّة واحدة، والنبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-أمر بِأَحَد اللفظين ولكن هَذَا لَيْسَ مِن الأمور التي يُتَعَبَّد فِيها بِمِثْل ذلك النَّص .. أي لا يَلْزَم أَن يُقَال: " لاَبد مِن أن يَقول: ' إنّ الصلاةَ جَامعة ' أو يَقول: ' الصلاةَ جامعة ' أو يقول: ' الصلاةُ جامعة ' " .. يُمْكِن أن يَقُول: " إنَّ الصلاة جَامِعَة " أو يَقول: " الصلاةَ جَامِعَة " .. أيْ " الزَمُوا " أو يَقول: " إنّ الصلاةَ جَامِعَة "، فالأمر هَيِّن وإن كنا نقول: إنه لَمْ يَثْبُت عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-إلا أحدُ اللفظين، لأنّ القَضَيَة حدثت مَرَّة واحدة، فإذن النداء يَكُونُ بِمِثل هَذَا الأمر، ولا مَانِع أن يُكْتَفَى بِمَرَّة واحدة ولا أن يُكَرَّر أكثر مِن ذلك إذا كان الناس لا يَسمعون ذلك، فيمكن أن يُكرِّر الإنسان ذلك ثلاث مَرَات أو أكثر مِن ذلك، ولا يُشْرَع في ذلك الأذان بإجماع الأمّة الإسلامية، إذ إنّ ذلك مِمَّا لَمْ يَثبتْ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسَلم. (1/164)
صفحة 165
هذا .. وهذَا التَّلَفُّظ-وهو قول: " إنّ الصلاة جامعة "-لَيْسَ مِن الأمور التي يُتعبّد بِها، فهو لَيْس كالأذان، فلا يُطَالب مَن يَسمَع ذلك بِأن يُردِّد ذلك خلْف مَن يَأتِي بِذلك اللفظ، كما أنه إذا كانت هنالك مجموعة مِن الناس في مَكَان وَاحِد ولَيْس بِالقرب مِنْهُم أحَد أبَدًا فإنه لا يُطالَبون بِأن يَقوم واحد مِنهم بِالنِّدَاء بِهَذَا اللفظ، لأنّ هَذَا لَيْسَ مِنَ الأمور التي يُتَعَبَّد بِهَا كالأذان،-فالأذان يُطْلَب مِن الإنسان أن يُؤَذِّن وَلَوْ كان مُنفردا، كما أنه إذا كانت الجماعة واحدة كانوا في الطريق-مثلا-وليس بِالقُرْبِ مِنهم أحد فإنَّهم يطالَبون بِالأذان، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم،-فالحاصل إذا كان هنالك أحد بِالقرب مِن المسجد مِمّن يَسمَع النداء أو كان-أيضا-في بَادِيَةٍِ وَلَوْ لَمْ يكن هنالك مَسْجِد ولو كان الذين يَسمَعون ذلك مِن النساء ومِمَّن لا قدرة لَهُمْ على الحضور إلى المسجد مِن مَرْضَى أو كبار أو ما شابه ذلك فإنه يُشْرَع النداء حتى يُصَلِّي العَاجِزُ الذي لا يُمْكِنُه أن يَذْهَبَ إلى المسْجِد وهَكَذَا بِالنِّسبة إلى النِّساء، فبعد ذلك يُصَلُّون جَمَاعَةً-على الصحيح-سواء كان ذلك في الكسوف أو في الخسوف، أما الكسوف فقد ثبت ذلك في سنَّة النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-ثبوتا لا شك فيه، وأما بِالنسبة إلى خسوف القمر فإنّ ذلك وإن كان لَمْ يثبت مِن السنَّة-إذ إنه جاء مِن طريق ضعيفة جِدًا-ولكنه مَحْمُول في حقيقة الوَاقِع عَلَى الكُسُوف إذْ لاَ فَرْق بَيْنَهُما (1) .
__________
(1) -قال الشيخ عند جوابه على السؤال 13 مِن حلقة 14 رمضان 1424هـ ( 9 نوفمبر 2003م ): " قد اختلَف الناس في هذه الصلاة هل هي خاصّة بِالكسوف والخسوف أو تَشْمَلُ-أيضا-إذا حَدَثَت آيةٌ مِن الآيات الأخرى كالزَّلْزَلَة أو الصَّوَاعق التي لَم تكن عَادِية وما شابه ذلك مِن الأمور ؟
فَمِنهم مَن قال: هي خاصَّة بِالخسوفِ والكسوف.
ومِنهم مَن قال: هي شامِلَة لِكلِّ أمرٍ مَهُول لَم يَكن مُعتادا.
ومِنهم مَن قال: هي خاصَّة بِالكسوفِ والخسوفِ والزَّلزلة.
والقول بِالعُمُوم في مثل هذه الأمور له وَجْهٌ وجيه مِن الصواب فهو الذي نراه ". (1/165)
صفحة 166
وكَيْفِية الصَّلاة قد اختلَف فيها العُلَمَاء، وأظُن أنَّه لا بَأس مِن الإطالة في هَذه القضية ولو استَغْرَقْنَا الوَقْت لأنّ المسألة تَحتَاج إلى ذِكْر فُرُوعٍ مُتَعَدِّدَة .. كَيْفِيَة الصَّلاَة اختَلَفَ العُلَمَاء فِيهَا، وأَذْكُرُ ذَلِكَ باختصار شديد:
1-ذَهَبَ بَعْضُ أهل العلم إلى أنّ الإنسان يُصلِّي ركعتين كالصلوات العَادِية-أيْ كصلاة سنَّة الفجر أو سنَّة الظُّهر أو ما شابه ذلك-بِشرط أن يُطيل في القراءة والركوع والسجود، و-طبعا-قولي " بِشرط " ليس مِن الشروط التي لابد مِنها وإنَّما ذلك على أنَّه سنَّة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأَقُول: " سنَّة ثابتة " .. أيْ الإطالة لا الاكتفاء بركعتين كالسنن التي أشرتُ إليها .. هذا مذهب طائفة مِن أهل العلم.
2-وذهبت طائفة مِن أهل العلم إلى أنه يصلي كأحدث صلاةٍ صلاها مِن الفرائض، فإذا صلى بعد صلاة الظهر فإنه يصلي أربع ركعات كصلاة الظهر، وإذا صلى بعد صلاة الفجر فإنه يصلي ركعتين كصلاة الفجر، وهكذا بِالنِّسبة إلى بَقِية الصلوات، واحتجّوا على ذلك بِرِوايةٍ ضَعِيفة لا تقوم بِهَا حُجة.
وأمَّا الأولون فَقَد احتجوا بِبَعض الروايات ولكن تلك الروايات معارَضة بِرَوَايَات أَصَحُّ وأَثْبَت مِنْهَا فِي سنَّة النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
3-وَذَهَبَ بعضُ أهل العِلم إلى أنه يُصلي ركعتين ويأتي في كل رَكْعَة بِرُكُوعَين.
4-وذَهَبَ بعض أهل العلم إلى أنَّه يُخَيَّر إمَّا أَنْ يَأْتِي في كُل رَكعة بِرُكُوعِين أو أن يأتي في كل ركعة بِثَلاثَة أو أن يَأْتِي في كل ركعة بِأربعة أو أن يأتي في كل ركعة بِخَمْسة. 5-وأنْكَرَ بَعْضَهم الخمسة فَخَيَّرَ بيْن الثلاثة الأولى. (1/166)
صفحة 167
والقول بِأَنَّه يَأْتي في كل ركعة بركوعين هو القول الصحيح (1) ، وهو الذي ذهب إليه الإمام السالمي-رحمه الله تبارك وتعالى-في شَرْح " الجامع " [ ج1، ص284 ]، وهو قول طائفة كَبِيرة مِن أهل العلم، وذلك هو الذِي تَدُلُّ عَلَيْه السنَّة الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وذلك لأنّ الروايات التِي جاء فيها أنه صلّى بِثلاثة ركوعات أو بِأربعة أو بِخَمْسَة .. كل تِلك الروايات لا تَثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، مِنْها ما هو ضعيف مِن جهة إسناده ومِنها ما هو شاذٌّ مِن جهة مَتْنِه، ومِن المعلوم أن هَذِهِ القضية حدثت مَرَّةً واحدة في عَهْدِه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم .. في اليَوْمِ الذي مات فيه إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولَمْ يَتَكَرر ذلك في حياته صلوات الله وسلامه عليه، كما ادّعى ذلك بعضُ أهل العلم وذَكَروا بِأَنَّه صلّى مَرَّةً بِرُكُوعيْن ومَرَّة بِثَلاث ومَرَّة بأربع وهكذا ..
__________
(1) -ينظر الملحق رقم 6. (1/167)
صفحة 168
أقول: تلك الروايات لا تَثْبُت عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-بِاسْتِثْنَاء رواية الرُّكُوعَيْن، ثُم إِنَّ تِلْك الرِّوَايات ظَاهِرَة جَلِيَة بِأَنَّها حَدَثَت في مرّة واحدة ولَيْسَت في مَرَّات مَتَعدِّدة حتى نَقول: " إنّ ذَلك قد تَكرّر في حياة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم "، ومِن المعْلُوم أنَّه إذا كان المخرَجُ واحدا فإنه لا يُمْكن أن نَقُول بالتَّعَدُّد بَل لابد مِن أن نأخذ بِالراجِح مِن تلك الروايات، وليس هذا مِن باب زيادات الثِّقات-كما ادّعى ذلك بعضهم-وإنَّما ذلك مِن باب المحفوظ والشاذ، فالمحفوظ تلك الروايات التي جاءتْ بالركوعيْن ليْسَ إلا، ومَا ذَكَرَهُ بعضُهم مِن أنه قد وقع ذلك في مَكَّة المكرمة فَذَلِك لا يَثبت على الصحيح، إذ إنّ ذلك جاء مِن طريق لا تَقُوم بِهَا الحجة، وقول بعضهم: " إنه مِن المشاهَد أنه يَتكرّر ذلك، ففي عدّة أعْوَام في مُدَّة أَقصَر مِن المدَّة التي عاشها النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-فكيف يُمكن أن نُنْكِر أن يَكُون حَدَثَ ذَلِك في أكثر مِن مرّة في خلال ثلاث وعشرين سَنَة أو على أَقَل تَقْدِير في خلال عشر سنوات التي بَقِي فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - في المدينة " .. (1/168)
صفحة 169
أَقُول: هذا كلامٌ مردود، لأنّ هذه الصلاة لَمْ تكن مشروعة في بِدَايَة الأمر وإنَّما شُرِعَتْ في السنة التي مات فيها إبراهيم ابن النبي - صلى الله عليه وسلم - وَرَضيَ عنه-فمشروعية هذه الصلاة مُتَأَخِّرة جدا وذلك لَمْ يَحدُثْ إلا مرّة واحدة بعد أن شُرِعَت هذه الصلاة فبِذَلِك يَتَبَيَّن الصَّوَاب في هذه القضية وإلا هذا الكلام لو كانت هذه الصلاة مشروعة مِن بِدَايَة الهجرة-مثلا-كَان مَقْبُولا، لأنه مِن المستبعَد جدًا ألاَّ يَحْدُث ذَلِك ولكن نَظَرًا إلى أنَّها لَمْ تُشْرَع إلا في وَقْتٍ مُتَأَخِّر جِدًّا فإنّ هذا الكلام مَرْدُود، ثم إنّ مَخْرج الرِّوَايَات-كما قلتُ-مُتَّحِد فلا يُمكن أن نَقول بِتَكَرُّر ذِلك لِلنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإذن الأفضل أن يَتَّبِع الإنسان السنَّة الصحيحة الثابتة عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-وأن يُصلي ركعتين وأن تَكُون هذه الصلاة جماعة بِالنِّسبة للرجال، أمَّا النِّساء فِإذَا خَرَجْنَ مِن غَيْر أن يَخْرجن مُتَبَرِّجَات بِزِينَة ولَمْ يَخْتَلِطْنَ بِالرِّجال فلا مانع مِن الصلاة مَعَ الرِّجال.
هذه الصَّلاة يأتي بِهَا المصلي على الكَيْفِيَة التَالِية:
1-بَعْدَ تكبيرة الإحرام يَقْرَأُ سورة الفاتحة (1) ثم يأتي بسورة طويلة ولو أمكن أن يكون ذلك كسورة البقرة فذلك هو الثَّابت .. لا أقول: " الثابت أن يأتي بِالسورة نفسها "-إذ إنّ الرواية لا دليل فيها على ذلك-وإنَّما يأتي بِمثل ذلك المقدار.
__________
(1) -قال الشيخ عند جوابه على السؤال 13 مِن حلقة 14 رمضان 1424هـ ( 9 نوفمبر 2003م ): " يُكَبِّرُ الإحرام ثُم يَستعيذُ-كما هو معلوم-ويَقرأُ الفاتِحة ... ". (1/169)
صفحة 170
2-ثم يَرْكَع ويُطِيل في الركوع يُكَرِّر قَوْل: " سبحان رَبِّيَ العظيم " .. يطيل الركوع جِدًّا (1) .
3-ثُم يَقُومُ ويُطِيل في قِيَامه ثُم يقرأ، واختلَفوا ماذا يَقرأ في هذا الوقت ؟
مِنهم مَن قال: يَأتِي بِفاتحة الكتاب ويقرأ شيئا كثيرا مِن القرآن ولكن يَكونُ أقصر مِن الذي أتى به قبل هذا الركوع.
ومِنهم مَن قال: إنه لا يَأتِي بفاتحة الكتاب بل يَشرَع في قراءة السورة مباشَرة.
وليس هنالك دليل واضِح يَدلّ على واحدٍ مِن الأمريْن وإن كان القول بِأنه لا يأتي بِفاتحة الكتاب له وجه لا بَأْسَ بِه ولكن لَيْسَ هنالك نَصٌّ وَاضِحٌ في السنَّة أبدا.
4-يُطِيل في القراءة ثم يَركَع ويُطِيل في الركوع ولكن يَكون أقل مِمَّا صنعه في الركوع السابق.
5-ثم يقوم ويطيل في قيامه ويكون ذلك أقل مِن القِيَام السابق.
6-ثم يسجد ويطيل في سُجُودِه.
7-ثم يقوم ويأتي بالركعة الثانية .. يأتي بِهَا كالركعة السَّابقة إلا أنّ قِرَاءَتِه تكون أقل مِن قِرَاءِتِه في الرَّكعة السَّابِقَة (2) .
__________
(1) -قال الشيخ عند جوابه على السؤال 13 مِن حلقة 14 رمضان 1424هـ ( 9 نوفمبر 2003م ): " يُكْثِر فيه مِن التسبيح لله - سبحانه وتعالى - لا أنْ يَكتفِي بِثلاثِ مرات أو بِخمس أو بِعشْر بل يُطِيلُ كثيرا في ذلك ".
(2) -قال الشيخ عند جوابه على السؤال 13 مِن حلقة 14 رمضان 1424هـ ( 9 نوفمبر 2003م ): " ويَصنع مثلَ ذلك في الركعةِ الثانية، ولكنَّ ذلك يَكون أقَل .. أي تَكون الركعة الثانية أَقصَر مِن الركعةِ الأولى، فتَكون القراءة الأولى التي هي قبل الركوع الأوَّل أقْصَر مِن القراءة التي تكون بعد الركوع الأوَّل مِن الركعة الأولى .. هذا ما يظهر لي.
ثُم يَركَع على حسبِ ما وصفناه ويَكون ركوعه أَقصَر مِن الركوع الذي ذكرناه سابقا والثاني أَقصَر مِن الأوَّل كما أشرت.
ثُم يَقوم ويَقرأُ الفاتِحةَ وسورةً أو مَجموعةً مِن الآيات أَقصَر مِمّا جاء بِه قبلَ ذلك، وهكذا على حسب ما وصفناه، فهذه الروايةُ هي الرواية الصحيحة، وهذا القولُ قد ذَهَبَ إليه جماعةٌ مِن أهلِ العلم، وصحَّحَه الإمام السالمي-رحمه الله-أو رجَّحَه في شرح " الجامع " [ ج1، ص284 ] والمعنَى واحد.
أما بَقيةُ الروايات فهي إمَّا ضعيفةُ السند أو ضعيفةُ المتن، ومِن المعلوم أنَّه قد يَصِحّ الإسناد ويَكون المتْن شاذّا، وهذا هو الواقِع الذي ليس له مِن دافِع في بعضِ هذه الروايات، فكلُّ تلك الروايات التي جاءتْ بِخلافِ هذه الرواية لا تَثْبُت مِن جهة مُتونِها وإن ثَبَتَتْ أسانيدُ بعضِها.
أما ما ذَكَرَه بعضُهم مِن صِحَّةِ الروايات وأنَّ الإنسان مُخَيَّر بَيْن هذه الأمور فذلك مِمّا لا يَنبغِي لأحدٍ أن يَقول بِه لِما ذكرناه مِن أنَّ القضية واحدة .. لو تَعَدَّدَ ذلك لكان مُمكِنا أمَّا وأنَّ ذلك مُتَّحِد فهذا مِمّا لا يُمكِن أن يَقولَ بِه أحدٌ .. هذا ما يَنبغِي أن يُقَال ". (1/170)
صفحة 171
8-ثم بعد ذَلِك يَنْتَهِي مِن صَلاَتَه (1) ثم يأتي بِخُطْبَة مُخْتَصَرَة يُبَيِّن فِيهَا هَذَا الأمر ويَحُثُّ الناس على التَّوْبَة إلى الله-تبارك وتعالى-ويُبَيِّن لَهُمْ الجَنَّة ومَا أعدّه الله - سبحانه وتعالى - فِيها لِعِبَادِه المتقين ويُبَيِّن لَهُمْ النار والعياذ بالله-تبارك-مِنها ومِمَّا يقرب إلَيْهَا ومَا تَوَعَّدَ الله-تبارك وتعالى-بِهِ عِبَادَه المجرِمِين ويَدعُو الناس إلى التوبة والرُّجُوع إلى الله، ويُشْرَع لِلنَّاس أن يَذْكُرُوا الله - سبحانه وتعالى - وأن يُسَبِّحُوه وأن يَبْتَهِلُوا إليْه وأن يَتَصَدَّقُوا كما ثبت ذلك في بَعْضِ الأحاديث أنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-أَمَرَ بِالعِتْق، فهذه هِيَ الصِّفَة المخْتَصَرَة لِصَلاَة الكُسُوفِ وهَكَذَا يَكُونُ-أيضا-الأمر فِي صَلاَة خُسُوفِ القَمَر.
__________
(1) -قال الشيخ عند جوابه على السؤال 13 مِن حلقة 14 رمضان 1424هـ ( 9 نوفمبر 2003م ): " بَقِيَ أنَّه هل يُشرَع لِلإنسانِ أن يَخطبَ خطبةً بعد ذلك أو لا ؟ في ذلك خلاف بيْن أهل العلم:
مِنهم مَن قال: يُشرَع ذلك.
ومِنهم مَن قال بِعدم مشروعيةِ ذلك.
والذين قالوا بِمشروعيةِ الخطبة اختلَفوا:
قيل: يَخطب خطبتيْن.
وقيل: يَخطب خطبةً واحدة، وهو الصحيح، إذْ إنَّه لا يُشرَع لِلإنسانِ أن يَخطب خطبتيْن إلا لِلجمعة، أما بِالنسبة إلى الكسوف والخسوف والزَّلْزَلة وما شابه ذلك ... فإنَّه لَم يَرِدْ حديثٌ صحيح ثابِت ولا حَسَن يدُلّ على مشروعيةِ الخطبتيْن ". (1/171)
صفحة 172
وَقَد اختلَف العُلَمَاء في القراءة هَلْ تَكُون سِرًا أو تَكُون جَهْرًا ؟ أيْ هَل: 1-يَقْرأ الإمام جَهْرًا كما يَجْهَرُ في الركعتين الأولَيَيْن مِن المغرب والعشاء وفي فريضة الفَجْر وفي صلاة الجمعة والعِيد وفي صَلاَة الاستِسْقَاء 2-أو أَنَّه يُسِر القراءة 3-أو أنه يُخيَّر بيْن الإسرار والجَهْر 4-أو أنَّه يُسِرُّ في النهار ويَجْهَرُ في اللَّيل ؟ هِذِهِ الأقوال موجودة عند أهل العلم، وأَرْجَحُ تلك الأقوال عِنْدِي هُوَ قَوْلُ مَنْ قَال: " إنّ الإمام يَجْهَرُ بِالقِرَاءَة سَوَاءً كان ذَلِك في صَلاَة الكُسُوف أو في صلاة الخسوف " وَأُفَرِّق بَيْنَهُمَا مِن أجل الإيضاح والبيان .. هَذَا هُوَ الذي يَظهَر لي مِن أقَوَال أَهْلِ العِلم في هِذِهِ القَضِيَة، فإذن هَذِه هِي كَيْفِيَة الصلاة.
يَسأل كثير مِن النَّاس-مثلا-لَوْ مَنَعَ مَانِع مِن رُؤْيَة الكُسُوف أو الخُسُوف ولكن قَرّر أهْل الفَلَك بِأَنَّه يَقع في هَذِه الساعة هَلْ يُشْرَعُ لَنَا أن نَأْتِي بِهَذِهِ الصلاة أو لا يُشْرَع ذَلِك ؟
نَقُول: لا يُشرَع ذلك، لأنه أمْرٌ مُعَلَّق بِرؤيةِ ذلك، فإذا رأيناه فإنه يُشرَع ذلك في حقِّنا، وإن لَمْ نر ذلك فإنه لا يُشرَع ذلك في حقِّنا كما قرّرنا ذلك-أيضا-في قضية رؤية القمر (1) .
فإذا قرّر-مثلا-الفلك بأنه تُمكن رؤية الهلال ولكننا لَمْ نَره فإنه لا يُشْرَع لنا أن نَصُوم وإنَّمَا نَصُومُ إذا رَأَيْنَاه، نعم .. إذا قَرَّرُوا بِأنَّه لا يُمْكِن ذَلِك أبَدًا وبَعدَ ذلك ادّعى بَعْضُ الناس بِأَنَّه رَآه فِإنَّنَا لا نَقْبَل مِنْه ذَلِك ونَقُول: إنّ كَلاَمَكَ هَذَا مُخَالِف لِهَذا العِلم الثابت المتقرِّر فتردّ شهادته بِذلك في هذه القضية.
__________
(1) -عند الجواب على السؤال 1 مِن حلقة 16 رمضان 1423هـ ( 22 نوفمبر 2002م ). (1/172)
صفحة 173
فإذن الصلاة مشروعة في حقِّ الرجال وفي حقِّ النساء .. النساء إذا صَلَّيْن في البيت فذَلِك أَفْضَل كَمَا هَو الحال بِالنسبة إلى بَقِية الصلوات، وأمَّا بِالنسبة إلى الرِّجَال فالأفضل لَهُمْ أن يكون ذلك في المسْجد.
وهذه الصلاة مِمَّا اختلَف أهل العلم فيها:
1-مِنهم مَن قال: " هي سنَّة "، وقد حكى غير واحد مِن أهل العلم اتّفاق أهل العلم على ذلك.
2-ومِنهم مَن قال: هي واجبة.
3-ومِنهم مَن قال: هي مِن الواجبات على الكفايات وليست مِن الواجبات العينية؛ وهذا القول لَه نَصِيب مِن النظر.
وَمَهْمَا كان فَهِي تَدُور بَيْن الواجب الكفائي وبيْن السنّة المؤكدة، لِحثِّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلا ينبغي لأحد أن يَتَهَاوَن بذلك.
كما أنه لا ينبغي لأحد أن يُخالف السنّة بِالاختصار في القراءة، وكثير مِن الناس يَتعلَّلون بِأنَّهم يُصلّون بِبعضِ الضِّعاف وما شابه ذلك .. نقول: الضعيف والذي لا قَدْرَةَ لَه لا يَنْبغي له أن يُعكِّر على الجماعة فبِإمكانه أن يُصلِّي هو في بيته أو ما شابه ذلك وليَترُك الجماعة تأتِي بِسُنَّة النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-فَهَذِهِ الصلاة لا يُشترَط فيها بِأن تَكُون في الجماعة وإنَّما لا ينبغي التَّخلف عن الجماعة إلا إذَا كَانَ هُنالِك عُذر، فإذن ينبغي الإتيان بِالسنَّة كما ثبتت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
بعضُ الناس-أيْضا-يسأل وَيَقُول: إذا انتهى الكُسُوف أو الخسوف وَلاَزِلْنَا في الصلاة، ماذا نفعل ؟ نقول: يَخْتصِر الإنسان صلاتَه جِدًا ثم يَخْرُج مِنها بعد الانتهاء مِنها بعد أن يَأْتي بِهَا بِصَفَةٍ مُخْتَصَرَة؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
كذلك يَسْأَلُ بَعْضُ الناس: لَوْ وَقَعَت هِذِهِ القَضِيَة بعد صلاة العصر مثلا، هَلْ نُصَلِي أو لا ؟ (1/173)
صفحة 174
نقول: هِذِهِ الصلاة مِن الصلوات السببية والصحيح في الصلوات السببية أنه يُؤتَى بِهَا، فإذا وقع ذلك في وقتٍ تُكرَه الصلاة فيه فإنه لا مانع مِن الصلاة بل تُشرَع الصلاة في ذلك الوقت لأنها مِن الصلوات السببية والصلوات السببية ثبت في سنَّة النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-الصحيحة الثابتة عَنه بِأنَّه يُؤْتَى بِهَا حتى في الأوقات التي تُكْرَهُ فِيها الصلاة وإنَّما لا يُؤْتَى بِهَا في الأوقات التِي تَحْرُم فِيها الصلاة.
بعضُ النَّاس-أيْضًا-يسأل أنه إذا غَرَبَ القَمَر أو الشمس في حالة الكُسوف، هل نُصَلِّي في ذلك الوقت أو لا ؟ نقول: لا، بِمُجَرَّد غُروب الشمس أو غروب القمر فإنه لا تُشرع الصلاة ولو غرب وهو في حالة كسوف أو خسوف.
فَليُنْتَبَه لِهَذِه المسائل، وَهُنَالك مسائل متعدِّدة تتعلّق بِهَذِهِ الصلاة فإن أردتم أو أراد بعضُ السائلين أن يَطرَح شيئا مِنها فلا بأس، ومعذرة فإنني قد نَبَّهْتُ على مَسَائِل مُتَعَدِّدة لَمْ تَطْرَحُوهَا لظني بِأَنَّكم تريدون التنبيه عَلَيها؛ والله أعلم.
س: هل تشترط فيها الجماعة بِالنِّسبة للرجال ؟
ج: لا نَقول: " إنّ ذلك مِن الشُّرُوط " وإنَّما ذلك مِن السنن الثابتة التي لا ينبغي للإنسان أنْ يَتْرُكها.
لكن مَن كَانَ يَضِيق عليه الوقوف-مثلا-ويشقّ عليه-أيضا مثلا-الجلوس ولا يستطيع فيَطلب مِن الإمام بِأن يُصلِّي صلاةً مُختصَرة مِن أجل أن يُصلِّي هو معهم .. نقول: لا، لا ينبغي لك ذلك .. صلِّ بِنفسِك إذا كنتَ لا تستطيع وإلا فَاجْلِس ولا مانع ما دُمْت لا تستطيع على القِيَام، وإلا فالجماعة يَنبَغِي لَهَا أن تُطِيل كما فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
س: بِالنِّسبة للاستدراك فيها ؟
ج: نعم، الاستدراك فيها مشروع.
س: ويكون عَلَى نفس كيفية الإمام ؟ (1/174)
صفحة 175
ج: ويقضي على حَسْب ما فعله الإمام، فلا ينبغي للمأموم أن يُخالِف إمامَه، فلو قدّرنا أنّ الإمام يأخذ بِرأيِ مَن يَقول بِالركعتين .. أي أن يَأتِيَ في كل ركعةٍ بِركوع واحد لا يَنبغي لِلمأموم إذا قَامَ يَقْضِي يَأْتِي بِخِلاف تِلْكَ الصلاة لأنه يَقضي ما فعله ذلك الإمام فَلْيَقْضِ على حسب ما أتى به الإمام وإن كان الصَّوَاب الذي نُرْشِدُ إليْه بِأن يَأتي في كل ركعة بِركوعين (1) كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وهناك مسألة أحبُّ أن أُنبه عليها-أيضا-وهو أنّ كثيرا مِن الناس-وخاصّة مِن العامّة وطبعا لا يقع إلا مِن العَامَّة-يقومون بِضربِ الطبول وما شابه ذلك .. هذا لا أَصْلَ لَه بَلْ هُو مُخَالِف لِسُنَّة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
__________
(1) -قال الشيخ: " ركعتين " بدلا مِن " ركوعين " وهو سبق لسان. (1/175)
صفحة 176
كما أنني أُرِيد-أيضا-أن أُنَبِّه إلى أنَّه وإن كُنَّا نَعْرِفُ ما هو السَّبب في وقوع الكسوف والخسوف لا ينبغي لنا أن نتهاون في هذا الأمر، فالنبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-لَمْ يتهاون بذلك .. كَلاّ بَل خَرَجَ فَزِعًا مَرْعُوبًا صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه وإن كَانَ هُنَاك-مثلا-أَمْر واضح لِمثل هذه الأمور لكن هنالك-أيضا-أمرٌ شَرْعِي لاَبُد مِن مُرَاعَاتِه، فقد تَقَع هَذِه الأسباب في الكون على حسب السنَّة الكَوْنية ولكن لابد-أيضا-مِن مراعاة الأمرِ الشرعي فقد يكون والعياذ بالله-تبارك وتعالى-ذلك مُقدِّمَةً لِيَوْمِ القيامة وطبعا لابد مِن وُقُوعِ يَوْمَ القيامة-كما هو معروف-والأدلّة قد نَادَت بِأنَّه قَرِيب فلابد مِن ملاحظةِ هذا الأمر وألاّ نتّخذ هذا أمرا عاديا .. مثلا قال الفلكيون بِأَنَّه يقع كذا وكذا ودَرَسْنَا-مثلا-في علوم الفلك بِأنّ السبب كذا وكذا فإذن نَعْتَبر ذلك أمْرًا عَادِيًا .. كلاّ، عندما تَحْدُث هَذِه الحوادث مِن كسوف أو خسوف أو مِن وُقُوعِ زلزلة أو بَرَاكِين أو رِيَاح عَاتِية أو مَا شَابَه ذلك فإنه وإن كنا-مثلا-نَعْرِف شيئا ما عن هذه الأسباب لكن لابد مِن مُرَاعَاة تلك الأسباب التي رَاعَاهَا النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-ولابد مِن الخوف والوَجَل والفَزَع مِن مِثْل هِذِهِ الأُمُور التي لا يَدْرِي الإنسان ما يَحْدُث لِهَذِه الأرض في هذه الأحوال وفي غير هذه الأحوال، فكثير مِن الناس الآن مع تقدم هذه العُلُوم رَأَوْا هَذِه الأمور أمورا عادية ولا يهتمّون بِها .. تَجِد الوَاحد يقول: " يَحدث كَذَا ويَحدث كَذَا " وعِنْدَما يَحدث كذا تَجِدُه مُشْتَغِلا بِأُمُورِه ولا يُبَالِي بِمثل هَذِه الأُمُور .. (1/176)
صفحة 177
الرسول-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-مَا كَانت تَخْفَى عليه هذه الأمور ومع ذلك-كما قلتُ-خرج فزعا صلوات الله وسلامه عليه خَائِفًا مِن العقوبة فعلينا أن نتّعظ وأن نعتبِر بِمثل هَذِه الأمور وأن نَقِفَ وقفة مع النَّفْس لِمُحاسبتها في مثل هذه الحوادث وألاّ نَتَّخِذها أمرا عاديا عابِرا؛ والله-تبارك وتعالى-ولي الإعانة والتوفيق.
{ سادسا : أحكام صلاة العيد }
أولا: أحكام متعلقة بالعيد
س: في لَيْلَة العيد .. هل هناك أَحْكَام شرعِية مُعَيَّنَة ينبغي على الناس أن يفعلوها أو يَصْنَعُوهَا قَبْلَ الصَّبَاح ؟
ج: إنه ينبغي للمسلمين أن يُرَاقِبوا رؤية الهلال وهذا مِنْ فُرُوضِ الكِفَايَة التي يَتَسَاهَل بِها كثير مِنَ النَّاس، فمِنَ المعلوم أنّ الهلال تتعلق به أحكام مُتَعَدِّدَة، ومِنْ أهَمِّ الأحكام التي نُريد أن نتكلم عنها في هذا الشهر:
1-ثبوت العيد، فإنّ صيام يوم العيد مُحَرَّم بالنصوص الصريحة وبإجماع الأمّة الإسلامية قاطبة.
2-وكذلك صلاة العيد مِنْ فُرُوضِ الكفايات على مذهب طائفة كبيرة مِنَ المسلمين.
وذهبت طائفة مِن المسلمين إلى أنَّها مِنْ فُرُوضِ الأعيان إلا مَنْ وَرَدَ استِثْنَاؤُه.
وذهب بعضهم إلى أنَّها مِنَ السُّنَن المؤكدة.
و-على كل-لا ينبغي لأحد أن يتساهل فيها إلا مَن كان له عُذْر شرعي. (1/177)
صفحة 178
فهذان الحكمان مِنْ أهم الأحكام التي تَتَعَلق برؤية الهلال هذا فَضْلا عن بقية الأحكام الأخرى التي تتعلق برؤية الهلال التي تكون أيضا في بَقِيَّة الأشهر الأخرى والتي يتساهل بِها الناس في زماننا هذا، فمِنَ المعلوم أن الأحكام الشرعية مَنُوطَةٌ بالشُّهُور العربية وليست بالشهور الأخرى التي يتعامل بِها كثير مِنَ الناس اللهم إلا ما جَازَ فيه العُرْفُ كَرَوَاتِبِ العاملين أو ما شابه ذلك إذا كان هنالك اتّفاق أو عُرْفٌ بأنَّهَا تكون على تلك الأشهر فذلك مِما لا بأس به، أمَّا ما يَتَعَلَّقُ بالزكاة وما يَتَعَلَّقُ بالعِدَدِ وما شابه ذلك مِن الأحكام الشرعية فلا يُمْكِن إلا أَنْ تكون على حسب الشهور القمرية، فإِذَنْ مُراقبة رؤية الهلال في كل شهر أمر لابد منه وفي بداية شهر رمضان وفي نِهايَتِه وهكذا بالنسبة إلى شهر ذي الحجة يكون الأمر أَشَد، فينبغي للمسلمين إذن في اللَّيْلَةِ القادمة-بِمَشِيئة الله تبارك وتعالى-أن يُرَاقِبُوا ذلك ومَنْ ثَبَتَت لَدَيْهِ الرؤية وتَأَكَّدَ مِنْ ذلك فعليه أن يتَّصِل بالجهات المسؤُولَة حتى يَنظر أهل العلم في ثبوت ذلك مِنْ عدم ثُبُوتِه؛ والله-تبارك وتعالى-ولي التوفيق. (1/178)
صفحة 179
هذا بِالنسبة إلى ليلة العيد وبَقِيَت هنالك مسألةٌ قد قالَها بعض العلماء وهو أنَّه ينبغي قيام هذه اللَّيْلَة أو تَخْصِيصُهَا بِبَعض العبادات كإِطَالَةِ الصلاة بِخلاف غيرها مِن الليالي وقد قلتُ في بعض الأجوبة السابقة (1) بِأنَّ ذلك لَم يثبت فيه شيءٌ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وما جاء في ذلك فهو موضوعٌ لا يَصِح، وما جاء عن بعضِ أهل العلم فإنّ أقوالهم مُفْتَقِرَة إِلَى الدليل ولا يَصِحُ أَنْ يُسْتَنَدَ إِلَيها كدليل شرعي تقوم به الحجّة في مثل هذه القضية .. إذن قيام هذه الليلة-أعني ليلة العيد-لَيْسَ لَهُ مُسْتَنَد شرعي ولا ينبغي لأَحد أن يَعمَل به .. نعم قِيَامها كغيرها مِنْ بقية سائر ليالي العام هو مطلوب شرعا كما هو ثابتٌ في الأدِلَّة الدالة على مشروعية قيام الليل.
ومِن ذلك التكبير في ليلةِ العيد وأَخُصُّ بذلك عيدَ الفطر لأنّ التكبير له أحكام مُختلفة في العيدين ولا أريد الإطالة بأحكام التكبير في عيد الأضحى المبارك فَإِنَّنَا سوف نتكلّم في ذلك إن يَسَّرَ الله-تبارك وتعالى-في ذلك الوقت .. التكبيرُ في ليلةِ العيد مِمَّا اختلَف فيه أهل العلم:
فبعضُ أهل العلم ذهب إلى مشروعية التكبير بِمُجَرَّد دخول شهر شوال أو دخول ليلة العيد سواءً كان ذلك بالرؤية أو بِإِكْمَال رمضان ثلاثين يوما .. هذا ذهبتْ إليه طائفة مِن أهل العلم.
وذهبتْ طائفة مِن أهل العلم إلى أنَّ ذلك لا يُشْرَعُ في الليل وإنَّما يُشْرَع في النَّهَار، واختلفوا في ذلك:
مِنْهُمْ مَنْ قال: إنَّه يُشْرَع بطلوع فجر العيد.
ومنهم مَن قال: إنه يُشْرَع بطلوع شمس العيد.
__________
(1) -عند الجواب على السؤال 1 مِن حلقة 26 رمضان 1425هـ ( يوافقه 10 نوفمبر 2004م ). (1/179)
صفحة 180
ومنهم مَن قال: إنه يُشْرَع عندما يَخْرُجُ النَّاس إلى المصلى، وهذا القول هو القول الأقرب عندي إلى الصواب، وليس هنالك دليلٌ صحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وإن جاءت بعض الأحاديث ولكنّ ذلك قد ثبت عن طائفة مِن صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والظاهر أنَّ مِثْلَ ذلك مِما لا يُقَال بِمَحْضِ الرأي وإنَّما تَلَقَّوْهُ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأَصَحُّ الآثار بل الصحيح الثابت هو ما جاء بِأنه يُشْرَعُ عند الخروج إلى مُصَلَّى العِيد، أمَّا ما عَدَا ذلك فَلَمْ يَثبت، فهذا القول الذي نراه، وعليه فإنَّ ليلةَ العيد-أي على هذا القول-لا يُشْرَعُ التكبير فيها وإنَّمَا يُشْرَع-كما قلتُ-عند الخروج إلى المُصلى.
وقد اختلَف العلماء في حُكْمِ هذا التكبير:
1-منهم مَن قال: إنَّه فريضة .. أي أَنَّه واجب في اللَّيلِ.
2-ومِنْهم مَن قال: إنه سُنَّة، مِن الليل ويَسْتَمِر إلى صلاة العيد، ومنهم مَن قال: إنَّه مِنْ بداية الخروج إلى المصلى كما قدمنا.
3-ومنهم مَن قال بعَدَمِ مَشْرُوعِيَّتِهِ في عيد الفطر المبارك.
والقول الوسط هو القول الصحيح، فهو ليس مِن الواجبات المُتَحَتِّمَات و-أيضا-ليس مِنَ المَكْرُوهَات أو ما شابه ذلك وإنَّما هو سُنَّة مِن السنن لا يَنبغي التفريط فيها بِحال.
وكيفية هذا التَّكْبِير لَم يَرِد فيها نَصٌّ صريح وإنَّما هُنَالِك للعلماء كَيْفِيَّات مُخْتَلِفَة والكُلُّ لا بأس به بِمشيئة الله:
فمنهم مَن يَقول: يُكَبِّر تكبيرتين قبل التهليل يَقول: " الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد ".
ومنهم مَن يَقول: يُكَبِّر ثلاثا سرداً: " الله أكبر الله أكبر الله أكبر ".
والخَطْبُ سهل بِحمد الله تبارك وتعالى .. مَنْ فعل هذا فلا بأس عليه ومَنْ فعل هذا فلا بأس عليه والكل فيه خير بِمشيئة الله تبارك وتعالى. (1/180)
صفحة 181
وقد اختلَف العلماء-أيضا-في التكبير في العيديْن أيُّهُما آكَد:
مِنْهُم مَن قال: إنّ التكبير لعيد الفطر آكَد.
ومِنهم مَن قال بعكس ذلك.
ومِنهم مَن قال: هما سواء.
وليس هنالك دليل واضِح في المسألة وعلى تقدير وجودِه فهو مُحْتَمِل، و-على كل حال-ينبغي الإتيان بذلك ولا داعي-فِيمَا أرى-إلى ترجيح واحد مِن هذه الأقوال وإنَّما المطلوب الفعل في كِلْتَا الحالتَيْن؛ والله-تبارك وتعالى-ولي التوفيق.
س: بالنسبة للاغتسال في يوم العيد، ما حكمه ؟ وهل يُمكن أن يكون ذلك قبل الفجر ؟
ج: الاغتسال يومَ العيد وردت فيه بعضُ الأحاديث التي تُرْفَعُ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يَصِح شيءٌ مِن ذلك، وإنَّما جاءت روايات مُتَعَدِّدَة عن صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منها الصحيح ومنها السَّقِيم، فالظاهر أنَّ هذا الاغتسال ثابت، و-أيضا-قَاسَهُ بعضُ العلماء على الاغتسال ليوم الجمعة وهو قِيَاسٌ لا بأس به ولكنّ الأقوى هو ما جاء عن الصحابة رضوان الله-تبارك وتعالى-عليهم، فالظاهر أنَّهُم قد أخذوا ذلك عن النبي صلوات الله وسلامه عليه.
وقد اختلَف العلماء في الوقت:
مِنْهم مَن قال: يَكُون بعد طلوع الفجر.
ومنهم مَن قال: يكون حتى في الليل ويكون ذلك بعد مُنْتَصَفِ الليل. (1/181)
صفحة 182
و-على كُل-كَوْنُهُ بعد طلوع الفجر أمرٌ مُتَّفَق عليه فمَنْ أمكنه ذلك فذلك هو الأوْلى والأحوط ومَن لَم يُمْكِنه ذلك لِبُعْدِ بَيْتِهِ-مثلا-مِن مُصَلَّى العيد أو لأنّ البيت الذي هو فيه فيه جماعة كبيرة مِن الناس وقد يكون مَوْضِعُ الاغتسال واحدا أو ما شابه ذلك وإذا اغتسلت الجماعة كُلُّهَا في ذلك الوقت تأخَّرُوا جِدا أو أَنَّهُ قد تَفُوتُهُم صلاة العيد أو يَغْتَسل بعضهم دون بعض أو ما شابه ذلك فهاهنا لا بأس بمشيئة الله-تبارك وتعالى-مِنْ أَنْ يَغْتَسِلَ بَعْضُهُم ولو كان ذلك قَبْلَ طلوع الفجر ولكن لا ينبغي أن يكون ذلك قبل منتصف الليل، فالغُسْلُ-إذن-ثابت ولا ينبغي التفريط فيه.
و-كذلك-يُسَنُّ لُبْسُ الملابِس الحسنة الجميلة حتى يكون المسلم في أحسن صورة وأجْمَل هَيْأَة في هذا اليوم واسْتَثْنَى بعضُ العلماء المعتكف فقالوا: الأوْلى أن يَخْرُج في ثيابه التي اعتكف فيها، ومِنْهُم مَنْ أخذ ذلك مِن حال الشهيد حيث إنه يُكَفَّنُ في ثيابه، وهذا قياس باطل لا يصح، ذلك لأنّ الشهيد يُبْعَثُ يوم القيامة بمشيئة الله تبارك وتعالى .. يُبْعَثُ وَجُرحُه يَثْعَبُ دَماً بسبب تلك الشهادة لَوْنُه لَوْن الدم ورِيحُه ريح المسك وليس كذلك بالنسبة إلى المعتكف، ثُم إنَّ ثياب المعتكف لَم يكن ذلك الوسخ الذي فيها بسبب الاعتكاف وإنَّما كان ذلك بسبب إطالة لُبْسِهَا بذلك، وعلى تقدير أنَّ ذلك كان بسبب عدم خروجه مِن مُعْتَكَفِه أو ما شابه ذلك فإنّ ذلك لا يكفي، ثُم إنَّ السنّة الصحيحة دالّة على أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يَلْبَسُ أَحْسَنَ الثِّيَاب وهو كان صلوات الله وسلامه عليه يَعْتَكِف في العَشْرِ الأخيرة مِنْ شَهْرِ رمضان، وإذن لا داعي لِمِثْلِ ذلك القياس لِمخالفته للصحيح الثابت. (1/182)
صفحة 183
وكذلك يُسَنُّ الطِّيبُ وهو وإِنْ كان لَم يَرِدْ مَرْفُوعا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - مِن طريق صحيحة ولكنه جاء عن بعض الصحابة ثُمَّ إنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان مِنْ حاله أنَّهُ يُحِبُّ أن يَظْهَرَ أمام الناس في مثل هذه المَواطن وهو في أحسن حال وأحسن رائحة فلا ينبغي التفريط بذلك.
وكذلك بالنسبة إلى السِّواك بل هو مطلوب عند كل صلاة كما جاء ذلك في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وقال بعض العلماء: إنَّ الذي يَخْرُجُ للعيد ينبغي له أن يُقَصِّرَ شَعْرَ شَارِبِه وأن-أيضا-يُقَصِّر أظافره، فإن كان هو بحاجة إلى ذلك فنعم أما إن لم يكن له حاجة إلى ذلك .. أي لَمْ يكن شَعْرُ شَارِبِه طويلا ولَمْ تكن أظافره طويلة فإنه لا علاقة للعيد بذلك كما هو الحال بالنسبة إلى الجمعة.
والحاصل أَنَّ كُلَّ ما يُشْرَعُ لِصلاة الجمعة فإنَّه يُشْرَعُ لصلاة العيد .. هذا ما نَصَّت عليه طائفة مِنْ أهل التحقيق مِن أهل العلم، وهو كلام واضح لا غُبَارَ عليه بِمشيئة الله تبارك وتعالى. (1/183)
صفحة 184
و-كذلك-نَصَّ العلماء بِأنَّ الناس ينبغي لَهم أن يأتوا إلى مُصَلى العيد ولَوْ كان ذلك مِن مسافة شَاسِعَة، وما جاء مِن الخلاف في صلاة الجمعة فهو كذلك في صلاة العيد، منهم مَن قال: إنَّ على الناس أن يَخرجوا إلى المسافة التي يُسْمَع فيها الأذان لسائر الصلوات-وإن لَمْ يكن لصلاة العيد أذان كما هو معروف-وذلك يُقَدَّرُ بِفََرْسَخ، ولكنَّ الناس-للأسف الشديد-يتساهلون بِهذا الأمر وتَجد كلَّ أصحاب بلدة يُصَلُّونَ في بلدتِهِم و-كذلك-تجد كثيرا مِن أهل البادية يُصَلُّون في باديتهم، وهذا مُخَالِف لِهَدي النبي-صلوات الله وسلامه عليه-ولِهَدْيِ صحابته-رضوان الله تبارك وتعالى عليهم-فينبغي الاجتماع مِنْ أجل وحدة الكلمة ورَصِّ الصف حتى يظهر المسلمون وهم بِحمد الله-تبارك وتعالى-جماعة واحدة فَأَدْعُو إِلَى العمل بِمِثْلِ هذه الشعيرة؛ والله-تبارك وتعالى-ولي التوفيق.
س: هل يُسَنُّ أن يَكون التكبير جماعيا .. يعني يَخْرج الناس لِيُكَبِّروا بِصَوْتٍ واحد إلى أن يَصِلُوا إلى مصلى العيد ؟
ج: الأصل أنَّ كُلَّ واحِد يُكَبِّرُ بنفسه .. كل واحِدٍ يُكَبِّرُ هو بنفسه ولا حاجة إلى أن يُكبِّر شخص وتَرُدُّ المجموعة بَعْدَه ولا شَكَّ بأنَّه عندما يُكَبِّر الناس جميعا سيكون بعضهم مُتَقَدِّما وبعضهم متأخِّرا وقد تكون المجموعة إذا كانت قليلة .. يكون صوتُها واحدا فإذن لا داعي لأن يقرأ أحدهم التكبير والبَقِيَّة تُتَابِعُه وإنْ كُنَّا لا نقول: " إنَّ ذلك مِن الأمور الممنوعة " ولكننا نقول: إنَّ ذلك لا يثبت وما دام غير ثابت فالأوْلى أن يكون العمل على حسب ما جاء في الأدِلَّة التي أشرنا إليها سابقا .والله أعلم.
ثانيا: أحكام صلاة العيد
س: بالنسبة للخروج إلى صلاة العيد .. الذهاب إلى صلاة العيد مِن طريق والعودة مِن طريق آخَر، هل هذا مِن السنّة ؟ (1/184)
صفحة 185
ج: هذا ثبت عن النبي صلوات الله وسلامه عليه .. كان يَخْرُج في طريق ثُم يرجع في طريق آخَر، وهذا الأمر مُحْتَمِل هل ذلك مِن السنن المقصودة للنبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-أَو أنّ ذلك مِن الأمور التي ليست مِن السنّة وإنَّما هي مِن الأمور الجِبِلية ؟ هذا الأمر مُحتمِل، ولكن الذي ذهب إليه أكثرهم بِأنَّ هذا مِنَ الأمور المقصودَة، ولكن ما العلّة في ذلك ؟
مِنْهُم مَن قال: إنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-كان يَمر على الناس ومنهم الفقير فأحَبَّ صلوات الله وسلامه عليه أنْ يتصدَّق الناس الذين لديهم شيءٌ مِن المال على الفقراء يتَصَدَّقُون في ذهابِهم على الطائفة التي يَمرون عليها في الطريق الأول ويتصدَّقُون عند إيابِهم على الطائفة التي هي في الطريق الثانِي.
ومِنْهُم مَن قال: إنَّ ذلك مِن أجل إظهار شِعار المسلمين حتى يظهر في أكثر مِن موطن عندما يَمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ومَن معه مِن الصحابة الكرام رضي الله-تبارك وتعالى-عنهم.
ومِنْهُم مَنْ قال: إنَّ ذلك مِنْ أجل أن يشْهَد له الطريقان .. يشْهَد له الطريق الأول في خروجه صلوات الله وسلامه عليه لِصلاة العيد ويشْهَد له الطريق الثاني عند رجوعه صلوات الله وسلامه عليه.
وقيل بغير ذلك. (1/185)
صفحة 186
ويُمكن أن يكون ذلك لِهذه المعاني كلها أو لبعضها، فإنه ليس هنالك نصٌّ صريح يدل على واحد مِن هذه الأمور ولكن مهما كان ينبغي عدم التفريط في ذلك عندما يكون ذلك مُمْكنا، أما إذا كان ذلك لا يُمكن لبعض الناس وذلك عندما يَخرجون على السيارات إذ إنَّه قد لا يتيسر لهم وجود طريقين يَخرجون في واحد ويرجعون في الطريق الثاني فلا بأس عليهم بمشيئة الله تبارك وتعالى، ثُمَّ إنَّنَا لو عَلِمْنا العِلَّة التي خرج منها النبي - صلى الله عليه وسلم - فعلى تقدير أنه أراد أنّ ذلك مِن أجل أن يَمر على الفقراء أو مِن أجل السلام على أصحابه أو ما شابه ذلك فإذا كان أحد الطريقين لا يوجد أحد فيه في بعض المناطق فإنَّه لا حاجة لِمثل ذلك، وهكذا بالنسبة إلى الشِّعَار، ولكن-كما قلتُ-الأمر في هذه القضية مُحْتَمِل وليس هنالك دليل واضح فيها وإنَّما هي احتمالات، وما دام النبي - صلى الله عليه وسلم - فَعَلَ ذلك ويُمكن أن يكون مِن أجل أن يشْهَد له كل واحد مِن الطريقين فالخير كل الخير في إتباعه صلوات الله وسلامه عليه. (1/186)
صفحة 187
هذا وقد ذهب بعضُ أهل العلم إلى أنَّه يُقَاسُ على هذه القضية الذهاب إلى صلاة الجمعة وعليه فعلى قولِهم ينبغي الذهاب في طريق والرجوع في طريق آخَر، وبعضُهم قاس عليه الصلوات الخمس فقال: " عندما يَخرج الإنسان الذي يريد الذهاب إلى المسجد ينبغي له أن يذهب في طريق ويرجع في طريق آخر "، ومنهم مَنْ طَرَدَ ذَلك في كل أعمال الخير والبِر فقال: " إذا ذهب لزيارة قريب أو عِيَادَةِ مريض أو ما شابه ذلك مِنْ أعمال الخير ينبغي له أن يذهب في طريق ويرجع في طريق آخر "، ولعلَّ هذا مبني على أنّ ذلك مِنْ أجل أن يشهد له الطريقان، ولكن مهما كان لا ينبغي القياس في مثل هذه القضية .. ينبغي أن نَقْتَصِرَ على ما ورد عليه النص وبعد ذلك إن شاء الإنسان أن يذهب في طريق ويرجع في طريق آخَر أو يرجع في الطريق الذي ذهب فيه فلا بأس فيه بالنسبة لغير العيد إلا إذا كانت هنالك مصلحة كأن يَمُر على بعض أصحابه أو ما شابه ذلك، وأما بالنسبة إلى ذهابه صلوات الله وسلامه عليه إلى مكة المكرمة حيث إنَّه دخل مِن طريق وخرج مِن طريق آخَر فعلى تقدير أنّ ذلك مِن السنن-كما ذهب إليه بعضُ أهل العلم-فذلك-أيضا-يُحْمَل على هذه القضية، وأما بالنسبة إلى رجوعه-أيضا-مِنْ عرفة في غير الطريق الذي ذهب إليه فبعضُ العلماء قال: " إنّ ذلك كان أَيْسَر عليه "، و-على كُل-لا ينبغي طَرْدُ القياس في مثل هذه القضايا حتى يَحكم الإنسان بسُنِّيَّةِ أمرٍ وهو ليس بِمَسْنُون وإنَّما يُقْتَصَر على ما ثبت به الدليل .. هذا ما أراه؛ والعلم عند الله تبارك وتعالى.
س: هل مِن السنَّة أن يكون الذهاب إلى صلاة العيد مَشْيا ؟ وإذا كان ذلك، فماذا على مَن رَكِب ؟ (1/187)
صفحة 188
ج: نعم، السنَّة أن يَخرج الإنسان إلى صلاة العيد كما فَعَلَ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-حيثُ إنَّه خرج يَمْشِي على قَدَمَيْه ولكن عندما يكون ذلك مُتَيَسِّرا أما إذا كان المكان بعيدا يَشُقّ على الإنسان أن يَخرج وهو يَمشي فلا بأس عليه بِمشيئة الله-تبارك وتعالى-في الركوب، وكذلك إذا كان الإنسان ضعيفا أو مريضا أو ما شابه ذلك أو أراد أن يأخذ معه بعض نسائِهِ وأولادِه الذين يَشُقّ عليهم الذهاب وهم يَمشون أو لا يُسْتَحْسَن منهم ذلك أو ما شابه ذلك فلا بأس بِذلك بِمشيئة الله أما عندما يكون المشي مُتَيَسِّرا فلا ينبغي أن يُعْدَل إلى غيره.
س: وماذا عن المرأة أيضا .. هل تَخرُج لِصلاة العيد ؟
ج: نعم، هكذا ثبت عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-في الحديث الصحيح الثابت عنه، فقد أَمَرَ صلوات الله وسلامه عليه النساء أن يَخرُجن لصلاة العيد حتى أنَّه - صلى الله عليه وسلم - أمر الحُيَّض بِأن يَخرُجن إلى صلاة العيد مع أنَّهن لا يُصَلِّين في ذلك الوقت مِنْ أجْل أن يَشهَدْنَ دعوة الخير مع المسلمين وأن يُكَبِّرْنَ بتكبيرهم، فالنساء ينبغي لَهن ذلك، وقد اختلَف العلماء في هذا الخروج:
منهم مَن قال: إنه واجب. ومنهم مَن قال: إنه مستحب. ومنهم مَن قال: إنه مباح.
ومنهم مَن قال: إنه مكروه .. قالوا: " إنَّ ذلك منسوخ "، ولا دليل على النسخ أبدا .. مَن ادَّعَى النَّسْخ فعليه أن يَأتِيَ بالدليل ولا سبيل له إليه البتّة.
ومنهم مَن قال: يُستحَب في حقِّ النساء الكبيرات، ومنهم مَن قال: يباح لهنّ، وهكذا بِالنسبة إلى النساء اللاتي لم يكن فيهنّ شيءٌ مِن الجمال، أما بالنسبة إلى النساء الصغيرات ولاسيما الجميلات فهذا مِمَّا لا ينبغي. (1/188)
صفحة 189
و-على كل حال-هذا مُخَاِلفٌ لِنصّ الحديث الثابت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فالحديث فيه التَّنْصِيص على خروجِ الصِّغار، فلا أدري لِمَاذا يُؤْتَى بِمثل هذه الأقوال المخالِفة لِحديثِ النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فالقول بِالكراهة قول لا وجهَ له، والقول بالنسخ لا دليل عليه، ولا ينبغي لأحد أن يَلْتَفِتَ إليه، وهكذا بالنسبة إلى القول بالإباحة أو بالتخصيص بكبيرات السن ومَن كان حالُه كحالِهِن، فهذه الأقوال مِمَّا لا ينبغي أن يُلْتَفَتَ إليها بل ينبغي الأمرُ بِذلك كما أَمَرَ به النبي - صلى الله عليه وسلم - بِشَرْط ألاّ يَخْرُجْن بزينةٍ أو بِعطرٍ أو ما شابه ذلك والزينةُ شاملة لكل شيءٍ سواءً كانت زينة بِلُبْسِ الثياب الفاخِرة أو بِاستعمال العطور أو ما شابه ذلك .. (1/189)
صفحة 190
الحاصل بِشَرْطِ ألاّ يَخْرُجْنَ مُتَزَيِّنَات، أما مَن خَرجت مُتَزَيِّنَة مُتَعَطِّرَة أو ما شابه ذلك أو في حالةٍ حَسَنَة فهذا مِمَّا يُنْهَى عَنْهُ أَشَدَّ النَّهي، فهو مُخَالِفٌ لِلسنّة مُخالَفةً صَارِخَة، فإما أن تَخْرُج المرأة-كما أَمَرَها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم-غير مُتَزَيِّنَة ولابِسَة اللباس الشرعي المعروف الذي جاءتْ شروطُه في سنّة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأرى الوقت لا يَسمَح لي بِذِكْر تلك الشروط جَميعا فلَعَلَّنَا نَذْكُرها بِمشيئة الله في مناسبةٍ أخرى فإنّ ذلك ليس خاصّا بالعيد بَلْ هو شامل عندما تَخْرُج المرأة مِنْ بَيْتِها وقد تلتقي بشخصٍ أجنبي منها، فإذن إذا خَرَجَتْ المرأة بلباسها الشرعي الذي يَصِحّ لَها أن تَخْرُجَ به عندما تَلتقي بِأَحَد مِن الأجانب وذلك-طبعا-مع مَحَارِمها فذلك مِمَّا يُؤْمَرُ بِه في السنَّة سواءً كانت هذه المرأة في حالةِ حيضٍ أو نفاس أو كانت طاهرة لكن إذا كانت في حالة حيض أو نفاس فإنَّها لا تَشْهَد الصلاة كما ثبت ذلك في الحديثِ عن النبي-صلوات الله وسلامه عليه-وإنَّما تَشْهَدُ الخير ودعوةَ المسلمين وتُكَبِّر بِتَكْبِيرِهِم .. تُكَبِّر-طبعا-في نفسها وَلَيْس كالرجال الذين يَرْفَعُون أصواتَهُم؛ والله-تبارك وتعالى-ولي التوفيق.
س: إذا لَم تَخرُج المرأة لِصلاة العيد، هل تُصلِّيها في بيتها ؟
ج: الأصل أن تُصَلَّى صلاة العيد في جَماعةِ المسلمين كما ثبت ذلك عن النبي-صلوات الله وسلامه عليه-ولكن إنْ لَم تَخرج كما هو الحال عند كثير من الناس في هذا الزمان .. إن صَلَّت في بيتها ركعتين (1) فلا بأس بِمشيئة الله-تبارك وتعالى-لكن الأصل أنَّ الصلاة تكون في جماعة وأقصد بالصلاة صلاة العيد.
س: ماذا على مَن لم يصل صلاة العيد ؟
ج: على كل حال؛ صلاة العيد-كما قلتُ هي:
__________
(1) -وفي ذلك تفصيل ذَكَرَه الشيخ عند جوابه على السؤال 9. (1/190)
صفحة 191
1-واجبة على الأعيان، على رأي طائفة مِن أهل العلم، وهو قول قوي.
2-وبعضهم يَقول: هي مِن السنن المؤكدة.
3-ومنهم مَن يَقول: هي مِن الواجبات الكفائية.
ومهما كان لا ينبغي للإنسان أن يُفرِّط في ذلك أبدا .. القول بالوجوب العيني قول قوي جدا، و-أيضا-حتى على قول مَن يَقول بِالسنّة المؤكدة فليس للمسلم أن يُفرِّط في مثل هذه الأمور .. الرسول - صلى الله عليه وسلم - يَخرُج إليها ويَحثُّ أصحابَه ويَأمُر حتى النساء الحُيَّض أن يَخرُجن إلى المصلى وإن كُنّ لا يُصلِّين ومع ذلك يُمكِن أن نُرخِّص لِلقادِر في ذلك هذا مِمّا لا يمكن أن نقول به أبدا، فعلى مَن وقع في ذلك في الماضي أن يَتوب إلى الله وأن يَرجِع إليه - سبحانه وتعالى - ؛ والله ولي التوفيق.
س: كيف يَصنَع مَن فاتته صلاة العيد .. كأن يكون شخصٌ في المناوبة مثلا وفاتته الصلاة يومَ العيد مع الجماعة، فهل له أن يصليها منفردا فيما بعد ؟ ومتى يكون قضاؤها ؟
ج: على كل حال؛ صلاةُ العيد وقتُها بعد وقتِ النهي المعروف وذلك بعد أن ترتفع الشمس بمقدار قيد رمح وقلنا (1) : " إنّ ذلك يُقدَّر تقريبا باثنتي عشرة دقيقة أو ربع ساعة " .. مِن هذا الوقت يَدخل وقت صلاة العيد ويَنتهي قبل الزوال بِلحظة .. هذا هو وقتها، فالأصل أن يُصلي الإنسان مع جماعة المسلمين ولكن إن كان هنالك عذرٌ لابد منه مِن مرض ونحوه أو مِن الأمور التي لا يمكن أن يَخرج فيها مثلا كبعض الناس الذين يكونون في المستشفيات وهنالك ضرورة ملحة لأن يبقى الطبيب في المستشفى:
فعلى كل حال بعضُ العلماء يَقول: إنّ الإنسان إذا لم يَخرج إلى الصلاة وجاء متأخِّرا أو تأخَّر لسبب مِن الأسباب لا يُشرع في حقِّه أن يُصلِّي صلاة العيد، وذلك لأنها تُشرَع في جماعة المسلمين وإذا لم يُصلِّها في جماعة المسلمين فلا يُشرَع في حقِّه أن يَأتِيَ بها.
__________
(1) -عند الجواب على السؤال 1 مِن حلقة 25 رمضان 1425هـ ( يوافقه 9 نوفمبر 2004م ). (1/191)
صفحة 192
ومنهم مَن قال: يُصليها كصلاة العيد .. أي ركعتين بالتكبير المعروف.
ومنهم مَن قال: يُصلِّي ركعتين عاديتين.
ومنهم مَن قال: يصلي أربعا.
ومنهم مَن قال: يُخيَّر بين ركعتين وبين أربع ركعات.
ومنهم مَن قال بغير ذلك مِن الأقوال.
وليس هنالك دليلٌ صريح في هذه القضية، فإذا صلى ركعتين وكَبَّر فيهما فلا حرج عليه بِمشيئة الله تبارك وتعالى.
{ سابعا : أحكام السنن والنوافل }
س: الناس-ربما-مسألة السنن يتهاونون فيها ويَظنون أنّ مرتبتها صغيرة جدا لا تَرقى إلى أن يُحافِظ عليها الإنسان، ما هي قيمة السنن في الإسلام ؟
ج: إنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-مع أنه قد غَفَر الله-تبارك وتعالى-له ما تَقدَّم مِن ذنبه وما تَأخَّر كان يُحافِظ أشدَّ المحافظة على السّنن في ليله ونهاره، وقد أمر صلوات الله وسلامه عليه بذلك وحثّ عليه، وبيّن فضْل ذلك وعلوّ منزلته في كثير مِن الأحاديث الثابتة عنه صلوات الله وسلامه عليه التي جاءت عن طائفة كبيرة مِن صحابته رضوان الله-تبارك وتعالى-عليهم.
فقد جاء عنه صلوات الله وسلامه عليه أنه قال: ( مَن عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تَقرَّب إلي عبدي بشيء أفضل مِمّا افترضتُه عليه، وما يزال عبدي يَتقرَّب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإن أحببتُه كنتُ سَمعَه الذي يَسمع به، وبصرَه الذي يُبصِر به، ويدَه التي يَبطِش بها، ورِجلَه التي يَمشي بها، وإن سألني ... (1) إلى آخر الحديث، وهو وإن كان قد تكلم فيه بعض العلماء إلا أنه قد جاء مِن طرق أخرى يَشدّ بعضها بعضا فيَرتقي بذلك الحديث إلى درجة القَبول .. هذا الذي نراه في هذا الحديث.وقد سأل رجل مِن الصحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يُرافِقه في الجنة فقال له صلوات الله وسلامه عليه: ( أَعِنِّي على ذلك بِكثرة السجود ).
__________
(1) وقع هنا-للأسف-انقطاع لخلل أثناء إرساله مِن التلفزيون، ويبدو أنه غير مؤثّر في جواب الشيخ - (1/192)
صفحة 193
وحثّ أحدَ صحابته وهو ثوبان-رضوان الله تبارك وتعالى عليه-بكثرة السجود وبيّن له صلوات ... (1) سجدةً إلا رَفع الله له بها درجة وحطّ عنه بها سيئة.
وهكذا شأن النفل، فإنّ الله - سبحانه وتعالى - يَرفَع به الدرجات ويَحطُّ به السيئات، وقد جاءت في ذلك أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ولا أرى حاجة بالإطالة بذكرها.
وقد جاء في بعض الأحاديث أنّ النفل يُتَمَّمُ به الفرض فإن كان هنالك نَقص وقع في بعض الفرائض فإنّ الله - سبحانه وتعالى - يُتمّها يوم القيامة بالنفل.
فلا ينبغي لأحد أن يتهاون بالنوافل، ولاسيما تلك التي ثبتت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وقد سُئل بعض العلماء عمّن تهاون بالنوافل الراتبة المؤكَّدة التي جاءت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: " هو رجل سوء " وبيّن بأنه لا يَقبَل له شهادة، وسُئل بعض العلماء-أيضا-عمّن يَتهاون بالسنن المؤكَّدة الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر رضوان الله-تبارك وتعالى-عليه أنّ الله-تبارك وتعالى-أعلم به وهو مات يوم مات متهاونا بهذه السنن المؤكَّدة عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-وأنه يُخشى عليه مِن ذلك، أو ما شابه هذا المعنى (2) .
فينبغي للإنسان-إذن-أن يُحافِظ على تلك السنن الراتبة ويُحافِظ على تلك السنن التي كان يُحافِظ عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أنه-كما قلتُ قد غَفَر الله له ما تَقدَّم مِن ذنبه وما تَأخَّر، بنصّ كتاب الله-تبارك وتعالى-وبنصّ سنّة النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-الثابتة ثبوتا لا شك فيه.
وهذه السنن كثيرة ومتعدِّدة مبثوثة في كتب السنن.
__________
(1) -وقع هنا-للأسف-انقطاع لخلل أثناء إرساله مِن التلفزيون، ويبدو أنه غير مؤثّر في جواب الشيخ.
(2) -وقد بيّن الشيخ مراد هؤلاء العلماء عند جوابه على السؤال 4 مِن حلقة 13 رمضان 1425هـ يوافقه 28 أكتوبر 2004م ). (1/193)
صفحة 194
وينبغي للإنسان أن يُحافِظ عليها على حسب ما كان يُحافِظ عليها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم .. هكذا ينبغي في السنن بل حتى في الواجبات .. ينبغي للإنسان أن يأتي بها على حسب ما كان يأتي بها النبي - صلى الله عليه وسلم - .. يأتي بالواجبات وبالسنن على حسب ما كان يأتي بها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم .. يراعيها مِن حيث السبب، ويراعيها مِن حيث الجنس، ويراعيها مِن حيث العدد، ويراعيها مِن حيث النوع، ويراعيها مِن حيث الزمان، ويراعيها مِن حيث المكان .. يراعي هذه الأمور جميعا، فيأتي بعباداته على حسب ما كان النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-يأتي بها عليه في الأمور التي ذكرناها جميعا، وهي تحتاج إلى تفصيل طويل، فلعل الله-تبارك وتعالى-يَمنُّ علينا بأن نتكلم على هذه الأمور الستة بكلام أطول مِمّا هنا ونضرب على ذلك بعض الأمثلة التي يَتَّضِح بها المقام؛ والله-تبارك وتعالى-المستعان.
س: نودّ منكم تعريفا للسنن المؤكدة .. ما هي السنن المؤكدة (1) ؟
ج: السنن منها ما هو مؤكَّد، ومنها ما هو راتب، ومنها ما هو نفل مطلَق.
أما السنن المؤكَّدة-وأتكلم الآن على السنن في باب الصلاة-فهي التي كانت يأتي بها النبي - صلى الله عليه وسلم - في حضره وفي سفره ولم يَثبت عنه أنه تركها ولا مرة واحدة في حياته.
__________
(1) -نظرا إلى أنّ الشيخ لم يتكلم عن السنن الرواتب في جوابه بل تكلم عن السنن المؤكدة فقط فإنه عُدِّل السؤال إذ طُرِحَ في الأصل هكذا: " نودّ منكم تعريفا للسنن الرواتب .. ما هي السنن الرواتب ؟ "، مع العلم أنه تكلم عن الرواتب-بحمد الله تعالى-عند جوابه على السؤال 1 مِن حلقة 13 رمضان 1425هـ ( يوافقه 28 أكتوبر 2004م ). (1/194)
صفحة 195
وذلك كمثل صلاة سنّة الفجر، فإنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-لم يَتركها لا في حضر ولا في سفر، حتى أنه صلوات الله وسلامه عليه عندما نام هو وصحابته الكرام-رضوان الله تبارك وتعالى عليهم-وقاموا بعد طلوع الشمس أتى بسنّة الفجر ثم أتى بالفريضة.
وهكذا بالنسبة إلى الوتر، فإنه لم يَثبت عنه أنه تَركها البتّة.
حتى أنّ بعض العلماء قال بوجوب الوتر، ومنهم مَن قال-أيضا-بوجوب سنّة الفجر.
ولكنّ القول الصحيح في الوتر بأنه سنّة مؤكَّدة، لا يَصل إلى مرتبة الوجوب.
أما بالنسبة إلى سنّة الفجر فقد نُسِب إلى الحسن البصري بأنه قال بوجوبها وكذلك جاء عن الحسن بن زياد أنّ الإمام أبا حنيفة يقول بوجوب ذلك وأنا أشكّ في ذلك كثيرا، أما بالنسبة إلى الإمام أبي حنيفة فإنّ الأكثرية الكاثِرة مِن أصحابه يَنسِبون إليه القول بأنها سنّة وليست بواجبة .. هذا هو الثابت عنه، أما بالنسبة إلى الحسن البصري فإنه لا يُريد بالوجوب هاهنا الواجب الذي يُرادِف الفرض، وإنما يُريد بذلك شِدّة التأكيد، وهذا يَرِدُ كثيرا في بعض الأدلة وفي كلام بعض السلف .. يعبِّرون بالواجب ولا يُريدون بالواجب الواجب الذي هو يُرادِف الفرض، وكما أنهم يعبِّرون بالسنّة ولا يريدون السنّة المعروفة عند الفقهاء، وإنما يريدون بأنّ ذلك ثابت بِالسنّة، أو ما هو مشابِه لذلك، فالصحيح عن الحسن البصري بِأنه يَقول: " إنّ سنّة الفجر سنّة " ولا يَقول بِوجوبِها .. هذا الذي ثبت عنه، وإنما عبّر بِالواجب وهو لا يريد بِذلك الوجوب المعروف. (1/195)
صفحة 196
ونحن علينا أن نتدبر عندما نَجد شيئا مِن المصطلحات الحادِثة .. عندما نَجد هذه المصطلحات موجودة في كتاب الله أو في سنّة رسوله أو في كلام بعض السلف مِن الصحابة والتابعين .. أقول: علينا أن نتدبّر جيدا وألاّ نَحمِل تلك الآيات أو تلك الأحاديث أو ذلك الكلام المروي عن السلف على حسب هذه المصطلحات التي اصطلح عليها الفقهاء أو علماء الأصول، وذلك لأنّ هذه اصطلاحات متأخِّرة ولأولئك القوم اصطلاحات أخرى، و-كما قلتُ-حتى في الكتاب العزيز وفي السنّة الصحيحة الثابتة عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-ما يُبيِّن ذلك بيانا واضحا بأنه لا يُراد بذلك هذه المصطلحات، فالله - سبحانه وتعالى - يقول: { فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ ... } [ سورة البقرة، من الآية: 200 ] فهل يُراد بالقضاء هاهنا الإتيان بالعبادة بعد انتهاء وقتها كما هو المقرر عند الأصوليين ؟! وكذلك: { فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ ... } [ سورة الجمعة، من الآية: 10 ] .. هل يُراد القضاء هاهنا القضاء الذي هو بمعنى فِعل العبادة بعد خروج وقتها المحدَّد لها شرعا ؟! كلاّ .. لا يُراد ذلك بهذا، وكذلك جاء في بعض الروايات: ( إذا أُقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا ) وفي بعض الروايات: ( فأَتِمُّوا ) وقد احتج بعض العلماء بالإتمام على معنى واحتج بعضهم على معنى-كما هو المعروف في كتب الفقه-ولا ينبغي الاحتجاج بمثل ذلك .. على أنني أقول أنّ الحديث قد جاء بلفظ واحد واللفظ الثاني مروي بالمعنى، وهكذا في كثير مِن الأحاديث التي تأتي بألفاظ مختلِفة لا يُمكِن أن نَحتَج بها على عِدّة أحكام مع أنّ القضية واحدة .. نعم إذا اختلفت القضايا فيُمكِن ذلك إذا لم يُمكِن الجمع بينها .. (1/196)
صفحة 197
فهذه أمور لابد مِن أن تُتَدبّر، وكذلك ما جاء عن السيدة عائشة رضي الله-تبارك وتعالى-عنها: " سنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زكاة الفِطْر " لا تُريد بذلك أنها سنّة ويمكن أن نحتجّ بذلك ونقول: " جاء في بعض الروايات التصريح بالوجوب وفي بعضها جاء التصريح بالسنّة فإذن الأحاديث هاهنا متعارِضة منهم مَن يقول بالنسخ ومنهم مَن يُرجِّح "، إلى غير ذلك .. كلاّ، بل معنى ذلك أنها ثبتت بالسنّة وإن كانت هي واجبة في حقيقة ذاتها، إلى غير ذلك مِِِِِِِن الأمثلة الكثيرة جدا جدا التي ينبغي التنبه لها، فإذن هكذا .. عندما نَجد في كلام السلف-أيضا-الحكم بوجوب أمر والظاهِر أنّ ذلك مخالِف للسنّة الصحيحة لا ينبغي أن نَتسرّع ونَنسب إليهم المخالَفة للسنّة الصحيحة الثابتة ما أمكن أن نَحمِل ألفاظَهم على حسب ما تدل عليه تلك الأدلة.
فهاهنا الأدلة واضحة تدل بأنّ هذه سنّة، ففي حديث السيدة أم حبيبة بيَّنَت بأنها مِن السنن، وهكذا في حديث السيدة عائشة-رضي الله تبارك وتعالى عنها-وجاء ذلك عنها مِن أكثر مِن رواية تدل دلالة صريحة بِأنّ هذه مِن السنن وليستْ مِن الواجبات.
وهكذا نَجد في كلام كثير مِن السلف الحكم بكراهة بعض الأمور مع أنّ تلك الأمور محرَّمة بنصوص واضحة جلية فهم لا يُريدون بالكراهة هاهنا الكراهة المعروفة عند الفقهاء والأصوليين، وإنما يريدون بالكراهة التحريم، إلى غير ذلك مِن المعاني التي لا يتّسع المقام لذكرها الآن كما أنه لا يتّسع لذكر الأدلة التي تدل على ما ذكرناه، وعسى أن نبيِّن ذلك في مناسبة أخرى، فالمقام يقتضي ذلك، لكثرة وقوع الخطإ في هذه المسألة مِن بعض العلماء فضلا عن غيرهم. (1/197)
صفحة 198
كما أنه عند نسبة الأقوال إلى بعض العلماء السابقين مِن الصحابة والتابعين الذين لا تُوجَد لهم مؤلفات ينبغي أن نَنظُر أوّلا وقبل كل شيء في صحّة تلك الروايات التي رُويت عن أولئك الصحابة والتابعين، فإننا نَجد كثيرا في كتب الخلاف (1) أنّ كثيرا مِن أهل العلم يَروون بعض الروايات عن بعض الصحابة أو التابعين مِن غير أن يُمحِّصوا تلك الروايات هل تلك النسبة صحيحة أو ليست بصحيحة، وهذا موجود في كتب التفسير وفي كتب الفقه، إلى غير ذلك، مع أنّ طائفة كبيرة مِن تلك الأقوال التي تُنسَب إلى أولئك الصحابة الكرام وإلى أولئك التابعين لا تَثبت عنهم، فلابد مِن معرفة الثابت عنهم، فقد كُذب عليهم، وجاء عن بعضِهم بعضُ الروايات مِن طرق لا تقوم بها الحجّة لضعف رجالها أو لتدليسهم، إلى غير ذلك مِمّا لا تقوم به الحجّة، فينبغي التَّنبُّه لذلك، وألاّ نَنسب إلى الصحابة أو غيرهم إلا ما ثبت عنهم، وعند مَن لا يستطيع ذلك إما أن يُعرِض عن ذلك على الإطلاق، وإما أن يُبيِّن ذلك بطريقة يَظهَر منها بأنه لم يَتثبَّت مِن ذلك وإنما ذَكَرَهُ على حسب ما نُسِب إليهم؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: أنتم تحدثتم عن سنّة الفجر وأنها مؤكَّدَة والبعض ذهب إلى أنها واجبة .. الآن بالنسبة لسنّة الفجر، ما حكم صلاة سنّة الفجر أثناء صلاة الإمام الفريضة ؟
ج: نعم سنّة الفجر سنّة مؤكَّدة، للأحاديث الكثيرة التي دلّت على ذلك، وقد جاء في فضْلها-أيضا-الكثير الطيب مِن سنّة النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فلا ينبغي لأحد أن يُفرِّط فيها بحال مِن الأحوال، ويكفي أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال عنها: ( سنّةُ الفجر خير مِن الدنيا وما فيها ) .. هكذا ثبت عنه صلوات الله وسلامه عليه، وفي هذا مِن الفضْل ما لا يَخفى على مَن أراد الفضْل.
__________
(1) -لعل الشيخ قصد أن يقول: " كتب الفقه ". (1/198)
صفحة 199
فسنّة الفجر تُشرَع بطلوع الفجر، فإذا طلع الفجر فإنها تُشرع في ذلك الوقت .. هذا هو الوقت الذي كان يَفعلها فيه النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
أما مَن قال بأنها تُشرَع قبل ذلك فلا دليل له، بل هو مصادِم للدليل أيَّما مصادَمة، فلا ينبغي لأحد أن يَأخذ بذلك .. نعم مَن أخذ بذلك في الماضي فليستغفر ربه ولا شيء عليه، أما بالنسبة إلى المستقبل فلا ينبغي لأحد أن يَأخذ بذلك مع مصادَمة ذلك-كما قلتُ-للسنّة الصحيحة الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثُبُوتا لا شك فيه.
وسنّة الفجر كان يُصليها النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك الوقت، وكان يَختصِر فيها القراءة حتى أنّ السيدة عائشة-رضي الله تبارك وتعالى عنها-كانت تشكّ هل أتى بالفاتحة فيها أو لا، ومِن هنا قد اختلف العلماء هل يُشرَع للإنسان أن يَقرَأ فيها أو أنه لا تُشرَع فيها القراءة ؟
1-فمنهم مَن قال: إنّه يُصليها ولا يُشرَع له فيها القراءة، وهو قول مِن الضعف بمكان.
2-وبعضهم قال: يُشرَع أن يأتي فيها بالفاتحة فقط، وهو-أيضا-مصادِم للدليل، كما سيأتي بمشيئة الله تبارك وتعالى. (1/199)
صفحة 200
3-ومنهم مَن قال: إنه يُشرَع للإنسان أن يَقرأ فيها الفاتحة ويَقرأ فيها شيئا مِن السور القصيرة أو مِن الآيات القصيرة، وهذا هو الصحيح الثابت، فقد كان النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-يأتي فيها بسورة الكافرون في الركعة الأولى وبسورة الإخلاص في الركعة الثانية .. هذا في بعض الأحوال، وكان يأتي في بعض الأحيان بقول الله تبارك وتعالى: { قُولُوا آمَنَّا ... } (1) .. بالآية [ 136 ] التي في سورة البقرة، وفي الركعة الثانية كان يأتي بالآية الثانية والخمسين (2) في بعض الروايات (3)
__________
(1) -قال الله تعالى: { قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } .
(2) -قال الله تعالى: { فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللهِ آمَنَّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } .
(3) -قال الشيخ عند جوابه على السؤال 2 مِن حلقة 26 رمضان 1425هـ ( يوافقه 10 نوفمبر 2004م ): " المراد الآية التي في سورة آل عمران لكن بَقِيَ أنه يَحتاج إلى نظر هل كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يَقرأ هذه الآية بِكاملِها أو أنه يَقرأُ الجزءَ الأخيرَ منها ؟ حيثُ إنه جاء في الروايةِ المروية عن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: { آمَنَّا ... } .. مِن هذا إلى آخِرِ الآية، فهل كان يَقرأُ - صلى الله عليه وسلم - : { ... آمَنَّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } .. هذا الجزء فقط بعد فاتحة الكتاب كما هو الظاهِرُ مِن الرواية أو أنه كان يَقرأ الآية مِن أوّلِها ؟ فهذا مُحتمِل ".. (1/200)
صفحة 201
وفي بعض الروايات بالآية الرابعة والستين (1) مِن سورة آل عمران (2) .. كان هكذا صلوات الله وسلامه عليه يَختصر القراءة.
4-وذهب بعض أهل العلم أنه يأتي فيها بسورة أو بآية ولا يأتي بفاتحة الكتاب.
فهذه أربعة أقوال، أصحّها أنه يأتي بفاتحة الكتاب وبسورة أو آية قصيرة، كما ثبت ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أما السورة فأمرها واضح بما ذكرناه مِن السور التي كان يأتي بها النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأما بالنسبة إلى الفاتحة فذلك واضح مِن حديث: ( لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب )، وهو صحيح ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وبِحديث: ( كل صلاة لا يُقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج فهي خداج فهي خداج )، وهو حديث صحيح ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فهي داخلة في ضِمن بقية الصلوات التي دلّ هذان الحديثان وغيرهما مِن الأحاديث الكثيرة الدالة على مشروعية قراءة الفاتحة فيها.
وبقية الأقوال لا دليل عليها، ولعل الذين قالوا يأتي بسورة قصيرة أو بآية قصيرة أخذوا ذلك مما ذكرتُه عن السيدة عائشة فقالوا إذا كانت تشكّ هل أتى بفاتحة الكتاب فإنه إذا أتى بهذه السورة معنى ذلك أنه كان يَقتصِر عليها إذْ إنه إذا كانت تشكّ في الفاتحة فكيف يمكن أن يأتي بالفاتحة وبسورة أو آية بعدها، ولكننا نَحمِل قول السيدة عائشة-رضي الله تعالى عنها-على المبالَغة في الاختصار في صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - لهذه الصلاة.
__________
(1) -قال الشيخ عند جوابه على السؤال 2 مِن حلقة 26 رمضان 1425هـ ( يوافقه 10 نوفمبر 2004م ): " الرواية الثانية الآية الرابعة والستين مِن سورة آل عمران وهذه الرواية الثانية فيما يَظهر لِي بِأنها شاذّة ".
(2) -قال الشيخ: " الأنعام " بدلا مِن " آل عمران " وهو سبق لسان نبه عليه في حلقة 26 رمضان 1425هـ ( يوافقه 10 نوفمبر 2004م ). (1/201)
صفحة 202
هذا وقد ذهب بعضُ العلماء إلى أنه ينبغي للإنسان أن يُطيل القراءة فيها ولو قرأ في كل سورة بِجزء كامل، وهو قول ضعيف مصادِم للحديث الثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقد قلتُ سابقا: إنه ينبغي للإنسان أن يُطبِّق السنّة على حسب ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في كِمّيَتها وكيفيتها وعددها إلى غير ذلك مما ذكرتُه، فإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يَختصِر القراءة في هذه الصلاة-على حسب ما ذَكَرَتْه السيدة عائشة، الثابت عنها بالإسناد الصحيح-فكيف ينبغي أن نقول: " إنه ينبغي للإنسان أن يُطيل القراءة "، مع أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان تارة يَتحدَّث مع السيدة عائشة-رضي الله تعالى عنها-إذا كانت قائمة بعد الصلاة وتارة يَضطَجع على يَمينه، كما ثبت ذلك عنه صلوات الله وسلامه عليه، فالوقت واسع للقراءة ومع ذلك كان يَختصِر القراءة في هذه الصلاة، فينبغي للإنسان أن يُطبّق السنّة، فالخير كل الخير والفضْل كل الفضْل في متابعة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أما الإطالة فلها وقت آخر، وقد أحسن الإمام الخليلي-رضوان الله تبارك وتعالى عليه-عندما سُئِل عن مسألة عن الراجح مِن الأقوال فيها فبيَّن رضوان الله-تبارك وتعالى-عليه السنّة ثم قال: " وفيها الفضْل لِمَن أراد الفضْل "، فالفضْل في متابعة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهو في الاختصار في هذه الصلاة؛ والله أعلم.
أما بالنسبة إلى صلاتِها في أثناء صلاة الإمام فهذه المسألة اختلف العلماء فيها، وتحت هذه القضية مسألتان:
الأولى: أن يكون الإنسان قد شَرَع في هذه الصلاة ثم أُقيمت الجماعة .. هنا اختلف العلماء:
1-منهم مَن قال: إنه يُواصِل الصلاة إلا إذا خاف أن تَفُوتَه صلاة الإمام.
2-ومنهم مَن قال: إنه يَقطَع الصلاة .. يُسلِّم ويَدخُل مع الإمام.
3-ومنهم مَن قال: إنّ صلاته تَبطُل ولو لم يَقطَعها بل لا حاجة إلى قَطعِها. (1/202)
صفحة 203
4-ومنهم مَن قال: إن كان يَعرِف أنه سيُدرِك الركعة الأولى .. سيُدرِك الركوع مِن الركعة الأولى فإنه يُواصِل صلاته، أما إذا كان لا يُدرِك ذلك فلا، وذلك لحديث: ( مَن أدرك ركعة فقد أدرك الصلاة ).
5-ومنهم مَن قال: إذا كان قد صلى ركعة واحدة فإنه يُكمِل الركعة الثانية، أما إذا كان لم يُصلِّ ركعة-وذلك يُقيَّد بالركوع-فإنه يَقطَع تلك الصلاة ويَدخل مع الإمام.
و-على كل حال-النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في الحديث الصحيح: ( إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة )، فإذا أقيمت الصلاة فينبغي للإنسان أن يَدخُل مع الجماعة وبعد ذلك يَقضي هذه الصلاة بمشيئة الله تبارك وتعالى.
أما إذا كان لم يَدخُل في الصلاة مِن قبل ووَجد الجماعة تُصلِّي فاختلفوا:
1-منهم مَن قال: يُمنَع مِن صلاة السنّة في هذا الوقت بل عليه أن يَدخُل مع الجماعة ولا يَجوز له أن يُصلي السنّة.
2-ومنهم مَن قال: يُكرَه له ذلك ولكن إذا صَلاها فتُعتبَر صحيحة.
3-ومنهم مَن قال: له أن يُصلِّيَها إذا كان خارج المسجد أو في موضعٍ لا تَصِحُّ صلاتُه فيه مع الإمام، ومنهم مَن قَيَّد ذلك بِما إذا كان ذلك خارج المسجد.
4-ومنهم مَن قال: إذا كان يُمكِن أن يُدرِك الإمام في الركعة الأولى فله أن يُصلي، أما إذا كان لا يُمكِنه ذلك فلا.
5-ومنهم مَن قال: إنه إن كان سيُدرِك الركوع مِن الركعة الثانية فله أن يَدخُل، وإلا فلا.
6-ومنهم مَن قال: ليس له أن يُصلي مع الجماعة بل عليه أن يُصلِّي أوّلا السنّة فإن خاف أن يَفُوتَه الوقت-أي أن يَفُوتَه وقتُ صلاة الفجر-ففي هذه الحالة يُصلي الفريضة، أما إذا أَمكَنَه أن يُصلي السنّة فليَشتغِل بالسنّة ولو فاتته الجماعة. (1/203)
صفحة 204
والصحيح-ما ذكرناه سابقا، وهو-أنه عليه أن يَدخُل مع الإمام لحديث: ( إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة ) .. هذا هو الصحيح عندنا، وإذا ثبت الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما قلنا أكثر مِن مرة-فلا ينبغي لأحد أن يَقول بِخلاف ما ثبت به الحديث عنه صلوات الله وسلامه عليه.
أما بالنسبة إلى قضاء السنّة بعد الفريضة أو بعد طلوع الشمس ففيه كلام، ولعله لم يَرِد في السؤال فلا أتعرض له الآن (1) .
س: ما هي السّنن الراتِبة ؟
ج: قد تكلمنا بالأمس (2) على بعض السّنن الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مِن قوله وفعله صلوات الله وسلامه عليه، وبيّنَا (3) أنّ مِن السّنن المؤكَّدة سنّة الفجر وسنّة الوتر، وهنالك-أيضا-سنن مؤكَّدة أخرى، ولكنّها ليست مقيَّدة باليوم والليلة، وإنما تُفعَل لبعض الأسباب .. عندما توجد تلك الأسباب فإنه يُؤتى بها، وليس كلامنا في ذلك في هذا الوقت (4) .
أمّا بالنسبة إلى السّنن الراتبة فهي السّنن التي كان يُواظِب عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - في حضره، بِخلاف المؤكَّدة فإنه كان يُواظِب عليها في السفر والحضر.
و-قد قُلت (5) : إنّ-النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يَترك سنّة الفجر والوتر لا في سفره ولا حضره.
__________
(1) -وقد تعرض الشيخ له-بحمد الله تعالى-عند جوابه على السؤال 3 مِن حلقة 13 رمضان 1425هـ ( يوافقه 28 أكتوبر 2004م ).
(2) -عند الجواب على السؤال 2 مِِن حلقة 12 رمضان 1425هـ ( يوافقه 27 أكتوبر 2004م ).
(3) -عند الجواب على السؤال 2 مِِن حلقة 12 رمضان 1425هـ ( يوافقه 27 أكتوبر 2004م ).
(4) -تكلم الشيخ عن بعضها عند الجواب على السؤال 2 مِن هذه الحلقة [ ص7 ]، وتكلم-أيضا-عن بعضها عند الجواب على السؤال 1 مِِن حلقة 25 رمضان 1425هـ ( يوافقه 9 نوفمبر 2004م ).
(5) -عند الجواب على السؤال 2 مِِن حلقة 12 رمضان 1425هـ ( يوافقه 27 أكتوبر 2004م ). (1/204)
صفحة 205
أمّا ما يُؤخذ مِن بعضِ الروايات أنه لم يُصلِّ الوتر في ليلة جَمْع فإنه لم يُصلِّها في ذلك الوقت، والظاهر أنه صلاها بعد ذلك، أخذا مِن الأحاديث الأخرى التي صَرَّحت بأنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يُواظِب على الوتر في أسفاره صلوات الله وسلامه عليه، وإذا وجدنا أدلة في ظاهرها شيء مِن التعارض فإنه ينبغي أن نَجمَع بيْن شَمل تلك الأدلة ونأخذ بِما اجتمَعَتْ عليه .. هذا إذا أَمكَن ذلك، وهذا مُمكِن-بحمد الله-في هذه القضية، وللإطالة في ذلك موضع آخر.
أما بالنسبة إلى السّنن الرواتب فالنبي - صلى الله عليه وسلم - كان يُواظِب عليها في حضره، وقد أمر بها أيضا، كما جاء ذلك في حديث السيدة أم حبيبة أم المؤمنين-رضي الله تبارك وتعالى عنها-الذي ذكرَتْ فيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( مَن حافظ على اثنتي عشرة ركعة في يومه وليلته بُني له بيت في الجنة ) وفي بعض الألفاظ: ( بنى الله له بيتا في الجنة )، والحديث صحيح، رواه مسلم، وطائفة كبيرة مِن أئمة الحديث، لا أرى داعيا لذكرهم في هذا الوقت، وقد جاءت المواظَبة على هذه السّنن-أيضا-في حديث السيدة عائشة رضي الله-تعالى-عنها، وهو حديث صحيح ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، رَوَتْه جماعة كبيرة مِن أئمة الحديث، وكذلك جاء ذلك عن البراء بن عازب في بعضها، وجاء في بعضها-أيضا-عن ابن عمر وأبي سعيد الخدري-رضي الله تبارك وتعالى عنهما-على اختلاف يسير في عَدَد بعض الركعات.
سنّة الفجر هي ركعتان، و-كما قلتُ هي مِن السّنن المؤكَّدة.
أما السّنن الراتبة التي هي قبل الفرائض وبعد الفرائض: (1/205)
صفحة 206
فمنها السنّة القَبْليَّة التي هي قبل فريضة الظهر، وقد اختلفتْ الأحاديث .. منها ما جاء أنّها أربع ركعات، ومنها ما جاء أنّها ركعتان، فقد جاء عن السيّدة عائشة-رضي الله تبارك وتعالى عنها-أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يُصلي أربعا، وكذلك جاء في حديث السيّدة أم حبيبة-رضي الله تعالى عنها-وهو حديث قولي أنّه ذَكَرَ منها أربعا قبل الظهر، وجاء في حديث ابن عمر وفي حديث أبي سعيد الخدري-رضي الله تعالى عنهما-وهما حديثان صحيحان أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يُصلي ركعتين قبل الظهر، وهنالك أحاديث أخرى منها ما يدّل على هذا ومنها على ذاك، ولكنّ الصحيح منها ما ذكرناه، وقد اختلفت كلمة أهل العلم في الجمع بين الرواية التي فيها الأربع والرواية التي فيها الركعتان:
1-فمِن العلماء مَن قال: إنّ السيّدة عائشة-رضي الله تبارك وتعالى عنها-حكت ما شاهدَتْه وحكى ابن عمر و-كذا-أبو سعيد-رضي الله عنهما-ما شاهداه، وهذا ليس بقول مستقل في حقيقة الواقع، إذ إنّه يَرجع إلى بعض الأقوال الآتية بمشيئة الله تبارك وتعالى.
2-ومنهم مَن قال: إنّ ابن عمر-رضي الله تبارك وتعالى عنهما-قد نسي الركعتين الأُخْرَيَيْن، وحَفِظَتْ ذلك السيّدة عائشة رضي الله-تبارك وتعالى-عنها، وليس بِعجَبٍ أن يَنسى بعض الصحابة بعض السّنن التي جاءت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولذلك أمثلة متعدِّدة لا أرى داعيا لإيرادها الآن ولكنّ هذا-في حقيقة الواقع-خلافُ الأصل لا يُصَار إليه إلاّ إذا لم يُمكِن أن يُحمَل الحديث على ما رُوي عن ذلك الصحابي، على أنّ ابن عمر-كما قلتُ لم يتفرّد بذلك، فقد رواه أبو سعيد عند الإمام الربيع رحمه الله تبارك وتعالى (1) .
__________
(1) -مسند الإمام الربيع بن حبيب، باب (32) سبحة الضحى وتبردة الصلاة:
حديث رقم 198: أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري أنه قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي قبل الظهر ركعتين وبعدها ركعتين وبعد المغرب ركعتين وبعد صلاة العشاء ركعتين وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف الناس ويصلي ركعتين لكن له حظ مِن الليل يصلي فيه ما شاء الله. (1/206)
صفحة 207
3-ومنهم مَن قال: إنّ مَن حكى الأربع-وهي السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها وحكى ذلك أيضا غيرها مِن الصحابة-فحكى ما كان يَفعله النبي - صلى الله عليه وسلم - في البيت، بينما حكى مَن حكى أنّه كان يُصلي ركعتين ما كان يَفعله في المسجد، فقد كان يُصلي في البيت أربعا وكان يصلي في المسجد ركعتين.
4-ومنهم مَن قال: إنّه كان يُصلي ركعتين في البيت وكان يصلي ركعتين في المسجد، فمَن حكى الأربع فقد قامت لديه الحجة بالركعتين اللتين كان يُصليهما في المسجد وما شاهده في البيت أو بما شاهده في المسجد وما علم به مِن طريق آخر أنه كان يُصليه في البيت، أما مَن حكى ما شاهده في المسجد فحكى الركعتين اللتين شاهدهما ولم يَعلم بالركعتين اللتين صلاهما في البيت.
5-ومنهم مَن قال: كان يُصلي تارة أربعا-وهو الأغلب-وكان تارة يُصلي ركعتين.
6-ومنهم مَن قال: كان يُصلي أربعا ويُصلي ركعتين تحية المسجد، فالسنّة القَبْليَّة هي الأربع، أما الركعتان فهما تحية المسجد.
7-ومنهم مَن قال: إنّ الأربع هي-في حقيقة الواقع-الصلاة التي بعد زوال الشمس، أما السنّة القَبْليَّة فهي السنّة التي حكاها ابن عمر وأبو سعيد الخدري رضي الله-تبارك وتعالى-عنهما.
وهذه الأقوال يَحتاج أَنْ نَبسُط عليها الأدلة وأن نَذكُر ما لها وما عليها، ولكنّ المقام لا يَكفي لذلك. (1/207)
صفحة 208
وأرى أنّ الإنسان إذا كان يَتمكّن مِن الأربع فلا ينبغي له أن يُفرِّط في الأربع، لأنّ ذلك ثابت لا شك فيه عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-وإذا دخل المسجد إذا كان قد صلى الأربع في البيت فإنه يُصلي ركعتين تحية المسجد، أما إذا لم يكن هنالك متّسعٌ مِن الوقت في أن يأتي بالأربع فإنه يُصلي ركعتين ويُجزيه ذلك بمشيئة الله تبارك وتعالى (1) .
أما بالنسبة إلى السنّة البَعْدِيَة بعد الظهر فقد ثبت مِن طريق السيّدة عائشة-رضي الله تعالى عنها-ومِن طريق ابن عمر وعن طائفة-أيضا- كبيرة مِن الصحابة أنه كان يُصلي ركعتين، وكذلك جاء في الحديث القولي عن أم حبيبة-رضي الله تبارك وتعالى عنها-وهو حديث صحيح ثابت.
وقد جاء مِن طريق أم حبيبة-أيضا-ذِكْرُ الأربع وهو حديث قولي ولكن في صحّة ذلك-وإن صحّحته طائفة مِن أهل العلم-نَظرٌ عندي، فأخشى أن تكون هذه الرواية شاذّة مِن حيث المتن وإن كان إسنادها نظيفا.
فالذي نستطيع أن نَجزم به هو الركعتان.
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أنّ الركعتين مِن السّنن الراتبة، وأما ما عدا ذلك فمِن التنفّل الذي فيه خير كثير وإن لم يكن مِن السنّة الراتبة.
ولا شك بأنّ الإنسان لا يُمنع مِن الزيادة على الركعتين، إذ لا دليل هنالك على المنع، وإنما نَحكي ما كان يَفعله النبي - صلى الله عليه وسلم - وما حثّ عليه، أما أن يَزيد الإنسان على ذلك مِن غير أن يَحمِل ذلك على أنّه مِن الرواتب التي أمر بها النبي - صلى الله عليه وسلم - أو كان يَفعلها فذلك مِمّا لا إشكال فيه إن لم يكن ذلك الوقت مِن الأوقات التي يُنهى عن الصلاة فيها ولا نهي عن الصلاة في هذا الوقت.
__________
(1) -قال الشيخ عند جوابه على السؤال 1 مِن حلقة 14 رمضان 1425هـ ( يوافقه 29 أكتوبر 2004م ): " أمَّا مَا جاء عن ابن عمر فيُمكِن أن يُحمَلَ ذلك على بعضِ الأحوال ويُمكِن أن يَكونَ ذلك أنَّه كان يُؤدِّي في المسجد سنّةَ تحية المسجد ". (1/208)
صفحة 209
وأما بالنسبة إلى العصر فذهب بعض أهل العلم إلى القول بالسنّة القَبْليَّة، وقد جاءت في ذلك روايات متعدِّدة تُنسَب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأقواها ما جاء مِن طريق علي بن أبي طالب ومِن طريق ابن عمر، وقد جاء ذلك-أيضا-مِن طريق ميمونة أم المؤمنين، وجاء-كذلك-مِن طريق أم حبيبة، وجاء ذلك-أيضا-مِن غير هذه الطرق ولكنّ هذا الحديث لا أرى أنّه يَبلغ إلى مرتبة الحُجِّيَة، وإن كانت طائفة مِن أهل العلم قد قَوَّت رواية ابن عمر ورواية علي (1) ، ولكنّهما في نَقْدِي لا يَثبتان حتى بِمجموع الطريقين، ولتفصيل ذلك موضِع آخَر بِمشيئة الله تبارك وتعالى.
وأمّا بعد العصر فإنه قد جاءت رواية، ولكنّ تلك الرواية لا تَثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
على أنّ هذا الوقت-في حقيقة الواقع-مِمّا يُنهى عن الصلاة فيه (2) .
__________
(1) -قال الشيخ: " أبي سعيد " بدلا مِن " علي " والظاهر أنه سبق لسان.
(2) - وسئل فضيلته عن التنفل بعد العصر ونصه :
س: حكم التنفل بعد صلاة العصر ؟
الجواب:-
إن كان التنفل تنفلا مطلقا فلا . فهو منهي عن ذلك بنص الحديث أما إن كان ذلك التنفل سببياً مثل أن يصلي سنه تحية المسجد أو يصلي ركعتين الطواف أو يصلي على جنازة أو يصلي بدل الفريضة أو بدل سنه أو ما شابه ذلك فهذا لا يدخل في النهي لكن إذا رأى الشمس اصفر قبيل الغروب فيتفق عن الصلاة في ذلك الوقت إلا فريضة العصر لذلك اليوم فإن يأتي بها لأن من أدرك ركعة من الصلاة فإن قد أدرك كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم .
س: ما حكم التنفل بين فريضة العصر والمغرب ؟
الجواب :-
إذا كان الإنسان يتنفل تنفلاً مطلقاً فهو منهي عن ذلك بنص الحديث أما إذا كان ذلك التنفل سببياً مثل أن يصلي تحية المسجد أو يصلي ركعتين الطواف أو بدل فريضة أو بدل سنة أو ما شابه ذلك فهذا لا يدل في النهي ولكن إذا رأى الشمس أصفرت قبيل الغروب فيتوقف عن الصلاة في ذلك الوقت إلا فريضة العصر لذلك اليوم فإنه يأتي بها لأن من أدرك ركعة من الصلاة فإنه قد أدرك كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم . (1/209)
صفحة 210
وإن كانتْ طائفة مِن أهل العلم لا ترى النهي، منهم مَن ذهب إلى أنّ ذلك منسوخ، إلى غير ذلك، مِمّا لا داعي للكلام عليه في هذا الوقت فيما أحسب (1) .
والحاصِل أنّه ليست هنالك سنّة قبل العصر ولا بعد العصر.
إلا أنّ العلماء قد اختلفوا في المسألة:
منهم مَن قال بِالسنّة القَبْليَّة.
ومنهم مَن قال: لا بأس مِن التنفّل قبل العصر.
ومنهم مَن لا يَرى ذلك.
ونقول: إنّه لا بأس مِن التنفّل ولكنه ليس بِسنّة قَبْليَّة، وإنما هو مِن مطلَق النّفل، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ( بيْن كل أذانين صلاة )، فهذا حديث صحيح ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فمَن شاء أن يُصلي في هذا الوقت فليُصلّ أمّا الحكم بأنّ ذلك مِن السّنن القَبْليَّة التي واظَب عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - أو حثّ عليها فذلك مِمّا لم يَثبت عنه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
والقول-أيضا-بكراهة ذلك أو أنّه لا ينبغي أو ما شابه ذلك فإنه لا دليل عليه.
والاستدلال بِأنه إذا دخل الوقت فيُنهى عن الصلاة إلاّ عن صلاة العصر إلى أن تَغرب الشمس لا دليل عليه، إذ إنّ النهي يكون بعد صلاة العصر، لا بعد دخول وقت العصر.
فإذن الصلاة مِمّا لا مانع منها وهي داخلة في هذا الوقت، فإذا أراد الإنسان أن يُصلي فليُصلّ وإذا أراد أن يَدعُوَ ففي الدعاء بين الأذان والإقامة خير كثير، كما ثبت ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وقد حَمَل بعض أهل العلم حديث: ( بين كل أذانين صلاة ) على مَحمَل آخر ولكنه مِن البعد بمكان، فلا أرى إيرادَه في هذا الوقت.
__________
(1) -وقد تكلم الشيخ عن ذلك-بحمد الله تعالى-عند الجواب على السؤال 1 مِِن حلقة 25 رمضان 1425هـ ( يوافقه 9 نوفمبر 2004م ). (1/210)
صفحة 211
وأما بالنسبة إلى صلاة المغرب فقد ثبتت السنّة البَعْدِيَة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .. ثبتت مِن قوله وفعله، فثَبَتت في حديث السيّدة أم حبيبة رضي الله-تبارك وتعالى-عنها، وهي ركعتان، وثبتت-أيضا-مِن طريق السيّدة عائشة-رضي الله تبارك وتعالى عنها-ومِن طريق ابن عمر رضي الله-تبارك وتعالى-عنهما.
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أنّها تأتي في المرتبة الثالثة بعد الوتر وبعد سنّة الفجر.
وذهب بعضهم إلى أنه لا فرق بين السّنن الراتبة في التفضيل فيُفَضَّل الوتر ثم سنّة الفجر وبعد ذلك هي سواء في التفضيل.
ومنهم مَن فضَّل سنّة المغرب.
ومنهم مَن فضَّل سنّة الظهر.
ومنهم مَن فضَّل سنّة الظهر القَبْليَّة على البَعْدِيَة.
والاحتجاج لكل فريق وما له وما عليه يَطول.
وأقول: إنّ الإنسان لا يَنبغي له أن يُفرِّط في هذه السّنن التي ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فِعْلُها مع أنّه قد غُفِرَ له ما تَقدَّم مِن ذنبه وما تَأخَّر، ومع حثّه عليها وبيان المزية العظيمة لها، وكفى بأنّ ذلك مِن الأسباب المُوصِلة إلى الجنة لِمَن حافَظ عليها وهو الفوز الذي يسعى إليه السّاعون ويتنافس فيه المتنافسون.
وقد جاء هنالك حديث يدلّ على مشروعية الستّ بعد المغرب وهو لا يَثبت بل هو موضوع.
وكذلك ما جاء مِن مشروعية الاثنتي عشرة قبل الظهر أو الستّ فإنّ ذلك مِمّا لا يَثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
فنحن نذكر الثابت والذي لم يَثبت، أمّا مَن شاء أن يَزيد فذلك له أمر آخَر، ولكنني أقول:
بالنسبة إلى السنّة القَبْليَّة قبل الظهر فالإنسان ينبغي له أن يَكتفي بِما اكتفى به النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يَشتغِل بالذكر والدعاء حتى يَنَال ذلك الفضل الذي بيَّنه النبي - صلى الله عليه وسلم - في الدعاء بين الأذانين. (1/211)
صفحة 212
وبالنسبة إلى العِشاء فإنّه ليس هنالك سنّة قَبْليَّة وإنما هنالك محض التنفّل الذي أشرنا عليه، فالحال فيها كالحال في صلاة العصر.
وأما بعد صلاة العِشاء فإنّه قد ثبتتْ ركعتان عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله وفعله، فهي مِن السّنن الراتبة التي لا يَنبغي للإنسان أن يُفرِّط فيها.
وأما بالنسبة إلى السنّة القَبْليَّة قبل المغرب فالعلماء اختلَفوا:
منهم مَن شَدَّد في ذلك وقال: " لا يَنبغي للإنسان أن يُصلي في ذلك الوقت بل ذلك مكروه "، وأخذوا ذلك مِن النهي عن الصلاة عند غروب الشمس، وظاهر كلام بعضِهم بأنّه يَمتد إلى صلاة المغرب، وليس الأمر كما ادّعوا، بل ذلك ينتهي بتحقّق غروب الشمس تَحقّقا لا شك فيه.
ولكن ليست هنالك سنّة راتبة، أما مَن شاء أن يُصلي فلا مانع، كما ذكر ذلك الإمام الخليلي رحمه الله، فقد سُئل عن الصلاة قبل المغرب في السفر فقال: " لا مانع في السفر ولا في الحضر "، والأمر كما قاله رحمه الله، فقد كانت طائفة مِن الصحابة تُصلي قبل المغرب، كما ثبت ذلك مِن طريق أنس بن مالك-رضي الله تعالى عنه-بل جاء ما يدلّ على ذلك-أيضا-مِن السنّة القولية: ( بين كل أذانين صلاة ) وقال في الثالثة: ( لِمَن شاء ) .. جاء ذلك مِن طريق عبد الله بن مغفّل، وكذلك جاء ما يدلّ على ذلك-أيضا-مِن طريق عقبة بن عامِر رضي الله-تبارك وتعالى-عنه، فليس هنالك دليل يدلّ على المنع، ولكن إذا كان الناس يصلون المغرب في أوّل وقتها فإذا دخل الإنسان وصلّى تحية المسجد .. فمخافة وقوع حرج هنالك بين الناس وقد تَنقطِع الصفوف أو ما شابه ذلك فمِن هذا الباب يَترك كثير مِن أهل العلم الصّلاةَ في هذا الوقت، ثم هي ليست بسنّة راتبة، فيُمكن للإنسان أن يَشتغِل بالذكر، أما بالنسبة إلى سنّة تحية المسجد فهي تُصَلى في هذا الوقت، كما يدلّ على ذلك الحديث، كما سنتكلّم على ذلك-بمشيئة الله-عند الكلام على سنّة تحية المسجد. (1/212)
صفحة 213
هذه هي السّنن الراتبة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وهنالك-أيضا-الوتر وهو سنّة مؤكَّدة، فهذا لا يَنبغي التفريط فيه بحال.
بل قد قالت طائفة كبيرة مِن أهل العلم بوجوبه.
ومنهم مَن صرّح بالفرضية.
ولكنّ الصحيح أنه سنّة مؤكَّدة.
ووقتُه يَبتدئ بعد صلاة العشاء.
بعض العلماء قال: يَبتدئ مِن وقت صلاة العشاء .. أي بِغيوب الشفق الأحمر، وذكروا أنه يُمكِن للإنسان أن يُصلي الوتر حتى قبل فريضة العِشاء، وهذا ليس بشيء.
بل وقتُه يَبتدئ بعد فريضة العِشاء، كما صرّحت بذلك السنّة الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وكذلك اختلفوا إذا صلى الإنسان جمْع تقديم، هل يُصليه بعد العِشاء مباشَرة أو لابد مِن أن يَتأخَّر حتى يَدخل وقتُ العِشاء ؟ والحقّ أنّه يُمكِن له أن يُصليه بعد الجمْع مباشَرة.
وأما وقته فإنه يَنتهي بطلوع الفجر .. لابد مِن أن يأتي به الإنسان قبل طلوع الفجر .. هذا الذي دلّت عليه السنّة.
خلافا لِمَن قال: إنّه يُمكِن للإنسان أن يُؤخِّره ولو إلى ما بعد طلوع الفجر بشرط أن يَأتي به قبل صلاة الفجر، فهذا قول مخالِف للسنّة الصحيحة.
ولِلمسألة فروع متعدِّدة، أرى أن أقتصِر في هذا الوقت على هذا؛ والله ولي التوفيق.
س: ما هي السّنن المؤكَّدة ؟
ج: نحن قلنا سنّة الفجر والوتر .. هذا بالنسبة إلى السّنن التي تتكرَّر كل يوم.
و-كذلك-سنّة تحية المسجد فهي مِن السّنن المؤكَّدة على الصحيح (1) ،
__________
(1) - وسئل فضيلته سؤالا يتعلق ببعض أحكام سنة تحية المسجد ونصه :
س: هل يجوز أن يصلي الإنسان ركعتين نفل أو فريضة قضاء عن تحية المسجد ؟.
الجواب :-
ثبت في الحديث عن النبي صلوات الله وسلامه عليه أنه نهى عن الجلوس في حالة دخول المسجد إلا بعد الإتيان بركعتين .
وثبت أن رجلاً جاء إلى المسجد والرسول يخطب للجمعة فجلس فسأله الرسول صلوات الله وسلامه عليه هل صلى الركعتين فقال لا فأمره بأن يصلهما مع نهيه عن الكلام في ذلك الوقت .
وفي ذلك دلالة واضحة على أن هاتين الركعتين سنة مؤكدة ولا ينبغي لأحد أن يتركها إلا إذا كان ذلك وقت تحرم فيها الصلاة . أما الأوقات التي تحرم فيها الصلاة وإنما ينهى عن التنفل المطلق وإن هاتين الركعتين يؤتى بهما فيها كبعد صلاة العصر فإنه جاء النهي عن الصلاة ... "
ولكن هل يجزي الإنسان بصلاة فريضة حاضرة أو سنه من السنن فنعم يمكن أن يجتزي الإنسان بفريضة حاضرة أو أنه يريد أن يصلي سنة الفجر أو الضحى كالسنة إني قبل الظهر فإنه تجزيه وذلك لأن تحية المسجد ليس مقصودة لذاتها ...
وذهب بعض العلماء إلى أن سنة من السنن أو الفريضة تجزي عن ركعتين الطواف وليس بشى والصحيح أنها لا تجزي عن ركعتين الطواف .
س: من خرج من المسجد لحاجة فهل يلزم بإعادة تحية المسجد ؟
الجواب:-
إن كان خرج من المسجد بنية الرجوع إليه فإنه إذا رجع فلا يقال إنه يصلي تحية المسجد لأنه ساقطة عنه إن شاء الله تعالى وإن احطاط وأتى بها فلا شك أن ذلك أحسن .
س: هل تجزي ركعة الوتر عن ركعتين تحية المسجد ؟
الجواب :-
لا تجزي ركعة واحدة عن ركعتين تحية المسجد لأن الحديث قال: "فيصل ركعتين قبل أن تجلس . وجاء في رواية أخرى فلا يجلس حتى يركع ركعتين.. وسنة تحية المسجد من السنن المؤكدة ... (1/213)
صفحة 214
تُصلَّى حتى في وقت خطبة الإمام، كما دلّ على ذلك الحديث الصحيح الثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
ومِن السّنن المؤكَّدة-أيضا-سنّة الكسوف، فهي مِن السّنن المؤكَّدة.
بل بعض العلماء ذهب إلى أنّها فريضة على الكفاية.
ومنهم مَن قال: هي فريضة على العيْن.
والقول بالفرض الكفائي له وجه وجيه.
فهذه سنن لا ينبغي لأحد أن يُفرِّط فيها.
س: سنّة الفجر .. مَن لم يُدرِكها قبل الفريضة، متى يأتي بها ؟
ج: هذه المسألة اختلَف فيها العلماء .. مَن صلى الفريضة ولم يَأت بِالسنّة، وذلك لا يَخلو مِن أحد أمرين اثنين:
إما أن يأتي بالفريضة في أواخر وقتها بحيث لم يَتبقّ مِن الوقت ما يَتّسِع للسنّة فهاهنا يأتي بها بعد طلوع الشمس وارتفاعها بمقدار قيد رُمح .. هذا بناءً على رأي مَن يقول بالقضاء، كما سيأتي بِمشيئة الله تبارك وتعالى، أما إذا كان الوقت متّسِعًا للصلاة ولكنّه صلى مع الجماعة وأراد أن يأتي بعد ذلك بِالسنّة فاختلف العلماء متى يأتي بها ؟
أوّلا اختلفوا في قضائها:
منهم مَن قال: لا تُقضى، فبِما أنّه صلى فريضة الفجر فليس عليه أن يَقضيَها أو لا يُؤمر بقضائها-لأنها هي ليست عليه-في واقع الأمر-بمعنى الوجوب-لكنّه لا يُسَنُّ له أن يَقضيَها، وهذا قول ضعيف جدا.
ومنهم مَن قال: يَقضيها بعد طلوع الشمس وارتفاعها بمقدار قيد رُمح.
ومنهم مَن قال: بعد طلوع الشمس مباشَرة، وهذا بناءً على أنّ وقت النهي يَنتهي بِمجرّد تَحقُّق طلوع الشمس تَماما.
والصحيح أنّه لابد مِن أن يَنتظِر إلى مقدار قيد رُمح، وذلك يُقدَّر بِما يَقرُب مِن اثنتي عشرة دقيقة أو ربع ساعة تقريبا.
ومنهم مَن قال: يَقضيها بعد فريضة الفجر.
ومنهم مَن قال: هي لا تُقضى بعد الفريضة بل تُؤدَّى، وإنّما تُقضى إذا أخّرها إلى ما بعد طلوع الشمس.
ومنهم مَن قال: هو مُخيَّر إمّا أن يَقضيَها بعد السنّة وإما أن يَقضيَها بعد طلوع الشمس بِمقدار قيد رُمح. (1/214)
صفحة 215
و-على كل حال-قد رُويت في ذلك أدلّة .. استدل كل فريق بأدلّة-إلا أنّ القول بعدم القضاء مِن الضعف بمكان-وأرى أنّ الأدلة التي استدل بها كل فريق-الخاصّة بهذه المسألة-لا تخلو مِن مقال، فهي إلى الضعف أقرب منها إلى الثبوت، وإن قال بثُبوت بعضٍ منها بعضُ أهل العلم.
ولكنني مع ذلك كلِّه أقول: إنها تُقضى بعد الفريضة، وذلك لأنّه قد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قضى سنّة الظهر البَعْدِيَة بعد فريضة العصر، كما جاء ذلك عن السيّدة أم سلمة رضي الله-تبارك وتعالى-عنها، وهو حديث صحيح.
أمّا قول بعض أهل العلم أنّ ذلك خاص به فهو ضعيف، إذ إنّ الأصل أنّ الأمّة تساوي النبي - صلى الله عليه وسلم - في الأحكام ما لم يأت دليل يدلّ على الفرق.
واستدلال بعضهم برواية فيها أنّ أم سلمة سألته صلوات الله وسلامه عليه عن قضائها أن لو حصل لها ذلك فقال لها: " لا " .. ذلك-في حقيقة الواقع-لا يَثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وبِما أنه لا يَثبت لا يُمكِن أن يُحتَجّ به.
وقول بعضهم بأنه يَجوز القضاء بعد فريضة العصر لأنه ليس بوقت نهي ولا يَجوز بعد فريضة الفجر .. ذلك مردود، إذ لا دليل عليه، بل الدليل دالٌّ على أنه وقت للنهي.
فإذن يُؤخَذ مِن هذا الحديث ومِن غيره مِن الأحاديث الأخرى التي تدلّ على ذلك كصلاة الرجلين اللذين صليَا في منزلهما ثم أتيا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يُصليا معه فسألهما: ( ألستما بِمسلِمَيْن ؟! ) فقالا له: " بلى " فأمرهما بالصلاة مع الناس، إلى غير ذلك مِن الأحاديث الكثيرة الدّالة على هذا المعنى، وأرى الوقت لا يكفي لذكرها كلِّها .. هذه الأحاديث تدلّ على مشروعية القضاء في مثل هذه الأحيان .. أي في الأوقات التي يُنهى عن الصلاة فيها وليس النهي فيها نهي تَحريم.
فيقضيها بعد فريضة الفجر وإن أَخَّرها فلا بأس ولكن الأفضل أن يَقضيَها في ذلك الوقت .. هذا ما أراه؛ والعلم عند الله. (1/215)
صفحة 216
س: ذكرتُم في جوابٍ سابِق (1) أنه مِمّا يُقرَأ في سنّةِ الفجر الآية الثانية والخمسين مِن سورة الأنعام.
ج: فإذا كان ذلك فهو مِن بابِ سبْقِ اللِّسان .. المراد الآية التي في سورة آل عمران لكن بَقِيَ أنه يَحتاج إلى نظر هل كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يَقرأ هذه الآية بِكاملِها أو أنه يَقرأُ الجزءَ الأخيرَ منها ؟ حيثُ إنه جاء في الروايةِ المروية عن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: { آمَنَّا ... } .. مِن هذا إلى آخِرِ الآية، فهل كان يَقرأُ - صلى الله عليه وسلم - : { ... آمَنَّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } [ سورة آل عمران، من الآية: 52 ] هذا الجزء فقط بعد فاتحة الكتاب كما هو الظاهِرُ مِن الرواية أو أنه كان يَقرأ الآية مِن أوّلِها ؟ فهذا مُحتمِل.
فالآية مِن سورةِ آل عمران وليس مِن سورةِ الأنعام.
وهكذا الرواية الثانية الآية الرابعة والستين مِن سورة آل عمران وهذه الرواية الثانية فيما يَظهر لِي بِأنها شاذّة، فإذا كنتُ قد قلتُ بِخلاف ذلك فذلك مِن باب سبْقِ اللسان الذي أرجو أن يَكون مَعْفُوّا عنه بِإذن الله تبارك وتعالى.
__________
(1) -عند الجواب على السؤال 3 مِن حلقة 12 رمضان 1425هـ ( يوافقه 27 أكتوبر 2004م )، وعند الجواب على السؤال 8 مِن حلقة 24 رمضان 1425هـ ( يوافقه 08 نوفمبر 2004م ). (1/216)
صفحة 217
وأُنبِّه-أيضا-أنّ ما ذَكَرناه (1) في مسألةِ الجمْع بيْن الصلاتيْن في الحَضَر هل يَأتِي المصلِّي بِالرواتِب ؟ ما ذَكَرناه (2) مِن أنه عند بعض أهل العلم أوّلا يَأتِي في حالة الجمْع بيْن الظهر والعصر .. يَأتِي بِراتبةِ الظُّهرِ القبلِية ثم راتبةِ الظُّهْرِ البعدِية ثم راتبةِ العصْرِ القبلِية هذا بناء على رأي مَن يَقول بِالراتبة لِفريضة العصْر أما مَن لا يَقول بِذلك فلا يَقول بِهذا، وكذلك ما ذَكَرناه (3) مِن القولِ الثاني بِأنه يَأتِي أوّلا بِراتبةِ الظُّهر القبلِية ويُمكِن أن يُؤخِّرَها .. أعني بعدَ الإتيان بِالفريضتيْن معا ثم يَأتِي بِراتبةِ الظُّهْرِ البعدِية ثم راتبةِ العصْرِ القبلية (4) .. هذا بناءً على رأيِ مَن يَقول بِراتبةِ العصْر، وهكذا بِالنسبة إلى القولِ الآخَر الذي فَصَّلَ فيه أصحابُه إذا جَمَعَ بيْن الظهر والعصر جَمْعَ تأخير هل يَأتِي بِهما بعد الظهر أو بعد الصلاة الأولى ؟ هذا كلُّه بناءً على رأيِ مَن يَقول بِراتبةِ العصْر القبلِية، وقد قلنا (5) : " إنه ليستْ هنالِك راتبة وإنما هو مُجرّدُ تَنفّل-فيه خيْرٌ كثيرٌ بِمشيئةِ الله تبارك وتعالى-ولكن لا يُؤتَى بِها في حالةِ الجمْع "، فيَنبغي أن يُنتبَه لِهذا وإن كان واضِحا فيما أَحسب إذا جُمِعَ بيْن الدروسِ جميعا.
__________
(1) -عند الجواب على السؤال 4 مِن حلقة 24 رمضان 1425هـ ( يوافقه 08 نوفمبر 2004م ).
(2) -عند الجواب على السؤال 4 مِن حلقة 24 رمضان 1425هـ ( يوافقه 08 نوفمبر 2004م ).
(3) -عند الجواب على السؤال 4 مِن حلقة 24 رمضان 1425هـ ( يوافقه 08 نوفمبر 2004م ).
(4) -قال الشيخ: " البعدية " بدلا مِن " القبلية " والظاهر أنه سبق لسان.
(5) -عند الجواب على السؤال 1 مِن حلقة 13 رمضان 1425هـ ( يوافقه 28 أكتوبر 2004م )، وعند الجواب على السؤال 4 مِن حلقة 24 رمضان 1425هـ ( يوافقه 8 نوفمبر 2004م ). (1/217)
صفحة 218
وهكذا يَنبغي لِلإنسان أن يَجمَعَ بيْن الكلام مِن أوّلِه إلى آخِرِه، ولا يَنظُر إلى جزئيةٍ مِن الجزئيات، كما نَسمعُه مِن كثيرٍ مِن الناس عندما يُرِيدُ الواحِدُ منهم أن يُصلِّيَ في موضعٍ تَماما يَنظر هل لِلإنسانِ أن يَتّخِذَ أكثرَ مِن وطَن ؟ فيَنظرُ في هذه المسألة ويَجِد أنّ العلماء قالوا: " يَجوز لِلإنسان أن يَتّخِذَ أكثرَ مِن وطَن " فيَعمَلُ بِذلك ولا يَنظُر متى يَصِحُّ له ذلك أو متَى يَجِب عليه فذلك مُقَيَّدٌ فلابد مِن تَقيِيدِ الكلامِ المطلَق؛ والله ولي التوفيق.
س: هل تارك السنّة المؤكَّدة يُعتبَر خسيس المنزلة ؟
ج: قال بذلك بعضُ أهل العلم.
ومنهم الإمام السالمي رحمه الله، فإنه سُئل عن تارك السّنن المؤكَّدة فقال: " الله أعلم به، هو مات يوم مات وهو خسيس المنزلة والجنة لا يدخلها خسيس ".
وقد سُئل بعض أهل العلم عمّن يَترُك الوتر فقال: " هو رجل خسيس "-أو ما هذا معناه-وقال: " إنه لا تُقبَل له شهادة ".
هذا فيمن كان يُواظِب على ترك هذه السّنن ولا يبالي بها .. فالحقيقة هذا يدلّ على رِقّة في الدِّين إذ لا يُمكِن لأحد أن يَسمَع بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ومواظَبته على هذه السّنن الثابتة ويَسمَع-أيضا-بالفضْل العظيم الذي أعدّه الله-تبارك وتعالى-للآتي بهذه السّنن ومع ذلك يتهاون .. نعم إذا تركها مرة أو مرتين، فنحن لا نقوى على القول بأنه يَصِلُ هذه المرتبة، ولا أظنّ أنّ أؤلئك العلماء-أيضا-يريدون بذلك، وإنما يريدون مَن يُواظِب على ترك هذه السّنن، والله-تبارك وتعالى-ولي التوفيق.
س: ما الفرق بيْن صلاة سنّة العشاء وصلاة الشفع ؟ (1/218)
صفحة 219
ج: على كل حال؛ سنّة العِشاء هي السنّة التي ذكرها النبي - صلى الله عليه وسلم - في السّنن الراتبة، في حديث أم سلمة، وهي السنّة التي كان يُواظِب عليها، كما جاء ذلك في حديث ابن عمر وفي حديث السيدة عائشة رضوان الله-تبارك وتعالى-عليهم، أما ما بعد ذلك فتلك السّنن هي تنفّل، فينبغي للإنسان أن يَتنفَّل بِما كان يَتنفَّل به النبي - صلى الله عليه وسلم - ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - كان يُصلي إحدى عشرة ركعة .. يُصلي الوتر .. يُوتِر بثلاث، وتارة بواحدة، وتارة يكون الكلّ وترا، وله كيفيات متعدِّدة، فالوتر يكون بواحدة، وبثلاث، وبخمس، وبسبع، وبتسع، وبإحدى عشرة، ثم لبعض هذه الأعداد كيفيات متعدِّدة، ولكن الوقت كما ترى لا يُساعِد ولا يُساعِف على ذكر تلك الكيفيات وما الثابت منها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولكن الحاصل أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - جاء عنه أنه كان يُصلي إحدى عشرة ركعة، وهذا غير تلك السنّة التي كان يُصليها بعد سنّة (1) العِشاء، وجاء في بعض الروايات ..
__________
(1) -قال الشيخ: " سنّة " ولعله قَصَدَ أن يقول: " فريضة " فليُنظَر مع الشيخ. (1/219)
صفحة 220
جاء ذلك مِن طريق السيدة عائشة-رضي الله تبارك وتعالى عنها-ومِن طريق ابن عباس-رضي الله تبارك وتعالى عنهما-ومِن طريق زيد بن خالد الجُهني-رضي الله تبارك وتعالى عنه-أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يُصلي ثلاثة عشرة ركعة، و-على كل حال-لا إشكال في هذه الروايات-وإن استشكَله مَن لا دراية له بهذا الفن-ذلك أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان عندما يَفتتِح صلاة الليل يصلي ركعتين خفيفتين ثم يصلي ركعتين طويلتين ثم ركعتين طويلتين وهكذا، كما هو وارد عنه، فالسيدة عائشة-رضي الله تعالى عنها-في الرواية التي جاء عنها أنه كان يصلي إحدى عشرة ركعة لم تذكر الركعتين الخفيفتين وفي الرواية التي ذكرت ثلاث عشرة ركعة ذكرت هاتين الركعتين، وهكذا في روايات الصحابة الذين ذكروا هذه الروايات، فهذا ليس مِن التضارب أو التناقض، كما يظنّه مَن لا دراية له بهذا، فذلك يكون عندما تتّحِد الرواية ويتّحِد المجلس ويتّحِد الراوي .. عندما يتّحِد المجلس هناك يُمكِن أن يقال بهذا، ولكن الراوي تارة يُحدِّث بهذا وتارة بهذا .. تارة يذكر فعلا وتارة يذكر فعلا آخر وتارة يذكر المقصود وتارة يذكر هو وما قبل أو ما بعد أو ما شابه ذلك، وهذا أوْلى مِن قول بعضهم بأنها ذَكَرَتْ سنّة العشاء، ومِن قول بعضهم بأنها ذَكَرَتْ سنّة الفجر .. الذي يَظهر لي-ما ذكرتُه-بأنها ذَكَرَتْ الركعتين الخفيفتين اللتين كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يَفتتِح بهما قيام الليل .. هذا هو الثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وخير الهدي هديه - صلى الله عليه وسلم - ، ولكن ذلك يَحتاج إلى بيان كيفية أداء النبي - صلى الله عليه وسلم - لهذه الصلاة، وهذا أمر فرَّط فيه كثير مِن الناس في هذا الزمان .. (1/220)
صفحة 221
نسأل الله-تبارك وتعالى-أن يُوفِّق المسلمين للعمل بسنّته - صلى الله عليه وسلم - على وفق ما كان يأتي بها صلوات الله وسلامه عليه، وقد ذكرتُ أنّ ذلك يتوقّف على معرفة ستّة أمور بالأمس (1) ؛ والله-تبارك وتعالى-ولي التوفيق.
س: مَن عليه قضاء صلوات، هل له أن يَشتغِل بها عن السّنن المؤكَّدة والرواتب ؟
ج: لا يَشتغِل عن السنن المؤكَّدة والرواتب .. يَجمَع بين الأمريْن لكن في حالة القضاء قد اختلف العلماء في قضاء السّنن .. هل يقضيها الإنسان أو لا يقضيها ؟ لِلعلماء في ذلك خلاف طويل:
1-منهم مَن يقول: يقضي الوتر وحدها.
2-ومنهم مَن يقول: يقضي الوتر وسنّة الفجر.
3-ومنهم مَن يقول: يقضي سنّة الفجر ولا يقضي سنّة الوتر وإنما يصلي في النهار اثنتي عشرة ركعة بدلا مِن قيام الليل والوتر، بناء على الرواية التي جاءت عند الإمام مسلم.
4-ومنهم مَن يقول: يقضي سنّة الفجر وسنّة الوتر والسنّة القَبْليَّة والبَعْدِيَة لصلاة الظهر، بناء على أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى السنّة البَعْدِيَة وبناء على الرواية التي فيها أنه قضى السنّة القَبْليَّة، ولكن الرواية التي فيها أنه قضى السنّة القَبْليَّة لا تَثبت عنه صلوات الله وسلامه عليه-وإن صحّحها مَن صحّحها مِن أهل العلم-فهي ضعيفة على التحقيق.
5-ومنهم مَن قال: يقضي كل السّنن الراتبة.
__________
(1) -عند الجواب على السؤال 1 مِِن حلقة 12 رمضان 1425هـ ( يوافقه 27 أكتوبر 2004م ). (1/221)
صفحة 222
وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قضى سنّة الفجر عندما نام صلوات الله وسلامه عليه هو وصحابته الكرام رضي الله-تعالى-عنهم .. قضى السنّة وقضى بعدها الفريضة، وهذا يدلّ على أنّ الإنسان يَقضي أوّلا السنّة ثم يقضي الفريضة، خلافا لِمَن ذهب إلى أنّه أوّلا يقضي الفريضة ثم يقضي بعد ذلك السنّة .. هذا قول ضعيف، فقضية الفورية بالفريضة لا تستدعي أن يَترك الإنسان السنّة الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .. خير الهدي هديه - صلى الله عليه وسلم - ، فينبغي للإنسان أن يأتي بالسنّة أوّلا ثم يأتي بالفريضة.
والقول بقضاء كل السّنن الراتبة قول قوي.
-فإذن العلماءُ منهم مَن يقول بِقضاء الكل، ومنهم مَن يقول بسنّة الفجر والوتر، ومنهم السنّة فقط، ومنهم مَن يَقول: الوتر، كما ذكرتُ.-
6-ومنهم مَن يقول: السّنن الرواتب لا تُقضى وإنما تُقضى السّنن المستقِلة كصلاة العيد وسنّة الضحى .. هذه تُقضى.
7-ومنهم مَن يقول: تُقضى السنّة القَبْليَّة قبل الظهر دون البَعْدِيَة، وهذا عجب، فالبَعْدِيَة ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضاؤها، بِخلاف السنّة القَبْليَّة، ولعل ذلك ناشئ عن عدم تَمحيصهم للروايات عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .. وجدوا رواية فيها أنه قضى القَبْليَّة ولم يَذكُر بأنّ ذلك خاص به ووجدوا رواية قضى السنّة البَعْدِيَة ولكنه سئل عن قضائها بالنسبة لغيره فقال: " لا " فقالوا بما قالوه، وهذا-كما قلتُ-ناشئ عن عدم التمحيص، فرواية قضاء القَبْليَّة لا تَثبت، وخصوصية السنّة البَعْدِيَة لا تَثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فينبغي للإنسان-على كل حال-أن يُمحِّص ما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأن يَعرِف ما ثبت عنه ويأخذ بذلك، لا أن يأخد بكل ما وجد مِن الروايات مِن غير أن يَعرِف الصحيح مِن السقيم والغثّ مِن السمين إلى غير ذلك. (1/222)
صفحة 223
و-على كل حال-صلاة العيد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه يُؤتى بها في اليوم الثاني-لا أنها يُؤتى بها في ذلك اليوم-إذا فات وقتها، ووقتها يَفوت بزوال الشمس .. هذا هو الصحيح، خلافا لِمَن قال بالقول الثاني-وذلك للكل، أما لو فاتت الشخص هل يقضيها أو لا يقضيها أو يأتي بركعتين ؟ فيه خلاف بيْن أهل العلم، ولي نظر في القول بِالقضاء (1) ، لأنّ هذه مِن الصلوات التي تُصلى جماعة .. هذا مختصَر القول في هذه القضية؛ والله-تبارك وتعالى-ولي التوفيق.
س: السنن الرواتب، هل تُصلَّى في البيت أم تُصلَّى في المسجد ؟
ج: إنّ العلماء قد اختلَفوا في السنن الرواتب هل الأوْلى أن تُصلَّى في البيت أو في المسجد ؟ مع جواز الأمرين جميعا، خلافا لِمَن شَذّ وقال بِوجوبِ تأديةِ راتبةِ المغرِب في البيت، فهذا-إن صحَّ عن قائلِه-مِن الشذوذ بِمكان، فلا يَنبغي أن يُلتفتَ إليه ولا أن يُعوَّلَ عليه، وإنّما الخلاف في الأفضل:
1-فذهبت طائفة كبيرة مِن أهل العلم إلى أنَّّ الأفضل في السنن الرواتب جميعا سواءً كانت نَهارية أو ليلية أن تُؤدَّى في البيت.
2-وذهبت طائفة مِن أهل العلم إلى أنّ الأوْلى أن تُؤدَّى في المسجد.
3-وذهبت طائفة مِن أهل العلم إلى التفصيل فقالت: إنّ الأوْلى في النوافل الليلية أن تُصلَّى في البيت بِخلاف الرواتب النهارية فالأوْلى فيها أن تُصلَّى في المسجد.
و-على كل حال-مِن المعلوم أنّ الإنسان عندما يَجِد خلافا بيْن أهل العلم عليه أن يَرجِع إلى كتابِ الله-تبارك وتعالى-وإلى سنّة رسولِه-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-الصحيحة الثابتة.
__________
(1) -تكلم الشيخ في هذا عند جوابه على السؤال 9 مِِن حلقة 28 رمضان 1425هـ ( يوافقه 12 نوفمبر 2004م ). (1/223)
صفحة 224
ومِن المعلوم أنه ليس في هذه المسألة دليلٌ مِن كتابِ الله-تبارك وتعالى-وإنَّما الدليلُ فيها مِن سنّةِ رسولِه - صلى الله عليه وسلم - ، فقد جاءتْ السنّة القولية والفعلية تَدلّ دلالةً صرِيحة واضِحة جلِيّة على أنّ السنن يَنبغي أن تُؤدَّى في البيت .. في السنن الراتِبة هذا فِعله - صلى الله عليه وسلم - ، وكذلك جاء في الأحاديث القَوْلِية عنه صلوات الله وسلامه عليه، فعندما يَكونُ الإنسانُ مُتمكِّنا مِن أداءِ السنن الراتِبة في بيتِه فلا يَنبغي له أن يَعدِلَ إلى تَأْدِيتِها في المسجد، أمَّا إذا كانت هنالك ظروفٌ تَستدعِي منه أن يَأتِيَ بِها في المسجد فلا بأس بذلك، وكذلك إذا كان الإنسان يَرجِعُ إلى دُكَّانٍ أو ما شابه ذلك فإذا صلاَّها في موضعِه ذلك فذلك حسن، لأنّ ذلك أقرب إلى البيت، فإذن الأوْلى أن يَكونَ ذلك في البيت؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: سواء كانت السنن القبلية أو البعدية ؟
ج: نعم، هذا هو الثابت مِن فِعل النبي - صلى الله عليه وسلم - .. كان يُصلِّي السنن في بيتِه سواءً كانت قبلية أو كانت بعدية.
س: ويَستوِي في ذلك عندكم النهارية والليلة ؟
ج: أي نعم، لا فرْق في ذلك، لأنّ ذلك هو الثابت مِن سنّة النبي - صلى الله عليه وسلم - .
س: هل تُستثنَى المؤكَّدات أم الكل يَشمَلها ؟
ج: الكل، فالرسولُ - صلى الله عليه وسلم - كان يُصلِّي سنّةَ الفجر في بيتِه وهكذا بالنسبة إلى سنّةِ المغرب والفجرُ مؤكَّدة والمغرب راتِبة وعلى قولٍ مؤكَّدة والأوّل أقربُ إلى الصواب، والأُولَى-أعني سنّةَ الفجر-قبلية والثانية بعدية، وكذلك بالنسبة إلى سنّةِ الظهر فقد كان-صلوات الله وسلامه عليه-يُصلِّيها في بيتِه.
أمَّا مَا جاء عن ابن عمر فيُمكِن أن يُحمَلَ ذلك على بعضِ الأحوال ويُمكِن أن يَكونَ ذلك أنَّه كان يُؤدِّي في المسجد سنّةَ تحية المسجد؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم. (1/224)
صفحة 225
س: ما صِحّة ما يُروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( إنّ خيرَ صلاةِ المرءِ في بيتِه إلا المَكتوبة ) ؟
ج: على كل حال؛ هذا حديث، وهنالك أحاديثُ كثيرة جدا جدا تَدلّ على أنّ الأفضل في النوافل أن تَكونَ في البيت، وهذا هو الذي كان يَفعلُه النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-والذي حَثَّ عليه أيضا، وفيه مِن الفوائد الدينية ما لا يَخفى.
س: صلاة السنن في النهار أو في الليل، هل يُسلَّم بعدَ كلِّ ركعتيْن ؟ (1/225)
صفحة 226
ج: أما في الليل فقد ثبتَ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديثِ الصحيحِ الذي جاء عنه-أنه قال: ( صلاةُ الليلِ مثنى مثنى ) .. هكذا نَصَّ الحديثُ الثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولذلك نقول: إنّ صلاةَ اللَّيل تَكونُ مثنى مثنى، ولا معنى لِما جاء عن بعضِهم مِن أنه يُصلِّي إن شاء أربعا أو ما شابه ذلك مِن غيرِ فصل .. هذا لا داعي إليه ولا يَنبغي أن يُؤخَذَ بِه ما دام الحديثُ قد ثبتَ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .. نعم قد جاءتْ كيفياتٌ مُتعدِّدة لِصلاةِ الوتْر، فقد جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يُصلِّي الوتْر ثلاث عشْرة ركعة-وفي الواقع هذا الوِتْر مع قيامِ الليل-وكان يَفصِل بيْن كلِّ ركعتيْن، و-هكذا-جاء أنه كان يُصلِّي إحدى عشْرة ركعة يُسلِّم بعد كلِّ ركعتيْن، وجاء في بعضِ الروايات أنه كان يُصلِّي ثَمَان ركعات وكان يَجلِس بعدَ الركعة الثامنة .. يَسْرد الثمان سَرْدا ويَجلِس بعدَ الركعة الثامنة، وجاء-أيضا-أنه كان يُوتِر بِسبْع ويَجلِس بعدَ السادسة، وجاءتْ فيها روايةٌ أخرى وهكذا، لكنّ الذي أَرشدَ إليه أمّتَه - صلى الله عليه وسلم - ما ذَكَرْناه مِن الحديث، فإذا صَلَّى شخصٌ القيام بِتلك الكيفيات التي جاءتْ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وبعضُها يَحتاجُ إلى شيءٍ مِن التّمحيصِ والنّظر فذلك نعم لكن السنّة كما ذكرت، ثم تلك الكيفيات ليس فيها الجلوس بعد كل ركعتيْن ركعتيْن وإنَّما قَبْلَ الأخيرة أو فيها السَّرْد.
أما بِالنسبةِ إلى صلاةِ النهار فقد اختلَف أهل العلم في ذلك:
منهم مَن قال: إنّ الأوْلى أن يُصَلِّيَ الأربع مِن غيرِ أن يُسلِّم .. يَجلِس بعد الركعة الثانية ويَأتِي بِالتشهّد الأوّل ثم يَقومُ إلى الركعتيْن الأخريَيْن.
ومنهم مَن قال: الأوْلى أن يَفصِلَ بِالسّلام.ومنهم مَن قال: هو مُخيَّر. (1/226)
صفحة 227
فإذن في الليل يَفصِلُ بِالسّلام وذلك هو الذي دَلَّ عليه الحديث، أما التخيِير فلا داعي إليه-كما ذَكَرْتُ-اللهم إلا إذا أَتَى بِالوِتْر على شيءٍ مِن تلك الكيفيات التي أشرتُ إليها ولكن ليْسَ فيها أن يَجلِسَ بعد كل ركعتيْن بعد كل ركعتيْن مِن غير تسلِيم.أما بِالنسبةِ إلى الصلوات النهارية ففيها الخلاف المذكور، وليس هنالك دليلٌ واضِحٌ جلِي يَدلُّ على ترجيحِ واحدٍ مِن القوليْن فلذلك ذَهَبَ مَن ذَهَبَ مِن أهل العلم إلى أنّ الإنسانَ مُخيَّر في ذلك.
وأقوى ما استَدلَّ به الذين قالوا بِالفصْل بِالتَّسلِيم كصلاةِ الليل ما جاء عن السيدة أمّ هانئ-رضي الله تعالى عنها-أنَّها ذَكَرَتْ أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما صَلَّى في بيتِها في عامِ الفتح أنه كان يُسلِّمُ بعدَ كل ركعتيْن، وهذا الحديث في أصلِه صحيحٌ ثابِت .. أي مِن غيْرِ ذِكْرِ التّسلِيم .. أنه صَلّى ثماني ركعات هذا حديثٌ صحيحٌ لا شكّ فيه، وأما بِالنسبةِ إلى الفَصْلِ بِالتسليم فقد ذَكَرَ النووي في " المجموع " وبعده الحافظ ابن حجر في " التلخيص " بِأنّ إسنادَه على شرطِ " صحيحِ البخاري " وليس الأمر كما ذَكَرَاه بل هو حديثٌ فيه ضَعْف، وذلك لأنّه مِن طريقِ عياض بن عبد الله الفِهْرِي وهو مُنكَرُ الرواية في مثلِ هذه الحالة .. أي عندما يَتفرَّدُ بِمثلِ هذه الزيادة عن غيرِه. (1/227)
صفحة 228
و-أيضا-استدلّوا بِحديثِ: " صلاةُ الليلِ والنهار مثنى مثنى " أي بِالزيادةِ التي جاءتْ فيه: " والنهار " إلا أنّ هذه الرواية شاذّةٌ عندي وإن قوّتْها جماعةٌ مِن أهل العلم كالبخاري وابن خزيمة وابن حبان ومَن سار على نَهجِهم ولكنّ الصحيح أنها روايةٌ شاذّة لأنَّها مِن طريقِ البَارِقِي ولا يَقوى على مُخالَفةِ العددِ الكبير والجمِّ الغفير فقد جاءتْ هذه الرواية بِلفظِ: " الليل " فقط مِن طريقِ أكثرَ مِن خمسةَ عشر راويا لَم يَذكُروا هذه الزيادة وتَفرَّدَ بِها هذا الراوي الذي لا يُقبَلُ تَفرُّدُه في مثلِ هذه القضية .. نعم قد تُوبِعَ ولكن تلك المتابَعات لا قيمةَ لَها.
وقد جاءتْ رواياتٌ أخرى ولكنّها مِن الضَّعْف بِمكان، فرواياتُ الفصْل لا تَصِحُّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بِحسبِ هذه الأسانيد التي وَجَدْناها.وقد جاء عن ابن عمر-رضي الله تعالى عنهما-وهو الراوي لِحديثِ: ( صلاةُ الليلِ مثنى مثنى ) الذي جاءتْ فيه هذه الزيادة أنه كان لا يَفصِل بيْن كلِّ ركعتيْن بل يَقوم بعدَ أن يَأتِيَ بِالتشهّدِ الأوّل مِن غيرِ سلام وهو الراوي لِذلك الحديث ونَحنُ نقول: إنه إذا تعارَض رأيُ الراوي مع روايتِه أنه تُقدَّمُ روايتُه على الصحيحِ الراجِح ولكن عندما يَكونُ في إسنادِ تلك الرواية شيءٌ مِن الكلام ولاسيما في مثلِ هذه الرواية التي يَتكَرَّرُ العملُ بِها فإنّ التّرجِيحَ لِروايةِ ابن عمر الموقوفَة عليه أقربُ إلى الصواب، فهذا هو الأقرب كما قلتُ (1) ؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
__________
(1) -قال الشيخ عند جوابه على السؤال 1 مِن حلقة 24 رمضان 1425هـ ( يوافقه 8 نوفمبر 2004م ): " الأفضل في صلوات الليل أنْ يَفْصِل الإنسان فيها بِالسلام، أما بِالنسبة إلى الصلوات النَّهَارِيَّة فالأمر مُختلَف فيه، وكِلا الأمريْن جائز وإنَّما الخلاف في الأفضل ". (1/228)
صفحة 229
س: ما حكمُ الصلاة قبلَ صلاةِ الجمعة ؟ وهل ثبتت صلاةٌ بعد صلاة الجمعة سواء في البيت أو في المسجد ؟
ج: أما بالنسبة إلى راتبة الجمعة القبلية والبعدية .. أما البعدية .. والأوْلى كان أن أقدم القبلية ولكنني أقدم البعدية لأنَّها ثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بخلاف القبلية فسيأتي ما فيها
السنّة البعدية بعد صلاة الجمعة-نعم-ثابتة، فقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالإسناد الصحيح الثابت أنه كان يصلي بعد الجمعة ركعتين .. هذا حديث صحيح ثابت لا كلام فيه.
وقد جاءت روايات تدلّ على أنه كان يصلي بعدها أربعا ولكنها لا تثبت عنه صلوات الله وسلامه عليه، وإنَّما الثابت عنه الركعتان، وجاءت رواية قولية عند الإمام مسلم فيها الأمر بأربع ركعات ولها ألفاظ متعدِّدة منها: " مَن كان منكم مصليا بعد الجمعة فليصل أربعا " ولها ألفاظ قريبة مِن هذا اللفظ، ولذلك اختلَف العلماء في السنّة المشروعة وما هو الأوْلى فيها:
فمنهم مَن قال: إنه يصلي ركعتين.
ومنهم مَن قال: يصلي أربعا.
ومنهم مَن قال: يجمع بين الروايتين:
منهم مَن رجّح القولية-كما قلتُ-فقال: " يصلي أربعا، لأنّ القول مقدَّم عند التعارض ".
ومنهم مَن رجّح الفعلية لأنَّها أقوى مِن حيث الإسناد.
ومنهم مَن قال: يجمع بينهما .. يصلي ركعتين ثم يصلي أربعا.
ومنهم مَن قال: يصلي تارة ركعتين ويصلي تارة أربعا، فيكون قد أخذ بهذه الرواية تارة وأخذ بالرواية الأخرى تارة.
ومنهم مَن قال بِالتفصيل فقال: إن صلى في المسجد فإنه يصلي أربعا وإن صلى في البيت فإنه يصلي ركعتين كما جاء عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
و-كما قلتُ الثابت مِن فعلِه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يصلي بعد الجمعة ركعتين. (1/229)
صفحة 230
وما جاء أنه صلى أربعا أو ستا فإنه لا يثبت عنه-صلوات الله وسلامه عليه-البتّة، والرواية القَوْلِيَة فيها نظر لأنها مِن طريق سهيل بن أبي صالح وَلَم تتّفق كلمة أهل العلم على توثيقه بل منهم المادح له ومنهم القادح فيه، فمنهم مَن لا يحتج بروايته ومنهم مَن يرى أنّ روايته ثابتة ولاسيما في مثل هذه الأمور، وهو في الحقيقة يَحتاج إلى شيء مِن النظر ولاسيما عند المُخَالَفة فهو وإن لَم تكن روايته هاهنا مُخالِفَة في الفعل ولكن الأصل أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يأتي بالأعمال أكثر مِن غيره وما قيل بِأنّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعله كان يُطيل الركعتين فهي أطول مِن حيث الكيفية أو أنه - صلى الله عليه وسلم - نظرا لاشتغاله بِالخطبة وما شابه ذلك كان يَخْتصر إلى الركعتين أو " هو تشريع "، نقول: أمَّا بِالنسبة إذا قيل: " هو تشريع " فلا كلام .. علينا أن نُسَلِّم لِما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكن ذلك حيثُ لا يكون هنالك كلامٌ في الرواية المروية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ورواية سُهَيل فيها ما فيها مِن الكلام.
فإذا اقتصَر الإنسان على الركعتين الثابتتين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثبوتا لا شك فيه فذلك حَسن جَميل وإن صلى في بعض الأحيان أربعا فإذا كانت نفسه تطمئن إلى تلك الرواية فلا مانع مِن ذلك وإن صلى ركعتين أوّلاً ثم زاد بعد ذلك فأيضا لا بأس بِذلك بِمشيئة الله تبارك وتعالى، ولكن الذي نستطيع أن نَجْزم بثبوته هو الركعتان وما عدا ذلك فهو مشكوك فيه لِما ذَكَرْتُه مِن الكلام في رواية سُهيل بن أبي صالح ففيها-حقيقة-مِن الكلام الذي لا تَطْمَئن النفس إلى قبولِ مثلِ هذه الرواية عنه؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
أمَّا بالنسبة إلى السنّة القبلية في يوم الجمعة هنالك أمران يَنبغي التفريق بينهما: (1/230)
صفحة 231
أحدهما: مُطْلَق الصلاة .. أي أنّ الإنسان إذا دخل المسجد أو كان في بيته-أيضا-أنه ينبغي له أن يُصلِّي في هذا اليوم فنعم ذلك ثابت مِن قولِ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-مِن طريق سَلْمان، وقد جاء ذلك-أيضا-مِن طريق أبي هريرة وإن كان في إسنادِه سُهيل وقد أشرنا إلى ما فيه ولكنه في هذه الرواية لَم يُخالِف بل تُؤيِّدُ روايتَه الروايةُ السابِقة، وقد جاء ذلك-أيضا-مِن غير هاتين الطريقين، فهذا الأمر ثابتٌ عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-ولكن ذلك لَم يُحَدَّد بِعددٍ معيّن مِن الركعات فليُصلِّ الإنسان ما شاء كما جاء ذلك في الحديثِ الثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .. كما جاء: ( فَليُصل ما قُدِّرَ له ) أو ما شابه ذلك مِن الألفاظ فهذا ثابِت، ولا ينبغي لِلإنسان أن يَتَكَاسَل في ذلك، فإذا جاء الإنسان قبل سَاعة أو قبل نصف ساعة أو أكثر أو أقل فليُصل ما شاء مِن الركعات حتى لو كان ذلك في وقتِ الزوال فإنّ ذلك الوقت لا يُنْهَى عن الصلاة فيه في هذا اليوم فهو مستثْنَى مِن النَّهْي على القول الصحيح وإن كان فرّق بعضُهم بيْن مَن كان في المسجد ومَن كان في غيره إلى غير ذلك ولكنني لا أرى دليلا على التفريق فليُصلّ الإنسان في ذلك ما شاء.
والثاني: كون ذلك سنّة قبلية كما هو الحال في سنّة الظهر القبلية أو في السنّة البعدية أو ما شابه ذلك فهذا قد اختلَفتْ فيه كلمة الأمّة:
1-ذهب بعضهم إلى أنّ لِلجمعة سنّة قبلية كما هو الحال في الظهر. (1/231)
صفحة 232
2-وذهبت طائفة مِن أهل العلم-ونُسِبَ إلى أكثر أهل العلم-إلى أنَّه ليست هنالك سنّة قبلية للجمعة، وهذا هو الذي أذهب إليه، إذ إنني لم أَجِد روايةً صحيحة عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-تدلّ على ذلك، ومِن المعلوم أنَّه عند الخلاف يَنبغي لِلإنسان أن يَرجع إلى الثابت مِن قول وفعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ونَحن عندما رجعنا إلى السنّة فإننا وجدنا بعضَ الروايات التي تدلّ على ذلك منها ما يدلّ على الركعتين ومنها ما يدلّ على الأربع .. جاء ذلك مِن طريق ابن عمر وجاء ذلك مِن طريق ابن عباس ومِن طريق ابن مسعود ومِن طريق علي بن أبي طالب وكلُّ ذلك لا يَصِح .. على كل حال؛ لا أرى داعيا لذكر ما في تلك الروايات مِن العِلَلِ لأنّ المقام سيطول بِه لأنّ في بعضها أربع عِلَل وفي بعضها ثلاثا وفي بعضها اثنتين وذلك يَطول بِه المقام ولكن هي مِن الضّعف بِمكان، وقد وَجَّه إليّ بعضُ الإخوان سُؤالا في ذلك ولعلّي أتفرّغ لِلإجابة عليه بِإطالة إن وفّق الله-تبارك وتعالى-إلى ذلك.
ومنهم مَن استدلّ بِحديث: ( بَيْن كل أذانين صلاة )، ولا دليلَ في ذلك البتّة، لأنّ الأذان الأوّل لِصلاة الجمعة حَادِث .. لم يَكن في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا يُمكن أن نستدِلّ بِهذه الرواية على ذلك وأنّ هذا هو المقصود بِالأذان الأوّل، فالأذان الأوّل هو الأذان الثاني الذي يَخطب الخطيب بعدَه مباشَرَة .. هذا الأذان الأوّل والأذان الثاني هي الإقامة فإنّ الإقامة يُطلَق عليها لفظ " الأذان "، وقيل: إنّ ذلك على سبيل التَّغْلِيب، فكما يُقال " العُمَرَان " و " القَمَرَان " إلى غير ذلك.
ومنهم مَن أَوَّلَ ذلك بِتأويل فيه بُعْد-كما أشرتُ إليه بِالأمس (1) -فلا يُمكن أن نستدِل بِهذا الحديث على ذلك البتّة.
__________
(1) -عند الجواب على السؤال 1 مِِن حلقة 13 رمضان 1425هـ ( يوافقه 28 أكتوبر 2004م ). (1/232)
صفحة 233
ومنهم مَن استدَلّ على ذلك بِرواية تُروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مِن طريق ابن الزبير فيها أنّه - صلى الله عليه وسلم - .. على نِسْبَة ذلك وإلا فهي لا تَصِح كما ستأتي الإشارة .. فيها: " مَا مِن فريضة إلا وبين يديها ركعتان "، وهذه الرواية-في حقيقة الواقع-لا تثبت فهي مِن الروايات التي لا تثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وبيان ذلك له موضِع آخر.
ومنهم مَن استدَلّ بِأنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كما جاء مِن طريق أبي أيوب-كان يُصلي سنّة الظهر القبلية حتى في السَّفر، فقد جاء عن أبي أيوب أنه سافر مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في ثَمانية عشر سفرا-أو ما هذا معناه-وكان يُصلي قبل الظهر ركعتين، ولكن هذه الرواية ضعيفة لا تَثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم على تقدير ثبوتِها-وهو بعيد جدا-فهي في صلاة الظهر.
ومنهم مَن قاس ذلك على السنّة القبلية قبل الظهر، وذلك فيه مِن البعد ما لا يَخفى فالفرق بينهما أوضح مِن أن يَحتاج إلى إيضاح.
ومنهم مَن أخذ ذلك مِن بعض أفعال الصحابة، وتلك الأفعال-في حقيقة الواقع-في النفل المطلق لا في سنّة قبلية قبل فريضة الجمعة. (1/233)
صفحة 234
والحاصل أنّ الصحيح عندنا أنه ليست هنالك سنّة قبلية قبل فريضة الجمعة-كما هو الحال في فريضة الظهر-ولكن يَنبغي لِلإنسان أن يَتنفّل ما شاء قبل فريضة الجمعة وقبل خُطبتها، لكن نَرى كثيرا مِن النَّاس أنّ الواحد منهم يأتي ويصلي ركعتي تَحية المسجد ثُم يبقى إما يقرأ أو يذكر أو يبقى جالسا هكذا وعندما يؤذن المؤذن تقوم الأمّة جميعا تصلي .. تظنّ أنّ ذلك مِن السنن الواجبة التي لابد منها فهذا لا أصل له، وهذا هو الذي شدّد فيه مَن شدّد مِن أهل العلم ووصفه بالبدعة، ومع ذلك نقول: إنَّه لا ينبغي التشديد في مثل هذه القضايا فإنّ أهل العلم قد اختلَفوا في هذه المسألة وما دامت المسألة خلافية ينبغي للإنسان أن يأخذ بِالأرجَح وأن يُبَيِّن ذلك بالأسلوب الواضِح المفِيد، أما أن يَتشدّد مع الناس أو أن يَصِفَهم بِأنَّهم مِن المبتدِعة أو ما شابه ذلك مع أنَّهم يأخذون بِرأي مَن يَقول بِمشروعيةِ هاتين الركعتين بل وأنَّهما مِن السنن الثابتة عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-فَفَرْق بيْن المسائل القطعية وبين المسائل الظنية لكن نقول: ينبغي أن ننبه الناس أنَّ مَن أراد أن يأخذ بذلك فلا يَتَنَطَّع على غيره وأن يَصِفَه بِالتكاسل وبعدمِ حُبّ الخير أو أنه يُنَفِّر عن ذلك أو مَا شابه ذلك .. كلاّ، فإن كان هو يريد ذلك فليفعل ولكن ليس له أن يتشدّد مع غيره، كما أنّ الغير-أيضا-ينبغي له أن يُوَضِّح ذلك بِالأسلوب الواضِح الرَّزين المستنِد إلى الحجّة الثابتة عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-وبعد ذلك فلابد مِن أن يُفرّق بيْن المسائل القطعية وبيْن المسائل الظنية .. هذا ما أَوَدُّ أن أُنَبِّه عليه الآن بِاختصار وهذا ليس خاصّا بِهذه المسألة بل هو شامل لكلِّ مسألة من المسائل .. (1/234)
صفحة 235
يأخذ الإنسان بالثابت الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ويُنَبِّه النَّاس عليه وبعد ذلك لابد مِن التفريق بين المسائل المختلَف فيها وبين المسائل المُتَّفَق عليها بين أهل العلم، وهذه المسألة في الحقيقة تحتاج إلى إطالة .. لا أقول مسألة الصلاة قبل الجمعة ولكن مسألة المسائل الخلافية والتَّفريق بين المسائل القطعية وبين المسائل الظنية وبين-أيضا-ما ثبت بالدليل الواضح الجلي الذي لا غموض فيه مِن المسائل وإن كانت ظنية وبين المسائل التي ليس فيها دليل واضح .. إمَّا فيها أدِلَّة مُختلَف فيها بين أهل العلم في ثبوتِها وعدم ثبوتِها أو في دلالتها أو ما شابه ذلك ولعلنا نشير إلى ذلك ولو بإشارة مُختَصَرَة في الجواب الذي قلنا لعل الله-تبارك وتعالى-يُوفِّقنا لِلكتابة عليه في المسألة المذكورة؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: يعني فيما تقولون الآن لِلإنسان أن يصلي النوافل قبل الخطبة لكن مِن غير أن يعتبر ذلك أنه مِن السنّة ؟
ج: نقول هو سنّة لكن ليست بسنّة راتبة .. بِمعنى أنّ الإنسان يُمكن أن يصلي مِن الساعة التاسعة أو قبل أو العاشرة أو الحادية عشرة إلى غير ذلك .. هذا مشروع .. يُصلي ما شاء ويَذكر ما شاء وَلْيَنْظُر الأصْلح مِن حيث إذا كان نشيطا لِلصلاة أو كان غير نشيط أو كانت هنالك ضَوْضَاء و-طبعا-لا ينبغي أن تكون هنالك ضوضاء في بيوت الله-تبارك وتعالى-لأنها إنَّما بُنِيَت لعبادته - سبحانه وتعالى - لا مِن أجل القيل والقال والأخذ والرَّد والكلام الذي لا قيمة له ولا داعي إليه.
لكن بالنسبة إلى السنّة الرَّاتبة .. أي عندما تزول الشمس هَل يقال هنالك سنّة في هذا الوقت تُسمى سنّة الزوال .. يُصلي الإنسان ركعتين أو يصلي أربعا أو أنه يُخَيَّر بيْن الأمرين ؟ نقول: ليست هنالك سنّة على الصحيح عندنا.
س: بالنسبة إلى صلاة الجمعةِ الخطيبُ، هل يُسنّ له أن يُصلي في البيت قبل أن يصعد المنبر ؟ (1/235)
صفحة 236
ج: أما السنّة الراتبة-فكما قلتُ ليست هنالك سنّة راتبة.
وما جاء أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي كما جاء في حديث ابن عمر فيُجاب عنه: إما أنه كان يصلي قبل زوال الشمس أو أنّ ذلك في الحقيقة موقوف على ابن عمر، فالرواية جاءت مُطَوَّلة .. جاءت أنّ ابن عمر-رضي الله تعالى عنهما-كان يصلي قبل الجمعة ثم كان يصلي بعد الجمعة ركعتين وَلَها ألفاظ متعددة وذَكر فيها أنّ ذلك هو الذي كان يفعله النبي - صلى الله عليه وسلم - :
فبعضُ العلماء أخذ مِن هذا أنه كان يفعل الأمرين معا قبل الصلاة وبعد الصلاة.
وبعضهم-وهو الصحيح-حَمَل ذلك على أنّ المرفوع مِن الرواية هو ما كان يفعله بعد الجمعة أمَّا مَا قبل ذلك فهو مِن فعل ابن عمر، ولا شك بِأنّ هذا الصواب كما قلتُ.
والذين قالوا: " إنه كان يَفعل قبل ذلك " قالوا: كان يَفعل قبل زوال الشمس أمَّا بعد زوال الشمس فكان يذهب - صلى الله عليه وسلم - لخطبة الجمعة.
و-أيضا-هنالك روايات استدلّ بها الذين قالوا بِالمشروعية، منها: أنَّه - صلى الله عليه وسلم - كان إذا خرج مِن البيت صلى ركعتين، وهذه الرواية فيها مِن الضعف ما فيها، ثم إنه لا دلالة فيها على المطلوب، والمسألة تحتاج إلى تفصيل طويل عريض .. لا أقول: " إنني سأطيل " ولكن سأجيب بِما يُقَدِّره الله-تبارك وتعالى-ولو على وجه الاختصار بِما فيه الكفاية بِمشيئة الله تبارك وتعالى.
س: لو نزلنا إلى واقع الناس نَجد أنّ هناك عددا مِن التصرفات يقوم بها بعضُ الناس فالبعض يدخل والإمام يَخطب فمنهم مَن يجلس ومنهم مَن يصلي والبعض يجلس فإذا سكت الإمام بيْن الخطبتين قام فصلى، هل هناك ... ؟
ج: أما إذا شرع الخطيب في الخطبة فلا يُشْرَع للإنسان أن يصلي أبدا .. هذا إذا كان في المسجد. (1/236)
صفحة 237
أمَّا إذا دخل في المسجد فإنه يُشرع له أن يصلي ركعتين، وذلك منصوصٌ عليه في سنّة النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو صحيح ثابت، لا ينبغي لِلإنسان أن يُفَرِّط فيه حتى أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قطع خُطبته وأَمَرَ ذلك الرجل الذي دَخَلَ المسجد أن يُصلي ركعتين وأن يَتَجَوَّزَ فيهما .. هذا حديث صحيح ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
-وقد اعترض عليه بعضُ الذين لا يرون ذلك بِما يَقْرُبُ مِن عشرة اعتراضات، وذِكرُ تلك الاعتراضات مَع الرَّد عليها يطول به المقام فلا أرى داعيا لِذِكرها الآن، فالحديث صحيح واضح لا إشكال فيه.
وقول مَن يقول: " إنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - نَهى حتى عن الأمر بالمعروف ... " إلى آخر ذلك " وذلك واجب فكيف يقال بِمشروعية السنّة مع أنَّها ليست بواجبة ؟! " أقول: علينا أن نأخذ بِما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وألاّ نَضْرِب له الأمثال فما أَمَرَنا به فعلناه وما نهانا عنه تركناه أما أن نردّ بعض الأحاديث لِعِلّةٍ نتوهَّمُها أو ما شابه ذلك فهذا مِمّا لا ينبغي.-
ولكن ينبغي لِلإنسان أن يتجَوَّز في هاتين الركعتين وألاّ يطيل .. هذا هو الثابت.
أما مَن كان جالسا في المسجد فليس له أن يقوم وأن يصلي ركعتين لا في وقت الخطبة الأولى ولا في وقت الخطبة الثانية ولا بين الخطبتَيْنِ.
فنعم نرى كثيرا مِن الناس يقومون بعد الانتهاء مِن الخطبة الأولى ويأتون بركعتين وهذا مُخالِف للسنّة تَمام المخالَفة، فينبغي أن يُنَبَّه الناس إلى أنّ ذلك ليس مِن هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - بل هو مُخالِف له مُخالَفة صارِخة فعليهم أن ينتبهوا لِهذه القضية وألاّ يقعوا في مُخالَفة صارِخة وأن يَبْتَدِعوا بدعة سيئة يَظنّون أنَّهم يَأتون بِالخير وأنهم يُحسنون صُنعا وهم في الحقيقة يَأتون بِما هو مُحَرَّم عليهم لا يجوز لهم. (1/237)
صفحة 238
و-حقيقة-كثير مِن الناس يريدون الخير ولكنهم لا يعرفون أبواب الخير كهذا الشخص الذي يقوم يصلي في هذا الوقت وكبعض الناس الذين يدخلون المسجد في يوم الجمعة ويقومون بتخطي الصفوف ويُؤذون عبادَ الله-تبارك وتعالى-ويَمُرُّون أمامهم في وقتِ الصلاة، فقد شاهدتُ في الجمعة هذه شخصا دَخل المسجد وأخذ يتقدّم ويتقدّم ويَمُرُّ أمام الناس الذين يُصلّون السنّة .. مَرَّ أمام جماعةٍ مِن الناس الذين يُصلّون السنّة مِن أجل أن يَجلس في الصف الأول .. لاشك أنّ الصلاة في الصف الأول أفضل مِن غيره كما ثبت ذلك في السنّة ولكن ليس معنى ذلك أنّ الإنسان يَتخطّى رِقاب الناس ويُؤذيهم ويَمُرُّ أمامهم وَهُم يُصلّون .. يَقع في مُخالَفَات:
1-يتخطى الصفوف وهذه مخالفة.
2-ويؤذي عباد الله-تبارك وتعالى-وهذه مخالفة صارخة.
3-ويَمر أمام المصلين وهذه مُخالفة صارخة ثالثة .. إلى غير ذلك .. لماذا هذا ؟! إذا كان يريد أن يصلي في الصف الأول فَلْيَتقدم وفي ذلك خير كبير وإذا تأخر فليصل في الموضع الذي يُمكنه أن يصلي فيه مِن غير أن يؤذي عباد الله-تبارك وتعالى-ومِن غير أن يَمر أمام عباد الله-تبارك وتعالى-وهم يصلون وهذا مع أنه مُخالِف لِلسنّة-أيضا-فيه إيذاء لِعبادِ الله-تبارك وتعالى-فلا شك أنّ الإنسان إذا مَرَّ أمام غيره فقد آذاه لأنه لا يرغب في ذلك وهو مأمور بِدفعِه، فالذي يُريد الخير فليأتِه مِن بابِه وإذا كان لا يَعلَم فليسأل مَن يَعلم أما أن يَصنع شيئا وهو لا يَدريه فيريد أن يُحسِن صُنعا ويقع في المخالَفات الصارِخة فهذا-والعياذ بِالله تبارك وتعالى-ينبغي لِلمؤمِن ألاّ يقع فيه بل ولا يَحُوم حول حِماه.
س: أحد الأشخاص قال له بعضُ الإخوة: " نصلي سنّة الفجر قبل الفريضة بِخمس دقائق "، هل هذا الكلام صحيح ؟ (1/238)
صفحة 239
ج: القضية أنه لَم يقتصر على هذا بل وصف ذلك بالوجوب (1) ، و-حقيقة-ينبغي لِلإنسان أن يُفرِّق بيْن الواجِب وغيره وبين الواجِب والمندوب وبين المحرَّم والمكروه وبين هذه الأحكام وبين المباح، فهذا مِن أهم الأمور .. مِن الأمور الضرورية التي لابد مِن أن يُفَرِّق الإنسان بينها ألاَّ يَصِفَ الواجِب بعدم الوجوب أو يَصِفَ غير الواجِب بالوجوب إلى غير ذلك مِن الأحكام الشرعية، ولكن الوقت هاهنا لا يكفي لِتفصيلِ هذا حتى يَتَنَبَّه الناس، ومِن الضروري أن يُعَلّموا مثل هذه الأمور.
على كل حال؛ سنَّة الفجر ليست بواجبة ولكنها مؤكَّدة، وهي ( خيرٌ مِن الدنيا وما فيها ) كما-ذكرنا (2) -في الحديث، فلا يَنبغي التَّفْرِيط فيها وإن كانتْ ليست بواجبة.
وأمَّا بِالنسبة إلى وقتِها فَكما قلنا (3) بعدَ طلوعِ الفجر إلى صلاةِ الفجر، أمَّا هل يُقَدِّمها أو يُؤخِّرها فذلك إليه، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يُصلي بعدَ طلوع الفجر ثُم يضطجِع أو يتحدّث مع زوجِه السيدة عائشة رضي الله-تبارك وتعالى-عنها، وَثَبت عنه-أيضا-أنه كان يَضطَجِع بعدَ قيامِ الليل ثُم يُصلِّي السنَّة قبلَ فريضةِ الفجر مباشَرة .. جاء ذلك عنه صلوات الله وسلامه عليه.
أما استشكال مَن استشكل بِأنّ هذه الرواية فيها شيءٌ مِن الاضطراب:
1-أما بِالنسبة إلى الروايات التي جاءتْ عن بعضِ الصحابة كذا وعن بعضِهم كذا فلا اضطراب أبدا، لأنه كان تارة يفعل كذا وتارة يفعل كذا.
__________
(1) -والسؤال-كما وَرَدَ في المكالمة-هو: " أحد الأشخاص قال: ' لا يَجِب أن تصلى سنّة الفجر قبل الفرض إلا بِخمس دقائق .. أي لا يَجِب صلاتها قبل ربع ساعة أو عشرة دقائق، فهل هذا كلام صحيح ؟ ' ".
(2) -عند الجواب على السؤال 3 مِِن حلقة 12 رمضان 1425هـ ( يوافقه 27 أكتوبر 2004م ).
(3) -عند الجواب على السؤال 3 مِِن حلقة 12 رمضان 1425هـ ( يوافقه 27 أكتوبر 2004م ). (1/239)
صفحة 240
2-أما الذي جاء عن صحابي واحد فهذا يَنبغي أن يُنْظَر إليه هل يُرِيد بِه مرّة واحدة أو يُرِيد تارة كذا وتارة كذا، ولِذلك موضِع آخَر.
لكن الذي يَهمّنا في هذه القضية أنه يُمكِن أن يُقدِّم وأنه يُمكن أن يُؤخِّر فالحاصل لابد مِن أن يكون ذلك بيْن طلوعِ الفجر وبيْن فريضةِ الفجر؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: سنَّة السُّحور، هل الأفضل أن تُصلّى في البيت أو في المسجد ؟
ج: الأصل في السنن-كما قلنا الأفضل أن تُصلّى في البيت إلا إذا كانتْ هنالك حاجة لِصلاتِها في المسجد أو كانت-مثلا-هنالك جَماعة وهذا الشخص لا يَحفَظ إلا النَّزْر اليسِير مِن القرآن فأراد أن يُصلّي مع الناس لِتِلك المزيَّة فذلك وإلا فالأفضل له ولو كان يَحفَظ قلِيلا أن يُصلِّي في بيتِه وفي ذلك مِن الفضْلِ ما فيه؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: هل الأفضل كثرة الركعات أم إطالة القراءة في النوافل ؟
ج: الأفضل-على الصحيح-إطالةُ القراءة في النوافل؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: عندما يقيم المؤذّن الصلاة، متى يبدأ الإمام في القيام إلى الصلاة ؟ عندما يصل المقيم إلى قوله: " حي على الصلاة حي على الصلاة " أم عندما يصل إلى قوله: " قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة " ؟
ج: بعض العلماء قال: يقومون-أي يقوم المأمومون-عند وصول المقيم إلى قوله: " قد قامت الصلاة ".
وبعضهم يقول: يقومون عند قوله: " حي على الصلاة ".
ولم أجد في السنّة ما يدل على واحد من القولين، بل ذلك يختلف بحسب اختلاف المساجد، فبعض المساجد الصغيرة .. وتكون الجماعة قليلة فلا يحتاج أن يقوم الجماعة قبل وقت لأنهم ليسوا بحاجة كبيرة ..إلخ
س: مَن يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - في التشهد الأوَّل، هل فيه بأس ؟ (1/240)
صفحة 241
ج: إنَّ الصَّلاة على النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-مِن أَجَلِّ القُرُبات وأفضل الطاعات، وقد أَمَرَ بِها الله-تبارك وتعالى-في كتابه العظيم (1) ، وحَثَّ عليها رسوله الكريم في سُنَّتِه الصحيحة الثابتة عنه صلوات الله وسلامه عليه، وبَيَّن فَضْلَ الصلاة عليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولاسيما في بعضِ المواضع كما هو منصوصٌ عليه في كتبِ السنّة الصحيحة عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، وقد ألَّف بعضُ العلماء بعضَ المؤلَّفات في الصلاةِ على النبي - صلى الله عليه وسلم - وما يَتعلَّق بِها مِن أحكام، والكلامُ على ذلك يَطُول جِدا جِدا، كما هو مَبْسُوطٌ في تلك المؤلفات، وبعضُها يَحتاجُ إلى شيءٍ مِن التحرير.
وقد اختلَفتْ كلمةُ أهلِ العلم في حُكْمِ الصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، خلافا لِمَن ادَّعَى إجماعَ الأمّة على أحدِ الأقوال فيها.
وقد ذكرتُ-أكثر مِن مرّة-أنَّه يَنبغي التَّرَيُّث والتَّدَبُّر عند وجودِ حكاياتِ الإجْماع في كثيرٍ مِن المسائل، فإنّ كثيرا مِن تلك الحكايات لا تَثْبُت على الصحيح عند مَنْ يتأمَّل في كتبِ أهل العلم، فإنَّ كثيرا مِن تلك الحكايات في حقيقة الواقع باطلة، وقد اختلَف العلماء في كثيرٍ مِن تلك المسائل على أقوالٍ متعدِّدَة، وقد يكون القول الحقّ خلافا لِذلك الإجماع المزْعُوم.
والصلاةُ على النبي-صلوات الله وسلامه عليه-في التشهّد الثاني ثابتة في السنّة، وقد قال بذلك جمهور الأمّة، واختلَفوا في حكمها:
منهم مَن ذهب إلى أنَّها واجبة عليه-صلوات الله وسلامه عليه-في ذلك الموضع.
ومنْهُم مَن قال بِسنيتها.
__________
(1) -قال الله تعالى: { إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } [ سورة الأحزاب، الآية: 56 ]. (1/241)
صفحة 242
بل ذهب بعضُ أهل العلم إلى أنَّها ركن مِن أركان الصلاة، فمَن لَم يَأْتِ بِها في التشهّد الثاني فإنَّ صلاته باطلة على هذا الرأي، وإن كنّا لا نستطيع أن نقول بذلك.
واختلَفوا-أيضا-في كيفية الصلاة في التشهد الثاني:
منهم مَن قال: إنَّه يأتِي بِالصلاة الإبراهيمية، ولاشك بِأنَّ هذا القول قولٌ واضح وهو الذي تُؤَيِّده السنّة ولكنَّنَا لا نَقول بِوجوبِ ذلك وإنَّما نقول: " إنّ ذلك مِمّا لا ينبغي أن يُفرَّط فيه ".
وقد نصّت كلمةُ الأكثرية الكاثرة مِن أصحابنا على مشروعيةِ الصلاة في هذا الموضع، ومِنْهُم مَن قال-كما قلتُ-بِرُكْنِيتِها، ومنهم مَن قال بِوجوبِها، واختلَفوا في الإتيان بِالصلاة الإبراهيمية وهل هي مِن الواجبات في هذا الموضع أو لا.
والصحيحُ أنَّ الصلاةَ مشروعةٌ في هذا الموضع، ولكن تُجْزِي بأقَل ما يَنْطَلِق عليه لفظُ " الصلاة " وإنْ كان لا يَنبغِي التّفرِيط في الإتيان بِالصلاة الإبراهيمية، لِثبوت ذلك عن النبي صلوات الله وسلامه عليه.
وأما بِالنسبةِ إلى التّشهد الأوَّل فقد اختلَف العلماء في ذلك:
منهم مَن قال: إنَّه لا يَنبغِي لِلإنسانِ أن يُصَلِّي على النبي - صلى الله عليه وسلم - في التّشهد الأوَّل.
ومنهم مَن قال: يَأتِي بِالصلاةِ الإبراهيمية.
ومنهم مَن قال: يَأتِي بِصلاةٍ مُخْتصَرَة عليه وعلى آله صلوات الله وسلامه عليه.
ومنهم مَن قال: يقتصر على الصلاةِ عليه صلوات الله وسلامه عليه، وذلك لِعدمِ وجودِ دليلٍ واضِح في هذه المسألة. (1/242)
صفحة 243
ومَن صلَّى عليه صلوات الله وسلامه عليه في التّشهد الأوَّل فقد أَحسَنَ على رأي طائفةٍ كبيرة مِن أهل العلم .. هذا بِالنسبة إلى الفرائضِ والسُّنَنِ التي لا يَفْصِل الإنسان فِيها بِالسلام، أما بالنسبة إلى السُّنَن التي يَفْصِل فِيها بِالسلام وقد قلنا (1) إنَّ الأفضل في صلوات الليل أنْ يَفْصِل الإنسان فيها بِالسلام، أما بِالنسبة إلى الصلوات النَّهَارِيَّة فالأمر مُختلَف فيه، وكِلا الأمريْن جائز وإنَّما الخلاف في الأفضل، فإذا فَصَل فإنَّه يَأتِي بِالصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، لأنّ الصلاةَ قد انتهتْ بِذلك، لِحديث: ( تَحرِيمُها التكبير وتَحلِيلُها التسليم )، وهو حديثٌ صحيح ثابت عنه صلوات الله وسلامه عليه؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: سَمع المشاهِدُون والمستمعون فتوى في عدم جواز تكْرارِ التحيات (2) ، هل هذا يَشمل الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - في التّشهد الثاني ؟
__________
(1) -عند الجواب على السؤال 3 مِن حلقة 14 رمضان 1425هـ ( يوافقه 29 أكتوبر 2004م ).
(2) -منها فتوى الشيخ أحمد بن حمد الخليلي عند جوابه على السؤال 10 مِن حلقة 11 رمضان 1422هـ ( يوافقه 27 نوفمبر 2001م ):
" س: ما حكم تكرار الفاتحة في الركعة الواحدة ؟
ج: مِن الأمور التي لا يَجوز تكرارها الفاتحةُ الشريفة، فهناك أمور لا يَجوز تَكرارها إنما هي بِحسب ما شُرِعَتْ:
منها الاستعاذة، فما يَكون لِلإنسان أن يُعِيد الاستعاذة بعدَ أن يَستعِيذ.
ومنها الفاتحةُ الشريفة، فليس له أن يُكرِّر الفاتحة.
وكذلك قراءةُ التّشهّد .. إن جَلس لِلتّشهّد فإنما يَقرؤه مَرّة واحدة، ولا يُكرِّرُه ولا يُكرِّر شيئا مِن جُمَلِه، كما أنّ " الفاتحة " لا يَجوز له أن يُكرِّر-أيضا-شيئا مِن آياتِها أو شيئا مِن كلماتِها، بل يَحرِص على ألاّ يَزِيد عن قراءتِها مَرّةً واحدةً فحسب، فلا يَجوز التّكرار، والتّكرار يُؤدِّي إلى بطلانِ الصلاة؛ والله-تعالى-أعلم. ". (1/243)
صفحة 244
ج: التّشهد الثاني .. يَأتي الإنسان بِالصلاة عليه مَرَّةً واحدة في الثاني.
ويَنبغِي أنْ يَكون ذلك بِالإتيان بِالصلاة الإبراهيمية كما ثبت ذلك في السنّة، وهو الذي نَصَّتْ عليه كتبُ طائفةٍ كبيرة مِن أهل العلم.
والعجب مِن طائفةٍ تَدَّعِي بِأنَّ ذلك لَم يَثبتْ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنّ ذلك لَم يَقُل بِه أحدٌ مِن أهل العلم مِن أصحابِنا السابِقين .. كلاّ بل ذلك ثابت، ونَصَّتْ على ذلك كتبُ أهل العلم وإن اختلَفوا في هل الأفضل أن يَأتي بِالصلاة الإبراهيمية أو الأفضل أن يَجتزِيَ بِلفظٍ مُخْتَصَر؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: اللفظة الصحيحة لِلصلاة الإبراهيمية ؟
ج: هي جاءتْ بِألفاظٍ مُتعدِّدة .. مِن أهل العلم مَن يرى أنّ هذه الألفاظ يُمكِن أن يَكونَ النبي - صلى الله عليه وسلم - ذَكَر تارةً منها في هذه المناسبة وتارةً في المناسبة الأخرى، لأنَّها قد جاءتْ عن طائفةٍ كبيرة مِن أهل العلم، وقد ذَكَرَ بعضُ أهلِ العلم بِأنّ ذلك مِمّا تواتر عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
فإذا قال مثلا: " اللهم صَلِّ على مُحَمدٍ وعلى آل مُحَمَّد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين وبارك على مُحمد وعلى آل مُحمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حَميد مَجيد " أو أتى أيضا بقوله: " حَميد مَجيد " في الأوّل .. أي عند قوله: " اللهم صَلِّ على مُحمَّد وعلى آل مُحمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حَميد مَجيد " فذلك حسن؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم. (1/244)
صفحة 245
س: قد يَجمع الإنسان الصلاتين .. في هذه الحالة، هل يأتي بِالسنَن الرواتب (1) ؟
ج: الجمع إما أن يكون في الحضر وإما أن يكون في السفر:
أما بالنسبة إلى السفر فإنَّه لَم يثبت عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-أنَّه كان يأتي بشيء مِن السنن في حالة الجمع وإنَّما كان يأتي بالوتر فقط وكذلك كان يأتي بسنّة الفجر ولكن ذلك ليس في حالة الجمع لأنَّ فريضة الفجر لا تُجْمَع إلى غيرها .. هذا الذي ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وقد قال بعضُ أهل العلم: " إنَّ الإنسان الذي يَجمع ولو كان ذلك في السفر يأتي بسُنَّة المغرب " وهل يأتِي بِها بعد فريضة المغرب مباشَرة أو يأتي بِها بعد فريضة العِشاء، ولكنَّ هذا القول على كِلا الاحتماليْن لا دليل له مِنْ سُنَّة النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا يَنبغي لأحد أن يَأتي بِسُنَّة المغرب في حالة الجمع سواء كان ذلك الجمع جَمع تقديم أو كان ذلك الجمع جَمع تأخير .. هذا إذا كان ذلك في السفر.
أما بِالنسبة إلى الجمع في الحضر ومِن المناسب أن نُنَبِّه على أنَّ العلماء قد اختلَفوا في الجمع في الحضر:
1-منهم مَن لا يرى ذلك.
2-ومنهم مَن يراه في حالة وجود المطر والغَيْم أو ما شابه ذلك.
__________
(1) -نظرا إلى أنّ الشيخ لم يتكلم في جوابه عن الإتيان بالسنَن الرواتب عند قصر الصلاة مِن غير جمع فإنه عُدِّل السؤال إذ طُرِحَ في الأصل هكذا: " قد يَجمع الإنسان الصلاتين وقد يَقْصُرُ الصلاة مِنْ غير جَمع .. في الحالتين، هل يأتي بِالسنَن الرواتب ؟ "، مع العلم أنه تكلم-بحمد الله تعالى-عن ذلك عند جوابه على السؤال 5 مِن هذه الحلقة، ص9. (1/245)
صفحة 246
3-ومنهم مَن يرى أنَّه يَجوز حتى في غير ذلك ولاسيما في حالات الحرج، كما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح-الذي جاء مِن طريق ابن عباس رضي الله عنهما وقد جاء أيضا عن غيره مِن صحابةِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّه صلوات الله وسلامه عليه جَمع بيْن الظهر والعصر وبيْن المغرب والعشاء وكان ذلك في المدينة .. لَم يَكن صلوات الله وسلامه عليه مُسَافِرا وكذلك لَم يكن هنالك مطر ولا غَيْم ولَم يكن هنالك خوف كما جاء ذلك في الحديث: " مِن غير خوف ولا سفر ولا سحاب ولا مطر "، وجاء في بعضِ الروايات ذِكْرُ بعضِ هذه الأشياء، ولِلعلماء خلافٌ طويل عريض هل صَحَّت هذه الألفاظ جميعا أو صحّ بعضها، وقد جاءت هذه الأربعة جَميعا في صحيح الإمام الربيع رحمه الله (1) ، و-على كل حال-الحديثُ نصٌّ صرِيح في أنَّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-جَمَع في الوطن ولَم يكن هنالك شيءٌ يَحُولُ بينه وبين أنْ يُصلي كلَّ صلاةٍ في وقتها المعروف، وقد سُئِل ابن عباس-رضي الله تعالى عنهما وهو البحر الزاخر وهو أحدُ رواةِ هذا الحديث-عن ذلك فقال: " أَرادَ أَلاّ يُحْرِج أُمَّتَه " وهذا هو الصحيح عندنا-لا كما ذهب إليه بعضُ أهل العلم وإنْ جَلَّت أَقْدَارهم وعَلَت مَنَازِلُهم مِن أنَّ ذلك مَحمول على الجمع الصوري-فالصحيح بِأنَّ ذلك جائز ولكن لا يُتَّخذ عادة وإنَّما يكون ذلك في حالات الحرج ونَحوها.
__________
(1) -مسند الإمام الربيع بن حبيب، باب (43) القِرَان في الصلاة:
حديث رقم 251: أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر والعصر جميعًا والمغرب والعشاء الآخرة (1) جميعًا في غير خوف ولا سفر ولا سحاب ولا مطر. ـــــــــــــــــــــ (1) في نسخة القطب إسقاط " الآخرة ". (1/246)
صفحة 247
فإذا جَمع الإنسان في هذه الحالة أو في حالة وجود المطر أو الغَيْم أو ما شابه ذلك هل يأتي بِالسُّنَنِ الراتبة أو لا ؟ في ذلك خلافٌ بيْن أهلِ العلم:
منهم مَن ذهب إلى أنَّه لا يأتي بشيء مِن السُّنَن الرَّاتبة، لأنّ الحديث جاء فيه أنَّه - صلى الله عليه وسلم - جَمع بيْن الظهر والعصر وأيضا جَمع بيْن المغرب والعشاء ولَم يذكر الراوي بأنَّه قد أتى بِشيءٍ مِن السُّنَن.
وذهبت طائفة مِن أهل العلم إلى أنَّه يَأتي بِالسُّنن الراتبة، وقد اختلَفوا في كيفيةِ الإتيان بِهذه السُّنَن:
1-منهم مَن قال: إذا جَمع بين الظهر والعصر فإنَّه أوّلا يأتي بسنّة الظهر القبلية ثم بعد ذلك يأتي بسُنَّة الظهر البَعدية-ولا سنّة قبلية (1) للعصر-ثُم بعد ذلك يأتي بالظهر ثُم بعد ذلك يأتي بالعصر.
ومَن يَقول بِالسنّة القبلية لِلعصر يأتي أوَّلا بالسنّة القبلية للظهر ثُم بالسُّنة البَعْدِية للظهر ثُم بالسنة القبلية للعصر، ولكن قد قدمنا (2) بأنَّه ليست هنالك سنّة قبلية لصلاة العصر وإنَّما يُصَلي الإنسان ما شاء في حالة غير الجمْع.
وبالنسبة إلى فريضة المغرب على هذا الرأي كذلك يُقَدِّم أوَّلا سُنَّة المغرب ثُمَّ بعد ذلك يأتي بسُنَّة العِشاء ثُم يأتي بفريضة المغرب ثُم يأتي بعد ذلك بفريضة العِشاء.
__________
(1) -قال الشيخ: " بعدية " بدلا مِن " قبلية " والظاهر أنه سبق لسان.
(2) -عند الجواب على السؤال 1 مِِن حلقة 13 رمضان 1425هـ ( يوافقه 28 أكتوبر 2004م ). (1/247)
صفحة 248
هذا رأي لبعض أهل العلم، ولكن فيه أنَّه يأتي بالسنة البَعْدِيَّة بعد الظهر قبل وقتها المُحَدَّدَة ذلك أنَّ وقتها بعد فريضة الظهر وإنَّما هم قالوا بذلك فرارا مِن الإتيان بِها بعد صلاة العصر لأنّ هذا الوقت يُنهى عن الصلاة فيه، وأما بالنسبة إلى السنَّة البَعْدِيَّة بعد فريضة المغرب فكذلك وقتها بعد فريضة المغرب فكيف يأتي بِها قبل فريضة المغرب ؟! وسنَّة العِشاء وقتها بعد فريضة العِشاء فكيف يأتي بِها قبل فريضة العِشاء وقبل فريضة المغرب ؟!
2-وذهب بعضُ أهل العلم إلى أنَّه يأتي بالسنّة البَعْدِية بعد الظهر .. يأتي بِها بعد فريضة العصر، ويأتي بِسُنَّتَيْ: المغرب البَعْدِيَّة وسُنَّة العِشاء-أيضا-البَعْدِيَّة بعد فريضة العِشاء؛ وهذا سهل بالنسبة إلى الجمع بيْن المغرب والعِشاء لأنَّه ليس هنالك نَهي عن الصلاة بعد فريضة العِشاء ولكن الإشكال في الصلاة بعد صلاة العصر.
3-وذهب بعضُ العلماء إلى أنَّه إنْ جَمَعَ جَمْعَ تقديم يَأتي أوَّلا بِالسنّة القبلية لِصلاة الظهر ثُم بعد ذلك يأتي بفريضة الظهر ثم العصر ثم بعد ذلك يأتي بِالسُّنَن (1) ، أما إذا جَمَعَ جَمْعَ تأخير فَمُخَيَّر إمَّا أنْ يأتِيَ بِالسنَّة القبْلِيَّة قَبْل وإما أنْ يأتِيَ أوَّلا بفريضة الظهر.
__________
(1) -أي سنّة الظهر البعدية، والسنّة القبلية للعصر على رأي مَن يَقول بِالسنّة القبلية للعصر ولكن قد قدّم الشيخ بِأنَّه ليست هنالك سنّة قبلية لصلاة العصر وإنَّما يُصَلي الإنسان ما شاء في حالة غير الجمْع. (1/248)
صفحة 249
أو بفريضة العصر (1) وهذا بناء على أنَّه يَجوز التقديم والتأخير بين الظهر والعصر وكذلك بين المغرب والعشاء إذا كان الجمع جَمع تأخير، وهذا قول باطل وعن الدليل عاطل فلا ينبغي أن يُلتفَت إليه ولا أنْ يُعوَّل عليه .. كيف يُمكن لِلإنسان أن يُقدِّم فريضة العصر على فريضة الظهر أو فريضة العِشاء على فريضة المغرب إذا كان الجمع جمع تأخير (2)
__________
(1) -قال الشيخ عند الجواب على السؤال 2 مِن حلقة 26 رمضان 1425هـ ( يوافقه 10 نوفمبر 2004م ): " وأُنبِّه-أيضا-أنّ ما ذَكَرناه في مسألةِ الجمْع بيْن الصلاتيْن في الحَضَر هل يَأتِي المصلِّي بِالرواتِب ؟ ما ذَكَرناه مِن أنه عند بعض أهل العلم أوّلا يَأتِي في حالة الجمْع بيْن الظهر والعصر .. يَأتِي بِراتبةِ الظُّهرِ القبلِية ثم راتبةِ الظُّهْرِ البعدِية ثم راتبةِ العصْرِ القبلِية هذا بناء على رأي مَن يَقول بِالراتبة لِفريضة العصْر أما مَن لا يَقول بِذلك فلا يَقول بِهذا، وكذلك ما ذَكَرناه مِن القولِ الثاني بِأنه يَأتِي أوّلا بِراتبةِ الظُّهر القبلِية ويُمكِن أن يُؤخِّرَها .. أعني بعدَ الإتيان بِالفريضتيْن معا ثم يَأتِي بِراتبةِ الظُّهْرِ البعدِية ثم راتبةِ العصْرِ القبلية .. هذا بناءً على رأيِ مَن يَقول بِراتبةِ العصْر، وهكذا بِالنسبة إلى القولِ الآخَر الذي فَصَّلَ فيه أصحابُه إذا جَمَعَ بيْن الظهر والعصر جَمْعَ تأخير هل يَأتِي بِهما بعد الظهر أو بعد الصلاة الأولى ؟ هذا كلُّه بناءً على رأيِ مَن يَقول بِراتبةِ العصْر القبلِية، وقد قلنا: " إنه ليستْ هنالِك راتبة وإنما هو مُجرّدُ تَنفّل-فيه خيْرٌ كثيرٌ بِمشيئةِ الله تبارك وتعالى-ولكن لا يُؤتَى بِها في حالةِ الجمْع "، فيَنبغي أن يُنتبَه لِهذا وإن كان واضِحا فيما أَحسب إذا جُمِعَ بيْن الدروسِ جميعا ".
(2) -قال الشيخ: " جمع تقديم " بدلا مِن " جمع تأخير " والظاهر أنه سبق لسان.. (1/249)
صفحة 250
وقولهم بِأنّ الوقت وقت للصلاة الثانية وتُقَدَّم وتُؤَخَّر لأنَّ الوقت وقتُهَا أما بالنسبة إلى الصلاة الثانية فهي بِمَثَابة القضاء فيُمكن أنْ يقدِّمَها أو أن يُؤخِّرَها .. كلامٌ هزيل لا قيمةَ له بل هو مصادِم لِما ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكذلك بالنسبة إلى فريضة المغرب والعشاء قالوا: " إذا قَدَّم فريضة العِشاء في جمع التأخير يُمكن أن يصلي بعدها سنَّة العِشاء " ولَهم تفاصيل في هذا الكلام ولكنَّ هذا القول قول ضعيف، فلا يُمكن تقديم فريضة العِشاء على فريضة المغرب كما أنَّه لا يُمكن تَقْدِيم فريضة العصر على فريضة الظهر إذا كان الجمع جَمع تأخير.
كما أنَّه لَم يَثبت أنَّه يُؤْتَى بِشيءٍ مِن التَّنَفُّلات بينهما .. إذا قلنا بِالإتيان بِشيءٍ مِن النوافل الرَّاتِبَة فيكون ذلك بعد الصلاتين معا، أما بعد المغرب والعِشاء فالأمر واضِح، وأما بعد فريضة الظهر والعصر فيأتي بسنّة الظهر بعد صلاة العصر ويكون ذلك مِن باب القضاء ويُتَجَوَّز في القضاء ما لا يُتَجَوَّزُ في الأداء بِالنسبة إلى النهي لِما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قضى سنَّة الظهر-وطبعا هذا في غير حالة الجمع-بعد فريضة العصر، فإما أنْ نقول بعدم الإتيان بِها وإمَّا أن نقول: " يكون ذلك بعد ".
أما أنْ نَقول: " يُؤتَى بِها قبل " فذلك مُخَالِف لِلظاهِر لأنَّه لا يُمكن أن يُقدَّم شيءٌ على وقته، والقول بِأنَّه في جَمع التأخير يُمكن أن تُوَسَّط-أيضا-فيه ما فيه، لِما ذَكَرناه مِن مُخالَفتِه لِلسنّة النبوية.
فإذا أتَى بِها آتٍ فليكن ذلك بعد الفريضتَيْن معا، وفي حالة الجمع بين المغرب والعشاء فالأمر سهل وإذا تَرَكَهَا في وَقْتِ الجمع بين الظهر والعصر فذلك حَسَن جِدا؛ والله أعلم.
س: يعني هو مَخيَّر في الإتيان بِها أو لا ؟ (1/250)
صفحة 251
ج: لِعدم وجودِ دليلٍ واضِح لأنَّ الأصل أنَّه يُؤْتَى بِهذه الرواتب في حالة الحضر ولكنْ في هذا الحديث لَم يأتِ لها ذِكْر فإذا رجعنا إلى الأصل فنقول الأصل أنه يُؤْتَى بِها وإذا رجعنا إلى الظاهر فإنَّ الظاهر أنَّه لا يُؤْتَى بِها فإذن ليس هنالك دليلٌ صرِيح وإنَّما هو مُجَرَّد احتمال والإتيان بِها بعد صلاة العِشاء لا بأس بِه أما بعد صلاة العصر ففي النَّفْسِ مِن ذلك شيء والمسألة ليس فيها دليل قَوْلِي ولا فِعْلِي صَرِيح أبدا.
س: تَحَدّثتم عن السُّنَن الرواتب في حال الجمع ولكن في حال القصر مِن غير جمع (1) ؟
اسْمَح لِِي أوَّلا أَنْ أُجيب على أحد الأسئلة التي طرحها الأخ السائل (2) أوّلا لأنَّنِي لا أستطيع أنْ أَسْكتَ على مثلِ تلك الفِرْيَة التي تُنْسَب إلى بعضِ صحابةِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأَشْكُر السائل كثيرا حيث إنَّه أراد أنْ يَتَثَبَّت مِنْ هذا الكلام وليس كغيره مِمَّن يَنْسِب إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ما يُنْسَب إلى سَعْد - رضي الله عنه - وهو أفْضَل الصَّحابة مِن الأنصار رضي الله تبارك وتعالى عنهم-مِنْ أنَّه كَانَ لا يَسْتَبْرِئ مِنَ البول .. باطل وكذب عليه-رضوان الله تبارك وتعالى عليه-وإنْ ذَكَرَ ذلك مَنْ ذَكَرَه مِنْ أهل العلم .. هذا باطل .. كَذِب لا ينبغي لأحدٍ أن يَلتفِتَ إليه أبدا.
وقد كُذِب على بعضِ الصحابة-رضوان الله تبارك وتعالى عليهم-ونُسِبَ إليهم ما هم بُرَءَاءُ مِنْه كَبَرَاءة الذئب مِمَّا نُسب إليه وكبراءة المسيح مِِما نُسب إليه وإلى أمّه صلوات الله وسلامه عليهما.
__________
(1) -أُضِيف: " مِن غير جمع " لِلإيضاح.
(2) -والسؤال-كما وَرَدَ في المكالمة-هو: " ما قول الشيخ في المروي أنَّ سعد بن معاذ كان لا يَسْتَبْرئ مِنَ البول ولذلك عُذِّبَ في القبر ؟ ". (1/251)
صفحة 252
فهذا كَذِب .. دَجل لا يَنبغي لأحدٍ أنْ يَلتفِتَ إليه .. حَاشَاهُ رضوانُ الله-تبارك وتعالى-عليه ورحْمتُه؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
مِثْل هذا-على كل حال-لا يَنبغي لأحدٍ أن يُصَدِّقَه .. نعم الإنسان يَنبغي له أنْ يَتَثَبَّت وأن يَسألَ أهلَ العلم عن مثلِ هذه الأمور، أما أن يَقوم بِإلقائِها في دُرُوسِه ومُحَاضَرَاتِه ويُشارِك أولئك الكَذَبَة في مثلِ هذا الكذِب الصُّرَاح فهذا مِمّا لا يَجُوز أبدا لأحدٍ أنْ يَصْنَعَه.
على كل حال؛ اسْتَنَدُوا إلى بعضِ الرواياتِ الباطلة العاطلة أو إلى بعضِ الروايات التي لا علاقة لَها بِالموضوع أبدا.
وكذلك-كما قلتُ-نُسِبَ إلى غيرِه رضوان الله عليه ما هو مِمّا لا يَصِحّ عنه.
نُسِبَ إلى حَسَّان - رضي الله عنه - بِأنَّه كان جَبَانا وانْتَشَرَ وشَاعَ ذلك وذَاعَ وإن كان الأمر أهْوَن لأنَّ الإنسان قد يَكون جَبَانا ويكون مؤمِنا صالِحا لأنَّ ذلك لا يَتَنَافَى مع الصلاح .. نعم يَنْبَغي لِلمؤمِن أن يَكون بطَلا شُجَاعا ولكن-كما قلتُ-ذلك لا يَتَنَافَى مع الإيمان .. ما نَسَبوه إليه لا يَصِحّ عنه أبدا، وإنَّما جاء في بعضِ الروايات الرَّكِيكَة التي لا تَصِح، ومِنَ العجب أنَّ حَسَّانا كان يَرُدّ على أولئك الكفرة المشرِكين بِتلك القصائِد الطنَّانَة الرنَّانَة ولَم يُعَيِّره أحدٌ مِنْ أولئك المشركين بِالجبْن فَلَو كان صحيحا لاسْتَغَلُّوه غايةَ الاستغلالِ .. هذا لا يَصِح .. لَو كان الإسنادُ صحيحا لَوَجَب أن نَحكم بِبُطْلانِه مِن أصلِه فكيف والإسناد لا يَصِحُّ أبدا. (1/252)
صفحة 253
أما بِالنسبة إلى السؤال الذي تفضَّلْتُم بِطرحِه فالعلماءُ اختلَفوا في الإتيان بِالسنَّة الراتبة في حالة السفر بعد اتّفاقِهم على الإتيان بِالوِتر وسُنَّة الفَجْر-على كلامٍ لَهم في الوِتر في ليلةِ المزدلفة والحقّ أنَّه يُؤْتَى بِه-أمَّا بالنسبة إلى السنن الراتبة القَبْلِية والبَعْدِية في غير صلاةِ الفجر فقد اختلَف العلماء في ذلك:
مِنْهم مَنْ ذهب إلى أنَّ ذلك لا يُشْرَع وإنَّما يُشرَع لِلإنسان أنْ يَتَنَفَّل مَا شَاءَ مِنَ التنفُّل المطْلَق.
فقد ثبتَ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه كان يَتَنَفَّل ولو كان على راحلتِه.
وأقول: إنَّ الإنسان إذا سَلَك طريقا في وقْتِنَا هذا في الطائرات أو في السيارات إذا كان لا يستطيع على القيام لا ينبغِي له أنْ يَمْتَنِع عن التنفُّل بل ولو كان يستطيع على القيام في غير السنن الراتبة وأما السنن الراتبة إن كان يستطيع أن يَقوم فلا ينبغِي له أنْ يُفرِّط في ذلك، لكن بِالنسبةِ إلى التنفّل المطلَق لا ينبغِي له أنْ يَترُك ذلك، فلْيُصَلِّ ولو كان جالِسا كما ثبتَ ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بل إذا كان على طريقِه يُمكِن أن يُصَلِّي حتى السنن الراتبة فالرسول - صلى الله عليه وسلم - صَلَّى الوِتر وهو على راحلتِه وهو مِنْ آكَدِ السنن حتى قال بعضُ أهل العلم بِوُجُوبِه وإن كان القولُ بعدمِ الوجوب هو القولُ الصحيح الذي دلَّت عليه السنّة الصحيحة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
فإذن لابد أن نُفَرِّقَ بيْن المسألتَيْن .. بيْن النفلِ المطلَق فهو مشروع بِاتّفاقِ الأمّة وقد دَلَّ عليه صرِيحُ السنّة وبيْن السنن الراتِبة فهذه هي التي جاء فيها الخلاف بيْن أهل العلم: (1/253)
صفحة 254
1-مِنْهُم-كما قلتُ-مَنْ قال: إنَّه لا يُؤْتَى بِشيءٍ منها بِاستثناء ما اسْتَثْنَيْتُهُ سابقا، وحُجتُهم في ذلك ما جاء عن ابن عمر في الصحيحيْن وغيرهما أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لَم يَكن يأتِي بِشيءٍ مِنَ الرواتب.
2-وبعضُ العلماء ذهب إلى أنَّه يُؤتَى بِها؛ ويُمكِن أنْ يُستدَل لَهم بِفعلِ ابن مسعود-رضي الله تبارك وتعالى عنه-حيثُ إنَّه أَتى بِسُنّةِ المغرب بعد أن صلَّى المغرب في ليلةِ المزدلفة كما جاء ذلك في " صحيح البخاري ".
وقد جاءتْ روايةٌ مِنْ طريقِ البراء بن عازب أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يُصلِّي ركعتيْن قبل فريضةِ الظهر ولكن هذه الرواية لا تثبتُ عنه صلوات الله-تبارك وتعالى-عليه.
والحاصل أنَّ الأمر يَسير، والقولُ بِعدمِ الإتيان بِالرواتب عندما يَكون الإنسان في السفر لعلَّه هو الأقرب إلى الصواب .. نعم مَنْ كان مُقِيما في سفرِه فإن أتى بِالرواتب فذلك خيْر لأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لَم يَمْكُث المُدَد الطويلة وإنَّما كانتْ أسفاره لِمُدَد قصيرة .. مِنْها ما مكثَ فيه عشرين يوما أو ما شابه ذلك، فإذا مكثَ الإنسان مدّةً طويلة وأتى بِشيءٍ مِن السنن الراتبة فلا بأس عليه بِمشيئة الله، أما عندما يكون سالِكا لِطَريق أو يكون في أيام مِنَى أو نَحو ذلك فالظاهِر أنَّه لا يَأتِ بِشيءٍ مِنَ الرواتب، فحديثُ ابن عمر حديثٌ صحيح وقد نَسَبَ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه أنَّه لَم يأتِ بِشيءٍ مِنَ السنن الراتبة، أما رواية ابن مسعود فَلَم يَنْسِبْها إلى النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-فأمْرُها مُحْتَمِل؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: أرجو بَيَان أصل صلاة التهجّد في السنّة ؟ وما مشروعيتها وحُكْمُها ؟ وهل تُؤَدَّى جماعة ويُتَّخَذ ذلك عادة ؟ وما وقتها ؟ وكم عدد الركعات ؟ وكيفية أدائها ؟ (1/254)
صفحة 255
ج: على كل حال؛ الذي ثبتَ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه كان يُصَلي في الليل إحدى عشرة ركعة وجاء في بعضِ الروايات أنَّه كان يُصَلِّي ثلاثة عشرة ركعة والروايتان صحيحتان ولا تَعَارُض بينهما كما قدمتُ في الحلقات الماضية حيث ذكرتُ (1) أنَّ الصحيحَ أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يُصلِّي أوَّلا ركعتيْن يَفْتَتِحُ بِهِما وهما ركعتان خفيفتان ثُم بعدَ ذلك يُصلِّي ركعتيْن طويلتيْن وهكذا إلى أَنْ يُوتِرَ بِركعةٍ واحدة، وقد جاءتْ لِلوِتر كيفياتٌ مُتَعَدِّدَة يَطول المقام بِذِكْرِها، فهذا الذي كان يَفعلُه النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-ولكنَّه كَانَ يُطِيلُ الصلاة جِدّا صلوات الله وسلامه عليه، فينبغي الاقتداءُ بِه صلوات الله وسلامه عليه، فإذا صُلِّيَت جَماعةً فَلا بَأس بِذلك ولكن إذَا صَلاّها الإنسانُ في بيتِه بعد أن يُصلِّيَ التراويح في جَماعةِ المسلمين فذلك خيْرٌ بِمشيئة الله-تبارك وتعالى-لأنَّ الأصلَ في النوافل في غيْرِ التراويح سواء كانت هذه النوافل راتبة أو غير راتبة أنَّها تُصَلَّى في البيت؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س:مَن يُصلِّي هذه النوافل قبل أن يَنام نظرا لأنّ النوم في بعض الأحيان قد يَثقل عليه فلا يَستطيع أن يَقوم في آخِر الليل فيصليها قبل أن ينام العدد الذي ذكرتُم، هل يَحصل على نفس الأجر فيما لو صلاها في نِهاية الليل ؟
__________
(1) -عند الجواب على السؤال 5 مِِن حلقة 13 رمضان 1425هـ ( يوافقه 28 أكتوبر 2004م ). (1/255)
صفحة 256
ج: على كل حال؛ لِلثلث الأخِير مَزِيَّة كبيرة كما ثبتَ ذلك في السنّة الصحيحة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولكن إذا كان الإنسان لا يَستطيع على القيام في ذلك الوقت ولو في بعض الأحيان لأشغالِه وما شابه ذلك فلْيَنْوِ النيةَ الحسنة بِأنَّه إنْ استطاع على القيامِ فسيَفعَل بِمشيئة الله-تبارك وتعالى-فإذا كان ذلك-أي القيام-مِنْ عادتِه ونَوَى النية الصادِقة ولكن مَنَعَه مانع مِنْ ذَلك فعسى أنْ يَحصُل على الفضْلِ العظيم بِمشيئة الله-تبارك وتعالى-كما جاء ذلك في بعضِ الروايات.
س: ماذا يُقرأ في السنن الرواتب ؟
ج: على كل حال؛ أما بِالنسبةِ إلى سُنَّة الفجر فقد ذكرتُ في الماضي (1) بِأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يَقرأُ فيها بعدَ " الفاتحة " سورة الكافرون في الأولى و " الإخلاص " في الثانية، وكان-أيضا-يَقرأُ في بعضِ الأحيان آيةً مِن سورة البقرة وهي قوله تبارك وتعالى: { قُولُوا آمَنَّا ... } إلى آخِر الآية [ 136 ] (2) ، وأما بِالنسبةِ إلى الركعةِ الثانية فكان يَقرأُ فيها الآية الثانية والخمسين مِن سورة آل عمران (3) ،
__________
(1) -عند الجواب على السؤال 3 مِن حلقة 12 رمضان 1425هـ ( يوافقه 27 أكتوبر 2004م ).
(2) - { قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } .
(3) -قال الله تعالى: { فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللهِ آمَنَّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } .
قال الشيخ: " الأنعام " بدلا مِن " آل عمران " وهو سبق لسان نبه عليه في حلقة 26 رمضان 1425هـ ( يوافقه 10 نوفمبر 2004م ).
وقال الشيخ عند جوابه على السؤال 2 مِن حلقة 26 رمضان 1425هـ ( يوافقه 10 نوفمبر 2004م ): " لكن بَقِيَ أنه يَحتاج إلى نظر هل كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يَقرأ هذه الآية بِكاملِها أو أنه يَقرأُ الجزءَ الأخيرَ منها ؟ حيثُ إنه جاء في الروايةِ المروية عن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: { آمَنَّا ... } .. مِن هذا إلى آخِرِ الآية، فهل كان يَقرأُ - صلى الله عليه وسلم - : { ... آمَنَّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } .. هذا الجزء فقط بعد فاتحة الكتاب كما هو الظاهِرُ مِن الرواية أو أنه كان يَقرأ الآية مِن أوّلِها ؟ فهذا مُحتمِل ". (1/256)
صفحة 257
وفي روايةٍ أخرى: الرابعة والستين مِن سورة آل عمران (1) ، وهل كان يَقْرَأُ هذه الآية تارة والآية الثانية تارة .. هذا مُحْتَمِل أو أنَّ إحدى الروايتين لا تَثْبُت وهذا هو الظاهِر عندي، فالظاهِر أنَّ الرواية التي فِيها أنَّه كان يَقرأُ الآية الرابعة (2) والستين مِن بابِ الشَّاذ وأنَّ الروايةَ الأولى هي الرواية الصحيحة .. هذا بِالنسبةِ إلى سُنَّة الفَجر.
وَثَبت-أيضا-في الوِتر-وهو وإن كان ليْس مِن السنن الرَّاتبة (3) -أنَّه إذا أَوْتَرَ بِثَلاث كان يَقرأُ في الأولى بِسورة " سَبِّح " والثانية بِسورة الكافرون والثالثة بسورة الإخلاص.
وجاء في بعضِ الروايات أنَّه يَقرأ في الثالثة بِـ " الإخلاص " و " الفلق " و " الناس " ولكن هذه الرواية فيها كلام كما هو لا يَخفى عند المحقِّقِين.
وأما بِالنسبة إلى السُّنن الرَّاتبة الأخرى فأنا لَم أَطَّلِع على روايةٍ صحيحة تَدُلُّ على غيرِ ما ذكرتُه وإنَّما هنالك بعضُ الرواياتِ التي لا تَثبتُ عندي في هذا الوقت.
كذلك بِالنسبة إلى غير الرَّاتبة ثبتَ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه كان يَقرأ في العِيديْن في الرَّكعةِ الأولى بِسورةِ " سَبِّح " وفي الثانية بِسورة الغاشية، وقلتُ: " في غير الرَّاتِبة " هذا بناءً على رَأيِ مَن يَقول بِسُنِّيَةِ صلاةِ العِيد وبعضُ العلماء يَقول بِوجوبِها وهو قولٌ قوي جدا.
__________
(1) -قال الشيخ: " الأنعام " بدلا مِن " آل عمران " وهو سبق لسان نبه عليه في حلقة 26 رمضان 1425هـ ( يوافقه 10 نوفمبر 2004م ).
(2) -قال الشيخ: " الثانية والستين " بدلا مِن " الرابعة والستين " وهو سبق لسان.
(3) -قال الشيخ عند جوابه على السؤال 4 مِن هذه الحلقة، ص9: " الوِتر ... هو مِنْ آكَدِ السنن، حتى قال بعضُ أهل العلم بِوُجُوبِه وإن كان القولُ بعدمِ الوجوب هو القولُ الصحيح الذي دلَّت عليه السنّة الصحيحة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ". (1/257)
صفحة 258
وجاء في بعضِ الروايات أنَّه يُقْرَأُ في العيدين بِسورَتَيْن أُخْرَييْن .. أي تارةً وتارة ولكن ذلك الحديث قد أَعَلَّهُ بعضُ أهلِ العلم بِالإرسال ولعلّه هو الأقرب إلى الصواب.
وكذلك بِالنِّسبة إلى صلاةِ الطَّوَاف بعضُ العلماء قَال: " يَقْرَأ في الأولى ' الكافرون ' وفي الثانية ' الإخلاص ' " بِنَاءً على صِحَّة الحديث الوارِد بِذلك، وإسنادُه ضعيف على التَّحْقيق.
وَقَد استحبّ بعضُ العلماء بعضَ السور في بعضِ السنن الرَّاتِبة وفي غيرِها ولكن ذلك لا يَستنِد إلى دليلٍ صحيح وإنَّما:
على بعضِ الأدِلة التي لا تَثبت.
أو على القياسِ على بعضِ الثابِت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وفيه ما فيه.
أو على وجه الاستحسان كمراعاةِ بعضِ المناسبات كصلاةِ الاستخارة قال بعضُ العلماء: " يقرأ بعض الآيات التي تَتَنَاسب مع ذلك "، وهكذا بِالنسبة إلى صلاةِ الاستسقاء قال بعضُهم: " يقرأ بعض الآيات التي تتناسب مع المقام " إلى غيرِ ذلك مِمَّا يَطولُ بِه المقام جدا جدا.
وَقَصْدُنا أن نُبَيِّن الثابِت عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-ولستُ أُرِيد الآن أن أَذكر هل الأوْلى أن يَأتِي بِتلك السور أو بِغيرِها لِعَدَم وُجُودِ الدليل .. لكن ما هو الأوْلى ؟ لِذلك كلامٌ آخَر بِمشيئة الله تبارك وتعالى.
س: ما تَفسِير الحديث : ( ومَا تَقَرَّبَ إليَّ عَبْدي ... ) ؟
ج: على كل حال؛ هذا الحديث-أظنّ الوقتَ الآن لا يَكفِي لأنّ المقام يَطول عليه جدا جدا-أوَّلا العلماء قد اختلَفوا في ثُبُوتِه:
1-منهم مَن قال: إنّ هذا الحديث لا يَثْبُت عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-وإن كان يُوجَد في " صحيح البخاري ".
2-ومنهم مَن قال بِأنّ هذا الحديث قد جاء مِن طُرُق متعدِّدة يَشُدُّ بعضها بعضا فَيَرْتَقِي الحديث بِمجموعها إلى درجة القبول ولاسيما في مثل هذا الباب. (1/258)
صفحة 259
وقد قلتُ (1) بِأنّ الحديثَ قابل لِلثبوتِ بِمجموع تلك الطُّرُق.
و-على كل حال-ذلك في الحديثِ كِنَايَةٌ عن فضلِ مَن يَتقرّب إلى الله-تبارك وتعالى-بالنَّفل وَعُلُوِّ منْزلتِه، أمَّا بَسْطُ ذلك فقد تَكلّم عليه غيرُ واحدٍ مِن أهلِ العلم، وأرى أنّ المقام لا يَكْفِي لِبَسْطِ ذلك، فلعلّنا نَتكلّم عليه في مناسبةٍ أخرى في هذه الدروس بِمشيئة الله تعالى (2) .
س: هَل هناك فرقٌ بيْن سُنَّةِ الشروق وسُنّةِ الضُّحى أم هي صلاة واحدة ؟
__________
(1) -عند الجواب على السؤال 1 مِن حلقة 12 رمضان 1425هـ ( يوافقه 27 أكتوبر 2004م ) حيثُ قال: " جاء عنه صلوات الله وسلامه عليه أنه قال: ( مَن عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تَقرَّب إلي عبدي بشيء أفضل مِمّا افترضتُه عليه، وما يزال عبدي يَتقرَّب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإن أحببتُه كنتُ سَمعَه الذي يَسمع به، وبصرَه الذي يُبصِر به، ويدَه التي يَبطِش بها، ورِجلَه التي يَمشي بها، وإن سألني ... ) إلى آخر الحديث، وهو وإن كان قد تكلم فيه بعض العلماء إلا أنه قد جاء مِن طرق أخرى يَشدّ بعضها بعضا فيَرتقي بذلك الحديث إلى درجة القَبول .. هذا الذي نراه في هذا الحديث ".
(2) -وقد تمّ ذلك-بحمد الله تعالى-عند الجواب على السؤال 1 مِن حلقة 26 رمضان 1425هـ ( يوافقه 10 نوفمبر 2004م ). (1/259)
صفحة 260
ج: على كل حال؛ هي صلاةٌ واحدة، وإنَّما إذا قدَّمها الإنسان سُمِّيَت بِالشُّرُوق عند الناس وإذا أخَّرَها سُمِّيت بِصلاة الضحى.ووقتُ هذه الصلاة بعدَ أن تَرْتَفِع الشمس بِمقدارِ قيد رُمْح إلى زوال الشمس، وبعضُ العلماء يَقول إلى مَا قبل الزوال، والأمرُ قريب لأنّ المعنى واحد أنَّه لابد مِن أن يَنتهي منها قبلَ زوالِ الشمس وهذا بناء على أنّ وقتَ النهي يَدخل بِزوالِ الشمس، ومنهم مَن يَقول إنَّه يَدخل بالضَّحْوَة الكُبْرَى، ولكن القول الأول هو القول الصحيح، فإذن وقتُها ما ذكرتُه ولكن بَقِيَ أنّ الأفضل أن يَأتِي بِها عندما تَشْتَدُّ الحرارة وذلك مِن نِهاية الرُّبع الأوّل مِن النَّهار فصاعدا .. هذا هُو الأفضل لِمَن يَتَمَكّن، أمَّا مَن لَم يَتمكّن فالأمر يَسِير بِمشيئة الله تبارك وتعالى .. هذا وقد وَرَدَتْ أحاديث كثيرة عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-على فضْل هذه الصلاة .. أمر بِها بعض أصحابِه رضي الله-تبارك وتعالى-عليهم، ولا يَنبغِي لِلنّاسِ أن يُفَرِّطُوا فيها وَلَو في بعضِ الأحيان على أَقَلِّ تَقدِير.
س: الوتر والشفع منهم مَن يُصلِّيها ثلاثا بِدون فاصل ومنهم مَن يُصَلِّي ركعتيْن ويُصَلِّي بعدها ركعة، فهل كل ذلك جائز أم هناك الأفضل ؟
ج: الأفضل أن يُصَلِّيَ الإنسان ركعتين ويُسَلِّم ثم يُصَلِّي ركعةً ثالثة .. أي بعد التسليم.
وبعض العلماء يقول: يُصَلِّي ثلاث ركعات مِن غيْر أن يَفْصِلَ بِالتسليم.
وبعضهم-أيضا-يَأتي بِكيفيةٍ ثالثة وهو أن يُصَلِّيَ ثلاثا مِن غيْر أن يَجلسَ بعد الركعة الثانية .. يَقوم بعد الركعة الثانية كما يقوم بعد الركعة الأولى ويَأتي بِالركعة الثالثة ويَقرأ بعد ذلك التشهّد ويُسَلِّم.
والأوّل أفضل؛ والله أعلم.
س: هل له أن يُصَلِّيَ السنّة أربع ركعات بدون فاصل ؟ (1/260)
صفحة 261
ج: أمّا في الليل فالسنّة أن يَفْصِلَ بِالسلام: " صلاةُ الليل مثنى مثنى " وهو حديث صحيح ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فإذن في الليل لابد مِن الفصل، لأنّ هذا هو الثابت.
أما بالنسبة إلى النهار فاختلف العلماء في الأفضل:
منهم مَن يُفَضِّلُ أن يَفْصِلَ الإنسان .. أي يُسَلِّم بعدَ الركعتين الأُولَيَيْن ثم يَأتي بِركعتيْن وهكذا.
ومنهم مَن يَقول: إنّ الأفضل الوصْل .. أي يَأتي بِأربع ركعات متتابِعات كفريضة الظهر والعصر والعِشاء (1) .
والكلام في الأفضل، ولِكلِّ فريقٍ أدلة، لا أُطيل المقام بِذِكْرِها، فمَن شاء أتى بهذا أو بهذا، والمشهور عند كثير مِن أهل العلم الوصْل.
(6) حكم صلاة سنة المغرب مع من يصلي فريضة المغرب :
س: جماعة تصلي المغرب فدخل معهم رجل يصلي سنة المغرب فصلاها ثلاث ، فما حكمه ؟
ج: أقول : سنة المغرب ركعتان ، والأولى لهذا الشخص أن يعيد سنة المغرب لأنها سنة مؤكدة ، وقد اختلف العلماء في جواز صلاة السنة خلف من يصلي المغرب ، فذهبت طائفة إلى المنع من ذلك ، نظراً إلى أن السنة لا يمكن تأديتها بثلاث ركعات إذ لم يثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وذهبت طائفة إلى الجواز وقالوا عليه أن يسكت عند قراءة الإمام للتشهد الثاني ثم يأتي بركعة رابعة ، وذهبت طائفة إلى أنه يصلي معه ركعتين ثم ينتظر الإمام ثم يسلم عندما يسلم الإمام ، وأجاز آخرون له أن يسلم قبل سلام الإمام ، وذهبت طائفة من العلماء إلى جواز التنفل بثلاث ركعات وهذا القول صائب بالنظر إلى من يصلي خلف من يصلي المغرب ، أما بالنظر إلى سنة المغرب فليس له أن يصليها خلف من يصلي المغرب وذلك لأنها سنة مؤكدة وهي ركعتان . والله أعلم .
(7) حكم التنفل بعد صلاة الوتر :
س: ما حكم التنفل بعد صلاة الوتر ؟
__________
(1) -قال الشيخ: " والمغرب " بدلا مِن " والعِشاء " والظاهر أنه سبق لسان. (1/261)
صفحة 262
ج: اختلف العلماء في التنفل بعد صلاة الوتر ، فذهب الأكثر إلى كراهية ذلك ، وهو الذي نص عليه أكثر أصحابنا كما ذكر العلامة أبو نبهان- رحمه الله تعالى-، وذهبت طائفة أخرى إلى القول بجوازه ، وذهب بعض المحققين بالقول بالمنع وهو الذي يقتضيه كلام نور الدين- رحمه الله تعالى- في "جوهره" فإنه بعد ما تكلم على الأوقات التي تكره الصلاة فيها قال:
كذاك بعد أن تصلي الوترا ... وبعضهم لم ير هذا حجرا
والمصطفى أدرى بحكم الشرع ... فلا أرى الجواز عند المنع
فمن أراد يتنفلن ... يصلي ما يشاء ويوترن
ويجعل الوتر ختام العمل ... وذلك من فعل ختام الرسل
صلى عليه ربنا المنان ... ما ظهر الصواب والبطلان
وذلك أن ثبت في الصحيحين وغيرهما أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (اجعلوا آخر صلاتكم وترا) ولكن جاءت رواية أخرى أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين جالسا بعدما أوتر ، وهذه الرواية أولا قد اختلف فيها من جهة إسنادها " هل صحيحة أو ضعيفة ؟ ثم هذا النهي عام وتلك الرواية خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وهناك أيضاً هل المخاطب داخل عموم خطابه أو لا ؟ فينبغي ترك التنفل بعد صلاة الوتر بغض النظر عن القول بحرمة ذلك أو كراهيته ، فإن الله سبحانه وتعالى لا يعبد بالمكروه، وإن قيل بجواز مكروه ، وهذا كله إذا لم يرقد الإنسان بعد الوتر ، أما إذا رقد ولو قليلا فلا مانع من ذلك .
س: ما حكم صلاة التراويح ؟
ج: على كل حال؛ هي سنّة مِن السنن الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد حَثَّ النبي-صلوات الله وسلامه عليه-على قيام شهر رمضان المبارك: ( مَن قام رمضان إيمانا واحتسابا غُفِرَ له ما تقدَّم مِن ذنبه )، والحديث صحيح ثابت عنه صلوات الله وسلامه عليه، وقد صَلَّى-صلوات الله وسلامه عليه-في مسجده الشريف وصلَّت خلفه جماعة كبيرة مِن المؤمنين ثُم امتنع-صلوات الله وسلامه عليه-عن الخروج إليهم لأمرٍ وقع الخلاف فيه: (1/262)
صفحة 263
ذهب بعضهم إلى أنَّ ذلك خشية أن يُفتَرَضَ عليهم، كما جاء ذلك في حديث السيدة عائشة رضي الله-تبارك وتعالى-عنها.وبعضهم اعترض على ذلك.
وفي ذلك كلامٌ طويل عريض، والحاصل أنَّ القيام أمر متّفَق عليه.
وكذلك ينبغِي أن يَكون في الجماعة، وذلك لأنَّ النبي-صلى الله عليه وسلم-صلى بِه أوَّلا وإنما تركه لأمْرٍ رآه صلوات الله وسلامه عليه، ثم إنَّ المسلمين قد اجتمعوا في خلافةِ عمر بن الخطاب-رضي الله تبارك وتعالى عنه-وصلوا جَمَاعة، فلا ينبغي التفريط فيه؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
{ ثامنا : أحكام القضاء والإعادة }
س: ما الفرق بين البدل والقضاء ؟ وما حكم من لم ينو قضاء ولا أداء لصلاته ؟
الجواب :-
البدل : هو إعادة تلك العبادة .
-أما القضاء : فهو إعادة تلك العبادة بعد خروج وقتها المقرر لها شرعاً فالقضاء يكون بعد خروج الوقت فمثلاً للظهر وقت فإذا خرج الوقت وأتى بها الإنسان بعد خروج الوقت فإن ذلك يُعد قضاء سواء أداها أولاً ولكن على وجه لا تصح به بأن يكون أداها بغير طهارة في موضع لا تصح الصلاة فيه أو ما شابه ذلك وهو طبعاً قادر على أن يأتي بها بالطهارة وفي موضع تصح فيه الصلاة أما إذا كان غير قادر في ذلك الوقت إلا أن يأتي بها في ذلك الوقت فإنه لا يشرع في حقه القضاء كذلك أن لو كان ناسياً لها أو كان نائماً عنها أو كان متعمداً لتركها وأنني بها بعد خروج الوقت المقرر لها شرعاً فإن ذلك يسمى قضاء .
- وأما البدل فالظاهر أنه الإعادة أي الإتيان بذلك العقل مرة ثانية ويستعمل أيضاً أن يأتي الإنسان بشيء عوض عن آخر .. أما إن أتى بصلاة في غير وقتها ولم ينو أن ذلك قضاء لتلك الصلاة فالذي يظهر لي في هذا الوقت أن صلاته صحيحة وإن كان كثيراً من أهل العلم يذكرون من انه لابد من أن يعين المصلي تلك العبادة قضاء أو أداء .. ولكن في الغالب أن الإنسان يكون مستحضراً إما أن تكون تلك الصلاة في وقتها . (1/263)
صفحة 264
س: رجل نسي أن يصلي إحدى الصلوات ثم تذكرها وقد وجبت الصلاة التي تليها . فكيف له أن يعيدها ؟
ولو أن هذه الصلاة المنسية كانت صلاة الظهر، وتذكرها وقد وجبت صلاة العصر والجماعة قائمة. فكيف تكون صفة إعادة صلاة الظهر في هذه الحالة، علما بأنه لا صلاة بعد صلاة العصر حتى وجوب صلاة المغرب؟
الجواب / يصلي أولا الظهر ثم يستدرك مع الجماعة إن أمكن هذا إذا تذكرها قبل العصر وأما إذا تذكرها بعد العصر فليصلها في ذلك الوقت والقضاء لا يدخل في النهي والله تعالى أعلم
س: من نام عن صلاة أو نسيها هل يصلها قضاء أو أداء ؟
الجواب :-
ثبت في الحديث أنه صلوات الله وسلامه عليه قال: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها متى ذكرها فذلك وقتها ".
فظاهر هذا الحديث يدل أن ذلك الوقت وقت لأدائها وليس وقتا لقضائها وهو قول أكثر أهل العلم .
س: فاتته صلاة الوتر وفي اليوم الثاني عندما كان يصلي مع الإمام صلاة التراويح صلى معه الوتر بعد التراويح .. الوتر التي فاتته وأجّل الوتر الحالية إلى آخر الليل ؟
ج: لا شيء عليه.
أوّلا-وقبل كل شيء-اختلف العلماء فيمن نسي الوتر، هل يشرع له أن يقوم بقضائه أو لا ؟
فذهب بعض العلماء إلى أنه يشرع له القضاء.
وذهب بعض العلماء إلى أنه لا يشرع له القضاء.
والقول الأول أحوط وأسلم, وما فعله هذا الشخص لا شيء فيه عليه إن شاء الله تعالى؛ والله أعلم.
س: ما حكم الأذان والإقامة في صلاة القضاء ؟
الجواب :-
لا شك أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم عندما نام هو وصحابته الكرام رضوان الله تعالى عليهم أمر مؤذنه بأن يؤذن وأمره بالإقامة فأقام لتلك الصلاة وصلوا بإذان وإقامة وما دامت السنة قد وردت بذلك فعلينا أن تلتزم سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نعم الإنسان إذا كان بمفرده وقد ترك صلوات كثيرة أو ما شابه ذلك فيقيم لكل صلاة ولا داعي أن يؤذن لكل صلاة . (1/264)
صفحة 265
س: فيمن فاتتة صلاة وحضرت الصلاة المكتوبة فهل له أن يصليها بين الأذان والإقائمة ؟
ج: نعم يصليها في ذلك الوقت وليس له أن يؤخرها حتى يأتي للصلاة الحاضرة بل لابد أن يقّدم الصلاة الفائتة إلا في حالة واحدة وهي إذا ما خاف أن تفوته الصلاة الحاضرة مثلاً إذا تذكر صلاة العشاء في وقت صلاة الفجر ولم يبق لوقت الفجر ما يتسع لصلاة العشاء وصلاة الفجر بل يتسع لإحدى الصلاتين فإنه في هذه الحالة يقدِّم الصلاة الحاضرة ويقضي الصلاة الفائتة بعد طلوع الشمس وبالتحديد بعد أن ترتفع قليلاً أما إذا كان هنالك وقت يتسع للصلاتين معاًَ فإنه يأتي أولاً بالصلاة الفائتة وبعد ذلك يأتي بالصلاة الحاضرة والله تبارك وتعالى أعلم .
{ تاسعا :فتاوى عامة في الصلاة }
س: التنكيس في القراءة في الصلاة كأن يقرأ في الركعة الأولى سورة الإخلاص ثم الركعة الثانية وسورة متقدمة عليها كالكافرون... "
الجواب :-
هذه المسألة من حيث الجواز جائز .. ولكن اختلف العلماء فيها من حيث الكراهه أو من حيث الأولى ذهبت طائفة من أهل العلم إلى أنه لا شيء عليه في ذلك . وذهبت طائفة من اهل العلم إلى القول بأن ذلك من المكروهات والذين رأوا بالجواز احتجوا ببعض الروايات ولكن الآخرين لعلهم لم يروا تلك الروايات أو أنهم حمولها قبل ترتيب القرآن ولا شك أن الخروج من الخلاف أولى .
وأيضاً الإمام قد قدمته الجماعة واختارته لأهم أمور دينها فينبغي له أن لا يوقع البلبله والشك في قلوب بعض أولئك الذين يصلون خلفه أما من حيث الجواز والقول بعدم الكراهه فلا نرى كراهة في ذلك .
ولكن أيضاً لا ينبغي أن يكثر من ذلك على أن بعض العلماء لا يرى هذا من باب التنكيس وإنما يرى التنكيس أن يقرأ في الركعة الأولى جزءاً من السورة ثم يقرأ في الثانية جزءاً متقدماً على ذلك كأن يقرأ في الأولى " آمن الرسول بما أنزل إليه ويقرأ في الركعة الثانية مثلاً "آية الكرسي" . (1/265)
صفحة 266
وبعض العلماء يرى التنكيس أن يقرأ في الركعة لواحدة سورتين تكون متأخرة والثانية متقدمة كأن يقرأ الإخلاص ثم يقرأ آية الكرسي أو يقرأ سورة الكافرون مثلاً .
ولكن الأمر الأول من هذين الأمرين أشد هو أن يقرأ أولاً آية من السورة ثم يقرأ في الركعة الثانية آية متقدمة عليها وإن كان طبعاً ذلك لا يفضي إلى القول بالحرمة .
س: شخص كان يصلي المغرب والعشاء لا يقرأ في الركعتين الأوليتين سورة .
الجواب :-
صلاته الماضية صحيحة ..لأن طائفة من أهل العلم يقولون بعدم وجوب القراءة الزائدة علي الفاتحة
س: ما هو القول الراجح في الصلاة الوسطى ؟
الجواب / القول الراجح فيها أنها صلاة العصر ، والأدلة على ذلك كثيرة لا تتسع هذه العجالة لبسطها. والله تعالى أعلم .
س: يخرج منه الدم في أغلب يومه .. إذا كان هذا الدم يخرج من فمه باستمرار، فكيف تكون صلاته ؟
ج: ليس له أن يبتلع شيئا من ذلك الدم، بل عليه أن يقوم بإخراجه ولو كان في الصلاة بأن يجعل شيئا من الأواني عن شماله .. أي عن يده الشمال ويبصق ذلك من غير أن يخرج صوتا؛ والله أعلم.
س: هل له أن يأخذ منديلا ليبصق فيه إذا كان يصلي في المسجد مثلا ؟
ج: نعم, له ذلك.
س: سورة العلق وسورة الانشقاق، تجب فيها سجدة ؟
ج: في ذلك خلاف بين أهل العلم؛ والقول الصحيح الراجح أنهما تشرع فيهما السجدة، لأدلة متعددّة من سنّة رسول الله صلى الله وسلم وبارك عليه، وقد ذكرتُ تلك الأدلة في جواب مكتوب، وبإمكان الأخ السائل وغيره أن يطّلع عليه.
وأما بالنسبة إلى تكرار الآية أو السورة من أجل الحفظ فقد قدمنا أنه يمكن أن يكتفي بالسجود في المرة الأولى؛ والله-تعالى-أعلم.
س: هل تصح صلاة الإمام إذا قرأ سورة فيها سجدة ولم يسجد ؟
الجواب :-
اختلف أهل العلم في الإمام إذا قرأ سجدة هل يسجد لها وهو في الصلاة .
ذهب بعضهم أنه لا يأتي بالسجدة بل يؤخره إلى أن يسلم سواء في فريضة أو نافلة . (1/266)
صفحة 267
وذهب طائفة من أهل العلم إلى إنه يأتي بسجود التلاوة في ذلك الوقت أي في الصلاة كانت الصلاة فريضة أو نافلة وهذا القول هو القول الصحيح لأنه هو الذي دلت عليه السنة فالصحيح أن يأتي بسجود التلاوة سواء كانت الصلاة فريضة أو نافلة ولكن من تركه نسياناً أو جهلاً أو حتى تركه وهو يعرف الحكم فلا شيء عليه لأن السجود ليس بواجب على الصحيح وما دام الأمر كذلك فلا شيء عليه .
س: من قرأ السجدة في وقت تحرم في الصلاة ؟
الجواب :-
لا يسجد في ذلك الوقت
س: شخص جمع بين لفظ الصلاة الإبراهيمية ولفظ آخر من الألفاظ التي فيها الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وذلك في التشهد الأخير من الصلاة .
الجواب :-
لا ينبغي لأحد أن يأتي بألفاظ متعددة يأتي بلفظ واحد له وهو الصلاة بالإبراهيمية فإن هذا أفضل. بعض العلماء يأتي بصلاة مختصرة كان يقول مثلا صلى الله عليه وسلم بعد أن يذكر النبي صلوات الله وسلامه عليه وبعضهم يختار أن يأتي بالصلاة الإبراهيمية ولا شك أن الأفضل أن يأتي بالصلاة الإبراهيمية ، لأن ذلك هو الثابت فقد سأل النبي صلى الله عليه وسلم قيل له : إن الله أمرنا أن نصلي عليك فكيف نصلي عليك بعد أن قيل له فأجابهم بصلاة الإبراهيمية الشهيرة كما ذكرنا فالأفضل والأولى أن يأتي الإنسان في التشهد الثاني من صلاته في الصلاة الإبراهيمية كما ثبتت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا ينبغي له أن يزيد شيئاً من الألفاظ الأخرى من الصلاة لأنه يكفي للإنسان أن يأتي بالصلاة مرة واحدة في التشهد الأخير ولا ينبغي له أن يزيد والله تبارك وتعالى أعلم .
س: ما حكم الإقامة للنساء ؟
الجواب :- (1/267)
صفحة 268
أنا ما وجدت دليلا يمكن أن أعتمد عليه ولكن العلماء اختلفوا منهم من يقول المرأة لا تشرع في حقها الإقامة ومنهم من يقول تقيم فهي كالرجل إلا ما دل الدليل على عدم مشروعية في حقها والدليل دل على أنّ المرأة لا تجهر بالإقامة كما يجهر الرجل عندما يقيم للجماعة أما الإقامة فإنها تأتي بها إذ لم يأتِ دليل يدل على عدم مشروعيتها في حقها .
وبعضهم يقول تقيم ولكن لا تأتي بقول حي على الصلاة حي على الفلاح قد قامت الصلاة لأنّ هذا نداء للصلاة وليست من الألفاظ التي يتعبد بذكرها.. وإذا أتت بها المراة فلا حرج عليها على رأي بعض أهل العلم .
قضية قد قامت الصلاة في الإقامة بعضهم يقول قد قامت الصلاة وأدامها واستدلوا على ذلك بحديث مروي عن النبي صلى الله عليه وعلى وآله وسلم ولكنه حديث ضعيف على الصحيح بل بعض العلماء قال لا تشرع متابعة المقيم .. وفي الحقيقة لم أجد دليلاً صحيحاً ثابتاً يدل على متابعة المقيم ولكن بعض العلماء يأخذ ذلك من متابعة الأذان من باب "بين كل أذانين صلاة " فيجعل الإقامة أذاناً ثانياً كما في هذه الرواية .. فالحاصل على رأي من يقول بالمتابعة لا يقول أقامها الله وأدامها يمكن أن يقول لا حول ولا قوة إلا بالله وبعضهم يقول يتابع على حسب ما يقول ذلك المقيم .
س: رجل يصلي منفرداً وبعد أن كبّر تكبيرة الإحرام سواء كان ذلك بعد ركعة أو ركعتين أو أكثر أو أقل تذكر بأنه لم يأتِ بالإقامة ؟
الجواب :-
إذا كان هناك عذر فأقام الإنسان وصلى منفرداً ونسى الإقامة كما قلت أو نسيتها الجماعة أيضاً لم يأتِ بها أحد منهم ثم تذكروا بعد ذلك أي بعد تكبيرة الإحرام فإنه لا شيء عليه بمشيئة الله تبارك وتعالى .. وصلاتهم تلك التي أتوا بها من غير إقامة صحيحة ولا يشرع في حقهم سجود السهو على الصحيح الراجح .
س: هل تجوز إقامة متنفّلٍ لصلاة مفترضين ؟ (1/268)
صفحة 269
الجواب / لا لأنَّ المتنفل لا تشرع في حقه الإقامة على المشهور وتجوز إمامة المتنفل على الصحيح بالمفترضين كما دل عليه الحديث .
حسبك أن تتبع المختارا وإن يقولوا خالف الآثارا
تعبدا علينا الامتثال ومالنا التنقير والجدال
س: من اكتفى بقراءة البسملة بعد فاتحة الكتاب مع أنه تحفظ شيئا من كتاب الله ؟
الجواب :-
لا ينبغي ذلك . ما وجدنا عن النبي صلى عليه وعلى آله وسلم أنه اكتفى بذلك ولا عن الصحابة ولاعن غيرهم أنهم اكتفوا بذلك فما الداعي إلى ذلك نعم صلاته صحيحة ولكن في المستقبل لا ينبغي له أن يصنع , كذلك قد يقول قائل :إن البسملة من القرآن
والجواب :حقاً هي من سورة النمل فهي من القرآن – باتفاق- الأمة و أما بقية السور التي كتبت قبلها فهي آية أو جزء أية على الخلاف . أما من قال بخلاف ذلك فقوله باطل الحاصل إنها من القرآن في كل سورة كتبت قبلها هذا هو الصواب الذي تدل عليه الأدلة ولا ينبغي أن يقال بخلاف وإن قيل بخلاف طبعا . ولكن كما قلت مع ذلك لا ينبغي للإنسان أن يكتفي بذلك .
س: هل تلزم الكفارة لمن ترك الصلاة عمدا ؟
الجواب :- خلاف بين أهل العلم
ظاهر أكثر الأصحاب أنهم يوجبون الكفارة على كل من تركها عمدا
وذهبت طائفة من أهل العلم وهو قول لبعض أصحابنا وقواه نور الدين أنها لا تلزم وهذا القول هو الصحيح
واختلف القائلون بالكفارة في مقدارها :
فقيل – يكفر كفارة واحدة .وقيل – بعدد تلك الصلوات .
وقيل – يكفر عن كل صلاة فجر كفارة وعن كل صلاة ظهر كفارة و..... الخ . (1)
س: حكم الصلاة بين السواري ؟
الجواب :-
هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم والذي عليه الفتوى هو أنه إذا أمكن الإنسان أن يصلي بين السواري وهذا في الجماعة قالوا لا ينبغي لأحد وهذا عندما يكون المسجد متسعا ..
أما في الأوقات التي تضيق فيها الصفوف فلا مانع .
__________
(1) - الظاهر أنه يكفر خمس كفارات إذا كان تاركا لخمس صلوات وإن اختلفت أعداد كل صلاة . (1/269)
صفحة 270
س: عن الصلاة في الطائرة :
س1: هل يلزمنا البحث عن مكانٍ للوقوف ؟ أم نصلي جلوساً في مقاعدنا ؟ وإذا صلَّيْنا جلوساً فهل نُرخي أرجلنا أم نجلس جلسة التحيات ؟
الجواب / إذا أمكنكم أن تجدوا مكانا تصلون فيه الصلاة على كيفيتها المطلوبة من قيام وركوع وسجود وقعود فذلك هو الواجب إذ لا يصار إلى الجلوس إلا عند تعذر القيام والجلوس على هيئة التشهد بدون نصب الرجل اليمنى في غير الجلوس للتشهد إذا أمكن هو المطلوب وإلا فصلوا كيفما استطعتم والله أعلم.
س2: في بعض الأحيان لا نتمكن من إدراك وقت الفجر ، حيث تكون الطائرة مندفعة بسرعة نحو الشرق ، فإذا أبصرنا نور الفجر قد بدأ بالظهور لم نلبث دقائق معدودة حتى نرى الشمس قد طلعت وارتفعت . ما العمل في هذه المسألة ؟
الجواب / توضأوا قبل دخول الوقت ثم اشرعوا في الصلاة بعد طلوع الفجر مباشرة ولا يضركم ولو طلعت عليكم الشمس وأنتم في الصلاة بشرط أن تقرؤوا أقل ما يمكن من القرآن مما يتم به المعنى والله أعلم
س: إنسان معوق لا يقدر أن يتوضّأ لكل صلاة وفي بعض الأحيان أثناء الوضوء ربما يلامس ملابسه شيء من النجاسة لا يستطيع التحرّز منها لأنه محمول على كرسي، فماذا يصنع في مثل هذه الحالة ؟ (1/270)
صفحة 271
ج: الطهارة شرط لصحة الصلاة والصلاة لا تصح إلا بطهارة .. بناء على هذا الكلام-الذي ذكرتُه-وهو متفق عليه بين أهل العلم لأدلة متعددة من سنّة رسول الله صلى الله وسلم عليه .. نعم، من كان لا يستطيع أن يحافظ على الطهارة فإنّ عليه أن يأتي بالصلاة ولو كان ذلك بغير طهارة تامة أو بغير طهارة أصلا إذا كان لا يجد الماء ولا يجد التراب أو لا يستطيع أن يستعملهما ولم يجد من يعاونه على ذلك، فهذا الرجل إذا كان يتمكن من الطهارة فلابد له من الطهارة، ولا تصح صلاته إلا بذلك، والطهارة لابد من أن يحافظ عليها في جسده وفي ثوبه، ويمكنه أن يربط شيئا على إحليله من مثل قطن أو ما شابه ذلك على أنها توجد بعض الوسائل في هذا العصر .. بإمكانه أن يستعمل ذلك، والحاصل إذا أمكنه أن يستعمل شيئا من الأمور التي يمكن أن لا تصيبه النجاسة إذا استعملها فلابد من ذلك، وإذا تعذر عليه ذلك فعليه أن يتقي الله-تبارك وتعالى-قدر استطاعته ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، ولكن كثير من الناس يتساهلون بمثل هذه الحجّة فعلى الإنسان أن يستفتي نفسه فإذا كان يستطيع فلابد من ذلك؛ والله-تعالى-أعلم.
س: عندما لا يكون الرجل مطمئنا إلى صلاة الإمام، هل له أن يشقّ الجماعة ليقيم هو صلاة أخرى ويحدث بذلك بلبلة في أوساط المصلين أم ماذا عليه أن يصنع في مثل هذه الحالات ؟
ج: لا, ليس له أن يشقّ عصا الجماعة فذلك مما نهي عنه بل عليه أن يصلي خلف ذلك الإمام ولو كان ذلك الإمام فاجرا اللهم إلا إذا كان ذلك الإمام يأتي في صلاته بما يفسدها فإنّ من صلى خلفه عليه أن يعيد الصلاة، والمسألة التي سأل عنها داخلة في ضمن هذه المسألة على رأي غير واحد من أهل العلم؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: هل تجوز الصلاة بالنظّارة ؟
الجواب / لا مانع من ذلك إذا كانت لا تشغله وليست من الآنك والشبه ونحوها والله أعلم (1/271)
صفحة 272
س: رجل صلى إحدى الصلوات ثم تبين له بعد ذلك أن بثوبه آثار بقية نجاسة ولكنها ليست رطبة. فهل عليه إعادة تلك الصلاة ، علما بأن هذا الثوب قد تم غسله ؟
الجواب / إن كان صلى بتلك النجاسة قبل أن يتم غسلها تماما فعليه الإعادة وأما إن كان الثوب قد غسل وزالت النجاسة منه ولم يبق منها إلا الأثر الذي لا تمكن إزالته مهما بولغ في الغسل ففي هذه الحالة لا إعادة عليه والله أعلم
س: رجل قام بغسل جنابة كانت في ثوبه، فهل يجب عليه أن يغتسل بعد ذلك غسله من الجنابة ؟ وإن كان صائما فهل يجب عليه شيء ؟
الجواب / لا يجب عليه الغسل بذلك ولا شيء عليه في صيامه ولكن يجب عليه أن يعيد للوضوء إن كان متوضئا وأراد الصلاة والله أعلم
س: من قرأ الفاتحة في موضع التشهد ؟
الجواب :-
من قرأ الفاتحة في موضع التشهد فإنه يأتي بالتشهد ويسجد للسهو أما إذا نسي ذلك فإن كان التشهد الأول وقام وانتصب قائماً فلا شيء عليه ويسجد للسهو وأما إذا لم يقف وقوفاً تاماً فإنه يرجع للتشهد أما إذا كان التشهد هو التشهد الثاني فإنه لابد أن يرجع إليه ويسلم مرة ثانية بل ذلك التسليم السابق لم يكن التسليم المقصود وليسجد للسهو .
س: حكم الاستعاذة في الصلاة ؟
الجواب :-
لعل القول بأنها سنة أقرب إلى الصواب والقول بالوجوب له وجه قوي ولكنه لا يصل إلى درجة الركنية.
س: ما الفرق بين الاستعاذة والبسملة في الصلاة ؟
الجواب :-
أما الاستعاذة فإنه يسر بها على الإطلاق .. ولكن بعض العلماء شدد إن اسمعها أذنيه بطلت صلاته وليس الأمر كذلك .
ولكن ينهى عن الجهر بها ولكن بشرط أن ينطق بها بلسانه لا مجرد مكيِّف فالتكييف بلسانه لا يكفيه .
س: هل يجوز أن تصلى النافلة جلوسا ؟
الجواب : من حيث الجواز فجائز ولكن السنن المؤكدة أو الراتبة لا ينبغي للإنسان أن يأتي بها جلوسا .
س: شخص شك في صلاته أنه لم يأتِ بالفاتحة وهو في السجود فما حكم صلاته ؟
الجواب :- (1/272)
صفحة 273
إذا كان قد تجاوز ذلك الركن فلا يلتفت إلى مثل هذه الشكوك فمثلاً شك في الفاتحة وهو جالس أو ساجد أو في الركعة الثانية أو ما شابه ذلك .
أما إذا كان قبل أن يركع كان لابد من أن يرجع إلى ذلك إلا إذا ترجح لديه بأنه قد أتى بالفاتحة .
فالحاصل إذا كان قد تجاوز ذلك الموضع قد ركع مثلا أو سجد أو في الركعة الثانية فلا يلتفت إلى تلك الشكوك أما إذا كان يريد أن يركع وشك هل أتى بالفاتحة في تلك الركعة أولا فلينظر في أمره فإن تيقن بعد ذلك أنه أتى بذلك فلا شيء عليه وكذا إن ترجح لديه أنه أتى بذلك ويكتفي بسجود السهو في حالة الترجح أما إذا لم يتيقن ولم يترجح لديه أنه أتى بذلك وبقي على شك فلابد من أن يأتي بالفاتحة في هذه الحالة أما إذا تجاوز ذلك كان لا يلتفت إلى الشكوك .
س: ما حكم مدافعة الشخص الريح وهو في الصلاة ؟
الجواب :-
ما عليه باس ما لم يخرج ذلك الريح منه ويتيقن بأنه قد خرج .
س: شخص نسي التشهد الأول وانتصب قائماً واطمئن قائماً ؟
الجواب :-
مختلف فيمن نسي التشهد الأول فقيل إنه لابد من الرجوع إليه ولو اطمئن في وقوفه بل ولو قرأ الفاتحة وما بعدها فإن لم يرجع فإن صلاته باطله على هذا الرأي .
وذهبت طائفة من أهل العلم إلى أن من نسي التشهد فإن كان لم يطمئن قائماً فإنه يرجع إليه أما إذا أطمئن فلا يرجع إليه واستدلوا بذلك بالحديث المروي عن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم .. ولا شك أن هذا القول هو القول الصحيح ولكن إذا رجع آخذا برأي من آراء أهل العلم أو كان جاهلاً أو صادف قولاً فلا شيء عليه .
س: من نسى سجود السهو لم يأتِ به بعد ذلك تلك الفريضة التي سها فيها ؟
الجواب :-
من نسى سجود السهو لم يأتِ به بعد تلك الفريضة التي سها فيها فبعض العلماء يقول إنه يأتي به بعد صلاة ثانية أي فريضة ثانية وبعضهم يقول : ولو بعد نافلة . (1/273)
صفحة 274
وبعضهم يقول : يمكن أن يأتي به حتى في الوقت الذي يذكر فيه من غير أن يكون ذلك بعد فريضة ولا بعد نافلة وهذا القول وهو أنه يأتي به في أي وقت يذكر أنه سهى فيه إلا إذا كان ذلك الوقت مما تحرم فيه الصلاة هو القول الصحيح إذ لا دليل يعين أنه لابد من الإتيان بذلك السجود بعد فريضة أو بعد نافلة . وما دام لا يوجد دليل يدل على ذلك فالأصل أن يأتي به الإنسان في ذلك الوقت.
س: التفكير خارج الصلاة هل ينقض الصلاة ؟
الجواب :-
فيه اختلاف .. بعض العلماء يقول إذا كان الإنسان أتى بأفعال الصلاة وأقوالها ولكنه لم يكن حاضر الذهن فإن صلاته صحيحة ولا يجب عليه القضاء ولو أنه لم يستحضر شيئاً منها ولكنه أتى بأقوالها اللازمة وبأفعالها وهذا هو الذي رجحه القطب رحمه الله تعالى
وقيل إن سها عن أكثرها أي لم يحضر قلبه في أكثرها فإنه عليه أن يعيد تلك الصلاة وأما إن سها عن الأقل فلا يلزمه ذلك
وقيل إن سها في ركعة كاملة أي لم يكن قلبه حاضراً في ركعة كاملة فعليه الإعادة وإن كان أقل من ذلك فلا
وإذا أخذ بما رجحه القطب رحمه الله تعالى ولم يُعِد فقد أخذ بقول له وجه وجيه .
س: شخص سهى في صلاته أثناء التشهد الأخير ووجد نفسه أنه يقرأ التحيات ووجد نفسه أنه يقرأ الفاتحة ؟
الجواب :-
عندما ينتبه يترك الفاتحة ويقرأ التشهد أما إذا كان لم يقرأ شيئاً منه فإنه يبتدئ التشهد من أوله أما إذا كان ابتدأ أولاً في التشهد ثم انتقل منه إلى الفاتحة فإنه يكمل من الموضع الذي انتقل منه إلى الفاتحة ويواصل من هناك التشهد . والله أعلم .
س: إذا قرأ الفاتحة ولم ينتبه وسلم ؟
الجواب :- (1/274)
صفحة 275
نقول له يأتي بالتشهد ويسلم بعد ذلك ويسجد للسهو هذا إذا كان لم يتكلم بكلام خارج عن الصلاة أما إذا انحرف أو تكلم ففيه الخلاف المذكور ..وأما إذا لم ينحرف ولم يتكلم أو تكلم بكلام أدعية أو ما شابه ذلك أخروية وما يتعلق بذلك فإنه يأتي بالتشهد ويسلم مرة ثانية ويسجد للسهو . الحاصل إذا تكلم بكلام من جنس الأدعية التي يدعى بها بعد التشهد فإنه يأتي بالتشهد ويسلم ويسجد للسهو وإذا انحرف أو تكلم بكلام دنيوي فبحسب الخلاف الذي ذكرناه سابقاً هل يأتي بالتشهد ويسلم ويسجد للسهو أو أنه يعيد الصلاة من أولها هذا على القول بوجوب التشهد كما هو المشهور .
- في هذه المسألة هل يسجد قبل السلام أم بعده ؟
الجواب :-
بعد السلام
س: من نسى السجدة من الركعة الأولى وتذكرها في الركعة الثانية ؟
الجواب :-
من نسى ذلك فإنه يرجع إلى تلك السجدة ويأتي بها وبما بعدها على رأي كثير من أهل العلم .
س: هل ثبت في السنة رفع اليدين في الدعاء ومسج الوجه بعد الدعاء أو السلام ؟
الجواب : نعم ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يرفع يديه وأما المسح للوجه بعد الدعاء فوردت عدة أحاديث تدل على المسح وقد قال من قال :إنها بمجموعها الكلي تصل إلى مرتبة الحسن ومنهم من قال : من الضعف بمكان فلا تصل إلى مرتبة الحسن وهذا القول وهو أن هذا الحديث ضعيف هو القول الصحيح ولهذا نرى عدم مسح الوجه بعد الدعاء أما حديث مسح الوجه بعد السلام فالحديث موضوع .
س: صلاة الظهر متى تنتهي بالتحديد ؟ (1)
__________
(1) - وفي سؤال مشابه نصه :
س: طالبة في المدرسة وفي كثير من الأحيان تخرج في وقت متأخر تخشى معه أن يفوتها وقت صلاة الظهر كأن تخرج في الثانية والنصف أو ما بعد ذلك .. على تقدير أنها خرجت في وقت تظن فيه أنّ وقت صلاة الظهر قد فات، فماذا تصنع في هذه الحالة ؟
ج: قد أجبتُ على هذه المسألة بالأمس وذكرتُ أنّ وقت الظهر يمتد إلى أبعد مما ذكرَته السائلة إذ إنها ذكرَت-على حسب ظني-الساعة الثانية .. قلتُ: إنه يمتد إلى ما هو أبعد من ذلك، وعلى هذه السائلة أن تَضبِط الأوقات فإذا كان حقّا قد خرج وقت الظهر فبإمكانها في حالة الضرورة القصوى أن تجمع بين الظهر والعصر .. تصلي الظهر أربع ركعات والعصر أربع ركعات إذا كان ذلك في وطنها، أما إذا كان ذلك في السفر فإنّ الأمر سهل، إذ إنّ الجمع بين الصلاتين جائز، وإن كان لا ينبغي للإنسان أن يعتاد على ذلك، ولكنه في مثل هذه الضرورات فلا بأس به، بل الجمع في الأصل جائز، وإن كان الإفراد هو الأفضل لمن مكث في مكان، وإنما الجمع أفضل أن يؤتى به في حالة السير، فإذا بقي زمن من وقت الظهر فليس لها أن تجمع بين الصلاتين، إذ إنّ ذلك لا يصار إليه إلا في حالات الحاجة، وقولي: " ليس لها ذلك " لا أريد به المنع إطلاقا، وإنما أريد أنّ ذلك لا ينبغي، إذ لا ينبغي للإنسان أن يجمع في الوطن بين الصلاتين بشكل معتاد وإنما يفعل ذلك في حالة الضرورة والحرج، إذ إنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-لم يواظب عليه، وإنما فعله في أوقات نادرة، وذلك ليبيِّن أنّ ذلك يصار إليه في مثل هذه الأوقات، فإذن لابد من ضبط الوقت، وهو في الغالب يَسِير، ومن لم يستطع ذلك فبإمكانه أن يسأل من له معرفة بالأوقات، ومن المعلوم أنه بمجرد انتهاء وقت الظهر يدخل وقت العصر، والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: هل هناك علامات محددة يستطيع الإنسان أن يعرف بها أنّ وقت الظهر قد انتهى ؟
ج: نعم، أما من يعرف الأوقات بقياس الظل فالأمر سهل، أما من لم يعرف ذلك فبإمكانه أن يلجأ إلى التقويم؛ والله أعلم. (1/275)
صفحة 276
ج: يعني: متى ينتهي وقت الظهر ؟
س: نعم وقت الظهر.
ج: ينتهي وقت الظهر إذا صار ظل كل شيء مثله بعد القدر الذي زالت عليه الشمس، فإذا صار ظل كل شيء مثله بعد القدر الذي زالت عليه الشمس فإنه ينتهي هنالك وقت الظهر ويدخل وقت العصر؛ والله-تعالى-أعلم.
س: هل هناك حديث بين مدة الوقت بين أذان المغرب والإقامة لصلاة المغرب ؟
ج: ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في عدة أحاديث وهي صحيحة ثابتة عنه –عليه الصلاة والسلام- أنه إذا غربت الشمس وتحقق غروبها فإن وقت المغرب يبتدئ ، ولم يأت دليل يقدر الفرق بين أذان المغرب وصلاة المغرب ، وقد شدد كثير من العلماء في تضييق وقت المغرب حتى إن كثيراً منهم قالوا : لا يصح التنفل بين أذان المغرب وصلاة المغرب وذلك لضيق الوقت ، واحتجوا على ذلك برواية رواها الإمام البيهقي في سننه الكبرى وهو الحديث الذي رواه الشيخان ورواه أرباب السنن وأحمد وآخرون وهو (بين كل أذانين صلاة ) وزاد البيهقي (إلا المغرب) فقد أخذوا من هذا إن وقت المغرب قصير ولذلك جاء النهي عن الصلاة أي صلاة النفل بين الأذان والإقامة إلا أن هذه الرواية رواية منكرة لم تثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم البته ، ولذلك أجاز العلماء المحققون الصلاة بين أذان المغرب وبين الصلاة ، كما هو مذهب الإمام الخليلي – رضوان الله تعالى- عليه كما جاء ذلك في أجوبته ، فإنه – رحمه الله تعالى- سُئل عن المسافر : هل له أن يصلي عند دخول المسجد ؟ فقال له ذلك سواء كان في السفر أو الحضر ، وهذا الكلام معنى كلامه وليس هو اللفظ الذي ذكره – رحمه الله تعالى- .
فإذن لا يوجد حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يعين مقدار الوقت بين الأذان والإقامة ، وإنما ينبغي التعجيل ، وإذا وجدت هناك مصلحة في التأخير كانتظار بعض الجماعة أو ما شابه ذلك فلا بأس من التأخير ما لم يطل . (1/276)
صفحة 277
س: فيمن كان يصلي صلاة العصر وأكمل الصلاة في التشهد الأخير قبل التسليم أحدث ما حكم صلاته ؟
ج: هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم لو أن إنساناً أحدث بعد التشهد الأول وقبل التسليم .
ذهبت طائفة من أهل العلم إلى صحة صلاته واحتجوا على ذلك بالحديث المروي عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولكّن ذلك الحديث ليس بصحيح هو ضعيف لا تقوم به الحجة والصحيح أن من أحدث قبل أن يُسلم فإن صلاته باطلة لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم " تحريمها التكبير وتحليلها التسليم " فهو دليل واضح وحجة نيَّرة ولم يعارضه معارض معتبر فهو يدل كما قلت على أنه لابد من التسليم فصلاة هذا المصلي تعتبر باطلة وعليه أن يعيد صلاته وإذا كان قد قات الوقت فعليه مع الإعادة التوبة إلى الله تبارك وتعالى والله تبارك وتعالى أعلم .
س: شخص صلى وراء إمام ولكنه كررّ آية أو آيتين من الفاتحة ؟
ج: أما إذا كان هذا الإمام متعمداً لتكرار الفاتحة فإن صلاته تبطل عند جمهور العلماء وذلك أن جمهور العلماء ذهبوا إلى أن من كرر الفاتحة أو آية من آياتها أو جملة من جملها إذا لم يكن ذلك لمصلحة الصلاة بأن تكون تصحيحاً للقراءة فإن صلاته باطلة فعلى هذا الرأي فإن صلاة هذا الإمام باطلة وببطلان صلاته تبطل صلاة المأمومين الذين يصلون خلفه هذا هو مذهب طائفة من أهل العلم أما إذا كان ذلك الإمام ناسياً يظن أنه لم يأت بالآية أو بالآيتين على حسب ما فعل فإنه معذور وذلك لأن الصلاة تنقض بالتكرار في حالة العمد كما قال الإمام نور الدين السالمي رحمه الله تعالى .
ومنعوا تكراره للحمد ... وللتحيات بمعنى العمد
ونقضوا صلاة ذا المرر ... وعذروا الناسي هناك فاعذر (1/277)
صفحة 278
فمن أتى بآية أو بأكثر من ذلك من الفاتحة من طريق النسيان فإن صلاته صحيحة وكذا بالنسبة إلى صلاة من صلى خلفه من معرفة السبب الذي دعا هذا الإمام إلى تكرار هاتين الآيتين هل كان بسبب النسيان ولعل هذا هو الأقرب أو كان عمداًُ ولا أظن أن ذلك يقع من أحد فلا بد أن يسألوا هذا الإمام وبالتالي يطبقوا ما ذكرناه في الجواب أما إذا كررَّ الإنسان جملة من الفاتحة من أجل إصلاح القراءة فإن ذلك لا بأس به بل في بعض الحالات يكون واجباً والله تعالى أعلم .
س: رجل يصلي بالناس صلاة القيام وبعد الركعتين نسى أن يُسلم فنّبه وهو قائم فرجع وسلم ؟ (1/278)
صفحة 279
ج: نعم قد أحسن صنعاً لأن من نسى السلام في مثل هذه القضية لابد أن يرجع لأن صلاة الليل مثنى مثنى هكذا ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومعنى مثنى مثنى أنه يُفضل بين الركعتين الأوليين والآخريين بالسلام هذا هو الفهم الصحيح للحديث أما قول بعض أهل العلم بأن معنى مثنى مثنى أن يجلس بعد الركعة الثانية ولو لم يكن هنالك سلام أو أنه لا يشرع أن يأتي بالسلام فهذا فهم خاطئ وكذلك احتجاج بعضهم ببعض الأحاديث التي فيها أنه صلى أربعاً أربعا ً أيضا لا ينبغي أن يؤخذ به بل الحديث نص صريح في أن المراد مثنى مثنى أنه يفصل بين الركعتين الأوليين والأخريين بالسلام وعليه من نسي السلام فإنه يؤمر بأن يرجع إليه وأن يسلم وبعد ذلك يقوم للركعتين الأخريين وهذه المسألة تختلف عمن نسي التشهد الأول في الفريضة ولم يتذكر إلا بعد أن انتصب قائما ً فإنه يؤمر بإتمام صلاته وبعد ذلك يسجد للسهو قبل أن يسلم كما ثبت في الحديث عن عبدالله بن بحينه في الصحيحين وفي غيرهما وقد جاء في رواية من طريق المغيرة وقد جاءت من طريقتين يشردُّ أحدهما الآخر ويرتقي الحديث بهما إلى درجة الحسن إلى أنه يدل على أنه من لم ينتصب عليه أن يرجع فمن انتصب فلا يرجع وهذا التفصيل لابد من الأخذ به نظراً إلى ثبوت هذا الحديث ويكون حديث ابن بحينه محمول على من انتصب قائماً ولا سيما أنه فعل والفعل لا يعم والله تعالى أعلم .
(5) حكم المرور أما المصلي :
س: ما حكم المرور أما المصلي ؟ (1/279)
صفحة 280
ج: ثبت النهي عن ذلك في صحيح الربيع- رحمه الله تعالى- وعند الشيخين وغيرهما من أئمة السنن والمسانيد ، حكم ذلك أنه محرم ولا يجوز لأحد أن يفعل ذلك ، وإنما اختلف العلماء في حكم صلاة من مر أمامه أحد ، فذهب بعض العلماء إلى أن صلاته منتقضة وهو الذي ذهب إليه جمهور أصحابنا – رضوان الله تعالى عليهم - ، وذهب طائفة من العلماء إلى أن صلاته صحيحة وهو الذي ذهب إليه الإام ابن محبوب والإمام الربيع والشيخ هاشم بن غيلان وذهب إليه الشيخ الصالح- رحمه الله - ، ولعل هذا القول أقرب القولين إلى الصواب ، أما ما يروى من أن الصلاة ليست بحبل ممدود فهذا ليس بحديث على الصحيح .
س: ما حكم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أثناء السجود ؟
ج: نعم لم يأت حديث ثابت صحيح يدل على مشروعية ذلك ولكن إذا كان ذلك في سجود خارج الصلاة فكان الإنسان يدعوا في سجوده وأتى بالصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلا شيء عليه وكذلك إذا كان في سجود النفل ذلك أيضاً مما لا مانع منه وإن كنتُ لم أجد حديثاً يدل على مشروعية ذلك في سجود النفل أما في الفرائض فلا إذ أن هذا لم يرد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على أن كثيراً من الأدعية التي وردت عن النبي صلى الله عليه وعلى أله وسلم كثير منها في النوافل وأن كان جاء على أنه في الفرائض فإن العلماء قد اختلفوا في ذلك هل هو باق أو أنه منسوخ ولاشك أن من صلى ولم يأت في سجوده في الصلاة أي في صلاة الفريضة إلى بالمتفق عليه فإن ذلك أولى لأن صلاته صحيحة باتفاق العلماء بخلاف من أتى في صلاته ببعض الألفاظ التي اختلف العلماء في الإتيان بها في الصلاة مع احتمال نسخها أو نسخ بعضها والله تبارك وتعالى أعلم .
س: هل تجوز الصلاة في الطابق الثاني في المسجد الحرام إذا كان الطابق الأول غير ممتلئ لعله يقصد الدور الأرضي . (1/280)
صفحة 281
ج: إذا تمكن الإنسان من الصلاة في الطابق الأول أو في الدور الأرضي فذلك هو الأولى ولكنه إذا صلى في الطابق الأول أو في الثاني فصلاته تعتبر صحيحة بمشيئة الله تعالى ولكنه كما قلت إذا تمكن من الصلاة حول الكعبة في ذلك المكان فهذا هو الأولى والله تبارك وتعالى أعلم .
أولا : كيفية استقبال الشهر الكريم
س: تسأل عن الحدود التي يسلكها المسلم في رمضان في مشاهدة التلفاز. (1/281)
صفحة 282
ج: على كل حال؛ ينبغي في السؤال أن يُسأَل عن الحدود التي ينبغي للمسلم أن يسلكها في كل وقت من الأوقات، وذلك لأنّ الإنسان يجب عليه أن يطيع مولاه-سبحانه وتعالى-في أيّ وقت من الأوقات ويجب عليه أن يبتعد عن ما نهى عنه الله-تبارك وتعالى-في كتابه أو على لسان رسوله-صلى الله عليه وسلم-في أيّ وقت من الأوقات .. نعم كما أنّ الحسنات تُضاعَف في شهر رمضان فإنّ السيئاتأيضا تكون أعظم في هذا الشهر الكريم، ولكن ليس معنى ذلك أنه يُباح للإنسان أن يَنظر أو أن يَستمع إلى ما حرّمه الله-تبارك وتعالى-في غير شهر رمضان وأنه يُمنع من ذلك في هذا الشهر فقط، وكذلك كثير من الناس يسألون عن صحة صيامهم إذا فعلوا شيئا من المحرمات .. هل الصيام صحيح أو فاسد ؟ وطبعا جدير بالمسلم أن يَبحث عن صحة صيامه وفساده ولكن أيضا يَجدُر به أن يَبحث عن الحلال والحرام فيبتعد عن ما حرّمه الله-تبارك وتعالى-ولو كان ذلك لا يَنقض الصيام، فهل إذا قيل له: " إنّ صيامه صحيح " يمكن أن يَرتكب تلك المعصية ؟! فلماذا هو يبحث عن صحة صيامه ؟! أليس من أجل أن يمتثل أمر الله-سبحانه وتعالى-ومن أجل أن يفوز في يوم القيامة بدخول الجنة ؟! وإذا كان الأمر كذلك فكذلك المعاصي إذا كانت كبيرة من كبائر الذنوب فإنها-والعياذ بالله تبارك وتعالى-تُخلِّد صاحبها في نار جهنم إذا كان لم يتب إلى الله-تبارك وتعالى-منها، فإذن ينبغي للإنسان أن يسأل عن المحرمات-ماذا يَحرم عليه وماذا يجوز له-سواء كان ذلك في هذا الشهر الكريم أو في غيره، وأن يبتعد عن كل معصية سواء كان ذلك في هذا الشهر أو في غيره وسواء كانت تنقض الصيام أو كانت لا تنقضه. (1/282)
صفحة 283
أما بالنسبة إلى ما يجوز لها ولغيرها طبعا أن يستمعوا إليه وأن ينظروا إليه في مثل هذه الآلات فإنّ هذه الآلة في حقيقة الواقع لا تحلّل حراما ولا تحرّم حلالا، فما جاز للإنسان أن يَنظر إليه في غير هذه الآلة فيجوز له أن ينظر إليه في هذه الآلة، وما جاز له أن يَستمع إليه في غير هذه الآلة فإنه يجوز له أن يستمع إليه في مثل هذه الآلات، وما لم يَجز فإنه لا يجوز له أن يستمع إليه إذا عُرِض في هذه الآلات، فالصور المحرَّمة والأغاني المحرَّمة وما شابه ذلك .. كل هذه الأمور لا يجوز الاستماع إليها أو النظر إليها في غير هذه الآلة، وكذلك يقال في مثل هذه الآلة .. هذا باختصار شديد؛ والله-تبارك وتعالى-ولي التوفيق.
ثانيا : أحكام وقت الإمساك و نية الصوم
س: هل الصائم يعقد النية قبل الصيام كأن ينوي أن يصوم ثلاثين يوما-مثلا-أم أنّ لكل يوم نيته ؟
ج: أوّلا: النية المعتبرة هي النية القلبية، وليس بحاجة إلى التلفظ بنحو: " اللهم نويت أن أصوم " أو ما شابه ذلك مما يذكره كثير من الناس وإن كان موجودا في بعض الكتب فإنّ ذلك مما لا أصل له في سنّة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ولم يكن-أيضا-معهودا عند السلف رضوان الله-تبارك وتعالى-عليهم، وإنما النية المعتبرة هي النية القلبية كما قلتُ.
ثم إنّ العلماء قد اختلفوا في شهر رمضان هل كل يوم فريضة مستقلة بذاتها أم أنّ الشهر كله فريضة واحدة ؟ والقول بأنّ كل يوم فريضة مستقلة بذاتها هو القول الصحيح، لأدلة متعدّدة.
وبناء على هذا الخلاف اختلف العلماء في وجوب تجديد النية لكل يوم:
فمن قال بأنّ رمضان فريضة واحدة قال: تجزي النية الواحدة.
ومن قال بأنه فرائض متعدّدة اختلفوا في ذلك:
فذهب بعضهم إلى أنه لابد من النية لصيام كل يوم. (1/283)
صفحة 284
وذهبت طائفة منهم إلى أنّ ذلك لا يشترط، بل إذا نوى الإنسان أن يصوم شهر رمضان في الليلة الأولى فإنّ ذلك يجزيه اللهم إلا إذا أفطر بسبب عذر شرعي-كمرض أو سفر أو ما شابه ذلك من الأعذار التي تبيح ترك الصيام-فإنه في هذه الحالة عند من يريد أن يصوم مرة أخرى فإنه يطالب بالنية في ذلك الوقت؛ وهذا القول هو القول الصحيح؛ فمن نوى أن يصوم في الليلة الأولى .. نوى أن يصوم شهر رمضان فإنّ ذلك يجزيه إلا أنه إذا أفطر فإنه يطالب بالإتيان بالنية مرة أخرى .. هذا ما يظهر لي؛ والله-تعالى-أعلم.
س: أسرة صَحَت للسحور والأذان يؤذّن فلكي تدرك نفسها قامت بتناول وجبة السحور والأذان يؤذّن، فماذا عليها ؟
ج: الله المستعان؛ إذا كان المؤذّن يؤذّن بعد طلوع الفجر فإنه لا يجوز لأحد أن يأكل بعد ذلك، وذلك لأنّ الله-تبارك وتعالى-حدّد وقت الصوم بطلوع الفجر، وهكذا جاء في السنّة الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه، فإذا طلع الفجر فلا يجوز لأحد أن يأكل أو يشرب أو أن يستعمل شيئا من المفطّرات المعلومة. (1/284)
صفحة 285
نعم جاء حديث مرويّ عن رسول الله-صلى الله وسلم وبارك عليه-أنّ من كان في يده شيء من الطعام-أو الشراب بالطبع-فإنّ له أن يأكل، ولكن هذا الحديث وإن جاء من طرق متعدّدة وادعى بعضهم أنه يصل إلى درجة الحسن أو الصحيح بمجموع تلك الطرق فإنه في حقيقة الواقع معارِض لكتاب الله-تبارك وتعالى-ولسنّة رسوله-صلى الله وسلم وبارك عليه-الصحيحة الثابتة ثبوتا أوضح من شمس الظهيرة، وما كان معارِضا لكتاب الله ولسنّة رسوله-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-فإنه لابد من أن يُحكم ببطلانه وأنه لا يثبت عن رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-بحال من الأحوال اللهم إلا إذا كان ذلك الدليل سابقا على نزول الكتاب أو السنّة الصحيحة، وهذا الحديث ليس من ذلك القبيل فهو في حقيقة الواقع حديث باطل لا يصح ولا عبرة بتعدد طرقه، وكثير من المحدثين من المتأخرين يحكمون بصحة بعض الأحاديث نظرا إلى وجود بعض الطرق لذلك الحديث ولكن في حقيقة الواقع لابد من أن ينظر إلى بقية الشروط المشترطة لصحة الحديث ومن أهم تلك الشروط عدم الشذوذ وعدم العلّة التي تقدح في صحة ذلك الحديث المروي، وإذا كان يُحكم بشذوذ الحديث وعدم ثبوته بمجرد مخالفة الراوي ولو كان ثقة لمن هو أوثق منه فلابد من أن يُحكم بكذبه إذا خالف الكتاب العزيز وخالف السنّة الصحيحة الثابتة المشهورة بل التي تكاد تصل إلى حدّ التواتر، ولا حاجة للبحث في تواترها وعدم ذلك لأنّ دلالة القرآن واضحة جليّة وإن كنتُ لا أقول بالإطلاق في القضية التي ذكرتُها سابقا وهي أنّ الحديث إذا خالف راويه الثقة لمن هو أوثق منه أنه يُحكم بشذوذ رواية الثقة .. (1/285)
صفحة 286
لا أقول بالإطلاق في ذلك، ولذلك موضع آخر إن شاء الله تبارك وتعالى، ولكن الذي يعنيني في هذه القضية أنّ هذا الحديث يُحكم ببطلانه وعدم ثبوته عن رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-ولو جاء من سبع أو من ثمان طرق، فإنّ تلك الطرق لا عبرة بها مع هذه المخالفة الصريحة الواضحة الجليّة التي لا تخفى .. نعم يمكن أن يقال بعذر من أكل أو شرب وفي يده الطعام أو الشراب في حالة سماع الأذان .. يمكن أن يقال بعذره من الكفارة، وذلك لأنّ الكفارات تُدرأ كالحدود بالشبهات على الرأي الصحيح، فمن وقع في ذلك وكان يعرف هذا الأمر فإنه لا يحكم عليه بالكفارة وإنما يقال بوجوب التوبة عليه ووجوب القضاء عليه-أيضا-فهؤلاء لا أظن أنهم يعرفون هذا الحديث أو أنهم سمعوا به وإنما هو التهور بعينه، فإذا كانوا لم يعتمدوا على مثل هذا الحديث الواهي الباطل فلابد من القول بوجوب التوبة والكفارة مع القضاء عليهم، وأما إذا كانوا يحتجون بمثل هذه الشبهة فإنه يمكن أن يقال: إنّ شبهة الجهل مع الاعتماد على هذا الحديث الموضوع الواهي تدرأ عنهم الكفارة؛ وهذا الذي يمكن أن أقوله باختصار، وإذا كانوا يريدون أن يوضحوا هذا السؤال فبإمكانهم أن يتصلوا مرة أخرى وسنجيب عليه على حسب التفصيل الذي يفصلونه في سؤالهم؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم, "وجوابي منصبّ على تقدير أنّ المؤذّن قد أذّن بعد طلوع الفجر .. أي عند انشقاق الفجر، وأما إذا كان قد قدّم الأذان فلا عبرة بذلك، إذ إنّ العبرة بطلوع الفجر لا بالأذان، ولكن الأصل في المؤذّنين أنهم لا يؤذّنون إلا بعد طلوع الفجر .. (1/286)
صفحة 287
أي عند طلوع الفجر ولاسيما في شهر رمضان ثم إنه يمكن أن يعتمد على التقاويم، والمعتمد عليه هو طلوع الفجر لا تلك الفترة التي تقدّم على الفجر فإنه في التقويم هنالك فترة قبل طلوع الفجر يقال بأنها فترة إمساك أو ما شابه ذلك ولا أصل لذلك في سنّة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بل ينبغي للإنسان إذا أراد أن يأكل أو أن يشرب أن يأكل وأن يشرب حتى يطلع الفجر، ولا عبرة بتلك الفترة التي تذكر في التقاويم، إذ إنها مخالفة لهدي النبي صلى الله وسلم وبارك عليه؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: هل يمكن أن تُعتبَر كاحتياط ؟
ج: إذا كان التقويم صحيحا الذي فيه ذكر طلوع الفجر فلا عبرة بمثل هذا الاحتياط، لأنّ الرسول-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-حثّنا على تأخير السحور .. هذا من جهة، ومن جهة أخرى كان بلال-رضي الله تعالى عنه-يقدّم الأذان حتى يقوم الناس من أجل السحور، ثم إنّ ابن أمّ مكتوم-رضي الله تعالى عنه-كان يؤذّن بعد طلوع الفجر .. أي عند تحقق طلوع الفجر أو بمجرد طلوع الفجر .. أذكر هذه العبارات حتى لا يلتبس الأمر على بعض الناس، فما قال لهم الرسول-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-احتاطوا بمجرد أذان بلال أو ما شابه ذلك .. كلا, والخير كل الخير-كما قلتُ-في اتباع هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. (1/287)
صفحة 288
وبمناسبة ذكر الحديث السابق الذي صحّحه من صحّحه فإنني أحثّ الناس على عدم التعجّل في اتباع تصحيحات كثير من الناس وتحسيناتهم، فإنّ كثيرا من الناس لا ينظرون إلى متون الأحاديث وإنما يكتفون بالأسانيد؛ كما أنني-أيضا-أحثّ أولئك الذين يتعجّلون في ردّ الأحاديث بمجرد مخالفتها لبعض الآيات أو لبعض الأحاديث بحسب زعمهم، وأتوا بسبب عدم فقههم في كتاب الله تعالى وفي سنّة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فليس كل حديث يظهر في بداية الأمر أنه مخالف لكتاب الله أو لسنّة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يحكم بكذبه ووضعه .. كلا، بل لابد من النظر في ذلك جيدا، ولا يتمكن من ذلك إلا الراسخون في العلم، فتكذيب حديث ثابت عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-ليس بالأمر الهيّن، والحكم بثبوت حديث عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-وهو لا يثبت عنه ليس بالأمر السهل، فهذه الأمور لابد من أن يحكم فيها أولئك الراسخون في علم الأصول وفي علم الحديث مع معرفة كبيرة بعلم الفقه بعد التأنّي والتمحيص والبحث، وكثير من الناس-كما قلتُ-أخذوا يفرّطون في مثل هذه الأمور ويحكمون بعجلة شديدة .. يحكمون بثبوت الأحاديث وبعضهم بعدم ثبوتها من غير التروّي والنظر والتمحيص، وكثير منهم همّتهم تحقيق الكتب ويستعجلون في ذلك كثيرا جدا ويحكمون بثبوت أو بعدم ثبوت بعض الأحاديث مع أنّ الواقع بخلاف ذلك، فحديث رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-ليس بالأمر السهل .. يُحكم بصحته أو بثبوته مع أنه قد يكون بخلاف ذلك .. نعم التصحيح والتضعيف حكم ظني، ومهما فعل الإنسان لابد من أن يقع في بعض أحكامه الخطأ ولكن نسبة الخطأ تختلف بين خطأ العالم الذي يحكم بحجة نيّرة وبين خطإ بعض الناس كما هو معلوم، ولا أريد أن أطيل في هذه القضية فإنّ ذلك مما لا تتسع له هذه العجالة، وله وقت آخر بمشيئة الله تبارك وتعالى؛ والله-تعالى-أعلم. (1/288)
صفحة 289
س: السحور في الساعة : ( لا تزال(الثانية عشر ليلا، هل يتنافى ذلك مع الخيرية التي قال عنها النبي أمّتي بخير ما أخّروا السحور وعجّلوا الفطور ) .. عندما يتسحر الإنسان في الساعة الثانية عشر ليلا ؟
ج: لا, هذا الأمر مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم, فهدي النبي-صلى الله وسلم وبارك عليه-هو تأخير السحور وتقديم الفطور، وكثير من الناس يظنون أنّ الفضل في تأخير الفطور وفي تقريب السحور، والواقع أنّ الفضل في فعل ما أمر به النبي صلى الله وسلم وبارك عليه، فالرسول-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-قد حثّ على تأخير السحور وعلى تقديم الفطور، وكان يواظب هو-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-على ذلك، فلا ينبغي لأحد أن يؤخّر الفطور ولا أن يقدّم السحور، وليعلم علما يقينيّا بأنه لا فضل له في ذلك، وإنما الفضل كل الفضل في فعل ما أمر به النبي صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه.
ثالثا : ما يثبت به الصوم
س: بعد أيام قليلة سيتحرى الناس رؤية هلال شهر رمضان المبارك ويستنفرون في ذلك كل جهودهم، فهل لكم من كلمة توجهونها إلى الناس تحثهم على أهمية تحري الرؤية ؟
ج: إنه مما لا يخفى أنّ الشهور العربية تترتب عليها أحكام متعددة في شرع الله تبارك وتعالى، بعضها يتعلق بالزكاة وبعضها يتعلق بالصيام وكذا بالحج والبيوع وشؤون الأسرة وما شابه ذلك، وقد قصّر كثير من الناس في زماننا هذا فإنهم لا يهتمون بمسألة تحري الهلال، بل يتكل كل واحد على غيره من غير أن ينظر في الليلة التي يُتوقَّع بأن يُرى فيها الهلال، والذي ينبغي في هذه القضية أن يَنظر الناس ولاسيما من يمكنه أن يرى الهلال في تلك الليلة بلا فرق بين شهر رمضان وغيره من بقية الشهور، وذلك لأنّ أحكاما كثيرة تتعلق بذلك كما قلتُ، ولا بأس من التذكير ببعضها نظرا إلى أنّ كثيرا من الناس يَجهلون كثيرا من هذه الأحكام. (1/289)
صفحة 290
فمن جملة هذه الأحكام صيام شهر رمضان المبارك، وذلك لأنّ الله-تبارك وتعالى-قد علّق الصيام على رؤية الهلال أو على إكمال شعبان ثلاثين يوما، فإذا قصّر الناس في مسألة ترائي الهلال فإنه قد تثبت الرؤية ولا يَرى الهلالَ أحدٌ وفي ذلك خطر عظيم لا يخفى على أحد.
وكذلك يتعلق بذلك عيد الفطر المبارك.
ويتعلق بذلك صلاة العيد فإنها واجبة على رأي بعض أهل العلم على الأعيان، وواجبة على الكفاية على رأي طائفة منهم، وسنّة مؤكّدة على رأي طائفة من أهل العلم، ولا شك أنّ النبي-صلى الله عليه وسلم-قد واظب عليها بعد أن شُرِعت طيلة حياته، وواظب عليها المسلمون في عصره وبعد ذلك، ولا ينبغي لأحد أن يُفرِّط في أمرها.
وهكذا بالنسبة إلى شهر الحج فإنه تُشرَع في اليوم العاشر صلاة عيد الأضحى المبارك.
وكذلك يَحرم صيام يومي العيدين، أي صيام عيد الفطر المبارك وصيام عيد الأضحى المبارك.
وكذلك يَحرم صيام أيام التشريق أو يُكره على خلاف بين أهل العلم في هذه القضية، والأكثرون على الكراهة.
وكذلك يَحرم صيام يوم الشك على أصحّ الأقوال وأرجحها.
وكذلك من الأحكام المهمّة التي تتعلق بذلك الوقوفُ بعرَفة، فإنه يكون في اليوم التاسع من ذي الحجة، ولا يصح تقديمه على ذلك، كما أنه لا يصح تأخيره أيضا.
وكذلك ما جاء من فضل الأيام العشْر-أي التسع الأولى مع اليوم العاشر-من ذي الحجة، وذلك لأنّ العمل في هذه الأيام أفضل من غيرها من سائر العام، كما ثبت ذلك في الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإنه يُشرَع للإنسان أن يُكثر في هذه العشر باستثناء العاشر طبعا في الصيام .. أن يكثر من الصيام ومن الأعمال الصالحة، أما الصيام فهو مخصوص بالتسع الأولى وخاصة في اليوم التاسع من ذي الحجة، وأما بالنسبة للأعمال الصالحة فإنه ينبغي الإكثار في العشْر جميعا. (1/290)
صفحة 291
وكذلك بالنسبة إلى الزكاة، فإنّ الإنسان يُؤقِّت لأمواله يوما محدّدا وقد يزيد المال في ذلك اليوم وقد يَنقص فإذا لم يُعرَف اليوم الحقيقي للشهر فقد يَزيد المال في اليوم الذي تجب فيه الزكاة أو يَنقص المال وهو لا يَعرف ذلك ثم لا يؤدي الواجب الشرعي عليه في مسألة الزكاة.
وكذلك بالنسبة إلى كثير من الأحكام المتعلِّقة بالعِدَدِ، وذلك كعِدَّة المرأة التي تُوفي زوجها، فإنّ المتوفى عنها زوجها تعتدّ أربعة أشهر وعشرة أيام إن كانت غير حامل، وإذا وقع خلل في الشهر فإنها قد تزيد وقد تنقص وقد يتزوجها زوج وهي لا زالت في العِدَّة، وهكذا بالنسبة إلى عِدَّة المطلَّقة إذا كانت غير بالغة أو كانت ممن لم يَحِضْنَ لِكِبَرِ سِنِّها أو لغير ذلك من الأمور المبيَّنة في الفقه.
وهكذا بالنسبة إلى الظِّهار والإيلاء، إلى غير ذلك من الأحكام التي يطول المقام بذكرها.
فهذه الأحكام-وغيرُها كثير-تتعلق بالأشهر القمرية فينبغي لذلك ولغيره أن يُنتبه لهذه القضية، وألاّ يُقَصَّر في مثل هذه المسألة.
وكثير من الناس يَعتنون بشهر رمضان وبشهر شوال ولكنهم لا يَعتنون ببقية الأشهر وقد يقع الخطأ في شهر رجب مثلا أو في شهر شعبان وبسبب ذلك الخطأ يقع الخطأ في شهر رمضان، فإنه قد يقع خطأ مثلا في شهر شعبان .. يُعَد بأنه قد دخل قبل أو بعد ثم لم يُر الهلال أو لا ينظر الناس إلى الهلال ظنا منهم بأنّ الوقت لم يَحِنْ بعدُ والأمر بعكس ذلك، فإذن لابد من الاهتمام بمثل هذه المسائل؛ ونسأل الله-تبارك وتعالى-أن يُوفِّق الجميع لما فيه الخير.
س: هل من رأى الهلال ثم قَصَّر في الاتصال باللجنة التي أُعِدَّت لاستطلاع الهلال يُعدُّ آثما ؟ (1/291)
صفحة 292
ج: إذا رأى الهلال وتأكَّد من ذلك فلابد من أن يَتّصل باللجنة, وإن كان لا يمكنه ذلك فلابد من أن يَتّصل بالقاضي الذي في منطقته بل ذلك أولى، لأنّ اللجنة قد لا تعرف عن ذلك الشخص هل هو من العدول الذين يُقبل قولهم في ذلك أو ليس من أولئك, فإذا تأخّر عن ذلك مع قدرته على ذلك فإنه آثم والعياذ بالله تبارك وتعالى؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س4: البعض يشك في نفسه من أنّ الرؤية ثبتت حقيقة إلا أنّ اللجنة-مثلا-لم يصلها خبرها فهو يشك ويقول: " إنّ البلد الفلاني قد صاموا فلماذا لا أصوم معهم ؟! " فيصوم استنادا على الشك الذي يوجد في نفسه ؟
ج: على كل حال؛ إذا كانت قد ثبتت الرؤية-قد رأى هو نفسه الهلال أو قد رآه من يثق بدينه .. أي من تُعتبَر رؤيته شرعا-فنعم يجب عليه هو وعلى غيره أن يصوم.
ولكن هنالك نقطة مهمّة لابد من التنبيه عليها-وقد أطلتُ الكلام عليها في العام الماضي (2) ولذلك لا أرى داعيا من الإطالة عليها في هذه الليلة-وهي قضية اختلاف المطالع, فقد تثبت الرؤية في بعض البلدان بشهادة شهود معتبَرين شرعا ولكن تلك البلدة أو تلك القرية تختلف مطالعها عن بلادنا هذه فنحن لا نقدح في صيامهم ونقول على من كان في ذلك المكان إذا كانت الرؤية قد ثبتت حقّا وصدقا يجب عليهم الصيام, أما من تختلف مطالعه عن مطالعهم فليس له أن يصوم بصيامهم، وقد جاء في الحديث عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-ما يدل على ذلك، وقد أطلتُ في ذلك في العام الماضي ولا أرى داعيا الآن من الإطالة، فإذن هذا هو صيام الشكّ (3) الذي تكلّمنا فيه سابقا، وليس له أن يصوم بصيام قرية أو بلدة بعيدة تختلف مطالعها عن مطالع بلده، وإلا فإنه يكون قد صام الصوم المنهي عنه؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: إذن فلا داعي لمثل هذا الشك ؟
ج: أي نعم، لا داعي لمثل ذلك. (1/292)
صفحة 293
رابعا : أحكام الصوم المستحب والمكروه والمحرم
س: ما هو الصيام المحرم والمكروه والمستحب ؟
ج: قد رُويت عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-أحاديث كثيرة تدل على ندبية صيام بعض الأيام وعلى تحريم وكراهة صيام بعض الأيام الأخرى، والمقام لا يَسمح بأن أذكر تلك الأحاديث التي رُويت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ... (1) بأنّ الوقت لا يَسمح بذلك كما أشرتُ.
1) الصوم الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم
* صيام ستة أيام من شوال (2)
فثبت عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-الأمر بصيام ستة أيام مِن شوال، وهو حديث صحيح ثابت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وقد قَدح بعض العلماء فيه ولكنّ ذلك ليس بشيء، إذ إنهم لم يأتوا بعلة تَقدح في صحّة هذا الحديث، فهو حديث ثابت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وبذلك يَتبيّن بأنّ كراهةَ من كَرهَ صيام هذه الأيام سواء كان ذلك بعد العيد مباشرة أو كان في أثناء الشهر ولو كان متأخرا ليس بشيء.
ومَن شاء أن يصوم هذه الأيام متفرِّقة فله ومَن شاء أن يصومها متتابِعة فله، إذ إنه لم يَثبت عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-ما يدل على أنه لابد مِن تتابُعها، والحديث الذي جاء عنه الذي يدل على تتابعها لا يثبت عنه لضعف إسناده.
* صيام يوم عرفة
وكذلك ثبت عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-الأمر بصيام يوم عَرَفَة-وبيّن صلى الله عليه وعلى آله وسلم فضلَه وأنه يُكَفِّرُ سنتين سنة قبله وسنة بعده-وهذا خاص بِمَن لم يكن واقفا بعَرَفَة، وأما مَن كان وافقا بعَرَفَة فإنه لا يُشرَع له الصيام، لأنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-لم يَصم ذلك اليوم عندما كان واقفا بعَرَفَة.
__________
(1) -وقع هنا-للأسف-انقطاع في الشريط لخلل أثناء تسجيله من التلفزيون، ويبدو أنه غير مؤثّر في جواب الشيخ.
(2) - ينظر الملحق رقم 7. (2/1)
صفحة 294
وقد جاء عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-حديث يدل على النهي عن صيامه لِمَن كان واقفا بعَرَفَة ولكنّ ذلك الحديث لا يَصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لأنّ في إسناده مجهولا، فالنهي عن صيامه لا يَصح ولكنّ الإنسان ينبغي له أن يَقتدي بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وجاء حديث فيه الأمر بصيام آخر يوم مِن ذي الحجة وأول يوم (1) مِن شهر المحرم ولكنّ هذا الحديث لا يَثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهو حديث موضوع، وقد ذَكَر ذلك الوضّاع بأنّ هذا الصيام (2) يُكَفِّرُ خمسين سنة وهو-كما قلتُ-باطل لا يَثبت ..
* صيام شهر المحرم
نعم ثبت عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-الأمر بصيام شهر المحرم، فالحديث الدال على صيام شهر المحرم ثابت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويَدخل اليومُ الأول في ضِمن هذا الفضْل الذي ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لا بدلالة ذلك الحديث الموضوع.
* صيام يوم عاشوراء
وأفضل الصيام في شهر المحرم هو صوم اليوم العاشر، وهو المعروف بصوم يوم عاشوراء، فقد ثبت عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-أنه كان يَصومه بل ثبت عنه أنه أمر بصيامه وأنه يُكَفِّرُ سنة قبله.
والأفضل أن يصومه مع اليوم التاسع وإن اقتصر عليه فله ثوابه بمشيئة الله تبارك وتعالى.
وقد جاء حديث في النهي عن صيامه مفرَدا والأمر بصيامه مع يومٍ قبله أو مع يومٍ بعده ولكنّ ذلك الحديث لا يَثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لأنّ في إسناده ضعيفا ومجهولا، فقول مَن قال بأنّ الأكمل بأن يَصومه الإنسان مع يومٍ قبله ومع يومٍ بعده لم أجد ما يدل عليه.
وإنما ثبت الحديث بفضْل صيامه مع يومٍ قبله وثبت-أيضا-الأمر بصيامه مفرَدا.
__________
(1) -قال الشيخ: " صوم " بدلا مِن " يوم " وهو سبق لسان.
(2) -قال الشيخ: " الحديث " بدلا مِن " الصيام " وهو سبق لسان. (2/2)
صفحة 295
وقد جاء في رواية أنّ يومَ عاشوراء هو اليوم التاسع ولكنّه حديث ضعيف بل باطل لا يَثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
* صيام أغلب شعبان (1)
وثبت عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-أنه كان يَصوم شهر شعبان .. جاء في بعض الروايات أنه كان يصوم شهر شعبان، وجاء في بعضها ما يدل أنه كان يصوم أغلب شعبان، وهذه الرواية هي الرواية الصحيحة، لِما ثبت مِن النهي عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-عن تَقدُّم رمضان بِصوم يوم أو يومين، فالرسول-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-كان يُواظِب على صيام أغلب شعبان، والرواية الأخرى محمولة على الغالِب.
وجاءت رواية فيها الأمر بصيام الخامس عشر مِن شعبان ولكنّ هذه الرواية باطلة لا تصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وجاء في رواية أخرى أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن صيام النصف مِن شعبان-وقد حَمَلها بعض العلماء على اليوم الخامس عشر، وحملها بعضهم على النصف الثاني مِن شعبان لِمَن كان يَشُقُّ عليه ذلك، وحملها بعض العلماء على مَن ابتدأ الصوم مِن منتصف شهر شعبان وهذا بناء على ثبوت هذه الرواية كما ذهب إلى ذلك بعض العلماء-ولكنّ هذه الرواية لا تَثبت عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-على الصحيح-كما هو مذهب جماعة كبيرة مِن أهل العلم. (2)
* حكم صيام يوم التروية والعشر الأول من ذي الحجة
__________
(1) - ينظر: الملحق رقم 8.
(2) - ينظر: الملحق: رقم 1. (2/3)
صفحة 296
وجاءت رواية عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-فيها فضْل صيامِ يومِ التروية، ولم يَثبت عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-أنه صامه في الحج، أما بالنسبة إلى غير الحج فجاءت بعض الروايات أنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-كان يَصوم العشْر ولكنّ الرواية الصحيحة فيها أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يَكن يَصوم ذلك .. نعم جاء أنّ العمل الصالح في العشْر أفضل مِن غيرها، وأما رواية يوم التروية فإنها رواية باطلة لا تَثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لأنّ في إسنادها كذابا وفي إسنادها-أيضا-مجهول ولكنّ الحمْل على ذلك الكذاب الذي هو الكلبي المشهور بالكذب.
* حكم صيام يوم النيروز
وجاء-أيضا-الأمر بصيام يوم النيروز وأنه يَعدل سنتين وهي رواية باطلة، جاءت مِن طريق وفي إسنادها مجاهيل، ومِن طريق أخرى وفي إسنادها كذاب وهو سعيد بن مَيْسَرَة، فالحقّ بأنّ ذلك لم يَثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
* صيام يومي الاثنين والخميس
وجاء-أيضا-أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يَصوم يوم الاثنين ويوم الخميس والرواية بذلك ثابتة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وجاءت رواية أخرى فيها أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يصوم السبت والأحد والاثنين مِن شهر وكان يصوم الثلاثاء والأربعاء والخميس مِن الشهر الذي يليه ولكنّ هذه الرواية لا تَثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بل الثابت أنه كان يَصوم الاثنين والخميس.
وجاءت هنالك روايات تدل على صيام بعض الأيام ولكنّ ذلك لا يَثبت، فالثابت هو ما ذكرتُه على حسب ما يَحضرني الآن.
* صيام أيام البيض (2/4)
صفحة 297
والصيام-أيضا-الذي أمر به النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم، صيام ثلاثة أيام مِن كل شهر وهي أيام الليالي البيض وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر مِن كل شهر إلا الثالث عشر مِن شهر ذي الحجة فإنّ ذلك مكروه، لثبوت النهي عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-عن صيام أيام التشريق.
ثانيا : الصيام المحرم
1)صيام يوم العيدين
وأما الصيام المحرم فهو صيام يوم العيدين باتفاق أهل العلم، وقد ثبت النهي بذلك عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
2) صيام يوم الشك (1)
وكذلك صوم يوم الشك على مذهب طائفة مِن أهل العلم، وقد جاء النهي عن ذلك عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد اختلف العلماء في صوم يوم الشك بعد اتفاقهم على تحريم صيام يومي العيد .. أي عيد الفطر وعيد الأضحى:
فذهبت طائفة إلى تحريم صيام يوم الشك. وذهبت طائفة إلى كراهة صيامه.
وذهبت طائفة مِن أهل العلم إلى استحباب صيامه. وذهبت أخرى إلى التخيير في صيامه.
-وهنالك مذاهب كثيرة أخرى في صيام يوم الشك-
ومِن العلماء مَن قال بوجوب صيامه في حالة الغيم. ومنهم مَن قال باستحباب صيامه في حالة الغيم.
والصواب أنه منهي عن صيامه سواء كان ذلك في غيم أو كان ذلك في غيره.
3) صيام أيام التشريق
ومِن الأيام التي ثبت النهي عن صيامها أيام التشريق، وقد اختلف العلماء في هذا النهي:
حملته طائفة على التحريم. وحملته طائفة أخرى على الكراهة.
والقول بالكراهة هو الذي ذهب إليه الأكثرون ولكن لا ينبغي لأحد أن يَصوم ذلك حتى على القول بالكراهة، وهذا أمر واضح .. نعم ثبت خلاف بين أهل العلم في صيام أيام التشريق بالنسبة لِمَن لم يَجد الهدي أي بالنسبة للمتمتع والقارن على قول مَن يقول بأنّ القارن عليه هدي .. اختلف العلماء في هل يُشرَع لهما الصيام في هذه الأيام أو لا ؟
__________
(1) - ينظر: الملحق: رقم 2. (2/5)
صفحة 298
ذهبت طائفة إلى مشروعية ذلك، واحتجوا برواية مروية عن السيدة عائشة-رضي الله تعالى عنها-وهي محتمِلةٌ للرفع وللوقف، وقد جاء مِن طريق أخرى التنصيص على أنها مرفوعة عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-ولكنّ هذه الرواية التي هي نصّ في الرفع لا تَثبت، لأنها جاءت مِن طريق لا تَصح، وإنما الصحيحة هي الرواية الأولى ولكنها محتمِلة للرفع وللوقف، ولِمناقشة ذلك موضع آخر بمشيئة الله تبارك وتعالى.
* صيام يوم الجمعة
ومِن الصيام المكروه صيام يوم الجمعة وهذه الكراهة مقيَّدة بِمَن لم يصم قبله يوما ولا بعده يوما-كما جاء ذلك في الحديث الصحيح الثابت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-أما مَن صام قبله يوما أو صام بعده يوما فلا كراهة في ذلك.وقد اختلف العلماء في صيام يوم الجمعة إذا صادف يوم عرفة أو يوم عاشوراء مثلا:
ذهبت طائفة مِن أهل العلم إلى مشروعية صيامه، لأجل أنه يوم عرفة أو لأجل أنه يوم عاشوراء.
وذهبت طائفة مِن أهل العلم إلى كراهته، لأجل النهي عن صيام يوم الجمعة.
والأفضل للإنسان أن يصوم يوما قبل يوم عاشوراء-وهو التاسع-وإن لم يفعل ذلك فينبغي له أن يصوم الحادي عشر لأجل الخروج مِن هذا الخلاف وكذلك أن يصوم اليوم الثامن مِن شهر ذي الحجة لأجل الخروج مِن هذا الخلاف ولكن مَن لم يصم ذلك ولاسيما بالنسبة إلى يوم عرفة إذا فاته ذلك مثلا هل يُشرَع له أن يصوم أو لا ؟ في ذلك خلاف بين أهل العلم، والذي يَظهر لي أنّ صيامه مشروع .. هذا هو الصواب، وتقرير ذلك يَحتاج إلى وقت ولعلنا نتكلم على ذلك في مناسبة أخرى بمشيئة الله لأنه سيُصادِف على احتمال قوي في هذه السنة .. يوم عرفة سيُصادِف يوم الجمعة فلعلنا نتعرض لذلك بمشيئة الله قبل هذا اليوم، ولكنّ الصحيح-كما قلتُ-هو قول مَن قال بصيامه، والمستحَب بأن يُخرِج الإنسان نفسه مِن مثل هذه الخلافات ولاسيما مع قوة تعارض الأدلة فيها.
* صيام يوم السبت (2/6)
صفحة 299
وجاء حديث عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-فيه النهي عن صيام يوم السبت وقد ذهب بعض الناس إلى كراهة ذلك بل شدّد بعضهم فقال بتحريم صيامه وهذا ليس بشيء فالحديث لا يصح عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-على الصحيح، وذهب بعضهم إلى أنه منسوخ، والقول بعدم صحته هو الصحيح، ولا عبرة بقوة الأسانيد مع نكارة المتن وهي نكارة واضحة.
* صيام بعض أيام الأسبوع غير الاثنين والخميس
وجاءت أحاديث فيها النهي عن صيام بعض أيام الأسبوع أو فيها الأمر بصيام بعض أيام الأسبوع الأخرى وكل ذلك لم يَثبت إلا ما ذكرتُه سابقا مِن فعل النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-في صيام يوم الاثنين ويوم الخميس وأنّ ذلك مطلوب، وأما بالنسبة إلى بقية الأيام باستثناء يوم الجمعة فللإنسان أن يصوم إن شاء وأن يُفطِر إن شاء.
* صيام شهر رجب (1)
وكذلك جاءت أحاديث كثيرة جدا فيها بيان فضْل صيام شهر رجب ولكنّ تلك الأحاديث لا تَثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما بيّن ذلك جماعة كبيرة مِن أهل العلم، وفي ذلك يقول الإمام نور الدين-رحمه الله تعالى-في "جوهر النظام":
لكنها-يعني تلك الأحاديث-ضعيفة الإسناد ... وبعضهم بِوضعها يُنادي (2)
__________
(1) - ينظر: الملحق: رقم 3.
(2) -الإمام نور الدين السالمي، جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام، كتاب: الصوم، باب: أقسام الصوم إلى واجب وغيره، فصل: الصوم المستحب. (2/7)
صفحة 300
فالأحاديث الدالة على مشروعية صيام شهر رجب لم يَثبت منها شيء عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فمَن صام هذا الشهر فهو كغيره، للإنسان أن يصوم مِن غير أن يَعتقِد أنّ صيامه ثابت عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-وله أن يفطر .. نعم مَن كان لا يستطيع أن يصوم شهر رجب وشهر شعبان مثلا فينبغي له أن يُقدِّم شهر شعبان لثبوت ذلك عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-وليَترُك صيام شهر رجب، لأنّ ذلك لم يَثبت عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-بل لا ينبغي لأحد أن يصوم شهر رجب بأكمله لِما جاء مِن النهي عن صيام ذلك.
* صيام يوم الإسراء والمعراج ويوم مولد النبي الكريم
وكثير مِن الناس يَسأل عن صيام السابع والعشرين مِن شهر رجب وعن صيام الثاني عشر مِن شهر ربيع الأول لأنّ الأول فيه الإسراء والمعراج والثاني يُصادِف مولد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (2/8)
صفحة 301
وقبل كل شيء أريد أن أبيِّن أنه لم يأت دليل يدل على أنّ ليلة الإسراء كانت ليلة السابع والعشرين مِن شهر رجب ولا أنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-وُلِدَ في اليوم الثاني عشر مِن شهر ربيع الأول، وقد اختلف العلماء اختلافا كثيرا في هاتين القضيتين ولم يأت أحد بدليل يمكن التعويل عليه، فأولا هذا لم يَثبت .. أي لا دليل على أنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-أُسْرِيَ به في ليلة السابع والعشرين مِن رجب ولا على أنه ولد في اليوم الثاني عشر مِن ربيع الأول، ثم إنه لم يَثبت عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-ولا عن أحد مِن صحابته أنهم كانوا يصومون ذلك، فالأفضل تركُ ذلك مخافةَ أن يَعتقِد بعض الناس بعد مدة مِن الزمن بأنّ ذلك ثابت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد بيَّنتُ كثيرا مِن الأيام التي كان يصومها النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-أو أنه أمر بصيامها أو أنه بيَّن فضْل صيامها فليُواظِب الإنسان على ذلك فإنّ في ذلك خيرا كثيرا، وإن كانت لديه قدرة على الصيام فليصم يوما وليفطر يوما، كما كان نبي الله-تعالى-داؤود-عليه الصلاة والسلام وعلى نبينا-يصوم، فمَن كانت له قوة فليصم ذلك، أما أن يأتي بأمر لم يَثبت عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-ويُخشى بأن يَعتقِد الناس بفعله بأنه ثابت عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-فهذا مما لا ينبغي.
وكذلك جاء حديث فيه فضْل صيام الأشهر الحُرُم ولكنّ في إسناده مجهولا فهو لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم .. نعم ثبت الأمر بصيام شهر المحرم كما ذكرتُ (2/9)
صفحة 302
وكذلك جاء حديث فيه فضْل صيام الخميس والجمعة مِن كل شهر محرم وأنّ صيام ذلك يَعدل عبادة تسعمائة سنة ولكنّ هذا باطل موضوع ومخترع مصنوع كما هو ظاهر مِن متنه وفي إسناده كذاب؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم، وأكتفي بالاقتصار على ما ذكرتُه هنا ولعلّ شيئا فاتني مِن ذلك لكن هذا ما يَحضرني الآن؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
خامسا: أحكام نواقض الصيام
س: ما حكم أخذ الدم من الصائم وكذلك أعطاؤه هو لشخص آخر ؟ (2/10)
صفحة 303
ج: إن أخذ الدم من الإنسان وهو صائم أسواء كان ذلك للفحص أو لغيره مما اختلف فيه أهل العلم وذلك بناء على اختلافهم في الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الحجامة فإن طائفة كبيرة من أهل العلم قالوا بإفطار الحاجم والمحجوم واستدلوا على ذلك بأدلة متعددة مروية عن النبي صلوات الله وسلامه عليه حتى أدّعى بعض أهل العلم أنها بلغت مبلغ التواتر وإن كان بعضهم أدّعى أنّ ذلك لم يثبت عن الرسول صلوات الله وسلامه عليه لضعف تلك الروايات والصواب إن تلك الروايات ثابتة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولكنها منسوخة ولا أرى أن أطيل المقام بذكر تلك الروايات ومالها وما عليها وذكر الروايات الناسخة لها ولكننّى أرى أن هذا الرأي وهو القول بالنسخ هو الذي ينبغي أن يؤخذ به لأنه هو الذي يؤيده الحديث الثابت عن النبي صلوات الله وسلامه عليه وفيه دلالة واضحة على النسخ وذهب بعضهم إلى أن الحجامة تفطر الصائم وأما أخذ الدم للفحص أو نحو ذلك فلا وذلك أن ذلك قليل جداً ولأن الضرورة تقتضيه وهذا فيه نظر أن لو قلنا أن الحجامة تنقض الصيام وذلك لأنه لا فرق بين الأمرين إلا إذا قيل إنه بالنسبة إلى الحجامة يُحكم بالنقص لأن المريض يضعف بذلك ولكنّ هذه العلة عليلة إذ إنه لا مدخل للضعف وغيره فإذا تمكن الإنسان من مواصلة صيامه فإن صيامه يعتبر صحيحاً ولو أصابه شيء من الضعف إذن إما أن نقول بالنقض مطلقاً أو لا نقول بالنقض وبما أنه لا حاجة إلى القول بأن ذلك لا يقال عليه أنه ناقض لأجل الضرورة إذ إن من اضطر إلى ذلك لو كان ذلك ناقضاً لقيل إنه له أن يفطر ثم بعد ذلك يقوم بقضاء ذلك اليوم أما أن يقال إنها لا تفطر لأجل الضرورة فهذا كلام غريب جداً وقد علمتم بأن الرأي الراجح لدي هو أن الحجامة لا تفطر الصائم وعليه كذلك أقول إن من أخذ الدم لا يفطر الصائم نعم من استطاع أن يحتاط لأمر دينه وأن يخرج نفسه من الخلاف فإن ذلك أولى (2/11)
صفحة 304
أما الجواز فقد علمتم القول الراجح في هذه المسألة وأما بالنسبة إلى أعطاء الصائم الدم فإن ذلك ناقض فإذا وُضع دم لإنسان بأن كان مضطراً إلى ذلك فإن ذلك ينقض الصيام ولابد له من القضاء ولكنه يباح ذلك إذا كان مضطراً إليه لأنه مريض والمريض له أن يفطر كما هو معلوم من الأدلة على ذلك فيباح له الإفطار من أجل هذه العلة .
س: حكم الريق والبلغم هل يفطرا ؟
ج: أما الريق فلا يفطر نعم لا ينبغي للإنسان أن يجمعه في فيه وإن كان بعض العلماء قد نص وإن جمعه فلا شيء عليه في ذلك ولكن كما ذكرت لا ينبغي ذلك أما النقض فالريق لا ينقض وأما بالنسبة إلى النخامة فإن استطاع الإنسان أن يخرجها وتهاون بذلك فإنها تنقض الصيام وعليه التوبة وعليه الإعادة أما إذا لم يستطع أن يقوم بإخراجها فلا يكلف فوق طاقته وأريد بالاستطاعة أن لا يتمكن الإنسان من ذلك بأن تغلبه النخامة فتدخل في حلقه وإلى جوفه أما إذا كان ذلك من باب الاستحياء أو كان ذلك في الصلاة مثلا أو ما شابه ذلك فذلك مما لا يصح بإمكانه في الصلاة أن يقوم بإخراجها مثلا بورق أو حتى في ثوبه في حالات الضرورة لأنها ناقضة للصلاة وناقضة للصيام أما إذا لم يتمكن رأساً بأن غلبته ولم يستطع أن يخرجها فذلك ضرورة والله تبارك وتعالى أعلم .
س: ماذا على الصائم إذا تقيأ من غير عمد في نهار رمضان ؟ (2/12)
صفحة 305
ج: إذا تقيأ من غير أن يتسبب في ذلك ولم يقم بإرجاع شيء من ذلك القيء إلى جوفه فإن صيامه صحيح نعم إذا رجع شيء من ذلك القيء إلى الجوف غلبة أي لم يستطع الإنسان أن يمسكه فإن صيامه أيضاً أما إذا تسبب الإنسان في القيء فإن صيامه باطل وعليه أن يتوب إلى الله تبارك وتعالى وأن يعيد ذلك اليوم وذلك مثلا إذا أحسَّ الإنسان بغثيان وأخرج ذلك بطريق العمد فإنه يفطر بذلك وعليه أن يتوب إلى الله تعالى وفطره هذا لا يسوغ له أن يستمر على الإفطار بل لابد له أن يمسك اللهم إلا إذا كان ذلك بسبب المرض إذا كان تقيأ بسبب المرض واضطر إلى ذلك فإنه لا بأس بذلك وإذا شاء أن يمكث بعد ذلك على إفطاره بسبب مرضه فذلك أيضاً لا بأس لأنه أفطر بسبب المرض ولكن عليه بعد ذلك أن يعيد ذلك اليوم كما قلت . والله تبارك وتعالى أعلم .
س: البخاخ الذي يُستخدم لِضيق النَّفَس ؟
ج: البخاخ اختلَفت فيه كلمة أهل العلم من المعاصرين، أما المتقدمون فلا كلام لَهم فيه إذ إنه لم يكن موجودا في تلك العصور، أما المعاصرون في وقتنا هذا فقد اختلَفوا في ذلك:
منهم مَن ذهب إلى أنه يُفطِّر ومَن استعملَه في نَهار شهر رمضان وهو صائم فإنّ صيامَه يَفسُد بِذلك وعليه أن يُعِيد ذلك الصيام إذا كان يستطيع على الإعادة أما إذا كان لا يستطيع فإنه يُطعم عن كل يوم مسكينا.
ومنهم من ذهب إلى أنه لا يُفطِّر، فلا يضر ذلك من صنعه فصيامه يكون صحيحا بإذن الله على رأي هؤلاء. (2/13)
صفحة 306
ومنهم من توسَّط فذهب إلى أنه يواصل صيامه ومع ذلك يُطعم مسكينا، ولا شك بأن هذا أحوط وأسلم لأن الجزم في هذه القضية ليس بالأمر اليسير والقول بأن هذا الشيء يفطِّر أو أنه لا يفطِّر أو أنه حرام أو أنه حلال .. واجب أو مندوب أو ما شابه ذلك .. لابد للإنسان أن يكون لديه دليل يصلح للاستدلال حتى يقول بِمُقْتَضَاه، وهذه القضية من الأمور التي فيها شيء من الاشتباه، فلذلك ذهب من ذهب من أهل العلم إلى التوقف في هذه القضية والقول بالاحتياط فيها، فالسلامة أن يواصل صيامه وأن يطعم مسكينا إذا استعمله، أما إذا كان يستطيع أن يتفاداه لأن الحاجة تختلف تارة يكون مضطرا إليه وتارة لا يكون مضطرا إليه .. تكون به حاجة ولكن يُمكنه أن يتركه لوقت الإفطار فلا شك أنه لا ينبغي له أن يستعمله احتياطا للدِّين وخروجا من خلاف أهل العلم .. نعم إذا كان يَحتاج إليه في أيام قليلة جدا فلا شك أنه إذا أعاد تلك الأيام واحتاط لأمر دينه فهو أولى له وأسلم، وعليه إذا قضى تلك الأيام فإنه لا إطعام عليه كما هو واضح؛ والله-تبارك وتعالى-ولي التوفيق.
س: الحبة التي يتناولُها مريض القلب ؟ (1)
ج: في الحقيقة هذه تكلم فيها غير واحد ومنهم من يشدِّد في ذلك ومنهم من لا يشدِّد في أمرها، وأرى بأنَّها بِحاجة إلى دراسة فنظرة إلى ميسرة.
س: امرأة بدأت صيام ثلاثة أيام بعد نية نوتها لذلك ولكنها في اليوم الثالث شعرت بشيء يخرج منها وحسبت أنه حيض فتركت الصيام لكنه بعد ذلك اختفى وبعد ثلاثة أيام جاءها مرّة أخرى، هل يعدّ ذلك حيضا ؟
__________
(1) - السؤال كما ورد في المكالمة: " الحبة التي يعطيها الطبيب لمريض القلب يضعها مع الضرورة تَحت اللسان هل هي جائزة أم لا ؟ (2/14)
صفحة 307
ج: لا, ذلك المتقدّم ليس من الحيض، وبما أنه جاء واستمرّت عدّة أيام بعد ذلك جاء الحيض هذا ليس من الحيض وإن كنتُ أودّ من هذه المرأة بأن تصف ذلك الدم الذي جاءها من قبل فإنّ للعلماء خلافا في هذه القضية فلو وصفت ذلك الدم لكان ذلك أولى، أما الذي عليه الأكثر فإنّ ذلك ليس من الحيض في شيء .. أعني الدّم المتقدّم.
س: هي أفطرت إذن لهذا الشيء، فهل تقضي ذلك اليوم ؟
ج: أفطرته .. إذا كان ذلك من رمضان .. نعم عليها القضاء وعليها أن تتوب إلى الله-تبارك وتعالى-إن أكلت بعد أن توقّف ولكن الظاهر أنها أفطرت وهي تظن أنّ ذلك حيض وبما أنها فعلت ذلك فلا شيء عليها بمشيئة الله-تبارك وتعالى-ولكن-كما قلتُ-كنتُ أودّ منها وينبغي إن أمكنها أن تتّصل ولو في غير هذه الجلسة حتى تصف ذلك الدم.
س: هي حددت أنّ صيامها لم يكن في رمضان ؟
ج: إذا كان ذلك في غير رمضان ولم يكن نذرا ولا كفارة يمين ولا قضاء لرمضان فلا شيء عليها، لأنّ من دخل في صوم نفل فالصحيح أنه لا يجب عليه قضاؤه ولو أفطر من دون عذر، فكيف وهي قد أفطرت وتظنّ أنها حائض.
س: كيف نتعامل مع المدرسات اللواتي لا يتحجبن ؟ وخاصة في رمضان.
ج: الله المستعان؛ يجب على الإنسان أن يَجتنب معاصي الله-تبارك وتعالى-في رمضان وفي غير رمضان، فإنّ غضّ البصر مأمور به في رمضان وفي غير رمضان، نعم المعاصي تتضاعف في مثل هذا الشهر الكريم كما أنّ الحسنات تُضاعف فيه، فعلى الإنسان أن يَغضّ بصره سواء كان طالبا أو كان غير طالب وسواء كانت تلك المرأة تدرسه أو لا، فعلى هذا الطالب وغيره أن يَغضّ بصره في هذا الشهر الكريم وفي غيره وألاّ يَنظر إلى مثل هذه المرأة التي ابتُلي بالدراسة معها؛ والله-تبارك وتعالى-المستعان.
س: امرأة تغتسل من الحيض في رمضان الكريم وأذّن عليها أذان الفجر وهي لا تزال تغتسل، كيف يكون صيامها في تلك الحالة .. هل تنوي مباشرة أو ماذا تصنع ؟ (2/15)
صفحة 308
ج: نعم, تنوي الصوم من ذلك الوقت، وليس لها أن تؤخّر، فهذا التأخير لا يصحّ أبدا، فإن كانت نوت من ذلك الوقت فصيامها صحيح.
س: حتى ولو لم تكمل الغسل ؟
ج: إذا كانت قد أخّرت ذلك لعذر فلا شيء عليها، بأن طهرت في ذلك الوقت أو كانت نائمة وتظنّ أنها ستقوم من قبل ثم أخذها النوم ولم تدر إلا قبيل طلوع الفجر، ولكن القضية هي أنّ المؤذّن إذا كان قد أخذ في الأذان والفجر قد طلع وهي لم تنو ففي المسألة مخاطرة شديدة، فينبغي لها أن تقضي ذلك اليوم بل إنّ ذلك يمكن أن يقال بوجوبه .. أي بوجوب القضاء عليها، لأنه قد مضى وقت من طلوع الفجر ولم تكن هي ناوية للصوم، فأرى أنه عليها أن تتوب إلى الله-تعالى-وأن تقضي ذلك اليوم بسبب عدم نيتها؛ والله أعلم.
س: جدتها كبيرة في السن وتحتاج في تغيير ملابسها إلى أن تستعين ببعض الأشخاص سواء كانوا ذكورا أم إناثا، فهل يؤثر ذلك على صيامهم عندما يبدلون لها ملابسها ؟
ج: أما الذكور فليس لهم أن يصنعوا لها ذلك.
وأما الإناث فنظرا لوجود الضرورة فإنه يجوز لهنّ ذلك في حالة الصيام وفي غير حالة الصيام بشرط ألاّ ينظرن إلى العورة وألاّ يلمسن العورة-أيضا-إلا بوجود حائل، فمع وجود الحائل ومع عدم النظر فإنّ ذلك يجوز لهذه الضرورة؛ والله-تعالى-أعلم.
س: إذا كان الشخص يتوضأ وفي يده دهن وعند المضمضة أحسّ بطعم ذلك الدهن في فمه وهو صائم، هل يؤثر ذلك على صيامه ؟
ج: لا يؤثر ذلك على الصيام إذا كان لم يبتلع شيئا من ذلك في جوفه؛ والله أعلم.
س9: كثير من النساء يسألن عن استخدام الدهن وما يسمى بـ " الكْريم " أثناء الصيام، فهل يضر صيامهن ؟
ج: لا, لا يضر ذلك.
س: شخص توضأ للصلاة وبقي في فمه ريق اختلط بماء الوضوء, ماذا يصنع بذلك الريق ؟ هل له أن يبلعه ؟
ج: أما الريق فلا يضر، وأما إذا كان مختلطا بشيء آخر-كالماء أو الدم-فإنه لابد من أن يخرج ذلك حتى لا يبقى شيء من الماء في فمه؛ والله أعلم. (2/16)
صفحة 309
س: ما حكم استخدام العطور النفاثَة بالنسبة للصائم ؟ ...
ج: إذا كان يصل شيء منها إلى الجوف بواسطة الفم أو الأنف فليس له ذلك، أما إذا كان لا يصل شَيْء مِن ذلك فَلَه ذلك، وكذا يقال في البخور أيضا، فإذن ينبغي أن يَحْذَر من أن يصل شيء من ذلك البخور أو من تلك العطور إلى جوفه بواسطة الأنف-كما قلت-أو بواسطة الفم؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: شخص استيقظ في نهار رمضان وهو على جنابة، فإذا سارع بالاغتسال هل له أن يكمل الصيام ؟ وإذا لم يغتسل .. أهمل الاغتسال ؟
ج: أما إذا سارع فصيامه صحيح، وأما إذا لم يسارع فعليه أن يتوب إلى ربه وأن يقوم بقضاء ذلك اليوم الذي وقع منه هذا الأمر فيه؛ والله-تعالى-أعلم.
س: مداعبة الرجل لامرأته في نهار رمضان والحديث معها بكلام الحب والعطف وما شابه ذلك، هل يضر ذلك الصيام ؟
ج: ثبت عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-أنه كان يقبّل أزواجه وهو صائم، فإذا كان الإنسان لا يخشى على نفسه فلا مانع من ذلك، أما إذا كان يخشى على نفسه من التقبيل أو من مثل هذه الكلمات من أن يتسبّب ذلك في الإنزال أو في الانتصاب الذي يكون سببا في الإنزال أو في الإمذاء على أقل تقدير .. أي بأن تتحرك شهوته إذا داعب أو تكلم بمثل هذه الكلمات فهذه الأمور على الإنسان أن يبتعد عنها.
(11) حكم الاستياك بالمعجون في نهار رمضان :
س: ما حكم الإستياك بالمعجون المعروف في نهار رمضان ؟ وإذا كان بالفرشاة وحدها فما الحكم ؟
ج: اختلف العلماء في السواك بالأراك للصائم ، فقال قوم بجوازه ، وقال آخرون بالمنع من ذلك ، وقال آخرون باستحبابه ، وفصل آخرون بين اليابس والرطب ، فقالوا بالمنع بالنسبة للرطب ، والجواز لليابس، وفرق آخرون بين النصف الأول من النهار وبين النصف الثاني من النهار ، فقالوا بالجواز في الأول والمنع في الثاني ، والقول الراجح الجواز لأدلة لا أظن هنالك حاجة لذكرها الآن . (2/17)
صفحة 310
وأما بالنسبة للمعاجين فالأحسن والأولى والأفضل – إن لم نقل بالمنع- الترك ، وذلك لأنها سريعة الذوبان فيخشى على هذا الصائم من ألا يتمكن من أن يحفظ من دخوله شيء من هذا المعجون إلى داخل جوفه ، وبالتالي في ذلك مخاطرة ، فيجب ترك ذلك أو ينبغي ترك ذلك ، وأما بالنسبة للفرشاة من غير معجون فلا مانع من ذلك ، والله أعلم .
(12) حكم صوم من لعن أخاه المسلم :
س: ما حكم من لعن أخاه المسلم في نهار رمضان بدون عذر ، هل يبطل صومه ؟ وماذا عليه ؟
ج: إذا لعن المسلم المسلم سواء في شهر رمضان أو في غير فقد ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب والعياذ بالله ، وذلك لأن المؤمن ليس بلعّان ولا شتّام كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم ، فلا يجوز لأحد أن يشتم أو يلعن أو يحتقر أخاه المسلم بنص الكتاب وبنص السنة الصحيحة وبإجماع الأمة المحمدية ، لكن إذا كان في الصوم فإن الأمر يشتد ويمكن أن يقال بأن صومه منهدم ، فيجب عليه أن يتوب إلى الله سبحانه وتعالى وأن يعيد ذلك اليوم ، والله أعلم .
سادسا: أحكام القضاء والكفارة
س: هل أيامُ القضاءِ لَها مِن الثوابِ ما لِشهرِ رمضان ؟ فالمرأة-مثلا-التي تَعترِضُها دورتُهَا الشهرية في رمضان ثُم تَقضِي هذه الأيام .. مِن حيثُ الفضل والأجر والثواب، هل حكمُها كحكمِ رمضان ؟
ج: على كل حال؛ نَحن نَعْلَمُ أنَّ الصيام في شهرِ رمضان تارةً يَجِب على الإنسان وتارةً يَحْرُم عليه وتارةً يَجُوز له الصيام ويَجُوز له الإفطار وتارةً يَكون الأفضل هذا وتارة يَكون ذاك.
أما الواجِب فإنَّه على مَن كان في وطنِه وليس له عذرٌ شرعي يُسَوِّغ له الإفطار فهذا يَحْرُمُ في حقِّه تركُ الصيام ويَحْرُم في حقِّه الإفطار كما هو واضِح، وإذا أفطر-والعياذ بالله تبارك وتعالى-في حَضرِه مِن غير عذرٍ شرعي فإنه يَجِب عليه:
أن يَتوب إلى ربه وأن يرجع إليه - سبحانه وتعالى - قبل فوات الأوان. (2/18)
صفحة 311
وأن يَقْضِيَ تلك الأيام التي أفطرها.
وإن كان أفطر بِالوطء فإنَّ عليه أن يكفِّر كفارة مغلظة وهي:
أن يَعْتِقَ رقبة مؤمنة ولابد مِنْ شرط الإيمَان على الصحيح الراجح عندنا.
وإن لَم يستطع .. أي لَم يَجد رقبة يَقوم بِعِتْقِهَا فإنه يَجِب عليه أن يَصوم شهرين متتابعَيْن.
فإن لَم يستطع فعليه أن يُطعم ستين مسكينا على الترتيب-على الصحيح-لا على التخيِير، لأنّ هذا هو الذي جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .والرواية التي جاءتْ بِالتخيير فإنَّها مِن باب الرواية بالمعنى، بينما الروايةُ الأخرى هي الواضِحة التي ينبغي الاعتمادُ عليها بل ولا يَصِحّ العدول عنها، ولا أُرِيدُ بِقولِي: " لا يَصِحّ العدول عنها " أنه لا يُوجَد في ذلك الخلاف أو أنَّنَا نَجْعَل المسألةَ مِن بابِ مسائلِ الدِّين .. كلاّ، المسألة مِن مسائلِ الرأي والخلافُ فيها موجودٌ مِن عصرٍ بعيد، ولكنَّنِي أُرِيدُ بِذلك الراجِح الذي ثبتَ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
أما إذا كان الإفطارُ بِغيرِ الوطءِ فلِلعلماءِ خلافٌ في وجوبِ الكفارة أما البَدَل والتوبة فلابُدَّ مِنهما:
1-قيل بوجوب الكفارة عليه، لانتهاك حُرْمَةِ هذا الشهرِ المبارك.
2-وقيل بعدم وجوب الكفارة عليه.
والقولُ الأوّل لا شَكَّ أنَّه قولٌ قوي وهو أحوط وأسلم. (2/19)
صفحة 312
والحالة التي يَحْرُمُ فيها الصيام على المرأةِ: في حالةِ النِّفَاس وفي حالة الحيض، فيَحْرُمُ عليهما الصيام ويَجِب عليهما القضاءُ بِإجماعِ الأمّة وبِنَصِّ السنّة الصحيحةِ الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فلا يَجُوزُ لِلحائضِ أن تَصُوم وكذلك بالنسبةِ إلى النفساء وكذلك لا يَجُوز لَهما الإتيانُ بِالصلاةِ ولكن الفرقُ أنَّهُما لا تُؤْمَرَانِ بِقضاءِ الصلاةِ بِخِلاف الصوم كما ثبتَ ذلك في السنّة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بل وليس لَهما أن يَقُومَا بِقَضَاءِ الصلاة، وذلك مِنَ الممنوعات، لأنَّ ذلك مُخَالِف لِهَدْيِ النبي - صلى الله عليه وسلم - .
أما الذي يَجُوز له الإفطار فالمريض والمسافر و-كذلك-الشيخ الكبير والمرأة العجوز و-كذلك-المرأة الحامل والمرأة المُرْضِع إذا خافتا على نَفْسَيْهِمَا أو على ولدَيْهِمَا أو على الكُل، فَفِي هذه الحالات يَجوز الإفطار بل قد يَجِب في بعضِ الحالات، فالمريض إذا اشْتَدَّ به المرض وخاف على نَفْسِه فليس له هَاهُنَا الصيام بل عليه أن يُفْطِر، وهكذا المسافر إذا شَقَّ عليه ذلك وخاف مِن الهلاك أو مِمَّا يُقَرِّبُه مِن الهلاك فكذلك ليس له أن يَصُوم، وهكذا بالنسبة إلى البَقِيَّة الباقية التي ذكرناها سابقا، ولِلعلماء في ذلك تفصيلاتٌ لا داعي لِذِكْرِها الآن.
أما بِالنسبةِ إلى القضاء فكما قلنا بعضُ الناس يَجِبُ عليهم القضاء، فالمسافر والمريض الذي يُمْكِنُهُ القضاءُ وهكذا بالنسبة إلى الحامل والمرضع على الصحيح الراجح فيهما .. أعني في الحامل والمرضع .. هؤلاء يَجِب عليهم القضاء. (2/20)
صفحة 313
ولا شك بِأنَّ لِرمضان مَزِيَّة عظيمة ولكن-أيضا-بِمشيئة الله-تبارك وتعالى-في حالةِ القضاءِ يَنَالُون الفَضْل العظيم، لأنَّهم أفطروا في رمضان إِمَّا بسبب يُوجِب عليهم ذلك أو بسبب يُبِيحُ لَهم ذلك، ولا يُمكن أَنْ نقول: " إنَّ صيامهم أقَل مِن صيام شهر رمضان " وإن كنتُ لا أُحِب الخوضَ في مثلِ هذه القضايا .. الذي نُرِيد أن نُثْبِتَه بِأنَّ هؤلاء مشروعٌ لَهم الإفطار إمَّا على طريقِ الإيجاب أو على طريقِ النَّدْب ويَجب عليهم القضاء فلا داعي لِتطويلِ هذه المسألة بِأنَّ هذا أفضل أو ليس بِأفضل .. نعم هل الأفضل لِلمسافِر 1-أن يُفْطِر 2-أو الأفضل له أن يَصوم في شهر رمضان ؟ هذا فيه خلافٌ كبير بيْن أهل العلم .. 3-أو الأفْضَل الأيسر في حَقِّه ؟ ولا شَكَّ بِأنَّ هذا الرأي رَأْيٌ وَجِيه، فإن كان الأيْسَر في حقِّه الصيام فلا شَكَّ أنَّ الأوْلى له الصيام وإن كان الأيْسَر في حقِّه الفِطْر وقد يَحْصُل على مَشَقَّة .. وطبعا ليست بِالمَشَقَّة البَسِيطَة أو السَّهْلَة أو ما شابه ذلك، إذ لابد مِن مِثْلِ هذه المَشَقَّةِ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ مِنْ غَيْرِ مشقّةٍ كبيرة فالأفضل له الصيام مِنْ نواحٍ مُتَعَدِّدَة؛ والله ولي التوفيق.
س: قد يَكون أَفطرَ في أوَّل رمضان أو في وسطه أو في آخِره، فهل في القضاء يَلْزمُه أن يَصومَ ما أَفطرَه مُتَفَرِّقا أن يَصومَه مُتتابِعا ؟
ج: مسألةُ تَتَابُعِ القضاءِ مُختلَفٌ فيها بيْن أهلِ العلم منذ زمنٍ بعيد:
مِن العلماء مَن ذهب إلى وجوبِ التَّتَابعِ في القضاءِ إلا مَنْ شَقَّ عليه ولَم يَسْتَطِع على ذلك. (2/21)
صفحة 314
وبعضُ العلماء ذهب إلى أنه يَجُوز في القضاء الفَصْل .. يَجُوز لِلإنسان أن يصومَ يوما وأن يُفطِرَ يوما وهكذا .. المهم أن يُكْمِلَ العِدَّة التي عليه ولا ينظر إلى التتابع وإلى عدمه، فإذا كان إنسانٌ قد أَفطَرَ ستّة أيام أو سبعة أيام المهم أن يَقضِي تلك الأيام سواء أتى بِها متتابِعة أو أنه أتى بِبعضِها ثُم أَفطَر ثُم أتى بِالبقيةِ الباقية وهكذا .. الحاصل المهم أن يُحْصِي العِدَّة.
وقد اسْتَدَلَّ كلّ فريقٍ بِأدِلّة، وليس هنالك دليلٌ واضِح في هذه القضية، إذ إنَّ كلّ ما اسْتَدَل بِه مَنْ قال بِوجوبِ التَّتَابع وبعدم وجوبِ ذلك مِن الحديث المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يَثْبُتُ عنه صلوات الله وسلامه عليه على التحقيق، وبيان ذلك يَتَّسِع بِه المقال.
واستدَلَّ القائلون بِالتَّتَابع-أيضا-بِقراءةٍ شَاذَّةٍ تُنْسَبُ إلى السيدةِ عائشة-رضي الله تعالى عنها-وقد نُسِبَتْ إلى غيرِها، ولكن الاحتِكام بِالقراءاتِ الشاذَّة لَنَا فيه نَظَرٌ لا دَاعِي لِذِكْرِه الآن، ثم إنَّ تلك القراءةَ على تَقْدِيرِهَا قد نُسخَتْ وما دامتْ منسوخة فإنّ الأصلَ أنَّ الحكمَ يُنْسَخُ بِِنَسْخِ اللَّفْظ إلا إذا دَلَّ دليلٌ على بقاءِ الحكم بعدَ نَسْخِ الأصلِ، وليس لدينا ذلك الدليلُ في هذه القضية.
وقَاسُوا ذلك-أيضا-على صيامِ شهرِ رمضان المبارَك فإنَّه مُتَتَابِع، وهذا القياس فيه ما فيه كما لا يَخْفى، ذلك أنّ رمضان يَجِب التتابُع فيه لا لأجْلِ وجوبِ التتابُع نفسِه ولكن لأنَّ رمضان يَجِب صيامُه مِنْ أوَّلِه إلى آخِرِه إلا لِعذرٍ شرعي كما هو معلوم .. ذلك لأمرٍ آخَر وليس لأجْلِ التَّتَابع ذَاتِه، فإذن هذا القياس فيه ما فيه. (2/22)
صفحة 315
و-على كل حال-لاشَكَّ أنَّ الإنسان الأوْلى لَه أن يُخْرِج نفسَه مِن الخلافِ في هذه القضية، ولكن لو جاءنا شخصٌ وقال بِأنَّه قَضَى ما عليه مِنْ شهرِ رمضان ولكنَّه لَم يُتَابِع بَيْن القضاء سَوَاء أَفطَرَ بعضَ الأيام في أوَّلِ الشهر والبعض الآخَر في وَسَطِه أو في نِهايتِه أو ما شابه ذلك أو أنه أَفْطَرَهَا في وَقْتٍ واحِد فإننا نقول له: " على الصحيح عندنا إنَّ صيامَك صحيح " ولكن الخروج مِن الخلاف-كما قلتُ-في هذه المسألةِ حسنٌ جِدا، ثم إنَّ في ذلك مُبَادَرَة لِفِعْلِ الخيْر، والإنسان لا يَدرِي متى يَأتِيه الموت، فما مِن لَحظةٍ مِنْ لحظاتِ حياتِه إلا ويُمْكِن أن يُفَاجِئَه الموت، فإذا بادَرَ بِالإتيانِ بِهذه الأيام فإنَّه قد أدَّى ما عليهِ بِحمدِ الله-تبارك وتعالى-وإن كنّا لا نستطِيع أن نُضَيِّق عليه، لأنَّنَا لو قلنا بِوجوبِ الفورية لَقلنا: " إنّ الإنسان يَجِب عليه أن يَصوم في اليوم الثاني مِن شهرِ شوال وأن يَقْضِيَ ما عليه إلا إذا كان هنالك عذرٌ يَمْنَعُهُ مِن الصيام أو يُبِيحُ له-على أقلِّ تقدير-الإفطار ".
فإذن خلاصةُ ما في المسألةِ: العلماءُ اختلَفوا في هذه المسألةِ على ثلاثةِ أقوال:
1-منهم مَن قال: يَجب التتابع وهو شرطٌ في ذلك، فمَن كانت عليه-مثلا-خمسةُ أيام وصام يوميْن ثُمَّ أَفطَر لِغيْرِ عذرٍ شرعي يُبِيحُ له ذلك فإنَّه يُطالَبُ بِإعادةِ الخمسةِ الأيَّام معًا.
2-ومنهم مَن قال: هو واجب ولكنه ليس بِشرْط، فإذا أَفطَر يَكون آثِما ولكن صيامُه الماضي صحيح، فعليه في هذا المثال أن يَأتِي بِالثلاثة الباقية وليس عليه أن يُعِيدَ اليوميْن الماضييْن ولكنه آثِم يَجِب عليه أن يَتوب إلى الله. (2/23)
صفحة 316
3-وبعضُ العلماء ذهب إلى أنه لا يُحْكَم بِإثْمِه وليس عليه أن يُعِيدَ ما مضى مِن الأيام بل عليه أن يَأتِي بِالبقيةِ الباقية ولكنه مع ذلك يَسْتَحْسِنُون له أن يُتابِع بيْن الأيام خُرُوجا مِن عُهْدَةِ الخلاف و-أيضا-لأنّ في ذلك مبادَرة إلى الخيْر ومسارَعة إليه وفي ذلك مِنَ الفضْل ما لا يَخْفَى.
فنحن نَحُثُّ الناس على التَّتَابُع خروجا مِن عهدةِ الخلاف ومع ذلك لا نَقْوَى على القولِ بِإبْطَالِ صِيَامِهِم الماضي أن لَوْ قَضَوا على سبيلِ التفريق لأننا لا نَمْلِكُ الدليلَ الذي يَدُلّ على وجوبِ التَّتَابُع في ذلك، ثُم إنّ هذا في مَن كان قادِرا أما مَن كان لا يَقْدِر على ذلك أو يَشُقُّ عليه فلا بأس عليه بِمشيئة الله ولا حرج، والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: والدتُه صامتْ خمسة عشر يوما فقط ثُم مرضتْ فأفطرتْ يوميْن معهم في المنْزِل ثُم نُقِلَتْ إلى العِنَايَة وبقيتْ على إفطارِها حتى اليوم التاسع والعشرين توفيتْ ظهرا، ما هي الأيام التي يَلْزَمُ قَضَاؤُهَا عَنْها ؟
ج: لا شيءَ عليها ولا عليهم بِمشيئة الله تبارك وتعالى.
س: رجل أجرى عملية قلب ولا يستطيع الصيام الآن ولكن ينتظر الشفاء ؟
ج: أوّلا: نتمنى له الشفاء العاجل ... الله-تبارك وتعالى-له ذلك ولغيره مِن عبادِ الله-تبارك وتعالى-المسلمين.
وثانيا: نعم له أن يفطر ويقضي بعد ذلك ما دام يستطيع القضاء وليس له أن يكتفي بالإطعام .. بل لا إطعام عليه فالآن يفطر ولا بأس عليه والحمد لله-تبارك وتعالى-وبعد ذلك عندما يرى من نفسه أنَّه يستطيع أن يقوم بقضاء تلك الأيام فليقْضِهَا؛ والله-تبارك وتعالى-ولي التوفيق.
س: مَن كانت عليه أيام قضاء أو كان عليه يوم واحد، هل له أن يصوم يوم الثلاثين مِن شعبان ؟ (2/24)
صفحة 317
ج: حقيقة .. ينبغي لِلإنسان أن يبادر إلى الخير وأن يسارع إليه ومن العجب أن يترك العبد القضاء لمدة طويلة من الزمن إلى أن يصل إلى اليوم الثلاثين من شهر شعبان ولا يدري هل سيكون حقا ذلك اليوم هو هذا أو أن هذا اليوم سيكون من شهر رمضان فيأتي يسأل الواحد في اليوم التاسع والعشرين-مثلا-هل أصوم غدا .. أي أفطرت يوما هل أصوم غدا أو لا ؟! طيب إذا كان اليوم الآتي من شهر رمضان فماذا عسى أن تصنع ؟! نعم إذا كان قد نسي ذلك ولم يتذكر إلا في ذلك اليوم أو في تلك الليلة فالأمر يَختلف أما أن يتعمد أن يترك ذلك حتى ذلك الوقت فهذا لا ينبغي لِمن يَخاف الله تبارك وتعالى، أما الصيام في هذا اليوم بنية القضاء فلا مانع منه إذ إن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-إنما نهى عن التطوع المطلق أو مَخافة أن يريد الذي يصوم في ذلك اليوم أن يَحتاط بزعمه لشهر رمضان أو ما شابه ذلك فَنُهِي عن الصيام في ذلك الوقت ..نَهى الرسول-صلى الله عليه وسلم-عن تقدم شهر رمضان بيوم أو يومين، أمَّا من كان يصوم قضاء أو كان يصوم كفارة مغلظة أو مُرسلة أو كان يصوم نذرا أو كان قد تَعَوَّد أن يصوم في يوم من الأيام كيوم الخميس أو يوم الإثنين أو ما شابه ذلك وصادف ذلك اليوم يوم الثلاثين أو يوم الشك فصامه بنية صيام القضاء أو بنية صيام الكفارة أو النذر أو بنية صيام يوم مسنون قد اعتاد على صيامه فلا مانع من ذلك كما ثبت ذلك في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنَّما ننهى-كما قلت-عن المخاطرة بِحيث إن الإنسان لا يدري هل سيدخل شهر رمضان أو لا يدخل في ذلك اليوم فإن دخل شهر رمضان فإنه لن يتمكَّن من الإتيان بصوم البَدَل وإن لَم يدخل ففي هذه الحالة سيصوم اليوم الذي لَم يأت به من قبل.وكذلك أريد أن أنبه إلى أن من يريد أن يصوم كفارة مغلظة .. (2/25)
صفحة 318
مثلا بسبب قتله لِمؤمن خطأ أو بسبب ظهار أو بسبب انتهاك لِحرمة صوم شهر رمضان المبارك فإنه ينبغي له إذا أراد أن يصوم في شهر شوال وذي القعدة ينبغي له أن يصوم بعد عيد رمضان مباشرة .. في اليوم الثاني أو الثالث أو الرابع أو ما شابه ذلك من شهر شوال مَخافة أن يأتي العيد-أعنِي عيد الحج-ولَم يَتَمَكَّن هو من إتْمام صيام الكفارة، فمثلا إذا شرع في الصيام في اليوم العاشر أو الحادي عشر أو الثاني عشر أو بعد ذلك وقد يَحدث حتى لو شرع في صيام التاسع من شهر شوال لأنَّه في هذه الحالة قد يُخاطر .. لا يدري هل سيكون شهر شوال ثلاثين يوما أو لا فينبغي أن يصوم قبل ذلك لأنه إذا أتى العيد ولَم يُكمل الشهرين فماذا عسى أن يصنع ؟ صيام يوم العيد لا يَجوز بِحال من الأحوال، فمعنى ذلك أنَّه سيفطر ولابد فهل بعد ذلك سيقضي الشهرين معا وقد يكون صام شهرا وخمسة وعشرين يوما أو أنه سيواصل ؟ من المعروف أن لأهل العلم في ذلك اختلافا، والقول الذي ذهبت إليه طائفة من المحققين وهو الصحيح أنَّه ينهدم صومه لأنه خاطر بنفسه متعمدا وليس كالمريض الذي اضطر للإفطار ولا حول له ولا قوة على إتْمام الصيام فذلك يُرخص له في الإفطار وبعد ذلك يواصل بعد أن يَمن الله-تبارك وتعالى-عليه بالشفاء أما هذا قد خاطر هو نفسه بذلك وعليه أن يعيد الصيام من أوله، فينبغي الانتباه لذلك لأن كثيرا من الناس يأتون في أيام العشر من ذي الحجة يسألون " ماذا نصنع في اليوم العاشر ؟ " بل و " ماذا نصنع في الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر ؟ " والجواب بأن من صنع ذلك عليه أن يأتي بالصيام من أوله لأن صيامه قد انْهَدَم هذا هو الرأي الذي عليه غير واحد من المحققين وهو الصحيح عندي؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم. (2/26)
صفحة 319
س: امرأة كانت مريضة في شهر رمضان الكريم بالشلل النصفي وتركت من صيامه ستة عشر يوما وبعد مرور سنين تقول هي أنها لم تقض تلك الأيام ويقول أبناؤها بأنها قضت تلك الأيام فصارت في خلاف مع أبنائها هم يقولون بأنك قد قضيت وهي تقول بأنني لم أقض .. متشككة، فماذا تصنع في هذه الحالة ؟
ج: الأصل أنّ الإنسان مخاطَب بنفسه فإذا كان يَذْكُر أنه لم يصم فإنه لابد من أن يصوم ذلك إذا كان يتمكن من الصيام أو يفتدي إذا كان يتمكن من الفدية، فإذا كانت هذه المرأة متيقّنة بأنها لم تصم تلك الأيام فلابد من القضاء إذا كانت تتمكن من القضاء أو لابد من الإطعام إذا كانت تتمكن من الإطعام، وأولئك الأولاد يمكن أنهم رأوها صائمة وهي قد صامت نفلا أو ما شابه ذلك فإن كانت هي متيقّنة من نفسها فلابد من ذلك .. نعم إذا كانت ذاكرتها ضعيفة والأولاد متيقّنون بأنها قد صامت الفريضة بأن كانت أخبرتهم لا أنهم شاهدوها صائمة أو أنها أخبرتهم بأنها صائمة أو ما شابه ذلك .. أقول: إن كانت ذاكرتها ضعيفة والأولاد متيقّنون من ذلك بأنها صامت القضاء لا أنها كانت مجرد صائمة فإنّ ذلك يجزيها بمشيئة الله، فالعبرة من تيقّنها وذاكرتها؛ والله أعلم.
س: إذا كان المسلم لا يستطيع الصوم بسبب مرض ولا يستطيع القضاء في وقت لاحق، فهل عليه الكفارة عن كل يوم ؟ وما حكم إخراج هذه الكفارة، هل تخرج يوميا أم يجزيه أن يخرجها في بداية الشهر دفعة واحدة بشراء مؤونة رمضان لأسرة فقيرة أو عدد من الأسر ؟ (2/27)
صفحة 320
ج: من لم يستطع الصيام ولم يستطع القضاء أو كان في ظنه أنه لا يستطيع أن يقوم بالقضاء بعدُ بأن كان مريضا مرضا لا يرجو الشفاء منه بحسب الظاهر فإنّ عليه أن يُطعِم عن كل يوم مسكينا، والأصل أنّ الإنسان يطعم لذلك اليوم .. أي يطعم عن كل يوم أو أنه يؤخر حتى ينتهي الشهر، والأفضل أن يُقدِّم فيطعم عن اليوم الفلاني ولكن قد تكون هنالك مشقة بأن يطعم عن كل يوم يوم أي أن يقوم بالإطعام عن اليوم الأول فيه والثاني وهكذا، فبإمكانه أن يطعم عن كل عشرة أيام في وقت واحد أو عن الشهر في وقت واحد، ولكنّ الإنسان لا يدري إلى متى يبقى في هذه الحياة والأصل أنه بعد موته لا يُكلَّف بشيء فهو لا يدري هل سيبلغ إلى نهاية رمضان ويجب عليه في ذلك الحال أن يطعم عن الشهر كله أو لا، ثم إنّ الأصل في الوجوب أن يكون بعد كل يوم، لا أن يطعم الإنسان في بداية الشهر، لأنّ اليوم الثاني لم يجب عليه بعد، وإنما وجب عليه الإطعام عن اليوم الأول وهكذا، فإذا أخرج قبل اليوم الثاني مثلا فإنه يكون قد أخرج قبل وجوب الإطعام عن ذلك اليوم عليه، فالأصل أنه يؤخر، إما أن يطعم عن كل يوم أو عن كل عشرة أو خمسة أو أن يطعم في نهاية الشهر ولكن لابد من أن يَذكر ذلك في وصيته إذا كان لم يطعم عن الأيام الماضية، مخافة أن يَفجأه الموت ويظن الناس أنه قد أطعم، فإذا وجدوا ذلك في وصيته فإنهم سيعلمون بأنه لم يطعم عن الأيام الماضية وسينفذون عنه ذلك بمشيئة الله؛ والله أعلم.
س: امرأة لَم تقض ما أفطرت من رمضان الماضي حتى دخل رمضان الحاضر، ماذا يلزمها ؟ (1)
__________
(1) - وفي سؤال مشابه لفضيلته نصه :
س: شخص أخر قضاء رمضاء حتى دخل رمضان من السنة المقبلة ماذا عليه ؟
الجواب :-
أولاً نقول - أن هذا الإنسان لا يخلوا من أحد أمرين في تأخيره أما أن يكون أخره بسبب عذر مثلا نسيان أفطر يوما من رمضان بسبب عذر ثم لم يتذكر ذلك حتى دخل رمضان من السنة الآتية فهذا إنسان ناسي ولا يكلف الله الناسي حتى يتذكر فهو معذور بمشيئة الله تبارك وتعالى وعليه أن يقضي ذلك بعد أن ينتهي من صيام رمضان وينتهي يوم العيد .
أو يكون معذوراً بعذر شرعي من مرض أو سفر يكون في سفره حتى دخل رمضان أو يكون مريضاً حتى دخل رمضان، ولم يتمكن من قضاء الحاصل أن يكون معذور بعذر شرعي مقبول، أو يكون ليس له عذر وإنما التهاون والإهمال، فإذا كان معذوراً فقد بينت لكم حكمه، وإن كان متهاوناً متساهلاً في أمره فعليه أن يتوب إلى ربه وأن يرجع إلى الله سبحانه وتعالى وعليه أيضاً أن يقضي ذلك اليوم الذي تركه .
ثم أن أهل العلم بعد ذلك أي بعد التوبة والقضاء، اختلفوا فيما يلزمه، بعضهم قال لا يلزمه شيء إلا ما ذكرناه من التوبة وقضاء ذلك اليوم وهذا القول هو القول الصحيح عندي إذ لم أجد دليلاً يدل على وجوب الكفارة عليه وذهبت طائفة من أهل العلم إلى أنه عليه زيادة على التوبة والقضاء أن يطعم مسكيناً إن كان فرط في يوم يطعم مسكيناً أو فرط في يومين يطعم مسكينين وهكذا وقلتُ القول الأول هو الصحيح ولكن إذا أطعم هو اطعام وشيء بسيط وهو احتياط بل هو خروج من الخلاف . (2/28)
صفحة 321
ج: على كل حال من لَم يقض شيئا من شهر رمضان المبارك سواء كان الشهر كله أو لَم يقْضِ بعض الأيام التي أفطرها بسبب يبيح له ذلك كالمرض أو السفر أو كانت المرأة حاملا ويشُق عليها الصيام أو كانت مرضعة ويشق عليها الصيام .. كانت ترضع طفلها-مثلا-ويشُق عليها ذلك أو يؤَثِّر على طفلها أو أن ذلك وقع-والعياذ بالله تبارك وتعالى-بسبب انتهاك لِحرمة هذا الشهر عليه أن يقضي إذا استطاع قبل أن يدخل شهر رمضان من السَّنة التي تلي تلك السنة التي أفطر فيها، وإذا لَم يقض فلا يَخلو من أحد أمرين اثنَيْن:
1-إما أن يكون معذورا بأن كان مريضا أو ما شابه ذلك مِنَ الأعذار التي تُبِيح لَه أن يؤخِّر ذلك.
2-أو يكون مُنْتَهِكا.
فإن كان معذورا بأن كان مريضا أو نسي ذلك أو ما شابه ذلك فلا عليه إلا القضاء عندما يستطيع عليه، أمَّا إذا كان منتهكا فإنه عليه أن يتوب إلى الله-تبارك وتعالى-وعليه القضاء واختلفوا في وجوب الكفارة:
منهم من قال عليه أن يكفِّر وذلك بأن يطعم مسكينا زيادة على القضاء .. بعض الناس يظنون أنه يكتفي بالإطعام وليس الأمر كذلك .. لابد من القضاء وإنَّما الخلاف في الإطعام.
وبعض العلماء قال لا إطعام عليه.
ومن حيث التَّرجيح الراجح عدم وجوب الإطعام مع القضاء وأن القضاء يُجزي مع التوبة إلى الله تبارك وتعالى، ولا شك أن الاحتياط في الإطعام لأن من أطعم فقد احتاط وخرج من خلاف أهل العلم ولكن من لَم يُطعم لا شيء عليه فالصيام مع التوبة يُجزيه .. هذا إذا كان لَم ينتهك الصيام، أما إذا أفطر متعمدا من غير عذر فتجب عليه الكفارة مع القضاء كما هو مبسوط في موضعه. (2/29)
صفحة 322
هذا وأما بالنسبة إلى الصلوات إذا ترك إنسان صلوات كثيرة جدا-مثلا-ولم يقضها فالحديث الذي رُوي عن الرسول-صلى الله عليه وسلم-بأنه يقضي تلك الصلوات في آخر جمعة من شهر رمضان فهو حديث باطل موضوع عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومن قرأ لفظه-وسنتكلم عليه في مناسبة قادمة بمشيئة الله عندما يكون الوقت قريبا مِن ذلك اليوم-فإنه ينادي عليه بالوضع مهما كان هذا الشخص جاهلا بأحكام شرع الله-تبارك وتعالى-وإنما الناس يسألون عنه لأنَّهم وجدوا جزءا منه في بعض الكتب ولكنهم لو وجدوه بتمامه لعرفوا أنه موضوع حقا (1) ؛ والله-تبارك وتعالى-ولي التوفيق.
س: شخص عمل كبيرةً في نَهارِ رمضان وهو في خارِج الوطن .. في سفرِه، هل تَجِب عليه الكفارة كالذي في داخِل وطنِه ؟
ج: هل هو كان صائِما في ذلك الوقت ؟
س: يبدو هذا مِن سؤالِه.
__________
(1) - (1) وهذا جوابا للسؤال الذي قال فيه صاحبه في المكالمة: [ قرأتُ في كتيب ' فائدة: عن رسول الله-صلى الله عليه وسلم-أنه قال: " مَن فاته صلاة في عمره ولم يُحْصِهَا فليقم في آخر جمعة من رمضان وليصل أربع ركعات بتشهد واحد "، فما صحة هذا الكلام ؟ ' (2/30)
صفحة 323
ج: لا أدري ماذا يُرِيد بِالكبيرة .. إن كانتْ هذه الكبيرة-مثلا-قد زَنَى-والعياذ بالله تبارك وتعالى-أو أنه-أيضا-وَطِئَ زَوْجَتَه في نَهَارِ رَمَضان فالوَطْءُ وإن كان جائِزا حلالا إذا وَطِئَ الإنسان زَوْجَه أو سُرِّيَّتَهُ ولكن في وقتِ الصيام .. إذا كانا صائمَيْنِ فَذَلِك مِنَ كَبَائِر الذنوب أو أَكَلَ أو شَربَ كذلك، أما بِالنسبةِ إلى غيرِ ذلك مِن الكبائِر التي قد يَقَع فيها الإنسان-نَسألُ الله السلامةَ مِن ذلك-مثلا الغيبة والنميمة والكذب وما شابه ذلك فهذه-على الصحيح عندنا-لا تَجِب فيها الكفارة، وإنما تَجِبُ الكفارة في الوَطْءِ، و-كذلك-تَجب الكفارة في الاستمناءِ على رأيِ الأكثريةِ الكاثرة مِن أهلِ العلم، وكذلك تَجب-على رأيِ كثيرٍ مِن أهل العلم-في الأكلِ والشربِ .. هذا بِالنسبة إلى مَنْ كان في وطنه، أما بِالنسبةِ إلى المسافِر فلِلعلماءِ خلافٌ هل تَجِب عليهِ الكفارةُ أو لا تَجِب عليه الكفارةُ إذا عَمل ما يَتَنَافَى مع الصيامِ مِما تَجِب فيه الكفارةُ أن لو كان في وطنه ؟
قيل: لا تَجِب عليه الكفارةُ، نظرا إلى أنه يَجوز له في الأصلِ أن يُفطِر.
وقيل: تَجِب عليه الكفارةُ، لأنه قد التزَمَ بِالصيامِ وما دام قد اختارَ أن يُصبِحَ صائما فعليهِ أن يَلتزِم بِما التزَمَ بِه.
و-على كل حال-أنا لا أقوى على القولِ بِإيجَابِ الكفارة ولكنَّنِي أقولُ: عليه أن يَتوبَ إلى اللهِ-تبارك وتعالى-اللهم إلا إذا كان نَوَى الإفطارَ بِذلك فالمسافِر له أن يُفْطِر بِذلك اللهم إلا إذا كانتْ تلك الزوجة مُوَاطِنَة في ذلك المكان فليس له أن يَطَأَهَا لأنها مِمَّن يَجب (1) عليه الصيام أما إذا كانتْ مسافِرة مثله أو كانت مُفْطِرَة بِمُفْطِرٍ مُسَوِّغٍ لَها الإفطار فلا بأسَ بِذلك والحاصل هو لا كفارةَ عليهِ على الرأيِ الراجِحِ عندِي؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
__________
(1) -قال الشيخ: " لا يجب " والظاهر أنه سبق لسان. (2/31)
صفحة 324
سابعا : أحكام السفر بالنسبة للصيام
س: مَن أراد أن يسافر وأراد أن يصبح مفطرا في هذا السفر، هل يلزم أن يَخرج من وطنه قبل أن يطلع عليه الفجر في وطنه ؟
ج: هذه المسألة فيها كلام طويل، أما مِن بيته فلابد وإنَّما الخروج من حدود الوطن أو مِن أميال الوطن ففيه خلاف بين أهل العلم، ولا شك أن الأحوط والأسلم للإنسان أَنْ يُخْرِج نفسه مِن دائرة خلاف أهل العلم ولاسيما عندما يكون الدَّلِيل في ذلك مِن الأمور المختلف فيها بين أهل العلم هل هو صحيح أو سقيم أو عندما تكون الدلالة قد اختلف العلماء فيها هل يصِح الاعتماد عليها أو لا ؟، فهذه المسالة فيها خلاف بين أهل العلم:
منهم من يقول إنه لابد من أن يَخرج من أميال الوطن.
ومنهم من يُرَخِّصُ إذا خرج من عمران البلد.
فإذا أخذ بالثاني فلا حرج عليه-بِمشيئة الله تبارك وتعالى-على رأي طائفة كبيرة جدا من أهل العلم ولكن إذا احتاط فلا شك أنَّ فيه سلامة.
س: ولكن إذا كان سفره في منتصف النهار .. إذا خرج ماذا يصنع خارج الوطن إلى منتصف النهار مِن قبل زوال الشمس ؟
ج: ما دام كذلك هذا يصوم في هذا اليوم .. هل يُمكن أن يصبح مفطرا في بيته ؟! .. هذا مِما لا يَسُوغ، لكن إذا اضطر بعد ذلك للإفطار عندما يَخرج فالأمر يَختلف:
بعض العلماء يقول من أصبح صائما في بيته فليس له أن يفطر بعد ذلك في السفر اللهم إلا إذا شَقَّ عليه جدا بأن أصبح كالمريض فهنالك يُفْطِر لِعِلَّة أخرى .. إذا بَلَغ به الحال إلى هذا الحال أما إذا لَم يبلغ به الأمر إلى ذلك الحد فليس له أن يفطر بسبب السفر.
ومنهم من يُرَخِّص في ذلك.
ولا شك أن الاحتياط في الأخذ بالقول الأول وإن كُنَّا لا نقوى على الجزم بترجيح ذلك. (2/32)
صفحة 325
س: نحن طلبة نقيم خارج السلطنة وسوف يطل علينا شهر رمضان المبارك ونحن حيث نقيم ونود السؤال فيما لو صام أهل هذا البلد يوم الثلاثاء وتأخر الصوم في عُمان إلى يوم الأربعاء وكان يراودنا شك في أنّ الشهر قد ثبت برؤية شرعية في البلد الذي نقيم فيه علما بأنهم إذا صاموا يوم الثلاثاء فإنّ شعبان عندهم سيكون تسعة وعشرين يوما.
ج: إذا ثبتت الرؤية في تلك البلاد فإنهم يؤمرون بالصيام إن شاؤوا لأنهم هم في حالة السفر والصيام لا يجب على المسافر .. يجوز له الصيام ويجوز له أن يُؤخِّر حتى يَرجع إلى بلده، فإن ثبتت الرؤية في تلك البلاد فإنه لهم أن يصوموا ولهم أن يفطروا بسبب سفرهم، أما إذا كانت تلك البلاد لا تَعتبر الرؤية أو أنها تتساهل في ذلك فإنه لا عبرة بما عندهم، إذ العبرة بالرؤية، كما ثبت ذلك عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، فمن يتساهل في أمر الرؤية لا يؤخذ بكلامه، فإذن العبرة بالثبوت أو عدمه؛ والله أعلم.
رجل أراد السفر في شهر رمضان وبيّت النية على أنه إذا طلع عليه الفجر وهو في وطنه يصبح صائما وإن خرج من وطنه قبل طلوع الفجر يصبح مفطرا فخرج من وطنه بعد طلوع الفجر ماذا يلزمه ؟
الجواب / إذا خرج من وطنه وهو صائم وأتم صيامه على ذلك فلا شيء عليه وأما إذا أفطر بعد خروجه فعليه قضاء ذلك اليوم وفي وجوب الكفارة خلاف بين العلماء والراجح عدم الوجوب وألزمه بعضهم التوبة وينبغي له أن يتوب إلى ربه تبارك وتعالى إن لم يكن على طريق الوجوب فعلى طريق الندب والله أعلم
ثامنا : أحكام المرض المبيح للإفطار
س: ما هُوَ ضَابِط المرض الذي يُمْكِن أن يُفْطِر الصائم بسببه ؟ (1)
__________
(1) - وفي سؤال مشابه نصه كالتالي :
س: ما حد المرض الذي يبيح الإفطار ؟
ج: اختلف العلماء اختلافا كثيرا في المرض الذي يبيح الإفطار:
فمنهم من شدد في ذلك كثيرا.
ومنهم من تساهل فيه كثيرا.
والصواب الوسط فمن كان يضره الصيام .. لا يتمكن من الصيام .. يتسبب له في ضرر .. في عدم الشفاء من ذلك المرض أو في بطئ الشفاء من ذلك المرض فله أن يفطر، أما من كان لا يضره الصيام ولا يؤثر عليه كثيرا فإنه يؤمر بالصيام، فإذن العبرة بالضرر؛ والله-تعالى-أعلم. (2/33)
صفحة 326
ج: للعلماء في هذه المسألة خلاف شهير طويل عريض:
ومنهم من شدَّدَ في ذلك جدا.
ومنهم مَن تَسَاهَلَ في ذلك جدا.
والوسط هو الذي ينبغي أن يُسلَكَ فإذا كان المريض يَجد في نفسه مَشَقَّة إذا صام ويُصِيبُه بسبَبِ ذلك الضرر أو يَخشى أن يتأخَّر شِفاؤه من مرض أصابه أو ما شابه ذلك فلَه أن يفطر، وأما إذا كان لا يتأثَّر بذلك فليس له أن يفطر، أما التشدُّد والتعنُّت الذي ذَكَرَه بعضهم فهذا مِمَّا لا ينبغي أن يُصار إليه، فإذن ينظر الإنسان في أمره فإن وَجَد مشَقَّة وعَنَتا في الصيام أو أخبره الطبيب الذي يَثِقُ به بسبب مَعْرِفَته لذلك الداء ولو كان كافرا على رأي بعض أهل العلم ويَحْتَجُّون على ذلك بِما وقع للنبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-وصاحبه أبي بكر الصديق-رضي الله تبارك وتعالى عنه-عندما خرجا مِن مكة المكرمة إلى المدينة المنورة في هجرتِهما الشريفة فإن الذي كان دَلِيلا للطريق كان كافرا ولكنه لَم يكن مُتَّهَما على الإسلام، فإذا كان الإنسان لا يَجد مسلما يثق به وَوَجَد كافرا واطمَأَنَّ إليه ولم يَخش منه الغش فله أن يأخذ بكلامه فإذا كان يُمْكِن أن يَطُولَ المرض أو يزيد أو ما شابه ذلك إذا صام فله أن يفطر أيضا؛ والله أعلم.
س: ما قولكم في المريض بمرض فقر الدم الشديد ويحتاج إلى نقل دم شهريا وصادف نقل الدم شهر رمضان، فهل نقل الدم إلى المريض يُفطِّره ؟
ج: نعم يُفطِّر، فإذا كان يستطيع أن يبقى إلى الليل ويُنقَل إليه الدم في الليل فذلك هو المطلوب، وإن كان مضطرا ولا يمكن أن يُنقَل إليه الدم إلا في النهار-لسبب أو لآخر-فإن كان في سفر فلا حرج عليه، وإن كان في الوطن فإذا كان مضطرا-كما قلتُ-فإنه يباح له ذلك لأجل الضرورة وعليه أن يُبدِل ذلك بعد شهر رمضان؛ والله-تبارك وتعالى-ولي التوفيق. (2/34)
صفحة 327
س: عنده ولد عمره سبعة عشر عاما لكنه مصاب بمرض فقر الدم-شفاه الله-ولعل هذا المرض يحتاج إلى علاج مستمر، كيف يكون صيامه في هذه الحالة ؟
ج: الله أعلم؛ إذا كان يستطيع أن يصوم في هذا الوقت أو أن يقوم بقضاء ذلك ولو بعد سنوات فلا يعذر من الصيام، وأما إذا كان لا يمكنه أن يصوم في هذا الوقت ولا أن يقوم بقضاء ذلك بعد مدة ولو بعد سنوات فعليه أن يطعم عن كل يوم مسكينا إذا كان يقدر على ذلك وإلا سقط عنه التكليف بالصيام وبالإطعام؛ والله أعلم.
تاسعا :أحكام عامة
س: الحديث النَّاهِي للمَرأة عن الصيام بدون إِذْن زوجها هل يشمل ما تقْضِيه المرأة من الواجبات ؟
ج: هو في حقيقة الواقع هذا في النَّفْل وليس في الفرائض، لكن مع ذلك ينبغي للمرأة أن تسأل زوجها أو أن تُخْبِر زوجها وتستشيره في وقت القضاء فقد يكون الزوج مضطرا إلى عدم صِيام زوجته .. مثلا إذا أرادت أن تقضي في شوال أو ما شابه ذلك، فإذا أمكنها أن تقضي في وقت يصوم فيه زوجها شيئا مِن القضاء أو من النَّفل أو ما شابه ذلك فذلك هو الأولى كما كانت أمهات المؤمنين يَصْنَعْن فقد كن يقضين ما أفطرنه من شهر رمضان في شهر شعبان عندما كان يتَنَفَّل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى أقل حال ينبغي لَها أن تستأذنه في ذلك .. من حيث الوجوب هو واجب وليس لَه أن يعارضها في ذلك وإنَّما القضية في التوقيت متى تقضي فالأمر مُوَسَّع فيه فلتَقْضِ عندما يكون الوقت مناسبا لزوجها، ولا شك أنَّ الزوج يقوم بالتنَفل في بعض الأحيان إذا كان فيه شيء مِنَ الخير ولا يترك العام يَمُر عليه هكذا مِن غير أن يصوم شيئا من الأيام الفاضلة التي كان يصوم فيها النبي-صلى الله عليه وسلم-أو أنَّه حثَّ على صيامها وبيَّن الفضل العظيم الذي يَحصل عليه من يصوم تلك الأيام؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم. (2/35)
صفحة 328
أما بالنسبة إلى النذر والكفارة أو ما شابه ذلك فليس للزوج أن يَعْتَرض عليها ولكنني أريد أن أنبه إلى أنه لا ينبغي للإنسان أن يقوم بالنذر كُلَّما أراد أن يَحصل له شيء .. هذا النذر مَنْهِي عنه إذا كان يُعَلِّق .. " اللهم إذا حصل لي كذا " أو " وقع لي كذا " مثلا " تَوظَّف " أو " حصل ابني على وظيفة " أو " تزوَّج " أو " شُفِيَ من كذا " هذا النذر لا ينبغي أبدا بل هو مَنْهِي عنه، لكن لو نذره شخص فإنه يَجب عليه فإن كان مُقَيَّدا بوقت فليس للزوج أن يَعْتَرِض أبدا وإن كان غير مقَيَّد فينبغي أن يكون شيء هنالك من التفاهم على الوقت الذي يقع فيه الصيام، ولا شك بأنَّ البيوت التي تُبْنَى على التفاهم في هذه القضية وفي غيرها مِن القضايا تعيش عيشة هَنِيَّة مستقرة بِخلاف ما عندما يكون هنالك تَوَتُّر وشقاق وخلاف في بعض القضايا .. قد تكون الزوجة هي المحقة ولكن قد يتنازل الإنسان في بعض الأمور إن لَم تَكن هنُالك معصية لله-تبارك وتعالى-أمَّا عندما تكون معصية فلا طاعة لِمخلوق في معصية الله؛ والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا مُحمد وعلى آله وصحبه.
س: الأطفال الذين يرغبون في الصيام، ما هو سن التكليف الشرعي ؟ ومِن متى يُمكن أو يُعوَّد هؤلاء الأطفال ؟ (2/36)
صفحة 329
ج: أما التكليف فلا يكلَّفون بذلك إذ إن قَلَمَ التكليف مرفوع عنهم بنص الحديث الثابت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فَمَتَى بَلَغَ الإنسان فهو يُكلف في ذلك الوقت إذا كان عاقلا، أما قبل ذلك فهو لا يُكلَّف بشيء مِن الأحكام الشرعية .. هذا إذا قُلْنَا إن التكليف خاص بالواجب أو قلنا هو يدخل فيه المندوب وقلنا إن الصيام لا يُندَب في حقهم، وفي الكل كلام طويل عريض، لكن الذي نقوله: لا وجوب عليهم باتفاق الأمة قاطبة، أما متى ينبغي أن يُعوَّد الطفل على ذلك فقد جاء حديث عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-يُحدِّد الوقت الذي يُعلم فيه الأطفال الصلاة: ( علموه لسبع واضربوهم لعشر ) وهذا الحديث قد اختلف العلماء في حكمه:
منهم من ذهب إلى أنه ضعيف وعليه فإنه لا يُمكن الاعتماد عليه لا في الصلاة ولا في غيرها. (2/37)
صفحة 330
ومنهم من حَسَّنَه بِمجموع طرقه وهو الذي سلكته طائفة كبيرة جدا من أهل العلم، وعليه فإن الطفل ينبغي أن يُؤمر بالصلاة لسبع، أما بالنسبة إلى الصيام فإذا كان يستطيع عليه إذا كان في هذا العمر فحسن أن يُعلَّم ذلك فيه أما إذا كان لا يَقوى عليه .. لأن الأطفال يختلفون .. تختلف بُنْيَةُ الطفل منهم من يقوى على الصيام في ذلك الوقت ومنهم لا يقوى عليه وأيضا الزمان يختلف فقد يكون الصيام في وقت الشتاء والأمر فيه يسير وقد يكون في وقت الصيف والحر فيه شديد والنهار أيضا طويل ولا يقوى عليه وأيضا يختلف من حيث المكان فقد تكون سبل الراحة متوفرة لذلك الطفل فلا يُعَانِي مشقة من الصيام وقد يكون الأمر بخلاف ذلك ويُعانِي مشقة وعنتا إذا صام فلا ينبغي أن يُشدَّد على أولئك الأطفال الذين لا يَقْوَوْن عليه، فالحاصل أنَّه ينبغي لولي أمر الطفل أن يَنظر في أمره فإن رآه يستطيع على ذلك من غير مشقة عليه فيأمره بذلك، وإن رأى أنه لا يقوى عليه فإنه لا يُكلفه على ذلك، فإذا كان لا يستطيع في سن السَّبْع-مثلا-فيمكن أن يأمره بَعد ذلك في السَّنة العاشرة أو ما شابه ذلك، والحاصل أنه ينبغي له أن يُدَرِّبه قبل سن البلوغ .. في العاشرة أو ما شابه ذلك حتى يتعوَّد عليه لأنه إذا تعوَّد عليه كان سهلا عليه أن يصوم بعد ذلك أما إذا لَم يصم قبل البلوغ فقد ينفر من ذلك كما هو الحال عند بعض الناس، فإذن هذا الأمر يتعلق بولي الأمر .. ينظر في حال أولئك الأطفال الذين معه فقد يأمر هذا في هذا السن وقد يأمر ذلك في السن الفلاني، وغالبا ما يكون أبناء العشر قادرين على الصيام، على أنه إذا شرع الصبي في الصيام ولَم يستطع أن يُكمل الصيام فلا يُكلف بإكمال صيام الشهر بل ولا يكلف بإكمال ذلك اليوم الذي شرع في صيامه إذا رأى مشقة فليأكل ولا شيء عليه؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
عاشرا : أحكام خاصة بليلة القدر
س: ليلة القَدْر، هل هي مِن غروب الشمس أو أنها ... ؟ (2/38)
صفحة 331
ج: على كل حال؛ الله-تبارك وتعالى-يَقول: { سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ } [ سورة القَدْر، الآية: 5 ] فالأمر واضح بِالنسبة إلى النهاية، ولكن بِالنسبة إلى البداية فيه شيءٌ مِن الغموض ولكن عندما قال: { هِيَ } فيمكن أن تكون مِن بداية الليل، و-على كل حال-ينبغي لِلإنسان أن يَقوم تلك الليلة وأن يُكثِر مِن ذِكْر الله-تبارك وتعالى-ومِن الابتهالِ إليه - سبحانه وتعالى - بِقلبٍ خاشِع مع عملٍ صالح و-طبعا-ذلك لا يُمكِن أن يَتحقّق منه الإنسان إذا قام ليلةً محدَّدة وإنما يَقوم سائرَ الشهر وهي الأغلب أن تكون في العشْر الأواخِر وخاصّةً في الأوتارِ منه أما أن نَجزِم بأنها مِن أولِ الليل ليس عندنا ذلك الدليل الواضح ولكن قوله: { هِيَ } يمكن أن يَكون مِن بداية الليلة و-كما قلتُ-ينبغي لِلإنسان أن يُكثِر مِن ذِكر الله ومِن قيامِ هذه الليلة وهي نَظُنُّ ظنّا قويا-كما جاء في الحديثِ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بِأنها في العشرِ الأواخِر وخاصّةً في الأوتارِ منها؛ والله ولي التوفيق.
س: ذكرتُم أنّه تستدرك ليلة القَدْر في أوتار الشهر الكريم، فهل أوتار العشر الأيام الأخيرة أو أوتار الشهر كاملة ؟
ج: أوتار العشْر الأخيرَة.
س: العشْر الأخيرَة فقط ؟
ج: نعم.
س: ليلةُ القَدْر، هل هي ليلة واحدة تَدور حول العالَم وهنا يَظهَر إشكال لديه في مسألةِ أنّ الأوتار تَختلِف .. قد يَكون هذه الليلة وِتر في بلد بينما هي ليست كذلك في بلد آخَر ؟ (2/39)
صفحة 332
ج: عل كل حال؛ يُمكِن أن تَتعدَّد بِتعدُّد البلدان وفضلُ الله - سبحانه وتعالى - عظيم .. نَحن نَعلَم أنّ القرآن نَزَل في ليلةِ القَدْر وتلك ليلةٌ واحِدَة وليستْ بِليالي متعدِّدة .. هي ليلةٌ واحِدَة ولكن نظرا لاختلافِ اليومِ أو الليلةِ مِن بلادٍ إلى بلادٍ أخرى-كما هو ثابت لا شك فيه-فإنّ ذلك يُمكِن أن يَتعدَّد بِتعدُّدِ البلدان ويُمكِن أمرٌ آخَر فالحاصِل أن نَجزِم بِذلك جزما مِمّا لا نقوى عليه لأننا نَعلَم بِأنّ القرآن نَزَل على النبي - صلى الله عليه وسلم - في ليلةِ القَدْر وهي ليلةٌ واحِدَة وليستْ في الموضِع الفلاني متقدِّمة عن تلك الليلة في ذلك الموضع أو هي متأخِّرة عن ذلك الموضِع، فالحاصِل الفضْل عظيم وليَقُم الإنسان هذه الليالي-كما قلنا-وعسى الله-تبارك وتعالى-أن يُوفِّقَه لِهذه الليلة، و-حقيقة-الجزم بِأنها متعدِّدة جَزَمَ بِِه بعضُ أهل العلم وأرى السلامة أن نَكِلَ أمرَ ذلك إلى الله تبارك وتعالى.
س: هل تَختصّ هذه الليلة .. ليلة السابع والعشرين مِن رمضان بِشيءٍ مِن الأحكام أو النوافل أو السّنَن بِحيث تُميَّز عن غيرِها ؟
ج: إنّ هذه الليلة المباركَة مِن ليالي شهرِ رمضان المبارَك، وقد ثبتَ عن النبي-صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه وسلم-ما يَدلّ على فضْلِ قيامِ هذا الشهرِ المبارَك، فقد قال صلوات الله وسلامه عليه: ( مَن قام رمضان إيمانا واحتسابا غُفِرَ له ما تَقدَّم مِن ذنبِه )، وجاء عنه صلوات الله وسلامه عليه ما يَدلّ على فضْلِ هذا الشهرِ الكريم-في غيرِ هذا الحديثِ-الكثيرُ الطيِّب، فهذه الليلة ليلةٌ مِن هذا الشهرِ المبارَك الذي يُؤمَر بِقيامِه، كما أنها ليلةٌ مِن ليالي العشْر الأخيرَة مِن شهرِ رمضان وهي أفضلُ مِن سائرِ ليالِي هذا الشهرِ المبارَك، و-أيضا-هي مِن أوْتارِ هذه العشْر. (2/40)
صفحة 333
والرسولُ - صلى الله عليه وسلم - كان يَقومُ الليل في سائرِ العام حتى تَتفطَّر قَدَمَاه، وتَسأَلُه السيدةُ عائشة-زوجُهُ الكرِيمة رضي الله تعالى عنها-عن ذلك مع أنه قدْ غُفِرَ لَه صلوات الله وسلامه عليه ما تَقدَّمَ مِن ذنبِه وما تَأخَّر فيَقول: ( أفلا أكونُ عبْدا شكورا ؟! )، وكان يَخُصُّ هذا الشهر-أيضا-بِأكثرَ مِن غيرِه مِن العبادات، كما أنه صلوات الله وسلامه عليه كان يَقومُ في العشْرِ الأواخِر أكثر مِن غيرها، وكان يَعتكِف صلوات الله وسلامه عليه في هذه العشْرِ الأواخِر مِن أجْل أن يَتفرّغ لِلعبادة ومِن أجْل أن يُصادِفَ تلك الليلة العظيمة التي ذَكَرَها الله - سبحانه وتعالى - في كتابِه العزيز في موضعين (1)
__________
(1) -قال الله تعالى: { حم - وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ - إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ - فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ - أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ - رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } [ سورة الدخان، الآيات: 1-6 ].
وقال الشيخ عند الجواب على السؤال 9 مِن حلقة 27 رمضان 1425هـ ( يوافقه 10 نوفمبر 2004م ): " هذه الليلة فيها فضلٌ عظيم كما جاء ذلك في القرآن الكريم .. وصفها الله-تبارك وتعالى-بِأنّها ليلة مباركة وهي ليلة القدر-خلافا لِمن يَزعم بِأنَّها ليلة الخامس عشر مِن شعبان-وأيضا أُنزِل في هذه الليلة-وهي ليلة القدر-سورة بِكَامِلِهَا وقال تَفْخِيما لِشأنِها: { وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ } [ سورة القدر، الآية: 2 ] ثم قال: { لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ - تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا ... } [ سورة القدر، الآية: 3 ومِن الآية: 4 ] ". (2/41)
صفحة 334
بل وردتْ سورة بِكاملها فيها وهي قوله تبارك وتعالى: { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْر } [ سورة القَدْر، الآية: 1 ] إلى آخِر السورة (1) ، فهذه الليلة مَظنّة لأن تَكونَ فيها ليلةُ القَدْر لأنها مِن أَوْتارِ العشْرِ الأواخِر ولكن ليلة القَدْر ليستْ بِمنحصِرة في هذه الليلة .. يُمكِن أن تَكونَ فيها ويُمكِن أن تَكونَ في غيرِها مِن سائرِ الليالي العشْر ولاسيما في أوْتارِها، فلا يُمكِن أن يَجزِم أحدٌ بِأنها في هذه السنَة في هذه الليلة أو أنها في سائر الأعوام في هذه الليلة، إذ لا دليلَ يَخصُّ هذه الليلة دون غيرِها، وما وَرَدَ في ذلك ففيه مِن النظر ما فيه، فهي كغيرِها مُحتمِلَة، أما أن نَجزِم بِذلك-كما يَجزِم الكثرةُ الكاثِرة مِن العوام-فهذا مِمّا لا يَنبغِي، لأنّ الأمْرَ مُحتمِل وما دام الأمْرُ مُحتمِلا وليس عليه دليلٌ واضِحٌ لا غموضَ فيه فليس لأحدٍ أن يَجزِم بِذلك ولكن يَنبغي لِلإنسانِ أن يُكثِرَ مِن قيامِ الليل ولاسيما في شهرِ رمضان المبارَك ولاسيما في العشْرِ الأواخِر ولاسيما في الأوتارِ منه.
__________
(1) - { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ - وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ - لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ - تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ - سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ } [ سورة القدر ]. (2/42)
صفحة 335
أما ما جاء مِن تَخصِيصِ هذه الليلة بِصلاةٍ خاصّةٍ بِها فإنّ ذلك لا يَثبتُ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وإن رواه مَن رواه فتلك الرواية مِن الضَّعفِ بِمكان بل هي مِن الرواياتِ الموضوعاتِ المصنوعاتِ، فإذن هنالك فرقٌ بيْن إحياءِ هذه الليلة كغيرِها مِن ليالي شهرِ رمضان وخاصّة في هذه الليالي المبارَكة وهي الليالِي العشْر وخاصّة الأوتار-كما قلتُ-وبيْن أن نُخصِّص هذه الليلة بِعبادةٍ خاصّة مِن دون غيرِها مِن سائرِ هذه الليالي .. يَنبغي أن يُتفطَّن لِهذا جيدا.
و-كذلك-ما جاء مِن تَخصِيص بعضِ الليالي مِن سائرِ العام بِبعضِ الصلوات فذلك لم يَثبتْ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وقد جاءتْ صلواتٌ متعدِّدة كثيرة في ليالي متعدِّدة مِن سائرِ العام-وسنُنبِّه عليها في مناسبةٍ أخرى بِمشيئة الله تعالى-لكنّ تلك الروايات لا تَثبت.
ومِن أشهرِ ما اشتهَر عند العوام:
1-ما جاء مِن قيامِ ليلتَي العيد .. أي ليلةِ عيدِ شهرِ رمضان المبارَك وهي الليلةُ الأولى مِن شهر شوال والليلة العاشِرة مِن شهرِ ذي الحجّة وهي ليلةُ العِيد فذلك لم يَثبتْ فيه شيءٌ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فهما كغيرِهما مِن سائرِ ليالِي العام .. مَن كان مُعتادا على العبادة في ليالِي العام فيَصنَع فيهما ما يَصنَع في غيرِهما-ولابد لِلمسلِم أن يَعتادَ على العبادةِ في ليالِي العام وإن كان يَخصُّ بعضَ الليالي كليالِي شهرِ رمضان المبارَك بِالعبادةِ أكثرَ مِن غيرِها-أما مَن لم يَكن كذلك فلا يَنبغي لَه أن يَخصَّ هاتيْن الليلتيْن بِشيءٍ مِن العباداتِ دون غيرِهما، وما جاء في تَخصيصِهما بِشيء فذلك لم يَثبتْ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وما جاء عن بعضِ العلماء فذلك مِمّا لا حُجّة فيه. (2/43)
صفحة 336
2-وكذلك ما جاء في أوّلِ جمعةٍ مِن ليالِي شهرِ رجب وهي ما تُعرَف بِصلاةِ الرغائِب فالحديثُ الوارِد في ذلك موضوعٌ لا يَثبتْ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بِحالٍ، ولا يَنبغي الاعتناءُ بِها، فهذه الصلاة مِن الصلواتِ المبتدَعة التي يَنبغي التحذيرُ منها، لا الإتيان بِها.
3-و هكذا ما جاء مِن الصلاةِ في الليلة الخامسة عشرة مِن شهرِ شعبان فإنه لم يَثبتْ في فضْلِ هذه الصلاة ولا في فضْلِ هذه الليلة شيءٌ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
4-وهكذا بِالنسبةِ إلى سائِرِ ليالِي العام لم يَثبتْ فيها شيءٌ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . (2/44)
صفحة 337
و-على كل حال-يَنبغِي لِلناس أن يَتفقّهوا في أُمورِ دِينِهم وأن يَعْتَنُوا بِكتابِ ربِّهم وبِسنّة نبيِّهم صلوات الله وسلامه عليه .. أن يَعْتَنُوا بِكتابِ ربِّهم تلاوةً وحفظا وفهما لِمعانِيه و-كذلك-أن يَعْتَنُوا بِسنّةِ نبيِّهم - صلى الله عليه وسلم - حفظا لَها وتَميِيزا بيْن صحيحِها وسقيمِها وغَثِّها وسَمِينِها ولا شك أنّ كلَّ ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - صحيح وإنما نَقصد بِالصحيحِ والضعيف ما نُسِبَ إليه صلوات الله وسلامه عليه، و-كذلك-بِأن يَتفقّهوا في سُنّتِه صلوات الله وسلامه عليه وأن يَعمَلوا بِما جاء فيها .. ما كان واجِبا أو مندوبا وألاّ يُفرِّطوا في شيءٍ مِن ذلك قدْرَ استطاعتِهم، ويَنبغِي لِطلبةِ العلم أن يَكونوا في مُقدِّمة الرَّكْب .. أن يَعتنُوا بِكلِّ ما جاء في كتابِ الله وفي سُنّةِ رسولِه-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-عملا وتَبليغا لِلناس بِالأسلوبِ الحسنِ اللائق مِن غيرِ تَنفِيرٍ أو تَشدُّد أو تَعنيفٍ لِغيرِهم وما شابه ذلك إذا وَجَدوا أحدًا يُخالِف حديثا ثابتا عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وقد ذكرنا أكثر مِن مرّة أنّ السلَف-رضوان الله تبارك وتعالى عليهم-يَعتنون بِالسنن الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أَيَّما عِناية، فالصحابة-وهم سادَة السلَف-إذا سمعوا شيئا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - تَسابَقوا في تطبيقِه وفي تبليغِه .. ما كانوا يُبادِرون بِالسؤال: " هل هذا واجِب فنأتِي بِه أو سنّة فنتهاون بِها ؟ " .. (2/45)
صفحة 338
كلاّ، وإن كانوا يُفرِّقون بيْن الواجِب والمندوب بِالطَّبْع لكن ما كانوا يَتساهلُون بِالسّنَن، وطلبةُ العلم يَنبغي لَهم أن يَكونوا-كما قلتُ-في المقدِّمة، فما يَذكرُه العلماء مِن أنّ العلم أفضلُ مِن غيرِه لا يَقصِدون بِذلك أن يَتساهَلَ الطلبةُ أو غيرُهم بِالسّنَن الثابِتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فهذا النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي غَفَرَ الله له ما تَقدَّم مِن ذنبِه وما تَأخَّر وقد كان مُشتغِلا بِتبليغِ دعوةِ الله-تبارك وتعالى-في الأرض وكان يُجاهِدُ في سبيل الله - سبحانه وتعالى - كان يَقوم الليل حتّى تَتفطَّر قدماه الشرِيفتان وكان يُواظِبُ على النوافِل في حَضَرِه وفي سَفَرِه في صِحّتِه وفي مرضِه في ليلِه ونهارِه كما ثبت عنه ذلك صلوات الله وسلامه عليه، وهكذا ثبتَ عن صحابتِه الكرام، فالعلم مِن أفضلِ الأعمال بعدَ فرائضِ الله-تبارك وتعالى-ولكن لابد مِن أن يَكونَ معه الإتيان بِالنوافل مِن صلاةٍ وصيامٍ وصدقةٍ إلى غيْرِ ذلك مِمّا جاء في كتابِ الله - سبحانه وتعالى - الحثُّ عليه أو في سنّةِ رسولِه صلوات الله وسلامه عليه .. لابد مِن أن نَفهَمَ هذا، أما أن يَشتغِلَ الطالِب بِالقراءةِ في الكتب ويُهمِل النوافِل فهذا مِمّا لم يَفعلْه أحدٌ مِن أهلِ العلم مِن الصالِحين، وهكذا ما أرادُوه عندما ذَكَرُوا ما ذَكَرُوه مِن فضْلِ العلم وتَقدِيمه على غيْرِه .. لابد مِن التَّنَبُّهِ لِهذا، ويَكفِي أنه قد جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما جاء كما ذكرنا ذلك في مقدّمة هذه الدروس (1) .
__________
(1) -عند الجواب على السؤال 1 مِن حلقة 12 رمضان 1425هـ ( يوافقه 27 أكتوبر 2004م ). (2/46)
صفحة 339
وقد سألني أحدُ السائلين (1) عن الحديثِ الثابتِ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - على حسب ما قرَّره بعضُ أهل العلم (2) أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذَكَر فيمَن يُحافِظُ على السّنَن: ( لا يَزال عبدي يَتقرَّبُ إلَيَّ بِالنوافِل حتى أُحِبَّه فإن أَحْبَبْتُه كنتُ سَمْعَه الذي يَسْمَعُ بِه ) إلى آخِرِ الحديثِ المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .. سألني عن معنى هذا الحديث وكنتُ أَظُنُّ الوقتَ قد انتَهى في تلك الليلة فوعدتُه بِأن أُجِيبَ في مناسبةٍ أخرى ولكن كنتُ أُرِيدُ أن أُطِيلَ في ذلك ولكن الأسئلة الكثيرة التي تَتعلَّق بِهذا الشهرِ الكريم كما نرى فأَكتفِي بِجوابٍ مُختصَرٍ عن هذا الحديث وهو فيه كفاية بِمشيئةِ الله تبارك وتعالى:
فالعلماء قد اختلَفوا في هذا الحديث:
__________
(1) -السؤال 9 مِن حلقة 24 رمضان 1425هـ ( يوافقه 08 نوفمبر 2004م ).
(2) -قال الشيخ عند الجواب على السؤال 1 مِن حلقة 12 رمضان 1425هـ ( يوافقه 27 أكتوبر 2004م ): " جاء عنه صلوات الله وسلامه عليه أنه قال: ( مَن عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تَقرَّب إلي عبدي بشيء أفضل مِمّا افترضتُه عليه، وما يزال عبدي يَتقرَّب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإن أحببتُه كنتُ سَمعَه الذي يَسمع به، وبصرَه الذي يُبصِر به، ويدَه التي يَبطِش بها، ورِجلَه التي يَمشي بها، وإن سألني ... ) إلى آخر الحديث، وهو وإن كان قد تكلم فيه بعض العلماء إلا أنه قد جاء مِن طرق أخرى يَشدّ بعضها بعضا فيَرتقي بذلك الحديث إلى درجة القَبول .. هذا الذي نراه في هذا الحديث ". (2/47)
صفحة 340
1-منهم مَن قال: إنّ مَن وَصَلَ إلى هذه المرتبةِ العالية فإنه يُراقِبُ الله-تبارك وتعالى-في كلِّ دقيقةٍ وجليلة وفي كلِّ صغيرةٍ وكبيرة فهو لا يَستمِع إلا إلى ما يُرضِي الله-تبارك وتعالى-ولا يَنظُر إلا إلى ما يُرضِي الله-تبارك وتعالى-ولا يَبْطِشُ إلا بِما يُرضِي الله-تبارك وتعالى-ولا يَمشِي إلا إلى ما يُرضِي الله-تبارك وتعالى-وهكذا في بقيةِ الجوارِح فهو لا يَنطِقُ إلا بِما يُرضِي الله تبارك وتعالى.
2-وبعضُ أهلِ العلم قال: إنّ مَن وَصَلَ إلى هذه المرتبةِ العالية فإنّ الله-تبارك وتعالى-يُوفِّقُه ويَأخُذ بِيَدِه فيُوَفِّقُه لأن يَستمِع إلى ما يُرضِيه - سبحانه وتعالى - ولا يَلتفِتُ إلى غيرِه وهكذا بِالنسبةِ إلى بقيةِ الأشياءِ المذكورةِ في الحديث؛ ولا شك بِأنّ هذا هو الأقرب إلى الصواب، ولا أَظُنُّ أنّ أصحابَ القول الأوّل إلا أنهم يَرمون إلى هذا المعنى.
فمَن وَاظَبَ على هذه النوافِل-فالرّسولُ - صلى الله عليه وسلم - قال: ( لا يَزال ) ولم يَقُل: " إذا فَعَل " أو ما شابه ذلك فمعنى ذلك أنه يُواظِب على هذه النوافل-فإنه يَصِلُ بِمشيئة الله-تبارك وتعالى-إلى هذه المنزلةِ العاليةِ الرفيعةِ التي يَنبغِي لِكلِّ مسلِمٍ أن يَسعى إليها قدْرَ طاقتِه. (2/48)
صفحة 341
فنسألُ الله-تبارك وتعالى-أن يُوفِّقَنا وأن يُوَفِّقَ سائرَ المسلِمين لِلعملِ بِما يُرضِيه - سبحانه وتعالى - وأن يَأخذَ بِأيدِيهم لِما يُحبُّه تبارك وتعالى، وإذا عَملَ المسلِمون بِما في كتابِ الله-تبارك وتعالى-وفي سنّةِ رسولِه - صلى الله عليه وسلم - بعد معرفةِ الثابتِ الصحيحِ منها مِن غيرِه ونَظَروا في كلامِ أهلِ العلم على معاني الآياتِ القرآنية والأحاديثِ النبوية ولم يَلتفِتوا إلى قولِ أيِّ أحدٍ بعد ذلك-مع إجلالِهم واحترامِهم لأهلِ العلم-فإنهم في ذلك اليوم بِمشيئةِ الله - سبحانه وتعالى - سيَعرِفون مَنزِلَتهم بيْن الأمم لا على حسبِ هذا الحال الذي نُشاهِدُ عليه المسلِمين حيثُ إنّهم-ولِلأسفِ الشديد-صارُوا في مُؤخِّرَةِ الرَّكْب وما ذلك إلا لإهمالِهم لِكتابِ ربِّهم وسنّةِ نبيِّهم صلوات الله وسلامه عليه .. نَسألُه سبحانه أن يُوفِّقَنا لِلعملِ بِالكتابِ والسنّة وأن يَأخذَ بِأيدِينا لِما يُحبُّه تبارك وتعالى ويَرضاه؛ والله ولي التوفيق.
س: ما هو الراجِح في علاماتِ ليلةِ القدر ؟ وهل يَجوز إخبار الأصحاب بِهذا إذا تَبيّنَتْ له ؟ (2/49)
صفحة 342
ج: أما الإخبار فلا مانع لكن-في الحقيقة-تأتينا الأخبار في يومِ العِيد أو بعدَه متضارِبَة متناقِضَة .. تَصِل في بعضِ الأحيان إلى خمسةِ أخبار منهم مَن يَقول كانتْ في الليلة الفلانية ومنهم مَن يَقول كانتْ في الليلة الفلانية ومنهم مَن يَقول كانتْ في الليلة الفلانية ثم لِماذا الإنسان يَقوم بِالإخبار ؟! فإذا كان يَخشى على نفسِه أن يَقَعَ في شيءٍ مِن الغرور أو ما شابه ذلك بِأنّ له منزلة أو ما شابه ذلك ففي الحقيقة في هذا ما فيه ولا شك بِأنه عليه أن يَبتعِد منه، أما إذا كان يُخبِر أصحابَه وهو واثِق مِن نفسِه بِأنه لن يَقَعَ في شيءٍ مِن ذلك فهذا لا بأس .. قد أخبَر بِه بعضُ أهلِ العلم لكن-كما قلتُ-بعضُ الناس يَظنّ ظنا بِأنّ هذه الليلة هي ليلة القدر أو ما شابه ذلك وليس الأمر كذلك إذ لا يُمكِن أن تَأتِي في سنةٍ واحدة في موضعٍ واحد-أي في منطقة واحدة-أكثر مِن مرّة .. يعني لا يُمكِن أن تَكونَ في هذه الليلة وفي الليلة الثانية في هذه المنطقة أما أن يَكونَ ذلك بِاعتبار مناطق فكما أشرتُ إليه بِالأمس (1) السلامة في التوقّف .. للعلماء كلامٌ طويل عريض عند اختلاف المناطق .. مثلا تَكون هذه الليلة ليلة كذا في المنطقة الفلانية وتكون ليلة كذا في المنطقة الفلانية .. هل تَكون مثلا ليلة القدر في هذه المنطقة هذه الليلة وتكون غدا في المنطقة (2)
__________
(1) -عند الجواب على السؤال 9 مِن حلقة 26 رمضان 1425هـ ( يوافقه 10 نوفمبر 2004م ).
(2) -قال الشيخ: " الليلة " بدلا مِن " المنطقة " والظاهر أنه سبق لسان.. (2/50)
صفحة 343
الفلانية أو تكون في ليلة واحدة وعليه تكون عند بعضهم شفعا وعند بعضهم وترا ؟ بعضهم يَقول بِهذا بل بعضهم يَقول: " هي في ليلة واحدة على حسب المكان الذي نزل فيه الوحي على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو مكة المكرمة "، وعند غيرهم يَكون ذلك هو وقت الإجابة حتى لو كان ذلك في النهار في بعضِ الأماكن البعيدة التي يَكون وقت الليل في مكة المكرمة عندهم نهارا، و-على كل حال-المسألة فيها مِن الكلام ما فيها، ونحن قلنا (1) : إنّ الإنسان يَنبغِي له أن يُواظِب على قيامِ شهر رمضان ولاسيما في العشرِ الأواخِر على أنّ العلماء قد اختلَفوا متى الوتر .. هل يَكون في ليلةِ الحادي والعشرين والثالث والعشرين والخامس والعشرين وهكذا أو يَختلِف بِحسب الاختلاف بيْن الشهور إذا كان الشهر تسعة وعشرين ليلة أو كان ثلاثين ليلة ؟ في ذلك كلامٌ طويل عريض، وبعضُ هذه الأقوال ليس لها دليل قوي يُمكِن الاعتماد عليه فالسّلامة في عدمِ الخوْض في ذلك وأن نَكِلَ الأمْر إلى الله تبارك وتعالى .. نَحن نَجزِم بِليلةِ القدْر ونُرجِّح-على حسبِ ما يَظهَر لَنا-بِأنَّها في شهرِ رمضان المبارَك وأنَّها في العشرِ الأواخِر منه ولاسيما الأوتار كما جاء في بعضِ الروايات الصحيحة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكنّها ليستْ مِن بابِ المقطوعِ بِه فلا نَقطَع عُذْرَ مَن خالَف ذلك ولا نَعتقِد ذلك وإنما نَظنّ ظنا، فإذن يَنبغي لَنا هذا وهو أن نُواظِب على القيامِ مع الاحتساب كما جاءَ في الحديث: ( قام رمضان ) والرواية الأخرى: ( ليلة القدر إيمانا واحتسابا ) ..
__________
(1) -عند الجواب على السؤال 1 مِن حلقة 26 رمضان 1425هـ ( يوافقه 10 نوفمبر 2004م ). (2/51)
صفحة 344
نَفعَل ذلك ونَرجو الله-تبارك وتعالى-مِنْ أن يُوفِّقَنا لِلأجْر والثواب على أَنَّ-أيضا-العلماء اختلَفوا هل يَحصُل على هذا الثواب مَن عَلِمَ بِهذه الليلة أو أنه يَحصُل على ذلك مَنْ قام هذه الليلة سواء ظهرتْ له شيءٌ مِن العلامات أو لَم يَظهَر له شيءٌ مِن ذلك ؟ هذا خلافٌ طويل عريض ولذلك لا أرى داعيا لِلبحثِ في بعضِ هذه القضايا التي ليس لَها دليل قاطِع كما أشرتُ في قضية هل يَكون في المنطقة الفلانية في ليلة كذا أو في ليلة كذا أو ما شابه ذلك ؟ فقلنا: هذا السلامةُ في عدمِ التَّطَرق إليه وأن نَكِلَ أمرَ ذلك إلى الله-تبارك وتعالى، وقد أشرتُ إلى ذلك إشارة بِالأمس (1) -ولكن مهما كان هذه الليلة فيها فضلٌ عظيم كما جاء ذلك في القرآن الكريم .. وصفها الله-تبارك وتعالى-بِأنّها ليلة مباركة وهي ليلة القدر-خلافا لِمن يَزعم بِأنَّها ليلة الخامس عشر مِن شعبان-وأيضا أُنزِل في هذه الليلة-وهي ليلة القدر-سورة بِكَامِلِهَا (2) وقال تَفْخِيما لِشأنِها: { وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ } [ سورة القدر، الآية: 2 ] ثم قال: { لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ - تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا ... } [ سورة القدر، الآية: 3 ومِن الآية: 4 ] .. على كل حال أيضا؛ أطال بعضُ العلماء الكلامَ على الروح والمرادِ بِالروح ولا أرى داعِيا لِتَطْوِيل الكلام بِذلك ما دام ليس هنالك دليلٌ قاطِع على تلك الأقوال ..
__________
(1) -عند الجواب على السؤال 9 مِن حلقة 26 رمضان 1425هـ ( يوافقه 10 نوفمبر 2004م ).
(2) - { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ - وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ - لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ - تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ - سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ } [ سورة القدر ]. (2/52)
صفحة 345
قد يَظُنّ الإنسان بعضَ الأمور لكن أن يَجْزِم بِذلك ففيه مِنَ الصعوبة ما فيه، ثُمَّ الله - سبحانه وتعالى - قال: { ... هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ } [ سورة القدر، من الآية: 5 ]، فهي-والحمد لله تبارك وتعالى-إذا قام الإنسان لَيْلَة مِن الليل سَيَحْصُل على هذا الثواب على الرأيِ الراجِح بِأنه رآها أو لَم يرها-أي رأى شيئا مِن علاماتِها أو لم يَرَ شيئا مِن تلك العلامات-ما دام قام هذه الليلة إيمَانا واحتسابا حتى أنّ بعضَ العلماء قال: " مَن صلّى المغرب والعشاء في هذه الليلة فقد يَحصُل على هذا الثواب " ولكن-حقيقة-في هذا الكلام ما فيه، ذلك لأنّ المسلِم لابد مِنْ أَنْ يُؤدِّي هاتيْن الصلاتيْن ومعنى ذلك أنه أتى بِهذا القيام إن كان هذا هو المقصود، وقد يَقولون بِأنه إذا أتى بِهما على حَسْبِ ما هو مطلوبٌ شرعا، ونقول: المؤمن مطالَب بِذلك، فنحن لا نَقوى على هذا القول ولكن نَقول بِأنّ الظاهِر أنه لابد مِن القيام المعروف ولا أَقصِد بِالقيام المعروف هو التراويح أو ما شابه ذلك .. كَلاّ وإنَّما قيام هذه الليلة ومِن مؤمِن مُحْتَسِب لِلثوابِ مِن عندِ الله تبارك وتعالى.
وعلى كل حال؛ الأوقاتُ تارةً يَكون الوقتُ بِكاملِه وهذا هو الظاهِر مِن الآية القرآنية وتارةً تَكون ساعة الإجابة قصيرة في وقتٍ مُحدّد وتارةً يَكون الوقتُ طويلا وإن لَم يَكن اليوم كامِلا، فليلةُ القدرِ الظاهِر أنَّها مِن أوّلِها إلى آخِرِها، أما آخِر الليلة فالأمر واضِح وأما مِن أوَّلِها فذلك هو الظاهِر لأنه قال: { لَيْلَةُ الْقَدْرِ } بِالنسبة إلى بعضِ الأوقات يَكون الوقتُ قصِيرا كالساعة التي فيها الإجابةُ في يومِ الجمعة والبعضُ يَكون وَسَطا كيومِ عَرَفَة فإنه يَكون مِن زوالِ الشمس على الرأي الراجِح الذي يَدُلّ لَهُ الدليل وعليه-أيضا-جمهور الأمّة. (2/53)
صفحة 346
أما العلامات فقد ذَكَرُوا لِذلك علاماتٍ مُتَعَدِّدَة منها ما يَكونُ بعدَ وقتِها .. أي بعدَ طلوع الشمس، ومنها ما يَكونُ في الليل.
وأما ما يَذكُرُه كثيرٌ مِن العوام بِأنّ بعضَ المخلوقات تَنْقَلِب رأسا على عَقِب فَعُرُوقُ الأشجار تَكونُ الأعلى والأطراف تَكون في الأسفل وأنَّ الإنسان لو أَخَذَ شيئا مِن شجرة يَتَحَوَّل إلى ذَهَب .. إلى غيرِ ذلك فهذا باطِل وهُرَاء لا قيمةَ لَه. (2/54)
صفحة 347
ولكن-على كل حال-بعضُ العلماء يَقول: تَكون تلك الليلة وَسَطا ليس فيها شيءٌ مِن البَرْد ولا مِِن الحَر وقد يَشْعُرُ الإنسان فيها بِشيءٍ مِن السكينة وهكذا ما يُرَى في صبيحةِ ذلك اليوم مِن الشمس بِأنه ليس لَها شُعَاعٌ قوِي .. إلى غير ذلك مِنَ العلامات التي يَحتاج أن نَذكُرَها ونَذكُرَ ما لَها وما عليها ولكن-على كل حال-الإنسانُ قد يَشْعُر بِشيءٍ مِن الطمأنينة والراحة وذلك ظاهِرٌ مِن حديثِ السيدة عائشة-رضي الله تعالى عنها-عندما سألتْ الرسول - صلى الله عليه وسلم - بِماذا تَدعو إذا هي رأتْ ليلة القدر، فمعنى ذلك بِأنّ الإنسان يُحِسّ بِشيءٍ وإلا كيف تَرَاها السيدة عائشة-رضي الله تبارك وتعالى عنها-ولا تُحس بِشيءٍ ؟! قد يَشعُر بِذلك في مَنَامِه وقد يَشعُر بِذلك في يَقَظَتِه وقد لا يَشعُر-كما قلتُ ويَنالُ الثواب الجزيل، و-على كُلٍ-أَرشَدَ النبي - صلى الله عليه وسلم - السيدة عائشة لأن تَدْعُوَ بِقوله: ( اللهم إنّك عَفُوٌ تُحِب العَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي ) فلْيُكثِر الإنسانُ مِن هذا الدعاء في هذه الليالي المبارَكة شَعَرَ بِذلك أو لَم يَشعُر ولْيُكْثِر-أيضا-مِنْ قولِ: " ربنا آتِنا في الدنيا حسنة وفي الآخِرة حسنة وقِنا عذابَ النار "، فالرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يُكْثِر مِن هذا الدعاء، وكذلك: " اللهم إنّي أَسألُك العفوَ والعافية في الدنيا والآخِرة "، و-كذلك-يُكْثِر من دُعَاءِ يونس - عليه السلام - الذي جاءَ في القرآن الكريم: { ... لا إِلَهَ إِلا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ } [ سورة الأنبياء، من الآية: 87 ] .. إلى غيرِ ذلك مِن الأدعية، وليُكْثِر مِنَ الدعاءِ بِالنّصْرِ لِلإسلامِ والمسلِمين؛ نَسألُ الله-تبارك وتعالى-أن يُوَفِّقَ المسلِمين جميعا لِما فيه الخيْر وأن يَنْصُرَ الإسلامَ نَصْرا مُؤَزَّرا وما ذلك عليه بِعزيز؛ والله أعلم.
...
الحادي عشر : أحكام الاعتكاف (2/55)
صفحة 348
س: ما حكم الاعتكاف ؟
ج: إنّ الاعتكاف سنّة ثابتة عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، فقد ورد عنه-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-أنه كان يَعتكِف في العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك، كما أنه اعتكف-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-في بعض الأحيان في العشرين الأخيرة من شهر رمضان أيضا، وقد ثبت-أيضا-عن بعض الصحابة-رضوان الله تبارك وتعالى عليهم-أنهم اعتكفوا مع النبي صلوات الله وسلامه عليه، كما جاء ذلك في حديث أبي سعيد الخدري-رضي الله تعالى عنه-عند البخاري وعند غيره، وثبت-أيضا-عن أمهات المؤمنين-رضي الله تبارك وتعالى عنهن-أنهنّ اعتكفن بعد وفاة النبي صلوات الله وسلامه عليه، كما أنّ بعضهنّ شَرَع في الاعتكاف مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وفي هذا دلالة واضحة وحجّة نيِّرة على مشروعية الاعتكاف، وأنه سنّة ثابتة عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، بل مشروعيته أيضا تؤخذ من كتاب الله-تبارك وتعالى-في قوله - سبحانه وتعالى - : { ... وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِد ... } [ سورة البقرة، من الآية: 187 ]، و-كذلك-يُؤخذ ذلك من قوله - سبحانه وتعالى - في قوله لعبده وخليله ورسوله إبراهيم - عليه السلام - : { ... وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ } (1) [
__________
(1) -الظاهر أنّ الشيخ قصد أن يأتي بهذه الآية بدلا من الآية التي أتى بها في التسجيل وهي: { ... وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ } [ سورة الحج، من الآية: 26 ] مع ملاحظة أنّ الشيخ وقع له سبق لسان في قراءتها، إذ قرأها: " ... وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ والعاكفين وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ".. (2/56)
صفحة 349
سورة البقرة، من الآية: 125 ]، وهذا أمر متّفَق عليه بين الأمّة الإسلامية قاطبة، وقد حكى الاتفاق-أو الإجماع-على ذلك غيرُ واحد من المتقدِّمين والمتأخِّرين، لا داعي لذِكر أسمائهم.
وما رُوي عن الإمام مالك أنه قال بكراهة ذلك فلا أظنّه يصحّ عنه إلا إذا قُيِّد ذلك بِقَيْد من القيود، أو كما قيل بأنّه يُحمَل على صفة من الصفات، كما ذَكر ذلك الحافظ ابن حجر وغيره، وقد ذَكر بعض العلماء مَحامِل لذلك وأكثرُ تلك المحامل مردود، ولا أرى فائدة من ذِكر ذلك ما دام الاعتكاف ثابتا ثبوتا لا شك فيه، ولا أظنّ أنّ ذلك-كما قلتُ-يُخالِف في ذلك إلا إذا كان ذلك لمَحمَل من المحامِل ومع ذلك فيه ما فيه.
هذا بالنسبة إلى شهر رمضان المبارك.
وذهب بعضهم إلى أنّه سنّة في العَشر الأواخر من رمضان وأما في غير ذلك فليس بسنّة وإنما هو جائز.
وقيل: إنه في شهر رمضان سنّة-كما قلتُ وفي غيره جائز.
وقيل: إنه سنّة مطلقا في شهر رمضان وفي غير رمضان.
ولاشك أنّ القول بسنيّة ذلك هو القول القويّ، وإن كان في رمضان أفضلُ وآكَد، لِمواظبة النبي-صلوات الله وسلامه عليه-وكثير من صحابته رضوان الله-تعالى-عليهم.
وما قيل: " إنه لم يَعتكِف أحد من الصحابة " مردود، لِما ذكرتُه ولغير ذلك من الروايات الكثيرة المروية عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وينبغي للإنسان مِن قبلِ أن يُطلِق على بعض الأمور بأنها لم تَثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أو عن غيره مما رُوي ذلك عنهم يَنبغي له أن يَتحرَّز وأن يَبحَث أشدّ البحث وألاّ يُطلِق الكلام على عَواهِنِه فيذكر بأنّ الشيء الفلاني لم يَرِد عن الصحابي الفلاني أو عن أحد من الصحابة مع أنّ ذلك مذكور في كتب كثيرة، وقد ذكرتُ أنّ ذلك مروي عن بعض الصحابة في الصحيحين وفي غيرهما من كتب الرواية.
وذهب بعض العلماء إلى أنه مشروع إلاّ في حقّ المرأة الشابّة؛ وهذا-أيضا-ليس بشيء. (2/57)
صفحة 350
فالقول الصحيح هو قول من قال إنّ ذلك مسنون ولاسيما في شهر رمضان المبارك وأنّ الأفضل أن يُحافَظ عليه في العشر الأخيرة من رمضان ومن أمكنه-أيضا-أن يَعتكِف في العشرين الأخيرة منه فذلك حسن؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: هل لهذا الاعتكاف شروط معيّنة ؟
ج: أوّلا: كثير من الناس يَسألون عن فضل الاعتكاف، وأنا أريد أن أنبّه إلى أنه لم يَرِد حديث صحيح ثابت عن النبي-صلوات الله وسلامه عليه-يدل على فضل الاعتكاف، فكل ما روي من الأحاديث القولية ففيها ما فيها من كلام، وإنما الثابت في ذلك فعل النبي-صلوات الله وسلامه عليه-ومواظبته عليه في العشر الأخيرة، حتى أنه صلوات الله وسلامه عليه جاء عنه أنه كان إذا لم يَتمكن من الاعتكاف في العشر الأخيرة .. أنه كان يَعتكِف العشرين الأخيرة من شهر رمضان من السنة الآتية، وكذلك عندما خرج من الاعتكاف عندما دخلت أزواجه-صلوات الله وسلامه عليه، ورضوان الله عليهن-في الاعتكاف .. عندما خرج في العشر الأخيرة من رمضان قضى ذلك، وإن كان ذلك القضاء-على مذهب طائفة كبيرة من أهل العلم، وهو الظاهر عندي-ليس على طريق الوجوب، وإنما هو على طريق الاستحباب. (2/58)
صفحة 351
أقول: في فعله صلوات الله وسلامه عليه ما يدل على فضل الاعتكاف، و-أيضا-من المعلوم أنّ لِلعشر الأخيرة من شهر رمضان من الفضل ما لها، ولذكر الله-تبارك وتعالى-وتلاوة القرآن من الفضل ما لا يخفى، كما جاء ذلك في الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي-صلوات الله وسلامه عليه-ثبوتا لا شك فيه، ومن المعلوم أنّ أكثر ما يُحافِظ عليه المعتكِف هو الأذكار مع قراءة كتاب الله تبارك وتعالى، فمن كانت له القدرة فلا ينبغي له أن يُفرِّط في ذلك، ولا يَغترَّ بقول كثير من أهل العلم بأنّ ذلك لم يَثبُت عن الصحابة، فقد قدّمنا بأنّه ثابت عن الصحابة، بل هو ثابت عن سيّد الصحابة وسيّد كل الخلق صلوات الله وسلامه عليه، وكذلك لا ينبغي له أن يَغترَّ بما ذكره أهل العلم مِن أنه لم يَأت حديث صحيح في فضل الاعتكاف، فإنّ معنى ذلك بأنه لم يَأت حديث قولي، وينبغي لِلإنسان أن يَعلم اصطلاحات أهل العلم عندما يجد عبارة أو كلاما لبعضهم أو لهم جميعا .. لابد مِن أن يَعرِف ذلك المصطلح الذي يَعْنُونَه، وإلا فلا يُمكن أن يقال بعدم فضل الاعتكاف مع مواظبة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه كما ذكرتُ
وأما شروطه فله شروط متعدِّدة، منها ما هو متّفَق عليه بين أهل العلم، ومنها ما هو مختلَف فيه. (2/59)
صفحة 352
فمن تلك الشروط: الإسلام، وهذا الشرط شرطُ صِحّة، وهو شرطٌ في كل العبادات، وإذا وجدنا اشتراط الإسلام فمعنى ذلك أنه لا يَصحّ من الكافر شيء من العبادات رأسا، فإذا قيل باشتراط ذلك في بعض العبادات الواجبة-كالحج والصلاة والصيام والزكاة-فمعنى ذلك أنّ ذلك لا يَصحّ، لا أنه لا يُخاطَب بذلك، بل هو مخاطَب بذلك، على أصحّ الأقوال وأشهرها، وهو الذي تدلّ له الأدلة الكثيرة من كتاب الله تبارك وتعالى، والاعتكاف وإن لم يكن واجبا ولكنه أيضا لا يَصحّ إلاّ من مسلم، فلو اعتكف كافر فذلك لا يَصح، بل لابد من أن يَدخل أوّلا في الإسلام وأن يَلتزم بشرع الله-تبارك وتعالى-وبعد ذلك إن شاء أن يَعتكف فليعتكف، فهذا هو المقصود من شرط الإسلام عندما يَذكره العلماء ولاسيما في الأمور الواجبة.
ومن ذلك: العقل، فلا يَصحّ الاعتكاف مِن مجنون ولا مِن سَكران ولا مِن مُغمَى عليه، فلو اعتكف مجنون أو سكران أو مغمى عليه فلا ثواب له، بل لا يَصح ذلك منه.
نعم إذا دخل شخص في الاعتكاف وأصابه الإغماء بعد ذلك بعد أن طلع الفجر:
1-فإنّ طائفة من أهل العلم يَقولون: " إنّ اعتكافه لذلك اليوم صحيح ".
2-وإن كان بعضهم يَرى خلاف ذلك.
ولكنّ القول الأول قالت به طائفة كبيرة من أهل العلم، وله وجه قوي في النظر.
ومن ذلك: التمييز، فالصبي إذا كان غَير مميّز فإنه لا يَصحّ منه، والتمييز بالنسبة إلى الصبيان يَختلِف من طفل إلى طفل، فلا يُمكن أن يُحدّ ذلك بسنة معيّنة، وإنما ذلك يَدور على من كان يَفهم الخطاب ويَستطيع الجواب ويَفقه معنى ذلك فتَصحّ منه النية، فمَن كان كذلك فهو الذي يَصحّ منه، وهو الذي يُقال عنه بأنه مميّز. (2/60)
صفحة 353
ومن ذلك: النية، إذ لا يَصحّ عمل من الأعمال إلا بنيّة إذا كان ذلك العمل يَتعلّق بمثل هذه العبادات، نعم إذا كان ذلك يَتعلّق بطهارة-أو ما شابه ذلك-وكانت الطهارة لثوب وليست لجسد فإنّ تلك النجاسة تَزول ولو لم تكن هنالك نية على أصحّ الأقوال وأشهرها، أما مثل هذه العبادات فلابد لها من النية، فالنية-إذن-شرط لصحّة الاعتكاف.
ومن ذلك: الصوم، فإنّ طائفة كبيرة من أهل العلم ذهبت إلى أنّ الصيام شرط في صحّة الاعتكاف، وأنّ اعتكاف من لم يَصُم ليس بصحيح بل لا ينبغي أن يُسمّى ذلك اعتكافا؛ وهذا هو قول طائفة-كما قلتُ-من أهل العلم، وهو مروي عن طائفة من الصحابة رضوان الله-تعالى-عليهم، فقد روي عن السيدة عائشة، وروي عن ابن عمر وابن عباس رضي الله-تبارك وتعالى-عنهم، وهو مذهب أصحابنا وإن كان هنالك ما يُفهَم من كلام بعضهم بأنه قد ذهب بعض الأصحاب إلى عدم اشتراط ذلك ولكنّ القول المشهور المنصور عندهم هو اشتراط الصوم لصحّة الاعتكاف (1) ، وهو قول الإمام مالك، وعليه جمهور أصحابه، وخالف منهم ابن لُبابة، فقال بعدم اشتراط الصيام في الاعتكاف، وهو قول بعض الشافعية، وهو رواية عن الإمام أحمد وعن إسحاق، ورَجَّح ذلك ابن تيمية وابن القيم من المتأخِّرين، وهو قول الثوري والليث والحسن بن حي.
__________
(1) -قال الشيخ: " اشتراط الاعتكاف " بدلا من " اشتراط الصوم في صحة الاعتكاف " وهو سبق لسان. (2/61)
صفحة 354
نعم ذكرنا أنّ طائفة كبيرة من أهل العلم ذهبت إلى اشتراط الصيام في الاعتكاف وأنّ الاعتكاف لا يَصحّ إلا به، وذكرنا مجموعة من أولئك العلماء الأعلام الذين ذهبوا إلى اشتراط ذلك، وهنالك بقية أخرى لا بأس بذكر طائفة منهم، فمِمّن ذهب إلى ذلك من أهل العلم النّخعي والشّعبي، وذهب إلى ذلك نافع والقاسم بن محمد والأوزاعي والزهري، وطائفة من التابعين، وقيل: " إنه المذهب القديم للإمام الشافعي "، و-كذلك-ذهبت إلى ذلك الحنفية في الصوم (1) الواجب، ويُفهَم من بعضهم-أيضا-أنّ طائفة منهم يَشترِطون ذلك حتى في غير الصوم (2) الواجب، فهذه جماعة كبيرة جدا ممن ذهبوا إلى اشترط الصيام، فلا يُمكن أن يَدّعي مدّعٍ بعد ذلك بِأنّ مذهبا معيّنا هو الذي يَشترِط الصيام بخلاف بقية الأمّة، فهذه جماعة كبيرة من الأمّة الإسلامية من الصحابة والتابعين ومن أتباع المذاهب الأخرى قد ذهبت إلى ذلك، ولهذا الرأي أدلة كثيرة جدا، ولكنّ الوقت أرى أنه لا يَسمَح بذلك، ويكفي من ذلك أنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-لم يَعتكِف إلاّ في العشر الأواخر من رمضان وهو لا شكّ ولا ريب بأنه كان صائما، أما ما جاء مِن اعتكافه بعد ذلك فإننا وإن كنّا لا نقوى على الجزم بأنه قد صام إلا أنه أيضا ليس هنالك دليل آخر يَدلّ على عدم صيامه صلوات الله وسلامه عليه، والروايات مختلِفة ..
__________
(1) -لعل الشيخ قصد أن يقول: " الاعتكاف " بدلا من " الصوم "، فليُتأمّل.
(2) -لعل الشيخ قصد أن يقول: " الاعتكاف " بدلا من " الصوم "، فليُتأمّل. (2/62)
صفحة 355
جاء في بعض الروايات أنه اعتكف في العشر الأوائل، وفي بعضها أنه اعتكف في الأواخر، وفي بعضها بأنه اعتكف في رمضان من غير أن تُحدِّد الرواية بأنّ ذلك جاء في الأول أو في الآخر، فمع هذا الاحتمال لا يُمكِن أن يَحتج بذلك مُحتَج على عدم شرطية الصيام في الاعتكاف، و-أيضا-نجد المولى-تبارك وتعالى-قد ذَكر الاعتكاف في معرض ذِكره للصيام (1) وفي ذلك إشارة واضحة إلى أنّ الاعتكاف لا يكون إلا بالصيام، ومِن المعلوم أنه لم يأت دليل واحد يدل على عدم اشتراط الصيام، وكل ما روي من الأحاديث التي فيها مشروعية ذلك من دون الصيام أحاديث لا تَثبت عن النبي صلوات الله وسلامه عليه.
هذا ومن الشروط التي لابد منها في الاعتكاف: أن يكون المعتكِف طاهرا من الحدث الأكبر، فلا يَصحّ الاعتكاف مِن الجنب ولا مِن الحائض ولا مِن النفساء .. هذا هو القول المشهور عند الأمّة الإسلامية، وهو الحق الذي لا ريب فيه .. نعم إذا كان الإنسان معتكِفا وأصابته جنابة فإنه يُؤمَر بالاغتسال مباشَرة ولا يُؤثِّر ذلك في اعتكافه ولا في صيامه.
__________
(1) - { أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ... } [ سورة البقرة، من الآية: 187 ]. (2/63)
صفحة 356
والدليل على اشتراط ذلك أنّ الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد والجنب والحائض والنفساء كلهم منهيون عن دخول المسجد-وعند بعضهم مَنهيون عن المكث فيه-ومن المعلوم بأنّ من أهم الشروط في الاعتكاف هو أن يكون في مسجد من المساجد، كما سيأتي بمشيئة الله تبارك وتعالى.
وكذلك-أيضا-قد رجّحنا أنّ الاعتكاف لا يكون إلا بالصيام ومِن المعلوم المتقرِّر أنّ الصيام لا يَصح مع الحيض والنفاس بل الحائض والنفساء يَحرم عليهما الصيام كما هو معلوم.
أما الجنب فقد اختلف العلماء في صيامه .. أي هل يصح الصيام مع الجنابة أو لا ؟ والقول الصحيح الذي يَدل له الحديث الصحيح الثابت عن النبي-صلوات الله وسلامه عليه-أنّ من أصبح جنبا أصبح مفطرا، كما جاء ذلك عند الإمام الربيع رحمه الله، وجاء عند غيره من أئمة المحدثين.
وأما ما جاء مِن أنه صلوات الله وسلامه عليه أصبح وهو جنب وهو صائم فذلك الحديث يُعارِضه هذا الحديث وإذا تعارض حديثان أحدهما يقتضي التحريم والثاني يقتضي الإباحة فإنه يُقدَّم الدليل الذي يَدل على التحريم على الدليل الدال على الإباحة، فالظاهر أنّ فعله صلوات الله وسلامه عليه كان متقدِّما على حديثه الذي جاء فيه أنّ من أصبح جنبا أصبح مفطرا.
والقول بأنّ ذلك على الاستحباب مردود لأنّ الحديث يَدل دلالة واضحة لا غموض فيها بأنّ من أصبح جنبا أصبح مفطرا (1) ولا يمكن أن يُؤخذ من ذلك أنّ ذلك على الاستحباب-أو ما شابه ذلك-لأنه نصّ صريح على أنه أصبح مفطرا.
والقول-أيضا-بأنه منسوخ-أو ما شابه ذلك-مخالِف للواقع، لأنّ الأصل أن يكون هذا المتأخِّر هو الناسخ، ومَن ادّعى خلاف ذلك فعليه الدليل.
__________
(1) -أُبدِل قول الشيخ: " بأنّه أصبح مفطرا " بهذه العبارة " بأنّ من أصبح جنبا أصبح مفطرا " وذلك للإيضاح أكثر. (2/64)
صفحة 357
ولولا أنّ الوقت لا يَتسع للإطالة لأطلتُ في هذه القضية، نظرا إلى أنّ كثرة كاثرة من أهل العلم يَرون خلاف ذلك، ولعلنا نجيب عن ذلك في مناسبة أخرى بمشيئة الله تبارك وتعالى.
ومن الشروط التي لابد منها في الاعتكاف بل هو الشرط الأساسي بل هو الركن الذي لابد منه: اللّبْث في المسجد، إذ لا يَصحّ الاعتكاف إلاّ في مسجد من المساجد؛ وقد اختلف العلماء في المسجد الذي يَصحّ فيه الاعتكاف:
ذهبت طائفة من أهل العلم إلى أنه يَصحّ في كل مسجد من المساجد سواء كانت تُقام فيه الجمعة أو لا وسواء كانت تُقام فيه الجماعة أو لا.
وذهبت طائفة من أهل العلم إلى أنه لا يَصحّ إلا في المسجد الذي تُقام فيه الجماعة وإن كانت لا تُقام فيه الجمعة.
وذهبت طائفة من أهل العلم إلى أنه لابد مِن أن يكون في مسجد تُقام فيه الجمعة إذا كان الاعتكاف يَستمرّ إلى يوم الجمعة، أما من أراد أن يَعتكِف ستّة أيام وابتدأ الاعتكاف من ليلة السبت مثلا وسيَخرُج قبل يوم الجمعة .. أي أنه لن يَكون معتكِفا في يوم الجمعة فإنه لا يُشترَط أن يكون في مسجد تُقام فيه الجمعة حتى على رأي هؤلاء.
وذهبت طائفة قليلة جدا إلى أنه لا يَصحّ إلا في أحد المساجد الثلاثة .. أي المسجد الحرام أو المسجد النبوي أو المسجد الأقصى؛ وهو قول ضعيف جدا، وإن احتجّ له بعضهم برواية تُروى عن حذيفة-رضي الله تبارك وتعالى عنه-فإنّ تلك الرواية-على الصحيح-موقوفة، وليست بِمتّصلة عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، ووَصْل من وَصَلَها يُعتبَر من باب الشاذّ على القول الصحيح الراجح، وإن احتجّ بعض المتأخِّرين لهذا القول وحاول الانتصار له فإنه لم يُوفَّق إلى الصواب عندنا أي على ما نرى؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
هذا وممّا ذكرناه أنه لابد مِن أن يَكون في المسجد، فإذا اعتكف في مسجد لا تُقام فيه الجمعة فإنه لابد مِن أن يَخرج إلى الجمعة.
وبعض العلماء ذهب إلى أنّ ذلك لا يَصحّ كما قلتُ. (2/65)
صفحة 358
ولكنّ الرأي الصحيح أنه يَصحّ منه ذلك إذا كانت الجمعة تَجب عليه، أما إذا كانت الجمعة لا تَجب عليه فإنه لا يَخرج إليها.
وقد اختلف العلماء في وقت الخروج إلى الجمعة:
ذهب بعضهم إلى أنه لا يَخرج إليها إلا قُبَيْل النداء لها بحيث إنه عندما يَصل إلى السجد يُصلي أربع ركعات وبعد ذلك تُقام الجمعة وإذا انتهى من الجمعة ومن السنّة البَعْدِية فإنه يَرجع إلى المسجد الذي يَعتكِف فيه.
وذهب بعضهم إلى أنه يُسنّ له بأن يَخرج من المسجد الذي يَعتكِف فيه في الوقت الأفضل، كما جاء في الحديث عن النبي صلوات الله وسلامه عليه .. أي يُسنّ له البكور إلى صلاة الجمعة.
وذهب بعضهم إلى أنّ ذلك جائز ولا يُمكن أن يُوصف بالسنّة في حقّه، لأنّ السنّة في حقّه-على رأي هؤلاء-أن يَمكث في المسجد الذي يَعتكِف فيه.
هذا ما يتعلّق بالخروج إلى الجمعة على وجه الاختصار.
ويُستثنى من وقت اللّبث في المسجد ما تدعو الحاجة إليه:
وذلك كقضاء حاجة الإنسان فإنّ هذا مُستثنى باتّفاق الأمّة الإسلامية قاطبة، إذ لا يُمكن للإنسان أن يَقضي حاجته في المسجد، بل لابد مِن أن يَذهب إلى مكان آخر خارج المسجد ولكن إذا كانت هنالك دورات مياه بالقرب من المسجد فإنه يَقضي حاجته فيها، وليس له أن يذهب إلى بيته على الصحيح، أما إذا لم يَكن هنالك مكان لقضاء الحاجة فإنه يَذهب إلى بيته للضرورة، وإذا كان لديه بيتان أحدهما أقرب من الآخر فإنه ليس له أن يَذهب إلى البيت الأبعد، بل عليه أن يَقضي حاجته في البيت الأقرب، وفي هذا الزمان-بحمد الله تبارك وتعالى-مواضع قضاء الحاجة متوافرة بالقرب من المساجد.
وكذلك بالنسبة إلى الأكل:
ذهب بعض العلماء إلى أنه إذا كان يَجد من يأتيه بِأكله وشرابه إلى المسجد فإنه ليس له أن يَذهب إلى البيت، وهذا هو الذي ذهب إليه الجمهور.
وذهب بعضهم إلى أنه يَجوز له ولو كان يجد من يأتي إليه بذلك. (2/66)
صفحة 359
وذهب بعضهم إلى أنه إن كان يَستحيِي بِأن يَأكل في المسجد فذلك له، وإلا فلا.
وأقول: إن وَجد مَن يَأتي إليه بذلك (1) فإنه لا يُرخَّص له بالخروج من المسجد، ولا عبرة بالاستحياء هاهنا فإنه بِإمكانه أن يَذهب إلى جهة من جهات المسجد ويأكل فيها.
وهكذا لا يَجوز للإنسان أن يَخرج إلا لمثل هذه الحالات الضرورية القصوى:
وذلك-أيضا-كالاغتسال الذي لابد منه أو الذي تَدعو إليه الضرورة، وأما ماعدا ذلك من الخروج الذي يَخرجه كثير من الناس وإن رَخَّص فيه من رَخَّص من أهل العلم فإنه يَنبغي أن يُشدَّد فيه-ولستُ الآن بِحاجة إلى ذِكر تلك الأمور-وإن كان يُمكن أن يُرخَّص في بعضها إذا كانت هنالك ضرورة ماسّة.
وذلك-مثلا-كمَن مات له قريب يَلي هو الصلاة عليه ودفنَه:
فإنّ بعض أهل لعلم يُرخِّص في ذلك.
وبعضهم يذهب إلى أنّ اعتكافه يَفسد.
والقول بالترخيص إذا كان هو الذي يَلي ذلك ولا يوجد أحد آخر يقوم بذلك فإنّ له وجها.
وكذلك بالنسبة إلى زيارة المريض إذا كان قريبا له إذا كان يَمرّ عليه عند رجوعه من اغتساله أو من قضاء حاجته فيُرخَّص فيه بشرط ألاّ يَجلس بل يُسلِّم وهو مار في طريقه، أما إذا كان لم يَخرج لقضاء حاجة ضرورية فإنه لا يُرخَّص له في الخروج من أجل ذلك، وكذلك إذا كان ذلك الطريق في ناحية أخرى فإنه لا يُرخَّص له في ذلك، لأنّ كلَّ ذلك يَتنافى مع معنى الاعتكاف.
و-كذلك-كثير من الناس يَسألون من أنهم يُريدون الاعتكاف ولكنّهم يَخرجون إلى العمل ثم يَرجعون بعد الرجوع من عملهم وهكذا بالنسبة إلى طلبة العلم فإنّ بعضا منهم يريد أن يَخرج إلى الدراسة ثم يَرجع إلى معتكَفه، وأقول: إنّ ذلك يتنافى مع الاعتكاف.
__________
(1) - ينظر: الملحق رقم 4. (2/67)
صفحة 360
وذهب بعض أهل العلم إلى أنّ الإنسان إذا اشترط عند اعتكافه بِأنه يَخرج لكذا ويَخرج لكذا فإنّ ذلك له، وأخذوا ذلك مِن الاشتراط في الحج، فإنّ الرسول-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-رَخَّص في مَن يَخاف ألاّ يَتمكّن من إتمام مناسك الحج أن يَشترط بأنه يحل في الموضع الذي لا يَتمكّن من مواصلة الحج فيه، ولكنّ بين القضيتين فرقا شاسعا كما لا يَخفى، فإنّ ذلك الشخص لا يَتمكن من مواصلة الحج وأما هذا فإنه متمكّن من ذلك وإنما يَذهب لقضاء حاجة.
نعم يُمكن أن يُرخَّص في الاشتراط لمن خاف مِن مرض يُداهِمه أو ما شابه ذلك فإنه يَشترط بِأنه إذا لم يَتمكّن من الاعتكاف بسبب مرض أو مرض قريب أو موته بأنه سيَخرج من ذلك الاعتكاف، وهذا كله فيما يَتعلّق باعتكاف النفل.
أما بالنسبة إلى الاعتكاف الواجب-أيضا-إذا اشترط فيه فيجري فيه ما ذكرناه مِن الخلاف في الاشتراط وعدمه، ولكنّ القول بالاشتراط قول ضعيف جدا إلا فيما يَتعلّق بما ذكرتُه من خوف مرض أو مرض قريب يقوم هو بشؤونه أو ما شابه ذلك.هذا ومن الجدير بِالذِّكر أنّ مِن أهمّ الأمور التي يَجتنبها المعتكِف مباشَرة النساء، فلا يَجوز له وطء النساء كما أنه-أيضا-لا يَجوز له أن يَفعل شيئا من مُقدِّمات الوطء، فهذا أمر مهمّ، ولم أذكره من قبلُ في الشروط لأنّ ذلك مِن مُفسدات الاعتكاف، ولكن نظرا إلى ضيق الوقت وأنه لا يُمكن أن نُجيب عن ذلك بِجواب مُستقِل فإنه يُمكن أن نقول: إنّ مِن شروط ذلك ألاّ يَطأ الإنسان ولا يَفعل شيئا من مُقدٍّمات الوطء؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: رجل مريض بالشلل أو لا يستطيع أن يَعتكف في المسجد، فهل له أن يَعتكف في بيته ؟ وهل للمرأة-أيضا-أن تَعتكف في بيتها دون المسجد ؟ (2/68)
صفحة 361
ج: أما الرجل فليس له أن يَعتكِف في بيته، لأنّ الله-تبارك وتعالى-يقول كما قدَّمنا [ ص1 ]: { ... وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِد ... } [ سورة البقرة، من الآية: 187 ]، ويقول: { ... وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ } (1) [ سورة البقرة، من الآية: 125 ]، فالرجل لا يَجوز له بحال من الأحوال أن يَعتكِف في غير المساجد، بِإجماع الأمّة الإسلامية قاطبة.
وأما المرأة فإنّ أهل العلم اختلفوا فيها:
ذهبت طائفة من أهل العلم إلى أنّ المرأة يَجوز لها أن تَعتكِف في مسجد بيتها .. أي في المكان الذي خَصّصته للصلاة في بيتها؛ وهذا القول هو مذهب الأحناف، وهو قول طائفة كبيرة من أصحابنا رضوان الله-تبارك وتعالى-عليهم.
وذهبت طائفة من أهل العلم-وهو مذهب الأكثرين-إلى أنّ المرأة-أيضا-تَعتكِف في المساجد، وليس لها أن تَعتكِف في مسجد بيتها أبدا؛ وهذا القول هو القول الأقوى فيما يظهر لي، لأنه لا يُوجد هنالك دليل أبدا يَدلّ على أنّ المرأة تَعتكِف في بيتها، وقد ثبت أنّ نساء النبي-صلوات الله وسلامه عليه-قد اعتكَفن في مسجده الشريف في حياته وبعد حياته .. شَرعن في الاعتكاف في مسجده الشريف ويَصحّ القول بِأنهنّ اعتكَفن في مسجده وكذلك اعتكفن بعد ذلك في مسجده، ولم يَأت دليل يَدلّ على خلاف ذلك.
__________
(1) -الظاهر أنّ الشيخ قصد أن يأتي بهذه الآية بدلا من الآية التي أتى بها في التسجيل وهي: { ... وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ } [ سورة الحج، من الآية: 26 ] مع ملاحظة أنّ الشيخ وقع له سبق لسان في قراءتها، إذ قرأها: " ... وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ والعاكفين وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ". (2/69)
صفحة 362
لا يُقال: " إنّ هذا الأحاديث تدل على مشروعية الاعتكاف في المساجد، ولا تَدلّ على أنه لا يَصحّ الاعتكاف في غير المسجد "، لأننا نقول: إنه يُؤخذ من ذلك بالإضافة إلى الآيتين الكريمتين، مع ملاحظة ما ذكرناه بِأنه لم يَصح حديث قط ولا دليل آخر يَدلّ على مشروعية اعتكاف المرأة في بيتها.
أما ما استدلوا به مِن فضل صلاة المرأة في مسجد بيتها على فضل صلاتها في مسجد الجماعة فذلك في الصلاة، ولا يُمكن أن يُؤخذ منه-بِحالٍ-جوازُ الاعتكاف بالنسبة للمرأة في البيت؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم. (1)
س: هل يصح الاعتكاف في مصلّى صغير لا تُقام فيه الصلوات الخمس ؟
__________
(1) -" س: هل يصح الاعتكاف في البيت في حال وجود العذر وإذا لم يكن هناك مسجد قريب ؟
ج: أما الرجل فليس له أن يعتكف في البيت بظاهر الكتاب وصحيح السنّة وإجماع الأمّة الإسلامية قاطبة، لأنّ الله-تبارك وتعالى-يقول: { ... وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِد ... } [ سورة البقرة، من الآية: 187 ] فالرجل ليس له أن يعتكف بحال من الأحوال في بيته أو في أيّ بيت من البيوت.
وأما بالنسبة إلى المرأة فقد ذهبت طائفة من أهل العلم إلى أنه لها أن تعتكف في مسجد بيتها .. أي في المكان الذي خصصته للصلاة في بيتها.
وذهب جمهور الأمّة إلى أنه ليس لها ذلك، بل إذا أرادت الاعتكاف فلابد من أن يكون ذلك في المسجد؛ وهذا القول هو القول الصحيح، إذ إنني لم أجد رواية صحيحة تدل على مشروعية الاعتكاف للمرأة في غير المسجد؛ وأما ما استند إليه القائلون بذلك من الاحتجاج بحديث فضل صلاتها في بيتها فذلك خاص بالصلاة والاعتكاف حكمه يختلف عن حكم الصلاة؛ والله أعلم. " الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي، برنامج " سؤال أهل الذكر " من تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة 16 رمضان 1423هـ ( 22 نوفمبر 2002م ). (2/70)
صفحة 363
ج: عندما يَعتكِف الإنسان فإنّه يَعتكِف من أجل حصول الأجر العظيم والثواب من عند الله-تبارك وتعالى-الذي يَحصل عليه الإنسان بِاعتكافه في المسجد ومواظبته على الطاعات من صلاة وصيام وذكرٍ وقراءةٍ لِكتابِ الله -تبارك وتعالى-ومِن ذلك المواظبةُ والمحافظةُ على الصلاة في الجماعة، فإذا كان هذا المسجد لا تُقام فيه الجماعة:
فإنّ طائفة كبيرة من أهل العلم تقول: لا يَصحّ ذلك.
وبعضهم وإن كان يقول بِصحّة ذلك ولكنّه يَرى الأوْلى ألاّ يكون في ذلك، لأنّ في ذلك مدعاة لترك صلاة الجماعة، وهذا مما لا ينبغي أبدا، إذ إنّ صلاة الجماعة-على الرأي الشهير-فريضة على كل فرد من الأفراد إذا كان يستطيع أن يَسعى إليها .. أي لم يَمنعه من ذلك مانع من مرض أو خوف.
أما بالنسبة إلى المصليات فإنّ لأهل العلم كلاما هل تُلحَق بالمساجد أو لا ؟ وهنالك طائفة كبيرة تقول بأنها لا تُعطى أحكام المساجد؛ وعلى هذا الرأي لا يَصحّ الاعتكافُ فيها البتّة.
س: هل يُستحبّ للناس أن يَعتكفوا جماعيا ؟
ج: لا أدري ما المراد بالاعتكاف الجماعي، فإن كان يريد السائل-أو غيره-بأن يَسأل عن طائفة مِن الناس تَعتكِف في المسجد مع مواظبتها على الطاعات من صلاة وذكر ودعاء وقراءةٍ لِكتابِ الله-تبارك وتعالى-فلا مانع من ذلك، إذ لا يُمكِن أن يٌقال-بحال من الأحوال-أنّ كلّ إنسانٍ يَعتكِف في مسجد مستقل وإذا أراد شخص آخر أن يَعتكِف فلابد مِن أن يَعتكِف في مسجد آخر، وقد قدَّمنا أنّ الرسول-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-قد اعتكف في المسجد وشَرعت بعض أزواجه في الاعتكاف معه، وأنه اعتكف هو وجماعة من أصحابه-أيضا-في المسجد، فهذا دليل واضح على أنه يَصحّ الاعتكافُ مِن جماعة في مسجد من المساجد، بل ولو لم يَأت ذلك فإنّ جَواز ذلك أمر واضح، لا يَحتاج إلى إقامة برهان؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم
أولا : مقدمة في باب الزكاة (2/71)
صفحة 364
س2: تقديم باب الزكاة عن باب الصيام عند الفقهاء، تارة يقدِّمون الزكاة وتارة يقدِّمون الصيام وربَّما العالم الواحد-وضرب هو مثالا بالشيخ السالمي-يقدِّم في كتابٍ الصيام ويقدِّم في كتابٍ آخر الزكاة ؟
ج: نعم، وقع ذلك كثيرا لكثير مِن أهل العلم، ووقع ذلك في كتب الفقه كما أنه وقع في كتب الحديث ووقع-أيضا-في فنون أخرى، فالإمام السالمي-رحمه الله تبارك وتعالى-كما ذكر الأخ السائل قَدَّمَ في " جوهر النظام " كتاب الصيام على كتاب الزكاة بينَمَا قدَّم في كتاب " مدارِج الكَمَال " كتاب الزكاة على كتاب الصيام، وفي " تلقِين الصبيان " كذلك قدم كتاب الصيام، ووقع ذلك لغيره-رحِمه الله تبارك وتعالى-كما أشرت وكذلك وقع-أيضا-لطائفة كبيرة مِن أئمة الحديث، فنحن إذا جئنا إلى الكتب المشهورة مِن كتب الحديث فإننا نَجِد بعض مُصَنِّفِيها قدَّموا كتاب الصيام على كتاب الزكاة وبعضهم عكس ذلك كما أن بعضهم قدَّم كتاب الحج على كتاب الصيام، ومِنَ الذين قدَّموا كتاب الزكاة على كتاب الصيام الإمام مالك في " الموَطَّأ " وكذلك صَنَع الإمام مسلم في صحيحه وكذلك صنع الترمذي في جامِعِه والدارمي في كتابه المشهور بـ " المسند " وإلا فهو مُرَتَّب على كتب الفقه المشهورة وكذلك صَنَع ابن الجارود وهو-أيضا-صنيع طائفة كبيرة مِن المحدِّثِين وإنَّما اكتفيت بِهذه الكتب لأنَّها هي الكتب المشهورة، بينما قدَّم الإمام البخاري كتاب الحج على كتاب الصيام .. قدَّم أوَّلا كتاب الصلاة وأعنِي بالبحث هاهنا الكتب الفقهية .. قدَّم أوَّلا كتاب الصلاة ثم ذكر بعد ذلك كتاب الزكاة ثم بعد ذلك ذكر كتاب الحج ثم بعد ذلك ذكر كتاب الصيام، وكذلك قدَّم الإمام أبو داود كتاب الحج على كتاب الصيام ولكنَّه أَخَّر كتاب الصيام كثيرا فذَكَر قبله كتاب النكاح والطلاق وهكذا، بينما بعض العلماء قدَّم-أيضا-كتاب الصيام على الزكاة .. (2/72)
صفحة 365
صَنَع ذلك الإمام النسائي في سُنَنِه الصغرى على تقدير أنَّه هو المرتِّب لَها كما هو مشهور عند طائفة كبيرة مِن المحدِّثِين مع أنَّه في " السنن الكبرى " قدَّم كتاب الزكاة، وقد قدَّم كتاب الصيام-أيضا-ابن ماجة في سننه وأخَّر كتاب الحج كثيرا .. ذَكَره بعد كثير من الأبواب كأبواب النكاح والطلاق والبيوع وكثير مِن الأبواب الأخرى، وكذلك قدَّم ابن خُزيْمَة كتاب الصيام على كتاب الزكاة، ونَحن إذا جئنا إلى بعض العلماء الذين رتَّبُوا بعض كتب الحديث لِمن سبقهم فإننا نَجد-أيضا-أنَّهم قد اختلفوا في التقديم والتأخير بين الصيام والزكاة، فنَجِد الإمام أبا يعقوب-رحمه الله تبارك وتعالى-قد قدَّم كتاب الصيام عَلَى كتاب الزكاة عندما رَتَّب الجامع الصحيح وهذا على تقدير أنَّ الإمام الربيع-رحمه الله تبارك وتعالى-لَم يصنع ذلك مِنْ قبل والمسألة فيها كلام طويل لا حاجة إليه الآن، وكذلك نَجِد سنْجَر عندما رَتَّبَ مُسْنَدَ الشافعي لكن البَنَّا عندما جاء إلى ترتيب مُسْنَد الشافعي قدَّم كِتَاب الزكاة على كتاب الصيام، وكذلك نَجد في صحيح ابن حبان كتاب الزكاة مقدَّما على كتاب الصيام وهكذا، فإذن الأمر موجود عند طائفة كبيرة مِن أَهْلِ العلم، ثم إنَّنَا إذا جِئْنَا إلى الإمام السالمي-رحمه الله تبارك وتعالى-نَجد أنَّه في كتاب " مدارج الكمال " قد نَظَمَ كتاب " مُخْتَصر الخصَال " للإمام أبي إسحاق-رحمه الله تبارك وتعالى-والإمام أبو إسحاق الحضرمِي-رحمه الله-قد قَدَّم في كتابه كتاب الزكاة على كتاب الصيام، بينما حَرَّرَ في " جوهر النظام " أُرْجُوزَة العلامة الصائغي، والصائغي قد قدَّم كتاب الصيام على كتاب الزكاة فلذلك تابعهما الإمام-رحِمه الله تبارك وتعالى-على هذا الترتيب، على أنَّنا نَجد أن العلماء قد قدَّموا وأخَّروا في كُتُب كثيرة أو في أبواب كثيرة مِن كتبهم في البيوع والأنكحة وفي غَيْرِها، فمثلا نَجد كتاب البيوع (2/73)
صفحة 366
مُقَدَّما على كتاب الأنكحة في " المدارج " والأمر بعكس ذلك في " جوهر النظام " ونَجد أيضا الإمام السالمي-رحمه الله تبارك وتعالى-قد ذكر أبواب الحيض والنفاس في الجوهر بعد أبواب الأنكحة بينما ذَكَره في الطهارات في " مدارج الكمال " وكذلك بالنسبة إلى كثير من الأبواب، وفي كثير من الأحيان يكون العالِم مُتَابِعا لغيره بسبب اختصاره أو ترتيبه أو شرحه لكتاب غيره مِمن سبقوه، وكما وقع للإمام السالِمي وقع للإمام القطب-رحمه الله-فإنه قدَّم في " الذَّهب الخالص " كتاب الزكاة على كتاب الصيام لأنه مُختصِر في هذا الكتاب لكتاب " القواعد " للشيخ إسماعيل-رحمه الله-والشيخ إسماعيل قد قدَّم كتاب الزكاة على كتاب الصيام، بينما في " الجامِع الصغير " قدَّم كتاب الصيام على كتاب الزكاة لأنه مُختصِر في هذا الكتاب لكتاب " الوضع " والحاشية، وصاحِب " الوضع " قَدْ قدَّم كتاب الصيام على كتاب الزكاة وهكذا، فهنالك اعتبارات متعدِّدَة للعلماء عندما يقدِّمون كتابا على كتاب وقد يكون ذلك هو الأولى وقد يكون الأمر بخلاف ذلك، فمن يقدِّم الزكاة-مثلا-على الصيام ينظر أنَّ الزكاة قد ذُكِرَت بعد الصلاة مباشرة في آيات كثيرة جدا، وكذلك جاء في الحديث المشهور .. حديث ( بُنِيَ الإسلام على خَمس ... (2/74)
صفحة 367
) ذَكَر أولا شهادة أن لا إله إلا الله وأن مُحمدا رسول الله ثم ذَكَرَ الصلاة ثم ذَكَر بعد ذلك الزكاة، بيْنَما الذين قدَّموا الصيام على الزكاة نظروا إلى أنَّ الصيام فُرض قبل الزكاة وهذا بناء على رأي مَن يرى أنَّ الزكاة فُرِضَت بعد الهجرة إلى المدينة وبعد الصيام، والصواب أنَّها قد فُرِضَت قبل ذلك أي أنَّها فُرِضَت في مكة، ومنهم من نظر إلى أن الصيام عبادة بدنية فذَكَرَها بعد كتاب الصلاة التي هي عبادة بدنِية بينما الزكاة عبادة مَالية فذَكَرها بعد الصيام وهكذا، والذي نريد أن نُنَبه عليه أنه ينبغي الاعتناء بالتفقه في شَرْعِ الله-تبارك وتعالى-بِمعرفة كتاب الله-تبارك وتعالى-وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومعرفة كلام أهل العلم فهذا هو الذي ينبغي أن يُهْتَمَّ به أما الترتيب فهو أمر تَنْسِيقِي؛ والله-تبارك وتعالى-ولي التوفيق.
ثانيا : زكاة النقدين ( الذهب والفضة )
س32: شخص يعطي أباه جزءاً من راتبه لقلة دخله ويريد إعطاء والده زكاة الذهب بنية الزكاة فهل يجوز له ذلك ؟
الجواب :-
الأب لا يعطى من الزكاة .. ذهب بعض العلماء إلى أنه لا يعطى من الزكاة أبدا .
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه إن كان يعطيه من الزكاة لأمر آخر غير النفقة فيمكن مثلا إذا كانت لذلك الأب ديون فإن الولد لا يلزم بقضاء الديون فإنه يمكن أن يعطيه من الزكاة ليصرفها لسد تلك الديون أما المال الذي يدفعه إليه لينفقه فلا .
وذهب بعض العلماء إلى المنع مطلقاً .
والقول بالتفصيل له وجه وجيه من الصواب .
س33: في ضم الذهب إلى الفضة ؟
الجواب :-
الجمهور أن أحدهما يضم على الآخر والذي يظهر لي أنه لا يضم لأني لم أجد دليلاً وإن كان القول بالضم احفظ .. واسلم فالسلامة أن يضم الإنسان ولكن لا أقول على حسب ما أراد أن ذلك على سبيل الإيجار وإنما هو على سبيل الاحتياط .
ثالثا : زكاة الأوراق النقدية
رابعا : زكاة الراتب الشهري
خامسا : زكاة المستغلات (2/75)
صفحة 368
1) زكاة البيت المؤجر
2) زكاة سيارات الأجرة
سادسا: زكاة الدين
س10: إذا استقرض الإنسان مبلغا معيّنا وحال عليه الحول وهو في يده، هل يزكّى منه ؟
ج: إذا كان ذلك المال في يده ولا ينو أن يقوم بقضائه في ذلك الوقت فهو يعدّ ملكا له لأنه يمكن بعد ذلك أن يقوم بقضاء ذلك الحقّ الذي عليه من هذا المال الذي في يده ويمكن أن يقوم بإنفاق هذا المال في أمور أخرى ويقوم بقضاء ذلك الحق الذي عليه من مال آخر، أما إذا كان ينوي أن يقوم بقضاء هذا الدين الذي عليه في هذا الوقت فإنه لا زكاة عليه .. هذا هو الذي أراه في هذه القضية، والله أعلم، فالعبرة هل سيردّه الآن أو لا ؟ فإن كان سيردّه الآن فهو ليس ملكا له، أما إن كان سيصل إلى اليوم الذي وجبت فيه الزكاة فلابد من الزكاة، لأنه يُعتبر في حكم ماله.
سابعا: زكاة الفطر
أولا : ملخص عام لأحكام زكاة الفطر
س1: نَوَدُّ-في البداية-أن تُعْطُونَا نُبذةً مُخْتَصَرَة عن زكاةِ الفطْر.
ج: إنّ زكاةَ الفطْر مِمّا اختلَف العلماء في حُكْمِها:
1-ذهب الجمهور الأعظم إلى أنها واجبة، حتى أنّ بعضَ أهلِ العلم حكى عليه إجماعَ من يَحفظ عنه مِن أهل العلم.
2-وذهبتْ طائفةٌ قليلةٌ جدا إلى أنها سنّةٌ مِن السنن الثابتة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
ولا شك أنّ القولَ الأول هو القولُ الصحيح الثابِت، وذلك لِدلالةِ الحديثِ الصحيحِ الثابِت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقد جاء في الحديث النص الصريح على وجوبها: ( فَرَضَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - زكاةَ الفطْر )، فهذا نصٌّ صرِيح واضِح جلِي لا غموضَ فيه يَدلّ دلالةً لا شك فيها على أنّ زكاةَ الفطر واجبة.
وقول مَن قال بِأنها كانتْ واجبةً في البداية ثم بعدَ ذلك نُسِخَتْ قولٌ ضعيفٌ جدا لا يُعوَّلُ عليه. (2/76)
صفحة 369
وما جاء في بعضِ الروايات أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - سَنَّ زكاةَ الفطْر ليس معناه بأنها سنّةٌ مِن السنن، وإنما معنى ذلك أنها ثبتَتْ بِالسنّة.
ومِن المعلوم أنه إذا جاء على لسانِ صحابةِ رسولِ الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-لفظُ " السنّة " لا يمكن-بِحال-أن يُحمَلَ على أنه يُراد بِه السنّة التي اصطَلَحَ الناس عليها، وإنما يُحمَلُ تارةً على الوجوب وتارةً على السنّة بِحسبِ القرائن التي تَدُلّ على ذلك، وهذا مِمّا ينبغِي أن يُنتبَه إليه، فإنّ كثيرا مِن الاصطلاحات يَختلِف الناس فيها .. يَختلِفون تارةً مِن مكانٍ إلى مكان وتارةً مِن زمانٍ إلى زمان .. هؤلاء اصطلَحوا على أنّ هذا اللفظ يُحمَل على كذا وأولئك اصطلَحوا على خلافِ ذلك، ولا يُمكِن أن نَحمِلَ هذا الاصطلاح الذي اصطلَحَتْ عليه تلك الطائفة أو كان يَجرِي على لسانِهم على ما تُعُورِفَ عليه أو اصطُلِح عليه عندَ طائفةٍ أخرى جاءتْ بعدَ ذلك أو كانتْ في بقعةٍ أخرى مِن الأرض، ولذلك أمثلةٌ كثيرة جِدا يَطول المقام بِذكرِها:
مثلا نَجِد في بعضِ الروايات: ( مَن سَجَدَ سجْدَتَيْن ) .. يَتبادَر إلى الناس في المراد بِالسجود السجود المعروف، ولكنّ المراد مِن ذلك: " صلّى ركعتيْن " .. أي إذا جاء مثلا: " سجد سجدتين ".
هكذا في كثيرٍ مِن الروايات.
وهكذا ينبغِي أن يَدرُسَ طالب العلم المصطلَحات التي اصطلَح عليها الناس أو كانتْ تُطلَقُ في زمنِهم على اختلافِ طبقاتِهم واختلافِ أزمانِهم حتى لا يَقَعَ في الخطإ الكبير.
فمثلا لفظُ " الكراهة " عندَ كثيرٍ مِن المتقدِّمِين يُطلَقُ على " التحريم "، فقد يَجِدُ طالِب العلم-مثلا-كلاما لِبعضِ أهلِ العلم قال فيه: " هذا الأمر مكروه " فيَحمِل ذلك على كراهةِ التنزيه التي اصطلَح عليها المتأخِّرون والأمْرُ بِخلافِ ذلك، فإذن لابد مِن معرفةِ ذلك. (2/77)
صفحة 370
زكاةُ الفطْر إذن القولُ الصحيح أنها واجِبَة، واختلَف العلماء في بعضِ الأمور بعدَ ذلك وإن قالوا بِالوجوبِ في الجملَة:
اختلَفوا على مَن تَجِب ؟ ولا شك بِأنها تَجِبُ على المسلِم، ولا تَجِب على الكافر وإن وُجِدَ بيْنهم خلافٌ في بعضِ الجزئيات .. في قضيةِ تكليفِ الكافِر بِالفروع .. على رأيِ مَن يَقول: " إنّ الكفار مُخاطَبون بِفروعِ الشريعة " هل تُستثنَى مثلُ هذه المسألة فلا يُخاطَبون بِها لِقولِه - صلى الله عليه وسلم - في الحديث: ( مِن المسلِمين ) أو أنهم لا يَخرجُون عن ذلك وإنما المراد بِالوجوب هاهنا الوجوب الذي تُخرَجُ بِه الزكاة عن المسلِمين لا الوجوب في حقيقة الأمر ؟ وفائدةُ ذلك في العقوبةِ الأخْرَوِية.
وكذلك في الزوجة إذا كانتْ كتابية .. إذا كان رَجُل تَزَوَّجَ امرأةً كتابية هل عليه أن يخرج عنها أو ليس عليه أن يخرج عنها ؟ بناء على رأيِ مَن يَقول: " إنّ الزوج يخرج عن زوجتِه مطلَقا " أو " إذا كانتْ فقِيرة ".
ولا شك أنّ القولَ الراجِح أنّ الزوج لا يَجِب عليه أن يخرج عن زوجتِه.
وحتى لَو أَخَذْنا بِالرأيِ الآخَر-مثلا-فإنه لا يَجِب عليه أن يُخرِج عنها إذا كانتْ كافِرَة، على أنّ الصحيح عندَنا أنه لا يَجِب عليه أن يخرج عنها مطلَقا سواء كانت غنية أو كانت فقيرة.
ومِن ذلك العبد .. إذا كان لِشخصٍ عبدٌ مِن الكفرة .. لديْه عبد ذِمِّي-مثلا-هل عليه أن يُخرِج عن ذلك العبد أو لا يَجِب عليه ؟ في ذلك خلافٌ بيْن أهلِ العلم، والصحيح أنه لا يَجِب عليه.
ومِن ذلك-مثلا-لو كان شخصٌ يَعُولُ كافِرا .. كان ذلك الكافِر مِن أقاربِه-مثلا-ويَقومُ بِعولِه هل عليه أن يُخرِج عنه الزكاة أو لا يَجِب عليه ؟ بناء على رأيِ مَن يَقول: " إنّ مَن كان يَعُولُ شخصا عليه أن يُخرِج عنه الزكاة ". (2/78)
صفحة 371
الصحيح أنه لا يَجِب عليه ذلك، على أننا-أيضا-لا نُوجِبُ على مَن كان يَعُولُ شخصا أن يُخرِج عنه، كما سيأتِي بِمشيئةِ الله-تبارك وتعالى-إن أمكَن.
فمِثْلُ هذه الجزئيات اختلَفوا فيها.
فإذن هي تَجِب على المسلِم.
وهل عليه أن يُخرِج عن نفسِه فقط أو يَجِب عليه أن يُخرِج عن نفسِه وعمّن يَعُولُه ؟
أما بِالنسبةِ إلى العبِيد فإنه يَجِب على الشخص أن يُخرِج عن عبِيدِه، لأنّ العبد لا يَملِك شيئا، فهو مالُه أن لو كان لَه مال ملْكٌ لِذلك المالِك .. هذا هو الذي ذهبَ إليه جمهور الأمّة، وهو الصحيح الذي يَدُلّ عليه الحديثُ الصحيح الثابِت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وذهب بعضُ أهلِ العلم إلى أنّ على السيّدِ أن يُمكِّنَ عبدَه مِن أن يَعمَلَ شيئا مِن الأعمال حتى يَكتسِبَ مالا يُخرِجُ بِه الزكاة عن نفسِه، وهذا قولٌ ضعِيفٌ جِدا:
أوَّلا إذا مَلَكَ مالا فإنه سيَكون ملْكا لِلسيّد فهو لا يَملِكه في حقيقة الواقع.
وثانيا فإنّ ما لا يَتِمّ الوجوب إلا بِه لا يَجِب، وهنالك فَرْقٌ بيْن " ما لا يَتِمّ الواجِب إلا (1) بِه " وبيْن " ما لا يَتِمّ الوجوب إلا بِه "، فما لا يَتِمّ الواجِب إلا بِه فهو واجِب إلا في بعضِ الجزئيات، أما ما لا يَتِم الوجوبُ إلا بِه فهو ليس بِواجِبٍ أبدا، فمثلا الزكاة لا تَجِبُ إلا بِحصولِ مال بِشروطٍ معروفة فلا يُكلَّفُ الشخص بِأن يَحصُلَ على مالٍ حتى تَجِب عليه الزكاة.
أما بِالنسبةِ إلى الزوجة فكما قلتُ [ ص3 ] العلماءُ اختلَفوا فيها:
منهم مَن قال: يَجِب على الشخص أن يخرج عن زوجتِه سواء كانتْ غنيةً أو فقِيرة.
وقيل: لا يَجِب عليه مطلَقا بل يَجِب عليها هي نفسها أن تُخرِجَ الزكاة عن نفسِها.
وقيل: إذا كانتْ فقِيرةً فيَجِبُ عليه وإلا فلا.
__________
(1) -سقط مِن كلام الشيخ: " إلا " والظاهر أنه سبق لسان. (2/79)
صفحة 372
واستحبّ بعضُ العلماء أن تُخرِجَ هي عن نفسِها وأن يُخرِج عنها زوجُها خُروجا مِن عهدَةِ الخلاف، وهذا مِن بابِ الاستحباب، وليس مِن بابِ الإيجاب.
والصحيحُ الراجِح أنه يَجِب على الزوجةِ أن تُخرِج عن نفسِها ولا يَجِب على زوجِها.
وكذلك اختلَفوا أن لو كان الشخصُ يَعُولَ أَبَوَيْه هل عليه أن يُخرِج عنهما أو لا ؟ أما إذا كان لا يَجب عليه عولُهما فلا يُخرِج عنهما، فإذا كان يَعولُهما هل عليه أن يُخرِجَ عنهما ؟ وكذلك إذا كان الأبُ لديه زوجات هل عليه أن يُخرِجَ عن زوجاتِ أبيه أو لا يَجِب عليه ذلك ؟ وكذلك إذا كان الجد لديْه زوجات اختُلِف هل عليه أن يُخرِج عن زوجةٍ واحِدَةٍ أو لا ؟ إلى غير ذلك مِن الفروع.
والأصل أنّ كلَّ شخص يُخاطَبُ بِأن يُخرِجَ الزكاة عن نفسِه وليس عليه أن يُخرِجَ عن غيْرِه إلا ما ذَكَرْتُه عن العبد [ ص3 ].
وأما بِالنسبةِ إلى الأولاد فإذا كانوا بالِغِين فلا يَجِبُ عليه أن يُخرِجَ عنهم إلا ما جاء مِن الخلاف في الأولادِ البالِغِين إذا كان يَجِب عليه عَوْلُهُم .. كانوا لا يَجِدون شيئا .. لا يَقْوَوْنَ على العمل، فهل عليه أن يُخرِج عنهم ؟
قيل: يَجِبُ عليه.
وقيل: لا يَجِبُ عليه.
وبعضُ العلماء ذهب إلى أنه يَجِب عليه أن يُخرِجَ عن المرأة .. عن بنتِه إذا كانتْ بالِغَةً ولم تَتزَوَّج.
والأصل أنّ الشخص عندَما يَبْلُغ يُخاطَبُ بِنفسِه فلا يَجِبُ على الأبِ أن يُخرِجَ عنه.
أما بِالنسبةِ إلى الأبْناء إذا كانوا غيْرَ بالِغِين:
فقيل: يَجِب عليهم مِن مالِهِم إن كان لَهم مال وإن كان لا مال لَهم فإنه يَجِب على الأبِ أن يُخرِج عنهم.
وقيل: يَجِبُ عليه مطلَقا.
والقولُ بِأنه يَجِب في مالِهم إن كان لَهم مال قولٌ قَوِي جِدا، أما إذا لَم يَكن لَهم مال فإنّ طائفةً كبِيرَةً مِن أهلِ العلم ذهبَتْ إلى أنه يَجِب عليه أن يُخرِجَ عن أولادِه الصِّغار.
وكذلك اختلَفوا في الجنين إذا كان في بَطْنِ أُمِّه: (2/80)
صفحة 373
ذهب-بعضُ العلماء وهم-الجمهور الأعظم إلى أنه لا يَجِب عليه أن يُخرِج عنه.
وذهب بعضُهم إلى استحبابِ ذلك.
وذهب بعضُهم إلى وجوبِ ذلك إذا كان قدْ بَلَغَ ذلك الطفل مئةً وعشرِين يوما .. إذا أَتَم هذه المدّة في بَطْنِ أُمِّه فإنه يَجِب عليه، وهذا قولٌ ضعِيفٌ جِدا، والاستحباب-أيضا-لا دَليلَ عليه، وظاهِرُ الأمْر أنهم-أيضا-يَستحِبّون إذا بَلَغَ هذه المدّة وإن كان بعضُهم يُطلِقُ الكلام فلعلّه يُقَيَّدُ الإطلاقُ بِذلك.
فإذن خلاصَةُ الأمْر أنّ الرَّجُل يَجِبُ عليه أن يُخرِج عن نفسِه وعن أولادِه الصِّغار إذا كانوا لا يَملِكون شيئا مِن المال يَكفِي لِزكاةِ الفطْر .. هذا الذي ذهبتْ إليه طائفةٌ كبِيرَةٌ مِن أهلِ العلْم وكذلك يَجِبُ عليه عن عبدِه.
نعم اختلَفوا مَن هو الذي تَجِب عليه ؟ والذي ذهبتْ إليه طائفةٌ مِن أهلِ العلم إلى أنّ مَن مَلَكَ شيئا وكان ذلك الشيءُ فاضِلا عن حاجاتِه لِيَوْمِ العِيدِ وليلتِه فإنه عليه أن يُخرِجَ الزكاة ولا يُشترَط الغِنَى، والمرادُ بِالغِنَى في عبارةِ بعضِهم هو هذا .. بِأن يَكون يَملِكُ مِن المال مِقدَار ما يَكفِيه لِسَدِّ حاجتِه ذلك اليوم وما زادَ على ذلك مِن غيْرِ الحاجاتِ الأصْلِيَة فإنه يُطالَبُ بِإخراجِ الزكاة.
واختلَفوا إذا كان يَملِكُ أَقَلَّ مِن صاع هل عليه أن يُخرِجَ ذلك ؟
فبعضُهم ذهب إلى أنه إذا كان يَملِك أَقَلَّ مِن صاع فلا يَجِب عليه أن يُخرِجَ شيئا، لأنّ الزكاة هي صاع.
وبعضُهم ذهب إلى أنه يَجِبُ عليه ذلك، وهو القولُ الصحِيح .. يُخرِجُ ما عندَه ولو كان قلِيلا.
ومثلُ هذه المسألة ما جاء مِن الخلاف فيمَن وَجَدَ ماءً قلِيلا هل عليه أن يَستعمِل ذلك الماء لِلوضوء وبعدَ ذلك يَتَيَمَّم أو أنه يَعدِل إلى التيمم مِن أَوَّلِ وَهْلَة أو أنه يَكتَفِي بِذلك الماء ولا تَيَمُّمَ عليه بعدَ ذلك ؟ والصحيح أنه يَتَوَضَّأ بِما لَدَيْه ثم بعدَ ذلك يَتَيَمَّم. (2/81)
صفحة 374
أما المقدار، فإنه يَجِبُ على كلِّ شخص أن يُخرِجَ صاعا .. يُخرِج صاعا مِن بُر أو مِن شعِير أو مِن زبِيب أو مِن تَمْر أو مِن أَقِط أو مِن القوت الذي يَقتاتُ بِه الناس، واختلَفوا هل يُخيَّرُ في هذه الأشياء أو العبْرَة بِالشائِع الذائِع في تلكَ البلاد أو العبرة بِما يَستعمِلُه ذلك الشخص-وهل العبرة بِما يَستعمِلُه في سائِرِ العام أو في شهْرِ رمضان-أو بِما يُستعمَل في يومِ العِيد ؟ في ذلك خلافٌ شهِير بيْن أهلِ العلم.
و-على كلِّ حال-ما يُقتاتُ بِه في تلك البلاد-ولاسيما في يومِ العِيد-إذا أَخْرَجَه الإنسان فذلك يَكفِي .. الحديثُ مُحتمِل لِهذه الأمور ولكن عندَنا في عُمان-مثلا-وفي كثِيرٍ مِن بلادِ الشرق الأرْز هو الذي تَستَعْمِلُه الغالِبِية العُظمى مِن الناس فإذا أَخْرَجَ الشخصُ أرْزا فإنّ ذلك يَكفِيه، خِلافا لِمَن مَنَعَ مِن الأرْز لأنه لَم يَأْتِ في الأصناف التي جاءتْ في الحديث، وذلك لأنّ الناس قد اختلَفوا هل على الإنسان أن يَقتَصِر على تلك الأصناف التي جاءتْ في الحديث أو أنه يَجوز أن يَزِيد عليها غيرها مِمّا كان مشابِها لَها .. مِمّا تُخرج منه الزكاة ؟ في ذلك خِلافٌ شهِير، والظاهِر أنّ ما يُقتاتُ بِه في البلد فهو الذي تُخرَجُ منه زكاةُ الفطر، فإذا كان أهلُ البلد لا يَستعمِلُون إلا الأرْز لِماذا يَعدِلُ الإنسان إلى غيْرِ ذلك ؟! فالعبْرَةُ إذن بِالقوت الذي يُقتَاتُ بِه، وفي المسألةِ تفاصِيلُ مُتعدِّدَة، وما ذكرتُه كافٍ لِنبْذَةٍ مُختَصَرَة عن هذه القضية بِمشيئةِ الله-تبارك وتعالى-وتوفيقِه.
ثانيا : وقت وجوبها
س3: هل يَجوز تعجيل زكاة الفطر خاصّة إذا كان يَصعب عليه أن يَجِد الفقير في وقت الإخراج ؟ فإن قيل بِجواز ذلك، هل يُشترَط أن يَبقى متحرِّيا حالة الفقير إلى حين صلاةِ العِيد ؟ قد يَكون يَرِث أو يَنال مالا فيَنتقِل مِن الفقر إلى الغنى وهذا فيه عليه نوع مِن المشقّة. (2/82)
صفحة 375
ج: أو مِن الحياة إلى الموت .. على كل حال؛ العلماء في هذه المسألة بيْن مُرخِّص ومضيِّق، والذي ذهبتْ إليه طائفة مِن المحقِّقِين مِن أهل العلم أنه يُمكِن التقديم بِمقدار يوم أو يومين .. الأصل أن يُخرِج الإنسانُ زكاتَه بيْن طلوعِ الفجْر وصلاةِ العِيد .. أي ليس له أن يُؤخِّر إلى أن يُصلِّي العِيد وينبغي أن يُخرِج الزكاة بعدَ طلوعِ الفجْر من يومِ العِيد ولكن طائفة مِن المحقِّقِين-كما قلتُ-رَخَّصَتْ في التقدِيم يوما أو يوميْن وقد جاء ذلك عن طائفةٍ مِن صحابةِ رسولِ الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
فإذا قَدَّمَ هذا الأخ أو غَيره الزكاةَ فَلْيُقَدِّمُوهَا كما فَعَلَ أصحابُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - .. يُقَدِّموهَا يوما أو يوميْن أما ما عدا ذلك فلا يَنبغي التَّرخّص بِتلك الرخص مَخافةَ الوقوع في المحظور، إذ إنَّه ليس هنالك دليل يَدل على جواز إخراجِها قبلَ هذا الوقت.
ومِن المعلوم أنّ زكاةَ الفطر تُدفَع إلى الفقراء والمساكين، وما دام الأمر كذلك فلابد مِن أن يَبقَى هذا الشخص فقيرا إلى الوقتِ الذي يُشرَع فيه إخراجُ زكاةِ الفطر فلابد مِن أن يَبقى فقيرا أو مسكينا وهُما يُطلَقَان بِمعنى واحد في مِثل هذه القضية .. لابد مِن أن يَكونَ فقيرا إلى ما بعدَ طلوعِ الفجْر فإذا مات-مثلا-أو أنه حَدَثَ له مالٌ بِوصيةٍ أو إرث أو هبة وخَرَجَ بِه مِن حدِّ الفقر إلى حدِّ الغنى فلابد مِن إعادةِ الزكاة إمَّا بِاسترجاعِ ذلك المال ودَفْعِه لِغيرِه مِن الفقراء أو بِإخراجِ زكاةٍ أخرى؛ والله-تبارك وتعالى-ولي التوفيق.
س1: هل يَجوز أن يُقَدِّم المسلم زكاةَ الفِطْر قبل موعدها ؟ خاصة وأنه يراعي هذه الأيام الفقراء نظرا لأنهم يريدون أن يَشتروا حاجات لأبنائهم إذا كان يَتحصَّلون عليها نقدا.
ج: إنّ تقديم زكاة الفِطْر على صلاة العيد أمرٌ واجب، ولعلّ السؤال عن تقديم زكاة الفِطْر عن طلوع فجر العيد. (2/83)
صفحة 376
وأنا ذكرتُ بالأمس (1) ولا بأس مِن إعادة ذلك-لاحتمال أن يكون كثيرٌ مِن الناس لم يَسمعوا ذلك، وأعيده بِاختصار شديد-فأقول:
إنّ زكاة الفِطْر واجبةٌ، على قول جمهور الأمّة، وهو الرأي الصحيح، الذي تدلّ عليه الأدلة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وما دلّ على خلاف ذلك فهو إما ضعيف أو مُتَأَوَّلٌ إلى ما يُوافِق الأدلة التي أشرتُ إليها.
وهي صاعٌ مِن الطعام الذي يَستعمِله أهلُ تلك المنطقة-التي يريد من يريد أن يُخرِج زكاة الفِطْر-فيها .. أي صاعٌ مِن الطعام المستعمَل بِتلك المنطقة-والمستعمَل عندنا في عُمان أكثرَ مِن غيره هو الأرز-فمَن أراد أن يخرج الزكاة فعليه أن يخرج صاعا مِن الطعام .. هذا الذي اتفَقت عليه الأمّة؛ واختلفوا في إخراج القيمة:
أجاز ذلك بعض العلماء.
ومنع مِن ذلك بعضهم.
والأحوط أن يُخرِج الإنسانُ نفسَه مِن خِلاف العلماء ويأخذ بِالمتفَق عليه.
والصاع مِن الأرز يُساوِي كيلوين:
1-وخمسين جراما.
2-وبعض العلماء يقول: وثمانية وأربعين جراما.
3-وبعضهم يقول: أقل من ذلك.
4-وبعضهم يقول: أكثر من ذلك بكثير.
ولكنّ المعتمَد هو الأوّل؛ ومَن شاء أن يَحتاط .. أن يَزيد على الكيلوين وخمسين جراما-أو على الكيلوين والثمانية والأربعين جراما، على رأي مَن يقول بِذلك-فلا مانع مِن ذلك، والاحتياط حَسَن ولكنه لا يُمكن أن نقول بِوجوب ذلك، فالواجِب هو ما ذكرناه.
وذكرتُ (2) بِأنها تَجب بِرؤية الهلال؛ ويُعبِّر بعض العلماء بِغروب الشمس مِن آخر ليلةٍ مِن شهر رمضان، والمعنى واحد.
وقال بعض العلماء: إنها تَجب بطلوع فجر العيد.
وقيل غير ذلك مِن الأقوال، ولكنّ القولين السابقَيْن هما المشهوران.
__________
(1) -عند الجواب على السؤال الثاني من حلقة 26 رمضان 1422هـ ( 12 ديسمبر 2001م ).
(2) -عند الجواب على السؤال الثاني من حلقة 26 رمضان 1422هـ ( 12 ديسمبر 2001م ). (2/84)
صفحة 377
وأما وقت إخراجِها الذي اتفَق عليه العلماء فهو مِن طلوع فجر يوم العيد إلى صلاة العيد .. أي أنه لا يُشرَع ولا يَجوز تأخيرها عن ابتداء صلاة العيد، فمَن شَرَعَ في صلاة العيد ولم يُؤَدِّ زكاةَ الفِطْر فمعنى ذلك أنّ الوقت قد فاتَه، فلابد مِن أدائها قبلَ صلاة العيد.
وما جاء مِن أنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-كان يُوزِّع زكاة الفِطْر بعد صلاةِ العيد، فهو حديث باطل .. إسناده ضعيف، ومَتْنُه مخالِف لِلأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وأمّا تَقدِيمها عن الوقت المذكور فقد اختلف العلماء فيه كثيرا:
والذي ذهبت إليه طائفة كبيرة مِن أهل العلم إلى أنه لا بأس مِن تقدِيمها في ليلةِ العيد أو أن يُقَدِّمها-أيضا-الإنسان يوما أو يومين، ولا يَنبغي أن يُقَدِّمها قبل ذلك.
وإن كانت طائفة مِن العلماء تُجيز تَقدِيمها:
منهم من قال: في العشر الأواخر.
ومنهم من قال: في النصف الثاني.
ومنهم من قال: مِن بداية رمضان.
إلى غير ذلك مِن الأقوال، ولكن لا يَنبغي لأحد أن يُقَدِّمها أكثر مِن يومين قبل يوم العيد؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: رجل أخذ بِالقول المشهور وهو إخراجُها بعدَ فجر العِيد ولكن أخرَجها فلم يَتمكَّن مِن إيصالها إلى الفقير وإنما ظلَّت مَحجوزةً في بيته وصلّى صلاة العِيد ثم عاد إليها ؟
ج: هي تكون بعد ذلك صدقة من الصدقات، لأنّ زكاة الفِطْر لابد مِن أن تَصِل إلى مستحِقِّها قبلَ صلاة العِيد.
س5: إذا أعطى أحدٌ غيرَه لِيَدفَعَ عنه فتَأخَّر المعطى حتى صُلِّيَتْ صلاة العيد ؟ (2/85)
صفحة 378
ج: الأصل في زكاة العيد أنَّها تُخْرَجُ قبل صلاة العيد .. لابد مِن أن يُؤدِّي الإنسان الزكاة-وأعني بها زكاة الفطر-قبل أن يُصلِّي العيد وليس له أن يُؤخِّرها بعدَ ذلك-فهذا الذي دلّ عليه الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وقول مَن قال بأنه يمكن أن يُؤَخِّرَهَا إلى غروب الشمس مع كراهةِ ذلك فهو قول مرفوض، لأنه مصادِمٌ لِلحديثِ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا-طبعا-فيمَن كان ذاكِرا لذلك، أما مَن كان ناسيا ولم يَنتبِه إلى إخراجِ الزكاة فانتبَه بعدَ أن صلّى العيد أو أنه كَلَّفَ غيرَه ولم يَقُم ذلك الغيرُ بِإخراجِ هذه الزكاة إما لِنسيانٍ أو لإهْمَالٍ أو لِغيرِهما مِن الأسباب أو أنه لم يَجِد الفقير أو ما شابه ذلك مِن الأعذار فإنه عليه أن يَقوم بِإخراجها ولو بعدَ صلاةِ العيد، لأنّ أمرَ الناسي واضِح، ومَن شابِهه مِمّن ذكرناهم أو لم نذكرهم مَحمولون على الناسي، فالناسي والنائم إذا لم يَنتبِها لِلصلاة .. النائم لم يَقم لِلصلاة والناسي لم يَنتبِه لها فإنهما يَأتيان بِها عندما يَقوم النائم وعندما يَنتبِه الناسي، وهكذا بِالنسبة إلى زكاةِ الفطر فهو معذور بِمشيئة الله ولكن ذلك الذي وُكِّلَ بِذلك إذا كان مهمِلا فعليه أن يَتوبَ إلى ربِّه وأن يَندَم على ما فرَّط مِن أمرِه وأن يَثوبَ إلى رُشْدِه قبلَ فواتِ الأوان أما إذا كان ناسيا فهو معذور بِمشيئة الله تبارك وتعالى. (2/86)
صفحة 379
وهنا أمرٌ أُحِبّ أن أُنبِّه عليه وهو أنّ الإنسان يَنبغِي له عندما يَأمر أحدا بِإخراجِ الزكاةِ عنه-زكاة الفطر أو غيرها مِن زكاة الأموال-أو بِإخراجِ أيِّ شيءٍ مِمّا هو واجِب عليه أن يُوكِّلَه إلى مَن يرتضي دِينَه .. مَن يَثق بِه وليس له أن يُوكِّل فلانا أو فلانا اللهم إلا إذا تَثبّتَ بعدَ ذلك مِن أنّ ذلك الواجِب قد وَصَلَ لِمَن هو له وهكذا بِالنسبة إلى سائرِ الديون .. إذا أَرسَلَ الإنسانُ مالا عليه لِشخصٍ آخَر فلابد مِن أن يَتثبتَ مِن أنّ ذلك الدَّيْن أو ذلك الحق الذي قد وَجب عليه بأيِّ سبب مِن الأسباب بِأنه قد وَصَلَ إلى صاحبِه بل ذلك يَنبغِي حتى في حالة أن لو أرسل الإنسانُ ذلك مع ثقةٍ مِن الثقات لاحتمالِ النسيان والذهول والغفلة، وقد جرّبنا ذلك على بعضِ الناس، وأَخبرنِي بعضُ الناس بِأنهم أرسلوا بعضَ الأشياءِ والحقوق إلى غيرِهم مِمّن هي له ولَقِيَهم ذلك الغير بعدَ مدّة وسألهم عن ذلك فقالوا بِأنهم قد أرسلوه مِن نحو عام ولم يَصِل إليه والسبب أنّ ذلك الشخص قد نسي .. هذا إذا أحسنّا بِه الظن ولابد مِن أن نُحسِن الظنّ بِأهل الصلاح ولكن إن كان مِن غيرِ أهلِ الصلاح فقد يَكون لِنسيانٍ وقد يَكون لِغيرِ ذلك، فإذن لابد مِن التثبت في هذه الحقوق التي وَجَبَتْ على الإنسانِ سواءً كانتْ بِأمرٍ مِن عندِ الله-تبارك وتعالى-أو بِقضاءِ دَيْن ولاشك بِأنّ قضاءَ الدّيْن-أيضا-بِأمرِ الله ولكن ذلك لاختلافِ الأسباب .. لابد مِن التثبّت بِوصولِ ذلك الحق إلى أصحابِه؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س10: يُخرِج زكاة الفطر لكنه لم يَجِد لها-مثلا-في ذلك الوقت فقيرا أو كان مشغولا .. أَحرزَها ثم صلى العيد وبعد ذلك أَخرجها، أَيَصِحُّ له ذلك ؟
ج: على كل حال؛ أَختصِر الكلام في هذه القضية، وأقول: (2/87)
صفحة 380
قد قلتُ أكثرَ مِن مرة: إنّ زكاة الفطر واجبة .. مِن الواجبات التي لا ينبغي لِلإنسان أن يُفرِّطَ فيها بِحال، وهي تَجِب-على الصحيح-حتى على الفقير إذا كان يَجِد ما يَكفيه ويَكفي مَن يَقوم بِعولِه في ذلك اليوم فإذا وَجَدَ ذلك ووَجَدَ مقدارا يَزيد على ذلك فإنّ عليه أن يُخرِج الزكاة .. هذا هو الصحيح.
ومقدارُ زكاةِ الفِطْر صاع مِن الأنواع التي وَرَدَتْ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا دليلَ-على الصحيح-لِمن قال: إنّ بعضَها يُخرَج منه صاع وبعضها نصفُ صاع، على حسب التفصيل الذي ذكروه .. الصوابُ أنّها صاع مِن أيِّ نوعٍ مِن تلك الأنواع، وقلنا (1) : إنه-على الصحيح-يُحمَل عليها ما كان مشابِها كالأرز في هذه البلدان المشرِقية.
__________
(1) -عند الجواب على السؤال 4 مِن حلقة 26 رمضان 1425هـ ( يوافقه 10 نوفمبر 2004م ) وعند الجواب على السؤال 2 مِن حلقة 27 رمضان 1425هـ ( يوافقه 11 نوفمبر 2004م ). (2/88)
صفحة 381
الفطرة تُخرَج في الأصل بعدَ صلاةِ الفجر وقبلَ صلاةِ العيد .. هذا هو الأصل ولكن يَجوز أن تُقدَّم لِيوم أو يومين، كما كان الصحابة-رضي الله تعالى عنهم-يَفعلون، والظاهِر أنهم قد أخذوا ذلك عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-فمَن كان يَخشى ألاّ يَستطيع أن يَقوم بِإخراجِها قبل صلاةِ العيد وبعدَ طلوع الفجر .. الأصل-كما قلنا-بعدَ طلوعِ الفجر .. مَن لا يَستطيع في هذا الوقت بيْن طلوع الفجر وصلاةِ العيد إذا كان يَعرِف مِن نفسِه ذلك فليَقم بِإخراجِها قبلَ العيد بِيومٍ أو يومين لكن لو قَدَّرْنا أنّ هنالك إنسانا كان يَظنُّ أنه يَتمكَّن مِن إخراجها قبل يوم العيد ثم مثلا أخذ زكاته إلى الفقير ودقّ عليه الباب ثلاث مرات ولم يستجب له أحد-والدقّ يكون ثلاث مرات لا على حسب ما يَصنعه كثير مِن الناس ولاسيما في هذه الأيام يَدقون الجرس عدّة مرات يُؤذُون الآخَرين فهذا على كل حال مخالِف لِكتاب الله ولسنّة رسوله - صلى الله عليه وسلم - فإذا كان لَم يَفتح له أحد ولم يَعرِف أحدا مِن الفقراء في تلك المنطقة فليَقم بِعزلِها وهو معذور بِمشيئة الله-تبارك وتعالى-في ذلك، أما إذا كان يستطيع أن يَقوم بإيصالها إلى الفقراء ولكن-مثلا-يترك ذلك لِسبب أو لآخر مع قدرتِه على ذلك فذلك مِمّا لا يَصِحّ له.
... س6: لم يَعلَم عن زكاةِ الفطْر مِن قبل ولم يُؤدِّها مِن قبل، هل يَلزمه قضاء ؟ (2/89)
صفحة 382
ج: أما مِن حيثُ الإلزام فلا أقوى عليه ولكن مِن حيثُ الاحتياط والسلامة فإن تَصدّق بِذلك فذلك فيه خيْرٌ بِمشيئةِ الله تبارك وتعالى، لأنّ الزكاةَ الأصلُ تُؤدَّى قبلَ صلاةِ العيد وبعدَ ذلك هي صدقة مِن الصدقات اللهم إلا إذا كان تَرَكَ ذلك لِذهولٍ أو نسيان أو لم يَجِد مَن يُوصِل ذلك الحق إليه لِكونِهم في مكانٍ بعيد مثلا أو ما شابه ذلك فلابد مِن أن يُوصِلَ هذا الحق بعدَ ذلك إلى أصحابِه، أما هؤلاء الذين فَرَّطُوا فعليهم أن يَتوبوا إلى الله-تبارك وتعالى-وإن أَدَّوا هذا المقدار الذي كان عليهم أن يُؤدُّوه مِن قبل ففي ذلك خيْر بِمشيئة الله-تبارك وتعالى-وهو مِن إتْباعِ الحسنة السيئة فعلى رأيِ مَن يَقول بِالقضاء-وهو قولٌ لم يَقل بِه الأكثر-فذلك واضِح وعلى رأيِ الأَكثرِين هو ليس مِن بابِ القضاء ولكن مِن بابِ التصدّق وقد يُحمَل الجاهِل على الناسِي فيَكون عليه ذلك، والحاصِل مِن حيثُ الوجوب لا أقوى عليه ولكن في إخراجِ ذلك خيْرٌ ولكن التوبة لابد منها؛ والله أعلم.
...
ثالثا : المقدار المخرج
س5: كم هو الوزن في زكاة الفطر ؟ (2/90)
صفحة 383
ج: قلنا (1) بِأنّ الصاع كيل والكيلوغرامات المستعمَلَة في عصرِنا هذا وزن و-حقيقة-هنالك شيء مِن الصعوبة في التقدير بِالوزن ولاسيما إذا نظرْنا إلى اختلافِ الحبوب وأيضا التمور منها الثقيل ومنها الخفيف ولكن-على كل حال-تُقَدَّر كثيرٌ مِن تلك الحبوب-كالأرز الذي يُستخدَم غالِبا في الكفارات وفي زكاةِ الفطر-بِاثنين مِن الكيلوغرامات وثمانية وأربعين غراما .. يُقدَّر بِهذا التقدير ولكن-كما قلتُ-هذا لا يُمكِن أن نُقدِّر بِه كلَّ نوعٍ مِن أنواعِ التمور والحبوب ولكن غالِبا ما نُخرجُه مِن الأرز وما شابَهه يُقَدَّرُ بِهذا وإذا زاد الإنسان واحتاط ولاسيما في زكاةِ الفطْر فذلك حسنٌ جميل لكن هذا الذي نُقَدِّرُ بِه؛ والله أعلم.
... س: وهذا خاص بِالأرز ؟
ج: نعم وبعضُ الحبوب-أيضا-تَكون بِهذا المقدار.
س2: مِمّا يُستخدَم في بلادِنا وفي بعضِ البلدان الطحِين، هل حكمُه كحُكْمِ الأرْز في المقدار .. صاع يَزِيد أو يَنقُص ؟
ج: قدمتُ [ ص5 ] أنّ زكاةَ الفِطْر هي صاعٌ مِن الطعام .. هذا الذي ذهبتْ إليه طائفةٌ كبِيرةٌ مِن أهلِ العلم مِن غيْرِ فرْقٍ بيْن سائِرِ أنواعِ الطعام، ولا شك أنّ هذا هو القولُ الصحيح.
وذهب بعضُهم إلى أنَّه يَجِبُ صاع إلا مِن البُر فإنه نصفُ صاع، وهذا قولٌ ضعِيف، والصوابُ هو القولُ الأول.
__________
(1) -عند الجواب على السؤال 8 مِن حلقة 25 رمضان 1425هـ ( يوافقه 9 نوفمبر 2004م ). (2/91)
صفحة 384
الطّحِين .. إذا اشتَرَى الشخصُ حَبًّا فيَشتَرِي صاعا .. إذا اشتَرَى أوَّلا حبّا ثم قام بِطحْنِه يَشتَرِي صاعا مِن البُر ويُجزِيه ذلك، لكن إذا أَخَذَ طحِينا فلا يُجزِي أن يُخرِجَ صاعا مِن الطحِين، وذلك لأنّ الحب إذا طُحِن يَكون مِقدار الصاع مِن الحَب أكثر مِن الصاع مِن الطحِين، ومَن شاء ذلك فليُجَرِّب .. إذا أَتَى الإنسانُ بِصاعٍ مِن البُر وقامَ بِطحْنِه ثم قام بِكيْلِ ذلك الطحِين فإنه سيَجِدُ ذلك الطحِين يُساوِي أكثرَ مِن صاع، ومعنى ذلك أنَّه لابد مِن أن يَزِيدَ على الصاع إذا أَخْرَجَ طحِينا، وقد قدَّرَ بعضُ أهلِ العلم أنّ الصاع مِن الطحِين يُساوِي صاعا إلا سُدُسًا مِن البُر، وإذا كان هذا الكلام ثابِتا فمعنى ذلك أنه لابد مِن أن يَزِيدَ المقدار المعروف، فإذن الصاعُ مِن الطحِين لا يَكفِي، لأنه لا يُساوِي الصاع مِن الحب، فلابد مِن أن يَعْرِف كم يُساوِي الصاع مِن الحب مِن الطحِين فـ:
يَكِيلُ الطحِين ثم يَزِيدُ عليه.
أو هنا يَستعمِل الوزن .. يَأتِي بِإناء .. يُساوِي ذلك الإناء صاعا مِن البُر ثم يَزِن ذلك ثم بعدَ ذلك يَقُومُ بِوزْنِ الطحِين.
فإذن لا يَكفِي الصاعُ مِن الطحِين، بل لابد مِن الزيادَة عليه حتى يُساوِي الصاع مِن الحب .. كَرَّرْتُ هذا لأنّ كثيرا مِن الناس يُخطِؤون .. يَقُومُون بِإخراجِ صاعٍ مِن الطحِين بِالكيْل وذلك لا يُجزِي، أُكَرِّرُ مرّةً ثانِية وثالِثة مَخافةَ الوقوعِ في الخطإ الذي يُؤدِّي إلى المحظُور .. إلى عدمِ إخراجِ الزكاة على ما هو مطلُوب، فلابد مِن أن يَزِيدَ على الصاعِ مِن الطحين مِقدارا مِن الطحِين حتى يُساوِي الحب.
س: لو أنَّه استخدَم الكيلوجرامات، كم يُساوِي الصاع بِالكيلو ؟ (2/92)
صفحة 385
ج: أما الصاع مِن البُر الجيِّد فهو يُساوِي .. الصاع يُساوِي كيلووين وثَمانية وأربعين جراما أو خمسين جراما .. الأمْرُ يَسِير، فهذا الذي يُساوِيه لكن لا يَكفِي هذا في الطحِين .. مثلا لو قام شخص وَوَزَن كِيلُووين وثَمانية وأربعين جراما أو خمسين جراما لا يَكفِي هذا .. لابد مِن الزيادة و:
قد يَسأَل بعضَ الذين يَقُومُون بِالطحْن .. يَعرِفُون المقدار.
أو يَزِيدُ مِقدارا لا يَشُك فيه بِأنه قد وَصَل.
وقد ذكرتُ أنّ بعضَ العلماء قالوا بِأنه يُساوِي صاعا إلا سُدُسا، ولا أَدرِي هل قاسَ ذلك أو هو مُجرَّد تَقدِير، فلابد إما مِن الاحتياط أو مِن قياسِ ذلك حتى يَتَثَبَّت الشخص مِن هذه القضية.
على أنّ العلماء قد اختلَفوا في الطحِين هل يَجوز إِخراجُه أو لا يَجوز ؟
منهم مَن مَنَعَ ذلك على الإطلاق، فقال: لا يَجوز إِخراج الطحِين، لأنّ الحب يُستعمَل في أشياء قد لا يُستخدَم لَها الطحِين، ثم يُمكِن-أيضا-الحب .. ادِّخارُه لِفتْرَة أطْوَل.
ومنهم مَن ذهب إلى أنه يَجوز إِخراجُه مع الحاجَة.
ومنهم مَن قال بِجوازِ ذلك مطلَقا ولاسيما في هذا الزمان لأنّ الطَّحْن الآن يَصعُب .. يَصعُب لِلإنسان إذا أَتَيْتَ لَه بِحَب يَقُومُ بعدَ ذلك بِطحْنِ ذلك، بِخلافِ الماضي، فإنّ كلَّ أهل بيْت لديْهم آلَة تَقُومُ بِالطَّحْن فيَقُومُون بِطَحْنِ ذلك في وقتٍ يَسِير، أما الآن فالغالبِية العظمى الساحِقَة مِن الناس لا يَملِكون ما يَقُومُون بِطَحْنِ الحب فيَصعُبُ عليهم ذلك أيَّما صعوبَة، فاليُسْر الآن يَقتضِي ذلك.
... س6: ما حكم إخراجِ الزكاة بِالقمحِ المطحون ؟ (1)
__________
(1) - وفي سؤال مشابه نصه :
س: وبِالنسبة لِلحبوب، هل يَصِحّ إِخراجُها مَطحونَةً كَالطّحِين أو الدّقِيق المعروف عندنا ؟
ج: على كل حال؛ إذا كان ذلك لا يُؤثِّرُ فيها لأنّ قد تَكونُ فائدة في ادّخارِ بعضِ الحبوب لكن إذا طُحِنَتْ قد تَتأثّر بِذلك أما إذا كانت لم تَتأثّر بِذلك فلا مانِع مِن ذلك. (2/93)
صفحة 386
ج: حقيقة؛ لا نرى مانعا ما دام لا يَتأثّر بِذلك .. نعم هو عندما يَكون مطحونا وتَطول المدّة قد يَتأثّر بِالدّود وما شابه ذلك ولكن الأصل أنه يُسْتَخدَمُ في الأيامِ الأولى فما دام الأمر كذلك فلا مانع إن شاء الله تبارك وتعالى.
... س5: هناك سؤال يَتَكَرَّرُ دائما .. عن إِخراجِ القيمة بَدَلا مِن هذه الأنواع التي ذَكَرْتُمُوها [ ص5-6 ] على اعتبار أنّه المقصُود بِها إِغْنَاء الفقِير في ذلك اليوم، فهل تَقُومُ القيمة مقام هذه الأنواع ؟
ج: على كلِّ حال؛ هذه المسألة لا تَخلُو مِن الخلاف .. الخلافُ موجودٌ فيها:
بعضُ العلماء لا يُجِيز إِخْرَاج القيمة على الإطلاق.
ومنهم مَن يُجِيز ذلك على الإطلاق.
ومنهم مَن يُجِيز ذلك مع الكراهة.
ولا يَنبغِي لِلإنسان أن يَعْبُدَ رَبَّه بِأمْرٍ مكروه .. يَفعَل شيئا مكروها .. لا يَنبغِي أن يَفْعَلَ ذلك.
ومنهم مَن يُجِيز ذلك في حالةِ الاضطرار دون حالةِ الاختيار وذلك بِما إذا لم يَجِد أحدا يَقبَل منه ذلك. (2/94)
صفحة 387
ولا شك أنّ الذين يَمنَعُون إذا وَصَلَ بِهم الأمْر إلى هذا الحد لا شك أنهم جميعا أو الأغلبية منهم سيَتَسَاهَلُون في ذلك، ولكن هذا إذا لم يَجِد مَن يَقبَل عنه ذلك، ونَحنُ إلى الآن لم نَسمَع بِهذا .. لَم نَسْمَع بِأنّ أحدا لا يَقبَلُ ذلك، وإذا قَدَّرْنا أنّ شخصا أو شخصيْن أو ثلاثة مثلا لا يَقبَلُون ذلك فإنّ كثرةً كاثِرَة مِن الفقراء يَقبَلُون ذلك .. ما دام الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - أَمَرَ بِذلك لِماذا يُخالِفُ الإنسان ذلك ويَترُك أمرا واضحا جليا ؟! مِن المعلوم أنه لو أَخْرَجَ ما حَدَّدَه الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - فإنه يَكون قد خَرَجَ مِن التكلِيف بِأمْرٍ مُجمَعٍ عليه وقبلَ ذلك قد امْتَثَلَ النّصَّ الصرِيحَ الثابِت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وخَرَجَ مِن ذلك بِذلك النّص الصرِيح، ومَن أَخْرَجَ ما في معنى ذلك فإنه قد أَخْرَجَ ما يُستنبَط مِن الحديثِ استنباطا واضِحا جلِيا وقد قالتْ بِذلك الأغلبِيةُ الساحِقَة مِن أهلِ العلم، أما مَن أَخْرَجَ القيمة فهو على رأيٍ مِن أهلِ العلم فلِماذا يَترُكُ الأمْرَ الواضِحَ الجلِي الذي لا غُمُوضَ فيه ولا شُبهَة ويَلْجَأُ إلى أمْرٍ مُختَلَفٍ فيه .. الأكثرُ على خلافِه والأحاديثُ لا تُساعِدُ عليه ؟! فالأسْلَمُ والأوْلَى أن يُخرِجَ الأصْل ولا يَعدِل إلى القيمة إلا إذا لَم يَجِد مَن يَقبَلُ منه ذلك ولا شك بِأنه سيَجِد؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س2: استنتج مِن خلال أجوبتكم القول بجواز إخراج زكاة الفطر نقدا ويقول بأنهم يعملون بذلك منذ سنوات، فهل يَكون آثِما إن أخرج زكاة الفطر نقداً ؟ (2/95)
صفحة 388
ج: أما الحكم بِتَأْثِيمِه فلا نقوى عليه، لأنه ليس في المسألة دليل قاطع لا على الجواز ولا على عدم الجواز وإنَّما في المسألة أنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-أمر بِإخراجها كما جاء ذلك في الصحاح والسنن والمسانيد وغيرها مِن كتب الحديث .. أمر بإخراجها مِن أصناف معروفة مِن الحبوب وقلنا (1) إنه يُحمَل ما كان مشابِها لَها عليها كالأرز مثلا، وأنا لم أقل في يوم مِن الأيام على حسب ما أذكر بجواز إخراج القيمة عن زكاة الفطر إلا إذا كانت هنالك ضرورة مُلِحَّة بِأن لَم يَجِد الإنسان مَن يَقبَل منه شيئا مِن الحبوب فإنه في مثل هذه الحالة يَدفَع إليه القيمة.
__________
(1) -عند الجواب على السؤال 4 مِن حلقة 26 رمضان 1425هـ ( يوافقه 10 نوفمبر 2004م ). (2/96)
صفحة 389
أما إذا كان استنتجه-مثلا-مِمّا ذكرتُه بِالأمس (1) مِن الكلام في قضية إخراج اللحوم مثلا فأنا لم أجزم بذلك أبدا وإنما قلتُ (2) إنّ المسألة بِحاجة إلى شيءٍ مِن النظر والتمحيص، ومِن المعلوم أنه قد ذهب بعضُ أهل العلم إلى جواز إخراج اللحوم في زكاة الفطر ولكن مِن المعلوم بأنّ اللحم يوزَن ولا يُكال وزكاة الفطر جاءتْ في الحبوب التي تُكال ثم هي مذكورة في تلك الحبوب وهنالك فرق بيْن اللحوم والحبوب .. نعم يمكن أن نَقول بِجواز إخراج اللحوم في بعضِ المناطِق التي يَغْلِبُ على أهلها أكلُ اللحوم وذلك كالمناطق التي بِالقرب مِن القطب الشمالي وما شابه ذلك أمَّا عند وجود مَن يَأخذ الحبوب فلا يَنبغِي العدول عن ذلك، ذلك أنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-ذَكَرَ زكاةَ الفطر بِأنها تَكون في هذه الأشياء ومِن المعلوم بِأنّ الذهب والفضة كانا موجوديْن في عصرِ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-ولم يَذكُر بِأنه يُمكِن أن تُخرَج الزكاة مِن الذهب والفضة (3) ،
__________
(1) -عند الجواب على السؤال 4 مِن حلقة 26 رمضان 1425هـ ( يوافقه 10 نوفمبر 2004م ).
(2) -عند الجواب على السؤال 4 مِن حلقة 26 رمضان 1425هـ ( يوافقه 10 نوفمبر 2004م ).
(3) -قال الشيخ: " الحبوب " بدلا مِن " الذهب والفضة " والظاهر أنه سبق لسان.. (2/97)
صفحة 390
و-على كل حال-الخلاف بيْن الأمّة موجود في إخراج زكاة الفطر بِالقيمة كالدنانير والدراهم والريالات وما شابهها مِن العملات الحالية كما أنه موجود عندهم في إخراج أصول هذه الأشياء وهي الذهب والفضة، فلا نقوى على الحكم بِتَأثيم مَن فَعَلَ شيئا مِن ذلك ولكننا نَقول إنّ زكاة الفطر واجبة بِنصّ السنّة الصحيحة الثابتة عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-وينبغي لِلإنسان أن يَخرُج مِن الواجِب بِاليقين فإذا دَفَعَ شيئا مِن هذه الحبوب فهو قد خَرَجَ مِن هذا التكليف وإذا دَفَعَ القيمة فهو على أَمْر مُحْتَمِل فلماذا لا يَخرُج الإنسان بِاليقين الواضِح الجلي الذي لا غموض فيه ولا شبهة ؟! أما إذا تَعذّر ذلك أو كان قريبا مِن المُتَعَذِّر بِأن لَم يَجِد أحدا (1) يَقبَل منه ذلك فلِلضرورة أحكامها الخاصّة ففي هذه الحالة يُمكِن أن يَدفَع القيمة.
وبِالنسبة إلى الماضي فلا شيءَ عليه-بِمشيئة الله تبارك وتعالى-لأنه أَخَذَ بِقولٍ مِن أقوالِ أهلِ العلم أو أنه على أقل تقدير صادف قولا مِن أقوال أهل العلم إن كان لا يَعلَم بِذلك، أما في المستقبل فالأسْلم والأحْوط لَه ولِغيره أن يَدفَعوا شيئا مِن الحبوب الوارِدة في السنّة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أو ما كان مشابِها لَها في معناها مِما يَكثُر استعمالُه في تلك البلاد؛ والله-تبارك وتعالى-ولي التوفيق.
... س: وإن كان الناس يَتشجّعون لإخراجِ القيمة نظرا لأنهم يَروْن أنّ مصلحة الفقير في هذا الوقت حاجته إلى النقد ؟
ج: لكن هنالك عبادة .. على الإنسان أن يَلتزِم بِهذه العبادة وبعدَ ذلك إن شاء أن يَتبرّع بِزيادة فذلك فيه خيْرٌ كثير بِمشيئة الله-تبارك وتعالى-أما الواجبات فعلى الإنسان أن يَلتزِم بِها على حسب ما جاءتْ.
س4: اللحوم بِأنواعها، هل تُعتبَر مِن غالِب ما يُقتات فيَصحّ إخراجُها زكاة لِلفِطر ؟
__________
(1) -قال الشيخ: " يقل أحد " بدلا مِن " يجد أحدا " والظاهر أنه سبق لسان. (2/98)
صفحة 391
ج: في الحقيقة؛ هذه المسألة تَحتاج إلى شيءٍ مِن النظر والتمحيص، والعلماءُ في هذه القضايا بيْن مُرخِّص ومُشدِّد .. 1-بيْن مَن يَقول بِأنه لابد مِن إخراجِ شيءٍ مِن أنواع الحبوب، 2-بل بعضُهم يَقتصِر على ما جاء في الروايةِ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، 3-وبعضُهم يَحمِل عليها ما في معناها، 4-ومنهم مَن يَترخَّص فيما هو أبعدُ مِن ذلك، فعلى رأيِ المُرخِّصِين يُمكِن ذلك، ولكن على رأي مَن يَقول: " إنه لابد مِن التزامِ النصِّ الثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي ما جاء في معناه مِمّا يُمكِن أن يُحمَل عليه " فإنه لا يُجِيز ذلك، وأرى-حتى نَتأمّلَ في هذه القضية تأملا واضِحا-أن يُقتصَر على تلك الأنواع التي جاءتْ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وما هو في معناها كالحبوب مثلا اللهم إلا في بعضِ البلاد التي لا يُوجَد فيها ذلك وذلك مِن أندر النادرات فالأُرز مثلا وإن كان لم يَأتِ في الحديثِ عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-ولكن لابد مِن أن يُحمَل على ذلك لأنه هو القوتُ الغالِب في بلادنا وكثيرٍ مِن البلدان المشابِهة لَها أما ما عدا ذلك فحتى نَتأمّلَ في ذلك لا نَقوى على التّرخِيص وإن تَوَسَّعَ بعضُ أهلِ العلم في بعضِ الأمورِ الأخرى وأقول: المسألة مُحْتاجَة إلى شيءٍ مِن النظر-كما قلتُ سابِقا-وسنَنظُرُ فيها قريبا بِمشيئةِ الله-تبارك وتعالى-لأنّ الحاجة تَدعو إليها ولكن حتى ذلك أرى الاقتصار على تلك الأنواع وما جاء في معناها حتى يَخرُجَ الإنسان مِن عُهدةِ التكليف بِأمْرٍ واضِحٍ جلِي لا يَحتمِل احتمالا آخَر لأنّ الزكاةَ واجِبة ولابد مِن أن يُؤدِّيَ هذا الواجِب على أمْرٍ لا يَحتمِل الشك؛ والله أعلم.
رابعا : على من تجب ؟
س: هل تُشرَع فقط على الغنِي أو على كلِّ قادِر ؟ (1)
__________
(1) - وفي سؤال مشابه نصه :
س: هل هي تَجب على الفقير والغني أم على الغني فقط ؟ وما هو تَعريفه ؟
ج: لِلعلماء في ذلك خلاف كثير .. على مَن تجب ؟ هل تَجب على الغني فقط أو أنها تَجب أيضا على الفقير ؟ بِشرْط أن يَكون عنده شيء مِن المال يَسُدُّ حاجتَه في ذلك اليوم وفي تلك الأيام التي يَحتاج فيها إلى المال، إذ لا يُمكن أن يُقال إنه يُشْرَعُ في حقِّه أن يُخرِج الزكاة ثم يَجلس بعد ذلك-في ذلك اليوم أو في الأيام القليلة التي بعده-يَتضَوَّرُ جوعا هو ومَن يَعُولُه، بل المرادُ بِالفقير الذي تَلزمه الزكاة-على رأي مَن يقول بذلك-هو مَن يَملك شيئا مِن المال يَكفي لِحاجته وحاجة من يَعُولُه، وهذا رأي حسن وفيه احتياط؛ والله أعلم.
س11: فقيرة، هل تَلزَمها زكاة الفطر ؟
ج: قلنا: لِلعلماءِ خلافٌ في وجوبِ الزكاة على الفقير إذا كان يَجِدُ ما يَسُدُّ حاجتَه في ذلك اليوم:
1-بعضُ العلماء قال: هي تَجِب على الغَنِي ولا تَجِب على الفقير، ومعروف الفرْق بيْن الغني والفقير.
2-وبعضُ العلماء قال: الفقير الذي لا يَجِد ما يَسُدُّ حاجتَه في ذلك اليوم فلا تَجِب عليه الزكاة أما الفقير الذي يَجِد ما يَسُدُّ حاجتَه في ذلك اليوم ولديْه زيادة مِن المَال فعليه أن يُخْرِج الزكاة؛ وهذا هو الأقرب إلى الصواب. (2/99)
صفحة 392
ج: في هذه المسألة خلافٌ بيْن أهلِ العلم:
1-منهم مَن يَقول: لا تَجِب إلا على الغنِي.
2-ومنهم مَن يَقول: " تَجِب على الغنِي والفقير " على خلافٍ بينهم في ذلك.
والذي نَراه أنّها تَجِب على الغنِي والفقير إذا كان ذلك الفقير يَجِد ما يَسُدُّ حاجتَه وحاجة مَن يَقوم بِعَوْلِه وبَقِيَتْ بقيةٌ زائدة على ذلك فإنه لابد مِن أن يُخرِجَ زكاةَ الفِطْر، لأنّ الدليلَ عام وليس هنالك دليلٌ يُخصِّصُ ذلك، وقياسُ ذلك على بعضِ أصنافِ الزكاة فهو قياسٌ لا يَصِح لأنه مصادِمٌ لِلدليل وكلُّ قياسٍ يُصادِم الدليل لا عبرةَ به.
س: إخراجها حتى عن الأطفال وحتى عن الرضَّع، هل تشمَلهم ؟
ج: نعم, يَجب على الإنسان أن يُخرِج ذلك عن نفسه وعن كل مَن يَعُولُه حتى أنّ العلماء اختلفوا في مَن وُلِدَ قبلَ طلوع فجر يوم العيد وبعد غروب شمس اليوم الأخير مِن رمضان:
فمَن رأى أنّ زكاة الفِطْر تَجب بِغروب الشمس مِن اليوم الأخير مِن رمضان-أو كما يُعبِّر عنه بعضهم: بِحلول ليلة العيد أو بِرؤية هلال العيد-قال: لا يَجب (1) على الإنسان أن يُخرِج عن ذلك الطفل زكاةَ الفِطْر.
مَن قال: " إنها تَجب بِطلوع الفجر " قال: يَجب عليه.
__________
(1) -سقط مِن كلام الشيخ: " لا "، وهو سهو منه تبيّن بِما أورده بعد. (2/100)
صفحة 393
ومَن قال بِأنها تَجب بِغروب الشمس وهذا الطفل قد وُلِدَ بعدَ ذلك فلا يَجب عليه أن يُخرِج عنه الزكاة، لأنّ الزكاة قد وَجَبَتْ قبلَ أن يُولَد، فهو وُلِدَ بعدَ غروب الشمس، وأما على القول الآخر فنعم، لأنّه وُلِدَ قبلَ طلوع الفجر، فهذا دليل واضح، والدليل هو الحديث الثابت عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-بِأنها تجب على الصغير والكبير ... إلى آخر الحديث، وهو حديث مشهور صحيح معروف، فمَن وُلِدَ قبلَ غروب الشمس تَجب الزكاة عنه، ومَن وُلِدَ بعدَ ذلك فعلى الخلاف الذي ذكرتُه، فمَن يقول تَجب بغروب الشمس فلا يَجب الإخراج، ومَن يقول بِأنها تَجب بطلوع الفجر فيَجب الإخراج على مذهبه؛ والله أعلم.
س: أيضا الشغالات المسلمات الموجودات في البيوت، هل يُخرِج عنهنّ صاحب البيت ؟
ج: لا، لا تَجب، لأنّما يَجب على الإنسان أن يُخرِج عن العبْد, وهذه ليست بِعَبْدَةٍ مَمْلوكَة وإنما تَعمل عنده بِمُرَتَّب؛ والله أعلم.
س: بالنسبة للزوجة أيضا ؟
ج: في الزوجة خِلاف:
ذهبت طائفة مِن العلماء إلى أنّ على الزوجة أن تُخرِج عن نفسها إذا كانت تَملِك مالا.
وذهبت طائفة مِن أهل العلم إلى أنّ على الزوج أن يُخرِج عنها.
وفي كلٍّ خيرٌ بِمشيئة الله تبارك وتعالى.
واستحبَّ بعض العلماء الاحتياطَ بِأن يُخرِج الزوج عنها وتُخرِج هي عن نفسها؛ ولكنَّ هذا لا يَخرُج عن الاحتياط، إذ لا يُمكن أن نقول بِوجوب الزكاة عنها مرتين، فإن أخرَجَتْ عن نفسها فلا حرج، وإن أَخرَج عنها الزوج-على القول الآخر-فلا حرج بمشيئة الله تبارك وتعالى.
س1: هل يُخرِج المسافِر زكاةَ الفطر في سفرِه أو يَأْمُر بِإخراجِها في وطنِه ؟ (2/101)
صفحة 394
ج: إنه مِمّا لا يَخفى-إن شاء الله تبارك وتعالى-أنَّ زكاةَ الفطر فريضة كما جاء ذلك في الحديثِ الثابت عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-فعليه لا يَجوز لأحدٍ أن يتهاون بِها، وهي واجبةٌ على المسافِر كما أنَّها واجبة على مَن كان في وطنِه، والمسافِر إن كان يَجِد في سفرِه من يَدفَع إليه زكاة الفطر فإنه يؤمر بإخراجها في سفره وذلك لأنها مُعَلَّقة به وهو في ذلك الوقت في السفر وهكذا بالنسبة إلى الأضاحي فإن المسافر يُضَحِّي في الموضع الذي هو فيه أما إذا كان لا يَجد أحدا في سفره يدفع إليه الزكاة بأن كان في مكان لا يوجد فيه أحد من الفقراء أو كان لا يعرف هو في ذلك المكان أحدا من الفقراء ولم يَجد أحدا ممن يثق به حتى يستعين به على معرفة الفقراء الموجودين في تلك المنطقة أو ما هو قريب منها من المناطق فإنه في هذه الحالة يُوَكِّل غيره مِمن يثق به من أهل بلده لأن يدفعها في بلده وهو معذور-إن شاء الله تبارك وتعالى-في ذلك؛ والله أعلم.
س3: مَن تزوّج في بيت أبيه ويَتولّى الأب عَوْلَ الأسرة بِأكملها بِما فيهم ولدَه وزوجتَه، في هذه الحالة مَن الذي يُخرِج زكاةَ الفِطْر ؟
ج: أما إذا كان هذا الولد يَملِك مالا فإنّ عليه أن يُخرِج عنه وعن زوجتِه وعن أولادِه، وذهبت طائفة مِن العلماء إلى أنّ الزوجةَ تُخرِج عن نفسها كما ذكرتُ [ ص3 ]، وبالتالي هو الذي يَلزَمه أن يُخرِج عن نفسِه وعن أولادِه وعن زوجِه على رأي مَن يقول: " إنّ الزوج يُخرِج عن زوجه "؛ والله أعلم.
س3: أَرمَلَة عندَها مجموعة مِن الأطفال لا عائِلَ لَهم سِواها، هل تُخرِج عنهم زكاةَ الفِطْر ؟
ج: اختلَف العلماء في الأم هل عليها أن تُخرِج عن أطفالِها إذا كانتْ تَقُوم بِعولِهم وليس هنالك لَهم عائِل أو لا ؟
مِن العلماء مَن ذهب إلى أنه يَجِبُ عليها لأنها تَعُولَهم في سائرِ الأيام وهذا داخِلٌ في جملةِ العَوْل. (2/102)
صفحة 395
وذهب بعضُ العلماء إلى أنه لا يَجِبُ على الأم.
وهذا كلُّه إذا كان أولئك الأطفال لا يَملِكون ما يُخرِجون بِه ما يَجِب مِن زكاةِ الفطْر، أما إذا كانوا يَملِكون شيئا فتُخرِج على رأيِ طائفةٍ مِن أهل العلم ذلك مِن مالِهم، وهذا هو المعروف في المذهب بِأنها تُخرَج-أعني زكاةَ الفطْر-مِن أموالِ الأيتام كسائِرِ الزكاة، وإن كان بعضُ العلماء يَقول بِعدمِ وجوبِ ذلك في مالِهم لأنهم مرفوعٌ عنهم قَلَمُ التكلِيف لكنّ كثرةً كاثِرَة مِن أهلِ العلم تُفرِّق بيْن المال وغيرِه فيُوجِبون الزكاة ويُوجِبون-أيضا-زكاةَ الفطْر في مالِ الطفل، فإذا كان لديْهم مال فعلى رأيِ كثِيرٍِ مِن أهلِ العلم تُخرِج مِن مالِهم، أما إذا لَم يَكن لديْهم مال فعلى الخلافِ بيْن أهلِ العلم .. إن أَخْرَجَتْ فذلك حَسَن أما الإيجاب فالقولُ بِه فيه شيءٌ مِن الصعوبة وإن احتاطتْ وأَخْرَجَتْ ذلك وكان لا يَشُقُّ عليها فذلك حَسَن.
خامسا : لمن تخرج ؟
س6: تَحدّثْتُم [ ص5 ] عن الفقير الذي تَجِب عليه الزكاة أو لا تَجِب، نُرِيدُ منكم أن تُحدِّثُونا الآن عن الفقِير الذي تُدفَعُ إليه الزكاة على اعتبار أنّ عددا مِن الناس قد يَكون لديْهِم راتب محترم لكن عَدَد الذين يَعُولُونَهم كثِيرُون أو لا يَستَطِيعُون أن يُوفوا مُتطلّبَات الحياة، فهل هؤلاء فُقَراء ؟ (1)
__________
(1) - وفي سؤال مشابه نصه :
س: مَن هو الفقير الذي يُمكن أن يُعطِيه الإنسان الزكاة، إذ إنه لا يوجَد فقير في هذا الزمان لا يَجِد ما يَسُدُّ قوتَ ذلك اليوم ؟
ج: نعم عَرَّفَ كثير مِن الفقهاء الفقير بِهذا التعريف ولكنه لا يَلزم أن يكون الفقير في واقع الأمر لا يَجِد ما يَسُدُّ قوتَ ذلك اليوم، بَل يُترَخَّص فيما هو أوسع مِن ذلك، فيَنظُر الإنسان إلى الفقراء فيعطي مَن هو أشد حاجة مِن غيره، فإذا وَجَد مَن لا يَجِد قوتَ ذلك اليوم لا شك أنّ هذا أوْلى مِن غيره-لِحاجته ولاتفاقِ العلماء على أنه داخِل في حَدِّ الفقير-وإن لم يَجِد مَن هو في هذا الحدِّ فيعطيها مَن لا يَجد مثلا قوتَ شهرِه؛ وبعض العلماء يقول: ما يَجِد ما يَسُدُّه حتى أكثرَ مِن ذلك؛ فلا يُقتَصَر في زكاةِ الفِطْر وكذا في الزكاة على مَن لا يَجد ما يَسُدُّ حاجتَه في ذلك اليوم، بل هي أوسع مِن ذلك. (2/103)
صفحة 396
ج: على كلِّ حال؛ زكاةُ الفطْر:
بعضُ العلماء ذهب إلى أنها تُصْرَف إلى مَن تُصْرَفُ إليه زكاةُ المال-وهم الأصنافُ الثمانية الذين حَدَّدَتْهُم الآيةُ القرآنية (1) -بل منهم مَن أَوْجَبَ أن تُقْسَمَ بيْن تلك الأصناف.
ومِن العلماء مَن ذهب إلى أنها تُدفَع إلى الفُقَراءِ والمساكِين فقط؛ وهذا هو القولُ الصحِيح، ومعنى ذلك أنها لا يَجُوز دَفعُها إلا إلى الفُقَراءِ والمساكِين.
وبعضُ الناس يَظُنُّون أنّ الفَقِير أو المسكِين مَن لا يَجِد شيئا، والأمْرُ بِعكْسِ ذلك .. مَن كان ما لديْه لا يَكفِيه لِسَدِّ حاجتِه وحاجةِ مَن يَقُومُ بِعَوْلِه فلَه أن يَأخُذَ مِن الزكاة وتُدْفَع إليه سواء كانتْ هذه الزكاة زكاةَ مال أو كانتْ زكاةَ فطْر، ولا يُضيَّقُ على الناس.
ومنهم مَن قال: مَن لا يَجِدُ قوتَ سَنَتِه.
ومنهم مَن قال بِخلافِ ذلك.
__________
(1) -قال الله تعالى: { إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } [ سورة التوبة، الآية: 60 ]. (2/104)
صفحة 397
فشخص-مثلا-يَتَقَاضَى مُرتّبا يُسَاوِي مئةَ رِيال ولكنّ ذلك لا يَكفِيه لِسَدِّ حاجتِه تُدفَع لَه الزكاة، بل شخص لَدَيْه أُسْرَة كبِيرَة يَحصُل على ثلاثمائة رِيال-مثلا-أو أَكثَر وذلك لا يَكفِيه لِسَدِّ حاجتِه تُدفَع لَه الزكاة .. ذلك يَختلِف بِاختلافِ الناس وبِاختلافِ أحوال مَن يَعُولُون وفي أَيِّ منطِقَةٍ مِن المناطِق-مثلا-وما يَحتاجُون إليه .. إذن العبرةُ هل يَكفِيهِم ما لَدَيْهِم لِسَدِّ حاجتِهم وحاجةِ مَن يَعُولُونَه أو لا .. الأمْرُ لا يَضيق، وإنما السبَب الذي يُلْجِئ كثِيرا مِن الناس إلى السؤال عن هذه المسألة وإلى الاسْتِشْكَال وأنهم لا يَجِدُون فُقَراء هو ظَنُّهُم أنّ الفقِير مَن لا يَملِك شيئا وهكذا بِالنسبةِ إلى المساكِين .. الله-تعالى-يَقول: { أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ ... } [ سورة الكهف، من الآية: 79 ] .. هم يَملِكُون سفِينَة ولكن ذلك لا يَكفِيهِم
س: هل هيَ مَقصورَة على الفقراء والمساكين أو أنّها تُعطى في مصارِفِ زكاةِ المال ؟
ج: لا، هي تُدفَع إلى الفقراء والمساكين.
ومَن قال بِخلافِ ذلك فقولُه مُخالِفٌ لِلحديث الثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .. الزكاةُ المعروفة تُدفَعُ إلى الأصنافِ الثمانية وأما بِالنسبةِ إلى زكاةِ الفِطْر فلا تُدفَعُ إلا إلى الصنفيْن المذكورَيْن في الحديثِ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
رس4: زكاةُ الفِطْر، هل تُعطى لِشخصٍ واحد ؟
ج: نعم يَجوز أن تُعطى لِشخصٍ واحد إذا كان لا يَخرُج بِذلك عن حدِّ الفقر إلى حدِّ الغنى ولكن إذا كانت هنالك جماعةٌ تَحتاج إلى الزكاة فلا يَنبغي أن يُعْطِيَ هذا الإنسان زكاتَه لِشخصٍ واحد ويَتْرُكَ البقية الباقية أما إذا كان بعضُ الناس يُعْطِي هذه المجموعة والبقية الأخرى تُعْطِي المجموعة الأخرى-وما شابه ذلك-فلا حرج ولو أعطاها لِشخصٍ واحد إذا كان لا يَخرُج-كما قلتُ-عن حدِّ الفقر إلى حدِّ الغنى. (2/105)
صفحة 398
س11: هل يُمكِن أن تُدفَع إلى أسرة واحدة أم لابد مِن حساب عدد أفرادها ؟
ج: إذا كانت تلك الأسرة لا تَخرج بذلك مِن حدِّ الفقر إلى الغنى فلا مانع مِن ذلك .. هذه ليست كالكفارات .. الكفاراتُ لابد فيها مِن العَدَد .. المرسلة تُدفَع إلى عشرة، والمغلظة إلى سِتّين، ولا يُمكِن أن تُدفَع المرسلة إلى أَقَلِّ مِن عشرة ولا إلى أكثر مِن عشرة، والمغلظة لا يمكن أن تُدفَع إلى أقل مِن سِتّين ولا إلى أكثر مِن ستين .. زكاةُ الفطر يمكن أن تَدفع جماعة لِشخصٍ أو لِبيتٍ واحد كما أنه يمكن الإنسان أن يُفرِّقَ الصاع الواحد على شخصين .. هذه لا تُحَد، وإنما الحدُّ في ذلك ألاّ يَخرُج ذلك الشخص مِن حدِّ الفقر إلى الغنى .. نعم لا يمكن لجماعةٍ كبيرة مِن الناس تَدفَع إلى بيتٍ واحد وهنالك بقيةُ البيوت يَتضَوَّرُ أصحابُها جوعا .. لابد مِن النظر في هذه القضية، وهذا والحمد لله-تبارك وتعالى-يَسِير؛ والله-تبارك وتعالى-ولي التوفيق.
و-قبل أن أُنْهِيَ الجواب-أُريد أن أُنَبِّه إلى أنّ زكاةَ الفطر تُدفَع إلى الفقراء والمساكين، ولا يَجوز دفعُها إلى الأغنياء.
فما نُشاهِده مِن كثيرٍ مِن الناس يَقومون بِتوزيعِها على طائفةٍ كبيرة مِن الناس مِن أهلِ البلاد مِن غيرِ أن يُفرِّقوا بيْن غني وفقير هذا لا يَصِح أبدا؛ والله-تبارك وتعالى-ولي التوفيق.
س10: هل يَجوز إعطاءُ زكاة الفطر لِلوالدة أو الشغّالة ؟ (2/106)
صفحة 399
ج: أما الشغّالة إن كانت فقيرة ويَعلَم بأنها فقيرة حقّا وليست مجرد دعوى لأنّ بعضَ العمال الذين يَعمَلون في بعضِ البلدان الأخرى لا يَعلَم الإنسان بِأنهم مِن الفقراء .. هم مِن الأغنياء في بلدانِهم وهذا أمرٌ موجود وبعضُهم حقّا مِن الفقراء فإن كان هو يَثِق بِأنها فقيرة حقّا وسواءً كان هذا العامل رجلا أو امرأة فنعم يَجوز أن تُدفَع إليه الزكاة إذا كان مِن المسلِمين أما إذا كان مِن الكافرِين فلا ثم لا، لأنها حقّ لِلمسلِمين وليستْ للكافرِين اللهم إلا إذا لم يُوجَد المسلم أبدا فذلك أمرٌ آخَر ولكن-طبعا-هم موجودون فلا داعي إلى الكلام بِأنهم إذا لم يُوجَدوا تُدفَع إلى أهلِ الذِّمّة فما داموا موجودِين فلتُدفَع إلى فقراءِ المسلِمين ولا يُجزِي أن تُدفَع إلى غيرِهم.
أما بِالنسبةِ إلى الوالدَيْن:
1-فبعضُ العلماء يُشدِّد في دفعِ الزكاة إليهما سواءً كانت هذه الزكاة زكاةَ أموال أو كانت زكاةَ الفِطر.
2-وبعضُ العلماء يَقول: إن كان هذا الشخص لا يَجِب عليه أن يَعولَ والديه فإنه له أن يَدفَعَ إليهما الزكاة وأما إذا كان يَجِب عليه أن يَقوم بِعولِهما فلا يَصِحّ له ذلك، وبقي متى يَجِب عليه ؟ هل إذا حُكِم عليه بذلك أو أنه إذا كان ليس معهما ما يَكفي لِسَدِّ حاجتِهما ولو لم يُحكَم عليه بِذلك ؟ وهذا هو الصحيح عندي ولكن بِشرط أأأقغأن يَكون واجِدا لِما يَسدّ حاجتَه ويَسدّ حاجةَ والِديْه أما إذا كان هو فقيرا لا يَجِد إلا ما يَكفِيه لِسدّ حاجتِه فإنه لا يَجِب عليه في هذه الحالة أن يُنفِق على والِديْه لِعدم وجودِ ذلك وعليه لو وَجَبَتْ عليه الزكاة مثلا فإنه يَدفَع ذلك إليهما أو إلى أحدهما. (2/107)
صفحة 400
3-وبعضُ العلماء يَقول: إن كانتْ هذه الزكاة فيما يَتعلّق بِما هما محتاجان إليه أمسَّ الحاجة كالطعام واللباس فلا يَجوز له أن يَدفَع إليهما الزكاة لأنّ هذا أمرٌ واجب عليه إذا كان يَستطِيع على ذلك أما إذا كان في بعضِ الأمور التي لا يَجِب عليه ذلك كأن تَكونَ عليهما ديون بِسبب غيرِ النفقة أو ما شابه ذلك فإنه يَجوز له ذلك؛ ولا شك بأنّ هذا صحيحٌ لا غبارَ عليه ففي حقيقةِ الحال إذا دَفَعَ زكاتَه إلى غيرِ والِديْه وإذا كانا يَحتاجان إلى شيءٍ مِن المساعدة قام بِمساعدتِهما وعونِهما فذلك هو المطلوب لأنّ هذا-أعني الطعام الذي يَدفَعه إليهما في زكاةِ الفطرة-لا يَستخدِمانِه في الغالِب إلا لِلأكل وليس لأمرٍ آخَر فهو مِن بابِ النفقة التي تَجِب عليه-في حقيقة الواقع-أن لو وجد (1) ذلك فالأسْلم في مثلِ هذه الأمور أن يَحتاط الإنسان لأمر دِينِه لأنّ هذا الأمر واجِب عليه ولابد مِن أن يَخرُج مِن الواجِب بأمرٍ واضِح لا غبارَ عليه
سادسا: أحكام عامة في زكاة الفطر
... س4: إذا أَخرَجَ الإنسانُ زكاةَ الفِطْر عن أحدٍ قبل أن يُخبِرَه ثم أَخبَرَه بعدَ أن دَفَعَ الزكاة، هل تَبْرَأُ ذِمّةُ ذلك المُخرَج عنه ؟ علما بِأنه لَم يَنْوِ تلك العبادة.
ج: في الحقيقة أنّ الأعمال تَكون بِالنيات: ( إنَّما الأعمال بِالنيات وإنَّما لِكلِّ امرئ ما نوى ) .. هذا هو الأصل .. الأصل في كلِّ عبادة أن تكون بعدَ النية، فهذا الشخص الذي أَخرَج عن غيرِه الزكاةَ لَم يَنْوِ ذلك الغيرُ بِأنّها زكاة وهي في الأصلِ متعلِّقة بِذِمّتِه فالسّلامة له أن يُخرِج الزكاةَ بِنفسِه سواء كان ذلك مِن ماله الأصلي أو أن يَهَبَه شخصٌ آخَر ويُخرِج بعدَ ذلك الزكاة.
__________
(1) -قال الشيخ " لم يَجِد " بدلا مِن " وجد " والظاهر أنه سبق لسان. (2/108)
صفحة 401
والتّرخيص الذي ذَكَرَه بعضُ العلماء في بعضِ المسائل المشابِهة لِهذه المسألة لا يَنبغِي التعويلُ عليه، لأنّ الأصل أن يَكونَ العملُ بِنِية .. نعم إذا أُخبِرَ شخصٌ بِأنَّه سيُخرَج عنه الزكاة ونوى هو ذلك فالأمر سهل أما أن يَكون ذلك بعدَ الإخراج وبعدَ أن يَتملَّك ذلك الحَب الشخص الفقير .. بعد ذلك يَقوم هذا الشخص بِالنية فهذا فيه مِن الحرج ما فيه.
... س: إذن على هذا مَن يستوعب مِن الأبناء مسألة زكاة الفطر ولو لم يَكن بالِغا، هل يُشْعَر بِهذه العبادة حتى يَستحضِر مثلَ هذه النية ؟
ج: في الحقيقة؛ لِلعلماء كلامٌ طويل عريض حول هذه القضية، والأصلُ أنّ كلَّ شخصٍ يُخَاطَبُ بِالزكاة بِنفسِه بِاستثناء العبد فإنّ سيِّدَه هو الذي يُخرِج عنه زكاةَ الفطر .. هذا هو القول الصحيح، كما تَدلّ لَه الروايةُ الصحيحة في " صحيح مسلم " خلافا لِمَن ذَهَبَ أنّ السيد يُؤمَر بِإعطاءِ عبدِه وقتا يَعمَل فيه مِن أجْل أن يَحصُلَ على مقدارٍ مِن المال يَشترِي بِه شيئا مِن الحبوب التي تُخرَج بِه الزكاة فهذا القول فيه ما فيه، لأنّ معناه أنه يَجِب على الإنسان أن يُحَصِّلَ المال مِن أجْلِ أن يَدفَع الزكاة وهذا مُخالِف لِلقواعد المعروفة، أما بِالنسبة إلى كلِّ فردٍ مِن الأفراد الأصلُ أن يَنوِي هو نفسُه وهو مُخاطَبٌ بِذلك ولكن ذهبتْ طائفة مِن أهل العلم إلى أنّ الإنسانَ يُؤمَرُ بِإخراجِ الزكاةِ عنه وعمّن يَعولُه كالأولادِ الذين يَجِب عليه عولُهم وهكذا بِالنسبةِ إلى أصولِه مِن الآباء والأجداد، فعلى هذا أنه يَجِب عليه أن يُخرِج عنهم .. هو المخاطَب بِذلك وإذن هو الذي يَنوِي ذلك .. نعم إذا أخبرَهم بِذلك ونَوَوْا ذلك فذلك حسنٌ جدا، أما الذين لا يَجِب عليه عولُهم فالظاهِر أنه إذا أراد أن يَدفَع عنهم غيرُهم لابد مِن أن يَقوموا بِالنية على أنّ ذلك زكاة عنهم .. هذا الذي يَظهر لِي؛ والعلم عند الله. (2/109)
صفحة 402
س4: هناك مَجموعةٌ مِن المتبرِّعِين هيّؤوا أنفسَهم لِجمْعِ الأموال مِن الناس قُبَيْلَ العِيد مِن أجْلِ أن يَشتَرُوا بِها أرْزا يُوزِّعونَه على الفقراء، فهل يُجزِي هذا الإنسان أن يُعطِيَهم ذلك المبلَغ حتى يَقُومُوا عنه بِتوزيعِ هذه الزكاة وهم ثِقات كما يَقول ؟
ج: إذا كانوا مِن الثقات الذين يَثِقُ بِهم أوَّلا ثم يَعرِفون-أيضا-مَن يُؤدُّون إليه زكاةَ الفطْر فنعم يُعطِيهم لكن يَجعلُهم وكلاء حتى لا يُعطِيهِم النقود-لأنّ كثرةً كاثِرَة مِن أهلِ العلم لا تُجِيزُ إخراجَ النقود-فهم وكلاء يَشتَرون لَه الأرْز أو غيْرَه مِن سائِرِ الحبوب التي تُدفَع إلى الفقراء ثم إذا أَعطاهم ذلك على سبِيلِ الأمانة-مثلا-أو ما شابه ذلك .. مُجرّد وكلاء .. إذا قَدَّمَها لكن يَدفَعون تلك الزكاة في الوقتِ الشرعِي المعروف.
العلماء اختلَفوا كثِيرا في الوقتِ الذي يَجوز فيه إخراجُ زكاةِ الفطْر .. قبلَ كلِّ شيء اختلَفوا في الوقتِ الذي تَجِبُ بِه زكاةُ الفطْر:
منهم مَن قال: إنها تَجِب بِغروبِ الشمس، وهذا هو المشهور .. بِغروبِ الشمسِ مِن آخِرِ يومٍ مِن شهرِ رمضان .. إذا غربتْ الشمس ودخلتْ ليلةُ العِيد فذلك الوقت هو الوقت الذي تَجِب بِه زكاةُ الفطْر.
ومنهم مَن ذهب إلى أنها تَجِبُ بِطلوعِ فجْرِ يومِ العِيد.
ومنهم مَن قال: إنها تَجِبُ بِالوقتيْن معا.
ومنهم مَن قال: تَجِبُ بِطلوعِ الشمس.
ومنهم مَن قال: تجب بغروب الشمس مِن آخِرِ يومٍ مِن رمضان وجوبًا مُوَسَّعًا إلى طلوعِ الفجْر.
ومنهم مَن قال بِغيْرِ ذلك.
كقولِ مَن يَقول إنها تَجِبُ بِطلوعِ الفجْر إلى أن يَحِينَ وقتُ الصلاة.
وكقول مَن يَقول بِأنها تَجِبُ إلى أن يَرتفِعَ النهار.
إلى غيْرِ ذلك، ولكنّ القوليْن المشهورَيْن هما:
1-قولُ مَن قال: " تَجِبُ بِغروبِ شمسِ آخِرِ يومٍ مِن رمضان ".
2-وقولُ مَن يَقول: " إنها تَجِبُ بِطلوعِ فجْرِ يومِ العِيد ".
والأوّلُ هو المشهور. (2/110)
صفحة 403
فهذا هو وقتُ الوجوب، وعليه:
مَن وُلِدَ لَه-مثلا-مولودٌ بعدَ غروبِ شمسِ آخِرِ يومٍ مِن رمضان: على رأيِ مَن يَقول: " إنها تَجِبُ بِمُجرّدِ غروبِ الشمس " يَقول: " غَرَبَت الشمس وهذا ليس عليه أن يُخرِجَ عنه الزكاة " بِخلاف رأيِ مَن يَقول: " إنها بِطلوعِ الفجر (1) ".
وهكذا مَن ماتَ لَه ميِّت يَعولُه-على رأيِ يَقول بِذلك مطلَقا، أو في بعضِ الأحوال-يُفرَّق بيْن القوليْن.
وهكذا لَو تَزَوَّجَ امرأةً على حسبِ الخِلاف متى تَجِبُ نفقتُها .. هل بِمجرّدِ العقْدِ أو إذا زُفَّتْ إليه ؟ وهذا على رأيِ مَن يَقُول: " إنّ الرَّجُل يُخْرِج الزكاة عن زوجتِه ".
وهكذا لَو مَلَكَ عبْدا أو أَعْتَقَ عبْدا أو باعَه.
وهكذا في كثِيرٍ مِن القضايا التي لَها علاقَةٌ بِهَذه المسألة على حسْبِ هذا الخلاف.
أما وقتُ إِخراجِ الزكاة-أعني زكاةَ الفطْر-فلِلعلماءِ خلافٌ طوِيلٌ عرِيضٌ في ذلك .. الوقتُ المتّفَق عليه-قبلَ كلِّ شيء-هو بعدَ طلوعِ الفجْر مِن يومِ العِيد إلى صلاةِ العِيد .. إذا أَخْرَجَها في هذا الوقت فقَد أَدَّى زكاةَ الفطْر بِاتّفاقِ العلماءِ قاطِبة، أما إذا أَدّاها قبلَ ذلك أو أَخَّرَها عن ذلك فلِلعلماءِ خلافٌ هل يُجزِيه ذلك أو لا ؟
منهم مَن قال: يُجزِيه إذا أَخْرَجَها في رمضان مِن أوَّلِ يوم .. إذا أَخْرَجَها في أيِّ يومٍ مِن شهرِ رمضان المبارَك فيُجزِيه ذلك.
ومنهم مَن قال: إذا أَخْرَجَها بعدَ منتصَفِ الشهر فيُجزِيه ذلك.
ومنهم مَن قال: إذا أَخْرَجَها في العَشْرِ الأواخِر يُجزِيه ذلك.
ومنهم مَن قال: إذا أَخْرَجَها قبلَ ثلاثةِ أيامٍ مِن يومِ العِيد فيُجزِيه ذلك.
__________
(1) -قال الشيخ: " الشمس " بدلا مِن " الفجر " والظاهر أنه سبق لسان. (2/111)
صفحة 404
ومنهم مَن قال: يَجوزُ تقدِيمُ زكاة الفطْر يوما أو يوميْن، وهل هذا لِلتخيِير أو لِلتنوِيع ؟ .. ما معنى ذلك ؟! لِلتخيير أن يُخيَّر الشخص أن يُقدِّمَها يوما أو يوميْن، أما لِلتنوِيع فذلك بِاعتبارِ الشهر .. قد يَكونُ شهرُ رمضان تسعةً وعشرين يوما وقد يَكونُ ثلاثين يوما فإذا كان ثلاثين يوما فمعنى ذلك أنه قَدَّمَها يوما وإذا كان تسعة وعشرين فَقَدَّمَها يوميْن.
وبعضُهم يُجِيزُ إخراجَها بعدَ غروبِ شمسِ آخِرِ يومٍ مِن شهرِ رمضان.
ومنهم مَن لا يُجِيزُ ذلك إلا في وقتِها الشرعِي الذي ذَكَرْناه .. المُتّفَق عليه، وهو فيما بيْن طلوعِ الفجْر إلى صلاةِ العِيد.
أما التأخير:
فمنهم مَن يُجِيز في ذلك اليوم.
ومنهم مَن يُجِيز حتى فيما بعد:
منهم مَن حَدَّدَه بِآخِرِ شهرِ شوال.
ومنهم بِعِيدِ الأضحى.
ومنهم مَن أجازه مطلَقا.
وكثير مِن هذه الأقاوِيل باطِلَة عاطِلَة منابِذَةٌ لِلأحاديثِ الصحِيحة ومنابِذَة لِكثيرٍ مِن الأدِلّة الأخرى التي تُؤخَذ منها المسائل الشرعِية التي مِن ضمنِها هذه المسألَة.
ولا شك أنّ مَن استطاع أن يَقُومَ بِإخراجِها بعدَ طلوعِ فجْرِ يومِ العِيد إلى صلاةِ العِيد .. أي في هذا الوقت فذلك هو الأسْلَم لَه في دِينِه والأحْوَط لَه، ومَن شَقَّ عليه ذلك .. إذا كان لا يَجِدُ فقراء في ذلك الوقت بِأن كانوا في مكانٍ بعِيد عنه فإذا أَخْرَجَها بعدَ تَحقُّقِ دخولِ-شهرِ شوال .. أو بعدَ تَحقُّقِ دخولِ-ليلةِ العِيد فذلك لا بأس عليه بِمشيئة الله، وإذا تَرَخَّص فلا يَنبغِي لَه أن يَتَرَخَّص أكثَر مِن يوم أو يوميْن على التنوِيعِ كما ذَكَرْتُه [ ص8 ] .. أما قبلَ ذلك فلا ينبغِي. (2/112)
صفحة 405
هذا الشخص-إذن-إذا أعطاهم المال بِمثابة الأمناء مثلا .. قال لَهم بِأنهم لا يَدفَعُون هذه الزكاة إلى أهلِها .. أي لا يَقُومُون بِإخراجِها مِن مُلكِه إلا بعدَ تَحقُّقِ دخولِ الوقتِ الذي تَجوز فيه-وقد ذكرتُ الوقت-فهم أُمناء عندَه فلا بأسَ-بِمشيئةِ الله تبارك وتعالى-عليه، أما أن يَدفَعُوا الزكاة في غيْرِ وقتِها فلا .. لابد أن يُخبِرَهم-لأنّ كثِيرا مِن الناس يَجهَلُون، ومنهم مَن يَتَرَخَّص بِبعضِ الأقوال أو ما شابه ذلك-أما أن يَدفَع هو لَهم القيمة على أنه قد أَخْرَجَها مِن مالِه وهم بعدَ ذلك يَتصرّفُون .. معنى ذلك هو-أوَّلا-أنه قد أَخْرَجَ القيمة ثم معنى ذلك-أيضا-أنه قد أَخْرَجَها مِن ملكِه قبل وقتِها المُحَدَّدِ لَها، فلابد مِن أن يَتَثَبَّت مِن هذه القضية: إما أن يَدفَعَها في الوقتِ الذي يَجُوزُ دَفْعُها وبِشَرْطِ-أيضا-أن يُوَكِّلَهم أن يَشتَروا لَه أرْزا، أو يَجعلَهم أُمناء في ذلك الوقت وبعدَ ذلك يَشتَرُون لَه بِمشيئةِ الله تبارك وتعالى.
سادسا: أحكام عامة في الزكاة
س: امرأة تتصدق بما عندها لأقاربها وللفقراء وتعطي السائل ولا تحمل صفة البخل إلا أنها لا تؤمن بالزكاة لأنها ترى أنَّ ما تتصدق به ما هو إلا زكاة وعندما نقول لها هنالك فرق بينهما تقول أستحي أن أقول للناس هذه زكاة والآن تقول تطلب من فضيلتكم بأن توضحوا لهذه المرأة الفرق بين الصدقة والزكاة وهل يشترط أن يقال للمعطي هذه زكاة ؟ (2/113)
صفحة 406
ج: إن الزكاة فريضة من فرائض الإسلام بل هي ركن كم أركانه العظام كما صح ذلك في الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقد نصت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية على وجوبها وأجمعت الأمة الإسلامية على ذلك هذا ومن الجدير بالذكر أنَّ الإجماعات في مثل هذه القضايا هي أمور ضرورية أي أنه لابد من أن تجمع الأمة على مثل هذه الأمور ولا ينبغي للإنسان أن يشتغل بالبحث عن أقوال الناس في مسألة نصت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة الثابتة على وجوبها أو على حرمتها أو ما شابه ذلك من الأحكام لأن الإجماع ضروري في مثل هذه القضايا فما يذكره بعضهم من إن العلماء يذكرون الإجماعات في مثل هذه القضايا هل يعني ذلك أنهم بحثوا عن كل رأي من أقوال الناس حتى وجدوا أن كل فرد من أفراد العلماء قد أجمع عليها لا قيمة له ، ذلك لأنها أي هذه المسائل ليست بحاجة إلى البحث عن أقوال الرجال فيها لأن الإجماع ضروري فيها كما قلت ولو أن شخصاً قال بخلاف ذلك فإنه يكون كافراً والعياذ بالله تبارك وتعالى لإنه أنكر أمراً معلوماً من الدين بالضرورة فمن أنكر أمراً وهو معلوم من الدين بالضرورة كمثل هذه القضية فهو خارج عن الإسلام ولا حاجة للبحث عن قوله بل يجب عليه أن يرجع إلى الإسلام وإلا حكم عليه بأحكام المرتدين ولذلك أرى أن هذه الكلمة التي ذكرتها السائلة نم أن هذه المرأة لا تؤمن بفرض الزكاة أرى أن هذه الكلمة من الخطورة بمكان فلا ينبغي التسرع بأنَّ فلاناً أو فلانه لا تؤمن بفرض الزكاة فذلك أمر خطير لأنه يقتضي أن ذلك الإنسان قد خرج من خطيرة الإسلام إلى الشرك لأنه أنكر أمراً معلوماً من الدين بالضرورة كما قلن فالزكاة والصيام والحج والصلاة من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة ومن أنكرها كافر كما قلت فهذه المرأة لا أظنها تنكر فرض الزكاة وإنما تستحي من ذكر أن هذا المال الذي تخرجه بأنه زكاة وعلى ذلك فأظنها أنها لا تنوي الزكاة وإذا (2/114)
صفحة 407
كانت تنوي بذلك الزكاة فالأمر سهل فتقول إن الصدقة شاملة للزكاة ولغيرها لأن الصدقة تارة تكون واجبة وتارة تكون مندوبة والواجبة منها تُخص بأسم الزكاة فعلى هذه المرأة التي تحسن إلى المحتاجين من الفقراء وغيرهم وتحسن إلى أقاربها عليها أولاً أن تهتم بفرض الزكاة لأن الزكاة من الأمور الواجبة بينما ذلك الإحسان تارة يكون واجباً وتارة يكون مندوباً ولا ينبغي لأحد أن يقدم المندوبات على المفروضات ولا يمكن أن يقال بأن تلك المندوبات تقوم مقام الفرائض التي افترضها الله تبارك وتعالى وعليه فإن كانت هذه المرأة عندما تخرج هذا المال تنوي به الزكاة ولكنها لا تسميها باسمها أو لا تذكر ذلك ولكنها تنوي ذلك وتخرج ذلك بحسب المقدار الذي حدّده الشارع وتعطي ذلك المال للفقراء والمساكين أي الذين تجب لهم الزكاة فلا إشكال في القضية أما إذا كانت تكتفي بهذه الصدقات وهذه التبرعات عنلزكاة فإن ذلك لا يجزيها قولاً واحداً عند علماء المسلمين وعليها أن تتوب إلى الله تعالى وان تخرج الزكاة بنيتها وبمقدارها إلى أهلها المخصوصين عن الماضي وتسلك هذا المسلك أيضاً في المستقل وأما بالنسبة إلى إخبار الفقراء بأن هذا الأمر زكاة فإذا كان الإنسان متأكداً بأنّ هذا الإنسان من الفقراء في ذلك الوقت الذي يعطيه ذلك المبلغ الذي هو المقدار الشرعي الذي افترضه الله تبارك وتعالى فإنه لا يلزمه بأن يخبره بذلك ولكن ذلك مطلوب من جهة أن بعض الناس لا يريدون أن يأخذ والزكاة يتورعون عن ذلك نعم إذا عرف أن ذلك الإنسان من الفقراء وعرف بأنه يأخذ الزكاة فلا حرج في عدم أخباره وإن كان الأفضل بأن يخبره مخافة أن يكون قد استغنى عن الزكاة ولكن كما قلت إذا كان هنالك احتمال بأنه استغنى عن فرض الزكاة فلابد من البحث عن ذلك والله تعالى أعلم .
س: هل يعطى طالب العلم من الزكاة إذا كان قادراً على الزكاة فيما لو ترك العلم . (2/115)
صفحة 408
ج: نعم تدفع الزكاة لطالب العلم الشرعي إذا كان فقيراً لا يجد ما يسدُّ به حاجته من يقوم بمؤونته وذلك لأنه فقير أولاً ولأنه في جهاد حيث إنه يطلب العلم الشرعي الذي ينبغي لكل إنسان إذا كان قادراً عليه ألا يفرط فيه ولو كان هذا الطالب أن لو ترك هذا العلم أو تشاغل عنه يستطيع أن يكسب المال الذي يسدَّ حاجته وحاجة من يقوم بمؤونته ولهذا الطالب أيضاً أن يشتري الكنز الضرورية التي يحتاج إليها من الزكاة لا أن يشتري كتباً تزيد على حاجته فمثلاً بعض طلبة العلم الصغار يحتاجون إلى كتاب بهجة الأنوار وتلقين الصبيان والوضع والدلائل أو يحتاجون إلى أكثر من ذلك من الكتب ولكنهم لا يحتاجون إلى بعض الكتب الكثيرة الكبيرة كشرح النيل أو المعارج أو فتح الباري ذلك لأنهم لا يستطيعون استيعاب ما في هذه الكتب فهم يشترون من الزكاة ما يحتاجون إليه وأما ما كان فوق حاجتهم فليس لهم أن يشتروا ما يؤسسون به مكتبة وكذلك من كان أكبر من هؤلاء الطلبة له أن يشتري ما يحتاج إليه من الكتب ولو كانت أكبر من هذه الكتب التي ذكرناها فبإمكانه أن يشتري مثلا جوهر النظام للإمام السالمي رحمه الله وأن يشتري شرح الجامع والمعارج وإذا كان يحتاج إلى فتح الباري أو إلى غير هذه الكتب التي يحصل منها العلم الشريف وأريد بالطالب الذي تدفع له الزكاة الطالب المجدَّ المجتهد لطلب العلم أما أولئك الذين يتكاسلون في طلب العلم وإنما يتظاهرون بالطالب يذهبون إلى الشيخ الفلاني أو إلى الشيخ الفلاني من أجل طلب العلم على حسب زعمهم ولكنهم في حقيقة الواقع لا يجدون في ذلك إذا اشتغل الشيخ بالفتوى لا يستمعون إلى الشيخ إلا بالقليل النادر وإذا شتغل بشرح شيء من الكتب يفكرون في أمور خارجة عن ذلك الدرس فهم لا يستوعبون منه إلا النزر اليسير فأمثال هؤلاء الذين لا يجّدون في الطلب ولا يجتهدون في تحصيل العلم فأمثال هؤلاء لا تدفع لهم الزكاة إذا كانوا قادرين على العمل وإنما تدفع (2/116)
صفحة 409
كما قلت للذين يجتهدون ويجدون في طلب العلم في الليل ولكنها وذلك لأن هذا من الجهاد الذي سيعلون به بمشيئة الله تعالى كلمة الله تبارك وتعالى حيث أنهم بعد ذلك سيقومون بتبليغ هذا العلم إلى عباد الله سبحانه وتعالى وسينقذونهم من الجهل الذي هم فيه وسيبينون لهم الواجب والمندوب والحرام والمكروه إلى غير ذلك من الأحكام الشرعية بل إذا احتاج الطالب المجدّ المجتهد إلى الزواج من الزكاة فلا مانع من ذلك بشرط أن لا يكون هنالك تبذير للمال ولا أن تكون هنالك مغالاة في الصداق أو ما شابه ذلك مما يتعلق بتجهيز المرأة إلى غير ذلك من الأمور إن لم يكن هنالك شيء من المغالاة فإن لم يكن هنالك تبذير ولا إسراف وكان محتاجاً للزواج ولن يشغله ذلك الزواج عن طلب العلم وللجد والاجتهاد فيه فلا مانع من ذلك والله تعالى ولي التوفيق .
س: هل توجد زكاة في الراتب الشهري ؟ (2/117)
صفحة 410
ج: الراتب الشهري لا تجب فيه الزكاة إذا كان ذلك الشخص الذي يتقاضاه ينفقه في ذلك الشهر أو بعده مباشرة بمعنى أنه لا يحول عليه الحول بعد أن بلغ النصاب فإذا كان الإنسان الذي يتقاضى ذلك الراتب كما قلتُ يقوم بنفقته على نفسه أو يتصدق به أو ما شابه ذلك من الأمور ولا يبقى معه منه شيء أو لا يبقى معه إلا القليل فإنه لا تجب عليه الزكاة وأريد بالقليل هو ذلك القليل الذي لا يصل النصاب أما إذا بلغ النصاب وحال عليه الحول سواء كان بمفرده أو كان قليلا ولكنّ ذلك الشخص يملك غيره من الأموال بحيث إنه إذا جمع ذلك الراتب وذلك المبلغ الذي تبقى من الراتب إلى ذلك المال الذي يملكه من غير الراتب فإنه يبلغ النصاب فتجب فيه الزكاة إذا حال عليه الحول فالإنسان مثلا إذا ملك في هذا الشهر مائه ريال زادت على حاجته وملك في الشهر الثاني كذالك مائه أخرى فإنه ينتظر متى يبلغ النصاب وقد ذكرنا أكثر من مرة أن الريالان لا يمكن أن نحدد لها نصاب إلا بالنظر إلى قيمة الذهب فإنها إذا بلغت قيمة عشرين مثقالاً من الذهب فإنها تجب فيها الزكاة إذا حال عليها الحول فإذا ملك الإنسان مقدار ما يساوي عشرين مثقالاً من الذهب وحال عليها الحول القمري فإنه يجب عليه أن يخرج من الزكاة أما إذا لم يحُل عليه الحول فلا زكاة فيه إلا كما قلت إذا كان هناك شيء من المال الآخر الذي يملكه الإنسان سواء كان من الريالات أو من الذهب فإنه ينظر إلى الكل بعد أن يحول عليه الحول وبعد أن يحول الحول بعد أن ملك النصاب يزكي ذلك بقيت هنالك قضية هي أن الإنسان مثلاً يملك النصاب من الريالات في شهر رمضان ثم يتقاضى في الشهر الذي يليه راتباً ثم يتقاضى في الشهر الذي يليه راتباً وهكذا إلى أن يحول عليه الحول في رمضان فكيف يزكي ؟ حال عليه الحول على الراتب الذي يتقاضاه في رمضان بينما الحول لم يمض علي بقية الرواتب الأخرى فهنا بإمكانه أن يقوم بزكاة ذلك المال الذي ملكه في شهر رمضان (2/118)
صفحة 411
وهكذا بعد ذلك يزكي عن بقية المال الذي يليه يزكي عن شوال وذي القعدة وهكذا ويمكنه وهو الأسلم له بأن يقوم بإخراج الزكاة جميعها في شهر رمضان ويكون ذلك من باب تقديم الزكاة على وقتها وهو المعروف بالتعجيل في الزكاة وذلك جائز بنص السنة الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم . (2/119)
صفحة 412
وأريد بالتقديم تقديم زكاة الشهور الأخرى أما بالنسبة إلى الذي بلغ في رمضان فإن ذلك ليس من التعجيل في شيء هذا الذي ذهب إليه غير واحد من أهل العلم والأحوط والأسلم أن يقدم لأن ذلك أيسر وأسهل من أن يقوم زكاة كل شهر بمفرده ولكن إذا قام بإخراج زكاة كل شهر بمفرده فذلك جائز في مثل هذه الصورة عند كثير من أهل العلم بخلاف بعض الصور الأخر كمن ملك مثلا أربعين شاة سائمة وكانت لها أولاد وبلغت مثلا مائة وواحد وعشرين من الغنم فإنه يزكي عن الكل فيزكي عن المائة والواحد والعشرين ذلك لأن ذلك من النتائج ولو لم يحل الحول على تلك الماشية الصغيرة لأنها تابعة لأصلها وهكذا بالنسبة إلى التجارة لو أن إنساناً حال الحول على تجارته وهنالك الفائدة التي يستفيدها من الزكاة لم يحل عليها الحول مثلا المال الأصلي قيمته بحسب ما اشتراه تساوي 500 ريال ولكنه عندما يبيع ذلك المال سيأتي بقيمة أكثر عن 500 ريال فتلك الزيادة هي فائدة لم يشتريها بذلك المبلغ ولكنه يزكي ذلك المال بحسب ذلك القدر الذي يبيعه به فمثلا قد تكون الفائدة مائة ريال فيزكي عن 600 ريال ولو لم يحل الحول على تلك الفائدة أما هذا المال عند كثير من أهل العلم اعني الراتب فهو يختلف عن ذلك لأنه لم يكن ناتجاً عن ذلك الأصل وإنما هو شيء جدير لم يكتسبه من ذلك المال أما لو اكتسبه من ذلك المال لكانت زكاته تجب بزكاة أصله على رأي كثير من أهل العلم الذي هو عليه العمل ومع ذلك فإنني أقول الأحوط أن يخرج زكاته مع ماله السابق فيكون بذلك قد عمّل الزكاة وهو قد خرج من أقوال العلماء قاطبة وهو السلم وأحوط له ثم أيضاً فيه ما فيه من المشقة أن يخرج اليوم زكاة اليوم الفلاني وبعد شهر زكاة المال الفلاني وبعد ذلك كذا وهكذا والله تعالى ولي التوفيق .
س: كيفية زكاة سيارات الأجرة ؟ (2/120)
صفحة 413
ج: سيارات الأجرة نفسها ليست فيها زكاة وإنما الزكاة فيما يحصل من تلك الإجارة أي من إجارة تلك السيارة فلو أجّر إنسان سيارته بمبلغ من المال يساوي نصاب الزكاة وحال عليه الحول سواء كان بمفرده يبلغ النصاب أو مع مال أخر من جنس ذلك المال أي من الذهب أو الريالات أو الدراهم العصرية باختلاف أنواع العملات في الدول المعروفة فإذا بلغ النصاب بمفرده أو مع مال آخر كما ذكرت وحال عليه الحول فإن الزكاة تجب في تلك الأجرة سواء أجرّ تلك السيارة أو كان هو يعمل على تلك السيارة بنقل الركاب أو بنقل البضائع أو ما شابه ذلك فإذن السيارة نفسها لا تجب فيها الزكاة وإنما تجب في الأجرة بشرط أن يحول عليها الحول بعد ملك النصاب سواء بلغ بمفرده أو مع مال آخر من الذهب أو ما يقوم مقامه من الدراهم أو الريالات أو الدنانير والله تبارك وتعالى أعلم .
س: كيفية زكاة البيت المؤجر ؟
ج: من ملك داراً أو مكاناً وأجرّة على غيره فإن الزكاة لا تجب في ذلك الدكان أو تلك الدار نفسها وإنما تجب في أجرة تلك الدار أو في أجرة ذلك الدكان إذا بلغت تلك الأجرة النصاب الشرعي المعروف الذي تجب فيها الزكاة وحال عليها الحول فإذا بلغت قيمة الأجرة ما يساوي عشرين مثقالاً من الذهب وحال الحول عليها أو زادت على ذلك أو كان الإنسان يملك مالاً آخر أي يملك شيئاً من الذهب أو الدراهم أو الدنانير أو الريالات أو ما شابه ذلك من العملات المعروفة فإنه يضم ذلك المقدار الذي حصل عليه من أجرة ذلك الدكان أو تلك الدار إلى ما عنده وإذا حال الحول عليهما جميعاً فإنه يخرج الزكاة عنهما جميعاً أما إذا كان ذلك الإنسان يصرف ما يحصل عليه من الأجرة في ذلك الشهر أو لم يبق إلى أن حال عليه الحول فإنه لا زكاة فيه هذا هو القول الصحيح والله تبارك وتعالى أعلم .
س: بعض المؤجرين يتقاضى أجرة المحل الذي أجرة في السنة بمعنى أنه يطلب عليه دفعه مقدمة فهل في هذه الحال زكاة ؟ (2/121)
صفحة 414
ج: إذا أصرف ذلك المبلغ فإنه لا زكاة فيه أو صرف أغلبه بحيث أنه نقص عنه مقدار الزكاة ألا إذا كان هناك مال آخر ضمّه إليه أو ضم هذا إلى ذلك والمعنى واحد أما إذا أبقي إلى أن حال عليه الحول ففيه زكاة .
س: كيف تزكى الريالات العمانية ؟ بأي قيمة ؟
ج: الريالات فيها زكاة وهكذا بقية العملات الدولية ولكن لا يمكن أن نحدد لها نهابا ً خاصا ً بل نصابها يختلف باختلاف قيمة الذهب فنصابها يقدّر بقيمة الذهب فالذي تجب عليه الزكاة عليه أن يسأل عن قيمة الذهب فينظر في قيمة الذهب والقيمة التي تقدّر بها الزكاة هي قيمة الذهب الحقيقية فيسأل كم قيمة عشرين مثقالا وعشرون مثقالا تساوي بالتقديرات العصرية خمسة وثمانيين على الرأي الصحيح الراجح فإذا بلغت هذه الدراهم قيمة عشرين مثقالا ً ف‘ن الزكاة تجب فيها ولكن كيف يسأل ؟ الإنسان يسأل عن قيمة الذهب الحقيقية لا عن قيمة البيع ولا عن قيمة الشراء وذلك لانّ البائع يطلب زيادة عن القيمة الأصلية لأنه يريد فائدة وذالك عندما يشتري ذلك الذهب قد يشتريه بمبلغ أقل من السعر الحقيقي إذن يبحث الإنسان عن القيمة الحقيقية للذهب لا عن قيمة شرائه ولا عن قيمة بيعه أي ليس عن القيمة التي يبيع بها ذلك المشتري وإنما عن قيمة الحقيقية وهي تذاع في الإذاعات وفي التلفاز وقد تنشر في الجرائد ومن شاري ذلك فعليه أن يسأل أحدا ً يثق بدينه لأنّ كثيراً من الناس الدين يقومون بتقدير الذهب أو الفضة التي تجب فيها الزكاة لا يتفقون الله تعالى يجازفون لأنّ غرضهم الفائدة ولا يجدون فائدة إذا قدروا هذه القيمة بل هي مجرد مساعدة ولا يعتنون بذلك وقد يؤجرهم الإنسان ولكنهم أيضاً مع ذلك لا يهتمون لأنهم لا يخافون من عقاب الله تعالى فعلى الإنسان أن يبحث عن شخص يثق بدينه وصلاحه ويسأل عن القيمة الحقيقية للذهب أو عليه أن يبحث عن ذلك من الوسائل التي ذكرتها وبعد ذلك يمكنه أن يسأل العلماء حتى يقدروا له مقدار القيمة والله (2/122)
صفحة 415
تبارك وتعالى أعلم
س: إنسان ملك 10 آلاف ريال في أول رمضان واشتري بها أرضاً في ذي الحجة ثم باع تلك الأرض في محرم وبقيت المبالغ فمتى تزكى ؟
ج: من ملك مبلغاً من المال في شهر رمضان ثم اشترى به أرضاً أو دكاناً أو أي شيء آخر الحاصل استعمل ذلك المال في تجارة وعرض ذلك الدكان أو ذلك البيت أو تلك التجارة للبيع وباعها بعد مدة من الزمن بعد شهرين أو بعد ثلاثة أو بعد أربعة وبقيت لديه تلك الدراهم إلى شهر رمضان المبارك فإنه يخرج الزكاة في شهر رمضان المبارك فلو ملك إنسان عشرة آلاف في اليوم الواحد من شهر رمضان ثم بعد شهر واحد اشترى داراً وعرضها للبيع وباعها مثلا في شهر شوال أو في شهر ذي الحجة ثم بقي لديه ذلك المال إلى اليوم الأول من شهر رمضان فإنه يخرج الزكاة فيه إذ إن التجارة هي بمثابة المال ولا فرق بينهما ولكن بشرط أن يكون عندما اشتراها أراد بها التجارة وعرضها .
أما إذا كان أراد بها الملك مثلا لو اشترى بيتاً ليسكن فيه ثم بعد مدة وجد من يريد أن يشتري ذلك البيت أو بَدَا له أن يقوم بعرضه للبيع فإنه لا يخرج الزكاة في اليوم الأول من ملكه لذلك المال وإنما يحسب من اليوم الأول الذي عرض فيه تلك الدار أو ذلك الدكان أو تلك الأرض فيحسب من ذلك اليوم وإذا بقيت لديه تلك الدار أو بقيت لديه قيمة تلك الدار بعد أن باعها إلى ذلك اليوم الذي عرض فيه تلك الدار إن كان قد عرضها أو إلى اليوم الذي باعها فيه إن كان لم يقم بعرضها فإنه يزكي في ذلك اليوم والله تبارك وتعالى أعلم .
س: شخص جمع مالاً لشراء سيارة أو بيت أو جمعة للزواج أو للحج وحال عليه الحول هل فيه زكاة ؟
ج: نعم تجب فيه الزكاة فإن تزوج أو حج به أو اشترى منه ذلك البيت الذي يريده أو تلك السيارة قبل أن يحول عليه الحول فلا شيء فيه ولو كان ذلك قبل يوم واحد أما إذا حال عليه الحول فإنه يجب عليه أن يخرج منه الزكاة وكان يبلغ النصاب والله تبارك وتعالى أعلم . (2/123)
صفحة 416
س: إنسان بنى زكاته على أصل عنده وقبل أن يحول عليه الحول استلم مبلغاً يصل إلى الآلاف من الريالات فهل يُدخله ضمن ذلك الأصل أم ينتظر أن يحول عليه ذلك الحول على المبلغ الجديد .
ج: هذه المسألة مسألة خلافية شهيرة .
ذهب بعض أهل العلم إلى أنه ينظر إلى المبالغ التي لديه في اليوم الذي تجب فيه الزكاة ويخرج الزكاة عن كل ما لدية ولو أنه حصل على مال قبل يوم واحد فإذا كان يملك مقدار ما يساوي النصاب وحال عليه الحول ثم أنه حصل على مبلغ كبير أو صغير فإن يزكيه بعد ذلك .
وقبل أن يحول الحول على النصاب فإن يزكيه في اليوم الذي يزكي منه ماله الأصلي هذا هو رأي طائفة أهل العلم .
ذهبت طائفة من أهل العلم إلى إنه يزكي ذلك المال في اليوم الذي حصل عليه فيه ويزكي أولاً عن المال الذي كان يملكه في اليوم الذي يبلغ فيه الحول وعندما يبلغ ذلك المال الذي حال عليه الحول فإنه يزكيه بمعنى أنه يزكيه بمعنى أنه أولاً يزكي ماله الأصلي في اليوم الذي حال عليه الحول بعد أن بلغ النصاب وأما المال الذي حصل عليه فإنه ينتظر إلى أن يحول عليه حول قمري ويزكيه في ذلك الوقت هذا هو رأي طائفة من أهل العلم . (2/124)
صفحة 417
وذهبت بعض أهل العلم إلى إنه إذا كان ذلك المال الذي حصل عليه نتج عن المال الأصلي أي استفادة بسبب المال الأصلي فإنه يزكيه مع المال الأصلي وأما إذا كان حصل عليه من مكسب آخر ولا علاقة له بالمال الأصلي فإذا يستقبل له حولاً جديداً وهذا قول وسط وقد ذهبت إليه طائفة كبيرة من أهل العلم وإذا أخذ به هذا السائل فلا بأس به إن شاء الله تبارك وتعالى وإذا أراد أن يحتاط لأمر دينه وأخذ برأي من يقول إنه يزكيه بحسب زكاة المال الذي كان يملكه أو بحسب زكاة المال الذي كان يزكيه فإنه لاشك إنه أحوط وأسلم هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإنه يمكن له أن يقدم الزكاة على وقتها على الرأي الصحيح المشهور الذي تدل له السنة الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهي المسألة المعروفة عند العلماء بتعجيل الزكاة فإن تعجيلها على وقتها جائز عند طائفة كبيرة وقد علمتُ أن السنة تدل على ذلك فإن أخذ بهذا الرأي فلا شك إنه أحوط وأسلم وإن استقبل حولا جديداً لذلك المال الجديد فإنه قول مشهور قال به غير واحد من أئمة العلم فلا حرج على من أخذ به وهو رأي قوي والله تعالى أعلم .
س: هل يجوز أخراج الزكاة إلى أخي أو أختي الفقيرين وهل يجوز تجزئة الزكاة إلى أكثر من شخص ؟ (2/125)
صفحة 418
ج: نعم يجوز للإنسان أن يخرج زكاته إلى أخيه أو أخته إذا كان فقيرين إذا كان لا يقوم هو بمؤونتهما أي لم يجب عليه شرعاً أن ينفق عليها وإذا كان يجب عليه شرعاً أن ينفق عليه لكنهما بحاجة لشيء من الأموال تخرج عما يتعلق بالنفقة أنه لا بأس من أن يعطيهما من الزكاة لتلك الأمور الخارجية عن النفقة إذا كانت لا علاقة لها بها وأما بالنسبة إلى تجزئة الزكاة إلى أثنين أو ثلاثة أو أكثر فلا مانع من ذلك كما أنه لا مانع من أن يعطي الإنسان زكاته لشخص واحد إن كان لا يخرج عن حد الفقراء إلى الغنى ولكن إذا كانت هنالك جماعة أو مجموعة من الناس تحتاج إلى الزكاة فالأولى أن يفرقها بين أولئك الناس وأن لا يقوم بإخراجها إلى شخص واحد لأنه إذا أخذ كل شخص من أولئك الناس نصيباً من تلك الزكاة هو أولى من أن يأخذها شخص واحد ولا تحصل البقية الباقية على شيء هذا ومن المعلوم أن دفع الزكاة إلى الأقارب أولى من دفعها إلى غيرهم إذا كانوا فقراء والله تعالى أعلم .
س: امرأة أخرجت الزكاة عن هذه السنة على حساب الأشهر الشمسية وهي تجهل الشهر القمري فأخرجته على حساب السنة الشمسية فما حكم الزكاة ذكرت أن تملُّكها للمال لا تعرف تاريخه بالهجري . (2/126)
صفحة 419
ج: قد قدمت أكثر من مرة أن العبادات تتعلق بالأشهر الهجرية ومن ذلك الزكاة فملك النصاب يعتبر بالأشهر الهجرية فمن ملك النصاب عليه أن يعرف ذلك اليوم أو بالأشهر القمرية عليه أن يعرف ذلك اليوم الذي ملك فيه ذلك المقدار من المال بحسب الأشهر القمرية فإذا حال عليه الحول وهو في يده أي لم ينقص في يوم من الأيام فإنه يجب عليه أن يخرج منه الزكاة وهكذا بالنسبة إلى كثير من العبادات من العِدَد وغيرهم فإنها تتعلق بالأشهر القمرية وهذه المرأة تعتبر بمشيئة الله تبارك وتعالى زكاتها صحيحة ولكن لابد من أن تعرف ذلك بالأشهر القمرية كما قلت حيث إن السنة القمرية تنقص عن السنة الشمسية بأحد عشر يوماً تقريباً وإذا كانت لا تعرف متى ملكت المال بالنسبة إلى الأشهر القمرية فإن الأمر يسير عليها أن ترجع إلى اليوم الذي ملكت فيه المال الذي يساوي نصاب الزكاة وتعرفه بحسب الأيام الشمسية ثم بعد ذلك عليها أن تنظر في اليوم الذي يصادف ذلك من الأشهر القمرية من السنة الماضية وذلك يسير جداً فإذا كانت هي لا تعرفه فإن عليها أن ترجع إلى التقويم وهو تقريباً صحيح في السنة الماضية وعليها أن تسأل بعض أهل العلم عن اليوم الذي يصادفه ذلك بالنسبة إلى الأشهر الشمسية فمثلاً إذا كانت قد ملكت النصاب في اليوم الحادي عشر من شهر نوفمبر من الأشهر الشمسية فعليها أن تسأل عن اليوم الذي يوافق هذا اليوم من الأشهر القمرية من السنة الماضية وبذلك ستعرف بمشيئة الله تعالى اليوم الذي ملكت فيه الزكاة من الأشهر القمرية وستذكر بعد ذلك بحسب هن اليوم في السنوات الماضية والله تبارك وتعالى أعلم .
س: إذا صام إنسان في دولة تقدم الصيام فيها ثم جاء إلى دولة تأخر الصيام فيها وكان الصيام في الدولة التي جاء إليها وتأخرت بداية رمضان فيها كان الصيام فيها ثلاثين يوماً . ما الحكم . (2/127)
صفحة 420
ج: اختلف العلماء في وجوب صيام ذلك اليوم أي الذي هو الحادي والثلاثين بالنسبة إلى ذلك الرجل .
ذهبت طائفة من أهل العلم وهم الأكثر إلى أنه لا يجب عليه أن يصوم ذلك اليوم بل يكتفي بصيام ثلاثين يوماً وذلك لأن الشهر العربي لا يزيد على ثلاثين يوماً تارة يكون تسعة وعشرين يوماً وتارة يكون ثلاثين يوماً ولا يمكن أن يزيد على الثلاثين . (2/128)
صفحة 421
وذهبت طائفة من أهل العلم إلى أنه عليه أن يصوم ذلك اليوم وذلك لأنه مخاطب بصيام شهر رمضان وذلك اليوم لا زال من شهر رمضان بالنسبة إلى ذلك البلد الذي هو فيه ذلك الوقت فهو مخاطب بالصيام لأنه في بلاد لازال فيها نهار رمضان وهذا القول هو القول الصحيح وقد استدل له بعض العلماء بحديث دلالته واضحة عليه ولكنه يحتاج إلى مزيد من النظر والتمحيص هل هو ثابت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ونظراً إلى إن ذلك لا يؤخر في الحكم ولا يتقدم أي أن ثبوت ذلك الحديث أو عدم ثبوته لن يؤخر قي الحكم في هذه المسألة على حسب رائي ولذلك أقول أن على من صام في بلاد متقدمة أن يكمل اليوم الحادي والثلاثون لأنه في بلاد فيها هذا اليوم من شهر رمضان وهو مخاطب بصيام شهر رمضان وشهر رمضان لم ينتهى في هذه البلاد وهذا كله إذا كان قد صام في تلك البلاد وقد تحقق دخول شهر رمضان في تلك البلاد أما إذا كان لم يتحقق دخول شهر رمضان في تلك البلاد وإنما هو احتمال كما يقع في كثير من البلدان وللأسف الشديد فإنه ليس له أن يفطر أما إذا تحقق ففيه الخلاف المذكور أما بالنسبة إلى من صام في بلاد متأخرة ثم ذهب إلى بلاد تقدم الصوم وأفطر أصحاب تلك البلاد قبل أصحاب هذه البلاد فلابد من أن يقضي ذلك اليوم لأنه لا يمكن أن يكون الشهر جاء حال من الأحوال أقل من تسعة وعشرون يوماً بل لابد من أن يصل إلى ذلك العدد أو أن يصل إلى ثلاثين يوماً فعليه أن يفطر في تلك البلاد إذا ثبتت فيها الرؤية أو بعبارة أخرى إذا تحقق دخول شهر شوال عليه أن يفطر وليس عليه أن يصوم لأن ذلك اليوم يكون يوم عيد وصيام يوم العيد حرام بنص السنة الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم وبإجماع الأمة قاطبه والله تبارك وتعالى أعلم ..
س11: إذا كان لديه مبلغ من المال، هل ينتظر أن يحول عليه الحول حتى يزكيه ؟ (2/129)
صفحة 422
ج: المال لا زكاة فيه إلا إذا حال عليه الحول من اليوم الذي بلغ فيه النصاب .. أعني بالمال المال الذي يشترط فيه أن يحول عليه الحول، وسؤاله عن الدراهم على حسب ما أفهم، فلابد من أن يحول الحول على هذا المال الذي بيده من اليوم الذي بلغ فيه النصاب اللهم إلا إذا كان له مال آخر وكان يزكيه فإنه إذا حال الحول على ذلك المال الذي يزكيه فإنه يزكي هذا المال الذي حصل عليه الآن مجموعا إلى المال الذي كان يزكيه الآن .. هذا الذي ذهب إليه الجمهور وهو أنّ المال المستفاد يزكّى بزكاة الأصل؛ والله أعلم .
س4: من وجبت عليه زكاة الذهب ولم يجد ما يزكي به إلا أنه كان يتصدق على أهل بيته بمبلغ في كل شهر، فهل عليه أن يجمع ذلك المبلغ ليزكي به ؟
ج: على كل حال؛ ما دام يملك شيئا من الذهب ووجبت فيه الزكاة فهو في حقيقة الواقع مالك لما يخرجه عن الزكاة فليخرج من الذهب الذي يملكه أو يتصرف بوسيلة أخرى فهر في الحقيقة مالِك اللهم إلا إذا كان يملك ذلك من قبل وكانت الزكاة قد وجبت فيه ثم إنه خرج عنه الآن بوجه من الوجوه فإنه في هذه الحالة عندما يتمكن من وجود المال يجب عليه أن يُخرِج الزكاة وليتب إلى الله-تبارك وتعالى-عن تأخيره، فإنّ الزكاة يجب أن تُخرَج على الفور بعد وجوبها؛ والله أعلم.
س83: هل يشترط للمزكي بأنه إذا أراد أن يعطي زكاته للفقير أن يخبره أن هذه زكاة ؟
الجواب :-
القول بأن ذلك شرط صعب ولكن إذا كان الإنسان يعرف أنه فقير فلا يشترط ذلك وإذا كان مجرد ظنون بعض الأشخاص يظن من الفقراء فلابد أن يبحث عنهم .
س7: عليها زكاةُ ذَهَب وزوجُها مَدِين، هل لها أن تُعطي زكاتَها لِزوجِها ؟
ج: في هذه المسألة كلامٌ لأهلِ العلم؛ ولا أرى مانعا مِن ذلك. (2/130)
صفحة 423
وإن كنتُ لا أرى الاستدلالَ بِحديثِ زينب زوجِ ابن مسعود-رضي الله تبارك وتعالى عنهما-وذلك لأنّ ذلك الحديث فيما يَظهر لِي في الصدقةِ غير الواجبة .. في صدقةِ النفل .. هذا ما أراه، وما جاء في بعضِ الروايات مِمّا يُستفاد منه بأنه بِخلافِ ذلك-في حقيقة الواقع-فيه نظرٌ فلا يُمكِن أن نَستدِل بذلك الحديث لأنّ ذلك الحديث لِغير الزكاة الواجبة.
ولكن إذا كان هذا الزوجُ فقيرا فلا مانع مِن دفعِ هذه الزكاة إليه ولكن إذا دَفَعَتْ هذه الزكاة إليه فإنّ الأوْلى له أن يَستخدِمها في أمرٍ لا يَعودُ على هذه المرأة بِفائدةٍ كلِباسٍ ونحو ذلك، فبعضُ العلماء يُشدِّد في هذا الأمر .. مثلا لو دَفعتْ إليه هذه الزكاة وذهب واشترى بِها مَلابِس لِهذه المرأة فبعضُ العلماء يُشدِّد في هذا الأمر مَخافةَ أن تكونَ هذه المرأة قد قَصَدَتْ إلى ذلك الأمر و-حقيقة-في هذا ما فيه مِن الحرَج وإن كان الأصل أنّ ذلك الزوج عندما يَتملّك ذلك المال ويَصِير مِلكا له فإنّ له أن يَتصرّف بِه فيما شاء ولكن لا شك أنّ السلامة في الخروج مِن مثل هذا الخلاف وفي الاحتياط لِلدِّين.
وعلى حسب ما أفهمُ مِن سؤالِ هذه المرأة أنّ هذا الزوج عليه دَيْن فلتَدفع له هذا المال وليَدفعه في دَيْنه وليشتر لَها إن شاء أن يَشترِي لَها شيئا مِن الملابس مِن غير ذلك .. بِماله الذي لم يَأخذه مِن زكاتِها فذلك فيه خروجٌ مِن خلافِ أهلِ العلم ولا شك بِأنه أسْلم وأحْوط لأنّ الأمرَ لا يَخلو مِن شيءٍ مِن الحرج؛ والله أعلم.
س7: أَخرَجَ أكثرَ مِن القدر الذي يَجِب عليه مِن الزكاة بِنِية الزكاة لأنه أَخرَجَها قبلَ أن يحسب ماله لِمعرفة القيمة الواجِبَة عليه، فما حكم ذلك ؟
ج: لا بأس عليه بِمشيئة الله-تبارك وتعالى-ما دام أنه قد نواه على أنه زكاة، فتلك زيادة .. الأصل أنه يَنوي الزكاة ثم إن شاء أن يَتبرّع لكن هو ظنّ هذا ولا حرج عليه. (2/131)
صفحة 424
... س8: عنده ثمانية آلاف وحال عليها الحول ولكن لأنه يَبني منزلا يَترقّب ديونا آتِيَة هل باعتبار أنه يَترقّب ... ؟
ج: إذا كانت الثمانية لا زالت في يَدِه فلابد مِن أن يُخرِجَ الزكاة عنها إذا كان قد حال عليها الحول والذي يَأتي في المستقبَل لِكلِّ شيءٍ حكمه الخاص.
س14: يريد أن يدفع زكاته وهو يعلم أنّ هناك صندوق متخصّص في دفع الزكوات للفقراء، فهل يعطي ذلك المال للصندوق ؟
ج: إذا كان متأكّدا ومتيقّنا تمام اليقين من أنّ ذلك الصندوق يقوم بدفع الزكاة إلى مستحقّيها فليدفعها إليه، وأما إذا كان شاكّا في ذلك فإنّ الله-تعالى-لا يعبد بالشك.
الموضوع ... الصفحة
أولا : فتاوى الحج
أحكام وجوب الحج والوصية به
س: يبدو أنّ الأخت أشكل عليها بين الوصية وبين القيام بتنفيذ الصيام عن طريق الوصية-أيضا-أو الحج .. صحيح أنه لا وصية لوارث لكن هل عندما يوصي الوارث لموروثه أن يصوم عنه أو أن يحج عنه، هل له أن يحج عنه أو يصوم عنه ؟
س: رجل نذر أن يحج عن والدته ولكن والدته ضعيفة في السّن .. كبيرة تحتاج إلى أن يقوم برعايتها والعناية بها، فهل له أن يذهب ليحج عنها ويترك المهمّة على أخواته ليقمن بذلك وأخواته لا يستطعن أن يقمن بالمهمّة التي ترضي الوالدة لأنها تحتاج إلى رجل يستطيع حملها إلى دورات المياه وغيرها ؟
س: البعض يكتب وصيته فيطالِب ورثته بالصيام عنه أو كفارة شهرين أو الحج.
س: هل يَجوز لِلرجُل أن يَحجّ عن والدته إذا كانت عاجزة ؟ وإذا كانت قد أصيبت بالعمى كذلك ؟
س: من أراد الذهاب إلى الحج وليس لديه مال، هل له أن يقوم بجمع تبرعات ... ؟
س: كانت لديه-ربما هو أو غيره-نية أن يَذْهب إلى الحج ولكن جاءتْه فرصة عمل، فما الذي يُقَدِّمُه ؟
حكم حج من علي دين
س: مَن عليه دَيْن، هل يَذهب إلى الحج أم لا يَذهب ؟
س: من أراد الحج وعليه دين ربوي ؟
س: من عليه دين وليس عنده الوفاء لكن جهة عمله تتكفل بإرجاع الحق لأصحابه على تقدير وفاته ؟ (2/132)
صفحة 425
س: ما حُكم الذهاب إلى الحج لِمَن عليه دَيْن ؟
أحكام الإجارة بالحج
س: ما هي شروط استئجار الحج ؟ وهل يصح أن يُستأجر أو أن يُحج عن غير الولي وهو من لم يكن على طاعة ؟
س: هل يَجوز لِلإنسان أن يُؤَجِّر بِحجّة وهو بِصحّة وعافية ؟
س: امرأةٌ كبيرَة في السن لَم تَذهَب إلى الحج لِظروفِها المَرضية لكنّها تُرسِل في كلِّ عامٍ خَمسين ريالا عُمانيا، فهل تُؤْجَر على ذلك ؟ مِن أجْل أن تُوَزَّع هناك على الفقراء.
س: مَن لا يستطيع أداء الحج إما لكبر سنه أو لمرض ألم به، هل الأوْلى له أن يؤجر في حياته أو أن يوصي بالحج ؟ وهل هو مطالب أساسا بأن يؤجّر أو يوصي وهو على هذا الحال ؟
أحكام الاستعداد للذهاب للحج
س: ماذا يَنبغي على الذي يُريد أن يَحُج إلى بيت الله الحرام ؟ ماذا عليه أن يَصنع كاستعداد لهذه الفريضة ؟
س: ذكرتم بِأنّ الإنسان إذا كان يَملِك مِن المَتَاع ومِن المال مَا يَسُدُّ دُيُونَه فيما لو حدث له مكروه-لا قدّر الله-فَلَو كان يَمتلِك بَيْتَه فقط وسَيَارته، فهل ذلك يَكفي لكي يُضَمِّنَه الوَصِيَّة ؟
س: إذا تُوفي الإنسان ولم يَحُج مع أنه كان قادِرا على الحج في حياته، فما الحكم ؟ وإذا قلنا بِوجوب الحج عنه، فهل يُحْرَم عنه مِن مكانه أم مِن مكان الذي يَستأجِر عنه ؟
أعمال الحج
س: نريد منكم أن تُحَدِّثُونا-باختصار-عن صفة الحج .. ما الذي يأتيه الحاج وما الذي يذره ؟
أولا: الإحرام
حكم ركعتي الإحرام
س: امرأةٌ أَحْرَمَتْ بِالعمرة مِن غيْر أن تُصلِّي ركعتيْن، وإنَّما لبستْ لباس الإحرام ثم أحرمتْ ؟
** أنواع الإحرام
س: مَن أدّى العُمْرة مِن قبل، ما الذي أفضل له أن يَصْنَعَهُ عندما يُريد أن يحج ؟
س: في حال الإقران بِالحج والعُمرة، هل يَكْتَفِي القارِن بِسَعْيٍ واحد بِنية الحج والعُمرة-كما وَرَد في بعض الفتاوى-يُؤَدّيه متى ما شاء سَوَاء عند طَواف القُدوم أو يُؤَخِّره عند طَوَافِ الإفاضة ؟
أحكام إحرام الصبي (2/133)
صفحة 426
س: يَأخُذُ بعض المسلمين أَطفالهم مَعَهُمْ للعُمْرة ومِنْهُم الرضيع ومنهم المُمَيّز، فما هي الأحكام المُتَعَلِّقَة بِهؤلاء الأطفال ؟ نرجوا التَفصِيل في هذه القَضِيَّة .. يَعْنِي هَلْ لَهم أن يُحْرِموا لَهم وأن يُؤَدّوا العُمْرة وهَكَذا الحج ؟
س: إذا ارتَكَبَ هَذا الصّبي المميِّز-الذي يَستطيع أن يَفهم ما يُقال له-شَيئا مِن المحْظُورَات، مَن الذِي يَتَحَمَّلُ مَا يَترتب على ذَلك ؟
أحكام قطع التلبية
س: متى يَقْطَع المُحْرِم التَّلْبِيَة ؟
أحكام محظورات الإحرام
س: ما حكم مَن قَتَلَ الصيْدَ في الحرَم مِن غير عَمْد ؟ وهل حَجّه صحيح أو لا ؟
س: مِن المعلوم أنّ الطِّيب مِن الأمور التي يُمنَع منها الحاج غير أنّ كثيرا مِن النَّاس قد يَلْتَبِس عليهم الأمر ولَربما يُضَيّقُون على أنفُسِهم أمورا قد وسَّع الله-تعالى-عليهم فيها مِن ذلك ما يَتعلق بِالنّظافَة فنجِد بعضَ الناس يَمْتَنِعون عن الاستحمامِ أو السِّواك طيلة أيام الإحرام، وسؤالنا عن مَشروعية استخدام المواد التالية لِلمُحْرِم:
1-استخدام بعضِ أنواع الصابون كالذي به رائحة " الديتول " أو رائحة اللّيمون أو رائحة الفواكه الأخرى .. فهل استخْدام مثل هذه الأنواع لِلمُحْرِم سوَاء غسل الأيْدِي أو الاستحمام أثْنَاءَ فترة الإحرام مِن الممنوع ؟
أحكام الدماء
س: ذكرتُم في حلقة ماضية س: أنّ الدماء التي تَجب على الحاج أو المُحْرِم إذا ما أخطأ في أمر مِن الأمور أو فعل أمرا مِن الأمور تَحتاج إلى تفصيل وليس كل ما أخطأ فيه الحاج يُوجِب الدم وهناك أمور تأتي على التخيير .. كل هذه نريد فيها شيئا مِن التفصيل باختصار.
هَل يُخَيَّر بَيْنَ الدَّم والإطعام والصِّيام في حَق مَن قَطَعَ شيئا مِن الشَّجَر وَهُو مُحْرِم ؟
س: امرأة مُحْرِمَة بِالعُمرة أُصيبت بِجُرح في أصبعها نتيجةَ استخدام السكين-وكانت حائضا-فخَرَجَ منها دم ليس بِالكثير، فماذا عليها ؟ (2/134)
صفحة 427
أحكام عامة في الإحرام
س: ما حُكْمُ الاشتِراطِ في الإحرام ؟
س: ولكن ما فائدة هذا الاشتراط في الإحرام ؟
س: مَن خرج مِن مكة بعد أداء عمرة التمتع، هل يلزمه أن يدخل إليها بعد ذلك محرما بالحج ؟
س3: ما حكم استخدام حقيبة النوم بالنسبة للمحرم ؟
ثانيا: الطواف
س: هل يستحب أن يكون الطواف حول الكعبة بين الكعبة ومقام سيدنا إبراهيم - عليه السلام - أو أنه لا يوجد ما يعيب الطواف مِن خلف مقام سيدنا إبراهيم - عليه السلام - ؟
س: إذا تحلَّلَ شخص مِن الحج أو العُمرة ثم شك في طوافه بأنه قد طاف ستّة أشواط، ماذا يَجب عليه ؟
س: هل يَصحّ لِلطائف أن يَعتمِد على شخصٍ آخر في العَدّ ؟ والذي يُصَلِّي ونَسِيَ كم صَلَّى، هل يَعتمِد على مَن بِجَنْبِه ؟
س: مع شدّة الزحام، ما حكم الطواف والسعي فوق السطح ؟
س: ذَكَرتُم في أَكْثَر مِن مَوْضِع بِأنّه لا يُصَلِّي إنسان عن إنسان وإنَّما قد يصوم إنسان عن آخَر، لكن هَذَا السَّائِل يَقُول: كُنتُ أُصَلِّي ركعتَيْ الطَّوَاف وأَنْوِي أنَّهما عن الشَّخص الذي أَحُج عنه ثُم رَأَيْتُ أنَّه لا يصلي أحد عن أحد، فماذا عَلَيَّ ؟ وماذا أفعل الآن ؟ هل أُصَلِّيهِمَا أولا ؟
ثالثا: السعي
س: نُشاهِد بعضَ الناس يُصلُّون بعدَ السعي، فهل تُشرَع صلاةٌ في ذلك الوقت ؟
س: لقد نَصَّت كتب الفِقه المبيِّنَة لأحكام الحج والعمرة بِأنّ الدعاء الذي يُقال على الصفا والمروة يُرَدَّدُ هناك ثلاث مرات في كل شوط على كل منها، فهل ذلك على الوجوب أم الاستحباب ؟ وماذا على مَن لم يَستطِع أن يَأتِيَ به على الصفة المنصوص عليها في تلك الكتب نتيجةَ الزحمة الشديدة والارتباك ؟ هل يَصحّ الاقتصار على ألفاظ معيّنة بِذاتها ؟ (2/135)
صفحة 428
س: لقد اعتمَرتُ مع والدي وعند السّعي بدأنا بِالصفا ولكننا كُنّا نَعُدُّ ذهابنا مِن الصفا إلى المَرْوة نصفَ شوْط، بِحيث كنّا نَعُدُّ ذهابَنا مِن الصفا إلى المروة ثم رجوعَنا إلى الصفا مرّة أخرى شوطا واحدا بدلاً مِن كونه شوطين فقد كان المَجموع بِذلك خمس عشر شوطا ؟
س: ما حكم السعي بين الصفا والمروة بالنسبة لحجة الإفراد ؟
خامسا : أعمال اليوم الثامن وليلة التاسع من ذي الحجة
س: أرجو مِن شيخنا أن يُبيِّن لنا حكم مَن لم يَبِتْ ليلةَ التاسِع مِن ذي الحِجّة في مِنى وإنما ذَهَبَ إلى عَرفة مباشَرة مع مَن يُقيم معهم وليس له مُرشِدٌ يَذهَب معه وقد أَخَذَ بِفتوى بعضِ أهل العلم هناك بِأنّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - بَاتَ هناك لِلاستراحة وليس ذلك مِن السنّة ؟
خامسا: أعمال اليوم التاسع من ذي الحجة ( يوم عرفة)
س: سمعتُ منكم في حلقات ماضية تَحْذيرا لِلحجاج مِن أن يَفيضوا مِن عرفات قبل تَحقُّق غروب الشمس فأيّ حركة مِن هذا النوع تُؤدِّي إلى الأحكام التي ستذكرونَها إن شاء الله، ولكن كيف تُوَفِّقُون بيْن هذا وبيْن الحديث الذي وَرَدَ فيه أنّ رجُلا وَقَفَ قليلا في عَرفة .. هذا الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد .. هذا الرجُل يَقول: " يا رسول الله، إني جِئْت مِن جَبل طَيْء أَكْلَلَتُ راحِلَتِي وأتْعَبْتُ نفسي، والله ما تَرَكْتُ مِن جبل إلا وَقَفْت عليه، فهل لي مِن حج ؟ " فَقال - صلى الله عليه وسلم - : ( مَن شَهِدَ صلاتَنا هذه ووَقَفَ معنا حتى نَدفع وقد وَقَفَ بِعَرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد أَتَمّ حَجّه وقضى تَفَثَه ) فيُشِير الحديث أنه حتى لو وَقَفَ جزءً قليلا مِن النهار فذلك يَكْفي ؟
س: لَحق بِيوم عَرفة في وقتٍ متأخِّرٍ مِن الليل ؟
س: في عرفة، مَن اعتمد على خطبة المذياع بعد صلاة الظهر والعصر جَمْعًا ؟
سابعا:أعمال اليوم العاشر من ذي الحجة
أولا : قطع الوادي (2/136)
صفحة 429
س: الناس معروفٌ أنهم عندما يفيضون مِن عرفات إلى مزدلفة ومِن مزدلفة إلى مِنى .. عندما يَقطعون الطريق مِن مزدلفة إلى مِنى يُسْرِعون في وادي مُحَسِّر لكن لا يَعلمون شيئا عن الإسراع في هذا الوادي عندما يذهبون مِن مِنى إلى عرفات، فهل يَصنعون نفس الفعل ؟
أولا : رمي جمرة العقبة
س: في أيام الحج-ويَكاد يَتكرّر في كل عام-يَحدُث زِحامٌ شديد أثناء الرمي ويُحاوِل كل واحد مِن الناس التَّوسِعة لِنفسه حتى يَصِل إلى الحوض وبِالتالي يَرمي تلك الجَمْرَة، هل لابد مِن وصول الحصاة إلى الجَمْرَة أم أنها يَكفي أن تَسقُط في الحوض ؟ وبِذلك يَفهَم الناس القضية ويَخِفّ الزحام.
س: هل يعني ذلك أنّ تلك الحجارة المنصوبة إنما وُضِعَت حتى لا يُصيب الحجاج بعضهم البعض وإلا فالأصل الحوض ؟
س: ما حكم غسل الحصى ؟ يعني هل الحصى يُغسَل أم لا يُغسَل ؟
س: الشكّ في عَدَدِ الحَصَيَات التي تُرْمَى .. إذا شَكّ أنه رَمَى خمسا أو سِتا أو سبعا ؟
س: هل مِن رخصة لِلنساء في عدم الرمي نظرا لِلزحمة ؟
س: لعل السائل يشير إلى أنه ليست المسألة مِن عدم القدرة المطلقة وإنما الضعف المركب في ذات المرأة ؟
ثانيا: التحلل الأصغر والأكبر
أولا : التحلل الأصغر
*الحلق أو التقصير
س: الإحلال بِالتَقصِير أو الحلْق، كيف يَكون ؟
* الهدي
س: هناك مَسْلَخ يُوجَد خارجَ مِنى، هل يَصِحّ لِلحاج أن يَهدِي فيه ؟
س: رجل فَقَدَ نقودَه فلم يَستطِع الهدْي، فماذا يَصنع ؟
ثالثا: طواف الإفاضة
س: بالنسبة لطواف الإفاضة، هل يَصحّ أن يُؤجَّل إلى طواف الوداع ؟
ثامنا:أعمال أيام التشريق ( 11,12,13من ذي الحجة )
س: ما حكم المَقِيل بِمكّة أيام مِنى ؟
س: ربما يُريد أن يُعِيد تلك المسألة التي ذكرتُموها في حلقةٍ ماضية.. مسألة رمي الجمرات .. هل يُشتَرط أن تُصِيبَ العَمود أم يَكفي أن تَقَع على الحَوض ؟ (2/137)
صفحة 430
س: رجلٌ أخذ وكالة مِن جماعة مِن الحجاج في رمي الجِمار وأخذ منهم الحصى ثم رماها في الشارع ولم يَرْمِ الجمرات ولم يُخْبِرهم وهم عاجزون عن الرمي، فما الحكم ؟
س: والِدِي توفَّاه الله وأُرِيد أن أَحُجّ عنه وكما تَعلَمون عندَ رَمْيِ الجمار تَكون زحْمَة كبِيرَة، هل لِي أن أُؤَجِّرَ لِرَمْيِ الجمار ؟ مع العلم أنَّني أَدَّيْتُ الحج عن نفسِي.
س: في اليوم الحادي عشر ذهب رجلٌ لِرَمي الجَمَرَات وعند وصوله رَمى الجَمْرَة الأولى وذهب لِرَمي الجَمْرَتَيْن الوسطى والكبرى ومِن شدّة الزحام في ذلك اليوم لم يَنتبِه إلى الجَمْرَة الوسطى وسَها عن رَميِها حتى وَصَلَ إلى الجَمْرَة الأخيرة ورَماها وعند عَودتِه بِالطريق شَكّ في نفسِه أنه لم يَرْمِ الجَمْرَة الوسطى وبَقي على شَكِّه حتى اليوم التالي-الثاني عشر-وعند عَودتِه لِلرمي في هذا اليوم وَصَلَ تلك الجَمْرَة ورَماها بِسبعِ حَصَيَات عن شَكِّه لِليوم الأول وذلك في اليوم الثاني عشر، فهل تَصرُّفه هذا يُجزِي أم ماذا يَكون عليه ؟
س: ذُكِر عَنْكم أنكم شَدَّدتُم في مسألةِ رَمي المرأة لِلجَمَرَات فطَالَبْتُم المرأةَ أن تَرميَ بِنَفسها وألاّ تُنيب غيرها ما دامتْ قَادرةً على ذلك فالبعضُ يَقُول: " في ذلك شيءٌ مِن التشْديد " فَنُريد أن تُوضِّحَ هذا الأَمر حتى يَفهم الجميع المراد.
تاسعا: طواف الوداع ...
س: ما قولكم في مَن تَرَكَ ركعتي الطواف في طواف الوداع ؟
س: حاجٌّ تَرَكَ طوافَ الوداع، فماذا يَلزمه ؟
أحكام الحج والعمرة للمرأة
*ما يتعلق بوجوب الحج والعمرة
1) أحكام متعلقة بشرط وجود المحرم
س: المرأةُ، هل يُشترَط لِسفرِها إلى الحج أن يَكون ذو مَحرمٍ معها ؟
س: ما مقدار السن بالنسبة للمحرَم إذا كان هذا المحرم ولدها ؟
س: إذن نفهم من هذا أنه في حالة عدم وجود المحرم لا تعتبر المرأة مستطيعة ؟ (2/138)
صفحة 431
س: في حالة وجود المحرم لكنه لا يملك المال وهي تملك المال، هل يجب عليها أن تعطي محرمها المال ليحج معها ؟
س: ما حكم ذهاب المرأة للحج رفقة مجموعة من النساء بدون أن يكون عندها محرم رجل؟
س: بِالنسبة لِزوجةِ العَم وزوجةِ الخال، هل هما مِن المحارِم ؟
س: مَن الذي يَصْدُق عَليه أن يَكون مَحْرَما .. رُبّما يَكون لأحد النسَاء صبي، هل يُمْكن أن يَكون هو مَحْرَمها في هذا السّفَر ؟
س: امرأةٌ تُرِيدُ الذَّهَاب إلى العُمْرَة بِدُون مَحْرَم .. مَعَ أجَانِب ؟
س: زوج أخت المرأة، هل يعد مَحْرَمًا لها إذا ما أرادت الذهاب إلى الحج ؟
س: امرأة أرادت أن تَحُجَّ النَّفل وسبق لَها أن حجّت الفرض لكنها هذه المرة تذهب بدون مَحْرَم، فهل عليها أن تتعجّل أم تؤخّر ؟
س: والدتها تريد أن تَذهب إلى الحج ولكن ليس عندها مَحْرَم إلا أنّ المقاوِل يَصطحِب معه زوجتَه مع مجموعة مِن النساء، فهل تَذهب معهم ؟
ما يتعلق بإحرام المرأة
س: ما طَريقَة إحرَامِ المرأة ؟ لأنّ بعضَ النساء يَفْهمنَ عَلى أَنّهن يَلْبَسْنَ لباسا مُعَيّنا وطريقة معيّنة، هل هناك بِالفعل شيءٌ مِن هذَا ؟
س: الحقيقة أَصبحت الصفة الغَالبة عند المُحْرِمَات هو تغطيةُ الوجه بِناء على أنّ الفتنة هي السبب في سَدْل هذا الخمار.
س: ما هو مِعْيَار الخوف مِن الفتنة ؟ يَعني كَيف تَستطيع المرأة أن تُميِّز هَل هِي خَائِفة مِن الفتنة ؟ هل هذا يَعتمِد عليها بِنفسِها أم يَعْتَمِد على نَظرات الآخرين إليها ؟
س: هل لِلمرأةِ أن تَغْتَسِل غُسْل الإحرامِ مِن منزِلِها قبلَ الخروج ؟
*ما يتعلق بالحيض والنفاس
س: إن كانت المرأة تخشى أن يدركها الحيض في فترة المناسك، هل لها أن تتأخر عن الحج أو العمرة بسبب هذا ؟
س: هل يَصِح لِلمرأة أن تَتَعَاطَى مَوَانِعَ الحَيْض لِتُكْمِل عُمْرَتَها نَظَرا لامْتِدَادِ أيَامِ حَيْضها زمنًا تَرْجِع فيه القَافِلة إلى الوَطَن قبل طُهْرِهَا ؟ (2/139)
صفحة 432
س: المرأةُ المُسْتحاضة، كيف تُؤَدِّي طواف الوداع ؟
س: هذه المرأة التي ذهبت إلى الحج جاءها الحيض بعد الزوال في يوم عرفة ؟
س: المرأة التي يُفاجِؤُها الحيض في الحج، ماذا تَفعل ؟
س: المرأة التي حاضتْ وأجَّلَتْ طواف الإفاضة مع طواف الوداع .. جعلتْهما واحدا ؟
س: اضطرابُ الدورةِ عندَ النساءِ بِسببِ استخدامِ أقراصِ منعِها في حالِ ذهابِهنّ إلى الحج أو إلى العمرَة أو إلى أيّ شيءٍ آخَر يَحتجْن فيه إلى ذلك الأمْر، فهل يَصِحّ مثلُ هذا الإجراء ؟ وإذا ما اضطَرَبَتْ الدورةُ عندَ المرأةِ بِهذهِ الطرِيقة، كيف تَصنَع ؟
ما بعد الحج
س: إذا ذَهَبَ الرّجُل إلى الحج ثم فَعَلَ المعَاصِي عند عودته إلى بَلده، هل يَنْتَقِض حَجّه بِمثل هذا الفِعل ؟
س: لديه قناعة أنّ فريضة الحج تَطْبَع على صاحبها ألوانا مِن المُثُل والأخلاق والقِيَم والاستقامة لكن البعض عندما يَعود مِن هناك يَتغافَل أو يَنسى مع مرور الأيام فيَرتكِب شيئا مِن المعاصي .. يَطلب نصيحة بسيطة.
س: ما معنى حديث: ( الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ) ؟
ثانيا : فتاوى العمرة
س: المسافر للعمرة عَن طريق الطائرة، مِن أين يُحْرِم؟
س: مَن سافر لِمُهمة عمل إلى مكة أو إلى جدة ثُم أراد أن يعتمر، مِن أين يُحرم ؟
س: بالنسبة للمرأة الحائض إذا سافرت للعمرة، مِن أَيْنَ تُحْرِم ؟
س: ما هو مُسْتَنَد مَن يَقول: إنَّهُ لاَ يَصِحّ أن يَعْتَمِرَ الفَرْد أكثر مِن عُمرة في الزِّيارَة الوَاحِدة ؟
س: العُمرة إذا كانت الأولى عن نفسه والثانية لِغَيْرِه، هل يُعْتَبِر هَذا مِن قَبِيل التكرار ؟
س: هَل لِلزَّوْجِ طَاعَة إذا مَنَعَ زوجتَه عن الذهَاب إلى العُمرة ؟
س: طواف الوداع في العمرة، هل هُوَ واجب ؟
س: ما حكمُ مَن طاف بعدَ الحجر أثْنَاءَ أدائِه العمرة ؟ هل يَعْتَد بِهَذَا الشَّوط أو لا ؟
فتاوى عامة
حكم خروج المرأة وحدها بالسيارة : (2/140)
صفحة 433
س: ما رأيكم في المرأة التي تخرج من بيتها وحدها بالسيارة ، لزيارة أقاربها في المستشفى مثلاً ؟
حكم سكن المرأة مع حميها :
س: هل يجوز للمرأة أن تسكن مع حميها- أخي زوجها- وتأكل معه في صحن واحد ويدخلان من باب واحد ، سواء كان ذلك الأخ متزوجا أم لا ؟
حكم معالجة الطبيب الأجنبي للمرأة :
س: هل يجوز للمرأة أن يعالج أمراضها التي تستلزم كشف عورتها طبيب أجنبي عنها كأمراض الولادة وغيرها ؟
حكم وضع المرأة ثيابها في غير بيت زوجها :
س: ما معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( ما من امرأة تضع ثيابها في غير بيت زوجها إلا هتكت الستر بينها وبي ربها ) ؟
حكم الإتيان بالمعلمات وغيرهم من الأجنبيات :
س: في الحديث الذي يقول : (لا يحل لامرأة أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم ) ما رأي فضيلتكم في الموظفات الآتي يأتين من دول أجنبية وحدهن للضرورة كالتعليم ؟
المواضع التي يحل للمرأة أن تبديها :
س: يقول الله تعالى : (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ) ما معنى قوله تعالى : (إلا ما ظهر منها )؟ وما هي الزينة التي يجوز إظهارها لغير المحارم ؟
حكم مصافحة النساء :
س: ما رأيكم في مصافحة النساء ؟
حدود عورة النساء :
س: ما هي عورة النساء بالنسبة للمرأة ؟ وما هي عورتها بالنسبة إلى محارمها ؟
حكم التدخين :
س: هل التدخين حرام أم مكروه ؟
س: هل التدخين من الكبائر ؟
بيان مدى صحة حديث "الهوا والعبوا ..."
س: في بعض الكتب رأينا هذا القول منسوب إلى الإمام علي ، وفي بعضها منسوب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم والقول هو "الهوا والعبوا فإني أكره أن أرى في دينكم غلظة " ؟
حكم مشاهدة الأفلام :
س: هل يجوز مشاهدة الأفلام والمصارعة وغيرها من التلفاز إذا لم يكن بقصد مشاهدة العورات ولكن بقصد التسلية ؟
أدلة تحريم الغناء :
س : وجدت في أحد الكتب أن الأحاديث التي وردت في تحريم الغناء ضعيفة ، فما قولكم في ذلك ؟
حكم لعب الورقة . (2/141)
صفحة 434
س: ما حكم لعب الورقة إذا لم تكن تُلهي عن الصلاة في وقتها أو غيرها من العبادات ؟
حكم حلق الحية وصبغها .
س: هل يجوز حلق اللحية أو صبغها ؟
حكم تأجير المحلات لبيع المحرمات .
س: ما حكم الإسلام في تأجير المحلات للأماكن التي ترتكب فيها المحرمات كمحلات بيع الأغاني والسجائر وغيرها ؟
حكم دعاية البارد ومسابقات السحب .
س: هل يجوز أخذ قيمة ما يسمى بالدعية التي تظهر على أغلفه الباردة للأطفال والكبار على حد سواء أو الجوائز التي تصدرها الشركات إذا كان الشخص محتاجا لتلك المكافأة المالية ؟ وهل من فرق بين المتعمد وغير المتعمد في أخذ الدعاية ؟
حكم اليانصيب .
س: ما قولكم في اليانصيب الذي تبرزه المحلات التجارية , فمثلا عند شرائك من محل معين ما قيمة ثلاث ريالات يقوم المحل بإعطائك رصيدا تكتب عليه اسمك وعنوانك وعلى ذلك الرصيد رقمان : رقم البضاعة في صندوق الاقتراع ، ورقم يحتفظ به حتى يأتي أوان الاقتراع ، فإذا ما قدر لك الحظ وفزت بأحد الجوائز التي يوضع في هذا الاقتراع ، فما حكم هذا اليانصيب من هذا النوع ؟ لا ريب أن هناك نوعا من المساهمين في البنوك ونوعا أخرى يشتري فيه ذلك الرصيد بقيمه معينه ؟
حكم تقبل هدية النصارى
س: مهل يجوز تقبل هدية النصارى ؟
حكم الوصية لغير المسلم .
س: إذا أسلم مشرك من أسرة كافرة ، فهل يجوز أن يوصي بجل تركته لغير وارث مسلم ؟
حكم الصيد إذا أطلق عليه النار
س: ما حكم الصيد إذا أطلق عليه النار فسقط ميتا في حينه ؟
حكم التجسس على من يكيد الشر .
س: هل يجوز لشخص ما أن يتجسس في السمع على شخص يكيد له الشر ؟
حكم نقل الأعضاء من شخص لآخر .
س: مسألة نقل الأعضاء من جسم إلى آخر وكذلك الدم ، أخبرت بعدم جواز ذلك إلا في الدم عند الضرورة ، وأستفسر حول هذه المسألة بعض الاستفسارات منها :-
- هل هذه المسألة مما أختص بها أصحابنا أم للمخالفين فيها رأي ؟ (2/142)
صفحة 435
- إن قال قائل الضرورات تبيح المحظورات ، فما قولكم في ذلك ؟
- ما سبب المنع والإسلام أمرنا بحب الخير للآخرين كما نحبه لأنفسنا ؟
- سمعت أحد المخالفين يحتج بعدم الجواز في نقل الأعضاء بأن في ذلك زيادة في عمر الإنسان عن العمر الذي قدره الله له ، فهل هذا صحيح ؟
- كذلك ما سبب منع نقل الدم للمساعدة في غير الضرورة ؟
حكم التنويم المغناطيسي .
س: التنويم المغناطيسي هل له نصيب من الصحة ؟ وهل هو جائز ؟ وكيف يحدث ؟ وما زعمه الزرقاني في كتابه مناهل العرفان بأن هذه العملية هي أقرب صورة للوحي ، هل هذا صحيح ؟
علاج الغضب .
س: ما حكم الشرع في الغضب لأتفه الأسباب ؟ وما هي الطريقة للتخلص منه ؟
توبة المغتاب .
س: كيف تكون توبة المغتاب لشخص ، هل تكون بأن يذهب إليه ويخبره بأنه إغتابه ويطلب منه الصفح؟
بيان معنى النسيان في الحديث الذي رواه الربيع عن القرآن .
س: جاء في مسند الإمام الربيع ( من تعلم القرآن ثم نسيه حشر يوم القيامة أجذم ) فما المقصود بالنسيان هنا ؟
حكم رد السلام .
س: رجل سلم على جماعة كبيرة ، فما حكم ردّهم عليه ؟
كيفية رد السلام .
س: رجل سلم على رجل ، فقال: " السلام عليكم ورحمة الله وبركاته " ، فهل يلزمه ردّه كاملا إلزاما واجباً ؟
أحكام وجوب الحج والوصية به
س: يبدو أنّ الأخت أشكل عليها بين الوصية وبين القيام بتنفيذ الصيام عن طريق الوصية-أيضا-أو الحج .. صحيح أنه لا وصية لوارث لكن هل عندما يوصي الوارث لموروثه أن يصوم عنه أو أن يحج عنه، هل له أن يحج عنه أو يصوم عنه ؟
ج: ... (2/143)
صفحة 436
وأما بالنسبة إلى هذه المسألة وهي ما إذا أوصى رجل بحج أو صيام أو ما شابه ذلك فهل لبعض ورثته أن يقوموا بتنفيذ هذه الوصية وأن يأخذوا مقدارا من المال مقابل تنفيذ تلك الوصية ؟ فالجواب: نعم، لأنّ هذه الوصية ليست لذلك الوارث بسبب أنه قريب للمتوفى وإنما بسبب قيامه بهذا العمل الذي قام به بل الأولى أن يقوم بإنفاذ هذه الوصية وأن يقوم بتأديتها أقارب المتوفى، لأنّ الحديث قال: ( من مات وعليه صوم صام عنه وليه )، وجاء-أيضا-في الحديث الذي فيه أنّ النبي-صلى الله وسلم وبارك عليه-سمع رجلا يقول: " لبّيك عن شبرمة " قال: ( من شبرمة ؟ ) قال: " قريب لي " أو " أخ لي "، حتى أنّ بعض العلماء ذهب إلى أنه لا تصح العبادة من شخص بعيد لشخص بعيد عنه؛ ولذلك تعرف الأخت السائلة بأنّ هذه القضية لا تدخل ضمن الحديث الثابت عن النبي صلى الله وسلم عليه؛ والله-تعالى-أعلم.
س: رجل نذر أن يحج عن والدته ولكن والدته ضعيفة في السّن .. كبيرة تحتاج إلى أن يقوم برعايتها والعناية بها، فهل له أن يذهب ليحج عنها ويترك المهمّة على أخواته ليقمن بذلك وأخواته لا يستطعن أن يقمن بالمهمّة التي ترضي الوالدة لأنها تحتاج إلى رجل يستطيع حملها إلى دورات المياه وغيرها ؟
ج: الله أعلم, إذا كانت الأخوات يستطعن أن يقمن بهذه المهمّة فعليه أن يذهب لتأدية الحج الذي نذر به، وأما إذا كانت الأخوات لا يستطعن على ذلك فهو معذور إلى أن يمكنه أن يقوم بتأدية هذه الفريضة ولكن الذي أراه أنّ الغالب لا يشقّ على النساء من أن يأخذن هذه المرأة إلى دورات المياه وما شابه ذلك؛ والله-تعالى-أعلم.
س: البعض يكتب وصيته فيطالِب ورثته بالصيام عنه أو كفارة شهرين أو الحج. (2/144)
صفحة 437
ج: مَن أوصى بشيء فلابد مِن أن يُنفِّذ الورثة وصيتَه ولا يَجوز لهم أن يَتركوا ذلك إذا كان ماله يبلغ المقدار الذي يمكنهم أن ينفذوا منه تلك الوصية، فمَن أوصى بحج أو بصيام سواء كان ذلك كفارة أو كان غير ذلك فلابد مِن إنفاذ وصيته، ومِن المعلوم أنّ الوصية بالحج وبالكفارات والصيام إذا كان ذلك واجبا عليه أنه يخرج مِن رأس المال، لا مِن الثلث، أما إذا كان ذلك ليس واجبا عليه فإنه يَختلِف؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: هل يَجوز لِلرجُل أن يَحجّ عن والدته إذا كانت عاجزة ؟ وإذا كانت قد أصيبت بالعمى كذلك ؟
ج: نعم، إذا كانت عاجزة يَصحّ له أن يَحجّ عنها، وكذلك إذا كانت ميّتة، فقد ثبت عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-أنه أجاب بذلك لِمَن سأله عن من مات أحد أوليائه .. جاء في بعضها: " رجُل "، وفي بعضها: " امرأة "، وهل الكل صحيح أو البعض صحيح والبعض شاذ ؟ لِذلك موضع آخر، ولكن القول بالجواز هو القول الصحيح، لِصحّة السنّة.
ودعوى مَن ادّعى بأنها خاصّة بذلك الشخص أو بأولئك الأشخاص دعوى لا تقوم عليها حجّة.
أما بالنسبة إلى العَمى فإن كان يُمكِن أن يَأخذها معه وتَأتي بأعمال الحج .. أي يَأخذها معه ويَقُودُهَا عند تأدية المناسك فلا يَصحّ لها الترك، أما إذا كانت لا تَتمكّن مِن الفعل أبدًا ففي هذه الحالة يَصحّ لها ذلك، فكثير مِن الناس لا يُبْصِرون ولكنّهم يُمكنُهم أن يُؤَدُّوا ذلك بِمساعدة غيرهم.
س: من أراد الذهاب إلى الحج وليس لديه مال، هل له أن يقوم بجمع تبرعات ... ؟ (2/145)
صفحة 438
ج: الحقيقة؛ ليس للإنسان أن يسأل الناس لا في الحج ولا في غيره إلا إذا وصل به الحال إلى أن يخشى على نفسه الهلاك يسأل شيئا يأكله وهذا بعد أن يطرق الوسائل ولم يجد مخرجا من ذلك فهنالك حاجة ضرورية جدا جدا فيباح له بمقدار ما يسد حاجته، ومن المعلوم أن ذلك قد لا يحتاج له الإنسان في حياته اللهم إلا لبعض الأفراد النادرين، أما بالنسبة إلى الحج فليس له ذلك ولا لغير الحج كما أشرت، والحمد لله والمنة والفضل أن الله-تبارك وتعالى-لم يفترض الحج إلا على المستطيع من عباده فما دام هذا الشخص لا يجد الاستطاعة فإنه لا يجب عليه الحج وإذا وجدها في يوم من الأيام فليبادر إلى ذلك؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: كانت لديه-ربما هو أو غيره-نية أن يَذْهب إلى الحج ولكن جاءتْه فرصة عمل، فما الذي يُقَدِّمُه ؟
ج: لا أدري-أوّلا-هل هو حجَّ حجَّ الفريضة أو لا.
أما إذا كانت هذه الحجَّة حَجّة نافلة فالأمر سهْل.
وأما إذا كانت هذه الحجَّة حَجّة فريضة فإن كان يَخْشى على هذا العمل بِأنه إذا ذهب إلى تَأْدية الحج ألاّ يَحصُل بعد ذلك على هذا العمل ولا يَحصُل على غيره وهو مُحتَاجٌ لِهذا العمل فبِإمكانه أن يَعمَل ويَنوي أن يَذْهبَ عندما يُيَسِّر الله-تبارك وتعالى-له، وعسى أن يَكُونَ ذلك في السنَة القادمة .. هذا إذا مُحْتاجا لِهذا العمل ويَخشَى بِأن يَفُوتَه هذا العمل، ولكن أَظنُّ أَنَّه يُمْكن أن يُوقِّع بِالموافَقة على العمل وأن يَشْرَع في العمل بعدَ رجوعِه مِن الحج .. لا أَظنُّ أنّ هناك مانعا مِن هذا.
س: وفترة الإجازة تكفي.
ج: نعم.
س: ربما يكون في القطاع الخاص هناك شيء مِن التشديد. (2/146)
صفحة 439
ج: فعلى كل حال هذا .. إذا كان يَخشى على ألاّ يَجِد عملا وهو بِحاجة إلى العمل وإذا تَرَكَ هذا العمل لن يَجِدَ هذا العمل ولا غيْرَه في المستقبَل القريب .. وإلا فالعمل بِيد الله تبارك وتعالى .. يَعْني الله - سبحانه وتعالى - تَكَفَّلَ بِالرزق وهو قادِر على أن يُيَسِّر له عملا كهذا العمل أو أفضل كما يَسَّرَ له هذا العمل ولكن الإنسان يَأخذ بِالأسباب، فإذا كان مُحْتَاجا إليه ويَخشى إذا لم يَعمل فيه بِأن يَفوتَه هذا العمل ولا يَحصُل على ذلك في القريب-مثلا-فيُرَخَّص له ويُوصِي بِالحج، ولْيَذهَب إن شاء الله في السنة القادمة.
حكم حج من علي دين
س: مَن عليه دَيْن، هل يَذهب إلى الحج أم لا يَذهب ؟
ج: إذا كان على الإنسان دَيْن فلا يَخلو ذلك مِن أحد أمريْن:
إما أن تكون لديه أموال تَكفي لِقضاء ذلك الدَّيْن الذي عليه وتكفي أيضا لِمؤونة أهله حتى يَرجع إليهم فإن كان عليه دَيْن ولديه هذه الأموال التي تَكفي لِقضاء هذا الدَّيْن فإنه لابد مِن أن يَقوم أوَّلا بِقضاء ذلك الدَّيْن إذا كان ذلك الدَّيْن حالاًّ أو في حكم الحالِّ ثم بعد ذلك يَذهب إلى الحج، وإن كان مُؤَجَّلاً فلْيُوص بِذلك ولْيَتْرُك وصيته بِذلك الدَّين إما عند شخصٍ أمين ويُخبِر ذلك الدائن بِأنه قد وَثَّق له دَيْنَه ووَضَعَه مع فلان وإما أن يَضع-تلك الوثيقة أو-ذلك الصك مع صاحب المال الأصلي. (2/147)
صفحة 440
أما إذا كان لا يَملك شيئا مِن المال يَكفي لِسَدِّ ما عليه مِن الدَّيْن فإنه لا يَجِب عليه الحج، لأنّ الحج يَجِب على المستطِيع وهذا لا يَستطِيع سبيلا إلى ذلك، و-طبعا-لا أريد بِالأموال الدراهم إذ قد يَقول شخص إنه لا يَملك شيئا مِن الدراهم ولكنه يَملِك عقارات أو ما شابه ذلك فهي تَقوم في مقام الدراهم، فالحاصل هل يَملك شيئا مِن الأموال تَكفي لِسَدِّ ذلك الدَّيْن أو لا يَملِك شيئا .. هذا وإذا كان الدَّيْن مُحَرَّما فلابد مِن التّخلص أوَّلا مِن الحرام والتوبة والرجوع إلى الله-تبارك وتعالى-حتى يَفِدَ بعد ذلك وقد تَطَهَّر مِن هذه القاذورات وهذا كله إذا كان يُريد أن يَتوب إلى الله-تبارك وتعالى-وأن يَرجِع إليه سبحانه، أما إذا كان لا يَهتَم بِهذه الأمور ولا يُبالي بِها فإنه إذا قيل له: " لا تَذهب إلى الحج " سيَبقى هنا وهو يَملِك الأموال التي يُمكِن أن يَقوم بِقضاء تلك الديون التي عليه وإنما يُريد أن يَشتري الأرض الفلانية والعقار الفلاني وما شابه ذلك فهذا-على كل حال-يُقال له: " اذهب إلى الحج " ولكنّ الله-تبارك-لا يَتَقبَّلُ منه، إذ إنه - سبحانه وتعالى - لا يتَقَبَّل إلا مِن المتّقين وهو ليس بِمتّقٍ لِربِّه بل هو مُحارِب له - سبحانه وتعالى - .. هذا هو الحكم، فحجُّه صحيح مِن حيث الفِعْل ولكنّ الله-تبارك وتعالى-لا يَتقبَّل منه .. لا يَتقبَّل منه الحج ولا يَتقبَّل مِنه شيئا مِن الأعمال الصالحة، لأنّ القبول يَكون مِن الصالِح لا مِن الطالِح؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: من أراد الحج وعليه دين ربوي ؟ (2/148)
صفحة 441
ج: إذا كان ربويا فعليه أن يتخلص من ذلك عليه أن يتوب إلى الله-تبارك وتعالى-من محاربة الله-تبارك وتعالى-ورسوله: { ... فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ ... } [ سورة البقرة، من الآية: 279 ] عليه أن يتوب إلى الله-تبارك وتعالى-وأن يتخلص من هذه المعاملة قبل أن يخرج من هذه الدنيا إلى عذاب الله-تبارك وتعالى-فهذا إن كان يريد أن يتوب، أما إذا كان لا يريد أن يتوب في حقيقة الواقع ولا أعني بذلك ما يلقلق به كثير من الناس ألسنتهم يدعي الواحد يقول: "أريد أن أتوب" وهو لا يسلك طريق التوبة يجلس السنوات الطويلة وهو لا يتخلص من هذه المعاملات فإن كان لا يريد أن يتخلص الآن فليذهب لتأدية الحج حتى لا يجمع بين معصيتين بين معصية إقامته على محاربته الله-تبارك وتعالى-ورسوله بأخذ هذا المال الحرام أو بالتعامل بهذه المعاملة المحرمة وبتأخير الحج وإن كان هذا الحج لا يتقبل منه لأن الله-تبارك وتعالى-لا يتقبل إلا من المتقين (1) وكيف يكون هذا متقيا لله وهو ملعون على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - محارب لله-تبارك وتعالى-بنص كتابه سبحانه ؟! ولكنه قد أدى هذه الفريضة بمعنى أنه لا يطالب بها بعد ذلك مرة أخرى؛ والله-تبارك وتعالى-ولي التوفيق.
س: من عليه دين وليس عنده الوفاء لكن جهة عمله تتكفل بإرجاع الحق لأصحابه على تقدير وفاته ؟
__________
(1) -قال الشيخ: " لا يتقبل مِن المتقين " وهو سبق لسان. (2/149)
صفحة 442
ج: إذا ثبت هذا حقا بأن تلك الجهة تقوم بعد ذلك بتأدية هذا المال إلى أصحابه وكان هذا الدين مؤجلا أو كان صاحبه يرضى بالتأخير فلا بأس بذلك بمشيئة الله-تبارك وتعالى-أما إذا كان هذا الدين حالا فلابد من أن يدفع المال إلى صاحبه إلا إذا أذن له بذلك، ثم أيضا لا ينبغي للناس أن يحرجوا غيرهم تجد الواحد يذهب إلى غيره "يا فلان أنا أريد الحج وأريد منك أن تؤخرني" أو ما شابه ذلك فكثير من الناس على كل حال سيقولون لهذا السائل "اذهب إلى الحج" لكن هل هم راضون بذلك حقا ؟ قد يقول قائل العبرة بما ذكروه والله أعلم بما صدورهم نقول له لابد من النظر والتأمل في هذا الأمر فقد يقول لك الإنسان بلسانه وهو لا يرضى بذلك، الأصل أن تؤدي هذا المال إلى صاحبه ولا تذهب إلى الحج إلا بعد أن تؤدي ما عليك لكن إذا كنت واثقا من صاحبك مطمئنا إليه تمام الاطمئنان كما يعرف عند أهل العلم بالتعارف أو ما شابه ذلك فلا بأس بهذا بمشيئة الله-تبارك وتعالى-أما إذا كان الأمر بخلاف ذلك فلا، وكثير من الناس يدعون بأن هذا من الأمور التي يتعارفون عليها أو بأنه واثق من أمر صاحبه ولكن الأمر بعكس ذلك يتساهلون في هذه الأمور يدَّعون أن هنالك عُرفا بينهم في هذه القضايا وفي غيرها من القضايا وليس هنالك عرف في حقيقة الواقع، إذن لابد من أن يكون واثقا من ذلك تمام الثقة أما إذا كان مجرد ظن وتخمين أو ما شابه ذلك فهذا مما لا يُلتفت إليه.
س: ما حُكم الذهاب إلى الحج لِمَن عليه دَيْن ؟
ج: لا يَخلو ذلك مِن أَحَد أمريْن اثنين: إما أن يَكون هذا الدَّيْن مُحَرَّما، وإما أن يَكون هذا الدَّيْن مُحَلَّلا. (2/150)
صفحة 443
فإن كان مُحَرَّما فليس لَه أن يَذهَب إلى تأديةِ الحج إلا بعدَ أن يَتطَهَّر مِن هذه المعصية التي وَقَعَ فيها ويَتُوبَ توبةً نصوحا إلى ربِّه تبارك وتعالى .. هذا إذا كان يُرِيدُ أن يَتُوب، أما إذا كان لا يُرِيدُ أن يَتوب في حقيقة الواقع .. وعلامةُ الذي يُرِيدُ أن يَتُوب أن يَبْذُل الغالِي والرخِيص في سبِيلِ التوبةِ والرجوعِ إلى الله تبارك وتعالى، أما إذا كان يُرِيدُ أن يَشترِي العِمَارَات ويَشترِي الأراضي أو ما شابه ذلك ويُلَقْلِقُ بِلسانِه يَقول: " أُرِيدُ أن أَتُوب " فهذا في واقِعِ الأمْر لا يُرِيدُ أن يَتُوب فليَذهَبْ إلى الحج لِئلا يَجْمَعَ بيْن معصِيَتَيْن .. معصيةِ الوقوعِ في مَحظُورِ الدَّيْنِ المُحرَّم ومَحظورِ عدمِ تأدِيَةِ الحج ولكن لِيَعْلَم عِلْمَ اليقِين بِأنّه ليْسَ مِن المتّقِين وأنَّ الله-تبارك وتعالى-لا يَتَقَبَّلُ إلا مِن المتّقِين وإنَّما تَكون حَجّتُه صحِيحة بِحيثُ إنه لا يُطالَبُ بِها إذا تاب-مثلا-في المستقبَل.
أما الدَّيْن إذا كان مُحَلَّلا فلا يَخْلُو: إما أن يَكون مُوَقَّتا بِوَقت، وإما أن يَكون في حُكْمِ الموقَّت، وإما أن يَكون مُؤَجَّلا.
فإن كان مُوقَّتا بِوقت فلابد مِن أن يَقضِي ذلك الدَّين.
وهكذا بِالنسبةِ إلى الدَّيْن الذي هو في حُكْمِ الموقَّت-أي الذي لَم يُقَيَّد بِوقتٍ مِن الأوقات-فلابد مِن أن يَقضِي ذلك إلا إذا وَضَعَه مع شخصٍ على سبِيلِ الأمانة بِحيثُ يَدْفَعُه إلى صاحبِه. (2/151)
صفحة 444
وأما الدَّين المؤجَّل فلا إشكال فيه إذا كان يَجِدُ ما يُمكِن أن يُقضَى بِه ذلك الدَّيْن عنه أَنْ لو أَصابَه مَحْذُورٌ أو مَا شابه ذلك .. مثلا إنسانٌ عليه ألفُ ريال لِشخص وهو يَملِك مقدار ما يُساوِي ذلك الألف فلْيُوَثِّق ذلك الدَّين بِصَك شرعِي يُشهِدُ عليه شاهِدَيْ عَدْل ويَضَع ذلك الصك مع صاحبِ الحق أو يَضَعُه مع أَمِينٍ يَثِقُ بِه ولْيُخْبِر صاحبَ الحق بِأنَّه قد وَضَعَ الصك الذي يُثْبِتُ لَه ذلك الحق مع فلان بن فلان الفلاني أو ما شابه ذلك، لأنّ كثيرا مِن الناس-ولِلأسَف-يُؤمَرُون بِأن يُؤَدّوا بعضَ الأمانات إلى أَصحابِها ثم يَتَأَخَّرُون في ذلك وقد يَمضِي العام أو أَكثَر مِن ذلك ولا يُوصِلُون تلك الحقوق إلى أصحابِها ثم يَأتِي صاحبُ الحق يَسأَل مَن عليه الحق ويُخبِرُه بِأنَّه قد أَرسَلَه منذُ فترةٍ مِن الزمان مع شخص ولَم يُؤَدّ ذلك الشخص ولِلأسَف الشديد، ومِنْ هنا نَقُول إنَّ مَن أَرسَلَ حقّا لِشخصٍ مع شخصٍ آخَر أنَّه لابد مِن أن يَسأَل ذلك الذي لَه الحق هل وَصَلَه ذلك الحق الذي لَه أو لَم يَصِلْه مَخافَةَ النسيان أو التفرِيطِ أو ما شابه ذلك؛ والله-تبارك وتعالى-ولي التوفيق.
أحكام الإجارة بالحج
س: ما هي شروط استئجار الحج ؟ وهل يصح أن يُستأجر أو أن يُحج عن غير الولي وهو من لم يكن على طاعة ؟ (2/152)
صفحة 445
ج: على كل حال؛ الإنابة في الحج ثابتة في سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - ثبوتا لا شك فيه، فقد جاء ذلك من عدة طرق عن النبي-صلوات الله وسلامه عليه-ودعوى من ادعى بأن ذلك خاص بأولئك أو ما شابه ذلك مما ذكره بعض أهل العلم مردود على صاحبه ولا داعي للإطالة بالأجوبة التي أجيب بها عن ذلك، فالإنابة إذن ثابتة لا إشكال فيها فمن كان عاجزا بسبب مرض أو كبر سن ولا يستطيع أن يذهب في الحال ولا في المستقبل إلى الحج بحسب الظاهر فإن له بل عليه أن ينيب غيره لتأدية فريضة الحج عنه سواء كان ذلك بسبب مرض لا يرجى الشفاء منه بحسب الظاهر أو بسبب كبر السن، أما إذا كان يرجو الشفاء من ذلك المرض فلا، وهكذا بالنسبة إذا أوصى شخص بالحج عنه وقد مات فإنه يؤدى عنه ذلك الحج هذا لا إشكال فيه، أما بالنسبة إلى هل للإنسان أن يذهب بتأدية الحج عن شخص لا يتولاه ؟ هنالك أمران الأول أن بعض أهل العلم يمنع من ذلك وبعضهم يجيز ذلك، والقول بجواز ذلك بشرط أن لا يدعو له هو الأقرب إلى الصواب فليس له أن يخصه بدعاء وإنما يدعو لعموم المسلمين فإن كان ذلك الشخص داخلا في عموم المسلمين بأن تاب وأناب إلى ربه-تبارك وتعالى-ولم يعلم هو بتوبته فإنه يكون داخلا في ذلك العموم وإن كان بخلاف ذلك فإنه لم يدع له بخير الآخرة، نعم إذا كان ذلك الشخص حيا فيمكن أن يدعو له بالهداية إلى الطريق المستقيم لأنه بالإمكان أن يرجع إلى الله-تبارك وتعالى-أما الميت فقد انتهى أمره ولا يمكن أن يهتدي بعد انتقاله من هذه الحياة الدنيا، لكن بقي أن الإنسان قد يكون لا يتولى شخصا لأنه لم تقم عليه الحجة بولاية ذلك الشخص فإذا ذهب لتأدية الحج عنه فإنه لن يدعو له على سبيل الاستقلال ويكون ذلك الشخص في حقيقة الواقع من أهل الصلاح ولكن هو لم تقم عليه الحجة فمثل هذا لا ينبغي أن يذهب هذا الشخص أن يحج عنه إلا إذا أخبره أو ما شابه ذلك ولكن قد يكون في الإخبار شيء من الأمور التي ستعقب (2/153)
صفحة 446
ذلك مما ينبغي أن لا يقع فيه الإنسان فإنه إذا قال له: "لن أدعو لك" أو "أنا لا أدري بحالك" أو ما شابه ذلك فإنه مما لاشك فيه بأنه سيقع في نفس ذلك الشخص من هذا الإنسان، نعم إذا دعاه إلى التوبة إلى الله والرجوع إليه - سبحانه وتعالى - أو ما شابه ذلك وتاب ورجع إليه - سبحانه وتعالى - وثبتت ولايته فالأمر لا إشكال فيه، فإذن من حيث الجواز هنالك شيء لكن-كما قلت-يمكن أن نقول بجواز ذلك ولكن بقي ما ذكرناه من الملاحظة التي لابد من اعتبارها، بقي هناك أن كثيرا من الناس يهتمون بجمع حطام الدنيا الفانية فتجد الواحد منهم يذهب يبحث عن شخص يحج عنه ويراعي المبلغ، إذا كان هذا المبلغ أكثر من غيره فإنه يحج عن ذلك الشخص ولو كان ذلك من أعصى العصاة أما إذا وجد رجلا صالحا ولم يبذل له ما يريد من المال فإنه لن يلتفت إليه مثل هذا في حقيقة الواقع لا يمكن أن نقول إنه يجوز له أن يحج عن غيره، ذلك لأن الإنسان ينبغي له عندما يذهب أن يحج عن غيره أن ينوي بذلك أن يصل إلى تلك البقاع وأن يدعو له ولعموم المسلمين ولذلك الشخص الذي يحج عنه إن كان من أهل الصلاح وكذلك أن يعين ذلك الشخص على طاعة الله-تبارك وتعالى-أما أن يكون قصده أن يجمع هذا الحطام الفاني فهذا مما لم يقل به أحد من أهل العلم؛ والعلم عند الله.
س: هل يَجوز لِلإنسان أن يُؤَجِّر بِحجّة وهو بِصحّة وعافية ؟
ج: لا، لا يَجوز له ذلك أبدا، بل ولا يَجوز له أن يَنتظِر حتى يُصبح شيخا لا يَتمكّن مِن تأدية ذلك، بل عليه أن يَذهب الآن ما دام واجِدا لِلمال وهو يَستطيع على تأدية الحج، ولا يَجوز له أن يَتأخَّر، كما يَفعله كثير مِن الناس:
وأغلبُ الناس يُؤخِّرون ... وأنه كَالدَّيْنِ يَزعمون
وهم لَعَمْرُ الله مَغرورون ... بِزُخْرُف القول مُخادِعون (2/154)
صفحة 447
يَبقى يَنتظِر الواحد سنة ثم سنة ثم ثالثة ويَدَّعي بأنّ أهل العلم قالوا: " يَجوز التأخير في الحج " .. ما أراد أهل العلم هذا الأمر، وكثير مِن الناس شَاهدناهم يَمْكثون السنين الكثيرة ويَمْلِكُون الأموال الطائلة وهم في صحّة تامّة يقول: " سأذهب بعد مدّة مِن الزمان " ثم بعد ذلك لا يَتمكّن ثم يَأتيه الموت .. فأخشى على هذا مِن الهلاك والعياذ بالله تعالى.
س: امرأةٌ كبيرَة في السن لَم تَذهَب إلى الحج لِظروفِها المَرضية لكنّها تُرسِل في كلِّ عامٍ خَمسين ريالا عُمانيا، فهل تُؤْجَر على ذلك ؟ مِن أجْل أن تُوَزَّع هناك على الفقراء.
ج: على كل حال؛ نَحن نَدعو الناس .. نَدعُوهم أن يَسألوا أهلَ العلم في مثلِ هذه القضايا مِن قبلِ أن يَفعَلوا بعضَ الأمور التي قد تَكون مُخالِفة لِلشرع أو قد يَكون الأوْلَى بِخلافِ ما فََعَلوه، وقد قالَ أهلُ العلم:
عِبَادَةٌ لَيْسَ بِها تَفَقُّهُ ... لا خَيْرَ فيها إنَّها لَبَلَهُ (2/155)
صفحة 448
فكان الأوْلَى لِهذه المرأةِ أن تَجمَعَ هذه الأموال وبعدَ ذلك تَقوم بِإِيجَارِ مَن يَقوم بِتأديةِ هذه الحجّةِ عنها، و-على كلّ حال-وجوهُ الخيْرِ والبِر كثيرة، فإن كانتْ هذه الأموال تُوَزَّع هناك على المُحْتَاجِين إليها فلا مانِع في ذلك وفي ذلك خيْر بِمشيئة الله تبارك وتعالى، وإن كانتْ تُوَزَّع على مَن هَبَّ ودَبَّ فهُنَالِك وُجُوه في هذه البلاد أَوْلَى .. مِن نَشْرِ عِلم .. يُعانُ بِها بعضُ الفقراء أو تُطْبَعُ بِها بعضُ الكتب أو بعضُ الأشرطة أو ما شابه ذلك .. نَحن لا نقولُ طبعا: " إنَّ هذه المرأة يَجِب عليها أن تُجَمِّع هذه الدراهم مِن أجْلِ أن تَصِل إلى مبلغٍ مِن المال ثُم بعدَ ذلك تَقُوم بِتأجِير مَن يَقوم بِتأدِيةِ الحج " لأنَّها ما دامتْ غير مستطِيعة في هذا الوقت وتَملِك مبلغا مِن المال فلا يَلزَمها أن تَترُك هذا المال إلى مَا بعدَ سِت سنوات أو عشر سنوات أو ما شابه ذلك حتى تَجْتَمِع إليها هذه الأموال التي تَصِل إلى أُجْرَةِ الحج، فإمَّا أن تَجْمَع إذا شاءَتْ أو أن تَقومَ بِتأدِيَةِ ذلك إلى أَحْسَنِ وجهٍ مِنْ وُجوهِ البِر والصلاح، لأنَّنَا نُشاهِد كثيرا مِن الناس يَقومون بِإِرسالِ بعضِ الأموال إلى مكة المكرمة ولكن كثيرا مِن الناس الذين يَقومون بِتوزيعِ تلك الأموال لا يَعْرِفُون الوجوهَ الصحيحة التي تُوَزَّع فيَقومون بِإِعطاءِ فلان أو فلان أو ما شابه ذلك .. طبعا ذلك الإنفاق لا يَكونُ حَرَاما ولكن الإنسان ينبغِي لَه أن يَبحَثَ عن أَحْسَنِ الوجوهِ وأوْلاهَا؛ والله أعلم.
س: مَن لا يستطيع أداء الحج إما لكبر سنه أو لمرض ألم به، هل الأوْلى له أن يؤجر في حياته أو أن يوصي بالحج ؟ وهل هو مطالب أساسا بأن يؤجّر أو يوصي وهو على هذا الحال ؟ (2/156)
صفحة 449
ج: أما إذا كان قد وجب عليه الحج من قبل وفرَّط فيه فإنه لا شك بأنه يجب عليه أن يؤجِّر في الوقت الحاضر-أي في وقت حياته-أو أن يوصي بذلك، أما إذا لم يكن واجبا عليه من قبل فإن لأهل العلم خلافا، وقد ذهبت طائفة من أهل العلم إلى أن الإنسان إذا كان واجدا للمال ولم يكن قادرا في يوم من الأيام أن يذهب إلى الحج أنه لا يلزمه أن يؤجّر أو أن يوصي بالحج وذلك لأن من شرط ذلك أن يكون قادرا على الذهاب إلى تلك الأماكن المقدسة ولا يكفي أن يكون واجدا للمال، وذهبت طائفة من أهل العلم إلى أن ذلك يجب عليه واستدلوا بظواهر الأحاديث فعلى هذا الرأي الثاني من كان واجدا للمال ولو لم يكن مستطيعا في وقت من الأوقات على الذهاب إلى الحج أو كان قادرا على الذهاب-على الركوب مثلا أو ما شابه ذلك-ولكنه لم يكن في ذلك الوقت واجدا للمال ولم يجد المال إلا بعد أن صار عاجزا عن الذهاب فإنه يجب عليه الحج على هذا الرأي، ولا شك بأن هذا الذي تؤيده ظواهر النصوص وإن كانت ليست بصريحة في ذلك ومهما كان فهذا القول أحوط وأسلم، فلا ينبغي للإنسان الذي منَّ الله-تبارك وتعالى-عليه بالمال الطيب الحلال أن يفرِّط في ذلك لأن في مثل هذه المسائل التي يشتد فيها الخلاف ولاسيما عندما تكون الأدلة أقرب ما تكون إلى ذلك الرأي فأن الإنسان لا ينبغي أن يفرِّط فيه، أما من حيث هل الأفضل للإنسان أن يؤجر في حياته إذا كان يعرف من نفسه أنه لا يستطيع أن يذهب أبدا إما لكبر سنه أو لأنه آيس من الشفاء بحسب الظاهر .. (2/157)
صفحة 450
هل الأفضل له أن يؤجِّر في حياته أو أن يوصي بذلك ؟ لاشك أن الأفضل له أن يؤجّر في حياته ذلك، بل الأفضل للإنسان أن يؤدي ما عليه من جميع الحقوق في حياته وإنما يؤخر الوصية للأقارب الذين لا يرثونه فإن الوصية للأقارب لا يمكن أن يؤديها الإنسان في حياته بل لابد من أن تنفَّذ بعد وفاته، أما ما عليه من كفارات أو ديون أو ما يريد أن يتبرع به أو ما شابه ذلك فإن الأولى أن يأتي به في حياته، ذلك لأن الإنسان لا يدري ماذا عسى أن يعرض للورثة أو للوصي أو ما شابه ذلك وهل سيؤدون ذلك على الطريق المطلوب أو لا ثم الإنسان أيضا لا يضمن أن يبقى معه المال إلى أن يموت فقد يضيع منه أو قد تصيبه جائحة أو ما شابه ذلك ثم إن الإنسان لاشك أنه إذا أداه في حياته .. لا شك أن هنالك فرقا بينما إذا أداه في حياته أو أداه بعد ذلك لأن الإنسان قد لا يبالي بالمال بعد وفاته أما في هذه الحياة يكون حريصا عليه غاية الحرص فإذا أداه في حياته فلا شك أنه أولى من جميع هذه الوجوه؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
أحكام الاستعداد للذهاب للحج
س: ماذا يَنبغي على الذي يُريد أن يَحُج إلى بيت الله الحرام ؟ ماذا عليه أن يَصنع كاستعداد لهذه الفريضة ؟
ج: إنّ الحج فريضة مِن فرائض الإسلام بل هو رُكن مِن أركانه، والأدلّة على وجوبه متعدِّدة مِن كتاب الله-تبارك وتعالى-ومِن سنّة رسوله صلوات الله وسلامه عليه، وقد أجمعت على ذلك الأمّة الإسلامية بل هو مِن الأمور المعلومة مِن الدِّين بالضرورة لعامّة المسلمين، ولذلك لا أرى حاجة للإطالة بذِكر تلك الأدلة. (2/158)
صفحة 451
والحج يَجب على الفور على القول الصحيح الراجح، وهو الذي ذهب إليه ابن بركة والشيخ إسماعيل، وهو الذي يُفهَم مِن كلام الإمام نور الدين السالمي-رضي الله تبارك وتعالى عنه-في " جوهر النظام "، وهو الذي تُؤيِّده الأدلّة، على أنّ الإنسان لا يَدري متى يَأتيه الموت فما مِن لحظة مِن لحظات حياته إلاّ ويمكن أن يَموت فيها وإذا كان الأمر كذلك وكان الحج واجِبا-كما أشرنا إلى ذلك مِن قبلُ-على المستطيع عليه فإنه ليس لأحد وجد الاستطاعة أن يَتأخّر عن الحج بل يَجب عليه أن يُبادِر إلى ذلك فورا، فمَن وجَد الاستطاعة عليه أن يَستعِدّ لذلك وأن يَقوم بتأدية هذه الفريضة العظيمة التي أوجبها الله-تبارك وتعالى-على المستطيع مِن عبادِه، والتي جاءت الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-التي تدلّ على عظيم فضْلها.
فمَن أراد أن يَقوم بأداء هذه الشعيرة الإسلامية العظيمة وأن يُؤدِّيَ هذه الفريضة التي افترضها الله-تبارك وتعالى-عليه فعليه أوَّلاً أن يتخلّص مِن الديون التي عليه إذا كانت حاضِرة، وإن لم تَكن حاضِرة فعليه أن يَقوم بتوثيق تلك الديون التي عليه، وذلك بأن يَكتب ذلك عند كاتب ثِقَةٍ صالِح يُؤخذ بكتابته وأن يُشهِد شاهديْن عَدْلَيْن على ذلك ثم بعد ذلك يَقوم بوضْع ذلك الصكّ الشرعي إما عند صاحب الحقّ-وهو الأَوْلى-أو أن يَضع ذلك مع ثقة أمين ثم يُخبِر صاحب الحقّ بأنه قد وضَع الصكّ الذي وثّق به ماله مع فلان بن فلان وأن يَصِفَه بصفة لا تَخفى على صاحب ذلك الحق .. هذا بالنسبة إلى حقوق العباد التي عليه .. نعم إذا كانت تلك الحقوق حاضِرة وسَمَحَ له مَن له ذلك المال بأن يُسافِر وبعد ذلك يَقوم بتأدية ذلك الحقِّ إليه وكان هو يَملِك ذلك المال الذي يُساوِي ما عليه مِن الحقوق فإنه لا مانع مِن ذلك لكن لا يَنبغي له أن يَقوم بمطالبة الناس أن يَسمحوا له بذلك. (2/159)
صفحة 452
فإذن إذا كانت عليه حقوق فلابد مِن أن يَكون يَملِك مِن المال ما يُساوي تلك الحقوق التي عليه ولابد مِن أن يُوثِّق ما عليه مِن مال.
ثم عليه-أيضا-أن يَكتُب وصِيَّتَه، بل الوصية وتوثيق الحقوق مِن الأمور التي لابد منها سواءً أراد الإنسان الحج أو لم يُرِد وسواءً كان ذلك في وقت الحج أو لا، وذلك لِما ذكرناه مِن أنّ الإنسان لا يَملك متى يأتيه الموت فلا يَدري متى يأتيه ومتى يَعرِض له وقد تَضيع حقوق الناس بموته وعدم عِلم ورثتِه أو بتساهلِهم أو تساهلِ بعضِهم بتأدية ما عليه مِن الحقوق، والحديث قد نصّ-وهو صحيح ثابت-على أنّ الإنسان لابد مِن أن يَقوم بكتابة وصيتِه وأنه لا يَجوز له أن يَبيت ثلاث ليال إلا ووصيتُه مكتوبة، أو ما هذا معناه، وهو حديث صحيح ثابت، وذكرناه بمعناه لا بلفظه.
و-كذلك-عليه أن يُهيِّئَ مِن المال ما يَكفيه لِسدّ حاجتِه مِن الوقت الذي يَخرُج فيه مِن بلادِه إلى أن يَرجِع إلى بلدِه ويَأخذُ مقدارا مِن المال يَكفيه لسدِّ بعض الأمور التي قد تَعرِض له مِن مرض أو مِن وجوب فِديةٍ أو جزاءٍ، لأنّ الإنسان قد يَقع في بعض الأمور التي يَجب عليه بسببها الفِدية أو يَجب عليه بسببها الجزاء، وهي أمور سيأتي توضيحها في مناسبة أخرى بمشيئة الله تبارك وتعالى. (2/160)
صفحة 453
و-كذلك-عليه أن يَقوم بتعلّم أمورِ الحج، لأنّ كثيرا مِن الناس-وللأسف الشديد-يَذهبون لتأدية هذه الفريضة وهم لا يَعرِفون عن كيفية أدائها شيئا .. منهم مَن يَعتمِد على أنه سيُرافِق فلانا أو فلانا أو أنه سيَبحث عن مُطَوِّفٍ أو ما شابه ذلك، وهذا أمر لا يَنبغي، ولستُ أريد بالتعلّم أن يَتعلّم الإنسان الدقائِق الفقهية التي ذكرها العلماء في كتبهم، فإنّ هذا الأمر مِمّا لا يَقوى عليه إلا قلّة قليلة مِن الناس، وإنما أريد أن يَتعلّم الإنسان أهمّ المناسك، وهي أمور سهلة بمشيئة الله تبارك وتعالى، فلابد مِن أن يَعرِف مِن أين يُحرِم، وما هو الذي يَجوز له في الإحرام وما هو الذي لا يَجوز له في الإحرام، و-كذلك-لابد مِن أن يَعرِف كيف يَقوم بتأدية الحج .. مِن إحرام وطواف وسعي وإحلال بِالنسبة إلى العمرة، وكَذلك بالنسبة إلى الحج .. يُضاف إلى ذلك الوُقوف بِعَرَفَة والمبيت بالمزْدَلفَة مَعَ الدُّعاء في ذلك المَوْضع الشريف، والمَبِيت بِمنى مع الرمي، والذَّبح بِالنسبة للمتمتِّع والقَارِن .. أي ذبح الهدي والحلق، إلى غير ذلك مِن الأمور، وهِيَ أُمُور يَسِيرة سَهلة، وقد كَتب فِيها كثير مِن أهل العلم بعضَ المؤلَّفات، ومِن المؤلَّفات المفِيدة المختصَرة التي كَتَبها العلماء-جَزاهم الله تبارك وتعالى خيرا-للمُبْتَدئين الكِتاب المعْروف المُنتشِر المشهور بِكتاب " تَلقِين الصبيان "، فإنّ الشيخ الإمام السالمي-رحمه الله تبارك وتعالى-ذَكَرَ أمورا مهِمّة بالنسبة إلى الحج في هذا الكِتاب، ولا يَنبغي للإنسان أن يَشتغِل بِتِلك الأذكار التي ذَكَرَها كَثير مِن أهل العلم وبعضها موجود في " تلقين الصبيان " .. (2/161)
صفحة 454
نعم إذا كان يَحْفظها فهي حسنَة جِدا، أما أن يَشتغِل بِفَتْح كتاب أو بِمتابَعَة فلان أو فلان ولا يَخشَعُ في دُعَائه-وما شابه ذلك-فهذا مِمّا لا يَنبغي، بَل يَنبغي أن يَأتِي بِالأدْعية التي يَحفظها ويَكون عند الإتيان بِهَا خَاشِعًا لله تبارك وتعالى، أَمَّا ما عدا ذلك فلا يَنبغي له أن يَتكلَّف ذلك .. كثير مِن الناس يَهْتَمّون ببعض الجزئيات البَسيطة ولكنهم لا يَدرون شيئا عن الأمور المهمّة التي تترتّب على ذلك، فإذن تَعَلُّّم المسَائل المتعلِّقة بِالحج مِن قَبْلِ الذهاب إلى الحج مِن الأمور المهمّة التي لا يَنبغي التَّفْرِيط فيها .. وكثير مِن الناس-كما قلتُ-يَجْهَلون حتى الأمور البَسيطة كالتلبية، فكثير مِن الناس-وخَاصَّة مِن الكبار ومِن النساء-لا يَعرِفون التَلْبية، وإنما يَذهبون إلى الحج فإذا رَكِبوا في السيارة-مثلا-قَام واحد مِن الناس بِقِراءة تلك التَّلبية وهم يُتَابِعونه عليها ونظرا لعاميتهم قد تَفوتُهم بعضُ الكلمات مِن التلبية ولا يَأتون بِها على وجهها الصحيح المشْرُوع الثابت عن النبي صلوات الله وسلامه عليه. (2/162)
صفحة 455
كذلك هنالك أُمُور .. بِأن يُودِّع الإنسانُ أقارِبه، وبأن يُؤدِّي ما عليه مِن كفارات ونُذُور أو ما شابه ذَلك أو يَقوم بِتَوْثيق ذلك، فَهذا مِن الأمور التي تَدخل في ضِمْن الوصية فالأوْلى للإنسان أن يُكَفِّر مَا عَليه من أيْمان سواء كانت عَن تَرك صيام أو كان بِسبب حِنْثِهِ في بَعض الأيْمَان مثلا، و-كذلك-إذا كان قد أفْطر شيْئا مِن شهر رمضان أو وَجَبَ عليه صومٌ بسبب نذْر أو بِغير ذلك مِن الأمور فلابد مِن أن يَقوم بِتَأدِية ذلك، مخافة أن يُصيبه حادثٌ-لا قدّر الله تبارك وتعالى-عند تَأْدِيَتِه للحج، ولا يَنبَغي للناس أن يَخافوا مِن تَأْدية المناسك بِذِكْرِنا لِهذا الكلام أو بِذِكْرِ بَعض الناس لِذلك، فالحج سَهْل بِمشيئة الله، لأنني أعرِف بعضَ الناس يَخافون مِن تأدية الحج لِمَا يَسمعونه مِن زِحام-أو ما شابه ذلك-عند تأدية المناسك وخاصة عند الرمي، فهذه أمور سَهْلَةٌ يَسِيرَةٌ في حقيقة الواقع، وإنَّما الناس يَجْهَلُون ذَلك .. يَظنّون بأنه لابد مِن تأدية النُّسُكِ الفُلاني في الوقت الفلاني فيُزاحِمون الناسَ ويُصيبُهُم بَعضُ التَّعَب أو تُصِيبُهم مَشَقَّة أو ما شابه ذلك .. لا .. مثلا الرَّمي-بِحمد الله تبارك وتعالى-في اليوم العاشر يَبدأ مِن طُلُوع الشمس على قَوْل كثرة كَاثِرَةٍ مِن أهل العلم بَلْ لم يَقل أحد بِأنه يَبدأ بَعد طُلُوع الشمس وإنَّما الخِلاف هَل يَجوز قبْل طُلوع الشمس أو لا ؟ أمَّا إذا طلعت الشمس فَهُو مَشروع باتّفاق الأمّة الإسلامية قاطبة، ويَمتدّ الوقت-عند طائفة مِن أهل العلم-إلى منتصَف النهار .. (2/163)
صفحة 456
كثير مِن الناس لابد عندما يَأتون إلى موضِع الرمي لابد مِن أن يَقوموا بتأدِية ذلك النُّسُك في ذلك الوقت ولا معنى لذلك، فإذا وَجَدَ الإنسان مَشَقَّة بإمكانه أن يَتَرَيَّثَ ساعة أو ساعتين أو أكثر، بل ذهب بعض العلماء إلى أنّ الوَقْت يَمتدّ إلى غروب الشمس، وبعضهم إلى طلوع الفجر، ونحن وإن كنَّا نقول: إنّ الأوْلى ألاَّ يُؤخِّرَ الإنسان لِغير المشقّة إلى ما بعد منتصَف النهار وإن كانت هنالك مَشَقّة ولو بَسِيطة مُمكِن أن يَتأخّر إلى غروب الشمس، أمَّا ما عدا ذلك .. أي عند عدم وجود المشقّة الشديدة فلا يَنبغي له أن يتأخّر عن ذلك، وهكذا بالنسبة إلى الرمي في اليوم الثاني .. أي في اليوم الحادي عشر وكذا في اليوم الثاني عشر وفي اليوم الثالث عشر لِمن أراد أن يَتَأَجَّل .. أي أراد أن يَمْكُث ذلك اليوم فهو يَبدأ بِمنتصَف النهار ويَمتَدّ إلى غروب الشمس بل لليوم الحادي عشر والثاني عشر .. لِمن لم يَستطِع يَمتدّ إلى مَا هو أبعد مِن ذلك، وشَرْحُ ذلك في موضعه بمشيئة الله، وإنَّما نُريد أن نُبَيِّن للناس بأنّ الأمر يَسير، وبأنه لا يَنبغي لهم أن يَتزاحَموا في وقت-مثلا عند منتصف النهار-ويَتركون الوقتَ الممتدّ الطويل ويُتعِبون أنفسهم و-كذلك-يُتعبون غَيْرَهم، فهذا مِن الأمور التي لا تَنبَغِي. (2/164)
صفحة 457
فهذا مِِن الأمور التي يَنبغي للإنسان أن يَعرِفها عندما يَذهب إلى تأدية الحج، ومِن أهَمِّها-كما قلتُ-أن يَعرِف مناسك الحج، وأن يُوثِّق ما عليه مِن ديون، وأن يَقوم بالتَّوْبَة والإنابة إلى الله، وذلك بِأن يَفِدَ إلى ربه-تبارك وتعالى-وقد تَخلّص مِن كل ما عليه مِن حقوق الله-تبارك وتعالى-وحقوق عبادِه وتاب وأناب إليه وإذا كانت بينه خصومات وبين غيره مِن عبادِ الله-تبارك وتعالى-لابد مِن أن يُصَالِحَهُم بَل لَيْسَ للمسلم أن يَهجُر أخاه فوق ثلاثٍ يَلتقيان يُعرِض هذا ويُعرِض هذا عن صاحبه، كما ثبت ذلك في الحديث عن النبي صلوات الله وسلامه عليه.
وهنالك أمور أخرى تَتعلّق بِهذا الموضوع .. أيْ بِكيفية الحج مِن الوقْت الذي يَخرج مِن بيته .. فيه مَاذَا يَصنع إلى أن يَرجع إلى بَيْته مِن أذكار إلى غير ذَلك، سنُؤجِّل الكلام عليها إلى مناسبة أخرى، وعسى أن يكون ذلك في الأيام القريبة إن شاء الله تعالى.
س: ذكرتم بِأنّ الإنسان إذا كان يَملِك مِن المَتَاع ومِن المال مَا يَسُدُّ دُيُونَه فيما لو حدث له مكروه-لا قدّر الله-فَلَو كان يَمتلِك بَيْتَه فقط وسَيَارته، فهل ذلك يَكفي لكي يُضَمِّنَه الوَصِيَّة ؟ (2/165)
صفحة 458
ج: هذه أَمُور ضرورية، فلا يُمكن أن يَقوم أولادُه بِبَيْع بَيْتِهم وبعد ذلك في أيّ موضع سيسكنون ؟! لا .. وإنَّما إذا كان ذلك يَفضُل عن حاجته وحاجة أولادِه الضرورية، و-أيضا-هذا في ديون الحلال، أمَّا في الأمور المحرَّمَة فعلى الإنسان أن يَتخلّص مِنْها ولو باع الغَالِي والرَّخِيص .. فهذا في الأمور الحلال، أمَّا في الأمور المحرَّمَة لابد مِن أن يَتخلّص وليس له أن يَتَأَجَّل .. نعم إذا كان لا يَهمُّه بأن يَبقى على معصية الله-تعالى-فنقول له: " اذهب إلى الحج ولكنّ الله-تبارك وتعالى-لا يَتقبّل إلا مِن المتقين "، أمَّا أن يُقال لَه بأن يَترُك الحج ويَبقى على معصيته فهذا مِمّا لا يَصح، فإذا وجد الناس في قول بعض أهل العلم بأنّ " مَن كانت عليه ديون محرَّمَة ليس له أن يَذهب إلى الحج بل عليه أن يَتخلّص ويَتوب " .. يُريدُون ذلك إذا كان هَذَا الشخص يُريد حقًّا أن يَتخلّص، أمَّا بعض الناس يَملِكون بعض الأراضي أو بعض العقارات أو ما شابه ذلك مِن الأمور ويَقولون: " نَحْن نريد أن نتخلّص ولكن لا يُمكن أن نَبيع هذه بل نَتأجّل حتى نَجِد ثمنا كبيرا أو نَبني عليها وبعد ذلك نَقُوم بِبَيْعِها " أو ما شابه ذلك فهؤلاء-في حقيقة الواقع-لا يُريدون أن يَتخلّصوا فعليهم أن يَذهبوا إلى الحج لئلا يَجمعوا بين معصيتين .. معصية تَرْكِ الحج ومعصية البقاء على الحرام؛ والله المستعان.
س: إذا تُوفي الإنسان ولم يَحُج مع أنه كان قادِرا على الحج في حياته، فما الحكم ؟ وإذا قلنا بِوجوب الحج عنه، فهل يُحْرَم عنه مِن مكانه أم مِن مكان الذي يَستأجِر عنه ؟
ج: على كل حال؛ مَن وَجَدَ الاستطاعة على الحج فإنه يَجِب عليه أن يَذهب إلى ذلك فوْرا على مذهب المُحَقِّقِينَ مِن أهل العلم، وقد نَسَبَه بعضُ أهل العلم إلى جمهور الأمّة: (2/166)
صفحة 459
مَن وَجَدَ استطاعةً عليه ... بِالفَوْرِ أَن يُعَجِّلَن إليه (1)
ولكنّ الناسَ كما قال هذا الشيخ-أعني الإمام السالمي-رحمه الله تبارك وتعالى:
وأكثرُ الناس يُؤخِّرون ... وأنه كَالدَّيْنِ يَزْعُمُون
وهُم لَعَمْرُ الله مَغْرُورُون ... بِزُخْرُف القَوْلِ مُخَادِعُون (2)
فتجد الواحد منهم يَجِد المال وهو في صحة تامّة ولكنه يُسَوِّفُ .. لا يَذهب في هذه السنة ولا في التي تَليها ويَمْكُثُ عشرات السنين وهو لا يَذهب وإذا سُئل فيقول إنه سيَذهب، والحج ليس على الفور، أو ما شابه ذلك مِن الخُرافات، والذين قالوا: " إنه على التراخي " ما أرادوا بِذلك هذا المعنى الذي يُعبِّر عنه هؤلاء الجهلة بِهذا الكلام، فينبغي لِلإنسان بل يَجِب عليه إذا وَجَدَ الاستطاعة أن يَذهب إلى الحج فوْرا وليس له أن يُسَوِّف في ذلك أبدًا ولْيَتَّقِ الله-تبارك وتعالى-فهو لا يَعلم إلى متى سيَبقى في هذه الحياة فربما يُفاجِؤه الموت ولم يَأتِ العامُ القادمُ الذي يَزعم بِأنه سيَذهب فيه إلى الحج فما مِن أحدٍ مِنّا يَملِك بِأنه سيَبقى لَحظةً مِن اللحظات فضْلاً مِن أن يَزعُم بِأنه يَبقى إلى السنة القادمة أو التي تَليها أو ما شابه ذلك.
وأنا قلتُ في بعض الفتاوى: إنّ المرأة إذا منعها زوجُها مِن الحج فلا طاعةَ له في ذلك إذا كانتْ تَجِد مَن يُرافِقها مِن مَحارِمها، وهكذا بِالنسبة إلى الوَلَدِ إذا مَنَعَه أبوه أو أمه أو كِلاهما عن الحج-وأعني بِذلك طبعا حجَّةَ الفريضَة-فليس له أن يَسمَعَ لَهما فلا طاعة لَهما ولا كرامة، لأنّ الطاعة تَكون في المَعروف وهذا النهي منهما أو مِن أحدِهما ليسَ في المعروف بل هو نَهي عن طاعة الله - سبحانه وتعالى - .
__________
(1) -الإمام نور الدين السالمي، جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام، كتاب: الحج، باب: النيابة في الحج.
(2) -الإمام نور الدين السالمي، جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام، كتاب: الحج، باب: النيابة في الحج. (2/167)
صفحة 460
أما بالنسبة إلى مَن مات ولم يَأت بِفريضة الحج مع أنه قادِر على الإتيان بِها فعلى كل حال أمرُه إلى ربِّه تبارك وتعالى.
فإن كان قد أوصى بِذلك فلابد مِن تنفيذ وصيته، وقد اختلف العلماء في هذه الوصية هل تكون مِن رأس المال أو مِن الثلث ؟
فذهب بعضهم إلى أنها تكون مِن رأسِ المال، وهذا القول هو القول الصحيح عندي، لِحديث: ( فدَيْنُ الله أَحَقُّ أن يُقْضَى ) وما شابه ذلك.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنها تكون مِن الثلث.
وفائدةُ ذلك إذا استَغْرَقَتْ الوصايا الواجبة الثلث ولم يَبقى منه بقية هل تُخرَج عنه الزكاة (1) أو لا ؟ وهذا على رأي مَن يَقول: " إنّ حقوقَ العباد تُقدَّم على حقوق الله تبارك وتعالى "، وهو أحد الأقوال في المسألة.
وبعض العلماء يقول: إنّ حقوقَ الله تُقدَّم، وذلك لِحديث: ( فدَيْنُ الله أَحَقُّ أن يُقْضَى ).
وبعض العلماء يقول: إنه يُحاصَصُ بيْنها.
والحقُّ أنّ دَيْنَ العباد يُقَدَّم، وذلك لأنه مبني على المُشَاحَّة، أما ديونُ الله-تبارك وتعالى-فالله-تبارك وتعالى-غَنِيٌّ عنها .. وإن كانت واجبة لكن لا يُمكِن أن تُقَدَّم على ديونِ العباد، وحديثُ: ( فدَيْنُ الله أَحَقُّ أن يُقْضَى ) لا يُرادُ بِه أنه يُقَدَّمُ على دَيْنِ العباد، وإنما يُرادُ مِن ذلك الوجوب .. أي أنه لابد منه-طبعا-وذلك إذا أَمْكَن.
ونَحن قد قُلنا: إنّ حقوقَ الله-تبارك وتعالى-سواء كانت حَجّا أو غيْرَه تُخرَج مِن أصل المال، فما دام المال يَفِي بِذلك فلابد مِن إخراج ذلك، أما إذا لم يَكن هنالِك شيء مِن المال بعدَ أداءِ حقوقِ العباد-فلا حول ولا قوة إلا بِالله-فيَنبغي لأقاربه أن يَحُجّوا عنه.
أما إذا كان لم يُوصِ بِذلك فإنّ أهل العلم قد اختلفوا في ذلك:
والذي عليه جمهور أصحابنا هو أنه لا تُخرَج عنه الحجّة، لأنه لم يُوصِ بِذلك.
__________
(1) -لعل الشيخ قصد أن يقول: " يُؤدّى عنه الحج " بدلا مِن " تُخرَج عنه الزكاة ". (2/168)
صفحة 461
وذهب بعضُ المتأخِّرين إلى أنه تُخرَج عنه، لِلحديث الذي ذَكَرْنَاه.
وهذه المسألةُ-في حقيقة الواقع-ليس فيها دليلٌ واضِح على أحدِ الأمْرَيْن والحديثُ مُحتمِل، وأنا أقول: إنه يَنبغي أن يُحَثَّ الورثة إما أن يَذهبوا لأداء الحجِّ عنه أو أن يُخرِجوا ذلك مِن مالِه والمال فَانٍ وكما مات هو عنه فإنهم سيَموتون عن ذلك .. بَقي إذا كان في الورثة بعضُ الصِّغار الذين لم يَصِلوا إلى مرتبة التكليف فيُمكِن أن يُنْتَظَر هؤلاء ويَقوم بعض أهل العلم بِحَثِّهِم على ذلك فإن لم يَرْضَوا بِذلك فإنّ لنا كلاما في ذلك بِمشيئة الله، أما الآن فإننا نُحِبُّ هذا، لِعدم وجودِ دليلٍ صريحٍ في المسألة وهذا الحديث الذي ذَكَرْنَاه مُحتمِل؛ وسأتكلّم على هذه المسألة بِتوسُّع في الدروس القادمة بِمشيئة الله.
أعمال الحج
س: نريد منكم أن تُحَدِّثُونا-باختصار-عن صفة الحج .. ما الذي يأتيه الحاج وما الذي يذره ؟
ج: إنه لا يَخفى على أحَد أنَّ الحجَّ مِن أَفْضَل الطاعات وأَعْظَم القُرُبات التي يَتَقَرَّب بِها الإنسان إلى ربه تبارك وتعالى، ولذلك يَجب أن تَكون وِفْقَ سنّة رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-التي ثبتتْ عنه، فالرسول-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-حَجَّ وبَيَّن للناس كيفية الحج بِفِعله وبَيَّن بعضَ الأمور المتعلِّقة بِذلك بِقولِهِ وبَعْد أن فَعَل تلك المناسك قال: ( خذوا عني مناسِككم، لَعَلِّي لا ألقاكم بعد عامي هذا )، وقد اتّفقتْ الأمّة في كثير مِن تلك الأمور، واختلفتْ في بعض الأمور هل هي ثابتة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فما اتّفقتْ عليه الأمّة الإسلامية فلا إشكال فيه، وما اختلفتْ فيه الكَلِمَة فإنه يَنبغي لِلإنسان أن يَأخذ بِما ثبتَ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. (2/169)
صفحة 462
والكلام في صِفَة الحج يَطول، وقد أَفْرَدَهُ كثير مِن أهل العلم بِمؤلّفات مُطَوَّلَة وبَحثوه في كتبٍ أُلِّفَت في التفسير أو في شروح الأحاديث أو في غير ذلك مِن الأمور، ولا بأس أن أُلَخِّصَ ذلك بِتلخيصٍ شديد بِكلامٍ مختصَر.
ومِن نَافِلَة القول أنّ الحج واجبٌ بل هو ركن مِن أركان الإسلام، وأنه لا يَنبغي لِلإنسان إذا استطاع سبيلا إلى ذلك أن يُؤَخِّرَه بَعْد وجوبه عليه، لأنه لا يَدري ماذا سيَحدث له في المستقبل، فقد يَأتيه الموت ولا يَتمكّن مِن تأدية هذا الفرْض وقد يَمرض ولا يَتمكّن مِن ذلك أيضا، وقد تَذهب أمواله فلا يَتمكّن مِن تأدية هذا الركن العظيم، فلذلك إذا وَجد استطاعةً عليه فليس له أن يَتأخَّر عن ذلك، كما يَفعله كثير مِن الناس وللأسف الشديد.
ومِن أهمّ الأمور أن يَقْصِدَ الإنسان بِحَجِّه وبِعُمرته وجهَ الله تبارك وتعالى .. لا يَقصد بذلك رياءً ولا سُمعةً، فكثير مِن الناس يَرغبون في أن يُقال: " إنّ فلانا ذَهب إلى الحج " أو ما شابه ذلك ويَزْعُمُون بِأنهم يَقصِدون الله-تبارك وتعالى-والدار الآخرة وفي الواقع ذلك مِمّا لا يَصح، بل لابد مِن أن ينوِيَ الإنسان نيةً صحيحةً لا يَشوبُها شَوْبُ رياءٍ أو سُمعةٍ، وبَعْد ذلك يُهَيِّئُ ما يسَّره الله-تعالى-له مِن الرزق الحلال فيَذهب به إلى تأدية الحج، وقد تكلمنا على بعض الشروط المتعلِّقة بذلك، ولا أريد أن أطيل الكلام بذلك في هذا الوقت، وإنما أريد أن أتكلم على ما يَفعله الإنسان مِن الوقت الذي يَخرُج فيه مِن بيته إلى أن يَقوم بِتأدية هذا الركن العظيم. (2/170)
صفحة 463
فإذا أراد الإنسان الخروج إلى الحج فَلْيُوَدِّع أهلَه وأقاربه وليُخْلِص النية إلى الله-تبارك وتعالى-بعد توبةٍ صادقةٍ إلى الله-تبارك وتعالى-وتأديةٍ للحقوق التي عليه وتَوْثِيق ما لم يُؤَدِّه مِن الحقوق بصكّ شرْعِيٍّ مع شهادة شهودٍ عُدولٍ ولْيَضعه مع أمين أو مع صاحب الحق وإذا وضعه مع أمين فلابد مِن أن يُخبِر صاحبَ الحق بِذلك، ثم لِيَخرُج إلى مكّة المكرّمة-شَرَّفها الله تبارك وتعالى-وينبغي له أن يَبحث عن أصحابٍ صالحين يُعينهم ويُعينونه على طاعة الله تبارك وتعالى، فإذا بَلَغ واحداً مِن المواقيت .. والمواقيت خمسة:
1-ذو الحُلَيْفَة لأهل المدينة ولِمَن مَرّ بها.
2-وذاتُ عِرْق لأهل العراق ومَن كان في ناحيتهم.
3-والجُحْفَة لأهل الشام ومَن جاء على طريقهم.
4-وقَرْنُ المَنَازِل لِمَن جاء مِن نَجْد.
5-ويَلَمْلَم لِمَن جاء مِن اليَمَن أو مَن كان طريقه عليها.
فمَن كان مِن أهل هذه البلدان أو كان طريقُه على ذلك الميقات فلْيُحرِم مِن هذه المواقيت، ولا ينبغي له أن يُحرِم قبلها، إذ إنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-لم يُحرِم قبل ذلك، فقد أحرم مِن الميقات في حجّة الوداع، وأَحرَم كذلك في العُمرة التي صَدَّه عنها كفار قريش، وكذلك في العُمرة التي قضى بها تلك العُمرة التي صُدَّ عنها، بل وقَّت ذلك بقوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ولو كان هنالك فضْل-أي في التقدم على ذلك-لَفَعَلَه النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-أو لصَرَّح بذلك، أمَّا وأنه لم يَفعل شيئا مِن ذلك ولم يُصَرِّح بشيء منه فلا ينبغي لأحد أن يقول بأنّ ذلك أفضل، وأما الجواز فلا إشكال فيه. (2/171)
صفحة 464
وما جاء مِن الأحاديث مِن أنَّ الأفضل أنْ يتقدَّم الإنسان على الميقات فذلك مِمّا لا يَصح عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، وفِعل الناس لا حُجَّة فيه .. هذا إذا صح عن أحد مِن الصحابة أو غيرهم، ولستُ أريد أن أطيل الكلام على صحّة وعدم ثبوت تلك الروايات التي رُويت عن بعضهم.
فإذا وَصَل إلى الميقات وكان يُريد حجّا أو عُمرة فإنه يُحرِم مِن ذلك.
والعُمرة تكون في سائر السنة إلا ما استُثني مِن الأيام التي يكون الإنسان فيها في الحج، فلا يمكن أن يَعتمِر في اليوم العاشر أو في اليوم الحادي عشر أو في اليوم الثاني عشر وكذلك قبل أن يَنتهي مِن الرمي في اليوم الثالث عشر لِمَن تأخَّر.
أما الحج فإنه لا يكون إلا في أشهر الحج وأشهر الحج معلومة فهو يكون في شوال وفي ذو القعدة وفي الأيام الأولى مِن شهر ذي الحجّة.
أما بالنسبة إلى بقية شهر ذي الحجّة فإنه وإن قال مَن قال مِن أهل العلم بأنه مِن أشهر الحج لكنهم لا يريدون بذلك أنّ الإحرام يَصح فيه، إذ إنَّ مَن لم يَقف بعرفة قبل طلوع الفجر مِن اليوم العاشر مِن شهر ذي الحجّة .. أي قبل طلوع فجر ليلة اليوم العاشر منه فإنه لا حج له باتفاق العلماء قاطبة وبنصّ الحديث قبلَ ذلك .. أي بنصّ الحديث الثابت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. (2/172)
صفحة 465
فإذا جاء إلى الميقات فإنه ينبغي له أن يَغتسِل، كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فقد اغتسَل وأمرَ بالاغتسال بل حتى أنّ الحائض والنفساء تَغتسِلان، فقد ثبت عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-أنه أمرَ زوجَ أبي بكر-أمّ محمد بن أبي بكر-بأن تَغتسِل مع أنها نفساء، فمَن كان يستطيع على الغُسل فيُشرَع له الغُسل، وهو وإن لم يكن واجبا ولكنه سنّة ثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا ينبغي التفريط فيها، أما مَن كان مريضا لا يقوى على الغُسل لِشدّة البرد-مثلا-أو لم يَجِد ماءً-والحمد لله الآن موجود بالنسبة لِمَن مَرّ على المواقيت-فإنه لا بأس عليه بِترك الاغتسال، إذ لا قدرة له عليه، ولا يُشرَع في حقِّه التيمم على القول الصحيح الراجح، لأنه لم يَرِد حديثٌ عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-يَدلّ على التيمم، ولا يمكن قياسُه على التيمّم لِلوضوء للصلاة ولغسل الجنابة .. (2/173)
صفحة 466
نعم إذا كان لا يَقوى على الوضوء وأراد أن يُصلِّي فإنه يَتيمّم لِلصلاة لا لإرادة الإحرام، فإذا اغتسَل وتوضّأ فإن كان الوقتُ وقت فريضة فإنه يُصلِّي الفريضة ويُحرِم بعد ذلك كما سيأتي إن شاء الله، أما إذا لم يَكن الوقتُ وقت فريضة أو قد صلّى قبل ذلك فاختلف أهل العلم هل يُصلِّي نافلةً ويُحرِم بعدها ؟ ولم يَثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يَدلّ على ذلك، إلا أنه إذا دخل المسجد فإنه يُصلِّي ركعتي التحية ويُحرِم بعد ذلك-كما سيأتي بمشيئة الله تبارك وتعالى-أو كان الوقتُ وقت الضحى وكان يُصلِّيها مُطلَقا أو في بعض الأحيان-أعني يُصلِّي سنّة الضحى-فإنه يُحرِم بعدها أو أراد أن يُصلِّي ركعتي السنّة التي تُصلَّى بعدَ الوضوء فإنه يُحرِم بعدَ ذلك كما سيأتي بمشيئة الله تبارك وتعالى، أما أن يُخصِّصَ ركعتين لِلإحرام فالصحيح أنه لم يَثبت في ذلك شيءٌ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وما دام لم يَثبت شيءٌ في ذلك فلا يُمكِن أن نقول بمشروعية شيءٍ ولا نملك دليلا يَدلّ عليه، فإذا صلى-إذا أراد الصلاة-فإنه يُحرِم-في ذلك الوقت على رأي بعض أهل العلم، وفي رأي بعض أهل العلم أنه يُحرِم-إذا رَكب راحلته، وهذا هو الذي دَلّ عليه الحديث الصحيح الذي ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وأما بعد الصلاة فإنه قد ورد حديثٌ عن ابن عباس وقوّاه بعض الناس ولكنه لا يَثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مِن جهة الإسناد.
وهذا الخلاف إنما هو في الأفضل، وأما مِن حيث الجواز فالأمر جائز ولا إشكال فيه.
والإحرام يَكون بِلبْس ثوبَي الإحرام بالنسبة لِلرجُل .. يَلبس إزارًا ساترًا ولابد مِن أن يكون ساترا لِعورته. (2/174)
صفحة 467
وكثير مِن الناس-هداني الله تعالى وإياهم-يُخرِجُون ما هو أسفل مِن السرة مع أنّ ما بيْن السرة والركبة عورة-وهذا الكلام بالنسبة إلى الرجل، وسيأتي ما يتعلّق بالمرأة بِمشيئة الله تعالى-فهذا أمر لا يَصح .. لابد مِن أن يَستر ما بيْن السرة والركبة، وإنما الخلاف في السرة نفسها وفي الركبتين .. نعم يُوجَد خلافٌ في ما هو أعلى مِن الركبتين ولكنّ الصحيح ما ذكرناه، أما ما هو أسفل مِن السرة فلا يمكن أن يُرَخَّص فيه، فلابد مِن أن يَنتبِه الإنسان.
ويَلبس-أيضا-رِداءً، ويَنوي الإحرام وذلك يكون إما أن يُحرِم:
1-بِحج مُفْرد.
2-أو بعُمرة ثم بعدَ ذلك يُحرِم بالحج عندما يَنتهي مِن العُمرة كما سيأتي إن شاء الله.
3-أو يَجمَع بيْن العمرة والحج.
فالأمور ثلاثة: إِفراد، وقِران، وتَمتُّع.
فالإفراد هو أن يُحرِم بالحج، فإذا أتى مكّة المكرّمة طاف لِلقدوم وسَعى بيْن الصفا والمروة ثم يَبقى على إحرامه حتى يَنتهي مِن رمي جمرة العقبة وفي ذلك يُحِلُّ .. أي في اليوم العاشر.
وأما بالنسبة إلى التمتُّع فإنه يُحرِم أوَّلا بعُمرة، فإذا أتى مكّة المكرّمة طاف بالبيت وسعى بيْن الصفا والمروة وأحَلَّ مِن إحرامه. (2/175)
صفحة 468
وصِفَة الطواف أن يَبتدِئَ الطواف مِن ركن الحجَر .. يُقابِل الحجَر ويَنوي الطواف ويَطوف سبعة أشواط ويُرْمِل في طوافه في الثلاثة الأشواط الأولى وكذلك يَضْطَبِع ولكنَّ الاضْطِبَاع-على الصحيح-يَكون في الأشواط السبعة كلِّها، كما ثبت ذلك في السنّة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وذلك بِأن يَجعل وسَط الثوب تَحت إِبْطه الأيْمن ويَجعل طَرفَي الرِّداء على يَده اليُسرى، فإذا انتهى مِن الطواف فعليه أن يُرجِع ثَوب الإحرام على ما كان عليه حتى يُؤدِّي الركعتين وقد سَتَرَ عاتِقَه، فإنّ ذلك أمر لابد منه، كما ثبت ذلك مِن أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، والحجَر إن تَمكَّن مِن تقبيله فإنه يُقَبِّلُه وإن لم يَتمكَّن مِن تقبيله فإنه يَلمسُه بيدِه اليُمنى ويُقَبِّل بعدَ ذلك يدَه اليُمنى فإن لم يَتمكَّن وكان في يدِه عصا-وهو صعبٌ في هذا الزمان-فإنه يَلمسه بعصاه فإن لم يَتمكَّن أشار إليه بيدِه وإذا أشار فلا يُقَبِّل يدَه، وأما بالنسبة إلى الرُّكن اليَماني فإنه يَلمسه بيدِه إن تَمكَّن ولا يُقبِّلها وأما إذا لم يَتمكَّن فإنه لا يُشير إليه، لِعدم ثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أما بالنسبة إلى الرُّكْنين الشامِيين وهما الرُّكن العراقي والشامي فإنه لا يُقَبِّلهما ولا يَلمسهما بيدِه ولا يُشير إليهما، لعدم ثبوت ذلك عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، وعند مقابلة الحجَر يُكبِّر .. يقول: " الله أكبر ".
واستحب بعض العلماء أن يَقول: " بسم الله .. الله أكبر "، وذلك لم يَثبت في حديثٍ مرفوع، وإنما الثابت التكبير .. نعم ثبتت التسمية عن ابن عمر رضي الله-تعالى-عنهما، أما الحديث المرفوع فهو ما ذكرتُه. (2/176)
صفحة 469
وعند طوافه يَدعو بِما تيَسَّر له، وإذا دعا بشيءٍ مِن كتاب الله .. أي مِن الآيات التي جاء فيها الدعاء أو بشيءٍ مِن الثابت عن النبي-صلوات الله وسلامه عليه-فذلك أفضل، أما أن يَشغِل بترديد الأدعية والأذكار خلْف مُطَوِّف ولا يَفْقَه شيئا مِن تلك الأذكار أو تلك الأدعية فهذا مِمّا لا يَنبغي لأحد أن يشتَغِل به، ولْيَحْذَر الإنسان مِن مزاحمة النساء ومِن لَمْسِهِن فإنّ ذلك مِمّا يُنهَى عنه النهي الشديد، فإذا انتهى مِن الطواف-كما ذكرتُ-فَلْيُصَلِّ ركعتين خَلْف المقَام وإن لم يَتمكَّن خَلْفه مباشَرة-وفي ذلك صعوبة شديدة ولاسيما في أيام الحج-فإنه يُصلِّي في بُقْعة بعيدة عنه ولْيَجعله أمامه وإن لم يَتمكَّن مِن ذلك فَلْيُصَلِّ في أيِّ مكانٍ مِن البيت ولو لم يَكن خلْف المقَام، ثم بعدَ أن يُصلِّي يَأتي إلى الحجَر ويَدعو ثم يَتَوجَّه بعدَ ذلك إلى الصفا ولْيَسْعَ بيْن الصفا والمروة سبعةَ أشواط .. (2/177)
صفحة 470
مِن الصفا إلى المروة يَعُدُّه شوطا وهكذا مِن المروة إلى الصفا، ولابد مِن أن تكون البداية مِن الصفا وأن تكون النهاية بالمروة، فلابد مِن أن يَنتبِه الإنسانُ لِذلك، وَلْيَذكُر مولاه-تبارك وتعالى-وهو مُستقبِلاً لِلبيت في حالة صعوده على الصفا والمروة يقول: " الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أَنْجزَ وعْدَه ونَصَرَ عبْدَه وهَزَمَ الأحزابَ وحْدَه " ويَدعو بعد ذلك ثم يَأتي بالذِّكر السابق ويَدعو بعد ذلك ثم يَأتي بعد ذلك بالذِّكر السابق، فإذا انتهى مِن ذلك أحَلَّ بِالحلْق أو التقصير، والحلْق أفْضل إلا في حالة أن يَكون أراد الإحلال مِن عُمرته في العشْر فلِقُرب الإحرام بالحج فإنّ الأفضل له أن يُقَصِّر حتى يَتمكَّن مِن الحلْق عند إحلاله مِن الحج، وقد أَمَرَ النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتقصير في هذه الحالة، وذلك لأجل أن يَبقى شعرُه طويلا حتى يَتمكَّن مِن حلْقه-كما قلتُ-عند الإحلال مِن الحج.
والنوع الثالث: القِرَان، وذلك بأن يُحرِم بالعمرة والحج معاً، فإذا فَعل ذلك فإنه عندما يَأتي البيت يَطوف طواف القدوم ويَسعى ويَبقى على إحرامه حتى اليوم الثامن (1) ويَتوجه بعدَ ذلك إلى مِنى ويَبقى على إحرامه-كما قلتُ-حتى يَرمِيَ جمرة العقبة ويَذبح هدْيه، فإذا ذَبح الهدْي فإنه يُحِل بالتَقصير أو بالحلْق، والحلْق أفضل، لأنّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: ( رَحِمَ الله المحلِّقِين ) .. قال ذلك ثلاث مرات وفي الرابعة قال: ( والمقصِّرِين ).
وبذلك تُلاحِظون أنّ الفَرْق بَيْن القِرَان والإِفْرَاد هو أنّ القارِن يَذبح الهدْي بِخلاف المفرِد فإنه لا هدْي عليه إجماعا، أما القارِن فإنّ عليه الهدْي على مذهب جمهور الأمّة.
__________
(1) -قال الشيخ: " الثامن عشر " وهو سبق لسان. (2/178)
صفحة 471
وسيأتي الكلام بمشيئة الله-تبارك وتعالى-على أفعال الحج على الثلاثة الأنواع.
وفي حالة التلبية يقول: " لَبَّيْكَ اللهم لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شريك لكَ لَبَّيْكَ، إنّ الحمد والنعمة لكَ، لا شريكَ لكَ ":
وإذا كان مُفْرِدا قال: " لَبَّيْكَ بِحجَّة " أو " لَبَّيْكَ حجًّا " أو " لَبَّيْكَ حجَّة ".
وإذا كان مُتَمَتِّعا قال: " لَبَّيْكَ بعُمرة " أو " لَبَّيْكَ عُمرة " أو ما شابه ذلك.
وإن كان قَارِنا قال: " لَبَّيْكَ بعُمرة وحجَّة " أو قال: " لَبَّيْكَ عُمرة وحجًّا "، ويمكن أن يُقَدِّم العُمرة على الحج، ويمكن أن يُؤَخِّر، واستحبَّ كثير مِن أهل العلم أن يُقَدِّم العُمرة على الحجَّة، وهذا مِن باب الاستحباب-على رأيهم-لا مِن حيث الوجوب، والأفضل ألاّ يَزيدَ الإنسانُ على تلبية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأما مِن حيث الجواز فإنّ ذلك جائز، إذ إنّ بعض الصحابة كانوا يَزيدون على مسمعٍ ومرأى مِن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-ولم يُنْكِر عليهم، ولكنّ الفضْل في التزام التلبية التي كان يَأتي بها النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ويَنبغي لِلإنسان أن يُكْثِر مِن التلبية وأن يَرْفَع بها الصوت إذا كان رجُلا، أما المرأة فإنها تُسِرّ ولا تُسْمِع الرجالَ الأجانب، ويُكْثِر مِن التلبية-كما قلتُ-ولاسيما عند إِقبالِ الليل أو النهار أو إذا صَعَدَ شَرَفًا أو نَزَلَ أو ما شابه ذلك .. أي في حالة تَغيُّر الأحوال، و-على كل حال-يَنبغي أن يُكْثِر منها وأن يَرْفَع بها الصوت، كما فَعل أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. (2/179)
صفحة 472
في اليوم الثامن يُحرِم المتَمتِّع بالحج-وهذا على الاستحباب وإلا فإنه يَجوز الإحرام للمُتَمَتِّع قبل ذلك-ويَكون ذلك مِن أَيِّ موضعٍ مِن الحَرَم، والنبي - صلى الله عليه وسلم - أَحرَم مِن المَوْضِع الذي أَقام فيه، ولا يَنبغي لِلإنسان أن يَذهب إلى " مسجد الجنّ " أو إلى " البيت الحرام " أو ما شابه ذلك، لِعدم ثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والظاهر أنّ العلماء عندما قالوا: أَحرَم النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-مِن الموضع الذي مَكَثَ فيه .. أي أنّ أصحابه على مسمعٍ ومرأى فعلوا ذلك، وإلا فهو كان قَارِناً ولم يُحِل مِن إِحرامِه، فلم يُحرِم في ذلك اليوم إحراما جديدا، فيَنبغي أن يُتفَطَّن لِذلك.
هذا ومِن الجدير بالذِّكر أنّ أهل العلم قد اختلفوا في الأفضل مِن الأمور الثلاثة، والصحيح عندنا أنّ الأفضل التَّمَتُّع إلا لِمن ساق الهدْي فإنّ الأفضل له أن يُقْرِن بيْن الحج والعُمرة .. بقي الكلام هل الأفضل أن يَتمتَّع الإنسان أو أن يَسوق الهدْي وأن يُقْرِن بينهما ؟ والثاني هو الصحيح، لِفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - .
كما قلتُ إنّ الأفضل القِرَان لِمَن ساق الهدْي والتَّمَتُّع لِمَن لم يَسُق الهدْي، وبقي الخلاف هل الأفضل للإنسان أن يَسوق الهدْي ويكون قارِنا بيْن حجِّه وعُمرته أو الأفضل له أن يَتمتَّع ؟ والأول هو الصحيح، لفعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فالله اختار لنبيه ذلك ولم يكن لِيَختار له إلا الأفضل، وأما تَمنِّي النبي - صلى الله عليه وسلم - لِلتمتع فإنه إنما تَمَنَّى ذلك لِمَا رأى مِن حُبِّ أصحابه-رضوان الله تبارك وتعالى عليهم-للبقاء على الإحرام فتمنَّى حتى يُوافِقَ أصحابَه، وقد كان - صلى الله عليه وسلم - يَترُك العملَ الأفضل لأجل موافَقة أصحابِه رضوان الله-تبارك وتعالى-عليهم، وتَحرير ذلك يَحتاج إلى بَحثٍ مُطَوَّل، وموضعه آخر بمشيئة الله تعالى. (2/180)
صفحة 473
فإذا ذَهَب الناس في اليوم الثامن إلى مِنى فإنهم يُصلُّون الصلوات الخمس هناك، وبعد ذلك يَخْرُجُون بَعْد طلوع الشمس، ومَن خَرج قَبْل ذلك فلا شي عليه ولكنّ السنّة أن يَخرُجوا بعد طلوع الشمس ويَتوجَّهون إلى عرفة .. لو أَمكَن البقاء بنَمِرَة فذلك هو الذي فَعله النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولكنّ هذا الزمان فيه مِن الصعوبة ما فيه لِكثرة الحجاج، فيَبْقَوْنَ هنالك على ذِكْر الله تبارك وتعالى .. مَن شاء أن يُكَبِّر فلْيُكبِّر ومَن شاء أن يُلَبِّي فلْيُلَبِّ، ويَنبغي لهم أن يُكثِروا مِن الدعاء والذِّكْر ما استطاعوا ولْيَتركوا كلام الدنيا، وإذا زالت الشمس فيَنبغي لهم مباشَرة أن يُصَلُّوا الظهر والعصر .. يَقوم الإمام خطيبا ولْيَخطب خطبة مختصَرة ثم بَعْد ذلك يَقومون بِتأدية الصلاتين جَمْعا .. يَقْصُرُون الظهر ركعتين وكذلك العصر (1) .. يَجمعونَهما جَمْع تقديم، ويُؤَذِّن المؤَذِّنُ أذانا واحدا ويُقيم إِقامتين، فإذا صَلّوا فليَذْكروا الله-تبارك وتعالى-ولْيُكثِروا مِن الدعاء ويُكثِروا مِن قول: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير "، ولْيُكثِروا بِما شاؤوا مِن الدعاء ولاسيما مِن الأدعية التي وَرَدَت في كتاب الله أو صَحّت عن رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-فإنّ هذا الوقت مِن أفضل الأوقات فلا يَنبغي للإنسان أن يُفَرِّطَ فيه بِنوْم أو بِكلام أو ما شابه ذلك، ولْيَبْقَوا على ذلك حتى يَتحقَّقوا مِن غروب الشمس تَحقُّقا لا لَبْس فيه، وليس لأحد أن يَخرُج قَبْل ذلك، لأنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ذلك، ولأنه بَقِي في عامِه ذلك حتى تَحقَّق غروب الشمس تَحقُّقا لا لَبْسَ فيه ولا غُموض وبَعْد ذلك أَفاض وقال: ( خذوا عني مناسِككم ).
__________
(1) -يبدو أنّ هذا القصْر خاص بالمسافِر. (2/181)
صفحة 474
ولِلأسف نَجد كثيرا مِن الناس يَخرُجون قَبْل ذلك، وهذا مِمّا يُخالِف السنّة الصحيحة الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مخالَفة صارِخة، ولا يَنبغي لِلإنسان الذي ذَهب إلى تلك المواطن المقدَّسة أن يُخالِف هذه المخالَفة والعياذ بالله-تعالى-مِن ذلك.
ثم لِيَذهبوا إلى المُزدلَفَة ولْيَبِيتُوا ليْلتَهم بِها ولْيَجمَعوا بيْن المغرب والعِشاء .. يُصَلُّون المغرب ثلاثا والعشاء ركعتين (1) -وطبعا هذا لِلمسافِر-ويكون ذلك بأذان وإقامتين على الصحيح الذي دَلّ عليه الحديث الصحيح، فإذا قاموا في الصباح فلْيُصَلُّوا صلاة الفجْر في أوّل وقتها ثم لِيَذْكروا الله-تبارك وتعالى-هناك ذِكْرا كثيرا ولْيَبْتَهِلوا إليه ولْيُكْثِروا مِن السؤال مع تَضَرُّعٍ وخُشُوعٍ إليه - سبحانه وتعالى - ، ثم لِيَخرُجوا بَعْد ذلك قَبْل طلوع الشمس، وإذا مَرُّوا بِوادي مُحَسِّر إِن أَمْكَنَهُم أن يُسْرِعوا السيْر فذلك هو المطلوب، وإن لم يَتمكَّنوا مِن ذلك فلا حَرَجَ-بِمشيئة الله تبارك وتعالى-مع شدّة هذا الزحام الذي نراه الآن.
وأقول: " شدّة الزحام " .. لا أريد أن يَتَخَوَّف الناس مِن ذلك، وإنما أَذْكُر أنّ ذلك هو الواقع ولكنّ الأمر يَسير بمشيئة الله تبارك وتعالى .. يَرى الناسَ أفواجا ولكنه يَمرّ بِسهولة ويُسر ولا يَجِد مشقّة في ذلك، ومَن ذهب إلى تلك المواطن عَرَف ذلك حقّ المعرفة، فلا يَنبغي لأحد أن يَتَخَوَّف مِن ذلك فالأمر أَيْسَر مِمّا يَتصوّره كثير مِن الناس.
ومَن لم يَتمكَّن مِن مجاوزة الوادي إلا بعد طلوع الشمس لِزحام أو ما شابه ذلك فلا شيء عليه على الرأي الصحيح الراجح.
وأَلْزَمَه بعضُ العلماء الدم، ولا يَجب عليه، لِعدم وجود دليلٍ على ذلك .. هذا هو الصحيح عندي.
__________
(1) -قال الشيخ: " ثلاثا " بدلا من " ركعتين "، وهو سبق لسان نبّه عليه فيما بعد. (2/182)
صفحة 475
فإذا وصلوا إلى مِنى فَلْيَرْموا بِها الجَمْرَة بِشرْط أن يَكون ذلك بعد طلوع الشمس-كما هو مذهب كثير مِن أهل العلم-وهو الذي يُؤْخَذُ مِن حديث ابن عباس رضوان الله-تعالى-عليهما.
الضَّعَفَةُ يُمكِنهم أن يَخرُجوا مِن المزدَلَفة بعد غروب القمَر مِن ليلة العاشِر ولكن لِيَنتظِروا الرمي حتى تَطلع الشمس، وأما القادِر فليس له أن يَخرُج إلا بعد صلاة الفجْر، كما فَعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ، والرمي في هذا اليوم يكون لِجمْرة العقَبة فقط، فلْيَرْمِها الإنسان بِسبع حَجَرات وليُكَبِّر مع كل رَمية ولْيَقْطَع التلبية عند إرادة الرمي .. هذا هو القول الصحيح الثابت الذي دلّت عليه السنّة الصحيحة، ثم بَعْد الرَّمْي لا يُشْرَع الدعاء في هذا المَوطِن، بل يَذهب الناس إلى الذبح بالنسبة إلى مَن كان قارِنا أو كان متمتِّعا .. (2/183)
صفحة 476
فليَذْبَحوا الهدْي ولْيَكن قد بَلَغ السِّن وسَلِم مِن العيوب، ولا يُمكن أن أُطيل بِأكثر مِن ذلك في هذا الوقت، فإذا ذَبَحوا فيُشْرَع في هذا الوقت الحلْق والتقصير لِلرجال، والحلْق أفضل، وأما النساء فإنهن يُقصِّرن بِمقدار أنْمُلَة، وبَعْد ذلك مَن شاء أن يَطوف فلْيَذهب إلى الطواف وليَطُف بِالبيت على الصفة التي ذكرناها إلا أنه لا يُشرع فيه الاضْطِبَاع ولا الرَّمَل على حسب ما ذكرنا بل يَطوف طوافا عاديا، وبعد ذلك بالنسبة إلى المُتَمَتِّع فإنّ عليه أن يَسْعى، كما هو مذهب جمهور الأمّة الذي دَلَّ عليه صحيح السنّة، وأما القَارِن والمُفْرِد فإن كانا قد سعيا مِن قَبْل فلا سعي عليهما، أما إذا كانا لم يَسعيا مِن قَبْل-لِعدم تَمكُّنهما مِن ذلك أو أنهما شاءَا تأخيرَ ذلك، إذ إنّ التأخير جائز وإن كان التقديم أفضل-فعليهما-أيضا-السعي، وإذا فعلوا ذلك فإنهم يَرجِعون إلى مِنى مباشَرة ولْيَرموا الجمرات الثلاث في اليوم الثاني والثالث، فمَن أراد أن يَتَعجَّل فلْيَتَعجَّل بعد الرمي مِن اليوم الثالث وهو الثاني بالنسبة إلى أيام التشريق، ومَن شاء أن يَمكث الثالث-وهو اليوم الرابع مِن أيام الرَّمي كُلِّها-فليَمْكُث، والرمي يكون في هذه الأيام بَعْد زوال الشمس، ولا يُجْزِي قَبْلها.
وما يَفعله كثير مِن الناس مِن التَقَدُّم على ذلك فهو مخالِف للسنّة الصحيحة الثابتة، ولا يُجزِيهم أنهم يُقلِّدون فلانا أو فلانا، فالعبرة بالصحيح الثابت، كما نصَّ على ذلك أهل العلم بل هو الذي نصّت عليه الأدلة، ويُعجبني كلام الإمام السالمي-رحمه الله-حيث يقول:
المصطفى يَعتبِر الأوصاف ... ونحن نحكي بَعْده خلافا
لا نَقبَل الخلاف فيما ورد ... فيه عن المختار نصٌّ أُسند (2/184)
صفحة 477
فإذا وَرد حديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وصَحَّ فلا شيء إلا التسليم، ولْنَترك بقية الأقوال، فإذا انتهوا مِن ذلك فلْيَبْقوا بمكة ما شاءوا وإذا أرادوا الانصراف منها فليَنصرِفوا ولكن بعد أن يَطوفوا طواف الوداع ولْيكن ذلك هو الخِتَام، وتُعْذَر مِنه الحائض والنفساء ومَن لم يَتمكّن لِشِدَّة المرض الذي لا يُمكن مَعَه أن يَطوف بنفسه أو مَحمولا، أما إذا أمكن أن يَطوف ولو مَحمولا فلا يُعذَر مِن ذلك، والحائض تُعذَر مِن هذا الطواف أما مِن طواف الحج وطواف العُمرة فلا تُعذَر، فلابد أن تُؤَخِّر ذلك حتى تَطهُر وتَغتسِل ولْتَطُف بَعْد ذلك.
هذا مختَصَرٌ فيما يَتعلّق بِصفة الحج، وهنالك أحكام كثيرة تركتُها لِضيق الوقت واختصرتُ الكلام في بعضها؛ والله ولي التوفيق.
أولا: الإحرام
حكم ركعتي الإحرام
س: امرأةٌ أَحْرَمَتْ بِالعمرة مِن غيْر أن تُصلِّي ركعتيْن، وإنَّما لبستْ لباس الإحرام ثم أحرمتْ ؟
ج: لم يَقُل أحدٌ مِن أهل العلم بِوجُوبِ هاتيْن الركعتين، وإنما الخِلاف بيْن أهل العلم في مشروعيتهما .. أي أنّ الإنسان إذا لم يُحْرِم بعد فريضة هل يُشْرَع له أن يُصَلِّيَ ركعتيْن لِلإحرام أو لا ؟
ذَهَب بعضهم إلى أنه لا يُشْرع له ذلك، إذ إنّه لم يَأتِ دليل يَدُل على ذلك، فإن أراد الإحرام بعد فريضة فلْيُحْرِم بعدَها، وإن كان الوَقْتُ ليس وقت فريضة فإذا كان يَصحّ فيه التنفّل فيُمكن أن يُصَلِّي ركعتيْن بعد وُضُوئِه بِنِية ركعتَي الوضوء، أو كان الوقت وقت صلاة الضحى فليُصَلِّ صلاة الضحى، وهكذا إذا أراد أن يَتَنَفّل، أمّا أن يُصَلِّي صلاةً خاصّةً بِالإحرام فإنه-عند هذه الطائفة مِن أهل العلم-لا يُشرَع له ذلك.
وذَهبتْ طائِفة مِن أهل العلم إلى مشروعية ذلك. (2/185)
صفحة 478
و-على كل حال-أنَا لَم أَجِد دليلاً يَدلّ على مشروعية هذه الصلاة ولكن-كما قلتُ-إذا دخل الإنسان المسجد فلْيَرْكَع ركعتيْن ولْيُحْرِم بعد ذلك .. أي بعد أن يَركَب في سيارته، وإذا أراد أن يُصَلِّيَ بعد الوضوء أو أراد أن يُصَلِّيَ صلاة الضحى أو شيئا مِن النَّوافل التي اعْتاد عليها وكان ذلك الوقت-طبعا-مِمّا لا يُنهَى عن الصلاة فيه-ولا يُمْكن طبعا لِلإنسان أن يَعْتَاد على الصلاة في وقتٍ يُنْهَى عن الصلاة فيه-فإذا صلى فلا بأس بذلك بِمشيئة الله؛ والعلم عند الله.
** أنواع الإحرام
س: مَن أدّى العُمْرة مِن قبل، ما الذي أفضل له أن يَصْنَعَهُ عندما يُريد أن يحج ؟
ج: هو مخيَّر:
1-إن شاء أن يَتَمتَّع فليَتَمتَّع .. أي أن يُحْرِم بِعُمرة أوّلا ويَطوف ويَسعى لَها ثم يُقَصِّر ويَبقى مُحِلاًّ إلى أن يُحْرِم في اليَوم الثامن مِن ذي الحجة، وعليه هدْي-طبعا-في هذه الحالة، والصحيح أنه لا مانع مِن أن يَتَمتَّع الإنسان بِعُمرة النَّفل إلى الفريضة .. هذا ما ذهب إليه الجمهور، وهو واضِح.
2-وله-أيضا-أن يَكون قارِنا .. أن يُقْرن بيْن الحج والعمرة، ولا مانع-أيضا-مِن أن تكون العُمرة عُمرة نفل ويكون الحج حج فريضة، وعليه-أيضا-الهدْي عند أكثر أهل العلم في هذه القضية.
3-وبيْن-أيضا-أن يُفرِد الحج، ولا هدْي عليه إذا أفرد.
الأفْضل ما هو ؟ الأفْضل لا شك التَّمتع.
س: في حال الإقران بِالحج والعُمرة، هل يَكْتَفِي القارِن بِسَعْيٍ واحد بِنية الحج والعُمرة-كما وَرَد في بعض الفتاوى-يُؤَدّيه متى ما شاء سَوَاء عند طَواف القُدوم أو يُؤَخِّره عند طَوَافِ الإفاضة ؟
ج: اختَلفَ العلماء في القَارِن هل يَجِب عليه أن يَطُوف طوافَيْن وأن يَسْعى سَعْيَيْن أو أَنّه يَكْتَفي بِطوافٍ واحد وسعيٍ واحد ؟ (2/186)
صفحة 479
والصحيح عندي أنه يَكفِيهِ ِطوافٌ وسَعيٌ واحد بل لا يُشرَع لَه أن يَطوفَ طوَافَيْن وسَعيَيْن اللهم إلا إذا جاءَ أوّلا إلى مكّة المكرّمة فإنه يُشرَع له أن يَطُوف طَوافَ القُدوم ويَسعى وهذا السعي يَكون لِحجِّه وعُمرتِه ثم بعد أن يَنتَهي مِن عَرفة ومِن المزدلفة ومِن رمي الجمْرَة والذبْحِ والحلْقِ أو التَقصيرِ إذا كان رجُلا-والتَقصيرِ إذا كانت امرأة-فإنه لابد مِن أن يَذهب ويَأتي بِطواف الزيارة، وذلك الطواف الذي أتى بِه مِن قبل لا يجْزِيه لِحَجّته لأنه لِلقُدوم .. أي أنه يُشرَع لِمَن أتَى إلى مكّة وهو يَنْوِي الحج أو يَنْوي أن يَكُون قارِنا بَيْن الحج والعُمْرة، أما إذا كان يُريد العُمرة فإنه يَطُوف طَواف العُمرة وذلك يُجزِيه عن طواف القُدُوم .. فإذن إذا أتى إلى مكّة المُكرّمة وكان قارنًا فَلْيَطُفْ طوافَ القُدُوم، وهذا الطواف:
1-سنّة عند جُمهور الأمّة مَن تَركه لا شيء عليه إلا أنه تَرَكَ الفَضْلَ، ولا يَنبغي لِلإنسان أن يَتْرُكَ مَا ثَبتَ عن رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-إلا إذا كان مَريضًا أو مَا شَابَه ذلك.
2-وذَهَبت المَالكِية إلى أنّه وَاجِب وأوجبوا على مَن تَرَكَه الدّم.
والصحيح القَول الأول.
وإذا طَاف لِلقُدوم فإنه يَسْعَى في ذلك الوقْتِ وذلك السعي يَكُونُ-كما قلتُ-لِلحج والعُمرة ثم عِنْدَما يَنْتَهِي مِن الوُقُوف بِعرفة والمَبيت بِالمُزْدلفة والرّمي والذّبح أو النّحْر، والحلْق أو التّقصِير على ما فَصَّلْتُ (1) فإنّه لابد مِن أن يَأتِيَ ويَطُوف طوافَ الزيارة، فالطواف السابق-إذن-لَمْ يَقُلْ أحدٌ أنه يُجْزِيه عن طَوَاف الزّيارة؛ والله أعلم.
س: ولكن يُجْزِيه السّعْي ؟
__________
(1) -أي: والحلْقِ أو التَقصيرِ إذا كان رجُلا، والتَقصيرِ إذا كانت امرأة. (2/187)
صفحة 480
ج: السَّعْي نعم، لأنّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - طَافَ طواف القُدُوم وسَعى ثم عندما رَجَعَ صلوات الله وسلامه عليه بَعْد الذَّبح والحَلق طَاف لِلزيارة ولم يَسْعَ، ولَنَا فِيه أُسوة حَسنَة.
س: هَل يَصْدق هذا-أيْضًا-على المُفرد ؟
ج: نعم، المُفْرِد كذلك إذا جاء وَطَاف أوّلا طواف القُدُوم وسَعَى فإنه بعد الرّمي والتقصير أو الحلق فإنه يَأتِي ويَطوف وقد سَعى مِن قبل وذلك السَّعي هو سعي الحج، أما إذا كان لم يَأتِ مَكّة أبَدًا بِأن أتى إلى مِنى أو إلى عَرَفة مباشَرة أو أنَّه أتى إلى مَكّة ولكنه لم يَطُف ولم يَسْعَ فلابد هَاهُنَا مِن الطواف والسعي بل الطَّواف لاَبُدّ مِنه على كل حال؛ والله أعلم.
أحكام إحرام الصبي
س: يَأخُذُ بعض المسلمين أَطفالهم مَعَهُمْ للعُمْرة ومِنْهُم الرضيع ومنهم المُمَيّز، فما هي الأحكام المُتَعَلِّقَة بِهؤلاء الأطفال ؟ نرجوا التَفصِيل في هذه القَضِيَّة .. يَعْنِي هَلْ لَهم أن يُحْرِموا لَهم وأن يُؤَدّوا العُمْرة وهَكَذا الحج ؟
ج: أما الطفل إذا كان صَغِيرا جدا فهذا في الوَاقِع قد تَكُون هنالك مشكلة في الإحرَامِ لَه، أمَا إذا كَان هَذَا الطفل يُمَيِّز ولَو قليلا فقد ثَبت في السنَّة الصحيحة الثابتة-مِن عِدّة طُرُقٍ-عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-مِنْهَا مِن قَوْله ومِنْها مِن إقراره:
فقد سَألتْه امرأة: " هَل لِهذا حج ؟ "-أي لِصبي مَعَها رفعَتْهُ-فَقَال لها - صلى الله عليه وسلم - : ( نعم ولَكِ أجر ).
وذَهَب طَائِفَة مِنَ الصّحَابة-رضوان الله تبارك وتعالى عليهم-مَعَ رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-إلى الحج وَهُم لم يَصِلوا إلى مَرْتبة البُلُوغ وأَقَرَّهُم رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-على ذلك. (2/188)
صفحة 481
نعم .. هُمْ يُطالَبون بَعد ذلك بِفريضة الحج ويُطالَبُون بِالعُمرة على القول بِوجُوبِها، أو يُطَالبُونَ بِها حتى عَلى القَوْل بِأَنَّها سنَّة وإنَّما تَختلِف الدرجة.
فإذا كان هَذا الصبِي يُحافِظ على طَهَارَتِه على أَقَلِّ تَقْدِير أو يُمْكن أنْ يُسأَل أو ما شابه ذلك فلا يَنبغي أن يُحْرَم مِن ذلك، ففي ذلك فَضْلٌ عظيم لِذلك الصّبي بِمشيئة الله تبارك وتعالى، وفي ذلك أَجْر وثَوَاب بِمشيئة الله لِمَن أحْرَمَ لِذَلِك الطِّفْل إذا كان قَاصِدًا بِذلك وَجْهَ الله تبارك وتعالى.
أما إِذا كَانَ صَغِيرا جدًا جدًا فَهَذَا قد تَكُونَ فِي الإحْرَام لَه مُشْكِلة؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: إذا ارتَكَبَ هَذا الصّبي المميِّز-الذي يَستطيع أن يَفهم ما يُقال له-شَيئا مِن المحْظُورَات، مَن الذِي يَتَحَمَّلُ مَا يَترتب على ذَلك ؟
ج: في هذه المسألة خِلافٌ بَيْن أهل العلم:
1-منْهم مَن يَقُول: إنّه لاَ شَيءَ عليه ولا على مَن أَحْرَمَ له، فذلك مَعْفُوٌ عَنه بِمشيئة الله تبارك وتعالى.
2-ومِنْهُم مَن يَقول: يُخاطب بِه مَن أحْرَم له.
والقول الثاني مَشهور، والقَوْل الأول قد قَالت به طَائَفة مِن أهل العلم وله وَجْه وَجِيه؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
أحكام قطع التلبية
س: متى يَقْطَع المُحْرِم التَّلْبِيَة ؟
ج: أما إذَا كَان مُحْرِما بِالحج فإنه يَقْطَعُ التَلْبِيَة إذا أرَادَ أن يَرمي جَمْرَة العَقَبَة .. أي عند إرادة رَمي أوّل حَصَاة على الصحيح.
وذَهَب بَعضهم أنّه يَتْرُك التلبية بِانتِهائه مِن رمي جَمْرَة العَقَبَة أيْ بَعد الرّمي بِالحِجَارَة السَابعة، واستدلوا على ذلك بِرواية صريحة عِندَ ابن خُزَيْمة، ولكن تلك الرواية فيمَا يَظْهَرُ لِي شَاذَّة، ذلك لأنّ الإنسان يُؤْمَر عنْد الرَّمْي بِذِكْرٍ آخر وَهُوَ التَّكْبِير فَكَيْف لَه أنْ يَجْمَع بَيْن التَكبير وبيْن التَلبية ؟! (2/189)
صفحة 482
فإذن يَنْتَهِي مِنَ التَلْبِيَة بِمُجرّد إرادة الرّمي، فإذا أراد أن يَرْمِي بِالحجارة الأولى فَيَترك في ذلك الوَقْت التَلْبِيَة .. هذا هُو القَوْل الصحيح، الذِي يَدل له الحديث الصحيح عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-وإلا فإنّ هُنَاكَ أقْوَالاً مُتعدِّدة في وَقْت الانتِهاء مِن التَلْبِية في الحج، ولا أُطِيلُ المقام بِذكر تِلك الأقْوَال ومَا لَها مِن حُجَجَ فإنّها وإن اعتَمَدَ أَصْحَابُهَا على بعض الأدلة ولكِنها مُخَالِفة لِهذا الحديث الصحيح الصَرِيحِ الدال على ذلك وهُو حديث ثَابِت لا شَك في ثُبُوتِه؛ والله أعلم.
أمَا بِالنِّسبة إلى العُمرَة فإنه لم يَأْتِ حَديثٌ صحيح صَرِيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - يَدلّ على وقت الانتِهَاءِ مِن التَلْبِية، ولِذلك كَثُرَ فيها الخلاف بيْن أهل العلم، وقد جاءت أحاديثُ عِدّة تدلّ على أنّ المعتمِر يَنتهي مِن التَّلْبِيَةِ عِنْدَ إرادة الطَوَاف ولكنّ تِلْك الأحاديث لا تَثْبُتُ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وذَهَبَ بَعْضُ أهل العلم إلى أنّ الآفاقيّ .. أيْ الذي جَاءَ مِن مكانٍ بَعيد وأحْرَمَ مِن المِيقَات أو مِن دُونِه فإنه يَتْرُك التَلْبِيةَ عِنْد الوُصول إلى الحَرَم .. أيْ عِنْد الوُصول إلى أدنى الحَرَم، واحتجُّوا على ذلك بِروايةٍ عن ابن عمر رضي الله-تبارك وتعالى-عنهما، وهذا القول قول قوي؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
أما مَن أحْرَمَ مِنَ " التَنْعِيمِ " أو نَحْوِه فإنّه يَتْرك التَلْبِية على رأَيِ هَؤُلاَءِ عِنْدما يَكُونُ قريبا مِن المسجد الحرَام؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم. (2/190)
صفحة 483
وَهُنَا أريد أن أنبِّه على مسألة مُهِمَّة جِدا وهي أنّ كَثيرا مِن الناس يَذهبون إلى تأْدِية الحج والعُمرة وهُمْ لا يَعْلَمون عن أحكَامِهما شيئا .. يَسمعون أَنّ الناس يَذْهُبُونَ إلى الحج والعُمْرة ويَذهبون إلى ذلك، ولا شك أنّ في الذهاب إلى تِلك البِقاع فضْلا عظيما بل الذّهاب لِتَأدِيَة الحج مِن الأمور الوَاجبة المتحتِّمة، و-أيضا-قد ذَهَبَت طائفة كَبِيرَة مِن أهل العلم إلى وُجُوبِ العُمْرة، وهُوَ قَوْلٌ له أدَلَّتُه التي تُؤيِّده فَلاَ يَنْبَغِي لِلإنسان أن يُفَرِّط فيها، والحج وَاجِبٌ على الفَوْر على مَن وَجَد الاستطاعة إِليْه-كَما هَو رأي جماعة مِن أهل العلم-وهُو الذي تُؤَيِّدُه الأدِلة؛ لكنّ كَثيرا مِن الناس-كما قلتُ-يَذهبون ولا يَعْرِفون عَن أَحكَامِ الحج والعُمرَة شَيئا. (2/191)
صفحة 484
والأمر الذي أُرِيدُ أُنبِّه عليه في هذا الوَقْت: أنّ كثيرا مِن النّاس يَصِلُون إلى مَكّة المكَرّمَة شَرّفَهَا الله-تبارك وتعالى-مِن غَيْرِ إِحَرَام، وَقَد التَقَيْتُ بِبَعضٍ منهم أتى إلى مكّة المكرّمة مِن غيْر إحرام ويُريد أن يَخرُج بَعد ذلك إلى " التَنعيم " يَقول: " عندما أصل إلى مكّة وأَقُوم بِإنزال الأمتعة-ومَا شابه ذلك-سأذهب إلى ' التَنْعيم ' وأُحْرِم مِنْ هُناك " وهذا خَطأ جَسِيم .. مُخالِف لِسنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولإجمَاع الأمّة المحمدية قَاطِبة، فإنّ مَن ذَهَبَ إلى مكّة المكرّمة شَرفها الله-تبارك وتعالى-وهو يُريد حجّا أو عُمرة ليس له أن يَتَجاوز المِيقَات إذا كَان مِن خَارِج الميقَات إلا وَهُو مُحْرِم، بِنَصّ الأحاديث الثابتة وإجماع الأمّة-كما قلتُ-ومَن جَاوَزَ ذلك فَقَد تَعَدّى حدودَ الله-تبارك وتعالى-وعَلَيه أن يَتُوبُ إلى رَبِّه وأن يَرْجع مرّة أُخرَى إلى المِيقات وأن يُحْرِمُ مِن ذلك المكان، أما مَن كَان دُون المِيقات فإنه يُحْرِمُ مِنَ المكان الذي فِيه إلا إذَا كَان مِن أهْلِ (1) الحرَمِ فإنه لابد مِن أن يَخرُج إلى الحِل .. إلى أيِّ مَوْضع مِن الموَاضِع مِنْه، واختَلفوا في الأفْضل، ولا أريد أن أطِيلَ بِذلك، والحَاصل أَنَّه لَيْس لأحَد أن يَتَجَاوَزَ الميقات إذا كان يُريد حَجًّا أوْ عُمرة وإنَّما العلماء اختلفوا فِيمن لم يُرِد الحج ولا العُمرة ولم يَكُن مِن المُتَرَدِّدِين على مَكّة المكرّمة هَل لَه أن يَتَجَاوزَ الميقات مِن غَيْر إِحرام ؟ ونَحنُ نَقُولُ: إنّ القَوْل الصحيح أنّ مَن لم يُرِد الحج ولا العُمرة لَه أن يَتجاوز الميقات مِن غَيْر إحرَام، بِنَصّ الحديث الثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وإذا ثَبَتَ الحديث فَلا كَلام:
__________
(1) -يُنظَر مع الشيخ لعلّه قصد أن يقول: " إذَا كَان في الحرَمِ " بدلا مِن قوله: " إذَا كَان مِن أهْلِ الحرَمِ ". (2/192)
صفحة 485
المصطفى يَعتبِر الأوصَاف ... ونَحن نَحكي بَعده خِلافا
لا نقبل الخلاف فيما وَرد ... فيه عن المختار نصّ أُسنِد
وأما مَن أراد الحج أو العمرة فَلا، ومَن أخطأ بِجهله ودخل إلى مكّة المكرمة مِن غير إحرام فإنه يُؤمَر بِأن يَرجِع إلى الميقات الذي جَاء منه، لا إلى مِيقات آخر ولاَ إلى أَدْنى الحِل أو أيِّ مَوْضع مِن مَوَاضع الحِل .. كَلاّ بل يُؤمَر بِأن يَرجِع إلى الميقَات الذَي جَاء مِنه وأن يُحرِم مِن ذَلك المكان ويَتُوبَ إلى الله-تبارك وتعالى-إلا إذا كَان الوَقْتُ ضَيِّقا بِأن كان يَخشى مِن فَوَات الحج فَإنه يُحْرِم مِن الموْضِع الذِي هُو فيه ويُؤمَرُ بِالتوبة وبِأن يَذبَح ذَبيحةً لِفُقَرَاءِ الحرَم؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
كذلك بَعْض الناس يُحْرِمُون لِلعُمرة مِن الحَرم وهذا خطأ .. لَم يَقُل أحدٌ مِن العلماء المتقدِّمين: " إنّ الإنسان يُمْكِن أن يُحْرِم مِن الحَرِم وأن يُؤدّي العمرة ويَكون مُوَافِقًا لِلصَّواب " بل أجْمَعُوا على خِلاف ذلك وإن خَالَف بعض المتأخِّرين، وإنما اختلَفوا هَل تِلك العُمرة:
1-تَكون صحيحة ويُؤمَرُ بِالفِدية.
2-أو أنَّها لا تَكُونُ صَحيحة بَلْ يُؤمَرُ بِالخُروج إلى الحِل وإن كان قد طَاف وسَعَى مِن قَبْل ؟ وهَذَا القَوْلُ هُو القَوْلُ الصحيح، أما أَن يَكْتَفِي بِالإحْرَامِ مِن الحَرَم فَقط مِن غَيْر أن يَخرُج ويَظُنّ بِأنّ ذلك مُوَافق لِلسنَّة أو أنّه مأمُورٌ بِه فَهَذا مِمّا لم يَقُل بِه أحدٌ مِن العلماء المتقدِّمين-كما قلتُ-بل أجمعوا على خِلاف ذلك. (2/193)
صفحة 486
فينبغي أن يُنتبَه لِمثل هذه الأمُور، وأن يَقرَأَ الإنسانُ ولو مُختصَرا مِن المختصَرات إن كان يَسْتطيع على القَراءة، وأنْ يَسأَل أهل العلم عن أحْكَامِ شَرْع الله-تبارك وتعالى-في هذه القضية وفي غيرها، وليس له أن يَتَقدَّم على شَيءٍ بِغَيْر عِلم فإنّ ذلك-والعياذ بِالله تبارك وتعالى-قد يُوقِعُه في بَعضِ الأمور المخَالِفة لِشَرْع الله بَلْ الإتْيَانُ بِأمر مِن الأمور ولا يَعرِف الإنسانُ حُكْمَه .. هذا الأمرُ نَفْسُه مِمّا لا يَنبغي لأحد أن يَذهبَ إليه وإن اختلَف العلماء في هلاكه في التَّقَدُّم مِن غَيْر عِلم إذا صَادَفَ الحق، أما إذا لم يُصادِف الحق فإنه لم يَقُل أَحَدٌ بِسَلاَمتِه؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
أحكام محظورات الإحرام
س: ما حكم مَن قَتَلَ الصيْدَ في الحرَم مِن غير عَمْد ؟ وهل حَجّه صحيح أو لا ؟
ج: قَتْلُ الصيْدِ لِلْمُحْرِم سواءً كان في الحِلِّ أو في الحرَم وهكذا بِالنسبة إلى قَتْلِ الصيْد في الحرَم .. الصيْدُ لِلْمُحْرِم حرام في الحِل وفي الحرَم، والصيْد في الحرَم حرام على المُحِل والمُحْرِم، فليس لِلإنسان أن يصيد مِن الحرَم ولو كان مُحِلاًّ، كما أنه ليس لِلْمُحْرِم أن يصيد ولو كان مِن الحِل .. هذا أمرٌ يَنبغي أن يُنْتَبَهَ إليه، لأنّ بعضَ الناس لا يُفَرِّقُ بيْن الأمْريْن وقد يَقَعُ في خطإٍ في هذه المسألة، فتَعمُّد ذلك حرام ومعصيةٌ مِن معاصي الله بل كبيرةٌ مِن كبائر الذنوب، فمَن فَعَلَ ذلك فعليه أن يَتوب إلى ربِّه وأن يَرجِع إليه-تبارك وتعالى-وأن يُؤَدِّيَ ما عليه، وبِما أنّ السائل لم يَسأل عن ذلك لأنه بِحمد الله-تبارك وتعالى-لم يَتعمَّد ذلك فلا حاجة لِلكلام عليه ولاسيما أنني قد تَكَلَّمْتُ على ذلك بِالأمس (1) .
__________
(1) -عند الجواب على السؤال 1 من حلقة 15 رمضان 1424هـ ( 10/11/2003م ). (2/194)
صفحة 487
وأما بِالنسبة إلى المخطئ فإنه لا ذَنْبَ عليه، لأنه لم يَتعمَّد ذلك، وذلك-طبعا-لا يُؤَثِّرُ في حَجِّه ولا في عُمرته أن لو كان معتمِرا-بل حتى المُتَعَمِّد لا تَفسُد حَجّته أو عُمرته بِذلك على ما ذهب إليه جمهور الأمّة-وأما بِالنسبة إلى وجوبِ الجزاء على هذا السائل-الذي وَقَعَ ما وَقَعَ منه على سبيل الخطإِ-فقد اختلَف العلماء فيه:
ذهبت طائفة مِن أهل العلم-وهو مذهب جمهورهم-إلى أنه عليه الجزاء.
وذهبت طائفة مِن أهل العلم-ورَجَّحَه قطبُ الأئمة رحمه الله تبارك تعالى في " الجامع الصغير " كما ذكرتُ ذلك في " قُرّة العَيْنَيْن " (1) ، وهو أيضا مذهب جماعةٍ مِن أهل العلم-إلى أنه لا جزاء عليه، وهذا القول هو القول الصحيح عندي، فإن شاء أن يَأخذ بِهذا الرأي-وهو مبني على أصلٍ أصيل-فلا حرج عليه بِمشيئة الله تبارك وتعالى، وإن شاء أن يَحتاط وأن يَخرُج مِن الخلاف في هذه المسألة فلابد مِن أن يَحْكُمَ في هذه القضية حَكَمَان عَدْلاَن، إذ إنّ مسائل الجزاء في الصيْد لابد فيها مِن الحُكْم، ولا تَكفي فيها الفُتْيَا، فلابد مِن أن يَحْكُمَ فيها حَكَمَان عَدْلاَن إلا أنّ العلماء قد اختلفوا هل ذلك على الإطلاق أو في ما لم يَأتِ فيه حكمٌ عن صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟
__________
(1) -كتاب " قرّة العينَيْن في صلاة الجمعة بِخطبتين " ص47، وهذا ما ذكره الشيخ فيه: ' اختار-رحمه الله تعالى-في " الجامع الصغير " أنه لا جزاء على مَن قتل الصيد ناسيا، واختار في بقية كتبه وجوب الجزاء على العامِد والناسي، قلتُ: والقول بِعدم وجوب الجزاء على الناسي هو الصحيح، لِعدم الدليل الدال على الفدية، والأصل عدم ذلك؛ والله-تعالى-أعلم. '. (2/195)
صفحة 488
فذهب بعضهم إلى أنه إذا وُجِدَ في تلك القضية حُكْمٌ لاثنيْن مِن صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حَكَمَا بِه على بعضِ الناس الذين وَقَعَ منهم مثلُ الذي وَقَعَ فيه هذا الإنسان فيَكفيه أن يَأخذ بِذلك الحكم.
وذهب بعضُ العلماء إلى أنه لابد مِن الحُكْم في تلك القضية مَرّة أخرى.
وأنا قد ذكرتُ أنّ هذا الشخص لا بأس عليه بِمشيئة الله ولكن إن شاء الاحتياط فلابد مِن أن يَبْحَثَ عن حَكَمَيْن عَدْلَيْن حتى يَحْكُما له في هذه القضية.
س: يَحْكُمَا له بِالجزاء ؟
ج: نعم .. يَحكما عليه بِالجزاء في هذه القضية، لأنّ هذه القضية تَحتاج إلى حُكْمٍ، بِنصّ الكتاب العزيز.
س: وهم يُبَيِّنُون له معنى الجزاء ؟
ج: ما هو الذي يَلزمه لكن-كما قلتُ-نَحن نَعتمِد الرأي الآخر وهو أنه لا شيءَ على المخطِئ ولكن الرأي الثاني هو مذهب الجمهور ومَن احتاط وأخذ بِه فلا شك أنّ فيه سلامة.
س: مِن المعلوم أنّ الطِّيب مِن الأمور التي يُمنَع منها الحاج غير أنّ كثيرا مِن النَّاس قد يَلْتَبِس عليهم الأمر ولَربما يُضَيّقُون على أنفُسِهم أمورا قد وسَّع الله-تعالى-عليهم فيها مِن ذلك ما يَتعلق بِالنّظافَة فنجِد بعضَ الناس يَمْتَنِعون عن الاستحمامِ أو السِّواك طيلة أيام الإحرام، وسؤالنا عن مَشروعية استخدام المواد التالية لِلمُحْرِم:
1-استخدام بعضِ أنواع الصابون كالذي به رائحة " الديتول " أو رائحة اللّيمون أو رائحة الفواكه الأخرى .. فهل استخْدام مثل هذه الأنواع لِلمُحْرِم سوَاء غسل الأيْدِي أو الاستحمام أثْنَاءَ فترة الإحرام مِن الممنوع ؟
ج: لا، هذا ليس مِن الممنوع، فهذه الأشياء لا مانع لِلإنسان مِن الاستحمام بِها أو مِن غسل اليدين أو ما شابه ذلك. (2/196)
صفحة 489
وهكذا بِالنسبة إلى السواك لا مانع منه، سواء كان ذلك بالأراك أو كان ذلك بِالمعاجين العصرية-وقد حَكى بعضُ أهل العلم الإجماعَ على ذلك-ولا بأس عليه حتى لو خَرَج دمٌ مِن لثَّته-مثلا-أو ما شابه ذلك .. هذا لا مانع منه بل السواك مطلوب .. الرسول-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-يقول: ( لولاَ أن أَشُقَّ على أمّتي لأَمَرْتُهم بِالسواك عند كل صلاة ) وفي بعض الروايات: ( عند كل وضوء ) وفي بعضها الجمع بينهما، فحتى لو خَرج دم مِن اللثَّة-مثلا-لا مَانع مِن ذلك لكن إن كان ذلك بَعد وُضوء فلْيُعِدْ وضوءَه لأنّ الدم نَاقِضٌ لِلوضوء عند أكثر أهل العلم.
وهكذا بِالنسبة إلى الصابون العادي الذي ليستْ فيه رائحة أو فيه شيءٌ مِن الروائح التي ليستْ مِن العِطْر في شيءٍ كالأشياء التي وَرَدَ ذِكْرُها في السؤال.
فلا يَنبغي لِلإنسان أن يُشَدِّدَ على نَفسِه وأن يُلْزِم نَفْسَه بِما لم يُلْزِمْه الله-تبارك وتعالى-بِه، فما الداعي أن يَبقى الإنسان لا يَستَخدم السّواك ويَتْرُك السنّة الثابتة الصحيحة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بَدعوى خَوْف المَحذور مع أنه لا مَحذور في ذلك أبدا ؟! والله أعلم.
س: 2-معنى ذلك أنّ اسْتِخدام المعاجين التي بِها رائحة لا بأس ؟
ج: هذه الرائحة ليستْ بِرائحة عِطْر في واقع الأمر فلا مانع منها.
س: 3-استخدَام الدِهان كالكريمات مثل زيت الزيتون وزيت النَارْجيل والحبة السوْادء أيضا.
ج: هو-حقيقة-لا دَاعي لِمثل هذه الأمُور في أيام الحج .. لا داعي إلى مِثْل هذه الأمور لأنّ ذلك لم يَثْبتْ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .. النبي - صلى الله عليه وسلم - استخدَمَ ذلك في المدينة عندما أراد أن يَخرُج إلى ذي الحُلَيْفَة وهو في طريقه إلى مَكّةَ، أما في أيام الإحرام لم يَسْتخدم النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك، ولنا فيه أسوة حسنة.
** أحكام الدماء (2/197)
صفحة 490
س: ذكرتُم في حلقة ماضية (1) أنّ الدماء التي تَجب على الحاج أو المُحْرِم إذا ما أخطأ في أمر مِن الأمور أو فعل أمرا مِن الأمور تَحتاج إلى تفصيل وليس كل ما أخطأ فيه الحاج يُوجِب الدم وهناك أمور تأتي على التخيير .. كل هذه نريد فيها شيئا مِن التفصيل باختصار.
ج: ...
أما بالنسبة إلى المسألة التي طُرِحَت الآن فإنها-في حقيقة الواقع-تَحتاج إلى كلام طويل جدا جدا، وسأتكلم على شيء منها بمشيئة الله في الدروس القادمة، ولكن لا بأس مِن الكلام على جزئية واحدة وهي الدماء التي تَجب على مَن حَدَثَ له شيء في الحج أو وقع منه شيء أو ما شابه ذلك .. متى تَجب على التخيير ؟ ومتى تَجب على الترتيب ؟
نَحن نَعلم أنّ العلماء قد اختلفوا في كثير مِن هذه الدماء هل تَجِب أو لا تَجِب مع اتّفاقهم على وجوب بعضها، لِوجود نصوص صريحة دالّة عليها.
فالدماء التي اتّفقت الأمّة على وجوبها هي:
__________
(1) -عند الجواب على السؤال 6 مِن حلقة 8 رمضان 1424هـ ( 3/11/2003م ). (2/198)
صفحة 491
1-هدْي التَمَتُّع، فمَن تَمَتَّع بِالعُمرة إلى الحج فإنه يَجِب عليه الهدْي إن كان واجِدا لِذلك بِشروطٍ معروفة تَصِل إلى عشرة أو تَزيد على خلافٍ كثير بيْن أهل العلم في هذه الشروط، وسأُبَيِّنُها أو أُبَيِّنُ أَكثَرَها بِمشيئة الله في الدروس القادمة، فالمُتَمَتِّع إذا تَوافَرَتْ فيه تلك الشروط يَجِب عليه الهدْي بِاتّفاق الأمّة، وذلك لأنّ هذا الهدْي منصوص عليه في كتاب الله-تبارك وتعالى-فلا يُمكِن أن يَقع فيه خلافٌ بيْن المسلمين، فمَن وَجَدَ الهدْي فعليه الهدْي، ومَن لم يَجِد فعليه أن يَصوم عشرة أيام .. يَصوم ثلاثةَ أيام في الحج ويَصوم البقية المتَبَقِّيَة-وهي سبعة-إذا رجع إلى بلده (1) على تفصيلٍ في وقت الصيام في الحج، ولا داعي لِذِكْر ذلك، لأنه يَطول به المقام جدا، لِوجود الخلاف ولِلخلاف-أيضا-في بعض الأدلة الواردة في المسألة، وسوف أتكلم عليها بمشيئة الله في الدروس القادمة، فهذا الدم مُتَّفَقٌ عليه بيْن أهل العلم، وإنما اختلفوا في القارِن هل عليه هدْي أو لا ؟
فالذي ذهب إليه جمهور الأمّة-وكاد بعض العلماء يَحكي عليه الاتفاق-أنه يَجِب عليه الهدْي.
وذهبت طائفة مِن أهل العلم إلى عدم وجوب الهدْي عليه.
ولا شك أنّ القول بوجوب الهدْي أحْوط وأسْلم، وسأبَيِّنُ دليله-أيضا-بمشيئة الله-تبارك وتعالى-في وقتٍ لاحِق، والكلام في هذا الهدْي كالكلام في هدْي التمتُّع مِن حيث إنه يُقَدَّمُ الهدْي، وليس لأحد أن يَصوم إلا إذا لم يَجِد الهدْي.
__________
(1) -قال الله تعالى: { ... فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ... } [ سورة البقرة، من الآية: 196 ]. (2/199)
صفحة 492
2-والدم الثاني هو فِدية مَن حَلَقَ رأسَه، فمَن حَلََقَ رأسَه لِوجود عذرٍ فإنه يَجِب عليه الهدْي وهذا الهدْي على التخيير فإما أن يَذبحَ الإنسانُ شاةً وإما أن يَصوم ثلاثةَ أيام وإما أن يُطعِم ستّةَ مساكين .. يُعطي كل مسكين نصفَ صاعٍ سواء كان مِن البُر أو الأرز أو ما شابه ذلك مِن الحبوب، خلافا لِمَن قال: إنه يَدفَع مِن البُر رُبْعَ صاع وهو المعروف بِالمُد، فهذا قولٌ ضعيف، مخالِف لِلحديث الثابت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فالإنسان مُخيَّر في هذه الفِدية.
وقد أَلْحَقَ جمهور الأمّة بِفِدية الرأس ما شابه ذلك مِن الأمور التي يُنْهَى المُحْرِم عَنْ فِعْلها، وذلك كلباس المَخِيط .. يعبِّرون بالمَخِيط ولي في ذلك نظرٌ-سأُبيِّنه قريبا بمشيئة الله تبارك وتعالى-وكاستعمال الطِيب وكقصِّ الأظافر وما شابه ذلك مِن الأمور التي وَرَدَ فيها النهي:
فإن كانت هذه على سبيل العُذْر فهي على التخيير، بِاتّفاق أهل العلم، لِنصِّ الكتاب (1) والسنّة على ذلك.
أما إذا كانت على سبيل العمْد مِن غيْرِ عُذْرٍ شرعي فقد اختلف العلماء في ذلك:
ذهب بعضهم إلى أنها على التخيير، وذلك لأنّ الدليل الذي دلَّ على ذلك هو الدليل السابق، فإذن هي على التخيير.
وذهب بعضهم إلى أنها على الترتيب، فمَن وَجَدَ الدم فليس له أن يَعْدِلَ إلى غيره، وذلك لأنّ هذا قد تَعمَّد وفَعَلَ ذلك مِن غيْرِ عُذْرٍ شرعي فلابد مِن أن يُشَدَّدَ عليه، كمَن قَتَلَ عمْدا، فإنه يُشَدَّدُ عليه في الكفارة مِن نَاحِيَتَيْن، كما هو معلوم في ذلك الباب.
__________
(1) -قال الله تعالى: { ... وَلاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ... } [ سورة البقرة، من الآية: 196 ]. (2/200)
صفحة 493
والذي أراه أنه لا يُمكِن أن يُفَرَّقَ بينهما، إذ لم يَأتِ دليل يَدلّ على التفريق، والقياس على الكفارات وما شابه ذلك لا يُمكِن أن يُصار إليه في مثل هذه القضية، وبيان ذلك في غير هذا الموضع بِمشيئة الله تبارك وتعالى، ويُسْتَثْنَى مِن هذا الأمر مَن وَطِئَ زوجتَه في الحج فإنه لا يُخَيَّر بيْن هذه الأشياء بل وليس له أن يَفتدِي بِواحدٍ مِن الثلاثة المذكورة وإنما عليه أن يَذبح بَدَنَة على تفصيل بيْن العلماء في ذلك إذا كان ذلك قَبْل التحلُّلِ الأصغر أو مطلقا:
فمنهم مَن يقول: ذلك يكون قَبْلَ التَحَلُّلِ الأصغر.
وبعضهم يقول: ذلك مطلقا.
وبيان ذلك-أيضا-ليس في هذا الموضِع، وهذا قد ذهب إليه كثير مِن أهل العلم، وإن كان الدليل عليه ليس قطعيا. (2/201)
صفحة 494
3-ومِن ذلك جزاءُ الصيد، فإنه منصوص عليه بنَصٍّ قاطعٍ مِن كتاب الله تبارك وتعالى (1) ، وهو على التخيير، إما أن يَذبح الإنسان ذبيحةً تُساوي ذلك الصيد الذي صَادَه، وذلك معلوم في كتب الفقه، وإما أن يُقَوِّمَ ذلك بالدراهم ثم يَشتري بِقيمة تلك الدراهم طعاما ويَدفع لكل مسكين نصف صاع مِن ذلك الطعام، وإما أن يَصوم بِمقدار يوم بِمقابل إطعامِ مسكين فإذا كان الطعام يُساوي طعامَ ثلاثين مسكينا فعليه أن يَصوم ثلاثين يوما أو كان ذلك أكثر فعليه أن يَصوم بعدد ذلك وهكذا إذا كان أقل وليس له أن يَدفع قيمة الطعام بل عليه أن يُقَوِّمَ ذلك بالدراهم ثم يشتري بذلك طعاما ويَدفعه وليس له أن يَدفع القيمة، وفي هذه المسألة تفاصيل كثيرة، لا أريد أن أبيِّنها الآن (2) .
4-ومِن ذلك هدْي المُحْصَر، فمَن أُحْصِرَ عن الحج أو العُمرة فعليه الهدْي .. عليه أن يَذبح ذبيحة (3) ، واختلفوا إذا لم يَستطع على الهدْي هل يَجب عليه الصيام ؟
فذهب كثير مِن أهل العلم إلى أنه يَجِب عليه الصيام .. عليه أن يَصوم عشرة أيام.
__________
(1) -قال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللهُ مِنْهُ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ } [ سورة المائدة، الآية: 95 ].
(2) -وقد بيّن الشيخ تفاصيل أخرى في هذه المسألة عند الجواب على السؤال 5 مِن حلقة 16 رمضان 1424هـ ( 11/11/2003م ).
(3) -قال الله تعالى: { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ... } [ سورة البقرة، من الآية: 196 ]. (2/202)
صفحة 495
وذهب بعضهم إلى أنه لا يَجِب عليه صيام، وذلك أنه لا يُوجَد دليل صريح يَدُلُّ على ذلك، وإنما قال مَن قال مِن أهل العلم بِذلك اعتمادا على القياس على هدْي التمتُّع.
وهذا القياس فيه نظر، فالصحيح عندي أنه لا يَجب عليه الصيام، فإن لم يَجِد الهدْي فلا شيء عليه-بمشيئة الله-وهذا إذا لم يَشترِط، أما إذا اشترَط فلا هدْي عليه على الصحيح.
خلافا لِمَن قال: " إنّ الاشتراط منسوخ "، ولِمَن قال: " إنّ الاشتراط لا يَكفي في عدم وجوب الهدْي "، فهذان القولان ضعيفان على التحقيق، وأوَّلُهُمَا أضعف مِن الثاني، لأنه لا يُوجَد هنالك ناسخ لِهذا الحديث البتّة، وهو حديثٌ-أعني حديث " الاشتراط " حديث-صحيح ثابت.
فهذه الدماء مُتَّفَقٌ عليها، لِنصوص صريحة مِن الكتاب عليها، وهي على حسب ما بَيَّنْتُ، ولكنْ-نَعَمْ-يُوجَد خلافٌ في فِدية الأذى، فالمتّفَق عليه هو فِدية الحلْق لِمَن كان معذورا .. أي اضطُر إلى ذلك فهو متّفَق عليه، أما البقية فهي مُلْحَقَةٌ بِذلك على خلاف بيْن أهل العلم في ذلك.
وبقي الكلام في المخطِئ:
فمنهم مَن يقول: عليه الفِدية.
ومنهم مَن يقول: لا فدية عليه، وهو الصحيح عندي.
ومنهم مَن يُفَرِّقُ بيْن بعض الأمور فيُوجِب الفِدية فيها ولا يُوجِب الفِدية في البعض الآخر، فلباس الثياب الممنوعة والعطر وما شابه ذلك .. هذه الأمور لا فِدية فيها .. أعني على الناسي ومَن كان في حكمه، وأما بعض الأمور التي فيها إتلاف أو ما شابه الإتلاف .. الإتلاف: مثلا كتقليم الأظافر أو كجذْب الشعر أو حلْق الشعر أو ما شابه ذلك .. في ذلك إتلاف، وما شابه الإتلاف: الوطء، فإنه وإن لم يكن إتلافا فهو بيْنه وبيْن الإتلاف مشابَهة، كما لا يَخفى، كما هو مُبَيَّن في هذا الباب.
وبقي الخلاف في الجاهل:
بعضهم يُوجِب عليه الفِدية.
وبعضهم لا يُوجِبها.
وبعضهم يُفَصِّل بيْن ما فيه إتلاف وما شابه الإتلاف وبيْن ما لم يكن فيه ذلك كما قدمتُ. (2/203)
صفحة 496
والجاهل الذي لم يُفَرِّط في أحكام شرع الله-تبارك وتعالى-الصحيح لا فِدية عليه، وسأقيم الدليل على ذلك بمشيئة الله في الدروس القادمة.
بقي هنالك مَن فَعَلَ شيئا مِن الأمور المتعلِّقة بِالحج ولا تَتَعَلَّق بِالجسد، كمَن قَدَّمَ شيئا على شيء أو تَرَكَ ِشيئا مِن الواجبات أو ما شابه ذلك، وذلك-مثلا-كمَن جَاوَزَ الميقات ولم يُحرِم ولم يَرجع إليه أو رَجَعَ على رأي بعض أهل العلم، أو تَرَكَ شيئا مِن الرمي على خلاف طويل في ذلك، وما شابه هذه الأمور، فهل تكون هذه على التخيير أو تكون على الترتيب ؟
أوَّلا: أنا لم أَجِد دليلا يَدُلُّ على إِيجاب الدماء في هذه الأمور مِن سنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، والحديث الدال على ذلك حديث لا يَصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وإنما تُوجَد في ذلك رواية عن ابن عباس-رضي الله تعالى عنه-وقد اختلف العلماء هل هي محمولة على الرفع معنًى وإن كانت موقوفة في اللفظ:
فذهب بعضهم إلى ذلك.
وذهب بعضهم إلى أنّ المسألةَ اجتهادية وليستْ مِن ذلك الباب.
والأمر مُحتمِل، وعلى القول بِإيجاب الدماء في هذه المسائل-كما هو مذهب الجمهور على تفصيل فيها-فهي على الترتيب، أوَّلا يَجِب على الإنسان أن يَذْبح دَمًا فإن لم يَستطِعْ على ذلك هل عليه شيء أو لا يقال: " يَجِب (1) عليه شيء " ؟
منهم مَن يَذكر هذا ولا يُوجِب عليه شيئا بعد ذلك.
ويُؤخَذ مِن كلام بعضهم أنه عليه أن يَصوم عشرة أيام.
والصيام لا نراه أبدا، والدم نَحكم به إذا حكَمنا به في بعض المسائل القليلة النادِرة جدا.
__________
(1) -قال الشيخ: " لا يجب " ويبدو أنّ " لا " هنا زائدة. (2/204)
صفحة 497
وقد أَسْرَفَ كثير مِن الناس في إِيجاب الدماء على عباد الله-تبارك وتعالى-بِما لم يُوجِبه عليهم المولى تبارك وتعالى .. " مَن فَعَلَ كذا عليه دم " .. لا يَذكرون التخيير فيما فيه التخيير، ويُوجِبُون في كثير مِن الأمور التي لم يَأتِ عليها دليل، وفي أكثرِها لم يَقل به أحد مِن علماء المسلمين أو قال به قِلّة قليلة مِن أهل العلم، وأنا-حقيقة كما قلتُ-لم أَجِد دليلا على ذلك، وإنما-كما قلتُ-أَخذوه مِن كلام ابن عباس وهو مُحتمِلٌ لِلأمْريْن وجانب الاجتهاد أقوى، وقد يُؤخَذ ذلك-أيضا-مِن باب الإِحْصَار خاصّة في مَن تَرَكَ بعضَ الأمور فإنه أُحْصِر عنها إذا كان ذلك لِسبب مِن الأسباب فقد يُؤخَذ ذلك مِن الإِحْصَار ويُقال: " عليه بِالدم " ولكن-كما قلتُ-ذلك في أمور بسيطة جدا، سأُفَصِّلُ الكلام عليها بمشيئة الله-تبارك وتعالى-في الدروس القادمة، فليتّقِ الله أولئك الذين يُوجِبون كثيرا مِن الدماء على عباد الله - سبحانه وتعالى - ولا دليل لهم على ذلك، بل كثير مِن تلك الأمور لم يَقل بها أحد مِن علماء المسلمين أو شذَّ مَن قال بذلك، و-أيضا-لِيتّقوا الله-تبارك وتعالى-في تلك الأمور التي لا يُخَيِّرُون عباد الله-تبارك وتعالى-فيها مع أنه قد وَرَدَ فيها التخيير مع أنّ التخيير أسْهل بِكثير .. هذا لا يَجِد ما يَشتري به شاةً .. مثلا قيمةُ الشاة تُساوي ثلاثمائة ريال سعودي أو أكثر وهو لا يَجِد ذلك ومِن الأسْهل عليه أن يَصومَ ثلاثة أيام أو أن يُطعِم ستّةً مِن المساكين أو يَجِد المال ولكنه لا يَعرف المساكين فيَخشى أن يَضعها في غير الموضع الصحيح بينما إذا صام .. (2/205)
صفحة 498
ذلك أسْهل عليه مِن حيث إنه لا قيمة عليه ومِن حيث إنه يَعلم بِأنه قد أدّى ما أَوْجَبَه الله-تبارك وتعالى-عليه، فعلينا-إذن-أن نَفْعَلَ بِحسب ما دَلَّ عليه الدليل إن وُجِد هنالك دليل، وما لم يُوجَد فيه دليل فإذا قال به بعض العلماء فلا بأس مِن تقليدِهم بِالنسبة لِمَن لا قدرة له، أما إذا أفتى علماء المسلمين الذين يُوثَق بهم وبَيَّنُوا أنه لا دليل على ذلك وأنّ الإنسان لا يُمكِن أن يُكَلَّفَ بِذلك اللهم إلا إذا أراد أن يَأتي بِذلك على سبيل الاحتياط فلا يَنبغي لِلجُهَّال أن يُكَلِّفُوا عبادَ الله-تبارك وتعالى-بِما لم يَأْمُرْهم بِه المولى تبارك وتعالى.
هذا وهنالك بعض الأمور التي تَحتاج إلى تنبيه فلا يُمكِن أن تُؤخَذ مِن هذا الجواب الإجمالي، لأنّ بعض الأمور-أيضا-لا فِدية فيها على مذهب جمهور المسلمين، وذلك كَعَقْدِ النكاح لِلْمُحْرِم فإنّ العلماء قد اختلفوا هل يَجوز له أن يَعْقِدَ النكاح أو لا يَجوز له، وعلى القول بِعدم الجواز فإنّ الجمهور لا يَرَوْنَ عليه الفِدية، فلا يُمكن-أيضا-أن نُوجِب عليه الفِدية.
هذا ومِن الجدير بِالذِّكر أنّ بعضَ أهل العلم قالوا: إنّ مَن أَوْجَبَ على شخصٍ شيئا لَم يُوجِبْه عليه المولى ولم يَقْتَدِ بِأحدٍ مِن علماء المسلمين وهو يَتظاهر بِأنه مِن أهل العلم وهو ليس في العِير ولا في النَّفِير أنه يَجِب عليه أن يَقوم بِغُرْمِ ما أفتى بِه بعضَ الناسِ الجُهَّال الذين ظنُّوا فيه بِأنه مِن أهل العلم وهو ليس مِن ذلك الباب، وهو قولٌ سائغ قوي، ولو كنتُ قاضيا لَحَكَمْتُ عليه بِذلك وأَلْزَمْتُهُ أن يُنَفِّذَ ذلك حتى يَرْتَدِعَ أولئك الجهال الذي يُفتُون عبادَ الله-تبارك وتعالى-بِغير علم. (2/206)
صفحة 499
أما أولئك الجهلة الذين لا دِراية لهم بِشيء مِن العلم ولم يَتظاهَروا بِذلك وهم معروفون بِذلك فإذا أَفْتَوْا بِشيءٍ فلا يُمكِن أن نَحْكُمَ عليهم بِغُرْمِ ذلك، وذلك لأنهم لا يُعْرفُ عنهم العلم، فمَن سألهم فقد عَرَّضَ نفسَه لِمِثل هذه الأمور، وقد ذَكَرَ الإمام السالمي-رحمه الله تبارك وتعالى-في باب أصول الفقه مِن " جوهر النظام " القولَ الذي قال به بعض أهل العلم بِوجوب الغُرْمِ على مَن أفتى بِغيْر علم وهو يَتظاهر أنه مِن أهل العلم، فمَن شاء ذلك فلْيَرْجِع إليه (1) :
وجاهل أفتى فليس يَغْرُم ... .........................
إلى أن قال الشيخ:
................... ... وإنما يَضمَن في ذاك الوسط
لأنه غَرَّ الذي يُسائِل ... بِحاله وإنه لَجاهل
..
__________
(1) -هذا ما قاله الإمام نور الدين السالمي في باب: أصول الفقه، مِن كتابه " جوهر النظام ":
وزلّة العالِم في فتواه ... مرفوعةٌ عنه وما أوْلاه
وذاك أن يَخرُج مِن لسانِه ... خلافُ ما يَقصدُ في جَنانِه
مثالُه أن يُعْطِيَنَّ الأمّا ... مع البنينَ ثلثًا أَتَمّا
وإنما الضمانُ لِلذي عَمل ... بِقوله إذ لِلخطا منه قَبل
وجاهلٌ أفتى فليس يَغْرُم ... إن خالَف الحقَّ ولكن يَأثَم
لأنه يُعرَف بِالجهل فقط ... وإنما يَضمَن في ذاك الوسط
لأنه غَرَّ الذي يُسائِل ... بِحاله وإنه لَجاهل
ولا ضمان إن يَكن لم يَخرُج ... مِن قولِ كلِّ العلماءِ الحُججِ (2/207)
صفحة 500
هو جاهل ولكنه غَرَّ غيْرَه .. يَتَزَيَّى بِزيّ أهل العلم وهو ليس منهم فالجاهل قد اغتَرَّ به .. مأمور بِالسؤال فسَأَلَ وأفتاه هذا الجاهل فمِن حقِّه أن يُطالِب بِحقِّه، وأنا أنصح الناس جميعا بألاّ يَسألوا إلا مَن يَثقون بِعلمه ودينه، لأنهم مأمورون بِسؤال أهل الذِّكْر ولأنهم مأمورون بِرَدِّ المسائل إلى كتاب الله-تبارك وتعالى-وسنّة رسوله-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-وبِما أنهم لا يَستطيعون ذلك فإنهم يَرُدُّون ذلك إلى أهل العلم الذين يَستنْبِطون ذلك مِن الكتاب والسنّة؛ ومعذرة على هذه الإطالة مع أنني لم آتِ بِشيءٍ كبير، لأنّ المسألة طويلة، وعسى أن تكون في ذلك فائدة؛ والله أعلم.
وما مسألة ذلك الجاهل الذي قال لِرجل أعمى لبس نِعالا مَخيطة .. قال له: " إنّ حَجَّكَ باطل " ونَسَبَ ذلك إلى بعضِ علماء المسلمين، وذلك كلامٌ باطل لم يَقل بِه أحد مِن علماء المسلمين البتّة وإنما الكلام هل الأفضل أن يلبس هذه أو تلك ؟ ولا دليل-أيضا-حتى على تفضيل أن يلبس غير المَخيطة-أعني النعال-بل الدليل قد دَلَّ على جواز ذلك، فهذا الجاهل الغِر قد قال: " إنّ حَج ذلك المسكين باطل " فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
س: هَل يُخَيَّر بَيْنَ الدَّم والإطعام والصِّيام في حَق مَن قَطَعَ شيئا مِن الشَّجَر وَهُو مُحْرِم ؟ (2/208)
صفحة 501
ج: إنَّه لَم يَأْتِ دَليلٌ في كتابِ الله-تبارك وتعالى-ولا في سُنَّةِ رسولِه-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-يَدُلُّ عَلَى أنَّ المُحرِم لا يَجوز لَه أن يَقطَع شيئا مِن الشجر أو ما شابه ذلك .. أي مِمَّا يَتَعلَّق بِالشجر، ولم يَقُل بِذلك-أيضا-أحدٌ مِن علماءِ المسلِمِين، وإنَّما هذا هو مُجرّد ظنٍّ مِن بعضِ العَوَام، فإذن المُحرِم لا يُمنَع مِن شيءٍ مِن ذلك وإنَّما يُمنَعُ الإنسانُ مِن قَطْعِ أو قَلْعِ أو مَا شابه ذلك مِن الأمور مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِشجَرِ الحرَم سواء كان ذلك الشَّخْصُ مُحْرِما أو كان مُحِلا، فإذن المَمْنُوع هو شَجَرُ الحرَم ولا فَرْقَ في ذلك بَيْن المُحرِم والمُحِل، وعليه فإن قَطْعَ شخصٌ مُحِل أو مُحرِم شجراً مِن غيْرِ الحرَم كعرفة-مثلا-فَلا شيءَ عليه بناء على أنَّ عَرَفَة لَيْسَتْ مِن الحرَم كما هُو قولُ جمهورِ الأمّة ولا عبْرَةَ بِخِلافِ مَن خَالَف فِي ذلك.
أمَّا بِالنِّسبَة إلى شَجَرِ الحرم فإنَّه مَمْنُوعٌ بِنَصِّ السنَّةِ الصحيحة الثابِتة عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-وبِإجْماعِ الأمَّة إلاّ ما وَرَدَ استثناؤه.
وأمَّا بِالنِّسْبَة إلى مَاذَا يَجِبُ على مَن قَطَعَ شيئا مِن شَجَرِ الحرَم سواء كان مُحِلا أو مُحْرِما ؟ فإنَّ العُلَماء قَد اختلَفُوا في ذلك:
1-مِنهم مَن ذهبَ إلى أنَّه لا شيءَ عليه-أيْ مِن حيثُ الجزاء أو الفِدْيَة أو ما شابه ذلك-وإنَّما يَجِب عليه أن يَتوبَ إلى الله-تبارك وتعالى-لأنَّه ارتكَبَ مَا حَظَرَهُ الله-تبارك وتعالى-عليه، وهذا القول قالتْ بِه طائفة مِن أهلِ العلم.
2-وذهبَ جُمهورُ الأمّة إلى أنَّه يَجِب عليه الجزاء إلا أنَّهم اختلَفوا في ذلك:
منهم مَن ذهب إلى أنَّ حكمه كحمِ صَيْدِ الحرَم-وقد تكلّمنا على ذلك-وعليه فإنه لابد مِن حُكُومَة في ذلك.
ومنهم مَن فَرَّق بيْنه وبيْن صَيْدِ الحرَم وَقَال: " إنَّه تَجِب فيه القِيمة ". (2/209)
صفحة 502
ومنهم مَن قَال بِخلافِ ذلك.
والذي يَظهَر لِي في هذه القضية أنَّه لا يَجِب عليه شيءٌ مِن حيثُ الجزاء أو الفِدية وإنَّما عليه التَّوبَةُ إلى الله تبارك وتعالى، وذلك لأنَّه لَم يَأتِ دَليلٌ مِن كتابِ الله ولا مِن سنَّةِ رسولِه-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-الصحيحة الثابِتة ولَم تُجْمِع الأمّة على ذلك، ومِن المعلومِ أنَّ أموالَ المسلِمِين مَعْصُومَة بِعصمةِ الإسلامِ لَها فَلا يُمكِن أن نُوجِب شيئا على أحد إلا بِدلِيلٍ شرْعِي، ونَحنُ لا نَملِكُ دَلِيلا في ذلك وإنَّما جاءتْ بعضُ الرواياتِ عن بعضِ صحابةِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى تقدِيرِ ثبوتِ تلك الرَّوايات فإنَّه لا حُجّة فيها، إذ إنّ مذهب الصحابي ليس بِحُجّة على القولِ الراجِح الصحيح، فإذن الصحيحُ-كما قلتُ-هو أنَّه لا جزاءَ على مَن قَطَعَ شيئا مِن شَجَرِ الحرَم وإنَّما عليه التَّوبة والإنَابَة إلى الله-تبارك وتعالى-وإن فعل شيئا مِن الخيْرِ فإنَّ ذلك حَسَن، أمَّا الوجوب فلا وجوب؛ والله أعلم.
س: امرأة مُحْرِمَة بِالعُمرة أُصيبت بِجُرح في أصبعها نتيجةَ استخدام السكين-وكانت حائضا-فخَرَجَ منها دم ليس بِالكثير، فماذا عليها ؟ (2/210)
صفحة 503
ج: اشتهر عند كثير مِن الناس: " في الدم دم " وهذه قاعدة ليست بِصحيحة، أي أنّ الإنسان إذا خَرَجَ منه دم في الحج فعليه دم .. هذه القاعدة ليست بِصحيحة .. مثلا لو كان الإنسان يَتسوّك وخَرَجَ منه دم فهل يُقال عليه دم ؟ لا دم عليه بِإجماع الأمّة الإسلامية قاطبة، على ما حكاه غيْرُ واحدٍ مِن أهل العلم، ولذلك لا ينبغي لِلإنسان أن يَترك السواك بعد ثبوت السنّة الصحيحة الثابتة عن رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-الدالة على فضْله: ( لولا أن أَشُقَّ على أُمّتي لأَمَرْتُهم بِالسواك عند كل صلاة )، وفي بعض الروايات: ( عند كل وضوء )، وفي بعضها جاء الجمْع بينهما، فلا يَنبغي لِلإنسان أن يَتْرُكَ السواك مَخافة-مثلا-أن يَخرُج منه دم ولاسيما إذا كان مِن عادته أنه يَخرُج منه الدم .. هذا-على كل حال-مِن الاحتياطات البارِدة .. يَنبغي لِلإنسان أن يُطَبِّقَ السنّة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم:
ولا تُناظِر بِكتاب الله ... ولا كلام المصطفى الأوّاه
معناه لا تَجْعَل له نظيرا ... ولو يَكون عالِما خبيرا (2/211)
صفحة 504
فعلى كل حال هذه المرأة التي كانت تَقطَع بِهذا السكين شيئا-مثلا-ما كانت تُرِيد أن تَقْطَعَ يَدَها أو أن يَخْرُجَ منها الدم أو ما شابه ذلك فلا حرج عليها بِمشيئة الله تبارك وتعالى ولكن لِتَحْذَر مِن خروج الدم في الطواف، وهكذا بِالنسبة إلى قضية الحيض .. الحائض ليس لَها أن تَطوف بِالبيت، وإنما الكلام في السعي .. هل لها أن تَسعى أو لا ؟ السعي قد أجْمعت الأمّة أنه لا بأس على الحائض منه .. أي لا بأس على الحائض أن تسعى وإنما الأفْضل أن يَكون الإنسان على طهارة والحائض-طبعا-لا يُمكِنها أن تَكون على طهارة، وإنما الكلام في وقتنا هذا هل المسعى مِن المسجد أو لا ؟ لأنّ الحائض والجنب و-طبعا هكذا-النفساء ليس لهم أن يَدخُلوا المسجد .. هل المسعى الآن مِن المسجد ؟ فإن كان مِن المسجد فليس لِلحائض أن تَدخُل وتَسعى لِلنهي عن دخولها المسجد، لا لأجل أنّ الحيض لا يَصحّ معه السعي، والذي يظهر لي أنّ المسعى ليس مِن المسجد فلا بأس عليها-أو على غيرها مِن الحُيَّض-في قضية السعي، فإذن تَنتظِر حتى يَنتهي هذا الحيض وتَطْهُرَ منه وتَتَطَهَّر .. أي تَغتسِل مِن الحيض ولُتطف بعد ذلك، وكذلك بِالنسبة إلى الدم إذا كان يَخرج مِن ذلك الجرح الذي أصابها لابد مِن أن تُزيل ذلك الدم وتُعيد الوضوء، ولا تَطوف إلا وهي طاهرة، أما إذا كان ذلك قبل الطواف بِفترة أو ما شابه ذلك فأمره بيِّن لأنها ستتوضّأ بعد ذلك بِمشيئة الله.
أحكام عامة في الإحرام
س: ما حُكْمُ الاشتِراطِ في الإحرام ؟
ج: إنّ هذه المسألة قد اختلَف العلماءُ فيها.
ومِن المعلوم أنه إذا وُجِدَ خلافٌ بيْن علماءِ المسلِمِين في مسألةٍ مِن المسائل فإنه يَنبغِي لِلعالِم أن يَرجِعَ إلى كتابِ الله-تبارك وتعالى-وإلى سنّةِ رسولِ الله-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-أو ما يَرجِع إليهما بِوجهٍ مِن وجوهِ الحجّية حتى يَتبَيَّنَ لَه ما هو الراجِح في تلك القضية. (2/212)
صفحة 505
وقد نَصَّ المحقِّقون مِن أهلِ العلم أنه ليس لأحدٍ أن يُخالِفَ ما جاء في كتابِ الله-تبارك وتعالى-وسنّةِ رسولِه-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-ولو قال بِخلافِ ذلك مَن قال مِن العلماءِ الكِبار.
وقد أَحْسَنَ الإمام السالمي-رحمه الله تبارك وتعالى-حيثُ قال:
ولا تُنَاظِر بِكتاب الله ... ولا كلامِ المصطفى الأوّاه
معناه لا تَجعل له نظيرا ... ولو يَكون عالِما خبيرا
وأَحْسَنَ حيثُ قال في قضيةٍ مِن القضايا:
المصطفى يَعتبِر الأوصاف ... ونحن نَحكي بعدَه خِلافا
لا نَقبَل الخلافَ فيما وَرَدَ ... فيه عن المختار نصّ أُسْنِدَ
وقال:
حسبُك أن تَتّبِعَ المختار ... وإن يَقولُوا خالَفَ الآثار
وأَحْسَنَ الإمام سعيد بن خلفان-رحمه الله تبارك وتعالى-حيثُ قال لِسائلٍ اعتَرَضَ عليه حيثُ خالَفَ قولا مشهورا عندَ العلماءِ السابِقِين .. فقالَ لَه الإمام رحمه الله تبارك وتعالى: " ومِن العَجَبِ أن أَنُصَّ لَك عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وأنتَ تُعارِضُنِي بِعلماءِ بيْضَةِ الإسلام بِغيْرِ دليلٍ ولا واضِحِ سبِيل، أَلَيْس هذا في العيَانِ مِن الهذَيَان ".
وأَحْسَنَ الإمام الخليلي-رحمه الله تبارك وتعالى-حيثُ قال: " وقولٌ بِخِلافِ الحدِيث يُضرَبُ بِه عرض الحائط "، وقال-رضوان الله تبارك وتعالى عليه-في قضيةٍ مِن القضايا: " وما مِن عالِم إلا في قولِه المقبولُ والمردود ما خلا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - ... " إلى آخِرِ كلامِه رحمه الله تبارك وتعالى.
ولِلعلماءِ في ذلك نُصوصٌ كثِيرَةٌ في هذا المقام، لا حاجَةَ لِلإطالةِ بِها في هذا الوقت.
ونَحن إذا نَظَرْنا إلى قضيةِ الاشتراط فإننا نَجِد العلماءَ قد اختلَفوا في هذه القضية:
منهم مَن قال بِمشروعيةِ ذلك.
ومنهم مَن قال بِعدمِ مشروعيتِه. (2/213)
صفحة 506
وإذا أَتْيْنا إلى معرفةِ الراجِحِ مِن هذيْن القوليْن فلا شك أنّ القولَ بِمشروعيةِ الاشتراطِ في الإحرامِ هو القولُ الصحِيح، وذلك لِما جاء في الحديثِ عن السيدة عائشة-رضي الله تعالى عنها-أنّ الرسولَ-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-قال لِضُبَاعَة بنةِ الزبيْر .. ابنةِ عمِّه - صلى الله عليه وسلم - : ( حُجِّي واشتَرِطِي )، وذلك بِأن تَقول: " مَحِلِّي حيثُ حَبَسْتَنِي " عندَما تُرِيدُ الإحرام، وهذا الحديثُ حديثٌ صحِيحٌ ثابِتٌ عنه - صلى الله عليه وسلم - .. رواه الإمام البخاري والإمام مسلم، ورواه-أيضا-النسائي وابن خزيمة وابن حبان وابن الجارود، ورواه أحمد وإسحاق والطبراني في " الكبير " والطحاوي في " المشكِل " والدارقطني والبيهقي والبغوي، وهو حديثٌ صحِيحٌ ثابِت.
ولا عبرةَ بِإِعلالِ الأَصِيلِيِّ لَه، والأَصِيلِيُّ هذا فيما يَظهَر أنه مُتَسَرِّعٌ في إِعلالِ بعضِ الأحاديث بل ليستْ لَه تلك الدرايَة بِمعرفةِ أئمةِ الحديث فضلا عن الرواةِ العادِيِين، ويَكفِي في التدلِيلِ على ذلك أنه حَكَمَ بِجَهالةِ الإمامِ الشهِير الجبلِ الراسِي جابرِ بن زيد-رحمه الله تبارك وتعالى-الذي وَثَّقَه كِبارُ الصحابة فضْلا عن أئمةِ الحديث. (2/214)
صفحة 507
والعَجَبُ مِن القاضي عِياض حيثُ إنه ذَكَرَ أنّ هذا الحديث تَفَرَّدَ بِه مَعْمَر عن الزُّهْرِي كما نَقَلَ ذلك عن الإمامِ النسائي، والنسائي-فيما يَظهَر-لَم يُرِد بِذلك إِعلالَ الحدِيث، وذلك لأنّ هذا الحديث قد جاء مِن غيْرِ طرِيقِ مَعْمَر عن الزُّهْرِي، وبِغَضِّ النظَرِ عن هذه الروايَة-فإنّنِي لستُ أُرِيدُ أن أُطِيلَ المقال بِالكلامِ عليها، وإلا فإنّ لَنا مقالا معرُوفا في ذلك-فإنّ هذا الحديث قد جاء مِن طُرُقٍ أخرى عن الراوي عن السيدةِ عائشة رضي الله-تبارك وتعالى-عنها، وجاء عن غيْرِها مِن صحابةِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ، فلَو سُلِّمَ جدَلا بِإِعلالِ هذه الرواية التي ذَكَرَها القاضِي عِياض-مثلا-فإنّه لا يَضُرّ ذلك ما دام الحديثُ قد ثَبَتَ مِن غيْرِ هذه الطرِيق.
والحديثُ قد جاء-أيضا-مِن طرِيقِ ابنِ عباس رضي الله-تبارك وتعالى-عنهما، رواه مسلم وأبو عوانة والنسائي والترمذي والدارمي وابن ماجة، ورواه أحمد وإسحاق وابن حبان وابن الجارود والطبراني في " الكبير " والطحاوي في " شرح مشكل الآثار "، ورواه ابن عَدِي وأبو يعلى وأبو نعيم في " الحلية " وأبو علي الطوسي في مُسْتَخْرَجِه على الترمذي، وهو حديثٌ صحِيحٌ ثابِت عنه صلوات الله وسلامه عليه. (2/215)
صفحة 508
وقد جاء لِهذيْن الطرِيقيْن شواهِدُ مِن طُرُقٍ أخرى عن صحابةِ رسولِ الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فقد جاء ذلك مِن طرِيقِ أم سلمة ومِن طرِيقِ جابر بن عبد الله، وذَكَرَ الترمذي بِأنه جاء مِن طرِيقِ أسماء، وجاء-أيضا-مِن طرِيقِ سُعْدَة بنتِ قيْس جدّةِ ابن الزبير، وجاء عن غيْرِ هؤلاءِ مِن صحابةِ رسولِ الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم .. إنْ صَحَّتْ الرواية فقدْ جاء عن ذُؤَيْب الأسلمي، ولستُ أُرِيدُ أن أُطِيلَ الكلام على صِحَّةِ هذه الروايات، فإنّ بعضَها حَسَن وبعضُها صالِحٌ لِلاستشهادِ بِذلك، وعلى تقدِيرِ عدمِ ذلك-إذا تَشَدَّدَ مُتشدِّدٌ في بعضِها-فإنّ الطريقيْن السابقَيْنِ صحِيحانِ ثابِتانِ عن رسولِ الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وقد اعتَرَضَ كثِيرٌ مِن الناسِ على هذه الأحادِيث:
منهم مَن اعتَرَضَ بِأنها ضعِيفة، وقد تَقَدَّمَ الكلامُ على ذلك، فلا حاجَةَ لإعادَتِه.
ومنهم مَن ادّعَى بِأنّ ذلك خاصٌّ بِالعمرةِ وليس في الحج، والحديثُ يُنادِي بِأعلى صوت ويَصرُخ بِأقوى حُجّة بِأنّ الحديثَ وارِدٌ في الحج، ثم ليْتَ شِعرِي ما الفرْقُ بيْن الحج والعمرةِ في هذا ؟! فما صَحّ في العمرةِ فإنه يَصِحّ في الحج إلا إذا دَلَّ دلِيلٌ على الفرْقِ بينهما وليس هنالِك دَلِيلٌ البتّة، ومَن ادَّعَى خِلافَ ذلك فعليه الدلِيل ولا سبِيلَ إليه.
وادَّعَى بعضُهم بِأنّه خاصٌّ بِضُبَاعَة، وهذا باطِلٌ كما وَصَفَه الإمام النووي، وهو حَقِيقٌ بِذلك.
ومنهم مَن ادَّعَى بِأنّ ذلك إذا ماتَتْ فيُحمَل الحديثُ على ذلك، وهو قولٌ كَلِيلٌ ودَلِيلُه عَلِيل فلا يَنبغِي أن يُلتَفَتَ إليه ولا أن يُعَوَّلَ عليه.
وادَّعَى بعضُهم بِأنه منسوخ، وهو كلامٌ باطِل وعن الدلِيلِ عاطِل، فهذا الحديثُ كان في حَجَّةِ الوداع ولم يَأْتِ حدِيثٌ آخَر يَدُلُّ على خِلافِ ذلك. (2/216)
صفحة 509
وادَّعَى بعضُهم-كالطحاوي في " شرح المشكل "-بِأنه مُخَالِفٌ لِلإجماع، وهو كلامٌ عجِيب غرِيب، فإنّ العلماءَ قد اختلَفوا-مِن قبلِ أن يُولَدَ الطحاوي-في هذه القضية، وقد رُوِيَ القولُ بِالاشتراط عن طائفةٍ كبِيرةٍ مِن صحابةِ رسولِ الله-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-وإن كان لَم يَصِح عنهم جَمِيعا، فقد رُويَ ذلك عن عمر وعن عثمان وعلي وابن مسعود وعمّار وعائشة وأم سلمة، وإن كان-كما قلتُ-لا يَصِحُّ عنهم جميعا، وقالتْ بِه طائفةٌ كبِيرةٌ مِن أهلِ العلم، فكيف يَدَّعِي بعدَ ذلك مُدَّعٍ بِأنّ العلماء قد أَجْمَعُوا على خِلافِه ولا يَجُوزُ لأحدٍ أن يُخالِفَ الإجماع ؟!
ونَحنُ عندَما نَنظُرُ في كتبِ الفقْه وكتبِ الأصول فإننا نَجِدُ كثِيرا مِن دَعَاوَى الإجماع .. يَدَّعِي مُدَّعٍ بِأنّ هذه القضية قد أَجْمَعُوا عليها وقد يَكونُ جُمهورُ الأمّة على خِلافِ ذلك، وسَمِعتُ أَحَدَ الناس يَذكُرُ مسألةً وذَكَرَ فيها قولا وادَّعَى بِأنّ هذا القولَ مُجمَعٌ عليه وأنا قدْ رأيتُ في المسألةِ عشرة أقوال مِن غيْرِ أن أبْحثَ عن ذلك، وبعضُهم حكى الإجماعَ في بعضِ القضايا وحكى بعضُهم الإجماعَ على عكسِ ذلك القول تَماما، فلا يَنبغِي لأحدٍ أن يَرْهَبَ هذه الحكايات التي يَحكِيها بعضُ أهلِ العلم مِن غيْرِ أن يَتَثَبَّتُوا في ذلك، ولنا كلامٌ طوِيل عرِيضٌ في الإجماع الذي هو حُجّة، لا أُطِيلُ بِه المقام. (2/217)
صفحة 510
وبعضُهم احتَجَّ على عدمِ مشروعيةِ ذلك بِما ثبتَ عن ابن عمر-رضي الله تبارك وتعالى عنهما-حيثُ قال: " حسبُكم سُنَّة نَبِيِّكُم " .. معناه أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يَشترِط، وهذا غرِيب، فمِن المعلوم أنه ما مِن عالِم-وإن بَلَغَ السماء وناطَحَ الجوزاء-إلا وقد خَفيَتْ عليه بعضُ أحادِيثِ النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فإذا كان ابن عمر لَم يَعلَم بِذلك وقد عَلِمَ بِه طائفةٌ مِن صحابةِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فهل يُمكِن أن نَرُدَّ بعدَ ذلك الرواية التي ثبتتْ عن أولئك بِدَعْوَى أنّ بعضَ الصحابة لَم يَسْمَع بِذلك ؟! هذا مِمّا لا يُمكِن أن يُحْتَجَّ بِه.
وأما عدمُ اشتراطِ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-فلا يَدُلُّ ذلك على بطلانِ الاشتراط، لأنه إذا وُجِدَتْ أدِلةٌ مُتعدِّدة في قضيةٍ مِن القضايا فإنه يَنبغِي أن يُجْمَعَ بيْن تلك الأدِلة، ويُنظَر تارة يُمكِن أن يُجمَعَ بينها على أنّ هذا مسنون وهذا جائز أو أنّ هذا لِبيانِ الجواز أو هذا لِعِلّة أو هذا يُحمَل على كذا مِن المَحَامِل إلى غيْرِ ذلك، فالنبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-لَم يَكن يَعلَم بِأنّ قريشا ستَصُدُّه عن الحرَم حتى يَشتَرِط، وأما في حَجَّةِ الوداع فإنه لَم يَكن بِحاجةٍ صلوات الله وسلامه عليه إلى ذلك. (2/218)
صفحة 511
وعلى كل حال؛ فإنّ مَجالَ القولِ يَطُولُ في هذه القضية، وأَرَى أن أَكتَفِيَ بِهذا المختصَر، ولنا عودَة إلى ذلك في مناسبةٍ أخرى بِمشيئة الله تبارك وتعالى، لأنّ في هذا الأمر مِن التيسِيرِ ما لا يَخفَى، فإنّ كثيرا مِن الناسِ قد يَحتاجُون إليه فلِماذا يُمنَعُونَ منه بِدَعْوى أنّ بعضَ الناس يَقول بِخِلافِ ذلك ؟! وقد يَدَّعِي مُدَّعٍ بِأنّ العلماء قد اختلَفوا في هذه القضية فالأحْوَط تَرْكُ ذلك، وأقول: إنّ الاحتياط يُصَارُ إليه عندَما تَتَعارَضُ الأدِلّة ويَصْعُبُ الترجِيح وقد يُمكِنُ الترجِيح ولكن ذلك بِأمْرٍ مُحتمِل، أما عندَما تَكونُ الشمسُ طالِعَةً واضِحَةً لِكلِّ ذِي عَيْنيْن فلا يَنبغِي أن تُتْرَكَ السنَن الثابِتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولاسيما عندَما يَحتاجُ إليها الإنسان في مِثلِ هذه القضية بل السنَن التي لا تُفعَل .. في وقتِ الحاجَة لا يَنبغِي أن تُتْرَك لِمَقولَةِ قائِلٍ بِخِلافِ ذلك لِعدمِ إِطّلاعِه عليها أو لإطِّلاعِه عليها مِن طرِيقٍ لا تَثْبُتُ بِها الحُجَّة.
وقد أَحْسَنَ الإمام الشافعي حيثُ عَلَّقَ ذلك على ثبوتِ هذا الحديث، والحديثُ قد ثَبَتَ وصَحَّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ والعلمُ عندَ الله تعالى.
س: ولكن ما فائدة هذا الاشتراط في الإحرام ؟ (2/219)
صفحة 512
ج: العلماء قد اختلَفوا في ذلك، منهم مَن قال: إنّ هذا لا فائدة لَه وإنما هو لفظٌ يُتَعَبَّدُ بِه كغيْرِه مِن الألفاظ التي يُتَعَبَّدُ بِها، وهذا كلامٌ غرِيب .. قولٌ علِيل لا قيمةَ لَه وحكايتُه تُغْنِي عن ذِكْرِه، فإنَّ ضُباعةَ-رضي الله تعالى عنها-قد ذَكَرَتْ لِلنبي - صلى الله عليه وسلم - أنها تُرِيدُ الحج-وفي بعضِ الروايات أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - اقْتَرَحَ لَها ذلك وأَخْبَرَتْه بِأنها مرِيضة-فذَكَرَ لَها النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه-ذلك، فإذا كان لا فائدةَ لَه فما قيمة أن تأتِيَ بِه ضُباعة ؟! فهذا كلامٌ غرِيبٌ لا قيمةَ لَه، وإنَّما الصوابُ أنّ لِذلك فائدةً سأبَيِّنُها بعدَ قليلٍ بِمشيئةِ الله تبارك وتعالى.
مِن المعلومِ أنّ مَن أَحْرَمَ وصُدَّ عن ذلك بِعدُوٍّ أو لَم يَتَمَكَّن مِن فِعْلِ ذلك بِسببِ مرضٍ أو نَحوِه وتَعَذَّر عليه الوصولُ إلى الحرَم وتأدِيةِ العمرةِ أو تَعَذَّرَ عليه أن يَأتِيَ بِالحج في وقتِه .. أما تأدِيةُ الحج في وقتِه ففيها كلامٌ طوِيلٌ، لا أَتَعرَّضُ لَه في هذا الوقت، وإنما أَتَعَرَّضُ لِمَن لَم يَتَمَكَّن مِن ذلك رَأْسًا .. قد اختلَفَ العلماءُ فيه:
مِنْهُم مَن ذَهَبَ إلى أنه إذا لَم يَتَمَكَّن مِن ذلك أبدا فعليه أن يَذْبَحَ ذَبِيحةً كما هو ظاهِرُ كتابِ الله تبارك وتعالى: { ... فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ... } [ سورة البقرة، من الآية: 196 ]:
وإذا كان سائِقًا لِلهدْي فإنّ الأمْرَ متّفَقٌ عليه بيْن العلماء.
أما إذا كان لَم يَسُق الهدْي فإنّ العلماءَ قد اختلَفوا في ذلك:
منهم مَن قال: لا هدْيَ عليه في هذه الحالة، وهو قولٌ مُخالِفٌ لِظاهِرِ الكتابِ العزيز.
ومنهم مَن قال: عليه أن يَشترِيَ ذلك، وهذا هو الحق .. هذا إذا كان واجِدا لِلقِيمة التي يُمكِن أن يَشتَرِيَ بِها الهدْي فإن كان لَم يَجِد فقد اختلَف العلماء في ذلك: (2/220)
صفحة 513
منهم مَن قال: عليه أن يَصومَ عشرة أيام كحالِ مَن لَم يَجِدْ الهدْي (1) .
ومنهم مَن ذََهَبَ إلى أنه لا شيءَ عليه.
ومنهم مَن ذََهَبَ إلى أنه لا شيءَ عليه في ذلك الوقت وعندَما يَتَيَسَّرُ لَه الهدْي فإنه يَهدِي.
ومنهم مَن ذَهَبَ إلى أنه يَصومُ ثلاثةَ أيام.
ومنهم مَن قال: إنه يُقوِّمُ الذبيحةَ بِالطعام ثم يُخرِجُ بعدَ ذلك طعاما-والواقِع أنَّه إذا قَوَّمَها وكان يَجِدُ الطعام فهو يَستطِيعُ أن يَشترِيَ ذبيحة وإنما يَكونُ ذلك إذا كان لا يَجِدُ ما يَشترِيه ففي مثل تلك الحالة يُقَالُ ذلك-أما إذا كان لا يَستطِيعُ على شراءِ الطعام فإنه يُقوِّم ذلك .. يَصُومُ عن كلِّ مُد، وهذا فيه مِن المشقّة ما فيه، فإنّ ذلك يَقتضِي أن يَصومَ ستّ مئة يوم أو أكثَر، لأنّ الذبيحة تُقارِب ثلاثِين رِيالا-مثلا-أو ما شابه ذلك فإذا قدَّرَها بِالأَمْداد فلا شك بِأنه يَصِلُ إلى عَددٍ كبِير ومعنى ذلك أنه يَصومُ عن كلِّ مُدٍّ يوما ففي هذا مِن المشقّة ما فيه، والدِّينُ أَيْسَرُ مِن ذلك.
ومنهم مَن قال: لا يُطعِم وإنما يَصومُ مِن أوّلِ وهْلَة.
__________
(1) - { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } [ سورة البقرة، الآية: 196 ]. (2/221)
صفحة 514
ومنهم مَن ذَهَبَ إلى غيْرِ ذلك مِن الآراء.
و-على كلِّ حال-هذه الأقوال لا دليلَ عليها، فإذا كان لَم يَجِد هدْيا فإنه ليسَ في كتابِ الله-تبارك وتعالى-ولا في سنّةِ رسولِه - صلى الله عليه وسلم - ما يَدُلّ على أنه يَصنَع شيئا مِن تلك الأقوال التي ذَكَرْناها، وإنَّما عليه أن يَحلِق أو يُقَصِّر وإن تَمكّنَ بعدَ ذلك مِن الهدْي ففي ذلك خير.
على أنّ أقوى تلك الأقوال التي قِيلَتْ بعدَما ذَكَرْناه قولُ مَن قال بِأنه يَصومُ عشرة أيام، ولكن فيه ما فيه، فلا يُمكِن أن نَحكُمَ بِه، ، فليس لأحدٍ أن يُلزِمَ عبادَ الله-تبارك وتعالى-بِما لَم يُلزِمهُم الشارِع بِه وإنما يُمكِن أن يَذْكُرَ ذلك لِمَن شاء أن يَأخُذَ بِه مِن باب الاحتياط في الدِّين والخروجِ مِن الخِلاف إن أَمْكَنَ وإن كان لا يُمكِن أن يَخرُج بِذلك مِن الخِلاف لِكثرةِ ما ذَكَرْناه في هذه المسألة.
و: 1-كذلك عليه بعدَ أن يَذبَح أن يَحْلِقَ أو يُقَصِّر. 2-وقيل: لا يَلزَمُه أن يَحْلِقَ أو يُقصِّر بل يَذبَح إن وَجَد وَإلا فلا شيءَ عليه-أو عليه ما ذَكَرْناه مِن تلك الأقوال-وهو قولٌ ضعِيفٌ جِدا، مُخَالِفٌ لِظاهِرِ الكتابِ العزيز، وكذلك هو مُخالِفٌ لِلسنّةِ الصحِيحةِ الثابِتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، حيثُ إنه صلوات الله وسلامه عليه حَلَقَ وأَمَرَ أصحابَه بِالحلْقِ أو التقصِيرِ وحَثَّ على الحلقِ ودعا لِلحالِقِين أوَّلا ثلاثا ثم بعدَ ذلك لِلمقَصِّرِين، فإذن هذا ثابِتٌ بِظاهِرِ الكتاب ونصِّ السنّةِ الصحِيحةِ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . (2/222)
صفحة 515
إذا علِمنا ذلك فمَن اشترَطَ في إِحرامِه إن لَم يَتمكَّن مِن تأدِيةِ حَجِّه أو عُمرتِه فإنه يَحِلُّ بِذلك مِن غيْرِ أن يَحتاجَ إلى هدْي، فهذه إذن فائدةُ الاشتراط (1) -خِلافا لِمَن زَعَمَ أنه لا فائدةَ لِذلك-وإنَّما هنالِك فرْقٌ في الصيغة .. إذا قال: " فمَحِلِّي حيثُ حَبَسْتَنِي " أو ذَكَرَ بِأنه إذا حُبِسَ سيَحِلُّ مِن إِحرامِه، فإن قال: " ... مَحِلِّي ... " فبِمجرّدِ عدم قدرتِه على إِتمامِ ما أَحرَمَ بِه فإنه يَكونُ حَلالا بِذلك، وإذا عَلَّقَ ذلك بِإرادتِه لِلإحلال فمعنَى ذلك أنه لابد مِن أن يَنوِيَ ذلك.
فإذن:
مَن لَم يَشترِط عليه أن يَنوْيَ الإحلال ويَذبَح ما استطاع ويَحلِق أو يُقَصِّر.
ومَن قال: " مَحِلِّي حيثُ حَبَسْتَنِي " لا شيءَ عليه.
ومَن عَلَّقَ ذلك بِأنه سيَفعَلُ ذلك فهو إذا نَوَى الإِحلال فإنه يَكون بِذلك حلالا.
هذه هي فائدةُ الاشتراط.
هذا وقد اختلَفَ العلماءُ في حكمِ الاشتِراط:
منهم مَن قال: هو واجِب، وهذا قولُ الظاهِرِية الذين يَأخُذُون بِظاهِرِ الألفاظ، ولَيْتَهُم يَأخذُون بِظاهِرِ الألفاظ بعدَ أن يَنظُرُوا إلى الأدِلّةِ جميعا، فإنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - والجمهورَ الأعظَم-حتى أنّ بعضَ العلماء ذَكَر أنه قد بَلَغَ عَدَدُ الحجّاج في تلك السنة إلى مئة ألف، ونَحن لا نُرِيد أن نُقَدِّر العَدَد ولكنهم كانوا بِعشراتِ الألوف-لَم يَشترِطوا لِعدمِ حاجتِهم إلى ذلك، فهل يُمكِن أن يُقال بِوجوبِ ذلك أو أنَّه لَم يَرِد عنهم ذلك ؟! هذا ما لا يُمكِن أن يُقالَ بِه.
ومِن العلماء مَن قال: هو سنّة مستحَبّة.
ومنهم مَن قال: هو جائِز وليس بِمستحَب إلا لِمَن كان مُحتاجا إليه، وهم وإن كانوا لَم يَذكُروا هذا الشرط ولكن لابد منه.
__________
(1) -قال الشيخ: " الهدي " بدلا مِن " الاشتراط " والظاهر أنه سبق لسان. (2/223)
صفحة 516
ومنهم مَن قال: هو سنّة لِمَن كان مُحتاجا إليه وأما مَن لَم يَكن مُحتاجا إليه فهو ليس بِسُنَّة في حَقِّه، وهذا هو الصحِيحُ عندِي، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لَم يَكن مُحتاجا إلى ذلك فلَم يَشترِط، وهكذا بِالنسبةِ إلى الصحابةِ الكِرام - رضي الله عنهم - وإنما كانَتْ ضُباعَة هي المُحتاجَة إليه فأَرْشَدَها النبي صلوات الله وسلامه عليه.
بَقِيَ على رأيِ مَن يَقول بِعدمِ سُنّية ذلك إلا لِمَن كان مُحتاجا إليه، فما حُكْمُ مَن اشترَطَ ولَم يَكن مُحتاجا إليه ثم احتاجَ بعدَ ذلك إليه .. هل يَستفِيدُ مِن ذلك أو لا ؟
قيل: لا فائدة له مِن ذلك، لأنّ هذا مُخالِفٌ لِسنّةِ النبي - صلى الله عليه وسلم - أعني الاشتراطَ مع عدمِ الحاجةِ إليه-فعندَما يَحتاجُ إلى التّحلُّل فلابد مِن أن يَنوِيَ ذلك وأن يَذبَح إن كان معه الهدي أو كان معه ما يَشترِي بِه الهدْي ويَحلِق أو يُقصِّر.
وقيل: يَنفعُه ذلك.
وبِذِكْرِ الاشتراط تَنْحَلُّ كثِيرٌ مِن المسائِل:
كثِيرٌ مِن النساء يَذهَبْنَ في مُدَّةٍ وَجِيزَةٍ لِتأدِيةِ العمرةِ-مثلا-ويُمكِن أن يَأتِيَها الحيض في تلك المدّة وهي تَعرِفُ مِن نفسِها بِأنَّها لَن تَتَمَكّن مِن البَقَاءِ في مكة المكرمة إذا أَتَاهَا الحيض فتَضطَرُّ إلى الرجوعِ بِسببِ أنّ رفْقَتَها لا تُسَاعِفُهَا على البقاءِ في تلك البقاع فهنا يُمكِن أن تَشترِط ذلك، وعليه إذا اشترَطَتْ ولَم تَتمَكَّن مِن ذلك فلَها الإحلالُ بِذلك.
وهكذا مَن كانتْ تُصِيبُهُ بعضُ الأمراض .. مثلا في موسِمِ الشتاء أو ما شابه ذلك أو تُؤثِّرُ عليه الأسْفار يُمْكِنُه أن يَشترِط ويَكون مُستفِيدا مِن ذلك. (2/224)
صفحة 517
ولِلأسف أنّ كثِيرا مِن النساء يَذهَبْنَ إلى تأدِيةِ العمرةِ أو الحج وتَأتِيهِنَّ العادة الشهرِية المعروفَة وبعدَ ذلك لا يَعرِفْن ماذا يَصْنَعْن فتَرجِع الواحِدة بِإِحرامِها وهي تَظُنّ أنَّها قد أَحَلَّتْ .. تَذهَبُ وتَسعَى، لأنَّها قَد سَمِعَتْ بِأنّ المرأة إذا أتاها الحيض لا تَطُوف فتَظُن أنّ الطواف يَسقُطُ عَنْهَا، وقد تَسمَع بِالحديثِ الذي فيه أنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-أَسْقَطَ الطواف عن إِحدَى أَزواجِه عندَما أتاها الحيض ولكنّ ذلك في طوافِ الوداع وليس في طوافِ العمرة أو في طوافِ الزيارة أو الإفاضة-الذي هو طوافُ الحج-فهذا رُكن .. أعني طوافَ الزيارة وكذلك بِالنسبة إلى طوافِ العمرة فهما لا يَسقُطانِ بِحيضٍ ولا غيْرِه ولكن يُؤجَّلانِ حتى تَطهُر المرأة وتَتَطَهَّر وفي تلك الحالة تَطوفُ ثم بعدَ ذلك تَسعَى .. فتَذهَب وتَسعَى وتُقَصِّر وتَرجِع بعدَ ذلك وهي مُحْرِمَة-وقد وَقَعَ كثِيرا هذا على حسبِ ما سَمعت، وقد سألنِي عن ذلك غيْرُ واحِد-فهذا مِمّا لا يَصِح .. إذا وَصَلَتْ لابد مِن أن تَبقَى هناك حتى تَطهُر وتَتَطَهَّر وبعدَ ذلك تَطوفُ ثم تَسعَى، فالطوافُ ركنٌ مِن أركانِ العمرة بل هو ركنُها الأعظَم، وكذلك هو ركنٌ مِن أركانِ الحج-أعني طوافَ الزيارة-لا يَسقُطانِ أبدا، وإنما يَسقُطُ طوافُ القدوم لِلحاج وطوافُ الوداع لِلمرأةِ الحاجّة أيضا، أمَّا مَا عدا ذلك فلا، فيَنبغِي أن يُنتَبَهَ لِذلك جيِّدا.
وأن يَتعلَّم الواحِد قبلَ أن يَذهَب إلى تلك البِقاع ما هو الذي يَجوزُ لَه وما هو الذي يَجِبُ عليه وما هو الذي يَحْرُم عليه وما هو الذي يُكْرَه في حَقِّه وما هو الذي يُباحُ لَه. (2/225)
صفحة 518
و-كذلك-بعضُ الجهلةِ الأغْمار يُفتُون .. بعضُ الناس عندَما تأتِيهِ المرأة: " أنا أَتَتْنِي الدورَة .. ماذا أَصنَع ؟ ": " اسْعَي وقَصِّرِي "، مِن أَيْن لَك ذلك ؟! لِماذا تَتَقَوَّلُ على الله بِغيْرِ عِلم ؟! فليَتَّقِ الله-تبارك وتعالى-مَن لا يَعرِفُ شرْعَ الله-تبارك وتعالى-ثم بعدَ ذلك يَتَقَوَّلُ عليه سبحانه؛ والله-تبارك وتعالى-ولي التوفيق.
ومِن المسائِلِ التي أُنَبِّهُ عليها-وتَقَعُ لِبعضِ الناس في بعضِ الأحيان-أنّ الوضوءَ قد يَنتقِض بِخروجِ رِيحٍ أو ما شابه ذلك ويَستحيِي ذلك الطائف ولاسيما إذا كانتْ امرأة .. تَستحِي أن تَقول بِأنها قد انتَقَضَ وضوؤها-ومع أنّ الوضوء قد يَنتقِض بِهذا أو غيْرِه مِن النواقِض-ولاسيما إذا كانتْ قد ذهبَتْ مِن غيْرِ مَحرَمٍ منها أو زوجِها فتَرجِع وهي لَم تَطُفْ وهي على إِحرامِها فتَرتكِب المَحذُور، فالطوافُ مِن شرْطِه الطهارة، فهي شرطٌ مِن شروطِ صِحّتِه، فإذا انتَقَض فلا يَجوزُ إلا بِطهارة، وإذا انتَقَضَتْ لابد مِن الوضوء وإعادة الطواف بعدَ ذلك .. هذا أمرٌ لابد منه، ولا عبْرَةَ بِالحياء .. هذا الحياء لا خيْرَ فيه .. الحياءُ الذي فيه الخيْر هو الذي يُوافِقُ شرعَ الله تبارك وتعالى، أما هذا فهو باطِلٌ وَزُور .. مُنكَرٌ مِن المنكَرَات يُؤدِّي إلى الوقوعِ في معصيةِ الله-تبارك وتعالى-على أنّ المرأة عندَما تُرِيدُ أن تَذهَب إلى حَجٍّ أو عُمرَة فلتَذهَب مع زوجِها أو مع مَحْرَمٍ منها، لا مع أَجنبِي عنها؛ والله ولي التوفيق.
س: مَن خرج مِن مكة بعد أداء عمرة التمتع، هل يلزمه أن يدخل إليها بعد ذلك محرما بالحج ؟ (2/226)
صفحة 519
ج: قد اختلفت كلمة أهل العلم فيمن أراد أن يدخل إلى مكة المكرمة ولم يكن يريد في ذلك الوقت حجا ولا عمرة هل يجب عليه أن يدخلها بإحرام أو أنه يجوز له أن يدخلها بغير إحرام، وقد استدل كل فريق بأدلة متعددة وقد ذكرنا ذلك في مناسبات سابقة فلا داعي لإعادتها مرة ثانية والقول الصحيح الذي تشهد له الأدلة الصحيحة الثابتة أن الإنسان إذا كان يريد أن يدخل إلى مكة المكرمة ولا يريد حجا ولا عمرة أنه لا يلزمه الإحرام، وذلك لأن الحديث الذي جاء من طريق بن عباس-رضي الله تبارك وتعالى عنهما-نص صريح ولم يعارضه معارض معتبر فكل ما استدل به من قال بخلاف هذا الرأي لا تقوم به الحجة لضعفه وعدم ثبوته عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-وما جاء عن غيره-صلوات الله عليه وسلامه عليه-فإنه لا تقوم به الحجة إذ لا تقوم الحجة إلا بكتاب الله وبسنة رسوله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-أو ما يرجع إليهما بوجه من وجوه الحجية المعروفة عند أهل العلم، وأيضا فإن من قد أدى فريضة الحج من قبل وقد أدى العمرة الواجبة على القول بوجوبها فإنه إن ألزمناه أن يدخل بإحرام فإما أن نلزمه بعمرة أو بحجة أو أن نلزمه أن يدخل بإحرام ويطوف أو يدخل بإحرام ثم بعد ذلك يقوم بخلع إحرامه، ولا دليل على شيء من هذه الأمور لأن الطواف يصح من دون إحرام ثم إنه أيضا ليس بواجب أي لا يجب مستقلا من دون أن يكون لحج أو عمرة ومجرد الدخول لا يحتاج إلى إحرام، فإذن القول الصحيح هو عدم وجوب الإحرام لمن أراد أن يدخل مكة المكرمة ولم يكن يريد في ذلك الوقت حجا ولا عمرة، نعم من لم يحج من قبل وكان ذلك الوقت وقتا للحج فإنه عليه أن يدخل بإحرام للحج اللهم إلا إذا كانت هنالك ظروف تمنعه من الحج في تلك السنة ويريد أن يرجع-مثلا-فالأمر يختلف، وكذلك من لم يؤد العمرة الواجبة على القول بوجوبها أو العمرة المسنونة فإنه لا ينبغي له أن يفرِّط ويدخل من غير إحرام ثم إنه إن كان أيضا (2/227)
صفحة 520
لا يشق عليه وإن كان قد أدى من قبل الحج والعمرة فإنه إذا دخل بعمرة فإن في ذلك من الفضل ما لا يخفى فلا ينبغي لطالب الخير والفضل أن يفرِّط فيه أما الوجوب فشيء آخر، أما من دخل أوَّلا بعمرة التمتع-مثلا-وأدى العمرة ثم إنه رجع إلى المدينة المنورة لقصد إحضار أصحابه أو لأي أمر من الأمور أو ذهب إلى جدة-والمدينة خارج الميقات وجدة داخلة في الميقات-أو ذهب إلى أي موضع من المواضع أو ذهب لعرفة أو لغير ذلك من المواضع وأراد أن يرجع إلى المكان الذي قد استقر فيه من قبل فإنه لا يلزمه أن يدخل بالحج في ذلك الوقت، لأنه وإن كان يريد أن يحج في تلك السنة ولكنه لا يريد أن ينشئ الحج في ذلك الوقت بل هو راجع إلى موضعه الذي هو فيه ذهب لإحضار حاجة أو للنظر في أي أمر من الأمور أو ما شابه ذلك، فالذي عندي أنه لا يلزمه الإحرام في ذلك الوقت وهذا لا شك بأن فيه من الرفق ما لا يخفى والدين بحمد الله-تبارك وتعالى-يسر، فينبغي أن ييسر على عباد الله-تبارك وتعالى-في الأمور التي لا تصادم دليلا من الأدلة الشرعية أما إذا كان ذلك مصادما لدليل فإنه لا يمكن أن يدعى بأن فيه تيسيرا إذ لا يمكن لأحد أن يخالف الدليل ولو كان يظهر للإنسان أن فيما يخالفه .. أن فيه اليسر أو ما شابه ذلك فالعبرة بما دل عليه الدليل، فإذن من ذهب إلى المدينة أو إلى جدة أو إلى عرفة أو إلى أي موضع من المواضع وكان قصده أن يرجع إلى الموطن الذي كان مستقرا فيه أو ما شابه ذلك ولم يرد أن ينشئ الحج في ذلك الوقت بأن رجع في اليوم الثالث أو الرابع أو الخامس أو السادس وهو يريد أن يحرم بالحج في اليوم الثامن فلا يلزمه الإحرام هذا ما أراه والعلم عند الله تبارك وتعالى.
س: ما حكم استخدام حقيبة النوم بالنسبة للمحرم ؟ (2/228)
صفحة 521
ج: هي ليست من اللباس في شيء فلا نرى مانعا من استخدامها .. هذا مِن حيث الجواز وعدمه، وأما مِن حيث الاحتياط فإن احتاط الإنسان ولم يستخدمها إلا على طريق بأن قام بوضعها عليه أو ما شابه ذلك فذلك أحوط لكن من حيث المنع فلا نقوى عليه لكن بشرط ألاّ يضع ذلك على رأسه لأنّ إحرام الرجل يكون في رأسه .. نعم إذا اضطر الرجل لتغطية رأسه اضطرارا بأن كان يخشى من البرد الشديد أو ما شابه ذلك فلابد من الفدية هاهنا، أما إذا لم يضطر فلا ولو قال شخص مثلا: " أنا لا بأس سأعمل الفدية .. أصوم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين أو أذبح ذبيحة-وطبعا الإطعام والذبح يكونان لفقراء الحرم-فهذا أمر يسير " نقول له: هذا-أوَّلا وقبل كل شيء-ممنوع .. ليس لك ذلك وإنما يكون ذلك في حالة الضرورة .. عندما لا يستطيع الإنسان مِن شدّة البرد إلا بأن يضع شيئا على رأسه فهنا هذه ضرورة وفي هذه الحالة نقول له: " اصنع ذلك وافتد "، أما إذا كان يستطيع أو قد يجد شيئا مِن المشقة اليسيرة أو ما شابه ذلك فليس له ذلك، والحاصل إذا غطى رأسه لضرورة لابد منها فلابد له من أن يفتدي أما إذا لم يكن مضطرا فليس له ذلك أبدا، وهكذا المرأة ليس لها أن تغطي وجهها أما ما عدا ذلك فلا مانع مِن ذلك .. هذا ما يظهر لي، والعلم عند الله تعالى.
ثانيا: الطواف
س: هل يستحب أن يكون الطواف حول الكعبة بين الكعبة ومقام سيدنا إبراهيم - عليه السلام - أو أنه لا يوجد ما يعيب الطواف مِن خلف مقام سيدنا إبراهيم - عليه السلام - ؟ (2/229)
صفحة 522
ج: كلما كان الطائف أقرب إلى الكعبة فإنّ ذلك أفضل إذا كان لا يؤذي غيره ولا يؤذيه غيره، أما إذا تأذى بذلك وأذهبَ ذلك الخشوع فإنّ الأوْلى له أن يطوف أبعد مِن ذلك، فإذن إذا كان لا يؤذي غيره ولا يتأذى هو فالأفضل له أن يطوف بالقرب مِن الكعبة فكلما قرب مِن الكعبة فإنّ ذلك أوْلى، أما إذا كان بخلاف ذلك فإنه لا ينبغي لأحد أن يؤذي غيره بل ذلك لا يصح؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: إذا تحلَّلَ شخص مِن الحج أو العُمرة ثم شك في طوافه بأنه قد طاف ستّة أشواط، ماذا يَجب عليه ؟
ج: إذا انتهى الإنسان مِن الطواف فلا يَلتفِت بعد ذلك إلى الشكوك، فكيف إذا كان قد انتهى مِن السعي ومِن الحلْق أو ما شابه ذلك ؟! فهذا شك لا عبرة به .. نعم إذا شك وهو في الطواف فهاهنا يَبني على الأقل .. إذا شك هل طاف ستّة أو سبعة فليَعتبِرها ستّة ويأتي بالشوط السابع، وإذا شك بيْن الخمسة والستّة فليَعتبِرها خمسة .. هذا إذا لم يَترجّح لديه شيء، أما بعد أن يَنتهي مِن الطواف فلا شيء عليه بمشيئة الله.
س: هل يَصحّ لِلطائف أن يَعتمِد على شخصٍ آخر في العَدّ ؟ والذي يُصَلِّي ونَسِيَ كم صَلَّى، هل يَعتمِد على مَن بِجَنْبِه ؟
ج: على كل حال؛ الإنسان لابد مِن أن يَعتمِد على نفسه .. هذا هو الأصل، لأنه قد يُخطِئ ذلك الشخص الذي اعتمَد هو عليه، فلماذا لا يَعتمِد على نفسه ويَعتمِد على غيره ؟! إذا كان قد وَقَعَ لِهذا الإنسان مِن قبل واطمأنّتْ نفسُه إلى فِعْلِ صاحبِه وهو لم يُفارِقه أبدا فإنه يُمكِن أن يُرخَّصَ له في الماضي، أما في المستقبَل فليَعتمِد على نفسه، ولا يَعتمِد على غيره. (2/230)
صفحة 523
أما بِالنسبة إلى الصلاة فالكلام فيها كالكلام في الحج .. الأصل في الإنسان أن يَعتمِد على نفسِه ولكن إذا وَقَعَ منه خطأٌ-مثلا-واطمأنّتْ نفسُه إلى فِعْلِ صاحبِه فإذن يَجْعَل ذلك مِن باب المُرَجِّحَات في الحج وفي الصلاة، ومِن المعلوم أنّ الإنسان إذا تَرَجَّحَ لديه أحدُ الجانبين فإنه يَأخذ بِما تَرَجَّحَ له، فإذن يَكون فِعْلُ ذلك الشخصِ الذي معه مِن المُرَجِّحَات لا أنه يَعتمِد عليه فإن لم يُعارِضه معارِض في طواف الحج أو العُمرة أو في الطواف مطلَقا ولا في الصلاة فيُمكِن-كما قلتُ-أن يَجْعَل ذلك مِن المُرَجِّحَات ولكن في المستقبَل يَنبغي له أن يَعتمِد على نفسِه؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: مع شدّة الزحام، ما حكم الطواف والسعي فوق السطح ؟
ج: على كل حال؛ لِلعلماء في هذه القضية خلاف:
منهم مَن يُشَدِّد في ذلك ويَقُولُ: إنّ الطواف لا يَصِح، وذلك لأنه لا يُحاذِي شيئا مِن البيت، فَمَنْ طَافَ عليه أن يُعِيد ذلك الطَوَاف، وإذا رَجَعَ إلى بَلَده فلابد مِن أن يُعِيد ذلك وأن يُعِيد السعيَ معه، لأنه سعى قبل الطواف الشّرْعِي المُعْتَبر.
وَذَهب أكْثَر أهل العلم إلى أَن طَوافَه ذلك صحيح، وذلك لأنه وإن كان لا يُحَاذِي شيئا مِن البيت ولكنه يُحَاذِي هَوَاءَ الكعبة والكُل .. الكَعْبة مِن أصْلِها إلى السّمَاء تُعْطَى نَفْسَ الحُكم.
وأقول: إنّ مَن وَقَع في المَاضي فلا شيءَ عليه، وأما في المُستَقْبَل فالأحْوط لِلإنسان أن يَحتاط لأمر دِينه، وأن يُخْرِج نَفْسَه مِن الخلاف في مثل هذه المَسأَلة؛ والعِلم عند الله.
أما السعي فأَمرُه أسْهل. (2/231)
صفحة 524
س: ذَكَرتُم في أَكْثَر مِن مَوْضِع بِأنّه لا يُصَلِّي إنسان عن إنسان وإنَّما قد يصوم إنسان عن آخَر، لكن هَذَا السَّائِل يَقُول: كُنتُ أُصَلِّي ركعتَيْ الطَّوَاف وأَنْوِي أنَّهما عن الشَّخص الذي أَحُج عنه ثُم رَأَيْتُ أنَّه لا يصلي أحد عن أحد، فماذا عَلَيَّ ؟ وماذا أفعل الآن ؟ هل أُصَلِّيهِمَا أولا ؟
ج: نعم، قَد ذكَرْنَا-وذَكَرَ غيرنا-أنَّه لا يصلي أحد عن أحد، وقد حَكَى بعض العُلماء اتفاق أهل العلم على ذَلك ...
أمَّا بالنَّسبة إلى الصَّلاة فقد قُلت إنَّه لا يُصَلِّي أحد عن أحد إذا كان ذلك استقلالا، أمَّا إذا كانت تلك الصلاة تَابِعَة لأمر آخرَ .. دَاخِلَة في ذلك الأمر فإنَّ الأمر يَختلف في هذه القضية، وذلك لأنَّه يُشْرَع تَبَعا مَا لا يُشْرَع استقلالا كما هو مُقَرَّرٌ عند الفقهاء، وهي قَاعِدة فقهية مشهورة تدخل تَحتها مسائل مُتَعَدِّدة، فالصَّلاة إذا كانت مستقلَّة لا يُمْكن أن يَقُوم أحد بِقضاء فريضة مِن الصلوات كالظهر أو العصر أو المغرب أو ما شابه ذلك عن شخص آخر، كما أنَّه لا يُمكن أن يَتَنَفَّل عنه .. أن يصلي ركعتين نافلة وَيَنْوي أنَّهما عن فلان أو فلانة أو ما شابه ذلك .. هذا أمر مُتَّفق عليه كما حكاه غير واحد، ومَا رُوِي عن بعض المتَقَدِّمين مِمَّا يُخالِف ذلك فلعَلَّه لا يَصِحُّ عنه، وإن صَحَّ عنه فإنَّه لا دليل لَه على ذلك.
أمَّا بالنسبة إلى صلاة الطواف .. أو إلى سُنَّة الطَّوَاف-لأنَّ الصحيح أنَّها سنَّة-فالأمر جَائِز باتِّفَاق أهل العلم، وذلك لأنَّ هذه دَاخِلَة في الحج أو دَاخِلَة في العُمْرَة إذا كان ذلك الشَّخص يَعْتَمِر عن شخص آخر .. فهي تَابِعَة لأعمال الحج أو تَابِعَة لأعمال العمرة، وعليه فما فَعَلَه هَذَا الشَّخص فعل صحيح، وفي المستقبل ينبغي له إن شاء أن يَعْتَمِر أو أن يقوم بأداء الحج عن غيره فإنه يفعل ذلك أيضا. (2/232)
صفحة 525
وكما قلت هذه المسألة وهي أنَّه يُشرع بالتَّبَعِيَة ما لا يُشْرَع استقلالا تندرج تَحْتَها مَسَائل متعدِّدَة، مِن ذلك مثلا:
...
وَمِن المسائل المهمة-أيضا-أنَّ الإنسان إذا أحْرَمَ بعمرة فإنَّه لا يَجُوز له أن يَحْلِق أو أن يَقُصَّ رأسه إلا بعد الطواف والسَّعي ولكن إذَا جَمَعَ بَينَ الحج والعمرة وهو ما يُعْرَف عند العلماء بالقران .. إذا قَرَن بين الحج والعمرة فإنه يُشْرَعُ لَه الحلق أو التَّقْصِير-والحلق أفضل-بعد رَمْيِ الجمرة قبل أن يطوف وقبل أن يسعى، فذلك لتَبَعِيَّة العمرة للحج لأنَّ الذي يُفْرِد الحج-مثلا-يُشْرَع له الحلق أو التَّقصير في ذلك الوقت فشُرِع للعمرة-أيضا-لأجل تبعيتها للحج وهذَا أَمر مُهِم، وقد قَال بعض العُلَماء: إنَّه ليس له أن يَحلق أو أن يُقَصِّر إلا بعد أن يطوف ويسعى، واختُلِفَ في هذا هل ذلك إذا كان لَم يَطُفْ طواف القُدُوم ولَم يَسْع أو حَتَى إذا طَاف طَوَاف القُدُوم .. الأول-مثلا-إذا جَاء إلى مكة مُتَأَخِّرا أو لَم يطف ولَم يسع لسبب مِن الأسباب أو حتى تَرَك ذلك متعمِّدا-فإنَّه جَائز على الصحيح وإن كان خلاف الأفضل-أو جاء مُتَأخِّرا إلى عرفة فهو لَم يطف طواف القدوم ولَم يسع، أو طاف طواف القُدُوم ولَم يسع ولكنَّه لَم يطف طواف الرُّكن ؟ فالصحيح في الحالتَيْنِ معا أنَّه يَجوز له أن يَحلق أو يُقَصِّر-خلافا لِمن قال بِخلاف ذَلك في المسألتين مَعًا أو في إحداهُمَا-وذلك ظاهر مِن فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنَّه حَلَقَ-صلوات الله وسلامه عليه-بَعد أن رَمَى، وأيضا تَعَطَّر بعد أن رَمَى مَعَ أنَّه لَم يطُف طواف الرُّكن وقد عطَّرَتْهُ السَّيدة عائشة-رضي الله تبارك وتعالى عنها-وهي لَم تَطُف وَلَم تَسْعَ، فذلك دليل على المسألتين معًا، فإذن يَختلف الحكم في هاتَيْن القضيَّتَيْن، وهنالك مسائل أخرى لا داعِي لذكرها الآن. (2/233)
صفحة 526
فلابُد مِن أن يُنْتَبَه لِمِثل هذه المسائل، وإذا سَمِع الإنسان كَلاما في مسألة ليس له أن يَحكم به على بعض المسائل وإن رأى بأنَّها قريبة مِن تلك المسألة، وهو معنى ما ذكره بعض أهل العلم أن الإنسان إذا كان ضعيفا في العلم ليس له أن يَقِيس مسألة على مسألة ولو رَأَى بأنَّهما قد تَشَابَهتا مِن كل الوُجوه .. أي على حسب ظَنِّه هو لأنه قد تكون هنالك بعض الأمور التي لَم يلحظها هو وفي واقع الأمر تَخْتَلف هذه المسألة عَن تلك المسألة، والمسألة أمَامَنَا فهذا الشَّخص-مثلا-سَمِع أو رأى في بعض الكتب-أيضا-بأنه لا يصلي أحد عن أحد فظنَّ بأن ذلك ينْطَبِق على هذه المسألة وذلك لا ينْطَبِق عليها في حقيقة الواقع.
ثالثا: السعي
س: نُشاهِد بعضَ الناس يُصلُّون بعدَ السعي، فهل تُشرَع صلاةٌ في ذلك الوقت ؟
ج: إنّ الذي عليه جمهورُ الأمّة أنه لا تُشرَعُ صلاةٌ بعدَ السعي، لِعدمِ ثبوتِ شيءٍ في ذلك عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذا القول هو القولُ الصحيح.
وذهبتْ طائفةٌ قليلةٌ جدا مِن العلماء إلى مشروعيةِ الإتيانِ بِركعتيْن بعدَ السعي، وقد احتَجَّ لذلك العلاّمةُ الكمالُ بن الهمام بِحديثٍ مروي عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وذَكَرَ فيه العلاّمةُ الكمال بِأنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يُصلِّي بعدَ سعيِه، ولكنّ هذه الرواية لَم تَثبتْ عن رسولِ الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بل لم يَرْوِها ابنُ ماجة بِهذا اللفظ وإنما رواها بِلفظ: " بعدَ سبع " .. أي بعدَ سبعةِ أشواط، وذلك يعني أنّ ذلك بعدَ الانتهاءِ مِن الطوافِ بِالبيت.
فهاتان الركعتان بعدَ الطواف، وليستا بعدَ السعي؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم. (2/234)
صفحة 527
س: لقد نَصَّت كتب الفِقه المبيِّنَة لأحكام الحج والعمرة بِأنّ الدعاء الذي يُقال على الصفا والمروة يُرَدَّدُ هناك ثلاث مرات في كل شوط على كل منها، فهل ذلك على الوجوب أم الاستحباب ؟ وماذا على مَن لم يَستطِع أن يَأتِيَ به على الصفة المنصوص عليها في تلك الكتب نتيجةَ الزحمة الشديدة والارتباك ؟ هل يَصحّ الاقتصار على ألفاظ معيّنة بِذاتها ؟
ج: على كل حال؛ ما كل ما ورد في الكتب الفقهية ثابت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذا الدعاء وكذا الذِّكْر الوارد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ليس واجبا وإنما هو مندوب، ويَنبغي لِلإنسان أن يَعتنِيَ بِالمندوبات إذا استطاع سبيلا إلى ذلك لكن بِشرْط أن لا يُؤْذِي أحدا مِن عباد الله تبارك وتعالى، فعندما تكون هنالك زحمة شديدة خاصّة في أيام الحج فيَنبغي أن يَقتصِر على القليل ويَأتِي بِما ثَبَتَ عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-ويَأتِي بِدعاءٍ جامع مِن غيْر أن يُطِيل حتى لا يُؤْذِي عبادَ الله تبارك وتعالى، فعندما تكون هنالك سعة يَأتِي بِالذِّكْر الوارد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يَدعو ثم يَأتِي بِالذِّكْر ثم يَدعو ثم يَأتِي بِالذِّكْر وقد اختلفوا في الدعاء بعد الذِّكْر في المرة الثالثة هل هو مشروع أو لا ؟
مِنهم مَن قال بِمشروعية ذلك.
ومنهم مَن قال بِعدم المشروعية.
ومَن قال بِالمشروعية في كل هذه القضية-طبعا كما قلتُ-إنما يَقول بِالندبية لا بِالوجوب؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: لقد اعتمَرتُ مع والدي وعند السّعي بدأنا بِالصفا ولكننا كُنّا نَعُدُّ ذهابنا مِن الصفا إلى المَرْوة نصفَ شوْط، بِحيث كنّا نَعُدُّ ذهابَنا مِن الصفا إلى المروة ثم رجوعَنا إلى الصفا مرّة أخرى شوطا واحدا بدلاً مِن كونه شوطين فقد كان المَجموع بِذلك خمس عشر شوطا ؟
ج: هو أربعة عشر إذا كانوا اختَتَمُوا بِالصفا إلا إذا كانوا زَادُوا مرة ثانية إلى المروة. (2/235)
صفحة 528
على كل حال؛ هذا رأيٌ لِبعضِ أهل العِلم وهو أنّ الشّوْط الواحد يَكُون مِن الصفا إلى الصفا، وقال بِه الشيخ إسماعيل-رحمه الله تبارك وتعالى-مِن أصحابِنا في " مناسِك الحج "، وقالت بِه جماعةٌ مِن أهل العلم-أيضا-مِن الشافعية وغيرهم؛ ولكنه قوْلٌ ضعيفٌ جدا.
والصحيح الثابت هو أنّ مِن الصَّفا إلى المروة يُعَدُّ شَوْطا ومِن المروة إلى الصَّفا يُعَدُّ شوْطا، فالشوط الواحد يَكون مِن الصفا إلى المروة.
وبِما أنهم فعلوا ذلك لا شيء عليهم-بِمشيئة الله تبارك وتعالى-في الماضي، وفي المستقبَل يَنْبَغِي لَهم أن يُطَبِّقُوا السنّة الصحيحة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، إذ إنّ خيْر الهدْي هدْي محمد - صلى الله عليه وسلم - .
س: ما حكم السعي بين الصفا والمروة بالنسبة لحجة الإفراد ؟ (2/236)
صفحة 529
ج: السعي لابد منه .. اختلف العلماء في السعي هل هو ركن من أركان الحج وكذا العمرة أو هو من الواجبات، وعلى كل رأي من الرأيين لا يصح ترك ذلك على سبيل العمد وإنما الفرق بين ذلك أن لو تركه الإنسان لسبب أو لآخر هل لابد من الإتيان به وإلا فإن حجه يعد فاسدا باطلا وهكذا بالنسبة إلى عمرته إن لم يأت به في وقت يصح الإتيان به فيه أو أنه يُجبر بغير ذلك، أما أن يترك الإنسان ذلك فلا، وأخشى ما أخشاه أن يكون قد التبس الأمر على هذه المرأة .. سمعَت بعضا من أهل العلم يذكر أن الإنسان يمكن أن يأتي بسعي الحج بعد طواف القدوم مباشرة وأنه إذا أتى به في ذلك الوقت فليس عليه أن يسعى بعد طواف الزيارة، وهذا حق وقد قالت به طائفة من أهل العلم وهو الذي أراه وهو الذي تؤيده الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فالإنسان عندما يكون مفرِدا للحج إما أن يطوف طواف القدوم وبعد ذلك يسعى ولا سعي عليه بعد طواف الزيارة لأنه قد أتى به من قبل، وإما أن يؤخر السعي ويأتي به بعد طواف الزيارة .. هذا لا إشكال فيه، بقي ما هو الأفضل ؟ قد يقول قائل: الأفضل أن يؤخر الإنسان السعي إلى ما بعد طواف الزيارة، ذلك لأنه يكون صحيحا بإجماع الكل بينما إذا قدمه يكون قد دخل في خلاف أهل العلم لأنّ بعض العلماء يقول: " إنه لا يقدم الإنسان السعي على طواف الزيارة " .. (2/237)
صفحة 530
بقي هل يمكن أن نقول بتفضيل هذا خروجا من عهدة الخلاف قد يقول بذلك بعض أهل العلم وقد لا يقال بذلك بل يقال الأفضل أن يأتي الإنسان بما ثبت عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم وصحابته-ونحن نعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - على الصحيح كان قارنا فهو عندما أتى بالسعي بعد طواف القدوم كان قارنا ولكن إذنه - صلى الله عليه وسلم - لصحابته-رضوان الله تبارك وتعالى عليهم-بأن يأتوا بذلك بعد طواف القدوم هو الحجة بل ذلك كان شائعا عندهم رضوان الله-تبارك وتعالى-عليهم، فأرى أن الأفضل أن يلتزم الإنسان بالسنّة الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنما يلجأ إلى الخروج من الخلاف عندما يكون في الأمر شيء من الالتباس، أما عندما تكون السنّة واضحة جلية لا غموض فيها فلا ينبغي أن يراعي الخلاف ويترك السنّة الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فإذن السعي لابد منه، فأخشى ما أخشاه-كما قلتُ-أن يكون الأمر قد التبس على هذه المرأة، لأنني سمعتُ شبيها بهذه المسألة وقد ذكرتُ بعض ذلك في بعض المناسبات .. مِن ذلك أنّ بعض النساء كنّ يأتين بتكبيرة الإحرام عند الدخول في الصلاة ولا شك بأن تكبيرة الإحرام ركن من أركان الصلاة التي لا تصح الصلاة إلا بها، فسمعَتْ بعض النساء أنّ المرأة لا تأتي بالإقامة فظنت بأنها لا تأتي بتكبيرة الإحرام أيضا، ولعل بعض الناس يريد أن يبسِّط الأمر للنساء فيقول: " لا تأت بالتكبير " ويقصد بذلك التكبير الذي هو في الإقامة .. (2/238)
صفحة 531
" لا تأت بتكبير الإقامة " أي بالتكبير وما بعده فظنّت بعض النساء أنها لا تأتي بتكبيرة الإحرام فتركتْ بعض النساء تكبيرة الإحرام لمدة طويلة بهذا السبب، وهذا فيه مِن الخطورة ما فيه كما لا يخفى لأن صلاة من لم يأت بتكبيرة الإحرام باطلة لا تصح، وكذلك بعض النساء سمعن أن الحائض لا تطوف بالبيت وحقا الحائض لا تطوف بالبيت ذلك لأن الطواف بالبيت من شرطه الطهارة فمن لم يكن طاهرا وكان قادرا على الطهارة فلا يصح منه الطواف، وقَولي: " إذا كان قادرا على الطهارة " أريد أن أخرج بذلك من كان مبتلى بسلس البول أو ما شابه ذلك .. أي لا يستطيع أن يكون على طهارة فهذا مبتلى عليه أن يحاول قدر طاقته وأن يضع شيئا على موضع خروج البول ثم يتوضأ ويطوف وهو معذور في ذلك بمشيئة الله، أما الحائض فإنها تستطيع أن تنتظر حتى تطهر وبعد ذلك تطوف، عندما سمعَت بعض النساء أن الحائض لا تطوف جاءت وسعت ثم قصرت وظنت بأن عمرتها قد انتهت أو أن حجها قد انتهى لأن الحائض لا تطوف، ولا شك بأن هذا لا يصح لأن الطواف ركن من أركان العمرة وكذلك بالنسبة إلى طواف الزيارة، نعم طواف الوداع تعذر منه الحائض على القول الصحيح الذي تدل له السنة فإذا كانت الحائض قد أتت بطواف الزيارة واستمر بها الحيض إلى أن أرادت أن تخرج من مكة المكرمة فإنها تعذر من طواف الوداع ولا يجب عليها دم هذا هو القول الصحيح الذي تنص عليه السنة الصحيحة الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فإذن الإنسان في هذه الأمور وفي غيرها من الأمور الشرعية لابد أن يكون متيقنا في أمره فإذا كان لا يدري .. (2/239)
صفحة 532
يظن أن هذا يصح بدون كذا أو بكذا أو ما شابه ذلك فلابد من أن يسأل عن حكم تلك القضية وليس له أن يفعل أو أن يترك ما لا يدري حكمه الشرعي، أؤكد على قضايا الحج وعلى غيرها من القضايا الشرعية لأن كثيرا من الناس يرجعون وهو لم يؤدوا فريضة الحج، وفي الأسبوع الماضي سألني بعض بأن امرأة لم تأت إلى الآن بطواف الزيارة للحج من السنة الماضية وأن أخرى قد فسد طوافها بسبب انتقاض وضوئها في الطواف ورجعت الأولى وكذا الثانية والأولى لم تأت بالعمرة والثانية لم تأت بطواف الزيارة الذي هو ركن من أركان الحج، فمن كان واقعا في هذه الأمور أو في ما شابهها عليه أن يسأل عن الماضي ماذا عليه ؟ وعليه ألاّ يأتي في المستقبل إلا بما يعرف حكمه. (2/240)
صفحة 533
من هنا أيضا أعذرني أريد أن أنبه على قضايا الحبوب التي تستعملها النساء لمنع العادة الشهرية، لا شك أن أهل العلم قد اختلفوا في استخدام موانع الحيض بقصد الطواف، فمن أهل العلم من يمنع من ذلك على الإطلاق ويقول إنه لا يصح استعمال ذلك ومن استعملت ذلك فليس لها أن تطوف في وقت عادتها، ومنهم من ذهب إلى مشروعية ذلك مطلقا سواء خرج الحيض أو لم يخرج، ومنهم من ذهب إلى التفصيل فقال إن استعملته قبل خروج الحيض ولم يأت الحيض فلا بأس، أما إن استعملته بعد أن خرج الحيض فليس لها ذلك، هذه الأقوال موجودة ومن حيث الراجح بغض النظر عن الأحوال التي تعتري ذلك فإنه إذا انقطع الحيض سواء استعملت هذه الموانع قبل خروج الحيض أو بعد خروجه فإن الطواف يصح، لكن-طبعا-بعد خروجه-بعد الاغتسال من ذلك-الطواف يصح لأنها في تلك الحال طاهرة .. لها وعليها أحكام المرأة الطاهرة من حيث الصلاة والصيام والحج والطواف وقراءة القرآن والمعاشرة الزوجية وما شابه ذلك من الأمور التي لها تعلق بالحيض والطهارة، لكن بقي أن هذه الحبوب أو هذه الموانع قد تقطع الحيض في ذلك الوقت ولكنه بعد ذلك يأتي بعد فترة وجيزة ويستمر الدم مدة طويلة فلا تدري هل ذلك الدم هو دم حيض أو هو دم استحاضة وقد ينقطع وتؤدي الحج تأتي بالطواف وتنتهي من ذلك ولكن عندما ترجع تفاجأ بأن هذا الدم لا يأتي على الوجه السابق .. تستمر مدة طويلة يستمر بها الدم ولا تدري هل هو دم حيض أو استحاضة، وبعض النساء اللاتي استعملت هذه الأدوية لازالت تعاني من ذلك من السنة الماضية ولا تدري هل هذه الدماء التي تخرج منها هي دم حيض-وتتعلق به ما يتعلق من المسائل الشرعية-أو هو استحاضة .. لا تدري هل تصلي أو لا تصلي وهكذا بالنسبة إلى الصيام أو ما شابه ذلك، وقد قال العلماء قديما إن مسائل الحيض بحر لا ساحل له فماذا عسى أن يقال بعد استعمال هذه الموانع ؟!، فأرى للمرأة أن تترك هذه الموانع وأن تتأخر .. (2/241)
صفحة 534
تطلب من محرمها أو زوجها أن يتأخر معها وبعد ذلك تأتي بمشيئة الله-تبارك وتعالى-بعد أن تطهر بطائرة أو تأتي بالنقل البري وهو يسير وقيمته يسيرة بحمد الله-تبارك وتعالى-وإن كانت لا تقوى على ذلك في هذه السنة مثلا فلتتأخر إلى السنة القادمة بمشيئة الله-تبارك وتعالى-مخافة أن تقع في المحظور الذي أشرنا إليه، وقد تقول بعض النساء: " إن بعض النساء قد استعملن ذلك ولم يتأثرن بذلك " .. حقا وقع ذلك لبعض النساء ولكن لا تدري هذه المرأة ماذا عسى أن يقع لها .. هل سيقع لها كما وقع للسابقات أو للأخيرات اللاتي استعملن ذلك ولم يتأثرن بذلك، وقد تستعمل المرأة هذه المرة ولا تتأثر بذلك وتستعمله مرة أخرى وتتأثر بذلك، ومع أن بعض النساء اللاتي تأثرن بذلك قد استشرن بعض الطبيبات ولكن مع ذلك لا جدوى من ذلك .. وقع الضرر والعياذ بالله تبارك وتعالى .. فحذار حذار مِن الوقوع في هذه الورطات التي قد لا تَجِد المرأة مخرجا منها بعد ذلك، و-حقيقة-أمر الصلاة ليس بالأمر الهين وهكذا بالنسبة إلى غيرها من العبادات من صيام وغيره؛ فأدعو الله-تبارك وتعالى-أن يوفق الجميع لما فيه الخير، والعلم عند الله تعالى.
رابعا: أعمال اليوم الثامن وليلة التاسع من ذي الحجة
س: أرجو مِن شيخنا أن يُبيِّن لنا حكم مَن لم يَبِتْ ليلةَ التاسِع مِن ذي الحِجّة في مِنى وإنما ذَهَبَ إلى عَرفة مباشَرة مع مَن يُقيم معهم وليس له مُرشِدٌ يَذهَب معه وقد أَخَذَ بِفتوى بعضِ أهل العلم هناك بِأنّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - بَاتَ هناك لِلاستراحة وليس ذلك مِن السنّة ؟ (2/242)
صفحة 535
ج: أنا ذكرتُ بِالأمس (1) أنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-خَرَجَ مِن مكّة المكرّمة في اليوم الثامِن، وبَقِيَ بِمِنى إلى طلوع الشمس مِن اليوم التاسِع .. صَلَّى الصلوات الخمس في مِنى، وهذا ثابتٌ عنه صلوات الله وسلامه عليه، كما جاء ذلك في الأحاديث الصحيحة المروية عنه، ويَنبغي لِلإنسان أن يَقْتَدِيَ بِرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وليس هنالِك دليل يَدُلّ أنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-إنما فَعَلَ ذلك مِن أجل الاستراحة.
وإنما يُمكِن أن يَحتجَّ بعضُ الناس على ذلك بِأنّ مَن جاء مِن مكان بعيد ووَصَلَ إلى عَرفة في اليوم التاسِع لا شيءَ عليه، وهذا كلام صحيح لا غبار عليه، وقد دلَّ على ذلك الحديث الصحيح الثابت عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-بل مَن جاء في ليلةِ العاشِر قبل طلوع فجْر اليوم العاشِر إلى عرفة ووَقَفَ بها قبل طلوع الفجر فإنّ حَجَّه صحيح ولا شيءَ عليه، فهل يُمكِن أن يَقول قائل إذا استنَدَ إلى مثل هذا الحديث: " إنّ الوقوفَ بِعرفة في النهار ليس بِسنّة وإنما هو مستحَب-أو ما شابه ذلك-والمهِم أن يَأتي الإنسان في أيّ وقتٍ قبل طلوع الفجْر مِن اليوم العاشِر " ؟! وهل يُمكِن أن يَسْتَدِلَّ بِذلك-أيضا-على أنّ المبِيت بِالمزدلفة ليس مِن السنّة وإنما هو مُجَرَّدُ استراحة وإنما المشروع هو الدعاء في اليوم العاشِر أو ما شابه ذلك ؟! كلاّ لا يُمكِن أن يَسْتَدِل بِذلك أحدٌ.
__________
(1) -عند الجواب على السؤال 1 من حلقة 16 رمضان 1424هـ ( 11/11/2003م ). (2/243)
صفحة 536
نَحن نَقول: إنّ المبِيت في ليلة التاسِع لا يُمكِن أن يُقَارَن بِليلة الحادي عشر والثاني عشر ولكن مع ذلك لا يَنبغي لأحدٍ أن يُفرِّط فيه إذا استطاع إلى ذلك، فإنّ لنا في رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-أُسْوَة حسنة، أما مَن لم يَتَمَكَّن لِسببٍ أو لآخر كالسائل-مثلا-إذا كان لا يَعرِف الطُّرُق .. فإذا كان لا يَتمكَّن إلا بِأن يُرافِق مَن يَبيت ليلةَ التاسِع في عَرفة فلا شيءَ عليه بِمشيئة الله تبارك وتعالى، أما مَن وَجَدَ مَن يَدُلُّه على الطريق فيَنبغي له ألاّ يُفَرِّطَ في المبِيت في ليلة التاسِع في مِنى؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
خامسا: أعمال اليوم التاسع من ذي الحجة ( يوم عرفة)
س: سمعتُ منكم في حلقات ماضية (1) تَحْذيرا لِلحجاج مِن أن يَفيضوا مِن عرفات قبل تَحقُّق غروب الشمس فأيّ حركة مِن هذا النوع تُؤدِّي إلى الأحكام التي ستذكرونَها إن شاء الله، ولكن كيف تُوَفِّقُون بيْن هذا وبيْن الحديث الذي وَرَدَ فيه أنّ رجُلا وَقَفَ قليلا في عَرفة .. هذا الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد .. هذا الرجُل يَقول: " يا رسول الله، إني جِئْت مِن جَبل طَيْء أَكْلَلَتُ راحِلَتِي وأتْعَبْتُ نفسي، والله ما تَرَكْتُ مِن جبل إلا وَقَفْت عليه، فهل لي مِن حج ؟ " فَقال - صلى الله عليه وسلم - : ( مَن شَهِدَ صلاتَنا هذه ووَقَفَ معنا حتى نَدفع وقد وَقَفَ بِعَرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد أَتَمّ حَجّه وقضى تَفَثَه ) فيُشِير الحديث أنه حتى لو وَقَفَ جزءً قليلا مِن النهار فذلك يَكْفي ؟
ج: على كل حال؛ هذا الحديث حديثٌ صحيح، وقد رواه أكثر مِن عشرين عالِما مِن أئمة الحديث، لا أرى داعيا لِلإطالة بِذِكْرِهم الآن.
__________
(1) -عند الجواب على السؤال 1 مِن حلقة 9 ذو القعدة 1423هـ ( 12/1/2003م ). (2/244)
صفحة 537
وهذا الحديثُ فيه شيءٌ مِن العموم .. ظاهر هذا الحديث أنّ الإنسان إذا وَقف مِن صباح اليوم التاسِع ولو وَقَفَ جزءً بَسِيطا فإنّ ذلك يُجزيه، بيْنما جُمهور الأمّة قالوا: إنّ الوقوفَ لا يَكون إلا بعد زوال الشمس مِن اليَوْم التاسِع مِن ذي الحجّة.
خِلافا لأكثر الحنابلة حيث ذَهبوا إلى أنه يَكون قبل ذلك بِظاهر هذا الحديث .. أي يَكون مِن أوَّل اليَوم.
ولا شَك أنّ الذي ذهب إليه الجمهور هو الصحيح، وذلك لأنّ ذلك الحديث مُخَصَّصٌ-أو مُبَيَّنٌ-بِفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ، حيث إنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-لم يَقِفْ إلا بعد زوال الشمس، وكذلك هو مُخَصَّص بِشيءٍ آخر وهو أنّ الحج لا يَكون تامّا إلا بِطواف الإفاضة مع أنّ ظَاهِر هذا الحديث يَقُول: ( الحجُّ عَرفة ) وبعد ذلك قال: ( فقد تَمَّ حجُّه وقضى تَفَثَه ) مع أنّ الحج-في حقيقة الواقع-لا يَكُون تامًّا بِذلك بل لابد مِن طواف الزيارة، إذ إنه ركن مِن أركان الحج، بل ذهبتْ طائفة كبيرة مِن أهل العلم إلى عدم تَمامه إلا بِالسعي، لأنه عند هذه الطائفة مِن أهل العلم مِن أركان الحج أيضا.
هذا الحديث عند مَن قال بِفساد الحج بِالنسبة لِمَن لم يَقِفْ إلى غُروب الشمس وتَحقُّق غُروبِها ودُخولِ جزءٍ مِن الليل .. يَقولون: إنّ الحديث السابق مُبَيَّن بِفِعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ، حيث إنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - وَقَفَ إلى أن غَربت الشمس وتَحقَّق غروبُها ودَخَلَ جزءٌ مِن الليل، لِذلك ذهبوا إلى أنّ مَن لم يَقِفْ إلى هذا الوقت فإنّ حجَّه باطل. (2/245)
صفحة 538
وفي المسألة خلاف معروف ولكن-على كل حال-أجمعت الأمّة الإسلامية عن بَكرة أبيها على أنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-وَقَفَ إلى أن غَرَبَت الشمس ودَخَلَ جزءٌ مِن الليل وقال: ( خُذُوا عنّي مناسِككم لَعلِّي لا أَلْقَاكم بعد عامي هذا )، وقد بيَّن صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنّ هَدْيَه صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهدْيَ المُسْلمِين مُخالِفٌ لِهدْي أهل الشرك حيث إنّ أهلَ الشرك يَخرُجون مِن عَرفة قبل غُروب الشمس .. عندما تكون الشمس على رؤوس الجبال كأنَّها عَمائم الرجال، فيَنبغي لِلإنسان أن يَقتدِيَ بِرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأن يَهتدِي بِهدْيه وأن يَسِير على طريقِه صلوات الله وسلامه عليه، وأن يَحذَر كل الحذَر مِن الوُقوع في مُخَالَفة سنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومُوَافقَة هَدْي المشركين فحذَار ... (1) المشركين، فنأخذ بِهذا الأمر الواضِح الجَلِي.
أما فسادُ الحج ففيه ما فيه مِن الكلام لأهل العلم.
س: لَحق بِيوم عَرفة في وقتٍ متأخِّرٍ مِن الليل ؟
ج: ما دام قد جاء في الليل .. أي جاء إلى عَرفة قبل طلوع الفجر وأدرك شيئا مِن الليل في ذلك الموقف فإنه لا حرج عليه، بِنصّ السنّة الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ولا عِبْرةَ بِرأيٍ يُخالِف ذلك، وإذا جاء نهر الله بَطل نهر معقل؛ والله أعلم.
س: في عرفة، مَن اعتمد على خطبة المذياع بعد صلاة الظهر والعصر جَمْعًا ؟
__________
(1) -وقع هنا-للأسف-انقطاع في الشريط لخلل أثناء تسجيله مِن التلفزيون، ويبدو أنه غير مؤثّر في جواب الشيخ. (2/246)
صفحة 539
ج: على كل حال؛ من المعروف أن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-قد خطب في يوم عرفة بعد أن زالت الشمس .. خطب-صلوات الله وسلامه عليه-خطبة واحدة وما جاء أنه خطب خطبتين فإنه لا يصح، وقياس ذلك على خطبتي الجمعة أيضا لا يصح، لأن هذا القياس فاسد الاعتبار لأنه مصادم للنص الصحيح الثابت من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - من أنه خطب خطبة واحدة، وكما قلت إن ما ذُكر من أنه خطب خطبتين فإن ذلك لا يصح من حيث إسناده فلا يمكن التعويل عليه حتى ولو لم يعارضه معارض فكيف وقد عارضه الحديث الصحيح الثابت الجلي الذي لا غموض في دلالته ولا اعتراض عليه أيضا من حيث إسناده .. خطب النبي - صلى الله عليه وسلم - خطبة واحدة وأيضا الناس استمعت إلى خطبة النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا الزمان طبعا لا يتيسّر أن تكون هنالك خطبة واحدة في عرفات وقد اختلف الناس منهم من قال تكفي خطبة واحدة والبقية تصلي من غير خطبة، ومنهم من يأخذ بأن يخطب خطيب لكل مجموعة، وهذا هو الذي يجري عليه العمل لكن لو أن جماعة-مثلا-أخذت بخطبة الخطيب التي استمعَتْ إليها بواسطة مكبرات الصوت وصلت من غير خطبة في الماضي فلا شيء عليهم بمشيئة الله تبارك وتعالى.
سادسا:أعمال اليوم العاشر من ذي الحجة
أولا : قطع الوادي
س: الناس معروفٌ أنهم عندما يفيضون مِن عرفات إلى مزدلفة ومِن مزدلفة إلى مِنى .. عندما يَقطعون الطريق مِن مزدلفة إلى مِنى يُسْرِعون في وادي مُحَسِّر لكن لا يَعلمون شيئا عن الإسراع في هذا الوادي عندما يذهبون مِن مِنى إلى عرفات، فهل يَصنعون نفس الفعل ؟
ج: أنا لم أَجِد روايةً عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-تَدُلّ على مشروعية الإسراع أو عدم الإسراع عند الذهاب إلى عرفات في هذا الوادي. (2/247)
صفحة 540
وأما عندما يَرجِع الحاج مِن عرفة وبعد ذلك مِن المزدلفة إلى مِنى فإنّ الإسراعَ في هذا الوادي عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-ثابت صحيح لا شك فيه.
وإذا أردنا أن نَعرِف الحكم في المسألة الأولى .. أي في مشروعية الإسراع وعدمه عند الذهاب إلى عرفات فإنه ينبغي لنا أن نَعْرِف الحكمة من إسراع النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-في هذا الوادي، وقد ذَكَر العلماء في ذلك عدّة أمور:
مِنهم مَن قال: إنما فَعَل ذلك النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-لأنّ هذا الوادي مأوى الشياطين فأَسْرَعَ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-خشيةَ الكَوْنِ في هذا الوادي، ولم أَجِد لهم دليلا على هذا الكلام ولعلهم يَستدِلُّون بِحادِثة نَوْمِ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-وصحابتِه الكرام في الوادي إلى أن طَلَعَت الشمس ثم أخبرهم النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-بأنّ في هذا الوادي شيطانا وأَمَرَهم بِالخروجِ منه والصلاةِ بعدَ ذلك فخرجوا-رضوان الله تعالى عليهم-مع النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-وصَلّوا فريضةَ الفجر بعدَ طلوع الشمس بعدَ الخروج مِن ذلك الوادي، ولا دليل في هذا، وذلك لأنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يُسْرِع في هذا الوادي بل بَاتَ فيه ونام هو وصحابته، وأيضا عندما أمَرَهُمْ بِالخروج لم يَأمُرهم بِالإسراع ولم يَثبت عنه صلوات الله وسلامه عليه أنه أَسْرَعَ عند خروجه منه فإذن لا دلالةَ في هذا الدليل الذي استنبطَ منه بعضُ أهل العلم هذا الاستنباط.
وذهب بعضُ أهل العلم إلى أنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-إنما أَسْرَعَ عند خروجه مِن هذا الوادي لأنّ النصارى كانوا يَقفون فيه، وأنا لم أَجِد روايةً صحيحةً ولا حسنةً بل حتى ولا ضعيفة تُنْسَبُ إلى النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-تدُلُّ على ذلك، وإنما رُوي ذلك عن عمر-رضي الله تعالى عنه-أنه عندما مَرَّ بِهذا الوادي ذَكَرَ كلاما مِنه:
........................ (2/248)
صفحة 541
... مخالِفًا دِينَ النصارى دِينُها
فقالوا إنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أَسْرَعَ مِن أجل ذلك، وهذا كلام مردود، وذلك لأنه تَكفي في المخالَفة ألاّ يَقف النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-في هذا الموقف وهو لم يَقف في هذا الوادي وإنما وَقَفَ بِعرفة، كما هو معلوم وقد أجمعت عليه الأمّة، وأيضا لم يَثْبُت عن النصارى أنهم كانوا يَقِفُون في هذا المكان ولا أنهم كانوا يَحُجُّون، فهذا لا دليل فيه البتة على ما ذَكَروه.
ومنهم مَن ذَهَبَ إلى أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما أسرَعَ في ذلك الوادي مِن أجل مخالفة الكفار لأنهم كانوا يَتفاخرون فيه بآبائهم، وهذا لا دليل فيه، وذلك لأنه لم يَثْبُت-أوَّلا وقبل كل شيء-عن الكفار أنهم كانوا يَتفاخَرون بِآبائهم في هذا الوادي، وإنما كان يَقع مِنهم ذلك في مِنى .. قيل: عند جَمْرة العَقَبَة، وقيل: في مِنى، ولم يَثبت عنهم أنهم كانوا يَتفاخرون في هذا الوادي، ثم إنه لو كان الأمر كذلك-أي لو كانوا يَتفاخرون في هذا الوادي-لَمَا كان في ذلك دليل، لأنه يَكفي في المخالفة ألاّ يَقع مِن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-ومِن المسلمين ذلك. (2/249)
صفحة 542
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه إنما أسرَعَ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-في هذا الوادي لأنه وَقَعَ فيه العذاب على أصحاب الفيل إذ إنَّ الفيلَ وَقَفَ في هذا الوادي على حسب ما يَدَّعِيه هؤلاء، وليس الأمر كذلك، لأنّ الفيلَ لم يَقف في هذا الوادي وإنما وَقَفَ في وادي المُغَمَّس وذلك بِالقُرب مِن عرفات على طريق الطائف .. هذا هو الثابت عن العَرب في أخبارِهم وفي شِعْرِهِم، ولم تَأتِ روايةٌ واحدة تَدلّ على أنه وقع في هذا الوادي، وذلك-أيضا-مستبعدٌ جدا لأنّ هذا الوادي مِن الحرَم والعقوبةُ نَزَلَت عليهم قبل دخولِهم الحرَم، ولكن ذلك لا يَمنع مِن أنه قد وقعتْ عقوبة مِن المولى-تبارك وتعالى-على بعض الناس في هذا الوادي وإن كنّا لا نَجِد دليلا يُحدِّدُ نوعَ هذه العقوبة، وقد قيل: إنه وقع ذلك على رجل صَادَ صيْدا في هذا الوادي فوَقعتْ عليه نارٌ فأحرقتْه، ويُمكِن-أيضا-أن يَكون بعضُ أصحابِ الفيل قد تَقَدَّمُوا على الفيل وعلى سائر الجيش-على أنني أيضا لا أستطيع الجزم بذلك .. وأظن أنّ ذلك لم يَقع-أما الجمهور الأعظم والفيل فإنهم لم يَصِلُوا إلى هذا المكان، والحاصل أنّ الذي نَظنُّه أنه وَقَعَ في هذا الوادي عذابٌ على بعضِ الناس ولا يَلزَم أن نُعَيِّنَ ذلك، ونَستشهِد على ذلك بِإسراعِ النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما مَرَّ بِدار ثَمود، فقد أَسرعَ الرسولُ-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-في ذلك المكان.
وإذا كان الأمر كذلك فإننا نقول بِمشروعية الإسراع-عند المرور على هذا الوادي .. أي-في هذا الوادي عند الخروج مِن مِنى إلى عرفات بل حتى إذا مَرّ الإنسان به في أيّ وقت مِن الأوقات ولو لم يَكن ذلك في الحج فيُشْرَعُ فيه الإِسراع. (2/250)
صفحة 543
وعدمُ ذِكْر أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أَسرَعَ فيه عندما ذهبَ إلى عرفة لا يُمكن أن يُسْتَدَلَّ به على عدم المشروعية، وذلك لأنه قد لا يُذْكَر بعضُ أفعالِ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-ولا يَلْزَم أن يُذْكَر كل ما وقع مِنَ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-وإنما الذي يُنْقَلُ عنه-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-ما فيه شَرْعٌ لِلأمّة وقد يكون ذلك بالعبارة وقد يكون بالإشارة، وهاهنا تكفي الإشارة، لأنّ إسراعَه - صلى الله عليه وسلم - عندما رَجَعَ مِن عرفة ومِن المزدلفة إلى مِنى يَكفي لِلإشارة إلى مشروعية هذا الإسراع، ومَن نَظَرَ في حَجّة الوداع فإنه يَجِد في بعض الأحاديث يُذْكَر كذا ولا يُذْكَر كذا وهكذا.
هذا ومِن الجدير بِالذِّكْر أنّ العلماء قد اختلفوا في هذا الوادي هل هو مِن مِنى أو هو مِن المزدلفة ؟ وقد جاءتْ بعضُ الأدلة تَدلّ على هذا، وجاءتْ بعضُ الأدلة تَدلّ على ذاك، وجاءتْ بعضُ الأدلة تَدلّ على أنه ليس مِن مِنى وليس مِن المزدلفة، وأقوى ما جاء حديثٌ عند الإمام مسلم فيه التصريح بِأنه مِن مِنى حيث جاء فيه: " وهو مِن مِنى " ولكنّ هذه الرواية ضعيفةٌ عندي ولو كانت في صحيح مسلم، والذي يَظهر لي بأنه ليس مِن مِنى وليس مِن المزدلفة.
و-على كل حال-سواء كان مِن مِنى أو كان مِن المزدلفة أو لم يَكن مِن هذه ولا مِن تلك فإنه ليس لأحد أن يَبيت فيه في ليلة المزدلفة على رأي مَن يَقول إنه مِن المزدلفة ولا على أن يُقيم فيه ليلة التاسع وليالي التشريق اعتبارا على أنه مِن مِنى على رأي مَن يَقول إنه مِن منى، فعلى كل حال لا يُشرَع المكث فيه والبقاء فيه سواء قلنا إنه مِن هذه أو مِن تلك أو أنه مستقِل.
وهكذا اختلفوا في عُرنَة هل هي مِن عرفة أو ليست مِن عرفة ؟
و-على كل حال-أيضا لا يَجوز الوقوف بها على أنها مِن عرفة سواء قلنا إنها مِن عرفة أو لم نَقُل ذلك. (2/251)
صفحة 544
وتَحقيق ذلك في المسألتين معًا يَحتاج إلى إطالة لا تَتَّسِع لها هذه العجالة وإن كانت هي جديرة بِذلك ولكنّ الحكم هو ما ذكرناه.
هذا ومِن الجدير بِالذِّكْر-أيضا-أنّ وادي مُحَسِّر مِن الحرَم.
خلافا لِمَا ذَهَبَ إليه ابن حزم حيث شَذَّ وزَعَم أنه ليس مِن الحرَم وإنما هو مِن الحِل، وكذلك شذَّ حيث زَعَم أنّ عُرنة ليست مِن الحِل وأنها مِن الحرَم.
فالحقّ الحقيقُ بِالقبول أنّ هذا الوادي مِن الحرَم وعُرنة مِن الحِل.
وكذلك قد أخطأ خطأً بيِّنا مَن زَعَم أنّ عرفة ليست مِن الحِل وأنها مِن الحرَم، والحقّ أنها مِن الحِل، وعليه فيَجوز الصيد مِن عرفة ومِن عُرنة-وكذلك بِالنسبة إلى قطْع الأشجار فإنّ ذلك لا مانع منه-وإنما يُمنَع مِن ذلك المُحْرِم فليْس له أن يَصطاد، وأما الشجر فلا مانع مِن ذلك في الحِل سواء كان معتمِرا أو كان حاجّا، فإذن عَرفة مِن الحِل، وإنما يُمنَع المُحْرِم مِن الصيد لأجل أنّ المُحْرِم يُمنَع مِن ذلك ولو كان في الحِل، كما هو معروف .. هذا ما يَظهر لي في هذه المسألة. (2/252)
صفحة 545
هذا وكثير مِن الناس يَسألون عمّن لم يَستطِع أن يَقطَع وادي مُحَسِّر قبل طلوع الشمس لِوجود زحمة أو ما شابه ذلك، هل عليه دم ؟ والجواب: أنّ كثيرا مِن أهل العلم قالوا: يَجِب على مَن لم يَستطِع أن يَقطَع وادي مُحَسِّر الدم, والحقّ أنه لا يَجِب عليه بل لا أَستطِيع أن أُوجِب عليه الدم وإن كان قد تَأخَّر بِغيْر عذر وإنما أقول إنه لا يَنبغي لأحد أن يَتأخَّر، وذلك لأنه لم يَرِد دليل يَدلّ على أنّ مَن لم يَخرُج منه قبل طلوع الشمس أَنه يَجِب عليه دم، والأصل في أموال المسلمين بِأنها معصومة بِعصمة الإسلام لها وأنه لا يَجوز لأحدٍ أن يُوجِب شيئا على أحدٍ بِغيْر دليل، ولِذلك يَنبغي التريّث في هذه الأمور .. نعم هذه المسألة فيها خلاف مشهور-كما ذكرتُ-ولكننا نَجِد كثيرا مِن الناس يُوجِبون الدماء على عباد الله ولو لم يَقل به أحد مِن أهل العلم، كما اشتهر عند الكثير: " في الدم دم " .. إذا خرج مِن إنسان دم أوجبوا عليه دما، وكذلك في كثير مِن الأمور يَجِب التخيير بيْن الدم وبيْن الإطعام وبيْن الصيام ولكنّ كثيرا مِن الناس لا يُخيِّرون عبادَ الله وإنما يُوجِبون عليهم الدماء .. هذا إنسان فعل كذا ؟ عليكَ دم .. إنسان تَعطّر مثلا ؟ عليكَ دم .. إنسان قَلَّم شيئا مِن أظافره ؟ عليك دم .. يَنبغي أن يُقال لِعباد الله - سبحانه وتعالى - بِالتخيير كما خيّرَهم الله تبارك وتعالى، وألاّ نُلزِم عباد الله-تبارك وتعالى-بِما لم يُلزِمهم به المولى تبارك وتعالى، على أنه يَنبغي أن نَبحث هل فَعَلَ هذا وهو مخطئ أو هو جاهل أو هو متعمِّد ويَعرِف الحكم، وهذه المسألة-طبعا-تَحتاج إلى كلام، وذلك في أجوبة أخرى بمشيئة الله تبارك وتعالى، وإنما أردتُ أن أُنبِّه الناس أنه لا يَنبغي أن نُلزِم العباد بِما لم يَلزَمهم، و-أيضا-إذا كان هنالك تَخيير في بعض الأمور يَنبغي أن نُخَيِّر الناس وألاّ نُوجِب عليهم أمرا واحدا؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم. (2/253)
صفحة 546
ثانيا: رمي جمرة العقبة
س: في أيام الحج-ويَكاد يَتكرّر في كل عام-يَحدُث زِحامٌ شديد أثناء الرمي ويُحاوِل كل واحد مِن الناس التَّوسِعة لِنفسه حتى يَصِل إلى الحوض وبِالتالي يَرمي تلك الجَمْرَة، هل لابد مِن وصول الحصاة إلى الجَمْرَة أم أنها يَكفي أن تَسقُط في الحوض ؟ وبِذلك يَفهَم الناس القضية ويَخِفّ الزحام.
ج: إنه يَنبغي أن يَنتبِه المسلم أنه يَنبغي له كما يُراعِي نفسَه أن يُراعِيَ غيره، فليس له أن يُؤذِيَ غيْرَه لا في الطواف ولا في السعي ولا عند رمي الجِمار، فإيذاء المسلمين مِمّا لا يَصح.
وهذا أمرٌ-ولِلأسف الشديد-لا يَنتبِه إليه كثيرٌ مِن الناس، فتَرى الناسَ في حالة الطواف أو السعي أو في الرمي يَهتَمّ الواحِد منهم بِنفسِه وبِمَن يُرافِقه ولا يَنظُر إلى بقية المسلمين، فقد يُؤْذِي أحدا-وقد يَفعَل ما يَفعَل-ولا يَلتفِت إلى ذلك الشخص، بينما هذا لا يَجوز، لأدلّة معلومةٍ في مواضعها.
أما بِالنسبة إلى الرمي فإنّ الرمي مِن مناسِك الحج، بِاتّفاق جميع الأمّة الإسلامية، وذلك لأنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-أَمَرَ بِه وفَعَلَه وقال: ( خذوا عنّي مناسِككم )، كما ثَبت ذلك في الأحاديث الصحيحة الثابتة.
ولِلأسف لقد تَهاون كثيرٌ مِن الناس بِالرمي، فتَرى هذا لا يَذهب لِلرمي بل يُنيب غيْرَه مع قُدرتِه على ذلك وقد يَزْعُم أنه لا يَستطيع أن يَذهب إلى الرمي عند منتصف النهار، أو ما شابه ذلك، كأنَّ الله-تبارك وتعالى-قد ضَيَّق هذه القضية وأَوْجَبَ على الناس أن يَرْمُوا في ذلك الوقت ! مع أنّ الأمرَ ليسَ كذلك، إذ إنّ الوقتَ واسعٌ بِحمد الله تبارك وتعالى، وقد نَتكلّم عليه في وقت آخر إن شاء الله تبارك وتعالى. (2/254)
صفحة 547
أما بِالنسبة إلى هذا السؤال الذي تفضّلتُم بِطرحه فالجواب عليه: أنه لا يُشترَط أن تُصِيب تلك الحجارةُ التي يَرميها ذلك الشخص .. أن تُصِيب تلك الحجارةَ المنصوبة وإنما الشرط في الرمي أن تَدْخُل في ذلك الحوض، فإذا أصابت الحوض فإنّ الرمي بِذلك يُجزِي بِمشيئة الله تبارك وتعالى، إذ إنّ ذلك البناء حادِثٌ لم يَكن موجودًا مِن قبل وإنما هو دليلٌ على مكان الرمي، فإذا وقعت الحجارة في الحوض فإنّ ذلك مُجْزٍ بِحمد الله تبارك وتعالى؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: هل يعني ذلك أنّ تلك الحجارة المنصوبة إنما وُضِعَت حتى لا يُصيب الحجاج بعضهم البعض وإلا فالأصل الحوض ؟
ج: على كل حال؛ الأصل هو الحوضُ .. تلك علامة .. الأصل في ذلك الموضِع، فإذا وصلت ذلك الموضِع فإنّ ذلك كافٍ؛ والله أعلم.
س: ما حكم غسل الحصى ؟ يعني هل الحصى يُغسَل أم لا يُغسَل ؟
ج: هذه المسألة اختلف فيها أهل العلم:
1-منهم مَن قال بِمشروعية الغُسل.
2-ومنهم مَن لا يَرى ذلك.
والقول الثاني-وهو قول مَن يَقول بِعدم المشروعية-هو القول الصحيح، لأنه لم يَأت حديثٌ يَدلّ على مشروعية ذلك بل دَلَّ فِعْلُ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه-على عدم المشروعية، إذ إنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-رَمَى مِن غَيْر أن يَقوم بِغسل ذلك، كما هو ثابتٌ في السنّة الصحيحة الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وما دام الأمر كذلك فلا يَنبغي لنا أن نَقول بِمشروعية ذلك، لِعدم ثبوته .. هذا هو الذي أراه؛ والعلم عند الله.
س: الشكّ في عَدَدِ الحَصَيَات التي تُرْمَى .. إذا شَكّ أنه رَمَى خمسا أو سِتا أو سبعا ؟
ج: ذلك لا يَخلو من أحد أمرين:
إما أن يَأتيَه هذا الشك بعد أن انتهى مِن الرمي فإذا كان كذلك فإنه لا يَلتفِت إلى هذا الشك.
أما إذا جاءَه ذلك وهو يَرمي .. لم يَدْرِ-مثلا-هل هذه الرمية هي الثالثة أو الرابعة: (2/255)
صفحة 548
فإن لم يَتَرَجَّحَ لديه شيءٌ فإنه يَبني على الأقل .. إن شكّ هل هذه الثالثة أو الرابعة ؟ فإنه يَعتبِر أنّ تلك الرمية هي الثالثة، وإن شك بيْن الرابعة والخامسة فليَعتبِر أنها الرابعة، وهكذا.
أما إذا ترجَّحَ لديه شيءٌ فإنه يَأخذ بِالراجِح، كما يَكون ذلك في عَدَدِ ركعات الصلاة، وهكذا يكونُ ذلك في عَدَدِ الأشواط عند الطواف بِالبيت؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: هل مِن رخصة لِلنساء في عدم الرمي نظرا لِلزحمة ؟ (2/256)
صفحة 549
ج: إذا كنّ لا يستطعن على الرمي نعم لهن رخصة بل وللرجال رخصة .. مَن كان لا يستطيع على الرمي لمرض أو كبر سنّ أو ضعف أو ما شابه ذلك .. لا يستطيع على الرمي فإنه يُنِيب غيره وهو معذور بمشيئة الله تبارك وتعالى، أما مَن كان قادرا على الرمي سواء كان رجلا أو امرأة فإنه لا يُعذر مِن الرمي لأنه نُسُك مِن مناسِك الحج، وقد فرَّط الناس فيه كثيرا في الأزمنة المتأخرة .. نجد كثيرا مِن الناس حتى مِن الرجال الذين يستطيعون على الرمي يَتركون ذلك ويُنيبون غيرهم لأنّ الإنابة صارت أمرا عاديا وهذا مِمّا لا يَصح، فالمرأة إذا كانت مريضة أو كبيرة أو عاجزة بِأيّ عجز أو كانت في حالة حَمْل أو ما شابه ذلك .. الحاصل إذا كانت لا تستطيع على الرمي فإنها تُعذر ولْتُنِب غيرها، أما إذا كانت قادرة فلا تُعذَر مِن ذلك، وقولي: " قادرة " لا يشترط أن تكون قادرة في الوقت الفلاني فإذا كانت لا تقدر-مثلا-في صباح العاشِر فلتذهب في وقت العصر أو حتى بعد المغرب أو حتى بعد العشاء .. مَن كان يستطيع على الرمي في النهار لا يَنبغي له أن يُفرِّط في ذلك، أما مَن كان لا يستطيع على الرمي إلا في الليل فيجوز له ذلك وليس له أن ينيب غيره، وكذلك مَن لم يستطع على الرمي بعد الزوال في أيام التشريق (1) وقبل غروب الشمس فبإمكانه أن يرمي بعد غروب الشمس، ومن لم يستطع في ذلك اليوم فبإمكانه أن يرمي في اليوم الذي يليه، أما أن يتعذر ببعض الأعذار الواهية التي لا تخفى على الذي لا تخفى عليه خافية فذلك مما لا يصح وليخش عقوبة الله تبارك وتعالى.
__________
(1) -باستثناء اليوم الثالث عشر كما سيأتي لاحقا. (2/257)
صفحة 550
كثير مِن الناس تهاونوا بهذه الشعيرة ولكن-والحمد لله-انتبهتْ طائفة مِن الناس لِذلك لكن لا زالت طائفة تُعارِض بذلك بدعوى أنّ فلانا قد أفتى بكذا أو ما شابه ذلك، ونحن إذا جئنا إلى السنّة الصحيحة التي هي الفيْصل .. الفيْصل الكتاب والسنّة ولكنّ الكتاب أشار إلى هذه القضية والسنّة وضحت أيَّما إيضاح فإنها تَدلّ دلالة صريحة واضحة لا غموض فيها أنّ المرأة ترمي فهي تنادي بأعلى وتصرخ بأقوى حجّة أنّ نساء النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-وغيرهن مِن نساء المسلمين قد رمين، وأما ما جاء في بعض الروايات ( ورمينا عن النساء ) فتلك رواية باطلة عاطلة فاسدة كاسدة معارضة لِلصحيح الثابت مِن سنّة النبي - صلى الله عليه وسلم - فهي مِن الضّعف مِن حيث الإسناد بمكان، أما مِن حيث المتن فباطلة لا يمكن التعويل عليها .. أحاديث تنادي-كما قلتُ-برمي النساء، وهكذا العلماء مِن عهد الصحابة إلى يومنا هذا يُصرّحون بهذا وهو أنّ المرأة عندما تكون قادرة على الرمي فلابد مِن أن ترمي هي نفسها؛ والله-تبارك وتعالى-ولي التوفيق.
س: لعل السائل يشير إلى أنه ليست المسألة مِن عدم القدرة المطلقة وإنما الضعف المركب في ذات المرأة ؟
ج: على كل حال؛ نحن شاهدنا كثيرا مِن النساء يرمين ومعنى ذلك أنّ ذلك مِن الأمور التي تستطيع عليها النساء، أما أن يَحتج بعض الناس-مثلا-بأنه قد أسقط امرأة أو ما شابه ذلك فقد يَحتج أيضا غيره ويقول إنّ طائفة مِن الرجال قد ماتوا في بعض السنوات فهل معنى ذلك أنّ الرجال لا يرمون ؟! (2/258)
صفحة 551
لكن مِن الأمور التي يؤسف لها أنّ كثيرا مِن الناس يَظنّون أنّ الشيطان عند الجمرات والأمر بعكس ذلك إنما هذا أُقيم مِن أجل ذكر الله تبارك وتعالى .. الرمي كغيره مِن بقية المناسك وليس لأنّ هنالك شيطانا يُقيم في تلك المواطن ولذلك تَجِد كثيرا مِن الناس مِن الجهلة الأغمار يَذهبون وهم في أشدّ الغيْظ على الشيطان مِن أجل أن يرموه بِحسب زعمهم ولذلك تَجد الواحد: " رميت الشيطان " أو ما شابه ذلك، وهذا-على كل حال-كلام لا أساس له مِن الصحة .. هذه خرافة .. نعم الإنسان يغيظ الشيطان في كل عبادة مِن العبادات .. إذا صلى وإذا صام وإذا حج أو أتى بِأيّ ركن أو شرط مِن هذه العبادات أو مِن غيرها مِن طاعة الله هو يغيظ الشيطان لكن أن يغيظه في هذه فهذا كلام فارغ لا قيمة له .. على كل حال يذهبون بهذه النية ولذلك تَجِد الواحد مستعدّا لِلزحام أو ما شابه ذلك .. لو أتوا بِهذه المناسك على حسب ما هو مشروع لكان الأمر يسيرا بحمد الله.
ثم إنّ كثيرا مِن الناس يذهب الواحد في الوقت الفلاني ولابد مِن أن يرمي في ذلك الوقت لكن لا بأس إذا ذهب في الوقت الفلاني ولم يَجد زحاما فليرم، وإذا وجد زحمة مِن الناس فليتأخّر ولو لمدة ساعة أو أكثر .. يَبحث عن مكان آمن وليجلس فيه هو ومن معه مِن الرجال والنساء وعندما يكون الأمر يسيرا بحمد الله-تبارك وتعالى-فلا بأس بذلك. (2/259)
صفحة 552
بعض الناس يشوّشون ويقولون-مثلا-إنّ العالم الفلاني أو العالم الفلاني قد قالوا: " إنّ الرمي يكون بعد الزوال " وكأنّ هؤلاء العلماء يحصرون ذلك في تلك الساعة ولذلك هم يطلبون الرخصة بِأن يكون الرمي في وقت الضحى أو ما شابه ذلك .. على كل حال العالم لا يَملك بأن يَقول: يُرخص في كذا أو ما كذا أو في كذا .. إنما هو يعتمد على الدليل، فما دل الدليل عليه ذهب إليه وما دل الدليل على خلافه ذهب إليه .. نعم بعض الأحيان تكون هنالك احتياطات فالاحتياط إن لم تكن مشقة قد يأخذ به الإنسان وقد يتركه إن كانت هنالك مشقة بل قد يتركه الإنسان حتى لغير مشقة، أما هنا الأمر واضح .. النبي - صلى الله عليه وسلم - رمى في ذلك الوقت ولم يثبت عنه أنه رمى قبل ذلك ولا أنه أذن لأحد مِن أصحابه فكيف يمكن للإنسان أن يأذن بعد ذلك ؟! أما أن يبحث وينقِّر في الكتب حتى يَجد واحدا مِن العلماء زلّ وأخطأ في مسألة مِن المسائل وذهب إلى خلاف السنّة فهذا مِمّا لا ينبغي أن يُلتفت إليه بل يُلتمس العذر لِذلك العالِم ولا يُتابَع على خطئه .. هذا ما يقول به العلماء الربانيون، فالأمر-كما قلتُ-ليس محصورا في وقت الزوال فليرم الإنسان بعد زوال الشمس في اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر إلى غروب الشمس وفي اليوم الحادي والثاني عشر لأنّ الثالث عشر لا يمكن الرمي بعد غروب الشمس .. بإمكانه في الحادي عشر والثاني عشر أن يرمي في الليل إن لم يتمكن حتى أن يرمي في الليل فليرم في اليوم الثاني، وفي هذا مِن اليُسر والسهولة ما هو واضح .. هو أيسر مِن قول بعض العلماء الذين قالوا يمكن الرمي قبل الزوال ولكنه ينتهي بغروب الشمس .. (2/260)
صفحة 553
هذا أيسر مِن ذلك بكثير، ثم إنّ العبادة يمكن أن تُقضى بعد وقتها ولكن لا يمكن أن تُقدّم عن وقتها إلا بدليل على أنني لا أقول إنّ ذلك مِن باب القضاء لأنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أذن للرعاة بأن يؤخروا ولا يمكن أن يأذن لهم بالقضاء وإنما ذلك يكون أداء لكن لا ينبغي الترخص في الرمي في الليل أو في اليوم الثاني إلا عند وجود الحاجة.
وهنا-أيضا-أريد أن أنبّه إلى أمر مهِم .. بعض الناس يظنون أنّ الزوال يكون بالساعة الثانية عشر، فهم يذهبون وينظرون إلى الساعة الثانية عشر عندما تصل الساعة إلى ذلك قاموا بالرمي يظنون أنّ ذلك وقت الرمي هكذا .. هذا خطأ .. نحن نشاهد في بلادنا هاهنا تزول الشمس ويحين وقت الظهر في بعض الأحيان قبل الساعة الثانية عشر وفي بعض الأحيان بعد الثانية عشر وفي بعض الأحيان قد يكون في الثانية عشر فإذن العبرة بزوال الشمس لا بالساعة الثانية عشر .. يأتينا بعض الناس في أيام الحج يقول: " أنا رميت في الساعة الثانية عشر " ويظن أنّ ذلك هو الوقت فإذن لا يمكن أن نقول ذلك يكون في الساعة الفلانية .. ذلك يختلف باختلاف الأوقات .. قد يكون في بعض الأشهر في الساعة الفلانية ويكون في بعض الأشهر في الساعة الفلانية بل في بعض الأيام في الساعة الفلانية وفي بعض الأيام في الساعة الفلانية.
هذا وأدعو الله-تبارك وتعالى-أن يأخذ الناس بكتاب ربهم وبسنّة نبيهم .. أدعوهم جميعا للأخذ بكتاب ربهم وسنّة نبيهم في أمر الحج وفي غيره مِن أمور العبادات والمعاملات وفي غيرها مِمّا له علاقة بِشرع الله تبارك وتعالى؛ والله-تبارك وتعالى-ولي التوفيق، وهو أعلم بكل شيء.
ثالثا : التحلل الأصغر والأكبر
أولا : التحلل الأصغر
*الحلق أو التقصير
س: الإحلال بِالتَقصِير أو الحلْق، كيف يَكون ؟ (2/261)
صفحة 554
ج: الإحلال يَكون بِالحلق ويكون-كذلك-بِالتقصير، فالإنسان المُحْرِم بِالحج أو العُمرة أو بِهما مَعًا إما أن يُحِل بِحلْق رَأسِه كله أو بِتقصِير رأسِه كله، ولَيْسَ له أن يَأخُذَ مِن هنا ومِن هنَا، كما يَصنَع كثير مِن الناس يُقصِّر شيئا قليلا مِن الجهة الفلانية مِن رأسه ويُقصِّر شيئا آخر مِن الجِهة الفلانية وهكذا .. لا .. هَذا خَطأ مُخَالِف لِسنَّة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم .. لابُد مِن أن يُقصِّر الرأس كُله، ولاَ شَك أنّ الأَفضل الحلْق بِنصِّ السنَّة الصحيحة الثَابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فإنّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: ( رَحِمَ الله المُحَلّقين ) قِيل: " والمُقصِّرِين ؟ " قال: ( رَحِمَ الله المُحَلّقين ) قِيل: " والمُقصِّرِين ؟ يا رسول الله " قال: ( رَحِمَ الله المُحَلّقين ) قِيل: " والمُقصِّرِين ؟ " قال: ( والمُقصِّرِين ). (2/262)
صفحة 555
وجاء في بَعْضِ الروايات: ( رَحِمَ الله المُحَلّقين ) قيل: " والمُقصِّرِين ؟ " قال: ( والمُقصِّرِين )؛ وقد سَمعْتُ عن بَعضِ الناس أنّه يَأخذُ بِالتَقْصير ويَقُول بِأنّ الفَضْلَ واحد بِدليل هذه الرواية ولا دَلالة في هَذه الرواية على ذَلك أبدًا، أوّلا أنّ رِواية المُسند جاءت في بَعْض النّسخ بِما ذكرناه (1) وجاءت في نسخة قَدِيمة بِلفظ: ( رَحِمَ الله المُحَلّقين ) قِيل: " والمُقصِّرِين ؟ يا رسول الله " قال: ( رَحِمَ الله المُحَلّقين ) قِيل: " والمُقصِّرِين ؟ " قال: ( والمُقصِّرِين )، فالنُّسخة مُخْتَلِفة وليْس لأحد أن يَدّعي بِأنّ هذه النسخة التي قال: ( والمُقصِّرِين ) في المرة الأولى بِأَنّها هي النّسخة الصحيحة بَل لعلّ الأُولى هي الصحيحة لأنها أقْرَبُ مَا تَكُونُ إلى بَقِيَة الروايات ثم هِي أقْدَمُ مِن هَذِه النُّسخة بِكثير .. هَذا علَى أنَّه حَتى عَلى الرّواية الأولى (2) يُمْكن أن نَقول بِتفْضِيل المحلِّقين، لأنّ الرسول-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-خَصَّهُم أولاً بالذّكر فلما قِيل له: " والمقصِّرِين ؟ "، قال بَعْدَ ذلك: ( والمُقصِّرِين ) .. وعلى كل حال فالكُلُّ جَائِز بِنَصّ الكِتَابِ والسّنَّةِ الصحيحة الثابتة عن رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-إلا أَنَّ الذِي فَعَلَه الرسول-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-هو الحلْق ثم-أيضًا-هو الذِي قَدّمه في الذِّكْر سواء قُلنا إنه قال: ( ...
__________
(1) -أي التي قال: ( والمقصرين ) في المرة الأولى أي الرواية التي جاء فيها: ( رَحِمَ الله المُحَلّقين ) قيل: " والمُقصِّرِين ؟ " قال: ( والمُقصِّرِين )، مسند الإمام الربيع بن حبيب، حديث رقم: 444.
(2) -أي التي قال: ( والمقصرين ) في المرة الأولى أي الرواية التي جاء فيها: ( رَحِمَ الله المُحَلّقين ) قيل: " والمُقصِّرِين ؟ " قال: ( والمُقصِّرِين ). (2/263)
صفحة 556
المُحَلّقين ) في المرة الأولى أو في الثانية أو في الثالثة إلا أنَّه بدأ أوّلا بِالمُحَلّقين وما قال: ( والمُقصِّرِين ) إلا بَعد أن ذُكِر له ذلك صلوات الله وسلامه عليه.
هذا، وقد ذَكَرَ بعضُ أهل العِلْم أَنّ الأفضل أنْ يَجْمَع الإنسان بيْن الحلْق والتقصِير .. يُقَصِّر أوّلا ثُم يَقُوم بعد ذلك بِحلْق رأسِه، وهذا-في حقيقة الوَاقع-ليْس بِشيءٍ، لأنّ مَن قَصَّرَ رأسَه أوّلاً فَقد أَحَلَّ مِن حَجِّه أو من عُمرتِه أو مِنْهما مَعًا إذَا كَان قد قَرَنَ بَينهما وبعد ذَلك لم يُصَادِف ذلك التَحْلِيق مَحلا .. لم يُصَادِف مَحَلاً بعد ذلك فَهُو إن شاء أن يَحْلِق فَلْيَحْلِق ولاَ عَلاقَة لَه بِالإحلال وإن شاء أن يَتْرك فلْيَتْرُك، فَالمُرَاد بِالحلْق الذي هو أَفْضَلُ مِن التّقْصير هو الذي لم يَسْبقه تَقْصِير وإلا مَن جَمَعَ بَيْنَهُما-أي مَن قَصَّرَ أوّلاً ثُم حَلَق-فهو في حَقيقة الوَاقِع قد أخذَ بِالتقصِير ولم يَأْتِ بِالحلْق؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
* الهدي
س: هناك مَسْلَخ يُوجَد خارجَ مِنى، هل يَصِحّ لِلحاج أن يَهدِي فيه ؟
ج: نعم، الهدْيُ يَجوز في مِنى وفي مَكّة بل في الحرَم كلِّه على مذهبِ جمهورِ العلماء كما نصّتْ على ذلك السنّة .. نصّت السنّة على جوازِ ذلك في مِنى وفي مكة، وسائرُ الحرَم تابِعٌ لَهما؛ والله أعلم.
س: رجل فَقَدَ نقودَه فلم يَستطِع الهدْي، فماذا يَصنع ؟ (2/264)
صفحة 557
ج: قد جَعَلَ الله - سبحانه وتعالى - لِذلك بَدلاً وهو أن يَصوم ثلاثةَ أيام في الحج وسبعةَ أيام بعد رجوعه فتلك عشرة كاملة .. جاء ذلك في كتاب الله تبارك وتعالى (1) ، فمَن فَقَدَ نقودَه ولم يَجِد شيئا لِلهدي فلْيَصُم في الحج ثلاثةَ أيام .. قالوا: إما أن يَصوم السابع والثامن والتاسع وإما أن يَصوم السادس والسابع والثامن.
__________
(1) -قال الله تعالى: { ... فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ... } [ سورة البقرة، من الآية: 196 ]. (2/265)
صفحة 558
وأقول: لا يَنبغي لِلإنسان أن يَصوم اليوم التاسع، لأنّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان مُفْطِرًا، ومِن المعلوم أنّ الصيام يُؤَثِّرُ ويَشُقُّ على الإنسان ولاسيما إذا كان ذلك في الحَرِّ الشديد فيَبقى في وقت العصر مُنْهَكًا مُتْعَبًا لا يَستطيع أن يَدعو بِحسب ما يُحِب، فلماذا يَصوم في هذا اليوم ؟! فإذن إما أن يَصوم السادس والسابع والثامن على رأي طائفة مِن أهل العلم، والذي يُؤخَذ مِن بعض الروايات الصحيحة أنّ الصحابة-رضي الله تبارك وتعالى عنهم-كانوا يَصومون في أيام التشريق (1) .. في اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر .. هكذا جاء في بعض الروايات الصحيحة المروية عنهم، وذلك يَدلّ على مشروعية الصيام في هذه الأيام (2) ، خلافا لِما ذَهب إليه كثير مِن أهل العلم مِن أنه لا يُصام في هذه الأيام نَظرا لِلنهي الوارِد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الصيام فيها ولكن-في حقيقة الواقع-ذلك النهي عام وهذه الرواية خاصّة، لأنّ ذلك (3) فيما يَظهر كان يَقَعُ منهم في عهْد النبي - صلى الله عليه وسلم - وإذا تعارَض دليلان أحدهما عام والآخر خاص فإنّ الخاص يَقضي على العام فيُقدَّم عليه كما هو مذهب جمهور الأمّة؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
__________
(1) -أي بالنسبة لِمَن لم يَجد الهدي.
(2) -أي بالنسبة لِمَن لم يَجد الهدي.
(3) -أي الصيام في أيام التشريق ( أي في اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر ) بالنسبة لِمَن لم يَجد الهدي. (2/266)
صفحة 559
أما إذا كان هذا الرجل غنيا في بلده واقترض مِن بعض الأشخاص الذين معه فلا بأس عليه بِأن يَقترِض إذا كان لا مشقّة عليه، أما إذا كان لا يَجِد الوفاء أو يَخشى مِن عدم وجود شيءٍ مِن الدراهم يَقوم بِقضائها لأصحابه مثلا أو لا يُوجَد عند أصحابه أو ما شابه ذلك-فكما ذكرتُ-أنّ الله-تعالى-قد جَعَلَ لنا بَدلاً وهذا مِن باب اليُسْر والحمد لله تبارك وتعالى: ( يَسِّروا ولا تُنَفِّروا )؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
ثالثا: طواف الإفاضة
س: بالنسبة لطواف الإفاضة، هل يَصحّ أن يُؤجَّل إلى طواف الوداع ؟
ج: الرسول - صلى الله عليه وسلم - طاف في النهار على الصحيح، وما جاء مِن أنه طاف بالليل فخطأٌ لا يَصح، ولعلّ الراوي تَوَهَّم ذلك مِن طوافِه - صلى الله عليه وسلم - لِلوداع فإنه طافه قَبْل صلاة الفجر على الصحيح، ومَن كانت لديه القدرة فيَنبغي له أن يَقتِدي بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ومَن لم يَستطِع لِمَرض أو ما شابه ذلك فيُمْكن أن يُؤَخِّر ذلك إلى اليوم الذي يُريد أن يَخرُج فيه إلى بلده وليَطُف في ذلك اليوم طواف الإفاضة وذلك يُجزِيه عن طواف الوداع بِشرط أن يكون آخر الأعمال .. نعم يُمكن أن يُرَخَّص له أن يَأتي بَعْده بالسعي إن كان لم يَسْعَ مِن قَبْل، أما إذا كان قد سعى مِن قبل فلا يَسْعَ، إذ إنّ السعي لا يُشْرع إلا للعُمرة والحج، ويمكن أن يكون الإنسان قد سعى مِن قبل في حالتين .. في حالة الإفراد والقِران، أما في حالة التمتُّع فالمتمتِّع لابد أن يَسْعى مرتين .. بعد طواف العُمرة وبعد طواف الحج .. هذا هو مذهب الجمهور، وهو الذي دَلّت عليه السنّة، خلافا لابن تيمية ومَن سار على نهجه مِن أنه يُجزيه سعي واحد، فهذا مخالِف للسنّة.
سابعا :أعمال أيام التشريق ( 11,12,13من ذي الحجة )
س: ما حكم المَقِيل بِمكّة أيام مِنى ؟ (2/267)
صفحة 560
ج: إنّ الثابتَ في سنّة رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-أنّ رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-خَرَجَ مِن مكّة المكرّمة في اليوم الثامن مِن شهر ذي الحجّة إلى مِنى وصَلَّى بِها الظهر والعصر والمغرب والعِشاء والفجر، ثم بعد ذلك ذَهَبَ إلى عرفة .. صَلَّى أوَّلاً الظهر والعصر جَمْعا بِنَمِرَة ثم ذَهَبَ إلى عَرفة، ثم خَرَجَ منها بعد غروب الشمس ودخول الليل وباتَ بِالمزدلفة، ثم بَعد أن صَلَّى الفجر ودَعَا خَرَجَ منها إلى مِنى ورَمَى جَمْرة العَقَبَة وذَبَح، ثم ذَهَبَ إلى مكّة المكرَمة وطاف بِها ولم يَسْعَ لأنه قد سَعَى مِن قبل وسَعْيُه ذلك كان كافيا له لأنه كان قَارِنا بيْن حَجِّه وعُمرته صلوات الله وسلامه عليه، وقد جاء في بعض الروايات أنه صَلَّى الظهر بِمكّة ثم ذهب إلى مِنى، وجاء في بعض الروايات أنه صَلَّى الظهر بِمِنى، وقد اختلف العلماء في هاتين الروايتين:
منهم مَن صَحَّحَ روايةَ الصلاة بِمِنى.
ومنهم مَن عَكَسَ ذلك، كما ذكرتُ ذلك في " الطوفان " (1) ، فمَن شاء ذلك فلْيَرْجِع إليه.
ويُمكِن أن تكون الروايتان صحيحتين معا ويُجمع بينهما بِأنه صَلَّى الظهر بِمكّة ثم صَلَّى بِأصحابه نَفْلاً وصَلّوا خلْفه فريضة ويكون الخطأ قد وَقَعَ في قول الراوي: " فريضة " وإلا فإنه قد صَلَّى في الموضعين معا إلا أنه صَلَّى بِمِنى نافلة فتكون كل واحدة مِن الروايتين صحيحة بِاستثناء كلمة: " الظهر " فإنها لا تَصح، وهذا له احتمالٌ قوي، وقد جاءت أدلّة متعدِّدة تَدلّ على مشروعية إمامةِ المتنفّل بِالمفترِض.
وفي هذا دلالةٌ واضحة أنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-لم يَبْقَ بِمكّة في هذه الأيام بل رَجَعَ إلى مِنى مباشَرة.
__________
(1) -الجزء الثالث من كتاب " الطوفان الجارف لكتائب البغي والعدوان "، الطبعة الأولى ( 1420هـ-2000م )، ص337-339. (2/268)
صفحة 561
فما يَذْكُرُه كثير مِن الفقهاء مِن أنّ الإنسان له أن يَبقى بِمكّة المكرّمة وأنه لا بأس بذلك .. نقول: هذا الأمر مُخالِف لِسنّة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، إذ إنه بِمجرّد انتهائِه مِن طوافِه صلوات الله وسلامه عليه-وصلاةِ الظهر على تقدير ثبوتِ هذه الرواية-ذَهَبَ إلى مِنى مباشَرة فمِن أَيْنَ يُمكِن أن يُقال: " إنّ السنّة تَدلّ على أنه لا بأس مِن البقاء بِمكّة " مع فِعْلِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي ذكرناه ؟! فينبغي لِلإنسان عندما يَنتهي مِن طواف الإفاضة أو السعي إذا كان عليه السعي أن يَذهب إلى مِنى مباشَرة سواءً كان ذلك في الليل أو في النهار .. هذا هو الذي دَلّت عليه السنّة الصحيحة الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثبوتًا لا شك فيه.
ولا عِبرة بِرأي مَن خالَف ذلك، فإنّ العبرةَ بِالسنّة في مثل هذه الأمور، كما هو معلوم.
هذا وما جاء في بعض الروايات مِن أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - طاف ليلا أو أنه كان يَذهب في ليالي مِنى ويَطوف بِالبيت فإنّ تلك الروايات لا تَثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فهي مِن النكَارة بِمكان.
فإذن السنّة البقاء في مِنى في هذه الأيام سواءً كان ذلك في الليل أو في النهار بِاستثناء أداءِ الطواف والسعي لِمَن عليه سعي؛ والله أعلم.
س: ربما يُريد أن يُعِيد تلك المسألة التي ذكرتُموها في حلقةٍ ماضية (1) .. مسألة رمي الجمرات .. هل يُشتَرط أن تُصِيبَ العَمود أم يَكفي أن تَقَع على الحَوض ؟
ج: لا يُشتَرط، لأنَّ ذلك العَمُود حَادِث .. أي لم يَكُن في بِداية الأمر .. أي في عهد إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام، وقد اخْتَلَف العلماء هل كان موجودا في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ؟
__________
(1) -عند الجواب على السؤال 1 من حلقة 17 رمضان 1424هـ ( 12/11/2003م ). (2/269)
صفحة 562
ذهب بعضهم إلى أنه كان مَوْجودا في عهدِه صلوات الله وسلامه عليه، واستَشهَدوا على ذلك بِبَيْتٍ مروي عن أبي طالب عَمِّ النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وذهب بَعضُهُم إلى أنه لم يَكُن مَوْجُودًا.
و-على كل حال-سواءً كان موْجودا أو لم يَكن موْجودا فإنّ المَشرُوع أن يَرمِيَ الإنسان في الحوض، ولاَ يُشْتَرط بِأن يَكون ذلك في ذلك العَمُود الشاخِص؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: رجلٌ أخذ وكالة مِن جماعة مِن الحجاج في رمي الجِمار وأخذ منهم الحصى ثم رماها في الشارع ولم يَرْمِ الجمرات ولم يُخْبِرهم وهم عاجزون عن الرمي، فما الحكم ؟
ج: العياذ بِالله-تبارك وتعالى-مِمّا فَعَلَه هذا الشخص .. لقد وَقَعَ في معصيةٍ مِن معاصي الله تبارك وتعالى، وعليه أن يَتوب إلى الله-تبارك وتعالى-مِمّا وَقَعَ فيه وأن يُخْبِر أولئك الأشخاص الذين أنابوه وَوَثِقُوا بِه وظنّوا أنه سَيُؤَدِّي عنهم ما فَرَضَه الله-تبارك وتعالى-عليهم، وبعد ذلك عليهم أن يَسألوا عن هذه المسألة التي وَقَعُوا فيها، لأنهم-في حقيقة الواقع-لم يَأْتُوا بِما شَرَعَه الله-تبارك وتعالى-مِن الرمي، فلابد مِن أن يُحكَم عليهم بِالدم، ولكن بَقي مَن هو الذي يَتحمَّل ذلك ؟ في هذه المسألة لابد مِن أن يُنْظَر إليها، وإن حَاكَمُوا هذا الشخص فلهم أن يُحاكِمُوه في ذلك.
س: والِدِي توفَّاه الله وأُرِيد أن أَحُجّ عنه وكما تَعلَمون عندَ رَمْيِ الجمار تَكون زحْمَة كبِيرَة، هل لِي أن أُؤَجِّرَ لِرَمْيِ الجمار ؟ مع العلم أنَّني أَدَّيْتُ الحج عن نفسِي. (2/270)
صفحة 563
ج: إن كان هَذَا الشخص يَستطِيع أن يَقوم بِالرَّمي هو نفسُه فلابُد مِن أن يَرمِي هو نفسه، وليس لَه أن يَستَنِيبَ غيْرَه سواء كان ذلك بِالأجرَة أو بِالتَّعاون مِن بعضِ أهلِ الخيْر، أمَّا إذا كان لا يَقْوَى على ذلك فنَعَم لَه إمَّا أن يَطلب مِن غيْرِه مِن أهلِ الخيْر بِأن يَتَعَاوَنَ معه ويَقوم بِالرَّمي عنه بِشرط أن يَكون حاجّا في تلك السَّنَة، وإمَّا أن يُؤجِّرَ غيْرَه-أيضا-بِشرْطِ أن يَكون حاجّا في تلك السنة. (2/271)
صفحة 564
ولكن يَنبغِي أن يُنْتَبَه إلى أنَّ كثيرا مِن الناس يَظنُّون أنه لابد مِن الرَّمي في وقتٍ مُحَدَّد ضيِّق جِدا فإذا لَم يَستطِيعوا الرَّمي في ذلك الوقت أنابوا غيْرَهم، وليس الأمْرُ كذلك، أنا ذكرتُ بِالأمس أنّ الرَّمي في أيامِ التَّشْريق-أي في اليومِ الحادِي عشر والثاني عشر والثالث عشر لِمَن تَأَخَّر-يَبدَأ بِمُنْتصَف النهار، وليس لأحد أن يَرمِي قبلَ ذلك، وهو يَمْتَد إلى غروبِ الشمس، وإذَا لَم يَستطِع الإنسان أن يَرمِي في ذلك الوَقت-لِلمشقَّة مثلا-فإنَّه لَه أن يَرمِي حتى في الليل بَل يُمكِن لَه أن يَرمِي عن اليومِ الحادِي عشر في اليومِ الثاني عشر أو في الثالث عشر، وهذه-طبعا-رُخْصَة لِمَن لَم يَسْتَطِع، أمَّا مَن استطاع فلا ينبغِي لَه أن يُؤخِّر، وهذا بِحمدِ الله-تبارك وتعالى-فيه مِن اليُسْر ما لا يَخفى، أمَّا إذا كان لا يَستطِيع ذلك فلا، فَليَنْتبه الناس لِهذه القضايا، وأنَّه ليس لَهم أن يَستنِيبوا إلا عندَ عدمِ القدرة، فإن لَم يستطيعوا-كما قلتُ-فيما بيْن منتصف النهار وغروبِ الشمس فلَهم أن يَرموا حتى بِالليل ولَهم حتى في اليومِ الذي يَلِيه بِشرْطِ أن يَكون ذلك قبلَ غروبِ الشمس مِن اليومِ الثالِث عشر، وهذا لَه دَلِيلٌ واضِح-ذكرتُه بِالأمْس-وهو حديثٌ صحِيح ثابِت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أمَّا رَميُ اليومِ العاشِر فهو مِن طلوعِ الشمس إلى مُنْتَصَفِ النهار عندَ بعضِ أهلِ العلم، وإلى غروبِ الشمسِ عندَ طائفةٍ أخرى، ومع ذلك مَن لَم يَتَمَكَّن فبِإمكانِه أن يَرمِي حتى في الليل بَل وحتى في اليومِ الحادِي عشر إلى آخِر ما ذكرتُه في الجوابِ السابق .. (2/272)
صفحة 565
أي يُمكِن أن يَكون في الثانِي عشر أو في الثالِث عشر بِشرْطِ أن يَكون قبلَ غروبِ الشمسِ مِن اليومِ الثالِث عشر، بل بعضُ العلماء قال: " إنَّ الرَّميَ في اليومِ العاشِر في حقِّ العَجَزة مِن النِّساءِ والأطفالِ والمرضى يَبدَأ بِطُلُوعِ الفجْر مِن اليَومِ العاشِر "، وذلك ليسَ بِبعِيد وإن كانتْ المسألةُ بِحاجة إلى شيءٍ مِن النَّظر، لأنّ الأحادِيثَ فيها مُتَعَارِضة.
أمَّا بِالنِّسبةِ إلى أيامِ التَّشرِيق فلا يُوجَد حدِيث ثابِت أبَدًا يَدُلُّ على جوازِ الرميِ قبلَ منتصفِ النهار، وَمَن رَمَى قبلَ ذلك فعليه التَّوبَة إلى الله-تبارك وتعالى-وإذا كان الوَقتُ باقِيا فعليه أن يُعِيدَ ذلك؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: في اليوم الحادي عشر ذهب رجلٌ لِرَمي الجَمَرَات وعند وصوله رَمى الجَمْرَة الأولى وذهب لِرَمي الجَمْرَتَيْن الوسطى والكبرى ومِن شدّة الزحام في ذلك اليوم لم يَنتبِه إلى الجَمْرَة الوسطى وسَها عن رَميِها حتى وَصَلَ إلى الجَمْرَة الأخيرة ورَماها وعند عَودتِه بِالطريق شَكّ في نفسِه أنه لم يَرْمِ الجَمْرَة الوسطى وبَقي على شَكِّه حتى اليوم التالي-الثاني عشر-وعند عَودتِه لِلرمي في هذا اليوم وَصَلَ تلك الجَمْرَة ورَماها بِسبعِ حَصَيَات عن شَكِّه لِليوم الأول وذلك في اليوم الثاني عشر، فهل تَصرُّفه هذا يُجزِي أم ماذا يَكون عليه ؟
ج: هل رماها في اليوم الثاني عشر مرتين .. عن الحادي عشر وعن الثاني عشر ؟
س: الظاهِر مِن كلامِه هكذا.
ج: إذا كان قد رماها فلا شيءَ عليه على مذهب كثير مِن أهل العلم.
أما مَن يَشترِط الترتيب في هذه القضية فلابد مِن أن يَرمِيَ الوُسطى ثم يُعيد رَمْيَ الكبرى عن اليوم الحادي عشر ويَرمي بعد ذلك (1) عن اليوم الثاني عشر.
وأما مَن لا يَشترِط الترتيب فإنه لا بأس عليه لِهذا الفعل.
__________
(1) -أي الجمرات الثلاث كلها. (2/273)
صفحة 566
هذا ونظرا إلى أنّ الوقتَ قد مَضى فإذا تَرَخَّصَ بِتلك الرخصة التي قال بها مَن قال مِن أهل العلم فلا حرج عليه بِمشيئة الله تبارك وتعالى؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: ذُكِر عَنْكم أنكم شَدَّدتُم في مسألةِ رَمي المرأة لِلجَمَرَات فطَالَبْتُم المرأةَ أن تَرميَ بِنَفسها وألاّ تُنيب غيرها ما دامتْ قَادرةً على ذلك فالبعضُ يَقُول: " في ذلك شيءٌ مِن التشْديد " فَنُريد أن تُوضِّحَ هذا الأَمر حتى يَفهم الجميع المراد.
ج: هذا لَيس مِن التَشديد في شيء .. أنا قلتُ في كثير مِن الدروس وقُلتُ ذلك-أيضا-في هذه الليلة: إنّ الإنسان مُطَالَب بِأن يَعمَل بِما في كتابِ الله-تبارك وتعالى-وفي سنّة رسوله-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-التي صَحَّتْ وثَبَتَتْ عنه صلوات الله وسلامه عليه.
ومِن المعلوم أنه لم يَأتِ في كتاب الله-تبارك وتعالى-ذِكْرٌ لِهذه القضية .. أَعني لِرمي المَرأة أو لِعدم رَميها، وأما بِالنسبة إلى السنّة فإنّ السنّة الصحيحة الثابتة قد نَصَّتْ نَصًّا صرِيحا ونَادَتْ بِأَعْلى صوتٍ على أنّ المرأة تَرمي، وهذا مَشهور في كتب الصِّحاح والسُّنن والمَسانِيد والمَعَاجم والمَشْيَخَات والأجزاء وفي غيرها مِن الكتُب التي أَلَّفها العلماء في سنّة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ثم إنّ مَن اسْتَقْرَأَ كُتبَ أهل العلم مِن كَافّة المَذاهب الإسلامية فإنه يَجِدُ أَن أولئك العلماء قد نَصُّوا على أنّ المرأة تَرْمِي، ومِنهم مَن لم يَذْكُر المسألة رأسًا وإنما ذَكَر أَنّ الإنسَان .. يَعني لم يَذْكُر التَنْصِيص على المرأة وَإِنّما ذَكَر الحُكم العام، وهو أنّ مَن كان قَادِرًا على الرمي فإنه ليْس له أن يُنِيبَ غيره، وهذا أمرٌ مَعروفٌ عند علماء المسلمين قاطبة. (2/274)
صفحة 567
فالمَرأة إن كانت تَسْتَطيع أن تَرمي فلابد مِن الرمي، وذلك لأنّ الرّمي شَعِيرَة مِن شَعَائر الحج كغيرها مِن بقية شعائر الحج، ومِن المعلوم أنّ المرأة تَخْتَلط بِالرجال في الطواف وفي السعي، وذلك-كذلك-يَكون-أيضا-في الرمي، فإن كانت المرأة تَستطيع أن تَرمي في وقتٍ مِن أَوْقات الرّمي المَعْروفة-وسأنَبِّه على ذلك بعد قليل بِمشيئة الله تبارك وتعالى-فلابد مِن ذلك، أَمّا إذا كانت لا تَستطيع فهي مَعْذُورة بِمشيئة الله بل كُلُّ مَن لم يَستَطع أن يَرْمي وَلَو كان رجُلاً إذا كان لا يَستطيع ذلك بِسبب كِبَر السِّن أو بسبب المَرض أو الضَّعف، أو كانت المرأة في حالة حَمْل أو ما شابه فإنها مَعْذُورَة، وإنما الكلام في القَادِر.
كثير مِن الناس عندما يَسْمَعُون كلاماً لأهل العلم أو يَجِدون ذلك في شيء مِنَ الكتب أو ما شابه ذَلك لاَ يَفْقَهُون ذلك.
عِنْدمَا يَسمَعون مثل هذه الفتوى يَظُنُّونَ أنّ كُلَّ امرأة سَوَاء كانت قَادِرَةً أو ليست بِقادِرةٍ لابد مِن أن تَذهب إلى الرّمْي، وهذا-طبعًا-لم يَقُل بِه أحدٌ لا في حقِّ المَرأة ولا في حقِّ الرجُل، إنما العلماء اختلفوا فيمَنْ لم يَسْتَطِع هل له أن يُنِيبَ غَيْرَهُ-أو أنه يَسْقُط عنه ذلك، وهو قولٌ ضعيفٌ جدا-أو أنّه يُطَالَبُ بِالدَّم ؟
1-مِنْهم مَنْ قَال: مَن لم يَسْتطِع أن يَرْمِيَ سَوَاءً كان رجلا أو امرأة بِسبب مرضٍ أو ضعف أو ما شابه ذلك مِن الأعْذَار فإنه يُنِيبُ غيْرَه، وهذا هو المَشْهُور عند أئمَة المَذاهب.
2-ومنهم مَنْ قال: إنه يَسْقط عنه، وهو قول ضَعيف جدا.
3-ومنهم مَنْ قال: عليه دم .. أي عليه أن يَذْبح دمًا لِفقراء الحَرَم.
والقول الأوَّل-وهو: أنه يُؤْمَر بِأن يُنِيبُ غَيْرَه-هو القَول المَشهور الصحيح، فمَن لم يَستَطعْ فهذا حُكمُه، أمّا مَن استطاع-سواء كان رجلا أو امرأة-فلابد له مِن أن يَرمي. (2/275)
صفحة 568
والذي أَظُنُّه أنّ كثيرا مِن الناس استثْقلوا هذا بسبب هذا.
ومِنْهم مَن استثقل ذلك بسبب أنه وَجَدَ كثيرا مِن الناس يُرَخِّصُون لِلنساء في عَدَم الرَّمْي في المَاضي، ولا أقول: " إنّ العلماء رَخّصوا في ذلك "، وإنَّما فَعل ذلك مَن فَعَلَه مِن الناس وقد يكون سَكَتَ بعضُ العلماء عن ذلك ظنّا منهم أنّ بعض النّساء لا يَستطِعن على الرّمي أو ما شابه ذلك مِن الأسباب كَما وَقَعَ مثل ذلك في غير هذه المسألة، وبِسَبب ذلك استَثْقَل ذلك مَن اسْتَثقَل ذلك مِن الناس.
ومِن المَعْلُوم أنّ الشيءَ إذا كان مخالِفا لِمَا شاهَدَهُ العَوَام فإنَّهم يَرَوْنَهُ أمْرا عظيما، بل نَحْن نَجِد أنّ كثيرا مِن الصحابة قد استَعْظَمُوا بعضَ الأمور مع أنَّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-قد أَمَرَهم بِذلك، فعندما جَاءَ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-إلى مَكّة المكرّمة في حجّة الوداع وأَمَرَ أصحابَه-رضوان الله تبارك وتعالى عليهم-بِالإحْلاَلِ بعد الطواف والسعي لِمَن لم يَكن سَائقًا لِلهدي مِنهم .. استثقل ذَلك كثير مِن الصحابة رضوان الله تبارك وتعالى عليهم، وقالوا: " أَنَذْهَبُ إلى عَرَفة ومَذَاكِيرُنا تَقْطُرُ المَنِي "، مَن هو الذي أمرهم بذلك ؟! هو رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم .. أَعْلمُ الناس وأتْقاهم .. وكذلك عندما أَمَرَ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-أصحابَه بِالإِحْلاَلِ في عُمرة الحُديبية اسْتَثْقَلَ ذَلك كَثرةٌ كَاثِرَة مِن الصحابة، وأَمَرَهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بِالإحلال فلم يَفعلوا حتى غَضِب النبي - صلى الله عليه وسلم - أَشَدَّ الغضب ولم يَفعلوا ذلك إلا بَعدما أَمَرَ النبي - صلى الله عليه وسلم - بِنَحْر هَدْيِه وحَلْق رأسه. (2/276)
صفحة 569
فالسببُ إذا لم يَكُن الشّيء مَأْلُوفا مع الناس فإنَّه لابد مِن أَن يَسْتَثْقِلُوا ذَلك، ولكن الإنسان يَنْبَغي له أن يَجعل نصْبَ عَينيه كتاب الله-تبارك وتعالى-وسنّة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فما دَلّ الدليل عليه هو الذي يَجِب عليه أن يَعمل بِمُقْتضاه.
وقد أحسن الإمام العلاّمة سعيد بن خلفان الخليلي-رحمه الله تبارك وتعالى-عِنْدما سأله بعضُ السائلين عن مسألةٍ خَالَفَ فيها هذا الإمام-رحمه الله-مَن سَبَقَه مِن أهل العلم .. قال له هَذا الإمام: " ومِن العَجَب أن أَنُصَّ لك عن رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-وأنْتَ تُعَارِضُنِي بِعلماء بَيْضَةِ الإسلام مِنْ غيْر دليل ولا وَاضِح سبيل .. أَلَيْسَ هذا في العيَان نَوْعا مِن الهَذيان ".
والإمام الخليلي-رحمه الله تبارك وتعالى-قال في مسألةٍ خَالَف فيها بعضُ أهل العلم حَدِيثًا ثَابتا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال الإمام في الرَّد على ذلك: " وَقَولٌ بِخلاف الحديث يُضرَب بِه عرْض الحَائط ".
والإمام السالمي-رحمه الله-عندما وَجَدَ بعضَ العلماء خَالَف حديثًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
المصطفى يَعتبِر الأوصاف ... ونحن نَحكي بعدَه خِلافا
لا نَقبَل الخلافَ فيما وَرَدَ ... فيه عن المختار نصّ أُسْنِدَ
ولِهَؤُلاء الأَئمَّة ولِغيْرهم كلامٌ طويل كثير في هذه القَضية، لا دَاعي لِلإطالة به. (2/277)
صفحة 570
ومِنْ جُمْلة الأسباب أنّ كَثِيرًا مِن الناس يَظُنُّونَ أَنّ وقْتَ الرّمْي مَحْصور في وقتٍ مُحَدّد، ولِذَلك يَطْلُبون الرّخصة في الرمي قَبل زَوَال الشمس في اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر لِمَن بقي بِمِنى .. يَظُنون أنّ الوَقت مُنْحَصِر في وقتٍ مُحدّد وهو عند زَوَال الشمس وبَعد ذلك بِقليل أو إلى غُروب الشمس، ونَحْن نَقُول: إنّ الوقتَ المتّفَق عليه بيْن أهل العلم هو: أن يَكون وقت الرّمي في الأيام الثلاثة المَذكورة (1) مِن زوال الشمس إلى غروبها ولكن مَن شَقّ عليه ذَلك-سواء كان رجُلا أو امرأة-فإنه يُرَخّصُ له أن يَرْمِيَ حَتى في الليل بل يُرَخّصُ له فيما هو أَبْعَد مِن ذلك .. يُمكِن أن يَرمي عن اليَوْم الحادي عشر في الثاني عشر وعَنْه وعن الثاني عشر في الثالث عشر بِشرْط أن يَكُون ذلك قَبْل غُروبِ الشمس مِن اليوم الثالث عشر، وذلك لأنّ السنّة قد نَصّتْ على أَنّ حُكْمَ أيّام التشريق في الرّمي شيءٌ واحد، فقد روى الإمام مالك والشافعي وأحمد والنسائي في " الصغرى " وفي " الكبرى " وأبو داوود والترمذي والدارمي وابن ماجة وابن خزيْمة وابن حبان وابن الجارود والحاكم والبيهقي في " السنن الكبرى " والبُخاري في " التاريخ الكبير " وأبو يَعْلى في مُسنَدِه والطبراني في " الكبير " ويعقوب بن سفيان في "المعرفة والتاريخ" والجوهري في " مُسْند الموطإ " وابن وَهْب في " المُوطإ " و-كذلك-يَحيي بن عبد الوهاب بن مَنْدَه في " جزء مَن عاش مئة وعشرين سنة مِن الصحابة " وابن عبد البر في " التمهيد " والبغوي في " شرح السنّة " وجماعة مِن أئمة الحديث أنّ رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-رخَّصَ لِلرُّعاة أن يَرْمُوا في اليَوم الثاني عشر عن اليوم الحادي عشر والثاني عشر ..
__________
(1) -أي في اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر. (2/278)
صفحة 571
أي أن يَرْموا في اليوم العاشِر ثم يَتْرُكوا الرمي في اليوم الحادي عشر ويَرْموا عنه وعن الثاني عشر في اليوم الثاني عشر، وفي ذلك حُجَّةٌ واضِحة ودليلٌ لا غُمُوض فيه بأنّ ذلك يُعدّ أَدَاءً، إذ لا يُمْكِنُ لِلنبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-أن يُرَخِّص لَهم أن يُؤَخِّروا الرَّمي عن وقته المُحدّد له شرْعا ثم بعد ذلك يَأتون به بَعْد خُرُوج الوقت .. كلاّ هذا مِمّا لا يُمكِن، بل ذَلك يَدلّ على أنّ ذلك الوقت كلَّه لِلأَدَاء فمَن لم يَستطِع أن يَرمي فيما بيْن زَوال الشمس وغروبها في الحادي عشر-مثلا-فَلْيرمِ في الثاني عشر، ومَن لم يَستطِع فلْيرْمِ في الثالث عشر عن الثلاثة كُلِّها (1) بِشرط أن يَكون ذلك قبل غُروب شمسِ الثالث عشر إن كان يُريد أن يَبقى الثالث عشر في مِنى.
وكذلك مَن لم يَستطِع أن يَرمي في اليوم العاشر .. لم يَستطِع مِن طلوع الشمس إلى غروبها فلْيَرْمِ في الليل .. أي ليلةِ الحادي عشر.
وهَكَذَا فالأمر فيه سعة بِحَمد الله تبارك وتعالى، فمَهْما كان الناس مِن الكثرة ولَكن الوقت فيه-أيضا-مِن الطول ما لا يَخْفى وإنَّما يُمنع الإنسان مِن أن يُقَدِّمَ العبادة على وقتها .. أي يُمْنَعُ مِن أن يَرمي في الحادي عشر قبل زَوال الشمس، وكذلك في الثاني عشر قبل زوال الشمس إذا كان ذلك عن اليوم الثاني عشر، وهكذا بالنسبة إلى الثالث عشر.
__________
(1) -أي أن يَرمي عن اليَوْم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر. (2/279)
صفحة 572
أما بِالنسبة إلى العاشِر فالرمي مِن طُلُوع الشمس إلى غُرُوبِها ومَن لم يَسْتَطع فليَرْم حتى بعد ذلك وهذَا لِلأقوياء، أما بِالنسبة لِلضَّعفة والنساء فإنّ بَعضَ أهل العلم يُرخِّص أن يَكون ذلك بعد طُلوع الفجر مِن اليوم العاشِر، ورَخّص بَعضُهم حَتى قَبل ذلك .. أي أن يَكون ذلك بعد أن يَخرجوا عند غُروب القمر وأن يَرموا عندما يَصلون إلى مِنى، ولكنني لا أُحِبُّ التَرخّص لهم قبل طُلُوع الفجر، فإما أن يَتَرخَّصوا بِالرمي بعد طُلوع الفجر أو أن يَنتظِروا إلى طُلوع الشمس وهذا لا مَشَقَّة فيه بِحمد الله.
والخُلاصة أنّ مَن يَستطيع أن يَرْمي هو نفسُه-سواء كان رجلا أو امرأة-فليس له أن يَأْمُر غيره بِأن يَرمِي عنه، ولَيْس لِغيره أن يَرْمي عنه ما دام يَعْلم أَنّ ذلك الشَّخص يَستطِيع أن يَرمي هو نفسُه، أمّا إذا كان لا يَستطيع فَلْيُنِبْ غَيْره.
بَقِيَ يُمْكن أن تَقول امرأة: أريد أن أَخرُج في اليَوْم الثاني عشر قبل غروب الشمس ولا يُمْكن أن أبقى إلى الثالث عشر ولا أَستَطيع أن أَرْمِي، فهل لي أن أُنِيبَ غَيْرِي ؟ الجواب: نعم، لأَنَّها نَوَتْ أن تَخرُج قبل غروب الشمس، وذَلِك لَها، بِنَصّ كتاب الله وسنّة رسوله-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-وإجماع الأمّة، وما دام الأمر كذلك وهي لا تَسْتَطيع أن تَرْمي فَلْتَطْلُب مِنْ غيرها أن يَرمي عنها؛ والله أعلم.
ثامنا: طواف الوداع ...
س: ما قولكم في مَن تَرَكَ ركعتي الطواف في طواف الوداع ؟
ج: على كل حال؛ أخطأ هذا الشخص خطأً بَيِّنًا، فما كان يَنبغي له أن يَتْرُكَ ذلك فلْيُتُبْ إلى الله-تبارك وتعالى-ويَنبغي له أن يُصَلِّيَ الآن ركعتيْن فعسى الله-تبارك وتعالى-أن يَتجاوزَ عنه.
س: حاجٌّ تَرَكَ طوافَ الوداع، فماذا يَلزمه ؟
ج: ذلك لا يَخلو مِن أحد أمرين:
1-إما أن يَكون معذورا وذلك كالمرأة الحائض والنفساء: (2/280)
صفحة 573
فإنّ الذي ذهبتْ إليه طائفة مِن أهل العلم أنّ الحائض معذورَة عن طواف الوداع، وهذا هو القول الصحيح، الذي تَدلّ عليه السنّة الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وإن كان بعضُ العلماء ذهب إلى أنه لابد مِن الدم على مثل هذه المرأة، ولكنّ هذا مُخالِف لِلحديث، فلعلّ ذلك العالِم لم يَطَّلِع على هذا الحديث، أو لعلّه اطَّلَعَ عليه-كما رأيتُه بالنسبة إلى بعضهم-وظَنَّ أنه لم يَثبُتْ لأنه على حسب نَظَرِهِ يُعارِض بعضَ الأحاديث الدالة على وجوب طواف الوداع، ونَحن نقول: إنه لا معارَضة بيْن الحديثيْن، لأنّ ذلك الحديث الدال على وجوب أو سنّية (1) طواف الوداع عام وهذا خاصّ والخاصّ يَقضي على العام، كما هو مقرَّر في أصول الفقه.
فإذن الحائض معذورَة، بِنصّ حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ومثلُها في ذلك النفساء، وإنما الكلام في المريض فإن كان المريض يُمكِن أن يُؤَجِّر على نفسه بِأن يُحمَل فلابد مِن ذلك، وإن كان لا يَستطِيع ذلك:
فبعض العلماء قالوا: عليه أن يَذبح دما ولا شيء عليه فوق ذلك.
وبعض العلماء ذهبوا إلى أنه لا شيء عليه، وذلك لأنه في معنى الحائض، إذ إنه لا يَتمكَّن مِن الإتيان بِالطواف، فهو وإن كان يَصحُّ منه الطواف في ذلك الوقت لو كان قادِرا عليه بِخلاف الحائض إلا أنهما يَشترِكان في عدم القُدرة على الإتيان بِالطواف، وكما أنه بِإمكانِ الحائض أن تَتأخَّر حتى تُطْهُر كذلك بِإمكانِ المريضِ أن يَتأخَّر حتى يُشفى مِن مرضِه ولكنّ الشارِع قد رَخَّص لَها في ذلك فإذن يُرَخَّصُ لِهذا المريض على رأي هؤلاء، وهو رأيٌ مستقيم بِمشيئة الله-تبارك وتعالى-إلا لِمَن شاء أن يَحتاط لِدينه.
__________
(1) -يُرجَع إلى الشيخ ليُبيِّن ما الذي قصَد قولَه في هذه المسألة. (2/281)
صفحة 574
2-وأما إذا كان هذا الشخص قادِرا على طواف الوداع ولم يَطف فإنه يُؤْمَر عند أكثر العلماء بِالتوبة إلى الله وبِأن يَذبَح دما لِفقراء مكّة المكرّمة شرّفها الله تبارك وتعالى.
و-على كل حال-لابد مِن التوبةِ والدمُ هو مذهب جمهور الأمّة.
أما بالنسبة إلى طواف الوداع لِلمعتمِر فإنّ العلماء قد اختلفوا فيه:
فمنهم مَن ذهب إلى مشروعية ذلك، واستدلوا على ذلك بِفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وأَمْرِه حيث إنه طاف لِلوداع في حجّة الوداع وأَمَرَ بذلك.
ومِن العلماء مَن ذهب إلى خلاف ذلك وقالوا: إنه لا يُشرَع، لأنه لم يَثبتْ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الأَمْرُ بِه في حالة العُمرة، وما جاء مِن الروايات في ذلك فإنها لا تَثبتُ عنه صلوات الله وسلامه عليه. (2/282)
صفحة 575
ونَحن نُقِرُّ بِأنه لم يَثبتْ ذلك الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لِضَعْف إِسنادِه-وبِأنه لم يَطُف طوافَ الوداع عندما جاء لِعُمرة القضاء .. أي التي قَاضَى عليها كفارَ قريش عندما مَنَعُوه مِن العُمرة التي أحَلَّ منها في الحديْبية،-وقلتُ: " قَاضَى " لأنّ بعضَ الناس يَقول: " إنه قضى بِها " وذلك لأنهم يَقولون: " كانت هذه قضاءً " وفي ذلك نظر، لأنّ كثيرا مِن أهل العلم يَقولون ليست هذه قضاءً، لأنّ تلك العُمرة التي أحلَّ منها كانت مُتَحَقِّقَةً، وبَحث ذلك في الدروس القادمة بِمشيئة الله تبارك وتعالى،-وكذلك بِالنسبة إلى عُمرة الجِعْرَانَة، فإنه لم يَثبتْ أنه طاف طواف الوداع ولا أنه أَمَرَ بِذلك مَن كان معه، وإن كان هذا ليس بِالصريح، لأنه صلوات الله وسلامه عليه جاء واعتمَر .. طاف وسعى وخَرَجَ بعد ذلك مباشَرة، ومهما كان فإنّ طوافَه لِلوداع في حجّة الوداع مُتأخِّر وكانوا يَأخذون بِآخر الأَمْرَيْن والأمرُ مُحتمِل والاحتياطُ في الدِّين مطلوب، فالأفضل لِلإنسان ألاّ يُفرِّط في طواف الوداع لِلعُمرة، ومَن ترك ذلك في الماضي فلا شيءَ عليه بِمشيئة الله تبارك وتعالى؛ والعلم عند الله تعالى.
أحكام الحج والعمرة للمرأة
*ما يتعلق بوجوب الحج والعمرة
1) أحكام متعلقة بشرط وجود المحرم
س: المرأةُ، هل يُشترَط لِسفرِها إلى الحج أن يَكون ذو مَحرمٍ معها ؟
ج: إنّ العلماء قد اختلَفوا في هذه المسألة:
1-ذهبت طائفةٌ كبِيرةٌ منهم إلى أنّ المرأةَ لابد مِن أن يُرافِقَها ذو مَحرمٍ منها إذا ذهبتْ إلى الحج.
والزوجُ داخِلٌ في المحرَم كما ثبتَ ذلك في الحديثِ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وعلى تقدِيرِ عدمِ دخولِه فإنه مِمّا يُعلَم بِالضرورةِ أنه يَصِحّ لَها السفر معه، إذ إنه أوْلَى مِن بقيةِ المحارِم. (2/283)
صفحة 576
2-وذهبتْ طائفةٌ مِن أهلِ العلم إلى أنّ المرأةَ يَجوز لَها أن تَذهَبَ إلى الحجِّ مع جماعةٍ مِن أهلِ الصلاحِ معهم نساء، وقال بعضهم: " أن يَكونوا مِن أهل العلم " .. اشترَط أن يَكونُوا مِن أهلِ العلم.
ومِن المعلوم أنّ الفيْصَل في هذه القضية كغيْرِها مِن بقيةِ القضايا الشرعِية هو الدليلُ الشرعِي، وقد ثَبَتَ-عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم-مِن طريقِ بن عباس رضي الله تبارك وتعالى عنهما-أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - نَهى المرأةَ عن السفَر إلا مع ذِي مَحرَم منها، فهذا الحديثُ حديثٌ صحِيحٌ ثابِت وهو يَشمل أيّ نوعٍ مِن أنواعِ السفَر إلا ما استُثْنِي مِن أنّ المرأة تُسافِر مع غيْر ذِي المَحرَم إذا خشِيَتْ على دِينِها أو خافتْ على نفسِها، وذلك كما جاءَ عن بعضِ المهاجِرات أنهنّ هاجَرْنَ مع غيْرِ محارِمِهِنّ مِن مكّة المكرّمَة إلى المدينة المنوّرَة، أما ما عدا ذلك فلا ولاسيما أنّ الحديث قد جاء فيه أنّ رَجُلا ذَكَرَ لِلنبي - صلى الله عليه وسلم - عندَما سَمعَ هذا النهي أنه قد اكْتَتَبَ في غزوةِ كذا وأنّ زَوْجَه تُرِيدُ الحج فأَمَرَه النبي - صلى الله عليه وسلم - بِأن يخرج إلى الحج مع امرأتِه .. كما جاء ذلك في الحديث الصحيح.
ولا شك بِأنّ القول بِأنّ المرأة ليس لَها أن تُسافِر إلى الحج أو العمرة إلا مع زوجٍ أو مَحرَمٍ منها هو القولُ القوي الذي يَنبغِي أن يعتمد عليه ولاسيما في هذا الزمان. (2/284)
صفحة 577
فالمرأةُ إذا كانتْ لا تَجِدُ زوْجا أو مَحرَما منها فإنها تَتَأَخَّرُ عن الحج حتى يَمُنّ الله-تبارك وتعالى-عليها بِأن يُسافِرَ معها زوجُها-إن كان لَها زوج-أو ذو مَحرَمٍ منها، أما أن تُسافِرَ مع غيْرِ زوجِها أو مِن غيْرِ مَحارِمِها فإنّ ذلك مِمّا لا يَصِح على هذا القول الذي ذهبتْ إليه-كما قلتُ-طائفةٌ كبِيرَةٌ مِن أهلِ العلم، وهذا القول هو الذي أَعتَمِدُه، لِما رأيناه مِن المفاسِد التي تَترتّب على سفَرِ المرأةِ مع غيْرِ زوجِها أو مِن غيْرِ ذِي مَحارِمِها، حتى إذا لَم يَثبُتْ-مثلا-الحديث فكيف وهو حديثٌ صحِيحٌ ثابِت لا شك في ثبوتِه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. (2/285)
صفحة 578
فإذن المرأةُ لا تُسافِر إلا مع زوجِها أو مَحرَمٍ منها مِن أقارِبِها سواء كان ذلك بِسببِ قرابَة منها-كما أشرتُ-أو بِسببٍ مُباح .. تَسافِر المرأة مع أبيها أو جدّها وإن علا ومع ابنها أو ابن ابنها أو ابن ابنتها وإن نَزَل وتُسافِر مع أخِيها وابن أخِيها وابن أختِها وإن نَزَلَ وتُسافِر مع عمِّها ومع خالِها، وكذلك تُسافِر مع مَن لَه علاقة بِها مِن الرضاع كالعلاقةِ التي ذكرناها مِن النسب لِما ثبتَ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ( يَحرُم مِن الرضاع ما يَحرُم مِن النسب ) فهذا الحديثُ واضِح الدلالة على أنه يَحرُم مِن الرضاع ما يَحرُم مِن النسب فمَن كان كصفة من ذكرناه سابقا كان أبا لها من الرضاع أو جدا لها من الرضاع أو ابنا لها من الرضاع أو ابنا لابنها أو لابنتها من الرضاع أو أخا لها أو عما لها أو خالا لها أو كان أيضا ابنا لأخيها أو لأختها من الرضاع فإنهم يسافرون معها بشرط أن يكون ذلك الرضاع ثابتا، أما إذا كان مشكوكا فيه بأن-مثلا-أدخل ذلك الطفل ثدي تلك المرأة في فمه ولا يعلم هل مص منها أو لا فإن هذا من الأمور المشتبهات فمثل هذا لا يصافح تلك المرأة وأيضا ليس لها أن تسافر معه وهكذا بالنسبة إلى كل ما يتعلق بأحكام الرضاع، والرضاع لا يشترط فيه العدد كما ذهب إليه بعض أهل العلم بل الصحيح أنه إذا ثبت الرضاع ولو كان مرة واحدة فإنه يثبت به الحكم وذلك لظاهر القرآن ولظاهر الأحاديث الثابتة عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-وما جاء مخالفا لذلك فقد رددنا عليه بما فيه الكفاية بمشيئة الله-تبارك وتعالى-، وهكذا بالنسبة إذا كان هنالك سبب من الأسباب المباحة شرعا وذلك كأن تسافر المرأة مع من يحرم عليها بسبب مباح شرعا، تسافر المرأة-مثلا-مع أب زوجها أو جده سواء كان ذلك من جهة أبيه أو من جهة أمه وإن علا أو أن تسافر مع ابن زوجها أو ابن ابنه أو ابن بِنته وإن نزل أو أن تسافر كذلك مع زوج أمها أو زوج (2/286)
صفحة 579
جدتها وإن علا وهكذا بالنسبة إلى زوج بِنتها وزوج بنت بنتها وإن نزل لكن يشترط بالنسبة إلى زوج الأم وزوج الجدة وإن علت الجدة .. يشترط فيه أن يكون قد دخل بالأم أو دخل بالجدة وهكذا بالنسبة أن لو علت الجدة، أما إذا كان مجرد عقد فإنه لا يكون بذلك محرما منها بخلاف زوج البنت أو بنت الابن أو بنت البنت فإنه بمجرد عقده عليها-على ابنتها-يكون محرما للأم ويكون محرما للجدة وهكذا؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: ما مقدار السن بالنسبة للمحرَم إذا كان هذا المحرم ولدها ؟ (2/287)
صفحة 580
ج: لابد أن يكون بالغا، وبعض العلماء يرخص إذا كان مناهزا للبلوغ بأن كان يدري بكل ما يدور حوله، أما إذا كان صبيا صغيرا أو ما شابه ذلك فهذا مما لا قيمة له .. الأصل أن يكون بالغا لكن في حالة الضرورة القصوى إذا كان مناهزا للبلوغ بقيت سنة أو ما شابه ذلك فبعض العلماء يرخص في ذلك، وهكذا بالنسبة إلى عقد النكاح فإن بعض العلماء يرخص إذا كان ذلك الصبي يعقل .. فإنه يرخص في أن يعقد على المرأة ولكنني لا أرى ذلك بل أقول إنه لابد من أن يكون بالغا .. نعم إذا كان مناهزا للبلوغ فهو يُرخص فيه على رأي بعضهم .. في حالة عقد النكاح ينبغي أن يأذن ذلك الصبي ولكن لابد من إذن غيره ممن هو أبعد منه أو من إذن الحاكم معه، أما ما يُرخص فيه بعض أهل العلم مما هو أقل من ذلك فلا نراه لأن العلة معلومة من هذا وليس مجرد أن يكون ذكرا وإنما أن يكون يعرف ما يدور حوله ويعرف ما يضُر تلك المرأة التي هو محرم منها وما ينفعها وما شابه ذلك، أما أن يكون مجرد ذكر فهذا مما لا ينبغي أن يعتمد عليه وإن قال به من قال، وفي الحقيقة-كما أشرت من قبل-مَن نظر إلى بعض المفاسد التي تقع وعلم بذلك فإنه لابد من أن يشدد في قضية الحج والعمرة مع غير الزوج ومع غير المحرم، ثم إن المرأة بحاجة إلى من يأخذ بيدها عندما تطوف وعندما تسعى ولاسيما في حالة الزحام، وقد سمعنا أن بعض النساء يمسكن في رجال أجانب منها وقد يمسك ذلك الأجنبي بيدها ويطوف بها وقد تنشأ بعد ذلك علاقات بينه وبينها لأنها ترى أنه قد صنع لها معروفا ولابد من أن تكافئه باتصال أو مكالمة أو ما شابه ذلك، وهذا-على كل حال-مما لا يصح .. نعم لو وقعت امرأة فلابد من أن يحملها الإنسان حتى تقوم على رجليها أما أن تتعمد المرأة أن تذهب مع أجنبي منها فهذا مما لا يصح أبدا .. هذا ما أراه؛ والعلم عند الله.
س: إذن نفهم من هذا أنه في حالة عدم وجود المحرم لا تعتبر المرأة مستطيعة ؟ (2/288)
صفحة 581
ج: نعم .. تتأخر المرأة حتى تجد زوجا أو محرما، لكن إذا لم تجد أبدا بعد ذلك هل يجب عليها أن تأمر غيرها أن يحج عنها أو أن توصي بذلك ؟ في ذلك خلاف بين أهل العلم، ولا شك أن السلامة أن تؤجِّر من يحج عنها إذا صارت آيسة من وجود الزوج أو المحرم أو أن توصي بذلك.
س: في حالة وجود المحرم لكنه لا يملك المال وهي تملك المال، هل يجب عليها أن تعطي محرمها المال ليحج معها ؟ (2/289)
صفحة 582
ج: أما الوجوب فيحتاج إلى شيء من النظر، ولكنني أحث ذلك المحرم بأن يخرج مع تلك المرأة وأحثها هي-أيضا-أن تعينه بشيء من المال الذي يمكن أن يذهب معها إذا حصل عليه فيكون هنالك تعاون بين تلك المرأة وبين محرمها ولا شك بأنه إذا ذهب سيحصل على أجر عظيم بمشيئة الله-تبارك وتعالى-إذا كان صالحا .. أوَّلا سيؤدي الحج ولو كان قد حج من قبل سيؤدي حجة نافلة وفي ذلك من الفضل ما لا يخفى، كما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة )، وجاء عنه أيضا: ( من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه )، إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على فضل الحج وعظم منزلته والأجر العظيم والثواب الكبير الذي يحصل عليه من أداه طاعة لله-تبارك وتعالى-وامتثالا لأمره - سبحانه وتعالى - وكان بارا في حجه ذلك لم يرتكب معصية من معاصي الله تبارك وتعالى، فإذن لا ينبغي له أن يفرط في إعانة هذه المرأة على طاعة الله وسيكون له الأجر بمشيئة الله من ناحيتين .. من تأديته للحج ومن إعانته لهذه المرأة التي ترغب في تأدية فريضة الله-تبارك وتعالى-عليها، وهي ينبغي لها ألاّ تبخل بالمال عليه، فمال هذه الدنيا ذاهب، فإذا أعانت هذا الرجل الذي يذهب معها لتأدية الحج ففي ذلك من الخير ما لا يخفى، أما الوجوب فيحتاج إلى شيء من النظر، لأن القول بوجوب ذلك فيه ما فيه، كما لا يخفى، فإذن-كما قلتُ-أحث المرأة التي لا تجد محرما إلا إذا أعانته بشيء من المال ألاّ تبخل بذلك؛ والله-تبارك وتعالى-ولي التوفيق.
س: ما حكم ذهاب المرأة للحج رفقة مجموعة من النساء بدون أن يكون عندها محرم رجل ؟ (1)
__________
(1) - وفي سؤال مشابه : س: تريد أن تَحج حجّ الفريضة ولكن ليس لديها محرم إنما تَخرج مع نساء المسلمين.
ج: الأصل أن تذهب المرأة مع زوجها أو مع محرمها، لِما جاء مِن النهي عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-عن سفر النساء مع غير المحارم، وهو حديث صحيح ثابت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وينبغي للأزواج أن يتعاونوا مع زوجاتهم وينبغي للمحارم أن يتعاونوا مع-أيضا-أقاربهم مِن النساء، لأنّ في هذا التعاون ما لا يخفى مِن التعاون على الخير والبِرِّ والتقوى، بل ذهبت طائفة مِن أهل العلم إلى أنه يَجب على الزوج أن يُسافِر مع زوجته لأداء فريضة الحج إذا كان لا يَجد عذرا شرعيا ولا يَمنعه مِن ذلك مانع، وهذا القول وإن كنا لا نقول به بل نقول بعدم وجوب ذلك عليه ولكننا نَحثُّه على ذلك، وسيَحصل أيضا على فضْل الحج إذا كان متقيا لله تعالى، ولا يَخفى ما في الحج مِن فضْل، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، و-على كل حال-ذهبت طائفة مِن أهل العلم إلى أنه ليس للمرأة أن تُسافِر إلى فريضة الحج إلا مع زوج أو مَحْرَم فإن لم تَجد زوجا أو مَحْرَما فليس لها أن تُسافِر بل يَجب عليها أن تُوصِي بذلك إلا إذا تَمكَّنت في يوم مِن الأيام مِن فعل ذلك، وذهبت طائفة مِن العلماء إلى أنها يَجوز لها أن تَذهب إلى الحج إذا وَجدتْ رفقة مِن الناس مِن أهل الصلاح معهم نساء، وهذا القول تَرخَّص فيه كثير مِن أهل العلم، فإذا أَخذتْ به فلا حرج ولكن ليس لها أن تُسافِر مع شخص واحد .. يوجَد كثير مِن الناس يَذهب الواحد ومعه مجموعة كبيرة مِن النساء أو يذهب اثنان أو ما شابه ذلك مع مجموعة مِن النساء وهذا لم يُرخِّص فيه أحد مِن أهل العلم، وإنما شدَّدوا فيه، وإنما رخَّصوا إذا كانت مجموعة كبيرة مع نساء والكل مِن أهل الصلاح ولا يُخشى عليها، فهذا ترخيص، وأما الوجوب فلا يُمكِن أن نقول بالوجوب، ونظرا لضيق المقام فأكتفي بهذا المختصَر، ولعلنا نطيل في ذلك مرة أخرى. (2/290)
صفحة 583
ج: على كل حال؛ أستأذنك قبل كل شيء أن أجيب ولو بجواب مختصر جدا على سؤال الحج السابق الذي سألت عنه هذه المرأة لعلها تريد أن تذهب إلى الحج وقبل كل شيء أنبه إلى أنه ينبغي للإنسان أن يكون حريصا على طلب العلم سواء كان ذلك من قراءة الكتب أو من سؤال أهل العلم أو من دروسهم أو ما شابه ذلك من الوسائل التي يحصل بها العلم الشرعي، ومما نلاحظه على كثير من الناس أنهم لا يهتمون بطلب العلم وإنما يهتم الواحد أن يسأل عن مسألة وقع فيها أو أنه يريد أن يأتي بها في المستقبل أو ما شابه ذلك وقد يجيب بعض أهل العلم عن تلك المسألة قبل ذلك بقليل أو قبل يوم أو ما شابه ذلك ولا يهتم بتلك المسألة .. يكون مشتغلا بالحديث مع فلان أو فلان أو لا يطلع على تلك البرامج التي تذاع فيها تلك المحاضرات أو تلك الدروس أو تلك الأجوبة أو ما شابه ذلك ويفوته خير كثير من المسائل الشرعية، فطلب العلم فريضة على كل مسلم وإن كنا لا نقول بأن الكل من الفرائض ولكن بعضه من الفرائض والبعض الآخر من النوافل التي لا ينبغي التفريط فيها. (2/291)
صفحة 584
بالنسبة إلى هذا السؤال قد ذكرنا-في الجواب الذي مضى قبل قليل-أنّ المرأة إذا أرادت الحج لابد من أن تذهب مع زوج أو محرم منها، وأنه لا يصح لها أن تذهب مع مجموعة من النساء معهن بعض أهل الصلاح .. هذا الذي ذهبت إليه طائفة كبيرة مِن أهل العلم، وعليه إن لم تجد المرأة زوجا أو مَحرما منها في ذلك الوقت فلتتأخر حتى تتمكن من الذهاب بعد ذلك في سنة من السنوات القادمة بمشيئة الله-تبارك وتعالى-مع زوجها إن كان لها زوج أو مع ذي محرم منها، و-قلنا إنه-ينبغي أن يُنظر إذا لم تجد المرأة محرما إلا إذا بذلت له المال بأن كان فقيرا أو ما شابه ذلك و-قلنا إنه-لا ينبغي لها أن تفرط في بذل المال، أما القول بوجوب ذلك عليها فإنه يَحتاج إلى شيء من النظر، وحتى نتمكن من ذلك فإنني لا أقوى على الجزم في ذلك بشيء، لكن-كما قلتُ-ينبغي التعاون بين الفريقين .. ينبغي لهذه المرأة أن تبذل المال وينبغي لذلك الرجل ألاّ يأخذ منها إلا مقدار ما يؤدي به الحج ويرجع إلى وطنه .. هذا الذي نعتمده لما ذكرته في ذلك الجواب. (2/292)
صفحة 585
وبعض العلماء يُرخص أن تذهب المرأة مع رجال من الثقات الصالحين معهم بعض النساء من محارمهم؛ ولكن هذا القول لا ينبغي التعويل عليه، ولاسيما في هذا الزمان لشدة الزحام بل ولا ينبغي التعويل عليه في أيّ وقت من الأوقات لأنه مخالِف لِظاهر الحديث الثابت عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-ونحن لا نقطع العذر في هذه المسألة ولا نقول إنها من المسائل القطعية ولكن نقول: إن ذلك القول هو القول الأقرب للصواب، وعلى تقدير صحة تأويل من تأوله من أهل العلم فكما قلتُ في هذا الزمان لا ينبغي أن يؤخذ بذلك، لأن ذلك إذا كان لا يستدعي أن تمسك المرأة بيد رجل أو يمسكها رجل ويطوف بها وقد تحتاج إلى حمل أو ما شابه ذلك في الأزمنة الغابرة فإن الزمان قد اختلف في هذه الأيام، وقد سمعتُ أنه وقع في الأعوام الماضية أنّ بعض النساء اللاتي ذهبن إلى الحج قد ذهبن للطواف مع رجال أجانب عنهن وقد أمسكت بعض النساء بيد رجل أجنبي منها فهل يمكن أن نقول بجواز ذلك ؟! هذا مما لا يصح .. نعم-كما قلتُ- إذا كان هنالك وقع حادث .. وقعت امرأة فإنّ على الرجل أن يقوم بحمل تلك المرأة حتى تقوم، أما أن يتعمد ذلك أو أن تتعمد هي ذلك من قبل فهذا مما لا يصح، فهذا الذي أراه وأعتمد عليه؛ والله-تبارك وتعالى-ولي التوفيق.
س: بِالنسبة لِزوجةِ العَم وزوجةِ الخال، هل هما مِن المحارِم ؟
ج: زوجةُ الخال وكذا بِالنسبةِ إلى زوجةِ العَم فهما ليْستا مِن المحارِم .. المرادُ بِالمحارِم هنّ مَن لا يَجوز لِلشخصِ أن يَتزوّجَهُنّ في الحاضِرِ ولا في المستقبَل، فكلُّ امرأةٍ لا يَجوز له أن يَتزوّجَها في الحاضِر .. أي في الوقتِ الحاضِر ولا في المستقبَل فإنه يَجوز لَه أن يُصافِحَها، وأما إذا كان لَه أن يَتزوّجَها في هذا الوقت أو في المستقبَل فإنه لا يَجوز لَه أن يُصافِحَها بِحالٍ مِن الأحوال، كما قدّمنا ذلك؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم. (2/293)
صفحة 586
س: مَن الذي يَصْدُق عَليه أن يَكون مَحْرَما .. رُبّما يَكون لأحد النسَاء صبي، هل يُمْكن أن يَكون هو مَحْرَمها في هذا السّفَر ؟
ج: أما الصّبي إذا كان صَغِيرا فلا يُمْكِن، وأما إذا كان مُرَاهِقا .. أي كانتْ حَالُهُ تَقْرُب مِن حَالة البُلُوغ فإنّ أهل العلم قد اختلفوا في ذلك:
مِنْهم مَن قال: إنّ هذا يَكْفِي لأَنْ يُرَافِق المرأةَ في سَفَرَهَا ولاسيما إذا كان هُنَالِك رِجَالٌ مِن أَهْل الصّلاح مَعُهُم نِساء.
وبعضُ العُلماء يَشْتَرِط البُلُوغ.
ولا شكّ أنّ القَوْل بِاشْتِرَاط البُلُوغ قَوْل قَوِي جِدًا، ولكن في مِثْل هذه الحالة إذا كان الصبي مُرَاهِقًا لِلبُلُوغ وكان لَبِقًا .. لَه دِراية بِمثل هذه الأمور فلا أرى بأسًا بِمشيئة الله تبارك وتعالى.
س: امرأةٌ تُرِيدُ الذَّهَاب إلى العُمْرَة بِدُون مَحْرَم .. مَعَ أجَانِب ؟
ج: قلنا نَحْنُ: إنّ هَذِه المرأة إن كَانتْ لم تَأتِ بِالعُمْرَة الوَاجِبَة-على رأي مَن يقول بِذلك-فإنه قد يُرَخّصُ لَهَا عَلَى رَأيِ بَعْضِ أهل العِلْم إذا كانت تَذهَبُ مع نِساء مع رِجال مِن أهْل الصَّلاح.
وذَهَبَت طَائِفَة كَبِيرَةٌ مِن أهل العِلم إلى أنه لَيْسَ لَهَا أن تَذْهَب إلا مَع زَوج أو مَحْرَمَ؛ ولا شَك بِأنّ هَذَا القَوْل أسْلم، فينبغي لَهَا إن كَانت لم تُؤَدِّ العمرةَ الوَاجبة-على القَول بِوجوبِها-أن تَنتَظِر حتى تَجِدَ زَوجا أو ذَا مَحْرَمٍ مِنْهَا وَتُسَافِر مَعَهُ بِمَشِيئَة الله-تبارك وتعالى-وتَأْتي بِالعمرة وبِفَرِيضَة الحج؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: زوج أخت المرأة، هل يعد مَحْرَمًا لها إذا ما أرادت الذهاب إلى الحج ؟
ج: لا .. لا يُعَدّ مَحْرَمًا لَها، وذلك لأنّ هذه الحُرْمَة .. أيْ عدم جَوَاز نكاح ذلك الرَّجل لَها في ذلك الوَقت حُرْمَة مؤقتة ولذلك لو:
1-ماتت أختها.
2-أو طلقها وخرجت مِن عدتِها إذا كان الطلاق رَجْعيًا. (2/294)
صفحة 587
3-أو طلقها إذا كان الطلاق باتا.
فإنه له أن يتزوجها، فإذن هذه الحُرْمَة حُرْمَة مؤقتة، والحرمة التِي تَجوز مَعَهَا الخلْوَة أو السَّفر فهي الحُرْمَة المؤبدة وبِشرط أن تكون بسبب نَسَبٍ أو مُصَاهرة أو رَضَاع، أمَّا إذا كانت غير مُؤَبَّدة أو كانت مؤبدة ولكن بسبب مِن الأسباب الأخرى غير الأمور التي ذكرناها فلا وذلك-مثلا-كحالة اللِّعَان فإن مَن لاَعَن الحرمةُ مؤقّتة بينه وبين تلك المرأة التي وقع بينه وبينها اللعان فلا يجوز له أن يتزوجها في يوم مِن الأيام ولكنه لا يَجُوز لَه أن يَخْلُوَ بِهَا وليس له-أيضا-أن يُصَافِحَها، وهكذا بِالنِّسبة إلى مَن زَنَى بِها أو زَنَى بِها ابنه أَو أبوه أو مَا شَابَه ذلك مِن الأمور التي وَقَعَت الحُرْمَة الأبَدِية فيها بسبب مِن الأسباب الخارجة عِن الأسباب التي ذكرناها؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: امرأة أرادت أن تَحُجَّ النَّفل وسبق لَها أن حجّت الفرض لكنها هذه المرة تذهب بدون مَحْرَم، فهل عليها أن تتعجّل أم تؤخّر ؟
ج: ما ذكرناه مِن وجوب التَّعَجُّل في تَأْدية الحج فَذلِك في حج الفريضة.
وَأمَّا بِالنِّسبة إلى النافلة فالإنسان لا يجب عليه أن يَتَنَفَّل في الحج وإنِّما ينبغي له ذلك أمَّا أن يَجب عليه ذلك فلا.
والعلماء قد اختلفوا في المرأة هَلْ لَهَا أن تذهب إلى حَجِّ الفريضة مع غَيْر مَحَارِمِها أو زوجها:
فبعض العلماء قَال: لَيس لَها أن تذهب حتى لِحجِّ الفريضة إلا مع زوج أو مَحْرم، وذلك لنهي النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-المرأةَ عن السَّفر مع غير مَحارمها أو زوجها.
وبعض العلماء رخّص في ذلك إذا كان الحج حج فريضة بشرط أن تكون مع جملة مِن النساء معهن مَحارم مِن أهل الصلاح.
أمَّا بالنسبة إلى الحج النَّافلة فليس لَها أن تذهب إلا مع زوج أو مَحْرم؛ والله-تعالى-أعلم. (2/295)
صفحة 588
س: والدتها تريد أن تَذهب إلى الحج ولكن ليس عندها مَحْرَم إلا أنّ المقاوِل يَصطحِب معه زوجتَه مع مجموعة مِن النساء، فهل تَذهب معهم ؟
ج: الله المستعان، كثير مِن أهل العلم ذهبوا إلى أنّ المرأة لا يَجوز لها أن تَذهب إلى الحج ولا إلى غيره إلا مع زوجٍ أو مَحْرَم، لِنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن سَفَرِها إلا مع الزوج أو المَحْرَم، ورَخَّصَت طائفة مِن أهل العلم لِلمرأة إذا كانت تَذهب لِتأدية الحج وكان الحجُّ حجَّ فريضة .. رَخَّصوا لها أن تَذهب مع نساء معهنّ رجال مِن أهل الصلاح، ولكن لا يَخفى ما في شدّة الزحام في هذا الأمر وضَعْفِ المرأة فقد تَحتاج إلى مساعدة في الطواف أو في السعي وقد تَمرَض وتَحتاج إلى مَن يَقوم بشؤونها، وكثير مِن النساء ذَهبْنَ مِن غير مَحارمِهنّ ومرضتْ منهنّ بعض النساء واحتاجتْ إلى أن يَقوم الرجال بِحمْلِها أو مساعدتِها أو أن تُمْسِك بهم أو ما شابه ذلك وهم مِن غير مَحارمِها فيَقعون في معصية الله تبارك وتعالى .. هذا الوقت لا يُمكن أن نُرَخِّص في مثل هذا الأمر فلتَنتظِر حتى تَجد زوْجا أو مَحْرَما منها وهي معذورة إلى أن تَجد ذلك-بمشيئة الله-وتوصي بذلك حتى تَتمكَّن مِن التأْدية مع الزوج أو المَحْرَم؛ والله أعلم.
ما يتعلق بإحرام المرأة
س: ما طَريقَة إحرَامِ المرأة ؟ لأنّ بعضَ النساء يَفْهمنَ عَلى أَنّهن يَلْبَسْنَ لباسا مُعَيّنا وطريقة معيّنة، هل هناك بِالفعل شيءٌ مِن هذَا ؟
ج: إنه يَنْبَغِي لكلّ مَن أراد أن يَذهبَ إلى تَأْدِيَة فَرِيضَة الحج أن يَكُونَ عَلَى بَيِّنة مِن أمره فيمَا يَتَعَلّق بأحكام الحج سواء كان رَجُلا أو امرأة حتى لاَ يَقع في بعض المخَالفات الشَرْعِية التي قَد تُؤَدّي إلى فَساد حَجّه أو تُؤدّي إلى شيءٍ مِن النَّقص في الحج وإن كان لا يَصِل ذلك إلى دَرَجَة فَسَادِ الحج. (2/296)
صفحة 589
المرأة تَلْبس الملاَبس العَادية إلا ما سَأُنَبّه عليه بعد قليل بِمشيئة الله تبارك وتعالى، وذلك لأنّ السنّة النبوية-على صاحبها وآله أفضل الصلاة والسلام-لمَ يَأْتِ فيها نَهيٌ عن شيءٍ مِن اللباس بِالنسبة لِلمرأة إلا أنها تُنهى أن تَنْتَقِب، فالنبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-نهى المرأة أن تَنْتَقِب .. أي أن تَلْبَس النِّقَاب، وكذلك بِالنسبة إلى البُرْقُع، فليس لها أن تَلبس البُرْقُع وليس لها أن تَنْتَقِب وليس لها-أيْضا-أن تَلْبَسَ القُفازين.
وأما بِالنسبة إلى الجوارب فإنَّه لا مانع مِن ذلك بِالنسبة إلى المرأة، إذ لم يَأْتِ في ذلك نهيٌ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم .. نعم تُنْهَى المرأة أن تَتَبرّج بِشيءٍ مِن ملابس الزينة وذَلك لأنها تكون أمام الرجال الأجاَنب ولكن هَذَا الحكم ليس خاصّا بِالحج بل هو شامل لأيّ وقتٍ مِن الأوقات تكون المرأة فيه أمام الرجال الأجانب أو تَلْتَقِي فيه بِالرجال الأجَانِب.
وأما ما ذكره بعض أهل العلم مِن أنّ المرأة تُنْهى عن عددٍ مِن أنواع اللباس-كالحرير مثلا-فإنّ ذلك مِمّا لم يَرد في سنّة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ومِن المعلوم أنه إذا وَرَدَ خِلافٌ بيْن أهل العلم في أيّ مسألةٍ مِن المسائل فإنّ الفَيْصَلَ بَيْنَهم الكتاب والسنّة .. إذا وجدنا خِلافًا بيْن أهل العلم في مسألة مِن المَسائل فلابد مِن أن نَنَظر في كتاب الله-تبارك وتعالى-وفي سنّة رسوله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-الصحيحة الثَابتة عَنْه، وما دَلَّ عليه الكتاب أو السنّة فهو القول الصحيح الرّاجح الذِي يَنبَغِي لِلإنسان ألاّ يَحيد عنه أبداً. (2/297)
صفحة 590
فإذن المرأة في الإحرَامِ تَلْبس الملابس العَادِية بِشَرْط ألاّ تَتَبرّج بِزينة، وإنما تُنْهَى-كما قلتُ-عن لبْس النِّقاب، وكذلك البُرْقُع، وكذلك تُنهى عن لبس القُفّازين، وهما الشراب الذي تُدخِل فيه المَرأة يَديْها، أما بِالنسبة إلى ما عدا ذلك فلا.
وهكذا بِالنسبة إلى لُبس الذهب والفضّة فقد شدّد في ذلك كثير مِن أهل العلم، ولم أَجِد دليلا يَدلّ على هذا التَشَدُّد وإنما تُنْهى عن إِظهار ذلك لِلرِّجال الأجانب فذلك مَمْنوع سواء كان ذلك في حجٍّ أو عُمرة أو في غَيْرهما، أو بِعبارة أخرى: سواء كانت مُحْرِمَةً أو كانت مُحِلَّةً .. هذا ما يَظهر لي؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
وأَما بِالنسبة إلى سَدْلِ الثّوب على الوَجْه إذا مَرّت المرأة بِالرجال الأجانب أو مَرَّ بِها بعضُ الرجال الأجانب فالسنّة قد دَلََّت على ذَلك، إذ إنّ أمهاتِ المؤمنين-رضوان الله تبارك وتعالى عليهن-كُنَّ يَسْدِلْن على مسمعٍ ومرأى مِن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا مَرَّ بِهنّ الرجال الأجانب وهنّ مُحْرِمَات.
ولكن اشترَط بعضُ العلماء ألاّ يَمَسَّ ذلك الثوب شيئا مِن الوجه.
ولم يَشترِط ذلك بعضُ أهل العلم.
والقول بِالاشتِرَاط يَحْتَاج إلى دليل، ولم أَجِد دليلا يَدُلّ عليه؛ والعلم عند الله تبارك وتعالى.
س: الحقيقة أَصبحت الصفة الغَالبة عند المُحْرِمَات هو تغطيةُ الوجه بِناء على أنّ الفتنة هي السبب في سَدْل هذا الخمار.
ج: هو ما ذكرناه .. الإنسان مُخاطَب أن يَلتزِم بِما في كتاب الله-تبارك وتعالى-وبِما في سنّة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والسنّة دَلّت على جَواز السَّدْل عندما تَمُرّ المرأة المُحْرمَة بِالرجال أو يَمرّ بِها بعضُ الرجال، أما ما عدا ذلك فإنها تَكْشِف وجهَها .. هذا الذي ثَبَتَ في السنّة الصحيحة الثابتة؛ والعلم عند الله.
س: لَكن في موْسم الحج الناس كَثِيرُون والاحتِكَاكُ بِالرجال أمرٌ وَارِد. (2/298)
صفحة 591
ج: لَكن لا يَكون ذلك في كل وَقْت مِن الأوقات، وإنما يكون ذلك في بعض الأحيان.
س: ما هو مِعْيَار الخوف مِن الفتنة ؟ يَعني كَيف تَستطيع المرأة أن تُميِّز هَل هِي خَائِفة مِن الفتنة ؟ هل هذا يَعتمِد عليها بِنفسِها أم يَعْتَمِد على نَظرات الآخرين إليها ؟
ج: لابد مِن مُرَاعَاة الجَانِبين.
س: هل لِلمرأةِ أن تَغْتَسِل غُسْل الإحرامِ مِن منزِلِها قبلَ الخروج ؟
ج: على كل حال؛ هذه المسألَة تَحْتَاجُ إلى إطالَة، ولكن:
إذا كانتْ تَقْصِدُ بِمَنْزِلِها المنزل الذي نَزَلَتْ فيه .. مثلا لو نَزَلَتْ في " المدِينة " .. في مدينة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولا بأس-طبعا-مِن تَسْمِيَتِها بِالمدينة المنورَة .. إذا أرادتْ ذلك نعم لِتَغْتَسِلْ مِن هُنَاك وَلْتَخْرُج ولكن لِتُحْرِم مِن عندِ الميقات .. لا ينبغِي لَها أن تُقَدِّمَ ذلك .. لَوْ قدَّمتْ ذلك فإنّ إحرامَها صحِيح-على الصحِيح الذي عليه الجمهور-ولكن ينبغِي لَهَا أن تُؤَخِّرَ ذلك إلى الميقات، كما فَعَلَ النبي صَلى الله عَليه وعلى آله وصحبه وسَلم، ولَم يَثبُتْ عنه ما يَدُلّ على خلافِ ذلك، ومَا جاء مِمَّا يُخالِفُ ذلك فإنَّه لا يَثْبُت، وَمَوْضِعُ الإطالة في غيْرِ هَذِه المناسَبَة بِمَشِيئة الله تبارك وتعالى.
أمَّا إذا كانتْ تَقْصِد بِأَنَّها تَغْتَسِل مِن بِلادِهَا عندَما تَذهَب وتَسْتَمِر عدّةَ أيام فهذا لا يَكْفِي لِلإتيانِ بِهذِه السنَّة .. نعم في وقتِنا هذا-مثلا-إذا كانتْ تَخْرُج بِوَاسِطةِ الطائِرَة فإذا اغتَسَلَتْ في بيْتِها قبلَ خُرُوجِها مباشَرَة فلا بأس-لأنَّها تَمُرّ على الميقات وهي في الطائِرَة ولا تَتَمَكَّن مِن الاغتِسال أو تَتَمَكَّن ذلك إنْ تَمَكَّنتْ بِمَشَقَّة-فَلْتَغْتسِل مِن بيْتِها لإحرامِها وَلْتُحْرِم عندَما تُحَاذِي الميقات؛ والله-تبارك وتعالى-ولي التوفيق. (2/299)
صفحة 592
*ما يتعلق بالحيض والنفاس
س: إن كانت المرأة تخشى أن يدركها الحيض في فترة المناسك، هل لها أن تتأخر عن الحج أو العمرة بسبب هذا ؟
ج: الله أعلم؛ إذا كانت تريد أن تذهب إلى العمرة فإن كانت تعرف بأنه سيأتيها هذا الحيض على حسب عادتها ولابد من أن ترجع إلى بلادها في تلك المدة فلا يمكن أن تحرِم لأن في ذلك من الصعوبة ما لا يخفى قد تحرم ثم ترجع إلى بلادها وتبقى شهرا أو شهرين أو أكثر وهي محرمة وفي هذا من المشقة ما لا يخفى لكن إذا كانت-مثلا-ذهبت وتظن بأنها ستطهر قبل ذلك أو أنه لن يأتيها الحيض قبل ذلك فيمكن أن تشترط فإذا اشترطت ولم تتمكن من تأدية تلك العمرة فلا بأس بذلك على رأي من يقول بالاشتراط ونحن نقول بالاشتراط لأن ذلك ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ودعوى أن ذلك خاص بتلك المرأة أو أنه منسوخ مما لا يُقبل، أما الخصوصية فإنه مما لا دليل عليها، والأصل أن ما ثبت للواحد يثبت لغيره إلا إذا دل دليل على التخصيص، وأما دعوى النسخ فإنها مردودة لأن ذلك من أواخر الأحكام ولم يأت ما ينسخه، ولكن بقي هل يباح ذلك لمثل الحيض أو ما شابه ذلك ؟ عندما تكون هنالك ضرورة ملحة فيمكن أن نقول بذلك ولكن لا ندعو إلى التساهل كثيرا في مثل هذه القضية، أما بالنسبة إلى الحج إذا كانت المرأة تعرف بأنها لن تتمكن من الإتيان بالحج وهي طاهرة وطبعا الذي يشترط فيه الطهارة هو الطواف أما بالنسبة إلى الوقوف والسعي إلى غير ذلك من الأمور الأخرى كالرمي والمبيت بالمزدلفة والذبح وما شابه ذلك .. هذه الأمور لا تشترط فيها الطهارة وإنما الذي تشترط فيه الطهارة هو الطواف فإذا كانت تعرف بأنها لن تتمكن من الإتيان بطواف الزيارة فلا يمكن أن تذهب إلا إذا كانت تعرف بأنها سترجع ويمكن بعد ذلك أن تذهب بعد مدة لا يشق عليها ذلك فلا إشكال في ذلك أما أن تذهب وبعد ذلك ترجع وتبقى مدة طويلة فهذا قد يشق عليها كثيرا ولزوجها عليها حقوق إن كان لها زوج .. (3/1)
صفحة 593
له حق الوطء ومن المعلوم أن المرأة إذا كانت محرمة لا يمكن أن توطأ بل ولا ما هو أقل من ذلك حتى اللمس إذا كان بشهوة والتقبيل والضم وما شابه ذلك .. هذه الأمور لا تصح في حق المُحرِم، فإذن المعتبر الطواف فإذا كانت يمكن أن تتأخر هنالك عن الرفقة والأمر يسير في هذا الزمان تأتي في طائرة أو تأتي في ناقلة مع محرمها أو زوجها فلتتأخر وإن كانت يمكن أن ترجع بعد ذلك بمدة قصيرة فلا بأس بذلك بمشيئة الله-تبارك وتعالى-أما إذا كانت لا يمكنها ذلك فلتتأخر في هذه السنة ولتذهب في سنة أخرى بمشيئة الله تبارك وتعالى، أما بالنسبة إلى عمرة التمتع فلا إشكال في ذلك إذا أتاها الحيض فلتُدخل الحج على العمرة وتكون قارنة كما فعلت السيدة عائشة بأمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم .. إذا لم تتمكن من الطواف قبل عرفة فلتدخل الحج على العمرة وتكون قارنة ولاشيء في ذلك بمشيئة الله تبارك وتعالى، وهكذا بالنسبة إلى طواف الوداع فإنه لا يلزمها .. هذا أمر لابد من التنبه إليه وقد وقعت في السنوات الماضية على حسب ما سمعت .. وكثير من المسائل في هذه القضية ولعلنا ننبه على ذلك في مناسبة أخرى بمشيئة الله تبارك وتعالى، لأنّ هنالك مِن المخالَفات التي وقعتْ فيها بعضُ النساء مِمّا يبطل الحج أو العمرة أو يؤثر فيهما أو ما شابه ذلك، وبيان ذلك في المناسبة التي أشرتُ إليها بمشيئة الله تبارك وتعالى؛ والله-تعالى-ولي التوفيق، وهو أعلم بكل شيء.
س: هل يَصِح لِلمرأة أن تَتَعَاطَى مَوَانِعَ الحَيْض لِتُكْمِل عُمْرَتَها نَظَرا لامْتِدَادِ أيَامِ حَيْضها زمنًا تَرْجِع فيه القَافِلة إلى الوَطَن قبل طُهْرِهَا ؟
ج: هنالك أمران:
1-الجواز .. أي أَنه هل لِهذه المرأة أن تَستعمِل ذلك ؟
2-وإذا استعمَلتْ ذلك قبل نُزول الحَيْض أو في أثناءِ نُزوله وتَوَقَّف الحيْض عن النزول:
فإنّ طائفة كبيرة مِن أهل العِلم تَقُول: " إنّ ذلك مِما لا مَانِع مِنْه ". (3/2)
صفحة 594
وفرّق بعضُ أهل العلم بَيْن الحَالتين .. بيْن ما إذا نَزل الحيْض أو كان ذلك قَبل نُزوله فأجازوا ذلك في الحالة الثانية دون الحالة الأولى.
ونَحن نقول: إذا انقطع الحيْض لا مَانع مِن ذلك، ولكن هنالك قَضية أُخْرى وهي أنّ كَثيرا مِن النّساء اللاتي يَسْتَعْمِلن هذهِ الحبوب بعد ذلك لا يَتَوَقف هذا الحيْض ويَسْتَمر الدّم لمُدّة طَوِيلة جِدا وتَارة يَنْزِل وتَارَة يَكون الأمر بِخِلاف ذلك ولا تَنْضبِط لَها عادة فَلا تَدْري هَلْ هِي طاهر فَتُؤَدِّي مناسِك الحج والعُمرة وتُصلي وتَصوم وهكذا بالنسبة إلى بَقَية الأَحْكَام المُتَعَلقة بقضية الحيْض أو هِيَ لَيْسَت بِطاهر وليس لها أن تُؤَدّي هذه الأشياء .. تَبْقَى في مُشكلة كبيرة جدًا، فالسّلامة أن تَتَرُك هذه الأمُور وأن تَنْظُر في أَمْرها، فإنّ كَثيرا مِنَ النّسَاءِ لَهُنّ عَادَة .. تَعْرِف مَتَى يَبْتَدِئ الحيْض ومتى يَنْتَهي الحيض، فإن كانت يُمْكُنَهَا أن تُؤَدِّيَ تِلك المَناسك قبل نُزول الحيض فَلْتَذهب ولْتَأتِ بِتلْكَ المناسِك، وإن كان لا يُمكنها .. تَعرف بِحسب عادَتها بِأنّ الحيض سيأتيها في الوَقْت الفُلاني ولَن تَتَمَكّن في ذلك الوَقْت مِن تَأْدِية العُمْرة أو تَأْدية الحج لأنَّها لَنْ تَنْتَظِرَهَا تِلك الجماعة التي هي في رفَقَتهم فإنها تُؤمَرُ بِأن تَتَأخّر في تلك السنَة، وسيَجعل لَها الله-تبارك وتعالى-فَرَجًا مِن أمرِهَا في المُسْتَقْبل إن شاء الله تبارك وتعالى، ومِن المَعلوم هي لم تتأخَّر مِن أجل التَأخر وإنَّمَا مِن أجل هذه الضَّرورة؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: المرأةُ المُسْتحاضة، كيف تُؤَدِّي طواف الوداع ؟
ج: أما الحائض فقد اختلف العُلماء في طَوَاف الوداع: (3/3)
صفحة 595
مِنْهم مَن قَال: تُؤمَر بِأن تَتَأخَّر إن أَمْكَنها ذلك وإلا فَعَليها أن تَذْبح شَاةً لِفقراء الحَرَمِ .. والمُرَادُ بِفقراء الحرَمِ في مِثْل هذه القَضَايَا هُم: مَنْ يُوجَدُونَ في الحرَمِ في ذلك الوَقْت سَوَاء كَانوا مِن أهل الحرَمِ أو كانوا مِنَ الآفَاقِيين الذين قَدِموا إلى الحرَمِ.
وذَهبَتْ طائفة مِن أهل العِلم إلى أنه لا شَيْءَ عَلَيْهَا وتَخْرُج إلا إذَا طَهُرَت قبل مُفَارَقَة بُيُوتِ مكّة فإنّها تُؤمَر بِأَن تَغتَسِل وتَرجِع وتَطُوف بِالبَيْت، أما إذا طَهُرَت بَعد ذَلك ولَوْ في الحَرَم فإنَّها لا تُؤْمَر بِالرُّجوع ولا شَيءَ علَيها.
وهذا القَوْل هُو القَول الصحيح، لِدلالة حديثِ رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-عَلَيْه.
ولَعل الذين قَالوا بِخلاف ذلك لم يَطّلِعوا على الحديثِ فيُلْتَمسُ لَهُم العُذْر ولا يُؤْخَذُ بِقَوْلِهم، إذ كلٌّ يُؤْخَذُ مِن قَوله ويُرَد إلا المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم:
حسبك أن تَتَّبع المُختار ... وإن يَقُولوا خَالف الآثار
والله أعلم.
أما بِالنّسبَة إلى المُستَحاضَة فإنَّها تُؤْمَرُ بَعد حَيْضِها أَن تَغْتسِل وبعد ذلك لا تُؤمَر بِالاغتسال على الصَحِيح-لِعَدَم ثُبوت ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مِن وَجْهٍ يَصِلُ إلى مرتبة الحُجِّية-وإنَّمَا تُؤْمَر بِغَسل مَوْضِع النجاسة وبِأن تَلْبَسَ شَيْئا يَمْنَع مِن خُرُوجِ تِلْك النَّجَاسة إلى شيءٍ مِن جسدها أو إلى الأرْض ثم تَتَوَضّأ وتَطُوفُ كما تُصلي؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: هذه المرأة التي ذهبت إلى الحج جاءها الحيض بعد الزوال في يوم عرفة ؟
ج: لا يَضُرُّها ذلك، لأنها-على حسب كلام السائل-طافت طواف الإفاضة بعدَ أن طَهُرَتْ وتَطَهَّرَتْ .. أي بعد أن انتهى حيضها واغتسلتْ مِن الحيض وما دام الأمر كذلك فلا علاقة لِلحيض بِالوقوف بِعرفة فوقوفها صحيح بِمشيئة الله؛ والله أعلم. (3/4)
صفحة 596
س: المرأة التي يُفاجِؤُها الحيض في الحج، ماذا تَفعل ؟
ج: لا تُشترَط الطهارة في الحج ولا في العُمرة إلا في الطواف، فإذا أتاها الحيض فإنها ليس لَها أن تَطوف بِالبيت بل لابد مِن أن تَنتظِر حتى تَطْهُر مِن الحيض وتَغتسِل وبعد ذلك تَطوف، فإن جاءت-مثلا-مُعتمِرة أوَّلا .. لَبَّتْ بِالعُمرة ووَصَلَتْ ومَكَثَتْ مدّة ثم لم تَتمكَّن مِن الطواف بِالبيت قبل التاسِع فإنها تُؤْمَر بِأن تُدْخِل الحج على العُمرة فتَصِير قارِنَة بيْن الحج والعُمرة بعد أن كانت مُعتمِرة فقط، وتَطوف بعد ذلك لِعُمرتِها ولِحجِّها طوافًا واحِدًا وذلك مُجْزٍ، كما وَقَعَ لِلسيدة عائشة-رضي الله تبارك وتعالى عنها-فإنها كانت مُعتمِرة .. يعني كانتْ لَبَّتْ بِالعُمرة فقط .. قيل: إنها لَبَّتْ أوَّلا بِالحج ثم بعد ذلك لَبَّتْ بِالعُمرة .. أي فَسَخَتْ الحج .. حَوَّلَت إحرامَها مِن الحج إلى عُمرة، وقيل: إنها لَبَّت مِن أول مرة بِالعُمرة، وفي ذلك كلام طويل، لا داعي لِذِكْرِه الآن .. المهم أنها عندما وَصَلَتْ إلى مكّة كانت تُلَبِّي لِلعُمرة ولكنها لم تَتمكَّن مِن الطواف فأَدْخَلَتْ الحج على عُمرتِها فصارتْ قارِنة وعندما طَهُرَت وتَطَهَّرَت بعد اليوم التاسع طَافَت لِحجِّها وعُمرتِها طوافًا واحدا .. فإذن هذا هو الحكم.
أما إذا كان ذلك بعد وذهبَ أصحابُها .. أوَّلاً يُقال: لابد مِن أن يَنتظِرها مَن هو مُرَافِقٌ لَها سواء كان زوْجا أو مَحْرَما، ولكن إذا كانت هنالك ضرورة مُلِحَّة في الرجوع فرَجَعُوا فلْتَرْجِع وليس لها أن تَطوف قبل أن تَطْهُر وتَتَطَهَّر، ثم بعد ذلك لابد مِن أن تَذهب إلى مكّة حتى تَقوم بِأداء هذا الطواف الذي هو ركن مِن أركان الحج. (3/5)
صفحة 597
أما إذا كانت قد طافت طواف الحج وبقي عليها طواف الوداع فإنها تُعْذَرُ عن طواف الوداع، بِنَصِّ السنّة الصحيحة الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، كما جاء ذلك في مسند الربيع (1) -رحمه الله-وجاء عند غيره من أئمة الحديث وذلك الحديث مُخَصِّص لِلحديث العام الدَّال على أنه يُؤمر الإنسان بِأن يَطوف طوافَ الوداع .. هذا الحديث مُخصِّصٌ له والخاصّ يَقضي على العام تَقَدَّم أو تَأَخَّر عليه؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: المرأة التي حاضتْ وأجَّلَتْ طواف الإفاضة مع طواف الوداع .. جعلتْهما واحدا ؟
__________
(1) -مسند الإمام الربيع بن حبيب، باب (11) ما تفعل الحائض في الحج:
حديث رقم 439: أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة-رضي الله عنها-قالت: قلتُ لِرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إنّ صفية بنت حيي قد حاضت " فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لعلها حابستنا ؟! ألم تكن قد طافت معكن بالبيت ؟ ) قلتُ: " بلى " قال: ( فاخرجن ).
أو حديث رقم 441: أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة أم المؤمنين-رضي الله عنها-قالت: " إنّ صفية بنت حيي زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - حاضتْ فذكرتُ ذلك لِرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ( أحابستنا هي ؟! ) فقيل أنها أفاضتْ، قال: ( فلا إذن ) ". (3/6)
صفحة 598
ج: إذا حاضت المرأة أو كانت مريضة-مثلا-وهكذا بالنسبة إلى الرجل إذا كان مريضا أو كان كبيرا في السّن ويَصعب عليه أن يَطوف مرتين-يطوف أوَّلا طواف الزيارة ثم بعد ذلك يَطوف طواف الوداع-فإنه يُمكِن له أن يُؤَخِّر طوافَ الزيارة إلى الوقت الذي يُريد أن يَخرُج فيه مِن مكّة المكرّمة فيَطوف طوافًا واحدا ويَكفيه ذلك لِلزيارة ولِلوداع، ولكن لابد مِن أن يَنْتَبِهَ الناس إلى قضية مهمّة هنا وهي أنّ بعضَ الناس يَنوون بِذلك الطواف طواف الوداع وإذا نَوَوْا بِه طوافَ الوداع مِن غيْر أن يَستحضِروا بِأنه لِلزيارة فذلك لا يُجزِيهم، فإذن إما أن يَنْوُوا بِه طوافَ الزيارة فهذا يُجزِيهم ولو لم يَسْتَحْضِرُوا الوداع، لأنّ الفريضة تَسُدُّ مَسَدَّ السّنة أو ما شابه ذلك مِن الأمور التي لم تَصِل في التأكيد إلى درجةِ تلك الفريضة، فذلك الطواف إذا نوى بِه الإنسان طوافَ الزيارة فإنه يُجزِيه عن طواف الوداع، وإما أن يَنْوُوا الطوافيْن معا وذلك يُجزِيهم، أما إذا نَوَوْا بِه طوافَ الوداع فذلك لا يُجزِيهم، وقلتُ: " يُجزِيهم " بناءً على قولِ طائفة كبيرة مِن أهل العلم وهو الظاهر لنا، وإلاّ فقد ذهب بعضُ أهل العلم إلى أنّ ذلك لا يُجزِي وعليه فلابد على قولهم مِن أن يَطوفوا طوافيْن .. لابد مِن أن يَطوفوا طوافًا لِلزيارة وآخر لِلوداع ولاسيما إذا سَعَوْا بعد طوافِ الزيارة على رأي هؤلاء فإنهم جعلوا ذلك فاصِلا، ولكنّ الذي يَظهر لي أنّ هذا ليس بِفاصِل، لأنني لم أَجِد روايةً صحيحة تَدُلُّ على أنّ السيدة عائشة-رضي الله تبارك وتعالى عنها-عندما اعتمَرت مِنَ " التّنعيم " وطافتْ طوافَ العُمرة وسَعَتْ لها أنها ذهبتْ وطافتْ بعد ذلك لِلوداع .. (3/7)
صفحة 599
لم أَجِد ما يَدلّ على ذلك، والظاهر أنها اكتفَتْ بِذلك عن طوافِ الوداع ولو كان ذلك لا يُجزي لَما أَقَرَّها الرسول-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-على ذلك، فأرى أنه لا مانع مِن الأخذ بِذلك، ولاسيما أنّ فيه تيْسِيرا على كثير مِن الناس، ونَحن نُحِبُّ التيْسِير بِشرْط ألاّ نُخالِفَ آيةً مِن كتابِ الله ولا سنّةً عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ، أما إذا وَجَدْنا دليلاً صرِيحا لا يَحتمِل احتمالاً صالِحًا لِصَرْفِه عن ذلك المعنى الصريح بل لا يُمكِن أن يُصْرَف الصرِيح عن دلالته وإنما يُصْرَف الظاهِر إذا دَلّ الدليل على صرفِه عن ذلك الظاهِر إلى معنى آخر، فإذا لم نَجِد دليلاً يَصْرِفُ ذلك الدليلَ عن ظاهِره أو كان ذلك الدليلُ صرِيحا فلا يُمكِن أن نَقول إنّ الإنسان له أن يَأخذ بِالقول الفلاني مع أنّ ذلك القولَ مُصَاِدمٌ لِذلك الحديثِ الصريح .. نَعْذُرُ مَن قال بِذلك، لأنه لم يَتعَمّد أن يُخالِف الحديثَ الصريح ولكن لَعلّه لم يَطَّلِع عليه أو ظَنَّ أنّ هنالِك صارِفا يَصْرِفُه عن دلالته وليس الأمر كذلك أو ظَنّ أنه لم يَثبتْ وهو ثابِت في حقيقة الأمر أو ما شابه ذلك.
فكثير مِن الناس يَتَغَنَّوْنَ بِهذه العبارة: " الدِّين يُسْر " وهي حقٌّ لا شَك فيه ولكن هل يُمكن أن نُفَرِّطَ في السنن الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أو ما شابه ذلك بِهذه الدعوى ؟! إذا قيل بذلك ربما يُفَرِّطُ الإنسان بعد ذلك في الواجبات إلى غير ذلك، فهذا مِمّا لم يَقل بِه عالِم .. إنما قال العلماء: " الدِّين يُسْر " .. والدِّين كله يُسْر عَلِمَ ذلك مَن عَلِمَه وجَهِلَه مَن جَهِلَه بِسبب جَهْلِه لا بِسبب أنّ الأمر بِخلاف ذلك، فإذن هذه نقطةٌ لابد مِن أن يُنْتَبَه لها. (3/8)
صفحة 600
كثير مِن الناس يَطلبون مِنّا بِأن نُرَخِّص في الرمي في اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر قبل الزوال بِدعوى أنّ بعضَ أهل العلم قد قال بِذلك، ونَحن لا نُنْكِرُ أنّ بعضَ العلماء قال بِأنّ مَن رمى في ذلك الوقت أنّ ذلك يُجزِيه ولكنهم متّفِقون-في حقيقة الأمر-مع غيرهم بِأنّ السنّة الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - هي الرمي بعد الزوال، فهذا الذي ثَبَتَ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقد روى البخاري وأبو داود والبيهقي مِن طريق ابن عمر-رضي الله تبارك وتعالى عنهما-أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - رَمَى بعد أن زالت الشمس، وقد جاء هذا الحديثُ-أيضا-مِن طريق جابر بن عبد الله رضي الله تبارك وتعالى عنهما، رواه الإمام مسلم، ورواه الإمام البخاري في صحيحه تعليقًا، ورواه النسائي في " الصغرى " و " الكبرى "، ورواه أبو داوود والترمذي والدارمي وابن ماجة، ورواه-أيضا-ابن خزيمة وابن الجارود وابن حبان وابن أبي شيبة، ورواه أبو عوانة وأبو نُعَيْم في " المستخرَج على صحيح مسلم "، ورواه الطُّوسي في " مختصَر الأحكام "، ورواه البيهقي في " السنن الكبرى " وفي " الصغرى " وفي " المعرِفة " وفي " دلائل النبوة "، ورواه الحاكم في " المستدرَك "، ورواه ابن حزم في " حَجّة الوداع "، وروته طائفة كبيرة مِن أهل العلم، ولهما شاهدان مِن طريق السيدة عائشة ومِن طريق ابن عباس وقد قَوَّاهُمَا بعضُ أهل العلم ومهما كان فإنهما صالِحان لِلاستشهاد وإذا قيل بِعكس ذلك فإننا قد أغنانا الله-تبارك وتعالى-عنهما بِالصحيح الثابت المتّفَق على ثبوته، فهل بعد ذلك يُمكِن أن نُرَخِّصَ في الرمي قبل ذلك مع وجود هذه النصوص الصحيحة الثابتة ؟! ثم إنه لا يُمكِن أن يُقال: " إنّ في ذلك تعسِيرا "، ذلك لأننا-بِحمد الله-لم نُلْزِم الناس بِأن يَرموا في ذلك الوقت بل قلنا إنّ الوقت يَمتدّ مِن منتصَف النهار .. (3/9)
صفحة 601
أي بعد زوال الشمس مباشَرة إلى غروب الشمس وهذا لِلمستطيع، أما مَن لم يَستطِع ووَجَدَ حَرَجاً أو مشقّة فإنه يُمكِن أن يَرْمِيَ في الليل بل يُمكِن أن يَرمِيَ في اليوم الثاني-أي في اليوم الثاني عشر-عن اليوم الحادي عشر والثاني عشر، أو في اليوم الثالث عشر، فأيْن هذا العُسْر الذي يَزْعُمُهُ مَن يَزْعُمُهُ مِن الناس ؟! فالحديث قد ثَبَتَ عن النبي-صلى الله تبارك وتعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلم-مِن طريق عاصِم بن عدي عند الإمام مالك والشافعي وأحمد والنسائي وأبي داوود والترمذي والدارمي وابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان وابن الجارود وأبي يعلى والحُمَيْدِي وأحمد وغيرهم مِن أئمة الحديث، وقد رواه الإمام الربيع-رحمه الله تبارك وتعالى-مِن طريق أبي عبيدة بَلاغاً عن النبي (1) - صلى الله عليه وسلم - أنه رَخَّصَ لِلرعاة بِأن يَرموا اليوم العاشِر والغداة ثم يَرموا يوما عن يومين ..
__________
(1) -مسند الإمام الربيع بن حبيب، باب (7) في عَرفة والمزدلفة ومِنى، حديث رقم 426: أبو عبيدة قال: رَخّص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لِرعاة الإبل في البيتوتة، ويَرمون يوم النحر، ثم يَرمون بِالغداة، ومِن بعد الغَد يَرمون يومين ثم يَرمون يوم النفْر. (3/10)
صفحة 602
أي يَجمَعوا رمي اليومين في يوم واحد، وهذا فيه دلالة واضحة وحُجّة نَيِّرَة بِأنّ ذلك يكون أداءً لا قضاءً، إذ لا يُمكِن لِلنبي - صلى الله عليه وسلم - أن يَأمُر بِعبادة تُؤَدَّى بعد وقتها مِن غير ضرورة مُلِحَّة مع أنه قد أَمَرَ بِذلك، فهذا دليل على أنه أداء، ثم إنه لو كان قضاءً-أيضا-فهذا الحديث يَدلّ على أنّ العبادة يُمكِن أن تُقضى بعد وقتها، وذلك يَدلّ عليه أيضا: ( فدَيْنُ الله أَحَقُّ بِالقضاء ) وما شابه ذلك مِن الأدلة، أما تقديم العبادة عن وقتها مِن غير دليل فهذا مِمّا لا يُمكِن أن يَقول بِه أحدٌ بعد ثبوت هذه السنّة الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ونحن نَلتمِس العذر لأولئك العلماء الذين قالوا بِخلاف ذلك أما أن نأخذ بِقولهم فهذا مِمّا لا يَنبغي، ثم ليس هنالِك عُسْر بِحمد الله بل فيه يُسْر كبير جدا جدا .. كثير مِن أهل العلم قالوا: " إنّ الإنسان ليس له أن يَرمي بعد غروب الشمس " ونحن نقول: إنّ الدليل قد دلَّ على أنّ مَن لم يَستطِع له أن يُؤَخِّر ذلك حتى إلى اليوم الثالث عشر .. أن يُؤَخِّرَ رَمْيَ اليوم الحادي عشر حتى إلى الثالث عشر، فهذه مسألةٌ يَنبغي أن يُنْتَبَه إليها وأن نَأخذ بِما ثَبَتَ في سنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
ويُعجِبُني ما قاله العلاّمة المحقِّق سعيد بن خلفان رحمه الله: " ومِن العَجب أن أَنُصَّ لك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنتَ تُعارِضني بِعلماء بيْضة الإسلام مِن غيْر دليل ولا واضِح سبيل .. أليس هذا في العيان نوعا مِن الهذيان ؟! ". (3/11)
صفحة 603
وقطب الأئمة-رحمه الله تبارك وتعالى-قد شدَّدَ أيّما تشديد فيمَن خالَف السنّة الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقد قال كلاما ما معناه إن لم يَكن هذا هو اللفظ الذي ذَكَرَه القطب رحمه الله تبارك وتعالى .. قال: " اعلم أنه لا يَجوز لك الإسرار بها ولا تقليد كلام ' الديوان ' في ذلك بعد قيام الحجة عليك بِما تقدم وبِما يأتي إن شاء الله تبارك وتعالى، وإن كان لِلديوان حديث في ذلك لم نَطَّلِع عليه لَوَجَبَ علينا العمل بِما اطَّلَعْنا عليه مِن الأحاديث، فكيف ولا حديث لِلديوان في ذلك وإنما هو مُجرّد استحسان، فمَن أكب عليه بعد اطِّلاعه على الأحاديث والحجج خِفْتُ عليه ألاّ يَنجو ولا تَناله الشهادة لأنّ في ذلك إصرارا وعنادا " أو ما هذا معناه (1) , فالقطب-رحمه الله تبارك وتعالى-قد شدَّدَ فيمَن قلَّد كلام صاحب " الديوان " في هذه القضية وقال إنه حتى لو كان هنالِك حديث استدل به صاحب " الديوان " بِما أننا لم نطَّلِع عليه فإنّ الواجب علينا أن نَأخذ بِالسنّة الصحيحة، وأنه لا يَجوز لأحد أن يُعانِد ويُخالِف السنن بعدما ثَبَتَتْ.
والشيخ السالمي-رحمه الله تبارك وتعالى-قد شدَّدَ في مثل هذه القضايا أيّما تشديد، فيقول رحمه الله تبارك وتعالى:
__________
(1) -قطب الأئمة الشيخ محمد بن يوسف أطفيش، كتاب " القنوان الدانية في مسألة الديوان العانية "، ص14: " اعلم أنه لا يَجوز لك الإسرار بها ولا تقليد كلام ' الديوان ' في هذا مع قيام الحجة عليك بِما ذكرتُ لك وبِما يأتي إن شاء الله، ولو كان لِلديوان في ذلك حديث لم نَطَّلِع عليه لَوَجَبَ علينا العمل بِما اطَّلَعْنا عليه مِن الأحاديث، فكيف لا حديث لِلديوان لذلك وإنما هو مُجرّد استحسان لا دليل عليه، فمَن أكب عليه وترك الأحاديث والحجج بعدما وصلته خِفْتُ عليه أن لا يَنجو ولا تَناله الشهادة لأنّ ذلك منه إصرار وعناد ". (3/12)
صفحة 604
المصطفى يَعتبِر الأوصاف ... ونحن نَحكي بعدَه خِلافا
لا نَقبَل الخلافَ فيما وَرَدَ ... فيه عن المختار نصّ أُسْنِدَ
وعندما وَجَدَ رحمه الله-تبارك وتعالى-كثيرا مِن الناس يَجعلون الإمام هو الذي يُقيم الصلاة إذا كان المؤذِّن غيْر ثِقة شَدَّد في ذلك رحمه الله-تبارك تعالى-أيّما تشديد فقال: " ومثله " .. أي مثل الآذان ..
ومثله قد قِيل في الإقامة ... لأنها تابِعةٌ أحكامَه
فقيل سنّة وقيل فرض ... وثِقَةً يَشرُط فيها البَعْضُ
فإن يَكن ليس بِهذا الوصف ... أسرَّها الإمام فيما يُخْفِي
ولا دليل عندنا لِهذا ... إني أرى قائله قد هَذى
يَظُنُّ أنّ الاحتياط فيه ... وهو فساد حيث لا يَدْرِيه
فكان منه سبَب انصراف ... من بعده عن سنّة الأسلاف
فجعلوا إمامهم مقيما ... إذ كان فيه ثقة سليما
وَقَبِلُوا الأذان مِمّن حَضَرَ ... فبدَّلُوا سُنَّة سَيِّد الورى
إذ كان في سُنَّتِهِ مَن أَذَّن ... فهو يُقيم وعليه صَحْبُنَا
حتى أتى مَن جَهلوا المسنون ... وهم لِلاحتياط يَدَّعُون
فبَدَّلُوا ولَيْتَهُم ما بَدَّلوا ... ورَسَخَتْ بِقلب مَن لا يَعقِل
حتى ادَّعَاها سنّة واحتال ... على ثبوتِها بِما قد قال
وهو لَعَمْرِي جَدَلٌ مُحَرَّم ... لأنه يَقول ما لا يَعلم
وأنه ساعٍ لِهَدم السنّة ... بِجهله كفى بِهذا مِحْنَة
إلى آخر كلامه رحمه الله تبارك وتعالى (1) .
__________
(1) -الإمام نور الدين السالمي، جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام، كتاب: الصلاة، باب: الأذان والإقامة، وهذا بقية كلامه رحمه الله تبارك وتعالى:
لو كان سنّة كما قد زعم ... لم تَفُتَن أسلافَنا والعلماء
كيف تكون سنّة مخالِفة ... لِما عليه العلماء السالفة
وفِعله صَلَّى عليه ربُّه ... مشتهِر مضى عليه صحبُه
والخلفاءُ الراشدون أجمع ... إلى انتهائهم عليه أجمعوا (3/13)
صفحة 605
والإمام الخليلي-رحمه الله تبارك وتعالى-عندما وَجَدَ بعضَ العلماء قالوا بِخلاف حديثٍ ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " وقولٌ بِخلاف الحديث يُضْرَبُ بِه عُرْض الحائط " مع أنه قد قال بِذلك القول بعضُ مشائخه رضوان الله-تبارك وتعالى-عليهم.
وهكذا نَجِد فُحُولَ الرِّجال إذا وَجَدوا سنّة ثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أَخذوا بِتلك السنّة الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولو خالَفها مَن خالَفها مِن أهل العلم، ولِذلك الشيخ السالمي-رحمه الله-يقول:
فقولهم عند وجود الأثر ... لا حظَّ فيه أبدا لِلنظر
معناه ما أتى عن المختار ... يَنفي خِلافَه مِن الأنظار
وعلى كل حال:
حسبك أن تتّبِع المختار ... وإن يَقولوا خالَف الآثار
و:
ولا تُنَاظِر بِكتاب الله ... ولا كلامِ المصطفى الأوّاه
معناه لا تَجعل له نظيرا ... ولو يَكون عالِما خبيرا
فهذا الذي يَنبغي للإنسان.
ومِن العَجب أنّ كثيرا مِن الناس يَتَحَجَّجُونَ بِأنه قد قال بِهذا القول محمد بن علي .. أي تقديم الرمي عن وقته، وأوَّلا قد أَخْطَؤُوا .. محمد بن علي ليس هذا هو المشهور، وإنما هذا هو رجل مالكي كما ذَكَرَ ذلك ابن عبد البر وكما ذكر ذلك ابن رشد أيضا، ونحن-أيضا-وإن كنّا نقول: " إنّ هذا الرجل له العذر فيما قال به " ولكن مهما كان لا يُمكِن أن نُقَلِّدَ أحدًا بعد ثبوت السنّة الصحيحة الثابتة ثبوتا أوضح مِن شمس الظهيرة، وهذه المسألة سَنَزِيدُها بَسْطاً-بِمشيئة الله-في الدروس القادمة (1) ، فأسأل الله-تبارك وتعالى-أن يُوفّقَنا لِلعمل بِالسنّة؛ والله أعلم.
__________
(1) -وكان ذلك-بحمد الله تعالى-عند الجواب على السؤال 2 من حلقة 24 ذو القعدة 1424هـ ( 18/1/2004م )، وكان ذلك أيضا-بحمد الله تعالى-عند الجواب على السؤال 8 من حلقة 6 ذو القعدة 1425هـ ( 19/12/2004م ). (3/14)
صفحة 606
س: اضطرابُ الدورةِ عندَ النساءِ بِسببِ استخدامِ أقراصِ منعِها في حالِ ذهابِهنّ إلى الحج أو إلى العمرَة أو إلى أيّ شيءٍ آخَر يَحتجْن فيه إلى ذلك الأمْر، فهل يَصِحّ مثلُ هذا الإجراء ؟ وإذا ما اضطَرَبَتْ الدورةُ عندَ المرأةِ بِهذهِ الطرِيقة، كيف تَصنَع ؟
ج: إنّ استعمالَ الحبوب وما يَجرِي مجراها مِمّا يَمنَع مِن خروجِ دَمِ الحيضِ المعروف أو مِن إِيقافِه بعدَ خروجِه .. هذه المسألَة اختلَف فيها العلماء قديما:
1-منهم مَن ذهبَ إلى أنّ ذلك مَمنوع لا يَصِح سواء كان ذلك قبلَ خروجِ الدم أو كان ذلك بعدَ خروجِه.
2-ومنهم مَن ذهبَ إلى جوازِ ذلك مطلَقا .. أي سواء قبلَ خروجِ الدم أو بعدَ خروجِه، فإذا تَوقَّفَ الدم فإنّ تلكَ المرأة يَصِحّ لَها أن تَأتِي بِما تَأتِي بِه المرأة الطاهِرَة مِن صلاةٍ وصيامٍ واعتكافٍ وقراءةٍ لِلقرآنِ الكريم ولَمسٍ لِلمصحف-إذا كانتْ متوضِّئَة-وطوافٍ إلى غيْرِ ذلك، وهكذا فيما يَتعلَّق بِمسألةِ الوطْء.
3-ومنهم مَن تَوسَّطَ بيْن القوليْن فقال: إنّ ذلك جائز قبلَ خروجِ الدم أما بعدَ خروجِ الدم فإنه ليْس لِلمرأةِ أن تَستعمِل شيئا مِن هذه الموانع. (3/15)
صفحة 607
وليْس هنالك دَلِيل صرِيح في سنّةِ رسولِ الله-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-على واحدٍ مِن هذه الأقوالِ الثلاثة المذكورة، ولكن القول بِجوازِ ذلك مطلَقا وأنه إذا تَوقَّفَ ذلك الدم إذا استعملتْه بعدَ خروجِ الدم فإنه يَجِب عليها الغسل ويَجِب عليها ما يَجِب على المرأةِ الطاهِرَة ويَجوز لَها ما يَجوز لِلمرأةِ الطاهِرَة هو القول الصحيح، وذلك لأنّ هذا الأمر-أعني أمْرَ العبادات-معلَّقٌ بِوجودِ الحيْض فإذا تَوقَّفَ الحيْض ووُجِدَ الطُّهْر فإنّ هذه العبادات تَجِب على المرأةِ-أعني ما يَجِب منها-ويَجوز لَها فِعْل ما يَجوز لَها مِن الأمورِ الجائزة لِلمرأةِ الطاهِرَة، فإذن ذلك يَتوقَّفُ على وجودِ الحيضِ والطهارةِ، فما يُمنَع إذا وُجِدَ الحيض فهو مَمنوعٌ في حالةِ الحيض، وما يُباحُ أو يَجِبُ في حالةِ وجودِ الطهارة فإنه يُباحُ أو يَجِبُ على مختلف الأحوال .. أي على حسب اختلافِ تلك العبادات، فإذا وَجَدَت المرأةُ الطهارةَ ولَو خَرَجَ الدم فإنه يَجِب عليها الغسل ويَجِب عليها ما يَجِب عليها مِن العبادات-كما قلتُ-ويَجوز لَها ما يَجوز مِن العبادات .. (3/16)
صفحة 608
هذا الذي أَرَاه في هذه المسألة، ولكن القضية ليستْ في هذا الأمْر وإنما القضية في أنّ هذه الحبوب وهكذا بِالنسبةِ إلى الإبَر وما يَجرِي مجراها فيه قضية شائِكة أخرى يَجِب التنبّه لَها، وهو أنّ كثيرا مِن النساءِ اللاتِي يَستعمِلْن هذه الحبوب أو هذه الإبَر كُنَّ مِن قبل ضابِطات لِمسألةِ أيامِ حيضِهِن ولكن بِمجرّدِ استخدامِ هذه الموانِع فإنّ العادة تَختلِف وتَضطرِب اضطرابا كثِيرا جِدا، فقدْ تَكون عادَةُ المرأةِ منحصِرَة في سِتّةِ أيام وقد تَكون في سبعةِ أيام أو ثَمانية وهكذا على حسبِ اختلافِ النساء ولكن بِمجرّدِ استخدامِها لِهذه الحبوب أو لِهذه الإبَر فإنّ هذه العادَة تضطَرِب، فتارةً تستمِر خمسة عشر يوما وتارةً تستمِر شهرا وتارةً تستمِر أكثر مِن ذلك، فلا تَدرِي هل هذا الدم هو دم حيض أو هو استحاضة ومتى يَكون حيضا ومتى يَكون استحاضة، ويَترتَّب على ذلك إشكالات في عباداتٍ متعدِّدَة لا تَدرِي هذه المرأة تَأتِي بِتلك العبادات أو لا تَأتِي بِها، فالصلاةُ واجِبَة على المرأة في حالةِ الطهارة وهي مُحرَّمَة في حالةِ الحيض، والصيام وأعني بِالصيام صيام شهر رمضان، وهكذا بِالنسبةِ إلى الصيام الواجِب إذا كان صيام كفارة وكانت محدّدة في ذلك الوقت، وهكذا بِالنسبةِ إلى صيامِ النذر، فيَكون واجِبا في حالةِ الطهارة وتكون مَمنوعة مِن ذلك في حالةِ الحيض، وهكذا بِالنسبةِ إلى الطوافِ فإنّ الحائِض لا يَجوز لَها أن تَطوف بِالبيْت، وليس لَها عندَ أكثرِ أهلِ العلم أن تَدخُل المسجد، وهكذا بِالنسبةِ إلى قراءةِ القرآن، وهكذا بِالنسبةِ إلى معاشرةِ الزوجِ لَها، فهذه المسألة يُمكِن أن يُقالَ بِالتشدِيد فيها مِن هذه الناحية، وأنا قد جاءَتْنِي أسئلة كثِيرَة جِدا في حَجِّ هذه السنة وفي غيْرِها وفي غيْرِ هذا الموسِم المبارَك، وحتى هذه الأيام كثِيرٌ مِن النساء اللاتِي استَعْمَلْن هذه الحبوب في أيامِ الحج لا زالتْ العادَة (3/17)
صفحة 609
لَم تَستقِر كما كانتْ عليه في السابِق، وهذه مسألَة مشكِلَة يَنبغِي التنبّه لَها، فأنا لا أَنصَح بِاستخدامِ هذه الحبوب ولا بِاستخدامِ هذه الإبَر ولا بِاستخدامِ شيءٍ مِن هذه الأشياء التي تَمنَع مِن خروجِ الحيض لا لِلسببِ الذي وَرَدَ في السؤال وإنما لِهذا السببِ الذي ذَكَرْتُه، ومِن المعلوم أنّ عادةَ أغلبِ النساء تَكون سِتّة أيام أو سبعة وقد تَصِل إلى العشرَة وقد تَتَجاوَز ذلك بِقلِيل على الصحيح الراجِح، فبِإمكانِ هذه المرأة التي تُرِيد أن تَذهَبَ إلى الحج .. بِإمكانها أن تَتَأخَّر في مكة المكرّمة حتى يَنتهِي وقت الحيض وتَغتسِل وتَأتِي بعدَ ذلك بِالطوافِ الواجِب إذا كان ذلك الطوافُ ركنا مِن أركان الحج أو مِن أركان العمرة، وأما بِالنسبةِ إلى طوافِ القدوم فإنّها معذورَة مِن ذلك، وهكذا بِالنسبةِ إلى طوافِ الوداع فإنّها معذورَة مِن ذلك على الصحيحِ كما دَلّتْ على ذلك السنّة الصحيحة الثابِتة، وإذا قدر بِأنها أحرَمَتْ مثلا بِالعمرَة ثم لم تَتَمَكَّن مِن الإتيانِ بِها قبلَ يومِ عرفة فإنها تردِف عليها الحج فتَكون قارِنَة بعدَ أن كانتْ متَمَتِّعَة، كما وَقَعَ ذلك لِلسيدة عائشة رضي الله-تبارك وتعالى-عنها، على أنها لو اضْطَرّتْ فبِإمكانِها أن تَرجِع إلى بلادِها ثم بعدَ ذلك تَذهَب إلى تَأدِيَةِ الطواف والسعي الذي بَعدَه، أما أن تَستخدِمَ هذه الحبوب مِن أجْلِ أن تَأتِي بِالطواف وهي في حالةِ طهارة ثم بعدَ ذلك يَقَع المحظُور فلا تَستطِيع أن تَأتِي بِالطوافِ ولا تَدرِي هل تُصلِّي أو لا تُصلِّي وهكذا بِالنسبةِ إلى بقيةِ العبادات التي لَها عَلاقة بِهذا الأمْر فإنّنِي لا أَنصَح بِذلك بل أقول: " إنه لا ينبغِي ذلك ". (3/18)
صفحة 610
وأما بِالنسبةِ إلى مَن وَقَعَ لَه ذلك في الماضِي فإننا نَقول: إنّ كلَّ امرأةٍ يَنبغِي لَها أن تَسألَ عن الحالةِ التي وَقَعَتْ فيها، وأن تَصِفَ لأهلِ العلم نوعَ الدمِ وشَكْلَه وكم استَمَر وما شابه ذلك مِن الأمور التي ستوجّه إليها الأسئلة فيها حتى يُمكِن أن نَحكُم أو يَحكُم غيْرُنا مِن أهلِ العلم على هذه الحالة هل هي حيْض أو استحاضة؛ والله-تبارك وتعالى-ولي التوفيق.
ما بعد الحج
س: إذا ذَهَبَ الرّجُل إلى الحج ثم فَعَلَ المعَاصِي عند عودته إلى بَلده، هل يَنْتَقِض حَجّه بِمثل هذا الفِعل ؟ (3/19)
صفحة 611
ج: حجُّه صحيح إن كان لم يَأْتِ بِما يُنَافي ذَلك في وَقْتِ حَجِّه، وأما فِعْلُه لِلمَعَاصِي بعد ذلك فَعَلَيْه أن يَتوب إلى الله-تبارك وتعالى-مِن ذلك .. على الإنسان ألاّ يَفْعَلَ شَيئا مِن مَعاصي الله-تبارك وتعالى-وإذَا أغْوَاه الشيطان-والعياذ بالله تبارك وتعالى-وفَعَل شَيْئًا مِنْ مَعَاصِي الله-تبارك وتعالى-فإنه يُؤمَرُ بِالتوبة إلى الله-تبارك وتعالى-تَوْبَةً نَصُوحًا، وإذا تاب وأناب إلى الله-تبارك وتعالى-فإنّ الله-تبارك وتعالى-قد بَيَّن-كَمَا قَد ثَبت في الحديث-بِأنّ مَن أتى شَيْئا مِن المعاصي ثم تَاب إلى الله - سبحانه وتعالى - وَرَجَعَ إلَيْه أنَّهُ يُجَدَّد له ذلك العمل-ذكرتُ معنى الحديث لا النص-فهذا الرَّجُل فِعْلُه لِتَلْك المعاصي لا يُؤَثّر على حَجِّه السابق ولكن مع ذلك يُؤْمَر بِالتوبة-كما قلتُ-وعَلَيْه أن يَتَخَلَّصَ مِن كُل مَا وَقَعَ فِيه إن كانت هنالك شيء مِن حُقوق العِباد .. إذا اغتَصَبَ-مثلاً-امرأةً-والعياذ الله تبارك تعالى-وزنى بِها أو زَنى بِصَبِية أو أتى امرَأَة وَهِي نَائِمَة أو عبدة أو مَجْنُونَة أو مَا شابه ذَلِك، وهَكَذَا إذَا كان قَدْ أَخَذ شَيْئًا مِن أمْوَالِ الناس مِن غَيْرِ رِضَاهُم عَلَيْهِ أن يَتَخَلّصَ .. والحاصِل أَنَّه لابُد مِن أن يَتَخَلّصَ مِن حُقوق العِباد، وكذلك إذا كان قَدْ فَرَّط في شَيْءٍ مِن صلاة أو صِيَام أو ما شابه ذلك-وأَعْنِي بِالصلاة والصيام الصلاةَ الواجبة والصيامَ الواجب-فلابد مِنَ التَّوْبَة إلى الله ومِن قَضَاءِ ذَلك، وإذا كان قَدْ وَطِئ زَوْجَتَهُ أو زَنَى في نَهَارِ رمضان-والعياذ بالله تبارك وتعالى-فلابُد مِن الكفارة .. والحاصل أنَّ مَا فَعَلَهُ مِن المعَاصِي لا يُؤَثِّر على حَجِّه السَابق ولكنه يُؤمَر بِالتوْبة إلى الله والتَخَلّص مِن كُل ما وَقَعَ فِيه إذا كَانَ هُنَالِكَ شيءٌ يَجِبُ التخَلّصُ مِنْهُ؛ والله أعلم. (3/20)
صفحة 612
س: لديه قناعة أنّ فريضة الحج تَطْبَع على صاحبها ألوانا مِن المُثُل والأخلاق والقِيَم والاستقامة لكن البعض عندما يَعود مِن هناك يَتغافَل أو يَنسى مع مرور الأيام فيَرتكِب شيئا مِن المعاصي .. يَطلب نصيحة بسيطة.
ج: نَأمُر كلّ إنسان بِأن يَتَّقي الله-تبارك وتعالى-وأن يُحاسِب نفسَه قبل أن يُحاسِبها الله سواءً كان قد أدّى فريضة الحج مِن قبل أو لم يَقُم بِتأدِيتها ولكن إذا كان لم يَأْتِ بِها مِن قبل فَنَنْصَحُه بِأن يُبادِر إلى ذلك وألاّ يُسَوِّفَ مَخافَة أن يُفَاجِئه الموت مِن قبلِ أن يَأتِيَ بِهذه الفريضة، و-كذلك-ليس لِلإنسان أن يَأْتِيَ بِشَيْءٍ مِن معاصي الله-تبارك وتعالى-بِدعوى أنه سيَتوب بعد مدّة مِن الزمن .. أوّلا معاصي الله-تبارك وتعالى-ليس لِلإنسان أن يَفْعَلَها سواءً أراد أن يَتوب أو لم يُرِد وإنْ كان إذا أراد التوبة هو أسهل مِن غيره ولكن المعصية معصية وإنما الكلام في قضية الإصرار وعَدمه، وإلا فالمعصية معصية ليس لِلإنسان أن يَقْرَبَها أبدًا وليس له أن يَحوم حول حِماها .. كذلك الإنسان لا يَملِك مِن أمرِه شيئا .. قد يَأْتِيه المَوت الآن وهو لم يَتُب إلى الله-تبارك وتعالى-وتَكون العاقبة وَخِيمَة والعياذ بالله، فعلى هَؤُلاء أن يَتَّقُوا الله-تبارك وتعالى-وأن يَتُوبُوا إليه - سبحانه وتعالى - قبل فَوَات الأوان. (3/21)
صفحة 613
أما بِالنسبة إلى سُؤَاله: هل يَكون حَجُّهم فاسدًا ويَجِب عليْهم أن يَأتوا بِحَجَّة أخرى ؟ فالجواب: لا إلا إذا خَرَجوا عن الإسلام، فإذا خَرَجُوا عن الإسلام يَجب عليهم أن يَحُجُّوا حَجًّا جديدًا على قول طائفة كبيرة مِن أهل العلم، لأنّ ذلك الإسلام لابد له مِن الحج لأنّ الحج رُكْنٌ مِن أركان الإسلام وهذا إسلامٌ جديد فهو وإن كانت تَرجِعُ إليه تلك الأعمال الصالحة ولكن الحج شرْطٌ مِن شروط الإسلام وهو لم يَأْتِ بِالحج في إسلامه هذا، والمسألةُ فيها خِلافٌ طويل بِإمكانِه أن يَرجِع في ذلك إلى " شرح الجامع الصحيح " (1) أو إلى غيره مِن كتب أهل العلم، فإنّ الوقت الآن لا يَكفي لِبيان ذلك.
وأما حديثُ: ( مَن حَجَّ فلم يَرْفث ولم يَفْسق رَجَعَ كيوم ولدَتْه أمّه ) أي رجع مِن حَجّتِه تلك إذا كانت تلك الحجَّة صحيحةً ثابتة .. أي على وِفْقِ ما شرَعَهَا الله-تبارك وتعالى-فذلك الحديثُ صحيح ثَابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( مَن حجَّ فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ رَجَعَ مِن ذنوبه كيوْم ولدَتْه أمّهُ ) وأيضا: ( العُمرة إلى العُمرة كفّارةٌ لِمَا بيْنهما والحج المَبْرُور ليس له جَزاءٌ إلا الجنَّة )، إلى غير ذلك مِن الأحاديث الصحيحة الدالّة على هذا الأمر، ولكن ليس في ذلك أنّ مَن حَجّ وعَمل شيْئا بعد ذلك مِن معاصي الله أنه يَجب عليه أن يُعيد الحج؛ والله-تعالى-أعلم.
س: ما معنى حديث: ( الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ) ؟
__________
(1) -شرح " الجامع الصحيح، مسند الإمام الربيع بن حبيب " للإمام نور الدين السالمي، ج1، ص103. (3/22)
صفحة 614
ج: على كل حال؛ لأهل العلم في ذلك خلاف طويل .. أي اختلف العلماء في معناه، ونَرجوا أنّ مَن كانت حَجّته خالصة لله-تبارك وتعالى-لم يَشُبْهَا شَوْبُ رِيَاء أو سُمْعَة وأتَى بها على وِفْقِ ما شَرعه الله-تبارك وتعالى-أن تكون هذه الحجَّة مِن الحجِّ المَبرور الذي يَصْدُق على صَاحبه ما جاء في الحديث الصحيح الثابت ولكن لابد-كما قلتُ-أن تَكون خَالصَةً لله-تبارك وتعالى-وأن يَكون الإنسان تَائِبا راجعاً إليه - سبحانه وتعالى - ؛ والله أعلم.
فتاوى العمرة
س: المسافر للعمرة عَن طريق الطائرة، مِن أين يُحْرِم ؟ (1)
ج: على كل حال؛ الإنسان ينبغي لَه أَنْ يتعَلَّمَ أمور دينه فإذا أراد أن يذهب إلى أداء الحج أو إلى أداء العمرة-مثلا-فلابُدَّ مِن أن يتَعَلم المسائل المهمة التي تتعلق بالحج أو بالعمرة أو بِهما معا حتى يأتي بتلك العبادة التي وَجَبَت عليه أو التي تُسَنُّ في حقه .. يأتي بِها على الوجه الصحيح الثابت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
مِن المعلوم أنَّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-وَقَّتَ مواقيت للحج والعمرة، ولا يَجوز لِمَن أراد أن يذهب إلى مكة المكرمة لأداء الحج أو العمرة أو لأدائهما معا أن يتجاوز تلك المواضع إلا وهو مُحْرِم، أمَّا إذا كان لا يريد حجا ولا عمرة فلا يَجب عليه الإحرام على القول الصحيح الراجح، وإن كان الإنسان لا ينبغي لَه أن يذهب إلى تلك البقاع إلا ويأتي بعمرة لكن إذا كانت هنالك ظروف أو يَجد مشقة أو ما شابه ذلك فإنّ الأمر فيه سعَة بِحمد الله تبارك وتعالى، فإذا كان يريد الحج أو العمرة ليس له أن يتجاوز المواقيت إلا وهو مُحْرِم .. هذا ثابت بنصّ السنّة الصحيحة الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثبوتا أوضح مِن شَمْسِ الظهيرة:
فإذا كان يَسْلُكُ البَر فالأمر واضح إذا مَرَّ على تلك المواقيت:
__________
(1) - ينظر: الملحق رقم 5. (3/23)
صفحة 615
إذا مَرَّ على ذي الحليفة-مثلا-إذا جاء مِن طريق " المدينة " .. وينبغي أن نسمي هذا الموضع بـ " ذي الحُلَيْفَة " كما سَمَّاه النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يُسَمَّى بذلك-أيضا-حتى قبل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد شاع عند الناس أنَّه يسمى الآن بأبيار علي ويروي بعض الناس أنَّ عليا قد قاتل الجن بذلك الموضع فلذلك سُمِّي بذلك، وهذا كلام موضوع مُخْتَرَع مَصنوع لا يثبت أبدا، فلا ينبغي لَنَا أن نُسَمِّي ذلك الموضع بِهذه الرواية الموضوعة المخترعة المصنوعة بل ينبغي لَنَا أن نُحَارب مثل هذه التسميات، لأنَّها مكذوبة .. نعم إذا اضطُر الإنسان اضطرارا إلى ذِكْرِ ذلك كأن يسأله سائل: " مِن أين أُحْرِم ؟ " فإذا قال له: " مِن ' ذي الحليفة ' " لا يعرف ذلك لكن إذا قال له: " مِن ' أبيار علي ' " عَرَفَ ذلك فللضرورة أحكامها الخاصة وينبغي له أن يُعلِّمه بِالتسمية الصحيحة، فإذا كان مِن أهل " المدينة " أو مَرَّ بالمدينة-أي إذا جاء مِن جهة أخرى ومَرَّ بالمدينة-فإنه يُحْرِم مِنْ " ذي الحليفة "، وليس له أن يتجاوز ذلك المكان إلا وهو مُحْرِم إذا كَانَ يريد الحج أو العمرة أو كان يريد أن يأتي بالحج والعمرة معا.
وإذا كان مِن أهل " الشام " وتلك الجهات التي يأتي أهلها-أيضا-مِن جهة " الشام " فإنَّهم يُحرمون مِن " الجُحْفَة " وهي الميقات الأصلي لكن كان لِمدّة طويلة مِن الزمن .. كان الناس يُحْرِمُون مِن " رَابغ " لأنَّ " الجحفة " كانت خَرَابا ولكنها عُمِّرَت الآن على حَسْب ما رأيتُ في بعضِ الكتابات وفي ذلك الموضع مسجد فينبغي الرجوع إلى الأصل، لأنَّه هو الثابت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم .. نعم إذا جاء أهل " الشام " ومَنْ كان على جهتهم إلى " المدينة " فإنَّهم يُحرِمون مِن " ذي الحليفة ". (3/24)
صفحة 616
كذلك الذين يأتون مِن جهة " العراق " الأصل يُحرمون مِن " ذات عرق " ولكنه الآن لا يَمُر على ذلك الموضع طريق أبدا فلا يُمكن المرور بالسيارات على ذلك الموضع وإنَّما يَمُرُّ أهل " العراق " ومَن يأتي مِن ناحيتهم .. إمَّا أنَّهم يَمُرُّون على " المدينة " فيُحرمون مِن " ذي الحليفة " أو أنَّهُم يَمرون على " الرياض " ونواحيها فلا يأتون على " السيل " ويُحْرِمُون مِن " قَرْن " .. فإذا أتوا مِن تلك الجهة أحرموا مِن " السيل ".
كذلك بالنسبة إلى أهل " نَجد " وإلى أهل " نَجد اليمن" أيضا فإنَّهم يُحْرِمُون مِن " السيل " .. مِن " قرن المنازل ".
وأَمَّا بالنسبة إلى أهل " اليمن " فإنَّهم يُحرمون من " يَلَمْلَم ".
ومَنْ لَم يأت على تلك المواضع-الآن الناس تقريبا يأتون على تلك المواضع-ينظرون إلى أقرب ميقات ويُحْرِمُون مِن مُحَاذَاته .. إذا كانوا أقرب إلى " ذي الحليفة " فإنَّهم يُحْرِمُون مِن مُحَاذَاة ذلك وإذا كانوا أقرب مِن " ذات عرق " فإنَّهم يُحرمون مِن مُحاذاة " ذات عرق " وهكذا بالنسبة إلى بقية المواقيت.
وهكذا بالنسبة إلى مَن جاء في باخرة في البحر فإنه يُحْرِم مِن جهة الميقات الذي يَمر مُحاذيا له. (3/25)
صفحة 617
وأما الذين يأتون على الطائرات فلا شك أنَّ الغَالبية العظمى يَمُرُّون عَلَى المواقيت .. يَمُرُّون أَعلاها فإذن يُحْرِِمُون مِنَ الموضع الذي يَمرون أعلى منه مِن الميقات، وإذا كانوا لا يَمرون مِن أعلى الميقات مباشَرة فإنَّهم يُحرمون مِن مُحاذاة ذلك لكن مِنَ المعروف أنّ الطائرة تسير بسرعة كبيرة جدا فإذا أخذ الإنسان يستَعِد مِن أعلى الميقات فإنه سيتجاوز ذلك وذلك مِمّا لا يَجوز، فإذن لابد مِن أن يستعِد قبلَ ذلك .. إذا كان يريد أن يتوضّأ أو ما شابه ذلك فليستعد قبل ويلبس ملابسه فعندما يكون قُبَيْلَ ذلك الموضع ينوي الإحرام-وأريد بالنية هاهنا النية القلبية-ويقول: " لبيك عمرة " ثُم يأتي بِالتلبية .. لا يتجاوز الميقات إلا وقد لَبَّى .. هذا لابد منه، لأنّ الإنسان لابد مِن أن يأتي مِن أعلى الميقات أو يأتي-أيضا-في جهة أخرى مُحاذية لذلك .. نعم إذا جاء مِن الجهة الغربية .. مِنْ غرب جدّة مباشَرة فإنَّه في هذه الحالة لا يَمر على ميقات بناء على رأي كثرة كاثرة مِنْ أهل العلم بِأنَّ المواقيت لا تُحِيط بِالحرم تَماما .. أي أنَّ ذلك الموضع لا يكون مُحَاذِيا لشيء مِن المواقيت وهذا هو الظاهر لي إلى الآن، فمِنْ تلك الجهة .. الذين يَأتون في البواخر مِن تلك الجهة أو الذين يأتون في الطائرات مِن تلك الجهة لا يَمرون بِميقات فَبِإِمكان هؤلاء أن يؤَخِّروا إلى " جدّة " ولكن هي مَنْطِقَة ضَيِّقة جدا جدا فالأَوْلَى لَهم أن يُحْرِمُوا عندما يُحَاذُون الميقات الذي يكون أَقْرَب إليهم، وهم إما أن يُحاذوا " السيل " وإما أن يُحاذوا ذا الحليفة أو (1)
__________
(1) -الظاهر أنّ الشيخ سحب مِن كلامه: " ذا الحليفة أو ".. (3/26)
صفحة 618
الجحفة، لكن لَو أتوا مِن تلك الجهة وهي جهة صغيرة جدا جدا فبالإمكان، لكن معنا في الجهة الشرقية وهكذا بالنسبة إلى أهل الجهة الشمالية والجنوبية وبعض الأجزاء مِن الجهة الغربية لابُد مِن أن يُحَاذوا ميقاتا مِن المواقيت فلابد مِن الإحرام مِن ذلك المكان ولا يَجوز لَهم أن يُؤَخِّرُوا ذلك.
وقد انتشَر عندَ بعض الناس رأيٌ بِخلاف ذلك وهو أنَّه: " بِإمْكَان الناس أن يُؤَخِّروا ذلك إلى الوصول إلى المطَار وذلك لأنَّ الذي يَمُر مِن أعلى الميقات لا يكون مَارا على ميقات ولا مُحاذيا له "، وهذا القول مِن البطلان بِمكان، وتقريره يَحتاج إلى إطالة، وربَّما يكون ذلك في وقت آخر بمشيئة الله تبارك وتعالى.
فالحقّ الحقيق بِالقبول أنه ليس لأحد أن يُؤَخِّر ذلك فعليه أن يستعِد مِن قبل ويسأل أهل الطائرة ويُحْرِم مِن ذلك الموضع .. يَتَقَدَّم قليلا مَخَافَة أن يتجاوز الميقات وإن لَم يُخْبره مُخْبِر فليحْرِم مِن قبل نصف ساعة تقريبا، فلا بأس مِن الإحرام قبل الميقات لأجل الضرورة، أَمَّا في حالة عدم الضرورة فلا ينبغي لأحد أن يتَقَدَّم على ذلك، لأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لَم يُحْرِم قبل الميقات وأمر بالإحرام مِنْ تلك المواقيت ولنا فيه-صلوات الله وسلامه عليه-الأسوة الحسنة؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: مَن سافر لِمُهمة عمل إلى مكة أو إلى جدة ثُم أراد أن يعتمر، مِن أين يُحرم ؟
ج: لا يَخلو من أحد أمرين:
إما أَنْ يُريد أن يعتمر .. عندما خرج من بلاده كان قَاصِدا لأن يعتمر وهذا لابد من أن يُحرم مِن عند الميقات .. لابد من أن يُحرم من الميقات. (3/27)
صفحة 619
وإما أن يريد أن يذهب إلى ذلك المؤتَمَر أو إلى ذلك العمل ولكن إذا بقي هنالك وقت .. إذا بقي مُتَّسَع مِن الوقت وحصلت له فرصة فإنَّه سيذهب لتأدية العمرة وإن لَم يبق شيء من الوقت فإنه سيرجع إلى بلاده، فهذا لَم يعزم على العمرة فيذهب ويقضي مآربه وبعد ذلك إن أراد أن يُحرِم بالعمرة فإنَّه يُحْرِم مِن ذلك الموضع إذا كان من الحِل أما إذا كان في الحرم فلابد من أن يَخرج مِن الحرم .. إذا كان يريد أن يُحرم بعمرة لابد من أن يَخرج من الحرم إلى الحل ويُحرم من الحل، أما إذا كان-مثلا-يذهب إلى جدة أو إلى أي مكان آخر داخل المواقيت وخارج من الحرم فإنَّه يقضي مآربه وبعد ذلك إنْ أراد أن يعتمر فليحرم من ذلك الموضع الذي هو فيه، وهكذا بالنسبة إلى الذين يعيشون في تلك المواطن أي الذين يعيشون بَيْنَ الميقات وبين الحرم فإنَّهم يُحرِمون من ذلك المكان.
س: بالنسبة للمرأة الحائض إذا سافرت للعمرة، مِن أَيْنَ تُحْرِم ؟ (3/28)
صفحة 620
ج: إذا كانت هذه المرأة تُرِيد العمرة ولكن أَتَاهَا الحيض قَبْلَ أن تَصِل إلى الميقات وهي لازالت مُرِيدَةً للعمرة فلابد مِن أن تُحرم مِن ذلك الموضع لتغتسل كما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أسْمَاء بأن تغتسل وهي نُفساء والحائض في حُكْمِ النفساء وتَصِل إلى مكة المكرمة وتَنْتَظِر حتى تطْهُرَ وتَتَطَهَّر فإذا طَهُرَت وتطَهَّرَت فإنَّها تأتي بعد ذلك بِمَناسك العمرة .. تطوف وتسعى وتُقَصِّر، أما إذا كان عندما أَتَاهَا الحيض نَوَت أن تُلْغِي العمرة في تلك السَّفْرَة بسبب ارتباط تلك الحَمْلَة التي هي فيها .. مثلا كان ذلك المَحْرَم أو الزوج الذي يُرافقها لا يُمكنه أن ينتظرها حتى تطهر وتغتسل وتُكْمِل بَقِيَّة مناسك العمرة فهاهنا تُلْغِي تلك العمرة، هي لَم تُحْرِم بِها مِن قَبْل .. لو كانت أحرمت بِها من قبل فالأمر يَختلف لكنها لَم تُحْرِم على حَسب السؤال .. لتترك نِيَّة العمرة ولتذهب مع أصحابِها وبعد ذلك تَرْجِع وتعتمر مرة أخرى بِمشيئة الله تبارك وتعالى، لكن-مثلا-لو طَهُرَت واغتسلت قبل أَنْ ترجع إلى بلادها فإنَّها في هذه الحالة تذهب إلى التَّنْعِيم وتُحْرِم مِن هناك وتؤدي مناسك العمرة، قد تكون عادة المرأة-مثلا-ستة أيام ويَعْرِفُ ذلك المَحْرَم أو ذلك الزوج المرافق لتلك المرأة أنَّه لَن يتمكن لأن يبقى لِهَذِه المدة فَهُوَ يريد أن يَخرج مِن مكة المكرمة بعد ثلاثة أيام-مثلا-فَهَذه المرأة تذهب هكذا إلى مكة المكرمة من غير إحرام لكن لو قَدَّرْنَا أنَّها طهُرَت بعد ثَلاثَة أيام أو طَهُرَت بعد يومين بناء على أنَّ الحيض لا يُشْتَرَط أن تَمكُث المرأة لِمُدة ثلاثة أيام فَصَاعِدا كما هو الصحيح الراجح .. وهذا وإن كان مُخَالِفاً للمشهور-طَبْعاً-في قضية مُدَّة الحيض لكنَّه هو الذي أَرَاه وهو مذهب طائفة كبيرة مِنْ أهل العلم .. (3/29)
صفحة 621
إذا طَهُرَت بعد ثلاثة أيام-مثلا-فتغتسل وتذهب وتُحرم من التنعيم ولا تؤمر هاهنا بأن ترجع إلى الميقات لأنها عندما تجاوزت الميقات ما كانت تنوي العمرة، وكذلك-مثلا-لو أراد بعد ذلك ذلك الزوج أو ذلك المحرم أن يتأخر قال: " لا بأس أبقى لِمدة ستة أيام أو أكثر " مثلا فلتصنع ما ذكرناه، أما ما تفعله بعض النساء بأنَّها تتجاوز الميقات من غير إحرام وهي تنوي العمرة وتصل إلى مكة المكرمة وتبقى هناك حتى تطهر وتغتسل ثُم بعد ذلك تذهب إلى التنعيم فهذا مِما لا يصح أبدا، في هذه الحالة عليها أن تتوب إلى الله وأن تندم على ما فرَّطت من أمرها وأن ترجع إلى ذلك الميقات:
بعض العلماء يقول لابد مِن أن ترجع إلى ذلك الميقات الذي مَرَّت عليه ولَم تُحرم منه وهي تريد الحج أو العمرة.
وبعض العلماء يقول لا يلزم أن ترجع إلى ذلك الميقات بل ترجع إلى أي ميقات من المواقيت. (3/30)
صفحة 622
والمواقيت هي الخمس السابقة وليس التَّنْعِيم من تلك المواقيت كما يظنه بعض الناس ..إذا كانت مَرَّت على ذي الحليفة-مثلا-على الرأي الأول لابد من أن ترجع إلى ذي الحليفة ولا يَجوز لَها أن تذهب-مثلا-إلى السيل أو إلى الجُحْفَة أو إلى يلملم .. لابد من أن ترجع إلى ذي الحليفة، وإذا كانت مَرَّت على الجُحْفَة-مثلا-فلابد من أن ترجع إلى الجُحْفَة أو إلى أبعد منه إلى ذي الحليفة، كذلك إذا مَرَّت على السيل لابد مِنْ أن ترجع إلى السيل أو إلى ميقات أبعد إلى ذي الحليفة أو الجحفة أو يلملم-مثلا-أمَّا أن ترجع إلى ميقات أقرب فعلى هذا الرأي لا .. إذا مَرَّت على ذي الحليفة لا يُجزيها أن تُحرم من أي ميقات آخر وإذا مَرَّت على الجحفة فإنه يُجزيها أن تُحرم من الجحفة أو من ذي الحليفة أما من يلملم الذي هو أقرب من الجحفة أو من السيل الذي أقرب من الجحفة فلا، وذهب بعض أهل العلم إلى أنَّها يُجزيها أن تُحرم من أي ميقات من المواقيت ولابد من أن تُحرم من واحد من المواقيت لا أن تذهب إلى التنعيم أو ما شابه ذلك من مواضع الحِل كما يتصوره بعض الناس، ومع ذلك عليها التوبة إلى الله وبعض العلماء يُلْزِمُها مع ذلك أن تفتدي ولكن إذا رجعت إلى الميقات وتابت وأنابت إلى الله-تبارك وتعالى-فقد يُرَخَّصُ لَها في عدم الدم، وعَبَّرْتُ بالفدية هاهنا تَجَوُّزاً وإلا الأصل أن لا يُعَبَّر بالفدية لأن الفدية على التخيير وهذا لا تَخيير فيه فلابد من الدم على رأي من يقول بذلك. (3/31)
صفحة 623
فإذن خلاصة ما ذكرناه إذا كانت هذه المرأة تُرِيد أن تعتمر أو تريد الحج فلابد من أن تُحْرِم من الميقات وإذا كانت قد أَلْغَت ذلك لظروفها فهنا تذهب إلى مكة بدون إحرام فإذا قدَّر الله-تبارك وتعالى-وقضى بأن انتظرت تلك الجماعة التي هي فيها أو طَهُرَت هي قبل الميعاد المعروف فإنَّها تذهب إلى أيِّ موضع من مواضع الِحل وتُحرم من هناك، كذلك الحائض إذا أتت وهي حائض وهي مُحْرِمة ليس لَها أن تطوف بالبيت .. إذا كانت في وقت الحج تذهب إلى مِنَى وإلى عرفة وإلى جَمْع ولكن ليس لَها أن تطوف بالبيت تنتظر وكذلك لا تسعى إن كانت لَم تطف لأن السعي يكون بعد الطواف أما إذا أتاها-مثلا-الحيض بعد الطواف .. طافت بالبيت وأتاها الحيض بعد الطواف إذا كانت صَلَّت الركعتين فلا إشكال تذهب وتسعى لأن المسعى على الصحيح ليس من البيت وإن كان يظهر لأول وهلة بأنه من البيت ولكنه لم يُبْنَ مِنَ البيت والعبرة بالتَّأْسِيس، فَلْتَسْعَ وإن كانت على غير طهارة لأن الطهارة لا تُشْتَرط في السعي وما جاء عن بعضهم من اشتراط ذلك لا يصح، والرواية التي جاءت في مُوَطَّأ مالك من رواية يَحي ليست بصحيحة فبقية الروايات لا تَشْتَرِط ذلك فهذه الرواية مِما شَذَّ به يَحي فلا يُقْبَل ذلك الشُّذُوذ منه، فلتَسْعَ ولا شيء عليها وإن كانت لَم تأت بالركعتين فلْتُأَخِّر الركعتين تيسيرا عليها وتأتي بذلك بعد ذلك بِمشيئة الله تبارك وتعالى، أمَّا إذا كانت لم تَطُفْ فلتنتظر وبعض النساء سَمعن بأن الحائض لا تطوف فأَتَيْنَ وسَعَيْن وأَلْغَت تلك النساء الطواف لأن الحائض لا طَوَاف عليها في اعتقادها .. هكذا حَمَلَت ( غَيْرَ أن لا تَطُوفِي ) وهذا خَطَأ فاضح .. طواف العمرة وطواف الحج ركن من الأركان التي لا يَجُوز تَرْكُها وإنَّما تُعْذَر الحائض من طواف الوَدَاع فقط أمَّا طواف الإفاضة-أُكَرِّر-وطواف العمرة رُكْنَان .. (3/32)
صفحة 624
طواف العمرة رُكن من أركان العمرة وطواف الإفاضة الذي هو طواف الزيارة ركن مِن أركان الحج فلا تُعْذَر الحائض من ذلك فلابد من التَنَبُّهِ لِهذا الأمر؛ والله ولي التوفيق.
س: ما هو مُسْتَنَد مَن يَقول: إنَّهُ لاَ يَصِحّ أن يَعْتَمِرَ الفَرْد أكثر مِن عُمرة في الزِّيارَة الوَاحِدة ؟
ج: مُسْتند هَؤلاء أنّه لَم يَثبت عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-أنّه اعْتَمَر في سَفَرٍ وَاحد مِن أسْفارِه أكثر مِن مَرّة مع حِرصه على الخَير، ولم يَثْبت-كذلك-عن أحد مِن صحابته-رضوان الله تبارك وتعالى عليهم-بِأنَّهم قد اعتَمَروا في حَيَاتِه-صلوات الله وسلامه عليه-أكْثَر مِن عُمرة واحدة في سفر واحد مِن أسْفَارِهِم، وإنَّما أَذِنَ النّبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-لِلسيّدة عائشة-رضي الله تبارك وتعالى عنها-بِأن تَعْتَمِر بَعد أن قَرَنَتْ .. فإنه تَطْيِيبًا لِنَفسها أذِنَ لَها بِأَن تَعْتَمِر مِن " التَنْعيم " وأَمَرَ أخاها عبد الرحمن بِأن يُرَافِقها .. ولَم يَرِد دَليل صحيح سالِم مِن كُل اعتراض بِاعتمار عبد الرحمن-رضي الله تبارك وتعالى عنه وعن أَبِيه-مَع السيِّدَة عائشة-رضي الله تبارك وتعالى عنها-والأمرُ مُحْتَمِل .. هُنَالِك رواية تَدُل عَلَى أنه اعْتَمَرَ، ولعلّ هذا الأقرَب إلى الصواب ولكن ذلك لِمرافقتِه لِلسيدة عائشة على أننا لا نستطيع أن نَقول: " إنّه قد اعْتَمر "، أما الرسول-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-وصحابتُه-كما قلتُ-لم يَعتمِر أحَدٌ مِنْهم أكثر مِن مرة واحدة.
وبعضُ العلماء يَقُولُ بِمَشْرُوعية الاعتمار في السّفر الوَاحد أكثر مِن مرة. (3/33)
صفحة 625
ونَحْن نَقُول بِالجواز مِن حَيْث الجواز لِما ذكرناه مِن هذا الدليل وإنّمَا الكلام في الفَضل .. هَل الأَفضَل للإنسان أَن يُكْثِرَ مِنَ الإتيَانِ بِالعُمْرَات أو أن يُكثِر مِنَ الطَوَاف مِن غَيْرِ أن يَعْتَمِرَ إلا مَرّةً وَاحِدَة في السَّفر الوَاحد كمَا ثَبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ؟ اللهم إلا إذا بَقِي مُدّة طويلة في مَكّة المُكَرمة فالأمر يَختلِف، أما أن يَذْهب الإنسان لِعدة أيَام فالأفضل-على حَسب مَا نَرَى-أن يُكْثِر مِن الطوَاف ومِن ذِكر الله-تبارك وتعالى-مِن غَير أن يَأتي بِأكثر مِن تِلك العُمرة التي دَخَل بِهَا مَكّة المكرمة لِما ذكرناه.
ولا يُمْكن أن يُعْتَرَضَ علينا بِما ذَكرناه سَابِقًا مِن حَديث النّبِي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ( العُمْرة إلى العُمرة كَفَّارة لِما بَيْنَهُمَا )، لأنّ الذي قال ذلك هُو الذِي لم يَعتَمِر ولم يَأمُر صحابتَه-رضوان الله تبارك وتعالى عليهم-بِذَلك وإنَّما أَذِنَ لِلسيّدة عائشة-رضي الله تبارك و تعالى عنها-لِظَرْف خَاصٍّ بِها كما قدّمناه، والمَجال لا يَتّسِع لِلإطالة؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: العُمرة إذا كانت الأولى عن نفسه والثانية لِغَيْرِه، هل يُعْتَبِر هَذا مِن قَبِيل التكرار ؟
ج: نَحن نَقول: لا مَانِع مِن التِكْرَارِ مِن حيث الجوَاز وإنَّما مِن حيث الفضْل .. أما إذا كان الشّخْص يَعْتَمِر عن أبيه وأبوه لم يَعْتَمِر مِنْ قَبْل أو عن أمّه وأمُّه لم تَعتمِر مِن قبل ولاَ يَسْتَطِيعَان الذّهاب إلى العُمْرة لِمَرَض-مثلا-لا يُرجَى مِنْهُ الشِّفاء بِحَسْبِ الظَّاهِر وهَكَذَا بِالنّسبة إلى أقَارِِبِهمَا فذلك مِمَّا لا مَانع مِنْه بِمشيئة الله-تبارك تعالى-بل ذلك مِن باب التعاون على البِر والتَّقوَى؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: هَل لِلزَّوْجِ طَاعَة إذا مَنَعَ زوجتَه عن الذهَاب إلى العُمرة ؟ (3/34)
صفحة 626
ج: أما إذا مَنَعَهَا عن فَرِيضَة الحج وكانت تُريد أن تَذهب مع مَحْرَمٍ لَها فلا طاعة له ولا كَرامة، لأنه يَمْنَعُهَا عن أمْرٍ وَاجِبٍ مُتَحَتِّم عَلَيْها، إذ إنّ الحجَّ واجبٌ بِنَصِّ كتابِ الله وسنّة رسوله صلوات الله وسلامه عليه، ثم هو على الفَوْرِ على الصَحِيحِ كما قلنا.. فإِذَا كَانَت سَتَذْهَبُ مَعَ مَحْرَمٍ مِنْهَا ومَنَعَهَا مِن ذلك فَيَنبغي لَها أنْ تُحَاوِل بِأن تُقْنِعَهُ بِالمُوَافَقَة على الذّهَابِ وَإذَا لَم يُوَافِق عَلَى ذَلِك فَلا طَاعَةَ لَهُ ولاَ كَرَامَة، إذْ لاَ طَاعَة لِعَبْد في معْصِيَة الله تبارك وتعالى، فَنَقُول لِهذا الزوج بَدَلا مِن أن يَمْنَعَ زوْجَتَه عَن الإتيان بِفَرِيضة الحج أو بِالعُمرة أنّه عَليْه أن يَتُوب إلى الله-تبارك وتعالى-ويَنْبَغي له أن يُرَافِقها مِن أجل تَأدِيَة فَرْض الله-تبارك وتعالى-عليه إن كَان قادِرا على ذلك، وإن كان قَدْ أَدَّى الفَرِيضَة وهو يَْقدِرُ على الذهَاب-أيضا-يَنبَغي له أن يَذهب إلى تِلك البِقاع المقَدَّسة ويَأْتي بِالعُمرة وبِالحج، وقد سَبَق فَضْل مَن حَج أو اعتمَر إذا كان يُريد بِذلك وَجَه الله تبارك وتعالى.
أما بِالنسبة إلى العُمْرة فإن كانت لاَ تَذْهب مَع مَحْرَم مِنْهَا-فكما قلتُ يَنْبَغِي لَهَا أَن تؤَخِّرَ ذَلِك حَتَّى تَجِد مَحْرَمًا مِنْها وتَذْهَب وتُؤَدِي الحج والعُمرَة مَعًا، ثم-أيضا-العُمْرة فيها خِلاَفٌ بَيْنَ أهل العِلم كما قدمناه، فإذَا تَأَخَّرت قليلا ثم ذَهَبتْ لِتَأدِيَة فَريضةِ الحج وتَأْدِيَة العُمرة بعد ذلك مع مَحْرَمٍ مِنْهَا وتَدعو-ونَحن نَدعو معها-بِأن يَهدِيَ الله-تبارك وتعالى-هذا الرَّجُل-وغَيْرَه مِن الناس وأن يَهْدِيَنَا جَميعا إلى طاعة الله تبارك وتعالى-فلعلّه يَقُومُ بِمُرَافقَتها أو يَأذَنُ لَها أو تَجِد مَحْرَمًا مِنْهَا وتُرَافِقه. (3/35)
صفحة 627
و-كما قلتُ-في الحج لاَ طَاعَة لَه أبَدا، أما العُمرة فعلى ما فيها مِن كلام، وبِإمْكَانِها-أيْضا-أن تُؤَخِّر وَلَوْ لِعِدَّةِ شهور ثم تَذهَب في هذه السنَة بِمشيئة الله لِتَأدِيَة الأمْرَيْنِ مَعًا وافَق هَذَا الزّوج أو لم يَوَافِق ولكن تَذْهب مع مَحْرَم مِنْها؛ والله أعلم.
س: طواف الوداع في العمرة، هل هُوَ واجب ؟
ج: اختلَف العلماء في طواف الوداع للعمرة:
ذهبت طائفة مِنْ أَهْلِ العلم إلى أنَّه لا يُشْرَع طوافٌ للوداع بالنسبة للعمرة وإنَّما هو خاص بالحجِّ لِغَيْرِ المَكِّي، وذَلِكَ لأنَّه لَمْ يَثْبُت عن النبي-صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه-أنَّه طاف للوَدَاع بَعْدَمَا اعْتَمَرَ.
وذهبت طائفة مِن أهل العلم إلى أنَّه يُشْرَع في حَقِّ المعتَمِر أن يطوف للوداع، وذلك لأنَّ النبي-صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه-قَد طَافَ للوداع بعد الحج وأَمَرَ الناس بأن يَجْعَلوا طواف الوداع آخِر العَهْد بالبيت شَرَّفَه الله تبارك وتعالى.
واحْتَجَّ بعض العلماء على ذلك-أيضا-برواية تُرْوَى عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-تدُلُّ على مشروعية طواف الوَدَاع للمُعْتَمِر ولكن تلك الرواية لا تثبت مِنْ حيث إسنادها. (3/36)
صفحة 628
فالتعويل على هذا الأمر الذي ذَكَرْنَاه مِن طواف النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وذلك أنَّ هذا هو آخر العَهْدين، فَعَدَم طَوَاف النَّبِي-صلوات الله وسلامه عليه-للوَدَاعِ للعمرة مُتَقَدِّم على طوافه للوداع للحج، وهذا الطواف-كما هو معلوم-لا عَلاقةَ له بالحج، ولِذَلِك لا يُؤْمَر بِهِ المَكِّيّ بل لا يُشْرَعُ في حقِّه أبدا، وما دَامَ الأمر كذلك فهو مَشْرُوعٌ لوداع البيت شَرَّفَه الله تبارك وتعالى، ولا فَرْقَ في ذلك بين الحاجِّ والمعْتَمِر، فعَدَم فِعْل النبي-صلوات الله عليه وسلامه-له في طواف العمرة الظاهر أنَّه لَم يكن مَشْرُوعا في ذلك الزمان فلذلك تَرَكَه، وفي ذلك الزَّمَان كانت تُشْرَع العِبَادَات وتكون بَعد مُدَّة قصيرة مِنَ الزَّمَن في بعض الأحيان بل قَد تكون هنالك لَحَظَات بين مشرُوعِيَّة حُكْمٍ وحُكْمٍ آخر، والذي يظهر لَنَا-لِذَلك-هَو أَنَّ طَوَافَ الوَدَاع مشْرُوعٌ للحج والعمرة، إلا أَنَّه في الحج مُتَّفَقٌ عليه لِغَيْرِ الحائض والنفساء، واختلَف العلماء في المريض الذي لا يستطيع الطواف سواء بِنَفْسِه أو أن يطوف به غيره هل يَجب عليه الدَّم أو لا يَجب عليه ؟ والصحيح بأنَّهُ يُعْذَرُ كما تُعْذَرُ الحائض والنفساء، أما مَنْ عَدَا ذَلك فإنَّهُمْ لا يُعْذَرُون عن طواف الوداع، وإن اخْتُلِفَ في وُجُوبِ الدَّم عليهم، والأَكْثَرُ على وُجُوبِه، وأما بالنِّسْبَة إلى العُمْرَة مُخْتَلَف فيه، ولا شك بأنَّ المخْتَلَفَ فيه لا يَصِل إلى درجة المتَّفَق عليه فإذَا تَرَكَه بعض الناس ظَنّا بأنَّه لا يُشْرَع فلا شيء عليه بِمَشِيئَة الله تبارك وتعالى، ولَكِنْ بَعْدَ أن يَعْرِفَ الحكم فإنَّه لا ينبغي لَه أن يتهاون بذلك وإن كنتُ لا أَقْوَى على أَنْ أُلْزِمَهُ الدَّم؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: ما حكمُ مَن طاف بعدَ الحجر أثْنَاءَ أدائِه العمرة ؟ هل يَعْتَد بِهَذَا الشَّوط أو لا ؟ (3/37)
صفحة 629
ج: إنَّه مِمَّا لا يَخفى أنَّ طواف العمرة وطواف الزيارة بالنسبة إلى الحج ركن مِنَ الأركان التي لا تَصِح العمرة ولا الحج إلا بِها، وعليه فلابد مِن الاعتناء بأمره، وكثير مِن الناس يُفرِّطون في كثيرٍ مِن الأمورِ المتعلِّقةِ به، ومِن المعلوم أنَّه يَندرِج تَحت الطواف كَثِير مِن الأحكام:
مِنْهَا مَا هو شَرطٌ مِنْ شروطِ صِحّةِ الطواف بِحيثُ إنَّ مَن فَرَّطَ فيها يَكون طوافُه باطِلا.
ومِنْهَا ما هو سُنّة مِن السنن التي لا يَنبغِي التفرِيطُ فيها، لِثبوتِ ذلك عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
فإذن لابد مِن الاعتناءِ بِمَعرفةِ أحكامِ الطوافِ بِمعرفةِ شروطِه وواجباتِه وسُنَنِه ومستحبَّاتِه.
وكثيرٌ مِن الناسِ-كما قلتُ-لا يَعتَنونَ بِمعرفةِ ذلك، فتَرَى كثيرا مِن العوام يَذهبُون لِتأديةِ فريضةِ الحج أو لِتأديةِ العمرة وهم لا يَعرفُون عن أحكامِ الطواف شيئا .. منهم مَن يَسمَع بِالطواف ومنهم حتى مَن لَم يَسمَع بِه وإنَّما يَسْمَع بِالحج أو العمرة ولا يَعرِفُ بِماذا يَأتِي في حَجِّه وفي عُمرتِه، فلابد لِلإنسانِ عندَما يُرِيدُ أن يَذهَبَ لِتأديةِ الحج أو العمرة أن يَتعلَّمَ أَهَمَّ الأمورِ التي تَتعلَّقُ بِهما حتى يُؤدِّي تلك العبادة-التي شَرَعَها الله تبارك وتعالى-على بصيرةٍ مِن أَمرِه.
والطوافُ-كما قلتُ-مِن أَهَمِّ المهمات في الحج وكذلك في العُمرة، فهو ركنٌ مِن الأَرْكَان بِالشَّرْطِ الذي ذكرتُه، وعليه فلابد مِنْ أَن يُراعِيَ ما يَتعلَّق بِه ولاسيما الشروط والواجبات. (3/38)
صفحة 630
الطوافُ لَه بِدايةٌ ونِهَاية، فلابد مِن أن يَبتدِئ الطائفُ مِن مَوضِع وينتهي إليه، والطواف يبْتَدِئ مِن ركن الحجَر .. عندَما يَأتِي مَن يُرِيدُ أن يَطوف يَأتِي إلى رُكن الحجَر بِحيثُ يُقَابِلُ الحجَر فإن تَمكَّنَ مِن تَقبِيلِه قبَّلَه وإن لَم يَتَمَكَّن مِن ذلك فإنه يَلْمَس الحجَر بِيَدِه اليمنى لا بِاليَدَيْنِ معا فإن لَم يَتَمَكَّن مِن ذلك أَشَارَ إليه ولا يُقبِّل يَدَه التي أَشَارَ بِها وإنَّما يقبِّل يَدَه التي صَافَحَ بِها الحجَر .. أي إذا تَمكَّنَ مِن مصافحةِ الحجَر أو مِن وَضْعِ يَدِه على الحجر، ومِن ذلك الموضِع يَبتدِئ الطواف، وليس لَه أن يَبتدِئ الطوافَ مِن موضعٍ بعدَ الحجَر، فإنه إذا ابتدأَ مِن بعدِ الحجَر فإنَّ ذلك الشوط الذي ابتدأَ بِه مِن ذلك الموضع يَكون باطِلا لا عبرةَ بِه، وعليه لَو وَقَعَ شخصٌ في ذلك ثُم انتَبَه أو نُبِّهَ إلى صنِيعِه ذاك فإنَّ عليه أن يُلْغِيَ ذلك الشوط وألاّ يَعتبِر بِه أبدا ويَعْتَد بِالشوط الذي يَلِيه وهُو الشوط الذي يَبتدِئ فيه الطواف مِن مُقابِلِ الحجَر كما قدّمنا، ويَطُوف سبعة أَشْوَاط وينتهي في ذلك الموضِع الذي ابْتَدَأَ منه، ومِنَ المعلوم أنَّه لابد مِن أن يُكْمِلَ الأشواط السبعة تَمَاما فإذا نقَصَتْ ولو جزئية صغيرة مِن ذلك فإنّ طوافَه ذلك لا يُعتبَر صحِيحا. (3/39)
صفحة 631
وكان منذُ فترةٍ قصِيرةٍ مِن الزمن هنالِك خطّ يَقِفُ الناس عليه وذلك الخط مقابِلٌ لِلحجَر تَمَاما وفيه مِن اليُسْرِ على كثيرٍ مِن الناس ما لا يَخفَى، لكن ذلك الخط لا يَخفى أنَّه لَم يَكُن-كما قلتُ بِالأمس-موجودا في عهدِ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-ولا في القُرُونِ التي تَلَتْ ذلك وإنَّما وُضِعَ منذُ فترةٍ قَصِيرَةٍ مِن الزمن ثُم أُزِيل، ومِن المعروفِ أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - طَافَ عندَما قَابَلَ الحجَر .. وَقَفَ في مُقَابِلِ الحجَر وطافَ مِن هناك وطافَ معه صحابتُه الكِرام وكانتْ أُمَّة كبِيرَة جِدا مِن الناس، وفي ذلك مِن اليُسْرِ والسهولَةِ ما لا يَخفَى، فالتَّشَدُّدُ والتَّنَطُّع مِمّا لا يَنبغِي.
فعندما يُقابِل مَن يُرِيدُ الطوافَ الحجَر فليَبتدِئ مِن هناك ولْيَتْرُك التَّشَدُّد والتنَطُّع والوساوِس والشُكُوك، فمِن المعلوم أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لَم يَضَعْ خَطا لِلناسِ مِن أجل أن يقِفُوا عليه جَميعا وإنَّما شَرَع في الطوافِ مِن ذلك الموضِع وبيَّنَ في حَجّتِه: ( لتَأْخُذُوا عنِّي مناسِكَكُم ) وطاف معه الصحابةُ الكِرام وهكذا في عُهُودِهم-رضوان الله تعالى عليهم-وفي عهودِ التابعين ومَن جاء بعدَهم. (3/40)
صفحة 632
فليُقَدِّر مَن يُرِيدُ الطواف أنه يَقِفُ في مقابِلِ الحجَر .. يَتَحَرَّى ذلك ويَطُوف مِن ذلك الموضِع ويَنتهِي-أيضا-في الموضِع الذي ابتدأَ فيه بِحيثُ-كما قلتُ-لا يَصِح لَه أن يَترُكَ شيئا مِن ذلك، لأنَّه لَو تَرَكَ شيئا مِن ذلك فإنَّ طَوَافَه ذلك يَكون بَاطِلا، أما إذا ابتدأَ-مثلا-قَبل الموضِعِ الذي تُشْرَعُ مِنه البدايَة .. ظَنَّ-مثلا-أنَّ البدايةَ تُشرَع مِن هناك ثم تبَيَّن لَه أنّ الأمْرَ بِخلافِ ذلك فذلك لا يَضُرّه في ذلك لكن لابد مِن أن يَنتهِي في الموضِع المعروف الذي حدَّدْتُه مِن قبل، وليس لَه أن يَنتهِي في الموضِع الذي ابتدأَ منه في هذا الطواف، لأنَّه ابتدأَ مِن موضعٍ يُخالِف الموضِعَ الصحِيح وما دام لَم يَبتدِئ مِن الموضِعِ الصحِيح الذي هو مُتقَدِّمٌ على موضِعِ الطواف فلابد مِن أن يَنتهِيَ في الموضِعِ الصحِيح؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
فتاوى عامة
حكم خروج المرأة وحدها بالسيارة :
س: ما رأيكم في المرأة التي تخرج من بيتها وحدها بالسيارة ، لزيارة أقاربها في المستشفى مثلاً ؟
ج: يجب عليها أن تذهب مع زوجها أو مع ذي محرم وليس لها أن تذهب بنفسها والله أعلم .
حكم سكن المرأة مع حميها :
س: هل يجوز للمرأة أن تسكن مع حميها- أخي زوجها- وتأكل معه في صحن واحد ويدخلان من باب واحد ، سواء كان ذلك الأخ متزوجا أم لا ؟
ج: لا يجوز لها ذلك ، والحديث نص بأن الحمو الموت كما هو ثابت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فلا يجوز لها قطعا ، وهو حرام عليه بنص سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والله أعلم .
حكم معالجة الطبيب الأجنبي للمرأة :
س: هل يجوز للمرأة أن يعالج أمراضها التي تستلزم كشف عورتها طبيب أجنبي عنها كأمراض الولادة وغيرها ؟ (3/41)
صفحة 633
ج: الأصل أن تعالج المرأة المرأة ، ولكن إن لم يوجد ذلك فلا بأس في حالة الضرورة القصوى بشرط أن يكون الزوج حاضرا أو إحدى قريباتها ، ولكن ينبغي أن يكون هو الزوج إلا إذا تعذر ، والله أعلم .
حكم وضع المرأة ثيابها في غير بيت زوجها :
س: ما معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( ما من امرأة تضع ثيابها في غير بيت زوجها إلا هتكت الستر بينها وبي ربها ) ؟
ج: معنى ذلك أنه لا يجوز لأمرأة أن تضع ثيابها في غير بيت زوجها ، أما بقية خارج البيوت فهذا متفق عليه وظاهر حلي أنه لا يجوز لامرأة أن تضع ثيابها خارج البيت ، أما كونها تضع في بيت آخر وهي مستترة فلم يُسبق الحديث لأحد لذلك ، وليس المراد قضية خلع الثياب أو غير ذلك في غير بيت زوجها كما هو قد يتبادر إلى الأذهان مباشرة ، وإنما المراد بوضع الثوب الوضع الحقيقي الذي لا يصح لأحد أن يطلع عليه إلا الزوج ، هذا المراد وليس معناه- كما قد يتبادر على بعض الأذهان- لا يجوز وضع الثوب البتة ، وإنما المراد الثوب الذي لا يجوز لأحد أن يطلع عليه غير الزوج ، وليس معنى وضع الثوب خلع الثوب وتركه لا وإنما وضع الثوب الذي لا يصح لأحد أن يراها في تلك الحالة إلا الزوج كالإنكشاف أو نحو ذلك .
حكم الإتيان بالمعلمات وغيرهم من الأجنبيات :
س: في الحديث الذي يقول : (لا يحل لامرأة أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم ) ما رأي فضيلتكم في الموظفات الآتي يأتين من دول أجنبية وحدهن للضرورة كالتعليم ؟ (3/42)
صفحة 634
ج: ورد هذا الحديث من طرق متعددة وبألفاظ مختلفة ، فورد بلفظ ( لا يحل لامرأة أن تسافر يوم وليلة) وفي بعضها (يومين) وبعضها (ثلاثة أيام) وبعضها (بريدا) إلى غير ذلك من الروايات ، وهو حديث صحيح ثابت ، أما بالنسبة إلى سفر المرأة مع غير ذي محرم أو زوج فإنه لا يجوز ذلك قطعاً بنص هذا الحديث وبغيره من النصوص ، والعجب من أولئك الذين يأتون بنساء أجنبيات إلى هذه البلاد أو غيرها من بلاد المسلمين وبعضهن لسن على الإسلام فهذا لا يجوز ، أي لا يجوز لأحد أن يأتي بامرأة من غير ذي محرم بنص هذا الحديث وبغيره .
أما بالنسبة إلى النساء المشركات فليس لأحد أن يأتي بأحد منهن إلى بلاد الإسلام ولا سيما الجزيرة العربية ، بل لا يجوز له بأن يأتي بأحد من الرجال ، إذ الحديث قد صح بأنه (لا يجتمع دينان في جزيرة العرب ) ، فيجب علينا أن نتنبه لهذه القضية وننبه عليها .
فهي أولا أنه لا يجوز لأحد أن يأتي بمشرك إلى جزيرة العرب ، وأنه لا يجوز لأحد أن يأتي بامرأة مع غير ذي محرم منها بنص هذا الحديث وبغيره من النصوص الصحيحة الثابتة عنه عليه أفضل الصلاة والسلام .
المواضع التي يحل للمرأة أن تبديها :
س: يقول الله تعالى : (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ) ما معنى قوله تعالى : (إلا ما ظهر منها )؟ وما هي الزينة التي يجوز إظهارها لغير المحارم ؟ (3/43)
صفحة 635
ج: هذه المسألة مختلف فيها بين العلماء . فقد ذهب أصحابنا والجمهور وهو رواية عن أحمد إلى أنه يباح للمرأة أن تظهر وجهها وكفيها وباطن قدميها ، وذهب أحمد في رواية وعليه جل أصحابه إلى أن ذلك محجور . وهذه المسالة تعارضت فيها الأدلة ويمكن أن نتكلم عن ذلك في وقت آخر لأن الوقت قصير الآن والأدلة تستغرق وقت طويلا ، ونحن نذهب أولا إلى ترجيح قول الجمهور وهو أن الوجه والكفان وباطن القدمين ليست من العورة ، ولكن نقول أن المرأة إذا استطاعت أن تستر وجهها وكفيها فعليها أو ينبغي لها ذلك لأهلة مروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولفعل كثير من الصحابيات- رضوان الله تعالى عليهن - ، وإذا كان ذلك في تلك العصور فكيف بذلك في عصرنا هذا ، أما قضية ذكر الأدلة والجواب عن أدلة المخالفين أو أدلة الحنابلة حتى يرتدعوا عن تشددهم على المخالفين لهم في هذه المسألة ونبذهم بالألقاب القبيحة فلا بد من الكلام عليه حتى يظهر الحق جليا ، وبعد ذلك فلا مانع من العمل بالاحتياط بل هو مطلوب في الدين وقد دلت عليه سنة سيد المرسلين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين .
حكم مصافحة النساء :
س: ما رأيكم في مصافحة النساء ؟ (3/44)
صفحة 636
ج: مصافحة النساء محرم بنص سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصافح امرأة أجنبية ، كما ثبت ذلك عند جماعة من أئمة الحديث من طريق السيدة الطاهرة عائشة- رضى الله عنها- فإنه قال صلى الله عليه وسلم: (لا أصافح النساء) وقد جاء النهي عن ذلك من طرق متعددة عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فالمصافحة محرمة بالسنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يجوز لأحد أن يصافح امرأة ، فقد ثبت عن الروسل صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لأن يطعن أحدكم بمسمار في رأسه خير له من أن يمس امرأة لا تحل له ) والحديث رواه ابن حزم ورواه الطبراني قال في "الكبير " : قال الهيثمي رجاله رجال الصحيح ، وقال المنذري في " الترغيب والترهيب" : رجاله تقات رجال الصحيح ، وإذا كان هذا الحديث صحيح كما رأيتم فلا يجوز لأحد أن يخالف السنة الثابتة ، وقد علمتم العقوبة ، وهذه العقوبة لا تكون إلى على كبيرة من كبائر الذنوب ، والله سبحانه وتعالى أعلم .
حدود عورة النساء :
س: ما هي عورة النساء بالنسبة للمرأة ؟ وما هي عورتها بالنسبة إلى محارمها ؟
ج: عورتها المرأة للمرأة وعورتها لمحارمها وبالنسبة لمحارمها فهي كعورة الرجل بالنسبة للرجل أي ما بين السرة والركبتين ، هذا بالنسبة للمرأة المؤمنة وأما بالنسبة للمرأة المشركة أو الفاسقة فإن المرأة لا يجوز أن تنكشف أمامها البتة .
حكم التدخين :
س: هل التدخين حرام أم مكروه ؟
ج: التدخين محرم وقد اتفق أصحابنا على ذلك واتفق عليه جمهور الأمة وإنما اختلفوا في وجوب الحد فذهب بعض العلماء إلى إن المدخن يحد على شارب الخمر ، وذهب بعض العلماء إلى أنه يؤدب ، واختلفوا في ذلك ، من قائل بأنه يجلد أقل من ثمانين ، وقائل بأنه يجلد بتسعة وثلاثون سوطا ، ومن قائل بغير ذلك . (3/45)
صفحة 637
وأما أنه ليس بحرام فلم يقل بذلك أحد من أصحابنا ولا من جمهور الأمة ، ومن قال بكراهية التدخين فقد عارض المنقول والمعقول ، فإن الله سبحانه وتعالى قد نهى عن الأضرار بالنفس ، وحرم قتل النفس ، وفي التدخين إضرار كثيرة جدا كما أوضحها الأطباء بل قد أوضحها الفقهاء – جزاهم الله خيرا – من قبل وجود هؤلاء الأطباء ،فقد ذكروا في مؤلفاتهم بأن للتدخين عللا كثيرة ، وقد أوصلها بعظيم إلى مائه وعشرون علة .
وأيضا في التدخين إسراف بالمال وإسراف المال في غير مشروع حرام بنص سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما يدل على ذلك الحديث المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي فيه النهى عن إضاعة المال ، وهذا إضاعة المال ، وأيضا في التدخين إضرار بالمؤمنين ، وذلك لأن المؤمنين يتأذون بهذه الرائحة ، والإضرار بالمؤمنين حرام ، والله سبحانه وتعالى أعلم .
س: هل التدخين من الكبائر ؟
ج : التدخين حرام وقد استبدل العلماء على تحريمه بوجوه متعددة ومن مات على ذلك- والعياذ بالله- من غير توبة فهو حكمه حكم من ارتكب كبيرة وهو خالد مخلد في النار مخلد في النار ، كما أوضح العلماء ذلك- جزاكم الله خيراً – في باب الكلام على حكم مرتكب الكبيرة ، وقد أوضح ذلك كل من الإمام نور الدين- رحمه الله - في "مشارقه " وشيخنا- حفظه الله تعالى في تعليقاته على "المشارق" وفي "الحق الدامغ" ، إلا إنه لا يمكن أن يُقطع بذلك في شخص من الأشخاص لاحتمال أن يكون قد تاب قبل موته ولو بلحظة واحدة ، ولكن الحكم العام فيمن ارتكب هذه المعصية إنه مرتكب لكبيرة وحكمه حكم مرتكب الكبيرة والعياذ بالله .
بيان مدى صحة حديث "الهوا والعبوا ..."
س: في بعض الكتب رأينا هذا القول منسوب إلى الإمام علي ، وفي بعضها منسوب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم والقول هو "الهوا والعبوا فإني أكره أن أرى في دينكم غلظة " ؟ (3/46)
صفحة 638
ج: أقول : لم يأمر الرسول صلى الله عليه وسلم في يوم من الأيام ولا علي ابن أبي طالب باللهو والعب ، فأمثال هذه الأحاديث لا يمكن أن تنسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يمكن أن تنسب إلى أصحابي من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهو ليس بصحيح لا عن الرسول صلى الله عليه وسلم ولا عن علي ولا عن أحد من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
حكم مشاهدة الأفلام :
س: هل يجوز مشاهدة الأفلام والمصارعة وغيرها من التلفاز إذا لم يكن بقصد مشاهدة العورات ولكن بقصد التسلية ؟
ج: النظر إلى شيء من الأفلام الخليعة والأفلام المائعة لا يجوز ، وذلك لأن الرسول قد لعن الناظر والمنظور إليه ، لا فرق في المنظور بين ما إذا كان في صورته ظاهرة أو كان منقول بشيء من هذا الآلات الحسية ، فهذا حرام بنص السنة المروية عن الرسول صلى الله عله وسلم .
أدلة تحريم الغناء :
س : وجدت في أحد الكتب أن الأحاديث التي وردت في تحريم الغناء ضعيفة ، فما قولكم في ذلك ؟ (3/47)
صفحة 639
ج : ذكر ذلك الأمام الغزالي في كتاب مؤخرا ، وقد رد عليه طائفة من العلماء ، والغزالي ليس من أئمة الحديث حتى يصحح أو يضعف ، والعجب بأن هذا الزمان قد ابتُلي بجماعة من الناس الذين لم يدرسوا مصطلح الحديث ولم يتعبوا أنفسهم بقراءة كتب الصحاح والسنن ثم بعد ذلك أخذوا يصححون ويضعفون على حسب ما تمليه علييهم عقولهم القاصرة ، أو أنهم يقلدون بعض من لم يتعمق في هذه العلوم ، والغزالي مقلد في هذا لابن حزم في كتابه "المُحلى" ، وابن حزم فيه قصور في النظر والمتابعة والشواهد ، وإنما ينظر في إسناد الحديث ويضعفه لأدنى علة ، وإلا فالأحاديث المُحرمة للغناء رُويت من طرق متعددة عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم منها الصحيح ومنها الحسن ومنها والضعيف الذي يشده الصحيح أو السحن ، وقد رُويت من طرق متعددة منها عن علي ابن أبي طالب وعن السيدة عائشة- رضي الله تعالى عنها – وعن ابن عباس وعبدالله ابن عمر وابن العاص وابن أمامة الباهلي وسهل بن سعد الساعدي وغيرهم من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأقوى تلك الأحاديث حديث أبي مالك الأشعري- رضي الله تعالى عنه- الذي رواه الإمام البخاري جازماً بصحته ورواه الطبراني وأبو داود وابن ماجه بلفظ ( ليأتين رجال من أمتي يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف ) هذا أقرب شيء إلى لفظ أبي داود ، وقد أطال العلامة ابن القيم في عدة كتب من كتبه في الانتصار لهذا المذهب وبيان صحة الأحاديث المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الموضع ، كما أطال في ذلك العلامة الحافظ ابن حجر في " فتح الباري" شرحه على صحيح البخاري . (3/48)
صفحة 640
ولم يأت من قال بحلية استماع الأغاني- كالغزالي- بشيء يستحق المناقشة ، وقوله بأن تلك الأحاديث لم تثبت فقد ثبتت عند من هو أكثر منزلة منه ، وعلى كل فالعالم له هفوات فقد يخطئ وقد يصيب ، والله سبحانه وتعالى قد أمرنا بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ولم يأمرنا بطاعة أحد من الناس ، والله سبحانه وتعالى أعلم .
حكم لعب الورقة .
س: ما حكم لعب الورقة إذا لم تكن تُلهي عن الصلاة في وقتها أو غيرها من العبادات ؟
ج: أقول : الورقة هذه شُغل شاغل ، شُغل عن عبادة الله وعن طلب العلم ولكن يقال في حكمها أنها مباحة ما لم تشغل عن عبادة الله سبحانه وتعالى كالصلوات والجماعات وقراءة القرآن والأذكار وطلب العلم ، ولم يكن هناك شيء من السب أو الشتم أو التنابز بالألقاب ، وعلى كل حال فالورقة لا تخلوا من شيء من ذلك ، وهكذا بقية الأمور التي تشبه هذه الورقة ، ولكن إذا لم يحصل شيء من ذلك فنقول بكراهيتها ، أما بالتحريم فلا نستطيع أن نقول بذلك لعدم الدليل ، ولكن نقول بالشروط المتقدمة وهي عدم التساب أو التشائم أو التنابز بالألقاب أو شيء من الرهان أو شغل عن عبادة الله سبحانه وتعالى ، أما إذا كان شيء من ذلك فهي محرمة .
حكم حلق الحية وصبغها .
س: هل يجوز حلق اللحية أو صبغها ؟ (3/49)
صفحة 641
ج: حلق اللحية أو قصها لا يجوز بحال من الأحوال ، وقد ثبت النهي الصريح في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من عدة طرق : من طريق أبي هريرة وأبي سعيد وابن عمر وابن عباس وغيرهم من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، منها عند الإمام الربيع- رحمه الله تعالى- ومنها عند الشيخين وأصحاب السنن الأربع وأحمد وغيرهم ، منها فيها أمر بتوفير اللحية ، والأغلب في إعفائها ، منها فيها النهي عن أخذ شيء من اللحية ، والأمر للوجوب بدليل قوله تعالى : ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنه أو عذاب ألم ) ، والنهي للتحريم ، وقد اتفق هاهنا الأمر والنهي فهما دليلان ، وزيدوا على ذلك النهي عن التشبه بالنساء ، ولا شك أن الحالق متشبه بالمرأة ، والتشبه بالنساء حرام بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء ...) إلى آخره ن وفوق ذلك فيه تشبه بأعداء الله ، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التشبه بهم ، بل جعل المتشبه بهم منهم ، كما جاء في الحديث الذي فيه ( من تشبه بقوم فهو منهم ) والحديث رواه أبو داود وابن أبي شيبه وعبد الرزاق ورواه جمع من أئمة الحديث ، قال العراقي في تخريج " الأحياء" بأن إسناده جيد ، وقال الحافظ : إنه حسن ، وصححه جمع من أئمة الحديث ، وحسنه آخرون ، وهو حديث صحيح ثابت ، وفوق ذلك فإن الله سبحانه وتعالى قد أشار في الكتاب العزيز إلى النهي عن ذلك . (3/50)
صفحة 642
فمن حلق لحيته أو قصر شيئاً منها فهو مرتكب لمحرم والعياذ بالله تبارك وتعالى من ذلك ، ولا يصح الاستناد بالأخذ من اللحية إلى الحديث المروي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأخذ من لحيته ، وهو حديث رواه الترمذي وقال : غريب ، أي ضعيف ، وذلك لأن الترمذي يستعمل كلمة "غريب" على ثلاثة معان منها: أنه يريد بها الضعيف ، فقال : بأنه غريب هاهنا أي ضعيف ، وهو في حقيقة الواقع موضوع ، وقد قصر الترمذي في اكتفائه بالتضعيف ، وإن كان الضعيف أيضاً يشمل الموضوع ، وذلك لأن الضعيف على سبعين نوعا من الأنواع منها الضعيف .
وهذا الحديث موضوع لأنه من طريق عمر بن ميمون وهو كذاب وضّاع ، ولا يمكن أن تترك تلك الأحاديث الصحيحة الصريحة الثابتة بمثل رواية هذا الكذاب والله المستعان .
وصبغ اللحية إذا كان بغير السواد فهو جائز ، وأما بالسواد فلا يجوز ، وقد ثبت النهي في أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء في بعضها- وحسنه بعض العلماء- ( من صبغ بسواد سود الله وجهه يوم القيامة) والحديث في النهي ، من ذلك منها في البخاري ومسلم ، ومنها في غيرهما ، فلا يجوز بالسواد وأما ما عدا ذلك فلا مانع منه .
حكم تأجير المحلات لبيع المحرمات .
س: ما حكم الإسلام في تأجير المحلات للأماكن التي ترتكب فيها المحرمات كمحلات بيع الأغاني والسجائر وغيرها ؟ (3/51)
صفحة 643
ج: الحق الحقيق بالقبول أنه لا يجوز لأحد أن يؤجر بيته لأحد يعلم منه أنه يتعامل فيه بشيء من المعاصي ، وذلك كبيع التدخين أو كبيع الأشرطة التي فيها الأغاني والمزامير الشيطانية أو نحو ذلك ، وأما إذا كانت مشتركة تبيع ذا وذاك ولم يخبره عند البيع قد يكون الأمر أهون من ذلك ، لكن إذا استطاع وعلم من قبل فإنه لا يجوز أن يعينه على معصية ، وهكذا الشأن في الأماكن الربوية أو نحو ذلك ، وقول من يقول بخلاف بذلك قول باطل لا دليل عليه ، وذلك لأن هذا من باب التعاون على الفساد ، والتعاون على الفساد لا يجوز بحال من الأحوال .
حكم دعاية البارد ومسابقات السحب .
س: هل يجوز أخذ قيمة ما يسمى بالدعية التي تظهر على أغلفه الباردة للأطفال والكبار على حد سواء أو الجوائز التي تصدرها الشركات إذا كان الشخص محتاجا لتلك المكافأة المالية ؟ وهل من فرق بين المتعمد وغير المتعمد في أخذ الدعاية ؟
ج: أما القاصد فلا تجوز له قطعا ، وأما الذي لم يقصد ففي ذلك خلاف ، والذي نراه عدم الجوائز ، والله أعلم .
حكم اليانصيب .
س: ما قولكم في اليانصيب الذي تبرزه المحلات التجارية , فمثلا عند شرائك من محل معين ما قيمة ثلاث ريالات يقوم المحل بإعطائك رصيدا تكتب عليه اسمك وعنوانك وعلى ذلك الرصيد رقمان : رقم البضاعة في صندوق الاقتراع ، ورقم يحتفظ به حتى يأتي أوان الاقتراع ، فإذا ما قدر لك الحظ وفزت بأحد الجوائز التي يوضع في هذا الاقتراع ، فما حكم هذا اليانصيب من هذا النوع ؟ لا ريب أن هناك نوعا من المساهمين في البنوك ونوعا أخرى يشتري فيه ذلك الرصيد بقيمه معينه ؟
ج :هذه المسألة كالمسألة السابقة ، قلنا بأن ذالك لا يجوز ، هذا الذي نراه دفعا للمفاسد ، كما ذهب إليه المحققون من العلماء ، الله أعلم .
حكم تقبل هدية النصارى
س: مهل يجوز تقبل هدية النصارى ؟ (3/52)
صفحة 644
ج: هدية النصراني يجوز تقبلها لكن بشرط ألا تكون هناك له عزة أو هيبة أو احترام أو غير ذلك ، وقد تقبل بعض المسلمين بعض الهدايا من علماء ومن غيرهم .
حكم الوصية لغير المسلم .
س: إذا أسلم مشرك من أسرة كافرة ، فهل يجوز أن يوصي بجل تركته لغير وارث مسلم ؟
ج: إذا لك يكن له أحد من الورثة فإنه يجوز له أن يوصي ولو بماله كله ، وأما إذا كان له أحد من الورثة فلا يجوز له أن يوصي بأكثر من الثلث بإتفاقهم .
بأن المشرك لا يرث المسلم باتفاق الجميع ، وإنما الخلاف في المسلم هل يرث المشرك أو لا ؟
والذي عليه جمهور الأمة ودل له الثابت عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه يرث مسلم مشركاً ، وعليه في مثل هذه الحالة يجوز له أن يوصي بالجل أو الكل ، الله أعلم .
أما أن يوصي للمشرك بكل ماله فلا يجوز ولا يجله ، وأما أن يوصي بنصفه فلا بأس ، لكن الوصية لمشركة لا نقول بأنها لا تجوز ، فقد ثبت عن السلف بل ثبت عن شيء من الروايات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يمكن أن يستفاد من ذلك ، وإنما نقول بأنه لا يستحسن أن بوصي بالكل أو بالجل لغير المسلمين ,أما جوائز الوصية للمشرك إذا لم يكن حربا للمسلمين فقد جوزه كثير من العلماء , ولا سيما إذا كانت هناك مصلحه لعليم يدخلون في الإسلام أو نحو ذلك .
حكم الصيد إذا أطلق عليه النار
س: ما حكم الصيد إذا أطلق عليه النار فسقط ميتا في حينه ؟
ج: هذه المسألة ذهب الجمهور إلى أنه لا يجوز أكل الصيد الذي أطلق عليه النار بهذه البنادق ولو ذكر اسم الله سبحانه وتعالى عليها ، وهذا هو الراجح عندهم ، وإن ذهبت طائفة من العلماء لاسيما من المتأخرين إلى جواز ذلك ، ولكن القول الأول هو أقوى القولين ، والله أعلم .
أقول : إذا كانوا يدعون سبعين بابا من الحرام مخافة أن يقعوا في الحرام ، فما بالك بالحرام نفسه .
حكم التجسس على من يكيد الشر .
س: هل يجوز لشخص ما أن يتجسس في السمع على شخص يكيد له الشر ؟ (3/53)
صفحة 645
ج: الأصل : التجسس ممنوع ، حرم الله الغيبة بالنسبة للمسلمين ، فلا يجوز لمؤمن أن يغتاب مؤمنا ، وأما التجسس فهو حرام ولكن استثنى بعض العلماء بعض الحالات ، وهذه الحالة منها ، فلا بأس عليه من التجسس ، بل قد يجب عليه إن خاف منه شراً أو خاف على بعض المسلمين ، والله أعلم .
حكم نقل الأعضاء من شخص لآخر .
س: مسألة نقل الأعضاء من جسم إلى آخر وكذلك الدم ، أخبرت بعدم جواز ذلك إلا في الدم عند الضرورة ، وأستفسر حول هذه المسألة بعض الاستفسارات منها :-
- هل هذه المسألة مما أختص بها أصحابنا أم للمخالفين فيها رأي ؟
- إن قال قائل الضرورات تبيح المحظورات ، فما قولكم في ذلك ؟
- ما سبب المنع والإسلام أمرنا بحب الخير للآخرين كما نحبه لأنفسنا ؟
- سمعت أحد المخالفين يحتج بعدم الجواز في نقل الأعضاء بأن في ذلك زيادة في عمر الإنسان عن العمر الذي قدره الله له ، فهل هذا صحيح ؟
- كذلك ما سبب منع نقل الدم للمساعدة في غير الضرورة ؟
أفيدونا ولكم الأجر والثواب .
ج: نقل الأعضاء لا يجوز على الرأي الراجح ، وهو مذهب الجمهور ، وقد قال به طائفة كبيرة من أصحاب المذاهب الأخرى ، والأدلة على ذلك كثيرة جداً ، أهمها أن الإنسان لا يملك التصرف في أعضائه إذ لم يأذن له الشارع بذلك ، وأما الدم فالصحيح الجواز عند الحاجة لأدلة كثيرة ، والفرق بينه وبين الأعضاء واضح جلي من وجوه متعددة .
وما ذكرتموه من الأدلة لا يُقاوم ما ذكر المانعون ، وهذه العجالة لا تكفي لذكر كل الأدلة التي استدل بها المانعون وهدم ما استدل به المجوزون ، ولعل الله ييسر ذلك في وقت قريب .
وأما احتجاج المخالف فليس بصحيح ، هذا وقد جوز بعض العلماء نقل الأعضاء مع شروط اشترطوها ، ونحن وإن كنا لا نجوز ذلك إلا إننا نقول : إن من عمل بذلك وأخذ بقول من أقوال المسلمين فلا حرج عليه إن شاء الله ، ولكن بشرطين :- (3/54)
صفحة 646
عند الضرورة القصوى ، بحيث لا يمكن العلاج إلا بذلك .. في نقل الكلية فقط ، نعم له أدلة .
حكم التنويم المغناطيسي .
س: التنويم المغناطيسي هل له نصيب من الصحة ؟ وهل هو جائز ؟ وكيف يحدث ؟ وما زعمه الزرقاني في كتابه مناهل العرفان بأن هذه العملية هي أقرب صورة للوحي ، هل هذا صحيح ؟
ج: التنويم المغناطيسي نوعان : النوع الأول هو ما يعرف عندهم بالإيحاء الطبي ، وهو معروف بالطب النفسي وله حقائق ومعلومات ثابتة وطرق عملية محددة ، وقد استعمل في علاج كثير من الأمراض كالأرق والوساوس وغيرهما .
والنوع الثاني : هو التنويم المسرحي ، الذي يقوم به بعض الدجالين أو السحرة ، وقد ساعدهم بعض الجن على ذلك ، وهذا النوع دجل وشعوذة وهو غير جائز ، والزرقاني إن أراد بقوله المذكور أن هذا الأمر خارق للعادة ، كما هو الشأن في المعجزة ، فله وجه كما هو مبين في محله ، وإلا فهو باطل لا وجه له ، والله أعلم .
علاج الغضب .
س: ما حكم الشرع في الغضب لأتفه الأسباب ؟ وما هي الطريقة للتخلص منه ؟
ج: يخلص منه بالاستعاذة من الشيطان ، لأن هذا الشيطان هو الذي يسبب ذلك ، وقد جاء في بعض الروايات أن الذي يغضب عليه أن يستحم ، لأن للماء خصوصية في تهدئة الغضب ، وعلى كل يجب الاستعاذة من الشيطان واللجوء إلى بعض الأذكار الواردة عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، والمواظبة على قراءة القرآن .
توبة المغتاب .
س: كيف تكون توبة المغتاب لشخص ، هل تكون بأن يذهب إليه ويخبره بأنه إغتابه ويطلب منه الصفح؟
ج: في ذلك خلاف بين العلماء ، ذهب أكثر العلماء إلى أنه عليه أن يتوب إلى الله تبارك وتعالى وليس عليه أن يذهب إلى ذلك الشخص فيخبره بأنه قد اغتابه ويطلب أن يسامحه في ذلك وذهبت طائفة من العلماء إلى أنه يجب عليه أن يذهب إليه ، والقول الأول لعله هو القول الصحيح ولاسيما إذا خلف من ذلك الفتنة ، والله أعلم . (3/55)
صفحة 647
بيان معنى النسيان في الحديث الذي رواه الربيع عن القرآن .
س: جاء في مسند الإمام الربيع ( من تعلم القرآن ثم نسيه حشر يوم القيامة أجذم ) فما المقصود بالنسيان هنا ؟
ج: اختلف العلماء في هذا النسيان ، فقيل بالنسيان نسيان التلاوة ، وقيل النسيان ترك العمل بالكتاب العزيز ، لكن هذا لا يساعفة اللفظ ، وقيل النسيان هو إذا تعمد أن يترك الكتاب ، وقيل نسيان الترك وليس نسيان اللفظ ، والله سبحانه وتعالى أعلم ، وتجدون ذلك في شرح الإمام السالمي- رحمه الله -.
حكم رد السلام .
س: رجل سلم على جماعة كبيرة ، فما حكم ردّهم عليه ؟
ج: اختلفوا في رد السلام ، هل هو فريضة على الأعيان أم هو فريضة على الكفاية ، فإذا قلنا بالقول الأول فإنه يجب أن يردّوا عليه جميعاً ، وإن قلنا بالقول الثاني فإنه يمكن أن يجتزأ البعض بالبعض الآخر، والله اعلم .
كيفية رد السلام .
س: رجل سلم على رجل ، فقال: " السلام عليكم ورحمة الله وبركاته " ، فهل يلزمه ردّه كاملا إلزاما واجباً ؟ (3/56)
صفحة 648
ج: نعم يلزمه ذلك على قول من يقول بوجوب رد السلام أي أن رد السلام فرض واجب ، كما هو قول جمهور العلماء , بل يجوز له أن يزيد على ذلك قوله "ومغفرته" فإنها قد جازت في رواية , وهي وإن كانت ضعيفة إلا أن ظاهر القرآن يؤيد جواز الزيادة , وإن كنا بحمد الله لا نقول بجواز الاحتجاج بشيء من الأحاديث الضعيفة , لا في الأمور الاعتقادية ولا الأمور الفقهية , بالطبع فهذا متفق عليه إلا ما ذهب إليه بعض الضعفاء من الاحتجاج ببعض الأحاديث الضعيفة في بعض المسائل الفقهية , بل ومع ذلك نقول لا يجوز لأحد أن ينسب شيئا من الأحاديث إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وهو لا يعلم بأنها صحيحة ، ولو كان ذلك في شيء من الوعظ أبدا , كما ذكرنا ذلك في العام الماضي ، وعسى أن نتكلم على ذلك في مناسبة أخرى ، فإن كثيرا ً من الوعاظ وللأسف الشديد المحزن ينسبون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ما لم يثبت عنه بدعوى أن هذا في الوعظ والإرشاد وليس في أمر تعبدي , ونحن نطالبهم بدليل إذا كانوا يجدون , ذلك بأنهم بحاجة إلى ذلك , ولكن ما أظنهم سيجدون شيئا من الأدلة , بل الأدلة قاضية بأنه لا يجوز لأحد أن ينسب شيئاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , وما أشبه هؤلاء بأولئك الوعاظ الذين كانوا ينسبون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقله ويضعون عليه الأحاديث ويقولون : نحن لم نكذب عليه بل نكذب له ، فالفريقان متشابهان، والله أعلم .
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا جامع أولي لفتاوى الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي في أحكام الحج والعمرة وما يتعلق بهما
مِمّا تمكنا مِن الحصول عليه مِن حلقات برنامج " سؤال أهل الذكر " مِن تلفزيون سلطنة عُمان
س1: نُشاهِد بعضَ الناس يُصلُّون بعدَ السعي، فهل تُشرَع صلاةٌ في ذلك الوقت ؟ (3/57)
صفحة 649
ج: إنّ الذي عليه جمهورُ الأمّة أنه لا تُشرَعُ صلاةٌ بعدَ السعي، لِعدمِ ثبوتِ شيءٍ في ذلك عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذا القول هو القولُ الصحيح.
وذهبتْ طائفةٌ قليلةٌ جدا مِن العلماء إلى مشروعيةِ الإتيانِ بِركعتيْن بعدَ السعي، وقد احتَجَّ لذلك العلاّمةُ الكمالُ بن الهمام بِحديثٍ مروي عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وذَكَرَ فيه العلاّمةُ الكمال بِأنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يُصلِّي بعدَ سعيِه، ولكنّ هذه الرواية لَم تَثبتْ عن رسولِ الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بل لم يَرْوِها ابنُ ماجة بِهذا اللفظ وإنما رواها بِلفظ: " بعدَ سبع " .. أي بعدَ سبعةِ أشواط، وذلك يعني أنّ ذلك بعدَ الانتهاءِ مِن الطوافِ بِالبيت.
فهاتان الركعتان بعدَ الطواف، وليستا بعدَ السعي؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س2: ما حكمُ صومِ يومِ عرفة لِمَن كان واقِفا بِها ؟
ج: صومُ يومِ عرفة لِمَن لم يَكن واقفا بِها ولم يَكن ذلك في يومٍ يُنهى عن الصيامِ فيه (1) .. أي كأن يَكون مصادِفا لِيومِ الجمعة .. فإنه مشروعٌ بِالنصِّ الثابِت عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد أَجمعتْ على مسنونيةِ ذلك الأمّةُ الإسلامية قاطبة، وإنما وَقَعَ الخلافُ بيْن العلماء فيما يَتعلَّقُ بِصيامِ يومِ عرفة في أمريْن اثنيْن:
أوّلُهما: إذا صادَف ذلك يوما منهيا عن صيامِه كيومِ الجمعة مثلا فإنّ العلماء في هذه الحالة قد اختلَفوا في الصيام لِهذا اليوم:
__________
(1) -قال الشيخ: " عنه " بدلا مِن " فيه " والظاهر أنه سبق لسان. (3/58)
صفحة 650
فذهبتْ طائفةٌ منهم إلى عدمِ مشروعيةِ الصيام، وذلك لِما ثبتَ عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-أنه نَهى عن الصيامِ في يومِ الجمعة إلا لِمَن صام يوما قبلَه أو بعدَه، وهو حديثٌ صحيحٌ ثابِت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، رَوَتْه طائفةٌ كبيرة مِن أئمةِ الحديث، والنهيُ يُقدَّم على الأمْر .. أي إذا تَعارَض دليلان أحدُهما يَدلّ على النهْيِ عن أمْر والآخَر يَدلّ على الأمْرِ بِه فإنّ النهيَ مُقدَّم على الأمْر ولو كان ذلك المنهي عنه مكروها إذا كان المأمور بِه مندوبا.
وذهبتْ طائفةٌ مِن العلماء إلى القولِ بِمشروعيةِ ذلك، وذلك نظرا إلى أنّ الصائمَ لَم يَقصِد بِصومِه يومَ الجمعة وإنما قَصَدَ بِصومِه يومَ عرفة، وهذا القولُ هو القولُ الصحيح، وذلك لأنّ النهيَ مُقيَّدٌ بِعِلَّة وهي وإن لم تَكن منصوصة ولكنها مستنبطَة وإذا كان الأمْرُ كذلك فإنّ ذلك الحديث يُخَصُّ بِهذا الحديث الثابِت عن رسولِ الله-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-إلا أنه يَنبغِي الخروج مِن الخلاف، فالأَفْضَل لِمَن أَرادَ أن يَصومَ ذلك أن يَصومَ يوما قبلَه بِأن يَصومَ يَومَ الخميس، ولا شك أنّ يومَ الخميس قد ثبتَتْ بِصيامِه السنّةُ الصحيحة الثابِتة عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-ولاسيما أنّ ذلك في الأيامِ العشْر والعمل فيها أَفْضَل مِن غيرِها كما ثبتَ ذلك عن رسولِ الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
هذا وأمّا الأمْرُ الثاني وهو: صيامُ يومِ عرفة لِمَن كان واقِفا بِعرفة فإنه قد اختلَف فيه العلماء أيضا:
ذهبتْ طائفةٌ مِن العلماء إلى أنّ ذلك يُكرَه لِمَن يُشغِله ذلك عن الدعاء بِأن يَكون مُرهَقا بِسببِ الصوم، أما إذا لم يَكن ذلك فإنه يَنبغِي لَه أن يَصوم بل إنّ ذلك يُشرَعُ في حقِّه.
وذهبت طائفةٌ مِن العلماء إلى النهيِ عن ذلك، وذلك لأنه ثبتَ عن رسولِ الله-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-أنه أَفْطَرَ في ذلك اليوم في حَجَّتِه. (3/59)
صفحة 651
واحتَجّتْ طائفةٌ مِن العلماء على النهيِ عن ذلك بِما رَوَتْه طائفةٌ مِن أئمةِ الحديثِ-كالنسائي في " السنن الكبرى " وأبي داود وابن ماجة والحاكم في " المستدرَك " وأبي إسحاق الحربي في " غريب الحديث " والطحاوي في " شرح معاني الآثار " وأبي نعيم في " حِلية الأولياء " والخطيب البغدادي في " تاريخ بغداد "-مِن أنّ الرسولَ-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-نَهى عن صيامِ عرفة لِمَن كان واقِفا بِعرفة، إلا أنّ هذا الحديث لم يَثبتْ عن رسولِ الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لأنه مِن طريقِ مهدي الهَجْرِي وهو مَجهول، وقد جاءَ مِن طريقٍ أخرى ولكنها واهِيَة بِمَرّة، لأنها مِن طريقِ إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأَسْلَمِي وهو واهٍ بِمَرّة فلا يُؤخَذُ بِرِوايتِه.
فإذن العُمدَةُ الفعلُ الثابِت عن رسولِ الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
س؟: بِالنسبة لِزوجةِ العَم وزوجةِ الخال، هل هما مِن المحارِم ؟
ج: زوجةُ الخال وكذا بِالنسبةِ إلى زوجةِ العَم فهما ليْستا مِن المحارِم .. المرادُ بِالمحارِم هنّ مَن لا يَجوز لِلشخصِ أن يَتزوّجَهُنّ في الحاضِرِ ولا في المستقبَل، فكلُّ امرأةٍ لا يَجوز له أن يَتزوّجَها في الحاضِر .. أي في الوقتِ الحاضِر ولا في المستقبَل فإنه يَجوز لَه أن يُصافِحَها، وأما إذا كان لَه أن يَتزوّجَها في هذا الوقت أو في المستقبَل فإنه لا يَجوز لَه أن يُصافِحَها بِحالٍ مِن الأحوال، كما قدّمنا ذلك؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س؟: هناك مَسْلَخ يُوجَد خارجَ مِنى، هل يَصِحّ لِلحاج أن يَهدِي فيه ؟
ج: نعم، الهدْيُ يَجوز في مِنى وفي مَكّة بل في الحرَم كلِّه على مذهبِ جمهورِ العلماء كما نصّتْ على ذلك السنّة .. نصّت السنّة على جوازِ ذلك في مِنى وفي مكة، وسائرُ الحرَم تابِعٌ لَهما؛ والله أعلم.
مِن حلقة لم نتمكن مِن ضبط تاريخها كان موضوعها عن: مناسك الحج
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عام 1422هـ (3/60)
صفحة 652
س4: ...
ج: إذا كان ذلك الإنسان يستطيع أن يذهب بنفسه فإنه لا يجوز لأحد أن يعتمر أو يحج عنه، وإنما تكون النيابة عن المريض الذي لا يستطيع في الحال ولا في المستقبل على حسب الظاهر أو عن الميت، فمثل هذين هما اللذان يصح الاعتمار أو الحج عنهما؛ والله أعلم.
مِن حلقة 5 رمضان 1422هـ، يوافقه 21/11/2001م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
س2: يبدو أنّ الأخت أشكل عليها بين الوصية وبين القيام بتنفيذ الصيام عن طريق الوصية-أيضا-أو الحج .. صحيح أنه لا وصية لوارث لكن هل عندما يوصي الوارث لموروثه أن يصوم عنه أو أن يحج عنه، هل له أن يحج عنه أو يصوم عنه ؟
ج: ...
وأما بالنسبة إلى هذه المسألة وهي ما إذا أوصى رجل بحج أو صيام أو ما شابه ذلك فهل لبعض ورثته أن يقوموا بتنفيذ هذه الوصية وأن يأخذوا مقدارا من المال مقابل تنفيذ تلك الوصية ؟ فالجواب: نعم، لأنّ هذه الوصية ليست لذلك الوارث بسبب أنه قريب للمتوفى وإنما بسبب قيامه بهذا العمل الذي قام به بل الأولى أن يقوم بإنفاذ هذه الوصية وأن يقوم بتأديتها أقارب المتوفى، لأنّ الحديث قال: ( من مات وعليه صوم صام عنه وليه )، وجاء-أيضا-في الحديث الذي فيه أنّ النبي-صلى الله وسلم وبارك عليه-سمع رجلا يقول: " لبّيك عن شبرمة " قال: ( من شبرمة ؟ ) قال: " قريب لي " أو " أخ لي "، حتى أنّ بعض العلماء ذهب إلى أنه لا تصح العبادة من شخص بعيد لشخص بعيد عنه؛ ولذلك تعرف الأخت السائلة بأنّ هذه القضية لا تدخل ضمن الحديث الثابت عن النبي صلى الله وسلم عليه؛ والله-تعالى-أعلم.
س14: رجل نذر أن يحج عن والدته ولكن والدته ضعيفة في السّن .. كبيرة تحتاج إلى أن يقوم برعايتها والعناية بها، فهل له أن يذهب ليحج عنها ويترك المهمّة على أخواته ليقمن بذلك وأخواته لا يستطعن أن يقمن بالمهمّة التي ترضي الوالدة لأنها تحتاج إلى رجل يستطيع حملها إلى دورات المياه وغيرها ؟ (3/61)
صفحة 653
ج: الله أعلم, إذا كانت الأخوات يستطعن أن يقمن بهذه المهمّة فعليه أن يذهب لتأدية الحج الذي نذر به، وأما إذا كانت الأخوات لا يستطعن على ذلك فهو معذور إلى أن يمكنه أن يقوم بتأدية هذه الفريضة ولكن الذي أراه أنّ الغالب لا يشقّ على النساء من أن يأخذن هذه المرأة إلى دورات المياه وما شابه ذلك؛ والله-تعالى-أعلم.
مِن حلقة 6 رمضان 1422هـ، يوافقه 22/11/2001م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
س9: ...
ج: ... حقوق الله-تبارك وتعالى-كالزكاة والكفارات والحج فإنّ طائفة من أهل العلم يقولون: إنّ مثل هذه الأمور تخرج من رأس المال وليس من الثلث؛ وهذا رأي وجيه جدا ...
مِن حلقة 7 رمضان 1422هـ، يوافقه 23/11/2001م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
س1: ...
ج: ... فالزكاة والصيام والحج والصَّلاة مِن الأمور المعلومة مِن الدِّين بالضرورة ومَنْ أَنْكَرَهَا كَافر ...
س6: ...
ج: ... وأريد أن أُنَبِّه على مسألة مهمَّة وهي أنَّ كثيرا مِنَ النِّسَاء يَذْهَبْنَ إلى الحج أو العمرة مِن غير أن يُصَاحِبَهُنّ مَحْرَم أو زَوْج ولا شَكَّ أنَّ ذلك لا يصِحّ .. نعم رخَّصَ بعض العلماء في ذلك لأداء الفريضة-أي لِحَجَّة الفريضة-بشَرْطِ أن يكون هنالك رجال مِن الثقَاة ومعهم نساء مِن مَحَارِمِهم، أمَّا أن تذهب امرأة مع رجل أجنَبِي ولا يوجد لَها مَحْرَم أو هذا الرجل ليس مِن أهل الصلاح أو ليست مَعَهُ إلا امرأة أو امرأتان أو ما شابه ذلك مِمَّن يُمكن أن يقع بينهم التَّوَاطُؤ وتقع هنالك معصية مِن معاصي الله-تبارك وتعالى-فهذا مِمَّا لَم يقل به أحدٌ مِن العلماء، وكذلك بالنسبة إلى حج النافلة فلا ينبغي أن يُترخَّصَ فيه، فهذه الأمور ينبغي أن يُتَنَبَّهَ إليها. (3/62)
صفحة 654
والإنسان إذا كان يريد أن يقوم بالإتيان بطاعة مِن طاعات الله تبارك وتعالى .. أن يأتي بفريضة مِنْ فرائض الله أو بسُنَّة مِن السُّنَن التي ثبتت عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-فإنَّه ينبغي له أن يأتي بِهَا على الوجه الصحيح، وألاّ يذهب إلى تأدية الحج-سواء كان فريضة أو نافِلَة-وهو عَاصٍ لله تبارك وتعالى .. مُخالِف لأمره ولأمر رسوله صلى الله وسلم وبارك عليه، فعلى النساء ألاّ يذهبن إلا مع مَحارمهنّ أو مع أزواجهنّ، وعلى الرجال أن يتعاونوا مع مَحَارِمِهم وأن يُرافقُوهُنّ لتأدية ما وَجَبَ عليهنّ، أما أن تذهب المرأة مع غير مَحْرَم فهذا مِمَّا ينبغي أن يُتَشَدَّد فِيه؛ والله-تعالى-أعلم.
مِن حلقة 12 رمضان 1422هـ، يوافقه 28/11/2001م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
س9: ...
ج: ... الذي وَرَد عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-أنه أَمَر-وهذا امتِثالا لأمْرِ الله تعالى-النساء عند تَحَلُّلِهِنَّ مِن الحج بِأن يُقصرن شعر رؤوسِهِن، وذلك قدْرٌ يَسِيرٌ جِدّا.
...
مِن حلقة 19 رمضان 1422هـ، يوافقه 5/12/2001م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
س3: ...
ج: ... وهذا يَنْطَبِقُ على الحج تَماما، فإنَّ القول الصحيح هو قَوْل مَن يَقول إنَّه يَجِب على الفَور:
مَن وَجَدَ استطاعةً عليه ... بِالفَوْرِ أَن يُعَجِّلَن إليه (1)
فمَن استطاع الحج عليه أن يُؤَدي هذه الفريضة على الفور، وليس له أن يؤخِّر بدعوى أنه يَجوز التأخير.
__________
(1) -الإمام نور الدين السالمي، جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام، كتاب: الحج، باب: النيابة في الحج. (3/63)
صفحة 655
وبعضهم يُوصِي ويَحْتَج ببعض الأحاديث التي لَم تثبت عن رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-كحديث: " يدخل بالحجة الواحدة ثلاثة " وما شابه ذلك، فهذه أحاديث لا تثبت عن رَسُولِ الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والله-تعالى-قد حَذَّرَنَا عن التَّمَادي: { ... وَأَنْ عَسَى (1) أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ ... } [ سورة الأعراف، من الآية: 185 ]، فالتأخير مِمَّا لا يَصح، فمَن استطاع عليه أن يُؤَدِّي هذه العبادة-التي هي رُكن مِن أركان الإسلام-على الفَوْر.
مِن حلقة 20 رمضان 1422هـ، يوافقه 6/12/2001م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
س1: ...
ج: ...
وأمَّا بِالنسبة إلى خُطْبَةِ العيد وخُطْبةِ عرفة هل يُخْطَب فيهما بِخطبةٍ واحدة أو يُخطب فيهما بِخُطبتَيْن ؟ فهذا قد اختلَف فيه أهل العلم:
1-ذهبتْ طائفة كبيرة مِنْهم إلى أنَّه يُخطب في كل واحدةٍ منهما بِخُطبةٍ واحدة، وذلك لأنَّ الرواياتِ الصحيحة التي جاءتْ عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-نَصَّتْ على أنَّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-كان يَخطُب خطبةً واحدة.
2-وذهبت طائفة مِن أهل العلم إلى القولِ بِمشروعية الخطبَتَيْنِ والجلوس بَيْنَهُمَا.
3-وذهب بعضُهم إلى مشروعيةِ الخطبتيْن وعدم الجلوس.
واستدلّ القائلون بِالخطبتيْن بِحديثَيْن: جاء أحدهما في صلاةِ العيد وله شاهد أيضا، وجاء أحدهما في خُطْبَةِ عَرَفة:
...
__________
(1) -قال الشيخ: " وعسى " وهو سبق لسان إن كان الشيخ قصد الآية. (3/64)
صفحة 656
وأمَّا بِالنسبة إلى خُطْبَة عَرَفة فإنَّه قد جاءتْ روايةٌ فيها-أيضا-أنَّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-خَطَبَ خُطْبَتيْن، ولكن هذه الرواية لا تَصِح لأنَّها قد رواها الإمام الشافعي وعَنْه الإمام البيهقي في " السنن الكبرى " مِن طريق إبراهيم بن محمد بن أبي يَحيى وغيره وقد قَوَّى أمْرَها بعضُ العلماء فقال: " إنَّ إبراهيم بن محمد بن أبي يَحيى وإن كان متروكا لكنه لَم يَتَفَرَّد إذ تابعه ذلك الشخص " ولكن ذلك الشخص كما ترون مُبْهَم فيُمكن أن يكون ثِقَة ويُمكن أن يكون ضعيفا ويُمْكن أن يكون مَجهولا ومادام الأمر كذلك فلا يُمكن أن يُعتمَد على روايتِه والظاهِر أنَّه ضعيف وذلك لأنَّ هذه الرواية قد خالَفَتْ الروايةَ الصحيحة الثابتَة عن النبي صلى الله عيه وعلى آله وسلم.
...
هذا وبِمناسبة ذِكْرِنَا لِخطبة عرفة:
1-فإنه قد رَوَى أبو داود أنَّ النبِي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-خَطَب على مِنْبَر، وهذه الرواية لا تَصِح فقد رواها أبو داود وفي إسنادِه مَجْهُول، ثُم إنَّها مُخَالِفة لِلروايةِ الصحيحة الثابتة عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-أنَّه خطب وهو على ظَهْر نَاقَتِه، فمثل هذه الرواية-أيضا-لا يُعْتَمَد عليها، فمَنْ خَطَب لا يَنبغي أن يَخْطُب على مِنْبَر أو ما شابه ذلك بل يَخْطُب واقِفا مِنْ غيرِ أن يكونَ على شيء اللهم إلا إذا احتاجَ إلى ذلك بِأن كان بعضُ الناس لا يُشاهِدُونَه فيُمكِن أنْ يُتَرَخَّص بِفعلِ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-على نَاقَتِه وَلَكِن لا أظنّ أنَّ الحاجةَ تَدعو إلى مثلِ ذلك. (3/65)
صفحة 657
2-ثُمَّ إنَّه قد جاء حديثٌ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه أنَّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم-خَطَب لِعرفة بعد أن صلَّى الظهر والعصر، وهذه الرواية رواها أحمد ورواها-أيضا-أبو داود وفي إسنادها ابن إسحاق وهو وإن كان يُحْتَج بِه إذا صرَّحَ بِالسماع إذا لَم يُخَالِف غيرَه ولكنَّه هاهنا قد خالَفَ الثقات الذين رَووا أنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-خَطَب قبلَ ذلك .. أردتُ التنبيه على هذا لأنّ فيه فائدة مُهِمَّة فقد يَظُنّ البعضُ بِأنَّ الفعلَ مُتَعَارِض أو ما شابه ذلك مع أنَّه لا يُمْكِن أن يُقَال بِتَعَدُّدِ مثلِ هذه الحادثة لأنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-لَمْ يَحُج إلا مَرَّة واحدة ولِذَلك لَم يَخْطُب إلا مَرَّة واحدة في عرفة وهي الخطبة التي كانت قبلَ الصَّلاة، لأنّ بعضَ الناس يَقولون في مثلِ هذه الأمور بِأنَّه يَجوز الأمرَان وإن كانوا لَم يُصَرِّحُوا بِه في هذه وإنَّما صرَّحوا بِه في مثلِ ذلك ...
س5: ...
ج: ... ثبت عن الرسول-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-مِن حديث ضُبَاعَة حيث إنه أجاز لها أن تَشترِط أن تَخرُج مِن الإحرام في الموضع الذي تَضطَر إلى الخروج فيه ...
مِن حلقة 24 رمضان 1422هـ، يوافقه 10/12/2001م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
س1: ...
ج: ... (3/66)
صفحة 658
وجاءت رواية عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-فيها فضْل صيامِ يومِ التروية، ولم يَثبت عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-أنه صامه في الحج، أما بالنسبة إلى غير الحج فجاءت بعض الروايات أنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-كان يَصوم العشْر ولكنّ الرواية الصحيحة فيها أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يَكن يَصوم ذلك .. نعم جاء أنّ العمل الصالح في العشْر أفضل مِن غيرها، وأما رواية يوم التروية فإنها رواية باطلة لا تَثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لأنّ في إسنادها كذابا وفي إسنادها-أيضا-مجهول ولكنّ الحمْل على ذلك الكذاب الذي هو الكلبي المشهور بالكذب.
...
والصيام-أيضا-الذي أمر به النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ونسيتُ أن أذكره سابقا-صيام ثلاثة أيام مِن كل شهر وهي أيام الليالي البيض وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر مِن كل شهر إلا الثالث عشر مِن شهر ذي الحجة فإنّ ذلك مكروه، لثبوت النهي عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-عن صيام أيام التشريق.
ومِن الأيام التي ثبت النهي عن صيامها أيام التشريق.
... قد ثبت النهي عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-عن صيامها، وقد اختلف العلماء في هذا النهي:
حملته طائفة على التحريم.
وحملته طائفة أخرى على الكراهة.
والقول بالكراهة هو الذي ذهب إليه الأكثرون ولكن لا ينبغي لأحد أن يَصوم ذلك حتى على القول بالكراهة، وهذا أمر واضح .. نعم ثبت خلاف بين أهل العلم في صيام أيام التشريق بالنسبة لِمَن لم يَجد الهدي أي بالنسبة للمتمتع والقارن على قول مَن يقول بأنّ القارن عليه هدي .. اختلف العلماء في هل يُشرَع لهما الصيام في هذه الأيام أو لا ؟ (3/67)
صفحة 659
ذهبت طائفة إلى مشروعية ذلك، واحتجوا برواية مروية عن السيدة عائشة-رضي الله تعالى عنها-وهي محتمِلةٌ للرفع وللوقف، وقد جاء مِن طريق أخرى التنصيص على أنها مرفوعة عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-ولكنّ هذه الرواية التي هي نصّ في الرفع لا تَثبت، لأنها جاءت مِن طريق لا تَصح، وإنما الصحيحة هي الرواية الأولى ولكنها محتمِلة للرفع وللوقف، ولِمناقشة ذلك موضع آخر بمشيئة الله تبارك وتعالى.
ومِن الصيام المكروه صيام يوم الجمعة وهذه الكراهة مقيَّدة بِمَن لم يصم قبله يوما ولا بعده يوما-كما جاء ذلك في الحديث الصحيح الثابت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-أما مَن صام قبله يوما أو صام بعده يوما فلا كراهة في ذلك.
وقد اختلف العلماء في صيام يوم الجمعة إذا صادف يوم عرفة أو يوم عاشوراء مثلا:
ذهبت طائفة مِن أهل العلم إلى مشروعية صيامه، لأجل أنه يوم عرفة أو لأجل أنه يوم عاشوراء.
وذهبت طائفة مِن أهل العلم إلى كراهته، لأجل النهي عن صيام يوم الجمعة.
والأفضل للإنسان ... أن يصوم اليوم الثامن مِن شهر ذي الحجة لأجل الخروج مِن هذا الخلاف ولكن مَن لم يصم ذلك ولاسيما بالنسبة إلى يوم عرفة إذا فاته ذلك مثلا هل يُشرَع له أن يصوم أو لا ؟ في ذلك خلاف بين أهل العلم، والذي يَظهر لي أنّ صيامه مشروع .. هذا هو الصواب، وتقرير ذلك يَحتاج إلى وقت ولعلنا نتكلم على ذلك في مناسبة أخرى بمشيئة الله لأنه سيُصادِف على احتمال قوي في هذه السنة .. يوم عرفة سيُصادِف يوم الجمعة فلعلنا نتعرض لذلك بمشيئة الله قبل هذا اليوم، ولكنّ الصحيح-كما قلتُ-هو قول مَن قال بصيامه، والمستحَب بأن يُخرِج الإنسان نفسه مِن مثل هذه الخلافات ولاسيما مع قوة تعارض الأدلة فيها.
...
س4: تريد أن تَحج حجّ الفريضة ولكن ليس لديها محرم إنما تَخرج مع نساء المسلمين. (3/68)
صفحة 660
ج: الأصل أن تذهب المرأة مع زوجها أو مع محرمها، لِما جاء مِن النهي عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-عن سفر النساء مع غير المحارم، وهو حديث صحيح ثابت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وينبغي للأزواج أن يتعاونوا مع زوجاتهم وينبغي للمحارم أن يتعاونوا مع-أيضا-أقاربهم مِن النساء، لأنّ في هذا التعاون ما لا يخفى مِن التعاون على الخير والبِرِّ والتقوى، بل ذهبت طائفة مِن أهل العلم إلى أنه يَجب على الزوج أن يُسافِر مع زوجته لأداء فريضة الحج إذا كان لا يَجد عذرا شرعيا ولا يَمنعه مِن ذلك مانع، وهذا القول وإن كنا لا نقول به بل نقول بعدم وجوب ذلك عليه ولكننا نَحثُّه على ذلك، وسيَحصل أيضا على فضْل الحج إذا كان متقيا لله تعالى، ولا يَخفى ما في الحج مِن فضْل، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، و-على كل حال-ذهبت طائفة مِن أهل العلم إلى أنه ليس للمرأة أن تُسافِر إلى فريضة الحج إلا مع زوج أو مَحْرَم فإن لم تَجد زوجا أو مَحْرَما فليس لها أن تُسافِر بل يَجب عليها أن تُوصِي بذلك إلا إذا تَمكَّنت في يوم مِن الأيام مِن فعل ذلك، وذهبت طائفة مِن العلماء إلى أنها يَجوز لها أن تَذهب إلى الحج إذا وَجدتْ رفقة مِن الناس مِن أهل الصلاح معهم نساء، وهذا القول تَرخَّص فيه كثير مِن أهل العلم، فإذا أَخذتْ به فلا حرج ولكن ليس لها أن تُسافِر مع شخص واحد .. يوجَد كثير مِن الناس يَذهب الواحد ومعه مجموعة كبيرة مِن النساء أو يذهب اثنان أو ما شابه ذلك مع مجموعة مِن النساء وهذا لم يُرخِّص فيه أحد مِن أهل العلم، وإنما شدَّدوا فيه، وإنما رخَّصوا إذا كانت مجموعة كبيرة مع نساء والكل مِن أهل الصلاح ولا يُخشى عليها، فهذا ترخيص، وأما الوجوب فلا يُمكِن أن نقول بالوجوب، ونظرا لضيق المقام فأكتفي بهذا المختصَر، ولعلنا نطيل في ذلك مرة أخرى.
مِن حلقة 23/12/2001م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (3/69)
صفحة 661
عام 1423هـ
س16: طواف الوداع في العمرة، هل هُوَ واجب ؟
ج: اختلَف العلماء في طواف الوداع للعمرة:
ذهبت طائفة مِنْ أَهْلِ العلم إلى أنَّه لا يُشْرَع طوافٌ للوداع بالنسبة للعمرة وإنَّما هو خاص بالحجِّ لِغَيْرِ المَكِّي، وذَلِكَ لأنَّه لَمْ يَثْبُت عن النبي-صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه-أنَّه طاف للوَدَاع بَعْدَمَا اعْتَمَرَ.
وذهبت طائفة مِن أهل العلم إلى أنَّه يُشْرَع في حَقِّ المعتَمِر أن يطوف للوداع، وذلك لأنَّ النبي-صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه-قَد طَافَ للوداع بعد الحج وأَمَرَ الناس بأن يَجْعَلوا طواف الوداع آخِر العَهْد بالبيت شَرَّفَه الله تبارك وتعالى.
واحْتَجَّ بعض العلماء على ذلك-أيضا-برواية تُرْوَى عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-تدُلُّ على مشروعية طواف الوَدَاع للمُعْتَمِر ولكن تلك الرواية لا تثبت مِنْ حيث إسنادها. (3/70)
صفحة 662
فالتعويل على هذا الأمر الذي ذَكَرْنَاه مِن طواف النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وذلك أنَّ هذا هو آخر العَهْدين، فَعَدَم طَوَاف النَّبِي-صلوات الله وسلامه عليه-للوَدَاعِ للعمرة مُتَقَدِّم على طوافه للوداع للحج، وهذا الطواف-كما هو معلوم-لا عَلاقةَ له بالحج، ولِذَلِك لا يُؤْمَر بِهِ المَكِّيّ بل لا يُشْرَعُ في حقِّه أبدا، وما دَامَ الأمر كذلك فهو مَشْرُوعٌ لوداع البيت شَرَّفَه الله تبارك وتعالى، ولا فَرْقَ في ذلك بين الحاجِّ والمعْتَمِر، فعَدَم فِعْل النبي-صلوات الله عليه وسلامه-له في طواف العمرة الظاهر أنَّه لَم يكن مَشْرُوعا في ذلك الزمان فلذلك تَرَكَه، وفي ذلك الزَّمَان كانت تُشْرَع العِبَادَات وتكون بَعد مُدَّة قصيرة مِنَ الزَّمَن في بعض الأحيان بل قَد تكون هنالك لَحَظَات بين مشرُوعِيَّة حُكْمٍ وحُكْمٍ آخر، والذي يظهر لَنَا-لِذَلك-هَو أَنَّ طَوَافَ الوَدَاع مشْرُوعٌ للحج والعمرة، إلا أَنَّه في الحج مُتَّفَقٌ عليه لِغَيْرِ الحائض والنفساء، واختلَف العلماء في المريض الذي لا يستطيع الطواف سواء بِنَفْسِه أو أن يطوف به غيره هل يَجب عليه الدَّم أو لا يَجب عليه ؟ والصحيح بأنَّهُ يُعْذَرُ كما تُعْذَرُ الحائض والنفساء، أما مَنْ عَدَا ذَلك فإنَّهُمْ لا يُعْذَرُون عن طواف الوداع، وإن اخْتُلِفَ في وُجُوبِ الدَّم عليهم، والأَكْثَرُ على وُجُوبِه، وأما بالنِّسْبَة إلى العُمْرَة مُخْتَلَف فيه، ولا شك بأنَّ المخْتَلَفَ فيه لا يَصِل إلى درجة المتَّفَق عليه فإذَا تَرَكَه بعض الناس ظَنّا بأنَّه لا يُشْرَع فلا شيء عليه بِمَشِيئَة الله تبارك وتعالى، ولَكِنْ بَعْدَ أن يَعْرِفَ الحكم فإنَّه لا ينبغي لَه أن يتهاون بذلك وإن كنتُ لا أَقْوَى على أَنْ أُلْزِمَهُ الدَّم؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
مِن حلقة 24 جمادى الأولى 1423هـ، يوافقه 4/8/2002م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (3/71)
صفحة 663
س1: ...
ج: ...
وأما بالنسبة إلى العمرة فقد جاء في فضلها-أيضا-أحاديث عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، وأما أنَّها في شهر رجب بالخصوص فلم يثبت في ذلك شيء، وما جاء عن ابن عمر-رضي الله تبارك وتعالى عنهما-مِن أنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-قد اعتمر في شهر رجب فذلك وَهْم مِنه رضوان الله-تبارك وتعالى-عليه، وقد رَدَّته عليه السيدة عائشة-رضي الله تبارك وتعالى عنها-وذكرَت بأنَّ ابن عمر-رضي الله تعالى عنهما-قد اعتمر مع النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-في كل عمراته التي اعتمرها-صلوات الله وسلامه عليه-ولم يكن شيء مِن ذلك في شهر رجب؛ وكذلك لم يأت شيء في فضل ذلك مِن الأحاديث القولية؛ فَمن اعتمر في ذلك مِن غير أن يَعتقد بأنَّ ذلك ثابت عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-فلا شيء عليه، أما أن يعتقد ثبوت ذلك فهذا مِما لا ينبغي؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
مِن حلقة 15 رجب 1423هـ، يوافقه 22/9/2002م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
س15: ...
ج: ... لم يثبت عن النبي صلوات الله وسلامه عليه ولا عن صحابته الكرام بأنهم كانوا يتلفظون بشيء من هذه النيات .. لم يثبت أنهم كانوا يتلفظون بنية للصلاة أو بنية للصيام أو بنية للحج .. نعم يُلَبون بذكر الحج والعمرة، أما أن يقول الواحد: " اللهم إني نويت الحج فيسره لي وتقبله مني " أو ما شابه ذلك من الألفاظ فلا ...
مِن حلقة 1 رمضان 1423هـ، يوافقه 7/11/2002م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
س9: توفي أحد الأشخاص وأوصى بِحَجّة وصيام شهرين لكفارة كانت عليه وعنده ولد وابنتان، فإذا جاز الصيام عنه فهل يجوز أن يجزئ الشهرين على الأبناء ؟
ج: لابد مِن إنفاذ هذه الوصية: (3/72)
صفحة 664
فعلى الوصي أن يقوم بالحج عن ذلك الشخص أو بتأجير غيره وينبغي أن يكون الذي يقوم بتأدية هذه الحَجّة قريبا مِن ذلك المتوفى فإنّ ذلك أوْلى، بل ذهب بعض العلماء إلى أنه لا ينوب عن المتوفى أو العاجز إلا القريب.
...
س14: البعض يكتب وصيته فيطالِب ورثته بالصيام عنه أو كفارة شهرين أو الحج.
ج: مَن أوصى بشيء فلابد مِن أن يُنفِّذ الورثة وصيتَه ولا يَجوز لهم أن يَتركوا ذلك إذا كان ماله يبلغ المقدار الذي يمكنهم أن ينفذوا منه تلك الوصية، فمَن أوصى بحج أو بصيام سواء كان ذلك كفارة أو كان غير ذلك فلابد مِن إنفاذ وصيته، ومِن المعلوم أنّ الوصية بالحج وبالكفارات والصيام إذا كان ذلك واجبا عليه أنه يخرج مِن رأس المال، لا مِن الثلث، أما إذا كان ذلك ليس واجبا عليه فإنه يَختلِف؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
مِن حلقة 7 رمضان 1423هـ، يوافقه 13/11/2002م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
س6: شخص جَمَع مالا لشراء سيارة أو بَيْت أو جَمَعَه للزواج أو الحج وحال عليه الحول، هل فيه الزكاة ؟
ج: نعم .. تَجب فيه الزكاة، فإن تَزَوَّج أو حجَّ به أو اشترى به ذلك البيت الذي يُرِيده أو تلك السيارة قبل أن يَحُول عليه الحول فلا شيء فيه ولو كان ذلك قبل يَوْمٍ واحد، أمَّا إذا حَالَ عليه الحول فإنَّه يَجب عليه أن يُخْرِجَ مِنْهُ الزَّكَاة إذا كان يَبْلُغُ النِّصَاب؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
مِن حلقة 9 رمضان 1423هـ، يوافقه 15/11/2002م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
س2: ... (3/73)
صفحة 665
ج: ... فمن تلك الشروط: الإسلام، وهذا الشرط شرطُ صِحّة، وهو شرطٌ في كل العبادات، وإذا وجدنا اشتراط الإسلام فمعنى ذلك أنه لا يَصحّ من الكافر شيء من العبادات رأسا، فإذا قيل باشتراط ذلك في بعض العبادات الواجبة-كالحج والصلاة والصيام والزكاة-فمعنى ذلك أنّ ذلك لا يَصحّ، لا أنه لا يُخاطَب بذلك، بل هو مخاطَب بذلك، على أصحّ الأقوال وأشهرها، وهو الذي تدلّ له الأدلة الكثيرة من كتاب الله تبارك وتعالى، ...
... الاشتراط في الحج، فإنّ الرسول-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-رَخَّص في مَن يَخاف ألاّ يَتمكّن من إتمام مناسك الحج أن يَشترط بأنه يحل في الموضع الذي لا يَتمكّن من مواصلة الحج فيه، ...
مِن حلقة 10 رمضان 1423هـ، يوافقه 16/11/2002م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
س2: هل تجوز الصلاة في الطابق الثاني بالمسجد الحرام إذا كان الطابق الأول غير ممتلئ ؟ لعله يقصد الدور الأرضي والطابق الأول المقصود به الثاني كما يبدو.
ج: إذا تمكن الإنسان مِن الصلاة في الطابق الأول أو في الدور الأرضي فذلك هو الأوْلى، ولكنه إذا صلى في الطابق الأول أو في الثاني فصلاته تعتبَر صحيحة بمشيئة الله تبارك وتعالى، ولكنه-كما قلتُ-إذا تمكن مِن الصلاة حول الكعبة في ذلك المكان فهذا هو الأوْلى؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س12: هل يستحب أن يكون الطواف حول الكعبة بين الكعبة ومقام سيدنا إبراهيم - عليه السلام - أو أنه لا يوجد ما يعيب الطواف مِن خلف مقام سيدنا إبراهيم - عليه السلام - ؟ (3/74)
صفحة 666
ج: كلما كان الطائف أقرب إلى الكعبة فإنّ ذلك أفضل إذا كان لا يؤذي غيره ولا يؤذيه غيره، أما إذا تأذى بذلك وأذهبَ ذلك الخشوع فإنّ الأوْلى له أن يطوف أبعد مِن ذلك، فإذن إذا كان لا يؤذي غيره ولا يتأذى هو فالأفضل له أن يطوف بالقرب مِن الكعبة فكلما قرب مِن الكعبة فإنّ ذلك أوْلى، أما إذا كان بخلاف ذلك فإنه لا ينبغي لأحد أن يؤذي غيره بل ذلك لا يصح؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
مِن حلقة 11 رمضان 1423هـ، يوافقه 17/11/2002م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
س3: شخص ذَهَب إلى الحج وتَاب إلى الله توبة لا رَجْعَة فيها، فهل يغفر الله-تعالى-له كل ذُنُوبه ؟ وبالنسبة إذا كان هذا الشخص أَخَذ حُقوق نَاس مِن دُون أن يَعْلَمُوا، فهل يغفر الله-تعالى-له هذا الذَّنب الذي اقترفه ؟ وماذا يفعل إذا لَم يكن لَدَيْهِ المال الذي أَخَذَه مِن الناس لكي يُرْجِعَه، فما حكم هذا الشخص ؟
ج: الحج جاء فيه فَضْلٌ عظيم بأحاديث كثيرة ثابتة عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، ولكن ليس مَعنَى ذلك بأنَّ مَن ارتكب كبيرة مِن كبائر الذنوب أنَّه تُحْبَط عنه تلك الكبائر بالحج، بل لابُد مِن التوبة إلى الله-تبارك وتعالى-في الكبائر، وإنَّما ذلك في الصغائر .. هذا هو الذي عليه الجمهور. (3/75)
صفحة 667
أَمَّا بالنسبة إلى حُقوق الناس فعلى كل حال لابد مِن أدائِها إليهم إلا إذا عَفوا عنه وعَذَرُوه مِن حُقُوقِهِم، وإذا كان لا يَجِد ذلك الآن في هَذَا الوقت فإنَّه بإمكانه أن يكتُب ذلك في وَصِيَّتِه، وإذا ذهب إليهم واعْتَذَر عن حقوقهم (1) وعَذَرُوه في ذلك ولاسِيَّمَا مع هذه الضرورة، وإلا لا ينبغي له أن يَعْتَذِر وإنَّما يَتوب إلى الله-تبارك وتعالى-ويُرجِع تلك الحقوق إليهم .. نعم يَعتَذِر عن أَخْذِه لِحقُوقهم أمَّا أنْ يَطلب مِنهم المسامَحَة فلا ينبغي له أنْ يُلْجِئَهُم إلى ذلك إلا إذا عَذَرُوه؛ والله أعلم.
مِن حلقة 13 رمضان 1423هـ، يوافقه 19/11/2002م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
س1: ماذا يَنبغي على الذي يُريد أن يَحُج إلى بيت الله الحرام ؟ ماذا عليه أن يَصنع كاستعداد لهذه الفريضة ؟
ج: إنّ الحج فريضة مِن فرائض الإسلام بل هو رُكن مِن أركانه، والأدلّة على وجوبه متعدِّدة مِن كتاب الله-تبارك وتعالى-ومِن سنّة رسوله صلوات الله وسلامه عليه، وقد أجمعت على ذلك الأمّة الإسلامية بل هو مِن الأمور المعلومة مِن الدِّين بالضرورة لعامّة المسلمين، ولذلك لا أرى حاجة للإطالة بذِكر تلك الأدلة.
__________
(1) -قال الشيخ: " حقوقه " بدلا من " حقوقهم " والظاهر أنه سبق لسان. (3/76)
صفحة 668
والحج يَجب على الفور على القول الصحيح الراجح، وهو الذي ذهب إليه ابن بركة والشيخ إسماعيل، وهو الذي يُفهَم مِن كلام الإمام نور الدين السالمي-رضي الله تبارك وتعالى عنه-في " جوهر النظام "، وهو الذي تُؤيِّده الأدلّة، على أنّ الإنسان لا يَدري متى يَأتيه الموت فما مِن لحظة مِن لحظات حياته إلاّ ويمكن أن يَموت فيها وإذا كان الأمر كذلك وكان الحج واجِبا-كما أشرنا إلى ذلك مِن قبلُ-على المستطيع عليه فإنه ليس لأحد وجد الاستطاعة أن يَتأخّر عن الحج بل يَجب عليه أن يُبادِر إلى ذلك فورا، فمَن وجَد الاستطاعة عليه أن يَستعِدّ لذلك وأن يَقوم بتأدية هذه الفريضة العظيمة التي أوجبها الله-تبارك وتعالى-على المستطيع مِن عبادِه، والتي جاءت الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-التي تدلّ على عظيم فضْلها.
فمَن أراد أن يَقوم بأداء هذه الشعيرة الإسلامية العظيمة وأن يُؤدِّيَ هذه الفريضة التي افترضها الله-تبارك وتعالى-عليه فعليه أوَّلاً أن يتخلّص مِن الديون التي عليه إذا كانت حاضِرة، وإن لم تَكن حاضِرة فعليه أن يَقوم بتوثيق تلك الديون التي عليه، وذلك بأن يَكتب ذلك عند كاتب ثِقَةٍ صالِح يُؤخذ بكتابته وأن يُشهِد شاهديْن عَدْلَيْن على ذلك ثم بعد ذلك يَقوم بوضْع ذلك الصكّ الشرعي إما عند صاحب الحقّ-وهو الأَوْلى-أو أن يَضع ذلك مع ثقة أمين ثم يُخبِر صاحب الحقّ بأنه قد وضَع الصكّ الذي وثّق به ماله مع فلان بن فلان وأن يَصِفَه بصفة لا تَخفى على صاحب ذلك الحق .. هذا بالنسبة إلى حقوق العباد التي عليه .. نعم إذا كانت تلك الحقوق حاضِرة وسَمَحَ له مَن له ذلك المال بأن يُسافِر وبعد ذلك يَقوم بتأدية ذلك الحقِّ إليه وكان هو يَملِك ذلك المال الذي يُساوِي ما عليه مِن الحقوق فإنه لا مانع مِن ذلك لكن لا يَنبغي له أن يَقوم بمطالبة الناس أن يَسمحوا له بذلك. (3/77)
صفحة 669
فإذن إذا كانت عليه حقوق فلابد مِن أن يَكون يَملِك مِن المال ما يُساوي تلك الحقوق التي عليه ولابد مِن أن يُوثِّق ما عليه مِن مال.
ثم عليه-أيضا-أن يَكتُب وصِيَّتَه، بل الوصية وتوثيق الحقوق مِن الأمور التي لابد منها سواءً أراد الإنسان الحج أو لم يُرِد وسواءً كان ذلك في وقت الحج أو لا، وذلك لِما ذكرناه مِن أنّ الإنسان لا يَملك متى يأتيه الموت فلا يَدري متى يأتيه ومتى يَعرِض له وقد تَضيع حقوق الناس بموته وعدم عِلم ورثتِه أو بتساهلِهم أو تساهلِ بعضِهم بتأدية ما عليه مِن الحقوق، والحديث قد نصّ-وهو صحيح ثابت-على أنّ الإنسان لابد مِن أن يَقوم بكتابة وصيتِه وأنه لا يَجوز له أن يَبيت ثلاث ليال إلا ووصيتُه مكتوبة، أو ما هذا معناه، وهو حديث صحيح ثابت، وذكرناه بمعناه لا بلفظه.
و-كذلك-عليه أن يُهيِّئَ مِن المال ما يَكفيه لِسدّ حاجتِه مِن الوقت الذي يَخرُج فيه مِن بلادِه إلى أن يَرجِع إلى بلدِه ويَأخذُ مقدارا مِن المال يَكفيه لسدِّ بعض الأمور التي قد تَعرِض له مِن مرض أو مِن وجوب فِديةٍ أو جزاءٍ، لأنّ الإنسان قد يَقع في بعض الأمور التي يَجب عليه بسببها الفِدية أو يَجب عليه بسببها الجزاء، وهي أمور سيأتي توضيحها في مناسبة أخرى بمشيئة الله تبارك وتعالى. (3/78)
صفحة 670
و-كذلك-عليه أن يَقوم بتعلّم أمورِ الحج، لأنّ كثيرا مِن الناس-وللأسف الشديد-يَذهبون لتأدية هذه الفريضة وهم لا يَعرِفون عن كيفية أدائها شيئا .. منهم مَن يَعتمِد على أنه سيُرافِق فلانا أو فلانا أو أنه سيَبحث عن مُطَوِّفٍ أو ما شابه ذلك، وهذا أمر لا يَنبغي، ولستُ أريد بالتعلّم أن يَتعلّم الإنسان الدقائِق الفقهية التي ذكرها العلماء في كتبهم، فإنّ هذا الأمر مِمّا لا يَقوى عليه إلا قلّة قليلة مِن الناس، وإنما أريد أن يَتعلّم الإنسان أهمّ المناسك، وهي أمور سهلة بمشيئة الله تبارك وتعالى، فلابد مِن أن يَعرِف مِن أين يُحرِم، وما هو الذي يَجوز له في الإحرام وما هو الذي لا يَجوز له في الإحرام، و-كذلك-لابد مِن أن يَعرِف كيف يَقوم بتأدية الحج .. مِن إحرام وطواف وسعي وإحلال بِالنسبة إلى العمرة، وكَذلك بالنسبة إلى الحج .. يُضاف إلى ذلك الوُقوف بِعَرَفَة والمبيت بالمزْدَلفَة مَعَ الدُّعاء في ذلك المَوْضع الشريف، والمَبِيت بِمنى مع الرمي، والذَّبح بِالنسبة للمتمتِّع والقَارِن .. أي ذبح الهدي والحلق، إلى غير ذلك مِن الأمور، وهِيَ أُمُور يَسِيرة سَهلة، وقد كَتب فِيها كثير مِن أهل العلم بعضَ المؤلَّفات، ومِن المؤلَّفات المفِيدة المختصَرة التي كَتَبها العلماء-جَزاهم الله تبارك وتعالى خيرا-للمُبْتَدئين الكِتاب المعْروف المُنتشِر المشهور بِكتاب " تَلقِين الصبيان "، فإنّ الشيخ الإمام السالمي-رحمه الله تبارك وتعالى-ذَكَرَ أمورا مهِمّة بالنسبة إلى الحج في هذا الكِتاب، ولا يَنبغي للإنسان أن يَشتغِل بِتِلك الأذكار التي ذَكَرَها كَثير مِن أهل العلم وبعضها موجود في " تلقين الصبيان " .. (3/79)
صفحة 671
نعم إذا كان يَحْفظها فهي حسنَة جِدا، أما أن يَشتغِل بِفَتْح كتاب أو بِمتابَعَة فلان أو فلان ولا يَخشَعُ في دُعَائه-وما شابه ذلك-فهذا مِمّا لا يَنبغي، بَل يَنبغي أن يَأتِي بِالأدْعية التي يَحفظها ويَكون عند الإتيان بِهَا خَاشِعًا لله تبارك وتعالى، أَمَّا ما عدا ذلك فلا يَنبغي له أن يَتكلَّف ذلك .. كثير مِن الناس يَهْتَمّون ببعض الجزئيات البَسيطة ولكنهم لا يَدرون شيئا عن الأمور المهمّة التي تترتّب على ذلك، فإذن تَعَلُّّم المسَائل المتعلِّقة بِالحج مِن قَبْلِ الذهاب إلى الحج مِن الأمور المهمّة التي لا يَنبغي التَّفْرِيط فيها .. وكثير مِن الناس-كما قلتُ-يَجْهَلون حتى الأمور البَسيطة كالتلبية، فكثير مِن الناس-وخَاصَّة مِن الكبار ومِن النساء-لا يَعرِفون التَلْبية، وإنما يَذهبون إلى الحج فإذا رَكِبوا في السيارة-مثلا-قَام واحد مِن الناس بِقِراءة تلك التَّلبية وهم يُتَابِعونه عليها ونظرا لعاميتهم قد تَفوتُهم بعضُ الكلمات مِن التلبية ولا يَأتون بِها على وجهها الصحيح المشْرُوع الثابت عن النبي صلوات الله وسلامه عليه. (3/80)
صفحة 672
كذلك هنالك أُمُور .. بِأن يُودِّع الإنسانُ أقارِبه، وبأن يُؤدِّي ما عليه مِن كفارات ونُذُور أو ما شابه ذَلك أو يَقوم بِتَوْثيق ذلك، فَهذا مِن الأمور التي تَدخل في ضِمْن الوصية فالأوْلى للإنسان أن يُكَفِّر مَا عَليه من أيْمان سواء كانت عَن تَرك صيام أو كان بِسبب حِنْثِهِ في بَعض الأيْمَان مثلا، و-كذلك-إذا كان قد أفْطر شيْئا مِن شهر رمضان أو وَجَبَ عليه صومٌ بسبب نذْر أو بِغير ذلك مِن الأمور فلابد مِن أن يَقوم بِتَأدِية ذلك، مخافة أن يُصيبه حادثٌ-لا قدّر الله تبارك وتعالى-عند تَأْدِيَتِه للحج، ولا يَنبَغي للناس أن يَخافوا مِن تَأْدية المناسك بِذِكْرِنا لِهذا الكلام أو بِذِكْرِ بَعض الناس لِذلك، فالحج سَهْل بِمشيئة الله، لأنني أعرِف بعضَ الناس يَخافون مِن تأدية الحج لِمَا يَسمعونه مِن زِحام-أو ما شابه ذلك-عند تأدية المناسك وخاصة عند الرمي، فهذه أمور سَهْلَةٌ يَسِيرَةٌ في حقيقة الواقع، وإنَّما الناس يَجْهَلُون ذَلك .. يَظنّون بأنه لابد مِن تأدية النُّسُكِ الفُلاني في الوقت الفلاني فيُزاحِمون الناسَ ويُصيبُهُم بَعضُ التَّعَب أو تُصِيبُهم مَشَقَّة أو ما شابه ذلك .. لا .. مثلا الرَّمي-بِحمد الله تبارك وتعالى-في اليوم العاشر يَبدأ مِن طُلُوع الشمس على قَوْل كثرة كَاثِرَةٍ مِن أهل العلم بَلْ لم يَقل أحد بِأنه يَبدأ بَعد طُلُوع الشمس وإنَّما الخِلاف هَل يَجوز قبْل طُلوع الشمس أو لا ؟ أمَّا إذا طلعت الشمس فَهُو مَشروع باتّفاق الأمّة الإسلامية قاطبة، ويَمتدّ الوقت-عند طائفة مِن أهل العلم-إلى منتصَف النهار .. (3/81)
صفحة 673
كثير مِن الناس لابد عندما يَأتون إلى موضِع الرمي لابد مِن أن يَقوموا بتأدِية ذلك النُّسُك في ذلك الوقت ولا معنى لذلك، فإذا وَجَدَ الإنسان مَشَقَّة بإمكانه أن يَتَرَيَّثَ ساعة أو ساعتين أو أكثر، بل ذهب بعض العلماء إلى أنّ الوَقْت يَمتدّ إلى غروب الشمس، وبعضهم إلى طلوع الفجر، ونحن وإن كنَّا نقول: إنّ الأوْلى ألاَّ يُؤخِّرَ الإنسان لِغير المشقّة إلى ما بعد منتصَف النهار وإن كانت هنالك مَشَقّة ولو بَسِيطة مُمكِن أن يَتأخّر إلى غروب الشمس، أمَّا ما عدا ذلك .. أي عند عدم وجود المشقّة الشديدة فلا يَنبغي له أن يتأخّر عن ذلك، وهكذا بالنسبة إلى الرمي في اليوم الثاني .. أي في اليوم الحادي عشر وكذا في اليوم الثاني عشر وفي اليوم الثالث عشر لِمن أراد أن يَتَأَجَّل .. أي أراد أن يَمْكُث ذلك اليوم فهو يَبدأ بِمنتصَف النهار ويَمتَدّ إلى غروب الشمس بل لليوم الحادي عشر والثاني عشر .. لِمن لم يَستطِع يَمتدّ إلى مَا هو أبعد مِن ذلك، وشَرْحُ ذلك في موضعه بمشيئة الله، وإنَّما نُريد أن نُبَيِّن للناس بأنّ الأمر يَسير، وبأنه لا يَنبغي لهم أن يَتزاحَموا في وقت-مثلا عند منتصف النهار-ويَتركون الوقتَ الممتدّ الطويل ويُتعِبون أنفسهم و-كذلك-يُتعبون غَيْرَهم، فهذا مِن الأمور التي لا تَنبَغِي. (3/82)
صفحة 674
فهذا مِِن الأمور التي يَنبغي للإنسان أن يَعرِفها عندما يَذهب إلى تأدية الحج، ومِن أهَمِّها-كما قلتُ-أن يَعرِف مناسك الحج، وأن يُوثِّق ما عليه مِن ديون، وأن يَقوم بالتَّوْبَة والإنابة إلى الله، وذلك بِأن يَفِدَ إلى ربه-تبارك وتعالى-وقد تَخلّص مِن كل ما عليه مِن حقوق الله-تبارك وتعالى-وحقوق عبادِه وتاب وأناب إليه وإذا كانت بينه خصومات وبين غيره مِن عبادِ الله-تبارك وتعالى-لابد مِن أن يُصَالِحَهُم بَل لَيْسَ للمسلم أن يَهجُر أخاه فوق ثلاثٍ يَلتقيان يُعرِض هذا ويُعرِض هذا عن صاحبه، كما ثبت ذلك في الحديث عن النبي صلوات الله وسلامه عليه.
وهنالك أمور أخرى تَتعلّق بِهذا الموضوع .. أيْ بِكيفية الحج مِن الوقْت الذي يَخرج مِن بيته .. فيه مَاذَا يَصنع إلى أن يَرجع إلى بَيْته مِن أذكار إلى غير ذَلك، سنُؤجِّل الكلام عليها إلى مناسبة أخرى، وعسى أن يكون ذلك في الأيام القريبة إن شاء الله تعالى.
س2: ذكرتم بِأنّ الإنسان إذا كان يَملِك مِن المَتَاع ومِن المال مَا يَسُدُّ دُيُونَه فيما لو حدث له مكروه-لا قدّر الله-فَلَو كان يَمتلِك بَيْتَه فقط وسَيَارته، فهل ذلك يَكفي لكي يُضَمِّنَه الوَصِيَّة ؟ (3/83)
صفحة 675
ج: هذه أَمُور ضرورية، فلا يُمكن أن يَقوم أولادُه بِبَيْع بَيْتِهم وبعد ذلك في أيّ موضع سيسكنون ؟! لا .. وإنَّما إذا كان ذلك يَفضُل عن حاجته وحاجة أولادِه الضرورية، و-أيضا-هذا في ديون الحلال، أمَّا في الأمور المحرَّمَة فعلى الإنسان أن يَتخلّص مِنْها ولو باع الغَالِي والرَّخِيص .. فهذا في الأمور الحلال، أمَّا في الأمور المحرَّمَة لابد مِن أن يَتخلّص وليس له أن يَتَأَجَّل .. نعم إذا كان لا يَهمُّه بأن يَبقى على معصية الله-تعالى-فنقول له: " اذهب إلى الحج ولكنّ الله-تبارك وتعالى-لا يَتقبّل إلا مِن المتقين "، أمَّا أن يُقال لَه بأن يَترُك الحج ويَبقى على معصيته فهذا مِمّا لا يَصح، فإذا وجد الناس في قول بعض أهل العلم بأنّ " مَن كانت عليه ديون محرَّمَة ليس له أن يَذهب إلى الحج بل عليه أن يَتخلّص ويَتوب " .. يُريدُون ذلك إذا كان هَذَا الشخص يُريد حقًّا أن يَتخلّص، أمَّا بعض الناس يَملِكون بعض الأراضي أو بعض العقارات أو ما شابه ذلك مِن الأمور ويَقولون: " نَحْن نريد أن نتخلّص ولكن لا يُمكن أن نَبيع هذه بل نَتأجّل حتى نَجِد ثمنا كبيرا أو نَبني عليها وبعد ذلك نَقُوم بِبَيْعِها " أو ما شابه ذلك فهؤلاء-في حقيقة الواقع-لا يُريدون أن يَتخلّصوا فعليهم أن يَذهبوا إلى الحج لئلا يَجمعوا بين معصيتين .. معصية تَرْكِ الحج ومعصية البقاء على الحرام؛ والله المستعان.
س9: زوج أخت المرأة، هل يعد مَحْرَمًا لها إذا ما أرادت الذهاب إلى الحج ؟
ج: لا .. لا يُعَدّ مَحْرَمًا لَها، وذلك لأنّ هذه الحُرْمَة .. أيْ عدم جَوَاز نكاح ذلك الرَّجل لَها في ذلك الوَقت حُرْمَة مؤقتة ولذلك لو:
1-ماتت أختها.
2-أو طلقها وخرجت مِن عدتِها إذا كان الطلاق رَجْعيًا.
3-أو طلقها إذا كان الطلاق باتا. (3/84)
صفحة 676
فإنه له أن يتزوجها، فإذن هذه الحُرْمَة حُرْمَة مؤقتة، والحرمة التِي تَجوز مَعَهَا الخلْوَة أو السَّفر فهي الحُرْمَة المؤبدة وبِشرط أن تكون بسبب نَسَبٍ أو مُصَاهرة أو رَضَاع، أمَّا إذا كانت غير مُؤَبَّدة أو كانت مؤبدة ولكن بسبب مِن الأسباب الأخرى غير الأمور التي ذكرناها فلا وذلك-مثلا-كحالة اللِّعَان فإن مَن لاَعَن الحرمةُ مؤقّتة بينه وبين تلك المرأة التي وقع بينه وبينها اللعان فلا يجوز له أن يتزوجها في يوم مِن الأيام ولكنه لا يَجُوز لَه أن يَخْلُوَ بِهَا وليس له-أيضا-أن يُصَافِحَها، وهكذا بِالنِّسبة إلى مَن زَنَى بِها أو زَنَى بِها ابنه أَو أبوه أو مَا شَابَه ذلك مِن الأمور التي وَقَعَت الحُرْمَة الأبَدِية فيها بسبب مِن الأسباب الخارجة عِن الأسباب التي ذكرناها؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س11: امرأة أرادت أن تَحُجَّ النَّفل وسبق لَها أن حجّت الفرض لكنها هذه المرة تذهب بدون مَحْرَم، فهل عليها أن تتعجّل أم تؤخّر ؟
ج: ما ذكرناه مِن وجوب التَّعَجُّل في تَأْدية الحج فَذلِك في حج الفريضة.
وَأمَّا بِالنِّسبة إلى النافلة فالإنسان لا يجب عليه أن يَتَنَفَّل في الحج وإنِّما ينبغي له ذلك أمَّا أن يَجب عليه ذلك فلا.
والعلماء قد اختلفوا في المرأة هَلْ لَهَا أن تذهب إلى حَجِّ الفريضة مع غَيْر مَحَارِمِها أو زوجها:
فبعض العلماء قَال: لَيس لَها أن تذهب حتى لِحجِّ الفريضة إلا مع زوج أو مَحْرم، وذلك لنهي النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-المرأةَ عن السَّفر مع غير مَحارمها أو زوجها.
وبعض العلماء رخّص في ذلك إذا كان الحج حج فريضة بشرط أن تكون مع جملة مِن النساء معهن مَحارم مِن أهل الصلاح.
أمَّا بالنسبة إلى الحج النَّافلة فليس لَها أن تذهب إلا مع زوج أو مَحْرم؛ والله-تعالى-أعلم.
مِن حلقة 17 شوال 1423هـ، يوافقه 22/12/2002م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (3/85)
صفحة 677
س1: نريد منكم أن تُحَدِّثُونا-باختصار-عن صفة الحج .. ما الذي يأتيه الحاج وما الذي يذره ؟
ج: إنه لا يَخفى على أحَد أنَّ الحجَّ مِن أَفْضَل الطاعات وأَعْظَم القُرُبات التي يَتَقَرَّب بِها الإنسان إلى ربه تبارك وتعالى، ولذلك يَجب أن تَكون وِفْقَ سنّة رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-التي ثبتتْ عنه، فالرسول-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-حَجَّ وبَيَّن للناس كيفية الحج بِفِعله وبَيَّن بعضَ الأمور المتعلِّقة بِذلك بِقولِهِ وبَعْد أن فَعَل تلك المناسك قال: ( خذوا عني مناسِككم، لَعَلِّي لا ألقاكم بعد عامي هذا )، وقد اتّفقتْ الأمّة في كثير مِن تلك الأمور، واختلفتْ في بعض الأمور هل هي ثابتة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فما اتّفقتْ عليه الأمّة الإسلامية فلا إشكال فيه، وما اختلفتْ فيه الكَلِمَة فإنه يَنبغي لِلإنسان أن يَأخذ بِما ثبتَ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
والكلام في صِفَة الحج يَطول، وقد أَفْرَدَهُ كثير مِن أهل العلم بِمؤلّفات مُطَوَّلَة وبَحثوه في كتبٍ أُلِّفَت في التفسير أو في شروح الأحاديث أو في غير ذلك مِن الأمور، ولا بأس أن أُلَخِّصَ ذلك بِتلخيصٍ شديد بِكلامٍ مختصَر.
ومِن نَافِلَة القول أنّ الحج واجبٌ بل هو ركن مِن أركان الإسلام، وأنه لا يَنبغي لِلإنسان إذا استطاع سبيلا إلى ذلك أن يُؤَخِّرَه بَعْد وجوبه عليه، لأنه لا يَدري ماذا سيَحدث له في المستقبل، فقد يَأتيه الموت ولا يَتمكّن مِن تأدية هذا الفرْض وقد يَمرض ولا يَتمكّن مِن ذلك أيضا، وقد تَذهب أمواله فلا يَتمكّن مِن تأدية هذا الركن العظيم، فلذلك إذا وَجد استطاعةً عليه فليس له أن يَتأخَّر عن ذلك، كما يَفعله كثير مِن الناس وللأسف الشديد. (3/86)
صفحة 678
ومِن أهمّ الأمور أن يَقْصِدَ الإنسان بِحَجِّه وبِعُمرته وجهَ الله تبارك وتعالى .. لا يَقصد بذلك رياءً ولا سُمعةً، فكثير مِن الناس يَرغبون في أن يُقال: " إنّ فلانا ذَهب إلى الحج " أو ما شابه ذلك ويَزْعُمُون بِأنهم يَقصِدون الله-تبارك وتعالى-والدار الآخرة وفي الواقع ذلك مِمّا لا يَصح، بل لابد مِن أن ينوِيَ الإنسان نيةً صحيحةً لا يَشوبُها شَوْبُ رياءٍ أو سُمعةٍ، وبَعْد ذلك يُهَيِّئُ ما يسَّره الله-تعالى-له مِن الرزق الحلال فيَذهب به إلى تأدية الحج، وقد تكلمنا (1) على بعض الشروط المتعلِّقة بذلك، ولا أريد أن أطيل الكلام بذلك في هذا الوقت، وإنما أريد أن أتكلم على ما يَفعله الإنسان مِن الوقت الذي يَخرُج فيه مِن بيته إلى أن يَقوم بِتأدية هذا الركن العظيم.
فإذا أراد الإنسان الخروج إلى الحج فَلْيُوَدِّع أهلَه وأقاربه وليُخْلِص النية إلى الله-تبارك وتعالى-بعد توبةٍ صادقةٍ إلى الله-تبارك وتعالى-وتأديةٍ للحقوق التي عليه وتَوْثِيق ما لم يُؤَدِّه مِن الحقوق بصكّ شرْعِيٍّ مع شهادة شهودٍ عُدولٍ ولْيَضعه مع أمين أو مع صاحب الحق وإذا وضعه مع أمين فلابد مِن أن يُخبِر صاحبَ الحق بِذلك، ثم لِيَخرُج إلى مكّة المكرّمة-شَرَّفها الله تبارك وتعالى-وينبغي له أن يَبحث عن أصحابٍ صالحين يُعينهم ويُعينونه على طاعة الله تبارك وتعالى، فإذا بَلَغ واحداً مِن المواقيت .. والمواقيت خمسة:
1-ذو الحُلَيْفَة لأهل المدينة ولِمَن مَرّ بها.
2-وذاتُ عِرْق لأهل العراق ومَن كان في ناحيتهم.
3-والجُحْفَة لأهل الشام ومَن جاء على طريقهم.
4-وقَرْنُ المَنَازِل لِمَن جاء مِن نَجْد.
5-ويَلَمْلَم لِمَن جاء مِن اليَمَن أو مَن كان طريقه عليها.
__________
(1) -عند الجواب على السؤال 1 مِن حلقة 17 شوال 1423هـ ( 22/12/2002م ). (3/87)
صفحة 679
فمَن كان مِن أهل هذه البلدان أو كان طريقُه على ذلك الميقات فلْيُحرِم مِن هذه المواقيت، ولا ينبغي له أن يُحرِم قبلها، إذ إنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-لم يُحرِم قبل ذلك، فقد أحرم مِن الميقات في حجّة الوداع، وأَحرَم كذلك في العُمرة التي صَدَّه عنها كفار قريش، وكذلك في العُمرة التي قضى بها تلك العُمرة التي صُدَّ عنها، بل وقَّت ذلك بقوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ولو كان هنالك فضْل-أي في التقدم على ذلك-لَفَعَلَه النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-أو لصَرَّح بذلك، أمَّا وأنه لم يَفعل شيئا مِن ذلك ولم يُصَرِّح بشيء منه فلا ينبغي لأحد أن يقول بأنّ ذلك أفضل، وأما الجواز فلا إشكال فيه.
وما جاء مِن الأحاديث مِن أنَّ الأفضل أنْ يتقدَّم الإنسان على الميقات فذلك مِمّا لا يَصح عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، وفِعل الناس لا حُجَّة فيه .. هذا إذا صح عن أحد مِن الصحابة أو غيرهم، ولستُ أريد أن أطيل الكلام على صحّة وعدم ثبوت تلك الروايات التي رُويت عن بعضهم.
فإذا وَصَل إلى الميقات وكان يُريد حجّا أو عُمرة فإنه يُحرِم مِن ذلك.
والعُمرة تكون في سائر السنة إلا ما استُثني مِن الأيام التي يكون الإنسان فيها في الحج، فلا يمكن أن يَعتمِر في اليوم العاشر أو في اليوم الحادي عشر أو في اليوم الثاني عشر وكذلك قبل أن يَنتهي مِن الرمي في اليوم الثالث عشر لِمَن تأخَّر.
أما الحج فإنه لا يكون إلا في أشهر الحج وأشهر الحج معلومة فهو يكون في شوال وفي ذو القعدة وفي الأيام الأولى مِن شهر ذي الحجّة. (3/88)
صفحة 680
أما بالنسبة إلى بقية شهر ذي الحجّة فإنه وإن قال مَن قال مِن أهل العلم بأنه مِن أشهر الحج لكنهم لا يريدون بذلك أنّ الإحرام يَصح فيه، إذ إنَّ مَن لم يَقف بعرفة قبل طلوع الفجر مِن اليوم العاشر مِن شهر ذي الحجّة .. أي قبل طلوع فجر ليلة اليوم العاشر منه فإنه لا حج له باتفاق العلماء قاطبة وبنصّ الحديث قبلَ ذلك .. أي بنصّ الحديث الثابت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. (3/89)
صفحة 681
فإذا جاء إلى الميقات فإنه ينبغي له أن يَغتسِل، كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فقد اغتسَل وأمرَ بالاغتسال بل حتى أنّ الحائض والنفساء تَغتسِلان، فقد ثبت عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-أنه أمرَ زوجَ أبي بكر-أمّ محمد بن أبي بكر-بأن تَغتسِل مع أنها نفساء، فمَن كان يستطيع على الغُسل فيُشرَع له الغُسل، وهو وإن لم يكن واجبا ولكنه سنّة ثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا ينبغي التفريط فيها، أما مَن كان مريضا لا يقوى على الغُسل لِشدّة البرد-مثلا-أو لم يَجِد ماءً-والحمد لله الآن موجود بالنسبة لِمَن مَرّ على المواقيت-فإنه لا بأس عليه بِترك الاغتسال، إذ لا قدرة له عليه، ولا يُشرَع في حقِّه التيمم على القول الصحيح الراجح، لأنه لم يَرِد حديثٌ عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-يَدلّ على التيمم، ولا يمكن قياسُه على التيمّم لِلوضوء للصلاة ولغسل الجنابة .. (3/90)
صفحة 682
نعم إذا كان لا يَقوى على الوضوء وأراد أن يُصلِّي فإنه يَتيمّم لِلصلاة لا لإرادة الإحرام، فإذا اغتسَل وتوضّأ فإن كان الوقتُ وقت فريضة فإنه يُصلِّي الفريضة ويُحرِم بعد ذلك كما سيأتي إن شاء الله، أما إذا لم يَكن الوقتُ وقت فريضة أو قد صلّى قبل ذلك فاختلف أهل العلم هل يُصلِّي نافلةً ويُحرِم بعدها ؟ ولم يَثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يَدلّ على ذلك، إلا أنه إذا دخل المسجد فإنه يُصلِّي ركعتي التحية ويُحرِم بعد ذلك-كما سيأتي بمشيئة الله تبارك وتعالى-أو كان الوقتُ وقت الضحى وكان يُصلِّيها مُطلَقا أو في بعض الأحيان-أعني يُصلِّي سنّة الضحى-فإنه يُحرِم بعدها أو أراد أن يُصلِّي ركعتي السنّة التي تُصلَّى بعدَ الوضوء فإنه يُحرِم بعدَ ذلك كما سيأتي بمشيئة الله تبارك وتعالى، أما أن يُخصِّصَ ركعتين لِلإحرام فالصحيح أنه لم يَثبت في ذلك شيءٌ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وما دام لم يَثبت شيءٌ في ذلك فلا يُمكِن أن نقول بمشروعية شيءٍ ولا نملك دليلا يَدلّ عليه، فإذا صلى-إذا أراد الصلاة-فإنه يُحرِم-في ذلك الوقت على رأي بعض أهل العلم، وفي رأي بعض أهل العلم أنه يُحرِم-إذا رَكب راحلته، وهذا هو الذي دَلّ عليه الحديث الصحيح الذي ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وأما بعد الصلاة فإنه قد ورد حديثٌ عن ابن عباس وقوّاه بعض الناس ولكنه لا يَثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مِن جهة الإسناد.
وهذا الخلاف إنما هو في الأفضل، وأما مِن حيث الجواز فالأمر جائز ولا إشكال فيه.
والإحرام يَكون بِلبْس ثوبَي الإحرام بالنسبة لِلرجُل .. يَلبس إزارًا ساترًا ولابد مِن أن يكون ساترا لِعورته. (3/91)
صفحة 683
وكثير مِن الناس-هداني الله تعالى وإياهم-يُخرِجُون ما هو أسفل مِن السرة مع أنّ ما بيْن السرة والركبة عورة-وهذا الكلام بالنسبة إلى الرجل، وسيأتي ما يتعلّق بالمرأة بِمشيئة الله تعالى (1) -فهذا أمر لا يَصح .. لابد مِن أن يَستر ما بيْن السرة والركبة، وإنما الخلاف في السرة نفسها وفي الركبتين .. نعم يُوجَد خلافٌ في ما هو أعلى مِن الركبتين ولكنّ الصحيح ما ذكرناه، أما ما هو أسفل مِن السرة فلا يمكن أن يُرَخَّص فيه، فلابد مِن أن يَنتبِه الإنسان.
ويَلبس-أيضا-رِداءً، ويَنوي الإحرام وذلك يكون إما أن يُحرِم:
1-بِحج مُفْرد.
2-أو بعُمرة ثم بعدَ ذلك يُحرِم بالحج عندما يَنتهي مِن العُمرة كما سيأتي إن شاء الله.
3-أو يَجمَع بيْن العمرة والحج.
فالأمور ثلاثة: إِفراد، وقِران، وتَمتُّع.
فالإفراد هو أن يُحرِم بالحج، فإذا أتى مكّة المكرّمة طاف لِلقدوم وسَعى بيْن الصفا والمروة ثم يَبقى على إحرامه حتى يَنتهي مِن رمي جمرة العقبة وفي ذلك يُحِلُّ .. أي في اليوم العاشر.
وأما بالنسبة إلى التمتُّع فإنه يُحرِم أوَّلا بعُمرة، فإذا أتى مكّة المكرّمة طاف بالبيت وسعى بيْن الصفا والمروة وأحَلَّ مِن إحرامه.
__________
(1) -لقد تكلّم الشيخ عمّا يتعلّق بِالمرأة عند جوابه على السؤال 1 مِن حلقة 24 ذو القعدة 1424هـ ( 18/1/2004م ). (3/92)
صفحة 684
وصِفَة الطواف أن يَبتدِئَ الطواف مِن ركن الحجَر .. يُقابِل الحجَر ويَنوي الطواف ويَطوف سبعة أشواط ويُرْمِل في طوافه في الثلاثة الأشواط الأولى وكذلك يَضْطَبِع ولكنَّ الاضْطِبَاع-على الصحيح-يَكون في الأشواط السبعة كلِّها، كما ثبت ذلك في السنّة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وذلك بِأن يَجعل وسَط الثوب تَحت إِبْطه الأيْمن ويَجعل طَرفَي الرِّداء على يَده اليُسرى، فإذا انتهى مِن الطواف فعليه أن يُرجِع ثَوب الإحرام على ما كان عليه حتى يُؤدِّي الركعتين وقد سَتَرَ عاتِقَه، فإنّ ذلك أمر لابد منه، كما ثبت ذلك مِن أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، والحجَر إن تَمكَّن مِن تقبيله فإنه يُقَبِّلُه وإن لم يَتمكَّن مِن تقبيله فإنه يَلمسُه بيدِه اليُمنى ويُقَبِّل بعدَ ذلك يدَه اليُمنى فإن لم يَتمكَّن وكان في يدِه عصا-وهو صعبٌ في هذا الزمان-فإنه يَلمسه بعصاه فإن لم يَتمكَّن أشار إليه بيدِه وإذا أشار فلا يُقَبِّل يدَه، وأما بالنسبة إلى الرُّكن اليَماني فإنه يَلمسه بيدِه إن تَمكَّن ولا يُقبِّلها وأما إذا لم يَتمكَّن فإنه لا يُشير إليه، لِعدم ثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أما بالنسبة إلى الرُّكْنين الشامِيين وهما الرُّكن العراقي والشامي فإنه لا يُقَبِّلهما ولا يَلمسهما بيدِه ولا يُشير إليهما، لعدم ثبوت ذلك عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، وعند مقابلة الحجَر يُكبِّر .. يقول: " الله أكبر ".
واستحب بعض العلماء أن يَقول: " بسم الله .. الله أكبر "، وذلك لم يَثبت في حديثٍ مرفوع، وإنما الثابت التكبير .. نعم ثبتت التسمية عن ابن عمر رضي الله-تعالى-عنهما، أما الحديث المرفوع فهو ما ذكرتُه. (3/93)
صفحة 685
وعند طوافه يَدعو بِما تيَسَّر له، وإذا دعا بشيءٍ مِن كتاب الله .. أي مِن الآيات التي جاء فيها الدعاء أو بشيءٍ مِن الثابت عن النبي-صلوات الله وسلامه عليه-فذلك أفضل، أما أن يَشغِل بترديد الأدعية والأذكار خلْف مُطَوِّف ولا يَفْقَه شيئا مِن تلك الأذكار أو تلك الأدعية فهذا مِمّا لا يَنبغي لأحد أن يشتَغِل به، ولْيَحْذَر الإنسان مِن مزاحمة النساء ومِن لَمْسِهِن فإنّ ذلك مِمّا يُنهَى عنه النهي الشديد، فإذا انتهى مِن الطواف-كما ذكرتُ-فَلْيُصَلِّ ركعتين خَلْف المقَام وإن لم يَتمكَّن خَلْفه مباشَرة-وفي ذلك صعوبة شديدة ولاسيما في أيام الحج-فإنه يُصلِّي في بُقْعة بعيدة عنه ولْيَجعله أمامه وإن لم يَتمكَّن مِن ذلك فَلْيُصَلِّ في أيِّ مكانٍ مِن البيت ولو لم يَكن خلْف المقَام، ثم بعدَ أن يُصلِّي يَأتي إلى الحجَر ويَدعو ثم يَتَوجَّه بعدَ ذلك إلى الصفا ولْيَسْعَ بيْن الصفا والمروة سبعةَ أشواط .. (3/94)
صفحة 686
مِن الصفا إلى المروة يَعُدُّه شوطا وهكذا مِن المروة إلى الصفا، ولابد مِن أن تكون البداية مِن الصفا وأن تكون النهاية بالمروة، فلابد مِن أن يَنتبِه الإنسانُ لِذلك، وَلْيَذكُر مولاه-تبارك وتعالى-وهو مُستقبِلاً لِلبيت في حالة صعوده على الصفا والمروة يقول: " الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أَنْجزَ وعْدَه ونَصَرَ عبْدَه وهَزَمَ الأحزابَ وحْدَه " ويَدعو بعد ذلك ثم يَأتي بالذِّكر السابق ويَدعو بعد ذلك ثم يَأتي بعد ذلك بالذِّكر السابق، فإذا انتهى مِن ذلك أحَلَّ بِالحلْق أو التقصير، والحلْق أفْضل إلا في حالة أن يَكون أراد الإحلال مِن عُمرته في العشْر فلِقُرب الإحرام بالحج فإنّ الأفضل له أن يُقَصِّر حتى يَتمكَّن مِن الحلْق عند إحلاله مِن الحج، وقد أَمَرَ النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتقصير في هذه الحالة، وذلك لأجل أن يَبقى شعرُه طويلا حتى يَتمكَّن مِن حلْقه-كما قلتُ-عند الإحلال مِن الحج.
والنوع الثالث: القِرَان، وذلك بأن يُحرِم بالعمرة والحج معاً، فإذا فَعل ذلك فإنه عندما يَأتي البيت يَطوف طواف القدوم ويَسعى ويَبقى على إحرامه حتى اليوم الثامن (1) ويَتوجه بعدَ ذلك إلى مِنى ويَبقى على إحرامه-كما قلتُ-حتى يَرمِيَ جمرة العقبة ويَذبح هدْيه، فإذا ذَبح الهدْي فإنه يُحِل بالتَقصير أو بالحلْق، والحلْق أفضل، لأنّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: ( رَحِمَ الله المحلِّقِين ) .. قال ذلك ثلاث مرات وفي الرابعة قال: ( والمقصِّرِين ).
وبذلك تُلاحِظون أنّ الفَرْق بَيْن القِرَان والإِفْرَاد هو أنّ القارِن يَذبح الهدْي بِخلاف المفرِد فإنه لا هدْي عليه إجماعا، أما القارِن فإنّ عليه الهدْي على مذهب جمهور الأمّة.
__________
(1) -قال الشيخ: " الثامن عشر " وهو سبق لسان. (3/95)
صفحة 687
وسيأتي الكلام بمشيئة الله-تبارك وتعالى-على أفعال الحج على الثلاثة الأنواع.
وفي حالة التلبية يقول: " لَبَّيْكَ اللهم لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شريك لكَ لَبَّيْكَ، إنّ الحمد والنعمة لكَ، لا شريكَ لكَ ":
وإذا كان مُفْرِدا قال: " لَبَّيْكَ بِحجَّة " أو " لَبَّيْكَ حجًّا " أو " لَبَّيْكَ حجَّة ".
وإذا كان مُتَمَتِّعا قال: " لَبَّيْكَ بعُمرة " أو " لَبَّيْكَ عُمرة " أو ما شابه ذلك.
وإن كان قَارِنا قال: " لَبَّيْكَ بعُمرة وحجَّة " أو قال: " لَبَّيْكَ عُمرة وحجًّا "، ويمكن أن يُقَدِّم العُمرة على الحج، ويمكن أن يُؤَخِّر، واستحبَّ كثير مِن أهل العلم أن يُقَدِّم العُمرة على الحجَّة، وهذا مِن باب الاستحباب-على رأيهم-لا مِن حيث الوجوب، والأفضل ألاّ يَزيدَ الإنسانُ على تلبية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأما مِن حيث الجواز فإنّ ذلك جائز، إذ إنّ بعض الصحابة كانوا يَزيدون على مسمعٍ ومرأى مِن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-ولم يُنْكِر عليهم، ولكنّ الفضْل في التزام التلبية التي كان يَأتي بها النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ويَنبغي لِلإنسان أن يُكْثِر مِن التلبية وأن يَرْفَع بها الصوت إذا كان رجُلا، أما المرأة فإنها تُسِرّ ولا تُسْمِع الرجالَ الأجانب، ويُكْثِر مِن التلبية-كما قلتُ-ولاسيما عند إِقبالِ الليل أو النهار أو إذا صَعَدَ شَرَفًا أو نَزَلَ أو ما شابه ذلك .. أي في حالة تَغيُّر الأحوال، و-على كل حال-يَنبغي أن يُكْثِر منها وأن يَرْفَع بها الصوت، كما فَعل أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. (3/96)
صفحة 688
في اليوم الثامن يُحرِم المتَمتِّع بالحج-وهذا على الاستحباب وإلا فإنه يَجوز الإحرام للمُتَمَتِّع قبل ذلك-ويَكون ذلك مِن أَيِّ موضعٍ مِن الحَرَم، والنبي - صلى الله عليه وسلم - أَحرَم مِن المَوْضِع الذي أَقام فيه، ولا يَنبغي لِلإنسان أن يَذهب إلى " مسجد الجنّ " أو إلى " البيت الحرام " أو ما شابه ذلك، لِعدم ثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والظاهر أنّ العلماء عندما قالوا: أَحرَم النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-مِن الموضع الذي مَكَثَ فيه .. أي أنّ أصحابه على مسمعٍ ومرأى فعلوا ذلك، وإلا فهو كان قَارِناً ولم يُحِل مِن إِحرامِه، فلم يُحرِم في ذلك اليوم إحراما جديدا، فيَنبغي أن يُتفَطَّن لِذلك.
هذا ومِن الجدير بالذِّكر أنّ أهل العلم قد اختلفوا في الأفضل مِن الأمور الثلاثة، والصحيح عندنا أنّ الأفضل التَّمَتُّع إلا لِمن ساق الهدْي فإنّ الأفضل له أن يُقْرِن بيْن الحج والعُمرة .. بقي الكلام هل الأفضل أن يَتمتَّع الإنسان أو أن يَسوق الهدْي وأن يُقْرِن بينهما ؟ والثاني هو الصحيح، لِفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - .
كما قلتُ إنّ الأفضل القِرَان لِمَن ساق الهدْي والتَّمَتُّع لِمَن لم يَسُق الهدْي، وبقي الخلاف هل الأفضل للإنسان أن يَسوق الهدْي ويكون قارِنا بيْن حجِّه وعُمرته أو الأفضل له أن يَتمتَّع ؟ والأول هو الصحيح، لفعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فالله اختار لنبيه ذلك ولم يكن لِيَختار له إلا الأفضل، وأما تَمنِّي النبي - صلى الله عليه وسلم - لِلتمتع فإنه إنما تَمَنَّى ذلك لِمَا رأى مِن حُبِّ أصحابه-رضوان الله تبارك وتعالى عليهم-للبقاء على الإحرام فتمنَّى حتى يُوافِقَ أصحابَه، وقد كان - صلى الله عليه وسلم - يَترُك العملَ الأفضل لأجل موافَقة أصحابِه رضوان الله-تبارك وتعالى-عليهم، وتَحرير ذلك يَحتاج إلى بَحثٍ مُطَوَّل، وموضعه آخر بمشيئة الله تعالى. (3/97)
صفحة 689
فإذا ذَهَب الناس في اليوم الثامن إلى مِنى فإنهم يُصلُّون الصلوات الخمس هناك، وبعد ذلك يَخْرُجُون بَعْد طلوع الشمس، ومَن خَرج قَبْل ذلك فلا شي عليه ولكنّ السنّة أن يَخرُجوا بعد طلوع الشمس ويَتوجَّهون إلى عرفة .. لو أَمكَن البقاء بنَمِرَة فذلك هو الذي فَعله النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولكنّ هذا الزمان فيه مِن الصعوبة ما فيه لِكثرة الحجاج، فيَبْقَوْنَ هنالك على ذِكْر الله تبارك وتعالى .. مَن شاء أن يُكَبِّر فلْيُكبِّر ومَن شاء أن يُلَبِّي فلْيُلَبِّ، ويَنبغي لهم أن يُكثِروا مِن الدعاء والذِّكْر ما استطاعوا ولْيَتركوا كلام الدنيا، وإذا زالت الشمس فيَنبغي لهم مباشَرة أن يُصَلُّوا الظهر والعصر .. يَقوم الإمام خطيبا ولْيَخطب خطبة مختصَرة ثم بَعْد ذلك يَقومون بِتأدية الصلاتين جَمْعا .. يَقْصُرُون الظهر ركعتين وكذلك العصر (1) .. يَجمعونَهما جَمْع تقديم، ويُؤَذِّن المؤَذِّنُ أذانا واحدا ويُقيم إِقامتين، فإذا صَلّوا فليَذْكروا الله-تبارك وتعالى-ولْيُكثِروا مِن الدعاء ويُكثِروا مِن قول: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير "، ولْيُكثِروا بِما شاؤوا مِن الدعاء ولاسيما مِن الأدعية التي وَرَدَت في كتاب الله أو صَحّت عن رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-فإنّ هذا الوقت مِن أفضل الأوقات فلا يَنبغي للإنسان أن يُفَرِّطَ فيه بِنوْم أو بِكلام أو ما شابه ذلك، ولْيَبْقَوا على ذلك حتى يَتحقَّقوا مِن غروب الشمس تَحقُّقا لا لَبْس فيه، وليس لأحد أن يَخرُج قَبْل ذلك، لأنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ذلك، ولأنه بَقِي في عامِه ذلك حتى تَحقَّق غروب الشمس تَحقُّقا لا لَبْسَ فيه ولا غُموض وبَعْد ذلك أَفاض وقال: ( خذوا عني مناسِككم ).
__________
(1) -يبدو أنّ هذا القصْر خاص بالمسافِر. (3/98)
صفحة 690
ولِلأسف نَجد كثيرا مِن الناس يَخرُجون قَبْل ذلك، وهذا مِمّا يُخالِف السنّة الصحيحة الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مخالَفة صارِخة، ولا يَنبغي لِلإنسان الذي ذَهب إلى تلك المواطن المقدَّسة أن يُخالِف هذه المخالَفة والعياذ بالله-تعالى-مِن ذلك.
ثم لِيَذهبوا إلى المُزدلَفَة ولْيَبِيتُوا ليْلتَهم بِها ولْيَجمَعوا بيْن المغرب والعِشاء .. يُصَلُّون المغرب ثلاثا والعشاء ركعتين (1) -وطبعا هذا لِلمسافِر-ويكون ذلك بأذان وإقامتين على الصحيح الذي دَلّ عليه الحديث الصحيح، فإذا قاموا في الصباح فلْيُصَلُّوا صلاة الفجْر في أوّل وقتها ثم لِيَذْكروا الله-تبارك وتعالى-هناك ذِكْرا كثيرا ولْيَبْتَهِلوا إليه ولْيُكْثِروا مِن السؤال مع تَضَرُّعٍ وخُشُوعٍ إليه - سبحانه وتعالى - ، ثم لِيَخرُجوا بَعْد ذلك قَبْل طلوع الشمس، وإذا مَرُّوا بِوادي مُحَسِّر إِن أَمْكَنَهُم أن يُسْرِعوا السيْر فذلك هو المطلوب، وإن لم يَتمكَّنوا مِن ذلك فلا حَرَجَ-بِمشيئة الله تبارك وتعالى-مع شدّة هذا الزحام الذي نراه الآن.
وأقول: " شدّة الزحام " .. لا أريد أن يَتَخَوَّف الناس مِن ذلك، وإنما أَذْكُر أنّ ذلك هو الواقع ولكنّ الأمر يَسير بمشيئة الله تبارك وتعالى .. يَرى الناسَ أفواجا ولكنه يَمرّ بِسهولة ويُسر ولا يَجِد مشقّة في ذلك، ومَن ذهب إلى تلك المواطن عَرَف ذلك حقّ المعرفة، فلا يَنبغي لأحد أن يَتَخَوَّف مِن ذلك فالأمر أَيْسَر مِمّا يَتصوّره كثير مِن الناس.
ومَن لم يَتمكَّن مِن مجاوزة الوادي إلا بعد طلوع الشمس لِزحام أو ما شابه ذلك فلا شيء عليه على الرأي الصحيح الراجح.
وأَلْزَمَه بعضُ العلماء الدم، ولا يَجب عليه، لِعدم وجود دليلٍ على ذلك .. هذا هو الصحيح عندي.
__________
(1) -قال الشيخ: " ثلاثا " بدلا من " ركعتين "، وهو سبق لسان نبّه عليه فيما بعد. (3/99)
صفحة 691
فإذا وصلوا إلى مِنى فَلْيَرْموا بِها الجَمْرَة بِشرْط أن يَكون ذلك بعد طلوع الشمس-كما هو مذهب كثير مِن أهل العلم-وهو الذي يُؤْخَذُ مِن حديث ابن عباس رضوان الله-تعالى-عليهما.
الضَّعَفَةُ يُمكِنهم أن يَخرُجوا مِن المزدَلَفة بعد غروب القمَر مِن ليلة العاشِر ولكن لِيَنتظِروا الرمي حتى تَطلع الشمس، وأما القادِر فليس له أن يَخرُج إلا بعد صلاة الفجْر، كما فَعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ، والرمي في هذا اليوم يكون لِجمْرة العقَبة فقط، فلْيَرْمِها الإنسان بِسبع حَجَرات وليُكَبِّر مع كل رَمية ولْيَقْطَع التلبية عند إرادة الرمي .. هذا هو القول الصحيح الثابت الذي دلّت عليه السنّة الصحيحة، ثم بَعْد الرَّمْي لا يُشْرَع الدعاء في هذا المَوطِن، بل يَذهب الناس إلى الذبح بالنسبة إلى مَن كان قارِنا أو كان متمتِّعا .. (3/100)
صفحة 692
فليَذْبَحوا الهدْي ولْيَكن قد بَلَغ السِّن وسَلِم مِن العيوب، ولا يُمكن أن أُطيل بِأكثر مِن ذلك في هذا الوقت، فإذا ذَبَحوا فيُشْرَع في هذا الوقت الحلْق والتقصير لِلرجال، والحلْق أفضل، وأما النساء فإنهن يُقصِّرن بِمقدار أنْمُلَة، وبَعْد ذلك مَن شاء أن يَطوف فلْيَذهب إلى الطواف وليَطُف بِالبيت على الصفة التي ذكرناها إلا أنه لا يُشرع فيه الاضْطِبَاع ولا الرَّمَل على حسب ما ذكرنا بل يَطوف طوافا عاديا، وبعد ذلك بالنسبة إلى المُتَمَتِّع فإنّ عليه أن يَسْعى، كما هو مذهب جمهور الأمّة الذي دَلَّ عليه صحيح السنّة، وأما القَارِن والمُفْرِد فإن كانا قد سعيا مِن قَبْل فلا سعي عليهما، أما إذا كانا لم يَسعيا مِن قَبْل-لِعدم تَمكُّنهما مِن ذلك أو أنهما شاءَا تأخيرَ ذلك، إذ إنّ التأخير جائز وإن كان التقديم أفضل-فعليهما-أيضا-السعي، وإذا فعلوا ذلك فإنهم يَرجِعون إلى مِنى مباشَرة ولْيَرموا الجمرات الثلاث في اليوم الثاني والثالث، فمَن أراد أن يَتَعجَّل فلْيَتَعجَّل بعد الرمي مِن اليوم الثالث وهو الثاني بالنسبة إلى أيام التشريق، ومَن شاء أن يَمكث الثالث-وهو اليوم الرابع مِن أيام الرَّمي كُلِّها-فليَمْكُث، والرمي يكون في هذه الأيام بَعْد زوال الشمس، ولا يُجْزِي قَبْلها.
وما يَفعله كثير مِن الناس مِن التَقَدُّم على ذلك فهو مخالِف للسنّة الصحيحة الثابتة، ولا يُجزِيهم أنهم يُقلِّدون فلانا أو فلانا، فالعبرة بالصحيح الثابت، كما نصَّ على ذلك أهل العلم بل هو الذي نصّت عليه الأدلة، ويُعجبني كلام الإمام السالمي-رحمه الله-حيث يقول:
المصطفى يَعتبِر الأوصاف ... ونحن نحكي بَعْده خلافا
لا نَقبَل الخلاف فيما ورد ... فيه عن المختار نصٌّ أُسند (3/101)
صفحة 693
فإذا وَرد حديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وصَحَّ فلا شيء إلا التسليم، ولْنَترك بقية الأقوال، فإذا انتهوا مِن ذلك فلْيَبْقوا بمكة ما شاءوا وإذا أرادوا الانصراف منها فليَنصرِفوا ولكن بعد أن يَطوفوا طواف الوداع ولْيكن ذلك هو الخِتَام، وتُعْذَر مِنه الحائض والنفساء ومَن لم يَتمكّن لِشِدَّة المرض الذي لا يُمكن مَعَه أن يَطوف بنفسه أو مَحمولا، أما إذا أمكن أن يَطوف ولو مَحمولا فلا يُعذَر مِن ذلك، والحائض تُعذَر مِن هذا الطواف أما مِن طواف الحج وطواف العُمرة فلا تُعذَر، فلابد أن تُؤَخِّر ذلك حتى تَطهُر وتَغتسِل ولْتَطُف بَعْد ذلك.
هذا مختَصَرٌ فيما يَتعلّق بِصفة الحج، وهنالك أحكام كثيرة تركتُها لِضيق الوقت واختصرتُ الكلام في بعضها؛ والله ولي التوفيق.
س: لعله مِن سبق اللسان ذكرتُم أنّ الحاج يُصلِّي في مزدلفة المغرب ثلاثا والعِشاء ثلاثا ؟
ج: المغرب ثلاثا والعشاء ركعتين، إذ لم يَرِد حديث بأنها تُصلَّى ثلاثا لا في حضر ولا في سفر، والأمّة مُجمِعة على الأربع في الحضر، وذهب جمهور الأمّة إلى أنّ المسافر يَأتي بها ركعتين .. في القصر الصحيحُ الوجوب، أما أن يُصلِّيها الإنسان ثلاثا فلا شك أنّ هذا مِن باب سبق اللسان إن كان قلنا ذلك، إذ لم يَقل بذلك أحد ولا يُمكن أن يقول به أحد-أيضا-إلى يوم القيامة؛ والله أعلم.
س2: امرأة أَحْرَمَت بالعُمرة لكنّها عندما وصلَتْ مكة جاءها الحيض فمكثتْ في السكن وامتشطتْ وتطيبتْ ووضعتْ النقاب ولَمّا طَهُرت ذهبت وصَلَّت في الحرَم الشريف لكنها لم تُؤَدِّ المناسك فقيل لها في ذلك فذهبتْ إلى " التنعيم " وأَحْرَمت مرة أخرى، ماذا عليها ؟ (3/102)
صفحة 694
ج: سبب هذا الجهل الفاضح .. قلنا نحن في مرة سابقة (1) : إنّ الإنسان إذا أراد أن يَذهب إلى الحج أو العُمرة بل إذا أراد أن يَأتي بشيء مِن العبادات لابد مِن أن يَتعلّم ذلك، فلقد أخطأت هذه المرأة خطأ عظيما .. عليها أن تتوب إلى الله-تبارك تعالى-وإحرامُها السابق كان باقيا وعليها مع ذلك أن تَفْتَدِيَ بذَبح شاة ويكون ذلك في الحرَم .. يُعْطى فقراء الحرَم .. أي الذين يُوجَدون في الحرَم في وقت ذَبْح هذه الشاة .. هذه رخصة لها.
س3: بالنسبة لطواف الإفاضة، هل يَصحّ أن يُؤجَّل إلى طواف الوداع ؟
ج: الرسول - صلى الله عليه وسلم - طاف في النهار على الصحيح، وما جاء مِن أنه طاف بالليل فخطأٌ لا يَصح، ولعلّ الراوي تَوَهَّم ذلك مِن طوافِه - صلى الله عليه وسلم - لِلوداع فإنه طافه قَبْل صلاة الفجر على الصحيح، ومَن كانت لديه القدرة فيَنبغي له أن يَقتِدي بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ومَن لم يَستطِع لِمَرض أو ما شابه ذلك فيُمْكن أن يُؤَخِّر ذلك إلى اليوم الذي يُريد أن يَخرُج فيه إلى بلده وليَطُف في ذلك اليوم طواف الإفاضة وذلك يُجزِيه عن طواف الوداع بِشرط أن يكون آخر الأعمال .. نعم يُمكن أن يُرَخَّص له أن يَأتي بَعْده بالسعي إن كان لم يَسْعَ مِن قَبْل، أما إذا كان قد سعى مِن قبل فلا يَسْعَ، إذ إنّ السعي لا يُشْرع إلا للعُمرة والحج، ويمكن أن يكون الإنسان قد سعى مِن قبل في حالتين .. في حالة الإفراد والقِران، أما في حالة التمتُّع فالمتمتِّع لابد أن يَسْعى مرتين .. بعد طواف العُمرة وبعد طواف الحج .. هذا هو مذهب الجمهور، وهو الذي دَلّت عليه السنّة، خلافا لابن تيمية ومَن سار على نهجه مِن أنه يُجزيه سعي واحد، فهذا مخالِف للسنّة.
__________
(1) -عند الجواب على السؤال 1 مِن حلقة 17 شوال 1423هـ ( 22/12/2002م ). (3/103)
صفحة 695
س4: البعض عند انتهائه مِن الطواف في الشوط السابع يَأخذون بِالتدرج لِلخروج مِن الطواف قبل انتهائهم منه، هل عليهم حرج وخصوصا الزحام يكون كثيرا ؟
ج: إذا كانوا لم يَنووا الخروج مِن الطواف فهم في الطواف، أما إذا نَوَوْا الخروج فلا، فإذن إذا كانوا بنية الطواف فلا حرج بمشيئة الله، أما إذا نَوَوْا الخروج فذلك لا يَصح.
س5: هل يَجوز لِلرجُل أن يَحجّ عن والدته إذا كانت عاجزة ؟ وإذا كانت قد أصيبت بالعمى كذلك ؟
ج: نعم، إذا كانت عاجزة يَصحّ له أن يَحجّ عنها، وكذلك إذا كانت ميّتة، فقد ثبت عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-أنه أجاب بذلك لِمَن سأله عن من مات أحد أوليائه .. جاء في بعضها: " رجُل "، وفي بعضها: " امرأة "، وهل الكل صحيح أو البعض صحيح والبعض شاذ ؟ لِذلك موضع آخر، ولكن القول بالجواز هو القول الصحيح، لِصحّة السنّة.
ودعوى مَن ادّعى بأنها خاصّة بذلك الشخص أو بأولئك الأشخاص دعوى لا تقوم عليها حجّة.
أما بالنسبة إلى العَمى فإن كان يُمكِن أن يَأخذها معه وتَأتي بأعمال الحج .. أي يَأخذها معه ويَقُودُهَا عند تأدية المناسك فلا يَصحّ لها الترك، أما إذا كانت لا تَتمكّن مِن الفعل أبدًا ففي هذه الحالة يَصحّ لها ذلك، فكثير مِن الناس لا يُبْصِرون ولكنّهم يُمكنُهم أن يُؤَدُّوا ذلك بِمساعدة غيرهم.
س6: والدتها تريد أن تَذهب إلى الحج ولكن ليس عندها مَحْرَم إلا أنّ المقاوِل يَصطحِب معه زوجتَه مع مجموعة مِن النساء، فهل تَذهب معهم ؟ (3/104)
صفحة 696
ج: الله المستعان، كثير مِن أهل العلم ذهبوا إلى أنّ المرأة لا يَجوز لها أن تَذهب إلى الحج ولا إلى غيره إلا مع زوجٍ أو مَحْرَم، لِنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن سَفَرِها إلا مع الزوج أو المَحْرَم، ورَخَّصَت طائفة مِن أهل العلم لِلمرأة إذا كانت تَذهب لِتأدية الحج وكان الحجُّ حجَّ فريضة .. رَخَّصوا لها أن تَذهب مع نساء معهنّ رجال مِن أهل الصلاح، ولكن لا يَخفى ما في شدّة الزحام في هذا الأمر وضَعْفِ المرأة فقد تَحتاج إلى مساعدة في الطواف أو في السعي وقد تَمرَض وتَحتاج إلى مَن يَقوم بشؤونها، وكثير مِن النساء ذَهبْنَ مِن غير مَحارمِهنّ ومرضتْ منهنّ بعض النساء واحتاجتْ إلى أن يَقوم الرجال بِحمْلِها أو مساعدتِها أو أن تُمْسِك بهم أو ما شابه ذلك وهم مِن غير مَحارمِها فيَقعون في معصية الله تبارك وتعالى .. هذا الوقت لا يُمكن أن نُرَخِّص في مثل هذا الأمر فلتَنتظِر حتى تَجد زوْجا أو مَحْرَما منها وهي معذورة إلى أن تَجد ذلك-بمشيئة الله-وتوصي بذلك حتى تَتمكَّن مِن التأْدية مع الزوج أو المَحْرَم؛ والله أعلم.
س7: إذا تحلَّلَ شخص مِن الحج أو العُمرة ثم شك في طوافه بأنه قد طاف ستّة أشواط، ماذا يَجب عليه ؟
ج: إذا انتهى الإنسان مِن الطواف فلا يَلتفِت بعد ذلك إلى الشكوك، فكيف إذا كان قد انتهى مِن السعي ومِن الحلْق أو ما شابه ذلك ؟! فهذا شك لا عبرة به .. نعم إذا شك وهو في الطواف فهاهنا يَبني على الأقل .. إذا شك هل طاف ستّة أو سبعة فليَعتبِرها ستّة ويأتي بالشوط السابع، وإذا شك بيْن الخمسة والستّة فليَعتبِرها خمسة .. هذا إذا لم يَترجّح لديه شيء، أما بعد أن يَنتهي مِن الطواف فلا شيء عليه بمشيئة الله.
س8: هل يَجوز لِلإنسان أن يُؤَجِّر بِحجّة وهو بِصحّة وعافية ؟ (3/105)
صفحة 697
ج: لا، لا يَجوز له ذلك أبدا، بل ولا يَجوز له أن يَنتظِر حتى يُصبح شيخا لا يَتمكّن مِن تأدية ذلك، بل عليه أن يَذهب الآن ما دام واجِدا لِلمال وهو يَستطيع على تأدية الحج، ولا يَجوز له أن يَتأخَّر، كما يَفعله كثير مِن الناس:
وأغلبُ الناس يُؤخِّرون ... وأنه كَالدَّيْنِ يَزعمون
وهم لَعَمْرُ الله مَغرورون ... بِزُخْرُف القول مُخادِعون
يَبقى يَنتظِر الواحد سنة ثم سنة ثم ثالثة ويَدَّعي بأنّ أهل العلم قالوا: " يَجوز التأخير في الحج " .. ما أراد أهل العلم هذا الأمر، وكثير مِن الناس شَاهدناهم يَمْكثون السنين الكثيرة ويَمْلِكُون الأموال الطائلة وهم في صحّة تامّة يقول: " سأذهب بعد مدّة مِن الزمان " ثم بعد ذلك لا يَتمكّن ثم يَأتيه الموت .. فأخشى على هذا مِن الهلاك والعياذ بالله تعالى.
مِن حلقة 9 ذو القعدة 1423هـ، يوافقه 12/1/2003م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
س14: امرأةٌ كبيرَة في السن لَم تَذهَب إلى الحج لِظروفِها المَرضية لكنّها تُرسِل في كلِّ عامٍ خَمسين ريالا عُمانيا، فهل تُؤْجَر على ذلك ؟ مِن أجْل أن تُوَزَّع هناك على الفقراء.
ج: على كل حال؛ نَحن نَدعو الناس .. نَدعُوهم أن يَسألوا أهلَ العلم في مثلِ هذه القضايا مِن قبلِ أن يَفعَلوا بعضَ الأمور التي قد تَكون مُخالِفة لِلشرع أو قد يَكون الأوْلَى بِخلافِ ما فََعَلوه، وقد قالَ أهلُ العلم:
عِبَادَةٌ لَيْسَ بِها تَفَقُّهُ ... لا خَيْرَ فيها إنَّها لَبَلَهُ (3/106)
صفحة 698
فكان الأوْلَى لِهذه المرأةِ أن تَجمَعَ هذه الأموال وبعدَ ذلك تَقوم بِإِيجَارِ مَن يَقوم بِتأديةِ هذه الحجّةِ عنها، و-على كلّ حال-وجوهُ الخيْرِ والبِر كثيرة، فإن كانتْ هذه الأموال تُوَزَّع هناك على المُحْتَاجِين إليها فلا مانِع في ذلك وفي ذلك خيْر بِمشيئة الله تبارك وتعالى، وإن كانتْ تُوَزَّع على مَن هَبَّ ودَبَّ فهُنَالِك وُجُوه في هذه البلاد أَوْلَى .. مِن نَشْرِ عِلم .. يُعانُ بِها بعضُ الفقراء أو تُطْبَعُ بِها بعضُ الكتب أو بعضُ الأشرطة أو ما شابه ذلك .. نَحن لا نقولُ طبعا: " إنَّ هذه المرأة يَجِب عليها أن تُجَمِّع هذه الدراهم مِن أجْلِ أن تَصِل إلى مبلغٍ مِن المال ثُم بعدَ ذلك تَقُوم بِتأجِير مَن يَقوم بِتأدِيةِ الحج " لأنَّها ما دامتْ غير مستطِيعة في هذا الوقت وتَملِك مبلغا مِن المال فلا يَلزَمها أن تَترُك هذا المال إلى مَا بعدَ سِت سنوات أو عشر سنوات أو ما شابه ذلك حتى تَجْتَمِع إليها هذه الأموال التي تَصِل إلى أُجْرَةِ الحج، فإمَّا أن تَجْمَع إذا شاءَتْ أو أن تَقومَ بِتأدِيَةِ ذلك إلى أَحْسَنِ وجهٍ مِنْ وُجوهِ البِر والصلاح، لأنَّنَا نُشاهِد كثيرا مِن الناس يَقومون بِإِرسالِ بعضِ الأموال إلى مكة المكرمة ولكن كثيرا مِن الناس الذين يَقومون بِتوزيعِ تلك الأموال لا يَعْرِفُون الوجوهَ الصحيحة التي تُوَزَّع فيَقومون بِإِعطاءِ فلان أو فلان أو ما شابه ذلك .. طبعا ذلك الإنفاق لا يَكونُ حَرَاما ولكن الإنسان ينبغِي لَه أن يَبحَثَ عن أَحْسَنِ الوجوهِ وأوْلاهَا؛ والله أعلم.
مِن حلقة 29 ذو الحجة 1423هـ، يوافقه 2/3/2003م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عام 1424هـ
س7: قالت: " عندما يَجِد والِدِي عَمَلا سَأصوم له "، وعندما وَجَدَ والدها عَمَلاً لَم تصم له، حيث أنَّها قَالَت ذلك قَوْلا دُون أن تَحْلِف، فماذا عليها ؟ (3/107)
صفحة 699
ج: إذا كانت نَذَرَت ذلك فلابد مِن أن تقوم بالوَفَاء بنَذْرِها إذا كانت تستطيع على الوفاء به، والنَّذر لا يَحتاج إلى حَلف بل لا يَحتَاج أن يُقْسِم الإنسان بالله-تبارك وتعالى-أو ما شابه ذلك .. ذلك قَسَم وأمَّا النَّذر فهو لا يَحْتَاج إلى ذلك، فإن نَذَر فَلاَبد مِن أن يقوم بالوفاء بالنَّذر وليس له أن يُفَرِّط فيه .. ماذا قالت ؟
س: ...
ج: ... الأَصل في النَّذر أن يصوم الإنسان وأن يصلِّي وأن يقوم بأَدَاء الحج أو العمرة أو ما شابه ذلك لله تبارك وتعالى، فإذا ذَكَرَ ذَلِك أو لَم يَذْكُرْهُ فإنَّه هو المُتَعَيِّن الذي يقع مِن المسلم، ولا يُمكن أن يكون المسلم يَقْصِد غير ذلك إلا إذَا كان منحرفا عن دِينِه ...
س12: ...
ج: ... النية المعتَبَرَة هي النية القلبية فإذا أراد الإنسان أن يقوم بشيء مِن الأمور التِي تُشْتَرَط فيها النِّية أن ينوي ذلك بقَلبه .. إذا أراد الصلاة ينوي ذلك بقلبه، وإذا أراد أن يُخرج الزكاة ينوي ذلك بِقلْبه .. وهكذا بالنِّسبة إلى بَقِيَة العبادات .. نعم في الحج لابُد مِن أن يقول في حَجِّه: " لبيك حَجَّة " أو " لبيك عمرة " أو ما شابه ذلك لا أن يقول: " اللَّهم إني نويت الحج " فهذا مِمَّا لَم يَرِد عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - .. نعم اختلف العلماء في جواز ذلك:
منهم ذَهَب إلى أن لا بأس على الإنسان أن يقول: " اللهم إنِي نويت أن أصلي فريضة الظُّهر " أو " فريضة العصر " أو " أن أحج " أو " أن أفعل كذا " وهكذا بالنِّسبة إلى عِدَّة المرأة التِي تُوُفِّي زوجها أن تَذكُر ذلك هي بلسانِها.
ومنهم مَن ذَهَب إلى أنَّ ذلك بدعة وأنَّه لا يَجوز. (3/108)
صفحة 700
ولا شك أنّ هذا بدعة .. بِمعنَى أنَّه لَم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكن لا نقول: إنَّ ذلك حرام، لأنَّه ليست كل البِدع مُحَرَّمة، بل البِدع تَخْتَلف والكلام على ذلك يَطُول، ونَحن نقول: إنَّه لا ينبغي لِلإنسان أن يأتي بِشيء مِن هذه الألفاظ، ولكن إذا أتَى بشيء مِن هذه الألفاظ لا نقول إنَّه ارتكب مُحَرَّما ولكن نقول: الأفضل التَّرك، أمَّا أنْ يقوم رجل أجنبي-أو ما شابه ذلك-بقراءة هذا اللَّفْظ وتقوم تلك المرأة بِمتَابَعَتِه فهذا مِمَّا لا يصح، على أنَّ العلماء قد اختلفوا في العِدّة هل تَفْتَقِر إلى نِيَّة-والمراد بالنية هاهنا النية القلبِية كما ذكرت-أو أنَّها لا تفتقر إلى النية:
وقد ذهب أكثر العلماء إلى أنَّها لا تفتقر إلى النِّية.
وذهب بعض العلماء-وهو الذي ذَهَب إليه ابن بركة وصحَّحَه الإمام نور الدين رحمه الله تبارك وتعالى-إلى أنَّها تفتَقِر إلى النية، فإذا قُلنا بِهذا القول-وهو قول قَوِي-فإن المراد بالنِّية-كما قلتُ-هي النية القلبية.
...
مِن حلقة 13 جمادى الأولى 1424هـ، يُوَافقه 13/7/2003م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
س1: هَل يَلْزَم المرأة الذَّهاب إلى العُمرة الفَرْض إذا وَجَدت رفقَة فيها رجال ونساء أُمَنَاء وليْس لَدَيْهَا مَحْرَم ؟
ج: إنّ العُلَمَاءَ قَد اختلَفُوا في حُكْم العُمرة:
مِنْهُم مَن ذَهَبَ إلى أنَّها وَاجِبَة، وقد استدَلُّوا على ذلك بِأدلّة متَعَدّدة مِن سنّة رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-إلا أنّ العُلمَاء قد اخْتَلَفوا في ثُبوت هذه الأحاديث، مِنْهُم مَنْ قال بِثُبُوتها، ومِنْهُم مَن قال بثبوت بعضها، ومِنْهم مَن قال بِعدم ثُبُوت شيء مِنْها. (3/109)
صفحة 701
وذَهَبَتْ طائفة مِن أهل العلم إلى عَدَم وُجُوبِ العُمْرة، وإنَّما هِي سنّة مِن السنن وثَبَت فيها الفضل العظيم فلا يَنْبَغي لِلإنسان أن يُفرِّط فيها وإن كان ذلك لا يَصِل إلى درجة الوجوب، وأَجَابُوا عن تِلك الأحاديث بِأنَّها مِنْها مَا لا يَثْبُتُ عن رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وسَلم-ومنها ما لا دلالة فيه على المطلوب.
و-مَهْمَا كان-الخلاف مَوْجود في المسألة، وتَحْقيق الحقّ فيها يَحتاج إلى إطالة، لأنّ جميع تلك الأدلة لا تَخْلُو مِن كَلام مِن جهة الثُّبوت ومِن جِهة الدلالة أيضا.
وَ-مَهْمَا كان-حتى على رأي مَن يَقُولُ بِوجُوبِها هِي لا تَصل إلى درجة وُجوب الحج، ذَلك لأنّ الحج ركن مِن أرْكان الإسلام بِنَصّ سنّة رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-ثم هُو وَاجب بِنَصِّ كتاب الله وبِنصِّ سنّة رسوله صلوات الله وسلامه عليه، وقد اتّفَقَت الأمّة الإسلامية عَلى وُجُوبه، وهو مِن الأمُور الضرورية المَعلومة عند المُسلمين.
وقد اختلف العلماء في جَوَاز سَفَر المرأة مع جَمَاعة مِن الثِّقات أَهْل الصَّلاح مَعَهُم نِساء:
مِنْهم مَن ذَهب إلى جَوَازِ ذَلك، واستَدَلُّوا بِبعض الأدلة.
ومِنْهم مَن قال: إنّ ذلك لا يَجوز لها، لِنهي النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-المرأةَ أن تُسَافِر إلا مع زَوج أو مَحْرَم، كما ثبت ذلك في سنّة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. (3/110)
صفحة 702
وإذا كان الأمْر كَذلك .. أعني في الحج فإنّ الخِلاف في العُمرة أشَد، ذلك لأنها لا تَصل إلى دَرجة المُتَّفَقِ عليْه في الفَرضية، بَل هِي مُختلف فيها-كما ذكرتُ-والقَول بِوُجُوبِها ليْس بِذلك القَوِي وإنْ كَان مُحْتَمِلا .. يَعنِي تَرْجيحُ هذا القَوْل ليْس مِن السُّهُولَة-بِمكان-أن يَجزم به الإنسان وإن كان له وجه وجيه، وإذا كان الأمر كَذلك فإنّني أَقُول: إنَّهُ يَنْبغي لهذه المرأة أن تَتَأخّر حتى تَجِد زوْجا أو مَحْرَما منها وتَذْهب معه لِتَأْدية فريضة الحج وتَأْدِية العُمرة، لأنّ الإنسان يُمكن أن يَقُومَ بِأدَاء فريضة الحج وأداء العُمرة في سفر واحد:
1-إما أن يَتَمَتَّع بيْنهما كما هُو الأفْضل .. يُحْرم أوّلاً بِالعُمرة ويَأتِي بِها ثم يُحِل مِنْها ثم بعد ذلك يُحْرم بِفريضة الحج، كما هو معلوم في كتب المناسِك.
2-وإما أن تُقْرِن بيْن الحج والعُمرة .. تُحرِم بِهما إحراما واحدا.
والأول لا شَك أَفضل لِمَن لم يَسُق الهدْي، فهي في هذه الحالة إذا ذَهَبَتْ مع رجال ثِقات معهُم نِساء لَنْ تُؤدِّي فريضة الحج ولابد مِن أن تُسَافِر مرة أخرى فإذن بِإمكانِها أن تَتأخَّر إلى ذلك الوقت وتُسافِر-كما قلتُ-مع زوْج أو مَحْرَم بِمشيئَة الله.
ويَنبغِي لِلأزواج ولِلمَحَارِم أن يَذْهَبُوا مع مَحَارِمِهِم مِن باب الإعَانة على البِرِّ والتَّقوى، وهم-أيْضَا بِمَشيئة الله تبارك وتعالى-سيَقُومُون بِتَأْدِية فَرِيضة الحج والعُمْرة إذا كَانوا لم يَأْتُوا بِهَما مِن قَبْل أو أنَّهم سَيتَنَفَّلون بِذلك وفي ذلك فَضل عَظيم، كما ثَبت ذلك في سنّة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويَكْفي مِن ذلك أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قَال: ( العُمْرَة إلى العُمْرة كَفارَة لِما بَيْنهما، والحَج المَبرور ليْس له جَزاء إلا الجنة )، وكَفَى بِهَذا فضْلا لِمَن يُرِيد الفَضْل؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم. (3/111)
صفحة 703
س2: مَن الذي يَصْدُق عَليه أن يَكون مَحْرَما .. رُبّما يَكون لأحد النسَاء صبي، هل يُمْكن أن يَكون هو مَحْرَمها في هذا السّفَر ؟
ج: أما الصّبي إذا كان صَغِيرا فلا يُمْكِن، وأما إذا كان مُرَاهِقا .. أي كانتْ حَالُهُ تَقْرُب مِن حَالة البُلُوغ فإنّ أهل العلم قد اختلفوا في ذلك:
مِنْهم مَن قال: إنّ هذا يَكْفِي لأَنْ يُرَافِق المرأةَ في سَفَرَهَا ولاسيما إذا كان هُنَالِك رِجَالٌ مِن أَهْل الصّلاح مَعُهُم نِساء.
وبعضُ العُلماء يَشْتَرِط البُلُوغ.
ولا شكّ أنّ القَوْل بِاشْتِرَاط البُلُوغ قَوْل قَوِي جِدًا، ولكن في مِثْل هذه الحالة إذا كان الصبي مُرَاهِقًا لِلبُلُوغ وكان لَبِقًا .. لَه دِراية بِمثل هذه الأمور فلا أرى بأسًا بِمشيئة الله تبارك وتعالى.
س3: هل يَصِح لِلمرأة أن تَتَعَاطَى مَوَانِعَ الحَيْض لِتُكْمِل عُمْرَتَها نَظَرا لامْتِدَادِ أيَامِ حَيْضها زمنًا تَرْجِع فيه القَافِلة إلى الوَطَن قبل طُهْرِهَا ؟
ج: هنالك أمران:
1-الجواز .. أي أَنه هل لِهذه المرأة أن تَستعمِل ذلك ؟
2-وإذا استعمَلتْ ذلك قبل نُزول الحَيْض أو في أثناءِ نُزوله وتَوَقَّف الحيْض عن النزول:
فإنّ طائفة كبيرة مِن أهل العِلم تَقُول: " إنّ ذلك مِما لا مَانِع مِنْه ".
وفرّق بعضُ أهل العلم بَيْن الحَالتين .. بيْن ما إذا نَزل الحيْض أو كان ذلك قَبل نُزوله فأجازوا ذلك في الحالة الثانية دون الحالة الأولى. (3/112)
صفحة 704
ونَحن نقول: إذا انقطع الحيْض لا مَانع مِن ذلك، ولكن هنالك قَضية أُخْرى وهي أنّ كَثيرا مِن النّساء اللاتي يَسْتَعْمِلن هذهِ الحبوب بعد ذلك لا يَتَوَقف هذا الحيْض ويَسْتَمر الدّم لمُدّة طَوِيلة جِدا وتَارة يَنْزِل وتَارَة يَكون الأمر بِخِلاف ذلك ولا تَنْضبِط لَها عادة فَلا تَدْري هَلْ هِي طاهر فَتُؤَدِّي مناسِك الحج والعُمرة وتُصلي وتَصوم وهكذا بالنسبة إلى بَقَية الأَحْكَام المُتَعَلقة بقضية الحيْض أو هِيَ لَيْسَت بِطاهر وليس لها أن تُؤَدّي هذه الأشياء .. تَبْقَى في مُشكلة كبيرة جدًا، فالسّلامة أن تَتَرُك هذه الأمُور وأن تَنْظُر في أَمْرها، فإنّ كَثيرا مِنَ النّسَاءِ لَهُنّ عَادَة .. تَعْرِف مَتَى يَبْتَدِئ الحيْض ومتى يَنْتَهي الحيض، فإن كانت يُمْكُنَهَا أن تُؤَدِّيَ تِلك المَناسك قبل نُزول الحيض فَلْتَذهب ولْتَأتِ بِتلْكَ المناسِك، وإن كان لا يُمكنها .. تَعرف بِحسب عادَتها بِأنّ الحيض سيأتيها في الوَقْت الفُلاني ولَن تَتَمَكّن في ذلك الوَقْت مِن تَأْدِية العُمْرة أو تَأْدية الحج لأنَّها لَنْ تَنْتَظِرَهَا تِلك الجماعة التي هي في رفَقَتهم فإنها تُؤمَرُ بِأن تَتَأخّر في تلك السنَة، وسيَجعل لَها الله-تبارك وتعالى-فَرَجًا مِن أمرِهَا في المُسْتَقْبل إن شاء الله تبارك وتعالى، ومِن المَعلوم هي لم تتأخَّر مِن أجل التَأخر وإنَّمَا مِن أجل هذه الضَّرورة؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س4: يَأخُذُ بعض المسلمين أَطفالهم مَعَهُمْ للعُمْرة ومِنْهُم الرضيع ومنهم المُمَيّز، فما هي الأحكام المُتَعَلِّقَة بِهؤلاء الأطفال ؟ نرجوا التَفصِيل في هذه القَضِيَّة .. يَعْنِي هَلْ لَهم أن يُحْرِموا لَهم وأن يُؤَدّوا العُمْرة وهَكَذا الحج ؟ (3/113)
صفحة 705
ج: أما الطفل إذا كان صَغِيرا جدا فهذا في الوَاقِع قد تَكُون هنالك مشكلة في الإحرَامِ لَه، أمَا إذا كَان هَذَا الطفل يُمَيِّز ولَو قليلا فقد ثَبت في السنَّة الصحيحة الثابتة-مِن عِدّة طُرُقٍ-عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-مِنْهَا مِن قَوْله ومِنْها مِن إقراره:
فقد سَألتْه امرأة: " هَل لِهذا حج ؟ "-أي لِصبي مَعَها رفعَتْهُ-فَقَال لها - صلى الله عليه وسلم - : ( نعم ولَكِ أجر ).
وذَهَب طَائِفَة مِنَ الصّحَابة-رضوان الله تبارك وتعالى عليهم-مَعَ رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-إلى الحج وَهُم لم يَصِلوا إلى مَرْتبة البُلُوغ وأَقَرَّهُم رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-على ذلك.
نعم .. هُمْ يُطالَبون بَعد ذلك بِفريضة الحج ويُطالَبُون بِالعُمرة على القول بِوجُوبِها، أو يُطَالبُونَ بِها حتى عَلى القَوْل بِأَنَّها سنَّة وإنَّما تَختلِف الدرجة.
فإذا كان هَذا الصبِي يُحافِظ على طَهَارَتِه على أَقَلِّ تَقْدِير أو يُمْكن أنْ يُسأَل أو ما شابه ذلك فلا يَنبغي أن يُحْرَم مِن ذلك، ففي ذلك فَضْلٌ عظيم لِذلك الصّبي بِمشيئة الله تبارك وتعالى، وفي ذلك أَجْر وثَوَاب بِمشيئة الله لِمَن أحْرَمَ لِذَلِك الطِّفْل إذا كان قَاصِدًا بِذلك وَجْهَ الله تبارك وتعالى.
أما إِذا كَانَ صَغِيرا جدًا جدًا فَهَذَا قد تَكُونَ فِي الإحْرَام لَه مُشْكِلة؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: إذا ارتَكَبَ هَذا الصّبي المميِّز-الذي يَستطيع أن يَفهم ما يُقال له-شَيئا مِن المحْظُورَات، مَن الذِي يَتَحَمَّلُ مَا يَترتب على ذَلك ؟
ج: في هذه المسألة خِلافٌ بَيْن أهل العلم:
1-منْهم مَن يَقُول: إنّه لاَ شَيءَ عليه ولا على مَن أَحْرَمَ له، فذلك مَعْفُوٌ عَنه بِمشيئة الله تبارك وتعالى.
2-ومِنْهُم مَن يَقول: يُخاطب بِه مَن أحْرَم له. (3/114)
صفحة 706
والقول الثاني مَشهور، والقَوْل الأول قد قَالت به طَائَفة مِن أهل العلم وله وَجْه وَجِيه؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س5: المرأةُ المُسْتحاضة، كيف تُؤَدِّي طواف الوداع ؟
ج: أما الحائض فقد اختلف العُلماء في طَوَاف الوداع:
مِنْهم مَن قَال: تُؤمَر بِأن تَتَأخَّر إن أَمْكَنها ذلك وإلا فَعَليها أن تَذْبح شَاةً لِفقراء الحَرَمِ .. والمُرَادُ بِفقراء الحرَمِ في مِثْل هذه القَضَايَا هُم: مَنْ يُوجَدُونَ في الحرَمِ في ذلك الوَقْت سَوَاء كَانوا مِن أهل الحرَمِ أو كانوا مِنَ الآفَاقِيين الذين قَدِموا إلى الحرَمِ.
وذَهبَتْ طائفة مِن أهل العِلم إلى أنه لا شَيْءَ عَلَيْهَا وتَخْرُج إلا إذَا طَهُرَت قبل مُفَارَقَة بُيُوتِ مكّة فإنّها تُؤمَر بِأَن تَغتَسِل وتَرجِع وتَطُوف بِالبَيْت، أما إذا طَهُرَت بَعد ذَلك ولَوْ في الحَرَم فإنَّها لا تُؤْمَر بِالرُّجوع ولا شَيءَ علَيها.
وهذا القَوْل هُو القَول الصحيح، لِدلالة حديثِ رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-عَلَيْه.
ولَعل الذين قَالوا بِخلاف ذلك لم يَطّلِعوا على الحديثِ فيُلْتَمسُ لَهُم العُذْر ولا يُؤْخَذُ بِقَوْلِهم، إذ كلٌّ يُؤْخَذُ مِن قَوله ويُرَد إلا المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم:
حسبك أن تَتَّبع المُختار ... وإن يَقُولوا خَالف الآثار
والله أعلم.
أما بِالنّسبَة إلى المُستَحاضَة فإنَّها تُؤْمَرُ بَعد حَيْضِها أَن تَغْتسِل وبعد ذلك لا تُؤمَر بِالاغتسال على الصَحِيح-لِعَدَم ثُبوت ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مِن وَجْهٍ يَصِلُ إلى مرتبة الحُجِّية-وإنَّمَا تُؤْمَر بِغَسل مَوْضِع النجاسة وبِأن تَلْبَسَ شَيْئا يَمْنَع مِن خُرُوجِ تِلْك النَّجَاسة إلى شيءٍ مِن جسدها أو إلى الأرْض ثم تَتَوَضّأ وتَطُوفُ كما تُصلي؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم. (3/115)
صفحة 707
س6: أنا شاب ذهبتُ إلى الديار المقدَّسة لأداء العُمرة وبعد أن أنهيتُ أداءَها شككت في أنها غير مقبولة ولكن لم أفعل أيّ شيء يَتنافى مع أعمالها .. الحمد لله جميع الأركان كانت صحيحة ولكن لوصولي أول مرة إلى الديار المقدسة حدث لي حرج كبير وارتباك شديد أثناء الطواف ؟
ج: أما القَبُول فيَعْلَمه الله-تبارك وتعالى-ولا عِلْم لنا نَحن ولا لِغَيِْرِنا بِذلك-وإنّمَا يَتَكَلّم أهْل العِلْم على الصِّحَة-ولكن الأَصْل مَن أتَى بِشيءٍ مِن الأَعمال الصَالحة على الوَجْهِ الصحيح وكان مُتَّقِيًا لِربِّه-تبارك وتعالى-أنّ الله-تبارك وتعالى-يَتَقَبّل مِنْه، إذْ إنّ الله-تبارك وتعالى-إنَّما يَتقبَّل مِن المتّقين، فَمَن كان متَّقيًا فإنّ الله-تبارك وتعالى-قد وَعَدَ بِقبُولِ أعمَاله الصَّالحة، ومَن لَم يَكُن كَذَلِك فالأمْر بِخِلاف ذلك.
وأما بِالنسبة إلى صِحّة عُمرته فإن كان قد أتَى بِها بِحسب مَا هِي مشروعة عليه .. أَتَى بِها بِأرْكانها وشُروطها فإنّها صَحَيحة بِمشيئة الله-تبارك وتعالى-ولا يَلْتَفِت إلى هذه الشُكُوك والوَسَاوِس؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س7: ما هو مُسْتَنَد مَن يَقول: إنَّهُ لاَ يَصِحّ أن يَعْتَمِرَ الفَرْد أكثر مِن عُمرة في الزِّيارَة الوَاحِدة ؟ (3/116)
صفحة 708
ج: مُسْتند هَؤلاء أنّه لَم يَثبت عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-أنّه اعْتَمَر في سَفَرٍ وَاحد مِن أسْفارِه أكثر مِن مَرّة مع حِرصه على الخَير، ولم يَثْبت-كذلك-عن أحد مِن صحابته-رضوان الله تبارك وتعالى عليهم-بِأنَّهم قد اعتَمَروا في حَيَاتِه-صلوات الله وسلامه عليه-أكْثَر مِن عُمرة واحدة في سفر واحد مِن أسْفَارِهِم، وإنَّما أَذِنَ النّبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-لِلسيّدة عائشة-رضي الله تبارك وتعالى عنها-بِأن تَعْتَمِر بَعد أن قَرَنَتْ .. فإنه تَطْيِيبًا لِنَفسها أذِنَ لَها بِأَن تَعْتَمِر مِن " التَنْعيم " وأَمَرَ أخاها عبد الرحمن بِأن يُرَافِقها .. ولَم يَرِد دَليل صحيح سالِم مِن كُل اعتراض بِاعتمار عبد الرحمن-رضي الله تبارك وتعالى عنه وعن أَبِيه-مَع السيِّدَة عائشة-رضي الله تبارك وتعالى عنها-والأمرُ مُحْتَمِل .. هُنَالِك رواية تَدُل عَلَى أنه اعْتَمَرَ، ولعلّ هذا الأقرَب إلى الصواب ولكن ذلك لِمرافقتِه لِلسيدة عائشة على أننا لا نستطيع أن نَقول: " إنّه قد اعْتَمر "، أما الرسول-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-وصحابتُه-كما قلتُ-لم يَعتمِر أحَدٌ مِنْهم أكثر مِن مرة واحدة.
وبعضُ العلماء يَقُولُ بِمَشْرُوعية الاعتمار في السّفر الوَاحد أكثر مِن مرة. (3/117)
صفحة 709
ونَحْن نَقُول بِالجواز مِن حَيْث الجواز لِما ذكرناه مِن هذا الدليل وإنّمَا الكلام في الفَضل .. هَل الأَفضَل للإنسان أَن يُكْثِرَ مِنَ الإتيَانِ بِالعُمْرَات أو أن يُكثِر مِنَ الطَوَاف مِن غَيْرِ أن يَعْتَمِرَ إلا مَرّةً وَاحِدَة في السَّفر الوَاحد كمَا ثَبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ؟ اللهم إلا إذا بَقِي مُدّة طويلة في مَكّة المُكَرمة فالأمر يَختلِف، أما أن يَذْهب الإنسان لِعدة أيَام فالأفضل-على حَسب مَا نَرَى-أن يُكْثِر مِن الطوَاف ومِن ذِكر الله-تبارك وتعالى-مِن غَير أن يَأتي بِأكثر مِن تِلك العُمرة التي دَخَل بِهَا مَكّة المكرمة لِما ذكرناه.
ولا يُمْكن أن يُعْتَرَضَ علينا بِما ذَكرناه سَابِقًا مِن حَديث النّبِي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ( العُمْرة إلى العُمرة كَفَّارة لِما بَيْنَهُمَا )، لأنّ الذي قال ذلك هُو الذِي لم يَعتَمِر ولم يَأمُر صحابتَه-رضوان الله تبارك وتعالى عليهم-بِذَلك وإنَّما أَذِنَ لِلسيّدة عائشة-رضي الله تبارك و تعالى عنها-لِظَرْف خَاصٍّ بِها كما قدّمناه، والمَجال لا يَتّسِع لِلإطالة؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س8: امرأةٌ تُرِيدُ الذَّهَاب إلى العُمْرَة بِدُون مَحْرَم .. مَعَ أجَانِب ؟
ج: قلنا نَحْنُ: إنّ هَذِه المرأة إن كَانتْ لم تَأتِ بِالعُمْرَة الوَاجِبَة-على رأي مَن يقول بِذلك-فإنه قد يُرَخّصُ لَهَا عَلَى رَأيِ بَعْضِ أهل العِلْم إذا كانت تَذهَبُ مع نِساء مع رِجال مِن أهْل الصَّلاح. (3/118)
صفحة 710
وذَهَبَت طَائِفَة كَبِيرَةٌ مِن أهل العِلم إلى أنه لَيْسَ لَهَا أن تَذْهَب إلا مَع زَوج أو مَحْرَمَ؛ ولا شَك بِأنّ هَذَا القَوْل أسْلم، فينبغي لَهَا إن كَانت لم تُؤَدِّ العمرةَ الوَاجبة-على القَول بِوجوبِها-أن تَنتَظِر حتى تَجِدَ زَوجا أو ذَا مَحْرَمٍ مِنْهَا وَتُسَافِر مَعَهُ بِمَشِيئَة الله-تبارك وتعالى-وتَأْتي بِالعمرة وبِفَرِيضَة الحج؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س9: الإحلال بِالتَقصِير أو الحلْق، كيف يَكون ؟
ج: الإحلال يَكون بِالحلق ويكون-كذلك-بِالتقصير، فالإنسان المُحْرِم بِالحج أو العُمرة أو بِهما مَعًا إما أن يُحِل بِحلْق رَأسِه كله أو بِتقصِير رأسِه كله، ولَيْسَ له أن يَأخُذَ مِن هنا ومِن هنَا، كما يَصنَع كثير مِن الناس يُقصِّر شيئا قليلا مِن الجهة الفلانية مِن رأسه ويُقصِّر شيئا آخر مِن الجِهة الفلانية وهكذا .. لا .. هَذا خَطأ مُخَالِف لِسنَّة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم .. لابُد مِن أن يُقصِّر الرأس كُله، ولاَ شَك أنّ الأَفضل الحلْق بِنصِّ السنَّة الصحيحة الثَابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فإنّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: ( رَحِمَ الله المُحَلّقين ) قِيل: " والمُقصِّرِين ؟ " قال: ( رَحِمَ الله المُحَلّقين ) قِيل: " والمُقصِّرِين ؟ يا رسول الله " قال: ( رَحِمَ الله المُحَلّقين ) قِيل: " والمُقصِّرِين ؟ " قال: ( والمُقصِّرِين ). (3/119)
صفحة 711
وجاء في بَعْضِ الروايات: ( رَحِمَ الله المُحَلّقين ) قيل: " والمُقصِّرِين ؟ " قال: ( والمُقصِّرِين )؛ وقد سَمعْتُ عن بَعضِ الناس أنّه يَأخذُ بِالتَقْصير ويَقُول بِأنّ الفَضْلَ واحد بِدليل هذه الرواية ولا دَلالة في هَذه الرواية على ذَلك أبدًا، أوّلا أنّ رِواية المُسند جاءت في بَعْض النّسخ بِما ذكرناه (1) وجاءت في نسخة قَدِيمة بِلفظ: ( رَحِمَ الله المُحَلّقين ) قِيل: " والمُقصِّرِين ؟ يا رسول الله " قال: ( رَحِمَ الله المُحَلّقين ) قِيل: " والمُقصِّرِين ؟ " قال: ( والمُقصِّرِين )، فالنُّسخة مُخْتَلِفة وليْس لأحد أن يَدّعي بِأنّ هذه النسخة التي قال: ( والمُقصِّرِين ) في المرة الأولى بِأَنّها هي النّسخة الصحيحة بَل لعلّ الأُولى هي الصحيحة لأنها أقْرَبُ مَا تَكُونُ إلى بَقِيَة الروايات ثم هِي أقْدَمُ مِن هَذِه النُّسخة بِكثير .. هَذا علَى أنَّه حَتى عَلى الرّواية الأولى (2) يُمْكن أن نَقول بِتفْضِيل المحلِّقين، لأنّ الرسول-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-خَصَّهُم أولاً بالذّكر فلما قِيل له: " والمقصِّرِين ؟ "، قال بَعْدَ ذلك: ( والمُقصِّرِين ) .. وعلى كل حال فالكُلُّ جَائِز بِنَصّ الكِتَابِ والسّنَّةِ الصحيحة الثابتة عن رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-إلا أَنَّ الذِي فَعَلَه الرسول-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-هو الحلْق ثم-أيضًا-هو الذِي قَدّمه في الذِّكْر سواء قُلنا إنه قال: ( ...
__________
(1) -أي التي قال: ( والمقصرين ) في المرة الأولى أي الرواية التي جاء فيها: ( رَحِمَ الله المُحَلّقين ) قيل: " والمُقصِّرِين ؟ " قال: ( والمُقصِّرِين )، مسند الإمام الربيع بن حبيب، حديث رقم: 444.
(2) -أي التي قال: ( والمقصرين ) في المرة الأولى أي الرواية التي جاء فيها: ( رَحِمَ الله المُحَلّقين ) قيل: " والمُقصِّرِين ؟ " قال: ( والمُقصِّرِين ). (3/120)
صفحة 712
الكتاب: فتاوى الشيخ سعيد القنوبي ج1 المُحَلّقين ) في المرة الأولى أو في الثانية أو في الثالثة إلا أنَّه بدأ أوّلا بِالمُحَلّقين وما قال: ( والمُقصِّرِين ) إلا بَعد أن ذُكِر له ذلك صلوات الله وسلامه عليه.
هذا، وقد ذَكَرَ بعضُ أهل العِلْم أَنّ الأفضل أنْ يَجْمَع الإنسان بيْن الحلْق والتقصِير .. يُقَصِّر أوّلا ثُم يَقُوم بعد ذلك بِحلْق رأسِه، وهذا-في حقيقة الوَاقع-ليْس بِشيءٍ، لأنّ مَن قَصَّرَ رأسَه أوّلاً فَقد أَحَلَّ مِن حَجِّه أو من عُمرتِه أو مِنْهما مَعًا إذَا كَان قد قَرَنَ بَينهما وبعد ذَلك لم يُصَادِف ذلك التَحْلِيق مَحلا .. لم يُصَادِف مَحَلاً بعد ذلك فَهُو إن شاء أن يَحْلِق فَلْيَحْلِق ولاَ عَلاقَة لَه بِالإحلال وإن شاء أن يَتْرك فلْيَتْرُك، فَالمُرَاد بِالحلْق الذي هو أَفْضَلُ مِن التّقْصير هو الذي لم يَسْبقه تَقْصِير وإلا مَن جَمَعَ بَيْنَهُما-أي مَن قَصَّرَ أوّلاً ثُم حَلَق-فهو في حَقيقة الوَاقِع قد أخذَ بِالتقصِير ولم يَأْتِ بِالحلْق؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س10: المرأة إذا كرّرت العُمرة، هل تُحلِّل بِتَقْصير شَعْرِها في كل مرة ؟
ج: نَعَم لابد مِن التَّقصير لكن-كما قلتُ-أنَّ الفَضْل في الاكْتِفَاء بِعُمرةٍ واحدةٍ في السَّفْرَةِ الوَاحدة ولاسيما لِلنساء.
س11: العُمرة إذا كانت الأولى عن نفسه والثانية لِغَيْرِه، هل يُعْتَبِر هَذا مِن قَبِيل التكرار ؟
ج: نَحن نَقول: لا مَانِع مِن التِكْرَارِ مِن حيث الجوَاز وإنَّما مِن حيث الفضْل .. أما إذا كان الشّخْص يَعْتَمِر عن أبيه وأبوه لم يَعْتَمِر مِنْ قَبْل أو عن أمّه وأمُّه لم تَعتمِر مِن قبل ولاَ يَسْتَطِيعَان الذّهاب إلى العُمْرة لِمَرَض-مثلا-لا يُرجَى مِنْهُ الشِّفاء بِحَسْبِ الظَّاهِر وهَكَذَا بِالنّسبة إلى أقَارِِبِهمَا فذلك مِمَّا لا مَانع مِنْه بِمشيئة الله-تبارك تعالى-بل ذلك مِن باب التعاون على البِر والتَّقوَى؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم. (3/121)
صفحة 713
س12: متى يَقْطَع المُحْرِم التَّلْبِيَة ؟
ج: أما إذَا كَان مُحْرِما بِالحج فإنه يَقْطَعُ التَلْبِيَة إذا أرَادَ أن يَرمي جَمْرَة العَقَبَة .. أي عند إرادة رَمي أوّل حَصَاة على الصحيح.
وذَهَب بَعضهم أنّه يَتْرُك التلبية بِانتِهائه مِن رمي جَمْرَة العَقَبَة أيْ بَعد الرّمي بِالحِجَارَة السَابعة، واستدلوا على ذلك بِرواية صريحة عِندَ ابن خُزَيْمة، ولكن تلك الرواية فيمَا يَظْهَرُ لِي شَاذَّة، ذلك لأنّ الإنسان يُؤْمَر عنْد الرَّمْي بِذِكْرٍ آخر وَهُوَ التَّكْبِير فَكَيْف لَه أنْ يَجْمَع بَيْن التَكبير وبيْن التَلبية ؟!
فإذن يَنْتَهِي مِنَ التَلْبِيَة بِمُجرّد إرادة الرّمي، فإذا أراد أن يَرْمِي بِالحجارة الأولى فَيَترك في ذلك الوَقْت التَلْبِيَة .. هذا هُو القَوْل الصحيح، الذِي يَدل له الحديث الصحيح عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-وإلا فإنّ هُنَاكَ أقْوَالاً مُتعدِّدة في وَقْت الانتِهاء مِن التَلْبِية في الحج، ولا أُطِيلُ المقام بِذكر تِلك الأقْوَال ومَا لَها مِن حُجَجَ فإنّها وإن اعتَمَدَ أَصْحَابُهَا على بعض الأدلة ولكِنها مُخَالِفة لِهذا الحديث الصحيح الصَرِيحِ الدال على ذلك وهُو حديث ثَابِت لا شَك في ثُبُوتِه؛ والله أعلم.
أمَا بِالنِّسبة إلى العُمرَة فإنه لم يَأْتِ حَديثٌ صحيح صَرِيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - يَدلّ على وقت الانتِهَاءِ مِن التَلْبِية، ولِذلك كَثُرَ فيها الخلاف بيْن أهل العلم، وقد جاءت أحاديثُ عِدّة تدلّ على أنّ المعتمِر يَنتهي مِن التَّلْبِيَةِ عِنْدَ إرادة الطَوَاف ولكنّ تِلْك الأحاديث لا تَثْبُتُ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. (3/122)
صفحة 714
وذَهَبَ بَعْضُ أهل العلم إلى أنّ الآفاقيّ .. أيْ الذي جَاءَ مِن مكانٍ بَعيد وأحْرَمَ مِن المِيقَات أو مِن دُونِه فإنه يَتْرُك التَلْبِيةَ عِنْد الوُصول إلى الحَرَم .. أيْ عِنْد الوُصول إلى أدنى الحَرَم، واحتجُّوا على ذلك بِروايةٍ عن ابن عمر رضي الله-تبارك وتعالى-عنهما، وهذا القول قول قوي؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
أما مَن أحْرَمَ مِنَ " التَنْعِيمِ " أو نَحْوِه فإنّه يَتْرك التَلْبِية على رأَيِ هَؤُلاَءِ عِنْدما يَكُونُ قريبا مِن المسجد الحرَام؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
وَهُنَا أريد أن أنبِّه على مسألة مُهِمَّة جِدا وهي أنّ كَثيرا مِن الناس يَذهبون إلى تأْدِية الحج والعُمرة وهُمْ لا يَعْلَمون عن أحكَامِهما شيئا .. يَسمعون أَنّ الناس يَذْهُبُونَ إلى الحج والعُمْرة ويَذهبون إلى ذلك، ولا شك أنّ في الذهاب إلى تِلك البِقاع فضْلا عظيما بل الذّهاب لِتَأدِيَة الحج مِن الأمور الوَاجبة المتحتِّمة، و-أيضا-قد ذَهَبَت طائفة كَبِيرَة مِن أهل العلم إلى وُجُوبِ العُمْرة، وهُوَ قَوْلٌ له أدَلَّتُه التي تُؤيِّده فَلاَ يَنْبَغِي لِلإنسان أن يُفَرِّط فيها، والحج وَاجِبٌ على الفَوْر على مَن وَجَد الاستطاعة إِليْه-كَما هَو رأي جماعة مِن أهل العلم-وهُو الذي تُؤَيِّدُه الأدِلة؛ لكنّ كَثيرا مِن الناس-كما قلتُ-يَذهبون ولا يَعْرِفون عَن أَحكَامِ الحج والعُمرَة شَيئا. (3/123)
صفحة 715
والأمر الذي أُرِيدُ أُنبِّه عليه في هذا الوَقْت: أنّ كثيرا مِن النّاس يَصِلُون إلى مَكّة المكَرّمَة شَرّفَهَا الله-تبارك وتعالى-مِن غَيْرِ إِحَرَام، وَقَد التَقَيْتُ بِبَعضٍ منهم أتى إلى مكّة المكرّمة مِن غيْر إحرام ويُريد أن يَخرُج بَعد ذلك إلى " التَنعيم " يَقول: " عندما أصل إلى مكّة وأَقُوم بِإنزال الأمتعة-ومَا شابه ذلك-سأذهب إلى ' التَنْعيم ' وأُحْرِم مِنْ هُناك " وهذا خَطأ جَسِيم .. مُخالِف لِسنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولإجمَاع الأمّة المحمدية قَاطِبة، فإنّ مَن ذَهَبَ إلى مكّة المكرّمة شَرفها الله-تبارك وتعالى-وهو يُريد حجّا أو عُمرة ليس له أن يَتَجاوز المِيقَات إذا كَان مِن خَارِج الميقَات إلا وَهُو مُحْرِم، بِنَصّ الأحاديث الثابتة وإجماع الأمّة-كما قلتُ-ومَن جَاوَزَ ذلك فَقَد تَعَدّى حدودَ الله-تبارك وتعالى-وعَلَيه أن يَتُوبُ إلى رَبِّه وأن يَرْجع مرّة أُخرَى إلى المِيقات وأن يُحْرِمُ مِن ذلك المكان، أما مَن كَان دُون المِيقات فإنه يُحْرِمُ مِنَ المكان الذي فِيه إلا إذَا كَان مِن أهْلِ (1) الحرَمِ فإنه لابد مِن أن يَخرُج إلى الحِل .. إلى أيِّ مَوْضع مِن الموَاضِع مِنْه، واختَلفوا في الأفْضل، ولا أريد أن أطِيلَ بِذلك، والحَاصل أَنَّه لَيْس لأحَد أن يَتَجَاوَزَ الميقات إذا كان يُريد حَجًّا أوْ عُمرة وإنَّما العلماء اختلفوا فِيمن لم يُرِد الحج ولا العُمرة ولم يَكُن مِن المُتَرَدِّدِين على مَكّة المكرّمة هَل لَه أن يَتَجَاوزَ الميقات مِن غَيْر إِحرام ؟ ونَحنُ نَقُولُ: إنّ القَوْل الصحيح أنّ مَن لم يُرِد الحج ولا العُمرة لَه أن يَتجاوز الميقات مِن غَيْر إحرَام، بِنَصّ الحديث الثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وإذا ثَبَتَ الحديث فَلا كَلام:
__________
(1) -يُنظَر مع الشيخ لعلّه قصد أن يقول: " إذَا كَان في الحرَمِ " بدلا مِن قوله: " إذَا كَان مِن أهْلِ الحرَمِ ". (3/124)
صفحة 716
المصطفى يَعتبِر الأوصَاف ... ونَحن نَحكي بَعده خِلافا
لا نقبل الخلاف فيما وَرد ... فيه عن المختار نصّ أُسنِد
وأما مَن أراد الحج أو العمرة فَلا، ومَن أخطأ بِجهله ودخل إلى مكّة المكرمة مِن غير إحرام فإنه يُؤمَر بِأن يَرجِع إلى الميقات الذي جَاء منه، لا إلى مِيقات آخر ولاَ إلى أَدْنى الحِل أو أيِّ مَوْضع مِن مَوَاضع الحِل .. كَلاّ بل يُؤمَر بِأن يَرجِع إلى الميقَات الذَي جَاء مِنه وأن يُحرِم مِن ذَلك المكان ويَتُوبَ إلى الله-تبارك وتعالى-إلا إذا كَان الوَقْتُ ضَيِّقا بِأن كان يَخشى مِن فَوَات الحج فَإنه يُحْرِم مِن الموْضِع الذِي هُو فيه ويُؤمَرُ بِالتوبة وبِأن يَذبَح ذَبيحةً لِفُقَرَاءِ الحرَم؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
كذلك بَعْض الناس يُحْرِمُون لِلعُمرة مِن الحَرم وهذا خطأ .. لَم يَقُل أحدٌ مِن العلماء المتقدِّمين: " إنّ الإنسان يُمْكِن أن يُحْرِم مِن الحَرِم وأن يُؤدّي العمرة ويَكون مُوَافِقًا لِلصَّواب " بل أجْمَعُوا على خِلاف ذلك وإن خَالَف بعض المتأخِّرين، وإنما اختلَفوا هَل تِلك العُمرة:
1-تَكون صحيحة ويُؤمَرُ بِالفِدية.
2-أو أنَّها لا تَكُونُ صَحيحة بَلْ يُؤمَرُ بِالخُروج إلى الحِل وإن كان قد طَاف وسَعَى مِن قَبْل ؟ وهَذَا القَوْلُ هُو القَوْلُ الصحيح، أما أَن يَكْتَفِي بِالإحْرَامِ مِن الحَرَم فَقط مِن غَيْر أن يَخرُج ويَظُنّ بِأنّ ذلك مُوَافق لِلسنَّة أو أنّه مأمُورٌ بِه فَهَذا مِمّا لم يَقُل بِه أحدٌ مِن العلماء المتقدِّمين-كما قلتُ-بل أجمعوا على خِلاف ذلك. (3/125)
صفحة 717
فينبغي أن يُنتبَه لِمثل هذه الأمُور، وأن يَقرَأَ الإنسانُ ولو مُختصَرا مِن المختصَرات إن كان يَسْتطيع على القَراءة، وأنْ يَسأَل أهل العلم عن أحْكَامِ شَرْع الله-تبارك وتعالى-في هذه القضية وفي غيرها، وليس له أن يَتَقدَّم على شَيءٍ بِغَيْر عِلم فإنّ ذلك-والعياذ بِالله تبارك وتعالى-قد يُوقِعُه في بَعضِ الأمور المخَالِفة لِشَرْع الله بَلْ الإتْيَانُ بِأمر مِن الأمور ولا يَعرِف الإنسانُ حُكْمَه .. هذا الأمرُ نَفْسُه مِمّا لا يَنبغي لأحد أن يَذهبَ إليه وإن اختلَف العلماء في هلاكه في التَّقَدُّم مِن غَيْر عِلم إذا صَادَفَ الحق، أما إذا لم يُصادِف الحق فإنه لم يَقُل أَحَدٌ بِسَلاَمتِه؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س13: إذا ذَهَبَ الرّجُل إلى الحج ثم فَعَلَ المعَاصِي عند عودته إلى بَلده، هل يَنْتَقِض حَجّه بِمثل هذا الفِعل ؟ (3/126)
صفحة 718
ج: حجُّه صحيح إن كان لم يَأْتِ بِما يُنَافي ذَلك في وَقْتِ حَجِّه، وأما فِعْلُه لِلمَعَاصِي بعد ذلك فَعَلَيْه أن يَتوب إلى الله-تبارك وتعالى-مِن ذلك .. على الإنسان ألاّ يَفْعَلَ شَيئا مِن مَعاصي الله-تبارك وتعالى-وإذَا أغْوَاه الشيطان-والعياذ بالله تبارك وتعالى-وفَعَل شَيْئًا مِنْ مَعَاصِي الله-تبارك وتعالى-فإنه يُؤمَرُ بِالتوبة إلى الله-تبارك وتعالى-تَوْبَةً نَصُوحًا، وإذا تاب وأناب إلى الله-تبارك وتعالى-فإنّ الله-تبارك وتعالى-قد بَيَّن-كَمَا قَد ثَبت في الحديث-بِأنّ مَن أتى شَيْئا مِن المعاصي ثم تَاب إلى الله - سبحانه وتعالى - وَرَجَعَ إلَيْه أنَّهُ يُجَدَّد له ذلك العمل-ذكرتُ معنى الحديث لا النص-فهذا الرَّجُل فِعْلُه لِتَلْك المعاصي لا يُؤَثّر على حَجِّه السابق ولكن مع ذلك يُؤْمَر بِالتوبة-كما قلتُ-وعَلَيْه أن يَتَخَلَّصَ مِن كُل مَا وَقَعَ فِيه إن كانت هنالك شيء مِن حُقوق العِباد .. إذا اغتَصَبَ-مثلاً-امرأةً-والعياذ الله تبارك تعالى-وزنى بِها أو زَنى بِصَبِية أو أتى امرَأَة وَهِي نَائِمَة أو عبدة أو مَجْنُونَة أو مَا شابه ذَلِك، وهَكَذَا إذَا كان قَدْ أَخَذ شَيْئًا مِن أمْوَالِ الناس مِن غَيْرِ رِضَاهُم عَلَيْهِ أن يَتَخَلّصَ .. والحاصِل أَنَّه لابُد مِن أن يَتَخَلّصَ مِن حُقوق العِباد، وكذلك إذا كان قَدْ فَرَّط في شَيْءٍ مِن صلاة أو صِيَام أو ما شابه ذلك-وأَعْنِي بِالصلاة والصيام الصلاةَ الواجبة والصيامَ الواجب-فلابد مِنَ التَّوْبَة إلى الله ومِن قَضَاءِ ذَلك، وإذا كان قَدْ وَطِئ زَوْجَتَهُ أو زَنَى في نَهَارِ رمضان-والعياذ بالله تبارك وتعالى-فلابُد مِن الكفارة .. والحاصل أنَّ مَا فَعَلَهُ مِن المعَاصِي لا يُؤَثِّر على حَجِّه السَابق ولكنه يُؤمَر بِالتوْبة إلى الله والتَخَلّص مِن كُل ما وَقَعَ فِيه إذا كَانَ هُنَالِكَ شيءٌ يَجِبُ التخَلّصُ مِنْهُ؛ والله أعلم. (3/127)
صفحة 719
س14: هَل لِلزَّوْجِ طَاعَة إذا مَنَعَ زوجتَه عن الذهَاب إلى العُمرة ؟
ج: أما إذا مَنَعَهَا عن فَرِيضَة الحج وكانت تُريد أن تَذهب مع مَحْرَمٍ لَها فلا طاعة له ولا كَرامة، لأنه يَمْنَعُهَا عن أمْرٍ وَاجِبٍ مُتَحَتِّم عَلَيْها، إذ إنّ الحجَّ واجبٌ بِنَصِّ كتابِ الله وسنّة رسوله صلوات الله وسلامه عليه، ثم هو على الفَوْرِ على الصَحِيحِ كما قلنا .. فإِذَا كَانَت سَتَذْهَبُ مَعَ مَحْرَمٍ مِنْهَا ومَنَعَهَا مِن ذلك فَيَنبغي لَها أنْ تُحَاوِل بِأن تُقْنِعَهُ بِالمُوَافَقَة على الذّهَابِ وَإذَا لَم يُوَافِق عَلَى ذَلِك فَلا طَاعَةَ لَهُ ولاَ كَرَامَة، إذْ لاَ طَاعَة لِعَبْد في معْصِيَة الله تبارك وتعالى، فَنَقُول لِهذا الزوج بَدَلا مِن أن يَمْنَعَ زوْجَتَه عَن الإتيان بِفَرِيضة الحج أو بِالعُمرة أنّه عَليْه أن يَتُوب إلى الله-تبارك وتعالى-ويَنْبَغي له أن يُرَافِقها مِن أجل تَأدِيَة فَرْض الله-تبارك وتعالى-عليه إن كَان قادِرا على ذلك، وإن كان قَدْ أَدَّى الفَرِيضَة وهو يَْقدِرُ على الذهَاب-أيضا-يَنبَغي له أن يَذهب إلى تِلك البِقاع المقَدَّسة ويَأْتي بِالعُمرة وبِالحج، وقد سَبَق فَضْل مَن حَج أو اعتمَر إذا كان يُريد بِذلك وَجَه الله تبارك وتعالى. (3/128)
صفحة 720
أما بِالنسبة إلى العُمْرة فإن كانت لاَ تَذْهب مَع مَحْرَم مِنْهَا-فكما قلتُ-يَنْبَغِي لَهَا أَن تؤَخِّرَ ذَلِك حَتَّى تَجِد مَحْرَمًا مِنْها وتَذْهَب وتُؤَدِي الحج والعُمرَة مَعًا، ثم-أيضا-العُمْرة فيها خِلاَفٌ بَيْنَ أهل العِلم كما قدمناه، فإذَا تَأَخَّرت قليلا ثم ذَهَبتْ لِتَأدِيَة فَريضةِ الحج وتَأْدِيَة العُمرة بعد ذلك مع مَحْرَمٍ مِنْهَا وتَدعو-ونَحن نَدعو معها-بِأن يَهدِيَ الله-تبارك وتعالى-هذا الرَّجُل-وغَيْرَه مِن الناس وأن يَهْدِيَنَا جَميعا إلى طاعة الله تبارك وتعالى-فلعلّه يَقُومُ بِمُرَافقَتها أو يَأذَنُ لَها أو تَجِد مَحْرَمًا مِنْهَا وتُرَافِقه.
و-كما قلتُ-في الحج لاَ طَاعَة لَه أبَدا، أما العُمرة فعلى ما فيها مِن كلام، وبِإمْكَانِها-أيْضا-أن تُؤَخِّر وَلَوْ لِعِدَّةِ شهور ثم تَذهَب في هذه السنَة بِمشيئة الله لِتَأدِيَة الأمْرَيْنِ مَعًا وافَق هَذَا الزّوج أو لم يَوَافِق ولكن تَذْهب مع مَحْرَم مِنْها؛ والله أعلم.
س15: الأذكار الواردة في كتاب " تَلْقِين الصبيَان "، هل هي ثَابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ هل يُؤتَى بِها أو لا ؟
ج: على كل حال؛ يَنبَغي لِلإنسان أن يَذْكُرَ الله-تبارك وتعالى-ذِكْرًا كثيرا، ويَنبغي له أن يُكْثر مِن ذلك في الحجّ وفي العُمرة بل في كل وقتٍ مِن أوقاتِه ولاسيما في الأوقات التي ثَبَتَ أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يَذْكُرُ الله-تبارك وتعالى-فِيها أو أنّه كان يَأْمُرُ بِالذِّكْرِ فيها .. فعلى الإنسان أن يُحَاوِل بِأن يَذْكُرَ الله-تبارك وتعالى-في كُل وَقْتٍ وأن يُكثِر مِن الدعاء ومِن الاستغفار. (3/129)
صفحة 721
وأما بِالنسبة إلى الأذكار في الحج والعُمرة فإنّ الثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - التَلْبِية، فإنَّها ثابتة عنه صلوات الله وسلامه عليه، وثابت عنه-أيضا على رأي كثير مِن أهل العلم-أنه كَان يَقُولُ فيما بيْن الركنيْن .. بيْن الركن اليَمَاني والحَجَر: ( ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار )، فهذا قد قال بِثُبُوته جَمْعٌ مِن أهل العلم، وإسناده لا بأس به .. يُمكِن أن يُحسَّن على رَأي كثير مِن أهل العلم، ثم إنّ هذا الدعاء في كتاب الله (1)
__________
(1) - { فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ - ومِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ - أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ } [ سورة البقرة، الآيات: 200-202 ].. (3/130)
صفحة 722
-تبارك وتعالى-وكَان يُكْثِر مِنْه النبي - صلى الله عليه وسلم - كثيرا، وإذا دَخل الإنسان الجنّة فإنّ ذَلك هو أعظم شيءٍ يَطلبُه الإنسان، و-أيضا-يَسْأَل: " اللهم إني أسألُك العَفْوَ والعَافِيَة في الدّنيا والآخرة، اللهم أعَنّي على ذِكْرِك وشُكِرِك وحُسِن عِبادَتِك " ويَأْتي بِـ: " سُبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر " ويأتي بِـ: " لا حوْل ولا قَوَّة إلا بِالله العلي العظيم " وبِـ " لا إله إلا الله وحْدَهُ لا شريك، له المُلك وله الحَمد، يُحْيي ويُميت، وهو على كل شيءٍ قدير " وبِما شابه ذلك مِن الأذكار والأدعية التِي جاءتْ في كتابِ الله-تبارك وتعالى-أو في سنّة رسوله-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-وبِإمكانه-أيضا-أن يَأتِي بِبَعض الأدعية الأخرى ولكن ما جاء في الكتاب العزيز سَواء أَمَرَ الله بِه عِبَاده أو أنه ذَكَرَهُ عَن بَعْضِ عِبَادِه الصالحين مِن الأنبياء أو غَيْرِهم، أو كان يَأتي بِه النبي - صلى الله عليه وسلم - كما هُو ثَابِتٌ في سنّتِه أو أَمَرَ به-صلوات الله وسلامه عليه-فإنّ ذلك لا شَك بِأنه أَفْضَل مِن غيره، فإذا كان الإنسان لا يَحفظ ذَلك فَلا يُوجَد فيما أحسب إنسان لا يَحفظ: { ... رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } [ سورة البقرة، من الآية: 201 ] أو على أقل تَقْدير: " اللهم أدخِلْنِي الجنّة " أو ما شابه ذلك .. لاَ يَنْبَغِي لِلإنسان أنْ يَشْتغِل بِبَعض الكتب .. يَقْرَأُ مِن الكتاب، أو يُتَابِع شَخْصًا-أو ما شابه ذلك-ذلك يُشَوِّشُ على الناس ويُذهِب بِالخشوع عن ذلك الإنسان وعن غيره .. إذا كان هُوَ يَحْفظ تلك الأدعية التي في التَلْقين (1)
__________
(1) -هو كتاب " تلقين الصبيان مَا يلزم الإنسان " للشيخ نور الدين عبد الله بن حميد السالمي.. (3/131)
صفحة 723
فلا بأس أنْ يَأتي بِتلك الأدعية، وإن كان لا يَحفظ ذلك فَلْيَأتِ بِما ذكرناه أو بِشيء مِما ذكرناه، أما أن يَقْرَأ مِن كتاب ويُؤْذِي غَيْرَه ويُذْهِب بِالخشُوع عن نفسه وتَكُون هُنَالكَ بَلْبَلة وتشويش على الناس فهذا مِمّا لا ينبغي .. كذلك بعض الناس يَأتي بِدعاء ويَجهَر ويَرفَع به الصّوْت والناس يُتَابِعُونه على ذلك وهُم كَثير مِنْهم لا يَفْقَهُون شيئا مِن ذلك أبَدًا بَل يُرَدِّدُون ذلك الكلام ويَسْمَعَهُم الإنسان يُخطؤُونَ في بعضِ الألفاظ لأَنَّهم لم يَحْفظوا تلك الألفاظ ومِنْهُم مَن لا يَستَطِيع أن يَأتِيَ بِبَعضِ تِلك الألفاظ لِغَرَابَته عَليه لِكونه مِن العَوَامِ مثلا، وهو-أيضا-لا يَخْشَع في تلك الأوقات لأنّ كُلّ هَمِّه مُنْصَبٌ على الاستماع إلى ذلك الشخص، فهذا مِمّا لا يَنبَغي أبدا بل يَنبغي لِلإنسان أن يَذكُر بِما يَحْفظه وأن يَدعو بِما يَحفظه ولو أن يَقُول: " سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر " و: { ... رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } ؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
مِن حلقة 11 جمادى الثانية 1424هـ، يوافقه 10/8/2003م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
س2: ...
ج: ...
فإن كانت قد أطلقت النَّذر .. أي نذرت بِأن تقوم بزيارة مكة المكرمة لتأدِيَة الحج والعمرة فإنه عندما تتمكن مِن الذهاب إلى ذلك المكان فإنَّها لابد مِن أن تقوم بتأدية هَذَا النَّذر الذي أَلْزَمَت به نفسها.
...
فإذن هذه المرأة إن كانت قد أطلقت فإنَّها عندما تَتَمَكَّن تُؤمَر بالذهاب لتأدية الحج، والعمرة إذا كانت قد نَذرت بعمرة أيضا .. بِحسب نذرها، وإذا كانت لَم تَحج حَجَّة الفريضة فلابد-أيضا-مِن أن تقوم أوّلا بتأدية حَجَّة الفريضة ثم بعد ذلك تقوم بتأدية الحَجَّة التي نذرت بها.
...
مِن حلقة 9 شعبان 1424هـ، يوافقه 5/10/2003م (3/132)
صفحة 724
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
س5: الحمدُ لله وفّقنِي رَبِّي لِلذهاب إلى العمرَة ولكن حَدَثَ أمرٌ يُشكِّكُنِي في صِحّة العمرَة حيثُ في طرِيقِنا إلى الحرم المكي بعدَ إحرامِنا بكيْتُ وأَدَّى بُكائِي إلى خروجِ زُكام الذي نَزَلَ معَه بعضُ الدم، فأرجو أن تُفِيدُونِي في ذلك.
ج: إذا كان تَوضّأَ بعدَ خروجِ هذا الدم فإنه لا شيءَ عليه، لأنه لَم يَتسبَّب في ذلك.
وأما ما يُشيعه كثير مِن الناس مِن قولهم: " في الدم دم " فذلك لا أصْلَ لَه في سنّة رسولِ الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
فإن كان قَد تَوضّأَ بعدَ خروجِ ذلك الدم فعمرتُه صحيحة بِمشيئة الله تبارك وتعالى.
أما إن كان طاف ولم يَتوضّأ فذلك يَحتاج إلى شيءٍ مِن التفصيل وبِإمكانِه أن يَذكُر ذلك إن كان قد طاف ولم يَتوضّأ؛ والله أعلم.
مِن حلقة 23 شعبان 1424هـ، يوافقه 19/10/2003م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
س1: ذَكَرتُم في أَكْثَر مِن مَوْضِع بِأنّه لا يُصَلِّي إنسان عن إنسان وإنَّما قد يصوم إنسان عن آخَر، لكن هَذَا السَّائِل يَقُول: كُنتُ أُصَلِّي ركعتَيْ الطَّوَاف وأَنْوِي أنَّهما عن الشَّخص الذي أَحُج عنه ثُم رَأَيْتُ أنَّه لا يصلي أحد عن أحد، فماذا عَلَيَّ ؟ وماذا أفعل الآن ؟ هل أُصَلِّيهِمَا أولا ؟
ج: نعم، قَد ذكَرْنَا-وذَكَرَ غيرنا-أنَّه لا يصلي أحد عن أحد، وقد حَكَى بعض العُلماء اتفاق أهل العلم على ذَلك ... (3/133)
صفحة 725
أمَّا بالنَّسبة إلى الصَّلاة فقد قُلت إنَّه لا يُصَلِّي أحد عن أحد إذا كان ذلك استقلالا، أمَّا إذا كانت تلك الصلاة تَابِعَة لأمر آخرَ .. دَاخِلَة في ذلك الأمر فإنَّ الأمر يَختلف في هذه القضية، وذلك لأنَّه يُشْرَع تَبَعا مَا لا يُشْرَع استقلالا كما هو مُقَرَّرٌ عند الفقهاء، وهي قَاعِدة فقهية مشهورة تدخل تَحتها مسائل مُتَعَدِّدة، فالصَّلاة إذا كانت مستقلَّة لا يُمْكن أن يَقُوم أحد بِقضاء فريضة مِن الصلوات كالظهر أو العصر أو المغرب أو ما شابه ذلك عن شخص آخر، كما أنَّه لا يُمكن أن يَتَنَفَّل عنه .. أن يصلي ركعتين نافلة وَيَنْوي أنَّهما عن فلان أو فلانة أو ما شابه ذلك .. هذا أمر مُتَّفق عليه كما حكاه غير واحد، ومَا رُوِي عن بعض المتَقَدِّمين مِمَّا يُخالِف ذلك فلعَلَّه لا يَصِحُّ عنه، وإن صَحَّ عنه فإنَّه لا دليل لَه على ذلك.
أمَّا بالنسبة إلى صلاة الطواف .. أو إلى سُنَّة الطَّوَاف-لأنَّ الصحيح أنَّها سنَّة-فالأمر جَائِز باتِّفَاق أهل العلم، وذلك لأنَّ هذه دَاخِلَة في الحج أو دَاخِلَة في العُمْرَة إذا كان ذلك الشَّخص يَعْتَمِر عن شخص آخر .. فهي تَابِعَة لأعمال الحج أو تَابِعَة لأعمال العمرة، وعليه فما فَعَلَه هَذَا الشَّخص فعل صحيح، وفي المستقبل ينبغي له إن شاء أن يَعْتَمِر أو أن يقوم بأداء الحج عن غيره فإنه يفعل ذلك أيضا.
وكما قلت هذه المسألة وهي أنَّه يُشرع بالتَّبَعِيَة ما لا يُشْرَع استقلالا تندرج تَحْتَها مَسَائل متعدِّدَة، مِن ذلك مثلا:
... (3/134)
صفحة 726
وَمِن المسائل المهمة-أيضا-أنَّ الإنسان إذا أحْرَمَ بعمرة فإنَّه لا يَجُوز له أن يَحْلِق أو أن يَقُصَّ رأسه إلا بعد الطواف والسَّعي ولكن إذَا جَمَعَ بَينَ الحج والعمرة وهو ما يُعْرَف عند العلماء بالقران .. إذا قَرَن بين الحج والعمرة فإنه يُشْرَعُ لَه الحلق أو التَّقْصِير-والحلق أفضل-بعد رَمْيِ الجمرة قبل أن يطوف وقبل أن يسعى، فذلك لتَبَعِيَّة العمرة للحج لأنَّ الذي يُفْرِد الحج-مثلا-يُشْرَع له الحلق أو التَّقصير في ذلك الوقت فشُرِع للعمرة-أيضا-لأجل تبعيتها للحج وهذَا أَمر مُهِم، وقد قَال بعض العُلَماء: إنَّه ليس له أن يَحلق أو أن يُقَصِّر إلا بعد أن يطوف ويسعى، واختُلِفَ في هذا هل ذلك إذا كان لَم يَطُفْ طواف القُدُوم ولَم يَسْع أو حَتَى إذا طَاف طَوَاف القُدُوم .. الأول-مثلا-إذا جَاء إلى مكة مُتَأَخِّرا أو لَم يطف ولَم يسع لسبب مِن الأسباب أو حتى تَرَك ذلك متعمِّدا-فإنَّه جَائز على الصحيح وإن كان خلاف الأفضل-أو جاء مُتَأخِّرا إلى عرفة فهو لَم يطف طواف القدوم ولَم يسع، أو طاف طواف القُدُوم ولَم يسع ولكنَّه لَم يطف طواف الرُّكن ؟ فالصحيح في الحالتَيْنِ معا أنَّه يَجوز له أن يَحلق أو يُقَصِّر-خلافا لِمن قال بِخلاف ذَلك في المسألتين مَعًا أو في إحداهُمَا-وذلك ظاهر مِن فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنَّه حَلَقَ-صلوات الله وسلامه عليه-بَعد أن رَمَى، وأيضا تَعَطَّر بعد أن رَمَى مَعَ أنَّه لَم يطُف طواف الرُّكن وقد عطَّرَتْهُ السَّيدة عائشة-رضي الله تبارك وتعالى عنها-وهي لَم تَطُف وَلَم تَسْعَ، فذلك دليل على المسألتين معًا، فإذن يَختلف الحكم في هاتَيْن القضيَّتَيْن، وهنالك مسائل أخرى لا داعِي لذكرها الآن. (3/135)
صفحة 727
فلابُد مِن أن يُنْتَبَه لِمِثل هذه المسائل، وإذا سَمِع الإنسان كَلاما في مسألة ليس له أن يَحكم به على بعض المسائل وإن رأى بأنَّها قريبة مِن تلك المسألة، وهو معنى ما ذكره بعض أهل العلم أن الإنسان إذا كان ضعيفا في العلم ليس له أن يَقِيس مسألة على مسألة ولو رَأَى بأنَّهما قد تَشَابَهتا مِن كل الوُجوه .. أي على حسب ظَنِّه هو لأنه قد تكون هنالك بعض الأمور التي لَم يلحظها هو وفي واقع الأمر تَخْتَلف هذه المسألة عَن تلك المسألة، والمسألة أمَامَنَا فهذا الشَّخص-مثلا-سَمِع أو رأى في بعض الكتب-أيضا-بأنه لا يصلي أحد عن أحد فظنَّ بأن ذلك ينْطَبِق على هذه المسألة وذلك لا ينْطَبِق عليها في حقيقة الواقع.
...
ومِن ذلك .. أو لاَ داعي إلى الإطالة فالمسائل متعددة ولكنَّنِي أردت أن أُنَبِّه الطلبة إلى مِثل هذه المسائل المهمة جدا التِي يقع فيها الخطأ كثيرا؛ والله-تبارك وتعالى-ولي التوفيق.
س2: ...
ج: أوَّلا أقول إنَّه على هؤلاء المقاولِين أن يَتَّقوا الله-تبارك وتعالى-في أنفسهم، فَقَد جَاءتْنِي أخبار كثيرا جِدا جدًا عن كثير مِن أمثال هؤلاء، وعن كثيرٍ-أيضا-مِن المقاولِين الذين يَذْهَبُون إلى الحج وَهُم لا يَتَّقُون الله-تبارك وتعالى-في أنفسهم ولا في أولئك الذين يذهبون مَعَهُم.
... (3/136)
صفحة 728
كذلك بالنسبة إلى أولئك الذين يأخذون الحجاج إلى مَكَّة المكرمة وإلى المنَاسِك فإنَّهم يَتَجَاوزون حدود الله تبارك وتعالى .. يَسمَعُون أهل العلم وطلبة العلم يُنَبِّهُون كثيرا بأنَّه لا يُشْرَع الخروج مِن عرفة-مثلا-إلا في الوَقت الفلاني وَأَنَّه-كَذَلِك-لا يُشْرَع مِن المزْدَلفة إلا في الوقت الفلاني وَمَا شابه ذلك مِنَ الأمور المُتَعَلِّقَة بالمَنَاسِك ومع ذلك يذهبون في غير تلك الأوقات ويأخذون الحجاج الضَّعَفَة مَعَهُم وأعنِي بالضَّعَفَة .. يَسْتَغِلُّون أولئك الذين لا يَعْرِفُون الأمكِنَة مِن أمثال النساء والعجزة أو مَا شابه ذلك، وهَذَا في حقيقة الوَاقِع مِمَّا لا يَصِحُّ لَهم ولا يَجوز، ولابُد مِن مُعاقبة أَمْثََال هؤلاء مِمَّن يَمْلِك عُقُوبَتَهُم؛ والله-تبارك وتعالى-ولي التوفيق.
س: لكن بعض مُقَاوِلِي الحجاج يَشْتَكُون مِن أنَّ الحجاج الذين مَعَهُم هُم الذِين يُعَجِّلُونَهم ؟ (3/137)
صفحة 729
ج: لا عبرة بِذلك، إذا طلب مِنْهم الحجاج بأن يَخْرُجوا في الوَقْت الذي لا يَصحُّ فيه الخروج فلا سَمْع لَهم ولا طاعة-وكذلك لا سَمْع ولا طاعة ولا كَرَامة لِمِثل هؤلاء المقاوِلِين إذا خَالَفُوا شَرْعَ الله تبارك وتعالى-فمَن شاء أن يذهب فَليذهب، وَمَنَ شَاءَ أن يَجْلِس فَلْيَجْلس إذا كان ذلك مُخَالِفا لِشَرْعِ الله تبارك وتعالى، فإذَن العِبْرَة بِمَا ثَبَتَ عَن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وفي الحديث: ( مَن عَمِل عملا لَيْسَ عليه أمْرُنَا فهو رَد ) أيْ مَرْدُودٌ عَلَيْه مَضْرُوبٌ بِه في وَجْهِه، فإذا طَلَبَ مِنْهُم أحَد أو بَعْضُ الناس أن يَخرجوا في غير الوَقت الذي ثَبَتَ في سنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فليس لَهم أن يَلْتَفِتُوا إليه ولا يُعَدُّ ذلك مُخِلا بالشرط الذي اتفقوا عليه عندما خرجوا-مثلا-مِن عُمان أو ما شابه ذلك وَلَوْ اشترطوا-مثلا-عليهم لأن ذلك الشَّرْط مُخَالِف لسنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، والإنسان إذا اشترط أَلْفَ شَرْط أو أكثر إذا كان ذلك مُخَالِفا لشَرع الله فلا يَجوز تَنْفِيذ ذلك الشَّرط؛ والله-تبارك وتعالى-ولي التوفيق.
س8: ...
ج: ... يَصِح النِّكاح في رَمَضَان وَفِي غَيْر رمضان إلا في حالة الإحرام بالحج أو العمرة، فِي حالة الإحرام بالحج أو العمرة فلا يَصِحُّ النِّكاح-على القَوْلِ الصَّحِيحِ الرَّاجح-لنهي النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-عن ذلك أمَّا مَا عَدَا ذلك فهو صحيح.
مِن حلقة 7 رمضان 1424هـ يوافقه 2/11/2003م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
س6: الناس معروفٌ أنهم عندما يفيضون مِن عرفات إلى مزدلفة ومِن مزدلفة إلى مِنى .. عندما يَقطعون الطريق مِن مزدلفة إلى مِنى يُسْرِعون في وادي مُحَسِّر لكن لا يَعلمون شيئا عن الإسراع في هذا الوادي عندما يذهبون مِن مِنى إلى عرفات، فهل يَصنعون نفس الفعل ؟ (3/138)
صفحة 730
ج: أنا لم أَجِد روايةً عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-تَدُلّ على مشروعية الإسراع أو عدم الإسراع عند الذهاب إلى عرفات في هذا الوادي.
وأما عندما يَرجِع الحاج مِن عرفة وبعد ذلك مِن المزدلفة إلى مِنى فإنّ الإسراعَ في هذا الوادي عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-ثابت صحيح لا شك فيه.
وإذا أردنا أن نَعرِف الحكم في المسألة الأولى .. أي في مشروعية الإسراع وعدمه عند الذهاب إلى عرفات فإنه ينبغي لنا أن نَعْرِف الحكمة من إسراع النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-في هذا الوادي، وقد ذَكَر العلماء في ذلك عدّة أمور:
مِنهم مَن قال: إنما فَعَل ذلك النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-لأنّ هذا الوادي مأوى الشياطين فأَسْرَعَ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-خشيةَ الكَوْنِ في هذا الوادي، ولم أَجِد لهم دليلا على هذا الكلام ولعلهم يَستدِلُّون بِحادِثة نَوْمِ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-وصحابتِه الكرام في الوادي إلى أن طَلَعَت الشمس ثم أخبرهم النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-بأنّ في هذا الوادي شيطانا وأَمَرَهم بِالخروجِ منه والصلاةِ بعدَ ذلك فخرجوا-رضوان الله تعالى عليهم-مع النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-وصَلّوا فريضةَ الفجر بعدَ طلوع الشمس بعدَ الخروج مِن ذلك الوادي، ولا دليل في هذا، وذلك لأنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يُسْرِع في هذا الوادي بل بَاتَ فيه ونام هو وصحابته، وأيضا عندما أمَرَهُمْ بِالخروج لم يَأمُرهم بِالإسراع ولم يَثبت عنه صلوات الله وسلامه عليه أنه أَسْرَعَ عند خروجه منه فإذن لا دلالةَ في هذا الدليل الذي استنبطَ منه بعضُ أهل العلم هذا الاستنباط. (3/139)
صفحة 731
وذهب بعضُ أهل العلم إلى أنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-إنما أَسْرَعَ عند خروجه مِن هذا الوادي لأنّ النصارى كانوا يَقفون فيه، وأنا لم أَجِد روايةً صحيحةً ولا حسنةً بل حتى ولا ضعيفة تُنْسَبُ إلى النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-تدُلُّ على ذلك، وإنما رُوي ذلك عن عمر-رضي الله تعالى عنه-أنه عندما مَرَّ بِهذا الوادي ذَكَرَ كلاما مِنه:
........................ ... مخالِفًا دِينَ النصارى دِينُها
فقالوا إنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أَسْرَعَ مِن أجل ذلك، وهذا كلام مردود، وذلك لأنه تَكفي في المخالَفة ألاّ يَقف النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-في هذا الموقف وهو لم يَقف في هذا الوادي وإنما وَقَفَ بِعرفة، كما هو معلوم وقد أجمعت عليه الأمّة، وأيضا لم يَثْبُت عن النصارى أنهم كانوا يَقِفُون في هذا المكان ولا أنهم كانوا يَحُجُّون، فهذا لا دليل فيه البتة على ما ذَكَروه.
ومنهم مَن ذَهَبَ إلى أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما أسرَعَ في ذلك الوادي مِن أجل مخالفة الكفار لأنهم كانوا يَتفاخرون فيه بآبائهم، وهذا لا دليل فيه، وذلك لأنه لم يَثْبُت-أوَّلا وقبل كل شيء-عن الكفار أنهم كانوا يَتفاخَرون بِآبائهم في هذا الوادي، وإنما كان يَقع مِنهم ذلك في مِنى .. قيل: عند جَمْرة العَقَبَة، وقيل: في مِنى، ولم يَثبت عنهم أنهم كانوا يَتفاخرون في هذا الوادي، ثم إنه لو كان الأمر كذلك-أي لو كانوا يَتفاخرون في هذا الوادي-لَمَا كان في ذلك دليل، لأنه يَكفي في المخالفة ألاّ يَقع مِن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-ومِن المسلمين ذلك. (3/140)
صفحة 732
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه إنما أسرَعَ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-في هذا الوادي لأنه وَقَعَ فيه العذاب على أصحاب الفيل إذ إنَّ الفيلَ وَقَفَ في هذا الوادي على حسب ما يَدَّعِيه هؤلاء، وليس الأمر كذلك، لأنّ الفيلَ لم يَقف في هذا الوادي وإنما وَقَفَ في وادي المُغَمَّس وذلك بِالقُرب مِن عرفات على طريق الطائف .. هذا هو الثابت عن العَرب في أخبارِهم وفي شِعْرِهِم، ولم تَأتِ روايةٌ واحدة تَدلّ على أنه وقع في هذا الوادي، وذلك-أيضا-مستبعدٌ جدا لأنّ هذا الوادي مِن الحرَم والعقوبةُ نَزَلَت عليهم قبل دخولِهم الحرَم، ولكن ذلك لا يَمنع مِن أنه قد وقعتْ عقوبة مِن المولى-تبارك وتعالى-على بعض الناس في هذا الوادي وإن كنّا لا نَجِد دليلا يُحدِّدُ نوعَ هذه العقوبة، وقد قيل: إنه وقع ذلك على رجل صَادَ صيْدا في هذا الوادي فوَقعتْ عليه نارٌ فأحرقتْه، ويُمكِن-أيضا-أن يَكون بعضُ أصحابِ الفيل قد تَقَدَّمُوا على الفيل وعلى سائر الجيش-على أنني أيضا لا أستطيع الجزم بذلك .. وأظن أنّ ذلك لم يَقع-أما الجمهور الأعظم والفيل فإنهم لم يَصِلُوا إلى هذا المكان، والحاصل أنّ الذي نَظنُّه أنه وَقَعَ في هذا الوادي عذابٌ على بعضِ الناس ولا يَلزَم أن نُعَيِّنَ ذلك، ونَستشهِد على ذلك بِإسراعِ النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما مَرَّ بِدار ثَمود، فقد أَسرعَ الرسولُ-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-في ذلك المكان.
وإذا كان الأمر كذلك فإننا نقول بِمشروعية الإسراع-عند المرور على هذا الوادي .. أي-في هذا الوادي عند الخروج مِن مِنى إلى عرفات بل حتى إذا مَرّ الإنسان به في أيّ وقت مِن الأوقات ولو لم يَكن ذلك في الحج فيُشْرَعُ فيه الإِسراع. (3/141)
صفحة 733
وعدمُ ذِكْر أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أَسرَعَ فيه عندما ذهبَ إلى عرفة لا يُمكن أن يُسْتَدَلَّ به على عدم المشروعية، وذلك لأنه قد لا يُذْكَر بعضُ أفعالِ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-ولا يَلْزَم أن يُذْكَر كل ما وقع مِنَ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-وإنما الذي يُنْقَلُ عنه-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-ما فيه شَرْعٌ لِلأمّة وقد يكون ذلك بالعبارة وقد يكون بالإشارة، وهاهنا تكفي الإشارة، لأنّ إسراعَه - صلى الله عليه وسلم - عندما رَجَعَ مِن عرفة ومِن المزدلفة إلى مِنى يَكفي لِلإشارة إلى مشروعية هذا الإسراع، ومَن نَظَرَ في حَجّة الوداع فإنه يَجِد في بعض الأحاديث يُذْكَر كذا ولا يُذْكَر كذا وهكذا.
هذا ومِن الجدير بِالذِّكْر أنّ العلماء قد اختلفوا في هذا الوادي هل هو مِن مِنى أو هو مِن المزدلفة ؟ وقد جاءتْ بعضُ الأدلة تَدلّ على هذا، وجاءتْ بعضُ الأدلة تَدلّ على ذاك، وجاءتْ بعضُ الأدلة تَدلّ على أنه ليس مِن مِنى وليس مِن المزدلفة، وأقوى ما جاء حديثٌ عند الإمام مسلم فيه التصريح بِأنه مِن مِنى حيث جاء فيه: " وهو مِن مِنى " ولكنّ هذه الرواية ضعيفةٌ عندي ولو كانت في صحيح مسلم، والذي يَظهر لي بأنه ليس مِن مِنى وليس مِن المزدلفة.
و-على كل حال-سواء كان مِن مِنى أو كان مِن المزدلفة أو لم يَكن مِن هذه ولا مِن تلك فإنه ليس لأحد أن يَبيت فيه في ليلة المزدلفة على رأي مَن يَقول إنه مِن المزدلفة ولا على أن يُقيم فيه ليلة التاسع وليالي التشريق اعتبارا على أنه مِن مِنى على رأي مَن يَقول إنه مِن منى، فعلى كل حال لا يُشرَع المكث فيه والبقاء فيه سواء قلنا إنه مِن هذه أو مِن تلك أو أنه مستقِل.
وهكذا اختلفوا في عُرنَة هل هي مِن عرفة أو ليست مِن عرفة ؟
و-على كل حال-أيضا لا يَجوز الوقوف بها على أنها مِن عرفة سواء قلنا إنها مِن عرفة أو لم نَقُل ذلك. (3/142)
صفحة 734
وتَحقيق ذلك في المسألتين معًا يَحتاج إلى إطالة لا تَتَّسِع لها هذه العجالة وإن كانت هي جديرة بِذلك ولكنّ الحكم هو ما ذكرناه.
هذا ومِن الجدير بِالذِّكْر-أيضا-أنّ وادي مُحَسِّر مِن الحرَم.
خلافا لِمَا ذَهَبَ إليه ابن حزم حيث شَذَّ وزَعَم أنه ليس مِن الحرَم وإنما هو مِن الحِل، وكذلك شذَّ حيث زَعَم أنّ عُرنة ليست مِن الحِل وأنها مِن الحرَم.
فالحقّ الحقيقُ بِالقبول أنّ هذا الوادي مِن الحرَم وعُرنة مِن الحِل.
وكذلك قد أخطأ خطأً بيِّنا مَن زَعَم أنّ عرفة ليست مِن الحِل وأنها مِن الحرَم، والحقّ أنها مِن الحِل، وعليه فيَجوز الصيد مِن عرفة ومِن عُرنة-وكذلك بِالنسبة إلى قطْع الأشجار فإنّ ذلك لا مانع منه-وإنما يُمنَع مِن ذلك المُحْرِم فليْس له أن يَصطاد، وأما الشجر فلا مانع مِن ذلك في الحِل سواء كان معتمِرا أو كان حاجّا، فإذن عَرفة مِن الحِل، وإنما يُمنَع المُحْرِم مِن الصيد لأجل أنّ المُحْرِم يُمنَع مِن ذلك ولو كان في الحِل، كما هو معروف .. هذا ما يَظهر لي في هذه المسألة. (3/143)
صفحة 735
هذا وكثير مِن الناس يَسألون عمّن لم يَستطِع أن يَقطَع وادي مُحَسِّر قبل طلوع الشمس لِوجود زحمة أو ما شابه ذلك، هل عليه دم ؟ والجواب: أنّ كثيرا مِن أهل العلم قالوا: يَجِب على مَن لم يَستطِع أن يَقطَع وادي مُحَسِّر الدم, والحقّ أنه لا يَجِب عليه بل لا أَستطِيع أن أُوجِب عليه الدم وإن كان قد تَأخَّر بِغيْر عذر وإنما أقول إنه لا يَنبغي لأحد أن يَتأخَّر، وذلك لأنه لم يَرِد دليل يَدلّ على أنّ مَن لم يَخرُج منه قبل طلوع الشمس أَنه يَجِب عليه دم، والأصل في أموال المسلمين بِأنها معصومة بِعصمة الإسلام لها وأنه لا يَجوز لأحدٍ أن يُوجِب شيئا على أحدٍ بِغيْر دليل، ولِذلك يَنبغي التريّث في هذه الأمور .. نعم هذه المسألة فيها خلاف مشهور-كما ذكرتُ-ولكننا نَجِد كثيرا مِن الناس يُوجِبون الدماء على عباد الله ولو لم يَقل به أحد مِن أهل العلم، كما اشتهر عند الكثير: " في الدم دم " .. إذا خرج مِن إنسان دم أوجبوا عليه دما، وكذلك في كثير مِن الأمور يَجِب التخيير بيْن الدم وبيْن الإطعام وبيْن الصيام ولكنّ كثيرا مِن الناس لا يُخيِّرون عبادَ الله وإنما يُوجِبون عليهم الدماء .. هذا إنسان فعل كذا ؟ عليكَ دم .. إنسان تَعطّر مثلا ؟ عليكَ دم .. إنسان قَلَّم شيئا مِن أظافره ؟ عليك دم .. يَنبغي أن يُقال لِعباد الله - سبحانه وتعالى - بِالتخيير كما خيّرَهم الله تبارك وتعالى، وألاّ نُلزِم عباد الله-تبارك وتعالى-بِما لم يُلزِمهم به المولى تبارك وتعالى، على أنه يَنبغي أن نَبحث هل فَعَلَ هذا وهو مخطئ أو هو جاهل أو هو متعمِّد ويَعرِف الحكم، وهذه المسألة-طبعا-تَحتاج إلى كلام، وذلك في أجوبة أخرى بمشيئة الله تبارك وتعالى، وإنما أردتُ أن أُنبِّه الناس أنه لا يَنبغي أن نُلزِم العباد بِما لم يَلزَمهم، و-أيضا-إذا كان هنالك تَخيير في بعض الأمور يَنبغي أن نُخَيِّر الناس وألاّ نُوجِب عليهم أمرا واحدا؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم. (3/144)
صفحة 736
مِن حلقة 8 رمضان 1424هـ يوافقه 3/11/2003م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
س1: ...
ج: ... وإذا كان قد وقع في شيء من معاصي الله-تبارك وتعالى-بأن كان قد فرَّط في شيء من واجبات الله فلم يأت بها أو أنه فعل شيئا من المحرمات فعليه أن يتخلص قبل فوات الأوان سواء كانت تلك الحقوق من حقوق الله-تبارك وتعالى-أو من حقوق عباده أو من ذوات الوجهين .. أي من الحقوق التي هي من جهةٍ لله-تبارك وتعالى-ومن جهةٍ للعباد، فإذا كان قد ترك شيئا من الصلوات أو الصيام أو الزكاة أو لم يأت بفريضة الحج فعليه أن يعيد تلك الصلوات التي فرَّط فيها سواء تركها أو أنه ترك شيئا من أركانها أو شروطها التي لا تتم إلا بها، وهكذا بالنسبة إلى الزكاة إذا كان لم يأت بها أو أنه قد أتى بها على غير الوجه الذي أمر به المولى-تبارك وتعالى-فإنه عليه أن يتخلص من ذلك .. أي عليه أن يقوم بأداء تلك الزكاة التي فرَّط فيها إلى أصحابها الذين بيَّنهم الله-تبارك وتعالى-في سورة التوبة (1) ، وهكذا إذا كان قد فرَّط في شيء من العبادات .. من صيام-كما قلتُ-أو أنه لم يأت بالحج أو أنه قد أتى به على غير الوجه الصحيح أو أنه قد فرَّط في شيء من النذور أو الكفارات أو ما شابه ذلك، وهكذا بالنسبة إذا كان هنالك شيء من حقوق العباد ..
__________
(1) - { إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } [ الآية: 60 ]. (3/145)
صفحة 737
إذا كان قد اغتصب شيئا من أموال الناس أو أنه قد أخذها بوجه صحيح ولكنه بعد ذلك لم يقم بأداء قيمة تلك الأشياء إلى أصحابها وما شابه ذلك، فإذا كان يعلم حكم ذلك في الشرع الحنيف فعليه أن يقوم بتنفيذ ذلك، وإن كان لا يعرف ذلك فعليه أن يسأل أهل العلم الذين يثق بدينهم وبعلمهم حتى يرشدوه إلى الطريق الصحيح للتخلص من هذه الحقوق. ...
... بالأمس حدّثني أحد الثقات بأنّ رجلا أعمى ذهب إلى الحج وكان لابسا لنعال مخيطة فرآه بعض الناس الذين يظنون أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ولكنه-وللأسف الشديد-جاهل بحكم الله تعالى .. جاهل بشرع الله جهلا فاضحا فقال له: " إنّ حجَّك باطل " وقد نَسب هذه الفرية إلى أحد علماء المسلمين .. افترى على الله وعلى رسوله وعلى أهل العلم، مع أنه لم يقل أحد من المسلمين ببطلان حجه، وإنما الخلاف هل الأفضل أن يلبس نعالا ليست بمخيطة أو أنه لا بأس من لباس النعال المخيطة ؟ والحق أنه لا بأس بذلك، إذ لم يأت دليل يدل على أنّ الأفضل أن يترك النعال المخيطة بل الدليل يدل على خلاف ذلك، وهكذا بالنسبة إلى الأحكام. ...
...
لكنني أحب-كما قلتُ-أن أنبه إلى أنّ مَن زار مريضا ينبغي له أن ينبهه إلى هذه الأمور، وإذا رآه لا يدري الأحكام الشرعية ممكن أن يذكر له: " هل أقسمت بشيء من الأَيْمان ولم تأت بها ولم تكفِّر عنها "، وهكذا بالنسبة إلى بقية العبادات .. من زكاة وصيام وحج ومن حقوق العباد إلى غير ذلك .. هذا أمر مطلوب.
...
س5: ولدها توفي وعمره سبعة عشر عاما-قبل شهرين تقريبا-لكن عندما أُخذ إلى القبر خرج من فمه دم، فهل يعني ذلك إشارة عقاب له أو الأمر طبيعي ؟ هي قلقة الآن. (3/146)
صفحة 738
ج: لا .. لا يلزم أن يكون ذلك فيه إشارة عقاب ولا غير ذلك، فلتترك الأمر على ما هو عليه، وإن كانت تستطيع أن تفعل شيئا من الخير فلتفعل .. ليس من باب أنه خرج من فمه دم، فلا علاقة له بذلك الأمر، لكن إذا كانت عليه حقوق للعباد مثلا وكانت تستطيع هي أو أبوه إن كان أبوه حيا أو أحد من إخوانه أو أقاربه أو حتى من سائر المسلمين أن يؤدوا تلك الحقوق التي عليه فليؤدوها عنه، وكذلك إذا كان عليه صيام فليصوموا عنه، كما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ( مَن مات وعليه صوم صام عنه وليه )، وهكذا إذا كان لم يؤد فريضة الحج وكان قادرا على أدائها ولكنه فرّط في ذلك فإذا استطاعوا فينبغي لهم أن يؤدوا عنه فريضة الحج، كما ثبت ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهكذا إذا كان لم يُؤد الزكاة فليؤدوا عنه .. إذا كانت لديه أموال فليؤدوا الحقوق التي عليه من ماله.
واختلفوا في الزكاة وفي الحج إذا لم يوص بهما وهكذا بالنسبة إلى الكفارات والنذور التي تحتاج إلى تكفير:
1-فبعض العلماء يقول: إنّ الكفارات والنذور التي هي بمثابة اليمين-أي التي يُكفَّر عنها كفارة اليمين-فإنها تؤدى من رأس المال.
2-وبعضهم يقول: إنها تؤدى مِن الثلث.
وكذلك بالنسبة إلى الحج هل هو مِن الثلث أو مِن أصل المال ؟
وهكذا الزكاة.
وكذا إذا كان لم يوص بذلك، اختلفوا هل تؤدّى عنه ؟
1-منهم من يقول: إنّ ما كان فيه حق للفقراء والمساكين فليُؤَدَّ أوصى به أو لم يوص، وذلك كالزكاة فهي وإن كانت عبادة لله-تبارك وتعالى-فإنّ فيها حقا للفقراء والمساكين وهكذا بالنسبة إلى كفارات الأيمان وكفارات النذور بخلاف الحج فإنه لا حق فيه للعباد.
2-وبعض العلماء يقول تؤدى عنه وإن كان لم يوص بها سواء كانت زكاة أو حجا أو كانت من الكفارات؛ وهذا هو الواضح الذي تدل عليه الأدلة ولكن قبل ذلك ينبغي أن يُقنَع الورثة من باب الخروج من الخلاف إن أمكن ذلك. (3/147)
صفحة 739
فالحاصل أنه لا يمكن أن يُحكم عليه بحكمٍ بسبب خروج هذا الدم، إذ إنّ ذلك يمكن أن يكون طبيعيا؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
مِن حلقة 9 رمضان 1424هـ، يوافقه 4/11/2003م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
س1: ...
... وللأسف الشديد أنّ بعض أهل العلم قد أخذوا من الحديث الذي جاء من طريق أبي أمامة-رضي الله تبارك وتعالى عنه-والذي فيه ذِِكر " فلان بن فلانة " أنّ الإنسان إذا ذهب إلى الحج وأراد أن يلبّي فإنه يقول: " لبيك عن فلان بن فلانة "، وقد جاءت-أيضا-رواية أخرى تدل على ذلك ولكنها باطلة عاطلة؛ والحق الحقيق بالقبول أنه يقول: " بن فلان " لا أن يقول: " بن فلانة " أو يكتفي بذكر اسم ذلك الشخص؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
مِن حلقة 12 رمضان 1424هـ، يوافقه 7/11/2003م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
س1: ذكرتُم في حلقة ماضية (1) أنّ الدماء التي تَجب على الحاج أو المُحْرِم إذا ما أخطأ في أمر مِن الأمور أو فعل أمرا مِن الأمور تَحتاج إلى تفصيل وليس كل ما أخطأ فيه الحاج يُوجِب الدم وهناك أمور تأتي على التخيير .. كل هذه نريد فيها شيئا مِن التفصيل باختصار.
ج: ...
أما بالنسبة إلى المسألة التي طُرِحَت الآن فإنها-في حقيقة الواقع-تَحتاج إلى كلام طويل جدا جدا، وسأتكلم على شيء منها بمشيئة الله في الدروس القادمة، ولكن لا بأس مِن الكلام على جزئية واحدة وهي الدماء التي تَجب على مَن حَدَثَ له شيء في الحج أو وقع منه شيء أو ما شابه ذلك .. متى تَجب على التخيير ؟ ومتى تَجب على الترتيب ؟
نَحن نَعلم أنّ العلماء قد اختلفوا في كثير مِن هذه الدماء هل تَجِب أو لا تَجِب مع اتّفاقهم على وجوب بعضها، لِوجود نصوص صريحة دالّة عليها.
فالدماء التي اتّفقت الأمّة على وجوبها هي:
__________
(1) -عند الجواب على السؤال 6 مِن حلقة 8 رمضان 1424هـ ( 3/11/2003م ). (3/148)
صفحة 740
1-هدْي التَمَتُّع، فمَن تَمَتَّع بِالعُمرة إلى الحج فإنه يَجِب عليه الهدْي إن كان واجِدا لِذلك بِشروطٍ معروفة تَصِل إلى عشرة أو تَزيد على خلافٍ كثير بيْن أهل العلم في هذه الشروط، وسأُبَيِّنُها أو أُبَيِّنُ أَكثَرَها بِمشيئة الله في الدروس القادمة، فالمُتَمَتِّع إذا تَوافَرَتْ فيه تلك الشروط يَجِب عليه الهدْي بِاتّفاق الأمّة، وذلك لأنّ هذا الهدْي منصوص عليه في كتاب الله-تبارك وتعالى-فلا يُمكِن أن يَقع فيه خلافٌ بيْن المسلمين، فمَن وَجَدَ الهدْي فعليه الهدْي، ومَن لم يَجِد فعليه أن يَصوم عشرة أيام .. يَصوم ثلاثةَ أيام في الحج ويَصوم البقية المتَبَقِّيَة-وهي سبعة-إذا رجع إلى بلده (1) على تفصيلٍ في وقت الصيام في الحج، ولا داعي لِذِكْر ذلك، لأنه يَطول به المقام جدا، لِوجود الخلاف ولِلخلاف-أيضا-في بعض الأدلة الواردة في المسألة، وسوف أتكلم عليها بمشيئة الله في الدروس القادمة، فهذا الدم مُتَّفَقٌ عليه بيْن أهل العلم، وإنما اختلفوا في القارِن هل عليه هدْي أو لا ؟
فالذي ذهب إليه جمهور الأمّة-وكاد بعض العلماء يَحكي عليه الاتفاق-أنه يَجِب عليه الهدْي.
وذهبت طائفة مِن أهل العلم إلى عدم وجوب الهدْي عليه.
ولا شك أنّ القول بوجوب الهدْي أحْوط وأسْلم، وسأبَيِّنُ دليله-أيضا-بمشيئة الله-تبارك وتعالى-في وقتٍ لاحِق، والكلام في هذا الهدْي كالكلام في هدْي التمتُّع مِن حيث إنه يُقَدَّمُ الهدْي، وليس لأحد أن يَصوم إلا إذا لم يَجِد الهدْي.
__________
(1) -قال الله تعالى: { ... فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ... } [ سورة البقرة، من الآية: 196 ]. (3/149)
صفحة 741
2-والدم الثاني هو فِدية مَن حَلَقَ رأسَه، فمَن حَلََقَ رأسَه لِوجود عذرٍ فإنه يَجِب عليه الهدْي وهذا الهدْي على التخيير فإما أن يَذبحَ الإنسانُ شاةً وإما أن يَصوم ثلاثةَ أيام وإما أن يُطعِم ستّةَ مساكين .. يُعطي كل مسكين نصفَ صاعٍ سواء كان مِن البُر أو الأرز أو ما شابه ذلك مِن الحبوب، خلافا لِمَن قال: إنه يَدفَع مِن البُر رُبْعَ صاع وهو المعروف بِالمُد، فهذا قولٌ ضعيف، مخالِف لِلحديث الثابت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فالإنسان مُخيَّر في هذه الفِدية.
وقد أَلْحَقَ جمهور الأمّة بِفِدية الرأس ما شابه ذلك مِن الأمور التي يُنْهَى المُحْرِم عَنْ فِعْلها، وذلك كلباس المَخِيط .. يعبِّرون بالمَخِيط ولي في ذلك نظرٌ-سأُبيِّنه قريبا بمشيئة الله تبارك وتعالى-وكاستعمال الطِيب وكقصِّ الأظافر وما شابه ذلك مِن الأمور التي وَرَدَ فيها النهي:
فإن كانت هذه على سبيل العُذْر فهي على التخيير، بِاتّفاق أهل العلم، لِنصِّ الكتاب (1) والسنّة على ذلك.
أما إذا كانت على سبيل العمْد مِن غيْرِ عُذْرٍ شرعي فقد اختلف العلماء في ذلك:
ذهب بعضهم إلى أنها على التخيير، وذلك لأنّ الدليل الذي دلَّ على ذلك هو الدليل السابق، فإذن هي على التخيير.
وذهب بعضهم إلى أنها على الترتيب، فمَن وَجَدَ الدم فليس له أن يَعْدِلَ إلى غيره، وذلك لأنّ هذا قد تَعمَّد وفَعَلَ ذلك مِن غيْرِ عُذْرٍ شرعي فلابد مِن أن يُشَدَّدَ عليه، كمَن قَتَلَ عمْدا، فإنه يُشَدَّدُ عليه في الكفارة مِن نَاحِيَتَيْن، كما هو معلوم في ذلك الباب.
__________
(1) -قال الله تعالى: { ... وَلاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ... } [ سورة البقرة، من الآية: 196 ]. (3/150)
صفحة 742
والذي أراه أنه لا يُمكِن أن يُفَرَّقَ بينهما، إذ لم يَأتِ دليل يَدلّ على التفريق، والقياس على الكفارات وما شابه ذلك لا يُمكِن أن يُصار إليه في مثل هذه القضية، وبيان ذلك في غير هذا الموضع بِمشيئة الله تبارك وتعالى، ويُسْتَثْنَى مِن هذا الأمر مَن وَطِئَ زوجتَه في الحج فإنه لا يُخَيَّر بيْن هذه الأشياء بل وليس له أن يَفتدِي بِواحدٍ مِن الثلاثة المذكورة وإنما عليه أن يَذبح بَدَنَة على تفصيل بيْن العلماء في ذلك إذا كان ذلك قَبْل التحلُّلِ الأصغر أو مطلقا:
فمنهم مَن يقول: ذلك يكون قَبْلَ التَحَلُّلِ الأصغر.
وبعضهم يقول: ذلك مطلقا.
وبيان ذلك-أيضا-ليس في هذا الموضِع، وهذا قد ذهب إليه كثير مِن أهل العلم، وإن كان الدليل عليه ليس قطعيا. (3/151)
صفحة 743
3-ومِن ذلك جزاءُ الصيد، فإنه منصوص عليه بنَصٍّ قاطعٍ مِن كتاب الله تبارك وتعالى (1) ، وهو على التخيير، إما أن يَذبح الإنسان ذبيحةً تُساوي ذلك الصيد الذي صَادَه، وذلك معلوم في كتب الفقه، وإما أن يُقَوِّمَ ذلك بالدراهم ثم يَشتري بِقيمة تلك الدراهم طعاما ويَدفع لكل مسكين نصف صاع مِن ذلك الطعام، وإما أن يَصوم بِمقدار يوم بِمقابل إطعامِ مسكين فإذا كان الطعام يُساوي طعامَ ثلاثين مسكينا فعليه أن يَصوم ثلاثين يوما أو كان ذلك أكثر فعليه أن يَصوم بعدد ذلك وهكذا إذا كان أقل وليس له أن يَدفع قيمة الطعام بل عليه أن يُقَوِّمَ ذلك بالدراهم ثم يشتري بذلك طعاما ويَدفعه وليس له أن يَدفع القيمة، وفي هذه المسألة تفاصيل كثيرة، لا أريد أن أبيِّنها الآن (2) .
4-ومِن ذلك هدْي المُحْصَر، فمَن أُحْصِرَ عن الحج أو العُمرة فعليه الهدْي .. عليه أن يَذبح ذبيحة (3) ، واختلفوا إذا لم يَستطع على الهدْي هل يَجب عليه الصيام ؟
فذهب كثير مِن أهل العلم إلى أنه يَجِب عليه الصيام .. عليه أن يَصوم عشرة أيام.
__________
(1) -قال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللهُ مِنْهُ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ } [ سورة المائدة، الآية: 95 ].
(2) -وقد بيّن الشيخ تفاصيل أخرى في هذه المسألة عند الجواب على السؤال 5 مِن حلقة 16 رمضان 1424هـ ( 11/11/2003م ).
(3) -قال الله تعالى: { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ... } [ سورة البقرة، من الآية: 196 ]. (3/152)
صفحة 744
وذهب بعضهم إلى أنه لا يَجِب عليه صيام، وذلك أنه لا يُوجَد دليل صريح يَدُلُّ على ذلك، وإنما قال مَن قال مِن أهل العلم بِذلك اعتمادا على القياس على هدْي التمتُّع.
وهذا القياس فيه نظر، فالصحيح عندي أنه لا يَجب عليه الصيام، فإن لم يَجِد الهدْي فلا شيء عليه-بمشيئة الله-وهذا إذا لم يَشترِط، أما إذا اشترَط فلا هدْي عليه على الصحيح.
خلافا لِمَن قال: " إنّ الاشتراط منسوخ "، ولِمَن قال: " إنّ الاشتراط لا يَكفي في عدم وجوب الهدْي "، فهذان القولان ضعيفان على التحقيق، وأوَّلُهُمَا أضعف مِن الثاني، لأنه لا يُوجَد هنالك ناسخ لِهذا الحديث البتّة، وهو حديثٌ-أعني حديث " الاشتراط " حديث-صحيح ثابت.
فهذه الدماء مُتَّفَقٌ عليها، لِنصوص صريحة مِن الكتاب عليها، وهي على حسب ما بَيَّنْتُ، ولكنْ-نَعَمْ-يُوجَد خلافٌ في فِدية الأذى، فالمتّفَق عليه هو فِدية الحلْق لِمَن كان معذورا .. أي اضطُر إلى ذلك فهو متّفَق عليه، أما البقية فهي مُلْحَقَةٌ بِذلك على خلاف بيْن أهل العلم في ذلك.
وبقي الكلام في المخطِئ:
فمنهم مَن يقول: عليه الفِدية.
ومنهم مَن يقول: لا فدية عليه، وهو الصحيح عندي.
ومنهم مَن يُفَرِّقُ بيْن بعض الأمور فيُوجِب الفِدية فيها ولا يُوجِب الفِدية في البعض الآخر، فلباس الثياب الممنوعة والعطر وما شابه ذلك .. هذه الأمور لا فِدية فيها .. أعني على الناسي ومَن كان في حكمه، وأما بعض الأمور التي فيها إتلاف أو ما شابه الإتلاف .. الإتلاف: مثلا كتقليم الأظافر أو كجذْب الشعر أو حلْق الشعر أو ما شابه ذلك .. في ذلك إتلاف، وما شابه الإتلاف: الوطء، فإنه وإن لم يكن إتلافا فهو بيْنه وبيْن الإتلاف مشابَهة، كما لا يَخفى، كما هو مُبَيَّن في هذا الباب.
وبقي الخلاف في الجاهل:
بعضهم يُوجِب عليه الفِدية.
وبعضهم لا يُوجِبها.
وبعضهم يُفَصِّل بيْن ما فيه إتلاف وما شابه الإتلاف وبيْن ما لم يكن فيه ذلك كما قدمتُ. (3/153)
صفحة 745
والجاهل الذي لم يُفَرِّط في أحكام شرع الله-تبارك وتعالى-الصحيح لا فِدية عليه، وسأقيم الدليل على ذلك بمشيئة الله في الدروس القادمة.
بقي هنالك مَن فَعَلَ شيئا مِن الأمور المتعلِّقة بِالحج ولا تَتَعَلَّق بِالجسد، كمَن قَدَّمَ شيئا على شيء أو تَرَكَ ِشيئا مِن الواجبات أو ما شابه ذلك، وذلك-مثلا-كمَن جَاوَزَ الميقات ولم يُحرِم ولم يَرجع إليه أو رَجَعَ على رأي بعض أهل العلم، أو تَرَكَ شيئا مِن الرمي على خلاف طويل في ذلك، وما شابه هذه الأمور، فهل تكون هذه على التخيير أو تكون على الترتيب ؟
أوَّلا: أنا لم أَجِد دليلا يَدُلُّ على إِيجاب الدماء في هذه الأمور مِن سنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، والحديث الدال على ذلك حديث لا يَصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وإنما تُوجَد في ذلك رواية عن ابن عباس-رضي الله تعالى عنه-وقد اختلف العلماء هل هي محمولة على الرفع معنًى وإن كانت موقوفة في اللفظ:
فذهب بعضهم إلى ذلك.
وذهب بعضهم إلى أنّ المسألةَ اجتهادية وليستْ مِن ذلك الباب.
والأمر مُحتمِل، وعلى القول بِإيجاب الدماء في هذه المسائل-كما هو مذهب الجمهور على تفصيل فيها-فهي على الترتيب، أوَّلا يَجِب على الإنسان أن يَذْبح دَمًا فإن لم يَستطِعْ على ذلك هل عليه شيء أو لا يقال: " يَجِب (1) عليه شيء " ؟
منهم مَن يَذكر هذا ولا يُوجِب عليه شيئا بعد ذلك.
ويُؤخَذ مِن كلام بعضهم أنه عليه أن يَصوم عشرة أيام.
والصيام لا نراه أبدا، والدم نَحكم به إذا حكَمنا به في بعض المسائل القليلة النادِرة جدا.
__________
(1) -قال الشيخ: " لا يجب " ويبدو أنّ " لا " هنا زائدة. (3/154)
صفحة 746
وقد أَسْرَفَ كثير مِن الناس في إِيجاب الدماء على عباد الله-تبارك وتعالى-بِما لم يُوجِبه عليهم المولى تبارك وتعالى .. " مَن فَعَلَ كذا عليه دم " .. لا يَذكرون التخيير فيما فيه التخيير، ويُوجِبُون في كثير مِن الأمور التي لم يَأتِ عليها دليل، وفي أكثرِها لم يَقل به أحد مِن علماء المسلمين أو قال به قِلّة قليلة مِن أهل العلم، وأنا-حقيقة كما قلتُ-لم أَجِد دليلا على ذلك، وإنما-كما قلتُ-أَخذوه مِن كلام ابن عباس وهو مُحتمِلٌ لِلأمْريْن وجانب الاجتهاد أقوى، وقد يُؤخَذ ذلك-أيضا-مِن باب الإِحْصَار خاصّة في مَن تَرَكَ بعضَ الأمور فإنه أُحْصِر عنها إذا كان ذلك لِسبب مِن الأسباب فقد يُؤخَذ ذلك مِن الإِحْصَار ويُقال: " عليه بِالدم " ولكن-كما قلتُ-ذلك في أمور بسيطة جدا، سأُفَصِّلُ الكلام عليها بمشيئة الله-تبارك وتعالى-في الدروس القادمة، فليتّقِ الله أولئك الذين يُوجِبون كثيرا مِن الدماء على عباد الله - سبحانه وتعالى - ولا دليل لهم على ذلك، بل كثير مِن تلك الأمور لم يَقل بها أحد مِن علماء المسلمين أو شذَّ مَن قال بذلك، و-أيضا-لِيتّقوا الله-تبارك وتعالى-في تلك الأمور التي لا يُخَيِّرُون عباد الله-تبارك وتعالى-فيها مع أنه قد وَرَدَ فيها التخيير مع أنّ التخيير أسْهل بِكثير .. هذا لا يَجِد ما يَشتري به شاةً .. مثلا قيمةُ الشاة تُساوي ثلاثمائة ريال سعودي أو أكثر وهو لا يَجِد ذلك ومِن الأسْهل عليه أن يَصومَ ثلاثة أيام أو أن يُطعِم ستّةً مِن المساكين أو يَجِد المال ولكنه لا يَعرف المساكين فيَخشى أن يَضعها في غير الموضع الصحيح بينما إذا صام .. (3/155)
صفحة 747
ذلك أسْهل عليه مِن حيث إنه لا قيمة عليه ومِن حيث إنه يَعلم بِأنه قد أدّى ما أَوْجَبَه الله-تبارك وتعالى-عليه، فعلينا-إذن-أن نَفْعَلَ بِحسب ما دَلَّ عليه الدليل إن وُجِد هنالك دليل، وما لم يُوجَد فيه دليل فإذا قال به بعض العلماء فلا بأس مِن تقليدِهم بِالنسبة لِمَن لا قدرة له، أما إذا أفتى علماء المسلمين الذين يُوثَق بهم وبَيَّنُوا أنه لا دليل على ذلك وأنّ الإنسان لا يُمكِن أن يُكَلَّفَ بِذلك اللهم إلا إذا أراد أن يَأتي بِذلك على سبيل الاحتياط فلا يَنبغي لِلجُهَّال أن يُكَلِّفُوا عبادَ الله-تبارك وتعالى-بِما لم يَأْمُرْهم بِه المولى تبارك وتعالى.
هذا وهنالك بعض الأمور التي تَحتاج إلى تنبيه فلا يُمكِن أن تُؤخَذ مِن هذا الجواب الإجمالي، لأنّ بعض الأمور-أيضا-لا فِدية فيها على مذهب جمهور المسلمين، وذلك كَعَقْدِ النكاح لِلْمُحْرِم فإنّ العلماء قد اختلفوا هل يَجوز له أن يَعْقِدَ النكاح أو لا يَجوز له، وعلى القول بِعدم الجواز فإنّ الجمهور لا يَرَوْنَ عليه الفِدية، فلا يُمكن-أيضا-أن نُوجِب عليه الفِدية.
هذا ومِن الجدير بِالذِّكر أنّ بعضَ أهل العلم قالوا: إنّ مَن أَوْجَبَ على شخصٍ شيئا لَم يُوجِبْه عليه المولى ولم يَقْتَدِ بِأحدٍ مِن علماء المسلمين وهو يَتظاهر بِأنه مِن أهل العلم وهو ليس في العِير ولا في النَّفِير أنه يَجِب عليه أن يَقوم بِغُرْمِ ما أفتى بِه بعضَ الناسِ الجُهَّال الذين ظنُّوا فيه بِأنه مِن أهل العلم وهو ليس مِن ذلك الباب، وهو قولٌ سائغ قوي، ولو كنتُ قاضيا لَحَكَمْتُ عليه بِذلك وأَلْزَمْتُهُ أن يُنَفِّذَ ذلك حتى يَرْتَدِعَ أولئك الجهال الذي يُفتُون عبادَ الله-تبارك وتعالى-بِغير علم. (3/156)
صفحة 748
أما أولئك الجهلة الذين لا دِراية لهم بِشيء مِن العلم ولم يَتظاهَروا بِذلك وهم معروفون بِذلك فإذا أَفْتَوْا بِشيءٍ فلا يُمكِن أن نَحْكُمَ عليهم بِغُرْمِ ذلك، وذلك لأنهم لا يُعْرفُ عنهم العلم، فمَن سألهم فقد عَرَّضَ نفسَه لِمِثل هذه الأمور، وقد ذَكَرَ الإمام السالمي-رحمه الله تبارك وتعالى-في باب أصول الفقه مِن " جوهر النظام " القولَ الذي قال به بعض أهل العلم بِوجوب الغُرْمِ على مَن أفتى بِغيْر علم وهو يَتظاهر أنه مِن أهل العلم، فمَن شاء ذلك فلْيَرْجِع إليه (1) :
وجاهل أفتى فليس يَغْرُم ... .........................
إلى أن قال الشيخ:
................... ... وإنما يَضمَن في ذاك الوسط
لأنه غَرَّ الذي يُسائِل ... بِحاله وإنه لَجاهل
..
__________
(1) -هذا ما قاله الإمام نور الدين السالمي في باب: أصول الفقه، مِن كتابه " جوهر النظام ":
وزلّة العالِم في فتواه ... مرفوعةٌ عنه وما أوْلاه
وذاك أن يَخرُج مِن لسانِه ... خلافُ ما يَقصدُ في جَنانِه
مثالُه أن يُعْطِيَنَّ الأمّا ... مع البنينَ ثلثًا أَتَمّا
وإنما الضمانُ لِلذي عَمل ... بِقوله إذ لِلخطا منه قَبل
وجاهلٌ أفتى فليس يَغْرُم ... إن خالَف الحقَّ ولكن يَأثَم
لأنه يُعرَف بِالجهل فقط ... وإنما يَضمَن في ذاك الوسط
لأنه غَرَّ الذي يُسائِل ... بِحاله وإنه لَجاهل
ولا ضمان إن يَكن لم يَخرُج ... مِن قولِ كلِّ العلماءِ الحُججِ (3/157)
صفحة 749
هو جاهل ولكنه غَرَّ غيْرَه .. يَتَزَيَّى بِزيّ أهل العلم وهو ليس منهم فالجاهل قد اغتَرَّ به .. مأمور بِالسؤال فسَأَلَ وأفتاه هذا الجاهل فمِن حقِّه أن يُطالِب بِحقِّه، وأنا أنصح الناس جميعا بألاّ يَسألوا إلا مَن يَثقون بِعلمه ودينه، لأنهم مأمورون بِسؤال أهل الذِّكْر ولأنهم مأمورون بِرَدِّ المسائل إلى كتاب الله-تبارك وتعالى-وسنّة رسوله-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-وبِما أنهم لا يَستطيعون ذلك فإنهم يَرُدُّون ذلك إلى أهل العلم الذين يَستنْبِطون ذلك مِن الكتاب والسنّة؛ ومعذرة على هذه الإطالة مع أنني لم آتِ بِشيءٍ كبير، لأنّ المسألة طويلة، وعسى أن تكون في ذلك فائدة؛ والله أعلم.
وما مسألة ذلك الجاهل الذي قال لِرجل أعمى لبس نِعالا مَخيطة .. قال له: " إنّ حَجَّكَ باطل " ونَسَبَ ذلك إلى بعضِ علماء المسلمين، وذلك كلامٌ باطل لم يَقل بِه أحد مِن علماء المسلمين البتّة وإنما الكلام هل الأفضل أن يلبس هذه أو تلك ؟ ولا دليل-أيضا-حتى على تفضيل أن يلبس غير المَخيطة-أعني النعال-بل الدليل قد دَلَّ على جواز ذلك، فهذا الجاهل الغِر قد قال: " إنّ حَج ذلك المسكين باطل " فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
س4: هذه المرأة التي ذهبت إلى الحج جاءها الحيض بعد الزوال في يوم عرفة ؟
ج: لا يَضُرُّها ذلك، لأنها-على حسب كلام السائل-طافت طواف الإفاضة بعدَ أن طَهُرَتْ وتَطَهَّرَتْ .. أي بعد أن انتهى حيضها واغتسلتْ مِن الحيض وما دام الأمر كذلك فلا علاقة لِلحيض بِالوقوف بِعرفة فوقوفها صحيح بِمشيئة الله؛ والله أعلم.
مِن حلقة 15 رمضان 1424هـ، يوافقه 10/11/2003م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
س1: ما حكم المَقِيل بِمكّة أيام مِنى ؟ (3/158)
صفحة 750
ج: إنّ الثابتَ في سنّة رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-أنّ رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-خَرَجَ مِن مكّة المكرّمة في اليوم الثامن مِن شهر ذي الحجّة إلى مِنى وصَلَّى بِها الظهر والعصر والمغرب والعِشاء والفجر، ثم بعد ذلك ذَهَبَ إلى عرفة .. صَلَّى أوَّلاً الظهر والعصر جَمْعا بِنَمِرَة ثم ذَهَبَ إلى عَرفة، ثم خَرَجَ منها بعد غروب الشمس ودخول الليل وباتَ بِالمزدلفة، ثم بَعد أن صَلَّى الفجر ودَعَا خَرَجَ منها إلى مِنى ورَمَى جَمْرة العَقَبَة وذَبَح، ثم ذَهَبَ إلى مكّة المكرَمة وطاف بِها ولم يَسْعَ لأنه قد سَعَى مِن قبل وسَعْيُه ذلك كان كافيا له لأنه كان قَارِنا بيْن حَجِّه وعُمرته صلوات الله وسلامه عليه، وقد جاء في بعض الروايات أنه صَلَّى الظهر بِمكّة ثم ذهب إلى مِنى، وجاء في بعض الروايات أنه صَلَّى الظهر بِمِنى، وقد اختلف العلماء في هاتين الروايتين:
منهم مَن صَحَّحَ روايةَ الصلاة بِمِنى.
ومنهم مَن عَكَسَ ذلك، كما ذكرتُ ذلك في " الطوفان " (1) ، فمَن شاء ذلك فلْيَرْجِع إليه.
ويُمكِن أن تكون الروايتان صحيحتين معا ويُجمع بينهما بِأنه صَلَّى الظهر بِمكّة ثم صَلَّى بِأصحابه نَفْلاً وصَلّوا خلْفه فريضة ويكون الخطأ قد وَقَعَ في قول الراوي: " فريضة " وإلا فإنه قد صَلَّى في الموضعين معا إلا أنه صَلَّى بِمِنى نافلة فتكون كل واحدة مِن الروايتين صحيحة بِاستثناء كلمة: " الظهر " فإنها لا تَصح، وهذا له احتمالٌ قوي، وقد جاءت أدلّة متعدِّدة تَدلّ على مشروعية إمامةِ المتنفّل بِالمفترِض.
وفي هذا دلالةٌ واضحة أنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-لم يَبْقَ بِمكّة في هذه الأيام بل رَجَعَ إلى مِنى مباشَرة.
__________
(1) -الجزء الثالث من كتاب " الطوفان الجارف لكتائب البغي والعدوان "، الطبعة الأولى ( 1420هـ-2000م )، ص337-339. (3/159)
صفحة 751
فما يَذْكُرُه كثير مِن الفقهاء مِن أنّ الإنسان له أن يَبقى بِمكّة المكرّمة وأنه لا بأس بذلك .. نقول: هذا الأمر مُخالِف لِسنّة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، إذ إنه بِمجرّد انتهائِه مِن طوافِه صلوات الله وسلامه عليه-وصلاةِ الظهر على تقدير ثبوتِ هذه الرواية-ذَهَبَ إلى مِنى مباشَرة فمِن أَيْنَ يُمكِن أن يُقال: " إنّ السنّة تَدلّ على أنه لا بأس مِن البقاء بِمكّة " مع فِعْلِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي ذكرناه ؟! فينبغي لِلإنسان عندما يَنتهي مِن طواف الإفاضة أو السعي إذا كان عليه السعي أن يَذهب إلى مِنى مباشَرة سواءً كان ذلك في الليل أو في النهار .. هذا هو الذي دَلّت عليه السنّة الصحيحة الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثبوتًا لا شك فيه.
ولا عِبرة بِرأي مَن خالَف ذلك، فإنّ العبرةَ بِالسنّة في مثل هذه الأمور، كما هو معلوم.
هذا وما جاء في بعض الروايات مِن أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - طاف ليلا أو أنه كان يَذهب في ليالي مِنى ويَطوف بِالبيت فإنّ تلك الروايات لا تَثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فهي مِن النكَارة بِمكان.
فإذن السنّة البقاء في مِنى في هذه الأيام سواءً كان ذلك في الليل أو في النهار بِاستثناء أداءِ الطواف والسعي لِمَن عليه سعي؛ والله أعلم.
س2: في هذه الأيام ربما لِكثرة الزحام وكثرة السيارات قد لا يَجِد الحاج طريقا مُمهَّدا إلى مكة ومِن مكة إلى مِنى فيَذهب لِطواف الإفاضة ويَعود في وقت مُتأخِّر .. يَعني قبل الفجر بِساعة أو ساعتين يَعود إلى مِنى، هل عليه بأس ؟ (3/160)
صفحة 752
ج: على كل حال؛ هذه ضرورة والضرورةُ تُقَدَّرُ بِقَدرِها، والله-تبارك وتعالى-لا يُكَلِّفُ نفسًا إلا وسعها: { ... لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا ... } [ سورة الطلاق، من الآية: 7 ] .. ما جعل عليكم في الدين مِن حرج .. يريد بكم اليُسْر، فالدِّين بِحمد الله-تبارك وتعالى-يُسْر لكن-طبعا-هذا لا يَقتضي أن نُخالِف السنن الثابتة، لأنّ اليُسْر في اتباع هذه السنن.
فمَن ذَهَبَ لأداء طواف الإفاضة وتَأخّر في الطريق إلى مكّة أو في الطريق إلى مِنى أو في الحالتين معا فإنه لا بأس عليه-بِمشيئة الله-ولا شيء عليه ولو كان ذلك في الليل، إذ إنه لا طاقة له فوق ذلك، وإنما يُنْهى الإنسان عن التأخُّر بِمكّة مع قدرتِه ووجودِ الراحلة في ذهابِه إلى مِنى .. هذا هو الذي يُنهى عنه.
و-كذلك-بَلغني أنّ كثيرا مِن الناس يَخرُجون في الليل مِن أجل البقاء بِمكّة ويَتَحَجَّجُون بِبعض الفتاوى التي لم يَفْقَهُوهَا، فلابد لِلإنسان مِن أن يَفْقَهَ الفتاوى، فإنّ كثيرا مِن الناس يَأتون بِفتاوى إلى بعضِ أهل العلم ويَذْكُرُون فيها كثيرا مِن الأمور وأولئك العلماء يفْتُون بِمقدار تلك الأمور ثم يَأتي بعضُ الناس ويُعَمِّمُون تلك الفتاوى ولا يَفْقَهُونَ المرادَ منها، فإذن السنّة الصحيحة عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنّ الإنسان يَبقى بِمِنى في هذه الليالي وفي الأيام-أيضا-بِاستثناء ذهابِه إلى الطواف-كما قلتُ-ويُعْذَر-أيضا-إن تَأخَّر في الطريق سواءً كان ذلك في الذهاب أو الإياب، لأنّ ذلك مِن الضرورات، أما أن يَبْقَى في مكّة مع وجود الراحِلة ومع عَدَمِ المشقّة المُلِحّة فهذا مِمّا لا يُمكِن أن يُباح بِحال .. لا أريد-طبعا-بِالإباحة هنا الإباحة التي تُقابِل التحريم أو الوجوب أو ما شابه ذلك، وإنما أُبَيِّنُ السنّةَ الثابتة، و:
حسبُك أن تَتَّبِع المختارَ ... وإن يَقولوا خالَف الآثار (3/161)
صفحة 753
" ومِن العَجَبِ أن أَنُصَّ لكَ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنتَ تُعارِضُني بِعلماءِ بيضةِ الإسلام مِن غيْر دليلٍ ولا واضحِ سبيل .. أَلَيْسَ هذا في العيان نوعا مِن الهذيان " .. هكذا قال المحقِّقون مِن أهل العلم، وقالوا أيضا: " وقولٌ بِخلاف الحديث يُضْرَب به عُرْض الحائط "، و-كما قلتُ-بعضُ الفتاوى لا يَفْقَهُهَا الناس ويَأتون بِبعض الأمور التي لم يَفْهَمُوهَا بينما أولئك العلماء أو ذلك العالم ما أراد ذلك أبدا؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: بعض الإخوة في سنة مِن السنوات ذهبوا إلى الحج فلم يَجِدوا مكانا يَبِيتون فيه في مِنى بِسبب كثرة الزحمة والمخيم أصبح مزحوما .. يبيتون في مكّة وقبل الفجر بِساعة أو ساعتين يأتون إلى مِنى، فهل يُجزيهم ذلك ؟
ج: أنا أشرتُ بِهذا إلى بعضِ الفتاوى .. أنّ أولئك العلماء عندما أُتِيَ لهم بِمثل هذه الأمور رخَّصوا في ذلك لأنّ هذا مِن باب الضرورات وهذا لا مانع منه، لكنّ بعضَ الناس عندما وَجَدُوا هذه الفتوى عَمَّمُوها فأخذوا يَخْرُجُون إلى مكّة المكرّمة مع وجود المكان الذي يُمْكِنُهم أن يَبْقوا فيه، فَفتوى أولئك العلماء صحيحة لا شك فيها وإنما الكلام ماذا يُراد بِمثل تلك الفتوى ؟ فإذن عند الضرورة لا مانع مِن ذلك .. إذا لم يَجد الإنسان مكانا يَمكث فيه، أما إذا وَجَدَ مكانا يَبْقَى فيه فهذا مِمّا لا يُمكِن أن يُرَخَّصَ له؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: سمعتُك في الحلقة الماضية (1) تَذْكُر أنّ لك نَظَرًا في تعبير العلماء عند ذِكْرِهِم منهيات الإحرام .. يَقولون: " لبس المخيط "، فما هو هذا النظر ؟
__________
(1) -عند الجواب على السؤال 1 من حلقة 15 رمضان 1424هـ ( 10/11/2003م ). (3/162)
صفحة 754
ج: على كل حال؛ هذه المسألة تَحتاج إلى إطالة، وقد أجبتُ عنها في العام الماضي، وتكلمتُ عليها بِكلامٍِ طويل، ومِن الأحسن أن أتكلّم عليها بِمشيئة الله-تبارك وتعالى-في الدروس القادمة، لأنّ مثل هذا السؤال يَحتاج إلى إطالة، وذلك لا يَتناسَب مع مثلِ هذه العجالة.
س3: حاجٌّ تَرَكَ طوافَ الوداع، فماذا يَلزمه ؟
ج: ذلك لا يَخلو مِن أحد أمرين:
1-إما أن يَكون معذورا وذلك كالمرأة الحائض والنفساء:
فإنّ الذي ذهبتْ إليه طائفة مِن أهل العلم أنّ الحائض معذورَة عن طواف الوداع، وهذا هو القول الصحيح، الذي تَدلّ عليه السنّة الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وإن كان بعضُ العلماء ذهب إلى أنه لابد مِن الدم على مثل هذه المرأة، ولكنّ هذا مُخالِف لِلحديث، فلعلّ ذلك العالِم لم يَطَّلِع على هذا الحديث، أو لعلّه اطَّلَعَ عليه-كما رأيتُه بالنسبة إلى بعضهم-وظَنَّ أنه لم يَثبُتْ لأنه على حسب نَظَرِهِ يُعارِض بعضَ الأحاديث الدالة على وجوب طواف الوداع، ونَحن نقول: إنه لا معارَضة بيْن الحديثيْن، لأنّ ذلك الحديث الدال على وجوب أو سنّية (1) طواف الوداع عام وهذا خاصّ والخاصّ يَقضي على العام، كما هو مقرَّر في أصول الفقه.
فإذن الحائض معذورَة، بِنصّ حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ومثلُها في ذلك النفساء، وإنما الكلام في المريض فإن كان المريض يُمكِن أن يُؤَجِّر على نفسه بِأن يُحمَل فلابد مِن ذلك، وإن كان لا يَستطِيع ذلك:
فبعض العلماء قالوا: عليه أن يَذبح دما ولا شيء عليه فوق ذلك.
__________
(1) -يُرجَع إلى الشيخ ليُبيِّن ما الذي قصَد قولَه في هذه المسألة. (3/163)
صفحة 755
وبعض العلماء ذهبوا إلى أنه لا شيء عليه، وذلك لأنه في معنى الحائض، إذ إنه لا يَتمكَّن مِن الإتيان بِالطواف، فهو وإن كان يَصحُّ منه الطواف في ذلك الوقت لو كان قادِرا عليه بِخلاف الحائض إلا أنهما يَشترِكان في عدم القُدرة على الإتيان بِالطواف، وكما أنه بِإمكانِ الحائض أن تَتأخَّر حتى تُطْهُر كذلك بِإمكانِ المريضِ أن يَتأخَّر حتى يُشفى مِن مرضِه ولكنّ الشارِع قد رَخَّص لَها في ذلك فإذن يُرَخَّصُ لِهذا المريض على رأي هؤلاء، وهو رأيٌ مستقيم بِمشيئة الله-تبارك وتعالى-إلا لِمَن شاء أن يَحتاط لِدينه.
2-وأما إذا كان هذا الشخص قادِرا على طواف الوداع ولم يَطف فإنه يُؤْمَر عند أكثر العلماء بِالتوبة إلى الله وبِأن يَذبَح دما لِفقراء مكّة المكرّمة شرّفها الله تبارك وتعالى.
و-على كل حال-لابد مِن التوبةِ والدمُ هو مذهب جمهور الأمّة.
أما بالنسبة إلى طواف الوداع لِلمعتمِر فإنّ العلماء قد اختلفوا فيه:
فمنهم مَن ذهب إلى مشروعية ذلك، واستدلوا على ذلك بِفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وأَمْرِه حيث إنه طاف لِلوداع في حجّة الوداع وأَمَرَ بذلك.
ومِن العلماء مَن ذهب إلى خلاف ذلك وقالوا: إنه لا يُشرَع، لأنه لم يَثبتْ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الأَمْرُ بِه في حالة العُمرة، وما جاء مِن الروايات في ذلك فإنها لا تَثبتُ عنه صلوات الله وسلامه عليه. (3/164)
صفحة 756
ونَحن نُقِرُّ بِأنه لم يَثبتْ ذلك الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لِضَعْف إِسنادِه-وبِأنه لم يَطُف طوافَ الوداع عندما جاء لِعُمرة القضاء .. أي التي قَاضَى عليها كفارَ قريش عندما مَنَعُوه مِن العُمرة التي أحَلَّ منها في الحديْبية،-وقلتُ: " قَاضَى " لأنّ بعضَ الناس يَقول: " إنه قضى بِها " وذلك لأنهم يَقولون: " كانت هذه قضاءً " وفي ذلك نظر، لأنّ كثيرا مِن أهل العلم يَقولون ليست هذه قضاءً، لأنّ تلك العُمرة التي أحلَّ منها كانت مُتَحَقِّقَةً، وبَحث ذلك في الدروس القادمة بِمشيئة الله تبارك وتعالى،-وكذلك بِالنسبة إلى عُمرة الجِعْرَانَة، فإنه لم يَثبتْ أنه طاف طواف الوداع ولا أنه أَمَرَ بِذلك مَن كان معه، وإن كان هذا ليس بِالصريح، لأنه صلوات الله وسلامه عليه جاء واعتمَر .. طاف وسعى وخَرَجَ بعد ذلك مباشَرة، ومهما كان فإنّ طوافَه لِلوداع في حجّة الوداع مُتأخِّر وكانوا يَأخذون بِآخر الأَمْرَيْن والأمرُ مُحتمِل والاحتياطُ في الدِّين مطلوب، فالأفضل لِلإنسان ألاّ يُفرِّط في طواف الوداع لِلعُمرة، ومَن ترك ذلك في الماضي فلا شيءَ عليه بِمشيئة الله تبارك وتعالى؛ والعلم عند الله تعالى.
س4: إذا تُوفي الإنسان ولم يَحُج مع أنه كان قادِرا على الحج في حياته، فما الحكم ؟ وإذا قلنا بِوجوب الحج عنه، فهل يُحْرَم عنه مِن مكانه أم مِن مكان الذي يَستأجِر عنه ؟
ج: على كل حال؛ مَن وَجَدَ الاستطاعة على الحج فإنه يَجِب عليه أن يَذهب إلى ذلك فوْرا على مذهب المُحَقِّقِينَ مِن أهل العلم، وقد نَسَبَه بعضُ أهل العلم إلى جمهور الأمّة:
مَن وَجَدَ استطاعةً عليه ... بِالفَوْرِ أَن يُعَجِّلَن إليه (1)
ولكنّ الناسَ كما قال هذا الشيخ-أعني الإمام السالمي-رحمه الله تبارك وتعالى:
__________
(1) -الإمام نور الدين السالمي، جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام، كتاب: الحج، باب: النيابة في الحج. (3/165)
صفحة 757
وأكثرُ الناس يُؤخِّرون ... وأنه كَالدَّيْنِ يَزْعُمُون
وهُم لَعَمْرُ الله مَغْرُورُون ... بِزُخْرُف القَوْلِ مُخَادِعُون (1)
فتجد الواحد منهم يَجِد المال وهو في صحة تامّة ولكنه يُسَوِّفُ .. لا يَذهب في هذه السنة ولا في التي تَليها ويَمْكُثُ عشرات السنين وهو لا يَذهب وإذا سُئل فيقول إنه سيَذهب، والحج ليس على الفور، أو ما شابه ذلك مِن الخُرافات، والذين قالوا: " إنه على التراخي " ما أرادوا بِذلك هذا المعنى الذي يُعبِّر عنه هؤلاء الجهلة بِهذا الكلام، فينبغي لِلإنسان بل يَجِب عليه إذا وَجَدَ الاستطاعة أن يَذهب إلى الحج فوْرا وليس له أن يُسَوِّف في ذلك أبدًا ولْيَتَّقِ الله-تبارك وتعالى-فهو لا يَعلم إلى متى سيَبقى في هذه الحياة فربما يُفاجِؤه الموت ولم يَأتِ العامُ القادمُ الذي يَزعم بِأنه سيَذهب فيه إلى الحج فما مِن أحدٍ مِنّا يَملِك بِأنه سيَبقى لَحظةً مِن اللحظات فضْلاً مِن أن يَزعُم بِأنه يَبقى إلى السنة القادمة أو التي تَليها أو ما شابه ذلك.
وأنا قلتُ في بعض الفتاوى (2) : إنّ المرأة إذا منعها زوجُها مِن الحج فلا طاعةَ له في ذلك إذا كانتْ تَجِد مَن يُرافِقها مِن مَحارِمها، وهكذا بِالنسبة إلى الوَلَدِ إذا مَنَعَه أبوه أو أمه أو كِلاهما عن الحج-وأعني بِذلك طبعا حجَّةَ الفريضَة-فليس له أن يَسمَعَ لَهما فلا طاعة لَهما ولا كرامة، لأنّ الطاعة تَكون في المَعروف وهذا النهي منهما أو مِن أحدِهما ليسَ في المعروف بل هو نَهي عن طاعة الله - سبحانه وتعالى - .
أما بالنسبة إلى مَن مات ولم يَأت بِفريضة الحج مع أنه قادِر على الإتيان بِها فعلى كل حال أمرُه إلى ربِّه تبارك وتعالى.
__________
(1) -الإمام نور الدين السالمي، جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام، كتاب: الحج، باب: النيابة في الحج.
(2) -عند الجواب على السؤال 14 من حلقة 11 جمادى الثانية 1424هـ ( 10/8/2003م ). (3/166)
صفحة 758
فإن كان قد أوصى بِذلك فلابد مِن تنفيذ وصيته، وقد اختلف العلماء في هذه الوصية هل تكون مِن رأس المال أو مِن الثلث ؟
فذهب بعضهم إلى أنها تكون مِن رأسِ المال، وهذا القول هو القول الصحيح عندي، لِحديث: ( فدَيْنُ الله أَحَقُّ أن يُقْضَى ) وما شابه ذلك.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنها تكون مِن الثلث.
وفائدةُ ذلك إذا استَغْرَقَتْ الوصايا الواجبة الثلث ولم يَبقى منه بقية هل تُخرَج عنه الزكاة (1) أو لا ؟ وهذا على رأي مَن يَقول: " إنّ حقوقَ العباد تُقدَّم على حقوق الله تبارك وتعالى "، وهو أحد الأقوال في المسألة.
وبعض العلماء يقول: إنّ حقوقَ الله تُقدَّم، وذلك لِحديث: ( فدَيْنُ الله أَحَقُّ أن يُقْضَى ).
وبعض العلماء يقول: إنه يُحاصَصُ بيْنها.
والحقُّ أنّ دَيْنَ العباد يُقَدَّم، وذلك لأنه مبني على المُشَاحَّة، أما ديونُ الله-تبارك وتعالى-فالله-تبارك وتعالى-غَنِيٌّ عنها .. وإن كانت واجبة لكن لا يُمكِن أن تُقَدَّم على ديونِ العباد، وحديثُ: ( فدَيْنُ الله أَحَقُّ أن يُقْضَى ) لا يُرادُ بِه أنه يُقَدَّمُ على دَيْنِ العباد، وإنما يُرادُ مِن ذلك الوجوب .. أي أنه لابد منه-طبعا-وذلك إذا أَمْكَن.
ونَحن قد قُلنا: إنّ حقوقَ الله-تبارك وتعالى-سواء كانت حَجّا أو غيْرَه تُخرَج مِن أصل المال، فما دام المال يَفِي بِذلك فلابد مِن إخراج ذلك، أما إذا لم يَكن هنالِك شيء مِن المال بعدَ أداءِ حقوقِ العباد-فلا حول ولا قوة إلا بِالله-فيَنبغي لأقاربه أن يَحُجّوا عنه.
أما إذا كان لم يُوصِ بِذلك فإنّ أهل العلم قد اختلفوا في ذلك:
والذي عليه جمهور أصحابنا هو أنه لا تُخرَج عنه الحجّة، لأنه لم يُوصِ بِذلك.
وذهب بعضُ المتأخِّرين إلى أنه تُخرَج عنه، لِلحديث الذي ذَكَرْنَاه.
__________
(1) -لعل الشيخ قصد أن يقول: " يُؤدّى عنه الحج " بدلا مِن " تُخرَج عنه الزكاة ". (3/167)
صفحة 759
وهذه المسألةُ-في حقيقة الواقع-ليس فيها دليلٌ واضِح على أحدِ الأمْرَيْن والحديثُ مُحتمِل، وأنا أقول: إنه يَنبغي أن يُحَثَّ الورثة إما أن يَذهبوا لأداء الحجِّ عنه أو أن يُخرِجوا ذلك مِن مالِه والمال فَانٍ وكما مات هو عنه فإنهم سيَموتون عن ذلك .. بَقي إذا كان في الورثة بعضُ الصِّغار الذين لم يَصِلوا إلى مرتبة التكليف فيُمكِن أن يُنْتَظَر هؤلاء ويَقوم بعض أهل العلم بِحَثِّهِم على ذلك فإن لم يَرْضَوا بِذلك فإنّ لنا كلاما في ذلك بِمشيئة الله، أما الآن فإننا نُحِبُّ هذا، لِعدم وجودِ دليلٍ صريحٍ في المسألة وهذا الحديث الذي ذَكَرْنَاه مُحتمِل؛ وسأتكلّم على هذه المسألة بِتوسُّع في الدروس القادمة بِمشيئة الله.
س5: ما حكم مَن قَتَلَ الصيْدَ في الحرَم مِن غير عَمْد ؟ وهل حَجّه صحيح أو لا ؟
ج: قَتْلُ الصيْدِ لِلْمُحْرِم سواءً كان في الحِلِّ أو في الحرَم وهكذا بِالنسبة إلى قَتْلِ الصيْد في الحرَم .. الصيْدُ لِلْمُحْرِم حرام في الحِل وفي الحرَم، والصيْد في الحرَم حرام على المُحِل والمُحْرِم، فليس لِلإنسان أن يصيد مِن الحرَم ولو كان مُحِلاًّ، كما أنه ليس لِلْمُحْرِم أن يصيد ولو كان مِن الحِل .. هذا أمرٌ يَنبغي أن يُنْتَبَهَ إليه، لأنّ بعضَ الناس لا يُفَرِّقُ بيْن الأمْريْن وقد يَقَعُ في خطإٍ في هذه المسألة، فتَعمُّد ذلك حرام ومعصيةٌ مِن معاصي الله بل كبيرةٌ مِن كبائر الذنوب، فمَن فَعَلَ ذلك فعليه أن يَتوب إلى ربِّه وأن يَرجِع إليه-تبارك وتعالى-وأن يُؤَدِّيَ ما عليه، وبِما أنّ السائل لم يَسأل عن ذلك لأنه بِحمد الله-تبارك وتعالى-لم يَتعمَّد ذلك فلا حاجة لِلكلام عليه ولاسيما أنني قد تَكَلَّمْتُ على ذلك بِالأمس (1) .
__________
(1) -عند الجواب على السؤال 1 من حلقة 15 رمضان 1424هـ ( 10/11/2003م ). (3/168)
صفحة 760
وأما بِالنسبة إلى المخطئ فإنه لا ذَنْبَ عليه، لأنه لم يَتعمَّد ذلك، وذلك-طبعا-لا يُؤَثِّرُ في حَجِّه ولا في عُمرته أن لو كان معتمِرا-بل حتى المُتَعَمِّد لا تَفسُد حَجّته أو عُمرته بِذلك على ما ذهب إليه جمهور الأمّة-وأما بِالنسبة إلى وجوبِ الجزاء على هذا السائل-الذي وَقَعَ ما وَقَعَ منه على سبيل الخطإِ-فقد اختلَف العلماء فيه:
ذهبت طائفة مِن أهل العلم-وهو مذهب جمهورهم-إلى أنه عليه الجزاء.
وذهبت طائفة مِن أهل العلم-ورَجَّحَه قطبُ الأئمة رحمه الله تبارك تعالى في " الجامع الصغير " كما ذكرتُ ذلك في " قُرّة العَيْنَيْن " (1) ، وهو أيضا مذهب جماعةٍ مِن أهل العلم-إلى أنه لا جزاء عليه، وهذا القول هو القول الصحيح عندي، فإن شاء أن يَأخذ بِهذا الرأي-وهو مبني على أصلٍ أصيل-فلا حرج عليه بِمشيئة الله تبارك وتعالى، وإن شاء أن يَحتاط وأن يَخرُج مِن الخلاف في هذه المسألة فلابد مِن أن يَحْكُمَ في هذه القضية حَكَمَان عَدْلاَن، إذ إنّ مسائل الجزاء في الصيْد لابد فيها مِن الحُكْم، ولا تَكفي فيها الفُتْيَا، فلابد مِن أن يَحْكُمَ فيها حَكَمَان عَدْلاَن إلا أنّ العلماء قد اختلفوا هل ذلك على الإطلاق أو في ما لم يَأتِ فيه حكمٌ عن صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟
__________
(1) -كتاب " قرّة العينَيْن في صلاة الجمعة بِخطبتين " ص47، وهذا ما ذكره الشيخ فيه: ' اختار-رحمه الله تعالى-في " الجامع الصغير " أنه لا جزاء على مَن قتل الصيد ناسيا، واختار في بقية كتبه وجوب الجزاء على العامِد والناسي، قلتُ: والقول بِعدم وجوب الجزاء على الناسي هو الصحيح، لِعدم الدليل الدال على الفدية، والأصل عدم ذلك؛ والله-تعالى-أعلم. '. (3/169)
صفحة 761
فذهب بعضهم إلى أنه إذا وُجِدَ في تلك القضية حُكْمٌ لاثنيْن مِن صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حَكَمَا بِه على بعضِ الناس الذين وَقَعَ منهم مثلُ الذي وَقَعَ فيه هذا الإنسان فيَكفيه أن يَأخذ بِذلك الحكم.
وذهب بعضُ العلماء إلى أنه لابد مِن الحُكْم في تلك القضية مَرّة أخرى.
وأنا قد ذكرتُ أنّ هذا الشخص لا بأس عليه بِمشيئة الله ولكن إن شاء الاحتياط فلابد مِن أن يَبْحَثَ عن حَكَمَيْن عَدْلَيْن حتى يَحْكُما له في هذه القضية.
س: يَحْكُمَا له بِالجزاء ؟
ج: نعم .. يَحكما عليه بِالجزاء في هذه القضية، لأنّ هذه القضية تَحتاج إلى حُكْمٍ، بِنصّ الكتاب العزيز.
س: وهم يُبَيِّنُون له معنى الجزاء ؟
ج: ما هو الذي يَلزمه لكن-كما قلتُ-نَحن نَعتمِد الرأي الآخر وهو أنه لا شيءَ على المخطِئ ولكن الرأي الثاني هو مذهب الجمهور ومَن احتاط وأخذ بِه فلا شك أنّ فيه سلامة.
س6: يُريد شرْحًا بسيطا جدا لِلآية: { ... فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ... } [ سورة البقرة، من الآية: 203 ].
ج: على كل حال؛ الآية على ظاهرها .. مِن المعلوم أنّ الإنسان يَرمي في اليوم العاشِر وهو يوم العِيد .. يَرمي فيه جَمْرَةَ العَقَبَة، كما هو معلوم ثابت بِسنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متّفق عليه بيْن الأمّة، وفي اليوم الحادي عشر والثاني عشر يَرمي الجمَرات الثلاث .. يَرمي أوّلا الصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى، وبقي اليوم الثالث عشر فالإنسان مُخَيَّر فيه:
فيمكن أن يَتَعَجَّلَ في يوميْن .. أي بعدَ أن يَرمي في اليوم الحادي عشر وفي اليوم الثاني عشر، وإذا فَعَلَ ذلك فلا حرج عليه بِمشيئة الله تبارك وتعالى.
ويُمكِن أن يَتَأَخَّر .. أي أن يَتَأَخَّر ويَرمي في اليوم الثالث عشر. (3/170)
صفحة 762
ومَن تَعَجَّلَ فلا إثم عليه، ومَن تَأَخَّرَ فلا إثم عليه، والرسول - صلى الله عليه وسلم - تَأَخَّرَ فرَمى في الأيام الثلاث، ولا شك أنَّ مَن تَأَخَّرَ فهو أفْضل ولكن إن تَقَدَّمَ فلا حرج عليه ولا إثم بِنَصِّ الكتاب والسنّة وإجماع الأمّة؛ والله أعلم.
س7: ما قولكم في مَن تَرَكَ ركعتي الطواف في طواف الوداع ؟
ج: على كل حال؛ أخطأ هذا الشخص خطأً بَيِّنًا، فما كان يَنبغي له أن يَتْرُكَ ذلك فلْيُتُبْ إلى الله-تبارك وتعالى-ويَنبغي له أن يُصَلِّيَ الآن ركعتيْن فعسى الله-تبارك وتعالى-أن يَتجاوزَ عنه.
س8: لَحق بِيوم عَرفة في وقتٍ متأخِّرٍ مِن الليل ؟
ج: ما دام قد جاء في الليل .. أي جاء إلى عَرفة قبل طلوع الفجر وأدرك شيئا مِن الليل في ذلك الموقف فإنه لا حرج عليه، بِنصّ السنّة الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ولا عِبْرةَ بِرأيٍ يُخالِف ذلك، وإذا جاء نهر الله بَطل نهر معقل؛ والله أعلم.
س9: رجل فَقَدَ نقودَه فلم يَستطِع الهدْي، فماذا يَصنع ؟
ج: قد جَعَلَ الله - سبحانه وتعالى - لِذلك بَدلاً وهو أن يَصوم ثلاثةَ أيام في الحج وسبعةَ أيام بعد رجوعه فتلك عشرة كاملة .. جاء ذلك في كتاب الله تبارك وتعالى (1) ، فمَن فَقَدَ نقودَه ولم يَجِد شيئا لِلهدي فلْيَصُم في الحج ثلاثةَ أيام .. قالوا: إما أن يَصوم السابع والثامن والتاسع وإما أن يَصوم السادس والسابع والثامن.
__________
(1) -قال الله تعالى: { ... فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ... } [ سورة البقرة، من الآية: 196 ]. (3/171)
صفحة 763
وأقول: لا يَنبغي لِلإنسان أن يَصوم اليوم التاسع، لأنّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان مُفْطِرًا، ومِن المعلوم أنّ الصيام يُؤَثِّرُ ويَشُقُّ على الإنسان ولاسيما إذا كان ذلك في الحَرِّ الشديد فيَبقى في وقت العصر مُنْهَكًا مُتْعَبًا لا يَستطيع أن يَدعو بِحسب ما يُحِب، فلماذا يَصوم في هذا اليوم ؟! فإذن إما أن يَصوم السادس والسابع والثامن على رأي طائفة مِن أهل العلم، والذي يُؤخَذ مِن بعض الروايات الصحيحة أنّ الصحابة-رضي الله تبارك وتعالى عنهم-كانوا يَصومون في أيام التشريق (1) .. في اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر .. هكذا جاء في بعض الروايات الصحيحة المروية عنهم، وذلك يَدلّ على مشروعية الصيام في هذه الأيام (2) ، خلافا لِما ذَهب إليه كثير مِن أهل العلم مِن أنه لا يُصام في هذه الأيام نَظرا لِلنهي الوارِد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الصيام فيها ولكن-في حقيقة الواقع-ذلك النهي عام وهذه الرواية خاصّة، لأنّ ذلك (3) فيما يَظهر كان يَقَعُ منهم في عهْد النبي - صلى الله عليه وسلم - وإذا تعارَض دليلان أحدهما عام والآخر خاص فإنّ الخاص يَقضي على العام فيُقدَّم عليه كما هو مذهب جمهور الأمّة؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
__________
(1) -أي بالنسبة لِمَن لم يَجد الهدي.
(2) -أي بالنسبة لِمَن لم يَجد الهدي.
(3) -أي الصيام في أيام التشريق ( أي في اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر ) بالنسبة لِمَن لم يَجد الهدي. (3/172)
صفحة 764
أما إذا كان هذا الرجل غنيا في بلده واقترض مِن بعض الأشخاص الذين معه فلا بأس عليه بِأن يَقترِض إذا كان لا مشقّة عليه، أما إذا كان لا يَجِد الوفاء أو يَخشى مِن عدم وجود شيءٍ مِن الدراهم يَقوم بِقضائها لأصحابه مثلا أو لا يُوجَد عند أصحابه أو ما شابه ذلك-فكما ذكرتُ-أنّ الله-تعالى-قد جَعَلَ لنا بَدلاً وهذا مِن باب اليُسْر والحمد لله تبارك وتعالى: ( يَسِّروا ولا تُنَفِّروا )؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س10: امرأة مُحْرِمَة بِالعُمرة أُصيبت بِجُرح في أصبعها نتيجةَ استخدام السكين-وكانت حائضا-فخَرَجَ منها دم ليس بِالكثير، فماذا عليها ؟
ج: اشتهر عند كثير مِن الناس: " في الدم دم " وهذه قاعدة ليست بِصحيحة، أي أنّ الإنسان إذا خَرَجَ منه دم في الحج فعليه دم .. هذه القاعدة ليست بِصحيحة .. مثلا لو كان الإنسان يَتسوّك وخَرَجَ منه دم فهل يُقال عليه دم ؟ لا دم عليه بِإجماع الأمّة الإسلامية قاطبة، على ما حكاه غيْرُ واحدٍ مِن أهل العلم، ولذلك لا ينبغي لِلإنسان أن يَترك السواك بعد ثبوت السنّة الصحيحة الثابتة عن رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-الدالة على فضْله: ( لولا أن أَشُقَّ على أُمّتي لأَمَرْتُهم بِالسواك عند كل صلاة )، وفي بعض الروايات: ( عند كل وضوء )، وفي بعضها جاء الجمْع بينهما، فلا يَنبغي لِلإنسان أن يَتْرُكَ السواك مَخافة-مثلا-أن يَخرُج منه دم ولاسيما إذا كان مِن عادته أنه يَخرُج منه الدم .. هذا-على كل حال-مِن الاحتياطات البارِدة .. يَنبغي لِلإنسان أن يُطَبِّقَ السنّة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم:
ولا تُناظِر بِكتاب الله ... ولا كلام المصطفى الأوّاه
معناه لا تَجْعَل له نظيرا ... ولو يَكون عالِما خبيرا (3/173)
صفحة 765
فعلى كل حال هذه المرأة التي كانت تَقطَع بِهذا السكين شيئا-مثلا-ما كانت تُرِيد أن تَقْطَعَ يَدَها أو أن يَخْرُجَ منها الدم أو ما شابه ذلك فلا حرج عليها بِمشيئة الله تبارك وتعالى ولكن لِتَحْذَر مِن خروج الدم في الطواف، وهكذا بِالنسبة إلى قضية الحيض .. الحائض ليس لَها أن تَطوف بِالبيت، وإنما الكلام في السعي .. هل لها أن تَسعى أو لا ؟ السعي قد أجْمعت الأمّة أنه لا بأس على الحائض منه .. أي لا بأس على الحائض أن تسعى وإنما الأفْضل أن يَكون الإنسان على طهارة والحائض-طبعا-لا يُمكِنها أن تَكون على طهارة، وإنما الكلام في وقتنا هذا هل المسعى مِن المسجد أو لا ؟ لأنّ الحائض والجنب و-طبعا هكذا-النفساء ليس لهم أن يَدخُلوا المسجد .. هل المسعى الآن مِن المسجد ؟ فإن كان مِن المسجد فليس لِلحائض أن تَدخُل وتَسعى لِلنهي عن دخولها المسجد، لا لأجل أنّ الحيض لا يَصحّ معه السعي، والذي يظهر لي أنّ المسعى ليس مِن المسجد فلا بأس عليها-أو على غيرها مِن الحُيَّض-في قضية السعي، فإذن تَنتظِر حتى يَنتهي هذا الحيض وتَطْهُرَ منه وتَتَطَهَّر .. أي تَغتسِل مِن الحيض ولُتطف بعد ذلك، وكذلك بِالنسبة إلى الدم إذا كان يَخرج مِن ذلك الجرح الذي أصابها لابد مِن أن تُزيل ذلك الدم وتُعيد الوضوء، ولا تَطوف إلا وهي طاهرة، أما إذا كان ذلك قبل الطواف بِفترة أو ما شابه ذلك فأمره بيِّن لأنها ستتوضّأ بعد ذلك بِمشيئة الله.
س: ويَصح لها-إذن-مع هذا أن تُقَدِّم السعي على الطواف ؟
ج: لا .. ليس لها أن تُقَدِّمَ السعي على الطواف في العُمرة بِاتّفاقهم.
وفي الحج فيه كلام طويل سأتعرّض له في الدروس القادِمة بمشيئة الله.
س11: هل يَصحّ لِلطائف أن يَعتمِد على شخصٍ آخر في العَدّ ؟ والذي يُصَلِّي ونَسِيَ كم صَلَّى، هل يَعتمِد على مَن بِجَنْبِه ؟ (3/174)
صفحة 766
ج: على كل حال؛ الإنسان لابد مِن أن يَعتمِد على نفسه .. هذا هو الأصل، لأنه قد يُخطِئ ذلك الشخص الذي اعتمَد هو عليه، فلماذا لا يَعتمِد على نفسه ويَعتمِد على غيره ؟! إذا كان قد وَقَعَ لِهذا الإنسان مِن قبل واطمأنّتْ نفسُه إلى فِعْلِ صاحبِه وهو لم يُفارِقه أبدا فإنه يُمكِن أن يُرخَّصَ له في الماضي، أما في المستقبَل فليَعتمِد على نفسه، ولا يَعتمِد على غيره.
أما بِالنسبة إلى الصلاة فالكلام فيها كالكلام في الحج .. الأصل في الإنسان أن يَعتمِد على نفسِه ولكن إذا وَقَعَ منه خطأٌ-مثلا-واطمأنّتْ نفسُه إلى فِعْلِ صاحبِه فإذن يَجْعَل ذلك مِن باب المُرَجِّحَات في الحج وفي الصلاة، ومِن المعلوم أنّ الإنسان إذا تَرَجَّحَ لديه أحدُ الجانبين فإنه يَأخذ بِما تَرَجَّحَ له، فإذن يَكون فِعْلُ ذلك الشخصِ الذي معه مِن المُرَجِّحَات لا أنه يَعتمِد عليه فإن لم يُعارِضه معارِض في طواف الحج أو العُمرة أو في الطواف مطلَقا ولا في الصلاة فيُمكِن-كما قلتُ-أن يَجْعَل ذلك مِن المُرَجِّحَات ولكن في المستقبَل يَنبغي له أن يَعتمِد على نفسِه؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
مِن حلقة 16 رمضان 1424هـ، يوافقه 11/11/2003م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
س1: في أيام الحج-ويَكاد يَتكرّر في كل عام-يَحدُث زِحامٌ شديد أثناء الرمي ويُحاوِل كل واحد مِن الناس التَّوسِعة لِنفسه حتى يَصِل إلى الحوض وبِالتالي يَرمي تلك الجَمْرَة، هل لابد مِن وصول الحصاة إلى الجَمْرَة أم أنها يَكفي أن تَسقُط في الحوض ؟ وبِذلك يَفهَم الناس القضية ويَخِفّ الزحام.
ج: إنه يَنبغي أن يَنتبِه المسلم أنه يَنبغي له كما يُراعِي نفسَه أن يُراعِيَ غيره، فليس له أن يُؤذِيَ غيْرَه لا في الطواف ولا في السعي ولا عند رمي الجِمار، فإيذاء المسلمين مِمّا لا يَصح. (3/175)
صفحة 767
وهذا أمرٌ-ولِلأسف الشديد-لا يَنتبِه إليه كثيرٌ مِن الناس، فتَرى الناسَ في حالة الطواف أو السعي أو في الرمي يَهتَمّ الواحِد منهم بِنفسِه وبِمَن يُرافِقه ولا يَنظُر إلى بقية المسلمين، فقد يُؤْذِي أحدا-وقد يَفعَل ما يَفعَل-ولا يَلتفِت إلى ذلك الشخص، بينما هذا لا يَجوز، لأدلّة معلومةٍ في مواضعها.
أما بِالنسبة إلى الرمي فإنّ الرمي مِن مناسِك الحج، بِاتّفاق جميع الأمّة الإسلامية، وذلك لأنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-أَمَرَ بِه وفَعَلَه وقال: ( خذوا عنّي مناسِككم )، كما ثَبت ذلك في الأحاديث الصحيحة الثابتة.
ولِلأسف لقد تَهاون كثيرٌ مِن الناس بِالرمي، فتَرى هذا لا يَذهب لِلرمي بل يُنيب غيْرَه مع قُدرتِه على ذلك وقد يَزْعُم أنه لا يَستطيع أن يَذهب إلى الرمي عند منتصف النهار، أو ما شابه ذلك، كأنَّ الله-تبارك وتعالى-قد ضَيَّق هذه القضية وأَوْجَبَ على الناس أن يَرْمُوا في ذلك الوقت ! مع أنّ الأمرَ ليسَ كذلك، إذ إنّ الوقتَ واسعٌ بِحمد الله تبارك وتعالى، وقد نَتكلّم عليه في وقت آخر إن شاء الله تبارك وتعالى.
أما بِالنسبة إلى هذا السؤال الذي تفضّلتُم بِطرحه فالجواب عليه: أنه لا يُشترَط أن تُصِيب تلك الحجارةُ التي يَرميها ذلك الشخص .. أن تُصِيب تلك الحجارةَ المنصوبة وإنما الشرط في الرمي أن تَدْخُل في ذلك الحوض، فإذا أصابت الحوض فإنّ الرمي بِذلك يُجزِي بِمشيئة الله تبارك وتعالى، إذ إنّ ذلك البناء حادِثٌ لم يَكن موجودًا مِن قبل وإنما هو دليلٌ على مكان الرمي، فإذا وقعت الحجارة في الحوض فإنّ ذلك مُجْزٍ بِحمد الله تبارك وتعالى؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: هل يعني ذلك أنّ تلك الحجارة المنصوبة إنما وُضِعَت حتى لا يُصيب الحجاج بعضهم البعض وإلا فالأصل الحوض ؟
ج: على كل حال؛ الأصل هو الحوضُ .. تلك علامة .. الأصل في ذلك الموضِع، فإذا وصلت ذلك الموضِع فإنّ ذلك كافٍ؛ والله أعلم. (3/176)
صفحة 768
س2: رجلٌ أخذ وكالة مِن جماعة مِن الحجاج في رمي الجِمار وأخذ منهم الحصى ثم رماها في الشارع ولم يَرْمِ الجمرات ولم يُخْبِرهم وهم عاجزون عن الرمي، فما الحكم ؟
ج: العياذ بِالله-تبارك وتعالى-مِمّا فَعَلَه هذا الشخص .. لقد وَقَعَ في معصيةٍ مِن معاصي الله تبارك وتعالى، وعليه أن يَتوب إلى الله-تبارك وتعالى-مِمّا وَقَعَ فيه وأن يُخْبِر أولئك الأشخاص الذين أنابوه وَوَثِقُوا بِه وظنّوا أنه سَيُؤَدِّي عنهم ما فَرَضَه الله-تبارك وتعالى-عليهم، وبعد ذلك عليهم أن يَسألوا عن هذه المسألة التي وَقَعُوا فيها، لأنهم-في حقيقة الواقع-لم يَأْتُوا بِما شَرَعَه الله-تبارك وتعالى-مِن الرمي، فلابد مِن أن يُحكَم عليهم بِالدم، ولكن بَقي مَن هو الذي يَتحمَّل ذلك ؟ في هذه المسألة لابد مِن أن يُنْظَر إليها، وإن حَاكَمُوا هذا الشخص فلهم أن يُحاكِمُوه في ذلك.
س3: في اليوم الحادي عشر ذهب رجلٌ لِرَمي الجَمَرَات وعند وصوله رَمى الجَمْرَة الأولى وذهب لِرَمي الجَمْرَتَيْن الوسطى والكبرى ومِن شدّة الزحام في ذلك اليوم لم يَنتبِه إلى الجَمْرَة الوسطى وسَها عن رَميِها حتى وَصَلَ إلى الجَمْرَة الأخيرة ورَماها وعند عَودتِه بِالطريق شَكّ في نفسِه أنه لم يَرْمِ الجَمْرَة الوسطى وبَقي على شَكِّه حتى اليوم التالي-الثاني عشر-وعند عَودتِه لِلرمي في هذا اليوم وَصَلَ تلك الجَمْرَة ورَماها بِسبعِ حَصَيَات عن شَكِّه لِليوم الأول وذلك في اليوم الثاني عشر، فهل تَصرُّفه هذا يُجزِي أم ماذا يَكون عليه ؟
ج: هل رماها في اليوم الثاني عشر مرتين .. عن الحادي عشر وعن الثاني عشر ؟
س: الظاهِر مِن كلامِه هكذا.
ج: إذا كان قد رماها فلا شيءَ عليه على مذهب كثير مِن أهل العلم. (3/177)
صفحة 769
أما مَن يَشترِط الترتيب في هذه القضية فلابد مِن أن يَرمِيَ الوُسطى ثم يُعيد رَمْيَ الكبرى عن اليوم الحادي عشر ويَرمي بعد ذلك (1) عن اليوم الثاني عشر.
وأما مَن لا يَشترِط الترتيب فإنه لا بأس عليه لِهذا الفعل.
هذا ونظرا إلى أنّ الوقتَ قد مَضى فإذا تَرَخَّصَ بِتلك الرخصة التي قال بها مَن قال مِن أهل العلم فلا حرج عليه بِمشيئة الله تبارك وتعالى؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س4: ما حكم غسل الحصى ؟ يعني هل الحصى يُغسَل أم لا يُغسَل ؟
ج: هذه المسألة اختلف فيها أهل العلم:
1-منهم مَن قال بِمشروعية الغُسل.
2-ومنهم مَن لا يَرى ذلك.
والقول الثاني-وهو قول مَن يَقول بِعدم المشروعية-هو القول الصحيح، لأنه لم يَأت حديثٌ يَدلّ على مشروعية ذلك بل دَلَّ فِعْلُ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه-على عدم المشروعية، إذ إنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-رَمَى مِن غَيْر أن يَقوم بِغسل ذلك، كما هو ثابتٌ في السنّة الصحيحة الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وما دام الأمر كذلك فلا يَنبغي لنا أن نَقول بِمشروعية ذلك، لِعدم ثبوته .. هذا هو الذي أراه؛ والعلم عند الله.
س5: الشكّ في عَدَدِ الحَصَيَات التي تُرْمَى .. إذا شَكّ أنه رَمَى خمسا أو سِتا أو سبعا ؟
ج: ذلك لا يَخلو من أحد أمرين:
إما أن يَأتيَه هذا الشك بعد أن انتهى مِن الرمي فإذا كان كذلك فإنه لا يَلتفِت إلى هذا الشك.
أما إذا جاءَه ذلك وهو يَرمي .. لم يَدْرِ-مثلا-هل هذه الرمية هي الثالثة أو الرابعة:
فإن لم يَتَرَجَّحَ لديه شيءٌ فإنه يَبني على الأقل .. إن شكّ هل هذه الثالثة أو الرابعة ؟ فإنه يَعتبِر أنّ تلك الرمية هي الثالثة، وإن شك بيْن الرابعة والخامسة فليَعتبِر أنها الرابعة، وهكذا.
__________
(1) -أي الجمرات الثلاث كلها. (3/178)
صفحة 770
أما إذا ترجَّحَ لديه شيءٌ فإنه يَأخذ بِالراجِح، كما يَكون ذلك في عَدَدِ ركعات الصلاة، وهكذا يكونُ ذلك في عَدَدِ الأشواط عند الطواف بِالبيت؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س6: لقد نَصَّت كتب الفِقه المبيِّنَة لأحكام الحج والعمرة بِأنّ الدعاء الذي يُقال على الصفا والمروة يُرَدَّدُ هناك ثلاث مرات في كل شوط على كل منها، فهل ذلك على الوجوب أم الاستحباب ؟ وماذا على مَن لم يَستطِع أن يَأتِيَ به على الصفة المنصوص عليها في تلك الكتب نتيجةَ الزحمة الشديدة والارتباك ؟ هل يَصحّ الاقتصار على ألفاظ معيّنة بِذاتها ؟
ج: على كل حال؛ ما كل ما ورد في الكتب الفقهية ثابت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذا الدعاء وكذا الذِّكْر الوارد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ليس واجبا وإنما هو مندوب، ويَنبغي لِلإنسان أن يَعتنِيَ بِالمندوبات إذا استطاع سبيلا إلى ذلك لكن بِشرْط أن لا يُؤْذِي أحدا مِن عباد الله تبارك وتعالى، فعندما تكون هنالك زحمة شديدة خاصّة في أيام الحج فيَنبغي أن يَقتصِر على القليل ويَأتِي بِما ثَبَتَ عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-ويَأتِي بِدعاءٍ جامع مِن غيْر أن يُطِيل حتى لا يُؤْذِي عبادَ الله تبارك وتعالى، فعندما تكون هنالك سعة يَأتِي بِالذِّكْر الوارد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يَدعو ثم يَأتِي بِالذِّكْر ثم يَدعو ثم يَأتِي بِالذِّكْر وقد اختلفوا في الدعاء بعد الذِّكْر في المرة الثالثة هل هو مشروع أو لا ؟
مِنهم مَن قال بِمشروعية ذلك.
ومنهم مَن قال بِعدم المشروعية.
ومَن قال بِالمشروعية في كل هذه القضية-طبعا كما قلتُ-إنما يَقول بِالندبية لا بِالوجوب؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س7: مَن عليه دَيْن، هل يَذهب إلى الحج أم لا يَذهب ؟
ج: إذا كان على الإنسان دَيْن فلا يَخلو ذلك مِن أحد أمريْن: (3/179)
صفحة 771
إما أن تكون لديه أموال تَكفي لِقضاء ذلك الدَّيْن الذي عليه وتكفي أيضا لِمؤونة أهله حتى يَرجع إليهم فإن كان عليه دَيْن ولديه هذه الأموال التي تَكفي لِقضاء هذا الدَّيْن فإنه لابد مِن أن يَقوم أوَّلا بِقضاء ذلك الدَّيْن إذا كان ذلك الدَّيْن حالاًّ أو في حكم الحالِّ ثم بعد ذلك يَذهب إلى الحج، وإن كان مُؤَجَّلاً فلْيُوص بِذلك ولْيَتْرُك وصيته بِذلك الدَّين إما عند شخصٍ أمين ويُخبِر ذلك الدائن بِأنه قد وَثَّق له دَيْنَه ووَضَعَه مع فلان وإما أن يَضع-تلك الوثيقة أو-ذلك الصك مع صاحب المال الأصلي. (3/180)
صفحة 772
أما إذا كان لا يَملك شيئا مِن المال يَكفي لِسَدِّ ما عليه مِن الدَّيْن فإنه لا يَجِب عليه الحج، لأنّ الحج يَجِب على المستطِيع وهذا لا يَستطِيع سبيلا إلى ذلك، و-طبعا-لا أريد بِالأموال الدراهم إذ قد يَقول شخص إنه لا يَملك شيئا مِن الدراهم ولكنه يَملِك عقارات أو ما شابه ذلك فهي تَقوم في مقام الدراهم، فالحاصل هل يَملك شيئا مِن الأموال تَكفي لِسَدِّ ذلك الدَّيْن أو لا يَملِك شيئا .. هذا وإذا كان الدَّيْن مُحَرَّما فلابد مِن التّخلص أوَّلا مِن الحرام والتوبة والرجوع إلى الله-تبارك وتعالى-حتى يَفِدَ بعد ذلك وقد تَطَهَّر مِن هذه القاذورات وهذا كله إذا كان يُريد أن يَتوب إلى الله-تبارك وتعالى-وأن يَرجِع إليه سبحانه، أما إذا كان لا يَهتَم بِهذه الأمور ولا يُبالي بِها فإنه إذا قيل له: " لا تَذهب إلى الحج " سيَبقى هنا وهو يَملِك الأموال التي يُمكِن أن يَقوم بِقضاء تلك الديون التي عليه وإنما يُريد أن يَشتري الأرض الفلانية والعقار الفلاني وما شابه ذلك فهذا-على كل حال-يُقال له: " اذهب إلى الحج " ولكنّ الله-تبارك-لا يَتَقبَّلُ منه، إذ إنه - سبحانه وتعالى - لا يتَقَبَّل إلا مِن المتّقين وهو ليس بِمتّقٍ لِربِّه بل هو مُحارِب له - سبحانه وتعالى - .. هذا هو الحكم، فحجُّه صحيح مِن حيث الفِعْل ولكنّ الله-تبارك وتعالى-لا يَتقبَّل منه .. لا يَتقبَّل منه الحج ولا يَتقبَّل مِنه شيئا مِن الأعمال الصالحة، لأنّ القبول يَكون مِن الصالِح لا مِن الطالِح؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س8: أرجو مِن شيخنا أن يُبيِّن لنا حكم مَن لم يَبِتْ ليلةَ التاسِع مِن ذي الحِجّة في مِنى وإنما ذَهَبَ إلى عَرفة مباشَرة مع مَن يُقيم معهم وليس له مُرشِدٌ يَذهَب معه وقد أَخَذَ بِفتوى بعضِ أهل العلم هناك بِأنّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - بَاتَ هناك لِلاستراحة وليس ذلك مِن السنّة ؟ (3/181)
صفحة 773
ج: أنا ذكرتُ بِالأمس (1) أنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-خَرَجَ مِن مكّة المكرّمة في اليوم الثامِن، وبَقِيَ بِمِنى إلى طلوع الشمس مِن اليوم التاسِع .. صَلَّى الصلوات الخمس في مِنى، وهذا ثابتٌ عنه صلوات الله وسلامه عليه، كما جاء ذلك في الأحاديث الصحيحة المروية عنه، ويَنبغي لِلإنسان أن يَقْتَدِيَ بِرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وليس هنالِك دليل يَدُلّ أنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-إنما فَعَلَ ذلك مِن أجل الاستراحة.
وإنما يُمكِن أن يَحتجَّ بعضُ الناس على ذلك بِأنّ مَن جاء مِن مكان بعيد ووَصَلَ إلى عَرفة في اليوم التاسِع لا شيءَ عليه، وهذا كلام صحيح لا غبار عليه، وقد دلَّ على ذلك الحديث الصحيح الثابت عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-بل مَن جاء في ليلةِ العاشِر قبل طلوع فجْر اليوم العاشِر إلى عرفة ووَقَفَ بها قبل طلوع الفجر فإنّ حَجَّه صحيح ولا شيءَ عليه، فهل يُمكِن أن يَقول قائل إذا استنَدَ إلى مثل هذا الحديث: " إنّ الوقوفَ بِعرفة في النهار ليس بِسنّة وإنما هو مستحَب-أو ما شابه ذلك-والمهِم أن يَأتي الإنسان في أيّ وقتٍ قبل طلوع الفجْر مِن اليوم العاشِر " ؟! وهل يُمكِن أن يَسْتَدِلَّ بِذلك-أيضا-على أنّ المبِيت بِالمزدلفة ليس مِن السنّة وإنما هو مُجَرَّدُ استراحة وإنما المشروع هو الدعاء في اليوم العاشِر أو ما شابه ذلك ؟! كلاّ لا يُمكِن أن يَسْتَدِل بِذلك أحدٌ.
__________
(1) -عند الجواب على السؤال 1 من حلقة 16 رمضان 1424هـ ( 11/11/2003م ). (3/182)
صفحة 774
نَحن نَقول: إنّ المبِيت في ليلة التاسِع لا يُمكِن أن يُقَارَن بِليلة الحادي عشر والثاني عشر ولكن مع ذلك لا يَنبغي لأحدٍ أن يُفرِّط فيه إذا استطاع إلى ذلك، فإنّ لنا في رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-أُسْوَة حسنة، أما مَن لم يَتَمَكَّن لِسببٍ أو لآخر كالسائل-مثلا-إذا كان لا يَعرِف الطُّرُق .. فإذا كان لا يَتمكَّن إلا بِأن يُرافِق مَن يَبيت ليلةَ التاسِع في عَرفة فلا شيءَ عليه بِمشيئة الله تبارك وتعالى، أما مَن وَجَدَ مَن يَدُلُّه على الطريق فيَنبغي له ألاّ يُفَرِّطَ في المبِيت في ليلة التاسِع في مِنى؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س9: المرأة التي يُفاجِؤُها الحيض في الحج، ماذا تَفعل ؟ (3/183)
صفحة 775
ج: لا تُشترَط الطهارة في الحج ولا في العُمرة إلا في الطواف، فإذا أتاها الحيض فإنها ليس لَها أن تَطوف بِالبيت بل لابد مِن أن تَنتظِر حتى تَطْهُر مِن الحيض وتَغتسِل وبعد ذلك تَطوف، فإن جاءت-مثلا-مُعتمِرة أوَّلا .. لَبَّتْ بِالعُمرة ووَصَلَتْ ومَكَثَتْ مدّة ثم لم تَتمكَّن مِن الطواف بِالبيت قبل التاسِع فإنها تُؤْمَر بِأن تُدْخِل الحج على العُمرة فتَصِير قارِنَة بيْن الحج والعُمرة بعد أن كانت مُعتمِرة فقط، وتَطوف بعد ذلك لِعُمرتِها ولِحجِّها طوافًا واحِدًا وذلك مُجْزٍ، كما وَقَعَ لِلسيدة عائشة-رضي الله تبارك وتعالى عنها-فإنها كانت مُعتمِرة .. يعني كانتْ لَبَّتْ بِالعُمرة فقط .. قيل: إنها لَبَّتْ أوَّلا بِالحج ثم بعد ذلك لَبَّتْ بِالعُمرة .. أي فَسَخَتْ الحج .. حَوَّلَت إحرامَها مِن الحج إلى عُمرة، وقيل: إنها لَبَّت مِن أول مرة بِالعُمرة، وفي ذلك كلام طويل، لا داعي لِذِكْرِه الآن .. المهم أنها عندما وَصَلَتْ إلى مكّة كانت تُلَبِّي لِلعُمرة ولكنها لم تَتمكَّن مِن الطواف فأَدْخَلَتْ الحج على عُمرتِها فصارتْ قارِنة وعندما طَهُرَت وتَطَهَّرَت بعد اليوم التاسع طَافَت لِحجِّها وعُمرتِها طوافًا واحدا .. فإذن هذا هو الحكم.
أما إذا كان ذلك بعد وذهبَ أصحابُها .. أوَّلاً يُقال: لابد مِن أن يَنتظِرها مَن هو مُرَافِقٌ لَها سواء كان زوْجا أو مَحْرَما، ولكن إذا كانت هنالك ضرورة مُلِحَّة في الرجوع فرَجَعُوا فلْتَرْجِع وليس لها أن تَطوف قبل أن تَطْهُر وتَتَطَهَّر، ثم بعد ذلك لابد مِن أن تَذهب إلى مكّة حتى تَقوم بِأداء هذا الطواف الذي هو ركن مِن أركان الحج.
أما إذا كانت قد طافت طواف الحج وبقي عليها طواف الوداع فإنها تُعْذَرُ عن طواف الوداع، بِنَصِّ السنّة الصحيحة الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، كما جاء ذلك في مسند الربيع (1)
__________
(1) -مسند الإمام الربيع بن حبيب، باب (11) ما تفعل الحائض في الحج:
حديث رقم 439: أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة-رضي الله عنها-قالت: قلتُ لِرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إنّ صفية بنت حيي قد حاضت " فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لعلها حابستنا ؟! ألم تكن قد طافت معكن بالبيت ؟ ) قلتُ: " بلى " قال: ( فاخرجن ).
أو حديث رقم 441: أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة أم المؤمنين-رضي الله عنها-قالت: " إنّ صفية بنت حيي زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - حاضتْ فذكرتُ ذلك لِرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ( أحابستنا هي ؟! ) فقيل أنها أفاضتْ، قال: ( فلا إذن ) ". (3/184)
صفحة 776
-رحمه الله-وجاء عند غيره من أئمة الحديث وذلك الحديث مُخَصِّص لِلحديث العام الدَّال على أنه يُؤمر الإنسان بِأن يَطوف طوافَ الوداع .. هذا الحديث مُخصِّصٌ له والخاصّ يَقضي على العام تَقَدَّم أو تَأَخَّر عليه؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س10: المرأة التي حاضتْ وأجَّلَتْ طواف الإفاضة مع طواف الوداع .. جعلتْهما واحدا ؟ (3/185)
صفحة 777
ج: إذا حاضت المرأة أو كانت مريضة-مثلا-وهكذا بالنسبة إلى الرجل إذا كان مريضا أو كان كبيرا في السّن ويَصعب عليه أن يَطوف مرتين-يطوف أوَّلا طواف الزيارة ثم بعد ذلك يَطوف طواف الوداع-فإنه يُمكِن له أن يُؤَخِّر طوافَ الزيارة إلى الوقت الذي يُريد أن يَخرُج فيه مِن مكّة المكرّمة فيَطوف طوافًا واحدا ويَكفيه ذلك لِلزيارة ولِلوداع، ولكن لابد مِن أن يَنْتَبِهَ الناس إلى قضية مهمّة هنا وهي أنّ بعضَ الناس يَنوون بِذلك الطواف طواف الوداع وإذا نَوَوْا بِه طوافَ الوداع مِن غيْر أن يَستحضِروا بِأنه لِلزيارة فذلك لا يُجزِيهم، فإذن إما أن يَنْوُوا بِه طوافَ الزيارة فهذا يُجزِيهم ولو لم يَسْتَحْضِرُوا الوداع، لأنّ الفريضة تَسُدُّ مَسَدَّ السّنة أو ما شابه ذلك مِن الأمور التي لم تَصِل في التأكيد إلى درجةِ تلك الفريضة، فذلك الطواف إذا نوى بِه الإنسان طوافَ الزيارة فإنه يُجزِيه عن طواف الوداع، وإما أن يَنْوُوا الطوافيْن معا وذلك يُجزِيهم، أما إذا نَوَوْا بِه طوافَ الوداع فذلك لا يُجزِيهم، وقلتُ: " يُجزِيهم " بناءً على قولِ طائفة كبيرة مِن أهل العلم وهو الظاهر لنا، وإلاّ فقد ذهب بعضُ أهل العلم إلى أنّ ذلك لا يُجزِي وعليه فلابد على قولهم مِن أن يَطوفوا طوافيْن .. لابد مِن أن يَطوفوا طوافًا لِلزيارة وآخر لِلوداع ولاسيما إذا سَعَوْا بعد طوافِ الزيارة على رأي هؤلاء فإنهم جعلوا ذلك فاصِلا، ولكنّ الذي يَظهر لي أنّ هذا ليس بِفاصِل، لأنني لم أَجِد روايةً صحيحة تَدُلُّ على أنّ السيدة عائشة-رضي الله تبارك وتعالى عنها-عندما اعتمَرت مِنَ " التّنعيم " وطافتْ طوافَ العُمرة وسَعَتْ لها أنها ذهبتْ وطافتْ بعد ذلك لِلوداع .. (3/186)
صفحة 778
لم أَجِد ما يَدلّ على ذلك، والظاهر أنها اكتفَتْ بِذلك عن طوافِ الوداع ولو كان ذلك لا يُجزي لَما أَقَرَّها الرسول-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-على ذلك، فأرى أنه لا مانع مِن الأخذ بِذلك، ولاسيما أنّ فيه تيْسِيرا على كثير مِن الناس، ونَحن نُحِبُّ التيْسِير بِشرْط ألاّ نُخالِفَ آيةً مِن كتابِ الله ولا سنّةً عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ، أما إذا وَجَدْنا دليلاً صرِيحا لا يَحتمِل احتمالاً صالِحًا لِصَرْفِه عن ذلك المعنى الصريح بل لا يُمكِن أن يُصْرَف الصرِيح عن دلالته وإنما يُصْرَف الظاهِر إذا دَلّ الدليل على صرفِه عن ذلك الظاهِر إلى معنى آخر، فإذا لم نَجِد دليلاً يَصْرِفُ ذلك الدليلَ عن ظاهِره أو كان ذلك الدليلُ صرِيحا فلا يُمكِن أن نَقول إنّ الإنسان له أن يَأخذ بِالقول الفلاني مع أنّ ذلك القولَ مُصَاِدمٌ لِذلك الحديثِ الصريح .. نَعْذُرُ مَن قال بِذلك، لأنه لم يَتعَمّد أن يُخالِف الحديثَ الصريح ولكن لَعلّه لم يَطَّلِع عليه أو ظَنَّ أنّ هنالِك صارِفا يَصْرِفُه عن دلالته وليس الأمر كذلك أو ظَنّ أنه لم يَثبتْ وهو ثابِت في حقيقة الأمر أو ما شابه ذلك.
فكثير مِن الناس يَتَغَنَّوْنَ بِهذه العبارة: " الدِّين يُسْر " وهي حقٌّ لا شَك فيه ولكن هل يُمكن أن نُفَرِّطَ في السنن الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أو ما شابه ذلك بِهذه الدعوى ؟! إذا قيل بذلك ربما يُفَرِّطُ الإنسان بعد ذلك في الواجبات إلى غير ذلك، فهذا مِمّا لم يَقل بِه عالِم .. إنما قال العلماء: " الدِّين يُسْر " .. والدِّين كله يُسْر عَلِمَ ذلك مَن عَلِمَه وجَهِلَه مَن جَهِلَه بِسبب جَهْلِه لا بِسبب أنّ الأمر بِخلاف ذلك، فإذن هذه نقطةٌ لابد مِن أن يُنْتَبَه لها. (3/187)
صفحة 779
كثير مِن الناس يَطلبون مِنّا بِأن نُرَخِّص في الرمي في اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر قبل الزوال بِدعوى أنّ بعضَ أهل العلم قد قال بِذلك، ونَحن لا نُنْكِرُ أنّ بعضَ العلماء قال بِأنّ مَن رمى في ذلك الوقت أنّ ذلك يُجزِيه ولكنهم متّفِقون-في حقيقة الأمر-مع غيرهم بِأنّ السنّة الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - هي الرمي بعد الزوال، فهذا الذي ثَبَتَ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقد روى البخاري وأبو داود والبيهقي مِن طريق ابن عمر-رضي الله تبارك وتعالى عنهما-أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - رَمَى بعد أن زالت الشمس، وقد جاء هذا الحديثُ-أيضا-مِن طريق جابر بن عبد الله رضي الله تبارك وتعالى عنهما، رواه الإمام مسلم، ورواه الإمام البخاري في صحيحه تعليقًا، ورواه النسائي في " الصغرى " و " الكبرى "، ورواه أبو داوود والترمذي والدارمي وابن ماجة، ورواه-أيضا-ابن خزيمة وابن الجارود وابن حبان وابن أبي شيبة، ورواه أبو عوانة وأبو نُعَيْم في " المستخرَج على صحيح مسلم "، ورواه الطُّوسي في " مختصَر الأحكام "، ورواه البيهقي في " السنن الكبرى " وفي " الصغرى " وفي " المعرِفة " وفي " دلائل النبوة "، ورواه الحاكم في " المستدرَك "، ورواه ابن حزم في " حَجّة الوداع "، وروته طائفة كبيرة مِن أهل العلم، ولهما شاهدان مِن طريق السيدة عائشة ومِن طريق ابن عباس وقد قَوَّاهُمَا بعضُ أهل العلم ومهما كان فإنهما صالِحان لِلاستشهاد وإذا قيل بِعكس ذلك فإننا قد أغنانا الله-تبارك وتعالى-عنهما بِالصحيح الثابت المتّفَق على ثبوته، فهل بعد ذلك يُمكِن أن نُرَخِّصَ في الرمي قبل ذلك مع وجود هذه النصوص الصحيحة الثابتة ؟! ثم إنه لا يُمكِن أن يُقال: " إنّ في ذلك تعسِيرا "، ذلك لأننا-بِحمد الله-لم نُلْزِم الناس بِأن يَرموا في ذلك الوقت بل قلنا إنّ الوقت يَمتدّ مِن منتصَف النهار .. (3/188)
صفحة 780
أي بعد زوال الشمس مباشَرة إلى غروب الشمس وهذا لِلمستطيع، أما مَن لم يَستطِع ووَجَدَ حَرَجاً أو مشقّة فإنه يُمكِن أن يَرْمِيَ في الليل بل يُمكِن أن يَرمِيَ في اليوم الثاني-أي في اليوم الثاني عشر-عن اليوم الحادي عشر والثاني عشر، أو في اليوم الثالث عشر، فأيْن هذا العُسْر الذي يَزْعُمُهُ مَن يَزْعُمُهُ مِن الناس ؟! فالحديث قد ثَبَتَ عن النبي-صلى الله تبارك وتعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلم-مِن طريق عاصِم بن عدي عند الإمام مالك والشافعي وأحمد والنسائي وأبي داوود والترمذي والدارمي وابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان وابن الجارود وأبي يعلى والحُمَيْدِي وأحمد وغيرهم مِن أئمة الحديث، وقد رواه الإمام الربيع-رحمه الله تبارك وتعالى-مِن طريق أبي عبيدة بَلاغاً عن النبي (1) - صلى الله عليه وسلم - أنه رَخَّصَ لِلرعاة بِأن يَرموا اليوم العاشِر والغداة ثم يَرموا يوما عن يومين ..
__________
(1) -مسند الإمام الربيع بن حبيب، باب (7) في عَرفة والمزدلفة ومِنى، حديث رقم 426: أبو عبيدة قال: رَخّص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لِرعاة الإبل في البيتوتة، ويَرمون يوم النحر، ثم يَرمون بِالغداة، ومِن بعد الغَد يَرمون يومين ثم يَرمون يوم النفْر. (3/189)
صفحة 781
أي يَجمَعوا رمي اليومين في يوم واحد، وهذا فيه دلالة واضحة وحُجّة نَيِّرَة بِأنّ ذلك يكون أداءً لا قضاءً، إذ لا يُمكِن لِلنبي - صلى الله عليه وسلم - أن يَأمُر بِعبادة تُؤَدَّى بعد وقتها مِن غير ضرورة مُلِحَّة مع أنه قد أَمَرَ بِذلك، فهذا دليل على أنه أداء، ثم إنه لو كان قضاءً-أيضا-فهذا الحديث يَدلّ على أنّ العبادة يُمكِن أن تُقضى بعد وقتها، وذلك يَدلّ عليه أيضا: ( فدَيْنُ الله أَحَقُّ بِالقضاء ) وما شابه ذلك مِن الأدلة، أما تقديم العبادة عن وقتها مِن غير دليل فهذا مِمّا لا يُمكِن أن يَقول بِه أحدٌ بعد ثبوت هذه السنّة الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ونحن نَلتمِس العذر لأولئك العلماء الذين قالوا بِخلاف ذلك أما أن نأخذ بِقولهم فهذا مِمّا لا يَنبغي، ثم ليس هنالِك عُسْر بِحمد الله بل فيه يُسْر كبير جدا جدا .. كثير مِن أهل العلم قالوا: " إنّ الإنسان ليس له أن يَرمي بعد غروب الشمس " ونحن نقول: إنّ الدليل قد دلَّ على أنّ مَن لم يَستطِع له أن يُؤَخِّر ذلك حتى إلى اليوم الثالث عشر .. أن يُؤَخِّرَ رَمْيَ اليوم الحادي عشر حتى إلى الثالث عشر، فهذه مسألةٌ يَنبغي أن يُنْتَبَه إليها وأن نَأخذ بِما ثَبَتَ في سنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
ويُعجِبُني ما قاله العلاّمة المحقِّق سعيد بن خلفان رحمه الله: " ومِن العَجب أن أَنُصَّ لك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنتَ تُعارِضني بِعلماء بيْضة الإسلام مِن غيْر دليل ولا واضِح سبيل .. أليس هذا في العيان نوعا مِن الهذيان ؟! ". (3/190)
صفحة 782
وقطب الأئمة-رحمه الله تبارك وتعالى-قد شدَّدَ أيّما تشديد فيمَن خالَف السنّة الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقد قال كلاما ما معناه إن لم يَكن هذا هو اللفظ الذي ذَكَرَه القطب رحمه الله تبارك وتعالى .. قال: " اعلم أنه لا يَجوز لك الإسرار بها ولا تقليد كلام ' الديوان ' في ذلك بعد قيام الحجة عليك بِما تقدم وبِما يأتي إن شاء الله تبارك وتعالى، وإن كان لِلديوان حديث في ذلك لم نَطَّلِع عليه لَوَجَبَ علينا العمل بِما اطَّلَعْنا عليه مِن الأحاديث، فكيف ولا حديث لِلديوان في ذلك وإنما هو مُجرّد استحسان، فمَن أكب عليه بعد اطِّلاعه على الأحاديث والحجج خِفْتُ عليه ألاّ يَنجو ولا تَناله الشهادة لأنّ في ذلك إصرارا وعنادا " أو ما هذا معناه (1) , فالقطب-رحمه الله تبارك وتعالى-قد شدَّدَ فيمَن قلَّد كلام صاحب " الديوان " في هذه القضية وقال إنه حتى لو كان هنالِك حديث استدل به صاحب " الديوان " بِما أننا لم نطَّلِع عليه فإنّ الواجب علينا أن نَأخذ بِالسنّة الصحيحة، وأنه لا يَجوز لأحد أن يُعانِد ويُخالِف السنن بعدما ثَبَتَتْ.
والشيخ السالمي-رحمه الله تبارك وتعالى-قد شدَّدَ في مثل هذه القضايا أيّما تشديد، فيقول رحمه الله تبارك وتعالى:
__________
(1) -قطب الأئمة الشيخ محمد بن يوسف أطفيش، كتاب " القنوان الدانية في مسألة الديوان العانية "، ص14: " اعلم أنه لا يَجوز لك الإسرار بها ولا تقليد كلام ' الديوان ' في هذا مع قيام الحجة عليك بِما ذكرتُ لك وبِما يأتي إن شاء الله، ولو كان لِلديوان في ذلك حديث لم نَطَّلِع عليه لَوَجَبَ علينا العمل بِما اطَّلَعْنا عليه مِن الأحاديث، فكيف لا حديث لِلديوان لذلك وإنما هو مُجرّد استحسان لا دليل عليه، فمَن أكب عليه وترك الأحاديث والحجج بعدما وصلته خِفْتُ عليه أن لا يَنجو ولا تَناله الشهادة لأنّ ذلك منه إصرار وعناد ". (3/191)
صفحة 783
المصطفى يَعتبِر الأوصاف ... ونحن نَحكي بعدَه خِلافا
لا نَقبَل الخلافَ فيما وَرَدَ ... فيه عن المختار نصّ أُسْنِدَ
وعندما وَجَدَ رحمه الله-تبارك وتعالى-كثيرا مِن الناس يَجعلون الإمام هو الذي يُقيم الصلاة إذا كان المؤذِّن غيْر ثِقة شَدَّد في ذلك رحمه الله-تبارك تعالى-أيّما تشديد فقال: " ومثله " .. أي مثل الآذان ..
ومثله قد قِيل في الإقامة ... لأنها تابِعةٌ أحكامَه
فقيل سنّة وقيل فرض ... وثِقَةً يَشرُط فيها البَعْضُ
فإن يَكن ليس بِهذا الوصف ... أسرَّها الإمام فيما يُخْفِي
ولا دليل عندنا لِهذا ... إني أرى قائله قد هَذى
يَظُنُّ أنّ الاحتياط فيه ... وهو فساد حيث لا يَدْرِيه
فكان منه سبَب انصراف ... من بعده عن سنّة الأسلاف
فجعلوا إمامهم مقيما ... إذ كان فيه ثقة سليما
وَقَبِلُوا الأذان مِمّن حَضَرَ ... فبدَّلُوا سُنَّة سَيِّد الورى
إذ كان في سُنَّتِهِ مَن أَذَّن ... فهو يُقيم وعليه صَحْبُنَا
حتى أتى مَن جَهلوا المسنون ... وهم لِلاحتياط يَدَّعُون
فبَدَّلُوا ولَيْتَهُم ما بَدَّلوا ... ورَسَخَتْ بِقلب مَن لا يَعقِل
حتى ادَّعَاها سنّة واحتال ... على ثبوتِها بِما قد قال
وهو لَعَمْرِي جَدَلٌ مُحَرَّم ... لأنه يَقول ما لا يَعلم
وأنه ساعٍ لِهَدم السنّة ... بِجهله كفى بِهذا مِحْنَة
إلى آخر كلامه رحمه الله تبارك وتعالى (1) .
__________
(1) -الإمام نور الدين السالمي، جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام، كتاب: الصلاة، باب: الأذان والإقامة، وهذا بقية كلامه رحمه الله تبارك وتعالى:
لو كان سنّة كما قد زعم ... لم تَفُتَن أسلافَنا والعلماء
كيف تكون سنّة مخالِفة ... لِما عليه العلماء السالفة
وفِعله صَلَّى عليه ربُّه ... مشتهِر مضى عليه صحبُه
والخلفاءُ الراشدون أجمع ... إلى انتهائهم عليه أجمعوا (3/192)
صفحة 784
والإمام الخليلي-رحمه الله تبارك وتعالى-عندما وَجَدَ بعضَ العلماء قالوا بِخلاف حديثٍ ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " وقولٌ بِخلاف الحديث يُضْرَبُ بِه عُرْض الحائط " مع أنه قد قال بِذلك القول بعضُ مشائخه رضوان الله-تبارك وتعالى-عليهم.
وهكذا نَجِد فُحُولَ الرِّجال إذا وَجَدوا سنّة ثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أَخذوا بِتلك السنّة الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولو خالَفها مَن خالَفها مِن أهل العلم، ولِذلك الشيخ السالمي-رحمه الله-يقول:
فقولهم عند وجود الأثر ... لا حظَّ فيه أبدا لِلنظر
معناه ما أتى عن المختار ... يَنفي خِلافَه مِن الأنظار
وعلى كل حال:
حسبك أن تتّبِع المختار ... وإن يَقولوا خالَف الآثار
و:
ولا تُنَاظِر بِكتاب الله ... ولا كلامِ المصطفى الأوّاه
معناه لا تَجعل له نظيرا ... ولو يَكون عالِما خبيرا
فهذا الذي يَنبغي للإنسان.
ومِن العَجب أنّ كثيرا مِن الناس يَتَحَجَّجُونَ بِأنه قد قال بِهذا القول محمد بن علي .. أي تقديم الرمي عن وقته، وأوَّلا قد أَخْطَؤُوا .. محمد بن علي ليس هذا هو المشهور، وإنما هذا هو رجل مالكي كما ذَكَرَ ذلك ابن عبد البر وكما ذكر ذلك ابن رشد أيضا، ونحن-أيضا-وإن كنّا نقول: " إنّ هذا الرجل له العذر فيما قال به " ولكن مهما كان لا يُمكِن أن نُقَلِّدَ أحدًا بعد ثبوت السنّة الصحيحة الثابتة ثبوتا أوضح مِن شمس الظهيرة، وهذه المسألة سَنَزِيدُها بَسْطاً-بِمشيئة الله-في الدروس القادمة (1) ، فأسأل الله-تبارك وتعالى-أن يُوفّقَنا لِلعمل بِالسنّة؛ والله أعلم.
مِن حلقة 17 رمضان 1424هـ، يوافقه 12/11/2003م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
__________
(1) -وكان ذلك-بحمد الله تعالى-عند الجواب على السؤال 2 من حلقة 24 ذو القعدة 1424هـ ( 18/1/2004م )، وكان ذلك أيضا-بحمد الله تعالى-عند الجواب على السؤال 8 من حلقة 6 ذو القعدة 1425هـ ( 19/12/2004م ). (3/193)
صفحة 785
س1: هَل يُخَيَّر بَيْنَ الدَّم والإطعام والصِّيام في حَق مَن قَطَعَ شيئا مِن الشَّجَر وَهُو مُحْرِم ؟
ج: إنَّه لَم يَأْتِ دَليلٌ في كتابِ الله-تبارك وتعالى-ولا في سُنَّةِ رسولِه-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-يَدُلُّ عَلَى أنَّ المُحرِم لا يَجوز لَه أن يَقطَع شيئا مِن الشجر أو ما شابه ذلك .. أي مِمَّا يَتَعلَّق بِالشجر، ولم يَقُل بِذلك-أيضا-أحدٌ مِن علماءِ المسلِمِين، وإنَّما هذا هو مُجرّد ظنٍّ مِن بعضِ العَوَام، فإذن المُحرِم لا يُمنَع مِن شيءٍ مِن ذلك وإنَّما يُمنَعُ الإنسانُ مِن قَطْعِ أو قَلْعِ أو مَا شابه ذلك مِن الأمور مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِشجَرِ الحرَم سواء كان ذلك الشَّخْصُ مُحْرِما أو كان مُحِلا، فإذن المَمْنُوع هو شَجَرُ الحرَم ولا فَرْقَ في ذلك بَيْن المُحرِم والمُحِل، وعليه فإن قَطْعَ شخصٌ مُحِل أو مُحرِم شجراً مِن غيْرِ الحرَم كعرفة-مثلا-فَلا شيءَ عليه بناء على أنَّ عَرَفَة لَيْسَتْ مِن الحرَم كما هُو قولُ جمهورِ الأمّة ولا عبْرَةَ بِخِلافِ مَن خَالَف فِي ذلك.
أمَّا بِالنِّسبَة إلى شَجَرِ الحرم فإنَّه مَمْنُوعٌ بِنَصِّ السنَّةِ الصحيحة الثابِتة عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-وبِإجْماعِ الأمَّة إلاّ ما وَرَدَ استثناؤه.
وأمَّا بِالنِّسْبَة إلى مَاذَا يَجِبُ على مَن قَطَعَ شيئا مِن شَجَرِ الحرَم سواء كان مُحِلا أو مُحْرِما ؟ فإنَّ العُلَماء قَد اختلَفُوا في ذلك:
1-مِنهم مَن ذهبَ إلى أنَّه لا شيءَ عليه-أيْ مِن حيثُ الجزاء أو الفِدْيَة أو ما شابه ذلك-وإنَّما يَجِب عليه أن يَتوبَ إلى الله-تبارك وتعالى-لأنَّه ارتكَبَ مَا حَظَرَهُ الله-تبارك وتعالى-عليه، وهذا القول قالتْ بِه طائفة مِن أهلِ العلم.
2-وذهبَ جُمهورُ الأمّة إلى أنَّه يَجِب عليه الجزاء إلا أنَّهم اختلَفوا في ذلك: (3/194)
صفحة 786
منهم مَن ذهب إلى أنَّ حكمه كحمِ صَيْدِ الحرَم-وقد تكلّمنا على ذلك-وعليه فإنه لابد مِن حُكُومَة في ذلك.
ومنهم مَن فَرَّق بيْنه وبيْن صَيْدِ الحرَم وَقَال: " إنَّه تَجِب فيه القِيمة ".
ومنهم مَن قَال بِخلافِ ذلك.
والذي يَظهَر لِي في هذه القضية أنَّه لا يَجِب عليه شيءٌ مِن حيثُ الجزاء أو الفِدية وإنَّما عليه التَّوبَةُ إلى الله تبارك وتعالى، وذلك لأنَّه لَم يَأتِ دَليلٌ مِن كتابِ الله ولا مِن سنَّةِ رسولِه-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-الصحيحة الثابِتة ولَم تُجْمِع الأمّة على ذلك، ومِن المعلومِ أنَّ أموالَ المسلِمِين مَعْصُومَة بِعصمةِ الإسلامِ لَها فَلا يُمكِن أن نُوجِب شيئا على أحد إلا بِدلِيلٍ شرْعِي، ونَحنُ لا نَملِكُ دَلِيلا في ذلك وإنَّما جاءتْ بعضُ الرواياتِ عن بعضِ صحابةِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى تقدِيرِ ثبوتِ تلك الرَّوايات فإنَّه لا حُجّة فيها، إذ إنّ مذهب الصحابي ليس بِحُجّة على القولِ الراجِح الصحيح، فإذن الصحيحُ-كما قلتُ-هو أنَّه لا جزاءَ على مَن قَطَعَ شيئا مِن شَجَرِ الحرَم وإنَّما عليه التَّوبة والإنَابَة إلى الله-تبارك وتعالى-وإن فعل شيئا مِن الخيْرِ فإنَّ ذلك حَسَن، أمَّا الوجوب فلا وجوب؛ والله أعلم.
س3: فتاة سقطتْ مِن مبنى مُكَوَّن مِن سبعة طوابق وَتُوُفِّيَت وهي تبلغ مِن العُمر سَبعة عشر سنَة وعشرة أشهر، ولَم تَتَّضح للجهات المختصة معرفة أسباب السقوط مع العلم أنَّ الفتاة لا تُعاني من أي أمراض نفسية، هل يَجب أو يُفْرَض على أهل هذه الفتاة عمل الآتي: التَّصَدُّق عن الفتاة، الصوم إذا كَانَ فاتَهَا من السنوات الماضية كَفارات أو حَجَّة ؟ (3/195)
صفحة 787
ج: أمَّا الوُجُوب فلا وُجُوب لا يُمكن أن نَقُول: " إنَّه يَجب على شخص أن يصوم عن شخص أو أن يَتَصَدَّق عنه أو أن يقوم بأداء الحج عنه أو ما شابه ذلك " فلا يُمكن أن يُقال: " إنَّه يَجب " وإنَّما يُقَال: " ينبغي "، فإذا كانت هذه البنت وَاجِدَة للمال مِن قَبْل ومستطيعة للذهاب لتأدية فريضة الحج ولم تَحج فينبغي لِوَرَثَتِها أن يَحُجُّوا عنها ...
س7: والِدِي توفَّاه الله وأُرِيد أن أَحُجّ عنه وكما تَعلَمون عندَ رَمْيِ الجمار تَكون زحْمَة كبِيرَة، هل لِي أن أُؤَجِّرَ لِرَمْيِ الجمار ؟ مع العلم أنَّني أَدَّيْتُ الحج عن نفسِي.
ج: إن كان هَذَا الشخص يَستطِيع أن يَقوم بِالرَّمي هو نفسُه فلابُد مِن أن يَرمِي هو نفسه، وليس لَه أن يَستَنِيبَ غيْرَه سواء كان ذلك بِالأجرَة أو بِالتَّعاون مِن بعضِ أهلِ الخيْر، أمَّا إذا كان لا يَقْوَى على ذلك فنَعَم لَه إمَّا أن يَطلب مِن غيْرِه مِن أهلِ الخيْر بِأن يَتَعَاوَنَ معه ويَقوم بِالرَّمي عنه بِشرط أن يَكون حاجّا في تلك السَّنَة، وإمَّا أن يُؤجِّرَ غيْرَه-أيضا-بِشرْطِ أن يَكون حاجّا في تلك السنة. (3/196)
صفحة 788
ولكن يَنبغِي أن يُنْتَبَه إلى أنَّ كثيرا مِن الناس يَظنُّون أنه لابد مِن الرَّمي في وقتٍ مُحَدَّد ضيِّق جِدا فإذا لَم يَستطِيعوا الرَّمي في ذلك الوقت أنابوا غيْرَهم، وليس الأمْرُ كذلك، أنا ذكرتُ بِالأمس أنّ الرَّمي في أيامِ التَّشْريق-أي في اليومِ الحادِي عشر والثاني عشر والثالث عشر لِمَن تَأَخَّر-يَبدَأ بِمُنْتصَف النهار، وليس لأحد أن يَرمِي قبلَ ذلك، وهو يَمْتَد إلى غروبِ الشمس، وإذَا لَم يَستطِع الإنسان أن يَرمِي في ذلك الوَقت-لِلمشقَّة مثلا-فإنَّه لَه أن يَرمِي حتى في الليل بَل يُمكِن لَه أن يَرمِي عن اليومِ الحادِي عشر في اليومِ الثاني عشر أو في الثالث عشر، وهذه-طبعا-رُخْصَة لِمَن لَم يَسْتَطِع، أمَّا مَن استطاع فلا ينبغِي لَه أن يُؤخِّر، وهذا بِحمدِ الله-تبارك وتعالى-فيه مِن اليُسْر ما لا يَخفى، أمَّا إذا كان لا يَستطِيع ذلك فلا، فَليَنْتبه الناس لِهذه القضايا، وأنَّه ليس لَهم أن يَستنِيبوا إلا عندَ عدمِ القدرة، فإن لَم يستطيعوا-كما قلتُ-فيما بيْن منتصف النهار وغروبِ الشمس فلَهم أن يَرموا حتى بِالليل ولَهم حتى في اليومِ الذي يَلِيه بِشرْطِ أن يَكون ذلك قبلَ غروبِ الشمس مِن اليومِ الثالِث عشر، وهذا لَه دَلِيلٌ واضِح-ذكرتُه بِالأمْس-وهو حديثٌ صحِيح ثابِت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أمَّا رَميُ اليومِ العاشِر فهو مِن طلوعِ الشمس إلى مُنْتَصَفِ النهار عندَ بعضِ أهلِ العلم، وإلى غروبِ الشمسِ عندَ طائفةٍ أخرى، ومع ذلك مَن لَم يَتَمَكَّن فبِإمكانِه أن يَرمِي حتى في الليل بَل وحتى في اليومِ الحادِي عشر إلى آخِر ما ذكرتُه في الجوابِ السابق .. (3/197)
صفحة 789
أي يُمكِن أن يَكون في الثانِي عشر أو في الثالِث عشر بِشرْطِ أن يَكون قبلَ غروبِ الشمسِ مِن اليومِ الثالِث عشر، بل بعضُ العلماء قال: " إنَّ الرَّميَ في اليومِ العاشِر في حقِّ العَجَزة مِن النِّساءِ والأطفالِ والمرضى يَبدَأ بِطُلُوعِ الفجْر مِن اليَومِ العاشِر "، وذلك ليسَ بِبعِيد وإن كانتْ المسألةُ بِحاجة إلى شيءٍ مِن النَّظر، لأنّ الأحادِيثَ فيها مُتَعَارِضة.
أمَّا بِالنِّسبةِ إلى أيامِ التَّشرِيق فلا يُوجَد حدِيث ثابِت أبَدًا يَدُلُّ على جوازِ الرميِ قبلَ منتصفِ النهار، وَمَن رَمَى قبلَ ذلك فعليه التَّوبَة إلى الله-تبارك وتعالى-وإذا كان الوَقتُ باقِيا فعليه أن يُعِيدَ ذلك؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
مِن حلقة 18 رمضان 1424هـ، يوافقه 13/11/2003م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
س1: ما طَريقَة إحرَامِ المرأة ؟ لأنّ بعضَ النساء يَفْهمنَ عَلى أَنّهن يَلْبَسْنَ لباسا مُعَيّنا وطريقة معيّنة، هل هناك بِالفعل شيءٌ مِن هذَا ؟
ج: إنه يَنْبَغِي لكلّ مَن أراد أن يَذهبَ إلى تَأْدِيَة فَرِيضَة الحج أن يَكُونَ عَلَى بَيِّنة مِن أمره فيمَا يَتَعَلّق بأحكام الحج سواء كان رَجُلا أو امرأة حتى لاَ يَقع في بعض المخَالفات الشَرْعِية التي قَد تُؤَدّي إلى فَساد حَجّه أو تُؤدّي إلى شيءٍ مِن النَّقص في الحج وإن كان لا يَصِل ذلك إلى دَرَجَة فَسَادِ الحج.
المرأة تَلْبس الملاَبس العَادية إلا ما سَأُنَبّه عليه بعد قليل بِمشيئة الله تبارك وتعالى، وذلك لأنّ السنّة النبوية-على صاحبها وآله أفضل الصلاة والسلام-لمَ يَأْتِ فيها نَهيٌ عن شيءٍ مِن اللباس بِالنسبة لِلمرأة إلا أنها تُنهى أن تَنْتَقِب، فالنبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-نهى المرأة أن تَنْتَقِب .. أي أن تَلْبَس النِّقَاب، وكذلك بِالنسبة إلى البُرْقُع، فليس لها أن تَلبس البُرْقُع وليس لها أن تَنْتَقِب وليس لها-أيْضا-أن تَلْبَسَ القُفازين. (3/198)
صفحة 790
وأما بِالنسبة إلى الجوارب فإنَّه لا مانع مِن ذلك بِالنسبة إلى المرأة، إذ لم يَأْتِ في ذلك نهيٌ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم .. نعم تُنْهَى المرأة أن تَتَبرّج بِشيءٍ مِن ملابس الزينة وذَلك لأنها تكون أمام الرجال الأجاَنب ولكن هَذَا الحكم ليس خاصّا بِالحج بل هو شامل لأيّ وقتٍ مِن الأوقات تكون المرأة فيه أمام الرجال الأجانب أو تَلْتَقِي فيه بِالرجال الأجَانِب.
وأما ما ذكره بعض أهل العلم مِن أنّ المرأة تُنْهى عن عددٍ مِن أنواع اللباس-كالحرير مثلا-فإنّ ذلك مِمّا لم يَرد في سنّة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ومِن المعلوم أنه إذا وَرَدَ خِلافٌ بيْن أهل العلم في أيّ مسألةٍ مِن المسائل فإنّ الفَيْصَلَ بَيْنَهم الكتاب والسنّة .. إذا وجدنا خِلافًا بيْن أهل العلم في مسألة مِن المَسائل فلابد مِن أن نَنَظر في كتاب الله-تبارك وتعالى-وفي سنّة رسوله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-الصحيحة الثَابتة عَنْه، وما دَلَّ عليه الكتاب أو السنّة فهو القول الصحيح الرّاجح الذِي يَنبَغِي لِلإنسان ألاّ يَحيد عنه أبداً.
فإذن المرأة في الإحرَامِ تَلْبس الملابس العَادِية بِشَرْط ألاّ تَتَبرّج بِزينة، وإنما تُنْهَى-كما قلتُ-عن لبْس النِّقاب، وكذلك البُرْقُع، وكذلك تُنهى عن لبس القُفّازين، وهما الشراب الذي تُدخِل فيه المَرأة يَديْها، أما بِالنسبة إلى ما عدا ذلك فلا.
وهكذا بِالنسبة إلى لُبس الذهب والفضّة فقد شدّد في ذلك كثير مِن أهل العلم، ولم أَجِد دليلا يَدلّ على هذا التَشَدُّد وإنما تُنْهى عن إِظهار ذلك لِلرِّجال الأجانب فذلك مَمْنوع سواء كان ذلك في حجٍّ أو عُمرة أو في غَيْرهما، أو بِعبارة أخرى: سواء كانت مُحْرِمَةً أو كانت مُحِلَّةً .. هذا ما يَظهر لي؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم. (3/199)
صفحة 791
وأَما بِالنسبة إلى سَدْلِ الثّوب على الوَجْه إذا مَرّت المرأة بِالرجال الأجانب أو مَرَّ بِها بعضُ الرجال الأجانب فالسنّة قد دَلََّت على ذَلك، إذ إنّ أمهاتِ المؤمنين-رضوان الله تبارك وتعالى عليهن-كُنَّ يَسْدِلْن على مسمعٍ ومرأى مِن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا مَرَّ بِهنّ الرجال الأجانب وهنّ مُحْرِمَات.
ولكن اشترَط بعضُ العلماء ألاّ يَمَسَّ ذلك الثوب شيئا مِن الوجه.
ولم يَشترِط ذلك بعضُ أهل العلم.
والقول بِالاشتِرَاط يَحْتَاج إلى دليل، ولم أَجِد دليلا يَدُلّ عليه؛ والعلم عند الله تبارك وتعالى.
س: الحقيقة أَصبحت الصفة الغَالبة عند المُحْرِمَات هو تغطيةُ الوجه بِناء على أنّ الفتنة هي السبب في سَدْل هذا الخمار.
ج: هو ما ذكرناه .. الإنسان مُخاطَب أن يَلتزِم بِما في كتاب الله-تبارك وتعالى-وبِما في سنّة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والسنّة دَلّت على جَواز السَّدْل عندما تَمُرّ المرأة المُحْرمَة بِالرجال أو يَمرّ بِها بعضُ الرجال، أما ما عدا ذلك فإنها تَكْشِف وجهَها .. هذا الذي ثَبَتَ في السنّة الصحيحة الثابتة؛ والعلم عند الله.
س: لَكن في موْسم الحج الناس كَثِيرُون والاحتِكَاكُ بِالرجال أمرٌ وَارِد.
ج: لَكن لا يَكون ذلك في كل وَقْت مِن الأوقات، وإنما يكون ذلك في بعض الأحيان.
س: ما هو مِعْيَار الخوف مِن الفتنة ؟ يَعني كَيف تَستطيع المرأة أن تُميِّز هَل هِي خَائِفة مِن الفتنة ؟ هل هذا يَعتمِد عليها بِنفسِها أم يَعْتَمِد على نَظرات الآخرين إليها ؟
ج: لابد مِن مُرَاعَاة الجَانِبين.
س2: ذُكِر عَنْكم أنكم شَدَّدتُم في مسألةِ رَمي المرأة لِلجَمَرَات فطَالَبْتُم المرأةَ أن تَرميَ بِنَفسها وألاّ تُنيب غيرها ما دامتْ قَادرةً على ذلك فالبعضُ يَقُول: " في ذلك شيءٌ مِن التشْديد " فَنُريد أن تُوضِّحَ هذا الأَمر حتى يَفهم الجميع المراد. (3/200)
صفحة 792
ج: هذا لَيس مِن التَشديد في شيء .. أنا قلتُ في كثير مِن الدروس وقُلتُ ذلك-أيضا-في هذه الليلة: إنّ الإنسان مُطَالَب بِأن يَعمَل بِما في كتابِ الله-تبارك وتعالى-وفي سنّة رسوله-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-التي صَحَّتْ وثَبَتَتْ عنه صلوات الله وسلامه عليه.
ومِن المعلوم أنه لم يَأتِ في كتاب الله-تبارك وتعالى-ذِكْرٌ لِهذه القضية .. أَعني لِرمي المَرأة أو لِعدم رَميها، وأما بِالنسبة إلى السنّة فإنّ السنّة الصحيحة الثابتة قد نَصَّتْ نَصًّا صرِيحا ونَادَتْ بِأَعْلى صوتٍ على أنّ المرأة تَرمي، وهذا مَشهور في كتب الصِّحاح والسُّنن والمَسانِيد والمَعَاجم والمَشْيَخَات والأجزاء وفي غيرها مِن الكتُب التي أَلَّفها العلماء في سنّة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ثم إنّ مَن اسْتَقْرَأَ كُتبَ أهل العلم مِن كَافّة المَذاهب الإسلامية فإنه يَجِدُ أَن أولئك العلماء قد نَصُّوا على أنّ المرأة تَرْمِي، ومِنهم مَن لم يَذْكُر المسألة رأسًا وإنما ذَكَر أَنّ الإنسَان .. يَعني لم يَذْكُر التَنْصِيص على المرأة وَإِنّما ذَكَر الحُكم العام، وهو أنّ مَن كان قَادِرًا على الرمي فإنه ليْس له أن يُنِيبَ غيره، وهذا أمرٌ مَعروفٌ عند علماء المسلمين قاطبة. (3/201)
صفحة 793
فالمَرأة إن كانت تَسْتَطيع أن تَرمي فلابد مِن الرمي، وذلك لأنّ الرّمي شَعِيرَة مِن شَعَائر الحج كغيرها مِن بقية شعائر الحج، ومِن المعلوم أنّ المرأة تَخْتَلط بِالرجال في الطواف وفي السعي، وذلك-كذلك-يَكون-أيضا-في الرمي، فإن كانت المرأة تَستطيع أن تَرمي في وقتٍ مِن أَوْقات الرّمي المَعْروفة-وسأنَبِّه على ذلك بعد قليل بِمشيئة الله تبارك وتعالى-فلابد مِن ذلك، أَمّا إذا كانت لا تَستطيع فهي مَعْذُورة بِمشيئة الله بل كُلُّ مَن لم يَستَطع أن يَرْمي وَلَو كان رجُلاً إذا كان لا يَستطيع ذلك بِسبب كِبَر السِّن أو بسبب المَرض أو الضَّعف، أو كانت المرأة في حالة حَمْل أو ما شابه فإنها مَعْذُورَة، وإنما الكلام في القَادِر.
كثير مِن الناس عندما يَسْمَعُون كلاماً لأهل العلم أو يَجِدون ذلك في شيء مِنَ الكتب أو ما شابه ذَلك لاَ يَفْقَهُون ذلك.
عِنْدمَا يَسمَعون مثل هذه الفتوى يَظُنُّونَ أنّ كُلَّ امرأة سَوَاء كانت قَادِرَةً أو ليست بِقادِرةٍ لابد مِن أن تَذهب إلى الرّمْي، وهذا-طبعًا-لم يَقُل بِه أحدٌ لا في حقِّ المَرأة ولا في حقِّ الرجُل، إنما العلماء اختلفوا فيمَنْ لم يَسْتَطِع هل له أن يُنِيبَ غَيْرَهُ-أو أنه يَسْقُط عنه ذلك، وهو قولٌ ضعيفٌ جدا-أو أنّه يُطَالَبُ بِالدَّم ؟
1-مِنْهم مَنْ قَال: مَن لم يَسْتطِع أن يَرْمِيَ سَوَاءً كان رجلا أو امرأة بِسبب مرضٍ أو ضعف أو ما شابه ذلك مِن الأعْذَار فإنه يُنِيبُ غيْرَه، وهذا هو المَشْهُور عند أئمَة المَذاهب.
2-ومنهم مَنْ قال: إنه يَسْقط عنه، وهو قول ضَعيف جدا.
3-ومنهم مَنْ قال: عليه دم .. أي عليه أن يَذْبح دمًا لِفقراء الحَرَم.
والقول الأوَّل-وهو: أنه يُؤْمَر بِأن يُنِيبُ غَيْرَه-هو القَول المَشهور الصحيح، فمَن لم يَستَطعْ فهذا حُكمُه، أمّا مَن استطاع-سواء كان رجلا أو امرأة-فلابد له مِن أن يَرمي. (3/202)
صفحة 794
والذي أَظُنُّه أنّ كثيرا مِن الناس استثْقلوا هذا بسبب هذا.
ومِنْهم مَن استثقل ذلك بسبب أنه وَجَدَ كثيرا مِن الناس يُرَخِّصُون لِلنساء في عَدَم الرَّمْي في المَاضي، ولا أقول: " إنّ العلماء رَخّصوا في ذلك "، وإنَّما فَعل ذلك مَن فَعَلَه مِن الناس وقد يكون سَكَتَ بعضُ العلماء عن ذلك ظنّا منهم أنّ بعض النّساء لا يَستطِعن على الرّمي أو ما شابه ذلك مِن الأسباب كَما وَقَعَ مثل ذلك في غير هذه المسألة، وبِسَبب ذلك استَثْقَل ذلك مَن اسْتَثقَل ذلك مِن الناس.
ومِن المَعْلُوم أنّ الشيءَ إذا كان مخالِفا لِمَا شاهَدَهُ العَوَام فإنَّهم يَرَوْنَهُ أمْرا عظيما، بل نَحْن نَجِد أنّ كثيرا مِن الصحابة قد استَعْظَمُوا بعضَ الأمور مع أنَّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-قد أَمَرَهم بِذلك، فعندما جَاءَ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-إلى مَكّة المكرّمة في حجّة الوداع وأَمَرَ أصحابَه-رضوان الله تبارك وتعالى عليهم-بِالإحْلاَلِ بعد الطواف والسعي لِمَن لم يَكن سَائقًا لِلهدي مِنهم .. استثقل ذَلك كثير مِن الصحابة رضوان الله تبارك وتعالى عليهم، وقالوا: " أَنَذْهَبُ إلى عَرَفة ومَذَاكِيرُنا تَقْطُرُ المَنِي "، مَن هو الذي أمرهم بذلك ؟! هو رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم .. أَعْلمُ الناس وأتْقاهم .. وكذلك عندما أَمَرَ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-أصحابَه بِالإِحْلاَلِ في عُمرة الحُديبية اسْتَثْقَلَ ذَلك كَثرةٌ كَاثِرَة مِن الصحابة، وأَمَرَهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بِالإحلال فلم يَفعلوا حتى غَضِب النبي - صلى الله عليه وسلم - أَشَدَّ الغضب ولم يَفعلوا ذلك إلا بَعدما أَمَرَ النبي - صلى الله عليه وسلم - بِنَحْر هَدْيِه وحَلْق رأسه. (3/203)
صفحة 795
فالسببُ إذا لم يَكُن الشّيء مَأْلُوفا مع الناس فإنَّه لابد مِن أَن يَسْتَثْقِلُوا ذَلك، ولكن الإنسان يَنْبَغي له أن يَجعل نصْبَ عَينيه كتاب الله-تبارك وتعالى-وسنّة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فما دَلّ الدليل عليه هو الذي يَجِب عليه أن يَعمل بِمُقْتضاه.
وقد أحسن الإمام العلاّمة سعيد بن خلفان الخليلي-رحمه الله تبارك وتعالى-عِنْدما سأله بعضُ السائلين عن مسألةٍ خَالَفَ فيها هذا الإمام-رحمه الله-مَن سَبَقَه مِن أهل العلم .. قال له هَذا الإمام: " ومِن العَجَب أن أَنُصَّ لك عن رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-وأنْتَ تُعَارِضُنِي بِعلماء بَيْضَةِ الإسلام مِنْ غيْر دليل ولا وَاضِح سبيل .. أَلَيْسَ هذا في العيَان نَوْعا مِن الهَذيان ".
والإمام الخليلي-رحمه الله تبارك وتعالى-قال في مسألةٍ خَالَف فيها بعضُ أهل العلم حَدِيثًا ثَابتا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال الإمام في الرَّد على ذلك: " وَقَولٌ بِخلاف الحديث يُضرَب بِه عرْض الحَائط ".
والإمام السالمي-رحمه الله-عندما وَجَدَ بعضَ العلماء خَالَف حديثًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
المصطفى يَعتبِر الأوصاف ... ونحن نَحكي بعدَه خِلافا
لا نَقبَل الخلافَ فيما وَرَدَ ... فيه عن المختار نصّ أُسْنِدَ
ولِهَؤُلاء الأَئمَّة ولِغيْرهم كلامٌ طويل كثير في هذه القَضية، لا دَاعي لِلإطالة به. (3/204)
صفحة 796
ومِنْ جُمْلة الأسباب أنّ كَثِيرًا مِن الناس يَظُنُّونَ أَنّ وقْتَ الرّمْي مَحْصور في وقتٍ مُحَدّد، ولِذَلك يَطْلُبون الرّخصة في الرمي قَبل زَوَال الشمس في اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر لِمَن بقي بِمِنى .. يَظُنون أنّ الوَقت مُنْحَصِر في وقتٍ مُحدّد وهو عند زَوَال الشمس وبَعد ذلك بِقليل أو إلى غُروب الشمس، ونَحْن نَقُول: إنّ الوقتَ المتّفَق عليه بيْن أهل العلم هو: أن يَكون وقت الرّمي في الأيام الثلاثة المَذكورة (1) مِن زوال الشمس إلى غروبها ولكن مَن شَقّ عليه ذَلك-سواء كان رجُلا أو امرأة-فإنه يُرَخّصُ له أن يَرْمِيَ حَتى في الليل بل يُرَخّصُ له فيما هو أَبْعَد مِن ذلك .. يُمكِن أن يَرمي عن اليَوْم الحادي عشر في الثاني عشر وعَنْه وعن الثاني عشر في الثالث عشر بِشرْط أن يَكُون ذلك قَبْل غُروبِ الشمس مِن اليوم الثالث عشر، وذلك لأنّ السنّة قد نَصّتْ على أَنّ حُكْمَ أيّام التشريق في الرّمي شيءٌ واحد، فقد روى الإمام مالك والشافعي وأحمد والنسائي في " الصغرى " وفي " الكبرى " وأبو داوود والترمذي والدارمي وابن ماجة وابن خزيْمة وابن حبان وابن الجارود والحاكم والبيهقي في " السنن الكبرى " والبُخاري في " التاريخ الكبير " وأبو يَعْلى في مُسنَدِه والطبراني في " الكبير " ويعقوب بن سفيان في "المعرفة والتاريخ" والجوهري في " مُسْند الموطإ " وابن وَهْب في " المُوطإ " و-كذلك-يَحيي بن عبد الوهاب بن مَنْدَه في " جزء مَن عاش مئة وعشرين سنة مِن الصحابة " وابن عبد البر في " التمهيد " والبغوي في " شرح السنّة " وجماعة مِن أئمة الحديث أنّ رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-رخَّصَ لِلرُّعاة أن يَرْمُوا في اليَوم الثاني عشر عن اليوم الحادي عشر والثاني عشر ..
__________
(1) -أي في اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر. (3/205)
صفحة 797
أي أن يَرْموا في اليوم العاشِر ثم يَتْرُكوا الرمي في اليوم الحادي عشر ويَرْموا عنه وعن الثاني عشر في اليوم الثاني عشر، وفي ذلك حُجَّةٌ واضِحة ودليلٌ لا غُمُوض فيه بأنّ ذلك يُعدّ أَدَاءً، إذ لا يُمْكِنُ لِلنبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-أن يُرَخِّص لَهم أن يُؤَخِّروا الرَّمي عن وقته المُحدّد له شرْعا ثم بعد ذلك يَأتون به بَعْد خُرُوج الوقت .. كلاّ هذا مِمّا لا يُمكِن، بل ذَلك يَدلّ على أنّ ذلك الوقت كلَّه لِلأَدَاء فمَن لم يَستطِع أن يَرمي فيما بيْن زَوال الشمس وغروبها في الحادي عشر-مثلا-فَلْيرمِ في الثاني عشر، ومَن لم يَستطِع فلْيرْمِ في الثالث عشر عن الثلاثة كُلِّها (1) بِشرط أن يَكون ذلك قبل غُروب شمسِ الثالث عشر إن كان يُريد أن يَبقى الثالث عشر في مِنى.
وكذلك مَن لم يَستطِع أن يَرمي في اليوم العاشر .. لم يَستطِع مِن طلوع الشمس إلى غروبها فلْيَرْمِ في الليل .. أي ليلةِ الحادي عشر.
وهَكَذَا فالأمر فيه سعة بِحَمد الله تبارك وتعالى، فمَهْما كان الناس مِن الكثرة ولَكن الوقت فيه-أيضا-مِن الطول ما لا يَخْفى وإنَّما يُمنع الإنسان مِن أن يُقَدِّمَ العبادة على وقتها .. أي يُمْنَعُ مِن أن يَرمي في الحادي عشر قبل زَوال الشمس، وكذلك في الثاني عشر قبل زوال الشمس إذا كان ذلك عن اليوم الثاني عشر، وهكذا بالنسبة إلى الثالث عشر.
__________
(1) -أي أن يَرمي عن اليَوْم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر. (3/206)
صفحة 798
أما بِالنسبة إلى العاشِر فالرمي مِن طُلُوع الشمس إلى غُرُوبِها ومَن لم يَسْتَطع فليَرْم حتى بعد ذلك وهذَا لِلأقوياء، أما بِالنسبة لِلضَّعفة والنساء فإنّ بَعضَ أهل العلم يُرخِّص أن يَكون ذلك بعد طُلوع الفجر مِن اليوم العاشِر، ورَخّص بَعضُهم حَتى قَبل ذلك .. أي أن يَكون ذلك بعد أن يَخرجوا عند غُروب القمر وأن يَرموا عندما يَصلون إلى مِنى، ولكنني لا أُحِبُّ التَرخّص لهم قبل طُلُوع الفجر، فإما أن يَتَرخَّصوا بِالرمي بعد طُلوع الفجر أو أن يَنتظِروا إلى طُلوع الشمس وهذا لا مَشَقَّة فيه بِحمد الله.
والخُلاصة أنّ مَن يَستطيع أن يَرْمي هو نفسُه-سواء كان رجلا أو امرأة-فليس له أن يَأْمُر غيره بِأن يَرمِي عنه، ولَيْس لِغيره أن يَرْمي عنه ما دام يَعْلم أَنّ ذلك الشَّخص يَستطِيع أن يَرمي هو نفسُه، أمّا إذا كان لا يَستطيع فَلْيُنِبْ غَيْره.
بَقِيَ يُمْكن أن تَقول امرأة: أريد أن أَخرُج في اليَوْم الثاني عشر قبل غروب الشمس ولا يُمْكن أن أبقى إلى الثالث عشر ولا أَستَطيع أن أَرْمِي، فهل لي أن أُنِيبَ غَيْرِي ؟ الجواب: نعم، لأَنَّها نَوَتْ أن تَخرُج قبل غروب الشمس، وذَلِك لَها، بِنَصّ كتاب الله وسنّة رسوله-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-وإجماع الأمّة، وما دام الأمر كذلك وهي لا تَسْتَطيع أن تَرْمي فَلْتَطْلُب مِنْ غيرها أن يَرمي عنها؛ والله أعلم.
س3: في حال الإقران بِالحج والعُمرة، هل يَكْتَفِي القارِن بِسَعْيٍ واحد بِنية الحج والعُمرة-كما وَرَد في بعض الفتاوى-يُؤَدّيه متى ما شاء سَوَاء عند طَواف القُدوم أو يُؤَخِّره عند طَوَافِ الإفاضة ؟
ج: اختَلفَ العلماء في القَارِن هل يَجِب عليه أن يَطُوف طوافَيْن وأن يَسْعى سَعْيَيْن أو أَنّه يَكْتَفي بِطوافٍ واحد وسعيٍ واحد ؟ (3/207)
صفحة 799
والصحيح عندي أنه يَكفِيهِ ِطوافٌ وسَعيٌ واحد بل لا يُشرَع لَه أن يَطوفَ طوَافَيْن وسَعيَيْن اللهم إلا إذا جاءَ أوّلا إلى مكّة المكرّمة فإنه يُشرَع له أن يَطُوف طَوافَ القُدوم ويَسعى وهذا السعي يَكون لِحجِّه وعُمرتِه ثم بعد أن يَنتَهي مِن عَرفة ومِن المزدلفة ومِن رمي الجمْرَة والذبْحِ والحلْقِ أو التَقصيرِ إذا كان رجُلا-والتَقصيرِ إذا كانت امرأة-فإنه لابد مِن أن يَذهب ويَأتي بِطواف الزيارة، وذلك الطواف الذي أتى بِه مِن قبل لا يجْزِيه لِحَجّته لأنه لِلقُدوم .. أي أنه يُشرَع لِمَن أتَى إلى مكّة وهو يَنْوِي الحج أو يَنْوي أن يَكُون قارِنا بَيْن الحج والعُمْرة، أما إذا كان يُريد العُمرة فإنه يَطُوف طَواف العُمرة وذلك يُجزِيه عن طواف القُدُوم .. فإذن إذا أتى إلى مكّة المُكرّمة وكان قارنًا فَلْيَطُفْ طوافَ القُدُوم، وهذا الطواف:
1-سنّة عند جُمهور الأمّة مَن تَركه لا شيء عليه إلا أنه تَرَكَ الفَضْلَ، ولا يَنبغي لِلإنسان أن يَتْرُكَ مَا ثَبتَ عن رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-إلا إذا كان مَريضًا أو مَا شَابَه ذلك.
2-وذَهَبت المَالكِية إلى أنّه وَاجِب وأوجبوا على مَن تَرَكَه الدّم.
والصحيح القَول الأول.
وإذا طَاف لِلقُدوم فإنه يَسْعَى في ذلك الوقْتِ وذلك السعي يَكُونُ-كما قلتُ-لِلحج والعُمرة ثم عِنْدَما يَنْتَهِي مِن الوُقُوف بِعرفة والمَبيت بِالمُزْدلفة والرّمي والذّبح أو النّحْر، والحلْق أو التّقصِير على ما فَصَّلْتُ (1) فإنّه لابد مِن أن يَأتِيَ ويَطُوف طوافَ الزيارة، فالطواف السابق-إذن-لَمْ يَقُلْ أحدٌ أنه يُجْزِيه عن طَوَاف الزّيارة؛ والله أعلم.
س: ولكن يُجْزِيه السّعْي ؟
__________
(1) -أي: والحلْقِ أو التَقصيرِ إذا كان رجُلا، والتَقصيرِ إذا كانت امرأة. (3/208)
صفحة 800
ج: السَّعْي نعم، لأنّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - طَافَ طواف القُدُوم وسَعى ثم عندما رَجَعَ صلوات الله وسلامه عليه بَعْد الذَّبح والحَلق طَاف لِلزيارة ولم يَسْعَ، ولَنَا فِيه أُسوة حَسنَة.
س: هَل يَصْدق هذا-أيْضًا-على المُفرد ؟
ج: نعم، المُفْرِد كذلك إذا جاء وَطَاف أوّلا طواف القُدُوم وسَعَى فإنه بعد الرّمي والتقصير أو الحلق فإنه يَأتِي ويَطوف وقد سَعى مِن قبل وذلك السَّعي هو سعي الحج، أما إذا كان لم يَأتِ مَكّة أبَدًا بِأن أتى إلى مِنى أو إلى عَرَفة مباشَرة أو أنَّه أتى إلى مَكّة ولكنه لم يَطُف ولم يَسْعَ فلابد هَاهُنَا مِن الطواف والسعي بل الطَّواف لاَبُدّ مِنه على كل حال؛ والله أعلم.
س4: مع شدّة الزحام، ما حكم الطواف والسعي فوق السطح ؟
ج: على كل حال؛ لِلعلماء في هذه القضية خلاف:
منهم مَن يُشَدِّد في ذلك ويَقُولُ: إنّ الطواف لا يَصِح، وذلك لأنه لا يُحاذِي شيئا مِن البيت، فَمَنْ طَافَ عليه أن يُعِيد ذلك الطَوَاف، وإذا رَجَعَ إلى بَلَده فلابد مِن أن يُعِيد ذلك وأن يُعِيد السعيَ معه، لأنه سعى قبل الطواف الشّرْعِي المُعْتَبر.
وَذَهب أكْثَر أهل العلم إلى أَن طَوافَه ذلك صحيح، وذلك لأنه وإن كان لا يُحَاذِي شيئا مِن البيت ولكنه يُحَاذِي هَوَاءَ الكعبة والكُل .. الكَعْبة مِن أصْلِها إلى السّمَاء تُعْطَى نَفْسَ الحُكم.
وأقول: إنّ مَن وَقَع في المَاضي فلا شيءَ عليه، وأما في المُستَقْبَل فالأحْوط لِلإنسان أن يَحتاط لأمر دِينه، وأن يُخْرِج نَفْسَه مِن الخلاف في مثل هذه المَسأَلة؛ والعِلم عند الله.
أما السعي فأَمرُه أسْهل.
س5: امرأةٌ أَحْرَمَتْ بِالعمرة مِن غيْر أن تُصلِّي ركعتيْن، وإنَّما لبستْ لباس الإحرام ثم أحرمتْ ؟ (3/209)
صفحة 801
ج: لم يَقُل أحدٌ مِن أهل العلم بِوجُوبِ هاتيْن الركعتين، وإنما الخِلاف بيْن أهل العلم في مشروعيتهما .. أي أنّ الإنسان إذا لم يُحْرِم بعد فريضة هل يُشْرَع له أن يُصَلِّيَ ركعتيْن لِلإحرام أو لا ؟
ذَهَب بعضهم إلى أنه لا يُشْرع له ذلك، إذ إنّه لم يَأتِ دليل يَدُل على ذلك، فإن أراد الإحرام بعد فريضة فلْيُحْرِم بعدَها، وإن كان الوَقْتُ ليس وقت فريضة فإذا كان يَصحّ فيه التنفّل فيُمكن أن يُصَلِّي ركعتيْن بعد وُضُوئِه بِنِية ركعتَي الوضوء، أو كان الوقت وقت صلاة الضحى فليُصَلِّ صلاة الضحى، وهكذا إذا أراد أن يَتَنَفّل، أمّا أن يُصَلِّي صلاةً خاصّةً بِالإحرام فإنه-عند هذه الطائفة مِن أهل العلم-لا يُشرَع له ذلك.
وذَهبتْ طائِفة مِن أهل العلم إلى مشروعية ذلك.
و-على كل حال-أنَا لَم أَجِد دليلاً يَدلّ على مشروعية هذه الصلاة ولكن-كما قلتُ-إذا دخل الإنسان المسجد فلْيَرْكَع ركعتيْن ولْيُحْرِم بعد ذلك .. أي بعد أن يَركَب في سيارته، وإذا أراد أن يُصَلِّيَ بعد الوضوء أو أراد أن يُصَلِّيَ صلاة الضحى أو شيئا مِن النَّوافل التي اعْتاد عليها وكان ذلك الوقت-طبعا-مِمّا لا يُنهَى عن الصلاة فيه-ولا يُمْكن طبعا لِلإنسان أن يَعْتَاد على الصلاة في وقتٍ يُنْهَى عن الصلاة فيه-فإذا صلى فلا بأس بذلك بِمشيئة الله؛ والعلم عند الله.
س6: مِن المعلوم أنّ الطِّيب مِن الأمور التي يُمنَع منها الحاج غير أنّ كثيرا مِن النَّاس قد يَلْتَبِس عليهم الأمر ولَربما يُضَيّقُون على أنفُسِهم أمورا قد وسَّع الله-تعالى-عليهم فيها مِن ذلك ما يَتعلق بِالنّظافَة فنجِد بعضَ الناس يَمْتَنِعون عن الاستحمامِ أو السِّواك طيلة أيام الإحرام، وسؤالنا عن مَشروعية استخدام المواد التالية لِلمُحْرِم: (3/210)
صفحة 802
1-استخدام بعضِ أنواع الصابون كالذي به رائحة " الديتول " أو رائحة اللّيمون أو رائحة الفواكه الأخرى .. فهل استخْدام مثل هذه الأنواع لِلمُحْرِم سوَاء غسل الأيْدِي أو الاستحمام أثْنَاءَ فترة الإحرام مِن الممنوع ؟
ج: لا، هذا ليس مِن الممنوع، فهذه الأشياء لا مانع لِلإنسان مِن الاستحمام بِها أو مِن غسل اليدين أو ما شابه ذلك.
وهكذا بِالنسبة إلى السواك لا مانع منه، سواء كان ذلك بالأراك أو كان ذلك بِالمعاجين العصرية-وقد حَكى بعضُ أهل العلم الإجماعَ على ذلك-ولا بأس عليه حتى لو خَرَج دمٌ مِن لثَّته-مثلا-أو ما شابه ذلك .. هذا لا مانع منه بل السواك مطلوب .. الرسول-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-يقول: ( لولاَ أن أَشُقَّ على أمّتي لأَمَرْتُهم بِالسواك عند كل صلاة ) وفي بعض الروايات: ( عند كل وضوء ) وفي بعضها الجمع بينهما، فحتى لو خَرج دم مِن اللثَّة-مثلا-لا مَانع مِن ذلك لكن إن كان ذلك بَعد وُضوء فلْيُعِدْ وضوءَه لأنّ الدم نَاقِضٌ لِلوضوء عند أكثر أهل العلم.
وهكذا بِالنسبة إلى الصابون العادي الذي ليستْ فيه رائحة أو فيه شيءٌ مِن الروائح التي ليستْ مِن العِطْر في شيءٍ كالأشياء التي وَرَدَ ذِكْرُها في السؤال.
فلا يَنبغي لِلإنسان أن يُشَدِّدَ على نَفسِه وأن يُلْزِم نَفْسَه بِما لم يُلْزِمْه الله-تبارك وتعالى-بِه، فما الداعي أن يَبقى الإنسان لا يَستَخدم السّواك ويَتْرُك السنّة الثابتة الصحيحة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بَدعوى خَوْف المَحذور مع أنه لا مَحذور في ذلك أبدا ؟! والله أعلم.
س: 2-معنى ذلك أنّ اسْتِخدام المعاجين التي بِها رائحة لا بأس ؟
ج: هذه الرائحة ليستْ بِرائحة عِطْر في واقع الأمر فلا مانع منها.
س: 3-استخدَام الدِهان كالكريمات مثل زيت الزيتون وزيت النَارْجيل والحبة السوْادء أيضا. (3/211)
صفحة 803
ج: هو-حقيقة-لا دَاعي لِمثل هذه الأمُور في أيام الحج .. لا داعي إلى مِثْل هذه الأمور لأنّ ذلك لم يَثْبتْ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .. النبي - صلى الله عليه وسلم - استخدَمَ ذلك في المدينة عندما أراد أن يَخرُج إلى ذي الحُلَيْفَة وهو في طريقه إلى مَكّةَ، أما في أيام الإحرام لم يَسْتخدم النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك، ولنا فيه أسوة حسنة.
س7: مَن أدّى العُمْرة مِن قبل، ما الذي أفضل له أن يَصْنَعَهُ عندما يُريد أن يحج ؟
ج: هو مخيَّر:
1-إن شاء أن يَتَمتَّع فليَتَمتَّع .. أي أن يُحْرِم بِعُمرة أوّلا ويَطوف ويَسعى لَها ثم يُقَصِّر ويَبقى مُحِلاًّ إلى أن يُحْرِم في اليَوم الثامن مِن ذي الحجة، وعليه هدْي-طبعا-في هذه الحالة، والصحيح أنه لا مانع مِن أن يَتَمتَّع الإنسان بِعُمرة النَّفل إلى الفريضة .. هذا ما ذهب إليه الجمهور، وهو واضِح.
2-وله-أيضا-أن يَكون قارِنا .. أن يُقْرن بيْن الحج والعمرة، ولا مانع-أيضا-مِن أن تكون العُمرة عُمرة نفل ويكون الحج حج فريضة، وعليه-أيضا-الهدْي عند أكثر أهل العلم في هذه القضية.
3-وبيْن-أيضا-أن يُفرِد الحج، ولا هدْي عليه إذا أفرد.
الأفْضل ما هو ؟ الأفْضل لا شك التَّمتع.
س8: لديه قناعة أنّ فريضة الحج تَطْبَع على صاحبها ألوانا مِن المُثُل والأخلاق والقِيَم والاستقامة لكن البعض عندما يَعود مِن هناك يَتغافَل أو يَنسى مع مرور الأيام فيَرتكِب شيئا مِن المعاصي .. يَطلب نصيحة بسيطة. (3/212)
صفحة 804
ج: نَأمُر كلّ إنسان بِأن يَتَّقي الله-تبارك وتعالى-وأن يُحاسِب نفسَه قبل أن يُحاسِبها الله سواءً كان قد أدّى فريضة الحج مِن قبل أو لم يَقُم بِتأدِيتها ولكن إذا كان لم يَأْتِ بِها مِن قبل فَنَنْصَحُه بِأن يُبادِر إلى ذلك وألاّ يُسَوِّفَ مَخافَة أن يُفَاجِئه الموت مِن قبلِ أن يَأتِيَ بِهذه الفريضة، و-كذلك-ليس لِلإنسان أن يَأْتِيَ بِشَيْءٍ مِن معاصي الله-تبارك وتعالى-بِدعوى أنه سيَتوب بعد مدّة مِن الزمن .. أوّلا معاصي الله-تبارك وتعالى-ليس لِلإنسان أن يَفْعَلَها سواءً أراد أن يَتوب أو لم يُرِد وإنْ كان إذا أراد التوبة هو أسهل مِن غيره ولكن المعصية معصية وإنما الكلام في قضية الإصرار وعَدمه، وإلا فالمعصية معصية ليس لِلإنسان أن يَقْرَبَها أبدًا وليس له أن يَحوم حول حِماها .. كذلك الإنسان لا يَملِك مِن أمرِه شيئا .. قد يَأْتِيه المَوت الآن وهو لم يَتُب إلى الله-تبارك وتعالى-وتَكون العاقبة وَخِيمَة والعياذ بالله، فعلى هَؤُلاء أن يَتَّقُوا الله-تبارك وتعالى-وأن يَتُوبُوا إليه - سبحانه وتعالى - قبل فَوَات الأوان.
أما بِالنسبة إلى سُؤَاله: هل يَكون حَجُّهم فاسدًا ويَجِب عليْهم أن يَأتوا بِحَجَّة أخرى ؟ فالجواب: لا إلا إذا خَرَجوا عن الإسلام، فإذا خَرَجُوا عن الإسلام يَجب عليهم أن يَحُجُّوا حَجًّا جديدًا على قول طائفة كبيرة مِن أهل العلم، لأنّ ذلك الإسلام لابد له مِن الحج لأنّ الحج رُكْنٌ مِن أركان الإسلام وهذا إسلامٌ جديد فهو وإن كانت تَرجِعُ إليه تلك الأعمال الصالحة ولكن الحج شرْطٌ مِن شروط الإسلام وهو لم يَأْتِ بِالحج في إسلامه هذا، والمسألةُ فيها خِلافٌ طويل بِإمكانِه أن يَرجِع في ذلك إلى " شرح الجامع الصحيح " (1) أو إلى غيره مِن كتب أهل العلم، فإنّ الوقت الآن لا يَكفي لِبيان ذلك.
__________
(1) -شرح " الجامع الصحيح، مسند الإمام الربيع بن حبيب " للإمام نور الدين السالمي، ج1، ص103. (3/213)
صفحة 805
وأما حديثُ: ( مَن حَجَّ فلم يَرْفث ولم يَفْسق رَجَعَ كيوم ولدَتْه أمّه ) أي رجع مِن حَجّتِه تلك إذا كانت تلك الحجَّة صحيحةً ثابتة .. أي على وِفْقِ ما شرَعَهَا الله-تبارك وتعالى-فذلك الحديثُ صحيح ثَابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( مَن حجَّ فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ رَجَعَ مِن ذنوبه كيوْم ولدَتْه أمّهُ ) وأيضا: ( العُمرة إلى العُمرة كفّارةٌ لِمَا بيْنهما والحج المَبْرُور ليس له جَزاءٌ إلا الجنَّة )، إلى غير ذلك مِن الأحاديث الصحيحة الدالّة على هذا الأمر، ولكن ليس في ذلك أنّ مَن حَجّ وعَمل شيْئا بعد ذلك مِن معاصي الله أنه يَجب عليه أن يُعيد الحج؛ والله-تعالى-أعلم.
س9: ما معنى حديث: ( الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ) ؟
ج: على كل حال؛ لأهل العلم في ذلك خلاف طويل .. أي اختلف العلماء في معناه، ونَرجوا أنّ مَن كانت حَجّته خالصة لله-تبارك وتعالى-لم يَشُبْهَا شَوْبُ رِيَاء أو سُمْعَة وأتَى بها على وِفْقِ ما شَرعه الله-تبارك وتعالى-أن تكون هذه الحجَّة مِن الحجِّ المَبرور الذي يَصْدُق على صَاحبه ما جاء في الحديث الصحيح الثابت ولكن لابد-كما قلتُ-أن تَكون خَالصَةً لله-تبارك وتعالى-وأن يَكون الإنسان تَائِبا راجعاً إليه - سبحانه وتعالى - ؛ والله أعلم.
س10: ربما يُريد أن يُعِيد تلك المسألة التي ذكرتُموها في حلقةٍ ماضية (1) .. مسألة رمي الجمرات .. هل يُشتَرط أن تُصِيبَ العَمود أم يَكفي أن تَقَع على الحَوض ؟
ج: لا يُشتَرط، لأنَّ ذلك العَمُود حَادِث .. أي لم يَكُن في بِداية الأمر .. أي في عهد إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام، وقد اخْتَلَف العلماء هل كان موجودا في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ؟
__________
(1) -عند الجواب على السؤال 1 من حلقة 17 رمضان 1424هـ ( 12/11/2003م ). (3/214)
صفحة 806
ذهب بعضهم إلى أنه كان مَوْجودا في عهدِه صلوات الله وسلامه عليه، واستَشهَدوا على ذلك بِبَيْتٍ مروي عن أبي طالب عَمِّ النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وذهب بَعضُهُم إلى أنه لم يَكُن مَوْجُودًا.
و-على كل حال-سواءً كان موْجودا أو لم يَكن موْجودا فإنّ المَشرُوع أن يَرمِيَ الإنسان في الحوض، ولاَ يُشْتَرط بِأن يَكون ذلك في ذلك العَمُود الشاخِص؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س11: لقد اعتمَرتُ مع والدي وعند السّعي بدأنا بِالصفا ولكننا كُنّا نَعُدُّ ذهابنا مِن الصفا إلى المَرْوة نصفَ شوْط، بِحيث كنّا نَعُدُّ ذهابَنا مِن الصفا إلى المروة ثم رجوعَنا إلى الصفا مرّة أخرى شوطا واحدا بدلاً مِن كونه شوطين فقد كان المَجموع بِذلك خمس عشر شوطا ؟
ج: هو أربعة عشر إذا كانوا اختَتَمُوا بِالصفا إلا إذا كانوا زَادُوا مرة ثانية إلى المروة.
على كل حال؛ هذا رأيٌ لِبعضِ أهل العِلم وهو أنّ الشّوْط الواحد يَكُون مِن الصفا إلى الصفا، وقال بِه الشيخ إسماعيل-رحمه الله تبارك وتعالى-مِن أصحابِنا في " مناسِك الحج "، وقالت بِه جماعةٌ مِن أهل العلم-أيضا-مِن الشافعية وغيرهم؛ ولكنه قوْلٌ ضعيفٌ جدا.
والصحيح الثابت هو أنّ مِن الصَّفا إلى المروة يُعَدُّ شَوْطا ومِن المروة إلى الصَّفا يُعَدُّ شوْطا، فالشوط الواحد يَكون مِن الصفا إلى المروة.
وبِما أنهم فعلوا ذلك لا شيء عليهم-بِمشيئة الله تبارك وتعالى-في الماضي، وفي المستقبَل يَنْبَغِي لَهم أن يُطَبِّقُوا السنّة الصحيحة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، إذ إنّ خيْر الهدْي هدْي محمد - صلى الله عليه وسلم - .
س12: بعضُ الناس-وكما يبدو هم قِلّة جدا-يَسْتَغِل فريضة الحج في الدعاء على مَن ظَلََمَهُم ؟ (3/215)
صفحة 807
ج: على كل حال؛ لا يَنبغي لِلمسلم أن يَكون سَبَّابًا ولا لَعَّانَا ولا فَاحِشاً، ويَنبغي له أن يَدعو لِهؤُلاَءِ الناس بِالهداية إلى الطريق المستقيم، فالنبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-مع أنه لَقِيَ ما لَقِيَ مِن كفار قريش مِن صنوف الأذى كان يَدعو الله-تبارك وتعالى-بِأن يَهديَهم .. يَقول: ( اللهم اهدِ قومي فإنّهم لا يَعْلَمون )، فيَنبغي لِلإنسان أن يَدعو لِذلك الشخص في تلك المَواطن العظيمة بِأن يَهْتَدِيَ إلى الصراط المستقيم، و-على كل حال-إذا دعا على غَيرِه مِمّن ظَلَمَه بِما يَسْتَحِقُّه ولم يَزِدْ على ذلك فلا نَستطيع أن نَقول: " إنّ عليه شيئا " إذا دعا بِمَا يَسْتَحِقُّه ذلك الشَّخص، أما أن يَدْعو عليه بِزيادة على ذلك فذلك مِمّا لا يَصِح، ولكن-على كل حال-أنا لا أنْصَحُهُ بِذلك، بل أَنصَحه بِأن يَقْتَدِيَ بِرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأن يَدْعوَ له بِالهِداية إلى الطريق المستقيم ويَطْلُب الأجْر مِن عند الله تبارك وتعالى؛ والله ولي التوفيق.
س13: البعض مِن الشباب عندما يَعود يَصِف مَحاسِن امرَأةٍ رآها في الحج ؟
ج: على كل حال؛ هذا ليس مِن سبيل المؤمنين .. عليهم أن يَتّقوا الله وأن يَتوبوا إليه - سبحانه وتعالى - ، وهذه قِلّة قليلة مِن الناس، والناس لا يكونون جميعا على الصلاح .. نَحن نَدعوا أولئك إلى الرجوع إلى الله وأن يُحاسِبوا أنفسهم قبل أن يُحاسبها الله؛ والله ولي الهداية والتوفيق.
س14: كانت لديه-ربما هو أو غيره-نية أن يَذْهب إلى الحج ولكن جاءتْه فرصة عمل، فما الذي يُقَدِّمُه ؟
ج: لا أدري-أوّلا-هل هو حجَّ حجَّ الفريضة أو لا.
أما إذا كانت هذه الحجَّة حَجّة نافلة فالأمر سهْل. (3/216)
صفحة 808
وأما إذا كانت هذه الحجَّة حَجّة فريضة فإن كان يَخْشى على هذا العمل بِأنه إذا ذهب إلى تَأْدية الحج ألاّ يَحصُل بعد ذلك على هذا العمل ولا يَحصُل على غيره وهو مُحتَاجٌ لِهذا العمل فبِإمكانه أن يَعمَل ويَنوي أن يَذْهبَ عندما يُيَسِّر الله-تبارك وتعالى-له، وعسى أن يَكُونَ ذلك في السنَة القادمة .. هذا إذا مُحْتاجا لِهذا العمل ويَخشَى بِأن يَفُوتَه هذا العمل، ولكن أَظنُّ أَنَّه يُمْكن أن يُوقِّع بِالموافَقة على العمل وأن يَشْرَع في العمل بعدَ رجوعِه مِن الحج .. لا أَظنُّ أنّ هناك مانعا مِن هذا.
س: وفترة الإجازة تكفي.
ج: نعم.
س: ربما يكون في القطاع الخاص هناك شيء مِن التشديد.
ج: فعلى كل حال هذا .. إذا كان يَخشى على ألاّ يَجِد عملا وهو بِحاجة إلى العمل وإذا تَرَكَ هذا العمل لن يَجِدَ هذا العمل ولا غيْرَه في المستقبَل القريب .. وإلا فالعمل بِيد الله تبارك وتعالى .. يَعْني الله - سبحانه وتعالى - تَكَفَّلَ بِالرزق وهو قادِر على أن يُيَسِّر له عملا كهذا العمل أو أفضل كما يَسَّرَ له هذا العمل ولكن الإنسان يَأخذ بِالأسباب، فإذا كان مُحْتَاجا إليه ويَخشى إذا لم يَعمل فيه بِأن يَفوتَه هذا العمل ولا يَحصُل على ذلك في القريب-مثلا-فيُرَخَّص له ويُوصِي بِالحج، ولْيَذهَب إن شاء الله في السنة القادمة. (3/217)
صفحة 809
س15: سمعتُ منكم في حلقات ماضية (1) تَحْذيرا لِلحجاج مِن أن يَفيضوا مِن عرفات قبل تَحقُّق غروب الشمس فأيّ حركة مِن هذا النوع تُؤدِّي إلى الأحكام التي ستذكرونَها إن شاء الله، ولكن كيف تُوَفِّقُون بيْن هذا وبيْن الحديث الذي وَرَدَ فيه أنّ رجُلا وَقَفَ قليلا في عَرفة .. هذا الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد .. هذا الرجُل يَقول: " يا رسول الله، إني جِئْت مِن جَبل طَيْء أَكْلَلَتُ راحِلَتِي وأتْعَبْتُ نفسي، والله ما تَرَكْتُ مِن جبل إلا وَقَفْت عليه، فهل لي مِن حج ؟ " فَقال - صلى الله عليه وسلم - : ( مَن شَهِدَ صلاتَنا هذه ووَقَفَ معنا حتى نَدفع وقد وَقَفَ بِعَرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد أَتَمّ حَجّه وقضى تَفَثَه ) فيُشِير الحديث أنه حتى لو وَقَفَ جزءً قليلا مِن النهار فذلك يَكْفي ؟
ج: على كل حال؛ هذا الحديث حديثٌ صحيح، وقد رواه أكثر مِن عشرين عالِما مِن أئمة الحديث، لا أرى داعيا لِلإطالة بِذِكْرِهم الآن.
وهذا الحديثُ فيه شيءٌ مِن العموم .. ظاهر هذا الحديث أنّ الإنسان إذا وَقف مِن صباح اليوم التاسِع ولو وَقَفَ جزءً بَسِيطا فإنّ ذلك يُجزيه، بيْنما جُمهور الأمّة قالوا: إنّ الوقوفَ لا يَكون إلا بعد زوال الشمس مِن اليَوْم التاسِع مِن ذي الحجّة.
خِلافا لأكثر الحنابلة حيث ذَهبوا إلى أنه يَكون قبل ذلك بِظاهر هذا الحديث .. أي يَكون مِن أوَّل اليَوم.
__________
(1) -عند الجواب على السؤال 1 مِن حلقة 9 ذو القعدة 1423هـ ( 12/1/2003م ). (3/218)
صفحة 810
ولا شَك أنّ الذي ذهب إليه الجمهور هو الصحيح، وذلك لأنّ ذلك الحديث مُخَصَّصٌ-أو مُبَيَّنٌ-بِفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ، حيث إنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-لم يَقِفْ إلا بعد زوال الشمس، وكذلك هو مُخَصَّص بِشيءٍ آخر وهو أنّ الحج لا يَكون تامّا إلا بِطواف الإفاضة مع أنّ ظَاهِر هذا الحديث يَقُول: ( الحجُّ عَرفة ) وبعد ذلك قال: ( فقد تَمَّ حجُّه وقضى تَفَثَه ) مع أنّ الحج-في حقيقة الواقع-لا يَكُون تامًّا بِذلك بل لابد مِن طواف الزيارة، إذ إنه ركن مِن أركان الحج، بل ذهبتْ طائفة كبيرة مِن أهل العلم إلى عدم تَمامه إلا بِالسعي، لأنه عند هذه الطائفة مِن أهل العلم مِن أركان الحج أيضا.
هذا الحديث عند مَن قال بِفساد الحج بِالنسبة لِمَن لم يَقِفْ إلى غُروب الشمس وتَحقُّق غُروبِها ودُخولِ جزءٍ مِن الليل .. يَقولون: إنّ الحديث السابق مُبَيَّن بِفِعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ، حيث إنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - وَقَفَ إلى أن غَربت الشمس وتَحقَّق غروبُها ودَخَلَ جزءٌ مِن الليل، لِذلك ذهبوا إلى أنّ مَن لم يَقِفْ إلى هذا الوقت فإنّ حجَّه باطل. (3/219)
صفحة 811
وفي المسألة خلاف معروف ولكن-على كل حال-أجمعت الأمّة الإسلامية عن بَكرة أبيها على أنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-وَقَفَ إلى أن غَرَبَت الشمس ودَخَلَ جزءٌ مِن الليل وقال: ( خُذُوا عنّي مناسِككم لَعلِّي لا أَلْقَاكم بعد عامي هذا )، وقد بيَّن صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنّ هَدْيَه صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهدْيَ المُسْلمِين مُخالِفٌ لِهدْي أهل الشرك حيث إنّ أهلَ الشرك يَخرُجون مِن عَرفة قبل غُروب الشمس .. عندما تكون الشمس على رؤوس الجبال كأنَّها عَمائم الرجال، فيَنبغي لِلإنسان أن يَقتدِيَ بِرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأن يَهتدِي بِهدْيه وأن يَسِير على طريقِه صلوات الله وسلامه عليه، وأن يَحذَر كل الحذَر مِن الوُقوع في مُخَالَفة سنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومُوَافقَة هَدْي المشركين فحذَار ... (1) المشركين، فنأخذ بِهذا الأمر الواضِح الجَلِي.
أما فسادُ الحج ففيه ما فيه مِن الكلام لأهل العلم.
س16: حينما جاء شهرُ ذي الحجة كنتُ أتَشَوّق لِزيارة بَيت الله الحرام ولكنّ الراتِب بَقِيَ عنه أسبوع ولم يَكُن معي سِوى مصاريف الشهر ولكنّ إخواني بِالعمل أصرّوا على ذهابي معهم حيث إنّ العُمر غيْر مضمون وقام أحدهم بِإعطائي مبلغًا مِن المال يَكفي كلَّ نفقاتِ الحج، فهل تَنصحونَني بِذلك لأنني سأسلِّم هذا المَبلغ مِن راتبي بعد رجوعي مِن الحج ؟
ج: لا بأس .. إذا لم يَكن في ذلك إِحراجٌ لِذلك الشَّخص فاكتُبْ ما عَلَيك في صَكٍّ شرْعي وأَشْهِد عليه شَاهِدَيْ عدلٍ وَضَعْ ذلك عند صاحب الحق، أو عند ثِقَةٍ أمين وأَخْبِر صاحبَ الحق بِأنك قد وَثَّقْتَ حَقَّه في صَكّ شَرعي وَوَضَعْتَه عند الشخص الفُلاني، فيُقضَى بعد ذلك عنك مِن ذلك الرّاتِب بِمشيئة الله تبارك وتعالى؛ والله أعلم.
__________
(1) -وقع هنا-للأسف-انقطاع في الشريط لخلل أثناء تسجيله مِن التلفزيون، ويبدو أنه غير مؤثّر في جواب الشيخ. (3/220)
صفحة 812
س17: هل زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - واجبة مِن ضِمن سُنَنِ الحج الواجبة خاصّة إذا كان الشخص يُؤدِّي الفريضة عن الغيْر ؟ وكذلك في حالة ضيق الوقت ؟
ج: على كل حال؛ إذا أوصى ذلك الشخص بِأن يَزور هذا الذي يَقومُ بِإنفَاذ وصيته .. أن يَزور المدينة وقبْرَ الرسول - صلى الله عليه وسلم - فلْيُنفِّذ تلك الوصية.
أما إذا كان لم يُوصِ بِذَلك فَليس عليه أن يَفعَل ذلك إلا إن أراد هو نفسُه ذلك.
أما بِالنسبة إلى لزوم الزيارة فليست بِلازمة، ولكن يَنبغي لِلإنسان أن يَزُور تلك البِقاع ويُسَلِّم على النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحابتِه الكرام وإن كان ذلك لا دَخْلَ له بِالحج.
أما حديث: " مَن حَجَّ ولم يَزُرْنِ فقد جفاني " فهو بَاطل، وكذلك بِالنسبة إلى الأحاديث المُمَاثِلة له.
فَلْيَزُرْ المدينة وقَبْرَ الرسول - صلى الله عليه وسلم - سواءً كان في سَفر الحج أو غيْرِه متى شاء؛ والله-تبارك وتعالى-ولي التوفيق، وهو أعلم بِكل شيء.
مِن حلقة 24 ذو القعدة 1424هـ، يوافقه 18/1/2004م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عام 1425هـ
س1: اضطرابُ الدورةِ عندَ النساءِ بِسببِ استخدامِ أقراصِ منعِها في حالِ ذهابِهنّ إلى الحج أو إلى العمرَة أو إلى أيّ شيءٍ آخَر يَحتجْن فيه إلى ذلك الأمْر، فهل يَصِحّ مثلُ هذا الإجراء ؟ وإذا ما اضطَرَبَتْ الدورةُ عندَ المرأةِ بِهذهِ الطرِيقة، كيف تَصنَع ؟
ج: إنّ استعمالَ الحبوب وما يَجرِي مجراها مِمّا يَمنَع مِن خروجِ دَمِ الحيضِ المعروف أو مِن إِيقافِه بعدَ خروجِه .. هذه المسألَة اختلَف فيها العلماء قديما:
1-منهم مَن ذهبَ إلى أنّ ذلك مَمنوع لا يَصِح سواء كان ذلك قبلَ خروجِ الدم أو كان ذلك بعدَ خروجِه. (3/221)
صفحة 813
2-ومنهم مَن ذهبَ إلى جوازِ ذلك مطلَقا .. أي سواء قبلَ خروجِ الدم أو بعدَ خروجِه، فإذا تَوقَّفَ الدم فإنّ تلكَ المرأة يَصِحّ لَها أن تَأتِي بِما تَأتِي بِه المرأة الطاهِرَة مِن صلاةٍ وصيامٍ واعتكافٍ وقراءةٍ لِلقرآنِ الكريم ولَمسٍ لِلمصحف-إذا كانتْ متوضِّئَة-وطوافٍ إلى غيْرِ ذلك، وهكذا فيما يَتعلَّق بِمسألةِ الوطْء.
3-ومنهم مَن تَوسَّطَ بيْن القوليْن فقال: إنّ ذلك جائز قبلَ خروجِ الدم أما بعدَ خروجِ الدم فإنه ليْس لِلمرأةِ أن تَستعمِل شيئا مِن هذه الموانع. (3/222)
صفحة 814
وليْس هنالك دَلِيل صرِيح في سنّةِ رسولِ الله-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-على واحدٍ مِن هذه الأقوالِ الثلاثة المذكورة، ولكن القول بِجوازِ ذلك مطلَقا وأنه إذا تَوقَّفَ ذلك الدم إذا استعملتْه بعدَ خروجِ الدم فإنه يَجِب عليها الغسل ويَجِب عليها ما يَجِب على المرأةِ الطاهِرَة ويَجوز لَها ما يَجوز لِلمرأةِ الطاهِرَة هو القول الصحيح، وذلك لأنّ هذا الأمر-أعني أمْرَ العبادات-معلَّقٌ بِوجودِ الحيْض فإذا تَوقَّفَ الحيْض ووُجِدَ الطُّهْر فإنّ هذه العبادات تَجِب على المرأةِ-أعني ما يَجِب منها-ويَجوز لَها فِعْل ما يَجوز لَها مِن الأمورِ الجائزة لِلمرأةِ الطاهِرَة، فإذن ذلك يَتوقَّفُ على وجودِ الحيضِ والطهارةِ، فما يُمنَع إذا وُجِدَ الحيض فهو مَمنوعٌ في حالةِ الحيض، وما يُباحُ أو يَجِبُ في حالةِ وجودِ الطهارة فإنه يُباحُ أو يَجِبُ على مختلف الأحوال .. أي على حسب اختلافِ تلك العبادات، فإذا وَجَدَت المرأةُ الطهارةَ ولَو خَرَجَ الدم فإنه يَجِب عليها الغسل ويَجِب عليها ما يَجِب عليها مِن العبادات-كما قلتُ-ويَجوز لَها ما يَجوز مِن العبادات .. (3/223)
صفحة 815
هذا الذي أَرَاه في هذه المسألة، ولكن القضية ليستْ في هذا الأمْر وإنما القضية في أنّ هذه الحبوب وهكذا بِالنسبةِ إلى الإبَر وما يَجرِي مجراها فيه قضية شائِكة أخرى يَجِب التنبّه لَها، وهو أنّ كثيرا مِن النساءِ اللاتِي يَستعمِلْن هذه الحبوب أو هذه الإبَر كُنَّ مِن قبل ضابِطات لِمسألةِ أيامِ حيضِهِن ولكن بِمجرّدِ استخدامِ هذه الموانِع فإنّ العادة تَختلِف وتَضطرِب اضطرابا كثِيرا جِدا، فقدْ تَكون عادَةُ المرأةِ منحصِرَة في سِتّةِ أيام وقد تَكون في سبعةِ أيام أو ثَمانية وهكذا على حسبِ اختلافِ النساء ولكن بِمجرّدِ استخدامِها لِهذه الحبوب أو لِهذه الإبَر فإنّ هذه العادَة تضطَرِب، فتارةً تستمِر خمسة عشر يوما وتارةً تستمِر شهرا وتارةً تستمِر أكثر مِن ذلك، فلا تَدرِي هل هذا الدم هو دم حيض أو هو استحاضة ومتى يَكون حيضا ومتى يَكون استحاضة، ويَترتَّب على ذلك إشكالات في عباداتٍ متعدِّدَة لا تَدرِي هذه المرأة تَأتِي بِتلك العبادات أو لا تَأتِي بِها، فالصلاةُ واجِبَة على المرأة في حالةِ الطهارة وهي مُحرَّمَة في حالةِ الحيض، والصيام وأعني بِالصيام صيام شهر رمضان، وهكذا بِالنسبةِ إلى الصيام الواجِب إذا كان صيام كفارة وكانت محدّدة في ذلك الوقت، وهكذا بِالنسبةِ إلى صيامِ النذر، فيَكون واجِبا في حالةِ الطهارة وتكون مَمنوعة مِن ذلك في حالةِ الحيض، وهكذا بِالنسبةِ إلى الطوافِ فإنّ الحائِض لا يَجوز لَها أن تَطوف بِالبيْت، وليس لَها عندَ أكثرِ أهلِ العلم أن تَدخُل المسجد، وهكذا بِالنسبةِ إلى قراءةِ القرآن، وهكذا بِالنسبةِ إلى معاشرةِ الزوجِ لَها، فهذه المسألة يُمكِن أن يُقالَ بِالتشدِيد فيها مِن هذه الناحية، وأنا قد جاءَتْنِي أسئلة كثِيرَة جِدا في حَجِّ هذه السنة وفي غيْرِها وفي غيْرِ هذا الموسِم المبارَك، وحتى هذه الأيام كثِيرٌ مِن النساء اللاتِي استَعْمَلْن هذه الحبوب في أيامِ الحج لا زالتْ العادَة (3/224)
صفحة 816
لَم تَستقِر كما كانتْ عليه في السابِق، وهذه مسألَة مشكِلَة يَنبغِي التنبّه لَها، فأنا لا أَنصَح بِاستخدامِ هذه الحبوب ولا بِاستخدامِ هذه الإبَر ولا بِاستخدامِ شيءٍ مِن هذه الأشياء التي تَمنَع مِن خروجِ الحيض لا لِلسببِ الذي وَرَدَ في السؤال وإنما لِهذا السببِ الذي ذَكَرْتُه، ومِن المعلوم أنّ عادةَ أغلبِ النساء تَكون سِتّة أيام أو سبعة وقد تَصِل إلى العشرَة وقد تَتَجاوَز ذلك بِقلِيل على الصحيح الراجِح، فبِإمكانِ هذه المرأة التي تُرِيد أن تَذهَبَ إلى الحج .. بِإمكانها أن تَتَأخَّر في مكة المكرّمة حتى يَنتهِي وقت الحيض وتَغتسِل وتَأتِي بعدَ ذلك بِالطوافِ الواجِب إذا كان ذلك الطوافُ ركنا مِن أركان الحج أو مِن أركان العمرة، وأما بِالنسبةِ إلى طوافِ القدوم فإنّها معذورَة مِن ذلك، وهكذا بِالنسبةِ إلى طوافِ الوداع فإنّها معذورَة مِن ذلك على الصحيحِ كما دَلّتْ على ذلك السنّة الصحيحة الثابِتة، وإذا قدر بِأنها أحرَمَتْ مثلا بِالعمرَة ثم لم تَتَمَكَّن مِن الإتيانِ بِها قبلَ يومِ عرفة فإنها تردِف عليها الحج فتَكون قارِنَة بعدَ أن كانتْ متَمَتِّعَة، كما وَقَعَ ذلك لِلسيدة عائشة رضي الله-تبارك وتعالى-عنها، على أنها لو اضْطَرّتْ فبِإمكانِها أن تَرجِع إلى بلادِها ثم بعدَ ذلك تَذهَب إلى تَأدِيَةِ الطواف والسعي الذي بَعدَه، أما أن تَستخدِمَ هذه الحبوب مِن أجْلِ أن تَأتِي بِالطواف وهي في حالةِ طهارة ثم بعدَ ذلك يَقَع المحظُور فلا تَستطِيع أن تَأتِي بِالطوافِ ولا تَدرِي هل تُصلِّي أو لا تُصلِّي وهكذا بِالنسبةِ إلى بقيةِ العبادات التي لَها عَلاقة بِهذا الأمْر فإنّنِي لا أَنصَح بِذلك بل أقول: " إنه لا ينبغِي ذلك ". (3/225)
صفحة 817
وأما بِالنسبةِ إلى مَن وَقَعَ لَه ذلك في الماضِي فإننا نَقول: إنّ كلَّ امرأةٍ يَنبغِي لَها أن تَسألَ عن الحالةِ التي وَقَعَتْ فيها، وأن تَصِفَ لأهلِ العلم نوعَ الدمِ وشَكْلَه وكم استَمَر وما شابه ذلك مِن الأمور التي ستوجّه إليها الأسئلة فيها حتى يُمكِن أن نَحكُم أو يَحكُم غيْرُنا مِن أهلِ العلم على هذه الحالة هل هي حيْض أو استحاضة؛ والله-تبارك وتعالى-ولي التوفيق.
س5: ما هي أَوْجُه بِرِّ الوالدَيْن بعدَ موتِهما ؟ ...
ج: ... و-على كلِّ حال-إن كان الوالِد أو الوالِدة أو كلاهما لَم يُؤدِّيا حَجّةَ الفرِيضة فينبغِي لَه أن يَحُجّ عنهما ...
مِن حلقة 19 ربيع الأول 1425هـ، يوافقه 9/5/2004م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
س1: ...
ج: ...
ومِن ذلك شرطُ الإسلام ولكن هذا الشرط شرطُ صحّة، فهو شرطٌ في جميع العبادات، فالكافر لا تصحّ منه عبادة .. لا تصح منه الصلاة ولا الزكاة ولا الصيام ولا الحج وإن كان مخاطَبا بِها وعليه الإثم بِسبب تَرْكِها ويُعاقَب على ذلك يومَ القيامة، كما يَتّضِح ذلك مِن الأدلة التي تَدلّ على أنّ الكفارَ مُخاطَبون بِفروع الشريعة ولكنّ هذا الشرط-كما قلتُ-هو شرطٌ في جميع العبادات؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
مِن حلقة 23 جمادى الأولى 1425هـ، يوافقه 11/7/2004م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
س1: ... (3/226)
صفحة 818
ج: ... قَد يَكون صيَام الشخص صحِيحا وقد تَكون صَلاتُه صحِيحة وتَكون زكاتُه صحِيحة ويَكون حَجُّه صحِيحا ولكنّه إذا كان مُتَلَبِّسا بِمعصِيةٍ مِن معاصِي الله وكانتْ تلك المعصِية كبِيرَة مِن كبائِرِ الذُّنوب ومات مِن غيْرِ توبةٍ صادِقة إلى الله-تبارك وتعالى-منها فإنه سَيَدْخُل النار-والعياذ بالله تبارك وتعالى-وسيَخْلُدُ فيها بِأدِلّةٍ كَثِيرَة مِن كتابِ الله ومِن سنَّةِ رسولِه-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-الصحِيحة الثابِتة عنه، فَحَذَارِ حذارِ مِن الوُقوعِ في معاصِي الله تبارك وتعالى؛ والله-تبارك وتعالى-ولي التوفيق.
س6: ...
ج: ...
نعم التَلْبِية في الحج هي ثابِتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكن شَتَّان بيْن التلبية الثابِتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وبيْن أن يَقول الإنسان: " اللهم إنِّي نَوَيْتُ أن أَحُجَّ حَجَّةَ الفرِيضة " أو " حَجَّةَ النافِلة " أو ما شابه ذلك .. هنالِك فَرْقٌ شاسِع بيْنهما ...
مِن حلقة 1 رمضان 1425هـ، يوافقه 16/10/2004م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
س7: هل لِلمرأةِ أن تَغْتَسِل غُسْل الإحرامِ مِن منزِلِها قبلَ الخروج ؟
ج: على كل حال؛ هذه المسألَة تَحْتَاجُ إلى إطالَة، ولكن: (3/227)
صفحة 819
إذا كانتْ تَقْصِدُ بِمَنْزِلِها المنزل الذي نَزَلَتْ فيه .. مثلا لو نَزَلَتْ في " المدِينة " .. في مدينة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولا بأس-طبعا-مِن تَسْمِيَتِها بِالمدينة المنورَة .. إذا أرادتْ ذلك نعم لِتَغْتَسِلْ مِن هُنَاك وَلْتَخْرُج ولكن لِتُحْرِم مِن عندِ الميقات .. لا ينبغِي لَها أن تُقَدِّمَ ذلك .. لَوْ قدَّمتْ ذلك فإنّ إحرامَها صحِيح-على الصحِيح الذي عليه الجمهور-ولكن ينبغِي لَهَا أن تُؤَخِّرَ ذلك إلى الميقات، كما فَعَلَ النبي صَلى الله عَليه وعلى آله وصحبه وسَلم، ولَم يَثبُتْ عنه ما يَدُلّ على خلافِ ذلك، ومَا جاء مِمَّا يُخالِفُ ذلك فإنَّه لا يَثْبُت، وَمَوْضِعُ الإطالة في غيْرِ هَذِه المناسَبَة بِمَشِيئة الله تبارك وتعالى.
أمَّا إذا كانتْ تَقْصِد بِأَنَّها تَغْتَسِل مِن بِلادِهَا عندَما تَذهَب وتَسْتَمِر عدّةَ أيام فهذا لا يَكْفِي لِلإتيانِ بِهذِه السنَّة .. نعم في وقتِنا هذا-مثلا-إذا كانتْ تَخْرُج بِوَاسِطةِ الطائِرَة فإذا اغتَسَلَتْ في بيْتِها قبلَ خُرُوجِها مباشَرَة فلا بأس-لأنَّها تَمُرّ على الميقات وهي في الطائِرَة ولا تَتَمَكَّن مِن الاغتِسال أو تَتَمَكَّن ذلك إنْ تَمَكَّنتْ بِمَشَقَّة-فَلْتَغْتسِل مِن بيْتِها لإحرامِها وَلْتُحْرِم عندَما تُحَاذِي الميقات؛ والله-تبارك وتعالى-ولي التوفيق.
مِن حلقة 3 رمضان 1425هـ، يوافقه 18/10/2004م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
س1: المرأةُ، هل يُشترَط لِسفرِها إلى الحج أن يَكون ذو مَحرمٍ معها ؟
ج: إنّ العلماء قد اختلَفوا في هذه المسألة:
1-ذهبت طائفةٌ كبِيرةٌ منهم إلى أنّ المرأةَ لابد مِن أن يُرافِقَها ذو مَحرمٍ منها إذا ذهبتْ إلى الحج. (3/228)
صفحة 820
والزوجُ داخِلٌ في المحرَم كما ثبتَ ذلك في الحديثِ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وعلى تقدِيرِ عدمِ دخولِه فإنه مِمّا يُعلَم بِالضرورةِ أنه يَصِحّ لَها السفر معه، إذ إنه أوْلَى مِن بقيةِ المحارِم.
2-وذهبتْ طائفةٌ مِن أهلِ العلم إلى أنّ المرأةَ يَجوز لَها أن تَذهَبَ إلى الحجِّ مع جماعةٍ مِن أهلِ الصلاحِ معهم نساء، وقال بعضهم: " أن يَكونوا مِن أهل العلم " .. اشترَط أن يَكونُوا مِن أهلِ العلم.
ومِن المعلوم أنّ الفيْصَل في هذه القضية كغيْرِها مِن بقيةِ القضايا الشرعِية هو الدليلُ الشرعِي، وقد ثَبَتَ-عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم-مِن طريقِ بن عباس رضي الله تبارك وتعالى عنهما-أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - نَهى المرأةَ عن السفَر إلا مع ذِي مَحرَم منها، فهذا الحديثُ حديثٌ صحِيحٌ ثابِت وهو يَشمل أيّ نوعٍ مِن أنواعِ السفَر إلا ما استُثْنِي مِن أنّ المرأة تُسافِر مع غيْر ذِي المَحرَم إذا خشِيَتْ على دِينِها أو خافتْ على نفسِها، وذلك كما جاءَ عن بعضِ المهاجِرات أنهنّ هاجَرْنَ مع غيْرِ محارِمِهِنّ مِن مكّة المكرّمَة إلى المدينة المنوّرَة، أما ما عدا ذلك فلا ولاسيما أنّ الحديث قد جاء فيه أنّ رَجُلا ذَكَرَ لِلنبي - صلى الله عليه وسلم - عندَما سَمعَ هذا النهي أنه قد اكْتَتَبَ في غزوةِ كذا وأنّ زَوْجَه تُرِيدُ الحج فأَمَرَه النبي - صلى الله عليه وسلم - بِأن يخرج إلى الحج مع امرأتِه .. كما جاء ذلك في الحديث الصحيح.
ولا شك بِأنّ القول بِأنّ المرأة ليس لَها أن تُسافِر إلى الحج أو العمرة إلا مع زوجٍ أو مَحرَمٍ منها هو القولُ القوي الذي يَنبغِي أن يعتمد عليه ولاسيما في هذا الزمان. (3/229)
صفحة 821
فالمرأةُ إذا كانتْ لا تَجِدُ زوْجا أو مَحرَما منها فإنها تَتَأَخَّرُ عن الحج حتى يَمُنّ الله-تبارك وتعالى-عليها بِأن يُسافِرَ معها زوجُها-إن كان لَها زوج-أو ذو مَحرَمٍ منها، أما أن تُسافِرَ مع غيْرِ زوجِها أو مِن غيْرِ مَحارِمِها فإنّ ذلك مِمّا لا يَصِح على هذا القول الذي ذهبتْ إليه-كما قلتُ-طائفةٌ كبِيرَةٌ مِن أهلِ العلم، وهذا القول هو الذي أَعتَمِدُه، لِما رأيناه مِن المفاسِد التي تَترتّب على سفَرِ المرأةِ مع غيْرِ زوجِها أو مِن غيْرِ ذِي مَحارِمِها، حتى إذا لَم يَثبُتْ-مثلا-الحديث فكيف وهو حديثٌ صحِيحٌ ثابِت لا شك في ثبوتِه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. (3/230)
صفحة 822
فإذن المرأةُ لا تُسافِر إلا مع زوجِها أو مَحرَمٍ منها مِن أقارِبِها سواء كان ذلك بِسببِ قرابَة منها-كما أشرتُ-أو بِسببٍ مُباح .. تَسافِر المرأة مع أبيها أو جدّها وإن علا ومع ابنها أو ابن ابنها أو ابن ابنتها وإن نَزَل وتُسافِر مع أخِيها وابن أخِيها وابن أختِها وإن نَزَلَ وتُسافِر مع عمِّها ومع خالِها، وكذلك تُسافِر مع مَن لَه علاقة بِها مِن الرضاع كالعلاقةِ التي ذكرناها مِن النسب لِما ثبتَ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ( يَحرُم مِن الرضاع ما يَحرُم مِن النسب ) فهذا الحديثُ واضِح الدلالة على أنه يَحرُم مِن الرضاع ما يَحرُم مِن النسب فمَن كان كصفة من ذكرناه سابقا كان أبا لها من الرضاع أو جدا لها من الرضاع أو ابنا لها من الرضاع أو ابنا لابنها أو لابنتها من الرضاع أو أخا لها أو عما لها أو خالا لها أو كان أيضا ابنا لأخيها أو لأختها من الرضاع فإنهم يسافرون معها بشرط أن يكون ذلك الرضاع ثابتا، أما إذا كان مشكوكا فيه بأن-مثلا-أدخل ذلك الطفل ثدي تلك المرأة في فمه ولا يعلم هل مص منها أو لا فإن هذا من الأمور المشتبهات فمثل هذا لا يصافح تلك المرأة وأيضا ليس لها أن تسافر معه وهكذا بالنسبة إلى كل ما يتعلق بأحكام الرضاع، والرضاع لا يشترط فيه العدد كما ذهب إليه بعض أهل العلم بل الصحيح أنه إذا ثبت الرضاع ولو كان مرة واحدة فإنه يثبت به الحكم وذلك لظاهر القرآن ولظاهر الأحاديث الثابتة عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-وما جاء مخالفا لذلك فقد رددنا عليه بما فيه الكفاية بمشيئة الله-تبارك وتعالى-، وهكذا بالنسبة إذا كان هنالك سبب من الأسباب المباحة شرعا وذلك كأن تسافر المرأة مع من يحرم عليها بسبب مباح شرعا، تسافر المرأة-مثلا-مع أب زوجها أو جده سواء كان ذلك من جهة أبيه أو من جهة أمه وإن علا أو أن تسافر مع ابن زوجها أو ابن ابنه أو ابن بِنته وإن نزل أو أن تسافر كذلك مع زوج أمها أو زوج (3/231)
صفحة 823
جدتها وإن علا وهكذا بالنسبة إلى زوج بِنتها وزوج بنت بنتها وإن نزل لكن يشترط بالنسبة إلى زوج الأم وزوج الجدة وإن علت الجدة .. يشترط فيه أن يكون قد دخل بالأم أو دخل بالجدة وهكذا بالنسبة أن لو علت الجدة، أما إذا كان مجرد عقد فإنه لا يكون بذلك محرما منها بخلاف زوج البنت أو بنت الابن أو بنت البنت فإنه بمجرد عقده عليها-على ابنتها-يكون محرما للأم ويكون محرما للجدة وهكذا؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: ما مقدار السن بالنسبة للمحرَم إذا كان هذا المحرم ولدها ؟ (3/232)
صفحة 824
ج: لابد أن يكون بالغا، وبعض العلماء يرخص إذا كان مناهزا للبلوغ بأن كان يدري بكل ما يدور حوله، أما إذا كان صبيا صغيرا أو ما شابه ذلك فهذا مما لا قيمة له .. الأصل أن يكون بالغا لكن في حالة الضرورة القصوى إذا كان مناهزا للبلوغ بقيت سنة أو ما شابه ذلك فبعض العلماء يرخص في ذلك، وهكذا بالنسبة إلى عقد النكاح فإن بعض العلماء يرخص إذا كان ذلك الصبي يعقل .. فإنه يرخص في أن يعقد على المرأة ولكنني لا أرى ذلك بل أقول إنه لابد من أن يكون بالغا .. نعم إذا كان مناهزا للبلوغ فهو يُرخص فيه على رأي بعضهم .. في حالة عقد النكاح ينبغي أن يأذن ذلك الصبي ولكن لابد من إذن غيره ممن هو أبعد منه أو من إذن الحاكم معه، أما ما يُرخص فيه بعض أهل العلم مما هو أقل من ذلك فلا نراه لأن العلة معلومة من هذا وليس مجرد أن يكون ذكرا وإنما أن يكون يعرف ما يدور حوله ويعرف ما يضُر تلك المرأة التي هو محرم منها وما ينفعها وما شابه ذلك، أما أن يكون مجرد ذكر فهذا مما لا ينبغي أن يعتمد عليه وإن قال به من قال، وفي الحقيقة-كما أشرت من قبل-مَن نظر إلى بعض المفاسد التي تقع وعلم بذلك فإنه لابد من أن يشدد في قضية الحج والعمرة مع غير الزوج ومع غير المحرم، ثم إن المرأة بحاجة إلى من يأخذ بيدها عندما تطوف وعندما تسعى ولاسيما في حالة الزحام، وقد سمعنا أن بعض النساء يمسكن في رجال أجانب منها وقد يمسك ذلك الأجنبي بيدها ويطوف بها وقد تنشأ بعد ذلك علاقات بينه وبينها لأنها ترى أنه قد صنع لها معروفا ولابد من أن تكافئه باتصال أو مكالمة أو ما شابه ذلك، وهذا-على كل حال-مما لا يصح .. نعم لو وقعت امرأة فلابد من أن يحملها الإنسان حتى تقوم على رجليها أما أن تتعمد المرأة أن تذهب مع أجنبي منها فهذا مما لا يصح أبدا .. هذا ما أراه؛ والعلم عند الله.
س: إذن نفهم من هذا أنه في حالة عدم وجود المحرم لا تعتبر المرأة مستطيعة ؟ (3/233)
صفحة 825
ج: نعم .. تتأخر المرأة حتى تجد زوجا أو محرما، لكن إذا لم تجد أبدا بعد ذلك هل يجب عليها أن تأمر غيرها أن يحج عنها أو أن توصي بذلك ؟ في ذلك خلاف بين أهل العلم، ولا شك أن السلامة أن تؤجِّر من يحج عنها إذا صارت آيسة من وجود الزوج أو المحرم أو أن توصي بذلك.
س: في حالة وجود المحرم لكنه لا يملك المال وهي تملك المال، هل يجب عليها أن تعطي محرمها المال ليحج معها ؟ (3/234)
صفحة 826
ج: أما الوجوب فيحتاج إلى شيء من النظر، ولكنني أحث ذلك المحرم بأن يخرج مع تلك المرأة وأحثها هي-أيضا-أن تعينه بشيء من المال الذي يمكن أن يذهب معها إذا حصل عليه فيكون هنالك تعاون بين تلك المرأة وبين محرمها ولا شك بأنه إذا ذهب سيحصل على أجر عظيم بمشيئة الله-تبارك وتعالى-إذا كان صالحا .. أوَّلا سيؤدي الحج ولو كان قد حج من قبل سيؤدي حجة نافلة وفي ذلك من الفضل ما لا يخفى، كما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة )، وجاء عنه أيضا: ( من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه )، إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على فضل الحج وعظم منزلته والأجر العظيم والثواب الكبير الذي يحصل عليه من أداه طاعة لله-تبارك وتعالى-وامتثالا لأمره - سبحانه وتعالى - وكان بارا في حجه ذلك لم يرتكب معصية من معاصي الله تبارك وتعالى، فإذن لا ينبغي له أن يفرط في إعانة هذه المرأة على طاعة الله وسيكون له الأجر بمشيئة الله من ناحيتين .. من تأديته للحج ومن إعانته لهذه المرأة التي ترغب في تأدية فريضة الله-تبارك وتعالى-عليها، وهي ينبغي لها ألاّ تبخل بالمال عليه، فمال هذه الدنيا ذاهب، فإذا أعانت هذا الرجل الذي يذهب معها لتأدية الحج ففي ذلك من الخير ما لا يخفى، أما الوجوب فيحتاج إلى شيء من النظر، لأن القول بوجوب ذلك فيه ما فيه، كما لا يخفى، فإذن-كما قلتُ-أحث المرأة التي لا تجد محرما إلا إذا أعانته بشيء من المال ألاّ تبخل بذلك؛ والله-تبارك وتعالى-ولي التوفيق.
س2: ما حكم ذهاب المرأة للحج رفقة مجموعة من النساء بدون أن يكون عندها محرم رجل ؟ (3/235)
صفحة 827
ج: على كل حال؛ أستأذنك قبل كل شيء أن أجيب ولو بجواب مختصر جدا على سؤال الحج السابق الذي سألت عنه هذه المرأة لعلها تريد أن تذهب إلى الحج وقبل كل شيء أنبه إلى أنه ينبغي للإنسان أن يكون حريصا على طلب العلم سواء كان ذلك من قراءة الكتب أو من سؤال أهل العلم أو من دروسهم أو ما شابه ذلك من الوسائل التي يحصل بها العلم الشرعي، ومما نلاحظه على كثير من الناس أنهم لا يهتمون بطلب العلم وإنما يهتم الواحد أن يسأل عن مسألة وقع فيها أو أنه يريد أن يأتي بها في المستقبل أو ما شابه ذلك وقد يجيب بعض أهل العلم عن تلك المسألة قبل ذلك بقليل أو قبل يوم أو ما شابه ذلك ولا يهتم بتلك المسألة .. يكون مشتغلا بالحديث مع فلان أو فلان أو لا يطلع على تلك البرامج التي تذاع فيها تلك المحاضرات أو تلك الدروس أو تلك الأجوبة أو ما شابه ذلك ويفوته خير كثير من المسائل الشرعية، فطلب العلم فريضة على كل مسلم وإن كنا لا نقول بأن الكل من الفرائض ولكن بعضه من الفرائض والبعض الآخر من النوافل التي لا ينبغي التفريط فيها. (3/236)
صفحة 828
بالنسبة إلى هذا السؤال قد ذكرنا-في الجواب الذي مضى قبل قليل-أنّ المرأة إذا أرادت الحج لابد من أن تذهب مع زوج أو محرم منها، وأنه لا يصح لها أن تذهب مع مجموعة من النساء معهن بعض أهل الصلاح .. هذا الذي ذهبت إليه طائفة كبيرة مِن أهل العلم، وعليه إن لم تجد المرأة زوجا أو مَحرما منها في ذلك الوقت فلتتأخر حتى تتمكن من الذهاب بعد ذلك في سنة من السنوات القادمة بمشيئة الله-تبارك وتعالى-مع زوجها إن كان لها زوج أو مع ذي محرم منها، و-قلنا إنه-ينبغي أن يُنظر إذا لم تجد المرأة محرما إلا إذا بذلت له المال بأن كان فقيرا أو ما شابه ذلك و-قلنا إنه-لا ينبغي لها أن تفرط في بذل المال، أما القول بوجوب ذلك عليها فإنه يَحتاج إلى شيء من النظر، وحتى نتمكن من ذلك فإنني لا أقوى على الجزم في ذلك بشيء، لكن-كما قلتُ-ينبغي التعاون بين الفريقين .. ينبغي لهذه المرأة أن تبذل المال وينبغي لذلك الرجل ألاّ يأخذ منها إلا مقدار ما يؤدي به الحج ويرجع إلى وطنه .. هذا الذي نعتمده لما ذكرته في ذلك الجواب. (3/237)
صفحة 829
وبعض العلماء يُرخص أن تذهب المرأة مع رجال من الثقات الصالحين معهم بعض النساء من محارمهم؛ ولكن هذا القول لا ينبغي التعويل عليه، ولاسيما في هذا الزمان لشدة الزحام بل ولا ينبغي التعويل عليه في أيّ وقت من الأوقات لأنه مخالِف لِظاهر الحديث الثابت عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-ونحن لا نقطع العذر في هذه المسألة ولا نقول إنها من المسائل القطعية ولكن نقول: إن ذلك القول هو القول الأقرب للصواب، وعلى تقدير صحة تأويل من تأوله من أهل العلم فكما قلتُ في هذا الزمان لا ينبغي أن يؤخذ بذلك، لأن ذلك إذا كان لا يستدعي أن تمسك المرأة بيد رجل أو يمسكها رجل ويطوف بها وقد تحتاج إلى حمل أو ما شابه ذلك في الأزمنة الغابرة فإن الزمان قد اختلف في هذه الأيام، وقد سمعتُ أنه وقع في الأعوام الماضية أنّ بعض النساء اللاتي ذهبن إلى الحج قد ذهبن للطواف مع رجال أجانب عنهن وقد أمسكت بعض النساء بيد رجل أجنبي منها فهل يمكن أن نقول بجواز ذلك ؟! هذا مما لا يصح .. نعم-كما قلتُ- إذا كان هنالك وقع حادث .. وقعت امرأة فإنّ على الرجل أن يقوم بحمل تلك المرأة حتى تقوم، أما أن يتعمد ذلك أو أن تتعمد هي ذلك من قبل فهذا مما لا يصح، فهذا الذي أراه وأعتمد عليه؛ والله-تبارك وتعالى-ولي التوفيق.
س5: ما هي شروط استئجار الحج ؟ وهل يصح أن يُستأجر أو أن يُحج عن غير الولي وهو من لم يكن على طاعة ؟ (3/238)
صفحة 830
ج: على كل حال؛ الإنابة في الحج ثابتة في سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - ثبوتا لا شك فيه، فقد جاء ذلك من عدة طرق عن النبي-صلوات الله وسلامه عليه-ودعوى من ادعى بأن ذلك خاص بأولئك أو ما شابه ذلك مما ذكره بعض أهل العلم مردود على صاحبه ولا داعي للإطالة بالأجوبة التي أجيب بها عن ذلك، فالإنابة إذن ثابتة لا إشكال فيها فمن كان عاجزا بسبب مرض أو كبر سن ولا يستطيع أن يذهب في الحال ولا في المستقبل إلى الحج بحسب الظاهر فإن له بل عليه أن ينيب غيره لتأدية فريضة الحج عنه سواء كان ذلك بسبب مرض لا يرجى الشفاء منه بحسب الظاهر أو بسبب كبر السن، أما إذا كان يرجو الشفاء من ذلك المرض فلا، وهكذا بالنسبة إذا أوصى شخص بالحج عنه وقد مات فإنه يؤدى عنه ذلك الحج هذا لا إشكال فيه، أما بالنسبة إلى هل للإنسان أن يذهب بتأدية الحج عن شخص لا يتولاه ؟ هنالك أمران الأول أن بعض أهل العلم يمنع من ذلك وبعضهم يجيز ذلك، والقول بجواز ذلك بشرط أن لا يدعو له هو الأقرب إلى الصواب فليس له أن يخصه بدعاء وإنما يدعو لعموم المسلمين فإن كان ذلك الشخص داخلا في عموم المسلمين بأن تاب وأناب إلى ربه-تبارك وتعالى-ولم يعلم هو بتوبته فإنه يكون داخلا في ذلك العموم وإن كان بخلاف ذلك فإنه لم يدع له بخير الآخرة، نعم إذا كان ذلك الشخص حيا فيمكن أن يدعو له بالهداية إلى الطريق المستقيم لأنه بالإمكان أن يرجع إلى الله-تبارك وتعالى-أما الميت فقد انتهى أمره ولا يمكن أن يهتدي بعد انتقاله من هذه الحياة الدنيا، لكن بقي أن الإنسان قد يكون لا يتولى شخصا لأنه لم تقم عليه الحجة بولاية ذلك الشخص فإذا ذهب لتأدية الحج عنه فإنه لن يدعو له على سبيل الاستقلال ويكون ذلك الشخص في حقيقة الواقع من أهل الصلاح ولكن هو لم تقم عليه الحجة فمثل هذا لا ينبغي أن يذهب هذا الشخص أن يحج عنه إلا إذا أخبره أو ما شابه ذلك ولكن قد يكون في الإخبار شيء من الأمور التي ستعقب (3/239)
صفحة 831
ذلك مما ينبغي أن لا يقع فيه الإنسان فإنه إذا قال له: "لن أدعو لك" أو "أنا لا أدري بحالك" أو ما شابه ذلك فإنه مما لاشك فيه بأنه سيقع في نفس ذلك الشخص من هذا الإنسان، نعم إذا دعاه إلى التوبة إلى الله والرجوع إليه - سبحانه وتعالى - أو ما شابه ذلك وتاب ورجع إليه - سبحانه وتعالى - وثبتت ولايته فالأمر لا إشكال فيه، فإذن من حيث الجواز هنالك شيء لكن-كما قلت-يمكن أن نقول بجواز ذلك ولكن بقي ما ذكرناه من الملاحظة التي لابد من اعتبارها، بقي هناك أن كثيرا من الناس يهتمون بجمع حطام الدنيا الفانية فتجد الواحد منهم يذهب يبحث عن شخص يحج عنه ويراعي المبلغ، إذا كان هذا المبلغ أكثر من غيره فإنه يحج عن ذلك الشخص ولو كان ذلك من أعصى العصاة أما إذا وجد رجلا صالحا ولم يبذل له ما يريد من المال فإنه لن يلتفت إليه مثل هذا في حقيقة الواقع لا يمكن أن نقول إنه يجوز له أن يحج عن غيره، ذلك لأن الإنسان ينبغي له عندما يذهب أن يحج عن غيره أن ينوي بذلك أن يصل إلى تلك البقاع وأن يدعو له ولعموم المسلمين ولذلك الشخص الذي يحج عنه إن كان من أهل الصلاح وكذلك أن يعين ذلك الشخص على طاعة الله-تبارك وتعالى-أما أن يكون قصده أن يجمع هذا الحطام الفاني فهذا مما لم يقل به أحد من أهل العلم؛ والعلم عند الله.
س7: هل يَجوز لِمَن حَجَّ الفريضة على حساب الدولة أن يَحج حَجّة أخرى بنية الفريضة أيضا مِن ماله ؟ (3/240)
صفحة 832
ج: لماذا ؟! تقول هذه المرأة الناقلة بأنه مشكوك فيه (1) .. لا أدري ما هو وجه الشك، فلا ينبغي للإنسان أن يلتفت إلى مثل هذه الشكوك والوساوس، فإن لم يكن هذا المال حراما فلا ينبغي له أن يلتفت إلى ذلك، كيف يكون ذلك ؟! لا أدري مِن أيّ جهة .. إذا كان مِن الدولة لا شيء عليه بمشيئة الله تبارك وتعالى، أما إذا كان شيئا مِن المؤسسات المحرمة أو ما شابه ذلك فإنه إذا احتاط لأمر دِينِه فإنه لا شك أنه مِمّا ينبغي له ألاّ يُفرِّط فيه، أما أن نقول بوجوب ذلك عليه فعلى كل حال هذا مِمّا لا نقوى عليه، لأنه أدّى تلك الفريضة، فإذن إن كان هذا المال الذي ذهب به مِن مؤسسة محرمة أو ما شابه ذلك فالأمر يَختلِف، أما إذا كان-كما تقول-مِن الدولة فلا شيء عليه وإن كان يريد بعد ذلك أن يذهب لتأدية حَجّة نافلة أو ما شابه ذلك فإنه مِمّا لا ينبغي للإنسان أن يُفرِّط في عمل الخير بشرط ألاّ يؤذي غيْرَه، فإنّ كثيرا مِن الناس-كما نشاهدهم-يذهبون إلى الحج في كل عام مِن الأعوام ويكون هنالك زحام شديد جدا جدا .. يُؤذُون غيْرَهم مِن الكبار ومِن المرضى أو ما شابه ذلك، فإن أدّى الأمر إلى أَذِية الآخَرين فإنّ الإنسان ينبغِي لَه أن يتأخّر في تلك السنة أو في ما شابه ذلك ويُنفِق تلك الأموال في بعضِ أمورِ البِر إن كان يُرِيد الخيْر وليُحسِن النية وعندما يتمكن مِن الذهاب إلى الحج مِن غيْرِ أَذِية لغيْرِه مِن المسلمين فليذهب بمشيئة الله تبارك وتعالى.
س8: من أراد الحج وعليه دين ربوي ؟
__________
(1) -يبدو أنّ الشيخ سمع " مشكوك " بدلا مِن " مشغول "، والسؤال كما ورد في المكالمة هو: " نظرا لأنّه عندما ذهب في المرة الأولى على نفقة الدولة كان مشغولا في بعض الأمور فهو يود أن يعوض بأن يذهب على نفقته، هل يجوز له أن يذهب الآن مرة ثانية بنفقته وينوي فريضة ؟ ". (3/241)
صفحة 833
ج: إذا كان ربويا فعليه أن يتخلص من ذلك عليه أن يتوب إلى الله-تبارك وتعالى-من محاربة الله-تبارك وتعالى-ورسوله: { ... فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ ... } [ سورة البقرة، من الآية: 279 ] عليه أن يتوب إلى الله-تبارك وتعالى-وأن يتخلص من هذه المعاملة قبل أن يخرج من هذه الدنيا إلى عذاب الله-تبارك وتعالى-فهذا إن كان يريد أن يتوب، أما إذا كان لا يريد أن يتوب في حقيقة الواقع ولا أعني بذلك ما يلقلق به كثير من الناس ألسنتهم يدعي الواحد يقول: "أريد أن أتوب" وهو لا يسلك طريق التوبة يجلس السنوات الطويلة وهو لا يتخلص من هذه المعاملات فإن كان لا يريد أن يتخلص الآن فليذهب لتأدية الحج حتى لا يجمع بين معصيتين بين معصية إقامته على محاربته الله-تبارك وتعالى-ورسوله بأخذ هذا المال الحرام أو بالتعامل بهذه المعاملة المحرمة وبتأخير الحج وإن كان هذا الحج لا يتقبل منه لأن الله-تبارك وتعالى-لا يتقبل إلا من المتقين (1) وكيف يكون هذا متقيا لله وهو ملعون على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - محارب لله-تبارك وتعالى-بنص كتابه سبحانه ؟! ولكنه قد أدى هذه الفريضة بمعنى أنه لا يطالب بها بعد ذلك مرة أخرى؛ والله-تبارك وتعالى-ولي التوفيق.
س9: من عليه دين وليس عنده الوفاء لكن جهة عمله تتكفل بإرجاع الحق لأصحابه على تقدير وفاته ؟
__________
(1) -قال الشيخ: " لا يتقبل مِن المتقين " وهو سبق لسان. (3/242)
صفحة 834
ج: إذا ثبت هذا حقا بأن تلك الجهة تقوم بعد ذلك بتأدية هذا المال إلى أصحابه وكان هذا الدين مؤجلا أو كان صاحبه يرضى بالتأخير فلا بأس بذلك بمشيئة الله-تبارك وتعالى-أما إذا كان هذا الدين حالا فلابد من أن يدفع المال إلى صاحبه إلا إذا أذن له بذلك، ثم أيضا لا ينبغي للناس أن يحرجوا غيرهم تجد الواحد يذهب إلى غيره "يا فلان أنا أريد الحج وأريد منك أن تؤخرني" أو ما شابه ذلك فكثير من الناس على كل حال سيقولون لهذا السائل "اذهب إلى الحج" لكن هل هم راضون بذلك حقا ؟ قد يقول قائل العبرة بما ذكروه والله أعلم بما صدورهم نقول له لابد من النظر والتأمل في هذا الأمر فقد يقول لك الإنسان بلسانه وهو لا يرضى بذلك، الأصل أن تؤدي هذا المال إلى صاحبه ولا تذهب إلى الحج إلا بعد أن تؤدي ما عليك لكن إذا كنت واثقا من صاحبك مطمئنا إليه تمام الاطمئنان كما يعرف عند أهل العلم بالتعارف أو ما شابه ذلك فلا بأس بهذا بمشيئة الله-تبارك وتعالى-أما إذا كان الأمر بخلاف ذلك فلا، وكثير من الناس يدعون بأن هذا من الأمور التي يتعارفون عليها أو بأنه واثق من أمر صاحبه ولكن الأمر بعكس ذلك يتساهلون في هذه الأمور يدَّعون أن هنالك عُرفا بينهم في هذه القضايا وفي غيرها من القضايا وليس هنالك عرف في حقيقة الواقع، إذن لابد من أن يكون واثقا من ذلك تمام الثقة أما إذا كان مجرد ظن وتخمين أو ما شابه ذلك فهذا مما لا يُلتفت إليه.
س10: على تقدير أنّ المحرم سيصاحب هذه المرأة في سفره لكن مصاحبته لها تكون في الالتقاء بها-مثلا-في مكة أو في ... ؟
ج: لكن والطريق ؟
س: قد يذهب هو بالطائرة وتلتقي هي به بعد أو العكس.
ج: حقيقة هذا مما لا ينبغي التساهل فيه فلتذهب معه في الطائرة أو في غير الطائرة.
س11: إن كانت المرأة تخشى أن يدركها الحيض في فترة المناسك، هل لها أن تتأخر عن الحج أو العمرة بسبب هذا ؟ (3/243)
صفحة 835
ج: الله أعلم؛ إذا كانت تريد أن تذهب إلى العمرة فإن كانت تعرف بأنه سيأتيها هذا الحيض على حسب عادتها ولابد من أن ترجع إلى بلادها في تلك المدة فلا يمكن أن تحرِم لأن في ذلك من الصعوبة ما لا يخفى قد تحرم ثم ترجع إلى بلادها وتبقى شهرا أو شهرين أو أكثر وهي محرمة وفي هذا من المشقة ما لا يخفى لكن إذا كانت-مثلا-ذهبت وتظن بأنها ستطهر قبل ذلك أو أنه لن يأتيها الحيض قبل ذلك فيمكن أن تشترط فإذا اشترطت ولم تتمكن من تأدية تلك العمرة فلا بأس بذلك على رأي من يقول بالاشتراط ونحن نقول بالاشتراط لأن ذلك ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ودعوى أن ذلك خاص بتلك المرأة أو أنه منسوخ مما لا يُقبل، أما الخصوصية فإنه مما لا دليل عليها، والأصل أن ما ثبت للواحد يثبت لغيره إلا إذا دل دليل على التخصيص، وأما دعوى النسخ فإنها مردودة لأن ذلك من أواخر الأحكام ولم يأت ما ينسخه، ولكن بقي هل يباح ذلك لمثل الحيض أو ما شابه ذلك ؟ عندما تكون هنالك ضرورة ملحة فيمكن أن نقول بذلك ولكن لا ندعو إلى التساهل كثيرا في مثل هذه القضية، أما بالنسبة إلى الحج إذا كانت المرأة تعرف بأنها لن تتمكن من الإتيان بالحج وهي طاهرة وطبعا الذي يشترط فيه الطهارة هو الطواف أما بالنسبة إلى الوقوف والسعي إلى غير ذلك من الأمور الأخرى كالرمي والمبيت بالمزدلفة والذبح وما شابه ذلك .. هذه الأمور لا تشترط فيها الطهارة وإنما الذي تشترط فيه الطهارة هو الطواف فإذا كانت تعرف بأنها لن تتمكن من الإتيان بطواف الزيارة فلا يمكن أن تذهب إلا إذا كانت تعرف بأنها سترجع ويمكن بعد ذلك أن تذهب بعد مدة لا يشق عليها ذلك فلا إشكال في ذلك أما أن تذهب وبعد ذلك ترجع وتبقى مدة طويلة فهذا قد يشق عليها كثيرا ولزوجها عليها حقوق إن كان لها زوج .. (3/244)
صفحة 836
له حق الوطء ومن المعلوم أن المرأة إذا كانت محرمة لا يمكن أن توطأ بل ولا ما هو أقل من ذلك حتى اللمس إذا كان بشهوة والتقبيل والضم وما شابه ذلك .. هذه الأمور لا تصح في حق المُحرِم، فإذن المعتبر الطواف فإذا كانت يمكن أن تتأخر هنالك عن الرفقة والأمر يسير في هذا الزمان تأتي في طائرة أو تأتي في ناقلة مع محرمها أو زوجها فلتتأخر وإن كانت يمكن أن ترجع بعد ذلك بمدة قصيرة فلا بأس بذلك بمشيئة الله-تبارك وتعالى-أما إذا كانت لا يمكنها ذلك فلتتأخر في هذه السنة ولتذهب في سنة أخرى بمشيئة الله تبارك وتعالى، أما بالنسبة إلى عمرة التمتع فلا إشكال في ذلك إذا أتاها الحيض فلتُدخل الحج على العمرة وتكون قارنة كما فعلت السيدة عائشة بأمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم .. إذا لم تتمكن من الطواف قبل عرفة فلتدخل الحج على العمرة وتكون قارنة ولاشيء في ذلك بمشيئة الله تبارك وتعالى، وهكذا بالنسبة إلى طواف الوداع فإنه لا يلزمها .. هذا أمر لابد من التنبه إليه وقد وقعت في السنوات الماضية على حسب ما سمعت .. وكثير من المسائل في هذه القضية ولعلنا ننبه على ذلك في مناسبة أخرى بمشيئة الله تبارك وتعالى، لأنّ هنالك مِن المخالَفات التي وقعتْ فيها بعضُ النساء مِمّا يبطل الحج أو العمرة أو يؤثر فيهما أو ما شابه ذلك، وبيان ذلك في المناسبة التي أشرتُ إليها بمشيئة الله تبارك وتعالى؛ والله-تعالى-ولي التوفيق، وهو أعلم بكل شيء.
مِن حلقة 29 شوال 1425هـ، يوافقه 12/12/2004م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
س1: مَن خرج مِن مكة بعد أداء عمرة التمتع، هل يلزمه أن يدخل إليها بعد ذلك محرما بالحج ؟ (3/245)
صفحة 837
ج: قد اختلفت كلمة أهل العلم فيمن أراد أن يدخل إلى مكة المكرمة ولم يكن يريد في ذلك الوقت حجا ولا عمرة هل يجب عليه أن يدخلها بإحرام أو أنه يجوز له أن يدخلها بغير إحرام، وقد استدل كل فريق بأدلة متعددة وقد ذكرنا ذلك في مناسبات سابقة فلا داعي لإعادتها مرة ثانية والقول الصحيح الذي تشهد له الأدلة الصحيحة الثابتة أن الإنسان إذا كان يريد أن يدخل إلى مكة المكرمة ولا يريد حجا ولا عمرة أنه لا يلزمه الإحرام، وذلك لأن الحديث الذي جاء من طريق بن عباس-رضي الله تبارك وتعالى عنهما-نص صريح ولم يعارضه معارض معتبر فكل ما استدل به من قال بخلاف هذا الرأي لا تقوم به الحجة لضعفه وعدم ثبوته عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-وما جاء عن غيره-صلوات الله عليه وسلامه عليه-فإنه لا تقوم به الحجة إذ لا تقوم الحجة إلا بكتاب الله وبسنة رسوله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-أو ما يرجع إليهما بوجه من وجوه الحجية المعروفة عند أهل العلم، وأيضا فإن من قد أدى فريضة الحج من قبل وقد أدى العمرة الواجبة على القول بوجوبها فإنه إن ألزمناه أن يدخل بإحرام فإما أن نلزمه بعمرة أو بحجة أو أن نلزمه أن يدخل بإحرام ويطوف أو يدخل بإحرام ثم بعد ذلك يقوم بخلع إحرامه، ولا دليل على شيء من هذه الأمور لأن الطواف يصح من دون إحرام ثم إنه أيضا ليس بواجب أي لا يجب مستقلا من دون أن يكون لحج أو عمرة ومجرد الدخول لا يحتاج إلى إحرام، فإذن القول الصحيح هو عدم وجوب الإحرام لمن أراد أن يدخل مكة المكرمة ولم يكن يريد في ذلك الوقت حجا ولا عمرة، نعم من لم يحج من قبل وكان ذلك الوقت وقتا للحج فإنه عليه أن يدخل بإحرام للحج اللهم إلا إذا كانت هنالك ظروف تمنعه من الحج في تلك السنة ويريد أن يرجع-مثلا-فالأمر يختلف، وكذلك من لم يؤد العمرة الواجبة على القول بوجوبها أو العمرة المسنونة فإنه لا ينبغي له أن يفرِّط ويدخل من غير إحرام ثم إنه إن كان أيضا (3/246)
صفحة 838
لا يشق عليه وإن كان قد أدى من قبل الحج والعمرة فإنه إذا دخل بعمرة فإن في ذلك من الفضل ما لا يخفى فلا ينبغي لطالب الخير والفضل أن يفرِّط فيه أما الوجوب فشيء آخر، أما من دخل أوَّلا بعمرة التمتع-مثلا-وأدى العمرة ثم إنه رجع إلى المدينة المنورة لقصد إحضار أصحابه أو لأي أمر من الأمور أو ذهب إلى جدة-والمدينة خارج الميقات وجدة داخلة في الميقات-أو ذهب إلى أي موضع من المواضع أو ذهب لعرفة أو لغير ذلك من المواضع وأراد أن يرجع إلى المكان الذي قد استقر فيه من قبل فإنه لا يلزمه أن يدخل بالحج في ذلك الوقت، لأنه وإن كان يريد أن يحج في تلك السنة ولكنه لا يريد أن ينشئ الحج في ذلك الوقت بل هو راجع إلى موضعه الذي هو فيه ذهب لإحضار حاجة أو للنظر في أي أمر من الأمور أو ما شابه ذلك، فالذي عندي أنه لا يلزمه الإحرام في ذلك الوقت وهذا لا شك بأن فيه من الرفق ما لا يخفى والدين بحمد الله-تبارك وتعالى-يسر، فينبغي أن ييسر على عباد الله-تبارك وتعالى-في الأمور التي لا تصادم دليلا من الأدلة الشرعية أما إذا كان ذلك مصادما لدليل فإنه لا يمكن أن يدعى بأن فيه تيسيرا إذ لا يمكن لأحد أن يخالف الدليل ولو كان يظهر للإنسان أن فيما يخالفه .. أن فيه اليسر أو ما شابه ذلك فالعبرة بما دل عليه الدليل، فإذن من ذهب إلى المدينة أو إلى جدة أو إلى عرفة أو إلى أي موضع من المواضع وكان قصده أن يرجع إلى الموطن الذي كان مستقرا فيه أو ما شابه ذلك ولم يرد أن ينشئ الحج في ذلك الوقت بأن رجع في اليوم الثالث أو الرابع أو الخامس أو السادس وهو يريد أن يحرم بالحج في اليوم الثامن فلا يلزمه الإحرام هذا ما أراه والعلم عند الله تبارك وتعالى.
س2: مَن لا يستطيع أداء الحج إما لكبر سنه أو لمرض ألم به، هل الأوْلى له أن يؤجر في حياته أو أن يوصي بالحج ؟ وهل هو مطالب أساسا بأن يؤجّر أو يوصي وهو على هذا الحال ؟ (3/247)
صفحة 839
ج: أما إذا كان قد وجب عليه الحج من قبل وفرَّط فيه فإنه لا شك بأنه يجب عليه أن يؤجِّر في الوقت الحاضر-أي في وقت حياته-أو أن يوصي بذلك، أما إذا لم يكن واجبا عليه من قبل فإن لأهل العلم خلافا، وقد ذهبت طائفة من أهل العلم إلى أن الإنسان إذا كان واجدا للمال ولم يكن قادرا في يوم من الأيام أن يذهب إلى الحج أنه لا يلزمه أن يؤجّر أو أن يوصي بالحج وذلك لأن من شرط ذلك أن يكون قادرا على الذهاب إلى تلك الأماكن المقدسة ولا يكفي أن يكون واجدا للمال، وذهبت طائفة من أهل العلم إلى أن ذلك يجب عليه واستدلوا بظواهر الأحاديث فعلى هذا الرأي الثاني من كان واجدا للمال ولو لم يكن مستطيعا في وقت من الأوقات على الذهاب إلى الحج أو كان قادرا على الذهاب-على الركوب مثلا أو ما شابه ذلك-ولكنه لم يكن في ذلك الوقت واجدا للمال ولم يجد المال إلا بعد أن صار عاجزا عن الذهاب فإنه يجب عليه الحج على هذا الرأي، ولا شك بأن هذا الذي تؤيده ظواهر النصوص وإن كانت ليست بصريحة في ذلك ومهما كان فهذا القول أحوط وأسلم، فلا ينبغي للإنسان الذي منَّ الله-تبارك وتعالى-عليه بالمال الطيب الحلال أن يفرِّط في ذلك لأن في مثل هذه المسائل التي يشتد فيها الخلاف ولاسيما عندما تكون الأدلة أقرب ما تكون إلى ذلك الرأي فأن الإنسان لا ينبغي أن يفرِّط فيه، أما من حيث هل الأفضل للإنسان أن يؤجر في حياته إذا كان يعرف من نفسه أنه لا يستطيع أن يذهب أبدا إما لكبر سنه أو لأنه آيس من الشفاء بحسب الظاهر .. (3/248)
صفحة 840
هل الأفضل له أن يؤجِّر في حياته أو أن يوصي بذلك ؟ لاشك أن الأفضل له أن يؤجّر في حياته ذلك، بل الأفضل للإنسان أن يؤدي ما عليه من جميع الحقوق في حياته وإنما يؤخر الوصية للأقارب الذين لا يرثونه فإن الوصية للأقارب لا يمكن أن يؤديها الإنسان في حياته بل لابد من أن تنفَّذ بعد وفاته، أما ما عليه من كفارات أو ديون أو ما يريد أن يتبرع به أو ما شابه ذلك فإن الأولى أن يأتي به في حياته، ذلك لأن الإنسان لا يدري ماذا عسى أن يعرض للورثة أو للوصي أو ما شابه ذلك وهل سيؤدون ذلك على الطريق المطلوب أو لا ثم الإنسان أيضا لا يضمن أن يبقى معه المال إلى أن يموت فقد يضيع منه أو قد تصيبه جائحة أو ما شابه ذلك ثم إن الإنسان لاشك أنه إذا أداه في حياته .. لا شك أن هنالك فرقا بينما إذا أداه في حياته أو أداه بعد ذلك لأن الإنسان قد لا يبالي بالمال بعد وفاته أما في هذه الحياة يكون حريصا عليه غاية الحرص فإذا أداه في حياته فلا شك أنه أولى من جميع هذه الوجوه؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س3: ما حكم استخدام حقيبة النوم بالنسبة للمحرم ؟ (3/249)
صفحة 841
ج: هي ليست من اللباس في شيء فلا نرى مانعا من استخدامها .. هذا مِن حيث الجواز وعدمه، وأما مِن حيث الاحتياط فإن احتاط الإنسان ولم يستخدمها إلا على طريق بأن قام بوضعها عليه أو ما شابه ذلك فذلك أحوط لكن من حيث المنع فلا نقوى عليه لكن بشرط ألاّ يضع ذلك على رأسه لأنّ إحرام الرجل يكون في رأسه .. نعم إذا اضطر الرجل لتغطية رأسه اضطرارا بأن كان يخشى من البرد الشديد أو ما شابه ذلك فلابد من الفدية هاهنا، أما إذا لم يضطر فلا ولو قال شخص مثلا: " أنا لا بأس سأعمل الفدية .. أصوم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين أو أذبح ذبيحة-وطبعا الإطعام والذبح يكونان لفقراء الحرم-فهذا أمر يسير " نقول له: هذا-أوَّلا وقبل كل شيء-ممنوع .. ليس لك ذلك وإنما يكون ذلك في حالة الضرورة .. عندما لا يستطيع الإنسان مِن شدّة البرد إلا بأن يضع شيئا على رأسه فهنا هذه ضرورة وفي هذه الحالة نقول له: " اصنع ذلك وافتد "، أما إذا كان يستطيع أو قد يجد شيئا مِن المشقة اليسيرة أو ما شابه ذلك فليس له ذلك، والحاصل إذا غطى رأسه لضرورة لابد منها فلابد له من أن يفتدي أما إذا لم يكن مضطرا فليس له ذلك أبدا، وهكذا المرأة ليس لها أن تغطي وجهها أما ما عدا ذلك فلا مانع مِن ذلك .. هذا ما يظهر لي، والعلم عند الله تعالى.
س4: من أراد الذهاب إلى الحج وليس لديه مال، هل له أن يقوم بجمع تبرعات ... ؟ (3/250)
صفحة 842
ج: الحقيقة؛ ليس للإنسان أن يسأل الناس لا في الحج ولا في غيره إلا إذا وصل به الحال إلى أن يخشى على نفسه الهلاك يسأل شيئا يأكله وهذا بعد أن يطرق الوسائل ولم يجد مخرجا من ذلك فهنالك حاجة ضرورية جدا جدا فيباح له بمقدار ما يسد حاجته، ومن المعلوم أن ذلك قد لا يحتاج له الإنسان في حياته اللهم إلا لبعض الأفراد النادرين، أما بالنسبة إلى الحج فليس له ذلك ولا لغير الحج كما أشرت، والحمد لله والمنة والفضل أن الله-تبارك وتعالى-لم يفترض الحج إلا على المستطيع من عباده فما دام هذا الشخص لا يجد الاستطاعة فإنه لا يجب عليه الحج وإذا وجدها في يوم من الأيام فليبادر إلى ذلك؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س5: ما حكم السعي بين الصفا والمروة بالنسبة لحجة الإفراد ؟ (3/251)
صفحة 843
ج: السعي لابد منه .. اختلف العلماء في السعي هل هو ركن من أركان الحج وكذا العمرة أو هو من الواجبات، وعلى كل رأي من الرأيين لا يصح ترك ذلك على سبيل العمد وإنما الفرق بين ذلك أن لو تركه الإنسان لسبب أو لآخر هل لابد من الإتيان به وإلا فإن حجه يعد فاسدا باطلا وهكذا بالنسبة إلى عمرته إن لم يأت به في وقت يصح الإتيان به فيه أو أنه يُجبر بغير ذلك، أما أن يترك الإنسان ذلك فلا، وأخشى ما أخشاه أن يكون قد التبس الأمر على هذه المرأة .. سمعَت بعضا من أهل العلم يذكر أن الإنسان يمكن أن يأتي بسعي الحج بعد طواف القدوم مباشرة وأنه إذا أتى به في ذلك الوقت فليس عليه أن يسعى بعد طواف الزيارة، وهذا حق وقد قالت به طائفة من أهل العلم وهو الذي أراه وهو الذي تؤيده الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فالإنسان عندما يكون مفرِدا للحج إما أن يطوف طواف القدوم وبعد ذلك يسعى ولا سعي عليه بعد طواف الزيارة لأنه قد أتى به من قبل، وإما أن يؤخر السعي ويأتي به بعد طواف الزيارة .. هذا لا إشكال فيه، بقي ما هو الأفضل ؟ قد يقول قائل: الأفضل أن يؤخر الإنسان السعي إلى ما بعد طواف الزيارة، ذلك لأنه يكون صحيحا بإجماع الكل بينما إذا قدمه يكون قد دخل في خلاف أهل العلم لأنّ بعض العلماء يقول: " إنه لا يقدم الإنسان السعي على طواف الزيارة " .. (3/252)
صفحة 844
بقي هل يمكن أن نقول بتفضيل هذا خروجا من عهدة الخلاف قد يقول بذلك بعض أهل العلم وقد لا يقال بذلك بل يقال الأفضل أن يأتي الإنسان بما ثبت عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم وصحابته-ونحن نعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - على الصحيح كان قارنا فهو عندما أتى بالسعي بعد طواف القدوم كان قارنا ولكن إذنه - صلى الله عليه وسلم - لصحابته-رضوان الله تبارك وتعالى عليهم-بأن يأتوا بذلك بعد طواف القدوم هو الحجة بل ذلك كان شائعا عندهم رضوان الله-تبارك وتعالى-عليهم، فأرى أن الأفضل أن يلتزم الإنسان بالسنّة الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنما يلجأ إلى الخروج من الخلاف عندما يكون في الأمر شيء من الالتباس، أما عندما تكون السنّة واضحة جلية لا غموض فيها فلا ينبغي أن يراعي الخلاف ويترك السنّة الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فإذن السعي لابد منه، فأخشى ما أخشاه-كما قلتُ-أن يكون الأمر قد التبس على هذه المرأة، لأنني سمعتُ شبيها بهذه المسألة وقد ذكرتُ بعض ذلك في بعض المناسبات .. مِن ذلك أنّ بعض النساء كنّ يأتين بتكبيرة الإحرام عند الدخول في الصلاة ولا شك بأن تكبيرة الإحرام ركن من أركان الصلاة التي لا تصح الصلاة إلا بها، فسمعَتْ بعض النساء أنّ المرأة لا تأتي بالإقامة فظنت بأنها لا تأتي بتكبيرة الإحرام أيضا، ولعل بعض الناس يريد أن يبسِّط الأمر للنساء فيقول: " لا تأت بالتكبير " ويقصد بذلك التكبير الذي هو في الإقامة .. (3/253)
صفحة 845
" لا تأت بتكبير الإقامة " أي بالتكبير وما بعده فظنّت بعض النساء أنها لا تأتي بتكبيرة الإحرام فتركتْ بعض النساء تكبيرة الإحرام لمدة طويلة بهذا السبب، وهذا فيه مِن الخطورة ما فيه كما لا يخفى لأن صلاة من لم يأت بتكبيرة الإحرام باطلة لا تصح، وكذلك بعض النساء سمعن أن الحائض لا تطوف بالبيت وحقا الحائض لا تطوف بالبيت ذلك لأن الطواف بالبيت من شرطه الطهارة فمن لم يكن طاهرا وكان قادرا على الطهارة فلا يصح منه الطواف، وقَولي: " إذا كان قادرا على الطهارة " أريد أن أخرج بذلك من كان مبتلى بسلس البول أو ما شابه ذلك .. أي لا يستطيع أن يكون على طهارة فهذا مبتلى عليه أن يحاول قدر طاقته وأن يضع شيئا على موضع خروج البول ثم يتوضأ ويطوف وهو معذور في ذلك بمشيئة الله، أما الحائض فإنها تستطيع أن تنتظر حتى تطهر وبعد ذلك تطوف، عندما سمعَت بعض النساء أن الحائض لا تطوف جاءت وسعت ثم قصرت وظنت بأن عمرتها قد انتهت أو أن حجها قد انتهى لأن الحائض لا تطوف، ولا شك بأن هذا لا يصح لأن الطواف ركن من أركان العمرة وكذلك بالنسبة إلى طواف الزيارة، نعم طواف الوداع تعذر منه الحائض على القول الصحيح الذي تدل له السنة فإذا كانت الحائض قد أتت بطواف الزيارة واستمر بها الحيض إلى أن أرادت أن تخرج من مكة المكرمة فإنها تعذر من طواف الوداع ولا يجب عليها دم هذا هو القول الصحيح الذي تنص عليه السنة الصحيحة الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فإذن الإنسان في هذه الأمور وفي غيرها من الأمور الشرعية لابد أن يكون متيقنا في أمره فإذا كان لا يدري .. (3/254)
صفحة 846
يظن أن هذا يصح بدون كذا أو بكذا أو ما شابه ذلك فلابد من أن يسأل عن حكم تلك القضية وليس له أن يفعل أو أن يترك ما لا يدري حكمه الشرعي، أؤكد على قضايا الحج وعلى غيرها من القضايا الشرعية لأن كثيرا من الناس يرجعون وهو لم يؤدوا فريضة الحج، وفي الأسبوع الماضي سألني بعض بأن امرأة لم تأت إلى الآن بطواف الزيارة للحج من السنة الماضية وأن أخرى قد فسد طوافها بسبب انتقاض وضوئها في الطواف ورجعت الأولى وكذا الثانية والأولى لم تأت بالعمرة والثانية لم تأت بطواف الزيارة الذي هو ركن من أركان الحج، فمن كان واقعا في هذه الأمور أو في ما شابهها عليه أن يسأل عن الماضي ماذا عليه ؟ وعليه ألاّ يأتي في المستقبل إلا بما يعرف حكمه. (3/255)
صفحة 847
من هنا أيضا أعذرني أريد أن أنبه على قضايا الحبوب التي تستعملها النساء لمنع العادة الشهرية، لا شك أن أهل العلم قد اختلفوا في استخدام موانع الحيض بقصد الطواف، فمن أهل العلم من يمنع من ذلك على الإطلاق ويقول إنه لا يصح استعمال ذلك ومن استعملت ذلك فليس لها أن تطوف في وقت عادتها، ومنهم من ذهب إلى مشروعية ذلك مطلقا سواء خرج الحيض أو لم يخرج، ومنهم من ذهب إلى التفصيل فقال إن استعملته قبل خروج الحيض ولم يأت الحيض فلا بأس، أما إن استعملته بعد أن خرج الحيض فليس لها ذلك، هذه الأقوال موجودة ومن حيث الراجح بغض النظر عن الأحوال التي تعتري ذلك فإنه إذا انقطع الحيض سواء استعملت هذه الموانع قبل خروج الحيض أو بعد خروجه فإن الطواف يصح، لكن-طبعا-بعد خروجه-بعد الاغتسال من ذلك-الطواف يصح لأنها في تلك الحال طاهرة .. لها وعليها أحكام المرأة الطاهرة من حيث الصلاة والصيام والحج والطواف وقراءة القرآن والمعاشرة الزوجية وما شابه ذلك من الأمور التي لها تعلق بالحيض والطهارة، لكن بقي أن هذه الحبوب أو هذه الموانع قد تقطع الحيض في ذلك الوقت ولكنه بعد ذلك يأتي بعد فترة وجيزة ويستمر الدم مدة طويلة فلا تدري هل ذلك الدم هو دم حيض أو هو دم استحاضة وقد ينقطع وتؤدي الحج تأتي بالطواف وتنتهي من ذلك ولكن عندما ترجع تفاجأ بأن هذا الدم لا يأتي على الوجه السابق .. تستمر مدة طويلة يستمر بها الدم ولا تدري هل هو دم حيض أو استحاضة، وبعض النساء اللاتي استعملت هذه الأدوية لازالت تعاني من ذلك من السنة الماضية ولا تدري هل هذه الدماء التي تخرج منها هي دم حيض-وتتعلق به ما يتعلق من المسائل الشرعية-أو هو استحاضة .. لا تدري هل تصلي أو لا تصلي وهكذا بالنسبة إلى الصيام أو ما شابه ذلك، وقد قال العلماء قديما إن مسائل الحيض بحر لا ساحل له فماذا عسى أن يقال بعد استعمال هذه الموانع ؟!، فأرى للمرأة أن تترك هذه الموانع وأن تتأخر .. (3/256)
صفحة 848
تطلب من محرمها أو زوجها أن يتأخر معها وبعد ذلك تأتي بمشيئة الله-تبارك وتعالى-بعد أن تطهر بطائرة أو تأتي بالنقل البري وهو يسير وقيمته يسيرة بحمد الله-تبارك وتعالى-وإن كانت لا تقوى على ذلك في هذه السنة مثلا فلتتأخر إلى السنة القادمة بمشيئة الله-تبارك وتعالى-مخافة أن تقع في المحظور الذي أشرنا إليه، وقد تقول بعض النساء: " إن بعض النساء قد استعملن ذلك ولم يتأثرن بذلك " .. حقا وقع ذلك لبعض النساء ولكن لا تدري هذه المرأة ماذا عسى أن يقع لها .. هل سيقع لها كما وقع للسابقات أو للأخيرات اللاتي استعملن ذلك ولم يتأثرن بذلك، وقد تستعمل المرأة هذه المرة ولا تتأثر بذلك وتستعمله مرة أخرى وتتأثر بذلك، ومع أن بعض النساء اللاتي تأثرن بذلك قد استشرن بعض الطبيبات ولكن مع ذلك لا جدوى من ذلك .. وقع الضرر والعياذ بالله تبارك وتعالى .. فحذار حذار مِن الوقوع في هذه الورطات التي قد لا تَجِد المرأة مخرجا منها بعد ذلك، و-حقيقة-أمر الصلاة ليس بالأمر الهين وهكذا بالنسبة إلى غيرها من العبادات من صيام وغيره؛ فأدعو الله-تبارك وتعالى-أن يوفق الجميع لما فيه الخير، والعلم عند الله تعالى.
س6: هل الأفضل أن يتكبد الإنسان الذهاب إلى الحج بدون أن يلتحق بالمقاولين مع ما يقدمون من عرض وتسهيلات ؟ هل الأوْلى أن يذهب معهم أو أن يذهب بنفسه ؟ (3/257)
صفحة 849
ج: ينظر كل إنسان ما يتعلق به لكن على كل حال لابد أن يراعي الإنسان أيضا غيره، بعض الناس يذهبون من غير أن يتفقوا مع مقاول أو مع مجموعة أو ما شابه ذلك ثم يأتون بعد ذلك ولا يجدون مكانا يستقرون فيه ويقومون بإيذاء غيرهم أو ما شابه ذلك يقوم الواحد بالسكن في موضع قد خصص لغيره أو ما شابه ذلك، فليس للإنسان أن يؤذي غيره لابد من أن يرتب أموره من قبل أن يذهب لأن الزمان قد اختلف هنالك فرق شاسع كبير بين زماننا هذا الذي تذهب فيه فئات كبيرة جدا جدا من الناس كما هو مشاهد وبين الأزمنة الغابرة التي تذهب فيها طائفة قليلة من الناس وتكون الأماكن التي يسكنها الناس في أيام منى-خاصة-واسعة يسكن الإنسان في أي موضع أراد، لابد-الحاصل-للإنسان أن يتدبر ولابد من أن يرتب أموره أما إذا كان يجد هنالك مكانا ولا يؤذي غيره فالأمر يختلف أما إذا كان لا يجد بعد ذلك أو يعرف من نفسه بأنه لن يجد إلا إذا قام وفرض نفسه هكذا على غيره وآذاه فأذية المسلمين لا تصح.
س7: في عرفة، مَن اعتمد على خطبة المذياع بعد صلاة الظهر والعصر جَمْعًا ؟ (3/258)
صفحة 850
ج: على كل حال؛ من المعروف أن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-قد خطب في يوم عرفة بعد أن زالت الشمس .. خطب-صلوات الله وسلامه عليه-خطبة واحدة وما جاء أنه خطب خطبتين فإنه لا يصح، وقياس ذلك على خطبتي الجمعة أيضا لا يصح، لأن هذا القياس فاسد الاعتبار لأنه مصادم للنص الصحيح الثابت من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - من أنه خطب خطبة واحدة، وكما قلت إن ما ذُكر من أنه خطب خطبتين فإن ذلك لا يصح من حيث إسناده فلا يمكن التعويل عليه حتى ولو لم يعارضه معارض فكيف وقد عارضه الحديث الصحيح الثابت الجلي الذي لا غموض في دلالته ولا اعتراض عليه أيضا من حيث إسناده .. خطب النبي - صلى الله عليه وسلم - خطبة واحدة وأيضا الناس استمعت إلى خطبة النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا الزمان طبعا لا يتيسّر أن تكون هنالك خطبة واحدة في عرفات وقد اختلف الناس منهم من قال تكفي خطبة واحدة والبقية تصلي من غير خطبة، ومنهم من يأخذ بأن يخطب خطيب لكل مجموعة، وهذا هو الذي يجري عليه العمل لكن لو أن جماعة-مثلا-أخذت بخطبة الخطيب التي استمعَتْ إليها بواسطة مكبرات الصوت وصلت من غير خطبة في الماضي فلا شيء عليهم بمشيئة الله تبارك وتعالى.
س8: هل مِن رخصة لِلنساء في عدم الرمي نظرا لِلزحمة ؟ (3/259)
صفحة 851
ج: إذا كنّ لا يستطعن على الرمي نعم لهن رخصة بل وللرجال رخصة .. مَن كان لا يستطيع على الرمي لمرض أو كبر سنّ أو ضعف أو ما شابه ذلك .. لا يستطيع على الرمي فإنه يُنِيب غيره وهو معذور بمشيئة الله تبارك وتعالى، أما مَن كان قادرا على الرمي سواء كان رجلا أو امرأة فإنه لا يُعذر مِن الرمي لأنه نُسُك مِن مناسِك الحج، وقد فرَّط الناس فيه كثيرا في الأزمنة المتأخرة .. نجد كثيرا مِن الناس حتى مِن الرجال الذين يستطيعون على الرمي يَتركون ذلك ويُنيبون غيرهم لأنّ الإنابة صارت أمرا عاديا وهذا مِمّا لا يَصح، فالمرأة إذا كانت مريضة أو كبيرة أو عاجزة بِأيّ عجز أو كانت في حالة حَمْل أو ما شابه ذلك .. الحاصل إذا كانت لا تستطيع على الرمي فإنها تُعذر ولْتُنِب غيرها، أما إذا كانت قادرة فلا تُعذَر مِن ذلك، وقولي: " قادرة " لا يشترط أن تكون قادرة في الوقت الفلاني فإذا كانت لا تقدر-مثلا-في صباح العاشِر فلتذهب في وقت العصر أو حتى بعد المغرب أو حتى بعد العشاء .. مَن كان يستطيع على الرمي في النهار لا يَنبغي له أن يُفرِّط في ذلك، أما مَن كان لا يستطيع على الرمي إلا في الليل فيجوز له ذلك وليس له أن ينيب غيره، وكذلك مَن لم يستطع على الرمي بعد الزوال في أيام التشريق (1) وقبل غروب الشمس فبإمكانه أن يرمي بعد غروب الشمس، ومن لم يستطع في ذلك اليوم فبإمكانه أن يرمي في اليوم الذي يليه، أما أن يتعذر ببعض الأعذار الواهية التي لا تخفى على الذي لا تخفى عليه خافية فذلك مما لا يصح وليخش عقوبة الله تبارك وتعالى.
__________
(1) -باستثناء اليوم الثالث عشر كما سيأتي لاحقا. (3/260)
صفحة 852
كثير مِن الناس تهاونوا بهذه الشعيرة ولكن-والحمد لله-انتبهتْ طائفة مِن الناس لِذلك لكن لا زالت طائفة تُعارِض بذلك بدعوى أنّ فلانا قد أفتى بكذا أو ما شابه ذلك، ونحن إذا جئنا إلى السنّة الصحيحة التي هي الفيْصل .. الفيْصل الكتاب والسنّة ولكنّ الكتاب أشار إلى هذه القضية والسنّة وضحت أيَّما إيضاح فإنها تَدلّ دلالة صريحة واضحة لا غموض فيها أنّ المرأة ترمي فهي تنادي بأعلى وتصرخ بأقوى حجّة أنّ نساء النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-وغيرهن مِن نساء المسلمين قد رمين، وأما ما جاء في بعض الروايات ( ورمينا عن النساء ) فتلك رواية باطلة عاطلة فاسدة كاسدة معارضة لِلصحيح الثابت مِن سنّة النبي - صلى الله عليه وسلم - فهي مِن الضّعف مِن حيث الإسناد بمكان، أما مِن حيث المتن فباطلة لا يمكن التعويل عليها .. أحاديث تنادي-كما قلتُ-برمي النساء، وهكذا العلماء مِن عهد الصحابة إلى يومنا هذا يُصرّحون بهذا وهو أنّ المرأة عندما تكون قادرة على الرمي فلابد مِن أن ترمي هي نفسها؛ والله-تبارك وتعالى-ولي التوفيق.
س: لعل السائل يشير إلى أنه ليست المسألة مِن عدم القدرة المطلقة وإنما الضعف المركب في ذات المرأة ؟
ج: على كل حال؛ نحن شاهدنا كثيرا مِن النساء يرمين ومعنى ذلك أنّ ذلك مِن الأمور التي تستطيع عليها النساء، أما أن يَحتج بعض الناس-مثلا-بأنه قد أسقط امرأة أو ما شابه ذلك فقد يَحتج أيضا غيره ويقول إنّ طائفة مِن الرجال قد ماتوا في بعض السنوات فهل معنى ذلك أنّ الرجال لا يرمون ؟! (3/261)
صفحة 853
لكن مِن الأمور التي يؤسف لها أنّ كثيرا مِن الناس يَظنّون أنّ الشيطان عند الجمرات والأمر بعكس ذلك إنما هذا أُقيم مِن أجل ذكر الله تبارك وتعالى .. الرمي كغيره مِن بقية المناسك وليس لأنّ هنالك شيطانا يُقيم في تلك المواطن ولذلك تَجِد كثيرا مِن الناس مِن الجهلة الأغمار يَذهبون وهم في أشدّ الغيْظ على الشيطان مِن أجل أن يرموه بِحسب زعمهم ولذلك تَجد الواحد: " رميت الشيطان " أو ما شابه ذلك، وهذا-على كل حال-كلام لا أساس له مِن الصحة .. هذه خرافة .. نعم الإنسان يغيظ الشيطان في كل عبادة مِن العبادات .. إذا صلى وإذا صام وإذا حج أو أتى بِأيّ ركن أو شرط مِن هذه العبادات أو مِن غيرها مِن طاعة الله هو يغيظ الشيطان لكن أن يغيظه في هذه فهذا كلام فارغ لا قيمة له .. على كل حال يذهبون بهذه النية ولذلك تَجِد الواحد مستعدّا لِلزحام أو ما شابه ذلك .. لو أتوا بِهذه المناسك على حسب ما هو مشروع لكان الأمر يسيرا بحمد الله.
ثم إنّ كثيرا مِن الناس يذهب الواحد في الوقت الفلاني ولابد مِن أن يرمي في ذلك الوقت لكن لا بأس إذا ذهب في الوقت الفلاني ولم يَجد زحاما فليرم، وإذا وجد زحمة مِن الناس فليتأخّر ولو لمدة ساعة أو أكثر .. يَبحث عن مكان آمن وليجلس فيه هو ومن معه مِن الرجال والنساء وعندما يكون الأمر يسيرا بحمد الله-تبارك وتعالى-فلا بأس بذلك. (3/262)
صفحة 854
بعض الناس يشوّشون ويقولون-مثلا-إنّ العالم الفلاني أو العالم الفلاني قد قالوا: " إنّ الرمي يكون بعد الزوال " وكأنّ هؤلاء العلماء يحصرون ذلك في تلك الساعة ولذلك هم يطلبون الرخصة بِأن يكون الرمي في وقت الضحى أو ما شابه ذلك .. على كل حال العالم لا يَملك بأن يَقول: يُرخص في كذا أو ما كذا أو في كذا .. إنما هو يعتمد على الدليل، فما دل الدليل عليه ذهب إليه وما دل الدليل على خلافه ذهب إليه .. نعم بعض الأحيان تكون هنالك احتياطات فالاحتياط إن لم تكن مشقة قد يأخذ به الإنسان وقد يتركه إن كانت هنالك مشقة بل قد يتركه الإنسان حتى لغير مشقة، أما هنا الأمر واضح .. النبي - صلى الله عليه وسلم - رمى في ذلك الوقت ولم يثبت عنه أنه رمى قبل ذلك ولا أنه أذن لأحد مِن أصحابه فكيف يمكن للإنسان أن يأذن بعد ذلك ؟! أما أن يبحث وينقِّر في الكتب حتى يَجد واحدا مِن العلماء زلّ وأخطأ في مسألة مِن المسائل وذهب إلى خلاف السنّة فهذا مِمّا لا ينبغي أن يُلتفت إليه بل يُلتمس العذر لِذلك العالِم ولا يُتابَع على خطئه .. هذا ما يقول به العلماء الربانيون، فالأمر-كما قلتُ-ليس محصورا في وقت الزوال فليرم الإنسان بعد زوال الشمس في اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر إلى غروب الشمس وفي اليوم الحادي والثاني عشر لأنّ الثالث عشر لا يمكن الرمي بعد غروب الشمس .. بإمكانه في الحادي عشر والثاني عشر أن يرمي في الليل إن لم يتمكن حتى أن يرمي في الليل فليرم في اليوم الثاني، وفي هذا مِن اليُسر والسهولة ما هو واضح .. هو أيسر مِن قول بعض العلماء الذين قالوا يمكن الرمي قبل الزوال ولكنه ينتهي بغروب الشمس .. (3/263)
صفحة 855
هذا أيسر مِن ذلك بكثير، ثم إنّ العبادة يمكن أن تُقضى بعد وقتها ولكن لا يمكن أن تُقدّم عن وقتها إلا بدليل على أنني لا أقول إنّ ذلك مِن باب القضاء لأنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أذن للرعاة بأن يؤخروا ولا يمكن أن يأذن لهم بالقضاء وإنما ذلك يكون أداء لكن لا ينبغي الترخص في الرمي في الليل أو في اليوم الثاني إلا عند وجود الحاجة.
وهنا-أيضا-أريد أن أنبّه إلى أمر مهِم .. بعض الناس يظنون أنّ الزوال يكون بالساعة الثانية عشر، فهم يذهبون وينظرون إلى الساعة الثانية عشر عندما تصل الساعة إلى ذلك قاموا بالرمي يظنون أنّ ذلك وقت الرمي هكذا .. هذا خطأ .. نحن نشاهد في بلادنا هاهنا تزول الشمس ويحين وقت الظهر في بعض الأحيان قبل الساعة الثانية عشر وفي بعض الأحيان بعد الثانية عشر وفي بعض الأحيان قد يكون في الثانية عشر فإذن العبرة بزوال الشمس لا بالساعة الثانية عشر .. يأتينا بعض الناس في أيام الحج يقول: " أنا رميت في الساعة الثانية عشر " ويظن أنّ ذلك هو الوقت فإذن لا يمكن أن نقول ذلك يكون في الساعة الفلانية .. ذلك يختلف باختلاف الأوقات .. قد يكون في بعض الأشهر في الساعة الفلانية ويكون في بعض الأشهر في الساعة الفلانية بل في بعض الأيام في الساعة الفلانية وفي بعض الأيام في الساعة الفلانية.
هذا وأدعو الله-تبارك وتعالى-أن يأخذ الناس بكتاب ربهم وبسنّة نبيهم .. أدعوهم جميعا للأخذ بكتاب ربهم وسنّة نبيهم في أمر الحج وفي غيره مِن أمور العبادات والمعاملات وفي غيرها مِمّا له علاقة بِشرع الله تبارك وتعالى؛ والله-تبارك وتعالى-ولي التوفيق، وهو أعلم بكل شيء.
مِن حلقة 6 ذو القعدة 1425هـ، يوافقه 19/12/2004م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عام 1426هـ
س2: المسافر للعمرة عَن طريق الطائرة، مِن أين يُحْرِم ؟ (3/264)
صفحة 856
ج: على كل حال؛ الإنسان ينبغي لَه أَنْ يتعَلَّمَ أمور دينه فإذا أراد أن يذهب إلى أداء الحج أو إلى أداء العمرة-مثلا-فلابُدَّ مِن أن يتَعَلم المسائل المهمة التي تتعلق بالحج أو بالعمرة أو بِهما معا حتى يأتي بتلك العبادة التي وَجَبَت عليه أو التي تُسَنُّ في حقه .. يأتي بِها على الوجه الصحيح الثابت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
مِن المعلوم أنَّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-وَقَّتَ مواقيت للحج والعمرة، ولا يَجوز لِمَن أراد أن يذهب إلى مكة المكرمة لأداء الحج أو العمرة أو لأدائهما معا أن يتجاوز تلك المواضع إلا وهو مُحْرِم، أمَّا إذا كان لا يريد حجا ولا عمرة فلا يَجب عليه الإحرام على القول الصحيح الراجح، وإن كان الإنسان لا ينبغي لَه أن يذهب إلى تلك البقاع إلا ويأتي بعمرة لكن إذا كانت هنالك ظروف أو يَجد مشقة أو ما شابه ذلك فإنّ الأمر فيه سعَة بِحمد الله تبارك وتعالى، فإذا كان يريد الحج أو العمرة ليس له أن يتجاوز المواقيت إلا وهو مُحْرِم .. هذا ثابت بنصّ السنّة الصحيحة الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثبوتا أوضح مِن شَمْسِ الظهيرة:
فإذا كان يَسْلُكُ البَر فالأمر واضح إذا مَرَّ على تلك المواقيت: (3/265)
صفحة 857
إذا مَرَّ على ذي الحليفة-مثلا-إذا جاء مِن طريق " المدينة " .. وينبغي أن نسمي هذا الموضع بـ " ذي الحُلَيْفَة " كما سَمَّاه النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يُسَمَّى بذلك-أيضا-حتى قبل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد شاع عند الناس أنَّه يسمى الآن بأبيار علي ويروي بعض الناس أنَّ عليا قد قاتل الجن بذلك الموضع فلذلك سُمِّي بذلك، وهذا كلام موضوع مُخْتَرَع مَصنوع لا يثبت أبدا، فلا ينبغي لَنَا أن نُسَمِّي ذلك الموضع بِهذه الرواية الموضوعة المخترعة المصنوعة بل ينبغي لَنَا أن نُحَارب مثل هذه التسميات، لأنَّها مكذوبة .. نعم إذا اضطُر الإنسان اضطرارا إلى ذِكْرِ ذلك كأن يسأله سائل: " مِن أين أُحْرِم ؟ " فإذا قال له: " مِن ' ذي الحليفة ' " لا يعرف ذلك لكن إذا قال له: " مِن ' أبيار علي ' " عَرَفَ ذلك فللضرورة أحكامها الخاصة وينبغي له أن يُعلِّمه بِالتسمية الصحيحة، فإذا كان مِن أهل " المدينة " أو مَرَّ بالمدينة-أي إذا جاء مِن جهة أخرى ومَرَّ بالمدينة-فإنه يُحْرِم مِنْ " ذي الحليفة "، وليس له أن يتجاوز ذلك المكان إلا وهو مُحْرِم إذا كَانَ يريد الحج أو العمرة أو كان يريد أن يأتي بالحج والعمرة معا.
وإذا كان مِن أهل " الشام " وتلك الجهات التي يأتي أهلها-أيضا-مِن جهة " الشام " فإنَّهم يُحرمون مِن " الجُحْفَة " وهي الميقات الأصلي لكن كان لِمدّة طويلة مِن الزمن .. كان الناس يُحْرِمُون مِن " رَابغ " لأنَّ " الجحفة " كانت خَرَابا ولكنها عُمِّرَت الآن على حَسْب ما رأيتُ في بعضِ الكتابات وفي ذلك الموضع مسجد فينبغي الرجوع إلى الأصل، لأنَّه هو الثابت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم .. نعم إذا جاء أهل " الشام " ومَنْ كان على جهتهم إلى " المدينة " فإنَّهم يُحرِمون مِن " ذي الحليفة ". (3/266)
صفحة 858
كذلك الذين يأتون مِن جهة " العراق " الأصل يُحرمون مِن " ذات عرق " ولكنه الآن لا يَمُر على ذلك الموضع طريق أبدا فلا يُمكن المرور بالسيارات على ذلك الموضع وإنَّما يَمُرُّ أهل " العراق " ومَن يأتي مِن ناحيتهم .. إمَّا أنَّهم يَمُرُّون على " المدينة " فيُحرمون مِن " ذي الحليفة " أو أنَّهُم يَمرون على " الرياض " ونواحيها فلا يأتون على " السيل " ويُحْرِمُون مِن " قَرْن " .. فإذا أتوا مِن تلك الجهة أحرموا مِن " السيل ".
كذلك بالنسبة إلى أهل " نَجد " وإلى أهل " نَجد اليمن" أيضا فإنَّهم يُحْرِمُون مِن " السيل " .. مِن " قرن المنازل ".
وأَمَّا بالنسبة إلى أهل " اليمن " فإنَّهم يُحرمون من " يَلَمْلَم ".
ومَنْ لَم يأت على تلك المواضع-الآن الناس تقريبا يأتون على تلك المواضع-ينظرون إلى أقرب ميقات ويُحْرِمُون مِن مُحَاذَاته .. إذا كانوا أقرب إلى " ذي الحليفة " فإنَّهم يُحْرِمُون مِن مُحَاذَاة ذلك وإذا كانوا أقرب مِن " ذات عرق " فإنَّهم يُحرمون مِن مُحاذاة " ذات عرق " وهكذا بالنسبة إلى بقية المواقيت.
وهكذا بالنسبة إلى مَن جاء في باخرة في البحر فإنه يُحْرِم مِن جهة الميقات الذي يَمر مُحاذيا له. (3/267)
صفحة 859
وأما الذين يأتون على الطائرات فلا شك أنَّ الغَالبية العظمى يَمُرُّون عَلَى المواقيت .. يَمُرُّون أَعلاها فإذن يُحْرِِمُون مِنَ الموضع الذي يَمرون أعلى منه مِن الميقات، وإذا كانوا لا يَمرون مِن أعلى الميقات مباشَرة فإنَّهم يُحرمون مِن مُحاذاة ذلك لكن مِنَ المعروف أنّ الطائرة تسير بسرعة كبيرة جدا فإذا أخذ الإنسان يستَعِد مِن أعلى الميقات فإنه سيتجاوز ذلك وذلك مِمّا لا يَجوز، فإذن لابد مِن أن يستعِد قبلَ ذلك .. إذا كان يريد أن يتوضّأ أو ما شابه ذلك فليستعد قبل ويلبس ملابسه فعندما يكون قُبَيْلَ ذلك الموضع ينوي الإحرام-وأريد بالنية هاهنا النية القلبية-ويقول: " لبيك عمرة " ثُم يأتي بِالتلبية .. لا يتجاوز الميقات إلا وقد لَبَّى .. هذا لابد منه، لأنّ الإنسان لابد مِن أن يأتي مِن أعلى الميقات أو يأتي-أيضا-في جهة أخرى مُحاذية لذلك .. نعم إذا جاء مِن الجهة الغربية .. مِنْ غرب جدّة مباشَرة فإنَّه في هذه الحالة لا يَمر على ميقات بناء على رأي كثرة كاثرة مِنْ أهل العلم بِأنَّ المواقيت لا تُحِيط بِالحرم تَماما .. أي أنَّ ذلك الموضع لا يكون مُحَاذِيا لشيء مِن المواقيت وهذا هو الظاهر لي إلى الآن، فمِنْ تلك الجهة .. الذين يَأتون في البواخر مِن تلك الجهة أو الذين يأتون في الطائرات مِن تلك الجهة لا يَمرون بِميقات فَبِإِمكان هؤلاء أن يؤَخِّروا إلى " جدّة " ولكن هي مَنْطِقَة ضَيِّقة جدا جدا فالأَوْلَى لَهم أن يُحْرِمُوا عندما يُحَاذُون الميقات الذي يكون أَقْرَب إليهم، وهم إما أن يُحاذوا " السيل " وإما أن يُحاذوا ذا الحليفة أو (1)
__________
(1) -الظاهر أنّ الشيخ سحب مِن كلامه: " ذا الحليفة أو ".. (3/268)
صفحة 860
الجحفة، لكن لَو أتوا مِن تلك الجهة وهي جهة صغيرة جدا جدا فبالإمكان، لكن معنا في الجهة الشرقية وهكذا بالنسبة إلى أهل الجهة الشمالية والجنوبية وبعض الأجزاء مِن الجهة الغربية لابُد مِن أن يُحَاذوا ميقاتا مِن المواقيت فلابد مِن الإحرام مِن ذلك المكان ولا يَجوز لَهم أن يُؤَخِّرُوا ذلك.
وقد انتشَر عندَ بعض الناس رأيٌ بِخلاف ذلك وهو أنَّه: " بِإمْكَان الناس أن يُؤَخِّروا ذلك إلى الوصول إلى المطَار وذلك لأنَّ الذي يَمُر مِن أعلى الميقات لا يكون مَارا على ميقات ولا مُحاذيا له "، وهذا القول مِن البطلان بِمكان، وتقريره يَحتاج إلى إطالة، وربَّما يكون ذلك في وقت آخر بمشيئة الله تبارك وتعالى.
فالحقّ الحقيق بِالقبول أنه ليس لأحد أن يُؤَخِّر ذلك فعليه أن يستعِد مِن قبل ويسأل أهل الطائرة ويُحْرِم مِن ذلك الموضع .. يَتَقَدَّم قليلا مَخَافَة أن يتجاوز الميقات وإن لَم يُخْبره مُخْبِر فليحْرِم مِن قبل نصف ساعة تقريبا، فلا بأس مِن الإحرام قبل الميقات لأجل الضرورة، أَمَّا في حالة عدم الضرورة فلا ينبغي لأحد أن يتَقَدَّم على ذلك، لأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لَم يُحْرِم قبل الميقات وأمر بالإحرام مِنْ تلك المواقيت ولنا فيه-صلوات الله وسلامه عليه-الأسوة الحسنة؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س3: مَن سافر لِمُهمة عمل إلى مكة أو إلى جدة ثُم أراد أن يعتمر، مِن أين يُحرم ؟
ج: لا يَخلو من أحد أمرين:
إما أَنْ يُريد أن يعتمر .. عندما خرج من بلاده كان قَاصِدا لأن يعتمر وهذا لابد من أن يُحرم مِن عند الميقات .. لابد من أن يُحرم من الميقات. (3/269)
صفحة 861
وإما أن يريد أن يذهب إلى ذلك المؤتَمَر أو إلى ذلك العمل ولكن إذا بقي هنالك وقت .. إذا بقي مُتَّسَع مِن الوقت وحصلت له فرصة فإنَّه سيذهب لتأدية العمرة وإن لَم يبق شيء من الوقت فإنه سيرجع إلى بلاده، فهذا لَم يعزم على العمرة فيذهب ويقضي مآربه وبعد ذلك إن أراد أن يُحرِم بالعمرة فإنَّه يُحْرِم مِن ذلك الموضع إذا كان من الحِل أما إذا كان في الحرم فلابد من أن يَخرج مِن الحرم .. إذا كان يريد أن يُحرم بعمرة لابد من أن يَخرج من الحرم إلى الحل ويُحرم من الحل، أما إذا كان-مثلا-يذهب إلى جدة أو إلى أي مكان آخر داخل المواقيت وخارج من الحرم فإنَّه يقضي مآربه وبعد ذلك إنْ أراد أن يعتمر فليحرم من ذلك الموضع الذي هو فيه، وهكذا بالنسبة إلى الذين يعيشون في تلك المواطن أي الذين يعيشون بَيْنَ الميقات وبين الحرم فإنَّهم يُحرِمون من ذلك المكان.
س8: بالنسبة للمرأة الحائض إذا سافرت للعمرة، مِن أَيْنَ تُحْرِم ؟ (3/270)
صفحة 862
ج: إذا كانت هذه المرأة تُرِيد العمرة ولكن أَتَاهَا الحيض قَبْلَ أن تَصِل إلى الميقات وهي لازالت مُرِيدَةً للعمرة فلابد مِن أن تُحرم مِن ذلك الموضع لتغتسل كما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أسْمَاء بأن تغتسل وهي نُفساء والحائض في حُكْمِ النفساء وتَصِل إلى مكة المكرمة وتَنْتَظِر حتى تطْهُرَ وتَتَطَهَّر فإذا طَهُرَت وتطَهَّرَت فإنَّها تأتي بعد ذلك بِمَناسك العمرة .. تطوف وتسعى وتُقَصِّر، أما إذا كان عندما أَتَاهَا الحيض نَوَت أن تُلْغِي العمرة في تلك السَّفْرَة بسبب ارتباط تلك الحَمْلَة التي هي فيها .. مثلا كان ذلك المَحْرَم أو الزوج الذي يُرافقها لا يُمكنه أن ينتظرها حتى تطهر وتغتسل وتُكْمِل بَقِيَّة مناسك العمرة فهاهنا تُلْغِي تلك العمرة، هي لَم تُحْرِم بِها مِن قَبْل .. لو كانت أحرمت بِها من قبل فالأمر يَختلف لكنها لَم تُحْرِم على حَسب السؤال .. لتترك نِيَّة العمرة ولتذهب مع أصحابِها وبعد ذلك تَرْجِع وتعتمر مرة أخرى بِمشيئة الله تبارك وتعالى، لكن-مثلا-لو طَهُرَت واغتسلت قبل أَنْ ترجع إلى بلادها فإنَّها في هذه الحالة تذهب إلى التَّنْعِيم وتُحْرِم مِن هناك وتؤدي مناسك العمرة، قد تكون عادة المرأة-مثلا-ستة أيام ويَعْرِفُ ذلك المَحْرَم أو ذلك الزوج المرافق لتلك المرأة أنَّه لَن يتمكن لأن يبقى لِهَذِه المدة فَهُوَ يريد أن يَخرج مِن مكة المكرمة بعد ثلاثة أيام-مثلا-فَهَذه المرأة تذهب هكذا إلى مكة المكرمة من غير إحرام لكن لو قَدَّرْنَا أنَّها طهُرَت بعد ثَلاثَة أيام أو طَهُرَت بعد يومين بناء على أنَّ الحيض لا يُشْتَرَط أن تَمكُث المرأة لِمُدة ثلاثة أيام فَصَاعِدا كما هو الصحيح الراجح .. وهذا وإن كان مُخَالِفاً للمشهور-طَبْعاً-في قضية مُدَّة الحيض لكنَّه هو الذي أَرَاه وهو مذهب طائفة كبيرة مِنْ أهل العلم .. (3/271)
صفحة 863
إذا طَهُرَت بعد ثلاثة أيام-مثلا-فتغتسل وتذهب وتُحرم من التنعيم ولا تؤمر هاهنا بأن ترجع إلى الميقات لأنها عندما تجاوزت الميقات ما كانت تنوي العمرة، وكذلك-مثلا-لو أراد بعد ذلك ذلك الزوج أو ذلك المحرم أن يتأخر قال: " لا بأس أبقى لِمدة ستة أيام أو أكثر " مثلا فلتصنع ما ذكرناه، أما ما تفعله بعض النساء بأنَّها تتجاوز الميقات من غير إحرام وهي تنوي العمرة وتصل إلى مكة المكرمة وتبقى هناك حتى تطهر وتغتسل ثُم بعد ذلك تذهب إلى التنعيم فهذا مِما لا يصح أبدا، في هذه الحالة عليها أن تتوب إلى الله وأن تندم على ما فرَّطت من أمرها وأن ترجع إلى ذلك الميقات:
بعض العلماء يقول لابد مِن أن ترجع إلى ذلك الميقات الذي مَرَّت عليه ولَم تُحرم منه وهي تريد الحج أو العمرة.
وبعض العلماء يقول لا يلزم أن ترجع إلى ذلك الميقات بل ترجع إلى أي ميقات من المواقيت. (3/272)
صفحة 864
والمواقيت هي الخمس السابقة وليس التَّنْعِيم من تلك المواقيت كما يظنه بعض الناس ..إذا كانت مَرَّت على ذي الحليفة-مثلا-على الرأي الأول لابد من أن ترجع إلى ذي الحليفة ولا يَجوز لَها أن تذهب-مثلا-إلى السيل أو إلى الجُحْفَة أو إلى يلملم .. لابد من أن ترجع إلى ذي الحليفة، وإذا كانت مَرَّت على الجُحْفَة-مثلا-فلابد من أن ترجع إلى الجُحْفَة أو إلى أبعد منه إلى ذي الحليفة، كذلك إذا مَرَّت على السيل لابد مِنْ أن ترجع إلى السيل أو إلى ميقات أبعد إلى ذي الحليفة أو الجحفة أو يلملم-مثلا-أمَّا أن ترجع إلى ميقات أقرب فعلى هذا الرأي لا .. إذا مَرَّت على ذي الحليفة لا يُجزيها أن تُحرم من أي ميقات آخر وإذا مَرَّت على الجحفة فإنه يُجزيها أن تُحرم من الجحفة أو من ذي الحليفة أما من يلملم الذي هو أقرب من الجحفة أو من السيل الذي أقرب من الجحفة فلا، وذهب بعض أهل العلم إلى أنَّها يُجزيها أن تُحرم من أي ميقات من المواقيت ولابد من أن تُحرم من واحد من المواقيت لا أن تذهب إلى التنعيم أو ما شابه ذلك من مواضع الحِل كما يتصوره بعض الناس، ومع ذلك عليها التوبة إلى الله وبعض العلماء يُلْزِمُها مع ذلك أن تفتدي ولكن إذا رجعت إلى الميقات وتابت وأنابت إلى الله-تبارك وتعالى-فقد يُرَخَّصُ لَها في عدم الدم، وعَبَّرْتُ بالفدية هاهنا تَجَوُّزاً وإلا الأصل أن لا يُعَبَّر بالفدية لأن الفدية على التخيير وهذا لا تَخيير فيه فلابد من الدم على رأي من يقول بذلك. (3/273)
صفحة 865
فإذن خلاصة ما ذكرناه إذا كانت هذه المرأة تُرِيد أن تعتمر أو تريد الحج فلابد من أن تُحْرِم من الميقات وإذا كانت قد أَلْغَت ذلك لظروفها فهنا تذهب إلى مكة بدون إحرام فإذا قدَّر الله-تبارك وتعالى-وقضى بأن انتظرت تلك الجماعة التي هي فيها أو طَهُرَت هي قبل الميعاد المعروف فإنَّها تذهب إلى أيِّ موضع من مواضع الِحل وتُحرم من هناك، كذلك الحائض إذا أتت وهي حائض وهي مُحْرِمة ليس لَها أن تطوف بالبيت .. إذا كانت في وقت الحج تذهب إلى مِنَى وإلى عرفة وإلى جَمْع ولكن ليس لَها أن تطوف بالبيت تنتظر وكذلك لا تسعى إن كانت لَم تطف لأن السعي يكون بعد الطواف أما إذا أتاها-مثلا-الحيض بعد الطواف .. طافت بالبيت وأتاها الحيض بعد الطواف إذا كانت صَلَّت الركعتين فلا إشكال تذهب وتسعى لأن المسعى على الصحيح ليس من البيت وإن كان يظهر لأول وهلة بأنه من البيت ولكنه لم يُبْنَ مِنَ البيت والعبرة بالتَّأْسِيس، فَلْتَسْعَ وإن كانت على غير طهارة لأن الطهارة لا تُشْتَرط في السعي وما جاء عن بعضهم من اشتراط ذلك لا يصح، والرواية التي جاءت في مُوَطَّأ مالك من رواية يَحي ليست بصحيحة فبقية الروايات لا تَشْتَرِط ذلك فهذه الرواية مِما شَذَّ به يَحي فلا يُقْبَل ذلك الشُّذُوذ منه، فلتَسْعَ ولا شيء عليها وإن كانت لَم تأت بالركعتين فلْتُأَخِّر الركعتين تيسيرا عليها وتأتي بذلك بعد ذلك بِمشيئة الله تبارك وتعالى، أمَّا إذا كانت لم تَطُفْ فلتنتظر وبعض النساء سَمعن بأن الحائض لا تطوف فأَتَيْنَ وسَعَيْن وأَلْغَت تلك النساء الطواف لأن الحائض لا طَوَاف عليها في اعتقادها .. هكذا حَمَلَت ( غَيْرَ أن لا تَطُوفِي ) وهذا خَطَأ فاضح .. طواف العمرة وطواف الحج ركن من الأركان التي لا يَجُوز تَرْكُها وإنَّما تُعْذَر الحائض من طواف الوَدَاع فقط أمَّا طواف الإفاضة-أُكَرِّر-وطواف العمرة رُكْنَان .. (3/274)
صفحة 866
طواف العمرة رُكن من أركان العمرة وطواف الإفاضة الذي هو طواف الزيارة ركن مِن أركان الحج فلا تُعْذَر الحائض من ذلك فلابد من التَنَبُّهِ لِهذا الأمر؛ والله ولي التوفيق.
مِن حلقة 26 جمادى الأولى 1426هـ، يوافقه 3/7/2005م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
س9: مَن أراد الذهاب إلى العمرة بِالطائرة، مِن أين يُحرِم ؟
ج: يُحرِم عندَما يُحَاذِي الميقات .. يَستعِد مِن قبل .. إما أن يَلبَس ثيابَه في بيتِه أو في المطار أو أن يَقوم بِلبْسها عندَما يَكون قرِيبا مِن المَطار ثم عندَما يُحاذِي الميقات (1) ويَنبغِي لَه أن يَتقَدَّم ذلك بِقليل، لأنَّ الطائرة تَمر مسرِعة على الميقات (2) فَقَد لا يَتمكَّن مِن الإتيانِ بِالتلبية مِن أعلى الميقات ويَتجَاوَز ذلك، فيستعِد مِن قبل ثم بعد ذلك عندما يكون قريبا مِن الميقات ينوي بقلبه العمرة ويسمي-أيضا-ذلك في تلبيته .. يقول: " لبيك عمرة " ويلبي التلبية المعروفة، وليس لَه أن يُؤخِّر ذلك إلى مطار " جدة " مثلا، كما أنه ليس لَه أن يَرجِع بعدَ ذلك إلى الميقات .. لابد مِن أن يُحْرِم مِن قبل، وليس لَه أن يَتأخَّر إلى أن يَصِلَ إلى الميقات .. نعم لَو أنَّ جاهلا وَقَعَ وَوَصَلَ إلى الميقات وهو لَم يُحرِم فإنّ عليه أن يَتوب إلى ربه وأن يَرجِع إلى الميقات الذي مَرَّ عليه ويُحرِم مِن هناك، أما مَن كان يَعرِف الحكم فليس لَه أن يَتجاوَزَ ذلك أبدا.
__________
(1) -قال الشيخ: " المطار " بدلا من " الميقات " والظاهر أنه سبق لسان.
(2) -قال الشيخ: " المطار " بدلا من " الميقات " والظاهر أنه سبق لسان. (3/275)
صفحة 867
وبعضُ الناس يَقول: " في ذلك مَشَقَّة " أو ما شابه ذلك، ولا مَشَقَّة في ذلك والحمد لله .. بِإمكانِه-كما قلتُ-أن يَلْبَسَ ثِيابه مِن بيتِه أو مِن المطار أو يُمْكِن أن يَلبسَ في دَوْرَة المياه في الطَّائِرَة أو حتى مِن مكانه بِشرطِ ألاّ يَرَاه عندَما يَخلَعُ إِزارَه .. أو بِعبارةٍ أخرى لا يَرَى عورتَه أحدٌ مِن الناس ويُحرِم ولا مشقّة في ذلك، أما بِالنسبةِ إلى الصلاة فلا بأس عليه إن تَرَكَ الصلاة ولَم يُصَلِّ لِلإحرام على أنَّ العلماء قد اختلَفوا هل هنالِك صلاةٌ مشروعَة لِلإحرام:
ذهب بعضُهم إلى أنَّه ليستْ هنالِك صلاةٌ لِلإحرام .. مَن أرادَ أن يُحرِم فإن حَضَرَتْ صلاة فريضة فليُحْرِم بعدَ الصلاة.
والصوابُ أن يُحرِمَ بعدَ أن يَستوِي على راحلتِه، كما ثبتَ ذلك مِن طرِيقِ ابن عمر رضي الله-تعالى-عنهما.
أما الحديثُ الوارِد أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أَحرَمَ بعدَ الصلاة فهو حديثٌ لا يَصِح، فالعمدَةُ ما جاء مِن طرِيقِ ابن عمر.
وكذلك إن دَخَلَ المسجد فليُصل ركعتيْن أو إذا أَرادَ أن يُصلي صلاةَ الضحى إن كان الوقتُ وقت صلاة الضحى أو أَرادَ أن يُصلي بعدَ الوضوء أو ما شابه ذلك، أما أن تَكون هنالِك صلاةٌ خاصّة بِالإحرام فليستْ هنالك صلاة خاصّة بِالإحرامِ على الرأيِ الصحيح.
وذهب بعضُهم إلى القولِ بِمشروعيةِ الصلاةِ لِلإحرام.
وفرَّق بعضُهم بيْن ميقاتِ " ذي الحليفة " وبيْن غيرِه فقال بِمشروعيةِ الصلاةِ لِمَن أَحرَمَ مِن ميقاتِ " ذِي الحليفة " بِخلاف مَن أَحرَمَ مِن غيرِ ذلك.
ولا دليلَ على التفريق بل ولا دليلَ على القول بِسُنية صلاة خاصّة لِلإحرام، فلْيُحرِم مِنَ الطائرة؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم. (3/276)
صفحة 868
على أنَّ كثيرا مِن الناس-ولِلأسف-يَأتُونَ إلى مكة المكرمة وهم مُحِلُّون ثم بعدَ ذلك يَذهَبون إلى " التنعيم " لِلإحرام، وفي هذا مُخالَفة صارِخَة لِسنّة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فمَن وَصَلَ إلى مكة المكرمة ولَم يُحرِم عليه أن يَتوب إلى ربه وأن يَندَم على ما فَرَّطَ مِن أمرِه وأن يَرجِع إلى الميقات الذي جاء منه-أو ميقاتٍ أبْعَد مِن ذلك الميقات على رأي بعضهم-فإذا جاء مِن " ذي الحليفة " لابد مِنْ أن يَرجِع إلى " ذي الحليفة " وإذا جاء مِن ميقات " نَجد " وهو المعروف بِالسيل فليَرجِع إليه وهكذا بِالنسبة إلى بَقِيَّة المواقيت.
فيَنبغِي لِلإنسان أن يَتعلَّم أُمورَ دِينِه وألاّ يَذهَب وهو لا يَدرِي عن العمرة شيئا .. لا يَدرِي كيف يَطوف وكيف يَسعَى ومِن أَيْنَ يُحرِم أو ما شابه ذلك، وإن كان لَم يَذهَب مِن قبل البتّة فيَنبغِي لَه أن يَذهَب مع شخصٍ لَه معرِفة بِمناسِكِ الحج، ومعرِفةُ هذه المناسِك متيَسِّرة والحمد لله، وهنالك كتب ومطْوِيَات وأشرطة يُمكِن لِلإنسان أن يَستعِين بِها على معرِفةِ مناسِكِه، وما لَم يَجِدْه فيها أو ما لَم يَفهَمْه فعليه أن يَسأَلَ أهلَ العلم.
والحاصِل أنه ليس لأحدٍ أن يَتجاوَزَ الميقات إذا كان يُرِيدُ حجّا أو عمرة ولو أَرادَ أن يَبقَى-مثلا-مدّة في " جدة " أو في غيرِها مِن المناطِق اللهم إلا إذا كان مُتردِّدا في الإرادة .. مثلا يَقول: " سأذهَب إلى ' جدة ' لِقضاءِ بعضِ المآرِب فإن تَمَكنتُ بعدَ ذلك ووجدتُ وقتا فسأذهَب إلى ' مكة ' وإن لَم أَجِد وقتا فلَن أَذهَب " ففي هذه الحالة يَذهَب إلى " جدة " ويَقضِي مآرِبَه وحوائِجَه وبعدَ ذلك إذا أَرادَ أن يَذهَب إلى " مكة " لِتأدِيَةِ عمرة-مثلا-فليُحرِم مِن ذلك المكان الذي بَقِي فيه وهو " جدة " على المثال الذي ذكرناه؛ والله-تبارك وتعالى-ولي التوفيق.
س10: ما حُكم الذهاب إلى الحج لِمَن عليه دَيْن ؟ (3/277)
صفحة 869
ج: لا يَخلو ذلك مِن أَحَد أمريْن اثنين: إما أن يَكون هذا الدَّيْن مُحَرَّما، وإما أن يَكون هذا الدَّيْن مُحَلَّلا.
فإن كان مُحَرَّما فليس لَه أن يَذهَب إلى تأديةِ الحج إلا بعدَ أن يَتطَهَّر مِن هذه المعصية التي وَقَعَ فيها ويَتُوبَ توبةً نصوحا إلى ربِّه تبارك وتعالى .. هذا إذا كان يُرِيدُ أن يَتُوب، أما إذا كان لا يُرِيدُ أن يَتوب في حقيقة الواقع .. وعلامةُ الذي يُرِيدُ أن يَتُوب أن يَبْذُل الغالِي والرخِيص في سبِيلِ التوبةِ والرجوعِ إلى الله تبارك وتعالى، أما إذا كان يُرِيدُ أن يَشترِي العِمَارَات ويَشترِي الأراضي أو ما شابه ذلك ويُلَقْلِقُ بِلسانِه يَقول: " أُرِيدُ أن أَتُوب " فهذا في واقِعِ الأمْر لا يُرِيدُ أن يَتُوب فليَذهَبْ إلى الحج لِئلا يَجْمَعَ بيْن معصِيَتَيْن .. معصيةِ الوقوعِ في مَحظُورِ الدَّيْنِ المُحرَّم ومَحظورِ عدمِ تأدِيَةِ الحج ولكن لِيَعْلَم عِلْمَ اليقِين بِأنّه ليْسَ مِن المتّقِين وأنَّ الله-تبارك وتعالى-لا يَتَقَبَّلُ إلا مِن المتّقِين وإنَّما تَكون حَجّتُه صحِيحة بِحيثُ إنه لا يُطالَبُ بِها إذا تاب-مثلا-في المستقبَل.
أما الدَّيْن إذا كان مُحَلَّلا فلا يَخْلُو: إما أن يَكون مُوَقَّتا بِوَقت، وإما أن يَكون في حُكْمِ الموقَّت، وإما أن يَكون مُؤَجَّلا.
فإن كان مُوقَّتا بِوقت فلابد مِن أن يَقضِي ذلك الدَّين.
وهكذا بِالنسبةِ إلى الدَّيْن الذي هو في حُكْمِ الموقَّت-أي الذي لَم يُقَيَّد بِوقتٍ مِن الأوقات-فلابد مِن أن يَقضِي ذلك إلا إذا وَضَعَه مع شخصٍ على سبِيلِ الأمانة بِحيثُ يَدْفَعُه إلى صاحبِه. (3/278)
صفحة 870
وأما الدَّين المؤجَّل فلا إشكال فيه إذا كان يَجِدُ ما يُمكِن أن يُقضَى بِه ذلك الدَّيْن عنه أَنْ لو أَصابَه مَحْذُورٌ أو مَا شابه ذلك .. مثلا إنسانٌ عليه ألفُ ريال لِشخص وهو يَملِك مقدار ما يُساوِي ذلك الألف فلْيُوَثِّق ذلك الدَّين بِصَك شرعِي يُشهِدُ عليه شاهِدَيْ عَدْل ويَضَع ذلك الصك مع صاحبِ الحق أو يَضَعُه مع أَمِينٍ يَثِقُ بِه ولْيُخْبِر صاحبَ الحق بِأنَّه قد وَضَعَ الصك الذي يُثْبِتُ لَه ذلك الحق مع فلان بن فلان الفلاني أو ما شابه ذلك، لأنّ كثيرا مِن الناس-ولِلأسَف-يُؤمَرُون بِأن يُؤَدّوا بعضَ الأمانات إلى أَصحابِها ثم يَتَأَخَّرُون في ذلك وقد يَمضِي العام أو أَكثَر مِن ذلك ولا يُوصِلُون تلك الحقوق إلى أصحابِها ثم يَأتِي صاحبُ الحق يَسأَل مَن عليه الحق ويُخبِرُه بِأنَّه قد أَرسَلَه منذُ فترةٍ مِن الزمان مع شخص ولَم يُؤَدّ ذلك الشخص ولِلأسَف الشديد، ومِنْ هنا نَقُول إنَّ مَن أَرسَلَ حقّا لِشخصٍ مع شخصٍ آخَر أنَّه لابد مِن أن يَسأَل ذلك الذي لَه الحق هل وَصَلَه ذلك الحق الذي لَه أو لَم يَصِلْه مَخافَةَ النسيان أو التفرِيطِ أو ما شابه ذلك؛ والله-تبارك وتعالى-ولي التوفيق.
مِن حلقة 3 رمضان 1426هـ، يوافقه 7/10/2005م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
س1: ما حكمُ مَن طاف بعدَ الحجر أثْنَاءَ أدائِه العمرة ؟ هل يَعْتَد بِهَذَا الشَّوط أو لا ؟
ج: إنَّه مِمَّا لا يَخفى أنَّ طواف العمرة وطواف الزيارة بالنسبة إلى الحج ركن مِنَ الأركان التي لا تَصِح العمرة ولا الحج إلا بِها، وعليه فلابد مِن الاعتناء بأمره، وكثير مِن الناس يُفرِّطون في كثيرٍ مِن الأمورِ المتعلِّقةِ به، ومِن المعلوم أنَّه يَندرِج تَحت الطواف كَثِير مِن الأحكام:
مِنْهَا مَا هو شَرطٌ مِنْ شروطِ صِحّةِ الطواف بِحيثُ إنَّ مَن فَرَّطَ فيها يَكون طوافُه باطِلا. (3/279)
صفحة 871
ومِنْهَا ما هو سُنّة مِن السنن التي لا يَنبغِي التفرِيطُ فيها، لِثبوتِ ذلك عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
فإذن لابد مِن الاعتناءِ بِمَعرفةِ أحكامِ الطوافِ بِمعرفةِ شروطِه وواجباتِه وسُنَنِه ومستحبَّاتِه.
وكثيرٌ مِن الناسِ-كما قلتُ-لا يَعتَنونَ بِمعرفةِ ذلك، فتَرَى كثيرا مِن العوام يَذهبُون لِتأديةِ فريضةِ الحج أو لِتأديةِ العمرة وهم لا يَعرفُون عن أحكامِ الطواف شيئا .. منهم مَن يَسمَع بِالطواف ومنهم حتى مَن لَم يَسمَع بِه وإنَّما يَسْمَع بِالحج أو العمرة ولا يَعرِفُ بِماذا يَأتِي في حَجِّه وفي عُمرتِه، فلابد لِلإنسانِ عندَما يُرِيدُ أن يَذهَبَ لِتأديةِ الحج أو العمرة أن يَتعلَّمَ أَهَمَّ الأمورِ التي تَتعلَّقُ بِهما حتى يُؤدِّي تلك العبادة-التي شَرَعَها الله تبارك وتعالى-على بصيرةٍ مِن أَمرِه.
والطوافُ-كما قلتُ-مِن أَهَمِّ المهمات في الحج وكذلك في العُمرة، فهو ركنٌ مِن الأَرْكَان بِالشَّرْطِ الذي ذكرتُه، وعليه فلابد مِنْ أَن يُراعِيَ ما يَتعلَّق بِه ولاسيما الشروط والواجبات. (3/280)
صفحة 872
الطوافُ لَه بِدايةٌ ونِهَاية، فلابد مِن أن يَبتدِئ الطائفُ مِن مَوضِع وينتهي إليه، والطواف يبْتَدِئ مِن ركن الحجَر .. عندَما يَأتِي مَن يُرِيدُ أن يَطوف يَأتِي إلى رُكن الحجَر بِحيثُ يُقَابِلُ الحجَر فإن تَمكَّنَ مِن تَقبِيلِه قبَّلَه وإن لَم يَتَمَكَّن مِن ذلك فإنه يَلْمَس الحجَر بِيَدِه اليمنى لا بِاليَدَيْنِ معا فإن لَم يَتَمَكَّن مِن ذلك أَشَارَ إليه ولا يُقبِّل يَدَه التي أَشَارَ بِها وإنَّما يقبِّل يَدَه التي صَافَحَ بِها الحجَر .. أي إذا تَمكَّنَ مِن مصافحةِ الحجَر أو مِن وَضْعِ يَدِه على الحجر، ومِن ذلك الموضِع يَبتدِئ الطواف، وليس لَه أن يَبتدِئ الطوافَ مِن موضعٍ بعدَ الحجَر، فإنه إذا ابتدأَ مِن بعدِ الحجَر فإنَّ ذلك الشوط الذي ابتدأَ بِه مِن ذلك الموضع يَكون باطِلا لا عبرةَ بِه، وعليه لَو وَقَعَ شخصٌ في ذلك ثُم انتَبَه أو نُبِّهَ إلى صنِيعِه ذاك فإنَّ عليه أن يُلْغِيَ ذلك الشوط وألاّ يَعتبِر بِه أبدا ويَعْتَد بِالشوط الذي يَلِيه وهُو الشوط الذي يَبتدِئ فيه الطواف مِن مُقابِلِ الحجَر كما قدّمنا، ويَطُوف سبعة أَشْوَاط وينتهي في ذلك الموضِع الذي ابْتَدَأَ منه، ومِنَ المعلوم أنَّه لابد مِن أن يُكْمِلَ الأشواط السبعة تَمَاما فإذا نقَصَتْ ولو جزئية صغيرة مِن ذلك فإنّ طوافَه ذلك لا يُعتبَر صحِيحا. (3/281)
صفحة 873
وكان منذُ فترةٍ قصِيرةٍ مِن الزمن هنالِك خطّ يَقِفُ الناس عليه وذلك الخط مقابِلٌ لِلحجَر تَمَاما وفيه مِن اليُسْرِ على كثيرٍ مِن الناس ما لا يَخفَى، لكن ذلك الخط لا يَخفى أنَّه لَم يَكُن-كما قلتُ بِالأمس-موجودا في عهدِ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-ولا في القُرُونِ التي تَلَتْ ذلك وإنَّما وُضِعَ منذُ فترةٍ قَصِيرَةٍ مِن الزمن ثُم أُزِيل، ومِن المعروفِ أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - طَافَ عندَما قَابَلَ الحجَر .. وَقَفَ في مُقَابِلِ الحجَر وطافَ مِن هناك وطافَ معه صحابتُه الكِرام وكانتْ أُمَّة كبِيرَة جِدا مِن الناس، وفي ذلك مِن اليُسْرِ والسهولَةِ ما لا يَخفَى، فالتَّشَدُّدُ والتَّنَطُّع مِمّا لا يَنبغِي.
فعندما يُقابِل مَن يُرِيدُ الطوافَ الحجَر فليَبتدِئ مِن هناك ولْيَتْرُك التَّشَدُّد والتنَطُّع والوساوِس والشُكُوك، فمِن المعلوم أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لَم يَضَعْ خَطا لِلناسِ مِن أجل أن يقِفُوا عليه جَميعا وإنَّما شَرَع في الطوافِ مِن ذلك الموضِع وبيَّنَ في حَجّتِه: ( لتَأْخُذُوا عنِّي مناسِكَكُم ) وطاف معه الصحابةُ الكِرام وهكذا في عُهُودِهم-رضوان الله تعالى عليهم-وفي عهودِ التابعين ومَن جاء بعدَهم. (3/282)
صفحة 874
فليُقَدِّر مَن يُرِيدُ الطواف أنه يَقِفُ في مقابِلِ الحجَر .. يَتَحَرَّى ذلك ويَطُوف مِن ذلك الموضِع ويَنتهِي-أيضا-في الموضِع الذي ابتدأَ فيه بِحيثُ-كما قلتُ-لا يَصِح لَه أن يَترُكَ شيئا مِن ذلك، لأنَّه لَو تَرَكَ شيئا مِن ذلك فإنَّ طَوَافَه ذلك يَكون بَاطِلا، أما إذا ابتدأَ-مثلا-قَبل الموضِعِ الذي تُشْرَعُ مِنه البدايَة .. ظَنَّ-مثلا-أنَّ البدايةَ تُشرَع مِن هناك ثم تبَيَّن لَه أنّ الأمْرَ بِخلافِ ذلك فذلك لا يَضُرّه في ذلك لكن لابد مِن أن يَنتهِي في الموضِع المعروف الذي حدَّدْتُه مِن قبل، وليس لَه أن يَنتهِي في الموضِع الذي ابتدأَ منه في هذا الطواف، لأنَّه ابتدأَ مِن موضعٍ يُخالِف الموضِعَ الصحِيح وما دام لَم يَبتدِئ مِن الموضِعِ الصحِيح الذي هو مُتقَدِّمٌ على موضِعِ الطواف فلابد مِن أن يَنتهِيَ في الموضِعِ الصحِيح؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س6: مَن اعتمَرَ عن غيرِه ثم تَحلَّلَ وأَحْرَمَ بِالحجِّ عن نفسِه ... (1)
__________
(1) -السؤال كما وَرَدَ في المكالمة: " شخص يذهب للحج ويريد أن يعتمر لغيره ويحج لنفسه، فهل عليه هدي ؟ مع العلم أنه يفعل ذلك بنية التخلُّص مِن الإحرام .. حتى لا يبقى في الإحرام فترة طويلة وحتى يُقَلِّل مِن أعمال الحج .. يُقلِّل مِن الهدي وحتى يقدِّم سعي الحج .. يعني يعتمر لغيره بِهذه النية، فهل عليه إساءة بهذا الفعل ؟ ". (3/283)
صفحة 875
ج: حقيقة؛ هذا السؤال الظاهِر عَن غيرِه وفيه مُدَاخَلات ولَم يُفصِّل ماذا يَسقُط عنه وماذا لا يَسقُط عنه فما دامتْ المسألة وَاقِعَة في الماضِي فيَنبغِي لِذلك الذي وَقَعَ في هذه القضية أن يَسأَل عنها ويُفصِّل ماذا قَدَّمَ وماذا أَخَّرَ وما الذي أَتَى بِه قبلَ أن يَطوف وما الذي لَم يَأتِ بِه، وإذا كان يُرِيدُ أن يَفعَل ذلك في المستقبَل فيَنبغِي لَه-أيضا-أن يُوَضِّح ماذا يُرِيدُ أن يَفعَل وماذا لا يُرِيد أن يَفعَل، لأنَّ كثيرا مِن الأسئلة التي يَأتِي بِها بعضُ الناس عن غيْرِهم يَكون الأمر يَختلِف عن ذلك السؤال الذي طُرِح، والأمرُ دِين، فلابد مِن أن تُطرَحَ المسألة على وجهِها الصحِيح مِن غيْرِ زيادةٍ ولا نقصان ولا تغيِير مَخافةَ الوقوعِ في المحظُور، لأنّ الذي يُفْتِي في واقِعِ الأمر يُفْتِي بِمقدارِ ما يَسمَع أو بِمقدارِ ما يُشاهِد إذا كان السؤال مكتوبا ويُمكِن أن يَكون الأمرُ بِخلافِ ذلك .. هو لَم يُبَيِّن ماذا الذي يُرِيد أن يُقدِّمَه.
س: هو موضِع استفسارِه بِالضبط: هل عليه هدي إذا اعتمرَ عن غيْرِه وحجَّ عن نفسِه ؟
ج: أما الهديُ نعم إذا كانتْ الشروط مُتَوَافِرَة بِأنْ اعتمَرَ عنه أو عن غَيْرِه في أَشهرِ الحج وحَجَّ في أَشهرِ الحج مِن تلك السنة مِنْ غيْرِ أن يَرجِع إلى وطنِه.
أما قضيةُ التقدِيم .. هنالِك جزئية أخرَى .. قضيةُ التقدِيم والتأخِير فليستْ بِواضِحة.
س: نَعَم هو ذَكَر جزئيتَيْن .. جزئية أنَّه يريد أن يَهرب مِنْ مَشَقَّةِ البقاءِ مُحْرِما ... (3/284)
صفحة 876
ج: على كل حال؛ لا يَنبغِي لِلمؤمِن أن يَتَمَتَّعَ-مثلا-بِالعُمْرَةِ إلى الحج مِن أَجْلِ الهرَبِ عن البقاءِ على الإحرامِ أو مِن أَجْلِ كذا أو مِن أَجْلِ كذا ولا أنْ يَفعَل كذا-مثلا-مِنْ أَجْلِ أن يَهربَ مِنْ كَذَا أو أن يَتَخَلَّصَ مِن كذا، وإنَّما يَفعَل ذلك إمَّا لِكونِ ذلك مِمَّا أَرْشَدَ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-إليه أو مِمَّا فَعَلَه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو لأنه أَفْضَل أو لأنه أَيْسَر أو ما شابه ذلك .. لا مِن أَجْلِ التَّخَلُّص .. هنالِك فَرْقٌ كبِيرٌ جِدا بَيْنَ التَّخَلُّصِ مِن كَذا وبيْن قضيةِ أنّ هذا الأمر-أَبَاحَه الله تبارك وتعالى، أو بِعبارةٍ أَعَم-شَرَعَه الله-تبارك وتعالى-وفيه يُسْرٌ وسهولةٌ على العبد.
فالقضيةُ التي تَتَعَلَّق بِذلك لابُد مِن أن يَبحَثَ عنها ذلك السائِل نفسه حتى يُمكِن أن نُجِيبَ عليها.
س7: ذكرتُم أمس فيما يَتَعَلَّقُ بِالنية أنّ النية الإجمالية تُجزِي، فمَن دَخَلَ بِنيةِ صلاةِ الظهر لا يَلزَمُه أن يَستحضِر أنه في صلاةِ الظهر سيَنوِي الركوع ... (1)
ج: نَحن مَا قُلْنَا لا يَلْزَمُه أن يَستحضِر نِية الظهر، وإنَّما لا يَلزَمُه أن يَستحضِر أنَّه الآن يَنوِي الركوع أو القراءة أو السجود أو الجلوس أو ما شابه ذلك .. يَنوِي أنْ يُصلِّي فريضة كذا .. فريضة الظهر أو العصر.
__________
(1) -السؤال كما وَرَدَ في المكالمة: " ورد بالأمس على أنّ القول الموجود بعدم تجديد النية في بعض أعمال الصلاة مثل الركوع والسجود .. يعني نية واحدة كذلك أعمال الحج نية واحدة كما ذُكِر بالأمس، فما ردكم على مَن قال أيضا رمضان كذلك .. اعتبره فريضة واحدة يَحتاج نية واحدة وشَبَّهَه بالصلاة وبالحج مِن حيث النية ؟ ". (3/285)
صفحة 877
نعم بعضُ العلماء قال يُجزِيه أن يَنوِي أن يُصلِّي الفريضة الحاضِرَة مِنْ غيْرِ أن يَنوِي فريضة كذا أو فريضة كذا، ومَن وَقَعَ في ذلك فلا بأس عليه بِمشيئة الله تبارك وتعالى أمَّا في المستقبَل فيَنبغِي لَه أن يُخرِجَ نفسَه مِن الخلافِ ويَنوِي فَرِيضَةَ الظهر أو العصر أو المغرب أو ما شابه ذلك.
لكن لا يَلزَمه أن يَنوِي الركوع أو السجود أو القعود أو ما هو أَعَم مِن ذلك .. أن يَنوِي الركوع لِصلاةِ الظهر أو السجود لِصلاةِ الظهر أو العصر أو المغرب .. هذا فيه مِن المشقّة ما فيه ثم هو مُخالِفٌ لِلشَّرْعِ الحنِيف.
وهكذا بِالنسبةِ إلى الحج كما قلتُ .. يَنوِي الحج.
والكثرةُ الكاثِرَة مِن أهلِ العلم تَقول تُجزيه تلك النية مِن غيْرِ أن يُجدِّدَ النية لِكلِّ عملٍ مِن أعمالِ الحج كالطوافِ أنَّه لِلحج أو لِلعمرة والسَّعي كذلك والوقوف بِعرفة والمبيت بِالمزدلفة ورَمْي الجمار .. الجمرة الأولى أو الثانية أو .. هكذا. (3/286)
صفحة 878
لكن هو-في حقيقةِ الواقِع-الإنسانُ مُستحضِر بِأنَّه الآن في هَذَا الموضِع وبِأنه الآن يُرِيد أن يَفعَل كذا أو كذا، لكن بَقِيَ هنالِك أمْرٌ آخَر .. كما قلتُ (1) لابُد مِن التفرِيق .. إذا كان يُرِيد نِية الطواف لِلحج أو لِلعُمْرَة هذه لا تَلزَم، أما نية الطواف فهذه لابد منها، لأنّ الإنسان إذا كان يَمشِي أمامَه شخصٌ-مثلا-وهو يَتْبَعُه ولا يَدرِي مِن أَيْنَ يَبتدِئ أو ماذا يَقصِد ذلك الشَّخص ثُم أَخبَرَه بعدَ ذلك: " فلان .. نَحْنُ قَد شَرَعْنا الآن في الطَّوَاف وهذا الشَّوْط الثاني " أو " الثالث " أو حتى " الآن قَطَعْنَا مسافة مِن الشوط الأول " أو ما شابه ذلك .. لا يُجزِيه .. لابد مِن أن يَنوِي الطواف، لأنه هو ما أَرَادَ عبادة أبَدا .. ما أَرَادَ الطواف وإنَّما يَمشي يَظُن أنه ذاهِب إلى المكان الفلاني أو على أَقَل تقدِير يَظُن أنه سَيَطوف بعدَ ذلك أو ما شابه ذلك.
أما بِالنسبة إلى الصيام فالعلماءُ اختلَفوا فيه:
منهم مَن يَقول: إنّ شهرَ رمضان مِن أوّلِه إلى آخِرِه فريضة واحدة، وعليه فَتُجزِي نية واحدة.
ومنهم مَن يَقول: هو فرائض .. كلُّ يومٍ مِن أيامِ هذا الشهر المبارَك فريضة مستقِلّة بِذاتِها .. اليوم الأول فرِيضة مستقِلة والثاني فرِيضة مستقِلة وهكذا بِالنسبةِ إلى بقِيةِ الأيام، وهذا هو القولُ الصحِيح الراجِح، بِدليلِ:
أنّ المسافِر يُبَاحُ لَه أن يُفطِر يوما أو يومين أو أكثر ولو صام اليوم الأول أو الثاني أو العاشِر وهكذا .. وهكذا بِالنسبة إلى المرِيض ولا يَتَأثَّر صيامُهما السابِق أو اللاحِق على تلك الأيام التي أَفطرَا فيها.
__________
(1) -عند الجواب على السؤال 2 مِن حلقة 9 رمضان 1426هـ ( 13/10/2005م ). (3/287)
صفحة 879
وهكذا لَو أنَّ شخصا-والعياذ بالله تبارك وتعالى-انتهَكَ حُرمةَ هذا الشهر المبارَك فأفْطَرَ يوما أو أكثر مُتعمِّدا فإنّ القولَ الراجِح الصحِيح لا يَنْهَدِم ذلك الصيام الذي صامَه قبلَ ذلك اليوم وهكذا بِالنسبةِ إلى الصيامِ الذي يَلِي ذلك اليوم.
وهكذا بِالنسبةِ إلى مَن دَخَلَ في الإسلامِ لا يُخاطَبُ بِإعَادَةِ تلك الأيام التي مَضَتْ مِن هذا الشهرِ المبارَك .. لَو-مثلا-دَخَلَ شخصٌ في الإسلامِ في اليومِ العاشِر فإنَّه لا يُخاطَبُ بِالأيامِ التي سَبَقَتْ على ذلك .. هذا القولُ الصحِيح.
وكذلك لَو بَلَغَ صبِي في اليومِ العاشِر-مثلا-فإنَّه لا يُخاطَبُ بِإعادةِ الأيام الماضية على الصحيح.
بينما لو كان الشهرُ فرِيضةً واحدة لا تَتَجَزَّأ لَكان الأمرُ بِخلافِ ذلك، ولِذلك:
ذهبَ مَن ذهبَ مِن أهلِ العلم إلى أنَّ مَن أَفْسَدَ يوما مِن أيامِ شهرِ رمضان المبارَك فإنّ عليه أن يُعِيدَ الشهرَ كلَّه أو الماضِي على أَقَلِّ تقدِير، وكذلك لو بَلَغَ الصبي فإنّ عليه أن يُعِيدَ الماضِي وكذلك لو أَسْلَمَ الكَافِر عليه أن يُعِيدَ الماضِي، وكذلك لو بَلَغَ الصبي.
ومنهم مَن يُفَرِّق بيْن الصبي والكافِر، فيُلْزِم الكافِر دون الصبِي.
إلى غيْرِ ذلك مِن التفرِيعات، ومع ذلك لَم يَلتزِموا بِكلِّ فرعٍ مِن الفروع التي ذكرناها، فمنهم مَن خَالَف في بعضِ الفروع.
فإذن شهرُ رمضان فرائِض مُتعدِّدَة .. كلُّ يومٍ منه فرِيضة مُستقِلة. (3/288)
صفحة 880
ومع ذلك فقدْ قال بعضُ أهلِ العلم الذين قالوا: " إنَّ كلَّ يومٍ فرِيضة مُستقِلة بِذاتِها " بأنه تُجْزِي فيه النية مِن أوّلِ ليلة فإذا نوى النية وأقصِد بِالنية النية القلبية كما لا يَخْفَى .. إذا نوى مِن أوّلِ الشهر فإنه تُجزيه تلك النية ما لَم يُفطِر، فمثلا لَو نَوَى شخصٌ أن يَصوم شهرَ رمضان ولَم يَفْصِل بِفطِر فإنّ تلك النية تُجزيه لِلشهر كلِّه وإذا أَفطَرَ بِسببٍ مِن الأسباب فإنَّ عليه أن يَنْوِي بعدَ ذلك الإفطارِ عندَما يُرِيدُ أن يَصوم .. عليه أن يَنوِي أن يَصوم، وهكذا .. هذا قولٌ موجود، ويُمكِن أن يترخَّصَ بِه لِمَن وَقَعَ في الماضي، أما مَن لَم يَقَع فلا شك أنَّ السلامة لَه أن يَنوِي في كلِّ لَيْلة، والنيةُ أَمْرُها يَسِير سَهْل والحمد لله.
حتى أنَّ بعضَ أهلِ العلم قال: لَو أنَّ الله-تبارك وتعالى-خاطَبَنا أن نَعمَل عملا بِدون نية لَكان ذلك مِن التكلِيفِ بِما لا يُطَاق، لأنّ الإنسان لَو ذَهَبَ إلى مكانِ الصلاة ماذا يُرِيد ؟! هل لابد أن يَنوِي نية ؟! هو ذاهِب لِتأديةِ الصلاة، وكذلك لَو ذَهَبَ إلى الوضوءِ فهو قد ذَهَبَ وجَلَس وما شابه ذلك فماذا يُرِيد ؟! أَلَيْسَتْ هي النية ؟!
قام الشخص-ما كان في شعبان مثلا يقوم للسحور-وتَسَحَّر .. شرب أو أكل أو ما شابه ذلك .. ماذا يُرِيد ؟! نعم قد يَكون في بعضِ الأحيان ولكنها هي لا تَبعُد عمّا ذَكَرْناه.
فإذن النيةُ سهلةٌ يَسِيرة-بِخلافِ ما يَعتقِد فيها كثِيرٌ مِن الناس-ولذلك لا تَحتاجُ إلى تَلفُّظ ولا غيْرِه؛ والله-تبارك وتعالى-ولي التوفيق.
س9: لَم يُصَلِّ ركعتَيْ الطواف في العُمرَة، ماذا يَلزَمُه ؟
ج: الله المستعان؛ فليَتُبْ إلى ربِّه-تبارك وتعالى-ولْيُصَلِّهِما الآن ولا نَستطِيعُ أن نُلزِمَه دَما، وإن قال بِه مَن قال؛ والله المستعان.
س: يُصلِّيها في وطنِه ؟
ج: نعم.
مِن حلقة 10 رمضان 1426هـ، يوافقه 14/10/2005م (3/289)
صفحة 881
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
س1: ما حُكْمُ الاشتِراطِ في الإحرام ؟
ج: إنّ هذه المسألة قد اختلَف العلماءُ فيها.
ومِن المعلوم أنه إذا وُجِدَ خلافٌ بيْن علماءِ المسلِمِين في مسألةٍ مِن المسائل فإنه يَنبغِي لِلعالِم أن يَرجِعَ إلى كتابِ الله-تبارك وتعالى-وإلى سنّةِ رسولِ الله-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-أو ما يَرجِع إليهما بِوجهٍ مِن وجوهِ الحجّية حتى يَتبَيَّنَ لَه ما هو الراجِح في تلك القضية.
وقد نَصَّ المحقِّقون مِن أهلِ العلم أنه ليس لأحدٍ أن يُخالِفَ ما جاء في كتابِ الله-تبارك وتعالى-وسنّةِ رسولِه-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-ولو قال بِخلافِ ذلك مَن قال مِن العلماءِ الكِبار.
وقد أَحْسَنَ الإمام السالمي-رحمه الله تبارك وتعالى-حيثُ قال:
ولا تُنَاظِر بِكتاب الله ... ولا كلامِ المصطفى الأوّاه
معناه لا تَجعل له نظيرا ... ولو يَكون عالِما خبيرا
وأَحْسَنَ حيثُ قال في قضيةٍ مِن القضايا:
المصطفى يَعتبِر الأوصاف ... ونحن نَحكي بعدَه خِلافا
لا نَقبَل الخلافَ فيما وَرَدَ ... فيه عن المختار نصّ أُسْنِدَ
وقال:
حسبُك أن تَتّبِعَ المختار ... وإن يَقولُوا خالَفَ الآثار
وأَحْسَنَ الإمام سعيد بن خلفان-رحمه الله تبارك وتعالى-حيثُ قال لِسائلٍ اعتَرَضَ عليه حيثُ خالَفَ قولا مشهورا عندَ العلماءِ السابِقِين .. فقالَ لَه الإمام رحمه الله تبارك وتعالى: " ومِن العَجَبِ أن أَنُصَّ لَك عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وأنتَ تُعارِضُنِي بِعلماءِ بيْضَةِ الإسلام بِغيْرِ دليلٍ ولا واضِحِ سبِيل، أَلَيْس هذا في العيَانِ مِن الهذَيَان ". (3/290)
صفحة 882
وأَحْسَنَ الإمام الخليلي-رحمه الله تبارك وتعالى-حيثُ قال: " وقولٌ بِخِلافِ الحدِيث يُضرَبُ بِه عرض الحائط "، وقال-رضوان الله تبارك وتعالى عليه-في قضيةٍ مِن القضايا: " وما مِن عالِم إلا في قولِه المقبولُ والمردود ما خلا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - ... " إلى آخِرِ كلامِه رحمه الله تبارك وتعالى.
ولِلعلماءِ في ذلك نُصوصٌ كثِيرَةٌ في هذا المقام، لا حاجَةَ لِلإطالةِ بِها في هذا الوقت.
ونَحن إذا نَظَرْنا إلى قضيةِ الاشتراط فإننا نَجِد العلماءَ قد اختلَفوا في هذه القضية:
منهم مَن قال بِمشروعيةِ ذلك.
ومنهم مَن قال بِعدمِ مشروعيتِه.
وإذا أَتْيْنا إلى معرفةِ الراجِحِ مِن هذيْن القوليْن فلا شك أنّ القولَ بِمشروعيةِ الاشتراطِ في الإحرامِ هو القولُ الصحِيح، وذلك لِما جاء في الحديثِ عن السيدة عائشة-رضي الله تعالى عنها-أنّ الرسولَ-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-قال لِضُبَاعَة بنةِ الزبيْر .. ابنةِ عمِّه - صلى الله عليه وسلم - : ( حُجِّي واشتَرِطِي )، وذلك بِأن تَقول: " مَحِلِّي حيثُ حَبَسْتَنِي " عندَما تُرِيدُ الإحرام، وهذا الحديثُ حديثٌ صحِيحٌ ثابِتٌ عنه - صلى الله عليه وسلم - .. رواه الإمام البخاري والإمام مسلم، ورواه-أيضا-النسائي وابن خزيمة وابن حبان وابن الجارود، ورواه أحمد وإسحاق والطبراني في " الكبير " والطحاوي في " المشكِل " والدارقطني والبيهقي والبغوي، وهو حديثٌ صحِيحٌ ثابِت.
ولا عبرةَ بِإِعلالِ الأَصِيلِيِّ لَه، والأَصِيلِيُّ هذا فيما يَظهَر أنه مُتَسَرِّعٌ في إِعلالِ بعضِ الأحاديث بل ليستْ لَه تلك الدرايَة بِمعرفةِ أئمةِ الحديث فضلا عن الرواةِ العادِيِين، ويَكفِي في التدلِيلِ على ذلك أنه حَكَمَ بِجَهالةِ الإمامِ الشهِير الجبلِ الراسِي جابرِ بن زيد-رحمه الله تبارك وتعالى-الذي وَثَّقَه كِبارُ الصحابة فضْلا عن أئمةِ الحديث. (3/291)
صفحة 883
والعَجَبُ مِن القاضي عِياض حيثُ إنه ذَكَرَ أنّ هذا الحديث تَفَرَّدَ بِه مَعْمَر عن الزُّهْرِي كما نَقَلَ ذلك عن الإمامِ النسائي، والنسائي-فيما يَظهَر-لَم يُرِد بِذلك إِعلالَ الحدِيث، وذلك لأنّ هذا الحديث قد جاء مِن غيْرِ طرِيقِ مَعْمَر عن الزُّهْرِي، وبِغَضِّ النظَرِ عن هذه الروايَة-فإنّنِي لستُ أُرِيدُ أن أُطِيلَ المقال بِالكلامِ عليها، وإلا فإنّ لَنا مقالا معرُوفا في ذلك-فإنّ هذا الحديث قد جاء مِن طُرُقٍ أخرى عن الراوي عن السيدةِ عائشة رضي الله-تبارك وتعالى-عنها، وجاء عن غيْرِها مِن صحابةِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ، فلَو سُلِّمَ جدَلا بِإِعلالِ هذه الرواية التي ذَكَرَها القاضِي عِياض-مثلا-فإنّه لا يَضُرّ ذلك ما دام الحديثُ قد ثَبَتَ مِن غيْرِ هذه الطرِيق.
والحديثُ قد جاء-أيضا-مِن طرِيقِ ابنِ عباس رضي الله-تبارك وتعالى-عنهما، رواه مسلم وأبو عوانة والنسائي والترمذي والدارمي وابن ماجة، ورواه أحمد وإسحاق وابن حبان وابن الجارود والطبراني في " الكبير " والطحاوي في " شرح مشكل الآثار "، ورواه ابن عَدِي وأبو يعلى وأبو نعيم في " الحلية " وأبو علي الطوسي في مُسْتَخْرَجِه على الترمذي، وهو حديثٌ صحِيحٌ ثابِت عنه صلوات الله وسلامه عليه. (3/292)
صفحة 884
وقد جاء لِهذيْن الطرِيقيْن شواهِدُ مِن طُرُقٍ أخرى عن صحابةِ رسولِ الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فقد جاء ذلك مِن طرِيقِ أم سلمة ومِن طرِيقِ جابر بن عبد الله، وذَكَرَ الترمذي بِأنه جاء مِن طرِيقِ أسماء، وجاء-أيضا-مِن طرِيقِ سُعْدَة بنتِ قيْس جدّةِ ابن الزبير، وجاء عن غيْرِ هؤلاءِ مِن صحابةِ رسولِ الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم .. إنْ صَحَّتْ الرواية فقدْ جاء عن ذُؤَيْب الأسلمي، ولستُ أُرِيدُ أن أُطِيلَ الكلام على صِحَّةِ هذه الروايات، فإنّ بعضَها حَسَن وبعضُها صالِحٌ لِلاستشهادِ بِذلك، وعلى تقدِيرِ عدمِ ذلك-إذا تَشَدَّدَ مُتشدِّدٌ في بعضِها-فإنّ الطريقيْن السابقَيْنِ صحِيحانِ ثابِتانِ عن رسولِ الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وقد اعتَرَضَ كثِيرٌ مِن الناسِ على هذه الأحادِيث:
منهم مَن اعتَرَضَ بِأنها ضعِيفة، وقد تَقَدَّمَ الكلامُ على ذلك، فلا حاجَةَ لإعادَتِه.
ومنهم مَن ادّعَى بِأنّ ذلك خاصٌّ بِالعمرةِ وليس في الحج، والحديثُ يُنادِي بِأعلى صوت ويَصرُخ بِأقوى حُجّة بِأنّ الحديثَ وارِدٌ في الحج، ثم ليْتَ شِعرِي ما الفرْقُ بيْن الحج والعمرةِ في هذا ؟! فما صَحّ في العمرةِ فإنه يَصِحّ في الحج إلا إذا دَلَّ دلِيلٌ على الفرْقِ بينهما وليس هنالِك دَلِيلٌ البتّة، ومَن ادَّعَى خِلافَ ذلك فعليه الدلِيل ولا سبِيلَ إليه.
وادَّعَى بعضُهم بِأنّه خاصٌّ بِضُبَاعَة، وهذا باطِلٌ كما وَصَفَه الإمام النووي، وهو حَقِيقٌ بِذلك.
ومنهم مَن ادَّعَى بِأنّ ذلك إذا ماتَتْ فيُحمَل الحديثُ على ذلك، وهو قولٌ كَلِيلٌ ودَلِيلُه عَلِيل فلا يَنبغِي أن يُلتَفَتَ إليه ولا أن يُعَوَّلَ عليه.
وادَّعَى بعضُهم بِأنه منسوخ، وهو كلامٌ باطِل وعن الدلِيلِ عاطِل، فهذا الحديثُ كان في حَجَّةِ الوداع ولم يَأْتِ حدِيثٌ آخَر يَدُلُّ على خِلافِ ذلك. (3/293)
صفحة 885
وادَّعَى بعضُهم-كالطحاوي في " شرح المشكل "-بِأنه مُخَالِفٌ لِلإجماع، وهو كلامٌ عجِيب غرِيب، فإنّ العلماءَ قد اختلَفوا-مِن قبلِ أن يُولَدَ الطحاوي-في هذه القضية، وقد رُوِيَ القولُ بِالاشتراط عن طائفةٍ كبِيرةٍ مِن صحابةِ رسولِ الله-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-وإن كان لَم يَصِح عنهم جَمِيعا، فقد رُويَ ذلك عن عمر وعن عثمان وعلي وابن مسعود وعمّار وعائشة وأم سلمة، وإن كان-كما قلتُ-لا يَصِحُّ عنهم جميعا، وقالتْ بِه طائفةٌ كبِيرةٌ مِن أهلِ العلم، فكيف يَدَّعِي بعدَ ذلك مُدَّعٍ بِأنّ العلماء قد أَجْمَعُوا على خِلافِه ولا يَجُوزُ لأحدٍ أن يُخالِفَ الإجماع ؟!
ونَحنُ عندَما نَنظُرُ في كتبِ الفقْه وكتبِ الأصول فإننا نَجِدُ كثِيرا مِن دَعَاوَى الإجماع .. يَدَّعِي مُدَّعٍ بِأنّ هذه القضية قد أَجْمَعُوا عليها وقد يَكونُ جُمهورُ الأمّة على خِلافِ ذلك، وسَمِعتُ أَحَدَ الناس يَذكُرُ مسألةً وذَكَرَ فيها قولا وادَّعَى بِأنّ هذا القولَ مُجمَعٌ عليه وأنا قدْ رأيتُ في المسألةِ عشرة أقوال مِن غيْرِ أن أبْحثَ عن ذلك، وبعضُهم حكى الإجماعَ في بعضِ القضايا وحكى بعضُهم الإجماعَ على عكسِ ذلك القول تَماما، فلا يَنبغِي لأحدٍ أن يَرْهَبَ هذه الحكايات التي يَحكِيها بعضُ أهلِ العلم مِن غيْرِ أن يَتَثَبَّتُوا في ذلك، ولنا كلامٌ طوِيل عرِيضٌ في الإجماع الذي هو حُجّة، لا أُطِيلُ بِه المقام. (3/294)
صفحة 886
وبعضُهم احتَجَّ على عدمِ مشروعيةِ ذلك بِما ثبتَ عن ابن عمر-رضي الله تبارك وتعالى عنهما-حيثُ قال: " حسبُكم سُنَّة نَبِيِّكُم " .. معناه أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يَشترِط، وهذا غرِيب، فمِن المعلوم أنه ما مِن عالِم-وإن بَلَغَ السماء وناطَحَ الجوزاء-إلا وقد خَفيَتْ عليه بعضُ أحادِيثِ النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فإذا كان ابن عمر لَم يَعلَم بِذلك وقد عَلِمَ بِه طائفةٌ مِن صحابةِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فهل يُمكِن أن نَرُدَّ بعدَ ذلك الرواية التي ثبتتْ عن أولئك بِدَعْوَى أنّ بعضَ الصحابة لَم يَسْمَع بِذلك ؟! هذا مِمّا لا يُمكِن أن يُحْتَجَّ بِه.
وأما عدمُ اشتراطِ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-فلا يَدُلُّ ذلك على بطلانِ الاشتراط، لأنه إذا وُجِدَتْ أدِلةٌ مُتعدِّدة في قضيةٍ مِن القضايا فإنه يَنبغِي أن يُجْمَعَ بيْن تلك الأدِلة، ويُنظَر تارة يُمكِن أن يُجمَعَ بينها على أنّ هذا مسنون وهذا جائز أو أنّ هذا لِبيانِ الجواز أو هذا لِعِلّة أو هذا يُحمَل على كذا مِن المَحَامِل إلى غيْرِ ذلك، فالنبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-لَم يَكن يَعلَم بِأنّ قريشا ستَصُدُّه عن الحرَم حتى يَشتَرِط، وأما في حَجَّةِ الوداع فإنه لَم يَكن بِحاجةٍ صلوات الله وسلامه عليه إلى ذلك. (3/295)
صفحة 887
وعلى كل حال؛ فإنّ مَجالَ القولِ يَطُولُ في هذه القضية، وأَرَى أن أَكتَفِيَ بِهذا المختصَر، ولنا عودَة إلى ذلك في مناسبةٍ أخرى بِمشيئة الله تبارك وتعالى، لأنّ في هذا الأمر مِن التيسِيرِ ما لا يَخفَى، فإنّ كثيرا مِن الناسِ قد يَحتاجُون إليه فلِماذا يُمنَعُونَ منه بِدَعْوى أنّ بعضَ الناس يَقول بِخِلافِ ذلك ؟! وقد يَدَّعِي مُدَّعٍ بِأنّ العلماء قد اختلَفوا في هذه القضية فالأحْوَط تَرْكُ ذلك، وأقول: إنّ الاحتياط يُصَارُ إليه عندَما تَتَعارَضُ الأدِلّة ويَصْعُبُ الترجِيح وقد يُمكِنُ الترجِيح ولكن ذلك بِأمْرٍ مُحتمِل، أما عندَما تَكونُ الشمسُ طالِعَةً واضِحَةً لِكلِّ ذِي عَيْنيْن فلا يَنبغِي أن تُتْرَكَ السنَن الثابِتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولاسيما عندَما يَحتاجُ إليها الإنسان في مِثلِ هذه القضية بل السنَن التي لا تُفعَل .. في وقتِ الحاجَة لا يَنبغِي أن تُتْرَك لِمَقولَةِ قائِلٍ بِخِلافِ ذلك لِعدمِ إِطّلاعِه عليها أو لإطِّلاعِه عليها مِن طرِيقٍ لا تَثْبُتُ بِها الحُجَّة.
وقد أَحْسَنَ الإمام الشافعي حيثُ عَلَّقَ ذلك على ثبوتِ هذا الحديث، والحديثُ قد ثَبَتَ وصَحَّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ والعلمُ عندَ الله تعالى.
س2: ولكن ما فائدة هذا الاشتراط في الإحرام ؟ (3/296)
صفحة 888
ج: العلماء قد اختلَفوا في ذلك، منهم مَن قال: إنّ هذا لا فائدة لَه وإنما هو لفظٌ يُتَعَبَّدُ بِه كغيْرِه مِن الألفاظ التي يُتَعَبَّدُ بِها، وهذا كلامٌ غرِيب .. قولٌ علِيل لا قيمةَ لَه وحكايتُه تُغْنِي عن ذِكْرِه، فإنَّ ضُباعةَ-رضي الله تعالى عنها-قد ذَكَرَتْ لِلنبي - صلى الله عليه وسلم - أنها تُرِيدُ الحج-وفي بعضِ الروايات أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - اقْتَرَحَ لَها ذلك وأَخْبَرَتْه بِأنها مرِيضة-فذَكَرَ لَها النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه-ذلك، فإذا كان لا فائدةَ لَه فما قيمة أن تأتِيَ بِه ضُباعة ؟! فهذا كلامٌ غرِيبٌ لا قيمةَ لَه، وإنَّما الصوابُ أنّ لِذلك فائدةً سأبَيِّنُها بعدَ قليلٍ بِمشيئةِ الله تبارك وتعالى.
مِن المعلومِ أنّ مَن أَحْرَمَ وصُدَّ عن ذلك بِعدُوٍّ أو لَم يَتَمَكَّن مِن فِعْلِ ذلك بِسببِ مرضٍ أو نَحوِه وتَعَذَّر عليه الوصولُ إلى الحرَم وتأدِيةِ العمرةِ أو تَعَذَّرَ عليه أن يَأتِيَ بِالحج في وقتِه .. أما تأدِيةُ الحج في وقتِه ففيها كلامٌ طوِيلٌ، لا أَتَعرَّضُ لَه في هذا الوقت، وإنما أَتَعَرَّضُ لِمَن لَم يَتَمَكَّن مِن ذلك رَأْسًا .. قد اختلَفَ العلماءُ فيه:
مِنْهُم مَن ذَهَبَ إلى أنه إذا لَم يَتَمَكَّن مِن ذلك أبدا فعليه أن يَذْبَحَ ذَبِيحةً كما هو ظاهِرُ كتابِ الله تبارك وتعالى: { ... فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ... } [ سورة البقرة، من الآية: 196 ]:
وإذا كان سائِقًا لِلهدْي فإنّ الأمْرَ متّفَقٌ عليه بيْن العلماء.
أما إذا كان لَم يَسُق الهدْي فإنّ العلماءَ قد اختلَفوا في ذلك:
منهم مَن قال: لا هدْيَ عليه في هذه الحالة، وهو قولٌ مُخالِفٌ لِظاهِرِ الكتابِ العزيز.
ومنهم مَن قال: عليه أن يَشترِيَ ذلك، وهذا هو الحق .. هذا إذا كان واجِدا لِلقِيمة التي يُمكِن أن يَشتَرِيَ بِها الهدْي فإن كان لَم يَجِد فقد اختلَف العلماء في ذلك: (3/297)
صفحة 889
منهم مَن قال: عليه أن يَصومَ عشرة أيام كحالِ مَن لَم يَجِدْ الهدْي (1) .
ومنهم مَن ذََهَبَ إلى أنه لا شيءَ عليه.
ومنهم مَن ذََهَبَ إلى أنه لا شيءَ عليه في ذلك الوقت وعندَما يَتَيَسَّرُ لَه الهدْي فإنه يَهدِي.
ومنهم مَن ذَهَبَ إلى أنه يَصومُ ثلاثةَ أيام.
ومنهم مَن قال: إنه يُقوِّمُ الذبيحةَ بِالطعام ثم يُخرِجُ بعدَ ذلك طعاما-والواقِع أنَّه إذا قَوَّمَها وكان يَجِدُ الطعام فهو يَستطِيعُ أن يَشترِيَ ذبيحة وإنما يَكونُ ذلك إذا كان لا يَجِدُ ما يَشترِيه ففي مثل تلك الحالة يُقَالُ ذلك-أما إذا كان لا يَستطِيعُ على شراءِ الطعام فإنه يُقوِّم ذلك .. يَصُومُ عن كلِّ مُد، وهذا فيه مِن المشقّة ما فيه، فإنّ ذلك يَقتضِي أن يَصومَ ستّ مئة يوم أو أكثَر، لأنّ الذبيحة تُقارِب ثلاثِين رِيالا-مثلا-أو ما شابه ذلك فإذا قدَّرَها بِالأَمْداد فلا شك بِأنه يَصِلُ إلى عَددٍ كبِير ومعنى ذلك أنه يَصومُ عن كلِّ مُدٍّ يوما ففي هذا مِن المشقّة ما فيه، والدِّينُ أَيْسَرُ مِن ذلك.
ومنهم مَن قال: لا يُطعِم وإنما يَصومُ مِن أوّلِ وهْلَة.
__________
(1) - { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } [ سورة البقرة، الآية: 196 ]. (3/298)
صفحة 890
ومنهم مَن ذَهَبَ إلى غيْرِ ذلك مِن الآراء.
و-على كلِّ حال-هذه الأقوال لا دليلَ عليها، فإذا كان لَم يَجِد هدْيا فإنه ليسَ في كتابِ الله-تبارك وتعالى-ولا في سنّةِ رسولِه - صلى الله عليه وسلم - ما يَدُلّ على أنه يَصنَع شيئا مِن تلك الأقوال التي ذَكَرْناها، وإنَّما عليه أن يَحلِق أو يُقَصِّر وإن تَمكّنَ بعدَ ذلك مِن الهدْي ففي ذلك خير.
على أنّ أقوى تلك الأقوال التي قِيلَتْ بعدَما ذَكَرْناه قولُ مَن قال بِأنه يَصومُ عشرة أيام، ولكن فيه ما فيه، فلا يُمكِن أن نَحكُمَ بِه، لأنّ مالَ المسلِم معصومٌ بِعصمةِ الإسلام لَه، فليس لأحدٍ أن يُلزِمَ عبادَ الله-تبارك وتعالى-بِما لَم يُلزِمهُم الشارِع بِه وإنما يُمكِن أن يَذْكُرَ ذلك لِمَن شاء أن يَأخُذَ بِه مِن باب الاحتياط في الدِّين والخروجِ مِن الخِلاف إن أَمْكَنَ وإن كان لا يُمكِن أن يَخرُج بِذلك مِن الخِلاف لِكثرةِ ما ذَكَرْناه في هذه المسألة.
و: 1-كذلك عليه بعدَ أن يَذبَح أن يَحْلِقَ أو يُقَصِّر. 2-وقيل: لا يَلزَمُه أن يَحْلِقَ أو يُقصِّر بل يَذبَح إن وَجَد وَإلا فلا شيءَ عليه-أو عليه ما ذَكَرْناه مِن تلك الأقوال-وهو قولٌ ضعِيفٌ جِدا، مُخَالِفٌ لِظاهِرِ الكتابِ العزيز، وكذلك هو مُخالِفٌ لِلسنّةِ الصحِيحةِ الثابِتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، حيثُ إنه صلوات الله وسلامه عليه حَلَقَ وأَمَرَ أصحابَه بِالحلْقِ أو التقصِيرِ وحَثَّ على الحلقِ ودعا لِلحالِقِين أوَّلا ثلاثا ثم بعدَ ذلك لِلمقَصِّرِين، فإذن هذا ثابِتٌ بِظاهِرِ الكتاب ونصِّ السنّةِ الصحِيحةِ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . (3/299)
صفحة 891
إذا علِمنا ذلك فمَن اشترَطَ في إِحرامِه إن لَم يَتمكَّن مِن تأدِيةِ حَجِّه أو عُمرتِه فإنه يَحِلُّ بِذلك مِن غيْرِ أن يَحتاجَ إلى هدْي، فهذه إذن فائدةُ الاشتراط (1) -خِلافا لِمَن زَعَمَ أنه لا فائدةَ لِذلك-وإنَّما هنالِك فرْقٌ في الصيغة .. إذا قال: " فمَحِلِّي حيثُ حَبَسْتَنِي " أو ذَكَرَ بِأنه إذا حُبِسَ سيَحِلُّ مِن إِحرامِه، فإن قال: " ... مَحِلِّي ... " فبِمجرّدِ عدم قدرتِه على إِتمامِ ما أَحرَمَ بِه فإنه يَكونُ حَلالا بِذلك، وإذا عَلَّقَ ذلك بِإرادتِه لِلإحلال فمعنَى ذلك أنه لابد مِن أن يَنوِيَ ذلك.
فإذن:
مَن لَم يَشترِط عليه أن يَنوْيَ الإحلال ويَذبَح ما استطاع ويَحلِق أو يُقَصِّر.
ومَن قال: " مَحِلِّي حيثُ حَبَسْتَنِي " لا شيءَ عليه.
ومَن عَلَّقَ ذلك بِأنه سيَفعَلُ ذلك فهو إذا نَوَى الإِحلال فإنه يَكون بِذلك حلالا.
هذه هي فائدةُ الاشتراط.
هذا وقد اختلَفَ العلماءُ في حكمِ الاشتِراط:
منهم مَن قال: هو واجِب، وهذا قولُ الظاهِرِية الذين يَأخُذُون بِظاهِرِ الألفاظ، ولَيْتَهُم يَأخذُون بِظاهِرِ الألفاظ بعدَ أن يَنظُرُوا إلى الأدِلّةِ جميعا، فإنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - والجمهورَ الأعظَم-حتى أنّ بعضَ العلماء ذَكَر أنه قد بَلَغَ عَدَدُ الحجّاج في تلك السنة إلى مئة ألف، ونَحن لا نُرِيد أن نُقَدِّر العَدَد ولكنهم كانوا بِعشراتِ الألوف-لَم يَشترِطوا لِعدمِ حاجتِهم إلى ذلك، فهل يُمكِن أن يُقال بِوجوبِ ذلك أو أنَّه لَم يَرِد عنهم ذلك ؟! هذا ما لا يُمكِن أن يُقالَ بِه.
ومِن العلماء مَن قال: هو سنّة مستحَبّة.
ومنهم مَن قال: هو جائِز وليس بِمستحَب إلا لِمَن كان مُحتاجا إليه، وهم وإن كانوا لَم يَذكُروا هذا الشرط ولكن لابد منه.
__________
(1) -قال الشيخ: " الهدي " بدلا مِن " الاشتراط " والظاهر أنه سبق لسان. (3/300)
صفحة 892
ومنهم مَن قال: هو سنّة لِمَن كان مُحتاجا إليه وأما مَن لَم يَكن مُحتاجا إليه فهو ليس بِسُنَّة في حَقِّه، وهذا هو الصحِيحُ عندِي، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لَم يَكن مُحتاجا إلى ذلك فلَم يَشترِط، وهكذا بِالنسبةِ إلى الصحابةِ الكِرام - رضي الله عنهم - وإنما كانَتْ ضُباعَة هي المُحتاجَة إليه فأَرْشَدَها النبي صلوات الله وسلامه عليه.
بَقِيَ على رأيِ مَن يَقول بِعدمِ سُنّية ذلك إلا لِمَن كان مُحتاجا إليه، فما حُكْمُ مَن اشترَطَ ولَم يَكن مُحتاجا إليه ثم احتاجَ بعدَ ذلك إليه .. هل يَستفِيدُ مِن ذلك أو لا ؟
قيل: لا فائدة له مِن ذلك، لأنّ هذا مُخالِفٌ لِسنّةِ النبي - صلى الله عليه وسلم - أعني الاشتراطَ مع عدمِ الحاجةِ إليه-فعندَما يَحتاجُ إلى التّحلُّل فلابد مِن أن يَنوِيَ ذلك وأن يَذبَح إن كان معه الهدي أو كان معه ما يَشترِي بِه الهدْي ويَحلِق أو يُقصِّر.
وقيل: يَنفعُه ذلك.
وبِذِكْرِ الاشتراط تَنْحَلُّ كثِيرٌ مِن المسائِل:
كثِيرٌ مِن النساء يَذهَبْنَ في مُدَّةٍ وَجِيزَةٍ لِتأدِيةِ العمرةِ-مثلا-ويُمكِن أن يَأتِيَها الحيض في تلك المدّة وهي تَعرِفُ مِن نفسِها بِأنَّها لَن تَتَمَكّن مِن البَقَاءِ في مكة المكرمة إذا أَتَاهَا الحيض فتَضطَرُّ إلى الرجوعِ بِسببِ أنّ رفْقَتَها لا تُسَاعِفُهَا على البقاءِ في تلك البقاع فهنا يُمكِن أن تَشترِط ذلك، وعليه إذا اشترَطَتْ ولَم تَتمَكَّن مِن ذلك فلَها الإحلالُ بِذلك.
وهكذا مَن كانتْ تُصِيبُهُ بعضُ الأمراض .. مثلا في موسِمِ الشتاء أو ما شابه ذلك أو تُؤثِّرُ عليه الأسْفار يُمْكِنُه أن يَشترِط ويَكون مُستفِيدا مِن ذلك. (3/301)
صفحة 893
ولِلأسف أنّ كثِيرا مِن النساء يَذهَبْنَ إلى تأدِيةِ العمرةِ أو الحج وتَأتِيهِنَّ العادة الشهرِية المعروفَة وبعدَ ذلك لا يَعرِفْن ماذا يَصْنَعْن فتَرجِع الواحِدة بِإِحرامِها وهي تَظُنّ أنَّها قد أَحَلَّتْ .. تَذهَبُ وتَسعَى، لأنَّها قَد سَمِعَتْ بِأنّ المرأة إذا أتاها الحيض لا تَطُوف فتَظُن أنّ الطواف يَسقُطُ عَنْهَا، وقد تَسمَع بِالحديثِ الذي فيه أنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-أَسْقَطَ الطواف عن إِحدَى أَزواجِه عندَما أتاها الحيض ولكنّ ذلك في طوافِ الوداع وليس في طوافِ العمرة أو في طوافِ الزيارة أو الإفاضة-الذي هو طوافُ الحج-فهذا رُكن .. أعني طوافَ الزيارة وكذلك بِالنسبة إلى طوافِ العمرة فهما لا يَسقُطانِ بِحيضٍ ولا غيْرِه ولكن يُؤجَّلانِ حتى تَطهُر المرأة وتَتَطَهَّر وفي تلك الحالة تَطوفُ ثم بعدَ ذلك تَسعَى .. فتَذهَب وتَسعَى وتُقَصِّر وتَرجِع بعدَ ذلك وهي مُحْرِمَة-وقد وَقَعَ كثِيرا هذا على حسبِ ما سَمعت، وقد سألنِي عن ذلك غيْرُ واحِد-فهذا مِمّا لا يَصِح .. إذا وَصَلَتْ لابد مِن أن تَبقَى هناك حتى تَطهُر وتَتَطَهَّر وبعدَ ذلك تَطوفُ ثم تَسعَى، فالطوافُ ركنٌ مِن أركانِ العمرة بل هو ركنُها الأعظَم، وكذلك هو ركنٌ مِن أركانِ الحج-أعني طوافَ الزيارة-لا يَسقُطانِ أبدا، وإنما يَسقُطُ طوافُ القدوم لِلحاج وطوافُ الوداع لِلمرأةِ الحاجّة أيضا، أمَّا مَا عدا ذلك فلا، فيَنبغِي أن يُنتَبَهَ لِذلك جيِّدا.
وأن يَتعلَّم الواحِد قبلَ أن يَذهَب إلى تلك البِقاع ما هو الذي يَجوزُ لَه وما هو الذي يَجِبُ عليه وما هو الذي يَحْرُم عليه وما هو الذي يُكْرَه في حَقِّه وما هو الذي يُباحُ لَه. (3/302)
صفحة 894
و-كذلك-بعضُ الجهلةِ الأغْمار يُفتُون .. بعضُ الناس عندَما تأتِيهِ المرأة: " أنا أَتَتْنِي الدورَة .. ماذا أَصنَع ؟ ": " اسْعَي وقَصِّرِي "، مِن أَيْن لَك ذلك ؟! لِماذا تَتَقَوَّلُ على الله بِغيْرِ عِلم ؟! فليَتَّقِ الله-تبارك وتعالى-مَن لا يَعرِفُ شرْعَ الله-تبارك وتعالى-ثم بعدَ ذلك يَتَقَوَّلُ عليه سبحانه؛ والله-تبارك وتعالى-ولي التوفيق.
ومِن المسائِلِ التي أُنَبِّهُ عليها-وتَقَعُ لِبعضِ الناس في بعضِ الأحيان-أنّ الوضوءَ قد يَنتقِض بِخروجِ رِيحٍ أو ما شابه ذلك ويَستحيِي ذلك الطائف ولاسيما إذا كانتْ امرأة .. تَستحِي أن تَقول بِأنها قد انتَقَضَ وضوؤها-ومع أنّ الوضوء قد يَنتقِض بِهذا أو غيْرِه مِن النواقِض-ولاسيما إذا كانتْ قد ذهبَتْ مِن غيْرِ مَحرَمٍ منها أو زوجِها فتَرجِع وهي لَم تَطُفْ وهي على إِحرامِها فتَرتكِب المَحذُور، فالطوافُ مِن شرْطِه الطهارة، فهي شرطٌ مِن شروطِ صِحّتِه، فإذا انتَقَض فلا يَجوزُ إلا بِطهارة، وإذا انتَقَضَتْ لابد مِن الوضوء وإعادة الطواف بعدَ ذلك .. هذا أمرٌ لابد منه، ولا عبْرَةَ بِالحياء .. هذا الحياء لا خيْرَ فيه .. الحياءُ الذي فيه الخيْر هو الذي يُوافِقُ شرعَ الله تبارك وتعالى، أما هذا فهو باطِلٌ وَزُور .. مُنكَرٌ مِن المنكَرَات يُؤدِّي إلى الوقوعِ في معصيةِ الله-تبارك وتعالى-على أنّ المرأة عندَما تُرِيدُ أن تَذهَب إلى حَجٍّ أو عُمرَة فلتَذهَب مع زوجِها أو مع مَحْرَمٍ منها، لا مع أَجنبِي عنها؛ والله ولي التوفيق.
س4: بِالنسبة لِلطواف، هل يَصِح ركعتا الطواف أن تُصَلَّى أربع ركعات ؟
ج: هما ركعتان بِنصِّ فعلِ النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وما دام ذلك هو الثابِت فليس لأحدٍ أن يَزِيد على ما فعلَه النبي - صلى الله عليه وسلم - .. يُصلِّي ركعتيْن وبعدَ ذلك إن شاء أن يَتَنَفَّل فلْيَتَنَفَّل بِما شاء.
مِن حلقة 17 رمضان 1426هـ، يوافقه 21/10/2005م (3/303)
صفحة 895
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
س9: ذَهَبَتْ إلى العُمرَة وطافتْ وسَعَتْ ولكن عندَما انتهَتْ مِن السعي وعندَ المرْوة بِالذات فَقَدَتْ أَهلَها وبَحَثَتْ عنهم طبْعا لكنّها لَم تَكُن تَعلَم أنه يَنبغِي أن يُقَصِّر لَها مُحِل فَقَصَّرَتْ لِنفسِها.
ج: قولُها (1) بِأنّه يَلْزَم أن يُقَصِّرَ لَها المُحِِل-مثلا-أو يَقُصِّر لَها غيْرُها .. لا دليلَ على الإلزام .. نعم العلماء لَهم كلامٌ في ذلك، ولكن الصحِيح أنه يُمكِن لِلإنسانِ أن يُقَصِّرَ مِن شعرِه مِن غيْرِ أن يُقَصِّرَ لَه آخَر، كما أنه يُمكِن أن يُقَصِّر لَه شخصٌ مُحرِم .. هذا هو الصحِيح الراجِح، أما إذا كان يَنبغِي .. فالخروج مِن الخِلاف حَسَنٌ في بعضِ المسائل التي لَيْسَتْ فيها أدِلّة أو تَتَعارَضُ فيها الأدِلّة وما شابه ذلك، أما الإلزام فلا إِلزام.
فبِما أنها قد قَصَّرَتْ مِن إِحرامِها فلا شيءَ عليها بِمشيئةِ الله بل يُمكِن لَها في المستقبَل أن تَصنَع ذلك مرّةً ثانية وثالثة وهكذا.
مِن حلقة 23 رمضان 1426هـ، يوافقه 27/10/2005م
__________
(1) -السؤال كما وَرَدَ في المكالمة: " أنا ذهبت إلى العمرة واعتمرت وطفت وبعد ذلك ذهبت وسعيت لما وصلت المروة أنا فقدت أهلي أصلا ولما فقدت أهلي ما كنت أعرف أنه يلزم يقصر لي أحد فذهبت أنا وقصرت بنفسي، فما الحكم ؟ ". (3/304)
صفحة 896
الملحق رقم 0:
مِن ذلك جوابه على السؤال الأول مِن حلقة 8 رجب 1423هـ ( 15 سبتمبر 2002م ) وهذا نصّ السؤال مع جواب الشيخ عليه:
س: ما حكم صلاة المنفرِد خَلفَ الصفّ الأول ؟
ج: إنّ الذي يُصَلِّي منفرِدا خلف الصف لا يَخلو مِن أحد أمرين:
1-إما أن يَجِد الصفوف قد امتلأتْ ولا يَجِد مكانا يَقف فيه في تلك الصفوف التي أمامه.
2-أو أنه لا يَجِد تلك الصفوف مُمتلِئة بل يَجِد فراغا يَتّسِع له: (4/1)
صفحة 897
أما الأمر الثاني فإنه ليس لأحد أن يُنشِئ صَفّا جديدا إذا كان يَجِد-كما قلتُ-مُتَّسَعا في واحد مِن الصفوف الأمامية بل عليه أن يَتقدَّم ويُصلِّي في نفسِ ذلك الصف، وإذا صَلَّى منفرِدا فإنّ صلاته باطلة اللهم إلا إذا نَظَرَ وظَنَّ ظنّا قويا بأنّ ذلك الصف قد امتلأ ثم أنشأ صفا جديدا فإنه سيأتي الكلام عليه في القسم الذي يَلي هذا القسم .. هذا هو القول الذي ذهبت إليه طائفة كبيرة مِن أهل العلم، وهو الذي تُؤيِّده السنّة وتَدلّ عليه دلالةً صريحة، وإذا ثبت عن النبي-صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه-أمرٌ أو نهيٌ فإنه لابد لِلمسلم مِن أن يَمْتَثِل ذلك الحديث .. نعم يُعذَر مَن خالَف الحديث لأنه يُمكِن أنه لم يَطَّلِع عليه أو أنه رأى دليلاً يُخالِفه وظَنَّ بِأنه هو الأرْجَح أو أنه اطَّلَع عليه ولكنه لم يَثبتْ معه، أما مَن اطَّلَعَ على الحديث وثبتَ لديه أو ثبتَ عند العلماء وهو لم يَكن في درجتهم فإنه عليه أن يَتَّبِع ذلك الحديث عن النبي-صلوات الله وسلامه عليه-مع الجزْم بِعُذْر أولئك العلماء الذين خالَفوه ولكن-كما قلتُ-لا يَسَعُ الإنسانَ أن يَأخذَ بِشيءٍ يُخالِف السنّة الصحيحة الثابتة عن النبي صلوات الله وسلامه عليه .. نعم إذا تَرجَّح لديه شيء مِن الأدلة الأخرى على ذلك الدليل فإنه في هذه الحالة لا يُعَدُّ مخالِفا لِذلك الدليل، لأنه أَخذ بِدليل يَرجح على ذلك الدليل، وكذلك ليس لِجماعة مِن الناس مِن اثنين فصاعدا أن يُنشِؤوا صفّا جديدا إذا كان الصف الأمامي لم يَكتمِل بل عليهم أن يَصفّوا في ذلك الصف حتى يَمتلِئ فإذا امتلأ فإنه في تلك الحالة يُؤمَرون بِأن يُنشِؤوا صفّا جديدا.
أما القسم-الثاني أو-الأول-لأننا ذَكَرْنا هذا القسم بأنه هو الأول-فهو إذا دَخلَ إنسانٌ ووَجَدَ الصفوف مُمتلِئة ولم يَجِد مكانا يَصفّ فيه في تلك الصفوف فإنّ أهل العلم قد اختلفوا في هذه المسألة على عدّة أقوال: (4/2)
صفحة 898
ذهبت طائفة مِن أهل العلم إلى أنّ هذا الشخص الذي دَخَلَ المسجد ليس له أن يُنشِئ صفّا جديدا بل عليه أن يَقوم بِجَرِّ شخصٍ مِن الصفّ المتأخِّر ويَصف هو وذلك الشخص خلْف الإمام مباشَرة، واحتجّوا على ذلك بِحديث مروي عن النبي-صلوات الله وسلامه عليه-ولكنّ ذلك الحديث لا يَثبت عنه صلوات الله وسلامه عليه وإن كان قد جاء مِن أكثر مِن طريق لأنّ تلك الطرُق مِن الضعف بِمكان فلا تَصلُح لأن تَصل إلى درجة الحُجية، كما هو مُقَرَّر عند أئمّة العلم.
وذهبت طائفة مِن أهل العلم إلى أنّ ذلك الشخص يَصفّ منفرِدا خلْف الإمام، إذ إنه مأمور بِالدخول مع الإمام ومنهي عن أن يَصفّ صفّا منفرِدا فجَمَعُوا بيْن الأحاديث التي فيها النهي عن أن يَصفّ الإنسان وحده وبيْن الأحاديث الآمِرة بِالدخول في صلاة الجماعة .. حَمَلوا الأحاديث الناهية على ما إذا كان في الصفوف متّسَعًا يَتَّسِع لِذلك الشخص أما إذا لم يَتَّسِع ذلك الصفّ لِذلك الشخص فإنّ ذلك النهي لا يُحمَل عليه، ولهم أدلة أخرى.
وذهب بعض العلماء إلى أنه يَحتَال حتى يَصفّ عن يَمين الإمام .. أي يَتَقدَّم .. يَتَخطَّى تلك الصفوف إن أمكنه بِحيث لا يَضرُّ بِأحدٍ مِن المصلين ويَصفّ عن يَمين الإمام، أما إذا لم يَتمكّن مِن ذلك فإنه يَنتظِر حتى يَدخُل شخصٌ آخر.
فالمسألة خِلافية-كما سمعتُم-ومَن أَخَذَ بِواحدٍ مِن هذه الأقوال فلا شيء عليه-بِمشيئة الله-تبارك وتعالى؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: إذا صفّ أحدٌ خلْف الإمام منفرِدا وأمضى صلاتَه على هذه الصورة ثم جاء رجل آخر .. في هذه الحالة الرجل الثاني الذي التحَق مؤخَّرا، ما حكم صلاته ؟
ج: أوّلاً يَنْبَنِي على الخلاف السابق:
فعلى رأي مَن يَقول: " إنه يَصفّ منفرِدا خلْف الإمام وأنّ ذلك جائز له " فإنّ مَن دَخَلَ يَصفّ معه، لأنّ ذلك الأمر الذي فَعَلَه صحيح لا غبار عليه وصلاتُه صحيحة وعلى هذا فإنّ مَن دَخَلَ يَصفّ معه. (4/3)
صفحة 899
وأما على رأي مَن يقول بِخلاف ذلك وهو: " أنه لابد مِن أن يَجُرَّ شخصا مِن الصفّ المتأخِّر ويَصف هو وذلك الشخص خلْف الإمام مباشَرة " فلم يَجُرَّ بل صَفَّ منفرِدا فإنّ صلاتَه-مع هذه الطائفة-باطلة وعليه لا يَصحّ لأحد أن يَصفّ معه اللهم إلا إذا بيَّن له بأنّ ذلك لا يَصح وشَرَعَا في الصلاة مِن جديد .. أي أَلْغَى ما فَعَلَه مِن قبل إذ لا قيمة له وابتدأَ الصلاة مع مَن دَخَل فإنّ صلاتَهما صحيحة.
هذا ومِن الجدير بِالذِّكْر أنّ بعضَ الذين قالوا: " إنه يَصفّ خلْف الإمام منفرِدا " في هذه الحالة قالوا: " إنه يَتقدَّم حتى يَلتصِق بِالصفوف وعندما يُريد أن يَركع أو يَسجد يَتَأخّر فإذا انتهى مِن الركوع والسجود تَقدَّم "، وهذا القول قولٌ ضعيف، لأنه يَقتضي هذه الحركة التي لا دليل عليها، فإذن إما الأخذ بِرأي مَن يَقول: " إنه يَصفّ منفرِدا خلْف الإمام وأنّ ذلك جائز له " أو الأخذ بِرأي مَن يقول بالجَر وهو وإن كان لا يَصح الحديثُ الذي وَرَدَ على مشروعيته-أي مشروعية الجَر-فإنّ الذين قالوا بِذلك تَأَيَّدوا على ذلك بِأنّ هذه الحالة حالة ضرورة والإنسان منهي عن أن يَنفرِد في صَفٍّ دون غيْره فأجازوا له أن يَجُر لأجل هذه الضرورة وإن كان الحديث لا يَصح، فإذا أَخَذَ بِالجَر فهو قول كثيرٍ مِن أهل العلم وله أيضا وجه؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: ذكرتُم بِأنه عندما يَجُرّ رَجُلاً يَذهب به مباشَرة خلْف الإمام .. الكثير مِن الناس لا يَصنَعون هذا إنما يَجُرُّونَه في نفس المكان الذي يَخرُج منه ثم يَصفُّون معه، في هذه الحالة ما الحكم ؟
ج: لا .. هذا لا يَصح، فصلاةُ هؤلاء ليستْ بِصحيحة.
س: حتى ولو كان المسجد كبيرا ؟ (4/4)
صفحة 900
ج: لا يَلزَم أن يَجُرَّ مِن طرف الصفّ بل يَجُر مِن موضعٍ آخر لكن ليس مِن خلْف الإمام مباشَرة ويَصُفّ معه خلْف الإمام، فلا يَحتاج إلى قَطْعِ مسافةٍ طويلة وبعدَ ذلك الصف يَلتحِم، وهذه المحذورات-وهي الجَرّ والتّأخّر وقطْع مسافة-راعاها مَن قال بِأنّ لِلإنسان أن يُنشِئ صفًّا جديدا خلْف الإمام ما دام ليس هنالك دليل يَدلّ على مشروعية الجَر مع ما يَترتّب عليه مِن مفاسد.
س: معنى ذلك أنه يُنشِئُ صفًّا جديدا خلْف الإمام منفرِدا ؟
ج: هذا رأي طائفة كبيرة مِن أهل العلم.
الملحق: رقم 1:
وقد سئل فضيلته عن حكم صيام النصف من شعبان في أسئلة أخرى منها :
س8: ذكرتم في حلقة ماضية حديثا ورد في النهي عن صيام ما بعد النصف من شعبان .. الرجاء توضيح جوابكم أكثر.
ج: نعم قلتُ: إنه قد ورد في ذلك حديث مروي عن رسول الله-صلى الله عليه وسلم-ونحن نعلم أنّ ما روي عن النبي-صلى الله عليه وسلم-منه الصحيح ومنه الحسن ومنه الضعيف، أو بعبارة أخرى منه الصحيح المقبول ومنه الباطل المردود، وهذا الحديث-الذي تشير أنت إليه الآن وذكرناه في تلك الليلة-حديث لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ومادام هذا الحديث غير ثابت عنه-صلوات الله وسلامه عليه-فإنه لا يترتب عليه شيء من الأحكام الشرعية، وقد ثبت عن النبي-صلى الله عليه وسلم-ما يخالف ذلك، حيث إنه قد ثبت عنه-صلوات الله وسلامه عليه-أنه كان يصوم شهر شعبان أو-كما في بعض الروايات-كان يصوم أغلبه، فإذن ينبغي للإنسان أن يُكثِر من الصيام في شهر شعبان ولو كان ذلك بعد الخامس عشر منه-ولا ينبغي له أن يلتفت إلى ذلك الحديث الباطل المنكَر الذي لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم-وإنما يتوقف عن الصيام إذا بقي يوم أو يومان من شهر شعبان إلا إذا كان يصوم قضاء أو كفارة أو نذرا أو كان يصوم صياما قد اعتاد أن يصومه؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم. (4/5)
صفحة 901
س5: هناك من سمع أو قرأ بأنّه ورد نهي عن الصيام بعد نصف شهر شعبان، فهل يُنهى عن الصيام بعد نصف شهر شعبان ؟
ج: نعم رُوي حديث عن رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-فيه النهي عن صيام النفل إذا انتصف شهر شعبان .. روى هذا الحديث جماعة من أئمة الحديث، منهم عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد والنسائي في " الكبرى " وأبو داود والترمذي والدارمي وابن ماجة وابن حبان وتَمّام في فوائده والعُقَيْلي في " الضعفاء " وابن عَدِي في " الكامل "، وقد اختلف العلماء في ثبوت هذا الحديث:
منهم من قال بثبوته، وممن حكم بثبوته الترمذي وابن حبان والحاكم والطحاوي في " شرح معاني الآثار " وابن عبد البر وابن حزم وابن عساكر، وجماعة.
ومنهم من حكم بنُكارَته أو شُذوذِه، وممن صنع ذلك عبد الرحمن بن مهدي وابن معين وأحمد وأبو زُرْعَة الرّازي وابن رَجَب، وجماعة؛ وهو الذي أذهب إليه، فأرى أنّ هذا الحديث شاذّ على أحسن الأحوال، لا يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لمعارضته لما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم-من طريق صحيح ثابت لا خلاف بين أهل العلم في ثبوته-من أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يصوم شهر شعبان أو كان يصوم أكثر شهر شعبان، فصلوات الله وسلامه عليه كان يصوم أكثر شهر شعبان.
والذين قالوا بثبوت هذا الحديث اختلفوا في معناه:
منهم من ذهب إلى أنه يُنهى عن صيام اليوم السادس عشر فقط، وهذا هو الذي ذهب إليه ابن حزم.
ومنهم من ذهب إلى أنّ هذا النهي ينطبق على من صامه من أجل مراعاة رمضان.
ومنهم من ذهب إلى أنّ ذلك ينطبق على من كان يُضعِفه الصيام عن صيام شهر رمضان. (4/6)
صفحة 902
ولكنّ الحديث-كما قلتُ-لا يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهو من طريق ضعيفة، تكلم بعض أهل العلم فيها، وتقوية راويها في حقيقة الواقع لا تفيد، أوّلا أنّ ذلك الراوي مختلَف فيه بين أهل العلم، وثانيا أنّ صحة الإسناد-على تقدير صحة الإسناد-لا تكفي للحكم على الحديث بالثبوت بل لابد من توافر بعض الشروط الأخرى ومن جملتها عدم الشذوذ والعِلّة، والحديث ها هنا شاذٌّ مُعَلّ، لمخالفته للصحيح الثابت من فِعل رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، على أنّ ذلك الراوي فيه كلام كما قلتُ.
فإذن لا مانع من الصيام في هذا الشهر، بل ينبغي للإنسان أن يصوم فيه اقتداء بالنبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-ولما فيه من الفضل، ولا شك أنّ ما يفعله الرسول-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-فيه خير كثير، و: (( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَة )) [ سورة الأحزاب، من الآية: 21 ] .. نعم من كان يُضعِفه الصيام عن شهر رمضان فيظن أنه إذا صام هذا الشهر يمكن أن يَضعُف عن صيام شهر رمضان وربما يضطر إلى الإفطار فإنه لا ينبغي له الإكثار من الصيام في هذا الشهر مراعاةً لشهر رمضان، لأنّ الصيام فيه واجب بخلاف هذا، والإنسان طبيب نفسه في مثل هذه الأمور؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
الملحق: رقم 2:
جاءت أسئلة مشابهة تبين حكم صيام يوم الشك من ذلك :
س: ربما توجد لدى بعض الناس درجة من الشك في ثبوت الهلال أو عدمه فيكلِّف نفسه صوم ذلك اليوم اعتقادا على أنه يُفرَض عليه أن يصومه ؟ (4/7)
صفحة 903
ج: على كل حال؛ هذا خطأ كبير, لا ينبغي للإنسان أن يَلتفت إلى الشكوك، والرسول-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-قد قطع الأمر في هذه المسألة، وقد جاء عن عمّار-رضي الله تبارك وتعالى عنه-أنه قال: " من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم " صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وهو حديث صحيح، روته جماعة من أئمة الحديث، فقد رواه النسائي وأبو داود والترمذي والدارمي وابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان والطحاوي في " شرح المعاني "، ورواه-أيضا-الدارقطني والحاكم والبيهقي، وهو حديث صحيح ثابت كما قلتُ، وهو وإن كان موقوفا في الظاهر لكنه في حكم المرفوع؛ فمن صام هذا اليوم فهو عاص لله-تبارك وتعالى-ولرسوله بنصّ هذا الحديث الثابت؛ وقد جاء في الربيع مرسَلا النهي عن صوم يوم الشك؛ وقد جاء-أيضا-في الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ( لا تَقَدَّموا رمضان بصوم يوم أو يومين )، والحديث صحيح ثابت، فقد رواه البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود والترمذي والدارمي وابن ماجة والشافعي في مسنده وابن أبي شيبة وعبد الرزاق وابن حبان والبيهقي، وجماعة، فهذا الحديث فيه نهي عن تقدُّم رمضان بصوم يوم أو يومين إلا من كان يصوم صياما واجبا عليه-كصوم كفارة أو صوم قضاء لشهر رمضان المبارك أو صوم نذر-أو كان يصادف ذلك صوما مندوبا-كأن يكون يصوم يوما ويفطر يوما فصادف ذلك اليومُ اليومَ الذي يصوم فيه أو كان يصوم يوم الاثنين أو يوم الخميس لثبوت سنّة في فضل صيامهما فصادف ذلك اليومُ يومَ الخميس أو يومَ الاثنين-فإنه يصوم ذلك، ولا يكون داخلا في النهي بنصّ الحديث الصحيح، وهو الذي ذهبت إليه طائفة من أهل العلم, فالحديث نصّ في النهي والأصل في النهي أن يُحمَل على التحريم، كما ذهب إلى ذلك جمهور الأمّة، لأدلة متعددة مبسوطة في موضعها؛ وكذلك جاء من طريق أبي سعيد الخذري-رضي الله تعالى عنه-عند الإمام الحافظ الحجّة الربيع بن حبيب رحمه الله تبارك وتعالى-أنّ (4/8)
صفحة 904
النبي-صلى الله عليه وسلم-قال: ( لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه )، فالحديث فيه نهي عن الصيام حتى تثبت الرؤية والنهي-كما قلتُ-يدل على التحريم؛ وقد جاء-أيضا-مثل ذلك من طريق ابن عمر-رضي الله تعالى عنهما-ومن طريق أبي هريرة، عند البخاري ومسلم، فقد جاء عند الإمام البخاري من طريق ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: ( فإن غمّ عليكم فأكملوا العِدَّة ثلاثين ) وجاء عند مسلم: ( فاقدُروا له ثلاثين )، وجاء من طريق أبي هريرة عند الإمام البخاري: ( فإن غبي عليكم فأكملوا عِدّة شعبان ثلاثين ) وجاء عند مسلم ( فإن غمِّي عليكم فأكملوا ثلاثين )، إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة التي يطول بها المقام، ففيها دلالة واضحة، لأنّ في بعضها النهي عن الصيام والنهي يدل على التحريم، وفي بعضها الأمر بإكمال شعبان ثلاثين والأمر يدل على الوجوب ما لم تصرفه قرينة ولا قرينة هاهنا، ولذلك نرى أنّ قول من قال بتحريم صيام يوم الشك .. نرى أنّ هذا القول هو القول الصحيح، وهو الذي ذهبت إليه طائفة كبيرة من أهل العلم.
وإن كان بعض العلماء ذهب إلى كراهة ذلك ومع ذلك-أيضا-لا ينبغي لأحد أن يصومه، لأنّ الله-تبارك وتعالى-لا يُتقرَّب إليه بالمكروه.
ومنهم من ذهب إلى إباحة ذلك؛ وذلك مخالِف لنصّ السنّة.
ومنهم من قال بندبية صيام ذلك.
ومنهم من قال بوجوبه قطعا.
ومنهم من قال بوجوبه ظنّا.
ومنهم من قال بوجوبه على طريق الاحتياط.
ومنهم من قال بغير ذلك من الأقوال الساقطة التي لا داعي إلى ذكرها
هذا إذا كان في السماء غيم أو قَتَر .. أي كان هنالك سحاب أو غبار يمنعان من رؤية الهلال، والحقّ أنه إذا غُمّ أو غَبِي ولم تُمكِن رؤيته بسبب السحاب أو الغبار أو ما شابه ذلك من الموانع أنه لا يُصام، للنصوص الصحيحة الثابتة. (4/9)
صفحة 905
وأما ما جاء في بعض الروايات من قوله: ( فاقدُروا ) فإنّ معنى ذلك " اقدروا ثلاثين "، كما جاء في الروايات المصرِّحة .. إذا جاءت رواية مجملة وأخرى مصرِّحة بذلك فإنّ المجمل يُرَدُّ إلى المبيّن، على أنه حتى لو لم تأت هذه الرواية المصرِّحة بذلك فإنه لابد من أن يُحمَل على ذلك، ولِبسط ذلك موضع آخر, فالحق الحقيق بالقبول أنّ صيام يوم الشك حرام، ويليه في القوّة قول من قال بالكراهة والله-تبارك وتعالى كما قلتُ-لا يُعبَد بالمكروه، فلا ينبغي لأحد أن يَحتاط أمثال هذه الاحتياطات الباطلة المخالِفة لسنّة رسول الله-صلى الله عليه وسلم-الواضحة وضوحا أوضح من شمس الظهيرة.
ونحن نرى أنّ الرسول-صلى الله عليه وسلم-يَقطع على أهل الشكوك شكوكهم في كثير من الأحوال، فقد ثبت في السنّة أنّ من كان يصلي وظنّ أنه قد خرج منه ريح أنه لا يَخرج من صلاته تلك إلا إذا تيقّن ذلك بأن شمّ رائحة ذلك الريح أو سمع صوته، أما إذا كان الأمر بخلاف ذلك فلا، فمثل هذه الشكوك التي يَدّعي كثير من الناس بأنها احتياطات هي من باب الاحتياطات الباردة، فالاحتياط عندما تتعادل الأدلة .. هنالك يمكن للإنسان أن يحتاط، أما إذا كانت الأدلة واضحة كوضوح الشمس في الظهيرة فلا ينبغي أن يُلتفَت إلى ذلك. (4/10)
صفحة 906
ومن المعلوم أننا نجد كثيرا من الأقوال تُنسَب إلى بعض الأئمة وفي حقيقة الواقع تلك الأقوال لا تثبت عن أولئك الأئمة، لأنها جاءت من بعض الطرق التي لا تصلح للاستشهاد بها, ثم إنّ ما ثبت عنهم أو عن غيرهم فإنّ الفيصل في مثل هذه القضايا الحجّة، والحجّة لا تكون إلا من كتاب الله أو من سنّة رسوله-صلى الله عليه وسلم-الصحيحة الثابتة عنه أو ما يَرجع إليهما بوجه من الوجوه المعتبَرة، أما أقوال أهل العلم وإن جَلَّت منازلهم فإنها يُحتَج لها ولا يُحتَج بها، وإن كان ذلك لا يعني القدح في أهل العلم، فينبغي للإنسان أن يُبجِّل أولئك العلماء وأن يَبحث لهم عن احتمال ولو كان أوهى من خيوط العنكبوت، إذ لا يُمكن لعالم من العلماء أن يُخالِف سنّة صحيحة ثابتة عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-بالهوى، وإنما قد يُخالِف ذلك لعدم ثبوت تلك السنّة عنده أو لعدم إطلاعه عليها أو ما شابه ذلك، فنبحث له عن العذر في تلك المخالَفة ولكن لا يجوز لنا أن نُتابِعه على ذلك القول؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: متى بالتحديد يوم الشك ؟ هل التاسع والعشرون من شعبان أم يوم ثلاثين من شعبان، حتى يتجنب الناس صومه ؟ (4/11)
صفحة 907
ج: على كل حال؛ بالنسبة إلى يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان إذا لم تثبت .. إن لم تثبت الرؤية فذلك اليوم هو يوم الشك، أما بالنسبة إلى يوم التاسع والعشرين فهو ليس بيوم شك، لأنه من شعبان، كما هو واضح، ولكن-كما قلتُ-جاء في الحديث عن النبي-صلى الله عليه وسلم-أنه قال: ( لا تَقَدَّموا رمضان بصوم يوم أو يومين ) إلا-طبعا-من كان يصوم صياما واجبا عليه أو صادف ذلك عادة كمن كان يصوم يوما ويفطر يوما أو-أيضا-صادف ذلك يوم الاثنين أو يوم الخميس وكان من عادته يصوم ذلك اليوم أما أن يصومه على جهة الاحتياط أو لا فذلك مما يُنهى عنه، فإذن يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان ولكن النهي ثبت عن تَقدُّم رمضان بصيام يوم أو يومين كما في الحديث؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: نظرا لأنّ الناس في هذا الأسبوع سيستقبلون شهر رمضان الكريم بإذن الله-سبحانه وتعالى-والكل متلهف لاستقباله يسأل الكثيرون عن صيام يوم الشك إذا ما صادف مثل ذلك اليوم، ما حكمه ؟
ج: إنّ العلماء قد اختلفوا في صوم يوم الشك، ولهم في ذلك أقوال متعددة:
ذهب بعض العلماء إلى تحريم صومه، لنهي النبي-صلوات الله وسلامه عليه-عن ذلك، فقد روى الإمام الحافظ الحجة من طريق أبي عبيدة عن جابر بن زيد-رضي الله تعالى عنهم-أنّ رسول الله-صلى الله عليه وسلم-نهى عن صيام يوم الشك، وروى الأربعة وغيرهم عن عمار بن ياسر-رضي الله تبارك وتعالى عنه-قال: " من صام اليوم الذي يُشَك فيه فقد عصى أبا القاسم " صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فالحديث الأول فيه نهي النبي-صلوات الله وسلامه عليه-عن ذلك، وحقيقة النهي أنه يدل على التحريم ما لم تصرفه قرينة، كما هو مذهب جمهور الأمّة، والحديث الثاني الذي جاء من طريق عمار بن ياسر-رضي الله تعالى عنه-نسب فيه-رضوان الله تعالى عليه-من صام يوم الشك إلى معصية رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-وذلك لا يكون إلا بارتكاب محجور. (4/12)
صفحة 908
وذهبت طائفة من أهل العلم إلى القول بكراهة ذلك.
وذكرت طائفة من أهل العلم أنه يُنهى عن صيامه من غير أن يصرحوا بتحريم أو كراهة، وهذا هو الذي يسلكه كثير من السلف فإنهم عندما يجدون نهيا عن النبي-صلوات الله وسلامه عليه-يجتنبون ذلك الذي نهى عنه صلوات الله وسلامه عليه ويذكرون أنه منهي عنه من غير أن يصرحوا بتحريم أو كراهة مخافة الوقوع في المحظور، ثم إنه من المعلوم المتقرر عند العلماء قاطبة أنّ الله-تبارك وتعالى-لا يُعبَد بما نهى عنه أو نهى عنه رسوله صلوات الله وسلامه عليه، فلا ينبغي لأحد أن يَعبُد الله-تبارك وتعالى-بشيء قد نُهِي عنه سواء كان ذلك على طريق التحريم أو طريق الكراهة، ولكن الناس في هذا الزمان وللأسف الشديد يَسألون من أول وهلة هل هذا النهي للتحريم أو هو للكراهة ؟ .. وأعني بهم البعض ولا أريد الكل .. أقول: لا يبالي كثير من الناس بارتكاب المكروهات، ونحن وإن كنا نفرِّق بين الواجب والمندوب ونفرِّق بين الحرام والمكروه إلا أننا نقول إنه لا ينبغي للإنسان أن يفرِّط في المندوبات كما أنه لا ينبغي لأحد أن يرتكب شيئا نهى عنه الله-تبارك وتعالى-أو نهى عنه رسوله صلوات الله وسلامه عليه، ولذلك قلتُ: إنّ السلف كانوا يَحكمون بالنهي في كثير من الأمور ويزجرون عن ذلك ولو كان ذلك النهي للكراهة لا غير.
وذهب بعض العلماء إلى التخيير بين صيامه وبين إفطاره.
وذهب بعضهم إلى القول بندبية ذلك. (4/13)
صفحة 909
وهذان القولان من الضعف بمكان إذ إنّ أقل أحوال النهي أن يُحمَل على الكراهة، أما أن يقال بإباحة شيء أو بالتخيير بينه وبين غيره مع أنه قد نُهي عنه فهذا مما لا ينبغي أن يُلتفَت إليه، على أنه يُمكِن أن يُحمَل ما ذُكِر عن هؤلاء بأنّ ذلك محمول في حالة ثانية سيأتي الكلام عليها لا أنّ ذلك على مطلق الأقوال، ولكنّ كثيرا من الناس عندما يَجدون كلاما مطلقا يَحملون ذلك الكلام على الإطلاق مع أنه يُراد به التقييد، وهكذا في حالة العموم وفي حالة الخصوص، ويلتبِس الأمر بعد ذلك على كثير من الناس فلا يُفرِّقون بين العام وبين الخاص وبين المطلق والمقيّد في مثل هذه الأمور، وإلا لا يمكن أن يقول أحد بندبية مثل هذا الأمر أو بالتخيير بينه وبين غيره مع أنه منهي عنه كما ذكرنا.وهذا كله إذا لم يكن هنالك غيم أو قَتَر.
وأما في حالة وجود غيم أو في حالة وجود شيء يَمنع من رؤية الهلال-كالغبار الشديد أو ما شابه ذلك-فإنّ بعض أهل العلم ذهبوا أيضا إلى تحريم صيامه، لما ذكرناه من النهي ولما سيأتي ذكره بمشيئة الله تبارك وتعالى.
وذهب بعضهم إلى الكراهة أيضا.
وذهب بعضهم إلى القول بالنهي من غير تصريح بتحريم أو كراهة.
وذهب بعضهم إلى التخيير.
وذهب بعضهم إلى الإباحة.
وهي الأقوال التي ذكرناها سابقا.
وذهب بعض أهل العلم إلى القول بوجوب صومه؛ وهو مروي عن الإمام أحمد كما نص على ذلك غير واحد من أتباعه، وذهب إليه أكثر أصحابه من المتقدمين، وذهبت إلى ذلك-أيضا-طائفة من المتأخرين من الحنابلة؛ واختلفوا هل هذا الوجوب على طريق الجزم أو على طريق الاحتمال:
ذهب بعضهم إلى أنه يُجزَم بوجوب صيامه.
وذهب بعضهم إلى الظن وعدم الجزم.
وذَكَر ابن تيمية وابن القيم وابن عبد الهادي وصاحب " الفروع " أنّ ذلك لا يَثبُت عن الإمام أحمد .. أعني القول بوجوب صيامه على طريق الجزم، بل بعضهم ذهب أيضا إلى عدم ثبوت ذلك عنه حتى على طريق الظن. (4/14)
صفحة 910
وهذا القول رواه جماعة عن طائفة كبيرة من الصحابة والتابعين، ولا يصح ذلك عن أحد من صحابة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، كما أنني لم أجد ذلك ثابتا عن أحد من التابعين رضوان الله-تعالى-عليهم، وإنما جاءت روايات متعددة عن الصحابة تدل على شيء من ذلك ولكنّ أغلب تلك الروايات لا يَثبُت عن أحد من أولئك الصحابة الذين روي عنهم.
ومن المعروف أنه لابد من معرفة الأسانيد حتى فيما نسب إلى الصحابة، ولكنّ كثيرا من الناس يتساهلون في نسبة الأقوال إلى هؤلاء الصحابة-رضوان الله تعالى عليهم-مع أنّ كثيرا من الأقوال التي تُنسَب إليهم لا تَثبُت عن كثير منهم سواء كان ذلك في هذه المسألة أو في غيرها فلابد من التثبت في مثل هذه القضايا
نعم جاء عن بعض الصحابة-رضوان الله تعالى عليهم-أنه كان يصوم، ولكن لا يمكن أن يُحمَل ذلك على طريق الوجوب، بل القرائن تدل على خلاف ذلك.
وذهب بعضهم إلى أنه إن صامه الإمام وأمر به فإنه يُصام وإلا فلا.
وذهب بعضهم إلى أنه يصومه الخاصة دون غيرهم والمراد بالخاصة من يتمكن من المحافظة على نيته .. أي يجزم بالنية ولا يتردد في ذلك أما من يتردد في النية فلا.
وذهب بعضهم إلى أنه يصومه المفتي والقاضي ويمكن أن يحمل ذلك-أيضا-على غيرهم من أهل العلم؛ ولا دليل على هذا بل هو من الضعف بمكان.
وذهب بعضهم إلى أنه يُصام إلى أن تأتي الأخبار .. أي يصومه الناس حتى يأتي الناس من كل مكان لاحتمال أن يكون أحد من تلك الأطراف قد رآه؛ وهذا لا حاجة إليه في هذا الزمان مع توفر الوسائل مع ضعف هذا القول. (4/15)
صفحة 911
والقول الصواب في هذه القضية أنه لا يمكن أن يقال بندبيته ولا بالتخيير بينه وبين غيره فضلا من أن يقال بوجوب ذلك على سبيل الظن أو سبيل اليقين، إذ ليس هنالك دليل يدل على ندبية ذلك أو التخيير بينه وبين غيره-كما قلتُ-فضلا عن الوجوب، بل الذي ينبغي أن يُجزَم به هو القول بالنهي عن صيامه، ويَحتاج إلى شيء من النظر الجزم بالتحريم أو بالكراهة، وإن كان القول بالتحريم هو الأصوب، ولكنّ السلامة هي في اتباع أولئك السلف الذين نهوا عن صيامه، كما جاء ذلك عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، من غير أن نتعرّض لجزم بهذا أو بهذا .. نعم الرواية المروية عن عمّار-رضوان الله تبارك وتعالى عليه-تدل على التحريم إلا أنّ أهل العلم اختلفوا فيها هل هي مرفوعة أو موقوفة، ولفظها على الصحيح موقوف ولكنها محمولة على الرفع إلا أنها محتمِلة للكراهة وإن كان احتمالا فيه شيء من النظر وذلك لاحتمال أن يكون عمّار-رضي الله تعالى عنه-سمِع النهي من النبي-صلوات الله وسلامه عليه-ولم يسمَع التحريم فحمَله على التحريم مع احتمال الكراهة، والقول بالتحريم-كما قلتُ-هو الأقوى، وذلك لهذه الرواية، ولأنّ التحريم هو الأصل في النهي، ثم إنّ هنالك روايات فيها النهي من غير هاتين الروايتين اللتين ذكرتُهما، فمن ذلك أنّ النبي-صلوات الله وسلامه عليه-نهى عن تقدم شهر رمضان بصوم يوم ولا يومين، ومنها أيضا .. نهى صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الصيام حتى تثبت الرؤية أو يكتمل العَدد، فهذه الأدلة تدل على أنه لا يمكن أن يقال بالإباحة فضلا من أن يقال بالندب وفضلا من أن يقال بالوجوب. (4/16)
صفحة 912
أما ما استدل به الذين قالوا بالوجوب فهو لا دليل فيه، وذلك أنهم استدلوا ببعض الروايات المحتمِلة ومن المعلوم أنه لا يصار إلى مثل هذه الاحتمالات مع وجود أدلة صريحة واضحة كل الوضوح تدل على خلاف ذلك، فالمتشابه لابد من أن يُحمَل على المحكَم، والمجمَل لابد من أن يحمل على المبيّن، ولا يمكن بحال من الأحوال أن يُعارَض بين مجمل وبين مبيّن ولا بين متشابه ولا بين محكم، فالنبي-صلوات الله وسلامه عليه-قد نهى عن تقدم شهر رمضان بيوم أو يومين، كما ثبت ذلك عنه صلوات الله وسلامه عليه، وأيضا قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ( الشهر تسع وعشرون ليلة ) وبيّن بعد ذلك-صلوات الله وسلامه عليه-أنه إذا لم تثبت رؤية الهلال أنه لابد من إكمال الشهر فقال: ( فأتموا ثلاثين )، كما جاء ذلك عند البخاري من طريق ابن عمر رضي الله تعالى عنه: ( فلا تصوموا حتى تروه فإن غُمَّ عليكم فأتموا ثلاثين )، فهذه الرواية صريحة كل الصراحة في أنه إذا لم تثبت الرؤية أنه لابد من إتمام الثلاثين، وحمْلُ من حمَلها على هلال شوال فيه ما فيه كما هو ظاهر، فالرواية شاملة لكل شهر من الشهور، ثم إنه لابد من أن يقال بدخول هلال شهر رمضان من طريق الأوْلى فإنه قال: ( فلا تصوموا حتى تروه ) .. (4/17)
صفحة 913
أي حتى تروا هلال شهر رمضان، وكذلك جاء من طريق أبي هريرة عند البخاري: ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غمّ عليكم فأكملوا شعبان ثلاثين ) والرواية صحيحة إلا ما جاء فيها من ذكر " شعبان " فإنّ التصريح بشعبان مُدرَج على الصحيح، كما ذهب إلى ذلك ابن الجوزي، وهو الذي ذهب إليه-أيضا-الحافظ ابن حجر، وذكر الإسماعيلي بأنه محتمِل، وهذا هو الصواب إلا أنّ القرائن تدل على ذلك أو على أقل تقدير تدل على أنه شامل لكل شهر، كما جاء ذلك في رواية عند الإمام مسلم، وكذلك جاء من طريق السيدة عائشة-رضي الله تبارك وتعالى عنها-أنّ الرسول-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-كان يتحرى هلال شهر شعبان أكثر من تحريه لغيره فإن رأى هلال رمضان وإلا أكمل العدّة، والحديث صحيح، كما نصّ على ذلك غير واحد من أهل العلم، منهم الدارقطني والنووي وابن عبد الهادي والحافظ ابن حجر، وقد رواه أبو داوود والنسائي في " الكبرى " وابن خزيمة وابن حبان وابن الجارود والحاكم، وغيرهم، وكذلك جاء من طريق ابن عباس-رضي الله تبارك وتعالى عنهما-عند جماعة من أئمة الحديث، منهم النسائي وأبو داوود وأحمد وابن أبي شيبة وعبد الرزاق وابن خزيمة وابن حبان وابن الجارود والحاكم، وكذلك رواه أحمد، ورواه الشافعي، ورواه طائفة أخرى من أئمة الحديث، ورواه مالك إلا أنه منقطع عنده، وقد أعلّه بعضهم برواية سِماك عن عِكرمة فإنها رواية ضعيفة، ولكنه لم يَنفرد بذلك، إذ إنه قد توبِع، وكذلك لا يُعَل بعدم اتصال الإسناد عند مالك فإنه متصل عند غيره، فرواية ابن عباس-رضي الله تعالى عنهما-تدل دلالة واضحة أنه لابد من إكمال الشهر: ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأتموا ثلاثين ولا تستقبلوا الشهر استقبالا ) وقد جاء ذلك-أيضا-من طريق حذيفة رضي الله-تعالى-عنه، وقد صحح ذلك النووي وغيره، وهي رواية صحيحة، ولا عبرة بإعلال ابن الجوزي لها، فإنه قد أخطأ الصواب، وعلى كل حال الروايات في ذلك (4/18)
صفحة 914
كثيرة ويشد بعضها بعضا.
أما ما ذكره من قال بالوجوب من رواية: ( فاقدُروا له ) فإنّ هذه الرواية لا دليل فيها على ما ذهبوا إليه، إذ إنّ الإمام مسلما قد بيّن في روايته من أنّ الرسول-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-قال: ( اقدروا له ثلاثين ) فالرواية وإن كانت محتملة إلا أنّ هذه الرواية عند الإمام مسلم تُصرِّح بالمراد، ثم إنّ هذه الرواية تتفق مع بقية الروايات الأخرى، وهي من المحكَم بخلاف بقية الروايات فإنها من المجمَل المتشابه، فلابد من ردّ تلك الروايات إلى هذه الرواية، ولابد من الأخذ بهذه الروايات المحكَمة، وبذلك تتفق الروايات وتَسلَم من الاضطراب، ومن المعلوم من أنّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد صرّح بلفظ واحد ولم يصرّح بكل هذه الألفاظ فلا يمكن أن تُحمَل هذه الرواية على كذا وهذه الرواية على كذا، كما حاول بعض العلماء من حمل رواية: ( فاقدروا ) على من كان له علم بالفلَك بخلاف من لم يكن عالما بذلك، فلا يمكن أن تحمل هذه الروايات على ذلك، لأن مَخرَجها متحِد وإذا اتحد المخرج فلابد من أن يكون النبي صلوات الله وسلامه عليه قد نطق بلفظ واحد وبقية الألفاظ تكون من باب الرواية بالمعنى فيبحث عن اللفظ الذي قاله النبي-صلوات الله وسلامه عليه-أو تتفق المعاني عليه ويؤخذ به، وقد رأيتم بأنّ المراد برواية: ( فاقدروا ) " اجعلوا شهر شعبان ثلاثين "، وهذه الرواية تتفق مع بقية الروايات الأخرى.
ويتبيّن أنّ القول الصواب هو قول من قال بالنهي عن صيام يوم الشك. (4/19)
صفحة 915
أما من قال بأنه يصومه من كان يتمكن من العزم الأكيد، فهذا لا دليل عليه، بل الصواب أنّ من صامه بنية رمضان فإنه لا ينفعه ذلك، ويجب عليه أن يقوم بعد ذلك بإعادته بل عليه أن يتوب إلى الله تبارك وتعالى، لأنه وافق ما نهى عنه النبي صلوات الله وسلامه عليه، وهذه المسألة تحتاج إلى بسط كثير جدا-فإنّ طائفة من أهل العلم قد أفردوها بكتب متعددة-وذلك لا يمكن في مثل هذه الأوقات المختصرة؛ والله-تبارك وتعالى-ولي التوفيق.
الملحق: رقم 3:
وسئل فضيلته عن صيام شهر رجب في أسئلة أخرى نصها كالتالي :
س: نحن الآن في شهر رجب والناس-في الحقيقة-علق في أذهانهم أنّ شهر رجب شهر يستحب صيامه وتستحب-أيضا-العمرة فيه ولذلك نجد كثيرا من الناس يصومون هذا الشهر ويذهبون-كذلك-إلى العمرة ليس جزافا وإنما تبركا بهذا الشهر الكريم، فهل وردت أحاديث تؤكد استحباب الصيام والأعمال الصالحة في رجب ؟
ج: إنه لم يثبت عن رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-شيء من الأحاديث في مشروعية صيام رجب، وقد وردت أحاديث كثيرة جدا تدل على مشروعية ذلك ولكنها لا تثبت عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، كما بيّن ذلك صَيارِفة هذا العلم ونُقّاده، إذ إنه من المعلوم المتفق عليه بين العلماء قاطبة أنّ الأحاديث التي تروى عن النبي-صلوات الله وسلامه عليه-ليست جميعا صحيحة ثابتة، وإنما منها الصحيح، ومنها الضعيف، ومنها-أيضا-الحسن؛ وبعض العلماء يجعلونها تنقسم إلى قسمين إلى صحيح وضعيف، فيَدخل الحسن في دائرة الضعيف؛ ولا إشكال في ذلك، لأنّ مقصود هؤلاء أنّ الحديث منه ما يحتج به ومنه ما لا يحتج به، ومثل هذه الأمور لا مشاحة فيها، إلا أنّ المشهور الذي اصطلح عليه الجمهور هو أنّ الأحاديث تنقسم إلى الأقسام الثلاثة المذكورة. (4/20)
صفحة 916
والأحاديث التي وردت في صيام رجب لا تصل إلى درجة المقبول، بل هي من باب الضعيف بل هي من باب الضعيف الذي اشتدّ ضعفه، فأغلبها موضوع مُخترَع مصنوع، ومنها الضعيف جدا؛ وقد تكلم على ذلك العلماء كثيرا، ولستُ بحاجة إلى ذكر شيء من ذلك، وقد نصّ على ذلك الإمام نور الدين-رحمه الله تبارك وتعالى-في " جوهر النظام "، حيث قال-رحمه الله تبارك وتعالى-عن هذه الأحاديث:
لكنها ضعيفة الإسناد ... ... وبعضهم بِوضعها يُنادي
نعم، قوّى بعض العلماء حديثا ورد في فضل صيام الأشهر الحرم-ورجب منها كما هو معلوم-ولكنّ ذلك الحديث-في حقيقة الواقع-لا يثبت-أيضا-عند التحقيق، لأنّ في إسناده مجهولا، وما كان كذلك لا يمكن أن يُحكَم بثبوته عن النبي صلوات الله وسلامه عليه.
فإذن تلك الأحاديث هي من باب الضعيف الذي لا يمكن أن يرتقي إلى درجة الحجية حتى بمجموع طرقه.
ومن هنا نقول: إنه لا ينبغي لأحد أن يصوم هذا الشهر إذا كان يعتقد بأنه ثابت عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، وأما أن يصومه-أو أن يصوم شيئا منه-لعموم فضل الصيام فذلك مما لا إشكال فيه.
فهناك إذن أمران:
الأمر الذي يُنهى عنه هو أن يعتقد بعض الناس بأنه ثابت عن النبي صلوات الله وسلامه عليه. (4/21)
صفحة 917
والثاني: أن يفعل ذلك بعض الناس بنية الحصول على فضل الصيام، لأنّ للصيام فضلا سواء كان في رجب أو كان في غيره .. نعم هو أفضل في بعض الشهور الأخرى، فالأفضل أن يصوم الإنسان في شهر شعبان إلى غير ذلك من الأيام-التي سنتكلم عليها في مناسبة أخرى، وقد تكلمنا عليها في العام الماضي أيضا -ولكن بمناسبة قدوم شهر شعبان الذي هو يلي هذا الشهر، فإنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-كان يصوم أغلب هذا الشهر، وجاء في بعض الروايات أنه كان يصوم الشهر كله ولكنّ هذه الرواية الثانية محمولة على الأغلب، فالأفضل أن يصوم الإنسان شعبان، وإن شاء أن يصوم شيئا من شهر رجب من غير أن يعتقد بأنه ثابت عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-فلا إشكال.
فإذن الذي يُنبِّه عليه أهل العلم هو عدم اعتقاد ثبوت صيام هذا الشهر عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، إذ إنه-كما قدمتُ-لم يثبت عنه حديث قولي ولا فعلي.
هذا وقد استحب بعض العلماء صيام اليوم السابع والعشرين لظنّهم بأنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-قد أُسرِي به في ليلة السابع والعشرين، ونحن نقطع بالإسراء لنصّ الله-تبارك وتعالى-على ذلك في سورة الإسراء ، وكذلك أشار القرآن الكريم إشارة واضحة جلية إلى المعراج في سورة النجم ، وهنالك أحاديث كثيرة جدا جدا تدل على ذلك، فنحن وإن قطعنا بالإسراء ولكننا لا يمكن أن نقطع بأنه قد وقع في هذه الليلة؛ والعلماء قد اختلفوا كثيرا في الليلة وفي الشهر وفي السَّنة التي وقع فيها الإسراء والمعراج، على أنه لو كان قد وقع في هذه الليلة فإنه لا دليل يدل على مشروعية الصيام في اليوم الذي يليها، إذ لم يثبت ذلك عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، بل ولم يثبت عن أحد من صحابته رضوان الله-تبارك وتعالى-عليهم.
فإذن الأفضل ألاّ يصام ذلك اليوم مخافة أن يعتقد بعض العوام بأنّ ذلك ثابت عن النبي صلوات الله وسلامه عليه. (4/22)
صفحة 918
فكثير من الأمور قد فعلها بعض العلماء على جهة الاستحباب وفعلها بعض العلماء من غير قصدٍ لأن تكون موافَقة لمناسبة من المناسبات ولكنّ بعض الجهلة ظنّوا بعد ذلك بأنّ هذه الأمور ثابتة عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-لفعل بعض أهل العلم لها أو لسكوت أهل العلم عن بعض الذين يفعلون ذلك. (4/23)
صفحة 919
فإذن خلاصة ما في الأمر أنه لم يرد حديث ثابت عن النبي-صلوات الله وسلامه عليه-في صوم شهر رجب، فمن صامه لا شيء عليه بشرط ألاّ يعتقد أنه ثابت عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، أما أهل العلم فإن امتنعوا لفترة من الزمن عن ذلك مخافة أن يَعتقد بعض العوام بأنّ ذلك ثابت عن النبي-صلوات الله وسلامه عليه-وفعلوا ذلك في الأشهر التي ثبت صيامها أو صيام بعض أيامها فذلك حسن وإن بيّنوا ذلك وصاموا بعض الأيام من غير أن يعتقدوا؛ وهذا معلوم، إذ لا يمكن أن يعتقد عالِم بثبوت شيء من هذه الأحاديث .. (4/24)
صفحة 920
نعم نقَلَها بعض الفقهاء في كتبهم ولكنهم لم يشترطوا أن يَرووا فيها الثابت عن النبي-صلوات الله وسلامه عليه-بل يروون فيها ما صح وما لم يصح ولا شك أنّ الأفضل أن يَقتصر العالِم عند كلامه عن المسائل الشرعية على الأحاديث الثابتة عن النبي-صلوات الله وسلامه عليه-وذلك-بالطبع-بحسب ظنّه، إذ إنّ أنظار أهل العلم تختلف في ثبوت بعض الأحاديث، فبعض العلماء يرى أنها ثابتة عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، وبعض العلماء يرى أنها لم تثبت عن النبي صلوات الله وسلامه عليه؛ ولا ينبغي لأحد أن يُعنِّف أحدا إذا ظنّ أنّ الحديث الفلاني ثابت عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، وإن كان ذلك الشخص أو أولئك الأشخاص لا يرون ثبوت ذلك، لأنّ هذه المسائل من المسائل الظنية، والمسائل الظنية لا يمكن أن يُعنَّف فيها أحد، لأنه لا يمكن أن يَقطع أحد بثبوت ما يراه أو بضعف ما يراه، فما من حديث إذا لم يصل إلى درجة المقطوع به أي بثبوته أو بعدم ثبوته إلا ويمكن أن يَتطرق إليه الضعف كما أنه يمكن أن يَتطرق إليه احتمال الصحة، ولكنّ الإنسان متعبَّد بحسب ظنّه، فإذا ظنّ أنّ هذا الحديث ثابت أخذ به في الأمور الظنية، أما بالنسبة إلى الأمور القطعية فتلك لها أمر آخر، إذ إنه لا يمكن أن يَعتقد الإنسان أمرا من الأمور إلا بدليل اجتمع فيه قطعية المتن وقطعية الثبوت، أما إذا تَخلَّف واحد من الأمرين فلا. (4/25)
صفحة 921
وأما بالنسبة إلى العمرة فقد جاء في فضلها-أيضا-أحاديث عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، وأما أنها في شهر رجب بالخصوص فلم يثبت في ذلك شيء، وما جاء عن ابن عمر-رضي الله تبارك وتعالى عنهما-مِن أنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-قد اعتمر في شهر رجب فذلك وَهْم منه رضوان الله-تبارك وتعالى-عليه، وقد ردّته عليه السيدة عائشة-رضي الله تبارك وتعالى عنها-وذكرَت بأنّ ابن عمر-رضي الله تعالى عنهما-قد اعتمر مع النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-في كل عمراته التي اعتمرها-صلوات الله وسلامه عليه-ولم يكن شيء من ذلك في شهر رجب؛ وكذلك لم يأت شيء في فضل ذلك من الأحاديث القولية؛ فمن اعتمر في ذلك من غير أن يَعتقد بأنّ ذلك ثابت عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-فلا شيء عليه، أما أن يعتقد ثبوت ذلك فهذا مما لا ينبغي؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: الآن ربما بدأ عدد من الناس صيام شهر رجب ويعتقدون في حال صيامهم أنّ فيه فضلا كبيرا وأجرا عظيما نظرا للأحاديث التي قرؤوها، في هذه الحالة الآن بعد أن علِموا الحكم هل يلزمهم إتمام النية التي بنوا عليها صيامهم أم عليهم أن يتوقّفوا نظرا لأنهم بنوا نيتهم هذه على أحاديث ضعيفة ؟
ج: هنالك أمران:
الأول: أن يكون بعض الناس قد نَذَر ذلك أي نذر أن يصوم شهر رجب أو عددا من الأيام من هذا الشهر، وعلى هذا أن يُكمِل تلك الأيام .. أي لابد من أن يقوم بصيام هذه الأيام، لأنه يجب على الإنسان أن يقوم بوفاء النذر إذا لم يكن ذلك النذر في معصية الله تبارك تعالى .. هذا إذا كان مستطيعا عليه، فما دام مستطيعا على الوفاء به ولم يكن هذا النذر نذرَ معصية فيجب عليه أن يقوم بإتمام ذلك. (4/26)
صفحة 922
وأما إذا كان ذلك لم يكن من هذا الباب وإنما نوى الإنسان ذلك فلا يجب عليه أن يقوم بإكمال ذلك، فإن شاء أن يصوم فالصيام فيه خير كثير ولكن-كما قلتُ-من غير أن يَعتقد بأنّ هذا ثابت عن النبي-صلوات الله وسلامه عليه-في هذا الشهر بخصوصه؛ فالإنسان إذا أراد أن يصوم عددا من الأيام من هذا الشهر فلا إشكال فالصيام فيه خير كثير، ولكنه إذا كان لا يستطيع أن يصوم إلا في هذا الشهر-مثلا-وسيفطر شهر شعبان فنقول له: إنّ الأفضل له أن يفطر في هذه الأيام وأن يصوم ما أراد في شهر شعبان ، لثبوت ذلك عن النبي صلوات الله وسلامه عليه:
والمصطفى أكثرُ ما يصوم ... ... في شهر شعبان وذَا معلوم
كما ثبت ذلك في السنّة عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، فنحن-كما قلتُ-لا نمنع من صيام هذا الشهر، وإنما نقول: إنه لم يثبت شيء فيه، فمن صام فليصم على أنه كغيره من سائر الأشهر التي لم يثبت فيها شيء من الفضل بعينها وإنما ثبت فضل الصيام في الجملة.
ومن لم يستطع إلا أن يصوم أياما قليلة فليصم تلك الأيام التي ثبت الفضل فيها، أما من استطاع أن يصوم أكثر من ذلك فإن شاء أن يصوم في هذا الشهر فليصم وإن شاء أن يصوم في غيره فليفعل؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
س: إذا كان الذي يصلي بهم الجماعة ممن يرون صيام رجب ويصرون على ذلك، فهل تجوز الصلاة خلفه ؟ (4/27)
صفحة 923
ج: نعم، تجوز الصلاة خلفه، فهو لم يرتكب أمرا محجورا .. أي لم يرتكب أمرا مُحرَّما .. غاية ما في الأمر أنّ الإنسان-كما قلنا-ينبغي له أن يعرف ما ثبت عن النبي-صلوات الله وسلامه عليه-وما لم يثبت عنه صلوات الله وسلامه عليه، وأن يُطبِّق الثابت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ ونحن ذكرنا بأنّ الصيام مندوب في الجملة إن لم يخالف دليلا ثابتا في سنّة النبي صلوات الله وسلامه عليه .. أي عندما نستثني تلك الأيام التي ثبت النهي عن النبي-صلوات الله وسلامه عليه-عن صيامها سواء كان ذلك النهي يقتضي التحريم أو أنه كان يقتضي الكراهة؛ وأما شهر رجب فإنه لم يثبت عن النبي-صلوات الله وسلامه عليه-أنه نهى عن صيامه؛ وإنما قلنا: إنّ الإنسان لا ينبغي له إذا كان مشهورا بين الناس أن يُظهِر ذلك مخافة أن يَعتقد العوام بأنّ ذلك ثابت عن النبي-صلوات الله وسلامه عليه-فيعتقد الواحد ما لم يثبت بأنه ثابت عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، فهذا الشخص لم يرتكب حراما وإنما-اعتقد هذا الاعتقاد على أنني لا أظن بأنه اعتقد اعتقادا جازما وإنما-ظنّ على أنه قد قوّى بعض العلماء حديثا جاء عن النبي-صلوات الله وسلامه عليه-في صيام الأشهر الحرم وذكروا بأنّ هذا الحديث يصل إلى درجة الحَسَن .. (4/28)
صفحة 924
فإذا كان هذا الشخص يقلِّد أولئك الذين يقولون بثبوت هذا الحديث عن النبي-صلوات الله وسلامه عليه، ونحن وإن كنّا نُضعِّفه ولكنّ ذلك لا يصل إلى درجة القطع بل هو من باب التّضعيف الظني، لأنه لا يمكن لأحد أن يَقطع بِكذِب حديث إلاّ إذا خالف دليلا قاطعا ولم يمكن أن يُجمع بينه وبين ذلك الدليل القاطع بوجه من وجوه الجمع المعلومة-فإذن هذا الإنسان نقول له بأنه لم يثبت عن النبي-صلوات الله وسلامه عليه-شيء في ذلك، وأنّ الأفضل له أن يصوم تلك الأيام التي ثبت الفضل في صيامها بنصوص صريحة ثابتة عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، وإن شاء بعد ذلك أن يصوم شيئا من رجب أو من غيره من الأشهر التي لم يَرد فيها فضل عن النبي-صلوات الله وسلامه عليه-من حيث الخصوص استنادا إلى بعض العمومات الدالة على فضل الصيام في الجملة فلا شيء عليه بمشيئة الله تبارك وتعالى.
والبدعة-على القول الصحيح-تنقسم إلى أقسام، فليست كلها محرَّمة، وما يدعيه كثير من الناس مِن أنّ كل ما لم يَرِد عن النبي-صلوات الله وسلامه عليه أو ما شابه ذلك-مِن الأمور التي يَحرم فعلها فهذا مما لم يصح، فنحن إذا نظرنا إلى السنّة فإننا نجد الأدلة واضحة تدل على فعل بعض الأمور وإن لم يأمر بها النبي-صلوات الله وسلامه عليه-أو أنه لم يفعلها، فهنالك أحاديث كنتُ أود أن أنبه عليها ولكنّ الوقت لا يُسعِف لذلك-كما يشير إلى ذلك الأخ حفظه الله تبارك وتعالى-فأرجئ ذلك إلى مناسبة أخرى-بمشيئة الله تبارك وتعالى-وقد علّقتُ بتعليق حسن على ذلك في مقدمة الجزء الثالث من " الطوفان "، فمن شاء ذلك فليرجع إليه، وهذا الذي ذكرتُه هو الذي ذهب إليه جمهور الأمّة، كما ذكرتُ ذلك في الموضع المشار إليه؛ والله-تبارك وتعالى-ولي التوفيق.
س: شهر رجب، هل يصل صيامه إلى حد الكراهة ؟ (4/29)
صفحة 925
ج: لا .. لا يصل إلى حد الكراهة .. من أراد أن يَحكم بوجوب أمر أو بحرمته أو كراهته أو ما شابه ذلك من الأحكام فلابد من أن يَستنِد إلى آية قرآنية أو حديث ثابت عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-أو ما يرجع إليهما بوجه من وجوه الدلالة المعروفة؛ وليس هنالك حديث يدل على كراهة ذلك، بل العكس الأدلة تدل على فضل الصيام في الجملة وإنما-قلنا-يُشدَّد على الاعتقاد بثبوت ذلك، إذ إنّ بعض العوام يعتقدون ثبوت بعض الأمور، بل يصل الأمر ببعضهم إلى أن يعتقد وجوب أمر من الأمور وهو لا يصل إلى ذلك، فهذا الذي نُنبِّه عليه ونُشدِّد فيه، أما أن يصوم الإنسان في شهر رجب أو في غيره فهذا مما لا يمكن أن يقال بحرمته ولا بكراهته ولا أن يُشدَّد فيه بل يُنبَّه ذلك الشخص بأنّ هذا الصيام فيه خير كثير ولكن اِعرف ما هو الذي ثبت عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-وما لم يثبت، ثم نُبيِّن للناس ما هي الأيام التي ثبت صيامها وأنه ينبغي للإنسان أن يُقدِّمها على غيرها إذا كان يريد أن يَقتصِر على أيام معدودة، وبعد ذلك إن شاء أن يصوم بعد ذلك فلا بأس بشرط ألاّ يَعتقد أنّ ذلك ثابت؛ والله ولي التوفيق.
الملحق رقم 4:
س: هل هناك مِن بأس في استعمال الهاتف النقّال في المسجد وخاصّة بالنسبة للمعتكِف حيث سمعنا أنّ الاتصال عبارة عن معاملة مالية بين المتّصل والشركة ؟ وهل يُؤثِّر على الاعتكاف خاصة أنّ مَن يَستعمِله يَرغَب في الاتصال بِأهله لطلب الطعام وغيره من الطلبات التي قد يَحتاجها الإنسان في حالة اعتكافه أو وجوده بالمسجد ؟ (4/30)
صفحة 926
ج: قبل الإجابة على هذا السؤال أنا أريد أن أنبّه الإخوة المستمعين إلى ما يَجب من احترام المسجد .. كثيرا ما نكون صافِّين في الصلاة متوجِّهين إلى الله-تعالى-وإذا بِهذه الهواتف النقّالة تُزعِجنا من هنا ومن هناك وكأنّنا في مكان فيه ضوضاء وجَلَبَة، وبعض هذه الهواتف فيها أصوات موسيقية وكأنما في حَلْبَة موسيقية نَسمع فيها الكثير الكثير من الأصوات الموسيقية كأننا خارج الصلاة .. هذا أمر يُزعِج المصلّين .. لا ينبغي أن يَفعله الناس .. ما لهؤلاء الناس وهم يَأتون إلى بيوت الله-سبحانه-يَأتون بهذه الهواتف النقّالة وهي مفتوحة ويَتركونها كذلك لِتُزعِج الناس وتَشْغَلَهُم عن الصلاة ؟! مع أنّ في الصلاة شُغْلاً، لأنّ صلاة الإنسان تعني إقباله على ربّه وتَركه همومَ الدنيا وتَركه لِجميع مشاغل النفس، لأنّ صلاته إقبال على عالَم آخر .. على عالَم القُدُس .. على مخاطبةِ الله-تبارك وتعالى-وحده، ولكن-مع الأسف الشديد-هؤلاء الذين لا يُقَدِّرون للصلاة قيمتها ولا يَعرفون منزلتها عند الله ? لا يبالون بهذا .. هذا أمر يَجِب أن يَتنبَّهوا له.
أما إن كان مُجرَّد طلب حاجة من غير أن يَتركَ الهاتف شغّالاً لِيُزْعِج الناس في المسجد فلا مانع منه، أما أن يَعقِد الصفقات مع هذا أو هذا وهو في المسجد فذلك غيرُ جائز، وإنما يَتحدَّث في الهاتف في غير أوقات الصلاة بِقدر ضرورته فحسب، ولا مانع مِن هذا، لأنّ الضرورة تُقدَّر بِقَدَرها.
س: بعض الناس ربما يغفل عن إغلاق هاتفه فيصيح وهو في الصلاة ثم يقوم بقفله، هل هذه الحركة تؤثّر على الصلاة ؟
ج: حقيقة الأمر؛ هذا دليل الإهمال، ودليل عدم المبالاة بِحقّ الصلاة .. أنا قلتُ يجب أن يُقال في حقِّ هؤلاء بِأنهم عليهم أن يُغلِقوا هواتفهم وعليهم أن يعيدوا صلاتهم، لأنهم مِن أوّل الأمر هم مهمِلون لِلواجب .. غيرُ مبالِين بِحقِّ الصلاة. (4/31)
صفحة 927
س: والبعض يَجعله هزّازا فعندما يأتيه اتصال يَهتزّ جزء من جسده، فهل هذا-أيضا-يؤثّر على الصلاة ؟
ج: إن كان يَشْغَله، ويَذهب بِفِكره عن الصلاة فلا ريب أنّ ذلك ممنوع شرعا. " الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، برنامج " سؤال أهل الذكر " من تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة 25 رمضان 1423هـ ( 1 ديسمبر 2002م ).
الملحق رقم 5:
وفي سؤال مشابه : س: مَن أراد الذهاب إلى العمرة بِالطائرة، مِن أين يُحرِم ؟
ج: يُحرِم عندَما يُحَاذِي الميقات .. يَستعِد مِن قبل .. إما أن يَلبَس ثيابَه في بيتِه أو في المطار أو أن يَقوم بِلبْسها عندَما يَكون قرِيبا مِن المَطار ثم عندَما يُحاذِي الميقات ويَنبغِي لَه أن يَتقَدَّم ذلك بِقليل، لأنَّ الطائرة تَمر مسرِعة على الميقات فَقَد لا يَتمكَّن مِن الإتيانِ بِالتلبية مِن أعلى الميقات ويَتجَاوَز ذلك، فيستعِد مِن قبل ثم بعد ذلك عندما يكون قريبا مِن الميقات ينوي بقلبه العمرة ويسمي-أيضا-ذلك في تلبيته .. يقول: " لبيك عمرة " ويلبي التلبية المعروفة، وليس لَه أن يُؤخِّر ذلك إلى مطار " جدة " مثلا، كما أنه ليس لَه أن يَرجِع بعدَ ذلك إلى الميقات .. لابد مِن أن يُحْرِم مِن قبل، وليس لَه أن يَتأخَّر إلى أن يَصِلَ إلى الميقات .. نعم لَو أنَّ جاهلا وَقَعَ وَوَصَلَ إلى الميقات وهو لَم يُحرِم فإنّ عليه أن يَتوب إلى ربه وأن يَرجِع إلى الميقات الذي مَرَّ عليه ويُحرِم مِن هناك، أما مَن كان يَعرِف الحكم فليس لَه أن يَتجاوَزَ ذلك أبدا. (4/32)
صفحة 928
وبعضُ الناس يَقول: " في ذلك مَشَقَّة " أو ما شابه ذلك، ولا مَشَقَّة في ذلك والحمد لله .. بِإمكانِه-كما قلتُ-أن يَلْبَسَ ثِيابه مِن بيتِه أو مِن المطار أو يُمْكِن أن يَلبسَ في دَوْرَة المياه في الطَّائِرَة أو حتى مِن مكانه بِشرطِ ألاّ يَرَاه عندَما يَخلَعُ إِزارَه .. أو بِعبارةٍ أخرى لا يَرَى عورتَه أحدٌ مِن الناس ويُحرِم ولا مشقّة في ذلك، أما بِالنسبةِ إلى الصلاة فلا بأس عليه إن تَرَكَ الصلاة ولَم يُصَلِّ لِلإحرام على أنَّ العلماء قد اختلَفوا هل هنالِك صلاةٌ مشروعَة لِلإحرام:
ذهب بعضُهم إلى أنَّه ليستْ هنالِك صلاةٌ لِلإحرام .. مَن أرادَ أن يُحرِم فإن حَضَرَتْ صلاة فريضة فليُحْرِم بعدَ الصلاة.
والصوابُ أن يُحرِمَ بعدَ أن يَستوِي على راحلتِه، كما ثبتَ ذلك مِن طرِيقِ ابن عمر رضي الله-تعالى-عنهما.
أما الحديثُ الوارِد أنّ النبي ? أَحرَمَ بعدَ الصلاة فهو حديثٌ لا يَصِح، فالعمدَةُ ما جاء مِن طرِيقِ ابن عمر.
وكذلك إن دَخَلَ المسجد فليُصل ركعتيْن أو إذا أَرادَ أن يُصلي صلاةَ الضحى إن كان الوقتُ وقت صلاة الضحى أو أَرادَ أن يُصلي بعدَ الوضوء أو ما شابه ذلك، أما أن تَكون هنالِك صلاةٌ خاصّة بِالإحرام فليستْ هنالك صلاة خاصّة بِالإحرامِ على الرأيِ الصحيح.
وذهب بعضُهم إلى القولِ بِمشروعيةِ الصلاةِ لِلإحرام.
وفرَّق بعضُهم بيْن ميقاتِ " ذي الحليفة " وبيْن غيرِه فقال بِمشروعيةِ الصلاةِ لِمَن أَحرَمَ مِن ميقاتِ " ذِي الحليفة " بِخلاف مَن أَحرَمَ مِن غيرِ ذلك.
ولا دليلَ على التفريق بل ولا دليلَ على القول بِسُنية صلاة خاصّة لِلإحرام، فلْيُحرِم مِنَ الطائرة؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم. (4/33)
صفحة 929
على أنَّ كثيرا مِن الناس-ولِلأسف-يَأتُونَ إلى مكة المكرمة وهم مُحِلُّون ثم بعدَ ذلك يَذهَبون إلى " التنعيم " لِلإحرام، وفي هذا مُخالَفة صارِخَة لِسنّة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فمَن وَصَلَ إلى مكة المكرمة ولَم يُحرِم عليه أن يَتوب إلى ربه وأن يَندَم على ما فَرَّطَ مِن أمرِه وأن يَرجِع إلى الميقات الذي جاء منه-أو ميقاتٍ أبْعَد مِن ذلك الميقات على رأي بعضهم-فإذا جاء مِن " ذي الحليفة " لابد مِنْ أن يَرجِع إلى " ذي الحليفة " وإذا جاء مِن ميقات " نَجد " وهو المعروف بِالسيل فليَرجِع إليه وهكذا بِالنسبة إلى بَقِيَّة المواقيت.
فيَنبغِي لِلإنسان أن يَتعلَّم أُمورَ دِينِه وألاّ يَذهَب وهو لا يَدرِي عن العمرة شيئا .. لا يَدرِي كيف يَطوف وكيف يَسعَى ومِن أَيْنَ يُحرِم أو ما شابه ذلك، وإن كان لَم يَذهَب مِن قبل البتّة فيَنبغِي لَه أن يَذهَب مع شخصٍ لَه معرِفة بِمناسِكِ الحج، ومعرِفةُ هذه المناسِك متيَسِّرة والحمد لله، وهنالك كتب ومطْوِيَات وأشرطة يُمكِن لِلإنسان أن يَستعِين بِها على معرِفةِ مناسِكِه، وما لَم يَجِدْه فيها أو ما لَم يَفهَمْه فعليه أن يَسأَلَ أهلَ العلم.
والحاصِل أنه ليس لأحدٍ أن يَتجاوَزَ الميقات إذا كان يُرِيدُ حجّا أو عمرة ولو أَرادَ أن يَبقَى-مثلا-مدّة في " جدة " أو في غيرِها مِن المناطِق اللهم إلا إذا كان مُتردِّدا في الإرادة .. مثلا يَقول: " سأذهَب إلى ' جدة ' لِقضاءِ بعضِ المآرِب فإن تَمَكنتُ بعدَ ذلك ووجدتُ وقتا فسأذهَب إلى ' مكة ' وإن لَم أَجِد وقتا فلَن أَذهَب " ففي هذه الحالة يَذهَب إلى " جدة " ويَقضِي مآرِبَه وحوائِجَه وبعدَ ذلك إذا أَرادَ أن يَذهَب إلى " مكة " لِتأدِيَةِ عمرة-مثلا-فليُحرِم مِن ذلك المكان الذي بَقِي فيه وهو " جدة " على المثال الذي ذكرناه؛ والله-تبارك وتعالى-ولي التوفيق.
الملحق رقم 6: (4/34)
صفحة 930
قال الشيخ عند جوابه على السؤال 13 مِن حلقة 14 رمضان 1424هـ ( 9 نوفمبر 2003م ): " أما كيفيةُ هذه الصلاة فقد جاءتْ في السُّنَّة على صفاتٍ مُتَعدِّدَة: 1-جاءتْ كلّ ركعة تَكون بِرُكُوع. 2-وجاء في بعضِ الروايات بِرُكُوعيْن. 3-وفي بعضِها بِثلاثة. 4-وفي بعضِها بِأربعة. 5-وفي بعضِها بِخمسة. 6-وفي بعضِها كمِثْلِ أَحْدَثِ صلاةٍ صلاّها الإنسان، فإذا كان ذلك بعدَ صلاة المغرب فتكون الصلاة كمِثل صلاة المغرب أو بعدَ العِشاء كمِثل صلاة العِشاء أو بعدَ الفجر كمِثل صلاة الفجر، أو الظهر أو العصر فهكذا.
ومِن المعلوم أنَّ هذه الحادثة-أي حادثة الكسوف-حَدَثَت في عهد النبي ? مَرَّة واحدة، وقد حَدَثتْ في التاسِع والعشرين مِن شوال في يوم الاثنين بعدَ طلوع الشمس بِوَقت، وقد قرأتُ في بعضِ الكتب بأنَّ ذلك حَدَثَ في الساعةِ الثامنة والنصف.
وأما ما رُوي في بعضِ الروايات بِأنَّ ذلك وَقَعَ في العاشِر مِن الشهر فذلك بَاطل، إذ لا يُمكِن أن يَقَعَ الخسوف إلا عند اسْتِسْرَار القمر .. أي في التاسِع والعشرين أو في الثلاثين ويُمكِن أن يَحدثَ على ما قيل-أيضا-في أواخِرِ يَوْمِ الثامِن والعشرين، أمَّا في العاشِر أو التاسِع أو الثامِن أو الخامِس عشر أو ما شابه ذلك وأعني بِهذا الكسوف لا الخسوف فهذا مِما لا يُمكن، أمَّا الخسوف فإنَّه يَقَع في ليلةِ الرابِع عشر أو الخامِس عشر، ولذلك نَرى أنَّه لا معنى لِما يَذكُره كثيرٌ مِن أهلِ العلم مِن أنَّه إذا اجتمَع كسوفٌ وعِيد هل تُقَدَّم صلاةُ العيد أو الكسوف ؟ لأنَّه لا يُمكن أن يَقَعَ ذلك أبدا، وقول بعضِهم بأنَّ الله ? قد يُحْدِثُ ما شاء فنعم .. ? يُحدِثُ ما شاء ولكن قد جَعَلَ لِهذه الأمورِ أسبابا وهي تَقَع على حسب ما أرادَهُ الله ? وما جَعَلَه مِن هذه الأسباب فلا يُمكِن أن يَقَعَ ذلك إلا عندَ اسْتِسْرَار القمر على ما ذكرتُه. (4/35)
صفحة 931
فإذن ذلك لَم يَحدُث في عهدِ النبي ? إلا مرّة واحدَة، فلا يُمكن أَنْ يَكون قد صلَّى صلوات الله وسلامه عليه بِهذه الكيفيَّات، وإذا كان الأمر كذلك فإنَّه لابد مِن أن نَبحثَ عن الراجِح مِن هذه الكيفيات، والرَّاجِح أنَّه قَد صلَّى ركعتيْن وصلَّى كلَّ ركعةٍ برُكُوعَيْن ".
وقال الشيخ-أيضا-عند جوابه على السؤال 1 مِن حلقة 25 رمضان 1425هـ ( 9 نوفمبر 2004م ): " تَكلّم بعضُ العلماء أن لو اجتمعتْ صلاةُ العيد وأرادتْ الجماعةُ أن تُصلِّيَ الاستسقاء واجتمع مع ذلك أيضا كسوف، فبِماذا يَبدؤون ؟ و-على كل حال-لا يُشرَع أن يُجمَع بيْن صلاةِ العيد وبيْن صلاةِ الاستسقاء في وقتٍ واحد، لأنّ الهيئة تَختلِف في هاتين الصلاتين أو في هاتين الحالتين .. لكلِّ واحدةٍ منهما هيئةٌ خاصّة في السنّة فلا ينبغي الجمع بينهما، وإذا أرادوا أن يَستسقوا فليَستسقوا بِالدعاء كما دعا النبي ? في خطبة الجمعة وكذلك فليَكن في خطبة العيد، أما بِالنسبة إلى صلاة الكسوف فهؤلاءِ-في حقيقة الواقع-الذين ذكروا هذا الكلام لم يَتصوّروا أنّ الكسوفَ لا يُمكِن أن يَقعَ في هذا اليوم رأْسا فهو لا يَكون إلا في وقتِ الاسْتِسْرَار وذلك لا يُمكِن أن يَكون لا في اليوم الحادي مِن شوال بل ولا مِن أيِّ شهرٍ ولا في اليوم العاشِر مِن شهرِ ذي الحِجّة بل ولا مِن أيِّ شهرٍ آخَر، فهو لا يَكون إلا في حالة اسْتِسْرَار القمر، فلو عَلِموا ذلك لَما ذَكروا هذه المسألةَ على الإطلاق .. هذا الذي نُريد أن نُنبِّه عليه ".
الملحق رقم 7:
وسئل فضيلته عن بعض أحكام صيام الأيام الستة وهي كالتالي :
س1: صِيَام سِتَّة أيام مِن شَوَّال، هل يَلْزَم أن تَكون هذه الأيام مُتَتَابِعة أو أنَّه يصِحُّ تفرِيقُها ؟ (4/36)
صفحة 932
ج: إنَّ صِيامَ سِتةِ أيَّامٍ مِن شوال ثبت في سُنَّة النَّبِي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وقد نَصَّ على ثبوت هذه السُّنَّة طائفةٌ كبيرة جدا مِن العلماء، وقد صحَّحَت الحديثَ الوارِد عن النبي ? في ذلك جماعةٌ كبيرة مِن أهل العلم، والقولُ بِمشروعيةِ صيام هذه الأيام-كَمَا أشَرْتُ-هو مذهبُ جُمْهور الأمَّة، والحديثُ الوارِد بِذلك لا شَكَّ أنَّه صحيح ثابت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وقد ذَكر ابن دِحْيَة بِأنَّ هذا الحديثَ لا يَصِح عن النبي ? وذكر كلاما لا قيمة له، وقد توَلَّى الردّ عليه العلاّمة الحافظ العَلائي وذكر أغلب الأحاديث التي جاءت عن النبي ? في ذلك وقد أَجَادَ في أغلب ما ذَكَره وإن كانتْ قد وقعتْ له بعضُ الأخطاء في ذلك ولكنَّ جوابَه في الجملة مِن حيثُ ما يَتعلّق بِهذه القضية .. أي مِن حيث الصيام صحيحٌ لا غُبَارَ عليه وإن كانتْ لنا مناقشاتٌ حول ذلك في بعضِ الأمور الأخرى التي لا تَتَعَلَّق بِهذه الجزئية.
فإذن صيامُ هذه الأيام مَشْرُوعٌ بِنَصِّ السُّنَّة، ولا ينبغي لأحد يَقْدِر على ذلك أن يُفرِّط فيه، لِما جاء مِن الأجر العظيم والثواب الجزيل في صيامِ هذه الأيام.
والحديثُ لَم يَتَعَرَّض لتَتَابع هذه الأيام ولِعَدَم تتابعها وإنَّما جاء بِمشروعيةِ صيامِ هذه الأيام، و-كما أشرتُ-جُمهور الأمّة على ذلك.
وبعضُ العلماء ذهب إلى أنّ ذلك لا يَنبغِي، ولَم يَأتوا بِشيءٍ يُمكن الاعتمادُ عليه، وإنَّما لَم يَثبُت لديهم هذا الحديث، لِكَوْنِهم لَم يَطَّلِعوا على الطُّرُق الصحيحة، ونظرا لِذلك قالوا بِما قالوه. (4/37)
صفحة 933
وذكرنا أكثر مِنْ مَرَّة أنَّ الإنسان مهما أُوتِيَ مِن العلم لا يُمكنه أن يُحِيطَ بِسُنَّة رسولِ الله-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-عِلْمًا، فما مِن عالِم مِن العلماء إلا وقد خَفِيَت عَليه بعضُ السنن، ومَن قامتْ عليه الحجة بِذلك فلا يَنبغِي له أن يَلْتَفِت إلى أيِّ قَوْلٍ يُخالِف السنّة وإن جَلَََّتْ منْزِلةُ قائله بل ذلك القائل الذي قال بِخلاف تلك السنّة نَعْلَمُ مِنْ حاله بِأنَّهُ لَو اطَّلَع على تلك السنّة مِنْ طريقٍ تَقومُ بِها الحجّة لَكَان مِن أسرعِ الناس أخذاً بِذلك.
على أنَّ بعضَ العلماء إنَّما قال بِأنَّ ذلك لا يَنبغِي إذا كان ذلك مُتَّصِلا بِشهرِ رمضان أما إذا صام بعدَ مُدَّة في شهر شوال فلا بأس بِذلك.
والصحيح-كما قلنا-أنَّه لا مانع مِن أن يَصومَ تلك الأيام ولو بعدَ العِيد مباشَرة لأنه قد فَصَلَ بين رمضان وبَيْنَ صيام هذه الستّة الأيام بِيَوْمِ الفِطْر، فإنّ صيامَه مَمْنُوعٌ بِإجْمَاع الأمّة الإسلامية ونَصِّ السنّةِ المُحَمَّدِية على صاحبها وآله أفضل الصلاة والسلام.
فَإِذَن ما رَاعَاهُ أولئك العلماء في هذه القضيةِ خَرَجْنا منه بِحمدِ الله-تبارك وتعالى-بِفِطْر يومِ العِيد، فلا اتّصال بيْن هذه الأيام وبيْن شهرِ رمضان المبارك. (4/38)
صفحة 934
أما مِنْ ناحية التَّتَابُع وعدم التَّتَابُع فكما قلتُ السُّنَّة لَم تُفَصِّل في ذلك، وما دامتْ لَم تُفصِّل في ذلك فلِلإنسانِ أن يُتَابِعَ بيْن هذه الأيام وله-أيضا-أن يصُومَ يوما وأن يُفْطِرَ يوما أو أَنْ يَصُوم يوما ويُفْطِر يومَيْن أو ثلاثة أو أربعة أو أن يَصوم يومَيْن أو ثلاثة ثُم يُفْطِر يوما أو يومَيْن أو ما شابه ذلك .. إِنْ تابع فذلك خيْر لأنَّه مِنْ باب المسابقَة إلى الفَضْل والخيْر، والإنسانُ لا يَملِك مِنْ حياتِه شيئا فلا يَدرِي إلى متى سَيَعِيشُ في هذه الدنيا الفانِية، ولكن إن أراد أن يُؤَخِّر فلا بأس عليه بِمشيئة الله تبارك وتعالى .. المهم أن يَصومَ هذه الأيام في هذا الشهر وله الأجرُ والثواب بِمشيئة الله تبارك وتعالى.
وقد ذَكَرْنَا أكثر مِن مَرَّة أنه قد ثبتتْ سُنَنٌ متَعَدِّدَة في مشروعيةِ صيامِ بعضِ الأيام مِنَ السَّنَة وأظُنّ أنَّ طائفةً مِن المستمعِين الأفاضل قد استمَعوا إلى تلك الأجوبة وعَرَفُوا مِن خلالِها تلك الأيام التي يُشْرَعُ صيامُها، فيَنبغي لِلإنسان ألاّ يُفرِّط في الصيامِ المندوب الذي كان يَأتِي بِه النبي ? أو أنه حَثَّ عليه أو بيَّن فضلَه وعظيمَ منزلتِه؛ والله-تبارك وتعالى-ولي التوفيق.
س2: مَن كانت عليه أيام قضاء وقد تكون ستّة أيام فيُرِيد أن يَصومَ هذه الستّة الأيام و-أيضا-يَنوي معها صيام الستّة مِن شوال ؟
ج: يعني هل يَصوم ستّةَ أيام فقط وتكون قضاءً وفي الوقت نفسه تكون نفلا ؟
س: نعم.
ج: لا .. هذا لا يُمْكِن، إنْ أراد أن يَصوم الكُل فَلْيَصُمْ الفريضة سِتَّة أيام إنْ كانت عليه ستّة أيام أو سبعة أو خَمسة أو بِحَسْبِ الأَيَّام التي عليه ويَصوم ستّة أيام مِنْ شوال، أمَّا أنْ يَجْمع بينهما في نِيَّةٍ واحدة بِحيث تَكون هذه الأيام تُجْزِيهِ عن قضاءِ شهرِ رمضان وتُجْزِيه عن الستّة الأيام المشروع صيامها فهذا مِمَّا لا يَصِح. (4/39)
صفحة 935
إنَّما ذلك في بعضِ الأمور التي لا تُشْرَع لذاتِها .. مثلا لَوْ أراد الإنسان أن يُصلِّي ركعتين ويَنْوِي بِهِما الضُّحَى مثلا دَخَلَ المسجد وصَلَّى رَكعتَيْن فتُجزيه هاتَان الركعتان عن تَحية المسجد، لأنّ تَحيةَ المسجد ليستْ مَقْصُودَة لِذاتِها وإنَّما المهم ألاّ يَجلِس الإنسان إلا بعدَ أن يَأتِيَ بِركعتيْن فإذا صلّى فريضة أو نافلة أو سُنَّة أو ما شابه ذلك فلا بأس بعد ذلك مِن الجلوس ولا شيءَ عليه ويَكون قد أدّى ما شُرِعَ في حَقِّه بِمشيئة الله تبارك وتعالى، وكذلك لو أتى بِأكثر مِن ركعتين .. لو أتى بِأربع ركعات .. مثلا صَلَّى فريضةَ العشاء أو فريضةَ الظهر أو العصر أو ما شابه ذلك قبلَ أن يَجْلِس فلا بأس عليه، وإنَّما لا يُجْزِيهِ أن لو صَلَّى ركعةً واحدة على رأيِ مَن يَقول بِالتَّنَفُّل بِالركعة الواحدة ونَحن لا نرى ذلك أبدا وإنَّما لابُدَّ مِن أن يُصلِّيَ ركعتيْن على أقلِّ تقدير .. نعم يُمْكِنُ أنْ يُوتِرَ بِركعةٍ واحدة أما أنْ يَتَنَفَّل بِركعةٍ واحدة فهذا مِمَّا لَم يَرِد في السُّنَّة وإن قال بِه مَنْ قال مِنْ أهل العلم، فإنّ أقوالَهُم تلك تَفْتَقِرُ إلى الدليل ولا يُمْكِن أن تُنْصَبَ دليلا يُعْتَمَدُ عليه؛ والله ولي التوفيق.
س: مَن أراد أن يَصوم هذه الستّة ويُوَزِّعها على الاثنين والخميس والأيام البِيض، هل له ذلك بِهذه النية ؟
ج: لا مَانِع .. مُمْكِن أنْ يَصوم ستّةَ أيام .. يَصوم-مثلا-يَوْمَ الإثنين والخميس أو يَصوم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر .. لا مانع مِن ذلك بِمشيئةِ الله تبارك وتعالى.
س4: هل يُقدَّم القضاء أو النَّفْل بِالنسبة لِلستّة أيام مِن شوال ؟ (4/40)
صفحة 936
ج: على كل حال؛ ذهب بعضُ أهل العلم إلى أنَّ الإنسان إذا أراد الفضْل الوارد في صيامِ هذه الست فإنَّه أوَّلاً عليه أنْ يَقضِي رمضان .. طبعا إن كان عليه هنالك قضاء، لأنَّه إن لَم يقْضِ لا يَصْدُقُ في حَقِّه أنَّه صام رمضان والحديث يقول: ( مَن صام رمضان ثُم أتْبَعَهُ بِستٍّ مِن شوال ) فمَن لَم يَقْضِ بعضَ الأيام مِنْ شهرِ رمضان لا يَصْدُقُ عليه هذا الحديث عند هؤلاء العلماء الذين قالوا بِهذا الرأي.
وذهبت طائفة مِنْ أهل العلم إلى أنَّه يَحْصُلُ على ذلك بِمَشيئة الله-تعالى-ولَوْ كانت هنالك بعضُ الأيام قد أَفْطَرَها في شهرِ رمضان ولَم يَقُمْ بِقضائها بَعْد، ذلك لأنَّه ثبت مِن طريقِ السيدة عائشة-رضي الله تعالى عنها-أنَّها كانت تقضِي ما عليها مِن شهرِ رمضان في شهرِ شعبان لأنَّ النبي ? كان يَصوم أغْلَبَ هذا الشهر، وقالوا: " مِنَ المسْتَبْعَد جِدا أن تَتْرك السيدة عائشة-رضي الله تبارك وتعالى عنها-صيامَ النفل في هذه المدّة بِحيث إنَّها لا تَصوم إلا شهر رمضان فقط مع أنَّها سَمعتْ الفضل العظيم مِن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-في صيامِ هذه الأيام وفي غيرها مِن الأيام التي وَرَدَ الفضل في صيامها "، ولا شَكَّ بِأنّ هذا الرأيَ رأيٌ وجيه ولكن مَنْ أخذ بِالرأيِ الأوّل فإنَّه أَخَذَ بِأمرٍ مُتَّفَق عليه بيْن أهل العلم ويَصْدُقُ عليه الحديثُ بِاتّفاقِهم جَميعا بينما هذا الأمر فيه مِنَ الاحتمال ما فيه، فإنَّنَا وإن كنّا نَرَى أنَّ هذا القول مِن القوّة بِمكان ولكنَّنَا لا نستطيع أَنْ نَقْطَعَ بِه لِوُرُودِ الاحتمال كما لا يَخفى؛ والله-تبارك وتعالى-ولي التوفيق.
س5: مَن لم يَصم الست مِن شوال إلى هذا الوقت [ 8 شوال ]، هل له أن يصوم ؟
ج: نعم له أن يصوم، لأنّ الوقت لا زال باقيا؛ والله-تعالى-أعلم
الملحق رقم 8:
وفي سؤال مشابه له نصه كالتالي :
س1: ما حكم صيام شهر شعبان ؟ (4/41)
صفحة 937
ج: قد ثبت عن النبي ? ثبوتا أوضحَ مِن شمس الظهيرة أنه كان يَصوم في شهر شعبان، وشهرةُ ذلك تُغني عن الإطالةِ بِذِكْرِ مَن رواه، وقد نَصّتْ على ذلك كلمةُ أهل العلم وإن اختلفوا في السببِ الذي كان يَدعو النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-لِصيامِ هذا الشهر، ولهم في ذلك أقوالٌ متعدِّدة ولم أَجِدْ حديثا صحيحا ثابتا يَدلّ على واحدٍ مِن تلك الأقوال، وذِكْرُ تلكَ الأحاديث التي استدلّ بِها القائلون على تلك الأقوال يَطولُ بِه المقام، وليستْ مِن ورائه فائدةٌ كبيرة، إذ إنها-كما قلتُ-لا يَثبتُ منها شيء وإن ادّعى بعضهم ثبوتَ واحدٍ مِن تلك الأحاديث.
فبعضُ العلماء ذهب إلى أنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-كان يَشتغِلُ عن صيامِ ثلاثةِ أيامٍ مِن كلِّ شهر بِالجهادِ أو بِغيْرِه وكان يَجمَعُ تلكَ الأيام فيَصومُها صلوات الله وسلامه عليه في شهرِ شعبان، وعلى هذا مَن لم يَشتغِل عن تلك الأيام فإنه لا يُسَنُّ في حقِّه أن يَصومَ هذا الشهر، ولكن هذا مبني على حديثٍ ضعيف-كما أشرتُ-فلا يُمكن أن يُعتمَدَ عليه.
وقيل: إنه صلوات الله وسلامه عليه كان يَصومُ في هذا الشهر أكثرَ مِن غيْرِه مراعاةً لأزواجه-رضوان الله عليهن-إذ إنّهن كُنَّ يَصُمْنَ في هذا الشهر قضاءَ شهرِ رمضان، والواقعُ يَدلّ على عكسِ هذا تماما.
وقيل بغيْرِ هذه الأقوال مِمّا يَطولُ ذِكْرُه، ولا دليل على ذلك. (4/42)
صفحة 938
والظاهرُ لي بِأنّ صيامَ هذا الشهرِ سنّةٌ عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-ولم يَصُمْه صلوات الله وسلامه عليه مراعاةً لأمرٍ آخَر حتى يُقال إنّ ذلك ليس مِن السنَن المقصودة عن النبي-صلوات الله وسلامه عليه-وإنما يَصومُه مَن وَقَعَ له كما وَقَعَ لِلنبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-أما مَن لم يَقَعْ له كَمِثلِ ما وَقَعَ لِلنبي ? فإنه يَبقى كبقيةِ الأشهر الأخرى .. الصحيح أنّ ذلك مشروعٌ في هذا الشهر، وتلكَ الأقوال التي قالوها لا دليلَ على شيءٍ منها على أنّ بعضَها يَدلّ على أنّ ذلك مقصودٌ منه صلوات الله وسلامه عليه وأنه سنّةٌ ثابتة عنه.
والحاصل أنه لا يَنبغي التفريطُ في صيامِ هذا الشهر وأنه سنّةٌ ثابتة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا يَلزمنا أن نعرف لماذا خَصَّهُ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-أكثرَ مِن غيْرِه مِن بقيةِ الشهور فإنّ الله-تبارك وتعالى-يَجعلُ الفضْل في ما شاءه ? مِن الشهورِ والأيام والليالي فإذا اطّلَعْنا على الحكمة فبِها وإلاّ فعلينا أن نَتَّبِعَ رسولَ الله ? وإن لم نَعْلَم الحكمة التي شُرِعَ مِن أجْلِها ذلك الصيام أو تلك الصلاة أو تلك العبادة التي كان يَتَعَبَّدُ بِها النبي-صلوات الله وسلامه عليه-أو أنه أَمَرَنا بِها.
وقد جاءَ في الحديثِ مِن طريقِ السيدة عائشة-رضي الله تعالى عنها-أنّ النبي ? كان يَصومُ شهرَ شعبان كلَّه، وجاءَ في بعضها: " كان يَصومُ شهرَ شعبانَ كلَّه إلاّ قليلا منه "، وقد اختلَف العلماء في ذلك:
1-منهم مَن ذهب إلى أنه صلوات الله وسلامه عليه كان في بعض السنوات يَصومُ شهرَ شعبان كلَّه وكان في بعضها يَصومُ بعضَه، فتُحمَل الرواية التي فيها أنه كان يَصومُ بعضَه على بعضِ السنوات وتُحمَل الأخرى على السنوات الأخرى. (4/43)
صفحة 939
2-وذهب بعضهم إلى أنه كان صلوات الله وسلامه عليه يَصومُ أوّلا بعضَ شعبان ثم بعدَ ذلك كان يَصومُ الشهرَ كلَّه، وتُحمَل الرواياتُ-أيضا-على هذا.
3-وذهب بعضهم إلى أنه صلوات الله وسلامه عليه كان يَصومُ مِن أوّلِ الشهر في بعض الأحيان وكان يَصومُ في منتصفِ الشهر وكان يَصومُ في أواخِر الشهر فما كان صلوات الله وسلامه عليه يَخصُّ وقتا مِن هذا الشهر بل كان يَصومُ تارةً في أوّلِه وتارةً في وسطِه وتارةً في أواخرِ الشهر، وعلى ذلك تُحمَل الروايات.
4-وذهب بعضهم إلى أنه-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-كان يَصومُ أغلبَ الشهر، وإطلاقُ الكل على الأغلب مِن بابِ المجاز؛ وهذا هو الرأي الذي أذهبُ إليه، فإنه قد ثبتَ مِن طريقِ السيدة عائشة-رضي الله تعالى عنها-التي رَوَتْ هذا الحديث أنه ? ما استكملَ صيامَ شهرٍ قطّ إلاّ شهرَ رمضان، وفي هذا دلالةٌ واضحة على أنه صلوات الله وسلامه عليه ما كان يَصومُ الشهرَ كلَّه وإنما كان يَصومُ أغلبَ الشهرِ، وتقريرُ ذلك يَطول وفي هذا كفايةٌ إن شاء الله تبارك وتعالى. (4/44)