صفحة 1
الكتاب: كشف الكرب في ترتيب أجوبة الإمام القطب
المؤلف: اطفيَّش امحمَّد بن يوسف (ت: 1332هـ/1914م)
ترتيب: أبي الوليد سعود بن حميد بن خُليفين المضيربي
تحقيق: محمَّد علي الصليبي
نشر: وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، 1405هـ- 1406هـ/1985م-1986م.
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع].
ولكن تجد في بداية كل صفحة رقم الجزء / ورقم الصفحة بين هاتين العلامتين: <>، وهو موافق للمطبوع.
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الثالث (965 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1433هـ / فيفري (فبراير) 2012م (قرص مضغوط) الكتاب: كشف الكرب في ترتيب أجوبة الإمام القطب
المؤلف: اطفيَّش امحمَّد بن يوسف (ت: 1332هـ/1914م)
ترتيب: أبي الوليد سعود بن حميد بن خُليفين المضيربي
تحقيق: محمَّد علي الصليبي
نشر: وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، 1405هـ- 1406هـ/1985م-1986م.
الجزء الأول
[نصوص مقتطفة. رقمنة وضبط: مصطفى بن محمد شريفي]
<1/ 3>
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي فتح لرحمته أبوابا ومنح لحكمته أسبابا ركب العقل في عالم التكليف وأعد إليه سؤالا وجوابا وخلق الأفعال للقوي والضعيف ورتب عليه عقاباً وثوابا شرف العلماء وكشف بهم من القلوب العمى وجعلهم مصابيح الأرض كمصابيح السماء وصلاة الله وسلامه على نبينا محمد الجامع لشتات الدين الصادع بالحق الساطع بالصدق إلى يوم الدين وآله وصحبه المنتظمين في سلكه الحسن، العاملين ما فرض وسن، الهاجرين في طاعة الله الوسن.
أما بعد، فلما كانت رسائل الشيخ العلامة الإمام النحرير القدوة الشهير قطب الأئمة مفتي الأمة شيخنا الحاج أمحمد بن يوسف بن عيسى بن صالح بن عبد الرحمن الإباضي الوهبي المغربي اليسجني تغمده الله برحمته وأسكنه فراديس جنته وكتبُه إلى أهال عمان متفرقة في كل مكان وجب علينا جمعها لينتشر في الناس نفعها فهي شوارد سائرة وفوائد باهرة ألفناها كتاباً ورتبناها أبوابا لتكون أقرب تناولا للراغب المفيد وأسهل نيلا للطالب المستفيد وأعم نفعا للمُريد من البعيد ولعمري ما هذا المجموع إلا قطرة من غيث وبلة من منبع علوم ذلك البحر الفياض الذي شاع ذكره وذاع في جميع الأصقاع، واعترف له جهابذة الملل بالسبق والاقتدار وطول الباع، وناهيك بما اشتهر من تآليفه العديدة التي عم نفعها الخافقين ومآثره الحميدة التي سارت مسير النيرين أكرم الله نزله، وأعلى في الجنة منزله، ولولا أن مقام هذا الإمام بين الإسلام أشهر من الشمس في رابعة النهار لذكرت لك طرفا من أخباره السائرة، ونبذة من آثاره الزاهرة لتعلم أنه المجلى في حلبة الفحول المبرز في علم المعقول والمنقول كأنما عناه من يقول:
<1/ 4>
وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل (1/1)
صفحة 2
والأولى بالمختصر الاختصار ولمثلنا الاقتصاد فدونك ترتيب هذه المسائل كما أراد السائل وما لنا فيه إلا الجمع وحسن الوضع والله سبحانه نسأله العون والتوفيق في المقاصد والوسائل، والمثوبة النافعة في العاجل والآجل، فإياه نعبد وعليه نعتمد ومن فيض فضله نستمد وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(مقدمة فيما جاء منه من الرسائل المشتملة على غرر المسائل)
وإنما نذكر منها هنا ما لا يتعلق له بالأبواب لكونه مجرد كتاب وألحقنا ما لها من المسائل بالأبواب المناسبة لها عند طلابها كما اقتضاه الترتيب على هذا النمط العجيب من كتبه رضي الله عنه.
------------------------
<1/ 5>
بسم الله الرحمن الرحيم
وصل الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد: فسلام من كاتبه الحاج أمحمد بن يوسف حامدًا لمن جعله يؤلف على إخوانه حبا وديانة، أولاها الله نصرا وصيانة، العالم الورع الشيخ عبد الله بن حميد والفهامة عيسى بن صالح وسائر الطلبة للعلم والعبادة.
وصلني كتابكما وفرحت به لبقاء المحبة والاتصال في أمر الدين، وشكوتما انقطاع الكتابة بيننا. اعلما أنها لم تنقطع ولكن كتبي لا تصلكما، لا أدرى ما اسم بلدكم؟ وإن دريت ما اسمه لم يصلكما لوسع عمان فمرة أرسله إليكما على يد السلطان فيصل وتارة على يد السيد حمود [بن عزان بن قيس] أناله الله مراده كله بلا معصية، فلو جعلتما قماطر معنونة إلي وترصدان في مسقط مَن يقبض ما أرسل إليكما من كتاب أو جواب علم أو غيره. ذلك وبلغوا السلام مَن قرَّظ في شأن هميان الزاد وغيره ممن مالَ إلي ومن تصدى للتعلم أو للتعليم والعبادة وقد أرسلت إليكم كتابا في المعقول فأخبروني هل وصلكم؟ وأرسلت إليكم كتاب الشيخ هود تنسخونه وتردونه.
ومن كتبه رضي الله عنه:
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. (1/2)
صفحة 3
أما بعد: فسلام من كاتبه لتسع مضين من رمضان عام 1325 أمحمد بن الحاج يوسف وسائر تلاميذه وإخوانه في الدين على العالم <1/ 6> العامل عبد الله بن حميد أعانه الله على مراده قائلا: اعلم أني قد نشرت تآليفك كلها وأمرت بمطالعتها والعمل بما فيها ولا يشكل شيء إلا بينته لهم حتى يفهموه بفضل الله وينقادوا ويدركوه على قصدك من الوجه الحق وسلام على تلاميذك كلهم ومن لك [كذا لعله: حولك]، وأخص أكبر تلاميذك. وإني مريد لنفعكم لو كان لي مال بمالي وبكتبي في كل فن إلا أن النسخ هنا بأجرة غالية ومثل شرحك القصيدة أو مثل الشيخ درويش أو النيل ست عشرة ريالا كبيرة فواتح في كل واحدة. والناس لا يعينونني في ذلك ولا في مثله في إيقاف الكتب وإني أعالج ما تيسر لي من الإرسال يأتيكم إن شاء الله مختصر القواعد والحاشية بزيادات مفيدات كبيرة جدا على الذي عندك رحمك الله عز وجل في الفقه وشرح شرح أبي سليمان داود في النحو وغير ذلك شيئا فشيئا إن شاء الله عز وجل وأما الجواب فلو وجدت سؤالك كل يوم لأجبتك لتزداد علما إلى علمك، وأقول {رب زدني علما} ولا أظن أني يثقل علي شيء في نفعك وإن كان منكم سؤال ولم يأتكم جوابه فلنسياني لكثرة الأشغال والأعداء، وقد عزمت على أنه إن جاءني سؤالكم أعجل بجوابه وأيضا أظن أن الجواب يضيع في الطريق، وقد عطل البعد كثيرا من الأشياء، ولكم الدعاء الصالح مني، ولعله تظهر لك ثمرته. وآمرك وإياي بالإخلاص لله عز وجل والتوبة، ولا تظنوا أني أجيب الرجل حين فارقكم برخص ولا بشدة، ثم إني أختار لك إذا صحت عندك مسألة من كتب قومنا فاذكرها بلا ذكر لهم ولا بأس عليك وأخلص أعانك الله وإيانا وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
واعلم أني أريد أن تخيرني بكل ما تحبه فأسعى فيه جهدي، ولا أمل منه وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. (1/3)
صفحة 4
ومن كتبه رضي الله عنه: وقد عذرتك لقلة مالك ولاحتياج الواردين عليك له. ورأيت رغبتك في شرح النيل طبعه أو نسخه فوق <1/ 7> كل رغبة، وذلك طرف من رغبتك في الله عز وجل. واعلم يا أخي أني ما بخلت به عليك ولا على الفاضل المعد لي بل لأني أحتاج إلى التفرغ إلى إصلاحه وإصلاح نسخه ولا يوجد في مضاب إلا ناسخ واحد يصلح لاستخراج الهوامش والصبر لها وعدم الضجر وقد كان واحد قبله أكبر منه إلا أنه انقطع عني، ولو كانت طباع الطالبين لطبعه يستحسن ما يستحسنه تبغي السهل علي أن أوافقكم، مثل أن أُرسِلَ إليكم ما قوبل وصُحِّحَ ولو من وَسَطٍ أو آخرٍ، كالنكاح والبيوع، وأُرسلُها إليكم ليطبعا، وأهيئ لكم من غيرها شيئا فشيئا، وأن ترسل إليَّ ما نَسختم من الفرائض والتبيين فأصحِّحهما وأردُّهما إليكم، وعدًا عليَّ، فإنَّ لي أشغالا لا تحتمل التأخير والله المستعان.
ومن كتبه رضي الله عنه:
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم أما بعد: فالسلام على الشيخ محمد بن شيخان حفظه الله ببركة الله الذي لا إله إلا هو رب العرش العظيم، من كاتبه الحاج أمحمد بن الحاج يوسف قائلا: لا بد جزاك الله خيرا أكتب لي عاجلا ترجمة ابن النضر اسم أبيه وجده فصاعدا وقبيلته من العرب وهل ولد له؟ وكم ولد له؟ وكم عمره؟ ومتى مات؟ وهل مات مقتولا؟ ومن قتله؟ وما سبب قتله؟ وجميع ما تعلق به قدر الطاقة وعجِّل بذلك. ووصلني نظمك البارع كله ولم تصلني نونية تعارض نونية ابن النضر في خلق القرآن وعدم خلقه، فأرسلها إلي ولقد أعجبني ذلك الرد الذي أرسلت إليَّ. ولقد عارضتُ كل ما قاله ابن النضر في قدم القرآن في شرحي على الدعائم، وذكرت فيه وجه عدم البراءة منه بذلك. وأخبرني هل وصلتك أجوبتي؟ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
------------------------
<1/ 8>
ومن كلامه رضي الله عنه: (1/4)
صفحة 5
وسألت أن أرسل إليكم شرح النيل. الجواب: إنه لا توجد إلا نسخة واحدة من نسخة خطي عزيزة. وأجرة النسخ غالية لقلة الناسخ المصحح ولا يمكن أن أرسل لكم خطي لأنه في الألواح صعب دقيق، ولا نقدر على أجرة طبعه لعظمها. واعلم يا أخي أني لم أجد من يعينني على النسخ ولو بأربعة ريالات ولم أجد الطَّول إلى الاستئجار من عندي، واسأل الله العفو والرزق الحلال الواسع، فإن كان لا بد فاختاروا بعضها كالنكاح والبيوع أتكلف لكم إرساله للطبع، ولا بأس بطبع البعض، وبعدُ فلعل الله يفتح لطبع الباقي، وأسأل الله العظيم أن يعينك أن تنسخ من شرحي على شواهد القزويني والسكاكي وعبد القادر وترسلها إلي بما عز وهان فأرسل إليكم ما صرفت أو تبقي النسخة عندهم وترسل إلي خطي منهم. فاهتم يا أخي في ذلك والنسخة عند الشيخ محمد بن الشيخ سعيد بن علي الصقري، ولو بأن تسافر لوجه الله لذلك، أو تجهز مسافرا في ذلك، أو ترسل ثمنا إليه لينسخ لك نسخة وترسلها إلي، والكل عليَّ. والله الموفِّق. وكذا تعليق وحواش كتبتها على ما كتب سعيد بن خلفان.
وكتب رضي الله عنه:
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه.
أما بعد: فسلام على الشيخ الحاج راشد بن عزيز من كاتبه أمحمد بن الحاج يوسف اطفيش قائلا: إن مسائل السلام والغنيمة التي كتبتها ودخلت فيها بقولي: «ومن غيره» وقولي: «رجع» أرسلتها إلى عمان ردا على الشيخ سعيد بن خلفان، وأنا دائم على الرد عليه في تلك المسائل خاصة، وأني رددت النسخة إلى عمان، إذ لا نسخة في المغرب منها، لا بخطي ولا بخط غيري، وكذب من زعم أني رجعت عنها؛ لأن الحق لا أرجع عنه أبدا، وما قلت فيها إلا الحق، فعزيمة عليك وعلى أمثالك أن تكذِّبوا من قال: <1/ 9> رجعت عن ذلك، وأن تكتبوا إليه بالتكذيب، وأينما كان ولو وصل ما وراء النهر أو سد يأجوج ومأجوج.
ومن كتبه رضي الله عنه: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. (1/5)
صفحة 6
أما بعد: فسلام من كاتبه أمحمد بن الحاج يوسف على الشيخ محمد بن شيخان وتلاميذه، كيف أحوالك وأحوال من معك، وأنا توحشت من انقطاع كتبكم عني بعد ترادفها وتواليها، فأخبروني ما السبب في ذلك، واعلموا أن أهل التوحيد في الدنيا كلها على اختلاف مذاهبهم وديانتهم قليلون بالنسبة إلى أهل الشرك، وأصحابنا قليل بالنسبة إلى قومنا، فما بالنا نختلف ونقطع من أطرافنا، فأسألكم بالله أن تتآلفوا وتصيروا بعضا لبعض، وأنتم عرب وقد تكون قلوبكم سخية، فسامحوا وتعاونوا، وليعرف كل منكم قدر أخيه، يعرف الصغير حق الكبير، والكبير حق الصغير، والتلميذ حق الشيخ، والشيخ حق التلميذ، والتلميذان والشيخان كل يسارع إلى مسرة الآخر، والألفة في الدين واجبة، ويقال: هي أعلى من العلم رتبة، ولعل المراد أنها ثمرة العلم، وإلا فالعلم أفضل، ولا تعرف ولا تفضل أحوالها إلا به، وهاأنا منتظر لأحوالكم تلتئم وتصطلح وتجيبني في كتاب مسطور كدر منثور. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
ومن كتبه رضي الله عنه:
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. أما بعد: فسلام من كاتبه أمحمد بن الحاج يوسف اطفيش المغربي على أخينا ومحبنا في الله سالم بن جمعة بن مطر الخيظري فاعل خير لا ينسى ولا يستقصى، أثابه الله بجوده، ويبلغ السلام على أخيه الصالح بن <1/ 10> جمعة، وإلى الشيخ العالم عبد الله بن حميد ومن معه من التلاميذ. ومهما يُحْبِبِ الشيخُ سالم بن جمعة من صعب وسهل ديني أو دنيوي أسعَ فيه جهدي إن شاء الله عز وجل. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. (1/6)
صفحة 7
ومن كلامه رحمه الله: وأما الكتب فإن وجدت مالا فلا أبخل عن نسخها لكم، والله يعلم وأنا والله راغب في نسخها لكم، وإني أحب إدخال السرور عليكم، والله ما قصرت في إرسال الكتب بل عدمت النساخ إلا واحدا، وغيره لا يحسن ولا يجيد الخط وإن أجاده لم يُوف، ويحرِّف، ولم يدم، وليس كل أحد يخرج خطي من كتابتي، ولو وجدت مالا لأسرعت في حاجتك وأنت تظن بي أن الناس يعينونني، والله إني لأطلب في الإعانة عشرين ريالا فلا أجد من يعطي خمسا، وليست وصايا الناس وأوقافهم بيدي، بل كل واحد يوصي ويوقف بيد قريبه أو حبيبه، وإني أستحي من الطلب، والله إني أطلب فلا أُعطَى، وقد أيست منهم، والله إني راغب في نشر كتبي نفعا لكم وانتصارا على مخالفيكم، وطلبا لثواب الله جل وعلا، فأمهل لعلي أجد شيئا فشيئا من مالي أو مما عند الله المستعان. والحاصل أني أحب المال الكثير للنسخ، وإني أعطي في أجرة النسخ ما لا يعطى غيري، وليس كل أحد ينسخ من خطي، لأني أكتب كتابا واحدا لتزاحم الأشغال ولا أعيده نسخا، فالناسخ ينسخ الطرر الدقيقة المتقاربة، ومن الطرة (1) يكون خروج الأخرى، وهكذا والله المعين.
وكتب رضي الله عنه للشيح راشد بن عزيز: وأسألك بالله الذي قام به كل ما سواه بل أسأل أن تحتال بمال أو جاهٍ في إرسال شرحي على السكاكي والقزويني وعبد القادر بخطي بنفسه أو بنسخة تقابل عليه، وكذلك كتاب بخطي أحشو عليه مسائل كتبها سعيد بن خلفان ترجع إما بخطي أو بنسخة تقابل عليه أقول فيه: «ومن غيره» ثم أقول: «رجع» <1/ 11> وترسل في ذلك بالله، ولا بأس بأسباب من الخلق، وكلٌّ من الله. وأخبرني ما فعل الحاج [أحمد] النوري ولك كل ما صرفت.
__________
(1) طرة الثوب: حاشيته وحرفه وهدبته. ويبدو أنه يقصد هنا أن حواشيه دقيقة، ومنها تتفرع حواش أخرى؛ لذلك يصعب التعامل مع مؤلفاته التي هي بهذا الشكل. (1/7)
صفحة 8
ومن كتبه رضي الله عنه: وأما ما في عمان من كتبي التي هي حاشيتي على شرح القطر وحاشيتي على شرح الشذور وحاشيتي على شرح الآجرومية لأبي القاسم وحاشيتي على التمرين، فإنما طلبت ردها لأنها من عملي في صغر سني، فأحببت مطالعتها للتصحيح، وإلى الآن لم ترسلوا إلي ديوان ابن الرومي، فاكتبوا إلى مصر يرسلوه إلي، واطلبوا من السلطان فيصل يأمر بذلك. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
وكتب أيضا لبعض إخوانه رضي الله عنه: وأما أن تزورني أنت أو غيرك من أهل عمان فلا، رحمكم الله، فإنه [أن] تسمع بالمعيدي خير من أن تراه؛ لأني في قوم لا يقومون بي، والإباضية في المغرب أشحاء إلا ما شاء الله، وإن كنتم تقبلون ضيافتي فمرحبا بكم ألفًا، ولست أبخل بالموجود.
وعنه رضي الله عنه قال: وعن اعتراض المعترض ما جوابه؟
الجواب: إني نسيت ما هو، فاكتب لي أجبك إن شاء الله عز وجل، وهو المستعان، لا إله إلا الله تبارك وتعالى. تم الجواب مزاحما لأكثر من عشرة أشغال مانعة معطلة عنه، فكيف أشتغل باستيفاء ما في سورة النور من البديع؟. وابعث إليَّ ديوان أبي النجم يصلك ثمنه وكل ما صرفت، فادع الله عز وجل أن يغفر لي ويصحح قلبي وعقلي وأعضائي، وينفي عني الآفات وينصرني. والرجل دعه وإن شئت فاختبره لا بما يثير فتنة أو سوءا. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
وعنه أيضا: وقد وصل إسماعيلَ بن سليمان بن إسماعيل الكتابُ <1/ 12> الذي أرسلت إليه والله الموفق. وفي عمان شرح لامية ابن مالك وحاشية القطر والشذور وحاشية شرح الآجرومية لأبي القاسم كلهن تأليف لي حال ابتدائي في التعلم فيهن إكثار المسائل لا تحقيقها وأنا حينئذ مبتدئ ولا ينتفع به أهل عُمان فإن وجدتها فأرسلها إلي وابحث عنها جدا. بلغك الله المراد والله المستعان. اهـ ما أردنا نقله هنا، وبقية رسائله التي لم نذكرها ستأتي إن شاء الله في مواضعها الخاصة بها. والله المستعان وبه التوفيق. (1/8)
صفحة 9
كتاب التوحيد ومعاني الأصول وتفسير بعض اصطلاحات المتكلمين، من جوابات القطب محمد بن يوسف اطفيش رضي الله عنه
قال قدس الله سره: ومسائل الأصول هي مسائل التكفير والتفسيق وقطع العذر وكون الحق واحدا ومع واحد كنفي رؤية الباري وكون صفاته ذاتية لا مقترنة ولا حالَّة، وكون الاستواء على العرش: الملك والقدرة لا استواء معقولا.
وقال أيضا: والأصول التي لا يجوز الاختلاف فيها عندي ما يقدح في صفات الله سبحانه وتعالى عز وجل ولا تظن أن هذا مبطل براءة من زل من الصحابة.
وقال أيضا: ويعرف الشيء بأنه من الأصول بأن يكون مخالفته فادحة في التوحيد وما يجري مجرى ذلك.
وسئل بما نصه: وعن اعتقاد الخلود وعذاب القبر والصراط ونحو ذلك أمن الأصول؟
الجواب: إن ذلك ليس من الأصول إلا أنه كل شيء يتبرأ أصحابنا من فاعله مع أنه ليس من الأصول فيتوهم المبتدئون أن كل ما يبرأ به يكون من الأصول، وليس كذلك، وفي كلامك ما يوهم أن الأصول لا يجوز جهلها فانتبه، فإن منها ما يعذر في جهله حتى يسمع أو يقارف. <1/ 13> والأصول عند المتكلمين ما يتضمن خلافه القدح في صفات الله عز وجل، وعند أصحابنا أوسع من ذلك كما ذكرته في غير هذا الكتاب مبسوطا. أهـ.
قال: والأقانيم: الأصول. والهيولاء يطلق على قبول الأشكال، كقطعة من شمع تقبل البسط والتربيع ونحوه والامتداد والكرة، ويطلق على الشكل الممكن وعلى الاستعداد لقبول العلم، وهذا الاستعداد يسمونه عقلا هيولانيا تشبيها بنوع من الهيولا الخيالية عن جميع الصور القابلة هي لها.
والناسوت: ما في شأن عيسى من شأن الناس.
واللاهوت: ما فيه من شأن الألوهية على زعمهم الباطل فاعجب لقوم يدعون إلها مولودا من البطن يأكل ويشرب ويبول ويتغوط!.
والتابوت: فيه صور الأنبياء وعصا موسى مثناة فيه وثيابه ونعلاه وعمامة هارون، ويسكنون إليه في القتال فانظر في تفسيري المسمى بالتيسير. اهـ.
............. <1/ 14> بيضاء ...........
<1/ 15> (1/9)
صفحة 10
باب فيه كتاب الحجة في بيان المحجة في التوحيد بلا تقليد
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
قال الشيخ الفقيه العالم العلامة البحر الفهامة عمنا الحاج أمحمد بن الحاج يوسف بن عيسى اطفيش الميزابي الإباضي رحمه الله تعالى ورضي عنه:
لا إله إلا الله الحمد لله الذي قال رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «أفضل الذكر قول لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله»، أي لأن الثناء والشكر يستدعيان المزيد من لا إله إلا الله الحمد لله الذي لكل فعل له صفة الذات، فصفة الخالق القادر أن يخلق والعالم بالخلق والمريد للخلق ونحو ذلك مما يصلح لذلك وصفه الرازق القادر أن يرزق، والعالم بالرزق والمريد الرزق ونحو ذلك وهكذا لا إله إلا الله الحمد لله الذي جعل توحيده فرضا وجعل من التوحيد نفلا مثل تكرير كلمة الشهادة «لا إله إلا الله».
الحمد لله الذي علم كل ماء من ماءين اختلطا على حدة وكل لبن من لبنين اختلطا وكل زيت من زيتين اختلطا وهكذا، وعَلِمَ الزيت المعجون به العسل أو الدقيق وهكذا.
لا إله إلا الله الحمد لله الذي اختص بحصر ما لا يتناهى كأنفاس أهل الجنة ونعيمهم وأحوالهم المتجددة.
لا إله إلا الله الحمد لله الذي يتناهى ما سواه في كل لحظة.
وأقول: لا إله إلا الله الحمد لله الذي جعل الأمر بالتوحيد من الموحد توحيدا.
لا إله إلا الله الحمد لله الذي جعل تصويب التوحيد توحيدا من الموحد.
لا إله إلا الله الحمد لله الذي جعل إيجاب التوحيد من الموحد توحيدا.
لا إله إلا الله الحمد لله الذي سمى نفسه شيئا في قوله عز وجل: {قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} بعد قوله جل جلاله: {قُلَ اَيُّ شَيْءٍ اَكْبَرُ شَهَادَةً} [سورة الأنعام: 19] مع قوله {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [سورة الشورى: 11].
لا إله إلا الله الحمد لله الذي هو شيء لا كالأشياء. (1/10)
صفحة 11
لا إله إلا الله الحمد لله الذي لا سميَّ له أي لا ولد ولا مسمى باسمه.
لا إله إلا الله الحمد لله الذي هو <1/ 16> مؤين الأيوان، أي خالق الأمكنة.
لا إله إلا الله الحمد لله الذي لا يُرى في الدنيا ولا في الآخرة؛ لأن الرؤية توجب الحلول واللون والتحيز والطول والعرش والجهات والتركيب والعجز والحدوث، وفي ذلك من صفات الخلق.
لا إله إلا اله الحمد لله الذي لا تحويه الأمكنة والأزمنة؛ لأنه خالقها ومنشئها.
لا إله إلا الله الحمد لله الذي لا تجري عليه الأزمنة؛ لأنه خالقها ومنشئها.
لا إله إلا الله الحمد لله الذي تجري عليه الأزمنة وهو في كل مكان وفي كل زمان، يخلق الأمكنة والأزمنة، والمتصرف فيهن بما يشاء.
لا إله إلا الله الحمد لله الذي استوى على العرش، أي ملك الخلق واستولى عليه، وإلا لزم التحيز وصفات الخلق.
لا إله إلا الله الحمد لله الذي لا هو جسم ولا عرض ولا جوهر فرد عند مثبت الجوهر الفرد، وهو الجزء الذي لا يتجزأ.
لا إله إلا الله الحمد لله الذي رآه رسوله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء بعيني رأسه؛ أي أثبته مزيد إثبات، وحقق عظمته مزيد تحقيق بنظره بعيني رأسه في خلقه.
لا إله إلا الله الحمد لله الذي خلق آدم على صورته، أي على صورة آدم التي قضى الله أن يخلقه عليها. أو على صورة الله، أي الصورة التي هي ملك الله، أو على صورة آدم بلا نقل من نطفة إلى علقة ثم إلى مضغة ومن صغر إلى كبر وهكذا.
لا إله إلا الله الحمد لله الذي لا تختلف إرادته ولا مشيئته، وتختلف محبته وبغضه وأمره ونهيه بمعنى أنه يحب الطاعة، أي يأمر بها، وينهى عن المعصية، وبغضه هو نهيه، فمن المكلفين من يمتثل ومن يعصي.
لا إله إلا الله الحمد لله الذي لا يختلف وعده ولا وعيده، ولا ولايته للسعيد ولا براءته للشقي حال الطاعة ولا حال المعصية، ولا يختلف حبه للسعيد وبغضه للشقي. (1/11)
صفحة 12
لا إله إلا الله الحمد لله الذي صفاته ذاتية لا غيره ولا حالة فيه، تعالى عن الظرفية، ولا معه، فهو عالم بالذات لا بعلم زائد على الذات وقادر بالذات لا بقدرة وهكذا.
لا إله إلا الله الحمد لله الذي هو متكلم، أي خالق للكلام من كل ناطق، ومنزل القرآن وغيره من الكتب والوحي.
لا إله إلا الله الحمد لله الذي هو بصير أي عالم بالألوان والأجسام والأحوال.
لا إله إلا الله الحمد لله الذي هو سميع أي <1/ 17> عالم بالأصوات. ولو قيل بصير بالأصوات والأجسام والأحوال وسميع بهن لصح إذ كان سمعه وبصره العلم، إلا أنه لا يعتاد أن يقال مثلا بصر الصوت أو سمع اللون.
لا إله إلا الله الحمد لله الذي لا يوصف بالفعل في الأزل وإلا لزم تعدد القديم، وإن وصف تُؤوِّل بأنه سيفعل، وأنه علم أن سيفعل، أو قدَّر أن يفعل بعد الأزل، فلا يقال: تكلم في الأزل إلا على معنى أن سيخلق الكلام. ولا يقال: رزق في الأزل بالبناء للفاعل إلا على معنى أن سيخلق الرزق والمرزوق وهكذا ... أو على معنى قضى في الأزل ذلك أو نحوه. ولا أول لقضائه ولا لصفاته الذاتية ومنها التكلم إذا كان بمعنى نفي الخرس، ومنها القضاء وبيان معنى لزوم التعدد حاشاه أنك إذا قلت خلق في الأزل بالبناء للفاعل فقد نفيت عنه الأزل وأثبت الأزمنة قديمة لا مبدأ لها تعالى الله عنها، ومخلوقاته لا أول لها بأن يكون لا أول لمبدأ خلقه يخلق خلقا فيبقى أو يبقي ويخلق آخر وهكذا بلا مبدأ واعتقاد هذا حرام، وإجازته حرام. والأزل فعل الخلق وأنت في ذلك لم تجعل للخلق قبلا بل جعلت كل خلق منه مسبوقا بخلق على التسلسل.
لا إله إلا الله الحمد لله الذي رضاه خلقه للسعيد ثوابا من الجنة خلقا مضى أو آتيا أوامره بكتابته سعيدا أو ثناؤه عليه إلى الملائكة أو أمره بما فعل السعيد وسعد به، فهو فعل، أو علمه بسعادته فهو صفة. وأما السخط فعكسه وهكذا الغضب. (1/12)
صفحة 13
لا إله إلا الله الحمد لله الذي يوصف بالإرادة والمشيئة وهما صفتان. والحب بمعنى الأمر بالشيء وهو فعل. ولا يوصف بالفرح والسرور لأنهما حادثان عن خفة تعتري من يتصف بهما والله جل جلاله لا يكون محلا لحادث. وكذا الهم والحزن لا يوصف بهما والأربعة إنما هي عن عجز واحتياج والله لا يعجز ولا يحتاج ولا يُستكمل.
لا إله إلا الله الحمد لله الذي لا تعلل أفعاله بالأغراض؛ لأن التعليل بما يلزم احتياجه تعالى استكمالا بها، سبحانه عن ذلك ومع ذلك يجوز قطعا ما على صيغة <1/ 18> التعليل بها على معنى آخر هو ذكر الحكمة واللياقة مثل قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالاِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [سورة الذاريات: 56] أي خلقتم وأمرتهم بالعبادة واللائق بهم العبادة والأمر بها حكمة، وعبد من عبد وعصى من عصى، وكلاها بعلم الله وقضائه وإرادته ومشيئته.
لا إله إلا الله الحمد لله الذي علم نفسه ولا يقال أراد نفسه؛ لأنه يوجب الحدث، مع أن ما لم يوجد لا يتصف بالإرادة. ولا لم يرد نفسه؛ لأنه يوجب الاضطرار. (1/13)
صفحة 14
لا إله إلا الله الحمد لله الذي لا يشاركه مخلوق في صفة ولو اتفق اللفظ، فالله موجود لا بعد عدم ولا بموجد ولا بزمان أو بمكان أو شيء، ولا بمبق بعد إيجاد، ولا عرض ولا جسم، وأنت موجود بخلافه في ذلك كله وبعد أن أوجدك أبقاك، ولو أسقط إبقاءك لفنيت كلك ولم يبق منك شيء، وإن أراد أبقى بعضك وأفنى البعض. والله عالم، أي بالذات بلا أول ولا آخر ولا جهل له في شيء تعالى، وأنت عالم بتعلم مع جهل وهكذا ... ومقتضى ذلك أن لا يفعل التفضيل بينه وبين خلقه لكنه فعل، تقول: الله أعلم منا فإن حقيقة التفضيل اشتراك متعددين في شيء واحد مع زيادة أحدها على الآخر على معنى أنه في علمه أعظم منا في علمنا وهذا في التخالف كقولك أنت في قيامك أفضل من عمرو في ركوبه وأعظم من ذلك، كقولك: الخل أمرُّ من العسل والعسل أحلى من الخل بمعنى أنه أشد في مرارته من العسل في حلاوته، أو أن العسل في حلاوته أشد من الخل في مرارته، أيما كان من ذلك فقله.
لا إله إلا الله الحمد لله الذي إنما نعرفه بجهلنا إياه إذ كلما قيل: هو كذا من جسم أو عرض أو جوهر كان خطأ، إذ لا ندرك ذاته عز وجل.
لا إله إلا الله الحمد لله الذي لا نعرفه إلا بكونه شيئا لا كالأشياء وبصفاته وأفعاله. (1/14)
صفحة 15
لا إله إلا اله الحمد لله الذي كلما أدرك بالحواس أو من شأنه أن يدرك مما وجد أو فرض أو حواه الفهم والخاطر فهو بخلافه. جاء الأثر بهذا، وكذا اجتمع سبعون عالما من بني إسرائيل ليدركوا الله وكل واحد يعرف سبعين لغة فسمع بهم عالم من بني إسرائيل يعرف سبعا وسبعين لغة فجاءهم فقال: فيم أنتم؟ فقالوا: نريد أن ندرك <1/ 19> الله تعالى فقال: هل أدركتموه؟ فقالوا: لا، وجدنا أنفسنا لا ندرك إلا مخلوقا، ولا نعرفه إلا بتحقيق الإيمان بالغيب، فقال: الآن عرفتم ربكم. وسأل عالم سبعمائة عالم عن التوحيد فلم يجبه أحد بما يقنعه، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال: كل ما حواه الفهم وخطر بالبال فالله بخلاف ذلك.
لا إله إلا الله الحمد له الذي احتجب عن خلقه لا بحجاب إذ الحجاب من خلقه بل بمنعه إياهم عن مشاهدته.
لا إله إلا الله الحمد لله الذي هو الواحد في صفاته كالقدم والبقاء وعلمه وقدرته في أفعاله كالإنشاء والإحياء والإماتة والبعث والرزق في الذات، لا يوصف بجزء ولا بكل ولا ببسط ولا تركيب وفي استحقاق الطاعة والعبادة.
لا إله إلا الله الحمد لله الذي ما استحال من صفاته بحسب المعنى اللغوي حمل على سلب معنى ضدها أو على لازم المعنى، كحياته جل جلاله بمعنى نفي الموت لا حقيقة الروح والإحساس حاشا لله وجل الله، أو بمعنى القدرة والعلم ونحوه مما شأنه أن يكون للحي منا جل الله عن وصفنا. وكالتكلم بمعنى نفي الخرس عنه سبحانه وتعالى، لا بمعنى النطق أو بمعنى التبيين، فإن من لازم الكلام في الجملة البيان وقد بين الله جل جلاله لنا الغيب والحلال والحرام والفرائض. وكالرحمة بمعنى إنعامه على خلقه وعفوه فإنهما من لوازم الخلق المتصفين بالرحمة بمعنى رقة القلب تعالى الله عن القلب ورقته أو رحمته بمعنى نفي القسوة عنه فلا يعذب من لا يستحق التعذيب. (1/15)
صفحة 16
لا إله إلا الله الحمد لله الذي صفاته قديمة لا أول لها، وهي هو، عالم بالذات قادر بالذات لا بقدرة وهكذا، وإلا كان محلا لها تعالى أن يكون محلا، ولزم تعدد القديم. ومعنى قول ابن محبوب رضي الله عنه أن ذات الله هي قدرته ومشيئته (بواو العطف) في قوله: إنه وصفاته شيء واحد لا كالأشياء وأنه قادر بالذات شاء بالذات.
لا إله إلا الله الحمد لله <1/ 20> الذي صفاته ما لا أول له وما لا يتصف هو بخلافه وما لا يجتمع مع ضده في محلين كالعلم بأنه لا أول لعلمه ولا يتصف بالجهل، ولا يقال: علم كذا وجهل كذا، وما لا أول له لا آخر له وما له أول قد يكون لا آخر له، كالإنس والجن يدومون في الجنة والنار، والفعل ما له أول ويتصف بخلافه ويجتمع مع ضده في محلين، كالإعزاز والإحياء، أعز هذا ولم يعز ذلك، وأحيى هذا وأمات ذلك.
لا إله إلا الله الحمد لله الذي لا يتصف بالكلام النفسي وإلا كان ظرفا تعالى الله.
لا إله إلا الله الحمد لله الذي صفاته المعاني المصدرية، وكذا أفعاله، وأما اسم الفاعل والصفة المشبهة فذات وصفة، فالعلم والقدرة والإرادة والعزة ونحو ذلك صفات، والخلق والرَّزق (بفتح الراء) والإفناء والإعادة ونحو ذلك أفعال والعالم والعليم والقادر والقدير والمريد والعزيز ذات وصفات، والخالق والرازق والمغني والمعيد ذات وأفعال، إلا أنك قد علمت أن صفاته هي بمعنى أنها بالذات وإلا أن وزن "فاعل" من صفاته عز وجل صفة مشبهة؛ لأنه لا يدل على الحدوث وإنما سميته اسم فاعل لشبهه به، بخلاف اسم الفاعل من أفعاله فإنه ليس صفة مشبهة، إلا إذا لم يرد التعرض للحدوث، نحو: الخالق الله، والله خالق، بمعنى أنه ذو الخلق.
لا إله إلا الله الحمد لله الذي أفعالنا خلق منه وكسب منا لا جبر؛ ولو كانت إجبارا لم يكن عليها مدح ولا ذم ولا ثواب ولا عقاب ولا أمر ولا نهي ولا كتاب ولا رسول ولا نصب دليل. (1/16)
صفحة 17
لا إله إلا الله الحمد لله الذي وجهه هو ذاته ونفسه، أو هو عظمته، كما قال في عيسى عليه السلام {وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالاَخِرَةِ} [سورة آل عمران: 45]، {وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا} [سورة الأحزاب: 69]، أي ذا منزلة. ويقال: خذ الكلام من وجهه أو الوجه العظيم، من إضافة الصفة للموصوف، أي الله الوجه، أي الله العظيم.
لا إله إلا اله الحمد لله الذي عينه علمه أو حفظه؛ لأن عين الإنسان آلة لحفظ الشيء وآلة للعلم به، والله جل جلاله منزه عن الإنسانية وعين الوجه.
لا إله إلا الله الحمد لله الذي أذنه علمه متى ورد في الحديث أذن الله له، أي سمع له <1/ 21> أي تقبله وسمع الله لفلان أي تقبل كلامه.
لا إله إلا الله الحمد لله الذي يده جزاؤه ويده قدرته ويده قوته ويده نعمته ويده ملكه.
لا إله إلا الله الحمد لله الذي قبضته مقبوضة والسماء مقبوضته والأرض مقبوضته، أو يطويها ويزيلها وهي في قدرته مقدار ما يقبض القابض بالكف والأصابع، وملكه.
لا إله إلا الله الحمد لله الذي يمينه قوته أو قدرته تعالى عن الكف والأصابع.
لا إله إلا الله الحمد لله الذي جنبه حقه.
لا إله إلا الله الحمد لله الذي لا يوصف بالساق ولا بالرجل والقدم. و {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ} [سورة القلم: 42] كناية عن شدة الأمر إذ شدة الأمر يرفع لها الثوب لتزول. و «يضع الرب قدمه في النار» بمعنى يحصر لها من يقدمه لها.
لا إله إلا الله الحمد لله الذي هو نور السماوات والأرض، أي هادي من فيهما، أو خالق نورهما، أو العدل فيهما.
لا إله إلا الله الحمد لله الذي إتيانه ومجيئه ونزوله بمعنى مجيء أمره ونزول أمره أو نزول ملكه.
لا إله إلا الله ظاهر باطن أي عالم بالأشياء كلها، حافظ لها، متصرف فيها بما شاء، ولا تدركه الحواس، وظاهر بالدليل باطن عن الحواس. واستوى عنده علما وحفظا وخلقا وتصرفا ما ظهر وما بطن للخلق. (1/17)
صفحة 18
لا إله إلا الله الحمد لله الذي أسماؤه غيره إجماعا، بمعنى الحروف المنطوق بها كقولنا: الله الرحمن، وأسماؤه هو إجماعا بمعنى أنه إله قبل الخلق وبعده، علموا أنه إله أو لم يعلموا، أو أنه قادر قبل الخلق وبعده علموا أنه إله أو لم يعلموا أنه قادر قبل الخلق وبعده قادر أو لم يعلموا أو أنه عالم قبل الخلق وبعده علم الخلق أو لم يعلموا. وإذا خلق شيئا فهو خالقه علم الخلق أنه خالقه أو لم يعلموا وإذا أنبت نباتا فهو منبته علموا أنه منبته أو لم يعلموا، أو كذا غير ذلك من الأفعال والصفات. ومن زعم أنه عز وجل لا يعلم شيئا حتى يكون قد كفر. وفي هذا فقد نفى القدر.
<1/ 22> لا إله إلا الله الحمد لله الذي ليس جسما؛ لأن الجسم لا يخلق جسما، وليس عرضا لأن العرض لا يفعل ولا يبقى ولا يقوى ولا يستقل ولو كان جسما لاحتاج إلى مركِّب ومحدِث فيتسلسل أو يدور وكلاهما محال وإن انتهى في تتابعه لم يصح أن ينسب الأفعال إلا لما انتهى إليه وإلا كان عبثا وتحكما أن كان خالق الأشياء هذا وخالق هذا ذلك فليكنْ خالقها هو ذلك لا هذا إذ لا دليل عليه.
لا إله إلا الله الحمد لله الذي علمناه واحدا لا إله معه بأنه قادر القدرة كلها والغني الغنى كله؛ لأنه لا يحتاج لغيره في شيء ولا غالب له، والواحد الحقيق لا يكون إلا غالبا، والمصطلحان عاجزان معا لا غالبان معا، ولا واحد منهما والمغلوب غير غالب. (1/18)
صفحة 19
لا إله إلا الله الحمد لله الذي يجزي توحيده من جزم به قلبه ولم يدر الحجج الذي تُذكر في علم الكلام وهذا ما عليه الجمهور، وهو ظاهر أمر الصحابة والتابعين؛ لأنه تبادر أنهم لم يدركوها إلا ما شاء الله. ولست أعني تقاديرنا في علم الكلام بنفسها وكيفيتها فإنها لا تشترط قطعا ومبدعة قطعا، بل ما صدقها ولم يُروَ عنه صلَّى الله عليه وسلَّم أنه شرطها أو بعضها على أحد، بل يأمر بالكتب إلى الناس فيكتفي منهم بالإيمان الظاهر، وكذا مَن شافهه ولا يباحثهم، وبعيد أن يدركوها مرة أو بعضها عاجلا بمجرد الأمر بكلمة الشهادة في كتاب أو لسان رسول أو مشافهة.
لا إله إلا الله الحمد لله الذي بين لنا التوحيد في قوله عز وجل: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُؤًا اَحَدٌ} [سورة الإخلاص] فنفى بلم الأولى الوالديَّة في الأزمنة الثلاثة، وبالثالثة ثبوت الكفوءة في الأزمنة الثلاثة، وبالثانية المولودية في الزمان الماضي فقط، وأخطأ من قال: نفاها بلم في الأزمنة الثلاثة وفسر لفظ القرآن على غير ما أنزل به؛ لأن انتفاء المولودية في الحال والاستقبال معلوم قطعا من قوله تعالى موجودا في الماضي؛ لأن الموجود لا يتوهم أحد أنه يولد في حال أو مستقبل فضلا عن أن ينفي هذا الأمر المتوهم بلم، فلم تأت لم لنفيه.
<1/ 23> لا إله إلا الله الحمد لله الذي لا تتفاوت الأشياء في قدرته، فخلْقُ السماوات والأرضين والعرش والكرسي والجنة والنار وما فيهما وغير ذلك، وخلْقُ حبة من خردل سواء في السهولة. ومعنى كون الشيء أشد خلقا أنه بنظر عقولكم أشد، ومعنى كون الشيء أهون خلقا أنه أهون بالنظر إلى عقولكم، وبمعنى شديد أي هو عندكم وهين عند الله. (1/19)
صفحة 20
لا إله إلا الله الحمد لله الذي لا يدركه أحد بفعله ولا يتأثر به بل هو المؤثر في الأشياء، وخالق تأثير الأشياء في الأشياء. وأما قولهم: سبحان الله ما أعلمه! وسبحانه ما أقدره! وما أحلمه! ونحو ذلك فإنما جاز كما رواه جابر بن زيد ولو منعه بعض؛ لأن معنى التعجب من عظم علمه وقدرته وحلمه مثلا وليس الله هو المتعجب منه، تعالى الله عن التعجب، وليس المعنى أن شيئا عظيما صيره عالما وقادرا وحليما، بل هذا ليس مرادا على الحقيقة في المخلوق نحو: ما أعلم زيدا، ولو أرى توسعا فكيف الخالق؟.
قال جابر بن زيد: إن لله ملكا رأسه في السماء السابعة ورجلاه في الأرض السفلى إحدى زوايا العرش على كاهله يقول: سبحانك ما أعظمك. ويجوز ذلك في أفعاله ولو عند مَن منعه في صفاته نحو: ما أحسن صنع الله!.
لا إله إلا الله الحمد لله الذي لا نوء ولا عدوى إلا بخلقه المطر عند النوء، وإلا بخلقه اقتباس المرض من مريض.
لا إله إلا الله الحمد لله الذي يوصف بالجمال فيقال: الله جميل بمعنى انتفاء القبح عنه، فيكون من صفات السلب التي يراد مجرد نفي أضدادها لا حقائقها اللغوية، أو بمعنى أنه يخلق الجمال، أو بمعنى أن أفعاله جميلة كلها وليس في صفاته ولا أفعاله نقص، أو بمعنى أنه خلق الخير، وكذا هو خالق الشر، أو بمعنى أنه يأمر بالجميل فإن دينه جميل. وجاء في الحديث «إن الله جميل يحب الجميل». ومنعه بعض العلماء، كأنه لم يصح الحديث معه. اهـ. ومنعه على حسب ظاهره وأجازه على المعاني المذكورة.
<1/ 24> لا إله إلا الله الحمد لله الذي يوصف بأنه متين كما جاء به القران، ومنعه بعض العلماء، ومعناه أنه قوي، أي غالب لا يعجزه شيء، وأنه لا يوصف بالضعف وأنه لا يمنعه مانع عما أراد. ولا وجه لمنعه إلا دفع الإيهام لأنه ورد في القرآن كيف يمنعه؟!.
لا إله إلا الله الحمد لله الذي هو صبور، بمعنى أنه لا يعجل بالعقوبة بل يمهل، وجاء به الأثر، ومنعه بعض العلماء. (1/20)
صفحة 21
لا إله إلا الله الحمد لله الذي هو حليم لا يعجل بالعقوبة.
لا إله إلا الله الحمد لله الذي هو حنان أي رحمن. وهو منان أي منعم. ومنع أصحابنا هذا الوصف، قال ابن عباس: «والله ما أدري ما الحنان!». وذلك منعٌ منه وإنما ذكرته لذكره في بعض الآثار، ولأنه كرحمن.
لا إله إلا الله الحمد لله الذي لا خالق سواه، فخلقه لا يحتاج إلى خلق لذلك الخلق، بل الخالق الفاعل لذلك الخلق بلا تقدم خلق لهذا الخلق. والتوحيد منا كسب لنا وفعل لنا وخلق من الله، وإن شئت فقل: فعل الله أيضا لا بمعنى الكسب والنطق والاعتقاد، حاشاه عن ذلك، بل معنى أنه الخالق له منا، والخلق فعلٌ، والمعنى: أمره به وإنزال فرضه، وكتابته في اللوح المحفوظ. وكذا كل فعل لنا هو خلق الله وفعل له أيضا من حيث إنه خلقه، والخلق فعل، وكما أمر به ففعله فاعل فعله خلق له جل جلاله وفعل له أيضا؛ لأن الخلق فعل وأمره به، والأمر فعل، وكاتب له في اللوح المحفوظ، والكتابة فعل، ومعنى كتابة الله في اللوح أمره بها.
لا إله إلا الله الحمد لله الذي وحَّدَه حقيقةَ التوحيد مَن اعتقد أنه ليس كمثله شيء. وذكر أبو المؤثر أن هذا أقل ما يكون به الإنسان موحدا، أو أراد - والله أعلم - أنه أقل بالنسبة إلى ما يعرفه مع ذلك من الصفات والدلائل.
لا إله إلا الله الحمد لله الذي هو مريد لجميع الكائنات من <1/ 25> خلقه ولو معاصٍ، ومن أفعاله سبحانه وتعالى.
لا إله إلا الله الحمد لله الذي لا يقال إنه مربد لصفاته الذاتية؛ لان ذلك حدوثها. ولا غير مريد لها لأن هذا يوهم الاضطرار.
لا إله إلا الله الحمد لله الذي لا يجب عليه من رزق وخلق وإيجاد عقل وإرسال الرسل وإنزال الكتب والثواب والعقاب وغير ذلك من أمور الدين والدنيا والآخرة. (1/21)
صفحة 22
لا إله إِلاَّ الله الحمد لله الذي جعل الحقَّ مع واحد في الديانات، فنقول معشر الإِبَاضِيَّة الوهبيَّة: الحقُّ ما نحن عليه والباطل ما عليه خصومنا؛ لأَنَّ الحقَّ عند الله واحد. ومذهبنا في الفروع صواب يحتمل الخطأ، ومذهب مخالفينا خطأ يحتمل الصدق.
لا إله إلا الله الحمد لله الذي لا يتصف بالألم ولا باللذة؛ لأن ذلك نقص واستكمال تعالى الله عنهما.
لا إله إلا الله الحمد لله الذي تنزه عن حلول المعاني والآفات.
لا إله إلا الله الحمد لله الذي لا يزاد ولا ينقص ولا يتغير.
لا إله إلا الله الحمد لله الذي لا يتحرك ولا يسكن؛ لأن ذلك من صفات الأجسام ومن صفات الحال في الأماكن.
لا إله إلا الله الحمد لله الذي لا ند له ولا ضد ولا قرين ولا شبيه ولا مثل، والند والمثل والضد ما لا يجتمع مع غيره، وبمعنى المثيل والقرين بمعنى المقارن لغيره في قتال أو علم أو غيره، والشبيه: المثل، وقيل: المثلان من نوعين والشبيهان من نوع، وقيل: الشبيه المشارك في أكثر الأوصاف حتى كأنه يشتبه ويلتبس به، وكأنه قائم مقامه، والمثل دون ذلك، والشكل: المثل، وقيل: الشكل الذي يشاكل غيره في طبعه أو وصفه من أنحائه. وفي الألفاظ يقال: المشابهة: الموافقة لفظا ومعنى، والمشاكلة: الموافقة لفظا لا معنى. ويقال: مثل الشيء ما شاركه في أخص أوصافه، كما تقول: فلان مثل فلان، أي مشارك له في أخص أوصافه التي هي الناطقية مثلا، إذ هي فضله المميز به عن غيره، ويشبه الشيء ما شاركه في أخص أوصافه كما تقول: فلان يشبه الحيوان في الإدراك إذ ليس <1/ 26> أخص أوصاف الحيوان الإدراك بل أخص أوصافه التحرك بالإرادة والإحساس.
لا إله إلا الله الحمد لله الذي ألهمنا توحيده. (1/22)
صفحة 23
وقعت مجادلة بين الحسن البصري وقدريٍّ قال القدري: جل ربنا عن الفحشاء، يعني أنه يعيب علينا قولنا: إن الله خلق معصية العاصي وأرادها. قال الحسن: تعالى ربنا أن يكون في ملكه غير ما شاء، قال القدري: أفيحب ربنا أن يعصى؟ قال الحسن: أراد أن لا يعصى أفيعصى ربنا قهرا؟ قال: أرأيت إن جنبني الهدى وسبب إلي الردى أحسن إليَّ أم أساء؟ قال الحسن: إن كان كله فعله فيما تملكه فقد أساء، وإن كان فعله فيما يملكه فإنه يخص برحمته مَن يشاء ويفعل في ملكه ما يشاء. قال القدري: هل رأيت ربك حين عبدته؟ قال الحسن: ما كنت أعبد ربا لم أره! قال القدري: وهل تراه العيون بمشاهدة الأعيان؟ قال: لا ولكن تراه القلوب بحقائق الإيمان، معروف بالدلالات، مشهور بالعلامات، لا يجور في القضيَّات. فولَّى القدري يقول: الله يعلم حيث يجعل رسالته.
تم هذا الكتاب بعون الله الملك الوهاب.
------------
باب في قيام الحجة والكلام في أهل الفترة
<1/ 27> بسم الله الرحمن الرحيم
أما بعد .. فسلام على الشيخ العالم ذي الصدر السالم راشد بن عزيز من كاتبه أمحمد اطفيش قائلا: (1/23)
صفحة 24
أما الحجة فهي عندي العقل لمن لم يلق أحدا يعلمه فإنه يعلم بعقله أن لنفسه وما يشاهده من أرض وسماء وبحر وجبل وشجر ونحو ذلك من الأجسام صانعا؛ لأنها صنعة ولا تكون إلا بصانع، فإن الشيء لا يخلق نفسه وهو معدوم والمعدوم لا يعمل وإلا لزم أنه متأخر متقدم، موجود معدوم، عاجز قادر، عالم جاهل، فاعل مفعول في وقت واحد من جهة واحدة، وكذا سائر الصفات. وإن قيل: خلقه شيء قبله من جنسه وهو الحوادث لزم أن يكون لخالقه خالق فيتسلسل أو يدور وكلاهما محال، فلا بد أن له صانعا قديما ليس صنعة ولا جنس له وجود أو لا إمكان وهو الله لا إله إلا هو. والأصل علم التعدد والتعدد موجب فسادٍ ولا فساد فقد أدرك أن له ربا محسنا فيحتاج بعقله إلى أن يخدمه لما طبع في النفس حب من أحسن إليه فيلزمه عقله أن يخرج إلى من يعلمه ما يخدم به وهو في نفس الأمر الصلاة والصوم وسائر الفروع وهذا ما عندي مختصرا ولا يوجد لمن قبلي، وأنت خبير بمذهب أصحابنا وقومنا في الكتب. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. (1/24)
صفحة 25
رضي الله عنه في جوابه لأهل زواره من أهل المغرب: وأقر إخواننا أهل زوارة أن حجة الله قائمة بالعقل والكتب والرسل كما نقول، ولا يشترط السمع، وهو مشكل، فهو يقول: صاحب الجزيرة وأهل الفترة في المحشر وفي النار {بَلَى قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ اِنَ اَنتُمُ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ} [سورة الملك: 9]، ونحو هذه الآية مما في الإقرار من الكفار بأن الرسل جاءتهم ونحوها مما في عتابهم بعدم اتباع الرسل فهل يقال لهم: سمعتم الرسل وكذبتم وهم لم يسمعوا الرسل. وقد يكون في كل زمان نذير كقس بن ساعدة لكن ليس يصل أهل عصره كلهم، وكلامنا فيمن لم يصله؛ ولذلك قلت: من لم يصله سماع يؤاخذ على علم معرفة الله تعالى؛ لأنه قد <1/ 28> وصلته حجة التوحيد بمشاهدة وجود ذاته والسماء والأرض والسحاب والمطر والنبات والجبال والأحوال وقد يقال: إذا وجب التوحيد بدلائل الصنع ولا صنعة بلا صانع ولا فعل بلا فاعل ولا نعمة بلا منعم، والشيء لا يوجد نفسه أوجب عليه عقله شكرا للصانع المنعم فيخرج ليعلم ما يشكره به، فيبقى من لم يجد الخروج إلى ذلك فلا يصل إلى تفاصيل الشرع فلا يكلف بها إذ لا تكليف بما لا يطاق. (1/25)
صفحة 26
وشكر المنعم عندي واجب بالعقل كما يؤخذ من كلام الشيخ درويش، فيجب عليه بعقله شكره ونزل القرآن بإيجاب الشكر فقال بعض أصحابنا بوجوبه شرعا للأمر به في القران، وأنا أقول ما في القرآن عتابا لهم لم لا تشكرون مع أن المنعم كرر في القلوب وجوبَ الشكر عليه، ويناسب ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «جبلت القلوب على حب مَن أحسن إليها» فإنه نسب بالإحسان إلى المحبوب وكون شكر المنعم عقليا مذهب المعتزلة لأنهم يقولون بالتحسين والتقبيح العقليين يبنون الأحكام الشرعية على العقل ويقولون: كل ما قبحه الشرع يقبحه العقل وما حسنه يحسنه العقل، ويقولون: إن العقل يدرك تفاصيل الشرع ولو لم يكن الوحي بها، ولست أقول بذلك ومذهب بعض أصحابنا والأشعرية بأن شكر المنعم واجب شرعاً لا عقلا. (1/26)
صفحة 27
وبحث الأشعرية مع المعتزلة أن العقل يدرك الحسن والقبيح لكن يلزم ألا يكون وجوب الشكر عقليا فان العقل إذا خلي ونفسه لم يدرك فيه الحسن لأن المصلحة التي اشتمل عليها الشكر إما راجعة إلى المشكور وذلك باطل لغنى الله تعالى عن العبادة والشكر، ولعدم احتياجه، وهو الغني على الإطلاق، وإما إلى الشاكر والنعمة الواصلة إلى الشكر حقيرة عند الله تعالى كما جاء الحديث «إن الدنيا كلها لا تساوي عند الله جناح بعوضة»، وأنه ضرب لها مثلا بما يخرج ابن آدم من العذرة وأنها كذراع خنزير منتن بال عليه كلب في يد مجذوم، وربما كان الشكر عليها ذما كما لو <1/ 29> أعطاك الحاكم فلسا ومدحته به عند الناس فان المدح به ازدراء بالحاكم، فلولا أن الشرع أوجب الشكر عليها لم يجب، ويجاب بأن الشكر ليس على نعم الدنيا فقط بل عليها وعلى الآخرة والدين، وبأن أدنى شيء من النعيم ليس حقيرا بل جليلا؛ لأن خالقه الله تعالى، وأنا لا نستغني عنه لو منعه الله تعالى بلا تعويض بمثله وتعويض ما فوقه. وفائدة الشكر عائدة إلى الشاكر دنيا وأخرى وفي إحداهما وإنما حقارة الدنيا وذلك الحقير المجازى به منها حقيران عند الله تعالى بالنظر إلى دينه ونعمه الأخروية وأما بالنظر إلينا فهما عظيمان عنده، أوجب علينا تعظيمهما من حيث إنهما نعمة من الله تعالى ونهانا أن نحتقر القليل منها. (1/27)
صفحة 28
وكفى عيبا على الأشعرية أن يقولوا: من لم تبلغه دعوة نبي كائنا من كان وتركه فهو ناج ولو كان ذلك النبي نبي زمانه ولو لم يكن على دين نبي قبله، وسواء الأصول والفروع من التوحيد وتوابعه. وكان الشيخ عبد الله الفزاري إمام إخواننا أهل زوارة يقول: حجة الله قامت على المكلفين بسماع السامع منهم ولو لم يسمِع الباقين منهم، فيطلق على من لم يسمع أنه سمع وإن سماع السامع ولو واحدا سماع لمن لم يسمع، وإن من سمع فسماعه بفضل الله، ومن لم يسمع قطع الله عذره لحكمه وعدله فهو معذب على الإشراك وعلى ترك الفرائض وعلى فعل المعاصي، كل ذلك بسماع السامع ولو لم يسمع هو، وسماع السامع سمع له وحقيقته هذا. وقولنا: نقطع عذر من لم يسمع وحده فما عيب عليهم عيب علينا ولو اختلفت الألفاظ وزادت ونقصت وإنما يتلخص عن ذلك بقول: إن من لم يسمع مكلف بالتوحيد لوجود أدلته على الخلق أينما كانوا ويناسبه «كل مولود يولد على الفطرة» وقوله تعالى: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [سورة الشمس: 8] في أحد أوجه، وقوله تعالى: {وَلَقَدَ ـ اتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ} [سورة الأنبياء: 51] أو يتلخص بقولي ذلك مع ما ضممت إليه من أنه إذا أدرك التوحيد أداه إلى شكر المنعم فيخرج لينظره بما يشكره به، لكن مذهبنا أن شكر المنعم وجب بالشرع لا بالعقل. بقي صاحب الجزيرة الذي لا يجد الخروج ولعله لا يوجد. (1/28)
صفحة 29
<1/ 30> وزعمت المعتزلة فيمن لم يسمع وله عقل صحيح أنه مكلف بكل ما يدركه عقله، وحطوا عنه كل ما لا يدركه حتى يسمع، ويناسب ما ذهبت إليه قول أصحابنا أنه من سمع عن النبي صلى الله عليه وسلم وآمن وغاب ونزل بعد غيبته ما لم يسمعه من فرض كصلاة أو تحريم ما لا يدرك بتحريمه العقل أو نزل ما نسخ ما سمع فإنه لا يكلف ما بعد غيبته حتى يصله الخبر. ومن كلام أصحابنا: الله أرأف وأكرم من أن يؤاخذ من كان بالصين أمرا أمر به من كان في الحجاز. ومن كلام أصحابنا أن الحجة قامت بالكتاب والرسل مع العقل، فإن كان من حين النزول كما قال به بعض أصحابنا فتكليف ما لا يطاق بأن يكلف أهل الأرض كلهم بما نزل به جبريل في الحين قبل رجوعه إلى السماء، وإن كان بعد مدة فما قدرها؟ وما الفرق بين هذه المدة وما بعدها وما قبلها وإلام تنتهي؟ فقد تطول جدا، ويناسب ما ذهبتُ إليه أن من كان على دين نبي ولم تبلغه دعوة نبي بعده معذور، {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ} [سورة التوبة: 115] فإذا هداهم إلى التوحيد بالدلالة التكوينية لم يعاقبهم ولم ينسبهم إلى الضلال حتى يبين لهم دلائل السمع بالإبداع. (1/29)
صفحة 30
قال بعض الأشاعرة: الخلاف في أهل الفترة إنما هو بالنظر إلى عقائد التوحيد، وأما علم تكليفهم بالفروع فمحل اتفاق، وهو مناسب لقولي: إنهم مكلفون بالتوحيد إذا لم يسمعوا؛ لأن معهم دلالة وهي المعجزات التكوينية، وعرب الجاهلية إن لم تصلهم دعوة إسماعيل عليه السلام فقد وصلتهم دعوة موسى أو غيره من أنبياء بني إسرائيل ومن لم تصله هلك بجهل التوحيد، والمعتزلة تعتبر العقل قبل ورود الشرع، فما حكم به فهو حكم الله تعالى وضعه في العقل، فالعقل يقضي بإباحة الضروري الذي تدعو الحاجة إليه دعاء تاما، كالتنفس وبتحريم الاختيار المشتمل على فساد فعله كالظلم وبوجوب المشتمل على فساد تركه كالعدل وبندب المشتمل على مصلحة فعله كالإحسان وبكراهة المشتمل على مصلحة تركه وبإباحة الذي لم يشتمل على صلاح أو فساد وإن لم يقض العقل في الاختياري لعدم إدراكه كأكل حيوان مخصوص أو <1/ 31> الفاكهة قبل العلم بالإباحة فبعض قال بالمنع لأن العقل تصرف في ملك الله تعالى بغير إذنه، والعالم كله أعراضه وأجسامه ملك لله تعالى، وبعض قال بالإباحة لأنه تعالى خلق العبد محتاجا فله ما احتاج إليه حتى يمنعه من شيء، وقال بعض بالوقوف لتعارض الدليلين، وهذه أقوال ثلاثة للأشعرية أيضا كالمعتزلة، ومن كلام المعتزلة ما أدركه العقل فهو الشرع عند من لم يسمع، وما لم يدركه فهو محطوط عنه، والله أعلم.
------------------------
<1/ 33> باب في السؤال عن أسمائه تعالى وصفاته (1/30)
صفحة 31
قال رضي الله عنه في مسائل أهل زوارة: وأقر إخواننا علماء أهل زوارة بأن أسماء الله مخلوقة، وقد قال به ابن بركة، بل نسب إليه ما شهر عن غيرهم من أن الناس جعلوا له أسماء، وأهل زوارة قالوا: أردنا الألفاظ من أسمائه تعالى مخلوقة، قلت: هذا حق، ولا ينكره عاقل، وأنا أقول به من حين بلوغ الحلم، فإن الألفاظَ والتلفظَ وتركيبَ الحروف والكلمات والنقوشَ ومَحَالَّ ذلك وما تكتب به حوادث، وذلك بالمشاهدة، فكيف يقال بقدمها ومعنى قدم أسماء الله أن معانيها صفات الله وما كان صفة فعل فمعنى قدمه أن الله متصف في الأزل بأنه سيفعل ذلك الفعل وأنه تعالى عالم بها في الأزل وأنه سيخلق ألفاظ اللافظين بها وكتابتها ونقوشها في اللوح المحفوظ وغيره. وقلت في شرحي على العقيدة عند قوله: «وليس منا من قال إن أسماء الله مخلوقة» ما نصه: «بل قديمة، فإنه تعالى أهل لمعانيها بلا أول وأهل بأن يذكر بلفظ الجلالة ولفظ عزيز ولفظ مريد ولفظ قادر وعالم وحي ومتكلم وفرد وسميع وبصير وخالق وفعال ورزاق وغير ذلك من أسماء الصفات والأفعال فإنها كلها له قبل أن يخلق من يتلفظ بها، وتلك هي أسماء الله، ولا يوجد أحد يقول: معاني أسماء الله مخلوقة فإن معنى عالم بالذات الواجب العلم والذات قديم إجماعا، وعلمه قديم إجماعا ممن يقيد به، وصفاته ذاته وهكذا، إلا أن الذات في صفات العلم قديمة والفعل خلق من الله، فالخالق للذات الواجب القديم والخلق فعله. وقالت المعتزلة: كان بلا اسم وجعل الناس له أسماء. وقال بعض: كان بلا اسم وخلق لنفسه أسماء وأوصى بها». انتهى المراد منه هنا. (1/31)
صفحة 32
وله أيضا رحمه الله جوابا لأهل المشرق قال فيه: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسول الله وصحبه أما بعد: فسلام على سلطاننا ومن دونه، وعلى العلماء والعباد من عمان وزنجبار من <1/ 34> أصحابنا وسائر أصحابنا من كاتبه: أمحمد بن الحاج يوسف المغربي اطفيش موصيا لكم بالتمسك بديانتنا وفروعنا فإن ديانتنا هي الحق وقد رجع إليها ابن العربي المالكي الأندلسي شيخ السهيل، وقد أقرت له الأشاعرة والمشرقية والمغاربة وسائر قومنا بالعلم والكشف، وهو صاحب الفتوحات المكية، وذلك أنا نقول: إن صفات الله هو، والأشاعرة يقولون: غيره، فقطعنا عذرهم لأن ذلك من الأصول، وقال ابن العربي إنها هو كما قلنا ونص بعض كلامه المبسوط قول بعض: «إن صفات الله لا هي هو ولا هي غيره كلام خال من الفائدة، وقول لا روح فيه، يدل على عدم كشف قائله وإذا قلنا نحن مثلا ما يقول هذا لم نقله على حد ما يقوله فإنه يعقل الزائد ونحن لا نقول بالزائد، ولا يخالف كشفنا بأن الصفات الإلهية عينه فإن يقل إنها غيره واقعة في قياس الحق تعالى عن الخلق في زيادة الصفة على الذات فما زاد هذا على الذين يقولون إن الله فقير إلا بحسن العبارة فقط، فإنه جعل كمال الذات لا يكون إلا بغيرها، فنعوذ بالله أن نكون من الجاهلين». انتهى كلام ابن العربي.
قال الشعراني من الأشاعرة: «هذا من الشيخ بأن الصفات عين لا غير كشفا ويقينا، وبه قال جماعة من المتكلمين». انتهى. (1/32)
صفحة 33
وما يغني قول من قال بلا حجة يذكرها أن ما عليه أهل السنة والجماعة أولى من ذلك، وقول الأذرعي: إن الإباضية الوهبية على الحق، كذا قال في عصري عليش، وحسبي الله، ورحلان وغيرهم: إن الإباضية الوهبية أهل مسقط وزنجبار والمغرب على الحق، ومن ذلك قول السعد مثلما قلنا: إن المصر لا يدخل الجنة، وهذا من الأصول وافقنا فيه، وهو مالكي، وعندي لأنه معتن بشرح كتب المالكية في علم الكلام وأصول الفقه ككتاب ابن الحاجب ولأن رواقه في رواق المالكية، وأصحابنا في مصر وفي بعض الكتب أنه شافعي، ونص كلامه في قوله تعالى: {اِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُّشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَّشَآءُ} [سورة النساء: 48، 116] لما كانت الآية نازلة في شأن التائب <1/ 35> دل سبب النزول على أن المراد بقول: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَّشَآءُ} لمن يكون تائبا من ذنبه، فلا يفيد جواز المغفرة بدون توبة». انتهى.
يعنى أن الآية ترد إلى سائر آيات التوبة فلا يعترض بأن المعتبر عموم اللفظ لا خصوص السبب، وهذا قول جابر أن من يشاءُ هو التائب. كما أن الآية في تائب سأل إني تائب من ذنوبي، فنزلت. ومن ذلك قول بعض الأندلسيين قديما وهو مالكي: «إني لا أتولى مالكا ولا أقلده فيما يقوله ومما يقول عدم الخلود». ومن الفروع ما ذكر في نفخ الطيب أن سلطان الأندلس هم بقطع يد رجل يرفع يديه عند الإحرام للصلاة فهرب الرجل، وذلك على عهد جعفر بن الزبير شيخ ابن حيان، وأهل الأندلس في ذلك العصر لا يرفعون أيديهم وإنما ذكرت علماء هؤلاء للرد عليهم على أهل الخلاف خاصة، وإلا فعلماء عمان والمغرب من أصحابنا أفضل. وأعزم عليكم أن تشهروا هذه الورقة وتنسخوها وتروها الراجع إلى الخلاف. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
وسئل رضي الله عنه بما نصه: هل صفة الله [هي] هو؟ (1/33)
صفحة 34
الجواب: نعم هي هو بمعنى أنها ليست شيئا غيره حالا به ولا مقترنا به، ولا لازم معنى قائم به تعالى يقتضيها، وهي ذاته، فهو عالم بالذات، قادر بالذات وهكذا ... بمعنى أن ذاته كاف في وجود العلم والقدرة وهكذا ... لا عالم بعلم زائد عن الذات، ولا قادر بقدرة زائدة على الذات، ولا عالم بمعنى منه يقتضي علمه، ولا قادر بمعنى فيه يقتضي علمه تعالى ربنا عن أن يكون ظرفا أو حالا أو مشاركا في القدم أو جسما أو عرضا أو مضطرا أو مطبوعا فإن الطبع يحتاج إلى طابع، وكذا المضطر إلى موجد فيتسلسل أو يدور وكلاهما محال. ومع قدم صفاته تعالى وكونها إياه وكونها لا أول لها ضرورة أنها هو، وهو لا أول له، نقول: إنها اختيارية لا طبع ولا ضرورة فيها. وهكذا يجب أن <1/ 36> يعتقد ولو كان لا يفهمه العقل؛ لأن العقل يفهم أن الاختياري حادث، وما هنا ليس كذلك، وليس ذلك بأشد من كونه موجودا بلا محدث ولو كان وجوده بالقدم معقول الحجة ضرورة أن الشيء لا يوجد نفسه؛ لأن العدم لا فعل له ولو أوجده موجد لاحتاج موجده إلى موجد فيتسلسل أو يدور وكلاهما محال، وهذا مفهوم، إلا أن العقل لا يدرك لذلك مشبه كيفية يتوصل بها. ولو قال قائل: صفاته لا ضرورية ولا اختيارية لجاز كما نقول، لا يجوز أن نقول: هو قادر على اتخاذ الصاحبة لأن جواز الشيء وصف به بالقوة، وحاشاه أن يكون منه ذلك الجنس، ولا جنس له تعالى، ولا في قادر؛ لأنه صفة عجز. (1/34)
صفحة 35
ولك أن تقول: اختيار به وصفا بسلب الضرورية لا إثباتا لاختيار تقدمه عدم، كما تقول: حي وتريد نفي الموت لا إثبات الروح والجسد، ومثال صفاته في الشاهد الإحراق الموجود في النار بأنه ذاتي لها إلا أنه بالطبع، وطابعه الله تعالى، إلا أن الله عز وجل وتعالى عن صفات الخلق عالم فاعل مختار لا بطبع ولا مضطر، ولا بد أن نقف ونؤمن بذلك هكذا، وليس وراء ذلك إدراك، كما نسلم أنه غير مجبر لخلقه، ونؤمن بذلك مع اعتقادنا أنه خالق لفعل الفاعل، وخالق لخطوره بباله لاهتمامه به ولعزمه عليه.
وكما قال بعض العلماء: إن نعم أهل الجنة وعذاب أهل النار وتنفساتهم وأحوالهم مع أنه لا ينتهي محصورة، والعقل لا يقبل ما لا يتناهى.
وسئل كرَّمه الله: هل ذاته إثباته أو ثباته؟
الجواب: إذا ثبتت هذه العبارة فمعناها أنه عز وجل موجود، ونعرفه بمجرد اعتقاد ثبوته بصفاته وأفعاله لا بشيء نشاهده سوى مخلوقاته.
وسئل عن هذه العبارة: لم يزل الله عالما قادرا وهكذا في صفاته كلها؟.
الجواب: نعم يجوز ذلك. وأما لم يزل رازقا خالقا وهكذا في أفعاله كلها فلا أجيزه لإيهامه قدم أفعاله ومخلوقاته، وإن قاله معنا عالم معناه لم يزل <1/ 37> عالما بأن سيخلق وسيرزق ولم يزل قادرا على ذلك، وذلك أنه يجوز في حق الله الأزل، وهو كون الله ولا شيء معه. وإذا قال قائل بأنه لم يزل يخلق الأشياء فتفنى فقد نفى الأزل ونفيه إشراك.
وقال أيضا: وأما سؤالك: هل يجوز أن يقال إن الله عز وجل اصطفى إبراهيم عليه السلام اصطفاءً أزليا أم لا كما لا يجوز أمر ونهى؟ (1/35)
صفحة 36
الجواب: إنه يجوز؛ لأن اصطفاءه قضاؤه بأنه مرضي عنه وقضاؤه صفة ذات لا أول لها، وإن أريد بالقضاء والاصطفاء كتب ذلك في اللوح المحفوظ وإخبار الملائكة به فذلك فعل لا صفة، فلا يكون أزليا، أو قل: صفة فعل ولا نقض للأزل في ذلك لأنه حدوث، والأزل ما قبل الحدوث، بخلاف أمر ونهى نفيهما نقض اللازم لانتقاضهما مأمورا أو منهيا؛ لأن معنى الأمر والنهي في الأزل إنه لا أول للخلق، وأنه لم يزل الخلق يوجد ويفنى ولم يعدم ذلك قط، وذلك كفر ونفي للازم. وكذا نفى الأزل مَن قال بجهل إنه لا أول للأرض مثلا، والأزل وجود الله ولا شيء معه، وذلك قدم ولا قديم معه.
فصل: في تفسير قوله تعالى: {اِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ ... } [سورة فاطر: 10] الآية ومعنى الحديث «إن الله نزل ليلة النصف من شعبان ... » الخ.
قال رضي الله عنه: أما قوله تعالى: {اِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} فمعنى صعود الكلم فيه إلى الله قبوله والإنابة، فإن الله منزه عن التحيز في موضع، ومن لازم قبول الشيء أخذه، فذكر الملزوم بذكر اللازم، ولما كان الكلم الطيب مثل «لا إله إلا الله» لا ينفع بلا عمل صالح في حق من حيي حتى وجبت عليه الفرائض فعلا وتركا أسند الرفع إلى العمل الصالح.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «ينزل الله ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا ... » الحديث فمعناه أن ملك الله ينزل فينادي عن الله: «من دعاني ... » إلى آخره، واستعارة تمثيلية مركبة من عدة أمور شبه إحداث أمور وإنهاءها أسفل بالنزول بها والله أعلم.
<1/ 39> باب في نفي الرؤية عن الله سبحانه وتعالى
قال رضي الله عنه بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. (1/36)
صفحة 37
أما بعد: فسلام من كاتبه لأوسط ذي الحجة من عام 1316 من أمحمد بن الحاج يوسف اطفيش المغربي الوهبي الإباضي المتبرئ من حين بلغ الحلم إلى الآن وإلى الممات من ديانة غير الإسلام من سائر الملل المتنزه منها المتباعد عنها، على إخواننا في الله العالم العامل الصادق في أخوة الدين والدنيا سالم بن محمد بن سالم. فرحت جدا بما وصلني منك ورد سرور أفراحك أفرحك الله في الدنيا والآخرة، وضاق قلبي بالنسبة إلى القائل بالرؤية فإنها بهتان عظيم، أماتنا الله على ديانة الإباضية الوهبية بقلب سليم جعلك الله وإيانا. كيف يدعي مسلم رؤية الباري بعينه وقلبه؟ فرؤيته ولو بقلبه تثبت تصويره، وتصوره مناف لقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [سورة الشورى: 11] وكيف يقول عاقل: صفات الله عز وجل زائدة عنه مع أن هذا يوجب الاحتياج إلى ما يفعل به، ولا يخفى أن ما به العمل غير العامل، قال ابن العربي - وهو الأندلسي - ردا عليهم وناصرا لديانتنا: إن صفات الله ذاتية وهي هو لا غيره. قال لا فرق بين من يقول: إنها غيره وبين من يقول: إن الله فقير ونحن أغنياء إلا تحسين العبارة بترك لفظ الفقر. واعلم يا أخي أن مسائل الديانات ألفها الشيخ عامر وصاحب الوضع والشيخ تبغورين وشرحتها واختصرتها وشرحها من قبلي وحشى عليها وأمعن صاحب مشارق الأنوار في بيان ما ذكره منها، ونشرت ما ألف في بلادنا هذه وتزاحموا عليه، وذكرت بعضها في تفسيري، فلما قرأوا على العامة ذلك، وفسرت لهم فأكثروا لهم الدرس في مواضع من أزمنة كثيرة باتفاق قد طال ذكرنا مسائل الرؤية <1/ 40> ونحوها في تفسيرنا إياها والرد على المخالفين فيها وأخذ الاشتغال بذلك كثيرا من أعمارنا. وأما الاختصار بحيث لا يجد الخصم مدخلا في كل نوع، وربما تفرغت لذلك إن شاء الله. (1/37)
صفحة 38
وأما الكون فقد تحصل لكم ولنا، ولا يختص به قومنا، وربما يأتيك كتاب تضمن ردا على مالكي طعن في ديانتها، رجوت أن يكون مطبوعا فعن قريب إن حصل الطبع، وأرسل إليك ما حصل مما أردت إن شاء الله تعالى.
وقال أيضا تغمده برحمته: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم وأعطاه الوسيلة أما بعد: فسلام من كاتبه أمحمد بن الحاج يوسف اطفيش المغربي على الشيخ العالم، الذي من الجهل والمعاصي سالم، محمد بن عبد الله بن سعيد [الخليلي] المعروف عند القريب والبعيد، قائلا: أما قول صاحب الإنصاف إنه لا عبرة بحكم الوهم بأن الله عز وجل تصح رؤيته بلا مكان ولا كيفية وبأنه لا يتصور موجود بلا مكان فهو نفس قولهم يُرى بلا كيف زخرفة بتلك العبادة وتعاطوا ترويجه بتلك الإشارة، والأحكام الشرعية مبنية على الكتب والرسل مع العقل، وذلك الوهم أمر عقلي جارٍ على حكم الشرع بأنه تعالى لا يتصف بصفة الخلق من الحلول والتحيز ونفي الوهم لرؤيته إذا لزمت حلولا وكيفية صحيح لا يلغى، وحاصل تلك الزخرفة أن الله تعالى عز وجل قادر أن يُري المؤمنين نفسه بلا كيف ولا مكان، وهو باطل لأن الإنسان ما دام مخلوقا لا يقبل ذلك، وهو دائما مخلوق لا يخرج عن المخلوقية، فكيف تعالى قد أعطى مخلوقا ما هو صفة له تعالى وهو أنه لا في زمان ولا بمكان كما تقول النصارى أن الله تعالى أعطى الألوهية عيسى فبقي تعالى غير إله ما دامت في عيسى أو أعطاه بعضها فبقيت ألوهيته تعالى غير تامة ما دام عيسى متصفا بذلك البعض. وكيف يواجه الحديث المتصف بالزمان والمكان ولا بُد القديم المتصف عنه، لا والله وإلا كان حادثا مثله ولا <1/ 41> وجود بلا مكان ولا زمان إلا الله سبحانه وتعالى، والهواء مكان والقلب مكان. (1/38)
صفحة 39
وسئل أيضا فقال: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم أما بعد، فسلام وتحية وإكرام من كاتبه العبد الضعيف محمد بن عبد الله بن سعيد الخليلي العماني إلى شيخه قطب الأئمة وشمس هذه الأمة: أمحمد بن الحاج يوسف اطفيش المغربي، وفقه الله لصالح الأعمال، وسدده في الأقوال والأفعال، آمين، ثم أقول: أيها الشيخ تفضل حل لنا هذه المسائل ولك الفضل ... الخ.
فأجابه رضي الله عنه ما نصه أما بعد: فسلام من كاتبه: أمحمد بن يوسف اطفيش على الشيخ العالم محمد بن عبد الله بن سعيد الخليلي العماني السائل عن قول بعض مثبتي الرؤية: إن الإدراك الإحاطة فهي الرؤية المنفية عن الله تعالى، فالرؤية بلا إحاطة جائزة؟ (1/39)
صفحة 40
الجواب: إن هذا البعض لا يجد هو ولا غيره أن الإدراك الإحاطة خاصة في اللغة ولا في العرف ولا نسب لابن عباس، بل يوجد على الإحاطة ودونها، فرؤية الله عز وجل ممنوعة على الإحاطة ودون الإحاطة وقد اختار أبو الحسن الأشعري أن الإدراك الرؤية المطلقة، فقوله تعالى: {لاَّ تُدْرِكُهُ الاَبْصَارُ} [سورة الأنعام: 103] سالبة كلية دائمة، وللاستغراق والنفي لعموم السلب، وهذا هو الظاهر المتبادر كما لا يخفى، وما يحق له البحث من غير هذا مما هو مشهور مكرر في الكتب يبطل بالأدلة العقلية الراجعة إلى تنزيه الله عز وجل؛ وذلك أن الإدراك مطلقا يوجب الشبه، وقد وافقنا الفلاسفة والمعتزلة على ذلك. والواجب بالذات لا يلاقيه الحادث بوجه من الوجوه. والواجب إما عرضي وإما ذاتي وإما مطلق وإما مقيد. والواجب العرضي كوجوب الممكن الذي تعلق علم الله تعالى بوقوعه فهو في ذاته جائز لاستواء وجوده وعدمه لكن عرض له الوجوب من وعد الله عز وجل به وتعلق علمه بوقوعه. والواجب الذاتي في الحادث كالتحيز للجرم فإنه واجب له ما دام باقيا، فلو قيل: إن الله جرمٌ لتناقض؛ لأن <1/ 42> الألوهية تقتضي عدم التحيز والجرم يقتضي التحيز، والممكن الذي لا ينفع جائز لذاته محال بقضاء الله عز وجل أن لا يقع. ولا تعلق عندنا لعلم الله بما هو محال لذاته، كصفات الخلق لله عز وجل، وصفاته تعالى للخلق، لا من حيث إنه محال، وعلى قول قومنا وأهل عمان: لعلم الله تعلق بالجائز لذاته الذي لا يقع من حيث علم أنه لو وقع وقع على كيفية كذا. وعن قول بعض مثبتي الرؤية كما امتنع أن يكون المرئي لا في جهة يمنع الوهم أن يكون موجودا إلا في جهة والعقل يجوز الجميع والوهم يمنع الجميع. (1/40)
صفحة 41
الجواب: أنا لا نسلم أن العقل يجوِّز أن يكون المرئي لا في جهة وأن يكون الموجود لا في جهة بل العقل والوهم يمنعان ذلك، والله موجود لا في جهة ورؤيته لا في جهة محالة لأن رؤيته من مقابلة في جهة فلا تصور أن يرى لا في غير جهة ورائيه في جهة، فإن الرؤية نسبة من أعمال الجوارح.
وسأله بما نصه: فقد وجدنا كلمة الأصحاب متفقة أن العلم من حيث هو الإدراك الذي بحيث لا يحتمل النقيض كما هو في كتبنا المعتبرة، وأن علمه تعالى متعلق بالممكن الكائن وأن تعلقه تنجيزي فأشكل علينا بحيث إن هذه العبارة تقتضي وجود الممكن الكائن أزلا لأن علمه بوجودنا وأحوالنا في الأزل قبل وجودنا فلا بد وأن يكون إدراكا لمدرك من مدرك ولفظ الإدراك فيه ما فيه وإن لم نقل ذلك لزم حدوث علمه تعالى وهو محال لاستحالة الحدوث عليه ففضلا منك أن تبين لنا لكي يتكشف لنا وجه جلي يزيل اللبس والإشكال.
فأجابه غفر الله له بقوله: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه. أما بعد فسلام على أخينا الشيخ سيف بن ناصر الخروصي من كاتبه: أمحمد اطفيش قائلا في جواب سؤالك: إن علم الله سبحانه وتعالى قديم أزلي متعلق بالقديم الذي هو ذاته وصفاته لأنها هو ومتعلق بالحادث <1/ 43> وهو أفعاله ومفعولاته التي هي مخلوقاته، الأعراض والأجسام. ومعنى تعلق علمه بالحادث تنجيزيا أن الحادث يقع على طبع العلم الأزلي كالموعود به إذ أنجز بعد الوعد. وإطلاق لفظ الإدراك في حقه تعالى محال بالحقيقة لأن حقيقة الإدراك تستدعي سبق العجز عن المدرَك (بفتح الراء) وجائز على المجاز الإرسالي لعلاقة الإطلاق والتقييد أو أحدها كما قال الله سبحانه وتعالى: {وَهُوَ يُدْرِكُ الاَبْصَارَ} [سورة الأنعام: 103] لذلك، وللمشاكلة. والله أعلم. انتهى.
<1/ 45>
باب في تعلق علم الله تعالى بالمعلومات، والسؤال عن تعلقه بالجائز والمستحيل (1/41)
صفحة 42
قال رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. أما بعد:
فسلام من: أمحمد بن الحاج يوسف اطفيش على الشيخين عيسى بن صالح وعبد الله بن حميد العلامتين العمالتين الدينيين الدنيويين زادهما الله من الدنيا ما يقيمان به ما قعد من الدين. اعلما أنه وصلني كتابكما وفرحت به فرحا كبيرا لطول الفترة، وضيقي بعدم وصول الكتابين إليكما في ظني والحمد لله إذ وصلا، لو وجدتما ديوان الكميتي [كذا] أو بعض أشعاره فأرسلوه إلي عاجلا، ولإرسالكما إلي جوهر النظام لكن لم يصلني وسيصلني إن شاء الله وإني راغب أن تبعثا إلي ما بعد الجزأين الأولين من شرح الترتيب للشيخ عبد الله بن حميد، أحدهما لجودكما علي بثمن بل بقيمة أبي العتاهية على عادة أهل عمان في العلم والجود، وكما قال الأندلسي: «نحن العرب أسخى من بذل». وسأنظر إن شاء الله مؤلفك في الرد على من أنكر عذاب القبر إذا وصلني ووجهة قول علماء المغرب من أصحابنا فيمن كتب الله ألا يكون إنما ما لا يكون مستحيل الوجود لقضاء الله تعالى أن لا يكون، والمحال للقضاء أو لذاته لا صورة له يخلق عليها فتعلم، لا يقال: يعلمها الله ولا لا يعلمها الله ويقول يعلم أن لا يكون؛ ولذلك يسهل تأويل ما أوهم ذلك ولو كثر، مثل قوله تعالى: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُواْ} [سورة الأنعام: 28] فنقول: المعنى ولو كان الرد يقع لكان العود والعلم به واقعا أما إذا كان لا يقع فلا يقال يعلم ولا لا يعلم ويدل لذلك مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «الله أعلم بما كانوا عاملين لو كانوا عاملين»، أما إذا كانوا لا يعملون لعدم علمهم بموتهم فلا يقال: يعلم ذلك ولا يعلمه، وهكذا فإن لم يتضح كلامي <1/ 46> فلتوزع قلبي في الأشغال والله الموفق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
وبلغا سلامي إلى كل من سلم وكل من يتأهل وسلام عليكما من جملة الطلبة ردًّا وابتداءً. وصلني كتابكما يوم عرفة عام 1321. (1/42)
صفحة 43
وعنه أكرمه الله: في قولهم علم الله ما لا يكون أنه لو كان لكان على قدر كذا أو صفة كذا فالله عالم بما لا يكون كيف يكون لو كان؟
الجواب: إن كل ما لا يقع قد علم الله كيف يقع لو يقع، وسواء في ذلك الأطفال وغيرها والأحوال كلها، وهذا موجود في كتب أصحابنا المشارقة لقوله تعالى: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ} [سورة الأنعام: 28] وآية الإمداد بالملائكة وقلع الخضر كتف الغلام وإظهار كتابة شقوته لو بلغ وقوله تعالى: {فَخَشِينَآ أَنْ يُّرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا} [الكهف: 80]، ومذهب أصحابنا المغاربة أن علمه تعالى لا يتعلق بالممكن الذي لايق [كذا] كما لا يتعلق بالمستحيل لقوله تعالى: {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [سورة البقرة: 282] إذ الشيء عند الاتصاف إنما يطاق على ما كان وفني وعلى ما وجد على ما سيوجد. ويعني قوله صلى الله عليه وسلم: «أعلم بما كانوا عاملين» أنه لو كانوا عاملين لكان عالما بما يعلمون غير أما إذا كانوا غير عاملين فلا يقال يعلم ذلك الموهوم لأنه غير متحقق، ولا لا يعلمه لأنه يوهم الجهل تعالى الله عنه، فالمنفي هو ما يتعلق به العلم، فلا يتصور علمه، كما لا يقال: الله قادر على اتخاذ الصاحبة والولد ونحو ذلك من صفات الخلق؛ لأن إثبات القدرة على الشيء حكم بإمكانه، ولا غير قادر لأنه عبارة على العجز والله منزه عنه. ولا يطلق على المحال والممكن الذي لا يكون. ومعنى قوله: {فَلَوْلآَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ... } [سورة البقرة: 143] الخ باللبث في البطن لولا تسبيحه. قال سيبويه: الشيء في اللغة ما يصح أن يعلم ويُخبر عنه، ولا يتعلق علم الله بالمستحيل إلا بكونه مستحيلا ولنا أيضا أنه يلزم التسلسل إن قلنا: يعلم ما لا يقع كيف يقع، فإنه إذا قيل يعلمه قيل: يمكن وقوع الشيء بعده فيعلمه وهكذا ... ولا معنى لقوله تعالى: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُواْ ... } (1/43)
صفحة 44
الخ سوى أنهم شابهم الإصرار والعناد.
ومعنى <1/ 47> شقوة غلام الخضر خلقه على الشقوة ولا يبقى ولا يشقى ولا يرهق والديه طغيانا وكفرا؛ وذلك أن الإنسان مختار واختياره أيضا مخلوق لله عز وجل وتبارك وتعالى، إلا أن هذا ليس إجبارا ولا طبعا إذ كل أحد يرى من نفسه أنه قادر على الفعل والترك فيختار أحدها فبهذا الاختيار يخرج عن الطبع والإجبار، ولو كان اختيارا مخلوقا. وزعم ابن حزم أبو محمد علي بن حزم الظاهري الأندلسي أن الله تعالى قادر على أن يتخذ ولدا لأنه إن لم يقدر عليه كان عاجزا، أي وكذا سائر صفات الخلق تعالى الله عنها، وهو خطأ محض لا يقبله المبتدئ، فإن العجز يكون لو كان القصور جاء من ناحية القدرة فإن كان الأمر من متعلقات القدرة ولم تتعلق به، وأما إذا كان عدم تعلقها بأمر لكونه ليس من متعلقاتها فعدم تحولها له ليس عجزا. (1/44)
صفحة 45
وكان إدريس عليه السلام يخيط ويقول في كل غرزة: الحمد لله وسبحان الله، وهو أول من خاط فجاء إبليس في صورة آدمي وفي يده قشرة بيضة فقال لا يقدر الله أن يجعل الدنيا في هذه القشرة. فقال: الله عز وجل قادر أن يجعلها في سم هذه الإبرة ونخس إحدى عينيه بها فصار أعور. والمراد قادر أن يصغر الدنيا حتى تكون في سم هذه الإبرة ويوسع سمها حتى يحيط بها، وأما مع إبقاء كل على ما كان فالإحاطة مستحيلة، وتوهم ابن حزم من ذلك أن الله عز وجل يوصف بالقدرة على إحاطة القشرة والإبرة مع بقاء ضيقها على الدنيا مع سعتها وهذا مستحيل. فقال يجوز تعلق القدرة بوقوع المستحيل وهو خطأ. ذكر ابن حزم هذه البدعة في كتاب الملل والنحل، وهو كتاب يرد فيه على اليهود والنصارى والمجوس والفلاسفة والمعتزلة وغيرهم، وأكثر فيه الرد على الأشاعرة والماتريدية، وله كتاب في الفقه ينتصر فيه للظاهرية ويشنع فيه <1/ 48> على الأئمة الأربعة ولا سيما مالك، وليس نفي قدرة الله عز وجل عن الحال ونفي علمه عما لا يتصف بعلمه ونحو ذلك نقصا أو قصورا تعالى الله عز وجل عن ذلك، بل ذلك مدح وعكسه ذم تعالى الله عنه، فنقول لا يعلم الله وقوع المحال ولا يعلم وقوع الصاحبة والولد والشريك، ولا يعلم ثبوت ذلك وإلا انقلب العلم جهلا؛ لأن الاعتقاد بثبوت المحال جهل، وليس ذلك إخراجا عن بعض متعلقات العلم عن علمه بل اعتقاد أن ذلك لا يتصف بالعلم، ونفي تسمية الجهل علما واعتقاد ما لا يجوز استحالته جهلا والعلم يتعلق بكل أمر على الوجه اللائق وكف تعلقه بوجه غير لائق تنزيها له لا تنقيص وكمال لا محال. (1/45)
صفحة 46
وأجاب عنها في موضع آخر فقال كرمه الله: وأما تعلق علم الله بالممكن الذي لا يقع فهو الحق، وأثبته غير واحد من أصحابنا المغاربة لآية الإمداد بالملائكة إن كان كذا، وقد علم الله أن يكون أو لا يكون، ولقوله تعالى: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُواْ} [سورة الأنعام: 28] ونحو ذلك، وليس متعينا أن يكون منه، وحديث: «الله أعلم بما كانوا عاملين» لأنه قال: «لو كانوا عاملين». والله الموفق للصواب. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
<1/ 49> باب في السؤال عما كتب في اللوح المحفوظ هل يتغير أم لا، وتأويل ما نقل موهما عن بعض السادة الأكابر
قال نفعنا الله بعلومه:
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصِحبه وسلم. أما بعد: فسلام من كاتبه: أمحمد بن الحاج يوسف اطفيش المغربي على أخيه في الله والعلم حفظه الله تعالى وعلمه الشيخ عيسى بن صالح. سألت عما في اللوح المحفوظ هل يتغير؟ (1/46)
صفحة 47
الجواب: إنه لا يتغير، وهذا من الأصول التي لا يجوز فيها الخلاف، ومن مسائل التكفير والتفسيق التي الحق فيها مع واحد. اعلم رحمك الله وإيانا أن ما في اللوح المحفوظ هو علم الله الأزلي لا يتغير ولا تبدو له البدوات، وعلمه صفة ذات وصفته هو لا غيره ولا حالة فيه ولا مقترنة به ولا فيه شيء يقتضيها وصفاته كلها مع اختلاف مفهوماتها صفة واحدة ضرورة لأنها ذاتية وتعددها تحقيقا يوجب الأجزاء والأبعاض الموجبة للتركيب الموجب للحدوث تعالى الله عن ذلك، فعلمه وقدرته وإرادته وغير ذلك صفة واحدة؛ لأن معناها كلها أن ذاته كافية في وجود معانيها بلا أول ولا آخر. والقول بتغيير ما في اللوح المحفوظ قول بأنه تبدو له البدوات سبحانه عنها. وأما دعوى أن اللوح حادث والمكتوب في الحادث حادث فباطل، فإن الله مكتوب فيه وهو قديم وأيضا المكتوب فيه حروف والحروف حادثة بلا إشكال ولا يحل في الحادث إلا حادث والحال فيه النقوش لا الذات. (1/47)
صفحة 48
وأما قول عمر وابن مسعود رضي الله عنهما: «إن كنت كتبتني عندك شقيا فاكتبني سعيدا» فإن صح عنهما فإنما ذلك تملق إلى الله تعالى وتضرع، وهما محل بسط وانبساط، وربما صدر ذلك على غير عمد، ومن ذلك قول أبي نصر: «فيا ليت ما فاهت به لهواتهم صحيح» وليس ذلك <1/ 50> على ظاهره وإنما المعنى أنه إذا كثرت ذنوبي في اللوح المحفوظ الموجب في الجملة للشقاوة حتى إن حسناتي التي فيه كالعدم لقلتها فأسعدني وغلبها فعبر بالسبب والملزوم عن المسبب واللازم أو ذلك كناية أريد لازم معناها لا ما وضع له اللفظ وأما الآثار الواردة في أن الله زاد في عمره كذا وكذا وفي رزقه كذا وكذا فحملها على ظاهرها ليس من الرأي بل على قول تبدو له البدوات واختلال علمه عز وجل وهو ضلال فلا تهم ولا تقلد ولا يصيبك خلل في فهم كلامي، بل معنى ذلك أن الله عز وجل قضى في الأزل بلا أول أن عمر فلان مائة مثلا خمسون منها لأجل أن يفعل كذا وكذا في الرزق، أو لأنه لا يفعل كذا وكذا أو لا يصبر عن كذا وكذا وأما الاستدلال على عدم التغيير بأنه إن كان يتغير فما فائدة كتبه فلا يتم لك؛ لأن للخصم أن يقول: كتب ليبين فضله على عبده بإبطاله، وإنما الحجة ما مر وأن أخباره لا يجوز عليها النسخ؛ لأنه يؤدي إلى الكذب والجهالة وبدو البدوات، وأن الوعيد لا يخلف لأنه إنما يخلفه من جهل العاقبة أو جهل ما في الحال واحتاج فينقض ما أبرم والله بخلاف ذلك سبحانه وتعالى عز وجل، وهذه حجة على من أجاز خلف الوعيد. وقد قال الله عز وجل: {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ} [سورة ق: 29] وهذا تمدح ذاتي، وما كذلك لا يتغير بالأزمنة، ولا بين مشرك وموحد. (1/48)
صفحة 49
والحق يرجع إليه لا محالة كما قال البيضاوي في تفسير سورة يونس عند قوله تعالى: {لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ} [الآية: 64] لا تغيير لأقواله ولا إخلاف لمواعيده، ودعواه في سورة قاف أن الوعيد مخصوص من عموم {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ} باطلة؛ لأن ما بالمدح لا يتغير ولأدائه إلى بدو البدوات وما مر، وإذا تغير ما في اللوح فقد تغير العلم الأزلي، وذلك باطل وأيضا كتابة شيء ليس في العلم سفه وكذب تعالى عنهما، ولا يخلو محو الشقاوة من اللوح إما معلوما أزليا فهذا خلف، أو غير معلوم فجهالة تعالى الله عن ذلك، ولا وجه لحمل الآية على محو الشقاوة مع استحالته عندنا أو مع تعسره ولو عند القائل مع <ج1/ 51> توجهه إلى محو السيئات وعلى نسخ ما ينسخ من الشرائع، وعلى محو ما لا يكون ذنبا ولا حسنة على أن المراد المحو من ديوان الحفظة وعلى محو الحي بالإماتة ونحو ذلك.
قال صلى الله عليه وسلم: «إذا مضى على النطفة خمس وأربعون ليلة يدخل الملك ويقول: يا رب أذكر أم أنثى؟» ... الحديث وفيه: «ثم تطوى الصحيفة فلا يزاد فيها ولا ينقص منها». ولا يصيبكم ضعف في المسألة، فإن تبديل ما قضى الله كفر، ولا يخفى أن اعتقاد ذلك تشبيه بالمخلوق وهو منكر إجماعا، وإن إبطال تلك الدعوى من الأصول، ويعرف الشيء أنه من الأصول بأن تكون مخالفته فادحة في التوحيد أو ما جرى مجرى ذلك؛ فلذلك قلت: إن نفي بقاء الخلود وإثبات كون الصراط على ظاهره من الفروع، وإنما يتبرأ من مدعيهما بغير ذلك من مخالفة الأصول. نعم، الدعاء بهما أمارة على مخالفة الأصول، وقد اختلفوا هل يبرأ بالعلامة؟ والله أعلم.
وعنه: بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. (1/49)
صفحة 50
أما بعد: فسلام على أخينا في الله عيسى بن صالح بن علي الحارثي العماني العالم، وسائر علماء أصحابنا العمانيين والعباد وسائرهم من الكاتب لأواخر رجب عام 1317 أمحمد بن الحاج يوسف اطفيش، قائلا: أما تغيير ما في اللوح إلى ما يناقضه فلا يجوز كتغيير السعادة إلى الشقاوة والشقاوة إلى السعادة وقد أرسلت إليكم كلاما في ذلك مبسوطا وأعد ذلك من الأصول، وأما أن يطلق في شيء وهو عند الله بما لا ينقضه مثل أن يكتب فيه غنى زيد ويقيد عند الله بتصدقه ولا بد من وقوع المقيد والقيد، ففي المثال لا بد من صدور التصدق منه، ومثل أن يكتبه سعيدا ويقيد عنده بالوفاء بالدين فلا بد من صدور الوفاء منه لا يتخلف. وما تكتبه الملائكة <1/ 52> من عمل كل أحد على حدة موافق لما في اللوح لا يتخلف عنه، وكذا الديوان المجموع فيه أعمال العباد ولا يتخلف عنه، وقد جاء الأثر في ذلك أن الملائكة تصعد بأعمال العبد فتعرض على اللوح المحفوظ فيجدونها موافقة لما في اللوح فيزيدون لله تعظيما.
وأما كيفية الاطلاع على اللوح المحفوظ فإنه إذا أراد الله تبارك وتعالى إطلاع ملك على شيء منه فإنه يخلق له إدراكا للشيء منه، وكان قبل ذلك لا يدركه ولو قابله. وقيل: ستر اللوح بنور أو بساتر فإذا أراد الله إطلاع الملك على ذلك الشيء رفع ذلك الستر عن ذلك الشيء فيراه. انتهى كلامه هنا والله أعلم.
فصل في ولايته تعالى وبراءته وأنهما لا يتقلبان (1/50)
صفحة 51
وذكر كتاب أهل زوارة من أهل المغرب له قالوا فيه لشيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي هدانا لدينه القويم، وأيدنا باتباع سبيل الحق المستقيم، وخصنا بالعلماء الراشدين من المقتدين بالنبي صلى الله عليه وسلم وآله وأصحابه وبعد: فسلام من علماء زوارة وعامتهم على من اشتاقت إليه قلوبنا وأضاءت الأقطار والمدن والقرى بعلمه بحر العلم والعمل، واشتقنا إلى وؤيته إمام مذهبنا وحجة الأمة موافقيها ومخالفيها العلامة الشيخ: أمحمد بن يوسف اطفيش المغربي الإباضي المضابي قائلين: إنا نشكو إلى الله العظيم ثم إليك من أن الناس ينسبون إلينا ما لم نقله ونحن نطلب الاتصال بك وبمن اتبعك، ونكره أن تجفونا وأنت تكتب إلى الأقطار ولا تكتب إلينا، ولا بد من أن تكاتبنا كما تكاتب الناس ولو مخالفين، ونحن أحق بك منهم، فإنا الآن نسألك وتجيبنا، ونذكر لك من جملة أهل البلد المعتبرين الذين تتبعهم العامة الكاتبين إليك في هذه المسائل العربي ابن الفقيه رمضان، وعلي بن محمد نقوش، والسنوسي بن الفقيه محمد <1/ 53> ابن جمعة العظيمي، وشعبان بن السنوسي سلام عليك منهم ومن غيرهم وكلنا نحبك ونحب زيارتك بأرجلنا، وقصدنا بذلك وجه الله الكريم ونبيه العظيم محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله، وبلغ سلامنا إلى من اتبعك من الطلبة والعوام. ولا بد سيدنا أن تذكرنا فيمن تذكره، وهذه مسائل نذكرها لك لتجيبنا فيها فامنن علينا بجوابها بما يتيسر من كتبك [مما] من الله عليك. فذكروا ما لهم على الترتيب الذي يذكر في الجواب.
فأجابهم شيخنا جزاه الله بكل خير بعد البسملة والصلاة والسلام على نبيه بقوله: (1/51)
صفحة 52
تبرأ إخواننا أهل زوارة من أن يقولوا ولاية الله لعباده وبراءته يتقلبان بحسب تقلبهم من الطاعة إلى المعصية ومن المعصية إلى الطاعة، وقالوا: لسنا نقول ذلك، وإنما ذلك قول لبعض الإباضية، ونسب ذلك إلينا بل نقول كما تقولون ولايته إثبات الجنة للسعيد ولو في حال المعصية، والنار للشقي ولو في حال الطاعة. قلت: لعل ذلك غلط ويدل على أنه غلط ما يوجد في كتاب عبد الله الفزاري من علمائهم أن ولايته تعالى الحكم بالجنة لأهلها، وبراءته الحكم بالنار لأهلها على ما مر آنفا، ولعل ما نسب لهم من تقلب ولايته الله وبراءته قول لأوائلهم ومن بعدهم، أو أرادوا بتقلبها أن الإنسان مطلقا إذا كان في المعصية فحالته غير مرضية عند الله وغير محبوبة عنده وأنه منهي عنها وإذا كان في الطاعة فحالته مرضية محبوبة هي لا هو ومأمور بها، وهذا لا إشكال فيه. انتهى كلامه هنا، وهو كلام طويل ألحقنا ما فيه من الجوابات الرائقة كلا بمحله على قاعدة الترتيب ومناسبته التركيب كما رأيته آنفا وما ستراه إن شاء الله، ولكل مقام مقال.
وله رضي الله عنه لإخوانه العمانيين:
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم أما بعد: فسلام من كاتبه أمحمد بن يوسف اطفيش على أصحابنا من أهل عمان العلماء والتلاميذ والرؤساء والعباد خصوصا الشيخ <1/ 53> عبد الله بن حميد والشيخ عيسى بن صالح قائلا جاءتني أسئلة منكم وأردت إجابتها على شرط أن لا تكون بينكم فتنة فعاملوني بما لا يكون فيه:
- الأولى: سعيد عند الله أشرك أو عصى دون الإشراك وسيختم له بالوفاء أيبرأ منه الله؟ وشقي عمل بالطاعة والوفاء وسيختم له بالعصيان شركا أو ما دونه أيتولاه الله؟ (1/52)
صفحة 53
الجواب إن شاء [الله]: إن السعيد عند الله في ولاية الله في عمل الإشراك والمعصية لما سيختم له به، ونفس إشراكه ومعاصيه غير مرضية عند الله، إن شاء عاقبه بها في الدنيا وإن الشقي عند الله في براءة الله في حال طاعته ووفائه لما سيختم له من المعصية إشراكا أو ما دونه، ونفس طاعته مرضية عند الله يبطلها بما يختم به وإن شاء أثابه بها في الدنيا، وذلك أن ولاية الله وبراءته لا تتقلبان، ولا تبدو له البدوات؛ لأن علمه محيط. وقد جاء في الأثر أن إبليس في حال طاعته أكثر من طاعة الملائكة ملعون عند الله وخبيث ومذموم في حالها لما سيختم له به. قال أبو نصر رحمه الله:
«أحب أناسا لم تضرهم ذنوبهم.:. وأبغض قوما عندنا هم ذوو حسن» (1/53)
صفحة 54
ولا معنى لولاية الله عز وجل سوى أنه وعد له بالجنة، وكيف يعدها للشقي لطاعته وهو من أهل النار ولا معنى لبراءته عز وجل سوى وعد له بالجنة وكيف يعدها للسعيد وهو من أهل الجنة. ومن قال غير ذلك فإنما وهم من حيث إن الله عز وجل لم يرض المعصية ورضي الطاعة. وأما قوله تعالى: {إِنَّ الذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [سورة الأعراف: 152] ففي الأشقياء والغضب الأخروي ناري لا دنيوي فقط، ولا يصح أن يفسر الغضب بقتل أنفسهم إذعانهم له وقد تابوا. ألا ترى أن قوله تعالى: {كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ} [سورة الأعراف: 152] مناف لذلك وظاهر في أن الغضب بقتل أنفسهم الخ. فليس ببراءة من الله للسعيد حال المعصية يكتفي بأنها الانتقام من عبادة العجل، ففي عموم قوله تعالى بعد ذلك <1/ 55> {وَالذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِن بَعْدِهَا وَءَامَنُوا ... } الخ [سورة الأعراف: 153]. والوعيد الوارد في القرآن في أهل الشرك والمعاصي إما وارد في أشقياء مخصوصين وإما وارد في الأشقياء عموما فيدخل المخصوصون أولا بالذات ويوعظون به ولو سعيداً تحذيرا له، ولا يجوز الخلاف في ذلك المذكور من ولاية الله وبراءته لا تتقلبان لأنه من الأصول على الصحيح كما قال العلامة سعيد بن خلفان به لا من الفروع كما قيل، والقول بتقلب ولاية الله وعداوته بحسب ما يحدث من طاعة ومعصية قول الحسينية نسبة إلى الحسين ونسبه صاحب السؤالات أبو عمرو عثمان بن خليفة إلى النكار، وهو أنسب إلى الجهمية إذ قالوا: لا يعلم الله الشيء حتى يكون، وهو خطأ عظيم فاحش، وقد قال تعالى: {هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ ... } الخ [سورة الحج: 78] وتسميتهم مسلمين هكذا على الاستمرار شامل لحال شركهم ينافي أن يتبرأ منهم حال الشرك والله الموفق.
فصل: ما صورة سعيد عند الله لا يصح أن يدفن في مقابر المسلمين؟ (1/54)
صفحة 55
قال رضي الله عنه وسألت عن سعيد عند الله يدفن في مقبرة المشركين ولا يجوز لحاضر دفته في مقبرة الموحدين ما صورته؟
الجواب: إنه مشرك بحسب الظاهر ولكن ختم الله الرحمن الرحيم له بالتوبة فكوشف رجل من أهل الكشف أو اثنين أو ثلاثة أو أكثر أنه من السعداء فإنه يحكم له بالحكم الظاهر فيقبر في مقابر المشركين وإن ترك لأهل الكشف قبر في مقبرة الموحدين، اهـ. والله أعلم وبغيبه أحكم.
وقال في موضع آخر: وأما من هو مسلم في الحقيقة مشرك في الظاهر فمن علم بإسلامه فإنه يقبره في مقابر المسلمين، ومن لم يعلم به فإنه يقبر في مقابر المشركين ومن شهد أو شهدوا بإسلامه بعد إشراكه <1/ 56> حجة على من لم يعلم. ووجه آخر أنه لو كشف لأحد أنه ولي أو لاثنين أو لأكثر لعدم المشاهدة لأنها الحكم الظاهر على المكاشف لأنها لا تكون حجة بخلاف المشاهدة فإن الحكم بها ولو وجع دفنه إلى المكاشفة لدفنه في مقابر المسلمين أن وجد لأنهم لا يتركونه أن يدفنه في مقابر المسلمين. اهـ.
------------------------
<1/ 57> باب في خلق القرآن، والكلام فيما وقع لابن النضر في النونية المشهورة عفا الله عنه (1/55)
صفحة 56
قال رضي الله عنه ومسألة خلق القرآن وقدمه فتحقيقها أن القائل بقدمه يقول: إنه كلام نفسي، والكلام النفسي هو القديم، وإن هذه الألفاظ التي يسميها أهل الحق قرآنا ترجمة عند غيرهم عن القرآن الذي هو كلام نفسي وليست هي القرآن، فرجع البحث إلى إثبات الكلام النفسي، نفيناه نحن وأثبتوه هم، وهو عندهم في الله عز وجل مثل ما في نفس الإنسان من تكيفات جل الله عن ذلك وليس الله عرضا ولا جسما، وقد أذعنت قلوبنا إلى قبول أنه ليس عرضا ولا جسما مع إقرارنا واعتقادنا أنه موجود وشيء لا كالأشياء وننفي عنه ما يوجب الشبهة ولو أدى نفيه إلى ما لا يعقل، وذلك شأن الله فإنا لا ندركه، ثم إنه يرجع البحث أيضا إلى أمر سهل بيِّن، هو أن الله سبحانه وتعالى سمى هذه الألفاظ الكريمة قرآنا ووصفها بالحدوث والنزول والتجزؤ والحلول والجعل ونحو ذلك من صفات المخلوق الحادث تسمية ظاهرة ولا ينكرها موافق ولا مخالف ولا عاقل ما ولو مشركا فمن ادعى خلاف هذا الظاهر وادعى أن هذه الأشياء ليست القرآن وإنما هي ترجمة القرآن احتاج إلى دليل فوالله ما وجده ولن يجده ونص كلامي في شرح الدعائم: وقال من الكامل والقافية متواتر مقصور الضرب دون العرض إلا البيت الأول مقفى مصرع إذ جاز اختلاف الأعاريض في الكامل في الرد على من يقول بخلق القرآن أو التوراة أو الإنجيل والزبور وسائر كتب الله سبحانه ووحيه والكلام على القرآن في هذه القصيدة وغيرها كلام على ذلك كله فقيل: القائل ابن النضر؛ لأن من أصحابنا من أهل عمان من يقول بقدم القرآن على حد ما يقول قومنا، ومنهم من يقول بقدمه على معنى العلم به إجمالا وتفصيلا ولفظا ومعنى <1/ 58> على ما سيكون على ما خلقه بعده، وهذا لا بأس به معنا إلا أن التلفظ بقدمه هكذا لا يجوز لأنه يوهم ما لا يجوز، ومنهم من يقول كما يقول سائر أهل المذاهب إنه مخلوق حادث ولا يسمى قديما، وعلم الله قديم قطعا. (1/56)
صفحة 57
وقيل: القصيدة ليست لابن النضر بل لمخالف أودعها في الدعائم، وإنه ليس فيها بلاغة ابن النضر، وإنه قد قال: قلت جعل الله خلق كله، وقد قال الله عز وجل: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا} [سورة الزخرف: 3]، فمعناه خلقناه؛ لأن غالب جعله خلق، فليحمل على الغالب، بل كله خلق باعتبار المعقول الثاني. وفي بعض الأثر أنه لم ينكر سائر أصحابنا على من يقول من أصحابنا بقدمه لئلا ينتشر الخلاف والفتن، وهو ضعيف؛ لأن المسألة من الأصول عند التحقيق إذا رجعت إلى الكلام النفسي، وفي العقيدة: «ليس منا من قال: إن القرآن غير مخلوق»، فكيف يسوغ فيها السكوت عن الإنكار وقال أبو علي وابن محبوب وسليمان بن الحكم وأبو زيد الوضاح بن عقبة من أهل عمان والشيخ يوسف بن إبراهيم من المغاربة: إن المسألة من الفروع لا يقطع فيها العذر لمن قال بقدمه أو بخلقه أو بالوقوف.
وذكر صاحب الكشف والبيان أبو عبد الله محمد بن سعيد [القلهاتي] من أهل عمان أن القصيدة لابن النضر، وجزم هو بقدم القرآن، وذكر أبياتا من هذه القصيدة وأصحابنا العمانيون لم يقطعوا عذر من قال بخلقه، فدل على أنها ليست لابن النضر براءة ناظمها ممن قال بخلق القرآن، وقطع عذره وطعن فيه كما ترى فيها كثيرا.
وعنه: أما ولاية ابن النضر أو عدمها ومسألة خلق القرآن وقد ذكرتهن في شرح الدعائم وهو عندكم، ولا إشراك بدعوى قدم القرآن ولا مخالفة الأصول التي يقطع فيها العذر كقولهم صفات الله غيره ورؤيته، بل بالبراءة لأنهم تأولوا.
وعنه: واعلم يا أخي أنَّ الحجة على قومنا أن تقولوا لهم: ما دليلكم على أن هذه الألفاظ التي نسميها قرآنا ليست قرآنا بل ترجمة القرآن، وإنما كلام القرآن كلام نفسي ولا دليل على <1/ 59> أنه ترجمة القرآن، فهو نفس القرآن، والله أعلم. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. (1/57)
صفحة 58
فصل في تفسير قوله تعالى {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ} ... الآية [سورة آل عمران: 37] وفي الرد على القائلين بخلق القرآن.
قال رحمه الله: وعن التفعل في قوله تعالى: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ} هو المطاوعة.
الجواب: إنه للتأكيد، أي قبلها قبولا عظيما بدل الذكر الصالح لخدمة بيت المقدس. ووجه ذلك أن من معاني التفعل العلاج، وما يعالج سيشتد فيه وليس في الآية للمطاوعة لأنها قبول الأثر، والله عز وجل لا يتأثر شيئا، لأن التأثر من صفات الخلق إلا على معنى أنه دعا أن يقبلها فأجاب. وفي عبارتك ما نصه: وهل قبول التأثير شرط في الأفعال المطاوعة كلها أو هو خاص بالفعل اهـ. ما هذه العبارة؟ وما مرادك؟
والعقلاء أربعة أقسام: الأول: من اعتقد أن ما هو سبب في العبادة يؤثر في طبعه وذاته واللازم عقلي، كالإحراق والري والشبع وهذا شرك إجماعا. الثاني: من اعتقد أنه يؤثر في المسبب بقوة أودعها الله عز وجل فيه، والتلازم بينهما عادي فقيل مشرك وقيل فاسق، وهو الصحيح، ولذلك لم يحكموا بشرك المعتزلة إذ قالوا إن الفاعل خالق لفعله الاختياري بقوة أودعها الله فيه، وهي القدرة الحادثة التي خلقها فيه، ولو قال قائل خلق الله عز وجل في الفاعل قدرة الله تعالى على الخلق لأشرك، والذي يظهر أن المعتزلة لم يشركوا مع قولهم ذلك لأنهم تأولوا، ولم يشركوا مواجهة بل زلة، وهم يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلا قولهم إن الله خلق في الفاعل قوة قادرة على الفعل مثل قول القائل: أن الله قادر أن يخلق الألوهية أو نحو ذلك من صفات الله تعالى في أحد، وخلق الله العلم بكل شيء في أحد أو نحو ذلك من الصفات. (1/58)
صفحة 59
<1/ 60> الثالث: من اعتقد أن المؤثر هو الله وحده، وأن التلازم بين المسبب والسبب عقلي، فلا يتخلف ولا يمكن تخلفه فمتى وجدت النار وجد الإحراق، ومتى كان الأكل وجد الشبع، وهذا غير مشرك، ولكن ربما أداه ذلك إلى الإشراك؛ لأنه يلزم ما خالف العادة مثل أن يعتقد أن الميت يوضع في القبر فيستمر على الموت فلا يبعث.
الرابع: من اعتقد أن المؤثر هو الله، وجد التلازم بين السبب والمسبب عاديا يمكن أن يخلفه كأن توجد نار ولا يوجد الإحراق، ويوجد الماء ولا يوجد البلل، هذا مذهب أهل الحق ومذهب الأشاعرة.
وسئل عن اعتقاد الروية وعدمها وأفعال المكلفين: أذلك خلق لهم أم لا؟.
الجواب: إن ذلك خلق الله عز وجل وفعل لهم، وهذا منك عجيب! كيف تتوهم أن الفاعل خالق لفعله ولا خالق إلا الله!. والله أعلم.
<1/ 61> باب في مسائل الخلود
قال السائل: بسم الله الرحمن الرحيم سؤال للإمام العلامة شيخنا الحاج: أمحمد بن يوسف المغربي. ما معنى قولك في إزالة الاعتراض: قلت - بعد قولك ما قاله الأصحاب في قوله تعالى {وَمَنْ يَّعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} ... الآية [سورة الجن: 23] وعندي أن مسألة خلود الفاسق في النار ليس مما يقطع فيه العذر، أو كلام هذا معناه لم يحضرني نصه، والذي نفهمه من كلامك هذا أنه لا يبرأ ممن قال إن الفاسق لا يخلد في النار فهل هذا الفهم كذلك أم لا؟ فضلا منك أن توضح لنا هذا الإشكال ولك الأجر من ربنا تعالى جزاك الله عنا وعن المذهب خيرا.
فأجاب رضي الله عنه بقوله: الجواب وعليك السلام. مرادي أن الخلود حق، وأنه ليس كادعاء الرؤية ونحوها، وأنه يبرأ من قومنا بغير دعوى الخروج، كالرؤية. وقد أرسلت إليكم كتابا في ذلك قبل هذا وفيه طول، والله ما بخلت عنك بجواب ولم يذكر اسمك واليوم الآخر [كذا] زادني الله حبا لك نذكر اسمك [كذا] في كل ورقة فإن أمري مضطرب لكثرة الأسئلة والأوراق والأشغال فأغفل عن قمطري سؤال. (1/59)
صفحة 60
وقال في موضع آخر رضي الله عنه: وأما كون الخلود من الفروع فوجهه أنه ليس تركه قدحا في صفة الله ولا مؤديا إلى القدح فيها أو فيه، وهي هو وليس لحكمة نقض لحكم الله وتجديد لحكم فكان من الأصول وأنا معتقد للخلود حاكم بعصيان من نفاه. كما قال أصحابنا بأن نجاسة بول المأكول من الفروع مع حكمهم بعصيان من قال بطهارته، وكما لم يبرأ أصحابنا المغاربة ممن قال من أصحابنا المشارقة بقدم القرآن ولا ممن قال من أصحابنا التونسيين بالجبل، وكما روي عن ابن محبوب رحمه الله أنه لا يقال صفة الله هو ولا غيره، مع أنا نقول صفته هو، ونجعل ذلك من الأصول، وهل رأيتهم أجمعوا أن القول بعدم الخلود وحده كاف في التكفير؟ فإن قومنا لهم موجبات تكفير متعددة كقولهم فيما ظاهره <1/ 62> جوارح الإنسان كالوجه واليد إنها لله هكذا بلا كيف، وهذا قدح في صفة الله، فإن إتيانها كفر، وما يغني قولهم: «بلا كيف»؛ لأنه لم يفد شيئا، وهذا قول الموحدين منهم يعنون بأنهم كاملو التوحيد، ويسمون من يؤول كما تأول منهم غير موحد، أي غير آت بتوحيد كامل، وذلك خطأ، وقد ندمت على إظهار أن عدم الخلود من الفروع، لما سمعت أن جماعة اغترت بذلك ووددت أني كتمته، قولوا لهم: يرحمكم الله إني قائل بالخلود، وحاكم على نافيه بالعصيان، وإنه ليس القول بأنه من الفروع قولا ينفيه، وفي كلامكم رحمكم الله ما يوهم أني كاره للبحث، بل أنا راض به ومترسل فيه، ومحب لإظهار الحق، وليس القول بفرعيته نفيا لآيات الخلود وأحاديثه، ولكن قيدوها فصارت مقيدة في زعمهم فخرجت عن الأصول، ولم يرجع لقيدها إلى إبطال الألوهية أو الصفة والحكم الإلهي، بخلاف قولهم في الرؤية فإن تأولهم لم يخرجهم عن وصف الله بالتحيز والجهة واللون والتكييف، فإنا نقول: أي فرق بين الإدراك بالجارحة وبين الإدراك بالقلب أو بجارحة سادسة. (1/60)
صفحة 61
واعلموا أنه ربما ذكروا شيئا من الأصول ولا يظهر أنه منها، وأهملوا أشياء من الأصول لم ينتبهوا أنها منها، وليس كون خلود قاتل مسلم وقاتل نفسه بسمٍّ أو خنجر من الأصول موجبا بكون الخلود مطلقا من الأصول. انتهى كلامه.
وسئل بما نصه: وعن اعتقاد الخلود وعذاب القبر والصراط ونحو ذلك من الأصول؟
الجواب: إن ذلك [ليس] من الأصول؛ لأنه كم شيء يتبرأ أصحابنا من فاعله مع أنه ليس من الأصول، فيتوهم المبتدئون أن كل ما يبرأ به يكون من الأصول وليس كذلك وفي كلامك ما يوهم أن الأصول لا يجوز جهلها، فتنبه، فإن منها ما يعذر في جهله حتى يسمع أو يقارف. والأصول عند المتكلمين ما يتضمن خلافه القدح في صفات الله سبحانه وتعالى. وعند أصحابنا أوسع من ذلك كما ذكرته في غير هذا الكتاب مبسوطا. انتهىكلامه.
<1/ 63> باب فيما يسع جهله وما لا يسع
قال رضي الله عنه: وسائر الذنوب التي ليس علمها على الفور يعذر في الجهل ما لم يرتكبها فعلا أو استحلالا أو تصويبا أو تخطئة أو إعانة، فإنه لا يعذر؛ ولذلك أمر بطلب العلم مطلقا، الأقرب فالأقرب وقوعا ولو لم يقع. ولكن لا هلاك بجهل ما ليس على الفور ما لم يقع ويرتكب خلافا فعلا أو تصويبا. انتهى كلامه. (1/61)
صفحة 62
وقال في موضع آخر: ومن اضطر ولم يأكل الميتة حتى مات ظنا منه أنها لا تحل له ولو اضطر، مات قاتلا نفسه، ولا يعذر بالجهل؛ لأن الجاهل في الموسع يعذر ما لم يقارف، وهذا قارف بترك التنجية الواجبة. وقد وجب طلب العلم قبل نزول الحادثة ليكون مستعدا لحدوثها وجوبا موسعا ما لم يقارف، فلو شاهد أحدٌ صورة الرِّبَا بين اثنين ولم يعلم أن ذلك رِبًا وأنه محرم فلا بأس، وإن اعتقد حلها أو تولاها لأجلها أو تبرأ منهما لأجلها، أو كل من فعل ذلك من المقارفات هلك. وهكذا سائر المعاصي وقد قامت عليه الحجة بالكتاب والرسول صلى الله عليه وسلم والعقل، وليس كصاحب الجزيرة مثلا، ومن نزل الوحي ولم تتم مدة وصوله، وصاحب الجزيرة مثلا غير معذور في التوحيد؛ لأن في ذاته وسائر العالم آيات، ومعذور في سائر الفرائض حتى يسمع، وشكر المنعم واجب سمعا عندنا، ولا يجد إلى السمع سبيلا، وواجب عقلا في قول، فيجب عليه السعي في تحصيله وإن لم يجد سبيلا فهو معذور، وإلا دخل في قوله تعالى: {سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَاتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ ... } الخ [سورة الملك: 8 - 9] وقائل به موجود هنا.
وسئل عن الحاكم إذا لم يعرف وجه الحكم في قضية له عرضت، وجهل أمرها، فهل عليه السؤال عن ذلك ويلزمه الخروج فيه إلى من يسأله كما هو في الصلاة والصيام ونحوها؟ وكذلك من شاهد منكرا وجهل ما يلزمه فيه وكيف المعنى في قولهم: إذا لم يضيع حكما أو يبطل حقا أو يعطل حدا؟
الجواب والله المستعان: إن الحاكم إذا لم <1/ 64> يعرف حكما في مسألة فليسأل عنها عالما بها، بسفر أو رسول أو كتاب مع توثق في ذلك، أو يرد الخصمين إلى غيره ممن يثق به، وإن لم يجد ذلك وضاق الوقت فليصلح بينهما. (1/62)
صفحة 63
ومن شاهد فعلا ولم يدر ما حكمه توقف فيه وأبقى فاعله على حاله من قبل. وإن علم أنه معصية وجب عليه أن ينهى عنه ولا يبرأ منه إلا إن عرف أنها كبيرة، أو أصر عليها. ولا يلزمه السؤال أمعصية هو؟ ولا السؤال أكبيرة هي؟ إلا إن كان ذلك في شأن صفة الله وجهل فهو مشرك يذهب يسأل فيدخل في الإسلام، ولا تحرم زوجه ولا إرثه ولا يحل دمه أو ماله أو سبيه، وذلك مشهور المذهب، والصحيح أنه باق على الإسلام، ويقول: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [سورة الشورى: 11]. والله أعلم.
وفي جوابه رحمه الله لأهل زوارة ما نصه:
وأقر إخواننا أهل زوارة أن الحرام المجهول العين محطوط فيه الإثم عن مقارفه، والمتصرف فيه، قلت: مثلا أن يتزوج امرأة ولا يدري أنها أخته، فهو معذور، ونسب له ولد فهو ثابت، فولده منها ابن له وهو أب للابن وخال له. قلت: فالحرام المجهول في حق مقارفه حلال يجزي له أداء الواجب منه والمندوب، ويثاب على ذلك ويعاقب إن لم يفعل، وقد قال بعض علماء أهل زوارة بخلاف ذلك ولا يقبل منه وليتب إلى الله عز وجل. (1/63)
صفحة 64
وأما الحرام المجهول التحريم فلا عذر فيه، مثلا: أن يعلم أن هذه ميتة ويأكل بجهله أن الميتة حرام وأن ذلك الحيوان خنزير ويأكله لجهله بتحريمه. وفي بعض الكتب: المقارف لمجهول العين ومجهول التحريم غير معذور، والمقارف لمجهول الصفة معذور، وفي الأثر: قال بعض غيرنا: الحرام المجهول العين حلال تتعلق به أحكام الحلال كلها. قال بعض: هو حرام يعاقب متأوله، ولا تتعلق به الحقوق، وإن الحرام المجهول إن تداوله المكلفون مع علمهم بكونه حراما لزم كلا قيمته لربه يدفعها له واحد منهم ويرجع بها على متلفه إن لم يكن هو المتلف. وإن المغصوب إذا وجده صاحبه عند الغاصب كان مخيرا بين أخذه أو قيمته. وقال أبو عبيدة رحمه الله تعالى: إن شاء الغاصب رده وإن شاء أعطاه قيمته. قلت: لا بد <1/ 65> لصاحب المغصوب أن يأخذ ما غصب إذا وجده بعينه، وإن تلف فله مثله إن كان مكيلا أو موزونا، وإلا فقيمته.
والحق أن الحرام المجهول العين لا إثم فيه؛ لأنه لا يميَّز، وإنما يميز بالوحي. وحقوقه كالزكاة واجبة ومثاب عليها وهو عيش أهل آخر الزمان، ولا يستجاب لأخذه دعاء الدنيا، ويستجاب له دعاء الآخرة. والحق أنه يستجاب له دعاء الدنيا والآخرة لأنه معذور.
وأبو إسحاق يقول: مجهول العين معذور فيه ومجهول الصفة ما لم يعلم أنه لغير مَن باعه أو لم يعلم أنه مدبَّر وبلا علم أنها مدبَّرة. ومثال مجهول العين: جهل أن هذا المائع خمر، أو أن هذا الحيوان خنزير.
والمتفق على عدم العذر فيه هو مجهول التحريم، كما إذا عرف أن هذا خمر وجهل تحريمها، والصحيح أنه لا عذر في مجهول العين أيضا لامتناع الإقدام على شيء قبل أن يعلم حكم الله تعالى فيه بالحلال أو الحرمة. ولحم الكلب تحت الشحم عكس الشاة، إلا إن أرضعتها كلبة فنتجت شحمها، وسائر الحيوان كالشاة إلا الخنزير فطبقة لحم وطبقة شحم، ومن جهل هذه الصفات فوافق كلبا أو خنزيرا لم يعذر، ورخص أن يعذر. (1/64)
صفحة 65
ومن قال أو فعل بلا علم فوافق الحق هلك. وقيل هلك في القول وعصى في الفعل. وقيل هلك في القول وكره له التقدم في الفعل. وقيل يكره له القول ولا بأس في الفعل. وإن لم يوافق هلك. ومن تسرى أمة فإذا هي حرة عذر، وذلك من مجهول الصفة. وفي شرح النيل بسط ذلك. اهـ.
<1/ 67> باب في التقية وأحكام المضطر ووجوب تنجيته على القادر
ومن جوابه رضي الله عنه لأهل زوارة بأن بعضا منهم أجاز التقية من الموت بشرب الخمر، وأنكروا عليه، والإنكار عليه حق، وهو المشهور أنه لا تجوز التقية بالفعل، فيموت ولا يشرب الخمر، وإن شرب حُدَّ. وأجاز بعض العلماء التقية بشرب الخمر ونحوها وأكل الأنجاس كلها والميتة والدم ولحم الخنزير والبول والغائط. وأجاز بعض التقية بأكل مال الغير والانتفاع به. وأجاز بعض التنجية من الجوع والعطش. والحق جواز التقية بمال الغير وكذا التنجية من جوع أو عطش مهلك؛ لأن صاحب المال لو حضر للزمه نجيته من قتل أو موت، إلا أن أكله يموت صاحبه جوعا. وكأكله إفساده. وأجاز بعض المعتزلة فعل جميع المعاصي قياسا على القول، إلا ما فيه الظلم. وزعم بعض أنه تجوز التقية بالزنا، وهو قول باطل، فإن زنى أحد لزمه العقر. وقيل: لا حد ولا عقر. وإن أكره على القذف فقيل يقذف، وقيل: لا. وإن أكره على القتل قُتِلَ هو ومكرهه لحديث: «لو اجتمع على النفس المقتول في اليمن أهل اليمن لقتلتهم». وقيل: يقتل وحده. وقيل: يقتل مكرهه وحده. وأجاز أبو محمد عبد الله بن محمد بن بركة التقية بالقذف، وهو قول ضعيف. وأجاز بعض القذف وشهادة الزور والإفتاء بغير حق في كل ما يقول باللسان. انتهى كلامه.
وقال رضي الله عنه: ولو قال جبار: اجعل لله شريكا وإن لم تجعل آخذ مالك، جاز لك التلفظ بالإشراك دون الاعتقاد.
وسئل: هل يجوز الكذب لضرورة؟ (1/65)
صفحة 66
الجواب: قلت يجوز للإصلاح بين المفتتنين، ولا يعود الإصلاح بينهما على الدين بالضرورة، وبين الأرحام وبين الزوجين وللتنجية <1/ 68> جائز ونحو ذلك.
وقال رحمه الله: ولا يطلق السيد (بفتح السين وشد الياء) على الفاجر إلا أن اضطر، ويجوز مطلقا: سيد الدابة، وسيد العبد، وسيد الأمة.
وقال في موضع آخر: وأما السيد (بفتح السين وشد الياء) ففي الحديث إطلاقه على المشرك والمنافق وعلى المنافق والمشرك أولى بالمنع. وكان يسيغ شيوعه في العرف إباحته، ومهما يظهر لي من رخصه بعد أن أجعل لكما فإني والله راغب فيما تحبان. ويجوز إطلاق السيد عليها بحد التقية أو ما يقرب إليها من المداراة.
ولا تظنا أن الاشتغال بإجابتكما يثقل علي، لا والله، ولو كثر السؤال منكما لمزيد المحبة مني لكما ولقصد إحياء العلم.
وقال أيضا: ويجوز الكفر باللسان لا بالقلب عند جائر مخوف منه طالب لذلك ولو لم يحضر السيف أو السوط.
وقال والسيد (بفتح المهملة وكسر المثناة التحتية المشددة) يحرم إطلاقه على المنافق إلا لاضطرار. ويجوز إطلاقه على مالك العبد مثلا، فاكسر السين واسكن الياء يكن المعنى سبعا أو ذئبا. اهـ. (1/66)
صفحة 67
وقال رضي الله عنه: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. أما بعد فسلام من كاتبه أمحمد بن يوسف اطفيش المغربي على من يجمع إلى علمه ما لم يعلمه، أو يجمع إلى علمه تحقيقا، أو إلى تحقيقه تدقيقا: سليمان بن محمد بن أحمد بن عبد الله الكندي العماني قائلا: أما من أكل فوق ما ينجو به من الميتة فقد كفر ولزمته المغلظة بذلك الزائد وانتقض به وضوؤه ونجس؛ لأن ذلك الزائد غير مضطر إليه فكان كالأكل منها مختارا. وإن أكل ما ينجو به ففي تنجيسه وانتقاض وضوئه قولان. مثاره: هل بقيت على حكمها وأبيح له تناولها وأبطل في حقه حرمتها ونجسها؟ والأول أظهر. كما اختلف في التيمم أرافع أم مبيح <1/ 69> وقائل موجود هنا: ومن وجد ميتة الأنعام والخنزير أكل منها، لأنها لو ذكيت قبل الموت لحلت. ومن اضطر إلى الخنزير ذبحه. وقيل: يأكل منه ولو حيا والأول أوضح؛ لأنا أمرنا بقتل الخنزير وذبحه وقتله، وفي القطع منه تعذيب وهو منهي عنه. وقيل: بلا ذبح إن شاء، والقولان مبنيان على ما مر من أنه بقي على الحرمة ومعها أبيح وانتقل إلى الحل، وذلك كالتيمم أمبيح أم رافع؟.
وأما من اضطر ووجد ميتة أو مال أحد فليأكل من المال ويضمن ويوصي. وقيل: لا ضمان ولا إيصاء؛ لأن صاحب المال لو حضر للزمه أن يطعمه، حتى إنه يقاتله المضطر إن أبى وشهد أنه يأكل الميتة. اهـ.
وقال رحمه الله: ويقاتل المضطر صاحب المال؛ لأن عليه تنجيته؛ ففي ماله حق له يقاتله عليه، إلا إن اضطر صاحب المال إلى ماله في الحين مثله فهو أحق بماله لا يقاتله، وعليه ديته إذا أمكن أنه ينجيه ولم ينجه. وتنجية المضطر فرض كفاية. وإذا انقطع إلى أحد واختص له لزمه إذ لم يكن إلا هو. وقد لزم دفن ميت وتنجيته مما يفسده، مع أنه لا يتوجع بضر في بدنه، ولزم ضمانه فكيف الحي، وأيضا نفس المؤمن كنفس أخيه، فلو لم ينجه لكان كمن لم ينج نفسه من هلاك وكفر. (1/67)
صفحة 68
وقال أيضا: وأما تنجية المضطر بالجوع على وجوبها على صاحب المال وإن لم يعطه أخذ منه المضطر قهرا ولو بقتال ما يقوت به في حينه، وإن لم يطعمه فمات جوعا لزمه ديته فقط لا القود على الصحيح، وأما قوله تعالى: {فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي} [سورة يوسف: 60] فقد يحتج به، ولكن لم يصلوا حد الموت بالجوع، وأيضا فقد كال لهم من قبل ولم يذكروا حال اضطرار من الجوع. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
....................................
....................................
[صفحات لم ترقمن]
لم <1/ 74> يعتقدوها على مخالفتها، بل أهمل فيها ما يسع فيه إلى السماع.
وأما [أن] تزورني أنت أو غيرك من أهل عمان فلا رحمكم الله، فإنك تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، لأني في قوم لا يقومون بي ولا بأضيافي، أشحاء إلا ما شاء، الله وإن تقبلوا ضيافتي فمرحبا بكم ألفا، ولست أبخل بالموجود. اهـ.
....................................
....................................
[صفحات لم ترقمن]
<1/ 77> فصل في جوابه لابن شيخان في مسائل الفرار من الطاعون ومنع البلاد عن المسافرين القادمين من مواضعه ومعاني أحاديث العدوى (1/68)
صفحة 69
قال رحمه الله: الحمد لله وحده والصلاة على رسول الله وآله وصحبه. أما بعد: فسلام على الشيخ محمد بن شيخان من محمد اطفيش قائلا: اعلم رحمك الله أن الفرار من الطاعون هو المحرم، وأما الحذر منه وعن مظانه فهو أمر شرعي ولو لم يثق بوجود المحذور فمن جاء من بلد الطاعون يحذر منه إذا خيف أن يكون فيه سبب العدوى ولا عدوى إلا بالله. وقد يقال: أي دليل على أن القادم من بلد الطاعون فيه طاعون أو يحمل عدواه؟ فقد يجاب أن المتقدمين من قومنا ومن خارجي الملة قد ثبت عندهم أن الآتي من بلده يتحمل عدواه، وذلك بالله، وإنما اختلفوا في جواز حبس القادم وتحذر مظنة السوء كما يحذر المقطوع لسوئه، وتحصل العدوى بالله عز وجل، أو تحدث المضرة بالعفونة وضيق المسكن وبالريح. ومما يدل على التحريم شرعا ما لم يوجد أنه لعلة قد وجد ما ثبت في الأثر أنه ينبغي أن يفر الإنسان بمن تزوج من في نسبها جُذام ولو إلى سبعة آباء، وقول أبي عبد الله الغرناطي في باب أخذ الحذر: اتفق العلماء على جواز أخذ الحذر بما هو مظنة المضرة ولو عاد أخذه بضر على الإنسان المتحذر عنه، فإن هجر فأرض الله واسعة، وإن فعل به كل أحد ذلك جاز له هو الهجوم عليهم فيما لا بد منه له. والتحرز من الطاعون وليس هو فرار منه بل أخذ بالحذر المأمور به، وترتكب أخف الضرورتين، وهي هنا منع من جاء من أرض الطاعون احتياطا على العامة، وقد قال الله عز وجل: {خُذُوا حِذْرَكُمْ} [سورة النساء: 71] فإنه وإن كان في العدوِّ والقتال ولكن لا يخفى أن كل مضرة كذلك. وقد سن الفرار والسرعة من الجرف المائل ولو لم ير منه انهدام إن كان مظنة له
....................................
....................................
[صفحات لم ترقمن]
<1/ 81> باب في الاجتهاد والفتوى وشروطها (1/69)
صفحة 70
قال رحمه الله: بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. أما بعد: فسلام على إخواننا من أهل عمان الإباضية الوهبية، نصرهم الله عز وجل على سائر أصحاب المذاهب، من كاتبه المفتقر إلى الله عز وجل: أمحمد بن الحاج يوسف اطفيش المغربي قائلا في إخلاص النصح لكم: إنه لا يجوز لمن لم يبلغ درجة الاجتهاد أن يقول برأيه، فإن قال به ضل وكفر نفاقا، وضل متبعه وهلكَا، ولو وافق الحق، بل يجب عليه أن يسأل أو يأخذ من الكتاب المصحَّح مما لا يربيه مما فهمه. ونص أصحابنا على أنه من لم يعرف معاني الحروف وموازين الأفعال ومصادرها فحقه أن يكون مستفتيا لا مفتيا، ولا يجوز أن يفتي بشيء إلا أن يسأل عنه. وقال: حفظته عن فلان الثقة، بل لو عرف ذلك لم يجز أيضا إفتاؤه ولا قضاؤه إلا إن مارس وقرأ على شيخ متقن ولو عرف ذلك، ولو قرأ عليه لم يجز له أيضا القول برأيه إلا إن مارس كتب الحديث وأحاط بالحديث فهما وعلما إلا ما شذ وعرف الناسخ والمنسوخ والمجمل والمفصل وغير ذلك من مسائل أصول الفقه والتبرز في النحو والصرف والمعاني والبيان والمنطق واللغة وكان يستحضر آيات في النحو والصرف يبحث فيه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «قاضيان في النار: قاض بلا علم ولو وافق الحق، وقاض مخالف لما عليه من الحق، والثالث في الجنة». ولا فرق بين القضاء والإفتاء في مطلق الضلال.
وقد قال الله عز وجل: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [سورة النحل: 43] أيرى من جهل معك ودا في أهل الذر؟ كلا، والذكر ولو قصد به الكتب المتقدمة من الكتب لكن لما صدق واحد كيف يصح القياس لمن لم يقرأ كتبه أو مسائله ولم يعرفها، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «وما لم تعرفوه فكلوه إلى الله»
....................................
[صفحة لم ترقمن] (1/70)
صفحة 71
<1/ 83> في الآية فإن ما يقوله الثقة والمجتهد أو جزم به في الكتاب ظن بمعنى أنه يحتمل أن يكون عند الله أو في نفس الأمر غير ذلك، ومن ذلك أنك إذا حكمت بشهادة عدلين فقد حكمت بالظن، إذ لا تدري ما عند الله من الأمر كذلك أم لا، والأمر يجري على الظاهر كما سمى الله عز وجل الشاهد بالزنا كاذبا إذ لم تتم شهادته بغيره. ومعنى أن تسموه كاذبا ولو صدق عند الله وإن شهد أربعة فالحكم بهم حكم ظن، أي بعلم لا يقين فيه لاحتمال كذبهم.
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [سورة الإسراء: 36] قال: لا تقل. ولا بد من هذا المعنى على عمومه مع كل تفسير فسرت به الآية. قال الربيع بن حبيب عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أفتى في مسألة أو فسر رؤيا بغير علم كان كمن وقع من السماء إلى الأرض فصادف بئرا لا قعر لها ولو أنه أصاب الحق». ولا يخفى أن قولكم بالرأي من غير أن تكونوا أهلا له إفتاء بغير علم، واعلموا أن القول أشد من الفعل؛ لأن القول يتبع والفعل لا يتبع، إلا فعل النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يتبع كما يتبع قوله. وقال صلى الله عليه وسلم: «الحلال بين والحرام بين وبينهما متشابهات ... » الحديث، فإنه يشمل المعاملة بالمال ويشمل الكلام في العلم، بل فسره جابر بن زيد بالكلام في العلم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. (1/71)
صفحة 72
وقال رضي الله عنه: بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. أما بعد فسلام من كاتبه أمحمد بن الحاج يوسف على الشيخ العلم عبد الله بن حميد، حامدا الله عز وجل على ما <1/ 84> سمعنا من رجوع الشيخ محمد بن شيخان بالصلح، وأنكما متحابان كأول. وأما الاستعاذة فلا قائل بأنها تكليف وأما الإفتاء فلا يجوز إلا للمجتهد أو لمن طالع الكتب ومارسها من شيح يهديه ومع علم العربية فيفتي بما نص في الكتب أو بما تضمنه قطعا حتى كأنه مصرح به. والله ولي الحمد. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
وقال في موضع آخر: وسؤالك عن قطع عذر السائل إذا أخطأ مسؤوله أن السائل مأمور باتباع الحق، فهو مقطوع العذر ما لم يوافق الحق عند العلماء والمسؤول كدليل الفلاة إن أخطأ فيها هلك وهلك مَن يقتدي به وقد يغلط مسؤوله فيعذر ولا يعذر سائله فالمسؤول كالنبي لا بد أن يأتي بما هو حق عند العلماء، فإذا أتى بباطل زال عن شبه النبي فبطل الاقتداء به فلا يعذر متبعه ورخص في عذر السائل. اهـ.
وسئل رضي الله عنه: أيجوز للمجتهد العمل بغير رأيه؟
الجواب: إنه لا يجوز إلا إن ضاق الوقت عن أن يجتهد في مسألة ضاق وقتها. وأجاز الشيخ أحمد بن محمد بن بكر مؤلف كتاب أبي مسألة للمجتهد العمل برأي غيره ولو لم يضق الوقت، وفعل هو أيضا ذلك، ولا يجيز ذلك غيره وهنا مسألة مخرجة عن الضيق، وهو أنه يجوز للمجتهد أن يقول: إن في كتاب كذا الحكم بكذا، أو فلان من العلماء يقول كذا، أو الجمهور أو القليل يقول كذا أو كذا مما خالف مذهبه. انتهى. (1/72)
صفحة 73
قال: وفي جوابه لأهل زوارة: وأقر إخواننا علماء أهل زوارة أن الحق في غير الأصول مع كل من المختلفين ممن له الاجتهاد، بمعنى أن الله تعالى جعل قول كل واحد منهم حقا عنده وهو قول، وقيل: الحق مع واحد فقط وقد يخطئون جميعا ولا إثم على المخطئ، وهو الصحيح وهو مذهبنا.<1/ 85> والخلاف كثير في ذلك، والأشغال كثيرة مانعة لي من بسط المسائل.
....................................
[بقية الصفحة لم ترقمن]
والأصول: ما مرجعه إلى التوحيد بلا واسطة أو <1/ 86> بواسطة. وقيل: ما مرجعه إلى العقل لا إلى النقل. وقد شدد أصحابنا في بعض الأمور لقوة أدلتها فيوهم أنه من الأصول المذكورة وليس منها كالخلود في النار. وأما ما ورد النص فيه ولم يطلع عليه قوم فاختلفوا فالصحيح قطع عذر من خالفه، وقيل فيه الخلاف السابق في الأصول، وصحح قومنا أنه لا يأثم. (1/73)
صفحة 74
وقال عفا الله عنه: عنه بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. حيَّا الله الرحمن الشيخ محمد بن شيخان الكاتب الشاعر منهل الفقه للوارد والصادر من كاتبه أمحمد بن الحاج يوسف اطفيش قائلا: بلغني كتابك المؤرخ بشعبان سنة 1317 في أواخر ربيع الثاني سنة 1318 فليس تأخير الجواب تفريطا مني، ومع ذلك يا أخي لو علمت ما بي من الأشغال وفتن الأعداء لعذرتني ولما وصلني همني ما ذكرت جدا. وأختار لك أن تتمهل وآمرك بالصبر ولو قل صبري فإن عاقبته محمودة، ولأن يسمع الإنسان الإنسانَ أسلم له من أن يقول. ومن علم معاني الحروف ومصادر الأفعال وموازين الأسماء والنحو واللغة ومارس الفقه بالتعلم جاز له الإفتاء بما في الكتاب بترجيح، وإن لم يقدر على الترجيح رجح له قادر عليه، وجاز له الإفتاء للإنسان مطلقا بما حفظه من ثقة. وإن شئت رجوع الجواب بسرعة ولو في كل جمعة فأرسل لي قماطر باسمك وبلادك مخلصة الثمن وغير مخلصة، ولك دعاء الخير مني بإذن الله ما ذكرتُ، ولستَ هينا عندي، ولكن أردت أن يظهر فيك أثر قوله صلى الله عليه وسلم: «من تواضع رفعه الله».
وسئل عمن فعل بقول ضعيف أيبرأ منه؟
الجواب: إن وجد في الأثر وهو حق فإنه يعذر ولو كان قول مخالف إذا كان في الفروع وذلك من أخلاق السوء إن كان يجد من يرجح له أو قدر على الترجيح ولم يفعل. وبالله التوفيق.
....................................
....................................
[صفحات لم ترقمن]
<1/ 89> باب في السؤال عن الأخذ بروايات قومنا وقبول الفتوى عنهم ونقل العلم من كتبهم (1/74)
صفحة 75
قال رضي الله عنه: بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. أما بعد فسلام من كاتبه أمحمد بن يوسف اطفيش المغربي على الشيخ العالم المحب الصادق عيسى بن صالح بن علي والشيخ العالم العفيف صاحب الحب الصادق المؤلف عبد الله بن حميد السائلين عن مسائل أولاهن وثانيهن خمس عشرتهن هل يجوز الأخذ بروايات القوم وهم غير عدول عندنا؟ وهل يجوز استفتاء عالمهم فيما جاز فيه الخلاف؟ وهل الإدخال من كتبهم في كتبنا جائز؟
الجواب: بأمر برهاني وأمر إقناعي ملتحق به:
- أما البرهاني فقوله صلى الله عليه وسلم: «ما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فعني ولو لم أقله»، بعبارة الراوي أولم أتعرض له أصلا كيف أخالفه وبه هداني ربي وعلى الحديث نور باهر كأنه محسن للعالم الناقد، مع أنه معقول لا محسن، ولا يخفى عليَّ والحمد لله ما صح منه وما لم يصحَّ.
ولا يجوز أن أترك ما وهبني ربي من إدراك ذلك حتى يدركني من لم يصل ذلك ولو ساعة، مع أنه لا يدركه حتى يموت في ظاهر الأمر [كذا].
وأكثر أحاديث القوم المتناقضة فيما بينها أو ما بينها وبين ما عندنا قد رده بعضها إلى بعض بالتأويل، كتقييد بعض ببعض وبأنواع الإعراب، ولا أذكر حديثا موهما لما لا يجوز إلا نبهت عليه وذكرت تأويله ونبهت أنه لغيرنا، فكيف لا أنبه عليه إذا لم يقبل التأويل؟. وقد اتفق العلماء على أنه لا يقال للجاهل اعلم <1/ 90> مثل علمي وإلا قطعت عذرك، وبالعكس. (1/75)
صفحة 76
ويقطع العذر في الأصول التي الحقُّ فيها مع واحد، ولا يجوز الاختلاف فيها إلا من وصل حدا من البلاهة لا يكلَّف فيه. ولا أذكر من كلام القوم إلا ما لا بأس به ولو وجد في مذهبنا ما يخالفه إذا كان له وجه صحيح ظاهر لا تكلف فيه، وربما رجحته على ما في المذهب لقوته بأدلة وجدتها؛ لأن القول بالحق واجب مع الحبيب والبغيض. والواصل يحرم عليه التقليد. وفي كل مذهب راجح ومرجوح، وأكثر مسائلنا في الفروع راجحات والحمد لله، وكلها حق في الأصول. وإذا ترجح قول غيرنا في مسألة من الفروع على قولنا بأدلة، أو ذكروا مسألة لا بأس بها ولم تذكر في المذهب جاز ذكرها في كتبنا ولو بلا نسبة لها إلى قومنا. وإذا اضطر المذهب أحدا إلى مسألة من كتبهم لعدم ذكرها في كتبنا وعدم من يفتيه من أصحابنا عمل بها وهي من الفروع. وكذلك يستفتى عالمهم إن لم يربْه ولم يجد عالم أصحابنا. وللمجتهد المطلق ومجتهد مذهبه والمميز المرجِّح أن يذكر للمحتاج ما في كتبنا وكتب غيرنا ولو كان لا يعتقد ذلك بل خلافَه، مثل أن يقول: في كتاب الشيخ فلان كذا ويسكت، والأفضل أن يقول له: إني لا أقول بذلك ولا أرجحه، بل الشيخ أحمد بن أبي بكر المجتهد المطلق يفتي أحيانا بما في الكتب بدون أن يستفرغ وسعه ولو لم يضق الحال، وأجاز ذلك.
وإذا ضاق الوقت عن استفراغ الوسع جاز ذلك قطعا. وكنت والحمد لله أقول فيخبرني أصحابي الكبار والتلاميذ أنا وجدناها كما قلت في كتب أصحابنا أو كتب غيرنا. (1/76)
صفحة 77
وقد يكون المخالف أو الموافق غير عدل في غير العلم عدلا فيه، ولا يخفى ذلك، فإن قومنا المتقدمين يتشددون في البحث في الله تعالى، أو لئلا تظهر عنهم جهالة ولا يقصرون خوف أن يعاب عليهم كلامهم، فذلك من أسباب التحقيق، وليس هو بمثابة من شوهد منهم، وكل يوم أفضل مما بعده وأسوأ مما قبله، ومن لم يصل إلى معرفة ذلك من أصحابنا مثلا فليسلم لمن وصلها، ولا بد فأخبرا ذلك الرجل <1/ 91> بهذا وقولا له أو لمثله ممن لم يصل ينته هو عن الأخذ بنفسه من قومنا، وليقتد بما أخذت له منهم مصفى، ولينته عما قلت له منهم متكدر، فقد كفيتُه المؤونة، ومن الله المعونة، وعلمتُ من هو منهم عدل في شأن العلم ونقلتُ عنه كما نقل مَن قبلَنا من أصحابنا عمن علموا عدله، فليدع لي بالخير إذا كانت المسألة راجحة من مذهبهم ولو لم تذكر في مذهبنا هي حق، فذكرها بلا نسبة إليهم أولى إذ تُرابُ بذكرهم وليست باطلة، وفي القرآن: {أَفَمَنْ يَّهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُّتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهَدِّي إِلآَّ أَنْ يُّهْدَى} [سورة يونس: 35] {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ} [سورة يونس: 32]. والحق يقبل من كل من جاء به ولو مشركا، وجاء أن الحكمة والحق ضالة المؤمن يقبلها ولو من عدوه. ولذلك المذكور اتفق أصحابنا على أنه من عمل بقول مخالف في الفروع نجا ولو خالف ما عندنا مهما جاء بما لا يخالف ذلك فساد ومجرد تغليظ [كذا]. وقولا للرجل لا يتوهم أني متعصب لقومنا أو راغب في نشر مذهبهم بل واقعة حالي تكلمت فيها. وقولا له: إذا صرت إلى ارتيابهم مطلقا فاعلم أنه لا فرق بين مسألة من مسائلهم وبين أن تعتقد طهارة بللهم في الثمار والثياب وغسلها ونجسها وعصر الزيت وغير ذلك مما يؤكل من أيديهم وتصلي به وتصوم به أكلاً وشربا وتفطر وتسحر وتحج به. (1/77)
صفحة 78
والفرق ما بيننا وبينهم إلا ما رتبه [كذا] إلا أن المسألة تطرد ذلك إذا هلكت، والهلاك محذور، وسواء بمسألته أو فعله، بل أن أعتقدن جواز فعل ذلك فقد رجعت إلى المسألة [كذا].
ومن أين لك أن تريب مسائلهم كلها وهل لك أن تحرم أموالهم لعلها من ربا أو غصب أو سرقة أو غير ذلك؟ مقتضى قولك أن تحرم ذلك كله، وتحريمه باطل وخلاف الإجماع، فإياك وقد علمت أن الغلوَّ حرام. (1/78)
صفحة 79
- الأمر الثاني وهو الإقناعي، وإذا حقق رجع إلى البرهاني أنه يأخذ اللغة من كتبهم والتفسير منها وأنواع العلوم، ويعلِّم ذلك، أو يجعله واسطة كالنحو والصرف والمعاني والبيان والمنطق، وتبنى على ذلك أحكام فقه <1/ 92> ونحوه. وترى جابر بن زيد رحمه الله يأخذ الحديث مطلقا من الصحابة ويستعين بالحسن البصري، وما زال الناس يأخذون عن التابعين وتابعيهم وهكذا، لا يشترطون الولاية. والشيخ يوسف بن إبراهيم قرأ في قرطبة من أندلس، وأبو عمار في تونس المعقول والأصول وعلم الكلام، وعملا بذلك وحملاه واسطة للفقه أيضا. وفي بعض سند الربيع رجال ليسوا من أصحابنا. وكل حديث لم يخالف القرآن وناسبه وناسب الحديث الآخر، أو الاتصال له بهما سلبا لا إيجابا وقبله المجتهد باجتهاده جاز وصح. وجل مسائل المنهاج من غيرنا بلا نسبة إلى غيرنا، ومن ذلك الكلام المبسوط في المغوث والقطب. وقولا له: هل تأخذ أسماء الله الحسنى وأسماء النبي صلى الله عليه وسلم مما لم يذكر في القرآن إلا من كتبهم أو كتاب أخذها منها؟ وإلا حرمت من بركتها، وكذا أهوال الحشر والبعث والموقف والكلام على الجنة والنار جلُّها عنهم، وما زال أصحابنا يأخذون من كتبهم كأبي ستة وصاحب القناطر. وقد قال هو في مسألة: إنها من المخالفين إلا أن الحق يقبل عمن جاء به وفي الحديث: «اقبل الحق ممن جاء به حبيبا أو بغيضا». وقولا له رحمكما الله: لا بد أن تعين لي مسألة ما شاء من المسائل التي يقول أخذتها من كتب قومنا لأبين لديها من كتب أصحابنا نصا أو التزاما، وعزيمة عليكما أن تلزماه حتى يذكر لكما ما شاء من ذلك لأبين له، فليعلم الحق وسلِّمَا عليه مني. اهـ. (1/79)
صفحة 80
وقال رحمه الله: بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم أما بعد فإن الكاتب لسبع ليال مضين من رجب عام 1322 أمحمد بن يوسف اطفيش المغربي اتصل بأوراق في هذه الأيام لفظها بعد ذكر الله سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم وبعد التسليم على الكاتب من الفقراء إلى الله تعالى عيسى بن صالح بن علي الحارثي وعبد الله بن حميد بن سلوم وغيرهما الساكنين بلد القابل من الشرقية من عمان قائلين: أجبنا رحمك الله عن سبع عشرة مسألة: الأولى هل يجوز الأخذ برواية قومنا؟
<1/ 93> الجواب: الجواز في الفروع إذا اطمأن القلب نص عليه غير واحد من المغاربة. وإنما لي ذلك من له علم المعقول والمنقول لا العامة، ولا سيما الوعظ، وليست كتبهم مهملة بل مفيدة مبحوث فيها قديمة مشروحة محشو عليها كصحيح البخاري وصحيح مسلم وكتب ابن حجر. وما كان من الخطإ فلا يؤخذ ولو في الفروع. وكيف لا يجوز منهم مسألة لأننا في القرآن والسنة والأصول، ولأن تؤخذ مسألة من فلان عن فلان عنه صلى الله عليه وسلم خير مما صح منه وما لم يصح.
ولا يجوز أن أترك ما وهبني ربي من إدراك ذلك حتى يدركه من لم يصل ذلك ولو ساعة، مع أنه لا يدركه حتى يموت في ظاهر الأمر [كذا].
وأكثر أحاديث القوم المتناقضة فيما بينها أو ما بينها وبين ما عندنا قد رددت بعضها إلى بعض بالتأويل كتقييد بعض ببعض وبأنواع الإعراب. ولا أذكر حديثا موهما لما لا يجوز إلا نبهت عليه وذكرت تأويله ونبهت أنه لغيرنا، فكيف لا أنبه عليه إذا لم يقبل التأويل. وقد اتفق العلماء على أنه لا يقال للجاهل: اعلم مثل علمي وإلا قطعت عذرك وبالعكس. (1/80)
صفحة 81
ويقطع عذره في الأصول التي الحق فيها مع واحد ولا يجوز الاختلاف فيها إلا من وصل حدا من البلاهة لا يكلف فيه. ولا أذكر من كلام القوم إلا ما لا بأس به ولو وجد في مذهبنا ما يخالفه إذا كان له وجه صحيح ظاهر لا تكلف فيه، وربما رجحته على ما في المذهب لقوة بادية وجدتها؛ لأن القول بالحق واجب مع الحبيب والبغيض. والواصل يحرم عليه التقليد. وفي كل مذهب راجح ومرجوح، وأكثر مسائلنا في الفروع راجحات والحمد لله، وكلها حق في الأصول. وإذا ترجح قول غيرنا في مسألة من الفروع على قولنا بأدلة، أو ذكروا مسألة لا بأس بها ولم تذكر في المذهب جاز ذكرها في كتبنا ولو بلا نسبة لها إلى قومنا. وإذا اضطر المذهب أحدا إلى مسألة من كتبهم لعدم ذكرها في كتبنا وعدم من يفتيه من أصحابنا عمل بها وهي من الفروع. وكذلك يُستفتى عالمهم إن لم يربه ولم يجد عالم أصحابنا. وللمجتهد المطلق ومجتهد مذهبه والمميز المرجح أن يذكر للمحتاج ما في كتبنا وكتب غيرنا ولو كان لا يعتقد ذلك بل خلافه، <1/ 94> مثل أن يقول: في كتاب الشيخ فلان كذا ويسكت، والأفضل أن يقول له: إني لا أقول بذلك ولا أرجحه. بل الشيخ أحمد بن أبي بكر المجتهد المطلق يفتي أحيانا بما في الكتب بدون أن يستفرغ وسعه ولو لم يضق الحال، وأجاز ذلك.
وإذا ضاق الوقت عن استفراغ الوسع جاز ذلك قطعا. وكنت والحمد لله أقول فيخبرني أصحابي الكبار والتلاميذ أنا وجدناها كما قلت في كتب أصحابنا أو كتب غيرنا. (1/81)
صفحة 82
وقد يكون المخالف أو الموافق غير عدل في غير العلم عدلا فيه، ولا يخفى ذلك، فإن قومنا المتقدمين يشتدون في البحث في الله تعالى، أو لئلا نظن عنهم الجهالة ولا يقصرون خوف أن يعاب عليهم كلامهم، فذلك من أسباب التحقيق، وليس هو بمثابة من شوهد منهم، وكل يوم أفضل مما بعده وأسوأ مما قبله. ومن لم يصل إلى معرفة ذلك من أصحابنا مثلا فليسلم لمن وصلها. ولا بد فأخبرا ذلك الرجل بهذا، وقولا له أو لمثله ممن لم يصل نيته هو الأخذ بنفسه من قومنا وليقتد بما أخذت له منهم مصفى، ولينته عما قلت له منهم متكدر فقد كَفيتُه المؤونة، ومن الله المعونة، وعلمت من هو منهم عدل في شأن العلم ونقلت عنه كما نقل من قبلنا من أصحابنا عمن علموا عدله فليدع لي بالخير إذا كانت المسألة راجحة من مذهبهم ولو لم تذكر في مذهبنا هي حق، فذكرها بلا نسبة إليهم أولى، إذ تراب بذكرهم وليست باطلة، وفي القرآن: {أَفَمَنْ يَّهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُّتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهَدِّي إِلآَّ أَنْ يُّهْدَى} [سورة يونس: 35] {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ} [سورة يونس: 32]. والحق يقبل من كل من جاء به ولو مشركا، وجاء أن الحكمة والحق ضالة المؤمن يقبلها ولو من عدوه؛ ولذلك المذكور اتفق أصحابنا على أنه من عمل بقول مخالف في الفروع نجا ولو خالف ما عندنا مهما جاء بما لا يخالف ذلك فساد ومجرد تغليظ [كذا]. وقولا للرجل: لا يتوهم أني متعصب لقومنا أو راغب في نشر مذهبهم، بل واقعة حالي تكلمت فيها. وقولا له: إذا أصررت تأخذها بدون ذلك، ولأن تأخذ مسألة من كتبهم خير من أن تعمل بجهل. (1/82)
صفحة 83
وإن شئت فانظر إلى الشيخ يوسف بن إبراهيم فإنه قرأ الحديث والمعقول في الأندلس وإلى أبي عمار فإنه قرأ المعقول وعلم الكلام في تونس وإلى أبي ستة فإنه يروى أحاديثهم [و] تفسيرها وإن ارتبت في ذلك من قومنا <1/ 95> فارتبْ من [علوم] الآلة، في العربية والنحو والمنطق والصرف وغير ذلك فكيف تجيز بعضا وتمنع بعضا، وما ذلك إلا لعب. ولست أغريك بمذاهب القوم فإن في كتبنا ما يغني. وحذروا العامة عن الخوض. وما أذكر من كلامهم في كتبي إلا ما لا بأس به وإلا ما لا بد من تزييفه فأزيفه. ومن العجيب أن تكون المسألة حقا فتترك لأنها جاءت من مخالف، هذا غلو! واذكروا قوله تعالى في غير أهل القبلة: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ... } [سورة المائدة: 8] الخ. والله الموفق. اهـ.
وسئل: هل يجوز الأخذ بقول مخالف لقول أصحابنا أو بقوله في مسألة لم توجد في مذهبنا؟
الجواب: نعم، لا يكفر ولا يعصي فاعله. يجوز ذلك للعالم. وإن فعل ذلك غيره عُذِر ونص غير واحد منا أنه كمن وجد ماء في سبخة لا يترك بل يجزيه، لكن هذا إذا لم يجد سواها، وإن لم يجد إلا مخالفا في الفروع وجب عليه اتباعه، وينبغي أن تكون هذه والأولى واحدة.
وسئل: هل يجوز لضعفاء أصحابنا النظر في كتب قومنا؟
الجواب: المنع، ولو كتب وعظ؛ لأنها قد تتضمن خطأ ولو في الوعظ، إلا أنه قد يسوء فهم الضعيف.
وسئل: هل يجوز إدخال مسائل قومنا في كتبنا بلا تنبيه على أنها منهم؟ (1/83)
صفحة 84
الجواب: المنع، إلا من جمع العلوم المحتاج إليها في نحو ذلك. وقد توقيت في ذلك جهدي ببيان أن المسألة منهم، أو بذكر قائلها بحيث يعرف <1/ 96> أنه منهم لعلمي أنه لا بأس بها فلا أذكر أنها منهم. وإن كانت فاسدة ذكرت حجة بطلانها، والحق يقبل ممن جاء به موافقا ومخالفا. وأعوذ أنا وأنتم من تحريم الحلال، وهل فسر القرآن غيرهم في هذا العصر؟! إلا الشيخ هود رحمه الله ولم يصل تفسيره هؤلاء المستشكلين، وإن وصلهم فقد لا يجدون مقصدهم، فهل يقرؤون أو يصلون أو يفسرون أو يفسر لهم؟ إلا تفسير البيضاوي والزمخشري ونحوهما. ولكما الآن والحمد لله الرحمن الرحيم من تفسير المذهب ما يغنيكم إن شاء الله عن تفسير غيره، فإن ذكرت مذهبهم فإما لأرده، وإما لأنه حق وقد اعتقدناه قبل أن نراه لهم، ولست مقلدا لأحد ولاسيما التيسير الذي قرب إن شاء الله الرحمن الرحيم كماله. والله ما ذكرته إلا لترغبوا فيه لأنه غير طويل، بل متوسط مع جمعه ما ليس في المطولات. والحمد لله.
وقال في موضع آخر: ثم إني أختار لك إذا صحت عندك مسألة من كتب قومنا فاذكرها بلا ذكرهم فلا بأس عليك، وأخلص أعانك الله وإيانا. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. واعلم أني أريد أن تخبرني بكل ما تحبه فأسعى فيه جهدي ولا أمل منه. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. انتهى كلامه.
قلت: وقد كتب بهذا لشيخنا العلامة السالمي في كتاب طويل ذكرناه سابقا. رحمهم الله ونفعنا ببركاتهم. آمين.
....................................
[صفحة لم ترقمن] (1/84)
صفحة 85
<1/ 98> حديث سنده إلى ثوبان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لامرئ أن ينظر في جوف امرئ مسلم حتى يستأذن، فإن نظر فقد دخل ولا يؤم قوما فيخص نفسه بدعوة دونهم، فإن فعل فقد خانهم، ولا يقوم إلى الصلاة وهو حقن». وليس هذا الحديث خارجا عن نهيه صلى الله عليه وسلم من الدعاء بالجنة للفاسق أو من لا يعلم حاله إلا من يتولى من تحت الإمام العدل فيخص عموم الأول بخصوص الثاني عملا بهما كما هو القاعدة، فالمعنى أنه يعم الإمام المأمومين بمصالح الدنيا ويخص أهل الولاية بالدعاء بالجنة أو المغفرة وبما يؤول إلى ذلك، أو يأخذ بقول من أجاز الدعاء للفاسق بالهداية، عملا بقوله صلى الله عليه وسلم: «اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون»، فيعم للمأمومين مطلقا بها. وله الدعاء أو لغيره بما لا يوجب ولاية مثل أن يقول: اجعله مقيما للصلاة ومجانبا للزنا والرياء ونحو ذلك من خصوص المسائل، سواء أشخص المدعو له منهم أم لم يشخص.
وسئل كيف يعتذر المتوقف من الصحابة مع قيام الحجة؟ وكيف يعذر كل من قامت عليه الحجة بعد إدراكها؟
الجواب: إن هذا متهافت في شأن المسألة؛ لأن الفرض إن لم يدركها ولو أدركه مخاطبة وعاتبه فإنه يقول: لم يصح عندي أنه كتب إلى الشام أو أنه أمر، والخط يتشابه، ويعالج الشبه، ولم يصح عندي أنه طبع بيده، وأنه يقول: لم يفهم أن ذلك موجب للقتل، وليس ذلك كواجب فورا عزم عليه الشارع مما لا يجوز فيه الخلاف. وإنما يبرأ ممن فهم الحق وألغاه، وتمسك بما وود في فضل الصحابة عموما أو خصوصا وليس فيمن عذرهم براءة ممن لم يعذرهم، ولست أشدد على من خالف هذا، وإنما هذا من مسائل الخلاف الجائز. وأستحب لك أن تحفظ قولي من قصيدة من الوافر:
ولي في الصحابة قولة عزيزة.:. ولايتهم جميعا غير قالي
أني ولايتهم أولا يتهكم [كذا]
<1/ 99>
سوى من صح منه فعل ذنب.:. عظيم من مقالى أو فِعال
وأما مَن توقف للجهالة.:. بأمر فتنة وبحكم حَال (1/85)
صفحة 86
فقد وافى الصواب وما عليه.:. كذلك من عتاب أو وبال
وإن علمت من بعض وقوفا.:. مع الإدراك كان على اختلال
وقال أيضا رحمه الله: وأما من شك الآن في جور عثمان وعلي ومعاوية فلا يعذر، ولكن قل: إن كان ابن عمر مثلا متوقفا لعدم إدراكه الحق ولم يدرك قلبه فمعذور، وأما أن يتوقف لمطلق مدح الصحابة إجمالا في الحديث فذلك شك غير جائز، وحرام عليك أن تقف في الصحابة لمجرد أنه لم يصلك أنه برئوا من عثمان وعلي ومعاوية مع ما جاء من مدح النبي صلى الله عليه وسلم. وحرام عليك أن تحملهم أنهم شكوا، ولعلك تحملهم على الشك فتبرأ منهم فتضللهم فتكون رادا على النبي في مدحهم. وليس من الحق أن تقف في كل صحابي لم تعلم أنه تبرأ من هؤلاء بل الصواب أن تتولى من شهر بالخير منهم. ومن شهر البراءة من هؤلاء كلهم ومن لم تعرف منه شيئا وتبرأ ممن صوبهم وتولاهم ومن علمت أنه شك لا ممن قال: لم أدرك الحق، وكيف لا تتولى من مدحه النبي صلى الله عليه وسلم ولم تعلم منه موجب البراءة من شكٍّ أو غيره. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
وسئل عما يوجب في الناس من البراءة من بعض الصحابة بعالم واحد، ولعلنا نقف عن البراءة من البراءة حتى نعرف الحجة؟
الجواب: إنه لا يبرأ بواحد إلا إن كان إماما عادلا، وتبرأ ممن قامت الحجة على أنه ظالم من الصحابة وتتولى الباقين ولو من توقف في الظالم من الصحابة إذا كان توقفه لعدم إدراك الحق لا مداهنة وتقصيرا في الحق؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم تولى الصحابة إلا من ظهر لنا منه شيء فإنا نبرأ منه. <1/ 100> ولي في ذلك قصيدة. ومما لا بد منه ومن التنبيه له استحضار الصحابيات عند الدعاء للصحابة، واستحضار صحابة الجن وصحابياتهم. (1/86)
صفحة 87
وقال في موضع آخر: أما قول يوسف بن محمد حمد الله [كذا] رضي الله عن عثمان وعلي وطلحة والزبير فإنما هو مداراة دارى بها قومنا. نعم مَن والَى مَن توقَّف من الصحابة في أمر الفتنة كأبي هريرة وابن عمر فهم إنما توقفوا لأن الأمر اشتبه عندهم، لا لتقصير أو لمداهنة ولا تضييع فقد أصاب الحق في ولاية المتوقفة، وللصحابة مزية لنص النبي صلى الله عليه وسلم عليهم، إلا من تبين أنه زل فلا توقف فيهم إذ كانوا بعد ذلك تحت إمام زل فإنما هذا التوقف في غيرهم ممن ولايته لمجرد كونه تحت إمام عدل فإذا زل وقف فيهم.
وقال في موضع آخر: أما ولاية ابن النضر وعدمها ومسألة خلق القرآن فقد ذكرته في شرح الدعائم - وهو عندكم - ولا إشراك بدعوى قدم القرآن ولا بمخالفة الأصول التي يقطع فيها العذر كقولهم: صفات الله غيره ورؤيته، بل البراءة لأنهم تأولوا.
وسئل عن لعن جابر بن زيد رجلا إذ سمع من متولييه لعنه ما وجه ذلك؟
الجواب: أن الوجه في كلام جابر نفسه فإنه لما قالا له في ذلك قال لهما: أي حجة أعظم منكما وقد اجتمعا على لعنه، فالمتوليان حجة، وقد أجاز غير واحد الولاية بواحد، وأجازها عمروس وابن عباد بواحدة وأفتيا بأن يحج عن امرأة بشهادة امرأة واحدة أنها في الولاية لما أراد السائل أن لا يحج إلا عن متولى.
وقال أيضا: من شاهد فعلا ولم يدر ما حكمه توقف فيه وأبقى فاعلَه على حاله من قبل. وإن علم أنه معصية وجب عليه <1/ 101> أن ينهى عنه، ولا يبرأ منه إلا إن عرف أنها كبيرة ...
....................................
....................................
[صفحتان لم ترقمن] (1/87)
صفحة 88
<1/ 103> الجواب: والله المستعان لعل مراد الغزالي ما يوجد في أثر أصحابنا من أنه من يتولى أمور الناس لا يعجل ببراءته - لما ذكر عنه - من يحكم بشهادته حتى يحضر فيجيب عن نفسه، ولكن شرطوا ولايته من قبل. وأقول: يلتحق به مستور الحال. أو مراده أنه ذكره قبل استتابته في قول إن كان قبلُ في ولايته. أو مراده أنه ذكره بمجرد سماع دون شهرة مقبولة. أو مراده أنه ذكره انتقاما لنفسه لا لوجه الله. وأما إبقاء كلامه على ظاهره فلا يقبل عنه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قال: «اذكروا الفاسق بما فيه يعرفه الناس»، وقال: «أتزعون أن تذكروا الفاسق ... ؟» الخ. فهذا الذي أمر صلى الله عليه وسلم بذكره هو ذلك المستتر الذي نهى الغزالي عن ذكره، وأما المعلن فقد عرفه الناس بإعلانه، ولا مانع من ذكره أيضا ليعرفه من لم يعرفه، وليذل الكفر ويرفع الإسلام. اهـ.
وقال أيضا رحمه الله: سلام عليكم. لا بد ألحقوا في شرحي لامية ابن النضر عني [كذا] ما نصه: تجب ولاية الصحابة إلا من زل في الفتنة مثلا ولم يتب؛ لأنهم تحت الإمام العدل النبي صلى الله عليه وسلم أو تحته وتحت الصديق وتحت الفاروق، وبمدح النبي صلى الله عليه وسلم فيستصحب حالهم. ولا يبرأ ممن توقف لعدم إدراك الحق؛ لأن التوقف هو الواجب عليه حينئذ. ويدل لهذا أن عمارا وأبا ذر وابن مسعود ونحوهم ممن يتفق على ولايتهم لم يبرأوا ممن توقف كابن عمر وزيد بن ثابت وأبي هريرة ومحمد بن مسلمة وسعد بن أبي وقاص، ولو تولوا عثمان وعليا. (1/88)
صفحة 89
وقال: رحمه الله في جواب أهل زوارة ما نصه: وأقر علماء أهل زوارة بأن الزاني في غير الفرج في الوقوف، وهو خطأ فاحش لا بد يا إخواننا من التوبة منه، فإن حفظ الفروج واجب بالقرآن والسنة، واللمس أشد من النظر على الصحيح، وقد صرح الحديث تصريحا، وبالقرآن دون التصريح أن النظر إلى الفرج كبيرة، ودليل أشدية اللمس قوله تعالى: {فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ} [سورة الأنعام: 7]. وإن ناظر فرج نفسه بلا شهوة أو فرج زوجته أو سريته ولو بشهوة لا ينقض وضوءه، ومس الفرج في ذلك ناقض.
....................................
....................................
[صفحات لم ترقمن]
<1/ 117> باب في الاستئذان والسلام في البيوت وذكر تعقبة كلام المحقق الخليلي في هذه المسائل
وسئل عمن ترك السلام في البيوت عمدا؟
الجواب: إنه هالك لأدلة مبسوطة. وإن رأيت في كلام لي أنه لا يهلك فغلط، أو من ناسخ، أو بناء على أن العصيان في شأن تاركه المذكور في بيان الشرع والمنهاج المختصر له ومختصره للشيخ عبد العزيز عصيان صغير، أو لا يدري أصغير أم كبير، فذكرت أنه لا يجزم فيه بالهلاك مجاراة لكلام بيان الشرع. والذي أجزم الهلاك لأحاديث كثيرة جمعتها في كتب. وعلى احتمال بيان الشرع يكفر من أصر على الترك ولا ينجو وبينما أنا أعالج بني مضاب على وجوبه أطمعهم جامع المعقول والمنقول للشيخ سعيد بن خلفان في عدم وجوبه فساءني ذلك فأجبته.
قال المرتب: وهذا السؤال الذي صدر من المحقق الخليلي وجوابه عليه، واعتراض الإمام القطب على أثره فدونكه بنص حروفه.
قال السائل: ومنها السلام في البيوت هل هو فرض كالاستئذان أم بينهما فرق؟
الجواب: في الأثر أن التسليم في البيوت وغيرها سنة لا فريضة، فأمر المولى به يُحمل على الندب والله أعلم. (1/89)
صفحة 90
ومن غيره: الذي وجدناه في الأثر أنه من دخل بلا تسليم عاصٍ، وهو من أثر أهل عمان، فهو واجب، ولكن سعيدًا لم يطلع عليه فيما أظن. وأنهم اختلفوا في السلام في غير <1/ 118> البيوت، كما إذا التقى رجلان، فقيل: سنة واجبة، وقيل: غير واجبة، وهذا أيضا في أثر أهل عمان وكتب المخالفين، لكن ذلك المسكين لم يطلع عليه، وقد كتبنا إليه في تلك المسألة وغيرها فانقطع عن الجواب. وإن الحق إذا قام صرع معانده. وفي الأثر: من الأصول أن النهي عند أصحابنا للتحريم إلا بدليل، فادعاء ذلك الرجل وغيره أن النهي في الآية للتنزيه دعوى مردودة إلا بدليل، وكذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتسليم في البيوت للوجوب؛ لأن الأمر للوجوب عندنا إلا لدليل، ولم يبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنه مندوب، ولا قال: إن النهي في الآية للتنزيه، بل بلغنا أنه إذا أراد الدخول سلم، ويأمر بذلك، ويعلمه جاهله، ويقول: «لا تأذنوا لمن لم يسلم»، ولم يبلغنا أنه دخل بلا تسليم. وفي المنهاج والتاج: من دخل بلا سلام عاص. وصرح أبو سعيد رحمه الله في معتبره أن السلام في البيوت فريضة، ومن لم يف به كفر، أي كفر نفاق، ومن دخل بلا سلام فقد دخل دخولا فاسدا لاقترانه بالنهي الدال على الفساد، فيجب رده ليسلم. (1/90)
صفحة 91
روى أبو داود والترمذي عن كلدة بن حنبل الغساني أنه قال: بعثني صفوان بن أمية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بلبن وجداية وضغايس والنبي صلى الله عليه وسلم أعلى مكة، فدخلت ولم أسلم فقال: ارجع وقل: السلام عليكم»، وذلك بعد إسلام صفوان. والضغايس: صغار القثاء. والجداية: الصغيرة من الظباء، ذكرا كان أو أنثى. وقد نص أبو سعيد على وجوب السلام في معتبره، وجعله من الفروض المذكورة في القرآن، ومن تركه أو ترك الاستئذان كَفر كُفر نفاق. وأيضا النهي عندنا للتحريم ما لم يكن دليل على عدم التحريم، ولم نر دليلا على عدم التحريم الدخول بلا سلام [كذا]، بل رأينا دليل وجوب السلام. ومن العجيب ادعاء سعيد أن أمر الله عز وجل للندب، فإنه دعوى بلا دليل، وإنه نهى عن الدخول بدون استئذان أو بدون سلام بعبارة واحدة، فلزم على دعوى سعيد استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، وهو لا يجوز عندنا، ولو أجازه الشافعي وبعضٌ، وذلك بأن الاستئذان عند سعيد <1/ 119> واجب كما أنه عند أهل الحق. وإن قلنا إن النهي حقيقة في التحريم والندب [كذا] كما هو قول ضعيف باطل، لزم استعمال اللفظ في معنييه. والحاصل أن المسؤول جاهل في هذه المسائل، والسائل أجهل فيهن.
وكتب في موضع آخر: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه أما بعد: (1/91)
صفحة 92
فسلام على الشيخ الحاج راشد بن عزيز من كاتبه أمحمد بن الحاج يوسف اطفيش قائلا: إن مسائل السلام والغنيمة التي كتبتها ودخلت فيها بقولي: «ومن غيره»، وقولي «رجع» أرسلتها إلى عمان ردا على الشيخ سعيد بن خلفان، وأنا دائم على الرد عليه في تلك المسائل، خاصة وأنا رددت النسخة من عمان لأنها لا نسخة في المغرب منها لا بخطى ولا بخط غيري. وكذب من زعم أني رجعت عنها؛ لأن الحق لا أرجع عنه أبدا، وما قلت فيها غير الحق، فعزيمة عليك وعلى أمثالك أن تكذِّبوا من قال رجعت عن ذلك، وأن تكتبوا إليه بالتكذيب أيًّا كان، ولو وصل ما وراء النهر أو سد يأجوج ومأجوج!.
وقال أيضا: وذكرت أخي أني قلت في جواب الشيخ سعيد بن خلفان أن السلام في البيوت لا يكفر تاركه.
الجواب: إني أعتقد كفره، وأذكر أدلته في كتبي، فإن صح ما ذكرتَ فمن ناسخ، وإن لم تكن منه فزلة لا أقول بها فدعوه، وكفِّروا من دخل بلا سلام، واكشطوها وأبدلوا عكسها، ولو ذكرت لي محلها لكان أسهل في مراجعتها، ولعله حكاية كلام كما قال أبو ستة عن غيره: رد السلام واجب وتاركه غير كافر وغير معاقب وكذا الوتر. وأقول: تارك السلام عند الدخول عمدا كافر. وقد وصل سليمانَ بن إسماعيل الكتابُ الذي أرسلتَ إليه والله الموفق والمستعان. وفي عمان شرح لامية ابن مالك وحاشيتا القطر والشذور وحاشية شرح الآجرومية لأبي القاسم كلهن تأليف في حال ابتدائي في التعليم، رغبتي فيهن إكثار المسائل <1/ 120> لا تحقيقها، وأنا حينئذ مبتدئ، ولا ينتفع بها أهل عمان، فإن وجدتها فأرسلها إلي، وابحث عنها جدا. بلغك الله المراد، والله المستعان.
قال المرتب: والمسألة التي طلب القطب ردها إليه هي هذه، فخذها بنص حروفها، وكل موضع فيه «ومن غيره» فهو من كلام القطب، وحيث يقول: «رجع» فهو كلام المحقق الخليلي غفر الله لهما ونفعنا ببركتهما. اهـ.
وهذا أول المسألة: (1/92)
صفحة 93
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه. كتب أحمد العبادي لسعيد بن خلفان: ما تقول شيخنا وقدوتنا العالم العلامة شمس الزمان، ووحيد العصر والأوان أبا عبد الله سعيد بن خلفان في قوله تعالى: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَانِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَى أَهْلِهَا} [سورة النور: 27] أيكون فرضا الاستئناس أم ندبا؟ وإن كان فرضا على من أراد الدخول أن يرفع صوته بالسلام ذكرا كان أم أنثى حرة، أم تختلف الأحكام؟ وهل الاستئناس وحده كاف عن السلام، أم السلام منسوخ بالحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا سلام في مسجدي هذا»، وفي المسجد [كذا]. فإن جاز المنع في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فما [حكم ما] سواه من المساجد؟ فإن جاز المنع في شيء دون شيء تفضل سيدي إيضاح السبيل، ولك الأجر الجزيل من الملك الجليل. وعليك السلام ورحمة الله وبركاته من الفقير إلى الله الملك الهادي أحمد بن عبد الله العبادي.
قال: الله اعلم والذي عندي في هذا أن أكثر أهل العلم من الصحابة وغيرهم قد ذهبوا إلى أن الاستئناس والتسليم في هذا الموضع معنى واحدا.
ومن غيره: هذا سهو بل الصحابة كلهم يرون أن الاستئناس غير السلام إلا قليلا، وهذا القليل يرى وجوب السلام من السنة ومن الآية <1/ 121> أيضا ...
....................................
....................................
[صفحات لم ترقمن]
. (1/93)
صفحة 94
وعلى ترخيص أنه يجوز في <1/ 161> الكتمان ما يجوز في الظهور أيضا لأنك تقتله لغرض دنيوي، وتأمره بالإسلام لغرض دنيوي هو قصد إبائه وأخذ ماله مع أن ذلك الترخيص ليس في هذا الشأن لأدائه إلى سوء عظيم. وإنما يجوز لك قتل حربي وأخذ ماله لو عقدت الحرب معه لإبائه عن الإسلام ومن الجزية إن كان من أهلها، فيدخل أرض الإسلام بلا إذن من أحد، وقد قتل عليٌّ قوما وسباهم وغنمهم فقالوا: يا رسول الله لم يدعنا إلى الإسلام بل عاجلنا، فأمره أن يرده، فرده إليهم وودى من قتل علي منهم، وكذا غير علي؛ ولهذا ونحوه علمنا أن قوله صلى الله عليه وسلم: «دعوتي لا تنقطع» معناه لا تحل لقائم الإمام أن يقاتل بلا دعاء إلى الإسلام ثم إلى الجزية فيمن هو من أهلها.
فصل في مسألة أجاب فيها الشيخان القطب والخليلي
وهي في معاملة المشركين فيما يملكون من أموال المسلمين، وهي من مسائل عمر بن يوسف بن عدون المغربي للمحقق الخليلي. فالجواب له، وقوله: «ومن غيره» فهو كلام القطب إلى قوله: «رجع» فهو من بقيه كلام العلامة الخليلي جزى الله الشيخين خيرا، وهكذا القاعدة فيما ذكرنا من مسائلهم في الكتاب والله الموفق للصواب.
قال: ومنها أن المشركين إذا غصبوا بلاد المسلمين ونهبوا منقولاتها وملكوا أصولها، هل يجوز لمن يشتري منهم تلك الأموال والمنقولات أم ليس ذلك بتمليك لهم والملك باق على أربابها؟ وهل يجوز على العامة أن يتحاكموا إليهم أم لا يجوز ذلك؟
الجواب: لا حق للمشركين فيما اغتصبوه من أموال المسلمين، فهي باقية لربها، ولا بيع فيها ولا شراء ولا إعطاء لمغتصبها، وفي الحديث: «لا حق لعرق ظالم، ولا تواء [كذا] على مال امرئ مسلم».
....................................
....................................
[صفحات لم ترقمن] (1/94)
صفحة 95
أن عبدا لابن عمر أبق فلحق بالروم، فظهر عليهم <1/ 173> خالد بن الوليد فرده إلى عبد الله. وأن فرسا لابن عمر عار أي هرب فالتحق بالروم، فظهر عليه خالد بن الوليد فرده إلى عبد الله بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم. وعن نافع أن ابن عمر كان على فرس يوم لقي المسلمون، أي لقوا الروم، وفي رواية: لقي ظبيا وأسر، ففزع الفرس بعبد الله بن عمر خوفا فصرعه، فسقط عبد الله، فطار الفرس فأخذه العدو، وأمير المسلمين يومئذ خالد بن الوليد، بعثه أبو بكر، فلما هزم العدو ورد خالد فرسه وقال يحيى القطان: إن قصة العبد والفرس في زمانه صلى الله عليه وسلم قيل: كان ذلك في غزوة مؤتة.
رجع: ولا يحل للمسلمين أن يتحاكموا إلى أهل أصحاب الكتاب والمشركين أو لم يكفهم زجرا ما في كتاب الله تعالى من قصة المتحاكمين إلى بردة الكاهن الأشرفي، وكعب بن الأشرف رأس المنافقين، فأنزل فيهم: {يُرِيدُونَ أَنْ يَّتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدُ امِرُوا أَنْ يَّكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُّضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا} إلى قوله: {قَوْلاً بَلِيغًا} [سورة النساء: 60 - 63] فهذه بعينها، وكفى بها لمن عقل.
فصل في مسائل تحريم الزعفران والجوزة والأفيون والشيكران ومعاني ذلك
قال رحمه الله: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، أما بعد، فسلام على الشيخ العالم الورع عبد الله بن حميد، من كاتبه أمحمد بن الحاج يوسف قائلا: أعلِمِ الناس عني أن ما ذكرته من تحريم الزعفران ليس مختارا لي وإنما ذكرته في إزالة الاعتراض على طريق حكاية قول في الأثر أنه حرام، وعجلت عن أن أذكره قولا وأن أذكر أنه ضعيف. وأعلم الناس أن أمحمد اطفيش لم يعتقد إلا ذكر قول في الأثر، وأن مختاره حل الزعفران؛ لأنه صلى الله عليه وسلم والصحابة يستعملونه. (1/95)
صفحة 96
وقال أيضا: <1/ 174> وأما جوزة الهند وجوزة الطيب والشيكران والأفيون فمحرمات لأنهن مسكرات، ولا يؤكلن، وما أسكر كثيره فقليله حرام، وإلا فلا أقل أنهن مفترات، والمفتر حرام. وهن طواهر، وقيل: نواجس، والأول أوضح وإن شاء الله أرسلت إليكم رسالة في تحريم الدخان أو نحوه. وأما الزعفران فحلال طيب ولو قيل ما قيل، لاستعمال رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة له، لطخا في الأبدان والثياب.
وسئل عن الزعفران فأجاب: (1/96)
صفحة 97
الجواب نهى صلى الله عليه وسلم عن الثوب المعصفر وكان يلبس الثوب المعصفر، وإنما نهى عن التلطخ بالزعفران لا عن لبسه، ولا بأس بهما للنساء، قال: «لا يقبل الله صلاة رجل في جسده شيء من خلوق»، وفي البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود: «أحب الصبغ إليه صلى الله عليه وسلم الصفر». وفي البيهقي: كانت له صلى الله عليه وسلم ملحفة مصبوغة بالورس ... [يبدو أن في العبارة نقصا] قال ابن [عمر] ما هي يا ابن جريج؟ قال: رأيتك تلمس من الأركان إلا اليمانيين، ورأيتك تلبس النعال السبتية، ورأيتك تصبغ بالصفرة، ورأيتك إذا كنت بمكة أهلَّ الناس إذا رأوا هلال ذي الحجة ولا تهل أنت إلا يوم التروية. فقال ابن عمر أما الأركان فلم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم لمس إلا اليمانيين، وأما النعال السبتية فإني رأيت وسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس النعال التي لا شعر فيها فأحببت أن ألبسها، يعني النعال التي نزع عنها الشعر. وأما الصفرة فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبغ بها. وأما الإهلال فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يهل حتى تنبعث به راحلته، يعني يرفع صوته بالتلبية يوم أحرم بالحج، وهو يوم التروية. واليمانيان: ركن اليمن وركن الحجر الأسود، وذلك تغليبا لركن اليمن، والمراد بالصبغ صبغ الثوب كما أفاده الكتاني، وقال: ليس يحتمل صبغ ثوبه ويحتمل صبغ لحيته كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس الألوان كلها الأحمر والأخضر والأصفر والأسود والأبيض وما تيسر، والأبيض أحب إليه <1/ 175> وهو أكثر لباسه، وما ذكرته عن شرح العبيرية موجود في بعض الكتب وليس مني، وأصل ذلك من الحديث، إلا أني لا أستحضره الآن لكثرة الأشغال.
<1/ 177> باب في تحريم الدخان من جواب الإمام القطب (1/97)
صفحة 98
قال قدس الله سره: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وصحبه وآله، أما بعد: فسلام من كاتبه أمحمد اطفيش إلى الشيخ راشد قائلا: اعلم أن الحجة في تحريم الدخان حديث أحمد في مسنده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أن كل مفتر حرام» اهـ، والدخان مفتر. وحديث تحريم أكل التراب فإنه إذا حرم أكله مع أنا منه خلقنا وأنه أنسب، فالأولى أن يحرم شرب الدخان مع حرارته بالنار التي منها خلق إبليس والعياذ بالله منه، مع أنا نفهم من النهي عن أكل التراب النهي عن أكل كل ما لا يكون طعاما، كجذع ونحوه مما لا يضر، وأما ما لا يضر وكانت فيه منفعة أو دواء فلا بأس به كدواء. وقوله صلى الله عليه وسلم في الطعام الحار: «إن الله لم يطعمنا النار»، فالطعام الحار كالنار، والدخان أشد مع أنه حار بالنار، ولا طعام فيه، وهو أحق بالمنع. ونهمه صلى الله عليه وسلم عن المحارر بأنها لها طراوة كطراوة الخمر. اهـ. وللدخان طراوة مثلها، وإنه يغير عقل من اعتاده إذا فارقه وما يغير العقل حرام، وهو أفضل ما في الإنسان، والإنسان بلا عقل باطل متعطل. وإنه يغير الأسنان واللون والمعدة وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تغيير الأسنان والحواجب ونحو ذلك، وقوله تعالى: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمُ, إِلَى التَّهْلُكَةِ} [سورة البقرة: 195]، والدخان يؤدي إليها ويثقب البطن، ولي في تحريم الدخان والسعوط منه أو من نحوه رسالة ضاعت عني ولم أجد نسخة، فإذا وجدتها أرسلتها إليك إن شاء الله. (1/98)
صفحة 99
وقال أيضا رحمه الله: وأما الدخان محرم لخبثه، وقد بينت وجه خبثه في رسالة طلب تأليفها مني بعض علماء المغرب المالكية فألفتها له <1/ 178> فأعجبت أهل فارس [لعله: فاس] وغيرهم من المغاربة. فإنه دخان أسود حار خارج من الفم والأنف منتن محرق مفسد للفم، يشبه دخان قرب الساعة الخارج من أفواه الكفرة وأنوفهم ومنافذهم، وقد أرسلت إليك جوابا فيه بسط، وإذا وجدت رسالتي التي ألفتها أرسلتها إليك إن شاء الله عز وجل وهي أبسط.
قال المرتب: وقد وجدنا الرسالة التي وعد الشيخ رحمه الله بإرسالها وهي هذه:
فصل في رسالته في تحريم الدخان والمسكرات
قال: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم وبعد: فهذه رسالة ألفها شيخنا العلامة سيدي الحاج أمحمد بن الحاج [يوسف] اطفيش رضي الله عنه في حكم الدخان والسعوط المسمى بالشمة، إذ سأله عن ذلك بعض علماء فارس [لعله: فاس] وتلمسان من المالكية، فقال مستعينا بالله عز وجل: اعلم أن كل أدلة تحريم الخمر من القرآن والحديث أدلة لتحريم ما يغير العقل من الدخان وغيره، ويأتي تفصيل إن شاء الله. وأما اتخاذ الخمر خلا بالاحتيال لها يبطل لسكرها ويزيله فمنعه أصحابنا الإباضية، واختلف فيه الشافعية وأنتم معشر المالكية، أحله بعض الشافعية وبعض المالكية، ومنعه بعض الشافعية وبعض المالكية. والحجة لنا معشر المانعين أنه صلى الله عليه وسلم سأله رجل عن أيتام ورثوا خمرا فقال: «اهرقها واكسر الدنان»، قال أفلا أجعله خلا؟ قال: لا. وكان أبو طلحة الأنصاري يقول: كان في حجري يتيم فاشتريت له خمرا، فلما حرمت الخمر قلت: يا رسول الله، أتخذها خلا؟ قال: لا، وقد كان صلى الله عليه وسلم إذا سئل عن الخمر: أنتخذها خلا؟ يقول: لا. والملح يفسد الخمر لكن تبقى على نجاستها وحرمتها ...
....................................
....................................
[صفحتان لم ترقمن] (1/99)
صفحة 100
حكى لي بعض أصحابنا من أهل غرداية أنه دخل دارا فيها، فوجد في الدار رجالا يتبسمون ويضحكون على <1/ 181> استمرار في ذلك الوقت، وقد أكلوا طعاما ومائعا، فقال لمطعمهم ما أطعمتهم فقال أطعمتهم ما جوزة جوزة [كذا]. ومذهبنا ومذهب الشافعية أن الخمر والمسكرات المائعة نجسة كما أنها محرمة. وأما ما يغير العقل مما هو نبات فطاهر قطعا. ثم إن للعقل دية كاملة وهو أعظم ما في الإنسان، وما نقص منه فبقدره، وله في الفقه مقادير من حيث ذهابه في أوقات الصلوات كلها أو بعضها، تحسب له الدية على ذلك، وذكرتها في شرح النيل. فكيف يحل ما يغيره من مائع أو جامد أو نبات أو غيره.
قال الشاعر:
قيمة العقل بدرة ولماذا.:. يا أخا الجهل بعته بحشيشة
وتسمى تلك الأشجار مخدرات، فإذا ثبت أن الشيء مسكر أو مخدر فاستعماله كفر نعمة، كفر بالجارحة، كفر بالنفاق، وليس النفاق هذا إضمار شرك، بل ما ذكرت من كفر النعمة. وقد سمى متأخروكم كفر نعمة ما نسميه كفر نفاق، بل رأيت في الكامل للمبرد ذلك، وهو متقدم. وفي بعض شروح الجامع الصغير إثبات النفاق في فاعل الكبيرة ولم يضمر الشرك مع إظهار التوحيد وسماه نفاق الجارحة، ونفاق القلب هو إضمار الشرك مع إظهار التوحيد، فاستعمالها كاستعمال الخمر، فكل ما جاء في وعيد شارب الخمر وبائعها أو صانعها أو غير ذلك فهو في تلك الأشياء بجامع إزالة العقل المقصود للشارع بقاؤه؛ لأنه آلة للفهم عن الله تعالى ورسوله صلَّى الله عليه وسلَّم، والمتميز به الإنسان عن سائر الحيوان، والوسيلة إلى إيثار الكمالات عن النقائص، وبه تؤدى الفرائض وتجتنب المحرمات والمكروهات وتؤتى المستحبات، فكيف يحلُّ تغييره؟. والحشيشة المعروفة حرام كالخمر يحد شاربها كما يحد شارب الخمر على الأصح عند جماعة من <1/ 182> من العلماء ...
....................................
....................................
[صفحات لم ترقمن] (1/100)
صفحة 101
<1/ 219> وعن علي: استغن عمن شئت فأنت مثله، واحتج إلى من شئت فأنت أسيره، وأحسن إلى من شئت فأنت أميره، وتعال اترك الطمع يتركك الفقر، واحمل نفسك على مالك يحملك، وانتزع الطمع من قلبك تحل القيد من رجلك، والله المغني. قال الله تعالى: {وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ} [سورة النساء: 32]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب الفقير المتعفف أبا العيال»، وقال صلى الله عليه وسلم: «انتظار الفرج عبادة»، وقال: «أفضل العبادة في انتظار الفرج». قال عبد الله بن سلام: قلت لكعب الأحبار: ما الذي يذهب العلم من العلماء بعد إذ ودعوه وعقلوه؟ قال: «الطمع وشره النفس وطلب الحوائج»، قيل لفضل: فسر لي قول كعب قال: يطمع الرجل في الشيء فيطلبه فيذهب عنه دينه، والشره أن تشره النفس حتى تحب شيئا فتكون لك إلى هذه حاجة والى هذا حاجة، وإذا قضاها لك خرم أنفك وقادك حيث شاء واستمكن منك على حب شيء وخضعت له فمن حبك للدنيا سلمت إليه إذا مررت وعدته إذا مرض ولم تسلم عليه لله، ولم تعده لله، فلو لم تكن لك إليه حاجة لكان خيرا لك أو الثمن، وقد يرخص في البيع والشراء والإقالة والتولية ويطلب أن يزيد له فيما اشترى وأن ينقص في الثمن بلا إلحاح لمناسبة البيع والشراء لذلك؛ لأنه ليس محض سؤال بل معترض في التعريض، وسؤال السلطان يقرب في جوازه إذا كان للسائل حق في بيت المال ومنع منه، وإلا فهو كغيره، وقد كان وسول الله صلى الله عليه وسلم ينهاهم عن أن يسألوه إلا من احتاج. اهـ.
وقال أيضا رحمه الله في بعض كتبه: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، أما بعد فسلام من كاتبه أمحمد ابن الحاج يوسف اطفيش على أصحابنا من أهل عمان وزنجبار ونحوها قائلا: هذا جواب لم أر سائله فليعذرني لعل كتابه ضاع عني لكثرة الأشغال وأوراق سؤال، فلو عيَّنتم رجلا في مسقط أو بلد مشهور يقبض الأجوبة بلا تضييع لكان أوثق. (1/101)
صفحة 102
ما تحت الشفة السفلى لا يقص؛ لأنه <1/ 220> من اللحية وقد أمرنا صلى الله عليه وسلم بإعفائها.
وطلب المعروف للمحتاج قد جاء أنه صلى الله عليه وسلم طلب المعروف في أحاديث منها أنه طلب فأعطاه عبد الرحمن ناقة، ولا يعين أحدا: يا فلان أعطِ، لئلا يعطي بلا رضا، إلا إن اطمأن أن يعطي بطيبة نفسه.
اعلم رحمك الله جل وعلا أن قوله {إِلاَّ مَنَ اَمَرَ بِصَدَقَةٍ} [سورة النساء: 114] شاملة لما إذا اجتمع الناس في مسجد أو غيره وصاروا يقولون: من يعطي شيئا لوجه الله؟!.
فصل في مسألة التعري على النار وما وقع فيها بين الإمامين القطب والخليلي
وهي مسائل المغربي للقدوة الخليلي، والجواب له رحمه الله، وقوله: «ومن غيره» هو كلام القطب، وقد عرفت القاعدة في ذلك إن شاء الله.
قال: ومنها قول بعضهم: إن من تعرى للنار المشتعلة هالك وإن كانت جمرا، فهو عاص، هل ذلك مطلقا أو مقيد بما إذا تعرى ليلا والناس ينظرون إليه؟
الجواب: هي من نوع ما يوجد في النصوص مما ظاهر لفظه العموم ومقتضى حكمه الخصوص، فلا بد في الحكم من تقييدها بهذا القيد المذكور، ولا بد من تقييد الناس المذكورين فيه بكونهم ممن نظرهم إليه في غير الضرورة محجور.
ومن غيره: ليس هذا الجواب من العلم في شيء إنما هو كلام يظهر للمبتدئين، وعامة الطلبة تستنكر قلوبهم امتناع التعري للنار، وهو استنكار يستحسنه العقل فيقيدونه بحضور الناس، وهو مخالف لظاهر <1/ 221> الأثر بلا دليل ...
....................................
....................................
[صفحات لم ترقمن]
<1/ 223> فصل في نصيحته رحمه الله لبعض إخوانه (1/102)
صفحة 103
قال رضي الله عنه: وأوصيك وأنصحك أن لا تستعين بمن يظلم ويقتل من لا يستحل قتله، وينهب الأموال التي لا تحل، وأغريك بالتودد إلى العدو والصلح معه ودُعاؤه إلى ترك الذنوب التي يقر أنها ذنوب، كشرب الخمر وأكل الخنزير والزنا وغصب الأموال، وبوضع نفسك موضع غريب دخل عُمان يستوي عند أهلها، وبدعائه إلى ما لا ينكر من الطاعة، كنفع الطلبة والفقراء وإقامة العلم حفظا ودرسا، وقراءة القرآن وعمارة المساجد، وإلا فكأني أراك تستعين بالإنكليز أو غيرهم من النصارى أو من أهل الملة أو من أهل مذهبك ومن لا يتقي الله عز وجل، فيقل أهل عُمان، بل هم قليلون ويزدادون قلة وضعفا، وتزدادون ضعفا حتى يذهب عنهم اسم الجماعة. وسلم على السلطان وأخبره بنصحي لك.
وقال أيضا: وأنصحكم الله أن تطلبوا الجائر وتدرؤوه ولو بمال أن يخلي بينكم وبين إهراق الخمر وقتل الخنزير وإبطال الدخان، وبينكم وبين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتكتبوا بذلك، ويكون عونا لكم. وجاء الحديث أنه «إذا رأيتم أمرا لا تقدرون عليه فدعوه حتى يكون الله المغير له».
خاتمة في معنى عروس الخافقين صلى الله عليه وسلم
قال رحمه الله: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله عليه وسلم وبعد: فسلام من كاتبه أمحمد بن الحاج يوسف اطفيش على السلطان فيصل هداه الله إلى العدل في الرعية ونفع المسلمين ونصره ويسر له مراده وجازاه على الإسلام خيرا. اعلم رحمك الله أن عروس الخافقين في وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم فمعناه تعظيمه <1/ 224> وتشبيهه بالعروس باتباع العروس والحاضرين في العرس، من مذعن ومعاندين فإنه صلى الله عليه وسلم أرسل إلى أهل الدنيا من المكلفين الأولين والآخرين وكلهم عاملون في شأنه كأهل العرس في شأن العروس.
وسئل أيضا عن عروس الخافقين صلى الله عليه وسلم. (1/103)
صفحة 104
الجواب: إنه صلى الله عليه وسلم كعروس أهل المشرق والمغرب في الاحترام له في خدمته وإكرامه والنظر إليه بعين السرور. والله الموفق والمستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.
....................................
....................................
[صفحات لم ترقمن]
قال رحمه الله: وعن كون الشهرة لا تفيد العلم مع أن قلوبنا موقنة بأشياء شهرة.
<1/ 232> الجواب: إن ذلك شهرة تكررت أسبابها واستمرت فخرجت إلى حد التواتر حتى إنه لو حلف بالطلاق أو العتق عليها لم يحنث. وفي شرح النيل في الصوم والأحكام كلام طويل، منه ما لفظه: «وقيل: الأصح أن العلم الحاصل بالشهرة ضروري لا يحتاج إلى نظر لحصوله لمن ليس له تمييز تام، وقيل: نظري لتوقفه على مقدمات حاصلة عند السامع، وهي المحققة لكون الخبر متواترا وكونه خبر جزم وكونه يمتنع تواطؤهم على الكذب، وكونه عن محسوس. وليس معنى كونه نظريا في هذا القول أنه يحتاج إلى نظر، فلا خلاف في المعنى أنه ضروري، فمن كونه نظريا باحتياجه إلى التفات النفس إلى المقدمات الحاصلة عندها، وهذا شأن كل نظري، فلا يقال: لو كان نظريا لافتقر إلى مقدمتين تقدم العلم بأن المخبَر عنه محسوس، وكون المخبِر لا حامل له على الكذب. قيل: وفيه أنه يكفي أنه لا حامل على الكذب. (1/104)
صفحة 105
وأقوى ما يحمله الذاهبون إلى أنه ضروري ما ذكرته من أن لا نجد العلم الضروري بوجود صين وهند وأندلس مع عدم علم له بكثرة المخبرين، وفيه أن الضرورة في ذلك العلم أنها جعلت بكثرة الرواة، فالتكرار على سمعه. وأما كون المخبر لا حامل له على الكذب فلا مدخل له في ضرورية العلم البتة ولا شعور، وما لا شعور به في البال لا يصح الاستدلال به. وقد قيل: المشهور علم يشبه التواتر ويفيد العلم، وقال في مختصر العدل: يفيده قطعا، يعني لمرتبته دون مرتبة التواتر. وعبارة بعض: يفيد علم اطمئنانة. وأريد قطع الكلام عما لم تسأل عنه أول، وقد أجبتك أول الكلام. والمشهور قسمان: مشهور مطلق، ومشهور الحديث، ومرادي الأول.
قال في تقديم الأصل والنص على الظاهر
قال رحمه الله: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم وأتاه الوسيلة. أما بعد، فسلام من كاتبه أمحمد بن الحاج يوسف اطفيش على الشيخ العالم الراغب فيه محمد بن عبد الله بن سعيد السائل عمَّ <1/ 233> يقدم الأصل ويؤخر الظاهر؟
....................................
....................................
[صفحات لم ترقمن]
<1/ 247> باب في التأكيد والتقسيم والتعريف وفيه أن التأكيد لا ينافي الإنشاء إلى آخره (1/105)
صفحة 106
قال رحمه الله: أما بعد فسلام على الشيخ راشد من أمحمد اطفيش قائلا: اعلم أن التأكيد لا ينافي الإنشاء بل يؤكد، ألا ترى أن الأمر والنهي والتخصيص والعرض ونحوهن يؤكدن بالنون، فالتأكيد راجع إلى الإنشاء، فقولك أكرمن زيدا، أو لا تهينن زيدا، بمعنى حقق إكرامه، ويعني: لا تهينن زيدا، أو لا تهينن زيدا: حقق انتفاء إهانته، فلا يشكل عليك قوله صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أسألك» فإنه في معنى قولك: تحقق انبعاثي في السؤال وتشبثي به يا رب. مع أنه يجوز أن يكون الحديث إخبارا أكيدا أريد به تحصيل الإنشاء، وهذا طريق في ما مر، كما تقول: الحمد لله، مخبرا تريد بالإخبار التعظيم، فقد حصل الثناء المسمى حمدا. إيضاحه أنك أردت التعظيم بإخبارك أنه أهل للحمد، فيتصل بجانب قوله هو، أي مع الركن اليماني مصعد البيت من حيث إنه أريد بصيغة الإخبار ما لم توضع له كتحصيل التجر في البيت، والتضرع بالسؤال المقتضي للإجابة في الحديث، وحصول الثناء على الجميل تعظيما بالإخبار بأنه أهل للحمد في قولنا: «الحمد لله». وقد قال السعد: الإنشاء إما مؤكد أو غير مؤكد، عند قول القزويني تنبيه الإنشاء كالخبر في كثير مما ذكر إلى آخره، حتى إنك لو قلت عاقدا للبيع لا مخبرا: «قد بعت لك»، وعنيت بقد للتحقيق لا للتوقع لصح ولكان قولك: «تحقق مني عقد البيع»، وهذا التحقيق أيضا إنشاء. والله المستعان. وأنا أدعو لك ولولدك بخير، وبأن يصلحه الله، ويجعله عالما ورعا، إلا أني أهممت في التصرف في شرحي على النيل أو به. واعذروني في تأخير الجواب، فإن لي أهوال البربر والكفرة!.
....................................
....................................
[صفحات لم ترقمن] (1/106)
صفحة 107
ويجري فيهم هذا الكلام <1/ 254> أبد الأبد حتى يختم الله نبوته بمحمد صلى الله عليه وسلم يخرجه من أصلاب مطهرات، يخرج من صلب ابنك من عشرة آباء من نوح إليه. والصلاة والسلام على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه. انتهى المراد منه هنا. وهي رسالة طويلة لعلماء مكة مشهورة مطبوعة أجابهم فيها رضي الله عنه عن مسألة صلاة أهل بلغار، وعن مسائل في الميراث، وسنذكره إن شاء الله في باب الصلاة والميراث لرعاية المناسبة على مقتضى الترتيب. والله المستعان على كل حال. اهـ. مرتبه.
فصل في إعراب قول الشاعر: ما أحل القتل إلا عامدا.:. مستبيح سيف عينيه المحارم
قال رحمه الله: وسأل السلطان فيصل كاتبه أمحمد بن يوسف اطفيش عن إعراب «مستبيح» من قول الشاعر:
من لصب مستطيل القلب هائم.:. يشتكي المهجة من صب وصارم
ما أحل القتل إلا عامدا.:. مستبيح سيف عينيه المحارم
الجواب: إن قوله: «مستبيح» بالجر نعت لصب أو لصارم وفيه، النعت بالمفرد، وبعد النعت بالجملة، وفي «أحل» ضمير أحدهما، والأول أولى ومسماهما واحد، أي من متصف بأنه صب وبأنه صارم. و «سيف» فاعل «مستبيح» أو «مستبيح» بالرفع خبر و «سيف» مبتدأ، والجملة نعت لصب أو لصارم. أو «مستبيح» فاعل «أحل» فلا ضمير في «أحل» والمستبيح هو الصب والصارم، من وضع الظاهر موضع المضمر في هذا الوجه الأخير. وكذا إذا جعلنا قوله: «مستبيح» فاعل «أحل» وجعلنا «سيف» بالرفع بدلا من «مستبيح» أو <1/ 255> عطف بيان، على قول جواز بيان النكرة بالمعرفة.
....................................
....................................
[صفحات لم ترقمن]
<1/ 257> باب في مسائل الوقف في القرآن والقراءات (1/107)
صفحة 108
قال رحمه الله: وأما الوقف في القرآن فالصحيح الوقف على المرسوم في الإمام، الذي هو مصحف عثمان، فنحذف ما نكتبه بالأحمر، مثل الياء في «يكذبون» و «أكرمن» و «أهانن» و «يسير» و «نذير» و «نكير». وباء «بأن الله» [كذا] و «نذر» «نكر»، وهمزة «شيء» و «نبي» مما حرك أو سكن، أو نسكن ما قبلُ إن حُذف للساكن وثبت في الخط أثبتناه في الوقف، ولا نرد ما حذف لفظا وخطا ونسكن قاف «واق» ولام «وال»، ولا نقول: واقي ووالي بالياء. وقاعدة خط المغرب رد الياء إلى وراء والمتحركة إلى قدام مكتوبة.
وسئل أيضا عن الوقف على قبل واو ابتداء {مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ} [سورة إبراهيم: 44].
الجواب: إنه وقف قبيح، وإن الوقف القبيح هو الوقف على كلام لا يفهم إلا إذا وصل ما بعده به، كالوقوف على ذي خبر في الأصل أو في الحال، أو على ذي جواب، أو ذي فاعل أو نائب قبل مجيء ذلك، كالوقف هنا قبل جواب القسم. وأما الوقف على كلام مفهوم يكون ما بعده مفتقرا إليه من حيث الإعراب إذا فهم المعنى فكان كالوقف على {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ} [سورة النساء: 23]. وأما على كلام مفهوم بعده مفهوم أيضا غير مفتقر إليه إلا أنه من تمام قضيته تحسن، كالوقف على قوله عز وجل: {خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُواْ} [سورة البقرة: 93]. وأما على ما تم ولم يفتقر إليه ما بعده إعرابا ولا معنى فقائم كالوقف على قوله عز وجل: {وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} والابتداء من {إِنَّ اَلذِينَ كَفَرُواْ} [سورة البقرة: 5 - 6]. (1/108)
صفحة 109
وأما الكلمة التي هي في آخر باب الاعتكاف من الذهب فلم أدر ما هي، فاكتب إلي أنها في موضع كذا أو كذا، فإن شاء الله علي أكتب إليك من شأنها. وأما التفسير فتفسير دقيق إن شاء الله الرحمن الرحيم، وقد وصلت من فضله تعالى إلى سورة بني النضير المسماة سورة الحشر تسمية <1/ 258> مكروهة كما في البخاري، فادع الله تعالى أن يعينني عليه وعلى إتمام شرح المعالم.
وإن قدرت على إرسال مال لنسخ الكتب من تآليفي لإرسالها إليكم مع ما أرسل إليكم من عندي، وعينتم ذلك في الحج القابل إن شاء الله تعالى رجلا ثقة يأخذها إليكم من مكة فأخبرني عاجلا لأستعد لذلك من الآن فإني لا مال لي، وأغنياء بلادي لا يعينونني، ولي رغبة في الإرسال إليكم لكتبي. والله المستعان، وهو الموفق. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وسئل رحمه الله عمن اعتاد قراءة آية بقراءة أخرى كمن يقرأ: {سَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} [سورة آل عمران: 133] بلا واو قبل السين ثم يقرأ بها.
الجواب: إنه يجوز ذلك، إلا حيث يخاف التخليط على السامع.
فصل في القرآن وما لا يقرأ في الصلاة ... الخ
قال رضي الله عنه: وأما ما ذكرت هل في القرآن ما لا يقرأ في الصلاة، فإنه لا يوجد فيه ذلك إلا السورة وراء الإمام، وإلا ما لا يتم إلا وقد خرج الوقت أو ينتقض الوضوء، وإلا ما نسخ لفظه ومعناه أو لفظه فقط، وإلا المحذوف المقدر، قيل: وإلا الخارج عن السبع، وقيل: الثمان، وقيل غير ذلك، والصحيح جواز الصلاة بالخارج عن ذلك إذا صح عن الصحابي. وتجوز بما نسخ معناه دون لفظه وإلا الابتداء بما يفسد المعنى بالابتداء به. وإلا الوقف على ما يفسد بالوقف عليه، وإلا التنكيس فإنه مكروه، وإلا ما يقصد به رد الجواب إذ يقصد به السؤال والأمر والنهي.
<1/ 259>
فصل في تحريم قراءة القرآن على صوت الشعر، وفي قراءته استشهادا للتمثيل (1/109)
صفحة 110
قال أكرمه الله: وأما قراءة الآيات المتزنة بالشعر على صوت قراءة الشعر فحرام وكبيرة؛ لأنها تناقض قول الله تعالى، فالقران ليس شعرا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ليس شاعرا، وقد أنزلها على وزن الشعر وعلم ذلك ولكن على أن تقرأ كسائر الكلام لا على قراءة الشعر. وأما أن يقرأ القرآن استشهادا على غير منزل فيه على طريق التمثيل فجائز إذا فهم السامع المراد، مثل أن تقرأ على من لا يعقل النصح من الموحدين: {وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ} [سورة الأعراف: 79]. ويجتنب ما يثقل عليه مثل أن يقبل مجيء الخير على يديه فتقرأ عليه: {أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَاتِ بِخَيْرٍ} [سورة النحل: 76]. وقد وقع مثل ذلك الجائز في القرآن في مواضع منه.
فصل في تفسير قوله تعالى {وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} [سورة الكهف: 86]
قال رحمه الله: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. سلام من كاتبه محمد بن يوسف اطفيش المغربي على الأجل طالب العلم الفهامة: عامر بن خميس بن مسعود من بني مالك، عمر الله ربعه بالدين والدنيا، وفعل لي ذلك. أما بعد، فهذا جواب ما سألت عنه، جعله الله حقا وأثابني وإياك عنه. أما قوله تعالى: {وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} [سورة الكهف: 86] وقولك: ما جريان الشمس؟ وما كيفية السماء بالنسبة إلى الأرض؟
الجواب عنه: أن الشمس تغرب في نظر العين على ماء جارٍ ......
....................................
....................................
[صفحات لم ترقمن]
<1/ 263>
خاتمة في سؤال الشيخ عن كتابة اسم أمحمد بالهمزة
وسئل عن كتابة اسمه بالهمزة هكذا «أمحمد»؟ (1/110)
صفحة 111
فأجاب: بان بعضا يسمي محمدا بضم الميم على الأصل المأمور به، وبعض يسمي بإسكان الميم، فاستحق الهمزة، وكانت همزة قطع مفتوحة؛ لأن ذلك عرف الآباء المسمين لأولادهم، وكذلك كثير شائع اسم رجل محمد واسم رجل أمحمد، ويجتمع ذلك ولو في دار واحدة، ولو كان كتب الاسمين على رسم واحد لكان اللبس. وقد أذعن لذلك علماء فارس [لعله: فاس] ومراكش والسويس وعدوة الأندلس والجزائر وتونس واتوات وغيرهم. وأما عوامهم فباقية على الإشكال. وقد وضعت تأليفا في الرسم ذكرت ذلك وسبب التغيير إلى أمحمد نهيه عن تقبيح من اسمه محمد، ويلعن فيقال: لعن الله محمدا، يريد رجلا من المحمدين لا النبي صلى الله عليه وسلم، بل يقول: لعن الله ولد فلان، أو هذا، أو نحو ذلك، فإذا غير واستحق الشتم جاز ذلك لمخالفة اسم النبي صلى الله عليه وسلم. انتهى.
هذا آخر الجزء الأول من كشف الكرب في ترتيب أجوبة الإمام القطب.
ويليه إن شاء الله الجزء الثاني وأوله باب في رسالة أحمد بن عليوة ومن عنده من إخوانه في انحراف أهل المذهب بعضهم عن بعض. وفيه شيء من معاني الطهارة.
والحمد لله. (1/111)
صفحة 112
الكتاب: كشف الكرب في ترتيب أجوبة الإمام القطب
المؤلف: اطفيَّش امحمَّد بن يوسف (ت: 1332هـ/1914م)
ترتيب: أبي الوليد سعود بن حميد بن خُليفين المضيربي
تحقيق: محمَّد علي الصليبي
نشر: وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، 1405هـ- 1406هـ/1985م-1986م.
الجزء الثاني
[نصوص مقتطفة. رقمنة وضبط: مصطفى بن محمد شريفي]
.................................
....................................
[صفحات لم ترقمن]
[نصوص مقتطفة من كتاب كشف الكرب، للقطب، رقمنة وضبط: مصطفى بن محمد شريفي]
<2/ 15>
الباب الأول في رسالته إلى أحمد بن عليوه ومن عنده من إخوانه في انحراف أهل المذاهب بعضهم عن بعض، وفيه شيء من معاني الطهارة
قال رحمه الله تعالى:
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. سلام من كاتبه لست ليال مضت من جمادى عام 14 من الهجرة من أمحمد بن يوسف اطفيش إلى أخينا الأعز الكامل الأجل أحمد بن عليوه وغيره حفظهم وإيانا الله الأشد عزا وإجلالا ولا عز ولا إجلال إلا عزه وإجلاله وبعد:
فإن ما ذكرته من انحراف عامة أهل مذهب عن أهل مذهب آخر موجود كثير في سائر البلاد كبلادكم، ففي بلدي بنو مخزوم وبنو ثور لا يقربون مسجدنا ولا مصلياتنا ومقابرنا، وأنت تعرف أحوال العامة ولا سيما إن رأوا عدم إتقان الطهارة أو شرب الدخان حاشاكم، أو الصوم بحسبة الفلك لا بالرؤية، أو رأوا شهادة الزور، أو رأوا علم استبراء من البول، وقد اعتادوا أن لا يستنجوا بالماء إلا بعد الاستبراء بنحو الحجارة، وبعد تيقن أن لا يقطر بول في حال الاستنجاء بالماء أو بعده، ولا بد أنه من قضاء حاجة الإنسان واستنجاء بالماء متصلا بلا مهلة يقطر بوله فينجس ثوبه وبدنه ومواضعه، ولا صلاة إن لم يستبرئ من البول، وجاء الحديث أن عامة عذاب القبر من البول.
ومع ذلك ونحوه أنهم يعتقدون أن لا جمعة على مسافر كما لم يصلها (ص) في مكة عام <2/ 16> الفتح وفي غيره، واعتقدوا أن لا جمعة إلا خلف الإمام العادل أو نائبه ولو جائرا، ولو في الأمصار السبعة خلف مصليها فيها من إمام أو من أقامه الإمام.
أو مع ما رأوا من عدم التوقي عن بلد أهل الشرك، ومن عاداتهم التوقي عنهم فكانوا يجتنبون الصلاة خلف من لا يتوقاه، فألينوا للعامة واتركوا ما يحذرونه مما تركه ورع. (2/1)
صفحة 113
ومن ذلك أنهم يرون الإمام يرفع يديه عند الإحرام، ورفعها عندهم لم يصح في الحديث أو صح شاذا أو مؤولا شهَّرهُ الناس وداموا عيه تعصبا، وقد هم سلطان أندلس بقطع يدي رجل يرفعهما فهرب إلى بر العدوة. ولا بأس بذكر الأيام قبل التوجيه كما أمر ابن الحاج بذكرها في المدخل، ولا يخفى أن العامة لزمته وليس بلازم ولا ثابت بسنة لكن فيه فوائد، منه المحافظة على معرفة يوم الجمعة.
وأيضا يقصون لحاهم كما تفعل المجوس فرابتهم العامة لذلك، فإن قصها حرام بالقرآن والسنة، ولو تعلم العامة بمن يفعل ذلك لازدادوا فسادا، مع أن فيهم أيضا من يفعل بعض تلك المنكرات.
وأيضا لا يتيقنون أنكم تقرؤون الفاتحة في كل ركعة، وهم يعتقدون أن الفاتحة واجبة في كل ركعة.
ويعتقدون أن بول ما يؤكل لحمه حرام نجس كغيره من الأبوال.
وأيضا نواقض الوضوء عندهم كثيرة وبعضها عندكم غير ناقضة فتحرجوا عن ذلك.
وبعد: ففي كل أهل مذهب صالحون وطالحون ولزم أهل كل مذهب احترام الآخرين لجمع كلمة التوحيد، فاكتفوا بذلك، وأحسنوا المعاشرة وهم يقرؤون كتبكم ويحترمون علماءكم كما تحترمون علماءهم، فهذا اتصال عظيم، وهذا من السلامة من فتنة المعاشرة أولى من المعاشرة لما يتولد منها. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
<2/ 17>
الباب الثاني في نجاسة الدم وأحكام النجاسات والرد على المخالف الطاعن علينا في ذلك (2/2)
صفحة 114
قال رضي الله عنه: بسم الله الرحمن الرحيم سلام على الشيخ العالم العارف والمحب جزاه الله على حبه ما لا يوصف: عيسى بن صالح الحارثي من كاتبه أمحمد بن يوسف الذي لم تنقطع كتابته عن أهل عمان إلا أنها لا تصل لبعد المسافة واختلاف الاصطلاحات، فإما أن ترسلوا إليَّ كتبكم وقماطر فارغة معنونا عليها بالخط العجمي من طريق مسقط، وإما أن أرسل إليكم الأجوبة من جهة زنجبار في قماطر، نحو الشيخ سالم بن محمد فقط. وإن ظهرت لكم طريقة أخرى صرت إليها فهي أحرى. وكذا الأجوبة على سؤالات الشيخ عبد الله بن حميد وقصدي ما يسركم ويفيد.
وبعد: فإنك سألت عما ورد في الحديث من أن ما دون الدرهم من الدم في الصلاة غير ناقض، أهو شامل للعمد؟ وكذا شرر البول وقليل سائر النجاسة؟.
الجواب: إن النجس ذاتيٌّ لا يعتبر فيه العمد والنسيان وهما فيه سيَّان. وفي عبارة: إن كان الدم دون ظفر لم ينجس، والمراد ظفر إبهام المصلي كما في الأثر، والمراد بالظفر وهو مقدار الدرهم، ولا يخفى أن المجتمع غير الشرر، ولم أجد حديثا صحيحا في إباحة ذلك القليل يشفى به العليل، بل حديث عذاب القبر [في] الذي لا يستبرئ من البول يشمل القليل والكثير، نعم جاءت أحاديث في بول ما يؤكل لحمه، وفي مدونة أبي غانم الصغرى والكبرى عن وائل بن أيوب أنه يجوز شرب بول ما يؤكل <2/ 18> عن قومنا وعن الربيع أو عن جابر إباحة القليل أو عن أحدهما إباحة ما يلطخ الكف من بول ما يؤكل. وذكر أصحابنا أن ذلك لا يؤخذ به، وكذا ذكر عبد الله بن عبد العزيز أن ما ذكره وائل أنه غلط لا يؤخذ به. قلت: وسنذكر هذه المسألة إن شاء الله تعالى في نواقض الصلاة وبالله التوفيق.
وسئل رحمه الله بما نصه: وأما قولك ما دليل نجاسة الدم إلى آخره (2/3)
صفحة 115
قال: فجوابه: أن من أدلته أمره صلى الله عليه وسلم الحائض والنفساء بغسل الدم من بدنهما ومن ثوبهما، وإن غسلته الحائض ومثلها النفساء من ثوبهما فلم تزل غبرته صلت به جاء الحديث بهذا وأن من أدلته أمره بغسل دم الرعاف والبناء على ما مضى من صلاة الراعف وإنما المحرم المانع إذا كان تحريمه لذاته يكون نجسا كأخبثي الآدمي والميتة والطهر من المرأة الصفرة والكدرة والتربة والنطفة وبلل الفرج كما أمر صلَّى الله عليه وسلَّم بغسله والقيء والخمر عندنا وكالبول مطلقا، إلا بول الحوت والضفدع كما يخرج من الماء، وكأرواث ما حرم أكله وبهذه الوسائط تستحضر قوله تعالى: {اَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا} [سورة الأنعام: 145] فبتحريمه لذاته إذا سفح حكمنا بنجاسته كأخواته.
وسئل أيضا: رحمه الله بما نصه أن بعض إشكال صدر من معترض مخالف زعم أنه لا دليل لنا معشر القائلين بنجاسة الدم لأنه قوام الإنسان بل وجميع الحيوان، فأجابه بعض أن دليلنا الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله عز وجل {قُل لآَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلآَّ أَنْ يَّكُونَ مَيْتَةً اَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا ... } الآية. والسنة فغسل دمه عليه السلام يوم أحد إذ شج. والإجماع فإنا لا نعلم فمالنا لهذا الحكم فحينئذ، شمَّر الخصم عن ساق الجدال وحسر ساعده للنضال قائلا: إن حجتكم هذه منقوضة <2/ 19> ودعواكم مدحوضة، وذلك أن الضمير في الآية عائد إلى أقرب شيء إليه وهو الخنزير لا الدم. وأن السنة معارضة لشرب ابن الزبير دمه عليه السلام حين احتجم ولم ينكر عليه فعلته، وهذه القضية متأخرة زمانا عن قضيتكم، والمتأخر ناسخ باتفاق منا ومنكم. والإجماع فغير مسلم، وكيف ينعقد الإجماع على شيء قضت السنة بضده وهو عليه السلام المبين لنا ما كان مجملا، فحينئذ فزعنا إليك لكوننا ضعفاء، راجين منك حل هذه الشبهة لا زلت عونا لنا ولإخواننا على الخير. آمين. (2/4)
صفحة 116
قال: أما نجاسة الدم فحجتها ما رواه البيهقي وأبو داود أن عائشة رضي الله عنها سئلت عن دم الحيض يصيب الثوب، فقالت: كنت مع رسول الله (ص) وعلينا شعارنا وقد تقينا فوقه كساء، فلما أصبح رسول الله (ص) أخذ الكساء فلبسه ثم خرج فصلى الغداة ثم جلس، فقال رجل يا رسول الله هذه لمعة من دم، فقبض رسول الله (ص) على ما يليها فبعثها إلى مصرورة في يد الغلام فقال: اغسلي هذه وجففيها وأرسلي بها إليَّ، فدعوت بقصعتى فغسلتها ثم جففتها ورددتها إليه. وقال رواية البخاري عن عائشة: ما كان لأحدنا إلا ثوب واحد نحيض فيه فإن أصابه شيء من الدم بلته يريقها ثم أزالته بظفرها. وفي رواية فإن أصابته قطرة من الدم. وقولها «شيء» أو «قطرة» كالصريح في أن الدم ولو قليلا نجس كما قال الحسن البصري لا كما قيل من الترخيص في القليل. ورواية مسلم عن أسماء أن امرأة جاءت إلى النبي (ص) فقالت: يا رسول الله، إحدانا تحيض في الثوب كيف تصنع؟ قال: «تحتُّه ثم تقرصه ثم تنضحه ثم تصلي فيه». ورواية البخاري وغيره عن أسماء بنت أبي بكر سألت امرأة النبي صلَّى الله عليه وسلَّم كيف تصنع بثوبها إذا طهرت من حيضها؟ قال: إذا رأت فيه دما تحتُّه ثم تقرصه بماء ثم تنضح في سائر ثوبها ثم تصلي فيه». ورواية البخاري: «كانت إحدانا تحيض ثم تقبض أثر الدم من ثوبها عند طهرها فتغسله ثم تنضح على سائره ثم تصلي فيه». ورواية البيهقي عن أم سلمة: «يصيبنا الحيض على عهد رسول الله (ص) فتلبث إحدانا أيام حيضها فإن أصاب الدم ثوبها <2/ 20> غسلته». ورواية البيهقي وغيره أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول للسائلة عن دم الحيض في الثوب: «حكيه بضلع واغسليه بماء وسدر». وروى البيهقي أن رسول الله (ص) أردف امرأة من غفار فوجد دما على الحقيبة دم الحيض، وكانت عائشة تقول: تغسل الحائض الدم من الثوب، وإن لم يذهب أثره بعد اجتهادها غيرته بشيء من الصفرة». (2/5)
صفحة 117
ورواية البيهقي عنه: «يكفيك الماء ولا يفرك أثره». وقوله للحائض: «اغسلي الدم عنك». وكذا للمستحاضة. وكذا قوله للراعف: «اغسل الدم عنك وتوضأ وابن على صلاتك». وأما شرب ابن الزبير دمه فلا ينافي ذلك، فإن صح فمن خصوصياته (ص) كما ذكرته في شرح النونية. وأجمعت الأمة على نجاسة الدم، وإنما الخلاف في القليل فيه، والصحيح نجاسته كالكثير، وأما الهاء في {فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [سورة الأنعام: 145] فللخنزير على الصحيح لا للحمه خاصة، ولا مانع من عوده إلى الميتة والدم والخنزير بتأويل ما ذكر، وهو أزيد فائدة إلا أنه شهر لا هذا [كذا]. والله المستعان.
<2/ 21> فيما يأكل الأنجاس من الأنعام
سئل رحمه الله بما نصه: يا ذا الفضل والنهى، الطير المعروف باسم الدجاج مولع بأكل العذرة في العرف والعادة، فهل يطيب أكله ويحل من غير حبس على نحو هذا من عادته وإن كان لا يحل فهل من الشرط في حال حبسه أن يطعم العجين مع الماء الحار لأنه يوجد في آثار الأصحاب يطعم العجين مع الماء الحار أم أنه يطعم ما توفق من الطعام كسائر الحيوان وليس هذا من الشرط اللازم فيه؟ وهل يجوز على هذا فيه أن يلحق بالشبه والقياس فيما اعلف ما له في المشهور من الحرام من الناس، أو يدخل تحت حكم الاستفتاء للقلب كما جاء به الحديث في وابصة، أو يتناول ما جاء في الذنوب التي هي من حزاز القلب، أم أن ما هذا مثله مما يخرج من باب التنزه والأخذ بالحكم هو الأصل فيه ولو وجد في النفس ماحل من الاسترابة فهو كذلك أم ماذا ترى؟ اكشف لي سيدي مما يقع ويحل مثل هذا في النفس ما يزيل قناع اللبس ويفتح الله بك المرتج ويجعل مكان الضيق الفرج؟ (2/6)
صفحة 118
الجواب: إنه جاء الحديث عنه (ص) أن لا يحج على الجلاَّلة ولا يضحى بها وهي التي تأكل العذرات، ويفهم من الحديث أن المراد ما كثر منها أكل العذرة، وأن غير العذرة مثلها من الأنجاس، وأن بللها نجس روثها ولحمها وأجزاؤها. ونص أصحابنا أنها لا تنجس ولا يحكم عليها بذلك إلا إن أكلت ميتة أو دما أو لحم خنزير أو خمرا ولو مرة، أو أكلت <2/ 22> غيرهن من الأنجاس ثلاثة أيام ولم تخلطه بعلف طاهر. وإن أكلت طاهرا ولو مرة فغير جلاَّلة، وإن شربت ماء طاهرا في الثلاثة فقولان، وفيه قول أنه لا ينجس لحمها ولا يحرم ولو عاشت في النجس وحده أكثر من ثلاثة أيام أو أكلت أحد الثلاثة ما شاءت؛ لأن ذلك قد استحال إلى غيره وتُغسَل أمعاؤها وكرشها إذا ذبحت قبل زوال ذلك عنها.
<2/ 23>
الباب الثالث في غسل الأموات وبيان من يغسل ومن لا يغسل وفيما قيل بعدم غسل المرأة إذا ماتت ولا حناء في يدها
وهذه المسألة من مسائل عمر بن يوسف بن عدون المصعبي التي أجاب فيها شيخنا العلامة سعيد بن خلفان الخليلي وتعقبه القطب فيها، فأول كلام القطب قوله «ومن غيره» الخ.
قال: ومنها غسل الميت بماذا يسقط؟ فإنا وجدنا أهل زماننا يسقطون غسل غالب الأموات؟
الجواب: إن كان من موتى المسلمين فترك غسله لا جواز له أبدا فيما نعلمه برأي ولا دين إلا في موضعين:
أحدهما: ما ثبت عن رسول الله (ص) في الشهداء المجاهدين في سبيل الله إن برحوا في المعركة فقد قال فيهم صلوات الله عليه: «زملوهم في ثيابهم ولا تغسلوهم»، وهذا متفق عليه. فأما من أدرك حيا قد أوذي أو حمل من المعركة فمات أو وجد مقتولا في طريق أو غيره فهؤلاء مختلف في وجوب تغسيلهم. (2/7)
صفحة 119
وثانيهما: موضع العذر كعدم الماء فيجتزى عنه بالتيمم، وكذا أصحاب العلل إذا خيف أن تهتري لحومهم في الماء، أو عجز الأصحاء عن مباشرتهم به للعذر، كالحريق والغريق وذوي الجدري والمجذوم والجائف المنتن، فيجزي فيهم بالتيمم لهم بالتراب مع القدرة عليه وعدم المانع منه، لا لانحطاط فرض الغسل في الأصل ولكنه للعذر. وأما من سواهم من أهل القبلة بارهم وفاجرهم فلا بد من غسلهم. كذا في أثر السلف وهو الحق لوضوح عدله.
....................................
....................................
[صفحات لم ترقمن]
<2/ 35>
فصل في مسائل الاستعاذة
قال رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، أما بعد فسلام من كاتبه أمحمد بن الحاج يوسف على الشيخ العالم عبد الله بن حميد حامدا لله عز وجل على ما سمعنا أن رجوع الشيخ محمد بن شيخان إليك بالصلح وأنكما متحابان كأول مرة.
وأما الاستعاذة فلا قائل يقول بأنه تكليف. وأما الإفتاء فلا يجوز إلا لمجتهد أو لمن طالع الكتب ومارسها مع شيخ يهديه، ومع علم بالعربية فيفتي بما هو نص في الكتب أو بما تضمنته قطعا حتى كأنه مصرح به. والله ولي الحمد، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
وعنه رضي الله عنه: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، فسلام على العالم الشيخ عبد الله بن حميد والشيح محمد بن شيخان من أمحمد بن الحاج يوسف قائلا: اعلما أن السيوطي قال في الإتقان ما نصه: اختلف المتأخرون في المراد بإخفاء الاستعاذة، فالجمهور على أن المراد بها الإسرار، فلا بد من التلفظ وإسماع نفسه، وقيل: الكتمان بأن يذكرها في قلبه بلا تلفظ انتهى. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. وكذا قال ابن الجزري.
<2/ 39>
الباب الثالث في القراءة في الصلاة (2/8)
صفحة 120
قال رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، أما بعد فسلام على العالم المقرئ، الذي هو لتآليف صحاح منشئ: الشيخ عبد الله بن حميد الضرير، من أمحمد بن الحاج يوسف الفقير، مسلما أيضا على الشيخ الولي: عيسى بن صالح بن علي، قائلا في أجوبة الأسئلة:
وأما قراءة الفاتحة وغيرها في الصلاة فإنما يقصد بها أداء الفرض والنفل، ولا يقصد إلى آية يدعو بها في الصلاة موافقة لحاجته، فإن ذلك من جنس القنوت، ولكن يقرأ القرآن ويُحضر معانيه، كلُّ كلمة بمعناها، ولا بأس بقصد دخول حاجته في عموم معانيه، وجاء أنه (ص) لا يمر بآية عذاب إلا استعاذ، ولا بآية وحمة إلا سأل، وإنما يسأل بآية أخرى أو بعضها، وأجيز لمطلق الذكر العربي، وينبغي لنا أن لا نفعل ذلك السؤال بآية أخرى أو بعضها أو بذكر عربي إلا في النفل، وليس من ذلك ما يرد في الأثر من أنه يصلي ركعتين فصاعدا على وجه كذا؛ لأنه مع ذلك يستحضر معاني ما يقرأ، والأصل أن لا يقصد إلا التقرب إلى الله، ومهما أراد من حاجة فليدع بها بعد التسليم، ويخلص المصلي مطلقا لكل آية معناها مع قراءتها، لا بعدها ولا قبلها، وإنما أنزل القرآن لفهم معانيه وتذكرها والعمل بذلك وليستعان على وسوسة الشيطان. وكذلك كان رسول الله (ص) والصحابة والتابعون وتابعو التابعين كأصحاب أبي حمزة المختار بن عوف وإبراهيم بن أدهم ومالك بن دينار رحمهم الله يخشعون فيبكون، وقد قال الإمام عبد الرحمن من قرأ الفاتحة فقد تبرأ <2/ 45> براءة الجملة وتولى ولاية الجملة، فمن أين يكون الخشوع والبكاء والولاية والبراءة بلا إحضار للمعاني. وإن سميت الصلاة للدعاء بها، أعني أنها نفسها لإحضار معانيها دعاء، فمن يصلي بلا استحضار للمعاني يكن كالمنافق. نعم إن شاء آية قصد بها ولاية من ضيع ولايته أو براءة من ضيع براءته لم يحسن له ذلك. (2/9)
صفحة 121
وأما ما ذكرت: هل في القرآن ما لا يقرأ في الصلاة فإنه لا يوجد في ذلك إلا السورة وراء الإمام، وإلا ما لا يتم إلا وقد خرج الوقت، أو ينتقض الوضوء، وإلا ما نسخ لفظه ومعناه أو لفظه فقط، وإلا المحذوف المقدر، قيل: وإلا الخارج عن السبع، وقيل: الثمان، وقيل غير ذلك. والصحيح جواز الصلاة بالخارج عن ذلك إذا صح عن الصحابي. وتجوز بما نسخ معناه دون لفظه. وإلا الابتداء بما يفسد المعنى بالابتداء به، وإلا الوقف على ما يفسد بالوقف عليه، أو إلا التنكيس فإنه مكروه، وإلا ما يقصد به رد الجواب، ويقصد به السؤال أو الأمر أو النهي.
<2/ 41>
الباب الرابع في مسائل الركوع والسجود والتحيات وسجود السهو
قال رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، أما بعد فسلام على الشيخين العالمين محمد بن شيخان وشيخه السالمي، من المفتقر إلى الله عز وجل قائلا: إذا بلغتكما الأجوبة فأخبراني. ولا بد أن تضما إليَّ ما كتب لكما في شأن السجود بمعنى الخضوع شعرا، ذكر في المصنف وفي كتاب البسياني، حكاه عنه في بعض النسخ ولفظه: قد كان ذو القرنين جدي مسلما.:. ملكا تدين له الملوك وتسجد
وسئل رحمه الله عن إمام كبر للركوع سرا، ونبهوه أو انتبه بلا تنبيه ما يفعل؟ (2/10)
صفحة 122
الجواب: أنه يعظم جهرا ولو في صلاة السر لضرورة الإعلام بحيث يسمع الصف الذي يليه فيركعون بتكبير فيتبعون، ومن أسرَّ فيما يجهر به أو عكس بلا عمد فلا عليه، ومن قال يعيد ألزمه أن يقف ويركع ويجهر، ولا يكفيه أن يجهر بتكبير في ركوعه يسمعونه، بل لا بد من القيام ساكتا فيركع بجهر؛ لأن محل ذلك تكبير بين القيام والتعظيم، ومن زعم أنه يجوز تأخير التكبير الذي قبل السجود إلى أن يضع وجهه في الأرض أجاز له أن يكبر جهرا في انحنائه بلا رجوع للقيام، وفساد صلاته وصحتها بحسب هذه الأقوال. والذي عندي في مسألتك أن لا يرجع ويبقى على التعظيم والرفع بسمع الله لمن حمده جهرا، فمن فاته استدركه.
<2/ 42> وسئل رحمه الله عن سجود الناس مطلقا بعد كل صلاة ولو لم يسهُ إلا المغرب والفجر والعصر فلا يسجدون ولو سها. (2/11)
صفحة 123
الجواب: إنه لا يجوز السجود بعد الفجر والعصر إلا من سها فيجب عليه. وقيل: يكره لمن لم يسهُ، وقيل: يجوز بلا كراهة، والصحيح الأول، وأما من سها فسجود السهو عليه واجب في الصلاتين كغيرها، لكن قيل: يسجد في سهو المغرب بعد سنتها، وقيل: عقب الفرض، قولان. وأنا أعجب من الخلاف! لِمَ لا يتفقون على أن سجودها عقبها لا بعد سنتها؛ لأن ذلك السجود إرغام للشيطان، فلم لا يعجل بإرغامه؟ ولأنه كالتوبة من الذنب فلم لا تعجل التوبة مما لا يحسن؟ ولأنه كجبر الصلاة وإصلاح لها فلا بد أن يكون عقبها!. وكأنهم رغبوا في شك وصل سنة المغرب بالفرض، وهو تمسك لا يقاوم ما ذكرت من العلات. ومما يقدح في تأخيرهم السجود رغبة في الاتصال لأنهم يشتغلون بقراءة «أستجير بالله من النار» سبعا، أو بالاستغفار سبعين، أو بهما، مع أنهما نفل يفصلون به، ويؤخرون سجود السهو ولو وجب إلى بعد السنة مع أنهم يسجدون بعد السنة سجدتين فقط ولو سهوا في المغرب وفي السنة جميعا. ووجه ترككم السجود بعد الفجر والعصر بعدها [أنه] لا صلاة بعدهما فلا سجود، لكن إذا سها وجب السجود ولو بعد العصر والفجر. (2/12)
صفحة 124
وكان أبو الربيع من علماء المغرب والربيع بن حبيب المحدِّث رحمهم الله تعالى يسجدان بعد كل صلاة فجرا أو عصرا، ولو لم يسهُوَا، بناء على أن الممنوع في الوقفتين الصلاة لا السجود بلا صلاة، وبناء على تنزيل غرور قلبه عن بعض الصلاة منزلة السهو، وهذا الأخير لا يستقل بل يحسن مع مراعاة جواز السجود بلا صلاة بعد الوقتين، كما أجاز بعضهم قضاء الصلاة بعدهما ولو لم ينس أو يتم. وما للنوم أو النسيان أداء لا قضاء. كما أجاز سجود التلاوة بعدهما. وأما حال الطلوع والغروب والتوسط فلا صلاة ولا سجود. وأما ترك عامتكم السجود <2/ 43> بعد العصر وبعد الفجر فلعلمهم أنه لا صلاة بعدهما، وأخطؤوا إذ كانوا يسجدون سجدتين ولو سهوا في المغرب وفي سنته جميعا، وربما سجدوا بعد السنة ولو لم يسهوا فيها ولا في المغرب، وكذا أهل هذه البلاد يسجدون بعد الفجر والعصر ولو لم يسهوا، وبعد الظهر والعشاء والوتر وبعد كل صلاة، إلا المغرب فلا يسجدون بعدها بل بعد السنة سجدتين فقط سهوا أو لم يسهوا. وقد علمت ما هو الحق والله المستعان والأحسن السجود بعد الظهر والعشاء والوتر وسنة المغرب ولو لم يسهُ. وإذا سها سجد وإذا سجد في المغرب سجد عقبها ولا يؤخر إلى تمام السنة.
وسئل بما نصه: ما الصحيح في التحيات الجهر أم السر؟
الجواب: الصحيح السر وإلا ظهر الجهر لأنه صلَّى الله عليه وسلَّم يخاطبهم في بعض أمور التحيات ويجيبهم، ولولا الجهر لم يكن ذلك. وتمام التحيات: «عبده ورسوله» وما بعد ذلك ليس من التحيات يسر به أو يجهر، والأصل الجهر.
وقال في موضع آخر: ويتأكد سجود السهو بعد ثلاثة المغرب لمن سها، ويجوز تأخيره، وأخطأ من قال بخلاف ذلك من العامة، والأفضل أن لا يسجد بعدهن إن لم يسهُ، وهذا الكلام تكلمت به على ما شهر بعضه في الكتب وبين الناس ولا بأس به. انتهى المراد منه.
....................................
.................................... (2/13)
صفحة 125
[صفحات لم ترقمن]
<2/ 55>
فصل في دعاء الإمام وأنه لا يخص نفسه دون المأمومين
قال رحمه الله: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، أما بعد فسلام على الشيح العالم عبد الله بن حميد الضرير والشيخ الفهامة عيسى بن صالح الحارثي من كاتبه أمحمد بن الحاج يوسف قائلا: وصلني كتابك وفهمته وفرحت بسلامتكما، وحزنت لفتن عمان، ولي رغبة تامة فيما يسركما دينا ودنيا. واعذراني يا أخي في تأخير الجواب بعض تأخر، وما ذلك إلا لأهوال عظام عليَّ من النصارى وأهل بلدي. وهذا جواب سؤالك بفضل الله عز وجل، فاكتبه واكتب كل سؤال ورد مني إليك وإلى غيرك.
أما دعاء الإمام ففي حديث مسند إلى ثوبان عن رسول الله (ص): «لا يحل لامرئ أن ينظر في جوف بيت امرئ حتى يستأذن، فإن نظر فقد دخل، ولا يؤم قوما فيخص نفسه بدعوة دونهم، فإن فعل فقد خانهم، ولا يقوم إلى الصلاة وهو حاقن». وليس هذا خارجا عن نهيه (ص) عن الدعاء بالجنة لفاسق، أو من لا يعلم حاله إلا أنه يتولى من تحت الإمام العدل، فيخص عموم الأول بخصوص الثاني عملا بهما، كما هو القاعدة. فالمعنى أنه يعم الإمام المأمومين بمصالح الدنيا، ويخص أهل الولاية بدعاء بالجنة، أو بالمغفرة أو <2/ 56> بما يؤول إلى ذلك، أو يأخذ بقول من أجاز الدعاء للفاسق بالهداية، عملا بقوله (ص): «اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون»، فيدعو للمأمومين مطلقا بها، وله الدعاء ولغيره بما لا يوجب ولاية، مثل أن يقول: «اللهم اجعله مقيما للصلاة، ومجانبا للزنا والربا»، ونحو ذلك من خصوص المسائل، سواء شخص المدعو له منهم أم لم يشخص. انتهى كلامه رحمه الله.
....................................
....................................
[صفحات لم ترقمن]
<2/ 89>
الباب الحادي عشر: في مسائل الزكاة وبيان النصاب
قال رحمه الله: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم وشرَّف وبارك وعظم. (2/14)
صفحة 126
أما بعد فسلام على الشيخ الأجل الورع عيسى بن صالح بن علي من كاتبه أمحمد بن يوسف اطفيش المغربي قائلا: إن الغارم الذي تحل له الزكاة ولو كان غنيا فهو الذي يتحمل الديون لإقامة دين الله عز وجل في الناس، وإصلاح ذات البين، قال رسول الله (ص): «لا تحل الصدقة لغني إلا لغاز في سبيل الله أو لغارم ... » الحديث فهو بتمامه في تفسيري بالتيسير، وهو تفسير تدقيق لا تطويل.
وسئل رحمه الله عن قوله (ص): «لا تحل الصدقة لغني ولا ذي مرة سوي ولا لمتأثل مالا»، هل تعطى ذا المرة السوي وهو قوى البدن مستويه ليشتغل بطلب العلم؟.
الجواب: إنه يعطاها ليشتغل بطلب العلم لوجه الله لا لطلبه للدنيا، فالحديث في ذي المرة الذي يأخذها ويستغني بها عن أعمال بدنه بدون اشتغال في طلبه وطلب نحوه من الدين، فالحديث مقيد بذلك، كما أنه مقيد بكفاية قوته لا يكفيه لنفقته أو تزوج أو قضاء دين، ولو دين الله عز وجل استعان بالزكاة، ولو كان لا يطلب العلم. وذو المرة السوي المشتغل بالعلم والتعليم أو بهما داخل في قوله تعالى {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} [سورة التوبة: 60]. والله الموفق.
وقال أيضا رحمه الله: وأما من باع ثمارا لزمته فيها الزكاة قبل إخراجها وخلط ثمنها مع مال التجر فعليه زكاة الثمار العشر أو نصفه في <2/ 90> ثمنه الذي باعها فيه، وعليه زكاة التجر ربع العشر في مال التجر، وفي ثمن الثمار أيضا إن أدرك وقتها زكاة التجر؛ لأن من باع ثمارا بعد إدراكها يلزمه زكاة الثمار إن تم النصاب، وزكاة النقد إن حضر وقتها.
وقال رحمه الله: والنصاب خمسة وعشرون درهما، والدرهم نصف فرنك وأصوله وهو عشر فرنك. (2/15)
صفحة 127
وقال أيضا رحمه الله: وأما العسكر فلا يعطى زكاة، ولاسيما عسكر جور. وإن خاف القوم ظالما داروه مداراة من مواليهم على قدر ما لكل واحد من دراهم وأصول وعروض إن خافوه على أموالهم، وإن خافوه على أنفسهم داروه سواء. وكذا الضيافة والمتهور عليها بحسب ما خيف عليه من مال أو بدن، ويجبرون على ذلك. ويجوز شراء ما جمعوا لذلك، وأصل ذلك قوله تعالى: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمُ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [سورة البقرة: 195]، والحكم عام ولو خص بسبب النزول. وقوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُم} [سورة النساء: 29]، فتارك تنجية نفسه بماله حتى قتل قاتل لنفسه، إلا إن شاء قَاتَلَ وتَرَكَ الإعطاء. وقوله (ص): «أمرت بمداراة الرجال».
وقال بعض: إن كان العسكر على الحق جاز لقائمهم أن يصرف عليهم الزكاة، بناء على أنه يجوز لمن قدر في الكتمان على شيء من أمور لظهور فعله إلا أنه لا أظن عسكركم على الحق، فلست مفتيا لكم بصرف الزكاة عليه بل أظنكم تتقاتلون منافسة يقتل بعضكم بعضا فيفرح عدو الدين ويوضع خلالكم، وقد ذكر الله جل وعلا مصرف الزكاة إذ قال: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ ... } [سورة التوبة: 60] وليس عسكر الجور من أهل سبيل الله وأنصحكم لله أن تطلبوا الجائر وتداروه ولو بمال أن يخلي بينكم وبين إهراق الخمر وقتل الخنزير وإبطال الدخان، وبينكم وبين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتكتبوا بذلك ويكون عونا لكم وجاء الحديث أنه إذا رأيتم أمرا لا تقدرون عليه فدعوه حتى يكون الله هو المغير له».
<2/ 91> فصل في زكاة التجارة
قال رحمه الله ما نصه جوابا لشيخنا المالكي: وأما سؤالك عن قول العلماء إذا زرع السكر والقت والعظلم للتجارة وجبت فيها الزكاة؟ (2/16)
صفحة 128
فجوابه: أن كل ما حرث للتجر ولو حنظلا أو حرملا وجبت فيها الزكاة في ثمرة غلته ولو قليلا إذا تم نصاب الدرهم بدونه أو به، أو تمَّ فيه. ولو حرث ذلك لغير تجر ثم جعله للتجر فيه الزكاة على حدِّ ما مرَّ، والمراد بالتجر ما يشمل البيع وهبته الثواب وقضاء الدين وقضاء الأجرة والصداق ونحو ذلك ما يخلص به ذمته من الدين والإرث وسائر المظالم، ومن ذلك أن يبدله طعاما آخر وغير طعام ولو للأكل، حتى إنه لو بدل إنسان لحما بسمن للأكل لوجبت عليه زكاة اللحم أو السمن بالدرهم، ولو حرث حبوب الزكاة كالبر والشعير للتجر لزكى زكاة الحبوب ثمارها إذا أدركت وتم نصابها وزكاة الدراهم منها أو من غيرها، كما أنه لو أدركت ثمار النخيل مثلا وقصدها للتجر لزمه زكاة الحبوب وزكاة ثمنها. وإن بنى بيوتا ليكرها لم يلزمه زكاتها بل زكاة دراهم كرائها فقط، وكذا غير البيوت. ولو بناها للكراء بالطعام لأكله وليتصدق به لم تلزمه زكاته، مثل أن يكري بيتا بقفيز قمحا ليأكله أو ليتصدق به أو يقضي به دينا أو تباعة. وإن اشترى أرضا أو شجرة للتجر أو عبيدا لزمته زكاة ثمنها قبل أن يبيعها كسائر أموال التجر. ومن ملك دارا أو نخلا أو نحوها ثم قصد به البيع زكى ثمنها، إلا أن ترك البيع، والله أعلم. اهـ.
....................................
....................................
[صفحات لم ترقمن]
<2/ 105>
فصل في مسائل الاعتكاف
قال رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، أما بعد:
فسلام على أخينا عيسى بن صالح الراغب في العلم وسائر الفضائل والفواضل، زاده الله وإيانا فضلا، من كاتبه أمحمد بن يوسف المغربي اطفيش، القائل في جواب أسئلتك: (2/17)
صفحة 129
أما قولي في الذهب الخالص: «وإن كان في صحراء فليلزم ... » الخ. وقولي: «فصل: لزم بجماع نهارا ... » الخ. فالمعنى: إن كان معتكفا في صحراء فليلزم في موضعه فيها حتى يخرج إلى صلاة العيد حيث هي من صحراء أو غيرها، فيأتي إليها لصلاة العيد، ومثلها صلاة الجمعة. وأنه لزم بجماع في نهار من غير رمضان ما لزم المجامع في رمضان، ولا أدري ما الإشكال في ذلك، وإن أردت غير ذلك فأخبرني.
وقال أيضا رحمه الله بما نصه:
وسألت عن خروج المعتكف لغسل الوسخ والنتن ..
الجواب: أنه جائز إذا كان ذلك يضره أو يقلقه، كما يزيل المصلي عن نفسه ما يضره ويشغله {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [سورة الحج: 78] والبسط في كتب الفقه.
<2/ 106> وسألت عن محادثة من زاره في معتكفه.
الجواب: أنه يبش لهم ويتحدث بما لا بد منه ثم يشتغل عنه بالعبادة.
وسألت: عن قول الذهب: «من اعتكف في العشر الأواخر من رمضان خرج بعد صلاة الفطر؟
الجواب: أن ذلك استحباب إذا كان يصلي العيد في مسجد اعتكافه، وليس في الكتاب أنه يبطل اعتكافه إن لم يفعل.
....................................
....................................
[صفحات لم ترقمن]
<2/ 128>
وعنه أيضا رحمه الله: وأما مسح رمانتي منبر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فلشفاء العين من الرمد وللتنجية من وقوعه بعد. وهذا شككت في أنك سألت عنه أو غيرك، فإن كنت أنت السائل عنه وأردت المزيد فأخبرني، وإن علمت السائل فأخبره، واعذرني عنده لضياع ورقته، وإن يشأ أعاد الكتاب إليَّ فأجيبه. واعلموا رحمكم الله أن تأخير الجواب لترادف أشغال كثيرة عليَّ بفضل الله لا لغير ذلك. (2/18)
صفحة 130
قال أيضا رحمه الله: أما قول بعض الزائرين يا رسول الله إنا على بابك واقفون أجرنا من النار يا رسول الله فينهى عنه لإيهامه. ويبدل بلفظ لا يوهم، ولا يحكم بشرك قائل ذلك لجواز أن يريد قائله الشفاعة. ولو صرح بأن مراده استقلال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالإجارة من النار لحكم بشركه. وأما أخذ الزائرين رمانتي المنبر فعلى ظاهره بأن فيه صورتهما يتشفى بهما. اهـ.
....................................
....................................
[صفحات لم ترقمن]
<2/ 141>
فصل في الشروط التي لا يجوز النكاح إلا بها كالولي والشاهدين ورضا المرأة ...
قال رحمه الله: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، أما بعد:
فسلامي على أولادي الإباضيين العمانيين: حمد بن أحمد بن سعيد الشيداني، وسعيد بن صالح بن راشد العبادي وغيرهم من محبهم أمحمد بن يوسف اطفيش المغربي قائلا: سألتماني عن عقد ولي امرأة عليها بشهود وقبول.
الجواب - وعند الله العلم - أنه إن دخل عليها قبل سماعها من الشهود حرمت عليه ولو صدقته في أنه تزوجها، ولو كان لها عهد عند وليها أن يزوجها إلا أنها لم تعلم أنه قد أوقع التزوج بسماع من الشهود. وإن سمعت من الشهود كفى، وذلك أنها تُعُبِّدت بشهادة الشهود، فما لم تسمع منهم أو ممن يحكون عن الشهود فكأنه لم تقع الشهادة، وكأنه لم يوقع الولي التزويج وتعهدت بالرضا تصريحا أو ما يقوم مقامه. وإذا رضيت تصديقا للزواج لم يغن ذلك لها شيئا لأنها تعهدت أن ترضى بتزويج محقق، وهذا غير محقق عندها، فإنما رضيت بمشكوك فيه. هذا إن شاء الله تحقيق المسألة.
....................................
[صفحة 142 لم ترقمن]
<2/ 143>
الباب الثاني في الشرط عند عقد النكاح وفي لفظ الخطبة
وهذا الباب من مسائل عمر بن يوسف بن عدون المصعبي التي سأل عنها المحقق الخليلي، وتكلم عليها القطب على أثرها. (2/19)
صفحة 131
وهذا نص كلام السائل وجواب الإمامين على أثره فانظره بإمعان.
قال الشيخ المحقق سعيد بن خلفان الخليلي رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، الحمد لله الذي يجيب السائل ولا يخيب الآمل، الهادي إلى سبيل الرشاد، والآمر بالمعروف والإحسان والسداد، والناهي عن الفحشاء والمنكر والبغي والفساد، صلاة الله وسلامه على نبيه المبعوث بشرائع الدين، ورسوله الذي جعله رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
فهذا جواب المسائل التي صدَّرها إلينا من أرض المغرب أخونا عمر بن يوسف بن عدون المصعبي اليسجني: سلام عليك بل عليكم يا أهل أرض مصعب ورحمة الله وبركاته، وتحية الإسلام شاملة لكل من سلك طريق السلف واستقام، وخالف أهل البدع المضلة والأهواء والآراء الشنيعة الملتبسة بالآثام، من أخ لكم في الدين ناصح لكم أمين، وهو في عصره من أقل المتعلمين، إلا أنه يظهر لكم وجه الحق فيما يبين، وإن كان به قصور فذلك وجه المقلد. وبالله أستعين.
المسألة الأولى: قال: منها أن أهل زماننا وجدناهم إذا غاب أحدهم عن زوجته سنين، أو تزوج عنها أو تسرى، فإنها تطلق نفسها وتعتد، فإذا انقضت عدتها تزوجت، وجرت عادة البلد بذلك وشاع <144> بينهم وذاع ...
....................................
....................................
[صفحات لم ترقمن]
<2/ 147>
فصل في اللهو وضرب الدف عند النكاح
وهذه المسألة أيضا من مسائل المغربي لشيخنا الخليلي اللاتي يعقبها الإمام القطب، وقد عرفت القاعدة أنه إذا قال: «رجع» فما بعده كلام العلامة الخليلي، والذي يلي «ومن غيره» كلام القطب رحمهما الله.
قال: ومنها أن ضرب الدف عند التزوج يسوغ لنا، أم ذلك هو المعمول، أم لكل زمان حكم؟ (2/20)
صفحة 132
ومن غيره: حكى لي بعضهم أن هذا السائل يعتقد أن ضرب الطبل مع اجتماع أو غناء ليس منكرا، حتى إنه عاب من نهى عن ذلك وخطأه، ولولا أن الجهل لا عذر فيه مع المقارفة بنحو التخطئة لقلت: إنه مسكين معذور لعدم علمه، لكنه لا عذر في ذلك، فهو غير معذور في اعتقاده حِلِّية ضرب الطبل مع اجتماع أو غناء وفي عيبه من نهى عن ذلك.
رجع إلى الجواب: اختلف الفقهاء فقيل: هو من آلات اللهو لا يصلح لشيء ويكسر على [كل] حال. وقيل: إذا أريد به الشهرة في عرس فلا ينكر، إلا إن كان عليه رقص أو غناء فيخرق ويكسر، إلا أن يكون ذلك من الصبيان ففيه اختلاف يذكر. وغاية هذا أنه إذا كان في عرس فمختلف في جوازه ولا علم لي أنه مما به يؤمر. وأصحابنا المشارقة قد اتفقوا على تركه أصلا.
<2/ 165>
فصل في مسألة الجماع فوق السطح، وما جرى من الاختلاف بين الإمامين الاثنين القطب والخليلي
قال: ومنها قول بعض العلماء: إن من جامع امرأته فوق السطح وقضى الله بينهما بولد يكون منافقا هل هذا مطلق أم مقيد إذا كان ولم يكن حائل بيته وبين السماء؟ (2/21)
صفحة 133
ومن غيره: أن هذا السائل يزعم أن ذلك قول عالم، وقد علمت منه ذلك؛ لأنه كان في عصري وبلدي وهو سهو، ويزعم أن ذلك من كلام الشيخ إسماعيل، وهو غلط من جملة حديث ذكره عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وكان يتوهم أن المعنى لا بد أن يكون منافقا، وليس كذلك، بل المعنى أن الجماع فوق السقف يكون وسيلة إلى كون الولد المقضي منه منافقا في الجملة لا أنه كل من ولد من جماع في السقف يكون منافقا بسبب الجماع في السقف وقد لا يكون، فليحترز عن ذلك مخافة من الوقوع فيه، وكان يتوهم أنه يكون منافقا من صغره قبل البلوغ، وأنه يحكم عليه بالنفاق ولو قبل البلوغ ويتبرأ منه ولو قبله إذا اتفق العلم به أنه من الجماع في السقف، ويدعي أن ذلك هو معنى الكلام ويستشكل ذلك حتى سأل عنه، وقد بيَّنا له معنى الكلام وفهَّمناه إياه. وليس له أن يتبرأ منه ولو علم أنه من الجماع في السقف ولو بعد البلوغ حتى يرى موجب البراءة، ولا أن يحكم عليه بالنفاق حتى يرى ما يوجب البراءة أو يصح عنه ذلك، فإن تبرأ منه بمجرد كونه من جماع السقف وحكم عليه بالنفاق فكان هالكا. والحاصل أنه لم يصب في تفسير معنى الكلام ولم <2/ 166> يصب المجيب؛ لأنه أجاب على ما ليس معنى للكلام ...
....................................
[صفحة 166 لم ترقمن]
رجع: فالقطع بالنفاق على المولود بجماع تحت السماء من <2/ 167> دون حائل موجود شيء لا يحيط به النظر ولا يوجبه القياس ولا يعرف بالأثر. (2/22)
صفحة 134
ومن غيره: نعم ذلك كله غير موجود في الأثر وإنما هو شيء اخترعه سعيد بن خلفان بتخليط وليس في الكلام فيه، فإن الكلام في الجماع على السقف لا تحت السماء كما زعم سعيد فهو مردود عليه، كما يرد الهذيان على ما جاء به. ومعنى قوله أن يكون منافقا أن الجماع فوق السقف من أسباب ما يكون الولد بعد بلوغه منافقا لا من الأسباب اللازمة، بل من السبب الذي قد يأتي وقد لا يأتي كأنه قيل: لا يؤمَن أن يكون منافقا، فليس الكلام قطعا بالنفاق بل تحذير من الوقوع فيه، وقد علمت أن ذلك الكلام أثر عن رسول الله (ص) مذكور في القواعد. فكون الكلام في مسألة الجماع على السقف وكون ذلك الجماع منهيا عنه، وكون المعنى التحذير عن الوقوع حق موجود في الأثر. وأما بناء الكلام على الجماع تحت السماء وكون النهي عنه غير ثابت في الأثر، وكون المعنى على القطع بنفاق الولد تخليط من سوء الفهم وعدم الاطلاع من سعيد بن خلفان سرى إليه من سائله.
رجع: ولا يسلم ممن قاله إلا أن يثبت من كتاب الله أو يصح عن أحد من رسله وأنبيائه خير البشر، ولا علم لي بصحة ذلك عنهم فيما معي، ومن قال به من غيرهم فهو المدعي.
ومن غيره: قد ثبت النهي عن ذلك في حديث عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وهو خير الرسل، وقد قال الله جل جلاله: {وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [سورة الحشر: 7]، وذكر ذلك الحديث الشيخ إسماعيل، وهو من أجلِّ العلماء، وذكر ذلك من باب الترهيب والتهديد عن عقاب الآخرة أو ما يؤدى إلى ما يوصل إليه، وفي الترغيب يقبل ولو من غير ثقة، فكيف من ثقة؟ فذلك حديث صحيح علم به سعيد بن خلفان أو لم يعلم به ونصه: <2/ 168> «يا علي، لا تتكلم عند الجماع كثيرا ...
....................................
[صفحة 168 لم ترقمن] (2/23)
صفحة 135
<2/ 169> ومن غيره: إن هذا تخليط؛ لأن النص والإجماع لم يشملهما الكلام فيه؛ لأن الكلام في أن الجماع في السقف يكون سببا لكون الولد منافقا بعد البلوغ في الجملة لا في كل فرد من أولاد الجماع في السقف، والإجماع والنص فيمن مات غير بالغ، ولا أظن أن أحدا يقول: إن الله يؤاخذ الإنسان بفعل غيره فضلا عن أن يذكر سعيد بن خلفان في الجواب أن الله جل جلاله لا يؤاخذ الإنسان بفعل غيره، ولا أظن أن أحدا يقول: إن كون الولد منافقا بعد بلوغه مؤاخذة له على جماع أبيه في السقف فضلا عن أن يذكر في الجواب أن الله لا يؤاخذ أحدا بفعل غيره، ولا أظن أن أحدا يقول: لا يصلح ذلك إلا للنفاق فضلا عن أن يقول: لا يقال إنه خبيث الطينة لا يصلح إلا للنفاق، بل أهل الصواب يقولون: إن ذلك ينسب في حصول النفاق منه بعد البلوغ في الجملة فقد يتأثر وقد لا يتأثر، وإن ذلك معنى الحديث، ولا قائل أيضا بأن ولد المشرك أو الفاسق لا يكون مؤمنا فضلا عن أن يذكره في معرض الرد على الخصم فإن الخصم لم يقل بذلك. وأعظم من ذلك التخليط ادعاؤه أن من علمت شقاوته يزول عنه التكليف والتعبد، وأن دعاءه إلى الحق عبث، فإن العبادة يستحقها الله بالذات لا بقيد قبولها والإثابة عليها، فهي واجبة على من علم نفسه أنه شقي بوحي في زمان الوحي، وقد بعث الله سبحانه رسله إلى أناس قد علم أنهم أشقياء، وبعثهم أيضا إلى هؤلاء الأشقياء بعد علمهم بأنهم أشقياء، ولزم على ذلك التخليط أن يكون من علم نفسه بالشقاوة لا حق لله عليه، وأن لا يلزمه تعظيم الله، وأنه تباح له المحرمات، وهذا غلط لا أظن سعيد بن خلفان يتعمد مثل ذلك، والحاصل أنه ساء فهم السائل والمسؤول فوقعا في الخطأ. (2/24)
صفحة 136
رجع: الصحيح ما روي عن سيدنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أن «كل مولود يولد على الفطرة»، فما ظنك بأولاد المسلمين؟ أيجوز أن يكونوا منافقين لا لعلة إلا لأنهم خلقوا من نطفة خلقها الله في هذا الجماع في الرأي والدين؟
....................................
....................................
[صفحة 170 - 171 لم ترقمن]
<2/ 173> الباب الخامس في مسائل الطلاق والخلع والبرآن والإيلاء
قال رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. أما بعد، فسلام يصل عمانا ويورثها أمانا، يعمُّها ويخص الشيخ راشدا، ويكون للخير له حاشدا، من كاتبه أمحمد بن الحاج يوسف قضيت له المآرب والحاج، قائلا في إجابة أسئلتك:
إن من قال لزوجته: إن أعطيتني كذا وإلا فأنت طالق، فأما أن يخص وقتا أقل من أربعة أشهر أو أكثر أو ساوى فله جماعها حتى يتم الوقت ولم تعطه، فإن تم ولم تعطه كان طلاقا، وإن أراد أنه لا يمسها حتى تعطيه حتى أنه مسَّها كان به طلاقا، فإن مسَّها وقع الطلاق بغيوب الحشفة فالتحريم بالزيادة وبالتردد. وقال بعض: أو بالمكث و بالإخراج ورخص أن لا تطلق إلا بتمام النكاح وإن لم يمسها حتى تمت أربعة أشهر فإيلاء تخرج به فافهم. وإن أراد إن لم تعطيني في الحال فإن مضى الحال طلقت في الحين.
وأنه من قال يوم يقدم زيد فأنت طالق، ففي الأثر أنه يردها كل يوم حتى إذا جاء يوما فطلقت فقد ردها، قلت: المراد مطلق الزمان أو النهار أو الليلة ويومها، ومعنى ردها في كل يوم أنه يقول كل يوم: إن جاء زيد فقد رددتها حتى إذا اتفق أنه جاء ظهرا أنه قد راجعها، لكن لا بد أن يشهد على ردها المشروط بمجيء زيد على المذهب، وله جماعها كل يوم لكن إن اتفق أنه جاء يوم جامعها فيه قبل الرجعة بشهود حرمت عندنا.
ومن فادى زوجه بكتاب الأجل ففي الأثر أنها بانت عنه بينونة <2/ 174> الفداء ...
....................................
.................................... (2/25)
صفحة 137
[صفحات لم ترقمن]
<2/ 179>
فصل في الطلاق والخلع من الطفل والمجنون والتوكيل في الطلاق والإيلاء والظهار
قال رحمه الله بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، وبعد فسلام على الشيخ العالم العامل عامر بن خميس بن مسعود من أمحمد بن يوسف أطفيش قائلا في كتاب أبي مسألة ما نصها: فأما الطفل والمجنون فلا يجوز طلاقهما ولا يجوز لمن يطلق عليهما وكذلك الفداء، وقيل في الفداء أن يفادي الرجل عن ابنه الطفل، وكذلك المجنون يفادي عنه أبوه. وأما خليفتهما فلا، وقيل بالرخصة في الخلع والفداء إذا كان ذلك لعذر وجاء باتفاقهما، إلا أن يكون فيه بأس. اهـ. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
وقال رحمه الله: وأما الظهار والإيلاء فماضيان من الموكل عليهما كالطلاق، ولو طلق أو ظاهر أو لاعن رجل فأجاز الرجل لجاز لشدة أمر الوطء الحلال والزنا، مع أنهما - أعني الظهار والإيلاء - حِل متقدم ثابت بخلاف الأيمان والنذر.
....................................
....................................
[صفحات لم ترقمن]
<2/ 195> الباب السادس في رد المطلقات وفي العدد، وبيان ما قصد فيه المرأة إذا ادعت انقضاء العدة
قال رحمه الله: (2/26)
صفحة 138
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. الحمد لله الذي أمرنا بالدعاء والسؤال، ووعدنا الإجابة والنوال، والصلاة على أفضل مخلوق وأجل، صلاة وسلاما ممتدين بلا أجل، وعلى آله وصحبه المستجيبين بنعم (1). سلام من كاتبه أمحمد بن يوسف الراجي دنيا وأخرى ما لا يوصف، على الرئيس المعتمد ابن سالمين سعيد بن محمد، أما بعد فإنك سألت عن رجل نفي من مسقط إلى أرض العجم وطلق زوجته وراجعها وادعت أنها قد انقضت عدتها في اثنين وثلاثين يوما، وأنه أشهد على الرجعة مخالفين إذ لم يجد سواهم، ولما أراد تجديد المراجعة بشهود الموافقين ادعت انقضاء العدة بذلك العدد واتهمها.
الجواب، والله المستعان: أن المرأة تصدق في انقضاء العدة بأقل ما يمكن أن تتم فيه بثلاثة قروء، لكن الصحيح المأخوذ به أنها لا تصدق في أقل من تسعة وثلاثين اعتبارا في الأقراء للحيض والطهر، لمجيء الحديث بأن أقل الحيض ثلاثة وأقل الطهر عشرة، وذلك مذهب أصحابنا في أقل الحيض والطهر وأكثرهما، واعتبار الطهر الذي طلقت في أوله واعتبار الأقراء بالحيض والطهر معا ثلاثة أطهار وثلاث حيضات. وإن لم يعتبر الطهر الذي طلقت فيه لم تصدق في أقل من تسعة وأربعين يوما، فالعمل بالأول، مع أنه إذا اتهمت حلفت كما قال الأندلسي الغرناطي شعرا:
وإن يطلق زوجه رجعية.:. ثم أراد العود للزوجية
....................................
....................................
[صفحات لم ترقمن]
<2/ 201> الباب السابع في حكم الفراش ولحوق الولد، وأن المرأة تجبر على رضاع ولدها إن لم تقبل غيرها
قال رحمه الله:
__________
(1) لعل الصواب: بأجل، ليتم السجع. (2/27)
صفحة 139
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، أما بعد .. فسلام عليكم أيها الأخ في العلم والديانة علي بن خميس، والشيخ شيخ العلم: سيف بن ناصر، وعلى الشيخ الناصح: سالم بن محمد بن سالم، وعلى كل أهل الله تعالى من كاتبه أمحمد بن الحاج يوسف قائلا مجيبا لسؤالك: من غاب وأتت زوجته بأولاد فهم له لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «الولد للفراش وللعاهر الحجر»، حديث أثبته الربيع بن حبيب، ورأيته في البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة، وفي أبي داود عن عثمان وفي النسائي عن ابن مسعود وابن الزبير وفي ابن ماجة عن عمر وأبي أمامة، وزاد السيوطي أنه رواه أحمد عن أبي هريرة ولم يتصل بيدي مسند أحمد، والولد للفراش ولو كثروا وطال الزمان في الغيبة ما دامت له فراشا ولو كان الولد من ماء الزاني، ولو جاء من الوحي أنه من مائه، أو أقر بالزنى أو أقر الزاني أو شهد الشهود، وإذا شهدوا بالزنا عمدا حرمت عليه، وكذا إن أقرت وصدَّقها فإذا حرمت انقطع الفراش وحكمه. وكذا ينقطع بالطلاق إلا ما تحرك فيه الجنين قبل الأربعة أو ولد قبل السنة تاما، ولو لم يجز ذلك على يد حاكم أو قاض. وحجتي في ذلك ما جاء في العدة في القرآن والسنة. وإذا أبت المرأة من رضاع ولدها أجبرت عليه إن لم يقبل غيرها، ولا أجزاه لبن الشاة أو نحوها، ولها الأجرة.
وقال أيضا رحمه الله: وأما سؤالك عن مملوكة قصد سيدها تسرِّيها ودخل بها بيت خلوة ولم يجامعها في عورتها ولا في غيرها بذكره <2/ 202> ولا بغيره، ولم ير عورتها ولم يمسها، وأتت بولد بعد ستة أشهر؟
....................................
....................................
[صفحات لم ترقمن]
<2/ 207> على قدر ميراثهم. (2/28)
صفحة 140
وفي حاشية أبي مسألة مباحث تقبلها الله، واعذرني في عدم البحث في المسألة، فإن قلبي مشتت بفتن الناس في البلاد، وبطرابلس المغرب يقاتلها أهل روما، وبالمغرب الأقصى تغلب عليها نصارى أندلس و فرنسيسية، وكادت روحي تخرج بذلك. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم وآتاه الوسيلة وآتاني وإياك سؤالنا فادع الله لنا.
....................................
....................................
[صفحات لم ترقمن]
<2/ 237> فصل في بيع الغرر كالجزر المختفي في الأرض ونحوه وهي من مسائل المغربي للقدوة الخليلي
قال: ومنها افهم يبيعون الجزر والقت في أرض من غير أن ينقش، ويتمون البيع على ذلك، وينزعه المشتري بعد ذلك شيئا بعد شيء على قدر الحاجة، والبائع يسقيه له إلى مدة معلومة كانت بينهما؟
الجواب: أن ذلك بيع الغرر وقد نهى عن بيع الغرر رسول الله (ص)، واختلف الفقهاء في حكم ما بيع من هذا النوع المذكور، فقيل: هو حرام فاسد وبعض ألحقه بالربا، وقال هو من البيوع المنتقضة لما به من الجهالة فإن تتاموه تم.
قال غيره: معنى التتام فيه أن يقلعه ويرضى بالبيع بعد ظهور ذلك من الأرض. وأما بالتتام فيه مع تركه مخفيا في الأرض فلا يتصور لبقاء ما به نهى عنه، وهو الخفاء. ولا يخرج بالتتام عن الخفاء ولا عن كونه غررا مع بقائه مخفيا، ولو كان هذا التتام معتبرا كان الاقتصار على البيع الواقع أولا كافيا، فإن تتاما قبل القلع فقد ارتكبا النهي مرتين: الأولى بالبيع الأول، والثانية بالتتام فإنه بيع. ولا أدري ما ألجأ هذا السائل إلى السؤال عن هذه المسألة وقد أخبرناه بما ذكر فيه الشيخ عامر وغيره، وكذا هذه المسائل التي سأل عنها كلها كما أخبرناه بما فيهن من الأثر وقد علمه، ولا أدري ما سبب سؤاله الذي أداه إلى تخليط، وأدى المجيب إلى تخليط أعظم منه.
رجع: وإن تناقضوه انتقض.
....................................
.................................... (2/29)
صفحة 141
[صفحات لم ترقمن]
<2/ 243> فصل في الوكالة في البيع والقسمة
قال رحمه الله: بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد ما أضاءت الشمس، وما صليت الخمس، وما حدا الرفاق، وما حن مشتاق إلى تلاق، وما ذر شارق، ووقب غاسق، دائما بلا تناهي، والله آمر وناهي. أما بعد فسلام من أمحمد بن الحاج يوسف اطفيش إلى الشيخ راشد قائلا: إن وكل إنسان آخر يبيع سهمه من الميراث بطل التوكيل للجهالة بسهمه، فلا تنعقد الوكالة. وإن قال: بع سهمي وهو كذا، أو بع سهمي والورثة زوج ترث زوجها وله ولد أو ولد ابن وأم أو نحو ذلك مما يتبين السهم كم هو، صحت الوكالة. وكذا إن قال أنا أخ أو أخت أو زوج أو نحو ذلك وقد وكلتك أن تقاسم سائر الورثة وهم كذا وكذا، وأن تنظر سهمي ما هو وتأخذ لي، جاز.
....................................
....................................
[صفحات لم ترقمن]
وقال أيضا: والشفعة لا تبطل بمجاوزة قاض أو عدول إلى <2/ 246> آخرين وإنما بمضيِّ مدتها، كثلاثة أيام أو ثلاث سنين أو نحو ذلك من أقوال، والعد من يوم علمه. وأما على قول الفور فإذا أمكن أخذه إياها عند حاكم وتعداه إلى آخر فاتت. وطريق آخر مغربي: أنه يأخذها من المشتري بلا قضاء، وإن خاف الإنكار أخذها بحضرة شاهدين مقبولي الشهادة، والمختار عند المغاربة أن مدتها ثلاث سنين من يوم علم، إلا إن عمل موجب فوتها كطلب التولية. وعلى قول الفور يلزم القاضي [أن] يسأله: لِمَ جاوزت قاضيا؟ إن علم أنه جاوزه، فإن لم يأت بعذر أبطل الشفعة. وإن أنكر وقد علم القاضي لم يحكم بعلمه، فيردها لقاض آخر، إلا أن أتى خصمه بالبيان ما أنكره فإنه يبطلها.
وسأله السلطان فيصل عمن أُخذ منه أصلٌ بالشفعة وقد استغل منه؟ (2/30)
صفحة 142
الجواب: أنه لا يدرك الشفيع على المشتري ما حدث من غلة بعد الشراء وأدرك قبل أخذ الشفعة، وإن أدركت قبل أخذ الشفعة فهو للمشتري بقيمتها يوم الشراء إذا حضرت الشراء، وأدركت قبل أخذ الشفعة فهي للمشتري بلا قيمة.
وأجاب عنها أيضا فقال: وأما ما أكل مشترٍ من غلة قبل الشفعة فإن حدثت الغلة بعد الشراء وأخذها قبل الشفعة فلا ضمان عليه فيها، وهي له، وإن لم يأخذها حتى شفع الشفيع وكانت قبل الشراء فهي للشفيع؛ لأن الشراء كأنه له، فيضمنها له المشتري أخذها. وقال الشيخ عامر وصاحب النيل واللفظ له: «ولا يدرك عليه الشفيع ما حدث من غلة بعد الشراء وأدرك قبل أخذها، فكل غلة لم تدرك عند أخذها فهي للشفيع، وإن أدركت عنده فهي للمشتري بقيمتها يوم الشراء، وإن لم تكن عند البيع فبدونها. اهـ.
<2/ 247> فصل في السلم وهي من مسائل المغربي للقدوة الخليلي
قال: ومنها أن السلم هل يجوز بالدراهم عدًّا من غير وزن، أم لا بد من الوزن، ولو كان في بلد يتعاملون فيما بينهم بالدراهم عدًّا من غير وزن في بيوعهم وشرائهم؟ وما معنى قول ابن النضر:
وفي الدراهم إن أسلفتها عددا.:. بغير وزن حرام حين يجترف
فإن كان لا بد من الوزن فإلى أي شيء يزنه معه؟ وكذلك أخذه، هل يجوز جزافا أم لابد من الكيل؟. اهـ. (2/31)
صفحة 143
ومن غيره: كأن هذا السائل يظن أن الدراهم هي كل ما ضرب بسكة كالأدوار التركية وأدوار الجزائر وريالات الجزائر والأدوار الرومية وكسور ذلك؛ ولذلك لم يدر بما يزنها، وليس كذلك، بل بالدرهم ما يوازن ستين حبة شعيرا وسط مقطوع الطرف من الفضة، وربما كان زنة الربع الجزائري القديم. وإنما يشترط الوزن في السلم بالدراهم ونحوها مما كان القصد فيه زنة ذاته ومعرفة هل هو تام، كبعض سكة الجزائر، أمَّا ما المقصود ذاته وعدده من غير اعتبار زنته ويجري ما نقص منه مجرى ما تم في المعاملات، كتلك الريالات والأدوار وكسورها المذكورة، فإنا نقطع بأن الوزن ليس شرطا فيه. هذا ما ظهر لي بعد إفراغ الوسع.
....................................
....................................
[صفحات لم ترقمن]
وقال أيضا: وأما من سقط من نخلة بلا اختيار فإنه عليه ضمان ما أفسده من مال أو نفس مات أو هو حي، إلا أنه يكون ثلث الدية إن <2/ 259> أفسد في نفس فصاعدا على العاقلة إن شهد بالسقوط غيره، إلا إن اعترف؛ لأنها لا تعقل الاعتراف. ومثل السقوط من النخلة السقوط من الجدار، ولو على قاعد في الطريق، لإجازة الحديث القعود فيها مع إعطاء حقها، كإرشاد الضال. وأما الكتب فإن وجدت مالا فلست أبخل عن نسخها لكم. والله أعلم.
وقال أيضا: وأما حديدة البارود المجعولة في النار فضمان دية الطفل على من ينفخ في النار من صاحبها وأب الطفل كليهما، ولا عمد لأحدهما. وأما مالكها فلأنه ناسٍ أو جهل البارود فيها. وأما أبو الطفل فإنه لا يتوهم قتل ابنه فلم يتعديا الخطأ فعليهما دية الخطأ. وإن شوهد ولم يعترفا فعلى العاقلة. والعلم عند الله والله المستعان.
وعنه أيضا: وصلني سؤالك أيها الشيخ محمد بن مسعود عن مسائل، المسألة الأولى: ضمان الدال على الأموال. (2/32)
صفحة 144
الجواب: نعم، الدال ضامن؛ لأنه سبب تلفها في الحديث: «الدال كالفاعل». وأما الأمر فيه الضمان إذا كان من ذي سلطان، كوال وسيد وأب وطفل ومعلم له. ومن القرآن تحريم الاعتداء، وذلك الأمر والدلالة اعتداء. وإن أردت بالدلالة غير ذلك فأخبرني.
وقال في موضع آخر: ولك أن تجعل ما عليك بجائز من بيت المال في وجهه الجائز نص على ذلك بعض أصحابنا وقومنا. وإن لم أفهم مرادك فأفصح لي به.
....................................
....................................
[صفحات لم ترقمن]
<2/ 267> الباب السابع في أموال الجبابرة وعطاياهم والعمل لهم فيما غصبوه من أموال الناس والنهي عن إعانتهم
قال رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، أما بعد فسلام من كاتبه أمحمد بن الحاج يوسف اطفيش المغربي على أخيه في الدين علي بن خميس بن راشد القصاب. اعلم يا ولدي أنه لا يجوز أن تعمل للجائر في أموال الناس التي غصبها هو أو غصب الانتفاع بها، سواء أرض حرث أو جنة أو فلج أو طريق أو ساقية أو إصلاحا من فساد أو زيادة صلاح. ولا يعذر من يعمل في ذلك وليهرب عنه ويتوكل على الله، والله الحافظ الرازق، ولا ينجو ولو رضي له أصحاب الأموال المغصوبة ما داموا لم يقدروا عليها. وقيل: إذا جعلك أصحاب الأموال في حِل من طيب أنفسهم حَلَّ لك ما أحلوه ولو كان بيد الغاصب، وهو قول لا بأس به. (2/33)
صفحة 145
وأجازوا عطايا السلطان ما لم تعرف أنها من حرام وأنت تعلم أن غلة النخلة التي استفدت بها تشرب من ماء حرام أو من ماء جار في حرام. وأجازوا السكة من جائر ولا تستراب، ولا مال الجار أو العبد والأمة مال السيد، ولا مال المدين لمن له الدين. ومتى تحققت أنه بعينه حرام لم يحل لك. وجاز القبض عمن قادته ديانة كالنصارى إذا تملكوا أصلابا بالقهر ديانة، أو اخذوا أموال المساجد أو الأوقاف أن تكتريها منهم ولزم من <2/ 268> كتب ظالما لجائر أن يستحل المظلوم، أو يغرم له، ولا توبة له إلا بذلك. ولزمه أيضا كل ما أخذ على الكتب أن يرده. وقد يكون الشيء حراما إذا جرى على يد سلطان إسلامي جائر ثم يأخذ منه قهرا لديانة سلطان مشرك يكون له ذلك السلطان الإسلامي كتجر رسول مستخدم.
وقال أيضا: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، أما بعد .. فسلام من كاتبه أمحمد بن يوسف على المكرم الأجل المعترف طالب المخرج مما يعاقب عليه، يسر الله الرحمن الرحيم له ولنا علي بن خميس بن راشد. (2/34)
صفحة 146
الجواب: أن للجار أكل ما أعطاه جاره ولو رابه وقويت الشبهة، ما لم يوقن أنها حرام. وزوج مع زوجها، أو رق مع السيد. وإن استعملك الجبار في مال مغصوب ولم تجد مهربا إلا بقتل أو استئصال مال ونحو ذلك فاطلب الحل من مالكه، ففيه قول أن إباحته لك كافية، وإن أبى أن يحلك فأوص له بما عملت، وانو الخلاص قبل الموت. وإن لم تعرف أو لم تعرف كم حصة كل ولا تصل إلى معرفة ذلك فأعط الفقراء بنية الثواب له، وكلما كتب له من جور لزمه التنصل منه للمظلوم أو لوارثه أو للفقراء إن لم يعرفهم، ولا يصل إلى حصصهم لكثرتهم وانتشارهم. وما أخذه من أجر الكتابة المحرمة له إمساكه فيما أخذ الجبار من ماله أو أعطاه من كتب عليه بالجور خوفا من الجبار. وإن قهركم النصارى على إعطاء ما في أيديكم من مال المساجد لا الأوقاف، أو على تسليم الأوقاف إليهم فأعطوهم وانو الخلاص من بعد، ولا تظهروا لهم ما أمكنكم ستره، وما يعطيكم النصارى فخذوه من راتب وغيره مما أحلته ديانتهم، ولو ثمن خمر أو وضيعة على أحد.
وعنه أيضا: وعن مال الجبابرة، أما عطاياهم فقد كان جابر بن زيد ومن قبله ومن بعده يأخذونها، وكذا الآن، إلا أن أهل زمان جابر <2/ 269> ومثله الحرام عندهم أقل من الحلال؛ لأن لهم زكوات وغنائم، وأما أهل هذا الزمان فمالهم أو جلُّه حرام ...
....................................
....................................
[صفحات لم ترقمن]
<2/ 271> الباب الثامن في مسائل الانتصار وفيمن له الحق ولا يجد من ينفذه
قال رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. لله الحمد وله المجد، والصلاة والسلام في كل غور ونجد، على سيدنا محمد في الرضا والوجد، وعلى آله وصحبه من العجم وعربه.
أما بعد: فسلام من كاتبه أمحمد بن الحاج يوسف الراجي له ولإخوانه ما لا يوصف، على العالم الناصح الإبريز راشد بن عزيز، سألت عمن له الحق ولم يجد من ينفذه. (2/35)
صفحة 147
الجواب: لا يجوز له أن يأخذ حقه بنفسه، إلا فيما اتفقت فيه الأمة أنه له أو اجتمعت عليه أصحابنا أنه له، لقول صاحب السؤالات أنه يقول عند اتفاق أصحابنا أنه قامت الحجة. وإلا ما فيه قول متروك ومحجور عليه مخالف لصاحب الحق فلا يعتبر المتروك والمحجور عليه، بل يأخذ حقه بنفسه مع وجودهما، ففي هذه المسائل يجوز له أن يأخذ بنفسه إن لم يجد ما يوصله أو وجده ولا يقوم شرٌّ بأخذه وحده، كما أجاز رسول الله (ص) لهند أن تأخذ حقها وحق أولادها بنفسها مع إمكان أن تأخذه بغير نفسها بأن تحاكمه إليه (ص). وإنما جاز ذلك لأن حق الزوج وأولادها متعين على زوجها لا محيد عنه. وقد ذكر المحدثون حديث هند حجة لمن يأخذ حقه بنفسه إن تعين له الحق، وبوبوا له، يعنون ذلك قول أبي داود.
[صفحة 272 بيضاء]
....................................
[صفحة 273 لم ترقمن]
ولا بمسألة هند لأنه مما <2/ 274> تعيَّن فيه الحق، لا مما فيه احتمال آخر، بل يستدل بها على جواز أخذ الإنسان حقه بنفسه إذا تعين له بلا خلاف ولا احتمال عنده، ولو وجد منصفا لنفس ضبط الإنصاف له أو قيام شر فيجوز لغير هند ما لهند لقوله (ص): «حكمي على الواحد أو له حكمي على الجماعة أو لها»، فيقاس ما أشبه مسألة هند عليها، وهو من القياس الجلي، وذلك في مسائل الفروع.
وأما مسائل الأصول فيقاس عليها قياس الأولى، فإنه إن كان ذلك في الفروع فأولى أن يجوز في مسائل الأصول، وهي مسائل التكفير والتفسيق وقطع العذر وكون الحق واحدًا أو مع واحد، كنفي رؤية الباري، وكون صفاته ذاتية لا مقترنة ولا حالَّة، وكون الاستواء على العرش الملك والقدرة لا استواء معقول. (2/36)
صفحة 148
فإذا علق الحكم إلى شيء من ذلك العتق والطلاق اعتبرنا قولنا بل ديانتنا، ولا نعتقد اعتبار جاهل أو مخالف مثلا أن يقال: إن كان الله يرى فعبده حر، فيحكم بنفسه أنه لا عتق، وأن يقول: إن كان لا يرى فعبده حر، فيحكم بأنه حر. فتحصل أنه لا يجوز لأحد أخذ حقه بنفسه فيما يختلف فيه، كبنت البنت وبنت الأخت، فقيل: تنزلان منزلة من أدَلَّتا به فكأنهما بنت وأخت، النصف للبنت فرضا والنصف للأخت تعصيبا. وقيل: المال لبنت البنت فتقدم جهة البنوة على الأخوة فلا تأخذ إحداهما حقها بنفسها. وأما أخذ الإنسان حقه بنفسه خفية من منكره بعد تحليفه مع عدم البيان، وهو جائز، ولا يشكل علينا؛ لأنه نفرضه بحق متعين لا اختلاف فيه ولا احتمال فيه، وهو نفس قولنا: إنه لا يأخذ بنفسه إلا إن تعين ولم يجد منصفا، وكان متفقا عليه، أو فيه قول محجور أو متروك، وما تقدم هو المذهب، وبه قال مالك والشافعي من أنه يجوز له أن يأخذ حقه بنفسه إذا لم يجد موصلا إن كان متفقا عليه، قالاهما وبعض أصحابنا. أو <2/ 275> مما يُفتى به.
....................................
[صفحات 275 لم ترقمن] (2/37)
صفحة 149
وكيف يكون حكم <2/ 276> الزوجية باقيا على أصل حكمه المجتمع عليه من قبل وهو قد انتقل من دائرة الإجماع إلى دائرة النزاع ... الخ، مع أنه كلام لا قدح به في كلامي، ولو كان متصلا بكلامي فهو أيضا متصل بكلامه؛ لأن كلامي وكلامه كليهما في مجرد أنه إن كان كذا فالأمر كذا. وخذ حذرك أن يصيب أهلَ عمان مني ما يضرهم، وخذ حذرك أن يتبدد كلام أو يفهم على غير مرادي، وكل ذلك بلا عمد، وأما العمد فمنتف حاشاكم. وإن ثبت الشيخ صالح في بحث ورأيتم منه الجد فليكتب إليَّ ما شاء في خطه ويرجع إليه خطي أو نسخة منه مصححة، وخطي أولى بالرجوع إليه. وذكرتم في المقام قوله تعالى: {وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ} [سورة الشورى: 41] مستدلين على جواز أخذ الإنسان حقه بنفسه فتتدرجوا بذلك إلى جواز أخذ المرأة المختلف في أن الواقع بينها وبين زوجها طلاق أم غير طلاق، وليس ذلك التدرج حقا، لإجماع الأمة أن الآية ليست في كل صورة فيها ظلم، بل في بعض الصور لا مانع لها، وفي نص الآية اشتراط أن يكون المنتصر قد ظلمه الناس، ومن أين لكم أن المرأة قد ظلمها الزوج وأن الحق معها؟ فدخل بالآية من أجمعوا أن الحق له، ويلتحق به من الحق له في القول الصحيح المعمول به، المهجور غيره إن لم يجد منصفا له. والحق ما ذكرته لك الآن وفي الجواب السابق، ولست تاركا له. وبدا لي أن أذكر لك أثرا مخالفا لما مر، هو: إما أن يكون الحق قصاصا في بدن فله استيفائه بلا عدوان، بشرط أن يثبت عند الحاكم أو يزجره الإمام في تفرده بالقصاص، لما فيه من الجرأة على السفك، وإن كان حقه غير ثابت عند الحاكم فلا حرج عند الله عز وجل، ويطالب في الظاهر ويعاقب. (2/38)
صفحة 150
وأما أن يكون حقا لله كالجلد والقطع فإن لم يثبت عند حاكم أخذ به وعوقب، وإن ثبت عند حاكم وزال المحل سقط الحد لزوال محل قطعه ولم يعاقب القاطع مثلا، وإن لم يزل لم يسقط الحد لتعديه مع بقاء محله كالجلد.
وأما أن يكون حقا في مال فلصاحبه أن يغالب عليه حتى يصل إليه إن كان ممن هو عالم به، وإن لم يعلم به من هو عليه وأمكن صاحبه <2/ 277> الوصول إليه من مطالبة لم يكن له الاستمرار بأخذه. وإن كان لا يصل إليه بالمطالبة بجحود من هو عليه وعدم البينة ففي جواز الاستمرار بأخذه قولان، في المذهب الجواز، وهو قول مالك والشافعي، والمنع وهو قول أبي حنيفة.
قال أيضا رحمه الله: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه، أما بعد .. فسلام من كاتبه أمحمد بن الحاج يوسف على الشيخ العالم راشد بن عزيز بن بخيت زادني الله وإياه علما ونفعا لعيال الله.
وهذا جواب ما سألتني عنه أيها الشيخ راشد: أما التي تأخذ نفقتها بنفسها وقد صح طلاقها في قول دون قول وقد سبق منى إليك أجوبة متعددة، فأعلم الشيخ صالحا أن زوجيتها لم تنقطع بل بقي طرف منها. وفي نفس الأمر إما باقية كلها وإما منقطعة كلها، فلأن يحكم بحكم الطرف الباقي أحق من إلغائه بالكلية، ألا ترى أنه يتحاكمان، فمن حين ما حكم بانقطاعهما تنقطع، وذلك قول الطلاق، وإنما سبب أخذها النفقة قول عدم صحة الطلاق، فمن حين الحكم بصحته تنقطع الزوجية، فكيف يصح له أن يثبت لها النفقة مع القول بانقطاعها باعتبار صحة الطلاق؟!. (2/39)
صفحة 151
وقل للشيخ صالح: لا يليق بك أن تتمسك بقولك إن ثبوت النفقة فرع على ثبوت الزوجية ... الخ، ولا أن تظنه حجة، وأن لا يعجبك تقول أنه من العلم [كذا]. فمعنى قولي: أصل الزوجية أن الزوجية لم تنقطع انقطاعا كليا، ولولا هذا لم يبق لأخذ النفقة وجه، وهذا عين قولك: إنها تأخذ النفقة على وجه مختلف فيه، فإنه لا وجه لأخذها إلا مراعاة جانب الزوجية الذي هو الأصل الثابت، ولا يخفى أن الحق أنه لا يجوز لها أن تأخذ بنفسها بقول إلا إن كان هو المعمول به في بلدها ولم تجد من <2/ 278> يترافعان إليه وكان هو الصحيح وغيره محجورا عنه على رسم ما بسطت لك في الأجوبة السابقة. وأما تحذيري أن تصيبني مضرة من أهل عمان مصروف لأصالة نونه [كذا]، فلا يمنع إلا بتأويل البقعة أو البلدة، فمعناه التحذير أن يغتاظوا ويظنوا أني أتعصب لبعض على بعض.
ومنه مسألة: ما تقول شيخنا العالم العلامة التقي أمحمد بن يوسف اطفيش في امرأة تزوجها كفؤها من جماعتها بإذن وليها ورضاها، فقام الفريق الآخر يدَّعون عليها دعاوى غير ثابتة في الشريعة، وظهرت منهم فتنة شاهرة، فقال لهم جباة البلاد: كفيهم عنك بجزء من مالك، وهو النظر لإطفاء الفتنة، والفتنة شاهرة منهم، فأعطتهم جزءا من مالها لكف فتنتهم، وهي غير راضية بتلك العطية بشهود يشهدون لها بعدم رضاها، فمكثت مدة من الزمان ساكتة عنهم، ولم يأت زمان عدل تأخذ فيه حقها منهم لكونها لا تأمن منهم إن أخذت حقها منهم إلا في زمان العدل. فما تقول على هذه الصفة إن قدرت على أخذ حقها منهم، هل يجوز أم لا؟ تفضل بالجواب سلمك الله من كل مكروه؟. (2/40)
صفحة 152
الجواب: سلمك الله وإيانا من المكروه ولا تخلو الدنيا منه. يجوز لها أن تشهد قبل العطاء إني أعطي فلانا كذا وكذا وقت كذا كارهة مكروهة، وإذا قدرت عليه رددته منه أو مثله أو قيمته، لها ذلك في الحكم وعند الله لأحاديث: «لا عقد على مكروه ولا هبة إلا عن رضا»؛ فلا تنعقد هبة بلا رضا، وذلك العقد باطل كأنه لم يكن، فالمال لها وتخبره عند الرد أني لم أعطكه على رضا، وتشهد على الإعطاء أيضا حتى تعطي، وإنما تشهد على ما مر، لئلا ينكر الأخذ ويقول: ليس هذا، أو أعطيته قبل وقت كذا لوقت الإشهاد. وقد شهر في كتب الغرب أن الأخت تقوم على أخيها برد ما أعطته مدعية أنه إنما أعطته خائفة، وكذا الزوج مع زوجها إذا أعطت وادعت الخوف، والعمل بذلك، ومسألتك أقوى من هذه في الرد إليها. والله الموفق.
....................................
....................................
[صفحات لم ترقمن]
<2/ 285> الباب الثاني عشر في الأنهار والعيون وحكم الأموال الموقوفة لها والإجارات وفي أحكام السواقي
قال رحمه الله: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. الحمد لله حمدا ترتاح إليه النفس، ويلوح عليه الأنس، والصلاة والسلام على أشرف من خلق، وخير ما عنه فتق، سيدنا محمد السابق الفرط، صلاة وسلاما ما بهما تغتبط، وآله وصحبه من العجم وعربه.
أما بعد .. والنطق بها سنة، وله المنة، فعلى الشيخ راشد بن عزيز، الذهب الإبريز، السائل المسترشد، والباعث المستنجد، من كاتبه أمحمد بن الحاج، قضيت له المآرب والحاج، نجل يوسف اطفيَّش، لا زال بالخير يُريَّش، سلام يعم البسيطة والآكام، وحسن فعل وكلام، يلمع لأهل القبور، ويسمعه سكان القصور. (2/41)
صفحة 153
قال أمحمد المذكور: جاءتني منك أسئلة وأرسلت إليك أجوبتها على يد الشيخين الحاج محمد الباروني والحاج سليمان المجدلي حفظهما الله ببركة الاسم الأعظم، ولا أرى أعداءها فيهما ما يكرهان. وكتبت إليك الأجوبة في كتابين ليصلك أحدهما إن شاء الله إن لم يصلاك، والله الموفق، وأنا أعجل بالجواب ولكن يبطئ في الطريق.
وسألتني الآن عن فلج أعطي رجل بعضه وأرضا على أن يصلح ما يكون في جملة الفلج من الفساد.
....................................
....................................
[صفحات لم ترقمن]
<2/ 306>
وقال أيضا: وإذا كان الموصى به دون الثلث أو ثلثا، وعند الموت فاق الثلث رد إليه.
وقال أيضا: وزيادة نوع من أنواع البر جائزة، ولو كان يقول: خذ يا فلان من مالي ما شئت، وإذا كان الموصى به تباعة لم يجز النقص منها. والله الموفق.
وقال أيضا: وإن مات أحد الأوصياء أو غاب، وذلك مما سألتما عنه، انتظر الغائب فيما يقبل التأخير وإن أبى من المجيء أقيمت عليه الحجة وأنفذ الكل، ورخص ألا ينتظر الغائب، ووارث الموصي يقوم مقامه. وقيل: للحاضر أن ينفذ منابه مطلقا، ومن ذلك أن يوصي بشيء فيبدو له أن يتركه أو يزيده إلى ذلك الشيء شيئا آخر.
الجواب: أنه لا يتركه ولا يزيد معه شيئا آخر يوصي له، مثل أن يوصي للمسجد ويزيده إليه للفقراء، وذلك محافظة على الوفاء بالعهد وتحقيق له، ولو لم يكن فيه خصم كما مثلت بالمسجد وبالفقراء مطلقا. وإذا كان الموصى له متشخصا فهو أشد في منع الزيادة إليه. وذلك كله فيما بينه وبين الله تعالى، وأما في الحكم فإن ترك في ذلك كله لم يجبر على إمضائه، لكن جاء الحديث بأنه «من حلف على شيء ورأى غيره أحسن منه حنَّث نفسه وكفَّر»، فباعتبار هذا له فيما لا خصم فيه أن ينتقل إلى ما هو خير، مثل أن يوصي ببناء مسجد أو زيادة فيه فينتقل إلى طرف الموصى به لذلك على عماره وطلبة العلم. (2/42)
صفحة 154
وعليكما وعلى من يليكما والخاصة والعامة سلام، ولكما عليَّ جواب كل جمعة إن شاء الله، قصدا إلى مراد أخوة الدين، وإحياء العلم، ونفع عيال الله، إلا أني لا أجد من يعرف بلدكما أو يوصل إليه. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
....................................
....................................
[صفحات لم ترقمن]
<2/ 317> الباب الثامن عشر في الدعاوى ورد اليمين، والشهادات وأحكام ذلك
قال رحمه الله: وأما رد اليمين فبعض لا يجيزه لأنها في الحديث على من أنكر، ولا بيان. وبعض يجيزه لأنها حق مخلوق، كما أنه لو تركها مدع لجاز. والبحث في شرح النيل وقد أرسلته إلى مصر ليكتب بالقاهرة، وقد دعوت بالشرِّ على من يختصره أو يُحشِّي به على النيل أو يزيد فيه ويقول: «من غيره»، ثم يقول: «رجع». وعندي مختصر بدأت به وإلا ما اشتغل الناس بالتأليف ويتركون العمل والدرس وقد وجدوا من كفاهم مؤونة التأليف؟!. وقد اختلف العلماء في رد اليمين على مدع فيأخذ ما ادعاه فبعض منعه لحديث: «البينة على من ادعى واليمين على من أنكر»، وبعض أجازه لأنه حق مخلوق، فيتأمل فيه بالرضاء، ويدل عليه أحاديث في الجزء الثاني من وفاء الضمانة، منها ما رواه البخاري بسنده إلى أبي هريرة أن النبي (ص) عرض على قوم اليمين فأسرعوا، فأمر أن يسهم بينهم باليمين أيهم يحلف. وحديث أبي داود إلى أبي هريرة إلى النبي (ص): «إذا كره الاثنان اليمين أو استحباها فلْيَسْتَهِما عليها»، ورواه أحمد وعبد الرزاق كذلك. وحديث أبي داود إلى قتادة أن رجلين اختصما إلى النبي (ص) في متاع، وفي رواية له في دابة، ليس لأحدها بينة فقال النبي (ص): «استهما أحببتما أو كرهتما». وحديث أبي داود إلى ابن عمر أن النبي (ص) رد اليمين على طالب الحق. وسقت هذه الأحاديث لتدخل بها في جواز رد اليمين برضاها، أو لحكمة تظهر للحاكم، لا ركون أو تشبه. (2/43)
صفحة 155
وقال أيضا: وأما حديث الربيع رحمه الله تعالى: «بين كل حالفين <2/ 318> يمين»، فمعناه والله أعلم ...
....................................
....................................
[صفحات لم ترقمن]
<2/ 328> ترثه بنت الأخت لا بنت بنتِ الأخ، لقربها مع اتحاد الجهة، وقد قلت في قصيدة الأحكام:
لجهة كجهة الأبوة.:. قدم ومثل جهة البنوة
رتب ومثل جهة الأخوة.:. والشيخ فيهن كذي الفتوة
وعمة الأبوة والأمومة.:. وبعدهن جهة العمومة
وجاء من بعد جهات القرب.:. قال بذلك عجم وعرب
كبنت أخت وكبنت بنت أخ.:. كذاك ما زاد علوا ورسخ
وبعده القوة كالذي لأب.:. وأمه مع الذي به انتسب
وقال أيضا: ومن ترك بنت أخت وابنة بنت أخ ورثته بنت الأخت وحدها لا بنت بنتِ الأخ وابنة بنت الأخ لقربها مع اتحاد الجهة.
وقال أيضا: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، أما بعد .. فسلام من كاتبه أمحمد بن الحاج يوسف اطفيش على أخيه في الله الفاضل الورع الشيخ عيسى بن صالح، وصلني كتابك واستبشرت به لسلامتك وسلامة أحوالك وانتظام أحوالك وأحوال شيخك، وأنا أسأل الله في ذلك، وقد كتبت لك أجوبة أسئلتك، واختلطت بأجوبة أسئلة غيرك، وتأتيك منهم مع زيادة إن شاء الله، وأختصرها الآن لك إن كانت هي أجوبتك: بنت أخت وبنت بنت أخ، الإرث كبنت الأخت لقربها مع اتحاد الجهة وهي الأخوة.
وقال أيضا: وأما ميراث الأرحام فمن قوله تعالى: {وَأُوْلُو الاَرْحَامِ بَعْضُهُمُ أَوْلَى بِبَعْضٍ ... } الخ [سورة الأحزاب: 6] عندنا وعند الحنفية الحديث: «الخال وارث من لا وارث له»، فتفصيله في النيل وشرحه. والمانع يقول: أولو الأرحام من ذكروا في سورة النساء غير الأزواج. وقد يكون الزوجان رحمين.
<2/ 329> فصل في ميراث الخنثى وفي ميراث الزنيم (2/44)
صفحة 156
بسم الله الرحمن الرحيم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، أما بعد .. فسلام على الشيخ عامر من كاتبه أمحمد بن الحاج يوسف قائلا في خنثى مشكل وابنة المشكل وابن ابنة المشكل.
إن للأول حالتين وللثاني أربعا وللثالث ثمانية، فللأول نصف حال الذكورة ونصف حال الأنوثة، والثاني لا يأخذ شيئا من حالتين ويأخذ من حالتين، يأخذ من إحداها بالعصبة ربعا، وإحداها بالفرض ربعا. والثالث لا يأخذ من سبع حالات ويأخذ من الثامنة سهما ثمن ما يصح له؛ لأن الأول والثاني بالفرض أنثيان، فللأول اثنا عشر من أربعة وعشرين، وللثاني السدس تكملة الثلثين، ونفرض الثالث ذكرًا فله بالاستحقاق الباقي وهو ثمانية، فيأخذ منها واحدا فقط، ونفرض الأول ذكرا فله أربعة وعشرون يستحقها فنعطيه نصفها اثني عشر ونفرضه أنثى فيأخذ اثني عشر فنعطيه منها ستة فذلك ثمانية عشر من أربعة وعشرين، وللثاني أربعة من أربعة وعشرين ثلاثة من حال الذكورة وواحدة من حال الأنوثة، وللثالث واحد من أربعة وعشرين يبقى واحد من أربعة وعشرين ولا عاصب، فهذا الواحد ينقسم عليهم من ثلاثة وعشرين ترد إليها الفريضة. هذا ما ظهر بقاعدة وإن ظهر لك أثر أو عمل يخالفه فأخبرني. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
وقال أيضا: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. أما بعد .. فسلام من أفقر العُبْدان، أمحمد بن يوسف بن عيسى بن صالح بن عبد الرحمن، على أخيه العالم الفصيح محمد <2/ 330> ابن شيخان، قائلا: (2/45)
صفحة 157
جواب مسألتكم: لا يخفى أن عصبة ابن أمه عصبة أمه، بناتها أخواته من أمه، وكذا الإخوة، فأبوها يحجبهم. وإن مات ولم يدر أذكر أم أنثى عمل فيه كعمل الأنثى؛ لأنها الإنسان الذي ما تحته إنسان. ومن ادعى الخنوثة أو الذكورة فقد ادعى زيادة تحتاج إلى بيان ولم يجده، ولا يقوى كون آدم ذكرا وأصلا للأنثى على أن يحكم بأن ذلك الفائت ذكر؛ لأن ما ذكرت أمر شرعي، والاحتجاج بذكورة آدم غيره. كما أنه إن لم يتميز إشكال الخنثى أعطي في الجناية ما للمرأة، وإن تبينت ذكورته بعدُ زِيدَ له مثل ذلك، أو خنوثته زيد له ربع، وكما في النيل وغيره أن تشابه متلاحمة بباضعة، وقيل: بسمحاق، وإنه يعطى المجروح بالأَدْوَن، وعلى الأم والمسقطة بإذنها غرم الغرة، نصفين وإن أعطتها كلها إحداهما بقيت على الأخرى التوبة فقط والكفارة، ولا ندرك عليها متابها، وإن لم تعطيا عوقبت كل واحدة بالدية كاملة عند الله. وإن حوكم في ذلك حكم بدية واحدة، فهذه الغرة لأبي أم الجنين، وما لها نصيب لأنها قاتلة، ولا لبنيها لأن أباها كالجد من الأب، ولا حظ للإخوة معه، وإن كانت لها أم فلها ثلث وذلك ما حكمت به، وهو قول من أقوال وافقه حكمي، والعلم بالصواب أو بالأصوب عند الله عز وجل.
وقال أيضا: وأما ابن أمه فترثه أمه وأمها وجدتها وإخوته منها وأبوها وجدها من أبيها وزوجه وأولاده ما سفلوا، والحاجب قبل المحجوب، فإن بقي شيء فللعصبة، مثل: عمها وابن عمها. وإن لم يكن إلا عاصب أخذ المال كله، وأبوها قد يرث عصب وقد يجمعهما.
....................................
....................................
[صفحات لم ترقمن]
<2/ 342> وقال أيضا: ومنها السؤال هل يجبر الإمام المبايعين أن يبذلوا أموالهم لعز الدولة إذا لم يف بها بيت المال؟ (2/46)
صفحة 158
الجواب: أنه لا يجب عليهم ولا يجبرهم، سواء بايعوه على الطاعة هكذا، أو على الطاعة في الحال والمال، هذا بما في كتب الفقه، وقد أخبرتك أن النووي تلميذ ابن مالك أجاز للسلطان أن يجبر الرعية على بذل المال على قتال النصارى إن لم يف بيت المال بذلك، ولعل كلام ابن جعفر على ظاهره إذ قال عن ابن الحواري: يجب على الغني أن يبذل ماله في إظهار العدل إذا قدر فيوافقه كلام النووي، وهو حسن وإنما لم أعزم عليه لعدم وجوده في السنة، وإنما الموجود فيها الترغيب في الصدقة والترغيب في الإنفاق في سبيل الله ولا يخفى أنه أولى لقوله تعالى: {وَلاَ عَلَى الذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ ... } الخ [سورة التوبة: 91] فإن مفهومه أن على الواجد الخروج إلى الجهاد بما وجد من ماله، وفي قوله: {إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الذِينَ يَسْتَاذِنُونَكَ وَهُمُ, أَغْنِيَآءُ ... } الخ [سورة التوبة: 93] تصريح، فإن قيل: فلعل الوجود من بيت المال، قلنا: لا دليل على التخصيص، فيجب على من وجد من ماله أو من بيت المال ولو وجد من ماله، وقد قال الله عز وجل: {وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [سورة التوبة: 41] ويجبر الشراة على الخروج في البر والبحر إن جاء العدو إليهم، أو جاء الإمام إلى العدو، ولا يجبر غيرهم إلا إن جاء العدو. وإن كان الإمام هو الجائي إلى العدو فلا يجبرون، ولم يقهر (ص) أحدا في غزوة تبوك، ولكن من قعد هلك، ولا سيما إن نافق، وليس في ثبات إهلاكهم إيجاب إجبارهم. (2/47)
صفحة 159
وقال أيضا: وأما استظهار الإمام العدل أو نحوه بأموال الرعية قهرا عليها والزكاة والمسجد فلا يجوز لإمكان إزالة الفتنة بالصلح، ويترك القتال ويترك العدو وأن يفعل ما شاء إذا لم يطق. وأفتى النووي سلطان زمانه أن يأخذ من أموال الرعية إن فرغ مال بيت المال. وأجاز بعض أصحابنا لأهل الكتمان ما قدروا عليه من أحكام الظهور، فتستظهر على العدو بالزكاة ومال المسجد. ومن الأمور الشرعية ارتكاب أخف <2/ 343> الضرورتين. وقد أحوجتني يا أخي عيسى إلى إظهار ما لا أريد إظهاره، فأتوقع أن يجمعنا الله وإياك يوم القيامة فيسألنا عن ذلك الذي فعلناه.
وليس في رد قرطبة أو غرناطة لو رجعا إلى الإسلام ولا في استخلاص زنجبار أو بلدة من طرف عمان من أيدي أهل الشرك أو المخالفين، ولا تتعرضوا لمال اليتيم إلا إن كان ترك الدفع عنه ببعضه يؤدي إلى تلفه كله. ومن فعل شيئا من ذلك مخلصا لله تعالى لا قاصدا لحظ نفسه من السلطة فلا بأس إن شاء الله، وإن اقترض اقتراضا ناويا للقضاء فكذلك، ولو لم يجد ما يقضي. وأناشدكم الله أن تتركوا القتال، وكأني بعثي الله وسألني عن إفتائي هذا، وكأنك بأهل عمان افترقوا عني وعابوا عليَّ الدخول بينهم ونسبوني إلى إباحة أموالهم، فإياك أن تذكرني في مثل هذا!!.
وعنه أيضا: ويجوز جعل مال على أهل البلد إن قصدهم المشركون أو البغاة ليدفعوهم عن أنفسهم، وذلك من القيام بالعدل. وإن جمعه جامع فانكشف الأمر أنه لم يقصدهم ضَمِنَ الجامع لذلك المال المأخوذ منهم.
وقال أيضا: وأما إن احتاج الإمام أو الجماعة أو القائم بأمر الدين إلى أخذ المال من الناس برسم القرض أو بدونه قهرا ليرد به البغاة عنهم فجائز، وإن خافوا على أنفسهم أعطوا سواءً أو على أموالهم في كلٍّ بقدر ماله الدَّنِيُّ فالوسط فالعليُّ، وإن جعلوا في كل من الثلاثة درجتين أو درجات فلا بأس بل أحسن. (2/48)
صفحة 160
وفي النيل كالإيضاح أصل ذلك لمسألتك. وصرح النووي بها نهى صلاح الدين يوسف أو غيره أن يأخذ من أموال الناس إلا إن فرغ بيت المال لغزو النصارى واستخلاص ما أخذوا. وإن أخذ برسم القرض<2/ 244> على بيت المال ورضوا، فإن لم يكن لبيت المال مال فلا عليه، وإن أخذ لا على رسم القرض ورضوا فلا عليه، وإن أخذ على الرد ففي ماله كلُّ ذلك إذا صح أن الأمر لله لا لمنافسةٍ أو باطل قتال، وإلا فأنا بريء من هذه الفتوى. ويجوز الإجبار على ذلك الخراج إذا كان استقامة في الدين.
وأما حجر الإمام أو القائم بالصلاح على قطع الشجر حول البلد مراعاة لصلاح أهل البلد في إبقائه فهو حق، يحبس ويجبر من كسره، وقد سجن (ص) لمواشي بيت المال والأئمة بعده.
....................................
....................................
[صفحة 345 - 346 لم ترقمن]
<2/ 347> فصل في مسألة المصع التي اختلف فيها الإمامان القطب والخليلي رضي الله عنهما. وهي من مسائل المغربي لشيخنا الخليلي
قال: مسألة: ومنها أنا وجدنا أهل زماننا يؤدبون صبيانهم وعبيدهم ومن يستحق الأدب عندهم بعصاة الجريدة على رجليهم، ولم أقف لهم على أثر في ذلك.
الجواب: أما من حيث المحل فلا بأس بإيقاع ضرب الأدب في بطن القدمين على قول من أجاز مثله؛ لأن لأهل الفقه في مثل هذا قولين، وإن كان المشهور والمعمول به المنع فإن النظر لا يأبى سداده بالقطع. (2/49)
صفحة 161
ومن غيره: حاصل ذلك أن هذا المجيب الذي هو سعيد بن خلفان لم يطلع على نص في كتب المذهب على جواز ضرب الأدب في باطن القدمين، وإنما اطلع على قول في مسألة من مسائل الفقه لبعض هي ضرب الأدب في باطن القدمين قاس عليها ضرب الأدب في باطنهما، وأنه وجد في مثل هذه المسألة التي هي ضرب الأدب في باطنهما لم يجز للسائل أو غيره أن يضرب الأدب في باطنهما حتى يرى النظر على الجواز، والموجود في الأثر منعه، وإن كان المشهور والمعمول به المنع في المسألة التي قاس عليها المسألة التي هي ضرب الأدب في باطنهما، فكيف يجوز له القياس على ما هو غير مشهور وغير معمول به؟ مع أن التحقيق مختص بالمجتهد فيمن وبمن يقاربه إن اضطر هذا المقارب، وإن التحقيق عندي ما تأمل في هذه العبارة بعد كمالات الاجتهاد لي. <2/ 348> والحمد لله أن لا يصح إلا على ما ثبت بنص القرآن والسنة والإجماع.
وأما القياس على كلام الأشياخ فإنما يجوز لمثل هذا المجيب إن ضاق الوقت ولم يجد مجتهدا يعبر له ولا أثرا بالجواز والمنع، ولا يجوز للسائل ولا لنحوه مما عاصرته في هذه البلاد لعدم قربهم ممن يقارب الاجتهاد، وقد أرسلت لسعيد بن خلفان أنا وغيري من تلاميذي: إن وجدت نصا في كتب المذهب على جواز ضرب الأدب في باطن القدمين فأخبرنا به وانسُبْه إلى كتابه، فالتجأ إلى القياس المذكور الذي رأيت بطلانه آنفا أو نحوه، وقد ذكرت أدلة منع الضرب على القدمين في الحاشية التي كتبت على كلام الشيخ سعيد بن قاسم الجربي القاطن بمصر، ومنها قوله تعالى: {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الاَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} [سورة الأنفال: 12]، أي أطراف اليدين والرجلين، فالضرب فيها مؤلم جدا، إذ أرشد الله الملائكة لمجرد الضرب فيها أو بقطعها لما سألوا كيف نقاتل بني آدم ولا يعرفون. فانظر هميان الزاد إلى دار المعاد.
رجع: ولقد أتتني أسئلة في هذا المعنى فأجيب فيها عن نظر. (2/50)
صفحة 162
ومن غيره: يعني النظر الذي تقدَّم له، وهو قياس ضرب الأدب في باطن القدمين على شبهها من المسائل التي هي غيرها وليست من بابها، وقد علمت بطلانه ولم يقف في ذلك على أثر مبيح بالنص لضرب الأدب فيها، بدليل أنه قاس قياسا، وبدليل زعمه أنه اطلع في ذلك على مسألة المصع، وبدليل قياسه عليها قياسا، وهو أيضا قياس باطل على ما ترى إن شاء الله.
رجع: وكنت حريصا على أن أقف فيه على أثر حتى تذكرت مسألة المصع الموجودة عند أهل عمان فيما اعتاده الصبيان، يجعلونهم يتبارون فيها بالكتابة، فمن غلب صاحبه منهم ضربه في باطن رجله أو <2/ 349> راحة يده، ويسمونه مصعا، ولا أدري حدوثها في أي عصر، لكن جاء الأثر بجوازها لرجاء المصلحة ...
....................................
....................................
[صفحات لم ترقمن]
<2/ 353> الباب الثاني والعشرون في الحدود وأنها تدرأ بالشبهات
قال رحمه الله: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما. أما بعد .. فإنه سأل فضلاء من أهل عمان عيسى بن صالح بن علي الحارثي وعامر بن خميس من الشرقية وغيرها عن مسائل الكاتب أمحمد بن الحاج يوسف، منها جلد النبي (ص) أربعين في الخمر وجلد ثمانين.
الجواب: أنه (ص) جلد بسوط ذي رأسين فذلك ثمانون، روى البخاري ومسلم والترمذي بإسنادهم إلى قتادة عن أنس عن النبي (ص) أُتي برجل قد شرب الخمر فجلده بجريدتين نحو أربعين، فذلك ثمانون، وورق الجريدتين منزوع، أعني خوصهما. وفعل أبو بكر كذلك، فلما كان عمر استشار الناس، فقال عبد الرحمن بن عوف: كأخف الحدود ثمانين، فأمر به عمر. فقال: قال الترمذي: «حديث حسن صحيح» على عادته في الجمع بين الحسن والصحة، وكأنه أراد الحسن اللغوي أنه أراد كأنه بلغ درجة الحسن، وزاد عليها حتى بلغ درجة الصحة اللغوية، أو أنه كأنه أراد بلغ درجة الحسن وزاد عليها حتى بلغ درجة الصحة. (2/51)
صفحة 163
قال: «والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي (ص) أن السكر كالقذف». قال أبو وبرة الكلبي أرسلني خالد بن الوليد إلى عمر فأتيته ومعه عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وعلي وطلحة والزبير وهم متكئون في المسجد، قلت: إن خالد بن الوليد أرسلني إليك وهو يقرأ عليك السلام، ويقول: إن الناس قد انهمكوا في الخمر وتجايروا العقوبة فيها، فقال: هؤلاء عندك فاسألهم. <2/ 354> فقال علي: نراه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى ...
....................................
....................................
[صفحات لم ترقمن]
<2/ 357> الباب الثالث والعشرون في قتال البغاة وما يحل فيهم، وفي أن لكل أحد قتل، من قتل أحدا على الدين ... الخ
قال رحمه الله:
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه، وبعد: فسلام على الشيخ محمد بن شيخان من كاتبه أمحمد بن الحاج يوسف قائلا: أتاني سؤال عمن حصر قوما من بغاة أهل القبلة، هل يجوز الأكل من أموالهم ليقوى على حصرهم، وعن قوم بغاة هل يجوز لهم الأكل من مال مقاتليهم لينجوا أنفسهم؟.
الجواب: المنع من أكل المال في ذلك كله لحديث: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ... » الخ. ولا رخصة في ذلك. وقد أرسلت لك أجوبتك كلها ونسيت اسم الذي طلبت مني إرسالها إليه، ثم تذكرت الذي تريد أن أرسل إليه، وقد وصيت الناس بالإعجال إليك، فإن لم تصل فأخبرني.
وقال أيضا: والسالب أو القاتل يقصد وحده بإخبار تعديه وإشهاد عليه. ومن رد عنه حل قتله، ولا يؤسر أحد بدله، ولا يؤخذ مال غيره ليذعن. والمسألة مبسوطة في النيل وشرحه. ولا يؤخذ من الباغي مال ترتب ذهابه على بغيه، ولا يؤخذ جندي بما فعل الآخر، إلا إن أعانه. (2/52)
صفحة 164
وقال أيضا: ويحل لكل أحد قتل من قتل أحدا على الدين الحق، مثل أن يقتله لأنه موحد، أو لأنه مؤمن بالقرآن، أو أنه إباضي وهبي، أو لأنه يرى أن صفات الله عز وجل هو، أو لأنه يرى الوضوء فرضا أو <2/ 358> لأنه يصلي سنة المغرب. وإن صح أن فلانا قدوة في الدين، وقصد قتله لكونه قدوة فقاتِلُه كقاتل الإمام العدل. وكذا لو قصد قتله فلم يقدر عليه، أو لم يُقدَّر له، كما قُتل طاعن أبي خزر برمحه ولم يصبه طعنه. ودَعُوا الخفَّة، فلأنْ تخطئوا في ترك القتل أولى من أن تخطئوا في القتل. ولقد قال الصديق رضي الله عنه في رجل: ما يحل دمه؟ فقال: ليس لي ما لرسول الله (ص).
<2/ 359> فصل في قول صاحب الدليل والبرهان: إن قوما تقاتلوا على مسائل الرأي ولم يعابوا (2/53)
صفحة 165
فأجاب بإمكان ذلك إذ لم يقاتلوا تشهيا بل للحق عند كلٍّ، ومسائل الرأي مختلف فيها، فقيل: الحق عند الله فيها واحد وغيره خطأ غير معاقب عليه، وقيل: الحق مع كل واحد ولو تناقضا، بمعنى أن كلا معذور في اجتهاده. وكلام الدليل يتنزل على القولين، وكل منهما قابل له، ولا يتنزل على ما إذا كان [كلٌّ] منهما يقاتل صاحبه بحسب ما ظهر له من الحال، مثل أن يقول عدلان لطائفة: إن هؤلاء قطاع الطريق، إذ هم الذين أغاروا على أموالكم، وهي معهم في مكانهم، أو هم الذين بغوا وقتلوا، أو نحو ذلك مما يوجب قتالهم أو يبيحه، وهم براء من ذلك، والعدلان تعمدا كذبا، وهما بحسب الظاهر عدلان، أو أخطآ والتبس عليهما قوم بقوم، أو غلطا في الطائفة، تقاتل على قولين عدلين، وهؤلاء يقاتلون على براءتهم مما نسب إليهم. وإنما قلت لا تتنزل بذلك لقوله: كلٌّ تمسك برأي، وهذا غير متمسك برأي بل بحال وصف، إلا أن يقاتل. أراد رحمه الله بالرأي ما يشمل هذا أيضا، وليس ذلك من مسائل قومنا؛ لأن مسائلهم ترجع إلى التحكيم فيما حكم الله فيه، وترجع إلى ولاية الفريقين ولو بان خطأ أحدهم إذا كانوا عندهم بمرتبة ذلك، وتتضمن الرجوع عن العلم لهوى أو جهل ولو زخرفوها بشيء، لكن زخرفتهم بينة الفساد والحمد لله.
وقال أيضا: مسألة الدليل تمسك كل منهما بما هو علم. والله موفق. وأسألك بالله الذي قام به كل ما سواه، بل أسأل الله أن تحتال بمال أو جاه في إرسال شرحي على شواهد السكاكي عبد القاهر والقزويني <2/ 360> بخطي بنفسه أو بنسخة تقابل عليه، وكذا كتاب بخطي أحشي عليه مسائل كتبها سعيد بن خلفان، ترجع إما بخطي أو بنسخة تقابل عليه أقول فيه: «ومن غيره»، ثم أقول: «رجع». أتوسل في ذلك بالله، ولا بأس بأسباب من الخلق، وكلٌّ من الله. وأخبرني بما فعل الحاج أحمد النوري، ولك كل ما صرفت. (2/54)
صفحة 166
<2/ 361> الباب الرابع والعشرون فيمن اشتهرت عنه أخبار أنه قتل رجلا وما الحكم فيه، وهي من مسائل المغربي للقدوة الخليلي
قال: ومنها الشهرة بالقتل هل يوجب شيئا غير الحبس أم لا توجب غير الحبس في ذلك؟ وكذلك من أمر أحدا بالقتل وجبر عليه، فعلى من يكون القود عليهما أم على الآمر أم على المأمور؟.
ومن غيره: سبب سؤاله هذا أن أهل بلده - الذين هم أعلم وأفضل - ذكروا حبس رجل منهم بالقتل، وأنكر هو جواز ذلك؛ لأنه لم يطلع على الجواز، ولم يصل حد البحث، وذلك خطأ منه. قال أبو العباس أحمد بن محمد بن بكر: «سئل عن رجل ذكرت عنه أخبار أنه قتل رجلا، إلا أنه ما جاءت عليه شهادة الأمناء أنه قتله، والناس قد اتهموه أنه قتله ولم يمنعهم من قتله إلا أن يتقدموا بغير الأمناء، هل يحبسونه؟ قال: نعم. وسئل: هل يجعلون له السلسلة في عنقه ويوثقونه في الحبس ويطيِّنون عليه الحبس؟ وإنما ألجأهم إلى ذلك كله أن يقر بما فعل؟ قال: كل ما لا يقر إلا به فجائز لهم أن يفعلوه له، ما لم يكن فيه فوات نفسه في ذلك الحال».
رجع: الجواب: إن لم يصح القتل بشاهدي عدل ولا بإقرار من القاتل في موضع جواز الإقرار ممن يجوز إقراره عليه فهذا الموضع يسمى تهمة بالقتل ما لم تقم عليه الحجة بصحة الفعل، وحبس المتهم بالقتل ما تظاهر أسباب التهمة عليه جائز في قول الأعلام، ولا تحديد بمدة منصوص فيه، بل هو على ما يراه الإمام أو من كان بمنزلته قائما بمصالح الإسلام، فقد حبسوا إلى عام وإلى عامين باجتهاد إلى ثلاثة أعوام وسبعة وما زاد، فكلما <2/ 362> تضافرت أسباب التهم أقوى كان لإطالة المدة وإغلاظ العقوبة أولى ...
....................................
....................................
[صفحات لم ترقمن]
<2/ 373> فصل فيمن لزمه قتل في الظاهر وهو بريء من موجبه فهل يجوز له الهروب أو الامتناع بقوة ما؟ (2/55)
صفحة 167
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما. أما بعد، فسلام من قلب سليم على من أرجو من الله الرحمن الرحيم أن يسلمه الله تعالى من سوء الدين والدنيا، وأن يزيده علما وعملا وبحثا على ما هو فيه من ذلك، برحمة السلام المؤمن المهيمن الشيخ عبد الله بن راشد بن صالح، من كاتبه أمحمد بن يوسف اطفيش قائلا: ورد إلي كتابك يتضمن سؤالا عن مسألة قد سألت عنها قبلُ، وأنا أحب أن لا يعيد السؤال لئلا يضيق صدر المسؤول الأول، لكن لا بأس فاسألني عما تحب ولو سألت قبل. وهو أن إنسانا لزمه القتل أو ما دونه في الحكم الظاهر وهو في نفس الأمر بريء عن موجبه، هل يجوز له الهروب أو الامتناع بقوة ما؟
قلت: أما القتل أو كمثله فيجب عليه الهروب فيما قبل أن يطالب وبعده، أو الامتناع بقوة ما إلا قوة الالتجاء إلى جائر مخالف للإمام أو نائب الإمام فلا تجوز؛ لأن فيها إهانة للدين بمعاندة وليس هروبه وامتناعه مثل تلك المعاندة وإن لم يهرب أو لم يمتنع وقد أمكنه ذلك هلك، ولا يضره إلقاء نفسه في تبرؤ الناس بهروبه وامتناعه كما يقال في الأثر: إذا حرمت على زوجها وأنكر ولا بيان، ولم يقبل الفداء لزمها الامتناع عنه، ولزمهم أن تبقى المرأة على الزنا وجوبا إذا حرمت على زوجها وحكم الحاكم على عدم الحرمة، وهذا أمر فاحش لا يقول به مسلم، وكما إذا ما ادعي مال على بريء منه ببيان كان له الامتناع منه ولو يبرأ منه. <2/ 374> وأنا أكره التمثيل بذلك؛ لأن المسألة فيما عندي أقوى من الأمثلة لا تقبل البحث، وكل حجة تدعى تؤول بما عندي من البحث إن شاء الله عز وجل بلا تكلف في التأويل.
والذي في شرح النيل لي أنه لا يجوز امتناعه ولو علم أنه يبرأ مما حكم عليه به، إلا أن علم الحاكم الشهرة عليه زورا له الامتناع، حكيت بذلك ما في الأثر. قبلي. (2/56)
صفحة 168
وأما المكاشفة فلا تحصر بحد إلا مع خفاء، ولها أنواع كلها ليست بوحي، ولا هجوم على الغيب، وأظن العلامة العمالة ذا القلم والسيف سعيد بن خلفان لها حاويا، ولبعض العمانيين إلمام بها في هذا العصر.
....................................
....................................
[صفحات لم ترقمن]
<2/ 379> خاتمة في نصيحة حسنة لبعض إخوانه
قال رحمه الله: وأوصيك وأنصحك أن لا تسعين بمن يظلم ويقتل من لا يستحل قتله وينهب الأموال التي لا تحل، وأغريك بالتودد إلى العدو بالصلح ودعائه إلى ترك الذنوب التي يقر أنها ذنوب، كشرب الخمر وأكل الخنزير والزنا وغصب الأموال، وبوضع نفسك موضع غريب دخل عمان يستوي عنده أهله، وبدعائه إلى ما لا ينكر من الطاعة لنفع الطلبة والفقراء، وإقامة العلم حفظا ودرسا، وقراءة القرآن، وعمارة المسجد، وإلا فكأني أراك تستعين بالإنكليز وغيرهم من النصارى أو من أهل الملة أو من أهل مذهبك ومن لا يتقي الله عز وجل، فيقل أهل عمان، بل هم قليل يزدادون قلة وضعفا، ويزدادون ضعفا حتى يذهب عنهم اسم الجماعة. وسلم على السلطان وأخبره بنصحي لك في ذلك.
وقال أيضا: وأنصحكم لله أن تطلبوا الجائر وتداروه ولو بمال أن يخلي بينكم وبين إهراق الخمر والخنزير وإبطال الدخان، وبينكم وبين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتكتبوا بذلك، ويكونوا عونا لكم، وجاء الحديث: «إذا رأيتم أمرا لا تقدرون عليه فدعوه حتى يكون الله هو المغير له». انتهى.
قال المرتب أبو الوليد: قد تم ما رمناه من هذا الترتيب، بهذا الوضع الحسن العجيب. (2/57)
صفحة 169
<2/ 380> وكان الذي دعانا إلى وضعه، وحملنا على الاعتناء بصنعه أمر من وجب علينا إسعافه، ولم يسعنا خلافه، الباذل نفسه في جمع الشمل، وتأثير المصالح، بقية السلف الصالح، واسطة العقد العالم الصالح، عيسى بن صالح، أثابه الله وأعانه، وأبقاه قواما للماثل، ومراما للآمل، وهذا حاصل ما اتصل بأيدينا من هذه الرسائل، المشتملة على غرر المسائل، المفيدة للباحث السائل، النادرة الفلك، وبكر عطارد، وقطب دائرة الوجود العلامة القدوة: أمحمد بن يوسف اطفيش المغربي الوهبي، تقبل الله منه أعماله يوم الدين، وأدخله عليين، في جوار النبيين، وفعل الله لنا ذلك ولإخواننا المسلمين، آمين.
فدونكه بعون الله ترتيبا حسنا مهذبا مستحسنا، في غاية الضبط والإتقان، بحسب الطاقة والإمكان، جامعا ما لا يوجد في المطولات والجوامع، مؤيدا بالحجج القواطع، معينا للطالب المسترشد، ومفيدا للراغب المستنجد. و {الْحَمْدُ لِلَّهِ الذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلآَ أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} [سورة الأعراف: 43].
وصلى الله على سيدنا محمد إمام النبيين، وخاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه السادة المتقين، صلاة وسلاما متواصلين إلى يوم الدين، وعلى الصالحين من عباد الله أجمعين. {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الذِينَ سَبَقُونَا بِالاِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [سورة الحشر: 10].
--------------
[أقول: وأنا العبد الضعيف: مصطفى بن محمد شريفي: قد فرغت من ضبط مقتطفات من الكتاب، ليلة الأربعاء 29 جمادى الأولى 1431هـ/ 11 ماي 2010م، بالقرارة. وذلك لإعداد مقال حول: دراسة تاريخية لمراسلات القطب لأهل عمان. (2/58)