صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: حقوق - إسلاميات - أدب
------------------------------------------
العنوان: أدب القضاء في الإسلام
المؤلف: زهران بن ناصر بن سالم البراشدي
الناشر: مكتبة المعارف
مكان النشر: مسقط
تاريخ النشر: 1436ه/ 2015م
الطبعة: 2 (مزيدة ومنقحة)
ردمك: 978-99969-0-286-4
الإيداع القانوني: 2014/152
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=5424&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/629
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع، لكن عند تهميش الصفحات يُعتمَد على ترقيم النسخة المصورة (PDF) وليس على ترقيم برنامج الشاملة.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 20 ذو الحجة 1446ه/ 16 - شهر 06 - 2025م. أدب القضاء في الإسلام
تأليف
زهران بن ناصر بن سالم البراشدي
القاضي بالمحكمة العليا بمسقط (1/1)
صفحة 2
أدب القضاء في الإسلام
تأليف العبد الراجي عفو ربه
زهران بن ناصر بن سالم البراشدي
القاضي بالمحكمة العليا مسقط
الطبعة الثانية
مزيدة ومنقحة
1436 هـ / 2015 م
البريد الإلكتروني: zahran-j@hotmail.com (1/2)
صفحة 3
أدب القضاء في الإسلام
المقدمة
و الله الرحمن الرحيم
الحمدُ للهِ
ربّ العالمين، خلق الخلق أجمعين، وبسط لهم الرزق في كل حين، وأرسل الرسل مبشرين ومنذرين بالحق، قائلين وبالعدل حاكمين، (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعُ عَلِيمٌ (3) الأنفال.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شرَّفَ عبادَهُ المؤمنين بالعلم، وجعله من أشرف قرباته، لأنَّه الموصل إلى مرضاته، والسبيل الصحيح إلى جناته، قال جل شأنه: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَابِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ
وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ تَحْذَرُونَ) التوبة.
وأشهدُ أنَّ محمدا لله عبده ورسولُه وصَفِيُّهُ من خلقِهِ وخَلِيلُه، أفضل من حكم وأعدلُ من قسم خير من تأدب بأدب ربه، ونصح لأمته وحزبه الله وعلى آله الأبرار وصحبه الأخيار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
روي عنه أنَّه قال: " أدَّبني رَبِّي فَأَحْسَنَ تَأديبي." 1
1 - أخرجه أبو عبد الرحمن السلمي في آداب الصحبة أدب الجوارح، و السخاوي في المقاصد الحسنة حرف الهمزة، ص 39، رقم 45 وفي كتاب الفضائل، والسيوطي عبد الرحمن بن أبي بكر، في الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة، وفي الجامع الكبير حرف الهمزة، والعجلوني إسماعيل بن محمد الجراحي المتوفى سنة 1162 هـ في كشف الخفاء، حرف الهمزة مع الدال المهملة، ص 72، رقم 164 ومحمد طاهر بن علي الهندي الفتني المتوفى سنة 986 هـ تذكرة الموضوعات، وعلاء الدين علي بن حسام الدين المتقي الهندي البرهان فوري المتوفى: 975 هـ في الكنز ح 31895، والحافظ أحمد بن علي بن محمد بن علي بن حجر العسقلاني في الإمتاع بالأربعين المتباينة (1/3)
صفحة 4
أدب القضاء في الإسلام
السماع، والمناوي في فيض القدير ج 1 ح 310، وابن الجوزي في العلل 178/ 1، رقم 284، وابن السمعاني في أدب الإملاء ص 1، الطبعة العلمية، بطرق ضعيفة؛ من طريق ابن مسعود ه إلا أنَّ المعنى صحيح يتفق وكتاب الله، وله شواهد كثيرة من الكتاب والسنة ليس هذا محلها، وعند أحمد من طريق أنس وعائشة أم المؤمنين رضي الله عنهما مطولا ومختصرا بعدة ألفاظ، أنظر ج 3 ص 212 ح 13232 و ص 270 ح 13883 و ج 6 ص 236 ح 26032 ط قرطبة ذات 6 أجزاء، وهو عند الشيخين عن أنس له قال: كان رسول الله له أحسن الناس خلقاً، كيف وقد قال: "أدبني رَبّي فأحْسَنَ تأديبي" البخاري في الكنية للصبي، ومسلم الجماعة في النافلة، وفي تحنيك المولود، وعندهما من حديث البراء بن عازب بلفظ: "كان" النبي الله أحسن الناس وجهاً وأحسنهم خُلقاً" البخاري ح 3358، 3359، 5510، 5561 صفة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومسلم ح رقم 2337 الفضائل، قال ابن الأثير في مقدمة النهاية: ج 1 ص 4 وقد عَرفْتَ - أيَّدك الله وإيَّانا بلطفه وتوفيقه: أنَّ رسول الله كان أفصح العرب لسانا، وأوضَحَهُمْ بيانا، وأعذَبَهم نُطقا وأسَدَّهم لفظا، وأبيَنَهم لَهجَة وأقومهم حجة، وأعرَفَهُم بمواقع الخطاب، وأهداهم إلى طرق الصواب، تأييداً إلهياً ولطفا سماويا، وعناية ربَّانية، ورعايةً رُوحانية، حتى لقد قال له علي بن أبي طالب كرم الله وَجْهَهُ - وَسَمِعَهُ يخاطبُ وَفد بَنِي نَهْد -: يا رسول الله نحن بنو أبٍ واحد ونراك تكلم وفود العرب بما لا نفهم أكثره. فقال:" أدبني رَبِّي فَأَحْسَنَ تَأديبي، وَرُبِّيتُ في بني سَعْد." فكانَ يُخَاطِب العرب على اختلاف شُعُوبهم وقبائلهم، وتَبَايُنِ بُطونهم وأفخاذهم وفصائلهم، كُلاً منهم بما يفهمون، ويُحادثهم بما يعلمون، ولهذا قال صدق الله قولَه أُمِرْتُ أنْ أُخَاطِبَ النَّاسَ عَلَى قَدْر عُقُولِهِمْ فَكَأَنَّ الله عزّ وجل قد أعْلَمه ما لم يكن يَعْلَمُه غيره من بني أبيه، وجمع فيه من المعارف ما تفرق ولم يوجد في قَاصِي العَرَب ودَانِيه، وكان أصحابه ومن يَفِدُ عليه من الْعَرَب يعرفون أكثر ما يقوله، وما جهلوه سألوه عنه فيوضحه لهم، واستمر عصره إلى حين وفاته على هذا السَّنَنِ المستقيم .... " وانظر المناوي فيض القدير شرح الحديث المذكور، المصدر السابق.
أما حديث:" أُمِرْتُ أنْ أُخَاطِبَ النَّاسَ عَلَى قَدْرِ عُقُوْلِهِمْ. فقد قال العجلوني في كشف الخفاء: "أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم" رواه الديلمي بسند ضعيف عن ابن عباس مرفوعا، وفي اللآلئ بعد عزوه لمسند الفردوس عن ابن عباس مرفوعا قال: وفي إسناده ضعيف ومجہول انتہي. وقال في المقاصد: وعزاه الحافظ ابن حجر المسند الحسن بن سفيان عن ابن عباس بلفظ: "أمرتُ أن أخاطب الناس على قدر عقولهم قال: وسنده ضعيف جدا، ورواه أبو الحسن التميمي من (1/4)
صفحة 5
أدب القضاء في الإسلام
الحنابلة في العقل له عن ابن عباس من طريق أبي عبد الرحمن السلمي أيضا بلفظ: "بعثنا معاشر الأنبياء نخاطب الناس على قدر عقولهم وله شاهد عن سعيد بن المسيب مرسلا بلفظ "إنا معشر الأنبياء أمرنا .. " وذكره، ورواه في الغنية للشيخ عبد القادر بلفظ أمرنا" معاشر الأنبياء أن نحدّث الناس على قدر عقولهم"، وفي صحيح البخاري عن علي موقوفا "حدّثوا الناس بما يعرفون، أَتُحِبُّون أن يُكذِّب الله ورسوله"، ونحوه ما في مقدمة صحيح مسلم عن ابن مسعود قال: "ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة"، وروى العقيلي في الضعفاء، وابن السني، وأبو نعيم في الرياضة وغيرهم عن ابن عباس مرفوعا "ما حدث أحدكم قوما بحديث لا يفهمونه إلا كان فتنة عليهم، ورواه الديلمي أيضا من طريق حماد بن خالد عن ابن عباس رفعه "لا تحدثوا أمتي من أحاديثي إلا ما تحمله عقولهم، فيكون فتنة عليهم." فكان ابن عباس يخفي أشياء من حديثه ويفشيها إلى أهل العلم وللديلمي أيضا عن ابن عباس رفعه "يا ابن عباس لا تحدث قوما حديثا لا تحتمله عقولهم، و روى البيهقي في الشعب عن المقدام بن معدي كرب مرفوعا "إذا حدثتم الناس عن ربهم فلا تحدثوهم بما يعزب عنهم ويشق عليهم" وصح عن أبي هريرة: حفظت عن النبي وعاءين فأما أحدهما، فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم." رواه البخاري في صحيحه باب حفظ العلم. انظر الفتح/ ج 1/ 265 265 ن دار التقوى. وروى الديلمي عن ابن عباس مرفوعا "عاقبوا أرقاءكم على قدر عقولهم" وأخرجه الدارقطني عن عائشة مثله، وروى الحاكم – وقال: صحيح على شرط الشيخين عن أبي ذر مرفوعا خالقوا الناس بأخلاقهم"، وأخرج الطبراني وأبو الشيخ عن ابن مسعود "خالط الناس بما يشتهون ودينك فلا تَكِلَنَّهُ" ونحوه عن علي رفعه "خالق الفاجر مخالقة، وخالص المؤمن مخالصة، ودينك لا تسلمه لأحد." وفي حديث أوَّلُه "خالطوا الناس على قدر إيمانهم " انتهى. العجلوني المرجع السابق 1961، فما بعدها ح رقم 592. دار إحياء التراث العربي. و المقاصد الحسنة ج:1 ص 165 فما بعدها دار الكتاب العربي ومراد أبي هريرة بقوله" حفظت من رسول الله وعاءين الخ، أي ظرفين، أطلق المحل واراد به الحال يعني نوعين من العلم، ومراده أن محفوظه من الحديث لو كتب لملا وعاءين" وحَمَلَ العلماء الوعاء الذي لم يبثُه على الأحاديث التي فيها تبيين أسامي أمراء السوء واحوالهم وزمنهم، و قد كان أبو هريرة يكني عن البعض، ولا يصرح به خوفا على نفسه منهم. أنظر: مسند ابن راهويه 43/ 1، وفتح الباري بتعليق ابن باز ج 1/ 265 - 266، دار التقوى. (1/5)
صفحة 6
أدب القضاء في الإسلام
وعَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ - أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ ا اللَّهُ عَنْهَا - فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَخْبِرِينِي بِخُلُقِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَتْ: كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ؛ أَمَا تَقْرَأُ قَوْلَ اللَّهِ
ل: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ 20
وبعد: فإنه لما كان دأب الحياة ومن عاش فيها وفقَ سَنَنِ هذا الكون الاختلاف في الرأي والتقلب في الأطماع؛ كان لا بد من أنْ يَتولى تقريب وجهات النظر والفصل في حال الاختلاف رجال ممن آتاهم الله الحكمة وفصل الخطاب، كل بقدر ما مَنَّ الله به عليه من معرفة بكتابه العزيز وسنة نبيه، وإجماع أهل الحل والعقد، والاهتداء بآراء العلماء وخيار الأمة وقد شرف الله عباده العلماء العاملين بالفصل بين المخلوقين، وصفّهم في مصافّ الأنبياء والمرسلين؛ إذ الفصل في الخصومات من مهماتهم، والعلماء ورثتهم إلى يوم الدين بهم ينتشر العدل ويظهر، وينحسر الباطل ويخسر، وترتفع راية الإسلام وتكبر، فما أشرفَ عمل هو ميراث الأنبياء وحرفة الأولياء والأصفياء؛ إن أنصفوا من أنفسهم قبل أن يُنْصِفُوا من غيرهم، وتأدبوا بالأدب الرفيع قبل الشريف والوضيع وقد تشرفتُ بتكليف ممن تَعَزُّ عليَّ مُخالَفتُه أن أضع ورقة في القاضي وأدبه وما ذا عليه بين بني جنسه وربه؛ فاستعنت بالله وإن كنتُ لستُ أهلا لذلك، إذ: للوصول إلى الهدف المقصود شاو، بعيد والعبد الضعيف عاجز عن بلوغ
رضي
24601
6
25302
2 - سورة القلم آية 4 والحديث أخرجه البخاري في الأدب المفرد ح 308 وأحمد في مسنده من حديث السيدة عائشة ج 41 ص 148 وج 42 ص ص 183 ح الله عنها ر وج 43 ص 15 ح 25813 الطبعة ذات 50 جزءا مع الفهارس والطبراني في الكبير قطعة من المفقود، وفي الأوسط فيمن اسمه أحمد أول الكتاب ح 72 والبيهقي في دلائل النبوة وفي الشعب، 3 ص 23 ح 1360 ط 1 مكتبة الرشد للنشر مع التحقيق، وأبو المعاطي النووي في المسند الجامع، ح 17156 و 17157 وابن عساكر ج 382/ 3) والطحاوي في شرح مشكل الآثار ج 11 265 تحقيق: شعيب الأرنؤط، الناشر: مؤسسة الرسالة الطبعة: الأولى 1415 هـ، 1494 م وغيرهم. (1/6)
صفحة 7
أدب القضاء في الإسلام
مرامه، بليد لقلة اطلاعه وقصور، باعه، وقد وضعت نماذج من ذلك، معتمدا على ما منَّ الله علي استحضاره من كتاب الله وسنة نبيه وآراء خيار الأمة، ولعله يفي بشيء من المقصود، ولو بمعشار المطلوب، وقديما قيل جد بالموجود. سائلا الله العلي القدير التوفيق والسداد لما يحبه ويرضاه، وأن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم، إنّه على كل شيء قدير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آلِهِ وصحبه أجمعين. وسميته (أدب القضاء في الإسلام وقد وضعته على عدة مباحث، وها هو بين يديك، أيها القارئ العزيز ومهما أي ملاحظة أو اقتراح فيشعر صدري بالانشراح، ويثلج قلبي بالأفراح
لذا أرجو أن لا تبخل عليَّ بالنصح والتوجيه ومن الله أستمد التوفيق والسداد. حرره العبد المعترف بالتقصير تجاه الناقد البصير زهران بن ناصر بن سالم البراشدي بيده الموعودة بالفناء المحكمة العليا مسقط 1 جمادى الآخر سنة 1430 هـ الموافق 2009/ 5/25 بالتوقيت الشمسي. (1/7)
صفحة 8
أدب القضاء في الإسلام
المبحث الأول في
التعريفات وفيه مطلبان
المطلب الأول في تعريف الأدب
الْأَدَبُ لغةً: الأَدَبُ مُحَرَّكَةً: الظُّرْفُ وحُسْنُ التَّناوُلِ أَدبَ كَحَسُنَ أدَباً فهو أَدِيبٌ ج: أُدَباءُ. وأدَّبَه: عَلَّمَه فَتَأَدَّبَ واسْتَأْدَبَ والأَدْبَةُ بالضم والمأدُبَةُ والمَأدَبَةُ بفتح الدال وضمها طَعامُ صُنِعَ لِدَعْوَةٍ أو عُرْسٍ ..
وهو مأخوذ من الأدبِ بضمّ الهمزة وسكون الدال؛ وهو الجمع والدعاء إلى المأدبة؛ وذلك أن تدعو الناس وتجمعهم إلى طعامك والمأدبة الطعام المصنوع المدعو إليه، ومنه قول طرفه بن العبد
ورثوا السؤدد عن آبائهم ثم سادوا سؤدَدًا غير زَمِر
نَحْنُ فِي المَشْتَاةِ نَدْعُو الْجَفَلَى ... لا تَرَى الأَدِبَ فِينَا يَنْتَقِرْ 4
3 - القاموس المحيط فصل الهمزة. وانظر الصحاح للجوهري والمعجم الوسيط مادة (أدب) 4 - طرفة بن العبد من قصيدة له طويله انظر الديوان، وقوله: نحن في المشتاة يريد في الشتاء والبرد، وذلك أشد الزمان الْجَفَلَى بِفَتْحِ الْفَاءِ وَاللَّامِ وَالْقَصْرِ الدَّعْوَةُ الْعَامَّةُ، والنَّقَرَى بِفَتْحِ النُّونِ وَالْقَافِ الدَّعْوَةُ الْخَاصَّةُ. وَالْآدِبُ بِوَزْنِ فَاعِلٍ صَاحِبُ الْمُأْدُبَةِ، والمعنى: لا تَرَى صاحب المأدبة منَّا يَدْعُو قَوْمًا دُونَ آخَرِينَ. انظر خزانة الأدب الشاهد 606 ج 8 ص 192 والشاهد 759 ج 9 ص 380، والشاهد 772 ج 9 ص 434، والعقد الفريد لابن عبد ربه أسماء الطعام، والصحاح تاج اللغة، وصحاح العربية لإسماعيل بن حماد الجوهري تحقيق أحمد عبد الغفور عطار الناشر: دار العلم للملايين – بيروت الطبعة: الرابعة 1407 هـ - 1987 م ج 4 ص 1657، والمخصص لابن سيدة؛ أبو الحسن علي ابن إسماعيل النحوي اللغوي الأندلسي، دار النشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت
- 1417 هـ 1996 م الطبعة: الأولى ج 1414 تحقيق خليل إبراهيم جفال. وبعد بيت الشاهد:- (1/8)
صفحة 9
أدب القضاء في الإسلام
ين قال الناس في مجلسِ
أقتار ذاك أم ريـ
بجفان تعتـ ري نادين
ديف حين هاج الصبر
الجوابي لا تخمترع
لقـ ياف أو للمحتض
ثم لا ب زن فينا لحمها
م المدّخِرْ
ولقـ تعلمُ بَك ـر أننـ
ولقد تعلـ ـمُ بَكر أننـ
ولقد تعلـ ـر أننـ
آفة الجـ ـزر مسـ واضحوا الأوجُه في الأزمة غُرّ فاضلوا الرأي وفي الروع وفر
ولقد تعـ صادقو البأس وفي المحفلِ غُرّ
يكشفون الضر عن ذي ضُرّ ويَبَرُّون علـ
فضل أحلامُهم عن جارهم
ـبُ الأذرع بـ الخير أُمـ
ــق في غارة مسفوحة ولدى البأس حماةٌ ما نَفِ
نُمسك الخيل على مكروها
ـــين نادى الحي لما فزعوا ودعا الداعي وقد لج الذعر
ين لا يمسكها إلا الصبر
الفتيان في مجلسِ
ردوا منهـ وراداً و شُقُر
أعوجيات، ط والاً، شُزِّياً
دوخل الصنْعَةُ فيها والضُّمُر
مِن يَعابِيبَ ذُك
وهضبات، إذا ابتل العُذُرُ
جافلات فوق عوج -
ركْبَتْ فيها ملاط
وهي قصيدة طويلة في غاية الفصاحة العربية، فليرجع إليها مريدها من المراجع السالفة. (1/9)
صفحة 10
أدب القضاء في الإسلام
واصطلاحا: إِسْمٌ يَقَعُ عَلَى كُلِّ مَحْمُودٍ يَتَخَرَّجُ بِهِ الْإِنْسَانُ فِي فَضِيلَةٍ مِنْ الْفَضَائِلِ. وعَرَّفَه بعضهم بِأَنَّهُ: مَلَكَةٌ تَعْصِمُ مَنْ قَامَتْ بِهِ عَمَّا يَشِينُهُ.
ويطلق الْأَدَبُ على الْخِصَالِ الْحَمِيدَة؛ والْمُرَادُ بِه هُنا جميعُ مَا يجب على الْقَاضِي أَنْ يَفْعَلَهُ وَمَا عَلَيْهِ أَنْ يَنْتَهِيَ عَنْهُ، وما يؤمر به ويندب إليه فعلا أو تركا.
وسُمّيت الخصال الحميدةُ أَدَبَّا؛ لأنَّها تدعو إلى الخير والرفعة ورضاء الله ورسوله والخلق أجمعين.
ومنه ما روي من طريق ابن مسعود ه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ مَأْدُبَةُ اللَّهِ، فَتَعَلَّمُوا مِنْ مَأْدُبَتِهِ مَا اسْتَطَعْتُمْ"5
والملكَةُ: الصَّفَةُ الرَّاسِخَةُ لِلنَّفْسِ القادرة على تفنيد الأشياء على وجهها الصحيح، فَمَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَا يَكُونُ أَدَبًا كَمَا لَا يَخْفَى.
ص
5 - جزء من حديث " أخرجه الحاكم في المستدرك 741/ 1 ح 2040، وعبد الرزاق في مصنفه، ج 375/ 3 6017، والبيهقي في الشعب ج 3 ص 333 ح 1786 والسنن الصغرى 983514/ 1، والطبراني في المعجم الكبير ج 9/ 130 8646، وابن أبي شيبة في المصنف ح 30630 ط دار القبلة، والدارمي في سننه 523/ 2 - 3315 وغيرهم بألفاظ متقاربة متفقة المعنى مطوله ومختصره وتكملته عند الطبري " إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ هُوَ حَبْلُ اللَّهِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ، وَهُوَ النُّورُ الْبَيِّنُ وَالشَّفَاءُ النَّافِعُ عِصْمَةٌ لِمَنِ اعْتَصَمَ بِهِ، وَنَجَاةٌ لِمَنْ تَمَسَّكَ بِهِ، لا يَعْوَجُ فَيُقَوَّمَ، وَلَا يَزُوغُ فَيُسْتَعْتَبَ، وَلا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، وَلا يَخْلُقُ عَنْ رَد، اتْلُوهُ فَإِنَّ اللهَ لا يَأْجُرُكُمْ بِكُلِّ حَرْفٍ مِنْهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ، لَمْ أَقُلْ لَكُمْ: " الم " حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ." 6 - أنظر: فتح القدير لابن الهمام باب أدب القاضي ج 6 ص 356 فما بعدها، ن/ دار إحياء التراث
العربي. (1/10)
صفحة 11
أدب القضاء في الإسلام
المطلب الثاني في تعريف القضاء
القضاءُ: لغةً: الفرض والتقدير. وقد ورد على أوجه كثيرة، منها: الفراغ؛ كما في قوله ل: (فَإِذَا قَضَيْتُم مِّنَسِكَكُمْ) البقرة 200 / والأمر (وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ) البقرة. والموت والأجل: (فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ.) الأحزاب 23. والفصل: (لَقُضِيَ
قلے
الْأَمْرُ بَينِي وَبَيْنَكُمْ) الأنعام 58. (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) يونس 19. والمضي: (لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً) الأنفال 44. والهلاك لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ) يونس 11. والوجوب (وَقُضِيَ الْأَمْرُ) هود 44. والإبرام) في نَفْسٍ يَعْقُوبَ قَضَهَا} يوسف 68. والإعلام (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَاءِيلَ فِي الْكِتَبِ) الإسراء.4. والوصية: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَنًا) الإسراء 23 والنزول (فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ) سبا 14. والخلق: (فَقَضَهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ) فصلت 12. والفعل: (كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) عبس، والعهد ... إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ. (القصص 44.
وَعُرَفَ اصطلاحا: بِأَنَّهُ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ لِمَوْصُوفِهَا نُفُوذَ حُكْمِهِ الشَّرْعِيِّ، وَلَوْ بِتَعْدِيلٍ أَوْ تَجْرِيحٍ وَلَهُ أَرْكَانٌ وَأَهْلٌ وَحُكُمْ ..
فأركانه خمسة: قاض؛ وهو الحاكم بين المتداعِينَ، الفاصل في الخصومة بينهم.
7 - انظر شرح النيل للعلامة قطب الأئمة محمد بن يوسف اطفيش ج 13 بعنوان: فصل في معرفة أركان القضاء ص 20 ن مكتبة الإرشاد جدة المملكة العربية السعودية. (1/11)
صفحة 12
أدب القضاء في الإسلام
وصفته: حرّ مسلم ذكر بالغ عاقل فطِنٌ عَدْلٌ عَالِمٌ؛ غير جاهل ولا فاسق.
11
ومقضي به؛ وهو الدليل ومقضي فيه؛ وهو الحق المتنازع عليه، ومقضي له؛ وهو:
المحكوم له بالحق و مقضي عليه؛ وهو المحكوم عليه.
وأهله القاضي. وأمَّا حُكمُه فسيأتي إن شاء الله في المبحث الآتي.
- قال في الصحاح للجوهري مادة "عَدَلَ العَدْلُ: خلاف الجَوْر. يقال: عَدَلَ عليه في القضيّة فهو عادِل. وبسط الوالي عَدْلَهُ ومَعْدِلَتَهُ ومَعْدَلَتَهُ. وفلان من أهل المَعْدَلَةِ، أي من أهل العَدْلِ. ورجل عَدْلٌ، أَي رِضاً ومَقْنَع في الشهادة. وهو في الأصل مصدر. وقومٌ عَدْلٌ وعُدول أيضاً، وهو جمع عَدْلٍ. وقد عَدُلَ الرجلُ بالضم عَدالَةً. (1/12)
صفحة 13
12
أدب القضاء في الإسلام
المبحث الثاني في
مهام القاضي وشروطه وفيه مطالب
المطلب الأول في حكم تولي منصب القضاء
91
حُكْمُ تولي منصب القضاء فَرْضٌ عَلَى الكِفَايَةِ على القادر عليه علما وعملا، وكونه أفضلَ مَنْ حَوْلَهُ في العلم والتقوى والورع والزهد مع خوف تعطل الأحكام؛ إن لم يدخل فيه، لما روي عنه و أنه قال: ... وَمَنْ تَوَلَّى مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا فَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ رَجُلا وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ فِيهِمْ مَنْ هُوَ أَوْلَى بِذَلِكَ وَأَعْلَمُ مِنْهُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَجَمِيعَ الْمُؤْمِنِينَ ... أمَّا مَن لا عِلْمَ له فلا يصح له الدخول فيه؛ لما في ذلك من الحكم بالجور والقول بغير علم، والخوضُ في ذلك بغير علم حرام، وتقول على الله ورسوله؛ وهو من أكبر الآثام، حيث قَرَنَ الحقُّ جل جلاله وعظم سلطانه ذلك بالشرك فقال: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِلَ بِهِ سُلْطَنَا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ = الأعراف.
وهو من دواعي الشيطان قال جل شأنه (إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) البقرة.
9 - جزء من حديث أخرجه الطبراني في المعجم الكبير بلفظ مطول وكذا الهيثمي في المجمع، وأخرجه البيهقي بالنص المذكور، وعند الحاكم في المستدرك بلفظ" مَنْ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى عِصَابَةٍ، وَفِي تِلْكَ الْعِصَابَةِ مَنْ هُوَ أَرْضَى لِلَّهِ مِنْهُ فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَجَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ " وانظر أيضا فتح القدير لابن الهمام أدب القاضي ج 6 ص 356 فما بعدها ونصب الراية ج 4 ص 60 فما بعدها كتاب أدب القاضي دار إحياء التراث العربي ط 3.
6 (1/13)
صفحة 14
أدب القضاء في الإسلام
13
وما روي عنه أنه قال: "من أفتى مسألة أو فَسَّر رُؤيا بغير علم كان كمن وقع من السماء إلى الأرض فصادف بئراً لا قعر لها، ولو أنه أصاب الحق."10
10 - أخرجه الإمام الربيع ح 35 طلب العلم لغير الله، وأبو داود والحاكم، والبيهقي عن أبى هريرة بلفظ." قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مَنْ أُفْتِيَ بغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ " أخرجه أبو داود ج 321/ 3، رقم 3657، والحاكم 184/ 1، رقم 350، وقال: هذا حديث احتج الشيخان برواته. والبيهقي ج. 116/ 1، رقم 20140. وفي رواية" مَنْ أُفْتِي بِفُتْيَا مِنْ غَيْرِ ثَبْتٍ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ" أخرجه ابن ماجه ج 20/ 1، رقم 53، والحاكم ج 183/ 1، رقم 349 وقال: صحيح على شرط الشيخين. وأخرجه أيضًا: الدارمي ج 69/ 1 رقم 159، والبيهقي ج 112/ 10 رقم 20111. قال السندي في حاشيته على ابن ماجه ج 1/ 40 - 41 - 53: قَوْله: مَنْ أُفْتِي عَلَى بِنَاء الْمَفْعُولُ أَي مَنْ وَقَعَ فِي خَطَأ بِفَتْوَى عَالِم فَلَا إِثْم عَلَى مُتَّبِع ذَلِكَ الْعَالِم وَهَذَا إِنْ لَمْ يَكُنْ الْخَطَأَ فِي مَحَلَ الِاجْتِهَادِ أَوْ كَانَ إِلَّا أَنَّهُ وَقَعَ فِيهِ لِعَدَمِ بُلُوغه في الاجتهاد حَقَّه. قَوْله (غَيْر ثَبَت) هُوَ بِفَتْحَتَيْنِ الْعَدْلُ الصَّوَابُ وَغَيْره هُوَ الْخَطَأ وَقِيلَ أَفْتَى الْأَوَّل عَلَى بِنَاء الْفَاعِل أَيْضًا كَالثَّانِي لَكِنَّ الثَّانِي بِمَعْنَى اِسْتَفْتَى أَيْ كَانَ إِثْمِهِ عَلَى مَنْ اسْتَفْتَاهُ كَأَنْ جَعَلَهُ فِي مَعْرِضِ الْإِفْتَاءِ بِغَيْرِ عِلْمٍ قُلْت إِذَا كَانَ هَذَا الْمُفْتِي مَعْلُومًا بِالْجَهْلِ وَبِالْفَتْوَى بِهِ لَمْ يَجُزُ لِمَنْ يَسْأَلَهُ. وعن علي کرم الله وجهه من أفتى الناس بغير علم لعنته السماء والارض. وفي رواية عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أفتى بغير علم لعنته ملائكة السماء والأرض" أخرجه ابن عساكر في تاريخه ج 20/ 52. ورواه عنه أيضا ابن، لال، والديلمي والخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه مقتصرا على لفظ" من أفتى بغير علم لعنته الملائكة" وعن ابن عباس قَالَ: مَنْ أَفْتَى بِفُتْيَا يُعَمَّى عَلَيْهَا فَإِثْمُهَا عَلَيْهِ. الدارمي. وعن ابن عباس وابن مسعود موقوفا:" من أفتى الناس في كل ما يستفتونه فهو
مجنون." (1/14)
صفحة 15
14
أدب القضاء في الإسلام
المطلب الثاني في مهام القاضي
القضاء بين المخلوقين أمانةٌ عظيمة ومهمة جسيمة، يتحمل القاضي تبعتها في
الدنيا والآخرة؛ في الأموال والأبدان، والدماء، والأعراض والفروج، إلى غير ذلك مما يدخل في الفصل في الخصومات بين المتخاصمين، بل من أعظم الأمانة التي نفرت منها السماوات والأرض والجبال قال الله: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَنُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً) وقال: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَنتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (5) النساء، وقال لنبيه (وَأَن أَحْكُم بَيْنَهُم
صلے
بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ) المائدة 49 وقال: (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَنكَ اللَّهُ وَلَا تَكُن لِلْخَابِنِينَ
خَصِيمات النساء.
وقد ترجم هذا الدستور الرباني سيّدنا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب له في رسالته لأبي موسى الأشعري لما ولاه القضاء جاء فيها:-
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ الْقَضَاءَ فَرِيضَةٌ مُحَكَمَةٌ، وَسُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ، فَافْهَمْ إِذَا أُدْلِيَ إِلَيْكَ، فَإِنَّهُ لَا يَنْفَعُ تَكَلُّمْ بِحَقِّ لَا نَفَاذَ لَهُ، وَآسٍ بَيْنَ النَّاسِ فِي وَجْهك، وَمَجْلِسِكَ، وَقَضَائِكَ، حَتَّى لَا يَيْأَسَ الضَّعِيفُ مِنْ عَدْلِكَ، وَلَا يَطْمَعَ الشَّرِيفُ فِي حَيْفِكَ، الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنْ ادَّعَى، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ، وَالصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، إِلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا، أَوْ حَرَّمَ (1/15)
صفحة 16
أدب القضاء في الإسلام
حَلَالًا، لَا يَمْنَعُكَ قَصَاءُ قَضَيْتَهُ بِالْأَمْسِ رَاجَعْتَ فِيهِ نَفْسَكَ، وَهُدِيتَ فِيهِ لِرُشْدِكَ، أَنْ تُرَاجِعَ الْحَقَّ فِيهِ فَإِنَّ الْحَقَّ قَدِيمٌ، وإنَّ الحقَّ لا يُبطله شيءٌ، وَمُرَاجَعَةُ الْحَقِّ خَيْرٌ مِنْ التَّمَادِي فِي الْبَاطِلِ الْفَهْمَ فِيمَا يَخْتَلِجُ فِي صَدْرِك، مِمَّا لَمْ يَبْلُغْكَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ،
11
11 - هذا كُلُّه إذا كان الحكم باطلا لا وجه له من الحق في شيء؛ كما قال أمير المؤمنين عمر وَمُرَاجَعَةُ الْحَقِّ خَيْرٌ مِنْ التَّمَادِي فِي الْبَاطِلِ" ويظهر ذلك فيما إذا خالف الحاكم نصا من الكتابِ أو السنة أو الإجماع؛ أما في الأمور الاجتهادية إذا حكم الحاكم فيها باجتهاده - وكان حكمه موافقا للحق - فليس له الرجوع عن حكمه الذي حكم به، ولو أدَّى به اجتهاده فيما بعد إلى أنَّ الأصوب خلافه، وإنما عليه في المستقبل من أمره أن يأخذ بما يراه أعدل وأصوب في نظره. وكذا الحال في المفتي، فليتنبه.
والدليل على ذلك من الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله عمل في قضية الأسرى يوم بدر مَا كَانَ لِنَبِيَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُنْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ
عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) " لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68) الأنفال. فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حكم فيهم باجتهاده قبل نزول الوحي عليه، ونزلت الآيتان عتابا له صلى الله عليه وسلم، ولم يأمره الحق سبحانه وتعالى بالرجوع عن ذلك الحكم؛ بل أباح له الانتفاع بتلك الغنائم فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (69) الأنفال.
ولو كان الرجوع واجبا عليه لأمره به، ولنفّذه، ولما لم يأمره الحق سبحانه وتعالى بالرجوع عن ذلك الحكم لم يَرُدَّ صلى الله عليه وسلم، حكمه، فدل على عدم الرجوع عن ذلك الحكم والأمثلة على ذلك من كتاب الله وسنة رسوله كثيرة جدا.
ولا ينافي ذلك على رأي من قال: إنه لم يدخل في الخطاب في الآية بإرادة عرض الدنيا ولا في غيبتها، فإنه وإن دخل في الخطاب فالمراد عتابه على موافقة أصحابه على قبول الفداء قبل الاثخان، وبيانُ أنَّ الراجح أن يختار القتل نفعا للإسلام. قال القطب في الهيميان؛ في تفسير قوله ل: إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) الآية 4 من سورة النجم ..... والصحيح جواز اجتهاده ووقوعه (1/16)
صفحة 17
أدب القضاء في الإسلام
لقوله: (مَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُنْخِنَ فِي الْأَرْضِ ... ) وقوله: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (43) التوبة.
عوتب على استبقاء أسرى بدر بالفداء، وعلى الإذن لمن ظهر نفاقهم في التخلف عن غزوة تبوك، ولا يكون العتاب فيما صدر عن وحي، وحجة المانع أنه قادر على اليقين بالوحي بأن ينتظره، ورُدَّ بأنَّ إنزال الوحي ليس في قدرته، وقيل: بالجواز والوقوع في الرأي والحرب فقط؛ جمعا بين الادلة، وبسط ذلك في أصول الفقه الهيميان ج 14 ص 28 - 29 ط الأولى وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان. تفسير الآية المذكورة.
وقال في تفسير قوله تعالى: (عَفَا اللهُ عَنْك)، كناية عن أنه فعل ما ينبغي ألا يفعله وهو الإذن لهم في القعود، كما بينه بقوله: (لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ) وهذا عتاب وزجر عن المعاودة بعد العفو، وذلك عتاب على ترك الأولى لا ذنب، وذلك من اللطف والإكرام بمكان بدأ بالعفو قبل ذكر ما عنه العفو، وقال عمرو بن ميمون الأودي: صدع رسول الله صلى الله عليه وسلم برأيه في قضيتين دون أن يؤمر فيهما بشيء: هذه وأمر أسارى بدر في الفداء، فعاتبه الله فيهما. وليس العتاب بعد حصول العفو مستحيلا، بل مستعمل كثيراً، وفائدته تأكيد الزجر والتوقيف على عين لا عن العفو، كما يعاتب السعيد يوم القيامة، وقد بُشِر في قبره أو عند موته بالجنة، ذلك هو الذي ظهر لي"، الإمام القطب الهيميان ج 7 ص 146 - 149 ط الأولى وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان.
وأمَّا السُّنة فقد أخرج الإمام الربيع بسنده: عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ دَاوُدَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " أُنْزِلَ الْقُرْآنُ كُلُّهُ جُمْلَةً وَاحِدَةً فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَكَانَ اللَّهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْدِثَ فِي الْأَرْضِ شَيْئًا أَنْزَلَ مِنْهُ، حَتَّى جَمَعَهُ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقْضِي بِالْقَضِيَّةِ فَيَنْزِلُ الْقُرْآنُ بِخِلَافِ قَصَائِهِ، فَلا يَرُدُّ قَضَاءَهُ، وَيَسْتَقْبِلُ حُكْمَ الْقُرْآنِ." الحديث (16.
وأما الإجماع: فإجماع أهل العلم على عدم جواز نقض حكم الحاكم الجائز له الحكم في المختلف فيه ما كان موافقا للحق. (1/17)
صفحة 18
أدب القضاء في الإسلام
17
ويُستثنى من ذلك ما إذا كانتِ الواقعةُ متعلقةً بالمجتهد نفسه، وكانت من الأمور المستدامة كما إذا رأى جواز تزويج الصبية أو جواز التزويج بغير وليّ ففعل، أو رأى أنَّ الطلاق ثلاثًا بلفظ واحد لا يقع إلا واحدة، أو نحو ذلك، فعمل بما رأى، ثم رأى بعد ذلك أن ذلك العمل فعل حرام؛ لزمه أن يترك زوجته، وقيل يلزمه فيما ابتدأه فيما أقبل من أمره لا في استمراره على ما بناه قبل على رأي صحيح وعمل به. وهكذا في أمثالها، كما سيأتي عن النور السالمي
قال النور السالميه في الطلعة " .... حاصل المقام أنه لا يبطل حكم المجتهد إلا في حالتين: إحداهما: إذا خالف في حكمه اجتهادَه، والأخرى: إذا خالف حكم الله فيها، أما في غير ذلك فلا يصح نقض حكم حاكم كان قد حكم به عن اجتهاد ونظر؛ لأنَّ ذلك هو الواجب في حقه، ولأنه لو جوزنا نقض ذلك الحكم باجتهاد آخر؛ جاز نقض ذلك الاجتهاد المتأخر باجتهاد آخر، ثم كذلك في كل اجتهاد لا إلى غاية، فتفوت بذلك مصلحة نصب الحاكم.
أمَّا خلافُ الأصم في ذلك فإنه إنما كان بعد انعقاد الإجماع على أنه لا ينقض الحكم باجتهاد آخر، فلا يعتد بخلافه، والله أعلم، ثم قال: -
وإن رأى الجواز يوما ففعل ثم رأى الحرمة فالفعل انحظل
أي إذا اجتهد المجتهد في حادثة فرأى جوازها فعمل به، ثم تغير اجتهاده فرأى أنها حرام، فإنه يحجر عليه الإقامة على ذلك الفعل، مثال ذلك: إذا رأى جواز تزويج الصبية أو جواز التزويج بغير ولي ففعل، أو رأى أن الطلاق ثلاثًا بلفظ واحد لا يقع إلا واحدة أو نحو ذلك، فعمل بما رأى، ثم رأى بعد ذلك أن ذلك العمل فعل حرام؛ لزمه أن يترك زوجته، وهذا مبني على القول بأن الاجتهاد ينقض الاجتهاد، وهو الصحيح؛ لأن الاجتهاد الأول لا يكون عندنا بمنزلة الحكم حتى لا يصح، وإنما هو حكم تعبّد به المجتهد في ذلك الحال، فإذا رأى أن الراجح غيره، فقد تعبّد بذلك
نقضه،
الغير، ولا مِريَةً في جواز انتقال التعبد بتغيّر الأحوال.
وقيل: إنَّ الاجتهاد الآخر لا ينقض به الاجتهاد الأول، وإنما يلزمه العمل به في مستقبل الأوقات فقط، أي فيما ابتدأه من بعد لا في استمراره، ومحل النزاع إنما هو في الأشياء المستدامة، كالاستمتاع بالزوجات، لا في الأعمال الماضية، فإنه من عمل باجتهاده في صحة الوضوء أو الصلاة (1/18)
صفحة 19
18
أدب القضاء في الإسلام
يجب
أو الحج لا يلزمه قضاؤه، وإن تغيّر فيه اجتهاده اتفاقًا، وكذلك من تغيّر اجتهاده بعد أن طلق زوجته الصغيرة، أو ماتت معه أو نحو ذلك؛ فإنه لا إثم عليه فيما فَعَلَه باجتهاده الأول اتفاقًا، فالخلاف في الأشياء المستدامة خاصة، أما الأعمال المستأنفة فلا خلاف أنه عليه العمل باجتهاده فيها في حاله ذلك. انظر نور الدين السالمي طلعة الشمس مرجع سابق ج 2 ص 440 ط 1 مكتبة نور الدين بدية. ولابن أمير حاج في "التقرير والتحرير " كلام نفيس في الكلام على حكم الحاكم ومتى يجوز نقضه من جملته: قُلْت: ثُمَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ الْمُجْتَهِدُ فِيهِ الْمُعَارِضُ لِمَدْلُولِ أَحَدٍ هَذِهِ الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ الْمَحْكُومِ بَعْدَ اعْتِبَارِهِ حَتَّى إِنَّ الْقَضَاءَ لَا يَنْفُذُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُعَارِضًا لِمَا كَانَ مِنْ الْكِتَابِ قَطْعِيَّ الدَّلَالَةِ غَيْرَ مَنْسُوحٍ، أَوْ مَا كَانَ مِنْ السُّنَّةِ كَذَلِكَ مُتَوَاتِرَ النُّبُوتِ، أَوْ مَا كَانَ مِنْ الْإِجْمَاعِ قَطْعِيَّ النُّبُوتِ وَالدَّلَالَةِ، وَهَذَا لَا شَكٍّ فِيهِ لَكِنْ فِي صُدُورِ هَذَا مِنْ الْمُجْتَهَدِ بُعْدٌ عَظِيمٌ؛ لِأَنَّ اسْتِحْلَالَ مُخَالَفَةٍ كُلَّ مِنْ هَذِهِ كُفْرٌ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُرَادَ. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُعَارِضًا لِمَا كَانَ مِنْ الْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ، ظَنِّيَّ الدَّلَالَةِ سَوَاءٌ كَانَتْ السُّنَّةُ قَطْعِيَّةَ القُبُوتِ، أَوْ لَا، أَوْ مِنْ الْإِجْمَاعِ مَا كَانَ ظَنّيّ النُّبُوتِ، أَو الدَّلَالَةِ، وَهَذَا فِي عَدَمِ نَفَاذِ الْحُكْمِ بِمُعَارِضِهِ
مُطْلَقًا نَظَرٌ ظَاهِرٌ. قال: وَفِي بَعْضٍ شُرُوحِ الْجَامِعِ لِلْمَشَايِخِ الْمُتَقَدِّمِينَ: - قَضَاءُ الْقُضَاةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ قِسْمٌ مِنْهُ أَنْ يُقْضَى بِخِلَافِ النَّصّ وَالْإِجْمَاعِ وَهَذَا بَاطِلٌ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُجِيزَهُ وَلِكُلِ وَاحِدٍ مِنْ الْقُضَاةِ نَقْضُهُ إِذَا رُفِعَ إِلَيْهِ.
وَقِسْمٌ مِنْهُ أَنْ يَقْضِيَ فِي مَوْضِع مُخْتَلَفٍ فِيهِ، وَفِي هَذَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ نَقْضُهُ. وَقِسْمٌ مِنْهُ أَنْ يَقْضِيَ بِشَيْءٍ يَتَعَيَّنُ فِيهِ الْخِلافُ بَعْدَ الْقَضَاءِ أَي يَكُونُ الْخِلَافُ فِي نَفْسِ الْقَضَاءِ فَبَعْضُهُمْ يَقُولُونَ نَفَذَ قَصَاؤُهُ وَبَعْضُهُمْ يَقُولُونَ بَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى إِمْضَاءِ قَاضٍ آخَرَ إِنْ أَجَازَهُ جَازَ
وَيَصِيرُ كَأَنَّ الْقَاضِيَ الثَّانِيَ قَضَى فِي مُخْتَلَفٍ فِيهِ وَلَيْسَ لِلثَّانِي نَقْضُهُ، وَإِنْ أَبْطَلَهُ الثَّانِي بَطَلَ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ يُجِيزُهُ انْتَهَى وَبَعْدَ إِحَاطَةِ الْعِلْمِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ لَا يَخْفَى مَا فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مِنْ النَّظَرِ عِنْدَ
تَحْقِيقِ النَّظَرِ ..... وهنالك أمثلة كثيرة مفيدة تعرض لها فارجع إليها في "أقسام الجهل" ج 3
6 (1/19)
صفحة 20
أدب القضاء في الإسلام
19
اعْرِفْ الْأَشْبَاهَ وَالْأَمْثَالَ ثُمَّ قِ الْأُمُورَ عِنْدَ ذَلِكَ، فَاعْمِدْ إِلَى أَحَتِهَا إِلَى اللَّهِ، وَأَشْبَهَا بِالْحَقِّ فِيمَا تَرَى اجْعَلْ لِلْمُدَّعِي أَمَدًا يَنْتَهِي إِلَيْهِ، فَإِنْ أَحْضَرَ بَيِّنَةً أَخَذَ بِحَقِّهِ، وَإِلَّا وَجَّيْتَ الْقَضَاءَ عَلَيْهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَجْلَى لِلْعَمَى، وَأَبْلَغُ فِي الْعُذْرِ الْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، إِلَّا مَحْدُودًا فِي حَدٍ، أَوْ مُجَرَّبًا فِي شَهَادَةِ زُورٍ، أَوْ ظَنِينًا فِي وَلَاءٍ أَوْ قَرَابَةٍ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَوَلَّى مِنْكُمْ السَّرَائِرَ، وَدَرَأَ عَنْكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ، ثُمَّ إِيَّاكَ وَالْقَلَقَ وَالضَّجَرَ، وَالتَّأَذِي بِالنَّاسِ، وَالتَّنَكُرَ لِلْخُصُومِ فِي مَوَاطِنِ الْحَقِ الَّذِي يُوجِبُ اللَّهُ بِهَا الْأَجْرَ، وَيُحْسِنُ بِهَا الذِّكْرَ، فَإِنَّهُ مَنْ يُصْلِحْ نِيَّتَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَوْ عَلَى نَفْسِهِ، يَكْفِهِ اللَّهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، وَمَنْ تَزَيَّنَ لِلنَّاسِ بِمَا يَعْلَمُ اللَّهُ مِنْهُ غَيْرَ ذَلِكَ يَشِنْهُ اللَّهُ، فَمَا ظَنُّكَ بِثَوَابِ
12
غَيْرِ اللَّهِ فِي عَاجِلِ رِزْقِهِ، وَخَزَائِنِ رَحْمَتِهِ، وَالسَّلَامُ عَلَيْك وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ." 12 وَتَحْتَوِي وِلَايَةُ الْقَاضِي عَلَى عَشَرَةِ أَشْيَاء: الْأَوَّلُ: الْفَصْلُ بين الخصوم - إِمَّا بِحُكْمِ نَافِذٍ بِجَبْرٍ وَإِمَّا بِصُلْحٍ - وَالْقَمْعُ عَنْ الظُّلْمِ. الثَّانِي: إِيصَالُ ذِي الْحَقِّ إِلَى حَقِّهِ الثَّالِثُ: إقَامَةُ الْحُدُودِ وَالْقِيَامُ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى بِحَسْبِ مَا يَكُونُ لَهُ الرَّابِعُ: النَّظَرُ فِي الدِّمَاءِ وَالْجُرُوحِ الْخَامِسُ النَّظَرُ فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى
ص 432/ط بيروت /1417 هـ 1996 م. وانظر الجزء الأول من أثر القواعد للباحث ص 183 فما
بعدها " تفويض "القضاء" فقد تكلمت على الموضوع هنالك بأوسع من هذا، والله الموفق. 12 - أخرجه البيهقي في الصغرى وفي معرفة السنن والآثار، باب ما على الحاكم في الخصوم، والكبرى باب من اجتهد ثم رأى أن اجتهاده خالف نصا أو إجماعا، وباب: لا يحيل حكم القاضي على المقضي له والمقضي عليه والمناوي في السُّبُل كتاب القضاء، والدار قطني في الأقضية والأحكام؛ كتاب عمر الله إلى أبي موسى الأشعري والخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه، والسخاوي في المقاصد الحسنة، والعجلوني في كشف الخفاء والمتقي الهندي في كنز العمال
وغيرهم. (1/20)
صفحة 21
13
أدب القضاء في الإسلام
وَالْمَجَانِينِ والغياب وفاقدي الأهلية، وَتَقْدِيمُ الْأَوْصِيَاءِ إِلَى حِفْظِ الْأَمْوَالِ السَّادِسُ: النَّظَرُ فِي الْأَحْبَاسِ السَّابِعُ: تَنْفِيذُ الْوَصَايَا الثَّامِنُ: عَقْدُ نِكَاحِ النِّسَاءِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلِيٍّ أَوْ ثبت عَضْلُهن، التَّاسِعُ: النَّظَرُ فِي مَصَالِحِ الْعَامَّةِ الْعَاشِرُ: الأمر بالمعروف والنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ؛ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْل. 13 وإنَّه لمن متطلبات الحياة وإظهار العدالة واستتباب الأمن والأمان أَنْ يُعَيِّنَ وَلِيُّ الأمر القضاة لِلنَّاس؛ على قدر الحاجة للقيام بمهمة الفصل في الخصومات، ونظر مصالح الأمة ودفع المضارّ عنها، وَمَنْ أَبَى عَنْ الْوِلَايَةِ وهو قادر على أداء المهمة ولا يوجد من هو أفضل منه علما وعملا وخيف تعطل الأحكام جَبَرَهُ عَلَيْهِ. وهنالك واجب أساسي على ولي الأمر في تولية الأعمال مَنْ دونَهُ من الرجال وهو: أنه لا يصح له أن يولي في أيّ عمل من الأعمال إلا صاحب أمانة وخبرة ودراية وعفة ونزاهة وعلم وعمل ونشاط ومثابرة مع متابعته في جميع تصرفاته، كما كان يفعل المعصوم وخلفاؤه الراشدون المهديون والدليل على ذلك من الكتاب والسنة والاجماع أما الكتاب فمنه قوله تعالى: (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (3) القصص / وقوله: (إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (سورة يوسف.
ومن السنة ما روي عنه الله أنه قال: " مَنْ قَلَّدَ إِنْسَانًا عَمَلًا وَفِي رَعِيَّتِهِ مَنْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُ فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَجَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ" 14"
"مَن وَليَ من أمر المسلمين شيئا فأمر عليهم أحداً محاباة فعليه لعنة الله، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا حتى يدخله جهنم، ومن أعطى أحدًا حمى الله فقد انتهك في حمى
13 - انظر: شرح النيل ج 13 معرفة أركان القضاء ص 19 مرجع سابق.
14 - انظر: نصب الراية شرح أحاديث الهداية كتاب أدب القاضي. والحديث عند الحاكم في (1/21)
صفحة 22
أدب القضاء في الإسلام
21
الله شيئا بغير حقه فعليه لعنة الله أو قال تبرأت منه ذمة الله عز وجل.15 حديث معقل بن يسار لزياد لما ولي الإمارة سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " مَن وَلِيَ من أمر المسلمين شيئا فلم يُحطهم بنصيحةٍ كما يُحيط أهل بيته فليتبوأ مقعده من النار" قال زياد: ما سمعتُ هذا منك قبل اليوم. قال {معقل ما كنتُ لأحدثك به إلا وأنا على حالتي هذه قال فخرج زياد يجر ثوبه. 16
عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ حِينَ بَعَثَنِي إِلَى الشَّامِ: يَا يَزِيدُ، إِنَّ لَكَ قَرَابَةً، عَسَيْتَ أَنْ تُؤْثِرَهُمْ بِالإِمَارَةِ، وَذَلِكَ أَكْبَرُ مَا أَخَافُ عَلَيْكَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا، فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَحَدًا مُحَابَاةً، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلاً، حَتَّى يُدْخِلَهُ جَهَنَّمَ، وَمَنْ أَعْطَى أَحَدًا حِمَى اللَّهِ، فَقَدِ انْتَهَكَ فِي حِمَى اللَّهِ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ، أَوْ قَالَ: "تَبَرَّأَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. 17 وفي أخرى عن أبي بكر له قال: وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من ولى ذا قرابة له محاباة وهو يجد خيرا منه لم يرح رائحة الجنة. وعند أحمد وغيره أيضا بزيادة ومن أعطى أحدا من مال أخيه شيئا محاباة له فعليه
المستدرك بلفظ " مَنْ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى عِصَابَةٍ وَفِي تِلْكَ الْعِصَابَةِ مَنْ هُوَ أَرْضَى لِلَّهِ مِنْهُ فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَجَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ.
15 - أحمد في المسند: ج 1 ص 6 ح 21، والحاكم في المستدرك ج 4 ص 104 ح 7024، و: الهيثمي في المجمع ح 9175 ج 5 ص 418
16 - المعجم الكبير: ج 20 / ص 221 513
17 - المستدرك على الصحيحين ج 4 ص 104 ح 7024 وابن حنبل في مسنده ج 1 ص 6 حديث رقم 21، والهيثمي في الغاية باب فيمن استعمل على المسلمين أحدًا محاباة" والنووي في المسند الجامع ج 5171 ح 7144 (1/22)
صفحة 23
أدب القضاء في الإسلام
لعنة الله. أو قال: برئت منه ذمة الله إن الله دعا الناس إلى أن يؤمنوا بالله فيكونوا الله شيئا بغير حق فعليه لعنة الله. أو قال برئت منه ذمة
حمى
الله، فمن انتهك في.
الله. 18
عن ابن عباس قال: قال رسول الله ل: من ولَّى واليا فبلغه عنه ظلم لرعيته فلم يعزله فقد خان الله ورسوله 19 "مَنْ وَلِيَ أَمْرًا مِنْ أَمْرِ النَّاسِ، ثُمَّ أَغْلَقَ بَابَهُ دُونَ الْمِسْكِينِ أو الْمَظْلُومِ، أَوْ ذِي الْحَاجَةِ، أَغْلَقَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى دُونَهُ أَبْوَابَ رَحْمَتِهِ دُونَ حَاجَتِهِ وَفَقْرِهِ أَفْقَر مَا يَكُونُ إِلَيْهَا. (20) وفي الحديث القدسي" عَنْ أَبِي ذَرٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِيمَا رَوَى عَنْ رَبِّهِ، أَنَّهُ قَالَ: يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلا تَظَالَمُوا .. 21
18 - أخرجه أحمد ج 6/ 1 رقم 21.، قال الهيثمي في المجمع ج 5 ص 418 ح 9175، رواه أحمد وفيه رجل لم يسم. وأخرجه الحاكم 104/ 4، رقم 7024. وقال: صحيح الإسناد ومنصور بن شعبة البغدادي في الأربعين وقال: حسن المتن غريب الإسناد. وكنز العمال 14168
19 - أبو نعيم الأصبهاني: فضيلة العادلين: ص 107.
20 - ابن حنبل المسند 441/ 3 حديث رقم: 15689. البيهقي: شعب الإيمان 6/ 21 ح 7384 21 - أخرجه مسلم 2577 في البر والصلة، والبخاري في "الأدب المفرد" ".49"، وأبو نعيم في "الحلية" 125/ 5، 126، والحاكم في "المستدرك" 241/ 4، وهو طرف من حديث طويل. سنن البيهقي الكبرى ج 6 93 ح 11283 شعب الإيمان البيهقي ج 5/ 405 7088، والطيالسي ج 1 ص 370 ح "465" وأحمد 160/ 5 و ابن حبان في صحيحه ج 2/ 385 وعبد الرزاق المصنف ح"2 27 20" (1/23)
صفحة 24
أدب القضاء في الإسلام
23
فبيَّن الله عز وجل في هذا الحديث أنه حرم الظلم على نفسه فلا يظلم أحداً لا بزيادة سيئة ولا بنقص حسنة كما قال تعالى: (وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّلِحَتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا تَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمان طه
وهو تعالى قادر على كل شيء، وفعله جل شأنه وعظم سلطانه كله عدل وحكمة؛ لَا يُسْلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ) الأنبياء ولكنَّه لكمال عدله حرم ذلك على نفسه جل
وعلا.
وجعلته بينكم محرماً؛ أي جعلت الظلم بينكم محرماً، فيحرم عليكم أن يظلم بعضُكم بعضاً، ولهذا قال: فلا تظالموا والفاء للتفريع على ما سبق.
وأما الإجماع فاتفاق الأمة على عدم جواز تولية الفاسق. كما ستعرفه إن شاء الله. وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَطْلُبَ الْقَضَاءَ وَإِنْ دُعِيَ إِلَيْهِ، فَالْأَوْلَى الِامْتِنَاعُ لِعُسْرِهِ؛ إِلَّا إِنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ فَيُحْبَسُ أَوْ يُضْرَبُ، وَإِنْ لَمْ يَصْلُحُ إِلَّا وَاحِدٌ كَانَ فَرْضَ عَيْنٍ عَلَيْهِ.
وذلك إذا لم يوجد من يقوم به وخيف الفساد وانتشار الظلم؛ كما سبقت الإشارة إليه.
وَكَانَ صلى الله عليه وسلم يَقْضِي بَيْنَ النَّاسِ وَيَأْمُرُ أَصْحَابَهُ بِالْقَضَاءِ بَيْنَهُمْ، وَبَعَثَ عَلِيًّا إِلَى الْيَمَنِ لِيَقْضِيَ بَيْنَهُمْ، وَبَعَثَ عُمَرُ أَبَا مُوسَى إِلَى الْبَصْرَةِ قَاضِيَّا، وَابْنَ مَسْعُودٍ إِلَى الْكُوفَةِ. وَأَوَّلُ مَنْ قَضَى بِالْأَرْضِ آدم عليه السلام، قضى بَيْنَ ابْنَيْهِ قَابِيلَ وَهَابِيلَ؛ لَمَا أَرَادَ قَابِيلُ التَّزَوُّجَ بِتَوْأَمَتِهِ إِقْلِيمَا، وَكَانَ فِي شَرِيعَتِهِمْ لَا يَتَزَوَّجُ أَحَدُهُمْ بِتَوْأَمَتِهِ، فَرَغِبَ فِيهَا وَهِيَ لَا تَحِلُّ لَهُ، وَتَحِلُّ لَهُ تَوْأَمَةً هَابِيلَ، وَهِيَ لَمودَا، وَقَابِيلُ وَإِقْلِيمَا أَوَّلُ بَطْنٍ وَلَدَتْهُ حَوَّاءُ 22
22 - أنظر شرح النيل ج 13 معرفة أركان القضاء ص 32 مرجع سابق. (1/24)
صفحة 25
24
أدب القضاء في الإسلام
المطلب الثالث
في بعض شروط القاضي
يُشتَرطُ في القاضي عدة شروط ذكرها الفقهاء منها: الإسلام فلا يصح قضاء الكافر، والعلم الذى يؤهله لهذا المنصب الخطير؛ بأن يكون عالما بمصادر الشريعة و أحكامها، وما ينظمه ولي الأمر من قوانين؛ تترجم الشريعة، وتنظم الأمور على الوجه الصحيح، وترسخ مبدأ العدالة والأمن والسلامة في البلاد، فلا يصح قضاء بغير علم، و البلوغ، فلا يصح قضاء الصبي والعقل، فلا يصح قضاء المجنون والمعتوه ومن في حكمهما، والحرية، فلا يصح قضاء المملوك، والفطانة، فلا يصح قضاء البليد؛ الذي لا يستطيع تمييز الأمور ووضعَ
كلِ شيء في موضعه والعدالة، فلا يصح قضاء الفاسق، والتقوى، فلا يصح قضاء الفاجر، والوفاء بالعهود؛ فمن لا وفاء له فهو غادر والغادر منافق، والتعفف عن مكدرات النفس؛ فمن أعطى نفسه هواها أضلته، والبعد عن الشبهات؛ فمن وقع في الشبهات وقع في الحرام "، ومن وقع في
ما الله
23 - إشارة إلى الحديث الشريف المروي عنه " من طريق الشعبي قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ - وَأَهْوَى النُّعْمَانُ بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ -: إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنْ وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّيَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمَى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ."
وفي بعض الروايات " وبينهما مشبّهات" وفي أخرى "مشتبهات " من غير ذكر "أمور" وفي غيرها " مشتبهة" وفي بعضها " فقد استبرأ .. " بقد التحقيقية. أخرجه البخاري ج 1 ص 28 ح 52 فضل من (1/25)
صفحة 26
أدب القضاء في الإسلام
25
الحرام ضل وأضل، وأن يكون مسارعا للخيرات يُنصف من نفسه قبل غيره، وأن يكون الناس معه سواسية كأسنان المشط القريب منهم والبعيد، والقوي والضعيف والجليل والحقير، والصغير والكبير محاسبا لنفسه على كل شيء قبل أن يحاسب، قال جل شأنه في محكم كتابه: (يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِن يَكُن غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَى أَن تَعْدِلُوا وَإِن تَلْوُا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (3) النساء. (يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَتَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (2) المائدة. (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا
صلح
وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا) الأنعام آية 152.
وأن يكون كامل الأهلية غير مشُوبِ بما يُنقصها أو يكدرها جائز الشهادة. فإِنَّ مَنْ لَمْ تَجُزُ شَهَادَتُهُ لَمْ يَجُزْ قَصَاؤُهُ وَمَنْ لَمْ يَجُزْ قَضَاؤُهُ لَا يُعْتَمَدُ عَلَى أحكامه
وتصرفاته.
وَلَا تَصِحُ وِلَايَةُ الْقَاضِي حَتَّى تجتمع فيه شَرَائِطُ الشَّهادة، واشترط بعضهم أن يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الاجْتِهَادِ.
استبرأ لدينه. وج 2 ص 1946723 البيوع: باب الحلال بيّن والحرام بين" ومسلم أخذ الحلال وترك الشبهات ج 5 ص 50 ح 4178، وابن الجارود ص 144، ح وأبو داود ج 3 ص 243، ح 3329، والنسائي 327/ 8، ح 5710، وأبو عوانة ج 397/ 3، ح 5463، والبيهقي ج 334/ 5، ح 10598، والحميدي الجمع بين الصحيحين 309/ 1 ح 805، وابن حبان ج 2 ص 497 ح 721، وأحمد حديث النعمان ج 30 ص 320 ح 18368، و: 18374 324، وابن ابي شيبة 650/ 6 ح 22435 دار القبلة.
ص (1/26)
صفحة 27
26
أدب القضاء في الإسلام
أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلِأَنَّ حُكْمَ الْقَصَاءِ يُسْتَقَى مِنْ حُكْمِ الشَّهَادَةِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ بَابِ الْوِلَايَةِ، فَكُلُّ مَنْ كَانَ أَهْلًا لِلشَّهَادَةِ استقلالا يَكُونُ أَهْلًا لِلْقَضَاءِ، وَمَا يُشْتَرَطُ لِأَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ يُشْتَرَطُ لِأَهْلِيَّةِ الْقَصَاءِ، والْفَاسِقُ لَا يَجُوزُ قَضَاؤُهُ كَمَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَلَوْ قُلِدَ وَهُوَ عَدْلٌ يَنْعَزِلُ بِالْفِسْقِ؛ لِأَنَّ الْمُقَلَّدَ اعْتَمَدَ عَدَالَتَهُ فَلَمْ يَكُنْ رَاضِيَّا بِتَقْلِيدِهِ دُونَهَا. وَأَمَّا الثَّانِي: فَالصَّحِيحُ أَنَّ أَهْلِيَّةَ الِاجْتِهَادِ شَرْطُ الْأَوْلَوِيَّةِ. ومن اعتاد الحلف أو شتم الأولاد أو البهائم أو أيا كان من المخلوقين أو تأخير فرض له وقت معين كالصلاة والصوم؛ إذا أخره من غير عذر سقطت عدالته، وكذا إن أخر حقا واجبا عليه لبني جنسه، لقوله: " مَطْلُ الْغَنِيّ ظُلْمٌ "
24
ومن سقطت عدالته ساءت أمانته ومن ساءت أمانته فهو خائن فاسق لا يصلح لهذا
المنصب الرفيع.
25
24: أخرجه الإمام الربيع في المسند الصحيح ح 598 والبخاري في الحوالة وفي مطل الغني ومسلم في تحريم المطل وأبو داود في المطل والترمذي في مطل الغني وابن ماجة في الحوالة وأحمد في مسند الله عبد بن عمر وفي مسند أبي هريرة في عدة مواضع والنسائي في الكبرى والبيهقي في الكبرى والطبراني في الكبير وغيرهم. وانظر: شرح الجامع للنور السالمي شرح الحديث المذكور ج
3 ص 268.
25 - وقد نظمت المواد 21 فما بعدها والمواد 73 فما بعدها من قانون السلطة القضائية ذلك. وإنه لمما يؤسف له – و مع هذا التنظيم الدقيق الواضح الجلي - أن تحصل التجاوزات في التعيينات في القضاء وما ينسحب معه؛ وما ذلك إلا لأجل التزلف والمحاباة والمداهنة والحمية الباطلة، فيعين من لا يصلح أن يكون شاهدا، ويسلط على رقاب الناس، وأعراضهم، وأموالهم، إلى غير ذلك مما يجب فيه الاحتياط والحذر، والأمر لله وحده. (1/27)
صفحة 28
أدب القضاء في الإسلام
27
واشترط الجمهور الذكورة فلا يصح تولية المرأة أمر القضاء، مستدلين بما روي عن المعصوم لا أنه قال "لَنْ يُفْلِحَ قَومٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَة. 26 فالحديثُ إخبار عن عدم فلاح من ولي أمرهم امرأة وهم منهيُّون عن جلب عدم الفلاح لأنفسهم، مأمورون باكتساب ما يكون سببا للفلاح والفلاح الفوز بالمطلوب، والتدبير يحتاج إلى كمال الرأي، ونقص المرأة مانع من ذلك.
وبما روي عنه أنه قال: " .. مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ.
27
26 - أخرجه (أحمد والبخاري والترمذي والنسائي والبيهقي وغيرهم، عن أبى بكرة. أحمد ج 51/ 5، رقم 20536، والبخاري 2600/ 6، رقم 6686، والترمذي (527/ 4، رقم 2262، وقال: حسن صحيح. والنسائي: 227/ 8، رقم 5388). ونصه عند البخاري، من طريق أبي بكرة ه: قال: لقد نَفَعَني الله بكلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم أيامَ الجَملِ، بَعدَمَا كِدْتُ أَنْ أَلحق بأصحاب الجمل قال: لَمَّا بَلَغَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ أهلَ فَارِسَ مَلَكُوا عليهم بنْتَ كِسرى، قال: "لَنْ يُفْلِحَ
فَأُقَاتِلَ
معہم،
قَومٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأة".
وفي رواية الترمذي قال: "عَصَمَني الله وعل بشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم: لَمَّا هَلَكَ كِسْرى قال: " مَنِ اسْتَخْلَفُوا؟ " قالوا ابنته، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "لَنْ يُفْلِحَ قَومٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةٌ فَلَمَّا قَدِمَتْ عَائِشَةُ - يعني البصرة - ذكرتُ قَولَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَعَصَمنِي اللهُ بِهِ."
وفي رواية لابن ماجة مثل الترمذي إلى قوله: "وَلُّوا أمْرَهُم امرأة والبيقي باب لا يأتم رجل بامرأة ح 5332 ج 3 ص 90، وانظر ابن الأثير الجامع ج 4 ص 49 من تصلح إمامته ح 2027 والسيوطي جمع الجوامع، حرف اللام.
27 - أخرجه البخاري؛ الجامع الصحيح (صحيح البخاري باب ترك الحائض الصوم، وفي باب شهادة النساء، وفي الزكاة على الأقارب، ومسلم في الإيمان باب بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات، وبيان إطلاق لفظ الكفر على غير الكفر بالله ككفر النعمة والحقوق، من طريق سعيد بن أبي مريم، بهذا الإسناد، مطولاً ومختصراً. وأخرجه مختصراً مسلم في العيدين، والنسائي في العيدين: باب استقبال الإمام الناس بوجههِ في الخُطبة، وابن ماجة في إقامة الصلاة: باب ما جاء (1/28)
صفحة 29
28
أدب القضاء في الإسلام
الشاهد فيه: أنهن تعتريهن أشياء كثيرة جُبِلنَ عليها تمنعهن من كمال التدبير وحصافة الرأي، مؤثرة في عواطفهن سريعات الانفعال، قريبات الانقياد كما بينه ولذا لا يصلحن لهذا الأمر.
ومَنْ كان كذلك فلا يصلح لتدبير أمر الأمة وتولّي الحكم بين عباد الله وفصل خصوماتهم؛ بما تقتضيه الشريعة المطهرة ويوجبه العدل، وليس بعد نقصان العقل والدين شيء.
قول الله تعالى: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ) النساء آية 34.
فقد ذكر الحق سبحانه أن القوامة للرجال والقضاء هو أعظم القوامة على الإطلاق
بل إنَّ القاضي يحكم في القوامة كغيرها فكيف بمن سلب منه الشيء يقضي فيه. قوله تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَهِلِيَّةِ الأُولَى) الأحزاب: 33. (قَرْنَ) بمعنى اثْبُتْنَ مأخوذ من القرار وهو الثبات بالمكان، من قَرَّ يَقَرُّ بِمَعْنَى ثَبَتَ يَثْبُتُ، فهو أمر من الله عز وجل لهن بالقرار في البيوت وهو الثبات فيهن وعدم الخروج إلا الضرورة شريطة ألا يؤدّي خروجهن إلى خلل في أداء واجباتهن الأصلية في مقرهن وهو المنزل، ولا يتصادم مع مقصود شرع الله و الموجب لصونهن وعدم تعرضهن لما
صلے
يخدش حياءهن وكرامتهن، ولذا قال جل ذكره: (وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَهِلِيَّةِ الْأُولَى) أي: لا تكثرن الخروج كفعل الجاهلية.
في الخُطبة في العيدين، من طريق داود بن قيس، عن عياض بن عبد الله، به. والطبراني في المعجم الأوسط. و ابن حبان في صحيحه، والبيهقي في معرفة السنن والآثار وغيرهم، وانظر شرح السنة للإمام البغوي ج 1 ص 36 ط 2 ت: الأرنؤط والشاويش، ن / المكتب الإسلامي. وانظر بحث دية المرأة
ص 113 (1/29)
صفحة 30
أدب القضاء في الإسلام
29
وليس المراد به الأمر بالقراءة كما يفهمه كثير من الجهلة، فإنَّ الأمر بالقراءة له أدلة أخرى من كتاب الله ل. بل لا تدل كلمة "قَرْنَ" على القراءة بأيّ حال، ولو أراد القراءة
لقال: "واقرأن" كما قال لنبيه: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) سورة العلق.
و لعلك تقرأ معي الآيات الثلاث معاً يتبين لك الصواب واضحا جليا بإذن الله ل قال جل شأنه: (يَنِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفًا = وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَوَةَ وَآتِينَ الزَّكَوةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا) الأحزاب،32 - 34 فقد قال الله في هذه الآية عند الأمر بالقراءة: (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ وَايَتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ)
وهذا المعنى الذي هو بمعنى القرار، وهو الثبات؛ هو الذي فهِمَتْه أُمُّ المؤمنين سودة بنت زمعة زوج النبي الله رضي الله عنها، فقد أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن محمد بن سيرين قال: نبئت أنَّه قيل لسودة زوج النبي: مالك لا تحجين ولا تعتمرين كما يفعل أخواتك؟ فقالت: قد حججت واعتمرت وأمرني اللهُ أَنْ أَقَرَّ في بيتي، فو اللَّهِ لا أخرج من بيتي حتى أموت. قال: فو الله ما خرجَتْ من باب حجرتها حتى أخرجت بجنازتها، وأخرج ابن أبي شيبة وابن سعد وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن المنذر عن مسروق قال: كانت عائشة رضي
الله عنها (1/30)
صفحة 31
أدب القضاء في الإسلام
إذا قرأتْ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) بكت حتى تبل خمارها. 28
28 - محمد بن علي الشوكاني فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير وانظر: أحكام القرآن للكيا الهراسي؛ عماد الدين بن محمد الطبري المتوفى 4. 50 هـ والسمعاني تفسير القرآن/ أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار ولد: 426 هـ / توفي: 489 ه والقرطبي: الجامع لأحكام القرآن، وأبا حيان البحر المحيط، والسيوطي الدر المنثور، والألوسي "روح المعاني" نعم يؤذن للمرأة أن تخرج في أمور لابد منها من تلك الأمور:- 1 - الخروج لحاجتها الضرورية التي لا بد منها بدليل قوله صلى الله عليه وسلم " أُذن لكنَّ في الخروج لحاجتكن" أخرجه البخاري وغيره وذلك كالتعليم والتعلم، وزيارة الزوج في المعتكف، وعيادة المريض والرحم كما ثبت عن المعصوم، وصحابته الأخيار، وتابعيهم الأبرار.
-2
2 - الخروج لمعونة الزوج أو الولي إن لم يكن عنده من يكفيه الخدمة للقيام بأعباء الحياة، قالت أسماء بنت أبي بكر: "كنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأسي، وهي مِنّي على ثلثي فرسخ " رواه الشيخان وغيرهما.
3 - الخروج للعبادة: كالصلاة في المسجد؛ لحديث ابن عمر عن الشيخين: «إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المسجد فأذنوا لهن". اللفظ لمسلم، وأخرجه أحمد. بشرط أمن المفسدة، إلا أنَّ صلاتها في بيتها خير لها من صلاتها في المسجد، لحديث "صلاة المرأة في مِخدَعِهَا أَفضَلَ مِن صَلَاتِهَا في صَحنِ دَارِهَا، وصلاتها في صَحنِ دَارِهَا أَفضل مِن صَلَاتِهَا فِي الْمُسجِد جَمَاعَة". وقد وردت هذه الرواية بعدة ألفاظ ومن عدة طرق هذا أحدها. أخرجه البيهقي وأبو داود والبزار وعبد الرزاق والبغوي، وغيرهم. وعن أم حميد امرأة أبي حميد الساعدي رضي الله عنها أنها جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إني أحب الصلاة معك. فقال رسول الله: قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي." رواه الإمام أحمد وابن خزيمة وابن حبان. وقوله صلى الله عليه وسلم "خير صلاة النِّساء في قعر بيوتهنّ "اخرجه الطبراني وأحمد وأبو يعلى من طريق أم سلمة رضي الله عنها. وكصلاة العيدين لحديث أم عطية قالت: "كنا نؤمر بالخروج في العيدين، والمخبأة والبكر" قالت: "والحيض يخرجن فيكُنَّ خلف الناس يكبرن مع الناس" رواه مسلم. وفي رواية البخاري: "أمرنا أن نخرج العواتق وذوات الخدور"، وتخرج المرأة للحج، لقوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ
اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) آل عمران: 97 والخطاب عام للرجل والمرأة؛ على أن تحج مع محرم منها. (1/31)
صفحة 32
أدب القضاء في الإسلام
31
4 - الخروج في خدمة المجاهدين؛ شريطة تطبيق تعاليم الإسلام من الأدب والحشمة والستر والعفة واللباس الشرعي ومجانبة الشبه، كما جاء في حديث الربيع بنت معوذ بن عفراء الأنصارية الله عنها قالت: كنا نغزو مع النبي صلى الله عليه وسلم فنسقي القوم، ونخدمهم ونرد الجرحى والقتلى إلى المدينة. قال ابن عباس: "قد كان يغزو بهن أي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيداوين الجرحى، ويحذين من الغنيمة" رواه مسلم والترمذي وأبو داود وغيرهم.
رضي
ه - الخروج للبيعة؛ وهو ليس بالمعنى المعروف حالياً من المشاركة في الانتخابات، أو الترشيح للمجالس، بل لمبايعة الإمام العدل كما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم، في بيعة العقبة الثانية، وبيعة النساء، كما في الصحيحين وغيرهما، وفي ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعُهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
رَّحِيم الممتحنة: 12
6 - الخروج للعرس مع مثيلاتها إن كن أمينات في الدّين بشرط مراعاة الحشمة، والأدب، وعدم الاختلاط بالرجال، وعدم رفع الصوت، وعدم التفوُّه بما يكره من الأقوال، وعدم فعل ما يكره من
الأفعال، وبعد إذن الزوج أو الولي لمن لا زوج لها.
وقد ذكر أهل العلم شروطا لخروجها من بيتها منها: 1 - الخروج للحاجة الضرورية، لا للهو أو إضاعة الوقت، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " أُذِنَ لَكُنَّ في الخروج
لحاجتكن" الحديث.
2 - الخروج بإذن الزوج أو الوليّ لمن ليس لها زوج؛ فيما فيه طاعة الله و رسوله. بشرط المحافظة على آداب الإسلام وتقاليده وأعرافة المشروعة. 3 - اتخاذ الستر الواجب عند الخروج وذلك بأن تخرج بحجابها الشرعي التي أُمرت به، وأن تغض بصرها في سيرها، فلا تنظر هنا وهناك بغير حاجة، وأن لا يكون لباسها واصفا أو شفافا، لقوله ل (وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَآبِهِنَّ (1/32)
صفحة 33
32
أدب القضاء في الإسلام
أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَابِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَآبِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُنَّ أَوِ التَّبِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا تُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوَا إلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (5) سورة النور.
وقوله صلى الله عليه وسلم "صنفان من أُمّتي من أهل النار لم أرهم بعد: نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات، رؤسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها ..... وقوله:" إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا، " وأشار إلى وجهه وكفيه"
4 - ترك العطر وجميع أدوات الزينة مطلقا دون استثناء. لحديث الشيخين وغيرهما "لا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ الْمَسَاجِدَ وَلْيَخْرُجْنَ تَفِلاَتٍ وَلأحمد وأبي دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيح بزيادة "وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ" وَلِمُسْلِمٍ "أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَتْ بَخُورًا فَلا تَشْهَدُ مَعَنَا الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ زَيْنَبَ الثَّقَفِيَّةِ إِذَا شَهدَتْ إِحْدَاكُنَّ الْعِشَاءَ فَلا تَطَيَّبُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ".
ه- أن لا تمش وسط الطريق أو في زحمة الرجال للحديث الآتي إن شاء الله" اسْتَأْخِرْنَ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكُنَّ أَنْ تَحْقُقْنَ الطَّرِيقَ عَلَيْكُنَّ بِحَافَاتِ الطريق. انظر ص 43.
6 - أن تمشي متواضعة علي أدب وحياء، بحيث لا يسمع لها أي صوت؛ لقوله عز وجل: {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ) سورة النور آية 31.
- إذا اضطرت - ضرورة ملحة - لمحادثة غير محرم لها تحادثه بصوت عادي منخفض، وتسعى جهدها أن يكون خاليا من الرقة والتكسر والإغراء، قال تعالي فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا).
8 - إذا ذهبت لشراء بعض حاجتها الضرورية، فلا تنفرد برجل لحديث ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ يَقُولُ: لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ، وَلا تُسَافِرَنَّ امْرَأَةٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ ... أخرجه البخاري في: كتاب الجہاد: باب من اكتتب في جيش فخرجت امرأته حاجة. وفي كتاب النكاح: باب لا يخلون رجل (1/33)
صفحة 34
أدب القضاء في الإسلام
33
بامرأة إلا ذو محرم والدخول على المغيبة ومسلم ح 1341 و الطبراني ج 425/ 11، رقم 1220، والبيهقي: شعب الإيمان ج 4/ 368، رقم 5438 وغيرهم.
9 - أن لا تضع ثيابها إذا دخلت على صديقة لها تزورها لئلا يراها رجل عن غير قصد أو آخر يتلصص، أو يكون في المجلس امرأة سوء تصفها لغيرها لقوله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ الآية السابقة آنفا.
10 - أن لا تسافر دون زوج أو محرم ولو لأداء فريضة الحج. للحديث المتقدم وغيره" .. وَلَا تُسَافِرَنَّ امْرَأَةٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ .. "
طلحة
أما ما روي عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأزواجه: أيتكن التي تنبحها كلاب الحوأب .. " الحديث، أو كما قال صلى الله عليه وسلم، فلا رَيْبَ أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها خرجت مع والزبير يوم الجمل، إلا أنها خرجت متأولةً؛ وذلك بعدما تعلّق بها الناس وألحوا عليها، وشكوا إليها ما صاروا إليه من عظيم الفتنة، وكبير المحنة، وتهارج الناس، وقد خرجت ومعها من المحارم من هم أعظم ثقةً وأمانةً في الصحابة كابن الزبير وغيره؛ وذلك رجاء أن يُصلح الله بها شأن الأمة، لا مخالفةً لحديث رسول الله له، ولا إرادة قتال، ولذا نَدِمَتْ نَدَامَةً كُلِيَّةً عَلَى مَسِيْرِهَا إِلَى البَصْرَةِ،
6
وَحُضُورِهَا يَوْمَ الجَمَلِ، لما انكشف لها الأمر، وَمَا ظَنَّتْ أَنَّ الأَمْرَ يَبْلُغُ مَا بَلَغَ. فقد أخرج أَحْمَدُ في (مُسْنَدِهِ) وابن حبان في صحيحه، وابن ابي شيبة وغيرهم من طريق قيس بن أبي حازم: قَالَ: لما بَلَغَتْ عَائِشَةُ بَعْضَ مِيَاهِ بَنِي عَامِرٍ لَيْلاً نَبَحَتِ الْكِلابُ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: أَيُّ مَاءٍ هَذَا؟ قَالُوا: مَاءُ الْحَوْأَبِ، فَوَقَفَتْ، فَقَالَتْ: مَا أَظُنُّني إلا رَاجِعَةً فَقَالَ لَهَا طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ: مَهْلاً رَحِمَكَ اللَّهُ، بَلْ تَقْدُمِينَ فَيَرَاكَ الْمُسْلِمُونَ فَيُصْلِحُ اللَّهُ ذَاتَ بَيْهِمْ، قَالَتْ: مَا أَظُنُّنِي إِلا رَاجِعَةً، إِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ لَنَا ذَاتَ يَوْمٍ: كَيْفَ بِإِحْدَاكُنَّ تَنْبَحُ عَلَيْهَا كِلابُ الْحَوْأَبِ ...... ولذا فقد ندمت واسترجعت وهمت بالرجوع حتى شهد مروان بن الحكم ومن معه نحوا من ثمانين رجلا أنه ليس بالحوأب وإنما هو ماء آخر يقال له الجواب، ثم بعد ذلك لما ظهر لها غير ما تأوّلته أظهرت الندم، وكانت تبكي كلما تذكر الواقعة حتى لحقت بربها رضي الله عنها .. " أنظر المراجع السابقة. (1/34)
صفحة 35
34
34
أدب القضاء في الإسلام
قرأ نافع وعاصم وأبو جعفر بفتح القاف. ووجهها أبو عبيدة عن الكسائي والفراء والزجاج بأنها لغة أهل الحجاز في: (قَرَّ) بمعنى: أقام واستقر، يقولون: قررت في المكان
بكسر الراء من باب علم فيجيء مضارعه بفتح الراء فأصل قَرْنَ اقْرَرْنَ 29 "أمرُ من قَرَّ يَقَرُّ من بابِ علم وأصله: إقرَرْنَ فحُذفتْ الرَّاءُ الأولى وألقيت فتحتُها على ما قبلها كما في قولك ظَلَنَ، أو من قار يقار إذا اجتمع، وقُرئ بكسر القافِ من وَقِر يَقِر وَقَاراً إذا ثبت واستقر وأصله أوْقِرنَ؛ ففعل به ما فُعل بِعِدْنَ من وَعد أو من قَرَّ يَقَرُّ حذفت إحدى رائى إقررن ونُقلت كسرتُها إلى القاف كما تقول: ظَلْنَ."
"
ومما يدل على ذلك أيضا ما روي أنَّ علياً بعث القعقاع بن عمرو إلى أهل البصرة يستفسرهم " عن سبب خروجهم ... فخرج القعقاع حتى قدم البصرة، فبدأ بعائشة رضي الله عنها فسلم عليها، وقال: أي أُمه، ما أشخصك وما أقدمك هذه البلدة؟ قالت: أي بني إصلاح بين الناس، قال: فابعثي إلى طلحة والزبير حتى تسمعي كلامي وكلامهما، فبعثت إليهما فجاءا، فقال: إني سألت أم المؤمنين: ما أشخصها وأقدمها هذه البلاد؟ فقالت: إصلاح بين الناس، فما تقولان أنتما؟ أمتابعان أم مخالفان؟ قالا: متابعان .. "
"وبعد انتهاء الحرب يوم الجمل جاء علي إلى عائشة - رضي الله عنها - فقال لها: غفر الله لك، قالت: ولك، ما أردت إلا الإصلاح"
فتقرر أنها ما خرجت إلا للإصلاح بين المسلمين، وهذا سفر طاعة لا ينافي ما أمرت به من عدم الخروج من بيتها، كغيره من الأسفار الأخرى التي فيها طاعة الله ورسوله كالحج والعمرة وشههما. انظر تأريخ الطبري جـ 3 ص 29 أحداث سنة 36 هـ و 534/ 4. وابن العماد شذرات الذهب 42/ 1. و منهاج السنة 4/ 317 - 318 والمغازي للزهري ص 154. وابن الأثير جـ 3 ص (123.122) سنة 36 هـ. والبداية والنهاية لابن كثير 1.248/ 7 و 8 / ص 335 - 336) ط الجديدة. وأحكام القرآن لابن العربي جـ 3 ص (1536) مصنف عبد الرزاق ج 7 ص 536 حديث رقم: 37771، ومصنف ابن أبي شيبة: ج 7 ص 536 ح 37771 والمستدرك على الصحيحين ج 3 ص 129 ح 4613. صحيح ابن حبان ج 15 ص 127 حديث رقم: 6732.
29 - التحرير والتنوير المعروف بتفسير ابن عاشور 21 ص 242.
30 - تفسير أبي السعود ج 5/ 334) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) (1/35)
صفحة 36
أدب القضاء في الإسلام
35
وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) أي: اسْتكِنَّ فيه، والزمن بيوتكن من غير خروج.
وقرأ نافع وعاصم بالفتح، وهو من قَرَرَ يَقْرَرُ، لغة في قرّ بالمكان، وأصله: إقررن فحذفت الراء تخفيفاً، وألقيت فتحتها على ما قبلها.
وقيل: من قار يقار: إذا اجتمع والباقون بالكسر، من قرّ بالمكان يقر بالكسر، وأصله: إقرزن، فنقلت كسرة الراء إلى القاف، وحذفت الراء. وقيل: من: وَقَر يَقِر
وقاراً 31
وأخرج أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِنِسَائِهِ؛ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ هَذِهِ ثُمَّ ظُهُورَ الْحُصْرِ" 32 قَالَ: فَكُنَّ كُلُّهُنَّ يَحْجُجُنَ إِلَّا زَيْنَبَ بِئْتَ جَحْشٍ وَسَوْدَةَ بِئْتَ زَمْعَةَ وَكَانَتَا تَقُولَانِ وَاللَّهِ لَا تُحَرِّكُنَا دَابَّةٌ بَعْدَ أَنْ سَمِعْنَا ذَلِكَ مِنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِهِ قَالَتَا وَاللَّهِ لَا تُحَرِّكُنَا دَابَّةٌ بَعدَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هَذِهِ ثُمَّ ظُهُورَ الْحُصْرِ وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ: بَعْدَ أَنْ سَمِعْنَا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم
31 - تفسير ابن عجيبة البحر المديد، وانظر تفسير الطبري، وابن كثير، والألوسي، والبغوي وسائر التفاسير للآية نفسها. وانظر تاج العروس مادة "وقر" وتهذيب اللغة مادة "قَرَّ" 32 - الضمير في هذه عائد إلى الحَجَّة، والحُصْر: جمع حصير، كناية عن ملازمة البيت، والمراد أن يلزمن بيوتهن ولا يخرجن منها بعد هذه الحجة، لما أخرجه البزار" وقال: "إنما هي هذه الحجة ثم ظهور الحصر". والطبراني في الأوسط من طريق ابن عمر 33 - أخرجه أبو داود برقم (1722) وأحمد ج 2/ 446 ح 9764. قال: حدثنا وكيع. وفي ج 6/ 324 ح 27287، و "صحيح الجامع" برقم: 7008.
قال: حدثنا حجاج، وحدثنا يزيد بن هارون، وإسحاق بن سليمان وأبو يَعْلَى ح 7154 قال: حدثنا هارون بن عبدا الله، حدثنا ابن أبي فديك. وفي ح 7158. قال: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا إسحاق بن سليمان الرازي. خمستهم وكيع، وحجاج، ويزيد بن هارون، وإسحاق بن سليمان، وابن أبي فديك. عن ابن أبي ذئب عن صالح مولى التوأمة، وقد سمع مِنْهُ قبل اخْتِلَاطه وَإِسْنَاده حسن فذكره. والبزار وقال: "إنما هي هذه الحَجَّة ثم ظهور الحصر. وانظر النووي المسند الجامع، والهيثمي: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد. (1/36)
صفحة 37
36
{
أدب القضاء في الإسلام
وَعَن أم سَلَمَة رَضِي الله عَنْهَا قَالَت قَالَ لنا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ هِيَ هَذِهِ الْحَجَّة ثمَّ الْجُلُوسَ على ظهور الْحُصْر في البيوت"34 وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِي فِي الْأَوْسَطَ عَن ابن عمر عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم لما حج بنسائه قَالَ: "إِنَّمَا هِيَ هَذِهِ ثمَّ عَلَيْكُم بِظُهور الْحُصْر. " "تقدم" وأخرج ابن أبي حاتم عن أُمّ نائلة رضي الله عنها قالت: جاء أبو برزة فلم يجد أم ولده في البيت، وقالوا ذهبت إلى المسجد، فلما جاءت صاحبها فقال: إنَّ الله نهى النساء أن يخرجن، وأمرهن يَقَرْنَ في بيوتهن، ولا يتبعن جنازة، ولا يأتين مسجداً، ولا يشهدن
جمعة. 35
وأخرج الترمذي والبزار عن ابن مسعود له عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" إنَّ المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان وأقرب ما تكون من رحمة ربها وهي في قعر بيتها.
3611
34 - رواه أبو يعلى في مسنده ج 12 / ص 312 ح 6885 ورجاله ثقات، والطبراني في الكبير. ويشهد له الحديث السابق.
35 - هكذا عزاه السيوطي في الدر المنثور. ج 6 ص 600، تفسير قوله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ومعنى ذلك أنه لا يجب عليهن الخروج للصلاة؛ جمعة ولا جماعة، ولا شهود الجنازة، وإنما ذلك خاص بالرجال. ولو خرجن للصلاة وأدَّينَها مع الإمام؛ حسبما يجب عليهن من الحشمة والأدب وعدم مخالطة الرجال الأجانب، إلى غير ذلك ... فقد انحط عنهن واجب الفرض ولا إعادة عليهن للصلاة، ولكن الأفضل لزوم البيت، كما سبق الكلام على ذلك، ولذا لم يأمر أبو برزة زوجه بإعادة الصلاة وإنما وجهها إلى الأفضل.
36 - سنن الترمذي بَاب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الدُّخُولِ عَلَى الْمُغِيبَاتِ، 1173، وابن خزيمة في صحيحه 168593/ 3 (اختيار صلاة المرأة في بيتها والبزار / ج 1 ص 324 ح 2061. وابن أبي شيبة 7698 دار القبلة، وقد ذكر هذا الحديث صاحب "مجمع الزوائد"، وقال: "رواه الطبراني في "الكبير"، ورجاله موثقون، وهو يعتضد بما قبله وما بعده من الأدلّة. (1/37)
صفحة 38
أدب القضاء في الإسلام
37
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود الله قال احبسوا النساء في البيوت، فإن النساء عورة، وإن المرأة إذا خرجت من بيتها استشرفها الشيطان، وقال لها: إنك لا تمرين بأحد إلا أعجب بك.37
وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر الله قال: استعينوا على النساء بالعُرْي، إنَّ إحداهن إذا كثرت ثيابها، وحسنت زينتها أعجبها الخروج وأخرج البزار عن أنس قال: "جئن النساء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلن: يا رسول الله ذهب الرجال بالفضل والجهاد في سبيل الله، فما لنا عمل ندرك فضل المجاهدين في سبيل
الله؟ فقال: "من قعدت منكن في بيتها فإنها تدرك عمل المجاهدين في سبيل الله.38 الجزري: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) أي: إقررن فيها بمعنى اثبتن فيها ولا تخرجن إلا لحاجة لا
بد منها وقوله: (وَلَا تَبَرَّجْنَ) أي إذا خرجتن لحاجة (تَبَرُّجَ الْجَهِلِيَّةِ الْأُولَى) أي قبل الإسلام إذ كانت المرأة تتجمل وتخرج متبخترة متكسرة متغنجة في مشيتها وصوتها تفتن الرجال." 39 كما أمرت النساء عموما بالالتزام بالحجاب في قوله تعالى: {يَتَأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (الأحزاب: 59.
والالتزام بغض البصر: قال تعالى: (وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ
فُرُوجَهُنَّ النور: 31.
37 - ابن أبي شيبة ج 4 ص 53 ح 17710 الغيرة وما ذكر فيها. 38 - السيوطي الدر المنثور ج 6/ 600) تفسير (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) ط دار الفكر. 39 - الجزري أيسر التفاسير. تفسير) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُن) (1/38)
صفحة 39
38
أدب القضاء في الإسلام
وعدم التبرج لقوله تعالى: (وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَنهِلِيَّةِ الأُولَى) ولقوله تعالى: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا}
قال ابن جرير الطبري في تفسير قوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ: وإذا سألتم أزواج رسول الله ل ونساء المؤمنين اللواتي لسن لكم بأزواج متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب، يقول من وراء ستر بينكم وبينهن، ولا تدخلوا علين بيوتهن. (ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ (40
قال ابن كثير في قوله تعالى: (وَقَرْن فِي بُيُوتِكُنَّ): "هذه آداب أمر الله تعالى بها نساء النبي ونساء الأمة تبع لهن في ذلك"41
" .. ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إياكم والدخول على النساء فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، يَا رَسولَ اللَّهِ أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ قَالَ: الحَمْوُ المَوْتُ "42
وإذا كانت المرأة المسلمة يلزمها القرار في بيتها من حيث الأصل، والمباشرة معها في الخطاب يكون من وراء حجاب؛ فكيف يتسنى لها مع ذلك أن تكون في إطار أيّ من الولايات العامة التي لا يمكن أن تمارس المرأة دورها فيها إلا إذا اخترقت الأصلين
السابقين.
40 جامع البيان في تفسير القرآن للإمام ابن جرير الطبري 28/ 22.
41 - تفسير ابن كثير 482/ 3.
42 - رواه البخاري في صحيحه برقم (5232) ومسلم في صحيحه برقم 2172، من حديث عقبة بن عامر، ه. والترمذي 465/ 3 ح رقم 1171 وأحمد في المسند 149/ 4. ح رقم 17434. وانظر:
محمد فؤاد عبد الباقي اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان ج 1/ 680 ح رقم 1403. (1/39)
صفحة 40
أدب القضاء في الإسلام
39
عدم الاختلاط بالرجال في أماكن التجمعات العامة، وقد وردت في ذلك أحاديث، منها فصل النساء عن الرجال في المساجد وفي صلاة العيد، بل وفي الطرقات؛ لحديث حَمْزَةَ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ وَهُوَ خَارِجٌ مِنْ الْمَسْجِدِ فَاخْتَلَطَ الرِّجَالُ مَعَ النِّسَاءِ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِلنِّسَاءِ اسْتَأْخِرْنَ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكُنَّ أَنْ تَحْقُقْنَ الطَّرِيقَ عَلَيْكُنَّ بِحَافَاتِ الطَّرِيقِ، فَكَانَتْ الْمَرْأَةُ تَلْتَصِقُ بِالْجِدَارِ حَتَّى إِنَّ ثَوْبَهَا لَيَتَعَلَّقُ بِالْجِدَارِ مِنْ لُصُوقِهَا بِهِ 43
قال القرطبي: "معنى هذه الآية الأمرُ بلزوم البيت وإن كان الخطاب لنساء النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقد دخل غيرهن فيه بالمعنى هذا لو لم يرد دليل يخص جميع النساء؛ فكيف والشريعة طافحة بلزوم النساء بيوتهن والكفاف عن الخروج منها إلا للضرورة "44 إنَّ من القواعد الشرعية الثابتة: "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح" مفسدة تولي المرأة هذه المناصب أعظم ضررا على المجتمع من المصلحة المتولدة من
توليها.
ولقد اتفقت معظم المذاهب الإسلامية؛ المذاهب الأربعة والمذهب الإباضي وغيرها على
إعمال قاعدة سد الذرائع.
45
43 - أخرجه أبو داود 369/ 4، رقم 5272، و الطبراني المعجم الكبير ج 261/ 19، رقم 580. والبيهقي في شعب الإيمان ج 173/ 6، رقم 7822. ومن غريب الحديث: "تحققن": أي تمشين في وسط الطريق.
44 - القرطبي الجامع لأحكام القرآن ج 14 ص 179. وانظر: مجلة البيان الصادرة عن المنتدى الإسلامي" المرأة المسلمة والمشاركة السياسية. د. سامي محمد صالح الدلال ص 204 فما بعدها.
45 - السد: المنع، والذَّرِيعَةُ بِالدَّالِ الْمُعْجَمَةِ الْوَسِيلَةُ إِلَى الشَّيْء؛ وَهِيَ: الَّتِي ظَاهِرُهَا الْإِبَاحَةُ وَيُتَوَصَّلُ بهَا إِلَى فِعْلِ الْمَحْظُور. (1/40)
صفحة 41
40
أدب القضاء في الإسلام
شأنه
وَأَصْلُهَا عِنْدَ الْعَرَبِ مَا تَأْلَفُهُ النَّاقَةُ الشَّارِدَةُ مِنْ الْحَيَوَانِ لِتُضْبَطَ بِهِ، ثُمَّ نُقِلَتْ إِلَى كل ما من التَّحايل بِهِ عَلَى مَا لَا يَجُوزُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ كَانَ وَسِيلَةً لِشَيْءٍ مَا عَدَا المَعْنَى الْحَقِيقِيَّ. وسميت ذريعة؛ عَلَى طَرِيقِ الاِسْتِعَارَةِ التَّصْرِيحِيَّةِ بِتَشْبِيهِ ما كَانَ وَسِيلَةَ لِشَيْءٍ بِغَيْرِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيَ بِالْمَعْنَى الْحَقِيقِيَ بِجَامِعِ مُطْلَقِ التَّوَسُلِ فِي كُلِّ، ثُمَّ صَارَتْ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً. والمراد بسد الذرائع منع ما يتوصل به إلى غير مشروع، كمنع الخلوة بالأجنبية، خشية الفاحشة، ومنع التزاوج بين الزانيين، خشية فتح باب الزنا، بحيث يمكن للرجل والمرأة أن يلتقيا في ظل الفحشاء، وعلى بساط الشهوات؛ فيستمتعا ما شاءا، ثم يختتما صفحتهما بالزواج، ومنع بيع السلاح للعدو، ومنع تأجير العقار لبيع المحرمات، أو فعل المنكرات؛ كالمخامر والمراقص والملاهي، والتعامل بالرباء .... وفي الحديث " (الحلال بيّن والحرام بيّن، وبينَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَهَات لا يعرفُهُنَّ كثير من النَّاسِ، فَمَن اتَّقَى الشُّيَات فقد استَبْرَأَ لِدِينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام، كالرَّاعِي يَرْعَى حول الحِمَى يُوشِك أن يقع فيه، ألا وإن لِكُل مَلكٍ حِمَى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ محارمه)، أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما. وانظر ج 1 من أثر القواعد للباحث بداية القاعدة {الأمور بمقاصدها} ص 50.
وتفصيل ذلك كالآتي: ينقسم سد الذرائع ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ. الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: مَا أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى عَدَمٍ سَدِهِ أَيْ عَلَى إِلْغَاءِ حُكْمِهِ كَالْمُنْعِ مِنْ زِرَاعَةِ الْعِنَبِ خَشْيَةَ عصره للخَمْرِ. فإن في زراعة العنب فوائد جمة لا يمكن أن تهدر بسبب ظن عصره خمرا. وقد بينت ذلك بفضل الله وعمل في الجزء الأول من أثر القواعد الفقهية في التطبيق ص 27 فما بعدها للباحث تحت عنوان "الفرع الرابع تقسيم المصالح باعتبار شهادة الشارع". الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا أَجْمَعُوا عَلَى سَدِهِ أَيْ اعْمَالِ حُكْمِهِ كَالمَنْعِ مِنْ سَبَ الْأَصْنَامِ عِنْدَ مَنْ يُعْلَمُ أَنَّهُ يَسُبُّ اللَّهَ تَعَالَى حِينَئِذٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى، وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ) وَالْمَنْعِ مِنْ حَفْرِ الْآبَارِ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ؛ إِذَا عَلِمَ وُقُوعَهُمْ فِيهَا أَوْ ظَنَّ، وَالْمَنْعِ مِنْ إِلْقَاءِ السُّمَ فِي أَطْعِمَةِ الْمُسْلِمِينَ إِذَا عَلِمَ أَوْ ظَنَّ أَنَّهُمْ يَأْكُلُونَهَا فَهْلَكُونَ، وَالْمَنْعِ مِنْ الْبَيْعِ وَالسَّلَفِ مُجْتَمِعَيْنِ خَشْيَةَ الرِّيَا، وَجوازهُمَا مُفْتَرِقِينَ، لما روي عنه لا انه نهى عَنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ، وَعَنْ شَرْطَيْنِ فِي بَيْعٍ، وَعَنْ رِبْحٍ مَا لَمْ يُضْمَنْ، وَعَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ." (1/41)
صفحة 42
أدب القضاء في الإسلام
41
و"سد الذرائع أصل من أصول الشريعة الإسلامية، وحقيقته منع المباحات التي يتوصل بها إلى مفاسد أو محظورات.
وكذا كلُّ ما كانَ ذريعةً إلى الباطل لقَوْله تعالى (وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ حَيْثُ ذَمَّهُمْ لِكَوْنِهِمْ تَذَرَّعُوا لِلصَّيْدِ يَوْمَ السَّبْتِ الْمُحَرَّمِ عَلَيْهِمْ بِحَبْسِ الصَّيْدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقَوْلِهِ عَليهِ الصلاة والسلام: " لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ حَرُمَتْ عَلَيْهِمْ السُّحُومُ فَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا " وَقَوْلِهِ عَليهِ الصلاة والسلام " لَا يَقْبَلُ اللَّهُ شَهَادَةَ خَصْمٍ وَلَا ظَنِينٍ. - خَشْيَةَ الشَّهَادَةِ بِالْبَاطِلِ وَمَنَعَ شَهَادَةَ الْآبَاءِ لِلْأَبْنَاءِ وَالْعَكْس. وقوله صلى الله عليه وسلم: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" فَقَدْ اعْتَبَرَ الشَّرْعُ سَدَّ الدَّرَائِعِ فِي
الْجُمْلَة.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ كَالنَّظَرِ إِلَى الْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ ذَرِيعَةٌ لِلزِّنَى.
وقد يشمل سد الذرائع: 1 - المقاصد، وهي الأمور المكونة للمصالح والمفاسد.
2 - الوسائل: وهي الطرق المفضية إلى المقاصد ومنه قاعدة: " للوسائل حكم المقاصد" وحكم الوسائل كحكم ما أفضت إليه من المقاصد، فوسيلة الواجب واجبة، ووسيلة المحرم محرمة الخ. ومُراعاة المصلحة يجب أنْ لا تكون متصادِمَةً مع النصوص الشرعية.
يقول ابن القيم الجوزية لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تفضي إليها، كانت طرقها وأسبابها تابعة لها مقيدة بها، فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهيتها والمنع منها بحسب إفضائها إلى غاياتها وارتباطاتها، ووسائل الطاعات والقربات في محبتها، والإذن بها بحسب إفضائها إلى غاياتها، فوسيلة المقصود تابعة للمقصود، وكلاها مقصود، لكنه مقصود قصد الغايات وهي مقصودة قصد الوسائل ... " إعلام الموقعين ابن القيم الجوزيه ج 3/ 147. وانظر الفروق للقرافي ج 3 ص 274 فما بعدها، (الفرق بين قاعدة ما يسد بالذرائع وما لا يسد.) والبحر المحيط للزكشي، سد الذرائع: ج 8 ص 89 وشرح مختصر خليل للخرشي محمد بن عبد الله المالكي، ج 5 ص 93 ن دار الفكر. وحاشية الصاوي: بلغةُ السالك لأقرب المسالك. ج 3 ص 117 ن دار المعارف. (1/42)
صفحة 43
42
أدب القضاء في الإسلام
ولا يقتصر ذلك على مواضع الاشتباه والاحتياط وإنما يشمل كل ما من شأنه
460
التوصل به إلى الحرام .. وفي الحديث: إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنْ وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ .. " تقدم.
ولو سلمنا جدلا لما ورد من ادعاءات بأنَّ هنالك بعض الفوائد العائدة على المرأة في تولّيها المناصب مما فيه الولاية على الرجال، فإنه بالنظر إلى ما يترتب عليه من مفاسد نجده أضعافاً مضاعفة بالنسبة لتلكم المصالح القليلة النسبية التي يرجوها من يدعو إليها لأن أخطارها ومفاسدها قد بلغت من الكثرة والعموم ما لا ينكره عاقل
منصف.
فالولايات: كَالْإِمَامَةِ وَالْقَضَاءِ وَالْوِصَايَةِ وَالْحَصَانَةِ وَغَيْرِهَا مَنَاصِبُ تَحْتَاجُ إِلَى اسْتِعْدَادَاتٍ خَاصَّةٍ، بَدَنِيَّةٍ وَنَفْسِيَّةٍ، كَالْقُوَّةِ وَالْكِفَايَةِ وَالْخِبْرَةِ وَالرِّعَايَةِ وَالْحَنَانِ وَحُسْنِ التَّصَرُّفِ وَتَخْتَلِفُ الْوِلَايَاتُ عَنْ بَعْضِهَا فِيمَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ صِفَاتٍ. وَإِذَا كَانَ الرِّجَالُ مُقَدَّمِينَ فِي بَعْضِ الْمُنَاصِبِ عَلَى النِّسَاءِ، فَذَلِكَ لِفَارِقِ التَّكْوِينِ الْفِطْرِي
لكُلّ مِنْهُمَا، وَلِمَا مَنَحَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كُلَّ جِئْسٍ مِنْ صِفَاتٍ خَاصَّةٍ.
47
46 - قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي ص 307. انظر أيضا أثر القواعد الفقهية في التطبيق ج 1 ص 27 فما بعدها للباحث. 47 - " .. ومن مراعاة هذه الفطرة إعطاء كل نوع من الجنس البشري أحكامه التي تلبي ضروراته وتنسجم مع خصائص تكوينه، فإن حكمة الله قد قضت أن يتنوع الجنس الإنساني كغيره إلى نوعين ذكر وأنثى، ولكل منهما خصائص تكوينية، ومطالب ضرورية، لا يصح تجاهلها في بناء الحياة (1/43)
صفحة 44
أدب القضاء في الإسلام
43
المدنية؛ التي خص الله بها النوع الإنساني، إذ لو أعطيت المرأة أحكام الرجل في كل شيء لفاتت حكمة التنويع في الخلق، وكذلك لو أعطي الرجل أحكام المرأة.
ومن الجهل المركب والتعسف الظاهر ما ينادي به المفتونون بالنظريات المستوردة من المساواة بين الرجل والمرأة؛ لما في ذلك من التجاهل لخصائص الفطرة في كل منها، فالرجل خلق ليكون ذكرا وطبع بطابع الذكورة، والمرأة خلقت أنثى وطبعت بطابع الأنوثة، وهذا التنويع ليس محصورا في الجنس البشري ولكنه مشترك بين الإنسان والحيوان والجمادات والنباتات، بدليل قول الله تعالى: (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ) الذاريات / 49) وقوله: (سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّمَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ) (يس / 36.
وفي طي هذا التنويع حكمة بالغة فإن كل واحد من النوعين يكمل النوع الآخر. والذين نظروا نظرة واقعية إلى طبيعة البشر أدركوا سر التفرقة بين الذكر والأنثى في التشريع الإسلامي؛ رغم نشأتهم في بيئة ترفض هذا المنطق، وقد نعى هؤلاء على قومہم جہلہم أو تجاهلهم لما تتميز به كل واحدة من طبيعة الذكورة أو الأنوثة في الرجل والمرأة، ومن هؤلاء الكاتب الفرنسي الأمريكي الدكتور ألكسيس كاريل؛ صاحب كتاب "الإنسان ذلك المجهول" الذي بين الفوارق التكوينية بين الرجل والمرأة وقال: إنَّ المرأة لا تختلف عن الرجل باختلاف الأعضاء التناسلية وبالولادة والرحم فحسب، بل الفارق بينهما جد عميق، فإن كل حجيرة في جسمها تحمل طابع جنسها، وأضاف إلى ذلك أن الرجل والمرأة يختلفان في العواطف والمشاعر والأفكار، كما أنه انتقد تسوية المرأة بالرجل في الثقافة، منها على وجوب مراعاة خصائص الأنثى في المناهج الدراسية لتعليم الفتيات، وقد ذكرت باحثة اجتماعية فرنسية أنَّ المرأة تتميز بقوة العاطفة فلذلك تستولي العاطفة على كلا جانبي دماغها، بخلاف الرجل فإنه وإن التهبت عاطفته لا تشغل إلا جانبا منه، والجانب الآخر يبقى فارغا للتفكير، وهنا يظهر سر التشريع الإلهي في شهادة النساء؛ إذ اعتبرت المرأتان عن رجل، وجاء تعليل ذلك في قوله تعالى (أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى) (
البقرة/ 282)
وقد أوضح علماء التشريح عمق الاختلاف بين المرأة والرجل في تكوين الجسم، ومما قالوه: إنَّ جسم كل منهما يشتمل على ستين مليون مليون خلية، وكل خلية من خلايا الرجل عليها طابع الذكورة، بخلاف خلايا المرأة فعلى كل خلية منها طابع الأنوثة، والاختلاف غير مقصور على الطبع؛ بل هو حتى في الشكل؛ كما شاهدناه في الصور المكبرة، ولا يقف الفرق بين الجنسين عند هذا (1/44)
صفحة 45
44
أدب القضاء في الإسلام
وَكَذَلِكَ تُقَدَّمُ النِّسَاءُ فِي بَعْضِ الْوِلَايَاتِ؛ لِتَنَاسُهَا مَعَ تَكْوِينِهِنَّ وَاسْتِعْدَادِهِنَّ الْفِطْرِيِّ. وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله.
قاعدة أخرى يمكن لنا أن نطبقها على موضوعنا هذا وهي" النهي يدل على فساد المنهي عنه" فالرجل مثلا كامل الأهلية القضائية الذي نصب للقضاء من ولي الأمر إذا حدد له ولي الأمر نوعا معينا من القضايا لا يحكم فيها أو منطقةً معينةً لا يحكم فيها فتعدى وحكم فحكمه غير صحيح؛ لصدوره من غير أهله، وهذا ما جرت عليه جميع المحاكم الإسلامية على اختلاف أنواعها، فإذا عرفت ذلك فبطلان حكم المرأة من باب أولى لصدوره من غير أهله، وذلك لمنْعِ الشارع لها من الدخول في القضاء، ومنْعِه وليَّ الأمر من توليتها، وتأثيمه بذلك إن ولاها. هذه القاعدة وإن كانت خلافية إلا أنها في هذا المحل أولى بالتطبيق الجاري على فساد المنهي عنه؛ تعاضدا مع قاعدة سد الذرائع" إذ في فتح هذا الباب محاذيرُ عظيمة قد لا تحمد عقباها، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح. بهذا يتضح لك جليا أنَّ مذهب جمهور الأمة عدم جواز تولية المرأة لمنصب القضاء، إلا أنَّ هنالك فرقا بين مسالة توليها القضاء، وبين مُضِيّ قضائها إذا قضت؛ فمذهب الجمهور عدا الحنفية وبعض متأخري الشافعية عدمُ مُضيّ قضائها، ومذهب
و
الحد؛ بل هو أعمق وأدق، فهناك طبقة دهنية تغطي هذه الخلايا، وهي الكروموسومات، وتسمى الأصباغ والجسيمات اللونية، وهي من الدقة بحيث تقاس بالواحد على بليون من الملي متر، ومع هذه الدقة في الجسيمات فهي تختلف في المرأة شكلا وطبعا عنها في الرجل، والقرآن الكريم يوضح لنا هذا الاختلاف بين طبيعة المرأة وطبيعة الرجل؛ فيما حكاه عن امرأة صالحة من بني إسرائيل من قولها (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى آل عمران /36) جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل للعلامة
المجتهد المطلق أحمد بن حمد الخليلي ج 1/ 80 فما بعدها ط الأولى/ الإعجاز التشريعي) (1/45)
صفحة 46
أدب القضاء في الإسلام
الحنفية وبعض متأخري الشافعية مضيُّه، وأثِم من ولاها، وإليك بعض ما قاله أهل العلم، إتماما للفائدة.
ففي النيل للعلامة عبد العزيز الثميني به مانصه:-
??
فَصْلٌ: لَا يَجُوزُ حُكْمُ امْرَأَةٍ وَطِفْلٍ وَعَبْدٍ وَإِنْ فِي كَنَفَقَةٍ وَدَيْنٍ لِمَنْ لَهُ ذَلِكَ وَلَا تَبَاعَةَ لَهُ وَزَالَ عَمَّنْ لَزِمَهُ وَسَقَط وَلَا يُشْهَدُ بِحُكْمِهِمْ لِذِي الْحَقِّ وَلَا يَدْفَعُهُمْ مَنْ قَصَدُوهُ بِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ بِهِ مَا لَمْ يَلْزَمُهُ قَبْلُ وَلَزِمَهُ دَفَعَهُ لِصَاحِبِهِ. 48 قال شارحه الإمام القطب: (لَا يَجُوزُ حُكْمُ امْرَأَةٍ وَطِفْلٍ وَعَبْدٍ) وَمَجْنُونٍ وَمُشْرِكِ (وَإِنْ فِي كَنَفَقَةٍ وَدَيْنِ لِمَنْ لَهُ ذَلِكَ) المذكورُ مِنْ النَّفَقَةِ وَالدَّيْنِ وَنَحْوِهِمَا (وَلَا تَبَاعَةَ لَهُ) أَيْ: لِمَنْ لَهُ ذَلِكَ الْمُذْكُورُ أَيْ: وَلَا تَبَاعَةَ لَازِمَةٌ لَهُ فِي أَخْذِ مَا أَخَذَهُ بِتَقْبِيضِ الطِّفْلِ أَوْ الْمَرْأَةِ أَوْ غَيْرِهِمَا مِمَّنْ لَا يَجُوزُ حُكْمُهُ، فَإِذَا أَخَذُوا لَهُ حَقَّهُ وَأَعْطَوْهُ إِيَّاهُ أَوْ قَهَرُوا مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ فَأَعْطَى فَلْيَأْخُذْهُ وَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ كَوْنُ اللَّامِ بِمَعْنَى عَلَى أَيْ: لَا تَبَاعَةَ عَلَيْهِ بِأَخْذِ حَقِّهِ بِحُكْمِ الطَّفْلِ وَنَحْوِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَنَّ ذِمَّةَ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ قَدْ بَرِئَتْ حِينَ أَعْطَى بِحُكْمِ الطَّفْلِ وَنَحْوِهِ وَلَا تَبَاعَةَ لِمَنْ لَهُ الْحَقُّ عَلَيْهِ، ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّهُ قَدْ قَالَ: (وَزَالَ) الْحَقُّ عَمَّنْ لَزِمَهُ وَسَقَطَ فَبَطَلَ الْوَجْهُ الثَّالِثُ، وَإِنَّمَا كَتَبْتُهُ قَبْلَ أَنْ أَطَّلِعَ عَلَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ رحمه الله قَدْ ذَكَرَهُ بِهَذَا الْكَلَامِ إِلَّا أَنَّهُ مِنْ الْجَائِزِ أَنْ يَصِحَ الْوَجْهُ الثَّالِثُ فَيَكُونُ قَدْ ذَكَرَ بَرَاءَةَ ذِمَّة مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِقَوْلِهِ: وَلَا تَبَاعَةَ لَهُ أَيْ لَا تَبَاعَةَ لَهُ عَلَى مَنْ لَزِمَهُ وَبِقَوْلِهِ: وَزَالَ عَمَّنْ لَزِمَهُ، وَبِقَوْلِهِ: وَسَقَطَ. (وَلَا يُشْهَدُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ بِحُكْمِهِمْ لِذِي الْحَقِّ أَيْ: لَا يَشْهَدُ الشُّهُودُ بِأَنَّهُ قَدْ حَكَمَ الْحَاكِمُ لِفُلَانٍ وَلَا بِأَنَّهُ قَدْ حَكَمَ فُلَانٌ مُشِيرًا إلَى نَحْو الطِفْلِ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ حُكْمُهُ، أَوْ قَدْ حَكَمَتْ فُلَانَةُ، وَلَا بِأَنَّهُ قَدْ حَكَمَتْ الْمَرْأَةُ أَو الطَّفْلُ أَوْ الْمَجْنُونُ أَوْ نَحْو ذَلِكَ، إِذْ لَا حُكْمَ صَحِيحٍ،
48 - النيل وشفاء العليل للعلامة الثميني، مع الشرح للإمام القطب، ج 16 ص 523 نص المتن.
إِلَّا (1/46)
صفحة 47
46
أدب القضاء في الإسلام
أَنَّهُ لَا إِثْمَ عَلَيْهِمْ إِنْ شَهِدُوا وَذَكَرُوا أَسْمَاءَهُمْ بِحَيْثُ يَعْلَمُ السَّامِعُ أَنَّهُمْ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ حُكْمُهُمْ، أَوْ ذَكَرَهُمْ بِاسْمِ الْمَرْأَةِ أَوْ الطِّفْلِ وَنَحْوِهِمَا، وَكَذَلِكَ لَا يَشْهَدُونَ أَنَّهُ قَدْ حَكَمَ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلَا حَكَمَ عَلَيْهِ فُلَانٌ أَوْ الطِّفْلُ أَوْ الْمَجْنُونُ وَهَكَذَا، وَلَا بَأْسَ عَلَيْهِمْ إِنْ قَالُوا: قَدْ وَصَلَ فُلَانًا مِنْ مَالِ فُلَانٍ كَذَا وَكَذَا وَلَا يَدْفَعُهُمْ مَنْ قَصَدُوهُ بِهِ) أَيْ: بِالْحُكْمِ قَوْلًا وَزَجْرًا أَوْ إِنْفَاذَا بِإِدْخَالِهِمْ اليَدَ فِي مَالِهِ لِلْإِعْطَاءِ لِأَنَّ الْحَقَّ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانُوا لَيْسُوا أَهْلًا لِلْحُكْمِ، مِثْلُ أَنْ يَقْبِضُوهُ أَوْ يَجُرُّوهُ لِيَدْفَعَ أَوْ لِلْحَبْسِ فَلْيَحْتَلْ بِالتَّخَلُّص أَوْ يُعْطِ وَلَا يَدْفَعُهُمْ وَلَا يَلْزَمُهُ بِهِ) أَيْ بِحُكْمِهِمْ مَا لَمْ يَلْزَمْهُ قَبْلُ أَيْ قَبْلَ حُكْمِهِمْ، أَيْ: إِنْ امْتَنَعَ عَنْهُمْ وَعَصَاهُمْ أَوْ هَرَبَ عَنْهُمْ أَوْ لَمْ يَرُدَّ لَهُمْ جَوَابًا لَمْ يُحْكُمْ عَلَيْهِ بِالْحَبْسِ وَلَا بِالضَّرْبِ وَلَا يُتْبَعُ بِالضَّرْبِ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى رَبِّ الْجَوَابِ وَلَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِمَّا يُحْكَمُ بِهِ عَلَى مَنْ امْتَنَعَ مِنْ الْقَاضِي أَوْ لَمْ يُرَدَّ لَهُ الْجَوَابَ، وَلَا يَبْرَأُ مِنْهُ وَإِنْ رَأَىهُمْ يَفْعَلُونَ مَا لَا يَجُوزُ فِي مَالٍ أَوْ مَا لَيْسَ عَلَيْهِ فَلَهُ دَفْعُهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ فَلَهُ دَفْعُهُمْ، وَكَلَامُ المُصَنِّفِ إِنَّمَا هُوَ فِيمَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ سَوَاءٌ عَلِمَ هَؤُلَاءِ بِهِ فَقَطْ أَوْ عَلِمُوا هُمْ وَغَيْرُهُمْ. (وَلَزِمَهُ دَفعَهُ لِصَاحِبِهِ بِلَا حُكْمٍ مِنْ هَؤُلَاءِ، وَاللَّائِقُ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ: قَدْ قَبِلْتُ الْحَقَّ فَاذْهَبُوا فَأَنَا أُوَصِلُ الْحَقَّ لِصَاحِبِهِ، أَوْ يُعْطِيهِ لِلْمَرْأَةِ أَوْ مَنْ لَهُ اسْتِخْدَامُهُ وَيُوصِلُهُ، وَلَوْ أَجْبَرَهُ الْقَاضِي أَوْ الْإِمَامُ أَنْ يُعْطِيَهُ لِيُوَصَّل لِصَاحِبِهِ لَزِمَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ وَكَذَا الْجَمَاعَةُ وَلَا يُعْطِيهِ صَاحِبَهُ، وَإِنْ أَعْطَاهُ وَقَدْ قَالُوا لَهُ: أَعْطِنَا بِأَيْدِينَا بَرِئَ، وَإِنَّمَا يَلِي الْقَضَاءَ الْإِمَامُ أَوْ مَنْ يُوَلِيهِ الْإِمَامُ أَوْ نَحْوُهُ، وَفِي الدِّيوَانِ: وَإِنَّمَا يُوَلِّي الْقَضَاءَ إِمَامُ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مَنْ أَذِنَ لَهُ الْإِمَامُ، وَإِنْ جَعَلَهُ أَحَدٌ بِغَيْرِ إِذْنِ الْإِمَامِ فَلَا يَجُوزُ إِلَّا إِنْ جَوَّزَهُ الْإِمَامُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْإِمَامُ فَالْجَمَاعَةُ وَلَا يَجْعَلُهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِلا إِذْنٍ مِنْهُمْ إِلَّا إِنْ وَكَّلُوهُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَيْسَ لِلنِّسَاءِ وَلَا لِلْعَبِيدِ وَلَا لِلْمُشْرِكَيْنِ وَلَا لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أَهْلِ الدَّعْوَةِ وَالْمُخَالِفِينَ أَنْ يُوَلُّوا قَاضِيَّا مِنْهُمْ وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ، وَلَيْسَ لِلْأَطْفَالِ وَالْمُجَانِينِ مِنْ أَمْرِ الْقَصَاءِ شَيْءٌ، (1/47)
صفحة 48
أدب القضاء في الإسلام
47
وَلَا يُوَلُّوا الْقَضَاءَ لِلْمَرْأَةِ، وَلَا لِلْمُشْرِكَيْن، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ، وَالطَّفْلُ، وَالْمَجْنُونُ، وَالْمَحْدُودُ فِي الْقَذْفِ وَالشَّاهِدُ بِالنُّورِ، وَمَرَّ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الشَّأْنِ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ.
49
وَإِنَّمَا شَرَطُوا الذُكُورِيَّةَ لِأَنَّ القَضَاءَ فَرْعُ الْإِمَامَةِ العُظْمَى وَوِلَايَةُ الْمَرْأَةِ لِلْإِمَامَةِ مُمْتَنِعَةٌ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمَرَهُمْ امْرَأَةً فَكَذَا النَّائِبُ عَنْهُ لَا يَكُونُ امْرَأَةً وَمَنْصِبُ الْوِلَايَةِ عَظِيمٌ لَا تَلِيه امْرَأَةٌ وَلَا تُطِيقُهُ وَلِوُجُوبِ سِتْرِ نَفْسِهَا وَزِينَتِهَا فَلَا تَلِيقُ
بذلك. 50
قال العِزُّ بنُ عبد السلام في "قواعد الأحكام": "ولا يليق بالرجال الكاملة أديانهم وعقولهم أن تحكم عليهم النساء؛ لنقصان عقولهن وأديانهن، وفي ذلك كسر لنخوة مع غلبة المفاسد فيما يحكم به النساء على الرجال، وقد قال عليه الصلاة
الرجال
والسلام: لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة. 51
قَالَ الْقَرَافِيُّ في أنوار البروق: "إِعْلَمْ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُقَدَّمَ فِي كُلِ وِلَايَةٍ مَنْ هُوَ أَقْوَمُ بِمَصَالِحِهَا عَلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ، فَيُقَدَّمُ فِي وِلَايَةِ الْحُرُوبِ مَنْ هُوَ أَعْرَفُ بِمَكَائِدِ الْحُرُوبِ وَسِيَاسَةِ الْجُيُوشِ وَالصَّوْلَةِ عَلَى الْأَعْدَاءِ وَالْهَيْبَةِ عَلَيْهِمْ.
وَيُقَدَّمُ فِي الْقَضَاءِ مَنْ هُوَ أَعْرَفُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَأَشَدُّ تَفَطُّنَا لِحِجَاجِ الْخُصُومِ وَخُدَعِهِمْ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "أَقْصَاكُمْ عَلِيٍّ أَيْ هُوَ أَشَدُّ تَفَطَّنَا لِحِجَاج الْخُصُومِ وَخُدَعِ الْمُتَحَاكِمِينَ.
49 - قطب الأئمة محمد بن يوسف اطفيش، شرح النيل وشفاء العليل ج 16 ص 523 فما بعدها. وانظر ديوان الأشياخ كتاب الحكّام مخطوط ص 2 فما بعدها (باب فيمن ينبغي أن يكون قاضيا. 50 شرح النيل ج 13 ص 23 فما بعدها "معرفة أركان القضاء"
-0.
-51 - قواعد الأحكام في مصالح الأنام للإمام العز بن عبدالسلام 210/ 1. (1/48)
صفحة 49
??
أدب القضاء في الإسلام
وَبِهِ يَظْهَرُ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَعْلَمُكُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ ابنُ جَبَلٍ وَإِذَا كَانَ مُعَادٌ عُرِفَ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ كَانَ أَقْضَى النَّاسِ غَيْرَ أَنَّ الْقَضَاءَ لَمَّا كَانَ يَرْجِعُ إِلَى مَعْرِفَةِ الْحِجَاجِ وَالتَّفَطُّنِ لَهَا كَانَ أَمْرًا زَائِدًا عَلَى مَعْرِفَةِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ فَقَدْ يَكُونُ الْإِنْسَانُ شَدِيدَ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَهُوَ يُخْدَعُ بِأَيْسَرِ الشُّيَاتِ، فَالْقَضَاءُ عِبَارَةٌ عَنْ هَذَا التَّفَطُّنِ.
وَلِهَذَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ "إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ يَكُونُ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ الْحَدِيثَ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْقَصَاءَ تَبَعُ الْحِجَاجِ وَأَحْوَالِهَا فَمَنْ كَانَ لَهَا أَشَدَّ تَفَطُّنَّا كَانَ أَقَضَى مِنْ غَيْرِهِ، وَيُقَدَّمُ فِي الْقَصَاءِ وَيُقَدَّمُ فِي أَمَانَةِ الْيَتِيمِ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ بِتَنْمِيَةِ أَمْوَالِ الْيَتَامَى وَتَقْدِيرِ أَمْوَالِ النَّفَقَاتِ وَأَحْوَالَ الْكَوَافِلِ وَالْمُنَاظَرَاتِ عِنْدَ الْحُكَّامِ عَنْ أَمْوَالِ الْأَيْتَامِ، وَيُقَدِّمُ فِي جِبَايَةِ الصَّدَقَاتِ مَنْ هُوَ أَعْرَفُ بِمَقَادِيرِ النُّصْبِ وَأَحْكَامِ الزَّكَاةِ مِنْ الْخُلْطَةِ وَغَيْرِهَا. وَيُقَدَّمُ فِي الصَّلَاةِ مَنْ هُوَ أَعْرَفُ بِأَحْكَامِهَا وَعَوَارِضِ سَهْوِهَا وَاسْتِخْلَافِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ عَوَارِضِهَا وَمَصَالِحِهَا حَتَّى يَكُونَ الْمُقَدَّمُ فِي بَابٍ رُبَّمَا أُخِرَ فِي بَابٍ آخَرَ، كَالنِّسَاءِ مُقَدَّمَاتٍ فِي بَابِ الْحَصَانَةِ عَلَى الرِّجَالِ؛ لِأَنَّهُنَّ أَصْبَرُ عَلَى أَخْلَاقِ الصِبْيَانِ وَأَشَدُّ شَفَقَةً وَرَأْفَةً وَأَقَلُّ أَنَفَةً عَنْ قَاذُورَاتِ الْأَطْفَالِ، وَالرِّجَالُ عَلَى الْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ فَقُدَّمْنَ لِذَلِكَ وَأُخِرَ الرِّجَالُ عَنْهُنَّ، وَأُخِرْنَ فِي الْإِمَامَةِ وَالْحُرُوبِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْمُنَاصِبِ؛ لِأَنَّ الرِّجَالَ أَقوَمُ بِمَصَالِحٍ تِلْكَ الْوِلَايَاتِ مِنْهُنَّ ... 52
52 - القرافي أحمد بن إدريس مالكي المذهب في أنوار البروق في أنواع الفروق (الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالتَّسْعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَنْ يَتَعَيَّنُ تَقْدِيمُهُ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَنْ يَتَعَيَّنُ تَأْخِيرُهُ فِي الْوِلَايَاتِ وَالْمُنَاصِبِ وَالِاسْتِحْقَاقَاتِ الشَّرْعِيَّةِ) ج 2 ص 158 فما بعدها. (1/49)
صفحة 50
أدب القضاء في الإسلام
49
وقال في "الذخيرة": لم يُسمع في عصر من الأعصار أنَّ امرأةً وليت القضاء، فكان ذلك إجماعاً؛ لأنَّه غير سبيل المؤمنين ... "53
02 11
وقال الإمام ابن قدامة ولا تصلح للإمامة العظمى ولا لتولية البلدان، ولهذا لم يُولِ النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحدٌ من خلفائه ولا من بَعدَهم امرأةً قضاءً ولا ولاية بلد فيما بلغنا، ولو جازَ ذلك لَمْ يَخلُ منه الزمانُ غالباً." 4 وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِي أَنَّهُ لَا تُشْتَرَطُ الذُّكُورِيَّةُ فِي الْقَاضِي لِأَنَّ الْمَرْأَةَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُفْتِيَةً، فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ قَاضِيَةً.
و ردَّه ابنُ العربي قائلا: وَنُقِلَ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ إِمَامِ الدِّينِ؛ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ قَاضِيَةً. وَلَمْ يَصِحَ ذَلِكَ عَنْهُ .. " 55
وَ مِن الْوِلَايَاتِ الَّتِي يَصِحُ أَنْ تُسْنَدَ إِلَى الْأُنْثَى: الشَّهَادَةُ وَالْوِصَايَةُ وَنِظَارَةُ الْوَقْفِ. قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: تَصْلُحُ الْمَرْأَةُ نَاظِرَةً لِوَقْفٍ وَوَصِيَّةً لِيَتِيمٍ وَشَاهِدَةً، فَصَحَّ تَقْرِيرُهَا فِي النَّظَرِ وَالشَّهَادَةِ فِي الْأَوْقَافِ. قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: تَصِحُ الْوَصِيَّةُ إِلَى الْمَرْأَةِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ شُرَيْحٍ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالتَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ أَوْصَى إِلَى حَفْصَةَ، وَلِأَنَّهَا مِن أَهْلِ الشَّهَادَةِ فَأَشْهَتْ الرَّجُلَ.
53 - القرافي شهاب الدين أحمد بن إدريس (الذخيرة) ج 10 ص 22.
54 - ابن قدامة المغني (13/ 14):
55 - أنظر أحكام القرآن لابن العربي 6/ 212، والقرطبي / محمد بن أحمد الأنصاري/ التفسير
ج 2 ص 120 دار الشعب. (1/50)
صفحة 51
50
أدب القضاء في الإسلام
قَالَ الْخَطِيبُ الشَّرْبِينِيُّ: أُمُّ الْأَطْفَالِ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهَا مِنْ النِّسَاءِ عِنْدَ اجْتِمَاعِ الشُّرُوطِ لِوُفُورِ شَفَقَتِهَا وَخُرُوجِهَا مِنْ خِلَافِ الْإِصْطَخْرِي، فَإِنَّهُ يَرَى أَنَّهَا تَلِي بَعْدَ الْأَبِ وَالْجَدِ، وَكَذَا هِيَ أَوْلَى مِنْ الرِّجَالِ أَيْضًا لِمَا ذُكِرَ، إِذَا كَانَ فِيهَا مَا فِيهِمْ مِنْ الْكِفَايَةِ وَالِاسْتِرْبَاحِ وَنَحْوِهِمَا، وَإِلَّا فَلَا.
قَالَ الْأَذْرَعِيِّ: وَكَمْ مِنْ مُحِبٍ مُشْفِقٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَحْصِيلِ الْأَرْبَاحِ وَالْمَصَالِحِ التَّامَّةِ لِمَنْ يَلِي أَمْرَهُ ... " هَذَا؛ وَشَهَادَتُهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ تَكُونُ فِي الْأَمْوَالِ وَتَوَابِعِهَا فَقَطَّ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ تَكُونُ فِيمَا عَدَا الْقَوَدَ وَالْحُدُودَ، وَشَهَادَتُهَا عَلَى النِّصْفِ مِنْ شَهَادَةِ الرَّجُلِ لقوله تعالى: {فَإِن
لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ ()
56 - من علماء الشافعية أنظر ص 55.
57 - هذا هو الإطار العام في حكم شهادة المرأة أنها كنصف الرجل مع اشتراط العدالة .. إلا أنَّ الشارع استثنى من ذلك أمورا يمكن قبول شهادتها وحدها دون غيرها وهي كما يلي: -
1 - شهادتها في الرضاع؛ وذلك لعدم إمكان اطلاع الرجال عليه؛ كأن تشهد أنَّ فلانا أرضعته فلانة، وكذا على فعل نفسها في هذا المجال فقولها قبل العقد أنَّها أرضعت فلانا أو فلانة مقبول لنفس العلة. وبعد العقد فعدلتان على الصحيح.
2 - شهادة القابلة في خروج الولد حيا أم ميتا ذكراً أم أنثى، و في إثبات نسبه، وما يتعلق بذلك من أحكام. وذلك لعدم جواز اطلاع الرجال على ذلك، إذ لا يصح أن يلي رجل أجنبيةً منه للتوليد، مطلقا؛ إلا في حالة عدم النساء، مع الخوف على تلف النفس، فذلك جائز لأجل إحياء النفس،
مع وجوب التحرز.
أخرج ابن ابي شيبة في مصنفه عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: مَضَتِ السُّنَّةُ أَنْ تَجُوزَ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُنَّ مِنْ وِلادَاتِ النِّسَاءِ وَعُيُوبِهِنَّ، وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْقَابِلَةِ وَحْدَهَا فِي الإِسْتِهْلاَلِ، وَامْرَأَتَانِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ ابن ابي شيبة/ ح 21098. (1/51)
صفحة 52
أدب القضاء في الإسلام
عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ عَلَى الاسْتِهلال السابق ح 21100، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالُوا: تَجُوزُ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ فِيمَا لاَ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ السابق ح 21102، عَنْ شُرَيْحٍ، أَنَّهُ أَجَازَ شَهَادَةَ قابلة. ح 21104، عَنْ عَلِي، أَنَّهُ أَجَازَ شَهَادَةَ قَابِلَةٍ. ح 21105، عَنْ حَمَّادٍ، قَالَ: تَجُوزُ شَهَادَةُ قَابِلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَقَالَ أَحَدُهُمَا: وَإِنْ كَانَتْ يَهُودِيَّةً. ح 21106، وكذا عند عبد الرزاق في مصنفه.
أما لو شهدت بذلك المَرْأَة شهادةً مُسْتَقِلَّة مِن غير أن تكون قَابِلَةً فإنَّه لَا يُقْبَل قَوْلُها، بل ولو كن عددا كثيرا فشهدن على ذلك فإنه لا يقبل مِنْهُنَّ ذلك دون أن يكون معهن رجل عدل، وإِنَّما قُبِلَ قول القابلة للعلة التي ذكرناها أنفا. شهادتها في حالات النساء التي لا يصح لغير المحرم أن يطلع عليها كمسألة الحيض والنفاس والبكارة وعيوب النساء الباطنة وقياس، جراحاتهن، إذ لا يصح للرجل هنا الاطلاع على ذلك إلا في حالة الضرورة القصوى وعدم وجود النساء؛ وذلك لأجل إنقاذ النفس كما مر. لذا لو شهد الرجل في هذه الأحوال التي ذكرناها لَا تُقبلُ شَهادَتهُ لأَنَّ عمله ذلك في غير حالات الضرورة معصية والمعصية فسق وضلالة والفاسق غير مقبول الشهادة. أنظر: المدونة. ج 3 ص 95 و 102 - 103 و 109 ط الأولى تحقيق باجو، الكندي: المصنف، 75/ 15، والشقصي العلامة المجتهد خميس بن سعيد بن علي بن مسعود بن عبد الله الرستاقي: منهج الطالبين وبلوغ الراغبين 135/ 10، الإمام السالمي: جوابات الإمام السالمي، 140/ 5، البطاشي محمد بن شامس: غاية المأمول 47/ 8، أبو زكريا يحي بن سعيد: الإيضاح في الأحكام، 127/ 1، بيان الشرع 72/ 28، سؤال أهل الذكر 7 رمضان 1424ھ نوفمبر 2003 م
4 - شهادتها وحدها في رفع الولاية بفتح الواو - التي هي الحب في الدِّين - أي أنَّ فلانا أو فلانة وليا موفيا لأوامر الله مجتنبا لمناهيه مستوجبا للولاية. فقد أجاز ذلك بعض أهل العلم. أنظر الاستقامة للعلامة أبي سعيد الكدمي. ج 1 ص 165. النور السالمي المشارق ص 456، والخلف في رفيعة الولاية البيت الحضرمي: الكوكب الدري ج 1 ص 229. ط الأولى.
ه - شهادتها ضرورة فيما لا يوجد فيه رجال البتة على رأي لبعض أهل العلم، ففي النيل وشرحه: (ق) أُخْتُلِفَ (فِي قَوْمٍ خَرَجُوا مِنْ خُصُوصِهِمْ وَتَرَكُوا بِهَا مَرِيضًا مَعَ نِسَاءٍ وَأَطْفَالٍ فَلَمْ يَجِدُوهُ بَعْدَ الرُّجُوع، وَوَجَدُوا قَبْرًا مُحْدَثًا فَأَخْبَرَ ثُهُمُ النِّسَاءُ أَنَّهُ قَبْرُهُ، وَقَدْ مَاتَ فَهَلْ يَصِحُ مَوْتُهُ بِذَلِكَ لِلضَّرُورَةِ وَالتَّصْدِيقِ؟ كَمَا أُجِيزَتْ لِلضَّرُورَةِ شَهَادَةُ بَعْضٍ أَهْلِ الرُّفْقَةِ وَلَوْ غَيْرَ عُدُولٍ، وَكَمَا أُجِيزَتْ شَهَادَةُ النِّسَاءِ وَحْدَهُنَّ فِيمَا لَا يُبَاشِرُ الرَّجُلُ أَوْ لَا لِانْفِرَادِ النِّسَاءِ فَيحْكُمُ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الْغَائِبِ؟ (قَوْلَانِ)
ة (1/52)
صفحة 53
52
أدب القضاء في الإسلام
6
الْأَوَّلُ لِأَبِي هَارُونَ، الجلالمي، وَفِي زَمَانِهِ نَزَلَتْ وَأَفْتَى بِهِ وَالثَّانِي لِغَيْرِهِ مِنْ مَشَايِخِ زَمَانِهِ، وَالَّذِي عِنْدِي أَنْ يَكْشَفَ عَنْهُ إِنْ لَمْ يَمْضِ وَقْتُ يَتَغَيَّرُ فِيهِ، وَجْهُهُ، أَوْ عُضو يُمَيَّزُ بِهِ، وَلَوْ كَانَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَطْفَالٌ مُرَاهِقُونَ لَتَقَوَّتْ شَهَادَةُ النِّسَاءِ بِقَوْلِهِمْ إِنْ وَافَقُوهُنَّ، بَلْ قَدْ أُخْتُلِفَ فِي شَهَادَةِ الْمُرَاهِقِ مُطْلَقًا. انظر شرح النيل ج 13 ص 565 ط/جدة. ومعنى شهادتها في جميع ما ذكر للضرورة؛ أي لا تقبل إلا فيما لا يطلع عليه غيرها للضرورة؛ لعدم إمكان اطلاع غيرها على ذلك، كما مر ذكره مرارا وما كان ضرورة فلا يتعدى إلى ما لا ضرورة فيه، ولا الى التوابع، فإذا انتفت الضرورة رجعت شهادتها شهادة امرأة واحدة لا تتم إلا مع غيرها ولا يحكم بها وحدها، مثال ذلك: إذا اشترى مشترٍ أمَةً على أنها بكر ثم ادعى أنها ثيب وأنكر البائع ثيابتها فشهدت امرأة على أنها ثيب، فلا تقبل شهادتها وحدها اتفاقا للرد بعيب الثيابة؛ لاستحقاق المشتري ردها على البائع لفوات الشرط المعقود عليه أي البكارة وإن قبلت شهادتها في الثيابة والبكارة، حتى تثبت الثيابةُ في توجه الخصومة، فلا تندفع عن البائع قبل القبض إلا بحلفه بالله باعه إياها وما بها هذا العيب الذي يدعيه المشتري، وبعد القبض بالله لقد سلمها بحكم هذا البيع وما بها هذا العيب أو يثبت دعواه بالشهادة المقبولة شرعا بشروطها المعروفة. ولأن الأصل في الصفات الأصلية الوجود، وانكار المشتري قيام البكارة مع تمسك البائع بوجودها فالقول للبائع لأن الأصل وجودها لكونها صفة أصلية. كما أن الأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يصح زواله، وهكذا ... فليتأمل. إضافة لما سبق انظر: ابن أمير حاج التقرير والتحبير 5/ 442 وتيسير التحرير ج 4 محمد أمين. المعروف بأمير بادشاه ص 110 والكليات لأبي البيقاء 1 ص.129 وشرح التلويح للتفتازاني: 2/ 312 وعبيد الله الشريعة التوضيح على التنقيح 2/ 129. وانظر: دية المرأة للباحث.
بن مسعود المحبوبي البخاري الحنفي ج 2 ص 311. وابن تاج
أما مسألة اللعان فهي خارجة عن الشهادة؛ إذ هي يمين على إنكار الدعوى؛ وذلك لعدم وجود
البينة العادلة.
مع الزوج في حال رميه إياها بالزنا، والأصل فيها أن تكون يمينا واحدة في غير الزنى
وإنما ضاعفها الشارع الحكيم في دعوى الزنى لعظم الأمر وخطورته. فانظرها من مظانها. (1/53)
صفحة 54
أدب القضاء في الإسلام
وَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهَا دُونَ الرِّجَالِ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ.
58
53
فقد روي عنه عليه السلام أنه قَالَ: شَهَادَةُ النِّسَاءِ جَائِزَةُ، فِيمَا لَا يَسْتَطِيعُ الرِّجَالُ النَّظَرَ إِلَيْهِ" وهو من حيث المعنى صحيح إلا أن في ثبوته مرفوعا كلام
قال الزيلعي في نصب الراية ج 4 ص 80. قلت: غَرِيبٌ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنِّفِهِ أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ شهاب عن الزُّهْرِيِّ، قَالَ: مَضَتْ السُّنَّةُ أَنْ تَجُوزَ
وأما شهادتها في الحدود فباتفاق أهل العلم قديما وحديثا أنَّ شهادتها في الحدود غير مقبولة ولو كانت مع رجال، إذ يشترط في الحدود شهادة الرجال العدول وحدهم، ولو كانت أتقى من الرجال في ظاهر الأمر ففي الحدود غير مقبولة. أخرج ابن أبي شيبة، من طريق الزهري في (شهادة النساء) "مَضَتِ السُّنَّةُ من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم والخَلِيفَتَيْنِ مِنْ بَعدِه أَلَّا تَجوزُ شَهادَةُ النِّسَاءِ فِي الحُدُود والقصاص" وَرَوَى عبد الرَّزَّاقِ من طَرِيق الحكم بن عتيبة أن عليا قَالَ ذَلِك.
وَأَخْرَجَ عَنْ الشَّعْبِي، وَالنَّخَعِي، وَالْحَسَنِ، وَالصَّحَاكِ، قَالُوا: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ، وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ أَخْبَرَنَا الحَسَنُ بنُ عِمارَةَ بنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ وَالدِّمَاءِ انْتَهى. انظر: الزيلعي نصب الراية ج 4 ص 79. والقطب تيسير التفسير ج 1 ت قوله تعالى: " فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلُّ إِحْدَنَهُمَا فَتُذَكَرَ إِحْدَنَهُمَا الأُخْرَى " الآية 282 من سورة البقرة.
والكدمي أبوسعيد الاستقامة ج 1 ص 164 فما بعدها مرجع سابق وقيل بجوازها مع الرجال فيما عدا الزنا. انظر: منهج الطالبين "القول الخامس في شهادة النساء" ج 5 ص 542 ن مكتبة مسقط 10 مجلدات. 58 - انظر: ابن عابدين محمد أمين بن عمر المتوفى: 1252 هـ) حاشية رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار 4/ 372، والمغني لابن قدامة 9 ص 151 - 156، والفواكه الداوني 2/ 304،
و محمد الخطيب الشربيني مغني المحتاج / ج 3/ 75. وقد سبق في التعليق الذي قبل هذا بيان ما
تستقل فيه المرأة من الشهادة فلا حاجة للإعادة. (1/54)
صفحة 55
أدب القضاء في الإسلام
شَهَادَةُ النِّسَاءِ، فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُنَّ مِنْ وِلَادَاتِ النِّسَاءِ، وَعُيُوبِهِنَّ، انْتَهَى وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، بزيادة "وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْقَابِلَةِ وَحْدَهَا فِي الإِسْتِهْلالِ، وَامْرَأَتَانِ فِيمَا سِوَى
ذَلِكَ." 59
وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَيْضًا أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي سَبْرَةَ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ وَحْدَهُنَّ، إِلَّا عَلَى مَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إِلَّا هُنَّ، مِنْ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ، وَمَا يُشْبِهُ ذَلِكَ، مِنْ حَمْلِهِنَّ وَحَيْضِهِنَّ، قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: وَأَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَنْبَأَ أَبُو بَكْرِ ابْنُ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ مَوْلَاهُمْ حَدَّثَهُمْ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ هَذَا، قَالَ: وَحَدَّثَنِي عَنْ أَبِي النَّصْرِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَ هَذَا، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عن عُتْبَةَ مِثْلَهُ، انْتَهَى.
وَالْوِلَايَة أيضا في مَالِ الصَّغِيرِ تَكُونُ لِلذُّكُورِ؛ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ ثَبَتَت
بِالشَّرِعِ؛ فَلَمْ تَثبُت لِلأُنثَى؛ لَكِن يَجُوزُ أَنْ يُوصِيَ إِلَهَا؛ فَتَصِيرَ وَصِيَّةً بِالْإِيصَاءِ. وَفِي رَأَي الْإِصْطَخْرِيَ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصَحِ عِنْدَهُم، وَقَوْلُ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى، وَابْنِ تَيْمِيَّةَ مِنْ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّ الْأُمَّ تَكُونُ لَهَا الْوِلَايَةُ بَعْدَ الْأَبِ وَالْجَدِّ؛ لِأَنَّهَا أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ، وَأَكْثَرُ شَفَقَةً عَلَى الِابْنِ.
7.
59 - انظر ابن ابي شيبة كتاب البيوع والأقضية: باب ما تجوز فيه شهادة النساء، الأحاديث 21107 - 21098 والضياء سلمة بن مسلم العوتبي ج (127/ 8 فما بعدها. والكوكب الدري: عبد الله الحضرمي ج 1/ 137 ومنهج الطالبين وبلاغ الراغبين خميس بن سعيد الرستاقي 10/ 25 و 133 و 81/ 17 ط التراث وموسوعة آثار الإمام جابر بن زيد لإبراهيم بولرواح ج 2 ص 1031. والخراساني: المدونة الكبرى، ج 02، ص 230. والمدونة الصغري، ج 1، ص 317.
60 - الموسوعة الفقهية ج 7 ص 93. (1/55)
صفحة 56
أدب القضاء في الإسلام
°°
وَلَا وِلايَةَ لِلأُنثَى كَذَلِكَ فِي النِّكَاحِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ؛ لأنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَمْلِكُ تَزُويجَ نَفْسِهَا
وَلَا غَيْرِهَا؛ لِقَوْل النَّبِيِّ: لا تُنْكِحُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ، وَلَا الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا.61
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ وَالْحَسَنِ بنِ زِيَادِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرّوَايَةِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّ الْمَرْأَةَ يَجُوزُ أَنْ تُزَوَّجَ نَفْسَهَا، وَأَنْ تُزَوّجَ غَيْرَهَا بِالْوِلَآيَاتِ أَوِ الْوَكَالَةِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَا جُنَاحَ
عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ مِن مَعْرُوفِ) سورة البقرة آية: 240.
فَأَضَافَ النِّكَاحَ وَالْفِعْل إِلَيْهِنَّ، وَذَلِكَ يَدُل عَلَى صِحَّةِ عِبَارَتِهِنَّ وَنَفَاذِهَا؛ لِأَنَّهُ أَصَافَهُ إِلَيْهِنَّ عَلَى سَبِيلِ الإِسْتِقْلال، إِذْ لَمْ يَذْكُرْ مَعَهَا غَيْرَهَا.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ امْرَأَةً زَوَّجَت بِنتَهَا بِرِضَاهَا، فَجَاءَ الْأَوْلِيَاءُ وَخَاصَمُوهَا إِلَى عَلِيَّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَأَجَازَ النِّكَاحَ وَهَذَا دَلِيلِ الاِنْعِقَادِ بِعِبَارَةِ النِّسَاءِ، وَأَنَّهُ أَجَازَ النِّكَاحَ بِغَيْرِ وَلِي لأَنَّهُمْ كَانُوا غَائِبِينَ؛ لأَنَّهَا تَصَرَّفَتْ فِي خَالِصٍ حَقِّهَا، وَلاَ ضَرَرَ فِيهِ لِغَيْرِهَا، فَيَنْفُذُ، كَتَصَرُّفِهَا فِي مَالِهَا، وَالْوِلَايَةُ فِي النِّكَاحِ أَسْرَعُ ثُبُوتًا مِنْهَا فِي الْمَالَ؛ وَلَأَنَّ النِّكَاحَ خَالِصُ حَقِّهَا، حَتَّى يُجْبَرَ الْوَلِيُّ عَلَيْهِ عِنْدَ طَلَبِهَا، وَهِيَ أَهْلُ لاِسْتِيفَاءِ حُقُوقِهَا. 62
وفي الموسوعة أيضا: لَا يَصِحُ قَضَاءُ الْمَرْأَةِ: لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: " لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً وَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهَا، لِأَنَّ التَّنْفِيذَ فَرْعُ صِحَّةِ الْحُكْمِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْأَئِمَّةُ: مَالِكٌ،
61 - أخرجه الدار قطني ج 3/ 277، ط دار المحاسن.
62 - الموسوعة المرجع السابق. وانظر: ابن عابدين الحاشية مرجع سابق 311/ 1 - 312، والاختيار /91 - 90، ومنح الجليل 24/ 2، ومغني المحتاج 2/ 173، ونهاية المحتاج 4/ 363، والمهذب 1 /
335، و 2/ 36، والمقنع 2/ 141، ونيل المآرب 1/ 400، 401، والمغني 6/ 465. (1/56)
صفحة 57
وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ.
63
أدب القضاء في الإسلام
وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: يَجُوزُ قَضَاءُ المَرْأَةِ، فِيمَا تجُوزُ فِيهِ شَهَادَتُهَا، وَهِيَ مَا عَدَا الْقَوَدِ، وَالْحَدِ، فَإِذَا حَكَمَتْ بَيْنَ خَصْمَيْنِ، فَقَصَتْ قَضَاءً مُوَافِقًا لِدِينِ اللَّهِ يَنْفُذُ.
وَإِذَا حَكَمَتْ فِي حَدٍ أَوْ قَوَدٍ، فَرُفِعَ إِلَى قَاضٍ آخَرَ يَرَى جَوَازَهُ فَأَمْضَاهُ فَلَيْسَ لِغَيْرِهِ إِبْطَالُهُ.
وَأَفْتَى بَعْضُ مُتَأَخِرِي الشَّافِعِيَّةِ، إِذَا ابْتُلِيَ النَّاسُ بِوِلَايَةِ امْرَأَةٍ، نَفَذَ قَضَاؤُهَا لِلضَّرُورَةِ
64
قلتُ: لا دليل فيه على القول بجواز تولي المرأة منصب القضاء؛ عند الحنفية أيضا، إذ: الثابت عن الحنفية في كتبهم المعتبرة لا يجوز أن تلي المرأة القضاء وأثِمَ مُولّيها له، وإنما قالوا: بمضي حكمها إن حكمت، أو حكمها الخصمان ووافق حكمها الحقّ، مع إثم المولّي لها؛ لوضع منصب القضاء في غير محله، ومخالفته الثابت بالسنة واتفاقِ جمهور العلماء، ومعنى "يجوز" يمضي، أي يمضي حكمها إن حكمت ووافق حكمها الحق، فلا يحكم ببطلانه، فظهر عند كثيرين الخلط بين توليها لمنصب القضاء وبين مضي حكمها إن حكمت ونسبوا للحنفية مالم يقولوا به، بينما الجمهور من غيرهم يقولون بعدم مضي حكمها؛ لصدوره من غير أهله، نظرا منهم أنها ممنوعة من تولي
63 - انظر حاشية الدسوقي 1294، وتحفة المحتاج 311/ 8، ونهاية المحتاج 8 ص 240 وكشاف القناع 2946. وقد سبق الكلام على أن القول بعدم الصحة أيضا هو: رأي أهل الحق والاستقامة والشيعة الأمامية. 64 - الموسوعة الفقهية بعنوان " تَنْفِيذُ حُكْمِ الْمَرْأَةِ " ج 14 ص 74 وانظر ابن عابدين 356/ 4، وفتح القدير 391/ 6 ط إحياء التراث. ونهاية المحتاج مع الحاشية 8/ 240. (1/57)
صفحة 58
أدب القضاء في الإسلام
Ov
هذا المنصب فإن حكمت فحكمها مردود؛ لأنه مبني على باطل" وما بني على باطل فهو باطل" وهذه قاعدة فقهية معتبرة عند الفقهاء، ولها استثناءاتها.
فالحنفية يختلفون مع الجمهور في هذه النقطة فقط، وإليك نماذج من مؤلفاتهم. قال الشيخ زادة: "وَيَجُوزُ قَضَاءُ الْمَرْأَةِ فِي جَمِيعِ الْحُقُوقِ لِكَوْنِهَا مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ لَكِنْ أَثِمَ الْمُوَلّي لَهَا لِلْحَدِيثِ لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةَ فِي غَيْرِ حَدٍ وَقَوَدٍ إِذْ لَا يَجْرِي فِيهَا شَهَادَتُهَا وَكَذَا قَصَاؤُهَا فِي ظَاهِرِ الرّوَايَةِ فَلَوْ قَضَتْ فِي حَدٍ وَقَوَدٍ فَرُفِعَ إِلَى قَاضِ آخَرَ فَأَمْضَاهُ لَيْسَ لِغَيْرِهِ أَنْ يُبْطِلَهُ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ، وَأَمَّا قَضَاءُ الْخُنْثَى فَيَصِحُ بِالْأَوْلَى وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَ فِي الْحُدُودِ وَالْقَوَدِ لِسُهَةِ الْأُنُوثَةِ كَمَا فِي الْبَحْرِ 65
6
قال ابن الهمام الحنفي؛ في فتح القدير بعد الكلام على قضاء المرأة موضحا معنى ذلك: وَالْجَوَابُ: أَنَّ مَا ذَكَرَ؛ غَايَةُ مَا يُفِيدُ مَنْعَ أَنْ تُسْتَقْضَى وَعَدَمَ حِلِّهِ، وَالْكَلَامُ فِيمَا لَوْ وُلِيَتْ - وَأَثِمَ الْمُقَلِدُ بِذَلِكَ - أَوْ حَكَمَهَا خَصْمَانِ فَقَضَتْ قَضَاءً مُوَافِقًا لِدِينِ اللَّهِ؛ أَكَانَ يَنْفُذُ أَمْ لَا؟
لَمْ يَنْتَهضِ الدَّلِيلُ عَلَى نَفْيِهِ بَعْدَ مُوَافَقَتِهِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، لَا أَنْ يَثْبُتَ شَرْعًا سَلْب أَهْلِيَّهَا، وَلَيْسَ فِي الشَّرْعِ سِوَى نُقْصَانِ عَقْلِهَا، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إِلَى حَدِ سَلْبٍ وَلَايَتِهَا بِالْكُلِيَّةِ. أَلَا تَرَى أَنَّهَا تَصْلُحُ شَاهِدَةً وَنَاظِرَةً فِي الْأَوْقَافِ وَوَصِيَّةً عَلَى الْيَتَامَى، وَذَلِكَ
النُّقْصَانُ بِالنِّسْبَةِ وَالْإِضَافَةِ، ثُمَّ هُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى الْجِنْسِ فَجَازَ فِي الْفَرْدِ خِلَافَهُ. أَلَا تَرَى إِلَى تَصْرِيحِهِمْ بِصِدْقٍ قَوْلِنَا: الرَّجُلُ خَيْرٌ مِنْ الْمَرْأَةِ مَعَ جَوَازِ كَوْنِ بَعْضٍ أَفْرَادِ النِّسَاءِ خَيْرًا مِنْ بَعْضِ أَفْرَادِ الرِّجَالِ، وَلِذَلِكَ النَّقْصِ الْغَرِيزِيِّ نَسَبَ لِمَنْ يُوَلِهِنَّ عَدَمَ الْفَلَاحِ، فَكَانَ الْحَدِيثُ مُتَعَرِّضًا لِلْمُوَلّينَ وَلَهُنَّ بِنَقْصِ الْحَالِ، وَهَذَا حَقٌّ؛
65 - ملتقى الأبحر للشيخ زادة الحنفي ج 2 "فصل في قضاء المرأة." (1/58)
صفحة 59
58
أدب القضاء في الإسلام
لَكِنَّ الْكَلَامَ فِيمَا لَوْ وُلِيَتْ فَقَصَتْ بِالْحَقِّ لِمَاذَا يَبْطُلُ ذَلِكَ الْحَقُّ. وممن قال بمضي حكمها - إن حكمت بحكم موافق للحق - بعضُ متأخري الشافعية، ففي فتاوى الرملي: يَنْفُذُ قَضَاءُ الْمَرْأَةِ كَمَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ 67 أما الشيعة الأمامية فلا ينعقد عندهم قضاؤها، قال الهذلي: وَلَا يَنْعَقِدُ القَضَاءُ لِلْمَرْأَةِ، وَإِن استكملت الشَّرَائِط.
هذا والحاصل أن ثَمَّةَ خلطا بين تولية المرأة ولاية القضاء وبين مضيّ قضائها إن قضت فوافق الحق، وأنَّ شرط الذكورة في تولي منصب القضاء فيه ثلاثة آراء الأول مذهب الجمهور: أنَّ شرط الذكورة شرط صحة فلا يصح تولية المرأة القضاء؛ وإذا وليت أثم موليها وبطل قضاؤها. الثاني أنه ليس شرطا، وهو مذهب ابن جرير الطبري - إن صح عنه -، وابن القاسم من المالكية، والظاهرية؛ مطلق عند الطبري والظاهرية، ومقيَّد بالأموال وما لا يطلع
69
عليه الرجال كالولادة واستهلال المولود وعيوب النساء الباطنة عند ابن القاسم. الثالث: أنَّه شرط كمال لا شرط صحة؛ فإن ولاها ولي الأمر أثم بتوليته إياها، فإن قضت بناءً على هذه التولية أو تحكيم الخصمين لها في نزاع خاص بهما ووافق الحق نفذ قضاؤها؛ في غير حد ولا قصاص؛ وهو مذهب الأحناف عدا زفر.
66 - فتح القدير للكمال ابن الهمام الحنفي ج 7 ص 298. وانظر نفس الكتاب شرح الفتح منها: العناية شرح الهداية للبابرتي الحنفي ج 7 ص 292
67 - انظر فتاوى الرملي ج 4 ولاية المرأة والكافر. شافعي
68 - شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام لجعفر بن الحسن الهذلي إمامي المذهب ج 4
ص 60
69 - قلت: "إن صح " لما سيأتي عن ابن العربي أنه لم يصح ذلك عن الطبري، كما لم يصح الأثر المنسوب إلى أمير المؤمنين عمر وإنما هو من دسائس المبتدعة. انظر ص 61 - 62. (1/59)
صفحة 60
أدب القضاء في الإسلام
09
فيتضح من هذا أنَّ الأحناف يوافقون الجمهور؛ في عدم جواز تولي المرأة منصب القضاء، ويقولون بإثم من ولاها، ويخالفونهم في أثر ذلك، فالجمهور يقولون: ببطلان قضائها مطلقا إن قضت والأحناف لا يقولون بذلك؛ وإنما يقولون بصحة حكمها إنْ حکمت ووافق حكمها الحق، وهو صريح ما في كتبهم إذ يصرحون بإثم من ولاها وصحة قضائها الموافق للحق، كما تقدم عن الكمال ابن الهمام الحنفي وغيره، في فتح القدير وشروحه و الشيخ زادة الحنفي في ملتقى الأبحر
"1
و حديثُ أَبِي بَكْرَةَ المتقدم قَالَ: لَقَدْ نَفَعَنِي اللَّهُ بِكَلِمَةٍ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَيَّامَ الْجَمَلِ، بَعْدَ مَا كِدْتُ أَنْ أَلْحَقَ بِأَصْحَابِ الْجَمَلِ فَأُقَاتِلَ مَعَهُمْ. قَالَ: لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّ أَهْلَ فَارِسَ قَدْ مَلَكُوا عَلَيْهِمْ بِنْتَ كِسْرَى قَالَ: لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً صحيح سنداً ومتناً لا إشكال فيه وقد سبق تخريجه. (1/60)
صفحة 61
يجوز
أدب القضاء في الإسلام
قالت لجنة الفتوى بالأزهر الشريف ما نصه: "إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقصد بهذا الحديث مجرَّدَ الإخبار عن عدم فلاح القوم الذين يولون المرأة أمرهم؛ لأن وظيفته بيان ما لأمته أن تفعله حتى تصل إلى الخير والفلاح، وما لا يجوز لها أن تفعله حتى تسلم من الشر والخسار، وإنما يقصد نهي أمته عن مجاراة الفُرْسِ في إسناد شيء من الأمور العامة إلى المرأة، وقد ساق ذلك بأسلوب من شأنه أن يبعث القوم الحريصين على فلاحهم وانتظام شملهم على الامتثال، وهو أسلوب القطع بأنَّ عدم الفلاح ملازم لتولية المرأة أمراً من أمورهم، ولاشك أنَّ النهي المستفاد من الحديث يمنع كل امرأة - في أي عصر من العصور - أن تتولى أي شيء من الولايات العامة. هذا الحكم المستفاد من هذا الحديث، وهو منع المرأة من الولايات العامة ليس حكماً تعبدياً فقط، يقصد مجرد امتثاله دون أن تُعلم حكمته، وإنما هو من الأحكام المعللة بمعان واعتباراتٍ لا يجهلها الواقفون على الفروق الطبيعية بين نوعي الإنسان - الرجل والمرأة، ذلك أنَّ هذا الحكم لم ينط بشيء وراء الأنوثة التي جاءت كلمة (امرأة) في الحديث عنواناً لها، وإذَنْ فالأنوثة وحدها هي العلة، وواضح أن الأنوثة ليس من مقتضاها عدم العلم والمعرفة ولا عدم الذكاء والفطنة حتى يكون شيء من ذلك هو العلة؛ لأن الواقع يدل على أن للمرأة علماً وقدرةً على أن تتعلم كالرجل، وعلى أنَّ لها ذكاءًا وفطنة كالرجل بل قد تفوق إحداهن الرجل في العلم والذكاء والفهم، فلابد أن يكون الموجب لهذا الحكم شيء وراء ذلك كله.
و
6
إنَّ المرأة بمقتضى الخلق والتكوين مطبوعة على غرائز تناسب المهمة التي خلقت لأجلها، وهي مهمة الأمومة وحضانة النشء وتربيته، وهذه قد تجعلها ذات تأثر خاص بدواعي العاطفة، وهي مع هذا تعرض لها عوارض طبيعية، تتكرر عليها في الأشهر والأعوام، من شأنها أن تضعف قوتها المعنوية، وتوهن من عزيمتها في تكوين الرأي (1/61)
صفحة 62
أدب القضاء في الإسلام
والتمسك به، والقدرة على الكفاح والمقاومة في سبيله، وهذا شأن لا تنكره المرأة من نفسها، ولا تعوزنا الأمثلة الواقعية التي تدل على أنَّ شدة الانفعال والميل مع
العاطفة من
V.
خصائص المرأة في جميع أطوارها وعصورها. اهـ. يتبين مما سبق أنَّ الأمة متفقة على منع المرأة من تولي منصب الإمامة على جميع المسلمين أو بعضهم، ولم يخالف في ذلك أحد من علماء المسلمين في كل عصورهم. و النبي وخلفاؤه الراشدون ومن بعدهم لم يولوا امرأة قضاءً ولا ولايةً، ولو جاز ذلك لم يخل منه جميع الزمان غالباً.
قال البغوي: إتفقوا على أنَّ المرأة لا تصلح أن تكون إماماً ولا قاضياً، لأن الإمام يحتاج إلى الخروج لإقامة أمر الجهاد والقيام بأمور المسلمين والقاضي يحتاج إلى البروز لفصل الخصومات، والمرأة عورة لا تصلح للبروز، وتعجز لضعفها عند القيام بأكثر الأمور، ولأنَّ المرأة ناقصة، والإمامة والقضاء من كمال الولايات، فلا يصلح لها إلا
71
الكامل. 71
وقال الصنعاني: " فيه دليل على أنَّ المرأة ليست من أهل الولايات، ولا يَحِلُّ لقومها توليتها، لأنَّ تجنُّب الأمر الموجب لعدم الفلاح واجب.
72
70 - انظر: مجلة رسالة الإسلام السنة الرابعة العدد الثالث يوليو/1952 م شوال سنة
1371 هـ / ومجلة العربي سبتمبر 1970 م ص 32.
6
71 - شرح السنة للإمام البغوي الحسين بن مسعود البغوي ج 10/ 77.
72 - محمد بن إسماعيل الصنعاني سبل السلام شرح بلوغ المرام من جمع أدلة الأحكام
ج 4/ 1496. (1/62)
صفحة 63
62
أدب القضاء في الإسلام
عن هذا
إنَّ من قال بجواز أن تلي المرأةُ القضاء أو شيئاً من الولايات العامة شنَّ الإجماع، ولا عبرة بالشاذ، فلا يعتد بقوله، ولا ينظر إلى رأيه، وما نقلوه عن الأئمة الأعلام كالطبري وغيره إما أنَّه لا يصح عنه أبدا كما سبق كلام ابن العربي عليه أو أنه أراد خصوصيته بأمور المرأة وما تصح شهادتها فيه.
قال القاضي أبو بكر بن العربي في أحكام القرآن رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ حِينَ بَلَغَهُ أَنَّ كِسْرَى لَما مَاتَ وَلَّى قَوْمُهُ ابنتَهُ: لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً. وَهَذَا نَصُّ فِي أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَكُونُ خَلِيفَةً، وَلَا خِلَافَ فِيهِ.
وَنُقِلَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيّ إمَامِ الدِّينِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ قَاضِيَةً؛ وَلَمْ يَصِحَ ذَلِكَ عَنْهُ؛ وَلَعَلَّهُ كَمَا نُقِلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا إِنَّمَا تَقْضِي فِيمَا تَشْهَدُ فِيهِ، وَلَيْسَ بِأَنْ تَكُونَ قَاضِيَةً عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَلَا بِأَنْ يُكْتَبَ لَهَا مَنْشُورٌ بِأَنَّ فُلَانَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْحُكْمِ إِلَّا فِي الدِّمَاءِ وَالنِّكَاحِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ كَسَبِيلِ التَّحْكِيمِ أَوْ الِاسْتِبَانَةِ فِي الْقَضِيَّةِ الْوَاحِدَةِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً. وَهَذَا هُوَ الظَّنُّ بِأَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ
جرير
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ قَدَّمَ امْرَأَةً عَلَى حِسْبَةِ السُّوقِ، وَلَمْ يَصِحَ؛ فَلَا تَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ دَسَائِسِ الْمُبْتَدِعَةِ فِي الْأَحَادِيثِ.73
73 - ابن العربي أحكام القرآن ج (6/ 212) والمرأة المروي عن عمر الله أنَّه قدمها هي: الشَّفَاءُ بكسر الشين المعجمة وتخفيف الفاء بنت عبد الله بن عبد شمس بن خلف بن صداد - وقيل: ضرار - بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب القرشية العدوية - أم سليمان- من المبايعات. قيل: اسمها ليلى والشفاء لقها، أسلمت قبل الهجرة، وبايعت، وهي من المهاجرات الأول، وكانت من عقلاء النساء وفضلائهن، وكان الله يزورها في بيتها، ويقيل عندها واتخذت له فراشا وإزارا ينام فيه فلم يزل ذلك عند ولدها حتى أخذه منهم مروان بن الحكم، وقال لها علمي حفصة رقية (1/63)
صفحة 64
أدب القضاء في الإسلام
63
وممن تخبط في هذا الأمر الغزالي في كتابه "مستقبل "الإسلام" ص 56" قال: إذا تولت المرأة القضاء، وأحيت ما مات من أمر الله فالإسلام يرحب بالمرأة قاضية" وقال رداً على من أنكر عليه ذلك: إنك ممن يكرهون النساء اتباعا لتقاليد أضرت الإسلام وما نفعته." وكذا في "مائة سؤال حول الإسلام" ج 262/ 2.
النملة وأعطاها دارا عند الحكاكين بالمدينة فنزلتها مع ابنها سليمان وكان عمر يقدمها في الرأي ويرعاها ويفضلها، وربما ولاها شيئا من أمر السوق. انظر: شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك، محمد بن عبد الباقي بن يوسف الزرقاني ج 1 ص 387. وذكر ذلك أبو عمر بن عبد البر ونقل نحوه ابن حزم في المحلى ولكنَّ الزرقاني أشار إلى أنَّ مَن ولّي هو ولدها سليمان بن أبي حثمة، قال: "وقال (أبو عمر: رحل مع أمه إلى المدينة وكان من فضلاء المسلمين وصالحيهم واستعمله عمر على السوق وجمع الناس عليه في قيام رمضان"، وكلام الزرقاني هو الذي نص عليه ابن عبد البر كما في الاستيعاب، وقد نقله الحافظ ابن حجر في الإصابة، وقال: " قلت هذا كله كلام مصعب الزبيري، وذكره عنه الزبير ابن بكار". وأوَّله بعضهم فيما يختص بما يحتاج الرجال دخول النساء فيه فكانت تساعده في ذلك والله أعلم. انظر الزركلي الأعلام ج 3 ص 168، وانظر ترجمتها في الإصابة حرف الشين، وتهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني 12 ص 379.
فخَبَرُ ولايتها شيئا من أمر السوق روي بصيغة التمريض، ولم يصرح فيه بالحسبة، وهو ما أنكره أولادها. قال الحافظ ابن عساكر في " تاريخ دمشق وكانت الشفاء بنت عبد الله أم سليمان بن أبي حثمة من المبايعات، ولها دار بالمدينة بالحكاكين، ويقال: إن عمر بن الخطاب استعملها على السوق، وولدها ينكرون ذلك ويغضبون منه. تاريخ دمشق ج 22 ص 216.
و إنما الذي استعمله عمر على السوق هو ابنها سليمان؛ ففي " تاريخ دمشق " لابن عساكر قال: " .. كان سليمان بن أبي حثمة من صالحي المسلمين واستعمله عمر بن الخطاب على سوق المدينة. أهـ ج 22 ص 215.
"وكان سليمان من صالحي المسلمين، واستعمله عمر بن الخطاب على سوق المدينة. مختصر
تاريخ دمشق ج 3/ 371 (1/64)
صفحة 65
أدب القضاء في الإسلام
إلا أنَّ الغزالي يرد على نفسه بنفسه فيقول في كتاب "من هنا نعلم" ص 160:- "أما موقف الإسلام من تولي المرأة القضاء ومن توليها المناصب العامة فمعروف: أ- إنَّ الإسلام في القضايا المدنية اعتبر شهادة المرأة نصف شهادة الرجل، 74. ورفض قبول شهادتها منفردة، ورفض قبول شهادتها في قضايا الحدود وأشباهها مطلقا، فكيف يقبل قضاؤها فيما ترفض فيه شهادتها؟!
ب- والقضاء منصب له جلاله وللقاضي على الناس ولاية عامة وسلطان واسع فإذا كان الإسلام يجعل الرجل قوّاما على المرأة في البيت وهو المجتمع الصغير فكيف يجعل المرأة قوّامة على الرجل في المجتمع الكبير؟! لاشك أن للمرأة حقها كاملا غير منقوص في تدبير شأنها وإنفاق ما لها واختيار رجلها وحريتها في أحوالها الخاصة كحرية الرجل، بيد أن القضايا المتصلة بكيان الأمم ومصالح الجماهير لها وضع آخر ينزل استعداد المرأة دونه. ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه أنَّ الفُرْسَ ملَّكوا عليهم امرأة: " لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة. " اهـ / 75 وفي هذا المعنى قول الرسول في الحديث الصحيح إن الدنيا حلوة خضرة، وإنَّ الله مستخلفكم فيها، فناظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء. "76
74 - هذا هو الإطار العام في حكم شهادة المرأة أنها كنصف الرجل .. إلا أنَّ الشارع استثنى من ذلك أمورا يمكن قبول شهادها وحدها دون غيرها وتقدم بيان ذلك ص 50 فما بعدها.
75 - محمد الغزالي "من هنا نعلم / دار نهضة مصر الطبعة: الأولي ص 160 - 162. 76 - الحميدي الجمع بين الصحيحين البخاري ومسلم ج 358/ 2 ح 1836، والسنن الكبرى للبيهقي المذيل بالجوهر النقي ج 7/ 91 13906. والسنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 400 ح
9269 (1/65)
صفحة 66
أدب القضاء في الإسلام
وقوله وهو أيضاً في الحديث الصحيح: "ما تركت بعدي فتنةً أضرَّ على الرجال من
النساء." 77
وقد يفهم الحاقدون على الإسلام أنه يحتقر المرأة ويقلل من حقوقها، وهذا فهم خطير؛ فإنَّ الإسلام ما أراد بذلك إلا شرف المرأة وصون كرامتها وعفتها، والمحافظة على كيانها، لا كما يفعل أعداء الإسلام، حيث يعتبرونها سلعة تباع في الأسواق، بل أسوأ من كيسة البصل التي تباع في السوق، ومن علبة الزجائر التي أفسدت العالم بأسره، وأهلكت الطارف والتليد بل لم يحافظوا عليها محافظتهم على قططهم وكلابهم، فقدموا عليها القطط والكلاب واستعملوها في أسوأ من ذلك، استعملوها للترويج التجاري والسياحي، وفي كل فلم مسرحي وسينمائي، وفي كل سلعة يروجون بها تجارتهم الخاسرة، وأخرجوها عارية دون حياء ولا كرامة، فأي إساءة أعظم على المرأة من ذلك؟!!!.
أما الإسلام الحنيف قفد أوجب لها العزَّةَ والكرامة والعفة والستر والعفاف، وأنزل في كتابه العزيز آيات تتلى إلى الأبد، وفي سنة رسول الله الله الكثير الكثير، أدبا وردعا لكل من تُسوّل له نفسه النيل من كرامة المرأة، وعفتها وأوجب على الرجل رغم أنفه القيام بجميع ما تتطلَّبه المرأة في جميع شؤون حياتها، والمحافظة عليها، ولم يكل على المرأة من ذلك شيئا، سوى المحافظة على نفسها ودينها وبيتها، والأمثلة على ذلك كثيرة لا تخفى على متأمل.
77 - أخرجه البخاري في: 67 كتاب النكاح: 17 باب ما يتقى من شؤم المرأة والبيهقي السنن الكبرى وفي ذيله الجوهر النقي ج 91/ 17 ح 13905، السنن الكبرى للنسائي ج 5/ 364 ح 9153 و أخرجه مسلم في الذكر والدعاء والتوبة. (الرقاق) باب أكثر أهل الجنة الفقراء، ح رقم 2740. (1/66)
صفحة 67
أدب القضاء في الإسلام
وبذلك أرادَ لها الحق سبحانه وتعالى ورسوله المعصوم لا أن تكون المرأة في أعلى الدرجات عند الله ورسوله والخلائق أجمعين؛ فإنَّ المجال مجال تشريع والواجب البيان إن دعت الحاجة إليه؛ بل لا يصح تأخيرُ البيان عن وقت الحاجة، وتعالى الله جل جلاله وتقدست أسماؤه، وتنزهت صفاته، وحاشا رسول صلى الله عليه وسلم عن تنقيص المرأة؛ وإلا فكما أنَّ للرجُل مناقب ومزايا عظيمةً فكذلك المرأة لها من المناقب والمزايا مالا يُحصى، وقد امتدحها الله عز وجل في كتابه وأثنى عليها الحق سبحانه وتعالى في كتابه العزيز، وأشاد بها الرسول الله في مواقف كثيرة، بل منهن من كانت السَّبَبَ في نجاةِ أُمَّتِهِ مِنَ الهلاكِ كَمَا وقعَ في صلحِ الحُدَيْبِيَةِ مِنْ أمِّ سَلَمةَ رضيَ اللهُ عَنْهَا؛ ففي الحديثِ
في قِصَّةِ كتابِ الصُّلحِ مِنْ طريقِ عُمرَ بنِ الخَطَّابِ له " ... قَالَ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الْكِتَابِ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِأَصْحَابِهِ قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا قَالَ فَوَ اللَّهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ حَتَّى قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، قَامَ فَدَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنَ النَّاسِ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُحِبُّ ذَلِكَ؟ أَخْرُجْ ثُمَّ لَا تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ. فَقَامَ فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ؛ نَحَرَ هَدْيَهُ وَدَعَا حَالِقَهُ؛ فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَامُوا فَنَحَرُوا،
وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا.
وهذه عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أكبرُ مفت في أُمَّة محمد صلى الله عليه وسلم بعده يتردد إليها الصحابة والتابعون في منزلها، فتفتهم من ورا الحجاب وكثير من النسوة الاتي تجردن لسؤال المعصوم واستبيان ما انبهم عليهن، واستفتائه في شتى أمور الحياة مما يعم خيري الدنيا والآخرة، وما جرى بينهن والرسول الله من النقاش، وامرأة ابن مسعود وغيرها من النساء اللواتي ذهبن للرسول الله ولا إلى بيته، ولمْ يمنعُهُنَّ حياؤُهُنَّ مِن (1/67)
صفحة 68
أدب القضاء في الإسلام
67
ذلك، ولا غرو ففهِنَّ مَن تكون أفضل مِن عِدَّةِ رجالٍ كتِلكَ التي كانت تدافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقيهِ بنَفْسِها ضَرباتِ العدوّ يومَ أُحد، والأمثلة لذلك كثيرة.
وإِنَّهُ لَمِنْ عِظَمِ اهتمامِ الرسول بالمرأة كان كثيراً ما يحث على تكريمها والمحافظة عليها والصبر لها كحديث: "استوصوا بالنساءِ خَيرًا .. " 78 فقد جاء في عدة مواقف عنه، آخرها حجة الوداع. وحديث لا يَفْركْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً. إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلْقاً رَضِيَ مِنْهَا خُلْقاً آخَرَ" 79 أي لا
يُبْغِضها.
كما أنها بطبيعة الحال هي مربية الأجيال ومعلمة الأشبال والطبيبة والمفتية والمناضلة، وصاحبة الملك ولها استقلاليتها في ملكها وتصرفاتها - في حدود ما شرعه الخالق الحكيم -، ومع هذا كله فليس للرجل عليها سبيل في مالها إلا في حدود المصلحة المنوطة عليه لها؛ وذلك بالرعاية والحفظ، ولأجل هذا كان علماؤنا الأجلاء يتورعون عن أخذ شيءٍ من مالها الخاص بها، ولو كانت في غاية الغنى المالي، فهذا العلامة أبو سعيد الكدمي من علماء وأئمة عمان في العلم والورع في القرن الرابع الهجري، حتى لقب بإمام المذهب، عاش فقيرا وله زوجات موسرات فلم يرض أخذ شيء من مالهن، وكان له يومئذ نخلة وكرمة وهي شجرة العنب، قيل: إنَّه يأكل من ثمرة النخلة بلا خبز ولا حلاء، وله ثلاث نسوة موسرات لا يأكل من مالهنَّ شيئًا، وقد أخذنه لأجل علمه، و كان يُقسم ثمرة النخلة على السنة، وشجرة العنب يبيع ثمرتها للكسوة فيما قيل، قال النور السالمي في جوهره
أبو سعيد نخلة وكرمه ... يملك كان شاكرا للنعمة
78 - أخرجه البخاري 1212/ 3، رقم 3153، ومسلم 1091/ 2، رقم 1468، والنسائي السنن الكبرى ج 5/ص 372 ح 9169.
79 - أخرجه مسلم الوصية بالنساء ح 1469 وأحمد (329/ 2 (8345) مسند أبي هريرة، وأبو يَعْلَى ح 6418، والبيهقي السنن الكبرى ج 7 ص 295 ح 15124. (1/68)
صفحة 69
68
أدب القضاء في الإسلام
منها طعامه ومن كرمته .... ثيابه لا من غنى زوجاته
كانت له الزوجاتُ معها المال ... يَعِفُ عنه وهو الحلال/ 80
وإنه لمن المؤسف جدا أن يُظَنَّ بالإسلام ما هو بريء منه؛ فيقاس شرع الله جل على مقاييس بشرية استنتجتها عقول إنسانية قاصرة لا تتناسب مع مقاصد الشريعة وإرادة الشارع الحكيم لها، وإنَّما الواجب التسليم والانقياد لشرع الله القويم، واتباع
81
منهجه المستقيم، الذي لا يزيغ عنه إلا هالك، ولا يحرج قلبه منه إلا ضال، {فَلَا
وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (3) النساء، (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلاً مُّبِينًا) الأحزاب / وعلى المؤمن أن يربأ بنفسه عن الانجرار وراء التيارات المغرضة والتي لا هم لها إلا تشكيك المسلمين في شريعة الله الخالدة. 82
80 - أنظر نور الدين السالمي جوهر النظام ج 4 باب الزهد. -81 الْحَرَجُ فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَى الضِيقِ يُقَالُ حَرَجَ الرَّجُلُ: أَيْمَ، وَصَدْرٌ حَرجٌ: ضَيِّقٌ، وَرَجُلٌ حَرِجٌ: آثِمٌ، وَيُفْهَمُ مِنْ اسْتِعْمَالَاتِ الْفُقَهَاءِ لِكَلِمَةِ الْحَرَجِ أَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى كُلِ مَا تَسَبَّبَ فِي الضِيقِ، سَوَاءٌ أَكَانَ وَاقِعًا عَلَى الْبَدَنِ، أَمْ عَلَى النَّفْسِ، أَمْ عَلَيْهِمَا مَعًا.
82 - ومن درس تاريخ الأمم وحضاراتها وعقائدها وأفكارها يرى أن المرأة لم تتبوأ مكانها الطبيعي إلا في ظل نظام الإسلام فاليونان والرومان وغيرهم من الأمم المتحضرة دخلوا التاريخ وهم ينظرون إلى المرأة نظرة تقزز واستهجان فقد كانوا يشكون في إنسانيتها ويعتبرونها رجسا من عمل الشيطان ويقيسون نزاهة النفس بالبعد عنها ولا يولونها شيئا من الحقوق الاجتماعية التي تفتقر إليها ثم أخذت نظرتهم إليها تتطور شيئا فشيئا بتطور الفكر ونمو الوعي ولكنها لم تكد تقف عند نقطة الاعتدال حتى هوت بهم إلى الجانب الآخر فإذا بهم يغالون في تمجيد المرأة ويكلون إليها من الواجبات الاجتماعية والسياسية ما لا تتحمله طبيعتها وبلغ بهم الحال أن المومسات أصبحن (1/69)
صفحة 70
أدب القضاء في الإسلام
69
الخلاصة أن خروج المرأة من البيت لم يحمد، وخير الهدي في التمسك بعرى الإسلام الحنيف وذلك: أن تلازم المرأة بيتها كما تدل عليه الآية الكريمة: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ)
دلالة واضحة، وسائر الأحاديث الدالة على ذلك التي تقدم لك الكثير منها. نعم: الإسلام استثنى في هذا الباب مواضع بينتها الشريعة إذ قد يكون خروج المرأة من بيتها لأداء واجب عليها في بعض الحالات، أو لأجل فضيلة تنالها، وحسب الشروط التي ذكرها أهل العلم كما مر بيانه آنفا؛ ولا يغير ذلك شيئا من القاعدة في النظام الاجتماعي الإسلامي، وهي أنّ دائرة عمل المرأة هي البيت وأنَّ الدروس التي يتلقاها الطفل في حجر أمه لها أكبر الأثر في مستقبل حياته. و على هذا فإذا تجاوزت المرأةُ الحدَّ المشروع لها وأسرفت في الخروج من البيت فمن للأطفال ليرعاهم؟ ومن للبيت يُشرف عليه إشرافا دقيقا؟ هل يترك ذلك للخادمة الأجنبية التي جاءت بتعاليم خارجة عن النُّظْمِ الإسلامية، وفسادها أكثر من صلاحها؟! بل لم تأت إلا بفساد، وقد شاهدتُ بنفسي أمورا غير محمودة، وسمعتُ عن مصائب كثيرةً وقعت بالبيوت بسبب العاملات الأجنبيات، والأدهى والأمر أنهن يعلمن الأولاد الفساد وسوء الخلق والكلام البذيء، وهل يهمهن من شؤون البيت ما يهم صاحبته؟ الواقع العكس، بل همهن الفساد والتبذير واللصوصية وعدم المبالاة،
بهم
عندهم يدرن سياسة الأمة، وأصبحت بيوت الدعارة هي مقر السياسة، مما أدى إلى تفكك روابطهم، وانحلال مجدهم وتقلص عزهم، وما العالم المتحضر في العصر الحديث من ذلك ببعيد أمَّا إذا عدنا إلى التشريع القرآني فإنا نجد المرأة قد بوئت مكانها اللائق وأعطيت حقوقها التي تقتضيها طبيعتها من غير إفراط ولا تفريط ونجد هذه الرعاية من شريعة الله في القرآن تصحب المرأة منذ ولادتها إلى موتها بل تبقى لها حتى بعد الموت. فالإسلام كرم المرأة وهي وليدة وكرمها وهي ناشئة بين أبويها وكرمها وهي شابة يافعة وكرمها وهي زوج وكرمها وهي أم ... " سماحة المفتي العام العلامة المجتهد المطلق أحمد بن حمد الخليلي. جواهر التفسير ج 1 ص 84 فما بعدها ط 1 مرجع سابق. (1/70)
صفحة 71
أدب القضاء في الإسلام
وهل كل بيت فيه خادمة؟ وهل كل خادمة متعلمة عاقلة؟ وهل هي جديرة بما يلقى إليها من مهام تربوية، اللهم لا وألف لا، بل صار كثير من أبناء الإسلام لا خُلُقَ لهم، ولا شهامة ولا رجوله، وذلك لسوء التربية، وغياب الأم والأب من البيت، وتركهم على المربيات ولله در الشاعر أحمد شوقي إذ يقول:
ليس اليتيم من انتهى أبواه من هم الحياة وخلفاه ذليلا
إنَّ اليتيم هو الذي تلقى له أُمَّا تخلت أو أبا مشغولا
وقد ورد في الحديث" كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ زَوْجِهَا وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّهَا، وَالْخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ"
والله سبحانه وتعالى يقول: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيْتًا وَهُمْ نَايِمُونَ (3) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحَى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (3) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَسِرُونَ (الأعراف: 96 - 99).
وما ذكرته غيض من فيض وقطرة من بحر، فلينظر المنصف في ذلك ولا يأخذ منه إلا الحق والباطل مردود بإذن الله تعالى، والحمد لله رب العالمين.
83 - أخرجه البخاري ح 2416 و 2278، ومسلم ح 4828، وأحمد ح 6026 وأبو داود ح 2928
وغيرهم. (1/71)
صفحة 72
أدب القضاء في الإسلام
71
المبحث الثالث
فيما للقاضي وما عليه وفيه مطلبان
المطلب الأول في ذكر بعض ما جاء في التنفير من القضاء والتشديد فيه
وردت كثير من الأخبار عن المعصوم في التغليظ والتشديد في القضاء وتحذير القضاة والحكام من الركون إليه والترغيب فيه.
فعَنْ أَبِي ذَرٍ الغفاري قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي قَالَ فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي ثُمَّ قَالَ يَا أَبَا ذَرٍ إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةُ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ؛ إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا." 84
se
وعنه أنه قال: لأبي ذر، لما سأله الإمارة: يَا أَبَا ذَرٍ إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي لَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ 850
روي أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم وقف على خَلْق من أصحابه فقال: إني لا أدري لعلكم ستلون أمر هذه الأمة من بعدي، فمن ولي منكم من أمر المسلمين شيئاً فاسترحم فلم يرحم
وحكم فلم يعدل وعاهد فلم يَفِ، فعليه غضب الله ولعنته إلى يوم القيامة.86 وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ صَعدَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْمِنْبَرَ وَكَانَ آخِرَ مَجْلِسٍ جَلَسَهُ مُتَعَطِفًا مِلْحَفَةً عَلَى مَنكِبَيهِ قَد عَصَبَ رَأْسَهُ بِعِصَابَةٍ دَسِمَةٍ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَيُّهَا النَّاسُ إِلَيَّ فَتَابُوا إِلَيهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ هَذَا الْحَيَّ مِنَ الْأَنْصَارِ يَقِلُونَ وَيَكْثُرُ
84 - أخرجه مسلم وغيره.
85 - أخرجه مسلم وغيره.
86 - اورد هذه الرواية الشيخ خميس في المنهج في التغليظ والتشديد في القضاء، والصحاري في الكوكب في الاهتمام بالرعية، واليعقوبي في تاريخه في خطب الرسول ل ولم يسندوه، إلا أنَّ جميع الروايات التي قبلها والتي بعدها كلها تتفق معها في معناها. (1/72)
صفحة 73
72
أدب القضاء في الإسلام
النَّاسُ، فَمَن وَلِيَ شَيْئًا مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ الله فَاسْتَطَاعَ أَن يَضُرَّ فِيهِ أَحَدًا أَوْ يَنفَعَ فِيهِ صلى الله عليه وسلم أَحَدًا فَليَقبَلْ مِن مُحْسِنِهِم وَيَتَجَاوَزْ عَنْ مُسِيئِهِمْ.87
88
وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ مَا مِنْ رَجُلٍ يَلِي أَمْرَ عَشَرَةٍ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ إِلَّا أَتَى الله وجَل مَغْلُولًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدُهُ إِلَى عُنُقِهِ فَكَهُ بِرُّهُ أَوْ أَوْبَقَهُ إِثْمُهُ، أَوَّلُهَا مَلَامَةٌ وَأَوْسَطُهَا نَدَامَةٌ وَآخِرُهَا خِزْيٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وفي رواية" مَنْ وَلِيَ عَلَى عَشَرَةٍ فَحَكَمَ بَيْنَهُمْ بِمَا أَحَبُّوا أَوْ كَرِهُوا جِيءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَغْلُولَةً يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ، فَإِنْ حَكَمَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ، وَلَمْ يَرْتَيِ فِي حُكْمِهِ وَلَمْ يَحِفْ فَكَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ لَا غُدَّ إِلَّا غُلُّهُ، وَإِنْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَارْتَشَى فِي حُكْمِهِ، وَحَابَى فِيهِ، شُدَّتْ يَسَارُهُ إِلَى يَمِينِهِ، ثُمَّ رُمِيَ بِهِ فِي جَهَنَّمَ" وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يؤتى بالقاضي العدل القيامة فيلقى من شدة الحساب ما يتمنى أن لا يكون قد قضى بين اثنين في تمرة
يوم
واحدة. 90
1911 -
وروي عنه أنه قال: يوشك رجل يتمنى أنه خر من الثريَّا ولم يل من أمور الناس
87 - أخرجه البخاري.
88 - أخرجه أحمد في مسنده ومن حديث سعد بن عباده والهيثمي في المجمع، وأحمد بن علي بن حجر في القول المسدد في مسند أحمد وغيرهم. وهو عند الربيع هه ر 589. أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرٍ بنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَأْتِي الْقَاضِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَغْلُولَ الْيَدَيْنِ، إِمَّا أَنْ يَفُكٌ عَنْهُ عَدْلُهُ، أَوْ يَهْوِي بِهِ جُورُهُ فِي النَّارِ"
89 - أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين والطبراني في الأوسط، و المناوي في الفتح. . 9 - أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، والطبراني في الأوسط، وابن حبان في أدب القضاء، والمتقي الهندي في كنز العمال، والبخاري في الأحاديث المرفوعة من التاريخ الكبير، والذهبي في التذكرة، و ابن عساكر في تاريخ دمشق، وغيرهم. (1/73)
صفحة 74
أدب القضاء في الإسلام
شيئاً. 91
73
92
وعنه أنه قال: " مَنْ جُعِلَ قَاضِيًا بَيْنَ النَّاسِ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِينٍ"92
وَ عَنه صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ حَكَمَ بَيْنَ اثنَينِ فَكَأَنَّمَا ذَبَحَ نَفْسَهُ بِغَيْرِ سِكِينٍ"
931
قال أبو مروان: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ولاه الله من أمر الناس شيئاً فاحتجب عن حاجتهم حجب الله. عنه حاجته."
94
وعنه أنه قال: من طلب القضاء واستعان عليه بالشفعاء وكل على نفسه، أُكره عليه أنزل الله عليه ملكاً يسدده.95
ومن
91 - أخرجه أحمد في مسنده المرجع السابق، والمتقي الهندي في الكنز في الترهيب عن الإمارة، والحاكم في المستدرك باب الأحكام، والزيلعي في نصب الرأية أدب القاضي.
92 - أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة والحاكم وأبو يعلى والبيهقي وغيرهم. 93 - أخرجه الإمام الربيع ح 590 وانظر شرح النيل المرجع السابق، والمنهج ج 5 ص 328 أدب القاضي والضياء للعوتبي ج 11 ص 28 أدب الحاكم، وفتح القدير لابن الهمام ج 6 ص 356 فما بعدها، المرجع السابق، ونصب الرأية ج 4 ص 60 فما بعدها أدب القاضي دار إحياء التراث العربي ط. والمبسوط للسرخسي محمد بن أحمد بن أبي سهل الحنفي أدب القاضي ج 16 ص 60 فما بعدها ن دار المعرفة.
94 - أخرجه البيهقي في الشعب، وفي أدب القاضي، و أبو نعيم الأصبهاني في معرفة الصحابة، و الطبراني في مسند الشاميين، وانظر فتح الباري لابن حجرح إنَّ الصَّبْرَ عِنْدَ أَوَّلِ صَدْمَةٍ". 95 انظر: فتح الباري لابن حجر، (13 (124) (باب) من سأل الإمارة وكل إليها) شرح حديث عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها، وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفر يمينك، وائت الذى هو خير" وقال فيه: " قال المهلب جاء تفسير الإعانة عليها في حديث بلال بن مرداس عن خيثمة عن أنس رفعه من طلب القضاء واستعان عليه بالشفعاء وكل إلى نفسه ومن أكره عليه أنزل الله عليه ملكا يسدده أخرجه بن المنذر قلت: وكذا أخرجه الترمذي (1/74)
صفحة 75
74
أدب القضاء في الإسلام
وعنه أنه قال: لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها وإن أعطيتها عن غير مسألة أُعِنت عليها.96
وروي عن عمر بن الخطاب الله قال: ما أُحِبُّ أن أكون كالسراج يُضيء للناس ويحرق
نفسه.
وذلك لمن يجور في حكمه، وأما من يعدل في حكمه فهو كالشمس والقمر يضيئان للناس ولا ينقص من نورهما شيء. قيل: إن الحاكم ليكابد بحراً لجياً تغشاه أمواج تيارات الظلم، فترفعه مرة وتخفضه أخرى وقلما يكابد الغرق رجل ويوشك أن يغرق إلا من عصمه الله وتفضل عليه
برحمته.
و للقضاة غدا مواقف بين يدي الله تعالى لا يفكهم منه إلا العدل.
من طريق أبي عوانة عن عبد الأعلى الثعلبي وأخرجه هو وأبو داود وبن ماجة من طريق أبي عوانة ومن طريق إسرائيل عن عبد الأعلى فأسقط خيثمة من السند قال الترمذي ورواية أبي عوانة أصح وقال في رواية أبي عوانة حديث حسن غريب وأخرجه الحاكم من طريق إسرائيل وصححه وتعقب بان بن معين لين خيثمة وضعف عبد الأعلى وكذا قال الجمهور في عبد الأعلى ليس بقوي قال المهلب وفي معنى الإكراه عليه ان يدعى إليه فلا يرى نفسه أهلا لذلك هيبة له وخوفا من الوقوع في المحذور فإنه يعان عليه إذا دخل فيه ويسدد والأصل فيه ان من تواضع لله رفعه الله وقال بن التين هو محمول على الغالب والا فقد قال يوسف اجعلني على خزائن الأرض وقال سليمان وهب لي ملكا قال ويحتمل ان يكون في غير الأنبياء" وشرح القسطلاني إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري (221/ 10 - 7146 ومرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (6/ 2426 ح 3734 والبغوي شرح السنة. (93/ 10 ح 2496.
96 - أخرجه البخاري وغيره. (1/75)
صفحة 76
أدب القضاء في الإسلام
Yo
و عن النبي لا أنه قال: مَن وَلي أمَّةً قلت أو كَثُرَت فلم يعدل فيهم إلا أكبه الله على وجهه في النار. 97
97
ألا فلينازع هذا الحاكم لله نفسه ولا يتقوى بسلطان الله فيما لم يأذن الله له به ولا يغضب الله بأكثر مما أمره الله به. روي عن النبي الله أنه قَالَ: الْقُصَاةُ ثَلَاثَةٌ قَاضِيَانِ فِي النَّارِ وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ رَجُلٌ قَضَى بِغَيْرِ الْحَقِّ فَعَلِمَ ذَاكَ فَذَاكَ فِي النَّارِ وَقَاضٍ لَا يَعْلَمُ فَأَهلَكَ حُقُوقَ النَّاسِ فَهُوَ فِي النَّارِ وَقَاضٍ قَضَى بِالْحَقِّ فَذَلِكَ فِي الْجَنَّةِ. وروي عن بعض الصحابة أنه مر على قاض يقضي فقال له: أتعلم الناسخ والمنسوخ؟ قال: لا. قال: هلكت وأهلكت.
و قال هاشم بن غيلان لله: لا ينبغي للرجل أن يَقعُد للقضاء حتى يكون عالماً بتأويل القرآن وتفسيره وناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه، وحتى يكون عالماً بالسنة وآثار
الأئمة أهل العدل من المسلمين ..
1 ..
أخرج مَالِكَ عَنْ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ كَتَبَ إِلَى سَلْمَانَ الْفَارِسِيَ أَنْ هَلُمَّ إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ سَلْمَانُ إِنَّ الْأَرْضَ لَا تُقَدِّسُ أَحَدًا، وَإِنَّمَا يُقَدِّسُ الْإِنْسَانَ عَمَلُهُ، وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّكَ جُعِلْتَ طَبِيبًا تُدَاوِي، فَإِنْ كُنْتَ تُبْرِئُ فَنَعِمَّا لَكَ، وَإِنْ كُنْتَ
97 - أخرجه الطبراني في المعجم الكبير.
98 - أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وأحمد وغيرهم. واللفظ هنا لأبي داود. 99 - هو الشيخ العلامة أبو الوليد هاشم بن غيلان السيجاني من كبار علماء زمانه عاش في أواخر القرن الثاني وأوائل القرن الثالث وهو من تلامذة الشيخ موسى بن أبي جابر وقد عاصر الأئمة الإمام الوارث وغسان بن عبد الله وعبد الملك بن حميد، وذكر الإمام القطب في شرح لامية بن النظر أنه من ضمن حملة العلم عن الإمام الربيع له أما تأريخ وفاته بالتحديد فغير موجود "انظر الإتحاف للبطاشي، وجهد المقل للباحث؛ ترجمة العلامة بشير.
من
100 - انظر منهج الطالبين المرجع السابق. (1/76)
صفحة 77
76
أدب القضاء في الإسلام
مُتَطَيّبًا فَاحْذَرْ أَنْ تَقْتُلَ إِنْسَانًا فَتَدْخُلَ النَّارَ، فَكَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ إِذَا قَضَى بَيْنَ اثْنَيْنِ ثُمَّ
أَدْبَرَا عَنْهُ نَظَرَ إِلَيْهِمَا وَقَالَ ارْجِعَا إِلَيَّ أَعِيدَا عَلَيَّ قِصَّتَكُمَا مُتَطَبّبٌ وَاللَّهِ.
101
101 - انظر المنتقى شرح الموطأ جامع العلم وفضله؛ وكراهيته. (1/77)
صفحة 78
أدب القضاء في الإسلام
المطلب الثاني في بعض ما أعده الله ل للقاضي العادل
من الثواب
77
أخرج الإمام الربيع والبخاري ومالك والترمذي وغيرهم من طريق أنس وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري، في الحاكم العادل عن رسول الله أنه قال " سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَادِلٌ "الحديث. 102
روي عن علي كرم الله وجهه قال: بعثني رسول الله له إلى اليمن لأقضي بين الناس فقلت له: إني لا علم لي بالقضاء. قال فضرب بيده صدري ثم قال: اللهم اهد قلبه
وثبت لسانه قال: فما شككت بعدها في القضاء حتى جلست مجلسي هذا."103 روي عن الحسن البصري 104 قال: كان يقال: لَأَجْرُ حاكم يوماً أفضل من أجر رجل يصلي في بيته سبعين سنة أو ستين سنة. وقيل: رأى شريح رجلاً يعيب القضاء فقال له: أتعيب شيئاً أوتيه داود النبي عليه
102 - مسند الإمام الربيع ح 48، و 257 و 351 والبخاري فيمن جلس في المسجد ح 660 ومالك ما جاء في المتحابين ح 1746 مسلم فضل إخفاء الصدقة 3 ص 93 ح 2427 والترمذي 4 ص 598 ح 2391. ابن حبان 10 ص 338 ح 4486، أحمد مسند أبي هريرة، ح 9915.
103 - جزء من حديث علي كرم الله وجهه وسيأتي إن شاء الله انظر: المطلب الثالث في تقليد
القاضي لغيره.
104 - أبو سعيد الحسن ابن أبي الحسن البصري، واسم أبيه يسار، الأنصاري مولاهم، أحد كبار التابعين كان إماماً في العلم، فقيهاً فاضلاً مشهوراً، ولد في خلافة عمر له وتوفي سنة 110 هـ وقد قارب التسعين. انظر: سير أعلام النبلاء: 564/ 4، تقريب التهذيب 1/ 202، طبقات المفسرين للداوودي ص 106 شرح النيل "باب" الأمر والنهي"ج 13 ص 53، منهج الطالبين "القول الخامس فيما جاء من الأخبار في التغليظ والتشديد القضاء"ج 9 ص 46 وزارة التراث القومي والثقافة طا. (1/78)
صفحة 79
Y?
أدب القضاء في الإسلام
1.0
السلام؟. 105
وروى البخاري من طريق ابن العاص: بَاب أَجْرِ الْحَاكِمِ إِذَا اجْتَهَدَ فَأَصَابَ أَوْ أَخْطَاً" أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ واحد 106
قال ابن حجر في الفتح: قوله:" بَاب أَجْر الْحَاكِم إِذَا اجْتَهَدَ فَأَصَابَ أَوْ أَخْطَأَ " "يُشِيرٍ إِلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمٍ مِنْ رَدّ حُكْمه أَوْ فَتْوَاهُ إِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ أَنْ يَأْثَم بِذَلِكَ، بَلْ إِذَا بَذَلَ وُسْعَه أُجِرٍ، فَإِنْ أَصَابَ ضُوعِفَ أَجْره، لَكِنْ لَوْ أَقْدَم فَحَكَمَ أَوْ أَفْتَى بِغَيْرِ عِلْمٍ لَحِقَهُ الْإِثْمِ كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةِ إِلَيْهِ.
قَالَ ابْنِ الْمُنْذِرِ: وَإِنَّمَا يُؤْجَرِ الْحَاكِمِ إِذَا أَخْطَأَ إِذَا كَانَ عَالِمًا بِالِاجْتِهَادِ فَاجْتَهَدَ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ عَالِماً فَلَا، وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ الْقُضَاةُ ثَلَاثَة - وَفِيهِ - وَقَاضٍ قَضَى بِغَيْرِ حَقٌّ فَهُوَ في النَّار، وَقَاضٍ قَضَى وَهُوَ لَا يَعْلَم فَهُوَ فِي النَّارِ وَهُوَ حَدِيث أَخْرَجَهُ أَصْحَابِ السُّنَنِ عَنْ بُرَيْدَةَ بِأَلْفَاظ مُخْتَلِفَة، وَقَدْ جَمَعْتُ ابن حجر) طُرُقه فِي جُزْء مُفْرَد، وَيُؤَيّد حَدِيث
الْبَابِ مَا وَقَعَ فِي قِصَّة سُلَيْمَان فِي حُكْم دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام في أَصْحَابِ الحَرْث. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِي مَعَالِم السُّنَنِ إِنَّمَا يُؤْجَرِ الْمُجْتَهِد إِذَا كَانَ جَامِعًا لِآلَةِ الِاجْتِهَادِ، فَهُوَ الَّذِي نَعْذِرُهُ بِالْخَطَأ، بِخِلَافِ الْمُتَكَلِّف فَيُخَافَ عَلَيْهِ، ثُمَّ إِنَّمَا يُؤْجَرِ الْعَالِمِ لِأَنَّ اجْتِهَاده في طلب الْحَقِّ عِبَادَة، هَذَا إِذَا أَصَابَ، وَأَمَّا إِذَا أَخْطَأَ فَلَا يُؤْجَر عَلَى الْخَطَأَ بَلْ يُوضع
105 - القطب المرجع السابق ص 56. والمنهج المرجع السابق. 106 - البخاري (أجر الحاكم إذا اجتهد ح 6805 ومسلم ح 3240 دج 3 ص 324 ح 3576، والحميدي: الجمع بين الصحيحين، ح 2922، ج 3 ص 322، والبيهقي 10 ص 118 ح 20863، و 20867، والنسائي الكبرى ج 3 ص 461 ح 5918 - 5921، والطبراني الكبير 3 ص 292 ح 3190 وأحمد ج 29 ص 354 ح 17820 وغيرهم. (1/79)
صفحة 80
أدب القضاء في الإسلام
79
عَنْهُ الْإِثْمِ فَقَط كَذَا قَالَ: وَكَأَنَّهُ يَرَى أَنَّ قَوْله: "فلَهُ أَجْرٍ وَاحِد مَجَاز عَنْ وَضع الْإِثْم. وقيل: من أفضل المعروف إغاثة الملهوف، وإنصاف الضعيف من الظالم الشريف. وقيل: إنَّ أصحاب الجنة أربعة؛ ذو سلطان عادل ومؤمن ضعيف متعفف، وغني متصدق، و، ورحيم القلب لكل قريب ومسلم.
وروي أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الْمُقْسِطُونَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ "108
والمقسطون هم أهل العدل الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم. وقال بعض المسلمين: لأن أقضي بحق وعدل أحبُّ إلي من أن أغزو في سبيل الله سنة. وكتب عمر بن الخطاب الله إلى أبي موسى الأشعري: "إنَّ القضاء في مواطن الحق مما الله به الأجر ويجسم به الذخر، فمن خلصت نيته في الحق ولو على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس، والله لا يقبل من العباد إلا ما كان خالصاً له، والله المطلع على
يوجب
109
العباد وأعمالهم ونياتهم وإذا أراد الدخول في الأحكام نظر أهل زمانه ومن كان في عصره من إخوانه، فإن كان يرى أنَّ غيره أوسعُ منه علما وأحد فهما وأضبط حزماً في الأمور منه فالأولى أن يعتذر ويستعفي ممن أراد منه الدخول في الأحكام نظراً منه الله ولعباده فيما يراه أقرب للحق
107 - انظر فتح الباري لابن حجر؛ بَاب اجر الحاكم إذا اجتهد. ج 13 ص 330331 ط دار الريان. وابن عبد البر جامع بيان العلم وفضله؛ باب العلم لواحد من ثلاثة. 108 - مسند البزار ج 1 ص 365 ح 2340 مسند عبد الله بن عَمْرو بن العاص، وانظر: فتح الباري لابن حجر) بَاب قَوْل الله تَعَالَى وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَة) ج 13 ص 547 فما بعدها، المرجع السابق. و أبو عمر يوسف بن عبد الله النمري القرطبي جامع بيان العلم وفضله ج 1 ص 333. مؤسسة الريان ودار ابن حزم وصحيح مسلم الإمارة ح 1827، و سنن النسائي آداب القضاة ح 5379، مسند أحمد بن حنبل 160/ 2.
109 - تقدم كتاب عمره مع تخريجه وانظر شرح النيل 13 ص 55. ط جدة. (1/80)
صفحة 81
A.
أدب القضاء في الإسلام
وأعز.
وإن كان يرى أنه في زمانه وعصره المقدم في إخوانه من أهل مصره، ويفوقهم علما وفهما وضبطاً في الأمور، فالأولى أن لا يعتذر من الدخول ويترك الأحكام ضائعة، وأمور الإسلام غير جامعة، وسبيل الحق دارسة وشوارع الدين طامسة رغبة في الراحة العاجلة عوضاً من الحياة الباقية الآجلة. وليكن دخوله في الأحكام احتساباً لله وابتغاء مرضاته لا رغبة في الدنيا، ولا طلبا للرئاسة، ولا لاستخدام الناس، وصرف وجوهم إليه، واستجلاب نفعهم له، ويكون اعتقاده أنه متى ما وجد من هو أعلى منه منزلة في العلم أن يعتذر إليه ويستعفيه، ويطلب منه المعذرة بسلامة صدر وطيب نفس. فإن دخل على هذه الصفة ولم يقض إلا بحق وعلم فنرجو له من الله السلامة ولا يضيع عند الله إحسان محسن؛ نصح لله، واتقى الله، وتورع عن محارم الله، واجتنب ما يسخط الله فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا، والسلام علي من اتبع الهدي
110
والله أعلم وبه التوفيق وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: " لَأَنْ أَقْضِيَ يَوْمًا بِالْحَقِّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ عِبَادَةِ سَبْعِينَ عَامًا.
وَمُرَادُهُ أَنَّهُ إِذْ قَضَى يَوْمًا بِالْحَقِّ كَانَ أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ سَبْعِينَ سَنَةً فَلِذَلِكَ كَانَ الْعَدْلُ بَيْنَ النَّاسِ مِنْ أَفْضَلِ أَعْمَالِ الْبِرِّ وَأَعْلَى دَرَجَاتِ الْأَجْرِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ فَأَيُّ شَرَفٍ أَشْرَفُ مِنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعَالَى.111
110 - العلامة الشقصي منهج الطالبين مرجع سابق 9 ص 46 - 48. وانظر شرح النيل ج 13 ص 43 فما بعدها تحت عنوان (باب) في الأمر والنهي السابق.
111 - تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام إبراهيم بن علي بن محمد، ابن فرحون.
فضل القضاء. (1/81)
صفحة 82
أدب القضاء في الإسلام
81
المبحث الرابع فيما يخص القاضي من آداب و فيه خمسة مطالب المطلب الأول آدابه تجاه نفسه
إنَّ ما يؤمر به كل مسلم رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا ورسولا وبالقرآن إماما ودستورا، وبالسنة الصحيحة الثابتة عنه ولا طريقا امتثال أمر الله جل، والسير على نهج رسوله، والاهتداء بهدي خيار أمته؛ ومن أعظم ذلك الصدق والأمانة فهما دعامتان أساسيتان في حلية المؤمن الحق، ولما كان القاضي في منصب عظيم؛ منصب تحقيق العدالة، فإنه من باب أولى مخاطب بما خوطب به المؤمنون، سواءً أكان ذلك بينه وربه في جميع تصرفاته، أم فيما بينه وبين الخلائق؛ على اختلاف فئاتهم، فهو يمثل العلم والعدل والاستقامة والنزاهة والشرف والورع والحياد، كما يمثل السلطة في إظهار العدل، وإيصال كل ذي حق إلى حقه، لا تأخذه في الله لومة
لائم.
وقد امتدح الله عباده المؤمنين المخلصين بالبر والأمانة والصدق، ووعدهم غدا جناته
وو
في كثير من آياته منها قوله ل: (قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّدِقِينَ صِدْقُهُمْ هُمْ جَنَّتٌ تجرى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (3) المائدة. وقال: «قُلْ أَونَتِكُم بِخَيْرِ مَن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرُ بِالْعِبَادِ) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَأَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ الصَّبِرِينَ وَالصَّدِقِينَ وَالْقَنِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ) سورة آل عمران. (1/82)
صفحة 83
82
أدب القضاء في الإسلام
ولأهمية الصدق وعلو منزلة الصادقين عند الله فقد أمر بالكون معهم والدخول تحت مظلتهم قال ل (يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّدِقِينَ (5) التوبة وقرن الأمانة بالعدل تعظيما لشأنها وإيذانا بارتباطها به وعدم استقامة العدل دونها فقد قال جل شأنه: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (النساء. وقال: (يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَكُونُوا أَمَسَتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) الأنفال وقال: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَوةِ فَعِلُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونَ: إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (3) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَتَبِكَ هُمُ الْعَادُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِأُمَسَتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ حَافِظُونَ (3) أَوْلَئِكَ هُمُ الْوَرِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ (5) المؤمنون.
كما أوضح ذلك المعصوم، وبيَّن أن مخالفة ذلك من النفاق والمنافق منبوذ في الدنيا والآخرة قال "عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصَّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصَّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النار
وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا. 112
112 - البخاري؛ الأدب المفرد ح 386 ص 41 وح 724 ص 252 مسلم باب قبح الكذب وحسن الصدق،8 ص 29 ح 6805 وأبو داود في التشديد في الكذب، 4 ص 454 ح 4991 والترمذي ما جاء في الصدق والكذب، ج 4 ص 347 ح 1971 وأحمد حديث العباس 3638 ج 1 ص 384 وص 439 ح 4187 الربيع في المقاطيع ح 936 وغيرهم. (1/83)
صفحة 84
أدب القضاء في الإسلام
83
113 "
وقال: "آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان. وقال:" أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ. 114
على أنَّ الأمانة المذكورة ليست مقصورة على المال فحسب كما يفهمها الكثير من الناس؛ وإنما هي شاملة لجميع نواحي الحياة، وأوامر الشارع ونواهيه، اعتقادا وقولا وفعلا وتركا، فكل أمر من الشارع أمانة وكل نهي، أمانة وإظهار العدل والحكم به أمانة، واستماع أقول الخصوم أمانة، وتدوينها والمحافظة عليها كسر من أسرارهم أمانة، وكتابة المحاضر على وجهها الصحيح، أمانة، وتدوين الوقائع في الحكم أمانة وتطبيق شرع الله والقانون - على الوجه الصحيح - الموافق للحق أمانة، والمحافظة على الدين والنفس والعرض والمال والنسل، أمانة، وأداء الواجب العملي أمانة، وحفظ الغير أمانة، سر وجميع التعامل مع بني الإنسان وجميع المخلوقات من كائنات و ذرات إلى غير ذلك أمانة، بل جميع تصرفات القاضي أمانة مطالب بأدائها على وجهها الصحيح مسؤول عن تضييعها.
113 - أخرجه البخاري في "علامة النفاق 1 ص 21 ح 32 وفي تفسير قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ح 5630 ومسلم بيان خصال المنافق ح 89 و، 90 باب قبح الكذب وحسن الصدق، والترمذي ما جاء في الصدق، ج 5 ص 19 ح 2631 وأحمد مسند عبد الله بن مسعود 8685 ج 14 ص 1092516413 ص 539، والإمام الربيع في المقاطيع ح 936 وغيرهم. 114 - أخرجه البخاري (علامة المنافق) ج 1 ص 3352، ومسلم: خصال المنافق 1 ص 56 ح 219 ه ص 19 ح 2632 وأبو داود: الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه. ج 4 ص 356 ح 4690، والنسائي: علامة المنافق. ج 5 ص 224 ح 8734 و ج 6 ص 535 ح 11751.
والترمذي ج
وغيرهم (1/84)
صفحة 85
??
أدب القضاء في الإسلام
ولذا فقد جعل الحق سبحانه وتعالى من أولويات الأمانة إظهار العدل والمساواة بين المتقاضين القريب منهم والبعيد والحبيب والبغيض والقوي والضعيف، والشريف والوضيع، والرفيع والخفيض، والأبيض والأسود والأحمر والأشقر إلخ. وبيَّن ان الميل عن ذلك والمحاباة في التعامل مع بني الإنسانية من الهوى الممقوت في الدين والبعد عن الحق والصراط المستقيم بل من كبائر الذنوب التي تورد صاحبها المهالك قال تعالى: يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ
صلے
وَالْأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَى أَن تَعْدِلُوا وَإِن تَلْوُدَاً أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا)
115
ويؤيد ذلك ما روي عنه أنه قال في خُطبة الوداع: أيها الناس، ألا إن ربكم واحد، ألا وإن أباكم واحد ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا أسود على أحمر، ولا أحمر على أسود، إلا بالتقوى ألا هل بلغت؟ قالوا: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ليبلغ الشاهد الغائب ... وليكن سهلاً حليماً وقورا متعطفاً رحيما متثبتاً في أموره متثاقلا عن الدنايا رحيما بالآخرين متعطفا سليما فطنا لبيبا، ورعا عن الشبهات، مقيلا للعثرات، محتملا لِلَّائِمَة بعيدا عن الدنايا مسارعا للخيرات متأسيا بسيرة رسول الله وصحابته الأبرار وتابعيهم الأخيار في المظهر والمخبر، حريصا على عمل الآخرة، قدوة للآخرين في إتيان كل خير واجتناب كل سوء وضير يحترم الصغير ويوقر الكبير، وإذا قدر عليهم فليذكر قدرة الله عليه.
115 - أخرجه الطبراني في معجمه الكبير ج 4 / ص 25 ح 3547 وفي الأوسط ج 86/ 5، رقم: 4749. قال السيوطي في الجامع: قال الهيثمي ج 84/ 8. رواه الطبراني في الأوسط والبزار بنحوه ورجال البزار رجال الصحيح. وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان 289/ 4، رقم 5137. وأحمد (411/ 5، رقم 23536. وفي رواية قالوا نعم) مكان (بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم (1/85)
صفحة 86
أدب القضاء في الإسلام
117
85
فعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنْ الرِّفْقِ فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَنْ حُرِمَ حَظِّهُ مِنْ الرّفْقِ فَقَدْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الْخَيْرِ. وليكن مقصده رضاء الله تعالى من غير أن يعبأ بكلام أحد من الناس، سوى المعصوم لا تأخذه في الله لومة لائم، وليمض لأمر الله ويتوكل على الله الحي القيوم الذي لا يموت، ويصلح ما بينه وبين الناس والله بعباده لطيف خبير. وليكن ممن قال الله فهم (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (2) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ عَن اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَوةِ فَعِلُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَتُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (3) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَأَئَ ذَلِكَ فَأُوْلَتِبِكَ هُمُ الْعَادُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِأُمَسَتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ حَافِظُونَ (3) أَوْلَنَبِكَ هُمُ
الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَلِدُون
وليكن حذرا من الشيطان اللعين ومزالقه 117 وما يدعو إليه، قاصدا إظهار العدل
116 - أخرجه الترمذي وأحمد والبيهقي وابن أبي عاصم وعبد بن حميد وغيرهم. وانظر عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب للأشتر بالملاحق. 117 - المزالق جمع مزلقة وهي الأرض الملساء الخبيثة التي لا تثبت فيها القدم، ولا تصلح للنبات، والزَّلَق المكان الأملس الخطر. زَلِقَ يزلَق زَلَقاً. وأزلقتِ الفرسُ إزلاقاً، إذا ألقت ولدها قبل تمامه، ويُستعمل في كل أنثى أيضاً. ويقال: نظر فلان إلى فلان فأزلقَه ببصره إذا أحد النظر إليه نظر متسخط أو متغيظ. والمهلكة من كل شيء، ومنه قوله تعالى: {وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَرِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ) سورة القلم، أي: يهلكونك وقت سماعهم القرآن؛ لاشتداد بغضہم،
وحسدهم وقت سماعه بالعداوة والبغضاء جعل الإزلاق بأبصارهم على وجه الاستعارة المكنية، شبهت الأبصار بالسهام ورمز إلى المشبه به بما هو من روادفه وهو فعل {يُزْلِقُونَكَ، يكاد (1/86)
صفحة 87
86
أدب القضاء في الإسلام
والإصلاح بين المخلوقين آتيا للمعروف آمرا به مجتنبا للمنكر ناهيا عنه، متذكرا قول الله تعالى: (يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ: كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ: ممتثلا لأوامر الشارع، مجتنبا لمناهيه. واضعا العدل بين
الخلق نصب عينيه، متذكرا قول الله تعالى: (يَندَاوُدُ إِنَّا جَعَلْتَكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (سورة ص. وقوله: "وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَبِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَوَلَتَبِكَ هُمُ الظَّلِمُونَ (3) وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ) سورة المائدة.
فإذا أراد أن يخرج إلى مجلس الحكم الذي يحكم فيه بين الناس فلا يخرج إلا وهو صافي الذهن نشيط النفس، فارغ من جميع مشاغل الحياة، و يخرج وعليه السكينة
والوقار.
وإن حدث به - بعد خروجه إلى مجلس الحكم - ما يَشغَل قلبه أو يُكدّر صفوه كفَّ عن القضاء؛ إذ ليس للحاكم أن يحكم وهو متغيرُ القلب لجزع مقلق، أو ملل مرهق أو فرح مفرط، أو مرض شاغل، أو نعاس غالب عليه، أو كان مدافعا للأخبثين، أو بهِ
بصرهم يسقط من شدة عداوتهم وبغضهم وحسدهم الخ، وكلّ مَدْحَض لا تثبت القدم فيه فهو مزلق. قال الشاعر: إذا انعفرت أقدامهم عند مَعْرَكَ ... ثَبَتْنَ به يوماً وإن كان مزلقا. انظر الخليل بن أحمد الفراهيدي العين وابن دريد الجمهرة مادة ز ل ق وتفسير القرآن للآية الكريمة: {وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَرِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ) سورة القلم. (1/87)
صفحة 88
أدب القضاء في الإسلام
118
87
هم، أو غم، أو غضب، أو جوع، أو عطش، أو حاجة شهوانية إلى غير ذلك، لما روى عن النبي أنه قال: "لَا يَحْكُمْ الْحَاكِمُ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ". 8 فقد أخذ جميعُ فقهاء الأمة من هذا الحديث قاعدةً شرعية عامة: في كل ما يشغل البال عن فهم الأمور على وجهها الصحيح. وجعلوا قوله صلى الله عليه وسلم "وَهُوَ غَضْبَانُ". من باب التمثيل فقط.
قال الشافعي: في معنى قول الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَةٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6)) الحجرات/ أمَرَ اللهُ من يمضي أمره على أحد من عباده أن يكون متثبتا قبل أن يُمضيه، ثم أمر رسول الله في الحكم خاصة: " ألا يحكم الحاكم وهو غضبان " 119 عَن شُرَيْحٍ أَنه قَالَ: «اشترط عليَّ عمر حِين ولأني الْقَضَاء أَن لَا أبيع وَلَا أَبْتاعٍ وَلَا أَقْضِي وَأَنا
غَضِبَان» 2
6
118 - أخرجه البخاري ح 7158 ومسلم 1342/ 3 ح 1717 والترمذي 620/ 3 ح 1334 وأبو داود 3589 وابن ماجة: ح 2316، وأحمد وغيرهم، والنص هنا للترمذي. باب: لا يقضي القاضي وهو غضبان. وقد جاء بعدة ألفاظ متفقة المعنى منها" إذا ابتلي أحدكم بالقضاء بين المسلمين فلا يقض وهو غضبان، وليُسَوّ بينهم في النظر والمجلس والإشارة، ولا يرفع صوته على أحد الخصمين فوق الآخر. لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان ابن حنبل في مسنده ج 5/ص 46 ح 20485 «لا يقض حكم بين اثنين وهو غضبان» السنن الكبرى للبيهقي وفي ذيله الجوهر النقي ج 104/ 10/ 20772. لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان البخاري في صحيحه ج 2617/ 6 ح 6739 باب هل يقضي الحاكم أو يفتي وهو غضبان "لا يقض القاضي بين اثنين وهو غضبان" ابن ماجة
2077
119 - انظر: السنن الصغير للبيهقي ج 8/ 431، باب التثبت في الحكم ح 3267 120 - ابن الملقن البدر المنير في تخريج الأحاديث والأثار الواقعة في الشرح الكبير (603/ 9) (1/88)
صفحة 89
88
أدب القضاء في الإسلام
وليخرج وعليه السكينة والوقار والتواضع، فإذا وصل إلى المجلس فليسلم على من حضر في المجلس ثم يسأل الله العافية والعون والإرشاد والعصمة والتوفيق. وينبغي للحاكم إذا جلس للحكم أن يدعو بهذا الدعاء" بسم الله استمسكتُ بعروة الله الوثقى التي لا انفصام لها وتوكلتُ على الله واستعنتُ بالله ولا حول ولا قوة إلا
بالله."
1210
ويكون في مجلسه مستقبل القبلة إن أمكن، للحديث المروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لكل شيء شرف وإنَّ أشرف المجالس ما استقبل به القبلة.122
ويؤمر الحاكم أن يأخُذ بكل خصلة حميدة ويترك كل خصلة ذميمة. ويستحب للحاكم أنْ يَجلس للقضاء في مكانٍ فسيح بارز يصل إليه كل من أراده، ويكون في وسط البلد الذي يقضي فيه، ولا يحتجب من غير عذر؛ لما روي عنه قَالَ: مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا فَاحْتَجَبَ؛ دُونَ حَاجَتِهِمْ، وَفَاقَتِهِمْ، وَفَقْرِهِمْ،
120 - أخرج أبو داود في سننه - باب ما يقول إذا خرج من بيته - والترمذي في سننه والنسائي في الكبرى وابن ماجة وأحمد وغيرهم عن المعصوم الله من طريق أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا خَرَجَ الرجلُ مِنْ بَيْتِهِ فقال بِسْمِ اللهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، يُقَالُ لَهُ كُفِيتَ وَوُقِيتَ وَتَنَحَى عَنْهُ الشَّيْطَانُ. ومن طريق أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ نَزِلَ أَوْ نَضِلَّ أَوْ نَظْلِمَ أَوْ نُظْلَمَ أَوْ نَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيْنَا. وأخرجه أحمد ج 1 ص 516 ح 471 والهيثمي في غاية المقصد في زوائد المسند، وفي المجمع، باب ما يقول إذا خرج من بيته من طريق عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ يُرِيدُ سَفَرًا أَوْ غَيْرَهُ، فَقَالَ حِينَ يَخْرُجُ بِسْمِ اللَّهِ آمَنْتُ باللَّهِ اعْتَصَمْتُ باللهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ، إِلا رُزِقَ خَيْرَ ذَلِكَ الْمَخْرَجِ، وَصُرِفَ عَنْهُ شَرُّ ذَلِكَ الْمَخْرَجِ. 121 - أخرجه الحارث بن أبي أسامة في البغية، بغية الباحث، والحاكم في المستدرك، وعبد ابن حميد في مسنده،، والطبراني في مسند الشاميين. وابن عدي عبد ا الله بن عدي الجرجاني في (الكامل في ضعفاء الرجال) ج 4 ص 52 فيمن اسمه صالح، وابن عبد البر في البهجة ج 1 ص 2 و
غيرهم.
6 (1/89)
صفحة 90
أدب القضاء في الإسلام
89
123
احْتَجَبَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ خُلَّتِهِ وَحَاجَتِهِ وَفَقْرِهِ وَفَاقِتِهِ. ويؤمر الحاكم أن يكون مجلسه حيث لا يتأذى فيه بحر أو برد أو دخان أو ريح منتنة، أو أي شيء مشغل للبال.
وعلى القاضي أن يستعين بمترجم ثقة أمين عالم باللغات التي لا يجيدها بنفسه؛ إذا وردت إليه دعوى فيها من لا يجيد العربية، أو بها بعض المحررات غير العربية التي
احتجب
122 - الحاكم في المستدرك ج 4 ص 105 ح 7027 كتاب الأحكام والهيثمي بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث ج 2 ص 638 ح 609، والطبراني في الأوسط فيمن اسمه الحسين ج 4 ص 11 ح 3481 والكبير من حديث معاذ بلفظ من ولي من أمر المسلمين شيئا فأحتجب عن ضعفة المسلمين الله عنه يوم القيامة." ج 20 ص 253 316 وفي رواية من ولي من أمر المسلمين شيئا فأغلق بابه دون المسكين أو المظلوم أو ذي الحاجة أغلق الله دونه أبواب رحمته عند حاجته وفقره أفقر ما يكون إليه" أخرجه أحمد وابن عساكر عن أبي الشماخ الأزدي عن ابن عم له من الصحابة) أخرجه أحمد (480/ 3، رقم 15983) قال الهيثمي (210/ 5): أبو الشماخ لم أعرفه وبقية رجاله ثقات. وابن عساكر (209/ 67) وأعله ابن أبي حاتم، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، وإسناد شامي صحيح قال: وله شاهد بإسناد البصريين عن عمرو بن مرة الجهني قال: قلت لمعاوية بن أبي سفيان: إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " من أغلق بابه دون [ذوي] الحاجة والخلة والمسكنة أغلق الله باب السماء دون خلته وفقره ومسكنته وهذا الشاهد الذي ذكره الحاكم أخرجه أحمد بنحوه والترمذي في جامعه بلفظه، وقال: حديث غريب. قال: وقد روي من غير هذا الوجه، قال: وروي عن أبي مريم صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوه بمعناه. يعني حديث أبي داود المتقدم. (1/90)
صفحة 91
90
أدب القضاء في الإسلام
تختص بالدعوى من غير لغات العرب ليعبر له عن خصوماتهم ودعاواهم، ويفسر له ما انهم من مشكلاتهم.
124
وقد روى أن زيد بن ثابت كان ترجمان رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وتَرجَمَ عَبْد الرَّحْمَنِ بْنُ حَاطِبٍ بن أبي بَلْتَعَة لعمر ه كلام النوبية التي خلفها والده حاطب فوجدت حبلى، و تَرجَمَ أَبُو جَمْرَةَ لابن عباس. وعلى هذا صار عمل الأمة حتى الآن.
قال البخاري: في باب ترجمة الحكام. وهل يجوز ترجمان واحد؟: وَقَالَ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَهُ أَنْ يَتَعَلَّمَ كِتَابَ الْيَهُودِ، حَتَّى كَتَبْتُ لِلنَّبِي الكُتُبَهُ وَأَقْرَأْتُهُ كُتُهُمْ إِذَا كَتَبُوا إِلَيْهِ. وَقَالَ عُمَرُ ابن الخطاب، لعبد الرَّحْمَنِ بْن حَاطب بن أبي بَلْتَعَة وَعِنْدَهُ عَلِيٌّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَعُثْمَانُ: مَاذَا تَقُولُ هَذِهِ؟ (أَيْ الْمَرْأَةُ الَّتِي وُجِدَتْ حُبْلَى قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَاطِبٍ: فَقُلْتُ: تُخْبِرُكَ بِصَاحِبِهَا الَّذِي صَنَعَ بِهَا. وَقَالَ أَبُو جَمْرَةَ: كُنْتُ أُتَرْجِمُ بَيْنَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَبَيْنَ النَّاسِ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لا بُدَّ لِلْحَاكِمِ مِنْ مُتَرْجِمَيْنِ ... وَالْمُرَاد " بِبَعْضِ النَّاسِ " مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَن صاحب أبي حنيفةَ فَإِنَّهُ الَّذِي اشْتَرَطَ أَنْ لَا بُدَّ فِي التَّرْجَمَة مِنْ اثْنَيْنِ. وَنَزَّلَهَا مَنْزِلَة الشَّهَادَةِ، وَخَالَفَ أَصْحَابِهِ الْكُوفِيِّينَ وَوَافَقَهُ الشَّافِعِي" 125
123 - وقد ترجم ذلك قانون الإجراءات المدنية والتجارية. المادة 27 منه.
125 - انظر: شرح صحيح البخاري. لابن بطال ج 8/ 269. ورواه الأعمش عن ثابت بن عبيد عن زيد بن ثابت ان النبي ولي أمره ان يتعلم السريانية." انظر ابن حجر ترجمة الحكام. وزاد فتعلمتها
:
في سبعة عشر يوما/186/ 130. وفي رواية فلم يمرَّ لي نصفُ شهر حتى حذقته. وقال رسول الله إني والله ما أمن اليهود على كتابي. والمراد بكتاب اليهود العبرانية وحذقته أحسنته. انظر: كشف (1/91)
صفحة 92
أدب القضاء في الإسلام
91
و أخرج عبد الرزاق عن بن جريج قال أخبرني هشام بن عروة عن أبيه أن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب حدثه قال توفي عبد الرحمن بن حاطب وأعتق من صلى من رقيقه وصام وكانت له نوبية قد صلت وصامت وهي أعجمية لم تفقه فلم يرع إلا حبلها، وكانت ثيبا فذهب إلى عمر فزعا فحدثه فقال له عمر: لأنت الرجل لا يأتي بخير، فأفزعه ذلك فأرسل إليها فسألها فقال: حبّلت؟ قالت نعم من مرغوش بدرهمين وإذا هي تستهل {تصرخ} بذلك لا تكتمه فصادف عنده عليا وعثمان وعبد الرحمن بن عوف فقال: أشيروا عَلَيَّ وكان عثمان جالسا فاضطجع فقال علي وعبد الرحمن قد وقع عليها الحد. فقال: أشر عَلَيَّ يا عثمان فقال: قد أشار عليك أخواك. قال: أشر عَلَيَّ أنت. قال عثمان: أراها تستهل به كأنها لا تعلمه وليس الحد إلا على من علمه، فأمر بها فجلدت مئة ثم غربها ثم قال: صدقت، والذي نفسي بيده ما الحد إلا على من علم.
126
ص
المشكل من حديث الصحيحين لابن الجوزي 377/ 1 والطبراني المعجم الكبير: ج 5/ص 133 ح 4856 وص 134 حديث رقم: 4857 والترمذي في سننه ج 5 ص 68 حديث رقم: 2715 125 - كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال ج 5 ص 416 ح ومصنف عبد الرزاق ج 7 404 ح 13644 - 13645. و ابن أبي شيبة في مصنفه ج 7 ص 403 حديث رقم: 13644 وعبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة المدني اللخمي أبو يحيى، قال إبراهيم بن المنذر: ولد في زمن النبي ومات سنة ثمان وستين. واسم أبي بلتعة عمرو بن عمير بن سلمة من بني خالفة بطن من لخم ... " أسد الغابة ج 1/ 229. والإستيعاب في معرفة الأصحاب ج 1/ 250. والبيهقي في سننه الكبرى ج 8 ص 239 حديث رقم: 16842 بزيادة "قال الشيخ رحمه الله: كان حدها الرجم فكأنه رضى الله عنه درأ عنها حدها للشبهة بالجهالة وجلدها وغربها تعزيرا والله أعلم." وفي معرفة السنن والآثار: "قال أحمد: كان حدها الرجم لأنها كانت قد عتقت وكانت ثيبا، فكأنه رضي الله عنه لما أدراً عنها الرجم للشبهة بالجهالة رأى أن يحدها حد الأبكار تعزيرا. والله أعلم" ح 5335. والمراد بقوله الشيخ وقوله أحمد البيهقي نفسه ومسند الشافعي 1/ 168 ح 809. ولا بن بطال في شرحه على (1/92)
صفحة 93
92
أدب القضاء في الإسلام
وعلى الحاكم أن ينظر إلى الخصم حين ينطق بالدعاوى أو الإقرار. ولا يتشاغل بشيء آخر؛ لئلا تنعكس معه الأمور، و يعزب عليه الفهم عن وضعه الصحيح فيدخله
الحيف ويحكم بالجور.
127
وإذا جلس إليه الخصوم أعرض عنهم قليلا حتى تجترئ قلوبهم وتنشط ألسنتهم ويتذكرون حججهم.
ويجب على الحاكم أن يُساوي بين الخصمين في الدخول عليه والجلوس أمامه والإقبال عليهما والنظر إليهما والاستماع منهما والإشارة إليهما والإنصات لأقوالهما حتى تنفذ كل واحد حجته.
وإن تهيأ له رجلان يجالسانه من أهل العلم والورع يحضران الحكم فإن زل أرشداه وإن غفل عن الحق أخبراه ويقوّمان الخصوم فهو أسلم له دنيا وأخرى للعدل بين
الخصوم.
روى ابن أبي شيبة في مصنفه في القاضِي هل يجالسه أحد على القضاء. حدثنا ابن أبي زائدة عن إسماعيل بن أبي خالد قال: رأيت شريحا يقضي وعنده أبو عمرو الشيباني وأشياخ نحوه يجالسونه على القضاء.
حدثنا ابن إدريس عن أبيه قال: رأيت محارب بن دثار وحمادا والحكم وأحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، ينظر إلى الحكم مرة، وإلى حماد مرة، والخصوم بين يديه.
البخاري قال ابن شهاب: وقد كانت نكحت غلامًا لمولاها ثم مات عنها إلا أنها كانت تصلي مع المسلمين، فجعل عمر في هذا الحديث التعزير بمائة؛ لأنه كان عليها علم الأشياء المحرمة، وغربها زيادة في العقوبة، كما غرب في الخمر. قال ابن القصار: وقد روي أن معن بن زائدة زوّر كتابًا على عمر ونقش مثل خاتمه، فجلده مائة، ثم شفع له قوم، فقال: أذكرتني الطعن وكنت ناسيا، فجلده مائة أخرى، ثم جلده بعد ذلك مائة. ج 8/ 486.
126 - وقد نظمت (المادة 104 من قانون الإجراءات ذلك. (1/93)
صفحة 94
أدب القضاء في الإسلام
93
حدثنا حفص عن الاعمش قال: قال لي القاسم: اجلس إلي - وهو يقضي بين
الناس.
128
و يُستحب له أن ينظر بين القادمين أولاً من الخصوم.
وإن أمكنه النظر والحكم بين الخصوم فلينظر بينهما ولا يؤخر ذلك، ويستحب له أن يقعد للناس إلى أن ينتصف النهار، ولا يزيد على ذلك كي لا يدخله الملل والسأم وضعف القوة فيؤدي به ذلك إلى انشغال النفس عن فهم الأمور على وجهها الصحيح، فيحكم بخلاف الحق.
129
وكره بعض الفقهاء الجلوس في المسجد للقضاء؛ لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنه قَالَ: جَنِبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ وَمَجَانِينَكُمْ وَشِرَاءَكُمْ وَبَيْعَكُمْ وَخُصُومَاتِكُمْ وَرَفْعَ أَصْوَاتِكُمْ وَإِقَامَةَ حُدُودِكُمْ وَسَلَّ سُيُوفِكُمْ وَاتَّخِذُوا عَلَى أَبْوَابِهَا الْمَطَاهِرَ وَجَمَرُوهَا فِي الْجُمَعِ. والذي عليه الجمهور جواز القضاء في المسجد وفي كل مكان يمكن فيه القضاء من المصر الذي استقضي عليه كان في بيته أو في طريق أو غيره؛ إن احتيج إلى ذلك، إلا أنه إن قضى في المسجد فلا ينفذ فيه التعزير والحدود؛ خشية إيذائه بما لا يليق به، وليحذر فيه من اللغط ورفع الأصوات. 130
128 - ابن أبي شيبة المصنف ح 2258 - 22540 ط دار القبلة. 127 - الطبراني في معجمه الكبير ج 8 ص 132 ح 6701 عن مكحول عن أبي الدرداء وأبي أمامة وواثلة بن الأسقع قالوا سمعنا رسول الله ... الحديث، و السنن الكبرى للبيهقي وفي ذيله الجوهر
النقي 103/ 10 ح 20765 وابن ماجة باب ما يكره في المساجد. ج 1 ص 247 ح 750. وغيرهم 128 - وقد عمدت الحكومة الرشيدة - وكما هو الشأن في سائر الحكومات المعاصرة - إلى تخصيص مكان خاص بالمحاكمة وما يتبعها من احتياجات تعنى بحل النزاع بين الناس، تفاديا لكثير من المحاذير وتنظيما محكما للموضوع تحت مسمى (المحكمة .. ) وآخر للكتاب بالعدل. وهو من أعظم المصالح التي تعنى بخدمة المواطنين. (1/94)
صفحة 95
94
أدب القضاء في الإسلام
131
ويؤمر الحاكم أن يتخذ كاتبا عدلاً مسلماً أمينا له معرفة بالفقه وقواعد الكتابة. ويؤمر الحاكم أن يشاور في أمره العلماء العارفين بلغة العرب وبكتاب الله وسنة نبيه وآثار السلف الصالح واختلاف أقاويلهم.
فقد ثبت ذلك بالكتاب والسنة والإجماع وله فضائل كثيرة وفوائد عظيمة لا يستطاع حصرها.
وكفى بذلك أن الحق سبحانه جل جلاله وعظم سلطانه أمر بالشورى نبيه حيث قال مخاطبا له: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)
آل عمران.
صلے
و قال جل شأنه واصفا لعباد الله المؤمنين: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْتَهُمْ يُنفِقُونَ
الشورى.
وأن يجتهد في مطالعة كتب العلم بجميع أصنافها فإنها توصله إلى نيل معرفة الصحيح من آراء المسلمين وأحكامهم، ولا يعتمد على حفظ بعض المسائل فقط خشية أن يخرج عن الصواب ويتحمل في ذلك مسؤولية العتاب في الدنيا ويوم الحساب، فيهلك بالعذاب؛ إن لقي الله خاليا من صحيح الجواب.
132
وقد نظم ذلك قانون السلطة القضائية الصادر بالمرسوم السلطاني 1999/ 90 م و تعديلاته؛ المواد من 1 - 7. فقد نظم المحاكم وترتيبها ونطاق اختصاصها.
129 - وقد نظم قانون الإجراءات ذلك في مادته رقم: 25.
13 - ينظر أيضا نظام الدوائر من قانون السلطة القضائية، المادة 2 و 5 و 6 فقد نصت على هيئة الحكم وعدد القضاة المطلوب توافرهم في الجلسة ففي العليا خمسة قضاة، وفي الاستئناف والدائرة الثلاثية في المحكمة الابتدائية ثلاثة وما ذلك إلا لأجل التشاور ودراسة الأمور وفهمها على الوجه اللائق بها، لكي يصدر الحكم خاليا من الشوائب. (1/95)
صفحة 96
أدب القضاء في الإسلام
95
ولا يطلب الولاية، ويكره الدخول في القضاء لمن يخاف العجز عن القيام به، ولا بأس به لمن يثق من نفسه القدرة على أداء فرضه، ومن تعين له تفترض عليه الولاية، كما سبق الكلام عليه.
فإذا قُلّد القضاء طلب ديوان القاضي الذي قبله، ونظر في سجلاته، وعمله في الودائع وأموال الوقف واليتامى والغياب وناقصي الأهلية بما تقوم به البينة أو باعتراف من هو في يده، ولا يعمل بقول المعزول المجرد من الكتابة إلا أن يكون هو الذي سلمها إليه.
وكل بينةٍ سمعها الحاكم، أو حُكْمٍ دخل فيه ثم مات أو عزل وأشهد عليه الحاكم عدولا قبل أن يموت أو يعزل وأسلمه إلى الحاكم الذي خلفه أخذ به و بنى عليه.
134
133
وكان
وقد تولى ابنُ محبوب له القضاء في صحار بعد العلامة سليمان بن الحكم قد دخل في حكم فمرض قبل أن يكمله؛ فبَنَى العلامة ابنُ محبوب على ما كتبه القاضي العلامة سليمان بن الحكم الذي سبقه ولم ينقضه و الذي ينبغي على الحكام أن يشهدوا العدول على أحكامهم التي حكموا بها للناس من الفرائض والأيمان والأموال ونحو ذلك في أيام جواز ذلك منهم ويؤخذ بذلك بعد
زوالهم.
131 - انظر ترجمته في السعدي معجم الفقهاء والمتكلمين ج 2 ص 138 - 139 و البطاشي الإتحاف ج 1 ص 23 فما بعدها والنور السالمي التحفة 1 ص 162 132 - ينظر ابن جعفر الجامع ج 4 ص 46 والكندي بيان الشرع ج 28 ص 124 ط الأولى وزارة التراث وابن محبوب حياته وآثاره ص 156 المؤلف سليمان با بزير: ط الأولى وزارة التراث. (1/96)
صفحة 97
أدب القضاء في الإسلام
و للحاكم أن يعود المرضى، ويُشَيّعَ الجنائز، ويأتي مقدم الغائب، لأن النبي كان يفعل ذلك كله. 135
133 - ينظر المنهج مرجع سابق. (1/97)
صفحة 98
أدب القضاء في الإسلام
97
?
المطلب الثاني ما يجب على القاضي الحذر منه
لما كان لابد لحوادث الزمان من أن تكون مشتركة بين البشر رجالهم ونسائهم، إذ ليست حوائج الدهر مقصورة على الرجال فقط، وكان للمرأة ميزة خاصة بها؛ لما منحها الله من خصوصية، والمحافظة عليها محافظة على الشرف والدين والعرض؛ وهي من أعلى واجبات الإسلام
فقد اهتم الإسلام بالمرأة اهتماما بالغا؛ محافظة على ذلك، وطهارة للأرض من براثن الفساد ودواعي الشيطان اللعين، فأمر كلا من الرجل والمرأة بالمحافظة على العفة والكرامة، وأنزل لذلك في كتابه العزيز آياتٍ عدةً خالدا حكمها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فقد قال عز من قائل: قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَرِهِمْ وَتَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ
ذَالِكَ أَزْكَى هُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ: وَقُل لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَابِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَابِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَا بِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُنَّ أَوِ التَّبِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطَّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا تُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (سورة
النور 30 - 31)
وقال: {يَتَأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ
أدْنَ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) الأحزاب. (1/98)
صفحة 99
98
137 "
أدب القضاء في الإسلام
ولم ة ة ا كان من أخطر الأمور وأقبح القبائح على المؤمن الخلوة بالمرأة الأجنبية كونها مفتاح البلاء وسبب الفحشاء؛ نهى الرسول الله عنها حيث قال: "لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ "136، ولخطورتها على الفرد والمجتمع حذَّر الرسول صلى الله عليه وسلم من مغبتها في قوله: "لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ .. 137 وحيث إنَّ موقف القاضي في ذلك أشدُّ من غيره، والمحافظة على شرفه وشرف المنصب الذي هو فيه من أعظم واجباته وكثيرا ما يكون مستهدفا من ضعفاء النفوس وأصحاب القلوب المريضة؛ فليحذر الخلوة بالنساء؛ فإنها عار ودمار، ووصمة عليه وشنار طريق إلى هتك ستره والنيل من كرامته وبره، سبيل إلى رميه بالتهم والموبقات وسائر الفواحش المهلكات، وإلصاقه بكثير من المنكرات، بما هو منه بريء، لولا دخوله مواطن الريبة والتهمة، ومن دخل مواطنَ النُّهم اتهم، وقد كان يعلمهن ويفتيهنَّ ويقضي لهن وعليهن بحضرة أحد أزواجه أو ذا محرم منهن، مع أنه الطاهر المصون المطهر من جميع ما يكدر أو يشين المؤيد بالعصمة على ذلك من رب
العالمين. وحرّمت الخلوة بالأجنبية مهما كان السبب لقوله عليه السلام: "لا يخلون رجل بامرأة
134 - أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وأحمد و البيهقي وغيرهم. 135 - أخرجه بهذا اللفظ كل من النسائي في الكبرى والترمذي في سننه والحاكم في المستدرك، والسيوطي في جمع الجوامع والمتقي الهندي في الكنز وغيرهم، و هو عند البخاري في صحيحه حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا عَمْرُو عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَةً وَاكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا قَالَ ارْجِعُ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ.
ونصه: (1/99)
صفحة 100
أدب القضاء في الإسلام
99
وما يدعيه الكثير من الناس من الحاجة الخاصة بها فهي دعوى واهية أوهى من خيط العنكبوت، والتساهل في ذلك مخالفة للمعصوم وخروج عن أمره، وارتكاب لنهيه وزجره، الذي حذر منه الحق سبحانه وتعالى قال: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ تُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةُ أَوْ يُصِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (3)
و قد ورد في الحديث: "لا حياء في الدين "؛ 138 إذ إنها لابد وأن تكون حاجتها إما في أمر دينها و لا حياء في الدين أو في أمر دنياها وذلك من باب أولى لا يبيح الخلوة بها. وليحذر مخالطة قرناء السوء وأصحاب التهم؛ فإنها سبيل إلى النيل من عفته وشرفه وطريق لهتك ستره، وسُلَّم للقدح فيه ورميه بما لا يليق بكرامته، وقد روي من طريق أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِل." 139 وعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ. 140
136 - إشارة إلى ما رواه الإمام الربيع بن حبيب الله في جامعه ونصه: " أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: جاءت امرأة إلى رسول الله الله فقالت: برح الخفاء يا رسول الله المرأة ترى في النوم ما يرى الرجل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها الغسل إذا أنزلت " وما روي عن أم المؤمنين رضي الله عنها أنها قالت: "رحم الله نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء من أن يتفقهن في الدين 137 - أخرجه أبو داود ج 259/ 4، رقم 4833 والترمذي في سننه ج 4/ص 589 ح 2378 وأحمد ح 8015 وغيرهم. 138 - البخاري في: كتاب الأدب: 96 باب علامة حب الله عز وجل. رقم: 5816 - 5819، ومسلم رقم 2639 - 2640 وأبو داود 333/ 4، رقم 5127، والترمذي ج 595/ 4، ح رقم 2385، وأحمد في مسنده ج 3718392/ 1 و 3 ص 200 13090 الطبراني في معجمه الكبير ج 8/ص 63 ح 7371 والأوسط: ح 3563، والهيثمي بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث ج 2 ص 990 ح
1106 وغيرهم. (1/100)
صفحة 101
أدب القضاء في الإسلام
فإنَّ من دخل مداخل التُّهم اتُّهم، ومن تعود شيئا عُرف به، ومن سلك مسلك أهل الريب والفجور فلا يلومن إلا نفسه، وعلى نفسها تجني براقش.
وفي ذلك يقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: " من علمنا منه خيراً قلنا فيه خيراً وظننا فيه خيراً وتوليناه، ومن علمنا منه شراً قلنا فيه شراً وظننا فيه شراً وتبرأنا منه
121"
139 - أثر موقوف على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الله الله أخرجه الإمام الربيع له في المسند الصحيح / ح ر 700، ونصه: أَبُو عُبَيْدَةَ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ عَلِمْنَا فِيهِ خَيْرًا قُلْنَا فِيهِ خَيْرًا وَظَنَنَّا فِيهِ خَيْرًا، وَمَنْ عَلِمْنَا فِيهِ شَرًّا قُلْنَا فِيهِ شَرًّا وَظَنَنَّا فِيهِ شَرًّا." قال النور السالمي في شرحه: قوله: "من علمنا فيه خيرًا: أي من شاهدنا منه أعمال الخير أو بلغنا عنه ذلك بشيء من طرق العلم قلنا فيه خيرًا: أي أثنينا عليه بما علمنا منه، أي أحسنًا الظنَّ بِهِ فيما خفي علينا من حاله، لأنَّ أفعاله الظاهرة دَلِيل على أحواله الباطنة، فلا تَتَخَلَّفُ السيرةُ والسريرة، لأنَّ حسن السيرة ثمرة حسن السريرة، فمن كان ذا سريرة حسنة صدرت منه سيرة حسنة، ومن خبثت سريرته ساءت سيرته، وإن سترها زمانًا فإنَّها تظهر أحيانًا ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم.
أي من ظهر لنا منه فعل الشرّ بالمشاهدة أو بالسماع، وَهُوَ الصحيح.
قوله: "ومن علمنا فيه شراً: ذممناه: أي: شرا، وذكرناه بما فيه من الشر، لأَنَّهُم شهداء على الناس. قوله: «قلنا فيه شَرًّا»: أي ساء ظنُّنا فيه حين علمنا منه الشرَّ لأنَّ العادة محكمة، ومن أكثر من شيء عُرف به.
إذا عرف الكذَّابُ بالكذب لم يكن ... يصدق في شيء و إن كان صادقًا
فلما عرف منه سوء حاله أثر في النفس سوء الظن به في سائر أحواله، ويقال: إنَّ قرائن الأحوال تغلّب أحد الجانبين، فإن ظهرت قرينة سوء وخبث ونكث العهد وما أشبه ذلك حصل معه سوء (1/101)
صفحة 102
أدب القضاء في الإسلام
101
الظن، وإن ظهرت قرينة صدق وصلاح ووفاء لم يظنَّ بِهِ ذلك وقوله تعالى: اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ الحجرات: 12 / يشير إلى هذا المعنى، وَهُوَ وجه الجمع بين هذا الأثر وبين ما تقدم من التحذير من سوء الظن، وجاءت أحاديث في الاحتراس بسوء الظنّ من الناس فتحمل على من ظهرت منه قرائن السوء، وَقِيلَ: إذا كان سوء الظنّ على طلب السلامة من الناس لم يأثم صاحبه. والله أعلم. شرح الجامع الصحيح لنور الدين السالمي باب ما جاء أنَّ سوء الظنِّ جائز فيمن عُرِفَ بالسوء. ج 518/ 3. ونص الأصل حسب نص حاشية الترتيب لأبي ستة، وقال معقبا عليه: "ففي هذا الأثر جواز ظنّ السوء بالمنافق للاحتراس منه مثلا، ولكن لا يجوز القطع بذلك لقوله: "إذا ظننتم فلا تحققوا"، كما تقدَّم. ويأتي. والله أعلم. أنظر ج 4 ص 105. ولأجل هذا أحدث أئمة العلم (علم الجرح والتعديل) قال القطب في شرح النيل " في باب التزكية والتجريح ج 13 ص 247 فما بعدها ط جدة: "فَقَوْلُهُ: قُلْنَا فِيهِ خَيْرًا تَزَكِيَةٌ، وَقَوْلُهُ: وَقُلْنَا فِيهِ شَرًّا تَجْرِيحٌ، فَأَخَذَ أَصْحَابُنَا التَّزَكِيَةَ وَالتَّجْرِيحَ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَلَيْسَ لَهُمَا ذِكْرٌ فِي كِتَابِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَلَا فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَكِنْ لَمَّا كَثُرَتْ شَهَادَةُ النُّورِ وَأَخْذُ الرِّشَا عَلَى الشَّهَادَةِ رَجَعَ الْقُصَاةُ يَسْأَلُونَ عَنْ عَدَالَةِ الشُّهُودِ. وَذَكَرُوا عَنْ شُرَيْحُ قَاضِي عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا أُمَيَّةَ إِنِّي رَأَيْتُكَ أَحْدَثُتَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ قَبْلَ الْيَوْمِ فِي تَزَكِيَةِ السِّرِ؟ فَقَالَ لَهُ شُرَيْحُ لَما رَأَيْتُ النَّاسَ أَحْدَثُوا أَحْدَثْتُ لَهُمْ وَفِي الْأَثَرِ: "تَزَكِيَةُ الشُّهُودِ لَمْ يَكُنْ عَن الرَّسُولِ وَلَا عَن الصَّحَابَةِ، قَالَ عُمَرُ: الْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ
عَلَى بَعْضٍ.
وَقَدْ نهي عَنْ التَّجَسُّس عَنْ الْعَوْرَاتِ، وَقِيلَ: السُّؤَالُ عَنْ الشُّهُودِ بِدْعَةٌ إِلَّا أَنَّهُ لَما ظَهَرَ النُّورُ وَأَخَذُ الْأَمْوَالِ بِالرِّشَا عَلَى الشَّهَادَاتِ أُمِرَ بِالسُّؤَالِ عَنْ الْعَدَالَةِ وَالْعِفَّةِ، وَيَكُونُ عَنْ حَالِ الرَّجُلِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي هُمْ فِيهِ لَا عَمَّا عَلَيْهِ قَبْلُ ... "
وفي الديوان ": ينبغي للقاضي أن ينصب المزكين لكل منزل من المنازل التي جرى عليها حكمه. ديوان الأشياخ كتاب القضا.
وعن خرشة بن الحر قال: "شهد رجل عند عمر بن الخطاب الله الله الشهادة فقال له: لست أعرفك ولا يضرك أن لا أعرفك إيت بمن يعرفك فقال رجل من القوم أنا أعرفه، قال: بأي شيء تعرفه؟ (1/102)
صفحة 103
102
أدب القضاء في الإسلام
المطلب الثالث في بعض مكروهات القاضي
يكره للحاكم: أن يبيع أو يشتري من أهل مملكته ما كان حاكماً؛ خشية ميول النفس ومحاباتها لمن يعامله، فيؤدي به إلى الجور في الحكم، فإنَّ النفس بطبيعتها ميَّالة إلى من أحسن إليها، ولكن يولي ذلك غيره ممن يثق به، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ما عدل وال اتجر في رعيته "142
و لا يقترض من أحد الخصوم ولا من أهل عمله ولا يستعير من أهل مملكته إلا من صديق كان يستعير منه أو يقترض من قبل أن يستقضى ولا يخاصم إليه في شيء.
قال: بالعدالة والفضل، قال: فهو جارك الأدنى الذي تعرف ليله ونهاره ومدخله ومخرجه؟ قال: لا، قال: فعاملك بالدينار والدرهم اللذين بهما يستدل على الورع؟ قال: لا، قال: فرفيقك في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق؟ قال: لا، قال: لست تعرفه ثم قال للرجل: إيت بمن يعرفك." الكنز ج 7 ص 27، ح 17798. تزكية الشهود) وهل تسقط تزكية الشهود بإسقاط المشهود عليه خلاف وعلة القول بعدم سقوطها أن الغالب عليها حق الله ولا تسقط بإسقاط المشهود عليه أنظر نور الدين السالمي جوهر النظام ج 3 (البينة) وقواعد الأحكام في مصالح الأنام ج 1/ 146. لابن عبد السلام (الفصل السادس: فيما يتقدم من حقوق الرب على حقوق عباده إحسانا إليهم في أخراهم و مجلة الأحكام العدلية ج 1
348 /
140 - أخرجه الطبراني في المعجم الكبير مسند الشاميين ج 2 ص 272 1322. وابن منيع، والحاكم في الكنى، وأبو سعيد النقاش في القضاة عن أبي الأسود المالكي عن أبيه عن جده، وأورده الحافظ في اللسان في ترجمة: أبو الأسود المالكي رقم 61 ج 10/ 7، وقال: قال أبو أحمد الحاكم: حديثه ليس بالقائم. وانظر السيوطي جمع الجوامع، والحافظ ابن حجر (المطالب العالية) وفي رواية لأبي نعيم بالإسناد المتقدم مِنْ أَخْوَنِ الْخِيَانَةِ تِجَارَةُ الْوَالِي فِي رَعِيَّتِهِ " الشيباني الأحاد والمثاني، ج 2 ص 91، و ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (159/ 5، رقم 2698، والطبراني في الشاميين ج 272/ 2، رقم 1323، و قال شريح: "شَرَطَ عَليَّ عمرُ حين ولاني القضاء: أن لا أبيع و لا أبتاع ولا أرتشي و لا أقضي و أنا غضبان." (1/103)
صفحة 104
أدب القضاء في الإسلام
143
103
و لا يقضي في دعوى فيها أحد ممن يتصل به بنسب أو مصاهرة أو وكالة أو صداقة، أو دعوى سبق أن أفتى فيها، أو اطلع عليها قبل الخصومة؛ خشية أن يدخله الحيفُ أو يدنسه الخصوم بما هو بريء منه. ولا يسار أحدا من الخصوم، ولا يلقنه حجته، ولا يضحك لأحدهما، ولا يمازحهما، ولا أحدهما، بل ولا ينبغي للحاكم أن يمازح أحداً في مجلس الحكم ولو من غير الخصوم، ولا يسار جليسا والخصماء أمامه؛ كي لا يدخل التهمة على نفسه، ولا يقبل هديَّةً من أحدٍ لم يكن بينهما صلة قبل القضاء، ولا يحضر دعوةً إلا العامة، ويعود المرضى، ويشهد الجنائز.
وَ يُكْرَه له الانقِبَاصُ المَانِعُ مِن القطع بِالحُجَّةِ، وَكَذَا اللّينُ الَّذِي لَا يُؤْمَنُ مَعَهُ مِنْ جِرْأَةِ الخُصوم عليه، وَأَنْ يُرَتِّبَ لِلشَّهَادَةِ قَوْمًا دُونَ غَيْرِهِمْ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ لِاسْتِوَاءِ الْعُدُولِ
في مُوجِبِ الْقَبُولِ، وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ مَشَقَّةً عَلَى النَّاسِ بِمَا يَلْحَقُ مَنْ كُلْفَةِ الاِقْتِصَارِ. وقد سبق كثير من هذا في الكلام على خروج القاضي لمجلس الحكم فليرجع اليه. ولا يفتي القاضي في الأحكام إذا سئل عنها خشية أن تُرَدَّ إليه للفصل فيها فيؤثّر عليه سابق علمه في القضية فيقع في الحرج المذموم، وكان شريح يقول: إنما أقضي ولا أفتي. وأما الفتيا في سائر أمور الدين غير الأحكام فلا بأس عليه إذا أفتى بعلم، و ليس للحاكم أن يُضيف أحد الخصمين دون الآخر؛ لما روى عن علي ابن أبي طالب أنه قال: نهانا رسول الله الله أن نُضيف الخصم إلا ومعه خصمه.
143 - وقد نظمت المواد: 51 فما بعدها من قانون السلطة القضائية، والمواد 142 فما بعدها من
قانون الإجراءات ذلك. (1/104)
صفحة 105
104
أدب القضاء في الإسلام
ويكره له استماع الدعاوى الباطلة والملفقة التي ليس من شأنها إلا إشغاله وإشغال المدعى عليه وتعطيل العدالة بما لا جدوى منه، كما يكره له أن يستدعي المدعى عليه إلا بعد أن يعرف دعوى المدعي هل مما يسمع من الدعاوى أم لا؟ كي لا يعطل أحدا على حساب آخر دون مبرر؛ لأن كثيرا من أنواع الدعاوى غير مسموعة بل منها ما لا يصح سماعها، وعمل قضاة زماننا على خلاف ما تقدم، فإذا أتى لهم شخص فقال لي دعوى على شخص يأمرون بإحضاره من غير أن يستفسروا المدعي عن دعواه ليعلموا صحتها من فسادها، وهذا منهم غفلة أو جهل. 4 ذلك أن الدعاوى على ثلاثة أضرب أحدها لا يجوز أن تسمع أصلاً ومثل ذلك أن يدعي رجل على رجل أنه وعده أن يهبه أو يتصدق عليه أو يدعي شيئاً لا يحل؛ كأن يدعي حقا مقابل خمر أو خنزير أو ربا أو زنا أو نياحة وما أشبه ذلك، أو يدعي رجلاً غريباً مشهور النسب أنه مملوكه، أو رجلاً أكبر منه سنا أنه ولده وأمثال هذا الذي لا يمكن أن
144
يكون، فلا تسمع فيه الدعوى ولا يطالب فيه المدعي بالبينة.
ودعوى مسموعة ويطالب فيها المدعي بالبينة؛ وذلك مثل: إنسان يدعي على آخر حقاً في مال أو متاع أو أصل من الأملاك أو الحيوان في يده ويمكن أن يكون له، فيطالب المدعي في ذلك بالبينة فإن أعجزها وطلب يمين المنكر كان له عليه اليمين. ودعوى مسموعة ولا يطالب فيها المدعي بالبينة؛ وذلك مثل رجل في يده رجل أو امرأة لا يعلم أمرهما إلا أنهما في خدمته ويصرفهما فيما يشاء وما يريد من أعماله ثم يدعيان الحرية فهما حران ولا يكلفان البينة على دعواهما، لأن الأصل الحرية، والعبودية طارئة، وقد كفانا الله شرها في هذا الزمان، فهي تذكر فقها ولا توجد في الواقع، وكذلك الرجل يطلق المرأة طلاقاً يملك فيه الرجعة فيردها بعد شهر فأكثر فتدعي انقضاء العدة فإنها تبين منه ولا تكلف على ذلك البينة؛ لان القول قولها هنا
142 - وقد نظم قانون الإجراءات جميع ذلك في باب رفع الدعوى والإعلان. (1/105)
صفحة 106
أدب القضاء في الإسلام
وهي مصدقة في ذلك وأمرها إلى الله، قال جل شأنه: (وَلَا هُنَّحِلُ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) البقرة 228.
وكذلك الرجل المسلم يكون له أولاد مسلمون ومشركون فيموت فيأتي أولاده من أهل الشرك قبل أن يقسم مال أبيهم ويدعون أنهم مسلمون قبل موت أبيهم فإنهم يرثون مع بنيه المسلمين ولا يكلفون البينة أنهم أسلموا قبل موت أبيهم وأشباه ذلك والله
أعلم. 145
143 - ينظر المنهج ج 5 ص 328 أدب القاضي. و 342) (القول السادس في الابتداء ومعرفة المدعي من المدعى عليه) ن مكتبة مسقط، والضياء ج 11 ص 28، أدب الحاكم، والفتح القدير لابن الهمام ج 6 ص 356، فما بعدها مرجع سابق، ونصب الراية؛ كتاب أدب القاضي ج 4 ص 60 فما بعدها، دار إحياء التراث العربي ط 3، والمبسوط للسرخسي كتاب أدب القاضي، ج 16 ص 60 فما بعدها ن دار المعرفة مرجع سابق، وتكملة حاشية رد المحتار لابن عابدين علاء الدين ج 2 ص 13.
6 (1/106)
صفحة 107
المطلب الرابع في تقليد القاضي لغيره
أدب القضاء في الإسلام
القضاء بالحق من أقوى الفرائض وأشرف العبادات والأولى أن يكون القاضي مجتهداً، فإن لم يوجد فيجب أن يكون ممن تجوز شهادته حكما، موثوقا به في دينه وأمانته وعقله وفهمه عالماً بمصادر التشريع الكتاب والسنة والإجماع، بالإضافة إلى ما يندرج تحتها من أدِلَّة؛ كالقياس، وطرق الاستدلال؛ كالاستصحاب، والعكس، والاستحسان، والمصالح المرسلة، والعادة، والعرف وطرق الدلالات؛ كالدال بدلالته أو بعبارته أو بإشارته، .. 146 وأحكام الفقه الإسلامي وما إلى ذلك، مما يؤهله للقدرة على حل مشاكل الخصوم ووضع الحق في موضعه. وَحَاصِلُهُ أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ حَدِيثٍ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالفِقْهِ لِيَعْرِفَ مَعَانِيَ الْآثَارِ أَوْ صَاحِبَ
فِقْهِ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالْحَدِيثِ لِئَلَّا يَشْتَغِلَ بِالْقِيَاسِ فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ.
وَقِيلَ: أَنْ يَكُونَ مَعَ ذَلِكَ صَاحِبَ قَرِيحَةٍ يَعْرِفُ بِهَا عَادَاتِ النَّاسِ لِأَنَّ مِنْ الْأَحْكَامِ مَا
يُبْتَنَى عَلَيْهَا.
فإن لم يكن مجتهدا فله أن يقلد العلماء المجتهدين الموثوق بهم في الدين، وأَنْ يَقْضِيَ بِفَتْوَى غَيْرِهِ إن كان ثقة أمينا؛ لأن مَقْصُود الْقَصَاءِ يَحْصُلُ بذلك وَهُوَ إِيصَالُ الْحَقِّ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ، وذلك إن ظهر له صوابه، وما لم يظهر له صوابه فلا. 147
144 - انظر أثر القواعد للباحث ج 1/طرق الدلالات.
145 - ومن ضمن ذلك المبادئ التي تقررها هيئة المبادي بالمحكمة العليا، فهي بمثابة السند القانوني للمحاكم الأدنى ما وافقت الحق. (1/107)
صفحة 108
أدب القضاء في الإسلام
107
وَيَنْبَغِي لِلْمُقَلِّهِ أَنْ يَخْتَارَ مَنْ هُوَ الْأَقْدَرُ وَالْأَوْلَى لما روي عنه عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "مَنْ قَلَّدَ إِنْسَانًا عَمَلًا وَفِي رَعِيَّتِهِ مَنْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُ فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَجَمَاعَةَ
الْمُسْلِمِينَ."
148 "
فإذا كان في تقليد العمل لا يصح إلا للموثوق به أمانة وديانة وعلما ودراية وخبرة، إلى غير ذلك، فمن باب أولى اشتراط ذلك في التقليد في العلم.
وفي حديث العرباض بن سارية أنه قال: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الصُّبْحَ ذَاتَ يَوْمٍ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ فَقَالَ قَائِلٌ:" يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِعٍ فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ فَقَالَ أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِن كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنكُمْ بَعدِي فَسَيَرَى احْتِلَافًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ فَتَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا
بِالنَّوَاجِدِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ 149 وفي حديث عبد الله بن مسعود قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ فَاخْتَارَ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم فَبَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ، وَانْتَخَبَهُ بِعِلْمِهِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ النَّاسِ فَاخْتَارَ أَصْحَابَهُ،
146 - انظر نصب الراية شرح أحاديث الهداية كتاب أدب القاضي. والحديث عند الحاكم في المستدرك بلفظ " مَنْ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى عِصَابَةٍ وَفِي تِلْكَ الْعِصَابَةِ مَنْ هُوَ أَرْضَى لِلَّهِ مِنْهُ فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَجَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ.
149
- رواه أبو داود "4607 4/ 200 - 201، والترمذي 2676 44/ 5 - 45، وابن ماجه "42، 43، 44"، وأحمد 4/ 126 - 127، والدارمي " 95 57/ 1، والحاكم 1/ 96 - 97، وابن أبي عاصم في السنة 27، 32، 54، 57 "، أخرجه البيهقي في معرفة السنن والآثار وأحمد مسند ابن مسعود والطبراني المعجم الكبير وغيرهم. واللفظ هنا للطبراني. الطحاوي شرح مشكل الآثار (3/ 223 - 1186 وابن عبد البر جامع بيان العلم وفضله (2/ 924 ح 1758 (1/108)
صفحة 109
108
أدب القضاء في الإسلام
فَجَعَلَهُمْ وُزَرَاءَ نَبِيِّهِ، وَأَنْصَارَ دِينِهِ، فَمَا رَأَىهُ الْمُؤْمِنُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ، وَمَا رَأَىهُ الْمُؤْمِنُونَ قَبِيحًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ قَبِيحٌ"
و 150
ورُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَلَّدَ عَلِيًّا قَصَاءَ الْيَمَنِ حِينَ لَمْ يَبْلُغُ حَدَّ الِاجْتِهَادِ فَعَنْ عَلِيِّ، قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى اليَمَنِ قَاضِيَّا، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ تُرْسِلُنِي، وَأَنَا حَدِيثُ السِّنِّ، وَلَا عِلْمَ لِي بِالْقَصَاءِ؟ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ سَهْدِي قَلْبَكَ، وَيُثَبِّتُ لِسَانَكَ، فَإِذَا جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْكَ الخَصْمَانِ فَلَا تَقْضِيَنَّ حَتَّى تَسْمَعَ مِنْ الْآخَرِ، كَمَا سَمِعْت مِن الْأَوَّلِ، فَإِنَّهُ أَحْرَى بِكَ أَنْ يَتَبَيَّنَ لَك الْقَصَاءُ، قَالَ: فَمَا زِلْت قَاضِيَّا، أَوْ مَا شَكَكْت فِي قَضَاءِ بَعْدُ
149 - أخرجه الطيالسي (246)، وأحمد 379/ 1، والبزار (1816)، والطبراني في " الكبير " (8583) و (8593)، والحاكم 78/ 3 - 79، وأبو نعيم في " الحلية " 375/ 1 - 376، والبغوي (105) من قول عبد الله بن مسعود، له وانظر: ابن عبد البر جامع بيان العلم وفضله (2/ 855) 1618. وابن رجب جامع العلوم والحكم تحقيق الأرنؤط (2 (101) شرح صحيح البخاري. لابن بطال (396/ 8) العيني عمدة القاري شرح صحيح البخاري (61/ 8) 150 - أخرجه أَحْمَدُ ج 90/ 1 ح 0 69، و ح 745، وح 882، وح. 121، و ح 1284، وأبو داود ح 3582، والترمذي ح 1331، والبيهقي السنن الكبرى 140/ 10 ح 20274 ومعرفة السنن والآثار (241/ 14) 19797 وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ،
والْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ فِي كِتَابِ الْفَضَائِلِ في مناقب علي ابن أبي طالب کرم اللہ وجہه ج 3 ص 135 وأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي " سُنَنِهِ في الأحكام باب ذكر القضاء ص 168، وعبد بن حميد في مسنده ج 1 ص 61 ح 94 عَنْ أَبِي الْبحْتَرِيّ؛ سَعِيد بْن فَيُروز عَنْ عَلِي قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فقلت يا رسول الله تبعثني وأنا شاب أقضي بينهم ولا أدري ما القضاء قال فضرب في صدري بيده وقال اللهم اهد قلبه وثبت لسانه قال فو الذي فلق الحبة ما شككت بعد في قضاء بين اثنين" وابن حنبل في فضائل الصحابة ج 2 ص 581 حديث رقم: 984 بزيادة" فقال ادن فدنوت". (1/109)
صفحة 110
أدب القضاء في الإسلام
109
ويُقبل كتاب القاضي إلى القاضي في كل حق لا يسقط بالشبهة، وفي النكاح والدين والغصب والأمانة والمضاربة والنسب والعقار وغيرها ولا يقبل إلا بينة أنه كتاب فلان القاضي، إلا أن يكون مختوما محكما بحيث لا يحتمل التزوير، ولا بد أن يكتب إلى معلوم فإن شاء قال بعد ذلك وإلى كل من يصل إليه من قضاة المسلمين، وإلا فلا ويقرأ الكتاب على الشهود، ويعلمهم بما فيه، ويختمه بحضرتهم ويحفظوا ما فيه، وتكون أسماؤهم داخل الكتاب بالأب والجد والقبيلة والصفة؛ إن كانت له صفة تميزه لولاها اشتبه بغيره.
فإذا وصل الكتابُ إلى القاضي المكتوب إليه نظر فيه فإن ثبت عنده أمضاه وإلا فلا. وإذا رفع إليه قضاءُ قاض أمضاه، إلا أن يُخالف الكتاب أو السنة أو الإجماع، ولا يجوز قضاؤه لمن لا تقبل شهادته له.
المطلب الخامس في رزق القاضي
من المعلوم ضرورة أن من عاش في هذه الحياة من بني آدم لابد له من عدة أشياء منها:
السكن الملائم والطعام والشراب والكساء والتطبيب إلى غير ذلك من سائر ضروريات الحياة، وهذه الضروريات لابد من اكتسابها والسعي لتوفيرها، والإنسان ملزم بذلك له ولمن يلزمه عَوْله، وإذ كان القاضي من جملة بني البشر فلا بد له من ذلك؛ وقد سبق الكلام أنَّ على القاضي أن يفرغ نفسه لهذه المهمة العظيمة، وأن لا
يأتي لمجلس الحكم إلا وهو صافي الذهن فارغ البال من سائر مشاغل الحياة. والسؤال الذي يفرض نفسه من أين مصدر رزقه الذي يوفر له سبيل العيش الكريم؟ ومَن المسئول عن ذلك؟ والجواب الذي لا يقبل الجدل: أنَّ رزق القاضي في بيت مال المسلمين، وينبغي أن يُعطى كلَّ ما يحتاج إليه ويوفر له ولمن يلزمه عوله (1/110)
صفحة 111
أدب القضاء في الإسلام
الراحة والطمأنينة وهدوء البال؛ لأنه أدعى للعدالة وأبعد له من الشبهة والحيف؛ كي لا يحتاج إلى غيره من بني جنسه، فتكون حاجته سببا لضعفه وجوره، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفرض للعمال من بيت مال المسلمين ما يراه كافيا لهم، وكذا خلفاؤه الراشدون
فعن شُرَيْحٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَمَالِي لَا أَرْتَزِقُ أَسْتَوْفِي مِنهُمْ وَأُوفِهِمْ أَصْبِرُ لَهُمْ نَفْسِي فِي الْمَجْلِسِ وَأَعْدِلُ بَيْنَهُمْ فِي الْقَضَاءِ.
وكان رَحِمَهُ اللَّهُ يَأْخُذُ كِفَايَتَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَرْزُقُهُ مِائَةَ دِرْهَمٍ عَلَى الْقَضَاءِ فَزَادَهُ عَلِيٌّ ههه؛ وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ عِيَالِهِ حَتَّى جَعَلَ لَهُ فِي كُلِّ شَهْرٍ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ وَلَعَلَّ عَاتَبَهُ بَعْضُ أَصْدِقَائِهِ عَلَى أَخْذِ الْأَجْرِ، وَقَالَ لَهُ احْتَسِبْ فَقَالَ شُرَيْحٌ فِي جَوَابِهِ مَا قَالَ وَمُرَادُهُ إِنِّي فَرَّغْت نَفْسِي عَنْ أَشْغَالِي لِعَمَلِ الْمُسْلِمِينَ فَأَخُذُ كِفَايَتِي مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ .. 152
وعَن شُرَيْحٍ أَنه قَالَ: «اشْترط عليَّ عمر حِين ولأني الْقَضَاء أَن لَا أبيع وَلَا أَبتاعٍ وَلَا أَقْضِي وَأَنا غَضْبَان» 153
والأصل في ذلك من كتاب الله قوله له في عمل الوصي في مال اليتيم (وَمَن كَانَ غَنِيًّا
صلے
فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) النساء.
وقوله في حق جباة الزكاة (وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا (التوبة فإنهم لما فرغوا أنفسهم للعمل في سبيل المسلمين استحقوا الكفاية في بيت المال.
فدل الكتاب والسنة والإجماع وعمل الأمة على إعطاء القاضي كفايته من بيت مال المسلمين، وفي ذلك دليل أن عَطاءَ الْقَاضِي لَا يُقَدَّرُ بِشَيْءٍ معين؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَجْرٍ فِي
150 - انظر المبسوط للسرخسي كتاب القسمة ج 15 ص 11، وكتاب القاضي للقاضي ج 16 ص 195. وابن الملقن البدر المنير في تخريج الأحاديث والأثار الواقعة في الشرح الكبير (603/ 9) 153 - ابن الملقن البدر المنير في تخريج الأحاديث والأثار الواقعة في الشرح الكبير (603/ 9) (1/111)
صفحة 112
أدب القضاء في الإسلام
111
الأصل وإنما سد لحاجته وحاجة من يلزمه عوله، وعلى حسب الزمان والمكان، وغلاء السعر، ورخصه.
وفِي البُخَارِيَ فِي بَاب رزق الْحَاكِم والعاملين عَلَهَا مَا نَصه «وَأَكل أَبو بكر وعمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما» وَفِي «سنَن الْبَيْهَقِي فِي أَبْوَاب قسم الْفَيْء وَالْغَنِيمَة مِن حَدِيثَ الْحَسن «أَن أَبا بكر الصديق خطب الناس حين استخلف ... » فَذكرهَا ثُمَّ قَالَ: «فَلَمَّا أصبح غَدا إِلَى السُّوقِ فَقَالَ لَهُ عمر: أَيْن تُرِيدُ؟ قَالَ السُّوق. قَالَ: قد جَاءَكَ مَا يشغلك عَن الشوق. قَالَ: سُبْحَانَ الله، يشغلني عَن عيالي. قَالَ: تفرض بِالْمَعْرُوفِ قَالَ: وَنَح عمر، إِنِّي أَخَافُ أَن لَا يسعني أن أكل من هَذَا المَال شَيْئا، فأنفق في سنتَيْن وَبَعض أُخْرَى ثَمَانِيَة آلاف، ثمَّ أَوْصَى بردهَا بعد موته فَرُدَّتْ، فَقَالَ عمر: رحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده تعبًا شَدِيدا» 154
15 - البدر المنير في تخريج الأحاديث والأثار الواقعة في الشرح الكبير (602/ 9) السنن الصغير للبيهقي (32/ 4، 2916 وفي معرفة السنن والآثار ح 13195 والأموال لابن زنجويه (2/ 597 ح 986 مختصرا، ونصه بالكامل في السنن الكبرى له: ج 6/ 574 - 13009 - وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنا محمد بن طاهر بن يحيى حدثني أبي ثنا محمد بن أبي خالد الفراء ثنا أبي ثنا المبارك بن فضالة عن الحسن: أن أبا بكر الصديق خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إن أكيس الكيس التقوى وأحمق الحمق الفجور ألا وإن الصدق عندي الأمانة والكذب الخيانة ألا وان القوي عندي ضعيف حتى أخذ منه الحق والضعيف عندي قوي حتى أخذ له الحق ألا واني قد وليت عليكم ولست بأخيركم قال الحسن هو والله خيرهم غير مدافع ولكن المؤمن يهضم نفسه ثم قال ولوددت أنه كفاني هذا الأمر أحدكم قال الحسن صدق والله وإن أنتم أردتموني على ما كان الله يقيم نبيه من الوحي ما ذلك عندي إنما أنا بشر فراعوني فلما أصبح غدا إلى السوق فقال له الله عنه أين تريد قال السوق قال قد جاءك ما يشغلك عن السوق قال سبحان الله يشغلني عن عيالي قال تفرض بالمعروف قال ويح عمر إني أخاف أن لا يسعني أن أكل من هذا المال شيئا قال فأنفق في سنتين وبعض أخرى ثمانية آلاف درهم فلما حضره الموت قال قد كنت قلت لعمر: إني أخاف أن لا يسعني أن أكل من هذا المال شيئا فغلبني فإذا أنا مت فخدوا من مالي ثمانية آلاف
رضي
عمر (1/112)
صفحة 113
112
أدب القضاء في الإسلام
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال أبو بكر الله حين احتضر انظري كل شيء زاد في مالي منذ دخلت في هذه الإمارة فرديه إلى الخليفة من بعدي قالت: فلما مات نظرنا فما وجدنا زاد في ماله إلا ناضحا كان يسقي بستانا له وغلاما نوبيا كان يحمل صبيا له، قالت: فأرسلت به إلى عمره قالت فأخبرتُ أنَّ عمر ه بكى وقال: رحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده تعبا شديدا. 155
وروي: «أَن أَبا بكر كَانَ يَأْخُذ من بَيت المال كل يَوْمٍ دِرْهَمَيْنِ» وروى ابن سعد بسند صحيح إلى ميمون الجزري والد عمرو، قال: لما استخلف أبو بكر جعلوا له ألفين،
قال: زيدوني؛ فإن لي عيالا، وقد شغلتموني عن التجارة، فزادوه خمسمائة. 156 وعن الأحنَفِ بنِ قَيس قال: كُنّا ببابٍ عُمَرَ بن الخطاب له نَنظُرُ أَن يُؤذَنَ لَنا، فَخَرَجَتْ جاريَةٌ فقُلنا: سُرِّيَّةُ أمير المؤمِنينَ فَسَمِعَتْ فقالت: ما أنا بسُرِيَّةِ أمير المؤمِنينَ، وما أَحِلُّ له، إنِّي لَمِن مالِ اللهِ تَعَالَى. قال: فذُكِرَ ذَلِكَ لِعُمَرَ بنِ الخطابِ، فدَخَلْنا عَلَيه فأخبرناه بما قُلنا وبما قالت فقالَ: صَدَقَتْ، ما تَحِلُّ لِي، وما هِيَ لي بسُرِيَّةٍ، وإِنَّها لَممِن مالِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وسأُخبِرُكُم بما أستَحِلُّ مِن هذا المالِ؛ أَستَحِلُّ مِنه حُلَّتَينِ حُلَّةَ لِلشَّتاءِ وحُلَّةً لِلصَّيْفِ، وَمَا يَسَعُنِي لِحَجِّي وَعُمْرَتِي وَقُوتِي وَقُوتِ أَهْلِ بَيْتِي، وَسَهْمِي مَعَ الْمُسْلِمِينَ كَسَهْمِ رَجُلٍ، لَسْتُ بِأَرْفَعِهِمْ وَلَا أَوْضَعِهِمْ. عَنِ اللَّاحِقِ بْنِ حُمَيْدٍ قَالَ: لَا بَعَثَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ له عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، وَعُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ إِلَى الْكُوفَةِ، بَعَثَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ عَلَى الصَّلَاةِ وَعَلَى الْجُيُوشِ، وَبَعَثَ ابْنَ مَسْعُودٍ عَلى الْقَصَاءِ وَعَلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَبَعَثَ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ عَلَى مِسَاحَةِ الْأَرْضِ جَعَلَ بَيْنَهُمْ كُلَّ يَوْمٍ شَاةً، شَطْرُهَا وَسَوَاقِطْهَا لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ،
درهم وردوها في بيت المال قال فلما أتي بها عمر الله قال رحم الله أبا بكر لقد اتعب من بعده تعبا
شديدا"
155 - أخرجه بهذا اللفظ البيهقي في سننه الكبرى 574/ 6 / 574 ح 13008 156 - السابق. والثاني أخرجه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" 3/ 138. 157 - السنن الكبرى للبيهقي (6/ 575) 13010 (1/113)
صفحة 114
أدب القضاء في الإسلام
113
وَالنِّصْفُ بَيْنَ هَذَيْنِ. قَالَ سَعِيدٌ: وَلَا: أَحْفَظُ الطَّعَامَ، قَالَ: " نَزَلْتُكُمْ وَإِيَّايَ مِنْ هَذَا المَالِ بِمَنْزِلَةِ وَالِي مَالِ الْيَتِيمِ، مَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ، وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ
بِالْمَعْرُوفِ، وَمَا أَرَى قَرْيَةً يُؤْخَذُ مِنْهَا كُلَّ يَوْمٍ شَاة إِلَّا كَانَ ذَلِكَ سَرِيعًا فِي خَرَابِهَا 158 عَامِرُ بْنُ شَقِيقٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا وَائِلٍ يَقُولُ: " اسْتَعْمَلَنِي ابْنُ زِيَادٍ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، فَأَتَانِي رَجُلٌ مِنْهُ بَصَتٍ فِيهِ: أَعْطِ صَاحِبَ الْمُطْبَخِ ثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَقُلْتُ لَهُ: مَكَانَكَ، وَدَخَلْتُ عَلَى ابْنِ زِيَادٍ فَحَدَّثْتُهُ فَقُلْتُ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ اسْتَعْمَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ عَلَى الْقَصَاءِ وَبَيْتِ الْمَالِ، وَعُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ عَلَى مَا يَسْقِي الْفُرَاتُ، وَعَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ عَلَى الصَّلَاةِ وَالْجُنْدِ، وَرَزَقَهُمْ كُلَّ يَوْمٍ شَاةً، فَجَعَلَ نِصْفَهَا وَسَقَطَهَا وَأَكَارِعَهَا لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ؛ لِأَنَّهُ كَانَ عَلَى الصَّلَاةِ وَالْجُنْدِ، وَجَعَلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رُبُعَهَا، وَجَعَلَ لِعُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ رُبُعَهَا، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ مَالًا يُؤْخَذُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ شَاةً، إِنَّ ذَلِكَ فِيهِ لَسَرِيعٌ قَالَ ابْنُ زِيَادٍ: ضَعِ الْمِفْتَاحَ وَاذْهَبْ حَيْثُ شِئْتَ 159 فانظر أخي الفرق بين العدل والجور والحق والباطل والصدع بكلمة الحق عند الطواغيت حتى ولو أدى إلى فقد الدنيا فهي معبر ليست بدار قرار عند أولي النهى
والأبصار.
10911
17."
الله
وعَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ السَّاعِدِي قَالَ: اسْتَعْمَلَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ عَنْهُ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا فَرَغْتُ أَمَرَ لي بِعُمَالَةٍ، فَقُلْتُ: إِنَّمَا عَمِلْتُ لِلَّهِ، قَالَ: " خُذْ مَا أُعْطِيتَ، فَإِنِّي قَدْ عَمِلْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ، فَعَمَّلَنِي وعن حُوَيْطِب بْن عَبْدِ الْعُزَّى أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ السَّعْدِي أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي خِلَافَتِهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَلَمْ أُحَدَّثْ أَنَّكَ تَلِي مِنْ أَعْمَالِ النَّاسِ أَعْمَالًا، فَإِذَا أُعْطِيتَ الْعُمَالَةَ كَرِهْتَهَا؟ قَالَ: فَقُلْتُ: بَلَى، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَمَا تُرِيدُ إِلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: إِنَّ لِي أَفْرَاسًا وَأَعْبُدًا وَأَنَا بِالْخَيْرِ، وَأُرِيدُ أَنْ
158 - السنن الكبرى للبيهقي 6/ 575 ح 13012 159 - السنن الكبرى للبيهقي (6/ 576 ح 13013 160 - السنن الكبرى للبيهقي 6/ 576 ح 13014 (1/114)
صفحة 115
114
أدب القضاء في الإسلام
161
تَكُونَ عُمَالَتِي صَدَقَةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: فَلَا تَفْعَلْ؛ فَإِنِّي قَدْ كُنْتُ أَرَدْتُ ذَلِكَ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ لا لا يُعْطِينِي الْعَطَاءَ فَأَقُولُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي، حَتَّى أَعْطَانِي مَرَّةً مَالًا، فَقُلْتُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "خُذْهُ فَتَمَوَّلُهُ أَوْ تَصَدَّقْ بِهِ، وَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ فَخُذْهُ، وَمَا لَا فَلَا تُثْبِعْهُ نَفْسَكَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي الْيَمَانِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. وعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ أَسْلَمَ أَنَّهُ قَالَ: لَمَا كَانَ يَوْمُ عَامِ الرَّمَادَاتِ وَأَجْدَبَتْ بِلَادُ الْعَرَبِ، كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: "مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عُمَرَ أَمِيرٍ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: إِنَّكَ لَعَمْرِي مَا تُبَالِي إِذَا سَمُنْتَ وَمَنْ قِبَلَكَ أَنْ أَعْجَفَ أَنَا وَمَنْ قِبَلِي، وَيَا غَوْثَاهُ " فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَقَالَ فِيهِ: ثُمَّ دَعَا أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ فَخَرَجَ فِي ذَلِكَ، فَلَمَّا رَجَعَ بَعَثَ إِلَيْهِ بِأَلْفِ دِينَارٍ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: إِنِّي لَمْ أَعْمَلْ لَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، إِنَّمَا عَمِلْتُ لِلَّهِ، وَلَسْتُ آخِذٌ فِي ذَلِكَ شَيْئًا. فَقَالَ عُمَرُ: " قَدْ أَعْطَانَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي أَشْيَاءَ بَعَثَنَا لَهَا، فَكَرِهْنَا ذَلِكَ، فَأَبَى عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَاقْبَلْهَا أَيُّهَا الرَّجُلُ فَاسْتَعِنْ بِهَا عَلَى دِينِكَ وَدُنْيَاكَ فَقَبِلَهَا أَبُو عُبَيْدَةَ 162 عَنِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَنْ كَانَ لَنَا عَامِلًا فَلْيَكْتَسِبْ زَوْجَةً، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ خَادِمٌ فَلْيَكْتَسِبْ خَادِمًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَسْكَنْ فَلْيَكْتَسِبْ مَسْكَنًا". قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أُخْبِرْتُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنِ اتَّخَذَ غَيْرَ ذَلِكَ فَهُوَ
163
غَالٌ أَوْ سَارِقٌ وللإمام الخليلي بصمات واضحة في رزق القاضي ومستحقاته في بيت المال ففي جوابه لقاضيه العلامة سيف بن حماد الخروصي ما نصه ... وأما إن كان مطمح
رضى عنه
161 - السنن الكبرى للبيهقي (6/ 576 ح 13015
162 - السنن الكبرى للبيهقي (577/ 6 ح 13016
163
- السنن الكبرى للبيهقي 577/ 6 ح 13018 (1/115)
صفحة 116
أدب القضاء في الإسلام
115
النظر لاستحقاقكم، فألف القرش حقيرة، ليست عن رد شكاية، ولكن اجعلوا ذلك
لله .. " 164
ذلك لأن الْقَضَاءَ بِالْحَقِّ مِنْ أَقْوَى الْفَرَائِضِ بَعْدَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ مِنْ أَشْرَفِ الْعِبَادَاتِ لِأَجْلِهِ أَثْبَتَ اللَّهُ تَعَالَى لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ اسْمَ الْخِلَافَةِ فَقَالَ جَلَّ جَلَالُهُ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ) وَأَثْبَتَ ذَلِكَ لِدَاوُدَ فَقَال: (يَندَاوُردُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي
1969
10
151 - من جواب من الإمام القاضيه المذكور لما سأله زيادة النفقة مؤرخ في 10 صفر 1360 هـ مخطوط ويوجد ضمن سيرة العلامة سيف بن حماد ص 99. والقرش نقد فضي نمساوي الأصل يزن 28 جراما من الفضة اتخذته عمان للتعامل النقدي حقبة من الزمن، ابتدأ التعامل به أواخر القرن الثامن عشر الميلادي وتوقف التعامل به في عمان عام م عند ما أعلن السلطان سعيد بن تيمور استبداله بالعملة الورقية الريال، واشتهر بالقرش الفرنسي - وفي ذلك الوقت ألف القرش له شأن عظيم، وفي هذا الوقت يساوي تسعة آلاف وخمسمائة ريال عماني حسب سعر السوق مع تدني سعر الفضة بحيث صارت سلعة من سائر السلع لا نقدا - ويسمى الدولار النمساوي أو الريال -النمساوي وهو يحمل صورة الملكة ماريا تريز ملكة النمسا، في وجه وفي الوجه الآخر شعار النمسا، وهذه هي صورته من الجهتين والذي يتضح من الصورة أنه مضروب عام 1780 م، فليتأمل جيدا وتجد نص رسالة الإمام له آخر البحث وهي بخط
يده
AUBO
REG
BURC
ARCE (1/116)
صفحة 117
116
أدب القضاء في الإسلام
الْأَرْضِ) ص / وَ بِهِ أُمِرَ كُلُّ نَبِيَّ مُرْسَلٍ حَتَّى خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ
اللهُ تَعَالَى إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَنَةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ تَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ (التوبة.
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ) التوبة/ وَهَذَا لِأَنَّ فِي الْقَضَاءِ بِالْحَقِّ إِظْهَارَ الْعَدْلِ وَبِالْعَدْلِ قَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَرُفِعَ الظُّلْمُ وَهُوَ مَا يَدْعُو إِلَيْهِ عَقْلُ كُلِّ عَاقِلٍ، وَإِنْصَافَ الْمَظْلُومِ مِنْ الظَّالِمِ وَاتِّصَالَ الْحَقِّ إِلَى الْمُسْتَحِقِ وَأَمْرًا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيَّا عَنْ الْمُنْكَرِ، وَلِأَجْلِهِ بُعِثَ الْأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ صلوات الله وسلامه عَلَيْهِمْ، وَ بِهِ
اشْتَغَلَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ والأئمة المهتدون رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. وهذا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، كَتَبَ إلَى أَبي مُوسَى الْأَشْعَرِي: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الْقَضَاءَ فَرِيضَةً مُحْكَمَةٌ وَسُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ .. " وقد تقدم.
وانظر عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لابن الأشتر بالملاحق؛ ففيه فوائد عظيمة بل خط له فيه خطة دولة بكاملها تعجز عنها دولة عصرية في وقتنا هذا الذي توفرت فيه جميع سبل العلم الحديث، والله في خلقه شؤون. (1/117)
صفحة 118
أدب القضاء في الإسلام
117
المبحث الخامس فيما يخص مجلس الحكم
وفيه ثلاثة مطالب
المطلب الأول في تعامل القاضي عند الخصوم
عن عَلِيَّ كرم الله وجهه، قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ بِرِسَالَةٍ، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَبْعَثُنِي وَأَنَا غُلَامٌ حَدِيثُ السِّنِّ، فَأَسْأَلُ عَنْ الْقَصَاءِ وَلَا أَدْرِي مَا أُجِيبُ؟ قَالَ: مَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ، أَنْ أَذْهَبَ َها أَنَا أَوْ أَنْتَ فَقُلْت إنْ كَانَ وَلَا بُدَّ فَأَنَا أَذْهَبُ. قَالَ: انْطَلِقُ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُثَبِّتُ لِسَانَك وَيَهْدِي قَلْبَكَ، إِنَّ النَّاسَ يَتَقَاصَوْنَ إِلَيْكَ، فَإِذَا أَتَاكَ الْخَصْمَانِ فَلَا تَقْضِ لِوَاحِدٍ حَتَّى تَسْمَعَ كَلَامَ الْآخَرِ، فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ تَعْلَمَ لِمَنْ الْحَقُّ 165
و للحاكم أن يهدد الخصمين بما لا يريد أن يمضيه؛ إذا أراد استكشاف أمرٍ خفي عليه، وبما لا يخرجه عن طور العدالة؛ لما روي عنه من طريق ابن عباس له في قضية الملاعنة بين هلال بن أمية وزوجه أنه قال: " إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ فَهَلْ مِنْ تَائِبٍ" وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ لله عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: " إِنَّ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَتَتْهُ امْرَأَتَانِ، قَدْ أكل أحدَ ابْنَهمَا الذِئْبُ، تَخْتَصِمَانِ في الابن الْبَاقِي فَقَضَى به لِلْكُبْرَى، فَلَمَّا خَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ قَالَ: كَيْفَ قَضَى بَيْنَكُمَا، فَأَخْبَرَنَاهُ، فَقَالَ: ائْتُونِي بِسِكِّينِ - قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَأَوَّلُ مَنْ سَمِعتهُ يَذْكُرُ السِّكِينَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِنَّمَا كُنَّا نُسَمِهَا الْمُدْيَةَ - قَالَتِ الصُّغْرَى:
لِمَ؟، قَالَ: نَشُقُهُ بَيْنَكُمَا، قَالَتْ: ادْفَعْهُ إِلَيْهَا، وَقَالَتِ الْكُبْرَى: شُقَّهُ بَيْنَنَا، فَقَضَى بِهِ
151 - أخرجه ابن حبان في كتاب القضاء ذكر أدب القاضي، والهيثمي في مورد الضمان والمتقي الهندي في الكنز، وأخرجه الحاكم في المستدرك من طريق ابْنِ عَبَّاسٍ بلفظ: قَالَ: "بَعَثَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلِيًّا إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ: عَلَّمْهُمْ الشَّرَائِعَ، وَاقْضِ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: لَا عِلْمَ لي بِالْقَضَاءِ، فَدَفَعَ فِي صَدْرِهِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ اهْدِهِ لِلْقَضَاءِ." (1/118)
صفحة 119
118
أدب القضاء في الإسلام
166 "
سُلَيْمَانُ لِلصُّغْرَى وقَالَ: لَوْ كَانَ ابْنَكِ لَمْ تَرْضَيْ أَنْ تَشْقِيهِ. ويندب له النصح لطرفي النزاع لما روي عنه صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ
النَّارِ.
167
وعن مُحَمَّد، أن شريحاً كان مما يقول للرجل: إني لأقضي لك، وإني لأظنك ظالماً، ولكن لا أقضي بالظن، وإنما أقضي بما يحضرني من البينة، وإن قضائي لا يحل لك شيئاً
حرم
الله عليك 168
153 - أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء: باب قول الله تعالى: وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ، و في الفرائض: باب إذا ادعت المرأة ابناً، ومسلم باب اختلاف المجتهدين" والطبراني في معجميه الكبير والأوسط وابن حبان في كتاب القضاء، والبيهقي في السنن الكبرى والنسائي في سننه باب نقض الحاكم ما يحكم به غيره .. " وفي رواية " يقطع " وفي أخرى " نشقه" مكان " تشقيه. وغيرهم. 154 - أخرجه الإمام الربيع في المسند والبخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد وغيرهم. 168 - القاضي وكيع أخبار القضاة 363/ 2) (1/119)
صفحة 120
أدب القضاء في الإسلام
119
ورد
المطلب الثاني في حكم القاضي بعلمه
الخلاف بين فقهاء الأمة في حكم القاضي بعلمه سواء عند السادة الإباضية أو فقهاء المذاهب الإسلامية الأخرى فهذا النور السالمي يقول: اختلف العلماء في الحاكم هل له أن يحكم بعلمه؟ المشهور المنع وقيل له إلا في الحدود، وإذا دعت الحاجة إلى الأخذ بخلاف المشهور لقطع الفساد عن العباد فذلك حسن وقد أمر به الإمام راشد بن سعيد بعض ولاته حين رأى الناس اندفعوا في ظلم بعضهم. وفي المنهج: وقيل: يجوز للحاكم أن يحكم بما علمه في الحين الذي يكون فيه حاكماً وأما علمه قبل أن يكون حاكماً، فلا يجوز أن يحكم به.
169
والفرق بينهما: أن ما علمه وهو حاكم إنما هو حق ثبت عنده وصح في مجلسه للحاكم، وأيضاً له أن يحكم في المصر حيث شاء وكل ما صح معه في مصره فكأنما صح معه في
مجلس الحكم وكل المصر مجالس له للحكم فلذلك جاز له أن يحكم بما علمه. وقيل: عِلْمُ القاضي أصح وأقوى من البينة؛ لأن البينة إنما توجب علماً ظاهراً، ويجوز أن ينقلب في باب من الأبواب لعلمنا بغلط الشهود وقلة ورعهم في باطنهم، وما علمه الحاكم لا ينقلب في الثاني، وقد تعبد الله الحاكم أن يحكم بما يعلم. قال الله تعالى: "إلا من شهد بالحق وهم يعلمون". 170
وشَرْطُ جَوَازِ الْحُكْمِ بِالْعِلْمِ أَنْ يَكُون الْحَاكِم مَشْهُورًا بِالصَّلَاحِ وَالْعَفَافِ
والصدق، وَلَمْ يُعْرَف بِكَبِيرِ زَلَّة وَلَمْ يُؤْخَذ عَلَيْهِ خَرِيَة بِحَيْثُ تَكُون أَسْبَابُ التَّقَى فِيهِ مَوْجُودَة وَأَسْبَابِ التُّهم فِيهِ مَفْقُودَة فَهَذَا الَّذِي يَجُوزِ لَهُ أَنْ يَحْكُم بِعِلْمِهِ.
155 - العقد الثمين للسالمي: الشهادة. وانظر: المادة 2 من قانون الإثبات.
156 - المنهج مرجع سابق. (1/120)
صفحة 121
120
أدب القضاء في الإسلام
و قَضاءُ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ مَحَلُّ خِلَافٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ في المذاهب الأربعة: فَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرُ الأَظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ، أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ فِي حُقُوقِ الْآدَمِينَ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ عِلْمُهُ قَبْلَ الْوِلَايَةِ وَبَعْدَهَا. وَهَذَا قَوْلُ شُرَيْحٍ وَالشَّعْبِيِّ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي عُبَيْدٍ
وَالأَظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَمَذْهَبُ الْإِمَامَينِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِعِلْمِهِ، سَوَاء فِي ذَلِكَ عِلْمُهُ قَبْلَ وِلَايَةِ الْقَضَاءِ أَمْ بَعْدَهَا، لَكِنَّ الشَّافِعِيَّةَ قَيَّدُوا ذَلِكَ بِمَا إِذَا كَانَ الْقَاضِي مُجْتَهِدًا - وُجُوبًا - ظَاهِرَ التَّقْوَى وَالْوَرَعِ - نَدْبًا - وَاشْتَرَطُوا لِنَفَاذِ حُكْمِهِ أَنْ يُصَرِّحَ بِمُسْتَنَدِهِ، فَيَقُولُ: عَلِمْت أَنَّ لَهُ عَلَيْكَ مَا ادَّعَاهُ، وَقَضَيْتُ، أَوْ حَكَمْتُ عَلَيْكَ بِعِلْمِي. فَإِنْ تَرَكَ أَحَدَ اللَّفْظَيْنِ، لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ. استدل القائلون بالمنع بِقَوْلِ النَّبِيِّ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَن بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ .. " فَدَكَ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا يَقْضِي بِمَا يَسْمَعُ، لَا بِمَا يَعْلَمُ، وَبِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم فِي قَضِيَّةِ الْحَضْرَمِي وَالْكِنْدِي شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ، لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلَّا ذَاكَ 171
و أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ أَبَا جَهْمِ بْنَ حُذَيْفَةَ مُصَدِّقًا فَلَاجَهُ رَجُلٌ فِي صَدَقَتِهِ فَضَرَبَهُ أَبُو جَهْمٍ فَشَجَّهُ فَأَتَوْا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا الْقَوَدَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَكُمْ كَذَا وَكَذَا، فَلَمْ يَرْضَوْا، فَقَالَ لَكُمْ كَذَا وَكَذَا، فَلَمْ يَرْضَوْا، فَقَالَ لَكُمْ كَذَا وَكَذَا، فَرَضُوا فَقَالَ النَّبِيُّ إِنِّي خَاطِبٌ الْعَشِيَّةَ عَلَى النَّاسِ وَمُخْبِرُهُمْ بِرِصَاكُمْ فَقَالُوا نَعَمْ فَخَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم إِنَّ هَؤُلَاءِ اللَّيْلِيِّينَ أَتَوْنِي يُرِيدُونَ الْقَوَدَ فَعَرَضْتُ عَلَيْهِمْ كَذَا وَكَذَا فَرَضُوا
157 - أخرجه أبو داود في سننه فيمن حلف يمينا ليقطع بها حقا، وأبو عوانة في مستخرجه في مبتدأ أبواب من الإيمان وفي الخبر الموجب بأصل الشيء، والبيهقي في معرفة السنن والآثار باب إذا تنازعا .. ، وأبو نعيم في معرفة الصحابة باب من اسمه ربيعة. (1/121)
صفحة 122
أدب القضاء في الإسلام
172
121
أَرَضِيتُمْ؟ قَالُوا: لَا. فَهَمَّ الْمُهَاجِرُونَ بِهِمْ فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَكْفُوا عَنْهُمْ فَكَفُوا، ثُمَّ دَعَاهُمْ فَزَادَهُمْ فَقَالَ: أَرَضِيتُمْ فَقَالُوا نَعَمْ. قَالَ: إِنِّي خَاطِبٌ عَلَى النَّاسِ وَمُخْبِرُهُمْ بِرِضَاكُمْ. قَالُوا نَعَمْ. فَخَطَبَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ أَرَضِيتُمْ قَالُوا نَعَمْ .. وَبِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ رَأَيْتُ حَدًّا عَلَى رَجُلٍ لَمْ أَخُذْهُ حَتَّى تَقُومَ الْبَيِّنَةُ. وَبِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ تَدَاعَى عِنْدَهُ رَجُلَانِ، فَقَالَ لَهُ أَحَدُهُمَا: أَنْتَ شَاهِدِي. فَقَالَ: إِنْ شِئْتُمَا شَهِدْتُ وَلَمْ أَحْكُمْ أَوْ أَحْكُمُ وَلَا أَشْهَدُ. وجْهُ المنع أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَأْخُذْ بِعِلْمِهِ هنا وكذلك أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، وَلِأَنَّ تَجْوِيزَ الْقَضَاءِ بِعِلْمِ الْقَاضِي يُفْضِي إِلَى تُهْمَتِهِ وَحُكْمِهِ بِمَا يَشْتَهِي وَيُحِيلُهُ عَلَى عِلْمِهِ، لَكِنْ يَجُوزُ اعْتِمَادُ الْحَاكِمِ عَلَى عِلْمِهِ بِالِاسْتِفَاضَةِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ أَظْهَرِ الْبَيِّنَاتِ، وَلَا يَتَطَرَّقُ إِلَى الْحَاكِمِ تُهْمَةٌ إِذَا اسْتَنَدَ إِلَيْهَا فَحُكْمُهُ بِهَا حُكْمٌ بِحُجَّةٍ لَا بِمُجَرَّدِ عِلْمِهِ الَّذِي لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ.
وَاسْتَدَلَ الْقَائِلُونَ بِالْجَوَازِ بأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم حكم بعلمه بين سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة في ابن وليدة زمعة وعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: احْتَصَمَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم رَجُلَانِ فَوَقَعَتِ اليَمِينُ عَلَى أَحَدِهِمَا، فَحَلَفَ بِاللهِ الَّذِي لاَ إلَهَ إِلا هُوَ مَا لَهُ عِنْدَهُ شَيْءٌ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إِنَّهُ كَاذِبٌ إِنَّ لَهُ عِنْدَهُ حَقَّهُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ حَقَّهُ، وَكَفَّارَةُ يَمِينِهِ
6
158 - أخرجه أبو داود باب العامل يصاب على يديه وابن ماجة الجارح يفتدي، وأحمد باقي المسند، والبيهقي والنسائي وعبد الرزاق في مسنده باب القود من السلطان، والطحاوي في المشكل حديث الليثيين، وابن أبي عاصم في الديات وغيرهم. وفي بعض الروايات: "لاحاه" مكان "لاجه" والمعنى: نازعه وخاصمه وتمادى معه في الخصومة. وانظر جهد المقل للباحث المسألة الخامسة عشرة في الكلام على التفصيل في الكسر. (1/122)
صفحة 123
122
أدب القضاء في الإسلام
مَعْرِفَتُهُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلا اللَّهُ، أَوْ شَهَادَتُهُ ...
173
وأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا قَالَتْ لَهُ هِنْدُ: إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ لَا يُعْطِنِي مِنْ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي، قَالَ خُذِي مَا يَكْفِيكَ وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ "174 فَحَكَمَ لَهَا مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ وَلَا إِقْرَارٍ؛ لِعِلْمِهِ بِصِدْقِهَا.
وجه الجواز أنَّ الرسول ل ل ل ا ل و حكم بعلمه فيما سبق ذكره؛ ولو لم يكن جائزا لم يحكم وَبِأَنَّهُ يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بِالْبَيِّنَةِ، فَيَجُوزُ الْقَصَاءُ بِعِلْمِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْبَيِّنَةِ لَيْسَ عَيْنَهَا، بَلْ حُصُولُ الْعِلْمِ بِحُكْمِ الْحَادِثَةِ. وَعِلْمُهُ الْحَاصِلُ بِالْمُعَايَنَةِ أَقْوَى مِنْ عِلْمِهِ الْحَاصِلِ بِالشَّهَادَةِ، لِأَنَّ الْعِلْمَ الْحَاصِلَ بِالشَّهَادَةِ عِلْمُ غَالِبِ الرَّأْيِ وَأَكْبَرِ الظَّنِّ وَالْحَاصِلُ بِالْحِسِ وَالْمُشَاهَدَةِ عَلَى الْقَطْعِ وَالْيَقِينِ، فَهُوَ أَقْوَى، فَكَانَ الْقَصَاءُ بِهِ أَوْلَى.
ويعترض على هذا الاستدلال بأنَّ النبي لم يحكم بعلمه في قضية سعد وعبد بن زمعة في ابن وليدة زمعة وإنما حكم باعتراف سعد بأنَّ أم الغلام كانت فراشا لزمعة والاعتراف أقوى الأدلة، إذ كان افتراشه لها مشهورا ولم ينكره سعد، وأما قضية زوجة أبي سفيان فكانت في واقعة البيعة وفي بعض رواياتها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تلا عليها: (وَلَا يَسْرِقَنَ الممتحنة،12 قالت هند لا أبايعك على السرقة فإني أسرق من زوجي فكف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مبايعتها حتى أرسل إلى أبي سفيان يتحلل لها منه.
175 "
159 - الحديث أخرجه أحمد في مسنده، والهيثمي في المجمع، أو غاية المقصد في زوائد المسند، وابن حجر في القول المسدد في الذب عن المسند، والنووي في المسند الجامع، وغيرهم. 160 - أخرجه البخاري في النفقات وفي الأحكام باب من رأى للقاضي أن يحكم بعلمه وفي الحكم
على الغائب، وابن ماجة فيما للمرأة من مال زوجها وأحمد حديث السيدة عائشة وغيرهم. 161 - ينظر الحاكم المستدرك على الصحيحين محمد بن عبد الله - أبوعبدالله النيسابوري تفسير سورة الممتحنة، الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت الطبعة الأولى، 1411 - 1990 م تحقيق: (1/123)
صفحة 124
أدب القضاء في الإسلام
123
وقد اختلف أهل العلم في تأويل هذه القصة التي لم يذكر فيها السرقة والاستحلال هل هي حكم من الرسول أم فتوى فقط وعلى فرض أنها فتوى فهي خارج عن الاستدلال، والدليل إذا طرقه الاحتمال سقط به الاستدلال. وأما رواية ابن عباس في قصة الرجلين فلا دليل فيها لأن الرسول حكم بالوحي لا بمجرد العلم إذ جاء فيه ما نصه: " .. فنزل جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: إنه كاذب إنَّ له عنده حقه. وأمره أن يعطيه حقه" كما مر آنفا. 176 وَمَذْهَبُ الْإِمَامِ أَبِي حنيفة: أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْقَاضِي فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ أَنْ يَقْضِيَ بِعِلْمِهِ الَّذِي اسْتَفَادَهُ فِي زَمَنِ الْقَصَاءِ وَفِي مَكَانِهِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْقَضَاءُ بِعِلْمِهِ الَّذِي اسْتَفَادَهُ فِي غَيْرِ زَمَنِ الْقَضَاءِ، وَفِي غَيْرِ مَكَانِهِ، أَوْ فِي زَمَنِ الْقَصَاءِ فِي غَيْرِ مَكَانِهِ، وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّ هُنَاكَ فَرْقًا بَيْنَ العِلمَينِ، فَإِنَّ العِلمَ الَّذِي اسْتَفَادَهُ فِي زَمَنِ القَصَاءِ وَمَكَانِهِ عِلْمٌ فِي وَقْتٍ هُوَ
مصطفى عبد القادر عطا مع تعليقات الذهبي في التلخيص، وسبل السلام للصنعاني ج 3 ص 220 باب النفقات وفتح الباري لابن حجر العسقلاني باب حفظ المرأة زوجها في ذات يده، وباب إذا لم ينفق الرجل فلها أن تأخذ، والتلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى: 852 هـ ج 4 ص 152، و البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير لابن الملقن سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الشافعي المصري المتوفى: 804 هـ ج 8 ص 595. 162 - إضافة إلى المراجع السابقة مباشرة ينظر شرح الجامع للنور السالمي ح 89 ج 3 ص 269 فما بعدها وشرح النيل ج 9 ص 210 ط جدة، و إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام لتقي الدين أبو الفتح محمد بن علي بن وهب بن مطيع القشيري المعروف بابن دقيق العيد (المتوفى: 702 هـ تحقيق: مصطفي شيخ مصطفي و مدثر سندس الناشر: مؤسسة الرسالة الطبعة الأولى 1426 هـ - 2005 م ج 1 ص 465 وشرح النووي على صحيح مسلم قضية هند ج 12 ص. 10 ط 1 تحقيق رضوان جامع. (1/124)
صفحة 125
124
أدب القضاء في الإسلام
مُكَلَّفٌ فِيهِ بِالقَضَاءِ، فَأَشْبَهَ الْبَيِّنَةَ الْقَائِمَةَ فِيهِ، وَالعِلمُ الَّذِي اسْتَفَادَهُ قَبْلَ زَمَنِ القَصَاءِ هُوَ فِي وَقْتٍ غَيْرُ مُكَلَّفٍ فِيهِ بِالقَضاءِ، فَأَشْبَهَ الْبَيِّنَةَ القَائِمَةَ فِيهِ.
وَقَالَ الْمُخَالِفُونَ: إِنَّ الْعِلْمَ فِي الْحَالَيْنِ سَوَاءُ
وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ الْمُعْتَمَدَ عَدَمُ حُكْمِ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ فِي زَمَانِنَا لِفَسَادِ قُضَاتِهِ. وَمَا قَالَهُ الْمُتَأَخِرُونَ مِنْ جَوَازِ قَضَاءِ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ هُوَ بِخِلَافِ الْمُفْتَى بِهِ وَذَهَبَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى جَوَازِ قَصَاءِ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ الَّذِي يَحْصُل بَيْنَ يَدَيْهِ فِي مَجْلِسِ الْقَصَاءِ، كَالْإِقْرَارِ. وَلَكِنَّ ذَلِكَ فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَ حُكْمًا بِعِلْمِ الْقَاضِي، وَإِنَّمَا هُوَ حُكْمٌ مَبْنِيٌّ عَلَى
الإقرار.
177
و أيضا فإنَّ ما ثبت عنده أثناء الخصومة: إما بإقرار المدعى عليه وهو أقوى الحجج، فحكمه هنا بالإقرار لا بعلمه، وإما بشهادة العدول فكذلك، وأما خارج زمان ومكان الحکم فہو شاهد فقط. فظهر من هذا كله أن القاضي لا يحكم بمجرد علمه الشخصي الذي علمه قبل مكان وزمان الخصومة، وأما في مكان وزمان الخصومة فلا
يعتبر حكما بعلمه وإنما بالحجة الثابتة بإقرار أو شهادة .. "
163 - انظر: الموسوعة الفقهية ومطالب أولي النهى للرحيباني الحنبلي ج 6 ص 510. (1/125)
صفحة 126
أدب القضاء في الإسلام
125
المطلب الثالث في تحكيم الحكمين
لما كان أمر الزوجين والاطلاع على ما بينهما من خلاف له من الخصوصية والآداب التي يجب اتخاذها؛ وذلك لعدم الاطلاع على أسرارهما إلا بالقدر الذي يحقق رأب الصدع وتبديد هوة الخلاف؛ سواء أكان بجمع شملهما ومحو آثار الشقاق بينهما، أو بالانفصال بالمعروف، فقد جاء الأمر من الشارع بتحكيم الحكمين - في حال الخلاف بين الزوجين وعدم ظهور المحق منهما من المبطل - في كتاب الله وعمل فقد قال جل شأنه: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا) النساء.
وَيُشْتَرَطُ فِي الْحَكَمَيْنِ: التَّكْلِيفُ، وَالْإِسْلَامُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالْعَدَالَةُ، وَالِاهْتِدَاءُ إِلَى الْمَقْصُودِ لما بُعِثَا لَهُ، وأن يكونا من أسرتيهما إن توفر ذلك ليستقصيا أسباب الخلاف ويستشفا عمقه وأبعاده فينظرا ببصيرتهما أنجع الدواء وأقطعه بما يشفي أمرهما؛ سواء بالجمع بينهما ورأب صدعهما وإزالة آثار شقاقهما، أو بالتفريق بينهما إن رأيا استحكام الأمر واستفحال الخطر وعدم إمكانية الألفة بينهما. وَإِنْ اخْتَلَفَ رَأْيُهُمَا بَعَثَ الْقَاضِي اثْنَيْنِ غَيْرَهُمَا حَتَّى يَجْتَمِعَا عَلَى شَيْءٍ، فَإِنْ لَمْ يَرْضَ الزَّوْجَانِ بِبَعْثِ الْحَكَمَيْنِ وَلَمْ يَتَّفِقَا عَلَى شَيْءٍ أَدَّبَ الْقَاضِي الظَّالِمَ مِنْهُمَا وَاسْتَوْفَى لِلْمَظْلُومِ حَقَّهُ.
و قد اختلف الفقهاء في الحكمين هل هما محكمان بمعنى أن لهما أن يفرقا إن أرادا التفريق ويحكم القاضي بما أمضياه عليهما؛ وذلك إن رأيا تعذر الألفة واستمرار الشقاق بينهما وعدم جدوى بقائهما معا؛ أم هما شاهدان - فقط عليهما - أو وكيلان لهما؛ وليس لهما التفريق بل الإصلاح وتبديد مواطن الشقاق، قال بالأول جملة من (1/126)
صفحة 127
126
أدب القضاء في الإسلام
الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين كما قال بالثاني آخرون رجح علامة العصر الشيخ المحقق أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة الأول لأدلة ذكرها في تحكيم الحكمين.
أمَّا إِنْ ظهر للقاضي المحقُّ من المبطل فليس عليه إلا أنْ يُؤْصل المحقَّ إلى حقه ويَرُدَّ المبطل إلى صوابه، والأولى أن يحكم بالتطليق - إن ظهر له موجبه - من غير تنفيذ الطلاق؛ سلامةً له لأجل فتح باب نظر الموضوع من سائر درجات التقاضي؛ خشية فوات الأمر والدخول في مشكل النظر في الموضوع، وسلامة له من المسؤولية، والأصل في الحكم بالفرقة عدم رد الزوجة شيئا مما أخذته إن تم الدخول وكان الشقاق من الزوج، بل يحرم على الزوج أخذ شيء منها إن كان سبب الشقاق منه لأن ذلك من العضل المحرم بنص كتاب الله فقد قال تعالى: (يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضٍ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا؟ وَإِنْ أَرَدتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجِ وَآتَيْتُمْ إِحْدَتْهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَنَا وَإِثْمًا مُّبِينًا (3) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ، وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيشَفًا غَلِيظًا (3)
أما إن كان الشقاقُ منها ورأى القاضي عدم إمكانية بقاء الألفة بينهما وضرورة التفريق فله أن يحكم بالفدية؛ وذلك بما دفعه الزوج من مهر أو أقل لا أن يكون أكثر من ذلك (1/127)
صفحة 128
أدب القضاء في الإسلام
127
لقوله لامرأة ثابت ابن قيس أما الزيادة فلا.178" وقد نظم قانون الأحوال
الشخصية ذلك في المواد 102 فما بعدها.
المبحث السادس التنفيذ
لا تقل آداب التنفيذ التي يؤمر القاضي بمراعاتها أهمية عن تلكم الآداب التي سبق ذكرها إن لم تكن هي الأولى بأن تراعى فيها الحقوق والواجبات والأخلاق؛ إذ أن التنفيذ فيه تقييد لحرية المنفذ ضده إما في المال أو النفس أو فيهما معا، إلى غير ذلك من سائر الأمور التي يشملها التنفيذ وكذا الحال في حق الطرف الآخر صاحب الحق المنفذ له، ولما كان الأمر كذلك فلا بد من اتباع ضوابط في ذلك توصل صاحب الحق
164 - أخرجه الدار قطني في النكاح. ح 3671، ونصه: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ النيسابوري حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أخبرني أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّ ثَابِتَ بنَ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ كَانَتْ عِنْدَهُ زَيْنَبُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ وَكَانَ أَصْدَقَهَا حَدِيقَةً فَكَرِهَتْهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "أَتَرُدِّينَ حَدِيقَتَهُ الَّتِي أَعْطَاكِ." قَالَتْ نَعَمْ وَزِيَادَةً. فَقَالَ النَّبي صلى الله عليه وسلم: «أَمَّا الزيَادَةُ فَلَا، وَلَكِنْ حَدِيقَتَهُ " قَالَتْ نَعَمْ. فَأَخَذَهَا لَهُ وَخَلَّى سَبِيلَهَا فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ ثَابِتَ بُنَ قَيْسٍ قَالَ قَدْ قَبِلْتُ قَضَاءَ رَسُولِ اللَّهِ. سَمِعَهُ أَبُو الزُّبَيْرِ مِنْ غَيْرِ وَاحِدٍ.
وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه ج 6 / ص 502. ح 11842، ونصه: عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قال لي عطاء: أتت امرأة نبي الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إني أبغض زوجي وأحب فراقه، قال: فتردي إليه حديقته التي أصدقك، وكان أصدقها حديقة، قالت: نعم، وزيادة من مالي، فقال النبي: أما زيادة من مالك فلا، ولكن الحديقة، فقالت: نعم، فقضى بذلك النبي صلى الله عليه وسلم على الرجل، فأخبر بقضاء النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: قد قبلت قضاء النبي صلى الله عليه وسلم." وانظر: فتاوى سماحة المفتي العام للسلطنة، كتاب النكاح "الخلع والفدية" وجوابه لرئيس المحكمة العليا بعنوان تحكيم الحكمين. وانظر أيضا أثر القواعد للباحث ج " الخلع" (1/128)
صفحة 129
128
أدب القضاء في الإسلام
إلى حقه، وترد المعتدي إلى حظيرة الصواب في الحدود التي رسمتها الشريعة الغراء، وترجمتها النظم الحديثة كي لا يضام أحد على حساب الآخر، فإذا ثبت الحق للمدعي وحكم القاضي به، وجب إيصال كل ذي حق إلى حقه، فعلى سبيل المثال ففي الحقوق المالية إن طلب صاحب الحق تسليم حقه أو حبس غريمه لم يحبسه وأمره بدفع ما عليه، فإن امتنع حبَسَه، فإن ادعى أنه معسر فهل يحبسه ويطلب البيان أم يخلي سبيله؟ خلافٌ بين الفقهاء في ذلك؛ مبني على قاعدة: "هل الأصل اليسار أم الإعسار؟ " فعلى القول بأن الأصل اليسار يحبس حتى يأتي ببينة على الإعسار، وعلى القول بأن الأصل الإعسار لا يحبس، وعلى مدعي اليسار، البينة، وقيل: بالتفصيل إن قال المدعي: هو مؤسر وهو يقول: أنا معسر، فإن كان القاضي يعرف يساره، أو كان الدين بدل مال كثمن مبيع أو قرض أو حق التزمه كالمهر والكفالة وبدل الخلع ونحوه؛ حبسه حتى ينفذ ما عليه، ولا يحبسه فيما سوى ذلك إذا ادعى الفقر، إلا أن تقوم البينة أن له مالاً فيحبسه، فإذا حبسه مدةً يغلب على ظنه أنه لو كان له مال أظهره، وسأل عن حاله فلم يظهر له مال خَلَّى سبيله، لقوله: (وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةً إِلَى مَيْسَرَةٍ) البقرة آية: 280
وقوله:" من أنظر معسرا أو وضع عنه أظله الله في ظله" 179
165 - أخرجه الإمام البخاري في من أنظر معسرا ومسلم في الزهد والرقاق ح 3528 حديث جابر الطويل والترمذي في البيوع ح 1227 وأحمد في مسند بني هاشم ح 2860 وفي باقي مسند المكثرين بزيادة " ومن يسر على معسر .. " ح 7118 و 8354 وفي مسند المكيين ح 14973، وفي مسند الأنصار ح 21892 و 21968 و الدارمي ح 2475 في من أنظر معسرا، وكذا الشهاب القضاعي، وأخرجه ابن ماجة في الأحكام ح 2418 في إنظار المعسر بلفظ " كان له بكل يوم صدقة ومن أنظره بعد حله كان له مثله في كل يوم صدقة والتحفة ح 2012، والبيهقي في السنن الكبرى والحاكم حديث إسماعيل بن جعفر والطبراني في الأوسط في عدة مواضع وغيرهم. (1/129)
صفحة 130
أدب القضاء في الإسلام
129
180"
وقوله: " من أحب أن يظله الله عز وجل في ظله فلينظر معسرا أو ليضع عنه وقوله: " مَن نَفَّسَ عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم
181
القيامة، ومن يسر على معسر في الدنيا يسر الله عليه في الدنيا والآخرة " 181 وقوله
: من نَفَّسَ عن غريمه أو محا عنه كان في ظل العرش يوم القيامة" 182
وفي المقابل قوله: "ليُّ الْوَاجِد يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ ..
183 "
والواجد هنا القادرُ على الأداء، واللي المطل، وَمِنْهُ قَوْلُ ذِي الرمة: تُطِيلِينَ لَيَّانِي وَأَنْتِ مَلِيَّةٌ وَأُحْسِنُ يَا ذَاتَ الْوِشَاحِ التَّقَاضِيَا.
?-
1 - أخرجه ابن ماجة في السنن ح 2419 والتحفة 11123 و أحمد في مسند المكيين ح و 14972 وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني والطبراني في المعجم الكبير وأخرجه البيهقي وأبو عوانة بلفظ " من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة الخ والطبراني في أخرى " مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَأْمَنَ مِنْ غَمَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَلْيَنْظُرْ مُعْسِرًا أَوْ لِيَضَعُ عَنْهُ ".
167 - أخرجه مسلم في الذكر ح 2699 و الترمذي في البر والصلة ح 1931 و 2946 وفي الحدود ح 1425 باب الستر على المسلم وأبو داود في الأدب ح 4946 وابن ماجة في المقدمة ح 225 مطولا باب من أحيا سنة قد أميتت وفي الأحكام باب إنظار المعسر ح 2417 مختصرا على المعسر والنسائي في الكبرى. 168 - أخرجه أحمد في باقي مسند الأنصار ح 21574 والبيهقي في الشعب فيما يقول العاطس، و الدارمي في من أنظر معسرا، وعبد بن حميد فيمن نفس عن غريمه 169 - أخرجه مسلم باب مطل الغني. ح 2950، وأبو داؤد: في الحبس في الدين. ح 3628، والنسائي في البيوع ح 4703 و 4704، وابن ماجة في الصدقات 2427 والتحفة 4838، وفي الحبس في الدين والملازمة فيه، وأحمد في مسند الشاميين ح 17267، وأول مسند الكوفيين ح 18637 و 18644، والبيهقي في الكبرى، والنسائي في الكبرى، والحاكم في المستدرك في لي الواجد، والطبراني في العجم الكبير، وابن حبان في صحيحه في استحقاق المماطل وأبو نعيم في معرفة الصحابة فيمن اسمه شداد، والطحاوي في المشكل باب بيان مشكل ما روي عنه عليه السلام من قوله: " لي الواجد يحل عرضه وعقوبته " تقدم وانظر شروحه في المصادر السابقة. (1/130)
صفحة 131
130
أدب القضاء في الإسلام
وهو مَصْدَرٌ لَوَى يَلْوِيْ لَيَاً والرَّجُلُ الأَلْوَى المُجْتَنِبُ الْمُعْتَزِلُ الذي لَا يُدْرَكُ مَا وَراءَ ظَهْرِهِ، الشديدُ الخُصومَةِ الجَدِلُ السَّلِيطُ الذي يَلْتَوِي على خَصْمِه بالحِجَّةِ ولا يُقِرُّ على شيءٍ واحِدٍ، والأُنْثَى لَيَاءُ ونِسْوَةٌ لِيَانٌ وإِنْ شِئْتَ لَيَاوَاتٌ. 184
و
والمراد به امتناعه عن أداء ما عليه بغير عذر. "يُحِلُّ عرضه" أي يُجِيزُ للدائنِ ذكرَه بالظلم و شكايته عند الحاكم، وعلى الحاكم الإنصافُ منه وله عقوبته، وقد استدل بهذا الحديث للأمرين معا، أي جواز ذكر القادر على الأداء الممتنع منه بالظلم، وعقوبته على نظر الحاكم، وعدم جواز ذلك في حق المعسر، فكما أنَّ إنظار المعسر واجب والزامه والتحايل عليه ظلم فمطل الغني ظلم. وقوله: "مَطْلُ الْغَنِي ظُلْمُ "185 وقوله" لزوم الفقير "حرام 186، والمراد بلزوم الفقير التضييق عليه في طلب الدين، فإنَّ من لزمه في ذلك مع العلم بأنه لا يجد الوفاء فقد آذاه وضيّق عليه وأذله، وفعل
ذلك في المعسر حرام.
187
170 - انظر في المعنى اللغوي المحيط في اللغة ما أوله اللام للصاحب بن عباد، والمخصص لابن سيدة ج 4 ص 252 كتاب الأضداد تحقيق: خليل إبراهم جفال، وتاج العروس فصل اللام ج 39 ص 489 ن دار الهداية
171 - أخرجه الإمام الربيع في المسند الصحيح ح 598 وأخرجه البخاري في الحوالة وفي مطل الغني ومسلم في تحريم المطل بزيادة " وإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِي فَلْيَتْبَعْ "وأبو داود في المطل والترمذي في مطل الغني وابن ماجة في الحوالة وأحمد في مسند عبد الله بن عمر وفي مسند أبي هريرة في عدة مواضع والنسائي في الكبرى والبيهقي في الكبرى والطبراني في الكبير، وغيرهم، وانظر شرح الجامع للنور السالمي شرح الحديث المذكور ج 3 ص 268. 172 - أخرجه الإمام الربيع في مسنده الجامع الصحيح كتاب الأحكام ح 591 أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن مسعود يقول: قال النبي: الحديث " وانظر شرح الجامع للنور السالمي شرح الحديث المذكور ج 3 ص 250 المرجع السابق.
173 - المرجع السابق الجامع الصحيح وانظر الشرح. (1/131)
صفحة 132
أدب القضاء في الإسلام
131
ويُضرِبُ له أجلا للاكتساب ويفرض عليه من كسبه.
وإن قامت البينة على يساره حبسه حتى يفي بما عليه، وإن كانت له أموال أجله لبيع العروض سبعة أيام وللأصول ثلاثة أسابيع وقيل يؤجله شهرا وقيل على نظر الحاكم إن كان من أهل النظر.
"فَمَنْ أُجِلَ فِي بَيْعِ مَالِهِ وَانْقَضَى الْأَجَلُ وَلَمْ يُحْضِرْ مَا عَلَيْهِ حُبِسَ حَتَّى يُؤَدِّيَهُ، فَإِنْ تَمَادَى فِي الْحَبْسِ وَلَمْ يُؤَدِ بَاعَ الْحَاكِمُ مِنْ مَالِهِ وَأَدَّى وَهُوَ رَأْيُ سُلَيْمَانَ، وَقِيلَ: يُحْبَسُ حَتَّى يَبِيعَهُ وَيُؤَدِّيَ، وَهُوَ رَأْيُ ابْنِ مَحْبُوبٍ. وَاخْتُلِفَ فِي الْمُدَّةِ (المدة التي يقضيها في الحبس) فَقَالَ سُلَيْمَانُ: إِلَى ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، وَ قِيلَ: يُحْبَسُ حَتَّى يَبِيعَ، وَإِلَّا بَاعَ الْحَاكِمُ وَقَضَى عَنْهُ وَأَشْهَدَ لِلْمُشْتَرِي 189
119"
واختلف في القدر الذي يُفرض عليه من كسبه قيل: الثلثان وقيل: النصف وقيل: الثلث. وقيل: ما فضل من حاجته وعياله بالمعروف، وهو الذي رجحه العلامة
الشقصي في المنهج.
190
فإن أراد الحاكم بيع مال المدين فلا يبعه إلا بالنداء فيمن يريد ويزيد وعلى الشهرة ". وَإِنَّمَا يُنَادِي عَلَى الْأُصُولِ ثَلَاثَ جُمَعٍ وَيُوجِبُ فِي الرَّابِعَةِ، وَعَلَى الْعُرُوضِ وَاحِدَةٌ، وَيُوجِبُ فِيهَا إِلَّا إِنْ أَوْجَبَ النَّظَرُ تَأْخِيرَ شَيْءٍ مِنْهَا عَنْهَا، وَمَعْنَى النِّدَاءِ فِيمَنْ يُرِيدُ إِظْهَارَ الْبَيْعِ لِكُلِّ مُرِيدِ الشِرَاءِ، فَإِذَا شَهَرَ النِّدَاءَ فَهُوَ غَايَةُ مَا يَجِبُ مِمَّا
174 - ينظر منهج الطالبين ج 6 ص 110 الفريضة على المدين، ن مكتبة مسقط ط الأولى. 175 - شرح النيل ج 13 ص 620 باب التفليس ط جدة، وانظر الصفحة التي بعدها من نفس
المرجع.
176 - المنهج ج 6 ص القول الرابع عشر في الفريضة على المدين ص 110 مرجع سابق. (1/132)
صفحة 133
132
يَكُونُ فِيهِ الْبَيْعُ
191
أدب القضاء في الإسلام
ويُحبس الرجلُ في نفقة زوجته وولده الصغير، ولا يُحبَس والد في دين ولده إلا إذا
192
امتنع من الإنفاق عليه. 192
193
وقيل: إنَّ الرجلَ لا يُحبّس على نفقة ولده الصغير، إلا أن تُفرض له فريضة. 193 وقد نظم قانون الإجراءات .. إجراءات التنفيذ " في الكتاب الثاني المواد 334 فما
بعدها.
و في مجال تنفيذ الحقوق الأسرية كالحقوق التي بين الأصول والفروع وحقوق الرحم وحقوق الزوجين وإخضاع كل منهما للآخر - سواء لحسن العشرة وأداء الحقوق التي بينهما والإمساك بالمعروف، أو التسريح بالإحسان؛ إن أدى الأمر إلى ذلك - فهنالك آداب وقواعد يجب مراعاتها في التنفيذ، وكذا في حال رؤية الصغير المحضون وزيارته، وقد أفاضت كتب الفقه في الحديث عنها، وطبقتها النظم الحديثة، ولابد من مراعاتها والأخذ بمقتضاها.
177 - شرح النيل ج 9 ص 366 باب الطوافة، ومنهج الطالبين ج 6 ص 91 فما بعدها وص. فما بعدها وج 7 ص 334 و ص 337 ن مكتبة مسقط ط الأولى والكوكب الدري ج 4 ص ن
التراث ط الاولى.
98
178 - انظر شرح النيل ج 6 ص 484 فما بعدها، فيما تحتاجه المرأة، وج 7 ص 445 فما بعدها وج 14 فيمن تجب نفقته ص 21 وص 175 فِيمَا تُدْرِكُ الْمَرْأَةُ عَلَى زَوْجِهَا. وص 211 " إن مات حاكم فرض لها" .. فما بعدها.
179 - المنهج ج 8 مرجع سابق، وانظر الجوهر باب الإعسار بقضاء الدين. (1/133)
صفحة 134
أدب القضاء في الإسلام
133
الخلاصة
إنَّ القضاء أمانةٌ عظيمة ومهمة جسيمة، يتحمل القاضي تبعتها في الأموال والأبدان والدماء والأعراض والفروج؛ إلى غير ذلك مما يدخل في الفصل في الخصومات بين المتخاصمين، بل من أعظم الأمانة التي نفرت منها السماوات والأرض والجبال وأنَّ حُكْمَهُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ على القادر عليه علما وعملا، وكونُه أفضل مَنْ حَوْلَهُ فِي العلم والتقوى والورع والزهد مع خوف تعطل الأحكام إن لم يدخل فيه، لما روي عنه أنه قال: .. وَمَنْ تَوَلَّى مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا فَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ فِيهِمْ مَنْ هُوَ أَوْلَى بِذَلِكَ وَأَعْلَمُ مِنْهُ بِكِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَجَمِيعَ الْمُؤْمِنِينَ .. " كما تقدم في محله.
أَمَّا مَن لا عِلمَ له فلا يصح له الدخول فيه؛ لما في ذلك من الحكم بالجور والقول بغير علم، والخوض في ذلك بغير علم حرام، وتقول على الله ورسوله؛ وهو من أكبر الآثام، وأن ولاية القاضي تحتوي على عدة أشياء، وأنَّ على ولي الأمر أَنْ يُنَصِبَ لِلنَّاسِ قَاضِيَّا للقيام بمُهمَّة الفصل في الخصومات ونظر مصالح الأمة ودفع المضار عنها، وَمَنْ أَبَى عَنْ الْوِلَايَةِ وهو قادر على أداء المهمَّة ولا يوجد من هو أفضل منه علما وعملا وخيف تعطل الأحكام جَبَرَهُ عَلَيْهِ.
وأنَّ لأهليَّة القضاء شروطا لابد من توافرها، وَلَا تَصِحُ وِلَايَةُ الْقَاضِي حَتَّى تَجْتَمِعَ فِيهِ شَرَائِطُ الشَّهَادَةِ، واشترط بعضُهم أن يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ.
وأن المراد بأدب القضاء: الخِصَالُ الحَمِيدَةُ التي يجب توفرها في القاضي، والمراد بها: ما يجب على الْقَاضِي أَنْ يَفْعَلَهُ وَمَا عَلَيْهِ أَنْ يَنْتَهِيَ عَنْهُ، وما يؤمر به ويندب إليه فعلا
أو تركا. (1/134)
صفحة 135
134
أدب القضاء في الإسلام
وأنه وردت كثير من الأخبار في التغليظ والتشديد في القضاء وتحذير القضاة والحكام من الركون إليه والترغيب فيه.
كما وردت آثار كثيرة في ثواب من قام بهذه المهمة العظيمة على وجهها الصحيح وقصد إظهار العدل وخمد الباطل رضاءً لله عل.
وأنَّ هنالك مزالق كثيرة يجب على القاضي أخذُ الحيطة والحذر من التدنس بها صونا الشرفه والمهمَّة الملقاة على عاتقه.
من أهمها: عدم الخلوة بالنساء فإنها عار ودمار ووصمة عليه وشنار، طريق إلى هتك ستره والنيل من كرامته وبره سبيل إلى رميه بالتهم والموبقات ومن دخل مواطن التهم
اتهم. ومنها مخالطة قرناء السوء؛ إذ إنها تصل به إلى تدنيسه، وهتك شرفه وتلبيسه؛ بما هو منه بريء، ولا تزيده إلا وبالا ونكدا. وأنه يؤمر أنْ يشاور في أمره العلماء بلسان العرب وبكتاب الله وسنة نبيه وآثار السلف من المسلمين واختلاف أقاويلهم.
وأن يجتهد في مطالعة كتب العلم بجميع أصنافها؛ فإنها توصله إلى نيل معرفة الصحيح من آراء المسلمين وأحكامهم، ولا يعتمد على حفظ بعض المسائل فقط؛ خشية أن يَخرُج عن الصواب، ويتحمل في ذلك مسؤولية العتاب؛ في الدنيا ويوم الحساب، فيهلك بالعذاب إن لقي الله صفرا من صحيح الجواب وأنه يؤمر بآداب وأوامر يجب عليه مراعاتها سواء أكانت مما يخصه بنفسه أو مع الخصوم أثناء سير الدعوى وحتى الانتهاء منها، وتصرفات لا ينبغي له أن يقوم بها وهو في وظيفة القضاء كالبيع والشراء والرهن والاقتراض والاستعارة، وإن احتاج إلى مثل ذلك أناب غيره عنه ممن يثق به لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ما عدل والٍ اتَّجَر في رعيته " (1/135)
صفحة 136
أدب القضاء في الإسلام
135
وأنَّ له أن يُقلّد غيره من أهل العلم - إن لم يبلغ درجة الإجتهاد - و أَنْ يَقضِيَ بِفَتْوَى غَيْرِهِ إن كان ثقة أمينا؛ لأنَّ مَقْصُود القَضَاءِ يَحصُلُ بذلك وَهُوَ إِيصَالُ الْحَقِّ إِلَى مُستَحِقِّه، وذلك إن ظهر له صوابه.
وَيَنبَغِي لِلْمُقَلِدِ أَنْ يَخْتَارَ مَنْ هُوَ الْأَقْدَرُ وَالْأَوْلَى لما روي عنه: " مَنْ قَلَّدَ إِنْسَانًا عَمَلًا وَفِي رَعِيَّتِهِ مَنْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُ فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَجَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ"
وإذا رفع إليه قضاء قاض أمضاه، إلا أن يخالف الكتاب أو السنة الصحيحة أو الإجماع، ولا يجوز قضاؤه لمن لا تقبل شهادته له؛ وإذا علم بشيء من حقوق العباد في زمن ولايته ومحلها جاز له أن يقضي به على رأي.
أما رزق القاضي ففي بيت مال المسلمين، وينبغي أن يُعطى كلَّما يحتاج إليه ويوفّر له الراحة والطمأنينة وهدوء البال؛ لأنه أدعى للعدالة وأبعد له من الشبهة والحيف؛ كي لا يحتاج إلى غيره من بني جنسه، فتكون سببا لضعفه وجوره، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفرضُ للعمال من بيت مال المسلمين ما يراه كافيا لهم.
وأن تحكيم الحكمين في حال الخلاف بين الزوجين وعدم ظهور المحق منهما من المبطل وارد في كتاب الله لا فقد قال جل شأنه: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْهِمَا فَأَبْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ
وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا) النساء.
وَ يُشْتَرَطُ فِي الْحَكَمَيْنِ كمال الأهلية، وَالْإِسْلَامُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالْعَدَالَةُ، وَالِاهْتِدَاءُ إِلَى الْمَقْصُودِ بِمَا بُعِثَا لَهُ، وأن يكونا من أُسرتهما إن توفر ذلك ليستقصيا أسباب الخلاف ويستشفا عمقه وأبعاده. (1/136)
صفحة 137
136
أدب القضاء في الإسلام
وأنه إذا رأى موجب فرقة بين الزوجين فالسلامة له أن لا ينفذ الطلاق في هذا الزمان؛ كي تنظر القضية من سائر القضاة الذين يلونه؛ خشية أن لا تكون الأسباب التي بنى عليها حكم الفرقة كافية، فيقع ما لا تحمد عقباه وفي العجلة الندامة.
وأنَّ الخلاف بين الفقهاء وارد في قضاء القاضي بعلمه في غير الدماء والحدود؛ وذلك إذا كان هذا العلم قبل المخاصمة أمامه، والسلامة في عدم الدخول، وأن يترك القضية على قاض آخر، ويكون هو شاهدا إن لزم الأمر، أما إن كان أثناء المخاصمة فهو من باب إقرار المقر على نفسه في مجلس الحكم، وهو من أقوى الأدلة للقاضي وليس من باب قضاء القاضي بعلمه.
وأنَّ هنالك ضوابط للتنفيذ لابد من مراعاتها، وأنَّ الخلاف بين العلماء وارد
في " هل الأصل في الإنسان الإيسار أم الإعسار " وكل بني قوله على أصله. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين والحمد لله. رب العالمين. حرره العبد الضعيف المفتقر إلى مولاه زهران بن ناصر البراشدي بتأريخ ما تقدم. (1/137)
صفحة 138
أدب القضاء في الإسلام
137
الملاحق
أولا: رسالة الإمام الخليلي لسيف بن حماد التي أوضح فيها الإمام رزق القاضي.
بسم الله الرحمن صاحب
علق
و امام المسل محمد عبد الله الى الشيخ المحتم سيف سعاد الخروصى سلام السويك اما اجمله ناصر فكتبت له في خوا لشيم راما مرت الاي آمين کھا لگا وصلنے اعدا دون حمستر وشالها شهر تصحيح لانه في بعضير كتب الله لنا علط الموادي من انزادم الا التراب الا
دهب الابتعى لما تلب والملاح والله المعنى واما انكار التقا لاغنام است حقيت ليست عن اشكاله ولكن معلو در الله واعلموا
قالب ان العطاء
والفنے نے
تلك بين قر
و همه
بسمة الانس بن نخله في افرافي نظريها واساس تولوا القضا والولاية يعطور عالم من حمد رحم الله سالم تحل وها خلالها ثانيا
بعض الدعاوى ان احب المدعى ان يبلغت
و اولا د سيف ماجد و اول ومحمد على لهم الله حرية لهما وضف
شکانينه کلا باني احکم بينه و به خصمه با (1/138)
صفحة 139
138
أدب القضاء في الإسلام
ثانيا
عهد الإمام علي بن أبي طالب له لعامله الأشتر مالك بن الحارث.
بسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
هَذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ؛ عَلِيٌّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، مَالِكَ بْنَ الْحَارِثِ الْأَشْتَرَ؛ فِي عَهْدِهِ إِلَيْهِ حِينَ وَلاهُ مِصْرَ؛ جِبَايَةَ خَرَاجِهَا، وَجِهَادَ عَدُوّهَا، وَ اسْتِصْلَاحَ أَهْلِهَا وَ عِمَارَةَ بِلادِهَا. أَمَرَهُ بِتَقْوَى اللَّهِ وَ إِبْثَارِ طَاعَتِهِ وَ اِتِّبَاعِ مَا أَمَرَ بِهِ فِي كِتَابِهِ مِنْ فَرَائِضِهِ وَ سُنَنِهِ الَّتِي لَا يَسْعَدُ أَحَدٌ إِلا بِاتِّبَاعِهَا، وَلاَ يَشْقَى إِلا مَعَ جُحُودِهَا وَإِضَاعَتِهَا وَ أَنْ يَنْصُرَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بِقَلْبِهِ وَ يَدِهِ وَلِسَانِهِ، فَإِنَّهُ جَلَّ اسْمُهُ قَدْ تَكَفَّلَ بِنَصْرِ مَنْ نَصَرَهُ، وَ إِعْزَازِ مَنْ أَعَزَّهُ، وَ أَمَرَهُ أَنْ يَكْسِرَ مِنْ نَفْسِهِ عِنْدَ الشَّهَوَاتِ، ويَردعَهَا عِنْدَ الْجَمَحَاتِ، فَإِنَّ النَّفْسَ أَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ اللَّهُ.
ثُمَّ اعْلَمْ يَا مَالِكُ أَنِّي قَدْ وَجَهْتُكَ إِلَى بِلادٍ قَدْ جَرَتْ عَلَيْهَا دُوَلٌ قَبْلَكَ مِنْ عَدْلٍ وَجَوْرٍ، وَ أَنَّ النَّاسَ يَنْظُرُونَ مِنْ أُمُورِكَ فِي مِثْلِ مَا كُنْتَ تَنْظُرُ فِيهِ مِنْ أُمُورِ الْؤُلَاةِ قَبْلَكَ، وَيَقُولُونَ فِيكَ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِيهِمْ، وَ إِنَّمَا يُسْتَدَلُ عَلَى الصَّالِحِينَ بِمَا يُجْرِي اللَّهُ لَهُمْ عَلَى أَلْسُنِ عِبَادِهِ، فَلْيَكُنْ أَحَبَّ النَّخَائِرِ إِلَيْكَ ذَخِيرَةُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ، فَامْلِكْ هَوَاكَ وَ شُحَّ بِنَفْسِكَ عَمَّا لَا يَحِلُّ لَكَ؛ فَإِنَّ الشُّحَ بِالنَّفْسِ الْإِنْصَافُ مِنْهَا فِيمَا أَحَبَّتْ أَوْ كَرِهَتْ، وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ وَ الْمَحَبَّةَ لَهُمْ وَالنُّطْفَ بهم.
وَلَا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً صَارِياً تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ؛ فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ وَ إِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ، يَفْرُطُ مِنْهُمُ الزَّلَك وَ تَعْرِضُ لَهُمُ الْعِلَك وَ يُؤْتَى عَلَى أَيْدِيهِمْ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأَ فَأَعْطِهِمْ مِنْ عَفُوكَ وَصَفْحِكَ مِثْلِ الَّذِي تُحِبُّ أَنْ يُعْطِيَكَ اللَّهُ مِنْ عَفُوهِ وَ صَفْحِهِ، فَإِنَّكَ فَوْقَهُمْ، وَ وَالِي الْأَمْرِ عَلَيْكَ فَوْقَكَ، وَ اللَّهُ فَوْقَ مَنْ وَلَاكَ، وَ قَدِ اسْتَكْفَاكَ أَمْرَهُمْ وَ ابْتَلَاكَ بِهِمْ. وَلَا تَنْصِبَنَّ نَفْسَكَ لِحَرْبِ اللَّهِ فَإِنَّهُ لا يَدَ لَكَ بِنِقْمَتِهِ، وَلاَ غِنَى بِكَ عَنْ عَفْوِهِ وَ رَحْمَتِهِ. (1/139)
صفحة 140
أدب القضاء في الإسلام
139
وَلَا تَنْدَمَنَّ عَلَى عَفْوِ وَ لَا تَبَجَحَنَّ بِعُقُوبَةٍ، وَلَا تُسْرِعَنَّ إِلَى بَادِرَةٍ وَجَدْتَ عَنْهَا مَنْدُوحَةً، وَ لَا تَقُولَنَّ إِنِّي مُؤَمَّرٌ آمُرُ فَأُطَاعُ، فَإِنَّ ذَلِكَ إِدْغَالَ فِي الْقَلْبِ وَ مَهْلَكَةٌ لِلدِّينِ، وَ تَقَرُّبٌ مِنَ الْغِيَرِ، وَ إِذَا أَحْدَثَ لَكَ مَا أَنْتَ فِيهِ مِنْ سُلْطَانِكَ أُمَّهَةً أَوْ مَخِيلَةً فَانْظُرْ إِلَى عِظَمِ مُلْكِ اللَّهِ فَوْقَكَ وَ قُدْرَتِهِ مِنْكَ عَلَى مَا لَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِكَ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يُطَامِنُ إِلَيْكَ مِنْ طِمَاحِكَ وَ يَكْفُ عَنْكَ مِنْ غَرْبِكَ وَ يَفِيءُ إِلَيْكَ بِمَا عَزَبَ عَنْكَ مِنْ عَقْلِكَ. إِيَّاكَ وَ مُسَامَاةَ اللَّهِ فِي عَظَمَتِهِ، وَالتَّشَبُّهَ بِهِ فِي جَبَرُوتِهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يُذِلُّ كُلَّ جَبَّارٍ وَ يُهِينُ كُلَّ مُخْتَالٍ، أَنْصِفِ اللَّهَ وَأَنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ وَ مِنْ خَاصَّة أَهْلِكَ وَ مَنْ لَكَ فِيهِ هَوًى مِنْ رَعِيَّتِكَ، فَإِنَّكَ إِلا تَفْعَلْ تَظْلِمْ وَ مَنْ ظَلَمَ عِبَادَ اللَّهِ كَانَ اللَّهُ خَصْمَهُ دُونَ عِبَادِهِ، وَ مَنْ خَاصَمَهُ اللَّهُ أَدْحَضَ حُجَّتَهُ وَ كَانَ لِلَّهِ حَرْباً حَتَّى يَنْزِعَ أَوْ يَتُوبَ، وَ لَيْسَ شَيْءٍ أَدْعَى إِلَى تَغْيِيرِ نِعْمَةِ اللَّهِ وَ تَعْجِيلِ نِقْمَتِهِ؛ مِنْ إِقَامَةٍ عَلَى ظُلْمٍ، فَإِنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ دَعْوَةَ الْمُصْطَهَدِينَ وَ هُوَ لِلظَّالِمِينَ بِالْمِرْصَادِ. وَلْيَكُنْ أَحَبَّ الْأُمُورِ إِلَيْكَ أَوْسَطُهَا فِي الْحَقِّ وَأَعَمُّهَا فِي الْعَدْلِ وَأَجْمَعُهَا لِرِضَى الرَّعِيَّةِ فَإِنَّ سُخْطَ الْعَامَّةِ يُجْحِفُ بِرِضَى الْخَاصَّةِ، وَإِنَّ سُخَطَ الْخَاصَّةِ يُغْتَفَرُ مَعَ رِضَى
الْعَامَّة.
وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الرَّعِيَّةِ أَثْقَلَ عَلَى الْوَالِي مَتُونَةً فِي الرَّخَاءِ وَأَقَلَّ مَعُونَةً لَهُ فِي الْبَلَاءِ وَ أَكْرَهَ لِلْإِنْصَافِ وَ أَسْأَلَ بِالْإِلْحَافِ وَ أَقَلَّ شُكراً عِنْدَ الْإِعْطَاءِ وَ أَبْطَأَ عُدْراً عِنْدَ الْمَنْعِ وَأَضْعَفَ صَبْراً عِنْدَ مُلِمَّاتِ الدَّهْرِ مِنْ أَهْلِ الْخَاصَّةِ، وَ إِنَّمَا عَمُودُ الدِّينِ وَ جِمَاعُ الْمُسْلِمِينَ وَ الْعُدَّةُ لِلْأَعْدَاءِ الْعَامَّةُ مِنَ الْأُمَّةِ، فَلْيَكُنْ صِغَوُكَ لَهُمْ وَ مَيْلُكَ مَعَهُمْ. وَ لْيَكُنْ أَبْعَدَ رَعِيَّتِكَ مِنْكَ وَأَشْنَاهُمْ عِنْدَكَ أَطْلَهُمْ لِمَعَايِبِ النَّاسِ؛ فَإِنَّ فِي النَّاسِ عُيُوبِاً الْوَالِي أَحَقُّ مَنْ سَتَرَهَا فَلا تَكْشِفَنَّ عَمَّا غَابَ عَنْكَ مِنْهَا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ تَطْهِيرُ مَا ظَهَرَ لَكَ وَ اللَّهُ يَحْكُمُ عَلَى مَا غَابَ عَنْكَ، فَاسْتُرِ الْعَوْرَةَ مَا اسْتَطَعْتَ يَسْتُرِ اللَّهُ مِنْكَ مَا تُحِبُّ سَتْرَهُ مِنْ عَيبِكَ، أَطْلِقْ عَنِ النَّاسِ عُقْدَةَ كُلِ حِقْدٍ، وَاقْطَعْ عَنْكَ سَبَبَ كُلِّ وِتْرٍ، وَتَغَابَ عَنْ كُلِّ مَا لاَ يَضِحُ لَكَ، وَلاَ تَعْجَلَنَّ إِلَى تَصْدِيقِ سَاعٍ فَإِنَّ السَّاعِيَ غَاسٌ وَ إِنْ تَشَبَّهَ بِالنَّاصِحِينَ، وَلاَ تُدْخِلَنَّ فِي مَشُورَتِكَ بَخِيلاً يَعْدِلُ بِكَ عَنِ الْفَضْلِ وَيَعِدُكَ اَلْفَقْرَ، وَلَا (1/140)
صفحة 141
12.
أدب القضاء في الإسلام
جَبَاناً يُضْعِفُكَ عَنِ الْأُمُورِ، وَلَا حَرِيصاً يُزَيِّنُ لَكَ الشَّرَة بِالْجَوْرِ، فَإِنَّ الْبُخْلَ وَ الجُبْنَ وَ الْحِرْصَ غَرَائِزُ شَتَّى يَجْمَعُهَا سُوءُ الظَّنِّ بِاللَّهِ. إِنَّ شَرَّ وُزَرَائِكَ مَنْ كَانَ لِلْأَشْرَارِ قَبْلَكَ وَزِيراً، وَ مَنْ شَرِكَهُمْ فِي الْآثَامِ فَلَا يَكُونَنَّ لَكَ بِطَانَةً، فَإِنَّهُمْ أَعْوَانُ الْأَثَمَةِ وَ إِخْوَانُ الظُّلَمَةِ، وَ أَنْتَ وَاجِدٌ مِنْهُمْ خَيْرَ الْخَلَفِ؛ مِمَّنْ لَهُ مِثْلُ آرَائِهِمْ وَنَفَاذِهِمْ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ مِثْلُ آصَارِهِمْ وَأَوْزَارِهِمْ، مِمَّنْ لَمْ يُعَاوِنُ ظَالِماً عَلَى ظُلْمِهِ وَ لَا آثِماً عَلَى إِثْمِهِ، أُولَئِكَ أَخَفُ عَلَيْكَ مَثُونَةً وَ أَحْسَنُ لَكَ مَعُونَةً وَأَحْنَى عَلَيْكَ عَطْفاً وَ أَقَلُّ لِغَيْرِكَ إِلْفاً، فَاتَّخِذْ أُولَئِكَ خَاصَّةً لِخَلَوَاتِكَ وَ حَفَلَاتِكَ.
ثُمَّ لْيَكُنْ آثَرُهُمْ عِنْدَكَ أَقْوَلَهُمْ بِمُرّ الْحَقِّ لَكَ وَأَقَلَّهُمْ مُسَاعَدَةً فِيمَا يَكُونُ مِنْكَ مِمَّا كَرِهَ اللَّهُ لِأَوْلِيَائِهِ وَاقِعاً ذَلِكَ مِنْ هَوَاكَ حَيْثُ وَقَعَ، وَالْصَقَ بِأَهْلِ الْوَرَعِ وَالصِّدْقِ، ثُمَّ رُضُهُمْ عَلَى أَلا يُطْرُوكَ وَ لَا يبجحُوكَ بِبَاطِلٍ لَمْ تَفْعَلْهُ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الْإِطْرَاءِ تُحْدِثُ الزَّهْوَ وَ تُدْنِي مِنَ الْعِزَّةِ.
وَلَا يَكُونَنَّ الْمُحْسِنُ وَالْمُسِيءُ عِنْدَكَ بِمَنْزِلَةٍ سَوَاءٍ؛ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ تَزْهِيداً لِأَهْلِ الْإِحْسَانِ فِي الْإِحْسَانِ، وَتَدْرِيباً لِأَهْلِ الْإِسَاءَةِ على الإساءة، وَأَلْزِمْ كُلاً مِنْهُمْ مَا أَلْزَمَ نَفْسَهُ. وَ اعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ بِأَدْعَى إِلَى حُسْنِ ظَنِّ رَاعٍ بِرَعِيَّتِهِ مِنْ إِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ وَ تَخْفِيفِهِ المنُونَاتِ عَلَيْهِمْ، وَ تَرْكِ اسْتِكْرَاهِهِ إِيَّاهُمْ؛ عَلَى مَا لَيْسَ لَهُ قِبَلَهُمْ، فَلْيَكُنْ مِنْكَ فِي ذَلِكَ أَمْرُ يَجْتَمِعُ لَكَ بِهِ حُسْنُ الظَّنِّ بِرَعِيَّتِكَ؛ فَإِنَّ حُسْنَ الظَّنِّ يَقْطَعُ عَنْكَ نَصَباً طَوِيلاً، وَ إِنَّ أَحَقَّ مَنْ حَسُنَ ظَنُّكَ بِهِ لَمَنْ حَسُنَ بَلاَؤُكَ عِنْدَهُ، وَ إِنَّ أَحَقَّ مَنْ سَاءَ ظَنُّكَ بِهِ لَمَنْ سَاءَ بَلاؤُكَ عِنْدَهُ.
وَلَا تَنْقُصْ سُنَّةً صَالِحَةً عَمِلَ بِهَا صُدُورُ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَاجْتَمَعَتْ بِهَا الْأُلْفَةُ وَصَلَحَتْ عَلَيْهَا الرَّعِيَّةُ، وَلَا تُحْدِثَنَّ سُنَّةً تَضُرُّ بِشَيْءٍ مِنْ مَاضِي تِلْكَ السُّنَنِ؛ فَيَكُونِ الْأَجْرُ لِمَنْ سَنَّهَا وَالْوِزْرُ عَلَيْكَ بِمَا نَقَضْتَ مِنْهَا، وَأَكْثِرُ مُدَارَسَةَ الْعُلَمَاءِ وَمُنَاقَشَةَ الْحُكَمَاءِ فِي تَثْبِيتِ مَا صَلَحَ عَلَيْهِ أَمْرُ بِلادِكَ وَإِقَامَةِ مَا اسْتَقَامَ بِهِ النَّاسُ قَبْلَكَ. وَ اعْلَمْ أَنَّ الرَّعِيَّةَ طَبَقَاتٌ لاَ يَصْلُحُ بَعْضُهَا إِلا بِبَعْضٍ وَلَا غِنَى بِبَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ، فَمِنْهَا جُنُودُ اللَّهِ وَ مِنْهَا كُتَّابُ الْعَامَّةِ وَ الْخَاصَّةِ وَ مِنْهَا قُضَاةُ الْعَدْلِ وَ مِنْهَا عُمَّالُ (1/141)
صفحة 142
أدب القضاء في الإسلام
141
الْإِنْصَافِ وَ الرِّفْقِ، وَ مِنْهَا أَهْلُ الْجِزْيَةِ وَ الْخَرَاجِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَ مُسْلِمَةِ النَّاسِ، وَمِنْهَا التُجَّارُ وَ أَهْلُ الصَّنَاعَاتِ، وَ مِنْهَا الطَّبَقَةُ السُّفْلَى مِنْ ذَوِي الْحَاجَاتِ وَالْمُسْكَنَةِ، وَكُلُّ قَدْ سَمَّى اللَّهُ لَهُ سَهْمَهُ وَ وَضَعَ عَلَى حَدِهِ وَ فَرِيضَتِهِ؛ فِي كِتَابِهِ أَوْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم عَهْداً مِنْهُ عِنْدَنَا مَحْفُوظاً.
فَالْجُنُودُ بِإِذْنِ اللَّهِ حُصُونُ الرَّعِيَّةِ وَ زَيْنُ الْوُلاةِ وَ عِزُّ الدِّينِ وَ سُبُلُ الْأَمْنِ، وَلَيْسَ تَقُومُ الرَّعِيَّةُ إِلا بِهِمْ ثُمَّ لَا قِوَامَ لِلْجُنُودِ إِلا بِمَا يُخْرِجُ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ الْخَرَاحِ الَّذِي يَقْوَوْنَ بِهِ عَلَى جِهَادِ عَدُوِّهِمْ وَ يَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ فِيمَا يُصْلِحُهُمْ، وَ
يَكُونُ مِنْ وَرَاءِ حَاجَتِهِمْ. ثُمَّ لاَ قِوَامَ لِهَذَيْنِ الصَّنْفَيْنِ إِلا بِالصِنْفِ الثَّالِثِ مِنَ الْقُضَاةِ وَ الْعُمَّالِ وَالْكُتَّابِ لِمَا يُحْكِمُونَ مِنَ الْمَعَاقِدِ وَ يَجْمَعُونَ مِنَ الْمَنَافِعِ وَيُؤْتَمَنُونَ عَلَيْهِ مِنْ خَوَاصِ الْأُمُورِ وَ عَوَامِهَا، وَ لَا قِوَامَ لَهُمْ جَمِيعاً إِلا بِالتُّجَّارِ وَ ذَوِي الصَّنَاعَاتِ فِيمَا يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ مِنْ مَرَافِقِهِمْ وَ يُقِيمُونَهُ مِنْ أَسْوَاقِهِمْ وَ يَكْفُونَهُمْ مِنَ التَّرَفُقِ بِأَيْدِيهِمْ؛ مِمَّا مَا لَا يَبْلُغُهُ رِفْقُ
غَيْرِهِمْ
ثُمَّ الطَّبَقَةُ السُّفْلَى مِنْ أَهْلِ الْحَاجَةِ وَالْمَسْكَنَةِ الَّذِينَ يَحِقُ رِفْدُهُمْ وَمَعُونَتُهُمْ، وَ فِي اللَّهِ لِكُلّ سَعَةٌ، وَلِكُحٍ عَلَى الْوَالِي حَقٌّ بِقَدْرِ مَا يُصْلِحُهُ، وَ لَيْسَ يَخْرُجُ الْوَالِي مِنْ حَقِيقَةِ مَا أَلْزَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ إِلَّا بِالاهْتِمَامِ وَ الاِسْتِعَانَةِ بِاللَّهِ وَ تَوْطِينِ نَفْسِهِ عَلَى لُزُومٍ اَلْحَقِّ وَ الصَّبْرِ عَلَيْهِ فِيمَا خَفَّ عَلَيْهِ أَوْ ثَقُلَ. فَوَلِ مِنْ جُنُودِكَ أَنْصَحَهُمْ فِي نَفْسِكَ؛ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، وَلِإِمَامِكَ أَنْقَاهُمْ جَيْباً وَأَفْضَلَهُمْ حِلْماً؛ مِمَّنْ يُبْطِئُ عَنِ الْغَضَبِ، وَيَسْتَرِيحُ إِلَى الْعُشْرِ، وَيَرْأَفُ بِالضُّعَفَاءِ وَيَنْبُو عَلَى الْأَقْوِيَاءِ، مِمَّنْ لاَ يُثِيرُهُ الْعُنْفُ وَلَا يَقْعُدُ بِهِ الضَّعْفُ.
ثُمَّ الْصَقْ بِذَوِي الْمُرُوآتِ وَالْأَحْسَابِ وَأَهْلِ الْبُيُوتَاتِ الصَّالِحَةِ وَالسَّوَابِقِ الْحَسَنَةِ؛ أَهْلِ النَّجْدَةِ وَالشَّجَاعَةِ وَ السَّخَاءِ وَ السَّمَاحَةِ؛ فَإِنَّهُمْ جِمَاعُ الْكَرَمِ وَ شُعَبُ الْعُرْفِ. ثُمَّ تَفَقَّدْ مِنْ أُمُورِهِمْ مَا يَتَفَقَّدُ الْوَالِدَانِ مِنْ وَلَدِهِمَا، وَلَا يَتَفَاقَمَنَّ فِي نَفْسِكَ شَيْءٌ قَوَّيْتَهُمْ بِهِ، وَلَا تَحْقِرَنَّ لُطْفاً تَعَاهَدتَهُمْ بِهِ وَإِنْ قَلَّ، فَإِنَّهُ دَاعِيَةٌ لَهُمْ إِلَى بَذْلِ النَّصِيحَةِ (1/142)
صفحة 143
142
أدب القضاء في الإسلام
لَكَ وَحُسْنِ الظَّنِّ بِكَ، وَلا تَدَعْ تَفَقُدَ لَطِيفِ أُمُورِهِمُ اتِّكَالاً عَلَى جَسِيمِهَا فَإِنَّ لِلْيَسِيرِ مِنْ لُطْفِكَ مَوْضِعاً يَنْتَفِعُونَ بِهِ، وَلِلْجَسِيمِ مَوْقِعاً لَا يَسْتَغْنُونَ عَنْهُ.
وَلْيَكُنْ آثَرُ رُءُوسِ جُنْدِكَ عِنْدَكَ مَنْ وَاسَاهُمْ فِي مَعُونَتِهِ، وَأَفْضَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ جِدَتِهِ بِمَا يَسَعُهُمْ وَيَسَعُ مَنْ وَرَاءَهُمْ مِنْ خُلُوفِ أَهْلِهِمْ حَتَّى يَكُونَ هَمُّهُمْ هَمَا وَاحِداً فِي جِهَادِ الْعَدُقِ فَإِنَّ عَطْفَكَ عَلَيْهِمْ يَعْطِفُ قُلُوبَهُمْ عَلَيْكَ.
وَإِنَّ أَفْضَلَ قُرَّةِ عَيْنِ الْوُلاةِ اسْتِقَامَةُ الْعَدْلِ فِي الْبِلادِ وَ ظُهُورٍ مَوَدَّةِ الرَّعِيَّةِ، وَإِنَّهُ لَا تَظْهَرُ مَوَدَّتُهُمْ إِلا بِسَلامَةِ صُدُورِهِمْ، وَ لاَ تَصِحُ نَصِيحَهُمْ إِلَّا بِحِيطَتِهِمْ عَلَى وُلاةِ أُمُورِهِمْ، وَ قِلَّةِ اسْتَثْقَالِ دُوَلِهِمْ، وَ تَرْكِ اسْتِبْطَاءِ انْقِطَاعِ مُدَّتِهِمْ، فَافْسَحُ فِي آمَالِهِمْ وَ وَاصِلْ فِي حُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ، وَ تَعْدِيدِ مَا أَبْلَى ذَوُو الْبَلاءِ مِنْهُمْ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الذِّكْرِ لِحُسْنِ فِعَالِهِمْ تَهُزُ الشُّجَاعَ وَ تُحَرِّضُ الجَبَانِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
"1
ثُمَّ اعْرِفْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا أَبْلَى وَ لَا تُضيفنَّ بَلاءَ امْرِئٍ إِلَى غَيْرِهِ وَ لَا تُقَصِرَنَّ بِهِ دُونَ غَايَةِ بَلائِهِ، وَ لَا يَدْعُوَنَّكَ شَرَفُ امْرِئٍ إِلَى أَنْ تُعْظِمَ مِنْ بَلاَئِهِ مَا كَانَ صَغِيرًا وَ لَا ضَعَةُ امْرِئٍ إِلَى أَنْ تَسْتَصْغِرَ مِنْ بَلَائِهِ مَا كَانَ عَظِيماً، وَ أَرْدُدْ إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ مَا يُصْلِعُكَ مِنَ الْخُطُوبِ وَ يَشْتَبِهُ عَلَيْكَ مِنَ الْأُمُورِ، فَقَدْ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِقَوْمٍ أَحَبَّ إِرْشَادَهُمْ "يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَ الرَّسُولِ فَالرَّدُّ إِلَى اللَّهِ الْأَخْذُ بِمُحْكَمِ كِتَابِهِ وَ الرَّدُّ إِلَى الرَّسُولِ الْأَخْذُ بِسُنَّتِهِ الْجَامِعَةِ غَيْرِ الْمُفَرِّقَةِ. ثُمَّ اخْتَرْ لِلْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ أَفْضَلَ رَعِيَّتِكَ فِي نَفْسِكَ مِمَّنْ لَا تَضِيقُ بِهِ الْأُمُورُ وَ لَا تُمَحِكُهُ الْخُصُومُ، وَ لَا يَتَمَادَى فِي الزَّلَّةِ وَلَا يَحْصَرُ عن الْفَيْءِ إِلَى الْحَقِّ إِذَا عَرَفَهُ، وَلَا تُشْرِفُ نَفْسُهُ عَلَى طَمَع وَ لَا يَكْتَفِي بِأَدْنَى فَهُمٍ دُونَ أَقْصَاهُ، أَوْقَفَهُمْ فِي الشُّيَاتِ وَ أَخَذَهُمْ بِالْحُجَجِ وَ أَقَلَّهُمْ تَبَرُّماً بِمُرَاجَعَةِ الْخَصْمِ وَ أَصْبَرَهُمْ عَلَى تَكَشُفِ الْأُمُورِ وَ أَصْرَمَهُمْ عِنْدَ اتِّصَاحِ الْحُكْمِ، مِمَّنْ لاَ يَزْدَهِيهِ إِطْرَاءُ وَلاَ يَسْتَمِيلُهُ إِغْرَاءٌ، وَ أُولَئِكَ قَلِيلٌ. ثُمَّ أَكْثِرُ تَعَاهُدَ قَضَائِهِ وَافْسَحْ لَهُ فِي الْبَذْلِ مَا يُزِيحُ يُزِيلُ عِلَّتَهُ وَتَقِلُ مَعَهُ حَاجَتُهُ إِلَى النَّاسِ، وَأَعْطِهِ مِنَ الْمُنْزِلَةِ لَدَيْكَ مَا لَا يَطْمَعُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنْ خَاصَّتِكَ، لِيَأْمَنَ بِذَلِكَ اغْتِيَالَ (1/143)
صفحة 144
أدب القضاء في الإسلام
143
الرِّجَالِ لَهُ عِنْدَكَ، فَانْظُرْ فِي ذَلِكَ نَظَراً بَلِيغاً فَإِنَّ هَذَا الدِّينَ قَدْ كَانَ أَسِيراً فِي أَيْدِي الْأَشْرَارِ يُعْمَلُ فِيهِ بِالْهَوَى وَتُطْلَبُ بِهِ الدُّنْيَا. ثُمَّ انْظُرْ فِي أُمُورِ عُمَّالِكَ فَاسْتَعْمِلْهُمُ اخْتِيَاراً، وَلَا تُوَلِهِمْ مُحَابَاةً وَشَرَةً؛ فَإِنَّهُمَا جِمَاعٌ مِنْ شُعَبِ الْجَوْرِ وَالْخِيَانَةِ، وَ تَوَجَّ مِنْهُمْ أَهْلَ التَّجْرِيَةِ وَ الْحَيَاءِ مِنْ أَهْلِ الْبُيُوتَاتِ الصَّالِحَةِ وَ الْقَدَمِ فِي الْإِسْلاَمِ الْمُتَقَدِّمَةِ؛ فَإِنَّهُمْ أَكْرَمُ أَخْلاقاً وَ أَصَحُ أَعْرَاضاً وَ أَقَلُّ فِي الْمُطَامِع إِشْرَافاً، وَ أَبْلَغُ فِي عَوَاقِبِ الْأُمُورِ نَظَراً.
ثُمَّ أَسْبِغْ عَلَيْهِمُ الْأَرْزَاقَ فَإِنَّ ذَلِكَ قُوَّةٌ لَهُمْ عَلَى اِسْتِصْلاحِ أَنْفُسِهِمْ. وَغِنِّى لَهُمْ عَنْ تَنَاوُلِ مَا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ، وَحُجَّةٌ عَلَيْهِمْ إِنْ خَالَفُوا أَمْرَكَ أَوْ ثَلَمُوا أَمَانَتَكَ، ثُمَّ تَفَقَدْ أَعْمَالَهُمْ وَابْعَثِ الْعُيُونَ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالْوَفَاءِ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ تَعَاهُدَكَ فِي السِرَ لِأُمُورِهِمْ حَدْوَةٌ لَهُمْ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْأَمَانَةِ وَالرِّفْقِ بِالرَّعِيَّةِ. وَتَحَفَّظُ مِنَ الْأَعْوَانِ فَإِنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بَسَطَ يَدَهُ إِلَى خِيَانَةٍ اجْتَمَعَتْ بِهَا عَلَيْهِ عِنْدَكَ أَخْبَارُ عُيُونِكَ اكْتَفَيْتَ بِذَلِكَ شَاهِداً فَبَسَطْتَ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةَ فِي بَدَنِهِ وَأَخَذْتَهُ بِمَا
أَصَابَ مِنْ عَمَلِهِ ثُمَّ نَصَبْتَهُ بِمَقَامِ الْمُذَلَّةِ وَوَسَمْتَهُ بِالْخِيَانَةِ وَقَلَّدْتَهُ عَارَ النُّهُمَةِ. وَتَفَقَّدْ أَمْرَ الْخَرَاجِ بِمَا يُصْلِحُ أَهْلَهُ؛ فَإِنَّ فِي صَلاحِهِ وَصَلاحِهِمْ صَلَاحَاً لِمَنْ سِوَاهُمْ، وَلَا صَلاحَ لِمَنْ سِوَاهُمْ إِلا بِهِمْ لِأَنَّ النَّاسَ كُلُّهُمْ عِيَالٌ عَلَى الْخَرَاجِ وَأَهْلِهِ. وَلْيَكُنْ نَظَرُكَ فِي عِمَارَةِ الْأَرْضِ أَبْلَغَ مِنْ نَظَرِكَ فِي اسْتِجْلابِ الْخَرَاجِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُدْرَكُ إِلا بِالْعِمَارَةِ، وَمَنْ طَلَبَ الْخَرَاجَ بِغَيْرِ عِمَارَةٍ أَخْرَبَ الْبِلاَدَ وَأَهْلَكَ الْعِبَادَ، وَلَمْ يَسْتَقِمْ أَمْرُهُ إِلا قَلِيلاً، فَإِنْ شَكَوْا ثِقَلاً أَوْ عِلَّةَ أَوِ انْقِطَاعَ شِرْبٍ أَوْ بَالَّةٍ أَوْ إِحَالَةَ أَرْضِ اِغْتَمَرَهَا غَرَقٌ أَوْ أَجْحَفَ بِهَا عَطَشٍ خَفَّفْتَ عَنْهُمْ؛ بِمَا تَرْجُو أَنْ يَصْلُحَ بِهِ أَمْرُهُمْ.
وَ لَا يَثْقُلَنَّ عَلَيْكَ شَيْءٍ خَفَّفْتَ بِهِ الْمُتُونَةَ عَنْهُمْ فَإِنَّهُ ذُخْرٌ يَعُودُونَ بِهِ عَلَيْكَ فِي عِمَارَةِ بِلَادِكَ وَ تَزْيِينِ وِلايَتِكَ مَعَ اسْتِجْلاَبِكَ حُسْنَ ثَنَائِهِمْ وَ تَبَجُحِكَ بِاسْتِفَاضَةِ الْعَدْلِ فِيهِمْ مُعْتَمِداً فَضْلَ قُوَّتِهِمْ بِمَا ذَخَرْتَ عِنْدَهُمْ مِنْ إِجْمَامِكَ لَهُمْ وَ الشَّقَةَ مِنْهُمْ بِمَا عَوَّدْتَهُمْ مِنْ عَدْلِكَ عَلَيْهِمْ وَ رِفْقِكَ بِهِمْ فَرُبَّمَا حَدَثَ مِنَ الْأُمُورِ مَا إِذَا عَوَّلْتَ فِيهِ عَلَيْهِمْ مِنْ بَعْدُ احْتَمَلُوهُ طَيِّبَةً أَنْفُسُهُمْ بِهِ فَإِنَّ الْعُمْرَانَ مُحْتَمِل مَا حَمَّلْتَهُ وَ إِنَّمَا يُؤْتَى خَرَابُ الْأَرْضِ (1/144)
صفحة 145
144
أدب القضاء في الإسلام
مِنْ إِعْوَازِ أَهْلِهَا، وَ إِنَّمَا يُعْوذُ أَهْلُهَا لِإِشْرَافِ أَنْفُسِ الْوُلاةِ عَلَى الْجَمْعِ وَ سُوءِ ظَيْهِمْ بِالْبَقَاءِ وَ قِلَّةِ انْتِفَاعِهِمْ بِالْعِبَرِ. ثُمَّ انْظُرْ فِي حَالٍ كُتَّابِكَ فَوَلِ عَلَى أُمُورِكَ خَيْرَهُمْ، وَ اخْصُصْ رَسَائِلَكَ الَّتِي تُدْخِلُ فِيهَا مَكَايِدَكَ وَ أَسْرَارَكَ بِأَجْمَعِهِمْ لِوُجُوهِ صَالِحِ الْأَخْلَاقِ مِمَّنْ لَا تُبْطِرُهُ الْكَرَامَةُ فَيَجْتَرِئَ بِهَا عَلَيْكَ فِي خِلَافٍ لَكَ بِحَضْرَةِ مَلَيَّ وَلَا تَقْصُرُ بِهِ الْغَفْلَةُ عَنْ إِيرَادِ مُكَاتَبَاتِ عُمّالِكَ عَلَيْكَ وَإِصْدَارِ جَوَابَاتِهَا عَلَى الصَّوَابِ عَنْكَ وَ فِيمَا يَأْخُذُ لَكَ وَيُعْطِي مِنْكَ وَلا يُضْعِفُ عَقْداً اِعْتَقَدَهُ لَكَ وَ لاَ يَعْجِزُ عَنْ إِطْلَاقِ مَا عُقِدَ عَلَيْكَ وَلَا يَجْهَلُ مَبْلَغَ قَدْرِ نَفْسِهِ فِي الْأُمُورِ فَإِنَّ الْجَاهِلَ بِقَدْرِ نَفْسِهِ يَكُونُ بِقَدْرِ غَيْرِهِ أَجْهَلَ.
ثُمَّ لَا يَكُنِ اِخْتِيَارُكَ إِيَّاهُمْ عَلَى فِرَاسَتِكَ وَاِسْتِنَامَتِكَ وَحُسْنِ الظَّنِّ مِنْكَ؛ فَإِنَّ الرِّجَالَ يَتَعَرَّضُونَ لِفِرَاسَاتِ الْوُلاةِ بِتَصَنُّعِهِمْ وَ حُسْنِ خِدْمَتِهِمْ، وَ لَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ النَّصِيحَةِ وَ الْأَمَانَةِ شَيْءٌ وَ لَكِنِ اخْتَبِرْهُمْ بِمَا وُلُوا لِلصَّالِحِينَ قَبْلَكَ فَاعْمِدْ لِأَحْسَنِهِمْ كَانَ فِي الْعَامَّةِ
أَثَراً وَ أَعْرَفِهِمْ بِالْأَمَانَةِ وَجْهاً؛ فَإِنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى نَصِيحَتِكَ لِلَّهِ وَ لِمَنْ وُلِيتَ أَمْرَهُ. وَاجْعَلْ لِرَأْسِ كُلِّ أَمْرٍ مِنْ أُمُورِكَ رَأْساً مِنْهُمْ لاَ يَظْهَرُهُ كَبِيرُهَا وَلَا يَتَشَتَّتُ عَلَيْهِ كَثِيرُهَا وَمَهْمَا كَانَ فِي كُتَّابِكَ مِنْ عَيْبٍ فَتَغَابَيْتَ عَنْهُ أُلْزِمْتَهُ.
ثُمَّ اسْتَوْصِ بِالتُجَّارِ وَ ذَوِي الصَّنَاعَاتِ وَ أَوْصِ بِهِمْ خَيْراً، الْمُقِيمِ مِنْهُمْ وَ الْمُضْطَرِبِ بِمَالِهِ وَ الْمُتَرَقِّقِ بِبَدَنِهِ؛ فَإِنَّهُمْ مَوَادُّ الْمَنَافِعِ وَ أَسْبَابُ الْمَرَافِقِ وَجُلابُهَا مِنَ الْمُبَاعِدِ وَ المطارح في بَرَكَ وَ بَحْرِكَ وَ سَهْلِكَ وَجَبَلِكَ، وَ حَيْثُ لا يَلْتَئِمُ النَّاسُ لِمَوَاضِعِهَا وَلاَ يَجْتَرِوْنَ عَلَيْهَا، فَإِنَّهُمْ سِلْمٌ لا تُخَافُ بَائِقَتُهُ وَ صُلْحٌ لا تُخْشَى غَائِلَتُهُ، وَتَفَقَّدْ أُمُورَهُمْ
بحَضْرَتِكَ وَ فِي حَوَاشِي بِلادِكَ. وَ اعْلَمْ مَعَ ذَلِكَ أَنَّ فِي كَثِيرٍ مِنْهُمْ ضِيقاً فَاحِشَاً وَ شُحَاً قَبِيحاً وَ احْتِكَاراً لِلْمَنَافِعِ وَ تَحَكُّماً فِي الْبِيَاعَاتِ وَ ذَلِكَ بَابُ مَضَرَّةٍ لِلْعَامَّةِ وَ عَيْبٌ عَلَى الْوُلَاةِ فَامْنَعْ مِنَ الْاِحْتِكَارِ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَنَعَ مِنْهُ، وَلْيَكُنِ الْبَيْعُ بَيْعاً سَمْحاً بِمَوَازِينِ عَدْلٍ وَأَسْعَارٍ لاَ تُجْحِفُ بِالْفَرِيقَيْنِ مِنَ الْبَائِعِ وَالْمُبْتَاعَ فَمَنْ قَارَفَ حُكْرَةٌ بَعْدَ نَهْيِكَ إِيَّاهُ فَنَكَّلْ بهِ وَعَاقِبُهُ مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ. (1/145)
صفحة 146
أدب القضاء في الإسلام
145
ثُمَّ اللَّهَ اللَّهَ فِي الطَّبَقَةِ السُّفْلَى مِنَ الَّذِينَ لاَ حِيلَةَ لَهُمْ مِنَ الْمَسَاكِينِ وَالْمُخْتَاجِينَ وَ أَهْلِ الْبُؤْسَى وَ الزَّمْنَى؛ فَإِنَّ فِي هَذِهِ الطَّبَقَةِ قَانِعاً وَ مُعْتَرَاً وَ احْفَظِ لِلَّهِ مَا اسْتَحْفَظَكَ مِنْ حَقِّهِ فِيهِمْ وَ اجْعَلْ لَهُمْ قِسْماً مِنْ بَيْتِ مَالِكِ وَقِسْماً مِنْ غَلَاتِ صَوَافِي الْإِسْلَامِ فِي كُلِّ بَلَدٍ؛ فَإِنَّ لِلْأَقْصَى مِنْهُمْ مِثْلَ الَّذِي لِلْأَدْنَى، وَ كُلُّ قَدِ اسْتُرْعِيتَ حَقَّهُ.
وَلَا يَشْغَلَنَّكَ عَنْهُمْ بَطَرٌ فَإِنَّكَ لَا تُعْذَرُ بِتَضْيِيعِ التَّافِهِ لِإِحْكَامِكَ الْكَثِيرَ الْمُهِمَّ، فَلَا تُشْخِصَ هَمَّكَ عَنْهُمْ وَلَا تُصَعِرْ خَدَّكَ لَهُمْ.
وَتَفَقَّدْ أُمُورَ مَنْ لا يَصِلُ إِلَيْكَ مِنْهُمْ مِمَّنْ تَقْتَحِمُهُ الْعُيُونُ وَتَحْقِرُهُ الرِّجَالُ فَفَرِّغْ لِأُولَئِكَ ثِقَتَكَ مِنْ أَهْلِ الْخَشْيَةِ وَالتَّوَاضُعِ فَلْيَرْفَعْ إِلَيْكَ أُمُورَهُمْ ثُمَّ اعْمَلْ فِيهِمْ بِالْإِعْذَارِ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ يَوْمَ تَلْقَاهُ؛ فَإِنَّ هَؤُلاَءِ مِنْ بَيْنِ الرَّعِيَّةِ أَحْوَجُ إِلَى الْإِنْصَافِ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَكُلًّا فَأَعْذِرْ إِلَى اللَّهِ فِي تَأْدِيَةِ حَقِهِ إِلَيْهِ.
وَتَعَهَّدْ أَهْلَ الْيُتْمِ وَذَوِي الرّقَةِ فِي السِّنّ مِمَّنْ لاَ حِيلَةَ لَهُ وَلَا يَنْصِبُ لِلْمَسْأَلَةِ نَفْسَهُ وَذَلِكَ عَلَى الْوُلاةِ ثَقِيلٌ وَالْحَقُّ كُلُّهُ ثَقِيلٌ وَقَدْ يُخَفِّفُهُ اللَّهُ عَلَى أَقْوَامٍ طَلَبُوا الْعَاقِبَةَ فَصَبَّرُوا أَنْفُسَهُمْ وَوَثِقُوا بِصِدْقِ مَوْعُودِ اللَّهِ لَهُمْ.
وَاجْعَلْ لِذَوِي الْحَاجَاتِ مِنْكَ قِسْماً تُفَرِّغُ لَهُمْ فِيهِ شَخْصَكَ وَتَجْلِسُ لَهُمْ مَجْلِساً عَامَّاً فَتَتَوَاضَعُ فِيهِ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَكَ وَتُقْعِدُ عَنْهُمْ جُنْدَكَ وَعْوَانَكَ مِنْ أَحْرَاسِكَ وَشُرَطِكَ حَتَّى يُكَلِّمَكَ مُتَكَلِّمُهُمْ غَيْرَ مُتَتَعْتِعٍ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ فِي غَيْرِ مَوْطِنٍ:" لَنْ تُقَدَّسَ أُمَّةٌ لا يُؤْخَذُ لِلصَّعِيفِ فِيهَا حَقُّهُ مِنَ الْقَوِيِّ غَيْرَ مُتَتَعْتِعٍ" ثُمَّ احْتَمِلِ الْخُرْقَ مِنْهُمْ وَالْعِيَّ وَنَحَ عَنْهُمُ الضِيقَ وَالْأَنْفَ يَبْسُطِ اللَّهُ عَلَيْكَ بِذَلِكَ أَكْنَافَ
رَحْمَتِهِ وَيُوجِبُ لَكَ ثَوَابَ طَاعَتِهِ وَعْطِ مَا أَعْطَيْتَ هَنِيئاً وَامْنَعْ فِي إِجْمَالٍ وَإِعْذَارٍ ثُمَّ أُمُورٌ مِنْ أُمُورِكَ لَا بُدَّ لَكَ مِنْ مُبَاشَرَتِهَا مِنْهَا إِجَابَةُ عُمَّالِكَ بِمَا يَعْيَا عَنْهُ كُتَّابُكَ، وَمِنْهَا إصْدَارُ حَاجَاتِ النَّاسِ يَوْمَ وُرُودِهَا عَلَيْكَ بِمَا تَحْرَجُ بِهِ صُدُورُ أَعْوَانِكَ، وَأَمْضِ لِكُلِّ يَوْمٍ عَمَلَهُ فَإِنَّ لِكُلِّ يَوْمٍ مَا فِيهِ. وَاجْعَلْ لِنَفْسِكَ فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى أَفْضَلَ تِلْكَ الْمُمَوَاقِيتِ وَأَجْزَلَ تِلْكَ الْأَقْسَامِ، وَإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا لِلَّهِ إِذَا صَلَحَتْ فِيهَا النِّيَّةُ وَسَلِمَتْ مِنْهَا الرَّعِيَّةُ. وَلِيَكُنْ فِي خَاصَّةِ مَا (1/146)
صفحة 147
146
أدب القضاء في الإسلام
تُخْلِصُ بِهِ لِلَّهِ دِينَكَ إِقَامَةُ فَرَائِضِهِ الَّتِي هِيَ لَهُ خَاصَّةً فَأَعْطِ اللَّهَ مِنْ بَدَنِكَ فِي لَيْلِكَ وَنَهَارِكَ وَوَفِّ مَا تَقَرَّبْتَ بِهِ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ مِنْ ذَلِكَ كَامِلاً غَيْرَ مَثْلُومٍ وَلَا مَنْقُوصٍ بَالِغاً مِنْ بَدَنِكَ مَا بَلَغَ.
وَإِذَا قُمْتَ فِي صَلَاتِكَ لِلنَّاسِ فَلا تَكُونَنَّ مُنَفِّراً وَلا مُضَيِّعاً؛ فَإِنَّ فِي النَّاسِ مَنْ بِهِ الْعِلَّةُ وَلَهُ الْحَاجَةُ وَ قَدْ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ وَجَّهَنِي إِلَى الْيَمَنِ كَيْفَ أُصَلِّي بِهِمْ؟ فَقَالَ:" صَلِّ بِهِمْ كَصَلَاةِ أَضْعَفِهِمْ وَكُنْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً."
وَأَمَّا بَعْدُ فَلَا تُطَوَلَنَّ احْتِجَابَكَ عَنْ رَعِيَّتِكَ فَإِنَّ احْتِجَابَ الْؤُلَاةِ عَنِ الرَّعِيَّةِ شُعْبَةٌ مِنَ الضِيقِ، وَقِلَّةُ عِلْمٍ بِالْأُمُورِ، وَالاِحْتِجَابُ مِنْهُمْ يَقْطَعُ عَنْهُمْ عِلْمَ مَا احْتَجَبُوا دُونَهُ، فَيَصْغُرُ عِنْدَهُمُ الْكَبِيرُ، وَيَعْظُمُ الصَّغِيرُ، وَيَقْبُحُ الْحَسَنُ، وَيَحْسُنُ الْقَبِيحُ، وَيُشَابُ
الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ.
وَ إِنَّمَا الْوَالِي بَشَرٌ لَا يَعْرِفُ مَا تَوَارَى عَنْهُ النَّاسُ بِهِ مِنَ الْأُمُورِ، وَ لَيْسَتْ عَلَى الْحَقِّ سِمَاتٌ تُعْرَفُ بِهَا ضُرُوبُ الصِدْقِ مِنَ الْكَذِبِ؛ وَ إِنَّمَا أَنْتَ أَحَدُ رَجُلَيْنِ إِمَّا امْرُؤٌ سَخَتْ نَفْسُكَ بِالْبَدْلِ فِي الْحَقِّ فَفِيمَ احْتِجَابُكَ مِنْ وَاجِبِ حَقٍ تُعْطِيهِ أَوْ فِعْلٍ كَرِيمٍ تُسْدِيهِ، أَوْ مُبْتَلًى بِالْمَنْعِ فَمَا أَسْرَعَ كَفَّ النَّاسِ عَنْ مَسْأَلَتِكَ إِذَا أَيسُوا مِنْ بَذْلِكَ، مَعَ أَنَّ أَكْثَرَ حَاجَاتِ النَّاسِ إِلَيْكَ مِمَّا لاَ مَئُونَةَ فِيهِ عَلَيْكَ مِنْ شَكَاةِ مَظْلِمَةٍ أَوْ طَلَبِ إِنْصَافٍ فِي
مُعَامَلَة.
ثُمَّ إِنَّ لِلْوَالِي خَاصَّةً وَبِطَانَةً؛ فِيهِمُ اِسْتِثْثَارٌ، وَتَطَاوُلٌ، وَقِلَّةُ إِنْصَافٍ فِي مُعَامَلَةٍ، فَاحْسِمْ مَئُونَةَ مَادَّة أُولَئِكَ بِقَطْعِ أَسْبَابٍ تِلْكَ الْأَحْوَالِ.
وَلَا تُقْطِعَنَّ لِأَحَدٍ مِنْ حَاشِيَتِكَ وَخاصِتِكَ قَطِيعَةً وَلاَ يَطْمَعَنَّ مِنْكَ فِي اعْتِقَادِ عُقْدَةٍ تَضُرُّ بِمَنْ يَلِهَا مِنَ النَّاسِ فِي شِرْبٍ أَوْ عَمَلٍ مُشْتَرَكٍ يَحْمِلُونَ مَنُونَتَهُ عَلَى غَيْرِهِمْ فَيَكُونَ مَهْنَأُ ذَلِكَ لَهُمْ دُونَكَ وَعَيْبُهُ عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
وَ أَلْزِمِ الْحَقَّ مَنْ لَزِمَهُ مِنَ الْقَرِيبِ وَ الْبَعِيدِ وَ كُنْ فِي ذَلِكَ صَابِراً مُحْتَسِباً وَاقِعاً ذَلِكَ مِنْ قَرَابَتِكَ وَخَاصَّتِكَ حَيْثُ وَقَعَ وَ ابْتَغِ عَاقِبَتَهُ بِمَا يَثْقُلُ عَلَيْكَ مِنْهُ فَإِنَّ مَغَبَّةَ ذَلِكَ (1/147)
صفحة 148
أدب القضاء في الإسلام
147
مَحْمُودَةٌ، وَ إِنْ ظَنَّتِ الرَّعِيَّةُ بِكَ حَيْفاً فَأَصْحِرْ لَهُمْ 194 بِعُذْرِكَ وَ أَعْدِلْ عَنْكَ ظُنُّونَهُمْ بِإِصْحَارِكَ؛ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ رِيَاضَةً مِنْكَ لِنَفْسِكَ وَ رِفْقاً بِرَعِيَّتِكَ وَ إِعْدَاراً تَبْلُغُ بِهِ حَاجَتَكَ مِنْ تَقْوِيمِهِمْ عَلَى الْحَقِّ.
وَلَا تَدْفَعَنَّ صُلْحاً دَعَاكَ إِلَيْهِ عَدُوُّكَ وَلِلَّهِ فِيهِ رِضًا فَإِنَّ فِي الصُّلْحِ دَعَةً لِجُنُودِكَ وَ رَاحَةً مِنْ هُمُومِكَ وَ أَمْناً لِبِلادِكَ، وَلَكِنِ الْحَذَرَ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ عَدُوّكَ بَعْدَ صُلْحِهِ فَإِنَّ الْعَدُوَّ رُبَّمَا قَارَبَ لِيَتَغَفَّلَ فَخُذْ بِالْحَزْمِ وَ اتَّهِمْ فِي ذَلِكَ حُسْنَ الظَّنِّ.
وَإِنْ عَقَدْتَ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ عَدُوّكَ عُقْدَةً أَوْ أَلْبَسْتَهُ مِنْكَ ذِمَّةً فَحُطْ عَهْدَكَ بِالْوَفَاءِ وَ ارْعَ ذِمَّتَكَ بِالْأَمَانَةِ وَ اجْعَلْ نَفْسَكَ جُنَّةً دُونَ مَا أَعْطَيْتَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ شَيْءٌ النَّاسُ أَشَدُّ عَلَيْهِ اجْتِمَاعاً مَعَ تَفَرُّقِ أَهْوَائِهِمْ وَتَشَتُتِ آرَائِهِمْ مِنْ تَعْظِيمِ الْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ، وَقَدْ لَزِمَ ذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ دُونَ الْمُسْلِمِينَ؛ لِمَا اسْتَوْبَلُوا مِنْ عَوَاقِبِ الْغَدْرِ فَلَا تَغْدِرَنَّ بِذِمَّتِكَ وَلَا تَخِيسَنَّ بِعَهْدِكَ وَ لَا تَخْتِلَنَّ عَدُوَّكَ فَإِنَّهُ لَا يَجْتَرِئُ عَلَى اللَّهِ إِلَّا جَاهِلٌ شَقِيٌّ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ عَهْدَهُ وَ ذِمَّتَهُ أَمْناً أَفْضَاهُ بَيْنَ الْعِبَادِ بِرَحْمَتِهِ، وَ حَرِيماً يَسْكُنُونَ إِلَى مَنَعَتِهِ وَ يَسْتَفِيضُونَ إِلَى جِوَارِهِ، فَلاَ إِدْغَالَ وَ لاَ مُدَالَسَةً وَلَا خِدَاعَ فِيهِ. وَلَا تَعْقِدْ عَقْداً تُجَوّزُ فِيهِ الْعِلَلَ، وَلَا تُعَوّلَنَّ عَلَى لَحْنٍ قَوْلٍ بَعْدَ التَّأْكِيدِ وَالتَّوْثِقَةِ، وَلَا يَدْعُوَنَّكَ ضِيقُ أَمْرٍ لَزِمَكَ فِيهِ عَهْدُ اللَّهِ إِلَى طَلَبِ انْفِسَاخِهِ بِغَيْرِ الْحَقِّ؛ فَإِنَّ صَبْرَكَ عَلَى تَرْجُو انْفِرَاجَهُ وَفَضْلَ عَاقِبَتِهِ خَيْرٌ مِنْ غَدْرٍ تَخَافُ تَبِعَتَهُ، وَأَنْ تُحِيطَ بِكَ
ضيق
مِنَ اللهِ فيه طِلْبَةٌ لاَ تَسْتَقِيلُ فِيهَا دُنْيَاكَ وَ لا آخِرَتَكَ. إِيَّاكَ وَالدِّمَاءَ وَسَفْكَهَا بِغَيْرِ حِلّهَا فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أَدْعَى لِنِقْمَةٍ وَلَا أَعْظَمَ لِتَبِعَةٍ وَلَا أَحْرَى بِزَوَالِ نِعْمَةٍ وَانْقِطَاعِ مُدَّةٍ مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ بِغَيْرِ حَقِّهَا، وَاللهُ سُبْحَانَهُ مُبْتَدِئُ بِالْحُكْمِ بَيْنَ الْعِبَادِ فِيمَا تَسَافَكُوا مِنَ الدِّمَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلَا تُقَوّيَنَّ سُلْطَانَكَ بِسَفْكِ دَمٍ حَرَامٍ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُضْعِفُهُ وَيُوهِنُهُ بَلْ يُزِيلُهُ وَيَنْقُلُهُ.
194 - أي: أظهر لهم ما خفي عليهم يقال أصحَرَ القَومُ أي بَرَزُوا إلى الصحراء، وهو فَضاء من الأرض واسع لا يُواريهم شيء، والجمع الصَّحَارَى انظر: العين للخليل الفراهيدي (صحر) (1/148)
صفحة 149
148
أدب القضاء في الإسلام
وَلَا عُدْرَ لَكَ عِنْدَ اللَّهِ وَلَا عِنْدِي فِي قَتْلِ الْعَمْدِ لِأَنَّ فِيهِ قَوَدَ الْبَدَنِ وَإِنِ ابْتُلِيتَ بِخَطَأ وَأَفْرَطَ عَلَيْكَ سَوْطُكَ أَوْ سَيْفُكَ أَوْ يَدُكَ بِالْعُقُوبَةِ فَإِنَّ فِي الْوَكْزَةِ فَمَا فَوْقَهَا مَقْتَلَةً فَلَا تَطْمَحَنَّ بِكَ نَخْوَةُ سُلْطَانِكَ عَنْ أَنْ تُؤَدِّيَ إِلَى أَوْلِيَاءِ الْمُقْتُولِ حَقَّهُمْ. وَإِيَّاكَ وَالْإِعْجَابَ بِنَفْسِكَ وَالثَّقَةَ بِمَا يُعْجِبُكَ مِنْهَا وَحُبَّ الْإِطْرَاءِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَوْثَقِ فُرَصِ الشَّيْطَانِ فِي نَفْسِهِ؛ لِيَمْحَقَ مَا يَكُونُ مِنْ إِحْسَانِ الْمُحْسِنِينَ.
وَإِيَّاكَ وَالْمَنَّ عَلَى رَعِيَّتِكَ بِإِحْسَانِكَ، أَوِ التَّزَيَّدَ فِيمَا كَانَ مِنْ فِعْلِكَ، أَوْ أَنْ تَعِدَهُمْ فَتُتْبِعَ مَوْعِدَكَ بِخُلْفِكَ؛ فَإِنَّ الْمَنَّ يُبْطِلُ الْإِحْسَانَ، وَالتَّزَيَّدَ يَذْهَبُ بِنُورِ الْحَقِّ، وَالْخُلْفَ يُوجِبُ الْمَقْتَ عِنْدَ اللهِ وَالنَّاسِ، قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا
تَفْعَلُونَ.
وَإِيَّاكَ وَالْعَجَلَةَ بِالْأُمُورِ قَبْلَ أَوَانِهَا أَوِ التَّسَقُطَ فِيهَا عِنْدَ إِمْكَانِهَا، أَوِ التَّجَاجَةَ فِيهَا إِذَا تَنَكَّرَتْ، أَوِ الْوَهْنَ عَنْهَا إِذَا اسْتَوْضَحَتْ، فَضَعْ كُلَّ أَمْرٍ مَوْضِعَهُ، وَأَوْقِعْ كُلَّ عَمَلٍ أَمْرٍ
مَوْقِعَهُ.
وَإِيَّاكَ وَالاسْتِثْثَارَ بِمَا النَّاسُ فِيهِ أُسْوَةٌ وَالتَّغَابِيَ عَمَّا تُعْنَى بِهِ مِمَّا قَدْ وَضَحَ لِلْعُيُونِ؛ فَإِنَّهُ مَأْخُوذُ مِنْكَ لِغَيْرِكَ وَعَمَّا قَلِيلٍ تَنْكَشِفُ عَنْكَ أَغْطِيَةُ الْأُمُورِ وَيُنْتَصَفُ مِنْكَ
لِلْمَظْلُومِ. إمْلِكْ حَمِيَّةَ أَنْفِكَ وَسَوْرَةَ حَدِكَ وَسَطْوَةَ يَدِكَ وَغَرْبَ لِسَانِكَ وَاحْتَرِي مِنْ كُلِّ ذَلِكَ بِكَفِّ الْبَادِرَةِ وَتَأْخِيرِ السَّطْوَةِ حَتَّى يَسْكُنَ غَضَبُكَ فَتَمْلِكَ الْاِخْتِيَارَ، وَلَنْ تَحْكُمَ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِكَ حَتَّى تُكْثِرَ هُمُومَكَ بِذِكْرِ الْمَعَادِ إِلَى رَبِّكَ. وَالْوَاجِبُ عَلَيْكَ: أَنْ تَتَذَكَّرَ مَا مَضَى لِمَنْ تَقَدَّمَكَ؛ مِنْ حُكُومَةٍ عَادِلَةٍ، أَوْ سُنَّةٍ فَاضِلَةٍ، أَوْ أَثَرٍ عَنْ نَبِيِّنَا أَوْ فَرِيضَةٍ فِي كِتَابِ اللهِ، فَتَقْتَدِيَ بِمَا شَاهَدْتَهُ مِمَّا عَمِلْنَا بِهِ فِيهَا، (1/149)
صفحة 150
149
أدب القضاء في الإسلام
وَتَجْتَهِدَ لِنَفْسِكَ فِي اتِّبَاعِ مَا عَهِدْتُ إِلَيْكَ فِي عَهْدِي هَذَا، وَاسْتَوْثَقْتُ بِهِ مِنَ الْحُجَّةِ لِنَفْسِي عَلَيْكَ، لِكَيْلَا تَكُونَ لَكَ عِلَّةٌ عِنْدَ تَسَرُّعِ نَفْسِكَ إِلَى هَوَاهَا.
وَ أَنَا أَسْأَلُ اللَّهَ بِسَعَةِ رَحْمَتِهِ وَ عَظِيمٍ قُدْرَتِهِ عَلَى إِعْطَاءِ كُلِّ رَغْبَةٍ أَنْ يُوَفِّقَنِي وَإِيَّاكَ لِمَا فِيهِ رِضَاهُ مِنَ الْإِقَامَةِ عَلَى الْعُذْرِ الْوَاضِحِ إِلَيْهِ وَ إِلَى خَلْقِهِ مِنْ حُسْنِ الثَّنَاءِ فِي الْعِبَادِ وَ جَمِيلِ الْأَثَرِ فِي الْبِلادِ وَ تَمَامِ النِّعْمَةِ وَتَصْعِيفِ الْكَرَامَةِ، وَ أَنْ يَخْتِمَ لِي وَلَكَ بِالسَّعَادَةِ وَالشَّهَادَةِ "إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ" وَالسَّلاَمُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَ سَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً وَ السَّلامُ. انتهى. 195
الفهرس
المقدمة
الموضوع
المبحث الأول في التعريفات وفيه مطلبان المطلب الأول في تعريف الأدب
صفحة
V
195 - انظر: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 2، ونهاية الأرب في فنون الأدب. لشہاب الدين أحمد ابن عبد الوهاب النويري. وكتب عمر بن عبد العزيز الله لما ولي الخلافة إلى الحسن البصري أن يكتب له صفة الإمام العادل؛ فكتب إليه الحسن: اعلم يا أمير المؤمنين، أن الله جعل الإمام العادل قوام كل مائل، وقصد كل جائر، وصلاح كل فاسد، وقوة كل ضعيف، ونصفة كل مظلوم، ومفزع كل ملهوف ... " انظره بكامله من نهاية الأرب. ج 6 ص 35. (1/150)
صفحة 151
أدب القضاء في الإسلام
المطلب الثاني في تعريف القضاء
المبحث الثاني في مهام القاضي وشروطه وفي ثلاثة مطالب المطلب الأول في
حكم تولي منصب القضاء
المطلب الثاني في مهام القاضي
المطلب الثالث في بعض شروط القاضي
المبحث الثالث فيما للقاضي وما عليه وفيه مطلبان
المطلب الأول في ذكر بعض ما جاء في التنفير من القضاء والتشديد فيه
المطلب الثاني في ذكر بعض ما أعده الله وعمل للقاضي العادل من الثواب
المبحث الرابع فيما يخص القاضي من آداب وفيه خمسة مطالب المطلب الأول آدابه تجاه نفسه
المطلب الثاني ما يجب على القاضي الحذر منه
المطلب الثالث في بعض مكروهات القاضي
المطلب الرابع في تقليد القاضي لغيره
المطلب الخامس في رزق القاضي
المبحث الخامس فيما يخص مجلس الحكم وفيه ثلاثة مطالب المطلب
الأول في تعامل القاضي عند الخصوم
الطلب الثاني في حكم القاضي بعلمه (1/151)
صفحة 152
أدب القضاء في الإسلام
المطلب الثالث في تحكيم الحكمين
المبحث السادس التنفيذ
الخلاصة
رسالة الإمام الخليلي للقاضي سيف بن حماد التي أوضح فيها الإمام
رزق القاضي.
عهد الإمام علي بن أبي طالب العامله الأشتر: مالك بن الحارث.
الفهرس (1/152)