صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: فقه
------------------------------------------
العنوان: اختلاف المطالع وأثره على اختلاف الأهلة
المؤلف: أحمد بن حمد الخليلي
الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
مكان النشر: سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1431ه/ 2010م
الطبعة: 1
الإيداع القانوني: 2010/239
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=3397&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/731
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 11 رجب 1446ه/ 11 - شهر 01 - 2025م. سلطنة عمان
وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
اختلاف المطالع
وأثره على اختلاف الأهلة
لسماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام لسلطنة عُمان (1/1)
صفحة 2
اختلاف المطالع
واثره على اختلاف الاهلة (1/2)
صفحة 3
سلطنة عمان
وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
اختلاف المطالع
واثره على اختلاف الاهلة
لسماحة الشيخ احمد بن حمد الخليلي
المفتي العام لسلطنة عُمان (1/4)
صفحة 4
بسم اله الرحمر الرجيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا
محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد:
فقد كثر الأخذ والرد في مسألة اختلاف المطالع وأثرها في اختلاف الأهلة إذ يرى البعض أنه لا بد من توحيد الأهلة ولو اختلفت مطالعها، وانساق وراء هذه الدعوى جمهور من عوام المسلمين وبعض من علمائهم، كما أنه قد أثيرت ضجة حول دخول شهر ذي الحجة في السلطنة في بعض السنوات، ونظر إليه بغير النظر الصحيح كحب التفرد أو مخالفة جمهور الأمة، فجاءت هاتان الرسالتان اللتان ألفهما سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة حفظه الله ردًّا على من يرى ذلك، مبينًا القول الصحيح مؤيدا بالدليل العلمي، ومدعومًا بالحجج النقلية والعقلية، والله ولي التوفيق.
مكتب الإفتاء (1/6)
صفحة 5
ب الا الرحم الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله
وصحبه ومن والاه وبعد:
فقد وصلتني بعض الأسئلة حول هلال ذي الحجة وترك ما اعتيد عليه في السنوات الأخيرة المنصرمة من التعويل على تأريخ أم القرى فيه، وأن مما زاد بعض الناس حيرة في هذا الأمر أنهم شاهدوا الهلال مرتفعا عندما رأوه في
الليلة التالية لليلة استطلاعه.
والذي أريد التأكيد عليه أن هذا الأمر لم يكن قراراً فردياً حتى يمكن لفرد من أعضاء اللجنة إلغاؤه بمدة قلم أو يمكن ذلك للجنة بأسرها رئيساً وأعضاء، فإنه عُرض على عدة جهات وتمت دراسة كل جوانبه الفقهية والعلمية والاجتماعية حتى ارتاه ولي الأمر فاعتمده فأصبح لزاماً لا
مناص لنا منه.
في
على أنه لم يكن نتيجة هوى متبع، وإنما لذلك أصل أصيل السُّنَّة النبوية ونظر أهل الفقه، وهو مدعوم بحقائق (1/8)
صفحة 6
علمية كونية لا يماري فيها أحد ممن كان مطلعا عليها من أهل الاختصاص فيها.
ناهيكم أن القرآن الكريم أشار إليها بعبارة تكاد تكون صريحة وذلك في قوله تعالى: (يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجّ} (البقرة: 189) فهي مواقيت للناس في كل شيء من أمور عباداتهم كالصيام والزكاة وعدد النساء وتوقيت الإيلاء والأيمان والنذور والأضاحي، ولا ريب في دخول الحج في ذلك، وإنما أفرد بالذكر لأهميته، وهي مواقيت للناس في أمورهم الاعتيادية كالبيع والرهن والدين والإيجار، ويدخل في ذلك الطلاق والعتق المعلقان على حضور ميقات زمني. ولا ريب أن ثبوت الهلال يناط بأحد أمرين إما ثبوت الرؤية الصحيحة بعد مضي تسعة وعشرين يوما منذ ثبوت الهلال الأول، أو بتمام ثلاثين يوما، وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم في الصيام: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم
فاقدروا له ـ وفي رواية أخرى - فأكملوا العدة ثلاثين وجاء في حديث آخر: «لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه». وكل هذه الروايات ثابتة في الصحاح (1/9)
صفحة 7
وفي السنن، ولا خلاف أن هذا الحكم لا ينحصر في الصوم
وحده وإنما يتحقق مناطه في كل ما عداه.
ومن المعلوم أن رؤية الهلال تتفاوت وقوعاً وإمكاناً باختلاف البلدان ومطالعها لذلك لم ير ابن عباس ثبوت الرؤية في المدينة المنورة بثبوتها في بلاد الشام وعزا هذا الحكم إلى رسول الله، فقد أخرج الإمام مسلم في «صحيحه» وأصحاب السنن عن كريب مولى ابن عباس قال: «أرسلتني أم الفضل بنت الحارث والدة عبد الله بن عباس إلى معاوية بالشام فاستهل علي هلال رمضان وأنا بالشام، فلما قضيت حاجتها ورجعت إلى المدينة سألني ابن عباس فقال لي: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم، ورآه الناس، وصاموا وصام معاوية، فقال: ولكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نرى الهلال، فقلت: أوما تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال لا. هكذا أمرنا رسول الله. وأنت ترى أن ابن عباس لم يعزُّ هذا الحكم إلى اجتهاده الشخصي، وإنما عزاه إلى رسول الله، ومن المعلوم أن قول الصحابي: «كنا نؤمر» أو «كنا ننهى» له حكم الرفع (1/10)
صفحة 8
فكيف إذا صرح أن الأمر أو الناهي هو رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا مجال للتشكيك في كون هذا الحكم صادراً عن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام
على أن الصحابي هو أولى بالاتباع إن لم يوجد له
مخالف من الصحابة حتى لو لم يقم دليل على قوله عندما يكون القول الآخر خاليا من الدليل أيضاً، وذلك لما ناله الصحابة رضوان الله عليهم من شرف صحبته عليه أفضل الصلاة والسلام والتلقي عنه والاطلاع على ما لم يطلع عليه غيرهم من أحواله وأقواله، لذلك قال الإمام أبو يعقوب الوارجلاني - من علمائنا -: «لا تقليد إلا لصاحب هذا القبر - مشيراً إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وأما الصحابة فهم أولى بالاتباع لعهدهم برسول الله صلى الله عليه وسلم وأما التابعون فهم رجال ونحن رجال».
ولقوة هذا الدليل تجد الفقهاء انصرف جمهورهم إلى الأخذ بهذا الحديث وإن اختلفوا في كيفية تطبيقه على الواقع حتى إن منهم من قال باستقلال كل بلد عن غيره ولو تقاربا، ومنهم من عد الفاصل الذي يعول عليه في اختلاف حكم الرؤية هو مسافة القصر، وقد ملئت بطون (1/11)
صفحة 9
شروح السُّنَّة وكتب الفقه بهذه الأقوال، وحسبي أن أنقل هنا نصا قاله الحافظ ابن حجر في «فتح الباري»: «وقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب أحدها لأهل كل بلد رؤيتهم،
وفي صحيح مسلم من حديث ابن عباس ما يشهد له، وحكاه ابن المنذر عن عكرمة والقاسم وسالم وإسحاق، وحكاه الترمذي عن أهل العلم ولم يحك سواه، وحكاه الماوردي وجها للشافعية. ثانيها: مقابله إذا رئي ببلدة لزم أهل البلاد كلها، وهو المشهور عند المالكية، لكن حكى ابن عبد البر الإجماع على خلافه، وقال: أجمعوا على أنه لا تراعى الرؤية فيما بعد من البلاد كخراسان والأندلس. قال القرطبي: قد قال شيوخنا إذا كانت رؤية الهلال ظاهرة قاطعة بموضع ثم نقل إلى غيرهم بشهادة اثنين لزمهم الصوم. وقال ابن الماجشون: لا يلزمهم بالشهادة إلا لأهل البلد الذي ثبتت فيه الشهادة إلا أن يثبت عند الإمام الأعظم فيلزم الناس كلهم لأن البلاد في حقه كالبلد الواحد إذ حكمه نافذ في الجميع. وقال بعض الشافعية: إن تقاربت البلاد كان الحكم واحداً وإن تباعدت فوجهان: لا يجب عند الأكثر، واختار
أبو الطيب وطائفة الوجوب وحكاه البغوي عن الشافعي (1/12)
صفحة 10
وفي ضبط البعد أوجه أحدها اختلاف المطالع قطع به العراقيون والصيدلاني وصححه النووي في «الروضة» و «شرح المهذب». ثانيها: مسافة القصر قطع به الإمام والبغوي وصححه الرافعي في «الصغير» والنووي في «شرح مسلم ثالثها اختلاف الأقاليم. رابعها حكاه السرخسي فقال: يلزم كل بلد لا يتصور خفاؤه عنها بلا عارض دون غيرهم. خامسها: قول ابن الماجشون المتقدم واستدل به على وجوب الصوم والفطر على من رأى الهلال وحده وإن لم يثبت بقوله، وهو قول الأئمة الأربعة في الصوم، واختلفوا في الفطر فقال الشافعي: يفطر ويخفيه. وقال الأكثر يستمر صائما احتياطا». ا. هـ.
ولئن كان فطاحل علماء الأمة اختلفوا في كيفية تطبيق هذه المسألة بحسب ما يقتضيه دليلها فإن الفيصل في ذلك تطبيق حديث ابن عباس الله عليها مع استلهام تفصيل مجمله وإيضاح مبهمه بالرجوع إلى ما يفيده نظام الكون الذي. جعله الله تعالى ضابطاً لدقائقه، وهو اعتبار اختلاف المطالع بين البلدان لما له من التأثير في تفاوت إمكان وقوع الرؤية فيها، وبهذا يجمع بين الدليل الشرعي والتطبيق (1/13)
صفحة 11
العلمي، فيتبيّن به أن الراجح من هذه الأقوال اختلاف
حكم الرؤية باختلاف المطالع.
وقد عوّل على هذا كثير من فقهاء عصرنا منهم كبار علماء المملكة العربية السعودية كالعلامة الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد الذي ألف في ذلك رسالة واسعة مدعومة بالحجج، والعلامة الشيخ ابن عثيمين، بل صدر بذلك قرار مجمع الفقه التابع لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة في إحدى دوراته.
على أن هذا الحكم لا ينحصر في الصيام والإفطار وحدهما بل جميع الأحكام المنوطة بالأهلة مندرجة فيه أيضاً، وإلا كان التباين والنشاز بين الأحكام الشرعية ويأبى الله ذلك، فلا معنى لاستثناء شهر ذي الحجة من بين الشهور القمرية وإلحاقه بالتوقيت الحرمي وإتباع جميع أحكامه له فإن هذا مناف للمعقول والمنقول، فإننا تعبدنا فيه بعبادات شتى منها ما هو خاص به كالأضاحي، ومنها ما يشمله مع غيره من الشهور كتوقيت الإيلاء وعدد النساء،
وأنى يتيسر فيها العمل بموجب الحكم الشرعي مع شذوذ تأريخه عن بقية الشهور؟! (1/14)
صفحة 12
بلد
وأنتم تدرون أن الناس في أطراف الأرض متعبدون بعبادات موقوتة بمواقيت أنحائهم؛ فلذلك يتفاوتون في أوقات التعبد بها، ولا يمكنهم أن يؤدوها بحسب مواقيت الحرم الشريف. فالصلوات الخمس كل يؤديها في مواقيتها المحددة بحسب المكان الذي هو فيه فلا يصلون الظهر إذا زالت الشمس في الله الحرام، وإنما يصلونها بزوالها حيث كانوا موجودين، وكذلك سائر الصلوات، وهم في ذلك مختلفون حتى إن منهم من تسبق صلاته صلاة الحرم بزمن طويل، ومنهم من تتأخر صلاته عنها أيضا بزمن طويل، فهل يمكن أن يقال بتوحيد مواقيت أداء هذه الصلوات بحسب توقيت الحرم الشريف حيث الكعبة البيت الحرام التي هي رمز وحدتهم ومعقد ارتباطهم ومهوى أفئدتهم وهي وجهتهم في صلواتهم وكثير من عباداتهم؟ لا ريب أن القول بهذا مناف لحكمة الله تعالى في تشريعه وحكمه في تعبده. وكذلك الشروع في الصيام يبدأ بطلوع الفجر الصادق حيث يكون الصائم وينتهي بغروب الشمس، ولو أن الناس كانوا مطالبين بأن يراعوا في ذلك ميقات الحرم الشريف لكان منهم من يصوم ليلاً ويفطر نهاراً، فقد يبدأ صيام (1/15)
صفحة 13
اليوم التاسع من ذي الحجة بعد غروب شمس يوم عرفة عند قوم وينتهي بطلوع شمسه عند آخرين، فهل يراعون في
ذلك توقيت عرفات ليتوحدوا مع الواقفين بها؟
أما ما أثير من الضجيج حول ارتفاع هلال ذي الحجة
بعد غروب شمس يوم السبت الموافق للثلاثين من ذي القعدة عندنا فهو لا يدل بحال على أن في توقيت الهلال خطأ بل السُّنَّة النبوية شاهدة على أن هذا هو الحكم الصحيح الذي يجب التعويل عليه ناهيك بما تدل عليه هذه الرواية التي أخرجها مسلم في «صحيحه» حيث قال: «حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا محمد بن فضيل عن حصين عن عمرو بن مرة عن أبي البختري قال: خرجنا للعمرة فلما نزلنا ببطن نخلة ـ قال - تراءينا الهلال فقال بعض القوم: هو ابن ثلاث وقال بعض القوم: هو ابن ليلتين، قال: فلقينا ابن عباس فقلنا: إنا رأينا الهلال فقال بعض القوم: هو ابن ثلاث، وقال بعض القوم: هو ابن ليلتين فقال: أي ليلة رأيتموه، قال: فقلنا: ليلة كذا وكذا. فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله مده للرؤية فهو لليلة رأيتموه». (1/16)
صفحة 14
فأنت ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم
ما نطق عن الهوى ان هو ال قطع دابر الشك في هذه
وجد يوحى المسألة باليقين ولم
يلتفت إلى مقدار ارتفاع
الهلال ليغير في توقيت بداية
الشهر المنوطة به، وإنما جعل العبرة بوقت رؤيته، وهذا الذي يدعمه علم الفلك فإن لارتفاعه أسباباً؛ فقد يكون محجوبا عن رؤيته في اليوم الأول لأسباب طبيعية كقربه من الشمس وتأثره بشعاعها حتى يحجب عن الأبصار فيبدو في اليوم الثاني مرتفعاً، وهو في الحقيقة ابن ليلته، وليت شعري من أولى بالاتباع؟ هل دهماء الناس وعامتهم الذين ليس لهم نصيب في الفقه ولا دليل من العلم حتى إنهم لا يفرقون بين الضب والنون وبين الذئب والحمل أو النبي الله الذي لم تأتنا الشريعة إلا من طريقه ولم نتعبد إلا باتباعه {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْى يُوحَى) (النجم: 3 - 4).
على أنه لو كان المعارض له من خيار الأمة لوجب الإعراض عنه، وأن يضرب بقوله عرض الحائط ويؤخذ (1/17)
صفحة 15
بقول النبي صلى الله عليه وسلم، لذلك قال ابن عمر: «تكاد تنزل عليكم قارعة من السماء أقول لكم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون لي: قال أبو بكر قال عمر!!»
ولئن كان كلام أبي بكر وعمر وأمثالهما من أجلة الصحابة رضوان الله عليهم لا يقارن بقول النبي صلى الله عليه وسلم فكيف بقول عامة الناس ودهمائهم؟!. على أن دلائل علم الفلك جاءت متطابقة مع هذا القرار، وقد ذكر ذلك الفلكيون قبل استطلاع رؤية الهلال. فقد جاء في موقع قناة العربية من شبكة المعلومات العالمية نقلا عن المهندس محمد شوكت عودة رئيس المجلس الإسلامي لرصد الأهلة أنه قال عن الدول التي سيكون فيها الجمعة موافقاً للتاسع والعشرين من ذي القعدة، ومنها بنغلادش وإيران وباكستان وسلطنة عُمان والمملكة المغربية والسنغال: «إن رؤية الهلال يوم الجمعة صعبة جداً وتحتاج إلى تلسكوب في العديد من المناطق بل قد تكون الرؤية غير ممكنة في مناطق أخرى»، وأضاف: «إن رؤية الهلال يوم الجمعة في كل من أبو ظبي وعمان والقاهرة
والرباط غير ممكنة حتى باستخدام التلسكوب». (1/18)
صفحة 16
وهذا مما يؤكد أن عدم رؤية الهلال في ذلك اليوم لم يكن عن قصور في الاستطلاع، وإنما هو أمر طبيعي يعود إلى أوضاع الفضاء.
ولا يخفى على كل من اطلع على هدي رسول
الله
أنه
الثلث
كان يؤخر صلاة العشاء حتى يصل بها إلى مضي الأول من الليل، وكان ينهى عن السمر بعدها كما ينهى عن النوم قبلها، وقد أثر عنه أنه كان يصلي العشاء مغيب القمر ليلة الثالث من الشهر، ومن تأمل غروب القمر ليلة الثالث بحسب تأريخنا في هذا الشهر يدرك يقيناً أنه هو الوقت المناسب لهذا المأثور، فقد غرب بعد مضي أقل من ساعة أدائنا صلاة العشاء مع أننا نؤديها في أوائل وقتها، وذلك قبل الوقت الذي كان يصليها فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بفترة
من
من الزمن.
والسلطنة في هذا لم تشذ عن العالم الإسلامي فكم من بلد إسلامي ينهج هذا النهج كماليزيا وإندونيسيا والهند وبنغلادش وباكستان وإيران وتركيا والمملكة المغربية وجميع دول شرق أفريقيا، والعديد من الدول الإسلامية الأفريقية الأخرى. (1/19)
صفحة 17
أما انتقاد عامة الناس ودهمائهم فلا أثر له على الأحكام الشرعية وتطبيقها على القضايا، فإن طبيعة البشر تدفعهم إلى التسرع في الاستنكار بغير رؤية ولا فكر ولا بصيرة ولا فقه، وقد ينتقدون الأمر ونقيضه، ورضى الناس غاية لا تدرك، وما على الإنسان إلا أن يوجه وجهه إلى الله، وكفى به وليا وكفى به نصيراً.
ولا أظن إلا أن الحقيقة وضحت لكم بعد هذا البيان
وأسأل الله سبحانه لي ولكم التوفيق لكل ما يرضيه ويقرب
إليه من الأقوال والأعمال.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أحمد بن حمد الخليلي (1/20)
صفحة 18
بما انه الرحم الرحيم
الحمد لله الذي شرع لعباده ديناً قيماً شامخاً بنيانه، متينة أركانه، ساطعاً برهانه والصلاة والسلام على سيدنا محمد،، الذي ختم الله به الرسل، وجعله أبلغهم بياناً، وأعظمهم برهاناً، وأقواهم حجة، وأهداهم محجة، وعلى آله وصحبه الذين كانوا يهدون إلى الحق وبه يعدلون، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم يبعثون.
هذا؛ وقد تلقيت بيد العرفان والشكر رسالتك القيمة المؤرخة 14 ذي القعدة 1430 هـ، وطالعتها ففهمت مضمونها، ومع شكري وتقديري لشخصك الكريم واحترامي لرأيك كنت متردداً بين التعقيب على ما تضمنته والسكوت عن ذلك، حرصاً على الوفاق وجمع الشمل وحذراً من الدوران في حلقة مفرغة من الجدل، وإنما رجحت الجواب والتعقيب على ما ذكرتموه، إذ رأيتك أبعدت النجعة حينما أخذت القضية بحساسية مذهبية، فأردت أن أكشف لك ولكل من التبست عليه بأنها لا علاقة لها بالمذهبية، وإنما الذي عوّلنا عليه هو (1/22)
صفحة 19
رأي جمهور الأمة سلفاً وخلفاً، وقد درج عليه معظم أصحاب.
المذاهب الأربعة، ولا يزال أساطين علمائهم الجامعين بين
المعقول والمنقول يعوّلون عليه في فتاواهم، ويرشدون إليه سائليهم، ولأجل تفادي الحساسية المذهبية سوف أقتصر في جوابي على نصوص علماء المذاهب الأربعة ما عدا ما روي
عن الصحابة والتابعين وعلماء الأمصار في القرون الأولى. وإني إن عجبت من شيء فإن عجبي لا ينتهي من أخذك المسألة بهذه الحساسية؛ لأني أرى ذلك يزري بمقامك العلمي والاجتماعي، ولا أجد في هذا كلمة أقولها لك إلا كلمة الفاروق لأبي عبيدة: «لو غيرك قالها ... »، فما أجدرك مع المنزلة التي تتبوأها - أن تكون حريصا على دفع هذه الأوهام عندما تصدر من غيرك، وليت شعري؛ أَولَم يكن في المخزون العلمي - الذي احتوته بطون دواوين الفقه والتفسير والحديث التي صاغتها قرائح علماء المذاهب الأربعة وما
قالوه في هذا - ما يكفي لأن يكون درءا لهذا الاتهام؟! وحسبي أن أبدأ بما قاله الترمذي في سننه» بعد أن ساق حديث كريب: «حديث ابن عباس حديث حسن صحيح غريب والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم أن لكل أهل بلد رؤيتهم»، (1/23)
صفحة 20
وفي قوله هذا ما يدل على أن السلف كانوا متفقين على هذا الرأي وإنما حدث الخلاف فيما بعد، وترجم له الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم: (باب بيان أن لكل بلد رؤيتهم
وأنهم إذا رأوا الهلال ببلد لا يثبت حكمه لما بعد عنهم). ثم قال: فيه حديث كريب عن ابن عباس، وهو ظاهر الدلالة للترجمة، والصحيح عند أصحابنا أن الرؤية لا تعم الناس، بل تختص بمن قرب على مسافة لا تقصر فيها الصلاة، وقيل: إن اتفق المطلع لزمهم، وقيل: إن اتفق الإقليم وإلا فلا، وقال بعض أصحابنا: تعم الرؤية في موضع جميع أهل الأرض، فعلى هذا نقول: إنما لم يعمل ابن عباس بخبر كريب؛ لأنه شهادة فلا تثبت بواحد، لكن ظاهر حديثه أنه لم يرده لهذا،
وإنما رده لأن الرؤية لم يثبت حكمها في حق البعيد.
وقال ابن عبد البر في «التمهيد»: واختلف العلماء في الحكم إذا رأى الهلال أهل بلد دون غيره من البلدان فروي عن ابن عباس وعكرمة والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله أنهم قالوا لكل أهل بلد رؤيتهم، وبه قال إسحاق ابن راهويه وحجة من قال هذا القول ما حدثناه عبدا د الله ابن محمد بن عبد المؤمن قال: حدثنا محمد بن بكر بن (1/24)
صفحة 21
محمد بن ا
داسة قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر قال: أخبرني أبي حرملة قال: أخبرني كريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته
إلى معاوية بالشام قال: فقدمت الشام فقضيت حاجتها فاستهل رمضان وأنا بالشام فرأينا الهلال ليلة الجمعة ثم قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني ابن عباس ثم ذكر الهلال فقال: متى رأيتم الهلال؟ قال: قلت: رأيته ليلة الجمعة، قال: أنت رأيته؟ قلت: نعم، ورآه الناس وصاموا وصام معاوية، قال: لكن رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين يوماً أو نراه، قلت: أو لا تكتفي برؤية
معاوية قال: لا، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ا. هـ.
وقال في الاستذكار: وروى المدنيون عن مالك وهو قول المغيرة وابن دينار وابن الماجشون أن الرؤية لا تلزم غير أهل البلد الذي وقعت فيه إلا أن يكون الإمام يحمل الناس
على ذلك» ا. هـ.
وقال الماوردي في «الحاوي»: فلو رآه أهل البلد ولم يره أهل بلد آخر هلال رمضان، فقد اختلف أصحابنا في أهل
ذلك البلد الذين لم يروه على ثلاثة أوجه: (1/25)
صفحة 22
أحدها: أن عليهم أن يصوموا إذ ليس رؤية الجميع شرطاً في وجوب الصيام، وفرض الله تعالى على جميعهم واحداً. والوجه الثاني: لا يلزمهم صيامه حتى يروه؛ لأن الطوالع والغوارب قد تختلف لاختلاف البلدان، وكل قوم فإنما خوطبوا بمطلعهم ومغربهم، ألا ترى أن الفجر قد يتقدم طلوعه في بلد، ويتأخر في آخر وكذلك الشمس قد يتعجل غروبها في بلد ويتأخر في آخر، ثم كان الصائم
يراعي طلوع الفجر وغروب الشمس في بلده فكذلك الهلال. والوجه الثالث: إن كانوا من إقليم واحد لزمهم أن يصوموا، وإن كانوا من إقليمين لم يلزمهم؛ لما روي أن ثوبان قدم المدينة من الشام فأخبرهم برؤية الهلال قبل المدينة بليلة، فقال ابن عباس: «لا يلزمنا لهم شامهم ولنا حجازنا» فأجرى على الحجاز حكماً واحداً وإن اختلفت
بلاده، وفرق بينه وبين الشام. ا. هـ.
وقال ابن حجر الهيتمي في الفتاوى الفقهية الكبرى»: «وأما ما ذكره المفتي المذكور في جواب قول السائل إذا رؤي الهلال بمكة ولم ير بأرض بجيلة فهو صحيح والحاصل في ذلك أن العبرة باتحاد المطالع واختلافها لا بمسافة (1/26)
صفحة 23
القصر قال في الأنوار: والمراد باختلافها أن تتباعد البلدان بحيث لو رؤي في أحدهما لم ير في الآخر غالباً. قال الشيخ تاج الدين التبريزي: ورؤية الهلال في بلد توجب ثبوت حكمها إلى أربعة وعشرين فرسخا لأنها في أقل من ذلك لا تختلف، وقال السبكي والإسنوي: قد تختلف وتكون رؤيته في أحدهما مستلزمة لرؤيته في الأخرى من غير عكس إذ الليلة تدخل في البلاد الشرقية قبل دخولها في الغربية وحينئذ فيلزم عند اختلاف المطالع من رؤيته في الشرقي رؤيته في الغربي من غير عكس وأما عند
اتحادهما فيلزم من رؤيته في أحدهما رؤيته في الآخر». ا. هـ. وجاء أيضاً في الفتاوى الفقهية الكبرى» ما نصه: وسئل نفع الله به عن رؤية الهلال إذا قلنا إن القرب والبعد باختلاف المطالع واتحادها هل يلزم منه أن يظهر تفاوت بين أهل البلدان الشرقية والغربية في أول الشهر وآخره ولم يشتهر من أهل البلدان الثانية إلا الاتفاق ما السبب في هل هو كون الاختلاف لا يظهر في الربع المعمور بكثير أو لا؟ فإن قلتم بالأول فلأي شيء الاختلاف بين الأئمة في ترجيح اختلاف المطالع واتحادها ومسافة القصر؟ فأجاب بقوله:
ذلك؟ (1/27)
صفحة 24
نعم يلزم منه ذلك فقد صرح السبكي والإسنوي بأن المطالع إذا اختلفت فقد يلزم من رؤيته في بلد رؤيته في الآخر من غير عكس إذ الليل يدخل في البلاد الشرقية قبل دخوله في الغربية وحينئذ فيلزم عند اختلافها من رؤيته في الشرقي رؤيته في الغربي من غير عكس وأما عند اتحادهما فيلزم من رؤيته في أحدهما رؤيته في الآخر». ا. هـ.
وفي المنهاج وشرحه تحفة المحتاج وحاشيتي الشرواني وابن قاسم العبادي ما يعزز هذا الذي تقدم.
وقال الشيرازي في «المهذب»:
وإن رأوا الهلال في بلد ولم يروه في آخر فإن كانا بلدين متقاربين وجب على أهل البلدين الصوم وإن كانا متباعدين وجب على من رأى ولم يجب على من لم ير لما روى كريب قال: «قدمت الشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة ثم قدمت المدينة فقال عبد الله بن عباس: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيت؟ قلت: نعم ورآه الناس وصاموا وصام، معاوية، فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل العدة أو نراه. قلت: أو لا تكتفي
برؤية معاوية؟ قال: هكذا أمرنا رسول الله .. ا. هـ. (1/28)
صفحة 25
وقال النووي في شرحه المجموع»
«المسألة الثالثة: إذا رأوا الهلال في رمضان في بلد ولم يروه في غيره فإن تقارَبَ البلدان فحكمهما حكم بلد واحد ويلزم أهل البلد الآخر الصوم بلا خلاف وإن تباعدا فوجهان مشهوران في الطريقتين (أصحهما) لا يجب الصوم على أهل البلد الأخرى، وبهذا قطع المصنف والشيخ أبو حامد والبندنيجي وآخرون وصححه العبدري والرافعي والأكثرون (والثاني) يجب وبه قال الصيمري وصححه القاضي أبو الطيب والدارمي وأبو علي السنجي وغيرهم، وأجاب هؤلاء عن حديث كريب عن ابن عباس أنه لم يثبت عنده رؤية الهلال في بلد آخر بشهادة عدلين، والصحيح الأول وفيما يعتبر به البعد والقرب ثلاثة أوجه:
(أصحها وبه قطع جمهور العراقيين والصيدلاني وغيرهم أن التباعد يختلف باختلاف المطالع كالحجاز والعراق وخراسان، والتقارب أن لا يختلف كبغداد والكوفة والري وقزوين لأن مطلع هؤلاء مطلع هؤلاء فإذا رآه هؤلاء فعدم رؤيته للآخرين لتقصيرهم في التأمل أو لعارض
بخلاف مختلفي المطلع.
بخلاف (1/29)
صفحة 26
(والثاني) الاعتبار باتحاد الإقليم واختلافه، فإن اتحد
فتمقاربان وإلا فمتباعدان وبهذا قال الصيمري وآخرون. (والثالث) أن التباعد مسافة القصر والتقارب دونها وبهذا قال الفوراني وإمام الحرمين والغزالي والبغوي وآخرون من الخراسانيين وادعى إمام الحرمين الاتفاق عليه لأن اعتبار المطالع يحوج إلى حساب وتحكيم المنجمين وقواعد الشرع تأبى ذلك فوجب اعتبار مسافة القصر التي علق الشرع به كثيراً من الأحكام، وهذا ضعيف لأن أمر الهلال لا تعلق له بمسافة القصر فالصحيح اعتبار المطالع كما سبق فعلى هذا لو شك في اتفاق المطالع لم يلزم الذين لم يروا الصوم لأن الأصل عدم الوجوب ولأن الصوم إنما يجب بالرؤية للحديث ولم تثبت الرؤية في حق هؤلاء لعدم ثبوت قربهم من بلد الرؤية هذا الذي ذكرته هو المشهور للأصحاب في الطريقين وانفرد الماوردي والسرخسي بطريقين آخرين. فقال الماوردي: إذا رأوه في بلد دون بلد فثلاثة أوجه أحدها) يلزم الذين لم يروا لأن فرض رمضان
لا يختلف باختلاف البلاد وقد ثبت رمضان؛ (والثاني) لا يلزمهم لأن الطوالع والغوارب قد تختلف لاختلاف البلدان (1/30)
صفحة 27
وإنما خوطب كل قوم بمطلعهم ومغربهم ألا ترى الفجر قد يتقدم طلوعه في بلد ويتأخر في بلد آخر وكذلك الشمس قد يتعجل غروبها في بلد ويتأخر في آخر ثم كل بلد يعتبر طلوع فجره وغروب شمسه في حق أهله فكذلك الهلال؛ (الثالث)
إن كانا من إقليم لزمهم وإلا فلا، هذا كلام الماوردي وقال السرخسي: إذا رآه أهل ناحية دون ناحية فإن قربت المسافة لزمهم كلهم وضابط القرب أن يكون الغالب أنه إذا أبصره هؤلاء لا يخفى عليهم إلا لعارض سواء في ذلك مسافة القصر أو غيرها، قال: فإن بعدت المسافة فثلاثة أوجه أحدها) يلزم الجميع واختاره أبو علي السنجي (والثاني) لا يلزمهم؛ (والثالث) إن كانت المسافة بينهما بحيث لا يتصور أن يرى ولا يخفى على أولئك بلا عارض لزمهم وإن كانت بحيث يتصور أن يخفى عليهم فلا. فحصل في المسألة ستة وجوه
أحدها: يلزم جميع أهل الأرض برؤيته في موضع منها.
والثاني: يلزم أهل إقليم بلد الرؤية دون غيرهم.
والثالث: يلزم كل بلد يوافق بلد الرؤية في المطلع دون
غيره وهذا أصحها. (1/31)
صفحة 28
والرابع: يلزم كل بلد لا يتصور خفاؤه عنهم بلا عارض
دون غيرهم، وهو فيما حكاه السرخسي.
والخامس: يلزم من دون مسافة القصر دون غيرهم. والسادس: لا يلزم غير بلد الرؤية وهو فيما حكاه الماوردي والله أعلم. ا. هـ.
وقال أبو العباس القرطبي في «المفهم»:
وقول ابن عباس: فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه، ثم قال في آخره: هكذا أمرنا رسول الله؛ كلمة تصريح برفع ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، وبأمره به، فهو حجة على أن البلاد إذا تباعدت كتباعد الشام من الحجاز أو ما قارب ذلك فالواجب على أهل كل بلد أن تعمل على رؤيته دون رؤية غيره، وإن ثبت ذلك عند الإمام الأعظم، ما لم يحمل الناس على ذلك فلا تجوز مخالفته؛ إذ المسألة اجتهادية مختلف فيها، ولا يبقى مع حكم الإمام اجتهاد، ولا تحل مخالفته، ألا ترى أن معاوية أمير المؤمنين قد صام بالرؤية وصام الناس بها بالشام، ثم لم يلتفت ابن عباس إلى ذلك، بل بقي على حكم رؤيته هو. ووجه هذا يعرف من علم الهيئة والتعديل، وذلك أنه يتبين فيها: أن ارتفاعات الأقاليم مختلفة، فتختلف (1/32)
صفحة 29
مطالع الأهلة ومغاربها، فيطلع الهلال، ويغرب على قوم قبل طلوعه وغروبه على آخرين. وعلى هذا فلا يظهر تأثير هذا
إلا فيما بعد جداً، لا فيما قرب، والله تعالى أعلم.
وإلى هذا صار ابن عباس وسالم، والقاسم، وعكرمة. وبه قال إسحاق، وإليه أشار الترمذي حيث بوب: لأهل كل بلد رؤيتهم، وحكى أبو عمر بن عبد البر الإجماع على أنه لا تراعى الرؤية فيما بعد من البلدان كالأندلس من خراسان، قال: ولكل بلد رؤيتهم، إلا ما كان كالمصر الكبير، وما تقاربت أقطاره من بلدان المسلمين.
رو
قلت ـ القائل أبو العباس القرطبي -: «وهذا الإجماع الذي حكاه أبو عمر يدل على أن الخلاف الواقع في هذه المسألة إنما هو فيما تقاربت من البلاد. ولم يذكر فيه حكم القطر الواحد ونحن نذكره إن شاء الله تعالى.
قال ابن المنذر: اختلف في الهلال يراه أهل بلد ولا يراه غيرهم، فقال قوم: لأهل كل بلد رؤيتهم، وذكر من تقدم ذكر أكثرهم.
وقال آخرون: إذا ثبت أن أهل بلد رأوه فعليهم قضاء ما أفطروا. وهو قول الليث، والشافعي، وأحمد. ولا أعلمه إلا قول المزني والكوفي (1/33)
صفحة 30
ثم قال بعد ذكره الخلاف بين العلماء في حمل البلاد بعضها على بعض: والصواب الفرق – أي: بين البلاد المتقاربة والمتباعدة -؛ بدليل الإجماع الذي حكاه أبو عمر فيحمل إطلاق المشايخ على البلاد المتقاربة، والله تعالى
أعلم». ا. هـ.
وقال القرافي في «الذخيرة»:
«نصب» الله تعالى الأوقات أسباباً للأحكام كالفجر والزوال ورؤية الهلال كما نصب الأفعال أسباباً نحو السرقة والزنا، والأوقات تختلف بحسب الأقطار، فما من زوال لقوم إلا وهو
فجر لقوم وعصر لقوم ومغرب لقوم ونصف الليل لقوم، بل كلما تحركت الشمس درجة فتلك الدرجة بعينها هي فجر وطلوع شمس وزوال وغروب ونصف ليل ونصف نهار وسائر أسماء الزمان ينسب إليها بحسب أقطار مختلفة. وخاطب الله تعالى كل قوم بما يتحقق في قطرهم لا في قطر غيرهم، فلا يخاطب أحد بزوال غير بلده ولا بفجره وهذا مجمع عليه وكذلك الهلال مطالعه مختلفة فيظهر في المغرب ولا يظهر في المشرق إلا في الليلة الثانية بحسب احتباسه في الشعاع وهذا معلوم بالضرورة لمن ينظر فيه ومقتضى القاعدة أن يخاطب كل أحد (1/34)
صفحة 31
بهلال قطره ولا يلزمه حكم غيره ولو ثبت بالطرق القاطعة كما لا يلزمنا الصبح وإن قطعنا بأن الفجر قد طلع على من شرق عنا كما قاله، إلى هذا أشار البخاري في هذا الحديث بقوله بأن لأهل كل بلد رؤيتهم ولو كان ذلك لم ينقل عن عمر بن الخطاب ولا غيره من الخلفاء أنه كان يكتب إلى الأقطار ويبعث البريد: إني قد رأيت الهلال فصوموا. بل كانوا يتركون الناس مع مرئيهم فيصير حداً مجمعاً عليه ويشكل على هذا المشهور وقول عبد الملك أيضاً في قصره اللزوم على محل الولاية في الحكم دون الاستفاضة. وكذلك إذا ثبت عند الإمام الأعظم وحكم به بالشاهدين إن حكم به على أهل قطره لا يتعداهم أو على غيرهم فينبغي ألا ينفذ حكمه لأنه حكم بغير سبب وكل حكم بغير سبب لا
يلزم ولا ينفذ ا. هـ.
وقال في «الفروق»
والحق أنه يعتبر لكل قوم رؤيتهم وهلالهم كما يعتبر لكل
قوم فجرهم وزوالهم».
وقال أيضاً: «إذا تقرر الاتفاق على أن أوقات الصلوات تختلف باختلاف الآفاق، وأن لكل قوم فجرهم وزوالهم (1/35)
صفحة 32
وغير ذلك من الأوقات فيلزم ذلك في الأهلة بسبب أن البلاد المشرقية إذا كان الهلال فيها في الشعاع وبقيت الشمس تتحرك مع القمر إلى الجهة الغربية فما تصل الشمس إلى أفق المغرب إلا وقد خرج الهلال من الشعاع فيراه أهل المغرب ولا يراه أهل المشرق هذا أحد أسباب اختلاف رؤية الهلال، وله أسباب أخر مذكورة في علم الهيئة لا يليق ذكرها هاهنا إنما ذكرت ما يقرب فهمه، وإذا كان الهلال يختلف باختلاف الآفاق وجب أن يكون لكل قوم رؤيتهم في الأهلة كما أن لكل قوم فجرهم وغير ذلك من أوقات الصلوات، وهذا حق ظاهر وصواب متعين أما وجوب الصوم على جميع الأقاليم برؤية الهلال بقطر منها فبعيد عن القواعد والأدلة لم تقتض ذلك فاعلمه». ا. هـ.
وقال أبو عبدالله القرطبي صاحب التفسير واختلفوا إذا أخبر مخبر عن رؤية بلد فلا يخلو أن يقرب أو يبعد فإن قرب فالحكم واحد وإن بعد فلأهل كل بلد رؤيتهم، روي هذا عن عكرمة والقاسم وسالم وروي عن ابن عباس وبه قال إسحاق: وإليه أشار البخاري حيث بوب: لأهل كل بلد رؤيتهم». ا. هـ. (1/36)
صفحة 33
وقال ابن العربي في أحكام القرآن
واختلف في تأويل قول ابن عباس هذا فقيل رده لأنه خبر واحد، وقيل رده لأن الأقطار مختلفة في المطالع وهو الصحيح لأن كريباً لم يشهد وإنما أخبر عن حكم ثبت بشهادة. ولا خلاف في أن الحكم الثابت بالشهادة يجزى فيه خبر الواحد ونظير ما لوثبت أنه أهل ليلة الجمعة بأغمات وأهل بإشبيلية ليلة السبت فيكون لأهل كل بلد رؤيتهم لأن سهيلا يكشف من أغمات ولا
يكشف من إشبيلية وهذا يدل على اختلاف المطالع». ا. هـ. وقال ابن رشد في بداية المجتهد ونهاية المقتصد»: وإذا قلنا إن الرؤية تثبت بالخبر في حق من لم يره فهل يتعدى ذلك من بلد إلى بلد، أعني هل يجب على أهل بلد ما إذا لم يروه أن يأخذوا في ذلك برؤية بلد آخر أم لكل بلد رؤية فيه خلاف. فأما مالك فإن ابن القاسم والمصريين رووا عنه أنه إذا ثبت عند أهل بلد أن أهل بلد آخر رأوا الهلال أن عليهم قضاء ذلك اليوم الذي أفطروه وصامه غيرهم وبه قال الشافعي وأحمد.
وروى المدنيون عن مالك أن الرؤية لا تلزم بالخبر عند غير أهل البلد الذي وقعت فيه الرؤية إلا أن يكون الإمام يحمل الناس على ذلك وبه قال ابن الماجشون والمغيرة (1/37)
صفحة 34
من أصحاب مالك، وأجمعوا أنه لا يراعى ذلك في البلدان النائية كالأندلس والحجاز
والسبب في هذا الخلاف تعارض الأثر والنظر. أما النظر فهو أن البلاد إذا لم تختلف مطالعها كل الاختلاف فيجب أن يحمل بعضها على بعض لأنها في قياس الأفق الواحد. وأما إذا اختلفت اختلافا كثيراً فليس يجب أن يحمل بعضها على بعض.
وأما الأثر فما رواه مسلم عن كريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام، فقال: قدمت الشام فقضيت حاجتها واستهل عليَّ رمضان وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة ثم قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني عبد الله بن عباس ثم ذكر الهلال؟ فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيته ليلة الجمعة فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية قال: لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين يوماً أو نراه فقلت: ألا تكتفي برؤية معاوية؟ فقال: لا، هكذا أمرنا النبي عليه الصلاة والسلام فظاهر هذا الأثر يقتضي أن لكل بلد رؤيته قرب أو بعد والنظر يعطي الفرق بين البلاد النائية والقريبة وبخاصة ما كان نأيه في الطول والعرض كثيراً. (1/38)
صفحة 35
وقال ابن عبدالرزاق في «العذب الزلال»:
بل أحاديث الرؤية كلها تدل على ذلك - أي: على اختلاف المطالع - وخصوصاً حديث كريب كما علمت، وكذلك المشاهدة والنظر حيث إن الرؤية الواقعة عشية بعد الاجتماع والخروج من الشعاع المعتبرة في تحديد بدء الصوم وانتهائه كتاباً وسُنَّة وإجماعاً هي. مما تختلف باختلاف الآفاق قطعاً».
وقال أيضاً: «وبما ذكرناه من كلام الباجي وابن عبد الحكم وابن عبدالبر والقرطبي يتبين غلط من نسب لمالك وأصحابه القول بعموم الرؤية ولو مع البعد جداً، مع أنهم مجمعون على أنه لا نقل مع البعد جداً، بل لا يجوز ولا يلزم حيث يمكن أن يراه قوم ولا يراه آخرون كما قال ابن عبد الحكم، وذلك لأن الرؤية المعتبرة كتاباً وسُنَّة وإجماعاً هي الرؤية الواقعة عشية بعد الاجتماع والخروج من الشعاع كما علمت قد تكون واضحة في بعض الآفاق وممتنعة في نفس اليوم في البعض الآخر وذلك بالمشاهدة والحساب الفلكي القطعي المبني على الرصد والمشاهدة في السنين
الطويلة». ا. هـ.
الطويلة. (1/39)
صفحة 36
وقال أيضاً: وعليه فمن قال بأن رؤية بلد تلزم جميع البلاد ولو مع البعد جداً فقد خالف الأثر والنظر حيث إنهما متفقان على أنه لا نقل مع البعد الكثير الذي يمكن أن يرى الهلال قوم ولا يراه آخرون.
وأيضاً كيف يصح بالعموم مطلقاً وقد قدمنا أنه وقع الإجماع على أن المراد بالرؤية التي حدد بها الشرع بدء الصوم وانتهاءه هي الرؤية الواقعة عشية بعد الاجتماع والخروج من الشعاع، وأنه من المقطوع به أن الرؤية بعد الغروب قد تكون واضحة في بعض الآفاق وممتنعة في بعضها بحسب الاختلاف في الطول أو العرض أو فيهما
معاً.
وقال أيضاً: على أن قوله: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته هو مفسر بالحديث الآخر وهو: «إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا»، وذلك لأن معنى «صوموا لرؤيته أي: صوموا لرؤيتكم للهلال بدليل «إذا رأيتم الهلال فصوموا» ... إلخ»؛ وعليه فالخطاب في كل منهما هو موجه لكل طائفة من المسلمين ولا إشكال وليس في ذلك أدنى
إشارة إلى أن رؤية بعض تعم جميع أهل الأرض. (1/40)
صفحة 37
وقال: «وأيضاً قوله: «صوموا لرؤيته» ... إلخ هو كقوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) (البقرة: 187)، فالخطاب في الآية والحديث موجه لجميع الأمة ولا إشكال ولكن حيث حدد في الآية بدء الإمساك وانتهاءه بطلوع الفجر وغروب الشمس، وحدد في الحديث بدء الصيام وانتهاءه برؤية الهلال بعد الغروب، والكل مما يختلف باختلاف الآفاق قطعاً، فلا بد من مراعاة فجر كل قوم وغروب كل قوم بعد الغروب، ولا فرق بين الجميع، ومن ادعى الفرق فعليه بالدليل المقبول شرعاً وهيئة وعقلاً، وهذا كله لو فرضنا أن النبي لو اقتصر على قوله: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته»، وأما حيث زاد: «فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين وفي رواية: فإن حال بينكم وبينه سحاب فأكملوا
العدة ثلاثين فلا معنى لحمل الحديث على العموم
مطلقاً،
بل
قوله: «فإن حال بينكم وبينه
كلوا والاتر بود سحاب» مما يدل على أن كل قوم عنى بين الخيط الابيض مخاطبون بما عندهم من غير
من الخيط الأسوق مرة بنجر
فرق بين البعد والبعيد وغيره
وذلك لأن هذا اللفظ فيه أمرنا (1/41)
صفحة 38
لإكمال العدة ثلاثين إذا حال بيننا وبين الهلال سحاب وهو يصدق بما إذا لم ير في جميع الأرض وبما إذا رؤي في مكان وبما إذا رؤي في مكان قريب وحيث إنه صادق بالصور الثلاث فكيف يصح حمل قوله: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته على العموم مطلقا بل ذلك من الأخذ بأول الحديث
بعيد
على فرض عمومه والغفلة عن آخره مع أن الكلام بآخره». ثم قال: «وأيضا حيث عدل الشارع عن اللفظ الصريح في عموم حكم الرؤية إلى هذا اللفظ الشامل بالصور الثلاث فذاك دليل على أن الرؤية في محل واحد لا يعم حكمها جميع أهل الأرض، إذ لو كانت تعم لأتى بلفظ صريح في ذلك وهو: «صوموا لمطلق رؤيته وأفطروا لمطلق رؤيته فإن لم تروه اصلا ... إلخ» لأنه بعث ليبين للناس ما نزل إليهم، وليس من البيان العدول عن لفظ صريح في الحكم إلى غيره، وأيضاً التعميم يحتاج معه إلى تقدير في الحديث وهو «لمطلق رؤيته» أو «ولو في موضع واحد والأصل عدمه. وقال أيضاً على أن أحاديث الرؤية وردت بألفاظ مختلفة وكلها تفيد أن كل طائفة تبني على ما تشاهده من
رؤية أو غيم». ا. هـ.
ثم ساق طائفة من هذه الأحاديث. (1/42)
صفحة 39
وثُمَّ نصوص أخرى لكثير من علماء المالكية تؤكد هذا المعنى وتوضح أن التحقيق هو اعتماد اختلاف المطالع، وأن ذلك يتطابق مع نصوص الشرع ومع علم الهيئة.
وقال الرافعي في الفتح العزيز
إذا رؤي الهلال في بلدة ولم ير في أخرى نظر إن تقاربت البلدتان فحكمهما حكم البلدة الواحدة وإن تباعدتا فوجهان (أظهرهما) وبه قال أبو حنيفة رحمه الله وهو اختيار الشيخ أبي حامد أنه لا يجب الصوم على أهل البلدة الأخرى لما روي عن كريب قال: «رأينا الهلال بالشام ليلة الجمعة ثم قدمت المدينة فقال ابن عباس: متى رأيتم الهلال؟ قلت: ليلة الجمعة فقال: أنت رأيت؟ قلت: نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية. فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل العدد أو نراه. قلت: أولا تكتفي برؤية معاوية؟ قال: هكذا أمرنا رسول الله. (والثاني) يجب وهو اختيار القاضي أبي الطيب ويروى عن أحمد لأن الأرض مسطحة فإذا رؤي في بعض البلاد عرفنا أن
المانع في غيره شيء عارض لا أن الهلال ليس بمحل الرؤية. وبم يضبط تباعد البلدتين؟ اعتبر في الكتاب مسافة القصر وكذلك نقله الإمام وصاحب التهذيب، قال الإمام ولو اعتبروا (1/43)
صفحة 40
مسافة يظهر في مثلها تفاوت في المناظر لكان متجها في المعنى وقد يوجد التفاوت مع قصور المسافة عن مسافة القصر للارتفاع والانخفاض وقد لا يوجد مع مجاوزتها لها لكن لا قائل به هكذا ذكره لكن العراقيون والصيدلاني وغيرهم اعتبروا ما تمناه وضبطوا التباعد بأن يكون بحيث تختلف المطالع كالعراق والحجاز والعراق وخراسان والتقارب بأن لا تختلف كبغداد والكوفة والري، وقزوين ومنهم من اعتبر اتحاد الإقليم واختلافه ويتفرع على الوجهين فرعان: أحدهما) لو شرع في الصوم في بلد ثم سافر إلى بلد بعيد لم ير الهلال فيه في يومه الأول (فإن قلنا) لكل بلدة حكمها فهل يلزمه أن يصوم معهم أم يفطر فيه وجهان، أظهرهما، وبه قال القفال وهو المذكور في الكتاب أنه يصوم معهم لأنه بالانتقال إلى بلدتهم أخذ حكمهم وصار من جملتهم. وقد روي أن ابن
عباس «أمر كريبا بأن يقتدي بأهل المدينة». (والثاني) أنه يفطر لأنه التزم حكم البلدة الأولى فيستمر عليه وشبه ذلك بمن أكرى دابة يجب الكراء بنقد البلد المنتقل عنه، وأوهم في التهذيب ترجيح هذا الوجه وإن عممنا الحكم سائر البلاد فعلى أهل البلدة المنتقل إليها (1/44)
صفحة 41
موافقته إن ثبت عندهم حال البلدة المنتقل عنها إما بقوله لعد الته أو بطريق آخر وعليهم قضاء اليوم الأول ولك أن تقول قياساً على هذا لو سافر من البلدة التي رؤي فيها الهلال ليلة الجمعة إلى التي رؤي فيها الهلال ليلة السبت ورؤي هلال شوال ليلة السبت فعليهم التعييد معه وإن لم يصوموا إلا ثمانية وعشرين يوما ويقضون يوما وعلى قياس الوجه الأول لا يلتفتون إلى قوله رأيت الهلال وإن قبلنا في الهلال قول عدل وعلى عكسه لو سافر من حيث لم ير فيه الهلال إلى حيث رؤي فعيَّدوا اليوم التاسع والعشرين من صومه فإن عممنا الحكم أو قلنا له حكم البلد المنتقل إليه عيد معهم وقضى يوماً وأن لو نعمم الحكم أو قلنا له حكم البلد المنتقل عنه فليس له أن يفطر. (الثاني) لو رؤي الهلال في بلد فأصبح الشخص معيداً وسارت به السفينة وانتهى إلى بلدة على حد البعد فصادف أهلها صائمين، فعن الشيخ أبي محمد أنه يلزمه إمساك بقية اليوم إذا قلنا إن لكل بلدة حكمها.
واستبعده الإمام من حيث إنه لم يرد فيه أثر ويجزئه اليوم الواحد وإيجاب إمساك بعضه بعيد وتابعه صاحب (1/45)
صفحة 42
الكتاب فقال: ويبعد إيجابه إلى آخره وللشيخ أن يقول لم لا يجوز أن يجب إمساك بعض اليوم ألا ترى أن من أصبح يوم الثلاثين من شعبان مفطراً ثم قامت البينة على رؤية الهلال يجب عليه إمساك بقية النهار. ا. هـ.
وقال ابن عابدين في حاشيته رد المحتار: اعلم أن نفس اختلاف المطالع لا نزاع فيه بمعنى أنه
قد يكون بين البلدتين بعد بحيث يطلع الهلال ليلة كذا في إحدى البلدتين دون الأخرى وكذا مطالع الشمس لأن انفصال الهلال عن شعاع الشمس يختلف باختلاف الأقطار حتى إذا زالت الشمس في المشرق لا يلزم أن تزول في المغرب وكذا طلوع الفجر وغروب الشمس بل كلما تحركت الشمس درجة فتلك طلوع فجر لقوم وطلوع شمس لآخرين
وغروب البعض ونصف ليل لغيرهم كما في الزيلعي». وقدر البعد الذي تختلف فيه المطالع مسيرة شهر فأكثر على
ما في القهستاني عن الجواهر اعتبارا بقصة سليمان فإنه قد انتقل كل غدو ورواح من إقليم إلى إقليم وبينهما شهر. ولا يخفى ما في هذا الاستدلال وفي «شرح المنهاج» للرملي: «وقد نبه التاج التبريزي على أن اختلاف المطالع (1/46)
صفحة 43
لا يمكن في أقل من أربعة وعشرين فرسخاً وأفتى به الوالد والأوجه أنها تحديدية كما أفتى به أيضاً فليحفظ.
وإنما الخلاف في اعتبار اختلاف المطالع بمعنى أنه هل يجب على كل قوم اعتبار مطلعهم ولا يلزم أحداً العمل بمطلع غيره أم لا يعتبر اختلافها بل يجب العمل بالأسبق رؤية حتى لو رُئي في المشرق ليلة الجمعة وفي المغرب ليلة السبت وجب على أهل المغرب العمل بما رآه أهل المشرق فقيل بالأول واعتمده الزيلعي وصاحب الفيض وهو الصحيح عند الشافعية لأن كل قوم مخاطبون بما عندهم كما في أوقات الصلاة وأيده في الدرر بما مر من عدم وجوب العشاء والوتر على فاقد وقتها». ا. هـ.
قال الكاشاني في «بدائع الصنائع:
«فأما إذا كانت بعيدة فلا يلزم أحد البلدين حكم الآخر لأن مطالع البلاد عند المسافة الفاحشة تختلف فيعتبر في أهل كل بلد مطالع بلدهم دون البلد الآخر».
وقال الزيلعي في تبين الحقائق»: «والأشبه أن يعتبر - أي اختلاف المطالع - لأن كل قوم مخاطبون بما عندهم وانفصال الهلال عن شعاع الشمس يختلف باختلاف (1/47)
صفحة 44
الأقطار. كما أن دخول الوقت وخروجه يختلف باختلاف الأقطار حتى إذا زالت الشمس في المشرق لا يلزم منه أن تزول في المغرب وكذا طلوع الفجر وغروب الشمس بل كلما تحركت الشمس درجة فتلك طلوع فجر لقوم وطلوع شمس لآخرين وغروب لبعض ونصف ليل لغيرهم». ا. هـ. وقال الكمال بن الهمام في «شرح فتح القدير» بعد ذكره حديث كريب
ولا شك أن هذا أولى لأنه نص وذلك محتمل لكون
المراد أمر كل أهل مطلع بالصوم لرؤيتهم». ا. هـ.
وقال الشيخ زاده في «مجمع الأنهر»
وفي التبيين والأشبه أن يعتبر هذا القول؛ لأن كل قوم يخاطبون بما عندهم، وانفصال الهلال عن شعاع الشمس يختلف باختلاف الأقطار كما أن دخول الوقت وخروجه يختلف باختلافهما، وقال في الدرر يؤيده ما مر في أول كتاب الصلاة أن صلاة العشاء والوتر لا تجب بفاقد وقتهما». ا. هـ.
وقال الزبيدي في إتحاف السادة المتقين»: وقد تختلف المطالع وتكون الرؤية في أحد البلدين مستلزمة للرؤية في الآخر من غير عكس، وذلك أن الليل يدخل في (1/48)
صفحة 45
البلاد الشرقية قبل دخوله في البلاد الغربية، ومتى اتحد المطلع لزم من رؤيته في إحداهما رؤيته في الآخر، ومتى اختلف لزم من رؤيته في الشرق رؤيته في الغرب، ولا ينعكس، فإن الشام غربية بالنسبة إلى المدينة فلا يلزم من رؤيته في
الشام رؤيته في المدينة وعلى ذلك حديث كريب ... ا. هـ. وقال الشيخ محمد بخيت المطيعي - وهو من كبار علماء
الحنفية المتأخرين. في إرشاد أهل الملة إلى إثبات الأهلة وأنت إذا رجعت إلى الواقع ونفس الأمر تجد أن اختلاف المطالع معلوم بالضرورة واختلاف الأوقات باختلافها مشاهد معاين، فإن سكان البلد التي يستمر فيها ظهور الشمس شهرين أو ثلاثة يشاهدون ذلك، وكذلك كل من ذهب إلى بلادهم يشاهد ذلك، وكذلك صار من المعلوم بالضرورة أن الشمس تظهر ستة أشهر وتختفي ستة أشهر لدى سكان جهة القطب، فهل يمكن إذا رأى أهل مصر هلال رمضان وقت الغروب عندهم أن نكلف هؤلاء بالصوم برؤية أهل مصر، كما أنه صار من الضروري التخالف في الأوقات بيننا وبين أهل أمريكا، فهل يمكن أن نكلفهم بالصوم برؤية أهل مصر للهلال بعد الغروب؟ مع أن هذا الوقت عندهم
ربما كان وقت طلوع الفجر أو وقت شروق الشمس. (1/49)
صفحة 46
لله
ثم قال: وبالجملة فالقول بعدم اعتبار اختلاف المطالع مخالف للمعقول والمنقول، أما مخالفته للمعقول فلما علمته من مخالفته لما هو ثابت بالضرورة من اختلاف الأوقات، وأن النهار عند قوم قد يكون ليلا عن آخرين، وأما مخالفته للمنقول فلأنه مخالف لما تقدم عند كريب ... إلخ.
وقال ابن تيمية في «فتاواه»:
«مسألة رؤية بعض البلاد رؤية لجميعها: فيها اضطراب فإنه قد حكى ابن عبد البر الإجماع على أن الاختلاف فيما يمكن اتفاق المطالع فيه فأما ما كان مثل الأندلس وخراسان فلا خلاف أنه لا يعتبر.
قلت - القائل ابن تيمية -: أحمد اعتمد في الباب على حديث الأعرابي الذي شهد أنه أهل الهلال البارحة فأمر النبي صلى الله عليه وسلم الناس على هذه الرؤية مع أنها كانت في غير البلد وما يمكن أن تكون فوق مسافة القصر ولم يستفصله وهذا الاستدلال لا ينافي ما ذكره ابن عبد البر؛ لكن ما حد ذلك؟ والذين قالوا: لا تكون رؤية لجميعها كأكثر أصحاب الشافعي منهم من حدد ذلك بمسافة القصر ومنهم من حدد ذلك بما تختلف فيه المطالع كالحجاز مع الشام (1/50)
صفحة 47
والعراق مع خراسان وكلاهما ضعيف؛ فإن مسافة القصر لا تعلق لها بالهلال. وأما الأقاليم فما حد ذلك؟ ثم هذا خطأ
من وجهين
أحدهما: أن الرؤية تختلف باختلاف التشريق والتغريب فإنه متى رئي في المشرق وجب أن يرى في المغرب ولا ينعكس؛ لأنه يتأخر غروب الشمس بالمغرب عن وقت غروبها بالمشرق فإذا كان قد رُئي ازداد بالمغرب نوراً وبعداً عن الشمس وشعاعها وقت غروبها فيكون أحق بالرؤية وليس كذلك إذا رئي بالمغرب لأنه قد يكون سبب الرؤية تأخر غروب الشمس عندهم فازداد بعدا وضوءًا ولما غربت بالمشرق كان قريبا منها، ثم إنه لما رُئي بالمغرب كان قد غرب عن أهل المشرق فهذا أمر محسوس في غروب الشمس والهلال وسائر الكواكب ولذلك إذا دخل وقت المغرب بالمغرب دخل بالمشرق ولا ينعكس وكذلك الطلوع إذا طلعت بالمغرب طلعت بالمشرق ولا ينعكس فطلوع الكواكب وغروبها بالمشرق سابق، وأما الهلال فطلوعه ورؤيته بالمغرب سابق؛ لأنه يطلع من المغرب وليس في السماء ما يطلع من المغرب غيره وسبب ظهوره بعده عن الشمس فكلما تأخر غروبها ازداد بعده عنها». ا. هـ. (1/51)
صفحة 48
وقال أيضاً: والحجة فيه أنا نعلم بيقين أنه ما زال في عهد الصحابة والتابعين يرى الهلال في بعض أمصار المسلمين بعد بعض فإن هذا من الأمور المعتادة التي لا تبديل لها ولا بد أن يبلغهم الخبر في أثناء الشهر فلو كانوا يجب عليهم القضاء لكانت هممهم تتوفر على البحث عن رؤيته في سائر بلدان الإسلام كتوفرها على البحث عن رؤيته في بلده ولكان القضاء يكثر في أكثر الرمضانات ومثل هذا لو كان لنقل ولما لم ينقل دل على أنه لا أصل له وحديث ابن عباس يدل على هذا. ا. هـ.
وهذا هو الذي اعتمده مجمع الفقه التابع لرابطة العالم الإسلامي، فقد أصدر بهذا قراره باتفاق علمائه
وإليك نص القرار
أما
بعد:
الحمد لله والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. لقد درس المجمع الفقهي الإسلامي مسألة اختلاف
أنه
المطالع في بناء الرؤية عليها فرأى أن الإسلام بني على دين يسر وسماحة تقبله الفطرة السليمة والعقول المستقيمة لموافقته للمصالح. ففي مسألة الأهلة ذهب إلى إثباتها بالرؤية البصرية لا على اعتمادها على الحساب كما تشهد (1/52)
صفحة 49
به
الأدلة الشرعية القاطعة. كما ذهب إلى اعتبار اختلاف المطالع لما في ذلك من التخفيف على المكلفين مع كونه هو الذي يقتضيه النظر الصحيح، فما يدعيه القائلون من وجوب الاتحاد في يومي الصوم والإفطار مخالف لما جاء شرعا وعقلاً، أما شرعا فقد أورد أئمة الحديث حديث كريب وهو: أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام، قال: فقدمت الشام فقضيت حاجتها فاستهل علي شهر رمضان، وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة ثم قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني عبد الله بن عباس. ثم ذكر الهلال فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية. فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه. فقلت: أو لا نكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا.
هكذا أمرنا رسول الله» رواه مسلم في صحيحه).
وقد ترجم الإمام النووي على هذا الحديث في شرحه على مسلم بقوله: (باب بيان أن لكل بلد رؤيتهم وأنهم إذا رأوا الهلال ببلد لا يثبت حكمه لما بعد عنهم ولم يخرج عن هذا المنهج من أخرج هذا الحديث من أصحاب الكتب
الستة أبي دواد والترمذي والنسائي في تراجمهم له. (1/53)
صفحة 50
وناط الإسلام الصوم والإفطار بالرؤية البصرية دون غيرها لما جاء في حديث ابن عمر قال: قال رسول الله: لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فاقدروا له». رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما، فهذا الحديث علق الحكم بالسبب الذي هو الرؤية وقد توجد في بلد كمكة والمدينة ولا توجد في بلد آخر فقد يكون زمانها نهارا عند آخرين فكيف يؤمرون بالصيام أو الإفطار أفاده في بيان الأدلة في إثبات الأهلة، وقد قرر العلماء من كل المذاهب أن اختلاف المطالع هو المعتبر عند كثير، فقد روى ابن عبد البر الإجماع على ألا تراعى الرؤية فيما تباعد من البلدان كخراسان من الأندلس أو لكل بلد حكم يخصه. وكثير من كتب أهل المذاهب الأربعة طافحة بذكر اعتبار اختلاف المطالع للأدلة القائمة من الشريعة بذلك وتطالعك الكتب الفقهية بما يشفي الغليل.
وأما عقلاً فاختلاف المطالع لا اختلاف لأحد من العلماء فيه لأنه من الأمور المشاهدة التي يحكم بها العقل فقد
توافق المشروع والعقل على ذلك فهما متفقان على بناء كثير (1/54)
صفحة 51
من الأحكام على ذلك التي منها أوقات الصلاة، ومراجعة
الواقع تطالعنا بأن اختلاف المطالع من الأمور الواقعية وعلى ضوء ذلك قرر مجلس المجمع الفقهي الإسلامي أنه لا حاجة إلى الدعوة إلى توحيد الأهلة والأعياد في العالم الإسلامي لأن توحيدها لا يكفل وحدتهم كما يتوهمه كثير من المقترحين لتوحيد الأهلة والأعياد، وأن تترك قضية إثبات الهلال إلى دور الإفتاء والقضاء في الدول الإسلامية لأن ذلك أولى وأجدر بالمصلحة الإسلامية العامة وأن الذي يكفل توحيد الأمة وجمع كلمتها هو اتفاقهم على العمل بكتاب الله وسنة رسوله في جميع شؤونهم، والله ولي
التوفيق.
وصلى
الله
على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. ا. هـ. وقد أمضى هذا القرار العلماء الذين حضروا في دورة
المجمع سواء السعوديون منهم كالشيخ الحركان الذي
صُومُوا
رويت
وافطروا
كان أمينا عاما للمجمع والشيخين
ابن حميد وابن باز أو من جاؤوا
من خارج المملكة كالشيخ أبي الحسن الندوي. (1/55)
صفحة 52
وأنت ترى أنهم أطلقوا القول في الأعياد ولم يفرقوا بين عيد الفطر وعيد الأضحى، فإن كل واحد منهما إنما يعتبر ميقاته برؤية الهلال في نفس البلد أو في البلد الذي يتفق معه في مطالع الأهلة أو بإكمال العدة ثلاثين يوما. فعيد الفطر يثبت حكمه برؤية هلال شهر شوال أو انتهاء عدة رمضان ثلاثين يوما، وعيد الأضحى بعد مضي تسعة أيام من رؤية هلال ذي الحجة أو انقضاء عدة شهر ذي القعدة ثلاثين يوما، هذا الذي يتفق مع المعقول والمنقول كما سيأتي إن شاء الله.
هذا؛ وقد ألف العلامة الشيخ عبد الله بن حميد الذي كان رئيساً لشؤون الحرمين الشريفين رسالة مستقلة سماها تبيان الأدلة في إثبات الأهلة ينكر فيها على الذين ينادون بتوحيد الشهور القمرية في العالم الإسلامي، وبيّن في هذه الرسالة خطأ الدعوة إلى ذلك لمنافاتها الأدلة العقلية والنقلية، وكان مما قاله في رسالته هذه: «فأبديت معارضة على أن هذا لا يتفق. مع صحيح الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
ولا مع ما ذهب إليه كثير من محققي العلماء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، ولا مع ما يتفق مع علم الهيئة (1/56)
صفحة 53
الجديدة والجغرافية الحديثة، وإن كان ما ذهب إليه بعض أعضاء المجلس من لزوم أهل الأرض أن يصوموا ويفطروا
لم
برؤية بعض البلاد قال به بعض من العلماء، إلا أنه يستند إلى دليل يؤيده لا عقلاً ولا نقلاً، بل من المعلوم
بالضرورة عدم صحة هذا القول - كما ستقف عليه .. ولهذا رأيت أن أكتب في الموضوع رسالة تبين الحق وتوضح الغرض، وأن المطالع تختلف باتفاق أهل المعرفة فلكل أهل بلد رؤيتهم على التفصيل ... إلخ».
وبعد ذكره حديث كريب قال: «وهذا صريح في أن لكل بلد رؤيتهم، وقول ابن عباس: هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على أنه أمر ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، ولم يرد ابن عباس خبر كريب على أنه خبر واحد، إذ لو كان كذلك لكتب لمعاوية يسأله عن رؤية الهلال لديه، أو أن معاوية كتب لأهل المدينة بثبوت رؤية الهلال عندهم ليلة الجمعة من أجل قضاء ذلك اليوم الذي أفطروه، وحيث لم يكن شيء من ذلك دل على أن لكل بلد رؤيتهم كما هو المعهود في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وزمن خلفائه، إذ لم يكتبوا إلى الأمصار ولا أن أهل الأمصار يكتبون لهم برؤية الهلال عندهم مع شدة عنايتهم بالدين وحرصهم على الخير». ا. هـ. (1/57)
صفحة 54
واستطرد في نقل نصوص العلماء المحققين من المذاهب الأربعة الدالة على أن هذا هو الحق كما ذكر ما قاله العلماء فيما يتعلق باختلاف المطالع وأثره على اختلاف بدايات الشهور ونهاياتها.
وكثير من علماء المملكة العربية السعودية صرحوا بهذا
في فتاواهم وفي مصنفاتهم وللشيخ ابن عثيمين فتاوى كثيرة في هذا جاء في بعضها:
اختلف العلماء اء رحمهم الله فيما إذا رئي الهلال في مكان
المسلمين
من بلاد المسلمين دون غيره، هل يلزم جميع العمل به، أم لا يلزم إلا من رأوه ومن وافقهم في المطالع، أو من رأوه، ومن كان معهم تحت ولاية واحدة، على أقوال متعددة، وفيه خلاف آخر.
والراجح أنه يرجع إلى أهل المعرفة، فإن اتفقت مطالع
الهلال في البلدين صارا كالبلد الواحد، فإذا رُئِي أحدهما ثبت حكمه في الآخر، أما إذا اختلفت المطالع فلكل بلد حكم نفسه، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى ـ وهو ظاهر الكتاب والسنَّة
القياس:
ومقتضى (1/58)
صفحة 55
أما الكتاب فقد قال الله تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَبَامٍ أُخَرُّ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَنكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (سورة البقرة، الآية (185. فمفهوم الآية: أن من لم يشهده لم يلزمه الصوم.
وأما السُّنَّة فقد قال النبي: إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا مفهوم الحديث إذا لم نره لم يلزم الصوم ولا الفطر.
وأما القياس فلأن الإمساك والإفطار يعتبران في كل بلد وحده وما وافقه في المطالع والمغارب، وهذا محل إجماع، فترى أهل شرق آسيا يمسكون قبل أهل غربها ويفطرون قبلهم، لأن الفجر يطلع على أولئك قبل هؤلاء، وكذلك الشمس تغرب على أولئك قبل هؤلاء، وإذا كان قد ثبت هذا في الإمساك والإفطار
اليومي فليكن كذلك في الصوم والإفطار الشهري ولا فرق ولكن إذا كان البلدان تحت حكم واحد وأمر حاكم البلاد بالصوم، أو الفطر وجب امتثال أمره؛ لأن المسألة خلافية، وحكم الحاكم يرفع الخلاف (1/59)
صفحة 56
وبناء على هذا صوموا وأفطروا كما يصوم ويفطر أهل البلد الذي أنتم فيه سواء وافق بلدكم الأصلي أو خالفه،
وكذلك
يوم عرفة اتبعوا البلد الذي أنتم فيه.
وقد سئل عمن ينادي بتوحيد الأمة في الصيام، وربط
المطالع كلها بمطالع مكة، فقال:
«هذا من الناحية الفلكية مستحيل؛ لأن مطالع الهلال كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تختلف باتفاق أهل المعرفة بهذا العلم، وإذا كانت تختلف فإن مقتضى الدليل الأثري والنظري أن يجعل لكل بلد حكمه».
وجاء في فتوى للشيخ ابن باز ما نصه: «وقد ذهب جمع من أهل العلم إلى أن لكل بلد رؤيته إذا اختلفت المطالع. واحتجوا بما ثبت عن ابن عباس أنه لم يعمل برؤية أهل الشام، وكان في المدينة، وكان أهل الشام قد رأوا الهلال ليلة الجمعة وصاموا بذلك في عهد معاوية له، أما أهل المدينة فلم يروه إلا ليلة السبت، فقال ابن عباس لما أخبره كريب برؤية أهل الشام وصيامهم: «نحن رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نراه أو نكمل
العدة». (1/60)
صفحة 57
واحتج بقول النبي: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» الحديث. وهذا قول له حظه من القوة، وقد رأى القول به أعضاء مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية
السعودية جمعاً بين الأدلة، والله ولي التوفيق». ا. هـ. وقال أيضاً: «قال جمع من العلماء: إنما يعم حكم الرؤية إذا اتحدت المطالع، أما إذا اختلفت فلكل أهل مطلع رؤيتهم، وحكاه الإمام الترمذي رحمه الله عن أهل العلم، واحتجوا على ذلك بما خرجه مسلم في صحيحه عن ابن عباس الاه: أن كريباً قدم عليه في المدينة من الشام في آخر رمضان فأخبره أن الهلال رئي في الشام ليلة الجمعة، وأن معاوية والناس صاموا بذلك، فقال ابن عباس: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نراه أو نكمل العدة، فقال له كريب: أولا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: فهذا يدل على أن ابن عباس يرى أن الرؤية لا تعم، وأن لكل
أهل بلد رؤيتهم إذا اختلفت المطالع،
وقالوا: إن المطالع في منطقة المدينة غير متحدة مع المطالع في الشام» (1/61)
صفحة 58
وقال أيضاً: «هذا وينبغي الانتباه إلى أن اختلاف المطالع من المسائل التي حصل فيها الاختلاف بين أهل العلم، وقد درستها هيئة كبار العلماء في إحدى دوراتها السابقة واتخذت قراراً بالأكثرية مضمونه: أن الأرجح قول من قال: إن لكل بلد رؤيته وعليهم أن يرجعوا إلى علمائهم في ذلك؛ عملاً بما رواه مسلم في صحيحه من حديث كريب عن ابن عباس». ا. هـ. وقال الشيخ صالح الفوزان: وذلك يختلف باختلاف المطالع على الصحيح من قولي العلماء».
وقال الشيخ يوسف بن أحمد القاسم عضو هيئة التدريس بالمعهد العالي للقضاء في المملكة العربية السعودية: «والأرجح من الأقوال أن لكل بلد رؤيته، لا سيما مع اختلاف المطالع».
وقال الشيخ الحاج محمد بن عبدالوهاب بن عبدالرزاق ردا على من يرى في عدم اجتماع المسلمين في الأعياد والمواسم تفرقاً في الدين - ما نصه: «لا يخفى أن لهجة هذا الكاتب تقتضي أن الاتحاد في الأعياد والمواسم دائماً هو أمر مأمور به شرعاً وعقلاً، وأن الاختلاف فيها مناف
للاتحاد المطلوب وللشرع والعقل، وهذا غير صحيح (1/62)
صفحة 59
علمت أن الاتحاد فيها دائما في جميع الأقطار غير ممكن شرعاً وعقلاً، وأن الاختلاف فيها لا يعد منافياً للاتحاد المطلوب، وتقدم من الدلائل على ذلك ما فيه كفاية، على أن جميع ما ذكره هذا الكاتب هنا غير مقبول بل هو مخالف للمعقول والمنقول، وإليك البيان فأقول:
قوله: كيف يعقل أن أمماً تجمعها رابطة الإسلام ووحدة
الدين تختلف في رمز هذه الرابطة وعنوان تلك الوحدة؟
لا يخفى أن هذا كلام في غير محله؛ وذلك لأن هذه المسألة ليست من المسائل التي كلفنا الشارع بجعلها في زمان واحد في جميع الأقطار حتى يقال كيف يعقل .. إلخ، بل إنما كلفنا بالصوم والإفطار - مثلا - بعد رؤية الهلال لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تصوموا حتى تروا الهلال ... إلخ) وقوله: «لأهل كل بلد رؤيتهم»، وقد علمت من كلام القرافي وغيره أن الرؤية يمكن اختلافها بيوم بسبب تباعد الأقطار، وأيضاً فاتحاد الأعياد وغيرها في سائر الأقطار لا يساعد عليه الوضع الفلكي؛ لأنه إذا فرضنا أن أول العيد - مثلاً - من غروب الشمس في أفق مراكش فهذا الوقت قد يكون نصف ليل أو وقت فجر أو شروق أو زوال عند آخرين، فإذا فرض أن الشمس إذذاك كانت في أول الحمل أو الميزان فالغروب في جميع الأقطار حينئذ يكون (1/63)
صفحة 60
على الساعة السادسة ولا إشكال فإذا وصل وقت الغروب في مراكش وهو الساعة السادسة كانت الساعة إذذاك في تونس 7 و 12 دقيقة ليلا وفي بومباي بالهند 11 و 23 دقيقة ليلا وفي طوكيو باليابان 3 و 51 دقيقة بعد نصف الليل وفي هاواي 8 و 12 دقيقة صباحا وفي نيويورك 1 و 35 بعد الزوال، فكيف مع هذا يمكن الاتحاد إذ مقتضى لفظ الاتحاد هو الاتفاق في الابتداء والانتهاء، على أنه إذا اعتبرنا الاتحاد في هذه المسألة أمراً ضرورياً فما هي البلدة التي ينبغي أن تعتبر رؤيتها وغروبها؟
وعلى فرض تعيينها فما هو المرجح لها عن غيرها؟
وأيضاً لماذا لم نقل في أوقات الصلاة مع أن كون الصلاة رمز الرابطة الإسلامية وعنوان الوحدة أظهر من غيرها إذ هي أعظم أركان الإسلام بعد كلمة الشهادة، وأيضاً إذا كانت الشهور والأيام العجمية تختلف ببعض يوم حيث إن مبدأها من نصف ليل البلد فكيف بالشهور والأيام العربية المبنية على الغروب وعلى رؤية الهلال في العشية؟! .. إلخ». وبالجملة؛ فإن نصوص العلماء في هذا أكثر من أن أحصيها ولو أخذت أتتبعها وأجمعها لك لاجتمع منها كتاب ضخم وكلها تدل على أن التحقيق أن لاختلاف المطالع أثراً في أحكام الشهور القمرية وما يناط به من أحكام شرعية. (1/64)
صفحة 61
وحسبي أن أشير إلى نصوص هي بين يدي الآن منها للشيخ صالح بن إبراهيم البليهي في كتابه «السلسبيل في معرفة الدليل والشيخ عبد الرحمن بن قاسم العاصمي في «حاشية الروض المربع على زاد المستقنع والشيخ عبد الرزاق عفيفي في فتاواه والشيخ عبد الله بن عبدالعزيز بن عقيل في «فتاواه والشيخ عبد الله بن عبدالرحمن الجبرين في فتاوى الصيام والشيخ أحمد بن يحيى النجمي في «تأسيس الأحكام فيما صح عن خير الأنام» والشيخ عبد الله بن سليمان بن منيع في مجموع فتاواه والشيخ صالح بن فوزان في «تسهيل الإلمام بفقه الأحاديث من بلوغ المرام والشيخ عبد الله بن صالح الفوزان في «فقه الدليل» والشيخ عبدالله ابن عبد الله الجبرين في «شرح عمدة الفقه» والمشايخ عبد الله بن محمد بن أحمد الطيار وإبراهيم بن عبد العزيز الغصن وخالد بن محمد بن علي المشيقح في تعليقهم على «الروض المربع، والشيخ عبد الكريم النملة في «تيسير مسائل الفقه شرح الروض المربع والشيخ زيد بن محمد ابن هادي المدخلي في الأفنان الندية شرح منظومة السبل السوية
السوية لفقه السنن المروية والشيخ مفلح بن علي الشمري (1/65)
صفحة 62
في «البدر التمام والشيخ خالد بن علي المرضي الغامدي
في كتاب «الصيام مسائل وأحكام والشيخ محمد المختار بن محمد الأمين الشنقيطي في «شرح زاد المستقنع والشيخ محمد بن علي بن آدم بن موسى الأيتوبي في «ذخيرة العقبى في شرح المجتبى» وفتاوى كثيرة للجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية. أما ما أشرت إليه في رسالتك من أن حديث كريب لا يعدو أن يكون اجتهاداً من ابن عباس وأنه ليس بحجة لأنه عول على حديث: «لا تصوموا حتى تروا الهلال ... إلخ» فهو كلام عجيب؛ فإنه من المعلوم أن قول الصحابي: «كنا نؤمر بكذا أو كنا ننهى عن كذا له حكم الرفع، وكذلك قوله «أمرنا» أو «نهينا بل قيل: إن قول التابعي ذلك يدل على أنه شيء سمعه من الصحابة فيعطى حكم الحديث الموقوف، وإذا كان هذا مع عدم تصريح الصحابي بأن الأمر أو الناهي هو رسول الله، فكيف بما صرح فيه بذلك؟! فيا ترى هل التصريح بأن الأمر هو النبي صلى الله عليه وسلم يوهن من حجيته فيكون ما لم يصرح فيه بذلك أقوى حجة مما هو صريح؟!! (1/66)
صفحة 63
وهب أن الأمر كما قلت، فإن ابن عباس لم يقل هذا الكلام في مكان لا يوجد فيه من يزاحمه من أهل العلم، وإنما قاله في مدينة رسول الله حيث تتزاحم أقدام الصحابة رضي الله تعالى عنهم ولم ينكر عليهم أحد، ولو أنكره منكر لتوافرت الدواعي على نقل إنكاره، ولا ريب أن سكوتهم عما قاله يعد إجماعا سكوتيا وهو حجة يعول عليها في القضايا الاجتهادية. على أن ابن عباس كان من أوسع الصحابة علماً وأدقهم فهما وأعمقهم نظرًا، ناهيك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا الله له أن يفقهه في الدين وأن يعلمه التأويل، فكان ترجماناً للقرآن وبحر علم لا يدرك قعره فمن الذي يطاوله في قدره حتى يعترض عليه بمثل هذا الاعتراض؟! أترى أنه كان غبياً لا يفهم معاني ما يتلقاه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يقول ما يقوله بدون بصيرة وتثبت؟!
وقد رأيت ما نص عليه العلماء من أن كلامه هذا نص في هذه المسألة وكفى بذلك حجة، ولا ريب أن قول الصحابي إن لم يعارض بقول صحابي آخر لا ينبغي الاعتراض عليه لما للصحابة من شأن، حيث إنهم صحبوا النبي صلى الله عليه وسلم فنالوا من شرف صحبته ما لم ينله غيرهم واغترفوا من بحر (1/67)
صفحة 64
علمه ما لم يغترفه الآخرون فالأمة عالة عليهم وهم أولى بالاتباع من كل من جاء من بعدهم، وإنما يسوغ للمجتهدين
أن يجتهدوا فيما ورد عن الصحابة إن اختلفوا بينهم. ولا إشكال في عدم تحديده المسافة الفاصلة بين البلدان في اقتضاء عدم أخذ بعضها برؤية بعض؛ لأن قوله هذا كان في المسافة الفاصلة بين الشام والمدينة، وقد علم بالنصوص القاطعة أن مناط مشروعية الصوم أو الإفطار ثبوت رؤية الهلال، وعلم بالعلم اليقيني أن اختلاف المطالع مؤثر في إمكان رؤيته بحيث يرى في مكان وتتعذر رؤيته في مكان آخر، وهذا مما يفسر قوله فلا يشترط أن يحدد المسافة الموجبة لاختلاف الحكم في المسألة، وعلماء الفلك يرون أن التباعد بين البلدين بمقدار خمسمائة ميل له تأثير في إمكان الرؤية وتعذرها، وبهذا يندفع الاعتراض علينا بأن السلطنة مترامية الأطراف وبسبب ذلك تتفاوت أيضاً في مواقيت الصلوات، لأن هذا التفاوت لا يؤدي عادة إلى تفاوت الإمكان في رؤية الهلال، وقد قال العلماء بأن اختلاف المطالع إن كان يسيراً بين البلدان بحيث لا يتصور اختفاء الهلال فيها عندما يرى في بعضها إلا لعارض لا يعتد به، وقد سبق شيء من هذا فيما (1/68)
صفحة 65
نقلته، على أن الاحتجاج بعدم اتحاد أوقات الصلوات لم أنفرد به فكم احتج به من العلماء السالفين والمعاصرين. وأما استدلالك لما تراه - من أن لشهر ذي الحجة خصوصية بحيث يجب أن يعول فيه على ثبوت الرؤية في أم القرى ـ بـ «أن الحج عرفة وعرفة في أم القرى» فهو استدلال عجيب؛ ذلك لأن المعروف عند المناطقة أن دلالة اللفظ على المعنى إما أن تكون دلالة مطابقة أو تضمنًا أو التزاماً، وعلى هذا جرى أكثر الأصوليين، وقسم الحنفية منهم الأدلة إلى ما يدل بعبارته أو بإشارته أو باقتضائه أو بدلالته، ولست أجد هذا الاستدلال يتطابق مع أي من ذلك، فإن كون «الحج عرفة» لا يدل على أن الناس في الآفاق عليهم أن يعولوا على رؤية هلال ذي الحجة في البلد الحرام، وقد فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يدل على أن المراد به أن من أدرك الوقوف بعرفة ولو ساعة سواء كان قبل غروب الشمس في يوم عرفة أو بعد مغيبها في ليلة جمع لم يفته الحج بخلاف ما إذا أتى عرفات بعد فجر يوم النحر. فعن عبد الرحمن بن يعمر الديلي قال: سمعت النبي يقول: «الحج عرفة من أدرك عرفة ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج ... إلخ». رواه الترمذي وأبو داود (1/69)
صفحة 66
والنسائي وابن ماجه والدارمي وابن خزيمة والبيهقي والحاكم
والطبراني وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وهل ترى في هذا ما يدل على أن الناس عليهم أن يوقتوا دخول شهر ذي الحجة عندهم بحسب ما تكون رؤية أهل مكة؟ فيا ترى لورئي الهلال في الآفاق قبل أن يراه أهل مكة هل عليهم أن يتجاهلوا هذه الرؤية ويعولوا على ثبوت الرؤية عند أهل مكة ليتطابق تاريخ ذي الحجة عندهم ما هو في مكة؟!! بحسب
ومع هذا البيان النبوي لمعنى الحج عرفة» لا أجد داعياً لملء الصفحات بأقوال شراح السُّنَّة في معنى هذه الجملة من الحديث، وبيان أنها لا تدل بحال على الوجه الذي
استدللت بها له، إذ ليس بعد البيان النبوي بيان وإذا جاء
نهر
الله
بطل نهر معقل.
وكم يترتب من المحاذير الشرعية على ما لو جعل ميقات شهر ذي الحجة بحسب رؤية الهلال في مكة المكرمة، فمن
ذلك:
أنه لو تقدمت رؤيته في بلد ما وتأخرت رؤيته في مكة وصاموا يوم وقوف الحجاج في عرفة لزم أن يكون صيامهم في (1/70)
صفحة 67
اليوم العاشر بحسب توقيتهم الطبيعي، وهو يوم العيد المحرم صيامه بالإجماع، فيا ترى كيف يستاغ أن يصوموا اليوم العاشر من أجل أن يوافق صيامهم وقوف الحجيج بعرفة؟! ولو تأخرت رؤيته عندهم والتحقوا بأهل مكة في ميقاتهم للزم من ذلك أن يصلوا العيد في اليوم التاسع عندهم وأن يكون بناءً على ذلك حراماً عليهم صيامه، فيتحول من كون صيامه طاعة وقربة إلى الله إلى كونه حراماً، وأنت تدري أن هذه الأحكام كلها إنما هي منوطة بالأهلة من حيث ثبوت رؤيتها أو عدمه، كما يدل على ذلك قول الله تعالى: {يَسْتَلُونَكَ عَن الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَج) (البقرة: (189)، مع ما
اصلے
سبق بيانه أن اختلاف المطالع يؤدي إلى الاختلاف في رؤية
الهلال الذي تترتب عليه الأحكام الشرعية في الشهر.
عنه
كذلك قد يكون شهر ذي القعدة متأخراً عندهم عند أهل مكة فإن رأى أهل مكة الهلال في اليوم التاسع والعشرين عندهم وتابعوهم على رؤيتهم كان شهر قعدتهم ثمانية وعشرين يوما، فإن لم يروه في اليوم التاسع والعشرين من ذي الحجة حسب توقيتهم الطبيعي الذي تركوه متابعة لأهل مكة أدى ذلك إلى أن يكون شهر ذي الحجة عندهم (1/71)
صفحة 68
واحداً وثلاثين يوماً، وكيف يكون شهر قمري أقل من تسعة وعشرين أو أكثر من ثلاثين؟! وهذه المشكلة وقعت عندنا في عُمان بسبب هذه المتابعة، وهذا مما يؤدي إلى الارتباك في كثير من الأمور وتغيير كثير من التعبدات الشرعية، كعدد النساء ومواقيت الإيلاء وغيرها.
وبالجملة؛ فإن تخصيص شهر ذي الحجة بجعله حسب رؤية أهل مكة أشد إشكالا من القول بتوحيد الأهلة في أرجاء الأرض، فإن هذا القول ـ وإن كان مرجوحا والأدلة الشرعية والطبعية والعقلية دالة على خلافه ـ لا يترتب عليه من المشكلات الدينية مثل ما يترتب على القول
بتخصيص ذي الحجة بهذا الحكم دون سائر الشهور. وبهذا يتبيّن أن ما استدللت به من كون «الحج عرفة» وعرفة في ضواحي مكة هو أقوى حجة في نقض هذا الذي تشير إليه وتبتغيه من إلحاق أهل الآفاق بأهالي مكة في هلالهم، إذ ليس في الآفاق حج، ولا يتعبد الناس فيها أن يأتوا في أشهر الحج بشيء من مناسك الحج بل ولا يسوغ
لهم ذلك، فما على من بقي في بلده ولم يكن مع الحجيج
إحرام ولا طواف ولا سعي ولا رمي جمار؛ لأن هذه المشاعر الون هذه المشاعر (1/72)
صفحة 69
كلها إنما هي في تلك البقاع المقدسة دون سائر الآفاق وأهل مكة أنفسهم لا يطالب منهم بشيء من ذلك إلا من أهل بالحج، وإنما كان حكمهم في الهلال كحكم الحجاج لأن الهلال أمر طبيعي تترتب عليه أحكام شرعية فوجودهم هنالك مع الحجيج في صعيد واحد كان سبباً لاتحادهم معهم وإن لم يخرجوا معهم إلى المشاعر، لأن هلالهم طبعاً وشرعاً هلال واحد، ولا يمكن أن يكون أهل الآفاق
مثلهم في حكم الهلال إن لم يشتركوا معهم في مطالعه. وإن عجبت فإنني أعجب أن يصدر هذا الاحتجاج من أمثالك وأنت من أهل الرجاحة في العقل والحصافة في الرأي والبصيرة في الدين، ولولا معرفتي بشخصيتك العزيزة ومكانتك العلمية لقلت إن هذا الاحتجاج لا يصدر إلا ممن يهرف بما لا يعرف - حاشاك - وإنني أربأ بك وبقدرك أن تنزل هذه المنزلة.
يسألونك
وأنا ـ مع تتبعي لما قاله
العلماء في هذه المسألة ـ لم
أجد قط قولاً لأحد من أهل
قان في توالي الناس والجن العلم بتخصيص شهر ذي
والنجوانا (1/73)
صفحة 70
الحجة دون غيره من الشهور بهذا الحكم، ومن اطلع على قول من أي عالم مجتهد من السلف أو الخلف بهذا فليأتني
به.
وعندما ثار ضجيج العوام بهذا وظنوا أن سداد الرأي في صيام اليوم الذي يقف فيه الحجاج بعرفات ولو كان على خلاف رؤية الهلال عندهم وأن صلاة العيد في اليوم الذي يليه كيفما كانت الرؤية عندهم أفتى العلماء بأن ذلك ليس من الصواب في شيء، وأنهم مطالبون باعتبار تأريخ ذي الحجة بحسب هلالهم وعلى ذلك تترتب جميع الأحكام من صيام اليوم التاسع وصلاة العيد والأضحية، وممن أفتى
بهذا الشيخ العلامة ابن عثيمين وهذا جوابه بنصه: والصواب أنه يختلف باختلاف المطالع، فمثلاً إذا كان الهلال قد رُئي بمكة، وكان هذا اليوم هو اليوم التاسع ورئي في بلد آخر قبل مكة بيوم وكان يوم عرفة عندهم اليوم العاشر فإنه لا يجوز لهم أن يصوموا هذا اليوم لأنه يوم عيد، وكذلك لو قدر أنه تأخرت الرؤية عن مكة وكان اليوم التاسع في مكة هو الثامن عندهم، فإنهم يصومون يوم التاسع عندهم الموافق ليوم العاشر في مكة، هذا هو (1/74)
صفحة 71
القول الراجح، لأن النبي يقول: «إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا وهؤلاء الذين لم ير في جهتهم لم يكونوا يرونه، وكما أن الناس بالإجماع يعتبرون طلوع الفجر
وغروب الشمس في كل منطقة بحسبها، فكذلك التوقيت الشهري يكون كالتوقيت اليومي». ا. هـ.
وليس في قوله: «هذا هو القول الراجح» إشارة إلى وجود قول بتخصيص شهر ذي الحجة بهذا الحكم، وإنما هو يشير إلى قول من جعل الشهور كلها توقيتها واحدا بحيث
يعول فيها على رؤية الهلال في أي بقعة من الأرض.
ووجه سؤال عن هذا إلى مركز الفتوى وهذا نصه: هل اختلاف المطالع معتبر في عيد الحج؟ وماذا يفعل من ابتلي باختلاف المسلمين في مدينة واحدة في يوم العيد هل هو السبت أم الجمعة؟ وكل طائفة سوف تصلي العيد في اليوم الذي تراه؟ وما هو الحكم في يوم عرفة لمن أراد الصيام؟
فكان الجواب:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله
وصحبه أما بعد:
فعلى المسلمين أن يدعوا الفرقة، ويعتصموا بحبل الله (1/75)
صفحة 72
جميعاً، ومن ذلك أن أهل البلد الواحد المتحد المطلع يلزمهم أن يتحدوا في الصوم والأضحية، فيصوموا أو يضحوا في يوم واحد باعتبار ثبوت الهلال لديهم، أو إكمال عدة الشهر، ولا
يلزمهم أن يوافقوا أهل بلد آخر يخالفهم في المطلع. وعليه، فالطائفة التي ستصلي العيد أو ستصوم عرفة بناءً على ثبوت الشهر أو العيد في تلك المدينة أو المدن المجاورة لها، فإنه يلزمكم أن تصوموا وتصلوا معهم، لما ثبت في سنن أبي داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الصوم يوم تصومون، والإفطار يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون، ولا يجوز لمسلم أن يخالف ذلك، وإن كان بعض بلدان المسلمين سيتقدم أو يتأخر، فلا عبرة بشيء من ذلك ما دامت المطالع مختلفة». وهو بإشراف د. عبدا د الله الفقيه. وأجاب أيضاً سائلاً من الولايات المتحدة الأميركية عن
هذا السؤال نفسه بما نصه:
«الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:
فالذي يظهر لنا هو أن يوم عرفة بالنسبة لكم هو اليوم الذي يسبق يوم العيد، لأنه هو اليوم التاسع بالنسبة لكم، (1/76)
صفحة 73
ونظير هذا هو ما يكون في ليلة القدر فإنها بالنسبة لكم قد لا تكون كليلة القدر بالنسبة لغيركم، وصيام يوم عرفة منفصل عن وقوفه في عرفة، فالصيام يشرع لمن لم يكن حاجاً، وبالتالي فهو مربوط بالزمن وليس بالمكان والزمن بالنسبة لكم هو المعتبر، ومع هذا لو صمت الجمعة والخميس كان ذلك أولى، لأن الخميس هو اليوم
الثامن، وهو يوم التروية، وقد شرع صومه. والله أعلم». وقد تعرض للغط العوام في هذا الشيخ الحاج محمد بن عبدالوهاب بن عبد الرزاق في كتابه العذب الزلال» فقال: «هذا مبني على أن المدار في الرؤية ثبوتها في مكة وقد علمت بطلانه من الناحية الشرعية والعقلية على أنه لو كان المراد من صيام يوم عرفة خصوص ما قال لما أمر بصيامه من كان وقت الفجر عنده هو وقت الغروب عند أهل مكة، إذ من الضروري أن وقت الوقوف بعرفة هو ليل بالنسبة لهؤلاء، فقد تبيّن بهذا أن هذه الأسئلة كلها صادرة عن غير إمعان نظر وتثبت وعدم اطلاع على ما للأئمة المحققين والعلماء الفلكيين
فهي كلها واهية لا ينبغي اعتبارها ولا الالتفات إليها بحال». ثم جاء في كلام له عد مثل هذا باطلاً وأنه من الجهل. (1/77)
صفحة 74
وأما قولك: ومما يعطي هذا الاتجاه قوة قول الله تعالى يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجّ (البقرة: 189)، فتخصيص الحج بالذكر بعد هذا العموم إشارة قوية إلى اعتبار أصل التوقيت متصلا بمكان واحد وهو مكان البلد الحرام فقط». فإنني - مع عجبي منه أيضاً - لا أريد أن أعقب عليه إلا بما قاله المفسرون في تخصيص الحج بالذكر وأخص منهم - بعد السلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم - المفسرين من المذاهب الأربعة فإليك ما في التفاسير
1 - قال ابن جرير الطبري فقل يا محمد خالف بين ذلك ربكم لتصييره الأهلة التي سألتم عن أمرها ومخالفة ما بينها وبين غيرها فيما خالف بينها وبينه مواقيت لكم ولغيركم من بني آدم في معايشهم ترقبون بزيادتها ونقصانها ومحاقها واستسرارها وإهلالكم إياها أوقات حل ديونكم وانقضاء مدة إجارة من استأجر تموه وتصرم عدة نسائكم ووقت صومكم وإفطاركم فجعلها مواقيت للناس.
وأما قوله (وَالْحَجِّ) فإنه يعني وللحج يقول وجعلها أيضاً
ميقاتاً لحجكم تعرفون بها وقت مناسككم وحجكم. ا. هـ. (1/78)
صفحة 75
2 - قال ابن أبي حاتم
حدثنا أبي ثنا هشام بن عبيد الله ومسدد قالا: حدثنا محمد ابن جابر عن قيس بن طلق عن أبيه بن علي قال: قال رسول الله جعل الله الأهلة مواقيت قوله: هي مواقيت للناس». أخبرنا محمد بن سعد العوفي فيما كتب إليَّ ثنا أبي عمي الحسين عن أبيه عن جده عن ابن عباس قال: سأل الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأهلة فنزلت هذه الآية يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجّ) يعلمون
ثنا
بها حل دينهم وعدة نسائهم ووقت حجهم. حدثنا عصام بن رواد ثنا آدم عن أبي جعفر عن الربيع عن أبي العالية قال: بلغنا أنهم قالوا: يا رسول الله لم خلقت الأهلة؟ فأنزل الله يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَج) يقول: جعلها الله مواقيت لصوم المسلمين وإفطارهم وعدة نسائهم ومحل دينهم. وروي عن عطاء والضحاك وقتادة والسدي والربيع بن أنس نحو ذلك قوله والحج. وبه عن أبي العالية (قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ،
يقول: مواقيت لحجهم ومناسكهم.
وروي عن الضحاك وقتادة والسدي والربيع بن أنس نحو
ذلك. ا. هـ. (1/79)
صفحة 76
- قال ابن كثير: قال العوفى عن ابن عباس سأل الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأهلة فنزلت هذه الآية (يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) يعلمون بها حل دينهم وعدة نسائهم ووقت حجهم وقال أبو جعفر عن الربيع عن أبي العالية بلغنا أنهم قالوا: يا رسول الله لم خلقت الأهلة فأنزل الله يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَج) يقول: جعلها الله مواقيت لصوم المسلمين وإفطارهم وعدة نسائهم ومحل دينهم. وكذا روي عن عطاء والضحاك وقتادة والسدي والربيع ابن أنس نحو ذلك. وقال عبد الرزاق عن عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: جعل الله الأهلة مواقيت للناس فصوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوما»، ورواه الحاكم في مستدركه» من حديث ابن أبي رواد، به، وقال: كان ثقة عابداً مجتهداً شريف النسب فهو صحيح الإسناد ولم يخرجاه وقال محمد ابن جابر عن قيس بن طلق عن أبيه قال: قال رسول الله: جعل الله الأهلة فإذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا فإن أغمى عليكم فأكملوا العدة ثلاثين». وكذا روي
من حديث أبي هريرة ومن كلام علي بن أبي طالب و. .ا. هـ. (1/80)
صفحة 77
4 ـ قال الفخر الرازي
أما قوله تعالى: {وَالْحَجّ، ففيه إضمار تقديره وللحج كقوله تعالى: {وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَدَكُمْ} أي: لأولادكم، وأعلم أنا بيّنا أن الأهلة مواقيت لكثير من العبادات فإفراد الحج بالذكر لا بد فيه من فائدة ولا يمكن أن يقال تلك الفائدة هي أن مواقيت الحج لا تعرف إلا بالأهلة، قال تعالى: {الْحَجُ أَشْهُرُ مَعْلُومَتُ) وذلك لأن وقت الصوم لا يعرف إلا بالأهلة قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ) وقال: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته وأحسن الوجوه فيه ما ذكره القفال رحمه الله: وهو أن إفراد الحج بالذكر إنما كان لبيان أن الحج مقصور على الأشهر التي عينها الله تعالى لفرضه وأنه لا يجوز نقل الحج من تلك الأشهر إلى أشهر كما كانت العرب تفعل ذلك في النسيء والله أعلم.
ا. هـ.
ه. وقال ابن عطية
وقوله: {مَوَاقِيتُ} معناه لمحل الديون وانقضاء العدد والأكرية وما أشبه هذا من مصالح العباد ومواقيت الحج (1/81)
صفحة 78
أيضاً يعرف بها وقته وأشهره و مَوَاقِيتُ) لا ينصرف لأنه جمع لا نظير له فى الآحاد فهو جمع ونهاية إذ ليس يجمع. وقرأ ابن أبي إسحاق وَالْحَجّ) بكسر الحاء في جميع
القرآن وفي قوله: «حِجُ الْبَيْتِ) (آل عمران: 97).
قال سيبويه الحج كالرد والشد والحج كالذكر فهما مصدران بمعنى، وقيل: الفتح مصدر والكسر الاسم. ا. هـ.
6 - قال القرطبي:
أفرد سبحانه الحج بالذكر لأنه مما يحتاج فيه إلى معرفة الوقت وأنه لا يجوز النسيء فيه عن وقته بخلاف ما رأته العرب فإنها كانت تحج بالعدد وتبدل الشهور فأبطل الله قولهم وفعلهم على ما يأتي بيانه في براءة إن شاء الله
تعالى. ا. هـ.
7 ـ قال أبو حيان:
وَالْحَج: معطوف على قوله: {لِلنَّاسِ)، قالوا: التقدير ومواقيت للحج، فحذف الثاني اكتفاء بالأول، والمعنى: لتعرفوا بها أشهر الحج ومواقيته. ولما كان الحج (1/82)
صفحة 79
من أعظم ما يطلب ميقاته وأشهره بالأهلة، أفرد بالذكر، وكأنه تخصيص بعد تعميم، إذ قوله: مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ)، ليس المعنى مواقيت لذوات الناس، وإنما المعنى: مواقيت لمقاصد الناس المحتاج فيها للتأقيت دينا ودنيا. فجاء قوله: وَالْحَجِّ، بعد ذلك تخصيصا بعد تعميم. ففي الحقيقة ليس معطوفا على الناس، بل على المضاف المحذوف الذي ناب الناس منابه في الإعراب. ولما كانت تلك المقاصد يفضي تعدادها إلى الإطناب، اقتصر على قوله: {مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ). وقال القفال: إفراد الحج بالذكر لبيان أن الحج مقصور على الأشهر التي عينها الله تعالى لفرض الحج، وأنه لا يجوز نقل الحج عن تلك الأشهر لأشهر أخر، إنما كانت
العرب تفعل ذلك في النسيء. انتهى كلامه. ا. هـ.
- قال البغوي:
قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجّ) جمع ميقات؛ أي: فعلنا ذلك ليعلم الناس أوقات الحج والعمرة والصوم والإفطار وآجال الديون وعدد النساء وغيرها فلذلك خالف بينه وبين الشمس التي هي دائمة على حالة واحدة. (1/83)
صفحة 80
ـ قال البيضاوي:
قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجّ) فإنهم سألوا عن الحكمة في اختلاف حال القمر وتبدل أمره فأمره الله أن يجيب بأن الحكمة الظاهرة في ذلك أن تكون معالم للناس يؤقتون بها أمورهم ومعالم للعبادات الموقتة يعرف بها أوقاتها وخصوصا الحج فإن الوقت مراعى فيه أداء وقضاء والمواقيت جمع ميقات من الوقت والفرق بينه وبين المدة والزمان أن المدة المطلقة امتداد حركة الفلك من مبدئها إلى منتهاها والزمان مدة مقسومة والوقت الزمان
المفروض لأمر. ا. هـ.
10 ـ قال الثعلبي:
أخبر الله عن الحكمة في زيادة القمر ونقصانه واختلاف أحواله، إعلم إنه فعل ذلك: ليعلم الناس أوقاتهم في حجتهم وعمرتهم وحل ديونهم ووعود حلفائهم وأجور أجرائهم ومحيض الحائض ومدة الحامل ووقت الصوم والإفطار وغير ذلك، فلذلك خالف بينه وبين الشمس التي هي دائمة على حالة واحدة. (1/84)
صفحة 81
11 - قال الخازن
وَالْحَجِّ) أي: وللحج، وإنما أفراد الحج بالذكر وإن كان داخلاً في جملة العبادات لفائدة عظيمة وهي أن العرب في الجاهلية كانت تحج بالعدد وتبدل الشهور فأبطل الله ذلك من فعلهم وأخبر أن الحج مقصور على الأشهر التي عينها لفرض الحج بالأهلة، وأنه لا يجوز نقل الحج عن تلك الأشهر التي عينها الله تعالى له كما كانت العرب تفعل بالنسيء. ا. هـ.
12 ـ قال النسفي:
(قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَج) أي: معالم يؤقت بها الناس مزارعهم ومتاجرهم ومحال ديونهم وصومهم وفطرهم وعدة نسائهم وأيام حيضهن ومدة حملهن وغير ذلك، ومعالم للحج يعرف بها وقته. ا. هـ.
13 - قال النيسابوري:
وفي إفراد الحج بالذكر مع أن الأهلة مواقيت عبادات أخر كالصوم والزكاة إشارة إلى أن الحج مقصور على الأشهر التي عينها الله تعالى له، وأنه لا يجوز نقل الحج عن تلك الأشهر إلى شهر آخر كما كانت العرب تفعل ذلك في النسيء. ا. هـ. (1/85)
صفحة 82
14 ـ قال السمرقندي:
يقول هي علامات للناس في حل ديونهم وصومهم
وفطرهم وعدة نسائهم ووقت الحج. ا. هـ.
15 - قال جلال الدين السيوطي في «الدر المنثور أخرج ابن عساكر بسند ضعيف عن ابن عباس في قوله: يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ» قال: نزلت في معاذ بن جبل، وثعلبة بن غنمة، وهما رجلان من الأنصار قالا: يا رسول الله ما بال الهلال يبدو ويطلع دقيقا مثل الخيط، ثم يزيد حتى يعظم ويستوي ويستدير، ثم لا يزال ينقص ويدق حتى يعود كما كان لا يكون على حال واحد؟ فنزلت يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ) في محل دينهم، ولصومهم، ولفطرهم، وعدة نسائهم، والشروط التي تنتهي إلى أجل معلوم
«سألوا
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: النبي صلى الله عليه وسلم: لم جعلت الأهلة؟ فأنزل الله يَسْتَلُونَكَ عَن الْأَهِلَّةِ) الآية. فجعلها لصوم المسلمين، ولإفطارهم ولمناسكهم، وحجهم، ولعدة نسائهم، ومحل دينهم في أشياء، والله أعلم بما يصلح خلقه». (1/86)
صفحة 83
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: «ذكر لنا أنهم قالوا للنبي: لم خلقت الأهلة؟ فأنزل الله يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ) الآية. جعلها الله مواقيت الصوم المسلمين وإفطارهم، ولحجهم، ومناسكهم، ولعدة نسائهم، ومحل دينهم».
وأخرج ابن جرير عن الربيع بن أنس مثله.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: سأل الناس رسول الله عن الأهلة، فنزلت هذه الآية يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) يعلمون
بها حل دينهم، وعدة نسائهم، ووقت حجهم». وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: {يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ) قال: لحجكم، وصومكم، وقضاء ديونكم، وعدة نسائكم.
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: {مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ) قال: في عدة نسائهم، ومحل دينهم، وشروط الناس، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر
وهو يقول: (1/87)
صفحة 84
والشمس تجري على وقت مسخرة
إذا قضت سفرًا استقبلت سفرا
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: جعل الله الأهلة مواقيت للناس فصوموا لرؤيته، وافطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوماً».
وأخرج أحمد والطبراني وابن عدي والدارقطني بسند ضعيف عن طلق بن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: جعل الله الاهلة مواقيت للناس فإذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فافطروا فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين». ا. هـ.
16 ـ قال أبو السعود:
يسألونك عن الأهلة سأله معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم فقالا: ما بال الهلال يبدو رقيقا كالخيط ثم يزيد حتى
يستوي ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدأ.
{قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَج) كانوا قد سألوه عليه الصلاة والسلام عن الحكمة في اختلاف حال القمر وتبدل أمره فأمره الله العزيز الحكيم أن يجيبهم بأن الحكمة (1/88)
صفحة 85
الظاهرة في ذلك أن تكون معالم للناس في عبادتهم لا سيما الحج فإن الوقت مراعى فيه أداء وقضاء وكذا في معاملاتهم على حسب ما يتفقون عليه. ا. هـ.
17 ـ قال البقاعي:
وَالْحَجِّ) صرح به لأنه من أعظم مداخلها.
قال الحرالي: وهو حشر العباد إلى الموقف في شهور آخر السنة، فهو أمر ديني مشعر بختم الزمان وذهابه لما فيه من آية المعاد، إنتهى.
ولما كانوا قد اعتادوا في الحج فعلاً منكراً وكان ترك المألوفات أشق شيء على النفوس، ولذلك قال أهل الطريق وسادات أهل التحقيق: ملاك القصد إلى الله تعالى خلع العادات واستجداد قبول الأمور المنزلات من قيوم السماوات والأرض، وبذلك كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم سادات أهل الإسلام. ا. هـ.
18 ـ قال السمعاني:
يعني: فعلت ما فعلت؛ ليكون مواقيت لصومكم، وفطركم،
وحجكم، وأجال ديونكم. (1/89)
صفحة 86
19 ـ قال حقي:
فإن قلت: لما كانت الأهلة مواقيت يؤقت بها الناس عامة
مصالحهم علم منه كونها ميقاتا للحج لأنه من جملة المصالح المتوقفة على الوقت فلم خصه بالذكر؟ قلت: الخاص قد يذكر بعد العام للتنبيه على مزيته فالحج من حيث إنه يراعى في أدائه وقضائه الوقت المعلوم بخلاف سائر العبادات التي لا يعتبر في قضائها وقت معين.
ا. هـ.
20 - قال ابن عادل
ولما كان الحج من أعظم ما تطلب مواقيته وأشهره
بالأهلة، أفرد بالذكر.
21 ـ قال ابن عاشور
وذكر فوائد خلق الأهلة في هذا المقام للإيماء إلى ان الله جعل للحج وقتاً من الأشهر لا يقبل التبديل وذلك تمهيداً لإبطال ما كان في الجاهلية من النسيء في أشهر الحج في بعض السنين. ا. هـ. (1/90)
صفحة 87
22 - قال النحاس:
قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) فجعلها الله عز وجل مواقيت لحج المسلمين وإفطارهم وصومهم ومناسكهم ولعدة نسائهم ومحل دينهم والله أعلم بما يصلح خلقه. ا. هـ. هذه أمثلة مما قاله المفسرون وقد اطلعت على كثير مما قاله غير هؤلاء ولم أر في شيء من ذلك ما أشرت إليه من وجه تخصيص الحج بالذكر، فليت شعري؛ أتراهم تركوا ذلك جهلاً أو غفلة أو نسيانا؟!!
ومع عدم رغبتي في التعليق على استدلالك لا أزال في حيرة من نوع هذه الدلالة سواء بحسب قسمة المناطقة
وجمهور
الأصوليين، أو بحسب تقسيم الحنفيين منهم، فهل
تزال حيرتي بجواب شاف؟
وبعد هذا البيان وما أوردته من نصوص فقهاء المذاهب الأربعة هل يبقى شكٍّ بأن موقفنا كان مبنياً على خلفية مذهبية؟! فأنت تراني لم أذكر ولا حرفاً واحداً مما قاله فقهاء مذهبي، وإنما حرصت على رد المرتابين في هذا إلى ما يقوله فقهاؤهم، وليت شعري هل هؤلاء الفقهاء أيضاً يتهمون مثلي بأنهم بنوا ما قالوه على خلفية عصبية (1/91)
صفحة 88
مذهبية؟؟! على أن العمل بهذا لسنا - والحمد لله - شاذين فيه، فلربما لو نظرنا إلى السواد الأعظم من المسلمين لوجدناهم شركاءنا في هذا الموقف نفسه، فالمملكة المغربية ودول شرق أفريقيا جميعاً وتركيا وإيران والهند وباكستان وبنغلادش وكثير من دول غرب أفريقيا وشرق آسيا تتبع هذا النهج نفسه فيا ترى أين الحساسية المذهبية في هذا؟!
ومع هذا كله فإنني على استعداد تام لتلقي أي ملاحظة على أي نقطة في هذا الجواب فأمعن فيه نظرك واستعن بمن شئت من الفقهاء سواء أكانوا من داخل السلطنة أو خارجها، كما أنني يسرني أن يكون هذا من كل مطلع على هذا الجواب، وحبذا لو عرضتموه على علماء المملكة العربية السعودية لما لهم من خصوصية بهذا الأمر بحكم مسؤوليتهم عن شؤون الحرمين الشريفين، وأخص من بينهم اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء، وهيئة كبار العلماء، لا سيما سماحة الشيخ الدكتور الأخ صالح بن عبد الله بن
حميد رئيس القضاء العالي، فإنه بحكم وظيفته هذه هو ألصق بمسؤوليات شؤون الأهلة. (1/92)
صفحة 89
وما أبرد على كبدي رجوعي عن أي شيء قلته عندما أقنع من قبل أي أحد ببطلانه أو خطأه بدليل بيّن وإنما أعارض بكل شدة أن يحتكم في أمور الدين إلى
الله
العواطف الرعناء ويترك الدليل جانبا، إذ لم يجعل تعالى دخلا للعواطف في قضايا الدين، بل لم يجعل
الله سبحانه وتعالى حكما للعقول في موارد شرعه فالاحتكام يجب أن يكون إلى شريعته الغراء، وقد بين سبحانه من يحتكم إليه عند الشقاق والنزاع حيث قال: {فَإِن نَتَزَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} (النساء: 59)، والفقهاء الراسخون في العلم هم الذين يجب أن يستعان بهم في بيان ما غمض وتوضيح ما أبهم من أدلة الشرع، عملاً بقوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) (النساء: 83)، فلا يجوز الركون إلى ما يراه العوام الجهلة الذين لا يفرقون بين الضب والنون ولا بين الذئب والحمل، فأنّى لهؤلاء أن يغوصوا في أعماق بحار الشريعة، ويستخرجوا منها درر أحكامها؟! (1/93)
صفحة 90
وأنت أيها الشيخ لمكانتك العلمية وقدرك الاجتماعي
حري بأن تحرص على تبصير العوام بمسالك السلامة، فإن هذه مسؤوليتك أمام الله، أخذ الله عليك ميثاق البيان فعليك أن تبيّن، وأن لا تأخذك في
وقد
ذلك لومة لائم، ولا يسعك فيما بينك وبين ربك أن تنساق معهم وراء عواطفهم، فإن ذلك يفضي إلى الفوضى التي لا تحمد عقباها، ولا ريب أن في كل مذهب ـ بلا استثناء - جمهوراً من العوام المتنطعين هم بلاء على مذاهبهم ومصيبة على فقهائهم وعبء على مجتمعاتهم، تجد أحدهم من ثطاته لا يفرق بين لطاته وقطاته وهو يخال نفسه أعلم من صاحب موسى علي وأحكم من لقمان وأخطب من قس وأفصح من سحبان وأحلم من الأحنف؛ لأن نزعة الغرور جبلة في كل نفس ما لم تزك
بالعلم وحسن الخلق، ومن طبيعة أهل الجهل حب التعالم والتنطع على العلماء:
وكل يدعي وصلا بليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا
وقديما قيل: لو سكت الجاهل لاستراح العاقل. (1/94)
صفحة 91
ومن قلب صفحات التأريخ وأمعن في حكمة الأدباء وجد هذه الشكوى من كثير من أهل الفقه والأدب، كما هو قول أحد الأدباء:
ومنزلة الفقيه من السفيه كمنزلة السفيه من الفقيه فهذا زاهد في قرب هذا وهذا فيه أزهد منه فيه إذا غلب الشقاء على سفيه تنطع في مخالفة الفقيه وهذا يعني مضاعفة مسؤوليات أهل العلم في تبصير عوام الناس بالحق، فإن مثلهم كمثل الأطباء، وإنما التفاوت بين هؤلاء وهؤلاء أن الأطباء مهمتهم معالجة الأجسام، والعلماء مهمتهم معالجة العقول والقلوب، فهم أحوج إلى الحكمة وأجدر بالصبر على عنت مرضاهم
وعنادهم.
وأنت أيها الشيخ لا يخفى عليك هذا، وحسبك أنك عركتك الأيام وعركتها وحلبت الدهر أشطريه، فخرجت بحصيلة من التجارب تكفيك بأن تكون لك بصيرة وهدى فضلاً عما اقتبسته من العلم النافع وتحليت به من الأخلاق العالية، فمثلك من يعول عليه في علاج ما هو أعظم من (1/95)
صفحة 92
هذه المشكلات، فلا يليق بك أن تتهيب من خوض غمارها،
إذ حكمة الحكماء ترياق لطيش الجهلة وحماقة الحمقى فاستعن بالله على ما حملك من أمانة وخذ الكتاب بقوة والله يوفقك لما فيه الخير، ويعينك على كل صلاح ورشد ويحفظك من كل سوء، ولك كل شكر وتقدير وإخلاص
وعرفان.
من أخيك المخلص أحمد بن حمد الخليلي
/ ذي الحجة/ 1430 هـ
00 (1/96)