صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: فقه
------------------------------------------
العنوان: الإمتاع في طواف الوداع
المؤلف: زهران بن ناصر بن سالم البراشدي
الناشر: مكتبة الجيل الواعد
مكان النشر: د.م
تاريخ النشر: 1440ه/ 2019م
الطبعة: 1
ردمك: 6-130-4-99969-978
الإيداع القانوني: 471/2019
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/648
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 27 رجب 1446ه/ 27 - شهر 01 - 2025م. الإمتاع
في طواف الوداع
العبد الراجي عفو ربه
زهران بن ناصر بن سالم البراشدي (1/1)
صفحة 2
الإمتاع
في طواف الوداع
العبد الراجي عفو ربه
زهران بن ناصر بن سالم البراشدي
الطبعة الأولى
1440 هـ 2019 م (1/2)
صفحة 3
ه
تقديم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأنبياء
والمرسلين، وعلى آله وصحبه والتابعين.
وبعد: فلما كان حج بيت الله الحرام من أعظم دعائم الإسلام وأوثق عرى الدين القويم للأنام وهو بلا شك خامس الأركان، وتعلم أحكامه من واجبات الدين ومهمات الايمان، وكان العبد الضعيف قاصر الفهم خامل الفكر، رأيت لزاما علي أن أكتب فيه ولو شيئا يسيرا قربة إلى العليم العلام، ولعلَّ شيئا من مسائله تثبت بذهني ويستوعبها قلبي، أو منفعة تتحقق منه، لكثرة حاجة الناس إليه، ولكنَّ العجز والضعف والكسل كلها مثبطة، والجهل أعم وأطم، وقد راجعت نفسي مرارا فرأيت لا بد أن أكتب ولو شيئا يسيرا في ذلك، ولما كانت أحكام الحج كثيرةً وضعفي لا يشجعني للخوض في غمارها اخترت أن اكتب في أحكام الوداع، وذلك بقدر بضاعتي المزجاة، وعلى كل حال لا يسعني إلا وأن أقدم الشكر الجزيل والدعاء العطر النبيل بخيري الدنيا والآخرة لجميع مشايخي وأساتذتي وإخواني الذين لم يألوا جهدا في مد يد العون والنصيحة لي فلهم جميعا مني خالص الشكر والتقدير.
وسميته "الامتاع في طواف الوداع ومن رأى فيه عيبا أو خللا فليبد النصح وليحسن الظن أسأل الله التوفيق للجميع لما يحبه (1/5)
صفحة 4
ويرضاه، وأن يجنبنا جميع ما يكرهه ويأباه، إنه القادر على كل شيء،
وهذا أوان الشروع في الموضوع وبالله التوفيق.
العبد الراجي عفو ربه زهران بن ناصر بن سالم البراشدي (1/6)
صفحة 5
V
مقدمة الموضوع
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي شرع لعباده حج بيته الحرام لمن استطاع إليه
سبيلا، وجعله مباركا وهدى للناس فأوجفوا إليه ذميلا.
وسوَّى فيه بين العاكف والباد، ومن يرد فيه بإلحاد بظلم أعد له عذابا وبيلا. (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (25) وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَبَرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ
السُّجُودِ (26)
وأمَرَ خليله إبراهيم عليه السلام بأن يُؤَدِّنَ في الناس ليأتوه رجالا وركبانا، ويُبجلوه تبجيلا، ووعدهم بعظيم المنافع إن امتثلوا وذكروه بكرة وأصيلا.
(وَأَذِنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ
1 - الذميل: ضرب من العدو، وهو الذملان، وذمل يذمل ذميلا؛ أسرع. والمعنى: جاؤا إليه مسرعين مطيعين ممتثلين مجيبين للأمر. انظر: مادة (ذم ل) من المعاجم لاسيما العين للخليل بن أحمد الفراهيدي (1/7)
صفحة 6
عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ
(28)
وحماه بقدرته من كل من أراد به سوءا وجعله قبلة للناس وأمنا نعمة منه وتفضيلا.
وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَيْرًا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) البقرة.
قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144) وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ
(145) البقرة.
وجعل فيه من المقاصد العظام والفوائد الجسام ما تعجز عن بيانه الألسنة وتكل عن إحصائه الأفئدة من منافع خيري الدنيا والآخرة. والصلاةُ والسّلامُ على خير الأنام ومصباح الظلام سيدنا محمد الرسول النبي الأمي الأواب الطاهر الزكي، وعلى آله وصحبه الكرام،
والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الحشر والقيام للملك العلام. (1/8)
صفحة 7
أما بعد: فإنَّ الحج ركن من أركان الإسلام وشعيرة عظيمة من شعائر الدين، امتن الله به على عباده تطهيرا لهم من الأدران والأوهام؛ 2
- الأوهام جمع وهم و الْوَهْمُ: بفتح الواو وسكون الهاء: مَصْدَرُ وَهِمَ يَوْهَمُ وَهُمَا بمعنى غَلِطَ وسهى، و ما يقع في الدّهن من الخاطر، والجمع أوهام ووهوم. العين للخليل، والمعجم الوسيط؛ "مادة "وهم" وانظر: الطلعة ج 1 ص 66 ن مكتبة نور الدين السالمي بدية.
و: وَهَمْتُ إِلَى الشَّيْءِ وَهْمَا مِنْ بَابِ وَعَدَ سَبَقَ الْقَلْبُ إِلَيْهِ مَعَ إِرَادَةِ غَيْرِهِ، وَوَهَمْتُ وَهُمْا وَقَعَ فِي خَلَدِي، وَالْجَمْعُ أَوْهَامٌ، وَشَيْءٌ مَوْهُومٌ، وَتَوَهَّمْتُ أَيْ ظَنَنْتُ، وَوَهِمَ فِي الْحِسَابِ يَوْهَمُ وَهَمَّا مِثْلُ غَلِطَ يَغْلَطُ غَلَطَا؛ وَزْنًا
? وَمَعْنًى، وَيَتَعَدَّى بِالْهَمْزَةِ وَالتَّصْعِيفِ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ الْمَهْمُوزُ لَازمًا، وَأَوْهَمَ مِنْ الْحِسَاب - مِائَةً - مِثْلُ أَسْقَطَ وَزْنًا وَمَعْنًى، وَأَوْهَمَ مِنْ صَلَاتِهِ رَكْعَةً تَرَكَهَا. المصباح المنير في غريب الشرح الكبير لأحمد الفيومي مادة (وهـ م)
والمعنى المراد من ذلك: أنَّ عبادة الحج يغلب على جميعها الشأنُ التعبدي المحض، وأنها غير معقولة المعنى، فلا مجال للبحث والتنقير عن ذلك، فاستدارة ببناء وتقبيل حجر ومكت في مكان معين في وقت معين وزمن معين مع التضرع والابتهال لله الواحد الأحد، ورمي حجارةٍ معينة بحجر موصوف محدد العدد والجسامة وذبحُ نَعَمٍ معينة موصوفة محددة السن والوصف والجودة وفي كل شيء بحسبه، وهكذا إلى غير ذلك، وإنما يجب علينا الامتثال والتفويض والإخلاص الله عز وجل الذي أوجب ذلك علينا، علمنا حكمتها أم جهلناها، ولذلك قال عمر له وهو يقبل الحجر "الأسود" أما والله إني لأعلم أنك حجر ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك. ومثله روي عن أبي بكر. انظر: صحيح ابن حبان ج 9 ص 131 ح 3822 صحيح ابن خزيمة ج 4 / ص 212 ح 2711 الجمع بين الصحيحين البخاري (1/9)
صفحة 8
10
وسبيلا لهم إلى النجاة والفوز بالنعيم في دار المقام؛ مع النبيين والصدقين والشهداء والصالحين الكرام، وحسن أولئك رفيقا. وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبيِّينَ وَالصَّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (70) النساء.
فضلا من الله ونعمة ومنة، ورحمة يقول الحق سبحانه وتعالى: فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (8) الحجرات.
من غير حاجة به إليهم تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وإنما المصلحة راجعة عليهم:-
(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)
الذاريات.
ويقول الحق سبحانه وتعالى ممتنا على عباده بفريضة حج بيته الحرام وأداء المناسك العظام: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ
ومسلم للحميدي (1/ 41) ح 42 السنن الكبرى للبيهقي وفي ذيله الجوهر النقي (5/ 74 9486 السنن الكبرى للنسائي 2/ 400 ح 3920. (1/10)
صفحة 9
مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ أَمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ. (97) آل عمران.
ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم "مَنْ حَجَّ هَذَا البَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيومِ وَلدَتْهُ أُمُّهُ " وفي لفظ: "خرج من ذنوبه كما .. " وفي آخر "من حج البيت" وفي غيره "من حج لم يرفث ""
والحج هو خامس ركن من أركان الإسلام على ما ثبت عن المعصوم في قوله: "بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا
494
و
- أخرجه البخاري في صحيحه ج 2 ح 1449 و 1724 ومسلم في صحيحه ج 2 ح 1350 وأبو يعلى في مسنده ج 11 ح 6198 والحميدي في مسنده ج 2 ح 4 والدارمي في سننه ج 2 ح 1796 1796 وابن حنبل في مسنده ج 2 ص ح 10279 و 9302 و 9300 و 7136 وح 7375 وابن ماجه في سننه ج 2 ح 2889 والنسائي في سننه ج 5 ح 2627 و 3606 والترمذي في سننه ج 3 ح 811 وابن الجعد في مسنده 1 ح 896 و 1734 وابن خزيمة في صحيحه ج 42514 وابن راهويه في مسنده ج 1 ح 195 و 224 وغيرهم.
4 - البخاري الايمان رقم 8، ومسلم الإيمان، باب بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام، رقم 16 وأحمد في مسنده 4797 و 5674 و 6020 والترمذي ح 2609 وابن خزيمة في صحيحه 308 و 309 وابن حبان ح 158. من طريق ابن عمر وغيرهم. وأخرجه من طريق جرير بن عبد الله البجلي أحمد ح 19242 و 19248، وأبو يعلى في مسنده ح 12 والطبراني في المعجم الصغير ح 769 وفي (1/11)
صفحة 10
12
وهو مؤتمر إسلامي عظيم، يفد إليه المسلمون أجمعون؛ من جميع أصقاع الأرض في وقت واحد وهيئة واحدة وصعيد واحد مع اختلاف
أجناسهم وأشكالهم وألوانهم ولغاتهم وأفهامهم ومشاربهم.
لا فرق بين كبيرهم وصغيرهم، ولا بين رئيسهم ومرؤوسهم، ولا بين فقيرهم وغنيهم، ولا بين حاكمهم ومحكومهم، ولا بين خادمهم ومخدومهم، لا فرق بين أحمر وأسود، وأشقر وأبيض، ولا بين عالم وجاهل، ولا بين مالك ومملوك، ولا بين عربي وعجمي، إلا بالتقوى، يُنادون نداءً واحدا ويُلَبُّون تلبيةً واحدة، ويلبسون لباسا واحدا شعارهم التوحيد وجامِعُهم الإيمان بربهم العظيم، ونداؤهم جميعا لبيك اللهم لبيك لا شريك لك. ومبتغاهم رضاء رب العالمين.
وهو أعظم رابطةً بين المسلمين، سيماهم التآزر والتألف، والتواد والتراحم، وتمكين الرابطة الإسلامية بينهم، تحقيقا لقوله تعالى: يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلَا
تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105) يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ
الكبير ح 2363 و 1364 و 2368، والمروزي في الصلاة [419 و 420 و 421 و 422.
وغيرهم. (1/12)
صفحة 11
13
اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (107) آل عمران
وإذا تأمل العاقل ذلك المظهر العظيم والمنظر المشرق المہيب، ظهر له جليا أنَّ الإسلام هو دين الوحدة والتوحيد، دين الألفة والمحبة دين اجتماع وائتلاف وتواد وتراحم، ووئام ومساواة.
وفي ذلك المظهر تذكير بيوم المعاد؛ يوم اشتغال النفوس، كل بنفسه، لا يرقبون إلا رحمة الرحيم الغفور الحليم، الواسع الكريم، مع تجنب جميعهم سقطات اللسان، وهفوات القلوب، وغلطات الجوارح، فضلا عن بطشها (5)
ه - البطش: هو الأخذ بعنف عند الغضب، والتناول عند الصولة، بطش به بطشا من باب ضرب وبها قرأ السبعة وفي لغة من باب قتل، وقرأ بها الحسن البصري وأبو جعفر المدني، يقال: بَطَشْتُ به، وبَطَشَتِ اليدُ إِذا عَمِلَتْ فهي باطشة، والأَخْذُ الشديد في كل شيء بَطْش به والله ذو البَطْش الشديد أي: ذو البأس والأخذ لأعدائه، وفي التنزيل: (وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130) الشعراء) انظر: المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للحموي، والمحكم والمحيط الأعظم لابن سيدة، والمغرب في ترتيب المعرَّب للخوارزمي والعين للخليل بن أحمد. مادة: (ب ط ش). أما الغلط فالأصل فيه الخطأ عن غير قصد يقال: غلط في منطقه غلطا أخطأ وجة الصواب، وغلَّطْتُه أنا، قلتُ له: غلطت، أو نسبته إلى الغلط. والمغالطة المكابرة. ويقال: أنهاك عن الأغاليط، وأربأ بك عن التخاليط. وفي رواية: "نهى رسول الله له عن الأغلوطات" وهي المسائل التي يغالط بها العلماء ليزلوا فينتج بذلك شر وفتنة. وقال بعضهم الغلط يقع في الحساب وكل شيء. أما الغلت: فلا يكون إلا في الحساب. والظاهر العموم، ففي الحَدِيثِ عن ابن مسعود " لا غَلَتَ في الإِسْلامِ" (1/13)
صفحة 12
14
يقول الحق سبحانه وتعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمُهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (197) البقرة.
لا هَمَّ لهم الا ذكر الله وما والاه، والتضرع إليه، والشكوى لجلاله وكماله وحده لا شريك له، كل بطلباته؛ وهو واسع الرحمة، سريع المغفرة مجيب الدعاء لمن سأله مخلصا له.
وَإِذَا سَأَلَكَ
عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ
فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186) البقرة. وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ غافر 60.
معَظِمين شريعة ربهم ممتثلين أوامر نبيهم مجتنبين ما نهاهم عنه وزجرهم، لاهم لهم الا التقوى والخلاص من درن البلوى والوفادة على خالقهم كيوم ولدتهم أمهاتهم.
وروي عن الامام جابر " لا غلت على "مسلم" ومراد الباحث هنا أن الحاج من شدة حرصه على صحة حجه يحافظ على تصرفه حتى عن الغلط البسيط الذي لا يربأ به الناس، فضلا عما هو أعظم من ذلك، إلا أن الغلط بمفهومه العام يشمل الذي يصدر من عمل الجوارح عموما سواءً أكان عن قصد أو غيره؛ كالخطأ
مع
والسهو والعمد والنسيان وما إلى ذلك، أما البطش فلا يكون إلا في المتعمد العنف، فكل بطشٍ غلط، وليس كل غلط بطشا، فليتأمل. أنظر: المعاجم مادة (غلط) و (غلت) لاسيما العين للخليل وتاج العروس للزبيدي وأساس البلاغة والفائق في غريب الحديث للزمخشري والمحكم والمحيط الأعظم لابن سيدة
المرسي. (1/14)
صفحة 13
وقد جاء عن رسول الله الله أنه قال: "من حج هذا البيت فلم يرفث
ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه" الحديث المتقدم.
ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ النُّورِ (30) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (31) ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (32) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (33) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهُ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (35) وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36) لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (37) الحج.
يقول العلامة الجيطالي ملخصا تلك الفوائد العظيمة والفرائد الجسيمة قال: " .. فكان في السفر إليهما تذكرة لسفر الآخرة وأهوال المعاد؛ إذ الخارج إليهما منخلع من الأهل والأولاد قل من يخلو من توبة وإحكام وصية.
وكان ركوبه للراحلة مثلا لركوبه نعش الجنازة، ودخوله البادية (1/15)
صفحة 14
16
وقطعه عقباتها الى الميقات تذكرة للخروج من الدنيا بالموت إلى ميقات القيامة ومشاهدة تلك الأهوال والمطالبات
وكان انفراده عن الأهل في البر وما يكابده من قطاع الطريق وسباعه مثلا لخلوته في القبر مع ديدانه وأفاعيه.
وكان التفافه بثوبي إحرامه مخالفا لزيه وهيئة لباسه تذكرةً لثياب الكفن وقدومه على ربه بزي مخالف لزي الدنيا إذ كلاهما غير مخيطين ملفوفا فيهما العبد في كلتا الحالتين. وكان تلبيته للرب تعالى عند الميقات تذكرة لإجابة الداعي من الأجداث يوم ينفخ في الصور.
وكان دخوله الحرم أشعث أغبر مثلا لقيامه من القبر شاخصةً
أبصاره مع الناس ذاهل العقل عاري البدن من اللباس. وكان انصبابه الى مكة مع جملة الزائرين مثلاً لانصباب الناس في القيامة إلى جهة الجنة آملين في دخولها.
وكان دخوله إلى البيت وتعلقه بأستاره مثلاً لحضرة الملك يقصده الزوار من كل فج عميق وأوب سحيق شعثا غبرا متواضعين لرب البيت خضوعا لجلاله واستكانة لعزته.
وكان وقوفه بعرفات مع جملة الحجيج وارتفاع أصواتهم بالبكاء والضجيج واتباع الفرق أئمتهم في التردادات على المشاعر اقتداء بهم في أداء المناسك مثلاً للوقوف في عرصات القيامة واقتفاء كل أمة نبيها طمعا منهم إليه في الشفاعة. وكان اندفاعهم من عرفات منقسمين إلى مردودين ومقبولين مثلا لانقسام الخلق في يوم القيامة إلى محرومين ومرحومين، ولكن الكرم (1/16)
صفحة 15
17
من
الله
عميم، وشرف البيت عظيم وحق الزائرين مرعي، وذمام
المستجيرين غير مضيع.
فإذا اجتمعت هممهم وتجردت للضراعة والابتهال قلوبهم وارتفعت إلى الله أيديهم وامتدت رقابهم وشخصت نحو السماء أبصارهم مجتمعين على طلب الرحمة من مولاهم فلا تظنن أنه يخيب أملهم
أو يضيع سعيهم مع اجتماع الهمم في وقت واحد وصعيد واحد. ولذلك قيل: إنَّ من أعظم الذنوب من وقف بعرفة وظن أنَّ الله لم يغفر له، وقد قال تعالى: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لَمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) البقرة (203)
وجاء عن رسول الله الله أنه قال: "من حج هذا البيت فلم يرفث ولم
يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه" الحديث المتقدم.
وهذا القدر كاف في تعريف أسرار الحج والله أعلم. انتهى. وقد وسّع الشارع على العباد في تحديد شروط الاستطاعة، فقال عز من قائل حكيما وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) آل عمران 97.
وهي تتلخص في عدة أمور: توفر الزاد والرّاحلة والرفقة الصالحة التي تعينه على الأداء وأمن الطريق وصحة البدن ووجود النفقة التي يتركها لمن يعول وألا يكون من يعوله مضطرا إليه بحيث لو ذهب عنه لضاع، فإن كان الأمر كذلك فلا يصح له أن يترك فريضة
6 - قواعد الإسلام للجيطالي: ت بكلي ج 1 و 2 في مجلد واحد ص 501 - 502، الناشر مكتبة الاستقامة مسقط. مع بعض تصرف. (1/17)
صفحة 16
18
حاضرة لأجل فريضة غائبة "
ففي الحديث عنه. "كفى بالمرء إثما أن يضيّع من يعول وإذا رجعت إلى هذه الشروط وجدتها كلها داخلة في الاستطاعة؛ لأن الاستطاعة بشمولها وعمومها تعم الكل.
كما بَيَّنَ الرسول العظيم، الرحيمُ بأُمَّتِه، الشفيقُ عليها من المشاق والمهالك أنَّ الوجوب ينحط عن المكلف بأدائه مرةً واحدةً في العمر، ففي الحديث عنه من طريق أبي هريرة، قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أيها الناس قد فُرض عليكم الحج فحجوا فقال رجل: أفي كل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ذروني ما تركتكم ولو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم، وَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَن كانَ قَبلَكم كَثرَةُ سُؤَالِهِمْ، واختلافُهُمْ على أنبيائهم، فإذا أمَرْتُكُمْ بشيءٍ فأتوا منه ما اسْتَطَعْتُمْ، وإذا نهيتُكُمْ عن شيء فاجتنبوه".
9
- وقد بحثت هذا الموضوع في كتاب تطبيقات القواعد الفقهية فراجعه من الجزء الرابع ص 32 فما بعدها، تحت عنوان اختلاف الفقهاء فيمن رأى فعل القبيح بين شخصين هل له النظر إليهما بغية أداء الشهادة أم لا؟.
- السنن الكبرى للنسائي 374/ 5، 9176 مسند الحميدي 273/ 2، 599 مسند الشہاب 304/ 2 ح 1413 المستدرك على الصحيحين للحاكم 4/ 545 ح 8526
وغيرهم.
-
9 - ورَدَ هذا الحديث بعدة الفاظ متفقة المعنى وبتقديم وتأخير في اللفظ وبهذا اللفظ وبغيره وبزيادة "الْحَجُّ مَرَّةً، فَمَنْ زَادَ فَتَطَوُّحٌ" وبغيرها؛ أخرجه أحمد 255/ 1 ح 2304 وص 290 ح 2642 والنسائي في الكبرى 319/ 2 - 3599، وابن ح (1/18)
صفحة 17
19
ومن طريق أنس له أن النبي صلى الظهر ذات يوم ثم جلس فقال: "سلوني عما شئتم ولا يسألني اليوم أحدكم عن شيء إلا أجبته" فقال الأقرع بن حابس 10: يا رسول الله الحج علينا واجب في كل عام؟ فغضب حتى احمرت وجنتاه، فقال: "والذي نفس محمد بيده لو قلت نعم لوجب ولَوْ وَجب لم تفعلوا ولو لم تفعلوا لكفرتم، ولكن إذا نهيتكم عن شيء فانتهوا عنه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم
11
خزيمة ح 2508 والحاكم 321/ 2 - 3155) (196/ 3 - 4825) والبيهقي 4/ 326 ح 8400. سنن الدارقطني (3/ 339) 2705.
10 - الأقرع بن حابس بن عقال التميمي المجاشعي الدارمي، قيل اسمه: فراس، ولقب بالأقرع؛ لقرع في رأسه أحد المؤلفة قلوبهم، وكان شريفا في الجاهلية والإسلام، شهد مع رسول الله و فتح مكة، وحنينا، والطائف، قيل: قتل باليرموك هو وعشرة من بنيه، وقيل غير ذلك. ينظر: الاستيعاب لابن عبد البرج 1 ص 103 - 104 وأسد الغابة لابن الأثير 164/ 1 - 167 والإصابة لابن حجر ج 1 ص 252 - 255. 11 - أخرجه الامام الربيع في كتاب الحج ح 394، وهو بتمامه "أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى ذَاتَ يَوْمٍ فَجَلَسَ فَقَالَ: "سَلُونِي عَمَّا شِئْتُمْ وَلَا يَسْأَلَنِي أَحَدٌ مِنْكُمْ عَنْ شَيْءٍ إِلا أَخْبَرْتُهُ بِهِ، قَالَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْحَجُّ عَلَيْنَا وَاجِبٌ فِي كُلِ عَامٍ؟ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ وَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ قُلْتُ نَعَمْ، لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَمْ تَفْعَلُوا، وَلَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَكَفَرْتُمْ وَلَكِنْ إِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَانْتَهُوا، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ». وأخرجه البخاري كتاب الاعتصام: باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث مالك عن أبي الزناد وأخرجه مسلم مختصراً من حديث ابن شهاب عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمامه: "فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم" وفي رواية (1/19)
صفحة 18
وقد بين الحق سبحانه وتعالى أن من وجد الاستطاعة فتمادى من غير عذر ولم يحج فهو عند الله مذموم وفي إيمانه خلل واضح معلوم، فقال جل شأنه وعظم سلطانه مبينا ذلك في كتابه الخالد
العظيم: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) (97) آل عمران.
أي: من كفر بتركه فريضة الحج وهو قادر على ذلك لا يمنعه مانع من الأداء، والمراد بالكفر هنا كفر النعمة وهو ارتكاب كبيرة من كبائر الذنوب؛ وذلك إن كان تركه تهاونا فقط، أما إن كان ردا
للتنزيل أي إنكارا لفرضيته فهو مشرك كما هو معلوم في محله.
قيل في سبب نزول هذه الآية أنّه لما نزل قوله تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ آل عمران 85. أنَّ اليهود لعنهم الله قالت: "نحن مسلمون" فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: "فرض الله على المسلمين حج البيت" فقالوا: لم يكتب علينا وأبوأ أن يحجوا، فأنزل الله وعل:
"ذروني ما تركتكم فإنما هلك من قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيءٍ فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه" أخرجه ابن حبان، ح 3704. وابن خزيمة ح 2508 والشافعي 272/ 1، وأحمد ح 7492، والبخاري ح 6858، ومسلم ح 1337، والنسائي ح 2619، وابن ماجه ح 2. وانظر أيضا في هذا المعنى جواهر القواعد للشيخ الراحل الشهيد سفيان بن محمد بن عبد الله الراشدي ص 139 - 141 - بتحقيق حفيده محمد بن يحيى بن سفيان الراشدي والجزء الرابع من تطبيقات القواعد للباحث ط ص 75 "تعارض
المصلحة .. " (1/20)
صفحة 19
12
وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ). 12 الآية.
6
ولما كانت أحكام الحج كثيرةً واسعة والعبد الضعيف لا يستطيع الخوض فيها لقلة زاده وضعف حيلته وعتاده، فإنه سيكتفي هنا بالكلام على بعض أحكام طواف الوداع وذلك لكثرة الحاجة إليها، واختلاف العلماء فيه بين مرخص ومشدد وموجب وموسع. ودين الله يُسر، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ما خُيّر بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا فإن كان إثما كان أبعد الناس
وكان
تنفروا 14
منه
يوصي أصحابه بقوله: "يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا
12 - انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير، 387/ 1. الدر المنثور 2/ 276، للسيوطي تفسير هذه الآية. وتفسير مجاهد 1 130. والحديث أخرجه: سعيد بن
منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه عن عكرمة. وأخرجه عبد بن حميد والبيهقي في سننه عن مجاهد وغيرهم. كما عند السيوطي
السابق.
13 - حديث شريف أخرجه البخاري، كما في فتح الباري، 566/ 6، وأحمد في مسنده 85/ 6، ومسلم كما في شرح النووي، 83/ 15. من طريق السيدة عائشة ام المؤمنين رضي الله عنها.
14 - حديث " يَسِرُوا ولا تُعسّروا وبشروا ولا تنفروا وفي رواية وسكنوا ولا تنفروا" وفي أخرى بزيادة وإذا غضبت فاسكت فحديث " يسروا ولا تعسروا وسكنوا ولا تنفروا أخرجه البخاري في: 3 كتاب العلم 11 باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا، والطيالسي ص 280، ح 2086، وأحمد 131/ 3، ح 12355، والبخاري،5/ 2269، ح 5774، ومسلم 1359/ 3، ح 1734، والنسائي في (1/21)
صفحة 20
22
فالتيسير هو من خصائص هذا الدين الحنيف لأنه يستمد أحكامه من نور شرع الله ويستمد قوته من لطف الله ورحمته بعباده، ويتجاوب مع حقائق الوجود بروح العقيدة الصحيحة والإيمان
السالم من الشطط والغلو في الدين، فلا إفراط ولا تفريط
وإليك ما مَنَّ الله به على عبده الذليل أمام القادر الجليل؛ في هذا الموضوع النبيل، فخذ ما ظهر لك صوابه ورد الباطل على أصحابه وأحسن الظن بأخيك ولا تعجل على الحكم قبل التأمل، فالحكم على الشيء فرع من تصوره، وأبْدِ نصحك لهذا الضعيف فالدين النصيحة، وقبولها على المسلم، واجب والرد ممقوت محارب والرجوع إلى الحق فضيلة محمودة والأنَفَةُ مصيبةٌ ممقوتة، ومراجعة الحقِّ خير من التمادي في الباطل، والله يتولى من عباده السرائر، ويعفو عن السيئات والكبائر؛ لمن تاب وأمن وعمل صالحا
ثم اهتدى، وأخلص لله رب العالمين وبعباده المتقين اقتدى. (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (82) طه.
الكبرى 449/ 3، ح 5890. وحديث" يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا وإذا غضبت "فاسكت أخرجه البخاري في الأدب المفرد 1 ص 447 ح 1320 وأحمد 2556 و 3448 والبزار ح 4872 والطيالسي ح 2608، والطبراني 11 ص 33، 1، ح 10951. والبيهقي في الشعب 7935 وابن ماجة، وفي أخرى "علموا ويسروا" أخرجه أحمد 239/ 1، ح 2136 والطيالسي ح 2608 المتقدم، والبخاري في الأدب المفرد 95/ 1، ح 245، وابن عدى 6 ص 89، ترجمة ليث بن أبى سليم رقم 1617 والديلمي
9/ 3، ح 4003.
36 (1/22)
صفحة 21
23
فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (67) القصص.
إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (60) جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (61) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (62) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (63) مريم وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67) وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71) وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (72) وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمَّا وَعُمْيَانًا (73) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74) أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (75) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (76) الفرقان (1/23)
صفحة 22
24
(وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (172) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا
أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (173) النساء. وقد وضعته على مقدمة وثلاثة مباحث وفي كل مبحث بعض المطالب وخلاصة. وبالله التوفيق.
ولنشرع فيما أردناه مستعينين بعناية الله ورعايته وتوفيقه وهدايته؛ مَنَّا منه وفضلا. (1/24)
صفحة 23
25
المبحث الأول
تعريفه وماهيته
المطلب الأول
التعريف
الطَّوَافُ بفتح الواو مخففةً: مَصْدَر
طافَ يَطُوفُ طوافا، أي: أحاط بالشيء، فهو مُطِيفٌ. والطواف بالبيت الإحاطة به بالاستدارة عليه. وجمعُ الطَّوافِ أَطْوافٌ. وذُو طواف بتشديد الواو؛ كشَدَّادٍ - بالفتح والتشديد - وائل الحَضْرَمِيُّ من وَلَدِهِ الصَّحَابِيُّ رَبِيعَةُ بنُ عَيْدانَ بنِ رَبِيعَةَ - ذو العُرْفِ بن وائل - ذو طواف - الحَضْرَمِيُّ. من أهل حضرموت من اليمن.
ويقال: الكِنْدِي شهد فتح مصر وهو الذي خاصَمَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم في أرض واختلف في ضَبْطِ اسم أبيه هل هو عَيْدانُ أَو عَبْدانُ. 16
15 - انظر: المعاجم مادة (ط و ف)
16 - الحديث رواه عَلْقَمَةُ بْنُ وَائِلِ بْنِ حُجْرِ الْحَضْرَمِي عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ وَرَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذَا غَلَبَنِي عَلَى أَرْضِ كَانَتْ لِأَبِي فَقَالَ الْكِنْدِيُّ هِيَ أَرْضِي فِي يَدِي أَزْرَعُهَا لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِلْحَضْرَمِي أَلَكَ بَيِّنَةٌ قَالَ: لَا. قَالَ: فَلَكَ يَمِينُهُ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ فَاجِرٌ لَيْسَ يُبَالِي مَا حَلَفَ لَيْسَ يَتَوَرَّعُ مِنْ شَيْءٍ فَقَالَ: لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلَّا ذَلِكَ ... " أخرجه ابو داود ح 3623 والحميدي الجمع بين الصحيحين ح 3105، والبيهقي باب الرجلين يتنازعان المال، وما يتنازعان في يد أحدهما، ج 10 ص 254 ح 21744 وباب المتداعيين يتداعيان شيئا في يد أحدهما، ج 10 ص 255 ح 21754، وأحمد (1/25)
صفحة 24
26
والطَّوَّافُ -[بتشديد الواو مفتوحةً أيضاً: الخادِمُ يَخْدُمُكَ بِرِفْقٍ وعِنايَةٍ. والجمع طوّافُونَ. وفي الحديث: "الهرة لَيْست بنَجِسَةٍ إِنَّما هي من الطَّوَافِينَ عليكُم - أو الطَّوّافاتِ - وكانَ يُصْغِي لها الإِناءَ فَتَشْرَبُ منه ثم يتوضأ به"
17
في مسنده من حديث وائل بن حجر 18384 والبيهقي باب من قال ليس للقاضي أن يقضي بعلمه 21008 والنسائي في الكبرى باب الألد ج 3 ص 284 ح 5989، وباب كيف يمين الوارث، ج 3 ص 288 ح 6002، وأبو عوانة في مسنده بيان ذكر التشديد فيمن حلف بعد العصر كاذبا، ح 5981 ج 4 ص 48 وباب الخبر الموجب للحكم بأصل الشيء. ج 4 ص 189 ح 6463 - 6464 والبزار في مسند بريدة ج 2 ص 375 ح 1454477 والطحاوي في المشكل، ومسلم في وعيد من اقتطع حق مسلم بيمينه، وغيرهم. وهو عند مسلم وابن الجارود في المنتقى من السنن المسندة ص: 251، وأحمد تسمية الرجلين؛ امرؤ القيس بن عابس الكندي وخصمه ربيعة بن عيدان بن ربيعة الكبير [ابن عيدان بن مالك بن زيد بن ربيعة الحضرمي،] كما في إكمال الكمال لابن ما كولا. وفي الصحيحين كما في جامع العلوم والحكم لابن رجب ص: 312. عن الأشعث بن قيس قال: كان بيني وبين رجل خصومة في بئر فاختصمنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: شاهداك، أو يمينه .... " والأشعث هذا حفيد امرئ القيس. وقد أتيت لك به؛ زيادة نفل لما فيه من فائدة جلية واضحة. وانظر تطبيقات القواعد للباحث ج 1 تفويض القضاء والعنوان في الكلام على عدم سماع الدعوى بمرور الزمان للباحث.
17 - سنن الترمذي الطهارة، باب ما جاء في سؤر الهرّة، الحديث رقم، 92. وهو عند الامام الربيع له أبو عبيدة قال: بلغني عن كبيشة بنت كعب بن مالك، وكانت تحت أبي قتادة الأنصاري، أنها سكبت لأبي قتادة وضوءا، فجاءت هرة تشرب منه، فأصغى أبو قتادة لها الإناء، حتى شربت؛ قالت كبيشة: فرآني أنظر إليه، فقال: أتعجبين مما رأيت؟ قالت: قلت نعم قال لي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنها ليست (1/26)
صفحة 25
27
جعَلَها -[]- بمنزلة المماليكِ من قوله تعالى: {يَطُوفُ عَلَهم
ولدان 18
والوداع بفتح الواو وكسرها توديعك أخاك في المسير وهو توديع
الفراق، والمصدر من كل: توديع. قال الشاعر:
غداة غد تودّع كل عين ... بها كُحَل وكل يد خضيبِ
وقال آخر: قفي قبل التفرق يا ضباعا .... ولا يك موقف منك الوداعا. 19
بنجسة، إنما هي من الطوافين والطوافات «عليكم الحديث رقم 159. وانظر حديث رقم 373 والبيهقي: السنن الكبرى، باب سؤر الهرة، ح 1093، 245/ 1. ومسند أحمد، رقم 22581، 296/ 5.
- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة -رضي الله عنها - أنها قالت: كنت أتوضأ أنا ورسول الله له من إناء قد أصابت منه الهرة قبل ذلك." الحديث رقم 160. وعن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصغي الإناء للسنور فتشرب منه ثم يتوضأ للصلاة" مسند أبي يعلى، رقم 4951، 361/ 8.
- عن عائشة رضي الله عنها عن النبي لا أنه كان يصغي إلى الهرة الإناء حتى تشرب ثم يتوضأ بفضلها." سنن الدارقطني، باب سؤر الهرة، رقم 21، 70/ 1.
18 - تاج العروس للزبيدي و العين؛ للخليل بن أحمد الفراهيدي. مادة طوف. 19 - هذا البيت للقطامي عمير بن شييم. في مدح زفر بن الحارث الكلابي، انظر: ديوان القطامي ص 31. والمقتضب للمبرد باب" الفعل المتعدي إلى مفعول واسم الفاعل والمفعول فيه لشيء واحد. والأغاني ج 24 ص 44.
وضباعة التي شبب بها هي: ضباعة بنت زفر بن الحارث الكلابي، وهي التي أشارت على أبيها بتخلية القطامي والمنّ عليه، وكان أسيرا له فخلاه وأعطاه مئة ناقة، فمدحه بهذا القصيدة من بحر الوافر، وبعد هذا البيت
قفي فادي أسيرَكِ إِنَّ قومي ... وقومَكِ لَا أَرَى لَهُمُ اجتماعًا وَكَيفَ تَجامع مَعْ ما استَحَلا ... من الحُرَمِ العظامِ وما أَضاعا (1/27)
صفحة 26
28
والوداع: التَّرْك، ومنه قوله تعالى: مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3)
الضحى. أي ما تَرَكَكَ. والمودوعُ المودع.
ألم يحزُنْكِ أن حِبالَ قَيس ... وتَغلب قد تباينت انقطاعا
وهنا لطيفة نحوية وهي: أنَّ الأصل في المبتدأ أن يكون معرفة، والأصل في الخبر أن يكون نكرة، ويجوز أن يكون المبتدأ نكرة إن كان له مسوغ، وذلك؛ لأن الغرض في الأخبار إفادة المخاطب ما ليس عنده، وتنزيله منزلة المتكلم في علم ذلك الخبر والإخبار عن النكرة لا فائدة فيه. ويلزم من كون المبتدأ معرفة في الأصل، كون الخبر نكرة في الأصل؛ لأنه إذا كان معرفة مسبوقا بمعرفة، توهم كونهما موصوفا وصفة، فمجيء الخبر نكرة، يدفع ذلك التوهم، فكان أصلا، وأيضا فإن نسبة الخبر من المبتدأ كنسبة الفعل من فاعله، والفعل يلزمه التنكير، فاستحق الخبر لشبهه به أن يكون راجحا تنكيره على تعريفه.
فإذا اجتمع بعد كان أو إحدى أخواتها، معرفةً ونكرة، فذهب جمهور النحاة إلى أن اسم "كان" هو المعرفة، والخبر هو النكرة؛ لأن المعنى على ذلك؛ لأنه بمنزلة الابتداء والخبر، ولا يعكس إلا في الضرورة. وبيت القطامي جاء على هذا النمط. وفي المسألة خلاف عند النحاة فراجعه من مظانه. قال الخليل: وربما جعلوا النكرة اسما والمعرفة خبرا، فيقولون: كان رجل عمرا، إلا أنَّ النكرة أشدُّ تمكنا من المعرفة؛ لأن أصل الأشياء نكرة، ويدخل عليها التعريف والوجه أن تجعل المعرفة اسما والنكرة خبرا. الخليل: الجمل في النحو ص: 146. الطبعة الخامسة، 1995 تحقيق: د. فخر الدين قباوة. واعلم أنَّ الشعراء إذا اضطروا حذفوا هذه الهاء في الوقف وذلك لأنهم يجعلون المدة التي تلحق القوافي بدلا منها. انظر: السيوطي همع الهوامع ج 2 ص 93. أما الامام القطب الله فيرى في المسألة قلبا وان المراد: "لا يكن الوداع موقفا منك" انظر: كتاب تخليص العاني من ربقة جهل المعاني لقطب الأئمة محمد ابن يوسف اطفيش. تحقيق محمد زمري ص 197 - 198، باب الخروج عن مقتضى الظاهر بالقلب، ط التراث 2009 م وشرح ابن عقيل: 1/ 170 - 178. ولا يجوز الابتداء بالنكرة ما لم تُفِدْ؛ ك: عندَ زيدٍ نَمِرَة. البيت فما بعده، والأشموني مع حاشية الصبان: 1/ 204 وما بعدها. (1/28)
صفحة 27
29
وطَوَافُ الوَداع هو الطواف الذي يفعله مريد الخروج من مكة المكرمة خارجا عن حدود الحرم كما سيأتي إن شاء الله. وسُمّي طوافُ الوَداع بذلك لموادعته البيت الحرام أي لإرادة تركه والرجوع إلى الأهل، ويسمى طواف الصَّدَر، بفتحتين بمعنى الرجوع لأنه يصدر عن البيت ويودعه ومنه قوله تعالى: يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (6) الزلزلة. 20
وحَجَّة الوداع: هي الحَجَّةُ التي حجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة العاشرة
with
للهجرة، وسُمِّيَتْ حجة الوداع؛ لكونها آخر عهده بأمته إذ رفع الى
الرفيق الأعلى بعد رجوعه إلى المدينة في ربيع الأول عام 11 للهجرة.
وكان في تلك الحجة يعلمهم جميع المناسك ويقول لهم على كل نسك: "خذوا عني مناسككم لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا 21
2 - تاج العروس للزبيدي و العين؛ للخليل بن أحمد الفراهيدي. مادة (ودع.) 21 - ورد هذا الحديث بعدة الفاظ هذا أحدها وبلفظ: "فإني لا أدرى لعلى لا أحج بعد عامي هذا وبلفظ: "لا أدري لَعَلِي لا أَحُجُ بعد حَجّتي هذه" وبلفظ: "فإنّي لا أدري لَعَلي لا أعيش بعد عامي هذا انظر: سنن النسائي 270/ 5 ح 3062. والسنن الكبرى للبيهقي وفي ذيله الجوهر النقي 5/ 125 ص 9796. الطبراني في الكبير كما في مجمع الزوائد 269/ 3. وأخرجه أيضًا في الأوسط 262/ 2 ح 1929. وأبو داود ح 1970، وابن خزيمة ح 2877، والسيوطي في الجامع. ومسند الشافعي ح 904 معرفة السنن والآثار للبيهقي / 227،3073، وحجة الوداع لابن حزم، ص: 270 - 268، جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر: 1/ 461 ح 721 وج 2 ح 2346، ومسند الإمام أحمد 367/ 3، 332 وفي مواضع غيرها، وحجة الوداع لابن
6 (1/29)
صفحة 28
وكان من جملة وصاياه في حجة الوداع أن استوصى أمته بالنّساء
خيرا قال: " .. واستوصوا بالنساء خيرا فإنما هن عوان عندكم ...
22
ومما جاء فيها: "فاتقوا الله في النساء؛ فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليکم رزقهن وكسوتهن بالمعروف"
23
وعَنْ جَرِيرٍ أَنَّ النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاع: "اسْتَنْصِتِ النَّاسَ" أي: مُرْهُمْ بالإنصات؛ حتى يسمعوا قولي ويعوا كلامي.
حزم، وابن عبد البر جامع بيان العلم وفضله 1 461 ح 721. والتمهيد لابن عبد
البرج 1 ص 69.
22 - ورد هذا الحديث بعدة ألفاظ مختصرة ومطولة وهذا جزء منه، انظر البخارى 3 3153، ومسلم 2 ح 1468 والحميدي الجمع بين الصحيحين البخاري ومسلم ح 2407 والشيباني الآحاد والمثاني /4/ 277 ح 2442 والسنن الكبرى للبيهقي وفي ذيله الجوهر النقي /7 295 ح 15119، والسنن الكبرى للنسائي 5 ص 372) 9169 والمعجم الكبير للطبراني (20 (274 648. وعوان: جمع عانية، أي: أسيرة شبه المرأة في دخولها تحت حكم الزوج بالأسير.
23 - صحيح مسلم، باب حجة النبي. ح 1218، 866/ 2. أبو داود: كتاب المناسك ح 1628. ابن ماجه المناسك، ح 3065 أحمد مسند البصريين، ح 19774. الدارمي: كتاب المناسك، ح 1778. (1/30)
صفحة 29
31
وفيه اهتمام لتعظيم ما يقوله ل له ثُمَّ قَالَ: "لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا
يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ "
24
المطلب الثاني
ماهية (25) طواف الوداع
اعلم أخي في الله الحريص على دينه أنَّ الذي ينبغي أَنْ نَعْرِفَهُ أَوَّلَا أَنَّ طواف الوداع ليس من المناسك المرتبطة بالحج ولا العمرة؛ من حيثُ الصحة والفساد، فلا يرتبطان به صحةً وفسادا؛ بل هو عبادة مستقلة بذاتها، يؤمر بها كل من أراد مفارقة حرمِ الله الأمن،
24 - هذا الحديث جزء من خطبة حجة الوداع، انظر مسلم الإيمان ح 118 - 120. وغيرها والبخاري: 121، الانصات للعلماء و 1739، الخطبة أيام منى و 4402 و 4405 حجة الوداع و 6166 قول الرجل ويلك و 6868 و 6869 قوله تعالى "ومن أحياها" و 7077 لا ترجعوا بعدي كفارا" أبو داود. سنة 11 11 ح 4686 والترمذي: الفتن 2193 الدارمي المناسك.76 أحمد 230/ 1. ح 2036 و 2 ح 5578 و 5810 و 6185 و وأبو داودح 4686 وابن ماجة ح 3943 والنسائي الكبرى تحفة الأشراف 3236.
25 - قال الإمام القطب الله في كتاب تخليص العاني من ربقة جهل المعاني تحقيق محمد زمري ص 310/ 2009 م الناشر وزارة التراث بسلطنة عمان: " .. ومعنى شرح ماهية المسمّى؛ بيان حقيقته التي هو بها، والحقيقة والماهية شيء واحد، وهو ما به الشيء، هو مثل إنسان؛ فإنّه إنسان بالحياة والنطق، وقد يفرق بأنَّ ما به الشيء هو باعتبار تحققه وباعتبار تشخّصه هُويَّة، ومع قطع النظر عن ذلك ماهية، وتفسير الماهية بهذا الأخير أشهر، وهو ما به الشيء، هو بدون اعتبار
تحقق أو تشخص، والمسمّى ملاحظ إجمالا، والحقيقة ملاحظة تفصيلا ... " (1/31)
صفحة 30
32
وبيته المقدس الطاهر، سواء أكان مكيا أم أفقيا، (26) - عدا مريد الرجوع إليه؛ كالخارج لأداء مناسك الحج، أو للتنعيم للإحرام والمتردد إليها- تعظيما للحرم وتشبيها لاقتضاء خروجه الوداع باقتضاء دخوله الإحرام، وإظهارا لحُزْنِه على مفارقة البيت الحرام. ففي التاج المنظوم من درر المنهاج المعلوم لعبد العزيز الثميني له: ..... باتّفاقهم على أنّ كلَّ من يريد الخروج من مكة إلى خارج الحرم فإنّه يطوف. وعلى كل من يريد دخولها من خارج أن يحرم .....
وفي شرح النيل" ومن أراد الخروج من مكة خارجا من الميقات فعليه الوداع، ويقال له الصدر.
27
26 - الأفق مفرد آفاق وهي نواحي الأرض الشاسعة والافقي: منسوب إلى الأفق والأخيرة من شاذ النسب. والمراد هنا من أتى إلى مكة شرفها الله من نواحي الأرض من غير أهل مكة قال تعالى (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ انظر: المعاجم مادة (أفق)
27 - انظر: ج 3 ص الباب الثالث عشر في العمرة والإحرام والمتعة، وانظر: المنهج ج 4 ص 630 مكتبة مسقط شرح النيل للقطب اطفيش (4/ 267) الكوكب الدري للعلامة عبد الله بن بشير الحضرمي الصحاري ق 12 هـ ج 3 ص 77 - 78 تلقين الصبيان لنور الدين السالمي الحج. الجيطالي القواعد ج 2 ص 196 المنهج ج 4 ص 617 - 618 القول الحادي عشر في وداع البيت وشرح لامية الحج لابن النضر الشارح الشيخ منصور بن ناصر بن خميس الخروصي ابن أخي الشيخ جاعد بن خميس الخروصي. ص 433 فما بعدها النسخة المصورة من المخطوط. مناسك (1/32)
صفحة 31
33
وفي القواعد للجيطالي: "ولا" وداع على مكي ولا على قادم أوطن مكة ولا على مجاورها ولا على خارج إلى التنعيم ليعتمر ولا على المعتمر خرج من محرمه.
فإن أقام ثم أراد الخروج فليودع وكذلك من أراد الخروج من مكة خارجا من الميقات فعليه الوداع والله أعلم.28
"فإذا رمت الخروج من مكة فليكن آخر عهدك بالبيت فطف به سبعة أشواط وصل ركعتين ولتأت زمزم واشرب من مائها وصب منه
29
على رأسك، وقل كما في العمرة وكذلك عند الزيارة قل من الدعاء. 29
وعن العلاء بن الحضرمي، يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا "30
"
الحج للجيطالي.73. والصَّدَرُ بفتح الصاد مشددة وفتح الدال مخففة: الانصراف عن الوِرْدِ وعن كلّ أمرٍ، ويقال: صَدَروا وأصدَرْناهُم. انظر: العين للخليل الفراهيدي؛ مادة (ص) د ر وسمي طواف الواع طواف الصدر، لأنه عند صدور الناس من مكة أي خروجهم منها.
28 - قواعد الإسلام للجيطالي ت بكلي 2/ 196.
29 - الكوكب الدري للعلامة عبد الله الحضرمي الصحاري 68/ 6)
30 - اخرجه مسلم في صحيحه ج 2 ص 985 ح 1352، وانظر: الحميدي الجمع بين الصحيحين البخاري ومسلم 3/ 298 ح 2880 وانظر ما بعده. (1/33)
صفحة 32
34
وفي رواية أخرى: "يمكث المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا"31
وفي رواية "للمهاجر إقامة ثلاث بعد الصَّدَرِ بمكة" 32
قال النووي: "والمراد بقوله: "يقيم المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثا" أي بعد رجوعه من منى كما قال في الرواية الأخرى " بعد الصدر " أي الصدر من منى، وهذا كله قبل طوافِ الوَداع.
وفي هذا دلالة لأصحَ الوجهين عند أصحابنا: أنَّ طواف الوداع ليس من مناسك الحج بل هو عبادة مستقلةٌ أُمِرَ بها من أراد الخروج من مكة، لا أنه نسك من مناسك الحج، ولهذا لا يؤمر به المكي ومَن يقيم بها، وموضعُ الدَّلالة قوله: "بعد قضاء نسكه" والمراد قبل
31 أخرجه البخاري بتحقيق مصطفى ديب البغا 3 1431، باب إقامة المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه 3718 وأحمد 4/ 339 ح 19001، ومسلم 986/ 2 ح 1352، والترمذي 284/ 3 ح 949، وقال: حسن صحيح. والنسائي 121/ 3 ح 1454. والشافعي في مسنده 226/ 1 367، وابن حبان 216/ 9 والطبراني 96/ 18 ح 169، والبيهقي 147/ 3 ح 5236. وانظر: الجامع للسيوطي (3) 407 ح 11366.
ح
3907
32 - البخاري ح 3933 والترمذي ح 949 والنسائي ح 1454 و 1455 وابو داود ح 2022 وابن ماجة ح 1073 وأحمد ح 18985 و 18986 و 20526 وابن حبان 3906 و 3907 والبيهقي ح 5453 وغيرهم. وانظر إكمال المعلم بفوائد مسلم 4/ 466، للقاضي عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي، أبو الفضل (المتوفى: 544 هـ) (1/34)
صفحة 33
35
طواف الوداع، كما ذكرنا فإن طواف الوداع لا إقامة بعده، ومتى أقام بعده خرج عن كونه طواف الوداع، فسماه قبله قاضيا لمناسكه، والله أعلم 33
وفي "الإقناع" وغيره: وإذا أراد الخروج من مكة، لم يخرج حتى يودّع البيت بالطواف إذا فرغ من جميع أموره، ومن كان خارجه، فعليه الوداع، وهو على كل خارج من مكة .. 34
"فأما من يلزمه طواف الوداع فإنه يلزم النساء والصبيان والعبيد والأحرار وكل واحد ممن يريد الخروج من مكة مسافرا أو عائدا إلى وطنه وإن قرب كأهل مر الظهران وأهل عرفة. ".
351
ويسقط الخطاب به بطواف الإفاضة إن أخَّرَه حتى إرادة الخروج،
وبطواف العمرة إن لم يمكث بعدها، ولا يضره السعي؛ سواء أكان
267/ 7)
33 - شرح النووي أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي الشافعي على مسلم المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (1229) فتح الباري لابن حجر) 34 - كشف اللثام شرح عمدة الأحكام (432/ 4) لشمس الدين، أبو العون محمد أحمد بن سالم السفاريني الحنبلي المتوفى: 1188 هـ، الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل لشرف الدين موسى بن أحمد بن موسى أبو النجا الحجاوي الحنبلي المتوفى: 968 هـ 1/ 394.
بن
35 - المنتقى - شرح الموطأ أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب بن وارث التجيبي القرطبي الباجي الأندلسي، المتوفى: 474 هـ، 293/ 2. (1/35)
صفحة 34
36
سعي الحج أم العمرة؛ لأنهما واجبان وأداؤهما بعد الطواف لا قبله.
ومعنى ذلك أن طواف الوداع ليس مقصودا لذاته، بل المراد من الأمر به أن يكون آخر عهد مريد الخروج من مكة الطواف بالبيت كما مر بيانه فلذلك يسقط عنه بطواف الإفاضة أو بطواف العمرة
أو النذر الخ.
وذلك كمن دخل المسجد أُمِرَ ألا يجلس حتى يركع ركعتين، وهي الصلاةُ المسماة (تحية المسجد وقد ثبت أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم يصلي بعد الزوال قبل الظهر أربعا، فلو دخل بعد الزوال، فنوى هذا الداخل سنة الزوال مثلا سقط عنه الخطاب بتحية المسجد، ومن دخل وقد أقيمت الصلاة فكذلك؛ لأن الخطاب وقع على داخل المسجد ألا يجلس حتى يركع ركعتين قبل الجلوس، فلما صلى سنة الزوال أو صلى الفريضة أو النذر أو الفائتة بنقض أو نسيان أو نوم بعد دخوله مباشرة قبل الجلوس سقطت عنه تحية المسجد وهكذا فقس سائرها.
وهذا في غير المسجد الحرام أمَّا المسجد الحرام فتحيته الطواف بالبيت العتيق؛ ما لم يدخل وقد أقيمت الصلاة المكتوبة، فهنا يصلي المكتوبة فإن شاء طاف بعدها وإلا فلا شيء عليه. ويجزيه كذلك الطواف الواجب، وهكذا قس سائرها. (1/36)
صفحة 35
37
وكذلك طواف الوداع لما كان طوافه بالبيت آخر عهده به سواء أكان طواف الفريضة كطواف الحج أو غيره من أنواع الأطواف، كفاه ذلك الطواف عن طواف الوداع، كما تقدم بيانه وبالله التوفيق. (1/37)
صفحة 36
38
المبحث الثاني
حكم طواف الوداع وأدلته
المطلب الأول حكم طواف الوداع
اختلف الأئمةُ العلماء في حكم طواف الوداع على ثلاثة أقوال.
القول الأول الوجوب.
وهو مذهب جمہور العلماء من الإباضية. 36
36 - انظر في هذه المسألة السالمي، (شرح الجامع) 272/ 2 سؤال أهل الذكر من تلفزيون سلطنة عمان، حلقة 9 رمضان 1426 هـ، 2005/ 10/13 م (حلقات مزيدة) ص: 16 سؤال أهل الذكر " من تلفزيون سلطنة عمان، حلقة 4 رمضان 1424 هـ، 2003/ 10/30 م المفتي العام للسلطنة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي. والمراجع الآتية بعد.
واعلم أنَّ الأصل في المذاهب الإسلامية هو بحد ذاته المدرسة التي تزعمها عالم الزمان في ذلك الأوان فكونت فكرا خاصا بأتباعه ومن ثم نسب من تبعه إليه فقالوا: مذهب فلان إذ كان هو إمامهم وقائدهم في ذلك الفكر. فمثلا المراد بالإباضية: أتباع المدرسة الإباضية ومؤسسها الحقيقي الإمام التابعي الكبير جابر بن زيد الأزدي العماني له المولود ما بين سنة 18 - 21 من الهجرة النبوية المتوفى سنة 93 هـ. رجح النور السالمي الله في اللمعة المرضية، مولده سنة 21 من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأجل التسليم، حيث قال: .... كانت ولادته في خلافة عمر بن الخطاب الله لسنتين بقيتا منها، قال: وذلك أن مات سنة ثلاث وعشرين من الهجرة فتكون ولادة جابر سنة إحدى وعشرين منها ومات سنة ست وتسعين قال: وكان عُمْرُ مالك إمامِ المالكية سنةً واحدة؛ لأنه
عمر (1/38)
صفحة 37
39
ولد سنة خمس وتسعين ومات سنة تسع وسبعين بعد المائة وكان عُمْرُ أبي حنيفة إذْ ذاك خمس عشرة سنة؛ لأنه ولد سنة ثمانين من الهجرة، ومات سنة مائة وخمسين منها، قال: أما الشافعي فقد ولد في القرن الثاني سنة مائة وخمسين ومات لأربع بعد المائتين وولِدَ ابن حنبلٍ سنة مائة وأربع وستين ومات سنة إحدى وأربعين بعد المائتين. قال: فيستدل من هذا البيان أن مذهب الإباضية نسبة إلى عبد الله بن إباض رضي الله تبارك وتعالى عنه وعنا وعن جميع من صلح من الأئمة الطاهرين الأخيار هو أقدمُ المذاهب تاريخاً وأوثقها مصدراً وأصحها تأويلاً وأحفظها لِلْبابِ طهارة الدين الحنيف ونقاوته وسماحته ..... انظر: اللمعة ص 7 فما بعدها. وقد أثنى على الامام جابر ه كثير من الصحابة والتابعين كعبد الله بن عباس الله وعبد بن عمر بن الخطاب، وقتادة بن دعامة السدوسي وعمرو بن دينار، وإياس بن معاوية قاضي البصرة في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز والحسن البصري وغيرهم الكثير.
الله
إلا أن هذه النسبة - الإباضية - لا تنصرف إليه وإنما للإمام السياسي المناضل عبد بن أباض بن عمرو بن تيم بن ثعلبة التميمي من بني مرة ه المتوفى سنة 86 هـ/705 م. إذ كان ابن إباض يناضل عن أتباع هذه المدرسة ويدافع عنهم فنسبوا إليه؛ ذلك لأن هذه النسبة لم تكن من أنفسهم، وإنما هي مستحدثة، أطلقها عليهم مخالفوهم لما رأوا عبد الله بن إباض ينافح عنهم بحججه، فكان هو لسان هذه
المدرسة أمام الناس، فظنه كثير منهم أنه هو المؤسس الحقيقي لهذه الحركة. ولعل السبب في ذلك - والله اعلم - أنه لما كانت للإمام جابر تلكم المكانة العالية؛ من العلم والزهد والورع والتقوى في الدين والقدرة على إدارة الأمور بحكمة وصبر مع ما يصاحبها من سِرّية؛ لما يدور عليها من خصومها من خطر جعله أتباعه إماما لهم، ومنظما لحركتهم، وقد اقتضت السرية في وقته ألا يظهر جابر بن زيد بشكل بارز كمؤسس لها؛ لئلا يبطش به الأمويون، وخوفا من القضاء على الدعوة في مهدها والنيل من أتباعها. (1/39)
صفحة 38
40
ومع ذلك لم يسلم هو ولا أتباعه من أذاهم لذلك أقام هو واتباعه: عبد الله بنَ إباض مبينا للناس المبادئ السمحة لهذه الدعوة، حتى لا يفهمها الناس على غير حقيقتها، ولكنَّ الناس فهموا أن عبد الله بن أباض هو مؤسس هذه المجموعة وقائدها، لذلك نسبوها إليه.
وهذه التسمية على أي حال ليست للتشريع، بل للتمييز فقط؛ إذ لا توجد مسألة في الفقه منسوبة إلى عبد الله إباض، أبدا. ولا يوجد في فقه هذا المذهب مسألة واحدة تنسب إلى عبد الله ابن إباض، وإنما جميع المسائل تنسب إلى العلماء الآخرين كجابر بن زيد وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة والربيع بن حبيب وأبي مودود حاجب بن مودود وأبي نوح صالح الدهان وغيرهم من العلماء الذين بعضهم كان من تلامذة جابر بن زيد ومنهم من كان تلميذا لأحد تلامذته أو لبعض تلامذته، ومنهم من كانوا في عصر جابر كجعفر بن السماك العبدي وصحار بن العباس العبدي وغيرهم وهؤلاء كانوا في رتبة الامام جابر، ولعل صحارا كان أسبق لأنه فيما يقول بعض العلماء كان صحابيا روى ثلاثة أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكر ذلك وإنما كان المرجع الحقيقي الإمام أبو الشعثاء، وعبد الله ابن
الحافظ بن حجر. إباض نفسه كان يرجع إلى الإمام أبي الشعثاء ويصدر عن رأيه ومشورته وأمره. وقد رفض أتباع هذه الدعوة بادئ الأمر هذه النسبة ولم تظهر معهم في كتبهم إلا في الربع الأخير من القرن الثالث الهجري فما بعد. وقد ظهرت لأول مرة في المؤلفات الإباضية المغربية، في رسالة الشيخ العلامة المجتهد أبي حفص؛ عمروس بن فتح النفوسي - المتوفى سنة: 283 من الهجرة النبوية / 896 م - المسماة "أصول الدينونة الصافية" انظر: ص 68 ط الأولى وزارة التراث بتحقيق كروم. أما عن قبولهم إياها فلأنهم لم يروا فيها ما يشينهم أو ينقص من قدرهم. والذي يتبادر حتى الآن أن ابن أباض أكبر سنا من جابر كما تشير إلى ذلك رسالته لعبد
الملك بن مروان. وفي هذا دليل أيضا أنه من حيث السن أسن من الامام جابر حتى أن البعض ذكر أن هنالك روايات معيَّنة تفيد أنه كان صحابيا لفترة قصيرة. كما ذكر ذلك العلامة الامام القطب في الرسالة الشافية، ص 49. ونقل عنه النامي في الدراسات. وعمر بن الحاج محمد صالح با عمر با) في: دراسة في الفكر (1/40)
صفحة 39
41
والحنفية 37 ومشهور قولي الشافعي
38
الإباضي (ص: (20) وانظر: النامي الدراسات ص 71 وابن عبد ربه، العقد الفريد، 1/ 261؛ والكامل للمبرد، 3 ص 1041. وتاريخ الطبري، 5 ص 563. وبدر اليحمدي الأدلة المرضية في دحض ما نسب إلى الإباضية أبو زكريا: السير وأخبار الأئمة ص 91. الدّرجيني: طبقات المشايخ بالمغرب، ج 47/ 1 .. 37 - هم أتباع المدرسة الحنفية مؤسسها الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي بنِ ماه مولى تيم الله بن ثعلبة، وهو من رهط حمزة الزيات. وجده زوطي من أهل كابل، وقيل: من أهل بابل، وقيل: من أهل الأنبار، وقيل: من أهل نسا، وقيل: أهل ترمذ، وهو الذي مسَّه، الرق، فأُعتق، وولد ثابت على الإسلام. قال إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة: أنا من أبناء فارس من الأحرار، والله ما وقع علينا رقّ قطُّ، ولد جدي سنة 80، وذهب ثابت إلى علي بن أبي طالب له وهو صغير، فدعا له بالبركة فيه وفي ذريته، ونحن نرجو أن يكون الله تعالى قد استجاب
من
ذلك لِعَلِي فينا.
انظر في المذهب الحنفي: الهداية شرح البداية لأبي الحسن علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الرشداني المرغياني سنة الولادة 511 هـ / سنة الوفاة 593 ه الناشر المكتبة الإسلامية (1511) الكاساني أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني ولد سنة 80، وتوفي سنة 150، انظر: التاج المكلل من جواهر مآثر الطراز الآخر والأول (ص: 127) لأبي الطيب محمد صديق خان بن حسن الحسيني البخاري القنوجي (المتوفى: 1307 هـ) الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، قطر. وبدائع
الصنائع (443/ 4 لعلاء الدين المتوفى: 587 هـ) حاشية ابن عابدين 1/ 288) 38 - هو: الامام أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي القرشي المكي والشافعية هم اتباع المدرسة الشافعية مؤسسها الامام المترجم له هذا ولد سنة 150 هـ توفي سنة 204 هـ بمصر من صغار أتباع التابعين انظر في المذهب الشافعي النووي (المجموع شرح المهذب) 257/ 8 و 284. شرح النووي على مسلم (789، فما بعدها. "باب وجوب طواف (1/41)
صفحة 40
42
39
والحنابلة، إلى أنه واجب من الواجبات، وأنه يجب على كل حاج ألا يخرج من مكة حتى يكون آخر عهده بالبيت بأن يطوف سبعة أشواط، ثم يرحل بعده وفي تركه. دم.
إلا من عذرهم الشارع كالحائض ومن في حكمها وهي النفساء لكون النفاس حيضا زادت أيامه ولا تصح معه العبادة كالصلاة والصوم ودخول المسجد والطواف بالبيت وألحق بعضهم المريض لعذر
المرض.
إلا أنَّ الشافعية توسعوا في الأعذار بعدم الدم؛ نص على ذلك جماعة منهم: الأنصاري والرملي وغيرهما.
ودم تركِ طواف الوداع واجب؛ على غير حائض ونفساء ومتحيرة، على ما قاله الروياني، وخائف من ظالم، أو فوت رفقة، أو غريم وهو معسر، ونحو ذلك، سافر من مكة لا لنسك بعرفة أو من منى، وهو
الوداع وسقوطه عن "الحائض الشرح الكبير للرافعي 4137، فما بعدها. وقد نص على الخلاف في المسألة.
10
39 - هم اتباع المدرسة الحنبلية مؤسسها الامام أبو عبد، الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني المولد: 164 هـ بـ بغداد المتوفى: 241 هـ الطبقة. من كبار الآخذين عن أتباع الأتباع للتابعين انظر في المذهب الحنبلي كشف اللثام شرح عمدة الأحكام لشمس الدين، أبو العون محمد بن أحمد الإسفراييني الحنبلي (المتوفى: 1188 هـ) تحقيق وضبط وتخريج نور الدين طالب، الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية - الكويت، دار النوادر - سوريا الطبعة الأولى، 1428 هـ - 2007 م (1/42)
صفحة 41
43
من غير أهلها وكان حاجا، ولم يطف بالبيت بقصد الوداع، أو طاف ومكث لا يسيرا لشغل السفر وصلاة أقيمت، ولم يعد له قبل مسافة قصر من مكة 40
وفي كونه مجبوراً بالدم قولان، أي على سبيل الوجوب، إذ لا خلاف في أصل الجبر، فإنه مستحب إن لَمْ يَكُنْ وَاجِباً، ويجوز إعلامه بالواو، لأن القاضي ابْنَ كَ روى طريقة قاطعة بنفي الوجوب 41
ومن ترك طواف الوداع، لزمه دم في أحد القولين.
والخلاف في لزوم الدم ينبني على أنَّ طواف الوداع واجب أم لا؟ وسيأتي الكلام عليه
فإن أوجبناه - وهو الجديد؛ كما قال القاضي الحسين، وقال البندنيجي وابن الصباغ: إنه الذي نص عليه في "القديم" و"الأم"، والأصح عند البغوي وصاحب العُدَّة والنواوي - وَجَبَ الدم بتركه.
40 - أسنى المطالب شرح روض الطالب، لزكريا بن محمد الأنصاري المتوفى: 926 هـ. ج 530/ 1، وحاشية الرملي على أسنى المطالب لأبي العباس أحمد الرملي الأنصاري المتوفى سنة 1004 هـ 1 ص 530،
41 - العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير عبد الكريم بن محمد بن عبد
الكريم، أبو القاسم الرافعي القزويني المتوفى: 623 هـ ط العلمية 3/ 447) (1/43)
صفحة 42
44
وإلا فلا يجب، وهو الأصح في "تعليق القاضي الحسين"، وقال البندنيجي: إنه الجديد، وعن بعضهم القطع به. 42
قال النووي طواف الوداع واجب يلزم بتركه دم على الصحيح عندنا، وهو قول أكثر العلماء وقال مالك وداود وابن المنذر هو سنة لا شيء في تركه.
والذي رأيته في الأوسط لابن المنذر أنه واجب للأمر به إلا أنه لا يجب بتركه شيء.43
فإذا أتى مكة لم يخرج حتى يودع البيت بالطواف إذا فرغ من جميع أموره لما روى ابن عباس قال: "أمر الناس أن يكون آخر عهدهم
بالبيت، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض"
قال القاضي وأصحابه: إنما يستحق عليه عند العزم على الخروج، وإنه لو أراد المقام بمكة، لا وداع عليه، سواء نوى الإقامة قبل النفر أو بعده.
42 - كفاية النبيه في شرح التنبيه أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين المعروف بابن الرفعة (المتوفى سنة 710 هـ ج 531/ 7، وانظر: شرح مشكل الوسيط لعثمان بن عبد الرحمن أبو عمرو، تقي الدين المعروف بابن الصلاح المتوفى: 643 ه ج 3/ 415.
- ابن حجر العسقلاني فتح الباري (3/ 585) (1/44)
صفحة 43
ومن منزله في الحرم فهو كالمكي، وذكر في "التعليق" واختاره الشيخ تقي الدين: أن طواف الوداع ليس من الحج، ولا يتعلق به. 44
"طواف الوداع ليس بواجب في العمرة، ولكن فعله أفضل، فلو خرج ولم يودع فلا حرج.
أما في الحج فهو واجب؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا ينفرن أحد منكم حتى يكون آخر عهده بالبيت"
45
44 - المبدع في شرح المقنع لابن مفلح إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن مفلح، أبو إسحاق، برهان الدين المتوفى: 884 هـ 233/ 3. الفروع لابن مفلح الحنبلي محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج، أبو عبد الله، شمس الدين المقدسي الرامينى ثم الصالحي المتوفى: 763 هـ ومعه تصحيح الفروع لعلاء الدين علي بن سليمان المرداوي المتوفى سنة 885 هـ ج 62/ 6. الشرح الكبير لابن قدامة 3/ 485.
- 45
من فتاوى الحرمين لعدد من علماء الحنابلة منهم سماحة الشيخ ابن باز، جمع/ محمد المسند، ص 86 - س: هل طواف الوداع واجب في العمرة؟ وفي ص 132 فما بعدها - س: إذا أدى الحاج العمرة وخرج بعد ذلك لزيارة أقاربه خارج الحرم هل يلزمه طواف الوداع وهل عليه شيء في ذلك؟ ج: ليس على المعتمر وداع إذا أراد الخروج خارج الحرم في ضواحي مكة، وهكذا الحاج لكن متى أراد السفر إلى أهله أو غير أهله شرع له الوداع ولا يجب عليه لعدم الدليل، وقد خرج الصحابة عنهم وأرضاهم الذين حلوا من عمرتهم إلى منى وعرفات ولم يؤمروا
رضي
الله
بطواف الوداع." (1/45)
صفحة 44
46
القول الثاني
القول الثاني: إنه سنةٌ يلزم الإتيان بها امتثالا لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعله في حجة الوداع، وهو قول صاحب التاج والمنهج وغيرهما من الإباضية، وبه صرح بعض المالكية.
قال في التاج ومن السنن طواف الوداع والهرولة في السعي، وتقبيل الحجر إن أمكنه وإلا استلمه.46
وفي المنهج وفي الأثر إنَّ الوَداع أمر به رسول الله، وهو سنة، اجتمع المسلمون على فعله، وهو من السنن اللازمة 47
46 - التاج المنظوم من درر المنهاج المعلوم لعبد العزيز الثميني ج 3 ص 296 آخر الباب الثاني في فرائض الحجّ وسننه. وانظر: ص 290 و 339 منه؛ الباب الحادي عشر في وداع البيت والإقامة بمكّة أو غيرها. والمنهج ج 4 ص 525 وص 617 - 618 ط
مكتبة مسقط.
47 - منہج الطالبين وبلاغ الراغبين للعلامة الزاهد خميس بن سعيد الشقصي الرستاقي 617/ 4 - 618؛ القول الحادي عشر في وداع البيت والمجاورة بمكة. وقوله: من السنن اللازمة لا يلزم منه القول بالوجوب إذ كثيرا من من السنن اللازمة لا يقول فيها أهل العلم بالوجوب، وإن قالوا بتأكيدها، فالتأكيد شيء والوجوب شيء آخر، ومع ذلك لو سلمنا القول بالوجوب فلا يلزم منه القول بوجوب الفدية على من تركه كما سيأتي في محله إن شاء الله، فليتنبه. وانظر: شرح لامية الحج لابن النضر للشيخ منصور الخروصي. ص 436 - 437، المرجع السابق. وقد صرح هنالك بالقول بعدم الفدية قائلا: ومن" خرج وتعدى الحرم بلا وداع فمختلف فيه فقال بعض أصحابنا: لا جزاء عليه البتة .... " (1/46)
صفحة 45
47
قال أبو عُمر من المالكية أجمع العلماء على أنَّ طواف الوداع من سنن الحج المسنونة كما أجمعوا أنَّ طواف الإفاضة فريضة.
وروى معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه أن عمر بن الخطاب له خطب الناس فقال: إذا نفرتم من مِنَى فلا يصدر أحد حتى يطوف
بالبيت فإن آخر المناسك الطواف بالبيت.
وعن ابن عباس وابن عمر عن أبيه [عُمَر] مثله.
??
وطاف رسول الله له الوداع وقد كان قال لهم خذوا عني مناسككم"
48 الحديث المتقدم.
48 - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار أبو عمر يوسف بن عبد الله بن
عبد البر النمري القرطبي المالكي الوفاة 463 هـ تحقيق سالم محمد عطا
علي معوض 372/ 4. والكافي في فقه أهل المدينة 406/ 1، له أيضا.
ومحمد (1/47)
صفحة 46
??
القول الثالث
القول الثالث: أنه مستحب وهو مذهب جمهور المالكية (49) إلا ما تقدم عن ابن عبد البر أنه سنة من سنن الحج المسنونة.
روي عن الإمام مالك أنه قال في طواف الوداع: ليس بواجب ولا مسنون، وإنما هو مستحب، ولا يجب فيه دم؛ لأن الدم إنما يجب
عنده في ترك الواجب والمسنون. .
50
وبِعَدَمِ الدم في تركه قال بعضُ الإباضية أيضا معللين ذلك بعدم النص عليه من الشارع كما سيأتي بيانه إن شاء الله.
وفي الخلاصة للقروي:-
49 - هم أتباع المدرسة المالكية مؤسسها الإمام مالك بن أنس. بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحي الحميري، أبو عبد الله المدني الفقيه (إمام دار الهجرة) المولد: 93 هـ الوفاة: 179 هـ الطبقة: 7: من كبار أتباع التابعين. .5 - اختلاف الأئمة العلماء ج 1 ص 290، المؤلف: يحيى بن (هُبَيْرَة بن) محمد بن هبيرة الذهلي الشيباني، أبو المظفر، عون الدين (المتوفى: 560 هـ) المحقق: السيد يوسف أحمد الناشر: دار الكتب العلمية - لبنان / بيروت الطبعة: الأولى، 1423 هـ - 2002 م وانظر: التاج والإكليل أبو عبد الله محمد بن يوسف العبدري الشهير بالمواق؛ المتوفى سنة 897 هـ ج 4/ 196) مالكي. الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري القرطبي المالكي الوفاة 463 ه تحقيق سالم محمد عطا محمد علي معوض 372/ 4. والكافي في فقه أهل المدينة 4061 له أيضا. شرح صحيح البخارى. لابن بطال (460/ 1) (1/48)
صفحة 47
49
يندب طواف الوداع لكل خارج من مكة سواء كان من أهلها أو من غيرهم لميقات من المواقيت أو لما حاذاه وأولى إذا كان المكان الخارج إليه أبعد من ذلك سواء خرج لحاجة أم لا، أراد العود أم لا، فإن خرج لما هو دون الميقات كالجعرانة والتنعيم فلا وداع عليه؛ إلا إذا أرادا التوطن فيما دون الميقات فيندب له الوداع، ويتأدى طواف الوداع بطواف الإفاضة وطواف العمرة وحصل لصاحبه ثوابه إن
نواه بهما"
قال القسطلاني": وهو غيرُ واجب عند المالكية بل مندوب إليه ولا
دم في تركه. 52
قال في المنتقى:-
51 - الخلاصة الفقهية على مذهب السادة المالكية للقروي السابق ص: 226، وانظر: ص 249 وص 261 منه. والشرح الكبير للدردير 53/ 2
52 - شهاب الدين القسطلاني أحمد بن محمد بن أبي بكر القتيبي المصري، الشافعي، المتوفى: 923 هـ، وانظر: إرشاد الساري شرح صحيح البخاري باب الزيارة يوم النحر 3/ 236 - 237 وص 252 باب طواف الوداع. وكشف اللثام شرح عمدة الأحكام 433/ 4، السابق، وأبو الوليد الباجي السابق المنتقى شرح الموطأ 2/ 293، فما بعدها مطبعة السعادة مصر الأولى، 1332 هـ؛ والخلاصة الفقهية على مذهب السادة المالكية للقروي ص: 226، والصقلي أبو بكر محمد بن عبد الله التميمي المتوفى: 451 هـ، الجامع لمسائل المدونة 503/ 4، والثعلبي أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر الثعلبي البغدادي المالكي (المتوفى: 422 هـ) المعونة على مذهب عالم المدينة ص: 588. و شرح الرسالة له ج 2 ص 194 و عُيُونُ المَسَائِل له ج 1 ص 116. المسألة رقم 124 وص 279 المسألة رقم 575. (1/49)
صفحة 48
حكم طواف الوداع اتِّصاله بالخروج؛ لأن حكم الوداع أن يكون متصلا بفراق من يودع، وليس شراؤه أو بيعه جهازا أو طعاما ساعة
من نهار فاصلا بين وداعه وسفره وإنما يفصل بينهما مقام يوم وليلة بمكة على ما في المدونة.
53
ويجزئ من الخروج في ذلك الخروج إلى طوى والأبطح
54
53 - بطن ذي طوى ما بين مهبط ثنية المقبرة التي بالمعلاة إلى الثنية القصوى، التي يقال لها: الخضراء تهبط على قبور المهاجرين دون فخ. وهو: الوادي الذي بأصل ثنية البيضاء إلى بلدح، وهو الوادي الذي تطؤه في طريق جدة على يسار ذي طوى. وبطنه هذا هو الذي يعرف الآن بـ "العتيبيَّة"، ويمتد إلى ما يسمى اليوم بـ "جرول" ولا زالت البئر المعروفة ببئر ذي طوى معروفة بها، عليها بناية قديمة كتب عليها "بئر ذي طوى" والله تعالى أعلم.
وبطن مكة: مما يلي ذي طوى بين الثنية البيضاء، التي تسلك إلى التنعيم إلى ثنية الحصحاص، التي بين ذي طوى وبين الحصحاص. انظر: محمد بن إسحاق الفاكهي ج 4 ص 196 ولد: 217 - توفي 275 هـ تحقيق د. عبد الملك عبد الله دهيش وأخبار مكة للأزرقي محمد بن عبد الله 2/ 298. دراسة وتحقيق: علي عمر، الناشر: مكتبة الثقافة الدينية. 54 - الأبطح جزء من وادي مكة بين المنحنى إلى الحجون، ثم تليه البطحاء إلى المسجد الحرام، وكلاهما من المعلاة، ثم المسفلة من المسجد الحرام إلى قوز
المكاسة " الرمضة" قديما وهو خيف بني كنانة، وذكر بعضهم أنه, سمي أبطح، لأن آدم عليه السلام بطح فيه. انظر: معجم البلدان 74/ 1، كشاف القناع 511/ 2، المغني 483/ 3. والأبطح معروف بهذا الاسم إلى الآن، ويمر بوسطه شارع معروف بشارع الأبطح، والأبطح والمحصب متلاصقان، فالأبطح إلى جهة مكة، ويتصل به مباشرة المحصب، وهو إلى جهة منى، فهما يشملان حالياً من الحجون إلى طلعة (1/50)
صفحة 49
فمن ودع وخرج إليها وأقام بها يوما وليلة لم يلزمه الرجوع؛ لأنه قد
انفصل من مكان سكناه."
وسيأتي توضيح ذلك بإذن الله في المطلب الآتي.
منى. انظر: مسائل الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه تأليف: إسحاق بن منصور المروزي دراسة وتحقيق: الناشر: عمادة البحث العلمي، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، المملكة العربية السعودية ج 5 ص 2173 حاشية 1. 55 - الباجي المنتقى السابق ج 2 ص 293 فما بعدها. (1/51)
صفحة 50
52
المطلب الثاني
الأدلة
استدل القائلون بأن طواف الوداع واجب بقوله: " من حج فليكن آخر عهده بالبيت. "56
وروي بزيادة بلفظ: "هذا البيت" في أوله وبدونها. أي بلفظ:" من حج هذا البيت" وبلفظ: "من حج"
وأخرج أحمد والترمذي وغيرهما من طريق آخر، عن الحارث بن عبد بن أوس، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من حج هذا البيت أو
الله
اعتمر فليكن آخر عهده بالبيت " بزيادة "أو اعتمر" وروي بلفظ: "من حج أو اعتمر فليكن آخر عهده الطواف
56 - المعجم الصغير الطبراني 2/ 116 ح 878 بلفظ: من حج فليكن آخر عهده بالبيت الطواف إلا الحيض. وفي الكبير عن ابن عمر بلفظ: " قال: من حج فليكن آخر عهده بالبيت إلا الحيض رخص لهن رسول الله صلى الله عليه وسلم السنن الكبرى للنسائي 2/ 466 5 4196، دون ذكر الطواف والترمذي ح 944 وصحيح ابن حبان 9/ 210 ح 3899 وصحيح ابن خزيمة 4/ 328 ح 3001 والهيثمي موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان ص: 251 1017. 57 - المعجم الكبير (3/ 263 ح 3354 أخرجه أحمد (416/ 3، ح 15479 حدثنا الله عبد حدثني أبي ثنا أحمد بن الحجاج وعلي بن إسحاق قالا أنا. عبد الله قال انا الحجاج بن أرطاة عن عبد الملك بن المغيرة عن عبد الرحمن بن البيلماني عن عمرو بن أوس قال: قال رسول الله: وابن سعد 512/ 5، والطبراني 263/ 3 ح 3354. والترمذي في الجامع 273/ 3 ح 946. وقال: غريب. وانظر: ما بعده. (1/52)
صفحة 51
53
O?"
بالبيت"
"وعن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: إذا نفر أحدكم فليكن آخر عهده بالبيت إلا الحيَّضَ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص لهن.59
58 - أخرجه أحمد 417/ 3، ح 15480، والطبراني في الكبير ج 3 ص 263 ح 3354 و 3355 وأبو داود ج 2 ص 350 ح 2004 والترمذي ج 3 ص 273 ح 949 بتحقيق فواد، والدار قطني: ج 2 ص 284 ح 213، من طريق الحجاج بن أرطاه عن عبد الملك بن المغيرة الطائفي عن عبد الرحمن بن البيلماني عن عمرو بن أوس عن الحارث بن عبد الله بن أوس الثقفي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من حج أو اعتمر فليكن آخر عهده الطوف بالبيت. فقال له عمر خررت من يديك سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم تخبرني "به" في لفظ "ثم لم تحدثني" تعليق شعيب الأرنؤوط: إسناده ضعيف لضعف الحجاج وهو ابن أرطاة وعبد الرحمن بن البيلماني وبقية رجاله ثقات رجال الصحيح غير عبد الملك بن المغيرة: وهو الطائفي فقد روى عنه جمع وذكره ابن حبان في الثقات وانظر: إطراف المسند المعتلي بأطراف المسند الحنبلي لابن حجر العسقلاني /2/ 225 ح 2143. وتحفة الأشراف 6/ 3 ح 3278 وقوت المغتذي على جامع الترمذي للسيوطي 1/ 299. وقوله: "خررت عن يديك كناية مشهورة عن الخجل كأنه أراد أصابك خجل، أو ذم، ومعنى خررت سقطت. وفي لفظ" (أربْتَ عن يديك أي سَقَطتْ آرابك من اليدين. والآراب جمع إرب وهو العضو وهو: لفظ دُعاءٍ على المخاطب؛ يراد به العتاب وليس الذات، أي لا يراد به الحقيقة. أراد بذلك عمر الله العتاب للحارث الثقفي كونه سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الحديث ولم يخبر به مع حاجة الناس إليه، ولم يرد حقيقة الدعاء عليه بسقوط آرابه. وفي لغة العرب الكثير من هذا النوع
فليتنبه.
59 - أخرجه الحاكم في المستدرك 1/ 642 ح 4145 ومعه تعليقات الذهبي في التلخيص، والنسائي في الكبرى ح 4196، أنبأ إسحاق بن إبراهيم قال أنبأ عيسى بن يونس قال حدثنا عبيد الله عن نافع عن بن عمر قال من حج فليكن آخر عهده (1/53)
صفحة 52
54
وعن عائشة: إنَّ صفية حاضت بعدما أفاضت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها لحابستُنا؟! فقالت عائشة: إنها قد أفاضت قال: فلا إذا."60 وفي أخرى بلفظ: "عن عائشة - رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله ما أرى صفية إلا حابستَنا، قال: " ما شأنُها؟ " قلت: حاضت. قال: "أما كانت طافت قبل ذلك؟ " قلتُ: بلى، ولكنها حاضت. قال: "فلا حبس عليها فلتنفر
بالبيت إلا الحيض رخص لهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ح 4197، أنبأ عمرو بن علي قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة عن إبراهيم بن ميسرة قال سمعت طاؤوسا يحدث عن ابن عمر أنه كان يقول قريبا من سنتين لا تنفر حتى يكون آخر عهدها البيت ثم قال ابن عمر بعد ذلك تنفر إنه رخص للنساء ح 4198، أنبأ عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد قال حدثني أبي عن جدي قال حدثنا عقيل عن ابن شهاب عن طاؤوس اليماني أنه حدثه أنه سمع عبد الله بن عمر وهو يسأل عن النساء على الطواف بالبيت إذا حضن قبل النفر وقد أفضن يوم النحر فقال: إن عائشة كانت تذكر عن رسول الله و رخصةً للنساء وذلك قبل موت عبد
حبس
الله بن عمر بعام.
-7.
6
ابن حبان 2129 بتحقيق شعيب الأرنؤوط وقال "إسناده صحيح صحيح على شرط الشيخين، وهو في الموطأ 412/ 1 في باب إفاضة الحج، وأخرجه البخاري 1757 في الحج باب إذا حاضت بعد ما أفاضت والطحاوي 2 ص 234، والبيهقي 162/ 5 والبغوي 1974. وأخرجه الشافعي،367/ 1، وأحمد 39/ 6، ومسلم 1211 في الحج باب وجوب طواف الوداع وسقوطه عن الحائض، والترمذي 943 في الحج باب ما جاء في المرأة تحيض بعد الإفاضة، من طرق عبد الرحمن بن القاسم، به. وأنظر ما بعده.
61 صحيح ابن حبان 21198 ح 3900 و 3904 بتحقيق شعيب الأرنؤط، وقال: إسناده صحيح على شرط الشيخين وأخرجه أحمد 192/ 6 - 193 ح 256.3 عن (1/54)
صفحة 53
55
ولأنَّ النبي طاف للوداع عند خروجه من مكة حين استكمل جميع مناسك الحج، وقد قال: "خذوا عني مناسككم" الحديث المتقدم. فدخل مكة صبح رابعة من ذي الحجة؛ وهو يوم الأحد، وبات بالمحصب ليلة الأربعاء؛ رابع عشرة من ذي الحجة، وفي تلك الليلة اعتمرت عائشة - رضي الله عنها من التنعيم ليلا، ثم طاف رسولُ الله الطواف الوداع سحرا قبل صلاة الصبح؛ من يوم الأربعاء، وهي صبيحة رابع عشرة، فأقام عشرة أيام، ثم نهض إلى المدينة، وخرج من أسفل مكة من الثنية السفلى وكان خروجه من المدينة إلى حجة الوداع يوم السبت؛ لأربع بقين من ذي القعدة، وصلى الظهر بذي الحليفة، وأحرم بإثرها
62
6
القطان، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد 99/ 6 ح 24674 عن محمد بن عبيد، يحيي عن عبيد الله بن عمر به وأخرجه أحمد 207/ 6 ح 25644 ومسلم 1211 باب وجوب طواف الوداع وسقوطه عن الحائض، والطحاوي 2 ص 233 - 234 من طرق عن أفلح عن القاسم به وأخرجه مالك 412/ 1 باب إفاضة الحج، والبخاري 1646 في الحيض، والنسائي 194/ 1 في الحيض، والبيهقي 165/ 5 عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن عمرة، عن عائشة. وأخرجه أحمد 122/ 6، و 175، و 223، و 224، و 253، والدارمي 568/ 2، ومسلم ح 1211 وابن ماجه 3073 في الحج باب الحائض تنفر قبل أن تودع، والبيهقي 162/ 5 - 163، والبغوي 1975 من طرق عن إبراهيم النخعي عن الأسود، عن عائشة. وانظر الحديث رقم 3902 و 39.3 و 3904 و 3905. من ابن حبان.
62 - انظر: شرح صحيح البخارى لابن بطال علي بن خلف بن عبد الملك بن بطال، البكري. القرطبي المالكي 3/ 77، شرح أبي داود لبدر الدين العيني الحنفي 99/ 5، عمدة القاري شرح صحيح البخاري له 7 ص 124، ونخب الأفكار له 6 ص 348 (1/55)
صفحة 54
وبما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان الناس ينصرفون في كل وجه فقال رسول الله: لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده
بالبيت"
وبما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "رُخّص للحائض أن تنفر إذا أفاضت "64
وقوله: "رخص للحائض" أي في ترك طواف الوداع؛ لأن حيضها عاقها عن أدائه بصيرورتها غير أهل لهذه العبادة، وفي إبقائها
وتأخيرها إلى أن تطهر ثُم تؤديه مشقة عليها وعلى رفقتها، فأعفيت
نصب الراية لأحاديث الهداية مع حاشيته بغية الألمعي في تخريج الزيلعي جمال الدين أبو محمد عبد الله بن يوسف بن محمد الحنفي 2/ 184، حجة الوداع لابن حزم الظاهري ص: 219، التوضيح لشرح الجامع الصحيح 8/ 456، لابن الملقن أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الشافعي. 63 - البخاري ح 1755، ومسلم ح 1328، والنسائي في الكبرى ح 4185، وفي لفظ عند مسلم: "أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض" والبيهقي السنن الكبرى وفي ذيله الجوهر النقي 5 ص 161 ح 6 والطبراني المعجم الكبير 11 ص 43 ح 10986 وابن الجارود المنتقى من السنن المسندة: (131) 495 أبو داود السنن 2/ 208 2002:وهو: عند ابن ابي شيبة
C
1 .. 17
13772 والحميدي في الجمع بين الصحيحين البخاري ومسلم 2/ 94 ح 1196 وأحمد في المسند 3 ص 410 1936. بلفظ: "لا ينْفِرُ أحَدٌ حتى يكون آخرُ عَهْدِهِ بالبيت» ح 1482. والدارمي ح 1938، وأبو داود ح 2002، وابن ماجة ح 3070، والنسائي في الكبرى تحفة الأشراف ح 5703، وابن خزيمة ح 3000، وعند البزار مسند البزار 2/ 172، بلفظ: "لاينصرفنَّ " 64 - أخرجه بهذا الفظ البخاري ح 1672 و الترمذي ح 944 سنن الدارمي ح 1933 بتحقيق سليم واحمد ح 5765. (1/56)
صفحة 55
57
منه رفعا للمشقة والمشقة تجلب التيسير
6
وأنَّ الأصل في الأمر الوجوب ما لم تصرفه قرينة تخرجه عن ذلك الوجوب إلى غيره، ويؤيده ما في حديث ابن عباس: أنه قال: "إلا أنَّه رخص للحائض إذا عجلت ألا تودّع وفي رواية "خَفَّفَ"، ولفظ الرخصة والتخفيف لا يقال إلا في مقابل الإلزام، إذ لو كان الأمر هنا للاستحباب لم يكن هنالك فرق بين الحائض وغير الحائض؛ لأنه رخص أو خفف عن الجميع؛ إذ إن المستحب لا يُلزَمُ به الإنسان.
66
وأخرج مالك عن يحيى بن سعيد: أن عمر بن الخطاب صلى الله عليه وسلم رد رجلا من مرّ الظهران 65 لم يكن ودع البيت حتى ودع واستدل القائلون بعدم الوجوب؛ بإسقاطه عن الحائض ومن في حكمها إذ لو وجب لم يسقط عن الحائض كطواف الركن، ولوجب عليها المكث حتى تطهر ثم تطوف.
65 - من الظهران موضع على بعد ثمانية عشر ميلا (25) كم من مكة المكرمة، ويقال: من القرية، والظهران هو الوادي. وبمر الظهران عيون ونخيل، ويسمى: وادي فاطمة نسبة لامرأة تركية اشتهرت بكثرة بساتينها وأملاكها في هذا الموضع. انظر: معجم البلدان 5 ص 104، معجم المعالم الجغرافية ص 228، مواهب الجليل 1 ص 138.
66 - الموطأ الحج، باب وداع البيت 1 ص 236 ح 830، ط 4 دار الفكر برواية يحيى الليثي، والشافعى في الأم 7/ 238، والبيهقى 5/ 162 ح 9529) وانظر مواهب الجليل 1/ 138. (1/57)
صفحة 56
58
ولأنه طواف يفعل خارج الإحرام كالتطوع. ولأن الحائض تتركه ولا دم عليها، فلو كان واجبا للزمها بتركه الدم كما في كثير من واجبات
مناسك الحج من غير الأركان التي تجبر بالدم حال تركها.
ولأن لفظ الأمر لا يدل على الإيجاب بخصوصه، بل يحتمل له وللندب والإباحة كما هو مقرر في علم الأصول، وحَمْلُه هنا على الندب أولى من إيجاب ما لم يجب.
ورُدَّ: بأنه إنما أسقط عن الحائض للعذر مع وجوبه على غيرها بنص حديث الرسول الاول وهو المشرع عن رب العزة والجلال، إذ لا ينطق عن الهوى. وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)
النجم.
وذلك لما في الصحيحين وغيرهما عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "أُمِرَ الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا الحائض" وفي
لفظ: "إِلَّا أَنه خفف عَن الْمَرْأَة الْحَائِض" الحديثان السابقان. وذلك دليل الوجوب وإلا لم يكن لتخصيص الرخصة أو التخفيف بسبب الحيض فائدة. والاستدلال للوجوب مع هذ التصريح من ابن عباس بهذه الألفاظ؛:أي بلفظ إلا أنه رخص للحائض وبلفظ: "إلا الحائض" وبلفظ:
"إِلَّا أَنه خفف عَن الْمَرْأَةِ الْحَائِض" هو الأولى خروجا من الخلاف. وتُعِقِّبَ: بأنَّ في إعذاره لا لا هو الحائض ونحوَها من أهل الأعذار عن الطواف وعن جبره بالدم في حال عدم الإتيان به دليل واضح على عدم الوجوب؛ بدليل أنه لو كان في تشريعاته للرخص ينص عليها نصا صريحا في خطابه لأمته؛ كما في كفارة الذي وطئ في رمضان، (1/58)
صفحة 57
09
والذي وطئ في الظهار، والذي ضحى قبل الإمام، وغيرها، فقد قال: "ولا تجزي أحدا بعدك" "ولا تصلح لغيرك" "ولا تجزي أحدا
غيرك" كَقَوْلِهِ لأبي بُرْدَةَ: " تَجْزِيكَ وَلَا تَجْزِي أَحَدًا بَعْدَك " 67
مسنده ج.
ص
- جزء من حديث ورد مختصرا ومطولا أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأبو داود وابن ماجة والبيهقي والطبراني وابن حبان وغيرهم، في الأضحية ووقتها، وقسمة الغنم، وما يستحب للإمام إعطاء الرعية، وفي الوكالة، وقد ورد بعدة ألفاظ متفقة المعنى والحديث بطوله أخرجه مسلم ج 3 ص 1552 ح 1961 بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت، والبيهقي سنن البيهقي الكبرى ج 9 ح 18495 و 19585 و 19587 و وأخرجه ابن حنبل في 298 حديث رقم: 18653، بلفظ عن البراء بن عازب قال: خطبنا رسول الله الله فقال: لا يذبحن أحد قبل ان نصلي فقام إليه خالي {أبو بردة} وقال يا رسول الله هذا يوم اللحم فيه كثير. وإني ذبحت نسكي قبل ليأكل أهلي وجيراني وعندي عناق لبن خير من شاتي لحم أفأذبحها؟ قال: نعم ولا تجزي جذعة عن أحد بعدك، وهي خير نسيكتيك" وأخرجه البخاري بلفظ "إنَّ أول ما نبدأ في يومنا هذا أن نصلي ثم نرجع فننحر فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا ومن نحر قبل الصلاة فإنما هو لحم قدمه لأهله ليس من النسك في شيء فقال رجل من الأنصار يقال له أبو بردة بن نيار يا رسول الله ذبحت وعندي جذعة خير من مسنة فقال اجعله مكانه ولن توفي أو تجزي عن أحد بعدك" البخاري في صحيحه ج 1 ص 328 ح 922. وغيرهم بألفاظ متقاربة. وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَعْطَاهُ غَنَمًا فَقَسَمَهَا عَلَى أَصْحَابِهِ صَحَايَا فَبَقِيَ عَتُودٌ مِنْهَا فَذَكَرَهُ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ صَحَ بِهِ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ "فَصَارَتْ لِعُقْبَةَ جَذَعَةٌ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ فَأَصَابَنِي جَدَحٌ وَزَادَ الْبَيْقِيُّ فِي رِوَايَةٍ "وَلَا رُخْصَةَ لاحَدٍ فِيهَا بَعْدَك وَلإبي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ فَأَعْطَانِي عَتُودًا جَدَعًا فَرَجَعْت بِهِ إِلَيْهِ فَقُلْت إِنَّهُ جَذَعْ، قَالَ: ضَحَ بِهِ فَضَحَيْت بِهِ وَلِلشَّيْخَيْنِ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ فِي قِصَّةِ ذَبْحِ خَالِهِ - أَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ - قَبْلَ الصَّلاةِ، وَعِنْدِي جَذَعَةٌ خَيْرٌ مِنْ (1/59)
صفحة 58
60
ولو كان ترك الوداع رخصةً للحائض لبينه ولا يصح تأخير البيان عن وقت الحاجة، وحاشاه عن ذلك وقد رفع إلى الرفيق الأعلى والدين كامل والنعمة بالإسلام تامة. (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا المائدة.
أَمَّا قول ابن عباس وغيره من الصحابة "رخص" فهذا اجتهاد منهم في فهم النص، واجتهادهم لهم وهم أولى بالاتباع فيما قالوه عند عدم النص، إلا أنَّ النصوص في الموضوع من الشارع صريحة واضحةٌ جلية لا غبار عليها، ولا نترك النص الصريح ونوجب
مُسِنَّةٍ" وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي رِوَايَةٍ مِنْ مُسِنَّيْنِ قَالَ اذْبَحْهَا وَلَنْ تُجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ" وَفي رِوَايَةٍ لَهُمَا إِنَّ عِنْدِي جَدَعَةً مِنْ الْمَعْزِ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ دَاجِنًا جَدَعَةٌ مِنْ الْمَعْزِ قَالَ اذْبَحْهَا وَلَمْ تَصْلُحُ لِغَيْرِك" وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ "فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ إِنَّ هَذَا يَوْمٌ يُشْتَهَى فِيهِ اللَّحْمُ وَذَكَرَ جِيرَانَهُ، وَعِنْدِي جَذَعَةٌ خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ فَرَخَّصَ لَهُ فِي ذلِكَ فَلا أَدْرِي أَبَلَغَتْ الرُّخْصَةُ مَنْ سِوَاهُ أَمْ لا " وقَوْله: "وَلَا تَجْزِي" فَهُوَ بِفَتْحِ التَّاء هَكَذَا الرِّوَايَة فِيهِ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ وَالْكُتُب، وَمَعْنَاهُ: لَا تَكْفِي. مِنْ نَحْو قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا تَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ (وَفِيهِ: أَنَّ جَدَعَةِ الْمَعْزِ لَا تَجْزِي فِي الْأُضْحِيَّة، وَهَذَا مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ. أنظرها حسب موقعها من الأضحية فعلى سبيل المثال شرح النووي على مسلم للحديث المذكور، شرح ابن بطال للبخاري كتاب الْوَكَالَةِ؛ وكالة الشَّرِيكِ فِي الْقِسْمَةِ وَغَيْرِهَا ج 6 ص 432 و ج 7 ص 19 ط 2 ن مكتبة الرشد الرياض، وعمدة القاري شرح صحيح البخاري باب الوكالة وباب قوله صلى الله عليه وسلم لعقبة "ضَحَ بِهِ" ومشكل الآثار باب مشكل ماروي عن عقبة بن عامر ج 14 ص 409 و 411 ن مؤسسة الرسالة، وعون المعبود، باب ما يجوز في الضحايا" وفتح الباري: كتاب الوكالة، ج 4 ص 135، وباب الأضحية ج 10 ص 14 - 16 ن/ دار الفكر، ونصب الراية ج 4 ص 217 كتاب الأضحية ن / مؤسسة الريان، وتقريب الأسانيد
وترتيب المسانيد لزين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي باب الأضحية. (1/60)
صفحة 59
61
على الناس ما لم يجب عليهم بمجرد الاجتهاد والتقليد مع وجود النص الصريح، ولم تأت لفظة الترخيص في هذا في النصوص التي
نطق بها. وإنما كلها مدرجة من الراوي في فهم النص. ولو فرضنا جدلا أنها رخصة فقط، فأين الموجب للدم؟! وماك الإنسان معصوم كعصمة دمه وعرضه، لا يصح النيك منه إلا بحقه، وهو إما بشرع شرعه الله عليه، أو بسائر المعاملات المجازة من قبل الشرع؛ كالبيع والهبة والعطية والمنحة والإجارة والإعارة والصدقة وأشباهها، فليتأمل.
وقد قال النبي المعصوم صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، وإني رسول الله، فإذا قالوها فقد حقنوا مني دماءهم وأموالهم وسبي ذراريهم إلا بحقها، قيل: وما حقها يا رسول الله؟ قال: زنا بعد إحصان، وارتداد بعد إيمان، وقتل النفس ظلما وعدوانا "68
68
ور هذا الحديث بألفاظ كثيرة مختصرة ومطولة متفقة المعنى والمبنى فعلى سبيل المثال انظر: البخاري في الإيمان 36/ 32. مسلم: الإيمان.28. صلاة 28. زكاة 1. اعتصام 2. 28. أبو داود الجهاد 95. الترمذي: تفسير سورة الغاشية. النسائي: في سننه ج 7/ 80 3979. والترمذي ح 2606، وابو داود 2640 وابن ماجه: الفتن ح 3927 و الدارمي: السير 2446. وأحمد بن حنبل 8/ 4. والبيهقي في سننه الكبرى ج ص 202 ح 16634 و الطبراني في المعجم الأوسط 3/ 300 ح 3221 والمعجم الكبير: عهد الرسول العلاء بن الحضرمي حين بعثه إلى البحرين. ج 18 ص 89 165. وفيه فوائد عظيمة وأحكام مهمة فاستفد منها، والحميدي في الجمع بين الصحيحين البخاري ومسلم 2 ص 299 1297 و 1692 و 2171 بزيادة: "ويؤمنوا بي وبما جئت به" وأخرجه الامام الربيع بن حبيب في كتاب الجهاد ح 464 إلى قوله: "وحسابهم على الله" وانظر: البعد
باب جامع الغزو ص
188
الحضاري للعقيدة عند الإباضية لفرحات الجعبيري ص
64 (1/61)
صفحة 60
62
وفي رواية: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله "69
روى مالك عن أبي الرجال عن أمه عمرة أنها: أخبرته أن عائشة رضي الله عنها كانت إذا حجت معها نساء تخاف أن يحضن قدمتهن يوم النحر فأفضن فإن حضن بعد ذلك لم تنتظر لهن أن يطهرن فتنفر
بهن وهن حيض.
وقالت صفية ما أراني إلا حابستكم. فقال لها -- أمَا كُنتِ طفتِ يوم النحر؟ قالت: بلى. قال: لا بأس انفري
وذلك أن صفية حاضت قبل طواف الوداع فلما أراد النبي الرجوع إلى المدينة قالت ما أظنني إلا حابستكم.؛ لانتظار طهري وطوافي للوداع، وظنت أن طواف الوداع لا يسقط عن الحائض، فقال النبي لو ما كنت طفتِ طواف الإفاضة يوم النحر؟ قالت: بلى قال: يكفيك ذلك"
لأنه هو الركن الذي لا بد من أدائه وأما طواف الوداع فلا يجب على
الحائض
"
69 - أخرجه البخاري في الزكاة، باب وجوب الزكاة ح 13399، ومسلم في الإيمان، الباب الثامن - 32 - 36. والامام الربيع الحديث السابق.
70 - مسند الشافعي ترتيب السندي 1 ص 366 ح 948 وانظر: شرح النووي على مسلم 153/ 8، واللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح 2 520، لشمس الدين محمد بن عبد الدائم النعيمي العسقلاني المصري الشافعي المتوفى 831 هـ) ومنحة (1/62)
صفحة 61
63
قال النور الدين السالمي واستدل به؛ أي الحديث السابق على أنه لا يلزم الحائض طواف الوداع وهو ظاهر وعليه عامة فقهاء الأمصار وهو قول ابن عباس
رضي
الله عنهما.
وروينا عن عمر بن الخطاب وابن عمر وزيد بن ثابت أنهم أمروها بالمقام إذا كانت حائضاً لطواف الوداع، فكأنهم أوجبوه عليها كما
يجب عليها طواف الإفاضة، فلو حاضت قبله لم يسقط عنها. قيل: وقد ثبت رجوع ابن عمر وزيد بن ثابت عن ذلك، وقيل: اختلف ابن عباس وزيد بن ثابت في المرأة إذا حاضت وقد طافت بالبيت يوم النحر، فقال زيد: يكون آخر عهدها بالبيت وقال ابن عباس تنفر إن شاءت فقالت الأنصار: لا نتابعك يا ابن عباس وأنت تخالف زيداً، فقال: اسألوا صاحبتكم أُمَّ سليم.
الباري بشرح صحيح البخاري 1 661، وعمدة القاري شرح صحيح البخاري 10 ص 105، بدر الدين العيني الحنفي (المتوفى: 855 هـ) 71 - أم سليم بنت ملحان مالك بن خالد بن زيد الأنصارية أم أنس بن مالك بن النضر خادم رسول الله الله الأنصاري قيل اسمها سهلة أو رميلة أو رميثة أو مليكة أو أنيسة هي الغميصاء أو الرميصاء اسلمت وكان زوجها أبو انس غائبا فما لبث إلا يسيرا فلقيه عدو له فقتله ثم تزوجها أبو طلحة زيد بن سهل الأنصار، وكان اسلامه صداقها وكانت يوم حنين مع النبي ومعها خنجر فقال أبو طلحة يارسول الله هذه ام سليم معها خنجر فقالت يا رسول الله إن دنا مني مشرك بقرت بطنه. كانت من الصحابيات الفاضلات. انظر: معرفة الصحابة لأبي نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصبهاني، المتوفى: 430 ه ج، سير أعلام النبلاء للذهبي محمد بن أحمد بن عثمان، المتوفى: 748 هـ
670.8/ 9
304/ 2 (1/63)
صفحة 62
64
فقالت - أم سليم- حضتُ بعدما طفتُ بالبيت، فأمرني رسول الله أن أنفر، وحاضت صفية فقالت لها: عائشة: حَبَسْتِنا؟! فأمرها النبي أن تنفر. 72
72
والنفساء في ذلك كالحائض. وقيل: المريض لا يلزمه طواف الوداع قياساً على الحائض، وأما غير هؤلاء فيلزمهم وداع البيت؛ لحديث ابن عباس -عند أحمد ومسلم وأبي داود وابن ماجة- قال: كان الناس ينصرفون في كل وجه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت وقد فعله وأمر به فدل ذلك على
الوجوب.
والقول بوجوبه هو مذهبنا ومذهب أكثر العلماء من قومنا ويلزم
بتركه دم. وقال مالك وداود وابن المنذر هو سنة ولا شيء في تركه
731
وقيل: واجب للأمر به إلا أنه لا يجب بتركه شيء والله أعلم. ذلك: لأنه يشترط للطواف الطهارة، كاشتراطها للصلاة؛ عند جمهور العلماء، ودخول البيت الحرام لا يصح للمتلبس بالحدث الأكبر؛ كالحيض والنفاس والجنابة، والطوافُ به لا يصح، إلا بما تصح به الصلاة وهو الطهارة التامة، وكذلك الوضوء؛ عند الجمهور.
6
72 - الحديث أخرجه أحمد ح 27467 والبخاري ح 1671 ومسلم ح 1328 و ابن ماجة ح 3073 وانظر: العيني عمدة القاري شرح صحيح البخاري 97/ 10، وفتح الباري لابن حجر بتعليق ابن باز 3 (588 وفتح السلام شرح عمدة الأحكام من فتح الباري 4/ 656) له. شرح الزرقاني محمد بن عبد الباقي بن يوسف الزرقاني على الموطأ 572/ 2.
73 - نور الدين السالمي؛ شرح الجامع ج 2 ص 270 فما بعدها. (1/64)
صفحة 63
أخرج الامام الربيع له في مسنده: " أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن
رضي عنه
عائشة رضي الله عنها أنها قالت قدمت مكة وأنا حائض ولم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال
74
افعلي ما يفعل الحاج غير أنك لا تطوفي بالبيت حتى تطهري. وقوله: "أحابستنا هي؟ فقيل: إنها قد أفاضت قال: فلا إذا" الحديث. وقوله: "فلا إذاً" أي: فلا حبس علينا حينئذ؛ أي: إذْ أفاضت فلا مانع لنا من التوجه لأن الذي عليها قد فعلته والله أعلم.
Yo
وقال الربيع: لا بأس على حائض ومريض عاجز عن الوداع في
تركه إن زارا، وإن لم يزورا من منى فلا ينفران حتى يطوفا، وعلى الكراء أن يقيم لهما ويحكم عليه به حتّى يزورا. 6
76
وقال الربيع: لا بأس على مريض لا يقدر على الوداع وحائض إن زارا أن يخرجا بلا وداع. 77
وقال أبو سعيد رحمه الله: إنه يوجد الترخيص عن النبي صلى الله عليه وسلم في إلزام
الوداع للحائض.
78
274
74 - الجامع الصحيح مسند الامام الربيع بن حبيب حديث رقم 440. 75 - نور الدين السالمي شرح الجامع السابق ص 76 - التاج المنظوم من درر المنهاج المعلوم لعبد العزيز الثميني 3/ 339. الباب الحادي عشر في وداع البيت والإقامة بمكة أو غيرها. والمنهج ج 4 ص 617. 77 - جامع ابن جعفر: 369/ 3. 78 - المنهج ج 4 ص 618 مكتبة مسقط القول الحادي عشر في وداع البيت. (1/65)
صفحة 64
66
وعده صاحبا التاج والمنهج وغيرهما من السنن كما تقدم قال في التاج ومن السنن طواف الوداع والهرولة في السعي وتقبيل الحجر إن أمكنه 79
وفي المنهج وفي الأثر إن الوداع أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو سنة،
اجتمع المسلمون على فعله، وهو من السنن اللازمة. 80
79 - التاج المنظوم من درر المنهاج المعلوم لعبد العزيز الثميني ج 3 ص 296 آخر الباب الثاني في فرائض الحجّ وسننه. وانظر: ص 290 و 339 منه؛ الباب الحادي عشر في وداع البيت والإقامة بمكّة أو غيرها. والمنهج ج 4 ص 525 وص 617 - 618 ط
مكتبة مسقط.
80 - منہج الطالبين وبلاغ الراغبين لخميس الرستاقي 617/ 4 - 618، القول الحادي عشر في وداع البيت والمجاورة بمكة أو غيرها. (1/66)
صفحة 65
67
المطلب الثالث
اختلاف الفقهاء في الفدية
اختلف الفقهاء فيمن صدر ولم يودع هل تجب عليه الفدية أم لا؟ والذي تؤيده القواعد العامة ألَّا دم في تركه وهو مذهب طائفة من أهل العلم كما سيأتي بإذن الله تعالى.
قال مالك لا أُحِبُّ لأحدٍ أن يَخرُجَ من مكة حتى يودع البيت بالطواف
فإن لم يفعل فلا شيء عليه.
قال أبو عمر: الوداع عنده مستحب وليس بسنة واجبة لسقوطه عن الحائض وعن المكي الذي لا يبرح من مكة بفرقة بعد حجه فإن خرج من مكة إلى حاجة طاف للوداع وخرج حيث شاء وهذا يدل على أنه مستحب ليس من مؤكدات الحج.
والدليل على ذلك أنه طواف قد حل وطء النساء قبله فأشبه
طواف التطوع)
81
"مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: من أفاض فقد قضى
الله
بن
81 - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار أبو عمر يوسف بن عبد عبد البر النمري القرطبي المالكي الوفاة 463 هـ تحقيق سالم محمد عطا-محمد علي معوض 372/ 4. والكافي في فقه أهل المدينة 406/ 1) له أيضا. شرح صحيح البخاري. لابن بطال (460/ 1) (1/67)
صفحة 66
68
الله حجه، فإنه إن لم يكن حبسه شيء فهو حقيق أن يكون آخر عهده الطواف بالبيت، وإن حبسه شيء أو عرض له فقد قضى الله
حجه
قال مالك: ولو أن رجلا جهل أن يكون آخر عهده الطواف بالبيت حتى صدر لم أرَ عليه شيئا، إلا أن يكون قريبا فيرجع فيطوف بالبيت، ثم ينصرف إذا كان قد أفاض.
وقوله: فإنه إن لم يكن حبسه شيء فهو حقيق أن يكون آخر عهده الطواف بالبيت؛ يريد أن ذلك مشروع له ومستحب في حكمه.
وهذا اللفظ: إنما يستعمل في المندوب إليه دون الواجب وبه قال مالك فإن طواف الوداع عنده مندوب إليه، ومن تركه فحجه تام وليس عليه دم وقد أساء بتركه، وقال أبو حنيفة هو واجب وليس بركن وسيأتي ذكره بعد هذا مستوعبا إن شاء الله.
وقوله وإن حبسه شيء أو عرض له فقد قضى
يريد أنه
الله حجه. يريد
إن منعه من طواف الوداع مانع فقد كمل حجه ولم يبق عليه منه شيء يكون محبوسا بسببه فليرجع إلى بلده إن شاء الله، والله أعلم.
وهذا كما قال، إن من جهل أن يطوف حتى صدر فلا يخلو أن يعلم ذلك وهو قريب فيرجع فيطوف، ثم ينصرف إلى بلده أو يعلم ذلك
بعد أن بعد صار ممن تلحقه المشقة بالرجوع فلا شيء عليه من (1/68)
صفحة 67
69
رجوع ولا دم ولا غير ذلك. 82
وقال في المدونة قلت لابن القاسم: أكان مالك يرى طواف الصدر واجبا؟ قال: لا، ولكنه كان لا يستحب تركه، وكان يقول: إن ذكره ولم يتباعد فليرجع، ويذكر أن عمر بن الخطاب ه رد رجلا من مر الظهران خرج ولم يطف طواف الوداع. قلت: فهل حدَّ لكم مالك أنه يرجع من مر الظهران؟ قال: لا لم يحد لنا مالك أكثر من قوله إن كان قريبا. 83
ويقولون إن بين مر الظهران وبين مكة ثمانية عشر ميلا وهذا بعيد عند مالك وأصحابه ولا يرون على أحد طواف الوداع من مثل هذا
الموضع.
وجمله قول مالك فيمن لم يطف للوداع أنه إذا كان قريبا رجع فطاف لوداع البيت وإن بَعْدَ فلا شيء عليه.
وقال أبو حنيفة وأصحابه يرجع إلى طواف الوداع ما لم يبلغ المواقيت فإن بلغها ولم يرجع فعليه دم 14
??
82 - المنتقى شرح الموطأ السابق 2/ 294، وشرح الزرقاني على الموطأ 2/ 414. 83 - مالك بن أنس بن مالك بن عامر الأصبحي المدني (المتوفى سنة 179 هـ) المدونة 423/ 1 وانظر: ص 493. وتهذيب المدونة للبراذعي 202/ 1) 84 - الاستذكار 4 ص 212 (1/69)
صفحة 68
أمَّا جمهور الإباضية والشافعية والحنابلة فقد تقدم بعض الكلام عنهم في مطلب الكلام على الوجوب أنَّ في تركه دما؛ عند الأكثر منهم فارجع إليه ولا بأس أن أسوق لك بعض ما قالوه هنا إتماما
للفائدة.
قال البغوي ... والثالث: طواف الوداع، لا رخصة في تركه لمن أراد مفارقة مكة إلى مسافة القصر، مكيا كان أو أفاقيا، حج أو لم يحج، فإن خرج، ولم يطف رجع إن كان قريبا، روي أن عمر بن الخطاب. رد رجلا من مر الظهران لم يكن ودع البيت.
6
ولو مضى ولم يرجع، فلا دم عليه عند بعض أهل العلم، وبه قال
عروة بن الزبير، وهو مذهب مالك، وقال بعضهم: من تركه، فعليه دم، وهو قول الشافعي إلا المرأة الحائض أو النفساء يجوز لها أن تنفر، وتترك طواف الوداع، ولا دم عليها، وهو قول أهل العلم من الصحابة، فمن بعدهم، وإليه ذهب مالك، والأوزاعي، والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق، وأصحاب الرأي.
85
قال الشيخ العلامة المجتهد عمروس بن فتح: ومن رجع إلى بلده
لم يطف طواف الوداع فعليه دم.
86
85 - شرح السنة للبغوي 2357
86 - سبق التعريف به انظر أصول الدينونة الصافية لعمروس بن فتح النفوسي
ص: 122. ط 1 وزارة التراث. (1/70)
صفحة 69
71
قال القطب في الهيميان " ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَمَّهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29)
ولا رخصة لتاركه إن فارق مكة فمن تركه وفارقها لوطنه أو بعيدا
لزمه دم ورخص للحائض تركه.
87
قال النور السالمي: والقول بوجوبه هو مذهبنا ومذهب أكثر
العلماء من قومنا ويلزم بتركه. دم.
وقال مالك وداود وابن المنذر هو سنة ولا شيء في تركه
88
وقيل واجب للأمر به إلا أنه لا يجب بتركه شيء والله أعلم. ومن القائلين بعدم وجوب الدم من العلماء المعاصرين الشيخ العلامة المجتهد سعيد بن مبروك القنوبي في فتاواه.
وحكى هذا القول الشيخ منصور الخروصي في شرح لامية الحج لابن النضر، والنور السالمي في شرح المسند السابق ذكره. وسيأتي في
محله إن شاء الله تعالى.
87 - هميان الزاد إلى دار المعاد 8 ص 488 للقطب. ط وزارة التراث. 88 - نور الدين السالمي؛ شرح الجامع ج 2 ص 270 فما بعدها. وسيأتي كلامه بأتم من هذا قريبا إن شاء الله. (1/71)
صفحة 70
72
اختيار الباحث
هذا وإن كان لا بد لهذا الباحث الضعيف أن يُعَبّر عن اختياره أخذا مما سبق عرضه من أدلة للجميع وما فهمه من الاستقراء في الموضوع؛ فهو يختار القول بأنه سنةٌ واجبة على المستطيع، يسقط وجوبها بالعذر، سواء أكان بعدم إمكان إتيانه لمانع شرعي؛ كالحيض والنفاس، أو لمرض أو ضعفٍ عن قدرة؛ كالشيخ الكبير والعجوز الكبيرة الذي يعجز عن الاتيان به بيسر دون مشقة، أو لخوف ضرر على النفس، ولو من شدة الزحام؛ إن لم يكن عنده من الوقت ما يعينه على التأخير ثم الأداء بسهولة ويسر ولا فدية على تاركه؛
6
لعدم النص من الشارع على الفدية كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وقد وقع الضرر الذي أشرت إليه من شدة الزحام مرات كثيرة، حتى كاد الزحام يزهق الأرواح، وأدى إلى غلق أبواب الحرم عن الدخول؛ لأجل التخفيف من المعاناة على الطائفين الموجودين بالداخل، بل بسبب شدة الزحام في طواف الوداع من أصيب من العمانيين بمرض أدى به إلى المكث بالمستشفى لأيام طويلة، وبعضهم لم ترجع له، صحته، وهذا بقطع النظر عن غير العمانيين الذين لا نعرف أحوالهم، ولم نطلع على أضرارهم، وما ذلك إلا بسبب التشديد في وجوب الإتيان بالوداع، مهما كان الأمر، والإفتاء بوجوب الجبر بالدم؛ عند عدم الإتيان به.
وعلى هذا فإن منعه من طواف الوداع مانع فقد كمل حجه ولم يبق عليه منه شيء، ولا يكون محبوسا بسببه ولا جبر عليه، والله يتقبل من العبد اليسير ويعفو عن الكثير. (1/72)
صفحة 71
73
وإن تركه اختيارا لا اضطرارا فقد أساء ولا شيء عليه وتكفيه التوبة والإنابة إلى الله عز وجل، وطلب العفو منه تعالى عن التقصير الذي
حدث من هذا العبد؛ وذلك لعدم امتثاله أمر الرسول مع القدرة على الإتيان به دون ضرر، ولا حرج، ولا مانع يمنعه، وكان الأجدر به والأولى ألا يتكاسل عن فعل سنةٍ لازمةٍ سَنَّها المعصوم، ولكن مع هذا كله لا فدية عليه وجوبا لعدم الدليل عليها، أما إن أراد ذلك من نفسه أخذا بالأحوط فذلك فضل من الله، ونعمةٌ وُفِّقَ إليها، له ثوابها إن أخلص لله عز وجل.
والقول بالفدية - مع عدم الدليل عليها من الشارع فيه بعد كبير وعسر خطير، وأموال العباد معصومة كعصمة دمائهم وأعراضهم،
لا تجب إلا بحقها.
والتيسير هو من خصائص هذا الدين الحنيف؛ لأنه يستمد أحكامه من نور شرع الله، ويستمد قوته من لطف الله ورحمته بعباده، ويتجاوب مع حقائق الوجود بروح العقيدة الصحيحة، والإيمان
السالم من الشطط والعُلُوّ في الدين، فلا إفراط ولا تفريط. ولهذا ما يسنده من الأدلة الشرعية والقواعد الفقهية العامة التي عليها مدار تطبيق شرع الله عز وجل. فإن رفع الضرر واجب، والمشقة تجلب التيسير، ولا ضرر ولا ضرار في الإسلام، والمحافظة على سلامة النفس واجبة، ودين الله يسر. والله تعالى يقول: ... وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195) البقرة. (1/73)
صفحة 72
74
ويقول: ... وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30) النساء.
ورسول الله صلى الله عليه وسلم ما خُيّر بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن
إثمًا، فإن كان إثما كان أبعد الناس
منه
89 "1
وكان يوصي أصحابه بقوله: "يسروا ولا تعسّروا، وبشروا ولا
تنفروا، فإنما بعثتم ميسّرين ولم تبعثوا معسّرين"
وقال: "بعثت بالحنيفية السمحة 1
91
90
89 - أخرجه البخاري، انظر: فتح الباري، 566/ 6، وأحمد في مسنده 85/ 6، ومسلم كما في شرح النووي، 83/ 15. السابق.
ح
،2608
90 - ورد هذا الحديث بعدة ألفاظ مختصرة ومطولة هذا أحدها، أخرجه البخاري في كتاب العلم: "باب" ما كان النبي يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا" ح 5774، والطيالسي ص 280 ح 2086، وأحمد 131/ 3 ح 12355، ومسلم 1359/ 3 1734، والنسائي في الكبرى 449/ 3، ح 5890. وحديث: "يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا وإذا غضبت "فاسكت أخرجه البخاري في الأدب المفرد 1 ص 447 ح 1320 وأحمد 2556 و 3448 والبزار ح 4872 والطيالسي ح والطبراني،11 ص 33، ح 10951. والبيهقي في الشعب 7935 وابن ماجة، وفي أخرى "علموا ويسروا أخرجه أحمد 239/ 1، ح 2136 والطيالسي ح 2608 المتقدم، والبخاري في الأدب المفرد 95/ 1، ح 245، وابن عدى 6 ص 89، ترجمة ليث بن أبى سليم ح 1617 والديلمي 9/ 3، رقم 4003. 91 - أخرجه أحمد في مسند بني هاشم ح 2003، ج 1 ص 236 ح 2107 وباقي مسند الأنصار ح 21260 و 23710، و 24771، والبخاري في كتاب الأديان بلفظ: "أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة " ح 7351 والطبراني المعجم الأوسط 7 ص (1/74)
صفحة 73
75
ومن حديث السيدة عائشة
رضي
الله عنها قالت: " ... ولا عَرَض له
أمران إلا أخذ بالذي هو أيسر، إلا أن يكون إثما، فإذا كان إثما كان
92
أبعد الناس منه " 92
ومن لطف الشريعة السمحة أن حكم الاضطرار مخالف للاختيار، والله يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه. والأمر إذا ضاق اتسع وإذا اتسع ضاق.
229 ح 7341، والكبير 11572. البخاري في الأدب 108/ 1 ح 287، والبزار في كشف الأستار 58/ 1 78، وعبد بن حميد في مسنده ص 199 ح 569. وغيرهم. 92 - أخرجه ابن حبان في صحيحه 2 ص 240 ح 488 من طريق أبي معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها وأخرجه البيهقي في سننه 10 ص 192 من طريق أحمد بن سلمة، عن هناد بن السري، ومن طريق أبي معاوية بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد 229/ 6، ومسلم ح 2328، في الفضائل: باب مباعدته للآثام واختياره من المباح أسهله بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد 31/ 6، 32 و 281، ومسلم 2327 والترمذي في الشمائل، ح 341، والدارمي ج 2 ص 147، من طرق عن هشام بن عروة، بهذا الإسناد. وأخرجه مالك في باب ما جاء في حسن الخلق، ومن طريقه أخرجه أحمد 115/ 6، 116 و 181، 182، 262، والبخاري 3560، في المناقب: باب صفة النبي و و 6126 في الأدب؛ باب قول النبي "ليسروا ولا تعسروا" وفي الأدب المفرد 274، وأبو داود ح 4785 - 4786 في الأدب: باب التجاوز في الأمر، والبيهقي في السنن الكبرى 41/ 7، والبغوي في شرح السنة ح 3703 عن الزهري، عن عروة، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد 114/ 6 و 130 و 223 و 232، والبخاري ح 6786 في الحدود: باب إقامة الحدود والانتقام لحرمات الله وح 6853 باب كم التعزير والأدب، والترمذي في الشمائل 342 من طرق عن الزهري، عن عروة.
ا الله (1/75)
صفحة 74
76
" والفقيه" ليس هو الذي يحمل الناس على زهده وعلى ورعه فباب الورع باب واسع، ولكن الفقيه هو الذي يفتي الناس بما يسعهم في دين الله وليتورع بنفسه، ليترك ما يريد أن يحتاط لنفسه فيه أو ما
يريد تركه حتى لا يحوم حول الحمى، أما الناس عامتهم فإنه يفتيهم
931
بما يسعهم في دينهم .... وليس العالم من حمل الناس على ورعه، وإنما العالم من أفتى
الناس بما يسعهم في الدين.
94
ولقد روينا عن شيوخنا الأمر بفتوى الناس بما يسعهم ومن أراد التضييق فليشدد على نفسه.
قال العلامة الجليل أبو أيوب وائل بن أيوب وهو من طبقة الربيع بن حبيب رحمه الله: إنما الفقيه الذي يعلم ما يسع الناس فيه مما يسألونه عنه، وأما التضييق فمن شاء أخذ بالاحتياط".95 ولأهل العلم النظر في قبول هذا الاختيار ورده، إذ هم المرجع في ذلك. وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ
منهم النساء 83
93 - الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة. سؤال أهل الذكر تلفزيون سلطنة عمان، حلقة 30 رجب 1426 هـ، يوافقه 2005/ 9/4 م 94 - أنظر: الكندي: المصنف 117/ 1. بيان الشرع لمحمد الكندي (94/ 1) نقلا عن ابي سعيد الكدمي له الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة، التأصيل الفقهي عند أبي سعيد الكدمي، ضمن بحوث ندوة "قراءة في فكر الإمام الكدمي" ص 51. 95 - فتاوى الإمام الشيخ بيوض ج 1 ص: 346. (1/76)
صفحة 75
77
وأنا لستُ منهم، ولم أقصد المخالفة ولا أدعي العلم، ولكنَّ الحق واضح جَلِي لا يحتاج إلى كثرة عناء، وبالله التوفيق. (1/77)
صفحة 76
78
المبحث الثالث
ما بعد طواف الودع
المطلب الأول
ما يترتب على طواف الوداع
مما يترتب على مفهوم طواف الوداع عَدَمُ المكث بعده في الحرم عند البيت الحرام طواعيةً من غير عذر، وأنه لو دخل منزله وكان بجوار البيت الحرام بعد طواف الوداع فاشتغل فيه بغير ما هو من أسباب الرحيل ولم يكن مضطرا لذلك، فيلزمه إعادة الوداع عند من رأى
ذلك؛ لأنه لم يكن آخر عهده بالبيت
وأنَّ الإقامة بعد الطواف تُخرجه عن أن يكون آخر العهد بالبيت وأن يكون توديعا له؛ لأن الوداع مفهوما وعرفا إنما يكون عند إرادة المفارقة والخروج مباشرة من غير مكث، وقد تقدم تعريفه في محله
فارجع إليه.
أما شِراءُ بعض الأشياء في طريقه إلى السفر أو انتظار الرفقة، أو نحو ذلك من التأخير اليسير أو الأكل والشرب لما لا بد منه، ومن باب أولى إن كان معدا، قبل وكالاستحمام ودخول الخلاء وأداء الصلاة - إن كانت حاضرة - وتجهيز أموره الضرورية، لا يضر؛ لأن هذا كله من باب رفع الحرج ما لم ينو الإقامة أو يعد للبيت الحرام طواعية.
78
وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) الحج مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ) المائدة 6 كما سيأتي في المطلب الذي بعده بإذن الله تعالى. (1/78)
صفحة 77
79
فإذا بقي مدةً طويلة بعد طواف الوداع من غير ضرورة أو اشتغل
بتجارة ونحو ذلك فهل يعيد الطواف أم لا؟
فقد اختلف الفقهاء على ثلاثة أقوال:
القول الأول للحنفية: ومفاده أنه لو طاف للوداع ثم أطال الإقامة بمكة ولم ينو الإقامة بها ولم يتخذها داراً جاز طوافه وإن أقام سنة بعد الطواف، إلا أنّ الأفضل أن يكون طوافه عند الصدر، وقد نص الكاساني في بدائع الصنائع على ذلك. 96
القول الثاني: وإليه ذهب المالكية ومفاده أن طواف الوداع يكون متصلاً بفراق من يودع وليس شراؤه أو بيعه جهازاً أو طعاماً ساعة من نهار فاصلاً بين وداعه وسفره، وإنما يفصل بينهما مقام يوم وليلة بمكة، وقد نص على ذلك الباجي في شرح موطأ مالك وأفاد بأن ما ذكره هو على ما في مدونة مالك. 7 القول الثالث للشافعي والحنابلة ومفاده أنه إذا ودع واشتغل في تجارة من بيع وشراء لغير ما يحتاج إليه أو أقام مدة طويلة عرفاً فعليه أن يعيد الوداع، وقد أشار إلى ذلك من فقهاء الشافعية
98
97
الشيرازي في المهذب. 98 ونص عليه النووي في المجموع
99
ونص عليه من فقهاء الحنابلة ابن قدامة في المغني. وابن مفلح في
- 97
- انظر: بدائع الصنائع للكاساني 143/ 2. - انظر: المنتقى شرح موطأ مالك للباجي 293/ 2.
98 - انظر: المهذب في فقه الشافعي 239/ 1.
-99
- انظر: النووي المجموع 255/ 8. (1/79)
صفحة 78
80
1 ..
الفروع والمرداوي في الإنصاف والبهوتي في كشاف القناع، وغيرهم ...
قال في الاقناع: " فإن ودَّع ثم اشتغل بغير شدّ رحلٍ أو اتَّجر أو أقام أعاد الوداع لا إن اشترى حاجة في طريقه أو صلى فإن خرج قبله فعليه الرجوع إليه لفعله إن كان قريبا ولم يخف على نفسه أو ماله أو فوات رفقته أو غير ذلك ولا شيء عليه إذا رجع فإن لم يمكنه الرجوع أو أمكنه ولم يرجع أو بعد مسافة قصر فعليه دم رجع أو لا وسواء تركه عمدا أو خطأ أو نسيانا ..
1.1"
والخلاف في المذهب كما مر آنفا ولا يحتاج إلى إعادة وما قل وكفى خير مما كثر وألهى.
قال العلامة البسيوي في جامعه ومن" ودع ثم رجع إلى بيته فنام وجامع انتقض وداعه وإن ودع بالغداة وقعد إلى العشاء أعاد الوداع إلا أن يكون أخلفه الجمال، وإن كان في طلب كراء أو لأهبته
فلا إعادة عليه، والوداع على من يخرج حيث يتعدى الحرم.
102
100 - انظر: المغني لابن قدامة 459/ 3. الفروع لابن مفلح 521/ 3. الإنصاف للمرداوي 4 ص 50. كشاف القناع للهوتي 512/ 2. 101 - الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل،1 394، موسى الحجاوي تحقيق عبد
اللطيف محمد موسى السبكي الناشر: دار المعرفة بيروت - لبنان
102 - جامع أبي الحسن البسيوي 2/ 1364 باب العمرة بتحقيق بابزير. (1/80)
صفحة 79
81
فالذي يُفهم من كلامه هذا أن مُكثه طوال النهار لايوجب عليه
إعادة الوداع ما لم يدخل الليل.
ولعل المطلب الآتي يوضِحُ ذلك فكن معي أجرك الله على ذلك. (1/81)
صفحة 80
82
المطلب الثاني
الأكل والشرب والمبايعة والنوم
للحاج بعد الوداع
اختلف أهل العلم في جواز فعل ما لابد منه للمودع بعد الوداع كالأكل والشرب وشراء حاجاته الضرورية كالطعام والشراب والوقود للسيارة وما شابه ذلك فمنهم من أباح ذلك نظرا إلى أنَّ هذا من الضروريات التي لا محيص عنها ومنهم من منع ذلك وإليك ما قالوه بنصه وفصه.
عن عطاء، قال: إذا ودع فلا يعمل عملا حتى يخرج إلى الأبطح، فإذا خرج إلى الأبطح، قال: لا بأس أن يقيم.
عن الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث أن عمر بن عبد العزيز وَدَّع، فأتى رجلا من قريش فعاده، فأعاد الوداع.
وكيع عن سفيان عن رجل لم يكن يسميه عن عمر بن عبد العزيز أنه ودع، فكتب كتابا فأعاد الوداع.
حكام الرازي، قال: سمعت رجلا سأل حميدا ما كان قول الحسن،
أو رأي الحسن في الرجل إذا ودَّع؟ قال: كان لا يرى بأسا إذا عرض (1/82)
صفحة 81
83
له الشيء أن يشتريه. 103
قال ابنُ عبد البر واختلفوا فيمن طاف طواف الوداع ثم بدا له في شراء حوائج من السوق ونحو ذلك، فقال عطاء إذا لم يبق إلا الركوب والنهوض فحينئذ يودع وإنما هو عمل يختم به، وبه قال الشافعي والثوري وأحمد وأبو ثور.
وقال الشافعي: إذا اشترى بعض جهازه وطعامه وحوائجه في السوق بعد الوداع [فإنه يعود ولا يجزئه الأول، فإن قضى حاجة في طريقه لم يؤثر وداعه.] 104
وقال أبو حنيفة وأصحابه أحب إلينا أن يكون طوافه حين يخرج، فلو ودع البيت ثم أقام شهرا أو أكثر أجزاه ذلك ولم يكن عليه
إعادة.
قال أبو عُمَر: هذا خلاف قول عمر له فليکن آخر عهده الطواف
1.0
بالبيت. 105
103 - مصنف ابن أبي شيبة 442/ 3 ح 15811، في الرجل يودع يعمل شيئا بعد الوداع. وانظر: منهج الطالبين القول الحادي عشر في وداع البيت. ج 4 ص 617 - . 104 - ما بين القوسين سقط من الاستذكار المطبوع واستدركتها من الأثر الآتي بعده من مسند الشافعي وشرحه "الشافي" لابن الاثير. 105 - ابن عبد البر الاستذكار 4/ 211، وانظر: الإشراف على مذاهب العلماء لابن المنذر أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، المتوفى: 319 هـ، 381/ 3. (1/83)
صفحة 82
??
وفي مدونة مالك: قلتُ لابن القاسم فلو أنه طاف طواف الوداع ثم اشترى وباع بعدما طاف أيعود فيطوف طواف الوداع أم لا؟ قال: سألت مالكا عن الرجل يطوف طواف الوداع ثم يخرج من المسجد الحرام ليشتري بعض جهازه أو طعامه، يقيم في ذلك ساعة يدور فيها ثم يخرج ولا يعود إلى البيت؟ قال: لا شيء عليه ولا أرى عليه في هذا عودة إلى البيت، قال: فقلت له: فلو أن كريَّهم أراد بهم الخروج في يوم فبرز بهم إلى ذي طوى فطافوا طواف الوداع، ثم أقام كريهم بذي طوى يومه وليلته وبات بها، أكنت ترى عليهم أن يرجعوا فيطوفوا طواف الوداع؟ قال: لا وليخرجوا.
106
وطواف الوداع: لا ينصرف أحد إلى بلده حتى يودع البيت بالطواف سبعا فإن ذلك سنة ونسك، ولا يسقط إلا عن الحائض وحدها، وهو عند مالك مستحب.
وينبغي أن يكون وداعه البيت متصلا بنهوضه بعد كل عمل يعمله، فإن اشتغل بعد الوداع فباع واشترى أو عاد مريضا ونحو ذلك عاد للوداع حتى يكون صدره ونهوضه بعد ركوعه لطواف الوداع متصلا
به
107
106 - مالك المدونة 492/ 1 ت. زكريا عميرات، الأم للشافعي 2/ 197 ط دار الفكر 107 - التاج والإكليل أبو عبد الله محمد بن يوسف العبدري الشهير بالمواق؛ المتوفى سنة 897 هـ ج 4/ 196) مالكي. (1/84)
صفحة 83
85
"إذا طاف المودّع وخرج من غير لبث فقد حصل الوداع، فإن أقام بعد ذلك على زيارة صديق أو شراء متاع أو ما أشبه ذلك، فإنه يعود ولا يجزئه الأول.
فإن قضى حاجة في طريقه لم يؤثر وداعه. وبه قال أحمد. وقال أبو حنيفة: لا يُعِد الوداع ولو أقام شهرًا أو شهرين أو أكثر.
وقال مالك: لا بأس أن يشتري لفقد جهازه ومتاعه بعد الوداع.
وأخبرنا الشافعي له أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب أنه قال: لا يصدرن أحد من الحاج حتى يكون آخر عهده بالبيت فإن آخر النسك الطواف بالبيت. 108
وإذا ودَّع ثم اشتغل بشيء غير شد رحل ونحوه؛ كقضاء حاجة في طريقه أو شراء زاد أو شيء لنفسه أو أقام بعده أعاده؛ أي طواف
الوداع لأنه إنما يكون عند خروجه، ليكون آخر عهده بالبيت، وعلم منه أنه: لا اشتغاله يضر
بنحو شد رحله.
109
"طواف الوداع وهو واجب من واجبات الحج وذلك:
108 - مسند الشافعي ج 1 ص 131، الشافي في شرح مسند الشافعي لابن الأثير
ص 502 ح 624 والحديث تقدم.
109 - منصور بن يونس بن إدريس البهوتي (المتوفى: 1051ھ) شرح منتهي الارادات. ج 1 ص 591 الرحيباني مطالب أولي النهى 2/ 436) حنبلي. (1/85)
صفحة 84
86
1 - لما ثبت في صحيح مسلم عن ابن عباس قال: " كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت
ورواه الدار قطني بلفظ كان الناس ينفرون من منى الى وجوههم فأمرهم رسول الله ان يكون آخر عهدهم بالبيت ورخص
للحائض"
110 "
2 - ولما في الصحيحين من حديث ابن عباس أنه قال: "أُمر الناس أن
يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خُفف عن الحائض"
فيجب على كل حاج إذا أراد أن يخرج من مكة أن يودع البيت كما أمر وأن ينصرف مباشرةً بعد الوداع ولا يبقى بمكة، فإن بقي فيها وعمل ما يدل على رغبته في البقاء فإنه يعيد لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يكون آخر عهدهم بالبيت الطواف فإذا بقي بمكة فعليه أن يُعيد الطواف وأما لو اشترى شيئاً في طريقه أو انتظر رفقته فإنه لا يُعيد الطواف. والله أعلم. 111
111
" .. وهذا كان خطاباً للحجاج وله أن يشتري ما يحتاج إليه بعد الوداع من جميع الحاجات حتى ولو اشترى شيئاً للتجارة ما دامت
110 - تقدم بعدة ألفاظ
مع التخريج.
111 شرح کتاب الحج من عمدة الفقه للدكتور محمد سعد اليوبي ص: 95 حنبلي. (1/86)
صفحة 85
AV
المدة قصيرة لم تطل، أما إن طالت المدة فإنه يعيد الطواف، فإن لم تطل عرفاً فلا إعادة عليه مطلقاً. 112
سُئِل الإمام أحمد هنا عن طواف الوداع، فأجاب بأن من ابتعد عن البيت ووصل إلى الأبطح فهو في حكم من خرج من مكة، ولا يطلب منه وداع آخر، ولو اشتغل بعد ذلك بأمور كالبيع والشراء، ووافق عليه إسحاق.
وأما ما دون الأبطح، فالمذهب أنَّ من اشتغل في تجارة أو أقام بعد طواف الوداع أعاد لحديث ابن عباس السابق، أما إذا اشترى زاداً
أو شيئاً لنفسه في طريقه فلا شيء عليه. 3
113
"لا بأس على الحاج أو المعتمر أن يشتري بعض الأغراض الضرورية بعد طواف الوداع، وهو في طريقه إلى السفر، وأما إن أطال المكث في مكة بعد طواف الوداع فعليه إعادة الطواف ليكون آخر عهده بالبيت الطواف وان لم يعد فعليه فدية والله أعلم.
114
112 - أسئلة وأجوبة مختارة من فتاوى الحج (ص: (203) بعد طواف الوداع، وانظر: البحوث العلمية (7 500 هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية تحفة الإخوان بأجوبة مهمة تتعلق بأركان الإسلام (ص: 293
113 - مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه 5
2223
ص، تعليق. إسحاق بن
منصور بن بهرام، أبو يعقوب المروزي، المعروف بالكوسج المتوفى: 251 هـ الحاشية.
114 - فتاوى قطاع الإفتاء بالكويت 54/ 8. (1/87)
صفحة 86
88
قال أبو سعيد رحمه الله 115: اختلف فيمن ودع البيت الحرام، بعد
طواف الزيارة فنعس وهو قائم بعد خروجه من دور مكة، فقول: لا شيء عليه، وقول: حتى يتعدى بيوت مكة كلها، من خارج الدرب.
-110
رحمه
هو الشيخ العلامة الإمام أبو سعيد محمد بن سعيد بن محمد بن سعيد الكدمي الناعبيه ولد ببلدة العارض من كدم من أعمال ولاية الحمراء. سنة 305 هـ على التقريب إذ يقول عن نفسه " وقد كنت أنا جعلني الإمام سعيد بن عبد الله الله وأنا حين بلغت على السجن .. " كما هو في الجزء التاسع والعشرين من بيان الشرع ص 174 باب نفقة المحبوس، عاصر إمامين من أئمة الهدى الإمام سعيد بن عبد الله بن محمد بن محبوب الرحيلي القرشي المشار إليه أنفا نصب عام ثلاثمائة وعشرين للهجرة، والإمام راشد بن الوليد، ومن أشياخه الشيخ محمد بن روح بن عربي الكندي السمدي النزوي وأبو الحسن محمد بن الحسن والشيخ رمشقي بن راشد وأكثر من أخذ عنهم العلامة محمد بن روح بن عربي الكندي النزوي. والعلامة أبو الحسن محمد بن الحسن النزوي. له تأليف مفيدة كالاستقامة والمعتبر، وغيرهما، وفتاوى قيمة وأحكام نافعة وحواش على عدة كتب تدل على سعة علمه أما وفاته فلم أجد تحديدا لها في المراجع التي استطعت الوصول إليها إلا أنه إلى يوم الأربعاء الثالث عشر من ربيع عام ثلاثمائة وإحدى وستين كان حيا يفتي سائليه إذ قيد عنه أحد تلامذته في هذه اليوم جوابا لمسألة حكاها مؤلف بيان الشرع في الجزء السادس من بيان الشرع في الملق والمداراة والمداهنة والمكر والخديعة. ج 6 ص 70 من ط التراث. وانظر ج 1 ص 5 - 6 من كتاب الاستقامة وكتاب المعتبر للإمام المذكور. وللباحث تراجم لمجموعة من العلماء بعنوان: " من أعلامنا" لا تزال محفوظة حتى يمن الله لها بالظهور للوجود.
الأول (1/88)
صفحة 87
89
وإن نعس جالسا حتّى غلبه النوم فلا عليه مالم ينم مضطجعا، وإن اضطجع ولم ينعس فلا عليه.
وإن طاف لوداعه، ثم نودي للصلاة، فيستحب له أن يصلي ثم يودع، وإن وَدَّع ثم انتظر للصلاة فليرجع لوداعه.
وقيل: طاف وائل 116 لوداعه، ثم نودي لصلاة العصر، فانتظر حتى صلى فقال له أبو المهاجر: أعد طوافك لوداعك، فقال وائل: صلاتي لا تحدث علي وداعا. فلم أدر بأي ذلك أخذ وائل.
116 - هو الشيخ العلامة وائل بن أيوب الحضرمي أبو أيوب من أفاضل العلماء في زمانه في القرن الثاني الهجري ومن طبقة الربيع بن حبيب من تلامذة أبي عبيدة وممن روى عنهم أبو غانم مدونته موطنه الأصلي حضرموت، عده الدرجيني ضمن علماء الطبقة الرابعة من 150 إلى 200 هـ)، انتقل إلى البصرة للدراسة وصاحب أبا عبيدة مسلم بن أبي كريمة زمانا، كما كان مع الإمام عبد الله بن يحيى الكندي في حروبه، وكانت له مساهمة في تثبيت الإمامة في بلده حضرموت، ولما رجع الربيع إلى عُمان كان صنو الربيع بن حبيب في الفتوى والتدريس، وكُتُبُ الإباضية الأولى مليئة بالأقوال المرويّة عنه، خاصة مدوّنة أبي غانم الخراساني.
وكان أبو عبيدة - الصغير - عبد الله بن القاسم البسيوي العماني ق 2 هـ، إذا سئل عن مسألة، قال: "عليكم بوائل فإنه أقرب عهدا بالربيع " وقال عنه الدرجيني: صنو الربيع وتلوه، ومن له في حلبة الفضائل مثواه، فإنهما رضيعا لبن التفقه في العلوم فما منهما إلا له فيه مقام معلوم، وإن كان لأبي عمرو فضل وزيادة وشهرة في الاستفادة والإفادة فإن لوائل أنواعا من جميل الصفات؛ أحيى الله على يديه: أعظم الدين الرفات من طيب شيم، وخلق كريم.
وقال عنه الشماخي: "هو من أفاضل أصحابنا علما وزهدا وتقى وأمرا ونهيا" (1/89)
صفحة 88
90
جمع
وجمع
كلمة
وكان من دعاة الألفة والتسامح ونبذ الشقاق والفرقة يدل له الخطاب الذي أرسله وائل بن أيوب الله للفرقة التي انشقت عن الإباضية وغلت في أمر الدين وتسمت "بالشعيبية" ففارقهم الإباضية على غلوهم ومع ذلك أرسل لهم وائل له خطاب مصالحة لقصد الشمل ولم الشعث وترك الغلو في الدين المسلمين فأبوا، وهو موجود ببيان الشرع ج 3 ص 417 من المطبوع؛ إلا أن به نقصا بينه والمخطوط استدركته محققة سيرة الامام وائل "المسماة نسب الإسلام" الباحثة عائدة الفهدية كما أنَّ بالسيرة أيضا فوائد كثيرة قد لا يستغني عنها طالب العلم، انظر وصف الصلح ونصه ص 17 فما بعدها، وانظر السيرة ذاتها من ص 67 - 88 حسب أول طبعة 1339 هـ 2018 م ومن مروياته: قال: كنا بمنى في خباء أبي عبيدة، وحاجب حاضر، ومحمد بن سلامة المدني ومحمد بن خليفة المدني، وكان محمد بن حبيب من العباد الأخيار، قال: ولم يُرَ أبو عبيدة قام يسلم على أحد إلا على محمد بن سلامة، ومحمد بن حبيب فإنه إذا رآهما قام إليهما واعتنقهما، قال وائل وفي الخباء مشائخ من أهل حضرموت فقهاء علماء، قال: فسألتهم عن رجل اكترى دابة إلى موضع معلوم، فجاوز الموضع، فعطبت الدابة، قال: فأجمعوا كلهم أنه ضامن للدابة، قال فقلت لهم فما ترون في الكراء؟ قالوا لا نرى عليه كراء، إنما ضمناه الدابة، قال وكان أبو عبيدة غائبا - أو نائما فاستيقظ- فقال حاجب يا اسأل الشيخ عن مسألتك، قال فسألته، قال: يضمن ثمن الدابة والكراء، قال فقال له محمد بن سلامة من أين يا أبا عبيدة؟ قال: من حيث لا تعلم." قلت: وهي مسألة خلافية تنتظم تحت القاعدة الفرعية الخلافية: "الربح والضمان هل يجتمعان أم لا؟. أو الربح والضمان لا يجتمعان أو بعبارة أخرى "الاجر والضمان لا يجتمعان" وهي قاعدة خلافية بين الفقهاء في مضمونها هل يجتمع الأجر والضمان أم لا؟
حضرمي
انظر: الدرجيني الطبقات ج 2 ص 242 - 243، وانظر المدونة الكبرى ج 2 ص 497 ط التراث. باب الأجير والإجارة. شرح النيل ج 10 ص 129 ط جدة. وانظر: ج 3؛ اختلاف العلماء في ضمان المال المضارب فيه إذا اشترطه ربُّ المال. من تطبيقات القواعد للباحث. وج 4 ص 404 - 405. ينظر أيضا الشماخي السير ج 1 ص 97 - 98 و 105 (1/90)
صفحة 89
91
ومن ودع البيت، ثم باع أو اشترى ونام فلا بأس عليه، وإن نام دون ذلك، أو اشترى أو باع، فعليه أن يرجع ليودع.
فإن لم يفعل وخرج فعليه. دم وقيل من ودع البيت، ثم أمر من يشتري له حاجة، فلا شيء عليه. إذا مضى متوجها.
117
ورخص جابر بن زيد - وعطاء للمودع أن يشتري الطعام والعلف
ويقضي ما عليه نافرا على طريقه، وبه قال ابن [أبي] ميسرة بأس بالأخذ به. 119
118
ولا
239 - 237
وطبقات الدرجيني ج 2 ص 178 و 261 و 278 وقواعد الإسلام للجيطالي ج 1 ص 103 وابن خلفون: الأجوبة، ملحق التراجم لعمرو خليفة النّامي، 110؛ الراشدي مبارك الإمام أبو عبيدة وفقهه ص 117 - بيان الشرع: 48/ 23. والتاج للثميني (3 (339) والمنهج لخميس الرستاقي (4/ 617 وداع البيت الناشر مكتبة مسقط .. والكوكب الدري للحضرمي ج 3 ص 77 - 78، البقاء في مكة بعد طواف الوداع. 118 - ابن أبي ميسرة هو أبو يحيى بن أبي ميسرة؛ عبد الله بن أحمد بن زكريا بن الحارث بن أبي ميسرة المكي من فقهاء القرن الخامس الهجري من رواة الحديث. ويقال: (مسرَّة) مكان (ميسرة) ولعله تصحيف، وفي الأصل (ابن ميسرة) والصواب: ابن أبي ميسرة) كما تقدم فليتأمل.
:
119 - التاج المنظوم من درر المنهاج المعلوم لعبد العزيز الثميني 3/ 339 فما بعدها) وشرح النيل 4 ص 268 جامع ابن جعفر: 368/ 3. موسوعة آثار الإمام جابر بن زيد لإبراهيم بولرواح (2/ 1510) 834 (1/91)
صفحة 90
92
والوداع سنةٌ لازمة، ولا بأس على من توانى في مكة بعد الوداع ما لم يتطاول ذلك.
قال أبو صفرة: قال محبوب رحمه الله: إن أبا عبيدة رحمه الله ودع ثم تحول إلى بئر ميمون 120 فسلّم على امرأتين من المسلمين، ثم قام يصلي المغرب. فقال الجمّال: يا أبا عبيدة حبستني. قال: وما حبسك غيري؟ قال: لا.
120 - بئر ميمون بأعلى مكة على طريق منى] منسوب إلى ميمون بن الحضرمي حفرها في الجاهلية قبل البعثة، وهو أخو العلاء بن الحضرمي، والي البحرين، وهو: العلاء بن عبد الله بن عماد بن أكبر بن ربيعة بن مالك بن أكبر بن عريف بن مالك بن الخزرج بن إياد بن الصدف الحضرمي الصدفي؛ عامل النبي صلى الله عليه وسلم على البحرين ومات بها سنة إحدى وعشرين في خلافة عمر بن الخطاب، وأمه: زهرة بنت مالك بن حذيفة بن عامر من الأنصار من الأوس.، ينظر: الحموي، (معجم البلدان (242/ 2 أخبار مكة للفاكهي أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن العباس المكي الفاكهي (المتوفى: 272 هـ) 67/ 4. ط بيروت 3. الإستيعاب في معرفة الأصحاب 1/ 334، لابن عبد البر، البداية والنهاية (3745) لابن الاثير. المؤتلف والمختلف للدارقطني (111/ 2) و 4 ص 14. أسد الغابة 2/ 467 ونسب قريش ص 280 طبقات خليفة بن خياط ص 42 وقيل غير ذلك في نسبه. ولمكة أربعة مداخل وشوارع يدخل منها، ويخرج منها، فمنها الطريق العظمى، وهي المعلاة على كداء، محجة العراق بئر ميمون بن الحضرمي، والطريق الأخرى وهي المسفلة يسلكها أهل اليمن وطريقان بالثنية، إحداهما على كدى وذي طوى يسلكها أهل الشام وأهل مصر، ومن أراد العراق على طريق المدينة، والأخرى ثنية المقبرة، وهي ثنية المدنيين التي تشرف على الحجون فهذه طرقات مكة وشوارعها أخبار مكة للفاكهي 4/ 85 السابق (1/92)
صفحة 91
93
قال: فركب أبو عبيدة من وقته ليجمع في موضع آخر. أما المدة التي لا يتسامح فيها المكث بعد الوداع فهي في الغالب ما يتعارف عليه عند الناس أنه مدة طويلة خارجة عن حد الحاجة، ومن غير ضرورة، وقالت الحنفية لاحد لها ولو شهرا، كما مر سابقا. وعند الاباضية وسائر المذاهب ما كان قدر الضرورة فقط فلا حرج فيه كما مر بيانه، وما خرج عنها فلا وحده أبو الحسن البسيوي من الغداة إلى ما دون العشية، كما مر سابقا، ولعل أبا الحسن قاس ذلك على من نسي إحرامه فلبس المخيط، فقد قيل: ما لم يبق على ذلك من الليل إلى النهار أو من النهار إلى الليل، فلا شيء عليه إلا نزع المخيط فور تذكره، والكلُّ محل اجتهاد، ولأهل العلم نظرهم في ذلك وبالله التوفيق.
121 - الكوكب الدري لعبد الله الحضرمي / السابق، [حكم المكث في مكة بعد
الوداع وابن جعفر: الجامع، 369/ 03. (1/93)
صفحة 92
94
المطلب الثالث
المستحبات بعد طواف الوداع
يستحب للمودع بعد ركعتي الطواف شرب ماء زمزم، والوقوف في الملتزم وهو ما بين الباب والحجر الأسود فيلتزمه ملصقاً به صدره ووجهه ويبسط يديه عليه، ويجعل يمينه نحو الباب ويساره نحو الحجر، وتقبيل الحجر إن أمكنه من غير مشقة ولا إضرار بغيره، ولا تصح المدافعة عليه لما فيها من ضرر، ومنافاتها للخشوع المأمور به في العبادة. وقد قال لسيدنا عمر بن الخطاب "يا عمر إنك رجل قوي لا تزاحم على الحجر فتؤذي الضعيف إن وجدت خلوة فاستلمه وإلا فاستقبله وهلل وكبر " (122) ويُسَنُّ له استحبابا الدعاء بما فتح الله عليه فيحمد الله، ويثني عليه، ويصلي على رسوله النبي الله ويدعو الله عز وجل بما تيسر مظهرا الانكسار والحزن على مفارقة البيت طالبا من مولاه قبول أعماله الصالحة والعفو عن التقصير ومحو السيات، كما فعل
122 - أخرجه أحمد 321/ 1 (190) والبيهقى (80/ 5، رقم 9043 و 9044 سنن ابن ماجه 2 225 ح 2962 وأخرجه أيضًا: عبد الرزاق 36/ 5 ح 8910، بلفظ: "ألا تتعوذ؟ " وانظر: كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال 5/ 58) 12037 ومسند الفاروق لابي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير، كتاب الحج، ت إمام 497/ 1 ح
335. عون المعبود شرح سنن أبي داود ومعه حاشية ابن القيم (5/ 248) 1899 (1/94)
صفحة 93
عبد
123
النبي. لحديث: عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: طفت مع الله بن عمرو فلما فرغنا من السبع ركعنا في دبر الكعبة فقلت: ألا نتعوذ بالله من النار. قال أعوذ بالله من النار. قال ثم مضى فاستلم الركن ثم قام بين الحجر والباب فألصق صدره ويديه وخده إليه ثم قال هكذا رأيت رسول الله الله. يفعل." ولا بأس بنقل ماء زمزم إلى غير مكة لحديث عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تحمل ماء زمزم وتخبر أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحمله" أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب، والحاكم وقال: هذا حديث صحيح الإسناد.
وأَعَلَّ بعضُهم هذه الرواية بأنَّ في سندها خلاد بن يزيد قال البخاري لا يتابع على حديثه. ولكن يشهد له ويقويه ما أخرجه البيهقي من طريق محمد بن إسحاق حدثني محمد بن العلاء أبو كريب ثنا خلاد بن يزيد (بهذا
السند).
قال: ورواه غيره عن أبي كريب وزاد فيه حمله رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأداوي والقرب وكان يصب على المرضى ويسقهم"
1240
123 - سنن ابن ماجة ج 2/ 988، ح 2962 باب الملتزم البيهقي في سننه الكبرى ج 5 93 حديث رقم: 9116 وأبو داود في سننه ج 2 ص ص 181 حديث رقم: 1899 مع اختلاف في بعض اللفظ
ص
124 - سنن الترمذي كتاب الحج 3/ 295 - 963. وقال: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه والتحبير لإيضاح معاني التيسير للصنعاني 3/ 492) والبدر المنير في تخريج الأحاديث والأثار الواقعة في الشرح الكبير لابن الملقن 6 ص (1/95)
صفحة 94
96
125
وما روي من طريق جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "أرسل وهو بالمدينة قبل أن تفتح مكة إلى سهيل بن عمرو: أن "اهد لنا من ماء زمزم ولا تترك " فبعث إليه بمزادتين" ومن طريق ابن عباس قال: استهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم سهيل بن عمرو من ماء زمزم 126
وروى في ذلك عن عكرمة عن ابن عباس
قال الشافعي رحمه الله: بلغنا أن سهيل بن عمرو أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم
منه قال الشافعي: والماء ليس بشيء يزول فلا يعود
128"
وروي عنه " ماء زمزم لما شرب له 28
127
410، والحاكم في مستدركه 660/ 1 ح 1783: وقال هذا حديث صحيح الإسناد، والبيهقي في السنن الكبرى 202/ 5 ح 9768. وأبو يعلى في مسنده ج 8 ص 140 ح 4683. وأخرجه البخاري في التاريخ والأداوي) و (الأداوَى) كفتاوي، وفتاوى، جمع إداوة بكسر الهمزة المطهرة. وهي إناء يحمل فيه الماء. وانظر: على سبيل المثال: تحفة الأحوذي ج 2 ص 123 حمل ماء زمزم و ج 1 ص 485، و سنن البيهقي (الخروج بماء زمزم). ج 5 ص 331 ح 9988. القواعد للجيطالي ج 2 ص 69، تلقين الصبيان لنور الدين السالمي مع المجموعة القيمة ص 114 الوداع. 125 - أخرجه البيهقي السنن الكبرى للبيهقي وفي ذيله الجوهر النقي باب الرخصة في الخروج بماء زمزم 5 ص 400 ح 10280 بإسناد جيد عن جابر بن عبد الله وله شاهد مرسل في مصنف عبد الرزاق ح 9127.
126 - البيهقي السابق ح 10279.
127 - السابق.
128 - أخبار مكة للفاكهي 3 140، ابن ماجه في سننه ج 2/ص 1018 ح 3062 السنن الصغير للبيهقي 133/ 4، 1369، السنن الكبرى للبيهقي المذيل بالجوهر (1/96)
صفحة 95
97
وروي بلفظ: "ماء زمزم شفاء لما شرب له 129
وروي عنه أنه قال لما شرب من ماء زمزم: "إنها مباركة، إنها طعام طعم، وشفاء سقم 130
وكان ابن عباس يدعو إذا شرب من ماء زمزم يقول: "اللهم إني
1310
أسألك علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً وشفاء من كل داء "131
واسعا
شفاء و
النقي ح 9940 و 10280 وشعب الايمان ح 4127 و 4128، والمستدرك للحاكم مع تعليقات الذهبي في التلخيص 1/ 646 ح 1739 عن ابن عباس رضي الله عنهما بلفظ: "قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ماء زمزم لما شرب له فإن شربته تستشفي به شفاك الله، و إن شربته مستعيذا أعاذك الله، و إن شربته ليقطع ظمأك قطعه الله، قال و كان ابن عباس إذا شرب ماء زمزم قال: اللهم أسألك علما نافعا ورزقا من كل داء. وقال: هذا حديث صحيح الإسناد إن سلم من الجارودي ولم يخرجاه. وأحمد 357/ 3 ح 14892. والديلمي 152/ 4 ح 6470. 129 - مصنف ابن أبي شيبة 7 ص 453 ح 24189 130 - مسلم كتاب الفضائل باب من فضائل أبي ذر ه ح 6359 من طريق أبي ذر بلفظ "إنها مباركة إنها طعام طعم، ورواه ابن حبان، كتاب إخباره عن مناقب الصحابة، باب ذكر البيان بأن أبا ذر كان من المهاجرين الأولين، 77/ 16، ح 7133،
ورواه ابن أبي شيبة، كتاب الحج، باب 219، في فضل زمزم، 262/ 3 ح موقوفا على ابن عباس من طريق أبي الطفيل، والطبراني في المعجم الكبير 98/ 11، ح 11167. انظر: مناسك الحج للجيطالي حاشية المحقق وانظر: شرح النيل ج 4/ 134 المهذب في اختصار السنن الكبير للذهبي /4/ 1960 ح 8321 و 8322. 131 - انظر: السابقة وسنن الدارقطني 2/ 288 ح 237 ومصنف عبد الرزاق 5 ص 113 ح 9112 والمستدرك على الصحيحين للحاكم 1/ 646 ح 1739. (1/97)
صفحة 96
98
المطلب الرابع
فتاوى ملحقة بالموضوع
س- إذا كان الحاج مريضاً ولا يستطيع أن يطوف طواف الوداع، فهل يلزم أن يحمل ويطاف به، أم يدخل البيت الحرام ويشير بيده
إلى البيت فقط؟ أفتني ولك الشكر.
طواف الوداع لا بد منه للحاج، وإنما رخص الرسول. . للحائض في تركه، كما جاء في حديث ابن عباس عند الشيخين، ولا تغني عنه
الإشارة
إلى البيت الحرام، ولا بأس بحمل المريض في حال الطواف. والله
أعلم.
132
واختلف العلماء في المريض الذي لا يستطيع الطواف سواء بِنَفْسِه أو أن يطوف به غيره هل يجب عليه الدَّم أو لا يجب عليه؟ والصحيح بأنَّهُ يُعْذَرُ كما تُعْذَرُ الحائض والنفساء، أما مَنْ عَدَا ذَلك فإِنَّهُمْ لا يُعْذَرُون عن طواف الوداع، وإن اخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ الدَّمِ عليهم، والأَكْثَرُ على وُجُوبِه."
133
132 - سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة
فتاوى العبادات ج 1 ص 277.
133 - القنوبي الشيخ العلامة المجتهد سعيد بن مبروك. "أحكام الحج والعمرة" حلقة 24 جمادى الأولى 1423 هـ، 2002/ 8/4 م (1/98)
صفحة 97
99
س 6: ما حكم طواف الوداع؟ ج أما بالنسبة إلى الحج فهو واجب على أكثر القول؛ الذي ذهب إليه الأكثر هو واجب لابد منه وإنما تعذر الحائض- ومن كان في حكمها كالنفساء- كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن النبي. وذهب بعضهم إلى أنه سنة.
أما بالنسبة إلى طواف الوداع للعمرة فإنه مختلف فيه بين أهل
العلم:
منهم من ذهب إلى مشروعية ذلك. ومنهم من رأى أنه خاص بالحج. وبعض العلماء ذهب إلى مشروعية طواف الوداع لكل من خرج من الحرم سواء كان قد حج أو اعتمر أو لم يحج ولم يعتمر. ومهما كان فالحج -كما قلت طواف الوداع واجب فيه.
وأما بالنسبة إلى العمرة فليس هنالك دليل متفق على صحته، بل ليس هنالك دليل صحيح ولا حسن يدل على مشروعية طواف الوداع للعمرة، وإنما أخذه من قال بذلك من طواف الوداع للحج، فذهب هؤلاء إلى أنه لا فرق بين الحج والعمرة، ورأوا أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يطف للوداع عندما اعتمر عمرة الجعرانة؛ ذلك: لأنه خرج بعد العمرة مباشرة، أو لأن طواف الوداع قد شرع بعد ذلك كما يؤخذ من ظاهر الرواية، فلعله لم يكن مشروعا من قبل.
ومهما كان فالأحوط والأسلم للمعتمر عندما يريد أن يخرج أن يطوف للوداع، فإذا كان الأمر واجبا فقد أدى الواجب بذلك وإن لم يكن واجبا فلا حرج عليه بذلك بمشيئة الله تبارك وتعالى ويكون قد (1/99)
صفحة 98
خرج بذلك من الخلاف.
ومن لم يطف في الماضي فلا شيء عليه بمشيئة الله تبارك وتعالى لأنه ليس هنالك دليل صريح واضح جلي لا غموض فيه في هذه
القضية، وما دام الأمر كذلك فلا نستطيع أن نلزم عباد الله -تبارك وتعالى- بالدم مثلا.
وذلك لأن أموال المسلمين معصومة بعصمة الإسلام لها فلا يصح لأحد أن يفتي بوجوب إخراج شيء منها إلا بدليل واضح لا غموض فيه، على أن العلماء قد اختلفوا في وجوب الدم في طواف الوداع للحج مع أنه أعني: طواف الوداع للحج مشروع بظاهر النصوص الصريحة الثابتة، فما بالكم بأمر لم يأت عليه دليل واضح جلي ولم تتفق الأمة الإسلامية عليه فلا يمكن أن نوجب فيه الدم؛ والله - تبارك وتعالى أعلم.
134
إذا أتى الحاج إلى بيت الله الحرام وودع، ولما خرج أحس بالرغبة إلى الأكل والشراب، ولكنه لم يجدهما إلا بالشراء، فاشترى وأكل، فهل
عليه شيء.؟
ج - البيع والشراء ممنوعان بعد الوداع، ومن فعلهما أو أحدهما أعاد الوداع. والله أعلم.
134 - سؤال أهل الذكر " من تلفزيون سلطنة عمان، حلقة 9 رمضان 1426 هـ، 2005/ 10/13 م المفتي: الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي الموضوع: عام. (1/100)
صفحة 99
101
س إذا أراد الحاج أن يخرج من مكة المكرمة وأتى إلى البيت وودع، وخرج من المسجد الحرام وأكل وشرب من غير أن يشتري فهل عليه
شيء؟
ج- لا حرج على المودع إن أكل أو شرب على الراجح، وإن شدد بعضهم في ذلك، وإنما يمنع من البيع والشراء. والله أعلم.
س - هل يجوز شراء المأكولات والمشروبات بعد طواف الوداع؟
ج-للمودع أن يشتري زاده فقط. والله أعلم.
س ما قولكم فيمن طاف طواف الوداع، وقبل أن يخرج من مكة اشترى شيئاً من المرطبات فشربها. فهل يلزمه شيء؟
ج من اشترى بعد طواف الوداع فعليه إعادة الطواف والله أعلم. س - ما قولكم فيمن ودع البيت الحرام ونام في منزله، وبقي إلى وقت الظهر، واشترى طعاما، لغدائه، هل في ذلك من بأس؟
ج من ودع البيت ليس له أن يبقى بعد ذلك إلا لضرورة لا محيص عنها، ذلك لأنه يؤمر أن يكون آخر عهده في مكة بالبيت الحرام. والله
أعلم.
س - هل يصح بعد وداع البيت الحرام الأكل والشرب للحاج وهو في (1/101)
صفحة 100
102
مكة؛ لأن سيدنا عمر بن عبد العزيز. ه 135 ودع البيت، ثم كتب رسالة ثم أعاد طواف الوداع، فما قولكم في ذلك؟
ج إعادة الطواف من باب الاحتياط، وقد بالغ بعض العلماء فأوجبوا الدم على من أكل أو شرب، والراجح عدم وجوب ذلك. والله
أعلم.
س: من اشترى ماء زمزم بعد طواف الوداع، هل يجب عليه شيء؟ ج: يرخص للإنسان أن يشتري زادَه، فإن كان هذا الماء لأجل أن يتزوده وأن يشربه في طريقه فلا حرج عليه.
136
يجب أن يكون طواف الوداع آخر ما يأتي به الإنسان في مكة المكرمة فيكون طواف الوداع هو أخر العهد بالبيت ليس له أن
حدث
عن
135 - عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب الإمام الحافظ المجتهد الزاهد العابد أمير المؤمنين حقاً أبو حفص القرشي الأموي المدني ثم المصري الخليفة الزاهد الراشد العدد الكبير من الصحابة والتابعين وأمَّ الناس ذات يوم وفيهم الصحابي الجليل أنس بن مالك. فقال: ما رأيت أحداً أشبة صلاةً برسول الله من هذا الفَتَى وحدَّث عنه أيضاً الجم الغفير من الصحابة والتابعين سار برعيته سيرة الخلفاء الأطهار رضوان الله عليهم فحكم فعدل فرضي الله عنه ورضيت عنه الرعية. توفي رحمه الله يوم الجمعة لخمس بقين من رجب سنة 101.
انظر سير أعلام النبلاء 112/ 5 - 148 رقم 48. 136 - فتاوى سماحة الشيخ الخليلي 1/ 277) (1/102)
صفحة 101
103
يشتري أو أن يبيع أو ما شابه ذلك، نعم إذا اضطر إلى شراء نعل بأن ضاعت نعاله فإنه لا مانع من ذلك وكذا إذا اضطر إلى استئجار سيارة لإيصاله إلى المطار أو إلى البيت أو إلى مكان يحتاج إلى أن يصله فإنه لا بأس من ذلك وكذا إذا احتاج إلى شرب ماء أو نحوه هذه الأمور البسيطة ولا سيما عند الحاجة والله تبارك وتعالى
أعلم.
137
س: من طاف طواف الوداع ثم خرج من مكة، ثم تذكر أنه شيئاً فرجع، هل عليه أن يطوف مرة أخرى؟
نسي
ج: لا، لا يجب عليه ذلك لأنه رجع من أجل ذلك الشيء الذي فقده أو الذي نسيه، فليأخذه وليخرج ولا طواف للوداع عليه، لأنه قد طاف للوداع وأراد الرجوع من أجل تلك الحاجة ليس إلا والله تبارك وتعالى أعلم.138
138
"ثبت عن رسول الله لو أنه قال للحجاج: "لا ينفرن أحد منكم حتى
يكون آخر عهده بالبيت
" I
أخرجه مسلم في صحيحه، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "أُمِرَ
137 - تنبيهات وفتاوى في الحج والعمرة للشيخ العلامة المجتهد سعيد بن مبروك
القنوبي ص: 36.
138 - السابق ص: 61. (1/103)
صفحة 102
104
الناسُ أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة
الحائض"
وقوله: "أُمِرَ الناسُ" - يعني أمرهم النبي، فلا يجوز للحاج أن يخرج من مكة إلا بعد طواف الوداع إذا أراد السفر إلى بلده، أو إلى بلاد أخرى، وإذا ودع قبل الغروب ثم جلس بعد المغرب لحاجة أو لسماع الدرس أو ليصلي العشاء فلا حرج في ذلك، فالمدة يسيرة يعفى عنها.
وقد طاف النبي لي في حجة الوداع طواف الوداع في آخر الليل، ثم صلي بالناس الفجر ثم سافر بعد ذلك عليه الصلاة والسلام. فالتخلف اليسير يعفى عنه في الوداع، وإذا كنت سافرت بعد العشاء فلا حرج في ذلك، أما إن كنت أقمت إقامة طويلة فينبغي لك أن تعيد طواف الوداع، وإن كنت لم تعد طواف الوداع فلا حرج عليك إن شاء الله؛ لأن المدة وإن كان فيها بعض الطول إلا أنها مغتفرة إن شاء الله من أجل الجهل بواجب المبادرة والمسارعة إلى
الخروج بعد طواف الوداع. 39
139
س- رجل حج في هذا العام، وبعد طواف الوداع نزل إلى السوق
واشترى بعض الحاجيات وهو جاهل في ذلك، فماذا عليه؟
139 - أسئلة وأجوبة مختارة من فتاوى الحج بالمملكة العربية السعودية ص: 185. (1/104)
صفحة 103
الجواب: قال أهل العلم لا يضر أن يشتري الإنسان بعد طواف الوداع حاجة في طريقه إما من أغراض السفر، أو هدية إلى أهله، أو كتاباً يحتاجه وأما إذا اشتغل بتجارة فإنه لا بد أن يعيد
الطواف.
وكذلك لا حرج عليه إذا كان قد دخل وقت الصلاة كما لو انتهى من الطواف مع الأذان وبقي حتى صلى فإن ذلك لا بأس به؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف للوداع وصلى بعد ذلك صلاة الفجر وكذلك لو طاف للوداع ثم أتى إلى الحافلة ووجد الرفقة لم يجتمعوا بعد، وبقي ينتظرهم ولو ساعة أو ساعتين أو أكثر فلا بأس في ذلك.
بعد طواف الوداع لا تشتروا إلا إذا كان لحاجة وأنتم ماضون في الطريق تشترون شيئاً للبيت وحاجة للسفر وليس المقصود بها
التجارة، فهذا لا بأس به. 141
140 - ابن عثيمين فتاوى الحج ح 21 ص 44 (حد بقاء الحاج بعد طواف الوداع)
141 - ابن عثيمين فتاوى الحج د 6. (1/105)
صفحة 104
106
الخلاصة
الخلاصة أن الحج فريضة واجبة على المستطيع مرة واحدة في العمر فمن زاد فتطوع.
وهو خامس ركن من أركان الإسلام، ومن وجد الاستطاعة فتمادى من غير عذر ولم يحج فهو عند الله مذموم وفي إيمانه خلل واضح
معلوم. وأن طواف الوداع ليس من المناسك المرتبطة بالحج ولا العمرة؛ من حيث الصحة والفساد، فلا يرتبطان به صحة وفسادا.
بل من السنن المسنونة الواجب فعلها مع الاستطاعة، ومن غير ضرر أو مانع، ولا فدية في تركه؛ وذلك لعدم النص عليها من الشارع، وأموال العباد معصومة كعصمة دمائهم وأعراضهم.
الله
وهو عبادة مستقلة بذاتها، يؤمر بها كل من أراد مفارقة حرم الآمن وبيته المقدس الطاهر، سواء أكان مكيا أم أفقيا عدا مريد الرجوع اليه كالخارج لأداء مناسك الحج أو للتنعيم للإحرام والمتردد إليها - تعظيما للحرم وتشبيها لاقتضاء خروجه الوداع باقتضاء دخوله الإحرام وإظهارا لحزنه على مفارقة البيت الحرام.
ويسقط الخطاب به بطواف الإفاضة إن أخَّرَه حتى الخروج، وبطواف العمرة إن لم يمكث بعدها، ولا يضره السعي، سواء أكان سعي الحج أم العمرة؛ لأنهما واجبان وأداؤهما بعد الطواف لا قبله.
ومعنى ذلك أن: طواف الوداع ليس مقصودا لذاته، بل المراد من (1/106)
صفحة 105
107
الأمر به أن يكون آخر عهد مريد الخروج من مكة الطواف بالبيت
الحرام.
وأن الخلاف جار في حكم طواف الوداع هل هو واجب أم سنة أم
مندوب إليه، مع اتفاق الكل أنه أمر مأمور به عن المعصوم. وأنَّ المُوَدّع يكفيه الخروج بعد الوداع إلى الأبطح أو ذي طوى أو ما شابههما، ولا يعد مكثه هنالك مخلا بوداعه؛ لأنه قد انفصل عن البيت الحرام.
وأن طواف الوداع سنة واجبة يسقط أداؤها بالعذر سواء أكان لعدم إمكان إتيانه لمانع شرعي كالحيض والنفاس أو المرض أو ضعف عن قدرة كالشيخ الكبير الذي يعجز عن الاتيان به بيسر دون مشقة أو لخوف ضرر على النفس ولو من شدة الزحام إن لم يكن عنده من الوقت ما يعينه على التأخير ثم الأداء بسهولة ويسر، فإن منعه من طواف الوداع مانع فقد كمل حجه ولم يبق عليه منه شيء، ولا يكون محبوسا بسببه.
وأن للمودع شراء ما لابد له منه كالطعام والعلف، والوقود وفعل ما لابد له منه كالأكل والشرب وإصلاح أموره وقضاء ما عليه نافرا على طريقه ما لم يتطاول كثيرا تطاولا يخرج عن حد الضرورة. وأن دين الله يسر ورسول الله الله ما خير بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا فإن كان إثما كان أبعد الناس منه" وأنه كان يوصي أصحابه بقوله: "يسّروا ولا تعسروا وبشروا ولا
تنفروا" (1/107)
صفحة 106
108
ورحمته
وأنَّ التيسير هو من خصائص هذا الدين الحنيف لأنه يستمد الله أحكامه من نور شرع ويستمد قوته من لطف الله بعباده، ويتجاوب مع حقائق الوجود بروح العقيدة الصحيحة والإيمان السالم من الشطط والغلو في الدين فلا إفراط ولا تفريط
وأنَّ المشقة تجلب التيسير، ولا ضرر ولا ضرار في الإسلام. وأن مال الانسان معصوم كعصمة دمه وعرضه، وأنه يجب عليه المحافظة على النفس، فلا يُحَمّلها ما لا تتحمل ولا يجلب لها الضرر. والله تعالى يقول: ... وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195) البقرة.
ويقول: " .. وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) النساء. هذا وأسال المولى القدير والناقد البصير أن يجعل هذا العمل وسائر أعمالي الصالحة خالصة لوجهه الكريم، وأن يعفو عني ويغفر لي كل ما صدر مني مما لا يرضاه ويبعدني عن كل ما يكرهه وياباه، ويختم لي ولسائر المسلمين بصالح العمل، ويبعدنا عن الشطط والزلل، وأن يجمع شمل عباده المؤمنين، ويؤلف بين قلوبهم، وينصرهم على أعدائهم ويذهب عنهم الحقد والحسد والغل والتباغض والتدابر والنخوة الجاهلية، إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير نعم المولى ونعم النصير ولا حول ولا قوة الا به العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد رسول الله وصفوة خلقه ومجتباه وعلى آله وصحبه ومن والاه وسلم تسليما كثيرا والحمد لله رب العالمين. (1/108)
صفحة 107
109
حرره العبد الضعيف الراجي عفو ربه الكريم اللطيف، زهران بن ناصر بن سالم بن حمد البراشدي بيده الموعودة بالفناء. وكان تمام تحريره ومراجعته النهائية صباح الأحد 6 شهر الفضل رمضان المبارك عام 1440 هـ الموافق 2019/ 5/12 م بمنزل الخوض ولاية السيب من محافظة مسقط العامرة. (1/109)
صفحة 108
الفهرس
الصفحة
الموضوع
تقديم
مقدمة الموضوع
المبحث الأول تعريفه وماهيته وفيه مطلبان المطلب الأول
التعريف
المطلب الثاني ماهية طواف الوداع
المبحث الثاني حكم طواف الوداع وأدلته وفيه مطالب
المطلب الأول حكم طواف الوداع وفيه ثلاثة أقوال القول الأول
الوجوب
القول الثاني أنه سنة يجب إتيانها
القول الثالث الاستحباب.
المطلب الثاني الأدلة
المطلب الثالث اختلاف الفقهاء في الفدية
اختيار الباحث
المبحث الثالث ما بعد طواف الوداع وفيه مطالب المطلب الأول
ما يترتب على طواف الوداع .... (1/110)
صفحة 109
78
90
94
102
106
المطلب الثاني الأكل والشرب والمبايعة والنوم للحاج بعد الوداع
المطلب الثالث المستحبات بعد طواف الوداع
المطلب الرابع فتاوى ملحقة بالموضوع
الخلاصة
الفهرس (1/111)
صفحة 110
112
رقم الايداع / 2019/ 471 م
ISBN 978 - 99969 - 4 - 130 - 6
9 789996 941306"> (1/112)