صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: علوم طبيعية - دراسات إسلامية - فقه
------------------------------------------
العنوان: البيئة في الخطاب الإسلامي
المؤلف: أحمد بن سعود السيابي
الناشر: مكتبة الضامري للنشر والتوزيع
مكان النشر: السيب - سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1435ه/ 2014م
الطبعة: 1
الملاحظات: طبع هذا الكتاب بإشراف وبدعم من وزارة البيئة والشؤون المناخية
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=5481&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/385
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 21 رجب 1446ه/ 21 - شهر 01 - 2025م. البيئة
في الخطاب الإسلامي
تأليف الشيخ أحمد بن سعود السيابي
[أمين عام مكتب الإفتاء] (1/1)
صفحة 2
الخطاب الإسلامي
تأليف
الشيخ أحمد بن سعود السيابي
1 أمين عام مكتب الإفتاء] (1/2)
صفحة 3
طبع هذا الكتاب بإشراف وبدعم من وزارة البيئة والشؤون المناخية
طنة عمان
جميع حقوق الطبع محفوظة للناشر
جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة إصدار هذا الكتاب أو تخزينه في نطاق استعادة المعلومات أو نقله أو استنساخه بأي شكل من الأشكال دون أخذ إذن خطي من الناشر
الطبعة الأولى
1435 هـ - 2014 م
مكتبة العامة
نشر والتونة
نشر وتوزيع
مكتبة الضامري للنشر والتوزيع هاتف 96444669 - 00968
t.k.aldhamri@gmail.com
ص ب 2 السيب. الرمز البريدي: 121
سلطنة عمان (1/3)
صفحة 4
قال تعالى:
ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ
لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَل يَرْجِعُونَ)
مهم
[الروم: 41] (1/4)
صفحة 5
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله
وصحبه، أما بعد
فإنّ البيئة هي المرجع والمأوى والوسط الذي يعيش فيه الإنسان
مع الكائنات الأخرى.
ولا ريب أن قضية البيئة أصبحت من قضايا الساعة، نظرا لما تواجهه بيئتنا من تحديات كثيرة وخطيرة تستدعي الاهتمام ووضع
الحلول المعالجة والمناسبة.
لذلك كان الخطاب الإسلامي سباقا في الحفاظ عليها من
الفساد والتلوث، باعتبار ذلك من مقاصده التي على أولياء الأمور
القيام بها تطبيقا وتنفيذا. (1/5)
صفحة 6
البينة في الخطاب الإسلامي
وشيء جميل أن نرى المجتمع الدولي وان كان متأخرا يولي هذا الأمر اهتمامه الكبير المتمثل في تكوين وإنشاء العديد من المراكز والأطر الإدارية والفنية التي قامت بصياغة العديد من الاتفاقيات الدولية التي أصبحت تأخذ بها دول وأطراف عديدة، كما صاحب تلك الاتفاقيات عقد عدد من المؤتمرات التي ناقشت ضرورة الحفاظ على البيئة من التلوث بجميع أنواعه محذرا من استنفاد المواد الحامية لطبقة الأوزون.
وقد أدليت بدلوي في هذا المضمار، بهذا البحث الذي جعلت عنوانه ((الحفاظ على البيئة في الخطاب الإسلامي)) وقسمته إلى العناوين التالية
الأول: التعريف والمفهوم الاصطلاحي، وقد تناولت فيه التعريف
اللغوي والتعريف العلمي والتعريف القانوني للبيئة.
الثاني: تعريف الخطاب الإسلامي، وقد اجتهدت إن أوجد تعريفا للخطاب الإسلامي الذي هو مصطلح معاصر، ولم يوضع له تعريف محدد، وقد اتضح لي انه لا يفترق عن مفهوم خطاب الشارع المتعلق بأفعال العباد المكلفين إيجابا واختيارا ووضعا
وهو اجتهاد مني لعلي أكون قد وفقت فيه. (1/6)
صفحة 7
البينة في الخطاب الإسلامي
الثالث: حماية البيئة من التلوث، وقد أوردت فيه النصوص الدينية
والقانونية وحللتها تحليلا يوضح عناية الإسلام بالبيئة ومكافحة التلوث، وعناية التشريعات القانونية بذلك مقتصرا على قانون حماية البيئة ومكافحة التلوث العماني.
الرابع: الحفاظ على العناصر الرئيسة للبيئة وهي أربعة
الماء والهواء والتربة والغذاء، على اعتبار إن هذه العناصر الأربعة هي المكونات الرئيسة للبيئة الجغرافية
التي يعيش فيها الإنسان وكائنات أخرى حية وجامدة.
وأرجو أنني وفقت أو اقتربت من التوفيق بإذن اللهومشيئته من التعرف على البيئة ومشكلاتها وأسبابها وحلولها، من المنظور الذي جاء به الخطاب الإسلامي قرآنا
وسنة وفقها وقانونا.
والله ولي التوفيق، وأخر دعوانا الحمد لله رب العالمين. (1/7)
صفحة 8
البينة في الخطاب الإسلامي
التعريف والمفهوم الاصطلاحي
يتصدر هذا البحث تعريفان
الأول: تعريف البيئة
- 1
البيئة لغة:
عرفها الخليل بن أحمد بقوله: "الباءة والباءة منزل القوم حين يتبوؤن في قبل واد أو سند جبل، ويقال بل هو كل منزل ينزله
القوم يقالتبوءوا منزلا
قال طرفه
طيبو الباءة سهل ولهم سبل إن شئت في وعث وعر (1/8)
صفحة 9
وقال أيضا:
البينة في الخطاب الإسلامي
وبوئت في صميم معشرها فتم في قومها مبوأها
والمباءة معطن الإبل، حيث تناخ في الموارد ويقال ابأنا الإبل إباءة
أي أنخنا بعضها إلى بعض، قال:
حليفان بينهما مئرة يبيئآن في عطن ضيق
ويروى يبؤان أي ينزلان
وقال: لهم منزل رحب المباءة آهل (1).
وقال الفيروز آبادي "باء رجع وانقطع، وبؤت به اليه وأبأته وبؤته، وبوأه منزلا وفيه انزله، والاسم البيئة بالكسر والمباءة المنزل (2).
1) العين مادة بوا.
(2) القاموس المحيط مادة بوأ. (1/9)
صفحة 10
البينة في الخطاب الإسلامي
وقبل ذلك وفوقه قول الله: {وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَاءِيلَ مُبَوا صِدْقٍ وَرَزَقْنَهُم مِّنَ الطَّيِّبَتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ
الْقِيَمَة فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (يونس:93) أي أنزلناها.
وقوله عزّ وجل: {وَإِذْ بوانا لإبراهيم مكان البيت الحج: 26) أي مباءة يرجع إليه للعبادة والعمارة.
وقوله: {وَالَّذِينَ تَبَوءُ والدَّارَ وَالْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ، فَأُوْلَيْكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
بهم
الحشر: 1)
قال الإمام محمد بن يوسف اطفيش أي سكنوها وهي المدينة وهم الأنصار، والتبوؤ النزول والسكنى في منزل، كأنه قيل والمعروفين المشهورين بمنزلهم حتى أنه لا يستحق اسم الدار الا منزلهم وهي (1/10)
صفحة 11
البينة في الخطاب الإسلامي
التي أعد الله تعالى لهم ويمدحهم بها لنفع المؤمنين بها، وقد قيل: أن
تبواوا بمعنى هيأوا للإسلام وأهله منزلا (1).
البيئة اصطلاحا:
هي مجموعة من النظم الطبيعية والاجتماعية والثقافية التي يعيش فيها الإنسان والكائنات الأخرى، وهي الإطار الذي يمارس فيه الإنسان حياته وهي مجموعة من الظروف والأحوال والمواد والاحياء التي تؤثر على الإنسان ويتفاعل معها كما يتأثر بها نشاطه الفسيولوجي مثل الهواء الذي يدخل في جسمه ويخرج منه أثناء الشهيق والزفير ان كان نقيا صلحت به، صحته وان كان فاسدا ملوثا اعتلت به مثل الماء الذي يشربه ويعيش به (2).
ولعل تعريف مؤتمر البيئة البشرية الذي عقد في ستوكهولم سنة 1972 م أصبح هو التعريف الأكثر شيوعا والأكثر استعمالا، ذلكم التعريف القائل كل شيء يحيط بالإنسان" (3).
1) تيسير التفيسر، ج 14، ص 446.
2) محمود محمد حبيب ومحروس عبد المجيد الشرقاوي، الإسلام والحفاظ على البيئة، ص 28.
عبدالمجيد النجار، قضايا البيئة من منظور إسلامي ص 19. (1/11)
صفحة 12
البينة في الخطاب الإسلامي
من ذلك يتضح أن التعريف العلمي الاصطلاحي للبيئة أنها
الوسط الذي يعيش فيه الإنسان، متفاعلا مع غيره من الكائنات الحية والجامدة مؤثرا ومتأثرا.
ويرجع الدكتور عبد المجيد النجار هذا المفهوم الاصطلاحي إلى العالم الفرنسي سانت هيلر في القرن التاسع عشر الميلادي الذي دل به على المحيط الذي تعيش به الكائنات الحية، ومن ثم أصبح هذا المصطلح في اللغة الأجنبية يعنى مجموعة الظروف والمؤثرات الخارجية التي لها تأثير في حياة الكائنات بما فيها الإنسان (1).
1) نفس المصدر، ص 20. (1/12)
صفحة 13
البينة في الخطاب الإسلامي
ويورد الدكتور / محمد النجيمي تعريفا وصفه بالإجرائي قائلا: "يمكن تعريف البيئة بأنّها المحيط المادي الذي يعيش فيه الإنسان بما يشمل من ماء وهواء وفضاء وتربة وكائنات حية ومنشآت أقامها الإنسان لإشباع حاجاته ثم قال بعد أن أورد عدة تعريفات لمصطلح البيئة ولعل التعريف الإجرائي هو التعريف المناسب للبيئة" (1).
وعرف قانون حماية البيئة ومكافحة التلوث العماني، البيئة بأنّها "الإطار الذي يعيش فيه الإنسان ويشمل الكائنات الحية من إنسان وحيوان ونبات وما يحيط به من هواء وماء وتربة، ومن مواد صلبة أو سائلة أو غازية أو إشعاعات وما يقيمه الإنسان من منشآت ثابتة أو غير ثابتة" (2).
1) محمد بن يحيى النجيمي، البيئة والحفاظ عليها من منظور إسلامي، بحث مقدم إلى الدورة
التاسعة عشرة لمجمع الفقه الإسلامي الدولي ص 3. (1/13)
صفحة 14
البينة في الخطاب الإسلامي
وخلاصة القول أن مفهوم البيئة حدد العرب معناه قديما لكنه
في صورة ضيقة عمّا آل إليه في العصر الحديث نتيجة تطوره بتطور الحياة حيث أصبحت البيئة علما ونظام حياة تلاقت فيهما وبهما حركة الحياة مع تقنية الحضارة المعاصرة. (1/14)
صفحة 15
البينة في الخطاب الإسلامي
الثاني: تعريف الخطاب الإسلامي
الخطاب الإسلامي: مصطلح حديث، فهو لم يرد في الأدبيات
الإسلامية، أما الخطاب المجرد عن وصفه إسلاميا.
1 - فقد عرفه العرب لغة بأنه مراجعة الكلام، وأنّه الكلام المنثور المسجع ونحوه (2)، كما عرف بأنه توجيه الكلام نحو الغير للإفهام (3).
ومنه الخطابة، التي عرفها الشريف الجرجاني، بأنها قياس مركب من مقدمات مقبولة أو مظنونة من شخص معتقد فيه، والغرض منها ترغيب الناس فيما ينفعهم من أمور معاشهم ومعادهم كما يفعله الخطباء والوعاظ).
أما مفهومه اصطلاحا: فالظاهر أنّ المقصود به خطاب الشارع، يقول الإمام أبو يعقوب الوارجلاني "اعلم أن الخطاب الوارد من الله سبحانه وتعالى، ومن الرسول صلوات الله وسلامه
1) الفراهيدي، كتاب العين مادة خطب.
(2) الفيروز أبادي، القاموس، مادة خطب.
السالمي عبد الله بن حميد طلعة الشمس، ج 2، ص 326.
4) التعريفات، ص 0104 (1/15)
صفحة 16
البية في الخطاب الإسلامي
عليه، ومن الأئمة الخلفاء الراشدين الهادين المهتدين الذين يقضون بالحق وبه يعدلون رحمهم الله لا يخلو من أن يكون
حقيقة أو مجازا" (1).
وخطاب الشارع، هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين إيجابا أو تخييراً أو وضعًا، وقسمه الأصوليون إلى خطاب تكليف وخطاب وضع. وخطاب التكليف من أثره الأحكام الشرعية الخمسة وهي
الوجوب والتحريم والإباحة والندب والكراهية
أما خطاب الوضع ما جعله الشارع سببا أو شرطا أوعلة لأمر آخر أومانعا منه (2).
من هنا نستطيع أن نحدد تعريف الخطاب الإسلامي المستعمل في التعبير المعاصر، بأنّه خطاب الشارع قرآناً وسنة وإجماعاً وقياساً ورأيا استدلاليا.
أو بمعنى آخر، فإنّ الخطاب الإسلامي هو الأدلة الشرعية سواء كانت المصادر الأصيلة كالقرآن والسنة والإجماع، أو المصادر التبعية الأخرى، مع الأخذ في الاعتبار الخلاف بين المذاهب الإسلامية وعلماء الإسلام في قوة مصدريتها، أو قوة مصدرية بعضها.
1) يوسف بن إبراهيم الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 31.
2 السالمي، مصدر سابق، ص 325. (1/16)
صفحة 17
أما
البينة في الخطاب الإسلامي
مجمع الفقه الإسلاميفقد عرف الخطاب الإسلامي بقوله:
"المقصود بالخطاب الإسلامي طريقة التعبير التي تبين حقائق
الإسلام وشرائعه في شتى مجالات الحياة العامة والخاصة"
(1) "
على أنّه يظهر أن المقصود من ذلك كله هو الإسلام عقيدة
وشريعة وفكرا.
(1) القرار رقم (135) الدورة الخامسة عشرة للمجمع. (1/17)
صفحة 18
البيئة في الخطاب الإسلامي
حماية البيئة من التلوث
عرفت المعاجم اللغوية العربية التلوث أو التلويث بأنه الخلط
واللطخ والمرس والتكدير أي خلط الشيء ولطخه ومرسه وتكديره
بشيء آخر.
كما عرف التلوث أو التلويث علميا بعدة تعريفات، أنسبها وأكثرها تداولا، هو أنّ التلوث هو إدخال الإنسان مباشرة أو بطريقة غير مباشرة لمواد أو لطاقة في البيئة، والذي يستنتج نتائج ضارة على نحو يعرض صحة الإنسان للخطر ويضر بالموارد الحيوية وبالنظم البيئية وينال من قيم التمتع بالبيئة أو يعوق الاستخدامات الأخرى المشروعة للوسط" (1).
أما التعريف القانوني للتلوث" فهو "التغير" أو الإفساد في خواص
البيئة أو نوعيتها بإدخال
أي من المواد أو العوامل الملوثة بطريقة مباشرة
أو غير مباشرة ينتج عنه خطر على صحة الإنسان
1) الإسلام والحفاظ على البيئة، ص 31 (1/18)
صفحة 19
البينة في الخطاب الإسلامي
أو الحياة الفطرية أو ضرر على النظم البيئية مما يجعلها غير
صالحة للاستعمال في الأغراض المخصصة لها (1).
وقد عبر القرآن الكريم عن التلوث أو التلويث بلفظ الفساد أو الإفساد، جاءت في ذلك آيات كثيرة، منها قوله تعالى: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ
الْفَسَادَ (25) (البقرة: 205]
وسواء كان التولي بمعنى الولاية التي هي الإمارة أو الذهاب، فان ذلك الشخص يسعى لخراب الأرض بإهلاك من عليها وما عليها
من النبات والإنسان قتلا وتدميرا، وقوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (البقرة: 60)، والافساد والعبث بمعنى واحد، بل إنّ العبث أشد أنواع الفساد، وهو تأكيد
بالنهي عن الإفساد في الأرض.
1) قانون حماية البيئة ومكافحة التلوث العماني، ص 3. (1/19)
صفحة 20
البينة في الخطاب الإسلامي
وقوله تعالى: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَحِهَا)
[الأعراف: 85]
وذلك لأن الأرض خلقها الله صالحة للحياة والعيش، فالواجب
على الإنسان أن لا يسعى في خرابها والقضاء على صلوحيتها.
وقال عزوجل: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ
بذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)))) (الروم: 1)
وهذه الآية الشريفة تعتبر بحق وحقيقة هي القانون العام لتلوث البيئة، وذلك لأن قانون التلوث أو العرف العام للتلوث استقر
على وجود ثلاثة عناصر ألا وهي
-
حدوث تغيير بالبيئة
حدوث ذلك التغيير من قبل الإنسان.
إلحاق الضرر بالكائنات (1).
وها نحن نقوم بتحليل هذه العناصر الثلاثة وربطها بالآية
الكريمة.
(1) الإسلام والحفاظ على البيئة، ص 35. (1/20)
صفحة 21
البينة في الخطاب الإسلامي
العنصر الأول: حدوث تغيير بالبيئة، وهو ما يحدث بالبيئة من
فساد في عناصرها ومكوناتها، كفساد الماء والهواء وتلوث التربة والغذاء، وتغير البحار والأنهار، ونفوق الحيوانات والطيور والأسماك وهلاك الإنسان وسائر الكائنات الحية والجامدة، وهو ما يعرف قانونيا بتدهور البيئة ومعناه التأثير على البيئة بما يقلل من قيمتها أو يغير من طبيعتها أو يستنزف مواردها الطبيعية
(1) -
وهو الذي يشير إليه العنصر الأول من الآية الكريمة و
ظَهَر
الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ الروم: 41)
العنصر الثاني: نسبة حدوث ذلك التغيير إلى الإنسان، وهو ما
يحدثه الإنسان من تدمير للبيئة.
ويشير إليه العنصر الثاني من الآية: بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى
النَّاسِ، وعرفه القانون العماني بأنّه المصدر، الذي هو "العملية والنشاط الذي يحتمل أن يكون سببا مباشرا أو غير مباشر للتلوث
البيئي"
1) قانون حماية البيئة ومكافحة التلوث العماني، ص 4. (1/21)
صفحة 22
البَيْنَة في الخطاب الإسلامي
العنصر الثالث الضرر البيئي، وهو ما يلحق الناس والكائنات الأخرى من ضرر وأذى نتيجة تغير البيئة وفسادها، وعرف القانون العماني الضرر البيئي بأنه الأذى" الذي يلحق بالبيئة ويؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر في خصائصها أو في وظيفتها أو يقلل من مقدرتها" (1).
وهو ما يشير إليه العنصر الثالث من الآية: {وَلِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي
ولعلّ من المناسب أن نجعل هذا التفسير تفسيرا علميا للآية الكريمة، كما أنّ التفسير الذي يربط ظهور الكوارث والآفات في الأرض بارتكاب المعاصي والفواحش كعقوبة ربانية هو تفسير ديني.
وفي رأيي أنه لا منافاة بين التفسير العلمي والتفسير الديني، بل إن التفسير العلمي يتضمن التفسير الديني إن صحت هذه التفرقة، لأنّه لاتعارض بين العلم والدين وذلك أنّ اعتداء الإنسان على مكونات البيئة وعناصرها وإفسادها هو معصية الله تعالى خالق الكون وموجده و هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ، بَلِ الظَّلِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (1) القمان:11]، ولا ريب أنه يترتب على (1/22)
صفحة 23
البية في الخطاب الإسلامي
معصية الله عقوباته إن لم يكن التنبه والرجوع عن ذلك الاعتداء، فقوله تعالى في آخر الآية المذكورة: لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) يشير إلى الرجوع عن الفساد الأخلاقي والاجتماعي والبيئي بالتوبة والإصلاح وحماية البيئة من التلوث والفساد.
على أنه يلحظ هذا المعنى من قوله تعالى: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ)
[البقرة: 205]
فإنّ هذه الآية وإن كانت قد نزلت فيمن قتل حيوانات وأحرق زروعا فإنّها اعتبرت ذلك الفعل مناقضا للإيمان وليس هذا التحريم لإتلاف الزرع والحيوانات باعتباره تعديا على حقوق أصحابها فحسب، بل هو تحريم أيضا، باعتبار أنّ هذا الإتلاف يعد عملا مفسدا للبيئة إذ هو إهدار المقدراتها في غير منفعة، وقد كان هذا المعنى ملحظا على درجة من الحس الحضاري لشيخ المفسرين الإمام الطبري (1).
ولذلك كان الخليفة أبو بكر الصديق يوصي قادة جيوشه
قائلا لهم لا تقتلوا امرأة ولا صبيا ولا كبيرا هرما، ولا تقطعوا
1) النجار، عبد المجيد، مصدر سابق، ص 261. (1/23)
صفحة 24
البينة في الخطاب الإسلامي
شجرة مثمرة ولا تخربوا عامرا ولا تعقروا ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا
(1) m
بعيرا إلا لمأكلة، ولا تقطعوا نخيلا ولا تحرقوه (1).
(4)
وهو ما أكد عليه الإمام سعيد بن عبد الله الرحيلي في القرن
(3)
الرابع الهجري في خطاب له إلى يوسف بن وجيه الذي كان يحكم عمان باسم الدولة العباسية حيث قال: وحاربناك محاربة المسلمين أهل البغي حتى تفيء إلى أمر الله لا نهاية لذلك عندنا، أو تفنى ارواحنا أو روحك على إحياء الحق وإماتة الباطل إن شاء الله، ولا نستحل منك مالاً، ولا نسبي لك عيالاً، ولا ننسف لك داراً، ولا نعقر لك نخلاً، ولا نعضد لك شجراً، ولا نستحل منك حراماً، ولا نجهز على جريح، ولا نقتل موليا تائبا، ولا نقتل مستأمنا إلينا، ولا نغنم ماله، ولا ندع أحدا يعتدي عليه في نفس ولا مال " (4).
وقد جاءت أحاديث نبوية عديدة تنهى عن قتل الحيوانات
والطيور إلا لمنفعة، أو خوف مضرة.
1) السيوطي، جلال الدين تاريخ الخلفاء، ص 179، وانظر قضايا بيئية من منظور إسلامي، ص 264،
والإسلام والحفاظ على البيئة.
2) هو الإمام سعيد بن عبدالله بن محمد بن محبوب الرحيلي القرشي الصحاري (320 - 328 هـ)
) يوسف بن وجيه عامل بني العباس على عمان، وهو من أهل العراق، وهو ابن أخت أحمد بن هلال الذي كان عاملا لبني العباس على عمان قبله، وأحمد بن هلال كان خلفا للسفاح محمد بن بور.
4) السالمي عبد الله بن حميد، تحفة الأعيان، ج 1 ص 290. (1/24)
صفحة 25
البينة في الخطاب الإسلامي
وهكذا نجد الإسلام أنّه قد اهتم بالبيئة والحفاظ عليها
اهتماما بالغا داقا ناقوس الخطر للبشرية بسلوكها الشائن تجاه
البيئة وطبيعتها منذ خمسة عشر قرنا.
وقد تنبهت البشرية في العصر الحاضر - منذ بداية السبعينات
من القرن العشرين إلى الخطر الذي يتهددها، ويهدد بقاءها من جراء تعاملها الجائر مع البيئة على أنّ هذا التنبه جاء متأخرا بعد أن وقع الفأس على الرأس كما يقال لذلك أصبحت قضية البيئة من قضايا الساعة الملحة والحديث عنها حديث الساعة، وصار التحرك من أجلها تحركا واسعا، حيث أصبحت تعقد من أجلها المؤتمرات، وتقام من أجلها الندوات بشكل متواصل، ففي العام الواحد هناك العديد من المؤتمرات والندوات واللقاءات والاجتماعات والمناشط والفعاليات.
كما أنشئت الأطر الإدارية والفنية سواء على مستوى الحكومات أو على مستوى المجتمع المدني للتعامل الإيجابي مع
قضايا البيئة. (1/25)
صفحة 26
البينة في الخطاب الإسلامي
ولعل من أهمها إنشاء الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير
المناخ التي تم انشاؤها سنة 1988 م بجهود مشتركة بين المنظمة
العالمية للأرصاد الجوية
UNEP
United Nations
Environment Programme
World Meteorological Organization
Weather Climate Water
وبرنامج الأمم المتحدة
للبيئة، التي أنيط بها
تقييم المعلومات العلمية
المتصلة
بتغير
المناخ
وتقدير الآثار الناتجة من
التغيرات المناخية على المجالات البيئية والاجتماعية والاقتصادية".
وقد ظهرت الاتفاقيات الدولية والإقليمية لحماية البيئة، منها: اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ ولمواجهة التأثيرات السلبية لظاهرة الاحتباس الحراري والتغيرات المناخية، وقد بدأ التوقيع عليها أثناء انعقاد مؤتمر قمة الأرض الأولى في مدينة ريودي جانيرو بالبرازيل عام 1992 م، وقد صادق على الاتفاقية المذكورة حتى شهر فبراير من عام 2009 م مائة
وواحد وتسعون بلدا.
(1) اتفاقيات الشؤون المناخية وجهود السلطنة ص 2. (1/26)
صفحة 27
البينة في الخطاب الإسلامي
اتفاقية كيوتو، وكيوتو مدينة باليابان عقدت بها الاتفاقية
عام 1997 م، وهي ما يعرف ببروتوكول كيوتو كملحق للاتفاقية الإطارية
اتفاقية فيينا لحماية طبقة الأوزون في عام 1985 م، وقد اتفقت الدول من خلالها على ضرورة التعاون من أجل حماية طبقة الأوزون ووقف استنزافها.
اتفاقية (بروتوكول) مونتريال عام 1989 م، بشأن تجميد وتخفيض والتخلص من المواد المستنفذة لطبقة الأوزون، وقد حددت الاتفاقيات آليات التعامل والتبادل التجاري بشأن تلك المواد مع الدول غير الأعضاء (1).
DE NATURE ONE WORLD OUR FUTURE
المصدر السابق، ص 4 22 (1/27)
صفحة 28
البينة في الخطاب الإسلامي
كما عقدت المؤتمرات الدولية من أجل حماية البيئة والحفاظ
عليها من التغيرات المناخية منها:
مؤتمر ستوكهولم بالسويد عام 1972 م.
ومؤتمر فيينا عام 1985 م.
مؤتمر مونتريال عام 1989.
مؤتمر قمة الأرض في ريودي جانيرو عام 1992 م.
مؤتمر كيوتو عام 1997 م.
مؤتمر بون بألمانيا عام 2001 م.
مؤتمر مراكش بالمغرب.
مؤتمر جوهانسبرج بجنوب أفريقا عام 2002 م.
مؤتمر أبو ظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة عام
(1)
2005 م).
مؤتمر الأمم المتحدة للتنمية المستدامة في ريودي جانيرو
عام 2012 م.
على أن هذه الاتفاقيات والمؤتمرات التي أشرنا إليها لا تتعارض مع الإسلام بل تتفق معه ويتفق معها، لأنها قائمة على دراسات علمية ومبنية على استنتاجات علمية وهي من المصالح المرسلة أي المصالح
1) النجيمي، محمد بن يحيى، مصدر سابق. (1/28)
صفحة 29
البينة في الخطاب الإسلامي
العامة التي تعنى بمصالح الأمة، ويتعلق تنفيذها على الدولة، فهي
التي عليها مراعاة شؤون الأمة ومنها بالطبع مصالح مواطنيها.
وقد عرف القانون العماني لحماية البيئة ومكافحة التلوث بأنّها "المحافظة على مكوناتها وخواصها وتوازنها الطبيعي وأنظمتها الطبيعية ومنع تدهورها أو تلوثها والحد منه ومكافحته وصون الموارد الطبيعية وترشيد استغلالها وحماية الكائنات الحية وخاصة النادرة منها والمهددة بالانقراض (1).
وفي رأيي أن حماية البيئة والحفاظ عليها من الفساد والتلوث من باب تحقيق المقاصد الشرعية الخمسة المعروفة التي هي: حفظ الدين وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ النسب،
وحفظ المال.
وهي
المقاصد الضرورية للشريعة الإسلامية، التي جاءت
لتحقيق المصالح ودرء المفاسد.
1) النجيمي، محمد بن يحيى، مصدر سابقص، 3. (1/29)
صفحة 30
البينة في الخطاب الإسلامي
الحفاظ على المكونات الرئيسية للبيئة
إن الحفاظ على البيئة يكمن في الحفاظ على عناصرها
الرئيسية وهي أربعة: الماء والهواء والتربة والغذاء.
الماء:
هو ذلك السائل الذي لا لون له ولا طعم ولا رائحة، وهذه أوصاف الماء العذب الطاهر المطهر الذي يمكن استعماله شربا وطهارة من الأنجاس والأحداث، أي أنه مطهر للنجس ورافع للحدث، فقد
جاء في الحديث النبوي الشريف الماء طهور لا ينجسه الا ما غير لونه
او طعمه او ريحه"
(1)
1) رواه الربيع بن حبيب في المسند. (1/30)
صفحة 31
البينة في الخطاب الإسلامي
وجعله الله أصل الحياة ومادتها لقول الله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيْ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ) الأنبياء:130، فإن هذه الآية تدل
دلالة واضحة على أنّ الماء هو أصل الحياة، حيث أن كلمة حي في الآية صفة لشيء، الأمر الذي يدل على الاستغراق والعموم لكل كائن حي. وقوله عزوجل: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ} [النور:45)، وإذا
كانت الأرض هامدة يابسة وأنزل الله عليها الماء فإنّها تهتز طربا
وتربو ابتهاجا وتنبت الزروع فرحا يقول الله تعالى: {وَتَرَى الْأَرْضَ
9/ 11
هَا مِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ
بهيج الحج: ه). والله تعالى ينزل الماء ليخرج به الأنواع المختلفة والأصناف المتشابهة من جميع النباتات والزروع لكي ينعم الإنسان بالأكل والعيش على ظهر هذه البسيطة وتأكل معه الأنعام والحيوانات وسائر الكائنات الحية يقول عزوجل: {وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَجًا مِن نَبَاتِ شَتَّى كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَمَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَتِ
لِأُولِي النُّهَى اطه: 154/ 53 ة
ونظرا للأهمية العظيمة للماء في الحياة فقد ذكره الله
عزوجل في ثلاث وستين (63) آية كريمة من كتابه العزيز. (1/31)
صفحة 32
البينة في الخطاب الإسلامي
وقد أجاد الطبيب واللغوي أبو محمد عبدالله بن محمد الأزدي
العماني الصحاري في القرن الخامس الهجري، عندما جعل عنوان كتابه الطبي "كتاب الماء"
قائلا: "إنّ الماء سر الحياة في الدنيا والآخرة"، وهكذا تجب صيانة الماء وحمايته من التلوث الذي تسببه المخلفات الصناعية والصرف الصحي والنفايات النووية والمبيدات الحشرية، والصناعات الكيماوية، حيث إنه من المعلوم أنّ الكثير من الأمراض تنشأ عن تلوث الماء نظرا لتكاثر طفيليات البكتيريا في الماء الملوث لذلك فإنّ "لتلوث الماء آثاره الضارة على الصحة العامة للانسان ليس فحسب، ولكن على الكائنات الحية عامة والتي تعتبر أساسا للإنتاج مما يقلل أو يضعف منه، الأمر الذي يعتبر ركيزة لأي تقدم حضاري، من هنا وجب الاهتمام بحماية البيئة من تلوث المياه ومواجهة الآثار السلبية لهذا التلوث" (2).
1) ولد في مدينة صحار بعمان وتوفي في بلنسية بالأندلس سنة 456 هـ بعد أن طوف بالعراق وفارس والشام ومصر إلى أن استقر في الأندلس، وألف كتابه بالطريقة المعجمية على الحروف الأبجدية أو الألفبائية، وهو يذكر العلل والأمراض والعلاج وأسماء الأدوية بناء على الاشتقاق اللغوي وأكثر من أخذ عنه علم الطب الطبيب الرئيس ابن سينا.
(2) الإسلام والحفاظ على البيئة، ص 75. (1/32)
صفحة 33
البينة في الخطاب الإسلامي
لذلك كان الإسلام حريصا على نقاوة الماء وجعله بعيدا عن التلوث والفساد، فقد عبّر الخطاب الإسلامي عن حرصه على ذلك، حيث أشار القرآن الكريم إلى نعمة الماء الطاهر النقي الصافي غير الملوث بقوله: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (الفرقان: 148 أي طاهر مطهر
غير ملوث.
وقوله: وَأَسْقَيْنَكُم مَّاءَ فُرَانًا (المرسلات 27) أي ماء نقيا صافيا مرويا مزيلا للعطش، وقوله تعالى: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَرٌ من ماءٍ غَيْرِ اسِن ال [محمد: 15 أي ماءً غير راكد، لأن الأسون مظنة التلوث أو يغلب عليه التلوث والفساد، فالماء الصحي ينبغي أن يكون جاريا، وكلما ازداد جريانه وطالت مسافة جريانه كان أكثر عذوبة
وأفضل صحة كما هو مقرر عند الأطباء. (1/33)
صفحة 34
البينة في الخطاب الإسلامي
يقول الأزدي: "وأجود ما يكون النهر أن يطول مجراه ويمر على
الحجارة تارة وعلى الحصى أخرى، ثم على الرمل والطين الإبليز وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تلويث المياه، محذرا من
عدة أمور منها عدم البول في الماء الراكد، حيث قال عليه الصلاة والسلام "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه ثم
يتوضأ " (2) والدائم معناه الراكد.
1) كتاب الماء، ج 1، ص 36.
(2) رواه الربيع (1/34)
صفحة 35
البينة في الخطاب الإسلامي
كما أمر صلى الله عليه وسلم
شارب الماء أن يحرك الإناء عن فمه عند
التنفس قائلا له: "ابن القدح عن فيك
ثم تنفس وقاس الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة الطعام على الشراب بقوله: "وكذلك في الطعام لا ينفخ فيه وإن كان حارا فليبرده وذلك لما يختزنه
الفم من الكثرة الكاثرة من البكتيريا
والميكروبات التي إذا انفصلت عن فم الإنسان صارت مضرة ملوثة.
ولعل الحديث الوارد عنه بالنهي عن ورد الحيوانات المريضة مع
الحيوانات الصحيحة "لا يَرِد هائم على مصح" فيه إشارة إلى تلوث
الماء أيضا، وإن كان الحديث قد فسر بالنهي عن اختلاط الإبل المريضة بالإبل الصحيحة حتى لا تنتقل عدوى المرض من المريضة إلى الصحيحة، فإنّه من الممكن أيضا أن تنتقل العدوى عن طريق الماء عندما تشرب منه الحيوانات المريضة، ويتلوث من شربها.
1) رواه الربيع
(2) رواه الربيع (1/35)
صفحة 36
البينة في الخطاب الإسلامي
وقد نصت التشريعات القانونية على هذا المعنى، وأقتصر هنا
على ما جاء في قانون حماية البئية ومكافحة التلوث العماني في المادة (20) منه حيث جاء فيها: " يحضر" تصريف المواد والمخلفات الخطرة وغيرها من ملوثات البيئة في الأودية أو مجاري المياه أو مناطق تغذية المياه الجوفية أو شبكات تصريف مياه الأمطار والفيضانات أو الأفلاج ومجاريها. كما يحضر استخدام أو تصريف مياه الصرف في غير الأماكن المشار إليها ولا يجوز الاستخدام أو تصريف مياه الصرف المعالجة إلا بعد الحصول على تصريح من الوزارة وفقا للإجراءات
والأوضاع التي يصدر بها
قرار من الوزير".
كما نصت المواد:
(22)، (23)، (26) من
القانون
نفسه
على
حماية المياه البحرية
الداخلية والإقليمية من التلوث ().
1) قانون حماية مكافحة التلوث الصادر بمرسوم السلطاني رقم 114/ 2001 م (1/36)
صفحة 37
النية في الخطاب الإسلامي
الهواء:
التعريف الطبي للهواء: هو أن الهواء الجو، وهو ما بين السماء
والأرض، والهواء جسم بسيط حار رطب.
أما حرارته فلأنه لو لم يكن حارا لم يكن خفيفا لأن البرد
يوجب الثقل والكثافة، فإن قيل: إنه يبرد الماء وبخاصة عند المبالغة في الدفع، ومبرد البارد بارد، أجيب بأن تبريد الماء المعلق في الجو إنّما هو بعوده إلى برده الطبيعي لضعف العامل المسخن له هنالك.
وأما رطوبته فلأنه يقبل الاشكال ويتركها بسهولة، فإن قيل:
لو كان رطبا لما جفف الأجسام الرطبة إذا علقت فيه، أجيب بأن تجفيفه لرطوبة تلك الأجسام إنما هو بتبخيره الأجزاء المائية التي فيه بحرارته الأصلية).
أما التعريف العلمي للهواء: فهو كل المخلوط الغازي، المتكون من غازات عدة مثل غاز النتروجين الذي يشكل النسبة الكبرى من الغلاف الجوي، وغاز الأكسجين وغاز ثاني أكسيد الكربون، وبخار الماء والهيدروجين والأوزون والهليوم وغازات أخرى يقال عنها
1) كتاب الماء، ج 3، ص 462 (1/37)
صفحة 38
إنها خاملة (1).
البينة في الخطاب الإسلامي
وعرفه قانون حماية البيئة ومكافحة التلوث العماني بأنه
خليط من الغازات تتعرض له الكائنات الحية أو غير الحية في الأماكن العامة أو الخاصة أو أماكن العمل (2).
ويتكون الغلاف الجوي للأرض من عدة طبقات، هي التربوسفير والستراتوسفير والميزو، سفير والثرمو سفير، ويتشكل ويتفكك ثم يعاد تشكله مرة أخرى وبصورة مستمرة في طبقة الستراتوسفير التي تقع على ارتفاع يترواح بين 15 55 كم من سطح الأرض، وتتحقق الظروف المثالية لحدوث هذه الدورة المتزنة من تشكيل الأوزون وتفككه على ارتفاع حوالي 20 25 كم من سطح الأرض، ولذلك فإن هذه المنطقة من طبقة الستراتوسفير تعتبر هي المنطقة الأغنى بغاز الأوزون ويطلق عليه اصطلاحا (طبقة الأوزون).
ولكل طبقة من هذه الطبقات بما تشتمل عليه من الغازات دور
بيئي بما فيها تلك التي تبتعد عن الأرض مئات الكيلومترات، فبعضها يبني المادة الحية، وبعضها يصد الأشعة الضارة، وبعضها يقوم
(1) المبارك، راشد، هذا الكون ماذا نعرف عنه، ص 76، وانظر الإسلام والحفاظ على البيئة ص 8، وقضايا البيئة من منظور إسلامي، ص 24.
(2) طبقة الأوزون، وزارة البيئة والشؤون المناخية سلطنة عمان. ص 8. (1/38)
صفحة 39
البينة في الخطاب الإسلامي
بدور مهم في تعديل المناخ، وكلها تشترك في النظام البيئي العام). ويرى الدكتور النجار أن الغازات التي تُكون الغلاف الجوي المحيط بالأرض هي التي أشار إليها القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا
السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا له (الأنبياء: 32 (2).
ومن المعروف علميا أنّ تلوث الهواء يؤدي إلى تلوث الغلاف الجوي الذي كان السبب وراء حدوث خلل في طبقة الأوزون، المعبر عنها بثقب الأوزون.
وذلك يؤدي إلى الإخلال بعملية تفكيك وتشكل الأوزون، مما يجعل الأشعة فوق البنفسجية. ب. توجد أضرار كبيرة بالبيئة، منها الإصابة بمرض سرطان الجلد للإنسان والحيوان، كما يؤدي إلى تدمير المحاصيل الزراعية وباختصار فإنّ التعرض لهذا النوع من الأشعة قد تؤدي إلى إلحاق الضرر بجميع أشكال الحياة على سطح
الأرض) (3).
(1) قضايا البئية من منظور إسلامي، ص 24.
2 نفس المصدر، ص 24
طبقة الأوزون وزارة البئية والشؤون المناخية ص 9. (1/39)
صفحة 40
البَيْنَة في الخطاب الإسلامي
كما أنه أصبح من المعلوم أنّ ملوثات الهواء عديدة منها: تصاعد الأتربة التي تثيرها أعمال الحفر والإنشاءات
العمرانية وتحريك عجلات وسائل النقل فوق الأراضي الترابية
والرملية كمثل ما حدث
في صحراء الأنبار العراقية
بعد الاحتلال الأمريكي
للعراق عام 2003 م حيث
حركت القوات الأمريكية
وحلفاؤها آلاف الآليات،
العسكرية في الأنبار أثناء المعارك مع المقاومة العراقية، مما تسبب في
إثارة الغبار في أجواء العراق وفي أجواء الدول الخليجية.
الدخان المتصاعد من
وسائل
النقل
المختلفة التي
تتحرك بالوقود من البنزين
والديزل والدخان الذي تثيره
المصانع،
وكذلك
الدخان
المتصاعد من المحطات الكهربائية
ومحطات تصفية النفط وحرق
القمامة
والفضلات، والدخان
المتصاعد من الأفران والمطابخ. (1/40)
صفحة 41
البينة في الخطاب الإسلامي
ولا يغيب عن الذاكرة ذلك الدخان الذي غطى سماء منطقتنا الخليجية نتيجة غزو العراق للكويت في عام 1990 م وإحراق آبار النفط وكذلك دخان آبار النفط العراقية بعد الهجوم الأمريكي
على العراق عام 2003 م
الأقمار الاصطناعية وهي أعداد هائلة تجوب الفضاء
وتؤثر على الغلاف الجوي، مثل أقمار التجسس وأقمار البث
التلفزيوني، وغيرها ذات الذرائع المتعددة.
الصواريخ التي تطلق من أماكن بعيدة عن الأهداف، بل
وحتى القريبة من الأهداف لها تأثيرها، ولكل تأثيره بحسبه.
سفن الفضاء التي ترسلها الدول الكبرى. (1/41)
صفحة 42
البينة في الخطاب الإسلامي
المواد المشعة، وأخطرها تلك التي
تحدثها التفجيرات النووية وما حادثتا إلقاء القنبلتين النوويتين الأمريكيتين على مدينتي هيروشيما وناكزاكي اليابانيتن عام 1945 م إلا
دليل واضح على الخطورة الشديدة على الحياة من تلك المواد المشعة.
وما حادثة انفجار مصنع تشرنوبل
بالاتحاد السوفيتي 1986 م عنا ببعيدة وكذلك ما تحدثه النفايات النووية من تلك المواد المشعة فإنّ فيها الخطر المحدق بالحياة
البشرية على هذا الكوكب.
ولا شك ولا ريب أنّ الدول الكبرى هي أكثر تلويثا للبيئة وغلافها الجوي، نظرا للصناعات النووية والصناعات الثقيلة الأخرى التي تقوم بتصنيعها وفي مقدمة تلك الدول الولايات المتحدة الأمريكية، لذلك فهي لم توقع على أي من الاتفاقيات المتعلقة بحماية البيئة وطبقة الأوزون.
وقد حرص الخطاب الإسلامي قرآنا وسنة على محاربة ومكافحة تلوث الهواء وكذلك عنيت القوانين الدولية والمحلية بمثل
ذلك. (1/42)
صفحة 43
البينة في الخطاب الإسلامي
فالله تعالى يقول: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً
[البقرة: 22]
ويقول: {وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا تَحْفُوظا الأنبياء:132
ويقول: وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَبِيحَ وَحِفْظا افصلت:12)، وقوله تعالى: وَثِيَابَكَ فَطَعر (المدثر 4)
هذه الآيات وغيرها من الممكن أن يفهم منها وجوب صيانة
البيئة والمحافظة عليها من اختراقها وتلويثها.
أما السنة المطهرة، فقد أمرت بالطهارة، فهناك الوضوء للصلاة، والغسل من النجاسات والأحداث الكبرى والاستحمام كالغسل يوم الجمعة، واستعمال الطيب والروائح الزكية، كما حثت على النظافة بشكل عام كنظافة المكان ونظافة الأبدان ونظافة الملابس،
كل ذلك ليكون الهواء نقيا غير ملوث.
كما كان اهتمام المجتمع الدولي كبيرا بمكافحة تلوث
الهواء وطبقة الأوزون، فقد عملت الاتفاقيات الدولية التي قدمنا
ذكرها لمعالجة ذلك. (1/43)
صفحة 44
البينة في الخطاب الإسلامي
وقد اتخذت سلطنة عمان التدابير اللازمة لحماية البيئة بما
فيها حماية طبقة الأوزون، حيث انضمت لطنة عمان
إلى اتفاقية (فيينا) لحماية طبقة الأوزون
وبروتوكول
مونتريال بشأن
المواد
وزارة الثرة الك
المستنفدة لطبقة الأوزون وتعديلاته في كل
من لندن وكوبنهاجن، وذلك بموجب المرسوم السلطاني رقم 98/ 73،
(1)
أنشأت من أجل ذلك الأطر الإدارية والفنية للعمل بذلك).
وأصبح معلوما أن تلوث الغلاف الجوي أدى إلى حدوث خلل في طبقة الأوزون، المعروف بثقب الأوزون، الأمر الذي بدوره يؤدي إلى
اضرار بيئية جسيمة مثل
ظاهرة الاحتباس الحراري
أو الدفء العالمي التي تؤدي إلى سخونة أسطح البحار والمحيطات نظرا لارتفاع
درجة الحرارة، مما ينتج عنه
تبخر المياه بشكل كثيف، حيث يؤدي ذلك إلى نشوء الأعاصير
والعواصف التي تسبب الفيضانات.
(1) اتفاقيات الشؤون المناخية وجهود السلطنة، ص 24، البيئة العمانية خلال ثلاثة عقود، ص 25. وزارة
البئية والشؤون المناخية (1/44)
صفحة 45
البينة في الخطاب الإسلامي
كما تؤدي ظاهرة الاحتباس الحراري إلى ذوبان الجليد
القطبي في القطبين الشمالي والجنوبي).
التربة
التراب والترب واحد، والتربة مؤنث، التراب، وأرض طيبة التربة
(2)
أي خلقة ترابها (2)، والتراب والتربة ما نعم من أديم الأرض وهو جزء الأرض السطحي الذي يتناوله المحراث (3).
وقد ذكره الله عزّ وجلّ بهذا المعنى في قوله:
فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابُ فَأَصَابَهُ، وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا (البقرة:
01264
1) لعله من المناسب أن نذكر، هو أنه أثناء كتابة بعض فقرات هذا البحث كانت السلطنة تتعرض لمرور الإعصار الذي أطلق عليه ((إعصار فيت () وذلك يومي الخميس والجمعة 20 و 21 جمادي الثانية لعام 1431 هـ / 3 و 4 يونيو 2010 م الذي تسبب في حدوث أمطار غزيرة وفيضانات في بعض ولايات محافضتي شمال وجنوب الشرقية نتيجة مرور الإعصار بمحاذاة السواحل الشرقية للسلطنة، ولعله من لطائف الأحوال أن يكون الإعصار الذي أطلق عليه ((جونو)) الذي ضرب السلطنة في نفس الأماكن قبل ثلاث سنوات كان أيضا في 5 يونيو 2007 أي في نفس الشهر.
(2) كتاب العين مادة ترب.
) المعجم الوسيط مادة ترب. (1/45)
صفحة 46
البيئة في الخطاب الإسلامي
على أن جزء الأرض السطحي الذي يتناوله المحراث يطلق عليه
كلمة الأرض أو يتناوله معنى كلمة الأرض في قوله تعالى: {الَّذِي
جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشا) (البقرة:22).
وقوله تعالى: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا الله نوح:19) وقوله
:عزوجل: {وَالْأَرْضَ فَرَشْنَهَا فَنِعْمَ الْمَهِدُونَ (الذاريات: 48.
(48
وغيرها من الآيات الكثيرة، وقد ورد ذكر الأرض في القرآن
الكريم (461) مرة، وما ذلك إلا لأهميتها في حياة الناس.
وكلمة الأرض تشمل التربة وغيرها من عناصر الأرض. فالحديث عن التربة، يعني الحديث عن الأرض الصالحة للحياة، فهي الوسط
البيئي
الصالح
للحياة، وأهم مصدر
يمد الكائنات الحية
بأسبابها فهي تضم
النباتات من غابات
وأشجار
ومزارع لا يحصى لأنواعها عدد.
وأحراش (1/46)
صفحة 47
البيئة في الخطاب الإسلامي
وفيها المملكة الحيوانية وعليها تجري الأنهار، ولولا ذلك لما
قامت على سطحها الحياة
(1) ..
والله تعالى جعل الأرض دار قرار للإنسان والحيوان وكائنات أخرى يقول الله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَعُ إِلَى حِينٍ (البقرة:36)، وقوله تعالى: أَمَن جَعَلَ الْأَرْضَ فَرَارًا وَجَعَلَ خِلَلَهَا
أَنْهَرًا} [النمل: 61].
(1) السامرائي، مهدي صالح، الحفاظ على البيئة، ص 21 (1/47)
صفحة 48
البينة في الخطاب الإسلامي
كل ذلك امتنان من الله على عباده ليشكروه ويعبدوه ولا
[النساء: 36)
يشركوا به شيئا وَاعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَيِشَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ (الأعراف: 10). وقد أمرنا الإسلام بعمارة الأرض بقوله عز وجل: هُوَ أَنْشَأَكُم مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: (61)، فهذه الآية فيها الأمر بعمارة الأرض له يقول الشيخ اطفيش: أي جعلكم عامرين فيها، أي باقين أحياء، أو للطلب أي طلبكم أن تعمروا الأرض بالسكنى والبنيان والحرث والإسلام، والطلب من الله على ظاهره، إلا أن الله قادر غير محتاج قاهر غير عاجز، أو بمعنى الأمر والإقدار أي أوجب عليكم عمارتها
(1)
وأقدركم عليها، ونهاكم عن إخرابها بإهمالها وبعمل المعاصي وأرى أنّ هذه الآية الكريمة أصل في عمارة الأرض بكل ما هو
صالح للحياة ولعل هنا يترجح القول الأصولي القائل، الأمر بالشيئ نهي عن ضده.
وقد جاءت آيات أخرى تكمل هذا المعنى وتحققه، حيث يقول الله
عزوجل: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِزْقِهِ
وَإِلَيْهِ النُّشُورُ الملك
ما
(1) تيسير التفسير، ج 6، ص 427. (1/48)
صفحة 49
البنية في الخطاب الإسلامي
وقوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوةُ فَأَنتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا
مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (الجمعة: 10)، فالأكل
من الرزق وابتغاء فضل الله لا يكونان إلا من تعمير الأرض و إقامة أسباب الحياة عليها.
لذلك جاءت السنة النبوية عبر أحاديث عديدة حاثة على عمارة الأرض، منها قوله صلى الله عليه وسلم "من أحيى أرضا ميتة فهي له، ترغيبا وحثا على تعمير الأرض، لكي يتسابق الناس إلى إحياء الأرض، كما أن في ذلك إشارة إلى أن الملكية الخاصة تشجع على الإنتاج الاقتصادي، وقوله عليه الصلاة والسلام: "من عمر أرضا ليست لأحد فهو أحق بها قال عروة بن الزبير قضى بذلك عمر في
خلافته (2).
1) رواه مالك في الموطأ
2) رواه البخاري (1/49)
صفحة 50
البينة في الخطاب الإسلامي
وقوله عليه الصلاة والسلام: "ما" من مسلم يغرس غرسا أو يزرع
زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقه (1). والأحاديث في هذا المعنى عديدة وكثيرة، وكلها تأمر بالعمارة. وكما أن الإسلام يأمر بعمارة الأرض والحفاظ عليها فإنّه ينهى عن تخريب الأرض وتدميرها ولا أشد من تلويث بيئة الأرض الذي يتجلى في عدة أشياء منها:
التفجيرات النووية، والتي تنشأ عن الحروب وعن
التجارب النووية.
الفضلات والقمامة
التي تحتوي على المخلفات
الصعبة والمخلفات البلاستيكية
وحرق الفضلات والقمامة التي
فيها مواد بلاستيكية تفرز موادا
سامة مضرة بالبيئة.
المبيدات الحشرية، التي تتسبب في قتل البكتيريا المسؤولة
عن التحليل العضوي للتربة.
1) رواه البخاري (1/50)
صفحة 51
البينة في الخطاب الإسلامي
على أنّه من الملاحظ أن المزارعين يقومون بتسميد زراعاتهم
بالمواد الكيماويه وهذه المواد
لها تأثيرها على التربة حيث
تفقدها خصوبتها، كما أنّ
للمنتج الزراعي أثره الضار
على صحة الإنسان، غير أنّ
المزارعين لايهمهم إلا كثرة
المنتج ووفرته.
وعلى العموم، فإنّ سطح الأرض يتلوث بوجه عام نتيجة لتراكم المواد والمخلفات الصلبة التي تنتج من المصانع والمزارع والمنازل والمطاعم، والملوثات التي تختلط بالتربة الزراعية تفقدها خصوبتها وتؤثر تأثيرا سيئا فيها، حيث تتسبب في قتل البكتيريا المسئولة عن تحليل المواد العضوية وعن تثبيت عنصر النيتروجين (1).
وأهم ما يواجه التربة بالقضاء على كونها صالحة للزراعة
هما أمران اثنان: الملوحة والتصحر.
1) الإسلام والحفاظ على البيئة ص 109. (1/51)
صفحة 52
البينة في الخطاب الإسلامي
فالملوحة
هي
مشكلة البلدان قليلة الأمطار، مثل بلدان شبة
الجزيرة العربية ومنها سلطنة عمان حيث ضربت الملوحة منطقة
سهل الباطنة منها والباطنة كانت تعرف بأنها بحبوحة عمان والبحبوحه معناها الوسط والخيار وذلك الخيار لكثرة خيراتها ووفرة منتوجاتها وأصبحت تعاني من الملوحة بدرجة كبيرة إلى حد أن اختفت مناطق زراعية كبيرة كانت سابقا حدائق ذات بهجة، وتؤتي ثمارها وأكلها كل حين بإذن ربها، حيث كانت تحتوي على أصناف عديدة من المزروعات، مثل النخيل وأشجار الأمبا (المانجو) والليمون والموز والبقوليات والحبوب والقت (البرسيم) وغير ذلك من الأصناف الزراعية، فقد انقرضت تلك المزروعات نتيجة زحف الملوحة على الأراضي الزراعية، وتحولت تلك الأراضي الزراعية إلى أراض سكنية (1/52)
صفحة 53
البينة في الخطاب الإسلامي
وتجارية وصناعية، ولاشك أن هناك عوامل أدت إلى وجود الملوحه
منها:
- الجفاف، نتيجة شح الأمطار في السنوات الأخيرة،
حيث أصبحت كمية الأمطار
قليلة لا تكفي للري الجيد
الذي من شأنه أن يطرد
الملوحة أو يصد زحفها على
الأقل.
الاستنزاف الكثير للمياه بشكل عشوائي - إن صح التعبير
سواء كان ذلك في الاستعمال المنزلي أو في الري الزراعي، وهنا لابد من تطوير وسائل الري، وآلياته تخفيفا لاستنزاف المياه وتقليلا
لإهدارها، مما يعني ترشيدا لاستهلاك المياه.
- التوسع الزراعي الزائد على الحاجة، بمعنى أن إحداث مساحات زراعية أخرى كبيرة لاشك أنها تكون على حساب الأراضي
الزراعية السابقة مثل التي أشرنا إليها من أول السطر. (1/53)
صفحة 54
البينة في الخطاب الإسلامي
أما التصحر فيعرف بأنه التدهور الكلي أو الجزئي لعناصر
(1) -
البيئة، ومن مظاهر التصحر
انجراف التربة الصالحة للزراعة، حيث أنه لابد للنبات الذي
يعد من أهم أدوات مكافحة التصحر من تربة صالحة، يعتمد عليها
في نمائه وبقائه، وقد ضرب الله مثلا لمثل هذه الحالة: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابُ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلَدًا} (البقرة: 1264
إن هذا التصوير الرائع البديع في عدم الانتفاع بالأعمال،
كمثل ذلك التصحر الذي أصاب ذلك الجبل الذي صار صلدا أجردا نتيجة انجراف التربة عنه وأصبح لا ينتفع منه بشئ.
- الزحف الرملي
الذي يحل محل التربة
للزراعة وهذا
الصالحة
الشيء يكثر حاله
عند
القحط والجفاف، ثم تقوم
الرياح بتحريك الرمال من
أماكنها إلى الأماكن المعمورة بالزراعة والري.
- فقدان النباتات إما نتيجة الجفاف وملوحة المياه ثم ملوحة التربة وإما بقطع الأشجار لاسيما أشجار الغابات، حيث يعمد
1) النجيمي، محمد بن يحيى، مصدر سابق. (1/54)
صفحة 55
البيئة في الخطاب الإسلامي
الكثيرون إلى قطعها للتجارة بالأخشاب نظرا للتوسع العمراني الذي يشهده العالم، ولاريب أن قطع الأشجار من الغابات يؤدي إلى فقد
التوازن البيئي، كما أنّه يؤدي إلى تقليل هطول الأمطار.
- الرعي الجائر، وذلك بترك الحيوانات تعبث في الرعي دون مبالاة من أصحابها.
هذه هي أهم التحديات التي تواجه صلاحية التربة وبالتالي تجعلها غير قادرة على العطاء الغذائي للإنسان والكائنات الحية الأخرى، لذلك فإن الأمر يستدعي تدخلا إصلاحيا لهذا الوضع
البيئي المتدهور.
ولا ريب أنّ الإسلام قرآنا وسنة عالج مثل هذه الظواهر والتحديات التي تواجه التربة للحفاظ عليها من التلوث والفساد (1/55)
صفحة 56
البينة في الخطاب الإسلامي
والملوحة والتصحر، بما أمر به من استصلاح للأرض وإقامة المزروعات
عليها.
فقد حكى القرآن عن النبي يوسف عليه السلام بما قرره من
121
الخطة الزراعية لأهل مصر بقوله: {قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَابًا ما
حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ: إِلَّا قَلِيلا مِمَّا نَأْكُلُونَ) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَالِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ هُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ
يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (يوسف: 47 - 49]
فإنّها خطة زراعية عملية وتخطيط اقتصادي سليم، كل ذلك تعليم للبشرية في كيفية التعامل مع الأرض بالزراعة والاستصلاح تكيفا مع الوفرة المائية المتاحة خصبا وقحطا.
كما جاءت السنة النبوية الدالة والمرشدة إلى مثل هذه الخطة
وإلى مثل هذا التخطيط.
وقد عالجت القوانين التشريعية حماية التربة من التلوث حيث
جاء في قانون حماية البيئة ومكافحة التلوث العماني في المادة (21)
مايلي: (1/56)
صفحة 57
البنية في الخطاب الإسلامي
للوزارة بالتنسيق مع الجهات المختصة اتخاذ جميع الإجراءات
اللازمة لحماية التربة ومكافحة التصحر وفقا للخصائص الطبيعية
للتربة وطبقا لظروف المنطقة المعينة ولا يجوز
أ قطع أو اقتلاع أو الاضرار بأي شجرة أو شجيرة أو أعشاب من
الغابات العامه إلا بتصريح من الوزارة.
ب - ممارسة أي نشاط يضر بكمية التربة أو نوعية الغطاء
النباتي في أي منطقة أو يكون من شأنه أن يؤدي إلى التصحر أو تشويه البيئة الطبيعية.
ج - نزع الحجارة أو اقتلاع الأشجار والشجيرات والأعشاب أو نقل التربة والرمال من مجاري المياه والشواطئ والأودية أو البرك والمستنقعات ومصارف المياه العامه وضفافها إلا بتصريح من
الوزارة) (1).
وخلاصة القول أنّ السبب الرئيس للتصحر هو سوء إدارة
واستغلال الأنظمة البيئية من قبل الإنسان أو بتعبير آخر سوء استغلال الإنسان لموارد التربة والمياه والنبات (2).
1) ص 11.
(2) السامرائي، مصدر سابق، ص 22 (1/57)
صفحة 58
البينَةُ في الخطاب الإسلامي
الغذاء:
الغذاء: لغة هو الطعام والشراب واللبن، وقد يغذو غذاء) ولكون الغذاء مرتبطا بصحة الإنسان فان الطب له حضوره في تعريفه فالغذاء ما يكون به نماء الجسم وقوامه من الطعام والشراب، وهو ما يغتذى به من طعام وشراب.
وهو عندنا كل ما يزيد في جوهر البدن وأقطاره ولا يغير شيء
من كيفياته، ويسمى طعاما ويسمى غذاء بالقوة قبل التحلل وغذاء
بالفعل بعد التحلل (2).
وبما أن الغذاء هو الطعام فإن أول مكونات الطعام النبات الناتج
عن الزراعة أو الفلاحة، ومن المعلوم أن الزراعة والفلاحة بمعنى واحد. وقد عرّف الخليل بقوله: الزرع نبات البر والشعير، الناس يحرثونه والله يزرعه أي ينميه حتى يبلغ غايته وتمامه، والمزدرع الذي يزرع أو يأمر بحرث زرع لنفسه خصوصا، والمزدرع الأرض التي يزرع
فيها قال:
فاطلب لنا منهم نخلا ومزدرعا كما لجيراننا نخل ومزدرع (3)
وقال الفلاحون، الزراعون
1) الفراهيدي، كتاب العين، مادة غذو.
(2) الأزدي، كتاب الماء، ج 2، ص 92، مادة غذو. المصدر السابق، مادة زرع. (1/58)
صفحة 59
البينة في الخطاب الإسلامي
ونظرا لأهمية الزراعة في صنع الطعام أو الغذاء فإنّه نشأ هنالك علم الزراعة أو الفلاحة الذي يعرف بأنه علم يبحث عن
خواص نوع علم النباتات وعجائبها وأشكالها ومنافعها ومضارها، وموضوعه نوع النبات.
وفائدة التداوي به كما أنه صناعة الطبيعة التي هي النظر في
النبات من حيث تنميته ونشؤه بالسقي والفلاح وتعهده بمثل ذلك). واذا كان الله قد جعل ما على الأرض زينة لها في قوله عز من
قائل: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الكهف: 7]، فإن النبات هو أفضل تلك الزينة، لأن فيه إبهاج
1) المصدر نفسة ص 24. (1/59)
صفحة 60
البينة في الخطاب الإسلامي
النفوس في قوله تعالى: حَدَابِقَ ذَاتَ بَهْجَة (النمل: 60). على أنه يفهم من الآية التي بعدها وَإِنَّا لَجَعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا
الكهف: 8 ا، إن المقصود بما على الأرض من زينة أنه النبات.
ولقد امتن الله على عباده بنبات الأرض لأن فيه يرعون حيواناتهم ويأكلون من أصناف المحصول الزراعي ومن كل الثمرات كالفواكه والحبوب وغيرها حيث قال عزوجل: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ) يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَبَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [النحل: 11/ 10) وقال تعالى أيضا مذكرا ومشوقا عباده بجنان الأرض، المنظمة والطبيعية، تشويقا لهم إلى جنان الآخرة: {وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّتِ معْرُوشَةٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ والرمان مُتَشَبِها وَغَيْرَ مُتَشَبِهِ كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَءَاتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ
(141)
الأنعام: 141] (1/60)
صفحة 61
البينة في الخطاب الإسلامي
على أن هذه الآية الكريمة تعتبر الزراعة أساس التغذية التي بدونها لا يتصور أن يكون هناك غذاء، كلوا" من ثمره إذا أثمر"، فالمحاصيل الزراعية هي المصدر الغذائي الأساسي للكائنات الحية، كما أن من المعلوم أن الطاقة تستمدها الكائنات الحية من التغذية من النباتات التي تحول إليها طاقة الشمس من خلال التمثيل الضوئي وتتحول تلك الطاقة التي مصدرها إلى طاقة كيمائية تخزنها الخلايا النباتية).
وكما أن الخطاب الإسلامي أمر بإيجاد مصدر الغذاء الذي هو
الزراعة وأكد عليه بقوة باعتباره عمارة للأرض التي أنشأنا الله منها
واستخلفنا فيها: هُوَ أَنْشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) (هود: 61)
وقد تقدم أن قوله تعالى واستعمركم فيها) أي أمركم
بعمارتها، فإنه أمر أيضا بالحفاظ على المنتج الغذائي من الفساد والتلوث، حفاظا على الصحة العامة، وقد يتعرض الإنسان لكثير من الأمراض نتيجة تناوله المباشر لغذاء ملوث، أو المتلوث تلوثا غير
مباشر المتمثل في تغذية الحيوان على علائق ملوثة تنتقل بعد ذلك
إلى الإنسان نتيجة تناوله للمنتجات
الحيوانية الملوثة مثل: اللبن والجبن
(1) الإسلام والحفاظ على البيئة 112. (1/61)
صفحة 62
البينة في الخطاب الإسلامي
والبيض وبعض أجزاء الحيوانات مثل الكبد، أو نتيجة تناوله
خضروات أو فواكه أو بقوليات ملوثه، ذلك لأن الغذاء ضروري
(1)
لاستمرار الحياة وحفظ النوع البشري).
لذلك أمر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلّم بإغلاق الأبواب
وإيكاء أوعية المياه وتغطية أواني الطعام، حيث قال: "اغلقوا الأبواب
(1)
وجود
وأوكوا السقاء وغطوا الإناء ". وذلك أثناء الليل لأنه مظنة الزواحف السامة، والحشرات الضارة، ووقوع الفراشات الطائرة وغيرها من الملوثات التي تضر بالصحة وتفسد المعيشة.
كما أمر عليه الصلاة والسلام بإبانة قدح الشرب عن الفم أثناء الشرب، قائلا لذلك الرجل الذي كان يسأله: "فأبن القدح عن فيك"، وذلك لأن الفم يخزن عددا هائلا من البكتيريا التي لو انفصلت عن الفم في ذلك النفخ لأصبحت ملوثة للشراب والطعام
" (4)
وبالتالي تكون ضارة بالصحة.
(1) نفس المصدر، ص 124.
(2) رواه الربيع
(3) تقدم تخريجة (1/62)
صفحة 63
البينة في الخطاب الإسلامي
ونظرا لحرص الإسلام على تناول الغذاء الصحي السليم فقد أمرنا الله بالأكل الطيب الحلال لأنه تتوفر فيه الدواعي الصحية فالله تعالى يأمرنا في كتابه الكريم بقوله: {يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ
الطَّيِّبَتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (المؤمنون: 151
وأمر الله لأنبيائه ورسله أمر للمؤمنين من عباده، وبقوله عزوجل: يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَأَشْكُرُوا لِلَّهِ
إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (13) البقرة: 172].
ولا شك أن الطيب من الطعام هو الغذاء الصحي السليم الذي
لم يتأثر بالفساد أو التلوث.
لذلك نهى الله تعالى عن بعض الأطعمه، نظرا لكونها ملوثة أو مظنة للتلوث، حيث يقول الله عزّ وجلَّ: وَإِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ البقرة 173)، وقوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، وَالْمُنخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى
النصب المائدة:3]. (1/63)
صفحة 64
البينة في الخطاب الإسلامي
وقد ذكر العلماء العلل من تحريم المذكورات، كما أكد
ذلك الطب في عصرنا الحاضر.
قال بعض العلماء: فكل ما أحل الله تعالى من المأكل فهو طيب
نافع في البدن والدين، وكلّ ما حرمه فهو خبيث ضار في البدن
والدين (1).
ورسولنا الكريم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلّم وضح ذلك أيما إيضاح في حديث أبي هريرة بقوله: "يا أيها الناس إنّ الله طيب لا يقبل الا طيبا، وان الله أمر المؤمنين بما امر به المرسلين فقال: ياتها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَلِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (المؤمنون:51)، وقال: كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَكُمْ} (البقرة: 57). ثم
ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يارب، يا
رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وغذّي بالحرام فأنّى يستجاب له
كما شنّ الحرب على الطعام الفاسد، فقد كان النبي عليه أفضل الصلاة والسلام يذهب بنفسه إلى السوق ليتفقد الأطعمة ويلاحظها، حيث ذهب ذات يوم إلى السوق فوجد عند تاجر من التجار
(1) الإسلام والحفاظ على البيئة 134.
(2) رواه مسلم (1/64)
صفحة 65
البينة في الخطاب الإسلامي
طعاما مبلولا وقد وضعه أسفل الطعام اليابس فشدد عليه الصلاة والسلام النكير على هذا العمل الغاش قائلا "من غشنا فليس منا (1). وذلك لأمرين:
الأول منهما: أنّ الطعام المبلول يزيد وزنه ثقلا وهذا غش. ثانيهما: أن الطعام المبلول المغطى يكون مصيره التعفن الذي
يؤدي إلى فساد الطعام وتلوثه.
لذلك كانت الأسواق إسلاميا تحف بالرقابة المشددة من قبل
أولي الأمر (2) حتى لا يقع فيها الغش لا سيما في الأطعمة لأنها يسرع إليها الفساد لا سيما بعض الأنواع منها.
وقد أوردت كتب الحسبة ما على المحتسب في مراقبة السوق
فقد جاء أن على المحتسب
أن يتفقد الطباخين بالغدو والعشي ليكون الطعام نظيفا، وأن يراقب الشرابين ليكون الماء نظيفا وأدواته نظيفة، وأن يتفقد اللبائين في غسل الملابس والأواني، كما عليه أن يراقب الجزارين والحيوانات المهيأة للذبح وصحتها والحفاظ على اللحوم، كما أنه يراقب ويتفقد
1) أخرجه الربيع والجماعة.
(2) وهو ما تقوم به في الوقت الحاضر الهيئة العامة لحماية المستهلك، ونذكر بالتقدير جهودها الكبيرة في مراقبة البضائع والمزاد. (1/65)
صفحة 66
البينَةُ في الخطاب الإسلامي
الهراسين وكذلك القلائين أي الذين يقلون السمك، وأيضا على المحتسب أن يراقب أصحاب المهن في نظافة أوانيهم وأطباقهم وقدورهم وقفافهم وسلالهم، وكذلك عليه أن يتفقد البقالين وبائعي الخضار، ولا يكون الفلاحون بعيدا عن مراقبته (1).
1) السمرائي، الحفاظ على البيئة ص 258. (1/66)
صفحة 67
البينة في الخطاب الإسلامي
التجربة العمانية في الحفاظ على البيئة
تعتبر سلطنة عمان من أوائل الدول أو في مقدمتها في الاهن
بالبيئة والحفاظ عليها عبر العديد من الوسائل والأطر الإد
والفنية والقانونية.
ويتجلى ذلك ويبرز في ما يلي:
أولا: كلمات جلالة السلطان (إنّ بلدنا والله الحمد ينعم بموارد
طبيعية تمكننا من بناء قوتنا الوطنية
وتوفر لنا أيضا فوائد مادية كبيرة
سينعم بها شعبنا ونحن عندما ننظر
حولنا نرى النعم التي أسبغها الله
علينا
وعلى بلدنا الحبيب وفيرة، لكن ينبغي
علينا أن نضع نصب أعيننا دائما
وجوب
المحافظة عليها بتكريس أنفسنا دائما لخدمة عمان وأبنائها وخد
أسرتنا العربية وإسعاد البشرية جمعاء). قابوس بن سعيد 18 نوف
1977 م. (1/67)
صفحة 68
التينة في الخطاب الإسلامي
وانطلاقا من اهتمامنا الكبير بحماية البيئة الطبيعية ومع كل ما حققناه من خطوات مهمة في هذا المجال نالت بها عمان مكانة طيبة بين الدول المهتمة لحماية البيئة، فإنّه يجب بذل المزيد من الجهد ومراعاة الاعتبارت الخاصة بحماية البيئة عند تخطيط وتنفيذ المشاريع الإنمائية والمضي قدما في تطوير الصلات القائمة من المنظمات الإقليمية الدولية المعنية فضلا عن قيام كل مواطن بواجبه لما لذلك من أهمية كبيرة لحماية مواردنا الطبيعية والصحة العامة من أية تأثيرات ضارة وللمحافظة على الطبيعة الجميلة المتميزة التي وهبها الله لعماننا الحبيبة). قابوس بن سعيد 18 نوفمبر 1985 م.
ونظرا لما نوليه من اهتمام خاص للمحافظة على البيئة وحمايتها من أضرار التلوث فإنّ مشاركتكم في هذا المضمار بجهد بارز سوف يكون له أثره المتميز وتقديره الخاص وصون البيئة والحرص على نقائها ونظافتها أمر حيوي جدير بأن يحظى بما هو أهل له من عناية ورعاية). قابوس بن سعيد 21 ديسمبر 1991 م.
(وفي مجال البيئة نؤكد على أهمية التوعية بقضايا البيئة ولليونسكو دور أساسي عليها أن تضطلع به من أجل تعبئة التضامن الدولي لتخفيف حدة الأضرار الناشئة عن المخاطر الطبيعية. (1/68)
صفحة 69
البنية في الخطاب الإسلامي
ويسعدنا أن تكون هذه المنظمة راعية للجائزة التي خصصناها لحماية البيئة الدولية التي ستسلم هذا العام للمرة الثامنة والتي تمنح لمكافأة الإسهامات البارزة التي يقدمها أفراد أو مجموعات من الأفراد أو مؤسسات أو معاهد أو منظمات من مختلف دول العالم في مجال إدارة البيئة وصونها)). قابوس بن سعيد 04 أكتوبر 2005 م.
ثانيا: تم إنشاء مكتب مستشار حماية البيئة تابع لديوان البلاط السلطاني في عام 1974 م ومن أعماله الإشراف على مشروع
المها العربية في منطقة جدة "الحراسيس" في صحراء عمان.
ثالثا: إنشاء مجلس حماية البيئة ومكافحة التلوث عام 1979 م
الذي عدّل اسمه إلى مجلس حماية البيئة وموارد المياه 1985 م. (1/69)
صفحة 70
البينة في الخطاب الإسلامي
رابعا: إنشاء وزارة البيئة عام 1984 م التي
تمثلت اختصاصاتها في تنفيذ الخطة الوطنية
لحماية البيئة ومكافحة التلوث، وإصدار القرارت واللوائح والأنظمة لذلك، واسمها
الحالي وزاة البيئة والشؤون المناخية.
خامساً: قانون مراقبة التلوث البحري الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (74134) الذي يعتبر النواة الأولى للبناء التشريعي في المجال
البيئي.
سادساً: قانون حماية البيئة ومكافحة التلوث الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (83/ 10) وتم تعديله بموجب المرسوم السلطاني رقم (2001/ 114).
سابعاً: جائزة السلطان قابوس لحماية البيئة، وقد تبرع به جلالته أثناء زيارتة لمقر اليونسكو عام 1989 م، والجائزة تمنح للأفراد والمنظمات والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية التي تقوم بجهود مميزة في مجال العمل البيئي والمحافظة على البيئة ومواردها
الطبيعية. (1/70)
صفحة 71
البينة في الخطاب الإسلامي
ثامناً: الانضمام إلى الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحماية البيئة والشؤون المناخية.
تاسعاً: وضع الخطط والبرامج الوطنية التي تساهم في الحفاظ البيئة من من كافة أنواع الملوثات وتصون مواردها الطبيعية.
وهنالك العديد والكثير من المناشط والفعاليات سواء كانت
على المستوى الوطني أو بالتعاون مع المنظمات الدولية
(1) -
1) هذا الموضوع كله مأخوذ من كتاب (البيئة العمانية في ثلاثة عقود إصدار وزارة البيئة والشؤون
المناخية سلطنة عمان. (1/71)
صفحة 72
البنية في الخطاب الإسلامي
الخاتمة
وهكذا تبين لنا مما مر ذكره أن البيئة المكانية هي الحياة لأنها من أسباب الحياة صحة وغذاء ونباتا وماء وهواء، وبدون هذه الأشياء لا يمكن أو لا يتصور أن تكون هناك حياة للإنسان والكائنات الأخرى التي تقتسم الحياة مع هذا الكائن الإنساني على هذا الكوكب الأرض).
لأن البيئة المكانية هي المكان أو المآب الذي يؤوب إليه الإنسان ويسكنه، والبيئة بمعناها العام ومفهومها الواسع هي الوسط الذي يعيش فيه الإنسان تفاعلا وأخذا أو عطاء وبكل تفاعلاته ونشاطاته المادية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها على ظهر هذه البسيطة
هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ الملك:15)
ونظرا لما تتعرض له البيئة في هذا العصر من تحديات كبيرة نتيجة العمل الجائر للإنسان تجاه بيئته، وذلك لما يشهده العالم من تطورات صناعية واقتصادية، الأمر الذي جعل الإنسان غير مبال وغير (1/72)
صفحة 73
البينة في الخطاب الإسلامي
مفكر بما سيؤول إليه تصرفه ذلك من وبال شديد وكوارث مدمره
نتيجتها - ولاشك - نهاية الإنسان نفسه.
غير أنّ المجتمع الدولي بدأ يشعر بخطورة الوضع مؤخرا، لذلك نراه يولي موضوع حماية البيئة اهتماما لا بأس به، وإن كانت بعض الدول الكبيرة التي تتحمل النصيب الأكبر من تلوث البيئة نتيجة ضخامة صناعتها، لم توقع ولم تلتزم بما توصل إليه المجتمع الدولي من اتفاقيات وبروتوكولات.
على أن الخطاب الإسلامي المتمثل في القرآن والسنة والإجماع والرأي الاستدلالي، قد اهتم بموضوع البيئة اهتماما بالغا، موجها الإنسانإلى التعامل الحسن مع البيئة لحمايتها والحفاظ عليها من التلوث والفساد ومشدداً النكير على من يفعل تلك الأفعال المضرة بالبيئة وتؤدي إلى الضرر البيئي والكوارث البيئية، كما أننا لم نهمل التشريعات القانونية في هذا الشأن باعتبارها داخلة في الخطاب
الإسلامي من حيث الجملة والعموم.
ومن المعلوم علما أن العناصر الرئيسة المكونة للبيئة الطبيعية هي أربعة: الماء والهواء والتربة والغذاء فبالحفاظ عليها من الفساد والتلوث، تكون المحافظة على البيئة التي من شأنها الحفاظ على الحياة لكي يعيش الناس حياة طيبة مملؤة سعادة وبهجة، في وسط (1/73)
صفحة 74
البينة في الخطاب الإسلامي
اجتماعي طيب: {أَلَمْ تَرَكَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَة طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتُ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينِ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَرُونَ
(25) [إبراهيم: 25/ 24]
والحياة الطيبة نعمة كبرى من الله للإنسان، وهي النعمة الظاهرة كُلُوا مِن رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلَدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبُّ غَفُورٌ)
[سبأ: 15].
على أن الحياة الطيبة السعيدة هي تلك الحياة الموصولة بالله تعالى عقيدة وعبادة وحمدا وشكرا والا سيكون المصير كمصير تلك القرية التي ضربها الله مثلا للكفر بالنعم وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ عَامِنَةً مُطْمَنَةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ
بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ
(112)
[النحل:112] (1/74)
صفحة 75
البَيْنَة في الخطاب الإسلامي
نسأل الله أن يجعلنا من الشاكرين والذاكرين ويهدينا الصراط المستقيم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله
وصحبه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. (1/75)
صفحة 76
البينة في الخطاب الإسلامي
البيئة (مقابلة صحفية)
جريدة عمان ملحق العدد 10310
أجرى اللقاء سيف بن سالم الفضيلي (1/76)
صفحة 77
البينة في الخطاب الإسلامي
ما أهمية المحافظة على البيئة في نظر الإسلام؟
البيئة موضوعها وأهميتها من المواضيع الهامة ومن قضايا الساعة لأنها مرتبطة بحياة الإنسان، فالإنسان ابن بيئته كما يقال
فإذا فسدت البيئة فسد الإنسان فتأتي الأهمية من هذه الناحية.
ومن هذا الجانب، لو نظرنا إلى تعريف البيئة نجد أن علماء اللغة العربية أخذوا كلمة البيئة (باء) بمعنى رجع وأقام أي هو الرجوع إلى الإقامة، ففي القرآن الكريم كلمة (باء) بمعنى عاد ورجع، ولكن أيضاً فيه معنى العودة وفيه معنى الرجوع والإقامة على الشيء، أو إقامة في ذلك المكان.
أما تعريفها المعاصر لكون قضايا البيئة من القضايا المطروحة
ففيها العديد من التعريفات
منها أنها الوسط الذي يعيش فيه الإنسان سواء كان ذلك
الوسط اجتماعياً أو ثقافياً أو جغرافياً، أي أن البيئة هي الوسط. وتعريف آخر: البيئة هي المنظومة أو المجموعة من الأمور
الثقافية والمكانية والاجتماعية إلى غير ذلك. (1/77)
صفحة 78
النيئة في الخطاب الإسلامي
وأهم تعريف لها هو أنها الوسط الذي يعيش فيه الإنسان، ومن هذا المنطلق ولكون البيئة مرتبطة بحياة الإنسان والشريعة الإسلامية الغراء جاءت للمحافظة على النفس والعقل والنسل وهذه الأشياء تتأثر بالتلوث البيئي، فإذا كانت البيئة صالحة تكون هذه الأمور صالحة وقابلة للاستمرار في الحياة، وإذا ما فسدت البيئة لا شك أن هذه الأمور، تصاب فلإنسان يصاب في عقله وفي نفسه وفي نسله الذي هو استمرار لبقاء الحياة في هذا الكوكب.
ومن هنا كان اهتمام الإسلام بالبيئة فهو احترم البيئة وأعلى
من شأنها وأكرم حالها واعتبرها من ملازمات أو مستلزمات الحياة
الإنسانية على هذا الكوكب الأرضي. (1/78)
صفحة 79
ما
البينة في الخطاب الإسلامي
هي القواعد التي وضعها الإسلام لحل مشكلة التلوث؟
لا شك أن الإسلام حافظ على البيئة محافظة شديدة وأرادها أن تكون بيئة نظيفة خالية من جميع الشوائب والمكدرات التي تكدر صفو البيئة وصفائها ونقائها، فلذلك أمر الإسلام بالنظافة ونهى عن تنجيس الماء لأنه يضر بالبيئة، ونهى عن التغوط أو التبول تحت الأشجار المثمرة لأنها تتلوث، وأمر بإزالة الأذى عن طريق الناس، واعتبر ذلك من شعب الإيمان الحديث النبوي يقول: "أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق"، وعندما جاء رجل إلى الرسول صلى الله عليه وسلّم فقال له يا رسول الله علمني شيئاً ينفعني، فقال له صلى الله عليه وسلم: "أعزل الأذى عن الطريق" يعني خذ الأشواك وخذ الحصى وما يعترض الناس في طريقهم، زحزحه عنهم، وهذا كذلك من ضمن حماية البيئة من الأشياء الضارة، فلذلك شدد الإسلام على قضية تلوث البيئة وهناك آية قرآنية عظيمة أروع ما في الموضوع وكلام الله كله رائع وكله عظيم لكن في موضوع البيئة تعتبر قاعدة رئيسية وأساسية في التنديد بتلويث البيئة وفي تشديد النكير على من لوث البيئة وبأن تلويث البيئة خطير وأمر عظيم ينبغي ألا يعمله الإنسان وألا يفعله، تلك
الآية التي تقول: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) الروم: 41) (1/79)
صفحة 80
البينة في الخطاب الإسلامي
لو جئنا لنحلل عناصر هذه الآية لوجدنا أن القانون العام الذي تعارف عليه علماء البيئة في تقريرهم القانوني الذي يحكم به على أن البيئة قد تلوثت، لرأينا هذا القانون فعلا كأنه مأخوذ من هذه الآية
والقانون العام الذي يحكم به على البيئة يتكون من ثلاث بنود.
أولها أن يكون هناك تغيير في البيئة، فالبيئة قد تغيرت عن طبيعتها أي هي ليست كما خلقها الله بل تغيرت.
البند الثاني أن يكون هذا التغيير هو من صنع الإنسان، فالإنسان سبب هذا التغيير في البيئة، عبث في البيئة وفسد فيها حتى
تغيرت، فالتلوث من صنع الإنسان.
البند الثالث أن يكون فيه إضرار بالكائنات أن يكون ذلك التلوث ضرراً للكائنات، وهذا ما نصت عليه الآية.
الأول: ظهور الفساد في البر والبحر أي ظهر تغيير من حسن إلى سيء في البيئة في البر والبحر، فالكرة الأرضية التي نعيش فيها بجملتها مكونة من اليابسة ومن ماء، إذن اليابسة هي البر والماء هو البحر، ظهر التغيير في البيئة التي حولنا وظهر التغيير في الوسط البيئي الذي نعيش فيه سواء كان في البر أو كان في البحر. (1/80)
صفحة 81
البينة في الخطاب الإسلامي
الثاني: أن يكون من صنع الإنسان وهذا قال تعالى: بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ (الروم: 41) أي هذا التغيير الذي حدث بما كسبت أيدي أنفسهم في تدمير البيئة، لأن ذلك من صنع الإنسان
فصار التغيير الذي حدث في الوسط البيئي.
الثالث: أن يكون فيه ضرر للكائنات وهذا اليُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا الروم: 41 طبعا الآية فيها تفسيران هذا التفسير العلمي المعاصر، وطبعا التفسير الذي جرى عليه التفسير القديم أن ذلك بالمعاصي ظهر الفساد بما عمله الناس من المعاصي فبالتالي يجازيهم الله تعالى بأن يفسد عليهم ما يكون فيه استمرار لحياتهم، لكن التفسير المعاصر يحمل معنى التفسير القديم بمعنى ان عمل الناس في تغيير البيئة حتى فسدت أو حتى تلوثت أو حتى تلوث البحر والبر بمعنى أيضا هو معصية، فبالتالي إن المعصية يحملها التفسير القديم على وقوع السلوك الشائن من الإنسان مثلا كالزنا وشرب الخمر وتعاطي الربا والمخدرات وكل الكبائر، بمعنى إذا فعلها فالله تعالى يعاقبه بأن
يفسد عليه الوسط البيئي الذي يعيش فيه. (1/81)
صفحة 82
البينة في الخطاب الإسلامي
أما التفسير العلمي المعاصر يحللها تحليلا علميا لكن أيضا
يحتمل التفسير القديم، بمعنى أن إفساد البيئة وتلويثها وتدميرها هو في حد ذاته معصية يعاقب الله تعالى الإنسان على ذلك الإضرار بالبيئة.
فهذا يدل دلالة كبيرة على أن الإسلام فعلا حمى هذه البيئة ورعاها ويريد أن يحافظ عليها لكي تستمر حياة الإنسان، وهناك آيات وأحاديث أخرى جاءت عن البيئة والحد من تدمير البيئة إلى غير ذلك، ونهى عن تلويث العناصر الأربعة التي هي مكونات الحياة (الماء والهواء والتربة والأغذية).
ولا شك أن الملوثات كثيرة حيث أصبحت هناك ملوثات صناعية وضوضائية (الضجيج والأصوات الهادرة التي هي تلوث السمع وتؤثر على الصحة النفسية للإنسان وتوتر أعصابه). (1/82)
صفحة 83
البينة في الخطاب الإسلامي
حدثنا عن الفلسفة المحمدية في المحافظة على البيئة؟
السنة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام هي المصدر الثاني في التشريع الإسلامي بعد القرآن فالقران المصدر الأول لأنه وحي جلي أوحاه الله تعالى إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وهو كلام الله تعالى وقد نقله جبريل إلى النبي صلى الله عله وسلم وقد نقله الصحابة أجمعون وقد نقلته الأمة أجيالا عن أجيال أي منقول بالتواتر فهو قطعي الثبوت، والسنة ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير
والنبي محمد صلى الله عليه وسلم من خلال فهمه لكلام ربه ومن خلال ما أوحاه الله تعالى إليه من وحي خفي ومن خلال ما استلهمه من حياته صلى الله عليه وسلم تلك الحياة التي كانت في مكة المكرمة وفي المدينة المنورة فإن البيئة لا بد من أن يحافظ عليها من التلوث، لأن التلوث هو الذي يفسد البيئة والتلوث يوجد في كل عصر، وعصرنا هذا لا شك أنه يشهد ملوثات حديثة وقد يكون تأتي عصور مستقبلية قد تشهد تلوثات أكثر أو أقل، وهذه الملوثات في الحقيقة هي ملوثات بصرية وملوثات في الغذاء كأن يكون الطعام فاسدا والرسول صلّى الله عليه وسلّم عرف كيف يكون الطعام وإذا فسد الطعام فسد منه جسد الإنسان. (1/83)
صفحة 84
اينة في الخطاب الإسلامي
وركز الإسلام على التربة من حيث زراعتها وتخصيبها لتكون
صالحة لبقاء الإنسان وهذا الذي تشير إليه الآية هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ
وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) هود: 61)
بمعنى كما أن الله تعالى أنشأكم يا بني آدم من هذه التربة أعادكم لاستعماركم إياها أي جعلكم عاملين فيها.
وهناك أحاديث كثيرة تدل على الأمر بغرس الأشجار وزرع الأراضي وعدم قطع الأشجار وكل ذلك في الحقيقة يدخل في باب عدم تلوث التربة كأن يكون ذلك باستصلاح الأراضي وعدم تلويثها. والإسلام يحث على النظر إلى الشيء الجيد وقد أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يحب النظر إلى الشيء الأخضر، كان يحب النظر إلى الخضرة وكذلك كانت العرب أيضا ..
يقول بعض علماء الأدب أن العرب كانت تعجبهم الأرض المعشبة الخضراء حتى أن هناك بيتين من الشعر للشاعر المعروف (الأعشى) يقول فيهن
ما روضة من رياض الحسن معشبة خضراء جاد عليها وابل هطل يوما بأطيب منها نشر رائحة ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل (1/84)
صفحة 85
النفس.
وخطاب
البينة في الخطاب الإسلامي
فهكذا كان الإسلام يريد النظر إلى الشيء الجميل لكي ترتاح
ومن الملوثات الضوضاء، فالإنسان لا يرتاح في البيئة الصاخبة وقدراعى الإسلام هذه الخصوصية حتى في الصلاة خاطب نبيه، الله للنبي هو خطاب للأمة كما في علم الأصول، وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم إذا خاطب الصحابة فإن من بعدهم مخاطبون بالتبع لذلك الخطاب فالله تعالى قال حتى في الصلاة وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا [الإسراء:110] لأن هذا فيه شيء من
الضوضاء في المسجد فالمصلون حال هذا الجهر لا يستطيعون الصلاة بشكل حسن، كما أمر القرآن المسلمين أن لا يرفعوا أصواتهم فوق صوت النبي ولا يجهروا له بالقول لكي يحد الإسلام من قضايا الضوضاء لأنها تؤثر على أعصاب الإنسان وفكره وعقله فيحدث
التوتر.
ورفع الأصوات من خلال مكبرات الصوت إذا كان أكبر من
حاجة المصلين يعتبر من الضوضاء. (1/85)
صفحة 86
البينة في الخطاب الإسلامي
كذلك هناك حديث النبي صلى الله عليه وسلم ما معناه أنه عندما رجع من إحدى الغزوات رفع الناس أصواتهم بالتكبير فقال
لهم: إن الذين تدعونه ليس بأصم فاخفضوا أصواتكم (ما معناه).
حتى الذكر له مقاسات معينة بحيث لا يؤثر على الغير ولا
يکدر وجود الغير
وأهم من ذلك هذا الذي في الصلاة والصلاة ذكر بل هي
أعظم الذكر ولكن الله تعالى أمرنا أن لا نجهر فيها. (1/86)
صفحة 87
البينة في الخطاب الإسلامي
هل ما تواجهه البشرية اليوم من مشكلات في مجال البيئة يدل
على غياب الوعي والحس الديني الإسلامي؟
قضايا غياب الوعي عن الحفاظ على البيئة ليس مقصورا على
هي
المسلمين، إنما هو في جميع دول العالم بل إن الدول المتقدمة المشكلة، والمؤتمرات التي تدعو للحفاظ على البيئة لكي تحد وتلجم جماح الدول الصناعية الكبرى للحد من أسباب التلوث الكثيرة.
ما نصيحتك للجهات المسؤولة عن البيئة في السلطنة؟ لابد من وجود مخطط جيد في مجال البيئة والسلطنة تعتبر سباقة في هذا الجانب والدولة اهتمت بالبيئة وأنشأت لها وزارة البيئة والشؤون المناخية وقد مرت على مسميات عدة قبل هذا، أحيانا كانت على شكل مديريات.
كما أن هناك جائزة السلطان قابوس للبيئة وهي دولية وهذا
مما يدعم ويشجع على المحافظة على البيئة.
وأهم من ذلك أن ديننا الحنيف أمرنا بأن نحافظ على البيئة وقد أخبرنا الله تعالى أن العالم يحفظ بالتوازن البيئي، وهو أمر عظيم في الإسلام حيث جعل الله تعالى التوازن البيئي حتى لا يطغى جانب على جانب حيث تكون البيئة مستمرة، فتكون الحياة صالحة فهناك وجود الغازات في الهواء الذي يحدث التوازن البيئي، وكذلك (1/87)
صفحة 88
البنية في الخطاب الإسلامي
الجاذبية بين السموات والأرض أيضا من جانب التوازن إِنَّ اللَّهَ
يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا (فاطر: 41)
وقال: {وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ (الحج: 65 هذا من باب
التوازن البيئي، يقول الله عز وجل: {وَالْأَرْضَ مَدَدْنَهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتَنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونِ (الحجر:19) هذه الآية الكريمة 19 تدلنا على ضرورة وأهمية التوازن البيئي، كذلك وجود أصناف في الحيوانات المتناقضة المتعادية كذلك هي من باب التوازن البيئي فمن الخطأ أن يقضي الإنسان على جنس لأنه لو قضى على جنس معين من الموجودات في الأرض من حيوانات ومن حشرات ومن هوام فأنه يطغى الجانب الثاني فيكون تدمير للبيئة، وكما يقال أنه ليست هناك شرور في هذه الحيوانات والحشرات إنما هو كل جنس مهيأ لكي يتوازن مع جنس آخر ليحافظ على البيئة.
الشر المطلق لم يجعله الله تعالى في هذا الوجود، إنما الشر المطلق فقط هو إبليس اللعين الكافر الذي أخذ على عاتقه إضلال الناس وتصييرهم إلى الجحيم، أما ما عداه فليس في وجوده شر مطلق لأنه من باب التوازن البيئي، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال في تلك المرأة التي حبست الهرة، قال: إن امرأة دخلت النار في هرة لا سقتها أو أطعمتها ولا أطلقتها لتأكل من خشاش الأرض" يعني (1/88)
صفحة 89
البينة في الخطاب الإسلامي
خشاش الأرض هي الهوام والحشرات فوجود القطط والفئران والحيوانات المفترسة ووجود الطيور بأنواعها كل صنف يتغذى على الصنف الآخر، وهذا كله ينصب في مجال التوازن البيئي الذي جعله الله تعالى أساساً مكيناً وركناً رئيساً لهذه البيئة لكي يكون الوسط البيئي وسطاً متماسكاً نظيفاً إلى غير ذلك.
هل ترون أن ضبط الإنجاب لتخفيف الضغط السكاني على البيئة بما يحد من تدهور واستنزاف مواردها ضروري؟ وهل نهى الإسلام صراحة عن ضبط الإنجاب؟
هذه مسألة فقهية وأتوقع أنها تناقش في أطر المجامع الفقهية وهنالك فرق بين تحديد النسل الذي هو قطعا لإنجاب وبين التنظيم، التحديد بمعنى قطع الإنجاب أي توقيفه والتنظيم هو الذي ينظم المواليد وفق سنوات معينة كي يكون هنالك توازن في الحياة وتوازن في التربية.
لا شك أن الكثير من العلماء تقريبا على تحريم قطع الإنجاب وتحديده، وإلى إباحة التنظيم لكن بشرط أن يتفق الرجل والمرأة وهذا يكون في الإطار الفردي، أما على مستوى الأمة لم يجيزوا ذلك حيث أن الأمة يقل عددها ويقل عدد أفرادها إلى غير ذلك، أي أنهم لم يجيزوا ذلك على مستوى الأمة الإسلامية، أما أن يكون الأمر (1/89)
صفحة 90
البينة في الخطاب الإسلامي
قضية فردية بين الرجل وامرأته يتفقان على تنظيم النسل فإن
كثيراً
من العلماء أباحوه ولكن كما قلت إن هذه القضية عامة تحتاج أن يتفق عليها من قبل المجامع الفقهية.
هل ترى أن تدهور البيئة سببه سوء التخطيط أم الضغط
السكاني؟ نعم سوء التخطيط هو السبب لأن الله تعالى قال: {وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا افصلت:10) فلو أحسن استغلال هذه الأرض والموارد لم تكن مشكلة، وكذلك قال: وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ
هناك
موزون
[الحجر: 19) بمعنى أن هناك توازنا بيئيا بين الغذاء والإنسان.
هل نحن بحاجة إلى التربية البيئية بصورة تطبيقية في عصرنا
الحالي؟
التربية تعني أن يتربى النشء منذ البداية فكراً وسلوكاً، وعندما يربى هذا النشء على ما فيه بقاء الحياة لا شك أنها تربية مهمة، وإذا كانت مقاصد الشريعة الخمس، منها ثلاث تتعلق بالبيئة حفظ العقل وحفظ النسل وحفظ النفس.
وهي (1/90)
صفحة 91
البينة في الخطاب الإسلامي
فحفظ النفس هو أن لا تؤدي البيئة إلى هلاك النفس، وحفظ العقل يتأثر إن تلوثت البيئة، وحفظ الإنجاب أي (الإنجاب العادي) واستمرار بقاء النوع الإنساني يتأثر إن تأثرت البيئة والحياة، ومن الضروري أن يعلم أي إنسان خاصة المسلم كيف يحافظ على البيئة وأن يعلم كيف يعمل على التوازن البيئي لأن الله تعالى أمرنا بذلك حيث قال: الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى الأعلى: 2 - 13
(
أي قدر ترتيبها على سنن كونية ثابتة لا تتغير ولا تتحول
حتى لا يكون هناك تأثير في الكون، ويقول تعالى {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى
كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ثُمَّ هَدَى ام
[طه: 50]
أي ركب هذا الوجود وفق تركيب محكم ووفق سنن كونية ونواميس كونية، وكذلك عن التوازن البيئي، الله تعالى يقول:
وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ: الرعد:
وقال تعالى: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَرَهُ نَقدِيرًا (الفرقان: 2)
هذا التقدير في كل شيء فيه توازن بيئي، أي كل شيء عنده مقدر وكل شيء عنده بقدر، إذن هذا هو التوازن البيئي، فلذلك (1/91)
صفحة 92
البينة في الخطاب الإسلامي
كان الإسلام بهذه القوة وبهذا الوضوح يريدنا أن نحافظ على البيئة إذن لا بد أن يكون هذا الفهم وهذا الوعي مترادفا مع وجود حياة
الإنسان منذ بدايته وهو ما تقوم به التربية.
هل ينقصنا وجود مجمع للبحوث الإسلامية يتطرق لكل الجوانب ومنها البيئية فهل الحاجة داعية لإنشاء مجمع فقهي أو بحثي في السلطنة؟
لا شك أن كل إطار من هذه الأطر يخدم الفكر الإسلامي في أي موضوع من المواضيع هو أمر مرحب به، ووجود مجمع فقهي إسلامي، ووجود مركز للبحوث الإسلامية أمر مرحب به، ووجود أطر أكاديمية وأطر تعليمية تعني بهذا الجانب أمر مرحب به، ونحن بحاجه إلى كل شيء يخدم العلم ويخدم الإسلام، لأنه دائما هذه الأمور لا سقف تنتهي عنده، وهي من أمور الخير وإنما كل فعل من ذلك أمر مطلوب وهو مرحب به، والقرآن يقول: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَيْكَ هُمُ
الْمُفْلِحُونَ [آل عمران: 104] (1/92)
صفحة 93
البينة في الخطاب الإسلامي
هذه الآية مستمرة، هذا الخير لا سقف ينتهي عنده، ولتكن منكم من هنا ليست للتبعيض وإنما للبيان أي كونوا أمة تدعون إلى الخير قال علماء اللغة إنها تنقسم إلى قسمين (من) بيانية و (من) تبعيضية وهنا في هذه الآية للبيان، وأنا ادعوا إلى إنشاء مجمع فقهي ومجمع للبحوث الإسلامية. (1/93)
صفحة 94
البنية في الخطاب الإسلامي
قائمة المحتويات
وضوع
رقم الصفحة
مقدمة
التعريف والمفهوم الاصطلاحي
أولا: تعريف البيئة
البيئة لغة
البيئة اصطلاحا
ثانيا: تعريف الخطاب الإسلامي
لغة
اصطلاحا
حماية البيئة من التلوث
الحفاظ على المكونات الرئيسية للبيئة
الماء
الهواء
التربة
الغذاء
التجربة العمانية في الحفاظ على للبيئة
الخاتمة
ملحق (مقابلة صحفية)
قائمة المحتويات (1/94)
صفحة 95
البينة في الخطاب الإسلامي
محمد الله (1/95)