صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: فقه
------------------------------------------
العنوان: الدلائل على اللوازم والوسائل
المؤلف: درويش بن جمعة بن عمر المحروقي
تحقيق: سليمان بن إبراهيم بابزيز الوارجلاني
مراجعة: سلطان بن عبد الله بن سلطان الشهيمي
تقديم: عبد الله بن سلطان بن راشد المحروقي
الناشر: مكتبة الضامري للنشر والتوزيع
مكان النشر: السيب - سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1437ه/ 2016م
الطبعة: 5 (جديدة ومنقحة)
ردمك: 978-99969-804-3-5
الإيداع القانوني: 2014/203
------------------------------------------
ملاحظة: تم استغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 16 ربيع الأول 1447ه/ 09 - شهر 09 - 2025م. 13
تحقيق
الدلائل
على اللوازم والوسائل
تأليف
الشيخ العلامة درويش بن جمعة بن عمر المحروقي - رحمه الله -
الحاج سليمان بن إبراهيم بابزيز الوارجلاني
بة التركية
مراجعة
سلطان بن عبدالله بن سلطان الشهيمي
طبعة جديدة ومنقحة (1/1)
صفحة 2
الدلائل على اللوازم والوسائل
جميع الحقوق محفوظة ولا يسمع بإعادة إصدار هذا الكتاب أو تخزينه في نطاق استعادة المعلومات أو نقله أو استنساخه بأي شكل من الأشكال دون أخذ إذن خطي من الناشر
رقم الإيداع 203/ 2014
رقم الإيداع الدولي 5 - 3 - 804 - 99969 - 978
الطبعة الخامسة 1437/ 2016 م
نشر وتوزيع مكتبة الضامري للنشر والتوزيع
هاتف: 96444669
الناشر: E.mail: t.k.aldhamri@gmail.com
ب: 2 السيب. الرمز البريدي: 121
سلطنة عمان (1/2)
صفحة 3
الدلائل على اللوازم والوسائل -
الدلائل
على اللوازم والوسائل
تأليف
الشيخ العلامة درويش بن جمعه بن عمر الحروقي
تحقيق
مراجعة
الحاج سليمان بن إبراهيم بابزيز الوارجلاني سلطان بن عبدالله بن سلطان الشهيمي
نشر وتوزيع
مكتبة الضامري للنشر والتوزيع
السيب/ سلطنة عمان (1/3)
صفحة 4
الدلائل على اللوازم والوسائل
ة الحرة
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ.
وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ
سورة آل عمران: 102] (1/4)
صفحة 5
الدلائل على اللوازم والوسائل
بن
مُقدِّمة التحقيق
الحمد لله المنان، خالق الإنسان معلّم البيان هادي الأنام إلى ما فيه الخير والرضوان .. وصلى الله عَلَى النَّبِيِّ العدنان، وعلى آله وصحبه أهل الجنان. وبعد: فإن كتاب «الدلائل على اللوازم والوسائل» للعلامة الفقيه الزاهد الورع درويش جمعة بن عمر المحروقي كتاب مبارك نفيس انتشر في آفاق عُمان، وذاع صيته داخل الأوساط العلمية، ورغب فيه المبتدئ والمتعلم، حيث كتب الله له القبول في قلوب الناس، لإخلاص مؤلّفه في حسن تحريره وترتيبه، وما يمتاز به من سلاسة الأسلوب، وبراعة في مخاطبة القلوب، وتذكير بمراقبة علام الغيوب، في كُلّ تحريكة وتسكينة، واستحضار النية في جميع الأقوال والأفعال، والتنبيه إلى استغلال الأوقات، والابتهال إِلَى الله فِي كُلِّ الْحالات. إنه بحق كتاب جامع بين المسائل والمواعظ يجمع في طياته بسط العقيدة وتبيينها، وذكر الأركان وتعريفها، وعرض الآداب وتوجيهها، لا يستغني عنه مسلمة، ولله در القائل فيه:
مسلم ولا
أتيت بلفظ يا ابن جُمعَة مُعجب ووعظ بليغ في كتاب الدلائل
جمعت به للطالبين مَسائِلا لدينهم من لازم أو وسائل فللهِ مِن حَبرٍ تَقيُّ مُهذَّب أبي ولي حاز أسئى الفضائل
وقد طبع الكتاب عدة طبعات، إلا أنها طبعات مليئة بالأخطاء والسقط، خالية من الضبط والتخريج، فصعب فهمُها ونَفَرَ البعض منها، فيسر الله لي الاشتغال به، والاهتمام بتحقيقة وتخريجه في هَذِهِ الْحلة القشيبة، عسى الله أن يشحذ همة الناس في
اقتنائه، والاسترشاد بما فيه. (1/5)
صفحة 6
الدلائل على اللوازم والوسائل
وقد اعتمدت في تحقيقه عَلَى نُسخ مطبوعة طبعة التراث، وطبعة الضامري)، ونسخ مخطوطة منها:
نسخة الشيخ سالم الحارثي: نسخها عيسى بن راشد بن سعيد بن رجب الحارثي
الإبروي في ضحى الجمعة 11 شعبان 1115 هـ، في قرية جعلان في عهد الإمام
سيف بن
سلطان
بن سيف اليعربي.
نسخة وزارة التراث نسخها راشد بن محمد بن سالم بن خلف بن سليمان بن
غسان ... المعولي الحبراوي السبت 27 جمادى الآخر 1199 هـ.
نسخة الضامري المطبوعة (ض): نسخت للشيخ سعيد بن حمدان بن أحمد التوبي
الريامي، نهار الإثنين الثامن من شهر شوال سنة 1294 هـ. نسخة مكتبة السيد (خ): نسخها عبد الله بن حميد بن يوسف بن سالم بن بن علي ... الخروصي لشيخه الثقة سعيد بن يحيى بن خلفان بن أبي نبهان
مُحَمَّد
الخروصي، يوم الخميس أحد عشر يوما خلون من شهر صفر من شهور 1303 هـ. والنسختان الأوليتان مليئتان بالتصحيف والتحريف والحذف رغم قدمهما، حيث أجهدتني كثرة الأخطاء والسقط، فأثبتُ من جَمِيع تلك النسخ أحسن العبارات وأجودها، وأوضح الجمل وأدقها، عملا بوصية الْمُصَنِّف فِي ذَلِكَ بقوله: «فَمن وقَف عليه ... ورأى فيه شيئا خارجًا عن الْحَقِّ فليُصلحه مأجورًا»، وقد تركت الإشارة إلى النسخ إلا ما يفيد معنى جديدا، لئلا أُثقل كاهل الكتاب، ولا أشتت ذهن الطالب؛ لأن اختلافات النسخ لا طائل من ورائه لظهور فساده ووضوح عواره.
الكثير من
وعملت فيه على:
ضبط النص وتصحيحه من عدة نسخ، وإكمال السقط دون الإشارة إليه إلا
نادرا، وإذا كانت عبارة مختلفة في نسخة ما تحتمل وجها أشير إليها. (1/6)
صفحة 7
إضافة بعض العبارات ليستقيم المعنى بين معقوفين [ ... ].
إضافة بعض العناوين ووضعها بين معقوفين.
الدلائل على اللوازم والوسائل
4. تخريج الآيات القرآنية وعزو الأحاديث النبوية، وإبرازها بلون أحمر .. وَلَمْ أشر في الغالب إلى الأحاديث والأبيات التي لم أجد أصحابها أو من عزاها. الكلمات الغامضة، وتعريف أكثر المصطلحات العمانية من مصادر
5
شرح
شفوية.
6. التعليق على بعض المسائل وتوضيحها .. ومن الجدير بالذكر أن هناك مسائل أخرى كثيرة تحتاج إلى تعليق إلا أن أغلبها يُعبر عن رأي الْمُؤلّف للخلافِ الموجود فيها.
إبراز بعض الكلمات الإرشادية والعناوين المهمة بلون أحمر، أو بخط غليظ. . وفي الأخير وضعت فهارس للآيات والأحاديث والآثار والأبيات والأعلام
والمراجع.
أَمَّا
سلطان
ترجمة المؤلف فقد تركتُ العنان لقلم أحد أحفاده الشيخ عبد الله بن
بن راشد المحروقي.
وفي الأخير أرى أن هَذَا العمل لا يخلو من النقص والتقصير، وهذا جهد المقل .. فكل من رأى فيه شَيْئًا خارجا عن الْحَقِّ أَو ملاحظة بناءة في تحقيق مثل هَذِهِ الأعمال فليرسلها إلى مأجورا بإذن الله .. وأسأل الله تَعَالَى أن يغفر لي زلاتي، وينفع بهذا العمل الإسلام والمسلمين، ويتقبل منا صالح الأعمال إِنه جواد كريم، سميع مجيب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. فهذا وصلى الله في كُلِّ سَاعة على خاتم الرسل الكِرامِ الأوائل
مُحَمَّدٍ الهادي النَّبي وآلـ
وأصحابه الناهين عن كُل باط
الحاج سليمان بن إبراهيم بابزيز الوارجلاني
E.mail: babsolim@gmail.com
مسقط: ليلة الجمعة 27 جدا 1425 هـ - 15 يوليو 2004 م (1/7)
صفحة 8
الدلائل على اللوازم والوسائل
تقدير
عبدالله بن سلطان بن راشد المحروقي
الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على المصطفى وعلى آله وصحبه على التمام
والوفاء.
أما بعد؛ فقد كان العُمَانِيُّون من أشدَّ الأُمَمِ تَمسكا بالدين، وغيرة عليه، وعملا على نشره؛ لأن الدين قُوَّة للمُسلِمِينَ، وسبب سعادتهم وتقدُّمهم؛ لذلك تجد المساجد في عُمان كانت معاهد يُتولّى فيه التدريس الابتدائي والثانوي والعالي، وفيها علماء تطوعوا للتعليم احتساباً للأجر، وقياماً بالواجب الذي يشعرون به نحو دينهم وأمتهم؛ لأن التعليم عندهم أعظم عبادة يتقرب بها خالصة الله، لا يرجون بها جزاء ولا شكوراً. وانتشروا في كُلِّ عُمان، الطاهرة تخرج آلاف العلماء
من
هذه المعاهد
والمرشد، ومنهم القائم بسنن الدين، ووظائف الدولة في أمانة وإخلاص.
من بين هؤلاء العلماء، العلامة الجليل الزاهد الورع الشيخ:
مو
يغدو ويروح.
"درويش بن جمعة بن عمر بن جمعة بن عمر المحروقي"
منهم
الواعظ
ولده: كان في أدم عاصمة الصحراء، وعروسها الفتانة، وسوقها الكبير الذي عليها القوافل .. ولا غرو أن يتخرج منها، وقد سبق أن تخرج منها البطل المغوار المهلب بن أبي صفرة، وجد العائلة الحاكمة الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي .. كانت ولادته في سنة (1020 هـ (1611 م) من أبوين كريمين ونشأ في بيئة دينية
معه.
فاضلة، غرسًا فيه العقيدة الصافية، ووجهاه إلى الله، فكان في أعماله الله، فكان الله من مشايخه الأفذاذ العالم صالح بن سعيد الزاملي، والزاهد مسعود بن رمضان
النبهاني. (1/8)
صفحة 9
الدلائل على اللوازم والوسائل
صفاته وأعماله: أتصف الهلاليه بالغيرة على الدين، والتمسك بأهدابه في كل أعماله، يهتدي في سلوكه بالمصطفى وسيرة صحابته .. عليه خشوع العابد وسمة الصالحين تعلو محياه يستشعر عظمة الله، وينظر إلى آخرته .. متواضعاً، لين العريكة، يُصغي باحترام لكلِّ مُحدّث، لا يشمخ ولا يزور، يسأله الناس عن دينهم، ويستفتونه في مسائلهم، مجيبا لهم في صوت هادئ لطيف، يدلُّ على العطف والحنان على الجميع. ولاية بلده للدولة اليعربيَّة في عهد الإمامين ناصر بن مرشد، وسلطان بن سيف.
تقلد
انه اکتال بيده
فكان زاهداً في الدنيا ورعا يعزف عنها .. ومن زهده وورعه أحد التجار، وعندما ذهب إلى منزله أحس بشيء بين خاتمه وأصبعه
الكريمة قمحاً من عليها الخاتم، فأدار الخاتم فإذا هي حبة قمح واحدة، فبقي هنيهة يُحاسب نفسه،
التي
أهي مِمَّا اكتاله واشتراه، أم لم تدخل في الشراء، فرجح أنها للتاجر، وأعادها له. ومن زهده أيضا أن الإمام سلطان بن سيف اليعربي زوَّده زادا من الحلوى التروية لطريقه حتَّى يصل بلده، فاستعملها الله وعندما وصل بيته، التمس هيميانه فوجد فضلَة فيها، فأرسلها بكتاب إلى الإمام يُخبره فيه بأنه استعمل منها بما فيه كفاية الزاد، والباقي يعود إلى بيت مال الْمُسلِمِينَ، وهذا غيض من فيض في زهده، رحم الأوصال، وأسكنها فسيح الجنان.
من
الله تلك
تأليفه الله: الكتاب الذي بين أيدينا وهو الدلائل على اللوازم والوسائل»، وقد
أتم تأليفه في سنة 1083 هـ؛ ويمتاز بأسلوب سهل ممتنع، يجعل فيه القواعد العلمية الدراسية الصعبة تكتسي من السلاسة في الأسلوب، وعذابة الصوت، تخالط شغاف العامة والخاصة، فيقبلون عَلَيه، بهمَّة من غير تكلف .. وقد سلك فيه أقصر الطرق إلى الإفهام، وأحسن السبل ليعيه المسترشد لا يخفى عَلَيه شَيْء، إِنَّه أستاذ ماهر، ومعلم بارع. (1/9)
صفحة 10
الدلائل على اللوازم والوسائل
وله كتاب يعد موسوعة علميَّة شاملة في أربعة مجلدات، طبع منه مجلدانِ، سَمَّاه: «جامع التبيان الجامع للأحكام والأديان».
وكتاب في المواعظ والإرشادات ألفه قبل وفاته بقليل سَمَّاه: «الفكر والاعتبار»، وقد نشرته مكتبة الضامري للنشر والتوزيع بتحقيق صالح بن سعيد بن هلال الحوسني. وكتاب: «تنبيه الغافل وتنشيط المتثاقل» مطبوع، وله مسمى آخر «الدرر الفاخرة في كشف علوم الآخرة».
وله فتاوى ورسائل وسير ونصائح عديدة، ظفرت على بعض منها، موجودة
بحوزتي.
كما أنه كان يعتني بالنسخ لنفسه، منها جزء من موسوعة بيان الشرع سنة 1054 هـ في أيام الإمام ناصر بن مرش
شد.
وفاته: توفي في موطنه يوم التاسع عشر من شهر الحج الأكبر سنة ست وثمانين وألف للهجرة النبوية الشريفة (1086 هـ / مارس 1676 م) أيام الإمام سلطان بن سيف بن مالك، ودفن في المقبرة الشرقية من محلته بأدم، وقبره معروف إِلَى يَومنا
هذا.
-
للتوسع في شخصية المؤلف: انظر مثلا:
عبد
الله
الله
بن محمد الخراسيني: فواكه العلوم في طاعة الحي القيوم، 247/ 1.
عبد بن حميد السالمي:: تُحفة الأعيان بسيرة أهل عمان، 46/ 2. سيف بن حمود البطاشي: إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان، 3/ 169 -
173
دليل أعلام عمان، 63.
منهج الشيخ درويش المحروقي في كتاب الدلائل: صالح بن سعيد القنوبي. (1/10)
صفحة 11
بسمالله الرحمن الرحيم
مقدمة
الدلائل على اللوازم والوسائل
i ...
الحمد لله الذي أوجد الإنسان بعد العدم، وخلق له السمع والبصر واللسان والذوق والشم، وأيده بالعقل الذي وَجَب به المَدح والذم، وبسط له الرزق، وأنعم عليه بضروب لا تُحصى من النعم، وتَعبَّده بأنواع من العبادات، وبين له السبيل ليعمل ويعلم، وأمره ونهاه ليبتليه وليمتحنه، وتقوم عَلَيه الحجة بما حَوَّله من دقة الفهم، وأعدَّ له الثواب الجزيل إن امتثل أمره، وتوعده بالعقاب الشديد إن
أهمل شكره.
صفت
فله الحمد على جميع ما مَنَّ به، وأولى وتعترف له بالفضل والكرم على ما هدانا له في الآخرة والأولى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة الشك والارتياب وأشهد أن مُحمَّداً عبده ورسوله المؤيَّد بالسنة من والكتاب الصلاة دائمة بعدد ماء قطر السحاب، وعلى آله وأزواجه وصالحي الأصحاب. أَمَّا بعد: فهذا كتاب جمعته وألفته من معاني آثار الْمُسلِمِينَ، وبيَّنته للجاهل لا للعالم، أرجو بذلك رَحْمَةِ رَبِّ العالَمِين. جمعت فيه فوائد لا يستغني عنها طالب العبادة، وأثرت فيه فرائد تدل على الزهادة، وسَمَّيْتُه كتاب: الدلائل على اللوازم والوسائل»، وجعلته مبينا مبوبا على ما (1/11)
صفحة 12
الدلائل على اللوازم والوسائل
يلزم الإنسان على الترتيب أَوَّلاً فأولا من شبابه إلى كبره، وفي حال يُسرته
وعُسرته.
فَمن وقف عليه من عالم وعارف أو سَمِعه من قارئ وواصف، ورأى فيه شيئا خارجا عن الْحَقِّ فليُصلحه مأجورًا إن شاء الله.
وأنا أستغفر الله تَعَالَى مِن تأثير الباطل، ومِن التردي في أَهوِيَة (1) الْمَجاهِل؛ وإن
رأى صوابا فَليعمل به ويَشكُر الله تَعَالَى مثابا -إن شاء الله تَعَالَى.
والْحَمد الله حق حمده، وصلى الله على رسوله وعبده مُحَمَّد وآله وصحبه،
ولا حولَ وَلَا قُوَّة إلا بالله العلي العظيم.
1) الأهوية جمع هوة، وهي كُلّ وهدة عميقة، أو مكان عميق سحيق. انظر: أحمد الفراهيدي: كتاب العين، (هوي). (1/12)
صفحة 13
الدلائل على اللوازم والوسائل
النا
في طلب العِلمِ وفنونه، والحثّ عَلَيه
بحمد
اعلم يا أخي - رَحِمَك الله وإيانا بأني لك خدن (1) نصيح، وأدلك اللَّهُ تَعَالَى على الرأي الصحيح، وهو أن تتعلم العلم النافع الذي يُقرِّبكَ إِلَى اللَّه تَعَالَى، ويدلك على طريق الهداية؛ لأن الله ل لم يخلقك عبثا، ولم يتركك سُدى؛ فَلا تُهمل أمره، وَلَا تَركب زَجَرَه. ولا يصح الامتثال للأوامر والانتهاء عن الكبائر إلا بالعلم؛ لأن الإنسانَ طُبعَ على الجهل، والعلم حادث، ولا يكون العلم إلا بالتعلم والجد والاجتهاد، وإلا لم يصل إلى نَيلِ البغيَةِ والمراد؛ لأن العلم هو الطريق إلى معرفة الله تَعَالَى الواحد الأحد، الذي لَم يلد ولم يُولد، وَلَمْ يَكن له كفوا أحد.
والطريق إلى أداء جميع الفرائض المفروضات من الطهارات والصلوات، والصيام والحج والزكوات، وإلى الورع الحاجز المانع عن جميع الشهواتِ الْمُحرمات، من المأكولات، والمشروبات، والمنكوحات.
وإلى ما يتعلق بالبيع والشراء، والأخذ والعطاء في جميع المعاملات؛ ليمتثل العبد أمر مولاه تعظيما له، وخوف خطر العقوبات، ورجاء لعفوه، وطمعا في رحمته بدخول
الجنات.
فانظر يا أخي، - رَحِمَنَا الله تَعَالَى وَإِيَّاكَ - هَل سَلك أحدٌ مكانا مجهولا في بَر أو بحر بغير دليل يأتم به ومن غير تعليم من دليل، فَسَلِم من المهالك والمشقات؟! به،
(1) الخذن الصديق والصديق في السر. انظر: المعجم الوسيط، مادة (خدن). (1/13)
صفحة 14
الدلائل على اللوازم والوسائل
وليس من سلك المفاوز (الوعرة، والبحور الزاخرة بغير دليل ناصح وقائد قوي، ينجو من المخاوف والمهلكات!!.
واعْلَمْ يا أخي، أن للعلم وعاء لا يحصل جناؤه إلا فيه، وما لم يتيسر الوعاء فلا يتهيأ العلم لطالبه وواعيه، ووعاؤه المذكور هو الورع عن جميع الشبهات، والاعتقاد الصحيح بالعمل بطاعة الله إِلَى الْمماتِ.
فإن كنت تستوصف وتَتَعَلَّمُ سلوك الطريق، وتسأل عن مواردها وقطاعها وسُرَّاقها، وسهولتها وصُعوبتها، وطولها وقصرها وآفاتِها، وأنتَ لا تُريد سُلوكها وقطعها؛ فأيُّ فائدة لك في ذلك؟! فَجهلك بها أَعذَر لَك عَلَى هذه النية.
وإن كنت تريد قطعها والسير فيها ليلاً ونهارا، والحذر مِمَّا فيها من المهالك
فَاصعْ إِلَى قَول المرشد، وامتثل وصفه من دقيق وجليل، وكثير وقليل.
أوَ مَا عَلِمت بفضائل العلم والتعليم، وما أُعِدَّ لطالبه طاعة الله من الفضل في الدنيا
والآخرة؟!.
أَمَا عَلمت أن الله يُطاع بالعلم، ويُعبد بالعلم، وتُؤدَّى الفرائض والسنن والنوافل بالعلم، وتجتنب الرذائل بالعلم؟. أو ما علمت أن حضور مجلس العلم أفضل من صلاة ألف ركعة، وعيادة ألف
مريض، وحضور ألف جنازة؟
أو ما علمت أن تعلم مسألة واحدة أفضل مِن
قيامِ أَلف ليلة، وأفضل مِن عِبادة ستّين
سَنَة؟!
وهي إذا كَانت مِمَّا يَلزَم العبد في دينه. وقد قيل: إن «مَنْ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ لِلَّهِ وَعَمِلَ بِهِ حَشَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ آمِنًا،
ويُرْزَقُ الْوُرُودَ عَلَى الْحَوْضِ» (2).
1) المفاوز: جمع مفازة وهي الصحراء. 2) الحديث رواه الربيع بسنده عن أبي هريرة في الباب (4) في العلم وطلبه وفضله، ر 21. (1/14)
صفحة 15
الدلائل على اللوازم والوسائل}
وقد قيل: عن النبي لا أَنَّهُ قال: «بَابٌ يَتَعَلَّمُهُ الرَّجُلُ مِنَ الْعِلْمِ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الدُّنْيَا
وَمَا فِيهَا» (1).
وعنه: «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ». فإن كنت يا أخي عاقلا، فلا تترك فضل طلب العلم، وخاصة طلب ما يخصك علمه، ويلزمك عمله فلا أرى لك عُذرا منه.
وقد روي عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قال: «إنَّ للعلم خزائن، ومفاتيح الخزائن السؤال»؛ فاسأل إن كنت لا تعلم وتجد من يعلم، ولو خرجت في طلبه إلى
أطراف الأرض، فَلكَ في طلبك حسناتٍ لا تُحصى إن صحت نيتك في طلبه. وقد قيل فيمَا وَجَدتُ: «إن طالب العلم تمسحه الملائكة بأجنحتها، ويستغفر له كُلّ رطب ويابس حتَّى حيتان البحر وهوامه، وسباعُ الْبَرِّ وأنعامه، والسماء ونجومها، والأرض وتُخومُهَا (3)؛ لأن العلم حياة القلوب من العمى، ونور الأبصار من الظُّلمة وقُوَّةُ الأبدان من الضعف، حتَّى يَبلغ به العبدُ مَنازِلَ الأحرار، ومجالس الملوكِ، والدرجات العلى في الدنيا والآخرة».
و به
والتفكر فيه يعدل الصيام ومدارسته تعدل القيام، وبه يتورع عن الْمَحَارِم، توصل الأرحام، ويُعرَف الْحَلالُ من الْحَرَامِ، وهو إمام والعمل تابعه، يلهمه الله
السعداء، ويحرمه الأشقياء. أترغب يا أخي عَن مثل هَذَا ولك عقل؟
1) روي الحديث بألفاظ مُختلفة منها ما رواه ابن عبد البر عن أبي ذر وابن ماجة والطيراني في الأوسط كذلك بلفظ: «باب) من العلم يتعلمه الرجل: له من مائة ركعة: انظر العجلوني: كشف الخفاء، ر 3139.
خير
2) الحديث رواه البيهقي في شعبه عن أنس ((1663)، والبزار (ر 94)، والطبراني في الأوسط (ر 4096). التخوم: الحدود والمعالم بين الأرضين. انظر: العين، (تخم). (1/15)
صفحة 16
الدلائل على اللوازم والوسائل
16
وقد قيل: «إِنَّ مِدَادَ الْعُلَمَاءِ يُوزَنُ بِدَمِ الشُّهَدَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»). وقيل: «إِنَّ النظر في الكتاب عِبادَة» (2).
وإن وقف القارئ على حرف لم يفهمه، وكان يتردد إلى أن يعرفه كان كالمتشحط (بدمه في سَبيل الله، ونَفَسُه في ذلك تسبيح، وتقليبه أوراق الكتاب كالمتقلب مِن نَزَعَةٍ إِلَى نَزِعَةٍ فِي سَبيل الله.
وقد قيل عن بعض الحكماء: «إنّ الناسَ ثَلاثة: قُدوَة، ومُقتد، والثالث لا يُفلح».
وقيل: «الناسُ ثَلاثة: عالِم، مُرتفع، ومُتعلّم مُنتَفِع، وسواهُمَا مُنتَقِع». وعن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قالَ: «مَا انْتَعَلَ عَبْدٌ قَطُّ، وَلَا تَخَفَّفَ، وَلَا لَبِسَ تَوْبًا لِيَعْدُوَ فِي
طَلَبِ الْعِلْمِ إِلا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ حَيْثُ يَحْطُو عَتَبَةَ بَابِ بَيْتِهِ»).
ولا تظن يا أخي، بأن طلب العلم المذكور الواجب عليك طلبه: هو علم المسائل الشرعية التي تجري على الناس من علم مسائل النكاح والطلاق، والحيض، والبيع والشراء، والإجارات؛ فهذا وأمثاله علم جيد محمود غير مذموم؛ إِلا أَنَّهُ لا يلزمك هَذَا إلا إذا دخلت فيه وامتحنت به، وما لم تدخل فيه فلا لوم عليك منه؛ لكن عليك علم ما يخصك من اعتقاد علم التوحيد، وفعل ما أمر به الله ورسوله من جَمِيع الفرائض والسنن، وتَركِ مَا نَهى عن ركوبه من جميع المعاصي، ومعرفة فرائض القلب: من الله والنية عند الأعمال، والتوبة من الذنوب، والخوف من الله، والرجاء
الإخلاص
1) الحديث رواه ابن عبد البر عن أبي الدرداء ورفعه بلفظ: يوزن يوم القيامة مداد العلماء بدم الشهداء فيرجح مداد العلماء على دم الشهداء وللخطيب في تاريخه عن ابن عمر مرفوعا. انظر: كشف الخفاء، (ر 2276). 2) ذكر القرطبي في تفسيره رواية عن أبي سعيد الخدري عن النبي لا لا له: «أعطوا أعينكم حظها من العبادة» قالوا: يا رسول الله وما حظها من العبادة؟ قال: «النظر في المصحف والتفكير فيه، والاعتبار في عجائبه». الْمُتشحط أي المضطرب والمتخبط في دمه.
4) في (ض): وجاهل قد خلع ..
ه الحديث رواه الديلمي في الفردوس عن علي بهذا اللفظ، ر 6183. (1/16)
صفحة 17
17
الدلائل على اللوازم والوسائل
له، والتوكل عليه، والتفويض إليه، والرضا بِجَمِيع ما قدَّره لك وعليك، والصبر على ما
قضي به.
وكذلك تَتَعَلَّم إزالة دواعي الشرِّ من الرياء بعملك، والْحَسَد للخلق، والعُجْب بما أنت فيه، والكبر على الناس، وغير ذلك من الأحوال المذمومة.
وإذا تفكرت بعين عقلك لم تجد لنفسك عُذراً في الرياء والإعجاب، وغير ذلك من دواعي العلو من الكبر والرياء.
فانظر – رحمك الله - هَل تجد شَيئا من عندك لَم يُسره الله لك، أترائي به الناس وتعجب به؟! والله المستعان!!
فالعافية التي قمت بها وقدرت على ما به قدرت عَلَيه هي من عند الله، ولو لَم يُعافِك الله ما قدرت على ذَلِكَ أبدًا.
وكذلك جَمِيعُ حركاتك، وفصاحة لسانك للقراءة، وغيرها من عنده، فلو شاء لجعلك أعجميا أو بليداً لا تُحسن جواب مُحدِّثِك.
وحُسنُ الحفظ والذكاء، وقوَّةُ الذهن، وضبط جميع أمورك الدنيوية والأخروية من عنده، ولو شَاءَ لأنساك ما حفظت وسلَبَك ما فهمت حتَّى لا تُحسن قول «لا إله إلا
الله».
والعلم الذي أنت تطلبه من عنده ولو امتحنك لتستخرج علما من عندك مثل ما يمتحن الملوك الشعراء بالقرائح، لعجزت عن ذَلِكَ. وعينك التي تنظر بها جميع المنظورات من عنده، وكذلك الأذن التي تسمع بها جميع ما تسمعه عنده، وصورتك الحسنة عنده، ولو شاء لجعلك ذميما بغيظا،
من
من
واليد التي تتناول بها جميع ما تُريده من الحوائج من عنده أيضا، وكذلك الرجلُ التي تمشي بها حيث تُريد فهي من عنده. (1/17)
صفحة 18
الدلائل على اللوازم والوسائل
18
وكذلك الكيس) والقوة والنباهة والفِطْنة والهمة، والعمل والحركات جميعا
والسكون .. كُلُّ ذلك من عند الله فَمِن أين تقوم بشكر بعض ذلك؟ فإذا خولك الله تَعَالَى وخصك بهذه الأمور وغيرها مِمَّا لا يُحصى، دون بقيَّة خلقه - وكلكم عبيده – فَمِن أينَ تُؤدِّي الشكر لهذه النعمة العظيمة؟!
وكذلك تيسيره للرزق الذي تأكله وتقيم جسدك به من عنده، ولو شغلك بطلب القوت لكان عدلا منه، وأي سابقة لك عَلَى غَيرك؟ أعبدته أنت قبل أن يخلقك؟ أم لا .. خاصة لك عن غيرك، ولو عرفت لما غفلت ساعة عن حمده وشكره. واحذر يا أخي، أن يكونَ طَلْبُكَ العلم للجاهِ، أو لصرف وُجُوه الناس إليك، أو لجمع الحطام المذموم من الدنيا، بل يكون تعلمك الله، ونيَّتك فيه نفياً للجهل، ولِمَا يلزمك قبل أن يلزمك، لتكون مستعدًا مِن قَبل أن لا تجد من يشفيك لفوتِ العلماء، أو
غير ذلك ..
ولا يكن حظك من العلم أن يقال: "فلان فقيه"، فيفوتكَ فَضلُ العلمِ الْمَذكور .. وقد قيل: «إن أشر الناسِ عَالِمٌ يَطلب الدنيا بعلمه». وقيل عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «إِنْ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَالِمٌ لَمْ يَنْفَعْهُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ» (2). ومِمَّا يُوجد أَنَّهُ مِمَّا أوحى الله إلَى النَّبِيِّ دَاود الي: «الويلُ كُلِّ الويلِ لِعالِم أَسكَرَه حُبُّ الدنيا، أُولئكَ قُطَّاعُ طَريقِ عِبادي، إن أدنى ما أصنع بهم أَن أَنزِعَ حَلاوَةَ مُناجَاتِي من قلوبهم»). وقيل: «من طلب الدنيا بِعَمَلِ الآخِرَةِ نَكِّس الله قلبه، وَجَعَلَ اسْمه من أهل النار».
1) الكيس: ضدّ الحمق، والكيس هو الذكي الفطن الظريف. انظر: اللسان، (كيس).
(2
(3
الحديث
ا رواه البيهقي في شعبه (ر 1778) والقضاعي في مسنده (ر 1122) وغيرهما عن أبي هريرة. الحديث رواه خيثمة بن سليمان القرشي في حديثه عن أبي عمران المصري، 1/ 166. (1/18)
صفحة 19
الدلائل على اللوازم والوسائل
وقيل: «مَثلُ العالم الذي يُعلِّم الناس ما يلزمهم في دينهم، يُريد به وجه الله، كَمَثَل الشمس تُضيء للناس ولا ينقص منها شَيء»؛ وقيل: «لا يُدرك العِلمَ مَن لا يُطيلُ درسه، ولا يكد نفسه». وكثرَةُ الدرس كَدُّه، وَلاَ يَصير عَلَيهِ إِلَّا مَن يرى العلم مَعْنَما، والجهل مغرماً.
وصرت
وقد قيل عن رسول الله: «جُلُوسُ سَاعَةٍ عِنْدَ الْعُلَمَاء أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ عِبَادَةِ أَلْفِ سَنَةٍ لَا يُعْصَى اللَّهُ فِيهَا طَرْفَةَ عَيْنِ، وَالنَّظَرُ إِلَى الْعَالِمِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنَ اعْتِكَافَ سَنَةٍ فِي بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، وَزِيَارَةُ الْعُلَمَاءِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ سَبْعِينَ حَجَّةً مَقْبُولَةٌ، وَيُكْتَبُ لَهُ مَا دَامَ جَالِسًا عِنْدَ الْعُلَمَاء بِكُلِّ حَرْفٍ سَبْعِينَ حَجَّةً وَعُمْرَةٌ، وَرَفَعَ لَهُ دَرَجَة، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ الرَّحْمَةَ، وَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»). فإن يسر الله لك يا أخي وطلبت العلم وعرفت بعضه بفضل الله عليك، حجة في الأرض، فاشكر الله لا على ما بلغك وأعانك وأعطاك، وعلمك وهداك .. واعلم أنك لا تقوم بشكره حقيقة ولو بذلت عمرك جَمِيعا في طاعته .. ولكن ألزم نفسك التواضع للناس، وكُن واسع الصدر، قابل العُذرِ، باذل البشر، حَسَن اللقاء، ولا تكن فظا غليظ القلبِ عَلَى الناس، وافتِ الناس بما علمته يقينا، وحفظته ضبطاً، غَير مُسارع إلى الفتوى ما وجدت أحدا قائما بحوائج الناس، ولا تأنف أن تقول فيما لا تعلم: «لا أعلم» فَإِنَّهُ لَيس ينقص منك، وَلَا عَارٌ عَليك، وقد اعتذر من
هو خير منك.
وَإِيَّاكَ ثُمَّ إِيَّاك أن تشتغل بعلم غَيرِك، قبل أن تَتَعَلَّم مَا أَنتَ مَسؤول عنه الْقِيَامَة، يوم وهو علم ما يَخُصُّك ويُعينك حين تسألك عنه الملائكة الكرام بأمر الله تَعَالَى، وهم الذين يرصدون الناس على جسرٍ جَهَنَّم، نعوذ بالله منها.
(1
الحديث. روي مثله الديلمي في الفردوس، عن أبي هريرة، ((2575) بلفظ: «جُلُوسُ سَاعَةٍ فِي مُذاكَرَةِ العِمِ من أن يتصدَّقَ عَلَى الْمَسَاكِينِ عَشَرَة أَلفِ دِينَار».
أَحَبَ إِلَى الله. (1/19)
صفحة 20
الدلائل على اللوازم والوسائل
عند الله
من
فأوَّل مَا يَسألون الإنسانَ عَن الإيمان: الذي هو التصديق بما جاء من. الكتب والرسل والملائكة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والوعد بالجنة والوعيد بالنار، والموت، ومجيء الساعة، وغير ذلك.
تامة
فإن جاء به العبد تاما مخلصا فيه، سألوه عن الصلاة المفروضة، فَإِن جاء بها الْعَبْدِ بركوعها وسُجودها وقيامها وقعودها، في أوقاتها بالطهارة التامة، واستقبال القبلة،
وطهارة البقعة، وغير ذلك من شروطها ..
فإن جاءَ بها الْعَبْد تامَّة سَألوه عن الزكاة إن كانت قد لزمته، من نقود من ذهب أو فضة، أو حبوب أو تمر، أو ماشية؛ فَإن جاء بها الْعَبْد تَامَّةٌ خالصة من الرياء والخيانة سَلِمَ من عقابها.
فيسألونه عن صوم شهر رمضان، فإن جاءَ به تاماً صافيا مِمَّا ينقضه سَلِم مِن عِقابه. فيسألونه عن الْحَجِّ والعُمرَةِ إن كان لزمه ذَلِكَ؛ فإن جاء به تاما صافيا من إحرامه إِلَى إتمام مناسكه سليم من. عقابه.
فيسألونه عن مظالم العباد في أبدانهم، وأموالهم، وفُروجهم، وأعراضهم؛ فإذا سليم العبد منها أو من الإصرار عليها إن جرت منه، فمرجو الله ال أن يُدخِله الْجَنَّة من
برحمته الواسعة.
ولا تقوم جميع هذه الفرائض إلا بالعلم، ولا يصح العلم إلا بالتعلم والانقطاع فيه
ليلا ونهارا بالرغبة له.
فَهذه نبذة يسيرة تُرغبك في طَلب العلم، إن كُنت مِمَّن يُريدُ لنفسه السلامة، وإن
أردت زيادة في الترغيب فاطلب الكتب المتضمنة لجميع فنون العلم تجد المراد إن شاء الله تعالى -. فإذا أحكمت طريق الطلب فانظر فيما تبتدئ به أَوَّلاً، مِمَّا تُبتلى به مما يلزمك في دينك وبدنك ومَالِك فَاطْلُبُهُ أَوَّلاً فَأَوَّلاً، وَلَا تَوفيق لنا ولك إلا بالله وهو حسبنا ونعم الوكيل. (1/20)
صفحة 21
21
الدلائل على اللوازم والوسائل
البات
في الختان ومَا يَتَعَلَّقُ بهِ مِن طهارة البدنِ ونتف الإبطين وحلق العانة وتقليم الأظافر وقصّ الشارب، وما يَتَعَلَّقُ به، ومَا يُستَحَبُّ مِن ذَلِكَ
اعْلَم يا أخي - رَحِمَكَ الله وعلمك طريق الهدى، ووقاك سوابق الشقاء أنك خُلقت في الدنيا للبلاء والمحنةِ، وَلاَ تَستقرُّ في الدنيا آمنا فيها إن كنت ذا عقل حتَّى يُرحمك الله ويُدخِلك بفضله الْجَنَّة.
واعْلَم أَنَّكَ قَد كُنت في صُلب أبيك، ثُمَّ صِرت بتدبير الله نُطفَةٌ في بطن أمك، لا تدري بالصلاح ولا الفساد، ولا تعرف الطاعة ولا العناد؛ فلبثت هُنَاكَ ما شاء الله في كِن كَنين، ويَأتِيك رِزْقُكَ مِن رَبِّ العالمين، لا باحتيالك ولا باحتيال أبويك، حتَّى أخرجَك الله بقدرته من ذلك المكان الضيق إلى المكان الواسع، وأنبَعَ لك رزقا لَبَنا خالصا سائغا لذيذا من تدي أُمك، ليس لذلِكَ الرزق دافع ولا مانع، وجعل لك الرحمة في قلب أُمك حتّى تُرَبِّيك بحلاوة لا يملل ولا تكلف، كُلُّ ذَلِكَ مِن فَضل الله عليك. ثُمَّ صرت بحمد الله كل يوم في زيادة قوتك وشبابك، وأنت لا تدري بنفسك، بل أنت مثل البهيمة إلا في صُورتِك مُخالفا لها، لا تعرف الْحَسنَ وَلاَ القبيح، ولا الطاعة ولا المعصية، وهذا أحسنُ أحوالك في الدنيا، إذ لا حساب عليكَ وَلاَ عقابَ وَلاَ ذنب، إنَّمَا هَمُّك أن تأكل وتشرب وتأوي إلى أبويك، وما أحسنه من حال لو يدوم!!
فإذا كبرت وترعرعت، وبلغت سبع سنين فصاعدا توجَّهت عَلَيك المحن، واستقبلتك شيئا فشيئاً .. ولذلِكَ خُلقت .. (1/21)
صفحة 22
ى اللوازم والوسائل الدلائل
والآخر
22
وقد قال الله تَعَالَى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كبد (1) معناه: مُكابدة أمور الدنيا رة، وقال الله: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَوَة لِيَبْلُوَكُمْ أَنَّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2) معناه: ليختبركُم وليُظهر منكم لكم ما عَلِم أَنَّه سيكون منكم عيانا؛ لأن الله قد علم بما يعمل العباد قبل أن يعملوه، وبما يكون قبل أن يون، فلا يَكُون الاختبار من الله إلا ليظهر ذَلِكَ للعبد لتنقطع حُجَّته .. والله لا يخفى عَلَيْهِ شَيْء، وهو بِكُلِّ شَيْء عليم.
فأَوَّل مَا يَتَوَّجَهُ عَلَيكَ:
الختان:
وهو واجب لا يَجُوزُ تَركه للرجال، ولا ينبغي تأخيره عن قدر سبع
سنين إلى الثَّمَان وَلا تجوز الصَّلاةُ للرِّجال إلا به، وَلَا يَسعُ تَرَكه إِلا مِن عُذر. وأما النساء فليس بواجب عَلَيهِنَّ إِلا أَنَّهُ مَكرُمَة لأزواجهن، ولا يُعجبنا تركه .. ولو كانت البنت يتيمة فجَائِز عندنا ختانُها.
وحدُّ الْخِتَان: قطع القلفة (3) كُلها، وإن قطع أكثَرُها أَجزأ ذَلِكَ إن شاء الله. ويُستَحَبُّ للرجل أن يَختِنَ عبده إذا كان صبيا، ليكون على زي الإسلام، وإن
كان العبد بالغا فعَلَيه ذَلِكَ. وقيل: على الخنثى أن يُختن موضع الذكر منها. والختان فريضة على الرجال خاصة، ومَن أسلم من أهل الكفر في وقت
يخاف على نفسه فيه فَجَائِز له تأخير الختان إِلَى وَقت يَأْمَن فيه على نفسه.
فإذا عرفت الختان وقضيته - بحمد الله - فَانظر في محل العانة، وما حول
الدبر، وما بين القبل والدبر.
1) سورة البلد: 4.
2) سورة الملك: 2.
(3) القلفة: جُلَيْدَة الذكر من فوق الحشفة. (1/22)
صفحة 23
الدلائل على اللوازم والوسائل
وحد موضع القبل: من العورة إلى السرَّة، فإذا ثبت هناك شعر فاحلقه - إن شئت- بالموسى فَجَائِز، والمستَحِبُّ حَلقه بالنَّورَة). وَصفَةً ذَلِكَ: أن تأخذ أربعة أسهُم مِن النَّورة التي يعملها الناس من الحجارة، ثُمَّ تضيف إليها سهما من الزرنيخ، ثُمَّ تَدُق الْجَمِيع وتخلطه وتصبٌ عَلَيهِ الْمَاء بعد الدقِّ حَتَّى يصير كالعجين أو أَرَقَ منه، ثُمَّ تَجعله على النار حتَّى يَثور، أو في الشمس إذا كان في الحرِّ، ثُمَّ ادهن به موضع الشعر، ثُمَّ قِف قليلا وجَرِّبه بيدك، فإذا بان لك سُقوط الشعرِ مِنه فاغسله بالماء خوف المضرة على جلدك؛ فَإِنَّهُ يَحلِقُ حَلقا جيدا، وإن أكثرت له من الزرنيخ عن الخمس فهو أقوى لحلقه، والنارُ أَجود له من الشمس، وهو جَائِز به الحلق للرجال والنساء، والحلق بالموسَى جوازه للرجال، والنتف جوازه للنساء ..
ولا ينبغي للرجل أن يُؤخّر الحلق لذلِكَ أكثر من أربعين يوما؛ وأَمَّا النساء فيُؤمرن ألا
يُؤخِّرْن ذَلِكَ أكثر من عشرين يوما، وفي ذَلِكَ اختلاف، وهذا الذي تختاره. ويَجُوز للرجل أن يحلق شعرَ صَدره وبطنه وفَخِذيه إن كان فيها شعر، ويُستَحَب
حلقه بالنورة.
فإذا قضيت حلق العانة فانظر إلى إبطك، فإذا نبت شعر هُنَاكَ فَانتِفه؛ فإن النتف أولى به من الحلق، وسَهل ذَلِكَ لِمن اعتاد، وجَائِز حلقه بالموسى أو بالنَّورَة أيضا، وَلاَ
يُؤخر ذَلِكَ عن مثل حلق العانة إن لم يكن أقرب، وهو على الرجال والنساء. وقلم أظافرك أيضا بِالْقَلَمِ (وهُو الْمِقَصُّ في كُلِّ أسبوع إن أمكن ذلك، وإلا فلا تُؤخِّر ذَلِكَ عن أسبوعين إلا إن كانت أظافرك لا تزيد .. والمستحبُّ ذَلِكَ في كل يوم خميس تدور، ففي ذلِكَ فضل عظيم، حتَّى قيل: «إن من قلَّم أَظفاره أربعينَ حَمِيسا لَم يُصبه الفَقرُ»، وسمعتُ بَعض العوام يقول: «إِنَّهُ لا يُصيبه الفقر»، يعني: الفقر من الدين، فإن صح ذَلِكَ فَنِعم ما هو.
(1) الثورة: مادة يُطلى بها تسهل عملية نزع الشعر، وقد بين الْمُصَنِّف عملية تحضيره .. فلينظر. (1/23)
صفحة 24
الدلائل على اللوازم والوسائل
ويجب تقليم الأظافر على الرجال والنساء، ويُستَحَب رَمي الأظافر عند التقليم حيث يَجُوز رَمِّيهَا فِي مِلكِ الْمُعَلِّم، أو موضع مباح، خلافا لليهود.
ويُستَحَبُّ أن يبدأ باليد اليمنى، ويتدئ منها بالإصبع المسبحة، ثُمَّ الإبهام، ثُمَّ الوسطى، ثُمَّ الْبنْصَر، ثُمَّ الْخِنْصَر، ويبدأ من اليسرى بالإصبع الوسطى، ثُمَّ الْمُسبِّحة، ثُمَّ الإبهام، ثُمَّ البنصر، ثُمَّ الْخنصر.
ويُستَحَبُّ تقليم أظافِرِ الرجلين إذا طالت، ويُبدأُ منها بخنصر اليمنى، ويُتبع ذَلِكَ حتّى يختم ذلك بخنصر اليسرى .. ثُمَّ إِذا قَضَيْت ذَلِكَ فمتى ما تبت لك شعر في الشارب وطال وخرج من حَدٌ الْحُسن إلى جد القبح، وهو أن يصير بحيث يُخاف منه الدخول في الفم، فقد قيل: إن جزه فرض، فإن شئت فاحلقه بالموسى، وإن شئت فقصه بالمقص، فكلُّ ذَلِكَ جَائِز، والمقص أحبُّ إلينا .. وتعاهد ذَلِكَ كلّما طال عَلَى مِقدار حلق العانة في المدَّة، ودون ذلِكَ، وَلا يُعجبنا تأخيره إذا طال أكثر من أسبوعين، وجَائِز حلقه كله، وإن شئت تركت منه حَطًا فَجَائِزِ ذَلِكَ، والله أعلم.
فإذا كبرت وبلغت الحلم، أو قاربت ذَلِكَ، وزاد عقلك، لزمك معرفة توحيد خالقك، فتعلم ذَلِكَ تَجده بَيِّنَا، إن شاء الله تَعَالَى. (1/24)
صفحة 25
25
الدلائل على اللوازم والوسائل
البنا في توحيد الله تعالى ونفي ما لا يجوز عَليه من الصفات وذكر بعض أسمائه وصفاته وتفسيرها وما يجوز منها
وما لا يجوز ذَلِكَ
توحيد الله تعالى]
واعْلَمْ يا أخي - حفظك الله تَعَالَى – بأن مَعرفَة الله وَ فَرضِ وَاجب على كُلِّ عَاقِلِ بالغ من الآدميين، لا عُذر له مِن ذَلِكَ ولو كان في جزائر (1) البحور، أو كان في الفيافي) والقفار المنقطعة .. والدليل على ذَلِكَ واضح، والبرهان بحمد الله – بين نير لائع من طريق الشرع، ومن طَرِيق الْعَقْل.
أما من طريق الشرع فأصلُ التوحيد الذي عليه الاعتماد، هو أن تعرف الله أَنَّهُ واحد ولَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.
فإذا عرفت الله بِهَذِهِ الصَّفَة فَقَد عَرفته، وهذا بَيَانُ رَأسِ التَّوْحِيد.
ومعرفة الله تَعَالَى فَرض لا يُترك، وبحر لا يُدرك ولا تحوم الأنبياء والعلماء والعباد والزهاد إلا على سواحل الْمَعرِفَة، ولا تظنّ أَنَّكَ تُدرك معرفة الله ولا بالحقيقة، ولو بذلت في ذَلِكَ عُمرك أجمع، فلا تَأمل أن تُدركَ الْمَعرِفَةَ، وَلَا تَطْمَع فِي ذَلِكَ. وكلما زادت قوة معرفتك به ازددت قصورا؛ لأن معرفة الله ل لا تدرك بقياس شَيْء، ولا بتشبيه، ولا بتمثيل، ولا يجوز أن تصفه بشيء من صفات المخلوقات جَمِيعًا، من ملائكة، وإنس، وجنٌ، وحَيوان، وحماد، وهواء، ورياح،
1) الجزائر: جمع جزيرة، وهي أرض في البحر ينفرج عنها ماء البحر فتبدو. انظر: العين: (جزر).
(2) الفيافي: جمع ف
فيف
،ف، وهي المفازة والصحراء لا ماء فيها، مع الاستواء والسعة. انظر: العين، (فيف).
(3) سورة الشورى: 11. (1/25)
صفحة 26
الدلائل على اللوازم والوسائل
26
وأمطار، وجبال، وبحار، وسَموات وأرض، وعرش، وكرسي .. ولا بشيء مِمَّا فيهنَّ من صور، وأجسام وأنوار، وأرواح، وحركات، وأبصار، وأسماع، وقرب
وبعد ..
وَإِنَّمَا الدلالة عليه بمخلوقاته، وانظر بعين عقلك إلى آيات القرآن الكريم .. انظر في جواب إبراهيم ال حيث قال فيما حكى الله عنه: {رَتِي الَّذِي يُحْي وَيُمِيتُ) لم يصفه إلا بأفعاله من إحياء الموتى، وإماتة الأحياء، ولم يصفه يطول ولا بعرض، ولا صغر ولا كبر، ولا في جهة فوقية ولا تحتية، ولا بحثة وَلَا غير ذَلِكَ من الصفات. وكذلك ما حكى الله تَعَالَى عَن قول الرسل حين قالوا لقومهم في الله شَكُ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ (3) فلم يصفوه بتحديد، بل وصفوه بأفعاله ومخلوقاته، ولا دلالة على بيان معرفته إلا بذلِكَ.
حين لو قَالَ
وكذلك ما حكى الله تَعَالَى عن قول موسى الله الفرعون - لعنه الله فرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ) قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُم مُوقِنِينَ} إِلَى تَمام
الآيات، لم يصف الله بصورة ولا هيئة وَإِنَّمَا وَصَفه بأفعاله الظاهِرَةِ لِمَن عَقَلَ ذَلِكَ. وكذلك أصحاب الكهف فيما حكى الله عنهم حين قَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ) ومثل هَذَا كَثير، فلم يصفوه بمَكَان وَلا زَمان، بل بأفعاله تعالى، فلا سَبيل إِلَى مَعرِفَةِ اللهِ تَعَالَى إِلا بِقُدرته الباهرة، ومخلوقاته الشاهرة.
1) سورة البقرة: 258.
(2) سورة إبراهيم: 10. (سورة الشعراء: 23 - 24.
4 سورة الكهف: 14. (1/26)
صفحة 27
27
الدلائل على اللوازم والوسائل
فكيف تَقْدِير - أنتَ أَيُّهَا الْعَبْد الضعيف المسكين - أن تصف من هو في السماوات والأرض بالعلم والقهر والإحاطة والتدبير؟! فلا يجري في السماوات والأرض شَيْء مِن قليل وكثير، ودقيق وجليل، من سقوط ورقة، أو دبيب نَملة، فمَا فَوقَ ذَلِكَ ودُونَه إِلا
بعلمه ومشيئته.
ولا يَقدِرُ أحدٌ غيره على نُطق بلسان، أو نظر بعين، أو نسم بروح، أو شم بأنف، أو قبض بيد، أو مشي برجل إلا بعونه وعلمه وتيسيره وتدبيره.
فكيف تصفه أنت؟ وبِمَ تصفه؟ وما تقول فيمن لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَر وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ، وَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْةٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}، {وَهُوَ
(1)
مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُم). فلا تَظنَّ أَنكَ تُدرك صفته؛ لكن عَلَيكَ الإيمان به، ونفي الأشباه عنه، واتباع أوامره
والانتهاء عن مناهيه.
وأَمَّا طَرِيق الْعَقْل: فلا يُحصي ذَلِكَ إِلا مَن رزقه الله تَعَالَى عقلاً مميزًا يتفكر به فيما خلق الله وعل مِمَّا يعجز الواصف عن صفته. فمن ذلك: خلق جَمِيع الجبال الرواسي التي أرسى بها الأرض أن تميد بمن فيها لتستقر، وبما خلق في هذه الجبال الرواسي من العيون الجارية، والأشجار المختلفة الألوان والطعوم، فهل يقدر على ذَلِكَ أحد غيره؟ أَمَا في هَذَا دليل على قدرته ووحدانيته لمن له
عقل؟
وكذلِكَ جَمِيع ما خلق فيها من البحار الزاخرة، وسخرها ألا تفيض على الأرض فتهلك الحيوانات، وتفسد الأرض .. وما خلق فيها من الأمواج التي لا تقف ساعة أبدا ليلاً وَلَا نَهارا، وما خلق الله فيها من الحيوانات العِظامِ الصور والدقاق، مِمَّا لا يعلم إحصاء
1) سورة الأنعام: 103.
(2) سورة الحديد: 4. (1/27)
صفحة 28
الدلائل على اللوازم والوسائل
ذلِكَ إِلا هو تَعَالَى، وساق لها أرزاقها على كثرتها بغير كد منها ولا طلب، ولا تعب ولا احتيال، وجعل بعضها أرزاقًا لِلآدميين، وجعل لهم السبيل إليها على ما هي عليه وفيه من قُوَّة الْمَنعِ وَالْحَذَر.
وأجرى فيها أعني: البحار - السفن منافع لعباده، لتحملهم بأثقالهم، وتسير بهم بتقدير الله حيث يُريدون من الأمكنة، وجعل سبب السير بالريح فيها .. ومن المدبر للريح والحافظ في البر والبحر إلا هو – جل وعلا -!.
وكذلك ما خلق من السحاب الذي تراه بعينك بين السماء والأرض، ينشئه في ساعة واحدة، وأرسل فيه الأمطار رحمة منه لعباده، ولِما خلقَ لَهم من الحيوان فتحيي الأرض - بإذن الله - في ساعةٍ واحدةٍ. كما قال الله تَعَالَى: {فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُحْضَرَةٌ، وتَجري فيها العيون - بإذن الله تعالى، وتكثر الحروث، وتسمن المواشي وتكثر. وَرُبَّمَا جَاءَ المطرُ في بعض الأوقاتِ عُقوبة للعبادِ مِن قبل ظُلمهم، فلا يحصل منه نفع، بل يقع الفساد في الثمار والمواشي، كما جرى على كثير من خلق الله تعالى من قديم
وجديد .. وَلا فَائِدة بإطالة ذكر ذَلِكَ لِمعرفة الناس به حَتَّى الْجَهَّال.
وكذلِكَ خَلْقُه السموات وما فيها من الملائكة والشمس والقمر والنجوم، وكذلك العرش وما فوقه .. فهل يقدر واصف أن يصف ما فيهنَّ ومَن فيهنَّ؟ أو يُعدِّد بعضا من
ذلِكَ، إلا من علمه الله بشيء من ذَلِكَ، أما في هَذا دليل على وحدانية الله تَعَالَى؟!. وكَذَلِكَ مَا خلق الله في الأرضين من إنس وجن، وحيوان ووحوش، وسباع وأفاع، وهوام)، وغير ذلِكَ مِمَّا لا يُحصى عددا، ودبر لها أرزاقها بغير علم منها، ولا سفر ولا
1) سورة الحج: 63.
(2) الهوام: جمع مفردها (هامة) وهي الحيات وكل ذات سم. ويطلق أيضا على الحشرات غير السامة. (1/28)
صفحة 29
29
الدلائل على اللوازم والوسائل
حراثة ولا صناعة، فأين أنت عنها يا أخي – رحمك الله - وعن التفكير فيها، وهذا بعض
(وهي
من بعض مِمَّا تعلم فكيف بما لا تعلم، وقد قال الله تَعَالَى: {وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ه (1). وكذلِكَ خَلقه لبني آدم من الآيات العظام لمن عقل؛ لأنه خلقهم من نطفة الْجَنَابَة)، وجعلهم في بطون أمهاتهم مدَّة، ودبَّر لهم في البطون أرزاقهم فيها من دم حيض
أمهاتهم.
من
ألا ترى أن الحامل لا يأتيها الحيضُ في الحمل، وذَلِكَ من تدبيره، لا من تدبير الأب والأم، ولا من تدبير الجنين، إلى أن يخرج الولد من بطن أمه، أخرج الله له لبنا خالصا صافيا لزجا مغذيا ثدي أمه، باردا في الصيف وحاراً في الشتاء .. أما ذلِكَ في عبرة، وفكرة لمن عقل ودرى؟! ثُمَّ أحصى الله تَعَالَى جَميع الآدميين من الأوَّلين والآخرين عددا، وجعل لِكُلِّ منهم رزقا لا يفوته أبدا، ولو فر منه لدبَّره له في طلبه حتى يستوفي رزقه الذي كتب له .. وجعل لِكُلِّ أجلا ينهيه، ولا يعدوه بِنَسَم واحد .. فمنهم من يموت في بطن أُمِّهِ، ومنهم من
واحد منهم.
يُدركه الضعف والهرم وما بين ذَلِكَ. وكل ذلك بحكمة وعلم لا عبثا، ثُمَّ خص كل واحد منهم بصورة لا تشبه صورة الآخر، حتى لو اجتمع أهل الدنيا كُلّهم لما تشابه اثنان منهم، حتّى لا يعرف بعضهم من
بعض والصورة واحدة.
وكذلِكَ خص كُلِّ واحد بصوت حين ينطق لا يُشبه صوت أخيه (2)، حتَّى أَنك تعرف الواحد منهم بنطقه ولو لم تره.
1) سورة النحل: 8.
(2) في (ض): صاحبه. (1/29)
صفحة 30
الدلائل على اللوازم والوسائل
وكذلك اللغات التي ينطقون بها من عربية وعجميَّة، فهل أحد يدركها، فلا إله إلا الله .. أَمَا فِي ذَلِكَ فِكْرَة (1) لِمَن عَرَفَ ودَرَى؟!
ثُمَّ تصريف الرياح جنوبا وشمالا، وصبا (3) ودَبورًا (3)، وبين ذَلِكَ مِمَّا لا يخفى على مَن
رزقه عقلا.
وكذلك اختلاف طبائع الآدميين، جعل منهم الكيس والعاجز، والحسن والذميم، والبخيل والكريم، والحر والعبد، واللئيم وواسع الصدر وضيقه، والضاحك والعابس، والراجي والآيس، والصحيح والسقيم، والغني والفقير، والعالم والجاهل، والمطيع والعاصي؛ هل يقدر أحد على ذَلِكَ غيره؟! تَعَالَى الله عَن أن يُشركه أحد في تدبير ملكه، وأمور خلقه وإن دير مدير منهم شيئا فهو مديره لذلك.
واعْلَم أَنَّ الله تَعَالَى واحد فرد صمد لا ثاني له، ولا ضدّ ولا ند، ولا مثل له، عالم لا يجوز عَلَيه الجهل، وليس عِلمه مستفادا بل عالم بنفسه، وسميع لا بأذن يسمع بها مثل خلقه، وَإِنَّمَا معنى "سميع" أَنَّهُ عليم وينفى عنه الصمم، و"بصير" لا يبصر مثل بصر خلقه تعالى، ولو أنه مثل بصرهم لا يُشبههم بشيء، تَعَالَى الله عن ذَلِكَ .. فليس هُو بِجسم وَلَا محدود، ولا تُحيط به الأقطار ولا الأقدار، وَلاَ يُرى بالأبصار .. وهو الله الواحد القهار حي قيوم، لا تأخذه سنة ولا نوم لا تدركه الأبصار لا في الدنيا ولا في الآخرة، وهو يُدرك الأبصار في الدنيا والآخرة، وهو اللطيف الخبير.
سبحانه مُباين للأشياء لا بمفارقة، بعيد عنها لا بمسافة؛ لأَنَّهُ تَعَالَى يقول: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ) () وقال: لو مَا يَكُونُ مِن نَجْوَى ثَلَثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ
1) في (خ): حكمة.
)
(4)
(2) ريح الصبا: ريح تهب من مطلع الشمس إذا استوى الليل والنهار، وهي عكس الدبور. انظر: مختار الصحاح، (صبا). الدبور: جمع دبر ودبائر، وهو: ريح من قبل القبلة دابرة نحو المشرق. انظر: العين، (دبر). (4) سورة الحديد: 4. (1/30)
صفحة 31
الدلائل على اللوازم والوسائل
سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ} (1) والمعنى هو معهم بالعلم بهم والقدرة عَلَيهم، وهو قَريبٌ لا بمُداناة، مُقدِّر لا باحتيال، مُدبِّر لا بهمة فاعل ولا بحركة، سميع لا
بعضها
بأذنين، بصير لا بحدقتين مُتكلّم لا بلسان لا تختلف عليه اللغات فتشغله عن بعضا، ولا تحويه المساكن، ولا تتضمنه الأماكن، سبق الأوقات كونه، وسبق العدم
وجوده، ولا ابتداء لأزليَّته، سُبحانه لَه الْمَثل الأعلى، والوصف الأسنَى، والأسماء الْحُسْنَى، ولَه الْحَمدُ في الآخرة والأولى.
فضل: 1 في نفي ما لا يجوز عَلَيه من الصفات وما يجوز]
ولا يجوز أن يُوصف الله تَعَالَى بفَوق ولا بأسفل، ولا يوصف بالقيام ولا بالقعود، وَلاَ بالحركة ولا بالسكون، ولا بالصعود ولا بالترول، ولا باليقظة ولا بالنومِ، وَلَا يُقال إِنَّهُ سَها وَلَا غَفل، وَلا لَها وَلاَ ذهل، ولا شكَ وَلاَ جَهل، وَلَا هوى وَلَا عشق، وَلَا حَنَّ وَلَا
شفق، ولا أسف ولا ندم، وَلاَ وُجد بعد عدم، وَلا شَعَر بعد جَهل، وَلَا يُسَمَّى بِعَقل. ولا يُقال: لَه فقيه ولا خطيب، ولا فصيح ولا أديب، ولا بليغ ولا أريب، ولا شجاع ولا سخي، ولا كامل ولا ذكي، ولا فاضل ولا حسن ولا جَميل، وَلَا فَطن وَلَا نَبيل، وَلَا صديق ولا خليل، وَلا شَريف وَلاَ، رفيع، وَلاَ فهيم وَلاَ ظريف، وَلَا صَالِح ولا نظيف، وَلاَ متحمل وَلاَ صَبور وَلاَ متين وَلاَ، وقور، ولا بارك ولا حاذق، وَلَا مُحِبُّ وَلَا وَامِقِ، وَلاَ ساكت ولا ناطق، ولا ضاحك ولا مغتاظ.
تقدمت،
ولا يوصف: بالشهوة ولا بالخلوة، ولا بالكسل ولا بالفراغ؛ لأن هذه الصفات التي وإن كانت حسنة؛ فهي من صفات المخلوقين لا من صفات الخالق جلذكره. ولا يُقال: إنَّه أربى إذ خلق الربا، ولا أزنَى إذ خلق الزني؛ لأن الله تَعَالَى لا يُوصف إِلا
بالصفة الحسنة الجميلة.
1) سورة المجادلة: 7. (1/31)
صفحة 32
الدلائل على اللوازم والوسائل
ولا يوصف بالسرور ولا بالفرح، وَلاَ يَجوز أن يُضاف إليه أسماء التعجب، وهي: أن يُقال: "ما أبصر الله بعباده"، و"ما أعلم الله"، أو "ما أقدر الله"، أو "ما أحكمه"، أو "ما ألطفه"، أو "ما أحلَمَه"؛ لأَن هَذَا من التعجب، وهو منفي عن الله. عل.
لكن يجوز التعجب في أفعاله، فيقال: "ما أحسن صنع الله" وما أشبه ذَلِكَ، وجَائِز وصفه بالصفات الحسنة كلها، فهو تَعَالَى رَبُّ كُلِّ شيء، وخالق كُلِّ شيء، والمالك لِكُلِّ شيء، والقادر على كُلِّ شيء، وهو أجل من كُلِّ شيء، وألطف من كُلِّ شيء، وأطهر من كُلِّ شيء، وأكرم من كُلِّ شيء، وأعزُّ من كُلِّ شيء، وأقوى من كُلِّ شيء، وأوسع رحمة من كُلِّ شيء، وأعلى من كُلِّ شيء، وأقرب من كُلِّ شيء، ومع كُلِّ شيء بالعلم والقدرة
والإحاطة، ولَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، وَلَا يشبهه شيء. فهو تَعَالَى رَبُّنَا، وَلَا رَبَّ لنا غيره ولا نعبد إلا إِيَّاهُ، وَلا نقول: إن لنا ربا غيره، وَلا ربا يقدر قدرته، تبارك الله رَبِّ العَالَمِين.
فضل: [في أسماء الله تعالى ومعانيها]
وإِن أَردت مَعرفة بَعض أَسْمَائِه تَعَالَى، ومعرفة بعض معانيها،
فأولها: الله: وهو الاسم الذي اختص به، فلا يجوز لمخلوق أن يتسمى به، ولذلك قال: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} (1)، ومعناه: أَنَّهُ الذي تجب له العبادة، وتحقُّ له.
وقد قيل معناه: إِنَّهُ يَأله إليه الْخَلقُ فِي حَوائجهم. وقيل: إن اسم الله الأعظم هو: «اللَّهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ». وقيل: معنى الرحمن بجميع خلقه، والرحيم بالْمُؤمنين.
وقيل: الرحمن اسم خاص، والرحيم اسم مشترك.
1) سورة مريم: 65. (1/32)
صفحة 33
الدلائل على اللوازم والوسائل
الرب: معناه المالك، كقولك: رَبُّ الدار. وقيل: المُصلح. الواحد، الأحد: الواحد في الْحَقِيقة، هو الذي لا ينقسم في وجود ولا وهم، وهو المنفرد الذي لا ثاني له، وكذلِكَ لا يُشبهه شيء فيَكُون له ثانيا. والأحد: يجيء بمعنى الواحد، وبمعنى الأَوَّل.
الصمد: السيد. وقيل: هو الذي يصمد إليه في الحوائج. وقيل: الصمد: الذي لا يموت. وقيل: الصمد: الذي لا يأكل.
الوثر: وفيه لُغتان، (بكسر الواو وفتحها)، ومعناه: الفرد. والشفع: الخلق. الأول والآخر: قيل له الأَوَّل؛ لأَنَّهُ لَم يزل قبل كلِّ شَيْء، وكانت الأشياء بعده. والآخر: الذي يَكُون بعدَ كُلِّ شَيْء أبديًّا.
الظاهر، والباطن: الظاهر: بمعنى الغالب. وقيل معناه لظهور صنعته. والباطن: لأنه خفي من أن تُدركه الخلائق بكيفية، ولا تُحيط به أوهامهم.
الدائم: قيل له الدائم؛ لأَنَّهُ لَمْ يَزِل وَلاَ يَزول، وهو من صفات الذات. الخالق، والخلاق، والقادر: معناه: أَنَّهُ ابتدأ الخلق أَوَّل مَرَّة. والْخَلاق معناه: أَنْ مِن شأنه أن يخلق كُل يوم خلقا من بعد خلق. والقادر: قيل له القادر، وهو من صفات الذات؛ لأن ذاته ذات قادرة. البارئ هو الخالق أيضا، واشتقاقه مِن بَريَ القلم: إذا سَوَّاه المصور؛ لأَنَّهُ ابتداء تصوير الخلائق، فهو الخالق المصور. السلام: سَمَّى الله نفسه السلام بالسلامة مِمَّا يلحق المخلوقين من العيب والنقصان، والفناء والموت والزوال والتغير. وقيل: لأن ذكره سلامة على من ذكره، وهو الذي يسلم
الناس من جوره المؤمن: قيل معنى المؤمن: أَنَّهُ أَمَّن مَن أَطاعه من عذابه، وهو أيضا الذي لا يُخافُ
ظلمه. (1/33)
صفحة 34
الدلائل على اللوازم والوسائل
المهيمن: قيل: هو الشاهد. وقيل: هو الأمين.
العزيز: اشتقاقه. الغلبة والقهر، يُقال: عزَّ، إذا غلب. من
الجبار وهو الممتنع على معنى العزيز.
المتكبر: قيل التكبر: التعظيم، والكبرياء العظمة، والمتكبر: صفة وجبت له لذاته. القديم: معناه وجب له هذا الوصف لتقدمه الأشياء، وكلُّ مُتقدِّم فواجب لَه هَذَا الاسم، إذا بولغ له في الوصف بالتقدم، وهُو تَعَالَى قَديم إِلَى غَيْرِ نِهاية. السبوح: اسم مبني على فعول من قولك: سُبحان الله، وهو اسم مضموم أَوَّله، ومعناه: التنزيه الله.
القدوس: اسم مبني على فعول مثل سبوح، والتقديس قريب من التسبيح، ومن قدَّس الله
فقد نَزَّهَه وأخلص له الوحدانية، ومعناه التطهير، والأرض المقدسة هي الطاهرة. الحي: مشتق من الحياة، وهو الدائم الذي لا يفنى، سُبحانه الحي الذي لا يموت. القيوم: قيل: هو الأول الذي لم يكن قبله شَيْء. وقيل: هو الدائم الذي لا يزول، وَلاَ تفنيه الدهور، ولا يُغيره انقلاب الأمور.
الغفور: هو من المغفرة، وهو ستر ذُنوب العباد، وأصله من التغطية.
الغفار: هو الذي يغفر ذنبا بعد ذنب. وأَمَّا الغافر: فَإِنَّهُ يُقال بالإضافة، غافر الذنب. ملك، ومالك، ومليك: كُلُّ ذَلِكَ اشتقاقه من المُلكِ، وَالْمَلِكَ يُوصف به المخلوق إِلا أن مُلكَ المخلوق زائل، والتسمية بذَلِكَ مَجاز، والله تَعَالَى لا يموت، ولا يسلب ملكه
أبدا.
الحكيم:
صفة ذات، وصفة فعل؛ فالذات هو العليم، والفعل توجد أفعاله محكمة،
والحكيم: بمعنى العليم.
الواسع هو الغني، ويُقال أعطى من سَعَة: أي مِن غِنّى. ويقال: وسع الله على فلان،
أي: أغناه. (1/34)
صفحة 35
35
الدلائل على اللوازم والوسائل
العليم: يقال: إن الله تَعَالَى عَليم وعالم وعلام، كله بمعنى العلم، وهو صفة ذات؛ لأنه
لَمْ يُزل عالما.
الغني: معناه أنه الله غني لا يصير إليه نَفع ولا ضر، وهو الغني عن جميع الأشياء. الحميد: معناه المحمود. وحمد الله: هو الثناء.
الشكور: وصف الله نفسه أَنَّهُ الشكور عَلَى سَبيل التوسع والمجاز دون الحقيقة. الكريم: قيل: هو المرتفع عن كُلِّ شَيْء. ويقال: كريم، أي: فاضل، قال الله تَعَالَى:
لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيم كه (1) أي: فاضل. وقيل: الكريم الذي لا يَمُنُّ إذا أعطى فيكدر العطية
بِالْمَنِّ. الجواد: الجواد في اللغة: الذي يتفضل على من لا يستحق، ويُعطي من لا يستوجب العطية. وَقِيلَ: هو الذي لا تُحصى عطاياه، وَلاَ يَجُوز أن يُسمَّى سَحَيًّا؛ لأن السخاء في أصل اللغة إِنَّمَا هو اللين. اللطيف: قيل: إِنَّهُ بِمعنى الْمُنعِم، وبمعنى أنه لطيف التدبير والصنع؛ لأن تدبيره لطيف لا
يعرفه العباد للطفه.
الخبير: هو العالم بالشيء. يُقال: فلان يَخبِر هَذَا الشيء، أي: يعلمه. وهو خبير به.
الجليل، العلي العظيم: كُل هذه الأسماء
بمعنى.
واحد، وهو
انه سيد،
ومالك الأشياء
قاهر غالب بالقوة، وأنه على جميع الأشياء مقتدر؛ لأن سيد القوم كبيرهم وجليلهم
وعظيمهم. والعلي: يَكُون بمعنى الغالب، والقاهر في اللغة: العلي، قال الله تَعَالَى: {إِنَّ
فرعونَ عَلَا فِي الْأَرْضِ} (2) بِمَعْنَى: قَهَر أَهلَها، واستولى عليهم.
المجيد والماجد: هو مَأخوذ من المجد، والمجد: الجلالة والعظمة.
والودود: قيل معناه: المُحب لعباده الصَّالِحين.
1) سورة الأنفال: 74.
(2) سورة القصص: 4. (1/35)
صفحة 36
الدلائل على اللوازم والوسائل
36
وقد تأتي الصفة بالفعل الله – جل ذكره – ولعبده؛ فيقال للعبد: شكور الله، أي: يشكر نعمه، والله شكور للعبد، أي: يشكر له عمله، والعبد توَّاب إِلَى الله – جل ذكره من الذنب، والله تواب عليه.
والباعث في كلام العرب: المثير المنهض، يُقال: بعثت البعير: إِذَا أَثَرتُه وأنهضته من
مكانه، وكذلك بعثتُ الرحل: إذا أثرتُه من مكانه الذي تمكن فيه واضطجع. الوَارِثُ: قيلَ الله تَعَالَى وارث؛ لأنَّه يبقى بعد فناء الخلق كلهم، فلا يكون مالك غيره
ا، كما قال: {إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (1) الديان: مشتق من الدين: وهو الطاعة؛ لأن الخلق كلهم كانوا له وتذللوا، فلم يفته شَيْء خلقه، يُقال: دانَ له أي: أطاعه. من
الْمَنَّان: معناه المُعطي، يُقال: مَنَّ فُلان عَلَى فلان، أي أعطاه. وَقِيلَ: الْمَنَّان: الْمُنعِم عَلَى عِباده؛ لأن الْمِنَّة هي النعمة، والْمِنَّةَ مِن الْخَلق: هي الامتنان. وأَمَّا الْحَنَّانُ: فلا نُجيزه على الله فلا تهتم به، وأَصلُ الحنان (بغير تشديد) هو الرحْمَة؛ وأما بالتشديد فلا ندري ما معناه، وقد تساهل فيه قومنا وأضافوه إِلَى اللَّه، وذَلِكَ لا يَجُوز على الله تَعَالَى، حيث يقول: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (2). والْحَنَّان ليس مِن أسمائه – جل وعلا -، ومن سَمَّاه به فقد ضل عن سواء السبيل (3).
1) سورة مريم: 40. (2) سورة الأعراف: 180.
الحلقة
3) الحنان في اللغة (بتشديد النون): الذي يحن إلى الشيء، وهو بمعنى الرحيم. وقد بالغ الشيخ في تضليل من سمى الله بذلك لعدم صحة ذلك عنده، (رغم أنه ورد في حديث أنس قال: "كنت مع رسول الله جالسا) في ورجل قائم يصلي فلما ركع وسجد وتشهد دعا فقال في دعائه: اللهم إني أسالك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت الحنان المنان بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم" وهو: عند أحمد والنسائي وابن حبان في صحيحه والبيهقي في الأسماء والصفات وذكر الأزهري أنه من أسماء الله تعالى ثم قال: "وكان بعض مشايخنا أنكر التشديد فيه؛ لأنه ذهب به إلى الحنين فاستوحش أن يكون الحنين من صفات الله". انظر: الأزهري: معجم
تهذيب اللغة 945/ 1. (1/36)
صفحة 37
الدلائل على اللوازم والوسائل
الرؤوف معناه في كلام العرب: شديد الرحمة أي واسعها، والله لا هو الرؤوف،
ومن نهاية الرحمة بعباده إذ لا راحم أرحم منه، ولا غاية وراء رحمته -تبارك وتعالى-. الفتاح، قيل: هو الحاكم). والْحَليم: معناه الذي لا يعجل بالعقوبة، يُقال: حَلمتُ عن الرجل أَحلُم حِلمًا، إذا لم أعجل عليه. وصفَةُ الحليم صفة ذات وصفة فعل؛ فالحليم: بمعنى العليم، هذا الذات، والحليم من تأخير العقوبة صفة فعل، والله أعلم.
الْمُغِيثُ: قيل: بمَعْنَى الْحَفِيظ، وَقِيلَ: الْمُغِيثُ: الْمُقتدر، والله أعلم.
فضل: 1 في تأويل آيات صفات الله تَعَالى]
صفة من
فإذا عرفت - رحمك الله وإِيَّانَا - أَسْمَاء الله تَعَالَى ومعانيها، فاحذر أن تَعْتَرَّ بقول الملحدين في تفسير آي القرآن المُتأوّلين فيها على غير تأويلها، أو تغتر بلفظ ظاهر الآيات بغير معرفة حقيقة اللغة فيها.
واعْلَم أَن مَعنَى قول الله تَعَالَى: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ (2): يُريد عُقوبته؛ لأنَّه ليس له نَفس كنفسِ الْمَخلوقين.
ومعنى الروح الأمين: من قوله تَعَالَى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (3) يعني به: جبرائيل اللي
والله أعلم.
(1) الفتاح الذي يفتح على عباده، ويقول أهل اليمن للقاضي: الفتّاح؛ لأنه يفتح مواضع الحَقِّ، ومنه قوله تعالى: وربنا أفتح بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَيَّ (الأعراف: 89).
(2) سورة آل عمران: 28
(3) سورة الشعراء: 193. (1/37)
صفحة 38
الدلائل على اللوازم والوسائل
38
ومعنى قوله: في صفة سفينة نوح: تجرِى بِأَعْيُنِنَا) (1) أي: بحفظنا وعلمنا حيث لا
يخفى علينا.
وقوله: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (2) أي: بحفظي وعلمي.
وأَما قوله تَعَالَى: وَكُلُّ شَيْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ} " المعنى: إِلا هو، لا أَنَّهُ يُهلك سائره
ويبقى وجهه، تَعَالَى الله عن ذَلِكَ.
(4)
أَمَّا قوله تَعَالَى: {فَتَمَ وَجْهُ اللَّهِ) الْمَعَى: فَهُنَاكَ اللَّه.
ويبقى وجه ربك له (9) أي: ويقى ربُّك لا غيره.
وأَما قوله: السَمِيعُ الْبَصِيرُ: كُلُّ ذَلِكَ بِمَعْنَى العلم.
ومعنى قوله تَعَالَى: {إِلَى رَتِهَا نَاظِرَةٌ ك)) فإلى ثواب رَبِّها، ناظرة، لا غير ذَلِكَ؛ لأَنَّهُ لا يُمكن يمكن النظر إلى الله و لا في الدنيا ولا في الآخرة، وقد نفى ذَلِكَ بقولِه تَعَالَى: {لَا
تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ).
وقوله تَعَالَى: بَل يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) أي: نعمتاه: نعمة الدنيا ونعمة الدين. وقيل: نعمته نعمته وقدرته دائمتان ليست اليدان بجوارح؛ لأَنَّ الْجَوَارِحَ كُلها عن الله منفيَّة.
1) سورة القمر: 14.
(2) سورة طه 39. (3) سورة القصص: 88. (4 سورة البقرة: 115.
0) سورة الرحمن: 27.
(6) سورة الإسراء: 1.
) سورة القيامة: 23.
(8) سورة الأنعام: 103.
(9) سورة المائدة: 64. (1/38)
صفحة 39
39
وأَمَّا اليمين: في قوله تَعَالَى: لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ} (1) أي: بالقوة.
الدلائل على اللوازم والوسائل
وقوله تَعَالَى: {وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّتُ بِيَمِينِيه الله (2) يعني: ذاهبات بقدرته.
وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ، ما يعني: قدرته.
وقوله تَعَالَى: ويَقْبِضُ وَيَبْقُطُ (3) أي: يُفقر (4) ويُوسع.
ومعنى قوله تَعَالَى: {فَرَّطَتُ فِي جَنْبِ اللهِ الله (5) أي من أمره وطاعته، وليس الْجَنبُ ها هنا الجسد.
وقوله تَعَالَى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ له (1) قيل: هو كناية عن شدَّة أهوال يوم الْقِيَامَة وعِظَم وعظم أمرها، لا غير ذلك.
وقوله تَعَالَى: و اللهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ) الْمَعَنَى: أَنه هو الهادي لمن في السموات والأرض.
ومعنى قوله تَعَالَى: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكَا) أي: تَجَلَّى للجبل آية من
آيات الله. وقيل: علامة من علامات يوم الْقِيَامَة، فلم يُطِق الجبل حمل تلك الآية. وقوله تَعَالَى: ثم اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ (9) معناه: استولى عليه بالملك والقهر والتدبير، وقد استولى على جميع العالم، وخص العرش تشريفا له بذلك، وهو الغني عن العرش وغيره.
1) سورة الحاقة: 45.
2) سورة الزمر: 67. (3) سورة البقرة: 254.
4) في (ض): يقتر. 5) سورة الزمر: 56.
(6) سورة القلم: 42.
7 سورة النور: 35.
(8) سورة الأعراف: 143.
(9) سورة الأعراف: 54. (1/39)
صفحة 40
الدلائل على اللوازم والوسائل
ومعنى قولهم: «إِنَّ الله يَستحِي أَن يُعذِّبَ مَن أطاعه»، فقيل: يَتَعَالَى. وَقِيلَ: يَحِلُّ. ولا يجوز أن يُوصف الله بالكلام، ومعنى كلامه لموسى ال: أنه أسمعه صوتا أفهمه
به الكلام، ويجوز أن يَكُون كلمه بالوحي ..
وبالجملة: فَإن كلام الله ليس بحروف وَلا صوت.
فهذا يا أخي، قليل من كثير من توحيد الله تَعَالَى، لَعَلَّه يُشوقك لتطلبه من كتب
الْمُسْلِمِينَ تَجد الشفَاء إِن شاء الله. (1/40)
صفحة 41
البال
4
الدلائل على اللوازم والوسائل
في الولاية والبراءة وما يَتَعَلَّقُ بها من الإيمان والإسلام وغير ذلِكَ من صفة الإيمان بالقدر، وما أشبه ذلِكَ لمن طلب مَعرِفَة ذَلِكَ
فإذا أنت يا أخي، أتقنت التوحيد وعرفت معانيه، وعرفت ما يسعك وما لا يسعك من فنونه، فلا تغفل عن الولاية والبراءة؛ فَإِنَّها فريضة واجبة من فرائض الله ل لمن امتحن بها وعرف معناها، وفهم المراد منها.
ويكفيك
من التبحر فيها إن كُنت لا تطلب إلا ما يلزمك، ولست بطالب التفنن في
عليها بأن تعلم أن الناس ثلاثة أصناف:
فَمن عَلِمتَ منه الصلاح في دينه بخبرة منك، أو برفيعةٍ مِمَّن تَجوز رفيعتُه لك
تَولَّيتَه وأَحبَتَه فِي اللَّهُ تَعَالَى.
ومَن عَلِمت منه فَسادا في دينه بخبرة منك، أو برفيعة لك مِمَّن تجوز رفيعته
لك تبرأت منه.
ومن لم تعلم منه صلاحا وَلاَ فسادا وقفت عنه إلى أن يتبيَّن لك منه الصلاح أو الفساد؛ وإلا فأنت على الوقوف عنه؛ لأنَّه لا يليق في الْعَقْل وَلَا يَحسن أن يَكُون العاصي الله كالمطيع له، ولا المجهول كالمعلوم.
وإذا قلت في اعتقادك في الناس: أنا أتولى من تولاه الله ورسوله والْمُؤْمِنُون مِن الأولين والآخرين إلى يوم الدين، وأبرأ مِمَّن بَرِئ منه الله ورسوله والْمُؤْمِنُون مِن الأولين والآخرين إلى يوم الدين؛ فهذا - فيما أحسبُ - أَنَّهُ يُجزئ قليل العلم اعتقاده، ما لم يمتحن بشيء غير ذَلِكَ، مِمَّا يَخصُّه من إِمَام في زمنه، أو حاكم من القضاة والولاة، ويرى منه أشياء لا يعرف حقها من باطلها، والله أعلم. (1/41)
صفحة 42
الدلائل على اللوازم والوسائل
EY
وقد وجدتُ في بعض الآثار أن الوَلَايَة عَلَى أربعة وُجُوهِ:
فمنها ولاية الشريطة وهو أن يتولّى الْعَبْد مَن تَولاه الله ورسوله والْمُؤْمِنُون في الحملة. فإذا اعتقد الْعَبْد وَلايَة الشريطة، فقد تَوَلَّى جَمِيع من ألزمه الله ولايته من
الملائكة والأنبياء والصَّالِحِين مِن الْجِنِّ والإنس، وهي فريضة، وتاركها هالك. ومنها ولاية الدين بالظاهر: وهو أن يظهر من عبد عِندَكَ عَمَلٌ صالِح مِمَّا يُوافق كتاب الله وسنة نبيه، وآثار الْمُحقِّين من الأُمَّة؛ فتجب ولايته بالدين في حكم الظاهر على مَن عَرفه بذَلِكَ، وقامت عَلَيه حُجَّتُه ولو كان في سريرته مُشركا؛ لأَن الله لا إنما تعبد عباده بأحكام الظاهِرِ؛ لأَنّ هَذَا الْمتعبد بولايته مَن صَحت منه الموافقة لدين الْمُسلِمِينَ في الظاهر، وهُو في سريرته كافر فَإِنَّهُ يُبرأ منه في الشريطة؛ وذلك قوله في الشريطة أبرًا مِمَّن بَرِئ الله منه ورسوله، فقد بَرِئ مِن هَذَا الولي في: الظاهر، وفي الْجُملة فقد تعبده الله في خلقه بحكمين وهما: وَلَايَة الظاهر، وبَرَاءَة الجملة، وإن لَمْ يتولّه وَلايَة الظاهر إذا صح عنده مُوافقته لدين الْمُسْلِمِينَ - لِسُوء ظنّه به - فهو هَالك؛ لأنه ترك فَرضًا أوجبه الله عَلَيه.
والوَلايَة والبَرَاءَة: فَرضان، وهُما كَالصَّلاة حَذْوَ النعل بالنعل، ألا ترى أن الصَّلاة تَخصُّ بَعضا وتسقطُ عَن بَعض، وتلزم في وقت وتسقط في وقت.
فأَمَّا سقوطها: فَإِنَّها تسقط عن الحائض والنفساء، والصبي والمجنون، وتَخصُّ غَير هؤلاء، وكذلِكَ الوَلايَة والبَرَاءَةِ إِنَّمَا يَخصُ فَرضهُما بعضا دونَ بَعض؛ فعلى مَن حَصَّه فرضها القيام به في لزومه.
ألا تَرى أَنَّهُ لَو رأى رجل رجلا يَطَأُ امرأةَ قَسْرًا أو غصبا، أو يقتل رجلا فعليه أن يبرأ منه في حكم الظاهر؛ ولو كَان هَذَا الفاعلُ مُحقا في السريرة، وذلِكَ أَنَّهُ إذا كانت الْمَرأَة تطلب منه الإنصاف وتمتنع منه. وكذَلِكَ المقتول للقاتل، فَإِنَّهُ إِن لَمْ يُخطئه (1/42)
صفحة 43
43
الدلائل على اللوازم والوسائل
ويضلله في فعله ويبرأ منه فهو هالك في أكثر القول - والله أعلم – وخاصة إذا كان الراكب مستحلاً.
ومنها ولاية الرأي: وهو أن تَطْلِع عَلَى وليك أَنَّهُ واقع معصية، ولا تدري أنتَ أَنَّهَا مَعصِيَة وَلا طاعة؛ فقال مَن قالَ: لَك أن تَتولّى وَلَيَّك هَذَا بالرأي عَلَى اعتقادِ وَلَايَة الدين، إن كان حدثُه طاعة الله، وعلى اعتقاد بَرَاءَة الشريطة، إن كان حَدثه هَذَا يُخرجه من الولاية.
ومنها وَلَايَة الْحَقِيقَة: وهي لأهل السعادة وهم كُلُّ مَن شَهِد لَه كِتاب مِن كُتب الله بالجَنَّة، أو بي من أنبياء الله الأنبياء، وأهل الكهف، وامرأة فرعون اللعين - ومريم ابنة عمران، وزوجات النبي، وأبو بكر وعمر على بعض القول؛ فهؤلاء أهل السعادة، وولايتهم بالْحَقِيقَة. فَافهم وُجُوهَ الوَلايَة مُختصرا وبالله التوفيق. وكَذَلِكَ الْبَرَاءَةِ عَلَى وُجُوهِ: البراءة في الشريطة في الجُملة: وهو قولك: أبرَا مِمَّن بَرِئ الله منه ورسوله والْمُؤْمِنُون، فيدخل في هَذه البَرَاءَةِ جَمِيع من عصى الله مِن الْجِنِّ والإنس. ومنها براءة الدين بالظاهر: وهي لِكُلِّ مَن صدَّ
كفره ونفاقه وخلافه لدين
الْمُسْلِمِينَ، فَهذا لازم فَرض البَرَاءَةِ منه لمن قامت عليه حجته، وعرف حدثه. ومنها براءة الرأي وهي أن يبرأ أحدٌ مِن
ولِيٍّ لَك تتولاه بالرأي، ولم تعلم أنت أن وليك واقع مَعصِيَةٌ؛ فَعَلَيكَ أن تَبرأ مِن هَذَا الذي قد بَرئَ مِن وليك بالرأي حَتَّى يَأْتِيَ بشاهدين، يشهدان له عَلَى وليك بكفره، وأنهما قد استتاباه فلم يتب، فعند هَذَا تتولى هَذَا الْمتَبَرِّئُ مِن وليك إن كُنت تتولاه من قبل، وتبرأ من وليكَ الأَوَّل الذي شَهِد عَلَيه
الشاهدان، ولا تجوز بَرَاءَة الرأي إلا في هَذَا الوجهِ خاصة. (1/43)
صفحة 44
الدلائل على اللوازم والوسائل
tf
ومنها بَرَاءَةِ الْحَقِيقَة لِكُلِّ مَن صَحَ أَنَّهُ من أهل النار كإبليس، وقابيل، وفرعون،
وقارون، وهامان، وعاد، وثَمود، وامرأة نُوح، وامرأة لوط، فهؤلاء ومَن أشبههم يُبرأ
منهم بالحقيقة، وبالله التوفيق.
والوقوف أيضا عَلَى وُجُوهِ:
وقوف دين: وهو وقوف السلامة للعالم والْجَاهل، وهو أن تقف عمَّن لَمْ تَعلم له بإيمان يستحق به الوَلايَة، وَلاَ بكُفر يستحق به البَرَاءَة، فأنت واقف عنه وقوف دين،
وأنت تتولاه في الشريطة إن كان الله وليا، وتبرأ منه في الشريطة إن كان الله عدوا. ووقوف السؤال: وهو أن يَكُون لكَ وَلِيَّان، فَيتنازعان في مسألة من الفرائض، فيقول لأحدهما: القولُ قولي، ويقول الآخر: القولُ قولي، مِمَّا يُخطئ بعضهما بعضا، وأنت لا تعرف عَدل ما اختلفا فيه، فَعَلَيكَ أن تقف عنهما حتَّى تَسأل عنهما المُسلِمِينَ، وهذا يُروى عن الربيع بن حبيب.
ووقوف الرأي: وهو أن تعلم من وليك شَيئا ترتاب فيه، فلك أن تقف عنه وقوف رأي مع اعتقاد ولاية الدين إن كان حدثُه لا يُخرجه من الولاية، وعلى اعتقادِ براءة الشريطة إن كان يُخرجه من الولاية، وإن وقفت عنه في هَذَا الْمَوضِع وقوف دين
كنت ضالاً هَالكًا، فافهم الوصف مختصرا، وبالله التوفيق.
فهذا يسير مِن صفة الوَلايَة والبَرَاءَة، وإن أردت المزيد فاطلبه من آثار الْمُسْلِمِينَ تجد ما تريد إن شاء الله تَعَالَى. (1/44)
صفحة 45
الدلائل على اللوازم والوسائل
فصل: [في جُملة الإيمان والإسلام وما يَتَعَلَّقُ بهما]
فإذا فرغت من مطلب الوَلايَة والبَرَاءَة والوقوف ونلت منهنَّ حاجتك فلا تنس
جملة الإسلام التي عَلَيها مدارُ الكلِّ، وهي الجُملة التي دعا إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وجُملة الإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن مَا جَاءَ محمد عبد الله النَّبِيِّ مِن عندِ الله؛ فهو الْحَقُّ الْمُبِينِ مِن
به
بن
مجمل و مُفسَّر، تَنطق بذَلِكَ شَاهِدًا به جهرا يقينا بلا شَكٍّ وَلَا منك، ليسمعه ريب منك كُلُّ سامع من عالم وجاهل كانك قلت: إنِّي أَعلم، وأُوقِن وأشهد أن لا إله إلا
الله تمام الشهادة.
هو
فإذا صدقت بذلِكَ وشهدت به فَأضف إليه الإيمان: وهو أَن تُؤْمِن بالله تَعَالَى، ومعناه: تصدق به في قلبك بلا شك ولا ريب بأنَّه الخالق لك ولكلّ شَيْء مِن المخلوقات، مِمَّا تَراه أو تسمع به، والرازق لك ولَهم جَمِيعًا، وأَنه الْحَيُّ الذي لا يموت، ولا يلحقه النقصان في شَيْءٍ مِن الجهات أبدا، وكل من سواه فهو ميت، وأَنَّه الْمُدبِّر لِجَمِيع ما تراه وما تسمع به، وما لا تراه وما لا تسمع به من جميع أمورِ الدنيا والآخرة، فلا تسقط وَرَقَةٌ مِن شَجرة، وَلاَ تَنبتُ حبَّة، وَلَا تَنصب قطرة ماء من سَماء، ولا تنبع عين ماء من أرض وَلاَ تَهُبُّ ريح وَلَا تَطلعُ شَمْس وَلَا قَمر وَلَا نجوم، وَلَا يَنفك ليلٌ مِن نَهار، وَلاَ نَهار من ليلٍ، وَلَا يَتَحرَّك بَحر بِمَوج، وَلَا تَثبت روح في جسد إنسانٍ وَلاَ حَيوان إلا بإذنه وعلمه، وأنَّه لا يُعجزه شَيْءٍ أَرادَه، وَلَا يُشبهه شَيْء مِن جَمِيع خلقه أبدًا، تَبارَك وتَعَالَى لَه الْخَلق والأمر، وهُو عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
قدير.
وتُؤْمِن أَيْضًا معناه: تُصدِّق بمحمد النبي الأمي، وتعرفه بأنه عبد الله من خير عباده من بني آدم، من أرفعهم في النسب، وأكرمهم عند الرب، وأَنَّه آدمي يَجُوز عَلَيه (1/45)
صفحة 46
الدلائل على اللوازم والوسائل
46
ما يَجُوز عَلَى الآدميين من الأكل والشرب والنوم واليقظة، وإتيان النساء، والبول والغائط. وَلَا يَجُوز عَلَيه الكذب ولا الجنون ولا السحر، وليس من شرطه علم الغيب، إلا أن الله تَعَالَى اختصه من خلقه لعلمه فيه، وأكرمه وأرسله إلى خلقه الجن من والإنس أجمعين، وأنزل عليه القرآن، فبلغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في سبيل الله، وعبد ربه حتى آتاه اليقين.
وتؤمن معناه أيضا: تُصدِّق بما جاء به هَذَا النَّبِي الله عَن ربه لا من الأمر بالفرائض وغيرها، والنهي عن المحارم وغيرها، والوعد بثواب الله الْجَنَّة لمن أطاعه، وهو والوعيد بالنار لمن عصاه حتَّى مات مُصرا، وورود الموت على كُلِّ ذي روح، من ملائكة وإنس وجن، وحيوان وهوام كائنا ما كان من ساكني السموات والأرضين. وتؤمن بالبَعْث بعد الْمَوْت بلا شكٍّ وَلاَ، ريب وبالْقِيَامَة بعد البعث، ولِتُجرى فيها كل نفس بما تسعى. وتؤمن بجُملة الملائكة من ساكني السموات والأراضين، وتعلم أَنهم جَمِيعًا أولياء الله يقينا، ولا تصفهم إلا بما يَجُوز من الصفات، وَإِنَّهُم لا يُوصفون بالأكل ولا بالشرب، ولا بالنوم ولا بالجماع، ولا بالغفلة ولا باللهو، ولا باللحم ولا بالدم، ولا بالبول ولا بالغائط، بل هم يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (1). وأَمَّا الْمَوْت: فلا بد منه، فَإِنَّهُم يَموتون.
وتؤمن معناه: تُصدق بجميع الأنبياء والرسل من بني آدم، من لَدُن آدم إِلَى مُحمَّد وعليهم أجمعين .. ويُجزئك أن تؤمن بهم جُملة، ولو لَمْ تُسم بهم إلا من عرفته باسمه، وتؤمِن أَنَّهُم كُلّهم مِمَّن اصطفاه الله، وأَنهم من أهل الْجَنَّة بلا شك ولا ريب. فإذا فهمت الإيمان ومعانيه فأضف إليه شَيْئًا مِن عِلم الإيمان بالقدر خيره وشره، وحلوه ومُره. وتَعْلَم أن ما كان من خير وشرّ ونفع وضر، وإيمان وكفر، ورشاد
1) سورة الأنبياء: 20. (1/46)
صفحة 47
47
الدلائل
ى اللوازم والوسائل
وخسر، وعرفان ونكر، وشقاوة وسعادة، قد سبق به قضاء الله وقدره في أزليته، قبل وجود عين كُلِّ ذَلِكَ الموجود، فظهر جَمِيع ذَلِكَ بِحكمة الله له على وفق تقديره، كُلِّ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ في وقته من غير زيادة ولا نقصان، ولا تأخير شَيْء عن وقته، وَلاَ تقديم ولا تبديل في المقدور، ولا تحويل في المحتوم. فكل ما ظهر وجوده بعد عدمه من أصناف الخلائق في ملك الله تَعَالَى، فقد سبق به قضاؤه وقدره، فالأرزاق مقسومة، والأنفاسُ مَعدودة، والآجال محدودة، لا يتأخر شَيْء عن أجله ولا يسبقه أحد، ولا يموت أحدٌ دون أن يستكمل رزقه وَلَا يَتعدَّى مَا قدر له، وكلٌّ مُيسر لِما خُلقَ لَه، فَمَن خُلق للنعيم مُيسر لليسرى، ومن خُلق للجحيم للعسرى .. وكلُّ ذَلِكَ بقضائه وقدره، وَلاَ يَخرج شيء من تقديره، ولا تتحرك ذرَّة فَما فوقها في ظلمات الأرض إلا بقضاء وقدر. فعلى المكلف أن يُؤمن بِجَمِيعِ هَذَا ويَتَيَقَّنه، ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وَلاَ يُعْنِي حَذر عَن قدر، ولن يدفع الْمِنونَ مَالٌ وَلَا بنون، وكل الأمر إِلَى مَن إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ (1) وَلَو كَرِه ذَلِكَ كل من في السموات والأرض، وإن لم يُرده فلا يَكُون ولو أراده الخلق أجمعون. وَقِيلَ: إن الدين في خمسة أشياء:
ميسر
التوحيد الصحيح الله تَعَالَى.
وأداء الفرائض بالتمام.
واجتناب جَمِيعِ الْمَحَارِمِ مع ترك الْمَظَالِم والوقوف عن الشبهات جميعا.
ه والولاية لأولياء الله تَعَالَى والبَرَاءَةِ مِن أَعداء الله تَعَالَى.
وَقِيلَ: جُملَة دِين الله في هذه الأشياء الْخَمْسَة: الْمَعرِفَة بالله تَعَالَى. * والتوحيد له. مع أداء فرائض الله في أوقاتها بكمالها.
1) سورة يس: 82. (1/47)
صفحة 48
الدلائل على اللوازم والوسائل
48
واجتناب الكبائر جميعا. وولاية أهل الطاعة من المكلفين جَمِيعا وفرادى بالقلب، من لدن آدم الى أن يفنى الْخَلْق .. فهذه جُملَة دينِ الْمُسْلِمِينَ من الأَوَّلِين
والآخرين. وهذه الْخِصال الخمس فَرض على الْخَلْق ومن ترك خصلة منها كفر .. فهذه يا أخي، نبذة يسيرة من هذا الفن لَعَلَّها تُنَشِّطك لتطلبه من موضعه من آثار الْمُسْلِمِينَ .. فإذا فهمت ذَلِكَ وعرفته فَاعْلَم أَنَّهُ يَتَعَيَّن عَلَيكَ بَعدَه كثير من العبادات البدنية والمالية، ومن الأوامر والمناهي، فكلما الأوامر والمناهي، فكلما وجبَ عَلَيكَ فرض الله تَعَالَى، فأده مُمتثلا لأمره، الأَوَّل فَالأَوَّل .. وَلاَ يتمُّ الإيمان والإسلام إلا بإقامة الصلاة، وما يأتي بعدها من الفرائض كَالصيام والزكاة والحج، وغير ذَلِكَ مِن الْمَأْمُور به ... والاختيار: أن يؤمر الصبيُّ بالصَّلاة إذا بلغ عشر سنين فصاعدا، وإن صلى قدر ابن سبع سنين فصاعدا، أحوط وأحسن. وإذا أردت الصَّلاةِ فَاعْلَم أَنْ لَها شروطا من الطهارات، فلا تقوم ولا تتم إلا بها، فقدمها أَوَّلاً لتقوم إلى الصلاة بالطهارة التامة في الجسد والثياب، فلا تصلح الصَّلاة إلا بذَلِكَ. (1/48)
صفحة 49
49
الدلائل على اللوازم والوسائل
البات
في النجاسات والظهارات، وما يَتَعَلَّقُ بِمعناها من ذَلِكَ
ثُمَّ إِنِّي يا أخي، آمرك - رحمك الله بمجانبة جميع الأنجاس، وترك الغلو في الطهارات والوسواس. ويُعِينُك على ذَلِكَ أَصل واحد، وهو أن تعلم أن الأرض وجَمِيع ما أنبتته كله طاهر، إلا ما عارضته نَجاسة بينة متيقنة.
(T)
واعْلَم أَنْ أَلجس الأنجاس البول، ثُمَّ العَذِرَة من الإنسان، ثُمَّ الدم، ثُمَّ الْجَنَابَة .. والأبوالُ كُلُّها نجسة من بشر وحيوان لأنها خَبيثَة، وَقَد حَرَّم اللَّه الْخَبَائِثِ كلها بقوله تَعَالَى: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبيثَ). وأَمَّا ما احتمل طهارته ونجاسته فَهو طَاهر، وما احتمل حلاله وحرامه فهو حلال. وإذا أردت الطهارة الجيدة الْحَسَنة للدنيا والدين؛ فطهر أَوَّلاً: قَلبك من الغل والْحَسَد
لإخوانك، والحقد عليهم، والظنون الرديئة فيهم، وأَحِبُّ لَهم ما تُحب لنفسك. وطهر عَينيك مِن نَظر مَا لا يَجُوز لك نظره من عورات الناس، ومن أن تنظر إلى أحدٍ مِن أهل الصلاح بعين الحقارة.
وطهر أنفك من شم ريح ما لا يَجُوز لَكَ شَمُّه من جَمِيع الأشياء.
من الغناء، والطبول، والزمور،
وطهر سمعك من استماع ما لا يجوز لك استماعه والدفوف، وغير ذلِكَ مِمَّا يَنطق به الآدميون من الغيبات وغيرها.
وطهر لسانك من قول الغيبة والنميمة والكذب، وشهادة الزور، وشتم الناس، وكلّ
كلام يَخرُج مِن غَير ذكرِ الله تَعَالَى، ومن قضاء حوائجك لدنياك.
1) العَذِرَة:
هي
الغائط.
(2) سورة الأعراف: 157. (1/49)
صفحة 50
الدلائل على اللوازم والوسائل
وطهر فَمَك وشفتيك من إدخال كُلِّ طَعام لا يحل لك من أموال الناس، من الْمَظَالِم، والغصب، والربا، ومن جميع ما حرم الله ورسوله أكله وشربه من جميع
الأشياء.
وظهر يديك من مس ما لا يَجُوز لك مسه من الأموال الْحَرَام، ومن مس النساء
الأجنبيات.
وطهر رِجليك من كُلِّ مشي لا يَجُوز لك المشي إليه، وهو كل ما خرج من طاعة الله، ومن حوائجك التي تعينك مِمَّا لا بُدَّ منه من عيادة مريض، وتشييع جنازة، ومجلس علم، وطلب رزق حلال، أو المشي في قضاء حاجة لأخ مُسلم، أو إصلاح
بين الناس. فإذا عرفت هَذَا وَأتقنته، وعمِلت به فاطلب الطهارة للجسد من بعده.
واعْلَم أَنَّهُ لا تَصحُ طهارتك لأعضائك بالْمَاء إلا بعد تطهير ما ذكرته لك. واعْلَم أن حكم جَمِيعِ الْمُسلِمِينَ - الصغير والكبير، والحر والعبد، والذكر والأنثى الطهارة إلا من رأيت به نَجاسة بَيِّنة، هَذَا فِي الْحُكم .. وأَمَّا في الاحتياط فَخُذ بنظرك
فيمن عرفت منهم وعاشرت.
وأما ما يخرج من الإنسان المسلم من دموع، ومُخاط، ويُزاق، وعَرَق، وقيح، كُلُّ ذلِكَ طاهر إلا أن يَمسَّ نَجَاسَة أَو تَمسَّه. وأَمَّا ما يخرج من دبره من غائط وديدان، وغيرها، ومَا يَخرج مِن قبله من بول وجنابة، وحيض واستحاضة، ومذي وَوَدي، كله نجس بلا اختلاف فيه .. وكلُّ مَا مَسَّه وهو رطب، أو الممسوس رطب، فَإِنَّهُ يُنجِّسه بلا خلاف. وأما اليابسان إذا كان
أحدهما نجسا والآخر طاهرا فلا يُنجِّس أحدهما الآخر؛ لأنه لا يأخذ أحدهما
الآخر شيئا.
من (1/50)
صفحة 51
الدلائل على اللوازم والوسائل
وأَمَّا الدواب: مثل الإبل، والبقر والضأن والماعز والظباء، والأرانب، وبقر الوحش فهي خلال أكل لحومها بعد ذبحها، وذكر اسم الله عليها، ونجس دمها وبولُها؛ وأَمَّا روثها فطاهر إلا ما لحقه بول منها، أو من غيرها.
-
فيما عندي – فيه اختلاف في
وأَما ما يخرج من أفواهها عند الاجترار فَذَلِكَ طهارته ونجاسته، ويُعجبني طَهارتُه؛ لأني أراه ليس بأشدَّ مِن أرواثها، وكل يخرج من بطونها، أفيكون الذي يخرج من أفواهها أنجس من الذي يخرج من أدبارها؟!!، فلا أحسب أَنَّهُ كَذَلِكَ.
وأما الحمير والوحوش مِن عُمَان، والخيل والبغالُ: فَحرام عندنا أكلها، بسنة النَّبِيِّ (1)؛ لأَنَّهَا مِنَ ذَواتِ النابِ، فهذا الذي نعتمد عليه من غير تخطئة لمن قال غير ذلِكَ من أهل العلم؛ لأن الله قال في كتابه العزيز: والخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَة)، ولم يقل: «لِتَأْكُلوها»، ونَجس دمها وبولها، وطاهر روثها
وعرفها.
وأَمَّا الكلابُ والذئاب والضباع والثعالب والسنانير فحرام عندنا أكلها، ونجس بولها وروثها ودمها، والميتة مِن جَميع ذَلِكَ نَجسة. أَمَّا الطير: فجَمِيعُ ما لاَ يُؤكل لحمه قبوله وخَزَقُه (3) ودمه وميته نجس، وحرام أكله، وهو كُلُّ ذي مخلب منه، وصفةُ المخلب على قول: هو الذي في منقاره كالاعوجاج. وقول: هو في رجليه. وأما الذي يخرج من مناخر الأنعام والدواب كلها فطاهر فيما
وجدنا.
1) كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه الربيع ر 388، والبخاري (4216، ومسلم (1407 وغيرهم، عن علي بن أبي طالب أن رسول الله: نَهَى عَن مُتعَةِ النساء يوم خيبر، وعن أكلِ الْحُمُر الإنسيَّة».
2) سورة النحل: 8.
خزق الطائرُ يَخْزِق حَزْقًا ألقى ما في بطنه. انظر: لسان العرب، (خزق). (1/51)
صفحة 52
الدلائل على اللوازم والوسائل
وَقِيلَ: إِنْ جَمِيع الطير البري مِن ذوات الدم الأصلي مِن جَمِيع ما خرج صيدا حلالا، سوى النواسر والنواهش من الطير أنَّهُ بمنزلة الدواب الطاهرة من الأنعام وما أشبهها.
•
وأَمَّا بَوله فمفسد، وبيضه فيه اختلاف في طهارته ونجاسته، وكذلِكَ خَزَقُه لا يخرج
من
الاختلاف.
(2)
وأما الدجاج: فخزقه نجس، وسُوره (1) طاهر، إلا أن يُرى على منقاره نجاسة. وسؤر الرحم والغراب: فيه تشديد عَن بعض الْمُسلِمِينَ، وترخيص عن بعضهم. وكذلِكَ سُؤر السنور، والفأر فيه الاختلاف لبلوى الناس بهما، وأحب الأخذ بالطهارة، ما لم يعاين نجاسة. وأَمَّا الْحَيَّات والخنازير: فمفسد سؤرهنَّ وما مُتْنَ فيه وخبثهنَّ؛ لأنهن من ذوات الدم مُحرَّمات للأكل. وأَمَّا بَعر الفأر ففيه اختلاف. وأَمَّا العقارب والدبيان (3)، وكلُّ ما لا دَم فيه، لا مُجتَلَب وَلَا فِي أَصله، كالْجَراد والخنفساء والفتزيز (4) فَإِنَّهُ طاهر حيا ومينا.
وأَمَّا الضفادع فبعض: أَلْحَقها بدواب البَرِّ في طهارتها ونجاستها على الاختلاف. وبعض ألحقها بدَوابِّ الْمَاء في طهارتها، وطهارةِ مَا يَخرج مِنها مِن بول
وبعر.
وأَمَّا صيد البحرِ جَمِيعا فحلال طاهر حيه، وميته إلا ما قيل فيما يُشبه الإنسان، أو القرد أو الخترير من صُوَرِ الصيد، فبعض حرَّمه، وإنّي ليعجبني طهارته وجواز أكله؛
1) السور: البقية والفضلة التي تخرج من البطن عن طريق الفم. انظر: العين، (سور). (2) الرحم جمع مُفرده رُحْمة: وهي طائر من فصيلة الكوا يشبه النسر في الخلقة إِلا أَنه مُبقع ببياض وسواد، وجمعه رُخم. انظر: العين، (رخم).
الدبيان: نوع من الْحَشَرات، منها النافع كدبي العسل وهو النحل، ومنها الضار كدبي العقر. 4) الفنزيز أو الْفَتْزُوز: نوع من الخنافس كبيرة الحجم، تتميز بلونها المعدني البراق ذات اللون الأخضر والبقع
الصفراء. (1/52)
صفحة 53
53
الدلائل على اللوازم والوسائل
لأنا لا نعلم بآدمي يعيش في البحر، ولا قرد ولا خترير، والله يخلق ما يشاء، وأحل الله صيد البحر، ولم يستثن منه شيئا.
وأَمَّا الضَّمج (دُويبة مُنتِنة تَلسَع): فَمختلف في طهارته ونَجاستِه. وأَمَّا القُمَّل: فَحكمه حكم الإنسان، ميّته نَجس، وما يخرج مِنه نَجْسٌ، وَأَمَّا إِذَا كان في الثوب قُمَّل فَالصَّلاة به جائزة.
ومن وجد في أرض نَجاسةً ثُمَّ مَضى ثُمَّ رجع فَلم يَرَها فَلا بأس بذلك، إذا كانت الأرض تصيبها الشمس والريح.
من
ومن نجس ثوبًا لرجل أو شيئا غير الثوب لزمه غسله، أو يُعرفه، أو يستحله (1). تنجيسه، أو يغرم لَه نُقصانه إِن لَمْ يُحلّه. وَكُلُّ مائع وقعت فيه نجاسة أفسدته، مثل: اللبن، والسمن، والعسل، والخل. وعلامة الجامد من المائعِ أَن يُطرح فيه خَاتَم، أو حَصاة بقدرِه، ويَكُون ذَلِكَ كقدر المثقالين، فإن لم يسقط فيه فلا يُنجس إلا ما مس منه، وإن سقط فيه فهو مائع
وينجس.
وجائز استعمال السمن الذائب إذا حَلْته النَّجَاسَة للسراج، ولدهن الدلاء وغيرهنَّ، ويُغسل بعدَ ذَلِكَ ما دُهن به، ويَجُوز بيعه بعد الإعلام بنجاسته. وأما الذي لا يصلح إلا للأكل من المائعات مثل: العجين، والْمَرَق، فلا يَجُوز الانتفاع به إذا تَنجس. هَذَا الذي تعتمد عليه من القول. وَقِيلَ: إذا وجد المضطر شيئا من أموال الناس الْحَرَام ووجد الميتة فإِنَّهُ يُحيي نفسه بالميتة، ولا يأكل من أموال الناس الْحَرَام إلا بوجه حق، من هبة أو بيع، أو إدلال، أو
يضمن لهم. وقول: لَه أن يُحيي نَفسه من أموال الناس، ويَتَعَلَّقُ عَلَيْهِ ذَلِكَ ضَمانا.
1) يَستحله: من المحاللة،
ا بمعنى يطلب.
من صاحبه السماح والعفو. (1/53)
صفحة 54
الدلائل على اللوازم والوسائل
ومَن رَأى مِن صَيٍّ نَجاسة، ثُمَّ غَاب عنه بما تُمكن طهارته بوجه من الوُجُوهِ، ولَم
ير به تلك النَّجَاسَة، فحكمه الطهارة.
ومثله البالغ إذا كان البالغ عالما بتلك النَّجَاسَة، وإن لَمْ يَعلَم بها فَحكمُها باقِيَّة. وأَمَّا البئر الكثيرة الْمَاء التي لا تنزح فَإنَّها لا يُنجِّسها شيء. والبئر التي تنزح إذا حلتها النَّجَاسَة، فالْمَأمور به أن يُترح منها أربعون دلوا بدلوها، بعد إخراج النَّجَاسَة منها، ويُغسل الدلو بعد النزح، وإن فَرغَ ماؤها قبل تمام الأربعين، فيُجزئ ذَلِكَ، وتطهر إن شاء الله تَعَالَى.
وأما الأرض إذا حلتها النَّجَاسَة، فما دامت باقية فنجس ذَلِكَ الْمَوضِعِ، وَلَا يَطْهُمْ إِلَّا بالْمَاء وزوالِ النَّجَاسَة.
وإذا زالت النَّجَاسَة منه، فقول: يطهر إذا أصابته الشمس والريح. ويُعجبني أن تكون طهارته بالْمَاء إذا أمكن. والله أعلم.
-
فضل: [في آداب قضاء الحاجة والاستنجاء]
فإذا فهمت معاني الطهارة، فتأهب لها.
وإذا أردت قضاء حاجة الإنسان مِن بَول وغائط فتأدَّب لِذَلِكَ. والأدبُ:
أن تبتعد عن الناس.
و أن لا تستقبل القبلة ولا تستدبرها؛ لأن الدبر عورة أيضا.
ولا تكون قبلتك للصلاة قبلتك للبول والغائط.
- ولا تستقبل الشمس، ولا القمر، وَلَا النجوم، فَإِنْ لَهنَّ حُرمة. (1/54)
صفحة 55
-
الدلائل على اللوازم والوسائل
ولا تستقبل الريح خوف أَن تَرُدَّ عَلَيكَ شَيئا من الرشاش؛ فإذا قضيت حاجتك فأتبع موضع البول والغائط بحجر أو مَدَر (1) إن وجدته، وإلا فيكفيك التراب
لذلك.
فإذا جفَّ موضع البول بعد الدَّلكِ والْعَصْر، وانقطعت المادَّة، فاغسل موضع البول والغائط بالْمَاءِ؛ إن كان ماء جار فَبالعرك (2) فيه حتَّى يُنَقَّى مِن النَّجَاسَة، وإن كان من من إناء فبالصب على مواضع النَّجَاسَةِ إِلَى أن تذهب النَّجاسة وتطيب النفس، مالم تكن
موسوسا.
ولا يُعجبني أن يَكُون الاستنجاء أقلّ مِن ثَلاثِ عَركات مِنَ البول، وأربعين عركة من الغائط عِند الْمُكنَة، ولِكُلِّ وَقت نَظَر. وإن كان البطن يابسا، والخارج منه حامدًا جَافا لا يُؤثر في مَخرَج الدبر، فيكفي القليل من الْمَاء لِذَلِكَ. واعقد النيَّة عِندَ ابتدائك، تقول بعد البسملة: «أتطهر من البول والغائط طَهَارَة الفريضة، أُزيلُ بها النَّجَاسَة، طَاعة الله ولرسوله محمد».
وأَمَّا عند مُضِيّك للبول وقعودك فلا تُبسمل، بل استعذ بالله من الشيطان الرجيم؛ وإذا أردت قضاء حاجة الإنسان فقل: «أعوذ بالله مِنَ الرجس الْخَبِيثِ الْمُحَبَّتِ الشيطان الرجيم» (3)، وكُن عندَ طَهارتك مُعتقدًا أداء سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاستنجاء، راجيا من الله الكريم أن يَأجُرَك بذَلِكَ، وأن يجعلك معَ الذِينَ قال الله تَعَالَى فيهم: فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَنطَهَرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُظَهِرِينَ}
1) المدر: واحدها مَدَرَة، وهي قطع الطين اليابسة. انظر: العين، (مدر).
2) العرك: هو التدليك والحك.
) أخرجه ابن ماجة عن أبي أمامة في باب ما يقول الرجل إذا دخل الخلاء، ر 299.
(4) سورة التوبة: 108. (1/55)
صفحة 56
الدلائل على اللوازم والوسائل
فاجتهد في ذَلِكَ لِرجَاء مَحبَّة الله لك، ومَحبَّتُه ثَوابه، فإذا أحبك الله ل وخصك بهذه الطهارة من القاذورات - وثوابُ الله لا يُكَيَّفُ - فمن أين تقدر على تأدية شكره!!؟ وهو تَعَالَى الميسر لك جَمِيع حوائجك، من تسهيل خروج البول والغائط، ولو حُبسَ عَلَيكَ بالحَصر لشقُّ عَلَيكَ ذَلِكَ.
ثُمَّ يَسَّرَ لكَ الْمَاء الطاهر، وكثيرٌ من خَلق الله لا يرى الْمَاءَ إِلا بعد أَيَّامٍ، وَلَا يَحصل
عليه إلا للشرب. ثُمَّ أعانك بالعافية التامة لتقوم بطهارتك، ولو جَعلك متعطّل الأعضاء من رجل عن المشي، أو يَدٍ عَن الْحركةِ لَما قدرت على ذَلِكَ.
ثُمَّ علمك صفة التطهر بدلالة مَن سَبقك من عباده الْمُؤْمِنِين، ولَو عِشت عند من لا يُحسن ذَلِكَ لَمَا وَصَلتَ إِلَى ذَلِكَ.
فإذا عرفت هذا وفهمته، وعمِلت به فتأهب لغيره، وهو الغُسل من الْجَنَابَة.
فضل: [في كيفية الغُسل]
فإذا جَرى عَلَيكَ احتلام في المنام حتَّى خَرجَت منك جَنابة، أو جامعت امرأة حلالاً أو حراما في قبل أو دُبُر، أو رَجُلا في دُبر، أو بهيمة، حتَّى غَاب وولج رأس الذكر في ذَلِكَ الْمجامع، أو خرج منك المنِيُّ في يَقظَة بعبث، أو بلا عبث، وهو الذي يخرج بانتشار الذكر وشهوة عند خروجه.
فإذا لحقك شيء من ذلِكَ ليلاً أو نهارا، فَأسرع إِلَى الغسل بالْمَاء الْجارِي إِن وجدته، أو من الآبار، أو من الإناء ولا تدخل المساجد، ولا تقعد فيها ما دُمتَ جُنُبا، وَلَا تَقرأ القرآن، وَلَا تَمس المصحف، وَلاَ تُبّسمل ببسملة تامة إلا أن تقول: "باسم (1/56)
صفحة 57
57
الدلائل على اللوازم والوسائل
الله أغتسل"، أو "باسمك اللهم أغتسل من
حتّى تغسل فاك.
الْجَنَابَة"، أخذك
عند
في الغسل، ولا تأكل
واقض ما أردتَ مِن حوائجك من بيع وشراء وحرث ومشي، وقعود، أو ما شئت مِمَّا يُعنيك، ما لم يحضر وقت الصَّلاة، والأحب أن تبادر إلى الغسل بسرعة .. وإن عاودت الجماع مَرَّةٌ بعد مَرَّةٍ فَيُجزِئكَ غُسل واحد للجميع.
فإذا أردت الغسل فَامض إِلَى الْمَاء مُمتَثِلا لأمر الله تَعَالَى بقولِه تَعَالَى: {وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطَهَرُوا وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنكُم مِّنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَأَمَسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَل عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (1)؛ لأنك عبده وهو مَولاك، فَعَلى العبد أن يمتثل أمر المولى، وأمره لك لا يعود إلا لمصلحتك، فالله لا يعود إليه نفع منك؛ لأَنَّهُ غَنِيٌّ عنك وعن جَمِيع خلقه؛ لَكِنَّه تَعَبَّدك وأمرك ووعدك جزيل الثواب إن اتبعت أمره، وإن خالفته فقد أعدَّ لك شديد العقاب.
ولو عرفت ثواب الغسل من الْجَنَابَة لَبَهَرك (2) وقلت: لأي شيء يستحقُ هَذَا الْعَبْد هَذَا الثواب، ومصلحته له؟! فإذا اعتقدت أداء الفرض فانو بقلبك ولسانك عند ابتدائك وأخذك الغسل، وقل: «اللهمَّ إِنْ نِيَّتِي وَاعتقادي أن أغتسل غسل الفريضة من الْجَنَابَة، ومن كُل نجاسة من
بول وغائط، أداءً للفرض، طاعة الله وللرسول محمد».
ثُمَّ ابدأ بغسل العورة بعد غسل يديك حتَّى تذهب النَّجَاسَة، ثُمَّ اغسل فاكَ وأنفَك، وتوضأ وضوء الصَّلاة لِجَمِيع الأعضاء بالمسح والدعاء.
1) سورة المائدة: 6.
(2) البهر والانبهار: هو التعجب والدهشة. (1/57)
صفحة 58
الدلائل على اللوازم والوسائل
ثُمَّ اغسل شِقَّ رأسك اليمين ثُمَّ شقه اليسار، ثُمَّ اغسل وجهك وأذنيك ورقبتك، ثُمَّ الجانب الأيمن وما يليه من اليد اليمنى، وما يليها من قدام ووراء، ثُمَّ يدك اليسرى بعرك كُلِّ جارحة، ثُمَّ ما يليها من قُدَّام ووراء، وظهرك وصدرك وبطنك، ثُمَّ رجلك اليمنى ثُمَّ اليسرى، تعرك كُلِّ جَارحة ثلاث عركات ..
واحذر أن يراك الله مُضيّعا أو خائنا في طهارة أو غيرها، فَإِنَّهُ لا تَخفى عليه خافية. فإن كنت لَمَّا وجبَ عَلَيكَ فَرض الغسل في سفر، ولم تجد ماء أو لم تقدر على عليها،
الْمَاءِ
من
شدة برد تخاف منه الضرر عَلَيكَ، أو بك شيء من الأوجاع تخاف فاقبَل رُخصة الله بالتيمم لِمَن لَه عُذر عند الله بما وصفته لك. فإن كان بك جنابة أو مرض مانع، وحضرتك صلاة مكتوبة ولم تجد ماء، أو وجدت ماء لا تَقدِر عَلَيه، فاقصد التيمم. فإن كان لصلاة، فلا يَكُون إِلا بعد حضور وقتِها وعُدِم الْمَاء، وإن كان لطهارة من
جنابة وغيرها فَجَائِز في كُلِّ وَقت مَع العذر عَنِ الْمَاءِ.
[صفة التيتُم]
فإذا أردت التيمم: فضع يديك عَلَى الأرض في تُراب طاهر ذِي غبار، وحركهما في التراب، واعتقد امثَالَ أمرِ الله تَعَالَى بقوله: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا» (1) وقل بلسانك (2): «اللهم نيتي واعتقادِي أَرفع بتيمُّمي هَذَا جَمِيع الأحداثِ وأَتَيمَّم مِن كل نجاسة بدلا من الْمَاء، وطهارة للصلاة، طاعة الله ولرسوله محمد».
(1) سورة النساء: 6، 43.
2) الصحيح أنه لا تحب النية باللفظ وَإِنَّمَا تُعقد بالقلب، وألفاظ النية في كُلّ عمل التزمها أو ائلنا ان تأكيداً لما
في القلب، واستحضارا للذهن في كُلِّ شَيْءٍ يُقْبِل عَلَيه المسلم. (1/58)
صفحة 59
09
الدلائل على اللوازم والوسائل
ثُمَّ ارفع يديك عن الأرض واضرب بهما الأرض ضربا خفيفا قدر ما يثير الغبار، وامسح بهما وجهك مسحا عاما غير مؤذ، ثُمَّ رُدَّهُما إِلَى الأرض، واضرب بهما ضربة ثانية، وامسح يدك اليسرى باليمنى واليمنى باليسرى إِلَى الرسغ)، مفرقا بين أصابعك مسحاً خفيفا غير مؤذ.
فإذا تيممت، فإن كانَ للصلاة فيكره الكلام قبل أن تُصلِّي، وإن كان لغير صلاة، فلا تلحقك كراهية في كلامك. ولا يجوز التيمم لأكثر من صلاة، إلا أن تكون في سفر وأردت جمع صلاتين، فجَائِز لك صلاتهما بتيمم واحد، ولو صليت معهما الوتر.
وينقض التيهم ما ينقض الوضوء. وإن كان عند المسافر ماء، ولا يفضل منه شيء من شُربه وعمل طعامه؛ فجَائِز له التيمم، ويدَّخِر الْمَاء لِحاجته، إلا أن يَكُون في موضع آمن مِن قُرب الْمَاء، أو صارَ بحدٌ لا يخاف عطشا لقرب بلده، أو المكان الذي هو يريده وفيه الماء، والله أعلم
بالصواب.
(1) الرسغ: مفصلُ ما بين الكفّ والساعد، والساق والقدم، ومثله في كل دابة. (1/59)
صفحة 60
الدلائل على اللوازم والوسائل
البالي في الوضوء، وصفته، وما يُقال فيه، وما ينقضه،
وما لا ينقضه
فإذا عرفت الطهارة المذكورة وبلغت الحلم، فتأهب لأداء فرض الصَّلاة؛ لأن
فرضها قد وجبَ عَلَيكَ.
وأوَّل أَهْبَتِها: الوضوء لها، والسواك قبل الوضوء بعد القيام من النوم، فإن فيه فضلا كثيرا، وأجرا ومنفعة للثة.
فإذا قضيت حاجتك من غسل الْجَنَابَة إن جَرَت عَلَيكَ، والاستنجاء من البول والغائط، وصرت طاهراً من جميع النجاسات، فاقصد الوضوء مُمثلا أمر الله تَعَالَى بقوله: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) (1). فامتثل أمره مطيعاً له، راجياً ثوابه بامتثال الأمر، خائفاً عقابه في تضييع الأمر؛ لأن على العبد امتثال أمر مولاه، ولو لم يَرجُ ثوابه أو يخف عقابه.
فابدأ أولاً: بالبسملة فهو الْمَأمور به. ثُمَّ مَضْمِض فَاكَ فَإِنَّهُ سُنة مؤكدة، فاغسله بالماء ثلاث مرات، وقُل: «اللهم اسقني من الرحيق المختوم». ثُمَّ استنشق، والاستنشاق أيضا سُنَّة: وهو أن تأخذ الماء بإصبعيك وتدخلهما في
منخريك، على حد ما يبلغان من غير ضرر وأذى، تفعل ذَلِكَ ثلاث مَرَّات، وقُل ذَلِكَ: «اللهم نَشْقِنِي رَوائِحَ رَحْمَتِكَ فِي جَنَّتك».
1) سورة المائدة: 6.
عند (1/60)
صفحة 61
الدلائل على اللوازم والوسائل
ثُمَّ اغسل وجهك، وغسله في الوضوء فَرض مَرَّةً واحدة، والسنة ثلاث مرات، وهو أن تأخذ الماء بيديك وتغسل بهما وَجهَك، وتَعمَّه في كُلِّ غَسلة، وتُخلّل شعر لحيتك، وقل: «اللهم بيض وجهي يومَ تبيضُ وُجُوهِ أَولِيائك الصَّالِحِين». ثُمَّ اغسل يدك اليمنى من الأصابع إلى المرفق، والمرفق داخل في الغسل، وهو ما تسميه العامة الكوع، ثلاث مرات سابغات، كُل مسحة تامة، وهكذا غسل جَمِيع
الأعضاء، وقُل عند ذلِكَ: «اللهم أعطني كتابي، بيميني، وحاسبني حسابًا يسيرا». ثُمَّ اغسل يدك اليسرى كغسل اليمن لا فرق في ذَلِكَ، وقل: «اللَّهُمَّ لا تُعطني كتابي بشمالي، وَلَا مِن وراء ظهري».
ثُمَّ امسح رأسك بيدك، من مقدّمه إلَى مُؤخّره ثلاث مسحات، هَذَا الذي تعتمد عليه. وإن مسحته مقدمه مقدار النصف، فيجزئك على قول، وقل: «اللَّهُمَّ من توجني تَاجَ رَحْمَتِكَ فِي جَنَّتِك».
ثُمَّ امسح أذنيك أيضا ثلاث مسحات لِكُلِّ واحدة؛ لأنها من الرأس في قول بعض أهل العلم. وبعض قال: ظاهرهما من الرأس، وباطنهما من الوجه؛ وعلى كُلِّ الوُجُوهِ لازم مسحهما عند الوضوء، وقل: «اللَّهُمَّ اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون
أحسنه».
ثُمَّ امسح رقبتك مِن قَفا ومن قُدَّام أيضا ثلاث مسحات، وقل عند ذَلِكَ: «اللَّهُمَّ أعتق رقبتي من النارِ، وَمِن السلاسل والأغلال». ثُمَّ اغسل رجلك اليمنى، وفَرضُ الغسل من حد أصابع الرجلين إلى أعلى الكعبين.
والكعبان: هما داخلان في الغسل، وهو الذي تُسمِّيه العامة: الْجَوزة من الرجل. والمستحب غسل الرجل إلى نصف ساقها، أو دون ذلك. وبعض قال: بقدر عرض أربع أصابع من أعلى الكعب، تفعل ذلِكَ ثلاث مسحات، وقل عند ذَلِكَ: «اللَّهُمَّ ثَبتني بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة». (1/61)
صفحة 62
الدلائل على اللوازم والوسائل
62
ثُمَّ اغسل رجلك اليسرى مثل غسل رجلك اليمنى، وقل: "اللهم أعوذ بك من غَضَبك يومَ يُؤخذ بالنواصي والأقدام .. يا الله».
ثُمَّ قَدْ تَمَّ الوضوء؛ فإذا أكملته ونهضت قائما فاقرأ سورة: {إِنَّا أَنزَلْتَهُ فِي لَيْلَةِ القدر (1) فَفى ذَلِكَ فضل عظيم.
وارفع رأسك إلى السماء، وقل: «لا إله إِلا أَنتَ سُبحانكَ إِنِّي كُنت من الظالمين، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني مِنَ المتطهرين، واجعلني من عبادك الصالحين، اللهم اجعلني عبدا طهورا، واجعلني صبَّارا شكورا، واجعلني أذكرك كثيرا، وأُسبِّحك بكرة وأصيلا، ولا حولَ وَلَا قُوَّة إلا بالله العلي العظيم».
فضل: [فيه تنبيهات في الوضوء]
فإذا فرغت من الوضوء ومعانيه؛ فلا تكن فيه مسرفا بإكثار الْمَاءِ؛ فقد قيل: إن ما زاد عَلَى ثلاث غسلات أو مسحات، سَرف والسرفُ مُجاوزة الحدِّ، وَلَا خَير فيه، ويُخاف مِن ذَلِكَ تَولَّد الوسواس، والاشتغال بما لا نفع فيه. وإسباغ الوضوء مأمور به بغير مُجاوزة الحد، حتّى قيل: «إِنْ مَن توضأ وأسبغ الوضوء، تَناثَرَت عَنه الخطايا كما يتناثر الورق من الشجر في وقت أوانِ
سقوطه» (2).
1) سورة القدر: 1.
2) وردت أحاديث كثيرة في هذا المعنى بألفاظ مختلفة، انظر منها: باب خروج الخطايا مع ماء الوضوء عند مسلم ر 244، 245 .. وغيره من الأحاديث الصحيحة في فضل الوضوء. (1/62)
صفحة 63
63
الدلائل
ى اللوازم والوسائل
وعندي
أن كُلِّ مَن غسل، ومسح كُلِّ عضو ثلاث مرات تامات، فقد أسبغ وضوءه، ولا تدع شيئا من هذه الأعضاء ولو قدر الظفر، فإِنِّي أَخافُ عَلَيكَ أن تُسعر به النار يومَ الْقِيَامَة، إذا لم يكن لك عُذر، ولم تتب حتّى تموت.
ولا تغفل عن تخليل الأصابع، وعن غسل ما سفل من الشفة السفلى بينها وبين الذقن، وهو الذي ينبت فيه الشعر هُنَاكَ، وَلاَ يَفطن له كُلُّ أحد، وكذلِكَ ما بين الأذنِ وشعر اللحية من أعلى الوجه.
فإذا ثبت الوضوء وتَمَّ؛ فَصَلِّ به ما شئت ما لَم يَنتقض، أو تَخصَّ به صَلَاةٌ مُعيَّنة
بعينها.
فإذا صليت به الحاضرة، فإن شئت حفظته لغيرها، فَحِفظه فيه ثواب جزيل لمن قدر
على ذَلِكَ؛ لأن كثيرا مِمَّا ينقضه يَكُون معاصي، والمعاصي لا يرضاها الله. وإن شئت توضأت لِكُلِّ صلاة ولو لم ينتقض وضوؤك، فقد قيل: «إن الطهورَ عَلَى الطهور ثور على نور» (1).
فضل: [في نواقض الوضوء]
وَأَمَّا الذي ينقض الوضوء: فهو كُلُّ ما يَخرج من دبر الإنسان من غائط أو ريح، أو صوت، أو دابَّة، أو قيح، أو دم، ومَا يَخرج مِن قُبله من مَنِي، أو مذي، أو ودي، أو بول، أو دم، وغير ذلك، وما يخرج مِن فِيهِ مِن قَيء، وما يخرج من جَمِيع جَسده من دم. وأَمَّا حلق الشعر ونتفه فلا ينقض الوضوء، مالم يخرج دم، أو يكون الموسى نجسا وما أحِبُّه على الوضوء.
1) نُقل عن المنذري والعراقي أنهما لَمْ يقفا على مَن خرجاه، وضعفه ابن حَجَر وذكر أن رزينا أورده في. قال: ومعناه ظاهر. انظر: فيض القدير 6/ 110. والعجلوني: كشف الخفاء، 2/ 336، ر 2897.
مسنده (1/63)
صفحة 64
الدلائل على اللوازم والوسائل
وكذلك: كُلُّ ما يَخرج مِن لِسانه من كذب، أو غيبة مُسلم بما فيه مِمَّا ينقصُه أو
يكرهه، ويستحي أن يذكره بحضوره.
وكذلك: النميمة بين الناسِ مِمَّا تُولّد العداوة والحقد والضغائن بينهم، وينبغي للمؤمن أن يطلب الرفق بين الناس في جميع الأشياء.
وكذلك: إن شتم، أو لَعنَ، أو قَبَّح مَن لا يستحقُ مِن بَشر أو بهائم، فَذَلِكَ ينقض
الوضوء.
وكذلك: نظر النساء الأجنبيات مِمَّا لا يَجُوز لَه نَظرهنَّ مِمَّا سِوى الوجه والكفين على العمدِ ينقض الوضوء، وأَمَّا إن نظر منهنَّ الوجه والكفين بشهوة، فأُحبُّ لَه إعادة
الوضوء.
والنوم مضطجعا ينقض الوضوء، وكَذَلِكَ إن كان مُتَكلًّا عَلَى شَيْءٍ – مثلا – لَو زَالَ ذَلِكَ الْمَتَّكَا عَلَيه لَسَقط النائم معه، فذَلِكَ يَنقُض الوضوء، وغير ذلك فيه الاختلاف. وكذلك: مس العورات ينقض الوضوء، حَتَّى لو مس عورته، وعورة أهله من زوجته أو سريته.
وأَمَّا إِن نَظر لشيء من المعاني الْجَائِزة، فلا ينقض الوضوء، وإن نظر عَلَى مَعنى التشهي فلا أحبُّ له ذلِكَ، وأحبُّ لَه إعادة الوضوء. وأما إن مَسَّ نَجاسة رطبة، أو مَسَّتَه النَّجَاسَةُ اليابسة وهو رطب، فينقض الوضوء، والله أعلم بالصواب. (1/64)
صفحة 65
65
الدلائل على اللوازم والوسائل
البات
في ذكر الأذان للصلوات، ومعرفة أوقاتها
وفي ذكر النية لها، والإقامة والتوجيه، وتكبيرة الإحرام،
والقراءة، والركوع والسجود وغير ذَلِكَ، وما يُقال فيها، وتفسير معاني ذَلِكَ
فإذا عرفت الوضوء، وعرفت ما ينقضه، وأردت أن تُؤدِّي فرض الصلاة به، لأَنَّهُ لا تجوز صلاة فريضة ولا نافلة إلا بوضوء تام فاعقد النيَّة في قلبك، بأنَّك تُؤدِّي هَذَا الفرض الذي أمرك الله به، وهو غني عنك، وأنتَ مُحتاج إليه، ولا ينتفع هو به، بل النفع يعودُ عَلَيكَ.
فَمَثْل في قلبك كالذي يُريد الدخول على ملك من ملوك الدنيا لحاجته إليه لا لحاجة الملك .. أما يدخل عليه بأحسن هيئة، وزي حسن في لباسه، ومشيه وقعوده، والتفاته إليه لا إلى غيره، ونظره وتعظيمه إجلالا للملك، ورجاء منه لما يريده، مِمَّا أَهَمَّه من الحوائج؟! ويَكُون حاضر القلب، مجموع الهم، لا يلتفت بسمعه، ولا بنظره، ولا بقلبه، ما دام عند ذَلِكَ الْملك، حتَّى يَأذن له، ويقضي له حاجته، وربَّما لم يأذن الملك له
بالدخول، فيبقى أياما حتَّى تصح له خلوة ساعة، وَلَا يُوسوس قلبه بغير ما أهَمَّه. هذا فيمن يدخل على بشر مثله في كُلِّ حال، فكيف بمن يريد الفضل من مولاه، وخالقه الذي أوجده في الدنيا؟!، ورزقه وعافاه ومرجع أموره كلها إليه، وهو مالك له؟! ولذلك الملك الذي هو يطلب منه مُهمَّة بتذلله ذَلِكَ وخضوعه، فكيف لا يُجيب وَلَا يَتذلل وَلاَ يَخضع لهذا الملك القادر والحي الرازق؟!! .. (1/65)
صفحة 66
الدلائل على اللوازم والوسائل
77
وكيف لا يستحي منه؟ وهو قد أنعم عليه بضروب من النعم التي لا تُعدُّ وَلا تُحصى، وصرف عنه كثيرا مِمَّا ابتلى به غيره من مُكابدة الأسقام والآلام والجوع والعري
والجهل ..
وقد خُص هُو بالرزق الواسع، وبالعافية التامة، وبالراحة من الكد، وبالأمن من الأعداء، وبالعلم من الجهل .. أَيَثقُل عَلَيه أن يُصلِّيَ الله تَعَالَى في كُلِّ يَوم وليلة، سبع عشرة ركعة. .. الله المستعان؟ أما يُنصِفُ هَذَا الْعَبْد من نفسه، ويُقبل إلَى رَبِّه، ويطلب منه ويُقبل إلى ربه، ويطلب منه جميع ما يُريده للدنيا والآخرة؟!! وينظر هل يمنعه شيئا سأله إِيَّاهُ؟!! حاشا وكلا، بل الظلم من العبد كيف يخل ببذل بدن خلقه الله في مرضاته، ولم يُكلّفه الله فوق طاقته، بل فرض عليه يسيرا وقواه عليه، ووعده كثيرا إن أقام به، وَلاَ يَقدر هو أن يُؤَدِّي شكر نعمة الله الحاضرة له في الدنيا؛ فكيف بما يرجوه في العقبى؟! فلا إله إلا الله، أَمَا مِن واع وسامع وعامل!؟ ولو بذل هَذَا الْعَبْد عُمره جَمِيعا في طاعة الله لما قام بحقه؛ فكيف جُرأَة هَذَا الْعَبْدِ الضعيف الذي تغلبه ذَرَّة، وتُهلكه شَرِقَة؟! أَن يَعصِيَ هَذَا الْملك القادر عليه، وموته بيده، وَلا يُحصَى ثَوابه، وَلَا يُطاق عِقابه. إنْ هَذَا لَهو العجب العجيب مِمَّن يأمره مولاه العلى الأعلى، بصلاة أربع ركعات، وهو بفضل الله قادر عَلَيهِنَّ، ثُمَّ يُخالف ولا يقوم إليهنَّ، وهو المحتاج، أَأَحمق مِن هَذَا أحمق، وأشدّ منه جنونا؟!!
وحياته
واعْلَمْ يا أخي، أن الصَّلاة من أعظم الأمانة، فاتَّقِ فيها الترك والخيانة، فقُم بها قيام من نصح لنفسه.
فامتثل الأمر بها، وقم بها في أول أوقاتها بتمام طهارتها، وتمام ركوعها وسجودها وقعودها، وإحضار القلب فيها، واعتقد أنَّك مُجيب لمن أمرك بها بقوله تَعَالَى: (1/66)
صفحة 67
الدلائل على اللوازم والوسائل
وَأَقِيمُوا الصَّلوة (1) فكيف يقول الله تَعَالَى: {وَأَقِمِ الصَّلوةَ) وأنت تقول: لا، وهو القادر عليك!!.
أتقدِرُ أن تعصي أمير بلدِك؟ فكيف تعصيه تَعَالَى؟!! وهو قد أكرمك بجميع ما تعرف مِمَّا لا يُحصى، فأجب قوله وامتثل أمره، وإن قدرت على الزيادة عما أمرك فَزِد وزود فَإِنَّهُ كُلَّه يَرجع نفعه إليك.
من
طاعة
وفي امتثالك أمره تكون نيتك فيه؛ لأنك عبده وهو مولاك، وَلَا بُدَّ للعبد مولاه. ثُمَّ ارْجُ ثَوابه على القيام، وخف عِقابه عَلَى التضييع، واعلم أن طاعته لازمة عَلَيكَ، ولو لم يعدك ثوابا أو يُعدّ لك عقابا.
فلا تَمُنَّ عَلَى اللَّه تَعَالَى بِهَذِه الركعات فإن عُبَّادَهُ كثيرون، وأنت لو عبدته ليلا ونهارا فلا تلحق بهم؛ لأن عُمرك قصير، وأكثر أوقاتك في شغل دنياك يا حقير.
[شُروط الصلاة]
فأوَّل شروط الصَّلاة عَلَيكَ طهارة بدنك وثيابك التي تصلي بها، والبقعة التي تُصلّي عليها من جميع الأنجاس. ثُمَّ استقبال القبلة (وهي الكعبة) حيثما كُنت، وَلا تُصلَّها إِلَّا قائما إِلَّا مِن عُذر؛
فإن حضر الوقت فابدأ بالأذان، لها، وإن قام به غيرك ممن حضر فيجزئك. والأذان فضله عظيم، وأجره وافر لمن قام به على الوجه الصائب، حتى قيل: «إنَّهُ يستغفر له كُلُّ شَيْءٍ سَمع صوتَه مِن شَجَر وحَجَر» (3).
(1) سورة البقرة: 43 ... وسورة الأنعام: 72 ... (2) سورة هود 114. وسورة الإسراء: 78 ... (3) أخرجه البخاري بمعناه عن أبي سعيد، ر 609. (1/67)
صفحة 68
الدلائل على اللوازم والوسائل
أتترك يا أخي، هذا الربح الوافر للرجال يسبقُونَك به، وأنت تطلب للدنيا الفلس، والفلسين؟ وليس هو ينقص فيك .. ولو لم يكن قصدي الإيجاز، لأتيتُ بفضائله، لكنَّه موجود في كُتب الْمُسْلِمِينَ.
فضل في صفة أوقات الصلوات، والأذان للصلاة
أَمَّا صلاة الظهر والعصر: إذا أردت معرفتهما فانظر رجوع الشمس في وقت الحر أوَّل القيظ، فذَلِكَ رجوعها للشتاء ليقصر النهار قليلا قليلا، ويطول الليل، فأوَّل رجوعها هَذَا الْمَذكور، ويَكُون جواز صلاة الظهر إذا زالت الشمس ولو قليلا، فقد
دخل وقت صلاة الظهر.
ثُمَّ هو وقتها إلى أن يبلغ ظل قامة الإنسان الصحيحة سبعة أقدام، والصحيحة: هي
التي يبلغ طولها قدر سنّة أقدام، إلى زيادة نصف قدم فهذه صحيحة. ويبدأ القياس بالقدم من كعب الرجل التي يخطو بها ثانيا بعد رفعه الأولى، فإذا بلغ القياس سبعة أقدام، فقد دخل وقت العصر، ويحتاط المصلي بقدم، ويَكُون وقت أذان العصر في ذلك الوقت من ثمانية أقدام فصاعدا. ثُمَّ يزيد في كُلِّ شهر من أَوَّل رجوع الشمس إلى رجوعها الثاني، لِكُلِّ شَهرٍ قدم وسدس قدم، إلى أن ينتهي طول الظل في آخر الوقت، وهو كمال ستة أشهر من
رجوعها، في وقت الظهر سبعة أقدام بلا احتياط، وبالاحتياط ثمانية أقدام. وفي وقت العصر أربعة عشر قدما بغير احتياط وخمسة عشر قدما بالاحتياط. وهذا أقصى منتهى آخر وقت الظهر والعصر في الشتاء. (1/68)
صفحة 69
الدلائل على اللوازم والوسائل
ثُمَّ ترجع الشمس في وقت شدة البرد في الشتاء للحر، بعد كمال ستة أشهر من رجوعها الأَوَّل، سوى زيادة الكبس (1) الذي هو لدوران الفلك عند العارفين به، وهو قدر خمسة أيام في كُلِّ رجوع للشمس، ليكون في كُلِّ سنة عشرة أيام وربع يوم. فإذا رجعت للحر، فأنقص أيضا من الظلّ لِكُلِّ شهر قدما وسدس قدم للظهر، من الثمانية التي وصلت إليها في الشتاء بالاحتياط، وقدما وسدس قدم من الخمسة عشر التي وصلت إليها في الشتاء بالاحتياط، إلى أن تتم ستة أشهر سوى الكبس المذكور، فيصير الظل سبعة أقدام للعصر بغير، احتياط وقدما وسدسا للظهر، بالاحتياط عند وقت زوالها أيضا للشتاء الآتي وعلى هَذَا يَجري الحساب. وبعض يجعل الزيادة قدما واحدة في كُلِّ شهر، والنقصان كذَلِكَ، وعملنا على الأَوَّل، ويَكُون الأذان للظهر والعصر في أَوَّل هذه الأوقات الْمَذكورة.
وأما حضور وقت صلاة الْمَغرِب وأذانها: فهو إذا غابت الشمس من الْمَغرِب، وطلع سوادٌ من المَشرِق، وصار ذَلِكَ السواد يعلو طالعا في السماء وقدامه شيبه الحمرة، فإذا ذهبت الحمرة وفشا السواد في السماء كلها، فذلِكَ آخر غروب قرن الشمس الآخر، وذلك وقت الأذان لصلاة المغرب. وتُصلِّي فيه عاجلا؛ لأن وقتها أضيق أوقات
الصلوات. وأَمَّا وقت حضور صلاة العشاء الآخرة للأذان وللصلاة: فهو إذا غاب الشفقان جميعا الأحمر والأبيض، فَهو إلى نصف الليل، وتكون الصَّلاة فيه. هذا في الحضر، وإلى ثلث الليل لمن لم يكن صلّى الْمَغرِب في السفرِ.
1) الكبس: يقصد به السنة الكبيسة، وهو حساب أخذ عن الرومان في كُلِّ أربع سنين يزيدون في شهر شباط (فبراير) يوما، يجعلونه تسعة وعشرين يوما، يقومون بذلك كسور حساب السنة، ويسمون العام الذي
يزيدون فيه ذلك اليوم بالعام الكبيس. انظر: العين، (كبس). (1/69)
صفحة 70
الدلائل على اللوازم والوسائل
M
Y.
وأذان صلاة الفجر: حين يطلع الفجر الصادق، وهو البياض المعترض في جهة السماء مِن الْمَشرِق، فإذا ظهر وبان جاز الأذان والصلاة.
والأذان: يَكُون في أول الوقت والصَّلاة آخر وقتها إلى أن تظهر حُمرة في السواد في السماء من جهة المغرب وهو طلوع قرن من الشمس.
فإذا ظهرت تلك الحمرة هنالك، فقد ذهب وقت صلاة الفجر، ولا تجوز صلاة في ذلِكَ الوقت إلى أن يتم طلوع الشمس .. فإذا عرفت أوقات الصلاة فحافظ على الأذان في أول الأوقات؛ لأن أكثر الناس إِنَّمَا يُحرِّكهم إلَى الصَّلاة الأذان، فإذا سمعوه أخذوا في الأهبة .. هذا حال الأكثر فيما عرفنا في زماننا هذا.
وإن أردت مَعرِفَة الأذان ولفظه فهو هَذَا:
(1)
الله أكبر الله أكبر (في نَسَم) واحد) الله أكبر الله أكبر (في نسم) أشهد أن لا إله إلا الله (في نسم) أشهد أن لا إله إلا الله (في نسم) أشهد أن محمدا رسولُ الله (في نسم) أشهد أن محمدا رسولُ الله (في نسم)
حي على الصلاة (في نسم) حيَّ على الصلاة (في نسم) حي على الفلاح (في نسم) حي على الفلاح (في نسم) الله أكبر الله أكبر (في نسم) لا إله إلا الله (في نسم) وتَمدُّ بذَلِكَ صوتك ما قدرت وتنوي إشعار الناس لتلك الصلاة، واحذر الرياء إن
أعطاك الله صوتا حسنا، فَإِنَّهُ لَيس ذَلِكَ من قُوَّتك.
وإن كنت لا تعرف معاني كلمات الأذان: في]:
أَمَّا أَوَّلُها: فهو التكبير، فَإِنَّك تُكبر الله، ومعناه: التعظيم الله تَعَالَى، ومَن رفع صوته
مُعظما الله، فأجره على الله تَعَالَى، ويُرزقه عظيم الأجر.
1) النَّسَم: النَّفَس. (1/70)
صفحة 71
71
الدلائل على اللوازم والوسائل
وأَمَّا الشهادة: فمعناها العلم، وهي أنّي أشهد وأعلم أن لا إله إلا الله، ومعناه: لا
رَبَّ إِلا الله ..
والشهادة بالرسول: تشهد له بالرسالة، وأنها صحيحة لا شك فيها؛ لأنك لا تشهد بشيء إلا إذا علمته قطعا.
وأَمَّا حيَّ عَلَى الصَّلاة: فمعناها الحث على الصَّلاة.
وكذلك حي على الفلاح ومعناها الحث على الظفر بالمراد، والله أعلم. وجَائِز الأذان ولو على غير طهارة، وعلى الطهارة أفضل ..
فإذا فَرَغت من الأذان أو سَمِعته من غَيرك، فتَأَهَّب للصلاة.
فضل: في النيَّة
الله الرحمن
واعتقد في قلبك أَنَّكَ تُؤَدِّي ما افترضه الله عَلَيكَ، وقُل بلسانك: «بسم الرحيم، أصلّي الله تَعَالَى، في مقامي هَذَا فَريضة صلاة الظهر الحاضرة الواجبة أربع ركعات (إن كانت صلاة الظهر)، متوجها إلى الكعبة أداء للفرض، طاعة الله ولرسوله محمد»، هذه النية. ثُمَّ اقرأ الإقامة إن كُنت وحدك، أو إماما لأحد من الناس، والإقامة مثل الأذان، إلا أن التكبير الأول منها في نَسم إن قدرت، والشهادتين كُل لفظتين منهما في نسم، وكذلِكَ (حي على الصَّلاة) مرتين في نسم، وحيَّ على الفلاح) مرتين في نسم، وفي الإقامة تقول بعد حي على الفلاح: (قد قامت الصَّلاةِ) مَرَّتين في نسم، ثُمَّ تقول: (الله أكبر) مرتين في نسم، ثُمَّ تقول: (لا إله إلا الله). (1/71)
صفحة 72
الدلائل على اللوازم والوسائل
فَضْل: [فِي التَّوْجِيهِ وَمَعانيه]
VY
ثُمَّ اقرأ بعدها التوجيه وهُو أن تقول: «سُبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسْمُك وتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إلَه غَيْرك، وجهتُ وَجهي للذي فَطَر السموات والأرض حَنِيفًا، ومَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِين». و «سبحانك اللهم» معناه: تَتريه الله تَعَالَى عمَّا لا يليق به من صفات الخلق.
و «اللَّهُمَّ»: معناها، يا الله.
و «تبارك اسْمُك»:
من
البر
و «بحمدك» معناها: أحمدك.
وتَعَالَى جَدُّكَ»: الْجَدُّ مَعناه: العظمة. ركة اشتقاقه.
«ولا إله غيرك»: معناه: نَفي من سواه من الأرباب، وأَنَّه لا ربَّ غَيره. «وجهت وجهي للذي فطرَ السمواتِ والأَرضَ حَنِيفًا» الذي فطر معناه: الذي
خلق.
ومعنى التوجيه إلى الذي فَطَر السموات، إمَّا تَوجه الجسد فلا يَكُون إِلا إِلَى القبلة التي هي الكعبة؛ لأَن الله تَعَالَى لا تَضُمُّه الجهات حتَّى يُتَوَجَّه إليه؛ لأنه بالعلم في كل
مكان.
وأَمَّا توجيه القلب إلى الذي فَطَر السموات والأرض: بمعنى رفع الحوائج إليه
وطلبها منه، وتفويض الأمور بالاتكال عليه، فذَلِكَ هُو التوجيه الحقيقي. قال الناظر في معنى «وجهت وجهي» أي: أخلصتُ عملي وعبادتي، «والوجه»:
العمل، قال الشاعر:
استغفر الله ذنباً لست محصيه رَبِّ العباد إليه الوجه والعمل (1)
1) لم ينسب هذا البيت إلى قائل معين وهو من شواهد اللغة كما ورد في كتاب سيبويه وغيره. انظر: المعجم المفص
لشواهد اللغة، 6/ 279. (1/72)
صفحة 73
الدلائل على اللوازم والوسائل
«وما أنا من المشركين» معناه: الانتفاء من الشرك الذي هو عبادة غيره، من صنم أو شمس، أو قمر، أو بشر أو غير ذَلِكَ لأَن مَن عَبد غير الله، فقد أشرك به، ومن أشرك به فقد هلك، إلا أن يرجع ويتوب، حتَّى قيل: «إن الرياء شرك»؛ لأَنَّهُ يُرائي بعبادته الله تَعَالَى الخلق، فسمي شركا لذلك، والله أعلم.
فَضْل: [في وظائف الصَّلاة]
الحنة
فإذا عرفت التوجيه وقراءته فادخل في الصَّلاة ودخولك في الصلاة بتكبيرة الإحرام، وهي تُحرِّم عَلَيكَ ما كان حلالا لك قبلَها من الالتفات والنظر والعبث، وتسوية الرداء وغير ذلك. فإذا أتممت التوجيه فقف قليلا قدر النفس، ثُمَّ قُل: «الله أكبر» ومعناها: التعظيم الله ل، وهو عظيم المنزلة لا غيرها، لأنك لو وصفت آدميا أو أميرا أو غيره بعظم لما كان مدحا عند الناس، وَإِنَّمَا التعظيم للمتزلة. فهذا المقام يا أخي، هو أعظم حال في الصَّلاة؛ لأنك كبرت كبيرا، وعظمت عظيما، فاعرف جَلاله وعظمته، وقدرته عَلَيكَ مَتى ما أرادَك، وعجزك عن ذبذبابة تُؤذيك، وأن لا ملجأ لك وَلَا مَنجى لك مِنه وَلاَ مفَرَّ عنه، ولا غنى لك في لحظة واحدة عنه، وهو غني عنك.
فلا يكن تعظيمك له بلسانك بلا حضور من قلبك، وخوف منه أن يأخذك بغفلتك عنه في صلاتك فضلا عن غيرها. واعْلَم أَنَّهُ يَراك ويعلم ما في ضميرك، فكيف تسهو عنه وتلهو بغيره من مُهماتك وهو
لا يغفل عنك.
فينبغي لك أن تتذلل له وتخضع وتذكر عظمته وثوابه وعقابه، وتذكر هجوم الْمَوْتِ عَلَيكَ بأمره، ولو كنت في صلاتك تلك. (1/73)
صفحة 74
الدلائل على اللوازم والوسائل
وتذكر رحمته الواسعة، وتذكر الملكين الشاهدين عَلَيكَ في صلاتك وغيرها، ومثل عندَ ذَلِكَ دُخولك على مَلِك مِن ملوك الدنيا، مِمَّن تَعرفه بالغنى والكرم، والعز والرفعة والرحمة، وأذِنَ لك بالدخول فدخلت عَلَيه، وأنت في غاية الحاجة إليه، فصار هو مُقبلا عَلَيكَ يدعوك لتدعوه، فيجيبك لحاجتك، وهو غني عنك، فصرت أنت في سهو ولهو، وشغل بهموم لا تغنيك، ولم تلتفت إلَى ذَلِكَ الْملك العظيم، وأنت المحتاج إليه، أيكُون ذَلِكَ إنصافا منك؟ أوَمَا تَشهد على نفسك، وتعترف بالخطايا!!؟ فانظر في
ذلِكَ!!.
وإذا كبرت فاحذر اللحن في التكبيرة، واعْلَم أنّ الألف مِن اسم الله تُفتح فتحة قصيرة، ولا تمدها فتفسد عليك صلاتك، وأطبق اللسان بالحنك (1) عند نُطقك بها، وشدّد اللام الثاني، وضمَّ الْهاء ضمَّة خفيفة، خوفاً من زيادة الواو، فَإِنَّهُ إن زاد واو انتقضت الصَّلاة، ومدَّ اسم الله عند نُطقك به مدًّا غَير مُجاوز للحد، بل بقدر ما تميز بينها وبين غيرها من التكبير، واعْلَم أَنها أَوَّل فرض في الصَّلاة، وَلَا تتمّ الصَّلاةِ إِلا بِها مستقيمة بلا لحن فيها.
وإن لم تقدر على ضبطِ ضمَّة الهاء الضمَّة الخفيفة، وخفت زيادة الواو فيها لثقل في لسانك أو غيره، ولم تعرف الإشمام، فسكّن الهاء مع اسم الله، فَإِنَّهُ خَير عندي من الضمة المخوف منها زيادة الواو، والله أعلم بالصواب.
فضل: [في التكبير وفاتحة الكتاب]
فإذا فرغت من تكبيرة الإحرام فَقِف قليلا قدر النفس الواحد، ثُمَّ استعذ بالله، فإن
الاستعاذة في الصَّلاة سنة ثابتة، لا يجوز تركها.
1) الْحَنك: محركة باطن أعلى الفم من داخل أو الأسفل من طرف مقدم اللحيين. (1/74)
صفحة 75
Yo
الدلائل على اللوازم والوسائل
تقول: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»، تقولها سيرا بلسانك، تحرك بها شفتيك وَلا تُسمع أذنيك.
ومعناها: أنك تستجير وتعتصم بالله من الشيطان الرجيم، الذي هو عدو لك، من أن يُشغلك في صلاتك بغيرها، كأنك لجأت إِلَى اللَّهُ تَعَالَى فِي أَن يُحرِّرَك كيد هذا من العدو المترصد لك على أبواب طاعة الله، ليشغلك عن الدخول فيها حسدا منه لك
وعدوانا؛ فاحذره ولا يقدر على صَرف كيده عنك أحدٌ إلا الله تَعَالَى. فإذا فرغت من الاستعاذة فقف قدر النسم، ثُمَّ ابدأ بقراءة سورة الفاتحة المباركة التي لا أقدر على أن أحصي فضلها لمن هداه الله. تقول:
وبند الله الرحمن الرحيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الملك يوم الدين إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ علَيْهِمْ وَلَا الضالين ان تقرأها سراً في صلاة النهار ولو كنت إمامًا، وجهرا وسرا في صلاة الليل إن كنت إمامًا، وَلاَ تَقرأ في صَلاة الفريضة للظهر والعصر سواها.
وأَمَّا مَعنى الحَمدُ لله لِتُراعي ذَلِكَ لئلا تَمرَّ فِيها كَالْجَهَّال. فمعنى {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العلمين الله: المدح له بما هو أهله. وأَمَّا لو العلمين الله: فَجمع عالم، وهو يفتح اللام، فإن كُسرت اللام فقد لَحنت لَحنا ينقصُ الصَّلاة، إلا أَن يَكُون على غير عمد؛ والعالمون لا يحصي عددهم إلا الله، فَبنو آدم عالم، والملائكة عالم، والجن عالم، والبهائم وَكُل جنس منها فيما أحسب عالَم. وَقِيلَ: العالم ثمانية عشر ألفا، والدنيا عالم واحد منها. الرحمن الله: قيل: بِجَمِيع خلقه. والرَّحِيمِ: بِالْمُؤْمِنِينَ خَاصَّة. وَقِيلَ: الرحمن: رحمان الدنيا والآخرة، والرحيم رحيم الآخرة الله منلك يوم الدين: مَالِك كُل شيء، وإنما خص يوم الدين؛ لأنه لا يملكه غيره.
وإياك نعبد: أي: تعبدك أنت. {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ: أي: نطلب منك المعونة. (1/75)
صفحة 76
الدلائل على اللوازم والوسائل
اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) أي: دُلْنا عَلَيه، واسلك بنا فيه، وثبتنا عليه، وهو طَرِيق الْحَقِّ مِرْطَ الَّذِينَ أَنتَ عَلَيْهِمْ: بالهداية من عِبادِكَ الصَّالِحِينَ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ: من اليهود. ولا الضالين: من النصارى.
واحذر اللحن والتحريف؛ فلا تفتح الباء من «نَعبُدُ»، ولا تكسر الكاف من «إِيَّاكَ»، وَلَا تَضم التاء من «أنعمت» وَلا تَكسرها، فكلُّ هَذَا لَحن ينقض الصَّلاة؛ لأَن المعنى يتبدَّل، وبين الضاد من الظاء من «الضالين» وشدد الضاد واللام الثاني منهما
أيضا.
فإذا فرغتَ مِن قراءة الْحَمد فَقِف قليلا قدر النفس، ثُمَّ خِرَّ للركوع.
فضل في الركوع
فإذا أردت الركوع فكبر الله في وقت انحنائك له (أعني: الركوع) وسبح الله فيه، تقول: سُبحان ربي العظيم ثلاث مَرَّات وإن شئت خمسا أو سبعا فجائز، وافتح الياء من «رَبِّيَ العَظيم»، وانو به الخضوع الله؛ لأَنَّهُ لا معنى للانحناء على وجه اللعب بلا خضوع ولا هيبة وَلاَ إِجلال، بل تخضع خُضوعَ الْعَبْد الذليل المحتاج، المسيء بين السيد الكريم الغفور العفو، عسى أن يعفو عنك ويرحمك إذا علم منك الرجوع إليه. ومعنى «سُبحان الله»: التتريه لله عَمَّا لا يليق به. وتضع يديك وقت ركوعك فوق ركبتيك، فإذا سبحت ثلاثا فَانْهَضَ قَائما الركوع وقُل في قيامك مِنه: سَمِع الله لمن حَمِدَه» ومعناها: أجابَ الله لمن حمده. وقيل معناه: قبل الله حَمدَ مَن حَمِده. ثُمَّ قُل: ربَّنا ولك الحمد» إذا انتصبت قائما،
فإذا قلت ذَلِكَ فَخرَّ للسجود بتكبيرة تقول: «الله أكبر».
من (1/76)
صفحة 77
77
فصل: في صفة السجود
الدلائل على اللوازم والوسائل
فإذا أردت السجود: فقدم يديك قبل ركبتيك، فَإِنَّهُ أدل على الخضوع في السجود، فإذا صرت قُرب الأرض فاقطع التكبيرة، وقُل: «سبحان ربي الأعلى» -
بتحريك الياء - ثلاث مَرَّات، وإن شئت خمسا أو سبعا، والاختيار الثلاث.
واعلم أن الركوع والسجود فريضة، وما يُقال فيهما مِنَ التسبيح سُنَّة، وَاعْلَم أَنَّهُ ليس مطلوبا منك وضع الرأس بغير تَذلُّل الله تَعَالَى فَإِنَّهُ لا معنى لذلِكَ، بَل يَكُون وضعك الرأس كالأسير المخطئ بين يدي القادر على إهلاكه، زيادة على الأسر، وهو
قادر على فكاكه من غل الأسر، فهنالك يُحضر قلبه للخوف والرجاء، فكن كذلك. فإذا سبحت كما ذكرتُ لك- فائهض جالسا بتكبيرة، وتمكن في الجلوس، حتى يرجع كُلُّ عضو منك إلى حاله في الاعتدال، ثُمَّ ارجع إلى السجود ثانيا بتكبيرة؛ فإذا قطعت التكبيرة «سبح الله» ثلاثا كما وصفت لك؛ ثُمَّ الهض قائما بتكبيرة، فإذا اعتدلت قائما فاقطع التكبيرة، واقرأ فاتحة الكتاب للركعة الثانية، على ما وصفت لك من قراءتها في الركعة الأولى.
فإذا تَمَّت فخر للركوع لهذه الركعة بتكبيرة، وسَبِّح في الركوع -كما وصفت لك أولاً، وتكون في جَمِيع ركوعك للصلاة مُعتدلا، حتَّى لَو حُط في ظهرك شَيْءٍ ما سقط، وَلا تُمِل رأسك عن قياس الظهرِ، وَلا تُحنه إلى الأرض، بل تَنحَي جَمِيعا انحناء معتدلا، فإذا سبحت ثلاثا فارجع قائما، تقول: «سَمع الله لمن حمده» في نهوضك، ثُمَّ قل: «ربنا ولك الحمد» إذا اعتدلت من الركوع؛ ثُمَّ اسجد بتكبيرة سجدتين -كما
وصفتُ لك أَوَّلاً - بما فيهما من التكبير والتسبيح جميعا.
فإذا فرغت من السجود المذكور، فاقعد منه قعود المتذلّل. (1/77)
صفحة 78
الدلائل على اللوازم والوسائل
فَضْل: في القُعود
78
القعود للتحيات فريضة، فإذا قعدت فكُن مُستقرا، وتكون رجلاك جميعا في الجانب الأيمن، ويَكُون ساق الرجل اليمنى منها فوق أخمص قدم رجلك اليسرى من محل القدم، ويَكُون ورك اليسرى أمكن مِن وَرك اليمنى في الأرض. ويداك في قعودك للتحيَّات فوق رُكبتيك صاعدا إِلَى فَخذيك مُفرِّقا بين الأصابع، وفي السجود تضم الأصابع من غَير حزّ عَلَيهِنَّ، وقل: «التحيات المباركات الله، والصلوات الطيبات، السلام عَلى النَّبِيِّ ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصَّالِحِين أشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله»، فإذا وصلت إلى هنا، فَقُم إلى الركعة الثالثة بتكبيرة؛ فإذا اعتدلت قائما، فاقرأ الفاتحة إلى تمامِها واركع لها، ثُمَّ اسجد بعد ركوعها سجدتين على ما وصفتُ لك- بجميع ما فيها من التكبير والتسبيح، ثُمَّ الهض بتكبيرة للركعة الرابعة، واقرأ فيها الفاتحة أيضا، واركع بعد تمامها، واسجد بعدما تقضي الركوع سجدتين أيضا مثل ما
سجدت قبل.
ثُمَّ اقعد بتكبيرة للتحيَّات الآخرة، فابدأ بالتحيات كما وصفت لك أولاً- فإذا وصلت من التحيات إلى حيث وصلت بعد الركعتين الأوليتين، وهو إلى قولك: «عبده ورسوله» فقل متصلا بها: «أرسله بالهدى ودين الْحَقِّ لِيُظهره على الدين ولو كره المشركون» (1)، وقد تمَّت التحيَّات ثُمَّ قُل على إثر ذَلِكَ مُتوسلا إِلَى اللَّه:
ربنا اننا في الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ له (2).
1) ولتمام التحيات ألفاظ أخرى كثيرة راجعة إلى اختلاف الروايات معظمها جائز.
(2) سورة البقرة: 201.
كله (1/78)
صفحة 79
الدلائل على اللوازم والوسائل
ثُمَّ سَلّم للانصراف مِن الصَّلاة، تقول: «السَّلام عَلَيْكُم» وتلتفت إِلَى يَمينك وتنوي للملائكة الحفظة عَلَيكَ، وقُل أيضا: «ورَحْمة الله» مُتصلا به وَلَا تَقطع بين ذَلِكَ. والتفت به إلى يسارك، تعمُّ به في نَيَّتك جُملَة الْمُؤْمِنِين، واسجد (1) بعد التسليم لصلاة الظهر.
[معاني كلمات التحيات]
وإن كنت لم تفهم مَعانِي كَلمات التحيَّات؛ فإنْ كَلمة «التحيات» معناها: الملك لله «المباركَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ»: صفة لَها كَأَنَّكَ قُلت: تَحيَّة مُباركة طيبة. «والصلوات»: أرجو أنها جَمع صَلاة، كأَنَّك أضفت جَمِيعَ هَذَا الْمَذكور الله تَعَالَى. «السَّلام على النَّبيِّ ورحمة الله وبَرَكاته» تعني به مُحمَّداً إكراما له، وترجو أن يَبلُغَه ويَردَّ عَلَيكَ بأحسنَ مِنه.
«السلام علينا وعلى عباد الله الصَّالِحِين»: تَعمُّ بها جَمِيع الصَّالِحِين من عباد الله أجمعين، لَعَلَّ الله يأجُرك وينفعك بهم بذَلِكَ.
وأَمَّا «الشهادة بأن لا إله إلا الله»، فَتَشهد الله تَعَالَى بالوحدانية، وأن لا ضدَّ معه،
ولا شريك في الأمر والنهي، والخلق والبعث، والحياة والْمَوْت وغير ذَلِكَ. وتشهد للنبي محمد له بالرسالة، أنه رسول الله حقا، وما جاء به من عند الله، وما قاله مِمَّا أمر به وما نَهى. عنه صدق.
1) هذا السجود الذي يقصده الشيخ بعد التسليم، هو السجود الذي يفعله بعض العامة بعد كل صلاة إلا في المغرب، أخذا بالأثر الذي روي عن ابن عباس أنه قال: "إن استطاع أحدكم ألا يُصَلِّي صلاة إلا سجد بعدها سجدتين فليفعل"، وكان الربيع بن حبيب يفعل ذَلِكَ وإن لَمْ يوهم ويحتمل أنه فعله احتياطا عن السهو، أو شكرا على أداء الصلاة. انظر السالمي: معارج الآمال، ج 304/ 8. (1/79)
صفحة 80
الدلائل على اللوازم والوسائل
80
وتُصلّي عَلَيه امتثالاً لأمر الله تَعَالَى بقوله: ويَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا
تَسْلِيمًا (1)، راجيا من الله عفوه ورحمته في امتثالك لأمره، ومِن النَّبِيِّ شَفاعته لك في
الْقِيَامَةِ، إِن لَم تكن من المصرين.
ما تَفْعَله بعد قضاء الصَّلاة]
والتقصير.
الصلاة بعد التسليم، فكن بين الخوف والرجاء، راجيا القبول إن فإذا خرجت من جئت بها على الوجه الْمَأْمُور به خائفا الردّ مِن قِبل التفريط وأنت لو قمت بها على الوجهِ الْمَأْمُور به، لما بلغت الغاية، ولا وصلت إلى معشار (3) الطاعة؟ فأين عبادتك من الذين يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (3) وأين هي مع {الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ، زَادَتْهُمْ إِيمَنَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (4)؟ وأين عبادتك مع الله وَالَّذِينَ يَبيثُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَفِيمَا (5)؟ وأين أنت مع الذين وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعا (1)؟!! .. وهل تلحق أنت بالنساء الصالحات فضلا عن الرجال؟! فكيف لو تُحضر عبادتك وصلاتك مع أولياء الله من الأولين والآخرين وتُقاس بعبادتهم؟! لكان يكفيك الخجل والحياء من أن تذكر أنت وتُعرف وربَّما تَودُّ لو ذهبت ذهابا لا يُرجى .. هَذَا إن كنت مجتهدا، فاجتهادك في جنب اجتهادِهم لا يَكُون إِلا كشعرة بيضاء في دابَّة سوداء، لَكِنَّ
1) سورة الأحزاب: 56.
(2) الْمِعشار: من العُشْرِ، وهو جزء من عشرة أجزاء، وهو العشير والعشر. انظر: العين، (عشر).
3) الأنبياء: 20. 4) سورة الأنفال: 2.
5) سورة الفرقان: 64.
(6) سورة الإسراء: 109. (1/80)
صفحة 81
81
الدلائل على اللوازم والوسائل
الله كريم عظيم، رحيم غني عن عبادة الْجَمِيع، ولا يتكبّر عن القليل الحقير أن يقبله، وَلَا تَضيق رَحْمَته على عبده الضعيف أن تسعه؛ فارجه برحمته لايعملك، ولكل
درجت مما عملوا (1)، ولو كنت آخرا دون عبادهِ الْمُؤْمِنِين فَرِبْحك لا يُكيَّف. فإذا كان الأمر على هَذَا فَاذكر ضُعفك عنده، وحاجتك إليه، واعترف بتقصيرك، وتكون عليك هيئة الانكسار كالذي عَلَيه حَقٌّ حال لأحد، فجاءه ببعضه، أو بنصفه أو عُشر أو أقل، وجاء يُريد مسامحة الْجَمِيع مِمَّن له حقٌّ، أَمَا يَنكسر ويستحي ويخجل ويُعظم من له الْحَقِّ ليقبل منه القليل، ويسمح له بالجزيل؟!!
فإذا عرفت هذا، فانْصَب بعد تمام الصَّلاة في الدعاء إلى الله تَعَالَى، وَلَا تَستعجل، وَلَا تمل إذا كنت على باب كريم غنى وأنت في غاية الحاجة، وهو يدعوك إليه يقول لك: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لكن (3)، وهو بضدّ الْخَلق، فإن الخلق إذا سألتهم كرهوا وملوا، وأحب العباد إلى الله مَن سَأله منهم، والدعاء لازم عَلَيكَ بقوله تَعَالَى: فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ وَإِلَى ربِّكَ فَارْغَب (3)، فابدأ بالدعاء وهو: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يُحيي ويميت، وهو حى دائم لا يموت بيده الخير وهو على كُلِّ شيء قدير، هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، وهو بكُلِّ شَيْء عليم، ولَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، لا تدركه الأبصار وهو يُدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير .. وأشهد
أن محمدا. ورسوله، وأن جميع ما جاء به محمد
عبده
فَهو الْحَقُّ المبين».
بن عبد
الله
النَّبِيِّ مِن عند الله،
1) سورة الأنعام: 132.
2) سورة غافر: 60.
3) سورة الشرح: 7 - 8. (1/81)
صفحة 82
الدلائل على اللوازم والوسائل
AY
ثُمَّ اقرأ آية الكرسي (1)، و شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ (2)، وهو قُلِ اللَّهُمَّ مَلِكَ الْمُلْكِ
(1)
تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ هِ إِلَى قوله: {وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (3). ثُمَّ اقرأ قوله تَعَالَى: {رَبَّنَا ايْنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ له (4)، ولو كنت قد قرأتها أَوَّلاً آخر التحيات.
(4)
ثُمَّ قل: «اللهم يا حي يا قيوم بك أستغيث، وعليك توكلت، اللهم لك الحمد، لا إله إلا أنت، عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم، أسألك أن تُذهب عنِّي الهم والحزن والفتن، ما ظهر منها وما بطن. اللهم أنت السلام ومنك السلام، وإليك يرجع الأمر بالسلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام الله سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَهُ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) () و وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذُ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكُ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيُّ مِنَ الذُّلَّ وَكَبِرَهُ تَكْبِيرًا له). ثُمَّ استعذ بالله، واقرأ الفاتحة مَرَّةً، وإن شئت مرارا، واقرأ: {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ)،، واسأل الله ما شئت من حوائج الدنيا والآخرة، فَإِنَّك تسأل غنيا كريما، وكلما
أكثرت في سؤالك له كنت عنده أقرب.
(1)
(1) سورة البقرة: 255
(2) سورة آل عمران: 18.
(3) سورة آل عمران: 26 - 27.
(4) سورة البقرة: 201.
(5) سورة الصافات: 180 - 182.
(6) سورة الإسراء: 111.
(سورة الإخلاص: 1. (1/82)
صفحة 83
اصفة صلوات السنن والخمس]
الدلائل على اللوازم والوسائل
وإذا فرغت الدعاء من من فريضة صلاة الظهر، فَصَلِّ سنة صلاة الظهر، وهي ركعتان بغير إقامة، وتقرأ في كُلِّ ركعة منها فاتحة الكتاب، وما تيسر من القرآن، فإذا قضيتها فصل أربع ركعات طاعة الله تَعَالَى، تَتقرب بِهنَّ إليه.
الشيطان من
وإن شئت صليت ركعتين، وتُصلِّيهنَّ بغير إقامة، بل تعقد النيَّة لَهنَّ، بِأَنَّهُنَّ طاعة الله ولرسوله مُحَمَّد، وتوجه لهنَّ، وتكبر تكبيرة الإحرام، وتستعذ بالله الرجيم، وتقرأ الفاتحة وسورة في كُلِّ ركعة، والتحيَّات التي بين الركعتين الأوليتين والآخرتين، تقرأ إلى: «عبده ورسوله»، وتقوم للركعتين بغير تسليم؛ هذا إن أردت
أربعا.
فإذا قضيت ذَلِكَ، فلا تقعد بطالا إلَى حُضور وقتِ صلاة العصر، إن كنت فارغا من شغل الدنيا، فاشغل نَفسَك في قراءة أو صلاة أو تسبيح أو تهليل، أو في شغل نافع لدنياك بما يُعينك من الذي يعودُ عَلَيكَ نَفعه في الآخرة. فإذا حَضَر وقت صلاة العصر، فصَلِّ العصر بعد الأذان تقف بعد الأذان قليلا، وصلها كما وصفت لك في صلاة الظهر، فَإِنَّهَا مثلها، لم تخرج منها بسوى النية، وهو أن تقول مكان الظهر: «صلاة العصر»، لا فرق غيرها هذا، ولا تسجد بعد التسليم منها، إلا أن يَكُون قد لَزِمَكَ مِن سهو أو غيره.
فإذا قضيت صلاة العصر بجميع شروطها، فانصرف منها في حوائجك الدنيوية، وإن كان لك شغل لشيء منها، وإلا فاشتغل بما يُقربك إلى الله من قراءة أو ذكر أو فكر إِلَى دخول وقت الْمَعْرِب.
فإذا حضر وقت صلاة الْمَغرِب فأذن لها إن لم يُؤذِّن أحد غيرك، وإن أذن غَيرُك
وأذنت أنت فالفضل واسع، ولا ينقص على أحد، ولو أذن الْجَمِيعِ. (1/83)
صفحة 84
84
الدلائل على اللوازم والوسائل
فإذا فرغ المؤذن، فأقِمِ الصَّلاة في الحال ولا ترقب فَإِنَّهُ لا انتظار فيها.
فإذا أردت أن تُصلّي المغرب فاعقد النيَّة لها، وهي ثلاث ركعات؛ فأول ما تقرأ النيَّة لَها، ثُمَّ الإقامة إن كُنت إماما أو وحدك، وإن كنت مأموما فاصغ إلى إقامة إمامك، ولا إقامة عليكَ، خلفه، ثُمَّ وجّه التوجيه الأَوَّل، وجدد النيَّة لصلاة الْمَغرِب، ولكل صلاة تُصلِّيها، تُجدد النية عند تكبيرة الإحرام، تقول: «أصلي صلاة كذا الحاضرة كذا، كذا ركعة، وإن الكعبة قبلتي ... » إن كانت الصلاة فريضة، أو سنة، أو نافلة). ثُمَّ كَبر تكبيرة الإحرام واستعذ بالله من الشيطان الرجيم، واقرأ بعدها الفاتحة، واقرأ للركعتين الأوليين شيئا من القرآن من غير تطويل، ثُمَّ اقعد للتحيات الأولى، فاقرأ منها إِلَى عَبدِه ورسوله»، ثُمَّ قم بتكبيرة إلى الركعة الثالثة، واقرأ فيها فاتحة الكتاب وحدها، ثُمَّ اركع بعد تمام الفاتحة، واسجد سجدتين، واقعد للتحيات الآخرة واقرأها إلى تمامها، وسلّم يَمينا وشمالا كما وصفت لك في صلاة الظهر، وقد تمَّت فريضة صلاة الْمَغرِب، ولا تسجد بعدها. وقم مسرعا إلى صلاة ركعتي الْمَغرِب، وهُمَا سَنَّة مُؤكّدة، وتُصلّى بعد الفريضة قبل الدعاء. فصل السنة كما وصفت لك في سنة الظهر؛ تَعقد النيَّة لَهَا وتذكر سنة صلاة الْمَغرِب بلا إقامة، ثُمَّ وَجِّه لَها وجدّد النيَّة، وكبر تكبيرة الإحرام، واستعذ بالله من
الشيطان الرجيم، ثُمَّ اقرأ الفاتحة، وشيئا من القرآن في كلتا الركعتين. فإذا قَضَيتهما فانصب في الدعاء كما وصفتُ لك، وإن شئت فزد، وإن شئت فانقص منه، وقُل بعد الدعاء أو قبله: الله الرحمن الرحيم، لا حول ولا قُوَّة إلا «بسم بالله العلى العظيم (ثلاث مَرَّات، وإن شئت أكثر، ولو إلى مائة مرة، فإن الأجر في
ذلِكَ عظيم.
ثُمَّ صلّ النافلة إن أردت ذَلِكَ طلبا للأجر؛ إن شئت ركعتين أو أربعا. وهي:
كالصَّلاة التي بعد صلاة سنة الظهر، لا فرق بينهما إلا في حالتين: (1/84)
صفحة 85
الدلائل على اللوازم والوسائل "
إحداهما: هذه تُسمَّى نافلة في عقد النيَّة؛ لأن صلاة الطاعة بالليل تُسمَّى نافلة. والأخرى: تُسلّم بعد التحيَّات الأولى إن أردت أن تصلي أربعا، وتجدد النية بعد التسليم.
فإذا فَرَعْت منها فَلا تَقعد عند أهل الحكايات الذين ضيعوا الأوقات في لا شيء، بل كُن في صلاة أو قراءة قرآن أو قراءة أثر، أو استماع من قُرَّاء؛ فَإِنَّ الْمستمع للإفادة قريب من القارئ، واذكر الله تَعَالَى بِتوحيد وتهليل وتحميد. والصَّلاة بين الظهر والعصر، وبين العشاءين فَضلُهما عظيم، فَلا تَدع عُمرك يذهب في القيل والقال والنوم وإضاعة المال.
فإذا حَضَر وقت صلاة العشاء الآخرة فَأذن لها، وإلا أجزاك الأذان مِمَّن حضر، وقف بعد الأذان قليلا ثُمَّ صلّ العشاء الآخرة: وهي أربع ركعات، تعقد النية لها في أَوَّلِها، ثُمَّ تُقيم إن كُنت إماما أو وحدك، ثُمَّ تُوجّه كما وصفت لك أَوَّلاً، ثُمَّ جدّد النية لها، وكبر تكبيرة الإحرام واستعذ بالله من الشيطان الرجيم، واقرأ الفاتحة وسورة في الركعة الأولى وفي الركعة الثانية، وكذلك أيضا، اقرأ فيهما ما تيسر من القرآن، وتدبر قول الله تَعَالَى حين تتلو آياته، فلا تكن في صلاتك غافلا عن معاني ما تقرأ كغفلة الصبيان في لعبهم، بل تدبَّر بقلبك كُلِّ حرف منه، فما كان فيه من أمر لتمثيله، وما كان فيه من نهي لتزدجر عنه، وما كان حكمة لتنتفع بها، وما كان قصص لتعتبر بما حلّ بمن قبلك، وما كان فيه من موعظة وتخويف وتهديد لتتَّعظ به، وتخاف
مين
من
أن يحل بك. وفي كُلِّ القراءة ينبغي أن تتدبَّرها، وتتعرف معانيها، كالذي جاءه كتاب من ملك زمانه القاهر القادر بالأمر والنهي، والتخويف والتهديد فإذا عرفه فلا يستَقِرُّ حتَّى يعرف مُرادَ الْملك وأمره ونهيه، وماذا يريد منه، ليقوم بالأمر على ما أمر الملك، ويَكُون ذَلِكَ عنده كرامة لخصوصيته له بذلِكَ دون رعيته. (1/85)
صفحة 86
الدلائل على اللوازم والوسائل
86
ثُمَّ اقرأ التحيَّات الأولى بعد الركعتين الأوليتين، إلى: «عبده ورسوله» وقُم للركعتين الباقيتين، فاقرأ في كُلِّ واحدة منهما: «الْحَمد لله وحدها، إن كنت إماما، أو مأموما، أو وحدك، ثُمَّ اقعد للتحيَّات فاقرأها إلى آخرها ثُمَّ سلّم كما وصفت لك قبل هذا، ثُمَّ اسجد بعد التسليم لها، وادعُ بما فتح الله لك. وزد على الدعاء بعد صلاتها كلمات وهي: «سبحانَ الدائم القائم على كُلِّ نفس بما كسبت، سُبحان الحي القيوم، سُبحان الله وبحمده، سُبحان الملك القدوس رَبِّ الملائكة والروح، سُبحان العلي الأعلى، ل» فَإِنْ ذَلِكَ مَحمود حمدا جَمَّا فَلا
تنسه.
نقصان
ثُمَّ صلّ سنة العشاء الآخرة: ركعتين كما صليت سنة صلاة الْمَعْرِب، بلا زيادَة وَلَا سوى النيَّة لَها، تذكرها أَنهَا سنة صلاة العشاء الآخرة. ثُمَّ صلّ بعدها الوتر: ثلاث ركعات، وهو من [السنن] الواجبات، حتّى قيل: إِنَّهُ فريضة)، فَأَوَّل مَا تَعقد به النية بذكرِ الوتر، وأَنه ثَلاث ركعات، ثُمَّ وجّه لَها بِلا إقامة، وتجدد النية، وتكبر للإحرام، ثُمَّ تستعيذ بالله من الشيطان الرحيم، ثُمَّ تقرأ لِكُلِّ ركعة
منه فاتحة الكتاب، وشيئا من القرآن ما تيسر منه. وبعد ما تقضي الركعتين الأوليتين بغير تسليم تقعد وتقرأ التحيات إلى: «عبده ورسوله»؛ ثُمَّ قم للركعة الثالثة، فاقرأ فيها الفاتحة وسورة، ثُمَّ اركع بعدها واسجد، ثم اقعد للتحيَّات الآخرة، فاقرأها إلى تمامها، ثُمَّ سلّم، واسجد بعد التسليم؛ وقد تمَّت
صلاتك.
فإذا فرغت منها فإن كان لك قُوَّة، ومقدرة لشيء من الطاعات أيا كان فافعل، وإلا قنم وانو بالنوم الاستراحة لجسدك، لتقوَى عَلَى طاعة الله مِمَّا كانَ مِنها، وانو القيام من النوم في آخر الليل، فَخُذ حظك من صلاة أو قراءة أو ذكر إلى طلوع الفجر.
1) وهو. هو ما ذهب إليه الإمام جابر بن زيد ومحمد بن محبوب وبعض ا الحنفية. (1/86)
صفحة 87
87
الدلائل على اللوازم والوسائل
فإذا طلع الفجر الذي ذكرته لك، وهو الصادق من الفجرين فأذن للناس، ولك أجر عظيم؛ لأنه من شروط الصَّلاة.
ثُمَّ صلّ سنة الفجر قبل الفريضة: وهي سنة مؤكدة تعقد لها النية بأنها سنة صلاة الفجر، وهي: ركعتان تُصلِّيهما بغير إقامة وتوجه لهما، وتجدد النية، وتكبر تكبيرة الإحرام، ثُمَّ تستعيذ بالله الشيطان الرجيم، ثُمَّ تقرأ الفاتحة وسورة قُلْ يَتَأَيُّهَا من الكفرون (1)، وسورة لو أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} ()، وآخر سورة البقرة من قوله: ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَكَيْهِ، وَكُنْبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ الله (3)، وإن شئت غيرَ ذَلِكَ، وفي الركعة الثانية سُورة الفاتحة وسورة وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ له (4)، أو
ما شئت من القرآن. فإذا فرغت منها فصلِّ فَريضة صلاة الفجر؛ وهي: ركعتان تصليهما بعقد النية والإقامة، والتوجيه، ثُمَّ تُجدِّد النيَّة لَها، ثُمَّ تُكبر تكبيرة الإحرام، ثُمَّ تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ثُمَّ تَقرأ الفاتحة، وشيئا من القرآن في كلتا الركعتين، والْمَأمور به إطالة القراءة في صلاة الفجر أكثر من سائر الصلوات، ثُمَّ سلّم بعد الفراغ، وادعُ بِما شاء الله وبما تيسر لك من الدعاء.
ثُمَّ اقعد - إن أمكنك – إلى طلوع الشمس في المسجد للقراءة، أو للذكر والتهليل والتسبيح، فَإِنَّهُ وقت مُبارك، وفضله عظيم، وإن لَمْ يُمكنك لشغل مهم فاذكر الله
بقلبك وبلسانك سراً وجهرا، فَإِنَّهُ لا يخفى عليه شيء.
1) سورة الكافرون: 1.
2) سورة الشرح: 1. (3) سورة البقرة: 285.
(4) سورة الإخلاص: 1. (1/87)
صفحة 88
الدلائل على اللوازم والوسائل
فإذا طلعت الشمس فصل صلاة الضُّحى، فإنّ فضلَها لا يُعدُّ وَلا يُحصى، فإن شئت فصلِّ أربعا، أو ستّا، أو ثَمانًا، أو أكثر، وتقول فيها كسائر صلاة الطاعات من السنن والنوافل، وتُصلّي بغير إقامة، وتقرأ فيها كُلّها جَمِيعا ولو صليت مائة
مثلا بالفاتحة وبشيء من القرآن.
ركعة
وبعض يسلم بين الأربع ركعات في التحيَّات الأولى، وبعض لا يُسلّم، وأرجو أن كُلِّ
ذلِكَ جَائِز.
وأَمَّا إن صلى أحدٌ سِئًا أو أكثر بإقامة واحدة، فيسلّم بينَ كُلِّ ركعتين ويُجدِّد النيَّة. فإذا فرغت منها فَرح إلى شغلك، إن كان لك شغل في طلب قوت، أو حراثة، أو تجارة، أو صناعة، مما يعود إلى نَفعك، أو نفع عيالك من نفقة أو كسوة، فكلُّ ذَلِكَ من الطاعة، لمن قصد به الوجه الْجَائِز، لا الجمع، ولا التفاخر، وَلَا مُجاوزة الحد في جميع أحواله.
وإن كُنت فارغا ولك غِنّى بشيء من الوُجُوهِ عن الكسب، فالزم العلم فَإِنَّهُ بَحر لا يُدرَك فَعرُه كُلما ازددت منه، فكأَنَّك ازددت في نفسك قصورا عنه، غير أن الطالب له أجر لا يعلمه إلا الله، إذا كان طلبه الله تَعَالَى، ولنفي الجهل عنه، ولْيُرشد من قدر على إرشاده من عباد الله تعالى، فاجعله شُغلك عن كُلِّ شغل. وإن عجزت عن الكل: من حرث الدنيا الحلال، ومن طلب العلم؛ فقف عن الله جميعا فلا تقربها، واحذر الشرك بالله وقتل النفس بغير نفس، والزنى، والربا، وأكل الْحَرَام، وشرب الخمر، واحذر أموال الناس من دقيق وجليل، واحذر الإصرار ولو على مثقال ذرة؛ فَإِنَّهُ من الكبائر، والكبائر تقود صاحبها إلى النار نعوذ بالله منها، واحذر الخوض مع الخائضين فيما لا يُغنِي مِن قيل وقال، واصبر
معاصي
تسترح طويلا.
قليلا (1/88)
صفحة 89
الدلائل
الوسائل
وإن كُنتَ عجزت عن النهوض إلى الدرجة العليا؛ فلا تتأخر في أسفل الدرج بل
الوسطى أهون عَلَيكَ، هَذَا ما أصفه لك لبقية النهار.
هذا
ولا بُدَّ لك من ساعات تتسلى فيها، إما بقوت، أو بنوم خفيف إن تعودت ذَلِكَ في غير الشتاء، أو خلوة مع أهل، أو مُلاطفة بولد صغير بما لا كَذِب فيه، ثُمَّ أَنت على إلى أن تزول الشمس، وتجب صلاة الظهر عَلَيكَ، فتأهب للطهارة، وصل أربع ركعات بعد الزوال قبل الظهر، فَإِنَّها محمودة جَمَّا تُصلِّيها بغير إقامة، وتقرأ في أربع الركعات شيئا من القرآن، وَلاَ تُسلّم بعدما تُصلِّي الركعتين الأوليين منهنَّ، ثُمَّ تُصلِّي بعدها فرض الظهر عَلى ما تَقدَّم مِن الصَّفَة، ثُمَّ امَكُث على هَذَا مَا عِشت. (1/89)
صفحة 90
الدلائل على اللوازم والوسائل
البات
فيما ينقض الصَّلاة، ومالا ينقضها من فعل الإنسان
وغيره
ثُمَّ احذر يا أخي، بعد ما وصفتُ لك أن يكون حظك من صلاتك القيام والهم والشغل والتعب بلا فائدة؛ فاستقم استقامة من عرف الربح فيها، واحذر الشكوك فيها والرياء، واجتنب ما ينقضها.
فَأَمَّا الشكوك: فإذا عَارَضك شكٍّ في شَيْءٍ من حدودها، من توجيه، أو تكبيرة الإحرام أو الاستعاذة، أو قراءة الفَاتِحَة، أو قراءة السورة، أو الركوع، أو السجود، أو
القعود، وأنت بعد في شَيْء مِن ذلك المذكور فاضبطه وأَحكمه في الحال. وأَمَّا إِن جَاءَك الشك والوسواس وقد خرجت من ذلك الْحَدِّ إلى غيره، مثلا: إن جاءك الشك في تكبيرة الإحرام، وقد بدأت بالاستعاذة فلا ترجع، وإن استيقنت ذلك
فأحكمها. وإن جَاءك الشكُ في قراءة الفَاتِحَةِ، وقد خرجت منها ودخلت في القراءة أو في
الركوع فلا ترجع إلى الشك، وعلى هذا في جميع ما يجري عليك من هذا الفن. وأَمَّا الريَّاءُ: فَإِن عَارِضَك في صلاتك، أو في غيرها فلا تُطِعه ولا تُتابعه، وانفه عنك ما قدرت، واذكر حقارة نفسك وضعفها، وعيوبها الظاهرة والباطنة، وإنَّها ما قامت به إلا بعون من الله، وانظر ما أنت؟ وما عملك؟، واذكر نعمة الله عليك، فكم أعطاك من النعم؟! فضلاً عن غيرك!!. واعلم أن الخلق لا ينفعونك بمثقال ذرة أبدا، ولا يقدرون على ضرك إلا ما أراد الله بك، وإنهم إن حمدوك أخاف عليك الفتنة بالإعجاب والكبر، ورؤية النفس بعين
التعظيم. (1/90)
صفحة 91
ذلك.
الدلائل على اللوازم والوسائل
وإن هُم ذَمُوك رجوت لك المنفعة بالانكسار والحياء، ورجاء زيادة الاجتهاد في
ولا تَظُنَّ أَنَّكَ لَو سَبقت الأَوَّلين والآخرين بجميع الخصال المحمودة، من العلم والعبادة والسخاوة، فلا تخلو من ذَامٌ وحَاسِدٍ وقَال (1)، وَرُبَّمَا لا يَصفُو لك أهل بيتك من الطعن والغيبة، فلا تلتفت إليهم أبدا، واجعلهم كالعدم، وإن قدرت لهم على الإحسانِ فَأحسن إليهم ولو أساءوا هُم، فلا تَرجُ إِلا الله تَعَالَى، وَلَا تَخَفْ غَيره، ولا تطمع في سواه.
واعلم أن الْخَلقَ لو اجتمعوا على مدحِك مَا نَفعك بمثقال ذرة في الدنيا ولا في الآخرة؛ لأنَّكَ لَو جعتَ لَم يُشبعك مدحهم، ولو عَطشت لَم يروك، ولَوسَقمت لَم يُعافك إلا الله، ولم ينفعك مدحهم للآخرة. وإن القلوب بيد الله، فَلا أنتَ تَقدِر على إصلاحها لك، ولا إفسادها عليك،
فاطرحهم كالعدم.
وأَمَّا نَقضُ الصَّلَاةِ: فَإِنَّهُ يَحدُث منك، فإذا دخلت في الصلاة فاحذر أن تَمدَّ نَظرك عن موضع سجودك عامداً، وكُفْه ما قدرت، ولا تلتفت به يمينا ولا شمالا، ولا إلى خلفك، فَإِنَّهُ يَنقض الصَّلاة.
وعظم من تناجي .. أرأيت لو ناجيت رئيس بلدك في حاجَةٍ عَنتك، أكنت في الأدب
تحمد الالتفات عنه إلى غَيْره مَا دُمتَ تُناجيه؟! فَمُنَاجَاتُك الله تعالى أولى بالأدب. وَمن سَمعك عن سَماع جَمِيع المحسوسات، إلا ما دخل في سمعك على الغلبة، وصن أنفك عن شم شَيْء مِن الروائح الطيبة أو الخبيثة، إلا أن تأتيك بغير اختيارك، وصن لسانك عن النطق بغير ما أنت فيه أبدا، وصن قلبك عن الوسواس والتحدث بما يَهمُّك إلا ما لا قدرة لك عليه، وصن فَمَك عن الأكل والشرب ولو قليلا منه، وصن
1) القال: من القِلَى وهو البغض، ومنه قوله تَعَالَى: قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُم مِّنَ الْقَالِينَ} (الشعراء: 168). (1/91)
صفحة 92
الدلائل على اللوازم والوسائل
يديك عن البطش بهما، أو التحريك بغير حَرَكة القيام والقعود، وصن رجلك عن المشي والتنقل والتحرك، إلا بما لا بُدَّ منه من شغل الصَّلاة.
وإن حدث عليك خروج شَيْءٍ مِن قبل أو دُبُر كائنا ما كان، أو قيء، أو دم، من أي موضع كان فَإِنَّهُ ينقض صلاتك ووضوءك فجدده.
وكذلك الضحك والبكاء ينقضان الصَّلاة، إلا بُكاء من خوف الله تعالى، فَإِنَّهُ لا ينقض الصَّلاة.
يعود
واحذر النقصان في الركوع والسجود، فلا تَنقُر في سجودك نقر الديك، فَإِنَّك إن نقصت ذلك فَإِنَّكَ لَم تَغْشَ إِلا نَفسَك؛ لأَنْ نَفعَ ذلك إِذا أَقمته على الوجهِ الْمَأْمُور به نفعه إليك، وما أنقصته وضيَّعته يرجع ضرُّه عليك؛ لأن الله تعالى غَنِيٌّ عنك، وعن وعن جميع خلقه؛ لأنك لَو عَبَدتَه عِبادَة خالصة، لا تفتر عنها ليلا ولا نهارا لم ينتفع منها بشيء. وكذلك إن عصيته، ولم تترك شيئا من المعاصي إلا ارتكبته، لَم يَضِرُّه
عملك،
شَيْء، تعالى الله عن ذلك.
وَإِنَّمَا الثواب رَحمة منه لمن أطاعه، والعقاب عقوبة لمن عصاه. فإذا كان الأمر على هذا، فما ضيَّعته، فضره عليك، ففكّر بين الأمرين إن كنت
تعقل، بين قيام على الوجه، وبين تضييع وأنت قادر، فأي ذلك خير لك؟!! واحذر أن تسجد على صُوف أو شعر أو إهاب (1) أو حرير أو قز (2)، أو على طين أو ماء أو سَبخ أو ملح، أو شَيْء من سوى الأرض وما أنبتت. وانصب سترة قدامك إن أردت الصلاة في غير مسجد أو وَالسُّترَة قَدر طُول جلسة الإنسان فصاعدا، وفي الغلظ ولو كانت كحد السيف؛ فإذا كانت السترة قدامك
فلا يَضرُّك شَيْءٍ من جَمِيعِ مَا مَرَّ خلفها.
(1) الإهاب: جمعه أهب، وهو الجلد. انظر: العين، (أهب). (2) القز: هو الحرير، ويسمى الإبريسم.
بيت (1/92)
صفحة 93
93
الدلائل على اللوازم والوسائل
وإن لم تنصب سُترَة فَمرَّ قُدَّامك كلب، أو جُنب، أو حائض، أو كان نجساً فيما
دون خمسة عشر ذراعا نقض عليك صلاتك.
وإن مَرَّ آدمي مُسلم طاهر صغيرا أو كبيرا، أو بهيمة من البهائم المعروفة، أو سنور، فيما دون ثلاثة أذرع نقض عليك صلاتك. وأَمَّا الْخنافس وأشباهها مِمَّا لا دَمَ فيه فلا ينقض عليك، ولو مَرَّ بينك وبين
سجودك.
وأَمَّا اللُّغ وشبهه: ففيه اختلاف فيما أحسب أني عرفت، وأنا أحب أن لا
ينقض الصَّلاة إذا مرَّ ولو بين المصلّي وسُجودِه؛ لأن الامتناع منه غير مُمكن. وأَمَّا إن لحقتكَ نَجاسة من غيرك في بدن أو ثوب، فلا تجوز صلاتك إلا بعد غسله، والوضوء إن كان في البدن؛ وأمَّا إن كان في الثوب فأمكنك غسله، من غير مس النجاسة، أو غَسَله لكَ أحد من الناس فلا ينتقض بذلك وضوءك.
وأَمَّا العذرَة الواحِدَة: إن كانت في قبلة المصلِّي مِن ثلاثة أذرُعٍ فَصاعدا، فلا تَنقضُ عليه صلاته، ودون ذلك تنقض. وإن كانت في يمين عنه أو شمال، فلا تنقض عليه ما
لم تمسه.
وأَمَّا الكنيف (2): وهو مُجتمع البول والغائظ، فيحتاج إلى سترتين غليظتين، أو جدارين أو غيرهما.
واحذر التثاؤب في الصَّلَاة فَإِنَّهُ مِن الشيطان - لعنه الله؛ وإذا أردت صحة ذلك فَإِن الشاوُبَ لاَ يَأْتيك فيما أنتَ راغب فيه بهوَى نَفسك، ولو طال عليك ذلك، وَإِنَّمَا يأتيك ذلك منه لثقل الصلاة على الناسِ، إِلا مَن حَفْفَها الله عليه.
1) اللغ: سحلية صغيرة لها ذيل طويل تشبه الحرباء.
(2) الكنيف: هو موضع قضاء الحاجة، أو ما يُسَمَّى ببيت الخلاء أو الحمام. (1/93)
صفحة 94
الدلائل على اللوازم والوسائل
ولا تزد في التثاؤب عند التمطي، ولا عند النَّسَم بشيء مِن الْحس، فإن الزيادة عمَّا لا بُدَّ مِنه تَنقُض الصَّلاة.
ولا تتنحنح في الصلاة، ولا تفرقع أصابعك فيها.
وإن أتاك العطاس فلا تزد من حلقك صونا رافعا به عند العطاس، بل لا يكون إلا بما جاءك بما لا تقدر على الامتناع منه.
واحذر أن تسكت في الصَّلاة أبدًا إلا بقدرِ النفس، أو عند استماع قراءة الإمام للسورة إذا كنت تُصلِّي خلفه. بَل مُجمل القول: كُن في وقوفك للصلاة كانك وتد لَا تَتَحرَّك لشيء أبدا؛ فَإِنِّي وجدتُ في بعض الكتب أن بعضا المصلين كان في صلاته يقع الطيرُ فَوقه تَظُنُّه من جدارا من شدَّةٍ سُكونه وحُسنِ وُقُوفه.
فضل: في البدل
وإذا لحقك نقض لِصَلاة قد صليتها من الفرائض: إمَّا مِن قِبَل نَجاسة في جسدك نسيتها، أو في ثوب صليت به غير عامد أو انتقضت عليك بوجه من الوجوه؛ فإن كان الوقت بعد لم يفت، فصلها على مثل ما صليتها من قبل، وإن ذكرت ذلك وعرفته بعد
ما فات الوقت فصلها بدلا، ولا تُصلّها إلا في الوقت الذي تجوز فيه الصَّلاة. والوقت الذي تجوز فيه صلاة النفل بدل الاحتياط من طلوع الشمس إلى نصف النهار في الحر الشديد، ومن زوال الشمس إلى دخول وقت صلاة العصر، ومن وقت دخول صلاة المغرب إلى أن تُصَلِّي فرض صَلاة الفجر.
أَمَّا البدل اللازم بلا، اختلاف والصَّلاة التي نسيتها ثُمَّ ذَكرتَها؛ فتجوز صلاتها بعد صَلاة الفجر مَالَم يَطلع قرن من الشمس، وبعد صلاة العصر مالم يغرب قرن من
الشمس. (1/94)
صفحة 95
95
الدلائل على اللوازم والوسائل
والنيَّة لبدل ما أردت بدله من صلوات الفرائض، تقول: «أصلّي الله تعالى في مقامي هذا بدل ما لزمني مِن فَريضة كذا (تعينها) بوقتها كذا، كذا ركعة»، وتُصلِّيها مثل ما تُصَلِّيها من قبل، لا زيادة فيها، ولا نُقصان سوى لفظ النيَّة. وصلاة البدل أفضل من صلاة النافلة، إذا كان على وجه الاحتياط لجبر الفرائض، فخذ حَظِّك منه.
فَصْل فِي السَّهْو
وأما السهو إذا جرى عَليك في شيء من صلاتك، فقُمتَ عَن قعود، أو قعدت عن قيام، أو قرأت في موضع لا قراءة فيه، أو ركعت قبل قراءة السورة، أو سجدت قبل الركوع، أو غير ذلك من ترك ما حضر، وتقديم ما تَأخَّر؛ فإن مَضَيت علَى سَهوك حتَّى جاوزت ثلاثة حدود انتقضت صلاتك، وإن ذكرت قبل أن تدخل فيمَا سَهَوت إليه ورجعت فلا سَهو عليك.
ورجعت
وإن لم ترجع حتَّى دخلت في الحد الذي لم تصله بعد، ثُمَّ ذكرت فاسجد للسهو سجدتين بعد التسليم، تفعل فيهما كما تفعل في غيرهما من التسبيح
والتكبير. وإن أردت معرفة حدودِ الصَّلاة: فتكبيرة الإحرام والقراءة في حال القيام (أعني: قراءة الفاتحة ومَا تَيسَّر مِن الْقُرْآن والركوع حد، والسجدتان كُلّ منها حد، وقيل: هما حد واحد، والقعود للتحيَّات حد.
فما دمت في حد من هذه الحدود، فَلا تخرج منه إلا بضبط وإتقان، وإن خرجت منه ودخلت في غيره، وشككت في الأَوَّل، فلا ترجع إلى الشك، فَإِنَّهُ أَقوَى على
الوسواس، وإن استيقنت بأنك لم تقرأه فَارجع إليه، ولا تترك حدا من الحدود. (1/95)
صفحة 96
الدلائل على اللوازم والوسائل
وأَمَّا إن نسيت أو سهوت عن تكبيرة غير تكبيرة الإحرام، أو عن تسبيحة، أو عن شيء مِمَّا يُقال في الصَّلاة الفَاتِحَة فَلا سوي ينقض عليك ذلك، والله أعلم. والفرائض المعروفة في الصَّلاة: تكبيرة الإحرام، والقراءة في القيام، والركوع، والسجود، والقعود.
وما يُقال بعد هذا كُلَّه سُنَن مثل: الإقامة، والتوجيه والاستعاذة، وتسبيح الركوع،
وقول «سمع الله لمن حمده»، و «ربَّنا ولك الْحَمدُ»، وتسبيح السجود، والتَّحِيَّات. فمَن ضيَّع شيئا من الفرائض عمدًا حتَّى فات الوقت، فعليه البدل والكفارة. ومن ضيَّع شَيْئًا مِن السنن الْمَذكورة عمدا، فَيُعجبني له أَن يَحتاط بالبدل، أعني: السنن التي
في الفرائض.
وأَمَّا مَن قَصَّر في ركوعه، وسجوده وقيامه، وقعوده، واستعجل في قراءته، وأكثر مَا يُصَلِّي الصَّلاة إلا ناقصة عن التمام، ولم يترك شيئا عمدا، إِلا أَنَّهُ يَتعَجَّل حتَّى لَم يضع كُلِّ شيء في موضعه على التمام، فأرجو أنه تجزيه التوبة بلا بدل ولا كفارة، و کفي به بخساً، ونقصان حظ. والله أعلم. (1/96)
صفحة 97
97
البال
الدلائل على اللوازم والوسائل
في صَلاة الجماعة وصفتها، والحث عليها، وغير ذلك
جسيم.
فإذا عرفت يا أخي الطهارة والوضوء والصَّلاة معرفة صحيحة، فلا تغفل عن صَلَاةِ الْجَمَاعَة بَل حافظ عليها وواظب مُواظبة الحريص على الدنيا، فَإِنْ فضلها عظيم، وثوابها لِمَن يَسَّر الله له ذلك فإذا سَمِعت النداء فكُن مُتأهبا لها بالطهارة التامة، وإن قدرت ألا تفوتك أبدًا فافعل، فَثوابها لا يَعلَمُه إلا الله، ولا تدع الرجال يسبقونك به، فيحل بك الغبْنُ العظيم، وياله مِن غَبن حين يُساق أناس إلى العذاب بسوء أعمالهم، ويفوز أناس بالثواب بتوفيق الله لَهُم لِحُسن أعمالهم. وقد وجدت في بعض الكتب: أَنه كان في الزمن الأَوَّل في بعض الأمكنة، إذا فات
أحدا صَلَاةُ الْجَمَاعَة أصبحَ إخوانه يُعزُّونَه كَأَنَّهَا مُصيبة أصابته.
ووجدت أيضا فيما يُرفع – أحسَب أَنَّهُ عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالْمَعنى مِنه -: «أَنَّ مَن صلَّى العشاء الآخرة والفجر في جماعة ونام لَيلَه أَفضَل مِمَّن قَامَ لَيلَه ولَم يُصَلِّ هَاتِين
الصلاتين في جماعة» (1). فانظر إلى هذا الفضل، أيتركه عاقل؟!!
أرأيت يا أخي، لو كنت مثلا تاجرا، فَرأيت متاعا يُباع بما تعرف أنت بما شك فيه – أَنَّهُ يَحصل لِمُشتريه من الربح في قِيمَة العَشرة الدراهم درهم، وأنت تقدر على شرائه بما في يدك، أكنت تتركه لغيرك؟ فكيف تتركه وأنتَ قَادِر لِما يحصل مِن
(1) جاء معنى هذا الحديث بروايات متعددة منها رواية مسلم، في باب فضل صلاة العشاء والصبح في جماعة، عن عثمان (656)، بلفظ: " ... قال: يا ابن أخي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلّى الليل كله». (1/97)
صفحة 98
الدلائل على اللوازم والوسائل
98
ربحه في ذَلِكَ الدرهم الواحدٍ أكثر من عشرة دراهم وأكثر من عشرين درهما، وأكثر درهم، وأكثر بما لا يُحصَى إِذا كانَ ذلك على ألف الوجه؟! وَكُلما كثر الجمع كان أكثر لثوابهم، فكيف تسمح نفسك بتركه وأنت قادر
مائة من
عليه؟!!
درهم وأكثر من
وإن فاتك لم تُدركه، ولكلّ يوم ربح غير ربح اليوم الأول، أما تحرص عَلَى رِبح الكلِّ حَتَّى تَجمع منه مَالاً لِمَقاطِع يوم القيامة.
وهذه الصلاة فرض على الكفاية؛ فكيف تَرغَب عن هذا الفضل لغيرك؟ فَإِنَّهُ قد قيل: إن «صَلَاةِ الْجَمَاعَة تَزيد في الفضلِ عَلَى صَلَاةَ الْمُنفَردِ بِخمس وعشرين
صَلاة» (1). وفي موضع: «لِكُلِّ ركعة بمائة وخمسين صَلَاة»، لكن إذا كان ذَلِكَ الثقات العارفين الخائفين الله تعالى.
عند
واحذر يا أخي، رحمك الله - أن تَؤُمَّ قوما وأنتَ تَعلَم مِن نَفسك ما لا يعلم الناسُ، واحذر ذَلِكَ فِي كُلِّ حَال، غير أَنَّكَ كُن في مثل هذا أَشدَّ حَذرا مِن أن ترتكب كبيرة، أو تُصرَّ على صغيرة؛ أو تُضيع شيئا مِمَّا أمرت به، أو تفعل شَيْئًا مِمَّا لَم تُؤمر به ونهيت عنه، فتكون في الظاهر إمامًا، وفي الباطن جَهَّاما)، فَتَغُرَّ النَّاسَ بِظَاهِرك المليح، وتستر عنهم باطنك القبيح، فتحمل وِزرَك، ووزر مَن يُصَلِّي خلفك إذا ضَيَّعت، فيكفيك حمل وزرك عَن أوزارِ الناس، والله مُطَّلِع منك عَلَى ذَلِكَ، فكنت في الظاهرِ قدام الناس إلى امتثال أمر الملك، وفي الباطن خلفهم عَلَى طُرُق الهلاك. فَإِنَّهُ قِيل: «إن الإمامَ إذا لم يقصد في صلاتِه وَجهَ الله فَهو مع فرعون وإبليس – لعنهما الله»، فَلا تكن في الدنيا في المحراب، وفي الآخرة تعلم بجهلك أَنكَ مِن أهل العذاب.
1) الحديث رواه الربيع عن أبي هريرة ر 216، بلفظ: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ وَحْدَهُ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً». وهو حديث متفق عليه من حديث ابن عمر وغيره. (2) الْجَهم: رجل جَهم الوجه أي غليظه وتجهمت له: استقبلته بوجه كريه. والجهوم: العاجز الضعيف. انظر:
العين، (جهم). (1/98)
صفحة 99
99
الدلائل على اللوازم والوسائل
ولا تُصَلِّ أيضا إلا خلف العدل الفاضل، الورع الكامل، فَإِنَّمَا يَكون تضعيف أجر
الصَّلاة عند الثقات.
وأَمَّا غَير الثقة إذا لم يُضيّع شيئا من الصَّلاة، ولم يكن مُرتكبا لشَيْء مِن المحارم،
وخفت إن لَم تُصَلِّ خَلفه ضَاعَ الْمَسجد مِن الْجَمَاعَة؛ فَصَلِّ مَعَهُ لِعمارة الْمَسجد. والصَّلاة مع الإمام العدل أفضل وأزكى، والحجة في ذلك إذا كان الناس لا يُقلِّدُون أموالهم وأماناتهم إلا أهل الأمانة والثقاتِ من الناس؛ فَالصَّلاة أولى أن لا يُقلّد فيها إلا أهل الثقة في دينهم، لتكون الصَّلاة خلفه أفضل وأزكى وأطيب، وأرغب وأتم وأوجب وألمى عند الله ثوابا.
وقيل: إذا صلى الرجلُ، وخلفه من هو أفضل مِنه لَم يَزالوا في سفال. فإذَا كُنت أنت الإمام فتأهب للصلاة بالطهارة الكاملة في البدن والثياب، وحافظ على أول أوقاتِ الصَّلاة، وتسربَل بالورع، وتَدرَّع بالعلم، وانتظر الْجَمَاعَة - إن سبقتهم - إلى انقضاءِ ثُلث الوقت الذي تكون صلاتك فيه، هذا هو الأفضل إن قدرت عليه ولا انتظار في صَلاة المغرب؛ لأن وقتها ضيق جدا. فَإذا أردت أداء الصَّلاة بالْجَمَاعَة فَاستقبل القبلة، وأقِمِ الصَّلاة مثل ما وصفت لك أولاً بلا زيادة فيها سوى النية، تَقولُ: «أُصلّي الله تعالى في مقامي هذا فريضة صلاة كذا وكذا، إماما لمن يُصَلِّي بصلاتي ولمن يأتي، متوجها إلى الكعبة»، وأجهر بالإقامة، وتكبيرة الإحرام، وبقراءة فاتحة الكتاب والسور جميعا، فحيثما كان شَيْء مِن الصَّلاة فيه قراءة قرآن، كانت قراءته، وقراءة الفَاتِحَة جهرا للإمام، وتجهر أيضا بتكبيرة الركوع والسجود والقيام والقعود، وتقول: «سَمع الله لمن حمده»، والتسليم من الصَّلاة. وإن كُنتَ أنتَ مأموما، فإذا أقام الإمام للصلاة، فَاسْتمع لإقامته بعد أن تكون متأهبا للصلاة، وتنتظر إلى انقضاء ثُلثي الوقت في المسجد الذي تعودتُّم تُصلُّون فيه، وتكون صلاتك في الثلثين، فإذا بلغ الإمام إلى قوله: «قد قامت الصلاة»، فأجبه وقم (1/99)
صفحة 100
الدلائل على اللوازم والوسائل
إليها مسرعا، ولا إقامة عليك خلفه، بَل اعقد النيَّة للصلاة التي قمت لها، وقل: «بصلاة الإمام جماعة» تمام اللفظ.
ثُمَّ وجه، وجدد النيَّة، فَإن كبر الإمام تكبيرة الإحرام قبل أن تتم أنت تجديد النية فاتبعه، ولا تكبر أنتَ حتّى يقطع صوته من التكبيرة، وإن أتممت التوجيه وتجديد النية قبل أن يُكبر هو فاسكت منتظرا إلى أن يُكبِّر، فإذا كبر فاتبعه بعد ما يقطع التكبيرة، فإذا سكت فاعلم أنه عليه الاستعاذة سرًّا، فاستعذ أنت سرا، تُحرك لسانك بالاستعاذة، ولا تسمع أذنيك.
فإذا استعذت، فإن كانت صَلاة يُجهر فيها مِثل ركعتي المغرب، وركعتي العشاء الآخر، وصلاة الفجر فلا تقرأ الفاتحة قبله، واسكت مُستمعا له، إلا أن يطول ذلك وتَظنَّ أَنَّهُ سَاءٍ فَسَبِّح له للسهو، تقول: «سبحان الله» جهراً.
فإذا ابتدأ الفَاتِحَة فَاتبعه فيها بقراءتها، فَإِنْ قِراءتَه هُو لَها لَا تُجزيكَ عَن قِراءتِها، فإذا اتبعته فيها فلا تسبقه متعمدا .. وإن كان هو في القراءة بطيئا، فَلا يَضيرك أن تسبقه، إِذَا لَم تَبدأ قبله.
فإِذَا أَتَمَّ قِراءة الفَاتِحَة، وبَسمَل لقراءة السورة، فَقِف أنت مستمعا له، ولا تقرأ السورة ولا عليك قراءتها خلفه. وإذا سمعت من قراءته ولو قدر ثلاث آياتٍ أَجزاك ذلك. - وإن كنتم في صلاة النهار، فإذا كبرت بعد تكبيرة الإحرام واستعذت فلا تقف منتظرا له؛ لأن القراءة للفاتحة في صلاة النهار عَليك وعليه سرا، ولا تعرفه متى بدأ
لتتبعه -
فإذا أتممت الفَاتِحَة، أو قراءة السورة في صَلاة يُقرأ فيهَا الْقُرْآن، وكبر الإمام وخرَّ للركوع، فلا تركع حتى يقطع التكبيرة، فذلك أفضل للمأموم من أتباع الإمام؛ وأَمَّا سبقه فينقض الصَّلاة، إذا سبق المأموم إمامه عمدا، إلا أن يسهو فيرجع إلى ما كان، ويسجد للسهو بعد تمام الصلاة. (1/100)
صفحة 101
الدلائل على اللوازم والوسائل
فإذا رفع الإمام رأسه من الركوع، يقولُ: «سَمع الله لمن حمده»، فَارفع أنت رأسك
بعده، وقل مثله: «سَمِع الله لمن حمده»، وقل أيضا: ربَّنا ولك الْحَمدُ». فإذا خَرَّ الإمام مُكَبِّرا للسجودِ، فَاتبعه أنتَ بعد ما تصل جبهته إلى الأرض، وكبر مثله، فإن رفع رأسه من السجودِ بتكبيرة، فإذا أتم التكبيرة فاتبعه أنت رافعا رأسك من السجودِ بتكبيرة، وإذا كبر للسجدة الثانية فاتبعه أيضا .. وأنتَ عَلى هذا إِلَى تُتِمَّ الصَّلاة .. ولا تُسلّم أيضا قبله.
قيام،
أو
وإن سَها عَن شَيء من سرّ إلى جهر، أو جهر إلى سر، أو قيام إلى قعود، أو قعود إلى سجود عن ركوع، أو ركوع عن سجود: فَسَبِّح له، ولا تسبقه إلى ذلك الحد عامدا، وعليه هو سجود السهو، ولا عليك أنتَ سُجود للسهو، ولا لسهوك خلفه، إذا لم تفرط فيه بالإبطاء حتى تتم حدا.
وَمِمَّا يُوْمَر به الإمام: إذا دَعا بعد تمام الصَّلَاة أَلا يَخص نفسه بالدعاء وحده، بل يدعو
للجميع، مثل أن يقول: «رَبِّ اغفر لي» فيقول: «ربنا اغفر لنا وارحمنا» بنون الجمع. ولا يتفرد بالدعاء وحدَه فَيَحُون القوم، ويَتعَاهَد الْجَمَاعَة حين التفاته إليهم بالتسليم عليهم، وبالمساء بعد صلاة المغرب وبالصباح بعد صلاة الفجر، وبِالْمَتاب (بعد صلاة العشاء الآخرة، لما كسبوه في النهار.
وينبغي له ألا يُطيل عليهم القراءة في الصَّلاة خوفًا أَن يُثقِل فِي ذَلِكَ عَلَيهِم فَيَمَلُّوا؛ لأَنْ فيهم الضعيف والقوي، وكبير السن وسقيم البدن، ولا يُوجز في القراءة خوفا أَلا يُفهِم ذُو اللكنة وثَقِيل اللسان، فيتوسط بين ذَلِكَ، ويقتصد في ذلك لأجل الرفق، والتعاون على الطاعة. وينبغي له ألا يتعمَّد سَبَقَ أحدٍ من الْجَمَاعَة مِمَّن تَعوَّد أن يُصَلِّي عِنده، ولو عَتَب
شيئا.
1) كذا في الأصل، ولعله يقصد توديعهم للرجوع إلى أهاليهم بعد طول اليوم، كما أن ثَوبَ يثوب والمثابة في اللغة هو الرجوع والاجتماع بعد التفرق، أي: يجتمعون بأهليهم ليلا بعد تفرقهم عنهم صباحا. انظر: العين، (ثوب). (1/101)
صفحة 102
الدلائل على اللوازم والوسائل
ولا يكون في المسجد إمامان بصلاة واحدة في وقت واحد، إلا أن يكون جاء إمام فصَلَّى بِجَمَاعَة في الموضع الشرقي دون المحراب، ثُمَّ جاء إمام بعدما صَلَّى هذا فصَلَّى بجماعة في محراب ذَلِكَ الْمَسجد لئلا تفوتهم الْجَمَاعَة .. وهذا إذا كان ذلك المسجد فيه صلاة الْجَمَاعَة ثابتة، ولا تنقطع إلا لعذر .. وأَمَّا إذا كان مسجدا لا يُصَلِّى فيه جماعة في العادة، فاتفق في بعض الأوقات لَهم أن جاءت جماعة، فجَائِز لهم أن
يصلوا جماعة بعد جماعة.
وكذلك في غير المساجد مثل: الغُرف التي تعود أُناس يصلُّون فيها جَماعة، فَجَائِز لهم أن يصلوا فيها جماعة بعد جماعة، وجائز للمصلي وحدَه أَن يُصَلِّيَ فيهنَّ، ولو في حين ما تُصَلَّى الْجَمَاعَةِ.
ولا تحب أن يؤم الأعمى بالبصير مع وجودِ البصير، ولا القاعد بالقائم، ويؤم القائم بالقاعد .. ولا يؤم المتيمم بالمتوضئ عند وجود المتوضئ، ولا الْمُسافر بالْمُقيم إلا أن يسبقه بالفضل فيؤم فِي الْمَغرب والفجر.
فصل: في الدخول في صَلاة الجماعة
وأَمَّا إذا جئت فَصُفٌ مُتَّصلا بآخِرِ الْجَمَاعَةِ إن وجدت مكانا، وانو بعد عقد تلك الصَّلاة المعيَّنة أنك تُصَلّى ما أدركت بصلاة الإمام، وتُبدِل ما فاتك.
إلَى الْمَسجد طَالِبا لِصَلاة الْجَمَاعَة، فوجدتهم قد سبقوك بشيء،
فإن دخلت فِي الصَّلاة وقد سبقك الإمام بقراءة السورة، ولم تدركها لتسمعها منه إذا كان في صَلاة فيها قراءة، بل قرأت الفاتحة بعد ما وجهت وأحرمت وركع الإمام فاركع على أثره؛ واتبعه في بقية الصَّلاة من ركوع وسجود وغيره، وأخر قراءة السورة إلى أن يُسلّم الإمام من التَّحِيَّات الآخرة.
فإذا
قعد الإمام للتحيَّات، فاتبعه أنتَ إلى حيث يصل إلى «عبده ورسوله»، ثُمَّ قف
إلى أن يُسلّم الإمام، فإذا سلّم الإمامُ قمت أنت بتكبيرة، وقراءة السورة التي قرأها الإمام (1/102)
صفحة 103
الدلائل على اللوازم والوسائل
في تلك الصَّلاة أو غيرها مِن الْقُرْآن، كُلَّه جَائِز لك .. فإذا قرأت ما تيسر فَخِرٌ لِبقية
التَّحِيَّات بلا ركوع ولا سجود؛ لأنك قد ركعت قبل وسجدت، واقعد بلا تكبيرة، ثُمَّ اقرأ بقيَّة التَّحِيَّات وسلّم فقد تمت صلاتك .. وإن سبقك بأكثر من ذلِكَ مثلا: بالسورة، وبالفَاتِحَة فَأتِ بهنَّ عَلَى مَا وصفت لك أَوَّلاً. وإن سبقك الإمام بركعة تامة، وأدركته في الركعة الثانية، فَاعقِد النِّيَّة عَلَى مَا وصفتُ لك، ووجّه وأحرم إن أدركته قد قام لها .. وإن جئت بالتوجيه وتجديد النية وهو بعد لم يقم للركعة الثانية فَلا تُكَبِّر تكبيرة الإحرام، حَتَّى يَنتصِبَ الإمامُ قَائما، ثُمَّ كبر أنت للإحرام، واتبعه في بَقيَّة صلاته .. فإذا أتمها وسَلَّمَ فَقِف أَنت بَعدِ مَا تَصل إلى عبده ورسوله، ثُمَّ قُم بعد تسليمه، وأتِ بالركعة التي سبقك بها تامة بقراءتها وركوعها وسجودها، وانتصب منها قائما للركعة الثانية؛ لأَنَّكَ لَمْ تَقُم لَهَا أَوَّلاً، إِنَّمَا تبعت الإمام في القيام، وفاتك القيام لها. فإذا قمت لها فإن كانَ فَاتَك مِنهَا شَيْءٍ مِن القراءة للفاتحة أو للسورة فَأتِ به، وإلا، فاقعد لِبَقيَّة التحيَّة .. وَإِن فَاتَتك ركعتان فَأتِ بهما عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، وكذلك إن فَاتَتك ثلاثُ رَكَعَاتٍ، فَأْتِ بِهِنَّ جَمِيعًا.
وَأَمَّا إن جئت وقد صارَ الإمامُ في آخر ركعة من الصَّلاة، فإن عقدت النية ووجهت وأحرمت وهُو بَعد لَمْ يَركع ثُمَّ ركع، فَاركَع معه وأخر الْجَمِيعِ حَتَّى الاستعاذة، وَأتِ به من بعد على الترتيب .. وَأَمَّا إِن رَكع الإمام للركعة الأخيرة وأنت بعد لَمْ تحرم، فقد فاتتك الصَّلاة معه إلا أن تُحرم، وتُدركه في ذَلِكَ الركوع، وإلا فلا. وصل وحدَكَ إِن لَمْ يَحصل لكَ إِمَامٍ غيره.
والذي يفوتك الصَّلاة الذي سبقك به الإِمَام هُو أَوَّل صَلَاتِكَ في القولِ الذي من تعتمد عليه، والذي تُدركه مع الإمام هُو آخرُ الصَّلاة، والله أعلم بالصواب في
وغيره.
هَذَا (1/103)
صفحة 104
الدلائل على اللوازم والوسائل
البات
في صلاة المريض، وصفتها لِمَن ابتُلي بذلك
واعْلَمْ يا أخي - رحمك الله - أَنْ كُلِّ مَن بَقي في الدنيا وعاش فيها، لا يخلو من سقم وألم، وقَلْ مَا تَصفُو الحياة لأحدٍ.
والله -تعالى- غَنِيٌّ عَن بلاء عَبدِه وامتحانه، وَإِنَّمَا جَعل البلاء لمصلحة العبد: - إِمَّا ليتَذكَّر أو يَتَّعِظ إن كان له قلب حي؛ لأن الأمراض مكروهة، فعساه يتذكر بها الآخرة وما فيها من الأمراض، وإن كانت أمراض الدنيا دونَ ذَلِكَ، لَكنَّ العاقل
تكفيه الإشارة.
- وَإِمَّا أن تكون الأمراض عقوبةً لِذنب قد سَلف، ليغفر الله - تَعَالَى لَه بِعُقُوبَة تلك الأمراض، وهَذا حظٍّ عَظيم لِمَن عُوقب بذنبه في الدنيا قبل الآخرة. - وَإِمَّا أَن تَكون له زيادة في الدنيا قبل الآخرة.
وَإِما أن تكون له زيادة في الثواب .. فكل هذا راجع نفعه إِلَى العبدِ، فَينبغي له أن يرضى ويفرح بذلك ويشكر، وإلا فَليُسلّم الأمر إلى الله ويصبر، ولا يشكو من مولاه.
وليكن ذلك عنده إكراماً من الله، إذ خصه بدرجة الأنبياء؛ لأنهم أكثر ابتلاء
ومحنا، وهذَا شَيْءٍ لَا يَدُوم ويبقى ثَوابه.
فَإِذَا لَحِقَكَ شَيْء مِن هَذه الأمراض: مِن وَجَعِ بَطن، أو حُمى، أو مس، أو فِي شَيْء من الأعضاء مِمَّا كانَ مِن الأمراض، وحضرك وقت الصَّلاة، فَإِن قدرت عَلَى الوضوء بالْمَاء فتوضأ كالصحيح، وَإِن لَمْ تقدر من شدَّة ألمٍ أَو خَوفِ ضَرَرٍ مِن الْمَاءِ فَتَيَمَّم (1/104)
صفحة 105
الدلائل على اللوازم والوسائل
للصلاة عَلَى ما وصفته لكَ أَوَّلاً، وجَائِز لك أن تُؤخر الصَّلاةِ عَن أَوَّل الوقت إن
رجوت زيادة قوة.
فإذا حضر وقت الصلاة وتوضأت لَها أو تيممت، فإِن قدرت عَلَى أَن تُصَلِّيَ قَائِمًا فصلها قائما ولو لَمْ تُصَلِّ قائما إلا الفرضَ وحده!!.
واجتهد في ذَلِكَ مَا قدرت، فإنِّي سَمعتُ أن الشيطان - لعنه الله -يُجاهد الإنسان في الْمَرْضِ لِيَجبُنَ عَن الصَّلاة أكثر مِنه في الصحة، وخاصة في الْمَرضِ الذي يُؤدِّيهِ إِلَى
الْمَوتِ؛ لأَنه يُريد هلاكه ليموت عَلَى مَعصية الله تَعَالَى، والعياذ بالله مِن ذَلِكَ. فإن لَمْ تَقدِر أَن تُصَلِّيَ قائما فالله رحيم كريم رؤوف بالعباد، ولا يُكَلِّفُ الله نفساً إلا وسعها، فصل قاعدا واركع واسجد في قعودك، وإن لم تقدر فَأومئ لِمَا لا تقدر عليه من الركوع والسجودِ ولو بالإشارة قليلاً، كأن تُطَاطِي رأسك للركوع، وتخفضه للسجود أكثر وإِن لَمْ تَقدِر عَلَى القُعود ولم تُطقه فالله أولى بالعذر، والله أعلم منك بنفسك، ولا يخفى عليه حالك
من خفضه للركوع.
فصل نائما إن شئت أن تَكُون عَلَى جَنب، ووجهك إلى الْقِبلَة حيثما كنتَ وحَيْثُما كانت الْقِبلَة مِنك، وإن شئت فكن مُستلقيا وتكون رجلاك مِمَّا يَلِي الْقِبلَة حَتَّى مثلا - لَو قُمتَ قائما لَكُنت مُستقبلا للقبلَةِ، وأَومِنْ إِن قدرت أيضا للركوع والسجود، أو لأحدهما إن قدرت ولو بعينك، وإن لَمْ تَقدِر فعَلَى مَا أَمَكنَكَ، وَلَو لَمْ تَستقبل الْقِبْلَة ولو لَمْ تُومِي، بَل اقرأ الصَّلَاةِ إِلَى تَمامها. فَإِن أَلَحٌ عَليكَ الْمَرَض حَتَّى قَل ذهنك وعقلك، ولم تَقوَ عَلَى إِحكامِ قِراءة الصَّلاة، لا قائما ولا قاعدا ولا نائما، فَكَبِّرْ لِكُلِّ صَلاة خمس تكبيرات بلا توجيه ولا تسليم،
فإن عجزت عن التكبير فالله أولى بالعذر، فقد انحطت عنك الصَّلاة. (1/105)
صفحة 106
الدلائل على اللوازم والوسائل
والنيَّة لِمَن أَراد أن يُكبِّر لِهَذَا الْمَرِيض أن يقول: «اللَّهُمَّ نِيَّتِي وَاعتقادي إِنِّي أُكبر لهذا الْمَرِيض خمس تكبيرات أداءً لِمَا لَزِمه مِن فَرضِ الصَّلاةِ طَاعَةٌ لَك ولرسوله
محمد».
فضل: [في صفة صلاة المريض]
والْمَرِيضُ إذا كانت ثيابه التي عَليه غَير، طاهرة، وقدر على نزعها عنه، فليترعها ويلبس ثيابا غيرها طَاهِرَة، وإن لَمْ يَقدر عَلَى نَزعها، فيجعل فَوقه ثوبًا طَاهِرا ويُصَلِّي. وكذلك الفراش إن كانَ غَير طَاهِر، وقدر أن يتحول عنه، وإِلا فَليُصلِّ كما أمكنه
وقدر ..
والذي يُصَلِّي جالساً مِن الْمَرَض تكون يداه في حال القيام – وهو في حين القراءة - مُرسلتين إلى الأرض يُحاذيان جَسدَه، وهُوَ القعود فوق ركبتيه كَصَلاة القائم، وفي السجود في الأرض، ولا يتعدى بهما أذنيه، وفي الركوع عَلَى فَخِذيه .. هذا إن قدر عَلَى ذَلِكَ، وإلا فَعَلَى مَا يَقدِر، وفي كُلِّ حَالَ لا يُكلف مالا يقدر عليه، والله بعباده
رؤوف رحيم. (1/106)
صفحة 107
الدلائل على اللوازم والوسائل
البات
في صفة صلاة السفر وصفة الفَرسَخ
وإذا بدا لكَ حُروجٌ مِن وَطنك في حَاجَة عَنَتكَ فِي بر أو بحر، قدر ما تجاوز الفرسخين (1)؛ لأن أكثر الناس يحتاج إلى الأسفار؛ إما لتجارة، أو لحراثة، أو لصناعة، أو لغزو أو الْحَجِّ، أو لطلب عِلم، أو لزيارة أخ في الله، أَو صِلَة رَحم قلَّمَا يَحْلُو الناس من مثل هذا؛ فإذا خرجت من الوطن فمَا لَمْ تتيقن أَنَّكَ سرت فرسخين تامين فلا تصل قصرًا، إلا أن تكون خرجت من وطنك قبل حُضور وقت الصَّلاة ونيتك ألا تبيت، أو ألا تقيل حَتَّى تُجاوز الفرسخين، وحضرتك صَلاة قبل أن تُجاوزهما فصل
قصرا، وإِن نَوَيت مبيتا أو مقيلاً دُون الفرسخين فَصَلِّ تَماما ما لَمْ تُجَاوِزِهُما. والفرسخان: هما - فيما وجدت كُلِّ فَرسَخ اثنا عشر ألف ذراع، أو اثنتا عشرة
ألف خطوة (2). وَالْمعنَى أَنَّه إذَا مَشى الرجلُ مَشيا على الوجه الأوسط، لا وتبا ولا دونَ الْمَشي،
حُسِبَ مِن مَوضع قدمه الأولَى إِلَى مَوضع قدمه الأخرى.
(3)
والذراع: قيل: إِنَّه بِالعُمري) وهو ذراع ونصف. وقول: إِنَّه بذراع وسط.
1) الفَرسَخ: ثلاثة أميال، والميل أربعة آلاف ذراع مجموع الفرسخ اثنا عشر ألف ذراع. 2) وهو ما يقارب اثني عشر كيلو مترا بحسابنا اليوم.
عمر بن الخطاب له وهي الذراع التي
) وهو الذراع الهاشمي عند قومنا نسبة إلى بني هاشم. والعمري: نسبة إلى: مسح بها أرض السواد وهي من الأذرع السبعة كما جاء، وهي: القاضية أقصرها، ثُمَّ اليوسفية ثُمَّ السوداء، ثُمَّ الهاشمية الصغرى، ثُمَّ الهاشمية الكبرى، ثُمَّ العمرية، ثُمَّ الميزانية. والذراع ما يقارب 75 أو 85 سم. المصطلحات الفقهية 2/ 102 - 104. وانظر تفصيل ذلك في معارج
انظر: د/ محمود عبد الرحمن: معجم |
الآمال للسالمي، 10/ 197 - 198. (1/107)
صفحة 108
الدلائل على اللوازم والوسائل
والعمران: حدهُ مِن الْمَنازل، والنخلِ المجتمع في البلد؛ فَإذا خرجت من وطنك لِسَفر تُريد مُجاوزَةَ الْفرسخين جاز لك قصر الصَّلاة، وإن شئت الْجَمْع؛ أَمَّا القصر فهو فريضة بكتاب الله، وهو أن تُصَلِّىَ كُلّ صَلاة في وقتها قصرا .. والقصر لا
يكون إلا في صلاة فرضها أربع ركعات مثل الظهر، والعصر، والعشاء الآخرة. أَمَّا الْجَمع فَسَنَّة من النَّبي الله وهو: أن تؤخّر الظهر إلى العصر، أو تَجرَّ العصر إلى
الظهر، وتجرَّ العِشَاء الآخر إِلَى الْمَغرِب وتؤخّر الْمَغرِب إلى الْعِشَاءِ الآخر. والذي أحبه من ذَلِكَ إن كانَ المسافِر مُقيما لا بنَّا فِي مَكَانٍ لِشَيء مِن الْمَعَانِي، مثل: الشهر والشهرين والثلاثة ... فصاعدا أن يُصَلِّي قصرا كُلِّ صَلاة في وقتها ركعتين.
وإن كان في طريق أو في بلد غير لابث زمانا أَن يُصَلِّيَ جَمعا بسنَّة النَّبِيِّ. وأَمَّا الأوطان: ففيها اختلاف قول الرجل له أربعة أوطان. وقول: وطنان. وقول: ثلاثة. وقول: وطن واحد. وقول: له ما شاء من الأوطان.
والْمَرأة: تَبَع لزوجها في الوطن، وَإِن لَمْ يَكُن لَهَا زَوجِ فَلَها وَطن واحد. أَمَّا النية لصلاة السفر: تقول إن أردت أن تُصَلِّيها ظهرا، قُلت: «أُصلّي الله تَعَالَى في مَقامِي هذا فريضة صَلاة الظهر الحاضرة ركعتين، وأجر إليها وإن قلت: وأضيف إليها [فَجَائِز - فريضة صَلاة العصرِ ركعتين أُصلِّيهما جَمَعًا صَلاتَيْ سَفر»، ولا
وَإِن
تُصل بعدهُما شَيْئًا. صليت فِي وَقتِ العصرِ قُلت: «أصلّي الله تَعَالَى فِي مقامي هَذَا صَلاة الظهر الفائتة ركعتين، أضيفها إلى فريضة صلاة العصر الحاضرة ركعتين أُصلِّيهما جمعا صلاتي سفر، متوجها إلى الكعبة». وكذلِكَ صَلاة المغرب والْعِشَاء الآخر عَلَى هَذا المَعنَى، وصَلِّ بَعدهما ما شئت إن لَمْ تُضِف الوتر إليهما، وإن أضفته فلا تصل بعده شَيْئاً، وأَفرد في وقت الْعِشَاء وجائز لك جمع الوتر إليها في وقت الْمَغرِب وَأَفرده في وَقَتِ الْعِشَاء الآخر. (1/108)
صفحة 109
الدلائل على اللوازم والوسائل
وأَمَّا صَلاة الفجر: فلا قصر فيها، ولا تُجمَع إِلَى شَيْء، ولا زيادة فيها ولا نُقصان سوى ذكر صلاة السفر، وإن لَمْ تَذكُره فلا بأس عليك.
وَأَمَّا إِذَا أَرَادَ الْمُسَافِر تأخير صَلاة الظهرِ إِلَى العصر، أو الْمَعْرِبِ إلى الْعِشَاء نَوى بقلبه ولسانه، وإن نوى في سره كُلّه أجزأته النَّيَّة عَلَى قول، والأفضل تجديد النيَّة لِكُلِّ
صلاة في وقتها.
ولفظ النية: أن تقول: «اللهُمَّ نَيَّتي واعتقادي في سفرِي هَذَا أَنَّه مِن وَقتِ نزول الشمس إِلَى وَقتِ غُروبِها فَهو لي وقت واحد لصلاتي الظهر والعصر، ومَدُّ وقتِ غُروب الشمس إلى ثلث الليل فهو وقت لصلاتي المغرب والْعِشَاء الآخرة، آخذا بالرخصة، واقتداء بالسنَّةِ، طَاعة الله ولرسوله محمد».
والعبد المملوك: تبع لسيده في الصَّلاة والصبي: حيث بلغ أتمَّ الصَّلاة ولو كانَ في سفر، إلى أن يخرج مِن ذَلِكَ الْمَكان. وأَمَّا البادِي (1): فَحيثُ ضَرب عموده في مكان من الفلاة (2) ساكناً هناك، أتمَّ الصَّلاة وأَمَّا إن ضَرب عمودَه في بلدٍ للقيظِ (3) لِغَيره ثُمَّ يرتَحِلُ، فَهو مُسافِر ويَقصُر الصَّلاة. وأَمَّا الذي يُسافر في البحر: فإذا ركب في البحر مُسافرا قَصَّرَ الصَّلاة ولو لَمْ يَسِر فَرسَخين عَن وطنه. وأَمَّا الصَّلاة في السفينة
قصرا للمسافر إلا أنه يُصلِّي قاعدا، إذا لم يقدر على القيام، وإن قدر صلى قائما. وليس عَلَى مَن يُصَلِّي في السفينة صُفوف إن أَرادُوا أَن يُصلُّوا جَمَاعَة، وأَمَّا إِن دارت بهم السفينة فيحرِمُوا إِلَى الْقِبلَة ولا نقض عَلَيْهِم بَعد ذلِكَ، وَالله أعلم.
1) البادي: هو المُقيم في البادية والصحاري كالبدو.
(2
الفلاة
الصحراء والمفازة. هي
(3) القيظ: هو صميم ا
الصيف والمقيظ المصيف. انظر: العين، (قيظ). (1/109)
صفحة 110
الدلائل على اللوازم والوسائل
النا
فِي صِفَة صَلاة الجمعة
110
وأَمَّا صَلاة الجمعة: فهي فَريضة خاصة لمن لحقه شَرطُها، فإن لَحِقك - يا أَخي - شرطها فقم بها، ولا يسعك جَهلها، وهي لا تكون إِلا خَلفَ أَئمة العدل. وأَمَّا في صُحار (1): فَثابتة في كُلِّ وَقت، ولو في غَير زَمان العدل. وأَمَّا فِي نَزوَى (2) فلا تكون إلا خلف أئمة العدل. ولا تلزمُ صَلاةُ الْجُمعة، امرأة، ولا صَيًّا، ولا عبدا مملوكا، ولا عَلَى مُسافِر، إلا أن يحضرها الْمُسَافِرُ ويَرغب في صلاتها.
وإن أردت معرفة صَلَاةِ الْجُمعَة: فتأهب لَهَا بِالغسل التام، فَإِنَّهُ مندوب إليه، إن أمكن غسل الجسد والثياب فَهو أتمَّ، وإلا فاغسل الحسد، إلا أن يتعذر فيجزي الوضوء، والغُسل يكون بالنهار لا بالليل.
عنه،
وإذا اغتسلت فتوضأ وانوه لأداء فريضة الْجُمعَة، واترك الأشغال في ذلك اليوم – إن أمكنك – إلا شُغلا في طاعة الله تَعَالَى، ودَع البيع والشراء؛ لنهي الله تَعَالَى وخاصة عند أذانِ الْمُؤذن للجمعة، إلى أن تنصرف الْجَمَاعَة مِن الصَّلاة. وامض إِلَى الْجَامع بعد الوضوء- إن أمكنك – قبل الزوال، وإلا فَبَعدَه بقليل، ولا تدع الرجال يسبقُونَك إلى الخير، فَيُلحقك الْغَبن بما لا تُدركه مِن بعد، ولا يُغني
الندم.
1) صُحار: مدينة عمانية من أقدم وأهم المدن الساحلية في عُمان، تقع على بعد 240 كلم شمالي غربي العاصمة مسقط، وهي حاضرة شمال الباطنة، وقيل سميت بذلك نسبة إلى صحار بن أرم سام بن نوح النبي ا
2) نزوى هي ا
العاصمة الداخلية لسلطنة عُمان، وتقع على بعد 180 كيلو مترا من العاصمة مسقط نحو الجنوب الغربي. (1/110)
صفحة 111
111
الدلائل على اللوازم والوسائل
أرأيت لو كنت تاجرا، وسمعت بسلعة مُربحة، أما كُنت تُحِبُّ أَن تُسابِق عليها إخوانك وأقرانك؟! فهذه أحقُّ بالسباق، وبين الغادي إلَى الْمَسجد أَوَّلَ الْوَقت، وبينَ المتأخرينَ بُعد بعيد، لا يعلم قدره إلا الله .. وَإِن لَمْ تَكُن أَوَّلاً فَلَا تَكُن آخرا ... فإذا دخلت المسجد، فلا تشتغل بالقيل والقال، وبأشغال النساء والمال، بل في ذكر الله.
فإن كُنت حافظا للقرآن فاقرأ ما تيسر منه ولَو سُورَة الكهف، فإن قراءتها مأمور بِهَا في ذَلِكَ اليوم خاصة. وإن كنت لا تحفظ الْقُرْآن فَصل طَاعة الله مَا قَدَرت، وإِن شئت جعلته بدلا احتياطيا لتقصيرك في الفرائض فَهو أحسن، وإن أحبت أن تَجعَله طَاعَة فَنِعْمَ مَا هُو .. وإن لَم تَقدِر عَلَى الصَّلاة فاذكر الله سراً وجهرا، بتهليل وتحميد وتسبيح الله إلى أن
يبدأ الْخَطيب بالخطبَة، فَأنصت لها، وتفهم لِمَا فيها، وعِهِ بِقَلبك، واعمل به. فإذا أَتَمَّ الْخَطِيب الخطبة، وقامَ الْمُقيم، فَأَنصت إلى أن يصل إلى قول: «حَيَّ عَلَى الصَّلاة»، فَانتصب أنت قائما وابدأ بالنيَّةِ عِند ذَلِكَ، واحذر النطق مِن حين يبدأ الْخَطِيبُ بالخُطبَة، فلا تنطق بشَيء حَتَّى لَو دَخلت المسجد في ذَلِكَ الْوَقت، ولا تُسلّم عَلَى الْجَمَاعَة في المسجد، واصمت عن جميع اللغو، فإن لَغَوتَ فَسَدَت عليك صلاة الجمعة، إلا أن تَخْرُج مِن الْمَسجِد وتعود ثانية. وإن أردت الصَّلاة، فقُل: «أُصلّي الله تَعَالَى في مَقامِي هَذَا فَرِيضَة صلاة الْجُمعة ركعتين أداء للفرض تبعا للإمام، وأصلي بصلاته».
واتَّبع الإمام فيما يقرأه، كما تتبعته في سائر الصَّلاة، ولا تقرأ خَلفَه فِيهَا شَيئا من الْقُرْآن [إلا الفاتِحَة]. فإذا سلم الإمام، فَصَلِّ سُنَّة الظهر ركعتين - إن كُنت مُقيما، أو مُسافرا وأخَّرت
صلاة العصر إلى وقتها، وصلّ بعدَ صَلَاةِ السَّنَّةِ مَا شِئت. (1/111)
صفحة 112
الدلائل على اللوازم والوسائل
وأَمَّا إِن كُنت مُسافِرا وجمعت العصر إِلَى الْجُمعَة فَلا تُصَلِّ بَعدهَا شَيئا، وجَائِز لكَ جمع صلاة العصر إليها.
فإذا قَضَيت الصَّلاةِ حَلٌّ لَك شغل الدنيا الحلال من البيع والشراء والحرث وغيره. وإن أردت الدرجة العليا فلا تشتغل إلا بذكر الله، ولو إلى الليل، فإن في الْجُمعَةِ سَاعَة طيبة، لا يُوافِقها عبد مسلم يدعو الله - تَعَالَى – بِشَيْءٍ إِلا اسْتَجَابَ لَه، إذا كان الدعاء على الوجه الصحيح الْجَائِز.
-
وينقصُ صَلاة الجمعة الذي ينقض غيرها، وإن انتقضت عليك في وَقتِها الْحَاضِر فصلها أربعا صَلاةَ نَفسك، وبعد فوات الْوَقت فَأبدِلْها ركعتين إن كان النقض من
قبلك؛ وإن كان النقصُ مِن قِبَل الإِمَام فَأَبدلها أربعًا، كذا فيمَا عِندي أَنِّي عَرفتُ فِيها. (1/112)
صفحة 113
113
الدلائل على اللوازم والوسائل
الثاني
في لزوم البدل والكفارات
وصفة إنفاذ الكفارات عن الصلوات
والله الله - يا أخي حَافِظ عَلَى صَلواتِ الفرائض في كُلِّ حِين، وفِي كُلِّ وَقت، رَاجِيا ثَوابَ الله تَعَالَى - خائفا عِقابه، قبل أن يَأْتِيَ عَليكَ يوم أو سَاعة تَودُّ فِيه أَنَّك صليت ليلا أَو نَهَارا بالجهد والمحافظة، ثُمَّ لا يُمكن ذَلِكَ.
والأمر - يا أخي – قريب، فما أسرعه لطويل العمر، فكيف لقصيره؟ فَاصبر أيامًا قلائل، تجد فوزا عظيمًا .. وما هَذه بمشقة لو فكرت فيها؛ فَصَلِّ صَلَاةَ مُودِّع يَخَاف أَلا يَتيسر له أن يُصَلِّيَ بَعدها غَيرهَا، إِمَّا مِن لُحُوقِ الْمَوتِ فَجَأَة، أَو مَرَضِ يؤدِّي إِلَى
الْمَوت. فَإذا أمضيت عُمرك في اللهو والتضييع، فمتى تقوم بما فرض الله عليك؟! أَمَّا في الْمَرَضِ فَغَير مُمكن إلا ما لا بُدَّ منه، وفي القبر أبعد وأبعد. وانظر في عقوبة الصَّلاة إن ضيعتها في شَيْء من الأوقاتِ، ولم تقم بِهَا عَلَى موجب الشرع بالبدل وَالْكَفَّارة!!؟.
فإذا تركت الصلاة عمدا في حضر، أو سفر، أو مرض تقدر أن تُصَلِّي فيه بما أمكنك فلم تصل، فَعَليكَ بَدل ما تركت عامدا. والْكَفَّارات (1): لِكُلِّ صَلاة تُبدَل مِثلها، والكَفَّارَة: صيام شهرين متتابعين إِن أَردت صياما، أو إطعام ستين مسكينًا، رجالا ونساء مُسلِمِين، فقراء – لا أغنياء ولا مرضى ولا صغارا ولا كبارا ولا عبيدا - تطعمهم أكلتين مأدومتين (1) غذاء وعشاء، تمرا وخُبزا.
1) لزوم الكفارة عند جمهور أصحابنا على تارك الصلاة متعمداً قياسا على منتهك الصيام، إلا أن بعض المتأخرين لا يرى لزوم الكفارة عَلَى ترك الصَّلاة لعدم وجود الدليل القاطع في ذلك. (1/113)
صفحة 114
الدلائل على اللوازم والوسائل
وإن شئت سلمت لِكُلِّ فَقِير من الجنس المذكورين لِكُلِّ واحد نف صاع (3) حَبِّ بُرا، أَو ثَلاثَة أرباع الصاع من حب الذرة والشعير؛ فعلى هذا الْحِساب ينوب لِكُلِّ كَفَّارَةِ صَلَاةٍ، ثَلاثونَ صاعاً يُقسَّم بين ستين فقيرا إذا كان من البر، أو خمسة وأربعون صاعا من الذرة أو الشعير يُقسم كذلِكَ. وَإِن دَفَعت لِكُلِّ فقير من سائر الحبوب من الأرز، والدُّحْنُ، والذرة، والشعير، قدر قيمة نصف صاع بُرا، فَيُجزيك إن شاء الله.
(4)
وإن دفعت الأرز وحدَه، فَفيما عندي أني حفظت عن بعض فقهاء الْمُسلِمِين وَأظُنُّه الشيخ صالح بن سعيد النزوي له أَنه يَدفَعُ مَان نصف صَاعَ بُرا ثُلث صَاعِ أَرزا ..
وأما التمر: ففي جواز إنفاذه في الكفارات اختلاف، ونحن اعتماد إنفاذنا في الحبوب -، وعلى قول مَن أَجازَ التمر: فهو صاع أيضا وبالوزن، فَمِن تَمرِ الْفَرْض (5) ثَلاثَةِ أَمَنَان بمن نزوى (1) - فيما عندي، ومن السائر مَنوَان وثُلُثَا مَنْ؛ لأَنه أَخف من تمر الفرضِ ..
1) مادومتين من الإدام والأدم: وهو ما يؤكل مع الخبز الأدم والسمن واللحم واللبن. انظر: العين، (أدم). (2) والصاع - أربعة أمداد - 20176 كيلو غرام – 2075 لتر ماء. الدُّحْنُ هو الْجَاورس، وهو حب صغير يابس أبيض وأنقى من فصيلة الذرة وأصغر منه بكثير، يشبه الدرسق
والسهوي، وكان يزرع بصورة واسعة بعمان. انظر: العين (دخن). والعبري: إرشاد الإخوان، 63. 4) هو: أبو سعيد صالح بن سعيد الزاملي (حَيّ في: 1059 هـ): عالم فقيه سكن نزوى، وشارك في بيعة الإمام ناصر بن مرشد و عمل قاضيا له، ومِمَّن له الفضل في قيام دولة اليعاربة له كثير من الأجوبة الفقهية منها المجموع والمبثوث في الكتب. انظر: نزوى عبر الأيام 157. دليل أعلام عمان، 95. ومعـ المشرق (تجريبية)، ر 704.
أعلام
ه) الفرض: من أهم أنواع التمور العمانية لون ممرته أشقر والتمر أسمر، وهو الصنف الرئيس المستعمل الحفظ والتعبئة ويكثر في الداخلية والشرقية والظاهرة والرستاق. انظر: محمود مكي النخيل في سلطنة عمان، 137. (1/114)
صفحة 115
الدلائل على اللوازم والوسائل
هَذه عُقُوبَة صَلاة واحدة إن ضيَّعتها .. أَمَا كَان أخف عليك تأديتها في وقتها وأسهل وأسلم وأفضل؛ فكيف إذا ضيَّعت صلوات كثيرة، كم يلحقكَ في نفسك من لزوم بدلها، وفي مَالِك من لزوم كَفَّاراتِهَا!!؟ أما كان خيرا لك لو صلِّيتَ الصَّلاة في وقتِها.
وكذلك: لو ضيَّعت عمدًا شَيْئًا مِن حُدودها وفَرائضها، من ترك تكبيرة
الإحرام منها، أو القراءة في حال القيام من غير عذر، أو الركوع، أو السجود، أو أخرت الصَّلاة إلى أن فات وقتها، أو صليتها قصرا في موضع يجب عليك التمام لها، أو صليتها بنَجَاسَة في بدنك أو ثيابك عمدا، وأنت ذاكر لذلِكَ، فَفِي كُلِّ هذا عَليك البدل والكَفَّارَة، وكذلك إن صليت بغير وضوء عندِ وُجود الْمَاء وأنت صحيح، أو بغير تَيمُّم عِند العذر عن الوضوء، أو بوضوء منتقض، ففي كُلِّ هذا البدل والْكَفَّارَة.
وأَمَّا إِن صَلَّيتَ صَلاة وعندك أَنَّهَا تَامة، ثُمَّ تبيَّنَ لك مِن بَعدِ مَا صَلِّيتَها أنك صليتها بنَجَاسَة، أو بثوب نجس، أو في مكان نجس، أو بوضوء منتقض، أو أنك تركت منها شيئا من فَرائضها، أو سُننها المؤكدات، وإذا ذكرت والوقت بعده حاضر فصلها حاضرة، وإن شئت ذكرتها في النِّيَّة «بدل صلاة حاضرة»، وإن لَمْ تَذكُر حَتَّى فَات وقتها فَأبدلها متى شئت في الوقت الذي تجوز فيه الصلاة، وتعجيل ذَلِكَ أَفضل ..
وإن صليت في موضع يجب عليك فيه القصر تماما، فعليك بدلها قصراء
والله أعلم.
(1) الْمَنُ والْمَنا والأمنان: من الأوزان العمانية، ويساوي 24 اكياس، وهو أربعة أخماس الكيلو، أي ما يقارب 800 غرام. أمَّا الْمنُ المسكدي القديم: فيساوي وزنه 137 قرشا فرنسيا ومثقالا، ويعادل أربعة كيلو
غرامات انظر العبري: كلمات مضيئة، ص 20. وغيره (1/115)
صفحة 116
الدلائل على اللوازم والوسائل
فهذا يا أخي، رسم من ذكر الصَّلاة وقُنونها؛ لكي تستدل به، وإن أردت الزيادة فاطلب ذلِكَ مِن آثارِ الْمُسْلِمِينَ، فإنِّي لَمْ أذكر إِلا رَسْمًا لقلة علمي، وطلبي الاختصار، ولما أغنى الله الناسَ عَن كتابِي هَذا بسواه. (1/116)
صفحة 117
البات
14
في ذكر غُسل الميت
الدلائل على اللوازم والوسائل
اعلم يا أخي - رحمنا الله وإيَّاك وجَمِيعِ الْمُسلِمِين – بأنك إذا عشت في الدنيا، وعند أهلها، فلا بُدَّ مِن أن تحضر الْمَيِّتِ مِن قَريب أو بعيد.
فإذا بُليت بذَلِكَ، ولَحِق الْمَرَضُ الْمَحوف أحدًا من ذويك، من والدين، أو زوجة أو أولاد، أو أخ، أو أخوات، أو أرحام، أو جيران، أو صديق، أو غريب؛ فذكره إن أمكنك – بالتوبةِ إِلَى الله مِن جَمِيع الذنوب، وبالذكر الله علام الغيوب، وبالتخلص من جَمِيع التَّبعاتِ، وَبالوصية بجميع الواجبات، وبالاعتقاد أن لا يعود إلى معصية الله – تَعَالَى إِلَى الْمَماتِ، فَإِنْ ذَلِكَ مَعونة مِنك لَه، ونعم المعونة إذا أَرشدته إلى الْمَتَابِ، وهديته إِلى الصواب قُربَ الذهاب إلى الثواب أوالعذاب. فإذا عافاه الله وقام من مرضه فهو السرور، ولو أَنَّهُ بَعد في العودة إليه لِسَكَنِ القبور .. لكن الإنسانَ يُحِبُّ التأخير أو لَمْ تَغلبه المقادير.
وإن هو ما مات فاعتصم بالله صابرا، وحَمِد الله شاكرا فَإِنَّهُ مِنه وإليه، فإِنَّا كُنَّا عَدما وَسَنصير عدما، وهكذا الْجَمِيع .. غَير أَنَّهُ يَثبت للعبدِ ما قدَّمَهُ مِن صَالِحٍ عَمَلِهِ ومَأْثَمه. فإِذَا قَضى نَحْبَه وَالْمَعْنَى: (مَات فَلا تَعجل عَليه بَل قِف هنيهة، فَإِنَّهُ مَأْمُورٌ بِذَلِكَ في آثار الْمُسْلِمِينَ، لِمَعانٍ عَرَفُوها. ثُمَّ قم في هِمَّة طَهَارَتِه، فَإن حصل لكَ مِن يَقوم بِهِ مِن غَيرِك فَيجْزِيكَ ذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ
يفوتك أجر القيام به، وإلا فَاحْمِله مع من حضرك إلى الْمَاء، أو احْمِلَ الْمَاء إِلَيهِ. (1/117)
صفحة 118
1187
الدلائل على اللوازم والوسائل
ثُمَّ اخلع. عنه ثيابه إلا مَا تَستر به عورته، ثُمَّ اغمِسه في الْمَاء إن كانَ جَاريا، أو صُب عليه إِن لَمْ يَحصل الْمَاء الجاري، وانو بغسله أداء السنَّة، وقُل: «اللَّهُمَّ نَيَّتِي واعتقادِي أن أغسلَ هَذا المَيِّت أداء للسنة وطهارة لَه مِن كُلِّ نَجَاسَة، طَاعة الله
ولرسوله محمد».
ثُمَّ تَغسل بدنه، ثُمَّ تَأخُذ خِرقة غليظة تجعلها عَلَى يَدِك حين تُنجي (1) الْمَيِّت، لثلاتمس بيديكَ فَرج الْمَيِّت .. ثُمَّ تَعصِر بَطَنَ الْمَيِّت عصرًا رفيقا، لئلا يَكون شَيْءٍ هناك ويخرج من بَعد ذلِكَ، ثُمَّ تَبدأ تُنجي الْمَيِّت حَتَّى يُنفّى .. ثُمَّ تُوضَى الْمَيِّت كوضُوء الصَّلاة، وتجري يدَك عَلَى أَسنان الميت عند الوضوء، وتُنشق منخريه بالماء، ولا تبالغ في الاستنشاق والمضمضة. فإذا وَضَاته فابدأ بغسل شِقِّ رَأْسِه الأيمن عَلَى لِحيته وحَلقه، ثُمَّ شِق رأسه الأيسر عَلَى لحيته ووجهه، يده اليمنى وما يليها من منكبيه وصدره وظهره وبطنه، ثُمَّ يده اليسرى وما يليها من جانبه الآخر من منكبيه وصدره وظهره وبطنه، ثُمَّ وَرَكه الأيمن إلى أطراف رجله اليمنى، ثُمَّ وَركه الأيسر إلى أطراف رجله اليسرى. فإِذَا فَرغَ مِن غسله، أَفاضَ عَليه ماء فيه شَيْء من الطيب، هذا إن كان في ماء غير
جار
كفاه.
بغير ذَلِكَ - إن شاء الله تَعَالَى-.
جار، وإن كان في ماء فإذا ثُمَّ غَسله رفع من مكانه ذَلِكَ، ثُمَّ جُعِل في كفنه وحنوطه فيؤزر بثوب ويُلبس قميصا، وتلفه بلفافة، وإن لَمْ يَكن فَإزار ولفافة، وإن لَمْ يَكن اجتزئ بثوب
يُلف فيه من رأسه إلى قدميه وليس في غسل الميت حَدٌ مَحدود حَتَّى يُنقى ويُنظّف. فإذا غُسل وكُفّن بُخّر بشيء من العود، أو بما يحصل من البخور، وَإِن لَمْ يَحصل بخور فليس بلازم، ويُصَلِّى عَليه ويُحمل إلى قبره ويُدفن.
1 تُنجي: من النَّجا والاستنجاء، وهو التنظيف وإزالة النجاسة من البدن ومحل البول والغائط. 2) الحنوط: يُخلط من الطيب ويوضع في كفن الميت وجسمه خاصة. انظر: العين، (حنط). (1/118)
صفحة 119
البال
الدلائل على اللوازم والوسائل
وبين
من
فِي صِفة الصَّلاةِ عَلَى الْمَيِّت
إذَا كُنتَ أنتَ أقرب الناس إليه فَصَلِّ عَليه، أو قُل لمن شئت أن يُصَلِّي عَليه. فإذا أردتُم الصَّلاة عليه فَقُم للرجل قبالة، صدره، وللمرأة قبالة رأسها، ويكون بينك
الْجَنَازَة (1) ولَو قَدر مَربضَ شَاة، أو أقل أو أكثر، وتكون مستقبل القبلة. وإن حصل جماعة صَلُّوا عليه جَمَاعَة، وإلا فيكفي كُلِّ مَن صَلَّى عَليهِ مِمَّن حَضر. ولا يُصَلّى عليه ولا يُدفن إلا في الوقت الذي تجوز فيه الصَّلاة، ولْيَقُل الذي يُصَلِّي عَليه: «أُصلّي الله تبارك وتَعَالَى في مقامي هَذا صلاة السنة التي أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الميت بأربع تكبيرات طاعة الله ورسوله مُحَمَّد». وإن كان إماما أو مأموما، قال فيها مثل ما يُقال في غيرها من سائر الصلوات، ثُمَّ يُوجه، ثُمَّ يُحرم، ثُمَّ يَستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ثُمَّ يقرأ الفَاتِحَة إلى تمامها، ثُمَّ يُكبر التكبيرة الثانية، ثُمَّ يقرأ الفَاتِحَة ثانيا أَيْضًا إلى تمامها، ثُمَّ يكبر التكبيرة الثالثة، ثُمَّ يَقولُ: «الْحَمدُ الله الأَوَّل والآخر، والظاهر والباطن، وهُو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم .. الْحَمدُ لله الذي يُميت الأحياء ويُحيِي الْمَوتَى، ويبعث من في القبور .. الْحَمدُ لله الذي مِنه الْمَبدأ وإليه الرُّجعى، ولَه الْحَمدُ فِي الآخرة والأولى .. » ثُمَّ يستغفر لِذَنبِه، ويُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ محمد، ويَدعُو للمؤمنين وللمؤمنات .. ثُمَّ يدعو للميت إن كان من الأولياء،
ويقولُ:
(1) الْجَنازَة: يقصد بها هنا جُنَّةِ الْمَيِّت. (1/119)
صفحة 120
الدلائل على اللوازم والوسائل
رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَأَغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ. رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدنَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَابِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَبِذٍ فَقَدْ رَحْمَتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ () () .. ثُمَّ يُكَبِّر الرابعة، ويُصَلِّي عَلَى رَسول الله، ثُمَّ
يُسلّم تسليمة خفيفة لا يكاد يسمعها إلا من كان بقربه .. وقد تَمَّت الصَّلاة. وأكثر ما قيل – فيما عندي - أن صَلَاةِ الْمَيِّت إلى الأولياء، إِمَّا أَن يُصلُّوا عليه، أو يَأمروا مَن يُصَلِّي عَليه إجلالا له .. وإن لم يحضر أحد من الأولياء صلى عليه من حضر. ولا تُحبُّ أن يُدفن الميت المُسلم الذي هو من أهل الْقِبلَة مِن غَير أن يُصَلِّى عليه؛ فإن لَمْ يَكُن ولم يتهيَّاً في الْحَضرة مَن يُحسنُ الصَّلاةَ عَليه، دفنوه وأعلموا به أهل المعرفة بالصَّلاة، وصلوا عليه بعد دفنه في شَيْء من البقاع أو المساجد، وتكون النية
في الصَّلاة لِذَلِكَ الْمَيِّت المدفون هناك، والله أعلم بالصواب.
1) سورة غافر: 7 - 9. (1/120)
صفحة 121
البات
الدلائل على اللوازم والوسائل
في ذكر صلاة كسوف الشمس، وخُسوف القمر
واعْلَمْ يا أخي - رحمنا الله وإيَّاك - أنَّ الصَّلاة خير مَنصُوب قُدَّامك وأنت قادر عليه، فأكثر من حمله قبل أن تعجز بالكبر أو المرض، أو تذهب بالْمَوت، وتندم حيث لا ينفع الندم، فاعمل ما دُمت مُعافى قادرًا وأنتَ مُحتاج، فَإِلَى مَتى تُوخَّر؟!.
فاحرز الفرائض بالسنة، واحرز السنن بالنوافل، وخُذ حَظِّك من الكلِّ .. وإن رأيت آية من آيات الله تَعَالَى الباهرة، ولا تقدر أنت عَلَى إِحصاء آياتِ الله، ولا تقدر على أن تقوم بشكرٍ واحدة من ألف واحدة ... ومن آياته الباهرة، وقدرته الظاهرة: كُسوف الشمس، وخسوف القمر، فهو من أعظم الآيات، وأقرب الدلالات؛ ولولا أن الناس قد عرفوا ذَلِكَ مِن قبل، وجرت به العادة لكان ذلك من الروعات الْمُفزعات، وفيه الدلالة على قدرته، وعَلى عَجزِ الشمس والقمر مع قُوَّتِهما وقوَّة ضوئهما .. انظُر إِلَى مَا يَحُلُ بِهِمَا، هَل يَفعلان ذَلِكَ بأنفسهما؟ أو يقدر مخلوق عَلَى أَن يفعل ذَلِكَ بهما؟!! إِنَّمَا هَذِهِ قُدرة قَدِير تَعَالَى عَن الشريك والمعين والظهير، وَيُرِيكُمْ ءَايَتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ .. فَإِذا رَأيت ذَلِكَ فافزع إِلَى الصَّلاةِ فَصَلِّ لِكُسوف الشمس ركعتين بغير جماعة، تُصَلِّيهما بلا آذان ولا إقامة، بل تنوي وتقول: أُصلّي الله تَعَالَى فِي مقامي هَذَا سنَّة صلاة كسوف الشمس ركعتين أداء للسنَّة، طاعة الله ولرسوله مُحمَّد لله، متوجها إلى الكعبة ... » إلى تمام
النية.
1) سورة البقرة: 73. (1/121)
صفحة 122
الدلائل على اللوازم والوسائل
ووجه وجَدّد النية، وكبر تكبيرة الإحرام، واستعذ بالله كسائر الصلوات، واقرأ الفَاتِحَة وشيئا مِن الْقُرْآن وأطل القراءة ما قدرت واركع واسجد سجدتين، وقم للركعة الثانية، واقرأ الفَاتِحَة وَقُلْ هُوَ اللهُ أَحَدُّ) وما تيسر أيضا، مِن الْقُرْآن، ولو أَقَلَّ مِمَّا قَرَأت في الركعة الأولى، ثُمَّ اركع واسجد سجدتين، واقعد لقراءة التَّحِيَّات إِلَى تَمامِها، وسلّم، وقد تَمَّت.
وأَمَّا صَلاة خُسوف القمر فهي مثلها لا فرق بينهما في شَيْء، إِلَّا أَنْ صَلَاة خسوف القمر تُذكر في النيَّة أَنَّهَا سنة خسوف القمر وتُصَلَّى جَماعة في القول الذي نعمل عليه .. ويطيل الإمام القراءة، بلا ضرر عليه ولا عَلَى مَن يُصَلِّي خلفه، ولا يُحفَى ذَلِكَ - إن شاء الله تَعَالَى عَلَى مَن نَصح لنفسه.
ولا تُصَلّى هذه الصَّلاة إلا بالطهارة التامة، واللباس الطاهر، واستقبال القبلة، كمثل
غيرها من الصلوات ..
وَحُرمَة الصَّلاة سواء كان فريضة أو سنة أو نافلة، أو كسوف أو غَير ذَلِكَ، إِلا أَنْ تضييع الفرائض أشدّ عُقُوبَة وأكبر، والله أعلم بالصواب. فهذا قليل من كثير من صفة الصَّلاة وما جاء فيها من فضائلها، وفنونها، وما ينقضها وما لا ينقضها، لكي تستدل به لِتَطلبَ ذَلِكَ مِن آثارِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْحَمدُ لله رَبِّ الْعالَمين، وصلى الله عَلَى سيدنا مُحمَّد النَّبِيِّ وآله وصحبه وسلّم. وأَمَّا صَلاة القيام في شهر رمضان، وصلاة العيدين، فآتِي بصفتها فيما بعد – إن الله، وهو حسبنا ونعم الوكيل، نعم
شاء الله – على الترتيب، وما التيسير إلا
المولى، ونعم النصير، والله الموفق للصواب.
البات
من
في صفة أداء الزكاة من ثمار، ونقود، وماشية، والحثّ على ذَلِكَ (1/122)
صفحة 123
الدلائل على اللوازم والوسائل
فإذا عرفت – يا أخي - الصَّلاة بجميع فرائضها، وسننها ونوافلها، وشروطها ونواقضها، وضبطت ذَلِكَ ضبطا جيدا .. ودخلت في أمور الدنيا لجمع المال، لمنافع النفس وللحاجة الداعية إليه، إما من تجارة، أو حراثة، أو صناعة، أو ما أشبه ذلِكَ؛ لأَنَّه لا بُدَّ للإنسان من شغل إن كان فيه قُوَّة صَعالَة (1) الرجال، ولا يَكُن بَطّالا مُتعطّلا كَلا على الناسِ ثَقيلاً. فَأَدونُ الْحُروث وأحسنها عِندَ الناس مِمَّا هُو حَلال جائز خير من سؤال الناس، وقد
كان الأنبياء والعلماء والعباد وغيرهم خَيْرًا مِنَّا ولَم يُهملوا الطلب. وطلب الرزق الحلال هُو مِن طاعة الله، إذا كان قصدك فيه لتغني نفسك وعيالك عن الناس، وتقوم بالواجب عليك فيه وتقتصد في معاشك وتكرم ضيفك، وسائلك
ابتغاء ما عند الله.
فإذا طلبت وتيسر لكَ مَطلوبك في جَمع المال والرزق الحلال، فَلا تَعْفَل عَن شُكر الله تَعَالَى، وَاذكُر فضله ومِنَنه عَليك بمَا حَصَّك به، ويَسَّر لَكَ مِن هَذَا الْمَطلوب، مِن الوجه الذي طلبه كثير من خلقه فلم يحصل لهم مثل ما حصل لك مِمَّن هُو رُبَّمَا كَان أشدَّ مِنكَ قوَّة، وأكثر طلبا، وأقوى طَمعًا، وأزيدَ عَنك حرصًا، فلم يدرك الْمُرَاد مِمَّا
أراد.
فكم ترى من تاجر وصانع ومن حارث طالب، وفيهم الفقير المُحتاج، وفيهم الغنيُّ، وَرُبَّمَا كانَ هَذَا الغني أقل طلبا من الفقير وأدرَّ رِزقا، وهَذا أشدّ طلبا وأقلّ رِزقا وأكثر جوعا وهما؛ لتعلم أن ذَلِكَ تقدير العزيز العليم .. وكلُّ ذَلِكَ الْمَعْنَى غَاب عنك ..
1) الصَّعَالَة: من الصعلُ: وهو صغر الرأس مع طوله، كأنه يستوي مع العنق. انظر: العين، (صعل). (1/123)
صفحة 124
الدلائل على اللوازم والوسائل
124
ولعل في علم الله السابقِ أَنْ هَذا الفقير لو نال الغنى لطفى وبغى، وكان في علم الله أَنْ
الفقر خَيْرٌ لَه مِن الغِنَى. ولعل هذا الغني لو كان فقيرا لحزن واهتم، واشتغل حتَّى عنِ الدِّين، فَعَلِمَ اللهُ أنَّ هذا لا يَحمِلُ الفَقرَ فَأَغْنَاهُ؛ وهذا لا يَحمِلُ الغِنَى مِن قُوَّة نفسه، وَقَسَاوَةِ قَلبه فاختارَ لَهُ الفَقرَ لصلاح عِلمه، أيكون اختيار العبد خيرًا من اختيار الله تعالى؟! حاشا الله!!.
ولَو رَدَّ اللهُ - تعالى - تدبير الخلق إليهم، وجعَلَ ذلِك عَلَى نَظَرِهِم لَضَاعُوا وَجَاعُوا .. فلا ينبغي للعبد أن يَعِيبَ تدبير الله له؛ فإِنَّهُ لا يُحسِنُ التَّدبير أبدا، إِنَّما هَمَّتُه فِي بطنه، وفرجه، وملبوسه، ومركوبه .. فإذا سبق أهل زمانه بمثل هَذَا ظَنَّ أَنَّهُ هُوَ السَّابِقُ، ومالَهُ مِن
الله
لاحق، وهيهات هيهات .. إِنَّمَا السَّابِقُ مَن أطاعَ اللَّهَ فِي سِرِّهِ وَعَلانِيَّتِهِ، وقَام بِأَوامِرٍ تعالى في سَقَمِه بِما قَدَر فِي عَافِيتِه، وانتَهَى عَمَّا نَهى اللهُ عنهُ مِن جَمِيعِ مَعصِيَته، وقَنع مِن الدُّنيا بِقُوتٍ حلال إِلَى آخِرِ مُدَّتِه، وقام فِي الْخَلقِ ناصِحًا لِعِبَادِ اللَّهِ لِيَسِيرُوا إِلَى اللَّهِ بِمِثل سيرته، ولَم يَلْتَفِت إِلَى جَمع الْمَال، ورفع البنيانِ، لِشُغلِهِ بِحلُول مَنِيَّتِه .. فكم مِن بَانِ لِلقُصُور، وجامع للمال، يَتمَنَّى بُلُوغَ الْمُرَادِ، فَحالَ الْحِمَامُ) دُون أُمنِيَّتِه .. فسلّمْ أُمُورَك إلى الله وتوكل عليهِ؛ فإن لم يتهيَّأ لك الجمع، ولم تصل إِلَى مَا تُرِيدُهُ مِن
إذا
الطَّمَع، فَاشكُرِ الله تعالَى إِذ اختَارَ لَك مَا هُو أَخفُ لَك فِي الدُّنيا والآخِرةِ، فَفي الدُّنيا كُنت فقيرا كنت أقل شُغلاً، وأخفَّ هَما وندما وحُزنًا .. إذ صاحبُ الْمَالِ كَثيرُ الاشتغال بالْجَمع أَوَّلاً، وبالبذل آخِرًا، ومَسئُولٌ عَمَّا جَمَعَهُ يَومَ القِيامَةِ .. مِن أَينَ جَمَعَتَهُ؟ وفيم أنفقته؟!! .. وبين ذلك من الْحِساب، والحفظ للمال، والخوف والشغل بِهِ فِي البَرِّ والبَحرِ،
وليس للجَامِع إلا القُوت .. فَإذا أعطاك اللهُ القُوتَ، فَمَا حَاجِتُكَ فِي جَمِعِ الْمَالِ؟!.
1) الْحِمامُ: قضاء الموت. (1/124)
صفحة 125
الفقر
الدلائل على اللوازم والوسائل
وربَّما كان قُوتُ الفقير أَرفَهُ مِن قُوتِ بَعض الأغنياءِ، فَمِن أَينَ تُؤدِّي الشُّكَرَ لِمَزِلة
فكيف بالغنّى؟!!، وقد قيل: «إنّ الفُقراءَ الصَّالِحينَ يَدخُلُونَ الْجِنَّةَ قَبل الأغنياء بِسنِين طِوالٍ»، فَما يَقُومُ هَذَا الفناء لصاحبِه بِغَينِ ذَلِكَ الوقت!!؟.
وإن يسر الله لك جَمعَ الْمَالِ، ولحقت مِنه مُرادَكَ .. وهَيْهات! فَلَا تَعْفَل عَن شُكرِ الله ال إذ أعطاك هَذَا الْمَالَ وأَغناكَ مِن الرِّجال، وعافاك فِي الْحالِ، وَجعلَ بَعض النَّاسِ إليكَ مُحتاجين يسألُونَكَ القَليلَ مِمَّا أعطاك اللهُ، وَلِفَضلِكَ رَاحِين .. فَفَكِّر وانظر كيف لو أغناهم عنك، وأحوجَكَ إليهم، أما كان عدلاً مِنْهُ تعالى؟! فَمِن أَين تُودِّي
شكر هذا؟!.
فإذا عرفت هذا فَالْزَم الشكرَ لَيلاً ونهارًا لمن أعطاك، وَخَفْ مِنْهُ إِن قَصَّرْتَ ذَهَابَ ما حولك به وحبَاكَ، وأدَّ لَه ما أمرك به تامَّا إِن لَم تَسمحْ نَفْسُكَ بِالْمَزِيدِ، فَإِنَّما أَنت أَمِينٌ مُستَخلَفٌ فِيهِ، فَأَنفِق مِنهُ ما دَام فِي يَدكَ قَبل أَن يَنتَقِلَ فِي يَد غَيرِكَ .. فإن سمحت فالأحسنُ لك لو بذلت الْمَالَ كُلَّهُ فِي حُبِّ الله، لكُنتَ رَقَيتَ الْمَرْلَةَ والدرجة العليا، وكيف لك أن تقوم بعشر شُكر هذه الْحَالَةِ الْجَيِّدة .. أَنشُحُ بِبَدَلِ ما أَعطاكَ اللَّهُ إِيَّاهُ، ووعدَكَ بِالْخُلف مِنهُ فِي الدُّنيا، وهو لا يُخلِفُ الْمِيعَادَ ..
ولو صح يَقينُك لأَنفَقتَ، وَما بَخِلت لأجل هذا الوعد .. ثُمَّ وَعدَكَ فِي الآخِرة بالواحدة سَبعمائة، وهذا مِمَّا لا شَكٍّ فِيهِ لِقول الله تعالَى: {وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخلِفهُ، وَهُوَ خَيْرُ الرَّزِقِينَ كي (1)، وكذلك قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي
(1)
(2)
سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّة) (2) فَمِن أين يحصل
مثل هذا الربح في الدنيا؟!!
1) سورة سبأ: 39.
(2) سورة البقرة: 261. (1/125)
صفحة 126
الدلائل على اللوازم والوسائل
فإن عجزت عَن هَذا ولَم تَسمَح نَفسُك به، فَامتثل أمرَ مَن أعطاك الْمَالَ بطيبة
نفسٍ، فَإِنَّهُ أَمرَك بِقليلٍ مِن كَثِيرٍ ..
الفقراء
غني
من
وما تَقُولُ لَو دَخلت أَنتَ وكَثيرٌ مِن النَّاس علَى مَلَكِ مِن مُلوكِ الدُّنيا كريم. عنك، وخصك وأعطاك أضعاف ما أعطى أَصحابَكَ، ثُمَّ أَمرَك أَن تُعطِيَ أقاربك، أو جيرانك، أو إخوانك العُشر، أو نصف العُشر، أو ربع العشر، أو دون ذلك، ووعدَك بالْخُلفِ عمَّا تُعطيه، ويزيدُك مِن عِنده حاضرًا، وثَوابًا آخر لا تَقدِرُ أَنتَ عَلى تكييفه، ولا يبلغهُ عَملُك ولاَ ظُنُّك، ولا تقدر أن تعرف قدره.
أتبخل بما أَمرَك عَلى هَذا الشَّرط!! أَن تُسلّمَ هَذا القَليلَ مِن هَذا الكَثِيرِ الَّذِي أعطاك، وتحسب نفسك أنك عاقل، وتَحسِبُ مَن رفع لَكَ عَنهُ مثل هَذا غَافِلاً ثُمَّ
صادقا؟!.
ثُمَّ إِنْ هَذَا الْمَلِكِ الذي أعطاك، وهو الغنيُّ الكرِيمُ، الصادق في وعده بالثواب، ووعيده بالعقاب تَعرِفُه بذلك، وتَوَعَدَكَ إِن لَم تُسَلّم مِن هَذَا الْمَالِ الذِي أَعطَاكَ إِيَّاه كذا وكذا، وإلا يُعاقبك عقابًا شَدِيدًا لا يُطاق .. ؟!!
للفقراء من جنس أتسمح بنفسك للعقاب، ولا تسمح بنفسك للبدل المأمور به شكرًا لمن أعطاك، وَرجاءَ الزّيادةِ مِنه حَاضرًا وغائِبا، وخوف عِقابه غَضَبًا عَليكَ لِمُخالَفَتِكَ لَهُ؟!. فلا إله إلا الله، مَا أَحْمَقَكَ مِن إنسان!! أما ينفعك اللطف والوعد، ولا يَزجُرُك العنف والوعيد، والتهدِيدُ الشَّديدُ!!. فانظر لنفسك إِلَى أَين تَفرُّ وَإِلَى مَن تَلْجَاً؟!، أَتصبر علَى العِقاب وشدَّة العذابِ وأَنتِ تَسهَر مِن أذية ضرس؟! وإن أردت أن تُسَلّم الواجب، عَليكَ بِمَا فَرضَهُ اللهُ وَأَمَرَ بِه .. وإن أَردتَ مَعرِفةً ذلك فانظُر مَا فِي يَدِك، أهو ثمار، أم نُقود، أم حيوان؟ فلِكُلِّ شَيْءٍ مِن ذلِكَ حُكُمْ فَاطِلُبَهُ تَجِدهُ إِن شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (1/126)
صفحة 127
النَّخل
الدلائل على
الوسائل
فإن مَلَكتَ مَالاً نَخلاً بقدرِ مَا تَحِبُ فِيه الزَّكاةُ، وهو ثلاثون جُرِّبا (1) بِصاعِ النَّبِيِّ وهو - فيما سمعتُ - بمكيالَ أَهل نَزوَى الصَّحِيحَ مِن مَكَابِيلِهِم، إِذا كَان هَذا كله يُسقَى بِماءِ الأَنْهار، أو كانَ فِي مَكانٍ يَعيشُ فيه النَّخِلُ ويُثمر ولو بغير سقي، كان هذا الذي ذكرتُه عَلَى فَلج) أو فَلجَينِ أَو ثَلاثَةٍ أَو أربعةٍ، وكانَ فِي بَلدٍ وَاحِدٍ أَو بُلدَانٍ مُتَفَرِّقةٍ، كَان لواحدٍ أَو بَين شُرَكَاء، ولَوْ كان بينَ عَشَرَةِ شركاء فَفِيه الزَّكاةُ، إذا كانَ يَبلُغ ثمرته مَا ذَكَرتُ لكَ فَإنّ فيه زَكَاةَ العُشر نامة، من العشرة واحد، والزَّكاة تُؤدَّى يَومَ الْحصَادِ؛ وأَمَّا الذِي تَأكُلُه أَنتَ وعِيالَكَ رُطَبًا فِي زَمَانِ القَيظِ مِن جَمِيعِ مَالِكِ فَلا زَكاةً فِيهِ غَير أَنَّهُ تُكمَّل بِهِ الزَّكاةُ.
فإن كان مثلا ثمرة مالك تبلغ ثلاثين حرببًا فَصاعدا، بِالصَّاعِ الْمَذكور، فَخَرَفْت (3) مثلاً لِعِيالك قدر عَشرة أحربة، أو أقل أو أكثر، فَلا زَكَاةَ عَليكَ فِيهِ، وَإِنَّمَا الزَّكاة فيما حصدتهُ مِنهُ؛ وأَمَّا إِن أَهدَيْتَ لِفَقِيرٍ مِن جيرانك، أو إخوانك، أو أقاربك شَيْئًا مِن الرُّطَب، وأكلُوهِ رُطَبًا فَلَا زَكَاةَ عَليكَ فِيهِ. وأَمَّا الذي تُهدِيه يوم الْحَصَادِ مِن رُطب أو بُسر (4) أَو تَمرٍ، فَسَلَّم مِنْهُ الزَّكَاةَ، وَإِن أطنيت) مَالك أَو شيئًا مِنهُ، فَاجعَل الْخِيارِ لِقَابضَ الزَّكَاةِ إِن كَانَ فِي زَمَن العَدلِ، إِن اختار مِنَ النمر، أو من الثَّمَنِ، إن كانَ الْمَطنِي مِنكَ لا تَخافُ مِنْهُ خيانةٌ فِي الزَّكَاةِ ..
(1) الْجِرَاب: جمعه جُرُب، وهو وعاء كبير من جلد الشاة يوعى فيه ويكال به، يصنع. وفي العرف العماني: يصنع من خوص النخل يكثر فيه التمر، ويقارب ما بين 6 - 8 قلائل. انظر: العين: (جرب). 2) الفلج كلمة تطلق على نظام ري وطريقة توزيع المياه، مجرى مائي يُشقُ في باطن الأرض ويرفع إلى وهي السطح تلقائيا عبر قنوات محفورة لري الزرع، وهو من ميزات أرض عمان. انظر: سير دونالدهولي، عمان ونهضتها الحديثة، ص 91. الْحَرْفُ: هو. هو جني الثمار الناضجة قبل ا الجذاذ.
البسر: هو اصفرار أو احمرار ثمر النخل بعدما كان بلحا وقبل أن يصير رطبا. وقيل: إذا أخذ في التون
إلى الحمرة أو الصفرة.
(5) الطني: هو شيراء ثمر الشعر أو بيع ثمر النحل خاصة قبل حذاذها. (1/127)
صفحة 128
الدلائل على اللوازم والوسائل
وإن كانَ فِي غَيرِ زَمانِ العدل، أو كُنتَ لاَ تَأْمَنهُ فَانصِف مِن نَفْسِكَ وخُذ بِالأَحوَطِ، وسلّم العُشْرَ مِمَّا عِندَكَ، إِنَّهُ أَحوطُ لِتبرأ؛ لأن هذا فَرضَ مِن الله، والله يعلم ما في نفسك
فاحذره ..
وسَلّم مِن كُلِّ شَيْءٍ مِن جنسِه، هذا فِي الْحُكمِ، وإن سمحت بالأكثر والأفضل، فَاعرِف حَقَّ مَن تُسَلِّم لَهُ الْحَقَّ لامتثالِ أَمْرِهِ، فَإِنَّهُ الغَنِيُّ الكَرِيمُ.
وأَمَّا إِن كَان لَك نَصيب من الأموال التي هي بين شركاء، ولم تجب فِي جُملة ذلِكَ الْمَالِ الزَّكاةُ فَلا زَكَاةَ عَلَيكَ ولا علَى شُرَكَائِكَ .. ولو كان لك – مثلاً - عَشرُ سِهام مِن عَشَرَةِ أَمْوَالٍ بَين شُرَكَاء، ولا تَبْلُغَ الزَّكاةُ فِي شَيْءٍ مِن تِلكَ الأَمْوَالِ عَلَى الْخُصوصِ، لَما كَانَ علَيكَ وَلا عَلى أَحدٍ مِن شُرَكائِك زكاة إلا أَن يَحصُلَ لَك أَو لأحدِهِم. من جَمِيعِها مَا تجب فيه الزَّكاةُ، أَو يُضِيفُه عَلَى شَيْءٍ مِن مَالِه مِن غَيرِ تِلكَ السِّهامِ فتلحق الزَّكاة في الْحُملَةِ؛ فَيُسَلِّم عَنهُ مَا تَحِب عَليهِ فِيه. وأَمَّا إِن أَعطيت أحدًا ثَمَرَةَ نَحْلَةٍ مِن مَالِك فَإِن أَعطَيْتَهَا إِيَّاهُ قَبل إِدْرَاكِهَا؛ فَلا زَكَاةَ عليك فيها، وَعَليهِ هُو زَكاتُها إِن كانَ هُو عِندَهُ شَيْءٌ مِن الْمَالَ تَحِب فِيهِ الزَّكاةُ، ولَو لَم يُكَمِّل النصابَ إِلا بها إذا حُسبت مَع مَالِه، وإن أَعطَيْتَهُ بَعدَ الإِدراك فَعَلَيكَ أَنتَ الزَّكاة
عن تلك النخلة منها، أو مِن غَيرها مِن مَالِك مِمّا هُو مِثْلُهَا فِي الْجنس، وأَفضلُ مِنها. سلمت زكاتَها دَرَاهِمَا بِقدرٍ قِيمتِهَا فَيُجزِيكَ ذَلكَ إِن شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، عَلَى قَولِ
وإن
بَعضِ الْمُسْلِمِين ..
وإِن أَعطَيْتَهَا إِيَّاهُ بِما تَحِبُّ فِيها مِن الزَّكَاةِ فَيُجزِيكَ ذَلِكَ إِذا كَان فَقِيرًا ولَو كَان فِي
غير أَيَّامِ العَدلِ. وأَمَّا إذا كَان لَك مَالٌ عَلَى الزَّجِرِ) وَلا يَعِيشُ ولا يُشْمِرُ بِغَيْرِ سَقِي مِن الرَّحِرِ، فَفِيهِ
الزَّكاةُ، إذا بلغت نصف العُشر ..
1) الزجر: هو إخراج الماء من البئر بآلة يديرها حيوان كالثور وغيره للسقي. (1/128)
صفحة 129
الدلائل على اللوازم والوسائل}
ولا يُحمَلُ مَالُ الزَّجرِ عَلَى مَالِ الفَلَجِ وَلاَ مَالُ الفَلَجِ عَلَى مَالِ الزَّجِرِ إِلَّا أَن يَبْلُغَ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَحدَهُ، ويُضافُ مَالُ الزَّحِرِ وَزَرِعُه بَعضُهُ عَلى بَعضٍ، وَلَو أَنَّهُ فِي بُلدَانِ شَتَّى أو أَطوَاء مُتفرِّقةٍ فَيُحمَلُ ذلِك كُلُّه وَيُسَلِّمُ مِن كُلِّ شَيْءٍ مِن الأَجْنَاسِ.
والتَسلِيمُ وبُلُوغُ النّصابِ وأَحكام الزَّكَاةِ فِي مَالِ الزَّجْرِ مِثْلَ مَا جَاءَ فِيمَا يُسقَى بالأنهار، إلا أن هَذا يُسَلَّم مِنهُ نِصفُ العُشر تَامَّا، وذلك فيه العشر، والله أَعلمُ بِالصَّوابِ. وكذلك الزرعُ مِثل البرِّ والذُّرَة والشَّعِيرِ والعَلَس (وَلَعَلَّهُ يُسمَّى الشَّعِيرُ الأَقشَرُ)، إذا زَرَعت- مثلاً - بُرا أَو ذُرَة أَو شَعِيرًا عَلَى شَيْءٍ مِنَ الأَفلاج وَحدَكَ، أَو أَنتَ وَأَحدُ الشُّرَكاءِ ولو كَانُوا عَشَرةً أو أكثر، فَبَلَغَت فيه الزَّكاة فَعَلَيكُم فيه الزَّكاةُ، وذلك إِذا بَلَغَ ثَلاثِين جُرَبًا فَصَاعِدًا بِكَيلِ الصَّاعِ الْمَذكور. والعامل تبع لِرَبِّ الْمَالِ لِحَالِ الزَّكَاةِ فِي ثَمَرَة النَّحْلِ وَالزَّرْعِ، إِذا كَان شَرِيكًا لَهُ؛ وَإِن كَانَ لَهُ أُجرةٌ مَعلُومة (أَعْنِي العَامِل مِن دَرَاهِيمَ أو كَيلٍ مَعْلُومٍ فَلا زَكَاةَ عَلَيهِ فِيهِ، وَزَكَاةً هَذا الزَّرعِ الْمَوصُوفِ العُشْرُ تَاما. وتُخرِج أُجرةَ الدَّائِس والمصيف (2) والْحَامِل إِلَى
(3)
الْجُنُورِ والرَّاقِب (4) قَبلَ الزَّكاةِ، ثُمَّ تُخرِجُ الزَّكَاةِ مِن جُمَلَةِ مَا بَقِيَ.
واحذَر عُقُوبَةَ اللهِ أَن تُعطِي الزَّكاةَ مِن الدُّونِ، وتَأخذُ أَنتَ الأَجوَدَ، وَاعلَم يَقِينًا أَنْ الذِي تُودِّيهِ لِلَّهِ تَعَالَى خَالِصًا، بأَنَّهُ يَصِلُك نفعك فِي الْحَالِ بِالْخُلف، وفي الآخرةِ بِالأَجرِ الْمُضَاعَفِ، فَلا شَكٍّ فِي ذَلِك .. والذِي تَدَّخِرُه لِنَفسكَ فَلا تَعلَم أَنتَ بأَنَّهُ يَأكله الدود
قبلَكَ وَالدَّوابُ، أَو يَسرِقهُ اللصوص، أو يُقَسِّمُهُ الوَارِثُ، أَو يَعْصِبه الْجَبَّارُ الظَّالِمُ ..
1) الدائس: من الدَّوس وهو: شدَّة الضرب أو الدَّقِّ بالعصي الكبيرة حتَّى يتفتّت ما علق بالسنابل من الحب ويجمع بالأقدام.
الحصاد
من
(2) الْمُصيف: هو جز الزرع وقطعه وهو ناضج، ويسمى مصيفا أي محصودا. والتصييف هو القيام بأعمال بدايتها إلى منتهاها وهي عملية طويلة. انظر: إرشاد الإخوان، ص 77. 3) الْجَنُّور: هو الموضع الذي يُداس فيه الحب ويدق، ويكون مستويا صلبا غير مشاب بحصيات ولا رمل. (4) الراقب: هو الحارس الذي يراقب ويحرس الزرع. (1/129)
صفحة 130
الدلائل على اللوازم والوسائل
أمَا تَجْتَهِد وَتَنصَح لِنَفْسِكَ فِيمَا تُسَلِّمه لِلّه، وتَجعَلُه ذُخِرًا لَكَ حَاضِرا، وتُسَلِّمُه وَافِرًا صَافِيًا؛ لِتَجدهُ مُهيَّنَّا لَك فِي سَاعَةِ حَاجَةٍ شَدِيدةٍ!!؟.
وأَمَّا إِن كَان الزرعُ عَلَى زَجرٍ، فَالوَصفُ واحدٌ إِلَّا أَنْ مَا سُقِي بِالزَّجِرِ لَيسَ فِيهِ إِلَّا
نصف العشر. أما العَدَسُ فَالنَّصَابُ فِيهِ مَجْهُولٌ فَبعض جَعَلَهُ ستين حربا بالصاع المذكور. والجُرُبُ: عشرة مكاييل، والمكيال: ستة أسداس، والسدس: أحد عشر كيسا). وبعض فيما عِندِي -: أَنه أَعجَبَهُ أَن يُدَقَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ الْجِنسِ، وَيُصفى ويُكالُ، ويُقاسَ الباقي عليه.
وأَمَّا الدُّحْنُ: فَرَكاتُه مِثلُ زَكَاةِ الْحُبُوبِ الْمُتقدِّمة في نصابه وأحكامه، لئلا تَجهَلَهُ. وأَمَّا العِنَبُ: ففيه الزَّكاةُ إذا حصد. فَمِثلُ التّمر يَكُونُ فِي الزَّبيب، وَإِن طُنِيَ فكذلك .. وهذا رَسَمٌ قَلِيلٌ فِي زَكَاةِ الثَّمَارِ.
فصل: في زكاةِ النُّقُودِ
ولا تغفل يا أخي، - رحمنا اللهُ وإِيَّاكَ عَن الزَّكَاةِ إِذا لَزِمَتكَ فِي النَّقدِ، إِذَا مَلَكتَ مِنهُ نصابًا تَامَّا فَهَذَا أَمرُه أَدقُ وتَسلِيمُهُ عَلى النُّفُوسِ أَصعَبُ وَأَشقُ، وَلَأَنَّهُ لَا يَظْهَرُ نَقدُك للخلقِ، فَأَنتَ الأمينُ فيه، فإن شئتَ أَن تَخُون فَاستَشعِر فِي قَلْبِكَ قُوَّةَ مَن تَخُونُه، وإِن شِئتَ فَانصَح، واعرف إِلَى مَن يَرْجِعُ إِلَيهِ نُصحك .. وقد يُوجَدُ كَثِيرٌ مِن النَّاسِ مَن يَكتُم مَا عِندَهُ، ويَعْتَنِمُ إِذا غَفَل عَنهُ الْجَابِي (1)، وَيَرَى ذَلِك نعمةً كبيرةً، وَلَو دَرَى لَرَآهَا نقمَةٌ عَظِيمَةٌ عزيزةً حَسِيمَةٌ، فَكيفَ يَكرَهُ تَطهيره من الأدنَاسِ، وَيَحُونُ اللَّهَ فِي أَمَانَتِهِ لِيَغُرُّ بِذلِكَ النَّاسَ، أيحسب بأَنه ضَرَّهُم؟!!، ولا شك أَنْ الضَّرَرَ عَليهِ، وَكُلٌّ فِعلهِ يَعُود عَلَيهِ!!.
1) الجابي: من حبي الخراج، والجابي: هو المسؤول عن جمع الزكاة وتحصيلها. انظر: العين، (جي). (1/130)
صفحة 131
الدلائل
اللوازم والوسائل
أمَا يَذكُرُ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْهِ، إِذ رَضِي مِنهُ بِرُبع العُشْر مِمَّا أَعطَاهُ، ولَم يُكَلِّفَهُ الكُلِّ لِيَقبَلهُ مِنْهُ وَيَرضاهُ؟!!. أما يَستَحيِي هَذَا الْمُعطِي مِن الله أن يُخالِف أَمَرَهُ؟!! بعدما بَيْنَ لَهُ
وزَجَرَهُ وَتَوَعَدَهُ وَحَذَرَهُ؟!!
هذا
فرُبَّما أَمَرَهُ سُلطانُ زَمَانِهِ بِأمرٍ، فَأَتى به أَكثَر مِمَّا أَمَرَهُ بِهِ طَلباً لِلقُربِ إِلَيْهِ، وَطَلبا أَن يَشكُرَها، فكيف لا يمتثل لأمرِ مَالِك ذَلِكَ الْمَلِكِ، وَمَالِكَ كُلِّ شَيْءٍ، ومُمِيت كُلِّ حَيْ!!؟ لَهُ الْخَلقُ والأمرُ، تَبَارَكَ اللهُ ربُّ العالَمِينَ. فإذا مَلكتَ مِنَ النَّقدِ مِن الذَّهَب قَدرَ عِشرِينَ مِثقالاً، أَو قِيمَته لِلتِّجَارَةِ أَو لِلحُلي، أو مَلَكتَ قَدرَ مَانَتَي درهم مِن الفِضَّة، أو قيمتها مِن الْمَتاعِ الذِي لِلتِّجَارَةِ، أَو مَلَكتَ نصابًا عَلى هَذَا الْحِساب مِن الذَّهَب وَالفِضَّةِ جَمِيعًا، وحَالَ عَلَيهِ الْحَولُ فِي يَدكَ، فَسَلّم مِنهُ لِله تَعَالَى مُمتَثلاً لأمرِهِ، مُؤدِّيَا لِفَرضِهِ رُبعَ عُشْرٍ مَا فِي يَدِك مِن الْمَذكور، لمن أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِتَسْلِيمٍ ذَلِكَ إِلَيهِ مِنَ الفُقَراءِ، أَو لِلإِمَامِ العَدلِ فِي زَمَانِه، أَو إِلَى مَن يُنُوبُ عَنهُ مِن وَالِ أَو ثِقةٍ مَن تَحتَ وَالٍ. ولا يُحملُ الشركاءُ فِي النُّقودِ بَعضُهُم علَى بَعضٍ، إِلَّا أَن يَجِبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ وَحدَهُ، بَل يُحمَلُ الوَلَدُ الصَّغيرُ عَلى وَالِدِهِ، إذا كَانت تجب الزَّكاةُ فِيما فِي أَيديهما. فإذا أردتَ التَّسْلِيمَ فَصَلِّ رَكَعَتَينِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَاسأَلهُ أَن يُسر لَكَ لَيَقبِضَ مِنكَ مَن تبرأ مِنَ الزَّكَاةِ بِقَبضِهِ مِنكَ مِن عَامِل أَو فَقِيرٍ، وَاعْتَقِد فِي قَلْبِكَ تَأْدِيَةَ مَا افْتَرَضَهُ اللَّهُ
عَليكَ مِن الزَّكاةِ فِي مَالِكَ، لقوله: فَأَقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَءَاتُوا الزَّكَوةَ} (1). واحذَرِ الْمِنَّةَ عَلَى مَن يَقبضُ مِنكَ، فَلا مِنَّةَ لَك عَليهِ؛ لأَنَّكَ إِنَّمَا تُسَلِّمُ الوَاحِبَ عليكَ بِحُكمِ اللهِ، وهُو نَائِبٌ يَقبِضُ مِنكَ .. فإِن سَمَحتَ نَفْسَكَ أَن تَتَقَلَّدَ أَنتَ الْمِنَّةَ
مِنْهُ بِما لَو لَم يَقبضهُ مِنكَ لَبَقِيتَ مُرتَهَنَّا بِهَا إِلَى أَن يَتهَيَّأَ لَكَ مَن يَقبضهُ.
1) سورة المجادلة: 13. (1/131)
صفحة 132
الدلائل على اللوازم والوسائل
وَاحِذَرِ التَّأْخِيرَ فِي زَكَاةِ النَّقدِ عَن يَومِكَ إِن كَانَ لَكَ يَومٌ مَعْلُومٌ، وَلَا عَن شَهرِكَ الَّذِي تَعوَّدت أَن تُخرج فيه زكاتك، فَإِن أَخَرتَه مِن غَيرِ عُدْرٍ فَكُلِّ شَيْءٍ استفدته ولو غير التجارَةِ، مِن أي وجه ولو أجرة خدمة، ولو أنفذت ذَلِكَ فِي حَوائِحِكَ، لَلَزِمَك الزَّكاةُ فِي جَمِيعِ مَا يَقَع فِي يَدِكَ، مِن زِيَادَةِ رِبحٍ أَو غَيْرِ فإِذا حَضَر وَقتُ الزَّكاةِ التي عَليكَ، وَعِندكَ شَيْءٌ مِن الْمَتاعِ، فَمَا كَانَ لِلتِّجَارَةِ فَسلّم مِنهُ الزَّكَاةَ، وَإِن شِئتَ مِن قِيمَتِهِ يَومَ اشْتَرَيَتَهُ، وإِن زَاد ثَمَنه عن يوم اشتريته فَسَلَّم عَنهُ مَثل مَا يُساويه فِي ذلِك الوَقتِ.
وإن
كَان نَقص ثَمَنُه عَن يَوم اشتريته ولَم تَبعه بعد، فَسَلَّم مِنْهُ الزَّكَاةَ عَن ثَمَنِهِ يَومَ اشتريته إن لم تُسلَّم عنه، فذلك عندي - أحوط. وَإِن كَان لَكَ شَيْءٌ مِن الْحُقوقِ عَلى النَّاسِ مِن دُيُونٍ حَالةٍ أَو غَيْرِها، فَكُل حَقٌّ حال وهُو عَلى مَن يَقدِرُ عَلى تسليمه لكَ وَلَو بِالْحُكمِ، فَسَلَّم وَلَو أَخَرتَ أَنتَ ذَلكَ
المطلوب. وكُلِّ حَقٌّ لَك لَم يَحِلَّ بَعدُ فَلَك فيه الْخِيارُ، إِن شِئتَ سَلْمتَ عَنْهُ، وَإِن شِئتَ أَخَّرت ذلك إلى أن تَقبضَهُ، فَإِذَا قَبَضَتَهُ فَسَلَّم عَنهُ. وإن تعسر عليكَ شَيْءٌ مِن الْحُقوقِ عِندَ أَحدٍ مِن النَّاسِ وَلَبِثَ سِنِينَ ولَم يُسلَّم عَنهُ، فَسَلَّم عَنهُ يَومَ تَقبضهُ عَمَّا مَضى مِن السنين، وينقصُ عَنكَ قَدر مَا تُسَلِّمهُ مِنهُ مِن زَكَاةٍ. وإن كان لك سَلَفٌ مِن قبل البيع والشّراءِ مِن قُطنٍ، أَو حَبِّ، أو ثمرٍ، أَو غَيرِ ذلك من الأنواع؛ فَإِذا وَجَبَت زَكاتُكَ، فَإِن شِئتَ سَلّم عَن رَأْسِ مَالِكَ الَّذِي أَسْلَفَتَهُ، وَإِن شِئتَ أَخَّرت منه ذلكَ إِلَى أن تقبض السّلف أو آنَ حُلُولُه، وكلَّمَا أَخَرتَ تَسْلِيمَ زَكَاة من عُذرٍ فَلا زَكَاةَ عَليكَ فِي الفَائِدَة مِن قِبله. (1/132)
صفحة 133
الدلائل على اللوازم والوسائل
وإذا وَجَبَت عَليكَ الزَّكاةُ، وَكَانَ عَليكَ دَينْ حَالٌ لأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، ونُرِيد أَن تَقضيهِ؛ فَقَول: يَجُوز أَن تَرفَعَ لِدَينِكَ مِن رَأسِ مَالِكَ، وَتُسَلّم الزَّكَاةَ عَن البَاقِي. وقول: لا ترفع الدِّين وَتُسَلَّم عَن جَمِيعِ مَا فِي يَدِك. وإِذا زَرَعتَ شَيْئًا مِن الزَّرعِ مِن غَيرِ ذَوَاتِ الْحُبوبِ مِثلَ القُطن، والسكر، والْجَزَر، والبصل، والفجل وأَشباه ذَلِكَ مِن جَمِيعِ مَا يُزرَعُ لِلبَيعِ وَالشَّراءِ، فَإِذَا حَضَرَ وَقتُ بَيعِه، وَحَضَرَ أَيضًا وَقتُ زَكَاتِكَ فَسَلّم رُبعَ العُشْر مِن قِيمَتِهِ لِلزَّكَاةِ.
وإِن كَان حَضَر وَقتُ زَكاتِك وهُو بعدَ زَرع لم يحضر حصاده فَاجعَلَهُ كَالسِّلْعَةِ، إِن شئتَ قَوَّمَتَهُ بِالثَّمَن إِن كُنتَ تُدرِكُ ذَلِكَ، وَإِن شَقَّ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَخَّرْتَ زَكَاتَهُ إِلَى أَن تحصدَهُ، هذا إذا كُنتَ مِن قَبْلُ تَملِك مِن غَيْرِهِ نِصابًا تَامَّا مِن الدَّرَاهِم، وقد حَالَ عَلَيهِ الحول لتحملهُ عَلَيهِ، وَإِن لَم يَكُن عِندَك شَيْءٍ مِن غَيرِهِ فَلَا زَكَاةَ عَليكَ فِيهِ إِلَّا أَن تَبْلُغَ قِيمَتُهُ مَاتَتَي درهم، وَيَحُولَ عَلَيْهَا حَولٌ وهِيَ فِي يَدِك. وأَمَّا مَا أَردتَه لِغَيرِ النّجارَةِ مِن قُطن لِكِسْوَتِكَ، وَكِسوَةِ مَن يَلْزَمُكَ عَوْلُه، ومِن ثِياب أيضا أردتَها لِلبَاسِ، وَمِن أرز أو حَبِّ أَردتهُ لِلأكل، وَمَن بَقْل- أيضا – وجَمِيع
تُرِيدُهُ لَكَ وَلِعِيالِكَ فَلا زَكَاةَ عَلَيْكَ فِيهِ، هَذَا حُكمُ زَكَاةِ النُّقُود.
وأَمَّا التَّمْرُ والحُبوبُ فَلَو أَردت شَيْئًا مِنهُ لِلأَكل فَلا تَنحط الزَّكاةُ عَنكَ مِنهُ، إِلا
الرُّطَبُ الَّذِي تَأكُلُهُ أَنتَ وَعِيالُكَ فِي زَمانِ القيظ فَلا زَكَاةَ عليك فِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (1/133)
صفحة 134
الدلائل على اللوازم والوسائل
1340
البات
في صفة زكاة الماشية
ومِن كَم تُؤخذ من الغَنَم؟
وأَمَّا إذا مَلَكتَ مَاشِيةٌ مَعزًا أَوضَأَنَا، قَدرَ أَربَعِينَ رَأْسًا فَصَاعِدًا وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَولُ في يدك، أو كانت مِن الْمَاعِز ومِن الضَّانِ فَهِي مَحمُولَةٌ بَعضُهَا عَلَى بَعضٍ، فَفِي
يَدِكَ،
الأَربَعِينَ مِنهَا وَاحِدَة مِن أَوسَطهَا، وإن سَلْمتَ الأَفضَل فَذَلَك أَفضَل.
ولَيسَ عَلَيكَ شَيْءٌ فِي زِيادَتِها إِلَى أَن تَبْلُغ مَائَةً وَعِشْرِينَ وَوَاحِدَةٍ فَفِيهَا النَتَانِ، ثُمَّ لا شَيْء فِي زِيادَتِها إِلى أَن تَبْلُغَ مَانْتَي رَأسِ، فَإذا زَادَت وَاحِدَةٌ، فَفِيهَا الزَّكاةُ ثَلَاثَةُ رُؤُوسِ مِن أَوسَطها .. ثُمَّ هِي كَذلِكَ إِلى أَن تَبلُغ أربَعَمَانَةَ رَأس، ففيها أربع رؤوس، ثُمَّ بَعد ذلكَ فِي كُلِّ مَائِةِ رَأسِ وَاحِدَة، ويُحسَب مِن صِغَارِهَا مِمَّا قَطَع الوَادِي عَلَى أَثَرِ أُمِّه، ولا تُؤخَذُ الْهَرِمَةُ، وَلا الْمَعْيُوبَة بِشَيءٍ مِن العَاهَاتِ، ولا الصَّغِيرَة، وَلا الْمَعْلُوفَةُ التِي عَلَفَها أَربَابُها إِمَّا لِمِنَاحٍ وَإِمَّا لِذِبَاحٍ، وَاللَّهُ أَعْلَم.
فضل: في زكاة الإبل
وأما الإبل: إِن مَلَكتَ شَيْئًا مِنهَا مِن خَمْسَةِ رُؤُوسِ فَصَاعِدًا لِلنَّتَاجِ لَا لِلسِّفَرِ، فَفِي كُلِّ خَمْسٍ مِنهَا رَأسَ مِن الغَنَم، ثُمَّ لاَ شَيْءٍ فِي زِيادَتِهَا إِلَى أَن تَبْلُغَ عَشْرًا، فإذا بلغت عشرا فَفِيهَا رَأَسَانِ مِن الغَنَم ثُمَّ لاَ شَيْءٍ فِي زِيَادَتِها إِلَى أَن تَبْلُغَ خَمْسَةَ عَشَرَ رَأْسًا من الإِبِلِ فَفِيها ثَلاثَةُ رُؤُوسِ مِن الغَنَم زَكاتُها، ثُمَّ لا شَيْءٍ فِي زِيادَتِهَا إِلَى أَن تَبْلُغَ الْإِبِلُ عِشْرِينَ، فَإِذا بَلَغَت عِشْرِينَ فَفِيهَا أَربَعَةِ رُؤُوسِ مِن أَوسَطِ الغَنَم، ثُمَّ لَا شَيْءٌ فِي
1) أي: الصغير الذي لا يستطيع الاستقلال عن أمه بنفسه. (1/134)
صفحة 135
الدلائل على اللوازم والوسائل
زِيادَتِها إِلى أَن تَبْلُغَ خَمْسَةٌ وَعِشْرِينَ فَفِيهَا بَكَرَةٌ (ابْنَةُ سَنَةٍ)، وإِن عُدِمَت فَذَكَر فَذْرابنُ سَنتَينِ، ثُمَّ لاَ شَيْءٍ فِي زِيادَتِها حَى تَبْلُغَ سِتَّة وثلاثين فَفِيهَا بَكَرَةٌ (ابْنَةُ سَنَتَينِ)، ثُمَّ لَا شيء إلى أن تَبْلُغَ سِتَّةَ وَأَربَعِينَ فَفِيهَا بَكَرَةٌ ابْنَةٌ ثَلَاثِ سَنَوَاتٍ، ثُمَّ لَا شَيْءٌ فِي زِيَادَتِهَا حَتَّى تَبْلُغَ إِحدَى وَسِتِّينَ فَفِيهَا بَكَرَةٌ ابْنَةُ أَرْبَعِ سَنَوَاتٍ.
ثُمَّ لَا شَيْء فِي زِيادَتِها، حَتَّى تَبْلُغَ سِرًّا وَسَبْعِينَ فَفِيهَا بَكَرتَانِ كُلِّ وَاحِدَةٍ ابْنَةُ سَنَتَينِ، ثُمَّ لَا شَيْء فِي زِيادَتِها حَتَّى تَبْلُغَ مَائَةً وَعِشْرِينَ فَفِيهَا ثَلاثُ بَكَرَاتٍ، كُلُّ وَاحِدَةٍ ابْنَةُ ثَلاث سنين .. وإن ملكت أكثر من هذَا فَطَالِع الآثَارَ تَجِدهُ صَرِيحًا إِن شَاء اللَّهُ، وَهَذَا رسم يَسِيرٌ لِتَستَدِل به على الطلب.
فصل: في زكاة البقر
وأَمَّا البقرُ: إذا مَلَكتَ مِنهَا نصَابًا تَامَّا، وهُو قَدرُ خَمس بَقَرَاتٍ لِغَيرِ الزَّجر وَالْهيس (1)، فَفِيهِنَّ الزَّكَاةُ إِذا حَالَ عَلَيهِنَّ حَولَ وَهُنَّ فِي يَدِكَ فَرَكاتُهُنَّ رَأْسٌ مِن الغَنَم، وهي مثلُ زَكاةِ الإِبِلِ لاَ فَرقَ بَيْنَهُنَّ، وفِي العَشرِ مِنْهُنَّ شَاتَانِ، وَفِي الْحَمِسَ عَشَرَةَ ثَلاثُ شَيَاء، وفِي العِشْرِينَ أَربَعُ شَيَاءٍ، وفِي الْخَمسِ والعِشْرِينَ، عَجْلَة ابْنَةُ سَنَةٍ .. وجَمِيعُ حِسابِها لِلزَّكَاةِ كَالإِبِلِ إِلا أَنَّهُ لِيَكُن مَكَانَ كُلِّ سِينٌ مِنَ الإِبِل مِثلَهُ فِي السِّنِّ من البقرة، لا زيَادَة وَلَا نُقصان. وإِذَا كَانَ لَكَ أَربَعٌ مِن الإِبل وَمِن البَقَرِ، ولكَ عِندَ رَجُلٍ آخر نصفُ بَقَرَةٍ، أو نصف ناقةٍ أَقل أو أكثر، وَلِلرَّجُلِ الَّذِي عِندَهُ لَك ذَلِك أربع من الإبل أو البقر، ولَهُ أيضا نصف البقرة التِي بَيْنَكُمَا فَعَلَيكُمَا شَاتَانِ.
1) هي الأبقار العاملة التي تُستعمل للعمل في استخراج المياه من الآبار، أو للحرث والزراعة. فهذه وما شابهها لا تحب فيها الزكاة لما ورد عنه الله في حديث الربيع ((338) أَنَّهُ قَالَ: «لَيْسَ فِي الْجَارَّةِ وَلَا فِي الْكُسْعَةِ وَلَا فِي النَّيَّةِ وَلَا فِي الْجَبْهَةِ صَدَقَةٌ». (1/135)
صفحة 136
الدلائل على اللوازم والوسائل
وينقصُ عَنكُما بِقَدرِ نُقصَانِهِنَّ مِن العشرِ إن كان، وهُو عُشر الزَّكَاةِ لأَنَّهُنَّ تِسعُ، والعشرُ فِيهِنَّ شَاتَانِ، فَيَنقُصُ عَن كُلّ وَاحِدٍ قَدر الخمس زَادَ أَو نَقُصَ، عَلَى قَدرِ مُلْكِهِ مِن الْمُتَفَرِّدَةِ مِنهُنَّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالعَدلِ.
فضل: في تسليم الزكاة
وأَمَّا تَسلِيمُ زَكَاةِ جَمِيعِ مَا ذَكَرتُ مِن الشِّمَارِ، والنُّقُودِ، وَالْحَيَوانِ، فِي زَمَنِ العَدلِ، وظهور الْحَقِّ إِلَى الإِمَامِ العَدلِ وإِلَى مَن تَحتَهُ مِن الوُلاةِ، والوكلاء والشراةِ الثَّقَاتِ الْمَأْمُورِينَ بِقَبضِ الزَّكاةِ، فهُم أَولَى بِقَبضِهَا، وَيَجْعَلُونَهَا فِي عِزّ الدَّولَةِ. ويعطُونَ الفُقَراءَ مِنهَا قَدرَ الظُّلُتَينِ إِن كَفَاهُما، وإِن لَم يَكفِهِم الثَّلُثَانِ وَاحْتَاجُوا لِعِزَّ
الدَّولَةِ جَمِيعِ الزَّكَاةِ جَازَ لَهُم أَخذُ الْجَمِيع؛ لأَنْ عِزَّ الدَّولَةِ أَولَى مِن الفُقَرَاء .. وأَمَّا فِي زَمَن غَيرِ العَدلِ عِندَ عَدم الإِمَامِ - وَنَعُوذُ بِالله مِن ذَلك – فالَّذِي عَلَيْهِ الزَّكاةُ فَهُو الْمُتَعَبَّدُ بهَا، وَالْمَسْئُولُ عَنهَا .. ويَنبَغِي لَهُ أَن يَخُص بها مَن يَتَقَوَّى بِهَا عَلَى طَاعَةِ الله تَعَالَى مِن الفُقَراءِ الطَّالِبينَ العلم الله، والذين هم في شغل عن الدنيا بعبادة الله، فإِن لَم يَجِد مِن هَؤُلَاءِ فَيَخُص بهَا مَن لا يَتَقَوَّى بهَا عَلَى مَعصِيَةِ اللَّه تَعَالَى مِن أَقاربه، وجيرانه، وكذلك الأيتام والأرامِلُ والزَّمَنَاءُ من الفُقَرَاءِ، كُلِّ عَلَى قَدرِ حَاجَتِهِ، وكذلك ابنُ السَّبِيلِ ..
وإن لم يتيسر له ما وصفتُ فَأنفذها في جنس من الفقراء المسلمين في ظاهر أمرهم، فعندي أنه يبرأ، والله أعلم بالعدل فِي هَذَا وغيره. (1/136)
صفحة 137
فصل: فيما يُؤمَر به القابض
الدلائل على اللوازم والوسائل
وإن كُنت يا أخي واسطةً وَنَائِبًا عَن إمامٍ أو وَالٍ، وَصِرت تَقبِضُ الزَّكَاةَ مِن النَّاسِ فالله الله .. فَاتَّقِ اللهَ، وَاحذر أن يَحمِلك الطَّمَعُ وَلِتُرَضيَ مَن أَنتَ نَائِبٌ عَنهُ، بِكَثْرَةِ مَا
تَحمِلُه إِلَيهِ مِن زَكاة، واحذر سؤالَ الله إِيَّاكَ يَومَ القِيَامَة، وَخُصُومَة مَن أَخذت مِنهُم. فَلَا تَأْخُذ إِلَّا مَا صَحَ عِندَكَ بِعِلمٍ أَنَّهُ زَكاةً، أو دفعه إِلَيكَ صَاحِبُ الْمَالِ مِمَّا عَلَيْهِ مِن الزَّكاةِ. وَلا تَأْخُذ النَّاسَ عَلى الظَّنِّ فَإِنَّهُم إِلَى أَمَانَاتِهِم، وَإِن هُم خَانُوا الله فَحَيَانَتُهُم تَرجِعُ عَلَيهِم، وَلَا يَضُرُّكَ أَنتَ مِنها شَيء .. وَلَو حَانُوا فِي أُلُوفِ مِن الْمَالِ، وَأَنتَ لَا تعلَم بِذَلِكَ، فَلا عَلَيكَ مِن ذَلِكَ.
وإن كُنتَ أنتَ في فلس وَاحِدٍ، أو في مِثقَالِ ذَرَّةٍ فَتَأَهَب لِلعِقَابِ .. وأَمَّا مَن اتَّهَمتَهُ
فَجَائِرٌ لَكَ أَن تُحلِّفَه عَن الكتمَانِ والْحَيَانَةِ وَجَائِرٌ لَكَ تَرَكَهُ بِغَيرِ تحليف.
فَلا تَأْخُذ – إِذَا ابْتُليت - إِلا بِالصَّحِيحِ، وَلَا تَضَعَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ إِلَّا فِي الوَجِهِ الَّذِي أَجَازَهُ الْمُسْلِمُون.
کرن (1/137)
صفحة 138
الدلائل على اللوازم والوسائل
البالي
19
في ذكر صوم شهر رَمَضان، وما ينقضه، وما لا ينقضه وذكر صلاة التراويح والسحر
فإِن عَرَفتَ يا أخي - رَحِمَنَا اللهُ وَإِيَّاكَ - فَرضَ الزَّكَاةِ وَمَا يَلْزَمُكَ مِن تَأْدِيَتِهَا فِي دِين الله، وبقيت في الدُّنيا إلى أَن دَخَلَ شَهرٍ رَمَضَانَ وهُوَ الَّذِي بَينَ شَعَبَان وَشَوّال)، وهو شَهرٌ مَعرُوفٌ عِندَ العَرَبِ مَشهُورٌ عِندَ البَدوِ وَالْحَضَرِ، وفِي البَرِّ والبَحرِ، لَا نَعْلَمُ أَنْ أَحدًا يَجهَلُهُ مِن أُمَّةِ مُحمَّد الله، فَاشكر الله لا إذ بَلْغَكَ إِيَّاهُ، وَلَو شَاءَ لأَمَانَكَ قَبلَ وُصُولِه، فَخُذ حَظْكَ فِيه مِن صِيَامِهِ وَقِيامِهِ وَصَدَقَتِه. وَاعلَم أَنَّهُ شَهرٌ مُبَارَكٌ، قيل: «إِنَّ أَعْمَالَ الْخَير تُضاعَفَ، فَمَن تَقَرَّبَ فِيهِ بخَصْلَة خِصَالَ الْخَيْر كَمَن أدَّى فَريضَة فيما سِوَاهُ، ومَن أدَّى فِيه فَرِيضَة كَمَن أدَّى سَبْعِينَ
من
فَرِيضَة فِيمَا سِوَاه، ومَن فَطَّر فِيهِ صَائمًا عَلَى مِدْقَة لَبَن أَو تَمرٍ، أَو شُرِبَةٍ مَاء، كَانَ مَعْفِرَة له وتوبة، وعتق رقبة من النار، ومَن أَشبَع فيه صَائما سَقاه اللَّهُ مِن حَوضِي شَرِبَةً لَا يَظْمَاً بعدهَا حَتَّى يَدخُل الْجَنَّة ... ومَن خَفَّفَ عَلَى مَمْلُوكِه خَفَّفَ اللَّه عَنه وَأَعْتَقَهُ من النار ... » (1) وتُضَاعَفُ فِيهِ الْحَسَنَاتُ، وتُمحَى عَن صَائِمِه عَلَى الوَجهِ الصَّائِبِ السَّيِّئَاتُ، وتُجَابُ فِيه لِلمُتَّقِي الدَّعَواتُ، وَتُنَزَّلُ فيه – بإذن الله - البَرَكَاتُ. وَقَد وَجَدْنَا فِيمَا يُوثَرُ في كتب المُسلِمِين، أن الصَّحَابَة الصَّالِحِين كَانُوا لا يَقطَعُونَ ذِكرَهُ فِي كُلِّ حِينِ، فَبَعدَ صِيَامِهِ يَدعُونَ اللهَ وَيَسأَلُونَهُ قَبُولَهُ، وبَعدَ ذَلِك بنصف الْمُدَّةِ يَدعُونَ اللَّهَ وَيَتمَنَّونَ وُصُولَهُ. فَاحْمَد الله تعالى إذ بَلَغَتَهُ، وَاسْكُرهُ شُكرًا كَثِيرًا إذ عَرَفَتَهُ، وَلَو جَعَلَكَ اللَّهُ فِي أُمَّةٍ غَير هَذِهِ الأُمَّةِ مِن يَهُودِ، أَو نَصَارَى لَمَا صَلَّيتَ فِيهِ، وَلَا صُمَتَهُ.
1) هذا جزء من حديث سلمان الفارسي، الذي أخرجه ابن خزيمة في صحيحه في باب فضائل شهر رمضان (ر 1887) وانظر أبو زكريا كتاب الوضع، 143 - 144. (1/138)
صفحة 139
الدلائل على اللوازم والوسائل
واعتقد صِيَامَهُ، وَانوِ قِيَامَهُ بِحُبِّ لاَ تَكَلَّف، وَبِحُضُوعٍ وخُشُوع لابتعنف ولا بتَعسُّف، وَاذكُر هُجُومَ الْحَوَادِثِ مِن مَوتِ وَأَسقَامٍ قَد تُعرَضُ لَكَ قَبْلَ السَّمَامِ. وإن سلمت فيه فِي هَذِهِ السَّنَة فَلَعَلَّكَ لا تُبقِيكَ حَوَادِثُ الأَيَّامِ، لِتَصُومَهُ فِي الْمُسْتَقَبَلِ مِنَ الأَعوَامِ، وَمَن لَكَ مِن ذَلِكَ بِأَمَانِ؟ وَالْمَوتُ فِي كُلِّ يَومٍ حَمَسَ مَرَّاتٍ عَلَى بَابِ دَارِكَ يَا نُومَانُ.
واعلَم أَنْ صَومَهُ عَلَيكَ فَرضٌ لَأَزِمٌ، أَمرٌ مِن الله مَع تَرَكِ الْمَائِم .. وَاعْلَم أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكَ وَعَن صِيَامِكَ وَعَن جَمِيعِ عِبَادَتِكَ وَقِيَامِكَ، لاَ يَصِلُ إِلَيْهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِن نَفعٍ، وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ إِن ضَيَّعَتَهُ وَتَعَدَّيتَ الْمَنعَ، بَل النَّفَعُ يَعُودُ إِلَيكَ إِن امْتَلَتَ، وَإِلَّا فَالعِقَابُ مُتَوَجِّةٌ عَلَيكَ .. وَمَا أَمَركَ اللهُ بِشَيْءٍ تَعجَزُ عَنهُ وَلَا تُطِيقُهُ، بَل كَلْفَكَ يَسِيرًا، لِيُشِيبَكَ ثَوَابًا جزيلاً. . فَاسلك طَرِيقَهُ، فَكَيفَ يَا عَاقل، ويا غَافِلا عن مولاكَ يَأْمُرُكَ الَّذِي خَلَقَكَ وَرَزَقَك وَأَنشَأَكَ بِتَركِ قُوتِكَ نَهَارًا، ومِنهُ الإعَانَةُ عَلَى ذَلِك مِدْرَارًا، لِيَدَّخِرَهُ لَكَ فِي القِسمَةِ، لِيَكُونَ وقَايَةٌ وَنُورًا، وَشَبَعًا يَومَ الْحَسَرَةِ وَالنَّدَامَةِ .. أما تَصبِرُ هَذِهِ الأَيَّامَ الفَلَائِلَ لِتُبَشِّرَ كَالْحُورُ العِين بِنَعِيمٍ غَيْر زَائِلٍ، فَلَو أَنتَ صُمتَ طُولَ عُمُرِكَ، وَكَانَ طُوله أَلفَ عَامٍ مَثَلاً، لَكَانَ يَسِيرًا فِي جَنبِ مَا تَطلب، وغَير كَثِيرٍ ذَلِكَ فِي رضا الرَّبِّ، فَكَيف وَهُو تَعَبَّدَكَ بِصومٍ شَهرٍ وَاحِدٍ، وَأَطْلَقَ أَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا لِلْفُطُورِ، أَمَا تُنصفُ مِن نَفسِكَ، وَتَعرِف قَدرَ فَضلِ اللَّهِ عَلَيْكَ؟ .. فَإِذَا دَخَلَ شَهرُ رَمَضَانَ وَصَحْ لَك بِالشَّهرَةِ أَو بِالبَيَانِ، فَاعْتَقِد صَومَهُ امْثَالاً لأَمرِ اللَّهِ
تَعَالَى طَاعَةٌ لَهُ رَاحِيًا ثَوَابَهُ فِي القِيَامِ بِأَمْرِهِ، خَائِفًا عِقَابَهُ فِي انْتِهَاكِ زَجَرِهِ. وقُل: «اللَّهُمَّ نِيَّتِي وَاعْتِقَادِي أَن أَصُومَ هَذا الشَّهْرَ الْمُبَارَكَ، وَهُو شَهُرٍ رَمَضَانَ الْمَعْرُوضُ عَليَّ صَومُهُ مِن أَوَّلِه إِلَى آخِرِه، وهُو ثَلاثُونَ يَومًا، أَو تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَومًا، وَكُلَّ يَومٍ مِنهَا أصبح فيه صَائِمًا مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إِلَى حُضور اللَّيلِ بِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَاعْتِقَادٍ وَاحِدٍ، إِلا أَن (1/139)
صفحة 140
الدلائل على اللوازم والوسائل
يَحدُثَ عَلَيَّ حَدَتْ مِن سَفَرٍ، أَو مَرَض يَجُوزُ لِيَ الإفطَارُ فِيهِ، فَعِدَّةٌ مِن أَيَّامٍ أُخَرَ، أَدَاء للفرض طاعةٌ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ مُحمَّدٍ».
وإن أَردت تَجدِيدَ النِّيةِ لِكُلِّ لَيلَةٍ وَحدَهَا فَذلِكَ أَفضَلُ، فَانوِ آخِرَ اللَّيلِ إِن رَجَوتَ أَن تَقُومَ، وَإِلا فَانوِ فِي أَوَّلِه، وقُل: «أُصبح غَدًا - إِن شَاءَ اللهُ – صَائِمًا الفَرِيضَةَ مِن شَهرٍ رَمَضَانَ مِن الفَجْرِ إِلَى حُضُورِ اللَّيلِ، طَاعَةٌ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ مُحمَّد».
ومِمَّا أُحِبُّهُ لَك أَلا تَصُومَ يَوم الشَّكَ، وهُوَ يَومُ الثَّلاثِينَ مِن شَعَبَانَ، إِذا لَم يَصِحَ الْهِلَالُ وكانت السَّماء صافية من السَّحَابِ وَقتَ نَظَرِ الْهِلاَلِ .. وَإِن كَانَ دُونَ السَّمَاءِ سَحابٌ فَصَومُه أَحوط للربيةِ، حَوفَ أَن تَكُونَ مِن أَوَّلِ رَمَضانَ وَلَم يَرَهُ أَحَدٌ مِن أَجلِ السَّحاب، إلا أَنَّكَ إِذا صُمَتَهُ عَلَى هَذهِ الصَّفَةِ بِلا بَيانٍ، فَلا تَعتَدَّ بِهِ أَنَّهُ مِن رَمَضَانَ إِلَّا أَن تَرَى الْهِلَالَ لشوال، أو تنقضي ثلاثون يوما سوى ذلك اليوم. وأَمَّا إِذَا لَم يَكُن فِي السَّماءِ سَحابٌ، ولَم تَكُن صَائِمًا مِن قَبْلِهِ شَيْئًا مُتَّصِلاً بِهِ، فَلا
تَصُمه بَل انتظر إِلَى دُون نِصفِ النَّهارِ حيثُ يَجِيء النَّاسُ مِن الأَمكنة، مِن خارج البلدِ. فَإِن لَم يَصح أنه دخل شهر رمضانَ ولَم يَشتهر عِند الناس فالاختيار فيه الأكل لا الصوم، إلا على ما وصفتُ لك، وإن كُنتَ عَلى صومٍ مِن قَبْلِهِ فَاجْعَلَهُ مِنهُ. وَإِن أَصبَحت فيه صَائِمًا عَن أيمان، أو كفارةٍ، أو غير ذلك، وَصحٌ فِي النَّهارِ أَنَّهُ قد دخلَ الشَّهْرُ فَحول نيتك إِلَى صَومه، وإذا تَمَّ شهرُ رَمضانَ فَأبدِل ذَلِك اليوم مرتين، مَرَّةً عَن رمضان؛ لأَنَّكَ لَم تصبح على صيامه، ومرّةً عَن الصَّومِ الأَوَّلِ؛ لأَنَّكَ لَم تَصُمهُ عَمَّا عَلَيكَ إِلَى اللَّيل. وعلَى كُلِّ حَالٍ: إِن صُمتَ يَومَ الشَّكُ عَن رَمضانَ بِلا يَقِينِ، أَو عَن غَيْرِهِ لِعَدَمِ صِحَّةِ الهلال، أو أَفطَرَتَهُ لِعَدَم البَيانِ، ثُمَّ صحَ فِي ذلِك الشهر أن ذلك اليوم من رمضانَ فَأَبدِلهُ
بعد يوم عيد الفطر.
ثُمَّ إذا صحَ الْهِلَالُ فِي تِلكَ الليلة، أو الليلةِ التي بَعدَها فَاعزم على قيامه، وصيامه، فإذا صَلَّيتَ فَريضَةَ صَلاةِ العِشاء الآخرةِ مِن تِلكَ الليلةِ فَصَلِّ بَعدَها القِيامَ، وهُو مَأْمُورٌ بِه، (1/140)
صفحة 141
(141
الدلائل على اللوازم والوسائل
وفيه فضل عظيمٌ، وقد صَلاهُ النَّبِيُّ، غير أنه لم يُواظِب عَليهِ بِالْجَمَاعَةِ فِي كُلِّ ليلةٍ رِفقًا بالأُمَّةِ، بَل وَاظَبَ عَلَيْهِ وسَنَّه عُمر بن الخطاب الله قيامًا ثَابتًا .. ثُمَّ بَعدِهِ تَنَاقَلَهُ خَلَفٌ عَن
گا
سلف إِلَى الآن، إِلا أَنَّنَا فِي اعتبارِنَا صَارَ قِيامُ النَّاسِ فِيهِ أَنقَصَ مِمَّا كَانَ .. وَرُبَّمَا كانَ كُلّ أَهلِ زَمانِ أَنقَصَ مِمَّن كانَ قَبْلَهُم، لَكِنَّ التَّمَسُّكَ بِالبَعضِ أَهْوَنُ مِن ذَهاب الكُلِّ، فخذ حَظَّكَ مِنهُ إِن قَدَرتَ فِي كُلّ لَيلَة، تُصَلِّي بقراءة قَدر ثَلاثَةِ أَجزَاءِ، فيما تُرِيدُ مِن الركعاتِ فِي أَوَّلِ الليل وآخره .. وإِن لَم تَقدِر فَبِقَدَرٍ جُزأين فيما تُرِيد أَيضًا مِن الركعات .. وإِن لَم تَقدِر فَلا تُقَصِّر عَن الصَّلاةِ بِقِراءَةِ جُزءٍ وَاحِدٍ، فَإِن لَم تَكُن أَوَّلاً فَلا تكُن آخرًا، بَل كُن وسَطًا، كما لا تَرضَى لنفسكَ مِن الدُّنيا بِالدُّونِ فَلَا تَرضى بِالدُّون فِي
طاعة الله وعال.
وصفةُ صَلاةِ القِيامِ إِذا أَردتَها وقد صليت الفريضة، فَاعقد النِّيةَ لَها، وقُل بَعد البسملة: «أصلي لله تعالى فِي مَقامِي هَذَا سُنةَ قِيام شهر رمضان»، وإن قلت: «سُنَّة قيام شهر رمضان أربع ركعاتٍ مُتوجِّهَا إِلَى الكَعْبَة ... ». هَذا إِن كُنت وحدك. وإِن كُنتَ إمامًا فَقُل: «إمامًا لِمَن يُصَلِّي بِصلاتي، ولِمَن يَأْتِي»، وإن كُنتَ مَأْمُومًا فقُل: «بصلاة الإمام». ثُمَّ وجه كتوجيه بَقِيَّةِ الصَّلواتِ، وبِغَيرِ إِقَامَةٍ وَلَوْ كُنتَ إِمَامًا؛ ثُمَّ جدّد النِّيَّةَ وكبر تكبيرة الإحرام، ثُمَّ استعذ بالله واقرَأ الفَاتِحَة وما تيسَّرَ بَعدَها مِن القُرآنِ إِن كُنت إمامًا أَو وَحدَك، وإن كنت مأمومًا فَاسْتَمِع من الإمامِ قراءة القُرآنِ، وَلَا تَقرَا مَعَهُ شَيْئًا مِن القُرآنِ إِلَّا
الفاتحة.
فإذا قرأت فَاركَع، ثُمَّ اسجد بعد تمامِ الركوع، وما يُقال فِيهِ عَلَى مَا بَيْنَتُ قَبْلُ، فإذا المَمتَ سَجدئين فَالهَض بتكبيرة لِلرَّكعةِ الثانية، فاقرأ لَها الفَاتِحَة، وشَيْئًا مِن القُرآن إِن أردت قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ أَو غَيرهَا مِمَّا شِئت؛ ثُمَّ اركع واسجد، وبعد السُّجودِ اقعد
للتَّحيات، فاقرأ مِنها إِلَى: «عبده ورَسُوله»، ثُمَّ سَلّم كَتَسليمك فِي غَيْرِها مِن الصَّلواتِ. (1/141)
صفحة 142
الدلائل على اللوازم والوسائل
14
ثُمَّ انتصب قائِمًا، وجَدِّد النية للركعتين الأخريين تقول: «أُصلِّي سُنَّةَ قِيامِ شَهرٍ رَمَضانَ ركعتين ... » إلى تمام اللفظ؛ ثُمَّ كبر تكبيرة الإحرام، ثُمَّ استَعِدُ بِاللَّهِ، ثُمَّ امْرَأَ لَهَا الفَاتِحَة وما تَيَسَّرَ مِن القُرآنِ؛ ثُمَّ اركع واسجد سجدتين؛ ثُمَّ قُم للركعة الرابعة بتكبيرة، ثُمَّ اقرأ الفاتحة وما تيسر من القُرْآن، وَمِثْلُها الركعة الثانية .. إلا أَنه يُعجبنا أن تكون القِراءَةُ مِن القُرآنِ فِي الرَّكعةِ الأُولَى أَطول مِنهَا فِي الرَّكَعَةِ الثانيةِ، فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ .. فَإِذَا قرأت لِلرَّكعةِ الرَّابعةِ فَاركَع لَها أَيضًا واسجُد، ثُمَّ اقعُد لِلتَّحِيَّاتِ الآخِرَةِ فَاقْرَأَهَا إِلَى تَمامِها، ثُمَّ سلّم مِثل تَسلِيمِك فِي غَيْرِها؛ ثُمَّ اقرأ الدُّعاءَ الذِي هُو لِصلاةِ التَّراوِيحِ وهُو هَذَا: «اللَّهُمَّ إِنَّا لَكَ نعبد ولكَ نَركَعُ ونَسجُد، وإِيَّاكَ نَدعُو ونَحمَد، آمَنَّا بك، نَرجُو رحمتك، ونخشى عَذَابَكَ، إِنَّ عَذَابَكَ كَان مَحذُورًا .. اللَّهُمَّ يَا فَارِقَ الفُرْقَانِ، ويَا مُرلَ القُرآنِ، ويَا خَالِقَ الإنسانِ، ويَا عالم السِّرِّ وَالإعلانِ، بَارك اللهمَّ لَنَا ولِلمُسلِمِين فِي صَومِ شَهرِ رمضان، وأَعِنَّا فيه وفي غَيرِه عَلَى الصَّلاةِ والصَّيامِ والقيام، وَعَلَى تِلاوَةِ القُرآنِ، وَاقِطَع عَنَّا حِرْبَ الشَّيْطَانِ، وَامنن اللهم علينا بالعفو والغفران، وزحزحنا اللهم عن النيران، وَأَسكِنَّا اللَّهُمَّ الْجَنانَ، وَزَوِّجنا بإمَائِكَ الْحُور العين الْحِسانِ، فِي دَارِكَ دار السلام، وآتِنا كُل فَاكِهَةٍ زَوجَين، يَا ذَا الْجَلالِ والإكرام .. وصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحمَّد النَّبِيِّ - عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ أفضل الصَّلاةِ والسَّلامِ»، وإن زدت عَلى ذَلِكَ شَيْئًا فَحَسَن ولا بَأْسَ عَلَيكَ إِن شَاءَ اللهُ؛ ثُمَّ اسجد بَعدَ تَمَامِ الدُّعاءِ السَّجدَتَينِ اللتين بَعدَ التَّسليم مِن الصَّلاةِ. ثُمَّ صَلِّ مَا شِئت، ولا تُقَصِّر لأَوَّلِ اللَّيلِ عَن صَلَاةٍ اثْنَتَي عَشَرَةَ رَكَعَة، وَإِن صَلَّيتَ عِشْرِينَ فَهُو أَفضَلُ، وَهَذِهِ صِفَة صَلاتِها كُلّما صَلَّيتَ أَربَعًا قَرَأتَ الدُّعاءَ وَسَجَدت، وَقُمتَ لِمَا بَعدَها .. ثُمَّ صَلِّ الوَترَ بَعد تَمَامِ مَا تُرِيدُهُ مِن القِيامِ .. فَإِذا أَتْمَمتَ الكُلِّ فَتَم بِفَضلِ اللَّهِ وَعَافِيَتِهِ عَلَيكَ لِتُرِيحَ نَفْسَكَ وَلَتَقوَى وَتَنشَطَ عَلَى قِيَامِ اللَّيلِ ..
من (1/142)
صفحة 143
الدلائل على اللوازم والوسائل
فإذا استيقظت مِن نَومِكَ، فَاذكُرِ الله، وخُذ في قَضَاءِ حَوَائِحِكَ مِن إِراقَةِ بَولِ أو
غائط، والطَّهَارَةِ مِنْهُ، وإِن كُنتَ جنبًا فَاحذَر أَن تُوَخَّرَ الغُسَلَ إِلَى طُلُوعِ الفَجرِ. فإذا قَضَيتَ حَوائِجَكَ كُلْهَا وَتَوضَاتَ، فَصلِّ القِيامَ أَيضًا مَا قَدَرتَ مِنْهُ إِلَى طُلُوعِ الفجرِ، والأَفضَلُ عِندَ الْجَمَاعَةِ سواء كُنتَ إِمَامًا أو وَحدَكَ .. وإِن لَم يَتَيَسَّر لَكَ، أَو كَان لك عُدْرٌ فَصَلِّ مَا قَدَرتَ عَلَيْهِ وَلَا تُقَصِّر، فَكُلِّ يَومٍ يَمَرُّ عَلَيْكَ فَإِنَّهُ لَا يَعودُ عَليك أبدًا إِلَى يوم القيامة، فلا تُفَوِّت على نفسك الفضل، وقدم لها خيرا كل يوم ولا تستكثير، وإن قدرت ألا تَفتُرَ عَن طاعة الله ولا سَاعة واحدة لكان خيرا.
وشهر رمضانَ كَالْمَوسم لِلطَّاعاتِ، فَلاَ تَدَع الْمَوسمَ يَمُرّ بك وأَنتَ قاعد، وترى النَّاسَ فِي الأُهبة .. ولا تَعْفَل عَن تَجدِيدِ نِيَّة الصّومِ آخِرَ اللَّيلِ، فَإِنَّه أَوكَدُ، إِلَّا أَن تُنسى فَلا ملامَ عَليكَ فِي النِّسيان.
فإذا أصبحت فاعلم أنَّك أصبحت فِي شَهرٍ مُبارك، فاعرف حقهُ لِئلا يكُونَ لَكَ مِن صِيَامِكَ الْجُوعُ والعَطَش .. واحذر الأكل والشرب فيه، والجماع وَدَواعِيهِمَا، فَلا تَقرَب من هذا شَيئًا أبدا ولو مِثْقَالَ ذَرَّةٍ .. فإن أكلت عامدًا أو شَرِبتَ، أَو جَامَعَتَ فَعَلَيْكَ بَدلُ مَا مضى من الشهر، والكفَّارةُ صِيامُ شَهرَينِ مُتابعين) .. هَذِهِ عقُوبَة صِيامِ يَومٍ ضَيَّعَتَهُ فِي الدُّنيا، فكيف بعقوبة الآخِرة .. فإنَّك لا تَقوَى عَليهَا، والصَّومُ أَهونُ عَلَيكَ مِن عُقُوبَة وَاحِدَةٍ، فكيف بالعُقُوبَتين؟
فإن
وَاتَّق فيه الكذب والغيبة والنميمة، وقولَ البُهتانِ وشَهَادَةَ النُّورِ، فَهَذِهِ آفَاتُ اللّسانِ،
فعلت
مِنهَا شَيْئًا فَعليك التوبةُ إِلَى اللهِ وبَدَلُ ذلِك اليومِ وفَوَّتَ الثوابَ. وإن أكلت وشربت، أو جامعت ناسيا فعليكَ البَدلُ)، ولا إثم عليك.
1) الصحيح أنه لا بدل عليه في الأكل والشرب للحديث الذي رواه أصحاب السنن عن أبي هريرة، «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أو شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَومه فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ». (1/143)
صفحة 144
الدلائل على اللوازم والوسائل
144
وإِن غَلَبَك القيء ولَم تُسغ مِنه شيئًا فَلا فَسادَ عَليكَ، وإِن سُعْتَ مِنه شيئًا عَمدًا فَعليكَ
البدلُ والكفارة، وإِن كَانَ عَلَى غَيْرِ عَمَدٍ فَالْبَدَلُ.
وإن
عَطَشت حَتَّى خِفت الْهَلاكَ، فَجائِزٌ لَك أَن تَشرَبَ قَدرَ مَا تُحْيِي بِهِ نَفسَك، ولا تَزِد على ذلك .. وإن أَسْعَطت (1) في أنفك سعوطًا يَدخُل حَيَاشِيمَكَ، أَو قَطَرتَ فِي أُذنكَ دَواء وَلَجَ أَصمُحَيكَ (2) انتَقَضَ صَومُ يومِك.
والحقن في الدبر لا تَفعَلهُ، فَإِن فَعَلتَهُ ووَلَجَ مِنْهُ شَيْءٌ فَعَليكَ بَدلَ مَا مَضَى مِن
صومك.
وإن توضأت لِنَافِلة، أو فَريضَةٍ قَبلَ حُضورٍ وَقتِهَا، أَو زِدتَ فِي الْمَضَمَضَةِ عَلَى ثَلَاثَ مرات، وأَسَعْتَ شَيْئًا فِي الزَّيَادَة عَلَى الثَّلاثِ فِي وُضوعِ النَّافِلة، أو وضوء الفريضة قبل وقتها فيفسد عليكَ صَوم يومك .. وجائز لكَ كَيلَ الدَّقيق، وحَمَلَ التُراب، إلا أنه يُستحب ن تَلُفَّ عَلَى فِيكَ بِنُوبِ أَو غَيْرِهِ، حَوفَ دُخولِ الغُبارِ. وجائز للصَّائِم ذَوق الشَّيء بالشَّفتينِ، ليعرف حُلوهُ مِن مَالِحه .. وإن دخلَ حَلَقَ الصَّائِم ذباب أو غَيْرُه عَلَى كُرَةٍ مِنه فَلَا نَقضَ عَلَيهِ. وأَمَّا مَن أَصَابَتْهُ الْجَنابَةُ فِي اللَّيلِ وغَلَبَهُ النَّوم، ولم يستيقظ إِلَى طُلُوعِ الفَجرِ، ثُمَّ لَمّا طلع الفجرُ قامَ مُسرِعًا فِي هِمَّةِ الغُسلِ فَعَلَيه بَدلُ يَومِهِ؛ لأَنْ «مَن أَصْبَحَ جُنبًا أَصْبَحَ مُفطرا» .. وإن تَهاوَن بعد ما عَلِم ولم يُسرع في الغُسلِ، واشتغل بِشَيْءٍ غَيْره قَبلَه وهُو ذاكر له فعليهِ بَدلُ ما مَضى مِن صَومه .. وإن أجنَبَ نَهارًا واعْتَسلَ مِن حينه فلا شَيْء
عليهِ؛ لأَنَّهُ لَم يُصبح جنبًا .. وإِن قصَّرَ مُتهَاوِنًا فَعَلَيهِ بَدلُ مَا مَضَى مِن صَومِه.
والوَدي والْمَذِي لاَ يَنْقُضُ الصَّومَ إِذا خَرجَ بَعد الانتشار، وبعد الغائِطِ.
1) أسقطت من السعوط وهو الدواء الذي يستعمل عن طريق الأنف.
الصماخ: فتحتا الأذن إلى الدماغ.
(3) الحديث أخرجه الربيع عن أبي هريرة، (ر 315). (1/144)
صفحة 145
الدلائل على اللوازم والوسائل
وإن قبلَ الرجلُ الصائمُ زَوجتَه نَهارا فَلا نقض عَلَيه إذا لَمْ تخرج منه جنابة، بل يكره له ذلك .. وإِن عَبتَ الصَّائِمُ بِذَكَرِه حَتَّى أَمَىَ فَعَلَيهِ البَدلُ والكَفارَةُ .. وإِن خَرَجَتْ مِنْهُ جنابةٌ بِغَيرِ عَبَتْ وَلا عِلاج لأحَدٍ مِن النِّساءِ واعْتَسَل من جَنابِتِه فَلا نَقضَ عَليه. وأَمَّا إِن أَصابَك مَرَضٌ والعِياذُ بِالله - في شَهرِ رَمَضَانَ وَعَجَرْتَ عَن صَوْمِهِ، ولَم تقدر عليهِ فَالوِ مِن اللَّيلِ أَن تُصبِحَ مُفطِرًا، وكُن على الإِفطَارِ مَا دُمتَ عَاجِزًا عَن الصومِ إِلَّا أن تقوى عليه .. فَإِذَا عُوفِيتَ فَصُمهُ وَالوِه مِن اللَّيلِ، وإذا انقَضَى شَهرُ رَمَضَانَ فَعجُل فِي قضائه إذا عوفيت، وإن بَقيتَ فِي الْمَرْضِ حَتَّى انقضَى شَهرُ رَمَضانَ، وخِفتَ مِن حَادِث الْمَوتِ فَأُوصِ بِمَا عَليكَ مِمَّا أَفطَرْتَ مِنْهُ ..
وأَمَّا الَّذِي يَأْتِيهِ مَرضٌ شَدِيدٌ فِي شَهرِ رمضان ولا يَقدِرُ عَلَى الصِّيَامِ، ثُمَّ يَمُوتُ فِي شَهرٍ رَمَضانَ فَعَلَى وَرَثَتِهِ صِيامُ مَا أَفَطَرَهُ عَلَى كُلِّ وَارِثٍ قَدرَ نَصيبه مِن الْمِيرَاتِ .. هكذا أدركنا من قبلنا، ولعله لا يتعرَّى مِن رُخصَةٍ أَنَّهُ لاَ عَلَيه شَيْء، ولا عَلَى ورثته؛ لأَنَّهُ صَارَ يحد من يُحط عنه التعبُّدُ في الصومِ وغَيره إِذَا لَمْ يَقدِر عَلَى القيام به، ولأنه مات فِي مَرضِه ذَلِكَ، ولَو أَنَّهُ عُوفي للزِمَهُ تَأديَة مَا عَلَيهِ، وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ القياس لا على الحفظ الصريح، فَلْيُنظَر فِيهِ وَاللَّهُ أَعْلَم ..
وأَمَّا إِذا سافرت سفرا تتعدى فيه الفَرسَخَين، فإذا أردت الصيامَ فَهُو خيرٌ لَكَ كَما قَالَ الله: وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ (1).
وإِن شَقَّ عَليكَ الصّيامُ، فَجائِزٌ لَك الإفطار مَا دُمتَ مُسافِرًا؛ لَكنَّكَ لا تُفطِر إِلا بِنِيَّةٍ مِن الليل، ولا تُفطِر نَهَارًا بِلا نِيَّةٍ مِنَ اللَّيلِ ..
فإن أفطرت نهارًا فِي السَّفرِ بِلا نِيَّةٍ مِن اللَّيلِ فَسَدَ عَليكَ مَا مَضى مِن صَوْمِكَ، ولا تَنوِ الإفطار لِلسَّفرِ مَا دُمتَ فِي بَلدِكَ، بَل حتَّى تَخرج منها، فإِن نَوَيتَ وأَنتَ بَعدُ فِي بَلَدِك فَأَصْبَحَت فِيهَا فَسَد عَليكَ مَا مَضى مِن صَوْمِكَ ..
1) سورة البقرة: 184. (1/145)
صفحة 146
الدلائل على اللوازم والوسائل
وإِن سَافَرتَ مِرارًا، فَجائز لك الإفطار في كُلِّ سَفر .. وإن سافرت وصمتَ شَيْئًا فِي
سفرك وأفطَرتَ شَيْئًا، فَثَابتٌ لَك مَا صُمَتَهُ، وعَلَيكَ بَدلُ مَا أَفطَرَتَهُ ..
وإِن أَفَطَرَ الْمُسافِرُ فِي سَفَرِهِ ثُمَّ ماتَ فِي سَفَرِه، فلا بَدلَ عَليهِ- كَذَا وَحدتُه، وإن
رَجَعَ إِلَى وَطَنِهِ فَعَلَيهِ البَدَلُ.
(1) -
وفُرضَ (1) الصَّومُ عَلى مَن أَطاقَهُ مِن الصَّبيانِ، ولَو لَم يَبْلُغ.
وأَمَّا الْمَرْأةُ البَالِغَةُ إِذا صَامَت ثُمَّ أَتَاهَا الْحَيضُ فِي شَهرِ رمضانَ نَهَارًا، فَإِنَّهَا تُفطِر فِي يَومِها وإن انقطع عنها، وغَسَلَت نَهارًا، فَلْتُمسك بقيَّةَ يَومِها ..
وَكَذَلِكَ الْمُسافِرُ إِذا رَجَعَ نَهَارًا مِن سَفَرهِ وهُو مُفطِرٌ، فَيُؤْمَرُ بِالإِمْسَاكِ بَقِيَّةَ يَومِه .. فالله الله يا أخي، من صَوْمَكَ عَن جَميع مَا يُنقِضُه مِن أكل وشرب ونكاح، ونُطق بِغَيرِ حَقٌّ، واستماع لباطل، ونَظَر مُحرَّم، وحركة باطلة بيد أو رجلٍ. والحذر من أن تُفطِرَ عَلى حَرامٍ، فَإِنَّه قيل في المثل: «مَن صَامَ عَنِ الْحَلَالِ، وَأَفطَرَ عَلَى الْحَرامِ، فَهُو كَمَن يَنِي قَصرًا، وَيَهْدِم مصرًا» .. وحد الصوم: من طُلُوعِ الفَجرِ الصَّادِقِ إِلَى حُضورِ اللَّيلِ عِند وُجوبِ صَلَاةِ الْمَعْرِبِ. فإذا صُمتَ نَهارَكَ، وَحضَر الليلُ، فَقَدِّم الفطورَ قَبْلَ صَلاةِ الْمَعْربَ إن رأيتَ شَاقًا عَليكَ الصَّبْرُ أَن تُصَلِّيها مِن عَطَش أو جُوعٍ؛ لِكَي تَفرَعَ لِلصَّلاةِ، ولَو أَكَلتَ يَسِيرًا. وإِن لَم تَرَشَيْئًا شَاغِلَا، فَقَدِّمُ الصَّلَاةَ لِصَيْقِ وَقَتِهَا. وإن قدرت على أن تُطعِم فَقيرًا تُفطَّرهُ في كُلِّ لَيْلَةٍ مِن شَهرٍ رَمَضَانَ، وَلَو بِشَيْءٍ قَلِيلٍ، فَإِنْ لَكَ فِيهِ ثَوَابًا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ.
فإذا يَسَّر اللهُ لَك صِيَامَهُ تَامَّا فَاشكُرِ الله عَلى ذلِك إِذ عَافَاكَ مِن الأَمرَاضِ، فَانظُر كَم
في الأَرضِ مِن خَلقِ اللَّهِ مَرْضَى يَودُّون لَو أَنَّهُم يُعَافُونَ لِيَصُومُوا هَذَا الشَّهر.
1) لا يفهم من قول الشيخ الفرض الشرعي الذي يحاسب عَلَيه المكلّف؛ لأن الصبي غير مكلف بخطاب الشارع، بل يفهم منه الناحية التعليمية للصبي القادر تدريبا وتعليما له على تـ تقدير حرمة رمضان عند الاستطاعة. (1/146)
صفحة 147
وإذا
الدلائل على اللوازم والوسائل
أَعْنَاكَ بفَضلِه عَن السَّفَر لِطَلَب الْمَعِيشَة فَكَم مِن الْخَلقِ فِي شُغلِ الأَسْفَارِ لِمُعَانَاةِ
أُمُور الْمَعاشِ، مِن حَارِثٍ، وَأَجير، وتاجر وغير ذلك، فَمِن أَينَ تُؤدِّي شُكر ذلكَ.؟! فَإِذَا تَمَّت ثَلاثُونَ يَومًا مُنذُ صَحَ هِلال دُخُولِه أَو صَحَ هِلال انقضائه لِتِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ يَومًا فَافِطِره لِصَباحَ العِيدِ. وصحة الهلال: شاهدا عَدلٍ، أَو شُهرَةٌ لا تُرَد، أو إِثْمَامُ ثَلاثِين يَومًا .. فَإِذَا أَصبحت مِن يَومِ العِيدِ فَصَلِّ صَلَاةَ العِيدِ.
فصل: في الفطرة وإخراجها
فأخرج الفِطرَةَ مِن مَالِكَ عَن نَفسِكَ، وعَن جَمِيع من يلزمك عَولُه: مِن زَوجَاتٍ، وأولاد صغار، وَعَبِيدٍ، عَن كُلِّ وَاحِد مِنهُم صَاعًا بِالصَّاعِ الصَّحِيح، مِمَّا تَأكُلُهُ فِي يَومِك عَلى قَولِ بَعض. وبَعض قَال: مِمَّا تَأكُله في شهرك، وهُو شَهرٍ رَمَضَانَ. وَبَعض قَالَ: مِمّا تاكله في سنتك، من بُر، أو ذُرَة، أو أرز، أو شعير، أو دُخنٍ، أو تمرٍ، أو لبن إِن كَان قُوتُكُم مِنه. تُخرِجُه إِلَى مَن شِئتَ مِن الفُقَرَاءِ مِن أَرحَامِكَ، وَجِيرَانِكَ، مِمَّن يَستَعِينُ بِه على قوته، لاَ لِمَن يَستَعِين به عَلى مَعاصِي الله
تُخرِجُ ذَلِكَ قَبلَ صَلاةِ العِيدِ، وَبَعد صَلاةِ الصُّبحِ مِن ذَلكَ اليَومِ، مُمتَيلاً السَّنَّةِ، فَإِنَّهَا سُنَّة مُؤكّدةً، وَتَارِكُها مِن غَيرِ عُذرِ هَالِكٌ هَذا إذا كُنتَ عَنِّيَّا، لَا تَتَكَلَّفُهَا بِدَينِ، وَلَا تَضِرُّ فيها بعيالك .. وإن كُنتَ غَير قادرٍ عَلَى تَسلِيمِها فَلَا عَلَيْكَ. كان وإن في زمن الأئمة العُدُولِ، فَالتَّسلِيمُ إِلَيهِم (أعني الفِطرَةً وإِلَى عُمَّالِهِم مِن الثَّقَاتِ .. وإِن أمروك أن تُسَلّم أَنتَ مَا عَلَيكَ إِلَى أَحَدٍ مِن الفُقَرَاءِ، جَاز لَكَ ذَلِك .. وإِذا كَانَت زَوجَةُ الفَقِيرِ غَنِيَّة، فَتُخْرِجُ
عَن نَفسِهَا زَكَاةَ الفِطرِ. وإِن أَخَرتَ ذَلِكَ عَن الوَقتِ الذِي ذكرتُه، فَمَتَى سَلْمتَهَا أَجْزَات عنك، إلا أنه في ذلك الوقت أفضل لتسليمها فيه ..
فاحذر قوات الفَضلِ فِي صَاعٍ مِن حَبِّ، وَأَنتَ قَادِرٌ عَلَيْهِ. (1/147)
صفحة 148
الدلائل على اللوازم والوسائل
في ذكر صلاة العِيدَيْن
فإذا عرفت من تسليم الفطرةِ فَتَأهب للخروج للجبَّان (1) لِسُنَّة صَلاةِ العِيدِ. والْمُستَحِبُّ الأكل ولو كانَ قَليلاً قَبلَ الْخُروج لِلصَّلاةِ؛ لأَنَّهُ عَلَى أَثَرِ الصَّومِ .. فإذا أردت الخروج فَاعْتَسِل بِالْمَاءِ أَوّلاً، فَإِنَّهُ مَأمُورٌ بِه كَالغُسلِ لِيَومِ الْجُمعةِ إِن أَمكَنك، وإلا أَجزَاكَ الوُضُوء، فإذا توضأت فَتوجه إلَيهَا فَإِنَّهَا سُنَّة مُؤكِّدةً، وفِيهَا التَّوابُ الْجَزِيلِ لِمَن
وفقه الله ...
ووقت صلاتها: مِن طُلوعِ الشَّمْسِ إِلَى نِصفِ النَّهارِ، وَيُؤْمَرُ النَّاسُ بِالْخُرُوجِ فِي ذَلِكَ
الوقت حتى النِّساء، ولا يَنبَغِي لِأَحَدٍ أَن يَتَخَلَّفَ عَنْهُ إِلَّا مِن عُدْرٍ .. فإذا عزمت على الخروج بَعدَ الوُضوءِ فَاخْرُج وعَليكَ السَّكِينَةُ والوَقارُ، وَاذكُر نُزُولَ ذلك المَلائِكَةِ الكرام في اليوم، علَى الصَّائِمينَ الذِينَ صَامُوا عَلَى الوَجهِ الْمَأْمُورِ بِالتَّعظِيمِ لَهُم والبشَارَةِ، والدُّعاءِ والاستغفار، واذكُر لَعَلَّكَ لَا تبقَى لِتَخرُج إِلَى عِيدٍ غَيره
بَعدَهُ، لِتَكُونَ وَجَلاً. واذكر اللهَ فِي مُضِيِّكَ إِلَى الْجَبَّانِ بِتَهلِيل) وتكبير وتحميد وتسبيح أو غَيرِهِ، وَاعتبر بانتِشَارِ الْخَلقِ فِي ذَلِك اليوم، واذكر انتِشَارَهُم غَدًا وَجائِرٌ لَكَ أَن تُصَلِّيَ قَبْلَ صَلَاةِ العِيدِ
وبَعدَها مَا شِئت.
فإذا أَرَدتَ الصَّلاةَ فَاستَقبل القِبْلَةَ، وقُل بَعدَ البَسمَلَةِ: «أُصلِّي لِلَّهِ تَعَالَى فِي مَقامِي سُنَّةَ صَلاةِ عِيدِ الفِطرِ الْحَاضِرة رَكَعَتَين بثلاث عشرة تكبيرة»، وإن
الجبان: بالتشديد الصحراء، أو الأرض المستوية في الارتفاع، ويقصد بها مصلى العيد.
كنت
هَذَا
إمامًا فقُل:
(2) التهليل: قولك: «لا إله إلا الله»، والتكبير «الله أكبر»، والتحميد: «الحمد الله»، والتسبيح «سبحان الله». (1/148)
صفحة 149
الدلائل على اللوازم والوسائل
إمامًا لِمَن يُصَلِّي بِصَلاتِي ولمن يأتي»، وإِن كُنتَ مأموما فقُل: «يصَلاةِ الإمام متوجها للكعبة أداء للسنَّة، طاعة الله ولرسوله». ثُمَّ وَجِّهُ بِغَير إِقَامَةٍ وَلا أَذَانِ، فَإِذَا وَجَهتَ فَجدِّد النية كَما بَدَأت، ثُمَّ كَبر تكبيرة الإحرام، ثُمَّ كَبر بَعدَهَا خَمْسًا غَيْرَها عَلى مِثل نُطقِكَ بِهَا، ثُمَّ استَعِدْ واقرَأ الفَاتِحَةَ، وَمَا تيسر من القُرآنِ إِن كُنتَ إمامًا أو وحدك .. وإن كُنتَ مَأْمُومًا فَاتبع الإمام فِي الفَاتِحَة، واستمع لقراءة الإمام لِلقُرآنِ، ثُمَّ اركع واسجد سجدتين، وقُل فِي رُكُوعِكَ وَسُجُودِكَ مثلما تَقُولُ فِي غَيرها، من التسبيح والتكبير وغيره. ثُمَّ قُم للركعة الثانية بتكبيرة، فاقرأ الفَاتِحَة وشَيْئًا مِن القُرآنِ وإِن قَرَأَتَ سُورَةَ: قُلْ هُوَ الله أحد الله قنعمَ ذَلِك؛ ثُمَّ كَبَر بَعدَ تَمَام القِراءَةِ قَبلَ الرُّكُوعِ خمس تكبِيرَاتٍ مِثلَ تكبيركَ الأَوَّلِ، ثُمَّ اركع بتكبيرة غَيْرِهِنَّ وَانْهَضَ بَعدِ الركوع بقول: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَه، رَبَّنَا لَك الْحَمدُ»، وكبر ثَلاثَ تكبيرات كاللواتي قبلها، واسجُد بِتَكبِيرَة غَيرهنّ، فإِذَا سَجَدت اقعد لِلتَّحِيَّاتِ فَاقرَأَهَا إِلَى تَمَامِها، ثُمَّ سلّم، واسجُد بَعدَ التسليم وقد تَمَّت
صلاتك.
فإذا تمت الصَّلاةُ فَليَقُم الْخَطِيبُ قَائِمًا، ويَقرَأ الْخَطَبَةَ قَائِمًا جَهَرًا، يَحُثُ النَّاسَ عَلَى توحيدِ الله تعالى، والشَّهادَةِ بالله ورَسُولِهِ، وَيَعِظُ النَّاسَ بِذكرِ الْمَوتِ وَالثّوابِ وَالعِقابِ،
ويحتهم على تسليم الفِطرة. فَإِذا تَمَّت الْحُطَبَةُ يَنصَرِفُ الناسُ مِنَ الْحِبَّانِ إِلَى حَوَائِجِهِم. والذبحُ: غَيْرُ لازم عَلى النَّاسِ فِي عُمان، لا لِعِيدِ الفِطرِ ولَا لِعِيدِ الأَضحَى، إِلَّا أَننَا تُحِبُّ لِمَن قَدرَ أَلا يترك ذلِك؛ لأن النَّاسَ قَد اعتَادُوا ذَلِكَ، فَكَأَنَّهُ عِندَهُم سُنَّة، لِيَدخُل فِي رَيِّ المُسلمين، ولِئَلا يَحقِرَ أَهْلَهُ ويُدخِلَ عَلَيهِم الْجَفَاء. وأَمَّا صَلاةُ عِيدِ الأَضحَى فَهِي سُنَّة عَلى مَا وَصَفْتُه لَكَ فِي صَلَاةِ عِيد الفِطرِ، لَم تختلف بشَيءٍ غَير عقد النيَّةِ فِي الصلاة أَنَّهَا سَنَّة صَلاةِ عِيد الأَضحَى»، وَهَذَا عَلى قَولِ (1/149)
صفحة 150
الدلائل على اللوازم والوسائل
مَن جَعَلَ التَّكبيرَ ثَلاثَ عَشَرَةَ تَكبيرَة؛ لأَن فِيهِ اختِلافًا تَرَكتُه، وَأَتيتُ بِالْمَعمُول طَلباً للاختصار. وينقصُ صَلاة العِيدِ مَا ينقصُ غَيْرَها مِن الصَّلَوَاتِ، وَإِن انتقضت صَلَاةُ العِيدِ صَلوهَا فِي الوَقتِ جَمَاعَةٌ، وَبَعدَ فَواتِ الوَقتِ فُرَادَى .. وإِن زَادَ الإِمَامُ تَكبِيرةٌ، أَو نَقص تكبيرةً سهوا، فَلا نَقضَ عَلَيهِ فِيمَا يُعجبنا وفيه اختلاف، وإِن زَادَ أَو نقص عَمدًا فَعَلَيهِ النقض.
وإن كُنتَ تُرِيدُ تَضَعِيفَ الْحَسَنَاتِ فَهُم سِتَّةَ أَيَّامٍ بَعدَ عِيدِ الْفِطْرِ مُتَّصِلاً بِصَوْمٍ شَهْرٍ رَمَضانَ، لِيُضَاعَفَ لَك بعون الله وكَرَمِهِ وَفَضلِه عَن صَومِ سَنَةٍ؛ لأَنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ حَسَنَاتٍ أَمْثَالِهَا، فَصارَ صَومُ شَهرُ رَمَضانَ عَن ثَلاثِمَانَة يَومٍ، والسَّنةُ ثَلاثمائة وَسِتُونَ يَومًا، فَصَومُ ستَّةِ أَيَّامٍ مِن شَوّال مُتَّصِلا بِرَمَضانَ لِتَكُون عَن صِيامٍ سِتِّينَ يَومًا، لِيُضَاعَفَ لَكَ الْجَمِيع - إذا تقبل - عن صوم سنة كاملة. وإِن أَردتَ مَزِيدًا فَهُم مِن بَقِيَّةِ الشَّهْرِ لِنَافِلَةٍ أَو بَدَل أَو غَيْرِ ذَلِكَ، فَفِيما يُوجَدُ أَنْ بَعض الأيام أفضلُ مِن بَعض، والَّذِي وَجَدتُ فِي الكُتُبِ فِي الصَّومِ الْمَندُوبِ إِلَيهِ مِثل: صوم عَشَر ذِي الْحِجَّةِ وهِنَّ نِسعَةُ أَيَّامٍ مِن أَوَّلِه؛ لأن العاشر يَومَ العِيدِ فَلَا يَجُوزُ صِيامُهُ، وَفِي أَوَّل
المُحرَّمِ العَشر الأوائل إِن قَدَرتَ، وإِلا فَصُم التَّاسِع والعَاشِرَ مِنْهُ، وشَهرٍ رَجَب كُلَّه .. ومن الأيام: الخميس والجمعة، والإثنين، وعِندِي أن الأَيَّامَ كُلَّهَا لِمَن هَدَاهُ اللَّهُ، وَيَسَّرَ عَليهِ وأَعانَهُ مَأجُورٌ فِيهَا .. غَيْرَ أَنَّهُ يُوجَدُ فِي الكُتُبِ أنْ بَعْضَهَا أَفضَلُ مِن بَعضٍ، وخاصة أيام البيض مِن كُلِّ شَهرٍ، وهنَّ الثَّالث عَشَر، والرَّابع عشر، والْحَامِسَ عَشَر .. وأَمَّا أَيَّامُ التَّشْرِيقِ: وهُنَّ اللواتِي بَعدَ عِيدِ الأَضحَى، وهنَّ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ؛ فَالأَكلُ فِيهِنَّ أَفضَلُ مِن صَوْمِهنَّ، إِلا لِمَن عَلَيه صَوم من قبل متصل بهنَّ، فغير حرام صومهنَّ .. وأَمَّا لِلفَضلِ فَالأَفضَلُ الأكل فِيهِنَّ إِلا أَنَّهُ مَأمُورٌ فِيهِنَّ بِالتَّكبِيرِ، ولو فِي كُلِّ سَاعَةٍ مِنهَا، فَإِذا عَجَرْتَ عَن ذلِكَ، فَلا يَكُونَ تكبيرُكَ أَقلَ مِن بَعدِ تَمَامِ صَلَواتِ الفَرَائِضِ. (1/150)
صفحة 151
الدلائل على اللوازم والوسائل
ويَكُون أَوَّل التكبير: بعد صلاة الظهر من يَومَ العِيدِ، وآخره بَعدَ صَلاةِ العَصرِ من يَومِ
ثلاثة عشر، وذلك بعد سبع عشرَة صَلاة. وصفَةُ التكبير على الاختيار، أن تَقُولَ بَعد كُلِّ صَلاة فَرِيضةٍ مِن بَعدِ التَّسليم وَالسُّجودِ الَّذِي بَعدَهُ، تَقُولُ: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر كبيرا .. الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر تكبيرا .. الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبرُ ولِلهِ الْحَمد حَمدًا كَثِيراً، وَلَا حَولَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ العَلِيِّ
العظيم» .. وإن قدرت ولو في طولِ نَهارِك أن لا تسكت عن التكبيرِ فَهو أَحسَن. ولو عرفت يا أخي - رَحِمَنا اللهُ وإِيَّاكَ - فَرضَ الصَّومِ وفَرَعْتَ مِنْهُ، وَمِمَّا بَعدَهُ مِمَّا عرفتك به .. فَاعلَم أَنَّ الله غني عنك وَعَن صِيَامِكَ وَعَن جَمِيعِ طَاعَتِكَ؛ وَمَا أَمَرَكَ بِذَلِكَ إلا لِمَصْلَحَتِكَ، واختياره لَكَ خَيْرٌ مِن اختِيَارِكَ لِنَفْسِكَ. وَاعلَم أَنَّكَ مَا دُمتَ قَائِمًا فِي الدُّنْيَا، فَلا تَحِد فَراعًا إِمَّا لدين وإِمَّا لَدُنْيَا، وإِن فَرغتَ مِن الجميع ضعت، وصرت لَا مِن رِجالِ الدِّينِ وَلا الدُّنيا.
فاختر لنفسِكَ طَاعَةَ مَولاكَ، وَرِضَاهُ عَليكَ، وَتَوابَهُ لَك، أَو تَجمع الأموال لأَزْوَاجِ بَنَاتِك، أو زَوجَاتِ بَنيكَ، فإن كُنتَ ذَا بَصِيرةٍ فَانظُر بِعَين عَقلِك .. فإذا عَرَفتَ هَذا المذكور، دخلت فِي أَشْهُرٍ الْحَجِّ. (1/151)
صفحة 152
الدلائل على اللوازم والوسائل
البال
21
فِي صِفَةِ لُزُومِ الْحَجِّ وَمَعرِفَة أَشْهُرٍ الْحَجّ وَصِفَةُ الإِحْرَامِ وَمَا يَجِب عَلَى الْمُحرِم وَغَيرِ ذَلِكَ مِن شُرُوطِه
أَشْهُرُ الْحَجِّ: شوال، وذُو القعدة، وتسع من ذي الْحِجَّةِ؛ فَإِذَا دَخَلَت عَلَيكَ هذه الأشهر، ومَلَكتَ فِيهَا مَالاً مِن مِيرَاتِ آلَ إِلَيكَ، أو حراثة حصدتها، أو تِجَارَةٍ دَخَلَت عَلَيكَ، أو صناعَةٍ، أو غَيرِ ذَلِك مِن وُجُوهِ الْجَمَعِ، وَمَلَكتَ ذَلِك
فِي أَوَّلِ أَشْهُرِ الْحَجِّ الْمَذكورة، أو أوسَطهَا، أو آخرها، أو مَلَكَتَهُ فِي غَـ أشهرِ الْحَجِّ، وبَقِي فِي يَدِكَ إِلى أَن دَخَلَت عَلَيكَ أَشهُرُ الْحَجِّ، وَكانَ هَذا الْمَالُ الَّذِي مَلكته فِي يَدِكَ يَكفِيكَ لِزادٍ وَرَاحِلةٍ إِلَى مَكةَ الشَّرِيفَة ذاهباً وراجعا، أو يكفيكَ لِلكراء والنُّولِ وَالزَّادِ إِن رَكِبت بحرا، وَيَكفِي لِمَن تَعُولُه مِن زَوجَةٍ أَو ولد صغير، أو عبدٍ، أو والدين قد عَجَرُوا عَن مَؤُونَةِ أَنفسهم لكبر، أو مرض، أو عدم مال يكفيهم إلى رُجوعِكَ إِليهم، على عادة مسير النَّاسِ الذِينَ لا يَخرُجونَ إلا للحج، ولا يَقُومُونَ لِشيء من الأشغال غير شغل الْحَجِّ وَالْمَسِير، والْمَجِيء فقط. فإذا ملكت ما وصفته لكَ مِن غَلَّةٍ مَالٍ أو نقد سوى الأصل، فقد لَزِمَك فرض الْحَجِّ .. وأَمَّا الأَصلُ إِذا كَانَ وَاسعًا - مثلا - لو يعتَ مِنهُ قَدرَ مَا تَحتَاجُ إِلَيهِ لِحُروحِكَ لِلحَجِّ، وبَقِي مِنهُ مَا تُغنيكَ غَلْتُه بَعدُ، أَنتَ وَمَن لَزِمك عوله، فَعَلَى قَولٍ: يَلزَمُكَ الْحَجُ بِذَلِك. (1/152)
صفحة 153
وإذا
فأوص
الدلائل على اللوازم والوسائل
تحققت لُزُومِ الْحَجِّ، فَإِن كُنتَ صَحِيحًا فَانتَهِزِ الفُرْصَةَ، وَهُم بِأَداءِ الفَرضِ
ممتثلاً لأمرِ اللهِ تَعَالَى عَلى الفَورِ؛ لأَنْ أَمرَ الْمَلِكَ لَا يَنبَغِي أَن يُؤخِّرَ عَن وَقتِه. وإن كُنت مريضا، أو لك مانع من كبير، أو شغل، لا يُمكِنُكَ الْخُروج عَنهُ، خَوفَ الْحَوادِثِ عَاجِلاً، وَاعتَقِدُ الدِّيانَةَ مَتَى قَدَرتَ عَلَى الْخُرُوجِ لِتَخْرُج؛ وَأَمَّا في الصحة فالاختيار التعجيل، وإن أخرت عن تلك السنة فلا بأس عليك وجائز ذلك .. ومتى أَردت الْخُرُوجَ إِلَى الْحَجِّ فَهَيِّئ الأهبَةَ، وَاجْعَل كَأَنكَ خَارِجٌ غَير عَائِد .. ومَا يُدرِيكَ؟ فَكَم من خارج ولم يرجع .. فتأهب لإصلاحِ دِينِكَ قَبلَ دُنْيَاكَ، فَتَخَلَّص أَوَّلاً مِن حُقوقِ النَّاسِ مِن الدِّيونِ والتَّبِعاتِ واقضِ مَا عَلَيْكَ مِن صَومِ شَهِرٍ رمضان، بَدَل الصَّلَوَاتِ .. وكذلِكَ مَا لَزِمَكَ مِمَّا قَصَّرتَ فِيه مِن أَداءِ الزَّكوَاتِ، ومَا لَزِمَكَ ومن من الأيمان والنذورِ، وَرُدَّ جَمِيعَ الأَمَانَاتِ، وأَرضِ مَن عَتَب عَلَيكَ مِنَ الْجِيرَانِ وَذَوِي القرآبَاتِ، وَاعدِل بِجُهدِكَ بَين الأولادِ والزَّوجَاتِ، وَاعْنِهِم - إِلَى رُجُوعِك بالكسوة والنفقات.
وإن لم تقدر عَلى جَمِيعِ مَا عَليكَ فِي الْحَالِ، فَأَوصِ بِهِ إِلَى الثَّقَاتِ، وَاخْرُجْ حَفِيفًا كيوم ولدتكَ أُمُّكَ تَأهبا لِلمَماتِ، واعدد الزَّادَ الوَافِر لِيَتَّسِعَ خُلُقُكَ فِي الْمَسْقَاتِ، واصحَب الرَّفِيقَ الْمُحِبَّ الثَّقَةَ لِيُعِينَكَ فِي الْمَلمَّاتِ، وَودّع الأَهلَ وَالْجِيرَانَ، وَالإِحْوَةَ والأخوات، والبنينَ وَالبَناتِ وَدَاعَ مَن لا يَرجِعُ إِليهم، لِتَنْهَمِلَ العَبْرَاتُ، إِلَّا أَن يَشَاءَ رُجُوعَكَ رَبُّ السَّمَواتِ.
واعقِدِ النِّيَةَ عِندَ خُروحِكَ بِلَسَانك وقلبك، أَنَّكَ خَارِجٌ لِأَدَاءِ الفَرضِ الَّذِي لَزِمَكَ، مُمتثلاً قولَ اللهِ: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا)، كَأَنَّهُ تعالى دَعَاكَ فَأَجَبَتَهُ بقولك: «لبيك»، وَاشْكُرهُ عَلَى مَا مَنَّ به عَليكَ إِذ عَافَاكَ فِي جَسَدِك؟ لتقدير على الإجابَةِ بِالْخُروج، وإذ أَعْنَاكَ لِلُزُومِ هَذا الفَرضِ، لتصل إلى البَيتِ
1) سورة آل عمران: 97 (1/153)
صفحة 154
الدلائل على اللوازم والوسائل
المحجوج، ولم يَجعَل لَك مَرضا عَالِفًا عَنهُ وَلا شَاغِلاً دُونَهُ .. فَكَم مِن خَلقِ اللَّهِ يَوَدُّ وَيَتمَنَّى وُصُولَهُ وَمَا يُيَسَّرُ لَهُ، فَهَذِهِ نِعمَةٌ مِن اللَّه وَمِنَّةٌ عَظِيمَةٌ.
فلو لم يَكُن حَظِّكَ مِن الْخُروج، إِلَّا نَظَرَ الْحَرَمَينِ وَمَا هُناكَ، وَوُقُوفَكَ بِعَرَفَاتٍ، لِتُعَدَّ فِي جُملَةِ مَن أَجَابَ الْمَلِكَ إِلَى الْحَضرَةِ، فَكَيفَ بِمَا تَرْجُوهُ مِن حَطَّ الأَوزَارِ، وَزِيارَةِ قبر النَّبِيِّ الْمُختَارِ، وَالنَّجَاةِ مِن النَّارِ، والوُصُولِ بِرَحْمَةِ اللَّهِ إِلَى دَارِ القَرَارِ، أَين يَنتَهِي تَعْبُدُكَ وَشُكرُكَ وَطَاعَتُكَ، لِتُعَدَّ مِنَ الْحَاضِرِينَ.
فَانظُر لَو دَعَاكَ مَلِكُ زَمانِكَ إِلَى حَضرَتِه عِندَ رُؤَسَاءِ البَلَدِ، أَمَا كُنتَ تَعُدُّ ذَلكَ غنما؟ ولو لم يُعطِكَ شَيْئًا؟ .. فَأَينَ هَذا مِن ذَاك؟ فاعرف حَقَّهُ، وَاشْكُر نِعْمَتَهُ، وَاذكُر
منته.
وإِذا هَيَّأت جَمِيعَ حَوائِجِكَ لِسَفَرِكَ، وَأَرَدتَ الْخُرُوجَ فَصَلِّ رَكَعَتَيْنِ فِي بَيْتِكَ وَدَاعًا لَهُ إِن لَم تَقدِر عَلَى أَكثَر، ثُمَّ فَرّغ هِمَّتُكَ إِلا لِلسَّفَر، وَدَعِ الشُّغلَ بِمَا وَرَاءَكَ فَاللَّهُ حَافِظٌ لك ولجميع ما وراءَك، ولا تَدرِي بِالْحَوادِث إلى مَن تَسبق، إِلَيكَ ثُمَّ لا ترجع، أو قَبلَكَ، وإذا رَجَعتَ فَلَا تَكُن لَكَ هِمَّة إِلَّا بِدِينِكَ وَبَدَنك.
ثُمَّ اذكر الله في مشيك، ورُكُوبِك، وقُل إذَا رَكِبت دَابَّتِكَ فِي البَر، أَو سَفِينَتَك في البحر: «لتستوراً عَلَى ظُهُورِهِ، ثُمَّ تَذَكَّرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ) وَإِنَّا إِلَى رَبَّنَا لَمُنقَلِبُونَ (1). الْحَمدُ لِلَّهِ الَّذِي حَمَلَنَا فِي
وإن
البر والبحر، وهَدانَا لِلإسلامِ، وَعَلَّمَنَا القُرآنَ، وَمَنَّ عَلَيْنَا بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ». شئت قلت أيضا عِندَ رُكُوبكَ لِدائِتِك أو سَفينتك، وخُرُوجكَ مِن بَيتك: «اللَّهُ أكبر، الله أكبر، الله أكبر، اللهُمَّ أَنتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ وَالوَلَدِ، اللهُمَّ أَصحَبَنَا فِي سَفَرِنا، واخلفنَا فِي أَهلِنَا بِحُسنِ صُنعِكَ». وقُل: «اللَّهُمَّ أَنتَ
1) سورة الزخرف: 13 - 14. (1/154)
صفحة 155
21550
الدلائل على اللوازم والوسائل
مَعِي فِي سَفَرِي، وَأَنتَ مَع خَلقِكَ أَينما كَانُوا فَاحفظنِي فِي سَفَرِي، وَاخِلُفْنِي فِي
أهلي».
وإذا. صَعَدتَ مَكَانًا مُرتَفِعًا فَكَبِّر الله «الله أكبر»، وإذا نزلت مكانًا مُنخفضا فَسَبِّح الله، وإذا وصلت مكانًا لِلمَبِيتِ أَو الْمَقِيلِ فَقُل: «الْحَمدُ لِلَّهِ الَّذِي بَلْغَنَا سَالِمِينَ .. اللهم أنزلنا متلاً مُبَارَكًا، وَأَنتَ خَيْرُ الْمُترلين، اللهم ارزقنَا بَرَكَةً مُتَلَنَا هَذَا، وَاصِرِف عَنَّا شَرَّهُ وبَأسَهُ وَوَبَاءَهُ، فَإِذَا أقدمتنا مِن مَنزِلِ إِلَى مَنزِل فَأَبَدِلَنَا مَا هُو خَيرٍ مِنهُ». وإن قدرت أن تُوَدِّع كُلِّ مَنزل نَزَلَتَه بِصَلاةِ رَكَعَتَينِ فَافَعَلَ، وَأَنتَ عَلَى هَذَا مَا دُمتَ
في سَفَرِك ..
وحَافِظ عَلى طَهَارَتك وصلاتِك، وَلا تَجعَل خِدمتك إلى أصحابك بل اخدم نَفْسَكَ، وإِن قَدَرتَ فَاخدمهُم، فَإِنَّهُ خَيْرٌ لَكَ مِن أَن يَحْدِمُوكَ. وَلَا تَعْفَل عَن ذِكرِ اللهِ فِي كُلِّ حَالٍ، إلى أَن تَصلَ إِلَى إِحدَى الْمَوَاقِيتِ الَّتِي وَقْتِهَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَهِي مَعْرُوفَةٌ مَشْهُورَةٌ، لِكُلِّ أَهْلِ جِهَةٍ مَكَانَ. فَأَمَّا أَهلُ عُمانَ فَلَيسَ لَهُم مَكانٌ مَعلُومٌ، وَلَكِن إِن جِئتَ جِهَة اليَمَنِ، فَأَحرِم مِن مِيقَاتِ أَهلِ اليَمَن وهُو "يَلَملَم"، ويُسمَّى فِي هَذا الزَّمَان "السَّعِدِيَّة". ومِيقَاتُ أَهلِ الشَّامِ الْجَحفَةُ" ويُسمَّى "رابغا". ومِيقَاتُ أَهلِ نَجِدٍ "قرن"، وَمِيقَاتُ أَهْلِ العِرَاقِ "ذَاتُ
عرق". ومِيقاتُ أَهلِ الْمَدِينَةِ الْحُلَيفَةُ"، وفِي هَذَا الزَّمَانِ يُسمَّى أَبَيَارَ عَلِي". فإذا وصلت إحدَى هَذِهِ الْمَواقِيت، فَاحلق رأسَكَ، وَقَلْم أَظافِرَك، وقُصَّ شَارِبَك، وهَذَا لَيسَ بِلازِمٍ عَليكَ هُناكَ، إِلا لِتَكُون مُتأهبا للإحرام؛ لأَنَّ الْمُحرِمَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا مِن هَذا ثُمَّ اعْتَسلِ، وَإِن أَمْكَنَ أَن تَدهنَ رَأسَكَ بِدهنٍ لَا طِيبَ فِيهِ فَافعل، وإذا اعْتَسَلْتَ فَالبَس ثَوبَي إِحرَامِكَ، وَكُن مُعِدًا ثَوبَينِ جَدِيدَينِ، أَو مَعَسُولَينِ لَم يُلبَسَا مُدْ غُسلاً، تَتَّزِرُ بِأَحَدِهِمَا وَلا تَعقِدَهُ عَلَى نَفْسِكَ، بَلَ اعْرِرْهُ فِي حَوَانِبِهِ الَّتِي تَلِي جَسَدَكَ، (1/155)
صفحة 156
الدلائل على اللوازم والوسائل
156
وَالنُّوبُ الآخر ألقه عَلى ظَهرِكَ وَصَدرِكَ وَمنكَبَيكَ (1) وَلا تَعقِدهُ، وَلَا شَيْئًا مِنْهُ عَلَى منكبك، ولا تلبس بَعدَ مَا تُحرم عَمَامَةً فَوقَ رَأسِكَ، وَلا قَمِيصًا عَلَى جَسَدِكَ، وَلا سراويل في رجليك.
وأَمَّا إِذا لَم تَحِد ثَوبًا عَرِيضًا لِتَلْبِسَهُ، وَلَبِست رِدَاءً مَخِيطًا رثاقةً لا قميصا، ففِيهِ
ترخيص، ولا تَمسَّ طِيبًا وَلا تَشُمَّهُ إِلا أَن يَقَعَ فِي أَنفِكَ مِن غَيْرِ أَن تَتَعرَّضَ لَهُ. فإذا لبست ثيابَ إِحرَامِكَ فَصَلِّ رَكَعَتَينِ طَاعَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى إِن لَم يَتَّفِق لك وقت حضور صَلاةِ فَرِيضَةٍ، فَإِن أَتَّفَق مَعَ حُضُورِ وَقتِ فَرِيضَةٍ أَجْزَاكَ. فإِذَا سَلّمتَ مِن الصَّلاةِ بَعدَمَا تَفرَغُ مِنهَا، فَأَحرِم إن شئت بِعُمرَةٍ أَو بحجة .. والذي أحبه لك إذا وصلت هناك قبل الْحَجِّ بأيَّامٍ فَأحرِم بِعُمَرَة لِتَحُلِّ مِنهَا بِسُرِعَةٍ؛ لِثلاً يَطُولَ عَلَيكَ الإحرام، وَيَشغَلَكَ البَردُ وَالْحَرُّ. وإن جئت في قُربِ الْحَجِّ فَأَحرِم بِحَجَّةٍ، وإِن شئتَ قَرنَتَهُمَا وَتَقُولُ: «اللَّهُمَّ نَتِي واعتقادِي أَن أُحرِمَ مِن هَذَا الْمِيقاتِ بِعُمرَةٍ، أو بحَجَّةٍ، أَو بِعُمَرَةٍ وَحَجَّةٍ، أَداءً لِما عَلَيَّ
كنت
من فَرضِهِما، أو فَرضها إِن كَانَت وَاحِدَةً، طَاعَةً لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ مُحمَّد .. وإِن حَاجًا عَن غَيْرِكَ بِأَجرَةٍ فَانوِ الإِحْرَامَ بِالْحَجَّةِ، أَو بِالعُمرَةِ عَنهُ. فإذا عقدت الإحرَامَ فَابدَا بِالتَّليَةِ، وَقُل: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شَرِيكَ لَكَ لبيك، إِنَّ الْحَمدَ وَالنِّعْمَةَ لَك وَالْمُلكَ لكَ، لاَ شَرِيكَ لَك، كبيكَ بِعُمَرَةٍ أَو بِحَجَّةٍ تَمَامُهَا وَبَلاغُهَا عَلَيكَ».
وإذا أحرمت بِعُمرةٍ مُنفَرِدَةٍ فَلا تَذكُر فِيهَا الْحَجَّة، وإِذَا أَحرَمتَ بِحَجَّةٍ فَلَا تَذكُر فِيهَا العُمرَةَ، ثُمَّ كَرّر التلبيَةَ فِي مَقَامِكَ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ.
ثُمَّ لا تقطَعِ التَّلْبِيَّةَ حِينَ تَركَب رَاحِلَتَك وَحِينَ تَمْشِي، وَبَعدَ الصَّلَوَاتِ الفَرَائِضِ، وَعِند القِيَامِ مِن النَّومِ تُلبِّي جَهرًا، وَلَو استطعت ألا تَسكُتَ عَنهَا لَكَانَ حَسَنًا عِندِي،
(1) الْمَنكب: هو مجتمع رأس الكتف والعضد. (1/156)
صفحة 157
الدلائل على اللوازم والوسائل
ولَو كُنتَ عَلى غَيْرِ وُضُوءٍ أَو كُنتَ جُنُباً؛ لأَنَّهُ قِيلَ: «أَفضَلُ الْحَجِّ الْعَجُ وَالنُّجُ»)، (فَالعَج: رَفعُ الأَصوَاتِ بِالتَّلبية، والثّجُ: إهرَاقُ الدِّمَاءِ بِالذبح)، فَلا تُهمل التَّلبية فَيَفُوتك الفضل.
وتفسيرُ: «لبيك اللهم لبيك» اللهمَّ إِنِّي مُقِيمٌ عَلَى طَاعَتِكَ. وفِيمَا وَجَدتُ أَنها جَوابٌ لِندَاء إبراهيم الي لَمَّا نَادِى بِأَمرِ اللهِ فِي جَبَلِ أَبِي (2) لِلنَّاسِ أَن يَحُجُّوا، فَأَجَابَهُ جَمِيع مَن يَحُجُ مِن أَصْلَابِ آبَائِهِم، فَمَن أَجابَ فِي ذلك اليوم فَلا شَكَ أَنَّهُ يَحُجُ وَلَو كَرِهِ، وَمَن لَم يُحِب ذَلِكَ اليَوم فَلَا يَحُجِّ وَلَو رَغِب .. وَلَا تَقطَع التَّليَةَ إِلَى أَن تَصِلَ إِلَى الْحَرَمِ مِن مَكْةَ.
قبيس
وَاجتَنِب: مَا دُمتَ مُحرِمًا قَتلَ الصَّيدِ، فَإِنَّهُ مُحرَّمٌ بِقُولِ اللَّهِ: يَنَايُّهَا الَّذِينَ امَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُم) .. ولا تَأكُل لَحمَ صَيدٍ، وَلَا تَقْتُل شَيْئًا مِن الْهَوَامَ، إِلَّا الْغُولَ وَالعَقرَبَ والْحَدأة، إِذَا تَعرَّضَت لَك، حَتَّى القُمَّل لا تقتله .. وإِن تَعرَّضت لِشَيء يُدميك مثل: أن تحطب، أو غَير ذَلِك مِمَّا يَعنيكَ، فَلَحِقَكَ مِنْهُ مَا يَخْرُجُ مِنكَ دم فعليك دم.
والدَّمُ: شَاةٌ أَو جَاعِدَةٌ (1) (سِنُها مِن سَنَتَيْنِ فَصَاعدًا) تُذبح، ويَأْكُلُهَا الفُقَرَاء فِي مَكَة ولو مِن أصحابك.
1) الحديث رواه الترمذي، في كتاب الْحَجِّ، (14) باب ما جاء في فضل التلبية. وابن ماجه في كتاب المناسك، (16) باب رفع الصوت بالتلبية.
(2) جبل أبي قبيس: جبل بمكة سُمِّي باسم رجل حداد من مذحج؛ لأَنه أَوَّل من بي فيه، وكان يُسمى الأمين لأن الركن كان مُستودعا فيه. انظر: العين، (قبس).
(3) سورة المائدة: 95.
4) الغول: من السعالي والحيات، وهو ذكر الأفعى.
ه الْجِدَا جَمع مفرده حدأة، وهو طائر من فصيلة الكواسر يصيد الجرذان والحشرات والفضلات والجيف، وقيل: إنها كانت تصيد لسليمان ا وكان أصيد الطير. انظر العين (حداً). وموسوعة المورد، 421/ 1. (1) الجاعِدة: هي البعير في اللغة، وفي العرف العماني: هي أنثى الضأن. (1/157)
صفحة 158
الدلائل على اللوازم والوسائل
وإن تتفت شعرًا مِن جَسَدِك، أو تَعرَّضت لِخِدمَةِ شَيءٍ مِثل طَعَامٍ أو غيره، فَأَصَابَكَ شَيْءٍ حَتَّى أَذهَبَ شَيْئًا مِن شَعرِكَ، ففِي الشَّعرَةِ الوَاحِدَةِ: إطعَامُ مِسكين، وفي الشَّعرَتَينِ: إطعام مسكينين، وفِي ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ فَصَاعِدًا: دَم.
واحذر قَطعَ شَيْءٍ مِن شَجَرِ الْحَرَمِ، إِذَا مَرَرت بِهِ وَلَو كُنتَ غَيْرَ مُحرِمٍ فَيَلزَمُكَ الْجَرَاءُ .. ولا تَقطَع التَّلْبِيَةَ حَتى تَدخُلَ مَكَّةَ. فَإِذا دَخَلتَ مَكةَ وَوَصَلتَ وَوَقَفتَ عَلى بَابِ الْمَسجِدِ، وَنَظرت إلَى الكَعْبَةِ أَمسكت
عن التلبية .. وانظر لنفسكَ مَكَانًا تَنزِلُ فِيهِ، فَإِذا نَزَلتَ مَرِلَكَ، وَحَفِظَتَ مَتَاعَكَ فِيهِ فَامض عَنهُ، وَاعْتَسِل بِالْمَاءِ لِدُخُولِ البَيتِ إِن أَمكَنكَ الغُسلُ، وإلا أَجزَاكَ الوُضُوءُ إِذَا كُنتَ طَاهِرَ الْجَسَدِ مِن قَبْلُ. فإذا وصلت البيت ونظرت إلَى الكَعَبَةِ، فَابدأ بالتكبير، وقُل: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، اللهُمَّ زِد بَيْنَكَ هَذَا تَشرِيفًا وتعظيمًا وَتَكرِيمًا وَمَهَابَةٌ، وَزِد مَن شَرَّفَهُ وَعَظْمَه
وكَرَّمَهُ مِمَّن حَجَّهُ وَاعْتَمَرَهُ مِن عِبَادِكَ الصَّالِحِين تكريمًا، وَإِمَانًا، وَبِراً». فإذا وصلت إِلَى البَابِ وَأَردتَ الدُّخولَ، فَقُل: «اللَّهمَّ أَنتَ السَّلامُ، وَمِنكَ السَّلامُ،
وإِلَيكَ يُرجع الأمرُ بِالسَّلامِ، فَحَيْنَا بِالسَّلامِ، وَأَدخِلْنَا دَارَ السَّلَامِ». فَإِذا دَخَلتَ وَمَضَيتَ إِلَى البَيتِ، فَقُل وَأَنتَ تمشي -: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، اللهُمَّ إِنْ البَلَدَ بَلَدُكَ، وَالبَيتَ بَيْتُكَ، والْحَرم حَرَمُك، والأمن أَمنك، جِئتُ أَطْلُبُ رِضَاكَ وَإِثْمَامَ طاعتك، ومُتَّبعًا لأمرِكَ رَاضِبًا بِقَدَرِكَ، أَسأَلُكَ مَسأَلَةَ البَائِسَ الفَقِيرِ، وأدعُوكَ دُعَاءَ الْخَائِف الْمُستَجِيرِ الْمُضطَرِّ إِلَيكَ، الْمُستَسلم لأمرِكَ، الْخَائِفِ مِن عَذَابِكَ، الْمُشْفِقِ مِن عُقُوبَتِكَ .. أسألك أن تستقبلَنِي بِعَظِيمٍ عَفوكَ، وأن تَخُود لِي بِمَغْفِرَتِكَ، وَأَن تُعِينَنِي عَلى
أَدَاء فَرَائِضِك». (1/158)
صفحة 159
الدلائل على اللوازم والوسائل
ثُمَّ تَقُولُ: «الْحَمدُ لِلَّهِ، وَسُبْحَانَ اللهِ، وَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ .. »، وتُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ مُحمَّدٍ، وَتَستَغفِر لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلِلْمُؤْمِنَات.
فإذا وَصَلتَ إِلَى الْحَجَرِ، فَقُل: «اللَّهُم كَثُرَت ذُنُوبِي، وَضَعُفَ عَمَلِي، فَاغفِر لِي
ذُنُوبِي، وَتَقَبَّلَ تَوبَتِي، وَأَقِلَنِي عَشَرَتِي، وَتَجَاوَزَ عَن خَطِيئَتِي، وَحُطْ عَنِّي وِزرِي». فإذا أُتيتَ إِلَى الْحَجَرِ لِتَستَلِمَهُ فَقُل: «اللَّهُمَّ بَسَطَتُ إِلَيكَ يدي، وفِيمَا عِندَكَ عَظُمَت رغبَتِي، فَاجْعَل جَائِزَتِي فِكَاكَ رَقَبَتِي، وَأَسعِدُنِي فِي دُنْيَايَ وَآخِرَتِي». ثُمَّ قِف قُبَالَة الْحَجَرِ، وَقُل: «الْحَمدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ، وَسُبحَانَ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَكبَرُ، وَلَا حَولَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ .. »، وتُصَلِّي عَلى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، وَتَسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ.
ثُمَّ خُذ في الطُّوافِ عَلَى يَمِينِكَ، ولذ بِرُكنِ الْحَجَرِ قَلِيلا إِلَى يَسَارِك حَتَّى لَا تُقابِل البَابَ، وَلا تَرَاهُ فِي أَوَّلِ ابْتِدَائِكَ بالطَّوَافِ. ثُمَّ ارجع إلى يَمِينِكَ وقُل عِندَ رُكن الْحَجَر: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، اللهُمَّ إِنِّي أسألُك إِمَانًا بِكَ، وَتَصدِيقًا بِكِتَابِكَ، وَوَفاءً بِعَهْدِكَ، وَإِقْرَاراً بِرُبُوبِيَتِكَ، وَاتَّبَاعًا لِسُنَّتِكَ،
وَسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ».
ثُمَّ تَمشِي فِي الطُّوافِ وَتَقُول: «سُبْحَانَ اللهِ، والْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهِ، وَاللَّهُ أَكبَرُ،
ولا حولَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وَآلِهِ وَسَلَّم». فَإِذَا قَصَدتَ البَابَ فَقُل: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، اللهمَّ اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا، وَقِنَا شُحَّ أَنفُسِنَا، وَاجعَلْنَا مِن الْمُفْلِحِين». ثُمَّ تَمْشِي وَأَنتَ تَقُولُ: «سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إلا الله، والله أَكبَرُ، وَلا حَولَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وآله وسلم». فَإِذَا قَصَدتَ الْمِيزابَ، فقُل: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، اللهُم إِنِّي أَسْأَلُكَ الرَّاحِةَ عند الموت، والعفوَ عِندَ الْحِسابِ، وَالنَّجاةَ مِن الْعَذَابِ» ثُمَّ تَمْشِي، وَأَنتَ تَقُولُ: (1/159)
صفحة 160
الدلائل على اللوازم والوسائل
16
«سُبْحَانَ الله وَالْحَمدُ لِله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، والله الْحَمدِ، وَلَا حَولَ وَلا قُوَّةَ
إِلا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، وصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وَآلِهِ وَسَلَّم».
فإِذا وَصَلتَ إِلَى الرُّكن اليماني، فقُل: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بك من الكفرِ، وَعَذاب القبر، ومَوقِفِ الْخِزيِ مِن الدُّنيا والآخِرةِ، رَبَّنَا آتِنا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وفي الآخِرَةِ حَسَنةً، وقِنا عَذابَ النَّارِ».
واستلم الركن اليماني إِن قَدَرتَ عَلى ذَلِكَ، والاستلام- فِيمَا عِندِي مَعْنَاهُ: أَن تُطَاطِئَ رَأسَكَ إِلَيْهِ كَأَنَّكَ تُقبله وامسحهُ وَلا تُؤذِ أَحدًا، ثُمَّ تَمْشِي وَأَنتَ تَقُول: «سُبْحَان الله، وَالْحَمدُ لِله وَلا إِلَهَ إِلا الله، والله أكبر، وَلا حَولَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وَآلِهِ وَسَلَّم».
فَإذا وصلت إِلَى رُكنِ الْحَجَر فَاستَلِمهُ إِن قَدَرت، وإلا فقِف بِالقُربِ مِنْهُ، وَلَا تُؤذِ
أحدًا فِي الْمُزاحَمَة .. وقد تمّ لَكَ شَوطٌ مِن سَبَعَةِ أَشْوَاطِ. ثُمَّ بَقِيَت عَليكَ سِتَّةُ أَشواط غَيْرَه، تَطُوف بالكَعْبَةِ جَمِيعِها مِثْلَما طُفت بها، وَتَقُولُ فِي
جميع طوافك في كُلِّ شَوطٍ مِنها مَا قُلتَ في الشوط الأول الذي قد أَتْمَمتَهُ. فإذا أتممت سَبعةَ أَشواط مِن الْحَجر الأسوَدِ إِلَى الْحَجْرِ الأَسْوَدِ ثُمَّ آتِ زَمْزَمَ وَاشْرَب من مائها، وصُبٌ على رأسك، وقُل: «اللَّهُمَّ إِنِّي أسألك إيمانًا تاما، ويَقِينًا ثَابتًا، ودِينا قيما،
وقلبًا خاشعًا، وعملاً صَالِحًا، وعِلمًا نَافِعًا، ورزقًا حَلالاً واسعًا، وشِفَاء مِن كُلِّ دَاءٍ». ثُمَّ ارجع مِن زَمَزَمَ إِلَى مَقامِ إِبْرَاهِيم الله، فصَلِّ خَلفَهُ رَكَعَتَيْنِ، أَو حَيثُ مَا أَمَكنَكَ الْمَسجِد، إن لَم تَر فِي الْمَقامِ فَراغا، وهاتان الرَّكْعَتَانِ فَرِيضَةٌ فِي الطُّوافِ، وقول: إنهما سنة .. وأَمَّا النِّيةُ لَهُما تَقُول: أُصلِّي لِله تَبارَكَ وَتَعالَى فِي مَقامِي هَذَا رَكَعَتَي طواف الزيارَةِ الوَاجِبَتَيْن عَلَيَّ، أَداءً لِمَا لَزِمَنِي طَاعةٌ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ مُحمَّدٍ.
مين (1/160)
صفحة 161
الدلائل على اللوازم والوسائل
ثُمَّ تُوجه وتُجدّد النية، وتكبر تكبيرة الإحرام، ثُمَّ تَستَعِيذُ بِاللَّه وتَقرَأ الفَاتِحَة وَمَا تَيسَّرَ مِن القُرْآنِ، ثُمَّ تَركع، وتسجد سجدتين .. ثُمَّ
تقُومُ لِلرَّكَعَةِ الثَّانِيَةِ، تَفْعَلُ فِيهَا كَمَا فَعَلْتَ فِي الْأُولَى، ثُمَّ تَقعُدُ لِلتَّحِيَّاتِ إِلَى تَمَامِهَا، فَإِذَا قَضَيْتَ الرَّكعتين. فَارجع إِلَى رُكنِ الْحَجرِ الأَسودِ الذِي هُو سَفالَةَ بَابِ الكَعْبَةِ، وقُم حِيَالَهُ واقِفا وقُل: «الْحَمدُ لِله، وسُبحانَ اللهِ، ولا إِلهَ إلا الله، والله أكبر .. »، وَابْنِ عَلى اللَّهِ، وصَلِّ علَى مُحمَّدٍ، واستغفِر لِذَنبِكَ، وَلِلمُؤمِنِينَ وَالْمُؤمِنَاتِ، وَاسأَلَهُ حَوائِجَكَ لِدُنيَاكَ، وآخِرَتِكَ وَلَا تُطِل.
ثُمَّ امض إِلَى الصَّفَا مِن بَاب الصَّفَا، وهو الذي بين الأسطُوَانَتَيْنِ الْمُذهَبَتَيْنِ مِن سفالة الكعبة، وقُل في مشيك: «اللَّهُمَّ افتح لنا أبوابَ رَحْمَتِكَ» فإِذا أَتيتَ الصَّفَا، فَاصْعَد عَليهِ تقابل الكَعْبَةَ، وَلا تَعلُوَنْ عَلَيهِ، وقال قوم: مقدار خمس دَرجَاتٍ، ثُمَّ قُل: «اللَّهُ
بقدرِ
أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر كبيرا، لا إلهَ إلا الله، والله أكبر تكبيرا، والْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وسُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً، لا إلهَ إلا الله، والله أكبر على ما هدانا وأولانا، والْحَمدُ لِله حَمدًا عَلى مَا أَعطانا، لا إلهَ إِلا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلكُ وَلَهُ الْحَمدُ، يُحيِي وَيُمِيتُ، وهُو حَيٌّ لاَ يَمُوت، بِيَدِهِ الْخَيْرُ، وهُو عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إله إلا الله، ولا نَعبُد إِلَّا إِيَّاهُ، لاَ إِلَهَ إِلا اللَّهُ إِلَها واحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسلِمونَ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، إلَها واحِدًا ونَحنُ لهُ عَابِدُون، لا إله إلا الله إلها واحدًا، ونَحنُ لَه مُخلِصُونَ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِلَها وَاحِدًا فَردًا صَمَدًا أَبَدِيَّا مُبْتَدِعًا، لَم يَتَّخِذ صاحبة ولا ولدًا، لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَهلُ التَّحْمِيدِ، وَالتَّهْلِيلِ والثَّناءِ الْحَسَنِ الْجَمِيلِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، لَا نَعْبُد إِلَّا إِيَّاهُ مُخلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، وَلَو كَرِهِ
الْمُشْرِكُون .. لَا إِلَهَ إِلا الله وحدَه، صَدقَ وَعَدَه، وَنَصَرَ عَبدَهُ وهَرْمَ الأَحزَابَ وَحدَهُ»، تُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ مُحمَّد، ثُمَّ تَستَغفر لذنبك وللمُؤمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، ثُمَّ تَقُول: «اللَّهُم استعملنا لِسُنَّة نبينا محمد الله، وأَعِدْنَا مِن الفِتَن مَا ظَهَرَ مِنها وما بطن». (1/161)
صفحة 162
الدلائل على اللوازم والوسائل
تقرأ هذا الدعاء المذكور ثَلاثَ مَرَّاتٍ وأَنتَ فَوقَ الصَّفا .. ثُمَّ الْحَدِر مِن الصَّفا بَعدَ تمامِ قِرَاءَتِه، واقصد إِلَى الْمَرْوَةِ. وفِي مَشيكَ إِلَيْها تَقُولُ: «اللَّهُمَّ اجعَل هَذَا الْمَشَيَ كفارة لِكُلِّ مَشِي كَرِهتَهُ مِنِّي». فإذا وصلت فِي طَرِيقِك ذلِك إِلَى "العَلَم" فَإِنَّهُ عَلَمٌ بَينَ الصَّفَا وَالْمَروَةِ، بَيِّنٌ مَشهورٌ هناك، ولعلَّهُ أَقربُ إلَى الصَّفا؛ فإذَا وَصَلتَ إِليهِ هَروِل فِي الْمَشِي إِلَى العَلَمِ الَّذِي يَلِيهِ مِن جهةِ الْمَروَةِ .. والْهَرَوَلَةُ تَكُون دُونَ الوَتْبِ وفَوقَ الْمَشي، وهِي أَسْرَع مِن الْمَشْيِ) وقُل: فِي الْهَرَولَةِ بَين العَلَمين: «ربِّ اغفر وارحم وتَجَاوَزَ عَمَّا تَعلَم، واهدِنا الطَّرِيقَ الأَقوَم، إِنَّكَ تَعلَمُ مَا لاَ نَعلَم، وأنتَ الأَعزُّ الأكرم .. وأنتَ الرَّبُّ، وأنتَ الْحَكَم .. اللهم ربَّنَا نَجِّنا من النَّارِ سراعا سالمين، ولا تُخزِنَا يَومَ الدِّينِ». فإذا وصلت إِلَى العَلَمِ الَّذِي يَلِي الْمَرْوَةَ، فَاتِرُكَ مَشيَ الْهَرْوَلَةِ، وَامش علَى رِسُلِكَ فِي بَقِيَّةِ طَرِيقِكَ إِلَى الْمَرْوَةِ.
مشي
فإذا وصلت إلَى الْمَرْوَةِ فَاصعَد فَوقَهَا، وادعُ مِثْلَمَا دَعوت علَى الصَّفا، تقرأُ ذلك الدُّعاء هُناكَ - وأنت واقف - ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فإذا أَتْمَمتَه (أَعْنِي الدُّعاءَ) فَذَلِكَ شَوطٌ .. ثُمَّ ارجع مرةً ثانية إلى الصَّفَا فهو شوط أَيْضًا؛ لأَن وُصولك من الصفا إِلَى الْمَروَة ورُجوعك مِن الْمَروة إِلَى الصفا شوطان فِي قَولِ أَهلِ عُمان.
أَنْمَمتَهُ
في
وسمعت أن أهلَ الْمَعْرِبِ مِن أَهلِ نَفُوسَة يَجْعَلُونَ الذَّهَابَ مِن الْمَروَةِ، وَالرُّجوعَ إِلَى الصَّفَا شوطاً واحداً .. فإذا وَصَلتَ إِلَى الصَّفَا، فقُل فَوقَهُ مِثْلَما قُلتَ قَبل، فإذا فَالْحَدِر مِنهُ إِلَى الْمَروَةِ وتَفعَلُ فِي جَمِيعِ سَعِيكَ مِن الدّعاءِ وَالْهَرَوَلَةِ مِثل مَا فَعَلتَ شَوطِكَ الأَوَّلِ، إلَى أَن تُتِمَّ سَبعةَ أَشواط تبدأُ بِالصَّفا، وتَحْتِم بِالْمَروَةِ. فإذا أَثْمَمتَ سَبعة أشواط نَزَلتَ مِن الْمَروَةِ، وحَلَقَت رَأسَكَ، فَعِندَ ذَلكَ تَكُون قد حَلَلْتَ مِن عُمرَتِكَ، إِن كُنتَ فِي أَوَّلِ إِحْرَامِكَقَد أَحرَمتَ بِعُمَرَةٍ .. وإن كنت أحرمت بِحَجَّةٍ، أو بحجة وعُمرَةٍ فَاثبت عَلَى إِحْرَامِكَ إِلَى أَن تَرمِيَ الْحِمَارَ. (1/162)
صفحة 163
163:
الدلائل على اللوازم والوسائل
فإذا أحللت من العُمرَةِ، فَقَد حَلٌّ لَك الْحَلالُ كُلُّه، إِلا الصَّيدَ فِي الْحَرَمِ، فَإِنَّهُ حَرَامٌ عَلَى الْمُحلِّينَ وَالْمُحرِمِين. ثُمَّ كُن في مكةَ مُحِلاً وَتَعَاهَدَ الْحَرَمَ بِالصَّلاةِ فِيهِ مَا قَدَرت، لِتَأْخُذَ حَظْكَ مِن فَضْلِ الصَّلاةِ فِي الْحَرَمِ. ثُمَّ أَنتَ مُقيمٌ فِيها إِلَى يَومِ التَّروِيَةِ، وهو: يَومُ السَّابِع مِن ذِي الْحِجَّةِ، فإذا أصبحت نَهارَ الثَّامِن فِي مَكَة، وأَردتَ الإِحْرَامَ بِالْحَجِّ، فَادِهِن رَأْسَكَ بدهن لا طيب فيه إن أمكنكَ، وَإِلا فَاعْتَسِل إن قدرت، وإِلا أَجزَاكَ الوُضوءُ .. ثُمَّ الْبَس إحرامِكَ .. إِن شئتَ ثَوبَيكَ اللَّذَينِ أَحَرَمتَ فِيهِما أَوَّلاً، أَو غَيْرِهِمَا مِن جِنسِ ثِيَابِ الإحرام .. ثُمَّ امش إِلَى البَيتِ فَطُف به سَبْعَةَ أَشواط، فإذا أَتْمَمْت سَبعة أشواط فَصل ركعتين لِطَوافِكَ.
فإذَا أَرَدتَ أَن تُحرِمَ مِن الْمَسجِدِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ مَسجِد الْجِنِّ، وقيل: مَسجِد الْحَرسِ، فَصَلِّ رَكَعَتَينِ وقُل: «لَبَيكَ اللهُمَّ لَبَيكَ، لَبَيكَ لا شَرِيكَ لَكَ لَبَيكَ، إِنْ الْحَمَدَ والنعمة لك والمُلكَ، لاَ شَرِيكَ لَك، كبيكَ بِحَجَّةٍ تَمَامُها وَبَلَاغُهَا عَلَيْكَ يَا اللَّهُ»، تقُول ذَلِكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ.
ثُمَّ تَقُومُ مِن مَجلِسِكَ خَارجًا إِلَى مِنِّى، وَأَنتَ تَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِلَيكَ قَصَدت، وإِيَّاكَ أَرَدتُ، فَاعطِنِي سُؤْلِي، وَيَسِّر لِي أَمرِي». فإذا أتيت إلى "منى" فقُل: «اللَّهُمَّ هَذِهِ "منى" وهي مِمَّا دَلَلتَ عَلَيْهِ مِنَ الْمَناسِكِ، فَامنن عَليَّ فِيها وفِي غَيرها، بمَا مَنَنتَ به عَلى أوليائك، وآل طَاعَتِكَ». وقُم فِي "مِنّى" إلَى طُلُوعِ الشَّمسِ مِن نَهارِ التَّاسِع لِتُصَلِّي فيها خمسَ صَلَوَاتٍ: الظهر، والعصر، والْمَعْرِبَ، وَالعِشاء الآخرة، والفجر.
ولا تَخرُج مِن حُدُودِها حَتَّى تَرى الشَّمسَ قَد طَلَعَت، أَو تَرى ضَوءَهَا فِي الْجبال، ولا تقطع وادي مُحَسّر إِلا بَعد طُلُوعِ الشَّمْسِ بِالْيَقِينِ .. ثُمَّ امْضِ مِنهَا إِلَى عَرَفَاتِ، وَأَنتَ تُلبي فِي طَرِيقِكَ إِلَى عَرفاتٍ، وَلَا تَقطَعِ التَّلْبِيَةَ. (1/163)
صفحة 164
الدلائل على اللوازم والوسائل
فإذا أَتيت إلى عرفات، فَانزِل بِهَا، وقُل: «اللَّهُمَّ هَذِهِ عَرَفَات، فَاجْمَعِ لِي فِيهَا جوامع الخير كله كله، واصرِف عَنِّي فِيها جَوامِعِ الشَّرِّ كُلَّه، وعرفنِي فِيهَا مَا عرفت أولِياءَكَ، وأهلَ طَاعَتِكَ». واقعد فِيهَا إِلَى أَن تَزُولَ الشَّمس، فَإِذَا زَالَت فَاعْتَسِل بِالْمَاءِ إن أمكنك ذلك، فإِنَّهُ مُسْتَحَبَ، وَإِلَّا أَجْزَاكَ الوُضُوء.
ثُمَّ تُصَلِّي الظهرَ، وَالعَصر إن أمكنك مَع إمامِ، أَو تَؤُمَ أَنتَ جَمَاعَةً، والأَفضَلُ وَحدَك، ثُمَّ قِف لِفَرضِ الوُقُوفِ مَعَ النَّاسِ الوَاقِفِينَ، وَادْعُ بِما فَتحَ اللهُ لَك، واجتهد، فإِنَّكَ فِي وَقتٍ مُبارَكِ، تَسأَلُ كَرِيمًا، وقد دعاكَ إلَى دُعائه، وأنتَ مُحتَاجٌ فَلِمَ لا
تجتهد؟! ..
والَّذِي أُحبُّه للواقف بعرفات: أن يبدأ بِقِراءَةِ فَاتِحَةِ الكِتابِ مَائَةَ مَرَّةٍ، وقُلْ هُوَ اللَّهُ أحد كل مائة مرَّةٍ إِن قَدَر عَلى ذَلِك، ويقرأ آخِرَ سُورَةِ البَقَرَةِ إِن كَانَ يُحْسِنُ ذَلكَ، من قوله: ءَامَنَ الرَّسُولُ، وَيَقرأ آية الكرسي، وآخر سُورَةِ الْحَشرِ مِن قَولِه تعالى: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، ويقرأ: ان رَبِّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي الَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} (1)، ويقرأ المعوذتين: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ}، {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ»، ويقول: «لا إلهَ إِلا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلكُ ولَهُ الْحَمدُ يُحيي ويُمِيتُ، وهُو حَيٌّ لَا يَمُوت، بيده الخير، وهُو عَلى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ»، وتَقُولُ: «اللهمَّ لَكَ الْحَمدُ عَلَى نِعْمَتِكَ التِي تُحصَى بِعَدَدٍ، وَلَا تُكَافَاً بِعَمَلٍ»، وتُصَلِّي عَلى مُحمَّدٍ مَائَةَ مَرَّةٍ، وقُل: «اللَّهُمَّ إِنِّي أطلبُ إِلَيكَ حَاجَتِي التي إن أعطيتَنِي إِيَّاهَا لَم يَضُرّنِي مَا فَاتَنِي سِوَاهَا، وإِن لم تُعطِنِي إِيَّاهَا لَم يَنفَعنِي شَيء سواها، وهي فِكَاكُ رَقَبَتِي مِن النَّارِ، وَأَوسع عَلَيَّ مِن رِزْقِكَ،
سورة الأعراف: 54. (1/164)
صفحة 165
الدلائل على اللوازم والوسائل
وَعَلِّمْنِي مَا لَم أَعلَم مِن أَمرِ دِينِي، وَوفِّقْنِي وَأَعِنِّي لِلعَمَل بِمَا أَعْلَمُ، وَاعْنِي يَا كَرِيمُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ». وقُل أيضا: «اللَّهُمَّ بِتَوفِيقِكَ كَانَ حُرُوجُنَا، وَبِعَونِكَ كَان مَسِيرُنا، ولِدُعائِكَ أَحِبَنَا وإِيَّاكَ أَمَّلَنَا وَقَصَدنَا، وَمَا عِندَكَ طَلَبَنَا، وَلإحسانكَ تَعرَّضنَا، ورَحْمَتَكَ رَجَونَا، ومِن عذَابِكَ أَشْفَقْنَا، وَلِبَيتِك الْحَرَامِ حَجَحنَا، يَا مَن يَمْلِكُ حَوائِجِ السَّائِلِينَ، وَيَعلَمُ ضَمَائِر العباد، أَجْمَعِينَ يَا مَن ليس مَعَهُ إِلهُ يُدعَى وَلا خَالِقٌ يُخشَى، وَلا وَزِيرٌ يُؤتَى، وَلا حَاجِبٌ يُرشَى، يَا مَن يَزدَادُ عَلى كَثَرَةِ السُّوَالِ تَكَرُّمًا وَجُودًا، وَعَلَى كَثرَةِ الْحَوَائِجِ تَفضُّلاً وَإحْسَاناً .. اللهُمَّ إِنَّكَ جَعَلتَ لِكُلِّ ضَيف قرى، ونَحنُ أَضيَافُكَ، فَاجعَل قِرَانَا مِنكَ الْجَنَّةِ .. اللهم إِنَّكَ جَعَلتَ لِكُلِّ وَقدٍ جَائِزَةٌ، وَلِكُلِّ زَائِرٍ كَرامَةٌ، وَلِكُلِّ سَائِلٍ عَطِيَّةٌ، وَلِكُلِّ رَاجِ ثَواباً، ولِكُلِّ مُلتَمِسٍ لِمَا عِندَكَ جَزاء، ولِكُلِّ مُستَرحِمٍ عِندَكَ رَحْمَةً، ولِكُلِّ رَاعْبِ إِلَيكَ زُلفةٌ، ولِكُلِّ مُتَوسل إليكَ عَفوا، وقد وَفِدنَا إلَى بَيْتِكَ الْحَرَامِ، وَوَقَفَنَا فِي هَذِهِ الْمَشاعِرِ
العِظَامِ، وَشَاهَدنَا هَذِهِ الْمَشاهِد الكِرَامَ، رَجَاء لِمَا عِندَكَ، فَلَا تُخَيِّبِ رَجَاءَنَا .. إِلَهَنا تابعت علينا النعم حَتَّى اطمانت الأَنفُسُ، وأظهرت العِبَرَ حَتَّى عَلَت حُجَّتُك، وَأَعطيت الْمِنَن، حتَّى اعْتَرَفَ أَولِيَاؤُكَ بالتَّقصيرِ عَن حَقِّكَ، وَبَيِّنت الآياتِ حَتَّى اتضحت السَّماوَاتُ والأَرضُ بأَدِلَّتِك، وقَهَرتَ الْخَلقَ حَتَّى حَضعَ كُلُّ شَيْءٍ لِعِزَّتِكَ، وَعَنَتِ الوُجُوهُ لِعَظَمَتِكَ .. إذا أَسَأنَا حَلمت وأمهلت، وإذا أَحسَنًا تَفضَّلت وقبلت، وإذا عَصِينَا سَتَرتَ، وَإِذا أَذنَبَنَا عَفَوتَ وغَفَرتَ، وإِذا دَعَونَا أَجَبْتَ، وإِذا نَادَيْنَا سَمِعت، وإِذا أقبلَنَا إِلَيكَ قَرَّبتَ، وَإِذَا وَلَّينَا عَنكَ دَعَوت ..
إلَهَنَا إِنَّكَ أَحبَبتَ مِنَّا التَّقَرُّبَ إِلَيكَ بعتق مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُنَا، وَنَحْنُ عَبِيدُكَ وَأَنتَ رَبُّنَا أولَى بِالتَّفضلِ عَلينَا، فَأَعتِقنَا مِن عَذاب النَّار .. ربَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا، فَاعْفُ عَنَّا، واغْفِرْ لَنَا وارحمنا، أنتَ مَولانَا فَانصُرْنَا عَلى القَومِ الكَافِرِ (1/165)
صفحة 166
الدلائل على اللوازم والوسائل
1660
ربَّنَا آتِنا فِي الدُّنْيَا حَسنةٌ وفِي الآخِرَةِ حَسَنةٌ وقِنَا عَذَابَ النَّارِ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحمَّدٍ النَّبِيِّ وَآلِهِ وَسَلَّم تَسلِيماً كَثيراً دَائمًا بَاقِيا».
وَاستَغفِرِ اللَّهَ لِذَنبِكَ وَلِلمُؤمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، واسأَلهُ حَوائِجَكَ كُلِّهَا لِدِينِكَ وَدُنْيَاكَ، وأكثر مِنَ الدُّعاءِ إِلَى أَن تَغرُب الشَّمسُ ويَدخُلَ الليلُ .. فَإِذا دَخلَ اللَّيلُ فَانزِلَ مِن عرفات، لِتَقصِدَ إِلَى جُمَع، والْمُستَحِبُّ أَن تَكُونَ صَلَاتُكَ الْمَعْرِبُ والعِشَاءُ الآخر بجمع، وإن صَلَّيتَهُمَا هُنَاكَ فَلا عَلَيْكَ، وَلَا تَقطَعِ التَّلْبِيَةَ فِي طَرِيقِكَ إِلَى جُمَعٍ، وقُل بَعدَ الإفاضة مِن عَرفات: «اللَّهُمَّ إِلَيكَ أَفضتُ، وإِيَّاكَ قَصَدتُ، وَمَا عِندَك أَرَدتُ، وَمِن عَذَابِك استَجَرتُ وَاستَعَدْتُ وَأَشْفَقتُ».
فإذا وَصَلتَ إِلَى جُمِعٍ فَقُل: «اللَّهُمَّ هَذِهِ جُمعٌ فَاجْمَعِ لِي فِيهَا جَوامِعَ الْخَيْرِ كُلَّه، واصرِف عَنِّي فِيهَا جَوامِعَ الشَّرِّ كُلِّه وَعَرِّفني فيها مَا عَرَّفت أَولِيَاءَكَ وَأَهلَ طَاعَتِك» .. وانزل فِيهَا وَبت مع النَّاسِ، وَهَيِّئ مِنهَا سَبْعِينَ حَصاةٌ مِثلَ حَصَى الْحَذف وتغسله إن أمكنكَ ذلِكَ، وإِلا أَجْزَاكَ ذَلِكَ بِغَيْرِ غُسل. فإذا طَلَعَ الفَجرُ، فَصَلَّ فِي أَوَّلِ الوَقتِ، ثُمَّ قِفَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، فَادْعُ فِي وُقُوفِك هناك، مثل دُعائِكَ عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَاحْمَدِ اللَّهَ وَاتْنِ عَلَيهِ، وَصَلِّ عَلَى مُحمَّدٍ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، واستَغفِر لِذَنبِكَ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ. ثُمَّ أَفِض مِن جُمَع قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمسِ، وَسِر إِلَى مِنِّى" وَلَا تَقطَعِ التَّلْبِيَة إِلَى تصل جَمرَةِ العَقَبَةِ، وَهِيَ أَقرَبُ إِلَى مَكَة مِن الْحَمَرَاتِ الثَّلَاثِ مِن جِهَةِ الْمَعْرِب
هناك.
أن
مِن
فإِذا وَصَلتَها فأَمسِك عَنِ التَّلْبِيَةِ، وَلا تَرمِ الْجَمَرَةَ الْمَذْكُورَةَ إِلَّا بَعدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وقُل: «اللَّهُمَّ اهْدِنِي بِالْهُدَى، ووَفِّقنِي لِلتَّقوَى، وَعافِنِي فِي الآخِرَةِ والأُولَى»، وَتَأْتِيهَا مِن بَطنِ الوَادِي ثُمَّ تَرمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ مِن ذلكَ الْحَصَى الّذي أَحَدَتَهُ مِن جُمَع،
1) جُمَع: هو المشعر الحرام، أي: المزدلفة، حيث يجتمع فيه الناس عند الإفاضة من عرفة. (1/166)
صفحة 167
الدلائل على اللوازم والوسائل
وَكَبر مع كُلِّ حَصاةٍ تَكبِيرَةً تَقُولُ: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا اللهُ وَاللَّهُ أكبر»، وفي آخر حَصَاةٍ تَقُولُ: «وَلِلَّهِ الْحَمدُ».
وإذا فَرَغتَ مِن رَمْيِها فَقُل: «اللَّهُمَّ هَذِهِ حَصيَاتِي، وَأَنتَ أَحْصَى لَهُنَّ مِنِّي فَتَقَبَّلُهُنَّ
مِنِّي، وَاجعَلَهُنَّ فِي الآخِرَةِ ذُخراً لِي، وَأَيْبِنِي عَليهِنَّ .. غُفْرَانَكَ ورِضوانك». ثُمَّ ارجع عنها من حيث جئتَ، وَلا تَقِف عِندَهَا بَعدَ الرَّمي، ثُمَّ سِر إِلَى مَنزِلِك الَّذِي نَزَلَتَهُ مِن مِنّى، وهُو حَيثُ يَنزِلُ النَّاسُ فِيهَا، وَاسْتَرِ شَاةً أَو كَبشًا مِن البَائِعِينَ، قَدرَ ما يُجزِي عَنكَ لِمُتعَتِكَ، وهو قدر ابن سَنَتَيْنِ فَصاعِدًا من الغنم، واذبَحْهَا بنفسك فإِنَّهُ أَفضَلُ لَك، إلا إن كُنتَ لا تَقدِر، أو لا تُحسن الذبح، فامر من يذبَحُها عَنكَ مِن رُفَقائِكَ، وَادْفَعْهَا لِلْفُقَرَاءِ يَأْكُلُوهَا، وانوهَا عَمَّا عَلَيكَ مِن ذَبحِ الْمَتعَةِ إِن كُنتَ أَحرَمتَ بعُمرَةٍ، هَذَا إِن كُنتَ قَادِرًا عَلى شِرَاءِ الذُّبِيحَةِ، وإِن لَم تَقدِر فَصُم اليَومَ السَّابِعَ
مِن الْحَجِّ، والثامن، والتَّاسِعَ، وهُم سَبْعَةَ أَيَّامٍ، إِذَا رَجَعَتَ إِلَى وَطَنِكَ. فإِذَا ذَبحت فَاحْلِقِ رَأْسَكَ وَقَلَّم أَظافِرَكَ، وَالْبَس لِبَاسَكَ الأَوَّلَ مِن النِّيَابِ غَيْرِ ثِياب الإحرام .. فإن أمكنك فصَلِّ صَلَاةَ العِيدِ رَكَعَتَيْنِ مِن غَيْرِ لُزُومٍ عَلَيْكَ، وإِن لَم يُمكِنكَ فَلا عَلَيكَ، وقد حَلْ لَك جَمِيعِ مَا حَرُمَ عَلَى الْمُحِلِّينَ سِوى النِّسَاءِ وَالصَّيدِ، إِلَى أَن تَزُورَ البيت لا يَحِلُّ لَك، وَعَجِّل فِي زِيَارَةِ البَيتِ إِن أَمْكَنَكَ ذَلكَ اليَوم فَهُو أَفضَلُ، وإِن لم يُمكِنكَ فَجَائِرٌ لَكَ تَأْخِير زِيارَةِ البَيتِ إِلَى يَومَيْنِ. فإِذَا أَرَدتَ زِيَارَةَ البَيتِ، وَوَصَلَت إِلَيهِ، فَقُل: «اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى نُسُكِي، وَتَقَبَّلَهُ مِنِّي، وَسَلّمهُ لِي». فَإِذَا أَرَدتَ الطُّواف بالبَيتِ، فَافَعَل فِيهِ كَمَا فَعَلْتَ فِي طَوَافِكَ لِعُمَرَتِكَ من التكبير، والدُّعَاء وَعَدَدِ الأَشوَاطِ، ودُخُول زَمزَم والشرب وَالرَّسُ مِنْهَا، وَصَلاةِ الركعتين خلف مقام إبْرَاهِيمَ الله أو حَيْثُمَا أَمكَنكَ، وَالوُقُوفِ عِندَ أَسْكُفَةِ البَابِ،
(1) الأسكفة: أي عتبة الباب الذي يُوطاً عليه. انظر: العين، (سكف)، وتسمى بالمحلية (الرز). (1/167)
صفحة 168
الدلائل على اللوازم والوسائل
168
والدُّعاءِ هُنَاكَ ثُمَّ البُرُوزُ مِن هُنَاكَ إِلَى الصَّفَا من باب الصفا، والسعي بين الصفا
وَالْمَرْوَةِ.
وتَفعَل فِي السَّعي مِثل مَا سَعَيتَ فِي عُمرَتِكَ مِن الدُّعاءِ، وَعَدَدِ الأَشوَاطِ وَالْهَرْوَلَةِ، فإذا فَرَغتَ مِنَ السَّعي، فَقَد حَلْ لَكَ الْحَلالُ كُلُّه مِنَ النِّسَاءِ وَغَيرِهَا مِن البَاسِ وَالطَّيبِ، إِلا صَيدَ الْحَرَمِ، فَإِنَّهُ حَرَامٌ عَلَى الْمُحِلِّينَ وَالْمُحرِمِينَ ..
فَإِذا قَضَيتَ السعيَ فَاخْرُج إِلَى مِنِّى بَعدَ الزَّيَارَةِ، وَحُدْ مَا تَحتَاجُ إِلَيْهِ مِن كِوَةٍ، وَقُوتٍ، وَلَا تَبِت إِلا فِي مِنِّى، وَاقعُد فِي مِنِّى أَيَّامَ التَّشْرِيقِ وقد حلّ لك الْحَلال كله، وأيامُ التَّشْرِيقِ: ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ غَيْرَ يَومِ النَّحْرِ).
فَإِذا أَصبحت في مِنِّى فِي أَوَّلِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَانتَظِر إِلَى زَوَالِ الشَّمْسِ فَإِذَا زَالَت
الشَّمْسُ، فَتَوضًا وَارِمِ الْحِمَارَ، وَلَا تَرمِها إِلَّا عَلَى وُضُوءٍ وَيُستَحَبُّ ذَلِكَ .. وابدأ بِالْجَمَرَةِ الشَّرْقِيَّةِ مِن الْجَمَرَاتِ، وهِي أَوَّلُ مَا تَصِلُ إِلَيْهَا إِن جِئتَ مِن جِهَةِ عَرفَاتٍ، فَارمِهَا بِسَبْعٍ حَصَيَاتٍ، وَتُكَبِّر مَعَ كُلِّ حَصاةٍ تَكبِيرَة.
فإِذا فَرَغتَ مِن رَبِّيهَا فَامض إِلَى الْجَمَرَةِ الوُسطى، وفِي مُضِيِّكَ إِلَيْهَا تَكُونُ مُستقبلاً البيت، وَدَاع مثل دُعَائِكَ عَلى الصَّفَا وَالْمَروَة .. فإِذا أَرَدتَ أَن تَرمِي الْجَمَرَةَ الوُسْطَى، فَاجعَلَهَا عَن يَمِينِكَ، وَارمِهَا بِسَبْعِ حَصِيَاتٍ، وَتُكَبِّر مَعَ كُلِّ حَصاةٍ تَكبِيرَةٌ. فإذا فرغتَ مِن رَمِيهَا، فَتَقَدَّمُهَا عَن يَسَارِكَ عِندَ الْمَسِيلِ، وَادْعُ كَما وَصفتُ لَكَ عند الأُولَى، ثُمَّ آتِ جَمَرَةَ العَقَبَةِ فَارمِهَا مِن بَطنِ الوَادِي، وتكبر مع كُلِّ حَصاة تكبيرة، فإذا فرغتَ مِن رَميهَا، فَانصَرِف مِن حَيثُ جِئتَ، وَلَا تَقِف عِندَها إِذا رَمَيْتَهَا، تَفْعَلُ ذَلِكَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ. فإِذا فَرَغتَ مِن رَميكَ يَومَ الثَّالِثِ أَو الثَّانِي إِن تَعجَّلت فِي يَوْمَيْنِ فَوُحٍ مَعَ النَّاسِ إِلَى وإِذا تَعجَّلت فَادْفِن بَقِيَّةَ الْحَصَى تَحتَ جَمَرَةِ العَقَبَةِ. فَإِذَا رَجَعَتَ إِلَى مَكَة فَأَقِم فِيهَا مَا بَدَا لَك، وَأَكثر مِن الطَّوَافِ مَا دُمتَ هُنَاكَ.
مكة (1/168)
صفحة 169
الدلائل على اللوازم والوسائل
فإذا أَرَدتَ الْخُرُوجَ مِن مَكَة إِلَى بِلادِك أو غَيرِهَا، فَاقْضِ مِنهَا جَمِيعِ حَوائِحِكَ، فَإِذا قَضَيْتَها ولَم يبقَ لَك شغل، فلا تَخرُج مِنهَا حَتَّى تُوَدِّع البيت. وصِفَةً وَدَاعِ الْبَيت أَن تَطُوفَ بِالكَعْبَةِ سَبْعَةَ أَشوَاطٍ مِثل طَوافِكَ الأَوَّلِ، ثُمَّ صَلِّ ركعتين لِلطَّوَافِ، ثُمَّ انتِ زَمزَمٍ، فَاشْرَب من مَائِهَا، وصُبٌ مِنْهُ عَلى رَأْسِكَ، وقُل مثل مَا قُلتَ عندَ طَوَافِكَ لِعُمرَتِكَ، وَحَجَّتِكَ مِن الدُّعاءِ، ثُمَّ ارجع إِلَى حَيثُ تَكُون تَحتَ الباب من الكعبة، فقُم بَينَ البَابِ والْحَجَرِ الأَسْوَدِ فَاعْتَمِد بِيَدِكَ الْيُمْنَى عَلى أَسْكِفَةِ البَابِ، حَيثُ تَبْلُعُ يَدَكَ، وَيَدُكَ اليُسرَى قَابِضَةٌ عَلى أَستَارِ الكَعْبَةِ، ثُمَّ أَلصق بَطَنَكَ بجدَارِ الكَعْبَةِ فَادْعُ، وإلا فَقُم حِيَالَهُ فَادْعُ بِما فَتَحَ اللهُ لكَ مِن الدعاء .. وقُل أيضا: «اللَّهُم لَك حَجَجَنَا، وَبِكَ آمَنَّا، وَلَكَ أَسلَمَنَا، وَعَلَيكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِيَّاكَ دَعونَا، فَتَقَبَّل نُسُكَنا، واغفِر لَنَا ذُنُوبَنَا، وَاستَعمِلنا بِطَاعَتِكَ. اللَّهُمْ إِنَّا نَستَودِعُكَ دِينَنَا، وَإِمَانَنَا، وَسَرَائِرَنَا وَخَواتِم أَعمَالِنَا، وَصَلَّى اللهُ عَلى مُحَمَّدٍ .. اللَّهُمَّ اقلِبَنَا مُنقَلَبَ الْمُدرِكِينَ رَجَاءَهُم، الْمَحطُوطَة خَطَايَاهُم، الْمَمحُوَّةِ سَيِّئَاتُهِم، الْمُطَهَّرَةِ قُلُوبُهم، مُنقَلَب من لا يعصي لَك بَعدَهَا أَمرًا، وَلا يَحمِل لَكَ وزرا، مُنقَلَبَ مَن عَمَّرت بِذِكرِكَ لِسَانَهُ، وَزَكِّيتَ بِزَكَاتِكَ نَفسَهُ، وَأَدمَعَت مِن مَخَافَتِكَ عَينه .. اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، وَابْنُ عَبدِكَ، وابنُ أَمَتِكَ، حَمَلتَنِي عَلَى دَايَّتِكَ، وَسَيَّرْتَنِي فِي بِلادِكَ، حَتَّى أَقدَمَتَنِي حَرَمَكَ وَأَمَنَكَ. فَقَد رَجَوتُ بحُسن ظَنِّي أَن تَكُونَ قَد غَفَرتَ لِي، فَإِن كُنتَ قَد غَفَرتَ فَارْدَد عنِّي رِضا، وَقَرِّبَنِي إِلَيْكَ زُلْفَى، وَإِن كُنتَ لَم تَغفِر لِي فَامَنُنِ الآنَ عَلَيَّ، قَبلَ أَن تُبَاعَدَنِي عَن بَيتِكَ، فَهَذَا أَوَانُ انصِرَافِي، غَيْرَ رَاغِب عَنكَ، وَلاَ عَن بَيْتِكَ، وَلَا مُستَبدِل بِكَ، وَلَا ببيتك .. اللهم لا تَجعَل هَذَا آخر العَهْدِ مِنِّي بِبَيتِك الْحَرامِ، وَاغْفِرْ لِي، وارحَمنِي إِنَّكَ أنت أَرحمُ الرَّاحِمِين وَلا تَترع رَحْمَتَك عَنِّي .. اللهم فإذا أقدمتني إلى أهلي فاكفني مونتي، ومُؤنَة عيالي، ومؤنة خلقك؛ فإِنَّكَ أَولَى بِهم مِنِّي .. (1/169)
صفحة 170
الدلائل على اللوازم والوسائل
17
اللهمَّ إِنِّي أعوذ بكَ مِن وَعَثِ السَّفَرِ، وَكابَةِ الْمُنقَلَب، وسُوءِ الْمَنظَرَ فِي الْمَالَ والأهل والولد .. اللَّهُمَّ إِنَّا إِليكَ تَاتُبُون، آيبون عابِدُون لربنا حامدون، وإلى ربنا راغبون، وإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ».
وإِذَا وَدَّعت فاخرج ولا تَبِع وَلا تَشتَر بَعد الوداع، وتَمُرُّ خارجًا وأنتَ مَحرُونٌ عَلَى
فراقِ البَيتِ والله أعلم .. وقد تَمَّ حجك في ظاهر الأمرِ، وسِرُّك يَعلَمُهُ اللهُ. واعْلَمْ يا أخي، رحمك الله- أن الله لا غني عنك، كرِيمٌ لكَ إِن أَطَعْتَه، قادرٌ
عليك إِن عَصَيْتَه، عالِمٌ بِك إن استَتَرتَ عَنهُ، فَاحِذَرْهُ ورَاقِبَهُ وَاسْتَحِ مِنْهُ. فإن قدرت أن تتقرَّبَ إِلَيهِ بِالنَّوافِل زِيادَةً عَلَى الفَرائِضِ، فَاعلَم أن من يتقرب إليه، فَلا يَقدِرُ وَاصفٌ أَن يَصِف بَعض فَضلِه .. فَإِن عَجَرْتَ عَن النَّوافِل، فاحرص علَى الفرائض حرصَ الْمُحِب عَلى حَبيبه، واجتهد فيها بجميعها، من صلاة وصيام، وزكوات وحَجِّ، وعُمرة، وطَهَارَاتٍ، وتوحيد، وورع. وَاعلَم أَنَّهُ لَم يَخلُقكَ عبنا، ولَم يَترُككَ سُدى، وقد تعبَّدَك بهذه العِبادَاتِ كَرامةً وَرَحْمَةٌ مِنه لَك؛ لأَن جَمِيع عِبادَتِكَ لا يَعُود نَفعُها إلا إليكَ، تَعبَّدَكَ بِالطُّوافِ حَولَ بَيْتِهِ إجلالاً لك ورفعةٌ، كَما أكرَم مَلائِكَتَهُ بِالطُّوافِ حَولَ بَيتِهِ الْمَعْمُورِ .. وَتَعَبَّدَكَ بِالوُقُوف في عرفاتٍ لِيَحُطُّ عَنكَ ذُنُوبَك.
وأَيُّ كرامَةٍ أَعظَمُ مِن هَذهِ الكرامة، مِن أَن يَدعُوكَ لِتَقفَ هُناكَ لِيَحُطُّ عَنكَ الذُّنوبَ، والسعي لتكون كَالطَّائِف عَلى بَابِ الْمَلكِ يعلمه بك، ليغفر لك ذُنوبك، ويرفع درجتك إذَا عَلم منك الصدق، وأنك تتردَّد هناك في طلب رضاه، وتَرمِي الْحِمارَ كأنك ترمي الشَّيطان - لعنه الله - لِتُغِيظَه.
وَاعلَم أَنَّكَ عَبدٌ مَملوك، كنتَ عَدمًا وستصيرُ عَدمًا، وفي حالِ وُجودِكَ وقُوَّتِكَ فِي نهاية العجز، لولاً ستر الله عليك، وتيسيره لك. (1/170)
صفحة 171
الدلائل على اللوازم والوسائل
واعلم أنه تعالى معكَ بِالعِلم فِي سَفَرِك وحَضَرِك، وعافيتك وسقمك، ونومك ويقظتك، وطاعتك ومعصيتك، ومُوَكَّل بك وعليكَ مِنهُ مَلَكَانِ حَافِظَانِ رَقِيانِ عَدَلَانِ، لا يُفارِقانك ليلاً ولا نَهارًا، يَكتُبانِ عَليكَ مَا تَعمَلُهُ مِن خَيْرٍ وَشَرِّ، وهُما لَا يَخُونَانِ وَلَا يَكذِبان؛ فَخف الله من واستح مِنهُمَا أَن تكون خرجت من بيتك ووطنك بِمَالِك ونَفسِك إِلَى بَيتِ الله الْحَرامِ أَن تَعصيهِ فِي مَسِيرِك ورُجُوعِك، ومَقامِك هُناكَ، فَإِنْ معصيتك في مكانك أعذَرُ لَك .. وإن لم يكن لك عُدْرٌ، فَلا تَكُن لك هناك همَّةٌ إلا بما يُقربُكَ إِليهِ مِن جَمِيعِ الطَّاعَاتِ.
ولا يكن طوافك وسعيك، ووقوفك ودعاؤك في تلك الأماكن إِلا بِحُضوعِ لَهُ وتذلل وخوف مِنهُ وحُضورِ قلب بِما تَدعُو، فلا يكُن الدُّعاءُ بِلِسَانِكَ كَالعَبثِ واللغوِ وكلام اللهو، بل تكون مُستكِينًا رَاحِيًا خَائِفًا، ويَكُونُ حُضور قَلبِك مَع لِسانِكَ، حَتَّى تكون كانك واقف وطَائِفٌ لِحُضورٍ مَلَك حاضر تسألُه جَمِيعَ حَوائِحِك وهو يسمع دُعاءَك، وترجُو إِجابَتَهُ فِي كُلِّ مَا تُرِيدُه مِنه وهُو عَنِيٌّ كَرِيمٌ. أَتَدعُوهُ بِلِسانِكَ، وقَلْبُكَ غَائبٌ؟! وأَنتَ مُحتاج!؟ وجِئتَ إِلَى بَيْتِه قاصدًا!؟ أَيليقُ
مثل هذا بعاقل!؟ فانظُر بعين عقلك قَبل أَن يَكُون حَظِّكَ مِن سَفرِكَ التَّعب والنصب، وأن تكُونَ مِن المحرومين لا مِن الْمَرحُومِين، ومن الْمَردُودِين لا مِن الْمَقبُولِين والسَّلام. (1/171)
صفحة 172
الدلائل على اللوازم والوسائل
البات
فِي صِفَةِ فَرائِضِ الْحَجَّ ومَا يَلزَمُ الْمُحْرِمَ مِن قَطعِ الشَّجرِ وغَيْرِه
وفَرائِضُ الْحَجَ التِي لا يتمُّ إِلَّا بِها:
الإحرَامُ فِي أَوَّلِهِ عَلَى شُروطِه.
والوقوف بعرفات عشيَّةَ اليَومِ التَّاسِعَ مِن ذِي الْحِجَّة.
وزِيارَةِ البَيتِ في اليوم العاشر إن أمكن، وإلا ففِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. وأَمَّا العُمرَةُ: فيها اختلاف قول هي فَرضٌ. وقول هي سنة. وقول: هي من:
أسباب الْحَجِّ. والسَّعي بَين الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ: قِيلَ: فَرِيضَةٌ. وأكثر القول أَنَّهُ سُنَّةٌ.
وحلق الرَّأسِ عِند الإحلال: سُنَّةٌ، ويبدأُ بشقٌ رَأْسِهِ الأَيْمَنِ، ويَستقبلُ القِبْلَةَ.
والدُّعاءُ عِند الأَركَانِ: مُستَحِبُّ.
والتكبِيرُ والتَّسيحُ فِي الطَّوافِ: سُنَّةٌ. ورَمَيُّ الْحِمارِ سُنَّة.
والدعاء بعرفات: لَيس هُو بِشيءٍ مَحدُودٍ إِلا مَا فتحَ اللَّهُ، وَمَا كَانَ مِنْهُ أَكثر فَهُو
أفضل.
والوُقوفُ عِند الْمَشعَر الْحَرامِ سُنَّةٌ، وبَعض قَال: هُو فَرضٌ، والذكرُ عِند الْمَشعرِ
الْحَرَامِ فَرضَ. واجتناب قتلِ الصَّيد علَى الْمُحرِم: واجب، فإن قتل شَيْئًا مِن الصَّيدِ وهُو مُحرِمٌ، أَو فِي الْحَرمِ فَعَليهِ الْجَزَاء عَلَى مَا يَحكُم بِهِ الْحَكَمَانِ العَدلانِ؛ لأن ذلك على قدرِ الصيد .. وأقل ذلك: إطعامُ مِسكين فيما يَحِيُبهِ الْحُكم، أو نصف درهم .. فمثل قتل (1/172)
صفحة 173
الدلائل على اللوازم والوسائل
الرُّحْمَة دَائِقان (1)، وأكثره: جزورٌ (3)، أو بَدَنَةٌ (3)، أو بقرَةٌ عَلَى مَا يَحكُم بِهِ الْحَكَمَانِ. والوسط من ذلك: شَاةٌ. وَقَطِعُ شَجَرِ الْحَرَمِ: فِيهِ الْجَرَاءُ.
ويَجْتَنِب الْمُحرِمُ: مَسَّ الطَّيبِ، ولبس الْحُلي والْحَرِيرِ، والرِّيابِ الْمَصبُوعَة، ويتجنَّب: الرف (4) والفُسوق، والجدال فِي الْحَجِّ، ولا يَلْبَسُ القميص، ولا السراويل، ولا العمامة، ولا الكمة.
وعلى الحاج في ترك الوَداعِ دَمّ. وفِي الْمَبيتِ لَيَالِي مِنِّى بِمَكَّةَ: دَم. وفِي تَركِ الإحرَامِ مِن الْمِيقاتِ: دمٌ إِن لَم يَرجع إلَى الْمِيقاتِ لِيُحرِم مِنهُ. وَفِي تَركِ رَمْيِ الْحِمَارِ: عَليهِ لِكُلِّ جَمرةٍ تَركَ رَميها: دَم، وفِي كُلِّ يَوم: دم. وإِن قَعِدَ فِي الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ إِلَى طُلوعِ الشَّمس فَعَلَيهِ: دم. وإن قتل شيئًا مِن الْهَوَامَ، وَهُو بَعدُ مُحرِمٌ فَعَليهِ عَلى قَدَرٍ مَا
قتل.
أمَّا الذُّرُ (5) والقُمَّل فَفِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنها تَمرَةٌ وَاحِدَةٌ أَو لُقمة، وكذلك الْجَرَادَةُ، وقيل فيها حكومة (؟).
وإن تَطَيِّبَ المُحرم بالطيب: فَعَلَيهِ دَمّ. وإن لبس العمامة متعمداً: فعليه دم. وإن غَطّى رَأْسَهُ نسيانا أو خطأ كشف القناع وكبى، وإن قنعه مُتَعَمِّدًا: فَعَليهِ دَم، وبعض
قَالَ: حتَّى يُغطّيهِ كُلّه يومًا، ثُمَّ عَليهِ دمّ. وكذلك إن لبس القميص: علَيهِ دَمٌ.
(1) الدائق: مُفردة دائق وهو: أربعة قراريط، أو ثمن الدرهم انظر: معجم المصطلحات الفقهية 2/ 80. (2) الجزور: هو البعير والحزورة من الإبل: هيا البَدنَة جَمعها بدن، وهي ا الناقة أو البقرة، الذكر والأنثى سواء.
السمينة.
4) الرفث: هو قول الفحش، وهو كناية أيضًا عن الجماع.
ه) الذر: صغار النمل.
هي.
مَا يَجبُ في جنايةٍ لَيسَ فيها مِقدَارٌ مُعيَّن مِنَ المـ القضية المحكوم فيها. وحكومة العدل: هي.
(6) الحكومة. وهي نوع من أنواع الأرش. انظر: المصطلحات الفقهية 585/ 1. معجم (1/173)
صفحة 174
الدلائل على اللوازم والوسائل
LIVES
وإحرَامُ الرَّجُل فِي رَأْسِهِ فَلا يُغَطِّيهِ. وإحرامَ الْمَرأَةِ فِي وَجَهِهَا، فَلَا تُغَطِّيهِ إِلَّا أَن يكون الغطاء بحيثُ لا يَمُس الوجة؛ وإِن غَطَّت الْمَرْأَةُ وَجَههَا فِي إِحرَامِها: فعَليهَا دم. وإن حلَقَ الْمُحرِمُ رَأْسَه: فَعَليهِ دمّ، وإِن قَلْم الْمُحرِمُ ثَلَاثَةَ أَظْفَارٍ: فَعَليهِ دَمٌ. وَمَن
تَركَ الْهَرْوَلَة فِي السَّعي كُلِّهِ فَعَليهِ دَمّ، وإِن كَان أَكثَر مِن النِّصفِ: فَعَلَيهِ دَمٌ. والْمَرأَةُ أَيضًا تجتنب: الطيب، والتِّيَابَ الْمَصبوغة بِالوَرْس (1) والزَّعفران، والزِّينَة والحلي. ولا تلبسُ الْخَفِّينِ والنَّعَلَينِ. وليس علَيهَا هَروَلَةٌ وَلَكِن تُسرِعُ فِي الْمَشَيَ بَين
الصَّفَا وَالْمَرْوَة.
[حكم المرأة الحائض]
والْمَرْأةُ الْحَائِضُ إِذا بَلَغَت الْمِيقات فإِنَّهَا تَعْتسِلُ وتَجعَل ثوبًا وَقايَةً لِثِيَابِ إِحْرَامِها، ثُمَّ تُهِلْ بِالْحَجِّ وَالْعُمرَةِ وتُحرِمُ، وتصنع ما يَصْنَعُ الْحَاجُ فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا الطَّوَافَ بالبيت، فإِنَّهَا لا تَطُوفُ بِالبَيتِ حَتَّى تَطهُرَ، فإذا طَهُرَت اغتسلت وطَافَت بالبيتِ لحجَّتِها وعمرتها، ومِنهُم مَن قَالَ: طَوافاً واحدًا يُجزِيهَا عَن حَجِّها أَو عُمرَتِها، ومِنهُم من قالَ: طَوافَانِ؛ طَواف لِلحَجّ، وطواف لِلعُمرةِ، وتَقِف مع النَّاسِ بعرفات، وترمي الْحِمار، وتفعل كما يَفعَلُ الْحاج من الذبح وأخذِ الشَّعرِ، والوقوف عند المشعر الحرام، وجميع ما يَفعَلُ الْحاج إِلا طَوَافَ الزِّيَارَةِ والعُمرَةِ فَحَتَّى تَطَهُرَ؛ لأَنَّهُ لَا يَدخُل
البيت إلا طَاهر، ولا تَخرُج مِن مَكَة حتَّى تَطهر، وتَطُوفَ بِالبَيتِ، وتُودِّع. وأَمَّا الْمُستَحاصَةُ)) فَإِنَّهَا تَغْتَسِلُ، وتَفعَلُ جَمِيع مَا يَفعَلُ الْحَاجُ مِن الإحرام، والطواف، والوقوف، ورَمَيِ الْحِمارِ، وكُلّ مَا يَلْزَمُ الْحَاجَّ، وهِي كَمَثَلِ الطَّاهِرِ، لَيس كَمَثلِ الْحَائِضِ.
1) الوَرْس: نبات أصفر كَأَنَّهُ لَطخ، له رائحة كالسمسم يصبغ به الثياب. انظر: العين، (ورس). (2) الْمُستحاضة: هي المرأة التي يستمر بها الدم من فرجها دون انقطاع في زمان لا يعد من الحيض ولا من النفاس. (1/174)
صفحة 175
الدلائل على اللوازم والوسائل
ومَن لَزِمَه دَمٌ ولَم يُمكِنهُ تَسليمهُ فِي الْحَالِ، بَعثَ بِه – إذا رجع – إِلَى أَمِينٍ وأَمرَهُ أَن يَنحَرَهُ عَنه بمكة أَو بِمِنِّي.
ومَن لَزِمَهُ الْجَزاءُ فِي قَتلِ صَيدٍ أو قطعِ شَحِرَةٍ لَم يَحْزَلهُ أَن يَأْكُلَ مِن تِلكَ الذبيحةِ
التي لَزِمَتَهُ؛ فإِن أَكلَ مِنهَا لَزِمَهُ بَدلُهُ كُلُّه، وبَعضَ قَالَ: لَا يَلْزَمَهُ إِلَّا مَا أَكل. وأَمَّا الذَّبحُ الَّذِي عَنِ الْمُتعَةِ فَجَائِرٌ لَهُ الأَكلُ مِنه إِلَى مِقدار الثلث، واللهُ أَعْلَم.
فضل: [في المسائل المتعلقة بالحج]
مسألة: وعن الشيخ أبي مُحمَّدٍ (1) أَنْ مَن قالَ: «سُبحانَ اللَّهِ، وَالْحَمدُ لِلَّهِ، وَلا إِلَهَ إلا الله، والله أكبر، ولله الحمد، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصَلَّى اللهُ علَى رَسُولِهِ مُحمدٍ وآلِهِ وَسَلَّم». إِنْ هذَا كَافٍ لِمَن تَكَلَّم بِهِ فِي الْحَجِّ فِي كُلِّ الموقف، وَعِندَ الْحَجَرِ والأَركان كلّها، وعلى الصِّفَا وَالْمَرْوَةِ، وفي
الْمَواضِع؛
عند
عرفات، وعِندَ رَمِي الْحِمَارِ. ووجدت مسألة عن الشيخ صالح بن سعيد الله أن الصحيَّة لا تلزم الغُرباء، إلا أن يَكُون لَزِمَهُم دَمُ مُتعَةٍ أَو غيرها، واللَّهُ أَعْلَم.
والحاج عَن غيره إذا خرج بالْحَجَّة، ثُمَّ جَاء بنفسه أَنَّهُ يَكُونُ مُصدَّقا إذا قَالَ: إِنَّهُ قد أدَّى الْحَجَّة التي استُؤجر عَليهَا. وبعض قال عَليهِ أَن يَشهِدَ بِذلك فِي مَواضِعِ الْحَجِّ والمواقيت، بعرفات، وعند الإحرام، وعند الزيارَةِ، أَنَّهُ قَد خَرج بِحَجَّةِ فُلانٍ، وَأَنَّهُ
1) أبو محمد عبد الله بن مُحمَّدُ بن بَرَكَة السليمي البهلوي، الشهير بابن بركة، ويطلق عليه في كتب الإباضية بـ «أبي مُحَمَّد» وهو عالم فقيه أصولي متكلم بارع من كبار علماء القرن الرابع الهجري، أخذ العلم عن الشيخ أبي مالك غسان. مُحَمَّد الصلاني، والإمام سعيد بن عبد الله (ت: 328 هـ). من تلاميذه أبو الحسن البسيوي. ترك آثارا جليلة، أهمها كتاب الجامع، ورسالة التعارف والتقييد، وكتاب المبتدأ في خلق السماوات
بن
والأرض. انظر: ندوة ابن بركة المنتدى الأدبي، عمان، 1998 م. الشاروني: دليل أعلام عمان، 114. (1/175)
صفحة 176
الدلائل على اللوازم والوسائل
176
واقف بحَجَّةِ فُلانٍ، وكذلكَ عِند الزيارَةِ يَشهِدُ أَنَّهُ قَد طاف بحَجَّةِ فُلانٍ، وقد قضى
حجة فلان. ولا يَجُوزُ أَن تُعطي الْحَجَّةِ عَن الْمَيِّت إلا أمينًا. وقيل: لا يَحُجُّ أَحدٌ إِلا عمَّن يَتولاه. وقِيلَ: جَائِرٌ أَن يَحُجَّ عَمَّن لا يتولاهُ وَلا يدعُو لَهُ. وقال آخرُونَ: مَن حَجَّ عَمَّن لا يتولاهُ أَنَّهُ يَشترط عَلى أوليائه أن لا يَدعُو لِمَيِّتِهم. وقد قيل: إِنَّه لا يجوز لَهُ أَن يَشْتَرِط ذَلكَ.
وقد قيل: إن الحجَّةَ أَجرُها للحاج بها، ولِلمُوصِي أَجرُ الْمُؤنَةِ وَالْمَعُونة بِالدَّرَاهِم. وقال آخرُونَ الْحَجَّةُ والأجر كلها لِلمَحجُوج عَنهُ؛ وَإِنَّمَا الأجير له عوض عنائه بالدراهم التي يأخذها، والله أعلم بالصواب.
فضل: [في الفدية]
وأَمَّا الْجَزاءُ عَلَى مَن قَطعَ شَيْئًا مِن شَجَرِ الْحَرمِ قِيلَ: عَمَّن قَطعَ شَجَرَةً كبيرةً: فعليه بدنة. وإن كَانَت صَغِيرةً: فَشاةٌ. وحَكمُوا فِي مِسوَاكِ بِدِرهم. وفِي كَسرِ العُودِ بدرهم، وأقل الحكم في الشجر مسكين. وأكثره: بقرة. قيل في عود صغير: بإطعام مسكين. وفي الدوحة (وهي الشَّجَرَةُ الكَبِيرَةُ: بَقرَةٌ، وفِي الْجَزَلَةِ (وهي الوسطى): شَاءٌ، وفي القضيب: درهم. فَهَذِهِ يُبدَةٌ قَليلَةٌ تَدُلُّكَ عَلى بَعض أوصاف الحج، فَإِن أَردتَ مَزِيدًا، فَاطْلُبَهُ تَجِدهُ إن شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي آثَارِ الْمُسْلِمِينَ. (1/176)
صفحة 177
1775
البات
23
في زيارة قبرِ النَّبِي
الدلائل على اللوازم والوسائل
فإذا قضيت يا أخي، بحمد الله تَعَالَى الْحجَّ، فكُن خَيْرًا مِمَّا كُنتَ فِيه مِن قبل، فإِنَّه قيل: إن من علاماتِ الْحَجَّةِ الْمَقبولة، أن يكُونَ صاحبها خيرًا مِمَّا كانَ عَلَيْهِ قَبلَها، وإِن كان شرا فذلك من علاماتِ قلة القبول فاحذره، وكُن نَادِمًا عَلَى التَّقصيرِ فَرِحًا بِالتَّيسِير، وأَنمِم ذلكَ بِزِيارَةِ النَّبِي قبر النبي صلى الله عليه وسلم البشير النذير؛ لئلا تدخل عليهِ الْجَفَاء، فإِنَّه يُوجد عَنه أَنَّهُ قَالَ: «مَن حج ولَم يَزُرني، فقَد جَفانِي، فَلا تتعرض لجفائه، وقد قيل عنه أَنَّهُ قالَ: «مَن زارني ميتا، كَمَن زارني حيَّا» (2). أرأيت لو كان حيا كانت تسمحُ نَفسُكَ بِتَركِ زيارَةِ سَيِّد الأولين والآخرين، وأنت
تزور مَن هُو مِثلُك فِي الْحَقارةِ، طَلبَ طِيبَةِ النَّفْسِ مِنه، ورسوخ الوُدِّ. وقد قيل عنه أنه قال: «تُردُّ عَليَّ رُوحي لأَرُدَّ السَّلامَ عَلَى مَن سلَّم عَلَيَّ» وهذا غايةُ الْمَطْلُوب مِن الْمَزُور، فإِنَّهُ يَرُدُّ عليكَ وأَنت لا تَسْمَعُه.
فَهَيِّء عند وصولك إليه، وتسليمك عَليه، ورَدَّه السَّلامَ عَليك، فيالَها مِن فَرحَةٍ بِرده لو عَقَلَتَه مِنه، فَسِر إليهِ ولَو ماشيًا بالحفا والْحَفا .. وادخل إِلَى قُربِ قَبْرِهِ، واقعُد عِندَهُ وسلّم عَليهِ، وسَم باسْمِك وبَلَدِك، واطلب مِنهُ الشَّفاعَة لَك إلَى رَبِّك، وسلّم عَلَى صَاحِبَيهِ وضَحِيعَيهِ ووَزِيرَيْهِ فِي الدُّنْيَا، وقُل عِند تَسلِيمِكَ عَليهِ: «السَّلامُ عليكَ يا رَسُول الله، السَّلامُ
1) الحديث أخرجه ابن حبان في الضعفاء والديلمي، والجوزي في موضوعاته عن ابن عمر مرفوعا. انظر: الهندي: كتر العمال 5/ 135، 12369.
2) الحديث أخرجه ابن قانع والبيهقي في الشعب عن حاطب بن الحارث، 5/ 135، ر 12372. الحديث أخرجه أبو داود في سننه (ر 2041) بلفظ: «ما من أحد يسلّم علي إلا رد الله علي روحي حتى أردّ عليه السلام»، وأحمد في مسنده (ر (10827)، والبيهقي في. معجمه (ر 3092).
سننه الكـ
بري (ر 10050)، والطبراني في (1/177)
صفحة 178
الدلائل على اللوازم والوسائل
178
عليكَ يَا أَمِينَ الله، السَّلامُ عليكَ يا صَفوَةَ اللهِ السَّلامُ عَليكَ يا خيرة الله، السَّلامُ عَليكَ يا الله، السَّلامُ عليكَ يا أبا القاسم، السَّلامُ عَلَيكَ أَيُّهَا النَّبِيِّ ورَحْمَةُ الله
محمد
بن عبد
وبركاته .. أنا أَشْهَدُ أن لا إله إلا اللهُ وَحدَهُ لا شريكَ لهُ، وأَنَّكَ رَسُول الله، وأنك قد بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت لأُمَّتِك، وجَاهَدتَ فِي سَبِيلِ رَبِّكَ، وعبدته حتَّى أَتاك اليَقِينُ .. صلى الله عَليكَ حيا ومينا، وجزاك اللهُ عنَّا أَفضَلَ مَا جَزَى نَبِيًّا عَن أُمَّتِهِ، وذَكرَكَ بأحسن مَا يُذكر به الْمَذْكُورُون».
ثُمَّ تتقدم وتجعل وجهكَ مَع الْحَائِط تِلقَاءَ وَجهِهِ، ثُمَّ تَقُول: «يَا رَسُولَ اللهِ، أَنا فُلان بنُ فُلانٍ مِن أَرضِ كَذا وبلد كذا، جئتُك زائراً ومُسلّما عَليكَ، مُسْتَشْفِعًا بِكَ إِلَى اللَّهِ أَن يَحُطُ عنِّي أَوزاري، ويَغْفِرَ لي ذُنوبي، وَيَسْتُرَ عُيوبِي، ويعصمنِي فِي بَقِيَّةِ عُمُرِي، وأَلا يَكِلْنِي إِلَى نَفسِي طَرفَة عَينِ، وَلا أَقل من ذلك ولا أكثر، فكُن شَفِيعِي .. صلَّى اللهُ عَليكَ وسَلَّم».
ثُمَّ تَتَأخَّر قليلاً عَن يَمِينِكَ مِمَّا يلي الْمَشْرِقِ ثُمَّ تقُول: «السَّلامُ عَليكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ ورَحْمَةً الله وبركاته، السَّلامُ عليكَ وعلَى وَزِيرَيْكَ ونَاصِرَيكَ وصَاحِبَيكَ ومُشِيرَيكَ ومُؤنِسَيكَ
وضجعيك».
ثم تتأخر قليلاً عن يمينك فتُسلّم على أبي بكر فتقُول: «السَّلامُ عَلَيْكَ يَا خَلِيفَة رَسُول الله، السَّلامُ عليكَ يا أَمِيرِ الْمُؤمِنِينَ، السَّلامُ عَلَيْكَ يَا أَبا بكر الصديق، السَّلامُ عَلَيْكَ يَا عَبد الله بن عُثمان، السَّلامُ عَليكَ يَا عتيق بن أبي قحافَةَ السَّلامُ عَلَيْكَ يَا شَيخَ الأَبْرَارِ ويَا معدن الافتخار، ذَا الْهَيْبَةِ والوَقارِ، والأنيس والصاحب في الغَارِ السَّلامُ عليكَ، ورحْمَةُ اللهِ
وبركاته».
ثُمَّ تتأخر قليلاً، ثُمَّ تقُول: «السَّلامُ عَلَيْكَ يَا أَبا حَفص، السَّلامُ عَليكَ يَا عُمر بن الْخَطَّاب، السَّلامُ عَليكَ أَيُّها الفَارُوقُ ورَحْمَةُ الله وبركاته»، ثُمَّ انصرف إن شئت أو اقعد هناك، ولا تنس حَظِّكَ مَا دُمتَ فِي الْمَدِينَةِ مِن الصَّلاةِ فِي مَسجِدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. (1/178)
صفحة 179
الدلائل على اللوازم والوسائل
فإذا هَمَمتَ بِالْخروج: فَودِّع بِتَسلِيمٍ أَيضًا وارجع حَزينًا كَبِيبًا لِمُفَارَقَةِ مَكَانِ رَسُول الله، وقد قَضَيْتَ الزِّيارَةَ.
فإن رجعت إلى مكة: فَلا تَدخُلهَا إِلا مُحرِما، وإِن لَم تَرجع إِلَيْهَا فَلَا إِحرَامَ عَليكَ،
وَاشْكُرِ الله تعالَى عَلَى تَيسِيرِه لَكَ الْحَجَّ وَالزِّيَارَةَ فَإِنَّهُ كُلَّه مِنهُ، وَبِفَضلِهِ تعالى.
فإن بقيت في الدُّنيا وقَدَرتَ عَلى العَودَةِ، فَإِنَّكَ تَلجَأُ إِلَى رَبِّ كَرِيمٍ لا يخل، وإلا فلا يَلزَمُكَ الْحَجُّ أَكثَر مِن مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ. (1/179)
صفحة 180
الدلائل على اللوازم والوسائل
البات
24
-
في صفةِ الذُّباح وأحكامه
وكُن يا أخي، - رحِمَكَ اللهُ - شاكرًا لِنِعم الله تعالى عليكَ وأنت لا تحصيها، بل تذكرة عن الغفلة.
ومن نعمه تعالى أن أحلَّ لَك البهائم لِتَذبَحَها وتأكلها نعمة منه، ولولا ذلك لما حسن أن تجيء إلى ذِي رُوحٍ مثلك، فتَذبَحهُ مِن غَيرِ جُرمِ مِنْهُ، وتَاكُله متلذذا
أليس هذا من الفَضلِ العَظِيم؟ أين يَصِلُ شُكرُك؟ هَل تَقُوم بواحِدَةٍ مِن أَلف؟!! فإِذَا عَرَفتَ جَوَازَ ذلِكَ لَك، وعَرَفتَ الْجنس الذِي أَحلَّهُ اللَّهُ لكَ، وبَدَت لَكَ حَاجَةٌ إلى الذبح إما لعيد، أو لضيف نَزلَ بك، فَاعتَد للذبحِ الشَّفَرَةَ الْمَسنُونَةَ، وخُذ البَهِيمَةَ برفق، واستقبل بها القبلة، واذكر اسم الله عليها، بتهليل وتكبير وغير ذلك، ثُمَّ اضجعها وأَجْرِ السِّكِّينَ عَلى حَلَقِها، والْحُجُرَة كُلّها مذبح، وخفّف حركة السكين حين تَردُّها إلى الجهةِ التِي لَيسَت قِبَلَك، وثَقلها إذا حرَرتها إِلَيكَ .. فإذا فَرَعْتَ مِن ذبحها، فَلا تَبَرَح عَنهَا حَتَّى تَتيقن أنها قد ماتت خوفا أَن يُعارضها شَيْءٌ مِن الآفاتِ مِمَّا يُعينُ عَلَى مَوتِها، وتُحرَمُ عليكَ.
فإذا عرفت أنها قد ماتت فخذ فِي سَلخ الإهاب منها، ولا تتعرض لها قبل ذلك، فإذا
غَسَلتَ الْمَذبح فاللحمُ كُلَّه طاهر، وإِن لَم تَغسِلَ الْمَذبح فَاغسِل اللحم كُلَّه. وإذا ذبحت ذَبِيحتَكَ، ونَسِيتَ أَن تَذكُرَ اسمَ اللهِ عَليهَا فَإِنَّهَا تَحرُمُ عَلَيكَ وعَلَى غيرك. وجائزة ذبيحة المُسلِم ولو لم يَكُن، ثقةً، كذا عِند أهل عُمان .. ولا يَحرُم الذبح على أهل عُمانَ قَبلَ صَلاة العيد، لا للفطر ولا للنحر، إلا أنَّهُ لِلنَّحْرِ مكروه قبل الصَّلاةِ)، والله
أعلم.
1) هَذَا القول تفرد به الشيخ - إن صح عنه - وَلَمْ أحد من قال به، فقد ثبت بالسنة أن الذبيحة التي تكون قبل صلاة عيد النحر لا تُسَمَّى أضحية، وإِنما هي لحم كغيرها من اللحوم. أما قبل صلاة عيد الفطر فلا تسن أصلا. (1/180)
صفحة 181
الثالت
25
الدلائل على اللوازم والوسائل
فِي الأَيْمَانِ، وصِفَاتِها، وكفَّاراتِها
ثُمَّ إِنِّي أُحذرك يا أخي أن تحلف بالله تعالى كاذِبًا أو صادِقًا، وتركُ الْحَلف أَفضَلُ لك؛ لأنَّك إذَا عَامَلتَ مَن تُعاشره بالصدق، فَلأُيِّ شَيْءٍ تحلف؟!. فاحذر الحذر .. الْحَلف بالكَذِب، فإنّ ذلِك إِثْمُه عَظِيمٌ، وخاصةً إِذَا أَنكَرتَ
أحدًا حقا وأَنتَ تَعلَمُ أَنَّهُ عَليكَ، فإنْ ذَلِكَ مِن الكبائر العِظامِ.
وإن كان لا بُدَّ لَك مِن الْحَلِف، ولَم تَقدِر أَن تَردَّ نَفسَك عَن اليَمِينِ، فَردُّها عَن اليمين الكاذبة، وعن اليمين بغير الله تعالى .. فَلا تَحلِف صَادِقًا وَلا كَاذبًا، بِالْمَلائِكة، ولا الأنبياء، ولا بالعرش، ولا بالكُرسِي، وَلَا بِالسَّماءَ، وَلَا بِالبَيتِ الْحَرامِ، وَلا بِالكَعْبَةِ، وَلا بِالْمَساجد، وَلا بِالقُبُور، وَلا بِالبَشَر، وَلا بِالدَّوابِّ، وَلا بِالنُّجومِ، ولا بالبحار، وَلا بِالرِّياحِ، وَلَا بِالسَّحابِ. فإن جهلت وخلفتَ بِشيءٍ مِمَّا ذكرتُه، فتَكُون مَأْثُومًا، وَكَفَى بِالإِثْم مُصيبَة لِمَن
يَخافُ اللَّهَ تَعَالَى. وأمَّا الكفَّارة: إِذَا حَلَفتَ بِغَير الله مِن جَمِيعِ مَا خَلَقَ وَحَنَيْتَ، فَلَا كَفَّارَةَ عَليكَ فِي ذلك .. وأمَّا إِذَا حَلَفتَ عَن فِعلِ شَيءٍ مِن أكل وشرب، أو لبس أَو خُرُوجِ إِلَى مَكانٍ، أو غَيرِ ذَلكَ مِن جَمِيع ما يعنيكَ، خَلَفتَ عَنهُ بِاللَّه تعالى أو بِشيءٍ مِن أسْمَائِه، مثل: الرَّبِّ، والخالق، والعزيز، والحكيم، والعظيم، والقدير، وغير ذلك مِن جَمِيعِ أَسْمَائِه، ثُمَّ حَنَيْتَ فِي ذلِكَ فَعَليكَ كَفَّارَةُ يَمِين مُرسَلَةٍ.
وكفَّارَةُ اليَمِينِ الْمُرسَلة: إطعَامُ عَشرَةِ مَساكِين يَومًا واحدًا، غَذَاء وعشاء، أكلَتَيْن ما دو متين، أو كسوتُهم، أو عنقُ رَقَبَةٍ. (1/181)
صفحة 182
الدلائل على اللوازم والوسائل
182
أو تُنفذ لكُلِّ كَفَّارَةِ يَمِين مُرسلة: خَمْسَة أَصوَاعِ حَب بُر، وتُقسِمُهنَّ عَلَى عَشَرَةِ مساكين، لِكُلِّ مِسكين نصف صاع، وإِن فَرَّقت ذُرَةٌ، أَو شَعِيرًا، زِدتَ فَوقَ ذَلكَ لِكُلِّ فَقِير ربع صاع .. فهَذِهِ كَفَّارَةُ اليَمِينِ الْمُرْسَلَةِ عَلى الغَنِي .. وأما الفقير إِذَا حَلَفَ وحَنَّتْ فَعَليهِ صَوم ثَلاثَةِ أَيَّامٍ.
وأَمَّا إِذا قَالَ الْحَالَفُ فِي يَمِينِهِ: إِن فَعل كذا وكذا فَعَليهِ لَعَنَةُ اللهِ، أَو غَضِبُه، أَو قَبَّح اللهُ وَجهَهُ، أَو أَخرَاهُ اللهُ، أَو مَقتَهُ اللهُ، أَو أَدخَلَهُ اللهُ النَّارَ فِي الآخِرَةِ، أَو فِي نَارِ جَهَنَّم؛
فَحِنَتْ فِي هَذَا؛ فقول: عَليهِ كفَّارَةُ التَّعْلِيظِ. وقَولٌ: عَليهِ كفَّارَةٌ مُرسَلةٍ. وأمَّا إِذَا قَالَ: إِن فَعَلَ كَذا وكذا يكون مُشرِكًا بالله، أو يهوديًا أو نَصرانيا، أو
كافرًا أو منافقا، أو ظالِمًا، أو يكون عابدا غير الله ففي هذا كفَّارةُ التَّغليظ. وكفَّارة التغليظ: إطعام ستين مسكينًا يَومًا واحدًا، غَدَاءً وعَشَاء أَكلَتَيْنِ مَادُومَتَين، أو صَومُ شَهرَيْن مُتَتَابِعَينِ، أو ينفذ ثَلاثِينَ صَاعًا مِن البُرِّ عَلَى سِتِّين مِسكينًا، لكُلِّ وَاحِدٍ منهم نصف صاع، وإِن أَنفَذ شَعِيرًا أَو ذُرة حَسَبَ لَكُلِّ فَقِيرٍ زِيادةَ رُبع صَاعٍ .. ولا يكُونُ تَكْفِيرُ اليَمِينِ إِلَّا بَعد الْحَنَتْ.
ومَن حَلَفَ عَلَى آخَر أَن يَفعَل شَيْئًا أَو لا يفعل، فأبى الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ عَنِ الفِعلِ أَن
يفعل أو لا يفعل، فَفَعَل الحَالف فَعَلَى الْحَالِفِ كَفَّارَةٌ، وَلَا عُدْرَ لَهُ فِي ذلِكَ. ومَن حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ مَحدُود أَن يَفعَلَه، أو أن يَأكُله، ففعل شَيْئًا مِنه أَو أكل شَيْئًا منه، فَلا حنث عليهِ حَتَّى يَفعَلَه جَمِيعَهُ، أو يأكله كله. ومن حَلَفَ عَلى غَيْرِ مَحدُودٍ لأكل أو فعل، فَاكَلَ مِنهُ، أَو فَعَل فَإِنَّهُ يَحنَثُ، وَمِثلُ ذلك: إن حلف أن يَأْكُل شَيْئًا مَحدُودًا من الطعام أو غَيْرِهِ، وَلَيسَ لَهُ نَيَّةٌ أَلَّا يَاكُلَ مِنْهُ، فلا يحنث حَتَّى يَأْكُلَه كُلَّهُ. وأمَّا إِن حَلَف لا يذُوقُ الشَّيْءَ الفُلانيُّ، أو لا يَأكُل مِنهُ، فَذَاقَهُ أَو أَكلَ مِنْهُ، فَإِنَّهُ
يَحنَثُ. (1/182)
صفحة 183
183:
الدلائل على اللوازم والوسائل
وأَيْمَانِ الغَيب: كُلُّها حنث، وذلِك إِن حَلَفَ عَن شَيءٍ قَد كَان أَنَّهُ مَا كَان، ولَو لَم يَعلَم
ابه
بكونه، أو شَيء لَم يَكُن انه قد كَانَ، ولو لم يعلم به أنه لم يَكُن؛ فذلك حنث كله. ومَن جَعَلَ الْحَلالَ عَليهِ حَرَامًا ثُم أَكلَهُ، فَإِنَّهُ لا يَحرُم عَليهِ، إِلَّا أَنَّهُ يَلْزَمُه كَفَّارَةُ يَمِينِ مُرسَلَةٍ. ومَن حَلَفَ بِما لَا يَقدِر عَليهِ أبدًا، مِثل أَن يَحلف أن يَرقَى فِي السَّماءِ، أَو يَنسف الجبال، أو يخوض في البحر - فعِندِي – أَنَّهُ يَحنَتْ.
ومَن حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَأْكُل الرُّطَب فأكل البسر، ومَن حَلفَ أَلَّا يَأْكُل البُسْرَ فَاكَل الرُّطَب،
إلا أن يَكُونَ حَلَفَ أَلا يَأْكُلَ الرُّطَبَ نَحْلَةً مَحدُودةً، فَلا يَأْكُل تَمَرَهَا وَلَا بُسْرَهَا. ومن حلف فِي شَيْءٍ مِن الطَّاعَاتِ أَلا يَفعَلَهَا؛ فَنُحِبُّ لَهُ أَن يَفعَل الطَّاعَة التي حلف عن عَدَمِ فِعلها، ويحنث ويُكَفِّر عَن يَمِينِه خَيْرٌ لَهُ.
وكذلك إن حَلَف ليفعل معصية؛ فَنُحِبُّ له ألا يفعلها، ويُكَفِّرْ يَمِينَه إِذَا حَنتَ خَير له. ومن خلف أن يضرب أحدًا، عَبدًا أو غيره، أو يُعطي أحدًا شَيْئًا، وأمكنه أن يضرب
وأن يُعطي، فَلَم يَفعَل حَتَّى مَات مَن حَلَف لِيَضرَبَه أَو لِيُعطِيه، فقد حَنَتْ. وإن بدأ بِاليَمِينِ ليحلف بالله، ثُمَّ أَمسَك قَبلَ تَمَامِ اليَمِينِ، فَلَا حِنتَ عَليهِ. وإِذَا كَرَّر اليَمِينَ بِلفظ وَاحِدٍ عَن فِعلِ شَيْءٍ فِي وَقتٍ واحدٍ، يُكرر ذلكَ مَرَّتَيْن أو أكثر، فَهِي يَمِينٌ وَاحِدَةٌ.
ومَن حَلَفَ يَمِينًا وَاسْتَثْنَى فِيها، وقال: إن شاء الله؛ فلا حِنتَ عَلَيْهِ، ويَنفَعهُ الاِسْتِتَنَاء. ومَن حَلَفَ أَلا يَحلِب شَاةً، ثُمَّ بَدأَ بحلبها، وذَكَر يَمِينَهُ، فَأَمْسَكَ عَن حَلَبِها لِمَا ذَكَرَ؛ فإنَّهُ لا يَحنَثُ حَتَّى يَحلِبهَا كُلِّهَا.
كله.
وكذلك إن حلفَ عَن شيءٍ
أَنَّهُ لا يُخبر بِهِ، فَأَخبَر بِبَعضِهِ؛ أَنَّهُ لَا يَحنَثُ حَتَّى يُخبِرَ بِهِ
* ومن خلفَ بِصَدقَةِ مَالِهِ وحَنَتَ؟ فَعَلَيهِ أَن يُقَوِّمَ مَالَهُ العُدُولُ قِيمَة وَسَطة، ثُمَّ يُخرِج عُشرهُ إِلَى الفُقَرَاءِ، ويرفع لَه دَينه قَبلَ ذَلكَ عَلَى قَولِ، وَاللَّهُ أَعْلَم بِالعَدلِ. (1/183)
صفحة 184
الدلائل على اللوازم والوسائل
184
البال
في ذكر صفة النذور، وما أشبه ذَلِكَ
وأمَّا النَّذِرُ: فَلَيسَ بِوَاجب عَليكَ أَن تَنذُرَ لأحدٍ، فليس هو بفريضةٍ وَلا بِسُنَّة، وأمَّا إِذَا نذرت بفعل شيءٍ مِن الطَّاعَاتِ، مثل أن تنذر لمريض أن يُعافي، أو غائب يرجع، أو أمرٍ يَتِمُّ، أَو ثَمَرَةٍ تَسلَمُ مِن الآفات، أو حامل تلد ذكرًا، أو غير ذلِك بِصِيَامٍ تُسَمِّيهِ، أو بصلاةٍ تُحَدِّدُها، أو بطعَامِ الفَقِير، أو بِشَيْءٍ مِن الذباحِ لِيُؤكل في المس جد الفلاني، أو القير الفلاني، فوقع الأمر عَلى ما أَردتَ مِن عَافِيةٍ لِلمَريض، أو رجوع الغائب، أو سداد الثمار فعليك الوفاء بما نَذَرتَ، فَإِنَّهُ فَرِيضَةٌ. فإِن قَصَرتَ فِي شَيْءٍ حَتَّى ذَهَبَ عَلَيكَ مِن وَقتِ قيَّدت الوفاءَ فِيهِ، وذَهَبَ عَليكَ مِن أحدٍ حسبتَهُ لِياكُل مِن النَّدْرِ، أَو نَذَرتَ لَهُ فَمات قبل ذلك .. ولو فَعَلت قبل ذلِكَ لَكُنت تُدرك الوفاءَ لِمَا نَذَرتَ عَلى الوجه الذي نذرت به فَعَلَيكَ كفَّارَةُ النَّدْر، مِثل كَفَّارَةِ اليَمِينِ الْمُرْسَلَةِ.
وأمَّا مَن نَذَرَ بِشَيْءٍ مِن الْمَعاصِي، مثل: أن تأكُل شَيئًا لَا يَجُوزُله أَكلُه مِمَّا هُو مُحَرَّم، أو هُو مِن أَمْوَالِ النَّاسِ، أَو نَذَر أَن يَزِنِي بِفُلانة، أو يضرب فلانا أو يَعْتُله؛ فَهَذَا مَعصِيَةٌ، وَلا يَلزَمُهُ الوَفَاء بَنَذر الْمَعْصِيةِ جَمِيعًا.
ولا يُجزِي تَسلِيمُ النَّذرِ إِلا مُتَتَابِعًا، إِن كَانَ بِصِيَامٍ فَيَصُومَه مُتَتَابِعا لا يُفرَّقُ بينه يفطر، وإن كَانَ بِصَلَاةٍ فَليُصَلِّهَا فِي مَقامٍ واحدٍ إِلا أَلا يَقدِرَ، فَإِذَا لَم يَقدِر وَبَقِي عَلَيهِ شَيْءٌ فَلَيَاتِ بِهِ إِذَا قَدَر. (1/184)
صفحة 185
الدلائل على اللوازم والوسائل
وكذلك إن نَذَر بِطَعَامٍ، لِيُؤكَلَ فِي مَوضع مَعلُومٍ، مِن مَسجِدٍ أَو قَبرٍ، فَلَا يُوفيه مُتَفَرِّقًا بل يُحمِلُهُ فِي وَقتٍ واحدٍ، ويُؤكل هناك، وإن فَضْلَ مِنهُ شَيْء تُركَ إِلى أَن يَعُود إِلَيْه أَحدٌ مِمَّن حضر، إن كَانَ مَحدُودًا لأحَدٍ بعينه، وإن لم يَكُن مَحدُودًا فَلَيَا كُلَهُ مَن حَضَرَه مِن
النَّاسِ.
فصل: في الاعتكاف
يصوم
ومَن نَذَر الله أَن يَعتكف طَاعَةً لِله تَعَالَى شَهرًا أو دُونَه، فَلَا يَكُونُ الاعْتِكَافُ إِلَّا إن كان في شَهرٍ رَمَضَانَ فَيكفِي صَومُه .. وإن كانَ فِي غَيْرِهِ فَيَصُومُ تَطَرُّعًا لله، مَا دَام
معتكفا.
وَلا يَكُون الاعتكافُ إِلا فِي مَسجدٍ، تُصلّى فِيهِ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ جَمَاعَةٌ، وَلَا يَخرُج الْمُعتكف من المسجد لَيلاً ولا نَهَارًا إِلا لِما لا بُدَّ مِنهُ مِن إِراقَةِ البول أو غائط أو استنجاء، أو عيادة مريض بلا قعود معه، أو حُضوره جَنازَةٌ يلي الصَّلاةَ عَليها .. ولا يُدخل تحت سَقفِ بَيتٍ، وَلَا يَتحَدَّثُ إِلا فِي الْمَسجد الذِي اعْتَكَف فِيه بِمَا يَجُوزُ، وَلَا يَسْتَغِل إِلا بالصلاة والقِراءَةِ وَذِكرِ الله وَ بِكُلِّ مَا ذَكَرَه. ويَدخُلُ الْمُعْتَكِفُ اللَّيلَةَ الَّتِي لَزِمَهُ اعْتِكَافُهَا - أَو أَرَادَ اعْتِكَافَهَا – الْمَسجِدَ الذِي يُرِيدُ فيه الاعتكاف قبل دخولِ اللَّيلِ لِيَدخُل اللَّيلَ وهُو قَد صَارَ فِي الْمَسْجِدِ، لَيَتِمَّ لَهُ الْاعْتِكَافُ تلك الليلة، ولا ينقصُ مِنها شَيْئًا، وَاللهُ أَعلم.
فَضْل: فِي الْهَدي ()
وأما من قال: أنا أهدِي فُلانًا إِن فَعَلتُ كذا وكذا، فَقِيلَ: إِنْ عَلَيهِ أَن يَهْدِيَ بَدَنَةً. وقِيلَ:
لا شَيْءٍ عَليهِ، حَتَّى يَقُولَ: هُو عَلَيَّ هَدي.
1) الْهَدي: اسم لما يهدى إلى الحرم ويذبح فيه لتمتع أو لقربة، أو لترك واجب في الحج والعمرة، أو نحوه كنذر أو ما كان تطوعا. ويكون الهدي مرتبطا بأيام النحر وفي الحرم. انظر: معجم المصطلحات الفقهية، 3/ 450 - 451. (1/185)
صفحة 186
الدلائل على اللوازم والوسائل
ومَن جَعَلَ مَالَ غَيرِه هَدِيًا عَلَيهِ ثُمَّ حَنتَ، فَعَلَيهِ بَدنَة. وقول: كُلِّ مَالَه ثَمِنٌ فَيُنظَرُ فِي
ثَمَنهِ، ثُمَّ عَلَيْهِ هَدي.
ومَن قَالَ: إِن أَكلتُ فِي مَنزِلِ فُلانٍ شَيْئًا أَحْمِلُهُ إِلَى بَيتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، ثُمَّ فَعَلَ فَلَا نَرَى
عَليهِ شَيْئًا، حَتَّى يَقُول: عَلَيَّ أَن أَحْمِلهُ، فَعَلَيهِ بَدنَة. وقِيلَ: يَهْدِي ثَمَنَهُ.
ومن جعَل عَلى نَفسِه هَدَيًا، أو نَذَر عَلى شَيءٍ لا يقدر عَلَيْهِ، فَقُولُ: عَلَيْهِ عِتقُ رَقَبَهِ، أَو هدي. ومَن جَعلَ نَفسَهُ هَدِيًا إِلَى بَيتِ الله الْحَرَامِ فَعَلَيهِ بَدَنَةٌ. وإِن جَعَلَ نَفْسَهُ صَدَقَةٌ للمساكين، فَلا شَيْءٍ عَلَيْهِ وَيَسْتَغْفِر رَبَّهُ.
ومَن قَالَ: امْرَأتِي هَدي، أو قال: هي هَدي، فقُولُ هِي هَدي: أَهْوَنُ ومَن قَالَ: لِله عَلَيَّ أَن أَهْدِي نَاقِنِي هَذِهِ إِلَى بَيتِ الله الْحَرامِ، لَم يَجُزله أَن يهدِي غَيْرَها، وإِن مَاتَت فَلا شَيْءٍ عَلَيْهِ.
وقيل: في الذي أهدى قرية لا يملكها في نَذرٍ، فَلَيسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ إِلا كفارة نذره، وَلَعَلَّ بَعضًا لا يرى عَليهِ كَفَّارَة، والله أَعلَمُ بِالصَّوَابِ فِي هَذا وغَيْرِه. وهذا يا أخي، رسم قليل ونبذة يسيرة، لِتَستَدِلُّ بها عَلَى تَأْدِيَة مَا تَعبَّدَك الله
به من
توحيده وعِبَادَتِه، من الصَّلاةِ والزَّكاةِ، والصيام، والْحَجِّ، والأَيْمَانِ، والنذر. وهذا لا يعني الطالب بَل كَأَنَّهُ سَببٌ لِلطَّلب؛ فَالله اللهَ رَحِمَكَ اللهُ - لَا تُهمِل مَا أمرك به الله، وَلَا تَعْفَل عَن نَفسِك، والبَس ثَوبَ الوَرِع فِي جَمِيعِ أَوقَاتِكَ عَمَّا حَرَّمَ اللهُ ورَسُولُه عَليكَ مِن أَمْوَالِ النَّاسِ، ومِن أَعرَاضِهِم، وتَذرَّع بِالفِكرِ لَيلاً ونهارًا فيما خَلَقَ الله مِن السَّموات وما فيهنَّ والأَرض وما فيها، والبحار وما فيها، والسَّحابِ والرِّيَاحِ، وغير ذلك؛ فلعل الفكر يهجم بِكَ عَلى التذلُّلِ لِهذَا الْخَالِقِ القَادِرِ الْمَالِكِ، الذِي خَلَقَك من تُراب ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ، ثُمَّ صِيَّرَك إِلَى عَقلٍ وَشَبَابٍ. ولو أنت عقلتَ فَلَا تَحتَاجُ أَن تَتَفَكَّر فِي خَلْقِ السَّموات، والعرش، والكرسي،
وغيرِهِنَّ، بَل فكرك فِي نَفسِك يَكفِيكَ، ولَو فِي طُولِ عُمُرِكَ، لَم تَفرَعْ مِنهُ. (1/186)
صفحة 187
الدلائل على اللوازم والوسائل
فانظر كيف صَوَّرَك اللهُ تَعَالَى مِن نُطْفَةٍ قَذِرَةٍ، إِن أَصابَتكَ أَو أَصَابَت ثَوبَكَ لَم تَطِب نفسك، ولَم تَستَقِرٌ حَتَّى تَغسِلَها مِنكَ ومِن ثَوبِكَ، هذَا إِذَا كَانت مِنكَ، فَكَيفَ إِذَا لَحِقَتكَ مِن أحدٍ غَيركَ .. فَصَوَّرَك فِي بَطْنِ أُمِّكَ، وَنَقَلَكَ هُناكَ مِن حَالٍ إِلَى حَالٍ؛ مِن نُطْفَةٍ إِلَى عَلَقَةٍ (وهي الدَّمُ).
مَن صيَّرَكَ بَعدَ النُّطْفَةِ دَمًا وإِلَى مُضغَةٍ وهِيَ شبهُ قِطْعَةِ لَحِمٍ؟، ثُمَّ مَن نَقَلَكَ هُناكَ إِلَى تمامِ صُورَتك؟ هَل سَاعَد رَبَّكَ وَأَعانَهُ عَلى تَصوِيرِكَ أَحدٌ مِن وَالِدَيكَ فَضلاً عَن غَيْرِهِم؟ وهَل عَلِمَت أُمُّكَ يَوماً بانتِقَالِك مِن حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَمِن أَيِّ جَمَاعِ كَان ذَلِكَ الْحَمَلُ؟ وهل علمت أنت أو هي أو أبوك حِينَ خُلقت الأعضَاءُ فِي الْمَكَانِ الضَّيِّقِ مِنَ الْيَدَيْنِ
والرّجلَيْنِ، وبما فِيهِنَّ مِن الأصابع والعِظَامِ وَالعُروقِ، والقَدَمَيْنِ وَالكَفِّيْنِ؟ وكذلك حين خَلَقَ لَكَ الرَّاسَ بِمَا فِيه مِن أُذُنَينِ مَنقُوبَتَينِ إِلَى دَاخِلٍ، هَل أَحَدٌ يُدرِكُ صِفَةَ الثّقب، إِلى أَن يَصِلَ مِنَ الرَّأْسِ؟ وكَيفَ هَذا التَّقبُ يَجْتَذِبُ إِلَى الإِنسَانِ السَّمعَ، وَلَا يَجتَذِبُه شَيء غَيرُه مِن التَّقُوبِ؟! .. أهذِهِ بِقُدرَةٍ لَهُ سَبَق بِها غَيْرَهُ، أَم بِقُدرَتِكَ، أَم بقدرَة
والديك؟!
دو
وكَذلِكَ تَركِيبُ العَينَيْن وتَصوِيرُهُما بِالسَّوادِ والبَياضِ، والْحَركة التِي فِيهِمَا، وحُسنُ البَصَرِ إِلَى حَيثُ شَاءَ اللهُ مِن قَريب وبَعِيدٍ، مَعَ الْجَفْنَيْنِ الْحَارِسَينِ لَهُمَا الْمُغَطِّيِّينَ لَها، وهُما (أعني: العينين) نَافِذَتَانِ فِي الرَّأْسِ إِلَى الْقَمِ. ثُمَّ الأَنفُ كَيف خَلقها اللهُ حَسَنَةٌ مَثقُوبَةٌ مِن مَكَانَين، وجَعَلَ النَّسيم يَتَنَّفْسُ مِنها، وهُما (أعني: تُقبَيْ الأَنفِ فِي الوَجهِ نَافِذَانِ إِلَى الرَّأْسِ ويَصعَدُ فِيهِما النَّفَس مِن الصَّدْرِ، أَمَا لِهَذهِ حِكمَةٌ بَالِغَةٌ، وقُدرَةٌ قَدِير لَا غَايَة لِقُدرَتِهِ؟!. وفكر إذ جَعَل لَك فِي البَصَرِ لَذَّةٌ مِن الْمَنظُورَاتِ، وفِي السَّمع لَذَّةٌ مِن الْمَسْمُوعَاتِ،
وفي الأَنفِ لَذَّةٌ مِن الْمَسْمُوماتِ، لاَ تُوجدُ لَذْةُ أَحدِهِنَّ فِي غَيْرِه .. (1/187)
صفحة 188
الدلائل على اللوازم والوسائل
188
وهَل تَدرِي وَهُما فِيكَ كَيفَ صِفَةُ مَا هُناكَ إلى الدماغ، وإلَى العُرُوقِ المُتصلة بالثقوب؟ وكيف تَحتَذِبُ لِلرَّاسِ مِن خَالِص الغِذَاءِ؟ هَل تُدرِكُ وتُحسن أن تصف ذلك؟ وكيف صَوَّر لك الفم، وجعَلَ لَهُ مَنفذا إلَى أَعلاهُ وهُو الرَّاسُ، ومهبطا إلى أسفل وهو البطن؟ وكيف جعل لَهُ الأَضرَاسَ والصَّدعَيْن والْحَلقُوم؟ وجَعَلَ لَهُ الْحَركة عِندَ أكل الطعام، وجعل حكمة عند التَّجَرُّع لِيُترلَهُ إِلَى البَطنِ، وجَعَلَ لَهُ الشهوة لِيَاكُل لِكَي يُقيم جسده؟ وجَعلَ لِطَعامِه وشرابه وقتا، يَومًا وَلَيلَةً أو يوما يثبت أو ليلة يلبث ذلكَ الطَّعامُ والشَّرابُ فِي البَطنِ، مَن يُمسكهُ إِلَى ذَلكَ الوَقتِ!؟، وَكَيفَ يَنقَسِم؟ يَخرُج الْمَاءِ مِن القبل، وحالة الطعام من الدبرا؟، وما الذي يُخرِجُه مِن هُناكَ فِي ذَلكَ الوَقتِ، وكَيف
صفة بَقِيَّة خَلْقِ هَذَا الإِنسَانِ؟ مِن فُوَادٍ، وكِلْيَتَيْن، وَرِثَةٍ، ومَصرَانِ، وكرش، وكبد؟ وكذلك الأُنثَى، خَلَقَ لَها الرَّحِم والنديين، وحَبَّبَ إِلَيْهِنَّ الْحَمَلَ وَالوِلادَةَ، وإِن كَان فِي
ذلك الْمَشَقَّةُ.
وأَنبَتَ لِلرِّجال الشعور، مثل اللحى وغَيرهَا، فَلا يعرف ساعة ينبت، ولا ساعة يطول، ولا سَاعَةً يَشِبٌ، وَلا سَاعَةً يَشيب. ثُمَّ جَعَلَ لهذا الإنسان: النَّوم، والنطق فِي اللّسانِ؛ لِيُدَبِّر أُمُورَهُ عَلَى مَا يُرِيدُ، وَجَعَلَ لَهُ العقل، ليعرف بِهِ الْحَسَنَ والقَبِيحَ .. فَهَذَا بَعض من صفة الآدَمِيِّ، فَمَتَى يَفرخُ الإِنسَانُ مِن فكر نفسه؟!
فإذا عرفت نفسك بأوَّلِك وآخرك وأوسطك، فَما وَجَدَتَ لِنفسكَ مَوضِعًا للكير. أمَّا الأَوَّل: فقد وَصَفَتُ لكَ بَعضَه. وأمَّا الآخر: فَلا يَخفَى عَليكَ حَالَ أَهْلِ القُبورِ. وأما الأوسط: فَلُولاً سترُ الله عَليكَ لَمَا كُنتَ تُساوِي شَيْئًا.
انظر عُيُوبَكَ مِن رَأْسِك إِلَى قَدَمَيْكَ مِن مُخاطٍ فِي أَنفِك، وبُصاق فِي فِيك، وصُنَانِ (1) في إبطيك، وبول وغائط في بطنك، وموتٍ عِند نومك .. هذا في كمال قُوَّتِك وشبابك،
(1
الصنان: رائحة نتنة تخرج من الإبطين. (1/188)
صفحة 189
الدلائل على اللوازم والوسائل
ولَوْ أَنَّكَ بَلَغَتَ مِن الْحَالَة حَتَّى مَلَكتَ الأَرضَ بِمن فيها جَمِيعًا، وإن انقادَ لَكَ الكُلِّ مِن الخلق، وكُنت في العَافِية أَصحَ مَا يَكُونُ الإِنسَانُ، مَا قَدَرتَ عَلَى زِيادَة ذَرَّةٍ فِي رِزقِك، وَلا نَسم واحدٍ فِي عُمرِك، ولا علَى مَنعِ بَعوضة، أو قملَة عَارَضَتكَ، فكيف بك فِي حَال الفقر والأمراض، والكبر والاعتراض؟! أمَا تَنظُر وتُفكّر وتُبصر، وتَشكُر ربَّكَ عَلى مَا به ابتدأَكَ، وسلمك مِن الْمِحن، وعَافَاك
وأغناك بفضله، وهداك وصَرَف عَنك أعداءَكَ ووَقاكَ؟ فَانظُر يا أخي - رحمك الله - كم في الدُّنيا من جيرانك وإخوانك، وأقاربك من ناقص عن حالك .. هذا، أعرج، وهذا أعمى، وهذا أعوجُ، وهذا أصم، وهذا مُعْتَم، وهذا أعجم، وهذا أبكم، وهذا مَفلُوجٌ، وهذا مَجنُونٌ، وهذا مَبْطُونٌ، وهَذَا مَحمُومٌ، وهذا خُنَثَى (1)، وهذا عِنين (2)، وهذا فقير، وهذا جَائع، وهذا عريان، وهذا غريب، وهذا محزون .. فأين أنت منهم؟ وكلُّ ذلكَ بِعِلمٍ مِن الله ولِمَعْنَى.
ثُمَّ انظُر جَمِيع ما خلقَ مِن بَنِي آدَمَ مِمَّن تراهُ وتَسْمَعُ بِه، مثل: يَأْجُوجَ ومَأْجُوج، والترك، والصَّقالبة، والحبش والنوبة، واليهود والنصارى، والصَّائِين، والْمَجُوس، وفرق الضلال من أمة محمد.
ثُمَّ انظُر إِلَى الْمَرْضَى كَمْ تَرى، وكَم تَسمَع مِن شَاكٍ مِن وَجعِ، لَا يَنَامُ اللَّيلَ مِن وَجعِ رأسيه، أو في جنبه، أو فِي حَدَّيهِ، أَو فِي مُقلَتَيْه، أو في أنفه، أو في صدغيه، أو في لسانه، أو في حلقومِه، أو في أضراسه، أو في شفتيه، أو رقيته، أو في صدره، أو في بدنه، أو في ظهره، أو في منكبيه، أو في يديه، أو في فؤاده، أو في بطنه، أو في أضلاعه، أو في وركه، أو في قلبه، أو في دبره، أو في فخذه، أو في رجليه، أو فِي شَيْءٍ مِن سَائِر حَسدِه، وكم
1) الخنثى: هو الإنسان الذي له أوصاف الذكورة والأنوثة، فلا يعرف هل هو رجل أو امرأة.
) العنين: هو الرجل الذي لا حاجة له في إتيان النساء. (1/189)
صفحة 190
الدلائل على اللوازم والوسائل
أسير في يد العَدُوِّ، ينتظر الموتَ صَبَاحًا ورواحًا، وكم قتيل وغَريقٍ وحَريق، ومَسلُوبِ مَالُه
من بين يديه.
فَانظُر بِعَيْن عَقلِك إِلَى مَا مَنَّ اللَّهُ بِه عَليكَ، وسَلْمَكَ مِن جَمِيعِ هَذَا الْمَذكور، وتعبَّدَك بهذا القليل، ووعدَكَ عَليهِ الثوابَ الْجَزيلَ .. أتعصيه بعد هذا، وتُخالِف أَمرَهُ، وتتمرد عَليه؟! .. أمَا تَذكُر ثَوابَهُ لكَ عَلى الطَّاعَة، وأنت بطاعتك لَو بَذَلتَ عُمرَكَ كُلَّهُ فِي طَاعَتِه، ما فترت سَاعَةٌ وَاحِدةً؛ لَما قُمتَ بِشُكرِ مَا أَعطاك اللهُ مِن فَضلِه فِي الدُّنيا، وخصك به دون من سواكَ، فَأَيْنَ يَبلُغ عَملُكَ الْخُلودَ فِي جَنَّة الفِردَوس، والْحُورَ العِين. وأَنتَ فِي الدُّنيا لَو بَذَلتَ عُمرَك ومَالَك لأُناس - عِندهُم أَنَّهُم أَرفَعُ مِنكَ بِجَهْلِهم - لِيُزوِّجُوك امرَأَةٌ مِنهُم مَا سَمحُوا لَك بذلك .. فكيف تستكثر شكر ربِّك وليُنجِّيك من عذابه، وليثيبك بثوابه الذي لا يُقدِر وَاصفٌ أَن يَصفَه من الخلق أبدا .. فكيف لا تَسْمَعُ
لنفسك تأدية ما أَمرَك به، وتَركَ مَا نَهاكَ عَنهُ؟ وَلَمْ يُكَلِّفكَ إِلَّا مَا تَقدِر عَلَيهِ!
هَبْكَ تَصبِر عَن الْجَنَّةَ، هَل تجد مَزِلةٌ غَير النَّار - والعِياذُ باللهِ – أَنطيق خُلودًا فِي نَار جهَنَّمَ إِلَى غَير حَدٌ وَلا غَايةٍ؟ وهَل تُطِيقُ شَرَابَ الْحَمِيمِ، وأكل الزَّقُومِ، وبرد الزَّمْهَرِيرِ، ومَقامِعَ الْحَديد بأيدِي الْمَلائِكَةِ الغِلاظ الشَّدادِ، وغير ذلكَ مِمَّا لَا يَقدِرُ أَحَدٌ مِن الْخَلْقِ على صفته، لأجل هذه الدُّنيا النَّكِدة، التي لا يَصفُو لك فيها يَومٌ وَاحِدٌ مِمَّا تَكرَه، أَما
تعقل؟ ..
فَانظُر واعتبر، واحذر البدع، والإصرار، والإياسَ مِن رَحْمَة الله، والاستكبار، والأمن من عقاب الله، والاغتِرَارَ والْخِداع لله تعالى في الإعلان والإسرار، والتسويف (أي: تأخير التّوبَة)، والتَّمَادِي بارتكاب الْمَعَاصِي الكبار.
ولازم التّوبَة والنَّدَم والخوف والاعتذار فيما مضى مِن عُمُرِكَ فِي الدِّيالِي القِصارِ، واستَقِيم فِي بَقيَّةِ العُمُر بالجد والاجتهاد في الليلِ والنَّهارِ، بإقامَةِ اللَّازِمِ مِن الفَرائض إِن عجزت عن الفَضائل بِالأَسحَارِ، واقطَع نَهَارَك بِالتَّهليل لِلَّهِ، وَالْحَمدِ والاستغفَارِ، فَلعل (1/190)
صفحة 191
الدلائل على اللوازم والوسائل
وعَسَى أَن يَرحمك الله، ويُنجيكَ مِن عذاب النّار، ويُدخِلَك بِفَضلِهِ وكَرَمِهِ وَمَنْه دَارَ الْخُلدِ والقرار، في جوارِ النَّبِيِّ الْمُختَارِ، صلّى اللهُ عَليهِ وعَلى آلِه بِالعَشِيِّ والإبْكَارِ، وصحبه الأولياء الأنقياء الأخيارِ مِن الْمُهَاجِرِينَ والأَنصَارَ، والتابعين لهم بإحسان إلَى يَومٍ تَشْخَصُ فيه الأَبصَارُ .. ولا حولَ وَلاَ قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ القَهَّارِ.
تَمَّ مَا رَسَمْتُه مِن ذِكرِ فَرائِض الأديانِ، فِي الأَموالِ وَالْأَبْدَانِ، وإِن أَردتَ غَيْرَ هَذَا فَإِنَّهُ سَيَأْتِي إِن شَاءَ اللَّهُ. (1/191)
صفحة 192
الدلائل على اللوازم والوسائل
البات
فِيمَا يُستَحَبُّ لِلإِنسان
وفي ذكرِ شَيْءٍ من الخبائث
فَاعلَم يا أخي، وقانَا اللهُ وإِيَّاكَ الْمِحَن، وسلّمنا من جَمِيع الفتن ما ظهر منها وَمَا بَطَن، بِأَنِّي أَدُلُّكَ وَأَنصَحُكَ بِالصَّوابِ، وأرشدك بالسُّنَّةِ والكِتابِ لِتَقِي ما يُوجب عليهِ الْمَلام والعذاب، ولتفعَل مَا يُوصِلُك بِرَحْمَةِ اللَّهِ إِلَى نَل الوَابِ،
وحُسنِ الْمَآب.
فاعلم أن الأمرَ عَظِيمٌ وَالْخَطب حَسِيمٌ، وَلا سَلامَةَ إِلَّا مَن سَبَقَ لَهُ ذَلكَ بِرَحْمَة الله الغَفُورِ الرَّحِيم .. فَانظُر - رَحِمَك الله – واعتبر واسلك طريق الهداية، وازدجر ولا تهمل الأمور الكالاً عَلى ما سبق، ولا تقنط من رَحْمَةِ اللهِ، فَكُم مِن وَانٍ قَد لَحِق.
فاسلك طريقا بين الطَّرِيقين وهُمَا الْخَوفُ والرَّجاءُ، فإِنَّه لِكُلِّ طَالب راغ مَهرَبِّ وَمَلْحاً، فَانظُر إِلَى سَعَةِ رَحْمَة الله وكرمه، وفضله وعفوه، لِمَن سَبَقَ لَهُ ذلِكَ فِي حَفِي عِلمِه. انظُر إِلَى جُملَةِ البهائم والأَطفَالِ هَل نَالُوا رَحْمَةِ اللَّهِ وَجَنَّتَهُ بِخَالِص الأَعْمَالِ .. وانظر إلى كثيرٍ مِن النَّاسِ الْجُهَّالِ رَجِعُوا إِلَى اللهِ، وتَابُوا إِلَيهِ قبل وصول الآجال، فَتابَ عَليهِم، وعفا عَنهُم مَا سَبَقَ مِنهُم مِن الْجَهلِ والصَّلالِ، والحقوا بالصَّالِحِين مِن النِّساءِ والرجال.
وانظر إِلَى كَم وَكَم مِن العُلَمَاءِ والعبادِ، والأنقياء الأصفياء الأَمْحَادِ لَحِقَهُم عِلمُ اللهِ السَّابق، فَارتَكبُوا النِّفاق والعِنادَ وتَرَكُوا مَا هُم عَلَيهِ مِن العِبادَةِ والاجتهاد، ولم يسبقهُم إِلَى ذَلِك عِلمُ اللهِ، بَل سَوَّلَت لَهُم أَنفُسُهم، وزين لَهُم (1/192)
صفحة 193
الدلائل على اللوازم والوسائل
الفَسادُ، فَلِحقُوا - والعِياذُ بِاللهِ - بِأهلِ الظُّلمِ مِن سَفلَةِ العِبادِ، وعَمِي عَلَيهِ
طَرِيقُ الرَّشادِ.
فإذا
كان الأمر كذلك فَلا تيأس مِن رَحْمَةِ اللهِ، ولا تَأْمَن عَقُوبَته، ومَثْل لِنَفسك فِي طول عُمُركَ أَنَّكَ مُسافِرٌ إِلَى شَيءٍ مِن الأماكن، وأَنَّكَ تَسيرُ إِلَيهِ مَسيرِ الْمُجدِّ الظَّاعِن)،
فَلا مُستَقرَّ لَك فِيه أبدًا إِلَى وُصولِك إِلَى الوَطنِ الَّذِي قَرَارُكَ فِيهِ يَكُون سَرمد (4). واعلَم أَنْ طَريقك الذي تَسِيرُ فِيه إِلَى الوَطنِ الْمَذكور، طَريقٌ سَهَلْ سَمِحٌ قَرِيبٌ يَسيرٌ، أَحدُ جَانَبَيهِ (وهو اليمينُ): امتِثَالُ أَمر ربِّ العَالَمِين، وأَحدُ جَانَبَيْهِ: شَفير (3) الْجُرُفِ الْهَارِ الْمُهلِك لِمَن سَلَكَهُ، ولا مَخرج لَهُ وَلا رُجوع، وَلَا حِيلة تردُّ مِن تِلك الْمَهَلَكَة. فَالْجَانبِ السَّهلُ غَيْرُ الوَعَرِ:
رُوحُهُ: تَوحِيدُ اللهِ، وتَنْزِيهه عمَّا لاَ يَليقُ بِه مِن صِفاتِ جَمِيعِ الْمَخْلُوقاتِ، وَلَا يُمَثْل بشيءٍ أبدًا.
وقُوَّة روحه: الإيمانُ بِاللهِ، وَالْمَلائِكَةِ، وَالنَّبِيِّينَ، وَالْمُرْسَلِين، والوَلَايَةُ لِجُملة الْمُؤْمِنِينَ مِن الأَوَّلِين وَالآخِرينَ، والبَراءَةُ مِن جُملَة العَاصِينَ مِن الأَوَّلِين وَالْآخِرِينَ، لِمَن خطر بباله مثل هذا، أو سَمِع به، ولو لَم يُمتَحَن بشيءٍ غَيْر ذَلِكَ مِن مَخصُوص فيه، والقِيامِ بِالصَّلاةِ عَلى ما أَمر الله به، ورسوله ..
وبلغت معرفة هذَا الْمُسافِر بِجُهد طَاقَتِه، ومَقدِرَتِه لِمَن بَلَغَ الْحُلم وهُو عَاقِلٌ، وَسَمِع بالصَّلاةِ، فَلا عُذرَ لَهُ فِي تَركها، وإِن لَم يَسمَع بِها إِلَى أَن مَاتَ، فَلَا هَلاكَ عَلَيهِ مِن
قبلها.
1) الظَّاعِن: عكس المقيم وهو المرتحل. انظر: العين، (ظعن). السرمد هو الدائم والطويل من الليل. انظر: العين، (سرمد). الشفير: هو ناحية كُلّ شَيْء، والحدُّ لنهاية الأشياء. انظر: العين، (شفر). (1/193)
صفحة 194
الدلائل على اللوازم والوسائل
1940
وصَومُ شَهرٍ رَمَضَان بِالْحِلمِ والعَفَافِ عَلَى مَن دَخلَ عَليهِ شَهرُ رَمَضانَ وهُو بالغ
عاقل عَالِمٌ بفرضه.
وأَداءُ الزَّكَاةِ مِن مَال، ومَن مَلَك مَالاً تَحِبُّ فيه الزَّكاةُ مِن أَيِّ الأَمْوَالِ كَانت، وهو بالغ عاقل وعَلِم بفرضها.
وحَجٌ بَيتَ اللهِ الْحَرامَ لِمَن لَزِمَهُ ذَلكَ، وهُو بَالِغُ عَاقل، وعَلِم بِه، وبِجَمِيع شُروطه. فَإِذَا امْثَلَ العَبدُ هَذِهِ الْخِصال، وجَاءَ بِها مُجتَهِداً عَلى الكَمالِ ولَم يَخُن ولَم يُقَصِّر فيها، كما لَزِمَتَهُ عَلى كُلِّ حَالٍ، وسَلِم مِن الإضرارِ والظُّلمِ لِلنَّاسِ مِن قَدرِ وَزن الذرة والْمِثْقَالِ، ولَم يَدِن بِشَيْءٍ مِن البدع، مِن جَمِيعِ أَديَانِ أَهلِ الصَّلالِ، ولَم يَرتكب صغيرة ولاً كبيرةً مِمَّا نَهَى اللهُ عَنهُ مِن الشِّرْكِ وَالْمُحَالِ، وَلا مِن عَقُوقِ الْوَالِدَيْنِ، وَلَا الزَّني، ولا الربا، ولا السَّرقة، ولا القتل، أو ارتكبَ شَيْئًا بِجهله، وتَابَ إِلَى اللَّهِ بِإخلاص، وسَلَّم جَمِيع مَا لَزِمَهُ مِن جَمِيعِ الأَفعال، وعَاشَ عَلى ذَلِكَ إِلَى تَمَامِ بَقِيَّةِ الآجال، ولَم يُصر على شيءٍ مِن صَغَائِرِ الأَعْمَالِ، ولَم يَأكُل شَيْئًا مِمَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ مِن لَحمِ الْمَيِّتَةِ والْخِزِيرِ وَالْحَمرِ مِمَّا يَأكُلَهُ الْجُهَّالُ، وحفظ لِسَانه عَن كُلِّ مَا لَا يَجُوزُ، وَعَيْنِهِ عَن نَظَرِ
ما لَا يَجُوزُ، وَيَده عَن قَبضِ مَا لَا يَجُوزُ له، وَرِحِلهُ عَن كُلِّ مَشِي لَا يَجُوز. وإِن جَرى مِنهُ شَيْءٌ مِن مِثل هَذَا، ورَجعَ إِلَى اللهِ وتَابَ؛ فَعِندَنَا: مَن هَذِهِ حَالَتُه إِلَى أن مات ولم تخبث سريرته، فَهُو سَعيد - إن شاء الله -، لاَ شَكٍّ فِيهِ أَنَّهُ مِن أَهلِ الْجَنَّةِ برحْمَةِ اللهِ، ثُمَّ بامتثالِه أَوامِرِ اللهِ، وَانتِهائِهِ عمَّا نَهَى اللَّهُ والْحَمدُ لِلَّهِ ربِّ
العالمين ..
فهذا هو الطَّرِيقُ السَّهْلُ السَّمْحُ الْمُوصِلُ بِفَضلِ اللَّهِ وَ إِلَى جَنَّتِهِ.
وأَمَّا جَانبُ الشَّفِيرِ الْجُرْفِ الْهَارِ الْمُهلِك الذِي مَن سَقَط فيه لا سَلامَة لَهُ أبدًا، وَلا يَسقُط فيه أَحدٌ كَرها.
بحال (1/194)
صفحة 195
الدلائل على اللوازم والوسائل
بَل مَثلُ هذا السَّائِرِ في الطَّرِيقِ السَّهْلِ، في جانبه الشمال إبليس اللعين، وهوَى نَفْسِ السَّائِرِ، يَجذبون زِمَامَ مَطِيَّتِهِ، لِيلقُوهُ فِي ذَلكَ الشَّفِير الْجُرف الْمُهلِكِ؛ إِلا أَنَّهُ هو قادرٌ الله عَلى مُخَالَفَتِهِم، وهو مثلهم بين الطريق والشَّفِيرِ الْحُرْفِ الْمَذْكُورِ، فَمَن اللهُ مِنهُ صدق الاجتهَادِ فِي طَاعَتِه عَصَمَهُ مِنهُم، ولَم يَرُدُّوهُ عَن طَرِيقه السَّهْلَة، التِي سَارَ فِيهَا إِلَى وَطنه الْحَقِيقِي.
بعصمة
عليم
وأمَّا مَن عَلِم اللهُ مِنهُ حُبثَ السَّرِيرةِ، وسُوء السِّيرَة – ولَو ظَهَرَ مِنْهُ شَيْءٌ مِن الصلاح في بعض الأوقاتِ - فَجاذَبُوه الزمام، ومنوه بالأكاذيب العِظَامِ، وألقوه في السفير الجُرفِ فِي وَقتِ الظُّلام أعني: ظَلامَ النِّفاقِ والكفر والاغتشام). والشَّفِيرِ الجُرف الْمَذكُورِ: هُو ارتِكَابُ مَا نَهى اللهُ عَنهُ مِن جَمِيعِ الْمَعَاصِي، مِمَّا قد ذكرتُه، من: الشركِ بِاللَّهِ تَعَالَى وَالْجُحُودِ بِكِتابِ اللهِ وَأَنبِيَائِه، وقتل النَّفْسِ بِغَيرِ حق، والسرقة والزِّنَى، وشُرب الْخَمرِ، وأكل الربا، والرياء بالأعمال الصالحة، والإصرار على أكل أَمْوَالِ النَّاسِ والتَّدين بِشَيءٍ مِن أَديَانِ أَهْلِ الضَّلَالِ، وضَرب الزُّمُور والدفوف، والغِنَاء، والنوح، والكذب، وتضييع فَرائض اللهِ تَعَالَى، مِن الصَّلاةِ، والصيامِ، والزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ؛ فهذا هو الشَّفِيرِ الْحُرف الْهَارِ الْمُهلِك.
وكذلك شُرب الدخان التتن، والقهوة)، وأكل الأفيون والبابونج، وإِن لَم يَكُن ذَلِكَ مَنصُوصاً في الكتب؛ لأنَّهُ حَدثَ مِن بَعد، فَلَو أَنَّهُ كَانَ فِي الزَّمَنِ الأَوَّل، لَمَا ترك - فِيمَا عِندَنَا – بِغَيرِ نَص؛ لأَنَّ العُلَمَاء لَا يَعْلَمُونَ الغَيبَ.
غير أن كُلِّ أَهلِ زَمَانٍ مُتعبَّدُونَ بما أَلزَمَهُم الله، ودِينُ اللَّهِ لَا يَتَبَدَّلُ، وَأَحْكَامُه لَا تتحول، ورَدَّ اللَّهِ تَعَالَى عِلمَ مَا لَم ينصه في الكتاب إِلَى العُلَمَاءِ، فَقَالَ: فَسْتَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (2) (والذكرُ: هُو القُرآنُ).
1) يذهب الشيخ إلى الرأي القائل بحرمة القهوة وما شابهها من كُلّ مُفتر، وهو قول بعض الفقهاء ولهم أدلم في ذلك، غير أن الجمهور من العلماء لا يرون حرمة القهوة والشاي وغيرهما من المشروبات التي لا تؤثر في العقل.
(2) سورة الأنبياء: 7. (1/195)
صفحة 196
الدلائل على اللوازم والوسائل
ومَا تَرَك القُرآنُ شَيْئًا إِلا بَيْنَه، إن لم يكُن مُعينًا، وَإِلَّا فِيما يُستَدَلَّ بِهِ بِالشَّبه والْمِثلِ، انظر إلى قولِه تَعَالَى: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبيثَ} (1) أَلَيسَ التَّتَنْ حَبِينًا؟ هَل أَحدٌ مِن العُقلاء مِمَّن له العقل يقُولُ: إِنَّه طَيِّب؟ وإذا لم يَكُن طَيِّبًا فَلا شَكٍّ أَنَّهُ خَبِيثَ، وإِذَا لَم يكن حلالاً فَهُو حَرامٌ، أَمَا يَشْهَدُ شَارِبُوهُ - فضلاً عَن غَيْرِهِم – بِأَنَّهُ خَبيثُ، وَأَيُّ نَفعِ – لَهُ؟ وَأَيُّ حَاجَةٍ فِيه؟!
وقيل عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قالَ: «كُلّ مُسكِرٍ حَرام» (2)، أما هُو مُسكِرٌ؟ هَل يُنكر أحدٌ
أَنَّهُ لَيس بِمُسكر؟ فكم أحدث في شاربيه أحداثًا مِن غَائط وغيره من حيث لا يدرون، وكم مات منهم بحرق من حيث لا يعلمون، واجتمعت الأمة على تحريمه، وحاشا أَن تَجتمع أُمَّةً محمد صلى الله عليه وسلم عَلَى ضَلال وخطأ. ولا بُدَّ أن يكون شرب التتن إمَّا طاعَةٌ أَو مَعصِيَةٌ، فَهَل أَحدٌ يَقُول: إِنْ شُربَه من طَاعة لله ولرسوله؟ وفيه الْمَضرَّةُ عَلَى الْجَسدِ، والله تعالَى نَهى عمَّا يُؤدِّي إِلَى الضَّرَرِ، فَقالَ: {وَوَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ} (3) أَلَيسَ الْمُحْتَرِق مِن أجل شُرب التِّينِ قَد قَتَلَ نَفسَهُ، وربَّما وَلَّد عَلى شَارِبه ضَررًا عَلى صَدرِه .. وقد نَهى عَن أَكلِ التُرابِ لِضَرَرِهِ، فكيف بالتن الْخَبيث؟ وكذلك القَهْوَةُ كُلِّ هَذَا عِندَنَا حَرَامٌ.
ولَم أُطل في ذلك لِمَيلي إلى الاختصار، ولِشُهرة تحريمه عند الصغار والكبارِ فاحذر هداك الله - ارتكابَ مَا نَهاكَ اللهُ ورَسُولُه عَنه، والْمُسلِمون؛ فإِنَّما ذَلكَ رَأفَةٌ
وَرَحْمَة بك من الله.
1) سورة الأعراف: 157.
الحديث رواه البخاري في كتاب الأشربة (ر 5575)، ومسلم (2003) عن ابن عمر.
(2) سورة النساء: 29. (1/196)
صفحة 197
الدلائل على اللوازم والوسائل
واللهُ تَعَالَى لَا يَضُرُّه شَيْءٌ مِن كُفْرِك ومَعصِيَتِك، وَلَا يَضِرُّ رَسُولَهِ صلى الله عليه وسلم وَلَا الْمُسْلِمِينَ،
بل الضَّرَرُ عَلَيكَ، وقد قالَ اللهُ تعالى: {إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكَفَرَ وَإِن تَشْكُرُ وا يَرْضَهُ لَكُمْ الله). فأَيُّ الأَمْرَين خَيْرٌ لَك أَن تَتَّبِعَ أَوامر الله لتفُوزَ بِثوَابِه، أو تَرتَكِبَ مَناهِيهِ لِتَنشب (2) فِي
(2)
عَذَابه، بحلولك فِي جُرُفِ الْهَلَاكِ الذِي أُعِدَّ لِلعَاصِي. وَثَواب الله تعالى لا يُكيَّفُ وَلا يُمثْلُ، وَلا تُدرَكُ صِفته، وَمَا ذَلِكَ عَلَى قَدرِ عَمَلِك، فَمَن أَنتَ، وَأَينَ عَملُك يَا مِسكين؟ فهل تقوم بشكر بعض نعمه في هذه الدُّنْيَا؟ كيف بِمُهورٍ حُور العين، وقُصور الذهب والفِضَّة، وتُرابِ الْمِسكِ وتِلكَ الأَنْهَار والبساتين، في دَارٍ لا سقَمَ فِيها وَلاَ مَوت وَلا كَبَر، وَلا نَومَ، وَلاَ بَولَ وَلا غَائِطِ، وَلَا همَّ وَلَا شُغلَ إِلا بِذِكرِ رَبِّ العَالَمِين .. فكَيفَ يَبلُغ هذَا عَمِلُ عَبْدٍ خُلِقَ مِن تُرَابٍ، وَمِن مَاءٍ مَهِينٍ؟ فأَنتَ لَو أَخَّرتَ نفسكَ فِي خِدمَةِ السَّلاطين، وخَدَمَتَهُم لَيلاً وَنَهَارًا لَمْ تُدْرِكَ مِنهُم أَكثر من قوت في بطنك، وكِساءٍ نَخِين؛ فَلا تَظنَّ أَنْ عَمَلَك تَستَحِقُّ به هذا الثواب والإكرام، بل هو فضل مِنَ اللهِ عَلَى قَدْرِ كَرَمِهِ وسعَة رَحْمَتِه، وعِظم قدرته، إذ هو عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وهُو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، وَغَنِيٌّ كَرِيمٌ، وَعَفُوٌّ رَحِيمٌ. فثوابه على كرمه لا علَى قَدرِ عَمَلِكَ، فَلا تَعُدَّ عَمَلَكَ شَيْئًا، بَل حَسْبُكَ مِن العَمَل اجتِنَابُ الْمَعَاصِي أَجْمَع .. وكَذلِك عِقابه، لَيسَ كَعِقاب الآدَمِيِّينَ؛ لأَن ثَوابَهُ لَا يُشبهه ثواب، وعِقابه لا يُشبهه عِقاب.
الله
فَالعُقوبَة عَلى قَدرِ عِظَم مَن عَصَيْتَه، لا عَلَى قَدرِ الْمَعْصِية؛ لأَنَّكَ تَجرَّاتَ عَلَى مَعصِيَةِ خلَقَ السَّمواتِ والأرض بما فيهما، وخلقك ورَزَقكَ، وأَنذَركَ وحَذْرَك، وبَصَّرَك
الذي
وأراك الآياتِ لَو تَدَبَّرت، فَلَم يَردَعكَ شَيْءٌ!!؟.
(3) سورة الزمر: 7.
(2) کشب: وقع موقعا لا مخلص منه. (1/197)
صفحة 198
الدلائل على اللوازم والوسائل
كيف تعصي من عَلِمتَ أنَّهُ خَلَقَك؟ وتَعلَمُ أَنَّهُ يُمِيتُك، ويبعتك!؟ .. وبين ذلك ودون ذلك لا يَخفَى عَليهِ شَيْءٌ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأرضِ، ولا تَغِيبُ عَنهُ طَرفَةً عين، ولا تقدر عَلى الفِرارِ مِنهُ، أَينَ تَفرّ منه؟ إِذ أَنتَ تَسكُن أَرضَهُ، وتَأْكُلُ رِزْقَهُ، وتَعلَم أَنَّهُ يَرَاكَ، وتَعلَمُ أَنَّكَ تَموتُ بأمرِهِ، وقد أَعْنَاكَ عَن الْمَعصية، وأَعْنَاكَ بِالْحَلالِ عَن أَكل الْحَرامِ، وأَعْنَاك بالتزويج الْحَلَالِ وَمِلكِ الْيَمِينِ عَنِ الزَّني. وَلا شَيْء مِمَّا نَهاكَ عَنهُ إِلا ويُمكنك تركه بِغَيرِ مَشَقِّةٍ، وَلَا شَيْءٍ مِمَّا أَمرَكَ بِهِ إِلَّا وتقدر عليه بعونه وعافيته، وإِن لم تَقدِر عَلَيه عَذَركَ.
فانظُر فِي أَمرِك قَبلَ أَن تَلحَقِّ بِمَن سَبَقَك .. فكَم تَرى مِن إخوانك، وأَقاربك، وأولادك، وجيرانك، مِمَّن هُو أَصغَرُ مِنك، ومِثْلَك، وَأَكبَرُ مِنكَ، لَحِقُوا بِالأَموَاتِ، وأنت ترى بعينيك. أَنظُنُّ أَنَّكَ تَسلَمُ بَعدَهُم؟، أو تَرجُو رَحْمَة
اللهِ وجَنَّتَه عَلى مَعصِيَّتِهِ؟، أَو تُطِيق خُلودَ
النَّارِ بِمَا فِيهَا مِن النَّكَال؛ لأجلِ هَذِهِ الدنيا النَّكِدة، ولَذَّتِها الفانية. واحذر - رَحِمَك الله تعالى مِن أَن يَحْمِلَك الوسواس، والشُّكوكُ إِلَى أَن تُحَرِّمَ مَا أحلهُ اللهُ لَك، فإنْ مَن حَرَّمَ حَلَالاً كَمَن أَحلٌ حَرَامًا.
فقد أحل الله تعالَى فُروجَ النِّساءِ بِالتَّزويج ومِلكِ اليَمِين، بقوله تعالى: {فَانكِحُوا مَا طَابَ لكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَثَ وَرُبَعَ} (1) وقال: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونَ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَتُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ) (2) وقالَ: وَنِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ)، فَلا يُهَوِّلُنَّ عَليكَ الشَّيْطَانُ - لَعَنَهُ اللَّهُ - بِوَسْوَاسِه، ويَقُولُ لَك: إِنَّكَ قَد حَرُمَت عَليكَ امرأَنك، لعلك قلت لها كلامًا تَطلُقُ به، أو جَامَعَتَها فِي الدُّبُر،
1) سورة النساء: 3.
(2) سورة المؤمنون: 5 - 6.
(3) سورة البقرة: 323. (1/198)
صفحة 199
الدلائل على اللوازم والوسائل
أو فِي الْحَيضِ، أو الَيْتَ مِنهَا أَو ظَاهَرت (1)؛ فَلا تلتفت إِذا دَخَلْتَ فِي شَيْءٍ أَوَّل الأَمرِ بحق وحلال، وَلا تَخرُج مِنْهُ إلا بيقين بَيِّنٍ بِما يُحرِّمُه، وبِمَا تَقدِرُ عَلَيْهِ أَن تَشْهَدَ بِهِ
قطعا.
وكَذلِكَ مَا أحله اللهُ مِن الذُّبائح مِن جَمِيع ما أحلَّهُ لِعِبَادِهِ مِن الْمَعِزِ، والضَّانِ، والصيد، والْجَراد، وصَيدُ البَحرِ كالسَّمَك حَلالٌ حَيُّه ومَيِّتُه؛ فلا تتبع الشكوك إن عارَضَتكَ فِي شَيْءٍ مِن ذلِكَ.
وكذلك جَمِيع مَا أَحلَّهُ اللهُ مِن الْمَاءِ والشَّرَابِ، وجميع الأطعِمَةِ والإِدَام، وجميع ما أنبتت الأرض من الفواكه والزروع، ومن الأملاك الْمُبَاحَاتِ، مِن جَمِيعِ الطَّيِّبَاتِ مِن الطَّعامِ والتّمارِ الطَّاهِراتِ، فَلا تُحَرِّم مِنهَا مَا أَحلَّهُ اللَّهُ لَك، فَيفُوتك نَفعُه، ويلحقك
الإِثْم بذلك.
والطَّيِّبُ: هو جَميعُ مَا أحلهُ اللهُ تعالى بقوله: {وَكُلُوا مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْتَكُمْ) نه (2) يعني: الْحَلال، والله أعلم.
فضل: [في الخبائث والتورع منها]
وأمَّا الْحَبائِتُ: فَاجتَنبهَا جَمِيعًا، وهي: جَمِيعُ مَا حَرَّمَهُ اللهُ تعالَى فِي كِتابه، ورسُولُه في سُنَّتِه، من النكاح والذَّبَاحِ والأَنْجَاسِ، والميتة، والقِردِ، والْخِرِيرِ، وأُكلِ أَمْوَالِ النَّاسِ، وكُلِّ ذي ناب من السباع، ومخلب من الطَّيرِ، وَالْحَمرِ، وَجَمِيعِ الدَّوابِّ البَرِّيَّةِ ذَوَاتِ الدماء الأصل ميتها حرام، والدّمُ خَبيثُ، والغَائِطُ والبَولَ خَبِيثَ، وَالْمَيتَةُ خَبِيثَةٌ، وشرب الخمر، ونُبذ البحر، والمُسكر الذي جاء فيه النَّهِيُّ حَبِيتْ، وَأَنْجَاسِ الْمُشْرِكِين
1) هَذِهِ كُلّها من أنواع الفرقة بين الزوجين، منها الْمتَّفَق عليه، ومنها المختلف فيه. وسيأتي الحديث عنها في الأبواب القادمة. والظهار: قول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي؛ فتحرم زوجته عليه كحرمة أمه. (2) سورة البقرة: 172. (1/199)
صفحة 200
الدلائل على اللوازم والوسائل
وذَبَائِحهم نَجسَةٌ حَبيئَةٌ، إلا ذبيحة أَهلِ الكِتابِ. وكذلك فعل الزنى، وأكل الربا، وأكل مَا ذُبح للأوثان .. كُلَّ ذَلِكَ خَبِيثٌ مُحَرَّمٌ، وَقَد حَرَّمَ اللَّهُ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنهَا وَمَا بطن .. والكَذِبُ خَبيثُ لا يَجُوز، وكذلِك قَدْفُ الْمُحصِنِينَ وَالْمُحْصَنَاتِ، وجَميع مَا كان مِن الفَوَاحِشَ مِن قول أو فعل، كُلَّه خَبيثُ لَا يَحُوز.
ويَكفِيكَ فِي جَمِيع هَذهِ الأَشيَاءِ كُلّها - إن كَان لَك فَهم - وهُو أَلا تأكل ولا تشرب، ولا تلبس، وَلا تَنكِحَ، ولا تبع وَلا تَشتَرِ، وَلا تَأْخُذ وَلَا تُعطي، وَلَا تَنظُر وَلاَ تشمّ وَلا تَسمع، وَلَا تَمش، وَلَا تَقبض إلا مَا عَلِمتَ به أَنَّهُ جَائِرٌ لَكَ عَندِ الْمُسْلِمِينَ، فَهَذَا أَصل كَافِ.
فمَا عَرَفتَهُ حَلالاً طَيِّبًا جَائِرًا فَادخُل فِيهِ آمِنًا مَأجُورًا، وَمَا عَرَفتَه أَنَّهُ خَبيثُ مُحرَّم فاتركه صَابرًا عَنهُ خَائفًا من اللهِ، ومَا اسْتَبَه عَليكَ ولَم تَعلَم بأَنَّهُ حَلالٌ ولا حَرَامٌ فَقِف عَنهُ، إِلَى أَن تَسأَل عَنهُ مَن هُو أَعلَمُ مِنكَ، ويُعرِّفُكَ بحَلالِه أَو بِحَرامِه، ومَا لَم تَعرِف مِن أيِّ الْجَنسَيْن هُو فَاجتَنبهُ، واللهُ تعالَى مَرجُو مِنهُ - إِذَا عَلِم مِنكَ الصدق والإخلاص - أَن يُيَسِّر لَك الْحَلالَ الصَّافِي، وَيُعْنِيكَ عَنِ الْخَبِيثِ الكَدِرِ. فَانتَبِه وَلَا تَكُن مِن الغَافِلِينَ، وتَأَدَّب يا أخي، فيما بَينَك وَبَينَ اللَّهِ، ولا تُعارِضه فِي أفعاله تعالى: مِن مَحْلٍ) وخصب، وسُقم وعافية، ورياح وخلقٍ، فَلا تَقُل: لم كان هذا؟ ولم لَمْ يَكن هَذَا؟ فَإِنَّهُ لَا يُسأَل عمَّا يَفعَل .. وتأدب فيما بينك وبَينَ العِبادِ، وفي أكلك وشُربك، وقيامك وقُعودك، ودخولك مترلك، وجميع مُعاشرتك وأحوالك وأفعالك؛ لكي لا تَسْقُطُ مِن أَعْيُنِ النَّاسِ إِذا أَسَاتَ الأدب، واللهُ يُوفِّقُنا وإِيَّاكَ لِما فيه رضاه.
(1) الْمَحْل: ضدّ الْخِصْب، وهو انقطاع المطر وييس الأرض من الشجر والكلا. انظر: العين (محل). (1/200)
صفحة 201
الدلائل على اللوازم والوسائل
البالي
28
[في الآداب والحقوق)
في شَيءٍ مِن صفة الأَدَب لِلإِنسَانِ، وفِي نَومِه، ويَقظَتِه
وعَليكَ يا أخي، - رَحِمَك الله - بالأدب، فَالبس مِنهُ لِباسًا سَاترا، واقتبس مِنْهُ ضَوءًا شاهرًا، وَابْنِ مِنهُ حِصنًا مَانعًا عَامِرًا، فَلا تَكُن كَالبَهِيمَةِ رَائِحًا وَبَاكِرًا، فَتَأَدَّب فيما بينك وبَينَ اللَّهِ تعالى أولاً، بَاطنًا وظَاهِرًا.
[الأدب بينك وبين الله]
من
والبس الأدب فيما بينك وبين الله تعالى بامتِثَالِ أَمره، والانتهاء عَن زَجره، والقيام بما فَرضَهُ عَلَيكَ مِن جَمِيعِ الفَرائِض، اعترافًا لَهُ بِالْمِنَّة، وحُضوعًا لَهُ، وشكرًا لنعمه، واعترافا بالعجز والتقصير عمَّا وَجبَ لَهُ عَليكَ، وطلب العَفوِ مِنهُ لِما قَصَّرْتَ فِيه مِن أَمرِه، وتَركِ العودة إلَى مَا رَكِبتَ مِمَّا نَهاكَ عَنهُ .. وانظُر إِلَى كَثرَةِ فَضلِه عَليكَ، وَكَرَمِه لديك أولك إلى آخرك، إن كان لَك عَقل صَحِيحٌ، وذهن تُميِّز به بين الْحَسَن والقبيح .. أَرأَيْت لَو فَعلَ لَك هَذِهِ الأَشيَاء وَالِدٌ أَو وَلدٌ، أَو أَخٌ أَو جَارٌ، أَو صَدِيقٌ، أَو مَلَك مِن الْمُلوكِ، وعَرَفتَ أَنْ جَمِيعِ مَا بِحَسَدِك مِن عَافِيَة ومَنَافِعِ السَّمعِ والبَصَرَ وغَيْرِه مِنهُ، ومَا بِيَدِكَ مِن مَالِ وعِيال كُلِّ ذَلك مِنهُ، وحَاشَا أَن يَقدِرَ مَخلُوفٌ عَلى ذلِكَ، كَيفَ كُنتَ تَرى فضلَهُ عَليكَ، ومنته، وكَرَمَهُ ونِعْمَتَهُ؟ وَكَيفَ تَقُومٍ بِشُكرِهِ؟ أَو مَا كُنتَ تَقُول لَو قَطْعتُ جَسدِي قِطعاً لِفُلانٍ، وكان فِي قَطع جَسَدِي نَفعٌ لَهُ لَما أديتُ شُكرَهُ، ولَما قُمتُ بعُشر عشر ما وجب له عَلى ثُمَّ هُو تعالَى يَدعُوك ليُعطيك، وأنت تأبى من ذلك، فَالزَم شكرَه، وَلا تَنسَ ذِكرَه وتَأدَّب عن الْمُعارضة في تدبير أُمورِ خَلقِه، فإنك جاهل لا تَدرِي بِالصَّلاحِ وَلا الفَسادِ .. وأنتَ لَو عَارَضَت – مَثَلاً مَمَلُوكاً فَضَلاً عَن (1/201)
صفحة 202
الدلائل على اللوازم والوسائل
زَوجَتِك، وَوَلَدِك، وأخيك، ورئيس مَحلَّتِك، وسُلطانِ نَاحِيَتِك، لَما التَفَتَ لَكَ، وَلا قبل منك، ولقدَّم رأيه على رأيك، ولأزرى) بك، وسخر منك.
فكَيفَ تُعارِض رَبَّ العَالَمِينَ؟ وَقَد أَدَّبَكَ عَن الْمُعارَضَةِ بِقَولِهِ: لَا يُسْتَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يستلون الله (2)، فَلا تَقُل لِم كانَ كذَا؟ ولِمَ لَم يَكُن كَذا؟ ولِمَ خُلق هذا؟ ولِمَ أَماتَ هذا؟ أو لِمَ هَبَّت الرِّياحُ؟ ولِمَ أمْحَلَت الأرض؟ ولِمَ غَلَت الأسعار؟، ولِمَ سَادَ هَذَا؟ ولِمَ ضَعُف هذا ولِمَ قَوِيَ هذا؟ ولِمَ ضلّ هذا واهتدى هذا؟ ولِمَ افتقر هذا واستغنى هذا؟ ولِمَ مَرِض هذا، وعُوفي هذا؟ ولِمَ استَرَاحَ هذا وتَعِب هذا؟ ولِمَ قَرُب هذا وبعد هذا؟ ولِمَ خُلِق هذا .. ؟ وكذلك جَمِيع مَا خَلَقَ اللهُ تعالى فِي السَّمَوَاتِ والأَرضِ، فَلَا تَقُل شَيئًا أبدًا فِي ذلك، بل عليك بالفكر في ذَلِكَ، والاعتبار والانقياد لأمر الله تعالى، والازدجار وترك الاعتراض، والاختيار والشكر على ما أنعم به عليك، وعلى ضد النعم الاصطبار.
فضل: [فِي الأَدَب بينك وبين نَفْسِك]
ثُمَّ تَأَدَّب مَع نَفْسِكَ في منامك، وقُعودك، وقيامك، وشرابك وطَعامك، وإفطارك
وصيامك.
أمَّا النَّومُ: فَقَلّل مِنهُ مَا اسْتَطَعت، وإن قَدَرتَ أَلا تَنامَ فَافعل، فَأَمَامَكَ النَّومُ الطَّوِيلُ فِي القبر، وإن لم تقدر قنم في أوقات الفراغ، فقد جَعَلَ اللهُ تَعَالَى النَّومَ سُبانًا (يَعنِي: رَاحةً) .. ولا تنم عن فَرضِ، وَلاَ عَن فَضلٍ إِن قَدَرَت، وَلا تَنَم بَعدَ صَلاة الفجرِ، وَلَا بَعد صَلاةِ العصرِ، وَلا بَعدَ صَلاةِ الْمَغرِب إِلَى أَن تُصلِّيَ العِشَاءَ، وَلَا تَنَم فِي حُضور النَّاسِ.
1) الزَّرْي: هو الإعابة والتعنيف والإزراء: التهاون بالناس. انظر: العين (زري).
2) سورة الأنبياء: 23. (1/202)
صفحة 203
الدلائل على اللوازم والوسائل
ولم عَلى شِقِّكَ الأَيْمَن مُستقبلاً القبلة، وإِن كُنتَ عَلَى امْتِلَاء فَتَم عَلى شِقِّكَ الأَيسَر، فقد قيل: إِنَّهُ أَقوَى لِلهَضم .. وإن قدرت ألا تنام إِلَّا عَلَى طَهَارَةٍ، وذكرِ اللَّهِ، أَو قِرَاءَةِ شَيءٍ مِن القُرآنِ فَذلكَ أَفضَل.
وخيرُ النَّومِ: بَعدَ صَلاةِ العِشاء الآخرة، والقيلُولَةِ فِي غَيْرِ الشَّتاءِ، واعتقد النِّيَّة قَبلَ القِيامِ مِن النَّومِ، لتقومَ لِطاعَةِ اللَّه وَلا مِن صَلَاةٍ أَو غيرها.
وأما الأكلُ: فَاقصد به التَّقَوِّي عَلى الطَّاعةِ، واقتصد فيه وَلَا تَأْكُل إِلا بَعد الْجُوعِ، وَلَا
تأكل إلا حلالا طيبا، وإن قدرت فاقتصر عَلى مَا دُون الشَّبَع فافعل، فهو الْمَأْمُور. ولا تتعود التَّرَفُه فِي الْمَاكل والملبس، واقتصر على الدُّونِ، ولَو يَومًا يوم، ولو أَكَلتَ
تَمَرَةٌ وَاحِدَةٌ.
فإذا رزقك اللهُ عَافِية، وقُوت يوم بيوم، وأمنا في وَطَنِكَ، فَمِن أَينَ تُؤدِّي شُكر ذلك؟ وصغر اللقمة. عند الأكل، وضع رِجلَكَ اليُسرَى عَلى الأَرض واعتمد عليها، وانصب رجلك اليمنى، ولا تأكل إلا بيدِكَ اليُمْنَى إِلا مِن ضَرُورةٍ، وَلَا تَضع يَدكَ اليُسرى علَى الأَرضِ مُتَكَما عَلَيها، وَلا تَأْخُذ اللقمة حَتَّى تَجرَعِ اللُّقَمَة الأُولَى.
ولا تجمع بين بَارِدَينِ: كَاللبن والسَّمَك وَلَا بَينَ حَارَّينِ: كَالعَسَل والسكر، وأَمْثَالِ
هذا، وذلك – عِندِي مِن طريق الطب .. وإن كانَ لِدَواءِ وُصِف لَكَ ذَلِكَ فَلَا تَدَعَهُ. وإن كنت تأكل أنت وأناس من ضيوف وَغَيْرِهِم فَلَا تَبَدَأَ قَبْلَهُم إِلَّا أَن تَكُون أَفضَلَهُم، ولا تتأخر بَعدَهُم، وَلا تَنظُر إِلَيهِم عِند الأكل نَظر الْمُتعَجِّب؛ فَإِنْ النَّاسِ أَحوَالُهم مُختَلَفَةٌ، منهم الأكول ومنهم دون ذلك، وأنتَ أَسلَمُ لَك، أَلا تَعرِفُهُم بِذلِك لئلا تَعْتابَ أحدًا وتعيبه، والكُلِّ عَلَى اللهِ رِزْقُه فَلا تُحمّل نَفسَك كَسبَ الإِثْمِ بِمَا لَا ضَرَرَ عَليكَ مِنهُ .. وإِن شبعت قَبلَهُم، فَامسك عن الأكل وَلا تَقُم عَنهُم، وأخبرهُم بِعُذرِك. فإِذَا فَرَعْتَ مِن الأَكل وكُنتَ وَحدَك، أو عند جَمَاعَةٍ فَاحْمَدِ اللَّهَ تَعَالَى حَمدًا كثيرًا، واشكره على ما عافَاكَ، وَرزَقَكَ الرِّزْقَ الْحَلالَ الواسع، واذكر كَم فِي الأَرضِ مِن (1/203)
صفحة 204
الدلائل على اللوازم والوسائل
النَّاسِ مِن جَائع غير واجدٍ ما يَأكُل، وكم من سقيمٍ يَجدُ الطَّعَامَ وَلَا يَشْتَهِيهِ، فَاعْرِف مِنَّةً
الله عَليكَ.
وحَافِظ على البسملة عند ابتدائِك بالأكل والو بالأكل التقوِّي عَلى طَاعَةِ اللهِ تعالى، وتذكر بأكل الفواكة نَعِيمِ الْجَنَّةِ، وَإِن لَم يَكُن هَذَا مُشبها لِذلِكَ، لَكِن لا يُمكِن لِلإِنسان أَن يَصفَ الأَشياء إلا بما عَلِمَها. ولا تاكل في كلِّ يَوم وليلة أكثرَ مِن أكلتين إلا أن تَقدِرَ عَلَى ذَلكَ، أَو تَرفُهتَ بِشيءٍ قلِيل بَعدَ الطَّعامِ إِذا كُنت غنيًّا، أو كنت ضيفاً لأحدٍ مِن النَّاس، ولم تُساعِدكَ نَفسُك على الصبر، ولم تخف مِن ذَلِك ضَررًا، فَلا بَأْس عَليكَ مِنْهُ إِن شَاءَ اللَّهُ.
وإن سمحت نفسك ببذل مَا فَضْل مِن أكلك أن تُنفِقَه لِوَجهِ اللهِ للفقراء، فَهُو خَيْرٌ لَك من أن تُحمِّلَ مَعِدتك ما لا تُطيق، ليمتلئ البَطنُ، وتشتغل بنفحه، ورياحه، وتخيلته من
بعد.
وإن
كنت قد اكتفيت عَنهُ، فَأَهْلُ الْخَيْرِ وَالصَّلاحِ مِن قَبْلُ كَانُوا يَبذُلُونَ مَا هُم لَهُ محتاجون .. أمَا تَبذُل أَنتَ مَا فَضْل مِنكَ؟ فَلَعَلَّ وعَسَى أَن يَأْجُرَكَ اللَّهُ ويَرحَمَكَ إِن عَلِم منك الصدق والإخلاص. وأمَّا الشُّربُ لِلماء: فَلا تَشرَب إلا بعد عطش، وَلا تَشْرَب إِلَّا مَاءً صَافيا لا كَدرًا، وباردا لا حاراً، إلا أنَّه لا يكون باردًا مُفرِطًا، فإِنَّ الْمُفْرِطَ فِي البُرودَة مُضر، والشُّربُ فِي
ثَلاثَةِ أَنفاسِ، وَلَا تَشرَب عِندَ النَّومِ، وَمُدَّ الْمَاءَ مَصَّا وَلَا تَعْبُه عِبا. وأما أدبُ القِيامِ والقُعود: فقلةُ الالتفاتِ إِلَى النَّاسِ وَإِلَى أَمْوَالِهِم، - وَكَثَرَةُ الذِّكرِ لِلَّه تعالى – وتركِ التَّحدُّثِ بِما لا فائدة فيه، وتَركِ هَيْئَة أَهلِ الكبرِ والرِّيَاسَةِ، وغَضُ الطَّرفِ
عن جَمِيعِ مَا لَا يَجُوز النَّظَر إِلَيهِ، وتَركِ الضَّحِكَ وَالْهُزِءِ بِالنَّاسِ.
ولا تَعْفَل عَن حَمدِ اللهِ فِي العِطَاس، ولا تُهمِل جَسدَك عَن كَحلٍ عَيْنَيْكَ، ودَهنِ رأسك وحِذَاءِ قَدَمَيْكَ، وتطهير أثوَابِك مِن النَّجاسَاتِ وَالأَوْساخ، وحَلَقِ الشَّعرِ، وقص (1/204)
صفحة 205
الدلائل على اللوازم والوسائل
الأظافر. ولا تكُن كَالبَهِيمَة، لَا هِمَّة لَها إِلا الأكل والشربُ لِتَسمَنَ، وربَّما كَان السِّمنُ
سبب هلاكها.
الأدب بينك وبين الناس]
وأما الأدب بينك وبينَ النَّاس فكثير ذَلِك جَمًّا، إلا أني أُحِبُّ لَك أَصلاً واحدًا، وهو: أن تُحبُّ للناس مَا تُحِبُّ لِنفسكَ مِنهُم، وَأَن تَبذُلَ لَهُم مِمَّا فِي يَدِك - مَا قَدَرتَ، وَلا تطلب مِنهُم مُكَافَاةٌ لَهُ، وَأَن تَحتَمِلَ لِمُسيئهم إذا أَساءَ إِلَيكَ وَأَن تَعْفِرَ زَلْتَهُم، وَلَو فِي كُلِّ يوم، وتُقِيلَ عَشرَتَهُم، وتَقبَلَ مَعْذِرَتَهُم وَتَستُرَ عَورَتَهُم وتَكُفَّ يَدكَ وَلِسانَكَ عَن الغيبة والنميمة والطعن فيهم، والضغنِ) عَلَيهِم، وتَدَعَ الْحِقدَ عَلَيْهِم، وتقضي مَا قَدَرتَ مِن
حوائجهم.
كُنت غنيا، وتنفع
وأَن تَعُودَ مَرضَاهُم، وتُشيِّعَ جَنائِزَهُم، وَتَنفَعَ فُقَرَاءَهُم بِمَالِك إِن أغنياءَهُم بِجَاهِكَ إِن كُنتَ ذَا جَاءٍ، وَأَن تَبَذُلَ النُّصْحَ لَهُم فِي أُمورِ الدِّينِ والدُّنْيَا. وتُسَلَّمَ عَليهِم إِذَا لَقِيتَهُم وتَبَسَّ فِي وُجُوهِهِم وَلا تَعبسَ وَجَهكَ عَلَيهِم، وخاصة الأرحام والجيران، واستُر عَنهُم مَا لَمْ تَسمَح نَفسُك بشيء منه، مثل: الطرفة، والفاكهة، واللحم .. وإن قدرت فَأَنلَهُم مِنهُ، وخَاصَّةٌ إِذَا كَانُوا لا يَقدِرُونَ عَلَى مِثل ذَلِكَ .. وعَزّهِم فِيمَا أَصابَهُم مِن مُصيبَةٍ، وأَلِن لَهُم القَولَ، وحَذْرهُم مَعصِيَةِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ لَا نُصحَ أَنفَع مِن النُّصحِ فِي الدِّينِ. وإن سافرت معهُم، فَلا تَحتَمِل عَليهِم فِي خِدمَة، وَلَا فِي غَيْرِها .. وإِن قَدَرتَ فَاحْدُمهُم أنت بيدك، وكل أنتَ وَإِيَّاهُم زادكَ قَبل زَادِهم، وَلَا تَشْتُم مَن شَتَمَكَ، وَلَا تَعِب مَن
1) الضغن من الضغينة، وهو الحقد الشديد والعداوة. انظر: العين، (ضغن). (1/205)
صفحة 206
الدلائل على اللوازم والوسائل
عابَكَ، وَلا تَعْتَب مَن اغتابك، وَلا تَحُن مَن حَانَك وَلا تُصاحِب مِنهُم خائنا، ولا تصادِق لَئِيمًا، وَلا تفش سِرَّكَ إِلا إِلَى ثِقةٍ، وَإِن قَدَرَت أَلَّا تُفشِه إِلَى أَحدٍ فَافَعَل. ولا تتصدر عليهِم فِي الْمَجالِس، ولا تتأخر جَمَّا، بَل كُن وَسَطًا، وَلَا تُعاتِبهُم إِن عتبت عَلَيهم شيئًا من أجلك، بل احتَمِل ذلك الله .. وعف عَن نِسَائِهِم، ولَو طَلَبْنَكَ إِلَّا بِما أَحلَّ الله لك .. ولا تلتفت إلَى أَمْوَالِهِم وأولادهم التفاتة حَسدٍ، وَلَا تَستَكثِر ذَلِكَ، فَإِنَّما هُو أمانة، ومحنة، وعولَةٌ شَاعَلَةٌ، وفتنة، ولَيسَ الأَمرُ إِلَيكَ فِي ذَلِكَ، ولَو لَم يَكُن لَكَ وَلدٌ فليس ذلك منهُم، بَل ذَلِكَ تَقدِيرُ العَزِيزِ العَليم. وإِن دَعوكَ لِحَاجَةٍ أو لِطَعَامٍ فَأَجِبهُم، وكُن أَصمَّا عَن جَمِيعِ مَا تَسْمَعُه فِيك وفِي ذَوِيهِم مِمَّا تكرهه، وأعمَى عَن جَمِيع عَورَاتِهِم حَتَّى كَأَنَّكَ لَم تَر شَيْئًا، صَائمًا عَن جَمِيعِ مَا فِي أيدِيهِم إِلا مَا لَم تَحِد مِنْهُ بُدا، وخفت أن تُكَدِّرُ خَواطِرَهُم إِن تَرَكَتَهُ.
واحذر أن تتشبَّه بالفُسَّاقِ مِنهُم فِي لِباسكَ، وَمَشيك، وجَمِيع أحوالك، واحذر أن تُعِينَ أحدًا مِنهُم عَلى الظُّلمِ، فَإِنْ مَن أَعانَ ظَالِمًا، ولَو بِكَلِمَةٍ لَقْنَه إِيَّاهَا فَأَطَاعَهُ فِيهَا، فَهُو شَريكَ لَه فِي ظُلمِه. ولا تجعل عرضك وقاية لِمَالك، بل اجعل مالك وقايَة لِعِرضِك، وَدَع المزاحَ إِلَّا بِما هو جائز بين الأَصْحَابِ والإِخْوَانِ. وإِيَّاكَ وَصُحبَة أكثر النَّاسِ، فإن أكثَرَهم إِذَا تَصفحتَهُم وَعاشَرَتَهُم وَعرفتَهُم فَإِنَّهُم يقبلُون عَشرتك، وَلا يَغْفِرُونَ لك زَلْتَكَ، وَلا يَستُرونَ عَوْرَتك، ويُحَاسِبونَك عَلى النَّقِير والفتيل، ويَحسُدُونَك عَلى الكَثِير والقليل، يَنتَصفُون مِنكَ وَلَا يُنصِفُونَك، ويُؤَاخِذُونك على الخطأ والنسيان ولا يعذرونَك وَلا يَعفُون عَنكَ، يَتمَلْقُون لَك فِي حَضرَتِكَ بِما تُحبُّ، وإذا غبت عَنهُم رَمَوكَ بِالبهتان والنَّمَائِم .. فَصُحبَةُ أَكثَرِهِم خُسران، وقطيعتهم فِيهَا
لا
(1)
1) النقير: هو الثقب الدقيق في ظهر النواة، وتطلق على أقل القليل من الأشياء التافهة. انظر: العين، (نقر) بتصرف. والفتيل: هو الخيط الذي في شق النواة. (1/206)
صفحة 207
الدلائل على اللوازم والوسائل
السَّلامَةُ مِن العَداوَةِ وَالْهَدْيَانِ؛ لأنَّ ظَاهِرهم الْمَلقِ، وَبَاطِنَهم الْحَنَقُ والغَيظ، فظَاهِرُهم ثِياب، وبَاطِنُهم ذئابٌ، يَقطَعُون عَليكَ بِالظَّنونِ، ويَتَغامَرُون وَرَاءَك بِالعُيونِ، ويَتَرَبَّصُون بك
مِن حَسَدِهِم لَكَ رَيبَ الْمَنُون .. فَالزَمَ الوِحدَةَ مَا قَدَرتَ، فَفِيها السَّلامَة إِن شاء الله. وإِن دَخَلتَ بَيْتَك فَتَنحنح، عَسى أَن يَكُون هناك أحدٌ غَير أَهلِك، ليَستَر عَنكَ، وَسَلَّم عَلى أَهْلِكَ إِذا دَخَلتَ عَلَيْهِم، فَطِب لَهُم نَفْسًا لِيَفْرَحُوا بِدُخولك عَلَيْهِم، وَلَا تَكُن فَظًّا غليظ القلب عَلى عِيَالِكَ، فَإِنَّهُم أَولَى بِالإِحْسَانِ مِن الكُلِّ.
فهَذَا نَثَرٌ قَلِيلٌ لِتَنتَفِع بِهِ إِن شَاءَ اللَّهُ.
فضل: في حق الوالدين
والله الله يا أخي وحَبيبي - إِن رَزَقَكَ اللهُ وَالِدَينِ أَو أَحدَهُما، أو أَدرَكتَهُ حَيًّا، وعِشتَ أَنتَ وَإِيَّاهُ فِي الدُّنْيَا فَأحسن إلَيهِ مَا اسْتَطَعت واخدمهُ بَدِك وبجميع جَسَدِك، ولو لم يُرد مِنكَ ذَلِكَ – فكيفَ إِذا أَرادَ؟
وابذل لَهُ مَا قَدَرتَ عَلَيْهِ مِن مَالِك، واغتنم حَيانَهُ فإِنَّهُ بَرَكَةٌ لَكَ وَلَو كَانَ فَقِيرًا، واذكر
رَحْمَتَه لَكَ، وشَفَقَتَهُ علَيكَ، وبذل ماله، وأَثَرَته لَكَ عَلَى الكُلِّ. أما تذكر صنيعَهُ لَك فِي حَالٍ طُفولتك وَعَجزِكَ؟ وخَاصَّةٌ الوَالِدَة، كَم قَاسَت مِن التَّعَب في تَربَتِكَ، والقيام بك فِي رَضاعَتِك، وتسكيتكَ من صباحك، في مبيتك ورواحك، ومقيلك وصباحك، وصحتِك وأَمرَاضِك .. وكَم سَهِرَت فِي لَيلِها مِن أَجلِك، وكَمْ لَحِقَها من قدرك، ومن بولك وغَائِطِك ومُخاطِك، وكم قامت بتطهيرِك وتَنظِيفِك، وكُم شَغَلَتَها بخروجك عنها، ولو في بُيوتِ جيرانك، وكم تلذذت بِنَظَرِك وعَافِيَتِك، وكم بَذَلَت مِن نفسها ومالها لك ... (1/207)
صفحة 208
الدلائل على اللوازم والوسائل
ث
واذكُر مَا لَقِيَته مِن سَخَطِكَ عَلَيْهَا، وتَحتَمِل ذَلِك مِن أَجلِكَ، وَلَا تَكتَرِتْ وَلَا تَشْكُو ولا تتألم (أي: تَمل)، وَلا تَفعَل ذَلِك طَمَعًا فِيك، وَلا رَجاءَ ثَوابِ، بَل مَحَبَّة جَعَلَهَا اللهُ تعالى في قلبها لك .. فمِن أَينَ تُؤدِّي شُكرَها؟ والحب لك إِنَّما جَعَلَهُ اللهُ تعالى في قلبها، لتربيتك بِحَلاوَةٍ، لَا بِمَلَلٍ وَلَا بِطَمِعٍ، وَلَو جيء إليها بولدٍ غَيرهَا لِتُربِّيهِ، بِأَيِّ طَمع يُذَلُ لَها، وهِي غَير غنيّةٌ عَن ذَلِكَ الطَّمَعِ، مَا حصل منها رضا بذلك .. فاذكر ذلك، وانصف مِن نَفسك، وَلا تَستَطِل حَياتَها وَلَا تضجر، فإِنَّكَ لَا تَقُومُ بِمُكافَأَتِها، وإحْسَانِهَا إِلَيكَ.
وهل تقدِر أَنتَ وتَسْمَحُ لِنَفسِك أَن تَقُوم لها إذا احتاجت إِلَيكَ فِي مَرَضِ أَو كبر، بأن تحملها من مكان إلى مكانٍ، وأن تُطَهِّرَها مِن الأَقدَارِ، وتُطعِمهَا بِيَدِك وتسقيها، وتَنقَطِعُ عِندَها لَيلاً ونهارًا، ولَو أَيَّامًا قَلائِل؟!!.
فكيف بما قاسَت هِي فِيك؟ أَمَا تَذكُرهُ؟ أَما تَعرف حقهَا عَلَيْكَ، وَتَسمَع قَولَ الله تعالى وما أوصاكَ بِه مِن الإِحْسَانِ إلَيْهَا، وَاللطفِ بِها بِقَولِه تَعَالَى: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ)، كَيفَعلق الله تعالى شكرَهُ بشُكرِهِما؟ وقَال: وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَنا (2)، فكان الواجب عليك الإحسَانُ إِلَيهِما، ولَو لَم يُوصِك اللهُ بِهِمَا، فَكيفَ وقَد وَصَّاكَ اللهُ تعالى بهما، ونَهاكَ أَن تَقُول لَهُما أُف؟!، لقوله: {فَلَا تَقُل لَمَا أَنَّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا لله فكيف تَستَحِل شَتَمَهُما وَجَفَاءَهُما وقطيعتهما؟
أَما لَكَ ذِهن حَاضِرٌ، وَلا أُذن، وَاعِيةٌ، وَلا قَلبٌ حَيٍّ، وَلَا فِيكَ مُروعَةٌ؟ كيف، تَحِفُوهُما وأنتَ تَعرف حقهما وإحسانَهُما إِليكَ، حَتَّى رَبَّما يَعصِيَانِ الله تَعَالَى مِن أَجلِك.
1) سورة لقمان: 14.
2) سورة العنكبوت: 8.
سورة الإسراء: 23 - 24. (1/208)
صفحة 209
الدلائل على اللوازم والوسائل
فَاشْفَقَ بِهِما جُهِدَك، وابذل لَهُما مَالَك ونفسك، وقَدَّم رَايَهُما قَبلَ رَبِّيكَ إِلَّا أَن يَحْطِنَا في الرأي، ولا تتكلم قبلَهُما، ولا تمش قُدَّامَهُما إِلا أَن يُوحِب النَّظُرُ غَير ذَلِكَ، لِمَعَنِّى مِن الْمَعَانِي.
واخفض لَهُما الْجَناحَ، وابدأ لَهُما بِالصَّبَاحِ وَالْمَساءِ، وَلَا تَدعُهُما بِأَسْمَائِهِما، بَل قُل: يَا أَبَاهُ، ويَا أُمَّاهُ، واشكر الله تعالى إذَا بَقِيا إلى أن أدركتهما، حَتَّى تُحسن إليهما، فلو مُتَّ قَبلَهُما أو مَانَا قَبلَك لَما أدركت ذلك. واحذر أن يحملك الغَيظُ عَلَيهِما والغَضَبُ إِلَى أَن تُعرِضَ عَنهُما، ولَو جَفَوكَ وعَصوك
ونهروك، وقالوا فيك ما قالوا؛ فَخُذهُما بالرفق، واللطف، ولين الجانب.
وإن عصيا الله فَلا تُساعِدهُما عَلَى الْمَعصِيَة، وَلا تُعاوِنُهُما عَلَيْهَا، وَلَا تَرضَ لَهُما بِها، فإِنَّهُ «لا طَاعَةَ لِمَخلُوقِ فِي مَعصِيةِ الْخَالِقِ» (1)، فَاحْذَر أَن تَعصِيَ اللَّهَ فِيهِمَا، أَو تُطِعْهُما فِي مَعصِيَةِ اللَّهِ تعالى.
فصل: في الأولاد
واحذر يا أخي، إن رَزَقَك الله أولادًا ذُكورًا أو إناثًا فَلَا تَعصِ اللَّهَ فِيهِم، وَلَا يَحْمِلَنَّك حُبُّ الأَولادِ الذكور عَلى الإِناثِ إِلَى أَن تُؤْثِرَهُم بِمَالِك فِي حَيَاتِكَ، أَو بَعد مَماتِك، فَإِنَّهُم بعد موتك لا يَنفَعُونَكَ أبدًا، لا الذكور ولا الإناث .. وقد عَلْمَكَ اللهُ العَدْلَ بَينَهُم، فَقَالَ
: يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الْأُنثَيَيْنِ).
أُتُريدُ أَن تُبطِل قِسمَةَ اللهِ تعالَى بِالْحَقِّ، وَتَقسِم أَنتَ قِسمَةَ الْجُورِ والبَاطِل!؟.
1) رواه أحمد والحاكم عن عمران بن حصين وأبو داود والنسائي عن علي.
(2) سورة النساء: 11. (1/209)
صفحة 210
الدلائل على اللوازم والوسائل
فَلا إله إلا الله .. فَما أَجرَأَكَ مِن عَبدِ، فَكَفَى لَها حَقارة، ونَقصا، وإهانة بالنص.!! أَتُرِيدُ أَنتَ لَها نقصًا غَير مَا أَرادَهُ اللهُ تَعَالَى لَها؟!. وما حيلتها هي ومَا جُرمُها؟، فَهَلْ هِي جَعَلت نَفسَها أُنثَى؟!، فَلَو كَانَ الأَمرُ إِلَيْهَا لَجَعَلَت نَفْسَها أَرفَع مَا يَكُون.
فَاللَّهَ اللَّهَ لا تَظلِمهَا، وَلَا تُجر عَلَيْهَا، فَإِنَّهُ لا يَخفَى عَلى اللَّهِ شَيْءٌ مِن أَفعَالِكَ وأَقوَالِك، وَابدَاهَا بِالطَّرفَة، ولا تُحفها بِشَيْءٍ أَبَدًا، فكفى بها نَقصُها.
ولو أن أحدًا عَصى الله من أولادكَ فَلا تَظلِمهُ، وَلَا تُؤثِرُ أَحَدًا مِنهُم بِشَيْءٍ أَبَدًا، إِلَّا مَن كانَ لَهُ عَليكَ حَقٌّ أَو ضَمَانٌ، مِن ذَكَرٍ أَو أُنثَى، فَخُصَّهُ بِحَقِّهُ وَضَمَانِهِ.
وَإِنَّما الأولاَدُ نِعمَةٌ مِن الله، أَنْعَمَ عَليكَ بِهِم فَاشكُرِ الله تعالى، ولا تعصه في أموال، وَلا أَولادٍ، وَلا تَجعَل نعم اللهِ طَرِيقًا إِلَى مَعاصِيهِ، واذكر صَاحِبِ الْمَقَالَاتِ حَيثُ قَالَ: «وَلَا تَعص الله في أولاد، سواء إذا حَضَركَ الْمَوتُ غَابُوا، وَلَا حَزْنُوا بما أُصيبوا، بَل فَرِحُوا بما أصابوا» .. وتَفهُم وَاتَّبِعِ الْهُدَى تَظْفَرٍ إِن شَاءَ اللَّهُ.
فَصْل فِي الْمَمالِيك
وإذا مَنَّ الله عَليكَ بنعمه، وأَفاضَ عَليكَ مِن واسع كَرمِهِ، وَمَلَكتَ عَبِيدًا مِن إخوانك في النَّسَب، وأَمثَالِك فِي النَّوم والْمَاكل والْمَشرَب، وشركائِكَ فِي جُملة الأحوال، وفي الرَّاحَة والتَّعب؛ فَاشكُرِ الله تعالَى بِما مَنَّ عَليكَ، وجَعَلَكَ حُرًّا لَا تُبَاعُ وَلَا تُوهَب، بِفَضلٍ مِنهُ لا باستحقاق منك، فَاعْتَرِف لَهُ بِفَضلِهِ وَلَا شَيْءٍ إِلَّا الْأَدَب. ولَو شَاء لَجَعَلكَ مَملُوكًا لِمَن مَلَكتَ، يَستَعمِلُك بما أَرَادَ وطَلَب، وَيَستَعمِلُكَ فِي نَقلِ السَّمادِ، وحمل الآنية والْحَطَبِ، وَيَبيعُكَ لِمَن يَشتَرِيكَ مِن صَالِح أو طَالِحٍ، أَو بَدوِي أو عَاصِ مُجتَنِب، فَاعْرِف قَدرَ نِعمَةِ اللهِ عَلَيْكَ، واشكره واذكُرَهُ، وَاحْمَدَهُ كَمَا حَقَّ عَلَيْكَ وَوَجبَ، وَرَاقِب اللهَ فِيمَن مَلَكتَهُ، وَلا تُكلّفهُ مَا لاَ يُطِيقُ، فَإِنَّ اللَّهَ وَ أَعْظَمُ الْمَالِكِينَ، وَلَم يُكلّف عَبِيدَهُ فَوقَ طَاقاتهم، فَاستَعمِلهُ بِما قَدَر عَلَيهِ نَهَارًا لَا لَيلاً، إِلَّا أَنْ تُرِيحَهُ فِي بَعضِ (1/210)
صفحة 211
الدلائل على اللوازم والوسائل
النَّهارِ، فَاستَعمِلهُ فِي بَعض الليلِ، إن احتجتَ إِلَى ذَلِك .. وَأطْعِمهُ مِمَّا تَأكُل، واكسه مِمَّا تلبس، وكُفَّ عَنْهُ يَدَك ولسانك أبداً. فإن رأيتَهُ مُوافِقا لَك فِيمَا تُرِيدُه مِنهُ، كَافًا لِسانَهُ عَنكَ، ويَدَهُ عَن مَالِكَ، مُتَوَاضِعًا مُتَأَدِّبا عِندَ عِيالك، فَاسْتَعِن به عَلى أُمورك التي تعنيكَ.
والأَفضلُ – عِندي - أَن تَخدم نَفسَك بِيَدِكَ فَإِنَّهُ أَفضَلُ لَكَ وأَسلَم، فَأَحسب أَنَّهُ قِيلَ: «مَا زَالَ الْعَبْدُ بِخَيْرٍ مَا لَم يُخَدَم». وإن أَلْحَأَتكَ الضَّرُورَةُ، فَاتَّخذ مِن العَبِيدِ مَا أَرَدتَ، وَأحسن إِلَيهِم بِمَا قَدَرتَ، وَإِلَّا فَبِعهُ
إن لم تسمح نفسك يعتقه، وإِن سَمَحَت نَفسُك بعتقه فَارجُ مِنَ اللَّهِ مَا أَعدَّ لِمَن أَعتَقَ رَقَبَةٌ لوجه الله تعالى. وإن كان يا أخي، - هَدَاك الله - هذا الإنسان لَم يُترك سُدى ولَم يُهمَل، بل هو مَسْئُولٌ عِندَ اللهِ تعالى غدًا، عَن جَمِيعِ مَا مَلَكَت يداه مِن أَمْوَالٍ، وَأولادٍ، وَأَزْوَاجِ، وعَبِيدٍ وَحَيَوَانٍ، وعَمَّا جَمَع وَمَا أَنفَق، ومَا أَكل، ومَا شَرِب، ومَا ضَيَّعَ مِمَّا أُمِرَ بِه، وما ارتكب مِمَّا نُهِي عَنهُ، أَلَيست السَّلامَةُ مِن الكُلِّ أَولَى، وَأَسلَمُ لِمَن قَدَر عَلَى ذَلِكَ؟ فَالدُّنْيَا مُدَّتُها قَلِيلةٌ، بَينَما تَرى الإنسَانَ فِيها شَبابًا، وعافية، وأُمُوره لدنياه مُستَقِيمَةٌ، فَرَأَيْتَهُ بعينك قد بَدَأَهُ الْمَشِيبُ، وقد سَارَع إِلَى لِقَاء الطبيب، وتكدَّرَت عَلَيْهِ حَياتُه، وفرغت أوقاته، ودلت مُسرِعَة مِنهُ وَفاتُه، فَلَقِيَ مَا قَدَّم.
فإذا كان على هذه الصَّفَة فَاضبط لَيلَكَ ونَهارَك بِالْحَرَمِ، فَمَا وَجَدَتَ لَه جَوابًا غدًا فَافِعَلهُ، ومَا لَم تَجِد لَهُ جَوابًا صَوابًا فَاهْمَلهُ .. وَلا تَنسَ الرَّقِيبَينِ الْحَافِظِينِ الْمُوَكَّلَين بِك لَيلاً ونهارًا، يُثبِتَانِ عَلَيكَ جَمِيع مَا تَفعَلُه مِن خَيْرٍ وَشَرِّ، ومَا تَترُكُهُ مِن أَمرٍ، وَمَا تَنطِق بِه مِن قول .. وهُما رَقِيبَانِ عَلَيْكَ بِأَمْرِ اللهِ تَعَالَى إِلَى الْمَماتِ، فَاسْتَحِ مِمَّن جَعَلَهُ اللَّهُ أَمِينًا حَارسًا عَلَيكَ ولَك، وَلا يُفارقك أبدًا، وَلا يَكتب إلا ما كان مِنكَ، وَلَو أَنتَ عَرَفتَهُ وعَرَفتَ مَكَانَهُ مِنكَ لَرِهِيتَهُ رَهْبَةً عَظِيمَةٌ. (1/211)
صفحة 212
الدلائل على اللوازم والوسائل
211
أرأيت لو حَضَرَك أَحدٌ من إخوانك، وأفاضل أهلِ زَمانِك لا يُفارِقُك أبدًا، أكُنتَ تَنجَاسَرُ بِحُضوره أن تُجَامِع أهلك، أو تَأخُذ ما لا يَحلُّ لَك، أو تنطق بما لا يجوز، أو تبول أو تتغوط، أو تنام كثيرا، أو تَأكُل حَرَامًا؟! أَما كُنتَ تَستَحِي وتَنتَهِي؟؟ فَمَلائِكَةُ اللهِ و أَمَناؤُه الرقباء عَليكَ، أَحقُّ أَن تَستَحِي مِنهُم، وتَقِف عَنِ الْحَرَامِ لَا الحلال، وعَن الكَذِب وأَشبَاهِه لا الصدق.
لَكِنَّهُم لَمَّا لَا تَرَاهُم بِعَينك نَسِيتَهُم، حَتَّى كَان لَم يَكُن عَلَيكَ رَقِيبٌ، وهَذَا مِمَّا لَا شَكٍّ فيه وَلا رَيبَ، وقد أخبر الله تَعَالَى بِهِ، وَلَا يُمكِن إِلَّا الْحَذَر.
ثُمَّ عَليكَ رُقَبَاءُ مِن نَفسك، وهم: لسانك، ويَدَاكَ، ورجلاكَ، أَما تَأْخُذُ حَذَرَكَ مِن نفسك؟ وتقف عَن جَمِيعِ مَا لَا يَجُوز لك؟ أَرَأَيت – مثلاً - لَو صَاحَبَتَ إِنسَانًا أو أكثر فِي طَرِيقِ، وَكَان ذَلِكَ الإِنسَان لَهُ يَد عِندَ ملك زمانك! أما كُنتَ تَقِفُ عَن أَن تَتَكلَّمَ، أَو تَفعَل مَا نَهَى عَنْهُ ذَلِكَ الْمَلِكُ، حَوفًا مِن ذلك الصَّاحِب أَن يُخير الْمَلِكَ بِفِعلِك وَ قَولِك؟!. فكَيف لَو عَلِم بِك الْمَلكُ حَيْثُمَا كُنتَ، وأين كُنت، وكيف كُنتَ، فَإِنَّهُ لا يُفارقك طَرفةَ عَيْنٍ، فَرُبَّما يَعْفَل أَمْناؤُه عَن شَيْءٍ – وَحَاشَاهُم - وعِلمُه فِيك قبل أن يَخلُقَك، وبعد مَا خَلَقَك، وبعد موتك .. لا يُمكن أن يَغِيب عَنهُ شَيْءٌ مِن قَولِك وفعلك ونَفَسك طَرفَة عَين، لا أَقلّ وَلا أَكثَر، فضلاً عَن أُمنائه الرقباء عَليكَ، وإِنَّما هُم زِيادَةُ حُجَّةٍ عَليكَ لِذلِك؛ لأَنَّهُ يَراهُم وَلَا تَراهُم، وهُو لَا تَرَاهُ أبدًا، إلا أن علمه بِك وفِيكَ لا يَغِيبٍ عَنْهُ شَيْءٌ أبدًا.
وأما الأمناء: فَجوارِحُك عِندَك لا تُفارِقُك. وأمَّا الْمَلَائِكَةُ الكِرامُ: فَهُم رُقباءُ عَليكَ
يَعْفُلُونَ عَنكَ سَاعَةٌ، وَلا يَنسَونَ، وفِي القِيامَةِ سَتَرَاهُم إِن شَاء اللَّهُ تَعَالَى. وقد يُوجد أَنْ الْمَلائِكَةَ ربَّما يَجدُّون فى صحيفةِ العَبدِ مَا لَم يَعلَمُوا به مِثل نَيَّتِهِ الصَّالِحَة
مِمَّا عَلِمهُ اللهُ، ولَم يَعلَمُوه هُم، وربَّما مُحِيَ شيءٌ مِن الكِتَابِ مِن حَيثُ لَا يَعْلَمُون. (1/212)
صفحة 213
الدلائل على اللوازم والوسائل
فَلا يَكُونُ شَيْءٍ إِلا يعلم الله تعالى وإرادته وتدبيره، فخذ حذرك مِن الكُلِّ، ولا يعظم عَليكَ الأَمر فَتَبَأسَ مِن رَحْمَة الله، فَرَحْمَةُ الله وَاسِعةً وكَرَمُه فَائض، وقد وعد بالغفران، ووَصَف نَفسَهُ بالرَّحْمة وهو الرَّحْمَن وَلا تَأْمَن مِن العَذَاب على ارتكاب العِصيان، ولا على الإصرار علَى شَيءٍ ولَو قَلْ، وَاعْدُ وَرُح فِي طَاعَةِ الله، وخُذ من بضاعته الطاعة الكاسدةَ عِند النَّاسِ فَسَيَاتِي لَها سُوقٌ، لا يُدرك وصف ربحها فِيهِ وكَأَنك به قد حَضَر.
(ا) الذي
واجعل نفسك كأَنك راكب سفينَةٌ فِي بَحرِ، تُقلِّبُكَ الرِّياحُ، إِلى أَن تَصلَ البَندَر) فيه قضاء حوائجك، وَالسَّلامُ.
فصل: في صلة الأرحام
واحذر يا أخي - رحمك الله - أن تَقطَعَ أحدًا مِن أَرحَامِك، وهُم مَن كَان مِن نَسلِ آبائك وأجدَادِك وإخوانك وأعمامك، من قبل الأب ومِن قِبَل الأم، ومِن نَسلِ نَسلهم، في جُملة شهورِك وَأَعوَامِك.
فصلهُم بِمَعرُوفك وإحسانك ومالك، من خلالك لا من حرامك، وَلا تَقطَعهُم أبدًا ولو هُم قَطَعُوكَ فِي طُول أوقاتِكَ وأَيامك، وعَزّهِم فِي مَصائِبهم، وهَنَّتَهُم بِلقَاءِ حَبَائِبِهم، وَأَنْهَهُم عمَّا لا يجوز يَعْفِرِ اللَّهُ لكَ مِن أَثَامِكَ.
ولا تقطع من قطعك، وَلا تَمنَع مَالك عَن مَن مَنعَكَ، وأَحسِن إِلَى مَن أَساءَ إِلَيكَ وَلَا ترتفع عَلَيهِم فِي مَقامِك وقد أوصاكَ الله بهم، فامتثل أَمَرَهُ تَجد السرور مِن خَلقِك وأمامك، فَلا تَستخف بِشيءٍ مِن أَمرِ اللهِ تعالى ولَو قُلْ، فَتَوابُه مَوفُورٌ، كَصَلاتِك
وصيامك
1) البندر: كلمة دخيلة، أصلها التاجرُ الذي يَلْزَمُ الْمعادن. ثُمَّ استعملت في إطلاقها على المدينة. انظر: العين، (بندر). وفي العرف العماني: هي المدينة إذا كانت على البحر. (1/213)
صفحة 214
الدلائل على اللوازم والوسائل
2140
والاختلاف – عِندِي فِيمَا عَرفتُ – في صلَةِ الأَرحام، فَأَرجو أن بعضا جعل النية تجزي، وهُو إِذَا نَوى صِلَتَهُم ولَم يَعتَقِد قطيعتهم. وبعض - فيما عِندي -: جَعَلَ الصَّلةَ بِالنَّفْعِ بِالْمَالِ. وبَعضُ: جعلَ حَدٌ الصَّلَةِ عِند الفرح والحزن. وعِندِي فِي الاعتبارِ علَى
النَّظَر؛
فَمَن كانَ منهم غَنِيًّا فَمُواصَلَتُه - عِندي - بِالنَّفْسِ أَولَى وأَحلَى، ومَن كانَ فَقيرًا – فَعِندي - أن الصلة بِالْمَالَ لَهُ أَنفَع مِن أَن تَزيدَ عَليهِ أَنتَ بِنَفْسِك عولَة .. وكُلِّ مَا كَانَ أَطيَبَ لِنَفسِ الْمَوصول فِي نَظر الوَاصِل إِلَيْهِ فَلَيَفعَلهُ لَه.
وإن كان هذا الرَّحِم من العاصين اللهم بارتكاب الكبائر، والإصرار على الصغائر، وكان لا يَسُرُّه الوصول إليهِ مِن رَحِمِهِ؛ فَيُعجبُنِي أَلا يُوصَل مِن غَير اعتقادِ قَطِيعَةٍ لَه؛ لأَنَّهُ قيل: «لا يُكرم المرء بما يكره». وإِن وَصَلَهُ لِلنصح - إن كانَ يَقبَلُ - فذلك الْمُهم، وذلك الوُصُولُ الْحَسن؛ لأنَّهُ لا شيء أ ءً أَحسَن لِلإِنسَانِ مِن رَدُّه عن مَعصِيَةِ اللهِ تعالى إلى طَاعَتِهِ، ومَا أَحسَنَها مِن صَلَةٍ إِن
وحَدُّ الأَرْحَامِ إِلَى خمسةِ آبَاءِ بِالوَاصل، وأحسبُ أَنَّهُ قِيلَ: إِلَى أَربَعَةِ آباء بِالوَاصل.
فَضل: في صِلة الجيران
ولا تنس - حفظك الله - صلة الْحِيرَانَ، وَالفَعْهُم بِمَا قَدَرتَ عَلَيْهِ لَهُم بِجَاهِك ونفسك ومالك، وصلهم بِمَعْرُوفِك، واجعَل حَالَهُم كحالك .. ولا تطلب مُكافَاةٌ إِن وَصَلَتَهُم بِشَيْءٍ مِن بِرك، وألقِ غَيظَهُم وَعَتبَهُم وغَيبَتَهُم وقَطِيعَتَهُم بِصَبرك، وكُفَّ عَنهُم مَا استطعت من ضُرٍّ عَبِيدِك، وأولادك، وضُرِّك، وَاسْتَعْنِ مَا قَدَرتَ عَنهُم فِي جَمِيع أُمرِك، وابذل مَعْرُوفَك لَهُم فِي مُدَّة عُمُرِكَ، فَإِنَّكَ رَاحِلٌ عَنهُم قَريباً إِلَى قَبْرِكَ، فَلَا يَبقَى وَرَاءَكَ عِندَهُم إِلَّا مَا فَعَلتَ مِن ثَنَائِكَ وشُكرِك. (1/214)
صفحة 215
الدلائل على اللوازم والوسائل
واجعَل إِحسَانَكَ كُلَّهُ لِلَّهِ تعالى لا لِذِكرِك، فإِنَّهُم لَو عَبدُوك - مثلاً - وَحَمدُوكَ مَا نفعك ذَلِكَ لِحَشْرِكَ، وَلا تَتزوَّد مِن دُنياكَ إلا مَا يَنفَعُك، ويُقبَلُ عِندَ اللَّهِ مِن عُذرِك .. فَأَنل جيرانك من فاكهتك وطرفتِك، ومِمَّا طبخ في قدرك. وكُلُّ مَا فَعَلْتَه مِن مَعْرُوفٍ وإحسانٍ، وبَذَلتَ مِن مَالِ اللَّهِ فَلَيس بِناقص مِن يُسرِك، فإِنَّكَ مُستَخلَفٌ فِيمَا فِي يَدَيْكَ، فَأَحسِن الْخِلافَةَ تَسعَد يوم فَقرِك، وتُب إلى الله من إعجابك، وريائك ومعاصيك وكبرك، وخيلائِك وعُلُوك وفخرك، واصبر فِي جَميع مَا تَكرَهُه فِي حَياتِك يأجركَ اللهُ تَعَالَى
بصبرك.
فضل: في الأَمرِ بِالْمَعُرُوفِ والنَّهِي عَنِ الْمُنكَرِ
نَهي
والله الله يا أخي، - رَحِمَنَا رَبُّنَا وإِيَّاكَ جَمِيعًا وأَجارَنا مِنَ النَّار – إِذا صرت فِي الدُّنيا عِند أهلها من: جيرانٍ وأَصحَاب، وإخوان وأقارب وأنساب، وأَعوَانٍ؛ فَلا بُدَّ مِن أَن ترى مَا تَكرَه مِن مَنظُورٍ ومسموع، ومِن ظُلم وعُدوانٍ، فَلَا تُشاركهم فيه، وازجُرهُم عَنهُ بما قدرت من يَدٍ ولِسانٍ، وإِن عَجَرْتَ عَن ذلك ولَم تَقدِر أبدًا، فَلا عُذرَ لَكَ مِن وكَرَاهِيَة بِالْحَنانِ .. فإن أكثر النَّاسِ إِذا تَصفحتَهُم رأيتَهُم أَتبَاعًا لِلشَّيْطَان، وكُلُّ مَن خَالَفَهُم رموه بالعداوة والسَّنانِ، فَارْجُو نَفسَكَ أَوَّلاً عَن جَمِيعِ مَا لا يَجُوز، وَلَا تَكُن كَفَتِيلة المصباح تُضِيءُ لِغَيرها وهي تَحتَرِق.
فلا تأمر إلا بما قد امثَلَتَهُ قَبلاً، وَلا تَنهَ عَمَّا ركبته أبدًا، بَل ابدا بنفسك أولاً، ثُمَّ
الأَوَّلُ فَالأَوَّلُ مِنَ الْجِيرَانِ وَالإِحْوَانِ.
وإِن أَردتَ مَعرِفَةِ الْمَعْرُوفِ وَالْمُنكَرِ فَافَهَمهُ مُختَصَرًا إِن شَاءَ اللَّهُ. فَالْمَعْرُوفُ: هُو مَا أمر الله تعالى به، ورسوله الله، والعُلَمَاء، والصَّالِحُون، مِن أَداءِ الفرائض جَمِيعًا؛ مِن صَلاةٍ وزكاة، وصيام، وحَجّ، وإيمَانٍ، وإسلام وتوحيد، وورع عَن (1/215)
صفحة 216
الدلائل على اللوازم والوسائل
جَمِيع أموالِ النَّاسِ، وعَن أَكل جَمِيعِ مَا حَرَّمَ اللهُ، وعَن ظُلمِ العِبادِ فِي أَبدَانِهم وأموالهم، وفروجهم، وعَن القَولِ بِمَا لَا يَجُوز فِيهِم.
فكُلُّ مَن عَلِمتَ مِنْهُ أَنَّهُ تَركَ شَيْئًا مِمَّا أَمَرَ اللهُ به ورسوله صلى الله عليه وسلم فَأَقِمِ عَلَيهِ الْحُجَّةَ وامره
به، فإن لَم يَفعَل فَعاقِبَهُ بِما يَستَحقَّهُ مِن العُقوبَةِ إِن كَان لَكَ يَدٌ، وَمَقدُرَةٌ عَلَى ذَلكَ .. وإن لَم يَكُن لَك يد ولا قُدرَةٌ فَبلسانك إن قَبِلَ مِنكَ، وإن لم تقدر بلسانك وخفت
على نفسك أو دينك أو مَالِك مِنهُ، فَبِقَلْبِكَ، وَلا تَرضَ بِفِعله أبدًا. كان ولدا، أو أخا، أو زوجةً، فاهجره بما قدَرتَ إِذَا تَرِكَ أَوامِرِ اللَّهِ تَعَالَى بِلا
وإن
عُذر.
وأَمَّا الْمُنكَرُ: فَهُو جَمِيعُ مَا نَهى اللهُ عنهُ ورَسولُه الله، وعُلماء الْمُسْلِمِينَ؛ مِن الزَّني، والسرقة، وشرب الخمر، وأكل الربا، وشُرب دُخان النين، والبنج، والقهوة، وضرب
الدفوف، والزمور، والغناء، وكُلِّ مَا يُتلهى بِهِ مِن جَمِيعِ مَا أُتَّخِذَ لِذلِك .. وكذلك اجتماع الرِّجالِ والنِّساءِ، وأهلِ الرِّيب، وأكل أَمْوَالِ النَّاسِ بِغَير حَقٍّ، وإِظْهَارِ العَورَاتِ مِن الرِّجال والنساء.
أما الرّجالُ: فعورتُهم من السُّرَّةِ إلَى الرُّكبة، وأمَّا النِّسَاءُ: فَجَمِيعُ أَحِسَادِهِنَّ عَورَةٌ إِلَّا
الوجه والكفين.
ومن
الْمَناكِر: فعلُ الرِّجال بالرجال، والنِّساء بالنِّساء لقضاء شَهَوَاتِهم، وكَذَلِكَ القَولُ بما لا يجوز من رمي الْمُحْسِنِينَ والْمُحصنات بما ليس فيهم مِن الغَيْبَةِ والطَّعنِ، والكَذِب علَى اللَّه وَرَسُولِه والْمُسْلِمِينَ. فكل من علمت أنه ارتكب شَيْئًا مِن ذَلِكَ، فَانْهَهُ عَن فِعْلِهِ، وَعَاقِبَهُ - إِن قَدَرت – بِما يَسْتَحِقُ مِن العُقوبَة لِفِعْلِه. أمَّا الْحُدودُ إذا وجبت وقدرت علَيهَا، فَأَقِمهَا عَلى أَهلِها إِن كُنتَ إمامًا، مثل: الزَّانِي
والسَّارِق والقاذف، وَلا تَأخُذك بهم رأفةٌ، فقد أمر الله بها، وهُو أَرأَفُ بِخَلقِهِ، وأَرحَم. (1/216)
صفحة 217
217:
الدلائل على اللوازم والوسائل
وأمَّا مَن أخذَ مِن أَمْوَالِ النَّاسِ ظُلمًا فَرُدَّها مِنهُ إِلَيهِم صَاغَرًا كَارها، وعاقبه بما
يستحقه.
وأَمَّا مَن أَكَل الْحَرامَ مِثل الأفيون، والْخَمرِ، والبنج، والتن، وجَمِيعِ الْمُسكِر فَعاقِبَهُ بِما
يَردَعَهُ عَن ذَلِك.
وأما من اتَّخذ الْمَلاهِي مِن الْمَزامِير، وغَيْرِها: فَاكسِرهَا مِن يَدِهِ؛ وعَاقِبَهُ، وكَذلِك أَهلُ الريب من الرِّجالِ والنِّساءِ إِذا وُجِدُوا مُجتمعينَ؛ فَاحِسهُم إِن كَانَ لكَ قُدرَةٌ عَلَى ذَلِكَ. وإن لم تقدر على العُقوبَة؛ فَلا تُهمل النَّهيَ بِلسانك بالنُّصح والْمَوْعِظَة، والتذكير بثوَابِ اللَّهِ الَّذِي لاَ صَبَرَ عَنهُ؛ وعِقابه الَّذِي لَا صَبَرَ عَلَيهِ.
فإِن عَجَرْتَ عَن ذلك، وعلم الله مِنكَ صدق الاجتهادِ، فَلا بَأسَ عَلَيكَ، ومَا دُمت قادرًا فَاز جُرهُم مَا اسْتَطَعْتَ لِتُؤجر وتُعذَر؛ لأنَّهُ لاَ عُذر لِمَن رَأَى مَعصِيةٌ مِن عَاصِ، ولَم ينههُ عَنْهَا إِلا أَن يَكُون لَهُ عُدْرٌ.
وأَمَّا مَن أَظهر خِلافَ دِينِ الْمُسلِمين في البلادِ فخُذ عَلى يَدِهِ، واطرُدُهُ مِن أَرضِك التي فيها الدِّينُ الصَّوابُ.
وامنع أهل الصنائع من الغش في صَنائِعِهم، وَامنَع أَهل البيع والشراء من الربا، ومن
تطفيف الكيل والوَزنِ وهُو نُقصَانُه وامنَع مِن الكَذِب والشَّتمِ وجَمِيعِ اللعب. وإن كنت واسطةٌ فِي بَلدٍ فَامَنَع جَمِيعِ الْمَضار مِن البَشَرِ والدَّوابِّ، ومِن الْجُلوسِ فِي الطرق، ومِن القِمار والهزء، ومن كُلِّ شَيْءٍ خَرج من طاعة الله تَعَالَى، وَامر بطاعة الله جميعا، ولا تهمل شَيْئًا، وكُلّ مَن يُجزِيه الأمرُ والنَّهِيُّ بِغَيْرِ عُقُوبَةٍ فَيَأْتُمر ويَنتَهِي، فَعِندِي أَنَّهُ يَجُوز التَّغَاضِي عَنهُ مَا سَوَّى الحدود، إذا كانَ لَم يعرف مِن قَبْلُ بِاللدِّ والعُتو، بَل جَرى مِنه شَيْءٌ فِي بَعض الأوقاتِ بِجَهالَةٍ. وأمَّا بعضُ النَّاسِ فَأَرجو أَنَّهُ لَو حُبس مُدَّة عُمُرِهِ لَم يَردَعَهُ، وَكُلٌّ عَلَى قَدرِهِ؛ فَاحْتَبِرٍ النَّاسَ تَعرِفُ أَحوَالَهُم وَاسْتَخبِر عَنهُم - إِن لَم تَعرِفهُم – مَن قَد عَرَفهُم قد عَرَفهُم قَبلَكَ، إِن كَانَ (1/217)
صفحة 218
الدلائل على اللوازم والوسائل
مِمَّن تَأْمَنَهُ عَلى مَا يُخبِرُكَ بِه، وإِن كُنتَ مِن أَعوَانِ السُّلطَانِ العَادِل، مِن وَالِ أَو عَامِل فاحذر من استعمال غَيْر الْأُمَنَاءِ فِي جَمِيع أُمُورِك.
وأَمَّا مَالُ الْمُسْلِمِينَ فَخُذهُ مِن حِلَّه وَضَعَهُ فِي الوَجهِ الَّذِي يَجُوز فِيهِ وَضعُه، مِن فَقِير وَسائِلٍ وَضَيف وعاملٍ وَيَتيمٍ، وَمَن فِيه صَلاحٌ لِدولَةِ الْمُسلمين، وخُذ حِدْرَكَ مِن مَعُونة الظُّلَمَة ولو بِمَدٌ دَواةٍ، وَادَّرِع الصَّبَرَ عَلى الأَذَى وَاعلَم أَنَّ الْحَيَاةَ فِي الدُّنْيَا لَا تَصِفُو لِعَاقِلِ مِن قَذاء، وَلا بُدَّ مِن مُخَالَطَةِ النَّاسِ فِي دُنْيَاهُم.
ومَن صَارَ رَئيساً فِي شَيْءٍ عَلَيْهِم ولَو قَلْ، فَإِنَّهُ يُرمَى بالعَدَاوَةِ ويُحسَدٌ عَلَى مَا هُو فِيهِ، وَلَو أَنَّهُ [كان] فِي مَشَقاتٍ، ويُقالُ فِيه بما فِيهِ ومَا لَيسَ فِيه مِن الظُّنُونِ الرَّدِيئَةِ، ولَو بَلَغَ مِن عليه إلى السَّمَوَاتِ! .. أما قيل للأنبياء والرُّسُل لا مَا لَيسَ فِيهِم، ولَم يَرُدَّهُم ذَلكَ عَن طَاعَةِ اللهِ وَإِبلاغ مَا أُمِرُوا بِه إِلَى الْمَماتِ؟!!، فَلَستَ أَنت خَيْراً مِنهُم وَلَا مِثْلَهُم، فَابذل جُهِدَكَ فِي إِزَالَةِ جَمِيعِ الأذى والقَاذُورات.
فَضْل: في التصبر فيما يُصيب الإنسان فِي مَالِهِ ووَلَدِهِ مِن الأَمراض
واعْلَمْ يا أخي، - رَحِمَنَا اللهُ وإِيَّاكَ، وأَجَارَك وإِيَّانَا بِرَحْمَتِه وفَضلِه - بأَن لا بُدَّ لِلإِنسَانِ مِن نُزول الأمراض والْمَصائب، وتقلب الأحوال بتدبير الله، ولِقاءِ النَّوائِب؛ لأَنْ جَمِيع مَا خَلَقَ اللهُ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا مَاضٍ بِأَمرِ اللهِ تَعَالَى، وذَاهِبٌ كَما مَضى الأَوَّلُونَ بِما فِي أيديهم من أموال وأولاد، وأتباع مِن أَبَاعِد وأقارب، وكذلك يمضي الآخِرُونَ، وَلَا رَادَّ لأمرِ اللهِ كَ وَلا غَالِب. واعلَم أَنْ جَمِيعَ مَا فِي يَدكَ مِن أَموال وأولاَدٍ أَمانَةٌ، ولَها مَطالِب، فَلا تَجزَع إن أصابَ شَيْئاً مِمَّا فِي يَدكَ مِن مَرضِ أَو مَوتِ، أَو سَلَبَهُ سَالبٌ، فَلا تَحْمِلَكَ (1/218)
صفحة 219
الدلائل على اللوازم والوسائل
الظنون بأن تنَّهم أَنْ ذَلِكَ جَاءَك من حاضر أو غائب، وَلا تَقُل هذا من سحر فلان، أو حَسد مِن عَدوّ مُحَانب .. فَالْخَلقُ جَمِيعًا عَاجِرُون لا يَقدِرُون لَك عَلى نَفعِ وَلَا ضَر، لا فِي الدُّنيا وَلا فِي العواقب، إلا مَا شَاءَ لَك الله، وساقه إليكَ ابتلاء وامتحانا، أو ثوابا، أو عقابا من معاقب.
فكم تَرى مِن مَحسُودٍ بِما أُعطِيَ فِي الدُّنْيَا مِن الْمَواهِ، ثُمَّ لَم يَلْحَقَهُ بَأْسٌ إلى آخِرِ عُمُرِهِ، ولَم يُصِبَهُ صَائبٌ.
فَسلّم أُمورَك جَمِيعًا إلى الله، وَلا تَشكُ ولا تُعاتب؛ لأن كُلِّ مَا فِي يَدِك عَارِيَةٌ مِن اللَّه مَردُودَةٌ، لَم تَكُن لَك مِن قَبلُ، ولَن تَبقَى لكَ مِن بَعدُ، فَلا تجزع،
واتَّقِ اللهَ ورَاقِب .. أمَا تَعلَم أَنَّكَ كُنتَ عَدَما، وسَتصِيرُ عَدمًا فِي السَّباسب (1)؟ وأمَّا الَّذي يُصيبك في مَالِك وأهلك وبدنك، فَاعلَم أَنَّهُ أَصابَكَ بِعِلمِ اللهِ إِمَّا عُقوبَة لَك بِذَنبٍ سَلفَ مِنكَ، فَهَنِيئًا لَك إن كان كذلك؛ لأنَّ السَّعِيدَ مَن عُوقِب بِذَنبِه فِي الدُّنْيَا، لَفَلا يُعاقَبَ فِي الآخِرَةِ. وَإِمَّا أَن يَكُونَ ثَوابًا فَنِعْمَ ذلك؛ لأن حَسَنَةٌ مَقبُولَة خَيْرٌ مِن الدُّنيا وما فيها، وثَوَابُ الْمُصِيبَةِ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ.
وأَمَّا مَوتُ الأَولادِ قَبلَ البلوغ، فَتِلكَ آجَالُهُم، فقد سبق بذلك علمُ اللهِ، وهو الذي أعطَاكَ إِيَّاهُم أَتشكُوهُ إِذا نَقَلَهُم مِن مَكانٍ إِلَى مَكانٍ أفضل منه بين حورٍ وولدَانِ؟ أَمَا ذَلكَ خَيْرٌ لَهُم مِن الدُّنيا، وأنتَ لَكَ الأَجرُ بِمُصيبَةِ مَوتِهم .. فَيا لَها مِن مِنْةٍ مَا أَعظَمها!!. كيف يأجرك اللهُ عَلى مَا اسْتَرَدَّهُ مِنكَ مِن العَارية؟! أما هَذِهِ
غاية الإكرام؟! ..
(1) السباسب: جمع سَبسَب، وهي المَفازة والصحراء. (1/219)
صفحة 220
الدلائل على اللوازم والوسائل
220:
ولو عَرَف النَّاسُ الصَّوابَ، لَرَأَوا العينَ وَالْمُصِيبَةَ عَلَى الذي يَعِيش له أولاد في الدُّنيا، للقاء الْمَكارِه، وفي الآخِرَةِ لِعِظَم الخطر، والذي يَمُوتُ لَه أَولادٌ دُونَ البلوغ فَمَنقُولُونَ إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ؛ فَأَيُّ الْحَالَيْنِ تَرَاهُ أَرْجَحَ، إِذَا عَرَفتَ الْيَقِينَ. أَمَّا نُقصَانُ الْمَالِ فَلَا تَحزَن عَلَيهِ؛ فَإِنَّهُ فِي الأَوَّلِ مِن عِندِ اللهِ، ومَرجُو مِن اللَّهِ الْخُلفَ لَكَ مِمَّا تَلَف، فَيْق بِه وتَوكَّل عَلَيهِ، فَإِنَّهُ أَعلَمُ بِمَصالِحِك، وليسَ لَكَ إِلا القوت، وقد ضَمِنَه لكَ فَلا تيأس؛ وَلاَ يَفُوتُك من رزقك مثقال ذرة، ولن تَمُونَ حَتَّى تَستكمله، وسيأتيك به اللهُ مِن أيِّ وَجهِ، فَلا تهتم به، ولا تجمع الْمَالَ، فَلَا يَزِدَادُ لَكَ رِزْقٌ بِذَلكَ. وأمَّا أَهلُ السِّحْرِ وَالْحَسَدِ فَإِنَّهُم لَا يَقدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ أَبَدًا ضَراً وَلَا نَفعاً إلا بما شاء الله، وقد قال الله - إن كُنتَ تَعقِلُ قَولَهُ -: {وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ}. فَإِذَا كَانَ لا يلحقك ضرر إلا بإذن الله، فاعتصم به وتوكل عَلَيْهِ، وفَوِّض أُمُورَك إِلَيهِ، وإن جرَى مِنهُم شَيء، فقد جَرَى بِعِلمِ
(1)
وربا،
وعليهم الوزر .. هذَا حَظهُم، وكَفَى به بَحْساً وغنا، ولَك أَنتَ الأَجرُ وكَفى به غنما فقد جلبوا لك خيرًا ولأنفُسِهِم شَرًّا، ولو عَرَفتَ الرِّيحَ لَشَكَرَتَهُم بِفِعلهم بِكَ
ذلك ..
فادرعِ الصَّبرَ، واعتقد الشكر، ودَعِ الْهَلَعِ وَالْحَزَعِ، فَإِنَّهُ لَا يَرُدُّ شَيْئًا.
واعلم أنك أَنتَ ومَا مَلَكَت يَمِينُك ملك لله، وفي مُلكه ولَو كُنت - مثلاً - سُلطَانًا عَظِيمًا فِي الدُّنْيَا، فقد قَالَ اللهُ: لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ (2). فأَنتَ مِمَّن فِيهِنَّ، فقد دخلت في المملكة، وقد قَالَ اللهُ تَعَالَى: لَهُ مَا فِي
1) سورة البقرة: 102.
(2) سورة المائدة: 120. (1/220)
صفحة 221
الدلائل على اللوازم والوسائل
السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى) .. فإذا كُنتَ أَنتَ مَمْلُوكًا،
ومَا فِي يَدِكَ مِن أَموَالٍ وَأَولادٍ عَارِيَةٌ مَردُودَةٌ، فَلِمَ الْجَزَعُ وَالشَّكوى؟!! أَتَشكُو مَولاكَ وَقَد أَكرَمَك بكراماتٍ يَقصُر عَنهَا وَصفُ الواصفين؟!
أما
تَستَحِي؟!
فكرا ماته لك مُتابعة، ونِعمَتُه عَليكَ سَابِعَةٌ، فَنِعَمُ الْمَوَلَى لَكَ، وَبِئسَ العَبدُ أَنتَ. وأَمَّا مَا أَصابَكَ مِن الأَمْرَاضِ فيما كَسَبَت يَدَاكَ، فَمن تلُوم؟ وقد قَالَ لَكَ: {وَمَا أَصَبَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَن كَثِيره (2) فَإذا كان جَميع مَا يُصِيبُك بِما كَسَبَت فَلا تَكُم إِلا نَفسَك .. غَير أَنَّكَ لِجَهلِك وَغَفَلَتِك، وهَلَعِك، وعَجَلَتِك نَسِيتَ مَواهِبَ اللهِ تَعَالَى مِن العَافِية والرِّزْق، ومَا مَنَّ بِهِ عَليكَ مِن جَمِيعِ الْمَنافِع. وإن أصابك ولو قَرصَةُ نَملَةٍ، أو وَجعُ ضَرس أو ظفرٍ، أَكثَرت الشكوى والْهَلَعَ، فَلَيسَ هذا يَحسُن مِنكَ، بل الواجب علَيكَ أَن تُسلّم أمورَك جَمِيعًا إِلَى اللَّهِ، وتَكُون كَالْمَيِّت يين يَدَيِ الْمُغسل، يَفعَلُبِهِ مَا يَشَاءُ وَهُو مُطِيعٌ. ولا تُعدُّ مُصيبَة غَير مُصِيبَة مَن خَرجَ مِن الدُّنيا عَلى إِصِرَارٍ أَو كُفَرٍ أَو نِفاق، فَقَد فَارقَ الدُّنيا ولم يبقَ لَهُ مِنها شَيء، وقَدِم إلى الآخِرَة مُفلِسًا، وَحَظُهُ النَّارُ خَالِدًا فِيها أبدا – نَعُوذ باللهِ مِنهَا، فَهَل هُناكَ مُصِيبَةٌ أَعظَمُ مِن هَذِهِ؟؟. أمَا لكَ لُب فَتَذَكَّر وتأخذ حذرك مَا قَدَرتَ مِنهَا؟! فكيفَ تَقدِر عَلَى الْخُلُودِ فِي النَّارِ؟ فذكرها يسلب اللب، فكيف بحلُولِهَا؟! أعاذنا الله مِنها بِمنه وكرمه، وهو أرحم
الراحمين.
1) سورة طه: 6.
(2) سورة الشورى: 30. (1/221)
صفحة 222
الدلائل على اللوازم والوسائل
222
البات
فِي ذِكرِ شَيءٍ مِن الزَّواج
ومَا يَحرُمُ مِن النِّساءِ ومَا يُستَحبُّ من ذَلِكَ
إِذا فَهمت يا أخي، - رَحِمَنَا اللهُ وإِيَّاكَ - مَا يَخُصُّ البَدَنَ وَالْمَالَ مِن اللُّوازم؛ وعَرَفتَهُ ضَبطًا، فَامْتَخِلهُ عَلى الأمر به طاعةٌ لِلَّهِ القَادِر العَالِم، فحافظ بَعدَهُ عَلى جَمِيع
جَسَدِكَ مِن كَسب الْمَآثِم.
فاحرس قلبك مِن الظَّنونِ الرَّدِيئَة، والشَّهَوَاتِ الدَّنِيئَةِ، واقتَدِ فِي جَمِيعِ أَحوَالِكَ بالأكارم، ومن لسانَك عَن كُلِّ نُطقِ لَا تَحِدلَهُ جَوابًا، إِن سُئِلْتَ عَنهُ فِي سَاعَةِ
اللوائم). واعتبر نفسك بعد البلوغ، أَلكَ هِمَّةٌ ومَحبَّةٌ فِي تَزوّج النِّساءِ، بَعد فَراغِكَ مِن جَمعِ
الْمَلَابِس وَالْمَطَاعِمِ؟ فَإِن لَم تَكُن لَك هِمَّةٌ فَلَا تَتَعرَّضَ لِلثَّقَل وأَنتَ مِنهُ سَالِمٌ. فإِنِّي رَأَيتُ بِعَينِ عَقلِي، فَرَأَيتُ الْخُلفَ لِلإِنسَان مِن أَكبَرِ الغَنائم، إذ لا سُؤالَ فِيه غَدًا عَن حُقوقِ الأَزواج والأولادِ وَالبهائم؛ لأنّ الدُّنيا ذَاهَبَةٌ مَاضِيَة بِسُرعَةٍ مِثل حُلُم
النائم
غَير أَنَّهُ أَمرٌ قد سبق به تدبير الْخَالِقِ الْحَاكِم، فَلا يَقدِرُ العَبدُ أَن يُغيِّرَه، ولَو بَدَلَ الْمَالَ، وعبد اللهَ عِبادَةَ القَائِمِ الصَّائِمِ، فَلَيسَ إِلا الرّضا والتسليم لأَمرِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ لَا رَادَّ وَلا دَافِعَ لَهُ يَا نَائِم .. وأَنتَ لَو دَبَّرت أمرًا أو اختَرتَهُ فَلَيسَ هُو مِن تَدبيرك، بَل دَبَّرَه لَك مَن هُو بِصلاحك عَالِمٌ.
فإذا استقمت عزبا بلا شاغلٍ وَلَا هِمَّةٍ وَلَا وَسَوَاسِ، فَاعْتَنِم الفُرصَةَ، وخُذ فِي
الأُهْبَةِ لِمَا أَنتَ عَلَيْهِ قادمٌ.
1) اللوائم: جَمع لاَئِمَة، ويقصد به هنا: يوم القيامة. (1/222)
صفحة 223
الدلائل على اللوازم والوسائل
وإِن شَقَّ عَليكَ ذلِك، وخفت الفتنة مِن قِبَل شَهْوَةِ النِّسَاءِ، فَعَجِّل بِالزَّواجِ لِتُحَصن نَفسَك، وخُذ مِن النِّساءِ مَن تَرى نَفسُك بها رَاغِبةً، وتُغنيكَ عَمَّن سِوَاهَا .. وَلَا تتعرَّض
لِكَثَرَةِ الْمُهورِ، وَلَا لِلجمَالِ البَارِعِ، فَلَو كَانَ فِي كَثَرَةِ الْمُهُورِ مَكَرُمَةٌ وفَضِيلةً يُسبق إليها، لَسَبقَ بها رَسُولُ اللهِ، فَإِنَّهُ فِيما وَجَدْنَا عَنهُ مَأْثُورًا أَنَّه لَم يُمهِرٍ أَزْوَاجَه وبناته مُهورًا زَائِدَةً مُتعدِّيةٌ (()، بِمِثل مَا نَسْمَعُ بِمُهورِ النِّسَاءِ فِي هَذَا الزَّمَانِ.
وأمَّا الْجَمَالُ: فَحَسَنُ إِلَّا أَنَّهُ يُخَافُ مَن بِهِ الْحُسَنُ مِنَ النِّسَاءِ أَن يَتعرَّضَ لَهَا أَهْلُ الفسادِ بما لا يَجُوزُ لِما يَجِدُونَ فِي أَنفُسِهِم مِن الْمَيلِ إِلَيهِ، وَيُخَافُ مِن النِّسَاءِ لِقلَّةِ عُقولِهنَّ، أن يتطلعنَ ويَظْهَرْنَ لِلرِّجَالِ الْمَذْكُورِينَ، لِيَنظُرُوا إِلَيهِنَّ عجبًا منهنَّ بِأَنفُسِهِنَّ؛ لأَنَّهُنَّ عَمِينَ عَن عُيُوبِهِنَّ، وَلَم يَنظُرْنَ إِلَّا إِلَى ظَاهِرِهِنَّ.
ولَيسَ ذَلِكَ الْحُسنُ مِن قُوَّتِهِنَّ لَكِنَّ الْكَمَالَ فِي الدُّنْيَا قَلِيلٌ، قَلْمَا يُوجَدُ، ورُبَّمَا وُجِد جَمالٌ فِي صُورَةٍ وَجهِ إِنسَانٍ أَو امرَأَةٍ، ثُمَّ وُحِد بِهِ شَيْءٌ مِن الْمَعَايِبِ الْمُختَصّ بِهِ جملة عُيوب البَشَر، مِن رِيحٍ خَبِيثَةٍ مِن أنف أو فَمٍ، أَو صُنَانٍ فِي إِبط، أو كِبَرِ بَطْنٍ، أو ضعفٍ فِي بَقِيَّةِ الْحَسَدِ، أَو نُقصَانٍ فِي شَيْءٍ مِن الأَعضَاءِ.
من
وإِيَّاكَ ثُمَّ إِيَّاكَ من تَزَوُّج امرأَة مِمَّن عِندَها أَنَّها أَشْرَفُ مِنكَ نَسَبًا لِئلا تَعْلُو عَلَيْكَ، أَو امرأة هي دُونَكَ لِفَلا يُعير أولادك بأحوالهم، أو امرأة متهمة، أو ابنَةِ امْرَأَةٍ مُتَّهَمَةٍ بِما لا
يَجُوزُ.
واحذر الكذابَةَ والنَّمامة، والْمُفسدَةَ بَينَ الأهل والْحِيرَانِ، والسَّلِيطَة (2) اللسان، وذَوَاتِ الأولاد مِن غَيْرِكَ، وإِن لَم يَكُن تَزوج هَؤُلَاءِ حَرَامًا، بَل مِن أَجلِ الْهَمِّ وَالشَّاغِل
والريبة.
1) وفيه أثر رواه أحمد والترمذي عن عُمر بن الخطاب له أَنَّهُ قَالَ: «لو كانَ غلاء المهر مكرمة في الدنيا، وتقوى عند الله في الآخرة، إذًا لخص الله بِهِ نَبِيَّه الله، واللهِ مَا نَعْلَمُ أَنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم نَكَحَ شَيْئًا مِن نسائه، ولا أنكح شَيْئًا مِن بَناتِه عَلَى أكثر من اثنتي عشرة أوقية». وانظر أيضا: مختصر من ا السنة لمحمد بن محبوب، كتاب النكاح. 2) سليطة اللسان هي الثرثارة المتطاولة على الناس بالكلام السيء. (1/223)
صفحة 224
الدلائل على اللوازم والوسائل
فإِن يَسَّرَ اللهُ لَك، فَخُذ الْمَرأَة العَاقِلَةَ العَقِيفةَ الْمَصُونَةَ الْمُساعِدَةَ الْمُتَوَاضِعةَ لكَ، ولِمَن تُرِيدُ الْمُحافِظَةً عَلى ما فَرضَ اللهُ عَلَيهَا الْمُطِيعَة لبعلها (1) إلا فيما لا يَجُوزُ لَها
[فِعله]، الْمُتَنَزَّهَةِ عَن قَبضِ مَا لاَ يَجُوزُ لَها، قبضه، وعَن أَكل مَا لَا يَجُوز لَها أَكله، القانعة بما يَسَّرَ اللهُ لَها مِن مَأكُولٍ ومَلبُوسِ الْمُلَازِمَةُ لِعُقر بَيتِها لَيلاً وَنَهَارًا، لَا تَخْرُجُ مِنه إلا لما لابدَّ لَها مِنْهُ، الْمُعاوَنَةُ لِبَعلِها بَيدِها وَمَالِها .. فَإِذَا ظَفِرْتَ بِمِثْلِ هَذِهِ فَتَزَوَّحِهَا وتوكَّكُل عَلَى اللَّهِ، فهو حَسبُنَا وَنِعمَ الوَكِيلُ.
إِلا أَن تَجِدَ بِمِثل هَذِهِ، ثُمَّ لَا تَهوَاهَا أَنت أبدًا؛ فَلا تَأْخُذُ مَا لَا تَهَوَاهُ، فَإِنِّي أَخَافُ أن تعصي الله فيها، ولَو أَطَاعَت هي .. وإن لم تجد عَلَى هَذِهِ الصَّفَةِ، فَلَا تَأْخُذَ أَقل مِن امرأةٍ أَمِينَةٍ عَن الْخِيانَةِ بِنَفسها أو بِيَدِها كَافَة لِسَانَها عَن أَذَى بَعْلِها وَذَوِيه وجِيرَانِها،
وقائِمَة بِمَا تَحتَاجُ إِلَيْهِ، إِذَا حَمَلْتَكَ الضَّرُورَةُ، ولَم تَحِد الصفة الأُولَى. وأَمَّا الْحَرامُ عَليكَ زوَاجُه مِن النِّساءِ: فَهُنَّ جَمِيعُ مَا نَسَل أَبوك وأُمُّكَ؛ لأَنَّهُنَّ أَخَوَاتُك وما تَناسَلُوا ولَو إِلَى مَائَةٍ جَدٌ، وكذلِك مَا نَسَل أَجدَادُكَ مِن قِبَلِ أَبِيكَ وأُمِّكَ؟ لأنهم أعمامك وأخوالك، فَلا يَجُوزُ أَن تَتَزَوَّجَ بِعَمَّاتِكَ وَلَا بِحَالاتك .. أمَّا نَسلُهُم فَحلال لك؛ لأن نَسلَهُم بَناتُ أَعمامك، وبَنَاتُ عَمَّاتِك، وبناتُ أَخوَالِك، وبَناتُ خالاتك كله حلالٌ لَك، ومَا تَناسَلُوا.
وحرام عليك: مَا نَسَلَت (3) امرَأَتُكَ مِن غَيرك، وحرامٌ عَلَيكَ تَزوجُ أُمِّ امْرَأَةٍ
تزوجتها، وكذلك مَا وَلَدَت ابنَةُ امْرَأَتِك.
وأمَّا أُختُ امْرَأَتِكَ فَحَرَامٌ عَليكَ تَزوجهَا، مَا دَامَت أُختُها زَوجَةٌ لَك فإذا مَاتَت أَو طلقتها، وانقضت عِدَّتُها جازَ لَك تَزوجها.
1) البعل هو الزوج.
(2) ما نسلت أي ما ولدت (1/224)
صفحة 225
225:
الدلائل على اللوازم والوسائل
وكذلك حالة امرأتك وعَمَّتِها، وابنة أخيها وابنةُ أُختِها، لا تَجمَعَهَا عِندَها؛ لأنَّه حَرامُ الْجَمعُ بَيْنَهُنَّ.
وأَمَّا ابنة عمها، وابنة عمتها وابنة خالها، وابنةُ حَالَتِهَا، فَفِي الْجَمْعِ بَينَهُنَّ الكَرَاهِيَّةُ
بلا تحريم.
وَلا تَأْخُذ امرَأَةٌ عجوزا، وهي التي قد بَلَغَت السِّتِّينَ سَنَةٌ؛ لأَنْ جَمَاعَها فِيمَا يُحكَى مُضِرُّ بِالْحَسَدِ، لِيُبسِ جَسدِها فِيمَا أَحسِب.
ولا تتزوج صَغِيرَةً يَتِيمَةٌ، وَلاَ صَغِيرةً غَير يَتيمة؛ لأنه لا يحصل منها العناية، لا
للنفس، ولا العِيالَ، وَلا لِخِدمَةِ البَيتِ. وجماعُها أَيضًا مَدْمُومٌ فِي الْحِكمَةِ.
وأَمَّا اليَتِيمَةُ: فَلَأَنْ تَزويجها مَوقُوفٌ، والْحَوادِثُ غَيْرُ مَأْمُونَةٍ عَلَيْكَ وَلَا عَلَيْهَا، وَإِن جَرى حَادِثُ مَوتِ عَليكَ أَنتَ فَيُوقَفُ الْمَالُ إِلَى بُلُوغِهَا، فَإِن بَلَغَت حُلْفَت لَو كَان فلان (تعني زوجها حَيًّا لَرَضِيَتَ بِه زَوجًا لِيَثبت لَهَا الْمِيرَاثُ .. فَإِن مَاتَت هِي قَبْلَكَ فلا ميراث لَك مِن مَالِها، وعِندِي أَنَّ السَّلامَةَ عن تزويجهَا أَسلَمُ لِمَن صَحَ لَهُ غَيرها، وإِن دَعَتِ الضَّرُورَةُ فَالاصْطِرَارُ غَير الاختيار.
وكثير من النَّاسِ مِن أَهلِ الوَرَعِ تَزوَّجُوا يَتِيمات، إِلَّا أَنِّي أَرِى الْحَرَمَ غَيْرَ ذَلِكَ .. ولَو
كُنتُ أنا فعلتُ ذَلكِ، ففي ذلكَ الوَقتِ لَم يَحضُرِنِي مَا حَضَرَنِي فِي هَذَا الزَّمَانِ. وإِن حَصَل لَك زَوَاجٌ فِي بَلدك ووَطَنِكَ، فَلا تتعرَّض لِلزَّواج مِن الغُربَةِ بلا تحريم لذلك، إِلا مِن أَجلِ الرِّفقِ بك، والْخَوفِ عَلَيكَ، ولأجل عليك بجيرانك، لتأخذ على بصيرة، وَجَهلُك بِالنَّازِحَ عَنكَ، وهَذهِ عَوَرَاتٌ وسَترُهَا فِي أَرْضِكَ خَيْرٌ مِن غَيرِ ذَلِكَ. ولا يَحِلُّ لَك تَزوج امرَأَةٍ تَزوَّجَها أَبُوكَ قَبْلَك أَو ابنُك، ولَو تَزوَّجت بَعدَهُم بِعِدَّة
أزواج.
وأَمَّا نِكَاحُ الْمَرأَة التي تزَوَّجَها قبلك وَلَدُ امْرَأَتِكَ مِن غَيرِك فَفِيهِ الكَرَاهِيَّة بلا تحريم
عليك. (1/225)
صفحة 226
الدلائل على اللوازم والوسائل
22
وكذلك المرأة التي تَزوَّجَها زَوج أُمِّكَ بَعد أُمِّك ومات عنها أو طلقها، ففيه
الكراهية أَيْضًا بغير تحريم.
ويَحرُم عَليكَ أَيضًا مِن قِبَلِ الرَّضاعِ مِثل مَا يَحرُم مِن قِبل النَّسَب بِسُنَّةِ النَّبِيِّ. فلا تَتزَوَّج بِأُمِّكَ مِن الرَّضَاعَةِ، وهي التي أَرضَعَتكَ قَبلَ القِطَامِ، وَلَا بِأُختِك مِن
الرَّضَاعَةِ، وَلا بِما نَسَلت وهي ابنتها، وهي التي أرضعتكَ وإيَّاها امرأَة وَاحِدة. ولا بابنة أخيك مِن الرَّضَاعَةِ، وَلاَ بِما نَسَلَت، وهي: التِي أَرضَعتكُمَا (أَنت وإِيَّاهَا)
امرأة.
ولا بِعَمَّتِكَ مِن الرَّضَاعَةِ، وهي التي أَرضَعَتها امرَأَةٌ هي وأبوك.
ولا بِحَالَتِك مِن الرَّضَاعَة، وهي التِي أَرضَعَتهَا هِي وَأُمُّكَ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ. ولا بابنتك من الرَّضَاعَةِ، وهي التي أرضعتها زَوجَتُكَ فِي حَالٍ وِلادَتِها مِنكَ (والبنتُ مِن غَيرك).
ولا تَتَزَوَّج بوَاحِدَةٍ مِن بَناتِ الرِّجال الذين أرضعتكَ نِسَاؤُهُم؛ لأَنَّهُم آبَاؤُكَ مِن الرضاع؛ ولأَنَّ اللَّبَنِ لِلزَّوجِ، وَاللَّهُ أَعلَم.
فإِذا عَرَفتَ مَا يَحِلُّ مِن التَّزوج وَمَا يَحرُم، وأردت الزواج فَلا تقصد – إن أمكنكَ - إِلا الْمَرأَة الصَّالِحَة.
وإن
قلت: أَينَ الصَّالِحَةُ؟ وَلَابُدَّ لِلإِنسَانِ مِن إِحرَازِ دِينِه .. وَأَينَ الصَّالِحُونَ أَيضًا؟ فَصدقت؛ ولَكِنَّ الضَّرُورَةَ تَدعُو إِلَى ذَلِكَ] .. واعلم أن خير ما أُعطِي الإِنسَانُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ: الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، والنِّسَانُ
الذاكِرُ، والصَّدِيقُ النَّاصِحُ، فَإِنْ صُحبَةَ هَؤُلاءِ تُطِيلُ العُمُرِ».
فإِذَا عَزَمتَ عَلى الزَّوَاجِ، فَلا تَتَزَوَّج بامرأة إلا برضاها وإذن وليها، فَإِنَّهُ لا يَجوز لوليها أن يُزوجها إلا برضاها إذَا كَانَت بَالغًا، وَلا يَجُوز لَهَا هِي أَن تَتَزَوَّج بِغَير إِذنِ وليها، إلا أن يأبى وَلِيُّهَا، أو يَجعَلها وكيلةً في تزويج نفسها بِمَنْ أَرَادَت، أو يُقِيم لَها (1/226)
صفحة 227
الدلائل على اللوازم والوسائل
هو وَكِيلاً لِيُزَوِّجها، أو تَحتَجَ عَلَيْهِ بَعدَ الإِباء، ويُزَوِّجها غَيْرُه مِن حَاكِمٍ، أَو وَلِيٌّ دُونَهُ، إِن لَمْ يَكُن أَبًا. فإِذَا سَمَحَت لَك الْمَرْأَةُ بِزَواجها، وسَمَح لَك وَلِيُّها، وعَرَّفُوكَ مَهرَهَا الذِي يَكُون عَلَيه عقدُ الزَّواج؛ فَاطلب إِلَى أَحَدٍ مِن الْمُسْلِمِين أَن يَعقِدَ بَيْنَكُما النِّكَاحَ بِحُضورِكَ، وحُضورِ الوَلِي، وَشاهِدَيْنِ عَدلَينِ بِالعَاقِد بَيَنكُما إِن تَيسَّرَ، وَإِلا فَكَثَرَةُ مِن شُهُودٍ ولَو عشرة؛ لأَنَّهُ كُلَّمَا كُثر الشُّهُودُ لِلزَّوَاجِ وَاسْتَهَر كَانَ أَحْسَنُ، وَلِئَلَّا تُنكِرَ الْمَرْأَةُ التزويج أَو الرَّجُل إِن بَدَا لَهُما ذَلِك، ولْيَشتَهِر الزَّوَاجِ مَعَ النَّاسِ لَيَعْلَمُوا ذَلِكَ، لِئلا يَجرِي شَيْءٌ مِن الْحَوَادِثِ مِن نَسلِ، أَو مَوتِ، أَو حُقوقِ، أَو غَيْرِ ذَلِك.
وإِن أَمَرَ الوَلِيُّ العاقدَ بِالعَقدِ عَلى امرَأَةٍ، ويعرف العَاقِدُ أَنْ ذلِكَ الرَّجُلَ وَلِيُّها حَازَ لِلعَاقِد أَن يَعقِدَ التَّزويج بينهما، ولو لم يحضر الوَلِيُّ. وكَذلِك إِن لَم يَحضُرُ الْمُتَرَوِّج وحَضَر أَبُوهُ أَو غَيْرُه وتَزوَّج لَهُ، وقَبل لَهُ الزَّواج وأَعلَمَهُ بِه وأَتَمَّهُ، ورَضِي بِهِ جَازَ ذلك، لكن لا بُدَّ مِن الشُّهُودِ عَلَى التَّزويج. وإِذا أَردت أَن تَعقِدَ عُقدَة التزويج بَينَ رَحِلٍ وَامرَأَةٍ، وَحضَرَ الشُّهُودُ فَاسْتَأْذِنَ الوَلِيَّ في تزويج مَن يَأْمُركَ بتزويجه مِن أُمّ أو ابنَةٍ أو أخت، ولَو لَم تَعلَم أَنتَ أَنْ لَهُ أُمَّا، أو ابنَةٌ، أَو أُختا، وَأَمَّا غَير هَؤلاء مِثل بَناتِ العَمِّ، أَو غَيْرِهِنَّ، فَحَتَّى تَعْلَمَ أَنْ عِندَهُ أَحَدًا مِن
هؤلاء.
فإِذَا عَلِمتَ فَاعقِد كَما أَمرَكَ، وَاستَأذِنِ الْمُتَزَوِّج فِي العَقدِ وَالْمَهرِ، فَإِذَا أَذَنُوا لَكَ وأردت العقد بمحضَرِ الشُّهُودِ فَقُل: «بسم اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمدُ لِله رَبِّ العالمين، والعَاقِبَةُ لِلمُتَّقِين، وَلا عُدوَانَ إِلا عَلَى الظَّالِمِينَ، وَصلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خاتم النبيين، وعلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِم أَجْمَعِين .. أَمَّا بَعدُ: ثُمَّ إِنِّي أشهدكم أَيَّتُهَا الْجَمَاعَةُ الْحَاضِرُونَ، فَاشْهَدُوا أَنِّي قَد زَوَّجَتُ فُلانَ مِنْ فُلانٍ الْفُلَانِي -
بن
وتشير إليه إِن كَانَ حَاضِراً، وإِلَى الْمُتَزَوَّج لَهُ إِن كَان هُو غَائِبا – بِفُلانَةٍ ابْنَة فُلانٍ (1/227)
صفحة 228
الدلائل على اللوازم والوسائل
الفُلانية زَوَّجْتُه إِيَّاهَا بِإِذنِ وَلِيُّها - ويُشيرُ إِلَيهِ إِن كَانَ الوَلِيُّ حَاضِرًا، أَو تُسمِّيهِ إِن كَانَ غَيْرَ حاضر، وقلت: بِإِذنِ وَلِيُّها فُلان بن فلان الفُلَانِي، زَوَّجْتُه إِيَّاهَا عَلَى حُكمِ كِتابِ اللَّهِ الْمُرْلِ، وسُنَّةِ نَبِيِّهِ الْمُرْسَل مُحمدٌ الله، وعَلى إِمْسَاكِ بِمَعْرُوفٍ، أَو تَسرِيحٌ بِإِحْسَانٍ،
وعَلى حُسنِ العِشرَةِ لَها، وجَمِيلِ الصَّحِبَةِ عِندَها وعَلى الإِحْسَانِ إِلَيْهَا، وَرَفعِ الإِساءَةِ عَنْهَا، وعلى أداء الواجب واللازم إِلَيْهَا، وعَلى صَداق آجلٍ وَعَاجِلٍ، فَالْعَاجِلُ مِنْهُ كَذَا وَكَذَا، يُؤدَّى ذلكَ إِلَيْهَا، أَو إِلَى مَن يَقُوم بذلكَ مَقامَها من الأولياء برضَاهَا وَإِذنها، والآخِلُ مِنْهُ كذا وكَذَا صَداقًا آجلاً مُؤجّلاً دَينا مُنسَنًا (1) لَهَا عَلَيهِ إِلَى حُدوثِ مَوتِ، أَو طَلاق، أو وجه مِن وُجوهِ الفِراقِ، أَو بَينُونَةٍ لَها بحرمة تجب بِها عَلَيْهِ مَحلَّ هَذَا الصَّدَاق، - وإِن كَانَ فِي الْمَهر عبيداً، أو تخلاً، أو ضَيْعَةً، أو مَناقِيل، أو شَيْئًا مِن الأكسيَةِ، اذكر ذلك في العقد وعلى جَمِيعِ هَذَا الصَّدَاقِ الَّذِي وَقَع عَليهِ التَّزويجُ العَاجِلُ منه وَالأَحِلُ، وعلى الشروط الْمَذكُورَةِ زَوَّجتُ فُلان بن فلان الفلاني بفُلانة بنت فلان الفلانية، وأملَكتُه عصمَةَ نكاحها بإذنِ وَلِيُّها هَذَا - وتُشِيرُ إِلَيْهِ بِيَدِكَ إِن كَان حَاضِرًا،، وتَقُولُ: فُلان بن فلان الفلاني، فَإِذا قَبلَها زَوجَة لَهُ فَكُونُوا عَليهِ مِنَ الشَّاهِدِينَ (يَعْنِي الْحَاضِرِينَ)، ثُمَّ تَقُولُ كذَا نَشْهَدُ عَلَيْكَ يَا فُلانُ أَنَا وَالْجَمَاعَةُ الْحَاضِرُونَ بِأَنَّك قبلت فُلانة بنت فلانٍ الفلانية زَوجَةٌ لَك بِجَمِيع هذا الصَّداق الْمَذكور، الذي وقع عليه التزويجُ العَامِلُ مِنْهُ والآجل، وقبلت لَها عَلى نَفْسِك بِجَمِيعِ ذَلِكَ، نَعَمْ؟ فَإِذَا قَالَ: نَعَمْ، قَالَ الْمُمَلْكُ لِلزَّوجِ: قُل يَا فُلان قَد قَبِلتُ فُلانَةَ ابْنَةُ فُلانٍ الفُلَانِيَّةُ زَوجَةً لِي بِجَمِيعِ هَذَا الصَّدَاقِ الْمَذْكُورِ، الذِي وقع عَلَيهِ العَقدُ العَاجِلُ مِنْهُ والآجل، وعَلى الشُروطِ الْمَذْكُورَة فِي هَذَا العَقدِ وقبلتُ وأقرَرْتُ لَها عَلَى نَفْسِي بِجَمِيع ذلك، فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ فَقَد تَمَّ العَقدُ».
للزوج
لكن انظر يا أخي، - رَحِمَك الله - في الشروط: مِن الإِحْسَانِ إِلَيْهَا، ورفع الإساءة عَنهَا، وَأَداءِ الوَاحِب واللازم إِلَيْهَا.
1) منسا: من النسيئة؛ وهي!
التأخير. (1/228)
صفحة 229
الدلائل على اللوازم والوسائل
فَأَينَ القَائِمُ بذلك، وهَل يَصحُ ويَحِلُّ شَيْءٍ أَخذَتَهُ بِشَرط، مِن غَيرِ أَن تُوَفِّيَ بشَرطه .. فَانظُر وفَكِّر، إلا أَن يَرضَى مَن لَهُ الشَّرطُ، وَإِلا فَالْمُسْلِمُونَ عَلَى شُروطِهِم.
فإن لم نُوَفِّ بالشروط، فمَا عُذرُكَ عِند الله، وعِندَ مَن أَخَذَتَه بِشَرط؟!. أرأيت لو بَايَعَكَ إِنسَانٌ دَابَّةٌ أَو مَالاً، وَشَرَط عَلَيْكَ شَيْئًا مِن وَقتِ، أَو جُزءٍ مِن الْمَالِ، أَو مِن الغَلَّةِ، أَكُنتَ تَستَحِلُّ ذَلِكَ بِغَيْرِ وَفَاء لَهُ بِشَرطِهِ؟!
وخذ حذرك مِن زَواج امرَأَةٍ زَنَيتَ بهَا، أَو مَسَسْتَ عَورَتَها عَمدًا، فَإِنَّها لا تَحِلُّ لك، ولا لابنك إن أَرادها.
ولا تخطب امرَأَةٌ فِي عِدَّةٍ مِن زَوجِ، وَلا امْرَأَةٍ يَخطُبُها غَيْرُكَ مِن إِخْوَانِكَ، أَو ذَوِي قَرابَتِكَ، أَدْبًا مِن غَيْرِ تَحرِيمٍ. وَلَا تَتزوج بأكثَرَ مِن أَربَعٍ، فَإِنَّهُ حَرَامٌ التَّزَوُّجُ بِخَامِسَةٍ. وَلَا يَجُوزِ لَكَ أَن تَتَزَوَّجَ امرَأَةٌ مُطَلَّقَةٌ لِتُحِلُّهَا لِمُطَلِّقِها. وإن مَنَّ الله عليكَ باليُسر، ومَلَكت واحدة من الحواري الإِمَاءِ جَاز لكَ وَطُوها بِمِلكِ اليمين، كما أحلهُ اللهُ فِي القُرآنِ الكريم بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونَ
إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَتُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ).
وَجوَازُ وَطنِها بَعدَ الاستبراء بحيضتين، أو بخمسةٍ وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا إِن كَانَت مِمَّن لا تَحِيضُ مِن صِغَرٍ أَو كَبَر (2).
وجَائِرٌ لَكَ وَطَءُ مَا مَلَكت يَمِينُك، ولو مَائَة واحدة أو أكثر، إن أحبت ذلك واحتجت إِلَيهِ، فَإِذَا عَرَفتَ ذَلِكَ ومَلَكتَ امْرَأَةً بِعَقدٍ صَحِيحٍ، وَحَضُورِ شهودٍ، وَوَلِيِّ، وَمَهرٍ مَعلُوم أو مجهول، ورضا الْمَرْأَةِ بِكَلامِها إن كانت بالغا تيبا، وَبِسكوتها إن كانت بكرا بالغًا، وهُو أن تَعلَم يتزوج ذلك الرَّجُل لَها، ويُقالُ لَها سُكوتُكِ رِضاكِ.
1) سورة المؤمنون: 5 - 6
2) أي: الصغيرة قبل البلوغ، أو التي يئست من المحيض وارتفع عنها الدم. (1/229)
صفحة 230
23
الدلائل على اللوازم والوسائل
فَإِذَا عَقَدتَ الزَّواج فَهِيِّء لِلمَرأَةِ الطَّعامَ الْحَلالَ والْمَسَكنَ الرَّافِقِ، فَانقُلهَا إِلَيكَ فِي ليلةٍ طيبة، وَأَوْلِم فِيهَا لِجيرانك وإخوانك وذَوِيكَ طَعَامًا طَيِّبًا بِالْمَعْرُوفِ، بِلا إِسْرَافِ
ولا تقتير. (1/230)
صفحة 231
الدلائل على اللوازم والوسائل
التالي
في ذكرِ شَيءٍ مِن حُقوقِ الأَزواج والزوجاتِ
فَإِذَا زُفِّت إِلَيكَ الْمَرْأَةُ وَخَلَوتَ بِها، فَاذكر الله تعالى واشكرهُ عَلى تَيسِيرِه لَك الْمَهْرَ وَالْمَرأَةَ لِتُحَصِّن بِها دِينَك عَن فِتْنَةِ النِّساءِ، فَإِذَا أَرَدتَ مِنها قَضاءَ حَاجَةِ الْحِمَاعِ
فَتَادَّب، وَلا تَكُن كَالبهائم، فَآنسهَا بِلُطفِ الكَلامِ، وَمَسَ الْجَسَد وغُمره وتقبيل والضم، إلى أن تُذهِبَ عَنهَا الوَحشَةَ وتَشْتَهِي الحِماعَ، فَجَامِعهَا حِينَئِذٍ وَانوِ بِالْجَمَاعِ كَسَرَ شَهْوَةِ النِّسَاءِ عَنكَ، وَكَسر شَهْوَةِ الرِّجَال عَنهَا، لِتَحصُلَ لَكُما الفَائِدَتَانِ: لَذَّةُ الْحِمَاعِ، وَلِقَاءُ الْمَحْبُوبِ وثَوَابُ اللهِ إِذَا كَان جَمَاعُكَ لِهَذِهِ الْمَرْأَةِ عَلَى هَذِهِ النَّيَّةِ، فَإِذا قَضَيْتَ حَاجَتَكَ بِخُروج الْمَنِيِّ مِنكَ، فَلا تَعجَلَ بِالقِيَامِ عَنْهَا، وَتَمَهَّل قَلِيلاً، كانت هي لم تقض شهوتَهَا بَعدُ، وقَدَرتَ أَنتَ عَلى مُرَاجَعَتِهَا ثَانِيَةً فَافَعَلَ، فَإِنَّهُ مِن التعاون على طاعة الله، وإن لَم تَقدِر فَلا تُكَلِّف مَا لَا تَقدِر عَلَيهِ .. ومِثْلَمَا تَشْتَهِي الرِّجالُ النِّساءِ، فَالنِّسَاءُ يَشتَهين الرِّجَالَ، وإِذا كَانَ السَّبَبُ مِنكَ لِشَهْوَتِهَا فَأَتْمِمْ لَهَا إِن قدرت، وإِن لَم تَقدِر فَلا بَأسَ عَلَيكَ .. وَانظُر لَو هِي قَامَت عَنكَ قَبل أَن تَقضِيَ حَاجَتَكَ أَكُنتَ تَرضَى بِذَلِكَ؟! فَانصِف مِن نَفسِكَ ..
وإن
وجائز لك مُعاوَدَها بِالْحِماعِ مَا أَرَدتَ إِلا أَنَّهُ يُستَحِبُّ لَكُما غَسِلُ العَورَةِ وَحدَهَا
بَعدَ كُلِّ حِمَاعِ، وقَبلَ الْحِمَاعِ الثَّانِي إِن أَمْكَنَ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَا بَأْسَ عَلَيكَ. وجائز لك لو جامعت امرأتين، فَلاَ عَلَيكَ إِلا غُسل واحد، ومُباحٌ لَك جماع زوجتك متى شئت في الليل، والنَّهارِ، في حضر أو سَفَرٍ، وَلَو فوق دابَّةٍ .. كَانَت الْمَرأَةُ قَائِمَةٌ، أَو قَاعِدةً، أَو نَائِمةً، أو مُستلقية، أو على جنب، أو من قفا ظَهِرِهَا، إِذَا كَان الْحِماعُ كُلُّه فِي القُبُلِ لا في الدبر؛ فإِنَّ الْحِماعَ في (1/231)
صفحة 232
الدلائل على اللوازم والوسائل
الدبر حَرَام .. والمُستَحِبُّ فِي الْجِمَاعِ أَن تَكُون المَرأَةُ مُستلقية على قفاها،
ويَعلُوهَا الرَّجُلُ. وَلا يَحِلُّ لك جماعُها فِي الْحَيضِ، وَلا فِي النّفاسِ، فإِن جَامَعَتَها فِي الْحَيضِ أو في النِّفاسِ عَمَداً فَإِنَّهَا تَحْرُمُ عَلَيْكَ.
وحد الجماعِ الذِي تَحرُمُ بِهِ الزَّوجَةُ عَلى زَوجها إِذَا كَانَت حَائِضًا أو نفساء، هو التقاء الْخِتَائين؛ أن يُولِجَ الرَّجُل رَأسَ ذَكَرِه في باطن فرج المرأة، وهو الذي يَحِبُ بِهِ الغُسلُ، واللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوابِ.
فإِذَا قَضَيْتَ حَاجَتَكَ فَعَلْم زَوجَتَكَ الغُسلَ مِن الْجَنابَةَ، إِن كَانَت جَاهِلة به، وخاصةً إذا لم يَدخُل بِها رَجلٌ غَيركَ قَبلَكَ، فَما يُدرِيهَا بِالغُسلِ!! .. فَعَلْمهَا النيَّة لَهُ وأَنَّهُ فَرضَ، لا يَجُوزُ الصَّلاةُ لِلجُنُبِ إِلا بَعد الغسل، وعَلّمهَا بِحدُودِه، معاشرهَا مَا بَقِيتُما جَمِيعًا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا بِالبشرِ والبَشاشَةِ لَها، وكُفَّ عَنهَا ذاكَ مِن لِسانك وَيُدِكَ، وَلاَ تَقُل لَها كَلامًا لاَ يَحُوز .. ولَو هِي أَغضَبَتِكَ فَارضَ عَنهَا، واتَّقِ اللهَ فِيهَا، فإنَّها أَمانَةٌ عِندَكَ أَسِيرَةٌ، تُسْأَلُ عَنهَا يَومَ القِيامَةِ. فاحذر أن يرَاكَ رَبُّكَ ظَالِماً لَها وإن هي ظَلَمَتكَ، فَاعْفُ أَنتَ عَنهَا وَكِلَهَا إلَى اللهِ تعالى، وعاشرهَا بِالْمَعْرُوفِ مَا قَدَرتَ، وإن لم تقدر فأنت يدك الطلاق، فَدَعَهَا وَلَا تَعصِ اللَّهَ تَعالى فيها، فَهُو خَيرٌ لَك، وَمَا دَامَت عندك معاشِرَة لَك، فَأَنفِق عَلَيْهَا مِن مَالِك قَدرَ مَا يَكفِيهَا مِن قُوتِ مِثْلِهَا مِن حَبِّ،
أو تمرٍ، أو إدام، أو غيره، مِن طَعَامِ مَن هُو مِثْلُهَا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ. واكسها كسوةً مِثلِهَا مِن حَرِيرٍ، أَو كِتَان، أو غَزل، مِمَّا يُكتَسَى مِثْلُهَا مِن أهل ذَلِكَ الزَّمَانِ الذِي أَنتُم فِيه .. هَذَا إِذَا كَانَ عَلَى التَّرَاضِي، وطِيبَةِ النَّفْسِ. ولو كَفَاهَا فِي كُلِّ سَنةٍ ثَوبٌ وَاحِدٌ، أَو ثَوبَانِ، وفِي كُلِّ يَوم أكلة أو أكلَتَانِ، قَلْتِ الأُكلةُ أو كثرت. (1/232)
صفحة 233
الدلائل على اللوازم والوسائل
وأمَّا إِذَا طَلَبَت الزَّوجَةُ التَّفَقةَ مِن زَوجها بِالْحُكمِ عِندَ الشَّقَاقِ، ولم تَرضَ بِغَيرِ
ذَلِكَ، فَلَها فِي كُلِّ شَهرٍ ثَلاثُونَ مَنَّا تَمرًا، بِمَنْ نَزوَى الصَّحِيح، وسَبْعَةُ مَكاكيك (1)
وإن
حبا، بِصَاعِ نَرْوَى الصَّحِيحِ، فِي زَمَنِ البُرِّ بُرِّ، وَفِي زَمَنِ الذَّرَةِ ذُرَةٌ. كَانَت مِمَّن تَأكُل البُرَّ لا غيره مِن قَبلُ عِندَ أَهْلِهَا، أَو عِندَ زَوجِ قَبْلَكَ فَلَهَا البُرُّ، ولَهَا لِلإِدَامِ لِكُلِّ شَهرٍ قَدرَ سَبع شَاحَاتٍ (3) ونصف. وقول: قَدرَ لاريَةِ)، وعِندِي فِي اعتِبَارِي فِي هَذَا الزَّمَانِ أَن لاَريَةَ قَلِيلَةٌ، إلا أن يَكُونَ الزَّوجُ مُعسِرًا، فَيُؤْخَذُ لَهُ بِالأَقل
للرفق به.
وأَمَّا الكسوة: إِذَا كَانَت بِالْحُكمِ فَلَهَا فِي كُلِّ سَنَةٍ سِتَّةُ أَبْوَابِ قَمِيصَانِ، وجلبابانِ ومِتَزَرٌ، وَرِداءُ حَرِيرٍ إِن كَانَت مِمَّن لِبَاسُهَا الْحَرِيرُ، وَإِلَّا فَرِداءٌ مِن جِنسِ ما تلبسه هي، أو مِمَّا يَلْبَسُهُ مِثْلُها من النِّسَاءُ، وَلَها أَربَعَ كيسَاتٍ حَلٌ، لِكُلِّ شهرٍ إن طلبت ذلك لأجلِ غَسل رأسها، وإِن كَانَت وَافَرَةَ الشَّعَرِ فَلَهَا إِلَى ثُلُثِ الْمَنِّ، وأَرْجُو أَنَّهُ بِمَنْ نَزوَى الْمَذْكُورِ. وَلَا يَجُوزُ لَها أَن تَخرُجَ مِن بَيتِ زَوجِها إِلا بِإِذنِهِ، لَا تَخْرُجُ لِعِيادَةِ مَرِيضِ، وَلَا تعزِيَةِ أُناسٍ فِي مَيِّتٍ لَهُم، وَلَا لِزِيَارَة أَرحَامٍ، وَلَا لِقُدُومِ مُسافِرٍ، وَلَو كَانَ جَمِيعِ مَا ذكرتَ مِن أَقَارِبِهَا.
1) مكاكيك ومكاكي جَمع مَكُوك، وهو مكيال يَسعُ عَشرة أصواعٍ بِصَاعِ نزوى الصحيح. (2) شاخات: من أسماء النقود العمانية القديمة في القرن الحادي عشر. ويقارب أربعة دراهم
ابن تركي.
(3) لارية من
فيصل
أسماء النقود العمانية القديمة في القرن الحادي عشر، ويساوي أكثر من درهمين. وَلَعَلَّ أصلها فارسي نسبة إلى مدينة لارة بإيران.
4) كيسات: جمع أكياس وهو سهم من 30 سهما من كيلو، أي: ما يساوي 33.33 غرام. ه الْحَلّ: في العرف العماني هو: الزيت من كُلّ شَيْء كالذرة والزيتون وغيره. (1/233)
صفحة 234
الدلائل على اللوازم والوسائل
ولا تطعم أحدًا مِن مَالِه إِلا بإذنه .. وإِذَا كَساهَا بِالْحكم ردَّت عَلَيْهِ مَا بَلِيَ مِن كسوتها التي قد لبستها، ويَلِيت إذا كَسَاهَا كَسوَةٌ غَيرهَا جَدِيدَة.
وَلَا تَعصِهِ فِي نَفسها مَتَى أَرادَ مِنهَا الْحِماعَ أبدًا، إلا مِن عُذرٍ مِن حَيضِ أو نفاس، أو مَرض لا تُطِيقُ فيه الجماع أبدا، أو صومِ لازم عليها، أو صوم تطوع صَامَتهُ بمشورته منه، والذي نُحِبُّ لَها أَن تَتعرَّضَ لَهُ بِالزِّينَةِ مِن الكُحلِ والطَّيبِ، وَالْمُلَاطَفَةِ، وأَن تَكُفَّ عَنْهُ أَذَاهَا بِلسانها أو غيره، وألا تُكافتْهُ بِمَا فَعَلَ فِيهَا، وَإِن أَساءَ إِلَيْهَا بِشَيْءٍ تَصبِرُ عَلى ذَلِكَ لِتَلحَقِّ أَجْرَ الصَّابِرِينَ عِندَ اللَّهِ تَعَالَى. وَأَن تُعاشِرَهُ بِالْمَعْرُوفِ بالرفق، وَلا تُكلّفَهُ مَا لاَ يَقدِر عَلَيهِ، وتَحدُمهُ إِن قَدَرَت، خدمة بَارٌ بِأَبَوَيهِ، ولَو لَم يَجِب عَلَيْهَا ذَلِكَ.
والذي نراه ونُحِبُّه على معنى مَا لَقِيناه، وَوَجَدَنَاه فِي كُتُبِ الْمُسْلِمِينَ إِن كَانَ هَذَانِ الزَّوجَانِ مِن جُملَةِ النَّاسِ لاَ مِن أَهلِ الرِّفْعَةِ، وَالسَّيادَةِ والسُّلْطَةِ الْمَشْهُورِينَ بِذَلكَ، الذِينَ عَادَتُهُم تَحَدُمُهُم الْمَمالِيكِ، بَل هُم مِن أَو سَاطِ النَّاسِ أَن يَتَوَلَّى الرَّجُلُ خِدمَةَ مَا كَانَ خَارِجًا مِن البَيتِ، مثل: الْحُروثِ والنخل، والصنائع، والبيع والشراء، ويَحمِلُ مَا يَحتاجُونَ إِلَيهِ مِن الطَّعام، وجميع ما يعنيهم من الحوائج التي تصلح لأطعِمَتِهِم، ودوابهم، وأدمِهِم، وكسوتهم، وكُلُّ مَا يَحتَاجُونَ إِلَيهِ مِمَّا هُو غَيْرُ حَاضِرٍ عِندهُم، ويُحضُرُ لَها جَمِيعُ ذَلِك، ويَدخُلُ عَلَيْهَا في بيتها بالتسليم والبَشَاشَةِ، والتَّعليم لها بما هِيَ جَاهِلَةٌ لَهُ مِن أُمُورِ دِينِهَا ودُنْيَاهَا، وَلاَ يَعزِلُ طَعَامَهُ عِند الأكل عَنْهَا، بَل يَأْكُلُ هُوَ
وَإِيَّاها جَمِيعًا.
وإن
كَانَ عِندَهُم أَولادٌ أَو حَدمٌ، أَو أَحدٌ مِمَّن يَسكُنُ عِندَهُم مِن أُمِّ، أَو أُخت لَهُ مِن جَمِيعِ الْمَحارِمِ، فَلَا يَعتَزِلُ عَنهُم وَلا يَتَرفْعُ عَلَيهِم، وإِن كَانَ هُو أَفضَلُ مِنهُم، فَلَا يُفضّلُ نَفسَهُ عَلَيهِم أبدًا، وَلاَ يَخُص نَفسَهُ عَنهُم بِمَأكُولٍ وَلَا مَشْرُوبٍ، وَلَا مَلبُوسٍ إِلَّا أَن يَكُونَ شَيْءٍ مِن الْمَاكُولِ يَضُرُّ بِحِسمِه فَلَهُ أَن يَخُصُّ نَفسَه بِمَا لا يَضُرُّهُ عمَّا يَضُرُّه. (1/234)
صفحة 235
الدلائل على اللوازم والوسائل
وَلَا يَحرِمُ أَهْلَهُ مِن أَخذِ الفَاكِهَةِ واللحم، ومَا يَتَطَرَّفُونَ بِهِ، إِذَا قَدَرٍ عَلَى ذَلِكَ. وَلَا يَستَخِفَّ بِأَهلِه، ولا يتكبر عَلَيهِم بَل يَذكُرُ فَضَلَ اللَّهِ عَلَيْهِ بِمَا حَصَّهُ بِهِ، وجَعَلَهُ رَجُلاً ذكرًا، مَالِكًا أَمرَ نَفسِهِ، وأَمرَ أَهلِهِ، مَتَى مَا أَرَادَ مِنْهُم قَضَاءَ حَاجَةٍ مِن جماع وغيره، وَجدَ ذَلِكَ متَيسَّرًا .. وإِن هُم أَرادوا ذَلِكَ وَلَمْ يُرِد هُوَ لَم يَصِحَ لَهُم مِنهُ ذلك، وهُو يَجِيءُ ويَذْهَبُ حَيثُ شَاءَ مِن بَر أَو بَحرٍ، وهُم لَا يَجُوزُ لَهُم الْخُرُوجِ مِن بَيتِه إِلَى زِيارَةِ رَحِمٍ إِلا بإذنه ..
فَيَرحَمُهُم وَيَذكُر مِقدَارَهُم، وَلَا يَجفهِم بِنَفْسِهِ، وَلَا يَبحَل عَلَيْهِم بِمَالِهِ. وجَائِزٌ لِلرَّجُلِ فَضاءَ شَهْوَتِهِ مِن زَوجَتِهِ فِي سَائِر جَسَدِهَا، غَيْرَ الفَرَجِ وَالدُّبُرِ إِذَا لَمْ يمكن له واضطَرَّ إِلَيهِ، إذ كَانَت الْمَرْأَةُ حَائِضًا، أَو نُفَسَاءَ، أَو صَائِمَةً. وَلَا يُعجبنا لِمَن استَنصَحْنا أَن يُصرِفَ هِمَّتَهُ لِلحِمَاعِ، لِيَشْقُّ عَلَى زَوجَتِهِ إِن كَانَ
ذَلِكَ يَشُقُ عَلَيْهَا.
ولا يُهمِل ذَلِك أَيضًا - طَلَب الْجَفاءَ لَهَا، وَالإعراض عنها، ورُبَّمَا كَانَ لِبَعضٍ الأشخاص مِن الرِّجَالِ الضَّرَرُ فِي كَثرَةِ الْحِماعِ؛ لأَنَّهُ يَصُبُّ مَاءَ الْحَيَاةِ، ولَو لَم يَينْ لَهُ ضَرَرٌ فِي حَالِ الصَّبَا وَالقُوَّة، رُبَّمَا أَثْرَت سُرعَة الْهَرَمِ لِلشَّخصِ الْمُكْثِرِ مِنْهُ، ورُبَّمَا كَانَ فِيهِ نَفعٌ لِبَعضِ الرِّجَالِ الذِينَ لَهُم قُوَّةٌ، وأَحِسَادُهُم رَطَبَةٌ، فَلَيَنظُر كُلِّ لِنَفْسِهِ بِقَدَرٍ مَا يَردَعُ نَفْسَهُ عَن شَهْوَةِ النِّساءِ الْحَرَامِ، وَيَجعَل ذَلكَ كَالدَّوَاءِ يَتدَاوَى بِه، لا لطلب الْهَوَى، أَو يَجعَلهُ كَالطَّعَامِ لاَ يَأْكُل إِلا عِندَ الْجُوعِ، كَذَلِكَ لَا يَتَعَرَّضَ لِلحِمَاعِ إِلَّا عِندَ
الْحَاجَةِ الدَّاعِيَةِ إِلَيهِ. أمَّا الْمَرْأَةُ فَتُحِبُّ لَها أَلا تَخْرُجَ مِن بَيْتِهَا أَبداً، إلا لِمَا لَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ، أَو تَخْرُج بِإِذْنِ زَوجِهَا، وَيُعجِبُنا أَلا يَمنَعهَا مِن الْخُرُوجِ إِذَا كَانَ لِحَاجَةٍ لَهَا مِن جَمِيعِ مَا يَعْنِيهَا، ونُحِبُّ لَها مِن غَيرِ حُكمٍ مِثْلَمًا جَعَلْنَا عَلَى الرَّجُل أَن يُحضِرَ لَهَا إِلَى بَيْتِهَا جَمِيعَ مَا (1/235)
صفحة 236
الدلائل على اللوازم والوسائل
تَحتَاجُ إِلَيْهِ، وَهِيَ أَن تَلِيَ خِدمَةَ مَا كَانَ فِي البَيتِ مِن طَحَنِ الْحَبِّ وَالْخَبَرِ، وَسَقي الدَّوَابِّ، وَعَمَل جَمِيعِ الْأَطْعِمَةِ لَهَا وَلَهُ.
وكَذلِكَ تَقِريبُ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إِلَيهِ، ولِمَن دَخَل عَلَيهِما مِن صَدِيقٍ، أَو رَحِمٍ، أو ضيف، وَكَذلِك غَزِلُ الكِسوَةِ له إن جَاءَهَا بِقُطنٍ مِن عِندِهِ .. وكَذلِك حَدٌ الفراش لَهُ عِندَ النَّومِ، وأَلا تَنامَ إِلا فِي فِرَاشِه إِلا أَن يَرضَى هُو لَهَا بِغَيرِ ذَلِكَ .. وتَجْعَلُ نَفْسَهَا لَهُ كَالطَّعَامِ الْمُهَيَّا لَهُ، مَتَى مَا أَرَادَ أَكلَ مِنهُ، وإِن لَم يُرِد ذَلِكَ فَلَا تَكليف عَلَيهِ. وتُفَضِّلُه عَلَى نَفسها، وتُتَابِع مَحابَّهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِن مُعَاشَرَتِهَا لَهُ، إِلَّا مَا كَانَ فِي محابه خارجا مِن طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَا تُطِعْهُ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لا طَاعَةَ لِمَعْلُوقٍ فِي مَعصِيَةِ الخالق، والله أَعلَمُ بِالْحَقِّ والصواب. (1/236)
صفحة 237
البات
الدلائل على اللوازم والوسائل
فِي شَيْءٍ مِن صِفَةِ الْحَيضِ وَمَا يَجُوزِ مِنْهُ وَفِيهِ
فإِذَا عَرَفتَ يا أخي، - رَحِمَك اللهُ - مَا يَجِبُ عَلَى الزَّوجِ وَالزَّوجَةِ مِن الْحَقِّ فِي الْمُعَاشَرَةِ لِبَعضِهِم بَعضًا؛ فَاعلَم أَنْ أَكثَرَ النِّسَاءِ يَأْتِيهِنَّ الْحَيضُ، وَيَصِحُ بُلُوعَهُنَّ بِهِ،
مثل ما يكون صحةُ بُلُوغ الرِّجَالِ بالاحتلام الذي يَأْتِي النَّائِمِ فِي الْمَنَامِ. فَهُنَّ يَأْتِيهِنَّ الْحَيضُ إِلا قَلِيلاً مِنْهُنَّ، وإذا لَم يَأْتِهَا الْحَيضِ؛ فالاختلاف في بُلُوغِهَا: فَقَولُ: إِنَّه بِإِنْهَادِ التدين. وقِيلَ: إِنَّهُ بِظُهُورِ الشَّعرِ حَولَ العَورَةِ. وَقَولَ: إِنَّهُ
بالسنين.
فإِذَا بَلَغَت سبع عَشَرَة سَنَة إِلَى ثَمَانِ عَشَرَة سَنةٍ يُحكَمُ عَلَيْهَا بِالبلوغ، إِلا أَن تَكُونَ
ابنَةٌ غَيرَ شَابَّة، أو غَير صَحِيحَةٍ، ولَم يَسكُن القَلبُ إِلَى بُلُوغِهَا لِصِغَرِهَا. فأرجو أنه أكثرَ مَا يُوجَد أَن يُحكَمُ عَلَيْهَا بِالبُلُوغِ إِذَا بَلَغَت خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنة. وبُلُوغ الرجلِ الصَّحِيح: بالاحتلامِ. وقِيلَ: بِالإِنبَاتِ أيضا. وقِيلَ: بِالسِّنِينَ إِذا بلغ
خَمْسَ عَشَرَة سَنَةٍ فَصَاعِدًا.
فإِذَا جَاءَ زَوجَتَك دَمُ الْحَيضِ، وهُو: أَن يَكُونَ خُرُوجُهِ مِن فَرِحِهَا لَا مِن دُبُرِها، وتَكُونُ قَد بَلَغَت من السنين عَشَرَ سِنِينَ فَصاعِدًا، ويكون ذلك في صحة، لا مِن وَجع فِي رَحِمَها، ولا من افتضاض بكرٍ مِن زَوجِهَا فِي ذَلِكَ الوَقتِ، ويَكُونُ الدَّمُ سَائِلاً أَو فَائِضًا مِن الفرج، ويَكُونُ غَلِيظًا أسود أو أَحْمَر، نَتِن الرَّائِحَةِ .. فَإِذا خَرجَ مِنهَا الدَّمُ عَلَى هَذِهِ الصَّفَةِ، وَأَقام معها ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا فَهُو حَيضٌ. فاجتنب أنتَ حِمَاعَهَا لاَ مُنَا وَمَتَها، فَإِنْ جَمَاعَ الْحَائِضِ حَرَامٌ، وَتَحرُمُ بِهِ الزَّوجَةُ. (1/237)
صفحة 238
الدلائل على اللوازم والوسائل
238
وقُل لَها تَترُكُ الصَّلاَةَ، مَا دَامَ بهَا، والصَّيَامُ إِن كَانَت صَائِمَةٌ رَمَضَانَ أَو غَيْرَه. وقُل لَهَا: لا تَدخُل شَيْئًا مِن الْمَسَاجِدِ، وَلَا تَمسَّ شَيْئًا مِنَ الْمَصَاحِفِ، وَلَا تَقَرَأَ شَيْئًا من القُرآنِ، حَتَّى تَطهُرَ وَتَعْتَسلَ. وأَمَّا ذِكرُ اللَّهِ تَعَالَى، فَجَائِزٌ لَهَا مثل قول: لا إله إلا اللهُ، وَسُبحَانَ اللهِ، وَالْحَمدُ لله، والله أكبر، وأستغفر الله، وَلاَ حَولَ وَلا قُوَّة إِلَّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيم، وبِسمِ الله لا تُتِمها إِن أَرَادَت تَقُولُ ذَلِكَ عِندَ طَهَارَةٍ أَو غَيرها.
من
فإن انقطع عنها الدمُ دُونَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، وَلَم يَرجِع إِلَيْهَا شَيْءٌ مِنهُ، وَطَهُرَت طَهَارَةٌ بَيِّنَةٌ الْحُمرَةِ، والصُّفَرَةِ، والكُدْرَة والدَّمِ الْمُكمَنِ فِي الرحم، ولَم يَرجِع إِلَيْهَا شَيْءٌ مِنْهُ،
به،
إِلى أَن مَضَت أيام أكثر من الأيَّامِ التِي جَاءَهَا فِيهَا، فَلَيسَ هُو بِحَيضِ، فَلَا تَعَتَدُّ ولتُبدِلَ مَا ضَيَّعته من الصَّلَوَاتِ والصَّيَامِ .. وإن أقام معها مِن ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَصاعِدًا فما دون
العشرة إِلَى عَشَرة تامة .. ولَو اختَلَفَ فِيها الدَّمُ بَينَ الْحُمْرَةِ، وَالصُّفْرَةِ، والكُدْرَة. وصِفَةً كُلِّ يَومٍ: هُو أَن يَكُونَ حِسَابُها إِن جَاءَهَا الْحَيضُ - مَثَلاً – وَقتَ طُلُوعِ الشَّمسِ، فَإِلَى يَومٍ ثَانٍ وَقتَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، لِيَتمَّ لَهَا يَومٌ .. وَكَذَلِكَ إِن جَاءَهَا وَقتَ الضحى أو في الظُّهِيرَةِ، أَو فِي وَقتِ الرَّواحِ، أَو فِي أَوَّلِ اللَّيلِ، أَو فِي وَسَطِهِ، أَو آخره ... ، فَإِلى أَن يَدُورُ ذَلِك الوقت لِيَتمَّ لَها يَومٌ .. فَإِذَا أَكمَلَت عَشَرَةَ أَيَّامٍ عَلَى هَذَا الْحِسَابِ مِن بَدئِها ولم تطهر مِنهُ، فَالْمَعْمُولُ بِهِ عِندَنَا أَنَّهَا بَعدَ العَشَرَةِ الأَيَّامِ لَا تَكُونُ
حَائِضًا، بَل تَكُونُ مُستَحَاضَةً، وَتَعْتَسِل وتُصَلِّي، إِلَى أَن تَطهر الطُّهرَ البَيِّنَ. وإِذَا طَهُرَت قَبل عَشَرَةِ أَيَّامٍ، إِمَّا فِي يَومِ التَّاسِع مُنذُ جَاءَهَا، أَو فِي ثَامِنٍ، أَو فِي سابع، أو في سَادِس، أو في حَامِس، أو في رابع، أو في اليوم الثالث، ويَكُونُ الْحِسَابُ عَلَى مَا ذَكَرْتُ مِن تَمَام يَومٍ وَلَيْلَةٍ. وَعَلَامَةُ الطُّهرِ: خُروجُ شَيْءٍ أَبيض مثل الْمَاءِ الغَلِيظ، أَو يَنقَطِعُ عَنهَا انقِطَاعًا لَا
يبقى لَهُ أَثَرٌ (1/238)
صفحة 239
الدلائل على اللوازم والوسائل
فإِذَا طَهُرَت الطهُورَ الْمَذكُورَ فَلَتَغتَسِل وتُصَلِّي، وتَكُونُ العَادَةُ لَهَا، وَلَتَقعُد لَهُ عَلَى ما بدَأَهَا، إِن كَانَ ثَلاثًا أو أربَعًا أو خمسا، أو أكثر من ذَلِكَ؛ فَلَا تَتَحوَّل عَن ذَلِكَ، وَلَو زاد عَلَيْهَا الدَّمُ فِي بَعض أَوقَاتِ الْحَيضِ؛ إِلا أَن تَتَّفِقِ الزَّيَادَةُ فِي ثَلَاثَ حَيضَاتِ مُتَوالِيَاتٍ مِن زِيَادَةٍ أَو نُقصَانٍ مُتَّفِقَات فِي الأَوقَاتِ فَتَنتَقِل فِي الرَّابِعَةِ وتَدَع وَقَتَها الأول، كَانَت لِزِيَادَةٍ أَو نُقصَانٍ. وإن انقضت أيامُها التِي تَعَوَّدَت أَن يَأْتِيهَا فِيهَا الْحَيضُ وَطَهُرَت، اعْتَسَلَت وَصَلَّت، فَإِن جَاءَهَا دَمٌ فِيمَا دُونَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ مِن بَعدِ مَا طَهُرَت، وَاعْتَسَلَت فَهِي مُستَحَاضَةٌ، تَعْتَسِل مِنهُ، وتُصَلِّي إِلَى أَن يَذهَبَ عَنهَا، أَو يَأْتِيهَا الْحَيضُ ثَانِيَةٌ.
وإِن طَهُرَت واغتَسَلَت ولَم يَأْتِهَا الدم، فَهِيَ تُصَلِّي وتَصُومُ مَا شَاءَت .. فَإِذَا جَاءَها الدَّمُ من بَعد طُهِرٍ عَشَرَةِ أَيَّامٍ فَصاعِدًا ومِن بَعدِ طُهرِهَا تَرَكَت لَهُ الصَّلَاةِ؛ لأَنْ كُلِّ دَمٍ جَاءَهَا بَعدَ طُهِرٍ عَشَرَةِ أَيَّامٍ فَهُو حَيضٌ. والْمُسْتَحَاصَةُ: تَفعَلُ جَمِيعَ مَا تَفعَلُه الطَّاهِرَةُ، مِن الصَّلاةِ والصَّيَامِ، والقِرَاءَةِ؛ وأمَّا زَوجها إِذا أَرَادَها فَبَعدَ غُسل تُجَدِّدُه لأجلِ ذَلِكَ، أَو تَكُونُ قَد غَسَلَت لِصَلَاةِ فَرِيضَةٍ أَو غيرِهَا، وَلَم يَشغَلَهَا الدَّمُ في ذَلِك الوقت، وإن صَبَر هُو عَنهَا فِي ذَلِكَ الوَقتِ – فَعِندِي
- أَنَّهُ أَفضل. وإِن ابْتَدَأَ الْمَرأَةَ عِندَ مَجِيء دَمَ الْحَيضِ صُفَرَةٌ، أَو كُدْرَة، أَو دَمٌ غَير قَاطِرٍ مِنهَا، فَلا تترك مِن أَجلِه صَلاةٌ وَلا تَعتَد به. وإِن ابْتَدَأَهَا فِي أَوَّلِ مَجِيءِ الْحَيضِ دَمَ قَاطِرٌ أَسود أو أَحْمَرَ، ثُمَّ أَعقَبَه فِي أَيَّامٍ الْحَيضِ كُدْرَة، أو صفرة، أو غيره، أو دَمٌ غَيْرُ فَائِضِ؛ فَجَمِيعُ هَذَا مَحَسُّوبٌ مِنَ الْحَيضِ فِي أَيَّامِ الْحَيضِ. وإِن بَانَ لِلمَرأَةِ طُهرٌ بَيِّنْ فِي أَيَّامٍ حَيضِهَا فَلَتَعْتَسِل وتُصَلِّي، فَإِن رَجَعَ عَلَيْهَا الدَّمُ فِي تلك الأيام، تركت الصَّلاةَ إِلَى أَن تَنقَضِي أَيَّامُهَا الْمُعْتَادَةُ. (1/239)
صفحة 240
الدلائل على اللوازم والوسائل
24
وأَمَّا إِذَا جَاءَهَا الدَّمُ فِي وَقتِ، ثُمَّ طَهُرَت فِي وَقتِ، ثُمَّ جَاءَهَا أَيْضًا فِي وَقت
قَرِيبٍ، فَلَتَنظُر فِي ذَلِكَ: - فإن كَانَ الوَقتُ الذِي جَاءَهَا فِيهِ الْحَيضُ أَكثَر مِن وَقتِ الطَّهرِ فَهُو حَيضٌ وتَحسبه جَمِيعًا مِن أَيَّامِهَا.
- وإن كَانَ الوَقتُ الذِي فِيهِ الطُّهرُ أَكثَر مِن الوَقتِ الذِي فِيهِ الْحَيضُ، فَلَيسَ هُو يحيض بَل هُو طُهرٌ كُلَّهُ.
- وإِن ابْتَدَأَ الْمَرأَةَ الْحَيضُ بَعدَمَا دَخَلَ وَقتُ صَلَاةٍ، مَا لَو كَانت قد ذَهَبَت لِتُصَلِّيهَا لَقَضَتِهَا قَبلَ مَجِيئِهِ، فَتُبدِلُهَا إِذا طَهُرَت.
- وإن كَانَ جَاءَها فِي أَوَّلِ الوَقتِ، مَا لَو ذَهَبَت لِتُصَلِّي مِن حِين ما دَخَلَ وَقتُ
-
الصَّلاةِ إِلَى وَقتِ مَجِيئِه لَهَا، لَم تُدرك أن تقضي تِلكَ الصَّلَاةِ، فَلَا بَدَلَ عَلَيْهَا – فِيمَا عِندِي – بَعدَ طُهرِهَا مِنْهُ. واللَّهُ أَعْلَمُ. - وإِذا جَاءَ الْمَرْأَةَ دَمٌ وَلَم تَعرِفهُ أَنَّهُ حَيضُ أَو غَير حَيضِ، بَل اشتَبَهَ عَلَيْهَا، فَلَا تَجْعَلهُ حَيْضًا فِيمَا وَجَدتُ، بَل تَكُون مُستَحَاضَة تغتسل وتُصَلِّي؛ وأَمَّا أَنَا فِيمَا يُعْجِبُنِي أَن يكون حيضا، حَتَّى تَعلَمَ أَنَّهُ غَيْرَ حَيض؛ لأَنَّ الْحَيضَ قَد عَوَّد يَأْتِيهَا، وعُرِفَ بذلك، والْحُكمُ عِندِي عَلَى الأَصلِ.
وأَمَّا غَيْرُ الْحَيضِ - ولَو جَاءَ بَعض النِّساءِ - فَهُو أَقلُّ مِن الْحَيضِ فِي الشُّهَرَةِ، ولَيسَ كُلُّ النِّسَاءِ يُمَيِّزنَ دَمَ الْحَيضِ مِن غَيْرِهِ، فَإِذا جَاءَ الْجَاهِلَةَ بِهِ دَمٌ وَلَم تَعرِفهُ، كَيفَ السَّبِيلُ لَهَا لِتَعرِفَ الْحَيْضَ وَيُحكَمَ لَهَا بِأَحْكَامِهِ؟؟ فَليَنظُرِ النَّاظِرُ فِيمَا كَتَبَتُ وَلَا يَأْخُذ إلا بِالْحَقِّ والصواب، فَإِنِّي قَلِيلُ العِلمِ بِهِ وبِغَيرِه. وأَمَّا إِذا انقضت أَيَّامُ الْحَيْضِ عَن الْمَرْأَةِ التي تعَوَّدَتْهَا مِن قَبْلُ ولَم تَطَهُرْ، فَهِي مُستَحَاضَةٌ تَعْتَسِلُ وَتُصَلِّي. (1/240)
صفحة 241
الدلائل على اللوازم والوسائل
وغَسِلُ الْمُسْتَحَاضَةِ دُونَ غَسلِ الْحَائِضِ، هَذَا إِذَا كَانَت استحاضتُها دَما سَائِلاً أو قاطرًا، وإِن كَانَ صُفْرَةً أَو دَمًا غَيْرَ سَائِلٍ فَلا غُسلَ عَلَيْهَا. والنَّيَّةُ لِلغُسل: تَقُول الْمَرْأَةُ عِندَ إِرادَتِها الاعْتِسَالَ مِن الْحَيضِ بَعدَمَا يَذْهَبُ عَنهَا الدَّمُ بِتَمامِ أَيَّامِها وتُنَقَّى مِنهُ: «بِاسْمِكَ اللهُمَّ إِنِّى أَغتَسِلُ مِن دَمِ الْحَيْضِ غسل الفَرِيضَةِ، وَطَهَارَةٌ مِن كُلِّ نَحَاسَةٍ مِن دَم أو غَيرِهِ، مِن جَمِيعِ النَّجَاسَاتِ، طَاعَةٌ لِلَّهِ،
وَلِرَسُولِهِ مُحَمَّد».
وإن
كَانَت مُستَحَاضَة فَيُجزِيهَا عِندِي فِي النَّيَّةِ، أَن تَذكُرَ مَكَانَ «دَمِ الْحَيْضِ» دم الاستِحَاضَةِ»، وتَذكُرَ بَقِيَّة اللّفظِ. فإِذَا عَاشَت الْمَرْأَةُ حَتَّى كَبِرَت، وبَلَغَت مِن السِّنِّ قَدرَ خَمْسٍ وخَمْسِينَ سَنَةً، إِلَى سيِّينَ سَنَةً فصاعدا، ولم يَنقَطِع عَنهَا الْحَيضُ، فَلاَ تَترُك الصَّلاةَ بَعد تمام الستين، بلا
هذا
اختلاف. وفِي الْحَمسِينَ سَنَةً، والخمس والخمسين سنة اختلاف؛ يعجبني في الزمان إذا بلغت الْمَرأة في السن مِن الْخَمس والخمسين سَنة فَصاعِدًا أَلا تَترُكَ الصَّلاةَ لهُ؛ لأَن أَبدَانَ النِّسَاءِ رُبَّمَا ضَعُفَت عَمَّا قبل وَرُبَّما صَارَ الْحَيضُ يَذْهَبُ عَنهُنَّ قَبْلَ أَن يبلغنَ الْخَمسِينَ، إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ مِن حَوَاصِ النِّسَاءِ.
فَانظُر فِي ذَلِكَ وخُذ بالعدل مِنهُ، فَإِنَّهُ لا يَسَعُنا جَمِيعًا، إِلا الأَخِذُ بالعَدل وَالقَولُ وأَمَّا إِذَا شَبَّتِ الْمَرْأَةُ وزادَت بَعدَ البُلُوغ، وَكَانَت عِندَ زَوجِ وَحَمَلَت مِنهُ، وَأَيقنت أَنَّهَا حَامِلٌ، ثُمَّ جَاءَهَا الْحَيض فَلاَ تَجعَلهُ حَيضًا، ولا تترك لَهُ الصَّلاةَ وَلَا الصَّيام، بَل تَجعَلهُ بِمَتزِلَة الطَّهرِ؛ لأَنَّهُ لا يَجتَمِعُ لِلمَرأَةِ حَيضٌ وحَمَلٌ، بَل ذَلِكَ مِن قِلَّةِ صحةٍ فِي
رحمها.
فَإِذَا فَهِمتَ مَا ذَكَرتُه مِن صِفَةِ الْحَيْضِ ولَم يُعْنِكَ، فَاطْلُبَهُ تَجِدهُ إِن شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (1/241)
صفحة 242
الدلائل على اللوازم والوسائل
النبات
32 في شَيْءٍ مِن صِفَةِ الوَلادَةِ، ومن أحكام النَّفَاسِ، وَمَا يَجِبُ فِيه
فإذا انقطع عن الْمَرأَةِ الْحَيضُ، وتأكدَ حَملُها، وبلَغَتِ الوَقتَ الذِي تَلِدُ فِيهِ الْحَوامِل، وَوَضَعَت حَمَلَهَا سَالِمَةٌ، وحملها سَالِمًا فاشكُرِ اللَّهَ وَ يَا أَخي، عَلَى مَا مَنَّ بِه عَلَيكَ وعَلَيْهَا؛ لأَنْ كَثِيرًا مِن النِّسَاءِ يَمُعْنَ عِندَ الوِلادَة، أو يَمُوتُ حَمَلَهَا؛ فَاشْكُرِ الله عَلَى مَا مَتَعَكَ بِهَا.
فَإِن وضعت أُنثَى فَارْضَ بِهَا وَلَا تَلْمهَا (أعني: الْمَرأَةَ)، فَإِنْ تَدبِيرِ النَّسلِ لَيسَ هُو إِلَيْهَا، وإِنَّما هِي بِمَزِلَةِ الوِعَاءِ يَضُمُّ مَا يُحَطُّ فِيهِ، وَلَا قُدرَةَ لَهُ عَلَى تَبْدِيلِهِ، وَلَا تَعْلَمُ أَنتَ وَلَا هِيَ بِالْخِيرَةِ، فَاحْتِيَارُ اللهِ تعالَى لَكُما هُو العَدلُ؛ لأَنَّكَ لَا تَدرِي رُبَّمَا جَاءَكَ وَلَدٌ ذَكَرٌ، وَكَانَ لَكَ فِتْنَةٌ وَمِحنَةٌ.
ويُوجَدُ أَنه «في آخر الزَّمَانِ خَيْرُ أولادِكُم البَنَاتُ، وخَيْرُ نسائكم العُقْرُ»، وهذا آخر
الزَّمَانُ فَاعْلَمهُ.
وربَّما كانَ الأَجرُ مِن اللهِ أَوفر لمن نَسلُه البَنَات لِحقَارَتِهِنَّ وَكَرَاهَتِهِنَّ مَعَ النَّفْسِ، فَأَحسن إِلَيْهَا مَا اسْتَطَعت. وَلَو رَدَّ اللهُ الأَمرَ فِي الأولاد إِلَى الْخَلقِ؛ لَكَانَت الدُّنْيَا رُبَّما لَم تَبقَ إِلَى هَذَا الزَّمَانِ، لاختيار الناس الذكور وميلهم إليهم .. فإذا لم تلد النِّسَاءُ إِلَّا الذكور؛ فَمِن أَينَ يَأْتِي النَّسِلُ؟ ومِن أَينَ يَتزَوَّجُ الرِّجَالُ؟ فهَذهِ حِكمَةٌ من اللَّهِ بَالِغَةٌ، وقُدرَةٌ بَاهِرَةٌ؛ لأَنَّهُ أَرادَ أَن يَخلُقِ الْخَلْقِ طُورًا بَعدَ طُورٍ، وَأُمَّة بَعدَ أُمَّةٍ، ولو شَاءَ لَخَلَقَهُم دُفعَةٌ وَاحِدَةٌ .. لكن الله فِي حُكمِه وَعِلمِهِ جَعَل ذَلِك (1/242)
صفحة 243
الدلائل على اللوازم والوسائل
لِيتَدبَّر الْمَحْلُوقُونَ ويَعرِفُوا قُدرَتَهُ، وَيَتَفَكَّرُوا فِيمَن مَضَى من قَبْلِهِم كَيفَ كَانُوا؟ وأَينَ
صَارُوا؟
وليحذر الآخرُونَ مِمَّا اعْتَرَّ بِه الأَوَّلُونَ، بِمَا حَلْ بِهِم مِن عُقُوبَاتِ رَبِّهِم بِذُنُوبِهِم،
(1)
منهُم مَن أُغرق في البحار، ومِنهُم مَن خُسف به الدِّيَارُ، ومِنهُم مَن أَهلَكَتهُ حَوَاصِبٌ) الأمطار، ومِنهُم مَن أُهلِكَ بِعَواصِفِ الرِّياح الكبار، ومِنهُم مَن يَمُوتُ بِالطَّاعُونِ، وغَيرِ ذَلِكَ مِن العُقُوبَاتِ السَّالِفَةِ فَلَيسَ الآخِرُ بِأَقرَبَ إِلَى اللهِ مِن الأَوَّلِ إِن عَصَاهِ؛ فَلَيَنتَظِر العِقابَ عَاجِلاً أو آجلاً، فإِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ لاَ يُطَاقُ عِقابُه، وكَرِيمٌ لَا يُكَيَّفُ ثَوَابُهُ .. فَلْيَأْخُذ العَاقِلُ حِدْرَهُ مَساءٌ وَصَبَاحًا. فإِذَا وَلَدَت الْمَرأَةُ ذَكرًا فَاشكُرِ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى مَا أَعطَاكَ، وَعَسَاه أَن يَكُونَ
وَلَدًا مُبَارَكًا.
واعلَم أَنَّهُ لَيسَ الوَلَدُ الذَّكَرُ يَكون بقدرَةِ الأَب ولا الأم؛ بل الله لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَانَنَا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (2)، فَالأُمُّ وَالْأَبُ لَيسَ لَهُما مِن ذَلِكَ شَيء .. ولو كَرِهَا النَّسلَ مَا رَدَّتَهُ كَرَاهَتُهُما لَهُ ولَم يَجلبهُ حُبُّهُما ورَعْبَتُهُما لَهُ، فَلَيسَ لَهُما إِلَّا التَّسْلِيمُ لِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
وسَمِّ الوَلَد بِأَحْسَنِ اسمٍ، فَإِنَّكَ مَأْمُورٌ بِذَلك.
وعَلَى الأُمِّ رَضاعُ وَلَدِها، وتربيتُه بِغَيْرِ أَجْرٍ، إِذَا كَانَت زَوجَةٌ، وإن كَانَت مُطَلقة وطلبت الأجر على رضاعه فلَهَا الأَجرُ، لِكُلِّ شَهرٍ قدرَ لآرية مِن نَقدِ هَذَا الزَّمَانِ، وعِندِي أَنْ هَذا قَلِيلٌ عَلَيها .. ولَيسَ لِوَالِدِه أَن يَستَرضِعَ لَهُ غَيرهَا مَا دَامَت هي بذلك لأجلِ الرَّحْمَةِ؛ لِأَنْ فِرَاقَهُ يَشُقُ عَلَيْهَا.
1) خواصب: جمع حَاصب، وهي الريح التي تحمل معها التراب، وكذا ما تناثر من دقاق البرد والثلج.
(2) سورة الشورى: 49 - 50.
قَائِمَةٌ (1/243)
صفحة 244
الدلائل على اللوازم والوسائل
فإذا
24
فَطَمَتهُ فَعَلَى وَالِدِهِ نَفَقَته، ولَهُ ثُلُثَ نَفَقَةِ آدَمِيٌّ بَالِغِ، فَإِذَا بَلَعْ إِلَى خَمْسَةِ أَشَبَارٍ
فلَهُ نصفُ النَّفَقَةِ الكُبرى، وهي: نَفَقَةُ الزَّوجَةِ عَلَى الزَّوج، وقد تقدَّم ذِكرُهَا. فإذَا صَارَ الوَلَدُ إِلَى سِتَّةِ أَشبَارٍ في طُولِهِ، فَلَهُ ثُلَثَا النَّفَقَةِ إِلَى أَن يَبْلُغَ؛ فَإِذَا بَلَغَ الْحُلُم فَلَهُ النَّفَقَةُ تَامَّةٌ، وَهَذَا لِكُلِّ وَلَدٍ مِن ذَكَرٍ وَأُنثَى. ومَا دَامَ الوَلَدُ لَا يَعقِلُ أن يُختَارَ عِندَ أَبيه أو أمه؛ فَأُمُّه أَولَى بِهِ، فَإِذا صَارَ يَعقِلُ الْحَيَارَ فَحَيثُ اخْتَارَ كَانَ.
فإِذَا بَلَغ وكَانَ ذَكرًا فَلَيسَ لَهُ نَفَقة عَلَى وَالِدِهِ، إِلا أَن يَكُونَ مَجنُونًا، أَو مَرِيضًا .. وأَمَّا الابنَةُ فَلَها النَّفَقَةُ عَلَى وَالِدِهَا مَا لَم تَتَزوَّج، فإذَا تَزوَّجَت انتَقَلَت نَفَقَتُها عَلى الزوج، وَبَرِئَ الوَالِدُ مِنهَا، وَاللَّهُ أَعْلَم.
محظورات النفاس: فإذَا عَرَفتَ حَقَّ الأَولادِ عَلَى الوَالِدِ فَقُل لزوجتك الوَالِدَة أن تَترُكَ الصَّلاةَ والصيامَ فِي أَيَّام نفاسها، وَلاَ تَحْمِلَ مُصحَفًا، وَلَا تَدخُلَ مَسجدًا، وَلَا تقرأ القرآن؛ وأمَّا التسبيح، والتهليل، والاستغفارُ، فَجَائِزٌ لَهَا مَتَى مَا أَرَادَت، ثُمَّ هِي عَلى ذَلِكَ إِلَى تَمَامِ الْأَرْبَعِينَ يَومًا، فِيمَا نَعمَلُ عَلَيْهِ. فإن رأت طُهِرًا قَبلَ ذَلِكَ اعْتَسَلَت وصلت، ولو بَعدَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ، وَإِن عَاوَدَهَا فِيمَا دُونَ الأَربَعِينَ تَترُكُ الصَّلاةَ لَهُ، وإِن زَادَ بَعدَ الأَربَعِينَ يَوْمًا فَهِي بِمَزِلَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ .. تَغسِلُ وَتُصَلِّي. والنفساء: لا يَقرُبُها زَوجُها لِلحِمَاعِ، ولَو طَهُرَت فِيمَا دُونَ الأَربَعِين، مَخَافَة أَن يراجعها الدَّمُ فِي الأَربَعِينَ ..
والْمَرْأَةُ مُصَدَّقَةٌ، إذا طَلَبَ مِنهَا زَوجُها الْحِمَاعَ، وقَالَت لَهُ إِنَّهَا حَائِضٌ أَو نُفَسَاءَ،
فَلا يَقرُبُها حَتَّى يتمَّ الوَقتُ الذي اعتَادَت أَن تَطَهُرَ فِيهِ، وتَعْتَسِل بِالْمَاءِ. وإِن أَلقَتِ الْمَرأَةُ وَلَدًا غَيْرَ تَامٌ إِلا أَنَّهُ عُرِف أَنَّهُ وَلَدٌ، فَإِنَّهَا تَقعُدُ لَهُ فِي النِّفَاسِ، كَما تَقعُدُ لِلوَلَدِ النَّام، وإن رأت طُهِرًا تَطَهَّرَت وَصَلّت، ولَو قَبلَ الأَربَعِينَ، أَو بِعَشَرَةِ (1/244)
صفحة 245
245
الدلائل على اللوازم والوسائل
-
آيام ..
وأَمَّا زَوجُهَا فَلا يَقربُها قَبلَ الأَربَعِين .. وَلَا تَقطَعِ الْمَرْأَةُ الصَّلَاةَ إِلَّا بَعدَ خُرُوجِ
الولد منها.
النِّيَّةُ لِغُسلِ النَّفَاسِ: تَقُولُ الْمَرأَةُ عِندَ الغُسلِ: «بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ أَغتَسِلُ مِن دَمِ النِّفَاسِ غُسل الفَرِيضَةِ، وطَهَارَة مِن كُلِّ نَجَاسَةٍ مِن دَمٍ وغَيْرِهِ، وَمِن جَمِيعِ النَّجَاسَاتِ، طَاعَةٌ لِلَّهِ، وَلِرَسُولِهِ مُحَمَّدٌ». وصِفَةُ الغُسلِ مِن النِّفَاسِ والْحَيضِ كَصِفَةِ غُسلِ الْجَنابَةِ، وقَد تَقَدَّمَ وَصفُهُ فِي
هذا
وإِذَا طَهُرَت الْمَرْأَةُ النَّفَساءُ دُونَ أَربَعِينَ يَومًا، وَصَامَت شَيْئًا مِن رَمَضَانَ أَو غَيْرِهِ، فَعَاوَدَها الدَّمُ قَبلَ تَمَامِ الأربعين، وقبل تمام مَا صَامَت؛ فَإِنَّهُ يَنتَقِضُ مَا صَامَتَهُ، وَتَصُومُهُ مرَّةٌ أُخرى. واللَّهُ أَعْلَمُ بِالعَدلِ. (1/245)
صفحة 246
الدلائل على اللوازم والوسائل
الثاني
شَيءٌ مِن ذِكرِ حقوقِ الزَّوجَيْنِ عَلَى بَعضِهِما بَعض، وَمَا يُؤْمَرَان به
إِذَا عَرَفتَ يا أَخي - رَحِمَنا الله وإيَّاكَ - حقوق الْأَزْوَاجِ، وَعَرَفتَ أَحكَامَ الْحَيْضِ والنِّفَاسِ، وعاشرت امرَأَتَكَ مُدَّة، ورأيتها مُوافِقَةٌ لَكَ فِي هَوَاهَا لَك، وَهَوَاكَ لَها؛
فَاشكر نعمَةَ اللهِ عَلَيكَ بِما أَعطَاكَ مِن فَضلِهِ، وَحَصَّكَ بِهِ مِن كَرَمِه الواسع. وانظر في أرض اللهِ، فَكَم تَرى مِنَ الرِّجَالِ مِمَّن تَزَوَّج مِن النِّسَاءِ، وَكَرِهَهَا أَو كَرِهَتَهُ، أَو مَاتَت قَبلَ الْمُعاشَرَةِ، أو اعتَرَضَتهَا الأَسقَامُ، وقد بَذَلَ مَالَهُ لِتِلكَ الزَّوجَةِ، وَلَم يَقدِر أَن يَتزَوَّجَ غَيْرَهَا خَلَفًا مِنهَا؛ إِمَّا لِقِلَّةِ مَا فِي يَدِهِ، أَو لِقِلَّةِ الزَّوجَةِ الْمُوَافِقَة. واعلَم أَنَّهُ لَيسَ فِي كَثَرَةِ التَزَوُّجِ فَحَرِّ؛ لأَن الإِنسَانَ عَورَةٌ، وَالْمَرْأَةُ عَورَةٌ، وَعِندِي أَن مَن تَيَسَّرَت لَهُ امْرَأَةٌ وَاحِدَة، واكتفى بهَا عَن سِوَاهَا، أَسعَدُ مِمَّن أكثر من الزَّوَاجَ بِالنِّسَاءِ؛ لأَنَّهُنَّ يَحتَجنَ إِلَى مُهُورٍ، وإِلَى نَفقَةٍ، وإلَى حُقوقِ، وَالْحَفُ أَحَفُ لِلإِنسَانِ
السبب
بكُلِّ حَالٍ. وكُلُّ مَن قَبلَتهُ النَّفْسُ فَهُو كَافٍ، فَإِنَّما هُو قَضاءُ شَهِوَةٍ فِي الحال، وهي لذلك، وهُو كَما قِيلَ: «مُبالٌ فِي مُبَال»، ولَو لَمْ تَحمِل الناسَ الشَّهَوَةُ عَلَى الْجَمَاعِ وتزينه لِلنَّفسِ لَمَا رَغِب عِندِي رِجَالٌ، وَلَا نِسَاءٌ فِي تَزَوجِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَت لَكَ رَعْبَةٌ قوِيَّةٌ فِي النِّساءِ، وكُنتَ عَلى مَقدِرَةٍ وَسَعَةٍ مِن الْمَالِ، ولَم تُعْنِكَ الوَاحِدَةُ؛ فَتَزَوَّج إِلَى تَمَامِ الأَربع زَوجَاتٍ، وإِن شئتَ دُونَ ذَلِك. فإذا صَارَ لكَ أكثرُ مِن زَوجَةٍ؛ فَاعدِل بَينَ الأَزوَاجِ، وَلَا تَمِل إِلَى إحداهُنَّ بِهَوى ولَو أَحببت وَاحِدَةٌ أَكثَرَ مِن وَاحِدَةٍ، فَلا تَمِل إِلَيْهَا، وَاتَّقِ اللَّهَ، وخَفْ أَن يَرَاكَ اللَّهُ غَيْرَ (1/246)
صفحة 247
YEY
الدلائل على اللوازم والوسائل
عَادِلٍ بَينَهُنَّ فِي النَّفَقَة، والكسوة، والْمَبِيتِ بِاللَّيلِ، والْحِمَاعِ، إِن قَدَرتَ عَلَى العَدلِ بِهِ، وإن لم تقدر فَلا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا.
وأمَّا إِن أَثَرتَ وَاحِدةً منهُنَّ بِشَيْءٍ مِن غَيرِ اللازم عَلَيكَ مِن تَرفُهِ مَاكُول أو ملبوس، فَلا بَأسَ عَليكَ إِن شَاءَ اللهُ - إِلا أَنك لا تُظهر ذَلِكَ لِلأُخرى، خوف أَن يَدخُلَ عَلَيْهَا الْجَفَاء إِذَا كَانَ إِيثَارُكَ لَهَا مِن قِبَل إِحسَانِهَا لَك، أَو خِدمَتِها، أو غَيرِ ذلِك؛ لأَن النَّاسَ لَيسُوا سَواءٌ فِي مُعاشَرَتِهم ..
واجعل كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنهُنَّ فِي مَسكَنٍ غَيْر الْمَسكَنِ الذِي فِيهِ الأُخرى، إِلا أَن يَرضِينَ بالسَّكَنِ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ.
واقسِم لَهنَّ الْمَبِيتَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مَع وَاحِدَةٍ، وَأَمَّا النَّهَارُ فَلَيسَ بِلازِمٍ عَلَيكَ القسم لَهُنَّ فِيهِ، لكن يُعجبني إن كَانَ لَك شغل مِن حِرَاثَةٍ وَغَيرها فِي غَيْرِ البيت أَلا بَأسَ عَلَيكَ فِي النَّهارِ .. وإِن كَانَ شُغَلُكَ - مثل صنَاعَةٍ فِي البَيتِ - أَن يَكُون كُلِّ يَومٍ عِندَ وَاحِدَةٍ، فَإِنَّهُ أَبَرُّ وأَسلَمُ، إِلا أَن لا يُمكِن ذَلكَ.
وعَاشِرهُنَّ جَمِيعًا بِالْمَعْرُوفِ، ولينِ الْجَانِب والقَولِ الْجَمِيلِ، واحتَمِل مَا تَسْمَع مِنهُنَّ مِن القَولِ الْمَكرُوهِ، وَعَامِلَهُنَّ بِالعَفوِ فِي جَمِيعِ أَوقَاتِكَ.
واعلَم أَنَّكَ غدًا مسؤولٌ عَنهُنَّ، فَلا تَظْلِمهُنَّ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ .. هذَا إِذا طَلَبنَ العَدلَ مِنكَ، وإِن طِينَ نَفْسًا بِشَيْءٍ أَو إِحدَاهُنَّ، ورَضِينَ بِدُونِ العَدلِ؛ فَلَا بَأْسَ عَلَيكَ إِن شَاءَ اللَّهُ
تعالى. (1/247)
صفحة 248
الدلائل على اللوازم والوسائل
البات
34 فِي شَيْءٍ مِن صِفَةِ أَلْفاظِ الطَّلَاقِ وَمَا يَجُوزُ مِنْهُ، وَمَا لَا يَجُوزُ
وأوصيك يا أخي، - رَحِمَنَا اللهُ وإِيَّاكَ - ونَفسِي بِتَقوَى اللَّهِ تَعَالَى، واحذَرٍ أَن تَكُونَ من الدوَّاقِينَ والذواقاتِ، وخَفْ مِن أَجلِ ذَلِكَ دُخُول الْمَشَات. فإذا رزقك اللهُ تَعَالَى امرأةٌ مُتابعَةً لَك في أمورك، ومُطيعَةٌ لَك فيما تُريدُه مِنهَا مِن تدبيرك، أو رَزَقَك اللهُ امْرَأَتَيْن، أو أَكثر عَلى مَا وَصَفَتُ لَك؛ فَلا تَعجَل عَلَيهِنَّ بِالطَّلَاقِ، إلا مَن رأيتَ مِنهَا مَا لاَ تَقدِرُ عَليهِ مِن العِنَادِ والشَّقاقِ، وَإِلا فَاصبر لَهِنَّ عَلَى مُرِّ الْمَذاقِ، فإِنَّهُ خَيْرٌ عِندِي مِن القَطِيعَة والفراق .. وأنت وإيَّاهنَّ في الفُرقة بالحوادث بينكما السباق، وليتأهب الْمُتأخر مِنكُما عَن صَاحِبه اللحاق .. فَكُم مُتَخَلَّفٍ عَن صَاحِبه، وقد ورث مِن مَالِهِ، ولَم يدرِ مِمَّا وَرَثَ قَدَرَ لُعَاق)، بَل سَاقَهُ القَدَرِ إِلَيْكَ بِأَصعَبِ سِياق، ولَم يَكُن بَعدَ تِلكَ الفُرقَةِ لِلمُحِيِّينَ تَلاقِ، فَلا تَكُن لَك هِمَّةٌ إِلَّا الأُهَبَةُ لِيَومِ الْكَشفِ عَن السَّاقِ، فلا مَلْجَأَ وَلَا مَنجَى مِنْهُ وَلَا إباق (2).
وإن لم تجد بدا، وَلاَ عُذرًا مِن وَجهِ مِن وُجُوهِ الطَّلاقِ، لِمَعَنِّى رَأَيْتَهُ، وَلَا يَتِمُّ أَمرُك به، إما لدين أو لِدُنيَا؛ فَاسْلُك أَيسَرَ الطُّرُق عَلَيكَ، وعَلى مَن تُرِيدُ فِراقَهُ؛ وهُو أَن تُنظِرَ الْمَرأَةَ إِلى أَن تَكُونَ فِي طُهرِ لَم تُجَامِعهَا فِيه؛ لأَنْ ذَلِك أَصحُ لانقِضَاءِ العِدَّةِ لَهَا وأَسْرَعُ،
وهُوَ الْمَأْمُورُ به، وغَيْرُهُ بدعَةٌ. ثُمَّ أَحضر شَاهِدَينِ عَدلَيْن وتَقُول لِلمَرأَة التي تُرِيدُ لَها الطلاق: أَنتِ طَالِقٌ، وَسَلَّم لَها
مَا عَليكَ مِن آجِلِ الصَّدَاقِ، فهذا هو الطَّلاقُ الصَّحِيحُ.
1) اللعَاق: ما بقي في الفم مما ابتلعت انظر: العين، (لعق). أو هو: ما بقي من لعاق في الإناء.
الإباق: ذهاب العبد وهروبه من غير خوف ولا كد عمل. (1/248)
صفحة 249
الدلائل على اللوازم والوسائل
وأَمَّا إِن كَرِهَتَكَ الْمَرْأَةُ كَرَاهَةٌ، لا تَحتَمِل مُعاشرتكَ فِيها، وعرفت ذَلِكَ مِنهَا، وطلبت منك الطلاق وعرضت عَلَيكَ أَن تَرُدَّ لكَ مَا سَلّمتَ إِلَيْهَا مِنَ الْمَالِ بِلا زِيادَةٍ، فَجَائِزٌ لَكَ هذا على هذه الصفةِ أَخِذُ مَا سَلّمتَهُ لَها، وبَرَاءَتُها مِمّا عَلَيكَ لَها مِن الصَّداقِ الغَائِب، عَلَى شرط أن تُطلقها (1).
فإذا حضرت أنتَ وهِي، وأردتُمَا ذَلكَ فَأحضر شَاهِدَينِ عَدَلَيْن، فإِذا قَالَت لَك: قد برانك من حقي وصَدَاقِي الذِي عَلَيكَ لِي، عَلَى أَن تُبَرِّئَ لِي نَفْسِي بَرَاءَةَ الطلاق، ورَدَّت عَلَيْكَ مَا اتَّفَقتُما عَلَى رَبِّهِ مِمَّا سُقتَهُ إِلَيْهَا أَوَّلاً فَقُل أَنتَ لَها: قَد قَبلَتُ بِرَاءَتَكِ وَمَا رَدَدتِهِ عَليَّ، وَأَبْرَاتُ لَكِ نَفسِي بُرآن الطِّلاقِ أو بتطليقةٍ، فَقَد مَضَى بَيْنَكُما الطلاق، وقد بانت مِنكَ، وَلا يَجُوز لَك رَدّها، ولَو فِي عِدَّتِها إِلا برضاها. وأمَّا إِذَا غَضِبت عَلَيْهَا، وحَمَلَكَ الغَضبُ عَلى فِراقِهَا، وَقُلتَ لَهَا ولَو بِغَيرِ مَحضَرٍ مِن الشهودِ: أَنتِ طَالِقٌ، أَو تُرَاكِ طَالِقٌ، أو صاش طَالِقٌ - بِكَلامِ العَوام، أَو أَنتِ مُطَلَّقَةٌ، أو طَلَّقْتُكِ، فَجَمِيعُ مَا نَطَقتَ بِهِ مِن هَذَا وَمِثْلِهِ يَقعُ بِه الطَّلاقُ، غَير أَنَّكَ لَا تَأْخُذ أَمرَك إِلا بعقل، لا بجنون.
واتبع الشرع في جَمِيع أُمورِكَ، واحذر الْحَلفَ بِالطَّلَاقِ عَن أَن تَفعَلَ أَنت شَيْئًا أَو أَلَّا تَفعَلَ، أَو أَن تَفعَلَ هِي أَو أَلا تَفْعَلَ، فَيَلزَمُكَ الطَّلَاقُ وَتَذهَبُ امْرَأَتُكَ وَمَالُكَ. وَلا تُطلق امرأتك طَلاق الضّرار، وهو: أَن تُطلقها وَاحِدةً، ثُمَّ تَتْرُكَهَا إِلَى قُرب انتِهَاءِ عِدَّتِها ثُمَّ تَردَّها، ثُمَّ تَزيدها تطليقة، لِتَطُولَ عَليها العِدَّةُ، وَلَا يَحِلُّ لَها الزَّواجُ،
يَجُوز.
لا
وإن أَردت أَن تُطَلَّقَ طَلَاق السُّنَّةِ فَهُو: أن تُطَلَّقَها فِي طُهر لَم تُجَامِعهَا فِيهِ، لِيَكُونَ أسرع لَها فِي انقِضَاءِ العِدَّة وأَصحَ، خَوفَ أَن يَكُون بِها حَمَلْ لَم تَعلَم بِهِ بَعدُ.
1) وهو ما يُسَمَّى بالْخُلع، وسيأتي بيانه وشرحه في: الباب السادس والثلاثين. (1/249)
صفحة 250
الدلائل على اللوازم والوسائل
25
فإِذَا طَلْقتَها لِلسُّنَّةِ، فَأَنفِق علَيهَا مِن مَالِك حَتَّى تَنقَضِي عِدَّتُها، إِن لَم تَرُدَّهَا قَبلَ ذَلكَ، هذَا إِذَا قَامَت فِي بَيْتِكَ بَعدَ الطَّلاق، وإن أبت الْمُقامَ عِندَكَ وَانتَقَلَت عَنكَ فَلَا يَلْزَمكَ لَهَا
نفقة .. وكذلك الْمُطَلَّقَة البَائِنَة بِثَلَاثِ تَطلِيقَاتِ، وَالْمُتَبَرِّئَةُ لَك لا تفقَةً عَلَيكَ لَهُنَّ. وإِذَا طَلَّقت امرأَتك دُون ثَلَاثِ تَطلِيقَاتِ، ثُمَّ أَردتَ رَدَّهَا فَلَا يَكُون رَدُّهَا إِلَّا فِي العِدَّةِ، وبِحُضُورِ شَاهِدَيْن عَدلَيْن وبرضاها، إن كان حُلعًا، وبِغَير رأيها ورِضاهَا إِن كَانَ طَلاقًا رجعيا.
وَلفظُ الرَّد: أَن تَقُولَ بِمَحضَرِ شَاهِدَينِ عَدَلَيْن: «أُشْهِدُكُما، فَاشْهَدَا أَنِّي قَد رَدَدتُ زوجتي فلانة بنت فلان الفلانية بما بقي من طلاقها». وإِن كَانَ خُلعاً، قُلتَ زيادة
لفظة: «وهو بحقها، وبما بقي من طلاقها»، ويُعلمها الشَّاهِدانَ بِالرَّدُّ قبل انقضاءِ العِدَّة. وإن عدمت الشَّاهِدَينِ العَدَلَيْن فَلَا يَكُونُ أَقل من شهودٍ شُهرة، وبحضرتِها عَلَى الرَّد. وأَمَّا طَلَاقُ الْمَرأَةِ التِي لَم يُدخل بها؛ فَالتَّطلِيقةُ الوَاحِدَةُ تبينُها مِنكَ، فَإِذَا طَلَّقتها واحدةً فَلا تَردَّها، بل اعقد عَلَيْهَا النِّكَاحَ مَرَّةً ثَانِيةٌ، كَالعَقدِ الأَوَّل. وإِن طَلِّقتها ثلاث تطليقات، فهُنَّ بِمَزِلَةِ تَطليقةٍ واحدة، ولَك زَواجُها على قول، ولو لم تتزوج بِرَجُل غَيْرَكَ. وقول: إِنَّهَا بِمَزِلَة الْمَدحُولِ بِها، وتَبِينُ بذلك، ولا يَحلُّ تَرَوُجُهَا إِلَّا بَعد أن تتزَوَّج، ويُطلقها الزوج الآخر؛ وَلا عِدَّةَ عَلى الْمَرأَةِ الْمُطَلَّقَة قبل الدخول بها .. ولا عِدَّةَ عَلَى الْمَرأَةِ الْمُطلقة غَيرِ الْمَدخول بها، وإِنَّما العِدَّةُ عَلَى الْمَدخُول بهَا خَاصَّةً، واللَّهُ أَعْلَم.
فضل: [في طلاق البدعة، وصيغه]
واحذر طلاق البدعَةِ إِن قَبلت نُصحِي .. واعلم أن الْمَرْأَةَ تَبِينُ بِطَلَاقِ البِدْعَةِ، لَكِنَّ فَاعِلِه يَأْثَمُ لِمُخَالَفَتِهِ الْمَأْمُور بِهِ، فَلَا تُطَلَّقَهَا اثْنَتَيْنِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَة. (1/250)
صفحة 251
251
الدلائل على اللوازم والوسائل
وَلَا تَقُل: «أنتِ طَالِقٌ ثَلاثًا»، إلا أن تَقُولَ: «طَلاقًا ثَلاثًا لِلسُّنَّة»، وبعد الطُّهرِ، وَلَا تطلقها بأكثر مِن وَاحِدَةٍ، فَالوَاحِدةً تبينُها منكَ.
فمَا وَجهُ الزِّيَادَةِ؟ وإِن كَان وَلَا بُدَّ، فَلا تَزِد عَلى الثَّلَاثِ، فَالزِّيَادَةُ أَخَافُ أَن تَكُونَ عَليكَ أَوزَارًا، فَاحْذَرَ الوِزرَ فِي كُلِّ حَال.
وَلَا تَقُل لَها: «أَنتِ طَالِقٌ عَشرًا، وَلاَ مَائةً، وَلا أَلْفًا وَلا أَقل مِن العَدَدِ كَمَا ذَكَرتُه وَلَا أكثر، فَالْمَعنى أنك لا تَزيدُ أبدًا عَن الثلاث.
ولا تَقُل لَها: «أنتِ طَالقٌ مِلعَ البَيْت»، وَلا مِلءَ قَفِيز»، وَلَا «مِلءَ الدُّنْيَا»، وَلَا تَقُل: بعدد النجوم»، ولا «بعدد الرِّمَال»، وَلَا «بعدَدِ وَرَقِ الأَشجَارِ، وزَبَدِ البِحَارِ» فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ إلى أكثر من ثلاث .. وإذا كانت - مثلاً - عِلَّةٌ فِي جَسدٍ، يَكفيها كَي وَاحِدٌ، فلم تُكوَى بِمَائَةٍ، أَو أَلف؟! أليس الزَّائِدِ يَكُون ضَررًا عَلَى الْجَسَد؟!.
وَلا تُطلق بأكبَرِ الطَّلاقِ، وَلا بِأَصغَرِه، وَلاَ بِأَعظَمِهِ، وَلَا بِأَفَحَشِهِ، وَلَا بِأَشَدِّهِ، وَلَا بأقبحه، ولا بأخبثه، فإن هذا كله يرجع إلَى تَطلِيقَةٍ وَاحِدَةٍ، وَوَزِرُ الكَلامِ الَّذِي لَا يَجوزُ راجع عليك.
وإن قلت لها: «أنتِ طَالِقٌ أَكثر الطلاقِ» فهو اثنتَانِ، إِلَّا إِن نَوَيْتَ أَكثر. وإِن قُلتَ لَهَا: أنتِ طَالِقٌ كُلِّ الطلاق»، فهو ثَلَاثَ، وَوَجَدتُ فيه اختِلافًا.
وإن قلت: «أَنتِ طَالقٌ مَا شَرَقَت الشَّمسُ ومَا غَرَبَت»، فَهِي وَاحِدَةٌ. وإِن قُلت: «أَنتِ طَالقٌ إِذَا طَلَعَت الشَّمسُ وإذا غَرَبَت فَهُما اثْنَتَانِ وكَذلِك إِن قُلت: «أَنتِ طَالقٌ عند طُلوعِها وعند غروبها»، فَهُو أيضا اثنتان. وإن قلت: «أَنتِ طالق كلّما أَشْرَقَتِ الشَّمس، وكُلَّمَا غَرَبَت»، فإِنَّها تُطلِّقُ ثَلاثًا فِي تِلكَ الأَوقَاتِ، مَتَى غَرَبَت مَرَّةٌ طُلْقَت بِوَاحِدَةٍ، وَمَتَى طَلَعَت مَرَّةٌ طُلقت بواحدةٍ، حَتَّى تَكَتَمِلَ الثلاث.
وإن قلت لها: «أَنتِ طَالِقٌ تَطلِيقَةٌ قَبلَ تَطلِيقَةٍ فَهِي وَاحِدةً. وإِن قُلت: «أَنتِ طَالِقٌ
تطليقة قبلَهَا تَطلِيقَةٌ»، فَهِي اثنَتَانِ، وكَذلِك إِن قُلت: «بَعدَها تطليقة». (1/251)
صفحة 252
الدلائل على اللوازم والوسائل
وإن قلت: «أَنتِ طَالِقٌ اليَومَ وَغدًا» طُلقت اليوم. وإِن قُلت: «أَنتِ طَالِقٌ إِذَا جَاءَ الغَدُ» طلقت غدًا حين يطلع الفجر. وإن قلت: «أَنتِ طالق أمس» طلقت مِن حينها. وإن قلت لها لِتُطَلَّقَها غَداً، فجَاءَ الغدُ ولَم تُطلقها فَلا تُطَلَّق، إذ لا تُطلق بِالوَعِدِ بَل تُطَلِّق بِالعَزمِ عَلَى
الطلاق.
?
وإن قلت لها: «أَنتِ طَالِقٌ إِذَا هَلَ الْهِلالُ طُلقت حين يَهْلُ الْهِلَالُ. وإِن قُلْتَ: «أَنتِ طالقٌ إِذا كَلَّمتِ زيدًا وَعَمرًا»، فَلا تُطلق حَتَّى تُكَلِّمُهُما جَمِيعًا. وإِن قلت: «إن کلمت زيدًا أو عَمرًا فَأَنتِ طالق» وكلّمت أحدَهُما طَلقَت. وإن قلت: «إِن حَدَّثَتِ بِهَذَا الْحَدِيثِ الذي أحدثك به أحدًا فَأنتِ طَالِقٌ، فَحَدَّثَت به صَيًّا طُلقت، وإِن قُلتَ لَهَا: «إِن حَدَّثَتِ به فَأَنتِ طالق»، فَحَدَّثَت ببعضه لَم تُطلق حتَّى تُحَدِّثَ به كُلَّه. وإِن قُلت: «إِن دَخَلتِ بَيتَ فلانٍ فَأَنتِ طالق»، فَدخَلَ مِنهَا شَيْءٍ طُلقت؛ لأَن الطَّلَاقَ لَا يَتجَزَّا، وإِن دَخَلَتْهُ نَاسِيَةٌ وإن دخلت كرها لَم تُطَلّق، وقِيلَ: طُلقت. وإن قُلتَ لَها: «إِن دَخَلتِ بَيتَ فلان فَأَنتِ طالق - وهِي فِيهِ دَاخِلَةٌ - فإِنَّها إِن لَم تَخْرُج عِندَ فَراغِ كَلَامِكَ طُلْقَت. وإن قلت لها: «أنتِ طَالقٌ أَوَّلاً؟» وَقَع عَليها الطلاق، وقِيلَ: إِنَّهُ لَا يَقعُ عَلَيْهَا بِذلِكَ طلاق؛ لأن هذا الكلام يَخْرُجُ مَخْرَجَ الاستفهام. وإن قلت لها: إن أكلت هذَا الْخُبْزَ فَأَنتِ طَالقٌ - وهُو خُبرٌ مَحدُودٌ، فَأَكَلَت بَعضَهُ
طلقت
لَم تُطلق حَتَّى تَأكُله كله، وإن كان الْحُبَرُ غَير مَحدُودٍ وَقَع عَلَيْهَا الطَّلَاقُ. وإن قلت لها: «إِن شَرِبتِ الْمَاءَ الذِي فِي هَذَا الكُوزِ»، فَأَنتِ طَالِقٌ فَشَرِبَت بَعضَهُ لَم تُطلق حتى تشربه كله، وإن قلت لها: إن لَم تَشرَبِي الْمَاءَ الَّذِي فِي هَذَا الكُوزِ فَأَنتِ طالق - والكُورُ لاَ مَاءَ فِيه - فإِنَّها تُطلق؛ لأَنَّكَ خَلَفتَ عَلَى مَعدُومٍ، وإِن كانَ فِيهِ مَاء فَجَاءَت لِتَشرَبَهُ فَلَم تَحِد شَيْئًا، أَو سَبَقَهَا عَلَيْهِ مَن شَرِبَه طُلِّقَت. (1/252)
صفحة 253
الدلائل على اللوازم والوسائل
واعلم بأن أَيْمَانَ الغَيبِ كُلها حنث، فإن قُلتَ لَها: «إِن كَانَ مَا فِي هَذِهِ الْجَوَالِيقِ بُرِّاً فأنتِ طالق» فَوُحِد فِيهَا بُراً وذُرَةٌ، فَإِنَّها لا تُطلق؛ لأَنَّهُ لَم يَكُن فِيهَا بُرٌ كَمَا حَلَفَتَ بَل كَان
بُرا وذُرَةٌ.
وإن
قُلت لها: «إن مَضَيتِ إِلَى أُمِّكَ فَأَنتِ طَالِقٌ فَخَطَت خطواتٍ مَاضِيَةً إِلَى أُمِّها طلقَت وَلَو لَم تَصل؛ لأن الْمُضِيَّ ذَهابٌ وإِن قُلتَ: «إن خرجت من منزلي بِغَيرِ أَمرِي فَأَنتِ طالق»، فَخَرَجَت بِغَير أَمرِكَ طُلقت. وإن قلت لها: «إِن خَرَجَتِ بِغَيْرِ عِلمِي فَأَنتِ. طَالِقٍ»، فَخَرَجَت وأَنتَ تَراهَا لَم تَطلُق حَتَّى تَخرُجَ وأَنت لا تَعلَمُ بِها. وإِن قُلتَ لَهَا: «إن خَرَجَتِ بِغَيْرِ إِذنِي، فَأَنتِ طَالِقٍ»، فَخَرَجَت وَأَنتَ تَراهَا طُلِّقَت، حَتَّى تَأْذَنَ لَهَا، فَإِن أَذِنتَ لَها مَرَّةً فَخَرَجَت فَقَد أَجْزَأَها ذَلِكَ الْإِذنُ لِكُلِّ خُروج تُرِيدُه مِن بَعد. وإن قلت لها: «إِن بَدَأَتُكِ بِالكَلَامِ فَأَنتِ طالق»، فَقَالَت هي: «إِن بَدَانَكَ بِكَلامٍ فَعَبِيدِي أَحرَارٌ» فَكَلْمتَها أنت ثُمَّ كَلْمَتك فَلا يَقَعُ طَلاق عَلَى الْمَرْأَةِ، وَلَا عِتق عَلَى الْعَبِيد؛ لأنها حين حلفت بدأتكَ بِالكَلامِ، ثُمَّ كلّمتَها أَنتَ بعدما بَدَأَتِكَ فَلَا يَقَعُ الطِّلاقُ. وَإِن قُلتَ لها: «أنتِ طالق إن لَبِستِ غَزَلَكِ»، فَلَبَسَت ثَوباً فِيهِ شَيْءٌ مِن غَزلِها طلقت. وإن قلت:
وإن
قلت:
أنتِ طَالِق إن لبست ثوباً مِن غَزَلِكِ»، فَلا تُطَلِّقُ حَتَّى تَلْبَس ثوباً كَامِلاً مِن غَزَلِهَا. قُلتَ لَها: «أَنتِ طَالِقٌ إِن أَكَلتُ مِن مَالِكِ طَعامًا»، فوَهَبَت لَك ذلك الطعام فأكلته، فذلِكَ طَعَامُكَ فَلَا تُطلق. وإن طالق إن أكلت خبرها» فَعَجَنَت «هي وخبرت، وأعطت غَيرَها لِيُطَرَحَ ذَلِكَ عَلى التَّنُّور، فَأَكَلتَ مِنْهُ، فَإِنَّها تُطَلَّق بِذلِكَ. وإِن قُلتَ أَنتِ طَالِقٌ إِن لَم تَرُدُّي الدَّرَاهِمَ التِي أَخَذتِهَا، وَلَم تَكُن أَخذَت شَيْئاً مِن الدَّرَاهِم فَلَا
تُطلق، وإِن أَخَذَت دَرَاهِم فَرَدَّتْهَا قَبلَ أَن يُوَاقِعَهَا، لَم يَقَع عَلَيْهَا الطَّلَاقُ. وإن قلت لها: «أنتِ طَالِقٌ إِن كَلّمتِ الرِّجَالَ»، فَكَلَّمَت رَجُلاً وَاحِدًا طَلقَت؛ لأن كَلامَها الرَّجُل يَقَعُ فِي الْمَعنَى أَنَّها كَلْمَتِ الرِّجَالَ. وإن قلت لها: «أَنتِ طَالِقٌ إِن كَلمتِ رجالاً»، فَلا تُطَلِّقُ حَتَّى تُكَلَّمَ مِن اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا. (1/253)
صفحة 254
الدلائل على اللوازم والوسائل
وإن
وإن قلت لها: أنتِ طَالِقٌ إِن ذَبَحتُ هَذِهِ الشَّاةَ»، والشَّاةُ قَد ذُبحت طُلقت. حلفت بطلاقها على غَيب، أَو عَلى مَا لاَ تَقدِرُ عَلى فِعِلِهِ بِحَالٍ فِي عَادَةِ النَّاسِ فإِنَّها تُطَلِّقُ، ومِثلُ ذَلِك: إِذا حَلَفتَ بِطَلَاقِها، إذَا لَمْ تَنسِفِ الْحِبَالَ، أَو تَصعِدَ إِلَى السَّمَاءِ، أَو تَشرَبَ البحرَ كُلَّهُ، فَتَطَلِّقُ بِذلِكَ مِن حِينَهَا.
وإن قلت: «أَنتِ طَالقٌ إِن رَضِي أَخِي، أو أحدٌ غَيرُه مِن قَرَايَتِكَ، أَوغَيْرِهم»، فَمات
ذلِكَ الرَّجُلِ الْمَحلُوفُ عَلَى رِضاه قَبْلَ أَن يَعرِفَ رِضَاهُ، فَإِنَّهَا تُطَلِّقُ. وإن حلفت بطلاقها ألا تَسكُنَ البيت الفُلاني فبت فيه، أو جَامَعَت زَوجَتُك فَإِنَّهَا تُطلق؛ لأن الليلَ سَكن، والْحِماعُ لِلزَّوجَةِ مَسكَنٌ.
الاستثناء في الطلاق]: وإن قلت: «هي طالقٌ إِن شَاءَ اللَّهُ مُتَّصِلاً بِلَفْظِ الطَّلاقِ، لَم
ينفعك هذا الاستثناء، ولَم يَهدِم الطلاق؛ لأن الاستثناء يَهدِمُ الأَيْمَانَ وَلَا يَهدِمُ الطَّلاق. وإن قلت لها: «أنتِ طَالِقٌ إِن دَخَلَتِ بَيتَ فُلانٍ إِلا أَن يَشَاءَ اللَّهُ»، نَفَع الاستثناء ولَم تُطلق. وإن قلت لها: «أَنتِ طَالِقٌ ثَلاثًا إِلا اثنين»، فَهِي وَاحِدَةٌ، وَيَنفَعُهُ الإِسْتِثْنَاءِ؛ لأَنَّ اللَّهَ ل يَقُولُ: فَلَيتَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةِ إِلَّا خَمْسِينَ عَامَّا له (1). وإن قلت لَهَا: «أنتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً إِلا اثنين»، فَهِي وَاحِدَةٌ لأَنَّكَ اسْتَثنَيْتَ الكُلِّ. وإِن قلت: أنتِ طَالِقٌ ثَلاثاً إلا ثلاثا»، طلقَت ثَلاثاً ولَم يَنفَع الاستثناء لأَنَّكَ اسْتَتَنَيْتَ الكُلِّ. طلاق الشرط]: وإن قلتَ لَها: «أَنتِ طَالِقٌ إِن فَعَلتِ كذا وكذا»، فَقَالت: إنها قد فعلت، وقع الطلاق؛ لأَن القَولَ قَولُهَا فِي ذَلِك. وإن قلت لها: «أَنتِ طَالِقٌ، إِن فَعَلتِ كذا وكذا» فهي زوجتك، حَتَّى تَفعَل مَا شَرَطَتَهُ عَلَيْهَا.
وإن قالت لك: «يَا سَفَلَة»، فَقُلت لها: «إن كُنتُ سَفلةٌ فَأَنتِ طَالِقٌ» (فالسَّفَلَةُ هُو
الكافر).
1) سورة العنكبوت: 14. (1/254)
صفحة 255
الدلائل على اللوازم والوسائل
وإِن مَرَرْتَ عَلَى نِسَاء وفِيهِنَّ امْرَأَتَكَ، فقُلت: إحدَاكُنَّ طَالِقٌ» طُلقت امرَأَتُكَ؛ لأَنْ
طَلَاقَكَ لَا يَقَعُ إِلَّا عَلَى زَوْجَتِكَ.
فصل: في طلاق الحكاية [وغيره]
هي:
وهو إن جئتَ إِلَى زَوجَتِكَ، وقُلتَ لَها: «إن فلانًا طَلَّقَ زَوجتَهُ»، فَقَالَت لَكَ كَيف قَالَ لَها»؟ فَقُلت: «قَالَ لَها أَنتِ طَالِقٌ»، لَم يلحقكَ بِذَلِكَ طَلاق؛ لأَنَّكَ حَكَيْتَ لَهَا عَن غَيرِكَ. وإن قَرَأْتَ فِي كِتاب أَثَرًا فِيهِ ذِكرُ الطَّلَاقِ – وهِيَ حَاضِرةٌ وَ تقرأ فِيهِ مَا جَاءَ مِن لَفظِ الطَّلَاقِ «أَنتِ طَالِقٌ»، فَلَا تَطلُق بذَلِكَ.
وإن قلت لها: لَقَد أَغضَبَتِنِي حَتَّى أَرَدتُ أن أقول لك: «أَنتِ طَالِقٌ ثُمَّ مَنَّ اللَّهُ عَلَيَّ»، فَلَا يَقع بِهِذَا طَلَاقٌ.
وإن
طلقت زوجتك واحدَةً أو أكثر، ثُمَّ حَلَفتَ بطَلاقِهَا لَحِقَهَا الطَّلَاقُ؛ لأَن الطَّلَاقَ
يتبع الطلاقِ مَا دَامَتِ الْمَرْأَةُ فِي العِدَّةِ.
طلاق الإكراه]: وإن جَبَركَ عَلَى طَلَاقِ زَوجَتِكَ مَن لا تَقدِر عَلَى الامْتِنَاعِ مِنْهُ مِن أَهلِ السُّلطَةِ، وخفت القَتلَ عَلى نَفسِكَ إِن لَم تَفعَل فَلَا تُطَلِّقُ زَوجَتُكَ بِطَلَاقِ الْجَبرِ، إِذ أَنتَ لَم تَعْزِمٍ عَلَيْهِ بِقَلبك.
[طلاق النسيان]: وإن طلقت زوجتك نَاسيًا طُلقت، هَذَا فِي الْحُكمِ. وإِن غَلَطت: فَلا عَلَيكَ طَلاَقٌ فِي الغَلَطِ، إِذَا صَحٌ أَنَّهُ غَلَطٌ فِيمَا بَينَك وبَينَ اللَّهِ. وفي الحكم وذلك – مثل - إِذا أَردت أَن تَدعُوَ زَوجَتَكَ لِشَيْءٍ مِن حَوَائِحِكَ، فَغَلطت بطلاقِهَا. وإن رأيتَ فِي النَّومِ أَنك طلقت امرأتك لَم يَلزَمكَ شَيْءٌ ولَو قصَصَتَ عَلَيْهَا رُؤيَاكَ، وَاللَّهُ أَعلَم بِالصَّوابِ. (1/255)
صفحة 256
الدلائل على اللوازم والوسائل
فَصْل: في الخاطر
256
وأما ما خطر بالِكَ في قلبكَ لا بِلِسانِكَ، وَحَدَّتَتكَ نَفسُكَ بِطَلَاقِ زَوجَتِك فَلا تلتفت إلَيهِ، وَلَا تَهتَمَّ بِهِ، وَلَا تُبَالِ وَلَا تَشُك؛ فَإِن ذَلِك مِن وَسواس الشَّيْطَانِ – لَعَنَهُ اللهُ وأخزاه، فإِنَّهُ عَدُوٌّ لَك يُرِيدُ أَن يُغيِّرَ عَليكَ حَالك، ويُحرِّم عَليكَ حَلالك، فإنَّهُ يُطلب مِنكَ مَا يَضرُّكَ، فَإِن أَطْعَتَهُ فِي ارتكاب الكبائر والإصرار على الصغائر فهذَا مَطلُوبه منك، ويكفيه ذلك، وإن عصيته ولم تُطِعْهُ فِي ذَلِكَ، جَاءَكَ مِن جَانِب الوسواس في تحريمِ الْحَلالِ مِنَ الزَّوجَاتِ والْمَالِ، ومِن الاِسْتِغَالِ عِندَ أَدَاءِ الصَّلَواتِ، وعِندَ الطَّهارَاتِ، وعِندَ النَّظَر والحركاتِ، ونَقض الوُ ُضوءِ بِالْمُعارَضَات، وأمثال هذا، وأنت لا تدري بل تحسب ذلك اجتهادًا مِنكَ، وعِبادَةٌ وطَاعة وزهادَةً، وهُو يُرِيدُ أَن يُوقِعَك فِي الْمَهَاوِي، ويُرديكَ فِي الْمَسَاوِي. فاحذرهُ أَشَدَّ حَذرٍ مِن غُول ترَاهُ فِي بَيْتِكَ عِند مَنامِكَ؛ فإن الغُول لو لحقك لم يلحق إِلا حَسَدَك، وإبليس - لَعَنهُ اللهُ - يَطلُبُ مِنكَ أَن يُكَدِّر عليك في حياتك، ويُهلِكَك بدخول النَّارِ بَعدَ مَماتِك، حَسَدًا مِنهُ لَك وبغضاً، فاحذرهُ فإِنَّه فَارغ لَك لا شغلَ لَهُ عَنكَ، كَالصَّائِد إِنَّمَا هِمته ليقبض الصيد بما أمكنه من شباك، أورمي بحجارة، أو بما قَدَر عَلَيه مِن الْحِيَل، وهو أَشدُّ معرفةً
من الصَّائِد .. والإنسانُ كَثِيرُ الغَفْلَةِ إِلَّا مَن عَصمَهُ اللَّهُ. واعلَم أَنْ مِن حِيَلِهِ ومَكائِدِه، ومُعارَضَتِه رُبَّما هَوَّن على أحدٍ من الناس الْمُطيعين لَهُ وَأَمنهم في حرام بين مِن زَوجات، وأموال، فلم يلتفتوا لذلك، ولم يَخطُر لَهُم بِبَالٍ إِلَّا مَا شَاء اللَّهُ. (1/256)
صفحة 257
الدلائل على اللوازم والوسائل
وربَّما وَسْوَسَ لأَهلِ الوَرَعِ العَاصِينَ لَهُ فِي حلالهم الصافي من الزوجات والأموال، حتَّى رُبَّما حَمَل بَعضَهُم عَلى تَركِ زَوجَتِهِ بِلا شُبهةٍ، وَعَلَى تَركِ شَيْءٍ مِن مَالِهِ مِمَّا وَرِثَهُ، فَضلاً عَن كَسبِه، ولَيسَ هَذَا مِن طَاعَةِ اللَّهِ، فَمُحَرِّمُ الْحَلَالِ عَلَى نَفْسِهِ، كَمُحلِّل الْحَرَامِ لَها.
فإذا عَرَفتَ حِيلة، وقَالَ لكَ الْخَاطِرُ مَتَى تَكلّمتَ، أَو مَشَيت، أو صَلِّيت، أو تحركت، أو ركبت، أو نمت، أو قمت أومتَى هَبَّت الرِّيحُ لَزِمَكَ الطِّلاقُ، فَلا تَلْتَفِت
إليه، ولا تُبال به، فإِنَّهُ لَيس ذلك بطلاق؛ لأن الطلاق يكون بلفظ وقصد وَنِيَّةٍ. ولو قالَ لَكَ الْخَاطِرُ: مَتَى نَظَرت الشيء الفُلانيُّ، أَو مَتَى سَبَّحتَ اللَّهَ وهَلَّلتَهُ وكبرتَهُ وعَظْمَتَهُ، لَزِمَكَ الطَّلاقُ فَلَا بَأْسَ عَلَيكَ مِنهُ، وَلَا طَلَاق. ولو قالَ لَك: إنَّك نظرت عَورَةَ ابْنَتِك، أَو أُختِ زَوجَتِكَ، أَو أُمِّ زَوجَتِكَ، أَو قُلتَ لزوجتك في اليَومِ الفُلانِيُّ، أو الشَّهرِ الفُلانيُّ، أو السَّنَةِ الفُلانية كلامًا، ولعل ذلِك يَكُونُ طَلاقا، ولَعَلَّكَ قَد نَسِيتَهُ، فَلاَ تُقِم عَلى حَرامٍ مِن زَوجَةٍ أَو مَالٍ .. فَلَا تَلْتَفِت إِلَّا لما عرفتَهُ يَقِينًا بما لاَ شَكٍّ فيه، فمَا فَعَلَتَهُ وحَفِظتَهُ ضَبطًا، أو نَظَرَتْهُ عَمدًا، وأُتيتَهُ قصدًا، وعلمته قطعا، فلا تلتفت إِلَى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ.
ولَو عَرَفتَ مِن نَفسكَ الدُّخولَ مِن قَبل فِيمَا لاَ يَجُوزُ، فَلا يَضُرُّك فِي امْرَأَةٍ تَزَوَّجتها
عَلَى السُّنَّةِ، ومَال اشْتَرِيتَهُ بِحلالك، أو وَرِثْتَهُ مِن آبائِك، فلا شبهَ عَليكَ.
وأمَّا مَا عَلِمْتَهُ يَقينًا بِغَيرِ وَسَوَاسِ مِن زَوجَةٍ تَزوَّجتها عَلَى غَيْرِ حَقٌّ، أَو وَطِئَتَها فِي دبر، أو في حيض، أو في نفاس عمدًا، أو جرى مِنكَ كَلامٌ، تُطَلِّقُ بِه مِنكَ بِجهلٍ، ولَم تتفطن ا لَهُ فِي ذَلِكَ الوَقتِ، أَو مَال فِي يَدِك، وتَعلَمُ يَقِينًا أَنَّهُ حَرامٌ؛ فَخُذ حِدْرَكَ مِن جَميع ذَلِكَ، وَلا تَتزَوَّد لآخِرَتِكَ مَا يُبلغك الْمَهالِكَ، ولَو بَقِيتَ فِي الدُّنْيَا طُولَ عُمُرِكَ
فقيرًا عَرَبًا، فَإِنَّهُ أَيسَرُ لَك مِن الْخُلُودِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَإِنَّهُ يَا أَخِي أَمرٌ عَليكَ عَظِيمٌ. (1/257)
صفحة 258
الدلائل على اللوازم والوسائل
وإذا
???
فضل في طلاقِ التّصريح والكناية
قلت لزوجتك: «أَنتِ طَالقٌ»، وقَعَ عَليها الطلاق؛ لأنك قد صَرَّحت لها بذلك، وإن كنيت وقلت لها: «قَد سَرَّحْتُكِ، أَو قَد فَارَقتُكِ»، وقد أَردت به الطلاق وقع به الطلاق، وإِن لَم تُرِد بِهِ الطَّلاقُ فَفِيه الاختِلافُ.
وأَكثَرُ القولِ فِيمَا عِندِي - أَن يَقَعَ بِهِ الطِّلاقُ؛ لأَنَّهُ مَذْكُورٌ ذَلِكَ فِي القُرآنِ الكريم
قوله: فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ (1).
والأصح فيما وَجَدتُ: إِذا قَالَ الرَّجلُ وهُو بَالِغ عَاقِلٌ، لَا نَائمٌ وَلا مُكرَةٌ، وَلَا مَعْلُوبٌ، وَلَا مُعَمِّى عَلَيْهِ - لِزَوجَتِه أَنتِ طَالقٌ» أو «يَا مُطَلَّقَة» أو «قَد طَلْقَتُكِ» أو «قد فَارَقْتُكِ»، أو «يَا مُفَارَقَة»، أو «قَد سَرَّحتُك»، أو «يَا مُسَرَّحَة»، كُل هذا لا يَحتَاجُ إِلَى إِرَادَةٍ، بَلْ هُو تَصْرِيحٌ.
وأمَّا طَلاق الكِنايةِ: فَإِذَا قُلتَ لِزَوْجَتِكَ: «اذْهَبي، واستبرئي، وتَباعَدِي، واعتدي، وتَزوَّجي، وأَلْحَقِي بِأَهلِكِ»، أو «أنتِ مِنِّي بَرِيئَةٌ، أَو خَلِيَّةٌ»، أَو فَاسْتَعِدِّي، أَو «لَستِ بزوجتي»، أو «أنتِ عِندِي حَرامٌ» أو «فَهَيِّئي للفراق»، أو «إِنَّكِ كَالْمُطَلَّقَة»، أو حَبْلُكِ عَلى غَارِبِكِ»، ونَحوِ هَذَا فَهُو الذي يُرادُ بِه الطلاق، ويُكَنَّى بِه عَن ذِكرِه. وإن أَردت به الطلاق وقع، وإن لم ترد به الطلاق، فَقَد اختَلَفُوا فِيه، وأَحبُّوا أَن يُردَّ ذلِكَ إِلَى نِيَّة القَائِل.
1) سورة الطلاق 2. (1/258)
صفحة 259
فَصل: [بعض أنواع الطلاق]
الدلائل على اللوازم والوسائل
وأمَّا مَن حلف بطلاقِ زَوْجَتِهِ علَى فِعلٍ ثُمَّ خَالَعَها، ثُمَّ فَعلَ ثُمَّ رَدَّهَا لَم يَلْحَقهُ
طلاق.
ومَن جَعَلَ طَلَاقَ زَوجَيه بيدِها، فَطَلَّقَت نَفْسَهَا فِي مَقَامِها طلقت. وإن لَم تُطَلِّق نفسها حَتَّى يَفتَرِقَا مِن مَحلِسِهِمَا لَم تُطلق عِندَ الأكثر من أصحَابِنَا، وقد خَرَجَ الطِّلاقُ من يدها. وإن كان بحقِّ لَم يَخرُج الطَّلَاقُ مِن يَدِهَا.
وإِن جَعَل طَلَاقَهَا فِي يَدِ رَجُلٍ لَم يَخرُج الطلاق مِن يَدِهِ، حَتَّى يَرْتَحِعَهُ مِن يَدِهِ، إِلَّا أن يَكُونَ جَعَلَهُ فِي يَدِهِ بحَقِّ فَلَيسَ لَهُ فِيهِ رَجَعَةٌ، حَتَّى يُؤَدِّى الْحَقَّ. وإِذَا جَعَلَ طَلاقهَا فِي يَدِها، فَطَلَّقَت نَفسَها بَانَت عِندَهُم، ولَم يَكُن لَهُ إِلَيْهَا رَجَعَة حَتَّى تَنكِحَ زَوجًا غَيْرَه.
وإِن طَلْقَها الوَكِيلُ، وَكَانَ بَاقِيًا بَينَهُما شَيْءٍ مِن الطَّلاقِ فَلَهُ الرَّجعَةُ، ولَم تَبِن مِنهُ بشيء إلا بالثلاث، وليس للوكيل أن يُطلق إلا كَما يُجعَل لَهُ مِن الْمَرَّةِ .. والْمَرَّةُ الوَاحِدَةُ مِن الزَّوجَةِ عِندَهُم كَالثَّلَاثِ مِن الزَّوج، وتَبِينُ.
وإِن جَعلَ طَلاقها بيدِها إِلَى هِلال شهر كذا كان فِي يَدِهَا إِلَى ذَلِكَ الوَقتِ، فَمَتَى رَأَتِ الْهِلَالَ، فَلَم تُطَلّق نَفسَها خَرجَ ذَلِك الطلاق مِن يَدِها .. وعِندَ أَصحَابِنا أَنْ بَيعَ الطَّلاقِ جَائِزٌ لِغَيرِ الْمَرأَةِ، والله أَعلَم بِالعَدلِ فِي هَذَا وغَيْرِه.
OR MORE (1/259)
صفحة 260
الدلائل على اللوازم والوسائل
النا
35
في شيء من صِفَة الإيلاءِ، وَالظَّهار
واحذر يا أخي، - رَحِمَكَ اللهُ - ووقاك مِن كُلِّ مَكَرُودٍ، أَن تُعَوِّدَ نَفْسَكَ الإِيلاء والطِّهَارَ، فإن أَمْرَهُما دَقِيقٌ، فَلَا تَلْجَأَنْ إِلَى مَا فِيهِ حَرجٌ وضيق، وخاصةٍ إِذا كُنتَ
جاهلا بالأمور، فإِنِّي أَخافُ أَن تَحرُمَ عَليكَ امْرَأَتُكَ بِذَلِكَ، وأَنتَ وهِي لَا تَعْلَمَانِ بِهِ. فلا تحلف لها بذكرِ الْجماع، ولا تَقُل لَها: «إن لَم أَجَامِعَكَ فَأَنتِ طَالِقٌ»، أو «إن جَامَعَتُكِ فَأَنتِ طالِقٌ»، أو «إِن خَرَجَتِ إِلَى قَريَةِ كذا وكذا فَأَنتِ طَالِقٌ»، أو «إِن لَم أفعل كذا وكذا فَأَنتِ طَالِقٌ». ولا تَقُل لَها: «إِن قَدِم فُلانٌ مِن سَفَرِهِ فَأَنتِ طَالقٌ»، أو «إِن لَم تَدخُلِي الدَّارَ فَأَنتِ طالق»، أو «إن لَم تَأكُلِي هَذَا الطَّعامَ فَأَنتِ طَالِقٌ». وحرُوفُ الإِيلاء: إذا أردتَ مَعرِفَتَها لِتَحذَر مِن فِعلِ ذَلِك: فَهِي: «إن»، و «إن لم»، و «إذا»، و «إذا لم». فأما «إن»، و «إذا» فلا تَكُونُ إيلاء إِلا فِي الْجِمَاعِ حَاصَّةٌ، وَهُو أَن يَقُولَ لَهَا عِندَ الغَضَبِ: «إِن جَامَعَتُكِ إِلَى مُدَّةٍ كذا وكذا كُنتِ طالقا»، و «إِذَا جَامَعَتُكِ إِلَى الوَقتِ الفلاني كنت طالقا».
وأما «إن لم»، و «إذا لم» فَهِي إِيلاء في الجماع، وغَيرِ الْحِماعِ، وهي: إذا قلت: إن لَم أَجَامِعك الليلَةَ وَالوَقتَ الفُلَانِي مَرَّةً أو مِرارًا تُسَمِّيها - كُنتِ طَالِقا»، أو «إن لم أخرج الليلَةَ مِن البَلَدِ، أو الوقتَ الفُلانيُّ كُنتِ طالقا»، أو «إِذَا لَم أَخرج» كُلَّه
سواء. (1/260)
صفحة 261
الدلائل على اللوازم والوسائل
وإذا لم تقبل النصح، وقُلتَ لَها مِثل ذَلِك؛ فَقِف عَن جِمَاعِها؛ حَتَّى تَعرِفَ الْحَقُّ مِن ذلك، وهو إن قُلتَ لَها: «إِن جَامَعَتُكِ، - أو إِذا جَامَعَتُكِ فَأَنتِ طَالِقٌ»؛ فإِذا إليها، أو جامعتها حِمَاعًا تاما وهُو أَن تُولِجَ جَمِيعَ الذَّكرِ، وَلَو لَم تُمنِ) فَقَد حَرَّمَت
عليك.
جئت
وإِذا جَامَعَتَها بِقَدرِ مَا يَلْتَقِي الْخِتانَانِ فَقط، ثُمَّ نَزَعتَ عَنهَا فَقَد طلقت، ولَك مُرَاجَعَتُها فِي العِدَّةِ؛ إِذَا كَانَ بَقِيَ بَيْنَكُما شَيْءٍ مِن الطَّلَاقِ، وهُو إِن لَم تَكُن طَلْقَتَهَا
اثنتين قبلَ هَذِهِ. وإن تركت جَمَاعَها حتَّى تَمضي أربعة أشهر من يَومٍ خَلَفتَ فَقَد بَانَت مِنكَ بالإيلاء، وكذلك إن قلت: «إِن لَم أَخرج - أو إذا لَم أَخرج - إِلَى بَلدَةِ كَذَا فَأَنتِ طالق»؛ فإِن لم تَخرُج إِلَى ما سَمَّيت حَتَّى تَمضي أربعة أَشْهُرٍ مُذ حَلَفَتْ، فَقَد بَانَت مِنكَ بالإيلاء، وإن قربتَهَا قَبلَ أَن تَخْرُجَ حَرُمَت عَليكَ. وإِن بَانَت مِنكَ بالإيلاء: جَازَ لَها أَن تَتزَوَّجَ، وأنت خَاطِبٌ فِي الْخِطاب مِثل غيرك، وإن آليتَ عَن جماعِها، وبَانَت مِنكَ وتَزوَّجتها ثانية، وكُنتَ قَد حَلَفتَ عَن جمَاعِها، فَلا وَجهَ في إحلالِها لَكَ إِلا أَن تُجَامِعَها بِقَدْرِ مَا يَلْتَقِي الْخِتَانَانِ وتَبِينُ مِنكَ،
تَتَزَوَّجهَا مَرَّةٌ أُخرَى .. ويُنظر فِيمَا كَتبت، لَعَلِّي لَم أَضبطهُ ضَبطًا جَيِّدًا. وأمَّا إِذا آلَيتَ عَنهَا بِغَيرِ الْجِماعِ فِيمَا دُونَ الأَربَعَةِ الأَشْهُرِ، فَإِذَا مَضَى ذَلِكَ الوَقتُ الذي شرطته فِي يَمِينك، فإِنَّها تَحِلُّ لَك.
وأمَّا إِن حَلَفتَ بِاللهِ تَعَالَى عَن جماعِها إِلا بِالطَّلاقِ؛ فَإِن جَامَعَتَها فِيما دُونَ الْأَربَعَةِ الأشهر لَزِمَتكَ كَفَّارَةُ اليَمِينِ التِي خَلَفتَ بِها، وإِن تركتها أربعة أَشْهُرٍ بَانَت مِنكَ بالإيلاء؛ لأن كُلِّ يَمِين مَنَعَت حِمَاعًا فهي إيلاء، وإِن بَانَت بِهَذِهِ الْحَلَفَةِ التِي هِي بِاللَّهِ لا بالطلاق، وتَزَوَّجَتَهَا بَعدَ ذَلِك حَلْ لَك جمَاعُها، وعَليكَ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ، فَافَهَم مَا وَصَفَتُ لك. (1/261)
صفحة 262
الدلائل على اللوازم والوسائل
فصل: في الظهار
وأَمَّا الظَّهَارُ: فَهُو إِذَا قُلتَ لِزَوجَتِكَ فِي غَضَبٍ، أَو غَيرِ غَضَبٍ، "هِي عَلَيْكَ كَظهرٍ أمك"، أو "كَظهرِ مَن لا يَحلُّ لَك زَواجه مِن النِّسَاءِ، مِن الابنَةِ، والأُختِ، والعَمَّةِ، والْحَالَةِ، وبناتِ الإِخْوَةِ، وجَمِيعِ مَن لا يَحِلُّ لَكَ تَزَوجَهُ، أَو قُلْتَ: "كَظهرِ رَجُلٍ"، فَهَذَا ظهارٌ، وَلا تَحِلُّ لَكَ حَتَّى تُكَفِّرَ كَفَّارَةَ الظُّهار.
وكَفَّارَةُ الظَّهار: قد ثَبَتَت في كتاب الله، وهو قوله تَعَالَى: وَ الَّذِينَ يُظْهِرُونَ مِنكُم مِّن نِسَا بِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَتِهِمْ إِنْ أُمَّهَتُهُمْ إِلَّا الَّتِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ وَالَّذِينَ يُظْهِرُونَ مِن نِّسَابِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَا سَا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أن يتمَاسًا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِنِينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيم (1). فإذا قُلتَ لِزَوجَتِكَ هِي عَلَيْكَ كَظهرٍ مَن لا يَحِلُّ لك مِن النِّسَاءِ، أَو كَظهرِ أَحَدٍ مِن الرجال؛ ولم تصير عَنهَا فَقِف عَن جَمَاعِها حَتَّى تُكَفِّرَ بِعِتقِ رَقَبَةٍ إِن وَجَدت، وإِن لَم تَجِد رَقبَةً فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابعين، فإن لَم تَقدِر مِن مرض أو كبر، فبإطعام سِتِّينَ
مسكينا.
وليس لك خيارٌ فِي هَذِهِ الكَفَّارَات، فإن قَدَرتَ عَلى العِتقِ فَلَا يُجْزِيكَ الصِّيَامُ، وإِن قدرت عَلى الصِّيامِ فَلَا يُجزيك الإطعام.
1) سورة المجادلة: 2 - 4. (1/262)
صفحة 263
الدلائل على اللوازم والوسائل.
وصِفَةُ الرَّقَبَةِ: أَن تَعتِقَ عَبدًا أَو أَمةٌ، يَكُون بَالِغَ الْحُلُم، صَحِيحَ الْجَسَدِ، قَادِرًا عَلَى مَؤُونَةٍ نفسه، مُصَدِّقًا بِاللهِ ورَسُولِهِ، مُوَدَّيًا لِلصَّلَوَاتِ الْحَمسِ .. ولا تَقرَبِ الْمَرأَةَ إِلا بعد تمام العتقِ، أَو تَمَامِ الصَّومِ أَو تَمَامِ الإِطْعَامِ. ولَفظُ العِتقِ: أَن تَقُولَ لِمَن تُعتِقهُ بَعدَ مَا يَصِحُ الْمَلكُ عَلَيهِ: «أَنتَ يَا فُلَانٌ حُرٌّ لِوَجهِ اللهِ تَعَالَى - ولاقتحام العَقَبَةِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا العَقَبَةُ فَكُ رَقَبَةٍ ولا سبيل لأحدٍ من بعدِي عَليكَ إِلا سَبِيلَ الوَلاءِ، وذلِك عَمَّا لَزِمَنِي مِن كفَّارَةِ الظهارِ؛ امتثالاً لأمر الله تعالى، وطاعة لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ، فقط صَحَ لَكَ العِنق، وقد حَلَّت لَكَ امْرَأَنكَ. وإِن عَجَرْتَ عَن العِتقِ فَصُم عَن كَفَّارَةِ الظَّهَارِ شَهرَينِ مُتَتَابِعَيْنِ، وَلَا تَمس امرأَتك التي ظاهرت منها حَتَّى تُتمَّ صِيَامَها، فإذا صمت بِالْهِلَالِ فَأَفطِر بِالْهلالِ عَلَى تَمَامِ الشهرين، إِن لَم يَكُن انتقضَ عَليكَ شَيْءٌ مِنهُ، وإِن اعْتَرَضَت الأَيَّامُ فَهُم سِتِّينَ يَومًا، ثُمَّ تَحِلُّ لَك امرأَتكَ. وإن عجزت عَنِ الصَّيامِ فَأَطْعِم سِتِّينَ مِسكينًا، رِجَالاً وَنِسَاء بَالِغِينَ، أَكلَتَيْنِ مَأدُو مَتَيْن غَدَاءً وَعَشاء، ولا تَمُس الْمَرأَةَ إِلَّا بَعدَ قَضاءِ الكَفَّارَةِ، مِن أَيِّ وَجَةٍ كَانَت مِن
هذه الوُجُوهِ.
أطعمت
وإن انتتَقَضَ عَليكَ شَيْءٌ مِن الصَّومِ: فصُمهُ مُتَّصِلاً بِصَومِ الشَّهْرَيْنِ، وإِن عبدا أَو صَيًّا فَلَا يُجْزِيكَ، وَأَبدِل مَكَانَهُ إِطْعَامِ حُرِّ بَالِغِ قَبلَ أَن تَمسَ امْرَأَتَك. وإن تعجلت بِالوَطءِ قَبلَ أَن تُتِمَّ الإطعام، فَأَخافُ أَن تَفُوتَك امرَأَتُك، وفيما عِندِي
أنه فيه الاختِلافُ، وأَنا يُعجبني أَن تَفوتَكَ؛ لأَنَّكَ عَجَّلت قبل تَمَامِ مَا أُمِرْتَ وإن قلت لامرأَتِك: "هِي عَلَيكَ كَظهر مَن يَحِلُّ لَكَ تَزويجهُ مِن النِّسَاءِ، فَلَا ظِهَارَ عليك .. وإن قلت هي عَليكَ كأَمِّكَ، أَو كأختِكَ، ولَم تَذكُرِ الظهر؛ فَفِي تَحرِيهَا الاختلاف؛ وأُحِبُّ أَلا تَحرُمَ، وتَكُون كَمَن حَرَّمَ زوجته عَلَى نَفسه، وتَلْزَمُكَ كَفَّارَةً
يَمِينِ مُرسَلَةٌ. (1/263)
صفحة 264
الدلائل على اللوازم والوسائل
وإن قلت لزوجتك: «أنتِ كَأَمِّي، أو كأختي، أو كَابَنَتِي»، فَلا يَكُونُ ذَلِكَ ظِهارًا، ولا يلزمك يَمِين؛ لأن ذلِك يَنصَرِفُ إِلَى مَعَانٍ إِلا أَن تُرِيدَ بِه التَّحْرِيم فَيَكُونُ كَالظَّهَارِ .. وإِن قُلتَ لِزَوْجَتِكَ: «إِن فَعَلتِ كَذا وكذا، فهِيَ عَلَيْكَ كَظَهرِ أُمِّكَ» فَلَا يلحقك ظهار، حَتَّى تَفعَلَ ذَلِك، هذا إذا قيَّدت ذَلِك يفعلها هي، وإن قيدتَهُ بِفعلك أنتَ، فَلَا عَلَيْكَ ظِهارٌ، حَتَّى تَفعَلَ أَنتَ مَا حَلَفتَ عَلَى فِعله.
وإن قلت: «إن لم أفعل كذا وكذا، فَهِي عَلَيَّ كَظَهرِ أُمِّي»، فَلَيسَ لَكَ أَن تَقرَبَها حَتَّى تَفعَلَ، وإِن لَم تَفعَل حَتَّى تَمضِيَ أَربعةُ أَشْهُرٍ فَإِنَّهَا تَبِينُ مِنكَ بِالظَّهَارِ .. وكَذلِك إن قلت لها: "هي إِن لَم تَفعَل كذَا وَكَذَا فَهِي عَليكَ كَظَهِرِ أُمِّكَ، فَلَم تَفعَل حَتَّى مَضَت أَربَعَةَ أَشْهُرٍ، فَإِنَّهَا تَبِينُ مِنكَ الظَّهَارِ .. وَإِن فَعلتَ أَنتَ مَا خَلَفتَ عَلَيْهِ، أَو فَعَلَت هي مَا خَلَفَت عَلَيْهَا، قَبلَ أَن تَمضي أَربعةُ أَشْهُرٍ، وقَبْلَ أَن تُجَامِعَهَا فَلَا كَفَّارَةَ عَليكَ؛ وإِنَّمَا تَلزَمُك الكَفَّارَةُ فِي هذا، إذا لم يقع الفِعلُ مِنكَ وَلَا مِنهَا، حَتَّى تَمضِيَ أَربَعَةُ أَشْهُرٍ
وتبين.
فإذا أردت مُراجَعَتَهَا لَزِمَتكَ كَفَّارَةُ الظَّهارِ؛ لأَنَّكَ فَرَرْتَ مِن شَيْءٍ لَزِمَكَ، فَإِن راجعتها فَكَفْر كَفَّارَةَ الظُّهارِ وَلَا وَقت عَليكَ فِيه، وقد قيل فيه بالاختلاف، والله أعلم.
فضل: في طلاق الخيار
وأَمَّا طَلَاقُ الْخِيَارِ: فَإِذَا قُلتَ لِزَوْجَتِكَ: «اختَارِينِي، أَو اختَارِي نَفْسَكِ»، فَاختَارَت نفسها طلقت. وقول: لا تُطلق حَتَّى تُرِيدَ بِه الطلاق، وهَذَا القَولُ أَحَبُّ إِلَيَّ؛ لأَنَّهُ يُمكِنُ أَن يَقُولَ لَهَا ذَلِكَ عَلَى وَجهِ الْعِتابِ.
وأما إن قلت لها: «اختارينِي، أو اختَارِي أَبَاكِ أَو أُمَّكِ»، فَاحْتَارَت أَبَاهَا، أَو أُمَّهَا لَم تُطَلَّقَ حَتَّى تُريد به الطلاق. (1/264)
صفحة 265
265
الدلائل على اللوازم والوسائل
واختُلِفَ فِي تَطلِيقَةِ الْخِيارِ عَلى قَولِ مَن جَعَلَهُ طَلاقًا: فَقُولُ: هِيَ تَطلِيقَةٌ بَائِنَةٌ. وقِيلَ: رَجَعِيَّةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَم.
وقِيلَ: فِيمَن خَيَّرَ زَوجَتَهُ فَقالَ لَها «اختاريني، أو اختاري نَفسَكِ»، فَاخْتَارَت نَفسَها؟ ثَلاثَةُ أَقاويل: قيل: تَخْرُجُ بِثَلاثِ تطليقات. وقِيلَ: تَبِينُ بِوَاحِدَةٍ، وَلَهُ رَدُّها
برأيها كَالْمُختَلِعَةِ. وقِيلَ: تَبِينُ بِوَاحِدَةٍ، وهُو أَمَلُك بِرَدّها، واللَّهُ أَعلَم. (1/265)
صفحة 266
الدلائل على اللوازم والوسائل
الثالث
في الخلع
وأمَّا إِذا أَردت مَعرِفَةَ الْخُلعِ: فَهُو الفِديَةُ، وهُو أَن تَفتَدِيَ الْمَرأَةُ نَفسَهَا مِن زوجها إذا كرهته، أو رأت مِنهُ فِي الْمُعاشَرَةِ مَا لا تَقدِرُ عَلَيْهِ بِمَا سَاقَهُ إِلَيْهَا، أو تبغضه.
واحذر يا أخي، - رَحِمَنَا اللهُ وإِيَّاكَ - إِذا تَزَوَّجت امرأَةٌ، وَكَرِهتَها أَن تُضَارَّهَا، فَتَفتَدِي مِنكَ بِمَالِها فَاتَّقِ اللهَ وَلَا تَأكُل الحرام، ولا تكن كقاطع الطَّرِيقِ عَلى النَّاسِ لِتَأْخُذَ أَمْوَالَهُم، فَإِنْ ذَلِك غَيرُ طَيِّب، ولا تُمَكِّنِ الطَّمَع مِن نفسك، حتَّى يَحملك لِتَأْكُلَ الْحَرامَ، الذي يُؤدِّيك إلَى النَّارِ أعاذنا الله منها.
فَالصَّبَرُ عَنهُ أَيسَر عِندِي مِن الصَّبْرِ عَلى أَخذه؛ لأنك تَزَوَّجت الْمَرأَةَ عَلى عَدلِ كِتَابِ اللهِ بِحَقِّ وَجَبَ عَليكَ لَهَا، فَاستَبَحتها لِسَبَب ذلك، ولم تكن الكَرَاهِيَّةُ مِنهَا، وَمَا عُذرُكَ فِي ذَلِك عِندَ اللهِ تَعَالَى وَرَسُولِه وعِندَ
المُسلمين! أما تشهد عَلى نَفْسِكَ بِالْجُورِ عَليهَا بِذَلِكَ، والظُّلم؟! أَمَا تَعلَم ما أَعدَّهُ اللهُ تعالى للجائر والظَّالِم؟! أَتَطْمَعُ فِي مِثلِ هَذا؟! حَتَّى أَنَّهُ رُبَّما وَلدَ عَليكَ ذَهابُ البَرَكَةِ مِن مَالِكَ! فاتركهُ وَلَا تَتعرَّض لَهُ أبدا، إِلا إِن عَلِمتَ يَقِينًا مِنهَا أَنَّهَا لك كَارِهةٌ مُبغِضَةٌ، وأَنتَ مُحسنٌ إِلَيْهَا جُهِدَك، ثُمَّ عَرَضَت عَلَيكَ مَا سُقتَهُ إِلَيْهَا بِلا زِيادَةٍ لأنه لا يَجُوزُ لك أن تزيد ولو بذلت لك هي .. فإذا طلبت منك الهرب، وبَذَلَت لَك مَا سُقتَهُ إِلَيْهَا، فَإِن أَردتَ الدَّرَجَةَ العُليا للآخِرَةِ والدُّنْيَا، فَطَلَّقَهَا (1/266)
صفحة 267
الدلائل على اللوازم والوسائل
واعفُ عَمَّا فِي يَدِها .. وإن لم تسمح نَفسُكَ بِذَلِك فَجائِرٌ لَك، وخلال أحد
وإن
مَا سُقتَهُ إِلَيْهَا مِن الْمَهرِ وتُطَلِّقُها، وهذَا هُوَ الْخَلِعُ الْمَعْرُوفُ، فَافَهَمهُ. افتدت مِنكَ بِجَمِيع مَا سُقتَهُ إِلَيْهَا مِن الْمَهرِ، أو بنصفه، أو بِرُبعه، أو بعشره، أو بنصف عُشْرِه، أو بِعُشْرِ عُشرِه أَو بشيء منه، وَرَضِيتَ بِذَلِكَ وقَبلَتَهُ، وأَبْرَأَتُها مِمَّا بَقِي في يدها، وطلقتها عَلى ذَلِكَ فَهُو خُلمٌ؛ لأنّ كُلّ طَلاق كَانَ بِفِدِيَةٍ مِنَ الْمَرْأَةِ وَلَو قَلْ
فَهُو خُلع.
وإن قعدت أَنتَ وَالْمَرأَة التي تُرِيدُ مِنكَ الطَّلاق بِفِدَيَةٍ، ووَقَع العَزِمُ مِنكَ ومِنْهَا عَلَى ذلك، إلا أَنكُما قَصَّرْتُما مِن لَفظِ الْبُرَآنِ فَإِنَّهُ يَقَع عِندِي الْخُلَعُ بَيْنَكُما بِالعَزِمِ، وَلَو نَقُصَ شيء من اللفظ، إِذَا جِئْتُمَا بِالْمَعْنَى الْمَفهوم.
وإن هي قالت لك: «قَد أَبرَأَتُكَ مِن حَقّي مَا أَبرَأتَ لِي نَفْسِي»، فَقُلت: «أَنتِ
طَالِقٌ»، ولَم تَقبَل البُرَآن، فإِنَّهَا تُطَلِّقُ مِنكَ، وَالْحَقُّ لَهَا عَليكَ.
والْخُلعُ تَطلِيقَةٌ بَائِنَةٌ، لَا يَجُوزُ رَدُّهَا إِلَّا بِرِضَاهَا.
فإِذا خَالَعَتَها بتطليقةٍ واحدةٍ، وهي إذا أَبرَأَتكَ مِن حَقها، أو بعضه بشَرطِ الطَّلَاقِ لها، فقبلت براءتها وطَلَّقتَهَا وَاحِدةً، أو اثنتين، ولم يَكُن جَرَى مِن قَبْلُ بَيْنَكُما طَلاق، فجَائِز لك رَدُّها مَا دَامَت في العِدَّةِ، برضَاهَا وجَائِرٌ لَكَ مِن قَبْلِ تَزويجهَا ثَانِيَةٌ فِي
العِدَّةِ، أو بعد انقضاء العِدَّة. وأَمَّا إِذا وَقَع الْخُلعُ عَلَى ثَلَاثِ تَطلِيقاتٍ أَو عَلى دُونَهُنَّ، وَقَد جَرى مِن قَبْلُ شَيْءٍ من الطلاقِ مَا يَتِمُّ بِهِ ثَلاثُ تَطلِيقات، فَلا يَحُوز الرَّدُّ وَلَا الزَّواجُ إِلَّا بَعدَ أَن يَأْخُذَهَا زَوجٌ غَيْرُكَ ويَمُوت عَنهَا أَو يُطَلِّقُها، وتنقضي عِدَّتُها مِنْهُ ولَم يَكُن زَواجُه لَهَا لِيُحِلُّهَا لك، فَجَائِرٌ لَكَ تَزَوُّجُهَا بَعدَ هَذِهِ السُّرُوطِ.
وكُلُّ مُطَلَّقَةٍ لَكَ بِثَلَاثٍ أَو بِغَيرِهِ، فَلَا يَجُوزِ لَكَ تَزَوُّحِهَا إِلَّا مَا وَصَفَتْ لَكَ. (1/267)
صفحة 268
الدلائل على اللوازم والوسائل
وأما إذا كَانَت الزَّوجَةُ الْمُتَبَرِّئَةُ صَبَيَّةٌ لَم تَبْلُغ، أو مَجنُونَةٌ لَم تفق، لَم يَثبت لك براءتها، وإن طلقتها أَنتَ بِبَراءَتِها فَالطِّلاقُ مَاضٍ عَلَيكَ والْحَقُّ لَهَا عَلَيكَ، وإن أوقفت
ذَلِكَ إِلَى بُلُوغِ الصَّيَّةِ، أَو أَبْرَأَتكَ بَعدَ البُلُوغِ ثَبَتَ لَكَ فِي الْحُكمِ بَرَاءَتها. وأَمَّا إِذَا قَالَت لَكَ امْرَأَتُك: «قَد أَبرَأَتُكَ مِن حَقّي مَا أَبرَأتَ لِي نَفْسِي»، فَقُلْتَ أَنت: قد أَبرَاتُ لَكِ نَفسَكِ مَا أَبْرَاتِ مِن حَقِّكِ»، فَقد وقع البرآنُ، وَلَو لَم يُذكر لَفظُ
الطلاق.
وإن قالت لك: «قَد أَبرَأَتُكَ مِن حَقي مَا أَبرَأتَ لِي نَفْسِي»، فَقُلتَ أَنتَ: «قَد أَبْرَاتُ لَكِ نَفسَكِ مَا أَبرَأتِ مِن حَقِّكِ» وَقَع البُرآنُ .. وإِن قُلتَ أَنت: «قد قبلت» لا غَيرَ ذَلِكَ، فَفِي وقوع البرآنِ اختِلافُ فِي الأَثَرِ، لَكِنِّي أُربِّحُ وقُوعَ الْبُرَآنِ إِذا كانَ القَصْدُ إِلَيهِ فِي أَوَّلِ الأَمرِ، ولَم يَكُن ذَلِكَ إِلَّا لِقِلَّةِ عِلمِكَ بِلَفْظِهِ. وأمَّا إِن كُنتَ قُلتَ لَها: «قَبِلتُ عَلى وجه السُّخرِيَّةِ أَو لِتُغيظَهَا، ولم تقصد البرآنَ؛ فَيُعجبني أن لا يَقَعَ البُرآنُ، ويُنظَرُ فِيمَا قُلتَ .. فإن كَانَ خَطأَ يُترَك، وأَمَّا إِذا لَفَظَت لَك بلفظ البُرآنِ مِمَّا عَلَيكَ لَها فَقُلتَ أَنت «قَد قَبلتُ بَرَاءَتَكِ، وَلَا أُبَرِّيءُ لَكِ نَفْسَكِ» لَم
يقع البرآن، والْحَقُّ ثَابِتٌ عَلَيْكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوابِ. (1/268)
صفحة 269
البالي
الدلائل على اللوازم والوسائل
في صِفَةِ شَيءٍ مِن رَدَّ الزَّوجَاتِ، وَالعِدَّةِ
فإذا عرفت يا أخي، صفةَ الزَّواج، وصفَةَ الطَّلاقِ، والإيلاءِ، وَالظَّهَارِ، وَالْخُلعِ، وجرى مِنكَ لِزَوجَتِكَ شَيْءٌ مِنهُ، ثُمَّ بَدا لَك أَن تَرُدَّها؛ فَاعلَم شُروط الرَّدِّ .. واعلَم أَنْ الرَّدَّ لَا يَكُونُ إِلا فِي العِدَّةِ، وَلاَ يَكُونُ إِلَّا فِي الطَّلَاقِ الرَّجْعِي لَا فِي البَائِن .. فَالْمُطَلَّقَةُ بِواحِدَةٍ أو اثْنَتَيْن مِن غَيرِ خُلعِ جَائِزٌ لَكَ رَدُّهَا فِي العِدَّةِ ولَو كَرِهَت وصِفَةُ الرَّدِّ وَحُضورُ الشَّاهِدَينِ قَد تَقدَّم فَامْتَيْلهُ إِذَا أَرَدتَهُ، وَأَمَّا الْمُخْتَلِعَةُ فَلَا تُرَدُّ إِلَّا بِرِضَاهَا، فَإِن رَضِيَت جازَ رَدُّهَا فِي العِدَّةِ وَبِحَضرَةِ الشَّاهِدَينِ.
والفَرقُ فِي رَبِّ الْمُختَلِعَةِ
والْمُطَلَّقَةِ: أَنْ الْمُطَلَّقَة تُرَدُّ باللّفظِ بِغَيْرِ ذِكرِ الْحَقِّ؛ لأَن الْحَقِّ بَاقِ عَلَيكَ لَها فَلَا تَذكُرَهُ ثَانِيَةً، وأَمَّا الْمُختَلِعَةُ فَتَرَدُّ بِذِكرِ الْحَقِّ؛ لأَنَّهُ حَقٌّ يَرجِعَ
إليها.
ولَفظَةُ الرَّبِّ بِتَمَامِه قَد تَقدَّمَ، وإن أَردتَ مِنهُ مَزيدًا، فَافقه لَهُ، قُل بِحَضرَةِ الشَّاهِدَينِ: اشْهَدُوا أَنِّي قَد رَدَدتُ زَوجَتِي فلانة بنت فلان بحَقِّهَا بِما بَقِي مِن طَلَاقِها»، وهذا جَائِزٌ إِذَا رَضِيتَ بِذَلِكَ. وإن قلت: «قَدْ رَدَدْتُها أَو رَاجَعَتُها بِحَقِّها عَلى مَا بَقِي مِن طَلَاقِها» ولَم تَذكُرِ الْحَقَّ فَذلِكَ جَائِز .. وإن قلت: «قَدْ رَدَدْتُهَا عَلى مَا كُنَّا عَليهِ مِن الزَّوجِيَّةِ» فَذَلِكَ جَائِرٌ، وإِن قلت: «اشهدُوا أَنِّي قَد رَاجَعَتُها عَلى مَا بَقِي مِن طَلَاقِها» ولَم يَذكُرِ الْحَقَّ فَذَلِكَ جَائِرٌ إِذا رَضِيَت هِيَ بذَلِك. وأَمَّا رَدُّ الْمُختَلِعَة إِذَا قُلت: «اشهدُوا أَنِّي قَد رَدَدْتُهَا بِحَقِّهَا عَلَى مَا بَقِي مِن طلاقها» حازَ ذَلِكَ إِذَا رَضِيَت به .. وإِن قُلت: «قَدْ رَدَدْتُها وراجعتها على صداقها بِمَا (1/269)
صفحة 270
الدلائل على اللوازم والوسائل
بَقِي مِن طَلاقِها» فذلك جَائِزٌ بِرَأيها ورِضَاهَا .. وإن قلت: «اشْهدُوا أَنِّي قَد رَدَدْتُ عَلَى فلانة بنت فلانٍ مَالَهَا الَّذِي اختَلَعَت إِلَيَّ مِنهُ، وقد رَجَعَت عَلَى نَفْسِهَا بِذَلِكَ، وَتَقُول هِي: اشْهَدُوا أَنِّي قَد قَبلتُ مَا رَدَّهُ عَلَيَّ مِن الصَّداقِ، وقد رَدَدتُ نَفْسِي إِلَيْهِ» عَلَى ذَلِكَ، فَهَذَا جَائِزٌ عَلَى قَول.
والْمُطَلَّقَةُ: إِذَا كَان الطلاق بلا عِلمِها، جَازَ الرَّدُّ أَيضًا بلا عِلمِها، مَا دَامَتْ فِي العِدَّة. ولَا تُبِيحُ الْمَرْأَةُ الْمَردُودَةُ نَفسهَا لِلزَّوجِ الرَّادِّ لَها إِلا بَعدَ صِحَّةِ الرَّدِّ بِحَضرتِها عَلَيهِ، أَو يُخبرُها الشَّاهِدَانِ .. وإِن مَكَّنت الْمَرأَةُ مُطَلَّقَهَا مِن نَفسِهَا بِلا صِحَّةِ الرَّدُّ، فَتَعْتَزِلُه وتَسأَل الشَّاهِدَينِ، فَإِن أَخبَرَاهَا أَنَّهُ رَدَّهَا قَبْلَ وَطئِه لَها جَاز لَها ذلِكَ؛ وإِن لَم يَصِحٌ فَلا يَجُوز لَها أن تبيح نفسها بغَير صحةٍ، وَلاَ يَجُوز لها تصديقه في ذلك، وإن مات أحد الشاهدين قبل أن يُعلمها بالرد، لَمْ يَجز لها تصديقه إلا أن يَأْتِيَ بِشَاهِدَينِ عَدَلَيْنِ إِمَّا عَلَى رَدُّها قَبلَ الوَطءِ، وَإِمَّا أَن يَشْهَدَا عَن شَهَادَةِ الشَّاهِدَينِ عَلَى الرَّدِّ.
وإِن رَدَّ الْمُطَلِّقُ زَوجَتَهُ بحَضرَةِ شُهود، ولم يُعلمها بالرَّد، وتَرَكَهَا وغَابَ عَنهَا، ولَم يُعلمها الشَّاهِدانِ بِالرَّدِّ حَتَّى تَنقَضِيَ عِدتها فقَد بَانَت مِنْهُ، إِلَّا أَن يَأْتِيَ بِشَاهِدَينِ عَدَلَيْن يَشْهَدانِ أَنَّهُ رَدَّهَا فِي وَقتِ كَذَا قَبلَ أَن تَنقَضِيَ العِدَّةُ. وإِن تَزَوَّجَت الْمَرأَةُ بَعدَ انقِضَاءِ عِدَّتِهَا، وَقَبلَ صِحَّةِ الرَّدِّ فَقَدْ فَاتَتهُ، وَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهَا،
وَالله أَعلَم.
فضل: في العِدَّةِ
فإذا أردتَ مَعرِفَةَ عِدَّةِ النِّساءِ لِلرَّد والتزويج؛ فَاعلَم – رَحِمَكَ اللَّهُ – أَنْ الْمَرْأَةَ الْحَامِلَ لا تنقضي عِدَّتُها إِذَا طَلقَت إِلا بَعدَ أَن تَضعَ حَمَلَهَا، فَمَتَى مَا وَضَعَت حَمَلَهَا فَقَد انقضت عدتها، وفاتت مُطَلَّقَها، وحَلْ لَها الزَّواج بمَن أَرادَت، وأَرَادَها مِن الرِّجالِ، إلا الوطء فَلا يَجوزُ لِمَن تَزَوَّجَهَا فِي نِفاسِهَا أَن يَطَأَها حَتَّى تُتِمَّ نِفَاسَهَا، وَتَعْتَسلَ بَعدَ انقِضَائِهِ. (1/270)
صفحة 271
الدلائل على اللوازم والوسائل
وجَمِيعُ الْحَوامِل لا تنقضي عِدَّتُهنَّ إِلا بِوَضعِ حَملِهِنَّ، ولَو كَانَت مُمِيتَة) وانقَضَت أَربَعَةُ أَشْهُرٍ وعَشَرَةُ أَيَّامٍ مُدْ مَاتَ زَوجها وبها حمل، فَلَا يَحِلُّ لَهَا التَّرْوِيجُ إِلَّا بَعدَ وَضِعِهِ؟ فعلى هذا يُدرِكُها، مُطَلِّقُها، إن أَرادَت قَبلَ الوضع، ولو بساعة، وتَفُوته بَعدَ الوَضعِ فِي الْحَالِ .. ولَو طَلْقَها زَوجُها ضُحًى وهِي حَامِلٌ فَوَلَدَت فِي ذَلِكَ اليَومِ لَفَاتَت مُطَلَّقَها، وحَلْت لِغَيره، والْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ قَولُ اللهِ تبارك وتعالى: {وَأُوْلَتُ الْأَعْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حملهن). وأَمَّا الْمَرْأَةُ الَّتِي لَم يَأْتِهَا الْحَيضُ أَبدًا: فَعِدَّتُها سَنةٌ (3). والصَّغِيرَةُ الَّتِي لَم تَبلُغ وَلَا قَارَبَت البلوغَ فَعِدَّتُها ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ. وَكَذلِك الآيسةُ مِن الحيض من الكبر. فإِذَا طلقت الْمَرْأَةُ الَّتِي عِدَّتُها بِالأَشْهُرِ، فَتَعَتَدُّ مُذ طُلْقَت ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ تَمامًا، ثُمَّ تَتَزَوَّج
بَعدَ ذَلِكَ إِن شَاءَت.
وأمَّا الْمَرْأَةُ البَالِغَةُ الَّتِي قَد تَعوَّدَت الْحَيصَ مِن قَبْلُ؛ فَعدَّتُها بَعدَ الطَّلَاقِ ثَلَاثُ حَيضَاتٍ تامات، كُلُّ حَيْضَةٍ مِن ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا. فإذا حاضت ثَلاثَ مَرَّاتٍ عَلى هَذِهِ الصَّفَةِ بعدما طلقت، جازَ لَهَا التَّزَوُّجُ بَعدَما تَطهر، وتغتسل مِن الْحَيضِةِ الثالثة.
وأقلُّ مَا تُصدَّقُ الْمَرْأَةُ فِي انقِضَاءِ عِدَّتِها بِالْحَيضِ، إِذَا مَضَى لَهَا تِسْعَة وعِشْرُونَ يَومًا، علَى أَن تَكُونَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ حَائِضًا، وعَشَرة أَيَّامٍ طَاهِرًا، وثلاثة أَيَّامٍ حَائِضًا، وعَشَرَة أَيَّامٍ طاهِرًا، وثَلَاثَةِ أَيَّامٍ حَائِضًا؛ فَهَذِهِ تِسْعَةٌ وعِشْرُونَ يَومًا، أَقَلُّ مَا يُمكِن.
(1) المرأة المميتة: هي المرأة التي مات زوجها قبلها، وسيأتي معناها وأحكامها فيما بعد.
(2) سورة الطلاق: 4.
3) هذا القول نسبه الشيخ السالمي إلى عمر بن الخطاب وجابر بن زيد وأبي عبيدة مسلم، وذلك أخذا بالأحوط حيث تنتظر تسعة أشهر للحمل وثلاثة للعدة انظر: جوهر النظام، ص 262. (1/271)
صفحة 272
الدلائل على اللوازم والوسائل
وقِيلَ: إِنَّهَا تُصدَّقُ فِي مُضِي تِسْعَة وَثَلاثِينَ يَومًا، لِتَكُونَ عَشَرَة أَيَّامٍ طَاهِرًا، وَثَلاثة أَيَّامٍ حائضا، وعَشَرَة أَيَّامٍ طَاهِرًا وثَلَاثَةِ أَيَّامٍ حَائِضًا، ثُمَّ دَورَة أُخرَى فَهَذِهِ تِسْعَةٌ وَثَلاثُونَ يَومًا. والْمَرْأَةُ مُصدَّقَةٌ فِي انقضاء العِدَّةِ، إِذَا قَالَت إِنْ عِدَّتَها انقَضَت فِيمَا يُمكِنُ فِيهِ ذَلِكَ من الوقت، وأما إذا استَمرَّ بها الدَّمُ ثَلاثة أشهرٍ، فَعلى قول: تنقضي عدتها بذلك، لِتَحسِب لِكُلِّ شَهرٍ حَيْضَةٌ.
وجَائِزٌ لِلمُطَلَّقَة: لَبِسُ الرِّيابِ الْحَسَنَةِ مِن الْحَرِيرِ وغَيْرِه، وجَائِزٌ لَها الطَّيبُ مَا لَم تَبرُز
بذلك في الطرق، إلا أن يَبدُو مَا لاَ بُدَّ مِنهُ، فَتبرز للعُذرِ، وَكَذَلِكَ لَبْسُ الْحُلَيِّ جَائِزٌ لَهَا. وحرام الْمُواعَدَةُ) بِالزَّواج في العِدَّةِ. وأمَّا التَّعرِيضُ: فَفِيه ترخيصٌ لِلمُطَلَّقَةِ البَائِن بخلع، أو بِثَلاثِ تطليقات، أو بحرمَةٍ بَينَها وبَينَ زَوجها.
والتعريض: أن يقُول لَها كَلامًا مَعْنَاهُ مِمَّا يُطمِعُ بعضهما بَعضا بِطَلَبِ القُربِ مِن صاحبه، إلا أنَّهُ لَيسَ تصريحا بخطبَةٍ، وَلاَ وَعد .. إلا أنَّهُ يَنبَغِي لِلمَرأَةِ إِذَا انقَضَتْ عِدَّتُها أَلا تَتعجل بِزْوَاجِ غَيْرِ الْمُعرِّضَ لَهَا.
فَضْل: فِي عِدَّةِ الْمَرأَةِ الْمُمِيتَة
وأمَّا عِدَّةُ الْمَرأَةِ الْمُمِيتَةِ (وهي الَّتِي قَد مَات زَوجُها قَبلَها)؛ فَقُل لَها: «لا تفرحي بِمَوتِه لِتَأْخُذِي غَيْرَهُ، فَعَسَاكِ تَمُوتِينَ قَبلَ انقضاء العِدَّةِ، فإِنَّا قد علمنا بشيءٍ جَرى مثل
قام
هَذَا، وإن بقيت إلى انقِضَاءِ العِدَّةِ، وتَزوَّجت بغَيره، فَلَعَلَّهُ لَا يَقُومٍ لَكِ مَقَامَهُ، وإِن لك مَقامَهُ، فَمِن وَرَائِكُم الْحَوادِثُ رَكضًا لِتَلحَقَكُم به»، ثُمَّ قُل لَهَا مِن حِينِ مَا يَمُوتُ عَنهَا زَوجها: تعقد النِّيَّةَ بقلبها ولسانها أَنَّها مُعتَدَّةٌ عِدَّة الوَفَاةِ مِن زَوجِهَا ثُمَّ تقول:
تعالى: 1) المواعدة: هو أن يعد الرجلُ الزوجة المطلقة بالزواج بعد انقضاء عدتها، وقد حُرِّم ذَلِكَ بنص كتاب {وَلَا تَعْرِمُوا عُقْدَةَ النِكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَبُ أَجَلَهُ} (البقرة: 235). (1/272)
صفحة 273
الدلائل على اللوازم والوسائل
«اللهمَّ إِنِّى أَعتَدُّ عدَّة المتوفّى عَنِّي زوجي الْهَالِك فُلان بن فلان، أَربَعَةً أَشْهُرٍ وَعَشرَة
أيام أداءً لِمَا فَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيَّ مِن ذَلِكَ».
قُل لَها بعد: أَلا تَمسَّ الطَّيبَ جَمِيعًا، مِن مِسك وزَعَفَرانِ، إِلا أَن تَمسَّهُ لِتَجْعَلهُ عَلى وَلدِها أَو غيره. وأمَّا هي فلا تتطيب، ولا تلبس اليابَ الْمَصْبُوعَةَ بِالزَّعَفَرَانِ والوَرسِ، وَغَيرِ ذَلِكَ مِن الطيب، ولا تكتحل بالإِثْمِدِ (1) (اللاصف)، وأمَّا التَّداوِي فَجَائِزٌ لَها أَن تُدَاوِي عَينَيها بِما يَنفَعُها مِن الدَّواءِ، وَلَا تَصبِعُ أَيضًا بِالسُّورَان (3).
وليس لها نفقَةٌ مِن مَالِ زَوجها، إلا أن يَكُونَ مِن نَصيبها مِن مَالِهِ، ولَو كَانَت
حامِلاً؛ لأَنَّهُ قِيلَ: كُلُّ حَامِلٍ لَهَا نَفَقَةٌ إِلَّا الْمُمِينَةُ؛ لأَنْ مَالَ الزَّوجِ قَد صَارَ لِغَيرِهِ. وأمَّا إن كانَ زَوجها غَالِبًا وجَاءَها خَيرُ مَوتِه، فَلَتَعتَدَّ وتَحسِبُ العِدَّةَ مِن حِينِ مَا جَاءَها الخبر لا مِن سَاعَةِ مَوتِهِ لأَنَّهُ يُمكِنُ أَن يَصلَ إِلَيهَا الْخَبَرُ بَعدِ سَنَةٍ، أَو بَعدَ أَربَعَةِ أشهر أو أقل أو أكثر، فلا تَعتَدُّ إِلا بعد صحة مَوتِه، فَتَعتَدٌ أَربعة أشهر وعشرَة أَيَّامٍ مُدْ صَحْ عِندَهَا مَوته.
وجَائِزٌ لَها البروزُ لِجَميعِ حَوائِحِهَا، وَلَا يَحرُمُ عَليهَا إِلَّا التَّرْوِيجُ، والْمُواعَدَةُ به
في العدة ..
وتُؤْمَرُ بِتَركِ مَا تَقَدَّم ذكره من الكحل، والطيب، ولَبَسِ الْحُلِّيِّ وَالْحَرِيرِ، وَجَمِيعِ الزِّينَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَم بِعَدلِ جَمِيعِ مَا ذَكَرت.
(1) الإنمد: وهو الكحل، وله تسميات مختلفة كاللاصف والأصفهان وغيرها.
(2) الشوران: نَبات شجرة صغيرة لَها ثَمر يُشبه الزعفران لونا لا رائحة. (1/273)
صفحة 274
الدلائل على اللوازم والوسائل
التالي
في ذكر شَيءٍ مِن طَلَبِ الرِّزْقِ، وَالإِجارَاتِ والْحِرَفِ
فَإِذَا فَهمت يا أخي - رَحِمَنا اللهُ وإِيَّاكَ - التزويج ومَا جَاءَ فِيهِ مِن نَفَقَةِ الرُّوحَاتِ، ومَا يَلِي ذَلِكَ مِن الطَّلَاقِ وغيره، ودَخَلتَ فِيهِ، وعَرَفتَ مَعانِيهِ؛ فَاعلَم بِأَنَّكَ قَد دَخَلتَ في الدُّنْيَا إِذ صَارَت لَكَ زَوجَةٌ وأَولادٌ، إن يَسَّرَ اللهُ لَكَ أَولادًا، فَلَا بُدَّ مِنَ الاهْتِمَامِ لِلدُّنيا، والدخول فيها. كُنتَ ذَا مَالِ يَكفِيكَ ويَكفِي مَن تَعُولُه؛ فَاشكُرِ اللَّه، وأَنفِق مِن مَالِكَ عَلَى عيالك، وأحسن إليهم مَا قَدَرتَ، وَاستَطَعْت، وَلاَ تُهمِل أَمَرَ دِينِكَ، فَإِنَّهُ هُوَ الْمُهِمُ جدا .. وإِن لَم تَكُن ذَا مَالٍ، فَلا بُدَّلك أَن تَتعلقَ بِسَبَبٍ لِتَعُولَ بِهِ عِيالَك مِن حِرفَةٍ، أو صناعة، أو حِرَاثَةٍ، أو تجارة، أو ما كان من حرفَةِ الْآدَمِيِّينَ الَّذِينَ تَرَاهُم يَتسَابَقُون
فإن
عليها.
والكه عَلى العِيالِ مِمَّا يَتمَتَّعُ النَّاسُ بِه، فخُذ نَفْسَكَ بِرِفقٍ، وَلَا تَجْعَل عُمُرَكَ كُلَّهُ لِلدُّنْيَا، فَلا تَنسَ اللَّهَ فِي كُلِّ حِينِ، وَلَا تُهمِل دِينَكَ يَا رَهِين. واعلَم أَنْ الطَّلَبَ سَببٌ، والرِّزْقَ عَلى الله رَبِّ العَالَمِينَ، والاهتِمَامَ بِالعِيَالِ لِما يَحتاجُونَ إِلَيهِ مِن طَاعَةِ اللهِ وحِرفَة النَّبِيِّينَ، ولَو حَصَلَلكَ رِزْقُ يَومٍ يَومٍ، فَاشكُرِ اللهَ وَلَا تَكُن مِن القَانِطين، فإذا أكلتَ رِزْقَ يَومِكَ، فَعَدًا يَأْتِيكَ اللهُ يه وفي كل حين، فلا تُهمل ذكره وشكرَهُ، والقيامَ بِالفَرضِ الْمُبِين.
فإذا كُنتَ صَانِعًا مِن صَبَّاغ، أو حَدَّادٍ، أو نَجَّارِرٍ، أَو شَمَّارٍ، أَو نَسَّاجِ، أَو بَنَّاء، أو
خيَّاطِ أَمِينِ؛ فَاجتَنب الغِضَّ وَالْخِيَانَة فِي مُعامَلَتِكَ لِلْخَلقِ أَجْمَعِين.
(1) الشمار هو الْمُشتغل بصنع الجلود من أحذية وأحزمة وغيرها. (1/274)
صفحة 275
الدلائل على اللوازم والوسائل
وافعل لَهُم مِثْلَمَا تَفعَل لِنَفْسِكَ، أَو أَحسَن مِن ذَلِكَ فِي كُلِّ السِّنِينَ، وَعَامِلهُم بالصدق والنَّصِيحَةِ فِي الصَّنْعَةِ، وَمَا تَصنَعُ مِنهُ. واحذَرِ النقص فِي الْمَوَازِينِ، وَلا تَأكُل أَمْوَالَهُم إِلَّا بِالْحَقِّ، خَوفَ أَن تَهْلِكَ يَومَ الدِّينِ، واعلَم أَنْ الدُّنْيَا لَيسَ فِيهَا لِعَاقلٍ مُستَقَرٌّ وَلا تَمكِينٌ، إِنَّمَا هِي طَرِيقٌ عَابِرٌ فِيهَا مَع جُملَةِ الرَّاحِلِينَ إِلَى دَار ثَواب رَبِّ العالمين، أو عِقاب لا رَيبَ فِيهِ، بَل هُو حَقٌّ يَقِينُ، وكُل مَارٌ بِسُرعَةٍ فِي طَرِيقٍ مَخُوفٍ من قُطَّاعِ أَو لُصُوصِ جَائِرِينَ، ولا يلتفتُ فِيهَا إِلَّا لِما لا بُدَّ مِنهُ مِن قُوتٍ وَثَوب، وشُربَة مَاء مُعَيَّنٍ لاَ يَهُمُّهُ هُناكَ جَمعُ مَالٍ، ولا أَزواج، وَلَا بَنِينَ، إِنَّما هَمُّهُ سَلامَةُ نَفسه مِن الدَّاءِ الدَّفِين، إن كَانَ لَهُ عَمَلٌ يُمَيِّرُ بِهِ بَينَ الْخَفِيفِ
والرزين.
فإِنِّي إِذا نَظَرتُ الدُّنْيَا بِعَينِ بَصِيرَةٍ، لم أر الرَّعْبَةَ فِيهَا إِلا لِلمَجانين؛ لأَن العُمرَ - وإِن طَالَ فِيها - فَمِثلُ سَاعَةٍ مَرَّت، ولَم يَبقَ لَهَا أَثرٌ يَبِين.
فانظُر فِيمَا أَخبَرَ اللهُ عَن يَعقُوبَ النَّبِيَّ الأَمِين - عَليهِ سَلَامُ اللَّهِ دَائِمًا وعَلَى أَولادِه الطيبين الطاهرين - بَعدما قَصَّ خَبَرَهُم مِن أَوَّلِ شَبَابِهِم إِلَى آخِرِ أَعْمَارِهِم بِطُولِ تِلكَ السنين، ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَاب (1) الْمُتَيَفِّظِينَ، فَصَارَ ذلِك جميعا مثل "خبر كَانَ عِند النَّحوثِينَ. ولا شَكٍّ أَنْ السَّائِرَ فِي الطَّرِيقِ إِلَى مَكَانٍ قَرِيبٍ أو بَعِيدٍ، أَن الْخَفَّ خَيْرٌ لَه وأَيْسَرُ عَليهِ مِن الثِّقَل. فَانظُر – رَحِمَك - رحمك الله - فِيمَا تَطلب من الرِّزْقِ إِن كُنتَ صَائِعًا، فَاحْذَر الغش لأُمَّةِ
مُحَمَّدٍ، فَإِنَّكَ إِن عَشَشَتَهُم فَعِتُكَ رَاجِعٌ عليكَ.
فلا تَعمَل لِلنَّاسِ في صناعَتِكَ دُونَ مَا تَفعَلهُ لِنَفْسِكَ، إن لم يكن خيرا من ذَلِكَ، فكل شيء ترضاه لنفسك من الصَّنَاعَةِ فَاصنَع مِثلَهُ لِلنَّاسِ، وَلَا يَحْمِلكَ الطَّمَعُ عَلَى أَحْذِ
ما لا يَجُوزِ لَكَ أَخذُهُ فِي الشَّرع.
1) سورة يوسف: 111. (1/275)
صفحة 276
الدلائل على اللوازم والوسائل
وإن
كُنتَ أَجِيرًا لِشَيْءٍ مِن واحذر غِشَهُ .. فإذا استَأجَرَك لِمَحدُودٍ فَلَا تُقَصِّر عَلى تَمَامِه، واخدُمهُ عَلَى مِثل مَا يَخدُمُ النَّاسُ ذَلِك الشَّيء .. وإِن لَم يَكُن مَحدُودًا، وكانت الإِجَارَةُ عَلَى وَقتٍ مَحدُودٍ فَلَا تَتَأَخَّر فِي أَوَّلِ ابْتِدَاءِ الْخِدمَة عَن الشَّرطِ، وَلَا تسابق في آخِرِها، قَبلَ حُضورِ الوَقتِ الْمَشْرُوطِ عَلَيكَ .. وَلَا تُقَصِّر فِيمَا دُونَ ذَلِكَ عَن عَادَةِ الْخِدمَةِ مِن الرِّجَالِ الثَّقَاتِ، فَإِنَّكَ إِن أَخَذَتَ قليلاً صافيا طيبا خَيْرٌ لَكَ مِن كَثِيرٍ حَبِيبٍ كَدِرٍ. وَلَا تُوَجِّر نَفسَك لِخِدمَةِ شَيءٍ مِن الأَمْوَالِ والأَراضي، والْمَنازِلِ الْحَرَامِ، أَو الَّتِي فِيهَا الشبهات، فَلَا تُعِنِ الظُّلَمةَ عَلَى ظُلمِهِم ... وكذلك الأَنْهَارُ الْمَعْصُوبَةُ الْمَاحُوذَةُ بِغَيرِ الوَجهِ، وكَذلِكَ الطرق .. ولا تتعرض للخِدمَةِ عِندَ مَن يُدخِل شَيْئًا منها في ماله.
الْخِدمَةِ مِمَّا يَخدُمهُ النَّاسِ فَاحْذَر خِيانَةَ مَن استَأجَرَك،
وإن كنتَ أَنتَ الْمُستأجر للأجير، فَالله الله، لا تستعمله في غَير مَا يُستَأْجَر لَه، ولا تَزِد عَلَيْهِ شَيْئًا عَمَّا شَرَطَتَهُ عَليهِ إِلا أَن تَطِيب نَفسُه بذلك، وَكانَ عَاقلاً بَالغًا، وَلَا تُؤذِهِ إِن قَصَّرَ في الخدمة بلسانك، وَلَا تُماطله في أجرته، فَلَعَلَّكَ لاَ تَعْلَمُ بِحالِهِ وَحَاجَتِهِ، وَلَا تَظْلِمَهُ شَيْئًا من ذلك، فَإِنْ ظُلمَ الأَخِيرِ مِن أَقذَرِ الذُّنوب، ولا تتكبر عَلَيْهِ، وَاشْكُرِ اللَّهَ عَلَى مَا أَعْنَاكَ، وَأَحوَجَهِ إِلَيْهِ، فَكُلُّكُم عَبِيدُه. وإِن كُنتَ مِمَّن جَعَلَ اللهُ رِزْقَهُ فِي الْمَاشِيَة، إمَّا فِي ظُهورِها بِالْحَمْلِ عَلَيْهَا، وَإِمَّا فِي بطونها بالولد منها، وإِمَّا فِي ضُروعها بالانتفاع من ألبانها؛ فَاتَّقِ اللَّهَ فِيها، وأحسن إِلَيْهَا بالطَّعامِ والسَّقي، وَلَا تُحَمِّلَهَا مَا لاَ تُطيق، فَإِنَّكَ مَسؤولٌ عَنْهَا، وَلَا تَسْتَعْمِلَهَا فِيمَا لَا يَجُوزُ
استعماله.
فَإِنْ مَن مَلَكَ الدَّوَابَّ، وأَوثَقَها بالْجِبَالِ، أَو أَجاعَها أَو أَعطَشَهَا، فَلَا شَكَ أَنَّهُ يَأْثَم، وعِقابُ الإِثْمِ شَدِيدٌ .. وَلَا تُوَلُّها إِلا مَن تَأْمَنَهُ عَليها .. وأمَّا ضَرَبُ السَّيَاقَة بِقَدَرٍ مَا يَردَعُها فَلَا يَضِيقُ إن شاء الله، إن كانَ ذَلِكَ مِن سُوء أدبها؛ لَا مِن عَجزِهَا عَن إِرادَتِكَ مِنهَا. (1/276)
صفحة 277
-
الدلائل على اللوازم والوسائل}
كُنتَ حَرَّافًا، فإِن كُنتَ إِنَّما تَحرُثُ مَالَكَ وَأَرضَكَ – وكُلُّهُ مِمَّا مَلَكَت يَمِينُك - وإن فلا عَليكَ بَأس - إِن شَاءَ اللهُ - فَاحْرُتْهُ، وَاذكُرِ اللَّهَ تَعَالَى وَاشْكُرْهُ، وَضَعَ كُلِّ شَيْءٍ فِي موضعهِ مِن زَكاةٍ فِي ثَمَرَةٍ، أَوسَهمِ شَرِيك، أو أجرَةِ أَخِيرٍ مِن حَاصدٍ، أَو شايف؛ أو عَامِلٍ، فَلا تُهمِل أُمورَ مَا يَعنيكَ .. واعلَم أَنَّهُ قَلْ ما يَصفُو فِي الدُّنْيَا شَيْءٌ مِن كَدَرٍ، وَمِن شَاغِلٍ، وَاجْعَل نَفْسَكَ فِي طُولِ عُمُرِكَ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ فِي طَرِيقِ سَفَرٍ شَاقٌ، والطَّرِيقُ وَعَرَةٌ لَا تَسلَمُ فِيهَا يَومَا وَاحِدًا مِن شاغل، إِن فَرَغتَ مِن شَاغِلٍ أَتَاكَ شَاغِلٌ غَيرهُ، وَلَا تَسلَّم مِنهَا إِلَى الْمَمَاتِ، كَمَا قَالَ
الشاعر: فمَا قَضَى أَحَدٌ مِنها لَبَانَتَه وَلَا انْتَهَى أَرَبِّ إِلَّا أَتَى أَرَب (1) ولا تَكُن فِيهَا إِلَّا مِثلَ الْمَسْجُونِ، لَا يَطِيبُ لَهُ عَيشِ، وَلَا يَسْتَرِيحُ إِلَّا بَعدَ أَن يَخرُج مِن
وإن
السِّجْنِ، فَلَا تَجد حَالَةٌ فِي الدُّنيا صَافِيَةٌ بِغَيرِ كَدَرٍ، وَلَو كُنتَ مَلِكًا مِنَ الْمُلُوكِ. كُنتَ مِمَّن يَحرُثُ ويَطلب الرِّزْقَ مِن الزّراعَاتِ ويكتري الآبار والأراضي، ويستعمل الأجراء والعُمَّال ويَشتَرِي الآلة والبذور والدَّواب؛ فَلَا تَدخُل فِي شَيْءٍ مِن ذلِكَ إلا يعلم صَحِيحٍ بِمَا تَعرِفُه أَنَّهُ جَائِرٌ وحَلَالٌ. فإن قُلتَ إِنَّكَ لا تُحِيطُ بِعلمٍ ذَلِكَ، فَاعلَم - عَلْمَكَ اللهُ مَا لَم تَعلَم – بِأنْ كُلِّ وَاحِدٍ من النَّاسِ مِن جَاهلٍ، وعَالِمٍ، وَورِع، وغَاشِمٍ فِي يَدِهِ شَيْءٍ مِمَّا تُرِيدُه، فَجَائِزٌ لَكَ شِرَاؤُهُ واكتِرَاؤه مِنهُما لَمْ تَعلَم أَنتَ فِيهِ شَيْئًا .. ولو كانَ ذَلِك فِي الأَصْلِ حَرَامًا، إِلَّا أَنَّهُ خَفِي عَليكَ حَرامُه فَلَا يَلزَمُكَ مِنهُ شَيْءٌ، كَانَ ذلِكَ الشَّيء الَّذِي فِي يَدِهِ مِن أَموال أو أراض أو آبار، أو أمتعة، أو حيوان، أو حُبوب، أو دَوَابٌ إِلا أَن تَعْلَمَ أَنتَ بِصِحَّةِ عِلمٍ، أَو بشهرَةٍ لَا تُرَدُّ، أَو يُقرّ هُو عِندَك بِشَيْءٍ مِمَّا فِي يَدِهِ، أَنَّهُ لَيسَ ذَلِكَ لَهُ فَلَا تتعرَّضَ لِذَلِكَ ..
1) البيت لأبي الطيب المتنبي، وجاء في شرح الواحدي لديوان المتنبي بلفظ:
وَمَا قَضَى أَحَدٌ مِنْها لبانته وَلَا انْتَهَى أَرَبِّ إِلَّا إِلى أَرَب (1/277)
صفحة 278
الدلائل على اللوازم والوسائل
واعلَم أَنَّهُ لا يَحِلُّ لَكَ الدُّخولُ فِي شَيْءٍ إِلا بعدما تَعلَمُه يَقينًا أَنَّهُ يَجوزُ لَكَ الدُّخولُ فيه. فَلا تَنظُر بِعَينك شَيْئًا أَبَدًا إِلا مَا عَلِمتَ أَنَّهُ يَجوزُ النَّظَرُ إِلَيْهِ .. والْمُحَرَّمِ نَظَرُهُ: العورات من النساء والرِّجال عمدًا؛ وأمَّا الْحَطأُ فَلا بَأس .. وكذلك نظرُ ما فِي أَيدِي
النَّاسِ حسدًا مِمَّا حَوَّلَهُم اللهُ تعالَى مِن الأَمْوَالِ، والأولادِ، والْحَيَوانِ ..
ومَا بَقِيَ مِمَّا فِي خلق الله تعالى جَائِزُ النَّظرُ إِلَيهِ، فَلا تَستَوحِش مِن ذَلِك. وَلَا تَسمَع شَيْئًا إِلا بَعدَمَا تَعلَم أَنَّهُ يَجُوز لَك استِماعُهُ .. وَالَّذِي لَا يَجوزُ سَماعُه: هُو جَمِيعُ البَاطِلِ مِمَّا يَستَعمِلُه أَراذِلُ النَّاسِ مِنَ الغِناءِ، وضَرب الدُّفوفِ، والْمَرَامِيرِ،
والرَّبَابِ (1)، وغَيْرِها مِن الْمَلاهِي .. وكذلك غَيبَةُ الْمُؤمِن وشتمُه، إلا ما وقع فِي سَمعك كرها ولم تُرِده، ولم تقدر
على إزالته، ولم يُمكنك البعد عنهُ فَلا لَومَ عَلَيكَ مِنه.
ولا تَسمَّ بِأَنفِك إلا مَا عَلِمتَ أَنَّهُ حَلالٌ، وجَائِرٌ لَكَ شَمُّه، مِن طِيبٍ وغَيْرِه. ولا تنطق بلسانِكَ إِلا مَا عَلِمتَ أَنَّهُ جَائِرٌ لَكَ النُّطق بِه مِن ذِكرِ اللهِ، وقِراءَةِ الكُتُب ومُحادَثَةِ الإِخْوَانِ فِيمَا يَجُوز، وكَلام الصدق مِمَّا تَأمُرُ به وتَنهَى عَنهُ مِن جَميعِ
حوائجك التي تعنيك ..
واجتنب الكَذِبَ والغيبة والنَّمِيمَةَ والْخَوضَ فِيما لا يعنيكَ. ولا تمس بِيَدِكَ إِلا مَا عَلِمتَ أَنَّهُ جَائِزٌ لَك مِنهُ مَسُّه، من امرأة، أو درَاهِم، أو أمتعة، أو غير ذلك .. ولا تدخل بَطَنَكَ إِلا مَا عَلِمتَ به أنَّهُ طَاهِرٌ حَلَالٌ لا شُبهَةً فِيه.
ل.
وَلَا تَمش برجلك إِلا إِلَى مَا تَعلَمُ أَنَّهُ يَجُوزُ الْمَشيُ إِلَيهِ. الله وَلَا تُضمر فِي قَلبِكَ حِقدًا، وَلاَ عَداوَةٌ، وَلَا غِمًّا، ولا بُعْضًا، إِلَّا لِمَن عَصَى
1) الرباب: جمع رَبابَة آلة وترية شعبية ذات وتر واحد. (1/278)
صفحة 279
الدلائل على اللوازم والوسائل
فإِذَا عَرَفت هذِهِ الأُصولَ؛ فَمَا عَرَفتَهُ مِنهَا فَاسلكهُ مَتَى شِئتَ، وَمَا لَم تَعلَمُهُ ولَم تعرفهُ فَاسأَل عنه أهلَ العِلمِ بِه مِمَّن هُو أَعلَمُ مِنكَ بِكِتَابِ اللهِ تعالى، وسُنَّةِ رَسُولِهِ مُحمَّدٍ، وآثَارِ الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى لا تَرتَكِبَ شَيْئًا بِجَهَلٍ، إِن كُنتَ تَطْلُبُ لِنَفْسِكَ السَّلامة، وتُريدُ لَها الكرامة.
وإن
كُنتَ مِمَّن يَطلُبُ الرِّزْقَ بِالبَيعِ والشّراءِ، والتِّجَارَاتِ، والأَسفَارِ، لَزِمَكَ مَعرِفةٌ
ذلِكَ لِتَدخُلَ فِي ذَلِكَ عَلَى بَيانٍ فَتَفهُم. (1/279)
صفحة 280
الدلائل على اللوازم والوسائل
النا
39
في البيوع
واعْلَمْ يا أخي، - سَلَّمَك اللهُ سَلامَةٌ أَبدِيَّةٌ، ورَحِمَكَ رَحْمَةً سَرمَدِيَّةٌ وإِيَّانا -، أَنْ النّجارَةَ لِطَلَبِ الرِّزْقِ مِن خَيرِ الْحِرَف إِن عَامَلتَ النَّاسَ فِيهَا بِالصِّدْقِ والنَّصِيحَةِ؛ لأن فِيهَا رَاحةً لِلجَسدِ، وفَرَاعًا لِلصَّلَوَاتِ وفِي الْجَمَاعَاتِ، وسُهولة للعبادات، ورفاهية في
الأَقوَاتِ؛ ولأنه قيل: «إنْ التَّاجِرَ الصَّدوق مَعَ النَّبِيِّينَ وَالشُّهداء يَومَ القِيامَةِ» (1). فإن تيسر لك طَلَبُ الرِّزْقِ مِن قِبَلِ البَيعِ والشَّراءِ فَلَا تَطْلُب سِوَاهُ أَبَدًا، وإِن أَردتَ شَيْئًا مِن مَعرفَته وَصِفَةِ مَا يَجُوزِ مِنْهُ وَمَا لَا يَجوزُ .. فَاعلَم أن كُل مَا بِعت، أَو اشتَرَيتَ مِمَّا هُو حَلالٌ فِي الْأَصْلِ يَدًا بِيَدِ، وَالْمَعَنَى: تَشتَرِي أَو تبيعُ بِالْحَاضِر فِي الْحَالِ، فَجَمِيعُ ذَلِكَ جَائِرٌ مِن جَمِيعِ الأَشْيَاءِ الَّتِي تُبَاعُ مِن ثياب، وعقارات، وحبوب، وتُمور، وحيوان، وأصول، قُلْ الرّبحُ أَو كثر، أو بِغَيرِ ربح؛ فكله جَائِرٌ مِنكَ ولَك .. وإِن كَانَ البَائِعُ لكَ أو الْمُشتَرِي مِنكَ حُرًّا بَالِغا، عاقلاً، مُمَيِّرًا، عَارِفًا بِسِعرٍ ذَلِك المبيع، وكان ذلك البيعُ بِكَيل، أو وزن، أو عَددٍ، أَو جُزَافٍ بِما كانَ مِن الأَحنَاسِ، وَزَنٍ، ولو أنَّهُ ذَهَبٌ بِفِضَّةٍ، أو فِضَّةٌ بِذهَب، أو فِضَّةٌ بِفِضَّةٍ، أَو ذَهَبٌ بِذَهَبٍ، أَو ثَوبٌ بِثَوبٍ، أَو تَمَرٌ بِتَمرٍ، أَو حَيَوَانٌ بِحَيَوَانِ؛ فَهَذَا أَصلٌ مُفِيدٌ لِكَثِيرٍ مِن البُيوعِ. وإِذَا أَرَدتَ البيع والشراءَ فَأَحكِيم أَسَاسَهُ، وقَوْ رَأْسَهُ بِمِكَيَالٍ صَحِيحٍ، مِن أَصَحٌ مَكَابِيلِ البَلَدِ الَّذِي أَنتَ فِيه ..
1) الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك ((2142). والترمذي ((1209) عن أبي سعيد الخدري، وقال حديث حسن. (1/280)
صفحة 281
281
الدلائل على اللوازم والوسائل
وكذلك الْمِيزَانُ، والأوزان، فلا تَأخُذَهَا إِلَّا مِن ثِقَةٍ إِن اسْتَعَرتَها، وإن لم تجد يقة وأخذت مِن غَيرِ ثِقَةٍ، فَأَخير من تَكِيلُ لَه، أوتَزِنُ لَه وقُل له: «إِنِّي أُبايِعُك، أو أَشْتَرِي منك، وأَزِنُ بهذَا الْمِيزَانِ وهذه الأوزان، وأكيل بهذا المكيال، وهَذِهِ الْمَوَازِينُ وَالْمَكَابِيلُ مِن عِندِ فلانٍ، وَلَا عِلمَ لِي بِصِحْتِها».
وإن لم تُسَمِّ لَهُ بِفُلانٍ، وقُلتَ لَه إِنَّكَ لا عِلمَ لَك بِصِحَّةِ مَا تَكِيلُ بِهِ أَو تَزِنُ بِهِ، ورَضِي بذلك، وكانَ حُرًّا بَالِغَا عَاقِلا - فَعِندِي - أَنَّهُ يَجوزُ لَك استعمَالُ مَا ذَكَرتَ مِن الكَيلِ والوزنِ، إِذَا كُنتَ لَا عِلمَ لَك بذلك. وإن كُنتَ تَعلَمُ أنْ ذَلِكَ الْمِكْيَالَ والْمِيزَانَ غَيْرُ صَحِيحَيْن؛ فَلا يَجُوزِ لَك أَن تُبَايِعِ بِهِمَا أحدا، ولا تَشْتَرِيَ بِهما من أحدٍ إِلا أَن تُعلِمهُ بِأَنَّهُما غَيْرُ صَحِيحَيْنِ، نَاقِصَيْن أَو زَائِدَيْنِ، فإذا أعلمته ورضي، جازَ لَكَ الأَخِذُ مِن عِندِهِ بِهما. وأَمَّا إِن أَردتَ أَن تُصحِّحَ مِكيَالَك وميزانك، وأوزانك، فعاير ذلك عِندَ يُقتين، فإذا اتَّفق مكيَالُك، وميزانك، وأوزانك، على مكيَالَي الثَّقتين وأَوزَانِهَا فَقَد صَحَ ذَلِكَ، فَبِعِ بِهِما واشتَرِ. وفي قول: - فِيمَا أَحسَبُ - أَنَّهُ تُجزِي الْمُعَايَرَةُ عَلَى مِيزانٍ، أَو مِكَيَالَ ثِقَةٍ وَاحِدٍ، والْأَوَّلُ عِندِي أَوثَقُ وأَحوَط.
فإِذا صَرَّحتَ الْمِكْيَالَ والْمِيزَانَ، وأَردتَ أَن تَكِيلَ، أَو تَزن بهما لأَحَدٍ؛ فَأَمَّا الكَيلُ: فاملأ المكيال، واجلب عليهِ بِما تُرِيد، وَلَا تَضرِبهُ إِلَّا ضَرَبَةٌ خَفِيفَةٌ .. وأَمَّا الْمِيزَانُ: فَإِذَا وَضَعَت الأَوزَانَ فِي كَفَةٍ، ووَضَعَتَ الْمَوزُونَ مِمَّا تُريدُه فِي كَفَّةٍ، فَمَا لَم تَرجَحَ كَفْةً الْمِيزَانِ الَّتِي تَزِنُ بِها مَا تَبِيعُه، فَرِد عَلَيهِ، فَإِذا رَحَحَ - ولو قليلاً - فقد صح الوزن، ويُعجِنِي أَن يَفْعَلَ الإِنسَانُ عَلَى عَادَةِ أَهْلِ بَلَدِهِ فِي الرُّحِحَانِ وَأَمْثَالِهِ. وإذا كنتَ أَو وَزَنتَ لأَحَدٍ مِمَّا تَبِيعُ لَه؛ فَزِن لَهُ، وكل لَهُ مِثْلَمَا تَزِنُ وتَكِيلُ لنفسك إذا جئتَ تَشتَرِي مِن أحد النَّاسِ، وأمرك أن تكيل أو تَزِن لنفسك؛ فَمِثلما (1/281)
صفحة 282
الدلائل على اللوازم والوسائل
تجتهد لنفسك في الأَخذ مِن غَيرِك فَاجتَهِد لأخذ غَيرِك مِنكَ، إِن لَم تسمح نفسك بأكثر .. وهذا هو اجتهادك لنفسك.
وإذا أخذت لها بِالْحَذَر من ارتكاب ما لا يجوز، فإِنَّهُ أُولَى من اجتهادِكَ
لَها فِي الأَخذ لَها لِجَمِيعِ الْحُطَامِ الذَّاهِب، وَاللَّهُ أَعْلَم بِالعَدلِ.
وأَمَّا إِذا أَرَدتَ مَعرِفَةَ البيع بالتأخير (وهو النَّسِيئَةُ)، وعِندَ عَوَامُ النَّاسِ يُسمونه: (الصبر)، فجَائِرٌ لَك بَيعُ مَا أَرَدتَ بَيعه مِمَّا فِي يَدِك من أصول، وعُروض، وأمتعة، وحَيَوَانٍ، وحُبوب، وتُمور، وأَموال، وأَثواب، وبُيوت وغ ذَلِكَ مِمَّا يَمْلِكُهُ النَّاسُ بِالدَّرَاهِم إِلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ مِن أَيَّامٍ أو شهورٍ أَو سِنِينَ.
مِثلِ مَا وَصَفَتُه لَك
وجَائِزٌ لَكَ شِرَاءُ مَا أَرَدتَ شِراءَهُ مِن النَّاسِ مِن مِثلِ بالوَقْتِ الْمَعلُومِ، وَالدَّرَاهِمِ الْمَعْرُوفَةِ. لكن انظر في حَوادِثِ الأَيَّامِ عَلَيكَ، وعَلى مَن تُبايِعُه، أَو تَشتَرِي مِنهُ، فَمن لك ومِن أينَ لَك أمانٌ مِن الزَّمانِ؟ إِلَى حُلول هذَا الْحَقِّ لِتَنتَفِعَ به، رُبَّما تَتَخطَّفُكَ الْحَوادِثُ قَبلَ ذَلِك، وكَذَلِكَ الْمُشتَرِي مِنكَ رُبَّما يَمُوتُ قَبلَ حُلولٍ الْحَقِّ، وتبقى مُرتَها به .. ورُبَّمَا لا تَقُوم لَك بَيِّنَةٌ فَيَذهَب مالك، وربَّما لا يخلف وفاء فيذهبُ أَيْضًا مَالُك .. وَلا أُحِبُّ لَك الْمُخاطَرَةَ بِمِثل هذَا إِن قَبلت تُصحِي، فَبِع واشتَرِ يَدًا بِيدٍ، واللهُ هُو الرَّزَّاقُ، وأمَّا إِن اشْتَرَيتَ أَنتَ وهَلكَ مَن باع لك، فربما ترك أيتاما، وشَقَّ عَليكَ التسليمُ إِلَيهِم فَحُدَ الْحَذَرَ قَبْلَ أَن تُمتَحنَ بِمثل هذا. وأَمَّا الْجَائِزُ وَالْحَلَالُ: فَجَائِرٌ وحَلالَ البَيعُ بِالنَّسِيئَةِ مِن جَمِيعِ مَا بِعَتَه .. ولو كَانَ الْمُبَاعُ غَيْرَ حَاضِرِ عِندَ الْمُبَايَعَةِ، لَكِن البائع والْمُشْتَرِي عَارِفَانِ بِه مِن قَبْلُ قد نظراهُ، وعَرفَاهُ بِالصَّفَةِ في الأصول وغيرها إِلا الْحَيَوَانُ، فَلا يَثْبُتُ بَيعُه فِي الحكم إلا بحضرته. (1/282)
صفحة 283
الدلائل على اللوازم والوسائل
وأَمَّا إِذَا اسْتَرَيتَ شَيْئًا مِن الْحَيَوَانِ الغَائِب عَلَى الصَّفَةِ، وقبضهُ مِن يد البائع ورَضِيتَهُ، ورَضِيَ مَن بَايَعكَ إِيَّاهُ؛ فلا يَحرُم فيما عِندِي عَليكَ ذَلِكَ وَلاَ
عليه.
وأمَّا الْحَزِمُ عِندي: حُضورُ جَمِيع مَا يُبَاعُ مِن جَمِيعِ الأَشياء، إلا الأصول مِنَ النَّحل، والأمواه، والأراضي، فهذا ما لا يُمكنُ حُضوره، إِلا أَن يَقِف عَلَيهِ الْمُشتَرِي والبَائِع، أو علَى الصَّفَةِ .. وأَمَّا إِذا وَقَعَت الْمُبايَعَةُ عَلى هذه الصِّفَةِ مِن أجرب تمر، وحبوب، وثياب، وغيرِ ذَلِك بِالدَّرَاهِم نَسِيئَةً فَلِلمُشتَرِي الرجوع فيما اشترَاهُ إِذا نَظَرَهُ ولم يَرضه، وكذلك البائع إِذا قَالَ: إِنِّي بِعتُ مَا لَم أَرَهُ. وأَمَّا الَّذِي لَا يَجُوزُ بَيعُه نَسيئَةً: فَهُو إِذا كَانَ بِغَيرِ الدَّراهِم مِثل مَن يَشتَرِي أَو يَبِيعُ قُطِنَا بِقُطَنٍ نَسِيئَةً، أَو حَبًّا بِحَبْ، أَو تَمرًا بتمرٍ، أَو ثَوبا بوب أو ما كَانَ من جَمِيعِ الأَجنَاسِ الْمُتَّفِقة، مثل: حَيَوَانٍ بِحيوان، إلى أحل؛ فهذا لا يَجوزُ .. أو فِضَّةٌ بذَهَبٍ، أَو ذَهَبًا بِفِضَةٍ، كُلُّ هَذَا لَا يَجوزُ إِلى، أجل. وأمَّا مَكِيلٌ بِمَكِيلٍ، أَومَوزُونٌ بِمَوزُونٍ فَكَذَلِك فيما عندي .. إلا أنه إذا اختلفتِ الأَشيَاء بِمِثْلِ مَكِيلٍ بِموزُونٍ أَو مَوزُون بمكيل، أو تمر يحب، أو حَبِّ بِتَمر؛ فهذا فيما عِندِي يَدخُلُه الاختلاف.
فالَّذِي جَعَلَ جَمِيعَ مَا أَنبَتَت الأَرضُ كُلُّهُ جنساً واحدًا؛ فَلا يَجُوز عِندَهُ يَبعُ شَيءٍ مِمَّا أنبتت الأرض بما أنبتت، فهذا عِندَهُ لا يَجوزُ بَيعُ حَبُّ بِتَمر، ولا تمرٌ بِحَبِّ، ولا غَيْرُه مِن جَمِيعِ مَا أَنبَتَتِ الأَرضُ بِما أَنبَت؛ وأما من أجاز البيعَ إِذا اختلفتِ الأَجنَاسُ، فَجائِزٌ عِندَهُ بيع جَمِيع ما اختلفت أجناسه والوانه في الأصل، ولَو أَنَّهُ كُلَّه مِن نَبَاتِ الأَرضِ. (1/283)
صفحة 284
الدلائل على اللوازم والوسائل
284
وجَائِزٌ بَيعُ البهائم إلَى أَجَلٍ بِشَيْءٍ مِمَّا أَنبَتَتِ الأَرضُ مِن الْحُبوبِ، والثَّمَرِ، والياب؛ إِذَا كَانَ مَعلُومًا ..
وكذلك السَّمنُ يَجوزُ بَيعُه بِما أَنَبَتَتِ الأَرضُ إِلَى أَجَلٍ؛ لأَنَّهُ لَيس هُو مِن نَبَاتِ
الأرض، والأصلُ فِي الشَّرع: «إِذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ». وجَائِزٌ - فِيمَا وَجَدتُ - بَيعَ الأُصولِ بِمَا يُكَالُ، أَو يُوزَنُ مِن الطَّعَامِ أَو غَيْرِهِ، حَضَر ذَلِكَ أَو غَابَ.
وجَائِرٌ بَيعُ الأُصولِ بِالْحَيَوَانِ، إِذَا كَانَ حَاضِرًا ..
وجَائِزٌ بَيعُ الْعَبِيدِ بِمَا تَنبت الأَرضُ، وَلَو إِلَى أَجَلٍ، إِذَا كَانَ الثَّمَنُ مَعلُومًا. ولا يجوز بيع اللحم باللحم، وَلاَ السَّمكُ بِالسَّمَكِ إِلَى أَجَلٍ .. وجَائِزٌ يَدًا بِيَدِ، وجائز بيعه بالتَّمرِ، والحبوب وغير ذلك مِمَّا تُنبِتُ الأَرضُ، وَلَو إِلَى أَجَلٍ، وَاللَّهُ أَعْلَم.
1) الحديث أخرجه الربيع في مسنده عن ابن عباس، في
، البيوع، باب (33) في تبع الخيار وبَيعِ الشَّرطِ، و (1/284)
صفحة 285
الدلائل على اللوازم والوسائل.
البات
في شَيءٍ مِن ذِكرِ الرَّبَا أَوِ الْمَجْهُولِ ومَا أَشْبَهه
اعلم يا أخي، رحمك الله وإيانا - إِذَا دَخَلتَ فِي البَيعِ والشَّراءِ، فَاتَّقِ اللَّهَ وَاحِذَر الدخول فِي الرِّبا، فإِنَّهُ قَد حَرَّمَهُ اللهُ فِي كِتابه العزيز.
فَلا يَحمِلنَّكَ الدِّمعُ عَلى ارتكاب مَا حَرَّمَهُ اللهُ فَتَستَحِقَّ عِقابَه، وتَستَوحِبَ عَذَابَهُ، فإن ذلك لا يُطاق، والصَّبْرُ عَن أكل الربا أَيسَرُ مِن الصَّبْرِ عَلَى النَّارِ .. وإِن كُنتَ جَاهِلا بِمَعرِفَةِ الرِّبَا فَافَهَمهُ ..
فَالرِّبَا الصَّرِيحُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ: هُو أَن يَكُونَ لَكَ عَلَى إِنسَانٍ حَقٌّ إِلَى أَجَلٍ أَوِ حَالٍ، ثُمَّ يَحلُ الْحَقُّ عَلى ذَلِكَ الإِنسَانِ، فَلَم يَقدِر أَن يُسَلَّمَه لَكَ مِن قِبَلِ العُسرِ، فَيَقُولَ لك: «اصبِر عَلَيَّ إِلَى مُدَّةٍ كذا، وأَزِيدُكَ كذَا»، أو تَقُولُ لَهُ أَنتَ: «لَا أَصْبِرُ عَليكَ إِلَّا بزيادة كذَا»، فهذا الرِّبَا الْحَرامُ الذي لا اختلافَ فِيه .. ومَن ارتَكَبَهُ إِلَى الْمَمَاتِ وَلَم يتب مِنهُ ولَم يُقلع عَنهُ، فَهُو - والعِياذُ بِاللَّهِ مِنَ الْهَالِكِين.
وكذلِكَ إِن أَخذَ أَحدٌ مِنكَ دَرَاهِمَ فَرضًا، أو غَيْرَ قَرْضِ؛ لَكِنَّهُ بِغَيْرِ مُضَارِبَةٍ، وَاتَّفَقتَ أنتَ وإِيَّاهُ عَلى أَن يُعطِيكَ كُلِّ سَنةٍ عن كُلِّ مَالَة دِرْهَمٍ، أَو عَن كُلِّ مَانَة لَارِيَةٍ عَشْرُ لاريات أو أقل أو أكثر؛ فَهَذَا رِبَا حَرَامٌ لَا يَجُوز. وكذلك إن أخذ أحد مِنكَ دَرَاهِمَ مَعلُومَةً، وبَاعَ لَك بها بَيتَهُ أَو مَالَهُ، أَو شَيْئًا مِن مَالِه بَيعَ خيارٍ حِيلَةٌ مِنكُما لِيجُوزَ لَك أخذ الغلة، وليس قصدك الشِّرَاء حقيقة، وَلَا قصده هو البيع، بل مُرادُكُمَا جَمِيعًا لِيجُوزَ لَك أَخذ الزيادَةِ؛ فهذا لا يَجوزُ، فَاحْذَرَهُ. (1/285)
صفحة 286
الدلائل على اللوازم والوسائل
لا 4286
واحذر أيضا شراء مَا فِيهِ مِن ثَمَرَةٍ نَحْلٍ قَبلَ إِدراكها، أَو مِن شِرَاءِ قَتْ لِلطَّعامِ قَبلَ أن يتم شبابه، أو مِن شِرَاءِ عَلَفٍ أَيضًا وفِيهِ الزِّيَادَةُ، بِشَرطِ أَن يَترُكَ ذَلِكَ إِلَى أَن يُدرِكَ، كُلّ هذا لا يجوز إلا أَن يَكُونَ بِشَرطِ أَلَّا يَترُكَهُ لِيَزِيد.
وأمَّا مَا كَانَ فِي الأَرضِ مُحْتَفِيًا مِثلَ: الْجَزَرِ والبَصَلِ وغَيْرِهِ مِمَّا هُو مِثْلُه فِي الْحُكمِ يَجُوزُ، إِلَّا إِن بَاعَهُ بَائِعٌ ورَضِي بِهِ الْمُشْتَرِي بَعدَ مَا قَلَعَهُ جَمِيعًا، وأَتَمَّا البَيعَ فَلَا يَحرُم ذلك - فيما عِندي؛ لأَنَّهُ مِن الْمَجهول لا مِنَ الرِّبَا. واعلم أنَّ آكِلَ الرِّبَا لا يُقبَلُ مِنْهُ شَيْءٌ مِن عَمَلِهِ مَا دَام قِيرَاط مِن الرِّبا فِي مَالِه،
وهُو عَالِمٌ بِه. ويَسَعُكَ جَهلُ الرِّبَا مَا لَم تَدخُل فِيهِ وتَرتكبه، أو تتولَّى مَن ارتَكَبَهُ، أَو تبراً مِن العلماء إذَا بَرثُوا مِن رَاكِيهِ، أَو تَقفَ عَنهُم.
وأَمَّا جَوَازُ الْحِلِّ) لِمَن رَكِبَهُ بِجَهل وندم، وأرَادَ الْخَلاصَ مِنْهُ، فَقَولُ: يَجوزُ الْحِلَّ
إذا أَحلَّهُ مَن لَهُ الْحَقُّ، وطَابَت نَفسُهُ عَليهِ مِن غَيْرِ كَرَاهِيَّةٍ وَلَا حَيَاءٍ مُفرِط .. وأكثر القول – فيما أحسبُ أَنَّهُ لا يبرأُ ولَو أَحلَّهُ، وَلَا يُبرتَهُ إِلَّا رَدٌ مَا أَخذَهُ مِمَّن أَربَى عَلَيهِ، ولقول الله تَعَالَى: {وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا
تظلمون)
(1
القت: هو البرسيم، وفي لسان العرب: هو الفسفسة والفصفصة الرطبة واليابسة من علف الدواب. 2) الحل: من المحاللة، وهو طلب السماح وإرجاع ما أخذته من غيرك من ربا وغيره، وسيأتي بيانه في فص
المحاللة من «الباب الرابع والأربعين».
(3) سورة البقرة: 279 (1/286)
صفحة 287
البات
41
الدلائل على اللوازم والوسائل
في ذِكرِ شَيْءٍ مِن عُيوبِ مَا يُبَاعُ
وأما إذا بعت أو اشتَرَي شَيْئًا مِن الدَّوَابِّ، وَفِيهِ شَيْءٌ مِن العُيوبِ ولَم تَعلَم بِه، فَلَكَ رَدُّهُ عَلَى البَائِعِ مَا لَم تَرضَ بِهِ بَعدَ مَا عَلِمتَ بِهِ.
والعَيبُ فِي الدَّوَابِّ الرُّكَاضُ (1)، والقماص (2)، والعضاض، والقطاع (3)، والنطاح، والرباض (4)، والذعار (ه)، وعَقرُ الدَّوَابِّ والنَّاسِ؛ فهذَا فِي الْحِمَالِ وَالْحَمِيرِ، والبقرِ، والخيل .. والوَسمُ أَيضًا فِي الدَّابَّةِ مِن العُيوبِ، مَا لَم يَكُن لِعَلَامَةٍ، والضلعُ عَيبٌ فِي الدَّابَّة، وإذا لم يكن النُّورُ يَأكُل النَّوَى كَان عَيبا فيه. وإِذَا كَانَت الدَّابَّةُ تَرضَعُ لَبَنَها بنفسها فَهُو عَيب فيها .. والْجَربُ عَيبٌ فِي الدَّوَابِّ. فإِن أَعْلَمَ البَائِعُ الْمُشْتَرِي بِالعَيبِ، ورَضِيَ بِهِ، جَازَ عَلَيهِ البَيعُ وَثَبَت. والفَصدُ مِن النَّارِ عيب فِي العَبِيدِ، وَالْمَرَضُ أَيضاً عَيب، والْحَبَلُ فِي الأَمَةِ والزوجة .. كُلُّ ذَلِكَ عُيوبٌ تُرَدُّ بها، إذا لم يُرضَ الْمُشْتَرِي بَعدَ مَا عَلِم به.
(1) الركاض من الركض، وهو مشية الرجل بالرجلين معا، ثُمَّ أطلق على الدواب لكثرته وهو ركل الدابة برجلين ورفسها. انظر: العين، (ركض).
(2) القماص: عدم الاستقرار في موضع واحد حيث يثب من مكانه من غير صبر، ومنه يقال للقلق: أخذه القماص. وحمار قماص: هو الذي يرفع ذنبه حيث لا تستطيع ركوبه.
(3) القطاع هي الدابة التي تقطع رباطها وتشرد. 4) الرباض من ربض البطن، وهو ما ولي الأرض من البعير، وَكُلُّ شَيْء لا يبرك على أربعة فهو يربض ربوضا ..
وأطلق على الدابة التي إذا ركبت عليها جلست وبركت ولم تتحرك. انظر: العين، (ربض).
5) الدَّعَارُ والدَّعُور: من الذِّعْرُ والفزع. والجمل الذعور: هو الشرود والنفور من الأشياء غير المعتادة. الضلع: من الاعوجاء وانتفاخ الأضلاع، وهي التي لا تقوى أضلاعها على الحمل، ودابة مضلع: أي عرجاء. انظر:
(6
العين، (ضلع). الْفَصْدُ:
هو قطع العروق، وإخراج الدم. انظر: العين (فصد). والزمخشري: أساس البلاغة، (فصد). (1/287)
صفحة 288
الدلائل على اللوازم والوسائل
وإِن وَطِئَ الْمُشْتَرِي الأَمَةَ ثُمَّ عَلِم بِالعَيبِ لَزِمَتهُ، ولَه نَقصُ العَيبِ. وإِن حَدَث بالدابَّةِ والعَبدِ عَيبٌ عِندَ الْمُشْتَرِي فَلاَ يَرُدُّه إِذا كَانَ لَهُ رَدُّه بِشَيْءٍ مِن الوُجوهِ، حَتَّى يَخلُصهُ مِن ذَلِك العيب الذي حدث به وهُو مَعَهُ .. وإِن بَرِئَ الْبَائِعِ إِلَى الْمُشْتَرِي مِن جملة العيوب، فلا يثبتُ ذَلِكَ عَلَى الْمُشتري إِذَا وجَدَ عَيبا ولَم يَعلَم بِهِ، وأَرادَ رَدَّ مَا اشتَراهُ مِن قِبله، إِلا أَن يُوافِقَهُ البَائِعُ عَلَى جَمِيعِ عُيوب تلك الدَّابَّةِ وذَلِكَ العَبد. ومَن رَدَّ شَيْئًا مِن الْحَيَوَانِ بِعَيبِ وَجَدَه، بَعدَمَا اسْتَغَلَّ مِنهُ عَلَّةٌ، فَلا رَدَّ عَلَيهِ فِيمَا اسْتَغَلْ، وَلَهُ الثّمنُ الذِي سَلَّمَهُ يَومِ الشَّرَاءِ كُلُّهِ.
وأَمَّا مَا رَدَّهُ مِن البُيوعَاتِ مِن قِبَلِ فَسادِ البَيعِ لاَ مِن قِبَلِ العَيبِ؛ فَفِي رَدُّ العِلْةِ عَلَى الْمُشْتَرِي اختلاف؛ لأَنَّهُ قِيلَ: لَا يَرُدُّ الغَلَّةَ إِلَّا الغَاصِب. وَلَا يَجوزُ لَكَ أَن تَبِيعَ شَيْئًا لَم يَكُن عِندَكَ فِي ذَلِك الوقت، وهُو – مثلا – إِذَا لقيت رجلاً يُريد شراء شَيْء من الأمتعة من حب أو تمرٍ، أَو ثِياب، أَو دَوَابٌ، أَو عَقَارٍ، فقلت له: «أنا أبايعك ذلِك ولَيسَ ذلِكَ الشَّيء عِندَكَ»، وَاتَّفَقتَ أَنتَ وَإِيَّاهُ عَلَى الثَّمَنِ بكذا وكذا، ثُمَّ سرت أَنتَ وشَرَيْتَ ذَلِكَ الشَّيء مِن عِندِ غَيْرِكَ، فَهَذَا بَيعُ مَا لَيسَ
مَعَكَ وهُو لا يَجُوز .. وكذلِكَ إِن أَسلَفتَ مَا لَيسَ مَعَكَ، فهو لا يَجُوز. ولا تبع ما شَرَيْتَهُ قَبل أَن تَقبضَهُ مِمَّن بَاعَهُ لَك، فإن ربحه – فيما أحسب- غير طيب، وإن وَاليَتَهُ أحدا بثمنه بغير فذلك جَائِرٌ وكُلُّ مَا اسْتَرَيَتَه مِن الأَميعَةِ
ربع
وقَبَضَتَهُ، جَازَ لَكَ أَخَذُ مَا حَصَلَ لَكَ فِيه مِن رِبحٍ، وَلَو لَم تُسَلَّم ثَمَنَهُ بَعدُ.
وجائز لَك بَيعُ الْمُرابَحةِ وهُو: إذا اشتريت شَيْئًا وجَاءَكَ مَن يُرِيدُ شِراءَهُ مِنكَ بِرِبح
مَعْلُومٍ مِمَّا اتَّفَقتَ أَنت وإِيَّاهُ عَلِيهِ، إِذَا عَرَّفْتَهُ بِثَمَنِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَم. (1/288)
صفحة 289
التالي
فِي ذِكرِ شَيْءٍ مِن الْمُصَارَبَةِ
الدلائل على اللوازم والوسائل)
تَأْخُذ
اعلم يا أخي، - رَحِمَنَا اللهُ وإِيَّاكَ - إِن عَدِمتَ رَأْسَ الْمَالِ ولَم تَجِدهُ، وأَحبَتَ أَن من عِندِ أَحدٍ مِن النَّاسِ شَيْئًا مِن الدَّرَاهِم يسهم مِمَّا يَحصُلُ مِنهَا مِن الربح ينصفي، أو ثلث، أو رُبع عَلى مَا أَنفَقْتُما عَليهِ .. وَلا يَحُوزِ ذَلِكَ إِلَّا بِالدَّرَاهِم مِن الذَّهَبِ أو الفِضَّةِ؛ لأَنَّهُ لا يَجوزُ الْمُضارَبَةُ بالأَميعَةِ بَل الدَّرَاهِيم؛ وهُو أَن يَدفَعَ لَك أَحدٌ الدَّرَاهِم مُضارَبَةً عَلَى مَا رَزَقَ اللهُ مِن ربح مِنها فَهُو بَينَكُما عَلَى مَا اتَّفَقتُمَا عَليهِ، فَإِذَا عَنيت وبعت واشتريت يتلكَ الدَّرَاهِمِ وَحَصلَ لَكَ شَيْءٌ مِنَ الرِّيحِ، فَلَكَ مِنْهُ مَا وَقَعَ عَلَيهِ الشرط، وتَكُونُ أنت أمينًا فيما أَحَدَتَهُ بِالْمُضارَبَةِ، غَيْرَ ضَامِنٍ لِمَا تَلَفَ مِن يَدِك مِمَّا قبضته، إِلَّا مَا عَرَّضَتَهُ لِلتَّلَف؛ مِثل: أَنَّكَ بَايَعتَ غَيرَ مَلِيٍّ، وَلَا وَفِي بِنَسِيئَةٍ وَلَم يُوَفِّكَ، أو أَمَّنتَ شَيْئًا مِمَّا فِي يَدِك غَيرَ أَمينِ، وتَلفَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مِن عِندِهِ، ولَم يَرُدَّ عَليكَ مَا تلف، أو تَرَكتَ شَيْئًا مِمَّا فِي يَدِك فِي غَيرِ حِفظ فَتَلَف، وفَعَلتَ جَمِيعَ مَا وَصفتُ لَك بِغَيرِ رَأي مَن لَهُ الدَّرَاهِم، ولَم تَطِب نَفسُهُ عَليكَ بِذَلِكَ، فَعَلَيكَ ضَمَانُ مَا وَصَفَتُ لَكَ. ولَيسَ لَك أَن تَهبَ شَيْئًا لأحدٍ مِن النَّاسِ، وَلاَ تَتصدَّق بِشَيْءٍ مِن مَال مَن تُضارِب له .. ولَك أَن تَخرُجَ حَيثُ شِئتَ مِن الأَمكِنَةِ الَّتِي تَخْرُجُ إِلَيْهَا النَّاسُ، بِما فِي يَدِك لطلب الرزق، إلا أن يُحجرَ عَليكَ مَن لَهُ الْمَالُ، فَلا تَتَعَدَّ نَهْيَهُ، وَلَا تُخالِف شَرِطَهُ
عليك في ذلك. ونَفَقتُكَ عَلَيْكَ لَا مِن مَالِ مَن دَفَعَ لَكَ الدَّرَاهِم، إِلَّا أَن يَكُونَ بَيْنَكُما شَرِطٌ عَلَى شَيْءٍ مِنَ النَّفقة معلوم، فَلك ذَلِكَ .. وإن جعل شَيْئًا مَجهولا فلا يثبت، وليس لك ربح إلا (1/289)
صفحة 290
الدلائل على اللوازم والوسائل
بعد أن تؤدي رأس المال .. وإن اشترط نفقة عَلى مُزاوَلَةِ الْمَالِ، فَلا تَعمَل لأَحَدٍ شَيئًا
إِلَّا بِإِذنِه، وإِن لَم تَشْتَرِط النَّفَقَةَ جَازِ لَكَ عَمَلُ مَا أَرَدتَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ ..
ولَيسَ لِرَبِّ الْمَالِ أَن يَشْتَرِي مِنكَ شَيْئًا مِمَّا تَبِيعُه مِمَّا أَخَذَتَ رَأْسَ مَالِهِ مِن عِندِهِ .. وليس لك أَن تَشتَرِيَ مِمَّا فِي يَدِك بِالْمُضارَبَةِ، إِلا أَن يَأْخُذَ هُو وَأَنتَ شَيْئًا مِمَّا فِي يَدِك من البضاعَةِ لِتَحْسَبَاهُ بِالثَّمَنِ عِندَمَا تُرِيدَانِ حِسَابَ ذَلِكَ بَيْنَكُما.
وإِذا كَمُلَ رَأْسُ الْمَالِ مِمَّا بِعتَ، واشتَرَيتَ كَان الرِّبحُ بَينَكُما عَلَى مَا كُنتُما
تَقاطَعتُما عَليهِ.
وأَمَّا زَكاةُ رَأسِ الْمَالِ، فَعَلَى صَاحِبِ الْمَالَ لَا الْمُضَارِب. وإن أخذت مِن عِندِ أَحدٍ بضاعةً أو عُروضًا، وربحتَ فِي ذَلِكَ؛ فَالرِّيحُ لِرَبِّ الْمَالَ، ولَك أَنتَ قَدر مَا عَانَيْتَ؛ لِأَنْ تِلكَ مُصَارَبَةٌ فَاسِدَةً.
وأَمَّا مَن اتَّجَر بِمَالٍ عِندَهُ أَمَانَة أَو مَالٍ لِيَتِيمٍ فَلا رِيحَ لَه، وهُو ضَامِنٌ لِرَأْسِ الْمَالِ، والْمَالُ ورِبْحُه لِرَبِّهِ، لأَنَّهُ مُتَعَدٌ فيه، وإن حَسبَتَهُ قُرضا، فَذَلِكَ لَيسَ بِقَرض؛ لأَن القَرضَ
لا يَكون إِلا مِن مُقرِضٍ وَمُقْتَرِضَ .. وهُوَ آئِم ضَامِنٌ حَائِنٌ أَمَانَتَهُ.
ومَن اشتَرَى مَالاً بِمَالِ غَيْرِهِ لِرَجُلٍ بِغَيرِ إِذنِهِ، أَو بِأَمَانَةٍ عِندَهُ لِيَتِيم أو غيره، أو لشريك، فذلك الشِّرَاءُ مَردُودٌ إِلَى أَصْحَابِ الْمَالَ: إِن أَرَادُوا أَخِذُوا الْمَالُ مِن الْمُشْتَرِي ورَضُوا به، وإن أرَادُوا من الْمُشْتَرِي أَخذَ الدَّرَاهِمَ الَّتِي أَخذَهَا هُو وَاشْتَرى بِها، وتَرَكُوا الْمَالَ لِلمُشتَرِي، هذا إذا كَانَ الَّذِي لَهُ الْمَالُ مِمَّن يَمْلِك أَمَرَهُ، وإِن كَانَ مِمَّن لا يملك أَمرَهُ فَيُعجِبُنِي أَن يَضمَنَ لَهُ مَا أَخَذَهُ مِن مَالِه، ويُسَلِّمَهُ إِلَى أَحَدٍ مِن الثَّقَاتِ، والْمَالُ لِمَنِ اشْتَرَاهُ. (1/290)
صفحة 291
الدلائل على اللوازم والوسائل
والتاجرُ إِذا كَان يَبيعُ وجَاءَهُ أَحَدٌ يَشْتَرِي مِنهُ مِن عَوامُ النَّاسِ الَّذِينَ لَا يَعرِفُونَ الْمُماكَسَةَ ()، فَيسِيعُ لَهُ مِثل مَا يَبيعُ لِلمُماكس لَهُ؛ لأَنَّهُ لا يجوز له أن يغينه لأَن غَتَهُ
حرام.
وَلَا يَبيعُ لِعَبْدٍ، وَلا يَتِيمٍ، وَلا صَبِيٌّ إِلا عَلى وَجهِ الرِّسالَةِ مِن آبَاءِ الصَّبْيَانِ، وأَولَيَاءِ الأيتام، ومَوَالِي العَبِيدِ فِيمَا تَجرِي بِه العَادَةُ مِنَ الْمُتعَارَفِ فِي ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَم.
1) الْمُماكَسة: من الْمَكس وهو الجباية لغة، ومنها سميت الضريبة التي تؤخذ من البائعين في الأسواق مكـ والمكس: هو النقص، وتماكسا في البيع إذا تشاحًا. والمكس تقوله العرب في الرجلين بينهما نزاع وتجاذب؛ ولعلّ هذا المعنى هو الذي يقصده الْمُؤلف. انظر: معجم ا المصطلحات الفقهية، 343/ 3 - 344. (1/291)
صفحة 292
الدلائل على اللوازم والوسائل
البات
43
في شَيْءٍ مِن ذِكرِ السَّلفِ
وإذا كان عندكَ رَأْسُ مَالِ تَطْلُبُ فِيه الزِّيادَةَ، وأتاك أحدٌ مِن النَّاسِ يُريد أن يَتَسلَّفَ مِنكَ دَرَاهِم بِحَبْ، أو تمر، أو قطنٍ، وَأَردت مَعرِفةٌ ذَلِكَ فَاعلَم شروط السلف:
فإِنْ مِن شروطه - أن يَكونَ وَزِنُ الدَّرَاهِم مَعلومًا، وأَجَلُ السَّلفِ مَعلُومًا، وجنسُ مَا يَتَسَلَّفُ مِنه مَعلُومًا، فَلا بُدَّ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ. وإِن دَفَعتَ إِلَيه شَيْئًا مِن الدَّرَاهِم مَعلومًا، في سن فِي الدَّوابِّ مَعلُوم وصِفَةٍ مَعلُومةٍ جَاز ذَلِك، وكذلِك إِن دَفعت إليه شَيْئًا مِن الدَّرَاهِمِ فِي شَيءٍ مِن الْحَدِيد، أو الصفر) أو الرَّصاصِ، أَو الْعُرُوضِ بِوَزَنٍ مَعْلُومٍ، وصفَةٍ مَعْلُومَةٍ، الْمَعادنِ معروف، إلى أَحلٍ مَعلوم، أو في جنس من القاب
من جنس من
معروف، من جنس مَعلُومٍ بِذرعٍ مَعلُومٍ، مِن طُولٍ وعر صفة معلومة إلى
أَجَلٍ مَعْلُومٍ؛ فَجَائِزٌ ذَلِك. والسَّلفُ جَائِزٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِمَّا فِي أَيدِي النَّاسِ، مِمَّا لا ينقطع من
عِندِهم، عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ مِن شَرطِ الْوَزْنِ والْجِنسِ الْمَعلُومِ، والأَجلِ الْمَعلُوم. ولا يَجوزُ قَبضُه إِلا بَعد حلول الأجل، وقَبضُه مِن بَلَدِ الْمُتَسَلِّف، إِذَا تشاجَرًا في ذلك.
1) الصفر: من جواهر الأرض، يقال: هو النحاس الذي يعمل منه الآنية. انظر: ابن فارس: مقاييس اللغة، 3/ 295. (1/292)
صفحة 293
الدلائل على اللوازم والوسائل
ومَن شَرَطَ قَبضَ السَّلفِ فِي مَكانٍ مَعلُوم انتقض السلف بذلك .. ومن ارتَهَن فِي السَّلفِ انتقض السَّلفُ .. ومَن شرَط في السلف بمكيال فُلان، أو
بمكيال مَعرُوفٍ نَقضَ السَّلف .. ولا يثبت السَّلفُ إِلا بِحُضورِ الدَّرَاهِم ... ومَن أخذَ مِن رَجلٍ دَرَاهِم لِيسلِفَ لَهُ النَّاسُ، فَأَخَذَ مِنها لنفسه وحَسبَهُ سلفًا، فليس ذلك بسلف، بل هو ضمانٌ عَليهِ؛ لأَن السَّلفَ لَا يَكُونُ إِلَّا مِن متسلف ومُسلف، ومَن سَلْف في جنس مِن الأَشياءِ فَلَا يَأْخُذ غَيرَهُ، لَا مَا دُون نه ولا أفضل. ويَجوزُ الكَفِيلُ فِي السَّلفِ إذا كفلَ لِلمُسلِف، وعلى الْمُتَسَلِّف تسليمه إذا حَل أَجله، وجائز لِلكَفِيلِ الرَّهْنُ بِما ضَمِن مِن الْحَقِّ .. وإن ضاعَ الرَّهَنُ فَالْحَقُّ عَلَى الْمُتسَلِّف؛ لأَن الرَّهنَ لَم يكُن فِي يَدِ مَن لَهُ الْحَقُّ، بَل هُو فِي يَدِ
الضامن، فَالسَّلفُ بحَالِهِ، فَلا يذهَبُ الرَّهْنُ بِمَا فِيهِ فِي هَذَا الوَضِعِ. وَلَا يَجوزُ بَيعُ السَّلفِ قَبلَ قَبضِهِ؛ لأَنَّهُ كَمَن بَاعَ مَا لَيسَ مَعَهُ لا قَبلَ أَن يحل ولا بعد حلوله .. وكذلِك تَوليتُه إِن أرادَ الْمُتسلِّف أَن يُوالِي بِه قَبلَ قَبضه مِن صَاحِبِهِ لَمْ يَجُز ذَلِكَ.
ووَجَدتُ - أيضا - اختلافًا في جواز التوليةِ بِالسَّلفِ قبل قبضه وبعد قبضه، وَالله أَعلَم بالأعدل. ومَن سَلْفَ فِي ذُرَةٍ حَمَرَاء، لَم يَأْخُذ ذُرَةٌ بَيضاء، ومن سلَّفَ فِي ذُرَة بَيضاءَ جاز له أَن يَأخُذ عنها حَمراء .. ومَن سَلّفَ بِوَزنٍ فَلا يَأخُذ بِكَيل، ومَن سلْفَ يكيل فلا يأخُذ بِوَزن .. ومَن سَلْفَ بِحَبِّ ولَم يُسَمِّ بِه مِن أَيِّ الأَجْنَاس فَهُو
منتقض.
وإِذا اختلفَ الْمُسَلِف والْمُتَسَلّفَ فِي الوَقتِ الَّذِي يَحِلُّ فِيهِ السَّلَفُ فَالقَولُ قَولُ الْمُسَلِّف، والبَيِّنَةُ عَلَى الْمُسلّف بأنَّهُ لَم يَحلَّ بَعدُ، إِذا أَقرَّ بِهِ الْمُتَسَلِّفُ وَأَنكَرَ حُلولَهُ، (1/293)
صفحة 294
وإن
الدلائل على اللوازم والوسائل
294
سلف إلى أيَّامٍ وَلَم يُبين كم هي، فَلا يَجوزُ حَتَّى يُسمِّي وَقَتًا مَعلُوماً، وإِن سَلْفَ إلى القيظ أو إِلَى الصَّيفِ، أَو إِلَى ثَمَرَةٍ فَفِيه اختلاف: وأجازَهُ بَعض، ونَقَضَهُ بَعضُ. وأقل أجل السَّلفِ: ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ. ولَفظُ السَّلفي: أن يَقُول الْمُسلِفُ لِلمُتَسَلْف: «قَد أَسْلَمْتُكَ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ وهي وكذَا مِثقالاً بكَذا وكذا، من النوع الذي يُريدُ أن يُسَلّفَهُ مِنه مِن حَبِّ أَو تَمرٍ أَو قُطن، الَّذِي
كذا
إلَى مُدَّةٍ كَذَا وَكَذَا شَهْرًا مِن سَنَةِ كَذَا». ومَن كانَ عَليهِ سَلَفٌ لِرَجُلٍ فَاشْتَرَى مِن عِندِ الْمُسلِفِ حَبًّا، ولم يُعلِمهُ أَنَّهُ لِيَقضيه إِيَّاهُ مِمَّا كان عَليهِ لَهُ، فلمَّا اشترَاهُ وقَبَضَهُ مِنهُ وسَلّمَهُ لَهُ عَمَّا عَلَيْهِ لَهُ مِن السَّلْفِ، فقد قِيلَ: إِنَّهُ يَجوزُ لَهُ أَن يَقضيه عَنهُ عَمَّا عَليهِ مِن السَّلفِ ولَو أَعْلَمَهُ أَنَّهُ لِيَقضِيهِ إِيَّاهُ إِذا لَم يَكُن الشّراءُ بِنَسِيئَةٍ بَل بالنَّقدِ. وقُولٌ: يَجوزُ ولَو بِنَسِيئَةٍ. ومِن إِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ: أَنَّهُ لاَ يَجوزُ السَّلفُ في الأصول، ويَجوزُ فِي العُروض على شروطه، والله أعلم. (1/294)
صفحة 295
الدلائل على اللوازم والوسائل
البال
44
فِي الضَّمَانَاتِ ومَا يَلْزَمُ فِيهِ الضَّمَانِ، وَمَا لَا يَلْزَمُ، وفي الإدلال (1)
فإِذَا عَرَفتَ يا أخي - سَلَّمَنَا الله وإياك من الوقوعِ فِي الْمَهالِك - ما يجوز من البيوع وما لا يجوز؛ وعرفت أنواع الْحِرَاثَة، والأكرية،
والإجارات ...
فاعلم أنك قد دَخَلتَ فِي الدُّنْيَا، فَخُذ حذرك من لزوم التبعات، وكُن وَرِعًا هَيُوبًا، غَير مُسارِعٍ إِلَى أَخذِ الأَشياءِ الْمُشتَبِهات، مُتَيقظًا عن دقائق أخذ أَمْوَالِ النَّاسِ فِي جَمِيعِ الْمُعَامَلات .. واحذَر مَظَالِمَ العِبادِ فِي جَمِيع الأوقات، فإن من ظلم، أو أمرَ بِظُلم، أو أعانَ ظَالِما عَلى ظُلمِهِ، فَإِنَّهُ ضامن لِجَمِيع ما تعلقَ عَليهِ، مَأخوذُ بِه فِي الإِثْم والغُرم، ومَن لَم يُعِن عَلَى الظُّلمِ إِلَّا أَنَّهُ رَضِيَ بِهِ كان آثما لرضاه بما لاَ يَجُوز، غَيْرُ ضَامنِ إِلا أَن يَقدِرَ عَلى رَدُّ ذلك الظَّالِم، ولم يردعه، ورضي بفعله؛ فَأَخَافُ عَليهِ الصَّمَانِ. والضمانُ: يَلزَمُ بِفِعل العمدِ والْخَطَأ، إلا أن فِي فِعل العمدِ زِيادَةُ الإِثم، وفِي الْخَطِةِ الضَّمَانُ بِغَيْرِ إِثْمِ ..
وكذلِك الغَلط فيهِ الصَّمَانُ؛ لأَنَّ الْخَطَأَ كُلَّهُ فِي أَموالِ النَّاسِ مَضمُونٌ. ومَن قَاد الأَعْمَى ولَم يُحَدِّرهُ مِمَّا يَراهُ قُدَّام الأَعْمَى، فَأَصابَ الأَعْمَى ذَلِك الشيء الذي رآه القَائِدُ مِن شَيْءٍ مَوضُوعِ فِي طَرِيقه، أو غير ذلك، فَالقَائِدُ
ضامن.
1) الإدلال: من الدلالة، وهو: من باب التعارف والاستئناس الذي يكون بين اثنين حيث لا يتكلف أحدهما ولا يشعران بالحرج فيما بينهما. وسيأتي تعريفه وأمثلته وأحكامه قريبا. (1/295)
صفحة 296
الدلائل على اللوازم والوسائل
ومن حفَرَ بِشرًا فِي طَرِيقٍ مِن طُرقِ الْمُسلِمِينَ، فَإِنَّهُ ضَامِنٌ لِمَا وَقَعَ فِيها وتلفَ مِن
نَفسٍ أَو مَال.
ومَن حفرَ بِمْرًا أَو نَهرًا فِي غَيْرِ حَقَّهُ ضَمِنَ مَا عَطبَ فِيهِ.
ومَن حَفَر ذَلِكَ فِي حَقِّهُ فَلَا ضَمَانَ عَليهِ لأَحدٍ فِيه؛ لأَنَّهُ فَعَل مَا هُو جَائِزٌ لَه .. ومَن حفرَ بِئرًا فِي مَنزِلِهِ، فَدَخَل إِنسَانُ إِلَيهِ بِلا إِذنه، فَوقَعَ فِيها فَلَا شَيْءٍ عَلَى رَبِّ البشر .. وإن هو أدخلَ أَحداً فِي اللَّيلِ والدَّاخِلُ لَهُ لاَ عِلمَ لَهُ بِالبئرِ، أَو أَدخل أَعْمَى،
ولَم يُحَذِّرهم من ذلك؛ فَإِنَّهُ ضَامِنٌ لِما أَصابَهُم مِن سُقوطٍ فِي بِئرٍ، وغَيرِ ذَلِك. وكُن حَذِرًا عَن أَمْوَالِ النَّاسِ فِي جَمِيعِ الْمُعَامَلاتِ واعْلَم فِيمَا يَجْرِي وتَلزَمكَ فِيهِ الضمانات أنه كلما لحقت أحدًا مِن الْخَلق قدر مَا يُؤذيه مِن عَسْفَ بَيَدِك، أو بعصا، أو بِحَدِيدَةٍ، أو بِطَرفِ ظُفر، أو لَكَمتَهُ لَكمَةٌ، أو صدمتَهُ بِشَيْءٍ مِن بَدنِكَ، أَو وَطِئَتَهُ كَانَ ذلِك مِنكَ تَعَمُّدا أو خطأ؛ فَعَلَيكَ الضمانُ لَه عَلَى قَدرِ الأَذَى، ولَم يَزِد العَمدُ عَلَى الْخَطأ في مِثلِ هذَا إِلا الإِثْمَ .. وأمَّا الغُرمُ فَكُلُّه سَواء .. وسَوَاء أَصَبْتَ ذلِكَ
رجلك
برج
بالغا، أو يَتِيما، أو مَجنُونًا، إِلا أَنَّ العَاقِلَ إِن طَابَت نَفسُه، وأَحلَّكَ أَجزَاكَ ذَلِكَ. وأما الضمانُ في مثل هذَا يَختلف؛ لأَنْ مَا يَلْزَمُكَ لِلذَّكَر أَكثَر مِمَّا يَلْزَمُ للأُنثَى، ويَزِيدُ بِالنَّصف؛ وَلَأَنْ مَا يُصِيبُ وَجهَ الإِنسَانِ وَمُقَدَّمَ رَأْسِهِ أَكثَرُ مِن بَقِيَّةِ جَسَدِهِ. ولاختلافِ الضَّرر تَختَلِفُ أَحكَامُه؛ لأَنْ مَا يَخرُج لَهُ دَمٌ ضَمَانُه أَكثَرُ مِمَّا لَا يَخرُج
لَهُ دَمٌ، وَضَمَانُ مَا أَثْرَ فِي الْجَسَدِ أَكثَرُ مِمَّا لَا أَثَر لَهُ، إِلَّا الوَجَعَ. وأمَّا إِن أَصَبْتَ أحدًا بَيَدِك أو غَيرها مِمَّا لا يُولِم، فَلاَ ضَمَانَ عَليكَ فِيه .. وأمَّا إِن أَصَبْتَ بِمَا ذَكرَتْ لَك عَبدًا، أَو دَابَّةٌ، فَالضَّمانُ عَليكَ لِرَبِّهِما قَدرَ مَا نقص مِن قيمتهما، وإن لم ينقص ذَلِكَ من قيمتها، وكان ذلِك عَمدًا منك بما يُؤلِم العبدَ؛ فَيُعجِبُنِي أَن تَستَرضِي سَيِّدَهُ .. وكَذلِك الدَّابَّةُ إذا تَعَدَّيتَ فِي سَوقِكَ لَهَا عَمَّا اعْتَادَه النَّاسُ، وتُبْ إِلَى اللَّهِ مِن فِعلِك. (1/296)
صفحة 297
2975
الدلائل على اللوازم والوسائل
وأَمَّا مَا أَتلَفتَهُ مِن جَمِيعِ أَموالِ النَّاسِ مِن يَتِيمِ أَو بَالِغ، أو مَجنُونٍ، أَو عَاقلٍ، أَو مَالِ مسجد، أو غائب أَو حَاضِرٍ بِخَطأ، أو عَمدٍ مِن زَرعٍ وَطِئَتَهُ بِرِجلِك فَضاعَ، أَو جِدَارٍ تَسَوَّرَتَهُ بِيَدِكَ فَسَقَطَ، أو نَهْرٍ دَخَلَتْهُ فَفَاضَ مَاؤُه وتَلفَ مِن أَجلِكَ، وَلَم يَكُن ذَلِكَ مُتَعَارَفاً إباحته عِندَ أَهل بلدك .. ومِن ثَمَرَةٍ فِي نَحْلَةٍ أَو شَجَرَةٍ مُدركَةٍ، أَو غَيرِ مُدركَةٍ، تَلَف مِنهَا شيء بِسَبك من أخذ، أو قبض، أو فعل حَطَا، كُنتَ أَكَلتَ ذَلِكَ أَو لَم تَاكُله. وكَذَلِكَ مَا أَرَقْتَهُ مِن أَيدِي النَّاسِ مِن حَلٌّ عِندَ وَزَنٍ، ومِن حَبِّ عِندَ كَيلٍ، ومِن كَسرِ آنية عند مناولة، ومِن شَرخ ثَوبٍ عِند ذرع)، فَكُلُّ هَذَا عَلَيْكَ ضَمَانُهِ، وَكُلِّ شَيْءٍ عَلَى
وكذلك ما أصبت أحدًا بِعَينِكَ مِن قِبَلِ فَرَحٍ، أَو حَسَدٍ، إِذا كُنتَ قد عرفت نَفسَك بذلك مِن قَبْلُ؛ فَعَلَيْكَ ضَمَانُ مَا أَصَبْتَ مِن مَالِ، أَو نَفسٍ، أَو بَهِيمَة. وإن ألقيت في الطَّرِيقِ الْحَائِزِ شَوكا، أو نَارًا، فَأَصابَ أَحَدًا بِهِ فَعَلَيْكَ ضمانُ مَا أَصابَ من ذلك .. وكذلك إن أَلقَيتَهُ فِي غَير حَقَّكَ فَأصابَ أحدًا، أَو أَتلَفَ مَالاً فَأَنتَ له ضَامِنٌ، إلا أن تكون [قد] أوريتَ النَّارَ فِي أَرضك، فَحَمَلتهَا الرِّيحُ إِلَى غَيْرِ حَقِّكَ، فَلَا ضَمَانَ عَليكَ مِمَّا حَمَلَتهُ الرِّيحُ.
مسائل الإدلال]
وجَائِز لك عَلى التَّعارُفِ والعَادَةِ الْجَارِيَة بَيْنَ النَّاسِ وَغَلَبَة الظَّنِّ، وطُمَانِينَة القَلبِ، إذا تزوجت امرأَةٌ لا تعرفها، وزُفّت إِلَيكَ عِند الدخول بها أَن تَطَأَهَا؛ لأَنْ هَذَا مِمَّا يَعرِفُهُ النَّاسُ فيما بينهم .. ولَو كَانَ الرَّجُل أَعْمَى وتَزوَّجَ امْرَأَةٌ وزُفّت إِلَيْهِ لَيْلَةَ الدُّخولِ، فَجَائِزٌ لَهُ وَطَوْهَا
على الاطمئنانة، وسكون النفس.
1) أي: عند قياسه بالذراع. (1/297)
صفحة 298
الدلائل على اللوازم والوسائل
وكذلك جائز لك إذا جئت إلى تاجر لِتَشتَرِيَ مِنهُ زَعفرانا أو غيره، فبايعك وجعل لك الزعفرانَ فِي قِرطَاسٍ مِن عِندِه وحَزَمَهُ بِخُيوط – أيضا –، فَلا شَكٍّ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ حَلالٌ
لك.
-
كان
وكذلك إذَا دَعَاكَ أَحدٌ إِلَى طَعَامٍ وَقَرَبَهُ إِليكَ، جَازَ لَكَ أَن تَأْكُلَ مِنْهُ ولَو لَم يَأْمُرُكَ. وكذلك إن أخذت شَيْئًا مِن مَالِ مَن تَدُلُّ عَليهِ مِن أخ في الدين، أو قريب في النَّسَبِ، أَو صَدِيقٍ، إن احتجتَ إِلَى شَيءٍ مِن أَخذ مَالِهِ القليل، الذي لا تُحرِجُ به نفسه، وعِندَك أنه يسُرُّهُ ذَلِك .. وإِن لَم تَأخُذ رُبَّمَا لا تَطِيبُ نَفْسُهُ بِتَركِكَ مِثل ذلك. ومِن شَرطِه: إِن لَقِيَك وأَنتَ تَأخُذ مِن مَالِهِ لا تَستَوحِش مِنْهُ وَلَا تَستَحِي، فَإِذَا على هذا فَلا بَأسَ عَليكَ - إِن شَاءَ اللهُ، مَا لَم يَخرُج إِلَى أَحَدٍ مَا لَا تَطِيبُ بِهِ النَّفْسُ. ولا يَجوزُ الإدلالُ عَلَى الْمَرِيض وَلَا عَلى اليتيم، وَلاَ عَلَى الْمَجْنُونِ، وَلَا عَلَى الْغَائِبِ. وأما إذا أَتلَفتَ عَلى أَحدٍ مَالاً أَو حَيَوَانا، أو عروضا، فعليكَ أَن تُرضِيَ رَبَّ ذَلِكَ الشَّيء؛ إِمَّا بِرَدِّ مَا أَتلَفتَه، إن أدرَكتَهُ، ولَو بأكثَرَ مِن ثَمنه إِن كُنتَ أَنتَ بعتَهُ، وهُو بَعدُ بَاقٍ فِي يَدِ الْمُشتَرِي، فَعَليكَ فِكَاكه بِمَا قَدَرتَ ورَدُّه إِلَى صاحبه؛ وإِن لَم تُدرِكَهُ بِأَن بِشَيْءٍ مِن وُجوهِ الذَّهاب الذي لا يُرجَى، وَوَجَدتَ لَهُ مَثَلاً فَرُدَّ مِثله فِي أَصله أو
قيمته، وإِن لَم تُدرِك مِثْلَهُ فَرُدَّ قِيمَته يَومَ أَخَذْتَهُ، ولَو كَانَت قِيمَتُه يَوم الخلاص أنقص .. وأَمَّا إِن أَردتَ قِيمَتَه يَومَ الْخَلاصِ، فَإِن زَادَت القِيمَةُ بِغَلَاءِ السِّعِرِ، فَيُعجِبْنا أَن تَتَخَلَّص بِقِيمَتِه في ذلك اليوم. وإن كانت قيمته زَادَت بِما زَادَ فِيهِ الْمُشْتَرِي مِن دَابَّةٍ عَلَفَهَا، أَو مَالِ عَمَره؛ فَيُعجِبُنِي أَلا يَكُونَ عَليكَ إِلَّا ثَمَنه الأَوَّلُ. وكُلُّ مَا تعلّق عَلَيكَ مِنَ التَّبِعاتِ، ولَم تَعرِف ذَلِكَ لِمَن هو، ولم تَرجُ لَهُ عِلمًا مِن أحدٍ يُخبرُكَ بِذلِك؛ فَيُعجبني أن تَخَلّص مِنْهُ إِلَى فُقَرَاء تِلكَ القَرْيَةِ التِي لَزِمَتكَ مِنهَا، أَومِن
أهلها .. وإِن شَقَّ عَليكَ ذَلِكَ، فَتَخلَّص مِن ذَلِكَ إِلَى فُقَرَاءِ بَلَدِكَ الذِي تسكنه. (1/298)
صفحة 299
الدلائل على اللوازم والوسائل
وإن عجزت عَن تَسلِيمٍ ذَلِك مِن قِلَّةِ مَا يَدِك، أو لم تقدر على تسليم ذلِكَ، فَيَجُوزُ لَكَ عَلى قَولٍ أَن تُبرِئَ نَفْسَكَ مِن تِلك التبعة من أجل فرك، وقُل: «قد أبرأتُ نَفْسِي مِن كُلِّ حَقٌّ، وضَمَانٍ لَرْمنِي لِمَن لا أَعرِفُه، صدقةٌ عَن رَبِّه، وخلاصًا لِنَفْسِي».
فضل: [في الاستحلال، والضَّمان]
ولَفظُ الْحِلّ: إذَا أَرَدتَ أَن تَستَحِلَّ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ مِمَّا ضَمِنتَهُ، له: «كذا يا فلان، قد جعلتني فِي حِلٌ وَسعةٍ مِن كُلِّ مَا تَعَلَّقَ عَلَيَّ لَك مِن جميع الحقوقِ، مِن قَلِيلٍ أو كثير؟! نعم؟!»، فإذا قَالَ: «نعم»، ثبت البآنُ إِن شَاء اللَّهُ، فِيمَا بَينَك وبَينَ اللَّهِ، وَأَمَّا فِي الْحُكمِ فَحَتَّى تَقُولَ: «قَد قَبِلتُ». وأمَّا مَن أَطلَعَ صَبِيًّا أَو عَبْدًا نَحْلَةً، أو اسْتَعْمَلَها بِشَيْءٍ غَير ذَلِكَ مِن غَيرِ إذن والد الصَّبِيِّ، وغَير إذنِ مَولَى العَبدِ، فَهُو ضَامِنٌ لِما لَحِقَهُما مِن سُقُوط. النَّحْلَةِ أَو غَير ذَلِك .. وإِن أَطلَعَ عَاقلاً بَالغًا لَم يَضمَن.
من
وإِن سَقط طَالِعُ النَّحْلَةِ عَلى أَحدٍ فَقَتلَهُ، أَو لَحِقَهُ منه ضَرر، فإن كان الطَّالِعُ وإن كَانَ الطَّالِعُ مُتَعَدِّيا، والمَسقُوطُ
رَبِّ النَّحْلَةِ، أَو أَحَدٌ بإذنه لَم يَلْزَمَهُ شَيْءٌ، عَليهِ غَير مُتَعَدٌ، فَفِيمَا عِندِي أَنْ عَلَى السَّاقِط الضَّمَانُ.
وإِن دَفَر (1) رَجُلٌ رَجُلاً، فَصَرَعَ الْمَدْفُورُ عَلَى آخَر فَقَتَلَهُ؛ فَإِنْ الدَّافِرَ ضَامِنٌ
لَهُما جَمِيعًا، وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمَدفُورِ الْأَوَّلِ لأَنَّهُ مَعْلُوبٌ.
1) الدفر: هو الدفع بقوة وشدة. (1/299)
صفحة 300
الدلائل على اللوازم والوسائل
ومَن وَضعَ فِي شَيْءٍ مِن الطُّرُقِ الْجَوايز (1) أو غَيرِ الْجَوابِرُ، بِلا رَأَي أَربَابِهِنَّ حَجَرًا، أو مَدرًا، أو غَيْرُه، فَعَثَر به أحدٌ؛ فَالضَّمانُ عَلى الذِي وَضعَ الْحَجَرَ بِقَدرِ مَا أُصِيبَ الذِي عَثَر .. وإن وضَعَ فِي الطَّرِيقِ نارًا، فَأَصَابَت نَفسا، أو
مَالاً فَإِنَّهُ يَضمَن.
وإن قعد رَجلٌ فِي الطَّرِيقِ مِن غَيْرِ عُدْرٍ، فَعَشرَ بِهِ أَحد فَأَصَابَهُ وَجِعٌ فَإِنَّهُ يَضمَنِ؛ إِلَّا
أَن يَتعَمَّدَ الذِي عَثَرَ عَلى وَطءِ ذَلِكَ الشَّيءِ مِن غَيْرِ عُذرٍ، بَل باختِيَارٍ مِنه .. وكذلِك مَن وَضعَ فِي الطَّرِيقِ مَتَاعًا، أو غَيره، فإِنَّهُ يَضمَنُ لِمَنْ أَصَابَهُ مِنْهُ أَذًى،
ويلزمه لربه الضمان.
وإِذا التَقَى إِنسَانَانِ مَاشِيَانِ فِي طَرِيقِ، جَاء كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُما مِن جَهَةٍ فَتَصادَمَا، فَكُلُّ واحدٍ مِنهُما يَضمنُ لِصاحِبه مَا لَحِقَهُ مِنه .. وإن صَدَم أحدهما الآخر، والآخر لم يصدمه؛ فَالضَّمَانُ عَلَى الصَّادِمِ وَحدَه.
ومن أشرعَ جدعًا أو خَشَبَةٌ مِن بَيْتِهِ إِلَى الطَّرِيقِ الْجَاهِزِ، فَهُو ضَامِنٌ لِمَا لَحِقَ النَّاسَ، مِمَّا أَخْرَجَهُ مِن الْجذع أَو غَيْرِه.
ومَن قَادَ إِبلاً فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ ضَمِن مَا أَصابَت بِمَقدَمِها مِن ذَلِكَ. ومَن رَكِب دَابَّةٌ وقَادَهَا آخَرٌ فَأَصَابَ أحدًا بقدمها، فالقَائِدُ والرَّاكِب والسَّائِق كلهم يَضمنون، لِما أَصابَت تِلكَ الدَّابَّة.
وإِن كَبَحَ الرَّاكِبُ الدَّابَّةَ، فَرجَعَت الدَّابَّةُ مُتَأَخَّرَةٌ، فَأَصَابَت بِمُؤَخِّرِها شَيْئًا، فَإِن ذَلِكَ من فعل الرَّاكِب، وعَليهِ الضَّمان.
ومَن أمَالَ جِدارا لَهُ عَلى طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ فَوقَع، فَصَرَعَ أَحَدًا لَم يَضمَن، إِلَّا أَن يُتقَدَّمَ عَليهِ فِي صَرفه فلم يصرفهُ، وَكَانَ مَخُوفًا، فَإِنَّهُ يَضمَن.
1) الجوائز:: و نعت للطرق التي يمر الناس فيها، وهي الطرق العامة. (1/300)
صفحة 301
الدلائل على اللوازم والوسائل
ومَن أَخذَ طُفَالَةٌ) مِن جِدَارِ رَجُلٍ، أَو لَزِمَهُ تَبِعَتُه مِن ذَلِكَ الْجِدَارِ، فَإِنْ لَهُ يُصلِحَ فِي ذَلِكَ الْجِدارِ قَدرَ مَا عَلَيْهِ مِمَّا أَضرَّ بِه مِن طِينٍ أَو غَيرِه يَجْعَلهُ فيه .. وأمَّا إِن أَخَر ذَلِكَ حَتَّى خَرِبَ الْجِدَارُ، ثُمَّ عَمَّرَهُ مَرَّةٌ ثَانِيَةً فَلَا يُجْزِيه ذلِكَ، بَل يَتَخلُصُ مِمَّا عَلَيهِ إِلَى رَبِّ الْجِدَارِ. وكذلك مَن أخذَ تُرابًا مِن أَرضِ رَجُلٍ، أَنه يُجزِيهِ أَن يَرُدُّ فِي تِلكَ الأَرضِ تُرابا مِن غَيرها، مِثلَ مَا أَخذَ مِنهَا، إلا أن يَكُونَ حَمْلُ التُراب صَلاحًا لها، والكيس (2) ضرراً عَلَيْهَا، وَلاَ يَرضَاهُ رَبُّهَا، فَيُعجِبُنِي أَن يَتَخَلَّص بِثَمَنِ ذَلِك التراب، إن كان التُّرابُ هُناكَ لَهُ قِيمَةٌ فِي مَكانِ ذَلِك، وإِن لَم يَكُن لَهُ قِيمَةٌ لَم أَر عَلَيْهِ ضَمَانًا، وَاللَّهُ أَعْلَم. وأَمَّا مَن أَخذَ حَصَى مِن أَمْوَالِ النَّاسِ، وأراضيهِم فَإِن كَانَ ذَلِكَ لا يَضُرُّ رَدُّهُ فِي أَرضِهِم رَدَّهُ مِن حَيثُ أَخَذَهُ، وَلَا عَلَيْهِ غَيْرُ ذَلِك .. وإن كان في تركه ضررٌ على الأرض والأَمْوَالِ، فَلا يَرُدّه فِيهَا بَل يَرُدُّه عَلَى أَرْبَابِ الأَمْوَالِ إِن كَانَ لَهُ قِيمَةٌ؛ فَإِن لَم يَكُن لَهُ قِيمَةٌ فَلَا بَأْسَ عَليهِ فِي أَحَدِهِ.
ويَجُوزُ الانتِفَاعُ مِن الأَنْهَارِ الْجَارِيَةِ بِغَيرِ رَأي أَربَابِها، مثل: سَقي الدَّوَاب بِلا ضَرَرٍ، والضَّرَرُ: إِن كَانَ الفَلَجُ صَغِيرًا أو يَنقَطِعُ بذلك، أو يَقصُر عن سقيه)، فَيَجُوزُ الشُّربُ مِنها، وحَملُ الْمَاءِ لِعَمَلِ الطَّعَامِ وللحل، ولغسل النَّجاسَةِ، ولاطفَاءِ الْحَرِيقِ مِنَ النَّارِ، إِذا لَم يُمكِن إِلَّا بِذَلِكَ يُحمَلُ مِنهُ وَلَا
يكسر.
(1) الطفالة هي اللبنة، أو الطين اليابس.
(الكَيْسُ: هو مَلءُ الْمَواضع كالآبار والأفلاج وغيرها بالتراب والرمل وضمه. (1/301)
صفحة 302
الدلائل على اللوازم والوسائل
وَلَا يَجوزُ أَن يُحمَلَ مِنهُ لِغَسلِ التَّمْرِ لِلنَّصْدِ)، وَلَا لِنَصْحِ البُيوتِ .. وجَائِزٌ لِتَطْهِيرِ العيابِ مِن الفَلَج؛ لَكِن إِذَا أرادَ الْمُطهِّرُ عَصر الثّوبِ فَلا يَعصِرُه إِلَّا فِي الفَلَج، وإِن لَم يَعصِرهُ أَبَدًا فَلَا بَأْسَ عَلَيهِ.
وجَائِرٌ أَيضًا الشربُ مِن الزَّاجرة ((بغير إذنِ أَهلِها، ويُتوَضَأُ مِنها للفَرِيضة بغَيرِ إِذنٍ أيضا. وقِيلَ: لاَ يَجوزُ الشُّربُ إِلا بإذن. وأمَّا سَقي الدَّوَابِّ، وَحَمَلُ الْمَاءِ فَلَا يَجُوزُ إِلَّا بإذن، إِلا أَن يَكُونَ مُتعَارَفًا فِي شَيْءٍ مِن الأَمكِنَةِ أَنَّهُم جَمِيعًا لَا يُمَانِعُون فِي ذَلِكَ، وإِن مَنعَ أَحدٌ مِنهُم فَحُكمُ الكُلِّ عَلَى الْمَنعِ، إِلَّا مَن طَابَت نَفَسُه.
وكذلِك إِن كَانَ فِي شَيْءٍ مِن الأَمكِنَةِ عِندَهُم إِبَاحَةٌ بِشَيْءٍ يَعرِفُونَ ذَلِكَ، لَا يَمنَعهُ أحد منهم أبدا، مثل الانتِفَاعِ مِن ثَمَرَةٍ شَجَرَةِ اللُّومِي)، ونَبَاتِ النَّحْلِ مِن الفُحولِ، والخلال مِن النَّخلِ، وَالتِّين من الزروع، والقصب، وجَمِيعِ مَا جَرَت بِهِ عَادَتُهم؛ فَجَائِزٌ لَهُم الانتفاع بما ذَكَرْتُ عَلَى شَرِطٍ مَا وَصَفت. وإن أخذ أحدٌ مِن مَاءِ الزَّاجِرَةِ بِغَيْرِ إِذنٍ مِنَ الزَّاحِر، وبِغَيرِ تَعارُفِ وَلَا إِدلال، فيتخلص إِلَى الزَّاجِرِ، كَانَ الزَّاحِرُ صَبَيًّا أَو بَالِغاً.
وأَمَّا مَن جَاءَ إِلَى بِئرٍ واحتَاجَ إِلَى، شراب، أو وضوء، ووَجَدَ عَليهَا دَلوا وحِبالاً، ولَم يجد عليها أحدًا، فَاستَعمَلَها لِحَاجَتِه، ففيما عِندِي أَنِّى حَفِظْتُ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيهِ، إِذا لم يُحدِث ضَررًا عَلَى الدَّلو والْحِبَال.
ومَن أَفزَعَ أحدًا بِشَيْءٍ مَا، مِمَّا يُرَوِّعُه - وهُو كَاذِبٌ – فَلَحِقَهُ ضَرَرٌ فَهُو ضَامِنٌ لِما أَصابَهُ .. ومثل ذلكَ مَن لقي أحدًا طَالعًا نَخلةٌ، فقالَ لَه: «أَتاكَ القومُ، أَو الرِّيحُ،
(1
النضد: هو وضع أجربة التمر بعضها فوق بعض للتخزين.
(2) الزاجرة هي البئر التي يرفع منها الماء بآلة يديرها حيوان كالثور وغيره. 3) شجرة اللومي: هي شجرة الليمون في العرف العماني. (1/302)
صفحة 303
الدلائل على اللوازم والوسائل
أو النَّار»، وأمثالُ هَذا؛ وأمَّا إن كان ما قال لهُ حَقًّا فَسَقَط فَلا ضَمَانٍ عَلَى مِثل مَا
قالَ، وَلَا بَأسَ عَليهِ.
ومَن وَجدَ لِصًا يَسرِقُ نَحْلَةً، فَأَفزَعَهُ بِشيءٍ فَسَقَط، فَلَا ضَمَان عَلَى رَبِّ النَّحْلَةِ؛ لأَنْ
الْمَفرُوع مُتَعَدٌ. (1/303)
صفحة 304
الدلائل على اللوازم والوسائل
البات
45
في
اللقطة، وما جاءَ فِيها
فإذا عَرَفتَ بَعض مَا يَلزَمُ مِن الصَّمانَاتِ وأشباهها، فَلَا تُهمِل عِلمَ حُكم اللُّقَطَةِ، فَإِنَّكَ رُبَّما احتجت إِلَيهِ لِنفسك، أو لِغَيرِك.
واعلَم أَنَّ مِنَ الوَاجِب عَلَى الإِنسَانِ حِفظَ مَالِ أَخِيهِ، إِذَا وَجَدَهُ فِي مَكَانٍ يَخَافُ عَليهِ التَّلفَ، فَلا يَدعُه يَتلَفُ وهُو قَادِر على حفظه. فَانظُر لَو ذَهَبَ لَك شَيْءٌ مِنَ الْمَالِ، ولَقِيهُ أَحدٌ مِن إِخْوَانِكَ، وقدرَ عَليهِ، ولَم
يحفظه لك حَتَّى تَلف، أما كُنتَ تَعُدُّ ذَلِك جَفَاء مِنْهُ؟ فَكَذَلِك هو. فإذا وجدت شَيْئاً مِن ذَهب، أو فِضَّةٍ، أو صُفْر، أو متاع، أو ثِيَاب، أو آنيةٍ في طريق، أو في مكانٍ لاَ يُؤمَن عَلَيهِ مِن النَّاسِ، ولَم يَحضُر هُنَاكَ أَحدٌ غَيْرُكَ مِنَ البَشَرِ، فإن حفظتها مُحتَسِبًا لِرَبِّهَا، فَمَأجُورٌ إِن شاءَ اللهُ، وإن تَرَكتَهَا حَوفًا مِن تَبِعَتِها فَمَعذُورٌ. وأمَّا إِن كَانَ نظَرُكَ لَها بِحُضورٍ أَحدٍ مِن النَّاسِ غَيْرِ الْمَأْمُونِين فَلَا تَدعَهَا؛ لئلا يَأخُذَها من لا يُؤْمَن عَليها، ويَذهَبَ بها عَن رَبِّها. فإِذَا وَجَدت النُّقَطَةَ وقَبَضَتَهَا فَانظُرهَا، فإن لم تجد لَهَا عَلَامَةٌ تُعرَفُ بِهَا صِفَتُهَا مِن وكاء، أو خيط، أو شيءٍ مِمَّا يَتمَيَّرُ بصفتِه تِلكَ اللُّقَطَة مِن غَيْرِهَا، حَتَّى إِذَا قُلتَ إِنَّكَ وَجَدت القطة، فَادَّعاهَا أَحدٌ، فَقُل لَهُ يَصِفُها بصفَةٍ تُعرف بها مِن غَيْرِها .. فإِن لَم تَجِد لَها عَلامَة فَلَا يَلْزَمُكَ أَن تُشدِيَ بها، بل ادفَعهَا فِي الْحَالِ لِلْفُقَرَاءِ، أَو لِبَيتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَيِّ اللُّقَط كَانَت. (1/304)
صفحة 305
الدلائل على اللوازم والوسائل
وأَمَّا إن وجدت لَها عَلامَةٌ لِيَصِفَها مَن تكُونُ لَه، فشَادَ بِها، ومَعنَى الْمُشادَاة: أَن تُظهِرَ عِندَ لِقاءِ النَّاسِ، وعِندَ اجتماعِهِم أَنَّكَ وَجَدت لقطة، ولا تسم بعلامتِها فَيَدَّعيها مَن لَيسَت لَه).
إِلَيْهِ،
والْمُشادَاةُ عَلى قدر اللقطة؛ فإن كَانَت قيمتها قدر الدرهم، والدرهم صَرَفُهُ يَزِيدُ عَلى نصف لاريَةٍ قَليلاً، بمثل ربع شاحة أو يزيد قليلاً، فإذا كانت كَذلِك عَرَفَهَا شَهرًا، فإذا جَاءَ أَحدٌ بِعَلامَتِها قَبلَ تَمَامِ الشَّهْرِ فَسَلَّمَهَا وإن لم يجى أحدٌ بعلامتِها إلى تمام الشهرِ فَادْفَعَهَا لِلْفُقَرَاءِ، أَو لِبَيتِ الْمَالِ فِي زَمَنِ العَدلِ، وإِن شئت تركتها عِندكَ أَمانَةٌ مَحفُوظة. وإن كُنتَ أَنتَ فَقِيرًا، فعلَى قَولٍ يَجوزُ لَك أَخذها لنفسك، والذي أُحِبُّه اللقطَةِ أَن تُدفَعَ لِبَيتِ مَالِ الْمُسلِمِينَ لِلقَائِم بِذَلِك من العدل، من إمام، أو وَالٍ، أو بأمرٍ مِنهُما، ثُمَّ تُدفَعُ مِن بَعدُ لِلْفُقَرَاءِ؛ فَإِنْ ذَلِك أَحوَطُ، لِتَجمع بينَ
القولين.
وإن
كانت اللُّقَطَةُ تَسوَى دِرهَمَين عَرَّفْتَها شهرين، فإن لم ياتِ أَحدٌ بعلامتِها، وإِلا فَادْفَعهَا حَيثُ وَصَفَتُ لَك. وإن كانت قيمتها مِن ثَلاثَةِ دَرَاهِم فَصاعِدًا، فعرفهَا سَنةٌ، وَقَولٌ: تُعَرَّفُ سَنةٌ
قلت أو كثرت. وقُولٌ: تُعَرَّفُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ قَلْت أَو كَثُرَت.
ويُعجِبُنِي أَن يَعتبر اللاقِطُ اللُّقَطَةَ، فَإِن كَانَت تَبْلُغَ مِن تَعرِيفِه لَها بِحَيثُ لَا يَرْجُو لَها طَالِبًا في مثل الطرق الجوايز في الخوارج، فأبعد ألا يُرجى لها
طالب.
وإن كانت في الأسواق، والبلدانِ الواسعة، فلا تعجل عليها، وخاصة إن كانت اللقطَةٌ جَلِيلَةٌ كَثِيرَةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَم. (1/305)
صفحة 306
الدلائل على اللوازم والوسائل
وإن وجدت اللُّقَطةَ ولَم تأخذها، وأخذَها غَيرُك بعدما وقفت أنتَ عَليهـ مِمَّن لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهَا، فَأَخَافُ عَليكَ ضمانها، إلا أَن تَعلَمَ أَنَّها وَصلَت إِلَى
رَبِّها - إن صح لَها رَبِّ، أَو رَجَعَت إِلى الفُقَرَاءِ بَعد اليَأْسِ مِن مَعرِفَةِ رَبِّهَا. وأَمَّا إِن لَقطَهَا ثِقَةٌ، فَلا بَأسَ عَليكَ فِي تَركِكَ إيَّاها، ولا يَتعلّقُ عَليكَ شَيء
مِمَّا ذكرتُه فِي أَخذِ غَيرِ الثَّقَة إِذَا أَخبَركَ أَنَّهُ أَنفَذَهَا فِي الوَجهِ الْجَائِز. وأمَّا مَن وَجدَ اللُّقطة فأخذها لنفسه مُتعدِّيا، ثُمَّ أَرادَ الْخِلاصَ فَعَليهِ ضمائها، وإن صح لَها رَبِّ سَلْمَهَا إِلَيه، وإِن لَم يَصِحَ لَها ربُّ دَفعَها لِلفقراء، وأوصى لربها بمثلها مِن مالِهِ إِن صَحْ لَها رَبِّ، إلا أن تطيب نَفسُ رَبِّها لَهُ
بفعله ذلك ..
وأمَّا مَن وجدَ مِثل الشيء الْحَقِير فِي طَرِيقه، أو في مكانٍ مُباح مثل الذي لا يَرجِعُ إِليهِ رَبُّه، ولا يطلبه، ولا تُحرجُ نَفسه به لِحَقارته، مثل النمرة، والسنبلة، والسير)، والعَصَى، وشوبِ النَّبقِ، وأَمْثَالِ هَذَا، فَلا شَيء عَلَى من
لقطه
ومَن ادَّعَى اللَّقَطةَ ولَم يَأْتِ لَها بِعَلامَةٍ، أَو صِفَةٍ تُعرَفُ بها، فَلَا يُقبَلُ مِنهُ، وَلَا تُدفَعُ إِلَيْهِ.
اللقطة.
ومَن وَجدَ لُقَطَةٌ فِي مَنزِلِ قَومٍ، فَلَا يَتعرَّضُ لَها، وإِن تَعَرَّضَ لَها رَدَّهَا! لحكمِ اليَدِ إِلا أَن يُنكِرُوا ويَقُولُوا: إِنَّهَا لَيسَت لَهُم، فَيَرُدّهَا إِلَى حُكمِ وأمَّا إِن وَجدَ فِي مَنزِل قَومٍ دَرَاهِم غَامِضَة فِي الأَرضِ، فإنَّها لُقَطَةٌ، إلا أن
يَصِحٌ أَنَّها لأَهلِ ذَلِكَ الْمَنزِل. وقِيلَ: هِي لَآخِرِ مَن سَكَنَ ذَلِكَ الْمَتِزِل. وأمَّا مَن لَقَطَ مِن أَرضِ قَومٍ لُقَطَةً، فهي لقطة أمانة، وليست لأرباب
الأرض.
1) السير: هو الحزام الذي يحيط بالخصر. (1/306)
صفحة 307
الدلائل على اللوازم والوسائل
وكذلك إن وجد دَفِينًا فِي أَرضِ مَربُوبَةٍ، أَو غَيْرَ مَربُوبَةٍ فَهُو لُقَطَة. ومَن لَقَط كَرًا جَاهِليَّا فِي أَرضِ قَومٍ أو أَرض فَلَاةٍ فَهُو لِمَن لقَطَهُ، ويُخرِجُ مِنهُ الْحُمُسِ لِلْفُقَرَاءِ، وعَلَامَةُ الْجاهِلِيَّة: أَن تَكُونَ عَليهِ عَلامَتُهم من الأصنام وغيرِها مِمَّا لَا يُعرَفُ عِند غَيْرِهم). ولا بَأسَ عَلى مَن لَقَط السُّنْبُلَ مِن الأَرضِ الْمَرْرُوعَةِ - مِن الفُقَرَاءِ -، بَعدَمَا يَتركه أهلُ الزَّرْعِ تَرَكاً لا يعودون إليه، ولا يُرِيدُونَه .. وكذلك لقط الْحَبِّ مِن مَوضع الدياس من الجنانير، وبعدما يُقَدِّمُ أَهلُ الزَّرعِ حَبَّهُم، ويَذهَبُونَ عَنهُ بَعدَ الكيل. وكذلك لقط السَّمرِ بَعد الْحِذاذ، وبعدما يَحمِلُ أَهلُ النَّحْلِ تَمرَهُم، وَلاَ يرجعُونَ لِمِثلِ ذَلِك [سَواء] كانَ فِي أَرَاضِي النَّحْلِ أَو في النحل فوق كريها، أو زورها (2) .. هذا إذا كانت الأموالُ غَير مَحصُونَةٍ .. أمَّا الْمَحصُونَةُ التِي يَسكُنُها أَهلُها، ويَكُونُ عَليها جدارٌ وقُفل، لا يجوز أخذ ذلك منها؛ لأنهم رُبَّما تَرَكُوا أشياء، ليرجعوا إليها، لأمنهم مِن الدَّاخِل عَليهِم. ولا يَجوزُ لَقطُ السَّمادِ مِن أَراضِ النَّاسِ، مِمَّا تُلقِيهِ الدَّوابُ، أَو مِمَّا يَطْرَحُه السَّيلُ؛ لأن ذلِك مِمَّا يُصلِحُ الأَرضَ، ولا تسمحُ نَفسُ رَبِّ الأَرضِ بِه، وهو مِمَّا كَسَبَتْهُ الأَرض.
وأمَّا لَقطُ الدَّمرِ مِن أَمْوَالِ النَّاسِ فِي غَيرِ يَومِ الحِدَانِ، فَفِيمَا يُعجِبُنِي أن لا يجوز ذلك، ولو لَم يَكُن مِن رِيحٍ، ولا مِن نَقْبِ طير، إلا أن يكون في مكان
1) أي: (وجد شيئًا مدفونا ككثر وغيره في الأرض التي لَها رَبِّ يَملكها، أي: المملوكة لصاحبها. (2) الكرب: الجزء السفلي يكسو الجذع، وهو أصل السعفة الغليظ العريض. انظر: العين، (كرب). بتصرف والزور: هو الحريد، أي: سعف النخل. (1/307)
صفحة 308
الدلائل على اللوازم والوسائل
لا يتمانَعُون ذلك أبدًا، وَلا يتعاهدُونَهُ، أو مَن صحَ مِنه مثل ذلك؛ لأنا اختبرنا أهل هذا الزَّمان، فوجَدْنَاهُم حِرَاصًا عَلى الدُّنيا، لا يسمحون بِشَيء إلا من شاء الله، وهم قليل. وكذلك حَطبُ النَّخلِ مِن الأَمْوَالِ الْمَحصُونة لا يجوز .. ومن غير الْمَحصُونة فيُعجبني فيه أن لا يحلّ أخذه إلا مِمَّن طَابَت نفسه بذلك، أو يصح فيه تعارف فِي شَيءٍ مِن الأمكنة والإباحة؛ لأنَّهُ مَالٌ .. ولا تَحِلُّ الأموال قلت أو كثرَت إِلا بِوَجهِ حَائِرٍ مِن إباحةٍ أو عطاء، أو غير ذلك؟ ولا بَأسَ بأَحَدٍ مَا يَحمِلُهُ الفَلجُ مِن التَّمرِ فِي زَمَانِ القَيطِ؛ إذا كان بحيثُ لا
يطلبه صاحبه، ويَصيرُ فِي حَدٌ الذهاب عَنهُ، فَجَائِزٌ ذَلِكَ لِلفُقَرَاءِ أَن يَنتَفِعوا به. وكذلك لا بأس بِأَخذ مَا تَحمِلُه السُّيُولُ مِن جُذوع النخل، والحطب الذي يَتبَاعَدُ عَن أربابه، وصَارَ بِحَيثُ لا يَطلُبُونَه، وَلا يَسأَلُونَ عَنهُ، وفيه
اختلاف – أيضا – ويُعجبُنِي جَوَازُ إِبَاحَتِهِ عَلَى هَذِهِ الصَّفَة. وكذلِك لَقطُ مَا أَزَاحَهُ البَحرُ مِمَّا صَارَ فِي حد التلف عَن أَربَابِه، وَلَا عَلامَةَ لَهُ يُعرَفُ بِهَا ولَم يَطلُبَهُ، أَربَابه، ومَضَوا عَنهُ وتَرَكُوه؛ فالانتفاع به
لِلْفُقَرَاءِ - عِندِي - خَيْرٌ مِن تَركِهِ يَذْهَبُ بِهِ الْمَاءِ أَو فِي الْأَرْضِ. وأَمَّا الْمَرَاكِبُ التِي تَنكَسِرُ فِي سَواحِلَ البحور، وصار أهل البنادِرِ يَتسَابَقُونَ عَليهَا مَع وُجدَانِ أَهْلِهَا، فهذا - عِندِي لَا يَحِلُّ، وَلَا تَطِيبُ النفوس به؛ مَا بَقِي أَحدٌ مِن أَربَابِهِ إِلا أَن يَذهَبُوا جَمِيعًا بِغَرقِ أَو غَيرِهِ، وَلَمْ يصح لَهُم وَارِثَ فَعِندِي أَنَّهُ لا يَضِيقُ عَلى الفُقَراء الانتفاعُ بِهِ، بَعدَ طلب أربابه، وإِيَّاسُهم مِنهُم، ومِن وَرَبَّتِهم. (1/308)
صفحة 309
الدلائل على اللوازم والوسائل
ولا بأس بأخذ ضوء النَّارِ مِمَّن أوقدها، ولو كرة ذلك الذي أوقدها، ولكن لا يَأْخُذ مِن الْحَمرِ، وَلاَ مِن الْحَطَبِ إِلا بِإِذنِ أَهلِه؛ أما الوء وحه فائز أخذه.
وكذلك الاستِفَاء مِن الآبارِ والأفلاج، جَائِزٌ لِمَن احتَاجَ لَهُ لِشُرِبٍ، أَو لِطَهَارَةٍ مِن نجاسة، أو وُضوءِ، وَلاَ يَجوزُ مَنعُه؛ لأَن النَّاسَ شُركاء فيه، والآبَارُ كُلِّ يَترفُ فِيها بدلوه مِنهَا إِن أرادَ ذلك.
وشُربُ الْمَاء مِن الأَسقِيَةِ غَيْرُ مُبَاحٍ إِلَّا بِرَأيِ أَهْلِهَا، أَو بِدَلَالَةٍ لَه عَلَى مَن يَدُلُّ عَلَيهِ
منهم.
وأَمَّا مَن وَجدَ فِي مَالِ أَحدٍ مِن النَّاسِ دَابَّةٌ تَأكُل مِن زَرعٍ، أَو ثَمَرَةٍ نَحْلٍ، فَعَليهِ أَن يُخرجها إِن كَانَ يَقدِرُ عَلى إخراجها؛ فإِن لَم يُحرِجهَا بِغَيْرِ عُدْرٍ، فَعَلَيهِ ضَمَانُ مَا أضرت عَلى النَّاسِ مِن حين مَا رَآها، وقَدَرَ عَلى إخراجها وتركها، إِلَّا الَّذِي قَبلَ ذَلِكَ. وكذلِك إِن وَجَدَتَ مَالَ أَحدٍ مِن إِخْوَانِكَ عَلى تلف بشَيءٍ مِن الوُجوهِ، وأَنتَ تَقدِرُ عَلى تخليصه، فَلَم تُخلّصهُ حَتَّى تَلفَ، فَعَليكَ ضمانه.
وَكَذَلِكَ إِن رَأَيْتَ إِنسَانًا قَد وَقَعَ فِي شَيْءٍ مَخُوفٍ عَلَيْهِ مِنَ الْهَلَاكِ، فَعَليكَ أَن تُخلصهُ إِن كُنت قادرًا، فإن لَم تُخلِصهُ بَعدَ القُدرَة وتَلَفَ هُو، فعَليكَ ضَمَانُه؛ لأن عَلَى الْمَرء إن رأى أحدًا مِن النَّاسِ قَد وَقَعَ فِي حَرِيقِ، أَو بِئرٍ، أَو فِي شَيْءٍ مِن الْمَهَالِك
وهُو قَادِرٌ عَلى نَجاتِه، وتخليصهِ مِن ذَلِك بَيَدِهِ، أَو بِمَالِهِ؛ فَعَلَيْهِ أَن يُخلِّصه. وكذلك إن رأى أحدًا قَد أَوثَقَهُ ظَالِمٌ، ويُريدُ أَن يَقتُلَه أَو يَأْخُذَ مَالَهُ، وقَدَر أَن يُخلصه منهُ بِجاءٍ، أَو مَالِ لَا يُضَرُّ بِه إِن بَدَلَهُ فِي تَخلِيصِ الْمَوثُوقِ؛ فَيُعْجِبُنِي أَن يُخلصه، لِيَكُونَ مُعينًا عَلى البرِّ والتَّقوى؛ لأن إنفاذ الْمَالَ فِي وُجُوهِ البِرِّ خَيْرٌ مِن ذُخِرِهِ
للوارِث، أو الْحَوادِث، أو الفُضولِ فِي الْمَأكولات. وَاللَّهُ أَعْلَم. (1/309)
صفحة 310
الدلائل على اللوازم والوسائل
النا
46
فِي الضّالَّةِ
من
وأما إن وجدت ضالة فِي فَلَاةٍ مَن إِبِلٍ، أَو بَقر، أو حَمِيرٍ أَو مِثلَهَا فَلَا تَتعرض لها، ودَعهَا مَا كَانَت فِي مَوضع تَجِدُ فِيهِ شَجرًا لِلرَّعِي، وَمَاء لِلشرب، وأَمنًا من اللصوص، أو قُطَّاع الطريق؛ فَلا يَلزَمَكَ حِفظُها، فِيمَا عِندِي عَلَى هَذَا الشَّرطِ. وأَمَّا إِن وَجَدت شَيْئًا مِن مِثلِ مَا ذَكَرتُ فِي مَكَانٍ تَخافُ عَليهَا مِن جُوعٍ فِيه، مِن عدمِ الرَّعي، أو العطش فِيه مِن عَدمِ الْمَاء فِي مَخصُوص تلك الأماكن، أَو تَخافُ عَليهَا مِن السُّرَّاقِ والقُطَّاعِ فَاحفَظهَا لِرَبِّهَا، مَأجُورًا إِن شَاءَ اللَّه. وأَمَّا إِن وَجَدَتَ ضَالَّةً الْمَعْزِ أَو الصَّانِ، في مكانٍ لاَ تَأْمَنُ عَلَيها فِيهِ مِن السّباع، مِن ذِئب أَو غَيرِه أَن يَأْكُلَها، ولم تعلم بأحدٍ مِن النَّاسِ فِي ذَلِكَ الْمَكانِ مِمَّن تَرجُو مِنْهُ حِفظَهَا، وَتَبَيَّنَ لَكَ أَنَّهَا مِن الصَّوَالَ النَّوافِرِ عَن أربابها بلا عِلم مِنهُم بها، وقدرت أَنتَ عَلَى حِفظها فاحفظها. فإن صَحَ لَها ربُّ مِن بَالِغِ أو عَاقِلِ سَلْمهَا إِلَيه، وإِن لَم يَصِحَ لَها ربِّ أَبَدًا بَعد الاجتهَادِ، فاحفظها عِندَكَ وَأَطْعِمهَا وَاسقِها، وفيما عِندِي أَنَّهُ يَجوزُ لَك الانتفاعُ بِلَبَنِهَا، إِن كَانَ لا يَفضُلُ مِن قَدرِ مَا تَرزَاهُ، وإِن فَضْلَ فَيُعجبني الاحتياط بِقَدرِ مَا فَضْلَ لِربها، أو للفقراء .. وإِن كُنتَ فَقِيرًا، فَعِندِي أَنَّهُ جَائِرٌ لَكَ أَخذُ الْجَمِيعِ مِن قِبَلِ الْمُؤنَةِ والفَقرِ، فَلَا تدعها تهلك. وإن وجدتها ضَالَّة فِي قَريَةٍ لَيلاً بحَيثُ لَا تَرجُو أَن تَصِلُ إِلَى رَبِّهَا، فاحفظها لربها، وسَرْحهَا نَهارًا عِند الرَّعي الذِي تَسَرَحُ عِندَهُ مِن قَبْلُ؛ لَعَلَّها تَرْجِعُ إِلَى أهلها من بَعدِ تِلكَ الليلة. وإِن وَجَدت الضَّالِّلةَ الْمَذكورة فِي مَكَانٍ مَخُوفٍ عَليهَا، وأنت قادِرٌ على حفظها، فلم تحفظها، وتَلَفت في وقتِها ذَلِكَ قَبل أَن تَصِلَ إِلَى رَبِّهَا،
فأنت لها ضامن.
وإن تعرضت لِضَالَّةِ الإِبل، ولَحِقَها تَلفّ، أو شَيْءٌ مِن النُّقصَانِ، بِسَبَبٍ تَعَرُّضِك
لَها، فعليك الضمان؛ لأنَّكَ تَعرَّضَتَ لِشَيْءٍ لَا يَلْزَمَكَ. وَاللَّهُ أَعْلَم. (1/310)
صفحة 311
البات
47
فِي الأَمانَةِ، ومَا يَحِب فِيها
الدلائل على اللوازم والوسائل
وأمَّا إِذا امْتُحِنتَ بِأَمَانَةٍ لِيَتِيمٍ، أَو لِمَسجِدٍ، أو لأحَدٍ مِن النَّاسِ مِن نُقودٍ أَو حَيَوَانٍ، أو متاع؛ فاحفظ الأمانَةَ عِندَك بما تحفظ بها مثل تلك الأمانة، وهُو مَا كَان حِرْزًا لَهَا من مندوس للدرَاهِم لا يَقدِرُ اللصُّ عَلى حَمله ونقله، أو من تيت، أو سكن يُقفَلُ بَيتٍ،
بابه على أمانتك.
وكذلك – عِندِي – الأَمانَةُ مِن الأَمتِعَة جَمِيعًا لا بُدَّ مِن أَن تُترَكَ فِي مَكَانٍ، ويُقفَلَ عليها بابا، وإِن لم تَفعَل ذَلِك، وسلمت أمانتك فَلا لَومَ عَليكَ .. وإن تركتَهَا فِي غَيرِ حرز ولم تقفل عليها وأُخِذَت، فعليك ضمانها .. وإِن جَعَلَتَها فِي حِرزِ مِمَّا يُحرَزُ مِثْلُها به، وقفَلَت عَليهَا بَابَ الْحرز مِن الْمَندُوس الكبير والحرز، أو الْمَنزِلَ بِالْحَدِيدِ، فَتَحيَّل لَها أَحَدٌ مِن الظُّلَمَةِ بِكَسرِ جِدَارِ الْمَزِل، أو كَسرِ البَابِ الْمَقْفُول، أَو كَسرِ القُفلِ وأَخذَ الأمانة، فَلا ضمانَ عَليكَ بَعدَ ذَلِك؛ لأنكَ لَم تُقَصِّر في حفظها.
وإن ضيعت الأمانَةَ فَعلَيكَ ضَمانُها .. وإن أعرتَها أَحَدًا بِلَا رَأيِ رَبِّهَا فَذَهَبَت، أو نقص مِنها شَيْءٌ، فَعَلَيكَ ضَمَانُ ذَلِك .. وكَذلِك إِن استعملتها أَنتَ فَعَلَيكَ ضمان جَمِيع
ما نقص منها.
وإِن جَعَلْتَها عِندَ غَيرِ أَمِين، فَضَاعَت، فَعَليكَ ضَمَانُها .. وإِن جَعَلَتَها عِندَ ثِقَةٍ أَمِينٍ فَلَا
ضمانَ عَليكَ، ولو ضَاعَت عِندَه. وإن " گانت
عِندَك أَمانَةٌ فِي مَنزِلِك، وعَزَمتَ عَلى سَفَرٍ قَرِيبٍ، أَو بَعِيدٍ، فإن كنت تخافُ عَليهَا فِي ذَلِكَ الْمَكانِ فَاحْمِلَهَا مَعَكَ فِي سَفرك، وإن كُنتَ تَحِد ثِقَةٌ فَأَمِّنْهُ
(1) المندوس: صندوق يُصنع من خشب تُحفظ فيه الأمتعة من أثواب وحلي وطيب وغيرها .. (1/311)
صفحة 312
الدلائل على اللوازم والوسائل
Firs
إِيَّاهَا إِلَى رُجوعك، وإن كانَ فِي مَترلك الذي فِيهِ تِلكَ الأَمَانَةُ أَحدٌ مِن الأُمَنَاءِ الذِينَ بهم في حفظ الأمانة، ولم تَخَفْ عَليهَا مِنهُ ولا مِن غَيرِه فَلا تَحملها معك، بَل اجعَل ذَلِكَ الأَمِين عَيْنًا عَليهَا ...
تَثِقُ
وإن
جَاءَكَ أَحدٌ مِن الظُّلَمَةِ وأرَادَ أَخذَها مِنكَ، فَدُبَّ عَنهَا مَا قَدَرتَ وَلَا تَألُ جهدًا، فإن غلبت وَلَم تَقدِر فَنرجُو لَكَ العُدْرَ عِندَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (1)، وقال: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وسعها (2) واحذر أن تقترض مِن أَمانتك شَيْئًا، وإِن اقْتَرَضتَ مِنهَا شَيْئًا لَم يَلزَمَكَ إِلَّا رَدُّ مَا اقْتَرَضتَهُ مِنهَا إِلَى رَبِّ الأَمَانَةِ إِن كَانَ مِن العُقلاء، وإلا العقلاء، وإلا فإلى ثقة أمين يقبضُ مِنكَ مَا اقتَرَضتَهُ، أَو تُنفِذه فيما يَجُوز إنفاذه فيه من مصالح ربِّ ذَلِك المال، مِن مَسجِدٍ أَو يَتِيمٍ، أَو غَير ذَلِكَ، مِمَّن لا قبض له .. وإن أخذت شَيئًا من أمانتك واتَّجَرت به وربحت؛ فَالرِّيحُ وَرَأسُ الْمَال الذي اقترضته لِرَبِّ تِلكَ الأمانة، إلا أن يَكُونَ مِن العُقلاء، وتَطِيبُ نَفسُه عَلَيكَ بِما ربحت، وإِن نَقُص شَيْءٌ مِمَّا اقْتَرَضتَهُ في البيع والشراء، فعَليكَ رَدُّ الْجَمِيعِ، وَلَا عُدَرَ لَكَ؛ لأَنَّكَ لَم تَدخُل فِي ذَلِكَ بِوَجهِ حَقٌّ. وإِن سَلَّمَ الأَمانَةَ إِلَيكَ اثنَانِ فَلَا تَرُدَّهَا إِلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، بَل رُدَّهَا إِلَيْهِمَا جَمِيعًا، إلا أن يَكُونَ أحدُهُما أَمرَكَ أن تُسَلّمَ الكُلِّ إلى صاحبه، أو وَكُلَهُ فِي قبض نَصيبه مِنهَا، أَو يَصِحُ أَنَّهَا لَهُ وَحدَه.
وإن دَفعَ إِلَيكَ الأمانة أحدٌ وأَقرَّ أَنها لِغَيره، فأشهدْ عَلَيهِ بِإقرارِهِ ذَلِك، ورُدَّهَا إِلَيْهِ إِن رَجعَ إِلَيكَ وطلبها، وإن مات الذي دفعهَا إِلَيْكَ فَرُدَّهَا إِلَى الْمُقر
1) سورة التوبة: 91.
(2) سورة البقرة: 286. (1/312)
صفحة 313
الدلائل على اللوازم والوسائل
له. وكذلك إن مَانًا جَمِيعًا فَرُدَّها إِلَى وَرَثَةِ الْمُقَرِّ لَه بها، لا إِلَى وَرَثَةٍ مِّن
أمنك.
وإن كانت عِندَك أمانةٌ مِن غَيرِ الدَّرَاهِم وربُّها غَيْرُ حَاضِرِ، وَخِفت عليها الضياع، فجَائِز لك بيعها، وتحفظ ثَمَنها لِرَبِّها .. وإن تَلفَ الثَّمنُ بَعدِمًا بِعَتَ فَفِي ضَمَانِهِ عَليكَ اختلاف، وقول: إِنَّه لا يتعرَّضُ لِبَيعِ الأمانةِ التي أُمِّن إِيَّاهَا عِندَه، وَيَترُكُها بِحَالِها وَلَو
ضَاعَت.
وأنا يُعجبني القولُ الأَوَّلُ: إِن كَانَ لَهَا رَبِّ مَعرُوفٌ مَرجُو رُجوعه؛ لأن على الْمُؤمِن حِفظ مَالِ أَخِيهِ، وَلَيسَ بِحافِظ مال أخيهِ مَن يرى فيه الضياع، ولِمَن يَشتغل به ...
وإن كانت لمن لا يَعرِفُه وَلا يُرجَى، وأرادَ تَركها لأجلِ السَّلامَةِ لَم أُعنّفه. وأما إن كانَ عِندَك أَمانَة لِرجُلٍ ومَات، وتَركَ وَرثةٌ يَتَامَى وَبَالِغِينِ، فَلَا تُسلِّمهَا إِلَى
وإن
البالغين إلا أن يكونوا ثقات، أو أحدهم، فَتُسَلِّمها إليه، أو بحضرَةِ وكلاء اليَتَامَى. كانت الأمائةُ مِمَّا تَنقَسم أقسامًا، وقَسَّمتَها وأَعطيت كُلِّ وَاحِدٍ سهمه، بَرِئَت منها .. وإن أطعمت اليتامى وكَسَوتَهُم مِن نَصِيبهِم إلَى أَن استَفرَغُوهُ، أَجزَاكَ ذَلِكَ - إِن شاء الله-، وإن قسمت ذَلِك وأعطيت البالغينَ حِصَّتُهُم، وحبست نَصِيبَ الأَيْتَامِ عِندَك وتَلَف فَأَنتَ لَه ضَامِنٌ؛ لأنّ قِسمتك لذلِك غَير جَائِز، وإِن لَم يَتلَف إلى أن وصلهم بِالوَجهِ الْجائِز فَلَا عَليكَ مِنه بَأْسٌ، وَاللَّهُ أَعْلَم.
فضل: [في الوديعة]
والوديعةُ: مِثلُ الأَمانَةِ في الاحتساب والْحِفظ لها، وهي أَمَانَةٌ مَودُوعَةٌ فِي حِفظ مَن هِيَ فِي يَدِهِ حَتَّى يَرُدُّها إِلَى مَن دَفعَها إِليه، وعَليهِ حِفظُها، وَلَا فَرقَ بَينَها وبَينَ الأَمانَةِ،
وَالله أَعلم. (1/313)
صفحة 314
الدلائل على اللوازم والوسائل
الثالت
48
فِي العَارِيَةِ، ومَا يَجُوز فيها، وما لا يَجُوز، ومَا يَلْزَم فِيهَا
31
فإن احتجت إِلَى عَارِيةِ لِشَيْءٍ مِمَّا فِي عَادَةِ النَّاسِ أَن يَستَعِيرُوه مِن عِندِ بَعضهم بعضا، مثل: الْمِسحاة، والخصين (1)، والمجز (2)، والنُّوج (3)، والإناء، فإذا استَعَرتَ شَيْئًا من مثل هذَا فَلا تحقره وتُهمله؛ ورُدَّهُ إِلَى مَن أَعارَك إِيَّاه .. فَإِذَا رَدَدْتُهُ بَعدَما استَعمَلَتَهُ لِما أَردبَّهُ لَه؛ ولم تحبسهُ أَكثر فَلا ضمانَ عَليكَ، وإن حَبَسَتَهُ عِندَك بَعدَمَا قَضَيت حاجتك مِنهُ، فَتَلفَ فَأَنتَ لَه ضَامِنٌ.
وإن
انتفعت
من
بها وجَعَلْتَها فِي بَيتِك، وفِي حِفظ حتَّى تَرُدَّهَا إِلَى أَهْلِهَا، فَضَاعَت غير تضييع منك لَم تَضمَن .. وإِن اسْتَعَرتَها لِشَيْءٍ مَعْلُومٍ فَاستَعمَلَتَها فِي غَيْرِهِ، بِلا رَأْيِ رَبِّها، فَتَلَفت أو نَقُص مِنهَا شَيْءٌ فَعَلَيكَ ضَمَانُ ذَلِكَ.
وإِن اشْتَرَطَ عَليكَ الْمُعِيرُ رَدَّ العَارِيَة عَاجلاً، فلم تَرُدَّها كَما شَرَط عَليكَ، بَل حَبَستَها حَتَّى ضَاعَت فَعَلَيكَ الضمانُ، وقول: لا ضمانَ علَيكَ إِذا لَم تَستَعمِلها لِغَيرِ مَا أَخذتها لَه حَتَّى ضَاعَت. وإن استعرتَ عَارِيةٌ ولَم تُسمٌ لِما تَستَعمِلهُ بها، فَاسْتَعْمَلَتَها فِيما يُستَعمَلُ بِهِ مِثْلُها؛
فلا ضمانَ عَليكَ، ولَو ضَاعَت. وإِن اسْتَعَرتَ حِمارًا لِتَرْكَبَهُ، فَحَمَلتَ عَليهِ شَيْئًا فَلَحِقَهُ نُقصان، أَو تَلفٌ؛ فَعَلَيكَ الضمانُ لِمُخالَفَتِكَ .. وإِن اسْتَعَرتَهُ لِتَحمِل عَلَيْهِ شَيْئًا، فَرَكِبَتَه فَلِحَقِّته مَضَرَّة؛ فَعَلَيكَ
الضمان.
1) الخصين: فأس للشق والقطع ذو خلف واحد، ويسمى بالقدوم وغيره. انظر: العين، (خصن). المجر: أو المحر، وهو: آلة الحز والقطع دقيقة الأسنان، وتكون أضعف من المنجل (المخلب). 3) التوج: وعاء كبير من سعف النخل يوضع على ظهر الدابة لحمل السماد والتراب وغيرهما. (1/314)
صفحة 315
وإِن اسْتَعَرتَ مِحْلَبًا لِتَجُز به زَرعًا، فَشَرَطت
الدلائل على اللوازم والوسائل
به نخلا فانكسر؛ فعليك
الضمانُ .. وإن أخذتَهُ لِتَقطَعَ بِه زَورًا فَاستَعمَلتَهُ لغَير ذَلِك فَعَليكَ ضَمَانُ مَا نَقصَ مِنهُ، أو الغيرة
يَرضَى لَك ربُّه.
وإِن رَدَدتَ العَارِيةَ عِندَ غَيْرِ ذي ثِقَةٍ، فعَليكَ ضَمانُها، حتَّى تَعلَمَ أَنَّها رُدَّت إِلَى ربها .. وإن أرسَلتَها عِند ثِقَةٍ أَجزَاكَ ذَلِكَ.
وإن استعرتَ مِن رَجُلٍ دَابَّةٌ لِتَحمِل عَليهَا بُرا، فحَمَلتَ عَلَيْهَا ذُرَةٌ، أَو قُلتَ لِلمُعير
الضمان
لِتَحمِل عَلَيها ذُرةً، فَحَمَلتَ عَليها بُرا فَعطبت من ذلك؛ فعَليكَ الضَّمانُ. وإن استعرتها لِتَحْمِلَ عَليهَا شَيْئًا مَعلُومًا مِن كَيلٍ أَو وَزنٍ، فَرِدتَ عَليهِ، فَعَلَيكَ وإن استعرت مسحاةٌ لِلرَّدمِ، فَأَعطَيْتَها مَن يُعِينُكَ مِن خَادِمٍ أَو قَرِيبٍ لَك، أو بَيدَارِ عِندَك؛ فإِن كُنتَ مَعرُوفًا عِند مَن يُعِيرُكَ أَنَّكَ لا تَخدِم بِيَدِكَ، وإِنَّما يَحْدُمكَ مَن ذكرتُ لكَ؛ فَلا ضَمَانَ عَليك .. وإِن لَم تَكُن مَعرُوفًا بِذَلِكَ وَسَلَّمتَ العَارِيةَ إِلَى مَن
ذكرتُ مِن مِسحَاةٍ، أو دابَّةٍ فَلَحِقَها ضَرَرٌ؛ فَعَليكَ الضَّمَانُ. وَاللَّهُ أَعلم.
وَإِن أعارَكَ عَلى شَرطِ الصَّمَانِ لِما يَضيع من العَارِية، وأَخَذْتَها عَلَى الشَّرطِ؛ فَعَلَيكَ الضمانُ بِما قَبلت به .. فافهم ذلك وكُن مُحتَرِزًا عَن الشَّك وبِاللَّهِ التَّوفيق. (1/315)
صفحة 316
الدلائل على اللوازم والوسائل
4316
التالي
49
في أحكام التعدّي، والغَصبِ، وَمَا يَلزمُ فِي ذَلِك
واعْلَمْ يا أخي، - رَحِمَنَا اللهُ وإِيَّاكَ - بأَنَّهُ إِذَا حَمَلَكَ الْجَهلُ وعَصْدَهُ ذَهابُ العَقلِ والْقَلبِ حتَّى تَعدَّيت، وأخذت دَابَّةَ غَيرِك؛ فَعليكَ الضمانُ فِي جَمِيعِ مَا اسْتَعمَلَتَها به، وكراء استعمالها. وإِن أَخَذَتَها مِن الْمَرعى، وردَدتَها إِلَيهِ، فَأَنتَ ضَامِنٌ لَهَا؛ لأَنَّ الْمَرْعَى لَيسَ بِمَوضِع حفظ لها .. وكذلِك إِن غَصَبَتَها؛ فعَليكَ رَدُّها إلى ربِّها، ورَدُّ ما استعملتها به - إن نقصت - وكِرَاء استعمالِك لَها. وإِن زَادَت الدَّابَّةُ التِي غَصَبَتها عِندَكَ مِن سَبب عَلَفك لَها، فليس لَك شَيْءٌ مِن زيادتها، وإن تَلَفَت مِنكَ بَعدما زَادَت؛ فَعَليكَ قِيمتهَا يَومَ تَلَفَت بِزِيَادَتِهَا، لَا قِيمَتِهَا يَوم غَصَبَتَها إِن كَانت قِيمَتُها أَوَّلاً أَقَلّ. وإِن غَصَبَتَ دَابَّةٌ لإِنسَانٍ، فَزادَت عِندَك ونَسلَت فَهِي وَنَسلُهَا لِرَبِّهَا الْمَعْصُوبَةِ مِنه، وإن بعتَ شَيْئًا مِن نَسلِها كَانَ عَليكَ رَدُّ الدَّابَّةِ، ورَدُّ أولادها، ورَدُّ قيمة ما بِعَتَهُ مِن
نسلها.
وأمَّا إِن وَلَدَت الدَّابَّةُ عِندَكَ، ومَاتَ أَولادها؛ فَفِي ضَمَانِ أَولادِها اللواتي مِثْنَ عِندَكَ
اختلاف ..
وإِن حَمَلتَ عَليهَا شَيْئًا مِن الأمتعة؛ فعَليكَ كراء استعمَالِها مُذ أَخَذَتَها إِلى أَن
رَدَدتها.
وكذلِك إِن غَصَبَتَ عَبْدًا فَاسْتَعمَلَتَهُ بِشَيْءٍ، فَعليكَ رَدُّه وَكِرَاءُ مَا اسْتَعْمَلَتَهُ، ورَدُّ جميع ما انتفعت غلته،
مَا انْتَفَعتَ بِه مِن وإن استخدمته لزِمَكَ أَجْرُ مَا اسْتَخدَمَتَهُ بِهِ، وَإِن نَقُص (1/316)
صفحة 317
الدلائل على اللوازم والوسائل
فَعَلَيْكَ رَدُّ مَا نَقُص مِنهُ فِي حَبسكَ إِيَّاهُ عَن مَولاهُ، وإن زادَ عِندَكَ فِي القِيمَةِ فَلا شَيْء
لك في زيادته.
وإن
غَصَبَتَ أَمَةً فَوطِئتها فعَليكَ عُقرُهَا (1) ورَدُّها للذي هِيَ لَهُ .. وإِن وَلدَت عِندَك
فَهِي ومَا وَلَدَت لِمَولاهَا الَّذِي غُصِبتَ مِنه.
ومَن غَصب أرضًا وزَرعَ فِيها زَرعًا، فهوَ لِرَبِّ الأَرضِ، ولا شَيْء لِلغَاصِب مِن بَدْرٍ ولا عناء .. وقول فيما عِندي: لَهُ بَذره وَلَا عَناءَ وَإِن فَسَل فِيها فَسَلاً فَهُوَ لِرَبِّ الأرض، ولا شَيْء لِلغَاصب، لا غُرمَ له وَلاَ أَجرَةٌ، ولَهُ قِيمَةٌ صَرِمِه يَومٍ فَسَلِه، إن لَم يُسَلِّملَهُ رَبُّ الأَرضِ قِيمَتَهُ لِيَتَرُكَه عَلى حَالِهِ .. وإِن اسْتَغلَّ الغَاصِبُ مِنَ النَّحْلِ عَلَّةٌ فَعَلَيهِ رد الغلة.
وإِن غَضِبَ مَاءً وسَقَى بِه أَرضَهُ، لَزِمَهُ ضَمَانُ الْمَاء، والزرعُ لَهُ. وإن
غَصَبٍ سَماداً وسَمد به زَرعًا أَو نَحْلاً له، فَعَلَيهِ قِيمَتُه.
وإِن سَرَقَ حَبًّا فَبَدْرَهُ فِي زَرْعٍ لَهِ، فَعَلَيْهِ قِيمَةُ الْحَبِّ، أَو حَبُّ مِثْلُه. وإِن سَرَق صَرَمًا (3) وفَسَلَهُ فِي أرضه، فعاش واستَوَى نَحْلاً، فَالنَّحلُ لِصاحِبِ الصَّرِمِ الْمَسْرُوقِ مِنه، ولِصَاحِب الصَّرمِ الْخِيارُ إِن شاءَ قلع صَرمَهُ الذِي صَارَ نَحْلاً وأَخذَهُ، وإِن شَاءَ أَخَذَ قِيمَتَهُ مِنهُ يَومَ يَستَحِقه، ويُقَوَّمُ بالثّمن بِغَيرِ أَرضِ وَلَا مَاءٍ، بَل يُثَمَّنُ وَحدَهُ، ويَأْخُذُ مَا بَلَغَ ثَمَنُه إِن لَم يُرد قلعه .. وإِن أَثْمَرَت تِلكَ النَّحْلَة فِي يَدِ السَّارِقِ لِلصَّرِمِ، فَالثَّمَرَةُ لِرَبِّ الصَّرِمِ لَا لِلسَّارِقِ.
وإن سرق أَو غَصَب زَرعَ ذُرَةٍ أَو دُخنٍ، فَحَوَّلَهُ فِي أَرضِهِ فَاستَوى ذَلِكَ، فهو
للمسروق مِنْهُ جَميع مَا يَحصُلُ مِنْهُ مِن حَبِّ وبَيْنِ وقصب، وَلَا شَيْءٍ لِلغَاصِب.
1) العُقْرُ: في اللغة الجرح، وفي الاصطلاح هو دِيَّة فرج المرأة المغصوبة، حتَّى استعمل على المهر. وذكر الأكثر إلى أنه ما تعطاه المرأة على وطء الشبهة. والعُقرُ في الحرائر مهر المثل، وفي الإماء: عشر ثمنها إن كانت بكرا،
ونصف العشر إن كانت تيبا. انظر: معجم ا المصطلحات الفقهية، 2/ 521.
الصرمة هي ا
الفسيلة، أي: النخلة الصغيرة. (1/317)
صفحة 318
الدلائل على اللوازم والوسائل
وكذلِكَ مَن سَرقَ عِنَبا أَو كَرمًا أو قطنا قد زُرِع مِن قَبْلُ، وَحَوَّلَهُ فِي أَرضِه فاستوى، فَلَا شَيْءٍ لَهُ فِيما حصلَ مِنه.
وإِن غَصب أرضًا، فَغَرَسَ فِيها شَيْئًا مِمَّا ذَكَرنَا مِن كَرم أو غَيْرِهِ مِن الأَسْحَارِ، فهو لِرَبِّ الأَرض، ولَهُ قِيمَة شَجَرِه يَومَ فَسَلَهُ، وَلا عناء لَهُ .. وَإِن شَاءَ رَبُّ الْأَرْضِ أَذِنَ لَهُ فِي قلعه مِن أرضه وأخذِهِ، ولَا قِيمَةَ لَهُ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ. وإِن غَصَبَ أَرضا، فبنى فيها شَيْئًا مِن العِمارات من طينها، فَالْأَرْضُ وَمَا بَنَى عَليهَا لربها، وَلَا شَيْء لِلغَاصِب .. وإِن كَانَ الطِّينُ الذِي بَنَى بِهِ مِن غَيْرِ تِلكَ الأَرضِ؛ فَالْخِيَارُ لِصاحِب الأَرض التي فيها البناء، إن شاء قالَ لَهُ: «اقلع مَا بَنَيتَ فِي أَرضِي وخُذهُ»، وإِن شَاءَ أَعطَاهُ قِيمَةَ طِينِه يَومَ بَنَى بِهِ، إِن كَانَ الطِّينُ هُناكَ لَهُ قِيمَة. وإِن جَعَلَ في البناء حَشبًا أو جُذوعًا، فإن شَاءَ رَبُّ الْأَرْضِ أَمَرَهُ بِإِحْرَاجِ ذَلِكَ مِن البنيان، وإن شاءَ أَعطَاهُ قِيمَته وتَرَكَهُ عَلى حَالِه؛ وإِن كَانَ ذَلِكَ الْحَشَبُ، أَو شَيْئًا مِنهُ مَسْرُوفًا - أعني الذي قد عَمَّر به - فَالْخِيارُ لِرَبِّ الْحَشَبِ، إِن شَاءَ أَخذ خَشَبَهُ مِن ذلك العمار، وإِن شَاءَ أَخَذَ مِن الغَاصِب قِيمَتَهُ. وإن حفَرَ الغَاصِبُ فِي الأَرضِ التِي غَصَبَهَا بِئرًا، فَالبِئرُ لِرَبِّ الأَرضِ، وَلا شَيْء
للغاصب من عناء وَلَا غَيره.
وإن بني القاصبُ فِي الأَرضِ التِي غَصَبَها مَسجِدًا، فَقُولُ: إِنَّ الْمَسجِد لَا يُهدَم، ويُترك بحاله، ويُسلّم الغَاصِبُ لِرَبِّ الأَرضِ قِيمةَ الأَرضِ التِي بَنَى فِيهَا الْمَسجِد. وقول: إنْ ربَّ الأَرضِ لَهُ التَّصرُّف في أرضه، ولا يَمْنَعُه فِعلُ الغَاصِب، ولو بَنَى فيها مسجدًا؛ لأن بناء الْمَسجِد يَحتاجُ إلَى أَصل صَحِيح؛ ولأنَّهُ قيل: لا تحورُ الصَّلاةُ فِي الأَرضِ
الْمَعْصُوبة. (1/318)
صفحة 319
الدلائل على اللوازم والوسائل
وكذلك إن قبر فِيها مَيِّتا؛ فَهُو عَلَى الاختِلافِ مِثل مَا قِيلَ فِي بَنَاءِ الْمَسجِد. قِيل: إِنَّ عَلَى القَابِرِ أَن يُسَلَّمَ لِرَبِّ الْأَرْضِ قِيمَةَ مَا قَبَر فِيهِ الْمَيِّتِ مِنهَا. وَقِيلَ: إِنْ لِرَبِّ الْأَرْضِ الخيار إن أراد أن يَنتَفِعَ بِأَرضِهِ، وَلَا يَمْنَعُه مَا فَعَل الغَاصِب.
وإِن سَرقَ غَزلاً وعَملَ ثَوبًا، فَالثّوبُ لِصاحِب الغَزلِ، وَلا شَيْء لِلسَّارِق .. وإِن سَرقَ شَاةٌ وذَبَحهَا، فَهِي حَرامٌ لا يَحِلُّ أَكلُها؛ لأن ذبيحةَ السَّارِق لا تجوز، بل هي بمَترِلَة الميتة، ولا تَحِلُّ للسَّارِق ولا لِلمَسرُوقَةِ مِنهُ، وعلَى السَّارِق قِيمَتُها يوم سَرقتها قبلَ أَن يَذبَحَهَا لِلمَسْرُوقَةِ مِنه. وإِن قَطعَ السَّارِقُ مِن مَالِ أَحدٍ ثَمَرَةَ نَحْلَةٍ قَبْلَ أَن تُدرِك؛ فعَليهِ لِرَبِّهَا أَفضَل قِيمَتِها. وإن سرق زَرعًا وَأَكلَهُ غَصْبًا؛ فَعَليهِ قِيمَتُه يَومَ قَطَعَه.
وإِن غَشِيَ لأَحدٍ مِن النَّاسِ نَحْلَةً، وأكلَ جَنيها، فَعَلَيه أَفضَلُ قِيمَتِها .. ومَن قَلعَ أقبَاب (1) نَحْلَةٍ فَعَلَيهِ لِرَبِّها أفضل قيمتها.
ومَن نَكحَ بَهِيمَةً لِغَيرِه فَعَلَيهِ قِيمُتُها، مِن أَجل أَنَّهَا تَحرُمُ عَلَى رَبِّها. ومَن أَمرَ بِقَتلِ نَفْسٍ فَقُتِلَت؛ فَعَلَيهِ التّوبَة والدِّيَّةُ إِلَى وَرَثَةِ النَّفْسِ الْمَقْتُولَة. وإِن كَانَ الآمِرُ سُلطانًا، أو أحدًا أَمرَ عَبدَهُ، أَو وَالدّا أَمَرَ وَلَدَهُ بِقَتلِ أَحدٍ، فعلى الآمرِ القود (2). ومَن أَمرَ بِظُلمٍ فِي شَيْءٍ مِن الأَشيَاءِ، فهُو شَريكَ لِلظَّالِم فِيمَا أَمَرَهُ بِه، ويُحشَرُ الظُّلَمَةُ والغَصَبَةُ، ومَن أَعانَهُم أَو، آزَرَهُم أَو رَضِي بِظُلمِهِم إِلَى النَّارِ، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ
(1) الأقباب: جمع قَبَب، وهو ثَمرة النخل الأولى التي يخرج منها العرجون.
2) القود: هو القصاص، وقتل القاتل بدل القتيل، وَسُمِّيَ بالقود؛ لأن الجاني يقاد إلى أولياء المقتول ليقتلوه إن
شاءوا .. انظر: معجم!
المصطلحات الفقهية، 122/ 3. (1/319)
صفحة 320
الدلائل على اللوازم والوسائل
الظَّالِمِين، وقالَ اللهُ: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُصَرُونَ (1)، فتدبر ذلك.
ومَن أَكل أموال اليتَامَى ظُلمًا، فإِنَّما يَأْكُلُ فِي بَطنِه نارا، وَسَيَصلَى سَعِيرًا، ومن أكل
أموال النَّاسِ بِالبَاطِل فَقَد أَكلَ حَرَامًا يُخزيه الله، ويُصلِيهِ النَّارَ وبئس القرار. ومَن أخذ أموالَ النَّاسِ، أَو هَدَم مَنازِلَهُم أَو أَكل أَمْوَالَهُم، أَو قَطعَ نَخِيلَهُم، أو سَفكَ دِمَاءَهُم بِغَيرِ حَقٍّ بِتَأْوِيلِ ضَلالٍ، أو بعمدٍ، فَهُو ظَالِمٌ وعَليهِ الصَّمَانُ. وَلَيسَ مَن تأوَّل حَلْت لَهُ الأَمْوَالُ، إِلا مِن وَجهِ يَرى أَنَّهُ مُطيعٌ لِله فِي ذَلِك. كَمَا فَعَلَت عَائِشَة فقد قيل: إِنَّهُ يَسقطُ الضَّمانَ عَمَّن دَخَلَ مِثلَ دُخولِها فِي شَيْءٍ مِمَّا دَخَلَت،
وقِيلَ: إِنَّ الصَّمَانَ بَاقِ عَليهِ.
والْمُختَلِسُ، والطَّرَّارُ، والسَّلالُ (3)، والخَائِن كُلُّهُم سُرَّاقٌ ضَامِنُون، وعَليهِم قِيمَة
مَا جَنَوا ..
ومَن سَرَق ولَو قَدرَ حَبَّةٍ، وَأَصَرَّ عَلَيْهَا؛ فَهُو ضَامِنٌ ظَالِم. ومَن بَخس النَّاسَ فِي الكَيلِ أَو الوَزنِ، أَو العَددِ، وطَفْفَ ولَو شَيْئاً يَسِيرًا، كَانَ ظَالِمًا، وضامنًا لِما فَعَل، وقد حَرَّم اللهُ ذَلِك كُلَّهُ، فَخُذ حذرك، وتدبّر عَاقِبَةَ أَمرِكَ، فَلَيسَ الأَمرُ بِهَيِّنٍ إذا فكرت فيه، والصَّبْرُ عن كُلّ شَيءٍ، ولَو عَن الرُّوحِ أَيسَرُ مِن الصَّبْرِ على النَّارِ، لِمَن أَبصر الحقيقة بِعَينِ العَقل.
1) سورة هود: 113.
2) الطرار: هو الذي يُكثر من سؤال الناس ويلح من غير حاجة.
(3) السلال: مِن سَلْ إِسلالاً، أي: أخرج الشيء من مكانه خفية، وهو السرقة الخفية. انظر: العين، (سل). (1/320)
صفحة 321
الدلائل على اللوازم والوسائل
البال
فِي جِنَايَةِ الصَّبْيَانِ والعَبِيدِ ومَا يَلْزَمِ العَاقِلَة)، ومَا لَا يَلزَم
ثُمَّ انظُر يا أخي، - رَحِمَنا اللهُ وإِيَّاكَ - واذكر ما مضى من زمانك مُند يوم حَفِظت إلَى وَقتِكَ الذِي أَنتَ فيه، واذكر ما تعلّق عليك في صباك من أَمْوَالِ النَّاسِ، ودمائهم، وفُروجهم من التَّبِعاتِ، إِن كَان من عمدٍ، أو خطا .. فإن ذَكَرتَ شَيئا مِن ذَلِكَ، فَاعلَم أن جنايَةَ الصَّبِيِّ كُلَّهَا تُحسَبُ، وتعقلُ عَاقِلَهُ الصبي منها ما بَلَغَ فِي القَدرِ نِصف عُشرِ الدَّيَّةِ، أو خمسا من الإبل، وما كان أقل من ذلك فلا تعقله العَاقِلَة .. ولا تَعقِلُ العَاقِلَةُ ما جنَاهُ الصَّبِيُّ من الأموال، بل ذلِك فِي مَالِ الصَّبِيِّ يُؤْخَذُ مِن مَالِهِ.
وَلَا تَعْقِلُ العَاقِلَة الْجَنَايَة التِي فِي العَبِيدِ،
ولاَ مَا فَعلَ الْجَانِي البالغ عمدا، وَلا مَا اعترف به الْجَانِي عَلى نَفْسِهِ، وَلاَ صُلحًا وهُو مَا تَصالَحَ عَلَيهِ الْحانِي، والذي لَهُ الغُرمُ، فَلَا يلزمُ صُلحُهُم العَاقِلَة. ولا تعقل مالا المعنى (2) جنَاهُ الجانِي مِن أَموالِ النَّاسِ، بَل ذَلِكَ عَلَى الْجَانِي وَحدَهُ، وإِنَّما تَعقِلُ العَاقِلَةُ مَا كَانَ مِن الأَحدَاثِ فِي الأَنفُسِ، وَهُو: مَا فَعَلَهُ البَالِغُ خَطَأً، ومَا فَعَلَهُ الصَّبِيُّ عَمدًا أو خطأً، إِذَا بَلَغَ قَدرَ مَا بَيْنَتُه أَوَّلاً.
1) الْعَاقِلَة: جمع عقل، وهم دافعوا الدية من أهل الديوان والعصبة وبيت المال، وسميت الدية بذلك لأن الإبل كانت تعقل الإبل في فناء ولي المقتول وقيل لأنها تعقل لسان ولي المقتول وعاقلة الرجل: هم عصبته وقرابته
من قبل الأب الذين يعطون دية قتل الخطأ. انظر: معجم ا المصطلحات الفقهية، 2/ 463.
(2) كذا في الأصل، ولعله يقصد أن العاقلة لا تعقل الجاني المتعمد في أموال الناس. (1/321)
صفحة 322
الدلائل على اللوازم والوسائل
322
والعَاقِلَةُ فيما عندي: أَنَّهُم مَن التقى النَّسبُ بَينَهُم وبَينَ الْجَانِي مِن قِبَلِ
الآباء، لا مِن قِبَلِ الأُمَّهَاتِ .. وهُو إِذَا صَحَ عِندَهُم أنْ ذَلِكَ الفِعلَ خَطَامِ الفاعل، وَلَا يَلزَمُهم ذَلِكَ بِقَولِ الْجَانِي وَحدَهُ؛ لأنَّهُ كَأَنَّهُ يَجُرُّ إِلَى نَفْسِه منفعتهُ .. وَلَا يَعقِلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِن العَاقِلَةِ أَكْثَرَ مِن أَربَعَةِ دَرَاهِمَ.
وإن أدَّت العَاقِلَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنهُم أَربَعَةَ دَرَاهِمَ، وَنَقُصَ ذَلِكَ عَن أَداءِ مَا وَجَبَ عَلَى الْجَانِي، فَقَولٌ: إِنْ ذَلِكَ يَرجِع عَلَى الْجَانِي وحده. وقول: يَرجِعُ على العَاقِلَةِ وَالْجَانِي كَواحِدٍ مِنهُم. والعَاقِلَةُ تَعقِلُ مِنهُم مَن كَانَ أَقرَبُ فِي النَّسَبِ إِلَى الْجَانِي، كُلَّ وَاحِدٍ مِنهُم أربعة دَرَاهِم، فإن بلَغَ ذَلِك قَدرَ الْحِنَايَةِ فَلَيسَ عَلى بَقِيَّةِ العاقلة الذِينَ هُم أَبعد من الأولين شَيء، وإِن نَقص سَلَّمَ العَاقِلة الآخَرُونَ، كُلّ وَاحِدٍ مِنهُم مِثل مَا
سلَّمَ الأَوَّلُون. وكذلِك يَكُونُ الْحِسابُ فِيهِم مَا التَقَى بِالنَّسب، ولو إلى أكثر من عشرة أَجدَادٍ، إِلا أَنَّهُ يُسَلّم لِلأقرَب فَالأَقرَب، يَكونُ ذَلِكَ فِي دَرجَاتٍ: يُسَلِّم - مثلاً- في الأول الإخوة، فَإِن لَم يَفِ (يبلغ) ذَلِكَ، سَلَّمَ - أَيضًا - بَنُوهُم، فإن لم يف سلم الأَعمَام، فإِن لَم يَفِ سَلَّم بَنو الأَعمَامِ، ثُمَّ عَلى هَذَا مَا التَقَى النَّسبُ .. ولا يَلْزَمُ العَاقِلَة أَن تَعقِلَ إِلا مَا صَحَ وحَكمَ عَليهِ بهِ حَاكِمُ العَدلِ. وأمَّا جِنَايَةُ الصَّبِيِّ فِي الأَمْوَالِ والفُروج يَكُونُ ذَلِكَ فِي مَالِه، ولا إِثْمَ عَلَيهِ فِيمَا فَعَلَهُ فِي الصَّبَا، وبَعضُ أَسقَطَ الصَّمَانَ عَنِ الصَّبِيِّ؛ لأَن القَلَمَ مَرْفُوعٌ عَنهُ، ويَكُونُ ذَلِكَ مَضمُونًا فِي مَالِه إِذا بَلَغ، فمَا حَفِظَ من ذلِك تَخلّص منه، ومَا لَمْ يَعلَمُ بِهِ فَلَا شَيْءٍ عَليهِ، هَذَا عَلَى قَولِ مَن ضَمَنَه. (1/322)
صفحة 323
الدلائل على اللوازم والوسائل
وجناية العبيد الصغار والكبار والذكور والإناث، كُلُّ ذَلِكَ فِي رقابهم، ولَيسَ عَلَى مواليهم أكثر من تسليمِ الرَّقَبَةِ، إِن كَان مَالاً أو نفسًا، عَمدًا أو خطأ، فَحَطأُ العَبدِ وعَمدُه فِي رَقَبَتِه.
فإِن كَانَت جِنايَةُ العَبدِ مِن قِبَلِ خَطَاً، كانَ لِمَولاهُ الْخِيارُ؛ إِن شَاءَ سَلَّمَ رَقَبَتَهُ، وإِن شاء قداهُ بقيمته، وإن كانت جنايتُه أقل من القتل، أو أقل مِن قِيمَةِ رَقَبَتِه، فَعَلَيهِ أَن
يُودِّيَ ذَلِكَ، وإن امتَنعَ بيعَ العَبدُ فِي الْجِنايَةِ، ودُفعَ إِلَيْهِ مَا بَقِيَ مِنَ الثَّمَن. وإن كانت جنايةُ العَبدِ قَتلاً عَلى العَمدِ، مِمَّا تَنفَذُ قِيمَةُ رَقَبَتِهِ، أَو قَتَلَ حُرًّا عَمدًا؛ فإِنَّ الْخِيارَ لأُولِياءِ الْمَقْتُول، إن شَاءُوا أخذُوا العبد، وإِن شاءوا قيمته .. وإن أبى ربُّه أن يأخذوه، وطلبوا أَن يُسَلَّمَهُ إِليهِم، فَلَهُم أَخذه، إن شاءوا قَتَلُوه، وإِن شَاءُوا بَاعُوه، وإِن شَاءُوا اسْتَخدَمُوه، والخيار لَهُم فِي ذَلِك .. ولا يَلحَقُ مَولاهُ غَير رَقَبَتِه، وإِن كَانَ فِي الأَموَالِ والفُروج فذَلِك فِي رَقبَةِ العَبدِ، وَاللَّهُ أَعلَم، وبِه نَستَعِين. (1/323)
صفحة 324
الدلائل على اللوازم والوسائل
الثالث
فِيمَا يَلزَمُ فِي أَحداث الدَّوابِّ، وما لا يلزم فيها
324
واعْلَمْ يا أخي، - رحِمَك اللهُ وهَدَاكَ وأسعدَكَ وعَافَاكَ – إِن مَنَّ اللَّهُ عَليكَ بِفَضلِه، أو عَاقَبَكَ فِي الدُّنْيَا عَلى شَيْءٍ مِن فِعَلِكَ بِعَدِلِهِ، فَاحْمَدِ اللَّهَ شَاكرًا، واذكُرهُ صابرًا، واغتنم الفُرْصَةَ مَا دُمت قادرًا. وإن
مَلَكتَ شَيْئًا مِن البَهَائِم فَأحسن إلَيْهَا فِي الشَّبَع والرَّيِّ، وَلَا تُكَلِّفَهَا مَا لَا تَقدِرُ عَليهِ، وَلَا تَقسُ عَليهَا بِالضَّرْبِ غَير مَا أَجازَهُ الشَّرِعُ، فَإِنَّكَ مَسْئُولٌ عَنهَا غَدًا؛ فَلا تُكلِّفَهَا إِلَّا مَا تُطِيق، فَالصَّبرُ عَنهَا إِذا لَم تَقدِر عَلى مَا يَحِبُّ لَها أَيسَرُ مِن الصَّبْرِ عَلَى العُقوبَةِ مِن أَجلِ دَابَّة.
وارحَمهَا عَسَى اللهُ أَن يَرحَمَك، وفَكِّر فيها إذ هِي مَوتُوقَةٌ بِالْحِبَالِ، وَلَا تَقدِرُ عَلَى الاحتيال، ولا تنطق بكلامٍ لِتَطلُبَ إِن جَاعَت، أَو عَطَشَت، أَو لَحِقَهَا مَكَرُوهُ مِن شَيْءٍ. وفَكِّر أَنتَ لَو فَعَلَ ذَلِكَ غَيْرُك بك كَمَا فَعَلتَ بها، أما كُنتَ تَرى ذَلِكَ جَورًا عَليكَ وظُلما؟!، والله لا يَرْضَى مِن عَبدِهِ الْجور والظلم. فالتفت إليها، وتَعهدهَا لَيلاً ونهارًا، وَلا تَكِلها إلى أَحدٍ مِن أَهلِ بَيْتِكَ، إِلَّا مَن وثقت منه بالعدل فيها، والإحسان إليها، واحفظها بالوثَاقِ، وَلَا تُطلِقهَا فِي البِلادِ حَيثُ لا تأمن الضرر منها عَلى النَّاسِ، فَإِنَّكَ إن أطلقتها وأكلت شَيْئًا مِن زروع النَّاسِ، أَو مِن
ثِمَارِهِم، أَو شَيْئًا مِمَّا لَهُ قِيمَة مِمَّا تقع فيه الأملاكِ فَأَنتَ لَهُ ضَامِنٌ، وفِي فِعلك آيم. ولا تطلقها إلا في فَلاةٍ تَأْمَنُ مِنهَا مِن الرُّجوعَ إِلَى حُروثِ النَّاسِ، وخاصةً إِذا كَانَت مِن الصّوارِي الْمُعتادة عَلَى الْحَرَابِ فَلا تَحمِل عَلى نفسك لوما عِندَ النَّاسِ، (1/324)
صفحة 325
الدلائل على اللوازم والوسائل
وضَمَانًا لَهُم، وإِثْمًا عِند اللهِ بِسَبَبِ بَهِيمَةٍ مَنَّ اللهُ بِها عَليكَ، وَمَلكَك إيَّاها .. ومِثْلَما أَنتَ تَكرَهُ الضَّرَرَ فِي حَرثِكَ مِن دَوابِّ النَّاسِ، فَهُم أيضًا يَكْرَهُون ذَلِكَ، وربَّما تَولّدَت فِتْنَةٌ مِن ذَلِك مِن قِبَلِ كَلامٍ وملامٍ بِسَبب ذَلِك. وكذلك إن كانت الدَّابَّةُ مَعْرُوفَةٌ مِن قَبْلُ بِعَقرِ الدَّوَابِّ أو كسرها، ويعقرِ البَشَرِ، مثل الجمَل الأَكُولِ والنُّورِ النَّطُوح، والْحِمَارِ العَضُوض، والكَلبِ العَقُور. فإذا عرفت هذه الدَّوابُ بِشيءٍ مِن هَذه الأفعال وأطلقتها عمدًا، وأصابت نفسا أو مالاً، فعليك ضمانه، وإن لَم تَكُن مَعرُوفة بذلِك مِن قَبْلُ؛ فَلَا ضَمَانَ عَلَيكَ فِيما
وإن
أصابت في الابتداء. كُنتَ أَوثَقَتَهُنَّ فِي الرِّباطِ بما يُوثَقُ به مِثلَهُنَّ فَانطَلَقن، أَو شَيْءٌ مِنهُنَّ فَأَصَبَنَ أحدًا، أو أَكَلنَ مَالَ أَحدٍ مِن النَّاس فَلا ضمانَ عَليكَ .. وكذلِك إِن أَطلَقَهُنَّ أَحدٌ غَيرَك لم يلزمكَ ذلِك، إذَا لَم يَكُن بأمرك، وَلَا عَلِمت بذلك فَأَهْمَلَت. ومَا أَصابَ مِن الدَّوَابٌ مِمَّا لاَ يَضمَنُه أحدٌ من أربابها فَهُو جُبَارٌ (وَالْجُبَارُ: هَدْرٌ لا
شيء فيه).
وإن كانَ عِندَك كَلبٌ عضوض أو عقورٌ فِي بَيتِك فَدخَلَ أَحدٌ مِن النَّاسِ بَيتك بإذنك، ولم تُحذرهُ، فَأَصابَه الكَلبُ وَعَقَرَهُ، فَعَلَيكَ الضمانُ؛ إِلا أَن يَكُون الدَّاخِلُ دَخلَ
بيتك بلا إذنٍ مِنكَ، وَلاَ مِن غَيرك مِمَّن يَسكُنُ البَيتَ فَلا يَلزَمكَ مَا أَصَابَه. وإِن عَقَرتَ أنتَ دَابَّةٌ لأحَدٍ فَعَلَيكَ قِيمَتُها قَائِمة قَبلَ أَن تُعفّر .. وإِن كَانَ لَحمُها لَهُ قيمة مثل قيمتها صحيحة، أجزاً كَأَن تَضمَن فِيهِ قِيمَةَ اللحم، وإِن بَقِيَت الدَّابَّةُ الْمَعقُورَةُ حيَّة، فهي لربها، وعَليكَ لَهُ ضمانُ نُقصانها، وَلا يَحِلُّ ذَبَحُكَ لَها بَعدَ العَقرِ؛ ذَبِيحَةَ الْمُتَعدِّي لا تَحِلُّ، وإن أعانك عَلى عَفرِها وَاحِدٌ، أَو اثنان أَو جَمَاعَةٌ، فَالضَّمَانُ عليكم جميعا، كُنتُم قليلاً أو كثيرًا.
الأن (1/325)
صفحة 326
الدلائل على اللوازم والوسائل
وإِن أَكَلَت دَابَّتُك ثَمَرًا لأحدٍ قَد أَدرَك فَلِرَبِّهِ مِثلُه إِن عُرِفَ الْمِثْلُ، وإِن لَم يُعرَف الْمِثلُ فَقِيمته .. وإن أكَلَت زَرعَكَ دَابَّةٌ لِغَيرِك فَحَبَستَها عَن رَبِّهَا، لَم يَجُرَ لَكَ ذَلِكَ،
وعَلَيكَ ضَمَانُ مَا لَحِقَها مِن قِبَل حَبسِكَ لَها إِن تَلَفت، أَو لَحِقَهَا ضَرَرٌ يُنقِصُها. وكذلك إن لَقِيتَها تَأكُل حَرثَكَ، أَو طَعامَكَ، فَرَميَتَها بِحَجْرٍ أَو غَيْرِهِ فَمَاتَت، أو
وإن
انكسر شَيْءٍ مِن أَعضَائِها، فَأَنتَ ضَامِنٌ لِجَمِيعِ ذَلِكَ؛ لأَنَّها لَا لَومَ عَليهَا. كانَ عِندَك شَيْءٌ مِن الدَّجَاجِ فَاحِبِسَهُ عَن حُروثِ النَّاسِ، وإِن كان مُفسِدا، فإِن لم تَحبِسَهُ فَأَنتَ ضَامِنٌ لِما أَفَسَدَهُ. ووَجَدتُ مَسألة - أحسَبُها فيما عِندِي أَنَّها مَرْفُوعَةٌ عَن الشيخ أحمد بن مفرج أَن الدَّجاج إِذَا أَضرَّ عَلى أَحدٍ زَرعَهُ، واحتَجَّ صَاحِبُ الزَّرْعِ عَلَى صَاحِبِ الدَّجاج في حبسه مرتين أو ثلاثا فَلَم يَحبِسهُ؛ فَإِنَّهُ جَائِرٌ لِصَاحِب الزَّرعِ أَن يَجْعَلَ للدَّجاج في حَريَّه - حِينَ تَدخُلُ عَلَيْهِ - حَبًّا مَسمُومًا، وَلاَ ضَمَانَ عَليهِ .. هذا ما عِندي معنى المسألة.
(1)
وأَمَّا ثَمنُ مَا خَرَّبت الدَّوَابُّ مِن الزَّرْعِ فَعِندِي غَيْرُ مُمَكِن إِلَّا بِالنَّظَرِ فِي قِلَّةِ الْحَرَابِ وكثرته، وصغره وكبَرِه، ومَا يَرجِعُ بَعدَه ومَا لا يرجع؛ فَلا يُحكَمُ ذَلِكَ إِلَّا بِالنَّظَرُ فِي الْحَالِ، وقبلَ أَن يَشتَبِه بِزِيادَةٍ أَو شَيءٍ يَلْحَقُه مِن الْمَضَارٌّ مِن رَعِي آخَرَ، أَو غَيْرِ ذَلِكَ، وَالله أَعلم، وبه نستعين.
المظفر
1) أحمد بن مفرج بن أحمد بن مفرج بن أحمد بن مُحَمَّد بن أحمد بن ورد عالم فقيه من علماء النصف الأول من القرن التاسع الهجري، ومن أكبر علماء عصره الذين تصدروا الفتوى. عاصر السلطان سليمان بن (ت: 871 هـ) وابنه المظفر (ت:874 هـ). من تلاميذه ولده ورد، وزياد و صالح بن وضاح المنحي، ومحمد ابن مداد الناعي من مؤلفاته: جواهر المآثر (مخ)، وله جوابات كثيرة. انظر: إتحاف الأعيان، 5/ 2، 12.بيان الشرع، 357/ 42 ... معجم أعلام المشرق (تجريبية)، (62. (1/326)
صفحة 327
البال
الدلائل على اللوازم والوسائل
52 فِي الطُّرُقِ، والإحدَاثِ فِيهَا، وَمَا يَلْزَمُ مَن أَحدَثَ فِيهَا
واحذر يا أخي، - عَافَانَا اللهُ وإِيَّاكَ مِن كُلِّ مَكَرُوهِ – أَن تَتعرَّضَ لِفعلِ مَا يَضُرُّ فِي طرُقِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تُحدث فيها حدثًا أبدًا مِمَّا يُقذِي العَين، ويُؤذِي الْمَارِّين؛ مِن كَبس تُراب، أو بناء بطين، أو وضعِ حِجَارةٍ، أو خوص، أو حطب، أو حفرٍ فِيهَا مِن قَليلٍ أو كثير، وَلا تُحدث فيها حفر بئر، ولا سَاقِيةٍ لِنَهرٍ وَلَا لِزَجر ()، وَلَا تَظفَر فِيهَا بِجَندَل (3)، ولا تجعل في جنبها حضارا ()، وَلا تُحدِث بقربها طَرِيقًا، ولا تَعْرِس فِيها نَحْلاً وَلاَ شَجرًا، وَلَا تُلقِ فِيها شَوكا، وَلا تَعمَل بقربها كنيفًا تُؤذِي رَائِحَتُهُ الْمَارِّينَ فِيهَا؛ فَجَمِيعُ ما ذكرتُه لا يجوز إحداثه عَلى الطَّرِيقِ ومَأخوذ له بإزالته من موضعه، وضَامِنٌ واضعه مَا تَولَّد مِنهُ مِن الضَّرَرِ عَلى مَن مَرَّ فِي الطَّرِيق مِن مَجنُونٍ، وَعَاقِلٍ، وصغير، وكبير، ويُنكَرُ ذَلِكَ عَلَى مَن فَعَلَهُ.
ولا تَتَّخِذ دَكَاكِينَ لِلبيع والشّراءِ، وَلاَ تَتَّخِذ مَجالِسَ، وَلَا تُوعَتْ بِرَضٌ مَاءٍ خَوفَ الزَّلق، ولا تكبس بتراب .. وقد جَاءَت الروايَةُ عَن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «مَلْعُونٌ مَن آذَى الْمُسلِمِينَ فِي طُرفَاتِهم»)، وكُلُّ مَا كانَ فِيه ضَررٌ، فَهُو مَصرُوفٌ عَن الطَّرِيق بالحكم، مثل: حَدَثِ التَّنُّور، ووضع الأمتعة، والسَّمادِ، والطفال، والجُذوع، وتخطيف (السَّواقِي .. كُلُّ هذا لا يَجُوز، والله أعلم بالصواب.
1) أي: لا يجوز إحداث ساقية في طريق الناس لمشي الدابة التي تزجر وتجذب الماء من البئر.
(2) الْجَندَل: هو الْحَصَيَّات، أي: صغار الحجارة.
(3) الْحَضَار: هو السُّور الذي يجعل محيطا بالمزرعة، من شجر مشوك أو سعف أو غيره.
4) الحديث أخرجه الربيع في مسنده، مرسلا عن جابر، (ر 981).
ه تخطيف السواقي: هو إمرار الساقية وسط طريق الناس. (1/327)
صفحة 328
الدلائل على اللوازم والوسائل
البات
03
في الإحدَاثِ في الأودية، ومَا يَجُوز مِن ذَلِكَ، وَمَا لَا يَجُوز
وأَمَّا إِذَا أَرَدتَ يا أخي، طَلبَ الرِّزْقِ مِن كَدٌ يَمِينك، وقَدَرتَ عَليهِ، فَاشْكُرِ اللَّهَ عَلَى ما عافاك، وقَوَّاك، وجَعَلَ رِزْقَكَ مِن الْحَلالِ الصَّافِي، وطَلَبتَ ذَلِك الأودية من والبَرَارِي؛ فَاعلَم أن الأودِيةَ الْخَارِجَة مِن القُرَى والعِمارات ... فَاحْرُتْ فِيهَا مَا تَشَاءُ مِن حفر بئر، وزرع أرض، وأكل ثمارٍ مُباحَةٍ، مثل: النَّبقِ والنَّحْلِ الذِي لَا يُحمى .. كُنتَ فَقِيرًا، أو غَنْيًّا، فَلا شُبهة عَليكَ فيما لم يسبقكَ أَحدٌ لِعِمَارَته.
وأَمَّا كُلَّ بِئرٍ حَفَرَهَا غَيْرُك، أو أَرض أَحْيَاهَا بِسَقِي الزَّرْعِ غَيْرُكَ فَحُكمُها لَه، فَلا تتعرض لحرثها إلا برضا من أربابها، أو قعَادَةٍ)، أو بشيراء منه، إذا كانَ مِمَّن يَمْلِكُ
أمرَهُ من بَالِغِ وعَاقلٍ؛ لأنّ الأرضَ لِله يَرِثُهَا، فَمَن أَحَيَا مِنهَا مَوَاتًا فَهِي لَه. والبئرُ لِمَن حَفَرَها أَوَّلاً، إذَا أَتمَّ حَفَرَها حَتَّى ظَهرَ مِنها الْمَاء، وأمَّا إِذا حَفَرَ ولَم يظهر بَعدُ مَاءً فَلَهُ عَنَاؤُه عَلى مَن أتَمَّ حَفَرَ البِئرِ حَتَّى كَثُر مَاؤُها .. وكذلِك جَمِيعُ أراضي الفيافي والقِفَار الْخَارِجَة مِن القُرى، وَلَا يدَّعِي فِيها أَحدٌ شَيْئًا مِن ذِكرِ الرُّمومِ وَلا غيرها، ولم يشتهر عند النَّاسِ أَنَّها مِن قَبْلُ قَد عُمرَت، وَأَنَّها لأُناسٍ مَعرُوفِين، أَو غَيْرَ معروفين .. فَلا شُبهةً فِيها بَعدَمَا وَصَفَتُ لَكَ.
وأمَّا مَن تقدَّمَ فِيه بشيء من العمَارَةُ مِن قبل، من حفرِ بِشَرٍ، أَو زَرعٍ أَرضِ، فَهُو لِمَن تَقدَّمَ لَهُ ذَلِكَ إِن عُرف، وإِن لَم يُعرَف مَن سَبَقَ إِلَيهِ مِن قَبْلُ، وَلَا شَكٍّ أَنَّهُ قَد عَمَّرَ مِن قَبْلُ، فهو مَالُ غَائب، ومَالُ الغَائب فِي زَمَنِ العَدلِ مَردُّه إِلَى الإِمَامِ، وفِي غَيرِ أَيَّامِ
العدلِ إِلَى الفُقَرَاءِ، وَالله أَعلم.
القَعَادَة
هي استئجار النخل وغيرها لسنين. (1/328)
صفحة 329
329
الدلائل على اللوازم والوسائل
فضل: [في الأودية المارة بالبلدان]
وأَمَّا الأُودِيَةُ التِي تَمُرُّ فِي البُلْدَانِ فهِيَ طُرق لِلسَّيلِ فَلَا تَتَعرَّضَ لِحَدَثٍ فِيهَا مِمَّا يَرُدُّ الْمَاءِ، أَو يَنكُبُه عَلى أَحدٍ مِن النَّاسِ، فَلا تَكبِس فِيهَا بِتُراب، وَلَا تَظفَر بِجَندَلٍ، مِمَّا لم يتقدَّم لك فيه شَيء، ولا تَعمَل فِيهَا شَيْئًا يجندل ولا بِصارُوجٍ، وَلا تُحوّل مَجارِي السُّيولِ عَن حَالِها الأَوَّل؛ لئلا يَرجِعَ مِن ذَلِكَ السَّيْل عَلى أَحدٍ مِمَّن يَلِيكَ، أو هو أعلى مِنكَ، خوفًا أَن تُلحِقَ الضَّرَرَ. ولا تحدث فيها حدثًا مِن حَفر آبار، وَلاَ زَرع أرض، إذَا كَانَ ذَلِكَ فِي حَرِيمِ البَلدِ، ومِمَّا يَضُرُّ النَّاسَ .. وأمَّا أَكلُ مَا نَبَتت فيها فجَائِزٌ لِلفُقَرَاءِ، وَلَا يَجُوز للأغنياء .. وجَائِز حَملُ التُرابِ مِنها إِذَا لَم يَضُر بِأَحدٍ .. وجَائِزٌ أَخذُ الْمُبَاحِ مِنها، مثل: الْحِجَارَةِ، والملح، والْمَغْرَة)، وقطعِ الشَّجرِ الذي لا نفع فيه لِلفُقَرَاءِ، كَالأَثل)، والْحَبْن)، والأسل)، والأشخر (؟)، وما كانَ هذَا سَبيله، وأمَّا مَا كَان لَهُ ثَمَرٍ مِن جُمَلَةِ الشَّجرِ، وما ينتفع به الفقراء، فَلا يَجوزُ قطعه؛ لأَنَّهُم يَنتَفِعُون به. ومَا يَنبُت في الأودِيَة الْمَذكورة، أو في السَّيل، مِنَ النَّحْلِ والزَّرعِ، والشَّجَرِ الْمُثمرِ كله. جائز للفقراء الانتفاع بِثَمَرَتِه لا بِأَصله؛ لأنّ سُبُلَ اللَّهِ كُلَّها رَاجِعَةٌ إِلَى الفُقَرَاءِ .. ومَا
(1) صاروج مادة تستخدم في بناء القلاع والحصون وغيرها تمتاز بالصلابة وطول العمر، وهي خليط من الحصى والطين المجفف يُحرقان في فرن خاص يُسَمَّى المهلبة ثُمَّ يدق بأسافين خاصة حتى يصير ناعما. انظر: العبري، حروف عمانية مضيئة، ص 191، نقلا من. عمان أيام زمان للخصيي.
(2) الْمَعْرَة: هي الطينة الحمراء غنية بأكسيد الحديد. انظر: العين، (مغر). 3) الأثل: شجر طويل مستقيم كثير الأغصان يُعمّر. ومنه قوله تَعَالَى: ذَوَانَ أَكُل خَمْطِ وَأَثْلِ} (سبأ: 16). 4) الحبن: نوع من الأشجار السامة يشبه الحرمل (الدفلى) كان يستعمل في علاج الملاريا.
ه الأسل: نبات له أغصان كثيرة دقاق لا ورق له ويكون في أصله ماء راكد، يتخذ منه الغرابيل في القنا أسلا تشبيها بطوله واستوائه. انظر: العين، (أسل).
العراق.
ويسمى
(6) الأشخرة: نوع من أنواع الأشجرة المنتشرة بعمان. (1/329)
صفحة 330
الدلائل على اللوازم والوسائل
يَنبُت فِي الطَّرِيق فهُو لِلْفُقَرَاءِ .. ومَا يَنبُتُ فِي الْمَقَابِرِ فَذَلِكَ رَاجِعٌ أَيضًا إِلَى الْفُقَرَاءِ .. ومَا يَنبُتُ فِي الْمَسَاجِد فَهُو للمساجد.
ومَا جُعِل لِلسَّبِيلِ فَهو لِلفُقَرَاءِ، ومَا جُعِل لابنِ السَّبِيل فهوَ لِلمُسافرين، وما جُعِل فِي سَبيل الله فهوَ فِي الْجِهادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وما جُعِلَ صَدقةٌ لِلَّهِ فَهُوَ صَدَقَة لِلفُقَرَاءِ .. ومَا نَبَتَ فِي الْمَوَاتِ فِي الْمُبَاحِ، فَذَلِكَ مُبَاحٌ لِلغَنِيِّ والفقير، ولَيسَ لِوَاحِدٍ بِعَينِهِ، إِلا مَن أحيا الأرضَ الْمَيِّتَة وعمَرَها، وزَرَع فِيها فَذَلِكَ لِمَن عَمَره، وليس لِغَيرِهِ أَخَذَ شَيْءٍ مِن
عنده.
وإحياء الأَرضِ الْمَيِّتَة هُوَ الْمَاء إِذا عَمَرَها وأصلحها، ومن أَعْشَاهَا الْمَاءِ فَقَد عَمَرهَا؛ لأن الإحياء هو الْمَاء؛ لِقُولِ اللهِ: اَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُنِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا (1)، وإِنَّما
هُو يُنزِلُ الْمَاء مِن السَّمَاءِ فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُحْضَرَة) (3).
وقد جاءَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ الأَرضَ لِلَّهِ، فَمَن أَحْيَا مِنهَا مَوَاتًا فَهِي لَه» (3). ومن ادعى الفيافي والقِفَار والْمَواضِعَ الْمِينَة أَنَّهَا لَه؛ لَمْ يُقبَل مِنْهُ إِلَّا بِالصَّحَّةِ، ومَن
كَانَ فِي يَدِهِ شَيْءٌ، فَهُو أَولَى بِهِ.
1) سورة الحديد: 17. 2) سورة الحج: 630
(3) الحديث أخرج مثله أبو داود عن سعيد بن زيد، وعروة (ر 3073 ... ). والبيهقي (ر 11552 ... )،
والطبراني في الكبير والأوسط، وغيرهم بسند ضعيف. (1/330)
صفحة 331
الدلائل على اللوازم والوسائل
البات
فِي القِيَامِ بِالْأَيتَامِ، وَمَا يَجُوزُ مِن ذَلِكَ، وَمَا يَلْزَم
واعْلَمْ يا أخي - رحمِنَا اللهُ وإِيَّاكَ، وهدَانَا لِما يرضى، وجَنَّبَنا بتوفيقه ارتكَابَ مَا نهى – أن لا تتعرَّضَ لِمَالِ يَتِيمٍ، مَا وَجَدَتَ مِنهُ بُدا، فَإِنِّي أُشْفِقُ عَلَيكَ مِن تَوَلَّدِ تَبِعَاتِهِ، وإن لم تجد مِنهُ بُدا وابتليت به مِن قِبَلِ وَكالَةٍ مِن حَاكِم، أو وِصَايَةٍ مِن أب، أو احتِسَابِ جَعَلَتَهُ لِلهِ تعالى خوفًا مِنهُ أَن يَضيع؛ فَقُم بِمَالِه مِثلَ قِيامِكَ العَدل فِي مَالِك، من عمار أصلِه، ومِن بِنَاءِ جُدُرِه وهَيس (1) أرضه، وسَمادِ نَحْلِه، وشَرَاطَةٍ كَرْبِه، وحفظ عليه مِن أي وجهِ كَانَت مِن ثَمَرَةٍ نَخيل، وأَشجَارٍ، أَو غَلَّةٍ أَرض وآبار، أو فَعادَة أمواه، أو حفظ بهائم إن كان ماله كذلك. وجَائِزٌ لَكَ القِيامُ بِمالِه، وإنفاذُ جَمِيعِ مَا يَحتاجُ إِلَيْهِ هَذَا الْمَذْكُورِ مِن الْمَالَ كُنتَ وَكِيلاً، أو وَصِيَّا، أَو مُحتَسِبًا، في كُلِّ الوُجوهِ جَائِزٌ لَكَ فِعل مَا ذَكَرتُه لَكَ مِن القيام بِجُمْلَةِ مَا ذَكَرتُ مِن مَالِهِ، وَلَا شَيْءٍ عَليكَ فِي مَالِكَ، إِلَّا أَن يَلْزَمَكَ مِن فِعل شَيْءٍ تَعمَّدته أو أخطأت فيه، حتَّى تَلفَ مِن سَبب فِعَلِكَ شَيْءٍ مِن مَالِه. ولَو كُنتَ لَم تَتعمَّد لِذَلِكَ فَعَلَيكَ ضَمَانُ مَا تلف؛ لأَنَّ الْخَطأَ فِي الأَمْوَالِ والأَنفُسِ
مضمونٌ.
الْمَالَ إِن
وجَائِزٌ لَك بِهَذه الوُجوهِ التِي هِي: الوَكالَةُ والوِصَايَةُ، والاحتِسَابُ أَو بِأَحدِها، أَن تُنفق على هذا اليَتِيمِ قَدرَ مَا يَرزَأَهُ مِن جِنسِ نَفقَةِ أَهْلِ زَمَانِهِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ
1) الهيس في اللغة هو السير والضرب مهما كان نوعه في الأرض، والهيس: إثارة الأرض وشقها بآلات الحراثة.
انظر: اللسان (هيس) والعبري: وإرشاد الإخوان، ص 64. (2) رزا فلان فلانا: أي: أصابه وأعطاه من ماله أي ما يصيب المحتاج من مال الغني وينفعه. انظر: العين، (رزأ). (1/331)
صفحة 332
الدلائل على اللوازم والوسائل
بِالْمَعْرُوفِ بِلا إِسْرَافِ فِي بلا إسرافٍ فِي النَّفَقَةِ، ولا تقصيرٍ عَلَيهِ، وتَكسُوه مِن مَالِه مِن جِنسِ مَا يكتسي مَن هُوَ مِثلُه .. وجَائِزٌ أَن تَتَّخِذَ لَهُ الْمَنِيحةَ إِذَا احتاجَ إِلَيْهَا، وَكَانَ مَالُه وَاسِعًا، وجَائِزٌ أَن يُرَفهَ بِشَيْءٍ مِنَ الثَّرَفِ يُشرَى لَهُ ذَلِك مِن مَالِهِ عَلَى نَظَرِ القَائِمِ بِهِ، عَلَى النَّظَرِ فِي كَثرَةِ مَالِهِ وقِلْتِه.
وجَائِز - فيما عِندِي - أَن يُشتَرى لَهُ مِن مَالِهِ الفِراش للنوم، واللحاف عِندَ البَردِ، والنَّعل عِندَ الْحَفاء، إذا احتاجَ لِذلِك .. وكذلك تُؤخذ لَهُ الآنيةَ ليَأْكُلَ فِيهَا ولشربه مِمَّا
لا بد له منه.
وجَائِزٌ لِمَن يَكْفُلُ اليتيم أَن يُخَالِطَهُ فِي القُوتِ، إِذَا كَانَ ذَلِكَ أَصلَح لِليَتِيم، ويَكُونُ مَا يَخلطه من مال اليتيم في الطَّعامِ الذي يُرِيدُ مُخَالَطَتُه فِيهِ قَدرَ مَا يَرزَأَهُ اليَتِيمُ أَو دُونَ ذَلِكَ لَا أَكثَر مِن ذَلِك. وجَائِز - فيما عِندِي - أَن يُحْتَنَ اليَتِيمُ فِي الوَقتِ الذِي يُحْتَنُ فِيه مِثْلُه مِن النَّاسِ، وتُسَلِّمُ أَجرَةُ الْخَاتِنِ لَهُ مِن مَالِهِ. ويُعلمُ القُرآن أيضا، ويُعطى للمُعَلِّم الأجرَة مِن مَالِ اليَتِيمِ، إِذَا كَانَ اليَتِيمُ مِن أَهلِ
التعليم.
وإِن أَردتَ مَعرِفَةَ لَفظ إِقَامَة الوَكِيلِ لِليَتِيمِ إِن احتجتَ إِلَيْه، فهو [ان] يَقُولَ الْمُوَكِّل للوكيل: «قد أقمناكَ يَا فُلان بن فلان وكيلاً لليتيم فلان بن فلان الفلاني، في القِيَامِ عليه، وعلى ماله، وفي القِيَامِ بِمَصالِحه، ومصالح مَالِه، وأَن تَنظُرَ لَهُ مَا هُو أَصلَحَ لَه، وفي قبض مَالِه والقيام به، وفي مُقاسَمَةِ شُرَكَائِه، وفي قبض حِصَّيَّه مِن الْمُشَارِك، وقَبضِ مَالِهِ مِمَّا وَجَب ويجب، وإجراءِ النَّفَقَةِ عَلَيهِ، وبَيعِ مَا تَرَى بَيعَه، مِمَّا يَحتَاجُ إِلَيهِ في مصالحه، واستَأجَرنَاكَ عَلى القِيَامِ بِمَصالِحِه، ومَصالِحٍ مَالِهِ بِعُشْرِ عَلَّةٍ مَالِهِ، أَو أَقل، أو أكثرَ عَلَى مَا وَقَع عَليهِ الأَتِّفاقُ». (1/332)
صفحة 333
الدلائل على اللوازم والوسائل "
فإِذا صَارَ وَكِيلاً جازَ لَهُ قَبضُ مَالِه، والنظرُ لَه والتصرُّفُ فِي مَصالِحِهِ، وَإِجْرَاءُ النَّفَقَةِ
وإن
عَلَيه، وقبضُ الثَّمَرَةِ، وحَصادُ الزّراعَةِ، وبَيعُ العُروض والثَّمَارِ، وَجَمِيعِ مَا يَحتَاجُ إِلَيهِ. كَانَ اليَتِيمُ مِمَّن يُخدَم وكَانَ ماله وَاسِعًا جَازَ أَخِذُ الْحَادِمِ لَهُ، وَيُتَّخِذُ لَهُ النِّيَابَ لِلأَعيَادِ؛ لِفَلا يَدخُلَ عَلَيهِ الْجَفاء، ويُقتَعَد لَهُ الْمَاء لِلزِّراعَةِ إِذَا كَان لَهُ أَرضَ وَلَا مَاءً لَه، ولَم تُنفِق الأَرضُ بالقعَادَة إِلا بِالْمَاءِ، أَو رَيِّ الزَّرْعِ لَهُ أَصْلَح.
وليس لِلقَائِم باليتيم أن يَهبَ شَيْئًا مِن مال اليتيم، وَلاَ يُعطِ أحدًا مِنْهُ لا الفقراء ولا غيرهم .. وأمَّا إِحْرَاجُ الزَّكَاةِ عَن اليتيم مِن مَالِهِ فَجَائِزٌ لَهُ ذَلِكَ، وَجَائِزٌ لِلوَكِيلِ أَخِذُ مَا استُؤجر به مِن مَالِ اليَتِيم.
وإِن لَزِمَت الوَكِيلَ تَبِعَةٌ أو ضمان لليتيم، جَازَ لَهُ أَن يُنفِذَ ذَلِكَ مِن مَالِهِ فِي مَصالِح
اليتيم أو مصالح مَالِ اليَتِيم، وجَائِزٌ لَهُ بَيعُ مَا استَغنَى عَنهُ اليَتِيمُ مِن جُمْلَةِ مَالِهِ. وجَائِزٌ لَهُ فَسَلُ مَالِ اليَتِيمِ، ويَشتَرِي لَهُ الأَصل عَلى نَظَرِ الصَّلاحِ، إِذَا رَأَى ذَلِك
وإذا
خيرًا مِن ذَخِيرَةِ النَّقدِ له؛ إلا أن اليتيم إذا بَلغَ ولَم يَرضَ بِذَلِك لَهُ حُجَّتُه. گان اليتيم مِمَّن يُعمَلُ بالأُجرةِ لِحَاجَتِهِ، لِذَلِكَ جَاز لَهُ أَن يُؤَخِّر بِعَدلٍ مِنَ الأجرةِ لِمِثلِ مَا يقدرُ عَلَيهِ، وإِن لَم يَكُن لِليَتِيمِ مَالٌ، وَكَفَلَهُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ وَأَطْعَمَهُ، جَازَ لَهُ استعمال ذلك اليتيم، بما يَستَعمِلُ بِه مِثله من الأَولادِ، فِيمَا يَقدِرُ عَلَيهِ، وجَعَلُ ما يُنفِقُه عَلَيْهِ عِوَضًا مِمَّا اسْتَعْمَلَهُ بِه. ولا يَجوزُ أَن يُسَلَّمَ لِليَتِيم مَالَهُ حَتَّى يُؤنَسَ رُشده، (وإينَاسُ الرُّشْدِ: أَن يَكُونَ حَافِظًا
إن
لِمَالِه مَع بلُوغِه)، ومَن سَلّم إِلَيهِ مَالَهُ قَبْلَ أَن يؤنس رُشدِه أَو قَبْلَ بُلوغِهِ لَم يَبْرَاهُ. ولا يَجوزُ مُبايَعةُ اليَتِيم إِلا أَن يَكُونَ مِن طَرِيقِ الرِّسالَةِ مِن وَالِدَيه، أَو مَن يَكْفُلُه، أَرسَلَهُ أَحدُهُما أَن يَشتَرِي لَهُ حَاجَةٌ فَجَائِرٌ بِالتَّعارُفِ فِي ذَلِكَ، وَبَعضُ لَم يَر ذَلِكَ. ويُعجبني للذي يُبايِعُ اليَتِيمَ - عَلَى قَولِ مَن أَجازَ - أَلَّا يَدفَعَ لِليَتِيم مَا وَزَنَهُ لَه بَل يَضَعُه فِي الأَرضِ، فإِن حَمَلَهُ اليَتِيم بِرَأيهِ، لَم يَكُن مُستَعمِلاً لَهُ بِذَلِك. (1/333)
صفحة 334
الدلائل على اللوازم والوسائل
ومَن تَصدَّقَ عَلى يَتِيمٍ مُحتَاج فَكَأَنَّمَا وَجَّهَ مَالَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ لأنَّ اللَّهَ قَد أَمَرَ بِاليَتَامَى، والصَّدَقَةِ عَليهِم، وجَعَلَ لَهُم سَهما في الغَنِيمَةِ، وسَهما في الفيء بقوله: وماً أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَالرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ). والغَنِيمَةُ والفَيءُ وَاحِدٌ، وإِن اخْتَلَفَت أَسْمَاؤُهُما.
والْحذَرَ الْحَذَر مِن أكلِ أَمْوَالِ اليَتَامَى ظُلمًا، فَالآكِلُونَ لأَمْوَالِ اليَتَامَى ظُلمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا)، فَلا يَجوزُ أَكلُ مَالِ اليَتِيمِ بِغَيْرِ حَقٍّ؛
ولا يجوز أَن يُترَكَ يَضيع بِغَيرِ حِفظ، ويكفِي فِي ذَلِكَ قِيَامُ بَعضٍ عَن بَعضٍ. وأما صحة بُلوغِه: فإِذا أَقرَّ بِالبلوغ فِي الْحَالِ الذِي يَبْلُغ فيه مِثْلُه، أو تظهر فيه عَلامَاتُ البلوغ، مِن إِنبَاتِ شاربه، أو لحيته، أو جُهورٍ صَوتِه، أَو تَنقَضِي لَهُ مُنذُ خُلِقَ خَمْسَ عَشَرَةَ سَنَة إِلَى ثَمَانِيَ عَشَرَةَ سَنَةٍ وَيُقِرٌ [بذلك].
وإِن مَضى لَهُ مِثل القَدْرِ، ولَم يَين لَهُ شَيْءٍ مِن العَلامَاتِ الْمَذكورة، ولَم يُقِرٌ، وَكَانَ فِي النَّظرِ أَنَّهُ لَيسَ بِبَالِغِ مِن قِلَّةِ شَبابِه (شاربه)، وضعفِ بَدنِهِ، فَلَا يُعجِبُنِي أَن يُحكَمَ
عليه بالبلوغ قبل انقِضَاءِ حَمسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً.
1) سورة الحشر: 7.
(2) سورة النساء: 10. (1/334)
صفحة 335
البات
الدلائل على اللوازم والوسائل
في القِيَامِ بِالْمَسَاجِد، ومَا يَجوزُ مِن ذَلِكَ، وَمَا لَا يَجُوز
والله الله يا أخي، - عَافَانَا اللهُ وإِيَّاكَ مِن الْمِحن مَا بَقِينَا فِي هَذَا الزَّمَنِ – وَمِمَّا أُحِبُّ لَكَ لُزُومِ الْمَسَاجِد، فَإِنَّها مَجالِسُ الأَمَاجد.
وقيل عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «الْمَسجِد بَيتُ كُلِّ تَقِي» (1)، فإِن كُنتَ تَقِيًّا فَالزَم المسجد، وَلَا تَلزَمَهُ لِمُحادَثَةِ أَهلِ الدُّنْيَا، وَلاَ لِلنَّومِ، وَلَا لِعَمَلِ الصَّنَائِع، بَل الزَمَهُ لِلصَّلاة، وللذكر، ولقِرَاءَةِ القُرآنِ ولِمُذاكَرَةِ العِلم، ولِصَّلَاةِ الْجَمَاعَة؛ وأَمَّا عَمِلُ الصَّنْعَةِ فيه فَلا أُحِبُّ ذَلِكَ إِلَّا لِمَن يَحرِصُ عَلَى صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، وَاحْتَاجَ إِلَى عَمَلِ صَنَعَةٍ لَا يَتَوَلَّدُ عَلَى الْمَسجِد مِنهَا ضَرَرٌ، مثل سفة خوص (2)، أو خِياطَةِ ثَوبٍ، بَل الوَاحِبُ إِكْرَامُ بيت الله وإجلاله، وتَرِيهُه أَن يُستَعمَلَ لِغَيرِ مَا بُنِي لَه؛ فإِنْ العَادةَ قَد حَرَت وعرفت أَنْ كُلِّ مَن بَنَى مَسجِدا، فلا يبنيه إِلا لِصَلاةٍ، فكيف يُتَّخِذُ لِغَيرِهَا؟ أَمَا هَذَا إِحْلَالٌ لِمَا عُمِلَ
له؟.
وإِذَا كَانَ الْمَسجد جَارًا لَك بقرب مَسكَنك فَاعْمُرهُ بِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، إِن كُنتَ إمامًا أو مامُومًا، إِلَّا أَن تُصَلِّيَ فِيهِ الْجَمَاعَةِ وَكُنتَ حَاضِرًا أَو غَيْرَ حَاضِرٍ، فَلَا بَأْسَ عَلَيكَ أَن
تُصَلِّيَ فِي غَيْرِهِ. وأَمَّا إِذَا خِفتَ مِن تَخَلَّفِك عَن الصَّلاةِ فيه، إذا لَم تَحضُر فَلَا تَسْتَقِيمُ فِيهِ صَلَاةُ
جَمَاعَةٍ، فَلا أُحِبُّ لَك تَركُه، وأخافُ عَليكَ مِن السُّؤالِ غَدًا، فَاحْذَر ذَلِك.
1) الحديث رواه الطبراني بلفظه والبزار وحسنه البيهقي في الشعب (ر 2950)، والطبراني في الكبير عن أبي الدرداء (ر 6143)، والقضاعي في الشهاب ((72). انظر: كشف الخفاء، ر 2710، 297/ 2
2) سفةُ الخوص: هي عملية إدخال سعف النخل فيما بينه وربطه بحبال دقيقة لصنع أوعية وأجربة وفرش وغيرها. (1/335)
صفحة 336
الدلائل على اللوازم والوسائل
وأمَّا عِمَارَتُه بِالبَنَاءِ، والجُذوع، والأبواب، وشِرَاءِ البُسطِ، وغَيرِ ذَلِكَ مِمَّا يُعمَرُ الْمَسَاجِد، فذَلِك إِلَى حَاكِمِ البَلدِ مِن إِمَامٍ، أو قاض، أَو وَالٍ عِندَ وُجودِ هَؤُلاءِ، فَإِن عُدِمَ هَؤُلاءِ مِن البَلَدِ، ولَم يَكُن ذَلِكَ البَلَدُ فِي حُكمِ أَحدٍ مِن مِثلِ هَؤُلَاءِ، وهُو فِي غيرها، أو كانت بلده مُنفَرِدَةٌ لا حَاكِمَ لَها؛ فَالقِيَامُ يَلِيهِ جَمَاعَةُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ العدول مِن اثنينِ فَصاعِدًا، يُقِيمُونَ وكلاء للمساجِدِ وغَيْرِها، عَلَى مَا يَقَعُ عَليهِ نَظُرُهُم مِمَّن يَصلُح لِذلِك مِن ثِقَات البَلَدِ مِن أَهلِ النَّبَاهَةِ لاَ أَهلِ البَلاهَةِ، ولَو كَانُوا عُدولاً؛ لأَن النَّاسَ لَيسُوا سَوَاء. فإِذَا أَقام أحدٌ مِن الْمَذكُورينَ وَكِيلاً لِشَيءٍ مِن الْمَسَاجِد، ويُقِيمُونَهُ بِلَفظٍ تَامٌ، يَشتَرِطُونَ عَلَيهِ القِيامَ بِالْمَسجِد، وبماله، وإجراءِ سُنَّتِه إِن كَانَت لَهُ سُنن، ويَسْتَأْخِرُونَه بِسَهم مَعْلُومٍ مِن غَلَّةٍ مَالِ الْمَسجِد، وعلَى مَا يَتَّفِقُون هُم وإِيَّاهُ مِن عُشْرٍ، أَو أَقل أو أكثر، واللفظ أن يَقُول الْمُوكَّلُ لِلوكيل: «قد أقمناكَ يَا فُلان وَكِيلاً لِمَسجِدِ كذَا، مِن قريَةِ كذَا، فِي القِيَامِ به وبِمَصالِحِه ومَا يَحتاج إليه، وفي القيام بماله وبِمَصالِح ماله وما يَحتاجُ إليه ماله، وقد جَعَلْتُ لَك أَن تَبِيعَ غَلَةَ مَالِ هَذَا الْمَسجِد عَلَى مَا يَجوزُ بَيعُها عند المُسلِمِينَ، وأن تَجعَل غَلة ماله في مصالح هَذَا الْمَسجِد، مِن عمَارِ، أَو فِطرَةٍ، أو مَا يَحتاجُ إليه، وقد فَرَضتُ لَك عُشر غَلَّةٍ مَالِ هَذَا الْمَسجِد أَجْرًا لَكَ عَلَى قِيَامِكَ بِهِ
وبماليه».
وإِن زَادَ اللفظ أو نَقُصَ عَن هَذَا فَثَابت عِندِي إِذا كان قد استوفى اللفظُ الْمَعْنَى
الْمَطلُوب .. فإِذَا صَارَ وَكِيلاً لَهُ تَوجَّهَ لَهُ لُزُومُ العَمَارِ لِذلِكَ الْمَسجِد، ولِما لَهُ عَليهِ. وقيل: الوكيل يتوجه له لُزُومُ قِيامِهِ عَلى الْجَمَاعَة عِندَ عَدمِ الْحُكام، وعلى الحكامِ عِندَ
وجُودِهم. (1/336)
صفحة 337
AFFY
الدلائل على اللوازم والوسائل
فإذا أُثبت الوَكيلُ كَانَ عَليهِ القِيامُ بِعِمَارَةِ ذَلِكَ الْمَسجِد مِن جَمِيعِ مَا يَحتاجُ إِلَيهِ مِن عِمَارَةٍ، وبِنَاءِ حُدْرِه، وسجاج (1) سطوحه، وتحديد جُذوعه، ودعونه (3)، وأبوابه، وبسطه إذا رنت، أو رتْ شَيْءٌ مِنها، وكذلك الْمَيَازِيب. ويَشْتَرِي جَمِيعَ مَا يَحتَاجُ إِلَيهِ مِمَّا وَصَفْتُه ويَستَأجِرُ أَيضًا مَن أَرادَ أَن يَستَخدِمَهُ لِعَمَارِ ذَلِكَ الْمَسجِد، مِن مَالِ الْمَسجِد الذي هُو مَترُوكٌ لِلعَمَارِ بِتَوقِيف أو إدراك) كذَلِكَ .. وإِن لَم يَكُن لَهُ مُعَيَّنًا بَل هُو جَمَلَة، فيعمر مِن تِلكَ الْجَمَلَةِ. وكُلُّ مَالِ مِن نَخلِ، أَو أَرضِ، أَو أَمْوَاءٍ مَوقُوفٌ لِشَيْءٍ مَخصُوص مِن: فِطرَةٍ، أو هجور (9)، أَو لِشُرب ماء، أو لِعِمَارِ جِدَارٍ، أَو لِلتَّفرقة، أو لِمَاكِهَةٍ؛ فَهُو لِما جُعِلَ لَهُ، وَلَا يجوزُ أَن يُؤْخَذَ مِنْهُ شَيء لغَيرِهِ. ولو خرب الْمَسجِدُ لِقلَّةِ مَالِ عَمَارَه جَازَ أَن يُعمَّرَ بِشَيْءٍ مِمَّا وُقْفَ لِغَيرِ ذلِكَ، وَمَا كانَ لِلعَمَارِ فَلا يُنفَذُ إِلَّا فِيه. ومَا كَانَ مَوقُوفًا للعمار أو للفطور أو لِغَيرِ ذَلِكَ، كَذلِكَ يُنفَدُ عَلَى مَا وُقفَ وأَدْرَكَ، مَا لَم يَصِحٌ بَاطِلُ ذَلِك. ومَا كَانَ مِنهُ عَلَى رَأيِ الْجَمَاعَة فَهُو يُنَفِّذُ عَلى رَأيهم من: عمارة، أو أكل .. وفيما عِندِي أَن فِي البُسط اختلافًا، فقول: هُنَّ مِن العمار. وقَولٌ: هُنَّ لِلجَمَاعَةِ. وَلَا يَجوزُ شراؤهُنَّ مِن الْمَالِ العمار، وأمَّا أنا - علَى قِلَّةِ عِلمي وضَعَفَ رَأتِي - فيُعجِبُنِي أَن يَكونَ شراؤهُنَّ مِن العِمَار؛ لأنَّهُنَّ - فيما عِندِي - إصلاح أرضِ الْمَسجِد؛ لأَن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم
(1) سَجَاج ويُنطق بالصاد عند البعض، وهو صب الطين على الجذوع وسعف النخل عند البناء. (2) الدعُون: عبارة عن قطع مختلفة الطول من أغصان النخل (الزور أو الجريد تربط ببعضها بإحكام بحبال
مصنوعة من الليف المجدول وتختلف أحجامها حسب الحاجة. انظر: مكي: النخيل، 262.
3) أي: المال الذي يُدركه الناس أنه لعمارة المسجد دون أن يصرح فيه بالتوقيف والحبس. (4) مالُ الْجُملة:
هو مجموعة من الأموال المختلفة لم يحدد بالتوقيف ولم يعرف بالإدراك. (5) الهجُور: هو الوجبة التي يطعمها الناس بعد صلاة الفجر. (1/337)
صفحة 338
الدلائل على اللوازم والوسائل
يَفرُشُ فَوقَهَا، حَتَّى رُبَّما لا تحتاجُ إلَى سَجَاج، وإِن كَانَت لِجُلُوسِ الْجَمَاعَةِ فَالْجَمَاعَةِ هُم عُمَّارُ الْمَسجِد، وأَيُّ عَمَارٍ أَنفِعُ مِنه.
وأمَّا السِّراجُ الذي لَم يُدرَك مِن قَبل فَلا يُعجِبْنِي أَن يُؤْخَذَ مِن مَالِ العَمَارِ، وَأَمَّا إِن
كانَ مِن مَالِ الوَقفِ عَلَى رَأيِ الْجَمَاعَة، ورَضُوا بِذَلِكَ جَمِيعًا فَجَائِرٌ عِندي. وأَمَّا مَا كانَ مَوقُوفًا لِفُطور الصَّائِمِين فِي ذَلِكَ الْمَسجد فَلَا يُنَفِّذُ إِلَّا فِيهِ قَلْ أَو كُثر، والنَّوى الذي يَخرُج مِنه محدود، وإن فَضْلَ تَمرُ الفُطور مِن هَذِهِ اللَّيلِةِ، فَيُزادُ به لِلمُفطِرِينَ فِي اللَّيلِةِ الْمُقِبِلَةِ إِذَا كَانَ مَحدودًا، وإِن فَضل أيضًا فَيُزادُ بِهِ فِي لَيلَةٍ غَيْرِها، فعلَى هَذَا إِلَى أَن
يَتِمَّ شَهرٍ رَمَضَان.
وإِن فَضْلَ شَيْءٍ مِنه بَعدَ تَمَامِ الشَّهرِ كُلَّه فَيُباعُ ويُحفَظُ ثَمَنُه لِيُشتَرَى بِهِ تَمرًا، لِيَكُونَ أيضا زيادة على الفِطرَةِ الْمَحدُودة، ولو لِغَيرِ تِلكَ السَّنة، وعلَى هَذَا يَكُونُ الْحُكمُ بِه .. وإن نقص فَلا يَجوزُ أَن يُزادَ لَهُ شَيْءٌ مِن غَيره، وكذلِك بَقيَّةَ الأَوقَافِ الْمَحدُودِةِ بِزَمَانٍ أَو بأوزان، إِذَا فَضْل مِنها شَيْءٌ تُرِكَ لِيُنْفَذَ فِي مِثْلِ مَا يُنفَذُ فِيهِ مِن قَبْلُ، وَاللَّهُ أَعْلَم. ويُعجبنِي أَن تُصانَ الْمَسَاجِد مِن دُخولِ الدَّوَابِّ، والصبيان، والمجانين، والأَموَاتِ، وعن البيع والشراء، والصنائع، والقبيح من القول، والخوض فيما لا يُعْنِي (يعني)، وعَن البزاق، والمخاط، والبول، والغائط، وعَن سَلْ السُّيوف، وعَن أَن تُتَّخِذَ طرقًا، وعَن أَن تُنشَدَ فيها الأَشعارُ بِالْحَانِ زائدَةٍ، ولا يُمَرُّ فِيها بلحم، وَلَا يُبنى بِالتَّصاوِيرِ، وَلَا يُنْفَخُ فِيها بالمزامير، ولا يُوقَدُ فِيها نَارٌ لِطعَامٍ وَلا لاصطِلاء، إلا مِن ضَرورَةِ بَردٍ وغَيْرِه، ويُخرجُ مِنها جَميعُ القذى مِمَّا يَتَولَّدُ فِيها من جَمِيع الأوساخ، وإِن لَم يَكُن فُرِشَ البسطُ فِيها فَيُوضعُ فيها الْحَصَى الصَّغِيرُ. والذي يُرِيد دخول الْمَسجِد يبدأُ برجله اليمنى، وليقل: «بسم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم، والحَمدُ لله، والصلاةُ والسَّلامُ عَلى رَسول الله وعلَى أَولياء اللَّهِ، السَّلامُ عَلينا وعلى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحين، اللهم اغفر لي، وافتح لي أبوابَ رَحمَتِك». (1/338)
صفحة 339
الدلائل على اللوازم والوسائل
وإن أراد الخروج قدَّمَ رِجلَهُ اليُسرى، وقال: «اللَّهُمَّ إِنِّي بِاسمِكَ انصَرَفتُ وبِذَنبِي اعْتَرَفتُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَستَغفِرُكَ مِن سُوءِ مَا اقْتَرَفتُ، اللهم صلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وعَلَى آل مُحمَّدٍ، اللهم افتح لي أبوابَ فَضلِك ورَحمَتِكَ يَا أَرحمَ الرَّاحِمين». وقيل: إِنَّهُ «مَا مِن عَبدٍ مُؤمِن مَرَّ بِمَسجدٍ مِن مَساجِدِ اللَّهِ، فَصَلَّى لِلَّهِ تعالَى فِيه
ركعتين فَرِيضَةً أَو نَافِلَةً إلا أعطاهُ اللهُ مِن الثَّواب مِلءَ مَا فِي الْأَرْضِ مِنَ الْمَسَاجِد». وإذا لم يُوجد لِلمَسجِد طَرِيقٌ أُخِذَ لَهُ طَريقٌ بِالثّمن مِن أقرب الأَماكِنِ إِلَيْهِ، وَلَا يُحَرَّبُ الْمَسجد ليُحدَّدَ إلا أن يكونَ مَخوفًا؛ فَجائِرٌ هَدمُه وتَجدِيدُه عَلَى هَذِهِ الصَّفَة. وإِن خَربَ مَسجِدٌ مِن الْمَسَاجِد ولَم يَصِحٌ لَهُ مَن يَعمره، ولا لَهُ مَالٌ يُقَدَرُ (نقد) ليُعمَّرَ مِنهُ، وَلَهُ مَالُ العِمارَةِ لاَ لِشَيءٍ غَيره، جازَ أَن يُباعَ مِن ذَلِكَ الأَصلِ بِقَدْرِ مَا يُعمَّرُ المسجد، وأرجو أن في هذا اختلافًا.
وأَمَّا تَضييقُ الْمَسجِد وتَوسِيعُه إِذا كانَ صَلاحًا في نظَرِ القائمِ جَازَ لَهُ ذَلِكَ، وكذلك جَائِزٌ عَلى نَظرِ الصَّلاحِ أَن يُحوَّلَ الصَّرْحُ مَكَانَ الْمَسجِد، ويُجعَلَ الْمَسجد مكان الصرح عَلَى نَظرِ الصَّلاحِ، مِمَّن لَهُ بَصرٌ ونَظَرْ فِي ذَلِكَ، وَمَن اضطُرَّ مِن مَطرٍ أَو غَيْرِهِ، مِثلَ عَدُوٌّ مَنعَهُ دُخول بَيتِه جَاز لَهُ دُخول المسجد، ويُدخِلُ فِيه دوَابَّهُ وأَمتِعَتَهُ مِن أَجلِ الضَّرُورَةِ، وإذا أَمِنَ أَخرَج ذَلِك، وأخرَجَ مَا تَولّدَ مِن الضَّرَرِ مِن الدَّوَابِّ وَالأَولادِ، وإِن لَحِقَت نَجاسَةٌ فِي الْمَسجد مِن دَوابِّه وأَولادِه طَهَّرَ ذَلِكَ، وقِيلَ: لَا بَأْسَ أَن يَعْرِزَ وَتَدًا في جدار المسجد لتعليق قِربَةٍ، أَو غَيرِ ذلك إِذا لَم يَتولَّد مِن ذَلِكَ ضَرَرٌ عَلَى
شيء:
وكذلك الْخَشَبَةُ تُنصَبُ فِي الْمَسجِد، ويُعلِّقُ الْحَبلُ فِي جُذوع
للمحجن (2)، والقول فيه واحد.
1) القربَةُ: وعاء من جلد يستخدم لحمل الماء وغيره.
المسجد
المحجن: هُو العصا أو العود معقوف الطرف يُعلّق فيه الأشياء من قلة وغيرها. انظر: العين، (حجن). (1/339)
صفحة 340
الدلائل على اللوازم والوسائل
34
ويجوز أَن يُحفر في جدار ا الْمَسجد مَكانٌ لِلسِّراج. وكُلُّ شَيْءٍ لَا قِيمةَ لَهُ مِن مَالِ الْمَسجِد فَلا بأسَ عَلَى مَن انتفعَ بِهِ، وَمَن بَاعَ شيئاً مِن غَلَّةٍ مَالِ الْمَسجِد بِنَسيقةٍ من وكيل، أو مُحتسب، ثُمَّ أَفَلَس الْمُشْتَرِي أَو أَنكر، وذَهَبَ مَالُ الْمَسجِد فَهُو لَه ضَامِن.
والقِياضُ بِمالِ الْمَسجِد فيه اختِلافُ بَعضَ: أَجازَهُ عَلَى نَظرِ الصَّلاحِ. وبعض: لَم يُجزه، وعِندي أَنَّ تَرَكَهُ أَسلم، إلا أن يرى ضررًا عَلَى مَالِ الْمَسْجِدِ فِي تَركِ القِياضِ بِه. ومن استطنَى شَيْئاً مِن مَالِ الْمَسجِد أو مال اليتيم مِن وَكيل أو مُحتَسِبٍ، فَكَسَر شَيْئاً من الزورِ الرَّطب، فَالْحَطأُ مَضمُونٌ إن كان لِذلِك قِيمَة فِي تِلكَ الأَرض، أو كانَ ذلِك
يُنقص النخلة.
والأجير الذي يُخلّجُ (1) نخلَ الْمَسجِد فيكسرُ شَيْئًا مِن العُذوقِ فَعَلَيهِ ضَمَانُ قِيمَتِهَا يَومَ
كسرها.
ومَن استطنَى نَحْلَ الْمَسجِد فَالزّورُ اليابسُ لَيس هُو لَه، إِلَّا أَن يَكُون شَرطًا أو سُنَّة فِي ذلك البلد لا يجهلها أحدٌ، وكان لا يسوي قيمة.
ومَن باع شيئاً مِن مَالِ الْمَسجِد عَلى غَنِيٌّ وفِي فَمات قبل أَن يُوَفِّيهِ، فَلا ضَمَانَ عَلَى البائع .. وإِن بَاعَ عَلَى غَيْرِ مَا وَصَفَتُ لَكَ فَلَا أُبرتُه مِن الضَّمَانِ. وَلَا يَستَطِنِي الرَّجُلُ الورعُ شَيْئًا مِن مَالِ الْمَسجِد أَو اليَتِيمُ إِلَّا مِن ثِقَةٍ، فَإِن اسْتَطَنَاهُ مِن غَيرِ ثِقَةٍ، وسلَّمَ إِلَيهِ الثَّمَنَ فهُو ضَامِنٌ، حَتَّى يَعلَمَ أَنَّهُ وضعه في موضعه .. وإِن كَان الطَّنَى بِعَدلٍ من السعر ولم يُسَلَّم الثَّمَن إِلَى غَيْرِ ثِقَةٍ، إِمَّا حَفِظَهُ بِنَفْسِهِ، أَو دَفَعَهُ إِلَى ثِقَةٍ فَذَلِكَ يُبرئه إن شاء الله
ومَن أَنفذَ مَن عَليهِ حَقٌّ للمسجدِ، أَو ضَمَانٌ لِلمَسجِدِ فِي عِمَارَةِ الْمَسجِد فَذلِكَ وجه خلاص، وإن سَقطت نَحْلَةُ الْمَسجِد في الطَّريقِ أو جِدَارُه، أو شَيْء مِن مَالِهِ فَإِحْرَاجُ ذَلِك
1) التخليج: هو تحدير العرجون وتتزيله حتى يسهل جني الرطب منه وقطعه عند نضجه. (1/340)
صفحة 341
الدلائل على اللوازم والوسائل
يَكُون مِن مَال المسجد .. وكذلك فيما عِندِي اليتيم والغائب، ووكيل المسجد، والْمُحتسب لَهُ، جَائِزٌ أَن يُشتري البَدْرَ والسَّمادَ ويُطني الْمَاء مِن مَالِ الْمَسجد إذا أراد أن يَزرَع أَرضَهُ إِذا رأى ذَلِك أصلح، وكان أعْلَى لِلمَسجِد من كِرَائِها، ولا يَضِيقُ – إن شاءَ الله - عَلى القَائِمِ بِالْمَسجِد، أو بِمالِه أَن يَحوطَ عَلَى أرض الْمَسجِد بجدَارٍ ليحصنُها مِن الدواب وغيرها، إذا رأى ذَلِك أَصلحَ لِلمَسجِد، ويُسلِّمُ أُجرةَ ذَلِكَ مِن مال غَلَّةِ الأَرضِ، وأَمَّا فِي الْحُكمِ فَلا يَجوزُ ذَلِكَ. ويجوز أن يفسل فَسلاً فِي أَرضِ الْمَسجِد، ويُعطي (ويسلم) لِلَّذِي يَفسِلُ الكِراء مِن مَال الْمَسجد إذا كانَ الْمَسجد مُستَغنيًا عَن ذَلِكَ الْمَال فِي ذَلِكَ الوَقتِ، وكانَ فِي ذَلِكَ الصَّلاحُ لِلمسجد. ويُشتَرى لَهُ الصَّرم مِن مَالِه ليفسلَ لَهُ فِي مَالِه إِذا لَم يَكُن فِي مَالِه شَيْءٌ مِن الصَّرِمِ، فإن فضلَ صَرم الْمَسجد من قبل مال الْمَسجِد فَسَلَ مَالِهِ جَازِ بَيعُه. ويَجوزُ فَعدُ أَرضِ الْمَسجِد لِمَن يَزرَعُها بِحَبِّ أَو فِضَّةٍ، لِمَن اقتَعدَهَا مِن ثِقَةٍ، وإِن
دُفِعَت لِمَن يُفسلُها مَوزاً أو غَيرهُ بِجُزءٍ لِلمسجدِ. علتِها فَجَائِرٌ ذَلِكَ إِن شَاءَ الله. مِن. ومَن بُلِيَ بِشيءٍ مِن أَمْوَالِ الْمَسَاجِد فَجَائِزٌ لَه أَن يَستَعمِلَ لَهَا غَيْرُه إِن لَم يَقدِرٍ هُو على العمل بنفسه، وَلَا تَستَعمِل خَائِنَا، وفيما عِندِي فِي الاعتبار فِي هَذَا الزَّمَانِ لِقلَّةِ النقاتِ أن لا يضيق على القائم بالمسجد أو اليتيم أَن يَستعمِلَ أَو يُؤخِّرَ غَير الثَّقَةِ، إِذا كان أمينا على ما يُدخِلُه فيه، وإن اطلعَ مِنهُ علَى خِيانَةٍ عَزَلَهُ .. ولو أَنَّهُ يَكُونُ غَيْر ثِقَةٍ فِي بَقِيَّةِ أُمورِه إِذا لَم يَصحَ لَهُ ثِقَةٌ وعَدمَ فِي وَقتِه ذَلِكَ مِن الثقات.
وقد جاء في بعض الآثارِ أَنْ وَكِيلَ الْمَسجِد يَفعَلُ من القِيَامِ ونَظرِ الصَّلاحِ لِمَالِ الْمَسجد، مِثل مَا يَفعَلُ غَيْرُه فِي مَالِه، والنَّاسُ لَيسوا سواء. (1/341)
صفحة 342
الدلائل على اللوازم والوسائل
ويُعجِبُنِي لهذا القائم بِمَالِ الْمَسجِد أَن يَفعلَ فِي قِيَامِه لِلمَسجِد وبِمَالِهِ، مِثلَ مَا يَفْعَلُ الْمُؤْمِنُ الْمُوسِرُ العَامِرِ لِمَالِهِ مِن جَمِيعِ القِيَامِ إِذا كَانَ الْمَسْجِدُ مَالهِ وَاسِعٌ لِذَلِكَ، وَلَا
يَكُونُ مِثل الْمُضَيِّعِين مِن أَهلِ الأَمْوَالِ الذين لا هِمَّةٌ لَهُم بِمِثْلِ هَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَم.
ہيں (1/342)
صفحة 343
343
البال
في شَيءٍ من ذكر الرموم (1)
الدلائل على اللوازم والوسائل
واحذر يا أخي، - حَفِظَك اللهُ بعونه – أن تتعرض للدخول في الرموم من: نخيل، وأراض، وأمواءٍ، إِلا مَا لَكَ فِيهِ نَصِيبٌ، فَخُذ مِنهُ نَصِيبَكَ، إِذَا عَرَفتَهُ يَقِينًا، وإلا فَدَعه وخذ بِالْحَزِمِ؛ لأنَّا نَرى الوَرعَ قَد قَلْ فِي النَّاسِ، إِلا مَن شاء الله، وإذَا قَلْ الوَرعُ فِي النَّاسِ لَم نَجِدهُم يَدخلون في الأشياء على الشرع، ولم نجدهَا صَافيةً.
فخذ بِالوَرَعِ وجَانِب الطمعَ، فَرِزْقُكَ لاَ يَفُوتُك، وقد ضَمِن اللهُ لَك قُوتَك، فلا تدخل إلا فيما اتضح لك صوابه، وانفتح لك من طريق الشرع بابه .. ومن كانَ في يَدِهِ مِنها شَيء فَلا تَحرِمهُ عَليهِ، ولا تُعارِضه فيه، فَكُلُّ أُولَى بِما في
يده.
ولستُ أحكُمُ بِتَحريم الرم؛ إلا أنِّي أُحِبُّ التنزة لصاحب الورع لقلة الإنصاف مِمَّن فِي يَدِهِ شَيْءٌ مِن الرُّمومِ، ولأن كَثِيرًا مِن النَّاسِ حازَ شَيئًا من الرمومِ وتَمَلكَها ولَيسَت لَهُ. وأمَّا إِن عَلِمتَ بِرَمٌ صَحيحٍ فِي يَد أَهلِهِ يَتبَعُونَ فِيه الشرع؛ فجَائِز الأكل مِمَّن هُو فِي يَدِه، ويُزرَعُ إِن شاءَ بِرَأي أَهلِه .. ويَجوزُ لِمَن أَرادَ أَن يَكتَرِيَ منهم أرضًا، أو يُطني منهم أمواها، أو يَستَطنِيَ مِنهُم نَخِيلاً .. وكُلُّ مَن أقرَّ
بِشَيْءٍ مِمَّا فِي يَدِهِ أَنَّهُ رَمٌ فَإِقرارُه مَقبُولٌ، مَا لَم تُعارِضَهُ حُجَّةٌ تُخالِفُ إِقراره ..
1) الرموم جمع رم، وهو ما بَلي من الشيء وقدم، وفي العرف العماني هي الأموال الموقوفة لفئة معينة من قوم أو قبيلة، فلا يتصرف فيها إلا بإذنهم. (1/343)
صفحة 344
الدلائل على اللوازم والوسائل
وكُلُّ مَن ادَّعَى أَرضاً مَوَاتًا أَنَّها رَمَّ لَه فَلا يُقبَلُ قَولُه إِلا بِالصَّحَّةِ، وقسم الرَّمُ على مَا
أدرك، ولو كانَ مِن قَبلِ الإسلامِ فَهُو ثابتٌ عَلى سُنَّته التي أدركَ عَليهَا. وَلا يَجوزُ تَغييرُها عَن العَادةِ الأُولَى، وبُنُو البَناتِ لَا شَيء لَهُم فِي الرُّموم. والرمومُ لاَ تُورث، ولا تُقسم ولا تُباع، ولا تُشترى ولا يُبنى فيها، وَلا تُتَّخِذُ أبدًا لأحدٍ مِن النَّاسِ دُون أَحدٍ مِن جَمِيعِ الأَحياء.
ومَن ماتَ فَلا شَيْءٍ لِوَرَثَتِه إِلا مِثل وَاحِدٍ مِن أَهلِ الرَّم، وإِن عَمَّرَ أَحدٌ فِيها شَيْئًا فَلَيسَ لَهُ أَن يَمَنَعَ مِنْهُ غَيْرَه. والْمَعادِنُ قسمُها لأهلها عَلى قِسمتِهم وسنتهم ورسمهم الذي قد سبق، ولم يُغيره الإسلام، وَالله أَعلم، وبه نَستَعِين. (1/344)
صفحة 345
البات
الدلائل على اللوازم والوسائل
في ذكرِ شَيءٍ مِن أَحكام الأنهارِ، وَمَا يَجوزُ فِيها، ومَا لَا يَجُوز
وإن صرت يا أخي - وقانا الله وإيَّاكَ كُلِّ مكروه – مِن أَهلِ اليَسار، ومِمَّن دخل عِندَ أَهلِ الدُّنيا، وشاركهم فيها الأموال والأنهار، والأراضي، والزروع، والأشجار، ومِمَّن به فِي الْمُعضلاتِ يُؤتَمُّ ويُستشَار؛ فَاعلَم أَن مِن الوَاجِبِ عَلَى النَّاسِ إِصلاحَ أنهارهم، وإصلاحَ سَواقِيهم، والتَّعاوُنَ فِي ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُم عَلَى كُلِّ بِقَدَرٍ نَصيبه،
من حاضرٍ وغَائب وبالغ، ويتيم، ورَجُلٍ، وامرَأَةٍ، يُوحَذُ ذَلِكَ مِن عِندِ الْجَمِيعِ. ويَقُومُ بِذَلك الْجُبَاةُ. مِن رِجَال البلد الأمناء، الذين لَهُم الحل والعقدُ فِي ذَلِك البلد، ومَن أبَى عَن تسليم ما عليه، وامتنع من ذلك جازَ أَن يُجبَرَ عَلَى تَسلِيمٍ قَدرِ مَا وبه، وهذَا عِندي إذا أصابَ الفلج ضَررٌ، واندفنَ بشَيءٍ مِن سُيول أو غيرها، وخِيفَ عَليه أن يذهب كله، ويضعف عَن عَادَتِه ويَنقُص، وقاطع عَلَيْهِ الْحُبَاةَ؛ فَذَلِكَ ثَابِتٌ عَلَى
الْجَمِيع. ومَن طَلَبَ مِن أَرباب الفَلج أن يُحفِرَ بحصّتِه بقدر ما يَنُوبُه، أو عَلى سُنَّةِ أَهل تلك البلدِ فَلَهُ ذلك .. وأمَّا من حَفَرَ الزّيادَةَ فِي الأفلاج مِن ثُقوب أو غَيْرِها فَلا يُحكم به عَلى أَهْلِ الفَلَحِ إِلا مَن أَرادَ مِنْهُ أَن يُسلَّمَ بِغَيْرِ حُكم ..
وكذلك من حَفَرَ الْجَبلَ مِن أَصلِ سَاقِيَةِ الفَلَحِ لاَ يُحكَمُ بِهِ عَلَى النَّاسِ، وَلَا عَلَى الأَعْيابِ وَلا الأَيتَامِ إِلا مَا كانَ رَادًّا للفلج، وفي حفره الصلاح للفلج في نَظرِ العَارِفين بذلك، والله أعلم. (1/345)
صفحة 346
الدلائل على اللوازم والوسائل
346
البات
في ذكرِ شَيءٍ مِن الإجاراتِ وَالأكرِيَةِ، وعمل الأموال، وَذِكرِ أُجرَةِ الصانع، وغير ذلك
واعْلَمْ يا أخي، - سلّمنا الله وإِيَّاكَ مِنَ الشيطانِ وأعوانه -إن كنت من أهل الْحَاجَة وَلَمْ تَجِد سَبيلا عَن الْخِدمَةِ بالأَجرَةِ في مِثلِ خِدمة الأفلاج، والأُخِرَةِ فِي ذَلِكَ فلا تَحُن؛ فَإِنَّهُم قَد عَمِلُوا بذلك إذا كان الوقتُ مَعلُوماً وَالأُخِرَةُ مَعلُومة .. وإن كانت الإجَارَةُ مَعلُومَةً، ومِقدارُ العمل مجهولا [كذلك]. وكَذَلِكَ حَفِرُ الأَطوَى عَلَى هَذِهِ الصفة، إذا كانَ للحفّارِ كُلِّ يَومٍ شَيْءٍ مَعلوم، فقد عَمِلُوا بذلِكَ، وإن كانَ مِقدارُ مَا يَعْمَلُ مَجهولا عَمِلُه؛ لأَنَّهُ لَا يُدرَى كُم يُخْرِجُ مِن
الطين، ولا كم يحفر مَن بَاعٍ، وَهَذَا مِن الْمَجْهُولاتِ. وإن كانت الْمُقاطعة عَلَى الْحَفْرِ أَبواعًا مِن الأرض في عُمقِ ذَلِكَ وعَرضِهِ فَذَلِكَ مَجهول أيضا غَير مَعلُوم؛ لأَنَّهُ لا يُعلَم أَلَّيِّنْ أَم وَعتْ (1)، والْمُتامَمَة (2) قَد عَمِلُوا بِهَا، وَإِن تَناقَضُوا ذَلِكَ فَذَلِكَ مُنتَقضُ؛ لأَنَّهُ مَجْهُولٌ.
والأجرَةُ فِي رَدمِ الأرضِ لِكُلِّ يَوم أَجْرٌ مَعلوم، والأُجْرَة مَعلُومة، والعمل فيه
مَجْهُول، وقد عَمِلُوا بِهِ وَإن كانَ مَجْهُولا، وفِي الْمُناقَضَةِ يَجِبُ للأَخِير عَناؤُه. وَأَجرَة الْحَجَّامِ مَجْهُولة؛ لأَنَّهُ لا يُدرَى كَم يَشرِطُ مِن شَرِطَةٍ، وَلَا مَا يَخْرُجُ مِنَ
الدم، وَإِنَّمَا لَه أُجْرَةُ مِثلِهِ، وَقَد عَمِلُوا بِذَلِكَ.
1) الوعث: من الرمل ما غابت فيه القوائم ومنه اشتق وعثاء السفر، يعني مشقته. انظر: العين (وعث). ولعل الأصل: "وعر" بدل "وعث"، لتشابه الوعث واللين.
(2) المتامّمة: هي المراضاة والاتفاق الذي يكون بين الأجير والمؤجر على خدمة ما.
شَرْطَة الحاجم هي العلامة والأثر الذي يتركه في المحجوم. انظر: معجم ا المصطلحات، 2/ 326. (1/346)
صفحة 347
الدلائل على اللوازم والوسائل
وَأَجْرَة البناءِ كُلَّ يَومٍ شَيْء مَعلُوم، فذَلِكَ العملُ مَجْهُول ولَه عَناؤُهُ، وَإِن قَاطِعَهُ عَلَى ذَرعٍ مَعْلُومٍ مِن طُولٍ أو عرض في الذرع، ولَه أَجْرٌ مَعلُوم، فَإِنَّ الإِجَارَةَ مَعْلُومَة، والعمل معروف في الذرعِ فَله إِجَارتُه .. وقد أجازوها، ولا عناء فيه للأجير حَتَّى يُتِمَّه، فذلكَ العملُ غَير مَعلوم مِقدَارُه.
وحفر الأفلاج بحصة مَعْلُومَةٍ، فَذَلِكَ مَجْهُول العمل به، ومَجْهُولُ العرض،
ومَجْهُولُ الْمَقدَارِ؛ فَلَا يَثبت ذَلِكَ فِي الْحُكمِ وَإِن كَانَ قَد عَمِلُوا به.
وعَمَلُ الأرضِ بِنَصيبٍ مِمَّا يَخْرُجُ مِنها سُدس أَو رُبع فَذَلِكَ مَجْهُولُ الْعَمَل، ومَجْهُول النصيب، ومَجْهُول ما يُتوصل إليه، ولا يُدرَى مَا يَحصل لِلعَامِل مِن ذَلِكَ، ومجهول الْعِوض، وقَد عَمِلُوا بِه.
وَمُساقَاةُ النحْلِ والشجَرِ بِنصِيبٍ مِنها فَذَلِكَ مَجْهُولٌ مَا يَتوصَّلُ إِليه الْعَامِل مِنَ النصيب، وقد اتَّفَقُوا عَلَى جَوازِه.
والأُجْرَة فِي الزَّجرِ وَالزرَاعَاتِ، إِذَا كَانَت أَرضَا مَحدُودَة لِثَمَرَة مَعْلُومَةٍ، أَو أَشْهُرٍ
معروفة، في أَجْرَة مَوصُوفَة مِن دَراهِم مَوضُوفَة أَو حَبِّ فَقَد أَجَازُوهُ. وَإِن كَانَ الْمِقدارُ الذي يَعمَلُه مَجْهُولاً، مِن جَذب الدلاءِ، وَالزَّجرِ، وَالرَّضِم)، وكم شدَّة ذلِكَ وهَوله؛ وقد ثبت عِندَهُم. وإذا كانت الأُجْرَة فِي ذَلِكَ بِنَصِيب فَذَلِكَ مَجْهُول، وقَد عَمِلُوا بِهِ، وَفِيهِ النقصُ إِن
طلبه أحد منهم. وإن كانت أجْرَة الزَّجرِ لِغَير وَقتِ مُحدَّدٍ، وَالأَرْضُ مَعْلُومَة مَعْرُوفَة أَو لِرَجِرٍ أَشْهُرٍ مَعْلُومَة فَذَلِكَ مَجْهُولٌ كُلُّه، وفيه الرَّجعَةُ لِمَن رَجَعَ مِنهُم، وَلِلعَامِل عَنَاءُ مِثله فِيمَا عَمِل.
1) الرضم: جمعها، رضام، وهي: حجارة مُجتمعة غير ثابتة في الأرض، كأنها منثورة في بطون الأودية. وترضم أي: يوضع بعضها عَلَى بَعض. انظر: العين. (رضم). والترضيم أيضا بمعنى تفتيت كتل التراب المتراصة وتحضير الأرض للزراعة. (1/347)
صفحة 348
الدلائل على اللوازم والوسائل
وإذا
SPEAK
كَانَ الأَجرُ إِلَى وَقتِ مَعْلُومٍ فلا زِيادَة عَلَيه .. وَإِن لَمْ تُحصد الثمرة كانت الأُجْرَة لِلزَّجرِ فِي أَرضِ مَعْلُومَة لِثَمَرَةٍ مَعْلُومَة، فَيُسقَى ذَلِكَ حَتَّى إِذَا حَضَرَ حَصادُه فَقَد انقَضَى وَقتُه، وحَصادُه عَلَى أَربابه.
وَأَمَّا عَامِلُ النخل بنصيب إذَا أَدركت كَانَ حَصَادُ ذَلِكَ عَلَى أَصحاب الثمَرَةِ العَامِل وغيره .. وكلُّ أَجْرَة فِي يَومٍ مَعْلُومٍ لِشَيْءٍ مَعْلُومٍ بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ فَذَلِكَ جَائِرٌ وثَابِتٌ. وكلُّ أَجْرَةٍ مَجْهُولَة الْعَمَل أَو مَجْهُولَة الوقتِ، أَو مَجْهُولَة الْعِوَض فَذَلِكَ مِن الْجَهَالَاتِ. والصباغ الذي يصبعُ الثياب فذَلِكَ مَجْهُول، وقد أَجَازُوهِ عَلَى الْمُتَامَمَةِ. أَلَا تَرَى
أَنَّهُ إِذَا أَفَسَدَه ضَمِنَه؟
والنساجُ الذي يَعمَلُ فِي الشَّيَابِ إِذا كَانَ الثوبُ لِكَرَاءِ مَعلُوم، وَالغَزِلُ بِوزنٍ مَعْلُوم، وطول الثوب وعرضُهُ مَعْلُومٍ فَقَد أَجَازُوه عِندَهُم وإن كَانَ ذَلِكَ مَجْهُولًاً .. وَإِذَا كَانَ بِغَير وَزْنِ غَزل، ولا مَعرِفَة طول ولا عرض فَذلِك مَجهول، وفيه النقض إن أراده أحدٌ منهم، وإن رجع أَحَدٌ مِنهُم فَلَه الرَّجعة أيضًا.
وإن عَمِلَ الغزلَ عَلَى الْجَهالَة ورَضِي صَاحِبُ الثوبِ جَاز لَهِمَا ذَلِكَ .. وإِن لَمْ يَكُن بَينَهُما شَرط أَجْرَةٍ مَعْلُومَة فَلَه أَجرُ مِثلِهِ برَأي عُدول تِلكَ الصنعة .. وإن اختلفُوا في الْعَمَل فَالقَولُ فِي الثوب - فِيمَا عِندِي - أَنَّهُ قَولُ مَن بَيَدِهِ الثوبُ، وفِي الأُجْرَة «إِنَّهَا كذا وكذا قولُ رَبِّ الثوب وَالقَولُ فِى الْعَمَل: «إِنَّهُ كَذَا وَكَذَا ذِراعًا» قَولُ
الْعَامِل، والبَيِّنَة وَالْأَيْمَانِ فِيمَا بَينَهُمَا إِذَا تَناكَرًا.
وعَمَلُ الشوَّافَةِ بالأَجْرَة - أيضا - مَجْهُول، وقد عَمِلُوا به.
والرعي للدوابُ بالأَجْرَة لِكُلِّ شَهرٍ أَجْرَة رَعي كُلِّ شَاةٍ كذا وكذا جَائز، وقد عَمِلُوا به، وهو مجهول في مَسافَةِ الْمَكَانِ الذي يُرعَى فِيه.
1) الشوافة: وهو الحارس الذي يراقب الزرع ويطرد عنه الطيور والحيوانات. وكلهم من الأعمال المجهولة القدر. ويستعملون في ذلك المقلاع أو الطبول أو الصور المخيفة. انظر: إرشاد الإخوان، 68. وغيره. (1/348)
صفحة 349
الدلائل على اللوازم والوسائل
به.
والوكيل في الْمَال بالأُجْرَة جَائِز، وهو مَجْهُول القِيَام، وقد عَمِلُوا. والذِي يَحمِلُ عَلَى رَأْسِهِ شَيْئًا مَعْلُوما بِالأَجْرَة إِلَى مَوضِع مَعْلُومٍ فَذَلِكَ جَائِزِ، وَلَه أجرته، وإن لَمْ يُقطَع لَه أجره فَلَه أُجْرَةُ مِثلِهِ.
والذي يَصُوعُ بِالكِرَاء، فَذَلِكَ مَجْهُول أيضا، وقد عَمِلُوا به.
وَالذِي يَعْمَلُ الْخَشبَ، ويعملُ مِنه الأبواب وغيرها فَهُو مَجْهُولٌ، وقَد أَتَبْتُوا لَه الأخرَة، وَإِن تَناقَضُوا ففيه النقض.
والْمُنَادِي - أيضا - مَجْهُول؛ لأَنَّهُ لا يَدرِي كَم يَخطُو مِن خُطُوَةٍ، ولا كَم يُنَادِي من صَوت، وقد أَثْبَتُوا لَه أُجْرَتَه.
والْحَاجُ بالأُجْرَة قَد أَتَبْتُوا لَه ذَلِكَ، وَإِن كَانَ مَجْهُولاً عَناؤُه فيه، وأَجَازُوا له أُجرته. والذِي يَحمِلُ بِالْكِرَاءِ مِنَ الْجَمَّال والْحَمَّار - شَيْئًا مَعْلُوما بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ إِلَى بَلدٍ مَعْلُوم، فقد أثبتوا له أَجرَتَهُ ومِقدارُ الْمَسير، والترولُ مَجْهُول، وإِذَا لَّمْ يُقاطِعَهُ عَلَى أجرة كَانَ لَه كراء مثله. والصَّائعُ والنساجُ وَالصَّبَّاغُ والبائع وكلُّ مَن عَمِل بالأُجْرَةِ إِذَا لَمْ يَشْتَرِط لَه عناء مَعْلُوما ولا أَجْرَة مَعلُومة معروفَةٌ يَتَّفِقانِ عَليهَا فَله عَناءُ مِثلِهِ، وَأَجْرَةُ مِثلِهِ بِرَأْيِ الْعُدولِ من أهل تلك الأماكن .. وإذَا اختَلَفُوا فِي الأجْرَة، فقال الصائِعُ: «لَمْ نَقطَع أَجرًا»، وقَالَ صاحب الْعَمَلَ: «قَد قطعنَا أَجرًا»؛ كَانَ عَلَى صَاحِب الْعَمَل البَيِّنَةِ، وَلِلصَّائعِ إِذَا لَمْ تَكُن له بينة فله أجر مثله. والبائعُ إِذَا قَالَ: «أَمر تَني أن أبيعَ بكذا وكذا»، وقَالَ صَاحِبُ السَّلعَةِ: «لَمْ آمُركَ كَانَ عَلَى البائع الْبَيِّنة، وإن قالَ رَبُّ السلعَةِ: «أمرتُكَ أن تبيعَ بِدَرَاهِم»، وقالَ البائع: «لَمْ تَأمُرنِي بِشَيء كَانَ عَلَى رَبِّ السلعَةِ الْبَيِّنَة فِي ذَلِكَ – والْبَيِّنَةُ عَلَى مَن يَدَّعِي الْفَضَلَ - وَلَه أَجْرُ مِثْلِهِ.
بشيء»
1) يَصُوغ من الصياغة وهو: صناعة الحلي والخناجر وغيرهما. (1/349)
صفحة 350
الدلائل على اللوازم والوسائل
وكَذَلِكَ الْحَمَّار إن قالَ: «لَمْ تُقاطعني»، وقالَ صَاحِبُ الْمَتَاعِ: «بل قطعنا أخرة»، كَانَ عَلَى صَاحِبِ الْمَتاعِ الْبَيِّنَة ...
وَإِن قالَ الْجمال: «قد قطعنَا أَجرًا»، وقالَ صَاحِبُ الْمَتاعِ وَالسَّلعَةِ: «لَمْ نَقطَع لَه
أخرا»؛ كَانَ عَلَى الْحِمَّال الْبَيِّنَة، وإن لَمْ تَكُن لَه بَيِّنَةٍ كَانَ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ.
وإِنْ قاطعه أن يَحْمِل لَهُ أَحْمَالاً إِلَى بَلدٍ مَعْلُومٍ، بِكِرَاء مَعْلُومٍ، عَلَى دَابَّةٍ بِعَيْنِهَا فَمَاتَت الدَّابَّة قَبْلَ الوُصُول، أو تَلِفَت مِنْ غَيْرِ ضَيَاع مِنْهُ؛ فَلَهُ عَناؤُهُ إِلَى الْمَوضِع، وليس
عَلَيْهِ غَيْر ذَلِكَ ..
لَهُ
وإن قاطَعَه أَنْ يَحْمِلَ أحْمالاً إلى موضع مَعْلُومٍ عَلَى غَيْرِ دابَّة بعينها، فحَمَل ذَلِكَ، فَمَاتَت الدَّابَّة؛ فعلى الحمال بالحمير أو الجمال أن يُبلغ لَهُ مَتَاعَه إلى حيث شرطه عَلَيْهما .. وإن لَمْ يُبلغا ذَلِكَ - على الشَّرْطِ الْمُتَقَدِّم - فَلَا شَيْءٍ لَهُما مِنَ
الآخرة. وإِنْ لَم يُقَاطِعْهُ عَلَى شيء مَعْلُوم بِكِرَاء مَعْلُومٍ، فَمَاتَت الدَّابَّة أَوْ عَمَت، أَوْ رَجَعت
إِلَى الْبَلَد وَقَدْ حَمَل بعض ذَلِكَ فَلَه الرَّجْعَة فِي ذَلِكَ، وَلَهُ كِرَاء مِثْلُه.
وكَذَلِكَ جَمِيعُ الصَّنَائِعِ الْمَجْهُولات لَهُ كِرَاء مِثْله. وإِنْ حَمَل لَهُ إِلَى الْغَرْب، أو إِلَى الشَّرق، فَذَلِكَ مَجْهُولِ الْمَوْضِع، ولَهُ أُجْرَة مِثْله، ولهُ الرَّجْعَة إِنْ لَمْ يَحْمِل.
وإنْ قَاطَعَهُ عَلَى شَيْءٍ مَعْلُومٍ، بِأَحْرَةٍ مَعْلُومَةِ، إِلَى بَلَدٍ مَعْلُومٍ، فَعَلَيهِ أَن يُبلِّغَهُ إِلَى
شرطه، ولَمْ يَكُن لأَحَدِهِمَا فِي الحُكْم رَجْعَة، ويُؤخذ حتى يَحْمِل له .. ومَنْ حَمَلَ إِنْسَانًا إِلَى بَلَدٍ مَعْلُومٍ فَعَلَيْهِ أنْ يُبَلِّغَه إِلَى مَنْزِلِهِ مِن ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَهَذَا مِن الْمَجْهُول، وقَدْ عَمِلُوا بِهِ.
ومَنْ حَمَل مَتَاعًا فَجَاء بِهِ وقد انْكَسَرَ؛ فَقَالَ: «انْكَسَر حِينَ بَرَكَ الْجَمَل»، أَوْ «حِينَ
نَهَضَ»؛ فَلا يُقبَل مِنْهُ، وَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةِ فِيمَا ادَّعَى، وَإِلَّا غَرِمَ. (1/350)
صفحة 351
الدلائل على اللوازم والوسائل
وإِنْ حَمَلَ جَمَّال أو حَمَّارِ رَجلاً أو امرأَةٌ عَلَى جَمل ذعور، أو حِمَارٍ قَمَّاص)، ولَم يُحذرهم بذلِكَ فَصُرِعَ الْمَحْمُولُ؛ فَالْحَامِل ضَامِن. وَكُلُّ مَن عَمِلَ بالأُجْرَةِ، ثُمَّ ادَّعَى ضَاعَ الْعَمَلِ، لَمْ يُصدَّق، وعَلَيْهِ الْبَيِّنَةِ وَإِلَّا غَرِمَ. وَالأَجَرَاءِ الذِينَ يَعْمَلُونَ بِأيدِيهِم كُلَّهم جَمِيعًا ضَامِنُونَ لِمَا يَعْمَلُونَه إِذا تَلفَ، وَإِن ادعوا ضياعَه لَمْ يُصدَّقُوا إِلا فيما صحَّ مِن ذَلِكَ أَنَّهُ تَلفَ مِن غَير أَن يُتلِفُوه ولَم يُضيعُوه فلا ضمانَ عَلَيهِم فِيه .. وإذا لَزمَهُم الضمانُ سَقَطَ عَنهُم بِقَدَرٍ مَا عَمِلُوا .. وإِذَا لَمْ يَلزمُهُم ضَمَانٌ، وَلَمْ يُسَلِّموا (2) الْعَمَل وتَلفَ لَمْ يَكُن لَهُم عَناء. وكل أجير يَعْمَلُ بالأَجْرَة عَمَلاً مَعْلُوما وَلَمْ يُكمِلهُ فَلا أُجْرَة لَه حَتَّى يُكَمِلَ الْعَمَلِ، ثُمَّ لَه أُجرَتُه .. وَإِن أَخذَ الأُجْرَة قَبلَ الْعَمَل كَانَ ذَلِكَ دَيْنًا عَلَيْهِ حَتَّى يَعمَل؛ فَإِذا عَمِل استوجَبَ أَخذ الأُجْرَةِ، والْمَأمورُ به أَن يُعطَى الأَجيرُ أُجرتَه قَبْلَ أَن يَجفَّ عَرقُه» (3). والأَجِيرُ إِذَا ادَّعَى تَلفَ الشيء الذي يَعمَلُه، مثل: النساج وَالْحَدَّادِ وَالصَّائِعَ فَإِنَّهُ ضَامِنٌ .. إلا أن الشايف، والراعِي، وَالْحَافِظَ وَالوَكيلَ إذَا ادَّعَى أَحدهم التلفَ لِمَا هو حَافِظٌ عَلَيه لَمْ يَضمَن، والقولُ قولهُ مَع يمينه .. وإذا أَرادَ مِنه أَهلُ ذَلِكَ الشيء الْيَمِينَ حَلَفَ لَهُم أَنَّه ما تَعمَّد إتلاف ذَلِكَ الشيء، ولا يلزمُه غُرمٌ حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُ ضَيَّع، أَو أَتلَف شَيْئًا؛ لأنه ليس بِعامِلٍ بِيَدِهِ، وَإِنَّمَا هُو حَافِظَ بِعَيْنِهِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُلزمُوهِ ضَمَانًا، وَاللَّهُ أَعْلَم.
1) القماص: هو الذي يرفع ذنبه ورجليه حيث لا تستطيع ركوبه.
2) في (ض): يكملوا.
3) هذا ا من حديث عبد الله بن عمر، أخرجه ابن ماجة (ر 2443) والبيهقي في سننه عن أبي هريرة، (ر 11434)
والطبراني في الأوسط بسند ضعيف. (1/351)
صفحة 352
الدلائل على اللوازم والوسائل
البات
59
في ذكر شيء مِمَّا نُهِيَ عَنه مِن الأكرِيَة وَالإِجَارَات
واعْلَمْ يا أخي، - رَحِمَنَا الله وَإِيَّاكَ وَهدَاكَ - إن مَلَكتَ مِيزانَا أَو مِكيالاً فاحذر أن تَأْخُذَ لَهُمَا كِراءٌ مِمَّن أَرادَ أَن يَزِنَ أَو يَكيلَ بِهِمَا؛ فإنْ ذَلِكَ لَا يَحِلَّ، إِلَّا أَن تَكيل أو
تَزنَ للناسِ بِيَدِكَ لِتَكُونَ الأَجْرَةُ لِعَمَلِكَ أَنتَ، لا للمكيال ولا للميزان.
-
وَاعْلَمْ أَيْضًا - أَنَّهُ لا يَحِلُّ الْكِرَاءُ عَلَى شَيْءٍ مِن معاصي الله تعالى، وذلِكَ مِثل: الباكية إذَا كَانَ لَهَا صَوتٌ حَسن، والنائِحَة، والزانية لا تَحلُّ لَهنَّ الْأَجْرَةَ عَلَى هَذِهِ الأفعال، وعَلَيهِنَّ الردُّ إِذَا تَبَيَّنَ مِن ذَلِكَ، وَأَشَدُّ ذَلِكَ عِندِي إِذَا كَانَ الْفَاعِلُ يَشْتَرِطُ الأجرة .. وَعِندي مثلهنَّ الْمُغنّيةُ إِذَا أَخَذَت أُجْرَة عَلَى الغِنَاء ..
وكَذَلِكَ جَمِيعُ أَهْلِ اللعب بِالْمَلاهِي كَالزمُورِ وَالدفُوفِ، لَا يَجُوزُ أَخِذُ الأَجْرَة
عَلَى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ الكاهِنُ الذِي يَجعَلُ نَفسَه عَالِمًا وَيَتَكَهَّنُ، أَو يَصفُ للنَّاسِ سَرقَتَهُم
وأوجَاعَهُم وَأَدويَتَهم بلا عِلمٍ صَحِيحٍ، طَمَعًا فِي أَمْوَالِهِم؛ فَلَا يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ ضِرَابُ الْفُحُولِ، مثل: الْجَمَلِ وَالْحِمَارِ، وَتَيسِ الْغَنم، والثورِ، لَا يَجُوز
لأَربابهنَّ أَخذُ الأُجْرَة عَلَى ضِرابهِنَّ الْإِنَاثَ مِنَ الدوَابِّ مِن جِنسِهِنَّ. ولَا يَجُوزُ لِمَن لَه أَمَةٌ تَزِنِي أَن يَأخُذَ مِن ذَلِكَ شَيْئًا، وَهُوَ مَهْرُ الْبَغِيِّ. وَلَا يَجُوزُ لَه أخذُ الأَجْرَةِ عَلَى مَعُونَةِ شَيْءٍ حَرام. ولا يَحلُّ أَخذُ رشوَةٍ عَلَى حُكم ولا غيره. ولا يَجُوزُ لِمَن لَه سُلطَانٌ عَلَى الناسِ أَن يَأْخُذَ مِنهُم شَيْئًا مِن أَمْوَالِهِم عَلَى وَجهِ الطمعِ، بَل يَنبَغِي لَه أَن يَبذُلَ لَهُم مَالَه وَيَعفَّ عَن أَمْوَالِهِم أبدًا، حَتَّى أَنَّهُ قِيلَ: «إِنَّ الرجلَ لَا يَحِل لَهُ مِن زَوجَتِهِ مَا طَلَبَه مِن مَالِهَا لأَنَّهَا تَتَّقِيه، ولأنَّهُ كَأَنَّهُ سُلطَانُ عَلَيْهَا». وَأَمَّا مَا طَابَت
بِه النفسُ مِن غَيْرِ حَيَاءٍ وَلَا رَهْبَةٍ مِن شَيْءٍ فَلَا بَأْسَ بِأَخِذِهِ إِن شَاءَ الله. (1/352)
صفحة 353
الدلائل على اللوازم والوسائل
تَأْخُذ
البات
في شَيء من عمل الأَرْض، وأكريتها، ومَا يُستَحبُّ مِن ذَلِكَ
وَإِذا مَلَكتَ يا أخي - هَداكَ الله - شَيْئاً مِن الأَرْض التي هي للزرع، أو أردت أن مِن عِندِ أَحَدٍ مِن تِلكَ أَهلِ الْبَلدِ أرضًا لِلزرع فالصواب فِي ذَلِكَ أَن تَمَنَحَ أَنتَ أَرضَكَ مَن أَرادَهَا مِنكَ، وتُمنَحُ أَنتَ أَرض مَن تُريدُ مِنهُ ذَلِكَ لِتَزرَعَ أَرضَهُ .. هَذَا إِن سَمَحَت أَنفُسُكُما بذَلِكَ، فَهُو أَوسَعُ مِنَ الْمُزارَعَة بَنَصيب، ومِنَ القَعَادَة بِحَبِّ أو دَرَاهِمَ، وخَيْرٌ مِن ذَلِكَ أَن يَزرَعَ كُلِّ مِنكُم أَرضَهُ مَا شَاء.
وَأَمَّا أَن تَأخُذَ أرضًا مِن أَحَدٍ مِنَ الناس لِلمُزارَعَةِ بنَصيب، أو تُعطي أحداً أَرضَكَ لِيَزرَعَها بِنَصِيبٍ مِثلَ رُبع، أو سُدس، أو سبع مِمَّا يَخرُج، أَو أَقلَّ أَو أَكثَر، عَلَى مَا أَتَّفَقتُم عَلَيْهِ؛ فَفِي حَوازِ ذَلِكَ اختلاف، وقد عَمِلُوا به. إِلا أَنْ الْعَمَلَ بِالذِي لاَ خِلافَ فِيهِ أَفضَل وأسلَم مِمَّا فيه الاختلاف، إلا أَنْ أَحْذَ الْأَرْضِ مِن رَبِّهَا لِلزرع بنصيب أحسَن عِندي مِن أَخذها بالأُجْرَة، بكيل مَعْلُوم
الْحَبِّ، أو بدرَاهِم مَعْلُومَة؛ لأَن هَذا فيه التشدِيدُ، وَالكُلِّ قَد عُمِلَ بِهِ. إلا أنا تحبُّ الأخذ بالأفضلِ لِمَن أَرادَ ذَلِكَ، لأَنَّهُ كُلَّمَا ازدَادَ الإِنسانُ مِنَ الورع كان له أفضل عِندَ اللَّهُ تَعَالَى، وَرِزْقُهُ لا يَنقُصُ بِذَلِكَ.
وأَمَّا فَعدُ النخيل فَلا يَحُورُ ذَلِكَ، لا بدَرَاهِمَ ولا بغيرها، ولو جَعَلَ الْقاعِدُ وَالْمُقتَعِدُ حِيلَةً، وَاقْتَعدَ الأَرْضَ وَالْمَاءَ الذِي يَشربُ بِهِ الْمَال وَمَنَحَهُ النخل، فَلَا يَحْفَى ذَلِكَ عَلَى الله تعالى، ولا تَجُورُ الْحِيلَةُ في مِثل هَذَا. وَأَمَّا إِن قصدًا جَمِيعًا (القاعدُ، والْمُقتعد إِلَى فَعدِ الأَرْضِ وَالْمَاءِ، وَذَلِكَ إِذَا كَانَت الأَرْضُ وَاسعة، وَالْمَاء فَاضِلاً، والنخلُ فِي تِلكَ الأَرْضِ قَلِيلٌ، وَمَا قُصِدَ إِلَّا لِلزَّرْعِ، ثُمَّ (1/353)
صفحة 354
الدلائل على اللوازم والوسائل
منحه النخل الذي في تِلكَ الأَرْضِ لِمَعنِّى رَايَاهُ لاَ لِحيلَةٍ فَلَا يَضِيقُ عَلَيهِما ذَلِكَ إِن شَاءَ الله .. وهُو عَلَى الاِختِلافِ الْمُتَقَدِّم في قعدِ الأَرْضِ؛ ولأن مَن مَنحَ النَّحْلَ فِي قَعِدِ الْأَرْضِ
كَانَهُ بَاع شَيْئًا لم يملكه بَعدُ، وَلَيسَ هُو مَعَهُ، فَبِأَيِّ وَجهِ يَجُوزُ ذَلِكَ؟؟!. وَقَد جَاءَ النهي عَن بَيعِ مَا لَيسَ مَعَكَ، حَتَّى أَنَّهُ قِيلَ: مَا لَيسَ مَعَكَ، حَتَّى أَنَّهُ قِيلَ: إِنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيعُ اللُّؤْلُو فِي البحرِ، قَبلَ أَن يُخرِجَهُ الْغَوَّاصُ مِن البحرِ، وكَذَلِكَ لا يَجُوزُ أَن يَبيعَه قَبْلَ أَن يَقِيضَهُ، فَإِنَّهُ لا يَمْلِكُه.
وكَذَلِكَ بَيعُ الصيدِ قَبلَ أَن يقنصه الصَّيَّاد لاَ يَجُوزُ، وَلَو أَرَاهُ إِيَّاهُ وَقَبَضَهُ مِن بَعدُ وأعطَاهُ إِيَّاهُ، إِلَّا أَن يُحَدِّدَ البيعَ عِندَ قَبضِهِ لَه. وَأَمَّا الْمُفَاسَلَةُ) فِي الْأَرْضِ بِنَصِيب فَذَلِكَ مَجْهُول؛ إِلَّا أَنَّهُم قَد عَمِلُوا بِهِ، إِذَا كَانَ ذَلِكَ لِسِنِينَ مَعْلُومَة، وَبِعوَضٍ مَعْلُومٍ. وَكَذَلِكَ الْقِنِيَةُ بالدواب إِذَا كَانَت إِلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَة مِثلَ: مَن يَأْخُذُ السِّحَالَ (2) مِنَ الناس بالنصف قُلْ أَو كثر إِلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ فَفيه الاختلاف، وقد عَمِلَ بِهِ كَثيرٌ مِنَ الناس .. وإذا لَمْ يَكُن إِلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ فَلَلرَّاعِي أَجْرَةُ مِثلِهِ، وَلِصَاحِب الدَّابَّة دَابَّتِه، وَاللَّهُ أعلم بالعدل.
??
1) في (ض) المقابلة والمفاصلة هي المغارسة؛ وهي: أن يد ي: أن يدفع الرجل أرضه لمن يغرسها شجراً فإذا بلغت حدا
كانت بينهما بما يتفقان عليها.
سخلة.
2 السخال: جمع. وهي: ولد الشاة. انظر: العين، (سخل). (1/354)
صفحة 355
الدلائل على اللوازم والوسائل
البال
في ذكر شيء مِن صِفَة قَسْمِ الأَمْوَالِ الْمَوْروثة بين الأيتامِ، وَالْأَعْيَابِ، وَالبُلَّغ
وَإِن صرت يا أخي، - رَحِمكَ الله وعَافَاكَ - مِمَّن وَرِثَ الْأَمْوَالَ مِن آبَائِهِ، وَأَهْلِيهِ، وأزواجه، وإخوته، وذويه .. أو صرتَ مِن أَهلِ النظرِ فِي قَسمِ الأَمْوَالِ بَينَ الأَزْوَاجِ، والإخوة، والعيالِ، وَأَردت قَسمَ مَا وَرَبَّتَ مِنهُم، أو قَسمَ مَا دُعِيتَ إِلَى قَسمِهِ فَراقِب الله، واعدِل فِي الْقَسم، ولَو بَينكَ وبَينَ أَحَدٍ مِنَ الْعَاصِمِينِ، وتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه .. ولا يَحمِلنَّكَ الطمعُ عَلَى أَخذِ زِيادَةِ مِثقَالِ لَك أَو لِمَن يَميل هَواكَ إِلَيهِ .. وَاعْلَمْ أَنَّكَ غَدًا مَسؤُولٌ عَن ذَلِكَ. ولو قدرت أَن تَجعَلَ الأَفضَلَ لِشُرَكَائِكَ فَتلك الدرَجَةُ العُلَيَا، وَذَلِكَ خَيْرٌ مِن زِيادَةِ
قيراط مِن أَموالِهِم وَإِن لَمْ تَسمَح نَفْسُك بالفضلِ فَاحْكُم بالعدل. فَإِذَا كَانَ الْمَالُ بَينكَ وبَين أحدٍ مِن الْبَالِغِينَ الْعاقِلِين الْحَاضِرِينَ فَاقسمه عَلَى حد الأسهم بَيْنَكُم، وقُل لِشرَكَائِكَ: «خُذُوا مِن هَذِهِ السَّهامِ مَا شِئْتُم»، وخُذ أَنتَ آخِرًا، فَهذا عندي وَجهُ الصواب لِمَن أَنصَفَ مِن نَفْسِه بالعدل. وهَذا لا يُنقِصُ مِن رِزقكَ شَيْئًا، بَل رُبَّمَا يَزِيدُ لكَ لِحُسنِ نِيَّتِكَ، وَهَذَا كُلَّه عَارِيَة، كَانَ بالأَمسِ فِي يَد غَيركَ، واليوم فِي يَدكَ أَنتَ وغَدًا في يَدِ غَيركَ .. وَرُبَّمَا كَانَ كَثِيرًا مِمَّن وَرِثَ مِن ذَويهِ مَالاً، فَالْحَقتهُ الْحَوادِثُ بِالْمَورُوثِ قَبلَ أَن يَذُوقَ مِنه لَعَقَةٌ، وقَبلَ أن يُقسَّمَ الْمَالُ .. ولو صح عَقلُ الإنسانِ، لَهانَ عَلَيهِ الذِي هَانَ، وَإِن لَمْ تَسْمَح نَفْسُ أن تَقسِّمَ الْمَالَ بنفسكَ فَأحضرْ شُرَكَاءَكَ فيهِ، وَارضَ بِقِسمتِهِم إِن قَسَمُوا لَكَ وَلَهُم، وَلَمْ يَمتَنعُوا مِن ذَلِكَ. (1/355)
صفحة 356
العمل على اللوازم والوسائل
??
وَإِن لَمْ تَرضَوا جَمِيعًا فَأَحضِرُوا جَمَاعَةٌ مِن صُلِحَاءِ الْبَلَد مِمَّن يَخَافُ اللَّه عَل ولا يَميلُ بِهِ الْهَوَى، ولَه بَصر في قسم الأموَالِ فَليَقسِم بَينَكُم وَيَكُون قَدرَ رَجُلَين، أو ثلاثة
مِمَّن تَرضَونَ.
فَإِذَا مَيَّزَ الْقَاسِمُونَ السهام أَخذَ الوَارِثُونَ كُلّ واحدٍ مِنهُم شَيْئًا فِي يَدِهِ – ولو حَصَى وَأَعْطَوه واحدًا مِن غَيرِ أَن يُخبِرُوه بتلك الْعَلامَاتِ، وَقِيلَ لِذَلِكَ الرجُلُ الذِي پيده السهام: «ارم كُلِّ عَلامةٍ في سَهم مِن تِلكَ السهام»، وكلُّ يَعرفُ عَلامَته، وَيَأْخُذ السهم الذي سقطت فِيهِ عَلامَتُه بِلا لَومِ ولا عتب.
وَأَمَّا إِذَا كَانَ فِي الوَرَثَةِ أَيتام، أو أَعْيَابٌ، أَو أَحدٌ مِنَ الْمَجانين، وَالعُقلَاءِ، فَلْيُحضَر العقلاء، وأولياء الأيتام، وَوُكَلاءُ الأَغيَابِ، ويُحضِرُونَ مَن أَرَادُوا مِنَ الصَّلَحَاءِ، ثُمَّ يُقدِّمُ البالغُونَ جُملَةَ الأموال ..
وَيَختَارُ الصَّلحَاءُ الْحاضِرُونَ لِلأَيَنَامِ وَالأغيابِ مَا فِي نَظرِهِم وَاجْتَهَادِهِم أَنَّهُ أَصلَح، وإن جعل البالِغُونَ للأيتام والأغيَابِ زِيادَة غَين من سيهامهم فهو أحوط عندي، ويَكُونُ قدر الزيادَةِ مِن أَجلِ الْغَبْنِ قَدر رُبع العُشرِ، كَزكاة النقدِ (وهُوَ فِي قِيمَةِ الألف لآرية قدرَ حَمسٍ وَعِشْرِينَ لآرية .. هكذا وجدته فِي جَوابِ مِن بَعضِ الْمَشَايِخِ. هَذَا لِمَن أَرادَ القسم، ويُخرِج الغَبْنَ ليصفُو لَه مَالُه .. وعندي أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَتَيَسَّر هَذَا مِنَ الْبَالِغِينَ، وَلَمْ يَسمَحُوا بِشَيْءٍ مِنَالغَبْنِ، وحَضَر الثقاتُ الْعُدولُ مِن أَهلِ الْمَعرِفَة بالقسم، وقَسَمُوا الْمَالَ بالعدلِ لِصلاح رَأُوهُ لِلأيتام، وَغَيرهم مِن مُشَارَكَةِ مَن لَا يَتَوَرَّعُ عَن ميراثِ الْحَرَامِ، ورَمُوا بِالقُرعَة بين السهام، إذا اعتدلت السهام عدلاً مُحكمًا، وَأَخَذُوا للأيتام عَلَى هَذِهِ القِسْمَةِ)؛ فَلا أقولُ: إِنَّهم فَعلُوا مَا لَا يَجُوزُ، وَفِعَلُهُم عِندِي ماضٍ وجائز، إلا أن يبلغ الأيتام ويُغَيِّرُوا القسم ولا يرضونَ فَلَهُم الْغَيْرُ فِي الْحُكمِ فِي الْقِسْمَةِ
الأولى والثانية.
1) في (ض): الصفة. (1/356)
صفحة 357
الدلائل على اللوازم والوسائل
وإِذَا كَانَ بَينَ الوَرثَةِ أَمْوَالَ، وَأَرَاضِ، وَآبارٌ، فَإِن كَانَت الآبارُ يُمكِن قِسمْتُها عَلَى الوَرثَةِ، وَيَصحُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنهُم سَهُمْ يَنتَفعُ به قسمت وَحدَهَا، وَإِلا فَيُقسَم ذَلِكَ جُملة. وكَذَلِكَ الأفلاجُ إِن أَمْكَنَ وصحَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِن الْوَرَثَةَ مِن كُلِّ فَلِجِ شَيْء يَنتَفعُ بِه، قسم مَالُ كُلِّ فَلج وَحدَه، وَإِلا قسم الْجَمِيعُ بِالسهَامِ أَو بِالقِيمة .. وكَذَلِكَ الأراضي
عندي.
ومَا لَمْ يُمكن قسمُه بِالسهام ولا بِالقيمة؛ فَيَستَغلُونَه جَمِيعًا، وَيَأْخُذ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الغَلَّةِ بِقَدرِ نَصِيبه. وَإِن قَسَمِ الْوَرَثَة مَا خَلْفَه هَالَكُهُم بِلا حَضرَةِ أَحَد مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَكُن فِيهِم يتيم، ولا غائب، ولا مَجنُون ورَضُوا بذَلِكَ وَأَقَرُّوا بِهِ عندَ الناسِ جازَ ذَلِكَ عَلَيْهِم ولَهُم، وجَازَ الشراءُ مِن عِندِ مَن أَرَادَ الْبَيعَ مِنهُم، وَاللَّهُ أَعْلَم.
وإِذا كَانَ فِي الْوَرَثَةَ أَحَدٌ غَائبٌ عَن الإقليم الذِي فِيهِ الْهَالِك وَالْمَالِ، وَأَرَاد الورثَةُ قَسْمَ مَا بَيْنَهُم وبَينَه، أَقامَ الْحَاكِم أو الْجَمَاعَةُ عِندَ عَدمِ الْحَاكِم وَكِيلاً لِيَحضُرَ عَن الغائب، وينوبَ عَنهُ، ويُميِّزَ لَه سَهمه.
وَإِن أَرَادَ الْوَرَثَةُ الْقَسمَ مِن الْحَاكِمِ وعَلَى يَدِيهِ أَحضَرُوا شُهُودًا عُدولاً عَلَى صِحَّةِ مَوتِ الْهَالِك، وعَلَى نَسب الوارثين مِنهُ، أَنَّهُم كَذا وكذا، وعَلَى صِحَّةِ الْمَالِ الذِي يُريدُون قَسمَه؛ فَإذا أَحضَرُوا شُهودًا عَلَى جَميع مَا ذكرتُ جاز للحاكم الدخول في
القسمِ بَينَهُم، وغَيْرُ الْحَاكِمِ يَجُوزُ له الدخولُ فِيهِ عَلَى الاطمئنان. وإِذَا قسمَ الْوَرَثَة بلا حُضورٍ أَحدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَكُن فِيهِم أَحدٌ مِمَّن لَا يَجُوزُ رضاه، وجَازُوا سِهَامَهُم، وتَصرَّفُوا فِيها تَصرُّفَ الْمَالكِ في مُلْكِهِ؛ ثُمَّ أَرَادَ أَحدٌ مِنهُم التغييرِ بَعدَ ذَلِكَ، وَاحتجَّ أَنَّهُ لَمْ يَحضُرُهُم أَحدٌ مِن الْمُسْلِمِينَ فِي قَسَمِهِم فَلَا حُجَّةَ له بذلك، وقد مضى مَا فَعَلُوا، وتَمَّ القسم، إلا أن يتبيَّن عَلَى أَحَدٍ عَبْنٌ فِي القَسَمِ، (وَالْعَبْنُ قدر ربع العشر)، فَيُستَخرجُ لَه الْغَبْنُ، والقسمُ تَام. (1/357)
صفحة 358
الدلائل على اللوازم والوسائل
وَأَمَّا قَسمُ ثَمَرَةِ النخلِ عُذوقًا قَبْلَ أَن تُدرِكَ فَلا يَجُوزُ ذَلِكَ .. وَجَائِز بَعد إدرَاكِ تِلكَ الثمرة. وَأَمَّا قَسْمُ الأَموال والأمواهِ بينَ الْوَرَثَة إِذا كَانَت عَلَى فَلَجِ وَاحِدٍ، وَمِن فَلَجِ وَاحِد؛ فَجَائِز قَسْمُها بَيْنَهُم بِالتأليف؛ لأَنَّهُ أَصَلَح .. ولَو طَلبَ أَحدٌ القَسْمُ مُتفرِّقا في ذلِكَ فَلا يُلتفت إلَيهِ. وَأَمَّا الْمَتاعُ وَالآنِيَةُ إِذَا لَمْ يُدرَكَ قَسْمُه بِالسَّهَامِ فَإِنَّهُ يُقَوَّمُ بِالْقِيمَة، وإن نُودِيَ عَلَيْهِ بِحضُورِ الْوَرَثَةَ، فَمَن أَرَادَ مِنهُم شَيْئًا أَخذَهُ بِالْقِيمَة، ويتحاسبون عَلَيهِ بَعدَ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ الدوَاب إِذَا كَانَت لا تتجزا لِلقَسْم بيعت، ويُقسَّمُ ثَمَنُهَا عَلَى الْوَرَثَةِ. وَأَمَّا الْمَمَالِيكُ فَجَائِزٌ بَيعُهُم، وقَسْمُ ثَمنهم، وَإِن تَقاسَمُوا خِدمَتهُم بِالأَيَّامِ، فَلا يَضِيقُ ذَلِكَ عَلَيْهِم إِن شَاءَ اللَّهُ. ولا يَجُوزُ - عِندَنَا - قَسْمُ مَا خَلْفَهُ الْهَالِكُ، إلا بَعدَ تَسلِيم مَا صِحَّ عَلَيْهِ مِنَ الحقوق، وإنفاذِ مَا أَوصَى به من الوصايا، عَلَى مَا جاء في الشرع: تُنفذ الْحُقوق مِن رَأسِ الْمَالِ، والوصايا من الثلث. وإِذَا طَلبَ أَحدُ الشُرَكَاء قَسْمَ مَا خَلْفَهُ هَالِكُهُم مِن المال، وأبي بَعضُ الشركاءِ فَيُحكَم عَلَيهِم بِالقَسْمِ؛ لأَن فِي تَركِ القَسْم الضَرَر عَلَى
الشركاء، و «لا ضَررَ ولا ضرارَ فِي الإسلام» بقول النَّبِيِّ. فَهَذَا رَسَمٌ قَلِيلٌ مِن ذِكرِ القَسْمِ؛ لِتَستَدلَّ بِهِ، وَلِتَطَلَبَه مِن كُتبِ الْمُسْلِمِينَ؛ لأَنَّ هَذَا الكتاب ليس فيه غنّى لِشَيء من الشرع، ولأنَّ الله تَعَالَى قَد أَعْنَى الناسَ بِغَيرِه عنه، بَل هذا فيه تنبيه لِمَنْ أَرَادَ الطلب. فإذا عرفت هذا وصرت شريكًا مِن أهلِ الأَمْوَالِ، وَمِمَّن غَلَبَ عَلَيهِ الطمعُ فِي الأحوال، وصرت شَريكًا للناس في الدقيق والْجَليل من الأمواءِ، والأراض، والنخيل، واحتجت لتأخذ الشفعَةَ مِن أحدٍ أو تُؤخذ مِنكَ؛ فَهَاكَ نبذة من معرفتها وبالله التوفيق وبه نستعين.
غالب
1) الحديث رواه البيهقي عن أبي سعيد في باب لا ضرر ولا ضرار، ر 11166. وابن ماجة عن عبادة وابن عباس في كتاب الأحكام، باب من بنى في حقه ما يضر بجاره، ر 2340، 2341 ... (1/358)
صفحة 359
البال
في شَيء مِن ذِكرِ الشُّفعة
الدلائل على اللوازم والوسائل
فَاعلَم - رحمنا الله وَإِيَّاكَ مِنَ النارِ، وَوَقَانَا بِكَرمه وفَضلِه جَميعِ الْمَضار – أَنْ الشُّفَعَةَ وَاحِبَةٌ في جَمِيعِ الْمُشْتَرَك مِمَّن لَه حِصَّة في ذَلِكَ الْمَالَ الْمُشْتَرِكَ بِسَقي، أَو طَرِيقِ غَير جائز، أو شركة بقياس النخل؛ فَهيَ وَاجبَةٌ في جَميعِ ذَلِكَ مِن الأُصولِ، مِن نَخِيلٍ وَأَمْوَاهِ وَحَيَوَانِ وبُيوتِ، إِذَا طَلبَ ذَلِكَ مَن لَه الشَّفْعَةُ بِالْمَضرَّةِ التي تَلْحَقُهُ مِن قِبَلِ طَرِيقِ أَو مَاءِ يَرِدُونه في وقت واحد .. ومَن كَانَ أَقرَب كَانَ أَولَى بِأَخذِ الشُّفْعَة مِمَّن هُو أَبعَد مِنهُ، إِذَا طَلَبُوا ذَلِكَ جَمِيعًا.
ولا تَجبُ السُّفْعَة لِلسَّرِيكِ فِيمَا يُكَالُ، ويُوزَن، ولا تَحِبُّ فِيمَا يُبَاعُ بِالنَّدَاءِ إِذَا عَلِم بِهِ مَن يَستَحِقُّ الشَّفْعَةَ، وَلَا شُفَعَةَ فِي الْمُقايضة) (إذَا تَقايض اثنانِ أصلاً بأصل .. والنخيل إِذَا كَانَت تَنقَايَسُ (2) فَفِيهَا الشُّفْعَة. ولا تُطَلَبُ السُّفْعَةُ بالليل.
ومَن عَلِمَ بِبَيعِ شُفَعَتِه فَلَم يَطلُبها من حين مَا عَلِيم بَطَلَت شُفعته. (وَالْعِلمُ: أَن يُعلِمَه الْمُشْتَرِي، أَو الشاهد الْحَاضِر عِندَ الْبَيْع إذا كَانَ ثِقَةٌ، أَو يُعلمه البائع - أَيْضًا، وإِذَا عَلِم
بِيعِ شُفَعَتِهِ وَهُو يُصَلِّي فَريضَةً فَلَا يُصَلِّي نَافِلَةٌ حَتَّى يَنتَزِعَ شُفَعَتَه). وإِن مَاتَ الذِي يَسْتَحِقُّ السُّفْعَة وتَحِبُّ له قَبلَ أَن يَأخذَهَا، فَلا يَرِثُ شُفعتهُ الوارث. وكذلك إذَا مَاتَ الْمُشْتَرِي - أَيْضًا - بَطَلَت الشُّفْعَة .. وَمَوتُ البائع لا تبطل بِه
الشفعة
هي.
1) المقايضة والمقايلة: مبادلة مال بمال أو عرض بعرض من غير النقود. انظر: معجم ا المصطلحات، 3/ 331 (2) التقَايُس والْمُقايَسَة: هي المسافة التي تكون بين النخيل دون ستة عشر ذراعا، فتقسم بين ا المالكين بالسوية، فإذا كانت أكثر من ذلك فلا تقايس بل يُجعل لِكُلِّ نَخل ثلاثة أذرع حقها وثلاثة حريما لها. (1/359)
صفحة 360
الدلائل على اللوازم والوسائل
وإِذَا كَانَت شُفَعَةٌ بَينَ شُرَكَاء فَهِي لِمَن سَبَقَ إِلَيها وطَلَبهَا مِنهُم؛ فَهُو أحقُّ بِهَا ..
وَإِن طَلُبُوهَا جَمِيعًا فِي وَقتٍ وَاحِد فهي بَيْنَهُم.
وإذا بيعت الشُّفْعَةُ لأَحَدٍ منَ الناسِ، وَلَمْ يَطلبها من تَحِبُّ له، ثُمَّ بَاعَهَا ذَلِكَ
الْمُشْتَرِي لَآخَر غَيره، فَطَلَبَها الذِي تَحِبُّ لَهُ مِن الْآخِرِ؛ فَإِنَّهَا تَحِبُّ لَه. وَإِن بِيعَت لِوَاحِد بَعدَ وَاحِدٍ، وَلَمْ يَعلَم الشفيعُ ثُمَّ عَلِم فَلَه أَن يَأْخُذَهَا بأَيِّ العَقدِ شَاء، وَليسَ عَلَى الْمُشْتَرِي رَدُّ عَلَّة مَا استغلّ إِلا الثمرة التي اشتراها [معَ] الْمَالِ وَهِيَ فِيه مُدركة فَتِلكَ مِنَ الشراء. ولَيْسَ بَيْنَ الزوج وامراتِه شُفَعَة فِيمَا بَاعَ أحدُهُما لِصاحبه، ولا فيما باع الابنُ لأبيه .. وَأَمَّا مَا بَاعَ الأب لابنه فَإِنَّهُ يُدرَكُ بالسُّفْعَة .. وكَذَلِكَ إِذَا بَاعَتِ الْأُمُّ يُولَدْهَا فَفِيه
الشفعة.
وَالغَائِبُ مِن عُمَان لَا يُدرك الشُّفْعَة إِلا أَن يَكُونَ حَاجًا، أَو غَازِيًا، وَإِن أَقامَ الْحَاجُ
إِلَى يَومِ عَاشُورَاء مِن الْمُحرَّم فَقد قيل: إِنَّ السُّفْعَة تَفُوتُه. وَأَمَّا الْغَائِبُ عَن الْمَصرِ إِذَا عَلِم يبيع شُفَعَتِهِ خرجَ مِن حِينِه فِي انتِزَاعِهَا، وَإِن غَابَ مُشتَرِيهَا فَعَلَيهِ أَن يَخرُج إِلَيهِ إِلَى حَيْثُ مَا عَلِم موضعهُ .. وَإِن تَوارَى الْمُشْتَرِي وَلَمْ يُعرف أين غابَ أَشْهَدَ عَلَى انتزاع شفعته، وأحضر الدراهِمَ، وَأَشْهَد أَنَّهُ لَمْ يَمنَعهُ مِن أَحَذِهَا، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَدْرِي أَينَ تَوجَّه الْمُشْتَرِي، وَلَا أَينَ تَوَارَى عَنه. ومَن طَلَبَ مِن الْمُشْتَرِي شُفَعَةٌ بوجه حَقٌّ، فَأَنكَرَه الْمُشْتَرِي، وقال: «إِنَّهُ لَا شُفعة لَه عِندَه»؛ فعَلَى مُدَّعِي الشَّفْعَةِ الْبَيِّنَة؛ فَإِن لَمْ تَكُن له بَيِّنَةِ وأَرَادَ مِن الْمُشْتَرِي الْيَمِين حلف له أَنَّهُ اشْتَرَى هَذَا الْمَالَ مِن فُلانٍ أَو فُلانَةٍ بكذا وكذا مِن الثمن، ولا يُعلَمُ لِهَذا الْمدَّعِي فِيه حَقٌّ مِن قبل مَا يَدَّعِي أَنه لَه شُفعة .. وإِن نَكلَ عَن الْيَمِينِ، أَو رَدَّهَا إِلَى الشفِيعِ حَلَفَ لَه عَلَى مَا يُوجِبُه الشرعُ عَلَيهِ، واستوجب شُفعته. (1/360)
صفحة 361
الدلائل على اللوازم والوسائل
وَإِن أَخذَ شُفعته بِبَاطِل، ومَنعَهُ وظَلَمَه، ثُمَّ قَدرَ عَلَيْهَا مِن بَعدِ ذَلِكَ الوقتِ أَخذَهَا إِذَا كانت قد وَجَبَتله بالشرعِ وَمَنعه الْمُشْتَرِي بالظلم، وعَلَى ذَلِكَ الْمُعْتَدِي الْمَانِعِ لِلشَّفْعَةِ ردُّ مَا اسْتَغَلْ مِمَّا اسْتَراهُ، لأَنَّ الشَّفيعَ قَد استَحَقِّهَا، وَمَنعَهُ هُو ظُلمًا مِنهُ لَه. وَإِن اشْتَرَى الْمُشْتَرِي بِعرُوضِ، أَعطَاهُ الشفيعُ مِثل مَا أَعطَى هُو البائع، إِن عَلِم الْمُشْتَرِي الْمِثلَ أو الْقِيمَةَ .. وإن اشترى - أَيْضًا – إِلَى أَجَلٍ، فَكَذَلِكَ يَكُونُ لِلسَّفِيعِ إِلَى
أجل:
وَالْمُدَّةُ فِي السَّمَنِ: إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إِذَا كَانَ البائعُ قَد سَلَّمَه .. وإِن سَلَّم الثمنَ فِي الثلاثة الأيام، وإلا بطلت شفعته، وإن أعطاهُ دَرَاهِمَه ولَم يقبل احتجَّ عَلَيْهِ بِالْمُسلِمِينَ في قبول حقه، وَإِن كَانَ فِي الْبَلدِ حَاكِمٌ رفعَ إِلَيْهِ، فَإِنْ تَوانَى الشفيعُ بَطَلَت شُفَعَتُه .. وَإِن لَقِيَ أحدًا وجلس عِندَه يُحدثه بَطَلَت شُفعته. وَقَد قِيلَ: إن لَقِيَ الْمُسْتَرِي فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَقَعَد يُحدثه أو سَلَّم عَلَيْهِ قَبلَ انتِزَاعِ شُفَعَته أَنَّهَا تَبطُل.
وَإِن عَمَّرَ الْمُشْتَرِي وَاستَغلَّ حَسبَ مَا عمرَهُ مِمَّا استَغلَّ فَالغَلَّهُ بِالْخَراجِ .. وَإِن غَرم
غرامة، أو بَنَى بِناءً، أو فَسَلَ نَخلاً فلَهُ قِيمَة ذَلِكَ يُرِدُّ عَلَيْهِ بِرَأْيِ الْعُدُول. وَإِن قايضَ بِشَيْء مِنهَا، ثُمَّ اشْتَرَى الباقي، فَلا شُفَعَة عَلَيهِ؛ لأَنَّهُ قَد اشْتَرَى مَالاً قَد صار له فيه حق.
وَالقَولُ فِي الثَمَنِ قَول الْمُشْتَرِي مَع يَمينِهِ، وَإِن شاءَ الشفيعُ أَخذَهُ، وَإِن شَاءَ تَرَكَهُ. وَإِن عَلِم أَحَدٌ بِبَيعِ شُفَعَتِه، فَلَم يَطلُبها في الوقتِ، ثُمَّ طَلبَ واحتج أَنَّهُ لَمْ يَعلَم أَنَّهُ شفيع، وقد عَلِم بالبيع فَلا حُجَّةَ لَه بذلِكَ، وإن عَلِم بِبَيعِ شُفَعَتِهِ، وظَنَّ أَن الثمنَ كَثِيرٌ، فترك الطلب، فَلَمَّا عَلِم أَنَّهُ قَلِيلٌ طَلبَ ذَلِكَ، فلا حجَّةَ لَه – أَيْضًا – وقد فاتته شُفعته. وليس لأحدٍ أَن يَأْخُذَ السُّفْعَةَ مِنَ الْمُشتَرِي لِغَيره .. فَإِن فَعَلَ كَانَ ظَالِمًا، وَعَلَيهِ رَدُّهَا، وَالتوبَةُ إِلَى اللَّهِ وَل. (1/361)
صفحة 362
الدلائل على اللوازم والوسائل
وَوَالدُ الصبِيِّ يَطلُب لَه شُفعته، وَوَصِيُّ اليتيم يَأخُذ لَه شُفَعَتِهِ مِنَ الْمُشْتَرِكَ وَلَا يَأْخُذ مِنَ الْمَقسُومِ، والصبيُّ لا يُدرِكُ الشُّفْعَةَ إذا بَلغَ فِي الْمَقسُومِ، وَلَه الشَّفْعَة فِي الْمُشاعِ إِذَا بلغ وطلبه من جينه .. وَإِن عَلِم وَصِيَّهُ بِيعَهَا مِنَ الْمُشاعِ، فَلَم يَطلُبُهَا لَمْ يُدرِكهَا الصَّبِيُّ إِذَا بَلغَ .. وَكَذَلِكَ الأبُ إِذَا لَمْ يَطلُب شُفَعَةَ وَلدِه وتَرَكَهَا، لَمْ يُدرِكهَا وَلَدُه إِذا بلغ.
والشفعة هي في المشتَرَك؛ فَأَمَّا إِذَا نُصِبَت الْحُدودُ وصُرفت الطَّرُق فَلَا شُفَعَة
لشفيع» (1). ومَن اشْتَرَى مَالا شُفَعَةٌ لأَحَدٍ وَأَحسَن إِلَيْهِ، وسَامَحهُ فِي ذَلِكَ الْبَيْع، وطلب الشفيع شُفعته فلا زِيادَة عَلَى الشفيع، إِلا أَن يَكُونَ عَلِم أَنَّهُ حَابَاهِ فِي ذَلِكَ، فَيَأْخُذَه الشفيع بالقيمة، كما يَسوَى .. وإن أعطى أحدًا شَيْئًا مِن مَالِهِ مُكافَأَةً وعِوَضًا لَهُ مِنه عَمَّا كَانَ منه إِلَيْهِ، فَفِي ذَلِكَ الشُّفْعة للشفيع. وَالْمَرْأةُ إِذَا ماتَ زَوجُها وقايَضَت أرضًا مِن مَالِهِ بِدَرَاهِم مِن صَداقها ففي الشُّفْعَة .. وَإِنَّمَا لاَ شُفعَة عَلَيْهَا في حَيَاةِ زَوْجِهَا بما بَاعه لها .. فإذَا قَايضَت نَحْلاً عَن صداق فلا شُفَعَةً فِي ذَلِكَ ...
ذلك
وعَلَى الشَّفيعِ إِذَا عَلِم بِبَيعِ شُفَعَتِه أَن يَصلَ إلى بَيتِ الْمُشْتَرِي إِذَا كَانَا فِي بَلدٍ واحد، أو في بَلَدَينِ مُتَقَارِبَيْن، فإذَا وَصلَ إِلَيْهِ بِقَدرِ الْمُواجَهَةِ وَقَفَ وَأَخَذَ مِنهُ شُفَعَتَه .. وإذا كَانَ عَنه بِمَتزِلَةٍ لا يُمكنه الوصولُ إِلَيْهِ فِيها، ويَسْمَعُ مِنه الصوت أَسْمَعَه بكلام يَفهَمُه مِنه، وَيَقُول: «أَخَذتُ شُفَعَتِي مِنكَ يَا فُلان، فكم الثمن؟» أو «نزعت» أو «رَدَدت» كُله حائز .. وإن قالَ: «أَنَا مُطالبٌ شُفَعَتِي مِنكَ يَا فُلان»، أو «أنا أُريدُ أو أُحِبُّ - شفعتِي مِنك يا فلان»، فَهُو ضعيف، وإثباته أُولَى .. وَإِن كَلَّمِ الشَّفِيعُ الْمُشْتَرِي
1) جاء حديث بمثل هَذَا عَن جابر بن عبد الله رواه البخاري وغيره في باب! الشريك من شريكه (ر 2099)، بيع بلفظ: «الشفعة في كُلّ مال لَمْ يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة». (1/362)
صفحة 363
الدلائل على اللوازم والوسائل
وسَلَّمَ عَلَيْهِ وتَوانَى عَن أَخذ شُفَعَتِه، أو تكلم بكلامٍ قَبل نَزِعِ الشَّفْعَةِ بَطَلَت شُفعته، وطَالبَ الشَّفْعَةَ حين يَعلَمُ بها لا يَسْتَغلُ بغَيرها إلا بما لا بُدَّ لَهُ مِن حُضورٍ صَلاةِ
فَرِيضَة، أو ضيف نَزلَ به، وَلَمْ يَجِد مَن يَخلُفُه في الضيف، وخافَ عَلَيهِ الضرر، ولا يَقِف إذَا عَلِم وهُو جُنُب لِيَعْتَسِل، ولا يَقِف لِيَسَنجِئ إِذَا كَانَ مُحْدِثًا مِن بَولِ أَو غَائِطِ مَا لَمْ تَحضُرُهُ فَريضَة يَخافُ فَوتَها، ولا يَشتَغلُ بِشَيْءٍ أَبَدًا عَنهَا، وَاللَّهُ أَعلَم وَأَحكَم. (1/363)
صفحة 364
الدلائل على اللوازم والوسائل
التالي
63
في صِفَة شَيء من الأحكامِ، وَمَا يَنبَغِي لِمَن ابتلي بِهَا
فَإذا عرفت يا أخي، - رَحِمَك الله وَإِيَّانا وَهدَانَا جَمِيعًا – كتابَ الله تَعَالَى، وحَفِظته، وفهمته، وعرفت سُنَّة رسوله مُحَمَّد، ودخلت في آثار السلف الصالحين، وصرت من الرجالِ الْمَنظُورِ إِلَيْهِم في الدينِ فَأصلح نَفسَكَ بِامْثَالِ أَوامِرٍ رَبِّ الْعَالَمِين، واتَّبَاعِ سُنَّةِ النَّبِيِّ الأمين، وَالْعَمَلِ بِآثَارِ الأَئِمَّةِ الْمُهتَدِينَ. فإِذَا عرفت نَفْسَكَ مِمَّا يَخُصُّكَ فِي دِينَكَ مِن أَقوال وأفعال، وحلال وحرامٍ مُبَيَّنٍ، ونظر إليك إخوانك وصلحاء بلدك، وطَلَبُوا مِنكَ حَالةَ التعظيم بأن تكون حاكمًا فيهم، وقائما منصفًا بالعدل المُستقيم؛ فلا يَحمِلنَّكَ الطمعُ فِي الْجَاهِ، وَحُبِّ الْمَالِ فِي أَن تَحْمِلَ الثقلَ، فَإِنَّكَ تَمْشِي خفيفًا أَهوَن عَليكَ مِن أَن تَمْشِيَ مُثقلاً، ولَو عَلِمْتَ بِثِقَلَهُ لَمَا سَمَحتَ نَفَسُكَ يحمله .. إلا أن هَذَا الثقلَ لا تَراهُ العيون، ولا تُحِسُّهُ الْجَوَارِحِ بَل تَعرِفُه وتُحسُّه العُقولُ؛ فَإِذَا لَقِيتَ مِنه بُدا ومَخرجًا فَخُذ منه حِدْرَك، واجتهد في ألا يُردَّ عُذرك.
وما وجدت في زمانك مِن إخوانك مِمَّن يَقومُ به فلا تتعرض له، ولا تَتُوقُ إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ أَمرٌ عَظِيمٌ، وَخطَرٍ جَسيم. والقيام به على الوجهِ الصائب مِن أَشَدَّ الْمِحَن، وأكبر الْمُؤَنَ، إِلَّا مَن عَصَمَهُ الله تَعَالَى ورَحِمَهُ، وتَفَضَّلَ عَلَيْهِ وَسَلَّمَه. ولا تَعْتَر بِالْجَاهِ فَإِنَّهُ لا حَاصل لَه!! بَل لا يَرويكَ مِن ظَما، ولا يُشبعكَ مِن جُوع،
ولا يُعافيك من سقم، ولا يَزيدُ في عُمرِك ولا في رِزقك. وَاعْلَمْ يَقينَا أَنَّكَ لَو بلغت مِنَ الدنيا في الْجَاءِ، بأن مَلَكتَ جَمِيعِ مَن فِي الْأَرْضِ، وَانقَادُوا لَك طَوعًا وَحَبا، وأدركت مِن لَذَّاتِ الدنيا، ومِن مَأكولِهَا ومَشْرُوبها، ومَنكُوحِها، (1/364)
صفحة 365
الدلائل على اللوازم والوسائل
وقصورِهَا، وَأَمْوَالِهَا وَأَنْهَارِهَا مِمَّا يُمائِل جَنَّةَ الفردوسِ، وَبَقِيتَ فِيهَا مُعافِّى أَلف عام – ومُحالٌ جَمِيعَ ذَلِكَ - وكُنت في الآخرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ؛ لَكُنتَ الْمَعْبُونَ الْخَاسِرَ الصَّفْقَة، الْخَائبَ الشقي؛ لأَنْ جَمِيعَ مَا وَصفتُه لَك لاَ يَدُومُ، وَإِذَا زَالَ فَكَأَنَّهُ مَا كَانَ .. فَمَا فَائِدَةُ ذلِكَ؟!. فافهم مَا وَصفتُه لَك.
وَإِن أَلْجَات الضرورَةُ إِليكَ وَلَمْ يُوجَد أَحدٌ مِمَّن يَصلُحُ لِذَلِكَ، وخفت في التركِ الفَسَادَ، وَكَثرَةَ العنادِ، وضياع الأحكامِ، وَتَمس الضرورَةُ الأَرامِلَ وَالأيتام، وتُؤكَلُ أَمْوَالُ الْمَساجِد وَالأَغيَابِ وَالوُقوف بِالْحَرامِ، وَيَظهَرُ الْمُنكَرُ فِي الْخَاصِ وَالعَامِ؛ فَاعْزِمِ وتَوَكَّلْ عَلَى الله تَعَالَى، ولا تَجبُن فَدرَجَةُ القائم بالعدل، والآمر بِالْمَعروفِ، وَالناهي عَن الْمُنكَرِ الْمُنفذ الحكم بالعدلِ بَيْنَ البَريَّةِ الْمُساوِي بَيْنَ القوي والضعيف في القضية، لا يُدرك متزلته الصائمُ القائم، ولا الزاهد العابد؛ لأَنْ هذَا أَهمُ ونَفَعَه أَعَمّ .. ولَكِن يَكُونُ الدخولُ فِي ذَلِكَ احْتِسَابًا لله تَعَالَى لا لِطَلب الْجَاءِ وَالْمَالَ، ولا الصيت
عند الرجالِ، بَل القصدُ إِنفَاذُ العدلِ فِي عِبادِ اللَّهِ، لَا لِشَيْءٍ غَير طَاعَةِ اللَّهُ تَعَالَى. فإِذَا أَقامَكَ لِذَلِكَ إِمَامٌ عَدلّ، أو جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِمَّن تَقومُ بِهم الْحَجَّةِ فَابدأ
بنفسك فَأَصلِحهَا بِالْعَمَل بِطَاعَةِ الله سِرًّا وَجهرًا، وَفرضًا وَنَفَلاً، وَذِكرًا وبَدْلاً. ثُمَّ انظُر إِلَى مَن وُلَّيتَ عَلَيْهِم مِنَ الرَّعَايَا بِعَينِ الرحمة، واحذر الكِبَرَ عَلَيهِم وَالغِلظة والفظاظة .. وَإِذَا أَخذَتَكَ القُدرَةُ عَلَيهِم وَالغَضَبُ بِغَير حَقٌّ فَاذكر ضعفَهُم عِندك، و حَاجَتهم إليكَ، وغِناكَ عَنهُم إن استغنيت، واذكر ضعفك عند الله تَعَالَى، وغضبه عَليكَ إِن غَضِبَتَ بِغَير حَقٌّ.
فَكُفَّ وَعِفٌ عَن جَميع أَمْوَالِهم، وابذل لَهُم مَالكَ لِتَبْلُغ آمالك، وأمسك عنهم لسانك بما لا يَجُوزُ، واحتمل قولَهم، ولا تَظُنّ أَنَّكَ تَسلَمُ مِن طَاعِنٍ وَلَاعِنِ، وَلَو بَلغت مَا بَلغتَ مِنَ العلمِ وَالْعَمَل .. فَقَد طُعِن مَن هُوَ خَيْرٌ مِنكَ مِنَ الأنبياء والأولياء، وَمُحالٌ أَن يَسلَمَ مِن الطعن مَن هُو وَاسِطَةٌ فِي أُمورِ الناسِ .. لَكِن الْجَا إِلَى الصَّبِرِ، (1/365)
صفحة 366
الدلائل على اللوازم والوسائل
وَكَظم الغيظ، وغُفْرَانِ الزَّلَلِ، وَالاحتمالِ لِلكُلِّ إِلا مَا لا يَجُوزُ فيه الاحتِمَالُ وَالتَّغاضي، في مثل الأمرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنهي عَن الْمُنكَرِ، وَالْحُكمِ بِالعدل، ولَو غَضِبُوا عَليكَ؛ فَإِذا أَصلَحتَ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الله فَلا تَخَف أحدًا، وَإِن ضَيَّعتَ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ، فَلا تَأْمَن أحدًا أبدًا.
وخالط أهل زمانِكَ، ولا تَعلُ عَلَيهِم فَعُد مَرضَاهُم، وَشَبِّع جَنائِزَهُم، وَوَاسِ فقراءَهُم، وابدأهُم بِالتَّحِيَّة، ولا تَتفَضَّل عَلَيهِم؛ فإنك لا تَدرِي بِمَن هُو أَفضَل عِندَ الله مِنكُم، ولأنك لا تدري بما يخيم لك، ولا بِمَا يَختِمُ لَهُم، وَلَا تَدْرِي مَن الْمَقبولُ مِنكُم عِندَ الله، ولا من الْمَردُودُ، ولا من الْمُقرَّب ولا مَنِ الْمُبْعَدِ، فَإِنَّ الأَمَرَ غَيبٌ
عليك.
ولَيْسَ فِيمَا حَمَلتَه مِن الثقل دَلالة تُقربك إلى الله، بَل رُبَّمَا خِيفَ عَلَيْكَ الْفِتْنَةِ مِنَ الرياء والإعجاب والعُلُو، والرفعة بما نلتهُ مِنَ العلم، وبِمَا صِرتَ إِلَيْهِ مِن رُتْبَةِ الْحُكمِ، ولَيْسَ ذَلِكَ فَضيلَة لَكَ بَل هُو فَضلُ مِنَ اللَّهُ عَلَيْكَ، وَمَنْ بِهِ عَلَيكَ.
ولو عرفت ذَلِكَ لَمَا فَرعَتَ مِن شُكرِ الله تَعَالَى بِمَا حَصَّكَ بِهِ فَضلاً عَن غَيرِكَ. وَأَمَّا الْحُكمُ: فَهُو حِملٌ ثَقِيلَ حَمَلَتَه، ولا فَخرَ لِلحَامِل عَلَى الْمُحْفٌ، فَأَيِّ فَخرٍ وفَضلٍ لكَ بذَلِكَ؟!
وَأَمَّا في جملة أحوالك فَإِنَّكَ لا شك مثلهم، إِن لَمْ تَكُن أَضعَفَ قُوَّة، وأقل حَركَة الأَنكَ خُلِقتَ مِن نُطفَة، ولبثت في بطن أُمِّكَ مُدَّة مثلهم، وخرجت منها من مَخرجِ الْبَول، وبقيت مُدَّةً في الطفولةِ لاَ تَعقِلُ، وفِي حَالكَ التِي أَنتَ فِيهَا، وتَعدُّ نَفْسَكَ في العلو، وأنت تأكل وتشربُ وتَنامُ وتَمرضُ، وتبولُ وتَتغوط وتموت مِثلَهُم .. فَبِأَيِّ حَالَةٍ ومَتِلَة تَسْبِقُهُم .. فَاشْكُر الله وَاحْمَدهُ أَنْ فَضَّلكَ عَلَيهِم، وأعلا منزِلتَكَ عَلَيْهِم، وأنتَ مِنهُم ومثلهُم، وَرُبَّمَا سَبقوك في أشياء لا تَقدِرُ أنتَ عَلَيْهَا .. فَدَع عَنكَ الرِّفْعَةَ والعلو والكبر، فإنْ ذَلِكَ شِعارُ مَن لا يَخافُ الله تَعَالَى (1/366)
صفحة 367
الدلائل على اللوازم والوسائل
وَاعْلَمْ أَنَّكَ غَدًا مَسئُولٌ عَنهُم .. فانظُرْ مَاذَا تُحِيبُ بِهِ إِن لَمْ تَعدِل بَيْنَهم، فَأَيِّ عُدْرٍ لك؟ وما حُجَّتكَ؟ وَهُم أخفُ مِنكَ ثِقلا؟!
فَالله الله يا أخي، - رَحِمكَ الله - فَرَاقِب الله، واعدِل بَيْنَ الرعِيَّةِ فِي الْحُكمِ وغَيْرِه، وواس بينهم في نَظرِك وقولِكَ وفعلكَ. ولا تَعجَل عَلَيهِم إِذَا حَضَرُوكَ لِلحُكمِ، وَإِن وَجدتَ مَن يُصلِح بَيْنَ الْحَصَمَينِ مِن إخوانك وأعوانِكَ فَافعل، فإنَّهُ أَرفَقُ بِهِم وَأَسلم لك .. وَإِن كَفَتَهُم الْمَندُوحَة لِلخصوم مِن غَيْرِ قطعِ حُكم فَهُو أَحَفُ عَلَيْكَ، وَإِن لَم يَقنَعُوا بِذَلِكَ، وَلَم يَكْتَفُوا؛ فَاحْكُم بَيْنَهم بما عرفته من كتاب الله تَعَالَى، وسُنَّةِ رَسولِهِ مُحمَّد، أَو بِما عَرَفتَ عَدَلَهُ مِن آثارِ
الْمُسْلِمِينَ. ودع عنك الشك والريب، فَكُلُّ مَا بانَ لَك صَوابه فَاحْكُم به، ومَا لَمْ يَتَبَيَّنَ لَكَ صَوابُهُ فَأَخْرَهُ إِلَى أَن تَعرِف الوجة فِيهِ مِن مطالعة الآثارِ ومُشاوَرَة ذَوِي الْأَبْصَارِ، أَو تَرُدَّ ذَلِكَ إِلَى مَن هُو أَعرَفُ مِنكَ مِن حُكّامِ الْمُسْلِمِينَ. وَاعلَمْ أَن كُلِّ مَن يَأْتِيكَ مِن الْمُدَّعِينَ مِن رَجُلٍ أَو امْرَأَةٍ أَو غَيرهم، وَادَّعى عِندَكَ عَلَى أَحدٍ مِنَ الناسِ الْبَالِغِينَ الْعَاقِلِينَ مِن ذُكور وإناث، بِحَقِّ لَه عَلَيْهِ مِن قِبَلِ دَينِ، أَو سلف، أو قرض، أو صداق، أو أرض، أو نَخل، أو مَاءٍ، أَو حَيَوَانٍ، أَو رَقيق، أَو ثِياب، أو حب، أو تمر، أو عقار، أو بُيوتِ، أو فعل بِعَمَدٍ أو خطأ؛ فَاستَمِع لِدَعوَاه، وأرسل لِخَصمِهِ الذِي ادَّعَى عَلَيهِ .. فإذَا حَضرَ عِندَكَ فَتغَافُل عَنْهُمَا قَليلاً؛ لئلا يَندَهدَهَا مِن قِبَلِ الْحَياءِ، ويَستَحييَا مِن حُضورِ مَن فِي الْمَجلِس؛ لأَنْ عَادَة بَعض الناسِ التَّحَاجُلُ فِي أَوَّل حُضورِهِ عِندَ الناسِ، ثُمَّ تَسْتَدُّ قُلُوبُهُم مِن بَعدِ ذَلِكَ وَيَتجَاسَرُونَ .. ثُمَّ قُل لِلمُدَّعِي: «قَد حَضرَ حَصمُكَ فَتَكَلَّم بِما تَدَّعِيهِ عَلَيْهِ»؛ فَإِذَا قَالَ الْمُدَّعِي: لي عَلَى هَذا الرجل كذا وكذا لآرية فِضَّة، أو كذا وكذا مُحمَّديَّة فِضَّة، أو عباسِيَّة، أو كذا وكذا شَاحَة فِضَّة، أو كذا وكذا فلسا، أو كذا وكذا مَنَّا قُطنا سَلَفًا، أو كذا (1/367)
صفحة 368
الدلائل على اللوازم والوسائل
وكذا جَري حب، أو كَذَا وَكَذَا مِن تَمر، أو كذا وكَذَا حِرَابًا، أَو كَذَا وَكَذَا لَآريَة فِضَّة من صداق- إن كَانَت الْمُدَّعَيَّةُ امرأة - أو ضَرَبَنِي ضَرَبَةٌ بِيدِهِ فِي مُقدِّمَةِ رَأْسِي أَو مُؤخَّرِه، أو في وجهي، أو في يَدِي، أو في صدري، أو في بطنِي، أو فِي رِجلي، وهي قد آلمتني ولَم تُؤثر، أو هي مؤثرة، أو دَامَيَة، أو بَاضِعَة، أو مُلحمَةٌ) فَانظُرُوها وخُذُوا لِي مِنه بِمَا يَحِبُّ لي بالشرع»؛ فَهَذِهِ كُلُّها دَعوَى مَسموعة ..
فليلتفت – عِند ذَلِكَ – الْحَاكِمُ إِلَى الْمُدَّعَى عَلَيهِ، ويَقُولُ لَهُ: «مَا تَقولُ فِيمَا ادَّعَى عَلَيكَ هَذا الرجُل؟» إِن كَانَ قَد سَمِع مِن الْمُدَّعِي، وَإِلا فَلَيَسمَعهُ الْحَاكِم، ويَقُولُ لَهُ: «إِنَّهُ ادَّعَى عَلَيْكَ هَذَا الرجُل كَذَا وَكَذَا»؛ فَإِن أَقَرَّ بِهِ أَحَذَهَ لَه الْحَاكِمُ بِإِقْرَارِهِ، وَأَمَرَهُ أَن يُسَلَّمَ إِلَيْهِ جَمِيع مَا أَقرَّ بِهِ. فَإِن ادَّعَى العُسْرَ نَظَرَ الْحَاكِمُ فِيمَا أَقرَّ به، فمَا كَانَ مِن قِبل صداق عَلَيْهِ، أَو أرش) لفعل عمدًا أو خطأ؛ فلا يحبسهُ حَتَّى يَعلَمَ أَنَّهُ يَجدُ مَا يُسلِّمُ مِنْهُ مَا عَلَيهِ، وَإِلَّا فَلَيَنظُر إِلَى أَمرِه إِن كَانَ مِن أَهلِ الْحِرَفِ أو الصناعَاتِ، مِثلَ: الْحَدَّادِ، وَالصائغ، والنساج، والصباغ، أو مِمَّن يَخدُمُ بالأَجْرَة، ومَا قَدْرُ أَجرَته؟ ومَا قَدَرُ عِبَالِهِ؟ وَهَلْ يَفضُلُ مِنه شَيْء
أولاً؟
وَإِن كَانَ مِن أهلِ الْحُروثِ نَظَر إِلَى حِراثَتِهِ، ومَا يَحصُلُ لَه مِنهَا، وَمَا قَدَرُ مَا يَفضُلُ لَه
من عولته.
(1) هَذِهِ كُلَّها من أنواع الشجاج؛ فالدامية التي أخرجت الدم. والباضِعَة التي تقطع اللحم ولا تبلغ العظم ولا يسيل بها الدم. والملحمة أو المتلاحمة: هي التي تشق اللحم ولا تبلغ السمحاق (جلدة رقيقة بين اللحم والعظم). وأنواعها مرتبة الحارصة الدامعة الدامية، الباضعة، المتلاحمة السمحاق، الموضحة، الهاشمة، المنقلة، الآمة الدامغة. انظر: معجم ا المصطلحات، 2/ 320، 3/ 352. (2) الأرش: جمع أروش، وهو دية الجراحة والأعضاء، أي المال الواجب على ما دون النفس. وقد يطلق على دية النفس. انظر: معجم! المصطلحات، 1/ 132. (1/368)
صفحة 369
الدلائل على اللوازم والوسائل
وكَذَلِكَ الْحِرَفُ الْمُتَقدّم ذِكرُهَا يَنظُر إِلَى مَا يَحصُلُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنهُم فِي يَومِه، وما يَفضُلُ مِنْهُ، فَيَجْعَلُ ذَلِكَ لِلطَّالِب. فَإِن خَالَفَ ذَلِكَ الْمَطْلُوب [عَلَى مَا فَرضَهُ عَلَيهِ الْحَاكِم حُبسَ حَتَّى يُسَلَّمَ مَا فَرضَ عليه، في اليوم أو في الشهرِ عَلَى النظر .. وَإِن كَانَ ذَا يَسَارٍ بِقَدرِ مَا سَلَّمَ مِنْهُ فِي الوقتِ أخذَ مِنه ذَلِكَ ولَو كَرْهًا.
وَأَمَّا كُلِّ مَن أَقرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِشَيْءٍ مِن دَيْنِ، أَو سَلف، أو قرض، وكلَّمَا قَد أَخذَ لَه عوضًا مِن شِرَاءِ شَيْء، أو طناء، أو غَيرِ ذَلِكَ؛ فَالْمَعمُولُ بِهِ عِندَنَا أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِتَسْلِيمِهِ فِي الْحَالِ، فَإِن لَمْ يُسلّمهُ حُبس حَتَّى يُسلّمه، أو يَصحَ عَدمُهُ، وَأَنَّهُ لَاشَيْء عِندَهُ حَتَّى يُسلَّمَ مِنه مَا عَلَيْهِ، وَفِيهِ شَيْءٍ غَير هَذَا.
وَأَمَّا إِذَا ادَّعَى الْمُدَّعِي عَلَى خَصمِه بحقِّ، وَأَنكَرَه الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَعَلَى الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةِ، وهي: شاهدان عدلانِ يَخافَانِ الله تَعَالَى في السر والعلانية، قَد عَرفَ الْحَاكِمُ عَدالَتهُمَا، أَو رَفَعَ لَه عَدالتهمَا مَن تَجُوزُ رَفِيعَتُه مِن أَهلِ الْخِبْرَةِ بِهِمَا، أَو يُصدِّقَهُما الْخَصم، ويَرضَى بشَهادَتِهِمَا عَلَيهِ، ولَو كَانَ عِنْدَ الْحَاكِمِ غَيْر عَدلَين فَإِذَا رَضِيَ بِهِمَا مَن شَهِدَا عَلَيْهِ، فَقد كَفَى الْحَاكِم مَؤُونَةَ الحكمِ بَيْنَهُما .. وَإِن لَّمْ يَصحٌ شَاهِدَانِ عَدلَان فَرَجَلانِ حُرَّان، أو رَجلٌ وَامْرَأَتَانِ فَخَطُّ مَن يَجُوزُ حَطَّه مِن حُكّامِ الْمُسْلِمِينَ .. أو من الثقات العدولِ الْمَأْمُورِين بِالكِتَابَة بَيْنَ الناسِ، إِذَا صَحَ فِيهِ لَفظُ ذَلِكَ الْمُقِرِّ، وعرفه الْحَاكِيم أَنَّهُ خَطُّ ذَلِكَ الكاتب العدل، وعَرَف الرجلَ الْمَكْتُوبَ عَلَيْهِ، أَو أَقَرَّ ذَلِكَ الرجلُ، أَو أَقَرَّ ذَلِكَ الرجلُ الْمَكْتُوب عَلَيْهِ أَنَّهُ هُو ذَلِكَ الْمَكْتُوبِ عَلَيْهِ؛ فَهو بَيِّنَة عَدلَّ، قَد عَمِلَ بِها الحكام، ولَو لَمْ تَكُن مَنصُوصَة .. إلا أَنَّهُم قَد جَعَلُوا ذَلِكَ الكِتَابَ حُكمًا مِن كَاتِبِه عَلَى الْمَكْتُوبِ عَلَيهِ بِإقراره به عَلَى نَفْسِهِ، وَأَثْبَته عَلَيْهِ ذَلِكَ الكَاتِبُ بِمَا صَحَ عِندَهُ
إقراره به عَلَى نفسه.
من (1/369)
صفحة 370
الدلائل على اللوازم والوسائل
وقَالُوا: «لَيْسَ لِحَاكِمٍ أَن يَنقُضَ حُكمَ حَاكِم حَكَم فِيه بِالْحَقِّ قَبَلَهُ، إِلَّا أَن يَرَى جُورًا»، وهَذَا أَمرٌ قَد ابْتُلِيَ به الْمُسلِمونَ وَاحْتَاجُوا إِلَيْهِ لِقلَّةِ الشهُودِ الْعُدولِ فِي هَذا الزمانِ، والله المستعان.
وَالذِي أَحبُّه - عَلَى وَجهِ الاحتياط - لِلحَاكِم في الأخذ بالوثيقة أن يُقر الرجل الْمَكْتُوب عَلَيْهِ ذَلِكَ الْحَقِّ بخط الكاتب، وهُو أَن يَقرَأَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْمَكْتُوبِ مِنَ الْحَقِّ، ويَقُولُ له: «أَنتَ الذِي عَلَيْكَ هَذَا الْحَقِّ، أَو لَستَ أَنت؟»، فَإِذَا أَقَرَّ بِذَلِكَ فَهُوَ زِيادَة وَثِيقَةٍ عِنْدِي.
وَإِن عَدِمِ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَة مِنَ الشُّهُود الْمَوصُوفِين، أو خط مَن يَجُوزُ حَطَّه عِنْدَ حَاكِم الْمُسْلِمِينَ، وثبت خصمُه عَلَى الإِنكَارِ، فَإِن طَلَبَ اليَمِين مِن خَصمِه خَلْفَهُ لَه الْحَاكِمُ بحضرة الطالب.
وهُوَ أَن يَقُول لَه: «قُل وَاللَّهِ الذِي لَا إِلَه إِلا هُوَ رَبُّ العَرْشِ الْعَظِيمِ، الْمُنتَقِمُ مِنَ الْخَائِنِين، الْمُهلِك الْمُدرِكَ، الْعَالِمُ بالسرِّ وَالإعلان، أن مَا عَلَيكَ لِفُلانِ بن فُلان هَذا - ويُشير إليه بيده كَذَا وَكَذَا»، وهُو مَا ادَّعَاهِ عَلَيهِ، ولا شَيْءٍ مِنْهُ؛ فَإِذَا خَلفَ بِذَلِكَ فَقد انقَطَعَتِ الْحُصومَةُ بَيْنَهما.
وَإِن رَدَّ الْمَطلُوبُ بِالْحَقِّ اليمِينَ عَلَى الطالب، وقَالَ: «يَحلفُ هُو وَأَنَا أُعطِيهِ مَا ادَّعاهُ عَلَيَّ» فَلَه ذَلِكَ، وَالْخيار للطالب، إن شاء حلَفَ مِثلَ اليمين التي وصفتُهَا لِيَأْخُذُ مَا ادَّعَاهُ، وَإِن شَاءَ تَركَ الْمُطالَبَة لَه، ويَحلِفُ ذَلِكَ الْمُدَّعِي: «أنْ لَه عَلَى فُلان بن فلان هَذا – ويشير إِلَيْهِ بيده - كَذَا وَكَذَا مِن الْحَقِّ الذِي ادَّعَاهُ، باقٍ لَه عَلَيْهِ إِلَى هَذِهِ السَّاعَةِ، لَمْ يَقبضهُ مِنْهُ، وَلَمْ يُبرئه منه».
فَإِذَا حَلَفَ الْمُدَّعِي عَلَى هَذِهِ الصفَة بِرِضًا الْمُدَّعَى عَلَيهِ أَمَرَهُ الْحَاكِمُ بِتَسلِيمٍ مَا حَلَفَ عَلَيهِ الْمُدَّعِي، ولا يُحكَمُ عَلَيْهِ بِتَسليمِهِ قَبْلَ الْحَلْفِ إِن طلبَ ذَلِكَ الْمُدَّعِي، وَقَالَ: «يَضِعُ حَتَّى حَتَّى أَحلِفَ عَلَيهِ»، فَلا يُحكُم عَلَيْهِ بِالتسليم، إلا بعد اليمين. (1/370)
صفحة 371
الدلائل على اللوازم والوسائل
وَإِن زَادَ الْحَاكِمُ في الْيَمِين أَو أَنقَصَ عَمَّا وَصَفْتُهُ، فَجَائِز ويُجزئ .. فَإِذَا خَلْفَه بقول «الله»، فَقَد تَمَّت الْيَمِينُ، وَإِذا أَحضَرَ الْمُصحَفَ عِنْدَ الْيَمِينِ، إِن رَأَى أَنَّهُ أَقوَى هَيبَةٌ عَلَى الْحَالِف فَجَائِز له ذَلِكَ .. وَأَمَّا الْحَلفُ عَلَى القبورِ وَالْمَسَاجِد فَلا يَحكُمُ بِهَا الْحَاكِمُ عَلَى النَّاسِ، إِلَّا أَن يَكُونَ في الدماءِ كَالقَتلِ، وَالْجِراح، والسرقاتِ الكَثيرَةِ، فَيُعجبنا ذَلِكَ لِلترهيب للفاعل؛ لأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ عِنْدَ الناسِ أَنْ مَن حَلَفَ عَلَى القبرِ حَانَنَا أَثر فيه ذَلِكَ فِي الْحَالِ، لِضُعَفِ بَصرِهِم، ولا شَيْءٍ أَعظم مِنَ الله وَإِن كَانَ صَاحب القبر عَظِيمًا، فَإِنَّمَا عَظْمَه الله
ولا يَكُونُ الْخَلْفُ - ولَو عِنْدَ القبورِ وَالْمَسَاجِدِ والمَصاحِف - إِلَّا بِالله. وَأَمَّا إِذَا حَضرَ لِحَاكِمٍ مُدَّعِ ومَدَّعَى عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنَ الْحُقوقِ، وَأَنكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وعَدِمَ الْمُدَّعِي الصحة، وطَلبَ مِن خَصمِهِ الْيَمِين عِنْدَ شَيْءٍ مِنَ الْقُبُورِ، فَأَجَابَه خَصمه بالطاعَةِ فلا بَأسَ عَلَى الْحَاكِم أن يتركَهُما عَلَى مَا أَتَّفَقَا عَلَيهِ، أَو خَيْر الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ: «إِمَّا أَن يَحلِفَ لِي عمَّا أَدَّعِيه عَلَيْهِ عَلَى قَبْرٍ فُلان: أنْ مَا عَلَيْهِ كَذَا وَكَذَا .. وَإِمَّا حَلَفَتْ له أنا عَلَى ذَلِكَ عندَ القبر: أنْ لي عَلَيهِ كَذَا وَكَذَا»؟! فَلَا يَضِيقُ عَلَى الْحَاكِمِ أَن يَدعَهُمَا و خِيارَهُما، أَو يَقُول لِلمُدَّعَى عَلَيهِ: «قد أنصفك خصمك لك، فاختر ما شيئت». فإن اختار فذَلِكَ إِلَيْهِ، وَإِن قَالَ: «لا، إلا أن يُحكَم عَلَيَّ بِذَلِكَ»، نَظرَ الْحَاكِم بينهما، فإن رآه أَمْرًا عَظِيمًا ورَأَى ذَلِكَ الْخَصم منهما، وأَرَادَ لَه الْهَيْبَةَ لَعَلَّه يُرجعُ؛ فلا يضيقُ عَلَيهِ - إِن شَاءَ الله - أَن يَحكُمَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ مِن طَرِيقِ النَّظَرِ.
بخياره
وَأَمَّا إِن رَأَى الْحَقَّ مِمَّا هُو في الذمم، أو هو قليلاً، أو رَأَى الْمُدَّعِي مُتَعَنِّنَا لِخَصمِهِ يُرِيدُ
لَه الْمُكايَدَة وَالْمُضارَّةَ لَه فَلا يَسوقُه لَه بَل يُحلِّفَهُ فِي مجلسه إِن أَرَادَ مِنه، وَإِلَّا تَرَكَه. ولا يُمكنُ للحاكم أَن يُرضي الناسَ في الأَحْكَام .. ولَو أَنَّهُم كلهم على الصدق والصواب في دَعاوِيهِم لَمّا احتاجوا إلى الْحَاكِم، ومَا دَعَا الْحَاكِمِ إِلَّا قِلَّة الإِنصافِ، وَكَثرَة (1/371)
صفحة 372
الدلائل على اللوازم والوسائل
الظلم والتعدي، وإلا فالكل عارف بحقه، لَكِنَّ الْحَاكِم يَحكُم بِالظَّاهِرِ، وَاللَّهُ هُوَ الْمُطَّلِعُ
كذا
على السرائر. وَأَمَّا مَن جَاءَ يدَّعِي عَلَى وَرَثَةِ مَيْتٍ بِحَقِّ لَه عَلَى مَيِّتهم، أَو جَاءَ يَدَّعِي عَلَى أَحدٍ بِحَقِّ، أَو إِرثٍ وَرِثَهُ مِن ذَلِكَ الْمَيِّت؛ فَأَنكَرَ وَرَثَهُ ذَلِكَ الْمَيِّت مَا ادَّعَاهُ عَلَى هَالِكهم، وَعَدِمٍ هُو البينة، وطلب مِنَ الْوَرَبَّة اليمين فإنَّهُم يَحلِفُونَ لَه بالعلم، وإِنَّهُم مَا يَعْلَمُونَ لَه عَلَى هَالِكِهِم وكَذَا، وَإِن رَدُّوا الْيَمِينِ عَلَيْهِ هُو، فَعَلَيهِ الْيَمِين لَهُم بِالقَطع. وَأَمَّا إِذَا ادَّعَى هُو إرثًا مِن، ميّت أو حقا لميت هُو وَارتُه والْحَاكِم لا يعرفُ ذَلِكَ الْمَيِّت، ولا يَعلَم بارثِ هَذا مِنه؛ فعَلَى هَذَا الْمُدَّعِي الْبَيِّنَة بِمَوتِ ذَلِكَ الْمَيِّتِ، وَأَنَّهُ هُو وَارتُه إن ادَّعَى الكل، أو البعض، فعَلَيهِ الصحة بدعواه، وبذلِكَ الْحَقِّ الذِي يَدَّعِيهِ؛ فَإِن جَاءَ بالصحة حَكمَ لَه بِهَا، وَإِن لَمْ يَأْتِ بالصَّحَة وَطَلبَ الْيَمِين مِمَّنِ ادَّعَى عَلَيهِ، فَلَه الْيَمِينِ
عليهم بالعلم. ومَن ادَّعَى بِحَقِّ عَلَى أَحدٍ مِن أَولادِهِ فَدعَوَاهُ مَسمُوعَة، ولَه الْيَمِينِ إِن أَنكَرَه. ولَيْسَ لِلوَلَد يَمينُ عَلَى وَالدِهِ فِيمَا ادَّعَاهُ عَلَيْهِ إِن أَنكَرَه، ولَه الْيَمِينِ عَلَى الْوَالِدَة إن أَنكَرَت مَا ادَّعَاهُ عَلَيْهَا، ولا أُحبُّ لأحَدٍ أَن يُحلِّفَ أُمَّهُ إِلَّا أَن يَكُونَ فِي شَيْءٍ عَظِيمٍ ارتكبته .. ولَيْسَ عَلَى السَّيِّدِ يَمِينُ لِعَبْدِهِ.
وَاعلَمْ - هَداك الله - أن حُكمَ الْحَاكِم لا يُحِلُّ لك حَرَامًا .. ولَو حَكَمَ لكَ بِشَيْءٍ مِمَّا في يدك بالظاهر، وأنتَ تَعلَمُ بِأَنَّهُ لَيْسَ لكَ فَلا تَأْخُذهُ فَإِنَّهُ نَارٌ، وَرَاقِب اللَّهُ كَ ولَو كَانَ ذلِكَ شَيئا يسيرًا، فمثقال الفرَّةِ مُهلك لِمَن أصرَّ عَلَيْهِ. واحذر من أَن تَعْتَرَّ بِكَلامِ الْخَصمِ وَادْعَائِهِ، فَلاَ تَعْتَمِد عَلَى شَيْءٍ مِنه حَتَّى يُحضر خصمه، وتسمع منهما جَمِيعًا.
ولا بأس عَلَيكَ بِالتأني في الْخَصمين، والْمَطلِ بالحكم بَيْنَهمَا، مَا لَمْ سَينْ لكَ الصواب وكنت في طلبه، وشَاوِرْ مَن تَرجُو مِنه الصواب في الرأي إِذَا وَحدت أَحَدًا مِن أهل التقوى (1/372)
صفحة 373
FV F
الدلائل على اللوازم والوسائل
وَلَو قَلْ عَملُه، ولا تتوحد برأيك ولَو كُنت قد سبقت أهلَ زَمانك في العلم، فإن الإنسان خُلق من طين، ولا تكتملُ لَه الأحوال جَمِيعًا، ومَن أَكمَلُ مِن رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَعْلَم مِنْهُ؟ وقَد شَاوِرَ مَن هُو دُونَه بِدَرجَاتٍ، وأخذ بِرَأيهِ، وَرُبَّمَا قَليل العلمِ سَبَقَ بالرأي مَن هُو أكثر
منه علمًا.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ وَاحِبٌ عَلَى مَن ادَّعَاهُ خَصمهُ إِلَى الْحَاكِمِ أَن يُوافِيهِ عِنْدَه، ولا يَجُوزُ لَه التخلف عنه إلا مِن عُذر، فَإِذَا أَرَاهُ خَصمه مَدرَة الْحَاكِم، وهُو أَن يُرِيَهِ قِرطَاسَه أَو غَيْره مكتوبًا فيهما بخط الْحَاكِم أو بِأمرِهِ أَجابَ الشرعَ الشريف «مِن فُلان بن فلان، كتبه فلان بن فلان القاضي – أو الوالي – بيده».
ولا أُحبُّ لَه أَن يُرسل لَه قِرطَاسَةً لا شَيْءٍ فِيهَا، أو فِيهَا مَا لَا تَقُوم بِهِ الْحَجَّةَ، مِثل قطعة مِن خَيطٍ أَو غَيْره؛ فَإِذَا بَلَغتهُ الْمدرَة وصَحْ عَلَيْهِ أَنَّهُ تَخلَّف عَنه بِغَيْرِ عُدْرٍ جَازٍ حَبَسُه بقدرِ مَا يَردَعُه عَن العودَةِ إِلَى مِثل ذَلِكَ، وليَسمَع بِذَلِكَ لِئَلَّا يَتحَرَّؤُوا عَلَى الْمُعَانَدَةِ، إِذَا لَمْ يَرَوا عُقوبَةٌ مِن الْحَاكِم. وَإِن أَرسَلَ الْحَاكِمُ إِلَى الْخَصمِ الْمَرْفُوعِ عَلَيهِ أحدًا مِن ثِقَاتِه وعَاندَ؛ فَعِنْدِي أَنَّهُ جَائِز لَه حَبسه؛ إِلا مَا كَانَ لَهُ مِن عُدْرٍ، فَلَا يَعجِلُ عَلَيْهِ. (وَالعُدْرُ: مثلَ الْمَرض الحابس، أو مَن عِنْدَه مَيِّت وهو في هِمَّةِ تَجهيزهِ ومُوارَاتِهِ، ومَن عِنْدَه أَحَدٌ مِن أَهلِ بَيتِه مَرِيضٌ مَرَضًا مَخوفًا، أو كَانَ أَجِيرا؛ فَإِلَى فَراغِهِ، وكلُّ مَا كَانَ - في النظر - عَلَيهِ ضَرَر إن مضى عنه، في نفس أو دين أو مَالِ، فَهو عِنْدِي عُدْرٌ إِلَى أَن يَفرغ
منه).
وَإِذَا أَخذَ الْحَصْمُ مَدرَةً مِن عِندِ الْحَاكِم لأَحَدٍ مِن الناسِ مُسمَّى فَلا يَحضُرُ بِها من كتبت لَه فَإِنَّهُ لَا حُجَّةَ لَه ذَلِكَ ...
1) الْمَدْرَة: ورقة صغيرة يكتب فيها الحاكم إلى من يريد الحضور إليه للحكم. (1/373)
صفحة 374
الدلائل على اللوازم والوسائل
13740
ولا يَحكُم الْحَاكِمُ لِنفسه عَلَى الناسِ، ولَو كَانَ مُحقا .. ولا يحكم لولده أيضا .. ولا يَحْكُم فِي غَيْرِ بَلدِه وما يليها .. ولا يَحْكُم بِعِلمِهِ الذِي عَلِمَه قَبل أَن يَكُونَ حَاكِمًا .. وَأَمَّا مَا عَلِمَه بَعد أن صارَ حَاكِما؛ فيعجبني أَن يَجُوزَ لَه أَن يَحْكُم فيه بعلمه؛ لأَنَّهُ لَا شَيْءٍ أَصح عِنْدَ الْحَاكِم مِن عِلمِهِ، وَمِثالُ ذَلِكَ: إِذَا سَمِع رَجلاً يُطلِّقُ امرأته سَمَاعًا صَحيحا لا يَشْكُ فيه، أَو يَعيقُ عَبدَه، أَو يُقر لأحدٍ بحقِّ، أو رآه قَتلَ أَحدًا أَو ضَرَبَه، أو أخذ مالاً لأَحدٍ وَهُو يَراهُ، وأَنكَرَ جَميع ذَلِكَ؛ فَيَحْكُم عَلَيهِ بِما رآه منه .. وكَذَلِكَ ما كَانَ مِثل هَذا. وَإِذَا حَضَرَ الْخَصْمَانِ عِنْدَ الْحَاكِم: جَعَلَ الْحَاكِمُ فَهمَه وقَلَبَه وسَمَعَهُ إِلَى الْخَصْمِينَ جَمِيعًا، لا إلَى أَحدِهِما دُونَ الآخَر؛ لِيَفهَم دَعوَى الْمُدَّعِي، وَيَعرف إنكَارِ الْمُنكِرِ، وَيَنظُر إِلَى فَمِ الْمُقرِّ حِين يُقِرُّ؛ فَلا يَحْكُم عَلَيْهِ بِسَماعِ الصوتِ مِن غَيْرِ نَظِرٍ مِنْهُ إِلَى شَفَتِيهِ .. وَإِذَا عَرَفَ الْحَاكِمُ إقرَارَ الْمُقرِّ، فَيجْزِي أَمرهُ لَه بأن يُسلّمَ لِخَصمِهِ مَا عَلَيْهِ لَه، ولَو لَمْ يَقُل لَه إِنَّه قد حكم بذَلِكَ؛ فَأَمرُهُ لَه يَقُومٍ مَقامَ حُكمِه.
وَإِذَا كَانَت دَعاوَى الْحُصومِ فِي شَيْءٍ مِن الْحَيَوانِ، مِن البقرِ، وَالغَنمِ، وَالإبل، أو في
عبد، بشيء مِن الْعُيوب؛ فَيَحضُر ذَلِكَ بَيْنَ يَدَيِ الْحَاكِم. وَالكُل فِي الأَحْكَامِ أَولَى بِمَا في يده؛ وهُو أَحقُّ بِه مِمَّن يَدَّعِيهِ، وَلَا يَجُوزُ أَن يُؤْخذ مِنهُ لخصيه إلا بصحة إقراره به، أو بِالْبَيِّنَة العادلة. وَالصَّبِيُّ إِذَا طَلبَ الْحَقِّ مِن أَحدٍ فَجَائِز لِلحَاكِم أَن يَحْكُم لَه بِما صحَّ عِنْدَه لَه، ولا يَحْكُم عَلَيْهِ بِشَيْءٍ؛ لأَنَّهُ صَبِيٌّ.
فضل: في الدعاوى
فَإِنْ بَعضَ الدعاوى لا تُسمع، فلا تشتغل بها؛ وذَلِكَ مِثل مَن ادَّعَى عَلَى أَحدٍ أَنَّهُ وَعدَهُ بعطيَّة، أو صدقةٍ، أو ادَّعَى عَلَيْهِ شَيْئًا مِن الْمُحَرَّمَاتِ مِثل: الْحَمرِ وَالْخَنَازِيرِ فَهَذِهِ
دَعوَى لَا يُلْتَفتُ إِلَيْهَا. (1/374)
صفحة 375
الدلائل على اللوازم والوسائل
وَأَمَّا مَن ادَّعَى عَلَى أَحدٍ بِحَقِّ مِمَّا يَحتَمِلُ أَن يَكُونَ لَه عَلَيْهِ، مِمَّا هُو فِي عَادَةِ الناسِ يَتعاملُونَ به مِثلَ: مَن ادَّعَى عَلَى أَحدٍ دَرَاهِم، أو حَبًّا، أَو تَمرًا، أَو ثِيابًا، وَسَمَّى به أَنَّهُ كَذَا وَكَذَا، فَهَذِهِ دَعوَى مَسمُوعَة .. وَإِن ادَّعَى الْخَصمُ عَلَى أَحَدٍ أَنَّهُ كَفَلَ لَهُ أَو ضَمِنَ لَه عَلَى فُلان بكَذا وكذا؛ فَلَيْسَت هَذهِ بدَعوَى صَحِيحَة، إِلَّا أَن يَقُولَ: «لِي عَلَيْهِ كَذَا وكَذَا مِنْ قِبَلِ كَفَالَةٍ، أَو ضَمَانَة عَن فُلان»، فَهَذِهِ دَعَوَى مَسمُوعَة. وَإِذَا ادَّعَت امْرَأَةٌ عَلَى زَوْجِهَا جُلعًا، أَو طَلاقا، أو حِرمَةً، وأَنكَرَ الزَوْجُ؛ فَالْمَرأَة الْمُدَّعِيَة؛ فَإِن أَقرَّ لَهَا الزَوْجُ بِذَلِكَ، أَو جَاءَت بِشَهُودٍ عُدولٍ ثَبَتَ مَا ادَّعَت بِهِ. وَإِن ادَّعَى عَبدٌ عَلَى مَولاهُ أَنَّهُ أَعتَقَهُ، وأَنكَرَ الْمَولَى؛ فَعَلَى الْعَبدِ الصَّحَّةُ، وَإِن أَنكَرَ
مين
العبد العبودِيَّة وَأَنَّهُ حرّ؛ فَعَلَى مَن ادَّعَاهُ عَبْدًا لَه الصحة بالعُبُودِيَّةِ وَإِلا فَهُو حُرٌّ. وَإِن ادَّعَى رَجِلٌ عَلَى رَجِلٌ بِحَقِّ حَالٌ، أَو ادَّعَى الْمَطُلُوبُ أَنَّهُ إِلَى أَجَلٍ فَحُكمُه حَالٌ، حَتَّى يَصحُ أَنَّهُ إِلَى أَجَلٍ، وَذَلِكَ إِذَا أَقَرَّ بِهِ، وَادَّعَى الأَجَل.
وَإِذَا ادَّعَى رَجلٌ عَلَى آخَرَ دَرَاهِم أَقرَضَه إِيَّاهَا فَرضًا، وقَالَ الآخر: «لَيْسَ عَلَيَّ لَه قرضا، لكن هِيَ عِنْدِي لَه أَمَانَة»؛ فَالقَولُ قول الْمُقِرِّ إِنَّهَا أَمَانَة، حَتَّى يَصحَّ أَنَّهَا قرض؛ لأَن ذَلِكَ يَدَّعِي مَا يُوجِب لَه الضمان، وهذا قد أَقرَّ لَهُ بِأَصْلِ مَا ادَّعَاهُ، وَقِيلَ: إِنْ القول قول مُدَّعِي القرض؛ لأن الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَمْ يُنكِر، وَادَّعَى أَنَّهُ أَمَانَة، وهَذِهِ تُسْقِطُ عَنْهُ الضمان؛ فلا يُقبَلُ مِنه وَاللَّهُ أَعْلَم بِالعَدلِ مِنَ الْقولين.
وَإِذَا أَقَرَّ رَجلٌ أَنَّهُ اشْتَرَى مِن رَجلٍ مَتَاعًا، وأقَرَّ البائعُ أَنَّهُ بَاعَهُ، ثُمَّ إِنْ البائعَ طَلَبَ الثّمنَ؛ فَعَلَى الْمُشْتَرِي الثمن، إِلا أَن يُحضِرَ الْبَيِّنَة أَنَّهُ قَد أَوفَاهُ ثَمَن مَا اسْتَرَاهُ مِنْهُ، وَعَلَى البائع الْبَيِّنَة أَنَّهُ سَلَّمَ إِلَى الْمُشْتَرِي مِنهُ مَا اسْتَراهُ مِنه .. وَإِذَا أَقرَّ البائعُ بِأَنه بَاعَ لَهَ كَذَا وكذا، وأَنكَرَ الْمُشْتَرِي قَبَضَ مَا اسْتَرَاهُ. (1/375)
صفحة 376
الدلائل على اللوازم والوسائل
ومَن قَالَ: «إِنِّي بِعتُ هَذا الْمَالَ لِفُلان إِلا أَنِّي لَمْ أَقبض مِنه الثمَن»؛ فَإِقرَارُه بِالْبَيْعِ مَقبُولٌ مِنهُ وثَابتٌ عَلَيهِ، ودَعواه الثمَن يَحتاج إِلَى صِحَةٍ، أَو يُقرِّ لَه بِهِ الْمُشْتَرِي، وَاللَّهُ أعلم بالصواب فِي هَذِهِ وغَيْره.
فهَذِهِ يا أَخي تُبدَةٌ قَليلَةٌ إِن ابْتُلِيتَ بِشيءٍ مِن مِثلَ هَذَا، تُنَبِّهُكَ لِتَطلُبَ الشرع الواسع، وهذا كِتابٌ لَيْسَ بِتَمامٍ، بَل فيه دَلالَةٌ لِمَن لا يَقدِرُ عَلَى الشرع الواسع، لِيَنتَفِعَ مِن كُلِّ فَنْ بِرَسم؛ لأَنْ بَعض الناسِ يَملِكُ مائة، وبعضا ألفًا أكثر أو أقل، وبَعضًا يَمْلِكُ عَشْرًا أو دُون ذَلِكَ إِلَى وَاحِدَة وَمِنهُم مَن لا يَملكُ شَيْئًا، وكلُّ يُدرِكُ مَا قُدِّر لَه مِن كُلِّ شَيْءٍ بِلا زِيادَة. وَعُذرِي مِن الإطالَةِ: قلةُ عِلمي، وكَلالَةٌ فَهمي، وقُصور ذهنِي، وَاسْتَغَالِي بِدُنْيَايَ .. ومَا
التوفيق إلا بالله لي ولكُلِّ مَخلوق، ولا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ العليِّ الْعَظِيم. (1/376)
صفحة 377
البات
الدلائل على اللوازم والوسائل
في شيء من صِفَة الوصايا، ومَا يُسْتَحبُّ مِن ذَلِكَ، ويُؤمر به
فَإِذَا رزقك الله تَعَالَى - يا أخي عُمرًا بِعافِيَةٍ، وَرِزْقًا حَلالاً أَعْنَاكَ بِه عَن النَّاسِ، وبقيت في الدُّنيا وذُقت مِن طُعومِهَا مِن حُلوهَا وَمُرْهَا، وَبَردِهَا وَحَرَّهَا، وَخَرَجت من الشباب إِلَى الْمَشيب، أو لَحِقكَ بَعْضُ مِن هُمومِهَا؛ فَاذكُر نعمَةَ اللهِ عَلَيكَ بِمَا حَصَّكَ به مِن هَذِهِ الْحَالَةِ التي لَمْ يَلْعَهَا كَثيرٌ مِن أَقاربكَ، وَجيرَانِكَ، وَأَصحَابِكَ، وأولادِكَ، وإخوانك، وأصدقائك، وأعدَائِك، وأعوانك، وَكَثيرٌ مِمَّن تَعرفُ مِنْ أَهْلِ زَمَانِكَ؛ مِنْهُم مَن مات طِفلاً وَهَنيئًا لَه، ومِنْهُم مَن مَاتَ شَابًا، وكهلاً، وشيخا، ومِنْهُم مَن لَبِثَ مَرِيضًا مُدَّةً وفقيرًا، وغَيْرِ ذَلِكَ.
فلا تَأْمَنَنَّ بَعْدَهُم من اللحوق بهِم عَاجِلا، فإِنَّهُم لَمْ يَموتُوا عَنكَ بَل مَاتُوا قَبْلَكَ، وَأَنتَ تَراهُم صِحَاحًا ومرضى، وَمَوتى، وتَرَى أَمْوَالَهُم تُقسَّمُ بَعْدَهُم، وَأَزْوَاجِهُم تُتَزَوَّجُ بِرَعْبَةٍ لَا بوحشة، وبيوتُهُم تُسكَن، حتَّى كَأَنها لَمْ تَكُن لَهُم، وأنتَ تَرَى ذَلِكَ بِعَينَيكَ فِي كُلِّ يَومٍ، وفِي كُلِّ شَهرٍ، وفِي كُلِّ عَامٍ. أَنظُنُّ أَنَّ الْمَوْتَ نَاسيك، أو غافل عَنكَ؟ أَو لا يَأْتِيكَ؟ هَيهات، هَيهَات؛ إِنَّمَا مَثْلُكَ وَمَثلهُم كَالقَافِلَةِ الْكَبِيرَةِ أَنا حَت بِمَكان، فنَاسُها قائلون أَو بَاتِتُونَ، ثُمَّ هَمُّوا بِالرحيلِ إِلَى حَيْثُ هُم رَائِحُونَ، فَسَبَقَ بَعْضُهم بسيرٍ يَومٍ، أو يومين، أو سَاعَة، أو خطوة، وهَذا يَشدُّ الرحيل، وهَذا يَردُّ الْحَمَلَ، وهَذا يَؤُمُ الْحِملَ، وَهَذا قَد نَهضَ مِن مكانه، فَأَناخَ يَتِلكَ البقعة غَيْرهم، فاختلَطُوا أَيَّامًا قَلائل، ثُمَّ نَهضَت القافلة الأولى جَمِيعًا، ثُمَّ هَمَّت الآخِرَة بالرحيلِ عَلَى أَثَرِهَا.
(1)
(1) زم الشيء يرمهُ: شَدَّه، انظر: لسان العرب (زمم). (1/377)
صفحة 378
الدلائل على اللوازم والوسائل
VA
وعَلَى هَذَا دَابُهُم أبدًا .. هَذِهِ تَحطُّ وَالأخرَى تَنهَضُ، فَإِذَا كان الأمر عَلَى هَذَا فَكَيف
لك بالأمان.
أَنه قد صَارَ
وَاعلَم أَنكَ وَمَلَك الْمَوْتِ كَالْمُسافِر لِيَلْتَقِي أحدًا مِن سَفَرٍ بَعيدٍ، وعَلم به مُقبلاً إِلَيْهِ، فَصارَ يَسيرُ إِلَى ذَلِكَ، وذَاكَ يَسيرُ إِلى ذاك، وكلاهما مُحِدٌ فِي الْمَسير، ولا بُدَّ أن يلتقيا، لكن لا يَعلَمَانِ أَينَ يَلتقيان في مبيت، أو مقيل، أو بكورٍ أو أصيل، ولا في أي بقعةٍ منَ الأرضِ. فَأَمَّا الآدمِيُّ، فَرَاحِلٌ لِمسير الليل والنهار، والساعَاتِ وَالأَنفاسِ، إِلَى أَن يَتمَّ بِعِلمِ الله ومَلكُ الْمَوْتِ وَوَصُولُه بِأَمْرِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. فَإِذَا انقضت أوقات الإنسان، وأنفَاسُه مِن الدُّنيا، تلقاه في الْحَالِ مَلكُ الْمَوْتِ ولا يُؤخِّرُه بِنَسم واحدٍ.
فَإِذَا فَهِمتَ مَا وَصَفَتُ لكَ، فَانتبه مِن رَقدَةِ الغفلَةِ، وتَيقظ مِن سَكرَةِ هَوَى النفسِ وأحكم الوَصيَّة إن عجزت أَن تَكُونَ وَصِيَّ نَفسِكَ وَإِلا فَكُن كَمَا قَالَ القَائِل - للهِ دَرُّه -
شعرا
إِذَا مَا كُنتَ مُتَّخِذَا وَصِيًّا فَكُن فِيمَا مَلَكَتْ وَصِي نَفسيك سَتَحصُد مَا زَرعتَ غَدًا وَتَجنِي إِذَا وَضَعَ الْحِسَابُ ثِمَارِ غَرِسِكَ فالصوابُ عِنْدِي أَن تَتَأَهَب لِلمَماتِ، وَتَفُكَ نَفْسَكَ مِن جَمِيعِ الْحُقوقِ اللأَزْمَاتِ، مِنَ الديونِ والقُروض، والصدقَاتِ، ومِن جَمِيعِ مَا تَعلَّقَ عَلَيكَ لِلعبادِ مِن التَّبَعَاتِ، وكن مُتجرِّدًا مِن الدُّنيا خفيفاً لِلقَاءِ هَادِم اللذاتِ، وتَدَارَك مَا ضيعته من الصوم، والصلواتِ، وَالْحَجِّ وَالعُمرة، والزكوَاتِ، وَمِمَّا حَتَتَ فِيه مِن الأَيْمَانِ الْمُرسَلاتِ، وَالْمُعَلَّظَات، ولا تُبقِ شَيْئًا أبدًا مِمَّا لَوْمَكَ مِنَ الْوَاحِبَاتِ، فَلا يَنقُصُ ذَلِكَ مِن رِزْقِكَ، ولا مِن عُمرِكَ أَيَّامًا، ولا
ساعات. (1/378)
صفحة 379
الدلائل على اللوازم والوسائل
وَأَمَّا وَصِيَّةُ الأَقرَبِين فَأَخَرهَا إِلَى مَا بَعْدَ الْمَماتِ؛ فإِنَّكَ لَا تَعرِفُ أَقارِبَكَ فِي الْحَالِ، ولأَنكَ لا تَدرِي بِمَن يَمُوت قَبْلَكَ، وَمَن يَقَى بَعْدَكَ. وَأَمَّا بَقِيَّةُ الوَصايَا فَلا تُؤَخِّرَهَا إِلَى أَلا تَقدِر فَإِذَا لَمْ تَقدِر فَلَكَ العُدْرُ إِن شَاءَ اللَّهُ، لَكِن أحكم الْوَصِيَّةَ مَا دُمتَ صَحيحا قَبلَ أَن تَتعَرَّضَ لكَ الأمراض، وتُغَير عَلَيْكَ عَقلك، فلا تحفظ مَالَك، وَمَا عَلَيكَ. فَأَحكِم ذَلِكَ عِنْدَ كَاتب عَارف عَدل بلفظ صَحِيح ثَابِتٍ، وَاجْعَل وَصِيَّكَ ثِقَةٌ، وَإِن صح لك مِن غَيْرِ مَن يَرتُكَ؛ فَهو عِنْدَي أَحرَم؛ لأَن الوَارِثَ رُبَّمَا يَحمِلُه الطمعُ عَلَى التاني
انتصارا للزائدِ، وَإِن أمكنكَ أَن تَجعَلَ شُهُودًا عَلَى حَطَّ الكاتب فَهُوَ أَحزَم. وأوص إِن أَرَدَتَ بِمَا لَوْمَكَ مِن حُقوقِ العِبادِ كَانَنَا مَا كانَ، مِن دِماء، وأموال، وفُروج يعمد أو خطأ، ولَو كُنتَ لَا تَمْلِكُ بِقَدرِ مَا عَلَيْكَ.
فَإِذَا اجْتَهَدَتَ وَعَلِمَ الله مِنكَ الصدق أَنكَ تَائب من الذنوب، مُعتقد الْخلاص مِن جَمِيعِ ذَلِكَ، فَمِتَّ وَلَمْ تُؤدِّ شيئاً مِن ذَلِكَ، وَلَمْ تُخلّف لَه وَفَاء؛ فَأَنتَ سالِمٌ ونَاجِ إِن شَاء الله -، ولا هَلاك إِلا عَلَى مُصر .. وَإِن تَركت شَيْئاً فَيَؤَدَّى ذَلِكَ مِمَّا تَركت، ولَو لَمْ يَبقَ لكَ شَيْءٍ أَبَدًا.
ثُمَّ أَوص في أَبْوَابِ البِرِّ بِما شِئتَ إِلَى قَدرِ تُلثِ مَالِكَ، وَأَوصِ لَأَقارِبِكَ بِمَا يَسَّرَ اللَّهُ لَكَ عَلَى قَدرِ مَا مَلَكتَ، وَتَكُون فِي وَصِيَّتِكَ لِلأقارب مُمثَلاً لأَمْرِ اللَّهُ تَعَالَى بِقَولِهِ: إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ)) .. فَنُسِخَ مَا لِلوَالِدَينِ بِمِيرَائِهِمَا مِن وَلَدهِمَا، وبقيت وَصيَّةُ الأقربين عَلَى مَن مَلكَ مَالاً، ولَو قَدرَ خَمسين دِرهَما مِن بَعْدِ حقوق النَّاسِ. ثُمَّ أَوص احتياططًا لِصومِ شَهرٍ، أَو شَهرَينِ عمَّا ضَيَّعت مِن صومِ شَهرِ رمضان .. وَبِشَيْء من كفارات الصلواتِ إن كُنتَ ضَيَّعت شَيْئاً، وَكَذَلِكَ الزكوات، فَأُوصِ بِمَا قَصَّرت.
1) سورة البقرة: 180. (1/379)
صفحة 380
الدلائل على اللوازم والوسائل
وَإِن كُنتَ حَنثتَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَيْمَانِ فَأَوصِ بِكَفَّارَته .. وأوصِ بِالْحَجِّ إِن لَزَمَكَ، وَإِن لَمْ تَخرُج إِلَيهِ في حَياتِك، وأوص بِكُلِّ مَن تَعَلَّقَ عَلَيكَ لَه حَقٌّ مِن قَرِيبٍ، أَو بَعِيدٍ، مِن زَوجَةٍ، أَو وَلَدٍ، أَو أُخوَةٍ .. وجَمِيعِ مَن لَهُ عَلَيْكَ حَقٌّ مِن الْخَلقِ.
ولا توص لأحدٍ مِن وَرَتَتكَ مِن زَوجَةٍ، ولا ولد، إلا أَن يَكُونَ مِن ضَمَانٍ لَوْمَكَ لَهُم، فَإِنَّهُ لَا وَصيَّةَ لِوَارِث» (1)، بِسَنَّةِ النَّبِيِّ مُحَمَّد.
ولا تُوص في أَبْوَاب الْبِرِّ بأكثر مِن ثُلث مَالِك، فإن الوصايا لا تُجاوز الثلث .. ولا تُضار وَرَثَتِكَ فِي أَن تُوصٍ بِمَالِكَ لِمَن لَيسَ لَه حَقٌّ عَلَيكَ، فَاحْذَر أَن تُضارهُم أَو أَن تَبحَل بِمَالك عَن أَن تُوصِي مِنه تَوفِيرًا لَهُم.
أَمَّا حقوق العِبَادِ: فَلو استَفرَغتَ جَميع مَالِكَ فَلا بَأْسَ عَلَيكَ .. ولا يَجُوز لكَ إِلا الخروج مِنهَا فِي الْحَيَاةِ، وفِي الْمَمَاتِ.
وأَمَّا الوَصَايَا فَإِلَى الثُّلُثِ جَائرٌ لَك أَن تُوصي به، وأن تُنفِّذَ وَصِيَّةَ مَن أَوصَى عَلَيْكَ مِن
ثلث مَالِهِ، إِلا أَن يَرضَى الْوَرَثَة بإنفَاذِ جَمِيعِ الوَصَايَا، ولَو زَادَت عَلَى الثلث. وَأَمَّا رَسمُ كِتَابِ الْوَصِيَّةِ إِن أَردتَ مَعرِفَة ذَلِكَ، فَهَذَا بَعْضَ مِنْهُ، وَهُو أَن تَكتُبَ أَوَّلاً: «بسم الله الرحمن الرحيمِ، أَوصَى فُلان بن فلان الفلانِي بِجَمِيعِ مَا يَحتَاجُ إِلَيْهِ، لَنَفْسِهِ من ماله، بعد موته، لعطره، وكفنه وحنوطه، وحفر قبره، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن جَهَازِ الْمَوْتَى، إلى أن يُوارى في قبره، وبمَا يَرزَّاه مَن يَحضُر عَزاءه أو ماتمه مِن النَّاس من طَعام، وإدام،
وتمر، وحل، وحرّض [أن] يُنفذ ذَلِكَ مِن مَاله بَعْدَ مَوته عَلَى رأي وصيه. وبكذا وكذا لآرية فضة أو مُحَمَّدية، لأقاربه الذين لا يرثون من ماله شيئاً، وبخمس كفارات صلوات، كُل صلاة منهنَّ إطعام ستين مسكينا، وبأجرَة مَن يَصومُ عَنه خمسة أشهر زمانا بدلا، وقضاءً عمَّا لَزمه بدله مِن فَساد صوم شهر رمضان، وأَجْرِ مَن يَصومُ عَنه
1) رواه الربيع عن ابن عباس، في كتاب الأيمان والنذور، بَابٌ (46) فِي الْمَوَارِيثِ، ر 667. والدارمي في سننه،
کتاب الفرائض، 53 ... (1/380)
صفحة 381
الدلائل على اللوازم والوسائل
يُنفذ مِن مَالِهِ عَلَى رَأي وَصيَّه، وبِأَجْرَة مَن يَحجُّ عَنه حَجَّةَ الإسلامِ إِلَى بَيتِ اللَّهُ الْحَرَامِ بمكة، وتزورُ عَنه قبر النَّبِيِّ مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم الذي بمدينة يثرب. ويُسلَّم لَه عَليهِ، وعَلَى صاحبيه أبي بكر وعمر بن الخطاب.
الذي
وَيَفعَلُ عَنه في هَذِهِ الْحَجَّةِ وَالزيارة مَا يَفعله الْحَاجُّونَ وَالزائِرُونَ مِن فَرضَ وسُنَّة، وواجب من لدن إحرام الحاج بالحجَّةِ إِلَى تَمام مناسكها، ووقوفها، وطَوافِهَا ووَداعِهَا،
وتمام الزيارَةِ، بمَا يَحِبُّ فِيهَا.
وأَوْصَى بِإِنفَاذِ أَجْرَة مَن يَحجُّ عَنهُ مِن مَالِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ عَلَى رَأْيِ وَصِيِّهِ، وَبِمَثَةٍ لَآرِيَة فِضَّة احتياطًا عَمَّا لَزِمَهُ مِن زَكَاة مَالِه، وبعشرينَ لَآرِيَة فِضَّة لِفُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، مِن ضَمَان لَزِمَهُ وَلَمْ يَعرف له ربا.
وبخمس لأريات فضة للمسجد الجامع من قريَة كَذَا مِن ضَمَان لَزِمه، وبأربع لاريات فِضَّة يَنفُذَنَ مِن مَالِه في إصلاح حالِ الْمَسجِد الفُلَانِي مِن قَرية كَذَا مِن ضَمَان لَزِمَهُ من
ماله.
وبثلاث لاريات فِضَّة ينفذنَ من مَالِهِ في إصلاح الفلَحِ الفُلَانِي مِن قَرْيَةٍ كَذَا مِن ضَمَان لزمه له، وبعشر لاريات فِضَّةٍ يَنفُذَنَ مِن مَالِهِ لِليتيم فلان ابن فلان الفُلَانِي مِن ضَمَانٍ
لزمهله، وبلآرية فِضَّة تنفذ مِن مَالِه لأخيه فلان بن فلان الفُلَانِي مِن ضَمَان لَزِمَه له. وبشاخة فضة تنفذ مِن مَالِهِ في إصلاح البئرِ الفُلانية مِن قَرْيَةٍ كَذَا مِن ضَمَان لَزِمَهُ مِنْهَا، وبثلاث شاحات فِضَّة ينفذن مِن مَالِه في إصلاح السورِ الفُلَانِي مِن بَلدِ كَذَا مِن ضَمَان
لزمه منه.
وبسيفه الْحَديدِ اليماني بِجَمِيع اليه لابنه فُلان، من ضَمَان لَزِمَه، وبكسوته التي تبقى بَعْدَ موته للفقراء وصيَّة مِنه بذَلِكَ، وبِمَالِه في بيته الفُلَانِي مِن قَرْيَةٍ كَذَا مِن أواني الصفرِ، والطين، وفرش الأسل، وغَيْرِها لزوجته فلانة بنت فلان مِن ضَمَان لَزِمَه لَهَا، إِن كَانَ عَلَيهِ لها ضمان، أو بقيامها له وبإحسانها إليه، إن كانت قد قامت به، وأحسنت إِلَيهِ، وبنخلته (1/381)
صفحة 382
الدلائل على اللوازم والوسائل
الفلانية من الْمَال الْمُسَمَّى كَذَا، مِن قَريَة كَذَا بِجَمِيع حُدودها وحقوقها، وطُرقها وأرضها،
كذا
من
وبما تستحق من زَرع وقياس، مع شربها من الْمَاءِ الْمُعتاد لَهَا لِسَقيها مِن فَلج قرية كذا، ليفطر بغلتِها صَائمُو شهر رمضان، فِي مَسجِد كَذَا مِن قَرْيَةٍ كَذَا وقفًا مُؤيَّدًا إِلَى
يوم القيامة.
وبنفقة زوجته فلانة بنت فلان مِن مَالِه، وهي النفقة الكبرى مِن حَبِّ وتمرٍ وإدام، ما دَامَت في عِدَّة الوفاةِ مِنه مِن ضَمَان لَزِمَه لَهَا.
وإِن شَاء كتبَ لَها: بمَا تَرزَلُّه زَوجته فُلانة بنت فلان من مَالِهِ مِن حب وتمرٍ وَإِدام، مِن
ساعةِ مَوتِه إِلَى انْقِضَاء أَربعة أشهر، وعَشرَة أَيَّامٍ مِن بَعْدِ مَوتِهِ مِن ضَمَان لَزِمَهُ لَهَا. وبعتقِ عَبدِهِ فُلان لِوَجهِ الله تَعَالَى، ولإقتحام العقبة، ولأن يُعتقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضو مِنه عُضوا من المعتق من النارِ، فَهُو حر، لا سَبِيلَ عَلَيهِ لأحدٍ مِن وَرَثَتِهِ إِلَّا سَبِيلَ الوِلَاءِ؛ وَأَوْصَى لَهُ بعد استحقاق العتق بكذا وكَذَا مِن مَالِه. وقد جعلَ فُلان بن فلان الفُلَاتِي هَذَا، فُلان بن فلان الفلاني أو وَلَده فُلانَا، أَو أَخاهُ فُلان بن فلان، أو زوجته فلانة بنت فلان، أو أباه فُلان بن فلان وَصِيَّه بَعْدَ مَوته في قضاء
دينه، واقتضاء ديونه، وإنفَاذِ وَصَايَاه مِن مَالِهِ، جَائِز الأمر والفِعل.
وَإِن جَعَلَ وَصيَّين كتب: وقد جَعَل فلان بن فلان، وفُلان فلان الفلانتين، وَصِيهِ بن بَعْدَ مَوتِه .. وإن جعل ثلاثة: وقد جَعَلَ فُلان بن فلان وفلان بن فلان، وفلان بن فلان الفُلانين أَوصِيَاءه بَعْدَ مَوته. وأَوْصَى فُلان بن فلان هَذا لِوَصِيَّه فُلان هَذَا بِكَذَا وَكَذَا لَآرِيَة فِضَّةٍ أَجرًا له من مَالِهِ،
لإنفاذِ وصيته.
وأَوْصَى فلان بن فلان هَذَا بقضاء، وَإِنفَاذِ جَمِيع مَا أَوْصَى بِهِ، وَأَقَرَّ بِهِ مِن مَالِهِ بَعْدَ
موته، كانَ ذَلِكَ ثابتا، أو غَيْرَ ثابت، فقد أثبته عَلَى نَفسه»، ويَكتُبُ التاريخ. (1/382)
صفحة 383
382
الدلائل على اللوازم والوسائل
فَإِذَا عَرفت ألفاظَ الْوَصِيَّة وَامْتُحِنت بشَيْءٍ مِن الوَصَايَا لِتنفِذَهِ عَمَّن أَوْصَى عَلَيْكَ، فَإِن كانَ تَرِك دَرَاهِم فَأَنفذ منها، وإن كانَ تَركَ حيوانا، أو أواني، وأمتعة، وحبا، وتمرًا وأُصولا فَبِع مَا رَأيتَ بَيعه، وأصلح مِن غَيْرِ الأُصولِ مِثلَ الْحَيوانِ، وَالذِي تَخَافُ فَسَادَه مِنَ الْحِبِّ والتمر فبعه أَوَّلا؛ فَإِن قَام بِجَمِيعِ الْوَصِيَّة، وَإِلا فَبِع مَا بَقِي مِن الأوانِي وَالأَناتِ وَابْقِ للورثة الأصول؛ لأَنَّهَا أَنفَع لَهُم، وإن لَمْ يَفِ الْحَيَوَان وَالأثاث والأواني فَبِع مِن الأصولِ بِقَدرِ مَا تُنفِذ مِنَ الْوَصِيَّة، ولا تبع أَكثَر مِمَّا تُنفِذ مِنه الوَصَايَا.
وابدأ بحقوق العبادِ مِن الديونِ، وَالصَّمَانات والتبعَاتِ، ولَو رَزَأَ جَمِيعِ الْمَالِ، وَأَمَّا بقية الوصايا فهي من! الثلث .. وَأَمَّا حُقوقُ النَّاسِ البالغِينَ الْعَاقِلِينَ فَادْفَعَهَا إِلَيهِم .. وَأَمَّا مَا كان لمساجد، وأيتام، وأفلاج، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّن لا قَبضَ لَهُ، فَسَلِّمه لأَحَدٍ مِنَ الثقاتِ مِن
وكيل أو مُحتسب، أو حاكم، فَإِذَا قَبضَه مِنكَ، فَقَد بَريْتَ مِنه إِن شَاءَ الله.
وَأَمَّا الصومُ: فَاستَأخِر مَن تَأْمَنُه مِن النَّاسِ مِن رِجَالٍ وَنِسَاءٍ مِمَّن لَا تَسْكُ فِيهِ بِأَنَّه يَصُوم عَلَى الشرع، ولا يتعمَّد عَلَى الأكل والشرب والجماع، والكذب في النهار، ولَو لَمْ
يَكُن عدلاً فِي غَيْرِ مَا استعملته له؛ فَإِذَا أَتَمَّ صِيَامَه فَسَلَّم لَه أُجْرَتَهُ مِن مَالَ الْهَالِك. وَأَمَّا كَفَّارَة الصَّلَوَاتِ: فَأَنفِذها في الفُقَرَاء، من الفطيم والرضيع فصاعدا، من الأحرار المُسلمين، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِن كُلِّ صَلَاة نصف صاع من البر، فَلَكلِّ صَلَاة ثَلاثون صَاعًا مِنه
لستين مسكينا، وقد بيّنتُه فِيمَا عِنْدَي فيما تقدم.
وَأَمَّا مَا كانَ للزَّكَاة فَأَنفِذه في زَمَن العدلِ إِلَى إِمَامِ الْمُسْلِمِينَ، أَو إِلَى أُمَنَائِهِ الْمَأْمُورِينَ بقبض الزَّكَاة .. وَأَمَّا فِي غَيْرِ زَمَانِ الْعَدل، فَأَنفِذهُ فِي الفُقَرَاءِ الذِينَ يُنفِقُونَه فِي مَؤُونَةِ عِيالهم، وعَلَى أَنفُسهم، ولا يُنفِقُونَه في معاصي
أَهْلِه.
الله.
وَأَمَّا كَفَّارَة التغليظِ: فهي مِثل كَفَّارَة الصَّلاة ..
وَأَمَّا كَفَّارَة الْيَمِينِ الْمُرْسَلَة: فهي إطعَامُ عَشرة مساكين، وقد مَضَى وَصفُهُ، فَأَنفِذهُ فِي (1/383)
صفحة 384
الدلائل على اللوازم والوسائل
4384
وَأَمَّا الْحَجَّةَ: فَإِن تَيسَّر لكَ أَحدٌ مِنَ الأُمَنَاءِ الذينَ لا تَشكُ فيهم؛ لِيَخرُج بِها فَاستأجره، ولا تدفع له الأَجْرَةَ إلا بعد رُجوعه؛ فَإِن دَفَعتَ لَه قبل الذهاب فأنت ضامِن مَا لَمْ يُرجع، وتعلم أنه قد حجَّ بِها لِتُقاصِصَه لِمَا دَفَعَتَه له، وَأَمَّا إِن كَانَ أَنَّهُ مَليًّا وفيا وَأَشهَدتَ عَلَيْهِ شُهُودًا عُدولاً وأقرُّوا أَنَّهُ أَوفَى بِما قَبضَه مِنك فيجزئك إن شاء الله، عَلَى قَول مَن أَجازَ القرضَ مِن الأَمانَةِ. وَأَمَّا إِن رَجَعَ بنفسه وقالَ: إِنَّه قَد حَجَّ، وزار عَن ذَلِكَ الْهَالِك الذي استأجرته عَنهُ، وكُنتَ لاَ تَشْكُ فيه فقوله مقبول، وَجَائِز تسليم الآخرة إليه .. والأصح عِنْدَي لو جاء بشهودٍ مِمَّن حَضرَه هُنَاكَ فَهُو أَقوَى عِنْدي.
وَإِن لَمْ يَصحَ لَكَ أَجيرٌ ثِقَة، وصحَ لَك أَمينٌ، فَإن تيسر خروجُ أَحدٍ من الثاتِ لِيَكُون عَيْنًا عَلَيهِ، فَلا يَضِيقُ عَلَيْكَ ذَلِكَ - إن شاء الله -، وَإِن لَمْ يَصح لكَ ثِقَةٌ ولا أمين فميزت الأُجْرَة - إِذَا كَانَت مَحدودَة - مِن مَال الْهَالِك وقَبَضَهَا أحدٌ من الثقات ليحفظها عَنكَ فَقَد كفاكَ هَمَّهَا .. وإن ردَّهَا عَلَيكَ فَاحْفَظْهَا أَنتَ إِلَى أن يسر الله لك أجيرًا تَأْمَنه. وَأَمَّا مَا أَوْصَى بِهِ الْهَالِكُ مِن وَقفِ الْمَساجد، أو لِغَيْرِهِنَّ فَاجَعَلَهُ فِي يَدِ ثِقَةٍ، من وكيل أو غيره .. وَإِن لَمْ يَصح لك أحدٌ من النقاتِ، وَإِلا فَأَنتَ وجَمَاعَة الْمُسلِمِينَ سَواء فِيهِ، فَقُومُوا به الله، ولا تُهمِلُوه، فَإِنَّهُ لا يَسعُ تَركُهُ، ومَن قام به
فقد أجرى. (1/384)
صفحة 385
فَصْل: [فِي وَصِيَّة الأقربينَ]
الدلائل على اللوازم والوسائل
وَأَمَّا وَصِيَّة الأقربين: إذا أردت إنفَاذَها، فَهيَ دَرجَات عَلَى قِلْتِهَا وَكَثرتِهَا؛ فَأَوَّلُ الدرجات: بنو البنين وبنو الْبَنَات، ثُمَّ الأجداد والْجَدَّات، ومِن بَعْدِهم: الإخوة للأب وللأم، والإخوة للأب، والإخوة للأم والأخوات كُلّ ذَلِكَ سَواء في جَمِيع الدرجاتِ، ثُمَّ الأعمام جميعا والعمَّات، والأخوال والخالات، وبنُوهُم وبَنُو بَنِيهِم مَا تَناسَلُوا، وَالْوَارِثُ لَيْسَ لَهُ مِن ذَلِكَ شَيْء. فَإِن كَانَتِ الْوَصِيَّة تَنالُ الدَّرَجَاتِ جَمِيعًا أَو بَعْضها، فَأَضرب لك مثلا: فَأَعطِ الدَّرجة الأولى – مثلا – ثَمَانِيَة أَسهُم، وأعطِ الدَّرَجَة التي بَعْدَهَا نِصف مَا أَعطَيتَ الأُولَى، وهُو أَربعة أَسْهُم، وأَعطِ الدَّرَجَة الثالثة نصف ما أعطيت للثانية وهو سهمان، وأَعطِ الدَّرَجَةَ الرابعة نصف مَا أَعطيت الثالثة وهو سَهم.
فَإِن فَضْلَت الدَّرَاهِم، فأعطِ الدَّرَجَةَ الْخَامِسَة نصف ما أعطيت الرابعة، وهو نصف سهم .. وعَلَى هَذَا يَكُون الْحِسَاب.
ولا تُعطِ الدَّرَجَةَ الأخيرة أقل من نصف شاخة، أو أقل بفلس أو بفلسين، فَإِن قَصُرَت الْوَصِيَّةُ عَن أَن تَلحَق مِنهَا الدَّرَجَة الثانية، أو الثالثة، أو الرابعة، أو الْخَامِسَة أَو أَقَلَّ مِمَّا وصفتُ لَك، وهو ما دون نصف شَاحَة فَهُو مَردُود إِلَى الدَّرَجَة الأُولَى، ولا تَأْخُذ هَذِهِ
شَيئاً.
وَأَمَّا الدَّرَجَةُ الأُولَى لَو قَصُر عَن مِثلِ ذَلِكَ الْمِقدار فَهُو بَينَهُم وَلَو لَمْ يَأْخُذُ كُلِّ وَاحِدٍ
مِنْهُم إِلا فِلسًا. وعَلَى هَذَا الْحِسَاب، إِذَا أَخَذتْ الدَّرَجَةُ الأُولَى (وهم: بنو البنين وبنو البنات، الذكور مِنْهُم وَالإناث) كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُم عبَّاسِيَّة .. أَخَذَ مَن يَلِيهِم (وهم: الأحدادُ) كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُم مُحَمَّدية. ثُمَّ أخذ الإخوةُ مِن بَعْدِهِم كُلّ وَاحِدٍ شَاخَتَين، ثُمَّ أَخذَ بَنُو الإخوةِ بَعْدَ آبائهم كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُم شَاحَة .. وعَلَى هَذَا يَكُون الْحِسَاب. (1/385)
صفحة 386
الدلائل على اللوازم والوسائل
فَإِن لَمْ يَكُن لِلهَالِك بَنُو بنين، ولا بنو، بنات، وكَانَ لَه أَجداد أو جدات فَهُم الدَّرَجَة الأُولَى .. وإن لَمْ يَكُن لَه أَحَد مِن هَؤُلاَءِ الأجدادِ ولاَ مِن بَنِي الأولادِ فَإِنْ أُولَى الدَّرَجَات إخوته وأخواته إِذَا لَمْ يَرِثُوه .. فَإِن وَرَثُوهُ أَو فَضْل مِنْهُم شَيْءٍ فَبَنُوهم، فَإِن لَمْ يَكُن لَهُم بَنون أو فَضْل مِنْهُم شَيْءٍ فَلِلأعمام والعمات والأخوال والخالاتِ، إِلا أَنَّهُ يَأخُذ الأَعمَامُ والْعَمَّات كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُم سَهمين، ويَأخُذ الأخوَالُ وَالْحَالات كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُم سَهما، إِذَا نابهُم مِقدار مَا وَصفتُ لك. وَإِن لَمْ يَلْحَقُوا كَمَثلِ ذَلِكَ الْمِقدار فَتَرجِعُ الْوَصِيَّة إِلَى الدَّرَجَة التي قبلَهُم، ولا يَأْخُذ الأعمامُ مِنْهَا شَيْئًا؛ لأَن الأعمام والأخوالَ لَا يَأْخُذُونَ إِلا جَمِيعًا. ولو كان للأعمام أكثر فَلا يَتَقدَّمُونَهم في الأخذ، فَإِن فَضَّلَت فَلِبَنِيهِم عَلَى هَذَا الْحِسَاب، لِبَنِي الأَعمَامِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُم سَهمَان، ولِبَنِي الأَحْوَالِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُم سَهم، وعَلَى هَذَا حِسابها ما دام الأقاربُ يَلْحَقُهُم النسب، ودَرَاهِم الْوَصِيَّة فَاضِلَة، والأقارب موجودون، ولو كانَ أَحدُهُم أَخ الْهَالِكِ مِن أمِّ وَاب وَأَحدُهُم أَخا مِن أب، وَأَحدُهُم أَخا
من أم.
وكذلك الأعمامُ والأَحْوَال؛ فَإِنَّهُم جَمِيعا في وَصِيَّة الأقربينَ بالسوِيَّةِ، لَا يُفَضَّلُ أَحدُهُم على الآخر، ولا ذَكَر عَلَى أُنثَى فِي القِسمَةِ. وَأَمَّا مَن وُلِدَ بَعْدَ مَوتِ الْموصي، ومَاتَ قَبلَ قَسمِ الْوَصِيَّة، فَلَا شَيْء لَهُ .. وَمَن وُلِد قَبلَ مَوتِ الْموصِي ولو مات قَبلَ قَسمِ الْوَصِيَّة فَلَه سَهُمُه لِوريَّتِهِ.
فهَذَا رَسمٌ فِي وَصِيَّة الأَقرَبِينَ لِيَدُلُّكَ عَلَى التعليم مِن غَيْرِهِ إِن أَردتَهُ، فَإِذَا قَسمت وَصِيَّة الأَقْرَبِين فَأَعطِ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُم سَهمهُ، وَالوَلَد الصَّغِير أَعطِ لَه سَهُمَهُ لِوَالِدِهِ إِذَا كَانَ يعوله، والغائبُ إِذَا غَابَ فِي قُرَى عُمان - ولَو طَالَت غَيبَتُه – فَلَه سَهِمُه إِلى أَن يَرجِعَ، أو يصح مونه. والله أعلم بالعدل في هَذَا وغَيْرِه. (1/386)
صفحة 387
التالي
الدلائل على اللوازم والوسائل
في شَيء مِن صِفَة الميراث، وقسمِ الْمَواريث عَلَى الْوَارِث
ثُمَّ اعلَم يا أخي، - هَداكَ الله لأَحْسَنِ الأَعمَالِ، وطَهَارَةِ القلب، وصدقِ الْمَقَالِ - بأني أرشدُك لِخَيرِ الأَفعَالِ، بِأَلا تَقتَدِي بِأَهْلِ الطَّمِعِ والصَّلالِ، وتُذهِبَ عُمرَكَ فِي تَجدِيدِ البناء، وجمع الْمَالِ، لِتُعدَّ مِنَ الأغنياء، وتَدَّخِره للعيال.
واعلَم أَنَّهُ لَيْسَ لَكَ مِنهُ إِلا مَا لَبِست مِن الثياب أو أكلتَ مِنهُ، أَو تَصدَّقت مِنَ ومِن بَعْدِ هَذَا فَحِسَابُه عَلَيكَ في الآخِرَة بالذرّةِ وَالْمِثقال، ونَفعُه لِغَيْرِك بلا مَنْ
الحلال،
منك، ولا شكر يَنالُكَ.
وَأَمَّا بَناتُكَ وَأَزْوَاجِكَ فَنصيبهنَّ مِنهُ لأزواجهنَّ، ولو كَانُوا مِن أَقل الرجالِ، وَأَمَّا أبناؤُكَ فَلأزواجهم فيما أرادُوا مِن فَاكِهَة لِمَرَاتٍ ومَبَاكٍ؛ فَرُبَّمَا يُقسِّمُونَ مَا خَلْفَتَهُ لَهُم ويتخاصَمُونَ، وَلَا يَخطر لَهُم بِبَال بأَنكَ في قَبرِكَ عَلَى أَيِّ حَالٍ، أَوَ مَا سَمِعت - رَحِمَكَ الله - قَولَ مَن قَالَ شِعرًا:
إن كُنتَ تَجْمَعُ لِلعِيَالِ فَإِنَّهُم لَيْسُوا إِذا فَارَقتَهُم بعيالك وَاعلَم أن الذِي رَزَقَكَ الْمَالَ حَيٍّ لا يَمُوت، فَلا يَنكِلُ عِبَالكَ عَلَيكَ، ولو جَعَلَ رِزْقَهُم إِلَيكَ لَحَاعُوا وَضاعُوا وَلَكِنَّ الله تَعَالَى بِكَرَمِهِ وَرَحْمَتِه ولُطفِهِ، قَد ضَمِنَ لِجَمِيع خلقه بالرزقِ، فَلَم يَعْقُوا بِضَمَانِهِ، بَل وَتَقُوا بِتَدبيرهِم وَهُوَ الْمُدبِّر لِتَدبِيرِهِم .. فَكَم مِن النَّاسِ تَركَ عِيَالَه أَغنياء بما جَمَع لَهُم فَضَيَّعُوه وعَاشُوا فُقَرَاء، وكَم مِن النَّاسِ تَركَ عِيَالَه فُقَرَاءَ وَأَعْنَاهُم الله بمال لَمْ يَجمَع مِثْلَهُ آبَاؤُهُم مِن قَبل.
فَالعَاقِلُ لَا تَهُمُهُ إِلَّا نَفسُهُ؛ فَإِن رَزَقَهُ الله تَعَالَى مَالاً فَلْيُنفِقِ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَدَّخرهُ لِنَفسه لا لأزواج عُرسه. (1/387)
صفحة 388
الدلائل على اللوازم والوسائل
ولا ينوي بإنفاقه مُضَارًا لِعِيَالِه بَل يُنفِقُهُ مُتَقَرِّبا به إِلَى مَن حَوَّلَهُ إِيَّاهُ، رَاحِيًا ثَوابَه فِي عقباه، لأَنه مِن عِنْدِ الله فَيُنفِقه الله.
ولا يحبسه خوف الفَقرِ فَإِنَّه لَو أَنفَقَ - مثلاً - اليومَ جَمِيعَ مَالِهِ، وعَاشَ إِلَى غَدٍ، فيأتِيهِ رِزْقُهُ فِي غَدٍ مِن حَيْثُ لَا يَدْرِي.
فَإِنَّه لَيْسَ الرزقُ مِن جَمعِ الْمَال، ولا مِن تَدبيرِ الإِنسَانِ؛ لأَنَّه رُبَّمَا صَنَعَ طَعَامَهُ وقَعَدَ لِيَا كُلَّه فَحِيلَ بَينَهُ وبَينه بِشَيْء، وكُتِبَ لغَيْرِهِ، وشَيْء لَمْ يَخطُر لَه بباله، وَلَمْ يَعُدَّه مِن
رزقه سيق إِلَيْهِ وأكله بِالْهَنَاءِ .. فَإِذَا كَانَ الأمرُ كَذَلِكَ فَلِمَ الْجَمعُ، ولِمَ الطمع؟ وآفة الجمع: سُؤالُ اللهُ لكَ يَومَ القِيَامَة مِن أينَ جَمعته، وفِيمَ أَنفَقْتَهُ؟ فَمَا جَوَابُكَ لَه وقَد صَارَ الْمَالُ لَغَيْرِك والْحِسَابِ عَلَيكَ. ولَو كُنتَ جَمعتَهُ مِن حَلالٍ فَلا بُدَّ مِن السُّؤَالِ فِي ذَلِكَ الْمَوقِف الْعَظِيمِ، عِنْدَ اجتماع الأَوَّلِين وَالآخِرينَ فِي الْجُوعِ والعَطش .. فَلَا يَقُومٍ فَرَحُ هَذَا الْمَالَ وَنَفَعُهُ بِمَشَقِّةِ
ذلِكَ الْمَوقِف. ولَو سَلِمْتَ مِن الْعُقوبَةِ فَراحَةُ الفُقَرَاء فِي ذَلِكَ اليوم مِنَ السؤالِ خَيْرٌ مِن مَالِك، ولو كُنتَ جَمَعَتَه مِن حَلال، وَأَنفَقَتَهُ فِي حَقٌّ وَصَواب.
ففي ذلك اليومِ يَودُّ الأغنياء أن لَو كَانُوا فُقَرَاء، ولا يَودُّ الفُقَرَاء أَن لَو كَانُوا أَغْنِيَاء. وَأَمَّا الذي استفَادَهُ الأَغنياء في الدُّنيا، ولَو نَالُوا مِنهَا مَا نَالُوا فَلَا حَاصِل لَهُ، وَإِنَّمَا هُو في المثل كما قال الشاعر - وما أحسنه -:
مَا مَضَى فَاتَ، وَالْمُؤْمَلُ غَيبُ ولكَ السَّاعَةُ التي أنت فيهـ (1) فإذا كان الأمر عَلَى هَذَا فَمَا الفائِدَةُ فِي أَن أَجْمَعِ الْمَالَ لِلوَارِث، وأنا صَبَاحًا ورواحا أنتظر الحوادث .. فَإِذَا أَصبَحتُ، ورَزَقَنِي الله عَذَاءٌ، فَإِن بَقيتُ إِلَى الليلِ،
فَسَيَرزُقنِي عَشاء، وَإِن عَرِيتُ فَسيعطِينِي كِساء، وأَيُّ حَاجَةٍ لِي بَعْدَ ذَلِكَ؟!
1) ينسب هذا البيت اليتيم إلى الشاعر أبي إسحاق الغزي، شاعر خراسان، أحد شعراء ق 5 و 6 الهجريين. والله أعلم. (1/388)
صفحة 389
389
الدلائل على اللوازم والوسائل
فافهم - سَيِّدِي - مَا نَصحتُكَ به، وَاعْمَل به
به تسعد
-
- إن
شَاءَ الله تَعَالَى، ولا
تَكُن مِثْلِي فَإِنِّي قَد غَلَبَتِنِي نَفْسِي عَلَى مَا أَهْوَى، ولا منجى لي ولا مَلجَا إِلَّا بِرَحمةٍ من
الله، وعفو مِنهُ ومَنْ وفَضْلٍ، وَإِلا فَأَنَا مِنَ الْهَالِكين.
وَإِن لَمْ تَتَّبع نُصحِي، وَلَمْ تَنتَهِ عَن جَمع الْمَال .. فَاجْمَعَهُ مِن الْحَلَالِ الصافي، ولَو كَانَ عَلَيكَ فِيهِ الْحِسَابِ فَهُو أَهوَن مِنَ الْعَذَابِ .. وَقِف عَنِ الْحَرَامِ خَوفا مِنَ الْعِقَابِ. ثُمَّ بَعْدَ هَذَا، فَافهم منِّي مَعنَى صِفَة قِسمَة الْمَالِ الْحَلال ومصيره إلى الأبدَالِ، فَاعْرِف ذَلِكَ، فَأَوَّلُ مَا أَبدأ به:
حَقُّ الزوجة مِنَ الْمِيرَاث: فَاعلَم أَنْ مِيرَاثَ الزَّوجَةَ مِن زَوجِهَا إِذَا مَاتَ وَلَمْ يَكُن
وإن
عِنْدَه أَحَد مِنَ الأَولادِ الذكور والإناث، لاَ مِنهَا ولا من غَيْرِها، فلها ربع مَالِه. كَانَ هَذَا الْمَيِّتِ الْمَذكور لَه زَوجَتَان أو ثلاث أو أربع، فَلَهُنَّ الربعُ عِنْدَ عَدمِ الأولادِ، بَينَهُنَّ بِالسَّوِيَّةِ لَا يَزدنَ عَلَيهِ .. وَإِن كَانَ الْمَيِّتِ لَه أَولاد مِنهَا أَو مِن غَيْرِها، فلَيْسَ لَها إِلا الثمن، وَكَذَلِكَ إِن كُنَّ - الزوجات - أَكثَر مِن وَاحِدَةٍ وَلَو إِلَى أَربَعَ، لَيْسَ لَهُنَّ إِلَّا الثَّمَن عِنْدَ وُجودِ أَحَدٍ مِنَ الأَولادِ، ولو بنت وَاحِدَة.
وَإِن كَثرُوا أَيضًا (أَعْنِي: الأولاد) ولو إِلَى مِئَة وَاحِدٍ، فَلَا تَنقُصُ الزَّوجَاتِ عَنِ الثُّمن، كُنَّ وَاحِدَة أَو أكثر. ومِيرَاتُ البنتِ الوَاحِدَةِ مِن أَبيها: نصف مَالِه، وكذلِكَ مِيرَاتُها مِن أُمِّهَا، إِذَا لَمْ يكن لَهُمَا أَحَدٌ مِنَ الأَولادِ غَيْرِهَا. ولَو كَانَ لَهُما أَعْنِي: الأب والأمّ) إخوة رجال، أو آباء وأمهات فَلَهَا النِصْفُ لا يُنقصُ عَنهُ، ولَها زِيَادَة عِنْدَ عَدمِ الإخوةِ. والآباء والأُمُّهاتِ فَمَا دامَ يُوجِدُ أَحدَ يَلْتَقِي نَسَبه إِلَى ذَلِكَ الْمَيِّت مِن قِبَلِ الأَبِ فَلا زِيَادَةً لَهَا عَن النصف .. وإِن عَدِم مَن يُنَاسِبُه وَلَمْ يُوجَد أحدٌ أَبَدًا فَبَقِيَّةُ الْمَالِ مَردُود إِلَيهَا. (1/389)
صفحة 390
الدلائل على اللوازم والوسائل
ومِيرَاتُ الإِبتَتَينِ فَصَاعِدًا، ولَو إِلَى عَشر مِن أَبيهِمَا وَأُمِّهما: الثلثان، لا يَزِدنَ عَلَيْهِ ولا يَنقُصْنَ عَنهُ، إِلا أَن تَعُولَ الفَرَائِض مِن كَثْرَةِ الْوَارِثِينَ مَعَهُنَّ، أو مع البنتِ الوَاحِدَةِ مِن الأَزْوَاجِ، وَالإخوة، والآباء والأمهات فَتَضَرَبُ الفريضَةُ بالحِسَابِ، وَلِكُلِّ مِنهَا بِقَدْرِ نَصِيبه. وميراث الأولاد الذكور والإناث مِنَ الآباء والأمهات للذكر سَهمَانِ، وَلِلأُنثَى سَهُم، بَعْدَمَا يُقسَمُ مَا خَلْفَهُ الْمَيِّتُ الْهَالِك لزوجاته إِن كَانَ لَه أَحَدٌ مِنَ الزَّوجَات، أو لأَبوَيهِ إِن كَانَ لَه وَرَثَةَ أَحَدٍ مِنْهُمَا ..
ولا نُقصان في مِثْلِ هَذَا عَلَى الزَّوجَاتِ عَن الثمن، ولا عَلَى الأَبِ والأُمِّ عن الثلث، أو أَحَدِهِمَا عَن السُّدس، والباقي بَعْدَ ذَلِكَ لِلأَولاد إِن كَانُوا ذُكُورًا وَإِنَاثًا، أو ذُكُورًا فَقط. ويُوجَدُ فِي الأَثَرِ: أَنْ الْقَوْلَ عَلَى جَمِيعِ الوَرَثة إِذَا كَانُوا مِن ذَوِي السهام،
والزوجَاتِ وَالأَبْوانِ مِن ذَوِي السهَامِ، وَهَذَا هُوَ الْقَوْلِ، وَالله أعلم.
وميراث الإخوة لِلأبِ وَالأُمِّ، أَو للأبِ عِنْدَ عَدمِ الإخوة للأب والأم، عِنْدَ وُجُودِ الْبِنْتِ الوَاحِدَة: النصف، إن لَمْ يَكُن لِلمَيِّتِ زَوجَة، إِن كَانَ رَجُلاً، أو زوجًا إِن كَانَت امرَأَةٌ .. وَإِن كَانَ أَحَدٌ مِن هَؤُلاَءِ فَلَهُم أَعْنِي: الإخوة) مَا فَضْلَ بَعْدَ أَحدِ الْبِنْتِ النّصف، وَأَخذِ الزوج أو الزوجة الربع، أو الثمن، وإن
كَانَ لِلهَالِكِ وَالِدَة فَلَهَا السُّدُس.
فَبَعْدَ أَحَدٍ هَؤُلَاءِ، مَا ذكرتُ لكَ فَللإخْوَة مَا فَضْلَ، يُقسمُ بَينَهُم لِلذَّكَرِ مِثْلُ
حظ الأنثيين (1)
(1) سورة النساء: 11. (1/390)
صفحة 391
الدلائل على اللوازم والوسائل
وَإِن لَمْ يَكُن للهَالِكِ ابنة، ولا زَوجَةٌ ولا زَوج، ولا أُمِّ، ولا أَبْ فَمِيرَاتُه لإخوته من أبيه وأُمِّه إن كَانُوا ذُكُورًا وإناثًا، وَإِن لَمْ تَكُن إِلا أُختاً وَاحِدَة فَلَهَا النِصْفُ، وَالْبَاقِي لإخوته لأَبِيهِ إِن كَانَ لَهُ إِخْوَة من أَبِيهِ.
وَإِن كُنَّ أَخوَاتُه مِن أَبِيهِ وَأُمِّه اثْنَتَانِ إِلَى مَا أَكثر فَلَهُنَّ الثلثان لا يزدنَ عَلَيهِ، وَالْبَاقِي لإخوته من أبِيهِ، وَإِن لَمْ يَكُن لَه إِخْوَةٌ إِلَّا مِن أبِيهِ فَهُم - عِنْدَ عَدمِ
الإخوة مِن الأَبِ والأُمِّ - يَقومُونَ مَقَامَهُم كَانُوا ذُكُورًا أو إِنَاثًا.
له
وَأَمَّا الأخ مِن الأُمِّ فلا يَرِثُ عِنْدَ وُجُودِ أَحَدٍ مِن الأولاد، ولو لَمْ يَكُن إِلا بنتا وَاحِدَة، ولا عِنْدَ وُجُود أولاد الأولاد، ولا عِنْدَ الآباء والأجداد فلا ميراث عِنْدَ وُجُودِ هَؤُلَاءِ، وَيَرثُ عِنْدَ عَدمِ الأَولادِ ولَو مع الإخوة للأب والأم، أو للأب، كَالأَخِ لأُمّ ذَكرًا أو أُنثى فَالوَاحِدِ مِن إخوة الأم السدس، وللاثنينِ فَصاعِدًا الثلثُ لا يَزِيدُون عَلَيه ولو اجتمع إخوة الأم والأب، والأَبُ عَشرة ومن الأم أخ واحد لَكَانَ لَه السُّدُس، والباقينَ (وهم: الإخوة من الأب والأم)
ما بقي.
وَإِن كَانَ لِلمَيِّتِ إِخْوَة لأبِ وَأَمْ، وَإِحْوَة لأب: فالإخوةُ للأب والأُمِّ أَولَى منَ الإِخْوَةِ للأَبِ، وَإِن كَانَ لَهُ بَنُو إِخْوَة لأب وَأُمْ، وَإِخوة لاب؛ فَإِحْوَةُ الأَبِ أَوْلَى مِن بَنِي الإخوة للأب والأم وبنو الإخوة للأب والأم أولى من بني الإخوة للأب. وبنو الإخوة للأب أولى من الأعمام للأب والأم والأعمامُ للأب والأم أَولَى مِن بَنِي الأَعمَامِ لِلأَبِ. وَالأعمام للأب أولى مِن بَني الأعمام للأب والأم، وبَنُو الأَعمَام لِلأب والأم أَولَى مِن بَنِي الأَعْمَامِ لِلأَبِ .. وعَلى هَذا فَقِس كُلِّ مَا كَانَ لِلمَيِّتِ أَقرَب كَانَ أَوْلَى.
ومِيرَاتُ الْجَدِّ أبِ الأَب) عِنْدَ عَدمِ الأب ومع الأولاد: السدس، ولا ميرات لَه مَعَ الأَبِ .. وعِنْدَ عَدمِ الأَولادِ يَقُومُ مَقامِ الأَبِ. (1/391)
صفحة 392
الدلائل على اللوازم والوسائل
وَمِيرَاتُ الْجَدَّةِ (أَمِّ الأَب): السُّدُس عِنْدَ عَدمِ الأُمِّ، ولا مِيرَاثَ لَهَا مَع الأم، ومَعَ الأب لَها السُّدُس، لا يحجبها الأَبُ عَن السُّدُس؛ وَإِنَّمَا تَحْجُبُهَا أُمُّ الولد .. وَإِذَا اجتمعت الْجَدَتَانِ (أُمُّ الأُمِّ، وأُمُّ الأَبِ فَلَهُما السُّدُس جَمِيعًا .. وَكُلُّ ذَلِكَ لا يَكُون إِلا مع عدم الأم.
وَمِيرَاث الأَبِ مَع الأولادِ: السُّدُس .. ولَه عِنْدَ عَدمِ الْأَولادِ: جَمِيعِ مَا تَرَكَه ابنه وابنتهُ إِن لَمْ يَكُن لَها زَوج ولا أمَّهات فَإِن كَانَ لِلوَلَدِ أو للابنَةِ أَبْ وَأُمِّ أَو أَحَدٌ مِنَ الأزوَاجِ فَلِلأَبِ الثَّلُثَانِ وَلِلأُمِّ الثَّلث.
وَأَمَّا بَناتُ الإخوةِ، وبَنُو الأَخوَاتِ مِنَ الأُمِّ، والْعَمَّات، والْخَالَاتِ وبَناتِ الْعَمَّات، وَبَنَاتِ الْحَالات، لاَ شَيْءٍ لَهُم في الميراث مَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنَ العَصَبَاتِ، وهُم: الرجال الذينَ يَلتقِي نَسَبهُم بِنَسبِ الْمَيِّتِ مِن قِبَلِ الأَب ولَو بَعُدَ، وَلَو إِلَى عَشرة آباء؛ لأَن هَؤُلَاءِ عَصَبَتهم، والذِينَ ذكرتُهُم أَرحام، والأَرحَامُ لَا يَرِثُونَ مَعَ وُجُودِ العَصَبَةِ، بَل يَرثُونَ عِنْدَ عَدمِ العَصَبَة. وَمِيرَاثُ الزَّوحِ مِن زَوجِتِهِ إِذَا لَمْ يَكُن لَهَا أَحَدٌ مِن الأولاد مِنه، ولا مِن غَيْرِه:
النصف .. ولَه مَعَ وُجُودِ أَحَدٍ مِن الأولاد، ولو بنت وَاحِدَة: الرُّبعُ لَا زِيَادَة له عَلَيْهِ. ومِيرَاثُ الأُمِّ مِن ابنهَا: السُّدُس عندَ وُجُودِ أَحَدٍ مِن أَولادِ وَلدِهَا، أَو مَعَ الْأَحْوَينِ فَصَاعِدًا، ولها الثلث عِنْدَ عَدمِ الأولادِ، وَالأخوينِ فَصَاعِدًا، وَأَمَّا مَعَ الأَخِ الوَاحِدِ أو الأب لَهَا الثلث، وَأَمَّا ابنُ الابن عِنْدَ عَدم الابن فَيَقُومُ مَقَامَ الاِبنِ، وَكَذَلِكَ ابْنَةُ الابْنِ عِنْدَ عَدمِ الأَولادِ تَقومُ مَقَامَ الْبَنْتِ الوَاحِدَةِ، ولَهَا النِصْفُ.
وإن كَانَ لِلهالك بنت وابنَةُ ابن: فَلِلبنتِ النصف، ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين .. وإن كَانَ لَه ابْنَتَانِ وَابْنَةُ ابن: فلا شَيْء لابنَةِ الإِبن؛ لأَنَّ المُلْتَينِ قَد صَارَا
لِلابْنَتَين، وَبَقِيَّةُ الْمَال للعَصَبَة.
وَإِن كَانَ لِلهَالِكِ ابْنَة وَأُخت لأب وأمّ، أَو لَأَبِ: فَالْمَالُ بَينَهُما نِصْفَان .. (1/392)
صفحة 393
وَإِن
الدلائل على اللوازم والوسائل
كَانَ لَه زَوجَة: فلهَا الثَّمن، ولِلاِبنَةِ: النصف، وللأختِ: ما بَقِي. وإن كَانَ لَه أُخت لأب وأمّ، وَأُخت لأب: فَالأُختِ لِلأب والأم: النصف. وللأخت للأب: السُّدُس تكملة الثلثين.
فضل: فِي ذَوي الأرحام
وَأَمَّا الأَرحَامُ: فَأَوَّلُهُم وَأَقربهم بنو البنات، فَهُم أَوَّل دَرجَةٍ إِذَا عُدِم جَمِيعِ العَصَبَات ثُمَّ من بَعْدِهِم: بنو الأخوات، وبنو الإخوة، وهُم دَرجَة ثانية بَعْدَ الأُولَى .. ثُمَّ مِن بَعْدِهِم: الْعَمَّات، وَالأَخوَالُ، وَالْحَالاَتُ، فَهُم دَرجَة ثَالثَة فِي الْمِيرَاثَ بَعْدَ الأَوَّلِينِ .. ثُمَّ مِن بَعْدِهِم: بنُو العَمَّات، وبَناتُ الأعمام وبنو الأحوال، وبنو الْحَالات؛ فَهُم دَرجَةٌ رَابِعَةٌ .. ثُمَّ عَلَى هَذَا مَا عَلَو، أَو مَا سَفلُوا. وفِي مِيرَاثِ الأَرحَامِ: الاختلاف:
1 - فَبَعْضَ: جَعَلَهُ بِالقَرَابَةِ؛ فَمَن كَانَ أَقْرَبَ إِلَى الْمَيِّتِ بِدَرَجَة فَهُوَ أَوْلَى بِهِ، عَلَى قَولِ مَن جَعلَ الْمِيرَاثَ لِلأَقْرَب.
2 - وبعضهم: جَعَلَهُ بِالتَّنْزِيلِ؛ وهُوَ: أَن يَنْزِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِن أُولَئِكَ القَرابَةِ الَّذِينَ هُم مِنَ الأَرْحَامِ مَنزِلَة أَبِيهِ أَو أُمِّهِ الذي هُو مِنه الْقَرَابَة، فَيُعطَى كُلِّ وَاحِدٍ مِثْل مَا كَانَ لِأَبِيهِ، أَو لِأُمِّه أَن لَو كَانَا حَيَّين.
فعلَى هَذَا الْمثال: إِذَا مَات ميت وترك ابنَ أُخت أو ابنة أخ، وحالة. فعلى قول مَن جَعَلَهُ بِالْقَرَابَةِ: فَالْمَالُ كُلُّه لابنِ الأختِ، أو لابنةِ الأَخ؛ لأَنَّهُما أَقْرَب .. وَأَمَّا مَن جَعَلَه بِالتَنزِيلِ: فَيَجعَلُ لابنة الأخ، أو ابنِ الأُختِ: النصف، وللحَالَةِ: الثلث؛
فتَكُونُ الْمَسَأَلَهُ مِن خَمْسَة: لابنَةِ الأخ، أو ابنِ الأُخت ثَلَاثَةِ، وَالحَالَةِ: سَهِمَانِ. - وَإِن تَركَ عَمَّةٌ، وابْنَةَ أُختِ؛ فعَلَى قَولِ مَن جَعَلَ ذَلِكَ بِالْقَرَابَةِ: فَالْمَالُ كُلُّه لابْنَةِ الأختِ؛ لأَنها أَقْرَب إِلَيهِ، وَلأَنَّهَا مِن نَسلِ أَبِيهِ، وَالعَمَّة مِن نَسلِ جَدِّهِ .. وعَلَى قَولِ مَن (1/393)
صفحة 394
الدلائل على اللوازم والوسائل
جَعَلَه بِالتَنْزِيلِ: فَيَجعَلُ لابنة الأُخْتِ: النصف، ميراث أمها مِنه أَن لَو كَانَت بَقِيَت بَعْدَهُ، والْبَاقِي للعمة.
- وَكَذَلِكَ إِن تَركَ حَالَةٌ، وَابْنَةَ أُخت لأم وابنةَ أَخِ لِأَبِ: كَانَ عَلَى قَولِ أَهْلِ التنزيل: لِلحَالَةِ السُّدُس، وَالْبَاقِي: لابَنَةِ الأَخِ لِلأَبِ وعَلَى الْقَرَابَةِ: الْمَالُ كُلُّه لابنة الأخ لِلأَبِ، وَقِسٍ عَلَى هَذَا جَمِيع الأَرحَامِ .. وأنا يُعجُبُنِي الأَخذ بِقَولِ مَن جَعَلَهُ بِالْقَرَابَةِ، وَكُلٌّ لَه نَظَر ورَأَيِّ، ومَا التوفيقُ إِلا مِنَ الله.
فَإِن سُئِلْتَ مَثَلاً عَن الْقَرَابَةِ: فَاجعَل ابْنَةَ الْبِنْتِ فِي مَتَزِلَةِ الْبَنْتِ، وكَذَلِكَ مِثْلَهَا ابنُ الْبَنْتِ. وَاجعَل ابنة الأخِ وَابنَ الأختِ بِمَنْزِلَة أُختِ، وَالعَمَّةُ بِمَزِلَةِ عَمِّ، وَالْحَالَةُ بِمَزِلَة
?
وَإِن تَركَ هَالِكٌ ابْنَةَ ابْنَتِهِ، وَابْنَةَ ابْنَةِ ابنِ، فَلابَنَةِ الْبِنْت: النصف بِالتَّزِيلِ، وَلابَنَةِ ابْنَةِ السدس، والْبَاقِي: لِمَن بَعْدَهُم مِنَ الأَرحَامِ فَإِن لَمْ يَكُن لِلمَيِّتِ أَحَدٌ غَيْرِهِنَّ مِنَ الأَرْحَامِ، فَالْبَاقِي بَينَهُنَّ عَلَى أَربَعَةِ أَسْهُم لابنَةِ الابنة: ثلاثة أرباع، ولابنة ابنة الابن:
الابن:
الرُّبعُ. وبالْقَرَابَة: الْمَالُ كُلَّه لابنَةِ الإِبنة؛ لأَنَّهَا أَقْرَب.
فضل: (في أصول الفرائض)
وإن أردت معرِفَةَ أُصولِ الفرائضِ
ومَا تَعولُ إِلَيهِ فَهِي سَبعة: ثَلاثة تعولُ، وأربعة لا تعولُ؛ فالتي لا تَعولُ مَا كَانَ أَصله من اثنين أو ثلاثة أو أَربَعَة أَو ثَمَانِيَة، والتي تعولُ مَا كَانَ أَصلُه مِن ستَّة، أو مِن اثني عشر، أو مِن أَربَعَة وعِشْرِينَ. وَصِفةُ الْعَول فِي الْمَسائِل: فَإِنَّ السَّنَّةَ نَعولُ إِلَى سَبعَة، وإلى ثَمَانِيَة، وإلى تسعة، وإلى
عشرة.
وذَلِكَ مِثْل: امرأَة مَاتَت وتركت زَوجًا، وَأَختين لأب. فللزوج: النصف، وثلاثة للأختين، الثلثان أربعة أصلها من ستَّة؛ لأن فيها نصفا وثُلثين فَعَالَت مِن سِتَّةِ إِلَى سَبَعَة. (1/394)
صفحة 395
الدلائل على اللوازم والوسائل
فَإِن كَانَ عِنْدَهم: أَخ لأم، أو أُخت كَانَ لَه السُّدُس، فَتَعُولُ إِلى ثَمَانِيَة، وَإِن كَانَ عِنْدَه أُختانِ لأُمِّ كَانَ لَهما الثلث فَرادَ سَهمَانِ إِلَى السبعَةِ الأُولَى وعَالَت إِلَى نِسعَة، وَإِن كَانَ
عِنْدَهم أيضا أمّ أَو جَدَّةٍ فَلَهَا أيضًا السُّدُس، وعَالَت إِلَى عَشَرَة؛ فَهَذَا عَولُ السَّتَّةِ فَافَهَمهُ. وَأَمَّا الاِثْنَا عَشَر فَإِنَّهَا تَعُول إلى ثَلاثة عَشرَ، وَإلى خمسة عشر، وإلى سَبْعَةَ عَشَر .. وذَلِكَ مِثْلَ: زَوجَة، وأُمّ، وَأُختين لأب، أصلُهَا مِن اثني عَشَر لاجْتِمَاعِ السُّدُسِ وَالمُلْتَينِ مَعَ الربع، فللأم السُّدُس سَهمَانِ، وللزَّوجَةِ الرُّبعُ ثَلاثة أسهم، وللأختين لِلأَبِ الثلثان ثَمَانِيَة أَسْهُم، فَذَلِكَ ثَلاثَةِ عَشَرَ فَقَد عَالَت إِلَى ثَلَاثَةِ عَشر ..
وَإِن كَانَ عِنْدَهم أخ، أو أخت لأمّ، فَلَه السُّدُس سَهمَانِ إلى الثلاثة عَشَرَ، فَذَلِكَ حَمسَة عَشَرَ .. وَإِن كَانَ أَخَوَان لأُمّ، أَو أُختَانِ فَصَاعِدًا؛ كَانَ لَهُم الثلث أَربَعَة أَسْهُم إلى ثلاثة
عشر، فذلِكَ سَبعَة عَشَرَ؛ فَهَذَا عَولُ الإِثْنِي عَشَرَ.
وأَمَّا الأَربَعَةِ وَالْعِشْرُونَ فَتَعُول إِلى سَبْعَة وَعِشْرِينَ .. وذَلِكَ مِثْل: مَن مَاتَ وتَركَ، زَوجَةً، وأبوين، وابنتين؛ فَأَصلُها من أَربَعَة وعِشْرِينَ؛ لأنَّه قد اجتمع فيها سُدُسَان وثلثان مع الثَّمُن؛ فالثلثان ستَّة عَشَرَ، وَالسُدُسَان ثَمَانِيَة، والثمن ثلاثة؛ فذَلِكَ سَبعة وعِشرُونَ ...
وَاعلَم بَعْدَ هَذَا بِأَنَّه لا يَرِثُ الْمُسلِمُ الْمُشْرِكَ ولاَ الْمُشْرِكُ الْمُسلِمَ، ولا يَرِثُ الْعَبدُ الْحُرَّ ولاَ الْحُرُّ الْعَبدَ، ولا يُحجَبُ مَن يَرِث.
فضل: [في التوافق]
وَإِن أَردتَ مَعرِفَةَ صِفَةِ الْمُوافَقَة لِلضَّرب فَافهَمهُ مُوفِّقًا – إِن شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى – فَأَسقِط أقل الْعَدَدِينِ مِن الأَكْثَرِ مَا دَامَا مُجْتَمَعَينِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةً، وَثَانِيَةً وثَالِثَة حَتَّى يَتَسَاوَيَا، ثُمَّ انظُر الوَاحِد مَا يَكُون مِمَّا يَبقَى مِن أَحَدِهِمَا، فَإِن نُصِّفَا فَاعرِف أَنَّهُما يَتَفقَانِ بِالأَنصَاف .. وَإِن كَانَ سُدسًا عُلِم أَنَّهُما يَتَّفِقَانِ بالأَسدَاسِ، وهُو أَن تَقُولَ بما يُوافق الستَّةِ العَشرَةَ؛ فَالوَجهُ فِي ذَلِكَ أَن تُلْقِيَ السَّنَّةَ مِن الْعَشرَة بَقِيت مِنَ الْعَشرَةِ أَربَعَة فَأَلْقِ نِصْفَ هَذِهِ الأَربَعَةِ التي بَقِيَت (1/395)
صفحة 396
الدلائل على اللوازم والوسائل
مِنَ الْعَشرَةِ، ثُمَّ مِن السَّتَّةِ التي ألقيتهَا يَبقَى اثنانِ، فَأَلْقِ هَذَينِ الاثنين اللذين بَقِيَا مِنَ السَّتَّةِ التي أَلقَيْتَهَا تَبقَى اثنانِ، فَأَلْقِ هَذين الاثنين اللذين بقيَا مِنَ الأَربَعَة التي بقيت مِن الْعَشرَةِ تَبقَى اثنان؛ فَقَد تساويًا في اثنين والوَاحِدِ مِن اثنين نصف فَقُل يَتَّفِقَانِ بالأَنصَافِ، وفي السنة نصف، وفي العشرة نصف.
وكذلِكَ لو قال لكَ الْخَمْسَة عَشَرَ بِما يُوافِقُ الْخَمسين، فَأَلْقِ الْخَمْسَةِ عَشرةَ ثَلاث مرَّاتٍ فَذَلِكَ حَمسَة وَأَربعُونَ، تَبقَى مِن الْخَمسينَ حَمسَة، فأَلْقِ هَذِهِ الْحَمسَةِ مِنَ الْخَمْسَة عَشَر مَرَّتَينِ تَبقَى حَمسَة تَساوَيَا الْعَدَدَانِ فِي خَمْسَة لِرجُوعِهِمَا جَمِيعًا إِلَيْهِ، فَنَظَرْنَا الوَاحِدَ فَإِذَا هُو حُمُس الْخَمْسَةِ فَعَلِمنَا أَنَّهُما يَتَّفِقَانِ بِالأَحْمَاس؛ ففِي الْخَمْسِين خمس، وفي الخمسة عشر خمس وما أشبه هَذَا فَهُو مِثْله.
وَأَمَّا صِفَةُ الضرب: فَهو تضعيفُ أَحَدِ الْعَدَدينِ بَعْدَ الآخر، مثل: أن يُقالَ لك: كم خمسة في اثنينَ؟ فَقُل: عَشرة. وَإِن قَالَ لكَ كَم حَمسَة في خمسة؟ فَقُل: حَمسَة وعِشرُونَ؛ لأَن [خمسة] خمسَ مَرَّاتِ خَمْسَة وَعِشْرُونَ. وَإِن قَالَ لكَ: كم ستَّة فِي
وإن
خمسة؟ فَقُل: ثَلاثونَ؛ لأن سِتَّةَ خَمس مَرَّاتٍ ثَلاثون، وكَذَلِكَ خَمْسَةٌ فِي سِتَّة ثَلاثون. قَالَ لك: كم خمسة وعِشرُونَ في أَربَعَة؟ فَقُل: مِئَةٍ؛ لأَن خَمسة وعشرينَ أَربَع مَرَّات مِئَةٍ. وَإِن قَالَ لكَ كَم مِنَة فِي عَشرَة؟ فَقُل أَلْفًا، لأَنَّ الْمِيَّةَ عَشَر مَرَّاتٍ أَلف .. وقس عَلَى هَذَا.
فإذا عرفت الضرب واحتجت إلى قسم شَيْء فَانظُر فِيهِ، فَإِن انقَسمَ بِغَيْرِ ضَرَبٍ فَهو الْمُرَادُ، وَإِن لَمْ يَنقسم إلا بالضرب فَانظُر الذي يَنكَسر عَلَيْهِ مِنَ الْوَرَثَةَ؛ فَإِن كَانَ الإِنكِسَارُ عَلَى عَدَدٍ وَاحِدٍ فَالوَجهُ إِن تَوافَقَ بَينَ الْعَدَدِ الذي انكَسَر عَلَيهِم وبَينَ سِهامِهِم مِن أصل
الْمَسْأَلَة .. فَإِن كَانَ بَينَهمَا مُوافَقَة فَاضرِب أصلَ الْمَسْأَلَة بِعَولِهَا، وَإِن كَانَ فِيهَا عَولٌ وِفقَ رُؤوسِ العدَّةِ التي انكَسَر عَلَيْهَا فَمَا صَحْ فَاقِسِمهُ .. وَإِن لَمْ يَكُن بَينَ العِدَّةِ التي انكَسَرَ عَلَيْهَا وَبَينَ (1/396)
صفحة 397
الدلائل على اللوازم والوسائل
سيهامها موافقة فاضرِب أَصلَ الْمَسْأَلَةِ بِعَولِهَا في عَددِ رُؤوسِ العِدَّةِ، فَمِن ذَلِكَ تَصحُ وتنقسم إن شاء الله.
مثالُ ذَلِكَ الذي لا يُوافِقُ: إن قَالَ لكَ: زَوجَة، وثلاثة أولاد؛ فَقُلْ: أَصلُهَا مِن ثَمَانِيَة، للزوجة الثمن سهم، ويَبقَى سَبعَة بَينَ الأَولادِ وهُو ثَلَاثَة، لا ينقسِمُ بَينَهم ولا يُوَافِقُهم؛ فَاصْرِب أَصل الْمَسأَلَةِ وهُو ثَمَانِيَة فِي عَددِ رُوؤسٍ أَولادهِم ثَلاثة فَذَلِكَ أَربَعَةٌ وعشرون، للزَّوجَة سَهُم مِن ثَمَانِيَة مَضروب في ثَلاثة فَذَلِكَ ثَلاثة أَسْهُم، وللأولادِ سَبعَة أَسْهُم من ثمانية مضروبة في ثَلاثة فذلكَ أَحَدٍ وعِشْرُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُم سَبْعَة.
وإن قيل لك: زَوجتان، وابنٌ فَقُل: أَصلُهَا مِن ثَمَانِيَة، لِلزَّوجَتَينِ النُّمُن سَهُمْ لا يَنقَسم عَلَيهِما ولا يُوَافِقُهما؛ فَاضْرِب أَصْلَ الْمَسْأَلَةِ فِي عَدَد مَن انكَسَرَ عَلَيْهِ وَهُمَا الزَوجَتَان، تكون سنة عشر للزَّوجَتَينِ، مِن أَصْلِ الْمَسْأَلَة سَهُما مَضرُوبًا فِي اثْنَينِ، فَذَلِكَ اثْنَانِ لِكُلِّ
وَاحِدَة سَهم، والْبَاقِي للابن وهُو سَبعَة مَضْرُوب في اثنين فذَلِكَ أَربَعَة عَشَر. وَإِن قَالَ لكَ أمّ، وَأَربَعَة أولاد؛ فَقُل: أَصْلَها مِن سِتَّة، للأم السُدُسُ سَهم، وللأولاد ما بَقِيَ وهُو خَمسة، وهُم أَربَعَة لا يُوَافِقُهم ولا ينقسم عَلَيهِم؛ فَاضْرِب أَصْلَ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ أَربَعَة فِي سِتَّة فَذَلِكَ أَربَعَةٌ وعِشْرُونَ، للأمِّ سَهُمْ في أَربَعَة فَذَلِكَ أَربَعَة، وللأولادِ خمسة مِن الْمَسْأَلَة فِي أَربَعَة فَذَلِكَ عِشرُونَ صَحَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُم خَمْسَةَ؛ فَهَذَا إِذَا انكَسَرَ عَلَى
أَصْلِ
عدة وحدَة وَلَمْ يُوَافِقُ سِهَامِهم. وَإِن وَافق العدَّةَ التي انكَسَرَ عَلَيْها سَهمهمَا فَاضرِب أَصلَ الْمَسْأَلَةِ فِي وِفقِ العِدَّةِ التي
انگستر عليها.
مثاله: أن يُقالَ لَك زَوج وابنان وابْنَتَانِ فَقُل أَصْلُها مِن أَربَعَة، للزَّوجِ الرُّبعُ، والْبَاقِي في ثلاثة بَينَ الإِبنَينِ وَالاِبْنَتَينِ تُوافِق سِهَامُهُم وهِي ثَلاثة بالأَثلاث؛ فَاضْرِب أَصْلَ وهي أربعة في ثلث رُؤُوسِ الأَولاد وهُو اثنانِ فَذَلِكَ ثَمَانِيَة .. فللزَّوجِ مِنهَا اثْنَانِ؛
المَسأَلة (1/397)
صفحة 398
الدلائل على اللوازم والوسائل
لأَنْ لَه مِن أَصْلِ الْمَسْأَلَة سَهْمُ مَضْرُوب في اثنينِ فَذَلِكَ اثنانِ، وَالبَنِينَ ثَلاثة من الْمَسْأَلَة مَضْرُوبة في اثنين، فذَلِكَ سِيَّة لِكُلِّ ذَكَرٍ سَهِمَانِ، وَلِكُلِّ أُنثَى سَهُمْ.
أَصْلِ
وَإِن قَالَ لَكَ: أم، وأخت، وستُ بَنَات؛ فَقُل: أصلها من سِتَّة، للأمِّ سَهم، وللأختِ سهم، وللبنات الثلثان، أَربَعَة لا يَنقَسِمُ عَلَيهِنَّ ويُوافِقُهُنَّ بالأَنصَاف؛ فَخُذْ نِصْفَ الْبَنَاتِ ثَلَاثَةِ فَاضْرِبه فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَة فَذَلِكَ ثَمَانِيَة عَشَر، لِلأمّ السُّدُسُ سَهُمْ مَضْرُوب في ثَلاثة فذَلِكَ ثَلاثة، وللبَنَاتِ الظُّلُتَان أَربَعَة مَضْرُوبة في ثلاثة التي ضَرَبْتَ أَصْلَ الْمَسْأَلَة فِيهَا فَذَلِكَ اثنا عَشَرَ لِكُلِّ ابنَةٍ سَهمَانِ، وَالأُختِ سَهُمْ مِن سِتَّة مَضْرُوب فِي ثَلَاثَةِ فَذَلِكَ ثَمَانِيَة عَشَر .. فَاعرِف عَدَدَ ذَلِكَ وقِس.
وَكُلُّ فَرِيضَةٍ انكَسَرَ عَلَيْهَا عَلَى عِدَّةٍ وَاحِدَة فَالعَملُ في حِسَابِهَا عَلَى هَذِينِ الْفَصْلَينِ، إِن كَانَ عَدَدُ الرُّؤُوسِ التي انكَسَرَ عَلَيْهَا مُوافِقًا لسِهَامِهَا فَاضْرِب أَصْلَ الْمَسْأَلَة مَا كَانَت فِي وفق الرؤوس الذي انكَسَرَ عَلَيهِم .. وَإِن كَانَ لا يُوَافِقُ فَاضْرِب أَصْلَ الْمَسْأَلَةِ فِي جَمِيعِ الذي انكَسَرَ عَلَيهِم. وَكُل فَرِيضَةٍ صَحَحتهَا وَأَرَدتَ قِسمتها بَعْدَ الضرب فَانظُر كُلِّ مَن كَانَ لَه من الفَرِيضَة شَيْء فَاضْرِبهِ فِيمَا ضَرَبَتَ فِيهِ الفَرِيضَة. وَأَمَّا إِذَا انكَسَر عَلَى عِدَّتَينِ أَو ثَلاث أو أربع فَالوجهُ فِي ذَلِكَ أَن تُوافِق بَينَ كُلِّ عِدَّة وسهامها، فإن أنفقت بِشَيْءٍ فُحُدْ وَفقَ الرُّؤُوسِ وَاحفَظهُ عَلَى حِدَةٍ، وَمَا لَمْ تُوافق سِهَامها فخذ العدَّةَ كُلها بذاتِهَا قَبلَ ضُروبها وتصحيحها.
أَصْلِ
واعلم أن العمل في ذَلِكَ عَلَى أَربَعَة أَضرب: ضَربٌ يُجزِى بَعْضُهُ عَن بَعْضٍ، وَضَرَبٌ
كلا
يَدخُل بَعْضُه في بَعْض، وضرب يُوَافِقُ بَعْضَهُ بَعْضًا، وضَرَبُ لَا يُوَافِقُ بَعْضه بَعْضًا. ولَن يَعرف المُتعَلِّمُ تَعلِيمَ ذَلِكَ وتمييزَهُ إِلا أَن يُقابلَ بَينَ الْحَاصِلِ عِنْدَه مِن الرُّؤُوسِ على حدة ويُوَافق بَينَهم .. فَإِذَا كَانَ الْحَاصِلُ مُتساويا لا يَزِيدُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ فَهَذَا (1/398)
صفحة 399
الدلائل على اللوازم والوسائل
الضرب الذي يُجزِى بَعْضُهُ عَن بَعْض، ويكفي عَن جَمِيع العددِ الذي انكسر عَلَيهِ، وَاضرِب أَصْلَ الْمَسأَلة في تِلكَ العدَّةِ فَمِنه تَصحُ الفَرِيضَة. مثاله: أن تُرجع الْعَدَدَ التي انكَسَرَ عَلَيْهَا كُلّ عِدَّة إِلَى ثَلاثة، أو ثلاثة وثلاثة، كَانَ الْعَدَد اثنين أو ثلاثا أو أربعًا؛ فَقُل ثَلَاثَة يُجزِئ عَن ثَلاثة، وأَربَعَة يُجزِى عَن أَربَعَة؛ فَاضْرِب أَصْلَ الْمَسْأَلَةِ في ثَلَاثَةٍ أو أَربَعَة، وتُرجع كُلِّ عِدَّة إلى اثنين واثنين؛ فَقُل: اثنانِ يُجزِيَّان عَن اثنين، فَاضْرِب أَصْلَ الْمَسْأَلَة في اثنين فَما بَلغَ فَمِنه تَصحُ الْمَسْأَلَة، وقسمهَا أَن تَضربَ كُلِّ مَن كَانَ له شَيْءٍ مِنْ أَصْلِ الفرائضِ فَاضْرِبهِ فِيمَا ضَرَبَتَه فِيهِ؛ فَافَهَم ذَلِكَ. بيان ذَلِكَ: ثَلَاثُ جَدَّات، وثَلاثُ أَخوات لأب، وثَلاثُ أَحْوَاتٍ لِأَمْ؛ أَصْلُ الْمَسَأَلَةِ مِن سنَّة تَعُولُ إلى سَبعَة، لا تنقسمُ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْعَدَد سِهَامُهم ولا يُوَافِقُهم، وعَدَد رُؤُوسِهِمْ مُتسَاوِيَة وهي ثلاثة؛ فَاضْرِب أَصْلَ الْمَسْأَلَة بِعَولها وهي سَبعَة فِي ثَلَاثَة، وهِي أَحَدَ الْعَدَد التي انكَسَرَ عَلَيْهَا فَذَلِكَ واحدٌ وعِشرُونَ [سهما]؛ فَللجَدَّاتِ سَهُم في ثلاثة فَذَلِكَ ثَلاثة لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنهنَّ سَهم، وللأحواتِ للأُمِّ سَهُمَانِ في ثَلاثة فذلِكَ سِتَّة، لِكُلِّ وَاحِدَة مِنْهُنَّ سهمانِ، وَلِلأخواتِ لِلأب أربعة في ثَلاثة فَذَلِكَ اثنا عشر لِكُلِّ وَاحِدَة مِنْهُنَّ أَربَعَة أَسْهُم؛
فاعرف ذَلِكَ.
فَإِن قيل لك: زَوجَةٌ، وستُ أَخَوَاتٍ لأب، وستُ أَخَوَاتٍ لَأُمّ، وَثَلَاثُ جَدَّاتٍ؛ فَأَصْلَها من اثني عشر وتَعُول إلى سَبعَة عَشَر فَللزوجة الرُّبعُ ثَلاثة أَسْهُم، وَلِلجَدَّاتِ سَهِمَانِ بَينَ ثَلاثَةٍ لا يَنقَسِمُ عَلَيهِنَّ ولا يُوَافِقُهنَّ وَالأَخَوَاتِ للأم الثلث أَربَعَة أَسْهُم، وهنَّ سِتٌ لا يَنقَسِمُ عَلَيْهِنَّ ولَكِن يُوَافِقُهنَّ بِالأَنصَافِ فَخُذ نصف عَدَد رُؤوسِهِنَّ فَاحفَظَهُ، والأخوات لِلأَبِ الثلثان ثَمَانِيَة أَسهُم، وهُنَّ ستُ لا يَنقَسِمُ عَلَيهِنَّ وَلَكِن يُوَافِقُهن بِالأَنصَاف، فنصفُهِنَّ ثلاثة ويتفقُ عِنْدَك ثَلاثة وهُنَّ الْجَدَّات، وثلاثة نصف الأخوات للأب، وثلاثة نصف الأخوات للأم؛ فثلاثة تُجزِى عَن ثَلاثة وثلاثة؛ فَاضْرِب أَصْلَ الْمَسْأَلَةِ بِعَولها وهي سَبعَة عشر في ثلاثة فَذَلِكَ واحِدٌ وخمسونَ وقَسَّمهَا، فَهو أنّ لِلزَّوجَةِ مِن أَصلِ الْمَسْأَلَة ثَلَاثَة في (1/399)
صفحة 400
الدلائل على اللوازم والوسائل
M
ثَلاثَة فذَلِكَ تِسعَةٌ، وللجدات السُدُس سَهمَانِ مَضْرُوب في ثَلاثَة فَذَلِكَ سِيَّة، وهنَّ ثَلاثة لِكُلِّ وَاحِدَة سَهمَانِ، وللأخوات للأم أَربَعَة أَسهُم مَضْرُوبَة فِي ثَلَاثَةِ فَذَلِكَ اثْنَا عَشَر، وهنَّ ستْ لِكُلِّ وَاحِدَة مِنهنَّ سَهمَانِ، والأَخَوَاتِ لأَب ثَمَانِيَة في ثلاثة فَذَلِكَ أَربَعَة وعِشْرُونَ، وهنَّ سِتٌ لِكُلِّ وَاحِدَة أَربَعَة أَسْهُم فافهم ذَلِكَ. وَإِن كَانَ الْحَاصِلُ مِن الْعَدَدِ مُختلفًا، وأَقَلُّ الْعَدَد يُوَافِقُ الأكثر بِجُزءٍ ولَو ضُرِبَ الأكثر فيه لَمَا زادَ فَهَذَا يَدخُل بَعْضُهُ في بَعْض، فالعمل فيه أَن يَقولُ: الأَقل يَدخُلُ في الأَكثَرِ فَاضْرِب أَصْلَ الْمَسْأَلَة بِعَولها في الأكثرِ مِن الْعَدَدِ، فَمِنه تَصحُ الْمَسْأَلَة بِعَولِهَا إِن شَاءَ الله
تعالى.
فافهم - رحمك الله - بَعْضَ صِفَة الْمَواريث، وَإِنَّمَا هُوَ رَسمٌ قَلِيلٌ لِوُجُودِ ذَلِكَ فِي كُتُبِ الْمُسْلِمِين بما فيه - بحمد الله - غِي لِما فِي هَذَا الكتاب، وَإِنَّمَا كَتَبتُ فيه تنبيها وتذكرَةٌ مِن كُلِّ فَنْ قَليلاً ليَستدلّ بِذَلِكَ الطالب المُتعلّم إِن أَرادَ الآثَارَ الْمُنضَمِّنَة مَا يَحتَاجُ إِلَيْهِ النَّاسِ مِن جَمِيع العلوم. وكثير من الآثارِ لَمْ أَرسم مِنْهُ شَيْئًا لِقلَّةِ الْحَاجَةِ إِلَيهِ إِلَّا فِي بَعْضِ الأَوقاتِ مِثْل: الغَرقَى وَالْهَدَمَى، وَالْخُنَثَى، ومَسَائِل الردّ مِنَ الْمَوارِيثِ .. ومِثْل: الغائب وَالْمَفقُودِ وَالدِّمَاءِ، وَالصَّوافِي، وَالغَنائِمِ وَالْجِزِيةِ وَالفَيءِ، وَالْمَمالِيكِ وَعتقِهِم، وَالْمُلوكِ وَمَن ابْتُلِيَ بِهِم،، وَكُل وَكُلُّ ذَلِكَ لا غِنِّى عَنهُ لِلعالِمِ الْمُبْتَلَى بِأُمورِ النَّاسِ .. وَأَمَّا الَّذِي لَمْ يَكُن طَلَبَه إِلَّا لِنَفْسِهِ
فيكِفِيهِ هَذَا الرسمُ لِيَطلُبَ غَيْرِهِ إِذَا فَرَغَ مِنْهُ، ومَا التوفيق للكلِّ إِلَّا مِنَ الله. فتَدبَّر يا أخي، مَا رَسَمَتُهُ لكَ وَاعمَل بِصَوابِه، وأعرض عن بَاطِلِهِ، وَأَنَا أَسْتَغفِرُ اللَّهُ تَعَالَى مِن جَميع مَا خَالَفتُ فيه الْحَقَّ مِن قَولٍ وعَمَلٍ وَنِيَّةٍ، وَلَا حَولَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّه العَلِيِّ
العظيم.
1) الصوافي: جمع صافية، وهي: الأملاك والأراضي التي لا يعرف لها مالك ولا وارث، فتجعلها الدولة الإسلامية صافية خالصة لبيت المال. انظر: ابن بركة الجامع، 405/ 2. والسيابي: أصول بيت المال في عمان وآثارها الحضاري في عهد دولة البوسعيد، ص 80. (1/400)
صفحة 401
الدلائل على اللوازم والوسائل
فهَذِهِ نُبذة قليلة من:
ذكر الآخرة، والحساب، والجنَّة، والنار
- أعاذنا الله مِنْهَا وَكُلَّ مُؤمن ومؤمنة -
واعلم - رحمك الله يا أخي وحبيبي، عَلْمَكَ اللهُ مَا جَهلت ولقنك الصوابَ إِذَا سُئِلت؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وبَعْدَ القبرِ دَارُ إِلَّا الْجَنَّةَ أَو النار. أَمَّا الدُّنْيَا: فَقَد وَصَفَتُ لكَ بَعْضَ مَا تَحتَاجُ إِلَيهِ، وَتَلْقَاهُ فِيهَا مِن شَبَابِكَ إِلَى كِبَرِك، إن بَقِيتَ فِيهَا إلى آخر عُمرِك .. ولا بُدَّ لكَ مِنَ الْمَوْت ولَو طَالَتِ الْمُدَّة، وسَيَأْتِيكَ إِذَا كملت لك العدة، ولا تَحتَاجُ أَن أَشرَحَ لَكَ مَا تَراهُ بِعَينِكَ وبَينَ يَدَيكَ، وعَن يُسارِكَ ويمينك، من سكن التراب بَعْدَ الأحباب، وبَعْدَ الفرش الوطيئَةِ، والفواكه الشهية، وملاعبة الأتراب، وصرت طَعاماً حلالاً للرُّمَّةِ والدودِ .. هَذَا لِبَدنك.
وَأَمَّا رُوحُكَ: فعَلَى مَا مِتَ عَلَيهِ، فَإِن كُنتَ عَلَى طَاعَةِ الله، فَفِي رَاحَة خَيْرٌ مِنَ كُنتَ عَلَى مَعصِيَّةٍ فَشَرٌ مِنَ الدُّنْيَا؛ فَأَنتَ كَذَلِكَ إلى يوم القيامةِ .. إلى يَومِ
الدُّنيا، وإن البعث والنشور.
فلا تَشكَ فِي الْبَعْثِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ كَائِن والْمُكَذِّبُ بِه مُشْرِكٌ هَالِك؛ لأَنَّ الْمُكَذِّبَ الله
مشرك، وقد قال الله: مِنْهَا خَلَقْتَنكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى به (1). فَأَمَّا الْخَلَقُ مِنهَا وَالإعادَة فِيهَا فَترَاهُ صَباحًا ورواحا، وَأَمَّا الإخراجُ مِنهَا فَلَمْ يَصِل بَعْدُ، وسَيصِلُ بِلا شَكٍّ ولا ريب.
وَاعلَم أَنكَ بَعْدَمَا تَخرُجُ مِنَ الدُّنْيَا بِالْمَوْت فقد انقَضَى أَمرُكَ، فلا يُمكِنُكَ هُنَاكَ عمل صَالِحٌ، لا يُمكنُ لك تسبيحة، ولا تهليلة، ولا صدقَة أَبَدًا، ولا يُعْنِي عَنكَ مَالٌ ولا
1) سورة طه: 55. (1/401)
صفحة 402
الدلائل على اللوازم والوسائل
ولد، ولا قريب ولا بعيد، ولا يُغنِي عَنكَ الندم، ولا يُقبَلُ لكَ عُذر، ولَو جِئتَ بِملء الأرضِ ذَهَبًا أَو فِضَّةٍ مَا نَفَعَكَ.
وانى لك أن تَأْتِيَ بِه لَو امتحنت به؟ ولَو تَوسَّلتَ بِالْمَلائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ، وَالأنبياءِ وَالْمُرْسَلِينَ - صلَّى الله عَلَى مُحَمَّد وعَليهِم أَجْمَعِين -، وَالأَولِياءِ الصَّالِحِينَ مَا نَفَعُوكَ أَبَدًا، إلا مَا حَرَجت عَلَيهِ من الدُّنْيَا. فَإِذَا كَانَ الأَمرُ كَذَلِكَ؛ فَلِمَ تَتعَرَّض لِلمَهَالِك؟ ولأيِّ شَيْءٍ تَدَّخِرِ الأَمْوَالَ وَالأَولاد؟ بل ادَّخِر الزاد، وخذ حَظْكَ مِن طَاعَةِ الله تَعَالَى مَا دَامَت أَعضَاؤُكَ قَوِيَّةٌ، وجَوارِحُكَ
سَوِيَّةٌ، وابذل الْمَالَ مَا دُمْتَ لَه مَالِكاً، قَبلَ أَن يَصِيرَ إِلَى النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ. واذكر الله بِلِسَانِكَ لَيلاً ونهاراً قَبلَ أَن يُحالَ بَينَك وبَينَ ذَلِكَ، وَاصبر فَمُدَّةُ الدُّنْيَا قليلة، وَالغَنِيمَةُ إِذَا حَصَلتَ مِنهَا هَزيلة، ولو لقيت في الدُّنْيَا غُصصًا وَأَذًى ونَكدا، وجُوعًا وَعُرُبًا وَسُقمًا.
ولَو كُنت – مَثَلاً فِيهَا - في نَارِ طُولَ عُمرِك وسَلِمتَ فِي الآخِرَةِ لَكُنتَ مِنَ الفَائِزِينَ، وحاشا الله أَن يُعَذِّبَكَ بِغَيْرِ جُرمٍ وَإِثْم .. وتُبعَث بَعْدَ الْمَوْتِ عَرياناً، فَإِن كُنتَ مُؤمنًا فَتَكسَى هُنالِكَ مِن عِنْدَ الله، وتَتَلَقَّاكَ أولادك الذِينَ مَاتُوا قَبلَ البُلُوغِ بِبَارِدِ الْمَاءِ لِلشرَابِ، هَذَا فِي بَعْضِ الكتب .. والأصح – عِنْدَي – أن تَتَلَقَّى الْمُؤْمِنِينَ الْمَلائِكَةُ الْكَرَامُ.
وَستَقفُ - بِإِذنِ الله تَعَالَى - فِي مَوقِفِ القِيَامَةِ، فَيَجمَعُ اللَّهُ هُنالِكَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ ويظهر للكلِّ مَا قَدَّمَه، فَإِن كَانَ خيراً فتَحاسَبُ حِساباً يسيراً، وَتَدخُل – برحمة الله – جَنَّةَ الْخُلدِ مَسروراً خالدًا فِيهَا أَبَدًا مَحبُوراً، لكَ فِيهَا مِن فَضْلِ اللَّهِ مَا تَشْتَهِيهِ نَفْسُكَ، وَتَلدٌ عَينكَ مِن كُلِّ نَعِيمٍ، ولا يَقدِرُ وَاصفٌ أَن يَصفَهُ، فَتَنسَى جَمِيعِ مَا لَقِيتَ فِي الدُّنْيَا،
ومَا أَصابَكَ مِن فَقرٍ وَأَسقَامٍ، وتعب ونَصَب، وجُوعٍ وذُلٌ، وَغَمْ وَاهِتِمَامٍ، وَتَنسَى مَن خَسِر بِسُوءٍ عَمَلِهِ مِن آبَائِكَ وَأَبْنَائِكَ، وجيرانك وأقاربككَ وأقرانك، والأرحام. (1/402)
صفحة 403
الدلائل على اللوازم والوسائل
فأنت في سُرورٍ، لا يَشوبُكَ كَدَرٌ عَلَى طُولِ الدَّوامِ، بَينَ حُورٍ وقُصورٍ، وأَشجَارٍ
وأنهارٍ وَثِمارٍ وخيامٍ، لا تَخافُ مِن عَدُوِّ، ولا كبر، ولا فقر، ولا موت، ولا أسقام. فَيا لَهَا مِن سَعادَةٍ مَا أَكبَرهَا وَغَنِيمَةٍ مَا أَوفَرهَا وَلاَ حَسَدَ هُنَاكَ ولا مَلامَ، وَرُبَّمَا
نَدِمَ العبدُ عَلَى تقصيره في طاعَةِ مَولاهُ لَمَّا أَراهُ الثواب، والإجلال والإكرام. فأينَ الطالبُ لِهَذَا، والراغِبُ فِيه؟ ولَهُ عَاشق و به مُستَهام؟! ولَو لَمْ تَكُن لِلمُطِيعِ جَنَّةٌ ولا ثواب بَل ذَهابٌ وَإِعْدَامٌ لَكفَى لَه شَرفًا بِطاعَةِ ذِي الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ. فَكَيفَ بِنَعِيمٍ مُقيم؟ ودخولِ الْمَلائِكَةِ عَلَيهِ بالتحيَّةِ والسلام؟!. ولُو لَمْ يَكُن لِلعَاصِي عِقابٌ وَعَذَابٌ وهُيَامٌ لكَانَ حَسْبُه بُعْدَهُ مِن رَبِّهِ الْمَلَكَ العَلام، فكيف والعاصي مِن حين يَخْرُجُ مِن قَبره بجوع، وعُري وعَطش، وخِزِي بَينَ الْخَلَائِقِ في ذَلِكَ الْمَقَامِ؟ وَحِسَابٍ وتوبيخ، وانقطاع وذلُّ لَا يُرَامِ، ثُمَّ مِن بَعْدِهَا دُخولُ النارِ التي لا يُطافُ مَا فِيهَا مِن الغلّ والأَنكَالِ، والسلاسلِ وَالقُيود، وضَرَبِ الْمَقَامِعِ، وجَمِيعِ الأَسقَامِ، وَلَدغ الأفاعي والعقارب وبَردِ الزَّمهرير، وحِجَارَةِ الكبريت بخلُودٍ لا تقطَعُه السنون والأيام .. في كُلِّ يَومٍ في زِيَادَةٍ من العذاب الذي لا يُرام، وطَعَامٍ مِن زَقُومٍ وشراب مِن حَمِيمٍ، فَيَا بُوْسَهُ مِن شَرَابٍ وطَعَامٍ. فَلَكَ الْخِيرَةُ مَا دُمت في الدُّنْيَا، وَفي هَذَا العمر القصيرِ بَينَ طَاعَةِ اللَّهِ؛ لِتَنالَ بِفَضلِهِ ثَوابَهُ، وبَينَ مَعصِيَتِهِ إِن كُنتَ تُطيقُ عَذَابَهُ .. والسلام .. وَانظُر فِي ذِكرِ الله وَكرَمهِ، وفَضلِهِ، وجَلالِهِ، وَغَنَائِه عَنكَ، وَكَم نَبهَكَ، وَوَعَدَكَ،
وأوعدك، وقالَ لَكم: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ).
ولَو لَمْ يَكُن لكَ حَظِّ سِوَى ذِكرِه لَكَ في حَقارتكَ وعَجزِكَ، وتقصيرك، وغفلتك، وغِنَاهُ عَنكَ قَالَ: أَذْكُرْكُمْ؟ فَرَبَّمَا لَو قِيلَ لَكَ: ذَكرَكَ رَئيسُ مَحَلَّتكَ لا فَتَخَرت، فَكَيفَ به تَعَالَى؟ أمَا تُنصف مِن نَفسكَ، وتذكر الله وتَشكُره!؟ ولَو إِلى أَن يَبَس لِسانُكَ
1) سورة البقرة: 152. (1/403)
صفحة 404
الدلائل على اللوازم والوسائل
من الذكر، وتكل أعضاؤكَ مِن العِبادَةِ لَمَا بَلغت شكره، ولا أَديت حقه، وَكَرمُه مُنصَبٌ عَلَيكَ فِي الدُّنيا دونَ الآخِرَة.
انظر إلى نعمتهِ عَلَيكَ في الدُّنْيَا .. هَل تَقدِرُ أَن تُكَافِئ عَلَى شَيْءٍ مِنهَا، وَاللَّهُ غَنِيٌّ عَنكَ، لا يُريدُ مِنكَ الْمُكافَاةَ؛ بَل عَلَيكَ الاعتراف لَه بالربوبية، وترك مَا نَهَاكَ عَنهُ، وأداء ما أمرك به، وقَرَّ عَيناً بما تُريدُه فَإِنَّه لا يُخلف الميعاد.
أمَا تَذكُر فَضلَه عَلَيكَ، وَإحسانهُ إِلَيكَ، خَلَقكَ مِن نُطفَةٍ وتُراب، وصَوَّركَ بِأَحسَنَ صُورَةٍ في الثياب، وأعطاك عافية وَافِيةٌ، وَرزَقَك بغَيْرِ حِساب، وأمرَكَ بِما تَقدِر عَلَيهِ، ونَهاكَ عَمَّا تَقدرُ عَلَى تَركه، وأعدَّ لكَ الثواب والعقاب؟!.
أما سمعت قوله بالإنذارِ لَكَ وَالاِعذَارِ إِليكَ في صَحِيحِ الكتاب؟! .. أمَا تَتدَبَّر وتتذكر لَعَلَّكَ تَزدَجِرُ وتَهابُ، فَمَا مَضَى مِن عُمرِكَ لَيْسَ بِعَائِدٍ إِليكَ، لِتَعْمَلَ فِيه بِحَقِّ
وصواب، ولَيْسَ بَعْدَ العُمرِ تَمكُن أَن تُصلِحَ العمل، ولا لكَ دُعاء يُجَابُ. فَطَلّق دنياك قبلَ أَن تَقتُلَكَ بالسم والأنياب، وَخُذ مِنهَا مَهراً مِنَ العملِ الصَّالِحِ لِدارِ النعيم، والكواعب الأَترَابِ، قَبلَ أَن يُحالَ بَينَك وبَينَه بِخُرُوحِكَ مِن الدُّنْيَا إِلَى القَبرِ، ثُمَّ إلى الْحِسَاب .. فَقَد وَعَد الله تَعَالَى مَن أَطاعَهُ بإخلاص لا بريَاء وَإعجاب أَن يَرحَمَه
ويُجيره من أليم العذاب .. ووعدُهُ حَقٌّ، وقوله صدق؛ فلا تشك فيه ولا تَرتَابَ .. فتدبر ما أخبركَ بِه مِن الآياتِ فِي حَياتِكَ مِن جَمِيع الأسباب .. هل وجدت شَيْئًا مُختلفًا مِن جَمِيعِ مَا تَرَاهُ وتَسْمَعُ بِه فِي الآفاق مِمَّا حَضَرَ أَو غَاب. فاقبل نُصحِي وَخُذ بِهِ، وَاعمَل بِطاعَةِ الْمَلكِ الوهَّابِ، وَاتَّبِعِ سُنَّةَ النَّبِيِّ مُحَمَّد الأُمِّي، وارحم الآلَ وَالأَصحَابَ. (1/404)
صفحة 405
البات
الدلائل على اللوازم والوسائل
في ذكر التوفيق والخُذلان، وشَيء من الدُّعاء
واعْلَمْ يا أخي، - فَتحَ الله لَكَ أَبوابَ الْهُدى، وأغلق عَنكَ أَبوابَ العَمَى، وَأَلْهَمَكَ بفضله الرشد والتقوى - بِأَنِّي أُرشِدُك إِلَى طَاعَةِ الْمَوْلَى .. فَإِذَا فَهِمت وعرفت الْمَرْلَتين، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ بَعدَ الْمَوْتِ مِن هَاتَينِ الْحَالَتين؛ إمَّا الْجَحِيمُ - وَالعِياذُ بالله مِنهَا، وَإِمَّا النَّعِيمُ - نَسأَلُ الله أَن يُبلِّغَنَا، إِيَّاهَا، وَيَمُنَّ عَلينَا بِها - فَلَا تَقِف بَينَهما مُتَرَدِّدًا مُتحيِّرًا، ولاَ تَقْفُ طَريقَ الْهَوَى مُتحيّزا .. فَإِن كُنتَ ذَا عَقل فلا يخفى عَلَيكَ الصواب، وتعرف التَّمييزَ بَينَ أَن تُطيعَ الله بما أَمرَكَ لِتَنالَ جَزيلَ الثواب وحُسنَ الْمَآبِ، ودُخولَ الْجَنَّاتِ مَعَ الأنبياء والأولياءِ والأَحبَابِ، وبَينَ مُتابَعَة الْهَوَى أَيَّامًا قَلائل، ثُمَّ نَصير إِلَى العَذَابِ .. وَلَن تَنالَ مِنَ الدُّنْيَا مُرادَكَ ولا مَا تَشتَهِي، ولَو صَبَرْت عَلَى عَظيمِ الْمُصَابِ. فَاسِلُك طَريقَ طَاعَةِ الله بحُبِّ وَاجْتِهَادٍ،
ولاَ يَطولُ عَلَيكَ الْمَدَى، فَعِنْدَكَ بَعْدَ الْمَوْتِ وصولُ الْمَعادِ، فَتَأَهَب لِلسَّفَرِ البعِيدِ، وَأَكثر لَه مِنَ الزادِ؛ فَرُبَّمَا أَنتَ تَحسبُ الْمَوْتَ بَعيداً، وهُو مِنكَ قَريبٌ.
فلا تغتر بالعافيةِ والقُوَّة وَالْيُسرِ، فَالكلُّ عَنكَ يَغِيبُ .. فَكُم تَرى وَتَسمَع بِمَن مَاتَ فِي
الْحَالِ لَا يَأْمَلُ بِأَنَّ الْمَوْتَ يَأْتِيهِ فِيهِ، مَن شَغَلَ دُنْيَاهُ بِمَا يَلْتَذُ بِهِ وَيَسْتَهِيه. فَكَم مَن مَاتَ فِي وَقَاعِ زَوجته أو سَريَّتِه .. وكَم مَن مَاتَ بِلُقِمَةٍ لَذِيدَةٍ وغَصَّ بِهَا، وكَانَت سَبَبًا لِهَلَكَتِه .. وكَم مَن مَاتَ وَهُوَ فِي حِراثتِه وشغله ببهيميه .. وكم من مات فِي بَيعِهِ وَشَرَائِهِ وَوَزْنِ سِلعَتِه، وكم من مات فَوقَ دَابَّتِه، أَو فَوقَ نَحْلَتِهِ .. وكُم عَارَضَه (1/405)
صفحة 406
الدلائل على اللوازم والوسائل
فِي وَطَنِه وعِنْدَ أَحبابه، وآخر فِي غُريَتِه .. وكَم مَن عَافَصَه وهُو خَارِج في طَلب رئاسة إِلَى عَدوِّهِ بِسَلاحِهِ وَعُدَّتِهِ.
فلا أُحصي حَوادِثَ الْحِمَامِ؛ فَاسْتَعِدَّ يَا ابنَ آدَم لِسَطوتِه، وَاعلَم أَنِّي قَد دَخَلَتْ فَي الدُّنْيَا، وَذُقتُ مِن لَذيذ طَعمِها وغُصَّتِه، وَمَررتُ فِي طَريقِ الشباب وَحدَيْهِ، وَطَعِمْتُ الفقر وذُقت السقم في مُدَّتِه، وجَرَّبتُ الأَسفَارَ وَالأوطان، والتعب والراحَةَ، وَكُلِّ شَيْءٍ من ذَلِكَ في وقتِه، وَعاشَرتُ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ، فَكَم مَن حَمِدَتُهُ في عِشرَتِه .. وَلَحقِّنِي الْمَشيبُ بَعْدَ ذلِكَ، ونشبتُ فِي قَبضَتِه، وكأني الآنَ قَد قَضَيتُ جَمِيعَ الأَوطَارِ مِن الدُّنْيَا، وصِرتُ بالصباح والرواحِ مُنتظِرًا الْمَوْتَ وَكُرَبَته.
فَلَم أَرَ الدُّنْيَا فِي جَمِيعِ مَا عِشتُ فِيهَا وَلَقيتُ مِنَ الْحُزنِ والسرورِ إِلَّا كَمَن وَثَبَ سَاعَةٌ في مشيَتِهِ، أَو كَمَن سَاعَ لُقمَةٌ فِي حَلقه ثُمَّ ذَهَبَت بجُرعَتِه، أَو مِثْل مَن رَكِبَ دَابَّةٌ يَومًا ثُمَّ نزل إلى خدمته، أو كَمَن زَرعَ زَرعًا ثُمَّ حَصدَهُ بَعْدَ يُيسه فِي بَلدَتِه، أَو كَراكِب سَفِينَةٍ في
بحر بجميع أمواله وأهبَتِه فَأَغرَقَتْهُ الأمواج بسرعةٍ، فَذهِبَ بِمَالِهِ، وَلَا مَطْمَعَ فِي رَجَعَتِهِ. ولَو أَنْ هَذَا الْمَذكور - مِن مَصائب الدُّنْيَا - يَذهَبُ ذهابًا لَا يُرجَى عَودُه لَكَانَ ذَلِكَ
غاية السرورِ ولَو لَمْ يُدخِلهُ الله فِي جَنَّتِه، لَكن بَعْدَهُ عِقابٌ لِلعاصِي لَا غَايَةَ لِمُدَّتِهِ. فَإِذَا كَانَ الأَمر كَذَلِكَ فَاطلب رِضًا الله تَعَالَى بِطَاعَتِهِ، وَابذل مجهودَكَ فِيهَا بِإخلاص وجد واجتهاد، لا بريَاءِ وَإعجاب. فاحذر مِنَ الرياءِ وَآفتِه، فَإن وفقك الله تَعَالَى وَيَسَّرَ لكَ شَيْئًا مِن طَاعَتِهِ فَاحْمَدَهُ وَاشْكُرْهُ
على عظيم نعمتِه، وَجزِيلِ عَطائِهِ، وَجَلِيلٍ مِنّتِه، فَإِنَّهُ لَا يَحصُلُ التوفيقُ وَالتَّيسِيرُ إِلَّا مِنْهُ. فَكُم تَرَى وَتَسمَع بِمَن اجتَهَدَ وَعَبدَ رَبَّهُ فَرُدَّت عَلَيْهِ عِبادته، إذ حُرِمَ التوفيق، فَعَمِي عَلَيهِ بسوء فعله طريق التحقيق.
1) عافص من العفص وهو الأخذ والمفاجأة انظر: قاموس المحيط (عفص). (1/406)
صفحة 407
الدلائل على اللوازم والوسائل
فَمِن أَين - يَرحَمكَ الله - تُؤَدِّي شكرَ هَذِهِ النِّعمَةِ؟! وأَنتَ لَو كَانَ مِن رَأْسِكَ إلى قَدَمِيكَ أَلسُنُ لا تَفْتُرُ عَن ذِكرِ الله تَعَالَى لَيلاً ولا نهاراً، أو تصدقت بما مَلَكَت يَمينُك، وكَانَ ذَلِكَ مِلء الأرض ذَهَبًا، وصُمت طُولَ عُمركَ، وَصلِّيتَ في أَوقاتِ دَهرِكَ، وَلَمْ تَعصِ اللَّه طَرفَةَ عَينٍ، ولا رَكِبت مَا فِيهِ عَيبٌ وَشَينٌ، وقُمتَ بِالفرائض والنوَافِلِ، وَأَدَّيتَ اللوازمَ وَالوَسَائِلَ لَمَا قُمتَ بواجب شكره، ولَو جِئتَ بِجَمِيعِ مَا لَزِمَكَ مِن
أمره؛ لأنه كُلَّه مِن عِنْدَه، وأَنتَ وجَمِيعِ الْخَلقِ عَبِيدُه، وهَل تَجِدُ أَحَدًا لَيْسَ بِعِبدِهِ. أو مَا سَمِعت قولَه تَعَالَى: {مَن يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِى) (1)، وقَولَه تَعَالَى: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ، مَا زَكَى مِنكُر مَنْ أَحَدٍ أَبَدًا (2)، وقوله تَعَالَى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَنَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرةَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ) (3). أرأيتَ لَو لَمْ يَتفَضَّل عَلَيكَ بِكَرَاهِيَّةِ ذَلِكَ مَا كُنتَ تَصنَع؟! فَأَينَ شُكرَكَ لِتَقُومَ بِحَمدٍ
يَصلُ إِلَى هَذِهِ الفضائِلِ كُلِّهَا، فَكَيفَ بِثَواب لاَ غَايةَ لَه، ولا وَاصفَ يَقدِرُ أَن يَصِفَه. ومن علامة التوفيق أأَنكَ إذَا طَلَبتَ شَيْئاً مِنَ الطاعَاتِ يَسَّرهَا اللَّهُ لَكَ وَسَهَّلَهَا عَلَيكَ، وتَكُونُ عَلَى زِيَادَة فِي دِينَكَ .. وَالْخُدْلَانُ ضِدٌ ذَلِكَ.
فَإِذَا رَأيتَ عَلَامَةَ الْخُذلانِ، وهُوَ أَنَّهُ كُلَّمَا أَرَدتَ شَيْئاً مِنَ الطَاعَاتِ لَمْ يَتَيسَّر لكَ ذلِكَ، وَلَمْ تَنشَط نَفسُك لَه؛ فَاعلَم أَنكَ مَحْذُولٌ فَنَحْ عَلَى نَفْسِكَ، ولا يَكُون ذَلِكَ إِلَّا من قبل نَفسِكَ؛ لأنَّكَ لَو جئتَ بِصدق وإخلاص واجتِهَادٍ لَمَا حُرِمت التوفيق، حَاشَا الله وَكَلا، وهُو يَقُولُ: وَالَّذِينَ جَهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (4).
(1) سورة الأعراف: 178.
2) سورة النور: 21. (3) سورة الحجرات: 7.
(4) سورة العنكبوت: 69. (1/407)
صفحة 408
الدلائل على اللوازم والوسائل
فَلَا يَكُونُ الْخَلفُ مِن عِنْد الله تَعَالَى بَل هُو مِنكَ؛ فَانظُر لنفسك، وفتش أحوالك، فَعَسَى أَن يَكُون لَكَ دَسيسٌ غَفَلتَ عَنهُ، أو ارتكاب لِشَيْءٍ لَا يَجُوزُ وَلَمْ تَقلَعَ بَعْدِ عَنهُ، وَلَمْ تَفرغ مِنهُ.
فارجع إلى مَولاكَ، وتَقَرَّب إِلَيهِ بِمُخالَفَةِ هَواكَ، وتدقق في ظَاهِرِكَ وبَاطِنك، وفي مُعامَلَتكَ فِي أَهْلِ زَمانِكَ، وَفِيمَا فَرضَ اللهُ عَلَيكَ لِتَقُومَ بِهِ، وَفِيمَا نَهَاكَ لِتَقِفَ عَنهُ، وَامْرُج ذَلِكَ بالدعاء، وتوسل إِلَيهِ بالنَّحيب وَالْبُكَاءِ، وَالاِعترافِ بالإساءة وَالْخَطا، وقُل: «يَا رَبِّ يَا مَولايَ أَنتَ الغَنِيُّ الكَرِيم وأنا الفقيرُ الْمُحتاج، وأَنتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وأنا العَاصِي الْمُذنِبُ الْمُرْتَكِبُ الأَعوَاج وأنت السميعُ الْعَلِيمُ وَأَنَا الْمُسِيءُ الذميم، وأَنتَ الْمَلكُ القادر وأنا العاجز القاصر، وأنتَ العَلِيُّ الكبير وأنا العبد الدني، وأنتَ القوي وأنا الضعيف. قد اعترفتُ بِذُنُوبِي وَأَنتَ رَبِّي، وشَهِدتُ عَلَى نَفْسِي بِالعِصيَانِ، ولا أَجدُ لِي مَلجَاً مِنكَ ولا مَنجى ولا مَفَرًا عَنكَ يَا رَحْمَن .. فَأَسْأَلُكَ يَا مَولاي يَا مَنَّان، أن تغفِرَ لِي ذُنوبِي وتغفِرَ عَنِّي وعَن جَمِيعِ مَا كَانَ؛ وَلَا تُؤَاخِدْنِي بِمَا عَصِيتُكَ بِهِ طُولَ الزمَانِ، فَإِنَّهُ لَا قُدرَةَ لِي عَلَى عَذابِكَ، ولا طَاقَة لِي بِعِقَابِكَ، فَلَا تَرُدَّنِي حَائِبًا، فَإِنِّي أسألُكَ مِن فَضلِك، لا لاستحقاقي فِي ذَلِكَ، وعَفوَكَ عَنِّي لا ينقصُ فَضلك، وأنا لا أَجِدُ لِحَاجِتِي أَحَدًا غَيْركَ .. فَإِن رَدَدتنِي فَإِلَى مَن أَلتَحِيَّ وبِمَن أَتَوَسَّلُ، وَأَينَ أَذهَبُ،
وَأَينَ الْمَفَرِّ؟!.
فيا مولاي، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَأَكرَمَ الأَكرَمِينَ جُد عَلَيَّ بِعفُوكَ، ومُنَّ عَلَيَّ بِكَرَمِكَ، واكفِنِي شَرَّ نَفسِي أَوَّلاً، فَإِنِّي لَا قُدرَةَ لِي عَلَيْهَا إِلا بِكَ، وَأَجرني مِن أَعدَائِي إبليس وأعوانه، فإنِّي لا طاقة لي بِهِم إِلا بعصمتِك، وأَعِنِّي عَلَى طَاعَتِكَ فَلَا سَبِيلَ لِي عَلَيْهِم إلا بمعونتك، وأجرني من ارتكاب مَعصِيَتِكَ؛ فَإِنَّهُ لا صَبَر لِي عَنْهَا إِلَّا أَن تَجُودَ عَلَيَّ بِمِنَّتك .. يا الله، يَا حَيُّ يَا قَيُّوم، يَا ذَا الْجَلالِ وَالاِکرَامِ، اغفر لي مَا مَضَى، واعصمنِي في بَقِيَّة عُمرِي يَا كَرِيم». (1/408)
صفحة 409
الدلائل على اللوازم والوسائل
وكُن كَمَا قَالَ الشاعِرُ لِمَمْدُوحِهِ اعْتِدَارًا وَتَلطَّفاً:
فذنبي بتقصيري ومَا جِئْتُ مَادِحًا يشعري وَلَكِن جئتُ أَسأَلُ أَن تَعفُو (1) وقالَ غَيْرُه في تَذَلَّلِه لِخَالِقِهِ شِعرًا (2):
قدمت إليكَ يَا رَبِّ البَرَايَا فَآمِن رَوعَتِي يَومَ القُدُومِ وما لي لا أخَافُ وَلِي ذُنوب قَدمْتُ بِهَا عَلَى الْمَلِكِ العَظِيمِ وما قدمت بين يدي زاداً ولكنّي قَدِمتُ عَلَى كريم وكذلك قول أبي نواس:
:
فَمَنْ كَانَ ذَا عُذر إليكَ وَحُجَةٍ فَعُذري إِقْرارِي بأَنْ لَيْسَ لِي عُدْرُ وَقُل: اللهم لا وَسيلَة لِي إليكَ، وَلاَ عُدْرَ أَتوَسَّلُ به وأدلُّ بِهِ عَلَيكَ، إلا اعترافِي
بتقصيري وتهاوني في جَمِيع أُمورِي، وفقرِي وحَاجَتِي إِلَى عَفوِكَ فَهَذِهِ مَعَاذِيرِي. فَيا رَبِّ لَا تَحرِمِنِي رَحْمَتِكَ، ولا تُبعِدنِي عَمَّن أعَدَدتَ لَه نِعْمَتَكَ بِمَنَّكَ وَفَضلِكَ، وقد توسلتُ إِلَيكَ بِخِيرَةِ خَلقِكَ مُحَمَّدٌ، فَاجعَلهُ شَفِيعِي إِلَيْكَ، وَارْحَمْنِي يَا كَرِيم، وَارحَمَ جَمِيعَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ.
وصلى الله عَلَى سَيِّدنَا مُحَمَّد النَّبِيِّ الأمين، وعَلَى جَمِيعِ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ والأنبياءِ وَالْمُرْسَلِينَ، وَارحَم جَمِيعَ مَن أطاعَكَ مِن الإِنسِ وَالْجِنِّ أَجمعين، صَلَاةٌ بَاقِيَةً إِلَى يَومِ الدينِ، آمِينَ يَا رَبَّ العَالَمِين. ولا حول ولا قُوَّةَ إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وَآلِهِ، وأصحابه، وَالتَّابِعِينَ، وَسَلَّم تَسْلِيمًا كَثِيرًا دَائمًا بِدَوامِ الدُّنْيَا وَالدين .. آمين .. اللهم
آمين .. آمين.
(1
هذا البيت الشعري لأبي الطيب المتنبي إلا أنه ورد في شرح الواحدي بلفظ:
وذنبي تقصيري وما جئت مادحا ... بذنبي ولكن جئت أسأل أن تعفو
(2) الأبيات الثلاثة للشاعر المصري ابن مطروح؛ إلا أن البيت الثاني جاء في ديوان الشاعر بلفظ (وكيف لا ... ) بدلا من وما لي لا انظر: ديوان ابن مطروح تح حسين نصار، دار الكتب والوثائق، 2004. ص 98. (1/409)
صفحة 410
410
الدلائل على اللوازم والوسائل (1/410)
صفحة 411
الدلائل على اللوازم والوسائل
الفهارس الشاملة
فهرس الآيات
ترين فهرس الأحاديث والآثار
فهرس الأبيات الشعرية
ي فهرس الأعلام
فهرس البلدان
فهرس المصادر والمراجع
المحتويات (1/411)
صفحة 412
22
22
81،32،27،20
26
26
26
26
26
38،270
29،27
28
29
30
35
36
36
37
37
38
38
38
38
38
38
38
38
الدلائل على اللوازم والوسائل
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَد.
فهرس الآيات
الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالحيوة لبلُوَكُمْ أَنكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) ولَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ.
ورَتيَ الَّذِي يُحْيِ، وَيُمِيتُ.
ا في اللهِ شَكٍّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الله. قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَلَمِينَ).
قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُما إِن كُنتُم تُوقِنِينَ ..
ورَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ.
ولَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَرَ وَهُوَ اللطيف الخبير.
وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ فتصيحُ الْأَرْضُ مُحْضَرَة)
وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ
مَا يَكُونُ مِن نَجْوَى ثَلَثَةِ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةِ إِلَّا هُوَ سَادِ مُهم ......
م مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كريم).
إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ.
إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَن عَلَيْهَا وَالبَنَا يُرْجَعُونَ).
وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى.
وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ.
تجري بأعينا.
ولتصْنَعَ عَلَى عَيني. وكُلُّ شَيْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ.
رفتم وجه الله
ويبقى وجه ربك
ام
السَّمِيعُ البَصِير
إلى ربها ناظرة له
وبَل يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ. (1/412)
صفحة 413
39
39
39
39
39
39
39
39
الدلائل على اللوازم والوسائل
39
80،460
47
01
°°
07
7.
62
67
Vo
82،78
80
80
80
80
81
81
81
82
82
44130
الأخَذْنَا مِنهُ بِالْيَمِينِ الله
والسَّمَوَاتُ مَطْوِئَتُ بِيَمِينِهِ، الله. وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبَضَتُهُ.
يقبضُ وَيَبْضُطُ الله
فَرَطَتُ فِي جَنْبِ اللهِ ...
يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ ...
اللهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ. فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكَا.
ثمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ
يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ). إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبيثَ.
والخيل وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً). وفِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَنْطَهَرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَهِّرِينَ). وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطَهَرُوا وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ ...... وياتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ}.
إِنَّا أَنزَلْتَهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ
وَأَقِيمُوا الصَّلوةَ.
ان الله الرحمن الرحيم الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ...
وربناة اينا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
ويناها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ..
الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ...
وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَما له.
ويخرونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا لله.
ول كُل دَرَجَتْ مِمَّا عَمِلُوا). ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لكو
فإذا فرغتَ فَأَنصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَأَرْغَب.
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ
قل اللهم مَلِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ. (1/413)
صفحة 414
الدلائل على اللوازم والوسائل
وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ اللَّهِ. سبحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامُ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (3) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ). وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَمْ يَتَخِذَ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَهُ شَرِيكُ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيُّ مِنَ الذُّلَّ وَكَبِرَهُ تَكْبِيرًا لله
وقُلْ هُوَ اللهُ أَحَدُ وقُلْ يَتَأَيُّهَا الْكَافِرُونَ.
والو نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ.
82
82
82
164،149،141،121،87،82
87
87
ة مَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَكَيكَيهِ، وَكُنْبِهِ وَرُسُلِهِ. ورَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْ وَ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا ...
ويُرِيكُمْ، ايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ).
وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ، وَهُوَ خَيْرُ الرَّزِقِينَ).
164،77
120
121
120
مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ .... 1250
فَأَقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَاتُوا الزَّكَوَةَ.
م وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُم كم.
وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا. لِتَسْتَوُا عَلَى ظُهُورِهِ، ثُمَّ تَذكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْم عَلَيْهِ ... وبناتها الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُم ....
هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ)
وا رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ...
وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ..
وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ.
فَسَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}.
وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ.
إن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَى عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ.
فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَثَ وَرُبَعَ.
131
120.
153.
102.
10 v ..
164
1640
1640
164
1950
1960
1970
19800
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونَ عَلَى أَزْوَجهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَتُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ .. 229،1980
ويساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِمْتُمْ)
وكُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَكُمْ). ولا يُسْتَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ).
أنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَلِديكَ).
1980
1990
2020
2080 (1/414)
صفحة 415
415
الدلائل على اللوازم والوسائل
وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَناً.
فَلَا تَقُل لَّمَا أَفَ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ...... يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ) وما هم بضارِينَ بِهِ، مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ
ويله مُلكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ.
ولَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثّرى.
ووَمَا أَصَبَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَن كَثِيرٍ.
Y.A .....
209
220
220
220
221
و لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَنا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ ... 243000
قلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمسين عاما
فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ.
الَّذِينَ يُظهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَا بِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَتِهِمْ ... . وَأُولَتُ الْأَعْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمَلَهُنَّ.
لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَب.
وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ). ما عَلَى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)
لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا. ولا تركنوا إلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَكُمْ ... اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا الله فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُحْضَرَة.
ما أفاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ......
وإِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا)
إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ.
لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَلِ الأُنثَيَيْنِ)
مِنها خَلَقْتَكُم وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنهَا تُخرِجُكُمْ تَارَةً أُخرى ..
فاذكروني أذكركم.
ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي
وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ، مَا زَكَى مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا. وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَنَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ ..... وَالَّذِينَ جَهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}
254
258
262
271
275
286
3120
3120
320
330
330
3340000
3340
379
390
........
403
407
407
E.V .........
E.A ...... (1/415)
صفحة 416
284
362
55
17
الدلائل على اللوازم والوسائل
فهرس الأحاديث والآثار
إذَا اختَلَفَ الْجَنْسَانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِثْتُمْ».
إذَا نُصبَت الحدودُ وصَرِفَت الطَّرُقِ فَلَا شُفَعَة لِشَفيع». «أعوذ بالله مِنَ الرجس الخَبِيثِ الْمُحَبَّثِ الشيطانِ الرَّحِيمِ».
«أَفضَلُ الْحَجَّ الْعَجُ والنج».
الْمَسجد بَيتُ كُلِّ تَقِي».
عالم مرتفع، ومُتعلّم مُنتَفِع، وسواهُمَا مُنتَقِع».
«الناس
ثلاثة
335
16
الويلُ كُلّ الويلِ لِعالم أسكَرَه حُبُّ الدنيا، أولئكَ قُطَّاعُ طَريقِ عِبادي، إن أدنى ما أصنع بهم أن أنزع
حَلاوة مُناجَاتِي مِن قُلُوبِهِم».
«إِنْ أَشدَّ الناسِ عَذَابًا يَومَ الْقِيَامَة عَالِم لَم يَنفعهُ الله بعلمه».
«إن أشر الناسِ عَالِم يَطلب الدنيا بعلمه»
«إن أعمَالَ الْخَير تُضاعف، فَمَن تَقَرَّبَ فِيهِ بحَصَلَة مِن خِصَال الْخَيْر كَمَن أدَّى فَريضَة ..
إن الأرض لِلَّهِ، فمَن أحيَا مِنهَا مَوَاتًا فَهِي لَه» ..
«إِنَّ التَّاحِرَ الصَّدوق مَعَ النَّبِيِّينَ وَالشُّهداءِ يَومَ القِيامَةِ».
«إن الرياء شيرك»
«إن الطهور على الطهور نور على نور»
«إن الفقراء الصَّالِحِينَ يَدْخُلُونَ الْجِنَّةَ قَبلَ الأَعْنِياءِ بِسنين طوال».
«إن
الله يستحي. أَن يُعذِّبَ مَن أطاعه».
«إن الناس ثلاثة: قدوة، ومُقتد، والثالث لا يُفلِح»
«إن النظر في الكتاب عِبادة». ما أعطي الإِنسَانُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ: الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، والنِّسَانُ الذَّاكِرُ ... »
در أن خير
18
JA ...
18
138
330
280
73
63
125
40
16
16
226
.
«إن طالب العلم تمسحه الملائكة بأجنحتها، ويستغفر له كُلّ رطب ويابس حتّى ... »
«إن للعلم خزائن، ومفاتيح الخزائن السؤال». «إن مِدادَ العلماء يُوزن بدم الشهداء يوم القيامة» «إن من توضأ وأسبغ الوضوء، تَناثرت عنه الخطايا كما يتناثر الورق من الشجر ... . «أن من صلى العشاء الآخرة والفجر في جماعة ونام لَيْلَه، أفضل مِمَّن قَامَ ... ». «إن من قلم أظفاره أربعينَ خَميسا لم يُصبه الفَقرُ». «إِنَّهُ يَستغفر له كُلِّ شَيْءٍ سَمع صوتَه مِن شَجَر وحَجَر» «باب يتعلمه الرجلُ من العلم خَيْرٌ لَه من الدنيا وما فيها». تُردُّ عَليَّ رُوحي، لأَرُدَّ السَّلامَ عَلَى مَن سلَّم عَلَيَّ»
16
62
97
23
67
177 (1/416)
صفحة 417
417
الدلائل على اللوازم والوسائل
جُلُوسُ سَاعَةٍ عِندَ العُلَمَاءِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِن عِبَادَة أَلف سنة لا يُعصى الله فيهَا طَرفَةً ... ». صلَاةِ الْجَمَاعَةِ تَزيد في الفضلِ عَلَى صَلَاةِ الْمُنفردِ بخمس وعشرين.
طلب العلم فريضة عَلَى كُلِّ مُسلِم ومُسلِمَة».
فِي آخِرِ الزَّمَانِ خَيْرُ أولادِكُم البَنَاتُ، وخَيْرُ نِسائِكُم العقرُ».
كُل مسكر حرام».
لا ضرر ولا ضرار في الإسلام»
«لا طاعةَ لِمَخْلُوقِ فِي مَعصِيةِ الْخَالِقِ»
«لا وصية توارث»
«لا يُدرك العلم من لا يُطِيلُ دَرسَه، وَلَا يَكدُّ نَفسه»
«لا يُكرم المرء بما يكره».
لكل ركعة بمائة وخمسين صَلاة.
صلاة»
«ما انتقل عبد قَطُّ، وَلَا تَخفّف، وَلا لبس ثوبا ليغدو في طلب العلم إلا غفر الله له ... ».
«ما زَالَ العَبدُ بِخَيْرِ مَا لَم يُخَدَم»
«ما
مين
« ..
عبدٍ مُؤْمِنٍ مَرَّ بِمَسجدٍ مِن مَسَاجِدِ اللهِ، فصلّى لِلهِ تعالى فيه ركعتين فَرِيضَة .. «مثلُ العالم الذي يُعلم الناس ما يلزمهم في دينهم، يُريد به وجه الله كَمَثَل الشمس ... ». مَلعُونٌ مَنْ آذَى الْمُسلِمِينَ فِي طُرقَاتِهم».
«من أصبح جُنْبًا أَصبَح مُفطِرًا».
«مَنْ تَعَلَّمَ الْعِلْمِ لِلَّهِ وَ وَعَمِلَ بِهِ حَشَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ آمِنًا، ويُرْزَقُ الوُرُودَ عَلَى الْحَوْضِ».
«مَن حجَّ ولَم يَزْرنِي، فقد جَفانِي».
حيا»
«مَن زارني ميتا، كَمَن زارني من صامَ عَن الْحَلالِ، وأفطَرَ عَلَى الْحَرامِ، فَهُو كَمَن يَنِي قَصرًا، وَيَهْدِم مِصرًا» «من طلب الدنيا بِعَمَلِ الآخِرَةِ نَكِّس اللهُ قَلَبَه، وَجَعَلَ اسْمَه من أهل النار» «وَلا تَعصِ الله في أولاد، سواء إذا حَضَركَ الْمَوتُ غَابُوا، وَلَا حَزَنُوا بِمَا أُصيبوا ... » يعطى الأجير أجرته قبل أن يُحفٌ عرفه»
19
98
242
196
359
209
380
19
213
91.
160
210
339
19
327
122
14
177
177
146
JA ..
29
351 (1/417)
صفحة 418
418
378
72
387
TVA ....
EIA ...
413
Y.
413
388
Y ..
413
413
الدلائل على اللوازم والوسائل
فهرس الأبيات الشعرية
أتيت بلفظ يا ابن جُمعَة مُعجب ووعظ في كتاب الدلائـ
ــك
ــل
إِذَا مَا كُنتَ مُتَّخِذَا وَصِيَّا فَكُن فِيمَا مَلَكَتَ وَصِيَ نَفْسِ استغفر الله ذنباً لست محصيه رَبِّ العبادِ إليه الوجه والعمـ إن كُنتَ تَجْمَعُ لِلعِيَالِ فَإِنَّهُم لَيْسُوا إِذَا فَارَقتَهُم بعيال جمعت به للطالبين مسائلا لدينهم من لازم أو وسائل سَتَحصُد مَا زَرعتَ غَدًا وَتَجنِي إِذا وَضَعَ الْحِسَابُ ثِمَارِ غَرِيك فذنبي بتَقصِيرِي ومَا جِئتُ مَادِحًا يشعرِي وَلَكِن جِئتُ أَسأَلُ أَن تَعفُو. فللهِ مِن حَبرٍ تَقي مُهذَّب أبي ولي حاز أسنَى الفضائ فمَا قَضَى أَحَدٌ مِنها لِبَانَتُه وَلَا انتَهَى أَرَبِّ إِلَّا أَتَى أَرَب فَمَنْ كَانَ ذَا عُذر إليكَ وَحُجة فَعُذرِي إِقرارِي بأَن لَيْسَ لِي عُذر فهذا وصلى الله في كُلِّ سَاعة على خاتم الرسل الكِرامِ الأَوَائل فآمن روعَتِي يَوم القدوم أَنتَ فِيهَا ة التي
s
قَدِمتُ إِلَيكَ يَا رَبِّ البَرَايَا مَا مَضَى فَاتَ، وَالْمُؤْمَلُ غَيبٌ ولكَ السَّاعَةُ الـ محمد الهادي النبي وآله وأصحابه الناهين عن كُلّ باطل ومَا قَدَّمتُ بَينَ يَدي زاداً وَلَكنِّي قَدِمتُ عَلَى كَريـ ومَا لِي لا أَخَافُ وَلِي ذُنوب قَدمْتُ بِهَا عَلَى الْمَلِكِ
ظيم (1/418)
صفحة 419
ابن بركة، أبو محمد. أبو بكر الصديق.
أبو نواس
أحمد
بن
عبد
سعيد البوسعيدي
آدم الكلية.
أصحاب الكهف أهل عمان
الله
فهرس الأعلام
الدلائل على اللوازم والوسائل
170
178
419
A ...
46
26
180،162،155 .
60
600
11 E CA ..
1.
1.
178 ،141000
7.
26
A ..
A ..
40،26
10،9
1008
110
110
راشد بن مُحَمَّد بن سالم بن. خلف
بن
سليمان
بن غسان ... المعولي الحبراوي
14، 360، 3869،51،8،
سالم بن حمد الحارثي
سعيد
حمدان بن
بن أحمد التوبي الريامي.
سعيد بن يحيى بن خلفان بن أبي نبهان الخروصي
سيف
سلطان
بن بن سيف اليعربي.
صالح بن سعيد الزاملي.
طالب الضامري
الله عبد
بن حميد بن يوسف بن سالم بن مُحَمَّد بن علي ... الخروصي
عبد الله سلطان بن،
راشد المحروقي .. بن
عمر بن الْخَطَّاب، أبو حقص.
عيسي بن راشد بن سعيد بن رجب الحارثي
فرعون
مُحَمَّد بن أحمد البوسعيدي
مسعود بن رمضان النبهاني.
أبي صفرة. المهلب بن أ
موسي
العليا
ناصر بن مرشد
فهرس البلدان
أدم. صحار
نزوى.
عُمان (1/419)
صفحة 420
الدلائل على اللوازم والوسائل
1
02
{
05
7
7
A
فهرس المصادر والمراجع
420
إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان: سيف بن حمود بن حامد البطاشي (1421 هـ نشر مكتبة السيد محمد البوسعيدي، 1419 هـ / 1998 م، سلطنة عمان. إرشاد الإخوان في معرفة الزراعة بعمان: بدر بن سالم بن هلال العبري، 1992 م، مطابع النهضة،
سلطنة عمان.
أعلام عمان: يوسف الشاروني، رياض الريس للكتب والنشر، 1990 م، لندن. جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام أبو محمد عبد الله بن حميد السالمي (1333 هـ / 1914 م)، نشر أحفاد المؤلف، ط 12، 1413 هـ / 1993 م، المطابع الذهبية، سلطنة عمان. حروف عمانية مضيئة: سليمان بن علي بن سالم العبري، ط 1، 1422 - 2002، مط النهضة، نشر مكتبة الاستقامة.
ديوان ابن مطروح ابن مطروح يحيى بن عيسى بن إبراهيم جمال الدين، تحقيق: حسين نصار، مطبعة دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة، 2004.
عمان ونهضتها الحديثة سير دونالدهولي، مؤسسة ستايسي، الدولية، لندن ترجمة عبد الله الحراصي
وغيره.
القاموس المحيط: الفيروز آبادي أبو طاهر محمد، مطبعة دار السعادة د. ت.
قراءات في فكر العوتبي المنتدى الأدبي، عمان، 1998 م
10. كتاب الجامع ابن بركة، أبو محمد عبد الله. بن محمد بن بركة البهلوي العماني (ق: 4 هـ / 10 م)،
تحقيق و تعليق عيسي
بن يحي الباروني، مسقط، وزارة التراث، الطبعة
الثانية، 1394 هـ / 1974 م.
11. كتاب العين: أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفراهيدي، (100 - 175 هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، ط 1، 1421 هـ / 2001 م.
12. كتاب الوضع مختصر في الأصول والفقه الجناوني، أبو زكريا يحيى بن أبي الخير، نشره وعلق عليه
أبو إسحاق إبراهيم اطفيش ط 1، دار بو سلامة للطباعة والنشر، تونس.
13. كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على السنة الناس: إسماعيل مُحَمَّد العجلوني الجراحي (ت: 1162 هـ)، ط 3/ 1408 هـ - 1988 م، دار الكتب العلمية، بيروت. (1/420)
صفحة 421
الدلائل على اللوازم والوسائل
14. كتر العمال في سنن الأقوال والأفعال علاء الدين بن علي المتقي بن حسام الدين الهندي (ت: 975 هـ)، ضبط وتصحيح بكري حجاني صفوة السقا، مؤسسة الرسالة بيروت، 1413 هـ /
1993 م. 15. لسان العرب: ابن منظور أبو الفضل جمال الدين محمد بن مکرم، ط 2 دار صادر بيروت د. ت. 16. معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال: تحقيق: محمد محمود إسماعيل، مطابع سجل العرب، نشر وزارة التراث القومي والثقافة عمان، 1403 هـ / 1983 م.
17
18
معجم أعلام المشرق، إشراف الدكتور مُحَمَّد صالح ناصر، (نسخة تجريبية). المصطلحات الفقهية: د/ محمود عبد الرحمن عبد المنعم دار الفضيلة، القاهرة، 1999 م. معجم 19. معجم مقاييس اللغة أحمد بن فارس بن زكريا، أبو الحسين (ت: 395 هـ)، تحقيق: عبد السلام مُحَمَّد هارون، دار الجيل د. ط. ن).
20. المفردات في غريب القُرآن: الراغب الأصفهاني، أبو القاسم الحسين بن مُحَمَّد (502 هـ)، ضبطه
وتحقيق مُحَمَّد خليل عيتاني، 35/ 1422 هـ - 2001 م، دار المعرفة، بيروت لبنان.
21. موسوعة المورد، ج 1.
22. النخيل في سلطنة عمان محمود بن عبد النبي مكي ومحمد حافظ عثمان، ديوان البلاط السلطاني، المديرية العامة للزراعة والبيطرة، ط 1 1991 م، مطبعة مزون، سلطنة عمان.
23. نزوى عبر الأيام معالم وأعلام ناصر بن منصور الفارسي، نادي نزوى، 1415 هـ / 1994 م، مطابع النهضة، سلطنة عمان. (1/421)
صفحة 422
الدلائل على اللوازم والوسائل
مقدمة التحقيق.
تقديري
المحتويات
مقدمة المؤلف.
?.
13
الباب الأول: في طلب العلم وفنونه، والحث عليه الباب الثاني: في الختان وما يتعلق به من طهارة البدن، ونتف الإبطين، وحلق العانة،
وتقليم الأظافر، وقص الشارب، وما يتعلق به، ومَا يُستَحَبُّ مِن ذَلِكَ
الباب الثالث: في توحيد الله تَعَالَى، ونفي مالا يجوز عَلَيه أسمائه وصفاته وتفسيرها، وما يَجُوز مِنها وما لا يَجُوز.
فصل: في أسماء الله تَعَالَى ومعانيها].
21
من الصفات، وذكر بعض
25
32
الباب الرابع: في الولاية والبراءة، وما يتعلق بها من الإيمان والإسلام، وغير ذلك من
صفة الإيمان بالقدر، وما أشبه ذَلِكَ لِمن طلب مَعرِفَة ذَلِكَ.
فصل: [في جملة الإيمان والإسلام وما يتعلق بهما] الباب الخامس: في النجاسات والطهارات، وما يَتَعَلَّقُ بمعناها من ذَلِكَ. فضل: [في آداب قضاء الحاجة والاستنجاء].
41
45
49
فصل: [في كيفية الغسل]
[صفة التيمم].
البالي السادس: في الوضوء، وصفته، وما يقال فيه، وما ينقضه، وما لا ينقضه
فصل: [فيه تنبيهات في الوضوء].
فضل: [في نواقض الوضوء]
56
58
7 ......
62
63 (1/422)
صفحة 423
الدلائل على اللوازم والوسائل
الباب السابع: في ذكر الأذان للصلوات، ومعرفة أوقاتها، وفي ذكر النية لها، والإقامة والتوجيه، وتكبيرة الإحرام، والقراءة، والركوع والسجود وغير ذلك، وما يُقال فيها،
وتفسير معاني ذَلِكَ.
[شروط الصلاة]
فصل: في صفة أوقات الصلوات والأذان للصلاة.
67
68
71
72
73
74
76
77
78
79
80
90
94
90
97
102
1.2
1.7
107
110
فصل: في النية
فصل: [في التوجيه ومعانيه].
فصل: [في وظائف الصَّلاة].
فصل: في التكبير وفاتحة الكتاب].
فصل: في الركوع.
فصل: في صفة السجود
فضل: في القعود.
معاني كلمات التحيات]
ما تفعله بعد قضاء الصَّلاة]
الباب الثامن: فيما ينقض الصَّلاة، وما لا ينقضها من فعل الإنسان وغيره.
فصل: في البدل ..
فصل: في السهو
الناري التاسع: في صَلاة الجماعة وصفتها، والحث عليها، وغير ذلك فصل: في الدخول في صَلَاةِ الْجَمَاعَة
النا العاشر: في صَلاة الْمَرِيض، وصفتها لِمَن ابتلي بذلك.
فصل: [في صفة صلاة المريض].
النا الحادي عشر: في صفة صلاة السفر، وصفة الفرسخ
الباب الثاني عشر: في صفة صلاة الجمعة .......... (1/423)
صفحة 424
الدلائل على اللوازم والوسائل
424
النا الثالث عشر: في لزوم، البدل والكفارات وصفة إنفاذ الكفارات
عن الصلوات
....
الباب الرابع عشر: في ذكر غُسل الميت
الباب الخامس عشر: في صفة الصَّلاةِ عَلَى الْمَيِّت
النا السادس عشر: في ذكر صلاة كسوف الشمس، وخُسوف القمر.
113
117
119
121
الباب السابع عشر: في صفة أداء الزكاة من ثمار، ونقود، وماشية، والحث
على ذلِكَ.
فَصْل: في زكاةِ النُّقُودِ
الباب الثامن عشر في صفة زكاة الماشية، ومن كم تؤخذ من الغنم ..
:
فصل: في زكاة الإبل.
فصل: في زكاة البقر
123
130
134
134
135
136
فصل: في تسليم الزكاة.
فَصْل: فِيمَا يُؤمَر به القابض.
137
النا التاسع عشر في ذكر صوم شهر رمضان وما ينقضه، وما لا ينقضه، وذكر
صلاة التراويح والسحر.
فصل: في الفِطرة وإخراجها.
النا العشرون: في ذكر صلاة العيدين.
138
147
148
ال الحادي والعشرون: فِي صِفَةِ لُزُومِ الْحَجِّ، وَمَعرِفَة أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَصِفَةُ الإحرام،
وما يجب على الْمُحرِم، وَغَيرِ ذَلِك مِن شُرُوطِه.
152
الباب الثاني والعشرون: في صفةٍ فَرائض الْحَجِّ ومَا يَلزَمُ الْمُحرِم مِن قَطع
الشَّجرِ وغيره. [حكم المرأة الحائض]
فصل: [في المسائل المتعلقة بالحج] فصل: [في الفدية] ..
172
174
170
176 (1/424)
صفحة 425
425:
البالي الثالث والعشرون: في زيارة قبرِ النَّبِي. الباب الرابع والعشرون: في صفةِ الذُّباح وأحكام
البابلي الخامس والعشرون: في الأيْمَان، وصفَاتِها، وكفاراتها.
النا السادس والعشرون: في ذكر صفة النذور، وما أشبه ذلِكَ
الدلائل على اللوازم والوسائل
177
180
181
1^8
فصل: في الاعتكاف ..
فَصْل: فِي الْهَدي.
110
110
النا السابع والعشرون: فِيمَا يُستحَبُّ لِلإنسان، وفي ذكرِ شَيْء من الْحَبائِث ... 192
فصل: [في الخبائث والتورع منها].
199
التالي الثامن والعشرون: [في الآداب والحقوق] في شَيْءٍ مِن صفة الأَدَب لِلإِنسَانِ،
وفِي نَومِه، ويَقظَتِه [الأدب بينك وبين الله].
فضل: [في الأدب بينك وبين نفسك].
وأما الأدبُ بَينَك وبَينَ النَّاس.
فصل: في حق الوَالِدَين.
فصل: في الأولاد
فَصْل: فِي الْمَمالِيك ..
فَصْل: فِي صِلَةِ الأَرحَامِ
فَصْل: فِي صِلَة الْجِيرَانِ
فصل: في الأمرِ بِالْمَعْرُوفِ والنَّهِي عَنِ الْمُنكَر
فصل: في التَّصبر فيما يُصيب الإنسان فِي مَالِهِ ووَلَدِه مِن الأَمرَاضِ.
201
201
202
200
207
209
210
213
214
210
218
.....
الباب التاسع والعشرون: في ذِكرِ شَيءٍ مِن الزَّواج، ومَا يَحْرُمُ مِن النِّساءِ وَمَا يُستَحِبُّ
من ذَلِكَ
البلاي الثلاثون: في ذكر شَيءٍ مِن حُقوقِ الأَزوَاجِ والزَّوجَاتِ.
222
231
البا الحادي والثلاثون: فِي شَيْءٍ مِن صِفَةِ الْحَيضِ وَمَا يَجُوز مِنْهُ وَفِيه ......... 237 (1/425)
صفحة 426
الدلائل على اللوازم والوسائل
الباب الثاني والثلاثون: فِي شَيْءٍ مِن صِفَةِ الولادة، ومن أحكام النفاس
وَمَا يَجبُ فِيه.
242
الباب الثالث والثلاثون: شَيْءٌ مِن ذِكرِ حقُوقِ الزَّوجَيْنِ عَلَى بَعضِهِما بَعضٍ، وَمَا
يُؤْمَرَان
به.
YET .....
الباب الرابع والثلاثون في شَيءٍ مِن صِفَةِ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ، وَمَا يَجُوزُ مِنْهُ،
وَمَا لا يَجُوزُ.
فصل: [في طلاق البدعة، وصيغه] فصل: في طلاق الْحِكَايَةِ [وغيره] فَصْل فِي الْخَاطِر.
فصل: في طلاق التصريح والكناية
فصل: بعض أنواع الطلاق].
248
250
255
256
258
الباب الخامس والثلاثون: فِي شَيء من صفة الإيلاءِ وَالظُّهَارِ.
فَصْل: فِي الظُّهَارِ.
فَصْل فِي طَلاق الخيار
الباب السادس والثلاثون: فِي الْخُلعِ.
ال السابع والثلاثون في صفَةِ شَيْءٍ مِن رَدَّ الزَّوجَاتِ، وَالعِدَّةِ
فصل: في العِدَّةِ ..
فَصْل: فِي عِدَّةِ الْمَرْأَةِ الْمُمِيتَة.
260
262
264
266
269
270
272
ال الثامن والثلاثون في ذكر شَيءٍ مِن طَلَبِ الرِّزْقِ، وَالإجازاتِ، والْحِرَفِ ... 274
الباب التاسع والثلاثون: في البيوع النا الأربعون: فِي شَيْءٍ مِن ذِكرِ الرِّبا، أو الْمَجهول وما أشبهه. ال الحادي والأربعون: في ذِكرِ شَيْءٍ مِن عُيوبِ مَا يُبَاعُ. الباب الثاني والأربعون: فِي ذِكرِ شَيْءٍ مِن الْمُصَارَبَةِ. الباب الثالث والأربعون: فِي شَيْءٍ مِن ذِكرِ السَّلفِ
280
285
287
289
292 (1/426)
صفحة 427
الدلائل على اللوازم والوسائل
ال الرابع والأربعون فِي الصَّمَانَات ومَا يَلزَمُ فِيه الضمان، ومَا لا يَلزَمُ، وَفي
الإدلال. مسائل الإدلال].
فصل: [في الاستحلال، والضمان].
الب الخامس والأربعون في اللقطة، وما جاء فيها. النا السادس والأربعون في الضَّالَّةِ
الباب السابع والأربعون: فِي الأَمانَةِ، ومَا يَجب فيها فصل: [في الوديعة].
290
2970000
299
304
310
311
313
النا الثامن والأربعون: فِي العَارِيَةِ، ومَا يَجُوز فيها، وما لا يَجُوز، ومَا يَلْزَمَ فِيهَا .. 314
316
..
3210000000
324
...
البالي التاسع والأربعون: في أحكام التَّعدِّي، والغَصب، ومَا يَلزمُ فِي ذَلِك النا الخمسون في حنّايَةِ الصَّبْيَانِ والعَبيد، وما يلزم العَاقِلَة، وما لا يلزم البا الحادي والخمسون: فِيمَا يَلزَمُ فِي أَحدَاثِ الدَّوَابِّ، وما لا يلزم فيها الباب الثاني والخمسون في الطُّرُقِ، والإحدَاثِ فِيهَا، وَمَا يَلزَمُ مَن أَحدَثَ فِيها .. 327: الناي الثالث والخمسون في الإحدَاثِ فِي الأَودِيَة، ومَا يَجُوز مِن ذَلِك،
وما لا يجوز. فصل: [في الأودية المارة بالبلدان]
328
329
التالي الرابع والخمسون في القِيَامِ بِالأيتام، ومَا يَجوزُ من ذلك، وما يلزم ...... 331 النا الخامس والخمسون: فِي القِيَامِ بِالْمَسَاجِد، وما يجوز من ذلك، ومَا لا يَجُوز
335
343
النا السادس والخمسون: فِي شَيْءٍ مِن ذِكرِ الرُّمومِ .. النادي السابع والخمسون في ذكر شيء من أحكام الأنهار، وما يجوز فيها، وما لا
يَحُوز
345
التالي الثامن والخمسون في ذكر شيء من الإجارات والأكرية، وعمل الأموال، وذكر
أجرة الصانع، وغير ذلك ..
346 (1/427)
صفحة 428
4428
الدلائل على اللوازم والوسائل
352000
353
الباب التاسع والخمسون في ذكر شَيء مِمَّا نُهِيَ عَنه مِن الأُكْرِيَة وَالإِجَارَات النا الستون: في شَيء من عمل الأَرْض، وأكريتها، ومَا يُستَحبُّ مِن ذَلِكَ التالي الحادي والستون: في ذكرِ شَيء من صفَة قَسْمِ الأَمْوَالِ الْمَورُوثَةِ بَين الأيتام،
وَالأَغيَاب، والبلغ.
الالي الثاني والستون: في شيء من ذكر الشفعة.
.
355
359
ال الثالث والستون: في صفة شيء من الأحكامِ، وَمَا يَنبَغِي لِمَن ابْتَلِيَ بِها ... 364
فصل: في الدعاوى .........
الباب الرابع والستون: في شيء من صفة الوصايا، ومَا يُستَحبُّ
ويؤمر به
فَضْل: [فِي وَصِيَّة الأقربين]
374
ذلِكَ، من
377
385
الباب الخامس والستون: في شيء من صفة الْمِيرَاث، وقسمِ الْمَواريث
عَلَى الْوَارِث.
فصل: في ذوي الأرحام.
فصل: [في أصول الفرائض.
فصل: [في التوافق].
نبذة قليلة من ذكر الآخرة، والْحِساب، والْجَنَّةِ، وَالنَّار
النا السادس والستون: في ذكر التوفيق وَالْخُذلان، وشَيء من الدُّعَاء.
الفهارس الشاملة.
387
393
394
395
2.1
405
412
4180
419
819
420
422
فهرس الآيات. فهرس الأحاديث والآثار.
فهرس الأبيات.
فهرس الأعلام.
فهرس البلدان.
فهرس المصادر والمراجع.
المحتويات (1/428)
صفحة 429
[صفحة فارغة] (1/429)
صفحة 430
[صفحة فارغة] (1/430)
صفحة 431
[صفحة فارغة] (1/431)