صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: أصول الفقه
------------------------------------------
العنوان: الرائد أبحاث تأصيلية معاصرة في فقه الحج والعمرة مباحث وجوب الحج والعمرة
المؤلف: ماجد بن محمد بن سالم الكندي
الناشر: دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع
مكان النشر: بيروت - لبنان
تاريخ النشر: 1429ه/ 2008م
الطبعة: 1
عدد الأجزاء: 5
الإيداع القانوني: 2008/158
الكلمات الدالة: فقه الحج، أحكام الحج، مناسك الحج، فقه العمرة
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=2743&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/index.php/node/813
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100?، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 22 ذو القعدة 1446ه/ 20 - شهر 05 - 2025م. الرائد
أبحاث تأصيلية معاصرة في فقه الحج والعمرة
تأليف
ماجد بن محمد بن سالم الكندي
الجزء الأول
مباحث وجوب الحج والعمرة (1/1)
صفحة 2
الحمد لله حمدًا كثيرا مباركًا فيه والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه
ومن سار على نهجه واقتفى خطاه إلى يوم الدين.
أخي القارئ الكريم:
الله
دونك كتاب الرائد أبحاث تأصيلية معاصرة في فقه الحج والعمرة خمسة أجزاء) لي كتابته قبل خمسة عشر عامًا بعد أن كان دروسًا صوتية ألقيت في مسجد اللحمة بولاية بهلا سلطنة عمان، يسر الله البدء بها يوم كان عمري 25 سنة واستمرت الدروس زهاء عامين، فجاء بقدر ما يسر الله وأعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
من
الفضل الله مبتدأ ومنتهى ثم إني أحمد الله على أن شرفني بموجهين للخير، ودالين على المعروف وعلى رأسهم والداي ثم جدي وشيخي خليفة بن حمود اليعربي -رحمه الله-، ثم شيخي العلامة أحمد بن حمد الخليلي - متعنا الله بعافيته ثم شيخي العلامة سعيد بن مبروك
-متعنا الله بعافيته.
القنوبي ولست أنسى صحبة الخير وخلة المعروف الذين وقفوا معي وساندوني في هذا الإصدار وغيره ومنهم عمي الفاضل المهندس خميس بن سالم الكندي وأستاذي الفاضل د. خالد بن هلال العبري، وأستاذي الفاضل هلال بن حمد الريامي وأخي حافظ كتاب الله علي بن عامر الديهني، وأخي المبارك علي بن حمود المعدي، وأخي المبارك عيسى بن سليمان العلوي فجزاهم الله خيرا وبارك فيهم.
& الكندي
ماجد بن محمد بن سالم الكندي
22 من ذي القعدة 1444 هـ
2023/ 6/11 م (1/2)
صفحة 3
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف
الطبعة الأولى 1429 هـ / 2008 م
حقوق الطبع محفوظة ©، ولا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي
سابق من المؤلف.
HOCHOCHOCH
HOCHOCHOCH (1/3)
صفحة 4
الرائد
أبحاث تأصيلية معاصرة في فقه الحج والعمرة
تأليف
ماجد بن محمد بن سالم الكندي
الجزء الأول
مباحث وجوب الحج والعمرة
HOCHOCHOCH
HOCHOCHOCH
DOOOOO 000 0000 (1/4)
صفحة 5
بطاقة المؤلف
الاسم: ماجد بن محمد بن سالم الكندي
تاريخ الميلاد: 3/ 1/ 1979 م.
المؤهل العلمي: الإجازة العالية (بكالوريوس) في القضاء الشرعي
من معهد العلوم الشرعية بمسقط سلطنة عمان، وماجستير في الفقه وأصوله من جامعة آل البيت بالمملكة الأردنية الهاشمية.
الوظيفة باحث إسلامي بمكتب الإفتاء بسلطنة عمان.
النتاج العلمي: "المعاملات المالية والتطبيق المعاصر ج 1"، و"أسواق الأوراق المالية وضوابطها في النظر الفقهي"، و "جوابات ورسائل العلامة البطاشي جمع وترتيب ودراسة"، وعشر خطوات للحج المبرور"، و"رجوع حكم المستثنى على الجمل المتعاطفة قبله عند الأصوليين
وتطبيقاته الفقهية" (غير منشور).
HOCHOCHOCH
HOCHOCHOCH (1/5)
صفحة 6
م الله الرحمن الرحيم
رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِى (25) وَيَسَرْ لِي أَمْرِى (21) وَاحْلُلْ
28
عُقْدَةً مِّن لِسَانِي (23) يَفْقَهُوا قولي (مله: 25 - 28]
[طه:
HOCHOCHOCH
HOCHOCHOCH (1/6)
صفحة 7
الرائد
(v)
مقدمة
الحمد لله حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ، وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ،) يَتأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ
عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (2)، يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا (3) يُصْلِحْ ا
)
لَكُمْ أَعْمَلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا.
ثم أما بعد:
فهذا هو الإصدار الخامس من نتاج الحلقات العلمية التي تلقى ليلة
(1) سورة آل عمران الآية (102).
(2) سورة النساء، الآية (1).
(1) سورة الأحزاب، الآيات (70 - 71). (1/7)
صفحة 8
الرائد
(^)
السبت من كل أسبوع بمسجد اللحمة من بلدتي ومكان سكناي بهلا، وقد تقدم قبل هذا إصداران أولها "المعاملات المالية والتطبيق المعاصر ج 1" ثم أسواق الأوراق المالية وضوابطها في النظر الفقهي" وكلها مما من الله به علي.
وتقدم من نتاج الحلقات العلمية المذكورة كذلك كتاب "أخطاء لغوية شائعة"، للأستاذ خالد بن هلال بن ناصر العبري، وكتاب "وصايا نبوية" للأستاذ هلال بن حمد بن سعيد الريامي)
وقد حرصت في هذا النتاج الرائد - قدر الوسع والحال- على أن يكون ذا طابع علمي يحرر القضايا الشرعية على ما تقتضيه القواعد التأصيلية المنضبطة التي سار عليها أئمة الإسلام خلفا بعد سلف للوصول إلى الرأي الأقرب إلى الدليل، فلذا حوى تأصيلات فقهية وتخريجات حديثية وإشراقات وعظية لم يأل صاحبها جهدا في تحريرها وتقريرها على ما يرى نصيحة الله ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم.
ثم إن المقصد الأساس الذي قام عليه الكتاب هو بيان مناسك الحج التي يؤديها المسلم في هذا الزمان لذا ضربت صفحا عن ذكر ما ليس له صلة
(1) كانت تلقى شفاها قرينة الدرس الفقهي مشفوعة بأوراق فيها مجمل ما ألقي، وشاء الله أن تجتمع لتخرج في كتب يستفيد الناس منها، وتكون ذخرا لأصحابها يوم ا القيامة. (1/8)
صفحة 9
الرائد
(4)
بهذا الزمان من الأحكام إلا ما اضطرني إليه التأصيل لما هو واقع، ثم إن الكتاب قد التفت إلى ظروف هذا الزمان ومقتضياته وأثرها في الحكم الشرعي، كما عنيت هذه الدراسة بذكر كل ما استجد من أحكام الحج إلى وقت كتابتها على قدر ما يفتح الله وييسر ويتسع له جهد الكاتب.
ومنهج الكتاب قائم على الخلوص إلى الرأي الذي يسع المسلم العمل: ويقتضيه الدليل الشرعي؛ فإن الفقه إنما هو بيان الواسع للناس الذي يوصلهم إلى مرضاة ربهم وليس من الفقه في شيء الفقه في شيء التشديد العاري عن الدليل بل هو مما يتقنه كل أحد.
والكتاب جاء في عشرة فصول يحوي كل فصل مباحث، وفي المباحث
مطالب، وقد كان نسج الكتاب وفقا للمناهج التالية:
أولا: المنهج الاستقرائي، ويظهر في استقراء أمرين: نصوص الشارع في
القرآن والسنة، واستقراء ما دونه الفقهاء فيما يتعلق بهذا الموضوع.
ثانيا: المنهج المقارن، وذلك بمقارنة المذاهب الإسلامية المختلفة في مفردات مواضيع الحج، وسأحرص على أن تشمل المقارنة ما أستطيع من
المذاهب الفقهية.
ثالثا: المنهج التحليلي، وذلك بالنظر إلى الأقوال الفقهية المختلفة (1/9)
صفحة 10
الرائد
وتحليلها ببيان أدلتها وما أورد عليها ثم الخروج برأي يظهر رجحانه على غيره في نظر الباحث، وليس على الإنسان أن يقتنع الناس برأيه ولكن عليه أن يبين لهم ما يراه صوابا.
ثم إني ناسب الفضل لأهل الفضل فمن أخذت منه شيئا من العلم نسبته إليه موثقا ما أقول ما وجدت إلى ذلك سبيلا، وفي أحيان كثيرة أنقل ما أستفيده بنص العبارة لأمر مهم تقصر عبارتي عن تلخيصه أو قد يكون للتدليل وغير ذلك من المعاني التي تنقدح في ذهني.
كان تعاملي مع مصادر ثابتة الطبعات من أول البحث إلى آخره جعلت
لها آخر الكتاب موضعا لسردها، لكن - في أحيان قليلة- قد تحول
بيني
وما
اعتمدت من طبعات بعض الظروف كالسفر ونحوه فأعتمد طبعات أخر
أشير إليها في الهامش مقيدة بالطبعة غير الأصل، والأصل العام المعتمد أدعه
مطلقا
من
التقيد.
**
ثم إني اعتنيت بتخريج الأحاديث النبوية على ما تقتضيه قواعد الصنعة الحديثية؛ لأن الاحتجاج بالرواية مرهون بصحتها، وفي الصحيح الثابت غنية، وما يزيد على الإسلام، نقصان، وقد وضع علماء الإسلام قواعد راسخة متينة منضبطة عنيت بصحة الحرف فضلا عن الكلمة، تميز مقبول الرواية من (1/10)
صفحة 11
الرائد
(11)
مردودها، وسنعتمد في الرائد صحيح الرواية سندا ومتنا - على ما يظهر - في كل ما نحتج ونثبت به أمرا شرعيا.
وبعد مقدمتي هذه لست ناسيا لأهل الفضل فضلهم وكما قيل إن قصرت يداك عن رد الجميل فليطل لسانك بالشكر وليس شاكرا المولى من لم يشكر الناس، فشكرا ثم شكرا لكل من أعانني على سبيل من سبل الخير وكان سببا لخروج هذا الجهد المتواضع وجعله الله له من الخير متواصل
الأجر.
وإن كان ثمة من أخصه بشكري وخالص ثنائي فشريكة عمري ورفيقة دربي زوجتي أم حمزة جمعني الله بها في غرفات الجنان-؛ إذ ذللت لي الصعاب وكفتني الهموم ومسحت بأناملها الحانية عني غماء الكروب، فجزاها الله خير ما جازى زوجة تقية موفية، وأخيرا
لا تقل عن عمل ذا ناقص جئ بأوفى ثم قل ذا أكمل إن يغب عن عين سار قمر فحرام أن يلام المشعل
ماجد بن محمد بن سالم الكندي
سلطنة عمان ولاية بهلا
عشية الجمعة 27 من شهر ذي الحجة 1429 هـ (1/11)
صفحة 12
الرائد
ر 12
توطئة: تعريف الحج
الحج بفتح الحاء وكسرها لغتان قرئ بهما في السبع، وأكثر السبعة على الفتح، والحجة بالكسر المرة الواحدة من الحج وهو شاذ لوروده على خلاف القياس؛ لأن القياس في المرة الفتح في كل فعل ثلاثي كما أن القياس فيما يدل على الهيئة الكسر، يقال: فلان حاج، وجمعه حُج بالضم كبازل وبُزْل وحجاج، واسم الجمع منه حجيج.
وكانت كلمة الحج مستعملة عند العرب قبل نزول الأعراف الشرعية، ولها عندهم استعمالان:
الأول منهما قصد البيت العتيق وتأدية المناسك على ما كان معروفا
عندهم.
وثاني الاستعمالين الحقيقة اللغوية المعروفة للفظة الحج عندهم، فإنهم كانوا يستعملونها في حياتهم دون أن يكون لها اعتبار العرف الشرعي وهو القصد أو كثرة القصد يقال حجه يحجه حجا قصده، وحججت فلانا واعتمدته قصدته، ورجل محجوج أي مقصود.
(1) الداني، التيسير في القراءات السبع، ج 1، ص 90، والبغدادي، السبعة في القراآت، ص 214، والدمياطي، إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر، ج 1، ص 227. (1/12)
صفحة 13
الرائد
(13)
وقال جماعة: إنه القصد لمعظم، وقيل: هو كثرة القصد لمعظم، ويقال: حج إلينا فلان أي قدم، وقد حج بنو فلان فلانا أي أطالوا الاختلاف إليه، كما أن من استعمالات العرب لكلمة الحج أيضا استعمالهم إياها بمعنى سبر الشجة بالمحجاج للمعالجة، والمحجاج اسم للمسبار.
وحجه يحجه حجا فهو محجوج وحجيج إذا قدح بالحديد في العظم إذا
كان قد هشم حتى يتلطخ الدماغ بالدم فيقلع الجلدة التي جفت ثم يعالج
ذلك فيلتئم بجلد ويكون آمة.
وكذلك
حج
الشجة يحجها حجا إذا سبرها بالميل ليعالجها، والحج
الغلبة بالحجة، يقال: حجه يحجه حجا إذا غلبه على حجته (1
قال ابن فارس:
الحاء والجيم أصول أربعة، فالأول القصد، وكل قصد حج ... ثم اختص بهذا الاسم القصد إلى البيت الحرام للنسك، والحجيج: الحاج. قال: ذكرتك والحجيج لهم ضجيج بمكة والقلوب لها وجيب
(1) ابن منظور، لسان العرب، ج 3، ص 52، والأزهري، معجم تهذيب اللغة، ج 3،
ص 249، والفيومي، المصباح المنير، ج 1، ص 121، والزبيدي، تاج العروس، ج 5،
ص
463 (1/13)
صفحة 14
الرائد
(18)
ويقال لهم الحج أيضاً، قال: حج بأسفل ذي المجاز نزول
وفي أمثالهم: "لَجَّ فَحَجَّ"، ومن أمثالهم: "الحاج أَسْمَعْتَ"، وذلك إذا
أفشى السرّ، أي إنَّك إذا أسْمَعْت الحجاج فقد أسمعت الخلق اهـ.
وبعد نزول دين الله الإسلام ببعثة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم نقلت كثير من الأعراف اللغوية إلى معاني جديدة تتعلق بتشريعات الدين الإسلامي الخاتم. والحج بعد أن كان يفيد معنى القصد أضحى له معنى آخر إذ جعل حقيقة شرعية على عبادة يقصد صاحبها لأدائها مكة المكرمة فيؤدي عندها أعمالا مخصوصة بكيفيات مخصوصة وفي أزمنة مخصوصة حددها الشرع في
الكتاب والسنة.
وعبادة الحج تأتي وسطا بين عبادات الإسلام الأربع، وذلك لأنا نجد أن عبادتي الصلاة والصيام من الأعمال البدنية الخالصة، في حين أن عبادة الزكاة مالية خالصة.
أما الحج فتوسط بينهما فهو عبادة بدنية من حيث إن تأديتها تكون بالبدن بل إن من أفعالها ما يكون صلاة أو صياما.
وهي عبادة مالية من حيث إنها في مكان خاص دون غيره من بقاع الأرض لا بد من المال الكافي للوصول إليه فضلا عما فيها من الدماء والهدي (1/14)
صفحة 15
الرائد
(10)
التي يتكلفها مؤدي الحج.
والوصف السابق لعبادة الحج بأنها بدنية مالية هو المشهور، ولكن يظهر أن الشائبة البدنية في عبادة الحج هي المقصودة بالأصالة من التشريع دون المالية، وما المالية فيها إلا عرض يذهب ويجيء وليس هو المقصود بالأصالة. وذلك أن جانب المالية غير مطرد إذ قد لا يظهر في أحوال كثيرة فساكنو
الحرم لا يلزمهم من المالية شيء، أما الدماء والهدي فعوارض قد يتم الإنسان نسك الحج من غير أن يُلزم بشيء منها.
على أن مثل ذلك من العوارض قد يظهر في عبادتي الصلاة والصيام
الماء القادر على شرائه بثمن المثل ملزم بشرائه، وهذا جانب مالي في
فمعدم عبادة الصلاة.
ومن شروط صحة الصلاة اللباس الساتر ومعدم اللباس القادر على
،
6
شرائه بثمن المثل ملزم بشرائه عند الكثيرين وهذا جانب مالي لم يقل معه أحد بأن عبادة الصلاة مالية بدنية؛ لأنه عرض ليس هو المقصود بالأصالة في تشريع هذه العبادة، فيسقط اشتراطه عند عدم القدرة عليه، ويبقى أصل المراد شرعا –وهو العبادة البدنية - فلا تسقط عن كل من استطاعها ولو أخل
(1) ابن تيمية الفتاوى الكبرى، ج 4، ص 465، وابن حجر، فتح الباري، ج 4، ص 69. (1/15)
صفحة 16
الرائد
(17)
بكل شروط الصلاة من طهارة ملبس وبقعة وستر وتوجه للكعبة وغير
ذلك.
ومن لم يستطع السعي إلى الجمعة إلا براحلة يبذل في سبيلها مالا لا يعدو ثمن المثل يلزمه ذلك البذل للمال، ولم يقل أحد إن صلاة الجمعة بدنية مالية لأجل مثل هذا البذل وغير ذلك من الفروع في باب الصلاة والتي تكاد تربو على العد.
مع
وعبادة الصيام قد وقع الاتفاق على أنها عبادة بدنية خالصة، أنه قد يتعلق بها المال من جوانب كالإطعام في حال الكفارة لكن هذا التعلق المالي بعبادة الصيام لا يعدو كونه تعلقا عارضا لم يقم عليه أصل العبادة الذي هو قائم على طلب التزكية والتقوى كما صرح به قوله تعالى: {يَنأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.
وهذه التزكية تتحقق بالعمل البدني في هذا الجانب، لذا فإنه لما عدم بدن المكلف الاستطاعة على أداء هذه العبادة أسقط الشارع وجوبها رأسا أو إلى حين القدرة على أدائها لجني المقصد الأصلي كما هو الحال في المريض
(1) سورة البقرة، الآية (183)، و (لعل) في الآية لا يراد بها الترجي بل هي للتحقيق فهي بمنزلة قوله لتتقوا كما هو محرر في التفسير وعلى ذلك طائفة من الآيات الكريمة، وليس
هذا موضع تفصيل ذلك فليطلب من مظانه ابن هشام مغني اللبيب، ص 379. (1/16)
صفحة 17
الرائد
(17)
والمسافر.
عدم
ويظهر أن الشارع لم يلزم من لا يستطيع الصيام شيئا فإما الصيام وإما التكليف، وما ذهب إليه من ذهب بتكليف غير القادر على الصيام بسبب الكبر أو المرض المزمن بإطعام مسكين عن كل يوم لا يظهر رجحانه بل ظاهر الأدلة خلافه، وهو مقتضى كون هذه العبادة بدنية خالصة، وليس هذا موضع ذكره.
ومن السابق يتبين أن جانب المالية في الحج أمر غير مطرد فقد يجب الحج ويتعين على المكلف دون أن يبذل شيئا من المال في حياله، ولكن لا يجب الحج مطلقا على مكلف وبدنه غير قادر على
لذا فالمال عرض جاء لتحقيق وصول البدن إلى مكان أداء العبادة وليسه أداء العبادة
بمقصود بالأصالة ليكون لصيقا بالعبادة، فإذا ما تمكن البدن من دون حاجة إلى المال زال العرض.
ومما يدلك على أن المقصود بالأصالة في عبادة الحج تزكية البدن أن الشارع قد نص على مقاصده فيها بقوله:
الحَج أَشْهُرٌ مَّعْلُومَتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جدَالَ فِي الْحَقِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرِ يَعْلَمَهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى (1/17)
صفحة 18
الرائد
(1)
وَاتَّقُونِ يَتأُولِي الْأَلْبَبِ)
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَتٍ
صلے
فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ)
198
ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)
199
فَإِذَا قَضَيْتُم مِّنَسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكَرَكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا
فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَقٍ)
دو
وَمِنْهُم مِّن يَقُولُ رَبَّنَا وَاتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ أَوْلَتَبِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ)
وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ.
وهذه الأمور المنصوص عليها في الآيات الكريمات والمقصودة من مشروعية هذه العبادة من ذكر واستغفار وتسليم بأوامر الشارع في أمور لا تدري النفس لها حكمة أو فائدة متحققة والاعتبار بالآيات البينات مقام
قلے
(1) سورة البقرة، الآيات (198 - 203). (1/18)
صفحة 19
الرائد
(14)
إبراهيم الذي هو في عرصات الحج وغير ذلك لا يمكن أن يتحقق منها شيء إلا بالبدن الشخصي لكل مكلف، أما حج النائب فلا يقتضي جني ثمار هذه المقاصد المذكورة في الآية الكريمة.
وإخراج المال بالنيابة عن المكلف في الحج أمر قد يكون فيه طهرة للمخرج بنفس الإخراج لكن لا ينتفع هذا المخرج بالمقاصد الأصلية لعبادة الحج المذكورة في الآية الكريمة لذا قال من قال من الأئمة إن التصدق على الفقراء أو في سبيل من سبل الخير أولى من هذه الإنابة، وهذا أمر جلي ظاهر صوابه إذ إن ثمرة إخراج المال للإنابة مر ذكرها بأنها تنحصر في تزكية نفس المخرج فقط.
أما إخراجها في سبل الخير كالصدقة على الفقراء ففيها يتحقق المقصدان المشروعان من الزكاة الواجبة وهما تزكية نفس المزكي، وتحقيق مبدأ التكافل بين المسلمين بنفع الفقراء من هذا المال وشيوع الألفة والتراحم بين طبقات المجتمع المختلفة.
وهذان المقصدان اللذان تحققهما هذه الصدقة أولى من ذلك المقصد الفرد، لذا فقولهم عبادة مالية بدنية أمر ظاهر الإشكال؛ لأن صفة المالية كما (1/19)
صفحة 20
الرائد
(20)
تقدم ليست بلصيقة بالحج بل هي عرض فقط.
وسيكون لهذا التوجه كبير أثر فيما يستقبلنا من حديث عن الاستطاعة البدنية والمالية إذا ما عدم المكلف البدنية منهما دون المالية، أيلزمه أن ينيب عنه من يؤدي العبادة أو لا يلزمه ذلك، وسنرجئ الحديث عن ذلك إلى أن يؤون أوان الحديث عن حكم الإنابة إن شاء الله. (1/20)
صفحة 21
الفصل الأول: وجوب الحج، وفيه مباحث:
المبحث الأول: حكم الحج وحكمة مشروعيته
المبحث الثاني: وجوب الحج فوري أو يجوز فيه التراخي
المبحث الثالث: شروط وجوب الحج
المبحث الرابع: النيابة في الحج
المبحث الخامس: حكم تارك الحج (1/21)
صفحة 22
[صفحة فارغة] (1/22)
صفحة 23
الرائد
المبحث الأول: حكم الحج وحكمة مشروعيته
المطلب الأول: حكم الحج
عبادة الحج من أركان الإسلام الخمسة التي أوجب على الناس أداؤها
بعد تحقق شروط نيط الوجوب بها، وهذا أمر قد استقر عليه الإجماع من قبل
أما
الأمة كلها، وقد دل على الحكم السابق الكتاب العزيز والسنة المطهرة، الكتاب العزيز فيقول الله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ).
وهذا دليل بين على الوجوب من حيث الجملة، وقد أجمعت الأمة قاطبة عليه، وفوق الوجوب هو ركن من أركان الإسلام كما يفيد ذلك حديث عبد الله بن عمر {قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج،
وصوم رمضان (2).
(1) سورة آل عمران، جزء من الآية (97).
(2) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب: الإيمان (8). (1/23)
صفحة 24
الرائد
المطلب الثاني: حكمة مشروعية الحج
جاء الخطاب الإلهي للنفس البشرية على أفانين عدة ترسخ في مجملها مبدأ عبودية الإنسان الضعيف لربه العظيم، وقد جعل الله تعالى الأرض
مسرحا لتطبيق نظم هذه العبودية التي محلها الحياة الدنيا.
وبين -سبحانه- للعباد أنه قد أعد لمن أفلح في تحقيق العبودية على وفق
ما يقتضيه التشريع الإلهي ثوابا لا يشبهه ثواب وهو جنته التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر
(V)
أما المفرطون في امتثال الأوامر التي جاءت بها رسل الله تعالى فسينقلبون التكليف في الدنيا إلى مضيق جحيم أبدي لا ينتقلون عنه،
بعد مسرح ويستيقظون من غفلتهم ساعة رؤيته ولات ساعة مندم قال تعالى:
إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا: لِلطَّعِينَ مَتَابًا: لبِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا: لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا: إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقَا جَزَاءً وِفَاقًا إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (ج) وَكَذَّبُوا بِنَايَتِنَا كِذَّابًا * وَكُلٌّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَهُ
(1) أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة (3072)، ومسلم في كتاب: الجنة وصفة نعيمها (2824) من طريق سفيان حدثنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعا. (1/24)
صفحة 25
الرائد
25
كِتَبًا فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا.
والله تعالى بيَّن للعباد طريق الصواب الذي يسلكونه حتى يفلحوا
وينجحوا، وعزز هذه الهداية البيانية بأن أوجب أعمالا تزكو بها النفوس
وتتخلص من أثرتها البهيمية محلقة في عالم القدس.
وهذه الأعمال لم تكن راجعة إلى اختيار الناس واصطفائهم يأتونها إن
شاءوا ورغبوا بل هي واجبة لا يعد تاركها - بغير المسوغات الشرعية- مسلما مستحقا لنعيم الله الذي لا يشبهه نعيم.
والحكمة من هذا الأمر الرباني ظاهرة إذ لو تركت النفوس وما تهوى لأرداها هواها ولم تصخ للأوامر الإلهية مسمعا ومن هنا كان من الإيمان الحق أن تزكو النفوس لزاما بطاعات واجبة تحتمها حقيقة الإيمان، وما عدا من نوافل الأعمال ميدان فسيح رحب تتسابق فيه النفوس الزاكية لينال المجدون العلى من جنان الله تعالى.
ذاك
وعبادة حج بيت الله الحرام من العبادات الواجبة التي تمثل الحد الأدنى
رج
الواجب في تزكية النفوس وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا
(1) سورة النبأ، الآيات (21 - 30). (1/25)
صفحة 26
الرائد
(PT)
وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَلَمِينَ ().
وتزكيتها للنفس ظاهرة؛ إذ هي تعبدية محضة تعني الخضوع الأكمل لله تعالى مع كون النفس لا تدري العلة لكثير من فروعها فهي طواف حول حجر، وتقبيل حجر، وضرب حجر بحجر، ومبيت في العراء، والتزام بمواقيت محددة بطلوع شمس أو زوالها أو غروبها أو غروب قمر ولكن:
تعبدا علينا الامتثال ومالنا التنقير والجدال
المطلب الثالث: مرات وجوب الحج
الحج يختلف في وجوبه عن بقية أركان الإسلام إذ هو واجب على المسلم من حيث الأصل في العمر مرة واحدة فقط، وغيره من العبادات قد يلزم في اليوم الواحد خمس مرات كالصلاة، أو في كل عام مرة كما في الزكاة والصيام. وما استثني الحج من هذا الحكم إلا لمشقته البالغة التي تلحق الناس بتكرر وجوبه في العمر كما أفاد ذلك حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال: إن رسول الله الله صلى ذات يوم فجلس فقال: سلوني
عما شئتم، ولا يسألني أحد منكم عن شيء إلا أخبرته به.
(1) سورة آل عمران الآية (97) (1/26)
صفحة 27
الرائد
27
قال الأقرع بن حابس يا رسول الله: الحج واجب علينا في كل عام؟
فغضب رسول الله حتى احمرت وجنتاه وقال:
والذي نفسي بيده لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لم تفعلوا، ولو لم
تفعلوا لكفرتم، ولكن إذا نهيتكم عن شيء فانتهوا، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم".
وجاء الحديث بلفظ آخر عن سفيان بن حسين عن الزهري عن أبي
(1) سيأتي في مبحث حكم تارك الحج أن إطلاق لفظ الكفر على تارك الأمر الشرعي الواجب في لسان الشارع مع تحقق وصف الإيمان لا يراد به الكفر الملي المخرج من الإسلام لكنه مصطلح للشارع في نصوص الكتاب والسنة يطلقه على مرتكبي الكبائر مطلقا تنفيرا منها وتقبيحا لها، فالعلة للفظ الكفر كما يدل على ذلك الاستقراء- هو
ارتكاب الكبيرة.
ثم إن هذا الكفر الوارد في لسان الشارع منقسم قسمين كفر الشرك وهو المخرج من الملة الإسلامية وكفر نعمة أو كما يسميه آخرون كفر دون كفر، وهذا ليس بمخرج من الملة
بل صاحبه مسلم له حقوق المسلمين الدنيوية كما تدل على ذلك النصوص الشرعية. لكن يجتمع الكفران في أن كلا منهما موجب للخلود في نار جهنم إذا فارق صاحبه الحياة مقيما على سبب كفره ولم يتب توبة نصوحا منه سواء أكان سبب الكفر أكبر الكبائر الذي هو الشرك أو ما هو أقل من الشرك مما يصدق عليه أنه كبيرة من كبائر الذنوب.
(2) أخرجه الإمام الربيع في كتاب الحج، باب: في فرض الحج (394). (1/27)
صفحة 28
الرائد
28
سنان عن ابن عباس أن الأقرع بن حابس سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله الحج في كل سنة أو مرة واحدة؟ قال: بل مرة واحدة، فمن زاد فهو تطوع. ومع النصوص السابقة ذهب الصدوق من أئمة الشيعة الإمامية إلى وجوبه كل عام على أهل الجدة من المسلمين.
وتعقبه السيد الخوئي منهم بأنه قول شاذ مخالف للإجماع والسيرة بل الضرورة على أنه لو كان واجبا بأكثر من مرة واحدة في العمر لظهر وبان، وكيف يخفى وجوبه على المسلمين وهو من أركان الدين ومما بني عليه
الإسلام".
ونقلت بعض كتب الفقهاء أن هناك من قال إن الحج واجب كل عام بإطلاق، ومنهم من قال عن الحج واجب كل سنتين، ومنهم من قال إن الحج
(1) أخرجه بهذا اللفظ أبو داود في كتاب المناسك باب فرض الحج (1721)، وأخرجه النسائي في كتاب مناسك الحج، باب: وجوب الحج (2620)، وابن ماجه في كتاب:
:
المناسك، باب: فرض الحج (2286).
وصححه الحافظ ابن الملقن البدر المنير، ج 6، ص 8.
(2) الخوئي، الحج، ج 1، ص 14. (1/28)
صفحة 29
الرائد
(29)
واجب كل خمس من السنين).
ولم أجد لهذه الأقوال الأخيرة قائلا ولا دليلا تستند عليه فلا يشتغل بها بل هي معارضة للأدلة السابقة، ومنهم من يجعل من أدلتها حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال الله: إن عبدا صححت له جسمه ووسعت عليه في المعيشة يمضي عليه خمسة أعوام لا يفد إلي لمحروم. والحديث أخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث محمد بن إسحاق بن إبراهيم مولى ثقيف قال حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا خلف بن خليفة
(2)
عن العلاء بن المسيب عن أبيه عن أبي سعيد الخدري (2).
وذكر البيهقي في السنن الكبرى الخلاف في وصله ورفعه فقال: ورواه غيره عن خلف فقال عن النبي الله، وقيل عن العلاء عن يونس بن خباب عن
أبي سعيد، وقيل عنه موقوفا، وقيل مرسلا (3).
(1) ابن جماعة هداية السالك، ج 1، ص 324، والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 4، ص 142، والسبكي، الفتاوى، ج 1، ص 262، والحطاب، مواهب الجليل، ج 2،
ص 465.
(2) ابن حبان، صحيح ابن حبان، ج 9، ص 16.
(3) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 262. (1/29)
صفحة 30
الرائد
(r.)
أما الموقوف فأخرجه الحافظ عبدالرزاق في المصنف من حديث الثوري عن العلاء بن المسيب عن أبيه أو عن رجل عن أبي سعيد الخدري قال: يقول الرب تبارك وتعالى: إن عبدا وسعت عليه الرزق فلم يفد إلي في كل أربعة أعوام لمحروم.
قال الحافظ أبو القاسم الطبراني: لم يرفع هذا الحديث عن سفيان إلا عبدالرزاق).
وقال الدارقطني: يرويه العلاء بن المسيب واختلف عنه فرواه خلف بن خليفة عن العلاء بن المسيب عن أبيه عن أبي سعيد، وكذلك روي عن عبد
الرزاق عن الثوري عن العلاء بن المسيب عن أبيه.
وغيره يرويه عن الثوري عن العلاء بن المسيب من قوله، ورواه ابن فضيل عن العلاء بن المسيب عن يونس بن خباب عن أبي سعيد، وقال الأخنسي عن ابن فضيل عن العلاء عن يونس بن خباب عن مجاهد عن أبي
سعيد، ولا يصح منها شيء".
(1) عبدالرزاق، المصنف، ج 5، ص 13. (2) الطبراني، المعجم الأوسط، ج 1، ص 155.
(3) الدارقطني، العلل، ج 11، ص 310. (1/30)
صفحة 31
الرائد
(31)
وقال العلامة السبكي مضعفا هذا الحديث خلف بن خليفة ضعيف،
والمسيب كثير الغلط)، وقال العلامة القاضي ابن العربي: رواية هذا الحديث حرام فكيف إثبات حكم به (3).
كما جاء من حديث علي بن أحمد بن عبدان أنا أحمد بن عبيد ثنا جعفر بن محمد الفريابي ثنا أبو مروان هشام بن خالد الأزرق ح وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان أنا إسماعيل بن محمد الصفار ثنا محمد بن صالح الأنماطي ثنا هشام الدمشقي أنا الوليد بن مسلم عن صدقة بن يزيد عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله: إن عبدا أصححت جسمه وأوسعت
عليه في الرزق لا يفد إلي في كل خمسة أعوام مرة لمحروم.
وقد أخرجه البيهقي (3) ونص على ضعفه، وفي إسناده صدقة بن يزيد الخراساني ثم الشامي وهو ضعيف ليس بحجة في الرواية كما نص على ذلك
(1) السبكي، الفتاوى، ج 1، ص 262.
(2) ابن العربي، عارضة الأحوذي، ج 2، ص 246.
(3) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 262. (1/31)
صفحة 32
الرائد
جماعة، وجعل الذهبي هذا الحديث في الميزان من منكراته ").
ذلك ما قيل في الحديث من إعلال ولئن قيل بثبوته كما هو مذهب الحافظ ابن حبان فلا محيص من حمله على الندب وليس الوجوب للأدلة السابقة الصحيحة الناصة على أنه لا يجب إلا مرة واحدة في العمر.
وحمله على الوجوب نسخ للأدلة المصرحة بعدم الوجوب أكثر من مرة
في العمر، والنسخ لا يثبت بالاحتمال المجرد فضلا عن أنه حكي الإجماع على عدم وجوب الحج أكثر من مرة في العمر.
والقول بنسخه هو أيضا إن قدر كونه حجة - إبطال لنص شرعى بالاحتمال المجرد أيضا وذلك لا يصح، وعليه فليس ثمة من سبيل يوفق به بين الدليلين إلا حمله على الندب لعمارة البيت الحرام ولما في ذلك من عوائد الخير وفوائد الصلاح التي تعود على الحاج.
وهذا الوجوب في العمر مرة واحدة هو الوجوب بأصل الشرع، ولكن قد يتكرر وجوب الحج بأسباب أخرى كالنذر واليمين ويكون من الإثم تركه
(1) ابن حبان، المجروحين، ج 1، ص 374، والعقيلي الضعفاء، ج 2، ص 206، وابن
عدي، الكامل، ج 4، ص 77.
(2) الذهبي، ميزان الاعتدال، ج 3، ص 430. (1/32)
صفحة 33
الرائد
بعد تحققه فيكون الوجوب هنا بإيجاب المرء على نفسه لا بأصل الشرع قال ابن المنذر:
وأجمعوا على أن على المرء في عمره حجة واحدة حجة الإسلام، إلا أن
ينذر نذرا فيجب عليه الوفاء به (1).
وما ذلك إلا لأن الوفاء باليمين والنذر واجب إن كان في طاعة كما يدل
على ذلك حديث:
عائشة عن النبي الله قال: من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن
يعصيه فلا يعصه؛ فإنه لا نذر في معصية الله (2).
(1) ابن المنذر، الإجماع، ص 61 (161).
(2) أخرجه الإمام الربيع في كتاب الأيمان والنذور (658) وأخرجه دون "فإنه لا نذر في
معصية الله" الإمام البخاري في كتاب الأيمان والنذور، باب النذر في الطاعة (6318). (1/33)
صفحة 34
الرائد
توطئة
المبحث الثاني: وجوب الحج على الفور أو يجوز فيه التراخي
لم يختلف الناس في وجوب الحج بعد اكتمال شروطه من استطاعة وغيرها، وهكذا لم يختلفوا في كون الورع والاحتياط أن يؤتى به أول أوقات وجوبه، لكن اختلفوا أذلك الوجوب فوري لا يوسع لمكلف اجتمعت فيه شروط الوجوب في أشهر الحج على وجه يستطيع فيه الإتيان بهذه الشعيرة إلا أن يأتي بها في عامه ذاك ويكون آثما بالتفريط في عامه ذلك.
أو أن وقته موسع لا يأثم المكلف بتأخيره من عام إلى آخر ولكن الإثم
يناله إن خرج من الحياة ولم يؤده بعد اجتماع شروط الوجوب فيه. أو أن الحج يجوز فيه التراخي إلى سن الستين عاما وبعدها يتعين على المكلف الإتيان به في أول سني الإمكان).
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 40، والخليلي تمهيد قواعد الإيمان، ج 6، ص 235، والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 15، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 292، وعبد الوهاب البغدادي، الإشراف، ج 1، ص 459، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 24، والخوئي، الحج، ج 1، ص 16، والعيني، البناية، ج 4، ص 141.
(2) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 4، ص 145. (1/34)
صفحة 35
الرائد
(35)
أو أن الأمر كما قال بعضهم بأنه إن خشي بغلبة ظن ذهاب حال
الاستطاعة منه كمن خشي العضب) أو ذهاب المال فيجب عليه الأداء)،
خلاف بين أهل العلم.
قال الإمام السالمي -:
وإن يكن غير موقت العمل فواسع جهلكه إلى الأجل ما لم تكن معتقد التركه وقيل كالأول نظم سلكه وذاك مثل الحج والزكاة لأن وقت ذين للممات وقال في "بيان الشرع":
قال أصحابنا: لمن وجب الحج تأخيره في عمره كله أي وقت أتى به ولو تطاولت السنون أنه لا يكون عاصيا بذلك إذا أوقعه في حياته.
(1) العضب القطع، عضبه يعضبه عضبا، قطعه والمراد به من قطع من أسباب الاستطاعة
على الحج لمرض ونحوه.
ابن منظور، لسان العرب ج 1، ص 609، والزبيدي، تاج العروس، ج 3، ص 389.
(2) النووي، المجموع، ج 7، ص 70.
(3) مصطلح عند الإباضية يريدون به العلماء المنتمين للمذهب الإباضي.
(4) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 40. (1/35)
صفحة 36
الرائد
36
المطلب الأول: أدلة القائلين بالفورية
استدل القائلون بالفور بأن الأمر بالحج نفسه يحمل معنى الفور إذ الأصل في الأمر الفور، ثم إن جمعا من الأدلة الشرعية يستقى منها ذلك، فقد جاء في الحديث: من لم يمنعه عن الحج حاجة ظاهرة أو سلطان جائر، أو مرض حابس فمات ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا.
وجاء في الحديث أيضا: حجوا قبل أن لا تحجوا.
وقد فرض الحج السنة التاسعة أو العاشرة في قوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ)، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يؤخره بعد فرضه مما يدل على الفورية.
قال ابن القيم مبينا دليل ذلك:
فإن قيل: من أين لكم تأخير نزول فرضه من التاسعة أو العاشرة؟ قيل: لأن صدر سورة آل عمران نزل عام الوفود، وفيه قدم وفد نجران على رسول الله صلى الله عليه وسلم، و و وصالحهم على أداء الجزية، والجزية إنما نزلت عام تبوك سنة تسع، وفيها نزل صدر سورة آل عمران وناظر أهل الكتاب، ودعاهم إلى
(1) سورة آل عمران الآية (97) (1/36)
صفحة 37
الرائد
التوحيد والمباهلة.
ويدل عليه أن أهل مكة وجدوا في نفوسهم على ما فاتهم من التجارة من المشركين لما أنزل الله تعالى: يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا
يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا.
فأعاضهم الله تعالى من ذلك بالجزية، ونزول هذه الآيات والمناداة بها إنما كان في سنة تسع، وبعث الصديق يؤذن بذلك في مكة في مواسم الحج وأردفه
بعلي (2)
وقال هؤلاء: إنه لو سلم وجوب الحج قبل ذلك كان تأخير النبي صلى الله عليه وسلم
لعلة مانعة ولولاها لما تباطأ به المقام عن تأديته إلا في العاشرة.
وتلكم الأسباب هي آثار الشرك على العراص المطهرة لسيطرة مشركي مكة عليه فالأصنام بين جنبات البيت العتيق، وهناك من يطوف عاريا، فضلا عن سيطرة المشركين التي لا يستطيع معها بنو الإسلام إظهار شعائر التوحيد، فكان لذلك كله أثر كبير في تأخير النبي الأداء فرض الحج على
(1) سورة التوبة، الآية (28).
(2) ابن القيم، زاد المعاد، ج 2، ص 101. (1/37)
صفحة 38
الرائد
(38)
الفور.
ومنهم من قال إنه لو سلم أن الحج قد فرض قبل السنة التاسعة لما سلم بأن النبي لم يحج إلى ذلك الوقت إذ إنه لم يتأخر في أدائه بل قد حج قبل
ذلك وأسقط الفرض عن نفسه كما في حديث زيد بن حباب عن سفيان عن جعفر بن محمد عن، عن جابر بن عبد الله أن النبي حج
حجتين قبل أن يهاجر وحجة بعد ما هاجر ومعها عمرة.
ثلاث حجج
وهذا يعني أنه ما تأخر عن فور الواجب بل أدى النافلة لأنه قد أجاب
نداء إبراهيم حين قيل له وأذن في الناس).
ثم إن مما يدل على الفورية قول عمر بن الخطاب: هممت أن أبعث رجالا إلى أهل الأمصار فينظروا كل من كان له جدة ولم يحج فيضربوا عليه
الجزية ما هم بمسلمين ما هم بمسلمين.
(1) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 4، ص 143. (1/38)
صفحة 39
الرائد
(39)
المطلب الثاني: أدلة القائلين بالتراخي إلى الستين
ذهب ابن القاسم وسحنون من المالكية إلى حد جواز التراخي في أداء
الحج إلى سن الستين وبعدها يلزم الحج بالفور).
وقد ذهب ابن القاسم إلى ذلك لأن الموت أقرب إلى الإنسان بعدها فحتى لا يخرج من الحياة إلا وقد أدى الفرض الواجب يتعين عليه الفور، وقد استند للقول بذلك على حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغه ستين سنة (2).
ولا أعلم أحدا تابعهما على قولهما هذا، وهو متعقب بأن الحدود في مثل هذه لا تقبل إلا بنص من الشارع إذ هي من علم الغيب الذي لا يطلع عليه
البشر.
ثم إن استدلاله بالرواية غير سديد إذ الرواية واردة مورد الأغلب فلا مفهوم لها وإلا فكم هم الذين تخطفهم ريب المنون ولم يصلوا هذه السن بل ولم يقاربوها، وكم هم الذين امتدت أعمارهم حتى ربت على المئة عام.
(1) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 4، ص 145.
(2) أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق، باب من بلغ ستين سنة فقد أعذر الله إليه (6056). (1/39)
صفحة 40
به
الرائد
المطلب الثالث: أدلة القائلين بجواز التراخي
(3)
استدل القائلون بأن الحج يجوز فيه التراخي أن مطلق الأمر الذي ورد الخطاب الإلهي لم يقيد بزمن الفور بل بالأمر بالحج فقط مما يعني أن تقييده بالفور تحكم لم ينطق به الدليل الشرعي من حيث أصل الإطلاق إذ ما أراد الله من العباد أن يحجوا بيته وجوبا في العمر إلا مرة واحدة، ولم يحددها تعالى
بعام دون آخر قال الله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَلَمِينَ).
رج
ثم إن من أداه في السنة الثانية أو الثالثة كان مؤديا لا قاضيا باتفاق كما أنه لم يقل أحد بتفسيقه)، ولو كان واجبا على الفور وقد فات الفور فقد فات وقته فينبغي أن يكون قاضيا كما لو فات وقت الصلاة عن وقتها ومثل ذلك
الصيام ".
قال الحافظ ابن عبد البر:
(1) سورة آل عمران الآية (97).
(2) النووي، المجموع، ج 7، ص 74، والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن، 144، وابن عبد
البر، التمهيد، ج 16، ص 173.
(3) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 292. (1/40)
صفحة 41
الرائد
(EY)
ومن الدليل على جواز تأخير الحج إجماع العلماء على ترك تفسيق القادر على الحج إذا أخره العام والعامين ونحوهما، وأنه إذا حج بعد أعوام من حين استطاعته فقد أدى الحج الواجب عليه في وقته.
وليس عند الجميع كمن فاتته الصلاة حتى خرج وقتها فقضاها بعد
خروج وقتها ولا كمن فاته صيام رمضان لمرض أو سفر فقضاه ولا عمن أفسد حجه فلزمه قضاؤه.
فلما أجمعوا أنه لا يقال لمن بعد أعوام من وقت استطاعته أنت قاض لما كان وجب عليك ولم يأت بالحج وفي وقته علمنا أن وقت الحج موسع فيه وأنه على التأخير والتراخي لا على الفور".
والنبي صلى الله عليه وسلم قد أوضحت الأدلة التي جاءت عنه أن الحج واجب في العمر مرة واحدة، بل اشتد نكيره على من أراد أن يستفيد من الدليل الشرعي أنه بمجرد الأمر به يستفاد منه التكرار كما تقدم في حديث الأقرع بن حابس. ونص على أن ما بعد الواحدة تطوع إذ الأمر نفسه لا يعني إلا الحجة الواحدة والتكرار حكم زائد لا بد من أن يكون له دليل شرعي غير الأمر
المجرد.
(1) ابن عبد البر، التمهيد، ج 16، ص 173. (1/41)
صفحة 42
الرائد
(42)
أما ما استدل به القائلون بالفورية فأمران:
أولهما الأدلة النصية التي عدوها ناقلة للأمر من الامتثال المجرد إلى الامتثال الفوري بعد إمكانه فلا تصلح حجة شرعية؛ إذ إنها ضعيفة لا تصح عن النبي والحجة في الصحيح الثابت من الأحاديث فقط دون غيرها كما هو اتفاق علماء ملة التوحيد.
بيان ذلك أن حديث "فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا" جاء من طرق كلها غير خالية من الضعف.
فأولها الذي بلفظ الأصل جاء من طريق أبي أمامة الباهلي وقد أخرجه
البيهقي)، والروياني)، وابن الجوزي) من طريق شريك عن ليث عن ابن سابط عن أبي أمامة.
وهذا الإسناد ضعيف كما قال البيهقي بعد إخراجه، وقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح، وقال الذهبي: هذا منكر عن شريك.
(1) البيهقي، السنن الكبرى، ج 4، ص 334.
(2) الروياني، المسند، ج 2، ص 301.
(3) ابن الجوزي الموضوعات، ج 2، ص 121.
(4) الذهبي، ميزان الاعتدال، ج 5، ص 204. (1/42)
صفحة 43
الرائد
43
وقال المباركفوري:
وليث ضعيف، وشريك سيء الحفظ، وقد خالف سفيان الثوري فأرسله رواه أحمد في كتاب الإيمان له عن وكيع عن سفيان عن ليث عن ابن سابط). وجاء الحديث من طريق الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا وذلك أن الله يقول في كتابه "والله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا".
وقد أخرجه الترمذي من طريق محمد بن يحيى القطعي البصري حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا هلال بن عبد الله مولى ربيعة بن عمرو بن مسلم الباهلي حدثنا أبو إسحاق الهمداني عن الحارث عن علي مرفوعا).
وقد كفي الترمذي مؤونة هذه الرواية فقال بعد إخراجها:
هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وفي إسناده مقال،
وهلال بن عبد الله مجهول، والحارث يضعف في الحديث اهـ.
(1) المباركفوري، تحفة الأحوذي، ج 3، ص 457.
(2) أخرجه الترمذي في السنن كتاب الحج، باب ما جاء في التغليظ في ترك الحج (812). (1/43)
صفحة 44
الرائد
(EE)
وهلال بن عبدالله هذا هو الباهلي مولى ربيعة بن عمرو بن مسلم الباهلي، قال البخاري عنه: منكر الحديث وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالقوي عندهم، وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه، وقال الحربي: لا يعرف). أما الحارث فهو الحارث الأعور، وقد كذبه غير واحد".
وجاء الحديث من طريق أبي هريرة مرفوعا: من مات ولم يحج حجة الإسلام في غير وجع حابس أو حجة ظاهرة أو سلطان جائر فليمت أي الميتتين إما يهوديا أو نصرانيا، وقد أخرجه ابن عدي في الكامل في ترجمة عبدالرحمن بن القطامي وقال:
وعبد الرحمن بن القطامي له غير ما ذكرت من الحديث وليس بالكثير، وأبو المهزم الذي يروي عنه عبد الرحمن وعلي بن زيد وهما جميعا في عداد الضعفاء الذين ذكرتهم في كتابي هذا، ولعل إنكار هذه الأحاديث بعضه منهما
(1) العقيلي، الضعفاء، ج 4، ص 348، وابن عدي الكامل، ج 7، ص 120، والمزي، تهذيب الكمال، ج 30، ص 342.
(2) ابن أبي حاتم الجرح والتعديل، ج 3، ص 78، وابن حبان، المجروحين، ج 1، ص 222، وابن عدي الكامل، ج 2، ص 185. (1/44)
صفحة 45
الرائد
(20)
لا من عبد الرحمن).
وقال ابن الجوزي متعقبا هذا الحديث
أبو المهزم اسمه يزيد بن سفيان قال يحيى بن معين: ليس حديثه بشيء، وقال النسائي: متروك الحديث، وأما عبد الرحمن القطامي فقال عمرو بن
علي الفلاس كان كذابا، وقال ابن حبان: يجب تكذيب رواياته).
يصح
ونص على ضعف الحديث جماعة، قال العلامة ابن السبكي: ولا منها كلها شيء، وضعف هذه الأحاديث قد كفانا مئونة النظر في معانيها.
والحديث بذلك شديد الضعف مما يجعل من العسير جدا تقويته
بمجموع طرقه إذ لا يخلو طريق منها من كذاب.
وأما حديث "حجوا قبل أن لا تحجوا فليس بأحسن حالا من سابقه
فقد جاء من طريق الإمام علي مرفوعا أخرجه الحاكم، وابن عدي)،
(1) ابن عدي الكامل، ج 4، ص 312.
(2) ابن الجوزي، التحقيق، ج 2، ص 118. (3) السبكي، فتاوى السبكي، ج 1، ص 262.
(4) الحاكم، المستدرك، ج 1، ص 617. (5) ابن عدي الكامل، ج 2، ص 396. (1/45)
صفحة 46
الرائد
46
والفاكهي)، وفي إسناده حصين بن عمر، قال الحافظ ابن عدي:
ثنا العباس قال: سمعت يحيى يقول: حصين بن عمر ليس بشيء، حدثنا الجنيدي حدثنا البخاري قال:
حصين بن عمر أبو عمر الأحمسي عن مخارق وابن أبي خالد عنده مناكير ضعفه أحمد، كان قدم بغداد من الكوفة فسأل الناس سمعت بن حماد يقول: قال السعدي: حصين بن عمر الأحمسي يروي أحاديث ننكرها، وقال
النسائي فيما أخبرني ابن العباس عنه قال: حصين بن عمر كوفي ضعيف".
وجاء من طريق أبي هريرة أخرجه الدارقطني)، والبيهقي في الكبرى، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان)، والعقيلي في ا من طريق الفاكهي
6 (7)
وأعله بعبدالله بن عيسى الجندي وقال عنه مجهول، وأورده العقيلي في ترجمة
(1) الفاكهي، أخبار مكة، ج 1، ص 362.
(2) ابن عدي الكامل، ج 2، ص 396.
(3) الدارقطني، السنن، ج 2، ص 301. (4) البيهقي، السنن الكبرى، ج 4، ص 341. (5) أبو نعيم، تاريخ أصبهان، ج 2، ص 38 (6) العقيلي، الضعفاء ج 2، ص 286. (1/46)
صفحة 47
الرائد
(? v)
محمد بن أبي محمد) وأعله به فقال مجهول بالنقل ولا يتابع عليه ولا يعرف
إلا به.
وقال ابن حبان وهذا خبر باطل، وأبو محمد لا يدرى من هو
(3)
الذهبي: وهذا إسناد مظلم وخبر منكر (3).
(2)، وقال
وأما حديث أن النبي قد حج حجتين قبل ذلك فرواه الترمذي)
(4)
وتعقبه بما يوجب ضعفه إذ قال: هذا حديث غريب من حديث سفيان لا نعرفه إلا من حديث زيد بن حباب ورأيت عبد الله بن عبد الرحمن روى هذا الحديث في كتبه عن عبد الله بن أبي زياد.
قال - والكلام للترمذي -: وسألت محمدا عن هذا فلم يعرفه من حديث الثوري عن جعفر عن أبيه عن جابر عن النبي، ورأيته لم يعد هذا الحديث محفوظا، وقال: إنما يروى عن الثوري عن أبي إسحاق عن مجاهد مرسلا اهـ.
وأما الاستدلال بقول عمر بن الخطاب فمع كونه موقوفا في مسألة
(1) العقيلي، الضعفاء، ج 4، ص 135.
(2) ابن حبان، الثقات، ج 7، ص 401.
(3) الذهبي، ميزان الاعتدال، ج 4، ص 160.
(4) کتاب الحج، باب ما جاء كم حج النبي صلى الله عليه وسلم (815). (1/47)
صفحة 48
الرائد
(EA)
للاجتهاد فيها مسرح لم يثبت عن عمر بن الخطاب فإنه من رواية الحسن عنه
(1)
كما هو في رواية سعيد بن منصور)، والحسن مع تدليسه لم يلق عمر بن
الخطابه إذ ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب فروايته عنه مرسلة لا تصح".
وأما قولهم إن الأصل في الأمر الفورية وأنه ولو لم تثبت أوامر يستقى منها الفور فتكفي القاعدة العامة أن الأصل في الأمر الخالي من القرائن الفور
فمردود.
وذلك لأن لأهل الأصول خلافا في الأمر العاري من القرائن أيفيد وجوب الائتمار في أول أوقات الإمكان أو لا يفيده فيكون عاصيا بتأخيره، أو الوقف لعدم العلم بمدلوله، أو لأنه مشترك بينهما حتى يتبين بالقرائن أهو للفور أو يجوز فيه التراخي.
والأظهر من تلك الأقوال أن أصل الأمر لا يفيد غير إيقاع الفعل في أزمنة الجواز دون تعرض لفور ولا غيره إذ ليس" في لفظ قوله افعل دليل على صفة الفور والتعجيل فنقول قوله افعل صيغة موضوعة لطلب الفعل
(1) ابن عبد الهادي، التنقيح، ج 2، ص 359. (2) العلائي، جامع التحصيل، ص 162. (1/48)
صفحة 49
الرائد
(24)
ولا تقتضي إلا مجرد طلب الفعل من غير زيادة كسائر الصيغ الموضوعة للأشياء فإنها لا تفيد إلا ما وضع لها ولا يفيد زيادة عليها وأقرب ما يعتد
صيغة طلب الفعل في المستعمل بصيغة الخبر عن الفعل الماضي.
ثم لو أخبر عن فعل في الماضي لم يدل الخبر عن الفعل إلا على مجرد الفعل ويكون خبر الفاعل عن الفعل بعد فعله بمدة قرينة على وجه واحد كذلك هاهنا وهذا لأن قوله لغيره افعل ليس فيه تعرض للوقت بوجه ما وإنما هو مجرد طلب الفعل وليس فيه دليل على وقت متقدم وعلى وقت متأخر، ولا يجوز أن يدل اللفظ على ما لا يتعرض له اللفظ).
و مما يدلك على ذلك أيضا صحة تقييده بالفور والتراخي من غير تكرير ولا نقض كصحة تقييده بالمرة والمرات من غيرهما، ووروده مع الفور وعدمه فيجعله حقيقة في القدر المشترك وهو طلب الإتيان به دفعا للاشتراك والمجاز كما ورد بالتكرار والمرة وعدمهما وجعل حقيقة في القدر المشترك).
(1) ابن السمعاني، قواطع الأدلة، ج 1، ص 81.
(2) السالمي، طلعة الشمس، ج 1، ص 46، وابن السمعاني، قواطع الأدلة، ج 1، ص 75، والسبكي الإبهاج، ج 2، ص 59، والجويني، البرهان، ج 1، ص 174، والسرخسي، أصول السرخسي، ج 1، ص 29. (1/49)
صفحة 50
الرائد
( .. )
قال الإمام السالمي
وإنما قلنا إنه لا يقتضي فورا ولا تراخيا لأن كل واحد من هذين إنما يعلم بدليل غير الأمر، أما الأمر نفسه فلا يدل (إلا)) على طلب الفعل، فمهما أتى به المكلف عد ممتثلا سواء كان إتيانه له فورا أو متراخيا.
وذلك كالأمر بالزكاة والأمر بالحج فإن الأمر بهما غير مقيد بوقت يكون فعلهما بعده قضاء (أداء)) فمتى ما فعلها المكلف على الوجه المشروع أجزاه ويصير بذلك ممتثلا.
وأما استدلالهم بأن الحج قد فرض في العام الهجري التاسع أو العاشر
ولم يؤخره النبي مما يدل على الفورية فيجاب عنه بأمور منها:
أولا: إن ذلك ليس بدليل على الفورية إذ إننا نقول إن امتثال الأمر في أوله لا يماري أحد في حسنه وعلو منزلة فاعله، لكن التراخي في الامتثال جائز وليس هو بواجب، فعلى هذا يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد أتى بالفعل في أول
(1) زيادة يقتضيها السياق خلا منها الأصل المطبوع.
(2) زيادة وردت في الأصل المطبوع والظاهر أنها مقحمة إذ ليس المحل لها كما هو مقتضى السياق إلا أن يكون قد سقط قبلها حرف النفي فيكون السياق لا أداء.
(3) السالمي، طلعة الشمس، ج 1، ص 46. (1/50)
صفحة 51
الرائد
(51)
أوقاته ليكون له الأكمل من الامتثال والأجر كما هو اختيار رب العزة له.
ولا دليل يفيد أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى به في أول سني الوجوب لكونه مما يلزم
فيه الفور، بل قد يكون الأمر واقعة حال.
ثانيا: قولهم إن الحج فرض في التاسعة أو العاشرة عند نزول قوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ
الْعَالَمِينَ)
90
نقول في الجواب عنه: إنه ليس من البعيد أن يكون نزول هذه الآية في الوقت الذي قرره العلامة ابن القيم وإن كان هناك من أئمة التفسير من خالف ذلك وقال إن الآية نزلت في السنة الهجرية الثالثة عام أحد).
ولكننا ننازعه في أن وجوب الحج مستفاد من هذه الآية وحدها بل نقول إن الوجوب نفسه كان معروفا قبل التاسعة (3) في الخامسة أو السابعة كما يفيد
(1) سورة آل عمران الآية (97).
(2) ابن عبد البر، التمهيد ج 16، ص 173، والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 4،
ص 144.
(3) ولذلك تكون هذه الآية التي استدل بها ابن القيم تأكيدا للأمر الأول ولا يستفاد منها
ابتداء وجوب الحج. (1/51)
صفحة 52
الرائد
(OT)
ذلك خبر ذي العقيصتين ضمام بن ثعلبة إذ إنه أشار إلى وجوبه على الناس
وقت قدومه.
وما من شك أن الوجوب كان قبل قدوم ذي العقيصتين، وقدومه له
على النبي صلى الله عليه وسلم كان في السنة الخامسة كما هو معلوم عند أكثر أهل السير،
(2)
وقيل في سنة سبع (2).
وقال الواقدي إنه قدم عام الخندق أي في السنة الرابعة للهجرة، والأول أشهر، وقد جاء الحديث وفيه إثبات فرضية الحج، ونصه بطوله لتعدد فوائده من حديث كريب مولى عبد الله بن عباس عن عبد الله بن عباس قال: بعثت بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة وافدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدم عليه وأناخ بعيره على باب المسجد ثم عقله ثم دخل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في أصحابه، وكان ضمام رجلا جلدا أشعر ذا غريرتين فأقبل حتى وقف على رسول الله في أصحابه فقال: أيكم ابن عبد المطلب؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا ابن عبد المطلب، قال: محمد؟، قال: نعم، فقال: ابن عبد المطلب، إني سائلك ومغلظ في المسألة فلا تجدن في نفسك. قال: لا
(1) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 2، ص 373، وابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 266. (2) ابن عبد البر، التمهيد، ج 16، ص 167. (1/52)
صفحة 53
الرائد
(or)
أجد في نفسي فسل عما بدا لك.
قال: أنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك، الله بعثك إلينا رسولا؟ فقال: اللهم نعم قال: فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك الله أمرك أن تأمرنا أن نعبده وحده لا نشرك به شيئا، وأن نخلع هذه الأنداد التي كانت آباؤنا يعبدون معه؟
قال: اللهم نعم كائن بعدك الله أمرك أن نصلي هذه الصلوات الخمس، قال: اللهم نعم، قال: ثم جعل يذكر فرائض الإسلام فريضة فريضة الزكاة والصيام والحج وشرائع الإسلام كلها يناشده عند كل فريضة كما يناشده في التي قبلها حتى
قال: فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو
إذا فرغ قال:
فإني
أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن سيدنا محمدا رسول الله،
وسأؤدي هذه الفرائض وأجتنب ما نهيتني عنه ثم لا أزيد ولا أنقص.
قال: ثم انصرف راجعا إلى بعيره فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ولى: إن
يصدق ذو العقيصتين) يدخل الجنة.
(1) العقيصتان مثنى عقيصة وهي الخصلة من الشعر. (1/53)
صفحة 54
الرائد
(02)
قال: فأتى إلى بعيره فأطلق عقاله ثم خرج حتى قدم على قومه فاجتمعوا
إليه فكان أول ما تكلم به أن قال: بئست اللات والعزى، قالوا: مه يا ضمام اتق البرص والجذام، اتق الجنون.
قال: ويلكم إنهما والله لا يضران ولا ينفعان إن الله عز وجل قد بعث رسولا وأنزل عليه كتابا استنقذكم به مما كنتم فيه، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله إني قد جئتكم من عنده بما أمركم به ونهاكم عنه.
قال: فوالله ما أمسى من ذلك اليوم وفي حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلما قال: يقول ابن عباس: فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن
تعلية.
والحديث أخرجه بهذا التمام الإمام أحمد في المسند، وفي إسناده ابن إسحاق صاحب المغازي ولكنه صرح بالتحديث، كما أن الراوي عن كريب محمد بن الوليد بن نويفع قد أورده ابن حبان في الثقات، وقال الدارقطني:
يعتبر!
(1) أحمد بن حنبل، المسند، ج 1، ص 264.
(2) المزي، تهذيب الكمال، ج 17، ص 310. (1/54)
صفحة 55
الرائد
(0°)
ومع
ذلك فمحمد بن الوليد لم ينفرد به بل تابعه عليه سلمة بن كهيل)
عند أبي داود) إذ رواه عن محمد بن إسحاق عن سلمة بن كهيل ومحمد بن الوليد عن كريب، وبذلك يكون أقل أحوال السند الحسن وهو مما يحتج به،
وقد صححه الحاكم في المستدرك (3).
وجاء الحديث من طريق أبي هريرة مع ذكر الشاهد عند النسائي).
والطيالسي في المسنده)،، وصحح
هذه الطرق الحافظ ابن عبدالبر في التمهيد
وقال: في هذه الأحاديث كلها ذكر الحج وهي أحاديث ثابتة حسان
صحيحة (6).
(V)
وجاء الحديث من طريق أنس بن مالك عند البخاري دون ذكر
(1) وهو ثقة ضابط مقبول الرواية. المزي، تهذيب الكمال، ج 7، ص 457.
:
(2) کتاب الصلاة، باب ما جاء في المشرك يدخل المسجد (487).
(3) الحاكم، المستدرك، ج 3، ص 55.
(4) كتاب الصيام، باب وجوب الصيام (2094). (5) الطيالسي، مسند أبي داود الطيالسي، ج 1، ص 306. (6) ابن عبد البر، التمهيد، ج 16، ص 172.
(7) کتاب: العلم، باب: ما جاء في العلم (63). (1/55)
صفحة 56
الرائد
(07)
(1)
الشاهد وهو الحج، وجاء حديث أنس عند مسلم مع ذكر الحج وأنه مما
فرض، قال الحافظ العيني في سبب عدم ذكر الحج في رواية أنس عند
البخاري:
يأت في هذا الحديث بالحج كما لم يذكر في بعضها الصوم، وفي بعضها الزكاة، وقد ذكر في بعضها صلة الرحم، وفي بعضها أداء الخمس، فتفاوتت هذه الأحاديث في عدد خصال الإيمان زيادة، ونقصانا، وسبب ذلك تفاوت الرواة في الحفظ والضبط فمنهم من اقتصر على ما حفظه فأداه ولم يتعرض لما زاده غيره بنفي ولا إثبات.
وذلك لا يمنع من إيراد الجميع في الصحيح لما عرفت أن زيادة الثقة مقبولة والقاعدة الأصولية فيها أن الحديث إذا رواه راويان واشتملت إحدى الروايتين على زيادة فإن لم تكن مغيرة لإعراب الباقي قبلت، وحمل ذلك على نسيان الراوي أو ذهوله أو اقتصاره بالمقصود منه في صورة
الاستشهاد.
وإن كانت مغيرة تعارضت الروايتان وتعين طلب الترجيح فافهم.
(1) کتاب الإيمان باب السؤال عن أركان الإسلام (12).
(2) العيني، عمدة القاري، ج 1، ص 269. (1/56)
صفحة 57
الرائد
OV
وفي هذا التأخير من الخامسة أو السابعة على اختلاف الروايات- إلى
السنة العاشرة خير دليل على جواز التراخي؛ إذ لو وجب أداؤه على الفور لما امتنع النبي عنه.
(1)
وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن وجوب الحج كان في السنة
السادسة للهجرة عند صلح الحديبية إذ نزل حينها قوله تعالى: [وَأَتِمُوا الْحَجَّ
وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أَحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ اهْدْي.
أما قولهم إن ذلك الامتناع من صاحب الدعوة كان بسبب وجود المشركين وأصنامهم وعاداتهم القبيحة كطوافهم بالبيت عراة في الحرم المكي وأراد أن ينزه نفسه عنهم فنقول ليس ذلك بشيء بل هو رد عليهم من أمور:
أولها: أن النبي نفسه قد اعتمر أربع عمر في شهر ذي القعدة
مع
وجود المشركين وخصالهم السيئة ولم تكن تلك مانعة له عن الزيارة للبيت
العتيق فما لها تمنعه عن أداء الفرض الواجب؟.
ثانيها: كان الصحابة في تلك الفترة يحجون ويعتمرون بل إنه من الثابت
(1) نسب ذلك إلى أكثر أهل العلم القطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 6، وابن حجر، فتح
الباري، ج 3، ص 443، والشوكاني، نيل الأوطار، ج 6، ص 2415.
(2) سورة البقرة، الآية (196). (1/57)
صفحة 58
الرائد
أنه أرسل أبا بكر الصديق الله ليكون أميرا على الحج في العام التاسع، وأمر على الحج عتاب بن أسيد في العام الهجري الثامن ولو كان الأمر أن ذلك عذر عن الذهاب مع الوجوب على الفور لكان منع هؤلاء أولى من
ذهابهم.
لذلك نقول إن في ذلك دليلا على أن الحج يجوز فيه التراخي؛ إذ النبي صلى الله عليه وسلم أخره لمصلحة اكتمال الأمر للدين الإسلامي وخلوه من مظاهر الشرك، قال الإمام الربيع بن حبيب البصري في المسند أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحج إلا بعد عشر حجج من هجرته، ولا أنكر على من تخلف عن الحج من أمته).
وقال الإمام الشافعي:
نزلت فريضة الحج على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة وافتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في شهر رمضان وانصرف عنها في شوال واستخلف عليها عتاب بن أسيد فأقام الحج للمسلمين بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة قادر على أن يحج وأزواجه وعامة أصحابه.
ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تبوك فبعث أبا بكر فأقام الحج للناس سنة
(1) أخرجه الإمام الربيع في المسند في كتاب الحج، باب: فرض الحج (393). (1/58)
صفحة 59
الرائد
(04)
تسع ورسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة قادر على أن يحج ولم يحج هو ولا أزواجه ولا أحد من أصحابه حتى حج سنة عشر فاستدللنا على أن الحج فرضه مرة في العمر أوله البلوغ وآخره أن يأتي به قبل موته).
(1) البيهقي، معرفة السنن والآثار، ج 3، ص 490، والسنن الكبرى، ج 4، ص 341. (1/59)
صفحة 60
الرائد
(1.)
المبحث الثالث: شروط وجوب الحج
توطئة تقسيم الشروط إلى صحة ووجوب
عبادة الحج تكليف شرعي من الله تعالى للعباد لا يختلف عن باقي التكاليف الشرعية إذ جميعها خارجة من مشكاة واحدة، ومعلوم أن التكاليف الشرعية لا بد لها من شروط تتحقق في المكلف حتى يتعين الوجوب عليه وتشغل ذمته، به و شروط الحج قسمان شروط خاصة وشروط
عامة.
أما الشروط الخاصة فهى التي تخص بها النساء دون الرجال وهما شرطان: المحرم في حال كون المرأة مسافرة في البقاع المطهرة أرض أداء المناسك)، والخلو من العدة.
وهذان ليسا بشرطي صحة بل يصح حجها دونها لكن يلزمها الإثم لمخالفتها الأمر الشرعي في الخروج دون محرم أو مع كونها معتدة على رأي أكثر أهل العلم.
(1) هذا الشرط ليس خاصا بالحج لكنه شرط لكل سفر تسافره المرأة، لذلك فهو يشترط في حال كون المرأة مسافرة في أرض البقاع المقدسة، أما في حال كونها من أهل أرض الديار المقدسة فلا يشترط عليها المحرم للحج. (1/60)
صفحة 61
الرائد
61
(11)
والشروط التي تجتمع في الرجال والنساء خمسة وتنتظمها أقسام ثلاثة:
شروط إجزاء، وشروط صحة، وشرط وجوب.
فأما شروط الإجزاء فأولها البلوغ للأدلة الواردة بجواز حج الصبي المميز وعدم إجزاء ذلك له عن حجة الإسلام بعد اكتمال شروط الحج فيه بعد بلوغه -كما سيتبين ذلك.
وثانيها الحرية وهي كالبلوغ فالعبد يصح منه الحج ولكن لا يجزيه حجه
ذلك عن حجة الإسلام إذا ما أعتق على مذهب أكثر أهل العلم.
وأما شروط الصحة فأولها العقل إذ غير العاقل لا يصح حجه بل لا يشرع له الحج، ومثله الصبي غير المميز إذ هو من حيث الأحكام غير عاقل. وقيل إن العقل شرط إجزاء فيصح للمجنون ولغير المميز أن يحجا ولكن لا يجزيهما ذلك الحج عن حجة الإسلام بعد اكتمال شروط الحج فيهما، ومنهم من فرق بين المجنون والصبي فقال بالجواز للصبي وإن لم يكن مميزا ومنع من المجنون.
وثاني شروط الصحة الإسلام فلا يشرع لغير المسلمين الحج وإن كان الحج واجبا عليهم يأثمون بتركه على الرأي المختار الناص على تكليف المشركين بفروع الشريعة. (1/61)
صفحة 62
الرائد
(62)
أما شرط الوجوب فهو الاستطاعة، وهذا الشرط شرط وجوب فمع اجتماع بقية الشروط للحج الصحة والإجزاء يصح للمكلف أن يحج وإن لم يكن شرط الاستطاعة، موجودا، والخلاصة في ذلك أن حج غير المستطيع صحيح ولكنه لا يأثم بتركه حتى يكون مستطيعا).
وخالف في ذلك بعض المالكية كابن الحاجب فقال إن شرط الاستطاعة شرط صحة ووجه قوله هذا هو أنه لا يتصور لغير المستطيع حج إلا على وجه يغرر فيه بنفسه وماله وقد تحققه فيكون حجه على هذا معصية ولا يكون قربة فلا تبرأ به، ذمته، ويكون كحج الكافر قبل إسلامه (3).
والاستطاعة التي يتعلق بها الحج قسمان يأتي ذكرهما مفصلين، ونشرع الآن في ذكر ما يقتضي منا تفصيلا لأحكامه ونبدأ في تفصيل الشروط العامة أولا، ثم نتبعها تفصيل الشروط الخاصة لأهمية الأول وكثرة المتعبدين به
ولكونه يشمل المكلفين جميعهم رجالا ونساء.
المطلب الأول: الإسلام
شرط الإسلام في مبتغي الحج أول الشروط التي تشترط لصحة الحج،
(1) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 166.
(2) الحطاب، مواهب الجليل، ج 2، ص 491. (1/62)
صفحة 63
الرائد
63
وهذا الشرط ليس بشرط وجوب بل هو شرط صحة كما تقدم، إذ غير المسلمين مكلفون بفروع الشريعة ويأثم بتركه وإن كان الإسلام شرطا من شروط صحة الأداء لهذه الفريضة.
والله تعالى نهى عن دخول المشركين أرض الحرم كما هو صريح قوله تعالى: يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ
الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.
(1)
والرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن حج المشركين بيت الله الحرام كما في حديث أبي عبيدة قال: سئل علي بن أبي طالب بأي شيء بعثك رسول صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر في حجة عام تسع؟
قال: بأربع خصال: ألا يطوف بالبيت عريان، ولا تدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يجتمع مسلم ومشرك في الحرم بعد عامهم هذا، ومن كان له عند النبي عهد فإلى عهده، ومن لم يكن له عهد فإلى أربعة أشهر).
(1) سورة التوبة، الآية (28).
(2) أخرجه الإمام الربيع بن حبيب في كتاب الحج، باب: في الكعبة والمسجد والصفا
والمروة (412). (1/63)
صفحة 64
الرائد
(TE)
وجاء من طريق الليث قال:يونس: قال ابن شهاب: حدثني حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة أخبره أن أبا بكر الصديق بعثه في الحجة التي أمره عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حجة الوداع يوم النحر في رهط يؤذن في الناس: ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان).
لا
ولكون الإسلام شرط صحة للإحرام بالحج) فإن الردة عنه تفسد
الإحرام إذا ما كانت بعد الإحرام".
واختلف الفقهاء في حال ردة المسلم عن الإسلام ثم أوبته إليه بعد أن حج في إسلامه الأول أيلزمه لإسلامه الثاني حج آخر (؟)؟
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب لا يطوف بالبيت عريان ولا يحج مشرك
(1087)
(2) الشافعي، الأم، ج 2، ص 130.
(3) ابن تيمية، شرح العمدة، ج 2، ص 117
(4) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 288، والكندي، بيان الشرع، ج 24، ص 60، والشقصي،
منهج
الطالبين، ج 7، ص 297، والصائغي لباب الآثار، ج 3، ص 229، والإشبيلي،
مختصر الخلافيات للبيهقي، ج 3، ص 113،،والرافعي، العزيز، ج 3، ص 280، والنووي، المجموع، ج 7، ص 9. (1/64)
صفحة 65
الرائد
(TO)
ذهب جمهور الأمة إلى أنه يجزيه حجه الأول ولا يجب عليه الحج بأصل الشرع مرة أخرى إذ قد أدى ما عليه، ومعلوم أن المشرك بدخوله الإسلام بعد ردته عنه ترجع له أجور الأعمال السابقة فضلا من الله تعالى، والحج إنما يلزم البدن في العمر مرة واحدة وهذا قد أداه في حال يصح منه ه فأجزاه. وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه برجوعه إلى الإسلام يلزمه حج
آخر؛ إذ هذا عمر جديد والحج يلزم في العمر مرة واحدة.
ويشكل على هذا الرأي أن الأدلة الشرعية لم تفرق في شيء بل عدت
الأعمال السابقة كلها مما يرجع أجره ورجوع الأجر يعني الإجزاء.
ثم إن حديث الأقرع بن حابس ذكر الوجوب مرة في العمر وليس في كل عام ولا في كل إسلام، وعمر هذا المبتلى واحد قبل الردة وبعدها.
المطلب الثاني: البلوغ
أولا: توطئة
قيدت الأحكام الشرعية التكليفية بالبلوغ فغير البالغين لا يكلفون
بواجب بل قلم التكليف مرتفع عنهم كما في حديث عبد الرحمن بن مهدي
قال: حدثنا حماد سلمة بن
عن حماد عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة عن
النبي لا لا لا لو قال: رفع القلم عن ثلاث عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير (1/65)
صفحة 66
الرائد
(11)
حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق.
والحج من ضمن التكاليف الشرعية التي يشترط لها لتعلق الوجوب
بذمة المكلف البلوغ كما هو اتفاق الأمة.
طلاقه
من
الأزواج
(1) أخرجه النسائي واللفظ له في كتاب الطلاق، باب: من لا يقع (3432)، وأبوداود في كتاب الحدود، باب في المجنون يسرق أو يصيب حدا (4398)، وابن ماجه في كتاب الطلاق باب طلاق المعتوه والصغير والنائم
(2041) (1/66)
صفحة 67
الرائد
(TV)
ثانيا: مشروعية حج الصبي المميز
اتفق الفقهاء على أن الصبي غير ملزم بالعبادات الشرعية من صلاة
(1)
وصيام وحج لعدم توجه الخطاب الشرعي له فحاله لا يحتمل التكليف والمشقة، وخالق العباد أعلم بحالهم وما يطيقون.
لكن جاءت الأدلة الشرعية بأمر الولي بتعليم ابنه غير البالغ الصلاة حتى يكون ذلك الفعل دربة له فيضمن بذلك الأداء حال توجه الخطاب
الشرعي بعد البلوغ دون أن يمضي برهة من الزمن لتعلم هذه العبادة. وفي مجتمع النبي صلى الله عليه وسلم مع صحابته كان الأطفال ممن لم يبلغوا الحلم يحضرون المسجد ويصلّون الصلوات الخمس والأعياد والجنائز مع الناس بل
(1) تستثنى الزكاة على أرجح أقوال أهل العلم من العبادات الأربع فتخرج من مال الصبي؛ إذ الخطاب الشرعي فيها غير متوجه إلى ذمة المكلف كما هو الحال في بقية العبادات بل إلى ماله لتعلق حق الفقراء به كما هو في قوله تعالى في سورة المعارج {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِلسَّابِل وَالْمَحْرُومِ. وقوله ل " أمرت أن آخذها من أغنيائكم والصبي قد يكون غنيا وإن لم يبلغ، ومن هنا لم يشترط بلوغ الصبي سن التكليف لوجوب إخراج الزكاة من ماله بل اشترط بلوغ ماله النصاب الشرعي مع حولان الحول، والذي يسقط من ذمة الصبي الإثم إن لم تخرج من ماله بعد اكتمال الشروط الشرعية.
"1 (1/67)
صفحة 68
الرائد
(u)
كان منهم من يصلي بالناس وهو لم يبلغ بعد كما في حديث عمرو بن سلمة قال: كنا بماء ممر الناس وكان يمر بنا الركبان فنسألهم ما للناس ما للناس، ما هذا الرجل؟ فيقولون: يزعم أن الله أرسله أوحى إليه أو أوحى الله بكذا فكنت أحفظ ذلك الكلام وكأنما يقر في صدري، وكانت العرب تلوم بإسلامهم الفتح فيقولون اتركوه وقومه؛ فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي
صادق.
فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر كل قوم بإسلامهم وبدر أبي قومي بإسلامهم فلما قدم قال: جئتكم -والله - من عند النبي حقا فقال: صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلوا صلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآنا.
فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآنا مني لما كنت أتلقى من الركبان فقدموني بين أيديهم وأنا ابن ست أو سبع سنين، وكانت عليَّ بردة كنت إذا سجدت فقالت امرأة من الحي ألا تغطون عنا است قارئكم؟ فاشتروا
تقلصت
عني
فقطعوا لي قميصا فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص)
(1)
وهكذا كان من المعلوم عند الصحابة صيام الصبيان كما يدل على ذلك
(1) أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب: من شهد الفتح (4049). (1/68)
صفحة 69
الرائد
(19)
حديث: بشر بن المفضل بن لاحق حدثنا خالد بن ذكوان عن الربيع بنت معوذ بن عفراء قالت: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار
التي حول المدينة:
من
كان أصبح صائما فليتم صومه، ومن كان أصبح مفطرا فليتم بقية يومه، فكنا بعد ذلك نصومه ونصوّم صبياننا الصغار منهم إن شاء الله ونذهب إلى المسجد فنجعل لهم اللعبة من العهن فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناهم إياه عند الإفطار).
وهذا الحكم يأتي على الحج أيضا؛ إذ العلة في الجميع واحدة فهي عبادات بدنية غير معقولة المعنى، فيصح للصبي المميز أن يصوم وأن يحج وإن لم يكن بالغا.
وقد ورد في الحج دليل مع النظر السابق المستقرأ من حال الشارع العام يفيد أن للصبي أن يحج وهو حديث عقبة عن كريب مولى ابن عباس عن ابن عباس {أن النبي لقي ركبا بالروحاء فقال: من القوم؟ قالوا: المسلمون، فقالوا: من أنت؟
(1) أخرجه البخاري في كتاب الصوم، باب صوم الصبيان (1839)، ومسلم واللفظ له في كتاب الصوم، باب من أكل في عاشوراء فليكمل بقية يومه (1136). (1/69)
صفحة 70
الرائد
(v.)
قال: رسول الله، فرفعت إليه امرأة صبيا فقالت: ألهذا حج؟ قال: نعم،
ولك أجر).
وقد حج كثير من الصبيان مع النبي كابن عباس له وغيره كما في حديث حاتم بن إسماعيل عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد قال: حج بي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن سبع سنين (2).
ومنها حديث حماد بن زيد عن عبيد الله بن أبي يزيد قال: سمعت ابن
عباس {يقول: بعثني أو قدمني النبي الله في الثقل من جمع بليل (3) وهذا أمر لا إشكال فيه؛ إذ هو جار على سنن القياس في العبادات
الأخرى كما تبين ذلك من قبل.
والأمر في الصلوات أن الصبي يكبر لإحرام الصلاة بنفسه كما ينوي الصيام بنفسه، ويقال مثله في الحج فيحرم بنفسه لأنه مميز يستطيع تصريف النيات على ما يريد بعد أن يتعلم صفة الأداء الصحيحة.
(1) أخرجه. جه مسلم في كتاب الحج، باب: صحة حج الصبي (1336). (2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: حج الصبيان (1759). (3) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: حج الصبيان (1757). (1/70)
صفحة 71
الرائد
(vi)
واختلف الفقهاء هل من شرط إحرامه إذن الولي؟
فقال جماعة إنه لا يصح إحرامه إلا بإذن الولي، وإن أحرم دون إذنه لم يصح؛ لأن هذا عقد يؤدي إلى لزوم مال فلم ينعقد من الصبي بنفسه كالبيع، ثم إنه عبادة توقيفية متلقاة من الشرع ومخالف للأصل فيجب الاقتصار فيه على المتيقن).
وما
وقال جماعة من هؤلاء إن الصبي يأتي ما يستطيع من أعمال الحج بنفسه، لم يستطع ناب عنه الولي" فيما يقبل النيابة كالرمي وحمل في نحو
الطواف.
واشترط بعض هؤلاء أن يكون الحمل على وجه يصح فيه طواف المحمول من حيث كون الكعبة على يسار المحمول ونحو ذلك من هيئة
الطواف الصحيحة.
وهذا الرأي المشترط لإذن الولي مبني كما تقدم على أمرين:
أولهما أن ارتكاب محظورات الإحرام أمر لا ينظر فيه إلى عمد من غيره
(1) ابن تيمية، شرح العمدة، ج 2، ص 279، والخوئي، الحج، ج 1، ص 27.
(2) الشافعي، الأم، ج 2، ص 111. (1/71)
صفحة 72
الرائد
72
فتلزم
الفدية بالارتكاب المجرد صاحَبَه عمد أو لم يصاحبه، وسيأتي أن في هذا
نظرا، وأن النهي عن ارتكاب محظورات الإحرام أمر راجع إلى التكليف دون الوضع كما تدل على ذلك ظواهر الأدلة الشرعية التي سيأتي بحثها عند ذكر محظورات الإحرام.
وكما هو الحال في نقض الصيام بالأكل إذ عذر الشرع الناسي بنص السنة
المشرفة مع أن الأصل في النواقض أنها من باب خطاب الوضع.
وأجاب آخرون بأنه على فرض وجوب الكفارة والهدي على الصبي فإنه إن لم يأذن وليه له بالمال كان الصبي عاجزا وله أحكام العاجز، أو يتعلق ذلك الحكم به بعد بلوغه.
أن
ثانيهما قولهم إنه عبادة توقيفية يقتصر فيها على مورد النص، ويرده النصوص الشرعية ما جاءت بتقييد صحة إحرام الصبي بإذن وليه بل جاءت من هذا القيد مما يعني إطلاق الجواز وأن التقييد بذلك تحكم لم ينطق
مطلقة
به الدليل الشرعي.
نعم
قد يقال بصحة هذه الحجة أن لو كان قيد إذن الولي واردا في
النصوص الشرعية ولكنه لم يرد.
(1) الخوئي، الحج، ج 1، ص 28. (1/72)
صفحة 73
الرائد
ر 73
وعلى السابق لا شيء على الصبي إذا ما ارتكب محظورا من محظورات الإحرام كما سيأتي، وبذلك يسقط سبب اشتراط إذن الولي في صحة الإحرام،
لذا فيصح إحرام الصبي وإن لم يأذن وليه كما هو الحال في الصلاة والصيام.
ولم يأت دليل شرعي خاص في هذه العبادة يخصها باشتراط إذن الولي لصحة إحرام الصبي فيبقى على الأصل السابق الذي جرى عليه السنن العام للعبادات التي تشارك هذه العبادة في أوصافها.
وذهب بعض الفقهاء إلى أن ولي الصبي يلبي ويحرم عنه لحديث عبد الله بن نمير عن أشعث عن أبي الزبير عن جابر قال: حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا النساء والصبيان فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم.
وفي هذا الرأي نظر من وجوه:
أولها أن الدليل الذي استندوا عليه ضعيف لا يثبت من حيث سنده كما
سيأتي تخريجه في الفرع الثالث.
ثانيها أن الدليل المذكور مخالف للقواعد العامة والسنن المطرد في غير الحج من العبادات غير معقولة المعنى المتعلق أداؤها بالبدن كالصلاة والصيام فالأمر متفق عليه بين علماء الأمة أن النية لا تكون إلا من المؤدي نفسه فلِمَ الخروج في عبادة الحج عن ذلك الأصل العام دون دليل معتبر (1/73)
صفحة 74
الرائد
(74
شرعا وليس له غير النظر المجرد.
ثالثها أنه على السابق تكون النية دون العمل من فرد، والعمل دون نية
من فرد آخر، وقد تجتمع نيات عدة من فرد وعمل واحد منه، وهذا غير معهود في الأوامر الشرعية.
رابعها أنه كان في حجة النبي الله من الصبيان من ذكرنا شأن بعضهم فيما تقدم من الكلام ولم يأت في النصوص المذكورة أنه قد لبى عنهم غيرهم مع أن تلبية غيرهم عنهم أمر خلاف الأصل المتقرر الذي جرى عليه العمل كما
هو
شأن الصلاة والصيام.
بل النص جاء في الصلاة أن الصبي المميز كان يؤم الناس في صلاتهم كما هو في حديث عمرو بن سلمة المتقدم، ولم يأت وليه ولا أحد من المسلمين عنه بأن يكبر تكبيرة الإحرام بل لم يقل أحد بذلك من علماء المسلمين.
ليحرم.
وذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا يشرع أن يحج الصبيان مطلقا، واستدلوا
فقالوا إن الإحرام سبب يلزم به حكم فلم يصح من الصبي كالنذر). وفي هذا نظر إذ إن هذا القياس فاسد الاعتبار لمصادمته النصوص
(1) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 107. (1/74)
صفحة 75
الرائد
(vo
المذكورة وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، ثم إنا نقول بأن أحكام ارتكاب المحظورات لا يخاطب بها الصبيان كما سيأتي مقررا بدليله فيسقط مستند هذا
القول.
ثم إن هذا القياس معارض بقياس خير منه وهو قياس الحج على الصلاة والصيام بجامع أن الكل عبادات بدنية غير معقولة المعنى فتصح من الصبي
كما جرت النصوص الشرعية.
ثالثا: حكم حج الصبي غير المميز
ظهر من السابق أن الصبي المميز غير ممنوع من الحج كما تقدم محررا بدليله وهو رأي الأكثر من أهل العلم، لكن اختلف الناس في حجه إن كان غير مميز إلى قولين المشروعية وعدم المشروعية، ونفصل أدلة كل فريق. أدلة القائلين بجواز حج غير المميز
ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أنه من الجائز أن يحج الصبي.
غير
(1) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 160، والنووي، المجموع، ج 7، ص 29، والعيني،
عمدة القاري، ج 10، ص 216. (1/75)
صفحة 76
الرائد
(VT)
المميز)، واستدلوا بحديث عقبة عن كريب مولى ابن عباس عن ابن عباس
عن النبي صلى الله عليه وسلم لقي ركبا بالروحاء فقال: من القوم؟ قالوا: المسلمون، فقالوا: من أنت؟ قال: رسول الله، فرفعت إليه امرأة صبيا فقالت: ألهذا حج؟ قال: نعم، ولك أجر).
والحديث جاء أيضا من غير رواية ابن عباس من حديث: محمد بن طريف الكوفي حدثنا أبو معاوية عن محمد بن سوقة عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله: قال رفعت امرأة صبيا لها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله، ألهذا حج؟ قال: نعم، ولك أجر
وجاء ما يفيد الأجر العظيم الذي يلحق من يحج بصبي كما في حديث: أنس بن مالك قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم يسير إذا امرأة قد أقبلت معها ابن لها فقالت: يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: نعم، ولك أجر، قالت: فما ثوابه إذا
(1) الشافعي، الأم، ج 2، ص 111، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 107، والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص 297، والصنعاني سبل السلام، ج 2، ص 180، والخوئي، الحج، ج 1،
ص 31.
(2) تقدم تخريجه.
(3) أخرجه الترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في حج الصبي (924)، وقال الترمذي:
غريب. (1/76)
صفحة 77
الرائد
vv
وقف بعرفة؟ قال: يكتب لوالديه بعدد كل من وقف بالموقف عدد شعر
رؤسهم حسنات.
ووجه الاستدلال
من
ذلك ظاهر إذ إن المرأة رفعت الصبي والنبي صلى الله عليه وسلم
نص على أن له حجا مما يعني الجواز، والظاهر أنه كان صغيرا ولم يبين أمميز هو أم غير مميز فيؤخذ بإطلاقه، بل جاء من الروايات ما ينص على أنه كان رضيعا كما في حديث:
علي بن أحمد بن عبدان أنبأ أحمد بن عبيد ثنا محمد بن غالب بن حرب ثنا أبو نعيم ثنا سفيان عن إبراهيم بن عقبة عن كريب عن ابن عباس قال:
رفعت امرأة ابنا لها في محفة (1) ترضعه في طريق مكة فقالت: يا رسول الله، ألهذا حج؟ قال: نعم، ولك أجر أو كما قال").
حج؟
وقال هؤلاء إن ولي الصبي يلبي عنه للدخول في الإحرام" كما يدل على ذلك حديث جابر قال: حججنا مع رسول الله ومعنا النساء والصبيان
(1) قال الحافظ ابن عبد البر: المحفة شبيهة بالهودج، وقيل المحفة لا غطاء عليها. ابن عبدالبر، التمهيد، ج 1، ص 95.
(2) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 155.
(3) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 297 (1/77)
صفحة 78
الرائد
(VA)
فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم.
واتفق هؤلاء على أنه يصح لوليه أن يحرم عنه ولا يصح لمن لا يقرب منه أن يحرم، واختلفوا في الأم والأقارب نحو العم والأخ فقال من قال منهم إنه لظاهر حديث ابن عباس إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم للأم بعدما سألته عن حجه
يصح
"نعم ولك الأجر"، والظاهر أن الأجر ما كان لها إلا لأنها أحرمت عنه.
وأما المانعون من إحرام غير الولي للصبي فنظروا إلى الولاية المالية وقالوا إنه لا ولاية للأم على ماله والإحرام يتعلق به إلزام مال فلا يصح من غير ذي ولاية كشراء شيء له.
واستظهر الخوئي من الإمامية بعد ذكر الخلاف في إحرام الأم أن لا دليل على اختصاص إحرام الصبي بالولي الشرعي بل يجوز لكل أحد أن يحرم بالصبي ويحجه إذ لا دليل على حرمة التصرف بالصبي ما لم يستلزم التصرف
تصرفا ماليا).
(1) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 107، والخوئي، الحج، ج 1، ص 35.
(2) الخوئي، الحج، ج 1، ص 36. (1/78)
صفحة 79
الرائد
(va)
ثانيا: أدلة القائلين بعدم مشروعية حج غير المميز
ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الصبي لا يشرع له أن يحج حتى يكون مميزا مدركا ما يأتي ويذر فيأخذ ويعطي في الكلام، وأما غير المميز فلا يشرع له ذلك)، وهذا أظهر القولين.
وقالوا استدلالا: إن من المعلوم أن العبادات من صلاة وصيام وحج تعبدية محضة غير معقولة المعنى والعلة فلا بد فيها من العقل الذي يوجه النية والقصد الوجهة الشرعية، ومن هنا لم تلزم غير العاقلين لعدم وجود العقل الموجه، وقد صحت من المميزين وإن لم يبلغوا سن التكليف كما تبين لوجود العقل المميز وإن لم يكن أهلا للتكليف الشرعي الذي يترتب عليه الثواب
(2)
والعقاب (2).
أداء
وذلك العقل كما هو بين ظاهر يجعل هؤلاء المميزين قادرين على العبادات على الوجهة التي أرادها الشارع مع إمكان توجيه القصود والنوايا.
ومن هنا اتفق الفقهاء على اشتراط النية والقصد الخالص لصحة هذه
(1) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 160.
(2) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 293، وعبد الوهاب البغدادي، الإشراف، ج 1،
ص 486. (1/79)
صفحة 80
الرائد
(^.)
العبادات ونصوا على أنها لا تصح دون نية بل هي عبث لا تسقط عن
المكلف حكم الوجوب.
وفي حال الحج لا تجزي عبادة من العبادات إن لم تصحبها نية تسيرها فالتلبية والإحرام والطواف والوقوف بعرفة والمبيت بالمزدلفة والذبح والرمي لا يجزي الإنسان دون نية كما سيأتي.
والصبي غير المميز لا يستشعر النية للعبادة رأسا فلا يكون لتلك العبادة التي يؤديها عائد سوى العبث فمن هنا كان لا بد من القول إن الذي يصح أن يحرم بالحج من غير البالغين هو المميز فقط لما ذكرناه، وعليه الإحرام
بنفسه بعد أن يخبر بالعبادة وأحكامها ويعي ما يلقى عليه لتمييزه.
أما غير المميز فلا يشرع أن يحرم بالحج: عنه غيره، وإن لقن التلبية فلبي فلا يعدو تصرفه أن يكون لغوا لا يترتب عليه أثر شرعي، ومثله في
المجنون.
أما أدلة القائلين بالجواز فمحل نظر من وجوه عدة، وقبل ذلك نبين أن
الحديث الذي استدلوا به من طريق أنس وفيه الأجر المذكور لمن
لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فقد رواه الطبراني من حديث جعفر العطار قال: نا إسماعيل بن إبراهيم الترجماني قال: نا عبد الله بن محمد الطلحي عن خالد بن (1/80)
صفحة 81
الرائد
(A))
الوليد المخزومي عن الزهري عن أنس بن مالك).
وهذا إسناد لا يصح ففيه خالد بن إسماعيل المخزومي كذاب مشهور)،
وحمل الذهبي هذا الحديث عليه (3).
وأما الوجوه التي يرد بها الاستدلال بحديث الركب فـ:
أولها الاختلاف فيه، قال أبو جعفر الطحاوي:
وهذا الحديث من رواية مالك لا يرفعه أحد من رواته عنه إلا ابن وهب
وابن عثمة فإنهما يرفعانه عنه إلى ابن عباس ..... وقد روى هذا الحديث حماد
بن سلمة عن إبراهيم بن عقبة عن كريب ولم يذكر فيه ابن عباس).
وقال الحافظ البيهقي:
رواه الربيع عن الشافعي موصولاً، وكذلك روي عن ابن صعصعة عن
مالك، ورواه الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني في كتاب القديم عن
(1) الطبراني، المعجم الأوسط، ج 3، ص 350.
(2) ابن عدي، الكامل، ج 3، ص 41.
(3) الذهبي، ميزان الاعتدال، ج 2، ص 430.
(4) الطحاوي، شرح مشكل الآثار، ج 6، ص 392. (1/81)
صفحة 82
الرائد
82
الشافعي منقطعاً دون ذكر ابن عباس فيه، وكذلك رواه غيره عن مالك.
واختلف فيه على سفيان الثوري عن إبراهيم فرواه عنه أبو نعيم موصولاً وقال في الحديث في رواية محمد بن غالب رفعت امرأة ابناً لها في محفة ترضعه في طريق مكة.
ورواه إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة وعبد العزيز بن أبي سلمة كلاهما عن إبراهيم بن عقبة موصولاً.
ورواه جماعة عن سفيان الثوري عن محمد بن عقبة عن كريب عن ابن
عباس موصولاً وأخرجه مسلم في الصحيح.
والسابق خلاف في الحديث يجعل الخلاف واردا في صحته، غير أن
جماعة رجحوا المرفوع الذي اكتملت شروط الصحة فيه، قال الحافظ ابن
عبد البر:
مسند
ومن وصل هذا الحديث وأسنده فقوله أولى، والحديث صحيح ثابت الاتصال لا يضره تقصير من قصر به؛ لأن الذين أسندوه حفاظ ثقات ..... قال أبو بكر أحمد بن محمد بن هاني الطائي الأثرم الوراق: قلت
(1) البيهقي، معرفة السنن والآثار، ج 4، ص 140، والسنن الكبرى، ج 5، ص 155، وينظر في الاختلاف فيه أيضا ابن عبد البر، التمهيد، ج 1، ص 99. (1/82)
صفحة 83
الرائد
483
لأبي عبدالله - يعني أحمد بن حنبل رحمه الله -: الذي يصح في هذا الحديث
حديث کريب مرسل أو عن ابن عباس؟
فقال: هو عن ابن عباس صحيح، قيل لأبي عبدالله: إن الثوري ومالكا
يرسلانه؟ فقال: معمر وابن عيينة وغيرهما قد أسندوه).
وثانيها: لئن سلم الحديث من النقد من حيث صحته على ما مضى ذكره فنقول إن الاستدلال به على جواز حج غير المميز ليس بسالم إذ إنه قائم على الاحتجاج بلفظة "صبي" وهذه اللفظة ليس بها ما يدل على التمييز من عدمه إذ من الجائز أن يكون الصبي موطن الشاهد مميزا غير بالغ.
كما أنه من الجائز أن يكون غير مميز، وهذا الإجمال في اللفظ موجب تفسيره بما يقتضيه السنن العام لمثيلات الحج من العبادات وهما الصيام والصلاة، أو يسقط الاستدلال به إن لم يسلم بالدليل السابق إذ ليس تفسيره بغير المميز بأولى من تفسيره بالمميز.
ولا يقال إن إطلاق لفظة الصبي على المميز وغير المميز من باب الأخذ المشترك لأنا نقول إن في القول بعموم المشترك نظرا والأقرب إلى بعموم النفس عدم عمومه "يوضحه" أن اللفظ بمنزلة الكسوة للمعاني، والكسوة
(1) ابن عبد البر، التمهيد، ج 1، ص 100. (1/83)
صفحة 84
الرائد
(AE)
الواحدة لا يجوز أن يكتسيها شخصان كل واحد بكمالها في زمان واحد فكذا لا يجوز أن يدل اللفظ الواحد على أحد مفهوميه بحيث يكون هو تمام معناه ويدل على المفهوم الآخر كذلك أيضا في ذلك الزمان.
نعم إنما يجوز ذلك لو كان كل واحد من مفهوميه جزءا لمعنى فيكون
دلالته على المجموع من حيث هو مجموع وقد اتفقوا أنه ليس كذلك. ولأنه لا يتحقق مقصود الواضع لأنه ما وضعه إلا لفرد من أفراد مفهوماته فقط ولا يحصل الابتلاء ولا التعريف الإجمالي أيضا لأنه
معلوما حينئذ من كل وجه
(1) IT
يصير
على أن لأهل اللغة خلافا في إطلاق لفظ الصبي فقيل لا يطلق إلا على المميز، وعلى هذا فالحديث لا دليل فيه على مشروعية حج الصبي غير المميز. وقيل بل يطلق على غير المميز إلى حين الفطام فقط)، وفي الرأي الأخير نظر من حيث إن هناك من الإطلاقات الشرعية ما أطلق لفظة الصبي على
من تعدى الفطام بل على المميز كما هو في حديث:
(1) البخاري، كشف الأسرار، ج 1، ص 64.
(2) الفيومي، المصباح المنير، ج 2، ص 374، والزبيدي، تاج العروس، ج 38، ص 406. (1/84)
صفحة 85
الرائد
(10)
عبد الرحمن بن مهدي قال حدثنا حماد بن سلمة عن حماد عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: رفع القلم عن ثلاث عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق). وقد يعترض معترض فيقول: أيستساغ عندك أن يجهل بين مقام يدي النبوة حكم حج الصبي المميز مع أنه حكم شائع وخبر ذائع فقد جاء في روايات عدة منها حديث حاتم بن إسماعيل عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد قال: حج بي مع رسول الله له وأ صلى الله عليه وسلم وأنا ابن سبع نا ابن سبع سنين (2). ومنها حديث حماد بن زيد عن عبيد الله بن أبي يزيد قال: سمعت ابن عباس {يقول: بعثني أو قدمني النبي صلى الله عليه وسلم في الثقل من جمع بليل". قلنا مع ذلك كله سؤالها سائغ عن هذا الفرع اليسير من الفروع الفقهية
(1) أخرجه النسائي -واللفظ له في كتاب الطلاق، باب من لا يقع طلاقه من الأزواج (3432)، وأبوداود في كتاب الحدود، باب في المجنون يسرق أو يصيب حدا (4398)، وابن ماجه في كتاب الطلاق باب طلاق المعتوه والصغير والنائم
(2041)
(2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: حج الصبيان (1759).
(3) أخرجه البخاري في كتاب: الحج، باب: حج الصبيان (1757). (1/85)
صفحة 86
الرائد
(AT)
فضلا أن هذه الحجة هي حجة النبي صلى الله عليه وسلم الوحيدة والأخيرة.
ثم إنه إن كان قوم هذه المرأة الذين في ركبها قد جهلوا النبي صلى الله عليه وسلم وعليه
دلائل الحال حتى سألوه مَنْ الرجلُ فأجابهم بعدها أنه رسول الله، أليس من المستساغ أن يسألوا عن حكم حج صبي مميز؟؟
أما حديث جابر الذي استدل به القائلون بالجواز والذي فيه التلبية عن
الصبيان مما يفيد الإحرام عنهم لكونهم غير مميزين فأخرجه أحمد) دون ذكر
الشاهد
وهو التلسة.
وأخرجه بالشاهد ابن ماجه)، وابن أبي شيبة، والبيهقي) من طريق
عبد الله بن نمير عن أشعث عن أبي الزبير عن جابر، وهذا إسناد لا يثبت عن
صاحب الشرع ولا تقوم به حجة للعلل التالية:
أولها: فيه أشعث بن سوار قال عنه النسائي والدارقطني: ضعيف، وقال أبو زرعة لين، وقال ابن حبان فاحش الخطأ كثير الوهم، وقال ابن سعد:
(1) أحمد بن حنبل، المسند، ج 3، ص 214.
(2) كتاب المناسك باب الرمي عن الصبيان (3038).
(3) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 242.
(4) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 156. (1/86)
صفحة 87
الرائد
(AV)
كان ضعيفا في حديثه، وقال العجلي ضعيف يكتب حديثه).
وفي
ثانيها: فيه أبو الزبير المكي وهو مدلس لا يقبل منه إلا التصريح بالسماع،
هذه الرواية عنعن ولم يصرح بالسماع فطرحت روايته.
ثالثها: الاضطراب في متن الحديث؛ فالرواية السابقة تنص أنهم لبوا عن
الصبيان ورموا عنهم.
وفي رواية أحمد قال: حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا النساء والصبيان
ورمينا عنهم.
وفي رواية الترمذي () ذكر أنهم لبوا عن النساء ورموا عن الصبيان. وفي رواية ابن أبي شيبة وابن ماجه والبيهقي قال: حججنا مع رسول الله ومعنا النساء والصبيان فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم.
وجاء في رواية عند البيهقي من طريق العباس بن محمد الدوري ثنا يحيى
(1) ابن حبان، المجروحين، ج 1، ص 171، وابن عدي، الكامل، ج 1، ص 371، والعقيلي، الضعفاء، ج 1، ص 31
(2) أخرجه الترمذي في كتاب الحج (927) وقال إثره مضعفا: حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه اهـ. (1/87)
صفحة 88
الرائد
(M)
بن عبد الله الهدادي ثنا عباد بن العوام عن أشعث عن أبي الزبير عن جابر
قال: خرجنا مع النبي و و و معنا النساء والولدان حتى أتينا ذا الحليفة فلبينا بالحج وأهللنا عن الولدان).
قال الحافظ ابن الملقن: هو مضطرب وضعيف كما قاله ابن القطان)
وبذلك كله يظهر أن الحديث ليس في مقام الحجية في شيء فرجع إلى صحيح النظر المأخوذ بالجمع بين الأدلة الشرعية من عدم مشروعية حج غير المميز.
(1) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 156.
(2) ابن الملقن خلاصة البدر المنير، ج 2، ص 29. (1/88)
صفحة 89
الرائد
(19)
رابعا: ما على الصبي إن انتهك محظورا
بعد إحرام الصبي قد يرتكب شيئا من محظورات الإحرام أو يفسد إحرامه رأسا فما يلزمه بذلك؟
اختلف الفقهاء فيه إلى قولين أولهما أن لا فدية تلزم بذلك مطلقا؛ لأن
محظورات الإحرام كما سيأتي من باب خطاب التكليف الذي يعفى فيه عن غير المتعمد للانتهاك.
ومعلوم من تأصيلات الفقهاء وقواعدهم في أبواب الجنايات أن عمد الصبي خطأ وقد حكي عليه الاتفاق، مما يفيد أن جميع انتهاكات الصبي لمحظورات الإحرام هي من باب الخطأ الذي يعفى فيه عن الفدية، قال الحافظ ابن عبدالبر:
قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا أنه لا قود بين الصبيان وأن خطأ ما لم تجب عليهم الحدود ويبلغوا الحلم، وأن قتل الصبي لا
عمدهم
يكون إلا خطأ، وذلك لو أن صبيا وكبيرا قتلا رجلا حرا خطأ كان على عاقلة
كل واحد منهما نصف الدية.
(1) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 108. (1/89)
صفحة 90
الرائد
(4.)
قال أبو عمر: أما قوله لا قود بين الصبيان فهو أمر مجتمع عليه لا خلاف بين العلماء فيه، وأما قوله: إن عمد الصبيان خطأ تلزمه العاقلة فإن الصبي إذا كان له قصد وعرف منه تمييز لما يتعمده فهذا الذي عمله خطأ لارتفاع القلم عنه في القصاص والحدود وسائر الفرائض.
وأما إذا كان طفلا في المهد أو مرضعا لا تمييز له ولا يصح منه قصد ولا
تعمد فهو كالبهيمة المهملة التي جرحها جبار.
وهذا أصل مجتمع عليه، ولا أعلم خلافا فيه إلا ما تقدم من الشافعي ومن قال بقوله في أن عمد الصبي في ماله لا تحمله العاقلة).
مذهب
والله تعالى قد بيّن أن جعل الجزاء على من قتل الصيد -وهو من محظورات الإحرام إنما هو من باب العقوبة والجزاء والنكال على المخالفة الشرعية، وهذا لا يكون إلا في معصية ولا يحكم على فعل الصبي بالعصيان اتفاقا كما قال تعالى:
ا
يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا
فَجَزَاءُ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ تَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيَا بَلغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفْرَةٌ
قلے
طَعَامُ مَسَكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ
(1) ابن عبدالبر، الاستذكار، ج 8، ص 56. (1/90)
صفحة 91
الرائد
(41)
عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتقام ج).
(
والصبي قبل بلوغه ليس ممن يدخل في ذلك).
وذهب جماعة إلى أنه تلزم الفدية على الصبي بانتهاك محظورات الإحرام، واختلفوا من مال من تخرج فقيل ذلك من مال الصبي، وفي هذا إشكال لما ذكرناه قبل قليل.
وقيل بل هو من مال من أدخل الصبي في ذلك الإحرام، وفيه إشكال أيضا؛ إذ الفدية على من ارتكب المحظور والولي لم يرتكب شيئا، لذا يبقى الرأي الأول القائل بعدم وجوب الفدية على الصبي أسعد بالدليل وأأخذ
بحجزته.
خامسا: إجزاء حجة الصبي عن حجة الفرض
بعد أن ظهر جواز حج المميز مع عدم وجوبه نقول إنه إن حج قبل البلوغ ثم بلغ وتوفرت فيه شرائط وجوب الحج لزمه أن يحج عن نفسه حجة
(1) سورة المائدة، الآية (95).
(2) الطحاوي، شرح مشكل الآثار، ج 6، ص 392. (1/91)
صفحة 92
الرائد
92
الإسلام ولم تجزه الحجة التي حجها في صغره) إذ هي غير واجبة من الأصل فلا تقوم مقام الواجب، ثم إنها حصلت منه في حال قصور تكليفه مما يعني قصورها عن رتبة الواجب فلا تجزي عنه لكونها ليست حجة الإسلام. ومما يدل على هذا من الأثر بعد النظر حديث أن النبي مال الله قال: أيما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما أعرابي"، حج ثم هاجر فعليه حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه حجة أخرى.
وقد جاء هذا الحديث مرفوعا وموقوفا فالمرفوع أخرجه الضياء المقدسي في المختارة، كما أخرجه الحاكم في المستدرك)، والبيهقي في الكبرى)، والطبراني في الأوسط) من حديث محمد بن المنهال ثنا يزيد بن زريع ثنا
(1) القطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 14، والشافعي، الأم، ج 2، ص 110، والخوئي، الحج، ج 1، ص 23.
(2) يراد به هنا المشرك وهجرته الدخول في الإسلام كما نص على ذلك جماعة من أهل العلم. الجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2، ص 129، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 294.
(3) الضياء المقدسي، الأحاديث المختارة، ج 9، ص 546 برقم (537).
(4) الحاكم، المستدرك، ج 1، ص 481. (5) البيهقي، السنن الكبرى، ج 4، ص 325.
(6) الطبراني، المعجم الأوسط، ج 3، ص 140. (1/92)
صفحة 93
الرائد
93
شعبة عن سليمان الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس مرفوعا.
قال الحاكم بعد إخراجه: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
واستظهر ابن حزم صحة المرفوع؛ لأن رواته ثقات، وقال الحافظ ابن الملقن: حديث صحيح، وقال الحافظ ابن حجر: حديث حسن، وقال
الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، وقواه النووي في شرح المهذب).
لكن أعله البيهقي في الخلافيات) والسنن" بالوقف فقال رادا على تصحيح شيخه الحاكم وأظن أن شيخنا حمل حديث عفان وغيره على حديث يزيد، فهذا الحديث إنما رواه أصحاب شعبة عنه موقوفا سوى ابن زريع فإن محمد بن المنهال ينفرد برفعه عنه والله أعلم اهـ.
(1) ابن حزم المحلى بالآثار، ج 7، ص 44.
(2) ابن الملقن البدر المنير، ج 6، ص 16. (3) ابن حجر، موافقة الخبر الخبر، ج 2، ص 39.
(4) الهيثمي، مجمع الزوائد، ج 3، ص 206.
(5) النووي، المجموع، ج 7، ص 36.
(6) الإشبيلي، مختصر الخلافيات، ج 3، ص 224.
(7) البيهقي، السنن الكبرى، ج 4، ص 325. (1/93)
صفحة 94
الرائد
(92)
وهو يشير بذلك إلى روايته حديث يحيى بن أبي طالب أنبأ عبد الوهاب بن عطاء أنبأ شعبة عن الأعمش عن أبي ظبيان عن عبد الله بن عباس أنه
قال: إذا حج الأعرابي ثم هاجر فإن عليه حجة الإسلام، وكذلك العبد
والصبي (1)
واعترض على إعلال البيهقي بأمرين:
أولهما: عدم التسليم بانفراد محمد بن المنهال برفعه بل توبع على ذلك كما
في رواية ابن أبي شيبة (2) عن أبي معاوية عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن
عباس قال:
احفظوا عني
ولا تقولوا قال ابن عباس: أيهما عبد حج به أهله ثم أعتق
فعليه الحج، وأيما صبي حج به أهله صبيا ثم أدرك فعليه حجة الرجل، وأيما
أعرابي حج أعرابيا ثم هاجر فعليه حجة المهاجرين.
كما رواه الخطيب في تاريخ بغداد) عن ابن المنهال وحارث بن سريج
النقال عن يزيد بن زريع.
(1) البيهقي، السنن الكبرى، ج 4، ص 325.
(2) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 355.
(3) الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد ج 8، ص 209 (1/94)
صفحة 95
الرائد
(40)
ثانيهما: أن الذي انفرد برفع الحديث وهو محمد بن المنهال ثقة ضابط من رجال البخاري، فالأصل يقضي بقبول روايته؛ لأن احتمال وقفه راجع إلى الصحابي إذ إنه تارة يحدث به مرفوعا وتارة يفتي به دون نسبته للنبي صلى الله عليه وسلم فبقي أصل قبول رواية الثقة.
و مما يؤيد الرفع أيضا الروايات الأخرى للحديث منها حديث: حرام بن عثمان عن عبد الرحمن ومحمد ابني جابر عن أبيهما جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لو حج صغير حجة لكانت عليه حجة إذا بلغ إن استطاع إليه سبيلا، ولو حج المملوك عشرا لكانت عليه حجة إذا أعتق إن استطاع إليه سبيلا، ولو حج الأعرابي عشرا لكانت عليه حجة إذا بلغ إن استطاع إليه سبيلا وإذا
هاجر.
أخرجه الحافظ ابن عدي في الكامل (2) في ترجمة حرام بن عثمان وأعل به، قال عنه يحيى القطان: قلت لحرام بن عثمان وهو السلمي الأنصاري: عبد
الرحمن بن جابر ومحمد ابني جابر وأبو عتيق هم واحد؟
قال: إن شئت جعلتهم عشرة منكر الحديث ثنا بن حماد قال البخاري
(1) الكلاباذي، رجال صحيح البخاري، ج 2، ص 681.
(2) ابن عدي الكامل، ج 2، ص 446. (1/95)
صفحة 96
الرائد
(47)
حرام بن عثمان الأنصاري السلمي عن ابن جابر بن عبد الله منكر الحديث، وقال عمرو بن علي حرام بن عثمان متروك الحديث، وقال النسائي: حرام
بن عثمان مديني ليس بثقة ولا مأمون يروي عن ابن جابر.
ومنها الرواية المرسلة للحديث من طريق أحمد بن حنبل حدثنا وكيع عن يونس بن أبي إسحاق قال: سمعت شيخا يحدث أبا إسحاق عن محمد بن كعب القرظي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إني أريد أن أجدد في صدور المؤمنين أيما صبي حج به أهله فمات أجزأ عنه، فإن أدرك فعليه الحج وأيما مملوك حج به أهله فمات أجزأ عنه، فإن أعتق فعليه الحج.
والحديث أخرجه بالإسناد السابق أبو داود في المراسيل، غير أنه تظهر عليه سيما الضعف من وجوه:
أولها: يونس بن أبي إسحاق السبيعي اختلف فيه بين موثق ومضعف، وأحمد بن حنبل ضعف حديثه عن أبيه خاصة، وقال في رواية: حديثه مضطرب، وقال يحيى بن معين كانت فيه غفلة ووثقه في رواية، وقال
(1) أبو داود، المراسيل، ص 144. (1/96)
صفحة 97
الرائد
97
النسائي: لا بأس به، ومع السابق الرجل متهم بالتدليس).
ثانيها: إبهام الشيخ الذي حدث أبا إسحاق، وهذا الإبهام موجب سقوط الحديث عن مرتبة الحجية.
ثالثها: أبو إسحاق السبيعي وهو عمرو بن عبد الله، مشهور بالتدليس،
(4)
ومكثر منه (3)، كما أنه رمي بالاختلاط آخر عمره).
6
رابعها إرسال محمد بن كعب فهو تابعي لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبين عمن أخذه.
تلكم روايات القضية، والاحتجاج بالحديث قائم على مسألة تعارض الوقف والرفع، وفيها إشكال كبير من حيث ترجيح الوقف على الرفع من الروايتين، والذي يسبق إلى النفس رحجان الموقوف من الروايتين؛ إذ إن تخطئة فرد وهو محمد بن المنهال أهون من تخطئة جماعة.
(1) العجلي معرفة الثقات، ج 2، ص 377،،والعقيلي الضعفاء، ج 4، ص 457، والمزي، تهذيب الكمال، ج 32، ص 488، والذهبي ذكر من تكلم فيه وهو موثق، ص 204.
(2) ابن حجر، طبقات المدلسين، ص 37.
(3) العلائي، جامع التحصيل، ص 245، وابن حجر، طبقات المدلسين، ص 42.
(4) الطرابلسي، من رمي بالاختلاط، ص 64. (1/97)
صفحة 98
الرائد
(a)
وأما القول بأن الصحابي نفسه قد يرفعه حينا ويجعله من كلامه حينا
آخر فأمر في النفس منه شيء إذ ذلك يقال به لو كان مخرج الرواية مختلفا فيحمل كل راو على حال معين وأنه أدى ما سمع فحينها يقال بذلك.
يعني
أن السماع واحد ولكن
أما والحال أن المخرج واحد للرواية مما الوهم من الرواة عن شعبة فإن كان الأكثر منهم وهم الثقات مقبولو الرواية - على الوقف فالنفس تطمئن إلى ما قالوا أكثر من طمأنينتها إلى رواية الذي انفرد بخلافهم ونسبة الوهم إلى فرد أهون من نسبته إلى جماعة لا يقلون عنه في الحفظ والإتقان.
وحكي على عدم الإجزاء بعد البلوغ الإجماع، قال الترمذي:
وقد أجمع أهل العلم أن الصبي إذا حج قبل أن يدرك فعليه الحج إذا
أدرك لا تجزي عنه تلك الحجة عن حجة الإسلام.
وكذلك المملوك إذا حج في رقه ثم أعتق فعليه الحج إذا وجد إلى ذلك
سبيلا، ولا يجزي عنه ما حج في حال رقه).
ولكن لا إجماع في المسألة؛ إذ ذهب بعض الفقهاء إلى إجزاء تلك الحجة
(1) ابن المنذر الإجماع، ص 116 (212)، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 200.
(2) الترمذي، "السنن" كتاب الحج، باب ما جاء في حج الصبي (926). (1/98)
صفحة 99
الرائد
(99)
عن حجة الإسلام فلا يلزم الصبي بالحج بعد البلوغ وإن اجتمعت فيه شرائط الوجوب أخذا بحديث ابن عباس في المرأة التي سألت إذ الجواب كان: نعم ولك الأجر.
وتنسب كتب الآثار عند أصحابنا الإباضية ذلك إلى الإمام الربيع بن، رواه عنه تلميذه الأكبر وربيبه أبو سفيان محبوب بن الرحيل
كما في بيان الشرع.
كما ذهب إلى الرأي السابق الإمام أبو عبد الله محمد بن محبوب الرحيلي - من كبار متقدمي، علمائنا، قال الإمام الربيع: إذا كان الصبي والصبية يدخلان مكة فيحرمان ويعقلان ويفعلان ما يفعله البالغ فقد أجزى عنهما حجة الإسلام اهـ.
ونسبه ابن جعفر في الجامع لأبي سفيان محبوب بن الرحيل ولا أدري
أهو خطأ طباعي أو أنه رأي لأبي سفيان محبوب بن الرحيل.
(1) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 281، والكندي، بيان الشرع، ج 24، ص 61، والشقصي، منهج الطالبين، ج 7، ص 311، وص 313، والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 14، واعتذر القطب لابن محبوب في شرح كتاب النيل ج 4، ص 7 فقال: ولعله لم يصله حديث وجوب الإعادة. (1/99)
صفحة 100
الرائد
(1 .. )
وللفقهاء خلاف كالسابق في العبد يحج حال عبوديته ثم يمن الله عليه بالحرية ويستطيع الحج أيلزمه أن يحج حجة أخرى كما هو مذهب الجمهور - أو لا يلزمه ذلك كما هو الأظهر من الأقوال.
سادسا: بلوغ الصبي في إحرام عقده حال صباه
مما سبق تبين أن الصبي غير ملزم بالحج وأنه إن أحرم به لم يكن له لازما بل له أن يفسخه دون أن يكون عليه ولا على من أحرم به شيء.
ومن السابق نقول إنه إن بلغ الصبي بعد أن أحرم وكان من الواسع لقدرته إدراك ذلك الحج فهنا يلزمه إن شاء الحج أن يحرم بالحج غير الإحرام الأول؛ إذ الأول مما لم يتعين عليه، وهذا يكون من باب أداء الواجب المتحتم
عليه.
وإحرامه يكون من موضعه دون أن يلزم بالخروج إلى المواقيت)؛ إذ يكون حكمه حينها حكم أهل مكة كما سنفصل ذلك عند الحديث عن المواقيت لذا فيطبق عليهم حديث ابن عباس له قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم هن لهن ولمن أتى عليهن من غيرهن ممن أراد الحج
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 24، ص 61. (1/100)
صفحة 101
الرائد
(1+1)
والعمرة، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة.
وإن لم يحرم للفرض إحراما جديدا بل مضى على إحرامه السابق كان ذلك نفلا على رأي جماعة من أهل العلم ويتعلق الوجوب برقبته إن اكتملت شرائطه و خوطبت به ذمته، وينقلب إلى حجة الإسلام على رأي آخرين
لتعينها (3).
وذهب آخرون إلى أنه يرجع إلى الميقات ويحرم بالفرض اللازم، ولا
أعرف دليلا لهؤلاء.
سابعا: نفقة الصبي في الحج
مما اختلف فيه الفقهاء في حال حج الصبي على من تكون نفقته فنقول: إن كان الصبي غير مميز أو كان المحمول مجنونا فنفقتهما على وليهما ولا له أن يأخذ شيئا من مالهما إلا بمقدار ما ينفق عليهما في حال الاختيار
يصح
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب مهل أهل مكة للحج والعمرة (1452)، ومسلم في كتاب الحج، باب مواقيت الحج والعمرة (1311).
(2) عبد الوهاب البغدادي، الإشراف، ج 1، ص 490.
(3) سيأتي الخلاف في حكم التنفل بالحج قبل أداء الفرض عند الكلام على النيابة في الحج
(4) هذا كله في حال عدم تبرع الولي بالنفقة بل مطالبته بها، أما إن تبرع بها فالأمر إليه. (1/101)
صفحة 102
الرائد
(1.7)
من حياتهما وما عدا ذلك فعليه من ماله.
وإن أخذ من مالها غرمه لهما إلا إن أجازاه بعد أن يكونا أهلا للتبرع
راضيين، أما إن كان الصبي غير مميز فقيل يحسب قدر الزائد بسبب السفر فيكون على الولي، أما قدره في الحضر فمن مال الصبي.
واستثنى بعض الفقهاء حالة ما إذا خشي على الصبي بسبب عدم
أخذه
مع الولي فقيل في هذه الحالة إن النفقة كلها عليه من ماله، ومحصلة الكلام أنه لا يشرع أخذ الصبي للحج أو العمرة التي هي غير متعينة عليه دينا ولا دنيا من ماله ونفقته).
(1) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 108، وعبد الوهاب البغدادي، الإشراف، ج 1، ص 486. (1/102)
صفحة 103
الرائد
(103)
المطلب الثالث: العقل
أولا: اشتراط العقل لوجوب الحج
العقل شرط من شروط الوجوب، وقد اتفق الفقهاء على عدم وجوب الحج على غير العاقلين لحديث رفع القلم سابق الذكر والتخريج، وللقاعدة الشهيرة: إن الله إذا أخذ ما وهب أسقط ما أوجب، ولأن المجنون ليس من أهل الخطاب والتكليف لعدم العقل والتمييز.
وهذا الإسقاط للوجوب عن غير العاقلين ينطبق على من كان جنونه مطبقا فلا يأتي عليه حال يرجع له فيه عقله، أما إن كان الجنون غير مطبق فينظر حاله في أشهر الحج فإن تحققت فيه شروط وجوب الحج في أشهره وهو عاقل توجه إليه الخطاب الشرعي بالحج، وإن كان غير عاقل في أشهر الحج فيرتفع عنه قلم التكليف).
وغير خفي أن هذا في حق فاقد العقل أما العاقل السفيه فيلزمه الحج قولا واحدا إن تحققت فيه شروط وجوب الحج ويلزم وليه القائم عليه أن
يهيئ له أمر حجه من ماله (2).
(1) الشافعي، الأم، ج 2، ص 110.
(2) الشافعي، الأم، ج 2، ص 110. (1/103)
صفحة 104
الرائد
(104)
ثانيا: حكم حج غير العاقل
الاتفاق السابق أنه لا مع
حج على غير العاقل من حيث الوجوب
اختلفوا في جواز حجه مع إحرام وليه عنه، فقال جماعة بالجواز ولعلهم قاسوه على الصبي غير المميز وقد تقدم ذكر أدلة من قال إنه من المشروع حج الصبي غير المميز.
وقال آخرون إن حج المجنون غير مشروع بإطلاق لاشتراط العقل المميز فكما أنه لا يشرع له أن يصلي أو يصوم فكذلك لا يشرع له أن يحج، ولا دليل خاص يدل على مشروعية حج المجنون، وقد تقدم ذكر الأدلة على ذلك حج الصبي غير المميز مما يغني عن إعادته هنا.
عند مناقشة مسألة
(1) ابن تيمية، شرح العمدة، ج 2، ص 119. (1/104)
صفحة 105
الرائد
(1.0)
المطلب الرابع: الحرية
أولا: اشتراط الحرية لوجوب الحج
من شروط الوجوب التي اتفق عليها الفقهاء شرط الحرية فالحج لا
لب على غير الحر)، إذ إن ذمة العبد مشغولة بطاعة سيده كما هو شرع
تعالى.
الله
ثم إن عبادة الحج يتعلق وجوبها بالاستطاعة من مال وقدرة بدنية والعبد لا مال له فلم يجب عليه شيء، ثم إن ولي الأسرة يسقط عنه وجوب الحج إن كان سفره مفوتا حق من يعول كما سيأتي بأدلته فكذلك سفر العبد للحج يفوت على سيده حقه فلا يكون واجبا.
ثانيا: إجزاء حج العبد عن الفريضة بعد حريته
مضى القول أن العبد لا يجب عليه الحج من حيث الأصل واتفقوا على ذلك، لكن اختلفوا في العبد يحج ثم يتحرر ويستطيع الحج بشروطه كافة
أيجزيه حجه في حال رقه أو يلزمه حج آخر؟
ذهب جماعة من أهل العلم بل حكى عليه الإمام الشافعي وغيره
(1) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 4، ص 145. (1/105)
صفحة 106
الرائد
(1.7)
الإجماع (1) إلى أن ذلك الحج لا يجزيه ويلزمه حج آخر؛ إذ الأول ما كان إلا في حال رقه الذي يكون الحج في حقه ليس بواجب مما يعني أنه نفل، والنفل لا
يجزي عن الفرض، قال الإمام الشافعي:
فإن قال قائل فكيف لا تجزي عنه؟
قلت: لأنها لا تلزمه وأنها لا تجزي عمن لم تلزمه، قال: ومثل ماذا؟ قلت: مثل مصلي المكتوبة قبل وقتها، وصائم شهر رمضان قبل إهلاله لا يجزي عن واحد منهما إلا في وقته؛ لأنه عمل على البدن والعمل على البدن لا يجزي إلا في الوقت.
والكبير الفاني القادر يلزمه ذلك في نفسه وفي غيره وليس هكذا المملوك ولا غير البالغ من الأحرار فلو حجا لم تجز عنهما حجة الإسلام إذا بلغ هذا وعتق هذا وأمكنها الحج".
وفوق النظر السابق جاء الأثر دالا على أن العبد بتحرره يلزمه حج آخر كما هو صريح حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أيما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما أعرابي حج ثم هاجر فعليه حجة أخرى، وأيما عبد
(1) الشافعي، الأم، ج 2، ص 110. (2) الشافعي، الأم، ج 2، ص 110. (1/106)
صفحة 107
الرائد
(107)
حج ثم أعتق فعليه حجة أخرى.
ففي هذا الحديث النص من صاحب النبوة على عدم الإجزاء وأنه يلزمه حجة أخرى بالعتق.
وخالف ذلك آخرون فقالوا إنه إن حج العبد في حال رقه كأن يكون مع سيده أو بإذنه أو غير ذلك أجزاه ذلك عن حج الفرض ولا يلزمه أن يحج
بعد عتقه (2).
وذلك لأن ارتفاع حكم الوجوب عن العبد كان لاشتغال ذمته بحق السيد باتفاق بين أهل العلم لا لأمر آخر فهو عاقل يأتي العبادة كما أم الشارع إذا ما تمكن من ذلك، وفي حال أن يمكن السيد العبد من الحج وتتوفر له سبل الاستطاعة فالمانع السابق مرتفع ولا فرق بينه والأحرار
حينها.
اعترض أرباب القول الأول على هذا الرأي بأمور:
أولها: مخالفة هذا الرأي للحديث السابق مما يجعل النظر فيه فاسد
الاعتبار.
(1) تقدم تخريجه.
(2) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 4، ص 145. (1/107)
صفحة 108
الرائد
(108)
ثانيها: يلزم من هذا الرأي أن لا يجب على الصبي حج بعد بلوغه إن كان قد حج في حال صباه وهذا خلاف المتقرر سابقا.
ثالثها: أنه من الممكن أن يمنع السيد العبد في حال حجه فيلبي طلبه وينقص حجه مما يعني قصور حجه في حال الرق لذا فيلزم بحج آخر كامل في حال حريته.
ويجاب عن أول وجوه الاعتراض بأن الحديث قد تقدم بحثه عند شرط البلوغ وتبين ثمة أن أولى ما به الإرسال ولا تقوم عندنا حجة بالمرسل. أما ثاني الاعتراضات فمردود بالفرق بين مانع الصبي من الحج ومانع العبد من الحج إذ إن مانع الصبي من الحج هو الصغر الذي هو مظنة القدرة على الأداء على الوجه المطلوب كما أن عقل الصبي قاصر عن عقل البالغ مما يعني القصور في العبادة عن الوجه الأكمل.
عدم
أما العبد فالمانع الذي رفع عنه حكم الوجوب هو اشتغال الذمة بحق
السيد، وإذا ما ارتفع هذا المانع كان حجه كبقية الناس الأحرار.
ومثل ذلك شرط الاستطاعة فهو شرط وجوب وإذا ما حج المعذور عن الحج كأن يشق على نفسه في المشي أو في الزاد أو غير ذلك فإن حجه صحيح ولا يطالب بعد تحقق الاستطاعة المنوط بها وجوب الحج بالحج مرة أخرى. (1/108)
صفحة 109
الرائد
(1.9)
أما ثالث الاعتراضات وهو قصور حج العبد لإمكان أن يطلبه السيد في حال إحرامه فمردود بأن السيد له أن يمنع العبد من أن يحج ولكن ليس له أن يشغله عن حجه بما يقصر فيه من واجبات الحج بعد دخوله فيه فإن الحال هنا أن حق الله مقدم على حق السيد بعد الشروع في العبادة، قال الإمام الشافعي:
إذا أذن الرجل لعبده بالحج فأحرم فليس له منعه أن يتم على إحرامه، وله بيعه وليس لمبتاعه منعه أن يتم إحرامه.
ولمبتاعه الخيار إذا كان لم يعلم بإحرامه؛ لأنه محول بينه وبين حبسه لمنفعته إلى أن ينقضي إحرامه، وكذلك الأمة، وكذلك الصبيان إذا أذن لهما
أبوهما فأحر ما لم يكن له حبسهما".
(1) الشافعي، الأم، ج 2، ص 112. (1/109)
صفحة 110
الرائد
المطلب الخامس: الاستطاعة
توطئة
(11.)
من طبيعة الأوامر الإلهية أنها جاءت موافقة للفطرة وفي حد قدرة المكلف، وإن وصلت حدا لا يطيقه المكلف ارتفع التكليف بها عن العبد قال تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ، فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).
وبين سبحانه أن التكليف الشرعي إنما هو في حدود الوسع والطاقة عندما قال: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى
صلے
الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا
وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ (2).
والرسول صلى الله عليه وسلم بين أن الائتمار بالأوامر الشرعية إنما هو في حدود
الاستطاعة كما صرح
بذلك حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن
(1) سورة التغابن، الآية (16).
(2) سورة البقرة، الآية (286) (1/110)
صفحة 111
الرائد
(111)
مالك قال: إن رسول الله صلى ذات يوم فجلس فقال: سلوني عما شئتم،
ولا يسألني أحد منكم عن شيء إلا أخبرته به.
قال الأقرع بن حابس يا رسول الله: الحج واجب علينا في كل عام؟
فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى احمرت وجنتاه وقال:
والذي نفسي بيده لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت لم تفعلوا، ولو لم تفعلوا لكفرتم، ولكن إذا نهيتكم عن شيء فانتهوا، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم".
والحج من التكاليف الشرعية التي لا تخرج عن حال بقية العبادات فلا بد لتعلق حكم الوجوب بالمكلف من أن يكون مستطيعا على ما ذكرنا من
الأدلة السابقة.
بل جاء من الأدلة الشرعية ما صرح بالاستطاعة في الحج نفسه كما في
رج
قوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ
اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَلَمِينَ)).
(1) أخرجه الإمام الربيع في كتاب الحج، باب: في فرض الحج (394).
(2) سورة آل عمران الآية (97) (1/111)
صفحة 112
الرائد
(112)
ومعلوم أن ترتيب الحكم على الوصف يدل على سببية ذلك الوصف لذلك الحكم كقولنا زنا فرجم وسها فسجد وسرق فقطعت يده، وقد رتب الله تعالى الوجوب بحرف (على) مع الاستطاعة فتكون سببا له).
والاستطاعة للحج قسمان استطاعة حال واستطاعة مال)، أما استطاعة الحال فهي التي يستطيع المكلف معها أداء الحج عن نفسه أصالة وذلكم هو الأصل في الوجوب.
ولكن بانعدام استطاعة البدن اختلف في سقوط التكليف بالحج فذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا يسقط التكليف بل ينتقل الفرض إلى استطاعة المال أن يجد المكلف المال الذي يؤجر به غيره عنه ليؤدي الواجب المتعلق
وهي
برقبته فهنا يلزمه ذلك.
وإن لم يجد من يؤدي عنه الواجب في حياته تعين عليه الإيصاء به،
وبانعدام الاستطاعتين معا يسقط التكليف عن الإنسان بفريضة الحج.
وذهب آخرون إلى سقوط التكليف بالحج إذا ما عدم الإنسان
(1) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 176.
(2) ينظر في بيان الاستطاعة ومعانيها: ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 275، والشقصي، منهج
الطالبين، ج 7، ص 10. (1/112)
صفحة 113
الرائد
الاستطاعة البدنية، وهذا أوجه القولين).
أولا: استطاعة الحال
(113)
تعني
هذه الاستطاعة
جميع
الأسباب التي تمكن الإنسان من
أداء الحج
على الصفة الشرعية وبفقد أحدها تفقد القدرة على تأدية المناسك أو يعسر
معها الأداء عسرا يدخل المشقة البالغة على المكلف.
ومن الفقهاء من قصر الاستطاعة على الزاد والراحلة كما سيتبين ذلك مستدلين بما جاء مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم "السبيل زاد وراحلة" ولكن هذا الرأي مشكل لا يمكن الأخذ به على عمومه لأمرين:
أولهما على تقدير صحة الحديث يقال إن ذلك خارج مخرج الغالب المعتاد فلا مفهوم له، ولعل الأمر كان لأن السائل الذي سأل عن الحج كانت استطاعته متعينة في الزاد والراحلة فأفتي بما يتناسب وحاله فلا يتعدى الحكم
وما دعانا إلى ذلك إلا الأدلة الشرعية التي لم تراع الزاد والراحلة في
(1) سيأتي تفصيل القول في ذلك في مبحث النيابة في الحج -إن شاء الله-.
(2) القراني، الذخيرة، ج 3، ص 177. (1/113)
صفحة 114
الرائد
(118)
بعض الصور كاتفاقهم أن من كان دون مسافة القصر من البيت العتيق لم ينظر إلى الراحلة في حقه.
ثانيها: النص المستدل به في ثبوته إشكال مما يعني عدم نهوضه حجة فلا
يعول عليه في إثبات الأحكام الشرعية.
وبيان ذلك أني وجدت هذا الحديث من تسع طرق عن النبي صلى الله عليه وسلم لا تخلو جميعها من المقال من حيث أفرادها، وحسنها بعض أهل العلم لتعددها وقال إن ذلك التعدد ينبئ أن لها أصلا.
وبيان ذلك أنه جاء من طريق أنس بن مالك أخرجه الدارقطني في السنن والحاكم في المستدرك) من طريقين أولهما عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس مرفوعا، وقد صححه الحاكم على شرط الشيخين.
وتابع سعيد بن أبي عروبة على إخراجه عن قتادة حماد بن سلمة عن قتادة
(2)
عن أنس بن مالك عند الحاكم والدارقطني، وصححه الحاكم على شرط
مسلم.
(1) الدارقطني، السنن، ج 2، ص 216، والحاكم، المستدرك، ج 1، ص 609. (2) الدارقطني، السنن، ج 2، ص 216، والحاكم، المستدرك، ج 1، ص 609. (1/114)
صفحة 115
الرائد
(110)
وفيما قاله الحاكم نظر من حيث إن الراوي عن حماد بن سلمة هو أبو قتادة عبدالله بن واقد الحراني وهو منكر الحديث كما يقول أبو حاتم، وقال ابن عبدالبر: هو منكر الحديث متروك، وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث لا يحدث عنه، فلا تصح هذه المتابعة لشدة ضعفها.
وأعل الحديث السابق بالإرسال فقد رواه محمد بن عبد الوهاب أنبأ جعفر بن عون أنبأ سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن مرفوعا أخرجه
البيهقي في السنن الكبرى، ورجح الرواية المرسلة على المرفوعة وعد الرواية المرفوعة وهما.
وقال ابن عبدالهادي في تنقيح التحقيق:
لم يخرجه أحد من أهل السنن بهذا الإسناد، وهو مروي عن علي بن سعيد بن مسروق وعلي بن العباس البجلي التابعي ثقتان، وشيخ الدارقطني
ثقة.
والصواب عن قتادة عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا، وأما رفعه عن
(1) ابن حبان المجروحين، ج 2، ص 29، وابن عدي الكامل، ج 4، ص 192، والعقيلي،
الضعفاء، ج 2، ص 313
(2) البيهقي، السنن الكبرى، ج 4، ص 330. (1/115)
صفحة 116
الرائد
أنس فهو وهم، هكذا قال شيخنا.
وجاء الحديث من طريق حصين بن مخارق عن يونس بن عبيد عن
الحسن عن أنس بن مالك مرفوعا عند الدارقطني)، وحصين بن مخارق لا
يحتج به فقد نص الدار قطني أنه يضع الحديث).
فتبين من ذلك كله ترجيح رواية الإرسال فيكون الصواب في الحديث
من مرسل الحسن البصري، ومراسيل الحسن ضعيفة.
الطريق الثاني للحديث:
جاء الحديث أيضا من طريق إبراهيم بن يزيد عن محمد بن عباد بن جعفر عن ابن عمر قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ما يوجب الحج؟ قال: الزاد والراحلة.
والحديث أخرجه الترمذي وابن ماجه)، وفي إسناده إبراهيم بن يزيد
(1) ابن عبد الهادي، التنقيح، ج 2، ص 379
(2) الدارقطني، السنن، ج 2، ص 218.
(3) الذهبي، ميزان الاعتدال، ج 1، ص 554.
(4) أخرجه الترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في إيجاب الحج بالزاد والراحلة (813)، وابن ماجه في كتاب المناسك، باب ما يوجب الحج (2896). (1/116)
صفحة 117
الرائد
(117)
وهو ضعيف متروك الحديث قال أحمد: متروك، وقال ابن معين: ليس بثقة
وليس بشيء، وقال أبو زرعة وأبو حاتم منكر الحديث ضعيف الحديث، وقال الحافظ النسائي: متروك الحديث).
ولإبراهيم بن يزيد متابعات لروايته ولكنها أضعف من روايته هو، قال
الحافظ البيهقي مشيرا إلى متابعات الحديث:
وقد رواه محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير عن محمد بن عباد إلا أنه أضعف من إبراهيم بن يزيد، ورواه أيضا محمد بن الحجاج عن جرير بن
حازم عن محمد بن عباد، ومحمد بن الحجاج متروك).
قال ابن الملقن: ولحديث ابن عمر هذا طريق آخر واه، قال ابن أبي حاتم في علله سألت علي بن الجنيد عن حديث رواه سعيد بن سلام العطار بن عبدالله بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر مرفوعا في قوله تعالى من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً [قال: الزاد والراحلة. فقال: حديث باطل).
(1) المزي، تهذيب الكمال، ج 1، ص 452. (2) البيهقي، السنن الكبرى، ج 4، ص 330. (3) ابن الملقن البدر المنير، ج 6، ص 24. (1/117)
صفحة 118
الرائد
(118)
وعلة الحديث سعيد بن سلام العطار فقد رماه غير واحد بالكذب)، وبذلك يكون الحديث ضعيفا جدا بعيدا عن مراتب الحجية والاستدلال.
الطريق الثالث:
جاء التفسير للاستطاعة بالزاد والراحلة أيضا من طريق ابن عباس أخرجه ابن ماجه في السنن") من طريق سويد بن سعيد ثنا هشام بن سليمان القرشي عن ابن جريج، قال وأخبرنيه أيضا عن ابن عطاء عن عكرمة عن ابن عباس، وللحديث بهذا الإسناد علل منها:
عمر بن عطاء بن وراز ضعفه يحيى بن معين والنسائي، وقال يحيى
أيضا: ليس بشيء، وقال أحمد: ليس بقوي
سويد بن سعيد الحدثاني، وقد ضعف فقال النسائي: ليس بثقة، وقال يحيى بن معين: كذاب ساقط لو كان لي فرس ورمح كنت أغزوه، وقال أحمد:
(1) ابن حبان، المجروحين، ج 1، ص 321، وابن عدي الكامل، ج 3، ص 404، والعقيلي، الضعفاء، ج 2، 108.
(2) سنن ابن ماجه كتاب المناسك باب ما يوجب الحج (2897).
(3) ابن عدي الكامل، ج 5، ص 23، والعقيلي، الضعفاء، ج 3، ص 180، والذهبي، ميزان الاعتدال، ج 5، ص 257. (1/118)
صفحة 119
الرائد
(119)
متروك الحديث، وقال البخاري كان قد. فتلقن ما ليس من حديثه).
عمي
الطريق الرابع:
جاء من حديث الإمام علي بن أبي طالب أخرجه الدارقطني في السنن
الله (2)
من طريق حسين عن أبيه عن جده عن علي عن النبي، وعلته حسين بن
عبدالله بن ضميرة، قال عنه ابن معين: ليس بثقة ولا مأمون، وقال أحمد: لا
يسوى شيئا، وقال البخاري: ضعيف ذاهب الحديث (3).
الطريق الخامس:
جاء من حديث جابر بن عبدالله أخرجه الدارقطني في السنن من حديث عبد الملك بن زياد النصيبي ثنا محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير عن أبي
الزبير أو عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله).
(1) ابن حبان، المجروحين، ج 1، ص 352، وابن عدي الكامل، ج 3، ص 428، والمزي،
تهذيب الكمال، ج 12، ص 247.
(2) الدارقطني، السنن، ج 2، ص 218.
(3) ابن حبان، المجروحين، ج 1، ص 244، وابن عدي الكامل، ج 2، ص 356، والعقيلي،
الضعفاء، ج 1، ص 246.
(4) الدارقطني، السنن، ج 2، ص 215. (1/119)
صفحة 120
الرائد
(120)
وعلته عبد الملك بن زياد النصيبي ومحمد بن عبيد الله، قال عنه ابن عبدالهادي: عبدالملك بن زياد النصيبي قال فيه الأزدي: منكر الحديث غير ثقة، ومحمد بن عبيد الله بن عبيد بن عمير ضعفه يحيى بن معين، وقال مرة:
ليس بثقة، ومرة: ليس حديثه بشيء، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك الحديث).
الطريق السادس:
جاء من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص من طريق عمرو بن شعيب
عن أبيه عن جده، رواه الدارقطني في السنن) من طريقين أولهما عن أحمد بن
أبي نافع ثنا عفيف عن ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب.
وفي هذه علتان ابن لهيعة وهو ضعيف، وأحمد بن أبي نافع ولم يكن أهلا للحديث كما يقول أبو يعلى الموصلي، واستنكر أحاديث له ابن عدي في
الكامل.
والطريق الثاني من حديث محمد بن عبيد الله عن عمرو بن شعيب،
والعلة هنا محمد بن عبيد الله العزرمي، قال ابن الملقن: متروك.
(1) ابن عبد الهادي التنقيح، ج 2، ص 380، و ابن الملقن البدر المنير، ج 6، ص 26.
(2) الدارقطني، سنن الدارقطني، ج 2، ص 215. (1/120)
صفحة 121
الرائد
الطريق السابع
(121)
جاء من حديث علقمة عن عبدالله بن مسعود أخرجه الدارقطني في
السنن).
وعلته بهلول بن عبيد، قال عنه الحاكم روى أحاديث موضوعة، قال أبو حاتم: ضعيف الحديث ذاهب، وقال أبو زرعة: ليس بشيء، وقال ابن حبان: كان يسرق الحديث، لا يجوز الاحتجاج به بحال).
شيخ
الطريق الثامن:
جاء من حديث السيدة عائشة من طريق عتاب بن أعين عن الثوري عن
يونس بن عبيد عن الحسن عن أمه عن عائشة عن النبي.
أخرجه الدارقطني في السنن، والبيهقي في الكبرى، والعقيلي في الضعفاء)، وأعله بعتاب بن أعين وقال في حديثه وهم، وقال البيهقي ليس
(1) الدار قطني، سنن الدارقطني، ج 2، ص 216.
(2) ابن حبان المجروحين، ج 1، ص 202، وابن عدي الكامل، ج 2، ص 65، والذهبي، ميزان الاعتدال، ج 2، ص 73.
(3) الدارقطني، سنن الدرقطني، ج 2، ص 216، والبيهقي، السنن الكبرى، ج 4، ص 330
والعقيلي، الضعفاء، ج 3، ص 332، والذهبي، ميزان الاعتدال، ج 5، ص 36. (1/121)
صفحة 122
الرائد
بمحفوظ.
(122)
ثم إن عتاب بن أعين قد خولف في روايته السابقة إذ إنه قد روي
الحديث من غير هذا الوجه مرسلا من حديث الحسن البصري وهو
في الرواية التي بعد هذه.
الطريق التاسع:
جاء من حديث الحسن البصري مرسلا، وله في ذلك طريقان:
أشبه كما
1 - محمد بن عبد الوهاب أنبأ جعفر بن عون أنبأ سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن مرفوعا أخرجه البيهقي في السنن الكبرى)، وصحي
الحديث إلى الحسن البصري البيهقي في السنن الكبرى.
2 - يونس بن عبيد البصري عن الحسن مرفوعا، أخرجه أبو داود في المراسيل) من طريق أحمد بن حنبل نا هشيم أنا يونس عن الحسن، وظاهر
منه صحة الإسناد إلى الحسن البصري، وأخرجه البيهقي أيضا".
(1) البيهقي، السنن الكبرى، ج 4، ص 330.
(2) أبو داود، المراسيل، ص 143.
(3) البيهقي، السنن الكبرى، ج 4، ص 327. (1/122)
صفحة 123
الرائد
(123)
بتعاضد
وبعد السابق وظهور ضعف حديث تفسير الاستطاعة من حيث أفراد طرقه، أو كونه جاريا مجرى الأغلب المعتاد فلا مفهوم له إن صح الطرق، نقول إنه يرجع في تفسير الاستطاعة الواردة في الكتاب العزيز إلى ظاهر اللفظ فيؤخذ بعمومها وهي ترد على كل مكلف بحسبه. وتتصور الأسباب التي تتحقق بها الاستطاعة الموجبة للحج في أمور:
أولها صحة البدن التي تجعل صاحبها قادرا على السفر وأداء المناسك؛ إذ المرض يعوق حركة الإنسان فيسقط بذلك التكليف بوجوب الحج من حيث أداء الفرد نفسه، ودليل ذلك حديث:
أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال: أتى رجل إلى رسول الله فقال: يا رسول الله، إن أمي عجوز كبيرة لا تستطيع أن أركبها على البعير، وإن ربطتها خفت عليها أن تموت، أفأحج عنها؟ قال: نعم".
بل إننا نجد في الأدلة الشرعية أن من كلف نفسه مشقة عبادة وهو غير قادر عليها حتى أودت بحياته أنه أثم بفعله ذلك كما في حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغني أن رجلاً أجنب في سفره في يوم بارد فامتنع من الغسل فأمر به فاغتسل فمات، فقيل ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قتلوه قتلهم
(1) أخرجه الإمام الربيع في كتاب الحج، باب: فرض الحج (395). (1/123)
صفحة 124
الله
الرائد
(1)
(124)
وأقر النبي عمرو بن العاص على استدلاله على ترك عبادة الغسل
بالماء وعدوله إلى عبادة التيمم بسبب خشيته على نفسه كما في حديث: أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: خرج عمرو بن العاص إلى غزوة ذات السلاسل وهو أمير على الجيش فأجنب، فخاف من شدة برد فتيمم، فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبره أصحابه بما فعل عمرو فقال رسول الله:
الماء
يا عمرو لم فعلت ما فعلت ومن أين علمته؟ فقال: يا رسول الله، وجدت الله يقول: {وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا، فضحك النبي لا لا لا لو لم يرد عليه شيئا).
وهذا تقرير على الجواز بل هو من أقوى أنواع التقرير، قال الإمام
السالميه في "شمس الأصول":
وإن بدا استبشاره كان أدل على جواز ما أتاه من فعل
(1) أخرجه الإمام الربيع في باب الزجر عن غسل المريض (173). (2) أخرجه الإمام الربيع في باب الزجر عن غسل المريض (172). (1/124)
صفحة 125
الرائد
(125)
والمرض أنواع فمنه ما يكون غير مانع للحج وإن كان خطيرا؛ إذ البدن من حيث الأداء قادر كمرض الإيدز في سني مراحله الأولى فصاحبه يذهب به ويجيء قاضيا مأربه كالأسوياء فمثل هذا لا يسقط المرض عنه فرض الحج.
في حين قد يصاب شخص بكسر يعوق حركته ويجعله طريح الفراش، قلة خطورته في مقابل الإيدز يسقط وجوب أداء الحج ما
وهو مع المكلف مبتلى به.
دام
فالعبرة في الجميع أن يقال من شرط الاستطاعة أن يكون المكلف متلبسا بصحة تمكنه من الوصول إلى العراص المقدسة وأداء المناسك على الوجه
الشرعي دون مشقة بالغة ترجع له بالضرر في بدنه.
وإن كان بالمكلف بعد تحقق أسباب الوجوب عاهة لا يستطيع معها الذهاب للحج منفردا ولكن يستطيع الذهاب مع قائد كالأعمى والكسيح ونحو ذلك، فهنا لا يلزمه الحج ببدنه إن لم يجد من يصحبه مزيلا عنه أثر
العاهة.
وإن وجد القائد دون أجر أو منة تلحقه لزمه الذهاب معه
للحج، وإن أبى القائد إلا بأجرة وكان المبتلى بالعاهة قادرا على أجرة القائد لزمه (1/125)
صفحة 126
الرائد
(126)
الاستئجار ما دامت الأجرة في حدود أجرة المثل إذ إن ما لا يدرك كله لا
يترك كله.
وذهب بعضهم إلى أنه لا يلزم الأعمى الحج وإن وجد القائد المصاحب)، ولكن يشكل على هذا أن الحج واجب على المستطيع، والأعمى
بوجدانه القائد يكون مستطيعا للحج فيلزمه الامتثال.
6
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص،17، والقطب شرح كتاب النيل، ج 4، ص 11، والسرخسي، المبسوط، ج 4، ص 154، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 296، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 14، والنووي، المجموع، ج 7، ص 54، والعيني، البناية، ج 4، ص 143. 4،
وقال الشيخ سعيد بن بشير الصبحي - إنه مما حفظه من الأقوال اهـ، ولا أدري أهو قول موجود عند علماء الإباضية أشار إلى أنه حفظه عنهم، أو يشير إلى قول أبي حنيفة
السابق إذ لم أجده في شيء غير كلامه من آثار علمائنا.
الصائغي، لباب الآثار، ج 3، ص 206. (1/126)
صفحة 127
الرائد
(127)
ثانيها المال الكافي:
إذ ما فائدة الصحة مع عدم مع عدم المال الذي يتوصل به للذهاب إلى عراص
المناسك.
والمال هنا يشمل أمورا منها نفقته الخاصة التي يقوم بها على نفسه من خروجه وإلى رجوعه، بلده ومنها نفقة من يلزمه عوله من أهله وبنيه؛ إذ تضييع هؤلاء ظلم ومعصية جاء في الحديث عن طلحة بن مصرف عن خيثمة قال: كنا جلوسا مع عبد الله بن عمرو إذ جاءه قهرمان له فدخل (1)
فقال:
أعطيت الرقيق قوتهم؟ قال: لا، قال: فانطلق فأعطهم. قال: قال رسول
الله: كفى بالمرء إثما أن يحبس عمن يملك قوته".
وفي رواية لأبي داود عن وهب بن جابر الخيواني عن عبد الله بن عمرو
(1) قال النووي: (قهرمان (بفتح القاف وإسكان الهاء وفتح الراء وهو الخازن القائم بحوائج الإنسان، وهو بمعنى الوكيل وهو بلسان الفرس النووي، شرح صحيح
مسلم، ج 7، ص 82.
(2) أخرجه مسلم في كتاب الزكاة، باب فضل النفقة على العيال (996). (1/127)
صفحة 128
الرائد
128
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت).
فتسد هذه المفسدة في مقابل مصلحة الحج إن لم يمكن الجمع بين الخيرين، والقيام بالأهل ومن يلزم المكلف القيام به فريضة حاضرة متحققة
والحج فريضة غائبة غير متحققة لهذا المكلف فتقدم الفريضة الحاضرة.
وقال بعض الفقهاء عليه أن يؤدي الحج إن وجد ما يؤدي به الحج وإن
ترك أهله لا شيء عندهم إذ ستكفيهم الصدقات (3)، وهذا الرأي من الضعف
البالغ بمكان وهو مخالف لما ذكرناه.
قال الشيخ خميس الشقصي:
يروى عن ابن عباس أنه قال: ملك
من
مئتي درهم وجب عليه
وحرم عليه نكاح الإماء.
وأرجو أن هذا ليس بعام في جميع الناس منهم القريب إلى مكة ومنهم
البعيد الذي لا يمكنه الوصول إلا ببذل كثير من المال والاعتبار في هذا بقدر المؤونة في ذلك.
(1) أخرجه أبو داود في كتاب الزكاة، باب في صلة الرحم (1692).
(2) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 4، ص 150. (1/128)
صفحة 129
الرائد
(129)
ويعجبني في ذلك أن لا يكون حد محدود في كثرة المال إلا ما يمكنه أن يبلغه ذاهبا وراجعا، مع قدر ما يحتاج إليه من النفقة والمؤونة إلى رجوعه إليهم في مثل عادة الناس في مسيرهم ورجوعهم في حجهم من موضعهم
ذلك.
وإن اختلفت أحوالهم في أسفارهم فعلى قدر الوسط من المقدار المعتاد في
ذلك (1).
ومثل هذا يقال فيمن أراد أن يحصن نفسه بالزواج والمال لا يتسع لأكثر من واحد منهما إما الزواج وإما الحج".
أداء
وهذا الأمر بالمخايرة بينهما إنما هو عند القائلين بفورية وجوب فرض الحج بمجرد توفر أسبابه فعند هذا يقال إنه إن تعارض أمران فأيهما
يقدم.
فإن كان المكلف متعينا عليه الزواج وجوبا لخشيته العنت فهنا تتعارض فريضتان فيقدم الزواج لكونه دفعا لمفسدة، ولكونه فريضة حاضرة.
(1) الشقصي، منهج الطالبين، ج 7، ص 11، والكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 29. (2) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 26، والقطب شرح كتاب النيل، ج 4، ص 12، والصائغي، لباب الآثار، ج 3، ص 182. (1/129)
صفحة 130
الرائد
(130)
قال العلامة ابن جعفر وقيل في رجل صار في يده من المال قدر ما يكفيه
للحج وهو محتاج إلى التزويج أنه إذا خاف عنتا تزوج ولو صار في يده ذلك قبل وقت الحج أو بعده ورفع ذلك إلى الربيع
ونسبه في موضع آخر إلى الإمام موسى بن علي، على أن من قواعدهم الفقهية أنه إذا تزاحمت الواجبات قدم المضيق على الموسع، والفوري على المتراخي، والأعيان على الكفاية.
وما ذلك إلا لأن التضييق في الواجب يقتضي اهتمام الشرع به، وكذلك المنع من تأخيره بخلاف ما جوز تأخيره، وكذلك ما أوجبه على كل أحد أهم عنده مما أوجبه على بعض الأفراد، والأهم مقدم عند التعارض فلذلك قدم حق الوالدين والزوج في المنع من حج النفل لولدهما وزوجته".
أما عند القائلين بعدم وجوب الحج على الفور بل بجواز التراخي فيه فلا إشكال في تقديم الزواج عندهم إذ هو واجب، متعين، والحج واجب متراخ
فيقدم المتعين على المتراخي.
(1) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 277.
(2) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 285. (3) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 183. (1/130)
صفحة 131
الرائد
(131)
أما إن كان لا يخشى العنت على نفسه فإما أن يكون ذلك في أشهر الحج
أو في غيرها.
فإن كان في أشهر الحج قدم الحج على الزواج وجوبا عند من قال إن الحج واجب على الفور، وندبا عند من قال إن الحج يجوز فيه التراخي؛ إذ هو جواز تراخيه واجب متعلق برقبته يعاقب إن مات وهو مستطيع ولم يحج، أما الزواج فغير متعين عليه فليسه بواجب في هذا الحال.
مع
وقد يكون لدى المكلف أصول من عقار أو ذهب للمرأة فوق ما يلبس العادة ونحو ذلك دون السيولة النقدية فهنا يقال للمكلف إن كانت تلك الأصول هي التي يقتات بها وأسرته وعليها الاعتماد في العول فلا يلزم ببيعها؛ إذ هي قوام عيشه وليست فضلا من المال حتى يذهب ليحج بها، ومنه يتبين لك أنه غير مستطيع للحج مع وجودها فلا يلزم بالبيع.
أما إن كانت الأصول فضلا من الأموال ليس عليها قوام العيش فيلزمه أن يبيع منها ما يصل به إلى حج بيت الله الحرام وهو بذلك مستطيع قادر، ولا يرفع عنه حكم الوجوب كونه غير واجد للسيولة النقدية فليس الغنى
بالدراهم والدنانير فقط بل بما يملكه الشخص عامة من عقار أو منقول.
وعلى ذلك فلو كان عقاره كبيرا فاضلا عن الحاجة باعه واشترى ما (1/131)
صفحة 132
الرائد
(132)
يكفيه دون مشقة وعسر وأخذ فضل ما بينهما لحج بيت الله الحرام، قال الشيخ خميس الشقصي:
يجب الحج على كل من له مال يغنيه ويغني عياله ومن يلزمه عوله إلى
الحول، ويبقى من ماله ما يكفيه للحج، وإن باع من ماله لم يضر بعياله. ولا يلزمه بيع ماله كله، وإنما يبيع منه ما لا يضر بنفسه وعياله ولا ينقص
عليه المعاش مما بقي، وليس عليه بيع متاع بيته.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه ليس على من أراد الحج بيع الأصول وإن كانت من فضلة، المال وهذا رأي ضعيف مخالف للدليل السابق، قال قطب الأئمة:
لا وجه لاختصاص العروض ولا لكفاية غلة ما لم يبع من الأصول؛ إذ القصد ما يتوصل به وهو كما يتوصل بقيمة العروض يتوصل بقيمة الأصول، وكما لا يصاحب الأصول معه ولم يمكنه مصاحبتها واستنفاع بها كذلك غالب العروض لا يتيسر له مصاحبتها بل يبيعها ويسافر بثمنها
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 33، والشقصي، منهج الطالبين، ج 7، ص 11، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 173. (1/132)
صفحة 133
الرائد
133
فكذلك
يبيع الأصل ويسافر بثمنه هذا ما ظهر لي.
ومما يتصل بهذا الأمر مسألة الديون التي تكون على مريد الحج، وقد جاء من الآثار ما يفيد عدم مشروعية أن يستدين المكلف لأجل الحج كما في حديث سعيد بن سالم عن سفيان الثوري عن طارق بن عبدالرحمن عن عبد الله بن أبي أوفى صاحب النبي لا اله الا أنه قال: سألته عن الرجل لم يحج أيستقرض صلى الله عليه وسلم للحج؟ قال: لا.
(2)
والحديث رواه الإمام الشافعي عن سعيد بن سالم وهو ابن أبي الهيفاء
المعروف بالقداح كنيته أبو عثمان أصله من خراسان سكن مكة.
قال ابن حبان: كان يرى الإرجاء، وكان يهم في الأخبار حتى يجيء بها
مقلوبة حتى خرج بها عن حد الاحتجاج به، وقال ابن معين: ليس بشيء".
والحديث ليس بالنص في أن المسؤول هو الرسول صلى الله عليه وسلم بل الظاهر المسؤول عبدالله بن أبي أوفى.
وعلى أي حال نجمل حكم من كان مدينا بشيء من الديون في الأم
أن
(1) القطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 10، والخليلي، تمهيد قواعد الإيمان، ج 6، ص 226.
(2) الشافعي، الأم، ج 2، ص 116.
(3) ابن حبان، المجروحين، ج 1، ص 320، والعقيلي، الضعفاء، ج 2، ص 108. (1/133)
صفحة 134
الرائد
(134)
التالي فنقول:
إن الديون التي تكون على المرء قسمان مباحة ومحرمة، فالمباحة سيأتي التفصيل لأحكامها.
أما المحرمة فكالتي ابتلي بحماها ولظاها كثير من الناس في حاضر زماننا من الديون الربوية ولذلك نقول إن حال هذا المبتلى لا يخلو من أحد أمرين: أولهما: أن يكون قادرا على الوفاء بما عليه والتخلص من المعاملة الربوية القدرة على الحج فهنا يتوجه الخطاب إليه بالأمرين التخلص من الربا
مع
لقوله تعالى:
يَتأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (= وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى
278
صلے
279
مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (3) وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ
صلے
فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ.
ويتوجه إليه الخطاب بالحج لبيت الله الحرام، فإن حج ولم يتخلص من
(1) سورة البقرة، الآيات (278 - 281). (1/134)
صفحة 135
الرائد
(135
الربا
مع قدرته على التخلص منه لم يتقبل الله منه لقوله تعالى: [إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ
مِنَ الْمُتَّقِينَ، وهل يعد تقيا من حارب الله بالربا ولم يذره مع قدرته على
التخلص منه؟
أما إن كان صاحب الدين الربوي لا يستطيع أن يجمع بين الأمرين الحج والتخلص من شر الربا فهنا يكون الخطاب موجها إلى التخلص من الربا قبل أداء الحج بكل ما استطاع من سبيل مباح في الشرع.
والأموال التي أعدها للحج الواجب يحتم عليه بذلها للتخلص من الربا بل يمنع مثل هذا المدين من التفكه بأمواله فيأخذ منها ما لا بد منه لقوام عيشه ومن يمون، وما زاد وجب عليه بذله لوفاء الدين المحرم قدر استطاعته، قال الإمام أبو محمد ابن بركة:
من كان عليه ديون كثيرة من ديون اغتصبها ومظالم ارتكبها، وله مال يملكه بقدر ما عليه لم يكن له فيما بينه وبين خالقه أن يتصرف في ماله ويحبسه
عن إنفاذه في تلك المظالم إلا قدر ما يكفيه لقوته الذي يبلغه كقوت أهله.
ومن
كانت عليه ديون ومظالم ولا يفضل الذي له من الذي عليه فلينفق
على عياله بالقوت الذي يسد خلتهم من الجوع ولا يضيف منه أحدا، ولا
(1) سورة المائدة، الآية (77). (1/135)
صفحة 136
الرائد
136
يهب منه لولد ولا غيره ولا يعتق أحدا من، خدمه، فإن فعل مضى فعله ويكون آثما كما بينا.
وقيل لا يأكل اللحم ولا الطرف وإنما يأكل ما يقيم صلبه ويسد جوعه، وما ذلك إلا لأن الحج من شرطه الاستطاعة، وهذا المبتلى غير مستطيع إليه سبيلا؛ لأن ذمته مشغولة بواجب آخر وهو التخلص من الربا، فهنا يتحتم عليه أن يسعى جاهدا للتخلص من الربا وليسأل الله التوفيق وبعد ذلك يتوجه إليه الخطاب بالحج وإلا فهو معذور لعدم استطاعته. ومما يجدر بنا أن نذكر حكمه لكثرة البلوى به أنه في أحيان يكون المبتلى بالدين المحرم ممن يحظى برحلة للحج دون أن يكون عليه شيء من المغارم مقابل تلك الرحلة بل يحمل عنه غيره ذلك كله كما هو الحال مثلا في البعثات الحكومية الرسمية والعسكرية وغيرها والتبرعات ممن يريدون الإنفاق الخيري ونحو ذلك فهنا لا يلزم هذا المبتلى بقبول هذه الهبة ممن وهبها إياه. وكذلك يصح له أن يأخذها ويذهب لحج بيت الله الحرام مسقطا بذلك الفرض اللازم عن رقبته بعد أن يؤسس التوبة النصوح على تقوى الله تعالى،
(1) الشقصي، منهج الطالبين، ج 11، ص 11، والكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 9 وج 35،
ص 47. (1/136)
صفحة 137
الرائد
(137)
ولم يمنع من السفر هنا لكون الذي يذهب به من غير ماله، وليس له دخل فيه ولو كان عليه دين محرم كالذي ذكرناه لأن تعين الوفاء إنما هو في ماله. ومن الباب السابق في جواز الذهاب للحج مع وجود الدين الربوي من كان اكتسابه للمال عن طريق عقد المقاولة للحجاج بأن يكون قائدا لمراكب الحجاج أو ممن يستأجر للقيام بشؤونهم فهو يذهب هناك لاكتساب الرزق الحلال حتى يقوم بشأنه ومن يلزمه، عوله، ومن ذلك المال الذي يكتسبه يتخلص من شر الدين الربوي.
أما القسم الثاني من المدينين فهم من كان دينهم في مباح شرعا، وهؤلاء
ينظر سفرهم إلى الحج في التفصيل الآتي)
•
أولا: من كان دينه حالا قبل الذهاب إلى الحج أو كان الدين غير مؤجل فهذا يلزمه أن يفي ما عليه، وليس له أن يسافر لحج أو غيره إلا أن يقضي دينه أو يأذن له المدين بذلك إذ من حقه أن يعطى ماله وأن يطالب بمنع المدين من
السفر.
وحال هذا المدين لا يخلو من أن يكون قادرا على الوفاء أو غير قادر، فإن
(1) الشقصي، منهج الطالبين، ج 7، ص 23، والصائغي لباب الآثار، ج 3، ص 196، ج 3،
ص 252، والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص 186. (1/137)
صفحة 138
الرائد
(138)
كان قادرا على الوفاء ولم يف مع مطالبة الدائن كان المدين بذلك مماطلا
فيستحق العقوبة وفي الحديث عن النبي: مطل الغني ظلم.
والحديث اشتهر بهذا اللفظ من طريقين صحيحين أولهما عن ابن عباس
رواه الإمام الربيع بن حبيب في مسنده من طريق أبي عبيدة عن جابر بن زيد
به (1).
وأما ثانيهما فجاء من طرق عن أبي هريرة منها ما رواه الإمام البخاري
من طريق همام بن منبه عن أبي هريرة، وجاء من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رواه الإمام البخاري ومسلم.
(3)
وجاء أيضا حديث عمرو بن الشريد عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لي
الواجد يحل عرضه وعقوبته).
(1) في كتاب الأحكام، باب: الأحكام (598).
(2) في كتاب الاستقراض، باب: مطل الغني ظلم (2270).
(3) في كتاب: الحوالة، باب في الحوالة وهل يرجع فيها (2166).
(4) في كتاب المساقاة، باب تحريم مطل الغني (1564).
(5) أخرجه النسائي في كتاب البيوع، باب: مطل الغني (4698،4690)، وأبو داود في كتاب الأقضية، باب في الحبس في الدين وغيره (3628)، وابن ماجه في كتاب:
الصدقات باب الحبس في الدين والملازمة (2427). (1/138)
صفحة 139
الرائد
(139)
ولم تكن تلك العقوبة متعينة في شيء بعينه لذلك أجازها الفقهاء في أشياء كثيرة مادامت لا توقع في محذور شرعي، ومما أجيز ليكون عقوبة للمماطل منعه من السفر بالتضييق عليه وجعله يستقر في بلده لحمله على الوفاء بما عليه من حقوق.
ولكن هذه العقوبة بالمنع من السفر مشروطة بأمور حتى تكون مشروعة مباحة، والشروط هي:
الشرط الأول: أن يكون المنع بعد طلب الدائن نفسه؛ لأنه صاحب الحق إذ بيده العفو عن الدين رأسا، إلا إن شاء الحاكم الشرعي تعزيره بالسجن
عموما من غير تعليق بهذا الدين أو غيره فهناك تكون العقوبة راجعة إليه. الشرط الثاني: أن يكون الدين حالا؛ لأنه والحالة تلك يكون المماطل ظالما، أما في حالة كونه مؤجلا فيكون للمدين السعة في التأخير إلى حين الأجل المطلوب ولا يملك أحد إلزامه به.
وقد يكون للدائن الحق في أن يمنع المدين من السفر مع كون الدين غير حال وذلك إن كان الدين يحل في حال السفر أو كان السفر مخوفا كالخروج
والحديث قال عنه ابن الملقن هذا الحديث صحيح، وصححه ابن حبان والحاكم وغيرهم، ابن الملقن البدر المنير ج 6، ص 656. (1/139)
صفحة 140
الرائد
(12.)
للجهاد ونحوه؛ لأنه يكون المنع سدا لذرائع الفساد، فيلزم حينها المدين بالرهن أو الكفيل أو الامتناع عن السفر.
ومن الفقهاء من قال لا يصح منع المدين المؤجل من السفر مطلقا سواء كان الدين يحل في السفر أو لا يحل وسواء أكان السفر مخوفا أو لا، ومنهم من راعى السفر المخوف فأجاز منع المدين المؤجل من السفر إن كان السفر مخوفا فقط وألزمه في هذه الحالة الرهن أو الكفيل.
الشرط الثالث: أن لا يكون السفر مما يتعين شرعا على المدين ويبرز ذلك أكثر ما يبرز في الجهاد إن داهم أرض الإسلام عدو من خارجها فهنا يلزم المسلمين الخروج إليه دون إذن من أحد إذ مصلحة المسلمين قاطبة
جميع
بدفع العدو عنهم مقدمة على مصلحة فرد واحد بإعطائه ماله.
الشرط الرابع: أن يكون المدين موسرا، أما المعسر فلا يصح أن يضيق عليه لأنه غير مستحق للعقوبة لعدم ظلمه فالمشروع في حقه ما ذكره الله تعالى في قوله تعالى وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ.
ثالثها الراحلة التي توصله العراص المطهرة حتى يؤدي الواجب إن كان
لا بد منها للوصول إلى تلك البقاع المطهرة.
أما من استطاع المشي إليها دون بالغ مشقة كأهلها أو من حولها فلا يعد (1/140)
صفحة 141
الرائد
(141)
عدم وجدانهم الراحلة أمرا مسقطا لوجوب الحج عليهم؛ إذ القدرة حاصلة
بالبدن.
والشرع لم يشترط الراحلة للحج بل اشترط الاستطاعة إليه، وما من شك أن القادر على الوصول بالمشي دون مشقة بالغة تلحقه مستطيع فيتوجه إليه الخطاب الشرعي بالوجوب ويؤمر بالذهاب".
وقد أشار الكتاب العزيز إلى أن الحجيج الملبين بالحج لنداء إبراهيم
العلية الا
منهم الراجل ومنهم الراكب كما في قوله تعالى وَأَذِن فِي النَّاسِ بِالْحَجَ يَأْتُوكَ
(2)
رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ.
وذهب بعض الفقهاء إلى أن شرط القدرة على الراحلة إنما هو لمن بينه
وبين مكة مسافة القصر فأكثر في ذهابه وإيابه، سواء أقدر على المشي أم لا. وقيل إن القدرة على الراحلة شرط في حق الأفقي دون أهل مكة ومن
حولهم إذا قدروا على المشي.
ولكن يشكل على هذين الرأيين التقييد بما ليس بقيد معتبر في الشرع، إذ
(1) الشقصي، منهج الطالبين، ج 7، ص 13.
(2) سورة الحج، الآية (27).
(3) ابن جماعة، هداية السالك، ج 1، ص 326، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 170. (1/141)
صفحة 142
الرائد
(142
الدليل جاء بالاستطاعة التي هي حكم يأتي على المكي والأفقي، فكما يعجز عن الأداء دون الراحلة الأفقي قد يعجز عنها المكي؛ إذ قد يكون غير قادر على الذهاب إلى عرفة ومنى والمزدلفة وغيرها من عراص المشاعر فيكون غير مستطيع دونها ومنه تسقط الاستطاعة دون الراحلة.
والناس في هذه الأزمان قد امتن الله عليهم بتطور وسائل النقل وتنوعها فأضحت مريحة تطوي الفيافي والقفار في أزمنة يسيرة قد تصل في بعضها
ساعات بعد أن كانت أياما وليالي بل شهورا وأعواما.
وعليه فالاستطاعة المعتبرة الآن إنما هي في وسائل النقل الحديثة فلا يعد من لم يستطع الطائرة أو السيارة أو الباخرة واستطاع الإبل قادرا للمشقة البالغة التي تلحق مستخدمها؛ إذ استخدامها ما عهد عند أهل هذا الزمان. ثم إنه يقال إن من لم يستطع السيارة لعلة وكان قادرا على الطائرة دون مشقة بالغة لزمه الحج بها، وهكذا العكس، المهم أن القاعدة التي تضبط هذه الفروع كلها هي قوله: إذا نهيتكم عن شيء فانتهوا، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم.
ثم إن من الفقهاء من عدَّ من تعين عليه ركوب البحر للوصول لأداء
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 7، والعيني، البناية، ج 4، ص 147. (1/142)
صفحة 143
الرائد
(143
فريضة الحج غير مستطيع مستدلين بأن في ركوب البحر خطرا رافعا للاستطاعة يدل عليه الواقع فلذا أسقطوا الحج عن هؤلاء ولم يلزموهم به. وقيل إن كان أكثر معاشه في البحر لزمه الحج وإلا فلا، وقيل إن كان الغالب منه السلامة لزم الحج وإن كان الغالب منه الهلكة لم يلزم، وقيل إن كان له عادة بركوبه لزمه وإن لم يكن له عادة لم يلزمه.
وفيما قالوه نظر؛ إذ إن قولهم إن الواقع يدل عليه فلا يسلم لهم به بل
الأصل أنه بأخذ أسباب السلامة أجمع لا يلحق الراكبين للبحر خطر. أما الأمور الخارجة عن الإرادة فيتعرض لها راكب البر والبحر ولا يزيد
البحر بشيء عن غيره.
قال القرطبي:
والبحر لا يمنع الوجوب إذا كان غالبه السلامة كما تقدم بيانه في البقرة، ويعلم من نفسه أنه لا يميد، فإن كان الغالب عليه العطب أو الميد حتى يعطل الصلاة فلا.
وإن كان لا يجد موضعا لسجوده لكثرة الراكب وضيق المكان فقد قال
(1) الشافعي، الأم، ج 2، ص 120. (1/143)
صفحة 144
الرائد
(144)
مالك إذا لم يستطيع الركوع والسجود إلا على ظهر أخيه فلا يركبه ثم قال: أيركب حيث لا يصلي ويل لمن ترك الصلاة.
رابعها أمان الطريق من الأخطار مما يدخل في الاستطاعة للحج؛ إذ وجود ما يخوف الإنسان يجعله غير مستطيع للحج، والشرع قد حفظ النفوس وأوجب على الناس الحفاظ عليها فهي إحدى الضروريات الخمس
قال تعالى (وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى الهَلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ تُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ).
(2)
والنبي صلى الله عليه وسلم قد قرر أن المتسبب الإهلاك نفسه ولو كان في طاعة وعنده البديل الشرعي يكون آثما، فكيف بمن يقدم على السفر الذي يكون محفوفا بالأخطار لعدم أمنه، وقد جاء في حديث أبي عبيدة قال جابر بن زيد: وبلغني
عن قوم مات بحضرتهم مجدور، فقيل للنبي: إنه أمر بالغسل كما ترى فكر عليه الجدري فمات.
فقال النبي: قتلوه قتلهم الله، ماذا عليهم لو أمروه بالتيمم؟.
(1) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 4، ص 149.
(2) سورة البقرة، الآية (195).
(3) أخرجه الإمام الربيع في باب الزجر عن غسل المريض (174). (1/144)
صفحة 145
الرائد
(120)
يرجع بمفسدة
والشرع حينما أوجب الواجبات وفرض الفرائض أراد بها تحصيل عوائد الخير، وفي حال السفر المخوف الذي ينعدم عنده الأمان فوات الأنفس، وأنى أن تتحصل التزكية للنفس وهي المقصود من الحج- مع وجود خوف يقلق النفس ويسلبها أمنها، ومعلوم من القواعد الشرعية المتقررة أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
بعد الاتفاق على اشتراط أمان الطريق لوجوب الحج اختلفوا في أمر
(1)
وهو هل أمان الطريق من شروط الأداء أو من شروط الوجوب؟
وفائدة الخلاف تظهر في المستطيع للحج بأسبابه جميعها إلا أمان الطريق أيلزمه أن ينيب غيره ممن أمن الطريق أو يوصي بالحج إن لم تتيسر الإنابة أو لا
يلزمه ذلك.
من
قال إنه شرط وجوب قال إن الحج من أصله غير لازم لهذا المكلف فلا يجب عليه أن ينيب ولا أن يوصي، أما من قال إنها شرط أداء فإنه يلزمه
الإنابة أو الإيصاء إن لم تتيسر الإنابة في الحياة.
خامسها: الحصول على تصريح الحج في البلدان التي يشرط فيها
من المعلوم أن بقاع المشاعر التي تؤدى فيها مناسك الحج متناهية مما
(1) الخليلي تمهيد قواعد الإيمان، ج 6، ص 236، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 298. (1/145)
صفحة 146
الرائد
(146)
يجعل لها قدرة محدودة في استيعابها الذين يطئون أرضها ولا يمكن أن يزيدوا على قدرتها وطاقتها وإلا كانت الفجائع والكوارث التي تؤدي إلى إزهاق الأرواح وإراقة الدماء، كما أنه لا يمكن أن يزاد في مساحاتها التي مضى عليها الشارع زمان تنزل الأحكام لتعبدية الأمر.
واللازم الكارثي السابق مع كونه مرفوضا من الناحية الشرعية هو المقصد الأساس الذي أريد من هذه العبادة أن تقوم به وهو
متعارض مع
التزكية، إذ أي تزكية ينشدها الفرد من أمر يخشى منه على روحه التي هي أغلى ما يملك في حياته.
وسلف من قبل أن أمان الطريق شرط من شروط وجوب الحج كما هو متقرر عند الفقهاء كافة، ومن لم يأمن على نفسه أو من يعول في حال غيابه
سقط عنه وجوب الحج وكان بريء الذمة أمام ربه سبحانه.
ومن السابق كله يقال إن تكليف مناطق المشاعر فوق طاقتها الاستيعابية مما يورث هلاكا في الأنفس أمر لا يجيزه الشارع [وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ.
وقد أسقط الشارع فريضة الوضوء عمن لا يستطيعها بل عدَّ من أفتى
(1) سورة البقرة، الآية (195). (1/146)
صفحة 147
الرائد
(147)
بها وأدى ذلك إلى موت المتوضئ قاتلا يستحق الوعيد الشديد من الشارع كما تقدم الحديث عن ذلك، وهذا لا إشكال فيه.
وما دام التكليف السابق لا يجيزه الشارع فالناس بين أمرين إما أن يحصروا الحج بأقوام بلدان دون آخرين وإما أن يحددوا من كل دولة مسلمة قسما شائعا، وأول الأمرين لا يقول به أحد، فما الرأي إلا الثاني منهما، وقد قيل به وحددت نسبة 1% من سكان كل دولة إسلامية، والرأي السابق أمر تقتضيه أصول الشريعة وفروعها.
وما دام الأمر على التحديد السابق فيقال إن الحصول على تصريح الحج الذي تقتضيه مصلحة تحديد نسبة الحجاج من شروط وجوب الحج على الفرد، ومن لم يحصل على التصريح سقط عنه الوجوب، بل لا يشرع له الدخول رأسا.
والالتزام بالأمور التنظيمية للحج أمر لا بد منه كأوقات التفويج وأماكن الجلوس ومسالك العبور ونحو ذلك، حتى تعطي هذه العبادة ثمارها، بل قد يقال بإثم المخالف إن كانت مخالفته تؤدي إلى إحداث ضرر بضيوف الرحمن، ولو كان الضرر لا يتحقق إلا بالاجتماع وانتهكه بمفرده.
على أن الناظر إلى الحجيج اليوم ليجد أن أكثر المصائب التي يشينون بها (1/147)
صفحة 148
الرائد
148
صورة الحج في الأذهان ما كانت إلا بسبب عدم التزامهم بالقوانين المنظمة لحركتهم، وكم كنت أتمنى أن يعمم أمر اجتياز دورة في أداء المناسك تعلم الحاج الجانبين الفقهي والتنظيمي حتى يؤدي العبادة على وفق ما يريد الشارع وما تقتضيه أمور سلامة الحجيج.
بل لو جعل الاجتياز السابق شرطا من شروط صحة الحصول على تصريح الحج لكان أمرا متوجها من الناحية الشرعية؛ إذ وراءه دفع مفاسد كثيرة وتحقيق مصالح متعددة.
ثم إن ظاهرة الحج كل عام - من غير مسوغ لها كالقيام بشؤون الحجاج الإرشادية والعلاجية والتنظيمية- إن كانت تسمح بها ظروف الأزمنة الغابرة فمن غير شك أن أوضاع اليوم لا تعين عليها، فالزحام الموجود هو منبع مشكلات الحج، وعليه فحسب الإنسان أن يبرئ ذمته بحجة الفرض وبعدها يفسح المجال لغيره، ومن أراد الزلفى إلى ربه فأبواب الخير من عبادات بدنية ومالية مفتوحة، بل قد يكون من الأولى له والأعظم في الأ? أن ينفق تلك الأموال في عول يتيم وسد جوعة فقير أو وصل رحم أو القيام بمشاريع تجني الأمة فائدتها وتنهض بها كالأوقاف الخيرية التي هي " أعظم في الأجر بل يتواصل الأجر بسببها على من أتاها بعد موته. (1/148)
صفحة 149
الرائد
(149)
ويالله كم ستجني الأمة من الخيرات أن لو قام من يعددون الحج كل عام بوقف تلك النقود للمشاريع الخيرية والعلمية التي تنفع الناس في دنياهم وتحقق مقاصد دينهم وترسخ جذوره في حياتهم، وفي هذا مصالح عامة للأمة كلها من حيث انتفاعها بالأموال ومن حيث الإقلال من الزحام في بقاع العراص المطهرة، كما أن في ذلك مصالح خاصة للمنفق من تزكية النفس بالإيثار عليها ومن تواصل للأجر بعد الممات، ومن سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة.
ثانيا: الاستطاعة بهبة الغير
ما تقدم ذكره من تفسير الاستطاعة إنما هو في حال من كان مالكا لذلك، واختلف الفقهاء فيمن كان غير مالك للاستطاعة بنفسه ولكن وهبه غيره ذلك الذي يستطيع به الذهاب لحج بيت الله الحرام فلذلك نقول:
إنْ أَخَذَ ما أعطي ودخل ملكه لزمه الحج إن كان ما أعطي إياه يجعله من
المستطيعين للحج، ولكن إن لم يأخذ ما أعطي فهل يلزمه الأخذ أو لا؟ إن كان في تلك الهبة منةٌ وأذى للمعطى فلا يلزمه أخذها قولا واحدا إن يكن من عادته ذلك، ولا يتعين عليه الحج بسببها بل يظل معذورا لكونه غير مستطيع إلى الحج سبيلا؛ لأن المنة أذى ولا يلزم الإنسان بالوصول إلى (1/149)
صفحة 150
الرائد
(10.)
الطاعة بسبيل الأذى، وقد أخبر الكتاب العزيز بكونها أذى بقوله:
الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتَّبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنَّا وَلَا أَذًى هُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ
قلي
وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ) يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَتِكُم بِالْمَنْ وَالْأَذَى).
أما إن لم يكن في العطية منّة فللفقهاء قولان في وجوب أخذها وتعين الحج بالاستطاعة بها).
ذهب جماعة إلى أن الحج يلزم بوجود مثل هذه العطية؛ إذ صاحبها قادر
مستطيع، والملك للمال الموصل للحج لا يشترط لعينه بل للإيصال للحج،
وهذا قادر عليه دون أذى فيلزمه قبوله.
(1) سورة البقرة، الآيات (262 - 264).
(2) الكندي بيان الشرع، ج 22، ص 40، والشقصي منهج الطالبين، ج 7، ص 21، والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص،17، والصائغي لباب الآثار، ج 3، ص 241، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 297، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 12، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 169، والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 4، ص 149، وابن جماعة، هداية السالك، ج 1، ص 353. (1/150)
صفحة 151
(101)
الرائد
وذهب آخرون إلى أنه لا يلزم بذلك بل له أخذه والحج به كما له أن يمتنع عن أخذه، ولا يتعين عليه الحج بعطية المعطين وإن لم يكن أذى بمنة أو غيرها.
الأبية،
وما ذلك إلا لأن الأخذ من الغير دون مقابل أمر تأنف منه النفوس والشرع من حيث العموم أمر الناس بالتعفف عن أموال الآخرين وعدم أخذها ومن ذلك حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: والذي نفسي بيده ليأخذ أحدكم حبلاً فيحتطب على ظهره خير من أن يأتي رجلاً آتاه الله من فضله فيسأله أعطاه أو منعه
وجاء في الحديث مدح الذي يستعفون عن أخذ الصدقات، وفي ذلك إشارة إلى فضيلة الأمر وأن الشرع يحض عليه كما في حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري له قال: كان ناس من الأنصار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم ثلاثاً، حتى نفد ما عنده، ثم
قال:
ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعففه الله،
(1) أخرجه الإمام الربيع في كتاب الزكاة والصدقة باب من تكره له الصدقة والمسألة
(358) (1/151)
صفحة 152
(152)
الرائد
ومن يستغن يغنه الله، ومن تصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء هو خير له
وأوسع من الصبر.
فمن ذلك كله رأى هؤلاء أن للمكلف أخذ ما أعطي إياه لحج بيت الله الحرام وقضاء الواجب عليه، كما أن له أن يستعفف عنها ويكون الأمر على أصله هو غير مستطيع والحج غير واجب عليه.
وفرق آخرون فقالوا إن كانت العطية من الوالد أو الولد لزم قبولها، وإن كانت من غيرهما لم يلزم قبولها؛ لأن المنة من الأولين تخالف غيرهما فهي مغتفرة إن حصلت وأصل عدم الحصول. واعترض على هذا أن المنة نفسها أذى سواء كانت من أقرب قريب أو أبعد بعيد، فلذلك تأنف منها النفوس
الكريمة.
ثالثا: وقت الاستطاعة المعتبرة
الاستطاعة التي يلزم بسببها الحج هي الاستطاعة التي يمكن بها الذهاب لحج بيت الله الحرام وقت تحققها، أما الاستطاعة التي تتحقق عند الإنسان قبل أشهر الحج وتنعدم عند إرادة الأداء فليست بمرادة في التقييد
(1) أخرجه الإمام الربيع في كتاب الزكاة والصدقة باب من تكره له الصدقة والمسألة
(357) (1/152)
صفحة 153
الرائد
(10 r)
الشرعي لوجوب الحج.
ومثلها الاستطاعة التي تتحقق في أشهر الحج ولكن في وقت لا يستطيع معه المكلف أداء المناسك لكون الراحلة التي عنده لا تلحق أداء أركان المناسك التي لا يصح الحج دون الإتيان بها كالوقوف بعرفة مثلا. رابعا: استطاعة المال
ذكرنا فيما تقدم القسم الأول من أقسام الاستطاعة وهي استطاعة الحال وباكتمال شروطها يؤمر المكلف بالذهاب لأداء فريضة الحج بنفسه، ولا يشرع. له - والحال كما مر - أن ينيب غيره لأداء العبادة عنه باتفاق أهل العلم، إذ هي مما خوطبت بها ذمم المكلفين أنفسهم كالصلاة والصيام ونحو ذلك. ولكن جاءت نصوص شرعية تبين حال أناس لا يستطيعون الحج من حيث الاستطاعة البدنية لضعف ونحو ذلك ومع ذلك شُرع أن يقضى عنهم وعُدَّ ذلك القضاء كقضاء الدين من ذلك حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال كان الفضل بن العباس رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءت امرأة من خثعم تستفتيه، فجعل الفضل بن عباس ينظر إليها وتنظر إليه، فجعل رسول الله الله يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر.
قالت: يا رسول الله إن فريضة الله على العباد في الحج أدركت أبي شيخاً (1/153)
صفحة 154
الرائد
(102)
كبيراً لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟
قال: أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته عنه أكنت قاضية عنه؟ قالت: نعم، قال: فذاك ذاك.
وهذا يفيد أن الحج لا يسقط عن الإنسان بمجرد عدم استطاعته البدنية للحج إذ الرجل والد الخثعمية أدركته فريضة الله على العباد لا يستطيع الوقوف على الراحلة ومع ذلك كان الأمر واجبا عليه وذلك حسبما يظهر
لوجود من ينوب عنه وهي ابنته) أو لوجود مال عنده يمكنه أن يحج به. وما قيل ذلك إلا لأنه في الحال الذي لا يترك فيه مالا فباتفاق الأمة أنه لا يلزم أولياءه أن يحجوا عنه ولذلك قلنا إن ذلك الرجل كان مستطيعا من حيث المال فلفت النبي ال و المرأة إلى أن القضاء عنه كقضاء الدين.
وهذا كان في حال وفاة المبتلى فيكون إنابته غيره في حال الحياة أولى
(1) أخرجه الإمام الربيع في كتاب الحج، باب: فرض الحج (392).
(2) تقدم ذكر خلاف أهل العلم في القادر بقدرة غيره في الاستطاعة الحالية، ولهم هنا في غير المستطيع بدنا مثل ذلك الخلاف فهل يلزم من لم يستطع ببدنه وعرض عليه أحد أن يحج
عنه هل يلزمه أن يأذن له بالحج عنه؟ خلاف على ما ذكر هناك.
الصائغي لباب الآثار، ج 3، ص 4 3، ص 184، و ص 204. (1/154)
صفحة 155
الرائد
(100)
بالوجوب ولذلك ينظر من ينوب عنه في حياته لأداء الواجب ولو كان ذلك بعقد إجارة ما دام قادرا على الأجرة، وإن لم يجد من ينوب عنه أوصى بها، وإن عدم المال ارتفع عنه الوجوب.
ومما يشير إليه حديث المرأة الخثعمية أيضا أن قضاء دين الله تعالى المتمثل الحج عن من أدركته الفريضة ولم يؤدها وهو قادر عليها يكون كقضاء ديون الناس، ومعلوم أن قضاء ديون الناس يكون من رأس المال بعد تجهيز الميت على الأشهر من الأقوال الفقهية وعلى ذلك فيكون الحج من رأس المال أيضا قبل أن يأخذ الورثة نصيبهم.
ومما ينبني على ذلك أيضا أن المكلف إن مات ولم يؤد الحج بعد استطاعته الحالية أو المالية أدى ذلك عنه ورثته ولو لم يوص به؛ إذ ديون الخلق لا تستلزم لقضائها الوصية بل يكفي نفس ثبوتها لقضائها من أصل المال عن الميت ولو لم يوص بها صاحبها.
ولذلك فدين الله كما أشار إلى ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ حكم دين
العباد (فذاك (ذاك فيخرج من أصل المال ولو لم يوص به صاحبه.
وإن تزاحم حق الله وحق العباد ولم تسعهما التركة جميعا قدموا حقوق العباد على حقوق الله؛ لأن ذلك هو الأصل لو كان الميت حيا فيعد غير (1/155)
صفحة 156
الرائد
(107)
مستطيع للحج إن كان عليه دين لا يجد المال الذي يكفيه للحج بعد قضاء الدين كما يظهر من كلام الفقهاء واتفاقهم.
ثم إن الهدي النبوي يستفاد منه ذلك كما في حديث أبي عبيدة قال: سمعت ناساً من الصحابة يروون عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الذنوب على وجهين: ذنب بين العبد وربه وذنب بين العبد، وصاحبه فالذنب الذي بين العبد وربه إذا تاب منه كان لا ذنب له، وأما ذنب بين صحبه فلا توبة له حتى يرد المظالم إلى أهلها.
واختلفوا فيمن أناب غيره عنه ثم استطاع الحج أيجزيه ذلك عن حجة الإسلام أو يكلف حجة أخرى؟
قال جماعة من أهل العلم إنه يلزم أن يحج حجة أخرى؛ لأن الإنابة أمر
مشروع على خلاف الأصل وإلا فالواجب الأصالة في الأداء.
وقال آخرون إن ذلك يجزيه ولا يلزم بالحج مرة أخرى؛ إذ قد أتى بما أمر به فخرج عن العهدة، وقد أدى حجة الإسلام بأمر الشارع فلم يلزمه حج ثان كما لو حج بنفسه.
كما أن القول الأول يفضي إلى القول بإيجاب حجتين في العمر والله لم
(1) أخرجه الإمام الربيع في باب الوعيد في الأموال (691). (1/156)
صفحة 157
الرائد
(157)
يوجب غير واحدة).
وذهب بعض أهل العلم إلى أن من لم يستطع الحج ببدنه سقط عنه
الوجوب ولم يلزمه أن ينيب غيره وإن كان قادرا على ذلك بالمال.
ويشكل على هذا الرأي أحاديث النيابة التي سنذكرها ومنها حديث الخثعمية وغيرها إذ كانوا عاجزين ومع ذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقضاء عنهم مما يفيد أن الوجوب متعلق بهم.
ولمعترض أن يعترض ويقول يلزمكم على ذلك أن تلزموا الأولياء القضاء عن أوليائهم واجب ما تركوه وإن لم يتركوا مالا إذ الأمر النبوي لم يلتفت إلى المال بل جاء أمرا دون تقييد؟
قلنا: ليس ذلك بلازم؛ إذ النبي و قد شبهه بالدين المالي ومعلوم من حال الدين المالي أنه لا يكلف الورثة بقضائه إن توفي وليهم ولم يترك شيئا وهذا باتفاق علماء الملة الغراء.
وأمر الحج مثل ذلك إذ هو دين يقضى من أصل تركة الميت إن كانت ثمة تركة وإلا لم يلزم الورثة شيء ما لم يتبرعوا من ذات أنفسهم بعد أن يكونوا
أهلا للتبرع في الشرع.
(1) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 182. (1/157)
صفحة 158
الرائد
(101)
ثم إننا نقول إن كان الإنسان غير ذي يسار كان غير مستطيع للحج فلم
يجب عليه.
ومع
السابق كله يظهر أن القول الألصق بالأدلة الشرعية هو قول من
قال إنه بانعدام الاستطاعة البدنية يسقط التكليف بالحج ولا يلزم الإنسان
بإنابة غيره عنه إذ لم يدل على الاستطاعة المالية دليل.
أما أحاديث النيابة التي استدل بها القائلون بوجوب الإنابة مع الاستطاعة المالية دون البدنية فلا تعدو أن تكون خاصة بالأولاد مع آبائهم
ساكتة وهي
عن مبدأ استطاعة المنوب عنهم بالمال.
ومن المجمع عليه أن الأوامر للأولاد فيها ما كانت للوجوب، وعلى كل سيكون لنا رجوع القضية حكم الإنابة لمن استطاع مالا دون بدن عند ذكر أحكام النيابة فنطوي صفحة هذا الموضوع الآن إلى أن يأتي موضع ذكر
أحكام النيابة إن شاء الله.
المطلب السادس: المحرم أو الزوج
أولا: وجوب صحبة المحرم أو الزوج في سفر الحج
صحبة المحرم أو الزوج مما يختص بالنساء من الشروط لتعلق حكم (1/158)
صفحة 159
الرائد
(109)
وجوب الحج في ذمتها، فلا تعد من لم تجد المحرم مستطيعة للحج وإن وجدت سبل الحج أجمع من استطاعة مالية وبدنية.
وما هذا الاشتراط إلا لأن الشرع رمى بالحج تزكية النفوس لجلب المصالح لها بامتثالها، ومعلوم حال الضعف الذي ينتاب النساء في أوطانهن
فضلا عن أسفارهن وفي حديث الإمام الربيع قال:
أبو عبيدة عن جابر عن أبي هريرة الله قال: قال رسول الله: السفر قطعة من العذاب يمنع أحدكم طعامه وشرابه ونومه، فإذا قضى نهمته من وجه فليعجل إلى أهله".
على أن المرأة أكثر خطرا من الرجل ولو كانت بقوته وسطوته لما تتطلع إليها أعين الرجال بالسوء، ومن هنا كان الأمر الشرعي للمرأة أن لا تسافر إلا بالمحرم ومن ذلك حديث أبي عبيدة عن جابر عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسير مسيرة يوم
(1) يشترط للخنثى المشكل محرم كما يشترط للمرأة، فإن كان معه نسوة من محارمه كأخواته جاز، وإن كن أجنبيات فلا لأنه يحرم عليه الخلوة بهن.
النووي، المجموع، ج 7، ص 57.
(2) أخرجه الإمام الربيع في باب: الآداب (732). (1/159)
صفحة 160
الرائد
وليلة إلا مع ذي محرم منها.
وقد يعترض معترض فيقول إن النبي في هذا الحديث قد نهى عن
سفرها يوما وليلة إلا مع المحرم، وفي رواية يوما، ويمكن حملها على اليوم والليلة كما هو معهود من إطلاق العرب فمالك تنهى عنه بإطلاق، وتلزم الناس بما ليس لهم بلازم؟
قلت: هون عليك فلست بملزم الناس ما ليس لهم بلازم في شرع الله، ومن أنا حتى أجترئ بالإلزام دون دليل، ولكن أبين مستندي في كلامي السابق وأقول:
إن هذا الحديث قد جاء بروايات متعددة منها رواية الإمام الربيع السابق ذكرها من طريق أبي هريرة، وقد رواها غيره أيضا"، وهي واردة باليوم
والليلة.
وجاءت بعض الروايات مفيدة النهي عن السفر دون المحرم مسيرة
(1) أخرجه الإمام الربيع في باب: الآداب (730).
(2) ابن حبان، صحيح ابن حبان، ج 6، ص 437، ونص على أنها محفوظة.
(3) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب: سفر المرأة مع محرم إلى حج أو غيره (1339) من طريق سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة. (1/160)
صفحة 161
الرائد
(161)
يومين ومن ذلك حديث جرير عن عبد الملك وهو ابن عمير عن قزعة عن أبي سعيد قال: سمعت منه حديثا فأعجبني فقلت له: أنت سمعت هذا من رسول الله؟ قال: فأقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم أسمع؟!
قال: سمعته يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى رام والمسجد الأقصى، وسمعته يقول: لا
تسافر المرأة يومين من الدهر إلا ومعها ذو محرم منها أو زوجها.
ومن الروايات ما جاء بالثلاث ومن ذلك حديث نافع عن ابن عمر أن النبي ل قال: لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم".
ومن الروايات ما ذكر البريد (3) حدا للنهي، ومن ذلك حديث سهيل بن أبي صالح عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا
(1) أخرجه مسلم في كتاب: الحج، باب: سفر المرأة مع محرم إلى حج أو غيره (827). (2) أخرجه البخاري في باب في كم يقصر الصلاة وسمى النبي صلى الله عليه وسلم يوما وليلة سفرا (1036)، ومسلم في كتاب: الحج، باب: سفر المرأة مع محرم إلى حج أو غيره (1338)
من طريق نافع عن ابن عمر.
(3) البريد مسافة تعادل اثني عشر ميلا. (1/161)
صفحة 162
الرائد
(162)
تسافر المرأة بريدا إلا مع ذي محرم.
ومن الروايات ما جاء النهي فيه مطلقا دون تقييده بمسافة محددة كحديث أبي معبد مولى ابن عباس عن ابن عباس قال: قال النبي: لا
تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم. فقال رجل: يا رسول الله إني أريد أن أخرج في جيش كذا وكذا وامرأتي تريد الحج؟ فقال: اخرج معها).
ولهذه الروايات المختلفة اختلفت مشارب الفقهاء في الأخذ بها إلى أقوال
عدة منها:
1 - تقييد النهي بالأيام الثلاث فيجوز لها أن تسافر أقل من ثلاث دون محرم، وعلى ذلك فيلزمها الحج إن كان سفرها أقل مما حدده الشرع ولو لم تجد
(1) ابن حبان، صحيح ابن حبان، ج 6، ص 438، ونص على أنها محفوظة بقوله عقبها: سمع هذا الخبر سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، وسمعه من سعيد المقبري عن أبي هريرة فالطريقان جميعا محفوظان.
(2) أخرجه البخاري في كتاب: الحج، باب: حج النساء (1763)، ومسلم في كتاب: الحج، باب: سفر المرأة مع محرم إلى حج أو غيره (1341). (1/162)
صفحة 163
الرائد
(163)
محرما).
قال ابن محبوب: إذا كان السفر ثلاثة أيام فما دونها فجائز لها أن تسافر مع غير ذي محرم لها، وأما فوق الثلاث فلا يجوز لها أن تسافر إلا مع ولي".
2 - تقييد النهي باليوم والليلة لحديث أبي هريرة.
3 - الأخذ بإطلاق النهي لحديث ابن عباس).
ومن الفقهاء من قال إن في مسألة سفر المرأة للحج يتعارض عامان النهي عن السفر عموما دون محرم، والأمر بالحج دون تقييده بالمحرم، فرأى بعض هؤلاء أن المحرم لا يشرط مطلقا في سفر الحج لأن أدلة وجوب الحج
ما قيدته بالمحرم.
والذي يظهر أن اشتراط المحرم في سفر الحج باق على أصل مشروعيته ولا يعارضه عموم الأمر بالحج؛ إذ الشارع التفت في موضع آخر إلى المحرم في سفر حج مما يقضي بأنه مأمور به أيضا كما في حديث أبي معبد مولى ابن عباس عن ابن عباس {قال: قال النبي: لا تسافر المرأة إلا مع ذي
(1) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 300.
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 6، ص
97
(3) العيني، عمدة القاري، ج 10، ص 221. (1/163)
صفحة 164
الرائد
(ITE)
محرم، ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم.
فقال رجل: يا رسول الله إني أريد أن أخرج في جيش كذا وكذا وامرأتي تريد الحج؟ فقال: اخرج معها.
أما الاختلاف في تحديد السفر الذي يلزم المرأة فيه اصطحاب المحرم فيتبين أن الأخذ بالرواية التي فيها النهي المطلق دون تحديد السفر بحد هي الأولى بالأخذ لأمور منها:
أولها: في القول بها عمل بالأدلة جميعها إذ الآخذ بالثلاث تارك لروايات اليومين واليوم والواردة بإطلاق، والآخذ باليومين تارك لروايات اليوم والليلة والروايات المطلقة، أما الآخذ بالروايات المطلقة فآخذ بالروايات
جميعها.
ثانيها: الاستدلال بالجواز من الروايات المقيدة في أقل من مدة التقييد إنما هو من باب المفهوم، أما الاستدلال بمطلق النهي فهو من باب المنطوق الظاهر، وما من شك أن الاستدلال بالمنطوق مقدم على الاستدلال بالمفهوم. ثالثها: تعارض المقيدات يجعل الأخذ ببعضها دون الآخر تحكما بغير
(1) أخرجه البخاري في كتاب: الحج، باب: حج النساء (1763)، ومسلم في كتاب: الحج، باب: سفر المرأة مع محرم إلى حج أو غيره (1341). (1/164)
صفحة 165
الرائد
(170)
ذلك كان تعارضها سببا لتساقطها فيبقى أصل النهي المطلق
دليل، ومن الذي اتفق عليه.
رابعها الأخذ بتلك المقيدات في هذا الزمان يجعل النهي الشرعي في مهب الريح عديم الفائدة؛ إذ من الممكن أن تقطع الدنيا بأكملها في أيام ثلاث بسبب التطور الهائل الذي امتن الله به على العباد في وسائل التنقل، ولا ندري ما يحدث الله غدا بعدنا من الأمور فلا يكون من النهي فائدة.
خامسها مقصد الشارع من النهي صون المرأة وحفظها، وهذه العلة
موجودة في السفر القصير والطويل.
ومن ذلك كله نقول إن المرأة منهية مطلقا عن السفر دون زوج أو محرم منها، والنهي ينطلق عليها بمجرد أن يتحقق فيها وصف السفر.
وفي حال الحج يكون الأمر أدعى إلى الالتزام لكون السفر عبادة وقربة، ولكون النص قد خصها بالنهي كما في حديث أبي معبد مولى ابن عباس سابق
الذكر.
بعد ذلك كله نقول: إن على الجميع التعاون لإتمام فرائض الله تعالى فالمحرم أو الزوج كل واحد منهما مأمور أن يصحب المرأة لأداء فريضة الحج إن كانت الفريضة متعينة عليها بأن وجدت الاستطاعة للحج قال تعالى: (1/165)
صفحة 166
الرائد
(177)
166
صلے
وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ
شَدِيدُ الْعِقَابِ (3)).
والسنة تدل على أمر الزوج بأن يعين زوجته ومثله المحرم بالذهاب إلى حج بيت الله الحرام ما دام قادرا مستطيعا كما يفيد ذلك حديث أبي معبد مولى ابن عباس إذ إنه أمر الرجل بالخروج معها.
والأصل في الأمر كما هو معلوم أنه للوجوب ما دام المكلف قادرا على الامتثال، لذا ذهب بعض أهل العلم إلى وجوب الحكم السابق على الولي أو الزوج".
وذهب آخرون إلى أنه لا يجب ذلك على الزوج أو المحرم بل الأمر به من قبل النبي صلى الله عليه وسلم أمر إرشاد وندب وليس هو أمر وجوب، وهذا أظهر الرأيين ورجحه شيخنا القدوة إمام السنة والأصول العلامة القنوبي -حفظه الله-.
ذلكم هو حكم سفره معها، فكيف بمن يكونون حجر عثرة من المحارم
والأزواج
ضد ذهاب نسائهم إلى الحج مع تعين الوجوب عليهن إن هؤلاء
إلا آئمون بتصرفهم.
(1) سورة المائدة، الآية (2).
(2) العيني، عمدة القاري، ج 10، ص 222. (1/166)
صفحة 167
الرائد
(167)
ولا يجوز للمرأة أن تطيعهم بل طاعة الله أولى وأحق وكفى بالمرء سوءا
أن لا يكون صالحا ثم يعيب الصلاح على أهله.
ثانيا: تعيين المحرم عند التنازع
على الرأي بوجوب أن يخرج معها واحد منهم فكل من خرج معها أجزاها وتعين به الفرض، أما إن تنازعوا وأبوا عن الذهاب معها قدم من يكون أقرب إليها فأولهم الزوج؛ لأنه أقرب الناس إليها من حيث المداخلة والاطلاع على العورات، ثم من يكون أقرب من حيث المواريث من
محارمها.
ذلك؟
ولكن اختلفوا إن شرط المحرم أو الزوج الأجرة لصحبة المرأة أيلزمها
إن كانت غير مستطيعة على شرطه ولم تجد من يصحبها غيره ارتفع عنها حكم وجوب الحج، أما إن كانت قادرة على إعطائه أجرته ونفقته فلأهل العلم خلاف في وجوب ذلك عليها، فقيل إن نفقته وأجرته عليها فيلزمها – على هذا الرأي - ديانة أن تعطيه أجرته).
(1) النووي، المجموع، ج 7، ص 57، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 194، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 299، والعيني، البناية، ج 4، ص 154. (1/167)
صفحة 168
الرائد
(168)
وقيل إن ذلك أمر واجب على الزوج ولا يشرع له أن يأخذ عليه أجرة
لعدم جواز أخذ الأجرة على القرب الواجبات.
ثالثا: المحرم الذي يصح السفر معه
يراد بالمحرم كل من حرم عليه الزواج بالمرأة حرمة أبدية لقرابة أو مصاهرة أو رضاع حرا كان أو عبدا.
أما الحرمة المعلقة بسبب موقت أو الحرمة الناشئة عن غير القرابة أو المصاهرة أو الرضاع كالزنا الذي يوجب الفرقة الأبدية بين الزانيين عند
علماء الإباضية مثلا فلا تعد هذه الحرمة الأبدية سببا للمحرمية.
ولا بد من أن يكون المحرم أمينا وفيا يحفظ المرأة، أما إن عرف بالخيانة وعدم الرعاية لمن تحته من المحارم فهنا لا يشرع لها السفر معه، إذ الشرع ما جعله إلا لمصلحة المرأة ورعايتها، فإن كان سببا لفسادها دينا أو دنيا كان كغيره من غير المحارم بل منزلته أخس وأدنى لتنكس فطرته.
والمحرم الذي يستطيع نفع المرأة في سفرها هو المحرم البالغ العاقل الذي يستطيع المحافظة على من تحت يديه، أما غير البالغ وغير العاقل فلا يصح
يكون محرما مصاحبا للمرأة في سفرها إذ وجوده كعدمه.
أن
وأجاز جماعة من الفقهاء حالة كون المحرم مميزا عرف بالحفظ والصيانة (1/168)
صفحة 169
الرائد
(179)
والرعاية للمرأة التي يصحبها كما أجازوا أن يكون وليا للتزويج ونحوه وإن
لم يكن بالغا.
رابعا: قيام جماعة المسلمين مقام المحرم
اختلف أهل العلم في المرأة إن لم تجد المحرم ووجدت نسوة معهن محارمهن أو أزواجهن الثقات أيشرع لها أن تخرج معهم للحج على أقوال: أولها: ليس لها ذلك للأحاديث التي فيها النهي عن السفر دون محرم إذ لم يأت عن الشارع ما يقيد حكمها أو يخص عمومها فبقي الأمر على أصل
النهي.
أو
ثانيها: يرخص لها أن تذهب مع هؤلاء الثقات بصحبة نسائهم زوجاتهم، واختلف هؤلاء في الرخصة السابقة أفي الحج الواجب فقط أو في
(1) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 287، والكندي، بيان الشرع، ج 24، ص 67، والشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 341، والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 13، والصائغي، لباب الآثار، ج 3، ص 206، وعبد الوهاب البغدادي، الإشراف، ج 1، ص 458، والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص 179. (1/169)
صفحة 170
الرائد
170
الواجب وغيره.
قالوا: أما الجواز فبدليل حديث أحمد بن محمد حدثنا إبراهيم عن أبيه
عن جده
أذن
عمر لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في آخر حجة حجها فبعث معهن
عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف).
ووجه الجواز من ذلك أن ثلاثة من أجلة الصحابة اتفقوا عليه وهم عمر
وعثمان وعبد الرحمن بن عوف، ولم يعرف مخالف لهم في هذا الحكم فكان
إجماعا.
أما تقييد ذلك بالفرض فقط فلأن غير الفرض لا يكون سببا لانتهاك المحظور بل يبقى على أصل المنع؛ إذ الأمر إذا اتسع ضاق وإذا ضاق اتسع، وفي حالة غير الفرض الأمر واسع فيضيق بالمنع.
والمجيزون بإطلاق نظروا إلى ظاهر حديث حج زوجات النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا إن تلك الحجج كانت نوافل؛ لأن زوجاته قد أدين الفرض معه. كما اختلف هؤلاء أهذا الحكم بالجواز مع الثقات خاص بالفرض
(1) اختلف هؤلاء في وجدان الرفقة الصالحة أهو مجيز للخروج معهم، أو هو سبب لوجوب الحج وتعينه على من وجدت ذلك؟ عبد الوهاب البغدادي، الإشراف، ج 1، ص 458.
(2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: حج النساء (1761). (1/170)
صفحة 171
الرائد
الأصلي أو يشمل الفرض المعاد أيضا؟
(171)
قطب الأئمة رجح
- تعدي الحكم إلى الفرض الأصلي والمعاد،
ا، وعند غيره الوجوب
فالظاهر أن علة الجواز عنده الوجوب مطلقا، هي
بأصل الشرع.
ولا أدري مبنى هذا التفريق بين الواجب بأصل الشرع والواجب
بإيجاب المرء على نفسه إذ المحصلة واحدة وهي الوجوب وترتب الإثم
بالترك دون مسوغ شرعي في الحالين جميعا.
والذي يظهر أن في القول بجواز حج المرأة مع الرفقة الصالحة دون زوج
أو محرم من حيث دليله إشكالات من وجوه:
أولها: الحديث من حيث وجه الاستدلال وهو الخروج دون محرم ساكت إذ أقصى ما فيه أن عمر أذن لأمهات المؤمنين بالخروج، أما كونهن مع محارمهن أو لا فهو ساكت لم يتعرض له بذكر، والأحاديث الآمرة بالمحرم في السفر ناطقة فيقدم الناطق على الساكت من الأدلة.
ثانيها: من غير البعيد أن يكون لدى أمهات المؤمنين في حجهن
ذلك
محارم مع كونهن في رفقة عثمان وعبدالرحمن بن عوف بأمر من أمير المؤمنين
(1) القطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 14. (1/171)
صفحة 172
الرائد
(172)
عمر بن الخطاب، وهذا احتمال وارد جدا والدليل إذا طرقه الاحتمال سقط
الاستدلال كما هو معلوم عند أهل المناظرة.
به
ثالثها: الإذن الذي سبق من عمر في هذه الرواية لم يكن لانعدام المحرم
بل المحرم موجود من قبل، ولكنه كان لتأويل رواية أخرى ظاهرها أن النبي نهى زوجاته بعد حجة الوداع أن يخرجن.
ومما يفيد ذلك أنه جاء في أولها: أذن عمر الأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في آخر
حجة حجها.
ومن أين لعمر له أن أحدا أن ينهى
عن عبادة الحج ويأذن له بعد ذلك،
والله قد جعل البيت الحرام لكل من شاء أن يعبده سبحانه بزيارته مع أنه لو كان الأمر قضية المحرم لما كان لعمر دخل بذلك إذ المحرم يمكن أن يحصل لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في عهد أبي بكر والسنين الأولى من عهد عمر فما بال الإذن جاء في آخر عام من خلافته؟
إن هذا يدل أن هذا الإذن كان لأمر آخر وليس للمحرم والظاهر أنه كان لتأول حديث عبد العزيز بن محمد عن زيد بن أسلم عن واقد بن أبي واقد الليثي عن أبيه قال: سمعت رسول الله يقول لأزواجه في حجة (1/172)
صفحة 173
الرائد
الوداع: هذه ثم ظهور الحصر)
(1)
173
ووجه الدلالة منه أنه في ظاهره منع نسائه عن الحج نسائه عن الحج بعد تلك الحجة
إذ لزوم الحصر معناه عدم الخروج وقد عملت بذلك زينب بنت جحش
صلى الله (2)
وسودة بنت زمعة فقالتا: لا تحركنا دابة بعد ما سمعنا من رسول الله.
أما عائشة > فكان مذهبها مخالفا كما في حديث عبد الواحد حدثنا حبيب بن أبي عمرة قال: حدثتنا عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت: قلت يا رسول الله ألا نغزو ونجاهد معكم؟
فقال: لكن أحسن الجهاد وأجمله، الحج حج مبرور. فقالت عائشة: فلا
أدع الحج بعد إذ سمعت هذا من رسول الله.
(1) أخرجه أبو داود في كتاب الحج، باب فرض الحج (1722) وأحمد، المسند، ج 5،
ص 218.
قال الحافظ ابن حجر: إسناده صحيح، فتح الباري، ج 4، ص 74.
(2) أحمد بن حنبل، المسند، ج 6، ص 324، والبيهقي، السنن الکبري، ج 5، ص 228. قال المنذري: إسناده حسن رواه عن صالح مولى التوأمة ابن أبي ذئب وقد أبي ذئب وقد سمع منه قبل اختلاطه اهـ، والحديث صححه الهيثمي.
المنذري، الترغيب والترهيب، ج 2، ص 138، والهيثمي، مجمع الزوائد، ج 3، ص 214.
(3) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب فضل الحج المبرور (1448). (1/173)
صفحة 174
الرائد
(174)
فكان
نهي
عمر أول الأمر لذلك، ثم إنهم تأولوا الأمر على أن المراد
بقوله ذلك حجة الفريضة التي لا يلزم سواها فكان الإذن بعدها.
قال الحافظ ابن حجر:
وفهمت عائشة ومن وافقها من هذا الترغيب في الحج إباحة تكريره لهن
كما أبيح للرجال تكرير الجهاد، وخص به عموم قوله "هذه ثم ظهور الحصر"، وقوله تعالى " وقرن في بيوتكن".
وكأن عمر كان متوقفا في ذلك ثم ظهر له قوة دليلها فأذن لهن في آخر خلافته، ثم كان عثمان بعده يحج بهن في خلافته أيضا، وقد وقف بعضهن عند ظاهر النهي وهذا سائغ وعليه فالحديث ساكت في قضية المحرم لم يتعرض لها بشيء.
خامسها لو سلم جدلا بأنهن لم يكن معهن محارم -وهذا ما لم تتعرض له الرواية بذكر - فإن هذا التصرف مما للاجتهاد فيه مسرح واسع، فلعمر له أن
يرى ما يريه الله من دليل وقد يعارضه في ذلك النظر غيره.
ودعوى أن في ذلك إجماعا كلام عار من الدليل إذ المنقول عن ثلاثة لا عن كل الأمة، ومن المعلوم أنه لا ينسب لساكت قول إن نقل عنه السكوت.
(1) ابن حجر، فتح الباري، ج 4، ص 75. (1/174)
صفحة 175
الرائد
(175)
على
أنه في قضيتنا لم ينقل السكوت فضلا عن الإقرار، قال الإمام
السالمي في "شمس الأصول":
وليس يجزي فيه بعض الأمة وإن يكونوا ألف ألف مئة فليس إجماع ذوي المدينة عند خلاف غيرهم بحجة
كذاك أيضا أهل بيت المصطفى كذا الخليفتان أي والخلفا
سادسها من المشكل تقييد كثير من أصحاب هذا الرأي جواز السفر للحج مع الرفقة الصالحة بحج الفرض مع أن الحديث الذي استدلوا به يفيد عكس ما يقولون؛ إذ زوجات النبي صلى الله عليه وسلم قد أدين الفرض وشرفن عندها بصحبة زوجهن خيرة خلق الله تعالى فحجهن زمان عمر كان غير حجة
الإسلام.
ومن السابق يظهر أن قول من قال بالمنع مطلقا إلا مع المحرم أو الزوج هو الأولى بالأخذ.
ونجمل الأقوال التي قيلت في قضية المحرم ونضيف إليها ما لم نذكره
من أقوال:
أولها: يشترط لسفر المرأة للحج وغيره أن يصحبها محرم أو زوج سواء
(1) السالمي، طلعة الشمس على الألفية، ج 2، ص 65. (1/175)
صفحة 176
الرائد
(176)
كان
ن الحج لفريضة أو غير ذلك، وإن لم تجد المحرم أو الزوج فلا يشرع لها من حيث الأصل السفر مطلقا لحج أو غيره، وهذا أسعد الأقوال بظاهر الأدلة. ثانيها: يصح للمرأة أن تصحب الرفقة الصالحة من النساء اللاتي معهن محارمهن أو أزواجهن لأداء الفرض فقط.
واختلف هؤلاء أيشترط من ثلاث نسوة فصاعدا معهن محارمهن، أو
اثنتين معهن محارمهن أو تجزي واحدة مع محرمها.
ثالثها: يجوز للمرأة العجوز دون الشابة أن تخرج دون محرم، وهذا بين الضعف إذ لم يفرق الدليل بين الأمرين.
ومع ذلك فنقول إن المحرم أو الزوج قد شرطا للقيام بجميع أمر المرأة،
وهذا لا يختلف فيه الحال بين الشابة والعجوز.
رابعها للمرأة أن تذهب جماعة من
النساء وإن لم يكن مع
واحدة
مع
منهن محرم، وقيل ولو مع امرأتين؛ لأن النساء إذا كثرن انقطعت عنهن
الأطماع وكفين أمرهن".
خامسها: ذهب بعضهم في قول شاذ إلى جواز أن تخرج المرأة وحدها إن
(1) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 290. (1/176)
صفحة 177
الرائد
(177)
أمنت وكان الطريق مسلوكا دون محرم ودون جماعة المسلمين الثقات، واستدل لهؤلاء بأمور:
أولها: حديث عدي بن حاتم قال: بينا أنا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أتاه رجل فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكا قطع السبيل فقال: يا عدي هل رأيت الحيرة؟ قلت: لم أرها وقد أنبئت عنها قال: فإن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدا إلا الله).
ثانيها: حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس {قال: كان الفضل بن العباس رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءت امرأة من خثعم تستفتيه فجعل الفضل بن عباس ينظر إليها وتنظر إليه فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر.
قالت: يا رسول الله، إن فريضة الله على العباد في الحج أدركت أبي شيخاً
كبيراً لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟
قال: أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته عنه أكنت قاضية عنه؟
(1) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 291.
(2) أخرجه البخاري في كتاب المناقب، باب علامات النبوة (3400). (1/177)
صفحة 178
الرائد
(178)
قالت: نعم، قال: فذاك ذاك.
ووجه الشاهد منه أن رسول الله قال للمرأة الخثعمية حجي أبيك، ولم يقيد ذلك بأن تحج إن كان معها محرم.
عن
ثالثها: أن المرأة لو أسلمت في دار الكفر لزمها الخروج إلى دار الإسلام وإن كانت وحدها.
وفي كل هذه الاستدلالات نظر، إذ يشكل على الأول منها أنه مبين لخبـ سيكون عليه حال الأمة بعد استقرار أمر الدين وتمكنه في الأرض، ولا يلزم من كون الحال كذلك أن يباح لها السفر دون محرم، قال الحافظ ابن الملقن
(3)
متعقبا الرافعي وشوحح في الدلالة على ذلك، وقالوا: إنما هذا إخبار عما
سيقع، ولا يلزم من إخبار وقوعه جوازه).
على أن هذا الدليل ساكت عن حكم المحرم وغيره الموجب للمحرم في السفر ناطق بالوجوب فلا ينهض الساكت حجة لإباحة السفر دون محرم مع
(1) أخرجه الإمام الربيع في كتاب: الحج، باب: فرض الحج (392). (2) ابن عبد البر، التمهيد، ج 9، ص 124، والاستذكار، ج 4، ص 164. (3) أي نوزع من المشاحة.
(4) ابن الملقن البدر المنير، ج 6، ص 37. (1/178)
صفحة 179
الرائد
(179)
وجود الناطق، أما ثاني الدليلين فيرده أن الدليل كالأول ساكت في محل الحكم بوجوب المحرم، فلا يؤخذ منه حكم، أما الدليل الثالث فمشكل من جهة أنه أبيح لها الخروج في حال إسلامها في دار الكفر؛ لأن مفسدة بقائها في المجتمع المشرك أشد من مفسدة السفر أو الطريق لذلك انتهكت أهون المفسدتين في سبيل اتقاء أشدهما، أما في حال السفر للحج فذلك منتف كله. خامسا: منع الزوج امرأته من الحج
لا يحل للزوج أن يمنع زوجته إذا ما أرادت السفر للحج ما لم يكن ثمة مسوغ شرعي معتبر لتأخير الحج إلى عام آخر، وما ذلك إلا لتعلق حكم وجوب الحج برقبتها وهي مسؤولة عنه محاسبة عليه إذا ما كانت ممن يلزمهم الحج لتحقق شروط الوجوب بها، ومن المعروف الذي تمسك به الزوجة بعصمة الزوجية تمكينها من عبادة ربها وأداء الواجب المتعلق بها، وذهب بعض الفقهاء إلى أن للزوج أن يمنع زوجته من حجة الإسلام إن كانت ما أحرمت بها).
(1) الشقصي، منهج الطالبين، ج 7، ص 299، والصائغي لباب الآثار، ج 3، ص 244، والشافعي، الأم، ج 2، ص 117، والإشبيلي مختصر الخلافيات، ج 3، ص 260، والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص 185. (1/179)
صفحة 180
الرائد
(180)
ولعل منشأ قولهم هذا هو القول الذي جنحوا إليه من أن الحج يجوز في أدائه التراخي ولا يلزم السعي إليه بمجرد أن توجد شروط الوجوب، ففي مثل هذا الحال يتعارض واجبان واجب متعين في تلك اللحظة الزوج وواجب غير متعين في تلك اللحظة وهو الحج وأمكن الجمع بينهما بتأخير الحج ذلك العام وطاعة الزوج.
طاعة وهو
واستدل هؤلاء بحديث حسان بن إبراهيم في امرأة لها مال تستأذن زوجها في الحج فلا يأذن لها قال: قال إبراهيم الصائغ: قال نافع: قال عبدالله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ليس لها أن تنطلق إلا بإذن زوجها، ولا يحل للمرأة أن تسافر ثلاث ليال إلا ومعها ذو محرم تحرم عليه.
(3)
والحديث أخرجه الدارقطني، والبيهقي، والطبراني وقال: لم يروه
عن إبراهيم إلا حسان.
وقال ابن التركماني في "الجوهر النقي" بحاشية البيهقي:
هذا الحديث في اتصاله نظر، وفي الضعفاء للنسائي: حسان ليس
(1) الدارقطني، السنن، ج 2، ص 223. (2) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 223.
(3) الطبراني، المعجم الصغير، ج 1، ص 349. (1/180)
صفحة 181
الرائد
(181)
بالقوي، وقال العقيلي في حديثه، وهم، وفي الضعفاء لابن الجوزي: إبراهيم بن ميمون الصائغ لا يحتج به قاله أبو حاتم اهـ.
وقال الحافظ ابن الملقن في إسناده مجهول وهو العباس بن محمد بن
شافع".
هي
وغير غائب عن النظر أن تلك الطاعة للزوج على رأي من يقول بها إنما طاعته في التأخير عن عام بعينه، أما طاعته في الترك المطلق للحج بعد
وجوب أسبابه فلا تحل؛ إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وهذا الرأي مع ضعفه معارض بحديث مسدد حدثنا يزيد بن زريع عن معمر عن الزهري عن سالم بن عبد الله عن أبيه عن عن النبي: إذا استأذنت امرأة أحدكم فلا يمنعها".
وقد ذهب من ذهب من أهل العلم إلى أن النهي هنا للتحريم فلا يحل له
(1) ابن الملقن خلاصة البدر المنير، ج 2، ص 46.
(2) أخرجه البخاري في كتاب صفة الصلاة، باب استئذان المرأة زوجها بالخروج للمسجد
(835) (1/181)
صفحة 182
الرائد
(182)
منعها إن خرجت بالضوابط الشرعية، وعلى ذلك يحمل حديث حرملة بن يحيى أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب قال: أخبرني سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذنكم إليها.
قال: فقال بلال بن عبد الله والله لنمنعهن قال: فأقبل عليه عبد الله
فسبه سبا سيئا ما سمعته سبه مثله قط وقال: أخبرك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول والله لنمنعهن).
المطلب السابع: الخلو من التلبس بالعدة
من الشروط التي تخص المرأة دون الرجل للذهاب إلى الحج الخلو من التلبس بالعدة سواء كانت العدة من طلاق أو وفاة، وهذا الاشتراط لكون المرأة مأمورة في حال الاعتداد بالمكوث ببيت الزوجية الذي بلغها فيه نعي
(1) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 5، ص 187، والشنقيطي، أضواء البيان، جه،
ص 542.
(2) أخرجه مسلم في كتاب الصلاة، باب: خروج النساء إلى المساجد إذا لم يترتب عليه فتنة
(442) (1/182)
صفحة 183
الرائد
(183)
زوجها وإن لم تكن فيه حال وصول الخبر إليها.
والأدلة على ذلك منها قوله تعالى في حكم المعتدة من طلاق: يَتَأَيُّها
صلے
النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ
لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا تَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ
?
حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا).
ووردت السنة بما يؤكد الحكم في المتوفى عنها زوجها من ذلك حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري صلى الله عليه وسلم قال: كانت أختي الفريعة بنت مالك جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة، من أجل أن زوجها خرج في طلب عبيد له أبقوا، حتى إذا كانوا بطرف القدوم لحقهم، فقتلوه.
فسألت رسول الله أن ترجع إلى أهلها فقالت: إن زوجي لم يتركني
(1) هذا الذي عليه المذاهب الإسلامية الفقهية كافة، وروي عن بعض التابعين أن لزوم البيت في حال العدة ليس بواجب على المرأة بل وجوبه منسوخ، والتفريع في الأصل جار
على رأي الجمهور كما تفيد الأدلة الصحيحة من السنة ذلك الحكم.
(2) سورة الطلاق، الآية (1). (1/183)
صفحة 184
الرائد
(184)
في مسكن يملكه ولا ترك لي نفقة فأذن لها بالخروج، حتى إذا كانت بالحجرة دعاها، فدعيت له، فقال لها:
كيف قلت؟ فردت عليه القصة فقال لها امكثي في بيتك حتى يبلغ
الكتاب أجله، قال: فاعتدت فيه أربعة أشهر وعشراً.
فعلى ذلك كله لا يشرع للمرأة المتلبسة بعدة الخروج للحج وتكون بذلك معذورة من الخروج بالأصالة ولكنها تؤمر بالوصية؛ إذ اجتماع أسباب الحج لديها يوجب عليها ذلك.
وعند قدرتها على الذهاب إلى العراص الطاهرة بعد أن تبرأ ذمتها من
العدة تذهب لتسقط الفرض الواجب عليها.
ولكن إن وجبت العدة على المرأة وهي في سفرها قبل إحرامها فحالها لا يخلو من أحد أمرين: أن تكون قريبة غير محرمة يمكنها الرجوع دون مشقة فهذه تلزم بالرجوع لأداء الحداد الواجب عليها إذ هو مقدم على الحج لفواته
وتعينه عليها.
وإن تباعد بها النوى وكان من المشقة الظاهرة والعسر البين رجوعها فتواصل مسيرها ولتجتنب ما استطاعت من ممنوعات الحداد، ولا يكلف الله
(1) أخرجه الإمام الربيع في كتاب الطلاق، باب: الحداد والعدة (539). (1/184)
صفحة 185
الرائد
(110)
نفسا إلا وسعها، وهكذا الأمر إن كانت قد أحرمت وقال الكاساني موضحا
رأي الأحناف:
وإن لزمتها بعد الخروج إلى السفر وهي مسافرة فإن كان الطلاق رجعيا لا يفارقها زوجها؛ لأن الطلاق الرجعي لا يزيل الزوجية والأفضل أن
يرجعها.
وإن كانت بائنا أو كانت معتدة عن وفاة فإن كان إلى منزلها أقل من مدة السفر وإلى مكة مدة سفر فإنها تعود إلى منزلها؛ لأنه ليس فيه إنشاء سفر فصار كأنها في بلدها، وإن كان إلى مكة أقل من مدة سفر وإلى منزلها مدة سفر مضت إلى مكة؛ لأنها لا تحتاج إلى المحرم في أقل من مدة السفر. وإن كان من الجانبين أقل من مدة السفر فهي بالخيار إن شاءت مضت وإن شاءت رجعت إلى منزلها، فإن كان من الجانبين مدة سفر فإن كانت في المصر فليس لها أن تخرج حتى تنقضي عدتها في قول أبي حنيفة.
(1) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 301. (1/185)
صفحة 186
الرائد
(117)
المبحث الرابع: النيابة في الحج
المطلب الأول: مشروعية النيابة)
الأفعال التي يخاطب بها المكلفون قسمان منها ما يشتمل على مصلحة عادية دنيوية مع قطع النظر عن فاعلها كرد الودائع وقضاء الديون ونحوها فتصح فيها النيابة إجماعا؛ لأن المقصود الأساس من تشريعها إنما هو انتفاع أهلها بها، وذلك حاصل بنفس الدفع ولذلك لم يشترط فيها النيات، بل نفس
تحقق الفعل، وإن كان الشارع يجزل المثوبة بالنية، وليس كلامنا في هذا.
ومنها ما لا يتضمن مصلحة في نفسه بل بالنظر إلى فاعله كالصلاة فإن مصلحتها الخشوع والخضوع وإجلال الرب سبحانه وتعظيمه، وذلك إنما يحصل فيها من جهة فاعليها فإذا فعلها غير الإنسان المخاطب بها فاتت المصلحة التي طلبها الله تعالى منه فلا توصف بكونها حينئذ مشروعة في حقه،
(1) أجر النيابة فيما استثني من العبادات لا يناله المكلف إلا إن كان معذورا، أما من أصر على العصيان والترك حتى بلغه ريب المنون فلا ينفعه عمل النائب عنه إذ العاصي المصر على الفجور لا تنفعه عبادات نفسه فكيف بعبادات يقوم بها غيره إن ذلك لأبعد عن القبول فالله قد قال في كتابه: [إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ. (1/186)
صفحة 187
الرائد
(187)
فلا تجوز فيها النيابة إجماعا.
ولا يقدح في الأصل السابق صلاة ركعتي الطواف إذ هي عند القائلين بالنيابة في الحج مشروعة تبعا لا أصالة فلا تنفرد بالحكم ولا تنقض بها
القاعدة.
على أنهم قد اختلفوا فيها فقيل هي عن المنوب عنه، وقال آخرون إنها عن النائب وتسقط الحكم عن المنوب عنه إذ ليست هي أمرا مستقلا بذاته بل مشروعة بسبب وهو الطواف.
ويظهر أن الأصل في الأمور التعبدية أنه يخاطب بها الإنسان بنفسه ويحاسب عليها للمقصد السابق، وتستثنى الزكاة من عموم العبادات فتجوز النيابة في الدفع والتسليم لمستحقيها، اتفاقا وما ذلك إلا لأن المقصدين اللذين أسست عليهما هما تزكية النفس وتطهيرها بإخراج المال، وانتفاع
الفقير به.
أما التسليم وما يكون بواسطته فوسيلة لا بد منها لتحقق الشق الآ? من المقصد ولكنها غير مرادة بذاتها بل مجرد حصولها كاف بأي صورة كانت
(1) الشاطبي، الموافقات، ج 2، ص 227، وابن العربي، أحكام القرآن، ج 3، ص 221، والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص 194. (1/187)
صفحة 188
الرائد
(188)
ما دامت الغاية التي هي المقصدان المذكوران متحققة.
ومنه كان نفس الإخراج للزكاة لا بد فيه من النية فيلحق الإنسان الوزر إن لم يخرجها مع وجوبها عليه؛ لأن الشطر الأول من المقصد الشرعي للحكم متوقف عليها، فلو أخرجها غيره وهو لم ينو ذلك أو كان دون علمه لم يكن إخراج غيره عنه برافع الإثم عمن وجبت عليه إذ لم يتحقق فرض التزكية للنفس المقصود أصالة من الحكم كما دلت على ذلك نصوص الكتاب العزيز والسنة المطهرة).
أما بقية العبادات من صلاة وصيام وحج فهي متوجهة إلى بدن المكلف نفسه؛ لأن تحقق مقاصد الشارع منها متوقف على أن يؤديها كل فرد بذاته فلا يشرع أن ينوب غيره عنه في الأداء.
ومثل السابق أمور العقوبات والزواجر التي رام الشارع بها كف المفسد عن إفساده والإضرار بغيره، لذا فهذا المقصد الشرعي يصبح هباء منثورا إذا ما ناب عن الذي استحق العقوبة غيره فأوقعت فيه إذ يبقى المفسد على إفساده، وذلك مناقض لأصل الشريعة التي جاءت لجلب المصالح ودرء
(1) سورة التوبة، الآية: (103) (1/188)
صفحة 189
الرائد
المفاسد).
(189)
(1) ولمعترض أن يعترض على قولنا بالمنع من النيابة في العقوبات بما اتفق عليه من إيجاب الدية على العاقلة في القتل الخطأ وغيره مما تنوب فيه العاقلة عن الجاني بالشروط الشرعية المعروفة، وهي نيابة في العقوبة، ولكن جوابنا عن ذلك:
إن إلزام الدية في هذا الحال ليس هو من باب العقوبة؛ إذ العقوبة تتحقق في الأمر الذي يكون معصية سواء كان سببه مخالفة أمر الخالق أو القانون الذي يفرضه ولي أمر المسلمين ولو كان مباحا من حيث الأصل، أما القاتل خطأ فلا يسمى فعله معصية إذ من أركان كون الشيء معصية كما تقضيه الأدلة الشرعية تحقق القصد من الفاعل على الفعل المحرم، أما وهذا الركن غير متحقق هنا فلا يسمى فعله هذا معصية. وبعد ثبوت كونه غير عاص يتبين أن الدية في حقه ليست من باب العقوبة بل أراد الشارع بها أمرا آخر، والأمور التي يظهر أنها مقاصد للشارع في إيجاب الكفارة والدية على القاتل خطأ متعددة:
أولها تعظيم شأن القتل لترسيخ مبدأ حرمة الأنفس فيرى الناس أن الذي يقتل خطأ يفعل به هذا الفعل فكيف بالذي يقتل متعمدا، وفي هذا مصلحة عظيمة على الأمة كلها فتتحمل في مقابل إيجاب شيء على المخطئ وعاقلته الذين هم جزء صغير من المجتمع
الكبير.
ثانيها أن في عقوبة القتل متعمدا وهي الإعدام زاجرا عظيما ينبعث في الإنسان من تلقاء نفسه لغلاء الروح وهو أمر فطري جبل عليه البشر، أما القتل الخطأ فكلفت العاقلة (1/189)
صفحة 190
الرائد
(14.)
والحج من العبادات التي تخاطب بها الذمم خاصة للمصالح الكثيرة التي تعود على القائم بها والتي منها تأديب النفس بمفارقة الأوطان، وتهذيبها بالخروج عن المعتاد من المخيط وغيره ليذكر المعاد والاندراج في
الأكفان.
ومنها تعظيم شعائر الله تعالى في تلك البقاع، وإظهار الانقياد من العبد لما لم يعلم حقيقته كرمي الجمار، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف على بقعة خاصة دون سائر البقاع، وهذه مصالح لا تحصى إلا للمباشر كالصلاة في حكمها ومصالحها
بالمشاركة في أثر القتل ليكون ذلك لهم داعيا لاتخاذ الأسباب التي تحول دون وقوع ذلك
الفعل.
ثالثها التكافل الاجتماعي الذي رمى الشارع إلى ترسيخ جذوره في المجتمع الإسلامي إذ إن الشارع لم يترك أمره راجعا إلى اصطفاء الناس واختيارهم بل ألزمهم به إلزاما يكون المخالف معه عاصيا "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر "، وفي حالنا هذا كان الفعل الذي هو القتل أمرا خارجا عن إرادة الشخص ولم يقصده فاستحق أن يعان وأن يقف معه أهلوه وأقاربه فتتمتن بذلك العلاقات الاجتماعية والأواصر بين أفراد المجتمع الإسلامي.
ومن السابق كله يظهر أن لا اعتراض على أصل القاعدة بهذا الفرع.
(1) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 194. (1/190)
صفحة 191
الرائد
(141)
ومما يدلك على أن المقصود بالأصالة في عبادة الحج تزكية البدن أن
الشارع قد نص على مقاصده فيها بقوله: اَلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَتُ فَمَن فَرَضَ
قلے
فِيهِنَّ أَلْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَقِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ
يَعْلَمُهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَنأُوْلِي الْأَلْبَبِ
197
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ
صلے
عَرَفَتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن
كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ)
199
198
ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
فَإِذَا قَضَيْتُم مِّنَسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا
قلے
فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَقٍ) وَمِنْهُم مِّن يَقُولُ رَبَّنَا وَاتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ
النَّارِ أُوَلَنَبِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ)
وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ).
(1) سورة البقرة، الآيات (198 - 203). (1/191)
صفحة 192
الرائد
(192)
وهذه الأمور المنصوص عليها في الآيات الكريمات والمقصودة من مشروعية هذه العبادة من ذكر واستغفار وتسليم بأوامر الشارع في أمور لا تدري النفس لها حكمة أو فائدة متحققة والاعتبار بالآيات البينات مقام إبراهيم الذي هو في عرصات الحج وغير ذلك لا يمكن أن يتحقق منها شيء إلا بالبدن الشخصي لكل مكلف من هنا ظهر أمر المنع من النيابة في هذه
العبادة.
حج
ولكن مع السنن العام الذي ذكر قبل نجد الشارع قد أجاز في حال تعذر الإنسان ببدنه أن ينوب غيره عنه كما يفيد ذلك حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس {قال: كان الفضل بن العباس رديف رسول الله، فجاءت امرأة من خثعم تستفتيه فجعل الفضل بن عباس ينظر إليها
وتنظر إليه فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر. قالت: يا رسول الله إن فريضة الله على العباد في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته عنه أكنت قاضية عنه؟ قالت: نعم، قال: فذاك ذاك. وروى الإمام الربيع بن حبيب حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن
(1) أخرجه الإمام الربيع في كتاب الحج، باب: فرض الحج (392). (1/192)
صفحة 193
الرائد
(193)
أنس بن مالك قال: أتى رجل إلى رسول الله فقال: يا رسول الله، إن أمي عجوز كبيرة لا تستطيع أن أركبها على البعير، وإن ربطتها خفت عليها أن تموت، أفأحج عنها؟ قال: نعم".
وجاء في الحديث عن موسى بن إسماعيل حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس {أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ قال:
نعم حجي
عنها، أرأيت لو كان على أمك
دين أكنت قاضيته اقضوا الله فالله
أحق بالوفاء".
وجاء حديث عبد الله عطاء
بن
عن عبد الله
بن بريدة عن أبيه قال:
بينا أنا جالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أتته امرأة فقالت: إني تصدقت على أمي
بجارية وإنها ماتت قال: فقال: وجب أجرك ورَدَّها عليك الميراث.
قالت: يا رسول الله، إنه كان عليها صوم شهر أفأصوم عنها؟ قال: صومي عنها قالت إنها لم تحج قط أفأحج عنها؟ قال: حجي عنها".
:
(1) أخرجه الإمام الربيع في كتاب الحج، باب: فرض الحج (395). (2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب الحج والنذور عن الميت (1754). (3) أخرجه مسلم في كتاب الصيام، باب قضاء الصيام عن الميت (1169). (1/193)
صفحة 194
الرائد
(198)
وفي الحديث عن عمرو بن أوس عن أبي رَزِين العُقَيْلي أنه قال:
يا رسول الله، إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة والظعن قال: حج عن أبيك واعتمر.
والحديث أخرجه النسائي واللفظ له، وأبو داود، والترمذي، وابن
ماجه)، وقال الترمذي: حسن صحيح.
والناظر للأدلة السابقة يجد أنها تبين حكما شرعيا فيه مشروعية النيابة في
الحج عن الغير إذ أمر النبي صلى الله عليه وسلم السائلين بالحج.
وقد ظهر من بعض تلك الأدلة احتمال أن يكون المنوب عنه
عليه الحج، وأنه غير قادر عليه فشرع للنائب حينها أن يحج عنه كما في الثالث من تلك الأحاديث إذ قال الرجل: إن أمي نذرت أن تحج، وإنها ماتت.
(1) الظعن السير والذهاب، يقال: ظعن يظعن ظعنا وظعنا بالتحريك و ظعونا ذهب وسار. ابن منظور، لسان العرب، ج 13، ص 270.
(2) في كتاب مناسك الحج، باب العمرة عن الرجل الذي لا يستطيع (2637). (3) في كتاب المناسك، باب: الرجل يحج عن غيره (1810).
(4) في كتاب الحج، باب ما جاء في الحج عن الشيخ الكبير والميت (930).
(5) في كتاب: المناسك، باب الحج عن الحي إذا لم يستطع (2906). (1/194)
صفحة 195
الرائد
(190)
والأصل وجوب الوفاء بالنذر على الناذر إذ هو طاعة وفي الحديث عن
النبي "من نذر أن يطيع الله فليطعه، والحج من أجل الطاعات وأفضل القربات فوجب الوفاء بنذره.
غير أن الحديث ليس بنص في أنها ماتت والنذر متعلق وجوب أدائه بها، فكم من ناذر لم يجب عليه الوفاء بنذره لعدم استطاعته، وفي حال هذه المرأة من المحتمل أنها نذرت قبل وقت الحج وماتت قبل أشهر الحج.
وهذه غير آثمة باتفاق إن كان الحال كما ذكر؛ لأن تأثيمها تكليف بما لا
يستطاع وهو ظلم تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
ومن المحتمل أنها سلبت الاستطاعة للحج بعد نذرها فماتت وهي كذلك فتكون غير آثمة بذلك أيضا، ومن الاحتمالات السابقة وغيرها يظهر
أن الحديث ليس بنص في أنها توفيت ووجوب الوفاء بنذرها متعلق بها.
أما القسم الآخر من الأحاديث فكان مجملا في بيان حكم حج الأصل أكان واجبا أو ليس بواجب، كما في الأول منها إذ قالت الخثعمية: إن فريضة الله على العباد في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يثبت على
الراحلة.
(1) أخرجه البخاري، كتاب الأيمان والنذور باب النذر في الطاعة (6318). (1/195)
صفحة 196
الرائد
(197)
والظاهر المتبادر في حال هذا الرجل أنه ليس ممن وجب عليه الحج إذ إن حكم إيجاب الحج على الأمة وهو المعبر عنه بفريضة الله على العباد قد أدركه في حال لا يستطيع معه الحج أي أنه غير مستطيع.
المالي
والأصل في مثل هذا أنه لا يجب عليه الحج، والدليل ساكت عن الحال أكان الرجل قادرا أم ليسه بقادر، وإنما كان الجواب لسؤال من ابنته عن مشروعية نيابتها عن أبيها في الحج فأجابها بما يفيد المشروعية من غير تعرض لحكم حج الأصل الذي هو أبوها.
وفي الثاني من الأحاديث بيان لعدم استطاعة المرأة لكبرها، فلما أراد ابنها برها بالحج عنها ما وقف الشارع أمامه بل أمر بالحج عنها إيغالا في منهج الحض على برها وإكرامها، وفي الرابع قالت المرأة عن أمها إنها لم تحج قط، وهذا أيضا ساكت لا يفيد أن الحج كان واجبا عليها، فكم من الناس الذين لم يحجوا وهم في فسحة دينية لعدم تعين الوجوب عليهم.
وقد يكون لابنة هذه المرأة من وسع الحال ما يجعلها قادرة على أن تبر أمها بالحج عنها فسألت مقام الحضرة النبوية عن مشروعية ذلك فكان الجواب النبوي لها أن تحج عنها.
وفي الخامس من الأحاديث قال الرجل: إن أبي شيخ كبير لا يستطيع (1/196)
صفحة 197
الرائد
(14 V)
الحج ولا العمرة والظعن، لذا فعدم استطاعته ذلك يفيد أن الحج غير واجب عليه إذ شرط الحج الاستطاعة كما هو الإجماع، أما حال استطاعته المالية فأمر لا يزال جنينا في رحم الغيب لم يدل عليه الحديث بمطابقة ولا تضمن ولا
التزام.
ومن
الأدلة السابقة ذهب الجمهور من العلماء إلى مشروعية النيابة من
حيث الأصل للأدلة السابقة وهو أمر ظاهر الوضوح جلي الدلالة).
خالف المالكية فقالوا بعدم مشروعية النيابة في الحج من حيث العموم، واتفقوا على عدم جوازها في الفرض واختلفوا في غير الفرض كالتطوع والحجة المنذورة.
فقيل بعدم الجواز كما هو قول بعض منهم، وقيل بكراهتها كما صححه جماعة منهم سند وابن جزي وابن فرحون والتلمساني والقرافي والتادلي وغيرهم قال سند والكلام في العمرة كالكلام في الحج التطوع".
(1) الشقصى منهج الطالبين (طبعة مسقط) ج 5، ص 34، والنووي، شرح صحيح مسلم، ج 9، ص 98، وابن جماعة هداية السالك، ج 1، ص 350، وابن حزم المحلى، ج 7،
ص 53، والعيني، عمدة القاري، ج 9، ص 125.
(2) ابن جزي، القوانين الفقهية، ص 87، والحطاب، مواهب الجليل، ج 3، ص 3. (1/197)
صفحة 198
الرائد
(191)
قال ابن عبد البر: ولا يحج أحد عن أحد لا عن صحيح ولا عن مريض
في حياته، وجائز الحج عمن أوصى إذا مات، ومن أهل المدينة من أجاز الحج عن المريض الذي لا يرجى برؤه في حياته ولم يره مالك).
وأخذ بالقول السابق الشيخ العلامة أحمد بن سعيد الخليلي ت 1324 هـ / 1907 م) من متأخري علمائنا الإباضية فقد قال: ويعجبنا
عدم جواز نيابة الغير في الحج؛ لأنه عبادة بدنية مثل الصوم".
والرأي المانع من النيابة مطلقا مروي عن جمع من علماء السلف، ومن ذلك ما رواه ابن أبي شيبة عن أبي خالد الأحمر عن يحيى بن سعيد عن نافع عن ابن عمر قال: لا يحج أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد.
وروى ابن أبي شيبة عن وكيع قال حدثنا شعبة عن الحكم عن إبراهيم
قال: لا يقضى عن الميت حج.
كما روى عن وكيع عن العمري عن نافع عن ابن عمر قال: لو كنت أنا
تصدقت عنه وأهديت.
(1) ابن عبد البر، الكافي، ص 133.
(2) الخليلي، الطلع النضيد، ص 261.
(3) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 380. (1/198)
صفحة 199
الرائد
199
واستدل للمنع من النيابة بأمور:
أولها أن الله تعالى قد أوجب الحج على المستطيع حينما قال: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَلَمِينَ، فغير المستطيع لا يجب عليه الحج.
ثانيها الاستدلال بقوله تعالى: أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَن لَّيْسَ
38
لِلْإِنسَنِ إِلَّا مَا سَعَى (3) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (2) ثُمَّ تُجْزَنهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى ". فلا يكتب للإنسان إلا سعيه ومعلوم أن الفعل المؤدى ليس إلا من
سعي من قام به وليس هو من سعي المنوب عنه فلا يشرع.
ثالثها الاستدلال بالإجماع على أن القادر على الحج لا يجوز له أن ينيب غيره عنه ليؤدي الواجب، فيقاس عليه غير القادر فلا يجوز كما هو الحال في
الصلاة (3).
رابعها الاستدلال بقول ابن عمر {: "لا يحج أحد عن أحد ".
(1) سورة آل عمران، الآية (97).
(2) سورة النجم، الآيات (38 - 41).
(3) الشنقيطي، أضواء البيان، ج 4، ص 319.
(4) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 380. (1/199)
صفحة 200
الرائد
(Y .. )
وأجاب المالكية عن حديث الخثعمية بأمور:
أولها أنه خاص بها وأبيها.
ثانيها أنه مضطرب).
ثالثها أن ذلك وقع من السائل على جهة التبرع، وليس في شيء من طرقه
تصريح بالوجوب).
وفي هذا القول المانع من النيابة بإطلاق نظر، وذلك لأمور:
أولها أن الدليل الأول مبني على أن الإنابة واجبة على غير المستطيع، وهو أمر يلزم القائلين بوجوب الإنابة في هذا الحال وسيظهر لك فيما بعد مقررا أن هذه الإنابة ليست على سبيل الوجوب والحتم بل هي تبرع من النائب.
وكون النيابة غير واجبة على النائب لا يستلزم كونها غير مشروعة فالمندوب مشروع غير واجب، فيسقط بذلك الدليل الأول.
أما ثانيها فيعترض عليه بأن عبارة الآية تفيد أنه لا يكتب للإنسان إلا ما
(1) ابن عبد البر، التمهيد، ج 9، ص 125، والاستذكار، ج 4، ص 164. (2) الشاطبي، الموافقات، ج 2، ص 238، والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 4، ص 152. (3) ابن حجر، فتح الباري، ج 4، ص 69. (1/200)
صفحة 201
الرائد
(201)
سعاه، والمراد أنه لن يجد أجور ما لم يقم به أي لا تكون ثمة أجور مجانية دون عمل، ولكن الآية ساكتة في هذا الموضع عن سعي الغير للإنسان أيكون له منه نصيب أو لا، وفرق بين الأمرين.
وعند إجالة النظر في عموم الأدلة الأخرى نجد أن الشرع قد أثبت الأجر للإنسان بعمل غيره في مواضع كثيرة منها ما يفيده قوله تعالى: [وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّهُم بِإِيمَن أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن
شَيْءٍ
"
وذلك أن إيمان الذرية كان سببا لإلحاقهم بآباهم، فالنعمة التي هي الإلحاق كانت للآباء، ومعلوم أنها ما كانت إلا بسعي الأبناء فهم الذين اتبعوا آباءهم بالإيمان وهكذا تتضاعف أجور المصلين جماعة بتضاعف المصلين، كما أن الإنسان ينتفع بدعاء غيره له واستغفاره، وسؤال الجنة.
أما ثالثها فيرده أنه قياس في مقابل النص الشرعي
فيسقط.
أما الاعتراضات على حديث الخثعمية فيجاب عليها:
(1) سورة الطور، الآية (21).
(2) الشنقيطي، أضواء البيان، ج 7، ص 471، والرازي، مفاتيح الغيب، ج 29، ص 14،
والطبري، تفسير الطبري، ج 27، ص 74. (1/201)
صفحة 202
الرائد
أولا: الاعتراض بالخصوص
كان لإثبات هذا الاعتراض أمران:
(202)
أولهما النص عليه في الحديث وذلك في الرواية "حجي عنه، وليس لأحد
بعدك"، وهذه وجدت من نص عليها غير المالكية)، وتعقبت بأن إسناد هذه
الزيادة ضعيف).
وبيان ذلك أن ذكر الخصوصية جاء في روايات:
الرواية الأولى حديث ابن أبي أويس نا محمد بن عبد الله بن كريم الأنصاري عن إبراهيم بن محمد بن يحيى العدوي النجاري أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن أبي شيخ كبير، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لتحجي عنه، وليس لأحد
بعده.
والحديث أخرجه ابن حزم من طريق أحمد بن عمر بن أنس العذري حدثنا عبد الله بن حسين بن عقال القرينشي حدثنا إبراهيم بن محمد الدينوري حدثنا محمد بن الجهم حدثنا إبراهيم بن حماد حدثني ابن أبي
(1) الصنعاني، سبل السلام، ج 2، ص 181
(2) الصنعاني، سبل السلام، ج 2، ص 181. (1/202)
صفحة 203
الرائد
(1)
أويس ولا تظهر صحته لأمرين:
(203)
أولهما: إبراهيم بن محمد العدوي أحد رجال إسناده لا يدرى عنه شيء
فهو نكرة لا يعرف كما يقول الذهبي، ومثله في الجهالة الراوي عنه محمد بن
عبد الله بن كريم، ولا يحتج برواية من ذاك حالهم.
ثانيهما: الحديث مرسل من قبل مجهول.
الرواية الثانية حديث عبد الملك بن حبيب حدثني مطرف عن محمد بن الكرير عن محمد بن حبان الأنصاري أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أبي شيخ كبير لا يقوى على الحج، فقال: فلتحجي عنه وليس ذلك لأحد بعده.
والحديث أخرجه ابن حزم من الطريق السابق، غير أنه معل بأمور: أولها: عبد الملك بن حبيب قال الذهبي عنه: أحد الأئمة ومصنف
الواضحة كثير الوهم، صحفي، وكان ابن حزم يقول: ليس بثقة. وقال الحافظ أبو بكر ابن سيد الناس في تاريخ أحمد بن سعيد الصدفي
(1) ابن حزم، المحلى، ج 7، ص 59، وحجة الوداع، ص 468.
(2) الذهبي، ميزان الاعتدال، ج 1، ص 188، وابن حجر، لسان الميزان، ج 1، ص 105. (3) ابن حزم، المحلى، ج 7، ص 59، وحجة الوداع، ص 469. (1/203)
صفحة 204
الرائد
(Y.E)
توهية عبد الملك بن حبيب وأنه صحفي لا يدري الحديث، قال أبو بكر: وضعفه غير واحد، ثم قال: وبعضهم اتهمه بالكذب، وقال ابن حزم: روايته
ساقطة مطرحة).
ثانيها: جهالة محمد بن الكرير ومحمد بن حبان الأنصاري.
ثالثها: الإرسال.
الرواية الثالثة حديث عبد الملك بن حبيب حدثني هارون بن صالح الطلحي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن ربيعة عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يحج أحد عن أحد إلا ولد عن والد.
والحديث أخرجه ابن حزم أيضا، ولكنه غير حديث الخثعمية بل هذا
حديث عام في الخثعمية وغيرها.
وتحول دون صحة الاحتجاج بهذا الحديث أمور:
:أولها أن الاستثناء الأخير فيه مجيز حج ولد عن والد بالاستثناء من
(1) الذهبي، ميزان الاعتدال، ج 4، ص 395، وابن، حجر، لسان الميزان، ج 4، ص 59، وتهذيب التهذيب، ج 6، ص 347.
(2) ابن حزم المحلى، ج 7، ص 59، وحجة الوداع، ص 468.
(3) ابن حزم، المحلى، ج 7، ص 59، وحجة الوداع، ص 468. (1/204)
صفحة 205
الرائد
(205)
الحكم العام وهو من قبيل التخصيص المتصل عند الجمهور من
الأصول.
أئمة
وليست هذه الكلمة المخصصة للحكم العام بخاصة بالخثعمية إذ هي مطلقة تشمل الخثعمية وغيرها، وهذا معارض لاستثناء الخثعمية بالحكم. ثانيها: الاعتراض على ثبوت الرواية إذ فيها عبد الملك القرطبي وقد مضى ذكر ما قيل فيه في الحديث السابق.
ثالثها: أن في إسناده عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف الرواية لا يثبت حديثه، قال ابن حبان كان ممن يقلب الأخبار وهو لا يعلم حتى كثر ذلك في روايته من رفع المراسيل وإسناد الموقوف فاستحق الترك. رابعها: هارون بن صالح الطلحي قال ابن حزم عنه بعد إخراج
الحديث: لا يعرف اهـ.
وفي كلام ابن حزم نظر فهو من رجال الترمذي إذ روى عنه في
(1) ابن حبان المجروحين، ج 2، ص 57، وابن عدي الكامل، ج 4، ص 269، والعقيلي،
الضعفاء، ج 2، ص 331. (1/205)
صفحة 206
الرائد
(206)
موضعين، وقد قال ابن أبي حاتم روى عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وعبد العزيز بن أبي حازم وعبد الله بن محمد بن عمران الطلحي وأخيه طلحة بن صالح سمع منه أبي بالمدينة سنة ست عشرة ومئتين، ثنا عبد الرحمن قال:
سألت أبي عنه فقال: صدوق".
كما أورده ابن حبان في الثقات.
خامسها الإرسال فمحمد بن إبراهيم التيمي لم يدرك النبي. سادسها: أن اللفظ الصحيح لهذه الرواية خلو من موطن الشاهد فقد جاء من حديث سعيد بن منصور: قال نا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم حدثني ربيعة بن عثمان التيمي عن محمد بن إبراهيم التيمي أن رجلا قال للنبي:
يا رسول الله، أبي مات ولم يحج أفأحج عنه؟ قال: نعم ولك مثل أجره.
(1) کتاب الزكاة، باب ما جاء لا زكاة على المال المستفاد (631)، وفي كتاب الحج، باب ما جاء في الاغتسال لدخول مكة (852).
(2) ابن أبي حاتم الجرح والتعديل، ج 9، ص 91.
(3) ابن حبان، الثقات، ج 9، ص 239
(4) ابن حزم، المحلى، ج 7، ص 60. (1/206)
صفحة 207
الرائد
(207)
أما ثاني وجوه الاستدلال على خصوصية الحكم بالخثعمية فأخذ الخصوصية بأفراد الرواية فيخص أبو الخثعمية بحج ابنته عنه دون غيره، كما تخص هي بحجها عن أبيها دون غيرها.
ودليل هذا التخصيص أن الله تعالى نص على الاستطاعة حدا للوجوب في قوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، ولم يكن أبو الخثعمية ممن يستطيع الحج فخص بأن يقضى عنه وينفعه ذلك وخصت ابنته أيضا أن تحج عن أبيها وهو حي".
وفي هذا نظر إذ الأصل في التشريع العموم؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد بعث للناس كافة، لذا فلا بد من دليل يفيد الخصوصية بالرجل وابنته وإلا كان ذلك تحكما يأباه الإنصاف، ثم إن ثمة قرائن تفيد العموم
أولها: آخر الحديث يرد دعوى الاختصاص إذ قال ما يفيد عموم
الحكم للأمة كلها "اقضوا فدين الله أحق بالقضاء".
ثانيها: العلة التي علق بها حكم القضاء علة عامة تشمل الخثعمية وغيرها حينما قال: أرأيت لو كان على أبيك دين فقيضته أكنت قاضيته؟
(1) سورة آل عمران، الآية (97).
(2) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 164. (1/207)
صفحة 208
الرائد
والعلة باعثة على تشريع الحكم أو علامة عليه.
ثالثها: ما ثبت من نصوص في غير المرأة الخثعمية وقد أعطيت حكمها
يدل دلالة واضحة أن الأمر للأمة كلها وليسه للخثعمية وحدها وإلا لما
أعطي أولئك الحكم نفسه.
ثانيا: دعوى الاضطراب
ووجه ذلك أن من الروايات ما جاء فيه السؤال على لسان امرأة عن أبيها، ومن الروايات ما جاء السؤال فيه عن رجل يسأل عن أبيه، وفي رواية عن رجل يسأل عن أمه، ثم إن بعض الروايات جاء من طريق عبد الله بن عباس، وبعضها من طريق أخيه الفضل.
والجواب عن ذلك بأنه ليس بالبعيد القول بالاضطراب الشديد الذي اكتنف حديث الخثعمية عند دراسة طرقه وأسانيده كما سيظهر بعد قليل، لكنا نقول إن الاضطراب في هذا الحديث لا يستلزم رده وإبطال الاحتجاج به جملة وتفصيلا ما دام ثمة مجال لكشفه وترجيح بعض الروايات المضطربة على بعض، فيبطل الاحتجاج بالمرجوح من الروايات دون الراجح.
ثم إن حكم مشروعية النيابة لم يكن مستفادا من حديث الخثعمية وحده حتى يصار إلى نقض الحكم باضطرابه هو، بل ثمة روايات لم يوجه إليها هذا (1/208)
صفحة 209
الرائد
(209)
النقد أفادت المشروعية فيؤخذ الحكم منها أن لو سلم جدلا بضعف حديث
الخثعمية وهذا ما لا نقول به كما سيتبين من تخريج الحديث.
تخريج حديث الخثعمية
للحديث طرق عن صحابة رسول الله، أشهرها طريق عبد
الله
بن
عباس، وجاء أيضا من طريق أخيه الفضل بن عباس، ومن طريق الإمام علي
بن أبي طالب.
أما رواية عبد الله بن عباس للحديث فجاءت من طرق كثيرة عنه:
أولها: جابر بن زيد عن ابن عباس، وقد رواه عن جابر رجلان أولهما الإمام الحافظ أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة وقد أخرجه الإمام الربيع بلفظ: كان الفضل بن العباس رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءت امرأة من خثعم تستفتيه فجعل الفضل بن عباس ينظر إليها وتنظر إليه، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر
قالت: يا رسول الله إن فريضة الله على العباد في الحج أدركت أبي شيخاً
كبيراً لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال:
أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته عنه أكنت قاضية عنه؟ قالت: نعم، (1/209)
صفحة 210
الرائد
(210)
قال: فذاك ذاك).
وثاني الطريقين عن الإمام جابر بن زيد طريق عمرو بن دينار عن عبد
قال:
الله بن عباس بسياق آخر كما في حديث النسائي عن محمد بن معمر حدثنا أبو عاصم عن زكريا بن إسحق عن عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء عن ابن عباس أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
إن أبي شيخ كبير أفأحج عنه؟ قال: نعم، أرأيت لو كان عليه دين فقضيته أكان يجزي عنه؟.
وهذا إسناد صحيح ثابت، فإما أن تكون هذه حادثة أخرى غير الأولى، وإلا فالأولى هى الأقرب في الأخذ لموافقتها لأكثر الرواة عن ابن عباس كما
سيأتي.
ثانيها: من طريق سليمان بن يسار عن ابن عباس، وقد رواه عن سليمان
بن يسار الزهري، ويحيى بن أبي إسحاق – فيما وجدت.
أما رواية الزهري عن سليمان بن يسار فقد اختلف فيها:
(1) أخرجه الإمام الربيع في كتاب الحج، باب: في فرض الحج (392). (2) النسائي، السنن الكبرى، ج 3، ص 471. (1/210)
صفحة 211
الرائد
(211)
فرواه الإمام مالك، وعبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون"، وشعيب بن أبي حمزة والأوزاعي، وسفيان بن عيينة)، وليث بن سعد، وعمرو بن دينار، وأيوب السختياني، وصالح بن كيسان، وزمعة بن صالح، وأيوب بن موسى)، وقرة بن عبد الرحمن (13)، وهشام بن عروة وآخرون
(1) مالك بن أنس، الموطأ، ج 1، ص 359، وأخرجه من طريق الإمام مالك البخاري في كتاب الحج، باب: حج المرأة عن الرجل (1756).
(2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب الحج عمن لا يستطيع الثبوت على الراحلة
(1000)
(3) أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب: حجة الوداع (4138).
(4) أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب: حجة الوداع (4138).
(5) ابن الجارود، المنتقى، ص 132 حديث (497)، والنسائي، السنن الكبرى، ج 2،
ص 323.
(6) ابن حبان، صحيح ابن حبان، ج 9، ص 308 (7) ابن خزيمة، صحيح ابن خزيمة، ج 4، ص 346. (8) النسائي، السنن الکبري، ج 2، ص 323.
(9) النسائي، السنن الكبرى، ج 3، 470. (10) الطبراني، المعجم الكبير، ج 18، ص 283. (11) الطبراني، المعجم الكبير، ج 18، ص 285. (12) الطبراني، المعجم الكبير، ج 18، ص 285. (1/211)
صفحة 212
الرائد
(212)
عن سليمان عن ابن عباس دون ذكر أن أخاه الفضل قد حدثه.
غير أن الوليد بن مسلم قال: ثنا الأوزاعي عن الزهري عن سليمان بن
يسار عن ابن عباس عن الفضل بن العباس).
ولا محيص من القول بأن هذه الأخيرة، وهم لمخالفتها رواية الأكثرين
ولعل ذلك من قبل الوليد بن مسلم؛ إذ لا قبل لمثله بمخالفة الإمام مالك والأكثرين من الرواة الذين لم يذكروا الفضل محدثا لابن عباس.
ولفظ رواية مالك كما في صحيح البخاري مالك عن ابن شهاب عن سليمان بن يسار عن عبد الله بن عباس {قال: كان الفضل رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءت امرأة من خثعم فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه وجعل النبي يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، فقالت:
يا رسول الله، إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: نعم، وذلك في حجة الوداع.
(1) الطبراني، المعجم الكبير، ج 18، ص 286.
(2) أخرجه النسائي وابن ماجه النسائي، السنن الكبرى، ج 3، ص 470، وابن ماجه، السنن، كتاب: المناسك، باب: الحج عن الحي إذا لم يستطع (2909). (1/212)
صفحة 213
الرائد
(213)
(1)
ورواه ابن جريج ومعمر) عن ابن شهاب عن سليمان بن يسار عن ابن
عباس عن الفضل بن عباس.
غير أن ابن خزيمة رواه من طريق عيسى بن إبراهيم عن ابن وهب عن
ابن جريج عن سليمان بن يسار عن ابن عباس).
ومع ظهور رجحان رواية الإمام مالك ورفاقه عن الزهري على رواية ابن جريج ومعمر إلا أن الأمر في هذا التعارض للرواة عن الزهري أكان من طريق ابن عباس أو رواه ابن عباس عن أخيه الفضل أمر ليس ببالغ الأثر فعلى الوجهين كليهما الحديث حجة ولا تعارض بين الروايتين.
وسبب ذلك أنه إما إخبار من صاحب القصة وهو الفضل أو من أخيه وهو صحابي، وأكثر ما فيه أنه مرسل صحابي إن كان ابن عباس لم يشهد القصة كما هو الأظهر.
(1) أخرجه البخاري في كتاب: الحج، باب: الحج عمن لا يستطيع الثبوت على الراحلة (1755)، ومسلم في كتاب الحج، باب الحج عن العاجز لزمانة وهرم ونحوهما أو للموت (1335).
(2) أخرجه الدارمي والطبراني، الدارمي، سنن الدارمي، ج 2، ص 61 برقم (1831)، والطبراني، المعجم الكبير، ج 18، ص 282.
(3) ابن خزيمة، صحيح ابن خزيمة، ج 4، ص 342. (1/213)
صفحة 214
الرائد
(214)
قال الإمام السالمي - في ألفيته شمس الأصول
ومرسل الأخبار فهو المنفصل فإن يكن عن الصحابي قبل بلا خلاف والخلاف قد ورد في التابعي والصحيح لا يرد أما يحيى بن أبي إسحاق فرواه عن سليمان بن يسار وكان السائل فيه رجلا، وقد اختلفوا عليه في إسناده ومتنه.
أما إسناده فقال هشيم عنه عن سليمان عن عبد الله بن عباس، وكذلك يزيد عنه (3)، وقال محمد بن سيرين عن يحيى بن أبي إسحاق عن سليمان عن الفضل بن عباس).
وجاء بعدم القطع بواحد من ابني عباس الذي حدث بالحديث، وبعدم القطع بالمحجوج عنه أهو الأب أو الأم كما في حديث الحافظ الدارمي عن مسدد أخبرنا حماد بن زيد عن يحيى بن أبي إسحاق عن سليمان بن يسار حدثني الفضل بن عباس أو عبد الله بن العباس أن رجلا قال:
يا رسول الله، إن أبي أو أمي عجوز كبير إن أنا حملتها لم تستمسك، وإن
(1) النسائي، السنن الكبرى، ج 2، ص 324. (2) النسائي، السنن الكبرى، ج 3، ص 469. (3) النسائي، السنن الكبرى، ج 2، ص 325. (1/214)
صفحة 215
الرائد
(215)
ربطتها خشيت أن أقتلها.
قال: أرأيت إن كان على أبيك أو أمك دين أكنت تقضيه؟ قال: نعم قال: فحج عن أبيك أو أمك.
وقال إسماعيل بن علية: أنا يحيى بن إسحاق قال: حدثني وقال: مرة ثنا سليمان بن يسار قال: حدثني أحد ابني العباس إما الفضل وإما عبد الله
قال:
كنت رديف النبي فجاء رجل فقال: إن أبي أو أمي قال يحيى: وأكبر ظني أنه قال أبي كبير ولم يحج فإن أنا حملته على بعير لم يثبت عليه، وإن شددته عليه لم آمن عليه، أفأحج عنه؟
قال: أكنت قاضيا دينا لو كان عليه؟ قال: نعم، قال: فاحجج عنه).
وأما المتن فقال هشيم: إن رجلا سأل فقال: إن أبي مات، وقال ابن سيرين: فجاء رجل فقال: إن أمي عجوز كبيرة، وقال ابن علية فجاء رجل
فقال إن أبي أو أمي.
(1) الدارمي، السنن، ج 2، ص 62.
(2) أحمد بن حنبل، المسند، ج 1، ص 359. (1/215)
صفحة 216
الرائد
(216)
وخالف الجميع معمر عن يحيى بن أبي إسحاق فقال في روايته: إن امرأة
سألت عن أمها.
وجاء من طريق شعبة عن يحيى بن أبي إسحاق قال: سمعت سليمان بن
يسار يحدثه عن الفضل بن العباس قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله، إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج وإن حملته لم يستمسك أفأحج عنه؟ قال: حج عن أبيك، أخرجه النسائي وتعقبه بقوله: سليمان لم يسمع من فضل بن العباس.
(1)
وأما حماد بن سلمة فقال في روايته عن يحيى بن أبي إسحاق إن رجلا سأل سليمان بن يسار عن امرأة أرادت أن تعتق عن أمها قال سليمان: حدثني عبد الله بن عباس أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
يا رسول الله، إن أبي دخل في الإسلام وهو شيخ كبير فإن أنا شددته على
راحلتي خشيت أن أقتله، وإن لم أشده لم يثبت عليها، أفأحج عنه؟
يجزي
فقال رسول الله:: أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته عنه أكان
عنه؟ قال: نعم، قال: فاحجج عن أبيك.
(1) النسائي، السنن الكبرى، ج 3، ص 471. (1/216)
صفحة 217
الرائد
(217)
وقد رواه باللفظ السابق ابن حبان في صحيحه من طريق الحسن بن سفيان حدثنا إبراهيم بن الحجاج السامي حدثنا حماد بن سلمة عن يحيى بن أبي إسحاق".
ثالثها من طريق ابن طاوس عن طاوس عن ابن عباس، ولفظه كلفظ
مالك والجماعة عن الزهري عن سليمان بن يسار عن ابن عباس.
وأما رواية الإمام علي فجاءت من حديث محمد بن عبد الله بن الزبير ثنا سفيان عن عبد الرحمن بن الحرث بن عياش بن أبي ربيعة عن زيد بن علي عن أبيه عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي بن أبي طالب قال:
.. ثم أتى الجمرة فرماها، ثم أتى المنحر فقال: هذا المنحر وكل منى
منحر، واستفتته جارية شابة من خثعم فقالت:
إن أبي شيخ كبير قد أدركته فريضة الله في الحج أفيجزي أن أحج عنه؟
قال: حجي عن
أبيك، قال: ولوى عنق الفضل فقال العباس:
يا رسول الله، لويت عنق ابن عمك قال: رأيت شابا وشابة فلم آمن
عليهما الشيطان.
(1) ابن حبان صحيح ابن حبان، ج 9، ص 302
(2) النسائي، السنن الكبرى، ج 2، ص 323. (1/217)
صفحة 218
الرائد
218
والحديث أخرجه أحمد) والترمذي، وقال الترمذي عقبه:
حديث حسن صحيح لا نعرفه من حديث علي إلا من هذا الوجه من
حديث عبد الرحمن بن الحارث بن عياش وقد رواه غير واحد عن الثوري مثل هذا).
وجاء الحديث من طريق جرير بن عبد الحميد عن منصور عن مجاهد عن يوسف بن الزبير عن عبد الله بن الزبير قال: جاء رجل من خثعم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الركوب وأدركته فريضة الله في الحج فهل يجزي أن أحج عنه؟ قال: أنت أكبر ولده؟ قال: نعم، أرأيت لو كان عليه دين
أكنت تقضيه؟ قال: نعم، قال: فحج عنه.
وخولف جرير بن عبد الحميد في روايته فرواه عبد العزيز بن عبد
الصمد عن منصور عن مجاهد عن مولى لابن الزبير يقال له يوسف بن الزبير
(1) أحمد بن حنبل، المسند، ج 1، ص 75.
(2) کتاب الحج، باب ما جاء أن عرفة كلها موقف (885).
(3) أحمد بن حنبل، المسند، ج 4، ص 5، والدارمي، السنن، ج 2، ص 62، والنسائي، السنن الكبرى، ج 2، ص 324، والبيهقي، السنن الكبرى، ج 4، ص 329. (1/218)
صفحة 219
الرائد
(219)
أو الزبير بن يوسف عن ابن الزبير عن سودة بنت زمعة < قالت:
جاء رجل إلى النبي الله فقال: إن أبي شيخ كبير لا يستطيع أن يحج، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو كان على أبيك دين فقضيته عنه قبل منك؟ قال: نعم، قال: فالله أرحم، حج عن أبيك".
ورواه إسرائيل عن منصور عن مجاهد عن مولى لآل ابن الزبير عن ابن
الزبير أن سودة قالت: يا رسول الله ثم ساق الخبر
(2)
وخالفه أيضا الثوري فرواه عن منصور عن يوسف بن الزبير عن النبي
مرسلا).
قال البيهقي بعد ذكره الاختلاف في الرواية عن منصور: والصحيح عن مجاهد عن يوسف بن الزبير عن ابن الزبير عن النبي، كذلك قاله البخاري.
وهذا الحديث محتمل أن يكون هو السابق ومحتمل أن يكون حديثا آخر،
(1) الدارمي، السنن، ج 2، ص 63، والبيهقي، السنن الكبرى، ج 4، ص 329.
(2) البيهقي، السنن الكبرى، ج 4، ص 329.
(3) البيهقي، السنن الكبرى، ج 4، ص 329. (4) البيهقي، السنن الكبرى، ج 4، ص 329. (1/219)
صفحة 220
الرائد
(220)
والأخذ بالظاهر يفيد أنه حديث آخر.
فتحصل من السابق من الروايات أن أولاها بالرجحان الرواية التي فيها أن السائلة امرأة سألت عن أبيها، فقد اجتمع عليها أكثر الثقات، وما عداها فلا يسلم من الخلاف والتعارض.
وذهب الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني مذهبا آخر لا يخلو من
التكلف على ما يظهر فقال جامعا بين الروايات:
والذي يظهر لي من مجموع هذه الطرق أن السائل رجل وكانت ابنته معه فسألت أيضا والمسئول عنه أبو الرجل وأمه جميعا.
ويقرب ذلك ما رواه أبو يعلى بإسناد قوي من طريق سعيد بن جبير عن
ابن عباس عن الفضل بن عباس قال:
كنت ردف النبي صلى الله عليه وسلم وأعرابي معه بنت له حسناء فجعل الأعرابي يعرضها لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجاء أن يتزوجها وجعلت ألتفت إليها ويأخذ النبي برأسي فيلويه فكان يلبي حتى رمى جمرة العقبة.
فعلى هذا فقول الشابة إن أبي لعلها أرادت به جدها؛ لأن أباها كان معها، وكأنه أمرها أن تسأل النبي ا ل ل ا ل ليسمع كلامها ويراها رجاء أن يتزوجها (1/220)
صفحة 221
الرائد
فلما لم يرضها سأل أبوها عن أبيه ولا مانع أن يسأل أيضا عن أمه.
المطلب الثاني: نفي مشروعية النيابة في النفل
الأصل كما ذكرنا - عدم صحة أن ينوب أحد عن أحد في العبادات
الراجعة للبدن بل يقال إنه عند عدم الاستطاعة يسقط التكليف بها فجاءت أدلة جواز النيابة مخصصة عموم ذلك الأصل فأجازت الإنابة في حال لم يحج
المنوب عنه.
وذلك يعني
أنه لا يشرع أن تكون الإنابة في حال التنفل إذ يبقى الأمر فيما عدا الفرض المنصوص عليه على أصل المنع الذي دللنا عليه سابقا، ولا يقاس ذلك على الفرض؛ لأنه يتنافى والحكم التي رمى إليها الشارع بـ
ثم إن الأمور التعبدية مما يمتنع فيها القياس لخفاء عللها وقد جاء النص الإلهي مخبرا أنه لا ينال الإنسان من الأجر إلا ما سعى إليه بنفسه كما قال تعالى: أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّا مَا سَعَى (وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (3) ثُمَّ يُجْزَتْهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى ").
ثم جاءت السنة المشرفة على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم
(1) ابن حجر، فتح الباري، ج 4، ص 68.
(2) سورة النجم، الآيات (38 - 41). (1/221)
صفحة 222
(222)
الرائد
بتخصيص
هذا العموم القرآني ببعض الأعمال التي ينتفع بها الميت مع كونه
خارجا من دائرة التكليف ومن ذلك حديث العلاء عن أبيه عن أبي هريرة ه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا
من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له.
على
أنه يتوجه القول إن هذه الأمور المذكورة في الحديث ليست بمخصصة للعموم السابق بل هذه الأمور من سعي الإنسان نفسه فيلحقه أجرها ما بقيت إذ الصدقة والعلم قام بهما الإنسان نفسه فيتواصل عليه
أجرها، أما الولد الصالح فمن سعي الإنسان بنص الحديث كما سيأتي. وعلى السابق لا يشرع لإنسان أن يحج أو يعتمر متنفلا عن آخر في حياته ولا بعد مماته، أما في الحياة فلأن الحج أسوة العبادات الشرعية الأخرى فكما أنه لا يصح أن يصلي عنه متنفلا، ولا أن عنه متنفلا، ولا أن يصوم عنه متنفلا فكذلك لا يصح أن يحج. أو يعتمر عنه متنفلا.
وأما بعد الوفاة فذمة المتوفى قد انتهت ولا يمكن أن يصله ثواب عمل يسع هو إليه، وليس الحج والعمرة مما استثني من عموم هذه القاعدة التي
(1) أخرجه مسلم في كتاب: الوصية، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته
(1631) (1/222)
صفحة 223
الرائد
223
ثبتت بنص من الكتاب العزيز.
ثم إن أمر النيابة في النفل مع مخالفته القواعد السابق ذكرها لا نجد له ذكرا في سنة النبي ولم نجد أحدا من صحابته يفعله، ولو كان خيرا لم يفت
محمدا.
6
ومن ذلك يظهر لك عدم مشروعية ما شاع عند كثير من الناس في زماننا من الحج والاعتمار عن النبي، وهذا الأمر فيما يظهر مخالف للأدلة التي سيقت في الأصل من عدم مشروعية التنفل بالحج أو العمرة عن الغير
مطلقا.
ثم إن هذا أمر غريب إذ لم أجد أحدا من سلف الأمة الصالحين فعل ذلك لا في القرون الفاضلة ولا من بعدهم بل ولا يرى أنه من سنن الشرع في أحكامه.
ولا أدري أذلك قول قال به بعض أهل العلم عن دليل شرعي معتبر وإن كان مرجوحا عند غيره أم هو محض هوى وابتداع في الأمور الشرعية سوخته قرائح العوام، وعلى كل فظاهر الأدلة الشرعية يمنع
منه
ومن أهل العلم من أجاز النيابة في النفل، والذي يظهر أن عمدة
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 17، وابن حجر، فتح الباري، ج 4، ص 66. (1/223)
صفحة 224
الرائد
(224)
الاستدلال لهذا الرأي إنما كان بمفهوم الموافقة أو دلالة النص كما يسميها آخرون، والجمهور من أهل العلم قائلون بها خلا الظاهرية الذين تزكم أنوفهم رائحة القياس.
ووجه هذه الدلالة أن جواز النيابة في الحج الواجب أمر قد شهد له الشارع كما تقدم، وإن كان هذا الجواز في الواجب وهو أشد خطرا وأعظم أثرا فجوازه في النفل أولى إذ يتسامح في النفل ما لا يتسامح في الفرض كما تفيد ذلك النصوص الشرعية.
فيكون جواز الإنابة في النفل من هذا الباب، وهي دلالة مأخوذة من المنطق اللغوي الذي اتخذه الشارع وعاء الخطابه كما هو رأي الجمهور من
الأصوليين.
ولكن في هذا نظر إذ إننا وإن قلنا بحجية دلالة مفهوم الموافقة كما هو مذهب الجمهور من الأمة إلا أننا لا نرتضي الأخذ بها في هذا الموضع؛ إذ هذه الدلالة لا تعدو كونها قياسا) وإن عددوا ما عددوا في الفرق بينها والقياس
(1) السالمي، طلعة الشمس، ج 1، ص 258، والآمدي، الإحكام، ج 3، ص 74، وابن السمعاني، قواطع الأدلة، ج 1، ص 236، وابن حزم، الإحكام، ج 7، ص 324.
(2) الجويني، البرهان، ج 2، ص 516. (1/224)
صفحة 225
الرائد
225
وإثبات أنها مخالفة له وليس لها من سبيل سوى المعرفة باللغة كما قالوا.
ومع قولنا إنها قياس نقول إن هذا القياس وارد في أمور العبادات التي يتحفظ البعض من الأخذ به في قضاياها.
ثم إنه قد أفادت الأدلة السابقة المذكورة لتأييد الرأي بعدم الجواز أن هذا القياس أو هذه الدلالة غير مأخوذ بها في هذا الموضع بل الواجب الاقتصار على مورد النص مما يسقط هذا القياس ويقدح فيه.
ثم إن هؤلاء بنوا هذه الدلالة على أن الشارع قد أجاز النيابة في الفرض فتجوز في النفل من باب الأولى، والظاهر أن الأدلة لا تسلم لهم بأن المنوب عنه كان الحج واجبا عليه كما تقدم بل الظاهر خلافه، لذا فالعلة في النيابة المذكورة في الأحاديث أمر آخر ليس هو وجوب الحج على المنوب عنه حتى يفرع منه حكم النفل من العبادات كما سيأتي.
ومنه يظهر لك ضعف الاستمساك بدلالة الأولى في هذا الموضع وأنها لا محل للاستدلال بها، فظهر من ذلك أولوية القول بعدم مشروعية النيابة
والإنابة في النفل.
المطلب الثالث: حكم الإنابة
تبين مما تقرر سابقا أن الإنابة في أداء نسكي الحج والعمرة الواجبين أمر (1/225)
صفحة 226
الرائد
226)
مشروع من حيث الجملة، وقد وقع الاتفاق بين الفقهاء على أن من كان غير قادر على الحج ببدنه وماله ولم يجد من ينوب عنه ليؤدي النسك أنه لا يجب عليه الحج بنفسه ولا إنابة غيره.
كما اتفق الفقهاء على أن النيابة غير واجبة فلا يجب على الإنسان أن
ينوب عن غيره شرعا إلا بتبرع منه ورضا.
لكن اختلف الفقهاء فيمن كان غير قادر على الحج ببدنه غير أنه قادر على أن ينيب غيره عنه سواء كانت الإنابة بعقد الإجارة أو تبرع من النائب
أيلزمه أن ينيب.
ذهب جماعة من الفقهاء إلى أن استطاعة الحج لها شقان
أولهما الشق الأكمل من الاستطاعة وهي قدرة المكلف بذاته على تأدية الفرض الواجب عليه مع تحمله الأعباء المالية التي يستلزمها أداء هذه العبادة، وهذا لا نزاع في حكم وجوب الحج عليه بين أحد من أفراد الأمة.
ثانيهما الاستطاعة على الجانب المالي لأداء النسك دون الجانب البدني، وقد تقدم أن رأي جماعة كبيرة من أهل العلم أن الحج عبادة مالية بدنية لذا فسقوط الاستطاعة البدنية لا يعني سقوط وجوب الحج كله بل يلزم من لم (1/226)
صفحة 227
الرائد
(227)
يستطع بدنا واستطاع إحجاج غيره عنه بأن ينيب غيره ليؤدي الواجب). وقد ارتضوا الحكم الوجوبي لدلالة الأحاديث السابقة عليه، وذلك أن الشارع قد سمى حج النائب قضاء لدين، ولا يكون دينا إلا إن تعلق بالذمة، ولا يتعلق بالذمة إلا واجب.
وشبهه بدين الناس الذي يجب الوفاء به إجماعا بل جعل دين الله الذي هو الحج أحق بالقضاء من دين الناس، ولا يفسر هذا الوجوب إلا بالقدرة على الإنابة إذ النص ناطق بعدم القدرة البدنية.
ثم إن الصحابي قد قال بأن المنوب عنه أدركته فريضة الحج لا يستطيع الوقوف على الراحلة، فسماها فريضة ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك مما يعني أن سقوط القدرة البدنية مع إمكان الإنابة المعتبرة شرعا لا يعني سقوط التكليف بوجوب الحج.
ثم إن الصحابي السائل قد قال أيضا في الحديث الآخر يجزي عنه أن
أحج عنه، وما الإجزاء إلا دليل المطالبة بالأصل.
ذلكم كان رأي الجمهور من أهل العلم وله وجاهته وقوته، غير أنه قد ذهب جماعة إلى أن من لم يستطع الحج ببدنه -وهو المعضوب- سقط عنه
(1) النووي، شرح صحيح مسلم، ج 9، ص 98، و ابن حزم، المحلى، ج 7، ص 56. (1/227)
صفحة 228
الرائد
فرض الحج أصلا سواء كان قادرا على من يحج عنه بالمال أو بغير المال لا يلزمه فرض الحج.
وهذا الرأي أوجه في النظر وأقرب للدليل، وذلك لأمور:
أولها أن الله تعالى قد قيد وجوب أداء الحج بالاستطاعة إليه كما هو منطوق قوله تعالى ولله عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، وهذه الاستطاعة لا تدل على الإنابة من قريب ولا بعيد بل هي متوجهة إلى الاستطاعة البدنية وحدها.
وذلك أنه قد تبين مما سقناه أول الكتاب أن المقصد الأساس من هذه العبادة متعارض مع مشروعية الإنابة فهو متعلق بالبدن وحده فليست عبادة الحج مالية بل هي بدنية متعلقة بكل فرد على حدة.
لذا فيلزم منه تفسير الاستطاعة باستطاعة كل بدن لأداء ما عليه وهو ما يفيده قوله حج البيت، أما إنابة الغير فيعبر عنها بإحجاج البيت وليس حج البيت الذي معناه قصد البيت.
ويدلك على ذلك أن الإجماع قائم على أن من لم يستطع الصلاة وتعذر
(1) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 4، ص 150، والشنقيطي، أضواء البيان، ج 4،
ص 319. (1/228)
صفحة 229
الرائد
(229)
عليه أداؤها بكل الوجوه سقط عنه التكليف بها لأنه غير مستطيع، ولم يقل أحد من الأمة بأنه يلزم هذا المبتلى بأن ينيب عنه غيره ليصلي لمجرد أنه غير قادر على أدائها، مع أن الأمرين لهما حكم واحد وهو سقوط التكليف عند عدم القدرة عليه.
ثم إن من حج عنه غيره ولم يحج هو لم يُسَمَّ حاجا في اللغة، وهو في الاصطلاح الفقهي لا يسمى حاجا أيضا بل غاية ما في الأمر أنه قد أسقط عن نفسه الوجوب بإنابة غيره عنه على مذهب من يقول إن الحج واجب عليه في هذا الحال.
لذا فيؤخذ من هذه الآية وجوب قصد البيت أي الذهاب للحج ولو كان المراد إسقاط الوجوب عن النفس فقط لكان التعبير بإحجاج البيت، وعليه فيفسر قوله من استطاع إليه بمن استطاع أداء المناسك ببدنه.
وقد استدل بعض القائلين بوجوب الإنابة عند قيام الاستطاعة المالية عليها دون الاستطاعة البدنية بهذه الآية فقال:
إن العرب تقول استطاع فلان بناء البيت وهو غير قادر بنفسه بل بماله فيبني غيره، فيقال فلان استطاع الحج ولو كان بإنابة غيره ما دام مستطيعا (1/229)
صفحة 230
الرائد
(230)
بماله).
وهذا الاستدلال فيه نظر؛ إذ المقصد في بناء البيت هو وجود هيئته في الوجود وبذلك ينتفع به الإنسان ويتحقق له مراده سواء كان هو الباني نفسه أو كان الباني غيره بل لو أنشئ بكلمة كن الإلهية لم يغير ذلك من الأمر شيئا إذ المقصود تحقق المقصد والمنفعة.
أما
ما الحج فمختلف الحال فيه بين أن يؤديه المكلف بنفسه محققا مقاصد شرعية أرادها الشارع بنفسه، وبين أن ينيب غيره ولا يتحقق له شيء البتة مما
أراده الشارع.
ثم إنه قد مضى العرف اللغوي الاتفاقي على أنه يقال بني فلان بيتا أن الغالب في الأحوال أن الباني ليس هو فلانا نفسه بل غيره، ولكن في اخـ لا قائل فلان حاج لمجرد أنه أناب غيره ليحج عنه إذ لكلمة حاج دلالة لغوية معلومة لا تتحقق في المنيب، لذا فيقال له فلان أسقط الحج عن نفسه بإنابة غيره، أو يقال فلان أحج غيره عنه، وبون شاسع بين قولنا حج فلان وأحج
فلان.
ثم إنه لم يأت دليل يقسم الاستطاعة قسمين بدنية ومالية وأنه يلزم
(1) ابن حزم، المحلى، ج 7، ص 56. (1/230)
صفحة 231
الرائد
(231)
المستطيع ببدنه إنابة غيره، لكن أخذ ذلك من حديث الخثعمية فقالوا بالنيابة فيه لأنه مستطيع بماله.
وأنت خبير أن هذا أمر لم يذكره النص أكان المنوب عنه مستطيعا بماله أو
هو غير مستطيع.
ثانيها: أن للحج مقاصد أرادها الشارع من تشريعه لهذه العبادة وذلك بإقامة ذكر الله والاستغفار والائتمار بأوامر الشارع والاعتبار بالمقام في تلك العراص المطهرة بالآيات البينات مقام إبراهيم.
وتأديب النفس بمفارقة الأوطان، وتهذيبها بالخروج عن المعتاد من المخيط وغيره ليذكر المعاد والاندراج في الأكفان، وتعظيم شعائر الله تعالى في تلك البقاع، وإظهار الانقياد من العبد لما لم يعلم حقيقته كرمي الجمار، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف على بقعة خاصة دون سائر البقاع. وقد بين الحق تبارك وتعالى بعض مقاصده من عبادة الحج وقد ذكرنا ذلك من قبل وهي مصالح لا تتحقق إلا للمباشر كالصلاة في حكمها
ومصالحها، لذا كان مناط تشريع الحج تحقق الحكم السابقة.
وأنت خبير أن من ينيب غيره ليحج عنه لا يتحقق له شيء من المصالح
(1) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 194. (1/231)
صفحة 232
الرائد
(232
السابقة، وعبادة الحج قائم أساسها على العمل البدني الذي تتم به التزكية للنفس، فمصلحة تلك الأعمال راجعة للنائب، فما ناسب ذلك وجوب الحج عليه، إلا أن يقال إن الإنابة لمن استطاع بماله أمر تعبدي.
وهذا مشكل لم يدل عليه دليل، فضلا عن أن الشارع جعل لمثل ذلك
عبادة الزكاة وغيرها من الصدقات وسيأتي مزيد بيان لذلك.
ثالثها: استدل جماعة على عدم وجوب الإنابة بحديث عبد الرزاق عن الثوري عن سليمان الشيباني عن يزيد بن الأصم عن ابن عباس أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال أحج عن أبي؟ قال: نعم، إن لم تزده خيرا لم تزده شرا. والحديث ذو إسناد صحيح كما يلوح عليه، ووجه الاستدلال منه ظاهر إذ قوله "إن لم تزده خيرا لم تزده شرا" كالصريح في عدم الوجوب فهو قرينة لفظية تصرف الأمر عن الوجوب.
ولكن اعترض على الاستدلال بهذا الحديث بأمرين أولهما في وجه
الاستدلال وثانيهما في ثبوت الحديث.
أما وجه الاستدلال فاعترض عليه بأنه ليس قوله "إن لم تزده خيرا لم تزده شرا" بمخرج ذلك من حكم الوجوب إلى التطوع؛ لأن هذه صفة كل
(1) أخرجه ابن ماجه في كتاب المناسك، باب: الحج عن الميت (2904). (1/232)
صفحة 233
الرائد
233
عمل مفترض أو تطوع إن لم يتقبل من المرء فإنه على كل حال لا يكتب له به
سيئة (1).
أما ثبوت الحديث فاعترض عليه بأنه أعل بأمور:
أولها أنه لا يوجد في الدنيا كما يقول الحافظ ابن عبد البر - بغير هذا الإسناد من طريق عبد الرزاق، ولم يروه عن الثوري غيره لا كوفي ولا بصري ولا يوجد عند أصحاب الثوري الذين هم أعلم بالثوري من عبد الرزاق مثل القطان وابن مهدي وابن المبارك ووكيع وأبي نعيم، وهؤلاء جلة أصحاب الثوري في الحديث.
وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني: غريب من حديث يزيد تفرد به الثوري عن الشيباني وهو أبو إسحاق واسمه سليمان بن فيروز تابعي من
أهل الكوفة).
ثانيها أنه منكر، ألفاظه لا تشبه ألفاظ النبي أن يأمر بما لا يدري هل
ينفع أم لا ينفع.
(1) ابن حزم، المحلى، ج 7، ص 58.
(2) الأصبهاني، حلية الأولياء، ج 4، ص 100.
(3) ابن عبد البر، التمهيد، ج 9، ص 130. (1/233)
صفحة 234
الرائد
(234)
هذا الذي أعل به هذا الحديث، ولكن مما قد يرد عليه أنه
روي بإسناد آخر من غير طريق الثوري وإن كان موقوفا على ابن عباس فقد رواه علي بن
مسهر عن أبي إسحاق سليمان الشيباني كما في رواية ابن أبي شيبة عن علي بن مسهر عن الشيباني عن يزيد بن الأصم عن ابن عباس قال:
سأله رجل فقال: إن أبي مات ولم يحج قط، أفأحج عنه؟ قال: نعم فإنك
إن لم تزده خيرا لم تزده شرا).
وهذا إسناد صحيح متصل غير أنه موقوف على ابن عباس.
كما رواه محمد بن الحسن الشيباني عن أبي كدينة يحيى بن المهلب البجلي عن أبي إسحاق الشيباني عن يزيد بن الأصم عن ابن عباس موقوفا عليه كالسابق)، وظاهر من إسناده الصحة.
فكان التعارض فيه بين الثقات في الرفع والوقف
أما قولهم لا يشبه ألفاظ النبي صلى الله عليه وسلم فأمر غير منضبط عند الاحتجاج على الخصوم إذ ما لا يشبه ألفاظ النبي الله عند زيد من الناس قد يشبهها عند
عمرو منهم.
(1) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 379.
(2) الشيباني، الحجة، ج 2، ص 235. (1/234)
صفحة 235
الرائد
ومما يدلك على ذلك أن ابن حزم وهو ممن لا يقول بالحكم الذي
استفاده المستدلون به - استملح هذا اللفظ وسوعه وأثبت صحته.
نعم مثل هذا الإعلال مورد شيئا في نفس المستدل لكن لا يحتج به على الخصم بل يحمل مستنكر اللفظ على البحث عن علل أخرى تكون مسلما بها عند المتنازعين، وهو ما يفيده قيد الانضباط والاطراد في الأدلة الشرعية. أما الاستدلال بالنصوص النبوية على وجوب الإنابة فأراه مبنيا على
أمور:
قضاء
أولها: الأمر الوارد بقوله: اقضوا، والأصل في الأمر الوجوب. ثانيها: تشبيه هذا القضاء بقضاء الدين بل جعل قضاء دين الله أولى من دين الخلق، ومعلوم الاتفاق على وجوب قضاء دين الخلق. ثالثها: الاستدلال بقول الخثعمية: إن فريضة الله على العباد، فسمتها
فريضة ولم ينكر عليها النبي ذلك مما يعني إقرارها.
وفي هذا الاستدلال من الحديث نظر، وذلك:
أول الوجوه مبني على الأمر للأولاد بالنيابة عن آبائهم ولا أدري وجه
(1) ابن حزم، المحلى، ج 7، ص 57. (1/235)
صفحة 236
الرائد
236
الاستدلال
من ذلك على وجوب الإنابة إذ إن هذه الأدلة تفيد - لو قيل
بظاهرها - وجوب النيابة لا الإنابة.
وفرق بين الأمرين كبير؛ إذ وجوب الإنابة لا بد من أن يستفاد فيه الحكم من الأمر للمكلف العاجز ببدنه بأن ينيب غيره بأن يخاطبه الشارع بما يوجب عليه أن ينيب غيره كأنب غيرك أو نحو ذلك ولا وجود لمثل هذا الأمر في الأدلة الشرعية.
غاية ما في هذه الأوامر أنها موجهة للنائب بأن ينوب عن أبيه أو أمه - على اختلاف الروايات وقد وقع الإجماع من الأمة على أن هذا الأمر ليس على سبيل الوجوب فليس على مكلف أن ينوب عن وليه إذا ما قصر في شيء
صلے
من حقوق الله تعالى ولم يوص بها، وهذا الإجماع مستند على قوله تعالى: [من اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً. . .
وقوله تعالى: [وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةً إِلَى حِمْلِهَا لَا تُحْمَل مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَوَةً
(1) سورة الإسراء، الآية (15) (1/236)
صفحة 237
الرائد
237
وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ.
فظهر من السابق أن لا دلالة في الأوامر الموجهة من النبي صلى الله عليه وسلم للنواب على وجوب الإنابة لمن كان مستطيعا بماله فقط؛ لأنها غير موجهة لمن استطاع
بماله دون بدنه
ولا يجب على الأولاد النيابة عن آبائهم بدلالة أن الإجماع المستند للأدلة
الشرعية السابقة قائم على أن هذا الأمر ليس على سبيل الوجوب.
أما ثاني الأدلة القائم على تشبيه النبي صلى الله عليه وسلم دَيْنَ الله تعالى بدين العباد
والوفاء بدين العباد واجب بالاتفاق فيرده أمور:
أولها: أن الوفاء بدين العباد واجب إذا ما ترك المتوفى قضاء لدينه، أما إذا
لم يترك قضاء لدينه فلا يجب على الولي القضاء اتفاقا.
ثانيها: أن جماعة من الفقهاء قد حكوا الاتفاق على تقديم دين العباد على: دين الله تعالى في حال المزاحمة)، وهذا يجعل الحديث غير مأخوذ بظاهره
اتفاقا.
(1) سورة فاطر، الآية (18).
(2) ابن العربي، أحكام القرآن، ج 1، ص 379، والقبس، ج 2، ص 543. (1/237)
صفحة 238
الرائد
238
ويدلك عليه أن من كان ذا مال لا يتسع إلا لأحد أمرين الحج أو قضاء دين للعباد قدم قضاء الدين للعباد اتفاقا وعُدَّ هذا غير مستطيع فيسقط عنه فرض الحج.
ثم إن الشارع قد أفاد تقديم دين العباد على دين الله في مواضع، ومن تلك المواضع ما في حديث أبي عبيدة قال: سمعت ناساً من الصحابة يروون عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الذنوب على وجهين:
ذنب بين العبد وربه، وذنب بين العبد وصاحبه، فالذنب الذي بين العبد وربه إذا تاب منه كان لا ذنب له، وأما ذنب بين صحبه فلا توبة له حتى يرد المظالم إلى أهلها.
وهذا الاتفاق الذي تؤيده الأدلة الخارجية قاض بأن ظاهر الحديث غير
مراد للشارع فلا يؤخذ منه حكم وجوب الإنابة.
ثالثها: أن القائلين بوجوب الإنابة يشرطون لذلك الوجوب الاستطاعة
المالية وعدم الاستطاعة البدنية.
وعدم تحقق الاستطاعة البدنية في أصحاب وقائع الأحاديث السابقة أمر ظاهر لكن أنى لهم إثبات تحقق الاستطاعة المالية للمنوب عنهم من
(1) أخرجه الإمام الربيع في باب الوعيد في الأموال (691). (1/238)
صفحة 239
الرائد
239
المذكورين في أحاديث النيابة، إنها ساكتة عن ذلك ولا تدل عليه بأي نوع من أنواع الدلالات المطابقة والتضمن والالتزام إلا أن يكون تقييدا للحديث بمحل النزاع نفسه، وهو ما لا يسلم لهم به.
أما ثالث الأدلة فيرده أن المتبادر من قول الخثعمية إن فريضة الله على العباد أي أن نزول فرض الحج كان في وقت أصابت والدها فيه الشيخوخة وعدم القدرة على الأداء، لا أنه فرض عليه، ولو كان المراد إثبات الفرضية
على أبيها لكان اللفظ إن فريضة الله على أبيها لا على العباد.
وبعد السابق كله قد يقول قائل وماذا يفهم من الأحاديث؟ الذي يظهر أن الأحاديث هذه جاءت ضمن السياق العام الذي فيه الحث على بر الوالدين والتوجه لفعل الخير لهما فإن جميع المذكورين في الروايات أناس انبعث منهم داعي الخير وخشوا أن يفوت آباءهم أجر الحج لذا لم يكن من الشارع الكريم أن يقف أمام توجههم للخير وابتغائهم المعروف، فأمر بالنيابة إيغالا في سياسة البر بالوالدين والقيام بشأنهما وهو الأمر الذي جعلته الشريعة الإسلامية قرينا لتوحيد الله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ
أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَنًا}.
(1) سورة الإسراء، الآية (23). (1/239)
صفحة 240
الرائد
(240)
ويدلك عليه أن أحاديث النيابة الصحيحة كلها ما كانت إلا في أولاد ينوبون عن آبائهم.
وجاءت روايات كثيرة في مثل هذا الحال الأمر ببر الوالدين بعد موتهما وأن أجر ذلك يبلغهما وينتفعان به ولولا خوف الإطالة المخرجة عن الموضوع لخرّجنا ما يفتح الله منها، ولكن نشير إلى بعض منها ومن ذلك حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة < أنها قالت: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن أمي افتلتت نفسها، وأراها لو تكلمت لتصدقت، أفاتصدق عنها؟ فقال له رسول: نعم، تصدق عنها.
(3)
والحديث أخرجه الربيع واللفظ له، والبخاري ومسلم.
وجاء مما يدل على قاعدتنا السابقة حديث عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس {أن سعد بن عبادة الله استفتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن أمي ماتت
(1) سيأتي بعد قليل أن حديث "حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة" لا يثبت مرفوعا إلى
النبي.
(2) باب الوصية (678)
(3) كتاب الوصايا، باب ما يستحب لمن يتوفى فجأة (2609).
(4) كتاب الزكاة، باب: وصول ثواب الصدقة عن الميت (1004). (1/240)
صفحة 241
الرائد
(241)
وعليها نذر فقال: اقضه عنها.
ومن الباب السابق حديث عكرمة مولى ابن عباس يقول: أنبأنا ابن عباس أن سعد بن عبادة له أخا بني ساعدة توفيت أمه وهو غائب عنها فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
يا رسول الله، إن أمي توفيت وأنا غائب عنها، فهل ينفعها شيء إن تصدقت به عنها؟ قال: نعم، قال: فإني أشهدك أن حائطي المخراف صدقة
عليها).
عن
ومن الباب السابق حديث إسماعيل ابن جعفر عن العلاء عن أبيه أبي هريرة له أن رجلا قال للنبي: إن أبي مات وترك مالا ولم يوص، فهل
(3)
يكفر عنه أن أتصدق عنه؟ قال: نعم.
ومن الباب السابق حديث حماد بن سلمة عن عاصم بن أبي النجود عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله عز وجل ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة فيقول: يا رب أنى لي هذه؟ فيقول: باستغفار
(1) أخرجه البخاري، كتاب الوصايا، باب ما يستحب لمن يتوفى فجأة (2610). (2) أخرجه البخاري، كتاب الوصايا، باب الإشهاد في الوقف والصدقة (2611). (3) أخرجه مسلم كتاب الوصية باب وصول ثواب الصدقات إلى الميت (1630). (1/241)
صفحة 242
الرائد
(242
ولدك لك».
ومن الباب السابق حديث العلاء عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له".
والباب الجامع لهذا الأمر ما أفادته الأدلة أن سعي الابن من كسب الأب
فيعطى الأب أجره كما في حديث عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه
(3)
ومن السابق كله ما أراد الشارع بهذه الأحاديث بيان حكم المنوب عنه بل أراد بها الحض والمبادرة على فعل الخير للوالدين وجعل من السبل لذلك الحج عنهما إذا ما لم يحجا بأن كانوا غير قادرين عليه.
(1) أحمد بن حنبل، المسند، ج 2، ص 509.
(2) أخرجه مسلم في كتاب الوصية باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته
(1631)
(3) أخرجه النسائي في كتاب البيوع، باب الحث على الكسب (4452).
(4) كتبت ذلك ثم رأيت القاضي ابن العربي قد نص على مثله فالحمد الله على الموافقة، ونص
کلامه (1/242)
صفحة 243
الرائد
(243)
ومحصلة الأمر أن عبادة الحج بدنية لا تجب على الإنسان إلا بالاستطاعة
البدنية للوصول إلى عراص المناسك وما تستلزمه هذه الاستطاعة
من
أمور،
فمن لم يتحقق فيه معنى الاستطاعة ارتفع عنه حكم الوجوب ولو كان عنده
من المال ما يكفيه لإنابة غيره عنه.
المطلب الرابع: أخذ الأجرة على النيابة
مضى بنا الاستقراء السابق للأدلة التي أفادت مشروعية النيابة في أنها كانت في غالبها من قبل أولاد لآبائهم ولم يقف الشرع حائلا دون أن يحقق هؤلاء رغبتهم في وصول الأجر والخير لآبائهم إمعانا في الحث على برهم والسعي لمنافعهم الدينية والدنيوية.
وجاء أحد تلك الأدلة مفيدا نيابة أخ عن أخته التي نذرت فكان الحج واجبا عليها في حياتها فأذن له الشارع في أن ينوب عنها كما في حديث آدم حدثنا شعبة عن أبي بشر قال سمعت سعيد بن جبير عن ابن عباس {
مقصود الحديث الحث على بر الوالدين والنظر في مصالحهم دينا ودنيا وجلب المنفعة إليهما جبلة وشرعا؛ فإنه رأى من المرأة انفعالا بينا وطواعية ظاهرة ورغبة صادقة في بر أبيها وتأسفت أن تفوته بركة الحج ويكون عن ثواب هذه العبادة بمعزل وطاعت بأن تحج عنه فأذن لها النبي صلى الله عليه وسلم فيه.
ابن العربي، أحكام القرآن، ج 1، ص 379، والقبس، ج 2، ص 44 (1/243)
صفحة 244
الرائد
(244)
قال: أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال له:
إن أختي نذرت أن تحج وإنها ماتت فقال النبي: لو كان عليها دين
أكنت قاضيه؟ قال: نعم، قال: فاقض الله فهو أحق بالقضاء.
وقد أخرجه باللفظ السابق البخاري، وفي النفس من قوله أختي شيء فإنه مفارق للسنن العام للأحاديث الأخرى، وقد رواه البخاري بالطريق السابق نفسه بلفظ إن أمي من حديث موسى بن إسماعيل حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس {أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت:
إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: نعم، حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا الله فالله أحق بالوفاء).
وهذا اللفظ هو الأقرب وما قاله من قال بأن اللفظين في حادثتين مختلفتين أمر فيه من التكلف ما فيه فما اختلفتا في إسناد ولا لفظ خلا هذا اللفظ مما يعين أن الواقعة واحدة وما الصحيح إلا واحد من اللفظين وغيره
(1) كتاب: الأيمان والنذور، باب من مات وعليه نذر (6321).
(2) کتاب الحج، باب الحج والنذور عن الميت (1754). (1/244)
صفحة 245
الرائد
(245)
وهم.
ومما يؤيد الحكم السابق أنه بتخريج أحاديث النيابة من الطرق كلها وتحرير الثابت من غير الثابت من الألفاظ والأسانيد مع عدم الاقتصار على الصحة الظاهرة للإسناد يتبين أنه ما صح لفظ في أحاديث النيابة إلا الألفاظ التي فيها نيابة الأولاد عن الآباء فقط مما يؤيد القول بأن مشروعية النيابة في حق الأولاد أريد بها توجيه البر بالآباء من قبل الأولاد.
وقد اشتركت الأدلة السابقة في بيان أن المنوب عنه لم يحج في حياته حجة الإسلام وكان معذورا في ذلك لعدم تحقق الاستطاعة على الحج، ثم إن كل النواب ما كانوا إلا متبرعين لم يأخذوا على نيابتهم شيئا بل كان الحامل لهم على النيابة الشفقة لمن نابوا عنه أن لا يكتب له أجر عبادة الحج.
والناظر لأدلة النيابة يجد أنها ما كانت إنابة للغير بل كانت نيابة عن الغير سعى إليها النائب نفسه للأسباب السابقة متبرعا دون أن يكون آخذا شيئا
مقابل نيابته.
وبعد التقريرات السابقة اختلف الفقهاء في أمر لم تتعرض له النصوص
الشرعية بذكر وهو أخذ الأجرة على النيابة عن الغير:
قال جماعة من الفقهاء إن أخذ الأجرة على النيابة أمر لا يشرع ولا يجوز، (1/245)
صفحة 246
الرائد
(YET)
والعلة في ذلك المنع هي أن الحج قربة إلى الله عز وجل ولا يصح أن يعمله غير المتقرب به، ألا ترى أنه لا يجوز بإجماع أن يستأجر الذمي أن يحج عن مسلم وذلك لأنه قربة للمسلم.
وذهب آخرون إلى جواز أخذ الأجرة على النيابة"، مستدلين بالإجماع الحاصل على جواز أخذ الأجرة على كثير من القرب والطاعات، ومن ذلك إجماعهم على كتابة المصحف وبناء المساجد وحفر القبور وصحة الاستئجار في ذلك وهو قربة إلى الله فكذلك عمل الحج عن الغير والصدقات قربة إلى الله عز وجل وقد أباح للعامل عليها أن يأخذ منها على قدر عمله".
وقد أفادت نصوص من السنة جواز أخذ الأجرة على بعض العبادات ومن ذلك حديث ابن عباس أن النبي اول قال: إن أحق ما أخذتم عليه أجرا
كتاب الله، وغير ذلك من النصوص.
أما الاستدلال الثاني للمانعين وهو حكايتهم الإجماع على عدم جواز
(1) ابن عبد البر، التمهيد، ج 9، ص 137.
(2) ابن عبد البر، التمهيد، ج 9، ص 137.
(3) ابن عبد البر، التمهيد، ج 9، ص 137.
(4) أخرجه البخاري في كتاب الطب، باب: الشرط في الرقية بقطيع من الغنم (5405). (1/246)
صفحة 247
الرائد
(247)
استئجار الذمي للحج عن الغير ففيه نظر من حيث إن الإجماع ثمة منبن على منع الذمي من الحج حتى يسلم لا من جهة أنه استئجار على الحج عن الغير. وأنت خبير أن الإجماع على منع الذمي من الحج لم يكن هو محل النزاع
بل محل النزاع على الأجرة عن الحج مطلقا، لذا فلا دلالة على هذا. ولكن مع الاعتراضات السابقة التي وجهت على أدلة المنع من أخذ الأجرة على النيابة ما زلنا نرتضي القول بالمنع من أخذ الأجرة على النيابة لأن الأصل المنع من النيابة لتنافيها ومقاصد الشارع من تشريع عبادة الحج، لكن النصوص شرعتها في حالة واحدة دون غيرها وهي حج الأولاد عن آبائهم مع المنطق التشريعي العام الذي رمى إلى بر الوالدين وجعل من
اتساقا
مؤيدات ذلك أن سعي الابن من كسب أبيه كما تقدم تقرير ذلك بأدلته.
وهذه الحالة لا تعدى إلى غيرها بل يقتصر على مورد النصوص فلا يحج
أحد عن أحد إلا ولد عن أبيه.
المطلب الخامس: شروط النيابة
ذكرنا من قبل أن الأصل تعبد كل إنسان بنفسه فلا يشرع باتفاق علماء الأمة أن يستنيب القادر على الحج أو العمرة غيره ليسقط عنه الفرض الواجب سواء كانت الاستنابة بأجر أو دون أجر. (1/247)
صفحة 248
الرائد
(248)
وما السابق إلا لكون هذه العبادة الحج أو العمرة قد خوطبت بها ذمم الناس كل على حدة فلا يقوم بأداء الواجب عنه أحد مع قدرته عليه وهذا باتفاق علماء الشريعة.
قال ابن المنذر وأجمعوا أن من عليه حجة الإسلام وهو قادر لا يجزي
إلا أن يحج بنفسه لا يجزي أن يحج عنه غيره).
لذا كان للاستنابة شروط لا بد من تحققها حتى تصح، ولبيان ذلك نذكر
هذه الشروط التي قيل بها مبينين مواطن الوفاق والخلاف.
الشرط الأول: حياة المنوب عنه
دلت الأحاديث السابقة على أن المنوب عنهم قد كان بعضهم أحياء
وبعضهم موتى ففي الأول الظاهر أن أبا المرأة الخثعمية ولكنه لا
حي
يستطيع الوقوف على الراحلة، وفي الحديث الثاني النص على أن أم ذلك الرجل حية ولكنها من ضعفها لا تستطيع الركوب على الراحلة فأمر النبي الرجل أن يحج عنها.
أما الحديثان الثالث والرابع ففيهما النص أن المنوب عنه كان متوفى، وفي الأحوال جميعها يأمر النبي الله بالحج عن غير القادر عليه سواء كان حيا أو
(1) ابن المنذر، الإجماع، ص 116 (209). (1/248)
صفحة 249
الرائد
(249)
ميتا، وهذا الذي قال به أكثر الفقهاء.
وذهب بعضهم إلى أنه لا يصح الحج عن الحي، وهؤلاء جعلوا علة جواز النيابة هي الوفاة، وهذا أمر مشكل لم تتفق عليه الأدلة الشرعية التي وردت بأحكام النيابة إذ منها ما صرح بالنيابة في حال الحياة كحديث أنس عند الربيع.
ثم إن وجوب الحج كان معللا بالاستطاعة فتدور هذه العلة مع الحكم وجودا وعدما، فتقييدها بالوفاة تحكم دون دليل، والأخذ ببعض الروايات التي فيها وفاة المنوب عنه مشكل من جهة كونها واقعة حال لا تخصص عموما ولا تقيد إطلاقا فضلا أنها معارضة بغيرها الذي فيه النص على حياة
المنوب عنه.
والأحاديث الواردة في النيابة راعت العلة التي نص عليها القرآن فإن
جميع
السائلين قد اتفقوا أن المنوب عنهم غير مستطيعين عليه للنائب فمن هنا سوغ النبي النيابة بل أمر بها.
وهم
آباء
(1) هذا أسلوب شائع في الاستدلال مع أنه موطن نزاع إذ هو صحيح عند القائلين بمنع تعليل الحكم بأكثر من علة وإلا فالقول بجواز تعليل الحكم الواحد بأكثر من علة يمنع
من ذهاب الحكم بمجرد ذهاب علة إذ من المحتمل بقاؤه بعلة أخرى. (1/249)
صفحة 250
الرائد
(YO.)
الشرط الثاني: أن يكون النائب قد أدى فرض نفسه
جاءت الأدلة الشرعية السابقة المتفق على صحتها مبينة حكم النيابة وأنها من الأمور المشروعة، وفيها أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالنيابة عن أصحاب الأعذار الشرعية دون التفات إلى صفة النائب أهو ممن أدى الفرض عن نفسه أو ليس ممن أدى الفرض عن نفسه.
وللسابق قال جماعة من أهل العلم إن نيابة الإنسان عن غيره لا يشترط لها أن يكون قد أدى الحج عن نفسه فالنبي صلى الله عليه وسلم قد ترك الاستفصال في الأدلة السابقة وترك الاستفصال ينزل منزلة العموم في الأقوال.
وهذا الأمر ظاهر على القول بجواز التراخي في الحج، وأنه ليس من الواجب الإتيان به على الفور.
وأما على القول بأن الحج يجب الإتيان به على الفور فيقال إن الشخص الخطاب
الذي ناب عن غيره قد عصى في تأخيره الحج عن نفسه بعد توجه
الشرعي إليه بالوجوب، والنيابة عن الغير جائزة لعدم المانع منها شرعا. واستدل بعض القائلين بجواز النيابة عن الغير قبل أداء الواجب بحجة أخرى وهي الاتفاق على جواز التنفل قبل الفريضة بالصلاة والصيام والزكاة
(1) العيني، عمدة القاري، ج 1، ص 313. (1/250)
صفحة 251
الرائد
(251)
فكان القياس جواز ذلك في الحج إذ الجميع عبادات فقال:
وكما كان لمن لم يصل الصلاة المفروضة عليه بعد دخول وقتها عليه أن يصلي تطوعا ثم يصليها بعد ذلك كان ذلك لمن دخل عليه وقت الحج ووجب عليه فرضه أن يحج تطوعا عن نفسه وأن يحج حجا مفروضا عن
وقالت طائفة من أهل العلم -وهم الجمهور - إن من شرط جواز نيابة الإنسان عن غيره أن يكون قد أدى الفرض عن نفسه وإلا لم تصح نيابته. قالوا: قد قلنا بهذا التقييد مع أن الأدلة السابقة لم تأت به لدليل ورد وهو حديث ابن عباس أن النبي السمع رجلا يقول: لبيك عن شبرمة. قال: من شبرمة؟ قال: أخ لي أو قريب لي قال: حججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة.
والحديث صحيح
(2)
الإسناد كما قال البيهقي في السنن الكبرى والحافظ
ابن حجر في فتح الباري، لكن اعترض على الاستدلال به بأمور منها:
(1) الطحاوي، شرح مشكل الآثار، ج 6، ص 388.
(2) البيهقي، السنن الكبرى، ج 4، ص 336.
(3) ابن حجر، فتح الباري، ج 12، ص 327، والإصابة في تمييز الصحابة، ج 3، ص 312. (1/251)
صفحة 252
الرائد
252
أن هذا الحديث قد جاء عن ابن عباس من طرق عدة:
أولها: طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن عزرة عن سعيد بن جبير
عن ابن عباس مرفوعا أخرجه أبو داود وابن ماجه)، وهذه الطريق معلة
بأمور:
العلة الأولى: عزرة المذكور في الحديث لم ينسب لأحد عند جميع الرواة الذين اطلعت على رواياتهم وقد روى قتادة عن ثلاثة اسمهم عزرة أولهم
عزرة بن تميم، وثانيهم عزرة بن عبدالرحمن، وثالثهم عزرة بن سعيد.
(2)
وجزم البيهقي في السنن أن عزرة هذا هو عزرة بن يحيى، وعزرة بن
يحيى مجهول لم يذكر بجرح ولا تعديل " مما يقضي بعدم الاحتجاج به. وأما قول الإمام النووي في شرح المهذب) وابن الملقن في الخلاصة)
(1) أبو داود في كتاب: المناسك، باب: الرجل يحج عن غيره (1811)، وابن ماجه في كتاب: المناسك، باب الحج عن الميت (2903).
(2) البيهقي، السنن الكبرى، ج 4، ص 336. (3) ابن حجر، تهذيب التهذيب، ج 7، ص 173. (4) النووي، المجموع، ج 7، ص 85
(5) ابن الملقن خلاصة البدر المنير، ج 1، ص 345. (1/252)
صفحة 253
الرائد
(253)
والعيني في العمدة بأن إسناد هذا الحديث على شرط مسلم فمتعقب بما
ذكرناه.
ولعل الوهم في عزرة هذا إذ إن عزرة الذي أخرج له الإمام مسلم ويروي عنه قتادة ويروي عن سعيد بن جبير هو عزرة بن عبد الرحمن)، وقد روى له مسلم حديثا في كتاب اللعان برقم (1493).
كما أنه متعقب بأن شيخ أبي داود إسحاق بن إسماعيل ليس من رجال
مسلم".
وقال الحافظ ابن حجر إن عزرة هذا هو عزرة بن ثابت، ولا يغيب عن النظر أن عزرة بن ثابت الذي يذكره الحافظ هنا ليس هو عزرة بن ثابت الذي أخرج له مسلم؛ فإن هذا روى عنه قتادة.
أما ذاك الذي أخرج له مسلم فيروي عنه قتادة، ولا يذكر في ترجمة عزرة
(1) العيني، عمدة القاري، ج 1، ص 313.
(2) ابن منجويه، رجال مسلم، ج 2، ص 119، والمزي، تهذيب الكمال، ج 20، ص 51، وابن
حجر، تهذيب التهذيب، ج 7، ص 173.
(3) العيني، عمدة القاري،، ج 1، ص 313.
(4) ابن حجر، التلخيص الحبير، ج 2، ص 223، والإصابة في تمييز الصحابة، ج 3، ص 312. (1/253)
صفحة 254
الرائد
(254
بن ثابت الذي أخرج له مسلم أنه يروي عن سعيد بن جبير فلذا عزرة بن
ثابت هذا غيره.
وقال الحافظ الطحاوي إنه عزرة بن تميم ثم قال: ذكر لي هارون بن محمد العسقلاني عن الغلابي قال: كان يحيى بن سعيد لا يرضى عزرة يعني صاحب هذا الحديث، وموضع يحيى من هذا هو الموضع الذي لا مثل له
فيه
ومع
هذا الاضطراب كله في تحديد عزرة فلا يمكن أن يحتج به؛ إذ من
الذين ترجم لهم بعزرة من لا يثبت حديثه.
وقد جاء حديث ابن عباس السابق من وجه خير من طريق عزرة السابق فقد رواه أبو أمية حدثنا قبيصة بن عقبة قال: ثنا سفيان عن خالد
الحذاء عن أبي قلابة عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال:
سمع النبي
رجلا ... الحديث (2).
(1) الطحاوي، شرح مشكل الآثار، ج 6، ص 379
(2) الطحاوي، شرح مشكل الآثار، ج 6، ص 379. (1/254)
صفحة 255
الرائد
255
وفي هذا انقطاع؛ إذ إن أبا قلابة لم يسمع من ابن عباس.
العلة الثانية: الوقف على ابن عباس).
قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله - يعني أحمد بن حنبل: حديث قتادة عن
عزرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: لبيك عن شبرمة رفعه عبدة يعني ابن سليمان؟
فقال: ذاك خطأ رواه عدة موقوفا يعني على ابن عباس ليس فيه عن
النبي، وذكر مهنا عن أبي عبد الله نحو هذا).
وقال الطحاوي الصحيح أنه موقوف، وقال ابن المنذر: لا يثبت رفعه، وذلك أنه قد رواه الحسن بن صالح وغندر وكلاهما ثقة ضابط عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن عزرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس
(1) الطحاوي، شرح مشكل الآثار، ج 6، ص 379، وابن حجر، التلخيص الحبير، ج 2، ص 224، والعلائي، جامع التحصيل، ص 211
(2) ابن عبد البر، التمهيد، ج 9، ص 138، والعيني، عمدة القاري، ج 9، ص 127. (3) نقل ذلك الضياء المقدسي، المقدسي، الأحاديث المختارة، ج 10، ص 249. (4) الطحاوي، شرح مشكل الآثار، ج 6، ص 381. (1/255)
صفحة 256
الرائد
256
موقوفا عليه).
وجاء في كتاب "من كلام أبي زكريا يحيى بن معين في الرجال رواية
طهمان":
قيل ليحيى وأنا أسمع روى عبدة عن سعيد عن قتادة عن عزرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يلبي عن شبرمة ليس يوافقه الناس عليه، فقال: هو موقوف عن سعيد إن شاء الله).
العلة الثالثة: الانقطاع، قال العيني:
قال مهنا: قلت لأبي عبد الله حديث عبدة بن سليمان عن سعيد عن قتادة عن عزرة عن ابن جبير عن ابن عباس سمع النبي رجلاً يلبي عن شبرمة؟ قال: ليس بصحيح؛ إنما هو عن ابن عباس حدثني غير واحد عن أبي
عروبة عن قتادة عن عزرة عن ابن عباس مرسلاً).
العلة الرابعة: أن مدارها على قتادة وهو مدلس، ولم يصرح بالسماع بل
عنعن.
6
(1) أخرجه من هذين الطريقين الدارقطني الدارقطني، سنن الدارقطني، ج 2، ص 271. (2) يحيى بن معين من كلام أبي زكريا يحيى بن معين في الرجال رواية طهمان، ص 109. (3) العيني، عمدة القاري، ج 9، ص 127. (1/256)
صفحة 257
الرائد
(257)
بن
كما جاء هذا الحديث مرفوعا من طريق أبي بكر بن عياش عن يعقوب عن أبيه عن ابن عباس مرفوعا أخرجه الطبراني في الأوسط ولكن
عطاء
إسناده ضعيف لضعف أبي بكر بن عياش ويعقوب بن عطاء.
وجاء الحديث من طريق عبد الرحمن بن خالد الرقي حدثنا يزيد بن هارون حدثنا حماد بن سلمة عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس مرفوعا.
أخرجه الطبراني وقال: لم يروه عن عمرو إلا حماد ولا عن حماد إلا يزيد تفرد به عبد الرحمن بن خالد.
كما جاء هذا الحديث عن ابن عباس مرفوعا من طريق الحسن بن عمارة عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس عند الدارقطني في السنن". والحسن بن عمارة متروك الحديث ليس بحجة كما قال الدارقطني بعد
إخراجه للحديث.
ومما يدلك على ذلك اضطرابه فيه فقد تفرد بروايته على وجه لم يوافقه
(1) الطبراني، المعجم الأوسط، ج 3، ص 7. (2) الطبراني، المعجم الصغير، ج 1، ص 377.
(3) الدارقطني، السنن، ج 2، ص 267. (1/257)
صفحة 258
الرائد
(258
عليه أحد؛ إذ رواه الحسن هذا عن عبد الملك عن طاوس عن ابن عباس قال:
سمع النبي رجلا يلبي عن نبيشة فقال: أيها الملبي عن نبيشة، هل حججت؟ قال: لا، قال: فهذه عن نبيشة وحج عن نفسك).
قال البيهقي: وأما حديث نبيشة فإنه باطل لا أصل له رواه الحسن بن
عمارة مرة ثم رجع عنه فرواه على الصحة كما رواه سائر الناس".
وقال ابن الجوزي بعد إخراجه: هذا حديث لا يصح؛ تفرد به الحسن بن عمارة قال يحيى: كان يكذب، وقال أحمد والنسائي والدارقطني: متروك، وقد قيل إن الحسن رجع عن هذا الى الصحيح وهو حج عن نفسك ثم احجج عن شبرمة (3).
كما رواه الحسن بن عمارة عن عمرو بن مرة عن عطاء عن ابن عباس
سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يلبي الحديث.
قال الحافظ ابن عدي بعد إسناده وهذا الحديث بعمرو بن مرة أشبه من
(1) الدار قطني، السنن، ج 2، ص 268. (2) البيهقي، السنن الصغرى، ج 3، ص 485. (3) ابن الجوزي، العلل المتناهية، ج 2، ص 568. (1/258)
صفحة 259
الرائد
عمرو بن دينار).
259
وجاء الحديث من طريق محمد بن موسى الأبلي قال: ثنا عمر بن يحيى الأبلي قال: ثنا ثمامة بن عبيدة عن أبي الزبير عن جابر مرفوعا عند الطبراني في
الأوسط).
وإسناده لا يصح ففيه ثمامة بن عبيدة وتدليس أبي الزبير، قال الحافظ ابن عدي: وهذا الحديث عن أبي الزبير عن جابر منكر ليس يرويه إلا ثمامة عنه ........ ولثمامة بن عبيدة أحاديث غير ما ذكرته بعض ما يرويه لا يتابعه الثقات عليه، وأنكر ما رأيت له ما ذكرته.
وجاء الحديث من طريق هشيم عن ابن أبي ليلى عن عطاء عن عائشة
مرفوعا عند أبي يعلى الموصلي.
وأعل بابن أبي ليلى الفقيه، ولضعفه اضطرب فوصله هنا وأرسله في
(1) ابن عدي، الكامل، ج 2، ص 289. (2) الطبراني، المعجم الأوسط، ج 6، ص 182.
(3) ابن عدي الكامل، ج 2، ص 108.
(4) أبو يعلى، المسند، ج 8، ص
070 (1/259)
صفحة 260
الرائد
260
موضع آخر عن عطاء عن النبي فيما أخرجه ابن أبي شيبة.
وفي هذا علل ثلاث الإرسال والاضطراب وضعف ابن أبي ليلى الفقيه.
أن
وعلى ذلك فلا يصح هذا الحديث كما قال ابن حزم، ومنه فلا يقوى يكون ناقلا للحكم من الإباحة الأصلية التي ثبتت بالإجماع في الأركان الثلاثة الأخرى الصلاة والزكاة والصيام إلى المنع حتى يحج عن نفسه، فيبقى أمر الجواز فيصح للفرد أن يحج عن غيره ولو لم يحج عن نفسه.
كما يصح له أن يتنفل بالحج قبل أن يؤدي الفرض كما هو الحال في الصلاة والزكاة والصيام، وإن كان الأولى أن يؤدي الفرض أولا حتى تبرأ
ذمته (3).
ومن الفقهاء من حمل حديث شبرمة على فرض صحته- على سبيل الندب والاستحباب في فضل تعجيل أداء الفرض لا على سبيل اللزوم
والإيجاب).
(1) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 194.
(2) ابن حزم، المحلى، ج 7، ص 193.
(3) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 181.
(4) الصائغي، لباب الآثار، ج 4، ص 243. (1/260)
صفحة 261
الرائد
(261)
واستدل بعضهم على جواز التنفل بالحج قبل أداء الفرض بحديث يحيى بن يعمر عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أول ما يحاسب به العبد صلاته فإن كان أكملها وإلا قال الله عز وجل: انظروا لعبدي من تطوع فإن وجد له تطوع قال أكملوا به الفريضة.
قال الطحاوي مبينا وجه الاستدلال من ذلك:
فدلنا ما في هذا الحديث أن الرجل قد يكون من الحج التطوع ولم يحج قبل ذلك الحج المفروض عليه فدل ذلك أنه جائز للرجل أن يحج تطوعا ولم يحج الفريضة).
واختلف القائلون بعدم جواز أن يتنفل عن الغير أو يحج حتى يحج عن نفسه إذا ما أحرم عن الغير فذهب بعضهم إلى أن من أحرم بالحج عن غيره أو نفلا وهو لم يؤد الفرض تحول ذلك إلى حجة الإسلام لأنه لم يؤد الواجب
عليه.
وهذا الرأي مشكل جدا؛ إذ الأعمال بالنيات كما قال صاحب الدعوة
(1) أخرجه النسائي في كتاب الصلاة، باب المحاسبة على الصلاة (465). (2) الطحاوي، شرح مشكل الآثار، ج 6، ص 388. (1/261)
صفحة 262
الرائد
(262)
سلام الله (1)
، ولا نية لهذا في الفرض بل صرخ بملء فيه أنه ما أراد إلا التنفل أو الحج عن فلان أو الوفاء بنذره أو يمينه فكيف يعطى ما لم ينوه، فلا محيص هنا من
القول إن ذلك لا يجزيه لأنه خالف المشروع المتقرر على ما يرون.
ثم إنهم
قد اتفقوا أن من تصدق ممن تجب الزكاة عليه لم يتحول ذلك إلى
الزكاة الواجبة، وهكذا من تنفل بالصلاة وهو لم يؤد الفرض ومثله من تنفل
بالصوم فإنه إن تنفل في رمضان قالوا إنه لا يجزيه لتعين الصيام وإن كان في
غير رمضان وعليه قضاء صح: تنفله.
الشرط الثالث: اتحاد جنس المنوب عنه والنائب
مما أفادته الأحاديث السابقة أن النيابة في الحج يشرع فيها أن يكون
النائب ذكرا أو أنثى وهكذا المنوب عنه.
ففي
الأحاديث السابقة أذن صاحب الدعوة للمرأة الخثعمية أن
أن
تنوب عن أبيها بل أمرها بذلك، وفي الحديث الثاني أمر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل أمه، ينوب عن وفي الرابع أمر المرأة أن تنوب عن أمها، وفي الخامس أمر الرجل أن ينوب عن أبيه الرجل.
وما هذا التساوي بين الذكر والأنثى في أمر النيابة إلا لأن الحال حال
(1) أخرجه الإمام الربيع في باب: في النية (2). (1/262)
صفحة 263
الرائد
(263)
عبودية الله تعالى وهي حال يستوي فيها الذكر والأنثى لا يفضل الواحد منهما
الآخر بشيء إلا ما خصه الشرع فالنساء شقائق الرجال.
ومن عجيب الآراء ما ذهب إليه بعض من أهل العلم من أنه لا يصح للمرأة أن تحج عن الرجل.
وهذا الرأي من الضعف بمكان إذ الدليل الشرعي قاض بخلافه نصا، على أنه لو لم يرد النص النبوي في النيابة لكان القول بجواز أن تنوب المرأة عن الرجل متوجها للعلة الشرعية المذكورة.
ومن الفقهاء من قال إن نيابة النساء عن الرجال جائزة ولكن بشرط أن تكون المرأتان عن رجل واحد، وأيد هؤلاء مذهبهم فقالوا وجدنا الله تعالى
جعل شهادة المرأتين عن رجل واحد فيكون حج المرأتين عن رجل واحد. وهذا الرأي مع شذوذه مشكل من جهة أن أمور المعاملات قال الشرع بتباين المرأة عن الرجل فيها لتباين فطر الخلقة بين الذكر والأنثى مما قد يؤثر على حقوق الآخرين من حيث نسيانها أو الغفلة عنها، أما أمور العبادات
(1) البسيوي، المختصر، ص 128، وابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 278، و ص 290، والصايغي، لباب الآثار، ج 3، ص 211، وابن المنذر، الإجماع، ص 116، وابن قدامة،
المغني، ج 3، ص 189، والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 4، ص 152. (1/263)
صفحة 264
الرائد
(264)
فالجميع على مرتبة واحدة أمام الله إذ لم يقل أحد إن أجر حجة الرجل ضعف
أجر حجة المرأة وصدق الله تعالى إذ قال تعالى: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا
(
أضِيعُ عَمَلَ عَمِل مِنكُم من ذكر أو أنى بَعْضُكُم من بَعْض.
وقال تعالى: وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّلِحَتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَتِبِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (3).
(2)
قال الإمام السالمي - متعقبا الرأي القائل بعدم جواز حج المرأة عن
الرجل:
ولعمري إن في هذا الإشكالا، وهو من البعد بمنزلة لا تخفى على متأمل منصف، أما أولا فإن السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وردت بالاجتزاء بحج المرأة عن الرجل كما في حديث الخثعمية .... فقياس حج المرأة على شهادتها قياس مخالف لهذا النص.
وأما ثانيا: شهادة النساء لا تقبل إلا ومعهن رجل فيلزم هذا القايس أن لا يقبل حج المرأتين عن الرجل حيث لم يكن معهن رجل، وبيان ذلك أنه إن سلمنا صحة قياس حجها على شهادتها وجب بأن نقول إن حج المرأتين لا
(1) سورة آل عمران، الآية (195).
(2) سورة النساء، الآية (124). (1/264)
صفحة 265
الرائد
(265)
يجزي؛ لأن شهادتها بأنفسهما لا تجزي.
فإن قيل: لم يعتبر هذا القايس قبول الشهادة من المرأتين وإنما اعتبر تنزيل
المرأتين منزلة الرجل فالواحدة في حكم نصف الرجل فحجها في حكم نصف حج فيصح القياس.
قلنا: لا نسلم ذلك؛ لأن الله قد جعل العبادات أقوالا مخصوصة فإذا حصلت ممن هو أهل لها فقد حصلت تامة من غير أن ينظر إلى من جاء بها سلمنا فيلزم هذا القائل تجزؤ العبادة الواحدة حيث كان القائم بها
شخصين.
فإن قيل: لا يلزمه القول بالتجزؤ بل يقول إن كل واحد من الحجين حج تام في نفسه لكنه لا يجزي عن حج الرجل حتى يضاف إليه حج آخر مثله فيكون فعلان من المرأتين عن حج واحد من الرجل قولا لا دليل عليه فهو
تحكم والسنة ناطقة بخلافه فلا وجه له أصلا والله أعلم.
(1) كذا في الأصل والظاهر أن هناك سقطا. (2) السالمي، جوابات الإمام السالمي، ج 2، ص 180. (1/265)
صفحة 266
الرائد
266
المبحث الخامس: حكم تارك الحج
المطلب الأول: الحكم الدنيوي
تقدم أن الحج ركن من أركان هذا الدين فلا
يسع
مكلفا قامت عليه
الحجة به أن يجهله، لذلك كان تارك الحج جحودا لفرضه مرتدا عن الدين يحد حد الردة وهو القتل كما في حديث عكرمة قال: أتي علي بزنادقة فأحرقهم فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا
تعذبوا بعذاب الله، ولقتلتهم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: من بدل دينه فاقتلوه". هذا الذي عليه أكثر الأمة، لكن ذهب بعض الشيعة الإمامية -وهو خلاف ما عليه الأكثر منهم - إلى عدم كفره إن لم يكذب النبي صلى الله عليه وسلم وكان جديد عهد بالإسلام، قال السيد الخوئي:
وبالجملة لم يظهر من شيء من الأدلة كفر منكر الحج بحيث يترتب عليه أحكام الكافر بمجرد إنكاره من دون أن يستلزم ذلك تكذيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كما إذا لم يكن ملتفتا إلى هذه الملازمة وكان جديد عهد
بالإسلام فأنكر وجـ وجوب الحج ونحوه.
(1) أخرجه البخاري في كتاب استتابة المرتدين باب حكم المرتد والمرتدة (6524).
(2) الخوئي، الحج، ج 1، ص 12. (1/266)
صفحة 267
الرائد
(267
وقد اعْتَرَضَ السيد الخوئي على القول بأن إنكار الضروريات موجب
للكفر بقوله: إن الميزان في الكفر والإسلام أمور ثلاثة:
الشهادة بالوحدانية والشهادة بالرسالة والاعتقاد بالمعاد، فمن اعترف
بهذه الأمور الثلاثة يحكم عليه بالإسلام ويترتب عليه آثاره من المواريث وحرمة دمه.
ومن أنكر أحد هذه الأمور الثلاثة فهو كافر، وليس إنكار الضروري من جملتها إلا إذا رجع إلى تكذيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإنكار الضروري بنفسه ومستقلا لا يوجب الكفر ما لم يستلزم تكذيب الرسالة كما إذا كان الشخص غير عارف بأحكام الإسلام ولم يكن ملتفتا إلى أن إنكاره يستلزم إنكار النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأنكر ضروريا من ضروريات الدين فإن مجرد ذلك لا يوجب الكفر "
(1)
أما إن كان الترك مع الإقرار بفرضيته فينظر فإن كان هذا المبتلى عازما على عدم الحج مع تحقق شروط الوجوب فيه كأن يقول هو واجب علي ولا أحج أبدا فلا محيص من أن يؤدبه الحاكم الشرعي الأدب الذي يردعه عن مثل هذا العزم المحرم، وما جعل الحكام والأئمة والسلاطين إلا لإقامة شرع
(1) الخوئي، الحج، ج 1، ص 10. (1/267)
صفحة 268
الرائد
(268)
الله، وإن من إقامة شرع الله ردع أمثال هؤلاء العازمين على العصيان. وقال بعض الفقهاء بقتل مثل هذا العازم على عدم الحج؛ لأن الحج من حقوق الإسلام والعصمة تثبت لمن تكلم بالإسلام إلا بحقه، والحج أعظم
حقوقه).
أما إن كان المكلف غير مريد ذلك بل هو يتأخر عن أدائه في أول سني الإمكان للتوسع بأن الحج غير واجب على الفور على ما قال به جماعة من
الأئمة فهذا لا حرج عليه.
المطلب الثاني: الحكم الأخروي
جاء الكتاب العزيز مبينا حكم تارك الحج بعد الاستطاعة عليه فقال تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَن الْعَلَمِينَ).
قال الإمام الحسن البصري: إن من ترك الحج وهو قادر عليه فهو
کافر (3).
(1) ابن القيم الصلاة وحكم تاركها، ص 46، والحطاب، مواهب الجليل، ج 2، ص 466.
(2) سورة آل عمران، الآية (97).
(3) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 4، ص ن 153. (1/268)
صفحة 269
الرائد
(269
والكفر هنا كفر النعمة) أي ارتكاب الكبيرة من كبائر الذنوب مع الإسلام وليس هو الكفر الملي المخرج من الإسلام باتفاق أهل العلم؛ فإن من نطق بالشهادتين موقنا بمقتضاهما ولم يأت بشيء يخل بهما كان مسلما له ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين من حيث الأحكام الدنيوية.
قال العلامة الطاهر بن عاشور: قال جمع من المحققين: إن الإخبار عنه بالكفر هنا تغليظ لأمر ترك الحج والمراد كفر النعمة".
وقد استعمل الشارع هنا هذا المصطلح لتنفير الناس عن التهاون بهذه الشعيرة العظيمة من شعائر الدين كما هو شأن استعماله إياه في غير هذا
الموضع.
(1) للفقهاء خلاف في تأويل الكفر الوارد في آية الاستدلال، فقيل بأنه كفر النعمة كما هو المثبت في الأصل، وقيل: هو كفر الشرك ولهؤلاء تأويلات في المراد به:
أولها: "ومن كفر " أي من أهل الملل.
وثانيها: "من كفر" هو من إن حج لم يره برا، وإن جلس لم يره مأثما.
وثالثها: "من كفر " أي من كفر بفرض الحج فإن الله غني عن العالمين.
الجيطالي، المناسك، ج 1، ص 14، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 4، والسبكي،
فتاوى السبكي، ج 1، ص 263.
(2) ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج 4، ص 24. (1/269)
صفحة 270
الرائد
(270)
وهذا المصطلح يستعمله الشارع في كل منهي عنه كبير للدلالة على عظمه، وأنه من الأسباب المؤدية إلى الكفر الملي ولو في بعض صفاته كقوله تعالى: وَمَن لَّمْ تَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَبِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ).
وجاء في الحديث ما يفسر معنى الكفر السابق كما في حديث سفيان بن عيينة عن هشام بن حجير عن طاوس قال: قال ابن عباس: إنه ليس بالكفر الذي يذهبون إليه، إنه ليس كفرا ينقل عن الملة وَمَن لَّمْ تَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) كفر دون كفر.
والحديث أخرجه الحاكم في المستدرك) والبيهقي في الكبرى، وقال
الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
ومن النصوص التي جاءت حاملة المصطلح السابق للكبير من الذنوب حديث مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس قال: قال النبي: أريت النار فإذا أكثر أهلها النساء يكفرن.
(1) سورة المائدة، جزء من ال ن الآية (44).
(2) سورة المائدة، جزء من الآية (44).
(3) الحاكم، المستدرك، ج 2، ص 342.
(4) البيهقي، السنن الكبرى، ج 8، ص 20. (1/270)
صفحة 271
الرائد
(271)
قيل: أيكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت
إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئا قالت ما رأيت منك خيرا قط. ذلك حديث شعبة عن زبيد: قال سألت أبا وائل عن المرجئة فقال:
ومن
حدثني عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: سباب المسلم فسوق وقتاله كفر".
ومن ذلك حديث يحيى بن يعمر أن أبا الأسود الديلي حدثه عن أبي ذر ه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر، ومن ادعى قوما ليس
له فيهم نسب فليتبوأ مقعده من النار.
ومن. ذلك حديث عراك عن أبي هريرة الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا ترغبوا
عن آبائكم فمن رغب عن أبيه فهو كفر).
ومن ذلك حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اثنتان في الناس هما كفر الطعن في النسب والنياحة على بهم
(1) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان باب كفران العشير وكفر بعد كفر (29). (2) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن أن يحبط عمله (48). (3) أخرجه البخاري في كتاب المناقب، باب نسبة اليمن إلى إسماعيل (3317). (4) أخرجه البخاري في كتاب الفرائض، باب من ادعى إلى غير أبيه (6386). (1/271)
صفحة 272
الرائد
الميت.
272
ومن ذلك حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن
العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر".
وغير ذلك من الأدلة الكثيرة.
وقد جرى على السابق أئمة السلف كما في حديث ابن عباس السابق إذ نفى عنه كونه مخرجا عن الملة بل هو كفر دون كفر، وقال الخليفة الثاني عمر بن الخطاب: إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم، أو إن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم. قال الترمذي: ومعنى هذا الحديث قتاله كفر ليس به كفرا مثل الارتداد عن الإسلام والحجة في ذلك ما روي عن النبي لأنه قال: من قتل متعمدا
(1) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب: إطلاق اسم الكفر على الطعن في النسب والنياحة
(67)
(2) أخرجه ابن حبان في صحيحه ابن حبان صحيح ابن حبان، ج 4، ص 305.
(3) شيخنا الخليلي، جواهر التفسير، ج 2، ص 329، وشيخنا القنوبي، السيف الحاد، ص 44، والنووي، شرح صحيح مسلم، ج 2، 67، وابن حجر، فتح الباري، ج 1، ص 83،
والشنقيطي، أضواء البيان، ج 3، ص 455.
(4) أخرجه البخاري في كتاب المحاربين، باب: رجم الحبلى (6442). (1/272)
صفحة 273
الرائد
273
فأولياء المقتول بالخيار إن شاء وا قتلوا وإن شاءوا عفوا.
ولو كان القتل كفرا لوجب، وقد روي عن ابن عباس وطاووس وعطاء وغير واحد من أهل العلم قالوا كفر دون كفر وفسوق دون فسوق". واستعمل هذا المصطلح جماعة من الأئمة منهم الإمام البخاري في
صحيحه (3)، وقال الحافظ ابن حجر
قال القاضي أبو بكر بن العربي في شرحه مراد المصنف أي الإمام البخاري- أن يبين أن الطاعات كما تسمى إيمانا كذلك المعاصي تسمى كفرا
لكن حيث يطلق عليها الكفر لا يراد الكفر المخرج من الملة.
ذلكم هو المتقرر في الكتاب العزيز من إطلاق لفظ الكفر على مرتكب الكبيرة وجرت عليه السنة وسار عليه السلف الصالح من صحابة رسول الله والتابعين ومضى عليه علماؤنا الإباضية فقد أخذوا بمصطلح الكتاب العزيز والسنة الصحيحة فأطلقوا مصطلح كفر النعمة على كل مرتكب
(1) أخرجه الترمذي في كتاب الإيمان، باب سباب المؤمن فسوق (2635).
(2) کتاب الإيمان باب كفران العشير وكفر دون كفر، وأشار العيني إلى أنه في بعض النسخ وكفر بعد كفر وأن المعنى واحد، العيني، عمدة القاري، ج 1، ص 200.
(3) ابن حجر، فتح الباري، ج 1، ص 83. (1/273)
صفحة 274
الرائد
(YVE)
لكبيرة من كبائر الذنوب مع حفظهم حقوق الإسلام العامة فيحرم دمه وماله وعرضه بحرمة الإسلام فعجبا ممن ينقم عليهم مصطلحا مضى عليه الكتاب العزيز والسنة المشرفة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام والسلف الصالح من الصحابة والتابعين حتى أصبح إطلاق لفظ الكفر على كل
معصية كبيرة حقيقة شرعية في لسان الشارع لا تصرف عنها إلا بدليل.
وبعد السابق المتقرر أن الكبيرة من كبائر الذنوب يعد صاحبها كافرا كفر نعمة نقول إن الأدلة العامة التي مضت عليها الشريعة في نصوصها سوت بين الكافرين كفر شرك والكافرين كفر نعمة في الخلود في نار جهنم مع تفاوت مراتبهم في دركاتها على ما يقتضيه العدل الإلهي فكل من ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب ومات مقيما عليها غير تائب منها – ومنهم تارك الحج مع وجوبه عليه دون عذر حتى مات - يعاقب بالخلود في نار جهنم وإن كان مسلما يأتي ما يأتي من أبواب الطاعات.
وهذا الأصل العام من أصول الشريعة دلت عليه الأدلة الشرعية المجتمعة في مناسبات كثيرة مما يورث المتأمل يقينا بها وأنها مقدمة على فرد من الأحاديث الظنية التي لم يشهد لها الكتاب العزيز ولا بإشارة من بعيد والتي تعارض هذا الأصل المستفاد من مجموع الأدلة الشرعية، قال العلامة (1/274)
صفحة 275
الرائد
الشاطبي:
(YVO)
وإنما الأدلة المعتبرة هنا المستقرأة من جملة أدلة ظنية تضافرت على معنى واحد حتى أفادت فيه القطع فإن للاجتماع من القوة ما ليس للافتراق ولأجله أفاد التواتر القطع.
وهذا نوع منه فإذا حصل من استقراء أدلة المسألة مجموع يفيد العلم فهو الدليل المطلوب وهو شبيه بالتواتر المعنوي بل هو كالعلم بشجاعة علي وجود حاتم المستفاد من كثرة الوقائع المنقولة عنهما.
ومن هذا الطريق ثبت وجوب القواعد الخمس كالصلاة والزكاة وغيرهما قطعا وإلا فلو استدل مستدل على وجوب الصلاة بقوله تعالى "أقيموا الصلاة" أو ما أشبه ذلك لكان في الاستدلال بمجرده نظر من أوجه لكن حف بذلك من الأدلة الخارجية والأحكام المترتبة ما صار به فرض الصلاة ضروريا في الدين لا يشك فيه إلا شاك في أصل الدين.
ومن الأدلة التي جاءت في المعنى السابق قوله تعالى: وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّا مَا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَن تُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ
(1) يريد علم أصول الفقه كما سبق أن أوضح.
(2) الشاطبي، الموافقات، ج 1، ص 36. (1/275)
صفحة 276
الرائد
276
عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (3) بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَطَتْ بِهِ، خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ.
جهنم
وهنا الرد الصريح منه -سبحانه- على اليهود في دعواهم الخروج من بأن المعصية التي تحيط بصاحبها بأن يكون مصرا عليها سبب لخلوده في جهنم ولم يذكر سبحانه استحلالا ولا غيره، وتقييد ذلك بالاستحلال تحكم لم ينطق به الدليل الشرعي وما هو إلا تقول على الشرع من صاحبه. وبين سبحانه صفات المؤمنين الصادقين ثم ذكر بعدهم عن بعض المعاصي التي هي كبائر في هذه الشريعة ثم أتبع ذلك بأن الواقع في تلك
الكبائر خالد في نار جهنم إلا بشرط التوبة فقال تعالى:
وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَنهَا وَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا) يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَتَخَلُدْ فِيهِ مُهَانًا = إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَلِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا: [.
(1) سورة البقرة، الآيتان (80 - 81)
(2) سورة الفرقان، الآيات (68 - 70). (1/276)
صفحة 277
الرائد
(TVV)
وقال سبحانه مبينا صفات الذين يدخلون الجنة بعد أن ذكر كبيرتين من
كبائر الذنوب وهما ترك الصلاة واتباع الشهوات:
صلے
خَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَوَةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيَّا إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا فَأَوْلَتَبِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (ج) جَنَّتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيَا (2) لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَمًا وَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا تِلْكَ الْجَنَّةُ. الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا]).
فيين -سبحانه- أن الجنة لا يدخلها إلا التقي التائب المؤمن الذي يعمل الصالحات، وهل يعد تقيا من أصر على شرب الخمر، وهل يعد تقيا تارك
الصلاة أو الصيام أو الزكاة أو الحج.
وهل يعد تقيا من يغش الناس في معاملاته وهل يعد تقيا من ظلم
الناس حقوقهم، وهل يعد تقيا من يأتي الكبائر دون أن يتوب منها؟
إذن هؤلاء لا يدخلون الجنة لأنهم ليسوا بأتقياء والله يخبر أنه لا تورث
الجنة إلا الأتقياء من عباده.
(1) سورة مريم، الآيات (59 - 63) (1/277)
صفحة 278
الرائد
(TVA)
كما أنه سبحانه نص على خلود آكل الربا وهو من كبائر الذنوب إذ قال:
صلے
فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ
فَأُوْلَبِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ (0).
275
(1)
ثم إن السنة المشرفة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم قضت على أصناف من المسلمين بالخلود في جهنم لارتكابهم شيئا من كبائر الذنوب وموتهم دون أن يتوبوا منها، ومن ذلك حديث:
غندر حدثنا شعبة عن عاصم قال: سمعت أبا عثمان قال: سمعت سعدا
الطائف
وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله وأبا بكرة وكان تسور حصن في أناس فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالا: سمعنا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم فالجنة عليه حرام".
ومن ذلك حديث عقيل عن ابن شهاب أن محمد بن جبير بن مطعم قال: إن جبير بن مطعم أخبره أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا يدخل الجنة
قاطع.
(1) سورة البقرة، الآية (275)
(2) أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب: غزوة الطائف (4071). (3) أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب: إثم القاطع (5638). (1/278)
صفحة 279
الرائد
279
ومن ذلك حديث وكيع عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة له قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن شرب سما فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار خالدا مخلدا فيها أبدا.
جهنم
ومن ذلك حديث الحسن بن عمرو حدثنا مجاهد عن عبد الله بن عمرو
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما".
ومن
ذلك حديث إبراهيم عن همام: قال كنا مع حذيفة فقيل له: إن
رجلا يرفع الحديث إلى عثمان فقال حذيفة: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا يدخل
الجنة قتات (3).
(1) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه (109). (2) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير باب إثم من قتل معاهدا بغير جرم
(2995)
(3) أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب ما يكره من النميمة (5709). (1/279)
صفحة 280
الرائد
(280)
ومن ذلك حديث شيبان بن فروخ حدثنا أبو الأشهب عن الحسن قال:
عاد عبيد الله
معقل:
بن زياد معقل بن يسار المزني في مرضه الذي مات فيه قال
إني محدثك حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لو علمت أن لي حياة ما حدثتك إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة).
ومن ذلك حديث إسماعيل بن جعفر قال: أخبرنا العلاء وهو ابن عبد كعب
الرحمن مولى الحرقة عن معبد بن كعب السلمي عن أخيه عبد الله بن عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة فقال له رجل: وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله؟ قال: وإن قضيبا من أراك.
وغير ذلك كثير مما يضيق به مقامنا، فما أردنا إلا التدليل على أن تارك
(1) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان باب استحقاق الوالي الغاش لرعيته النار (142). (2) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب وعيد من اقتطع حق المسلم بيمين فاجرة بالنار
(137)
(3) ينظر في تحرير القضية: شيخنا الخليلي، الحق الدامغ الفصل الثالث. (1/280)
صفحة 281
الرائد
(281)
الحج دون عذر شرعي مع القدرة عليه هو ممن يخلدون يوم القيامة في نار جهنم لارتكابه كبيرة من كبائر الذنوب. (1/281)
صفحة 282
الرائد
المبحث السادس: العمرة وحكمها
282
المطلب الأول: تعريف العمرة
العُمْرة بالضم هي الزيارة التي فيها عمارة الود، وجعل في الشريعة
للقصد المخصوص لزيارة البيت الحرام بهيئة مخصوصة، وكذلك الحج كالاعتمار، وقد اعتمر، وجمع العمرة العمر.
والمعتمر أيضا القاصد للشيء يقال اعتمر الأمر أمه وقصد له، والعمرة أن يبني الرجل على امرأته في أهلها فإن نقلها إلى أهله فذلك العرس، قال ابن الأعرابي والعمرة بالفتح الشذرة من الخرز يفصل بها النظم أي نظم
الذهب.
وهي في الاصطلاح الشرعي زيارة بيت الله للنسك المعروف المتركب
من إحرام وطواف وسعي وحلق أو تقصير.
المطلب الثاني: حكم العمرة
توطئة
يكن ثمة خلاف في أمر الحج بين فقهاء المسلمين أنه واجب من حيث
(1) الزبيدي، تاج العروس، ج 13، ص 131. (1/282)
صفحة 283
الرائد
(283)
الجملة باكتمال شروطه للأدلة القاطعة في الكتاب العزيز وسنة المصطفى
الهادي.
وكذلك نقل الاتفاق بين أهل العلم على أن من أحرم بالعمرة وجب عليه إتمامها وإن لم تكن قبل ذلك الإحرام واجبة كما هو مستفاد من قوله تعالى وَأَتِمُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ.
لكن الأمر في أصل العمرة قرينة الحج مباين ذلك فالخلف في حكم العمرة من حيث الأصل أمر شائع وخبر ذائع بين فقهاء المذاهب الإسلامية، بل بين فقهاء المذهب الواحد.
قال الإمام أبو سعيد الكدمي - معي أنه يخرج في قول أصحابنا نحو: هذا من ثبوت وجوب العمرة، فبعض يقول فريضة، وبعض يقول سنة،
(1) سورة البقرة، جزء من الآية (196).
(2) البسيوي، الجامع، ج 2، ص 260، والمختصر، ص 106، والشقصي، منهج الطالبين ج 7، ص 152، والصائغي، لباب الآثار، ج 3، ص 179، وابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 223، و الجصاص أحكام القرآن، ج 1، ص 320، والنووي، المجموع، ج 7، ص، وابن قدامة المغني، ج 3، ص 174، والقرافي الذخيرة، ج 3، ص 373 والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 6، والكندي، المصنف، ج 8، ص 183. (1/283)
صفحة 284
الرائد
(YAE)
وبعض يقول ليست بواجبة).
فمن الفقهاء من قال إن العمرة واجبة في العمر مرة كالحج، وخالفهم
آخرون فقالوا إنها من حيث الأصل غير واجبة ما لم يوجبها الإنسان على
نفسه بنذر أو يمين مع اتفاق الجميع على فضلها وعلو أجرها.
أولا: أدلة القائلين بالوجوب
أما القائلون بالوجوب فاستدلوا بأدلة كثيرة منها قوله تعالى: وَأَتِمُّوا
صلے
الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ اهْدْي).
قالوا إن الله تعالى أمر بإتمامها، والحج والإتمام من حيث اللغة يحتمل
،
أمرين فعل الشيء كاملا تاما، أو الإكمال بعد الشروع وكأن القائل يقول: إذا شرعتم في الفعل فأتموه.
والواجب حمله على الأمرين بمنزلة عموم يشتمل على ما اشتمل فلا
يخرج منه شيء إلا بدلالة، ولا دلالة تعين أحدهما فكان الاقتصار على نوع
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 74.
(2) سورة البقرة، الآية (196). (1/284)
صفحة 285
الرائد
(285
تحكما يأباه الإنصاف إذ هو بغير دليل.
قال الحافظ ابن حجر ويؤيده قراءة علقمة ومسروق وإبراهيم النخعي
بلفظ وأقيموا أخرجه الطبري بأسانيد صحيحة عنهم
(2)
ومما استدل به على الوجوب من السنة حديث عمرو بن أوس عن أبي رزين العقيلي أنه قال: يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا
العمرة والظعن، قال: حج عن أبيك واعتمر).
ووجه الاستدلال من السابق أن النبي أمر الابن بالحج عن أبيه والاعتمار، والأصل في الأمر أن يراد به الوجوب، والنيابة لا تكون واجبة على النائب إلا إن كانت من الأصل واجبة على المنوب عنه.
ثم إن هناك جمعا من الأحاديث صرح بوجوب العمرة كحديث محمد
(1) ابن العربي، أحكام القرآن، ج 1، ص 320، والرازي، التفسير الكبير، ج 2، ص 296. (2) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 378.
(3) أخرجه النسائي - واللفظ له في كتاب مناسك الحج، باب العمرة عن الرجل الذي لا يستطيع (2637)، وأبو داود في كتاب المناسك، باب: الرجل يحج عن غيره (1810)، والترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في الحج عن الشيخ الكبير والميت (930)، وابن ماجه في كتاب المناسك باب الحج عن الحي إذا لم يستطع (2906) وقال الترمذي: حسن صحيح، وصححه أحمد والنووي، النووي، المجموع، ج 7، صه. (1/285)
صفحة 286
الرائد
(TAT)
عن عائشة أم
بن فضيل قال: ثنا حبيب بن أبي عمرة عن عائشة بنت طلحة المؤمنين قالت يا رسول الله هل على النساء جهاد؟ قال: نعم، عليهن جهاد
لا قتال فيه الحج والعمرة.
ووجه الاستدلال من السابق أن الأصل في كلمة "على" أنها موضوعة
للوجوب وقد استعملها الشارع لذلك في مواقف كثيرة منها أصل وجوب الحج "والله على الناس حج البيت".
والقرينة هنا تدل على الوجوب وهو اقترانها بالحج الواجب وكون الأمرين الحج والعمرة عوضا عن أمر واجب على الرجال وهو الجهاد في
سبيل الله.
ومما جاء بوجه الاستدلال السابق حديث محمد بن عبد الله بن عبد الحكم عن شعيب عن الليث قال: حدثنا خالد عن ابن أبي هلال عن يزيد بن عبد الله عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن أبي هريرة له عن رسول الله قال: جهاد الكبير والصغير والضعيف والمرأة الحج والعمرة".
(1) أحمد بن حنبل، المسند، ج 6، ص 165، وابن ماجه، كتاب المناسك، باب: الحج جهاد
النساء (2901).
(2) أخرجه النسائي في كتاب مناسك الحج، باب: فضل الحج (2626). (1/286)
صفحة 287
الرائد
(287)
ومن أدلة الوجوب أيضا حديث معتمر بن سليمان عن أبيه عن يحيى بن
يعمر عن ابن عمر قال سمعت عمر بن الخطاب قال: بينا نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في أناس إذ جاء رجل ليس عليه شحناء سفر، وليس من أهل البلد يتخطى حتى ورك فجلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يجلس أحدنا في الصلاة ثم وضع يده على ركبتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
يا محمد، ما الإسلام؟ قال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج وتعتمر، وتغتسل
من الجنابة، وتتم الوضوء، وتصوم رمضان.
قال: فإن فعلت هذا فأنا مسلم؟ قال: نعم. قال: صدقت، وذكر باقي الحديث وقال في آخره فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: علي بالرجل فطلبناه فلم تقدر عليه فقال رسول الله: هل تدرون من هذا؟
هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم فخذوا عنه فوالذي نفسي بيده ما شبه
علي منذ أتاني قبل مرتي هذه وما عرفته حتى ولى.
ووجه الدلالة على الوجوب قوله: وتحج وتعتمر.
ومن أدلة الوجوب أيضا حديث جرير بن عبد الحميد عن منصور عن
(1) الدارقطني، السنن، ج 2، ص 282، وقال بعد إخراجه: إسناد ثابت صحيح. (1/287)
صفحة 288
الرائد
(TAA)
أبي وائل قال: قال الصبي بن معبد: كنت أعرابيا نصرانيا فأسلمت فكنت حريصا على الجهاد فوجدت الحج والعمرة مكتوبين علي فأتيت رجلا من عشيرتي يقال له هريم بن عبد الله فسألته فقال:
اجمعهما ثم اذبح ما استيسر من الهدي فأهللت بهما، فلما أتيت العذيب لقيني سلمان بن ربيعة وزيد بن صوحان وأنا أهل بهما فقال أحدهما للآخر: ما هذا بأفقه من بعيره، فأتيت عمر فقلت:
يا أمير المؤمنين إني أسلمت وأنا حريص على الجهاد، وإني وجدت الحج والعمرة مكتوبين علي فأتيت هريم بن عبد الله فقلت: يا هناه إني وجدت الحج والعمرة مكتوبين علي. فقال: اجمعهما ثم اذبح ما استيسر من الهدي فأهللت بهما فلما أتينا العذيب لقيني سلمان بن ربيعة وزيد بن صوحان فقال
الله
أحدهما للآخر: ما هذا بأفقه من بعيره فقال عمر: هديت لسنة نبيك).
ووجه الدلالة من الحديث السابق ظاهر في قوله " وإني وجدت الحج والعمرة مكتوبين علي "، وما معنى قوله " مكتوبين" إلا مفروضين، وقد أقره
عمر على ذلك ولم ينكر عليه بل قال له في الآخر: هديت لسنة نبيك.
:
(1) أخرجه النسائي كتاب مناسك الحج، باب القرآن (2719)، وأبو داود في كتاب: المناسك، باب: الإقران (1799). (1/288)
صفحة 289
الرائد
(289
ومما جاء فيه النص على الوجوب حديث: زيد بن ثابته أن النبي صلى الله عليه وسلم
قال: إن الحج والعمرة فريضتان لا يضرك بأيهما بدأت.
ثانيا: أدلة النافين للوجوب
أما القائلون بعدم الوجوب فقالوا إن العمرة عبادة غير موقتة من جنسها فرض موقت فلم تجب كصلاة النافلة وهذا لأن العبادات المحضة إذا وجبت وقتت كما وقتت الصلاة والصيام والحج فإذا شرعت في جميع الأوقات علم أنها شرعت رحمة وتوسعة للتقرب إلى الله تعالى بأنواع شتى من العبادة وسبل متعددة لئلا يمتنع الناس من التقرب إلى الله تعالى في غالب
الأوقات.
ثم جاء هؤلاء بما ينقض حجج الموجبين مما يخلصهم من الوجوب ولو لم يرد دليل آخر على نفيه؛ إذ الأصل براءة الذمة منه ثم ذكروا أدلة أخر تنص على عدم الوجوب فقالوا معترضين:
إن استدلالكم بالآية على الوجوب أمر مشكل؛ لأن الآية جاءت لإلزام الإتمام لا لإلزام الابتداء؛ إذ إن أكثر ما فيها الأمر بالإتمام وذلك إنما يقتضي
نفي
النقصان عنهما إذا فعلتا؛ لأن ضد التمام هو النقصان لا البطلان.
(1) الجصاص، أحكام القرآن، ج 1، ص 331، وابن تيمية، شرح العمدة، ج 2، ص 95. (1/289)
صفحة 290
الرائد
(YA.)
وعليه فيكون المعنى لا تفعلوهما ناقصين وليس في ذلك دلالة على الوجوب الأصلي بل الحكم المستفاد أنه إن فعلتموهما فأتموهما، وهذا أمر قد يشترك فيه الواجب والنفل على حد السواء وليسه بسمة للوجوب حتى تستدلوا به.
وقال هؤلاء إن الأظهر في لفظ الإتمام إنما يطلق بعد الدخول في الفعل كما في قوله تعالى: [وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُوا الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ [.
صلے
لأن الأمر بالإتمام يقتضي سابقية الشروع فيكون الأمر بالإتمام مقيدا بالشروع، وقالوا إن مما يدل على ذلك أن الحج والعمرة النافلتين يلزم إتمامهما بعد الدخول فيهما، وهذا أمر متفق عليه كما تقدم.
وأما قولكم إن الإتمام يشتمل المعنيين الإتيان تامين دون نقص والإكمال بعد الشروع فيعمهما ما دام لم يحدد في النصوص الشرعية فمردود بأن الإتمام في الآية مما وقع فيه الاختلاف بين أهل العلم إلى معاني أخرى:
(1) سورة البقرة، الآية (187)
(2) الألوسي، روح المعاني، ج 2، ص 79.
(3) الشنقيطي، أضواء البيان، ج 5، ص 227. (1/290)
صفحة 291
الرائد
(291)
فقيل أداؤهما والإتيان بهما، وقيل تمامهما بعد الشروع فيهما، وقيل الإحرام بهما من دويرة الأهل، وقيل الخروج لهما خالصين من غير قصد تجارة ولا غيرها، وقيل إفراد كل واحدة منهما من غير تمتع ولا قرآن، وقيل ألا يستحل فيها ما لا ينبغي".
وعلى السابق لا عموم في معنيين.
ثم إن قولهم الأخذ بالمعنيين من باب العموم لعدم المخصص الشرعي لأحدهما كلام فيه نظر من حيث إن كل واحد من الرأيين قول قيل فكثير من القائلين بالإكمال بعد الشروع لا يرون معنى الإتيان بهما من الأصل تامين، وهذا الكلام منهم يقبل أن لو اتفق على المعنيين ولكن لا اتفاق، ولو سلم جدلا أن لفظ الإتمام حقيقة في المعنيين فيكون الأخذ بهما من قبيل عموم المشترك لقلنا إن في القول بعموم المشترك نظرا والأقرب إلى النفس عدم عمومه كما تقدم تقريره، قال الإمام السالمي
وإذا عرفت أن المشترك حقيقة في كل واحد من معنييه أو معانيه فاعلم أن حكمه إذا أطلق ولم يدل دليل على أن المراد به شيء من معانيه حكم
(1) الجصاص أحكام القرآن، ج 1، ص 320، والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 2،
ص 243. (1/291)
صفحة 292
الرائد
292
المجمل وهو التوقف عنده فلا يحمل على شيء من معانيه.
لأن حمله على بعضها مع احتمال أن يكون البعض الآخر هو المراد احتمالا مساويا ترجيح بلا مرجح، وأن حمله على جميع معانيه لا يصح ... لأن المشترك دال على موضوعه بالوضع المتكرر أي لم يدل عليه بوضع واحد فإن العرب مثلا وضعوا لفظ العين مرة للباصرة ووضعوه أخرى للعين الجارية وأخرى للذهب ونحو ذلك ولم يضعوه لجميع هذه المعاني بوضع واحد
فإطلاقه على جميعها بلفظ واحد خلاف ما عليه الوضع العربي.
وأما ما استدلوا به من الآثار على وجوب العمرة فليس بحجة على المراد
وإن عددوا ما استدلوا به وأكثروا منه.
وبيان ذلك أن حديث أبي رزين العقيلي صحيح الإسناد كما تقدم من تخريجه وقد أجيب عنه بأنه صيغة أمر للولد بأن يحج عن أبيه ويعتمر لا أمر له بأن يحج ويعتمر عن نفسه.
وحجه وعمرته عن أبيه ليس بواجب عليه بالاتفاق لأنه لا تزر وازرة
وزر أخرى كما هو منصوص في الكتاب العزيز فلا يكون صيغة الأمر فيها
(1) السالمي، طلعة الشمس، ج 1، ص 138. (1/292)
صفحة 293
الرائد
للوجوب باتفاق.
293
ومما يدل على عدم كون الفعل للوجوب أنه جاء بعد سؤال عن الجواز
فالأصل فيه أن يكون الجواب عن الجواز فالأمر في الجواب ليس واردا للوجوب للعلة السابقة.
أما حديثا حبيب بن أبي عمرة ومعتمر بن سليمان فلفظهما المستدل به أقرب للشذوذ الموجب لضعف الحديث.
وذلك أن الروايات المشهورة عن الثقات اقتصرت على ذكر الحج وحده، وليست صحة الإسناد التي استكثر منها الموجبون في أدلتهم مستلزمة صحة الحديث بل هي شرط لا بد من تحققه للاحتجاج بالحديث ولكن ثمة شروط أخر منها عدم الشذوذ والعلة.
وما من شك أن رواية أكثر الثقات التي خلت من ذكر العمرة أولى
بالتقدمة من غيرها.
ولا يعترضن معترض فيقول إن الذين ذكروا العمرة ثقات أيضا لأنا نقول إن الظاهر أن النبي الله لم يذكر ذلك إلا مرة واحدة وفي موضع واحد
فإما أن يكون نطق بهما مقرونين أو أفرد الحج بالذكر.
(1) الزيلعي، نصب الراية، ج 3، ص 148. (1/293)
صفحة 294
الرائد
(TAE)
فإن قلنا إن الباب باب زيادة ثقة فتقبل رد عليهم إن اجتماع الرجال الأوثق على ترك الزيادة مشعر أنها غير محفوظة إذ المخرج واحد فما بالهم زادوها ولم يزدها الأوثق.
ثم إن مما تحرر رر من قواعد في علم مصطلح الحديث أن الثقة إن خالف الأوثق بما لا يمكن معه الجمع بين الروايتين فإن روايته مطرحة بعلة الشذوذ وهو ما يظهر جليا للعيان هنا؛ لذا قدمنا رواية الأوثق والأضبط، والروايات التي نزعمها محفوظة للحديث أولها حديث
عبد الرحمن بن المبارك حدثنا خالد أخبرنا حبيب بن أبي عمرة عن
عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين) أنها قالت: يا رسول الله، نري
(1)
الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد؟ قال: لا، لَكُنَّ أفضل الجهادِ حج مبرور.
واللفظ الذي استدل به الموجبون إنما تفرد به محمد بن فضيل بن غزوان الضبي عن حبيب ابن أبي عمرة وقد خالفه أربعة من الثقات رووه عن حبيب بدون هذه الزيادة وهم:
عبدالواحد بن زياد العبدي عند البخاري)، وخالد بن عبدالله الواسطي
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب فضل الحج المبرور (1448).
(2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: حج النساء (1762). (1/294)
صفحة 295
الرائد
(295
عند البخاري أيضا، وجرير بن عبد الحميد عند النسائي، ويزيد بن عطاء
اليشكري عند أحمد).
وأما ثاني الحديثين فجاء بلفظ:
بريدة عن يحيى بن يعمر عن عبد الله بن عمر بن الخطاب: حدثني أبي عمر بن الخطاب قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه وقال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام
فقال رسول الله: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا، قال: صدقت قال فعجبنا له يسأله ويصدقه).
وظاهر من هذين اللفظين الصحيحين خلوهما من موطن الشاهد مما
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب فضل الحج المبرور (1448). (2) أخرجه النسائي في كتاب مناسك الحج، باب: فضل الحج (2628). (3) أحمد بن حنبل، المسند، ج 6، ص 71.
(4) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم (50). (1/295)
صفحة 296
الرائد
296
يقضي بشذوذه.
قال العلامة ابن العربي: وأما حديث جبريل فقد رواه العالم وليس فيه
" وأن تعتمر" فلا تقبل هذه الزيادة؛ لأن الحديث مطلقا أشهر منها)
وقال ابن التركماني: والمشهور من الحديث ذكر الحج وحده دون العمرة، وهو الموافق للأحاديث الصحيحة المشهورة كحديث بني الإسلام وغيره. أما ما استدلوا به من حديث الصبي بن معبد فيرد عليه أن الاستشهاد
بقوله "وجدت الحج والعمرة مكتوبين عليَّ" متعقب من جهات:
سلمة
أولها: أن الحديث رواه عن الصبي بن معبد أبو وائل شقيق بن ورواه عن أبي وائل جماعة منهم منصور بن المعتمر وسليمان الأعمش والحكـ بن عتيبة وحماد بن أبي سليم.
وحبيب بن أبي ثابت وعمرو بن مرة ومغيرة وسلمة بن كهيل وحبيب
بن حسان وسيار وثور بن أبي فاختة ويزيد بن أبي زياد وعاصم بن أبي
النجود ومجاهد بن جبر أبو الحجاج".
(1) ابن العربي، القبس، ج 2، ص 541.
(2) ابن التركماني الجوهر النقي بحاشية السنن الكبرى للبيهقي، ج 4، ص 350.
(3) الدارقطني، العلل، ج 2، ص 165. (1/296)
صفحة 297
الرائد
(297)
والرواية التي فيها "وجدت الحج والعمرة مكتوبين علي" ما جاءت إلا من طريق منصور بن المعتمر دون غيره، واختلف فيها عن منصور فرواها جرير بن عبد الحميد
وخالفه غيره إذ رواها شعبة) وسفيان بن عيينة (3) من الطريق نفسها دون
هذه الزيادة مما يسبق إلى النفس أنها غير محفوظة.
ثانيها: أنه مع احتمال صحته قول له خالفه فيه غيره، وليس من نص
النبي فلا يكون حجة شرعية.
يقتضي
ثالثها: أن قوله مكتوبين علي ولم يقل مكتوبتان على الناس فظاهره أن يكون نذرهما فصارا مكتوبين عليه بالنذر لا بأصل الشرع
أما قول عمر: هديت لسنة نبيك، فما أراد به تقرير قوله "وجدت الحج والعمرة مكتوبين علي" ولكن قرائن الحال تفصح أنه إلى أن فعل
يرمي
(1) أخرجه النسائي - واللفظ له في كتاب مناسك الحج باب القرآن (2719)، وأبو
داود في كتاب المناسك باب: الإقران (1799).
6
(2) أبو داود الطيالسي الطيالسي، المسند، ج 1، ص 12.
(3) الرافعي، التدوين في أخبار قزوين، ج 1، ص 80.
(4) الجصاص، أحكام القرآن، ج 1، ص 332. (1/297)
صفحة 298
الرائد
(298)
القران كان هو النسك الذي أهل به النبي صلى الله عليه وسلم وأحل منه وليس في هذا أي إشكال بل هو الأمر المتقرر الثابت وسيأتي مقررا بأدلته عند مبحث أنواع الإحرام إن شاء الله.
أما حديث زيد بن ثابت الذي فيه الحج والعمرة فريضتان فأخرجه الحاكم من طريق محمد بن كثير ثنا إسماعيل بن مسلم عن محمد بن سيرين عن زيد بن ثابت).
وإسماعيل بن مسلم هو المكي، قال ابن معين: لم يزل مختلطا كان يحدثنا بالحديث الواحد على ثلاثة ضروب وقال النسائي: متروك الحديث، وقال ابن عدي: أحاديثه غير محفوظة عن أهل الحجاز والبصرة والكوفة إلا أنه ممن يكتب حديثه (2).
وقد جاء من طريق عبد الله بن لهيعة عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله مرفوعا، أخرجه البيهقي، وابن لهيعة لا يحتج به.
(1) الحاكم، المستدرك، ج 1، ص 643.
(2) ابن حبان المجروحين، ج 1، ص 121، والعقيلي، الضعفاء، ج 1، ص 91، وابن عدي
الكامل، ج 1، 282.
(3) البيهقي، السنن الكبرى، ج 4، ص 350. (1/298)
صفحة 299
الرائد
(299)
وقال الذين يقولون بندبية العمرة إنا مع إيراداتنا على أدلة الموجبين
نكون قد أثبتنا عدم الوجوب للعمرة إذ الأصل براءة الذمة، ذلك فلنا مة، ومع
من نصوص الشارع ما يشهد لما قلناه بالصحة والثبوت ومن ذلك حديث عمرو بن علي عن الحجاج عن محمد بن المنكدر عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن العمرة أواجبة هي؟ قال: لا، وأن تعتمروا هو أفضل.
(2)
والحديث أخرجه الترمذي وصححه ولكنه انتقد في تصحيحه هذا
قال النووي: أما قول الترمذي: إن هذا حديث حسن صحيح فغير مقبول، ولا يغتر بكلام الترمذي في هذا فقد اتفق الحفاظ على أنه حديث ضعيف كما سبق في كلام البيهقي.
ودليل ضعفه أن مداره على الحجاج بن أرطأة لا يعرف إلا من جهته،
والحجاج ضعيف و مدلس باتفاق الحفاظ.
وأعل الحديث مع ضعف إسناده بالوقف فقد روى البيهقي ذلك عن
(1) ابن حبان المجروحين، ج 2، ص 11، والعقيلي، الضعفاء، ج 2، ص 293، والذهبي، ميزان الاعتدال، ج 4، ص 167، والمزي، تهذيب الكمال، ج 15، ص 184.
(2) کتاب الحج، باب ما جاء في العمرة أواجبة هي (931).
(3) النووي، المجموع، ج 7، ص 6. (1/299)
صفحة 300
الرائد
(r .. )
جابر من قوله وقال إثره: هذا هو المحفوظ عن جابر موقوف غير مرفوع.
كما استدل القائلون بعدم الوجوب بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الحج
جهاد والعمرة تطو
والحديث جاء من طرق فأخرجه ابن ماجه) من طريق طلحة بن عبيد
الله، قال البوصيري في حاشية ابن ماجه "مصباح الزجاجة":
هذا إسناد ضعيف؛ عمر بن قيس المعروف بمندل ضعفه أحمد وابن معين والفلاس وأبو زرعة والبخاري وأبو حاتم وأبو داود والنسائي وغيرهم، والحسن الراوي عنه ضعيف.
وجاء من طريق ابن عباس أخرجه الطبراني"، وقال الهيثمي والبيهقي:
فيه محمد بن الفضل بن عطية وهو كذاب).
كما استدلوا بحديث معاوية بن إسحاق عن أبي صالح الحنفي أن رسول
(1) البيهقي، السنن الكبرى، ج 4، ص 349.
(2) أخرجه ابن ماجه في كتاب الحج، باب: العمرة (2989).
(3) الطبراني، المعجم الكبير، ج 11، ص 442.
(4) البيهقي، السنن الكبرى، ج 4، ص 348، والهيثمي، مجمع الزوائد، ج 3، ص 5 (1/300)
صفحة 301
الرائد
(+1)
الله صلى الله عليه وسلم قال: الحج جهاد، والعمرة تطوع، والحديث أخرجه البيهقي" وأعله
بالانقطاع.
وجاء من طريق أبي هريرة أخرجه أبو بكر الجصاص، وقد أعله البيهقي أيضا كما في الحديث الذي قبله.
وبعد ذكر الخلاف السابق في وجوب العمرة نبين أنها عند القائلين بوجوبها قرينة الحج في وجوبها من حيث الشروط من استطاعة وغير ذلك، وأنها تجب في العمر مرة واحدة من حيث الأصل الشرعي ما لم يتسبب المكلف في إيجابها على نفسه بنذر أو يمين أو دخول لمكة على رأي من يمنع دخولها إلا بإحرام.
المطلب الثالث: أنواع العمرة وإجزاؤها عن عمرة الفرض
تأتي العمرة على وجوه أربعة: العمرة المطلقة التي يأتي بها المكلف وهي وحدها دون سبب يقتضيها، وهي تجزي باتفاق القائلين بوجوب العمرة عن عمرة الفرض، ومثلها في الحكم عمرة التمتع.
أما العمرة التي تكون في حج القرآن فالجمهور على أنها تجزي المكلف
(1) البيهقي، السنن الكبرى، ج 4، ص 384.
(2) الجصاص، أحكام القرآن، ج 1، ص 321. (1/301)
صفحة 302
الرائد
عن عمرة الفرض.
وقيل إنها لا تجزيه عن عمرة الفرض، واستدل هؤلاء بحديث السيدة
(1)
عائشة إذ إن النبي الأعمرها من التنعيم مع أخيها عبد الرحمن مما يعني أن
عمرة القرآن لم تجزها.
ولكن يشكل على هذا الرأي أن السيدة عائشة
هي التي طلبت هذه لئلا
ترجع زوجات النبي بعمرة وحجة وترجع هي بحجة فقط فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يطيب خاطرها فأعمرها من هناك.
ولو كانت تلك العمرة لا تجزيها لها لبادر النبي صلى الله عليه وسلم إلى أمرها بها، بل إنه في بعض الروايات الصحيحة نص على أن إحلالها كان لحجها وعمرتها حينما قال لها بعد إحلالها من الحج: قد حللت من حجك وعمرتك، ثم إنه قد جاء ما ينص على الإجزاء وهو حديث الصبي بن معبد الذي ذكرناه سابقا. وقال بعض أهل العلم إن العمرة من أدنى الحل لا تجزي عن عمرة
الإسلام.
ولا أدري بما يعتل هؤلاء في قولهم بعدم الإجزاء إذ هذه عمرة باتفاق الفقهاء؛ لأن النبي عدها كذلك حينما طلبت منه السيدة عائشة ذلك،
(1) الحديث صحيح ثابت سيأتي تخريجه بألفاظه عند ذكر أنواع النسك. (1/302)
صفحة 303
الرائد
(303)
فاستثناؤها من الإجزاء يفتقر إلى المخصص الشرعي النصي، على أن عمرة
القرآن تجزي عن عمرة الفرض كما تبين ذلك بالدليل فهذه أولى
بحكم الإجزاء.
من
تلك
ومما تختص به العمرة دون الحج جوازها في أشهر السنة كلها؛ إذ هو
موقت بمواقيت محددة لا يتكرر في العام بل وقته مضيق لا الفرض أكثر من مرة واحدة.
يسع
لأداء
أما العمرة فتصح مرارا دون تحديد من الشارع كما فعلت السيدة عائشة
د إذ اعتمرت في شهر واحد عمرتين أمام مرأى صاحب الدعوة وفعلت ذلك بعد موته كما في حديث عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري عن عبدالرحمن بن القاسم بن محمد عن أبيه قال: خرج معاوية ليلة النفر فسمع صوت تلبية فقال: من هذا؟ قيل: عائشة أم المؤمنين اعتمرت من التنعيم، فذكر ذلك لعائشة فقالت عائشة: لو سألني لأخبرته.
والنبي صلى الله عليه وسلم قد ندب المسلمين إلى العمرة بعموم الأحاديث التي فيها
(1) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 328، وابن حزم، المحلى، ج 7، ص 95. (1/303)
صفحة 304
الرائد
(304)
فضل العمرة دون أن يقيد ذلك بأيام أو أعوام.
وذهب قليل من أهل العلم إلى عدم جواز تكرار العمرة في العام
(2)
الواحد مستدلين بعدم فعل النبي لذلك.
ولكن يشكل عليهم أن عدم الفعل لا يدل على عدم الجواز مع ثبوت أصل المشروعية، ثم إن النبي قد أقر السيدة عائشة على التكرار في العام الواحد بل الرحلة الواحدة.
ثم إن حديث أبي هريرة الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) فيه إشارة إلى أن العمرة تكرر
خلافا للحج.
والذي يظهر أن جواز تكرار العمرة تقره الأدلة الشرعية السابقة فقول المانعين فيه نظر، لكن التكرار الذي تنطق الأدلة الشرعية بفضل الحرص
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 76، ومحمد بن عبدالله الخليلي الإمام العلامة، الفتح الجليل، ص 265.
(2) تنسب كتب الآثار ذلك إلى إمام المذهب التابعي أبي الشعثاء جابر بن زيد. الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 75 و ص 108، والشقصي منهج الطالبين، ج 7، ص 152،
والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 6.
(3) أخرجه الإمام الربيع في كتاب الحج، باب فضل الحج والعمرة (443). (1/304)
صفحة 305
الرائد
(305
عليه إنما هو في إنشاء سفر لها لتعهد البيت الحرام بالزيارة من وقت إلى آخر لا بالخروج من عند البيت إلى أدنى الحل كالتنعيم ليرجع إليه.
والرسول صلى الله عليه وسلم على كثرة اعتماره ما أنشأ إحراما للعمرة من أدنى الحل بل
كان يقصدها من المدينة، وبعد غزوة حنين قصدها من الجعرانة ودخل الحرم محرما.
ثم إن الصحابة {على شدة حرصهم على التقرب إلى الله بما حضهم عليه نبيهم إلا أنهم ما كانوا ينشئون العمرة من أدنى الحل خارجين بها من الحرم، وما روي عن السيدة عائشة بعد حجة الوداع دليل جواز لا دليل استحباب، وسياق القصة يفيد ذلك؛ فإن علتها أن لا ترجع هي بحجة وترجع زوجات النبي الأخريات بحجة وعمرة فأرادت مساواتهن في العمل حتى لا يفضلن عليها.
والعمرة من حيث المقصود منها إنما هو عمران المسجد الحرام بالصلاة والاعتكاف فيه والطواف به، وجعل التلبس بوصف الإحرام واجبا على من جاء من خارجه تعظيما لشأن البيت ورفعة لمنزلته، وبعد السابق يرجع الإنسان إلى وصف الإحلال وتبقى الأعمال السابقة من طواف وصلاة وإقامة مشروعة ترجع بالأجر على من حرص عليها مخلصا لربه مؤديا إياها (1/305)
صفحة 306
الرائد
(306)
على وفق مراد الشارع.
والناظر في تعريف العمرة يجد أنها الزيارة، والوصف السابق لا يصدق
على من خرج من عند المزور إلى بابه ليرجع إليه، وإنما على من رجع مآربه غير أنه يتعهد محبوبه بالزيارة من وقت إلى آخر.
إلى
ومن السابق كله فالأظهر من الأدلة أن فضل تكرار العمرة إنما هو لمن أنشأ لها سفرا من الخارج لا فيمن خرج لها من الحرم نفسه.
(1) تقدم تعريفها أول هذا الفصل. (1/306)
صفحة 307
(307)
المحتويات
الرائد
مقدمة المؤلف.
توطئة: تعريف الحج.
تكييف عبادة الحج أبدنية مالية أم بدنية خالصة.
الفصل الأول: وجوب الحج.
المبحث الأول: حكم الحج وحكمة مشروعيته.
المطلب الأول: حكم الحج.
المطلب الثاني: حكمة مشروعية الحج.
المطلب الثالث: مرات وجوب الحج.
إطلاق لفظ الكفر على مخالف الأمر الشرعي
المبحث الثاني: وجوب الحج على الفور أو يجوز فيه التراخي.
توطئة. (1/307)
صفحة 308
الرائد
المطلب الأول: أدلة القائلين بالفورية.
المطلب الثاني: أدلة القائلين بالتراخي إلى الستين.
المطلب الثالث: أدلة القائلين بجواز الترا
لفظ الأمر لا يقتضي الفور ولا التراخي بنفس الصيغة.
وجوب الحج معروف من السنة الخامسة أو السادسة.
المبحث الثالث: شروط وجوب الحج.
توطئة: تقسيم الشروط إلى صحة ووجو
المطلب الأول: الإسلام ..
أثر الردة عن الإسلام على حجة الفرض التي كانت قبلها.
المطلب الثاني: البلوغ.
أولا:
لا: توطئة تقييد وجوب الأحكام التكليفية بالبلوغ.
ثانيا: مشروعية حج الصبي المميز .. (1/308)
صفحة 309
الرائد
رجحان وجوب الزكاة على مال الصبي غير البالغ.
ذمة الصبي في الإحرام مستقلة غير معلقة بوليه.
ثالثا: حج الصبي غير المميز.
الأوجه أنه لا يشرع الإحرام بالنسك إلا لمن كان مميزا ودليل ذلك
القول بأن اللفظ المشترك لا يعم معانيه هو الأسعد بالأدلة ......
نقد الحديث الذي فيه مشروعية التلبية عن الصبيان سندا ومتنا .... 86
رابعا: ما على الصبي إن انتهك محظورا ..
خامسا: إجزاء حجة الصبي عن حجة الفرض.
تعارض الرفع والوقف في حديث أيما صبي حج ثم بلغ والراجح 92
سادسا: بلوغ الصبي في إحرام عقده حال صباه ..
سابعا: نفقة الصبي في الحج ..
المطلب الثالث: العقل. (1/309)
صفحة 310
(310)
الرائد
أولا: اشتراط العقل لوجوب الحج.
ثانيا: حكم حج غير العاقل.
المطلب الرابع: الحرية.
أولا: اشتراط الحرية لوجوب الحج.
ثانيا: إجزاء حج العبد عن الفريضة بعد حريته.
المطلب الخامس: الاستطاعة.
توطئة: التكاليف الشرعية في حدود القدرة البشرية.
الاستطاعة للحج قسمان استطاعة حال واستطاعة مال ............
أولا: استطاعة الحال
ما خرج مخرج الأغلب المعتاد من منطوق الأدلة فلا مفهوم له.
تخريج حديث الاستطاعة زاد وراحلة من تسع طرق
الأسباب التي تتحقق بها استطاعة البدن أولها الصحة.
..... (1/310)
صفحة 311
(311)
الرائد
:ثانيا: من أسباب الاستطاعة المال الكافي
تزاحم الحج والزواج في ذمة المكلف.
لزوم بيع العقار لتأمين ما يكفي لحج بيت الله الحرام.
أثر الديون على الاستطاعة المالية للحج.
حج المبتلى بالديون الربوية والتفصيل في أحواله الجائز فيها الذهاب
وغير الجائز.
أثر الديون غير المحرمة على الاستطاعة للحج.
المدين من السفر وشروط جوازه. منع
ثالث أسباب الاستطاعة الوسيلة الموصلة للعراص .. الطاهرة .....
رابع أسباب الاستطاعة أمان الطريق من الأخطار.
خامسها: الحصول على تصريح الحج في البلدان التي يشرط فيها ... 146
مشروعية تحديد نسبة للحجاج من كل دولة إسلامية. (1/311)
صفحة 312
الرائد
(312)
حكم الالتزام بالأمور التنظيمية وجداول التفويج.
اقتراح باشتراط اجتياز دورة الحج لمن أراد الحصول على التصريح. 148
ظاهرة الحج كل عام هذه الأيام وحكمها، والأولى منها شرعا .....
ثانيا: الاستطاعة بهبة الغير
ثالثا: وقت الاستطاعة المعتبرة.
رابعا: استطاعة المال.
القول الأقرب أنه بانعدام الاستطاعة البدنية يسقط وجوب الحج .. 159
المطلب السادس: المحرم أو الزوج.
أولا: وجوب صحبة المحرم أو الزوج في سفر الحج.
المرأة منهية عن مطلق السفر مع غض الطرف عن مسافته وسبل
الجمع بين مختلف الروايات.
تعارض عامين في سفر المرأة للحج دون محرم. (1/312)
صفحة 313
(313)
الرائد
الثابت بمنطوق الدليل مقدم على الثابت بمفهومه.
تعارض المقيدات في الدليل الواحد يسقطها فيؤخذ بمطلق الدليل. 165
حكم سفر الرجل مع زوجته أو محرمته إن لم تجد صاحبا غيره .......
ثانيا: تعيين المحرم عند التنازع.
حكم المرأة إن شرط محرمها الأجرة لصحبتها.
ثالثا: المحرم الذي يصح السفر
معه
رابعا قيام جماعة المسلمين مقام المحرم وخلاف الفقهاء فيه.
:
إشكالات على القول المقيم جماعة المسلمين مقام المحر.
الناطق من الأدلة مقدم على الساكت.
الدليل إذا طرقه الاحتمال سقط به الاستدلال.
خامسا: منع الزوج امرأته من الحج ..
المطلب السابع: الخلو من التلبس بالعدة. (1/313)
صفحة 314
(314)
الرائد
المبحث الرابع: النيابة في الحج.
المطلب الأول: مشروعية النيابة.
أجر النيابة لا يناله المكلف إلا إن كان معذورا ...
تقسيم
الأفعال التي يخاطب بها المكلفون من حيث قبول النيابة ...
إلزام
العاقلة بالدية في قتل الخطأ ليس من باب العقوبة.
مقاصد الشارع من إلزام العاقلة بالدية في قتل الخطأ.
مقاصد الشارع من عبادة الحج.
مقاصد الشارع من عبادة الحج لا ينالها إلا المباشر.
ذهب بعض أهل العلم إلى عدم مشروعية النيابة بإطلاق وبيان
أدلتهم والاعتراض عليها.
ذكر الخصوصية في حديث الخثعمية لا يثبت.
تخريج موسع لحديث الخثعمية تندفع به دعوى اضطرابه. (1/314)
صفحة 315
الرائد
(315)
المطلب الثاني: نفي مشروعية النيابة في النفل
النبي.
نفي مشروعية الاعتمار والحج عن النبي
المطلب الثالث: حكم الإنابة.
الرأي الأقرب سقوط وجوب الحج بانعدام الاستطاعة البدنية ...... 228
نقض قاعدة تضعيف الحديث بكون ألفاظه لا تشبه ألفاظ النبي صلى الله عليه وسلم 234
نقض الاستدلال بحديث الخثعمية على وجوب الإنابة.
أحاديث النيابة جاءت ضمن السياق العام الذي فيه الحث على بر
الوالدين.
أحاديث النيابة الصحيحة ما كانت إلا في أولاد ينوبون عن آبائهم. 240
تخريج النصوص التي فيها انتفاع الآباء بأعمال أولادهم.
مراد الشارع من أحاديث النيابة الحض والمبادرة على فعل الخير
للوالدين لا بيان حكم المنوب عنه. (1/315)
صفحة 316
(316)
الرائد
المطلب الرابع: أخذ الأجرة على النيابة.
جميع
أدلة النيابة ما كانت إنابة للغير بل كانت نيابة عن الغير.
المطلب الخامس: شروط النيابة.
الشرط الأول: حياة المنوب عنه.
وقائع الأحوال لا تخصص عموما ولا تقيد إطلاقا.
الشرط الثاني: أن يكون النائب قد أدى فرض نفسه.
ترك الاستفصال ينزل منزلة العموم في الأقوال.
تخريج حديث التلبية عن شبرمة وبيان العلل المضعفة .............
الشرط الثالث: اتحاد جنس المنوب عنه والنائب.
المبحث الخامس: حكم تارك الحج.
المطلب الأول: الحكم الدنيوي
المطلب الثاني: الحكم الأخروي. (1/316)
صفحة 317
(317)
الرائد
مقصد الشارع من استعمال لفظ الكفر لتارك الحج.
خلاف العلماء في تأويل الكفر الوارد في آية ترك الحج ..
المبحث السادس: العمرة وحكمها.
المطلب الأول: تعريف العمرة ..
المطلب الثاني: حكم العمرة.
أدلة القائلين بالوجوب.
أدلة النافين للوجوب
صحة الإسناد لا تستلزم صحة الحديث.
المطلب الثالث: أنواع العمرة وإجزاؤها عن عمرة الفرض ..
جواز تكرار العمرة في العام الواحد.
فضل تكرار العمرة خاص بمن أنشأ لها سفرا لا عمرة أدنى الحرم .. 304 (1/317)
صفحة 318
الرائد
أبحاث تأصيلية معاصرة في فقه الحج والعمرة
تأليف
ماجد بن محمد بن سالم الكندي
الجزء الثاني
الإحرام (1)
المواقيت، آداب الإحرام، أنواع الإحرام، التلبية (2/1)
صفحة 319
الرائد
أبحاث تأصيلية معاصرة في فقه الحج والعمرة
الجزء الثاني
HOCHOCHOCH
HOCHOCHOCH (2/2)
صفحة 320
جميع حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
الطبعة الأولى 1429 هـ / 2008 م
حقوق الطبع محفوظة ©، ولا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب ©، أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي سابق من المؤلف.
HOCHOCHOCH
HOCHOCHOCH (2/3)
صفحة 321
الرائد
أبحاث تأصيلية معاصرة في فقه الحج والعمرة
تأليف
ماجد بن محمد بن سالم الكندي
الجزء الثاني
الإحرام (1)
المواقيت، آداب الإحرام، أنواع الإحرام، التلبية
HOCHOCHOCH
DOOOOO 0070000 (2/4)
صفحة 322
الفصل الثاني: الإحرام وأحكامه
المبحث الأول: مكان الإحرام (المواقيت)
المبحث الثاني: آداب الإحرام
المبحث الثالث: أنواع الإحرام
المبحث الرابع: التلبية وأحكامها
المبحث الخامس: محظورات الإحرام
المبحث السادس: محظورات الحرم المكي
المبحث السابع: محظورات الحرم المدني
المبحث الثامن: التحلل من الإحرام (2/5)
صفحة 323
[صفحة فارغة] (2/6)
صفحة 324
من
الرائد
توطئة
المبحث الأول: مكان الإحرام (المواقيت)
امتازت عبادة الحج من بين أركان الإسلام الأربعة بأحكام دون غيرها، ذلك أن أركان الإسلام الثلاثة يمكن أن يؤديها المكلف حيثما شاء، فالصلاة بيّن فيها النبي لو أنها تصح في كل موضع سوى مواضع معدودة نهي عن الصلاة فيها لعلة كما في حديث إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله، أي مسجد وضع أول؟
قال: المسجد الحرام، قلت: ثم أي؟ قال: ثم المسجد الأقصى، قلت: كم كان بينهما؟ قال أربعون، ثم قال: حيثما أدركتك الصلاة فصل والأرض لك
مسجد
(1)
أما الصيام فمعلوم من حاله أنه يصح أن يؤديه المكلف في الحضر والسفر من حيث الأصل، فهو صحيح في وطن الإنسان وغير وطنه قال تعالى: يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مِّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ
(1) أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء، باب: قول الله تعالى "ووهبنا لداود سليمان " (3234)، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة (520). (2/7)
صفحة 325
الرائد
فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا
فَهُوَ خَيْرٌلَّهُ، وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ).
ولكن حج بيت الله الحرام مفارق تلك العبادات كلها؛ إذ جعله الله تعالى
مخصوصا أداؤه ببقاع كتب لها الشرف الإلهي بأن تختص باحتضان شعائر هذه العبادة، فلا يصح في غيرها.
وتلك البقاع المشرفة كانت من قبل مهوى أفئدة الأنبياء والمرسلين رسل الله تعالى ومبعوثيه إلى البشرية، فتكون هذه العبادة جامعة البشرية كلها في عراص الطهر والقدس، حيث تنزل الوحي الإلهي وسعت قدما نبي الرسالة محمد بن عبد الله.
هنالك نشأ الدين الإسلامي الذي أريقت من أجله دماء سلف هذه الأمة، وأزهقت ثَمَّ أرواح ما رغبت من الحياة في شيء رغبتها في أن يعم ضياء الإسلام أرجاء المعمورة، فما رأوا كل ما يعوق مرادهم شيئا حتى يظهر أمر الله أو يهلكوا دونه.
وتلكم كلها معان سامقة تستهوي الألباب لتعيد للخلف أمجاد سلف صالح حمل أعباء الرسالة الخاتمة وبلّغها الخلفَ بيضاء نقية لم يشبها ما يذهب
(1) سورة البقرة، الآيتان (183 - 184). (2/8)
صفحة 326
الرائد
برونق جمالها ومجمع حسنها فيثير ذلك كامن العزائم وخائر الهمم للمضي في سبيل عزة هذا الدين ورفعته بعد أن يكون لربوع القوم التي شرفت بتنزل الأحكام على عرصاتها أثر على النفوس الحية.
المطلب الأول: مواقيت الحج المكانية تعداد ووصف
توطئة
كان من رفع الله تعالى لشأن عراص الحج المشرفة أن جعل حول الحرم حمى لا يحل للمسلم المريد الحج أو العمرة أو كليهما أن يتجاوزه إلا وهو متلبس بصفة الإحرام الرافضة بهرج الدنيا وزخرفها ليعظم وقع هذه المشاعر
في القلوب.
قال الكمال بن الهمام:
تقديم الإحرام للآفاقي) على وصوله إلى البيت تعظيما للبيت وإجلالا كما تراه في الشاهد من ترجل الراكب القاصد إلى عظيم من الخلق إذا قرب من ساحته خضوعا له فكذا لزم القاصد إلى بيت الله تعالى أن يحرم قبل
(1) الأولى أن يقال الأفقي؛ لأن العرب لا تنسب إلى الجمع ما لم يكن علما، ولكن يمكن أن يعتذر للفقهاء في ذلك أن هذه الكلمة أصبحت كالعلم لأناس محددين وهم من كان خارج المواقيت. (2/9)
صفحة 327
الرائد
الحلول بحضرته إجلالا؛ فإن في الإحرام تشبها بالأموات وفي ضمن جعل نفسه كالميت سلب اختياره وإلقاء قياده متخليا عن نفسه فارغا عن اعتبارها شيئا من الأشياء فسبحان العزيز الحكيم.
وقد جاءت السنة المطهرة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم ببيان حكم الله تعالى فيها وتحديدها دون سواها، وهذا الأمر لا تعلم له علة ولا سبب وإنما هو محض التكليف والتعبد.
ومن ذلك حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدريه قال: وقت رسول الله لأهل المدينة أن يهلوا من ذي الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرنا، ولأهل اليمن يلملم، ولأهل العراق ذات عرق.
وهذا الإسناد ثابت من طريق الإمام الربيع عن أنس بن مالك".
وجاء عن أنس مرفوعا بإسناد لا يصح من حديث يحيى بن عثمان وعلي بن عبد الرحمن قالا: ثنا سعيد بن أبي مريم قال: أخبرني إبراهيم بن سويد
قال:
حدثني هلال بن زيد قال: أخبرني أنس بن مالك أنه
سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم
(1) ابن الهمام، فتح القدير، ج 2، ص 424.
(2) أخرجه الإمام الربيع بن حبيب في كتاب الحج، باب: في المواقيت والحرم (396). (2/10)
صفحة 328
الرائد
(11)
وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل البصرة ذات
عرق، ولأهل المدائن العقيق موضع قرب ذات عرق.
(2)
والحديث أخرجه الطحاوي) وابن عدي وفي إسناده هلال بن زيد بن يسار بن بولاء أبو عقال.
قال النسائي عنه: منكر الحديث وقال البخاري: في حديثه مناكير، وقال ابن حبان كان ممن يروي عن أنس بن مالك أشياء موضوعة ما حدث بها أنس قط منها رواية الثقات عنه ورواية الضعفاء جميعا لا يجوز الاحتجاج به
بحال ولا ذكر حديثه إلا على جهة الاعتبار.
وجاء الحديث من طريق أخرى غير طريق أنس من حديث طاوس عن ابن عباس قال: وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم. فهن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة، فمن كان دونهن فمهله
(1) الطحاوي، شرح معاني الآثار، ج 2، ص 119.
(2) ابن عدي الكامل، ج 7، ص 118.
(3) ابن حبان، المجروحين، ج 3، ص 87،والعقيلي، الضعفاء، ج 4، ص 345، وابن عدي، الكامل، ج 7، ص 117. (2/11)
صفحة 329
الرائد
12
من أهله، وكذاك حتى أهل مكة يهلون منها.
والمواقيت التي حددها الشارع هي التي بينتها الأحاديث السابقة، وقد
جمعها الإمام السالمي في "مدارج الكمال" بقوله:
قرن لنجد موقت ولملم لليمن المعروف منها نحرم وذات عرق موقت العراق وجحفة للشام باتفاق وذو الحليفة لأهل يثربا ويحرم القاطن حيث طنبا)
واختلف أهل العلم فيمن يكون حُجَّة في الإخبار بها فقيل كل من أخبر الإنسان بها قامت الحجة عليه ولزمه الإحرام منها ولو كان من جفاة الأعراب غير المعروفين بالأمانة.
وإلى هذا ذهب محمد بن محبوب من متقدمي علمائنا على ما ذكره الشيخ الكندي في بيان الشرع، والشيخ خميس في المنهج، وتابعه عليه القطب في
(1) أخرجه البخاري واللفظ له في كتاب الحج، باب مهل أهل الشام (1454)، ومسلم في كتاب الحج، باب مواقيت الحج والعمرة (1181).
(2) السالمي، مدارج الكمال، ص 80.
(3) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 67.
(4) الشقصي، منهج الطالبين، ج 7، ص 34. (2/12)
صفحة 330
الرائد
كتاب النيل" أصالة أو بالواسطة عن طريق التاج المنظوم" كما هو
شرح الأقرب.
ومن قبل هؤلاء أثبت ابن جعفر النسبة لأبي سفيان محبوب بن الرحيل من طريق أبي معاوية عزان بن الصقر"، وقد نسبه إليه أيضا الشيخ أبو نبهان في كتاب الحج والإمام السالمي، ولعل هذا هو الأقرب، ومحتمل التعدد.
(4)
وقيل بل شرط الحجة أن يكون ثقة من أهل العدالة.
أولا: ذو الحليفة)
بضم
الحاء المهملة وفتح اللام والحليفة بالحاء المهملة والفاء مصغر
(1) القطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 40.
(2) الثميني، التاج المنظوم، ج 3، ص 293.
(3) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 340.
(4) أبو نبهان، الحج، (مخطوط)، والصائغي، لباب الآثار، ج 3، ص 419.
(5) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 159.
(6) يرجع في معرفة المقاسات والأشياء الحديثة إلى محمد إلياس، تاريخ مكة، ص 26،
والبسام حدود المشاعر المقدسة، مجلة المجمع الفقهي الدولي د 3،ج 3، ص 1554. سيأتي تنبيه على مسألة المقاسات التي تذكر في بعد المواقيت عن الحرم نرجئ ذكره إلى مطلب من لم يمر على ميقات؛ لأن أهمية التنبيه وآثاره الفقهية تبرز هناك. (2/13)
صفحة 331
الرائد
18
(1)
حلفة وهو نبات معروف ينبت بتلك المنطقة، وتسمى أبيار علي وهي
للقادمين من طريق المدينة المنورة، وتبعد عن المدينة بنحو اثني عشر
كيلومترا.
وعمران المدينة يكاد يتصل بذي الحليفة إن لم يكن متصلا الآن، ومن ذي الحليفة إلى مكة ما يقارب 420 كم (260.98 ميلا) عن طريق وادي
الجموم.
وموقع هذا الميقات فلكيا عند تقاطع دائرة عرض 44، 24، 24 شمالا، وخط طول 32،33، 39 شرقا، وبالمنطقة الآن مسجد يحرم الناس منه وهو
كبير يعرف بمسجد ذي الحليفة ومسجد الميقات ومسجد الشجرة، وقد أعيد بناؤه حديثا بمساحة (90000)، ويستوعب 500 مصل،
م"
وارتفاع منارته 64 م، وقبته 28 م.
(1) نبه بعض أهل العلم على بدعة سيئة يحرص عليها بعض العوام وهي رمي الحجارة في الآبار الموجودة بهذه المنطقة زاعمين أن الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه - قاتل الجن في بعض هذه الآبار لذا سميت المنطقة باسمه أبيار علي، وقصة المقاتلة كذب لا أصل لها كما نبه عليها الإمام السالمي وغيره، لذلك لا يرمى بها حجر ولا غيره. السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 158، وابن جماعة، هداية السالك، ج 2، ص 574، والكاندهلوي، أوجز المسالك، ج 6، ص 439.
6 (2/14)
صفحة 332
الرائد
€10
وقد أحرم منها النبي في حجة الوداع، إذ خرج بعد أن صلى الظهر بالمدينة المنورة في مسجده الشريف، ثم صلى بذي الحليفة العصر ركعتين وبات بها مصليا فيها المغرب والعشاء والفجر والظهر، وكانت معه نساؤه فطاف عليهن كلهن تلك الليلة.
وذو الحليفة أبعد المواقيت عن الحرم، وقد اختلف الفقهاء في علة ذلك فقيل رفقا بأهل الآفاق؛ لأن أهل المدينة أقرب الآفاق إلى مكة ممن له ميقات
معين.
وقيل الحكمة في ذلك أن تعظم أُجور أهل المدينة، قال الدهلوي:
لما كان الإتيان إلى مكة شعثا تفلا تاركا لغلواء نفسه مطلوبا، وكان في
تكليف الإنسان أن يحرم من بلده حرج ظاهر فإن منهم من يكون قطره على
مسيرة شهر وشهرين وأكثر وجب أن
يخص
أمكنة معلومة حول مكة
يحرمون منها ولا يؤخرون الإحرام بعدها.
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب من بات بذي الحليفة حتى أصبح
(1471،1472)
(2) أخرجه البخاري في كتاب الغسل، باب من تطيب ثم اغتسل (267). (2/15)
صفحة 333
الرائد
واختار لأهل المدينة أبعد المواقيت؛ لأنها مهبط الوحي، ومأرز الإيمان، ودار الهجرة، وأول قرية آمنت بالله ورسوله فأهلها أحق بأن يبالغوا في إعلاء كلمة الله، وأن يخصوا بزيادة تعظيم الله، وأيضا فهي أقرب الأقطار التي آمنت في زمان رسول الله).
ثانيا: الجحفة
بضم الجيم وإسكان الحاء المهملة، ويقال لها مهيعة" تقع على ساحل البحر الأحمر الشرقي بينها وبينه 10 كم (621) ميلا)، وسبب تسميتها الجحفة أن العماليق أخرجوا إخوة عاد من يثرب فنزلوا مهيعة فجاء السيل
(1) قال ابن فارس: الهمزة والراء والزاء أصل واحد لا يُخلف قياسه بتة، وهو التجمع
والتضام.
(2) الدهلوي، حجة الله البالغة، ص 542، والقطب شرح كتاب النيل، ج 4، ص 41، والكاندهلوي، أوجز المسالك، ج 6، ص 440.
(3) للعلماء في ضبطها وجهان أشهرهما كسر الهاء بوزن معيشة، والآخر بإسكان الهاء وفتح
الياء بوزن مفعلة وعلقمة.
القطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 40، وابن جماعة، هداية السالك، ج 2، ص 574،
والعيني، البناية، ج 4، ص 159. (2/16)
صفحة 334
الرائد
فاستأصلهم".
(17)
وهي قرية قديمة قد خربت فصار الناس يحرمون بدلها من رابغ منطقة قريبة منها وأبعد عن الحرم وليست هي والجحفة ميقات القادمين من الشام ومصر وشمال أفريقيا وأوربا.
وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم عليها بانتقال حمى المدينة إليها فكان الإحرام بسبب الدعاء من رابغ كما في حديث أبي عبيدة عن جابر عن عائشة قالت:
لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وعك أبو بكر وبلال، فدخلت عليهما فقلت: يا أبت كيف تجدك؟ و يا بلال كيف تجدك؟ وكان أبو بكر إذا أخذته
الحمى يقول:
كل امرئ مصبح في أهله
والموت أدنى من شراك نعله
وكان بلال إذا أقلعت عنه الحمى يرفع عقيرته ويقول:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة
(1) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 158، والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4،
ص 41، والعيني، البناية، ج 4، ص 159. (2/17)
صفحة 335
الرائد
18
بواد وحولي إذخر وجليل
وهل أردن يوماً مياه مجنة
وهل يبدون لي شامة وطفيل
قالت عائشة: فجئت رسول الله فأخبرته فقال: اللهم حبب إلينا: صلى الله عليه وسلم المدينة كحبنا مكة، وصححها وبارك لنا في صاعها ومدها، وانقل حماها واجعلها في الجحفة.
قال الربيع الجليل نبت والعقيرة الصوت، وشامة وطفيل: جبلان
مشرفان على مجنة، ومجنة: سوق بأسفل مكة على بريد منها).
قال النووي:
قال الخطابي وغيره كان ساكنو الجحفة في ذلك الوقت يهودا، ففيه دليل للدعاء على الكفار بالأمراض والأسقام والهلاك، وفيه الدعاء للمسلمين
بالصحة وطيب بلادهم والبركة فيها وكشف الضر والشدائد عنهم "
-
(1) أخرجه الربيع - واللفظ له في باب الحمى والوعك (645)، وأخرجه البخاري في
کتاب الحج، باب كراهية النبي أن تعرى المدينة (1790)، ومسلم في كتاب: الحج،
باب الترغيب في سكنى المدينة (1376).
(2) النووي، شرح صحيح مسلم، ج 9، ص 150. (2/18)
صفحة 336
الرائد
19
وجاء ما يفيد قدوم الوباء على الجحفة حديث سالم بن عبد الله عن عبد
الله بن عمر له في رؤيا النبي في المدينة: رأيت امرأة سوداء ثائرة الرأس خرجت من المدينة حتى نزلت بمهيعة فتأولتها أن وباء المدينة نقل إلى مهيعة
وهي
الجحفة).
أما رابغ التي يحرم الناس منها عوضا عن الجحفة التي هجرت فمدينة كبيرة محاذية للجحفة فيها الدوائر والمرافق والمدارس الحكومية، وتبعد عن مكة مسافة مقدارها 185) كم (114.95 ميلا).
ويحرم من رابغ من لم يمر بالمدينة المنورة من أهل لبنان وسوريا والأردن وفلسطين ومصر والسودان وبلاد المغرب الأربع وبلدان أفريقيا وبعض سكان المنطقة الشمالية من المملكة السعودية الذين لا يقدمون من جهة
جدة (2).
وفي عام 1405 هـ عمر بالجحفة القديمة مسجد يحرم الناس منه، وهو
من أفضل مواقيت الإحرام كما يصف مشاهدوه.
(1) أخرجه البخاري في كتاب التعبير، باب: المرأة السوداء (6632). (2) البسام، توضيح الأحكام، ج 2، ص 44. (2/19)
صفحة 337
الرائد
ثالثا: قرن المنازل
القرن هو الجبل الصغير وبسكون الراء على المشهور، ويطلق على المنطقة قرن الثعالب لوجود أربع روابي صغار تسكنها الثعالب التي زالت بعد توسع العمران الحديث.
وفي الحاضر لمنطقة قرن المنازل مكانان يحرم الناس منهما:
أولهما السيل الكبير، وهذا الآن قرية كبيرة فيها محكمة وإمارة وجميع الدوائر والمرافق والخدمات والمدارس المتنوعة بينها ومكة المكرمة 75 كم (46.6 ميلا).
ويقع الميقات فلكيا عند تقاطع دائرة عرض 21،37،51 شمالا، وخط طول 25، 25، 40 شرقا، وهذا ميقات للقادمين من نجد والطائف وما جاورها من البلدان كدول الخليج العربي.
(1) قال النووي: بفتح القاف وإسكان الراء بلا خلاف بين أهل العلم من أهل الحديث واللغة والتاريخ والأسماء وغيرهم، وغلط الجوهري في صحاحه فيه غلطين فاحشين فقال: بفتح الراء، وزعم أن أويسا القرني له منسوب إليه، والصواب إسكان الراء وأن أويسا منسوب إلى قبيلة معروفة يقال لهم بنو قرن، وهي بطن من مراد القبيلة المعروفة ينسب إليها المرادي. النووي، شرح صحيح مسلم، ج 5، ص 3180. (2/20)
صفحة 338
الرائد
ثانيهما وادي محرم وهو المنطقة العلوية من قرن المنازل قرية عامرة بها مدرسة، وبعد إنشاء طريق الطائف مكة المار بالهدا صار ميقاتا مهما مزدحما فبني فيه مسجد كبير جدا مشتمل على المرافق والخدمات التي يريدها قاصدو الإحرام.
بين وادي محرم ومكة ما يقارب 75 كم (4606 ميلا)، ويحرم من هذا الميقات من يحرم من السيل الكبير، ويزيد بحجاج الطائف وحجاج جنوب المملكة الحجازي وحجاج اليمن الحجازي.
رابعا: يلملم
ويقال: ألملم وأرمرم، وألملم هو الأصل والياء بدل الهمزة، وقال الإمام السالمي عند شرح حديث المواقيت:
وفي أكثر نسخ المسند لملم بلامين بعد كل واحدة منهما ميم، ولم أجده في شيء من كتب اللغة، وهي لغة مشهورة في لغتنا، وبذلك ذكرها ابن النضر
في قصيدة الحج من دعائمه، وهو أحفظ أهل زمانه بلغة العرب".
(1) ابن جماعة، هداية السالك، ج 2، ص 575، والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 41،
وابن الملقن التوضيح، ج 11، ص 54.
(2) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 158. (2/21)
صفحة 339
الرائد
22
(1)
وأهل يلملم أنفسهم يطلقون عليها الآن لملم كالذي جرى عليه العمل
مع فقهائنا في عمان، وهم أدرى بمنطقتهم.
ويلملم واد طويل يمتد من سفوح جبال السراة ويصب في البحر الأحمر، ويقدر طوله بنحو 150 كم (93.21 ميلا).
وقد كان الطريق المسلوك يمر بالسعدية إحدى مناطق وادي يلملم تقع في منتصف الوادي تقريبا، وهي قرية اتخذها الناس نقطة للإحرام منها فيها بئر السعدية وفيها إمارة ومدرسة ومسجد قديم جدد الآن باسم معاذ بن
جبل.
والسعدية تبعد عن مكة 92) كم 57017) ميلا)، وبعد ذلك أنشئ طريق آخر من ساحل المملكة العربية السعودية الجنوبي إلى مكة المكرمة مارا بوادي يلملم وهو غرب السعدية بنحو 20 كم 12.43 ميلا) وعند ممره على يلملم يكون بعد وادي يلملم عن مكة 120 كم (74.56 ميلا)، وهذا الوادي كله يعد ميقاتا فلا يصح تجاوزه من غير إحرام لمن أراد الحج أو
(1) البسام، حدود المشاعر المقدسة، مجلة المجمع الفقهي الدولي ع 3، ج 3، ص 1554. (2/22)
صفحة 340
الرائد
العمرة.
وما دام الوادي كله ميقاتا وهو على طول 150 كم فمن غير شك أن بعده عن الحرم متفاوت وقد نص بعض أهل العلم على أن أعلى هذا الوادي و اديان أحدهما قريب من منطقة الشفا بالطائف، وهذه المنطقة التي هي طرف الوادي من الموضع السابق بينها وبين مكة ما يقارب ستين كيلو متر (60 كم)، وأما الفرع الشمالي منه الذي في بلاد هذيل فإن المسافة بينه وبين الحرم لا تزيد على خمسين كيلو متر (50 كم).
ويحرم من وادي يلملم أهل اليمن الساحلي وسواحل المملكة العربية السعودية وأندونيسيا وماليزيا والصين والهند يوم كانت الوسيلة السفن البحرية، أما الآن فالغالب أن المسافرين من غير المناطق القريبة من الوادي يأتون بالطائرات فيهبطون بجدة أو المدينة المنورة.
خامسا: ذات عرق
وهي ميقات لأهل العراق كما في الحديث، ومثلهم القادمون من إيران،
(1) نص الفقهاء السابقون على أن أول الميقات وآخره سواء من حيث إنه مكان للإحرام ولا ضير على من أحرم من أي موضع منه، ولكنهم استحسنوا الإحرام من أوله.
(2) من كلام للدكتور عبد الله السكاكر في محاضرة له بعنوان نوازل الحج. (2/23)
صفحة 341
الرائد
ولكن هذه القرية مندثرة اليوم بسبب عدم مرور شيء من الطرق المعبدة عليها، لذا يحرم الحجاج القادمون من المناطق المذكورة بالمرور بذي الحليفة أو قرن المنازل، أما السابقون فيحرمون بعد اندثارها من الغريبة التي يقال لها اليوم الخريبات والضريبة.
هي
(1)
وخالف بعض الفقهاء فقالوا إن إحرام أهل العراق من العقيق التي
أبعد
من
ذات عرق أحب وأفضل واستدل هؤلاء بحديث محمد بن
علي بن عبد الله بن عباس عن ابن عباس الله قال: وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل
المشرق العقيق.
ويشكل على هذا الرأي ضعف الحديث المستدل به فقد أخرجه أبو
(4)
داود، والترمذي وقال الترمذي إثره: هذا حديث حسن، ومحمد بن علي
هو أبو جعفر محمد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب.
(1) القطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 41، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 214، والقرافي،
الذخيرة، ج 3، ص 206.
(2) بينها وذات عرق ما يقارب 10 كم (6.21 ميلا).
(3) كتاب المناسك، باب: المواقيت (1740).
(4) کتاب الحج، باب: مواقيت أهل الآفاق (832). (2/24)
صفحة 342
الرائد
25
قال البيهقي: ينفرد به يزيد بن أبي زياد، وقال النووي متعقبا الترمذي
في تحسينه للحديث وليس كما قال؛ فإنه من رواية يزيد بن زياد وهو ضعيف
باتفاق المحدثين (")، ونص على مثله الحافظ ابن حجر (3)، والعيني)
وللحديث علة أخرى قال الزيلعي:
(4)
قال ابن القطان في كتابه هذا حديث أخاف أن يكون منقطعا؛ فإن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس إنما عهد يروي عن أبيه عن جده ابن
عباس كما جاء ذلك في صحيح مسلم في صلاته # من الليل.
وقال مسلم في كتاب التمييز: لا نعلم له سماعا من جده ولا أنه لقيه، ولم يذكر البخاري ولا ابن أبي حاتم أنه يروي عن جده وقد ذكر أنه روى عن
أبيه.
وقال مسلم في كتاب الكنى لا يعلم له سماع من جده، ولا أنه لقيه.
(1) البيهقي، معرفة السنن والآثار، ج 4، ص 533.
(2) النووي، المجموع، ج 7، ص 169.
(3) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 390.
(4) العيني، عمدة القاري، ج 2، ص 220.
(5) الزيلعي، نصب الراية، ج 3، ص 3
13 (2/25)
صفحة 343
الرائد
(YT)
وقد جاء من طريق أخرى أشد ضعفا من هذه أخرجها الطبراني في
الأوسط)
من حديث مسلم بن خالد الزنجي عن ابن جريج عن
جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المشرق العقيق" وقال الطبراني عقبها:
يرو
عطاء
هذا الحديث عن ابن جريج إلا مسلم تفرد به موسي بن داود.
عن
ومسلم بن خالد الزنجي ليس بحجة في الرواية فقد قال البخاري: مسلم بن خالد أبو خالد عن ابن جريج وهشام بن عروة منكر الحديث ليس بشيء، وقال النسائي: مسلم بن خالد الزنجي ضعيف.
وقال علي بن المديني: الزنجي ابن خالد منكر الحديث ما كتبت عنه وما
كتبت عن رجل عنه
(2)
وفي الإسناد ابن جريج وهو مدلس تسوية لا يقبل تحديثه إلا بالتصريح بالسماع، قال الدارقطني: يتجنب تدليسه؛ فإنه وحش التدليس لا يدلس إلا
(1) الطبراني، المعجم الأوسط، ج 7، ص 260.
(2) ابن عدي الكامل، ج 6، ص 309، والعقيلي، الضعفاء، ج 4، ص 150، والمزي، تهذيب
الكمال، ج 27، ص 508. (2/26)
صفحة 344
الرائد
27
فيما سمعه من مجروح مثل إبراهيم بن أبي يحيى وموسى بن عبيدة وغيرهما.
وعليه فيقال ميقاتهم ذات عرق دون غيرها، ثم إن بعض الفقهاء قد
حكى إجماع الناس على أن من جاوز العقيق إلى ذات عرق أنه لا شيء عليه، ولو كان ميقاتا للزمت العقوبة.
ومع
ذلك كله جمع بعض الفقهاء بين الحديثين بوجوه لا تخلو من
تكلف، منها أن ذات عرق ميقات الوجوب، والعقيق ميقات الاستحباب؛ لأنه أبعد من ذات عرق.
ومنها أن العقيق ميقات لبعض العراقيين وهم أهل المدائن والآ. ميقات لأهل البصرة، ووقع ذلك في حديث أنس عند الطبراني وإسناده
ضعيف.
ومنها أن ذات عرق كانت أولا في موضع العقيق الآن ثم حولت
وقربت إلى مكة فعلى هذا فذات عرق والعقيق شيء واحـ
(1) الدارقطني سؤالات الحاكم النيسابوري ص،174، وابن حجر، طبقات المدلسين،
ص 41، وابن حجر، تهذيب التهذيب، ج 6، ص 359.
(2) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 207.
(3) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 390. (2/27)
صفحة 345
الرائد
المطلب الثاني: إحرام من لم يكن طريقه على ميقات
من كان طريقه لا يمر على ميقات فإنه ينظر المنطقة التي تحاذي الميقات فيحرم حيالها كما فعل الفاروق له عندما أتاه نفر من أهل العراق كما في حديث عبيد الله عن نافع عن ابن عمر الله قال: لما فتح هذان المصران أتوا عمر فقالوا:
يا أمير المؤمنين إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حد لأهل نجد قرنا وهو جور عن طريقنا وإنا إن أردنا قرنا شق علينا قال فانظروا حذوها من طريقكم فحد لهم ذات عرق.
(1) الصائغي، لباب الآثار، ج 3، ص 418، والجيطالي، مناسك الحج، ج 1، ص 80، والشقصي، منهج الطالبين، ج 7، ص 33،والقطب شرح كتاب النيل، ج 4، ص 42، والكاساني بدائع الصنائع، ج 2، ص 372، والقرافي الذخيرة، ج 3، ص 207، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 335، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 71، وابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 390.
بل حكى ابن جماعة الاتفاق على مسألة مراعاة المحاذاة إن لم تكن الأعيان ابن جماعة،
هداية السالك، ج 3، ص 580.
(2) يراد بالمصرين البصرة والكوفة إذ فتحتا في عهده.
(3) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب مهل أهل العراق ذات عرق (1458). (2/28)
صفحة 346
الرائد
29
والمحاذاة المرادة من السابق هي اتفاق المسافة بين المكان الذي أراد الإنسان الإحرام منه وبين بعد أقرب المواقيت إليه عن مكة شرفها الله، قال الشيخ إسماعيل: ومن حاذى ميقاتا في بر أو في بحر فميقاته المحاذاة بحدود الإحرام؛ إذ المقصود مقدار البعد من مكة).
وقال ابن منظور حذوت النعل بالنعل والقذة بالقذة قدرتهما عليهما، وقال ابن سلام وإنما أراد محاذيتها فيما بين كل واحدة منهما وبين مكة سواء يقول فمن أحرم من ذات عرق كان بمنزلة من أحرم من قرن).
وقال الزمخشري: ابن عباس {قال في ذات عرق: هي حذو قرن، وروي وزان قرن، ومعناهما واحد أراد أنها محاذية قرن فيما بين كل واحد منهما وبين مكة، فمن أحرم من هذا كمن أحرم من ذاك، ونص على الحكم
السابق غيرهم.
فلو جاء إنسان من جهة أقرب المواقيت إليها ذو الحليفة فإنه يحرم حينما
(1) الجيطالي، مناسك الحج، ج 1، ص 80. (2) ابن منظور، لسان العرب، ج 14، ص 169. (3) ابن سلام غريب الحديث، ج 4، ص 228. (4) الزمخشري الفائق في غريب الحديث، ج 1، ص 271. (5) ابن الجزري، النهاية في غريب الأثر، ج 1، ص 358. (2/29)
صفحة 347
الرائد
يبقى بينه وبين مكة شرفها الله 400 كم.
قال الحافظ ابن حجر:
وأما ذات عرق ففي صحيح البخاري ما يدل على أن مسافتها إلى مكة مطية مسافة قرن؛ لأنه أخرج عن ابن عمر قال: لما فتح هذان المصران -يعني الكوفة والبصرة - أتوا عمر فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن النبي صلى الله عليه وسلم حد لأهل
نجد قرنا وإنه جور عن طريقنا قال: انظروا حذوها فإذا هو ذات عرق ... الحديث فعرف من هذا أن ذات عرق تحاذي قرنا.
قال
وقال بعض الفقهاء إن من سلك طريقا لا يحاذي فيه ميقاتا لزمه أن يحرم إذا لم يبق بينه وبين مكة إلا مرحلتان.
وفي نفسي من ذلك شيء؛ إذ المواقيت محيطة بالبيت من جوانبه كلها فلا يتصور عدم المحاذاة على ما يظهر إلا لو كانت بعض جهات البيت من غير ميقات وهذا منتف فانتفى تصور عدم المحاذاة كما حرر ذلك الحافظ ابن
(1) العراقي، طرح التثريب، ج 5، ص 14، وابن الملقن التوضيح، ج 11، ص 75، وابن تيمية، شرح العمدة، ج 2، ص 336.
(2) ابن حجر، الإمتاع بالأربعين المتباينة السماع، ص 91. (2/30)
صفحة 348
الرائد
(1)
31
نعم يمكن أن يقال بهذا الحكم في حق من لم يعلم ميقاتا يحرم منه أنه يلزم بأدنى مسافة للمواقيت وهي مرحلتان ميقات ذات عرق".
ووجه هذا أن هذه المسافة لازمة يقينا ولا يوجد احتمال لمسافة أقل منها فلزم الإحرام عندها.
ويمكن أن يقال إنه يحرم عند أبعد مسافة عن البيت وهي مسافة ذي الحليفة ووجه ذلك أنه بذلك يأخذ باليقين أنه لم يجاوز ميقاتا إلا وهو محرم
ولا يلزمه شيء باتفاق، أما الأول فاحتمال مجاوزته ميقاتا كبير جدا.
وعلى ذلك يكون إحرام القادمين من جهتي الجو والبحر، أما القادمون بالطائرات فحكمهم على رأي الجمهور - حكم المارين أرضا فإن علت الطائرة سماء أرض الميقات أحرموا حينها وجوبا إن لم يكونوا محرمين قبل،
(1) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 390. (2) كتبت ذلك قبل أن أجد من نص عليه ثم وجدت من نص عليه ففي "الجمل شرح المنهج " ج 2، ص 404 من فقه الشافعية قال: لا يقال: المواقيت مستغرقة لجهات مكة فكيف يتصور عدم محاذاته لميقات؟ فينبغي أن المراد عدم المحاذاة في ظنه دون نفس
الأمر. (2/31)
صفحة 349
الرائد
وهذا بعد أن يكونوا معدين للإحرام عدته.
وإن شاءوا الاحتياط أحرموا قبل، وإن كانوا لا يمرون على أرض
الميقات نظروا ما يحاذي أقرب المواقيت إليهم من طريقهم فأحرموا منه.
والواقع الآن أن الحجاج يهبطون في أحد موقعين المدينة المنورة أو جدة،
فإن هبطوا في المدينة المنورة كان ميقاتهم ذا الحليفة وأحرموا من هناك. وإن هبطوا بجدة أحرموا عند تحليقهم في سماء الميقات الذي يدخلون من جهته، وإن عسر عليهم تمييز الميقات أو خشوا على أنفسهم فواته قبل إحرامهم فليحرموا قبل ذلك احتياطا في أمور الدين وفرارا من الشك إلى
اليقين.
وقد أجاب الإمام محمد بن عبد الله الخليلي الله عن مثل ذلك وإليك نص كلامه من أجوبته:
سئل الإمام الخليلي كيف يصلي من في الطائرة، وكيف يحرم للحج؟ فقال: أما الصلاة فإن كان يدري القبلة توجه إليها ثم لا يضره إذا
انصرفت، وأما الحاج فينبغي أن يحرم من بيته أو حين يريد الركوب. وإن لم يفعل ينبغي أن يقدم قبل وصوله الميقات تحريا منه ولا يؤخر، (2/32)
صفحة 350
الرائد
وتقديم الإحرام جائز بلا خلاف، وتأخيره متعمدا لا يصح.
واستثنى فقهاء المالكية من وجوب الإحرام عند محاذاة الميقات ولو كان
في البحر القادمين بحرا من جهة عيذاب) للمشقة البالغة التي قد تلحقهم
بالإحرام.
وذلك لأن الريح قد عهدت ترد السفن فلا يتمكن المحرمون من الوصول لأداء المناسك ويبقون بإحرامهم فيضطرون إلى فدية المحصر فرخصوا لهم أن لا يحرموا حتى يصلوا اليابسة.
هو
وهذا قال به بعض المالكية فقط، وعلى تقدير تسويغه في الزمان الماضي منتف في هذا الزمان لتبدله، قال الدردير
وأما بحر عيذاب وهو من ناحية اليمن والهند فلا يلزم الإحرام منه بمحاذاة الميقات أي الجحفة أيضا؛ لأن الغالب فيه أن الريح ترده فيجوز أن
(1) الإمام الخليلي، الفتح الجليل، ص 267.
يبحر منه
(2) ميناء في جنوب مصر على ساحل البحر الأحمر قرب الحدود السودانية، كان الحجاج المصريون إلى جدة، أهمل شأنه في القرن الرابع عشر الميلادي عند تحويل طريق التجارة إلى شمالي البحر الأحمر. (2/33)
صفحة 351
الرائد
يؤخر للبر.
34
وهذا التفصيل عند المالكية خلاف ظاهر المذهب معهم لكن قال به سند
من علمائهم فتابعه عليه الكثيرون من بعده وقيدوا به مذهب الإمام مالك في
وجوب الإحرام بالمحاذاة لمن جاء من طريق البحر.
قال الحطاب في مواهب الجليل
(لو ببحر) ش يعني أن من سافر في البحر فإنه يحرم إذا حاذى الميقات ولا يؤخر إلى البر، وهكذا قال في مناسكه ونصه:
ومن سافر في البحر أحرم أيضا في البحر إذا حاذاه على ظاهر المذهب خلافا لسند في قوله إنه يؤخر للبر خوفا من أن ترده الريح فيبقى محرما. وهو ظاهر من جهة المعنى، ونقل ابن الحاج عن ابن نافع مثل قول سند فقال: وقال ابن نافع لا يحرم في السفن ورواه عن مالك انتهى.
ويشير بقوله على ظاهر المذهب إلى قول مالك في الموازية قال في النوادر: قال محمد: قال مالك: ومن حج في البحر من أهل مصر وشبههم إذا حاذى
الجحفة انتهى.
(1) الدردير، الشرح الكبير، ج 2، ص 23. (2/34)
صفحة 352
الرائد
35
ونقله جماعة وأبقوه على ظاهره وهو ظاهر كلام المؤلف هنا وأجمل – رحمه الله - فيما حكاه عن سند وذلك لأن سندا يقول: من أتى بحر عيذاب حيث لا يحاذي البر فلا يجب عليه الإحرام في البحر إلى أن يصل إلى البر إلا أن يخرج على بر أبعد من ميقات أهل الشام وأهل اليمن، ولا يلزمه بتأخير الإحرام إلى البر هدي.
وأما إن أتى على بحر القلزم حيث يحاذي البر فالإحرام عليه في البحر
واجب، لكن يرخص له التأخير إلى البر ويلزمه الهدي.
والفرق بينهما أن الأول في إحرامه في البحر على محاذاة الجحفة خطر
خوفا من أن ترده الريح فيبقى محرما حتى يتيسر له إقلاع سالم.
قال: وهذا من أعظم الحرج المنفي من الدين، وإذا ثبت الجواز ترتب
عليه نفي الدم حتى يدل دليل على وجوبه ولا دليل.
وأما الثاني فإنه قادر على الإحرام من البر من نفس الجحفة والسير فيه لكن عليه ضرر في النزول إلى البر ومفارقة رحله فيجوز له التأخير للضرورة إلزامه الهدي كما يجوز استباحة ممنوعات الإحرام للضرورة مع وجوب الفدية والله أعلم، انتهى مختصرا بالمعنى.
فقد ظهر الإجمال الذي في كلام المصنف الذي حكاه عن سند وأن قول (2/35)
صفحة 353
الرائد
سند ليس كرواية ابن نافع من كل وجه.
وقد ذكر المصنف التوضيح كلام سند كما ذكرناه ولم يتعقبه بأنه خلاف ظاهر المذهب كما قال في مناسكه وكذلك القرافي في ذخيرته وابن عرفة
والتادلي وابن فرحون في شرح ابن الحاج وفي مناسكه ولم يتعقبوه بأنه خلاف بل ظاهر كلامهم أنهم قبلوا تقييده كلام مالك بما ذكر.
وهذا هو الظاهر فيتعين تقييد كلام المصنف به وقد شاهدت الوالد يفتي بما قاله سند غير مرة، والله أعلم.
والبحر كغيره يلزم الإحرام فيه بمحاذاة الميقات لذا فالحجاج الذين يقدمون بحرا هابطين في جدة يلزمهم الإحرام عند محاذاة أقرب المواقيت إليهم ولا تكون جدة ميقاتا لهم، وهذا الحكم يستثنى منه القادمون من جهة ميناء مدينة سواكن السودانية) إذ إن إحرامهم من جدة).
(1) الحطاب، مواهب الجليل، ج 3، ص 35.
(2) ميناء السودان القديم، تقع على الضفة الغربية من البحر الأحمر بين مصوع وبور سودان.
6
(3) البهوتي، شرح منتهى الإرادات، ج 1، ص 525، والرحيباني، مطالب أولي النهى، ج 2، ص 298، والدمياطي، حاشية إعانة الطالبين، ج 2، ص 303، والبجيرمي، الحاشية على
شرح منهج الطلاب، ج 2، ص 112، وسليمان الجمل، شرح المنهج، ج 2، ص 404. (2/36)
صفحة 354
الرائد
37
وعلة ذلك أن هذه المدينة تقع عمودية على النتوء الذي زاد من جدة على
الجحفة ويلملم فتكون محاذاة المواقيت داخل جدة فكان لزوم الإحرام
للقادمين من الجهة المذكورة في جدة عند المحاذاة.
وذهب بعضهم إلى رأي آخر في الإحرام للقادمين من جهة سواكن وذلك أنه قيده بأقل مسافة لمواقيت الإحرام فقال بأنه ولو لم يحاذ ميقاتا إلا أنه لا يصح له أن يحرم من مسافة أقل من مرحلتين فقال:
الجائي من البحر من جهة سواكن فميقاته على مرحلتين من مكة إذ لا ميقات أقل مسافة من هذا القدر.
وتحصل معرفة ذلك بأن كان عنده من يعرف تلك المسافة أو بأن يجتهد فيها ويفهم من ذلك أن جدة إن كانت مسافتها إلى مكة لا تنقص عن مرحلتين يكفي أن تكون ميقاتا للجائي من البحر من جهة اليمن وإلا فلا بد أن يحرم قبل وصول جدة بحيث تبلغ المسافة إلى مكة مرحلتين.
وذلك أن جهة جدة من مكة غربي وجهة يلملم منها جنوبي شرقي فصارت أمام الجائي بخلافه المار على ذي الحليفة فلا يجوز أن يؤخر إحرامه
إلى الجحفة لأن جهتهما من مكة متحدة).
(1) الجاوي، نهاية الزين، ج 1، ص 210. (2/37)
صفحة 355
الرائد
ولا أدري على ماذا
بني
(TA)
هذا الرأي؛ إذ إن المحاذاة كما تبين أمر ممكن وقد
تبين مما سبق أنه عند عدم المرور على الميقات يلزم الإحرام حذاء أقرب ميقات، وهذا الآتي من جهة سواكن لا يحاذي ميقاتا في غير جدة فيلزمه الإحرام حيث تتحقق المحاذاة.
وبعد تحقق أمر المحاذاة وأهميته الفقهية نبين أن أول أرض الميقات وآخرها سواء في جواز الإحرام منها، وبعض أراضي المواقيت ممتدة امتدادا شاسعا كما هو الحال في ميقات يلملم الذي يمتد مسافة 150 كم، وعلى السابق فالواجب الإحرام من أقرب منطقة إلى الحرم يصدق عليها أنها يلملم أو الجحفة أو ذو الحليفة، وهذه المنطقة الأقرب إلى الحرم هي التي يراعى فيها أمر المحاذاة.
والذين يذكرون الأبعاد المعاصرة للمواقيت عن الحرم لا يمكن الاعتماد على قياساتهم في البعد الذي يطلب في تحقيق المحاذاة؛ لأنهم يحددون أبعادهم بالمساجد التي يحرم منها مع أنه يجوز تأخير الإحرام إلى آخر المنطقة المسماة من
قبل الشارع.
وقد ذكرنا من قبل أن جمعا يذكرون أن بعد السعدية (مسجد الإحرام من يلملم عن الحرم 92 كم، والمنطقة السابقة نقطة من واد يمتد 150 كم (2/38)
صفحة 356
الرائد
(39)
يصح
الإحرام من كل جوانبه وليست هي متعينة للإحرام منها، وأقرب مناطق الوادي المذكور إلى الحرم 50 كم فالمراعاة في حال تحقيق المحاذاة إنما تكون لأقرب المناطق إلى الحرم لا إلى النقطة المتعارف على الإحرام منها. هل جدة من المواقيت؟
لم يكن إشكال بين أهل العلم قديما وحديثا أن جدة ليست من المواقيت المحدودة على لسان الشارع إذ لم يرد ذكرها في الأدلة الشرعية التي حدت
المواقيت، لكن جاء في الأثر عند علمائنا الإباضية:
قال أبو صفرة: كنا نحرم من جدة في الصيف، فلما جاء الشتاء شق علينا فصرنا نحرم من ذات عرق".
هذا الذي قاله أبو صفرة وهو من أئمة المذهب الأوائل من أهل العراق،
(1) أبو صفرة عبد الملك بن صفرة عالم فقيه، وحافظ ثقة من علماء العراق، عاش في أواخر القرن الثاني وأوائل القرن الثالث، أخذ العلم عن الربيع بن حبيب وله روايات كثيرة عنه، كما كانت له روايات وأخبار عن محبوب بن الرحيل، عاصر الإمام محمد بن محبوب وكانت بينهما أجوبة ومراسلات كثيرة، ولعله انتقل إلى عمان في آخر حياته، من آثاره: روايات أبي صفرة عن الهيثم عن الربيع بن حبيب عن ضمام عن جابر، وروايات وآراء منثورة في كتب الفقة والسير محمد ناصر والشيباني، معجم أعلام الإباضية، ص 299.
(2) الكندي، المصنف، ج 8، ص 100. (2/39)
صفحة 357
الرائد
ويشكل عليه أن جدة حاضرة زماننا ليست في جهة ذات عرق بل في مقابلها
ولا تأتي على طريق أهل العراق.
إنه قال إنهم انتقلوا إلى ذات عرق ليقللوا من المشقة التي لحقتهم أن جدة التي يحرمون منها أولا أبعد من ذات عرق فقللوا المشقة
وهذا يعني
بالقرب من الميقات، وهذا لا يمكن أن يحصل في جدة الساحلية إذ هي داخل
المواقيت.
قال الإمام السالمي معلقا على ذلك:
وذلك أنه كان -رحمة الله عليه - من أهل العراق، وكلامه هذا يدل على أن جدة كانت أبعد من مكة من ذات عرق فهم يحرمون منها قبل الميقات، فمن فهم من كلامه أن جدة ميقات مستقل فليس بسديد.
وفي زماننا هذا أصبحت جدة مدينة عصرية تجارية بل هي عروس البحر الأحمر، وكان من أثر ذلك أنه قامت بها المطارات والموانئ التي يؤمها الحجاج والمعتمرون، فكانت قضية مواقيت الإحرام مطروحة بها، والفقهاء المعاصرون أكثرهم أخذوا بما اتفق عليه الفقهاء السابقون من أن وجوب
الإحرام من أعيان المواقيت إنما هو في حق المارين بها.
(1) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 159. (2/40)
صفحة 358
الرائد
أما من لم يمر بأعيان المواقيت فيلزمه أن ينظر حذوها فيحرم منه، ومعلوم أن جدة الآن داخلة في المواقيت إذ هي أقرب من المواقيت إلى مكة المكرمة مما يعني أن الطائرة تحلق فوق شيء من المواقيت قبل وصولها جدة مما يحقق المرور على المواقيت باختراق أجوائها فيكون الشخص ممن أتى على المواقيت فيلزمه الإحرام منها.
وهذا الذي عليه أكثر الفقهاء المعاصرين ومنهم سماحة شيخنا العلامة
أحمد بن حمد الخليلي وشيخنا إمام السنة والأصول الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي -حفظهما الله-.
وبه أفتى المجمع الفقهي الإسلامي الدولي في قراره التالي:
إن المواقيت المكانية التي حددتها السنة النبوية يجب الإحرام منها لمريد الحج أو العمرة، للمار عليها أو للمحاذي لها أرضا أو جوا أو بحرا لعموم الأمر بالإحرام منها في الأحاديث النبوية الشريفة.
وخالف بعض أهل الفقه المعاصرين فقالوا إنه لمن يأتي بالطائرات أو
(1) مجلة مجمع الفقه الإسلامي الدولي، ع 3، ج 3، ص 1649. وقرر ذلك أيضا مجمع الفقه الإسلامي بمكة المكرمة في جلسته الثالثة صباح يوم الخميس 10/ 4 / 1402 هـ والموافق 4/ 2 / 1982 م. (2/41)
صفحة 359
الرائد
البواخر أن يحرم من جدة فتكون ميقاتا له، ومن هؤلاء من علمائنا الإباضية
المتأخرين العلامة الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض الجزائري إذ قال:
إن الفتوى المطابقة ليسر الشريعة الإسلامية الغراء وسماحتها والموافقة لهدي النبي وأوامره ونواهيه هي أنه ليس على حجاج الطائرة الذاهبين إلى جدة إحرام إلا ميقات أهل جدة، ولا نرى هذا رخصة بل نراه عزيمة فإنها لم تعارض دليلا معتبرا).
ومن هؤلاء العلامة محمد الطاهر ابن عاشور، ولجنة الفتوى بالأزهر الشريف في تصحيحها لفتوى الشيخ جعفر بن أبي اللبني الحنفي المدرس المكي لركاب السفن في الإحرام من جدة، والتي نشرها في رسالة سماها: "دفع الشدة بجواز تأخير الآفاقي الإحرام إلى جدة"، وطبعت في
(1) بيوض، الفتاوى ص 306، والكلام المنقول من جواب وجهه لرئيس المجلس الإسلامي الأعلى بالجزائر ومعالي وزير الأوقاف الجزائري. والعلامة الشيخ بيوض من علماء المذهب الإباضي المعاصرين فقد ولد في مدينة القرارة من الجمهورية الجزائرية في الحادي عشر من ذي الحجة 1311 هـ الذي يوافقه 1899 م، وتوفي يوم الأربعاء 8 ربيع الأوّل 1401 هـ، كانت حياته حافلة بالعطاء الدائب للدعوة
الإسلامية تعليما وتحقيقا وتجديدا. (2/42)
صفحة 360
الرائد
(1)
الأستانة سنة 1327 هـ، وغيرهم.
قال الشيخ مصطفى أحمد الزرقا مبينا حجته:
إن حديث المواقيت محمول على الطرق المعروفة المألوفة في ذلك الوقت،
وهي الطرق البرية التي يمكن أن يسلكها القادمون لحج أو عمرة من أطراف الجزيرة العربية التي مد عليها الإسلام رواقه ... وهذا الإتيان لا يمكن أن يتصوره أي سامع إلا أنه المرور في الأرض، ..
وهذا المعنى لا يتحقق إلا فيمن مر بالميقات نفسه أرضا، لأن المرور فوق الميقات جوا كما تمر الطيور لم يكن في بال أحد من الصحابة أهل اللسان الذين خوطبوا به ولا في حسبانه، ولا يمكن أن يتصوره حتى يفهم أنه داخل في هذا التحديد.
بل أستطيع القول: إن الطيران بالطائرات التي تسافر بها اليوم لو كان موجودًا في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم حين حدد هذه المواقيت الأرضية لأجل لما كان المرور جوا بالطائرة فوق بقعة الميقات مشمولاً بهذا الحديث؛
الإحرام لأن المرور بالميقات الذي يجعل المار به كأهل الميقات لا يفهم منه في أسلوب
(1) ابن الخوجة محمد الطاهر ابن عاشور وكتابه مقاصد الشريعة الإسلامية، ج 1، ص 448، ومجلة مجمع الفقه الدولي، د 3، ج 3، ص 1543 من بحث الشيخ محيي الدين قادي. (2/43)
صفحة 361
الرائد
البيان إلا المرور الأرضي فعلا.
أما الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور فقال:
الحق أنه لا يحرم حتى ينزل إلى البر؛ لأن تكليف النزول في أثناء السير
لأجل الإحرام مشقة، وتكليفهم الإحرام في السفينة مشقة أيضا لطول مدة التجرد ولوازم الإحرام.
أما المسافر في الطائرة فهو لا يمر بالأرض أصلا، ولا يتصور فيه إمكان النزول قبل الوصول إلى المنازل الملائمة لنزول الطائرة، فلا يتصور فيه إمكان النزول حتى يرخص له التفادي عنه بالإحرام في الطائرة.
ولأن الإحرام في الطائرة مشقة ومضرة لشدة برودة الجو ويحتاج إلى
(2)
التدثر بالثياب، وفي الغالب لا يوجد في ثياب الإحرام ما يصلح للتدثر.
ولهؤلاء خلاف في موقع الإحرام من جدة هل بوصوله بر جدة أو إذا ظعن منها، استظهر العلامة ابن عاشور أنه يحرم إذا ظعن؛ لأن سنة من أحرم
وقصد البيت أن يتصل إهلاله بالمسير
(3)
(1) الزرقا، الفتاوى، ص 177، ومجلة مجمع الفقه الدولي، الدورة الثالثة، الجزء الثالث. (2) ابن الخوجة، محمد الطاهر ابن عاشور، ج 1، ص 448.
(3) ابن الخوجة محمد الطاهر ابن عاشور، ج 1، ص 449. (2/44)
صفحة 362
الرائد
45
وأوجه أدلة القائلين بالإحرام من جدة للقادمين جوا دليل الشيخ الزرقا، وأما قول من قال بالترخيص للمشقة فمردود بأن المشقة في باب الحج لا تسوغ ترك الفعل بالكلية، بل تدفع المشقة مع وجوب الفدية كما يفيد ذلك
قوله تعالى فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ
?
صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكِ، أما الترك بالكلية وعدم الإحرام فلا يصح في هذا الباب.
ويدفع الحجة الأخرى أن الشرع قد التفت في مواضع كثيرة إلى أن للأرض حكم ما يعلوها من هواء، وسماء أرض المواقيت لها حكم الأرض التي تحتها.
ومنهم من ذكر الخلاف في جدة وقال إن فيها أربعة أقوال: الأول: إن جدة ميقات مكاني مطلقا لكل قادم براً أو بحراً أو جوا، الثاني: إن جدة ميقات للقادمين بحراً أو جواً فقط، الثالث: إن جدة ليست ميقاتاً إلا للقادم من غربها مباشرة – أي من جهة البحر – وهم أهل السواكن في جنوب مصر وشمال السودان، سواء قدم جواً أو بحراً، الرابع: إن جدة ليست ميقاتاً لأحد إلا لأهلها فقط، ومن نوى الحج والعمرة من جدة.
(1) من جواب للدكتور ناصر العمر من موقع:
http://www.am oslim .net/rokn_em y/show_question_main.cfm?id (2/45)
صفحة 363
الرائد
وأمر كون جدة ميقاتا أو ليست هي بميقات أمر لا بد فيه من التفصيل، إذ لا يصح أن يقال إن جدة ليست بميقات مطلقا بل هي ميقات في أحوال كما أنه لا أن يقال إن جدة ميقات مطلقا. يصح
ومقتضى الأدلة أن يقال إن القادمين إلى جدة جوا إما أن تحلق بهم
الطائرة في سماء شيء من المواقيت أو لا تحلق.
فالأولون الذين حلقت بهم الطائرة في سماء شيء من المواقيت كقرن المنازل أو يلملم أو غيرها فالخلاف المذكور سابقا وفيه أن الجمهور من المعاصرين يعطون التحليق في سماء الميقات حكم المرور في أرضه.
وغير الجمهور يرون أن المرور في سماء الميقات لا يأخذ حكم المرور في أرضه لغة ولا عرفا، وهذا أوجه في الظاهر؛ إذ إنه لا يصدق على من سافر إلى بلد واقتضت الطريق تحليقه في سماء غيره من البلدان أنه أتى تلك البلدان التي حلق في سمائها.
ولا يقول أحد إنه أتى دولة الإمارات بمجرد انطلاقه من سلطنة عمان إلى جدة دون توقف في الإمارات والأعراف الدولية الآن قائمة على التسامح في هذا، ولا أعلم نقلا في اللغة يعطي من حلق بالارتفاع الذي تحلق
فيه الطائرات المدنية الآن حكم من مشى على الأرض فبينهما بون. (2/46)
صفحة 364
الرائد
نعم
قد يقال بالسابق في حال كون التحليق قريبا من الأرض تبرز معه
معالمها ويحكم حينها بالقاعدة الفقهية ما قارب الشيء أعطي حكمه، أما والبعد كما ترى حتى لا يكاد الإنسان يتبين سهل البلاد من وعرها، والنص ما كان في حق من طار هذه المسافة اتفاقا وإنما كان في حق المارين أرضا فمن العسير إلحاق المحلقين جوا بهم قياسا للفارق البالغ، واللغة لا تقتضي السابق فيدخل ضمن عمومه.
وعلى السابق فينزل الإنسان أرض المطار ويقال له إن جدة ليست بميقات مسمى من قبل الشارع اتفاقا ولم يتقدمها ميقات حتى يلزم بالإحرام من أرض المطار ليصدق عليه حديث: ومن كان دونهن فمهله من أهله، وليس طريقها إلى مكة مارا بميقات حتى يؤخر الإحرام إليه، وما دام الأمر كذلك فينتقل إلى أمر المحاذاة، ولعل أقرب المواقيت إلى شمال جدة – ومنها أرض المطار - ميقات الجحفة فيحرم المبتلى مما يحاذي هذا الميقات من
المسافة.
ولا بد من التنبه أن أرض الميقات كلها مكان للإحرام كما تقدم نقل الاتفاق عليه، ومنه يظهر أن منع تجاوز المنطقة إلا بإحرام إنما هو متعلق بآخر نقطة من الميقات المسمى، وفي حالنا أقرب منطقة إلى الحرم يصدق عليها أنها (2/47)
صفحة 365
الرائد
48
الجحفة هي التي تراعى مسافتها في أمر المحاذاة فتنظر كم هي تحديدا. فإن ظهر أن النقطة السابقة من الجحفة والتي لا يجوز تجاوزها إلا بإحرام أقرب من بعد المطار عن الحرم طبق فيمن ينزل أرض المطار من المسافرين جوا قوله: فمن كان دونهن فمهله من أهله، فيلزم الإنسان بالإحرام من أرض المطار.
أما إن كان المطار أبعد عن الحرم من النقطة المذكورة فلا يلزم الإحرام
إلا من مسافة بينه والحرم تساوي مسافة بعد النقطة المذكورة عن الحرم. أما من جاء جوا من جهة غرب جدة ونزل في مطارها فلا يمر على شيء من المواقيت حتى يلزمه الإحرام منه على قول من أعطى سماء الميقات حكم أرضه، وعليه فينتقل الأمر فيه إلى أن ينظر محاذاة أقرب المواقيت إليه وهو أما الجحفة كما تقدم على قول من لا يعطون سماء الميقات حكم أرضه فتفريعات قولهم لا تختلف بين المجيء من جهة الغرب أو غيرها.
أما الذين يأتون جدة بحرا من جهة الغرب فالواقع أنهم لا يمرون على شيء من المواقيت لذا يكون الحكم فيهم الأخذ بمحاذاة أقرب المواقيت (2/48)
صفحة 366
الرائد
إليهم وهو في هذا الحال يلملم، وقد تقدم أن بعد أقرب مناطق يلملم إلى
عند
مكة في حدود 50 كم، وعليه فتكون المحاذاة المطلوبة والمتقررة سلفا هي. مسافة 50 كم، ولا شك أن الميناء ووسط جدة وغربها تبعد عن الحرم بأكثر من المسافة السابقة، وعلى السابق فلا معنى لقول القائلين بمشروعية الإحرام من البحر بل المحاذاة المطلوبة شرعا تتحقق في البر، وفي هذا الحال تكون جدة ميقاتا إعمالا للقواعد المتفق عليها بين الفقهاء والناصة على محاذاة أقرب
المواقيت).
المطلب الثالث: توقيت المواقيت
كانت المواقيت المذكورة في حديث ابن عباس محل اتفاق بين أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي وقتها ولم يخالف في ذلك أحد.
قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البر:
أجمع أهل العلم بالعراق والحجاز على القول بهذه الأحاديث واستعمالها لا يخالفون شيئا منها، وأنها مواقيت لأهلها في الإحرام بالحج منها ولكل من
(1) اختلف الحال هنا عن ما ذكرناه في منطقة شمال جدة لاتساع رقعة جدة الذي يزيد على
70 كم.
(2) السكاكر، نوازل الحج، نسخة إلكترونية. (2/49)
صفحة 367
الرائد
أتى عليها من غير أهلها ممن أراد حجا أو عمرة).
ولكنهم اختلفوا في ميقات أهل العراق ومن أتى من نواحيهم من حيث
موضعه، ومقرره.
حديث أبي سعيد الخدري له الذي رواه الإمام الربيع بن حبيب بإسناد
كالشمس ظهورا في صحته نص صريح العراق.
أن النبي
هو الذي وقته لأهل
وقد جاء الحكم بذلك من غير طريق أبي سعيد، فقد رفعته إلى النبي صلى الله عليه وسلم السيدة الصديقة عائشة كما رواه المعافى بن عمران عن أفلح بن حميد عن القاسم بن محمد عن عائشة {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لأهل العراق ذات
عرق.
والحديث أخرجه النسائي، وأبو داود واللفظ له، وصححه ابن الملقن)، وقال ابن جماعة: إسناده صحيح)، وقال النووي: إسناده صحيح
(1) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 37.
(2) كتاب: المناسك، باب: ميقات أهل
مصر
(3) كتاب المناسك، باب: المواقيت (1739).
(4) ابن الملقن البدر المنير، ج 6، ص 84.
(2653) (2/50)
صفحة 368
الرائد
51
لكن أنكر أحمد بن حنبل على أفلح بن حميد روايته هذه وانفراده بها مع
ثقة (2).
أنه
قال الذهبي: وهذا الحديث يتفرد به المعافى بن عمران عن أفلح عن القاسم عن عائشة، قلت: هو صحيح غريب"
وجاء أيضا من طريق جابر بن عبد الله الله كما روى ذلك ابن جريج
أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله له يسأل عن المهل فقال: سمعت أحسبه رفع إلى النبي - فقال:
مهل أهل المدينة من ذي الحليفة والطريق الآخر الجحفة، ومهل أهل العراق من ذات عرق، ومهل أهل نجد من قرن، ومهل أهل اليمن من
يلملم.
وجاء أيضا من طريق الحارث بن عمرو السهمي له رواه عتبة بن عبد
الملك السهمي حدثني زرارة بن كريم أن الحارث بن عمرو السهمي حدثه
(1) ابن جماعة، هداية السالك، ج 3، ص 579.
(2) النووي، المجموع، ج 7، ص 169.
(3) الذهبي، ميزان الاعتدال، ج 1، ص 440.
(4) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب مواقيت الحج والعمرة (1183). (2/51)
صفحة 369
الرائد
(OT)
قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمنى أو بعرفات وقد أطاف به الناس، قال: فتجيء الأعراب فإذا رأوا وجهه قالوا هذا وجه مبارك، قال: ووَقت ذات عرق لأهل العراق.
وجاء الحكم بأن النبي الله وهو الذي وقت ذات عرق من طريق عبد الله بن عمرو من حديث حجاج بن أرطأة عن عطاء عن جابر وعن أبي الزبير عن جابر وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال:
وقت رسول الله لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل اليمن وأهل تهامة يلملم، ولأهل الطائف وهي نجد قرنا، ولأهل العراق ذات عرق).
وقال جماعة من أهل العلم إن النبي الا لم يوقت ذات عرق بل توفي قبل ذلك، ولكن الذي حدها ميقاتا لأهل العراق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب له كما يدل على ذلك حديث عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال:
لما فتح هذان المصران أتوا عمر فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حد لأهل نجد قرنا وهو جور عن طريقنا، وإنا إن أردنا قرنا شق علينا، قال:
(1) أخرجه أبو داود في كتاب المناسك، باب: المواقيت (1742).
(2) أحمد بن حنبل، المسند، ج 2، ص 181. (2/52)
صفحة 370
الرائد
53
فانظروا حذوها من طريقكم فحد لهم ذات عرق.
ثم إنه كيف يوقتها النبي والعراق لم تفتح في عهده بعد.
وقد قال بهذا الرأي جماعة من أهل العلم على رأسهم الإمام التابعي أبو الشعثاء جابر بن زيد له والإمام أبو عبد الله محمد بن محبوب الرحيلي.
ومعلوم أن أحاديث توقيت النبي صلى الله عليه وسلم لذات عرق صحيحة صريحة كما
هو حال حديث الإمام الربيع وإن كانت روايات غيره لم تسلم من
والإعلال.
النقد
وحديث ابن عمر {الذي فيه توقيت عمر لذات عرق صحيح أيضا فعلى ذلك لم يكن محيص من أن يقال إن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب له لم يكن عالما حينها بتوقيت النبي لذات عرق فأفتى الوفد الذي أتاه من نظره فأصاب الحق كما هو شأنه في وقائع كثيرة.
واعترض على ذلك أنه كيف يوقتها النبي صلى الله عليه وسلم ولم تفتح بعد فنقول إن
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب مهل أهل العراق ذات عرق (1458). (2) الجيطالي، مناسك الحج، ج 1، ص 79، والكندي، المصنف، ج 8، ص 100، والشقصي منهج الطالبين، ج 7، ص 38، وابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 37، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 214. (2/53)
صفحة 371
الرائد
02
الشام لم تفتح إلا في عهد عمر الفاروق نه
وهو الجحفة أنه من توقيت النبي.
وقال القطب أطفيش:
ومع
ذلك سلم الجميع بميقاتها
والواضح أن يقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتها بلسانه، وأن عمر وقتها بمعنى أنه ظهر أثر توقيتها على يده؛ لأنه فتح العراق فكان أهله يحجون.
المطلب الرابع: أحكام المواقيت
أولا: وجوب الإحرام منها
نصت الأحاديث التي جاءت عن
النبى الله أن المكلف الذي يريد حجا
أو عمرة يمنع من مجاوزة ميقاته الذي مر عليه إلا بإحرام كما هو اتفاق الأمة
فهن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة. وللحكم السابق اتفقوا على تأويل حديث عثمان بن موهب قال: أخبرني بن أبي قتادة أن أباه أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج حاجا فخرجوا معه
عبد الله
فصرف طائفة منهم فيهم أبو قتادة فقال:
خذوا ساحل البحر حتى نلتقي فأخذوا ساحل البحر فلما انصرفوا
(1) القطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 39. (2/54)
صفحة 372
الرائد
€00
أحرموا كلهم إلا أبا قتادة لم يحرم فبينما هم يسيرون إذ رأوا حمر وحش فحمل أبو قتادة على الحمر فعقر منها أتانا فنزلوا فأكلوا من لحمها.
واختلفوا في تأويل كيف كان أبو قتادة وغيره منهم غير محرمين وقد جاوزوا ميقات المدينة، وقد تقرر أن من أراد حجا أو عمرة لا يجوز له مجاوزة
الميقات غير محرم.
فقيل إنه أرسل إلى جهة أخرى لكشفها وكان الالتقاء بعد مضي مكان الميقات، وقيل إنه لم يكن مريدا للحج، وقيل لأن أهل المدينة أرسلوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمونه أن بعض العرب ينوي غزو المدينة.
وقيل يحتمل أنه لم ينو الدخول إلى مكة وإنما صحب النبي صلى الله عليه وسلم ليكثر جمعه، وقيل إن أبا قتادة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهه على طريق البحر مخافة العدو فلذلك لم يكن محرما إذ اجتمع مع أصحابه لأن مخرجهم لم يكن واحدا، وقيل لأنه لم توقت المواقيت بعد.
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: لا يشير المحرم إلى الصيد لكي يصطاده الحلال
(1728)
(2) النووي، شرح صحيح مسلم، ج 8، ص 109، وابن دقيق العيد، إحكام الأحكام، ج 3، ص 93، والعيني، عمدة القاري، ج 10، ص 167. (2/55)
صفحة 373
الرائد
(07)
قال الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي
وحكى الأثرم عن الإمام أحمد أنه سئل: أي سنة وقت النبي صلى الله عليه وسلم المواقيت؟ فقال: عام حج.
قلت (الكاندهلوي): هكذا حكاه عنه عامة الشراح وعليه اكتفوا في
وقت بدء المواقيت لكنه يشكل عليه أنهم قاطبة أوَّلوا مجاوزة أبي قتادة عام الحديبية بغير إحرام عن المواقيت وإذا لم يكن التوقيت إلا في عام. فأي فاقة لهم إلى التوجيهات القريبة والبعيدة؟! فتأمل".
وفي القول الأخير الذي يفيد أن المواقيت لم توقت إلا عام الوداع نظر من حيث توقيت ذي الحليفة إذ إن النبي يوم الحديبية ما أهل بالعمرة إلا من ذي الحليفة فكيف يقال إنها لم توقت، وذلك مأخوذ من حديث معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان قالا:
خرج النبي من المدينة في بضع عشرة مائة من أصحابه حتى إذا كانوا
بذي الحليفة قلد النبي لا الهدي وأشعر وأحرم بالعمرة".
وبعد السابق اختلفوا أهذا الإيجاب للإحرام بالمرور على المواقيت شامل
(1) الكاندهلوي، أوجز المسالك، ج 6، ص 438.
(2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب من أشعر وقلد بذي الحليفة ثم أحرم (1608). (2/56)
صفحة 374
الرائد
ov
من أراد تأدية النسك ومن لم يردها، أو هو خاص بمن أراد تأدية نسك من
حج أو عمرة؟
نص الحديث السابق ينبئ أن هذه المواقيت قد جعلت لمن أراد حجا أو عمرة فهن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة. ومفهوم الحديث يفيد أن من لم يكن مريدا الحج والعمرة فالأصل أن لا يلزمه ذلك، ويؤيد السابق أن لا يجب على الإنسان شيء إلا بموجب؛ لأن الأصل براءة الذمة، ولا موجب هنا يلزم الإنسان بالإحرام.
إنه قد ثبت عن صاحب الدعوة أنه قد دخل مكة غير محرم يوم فتحها كما في حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه جاءه رجل فقال له: يا رسول الله ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال: اقتلوه، قال جابر: وقد بلغني أن رسول الله يومئذ غير محرم).
(1) أخرجه الربيع في كتاب الحج، باب ما يتقي المحرم وما لا يتقي (408)، وأخرجه البخاري في كتاب الحج، باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام (1749)، ومسلم في كتاب الحج، باب جواز دخول مكة بغير إحرام (1357) من طريق مالك بن أنس عن ابن شهاب عن أنس بن مالك. (2/57)
صفحة 375
الرائد
??
وجاء الحديث من طريق أبي الزبير عن جابر بن عبد الله الأنصار الله الله
أن رسول الله الله ودخل مكة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام".
والأمر الثالث الذي يؤكد الجواز المشقة البالغة التي تلحق المكلفين من إيجاب الإحرام لكل داخل؛ إذ أهل مكة وذوو المصالح اليومية داخل منطقة المواقيت سيشق عليهم الأمر، ولم يأت في استثنائهم دليل شرعي يكون حجة
في موقف الاستدلال والمناظرة.
قال الإمام أبو سعيد الكدمي:
وأما الذي يأتي على المواقيت ولا يريد الحج ولا العمرة ففي حينه غير مخاطب بالعمرة).
ويمكننا أن نقسم المارين على منطقة المواقيت ممن لا يريدون النسك إلى
أقسام:
أولهم: من مر على الميقات ولا يريد الحرم رأسا بل حاجته في غير الحرم،
(1) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب جواز دخول مكة بغير إحرام (1358).
(2) الكندي، المصنف، ج 8، ص 106.
(3) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 209، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 220، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 3، ص 375. (2/58)
صفحة 376
الرائد
(09)
وإنما مر على الميقات لكونه في طريقه، فهذا لا يلزمه الإحرام اتفاقا، وفعل النبي دليل عليه إذ كان يخرج ويمر على ذي الحليفة ولا يحرم كحال ذهابه إلى بدر وغيرها.
ثم إن هؤلاء لا يدخلون في قوله: فهن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة، وهذا غير مريد للحرم رأسا فضلا عن الحج والعمرة.
ثانيا: من مر على الميقات ونيته دخول الحرم ولكن ليس لحج ولا عمرة بل لحاجة متكررة كالحطّاب والحشاش من قبل، أو كسائقي سيارات الأجرة وناقلي الغذاء والماء إلى منطقة الحرم، أو أصحاب الأعمال اليومية ممن هم من خارج الحرم ووظائفهم داخله، فهؤلاء لا يلزمهم الإحرام والنبي صلى الله عليه وسلمدخل مكة عام الفتح غير محرم.
وروى ابن أبي شيبة عن زيد بن حباب عن حماد عن عبيد الله عن نافع
(1) وقال الفقهاء المانعون من دخول الحرم إلا بإحرام ولو لم يرد الحج أو العمرة إنه إن دخل هذه المناطق غير محرم على الجواز المبين في الأصل ثم شاء دخول مكة بعد ذلك لغير الحج أو العمرة أنه لا يلزمه الإحرام، وظاهر من ذلك أن الإحرام معلل بمجاوزة
الميقات مع إرادة دخول الحرم.
الكاساني، بدائع الصنائع، ج 3، ص 375. (2/59)
صفحة 377
الرائد
60
(1)
عن ابن عمر أنه كان يدخل غلمانه الحرم بغير إحرام ينتفع بهم.
وقيل: لا يجوز لأحد دخول الحرم إلا بإحرام إلا من كان دون الميقات،
قال العلامة ابن جعفر:
ومن
كان دون المواقيت دخل مكة بدون إحرام إلا الحج والعمرة فلا
يجاوز منزله إلا محرما.
واستدل هؤلاء بحديث عبد السلام بن حرب عن خصيف عن سعيد
بن جبير عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تجوزوا الوقت إلا بإحرام.
كما استدلوا بحديث محمد بن خالد بن عبد الله الواسطي ثنا أبو شهاب الخياط عن الحجاج عن عطاء عن ابن عباس قال: قال رسول: لا يدخل أحد مكة إلا بالإحرام من أهلها ولا من غير أهلها.
كما استدل بعض هؤلاء بحديث ألا إن مكة حرام منذ خلقها الله تعالى لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي وأنا أحلت لي ساعة من نهار ثم عادت
(1) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 278.
(2) ابن جعفر الجامع، ج 3، ص 312، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 371، والعيني،
البناية، ج 4، ص 162. (2/60)
صفحة 378
الرائد
حراما إلى يوم القيامة).
قال الكاساني مبينا وجه الاستدلال منه:
والاستدلال به من ثلاثة أوجه أحدها بقوله "ألا إن مكة حرام"،
والثاني بقوله "لا تحل لأحد بعدي، والثالث بقوله "ثم عادت حراما إلى
يوم القيامة" مطلقا من غير فصل
(2)
كما استدل بعض هؤلاء بأن مكة بقعة شريفة لها قدر وخطر عند الله
فالدخول فيها يقتضي التزام عبادة إظهارا لشرفها على سائر البقاع. ويشكل على هذا الرأي أن المستند الشرعي الذي يثبته لا يثبت عن النبي فالأول منهما أخرجه ابن أبي شيبة، والطبراني وهو ضعيف إذ فيه خصيف بن عبد الرحمن وهو ممن لا يحتج بروايته فقد قال ابن المديني: كنا تلك الأيام نجتنب حديث خصيف، وما كتبت عن خصيف بالكوفة شيئا
(1) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 371
(2) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 371.
(3) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 371، والعيني، البناية، ج 4، ص 162.
(4) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 411.
(5) الطبراني، المعجم الكبير، ج 11، ص 435. (2/61)
صفحة 379
الرائد
62
إنما كتبت عنه عن خصيف بآخره، وكان يحيى يضعف خصيفا، وقال
النسائي: ليس بالقوي.
وقال عبد الله بن أحمد سألت أبي عن خصيف فقال: ليس هو بقوي في الحديث، قال: وسمعته مرة أخرى يقول خصيف ليس بذاك، وسمعت أبي يقول: خصيف شديد الاضطراب في المسند.
ثم إن هذا الحديث لو فرضت صحته وليس هو بصحيح- لكان عمومه مخصصا بحديث المواقيت الناص على أن الحكم لمن يريد الحج أو
العمرة.
ثم هو قد خص اتفاقا بمن يمر على المواقيت غير مريد الحرم كما تقدم، فتكون دلالته على أفراده بعدها ظنية حتى عند الحنفية إذ دلالة العام على أفراده بعد تخصيصه أضعف منها قبل التخصيص كما هو الاتفاق.
(2)
وأما ثاني الحديثين فأخرجه الحافظ ابن عدي وفيه علتان:
أولاهما محمد بن خالد بن عبد الله الواسطي ضعيف بل بالغ ابن معين
(1) ابن حبان، المجروحين، ج 1، ص 287، وابن عدي الكامل، ج 3، ص 69، والعقيلي،
الضعفاء، ج 2، ص 32.
(2) ابن عدي، الكامل، ج 6، ص 273. (2/62)
صفحة 380
الرائد
63
فقال: كذاب إذا لقيتموه فاصفعوه وقال ابن عدي عنه عقبه:
وهذا في الجملة لا أعرفه مسندا إلا من هذا الطريق، ومحمد بن خالد أشد ما أنكر عليه ابن معين وأحمد روايته عن أبيه عن الأعمش، ثم له من الحديث المتفرق الذي أنكرت عليه غير ما ذكرت أحاديث عداد.
وثاني علتيه الحجاج بن أرطأة ضعيف مكثر من التدليس، وقد عنعن فلا تقبل روايته).
ولو ثبت هذا الحديث وهو غير ثابت كما تقدم لكان مطلقا في كلمة (أحد) والحديث الذي فيه ذكر المواقيت للإحرام مقيد هذه المواقيت بمريد الحج والعمرة فقط، والأصل أن يحمل المطلق على المقيد.
وهذا على تقدير الثبوت وإلا فالحديث المطلق غير ثابت فيبقى الأصل الذي هو براءة الذمة.
وأما كلام الكاساني ففيه نظر من حيث إن أمر حرمة مكة لا أحد يعارضه فيه بل إن مما اتفق عليه المسلمون أن مكة محرمة مقدسة إلى يوم
(1) العلائي، جامع التحصيل، ص 160.
(2) الذهبي، ميزان الاعتدال، ج 6، ص 130، وابن الملقن، خلاصة البدر المنير، ج 2، ص 27، وابن حجر، التلخيص الحبير، ج 2، ص 243. (2/63)
صفحة 381
الرائد
64
القيامة، ولكن كلامنا في لزوم دخولها بإحرام وبين القضيتين بون شاسع. لذلك فالكاساني ينازع في تفسيره لحرمة مكة بالإحرام لدخولها ونقول إن المقصود بتحريمها تحريم القتال فيها وأن ينفر صيدها ويعضد شجرها ويختلى خلاها، وهذا ما فسره الحديث نفسه برواياته الصحيحة كما في
حديث
عبد الله بن يوسف قال حدثني الليث قال: حدثني سعيد عن أبي شريح أنه قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة: ائذن لي أيها الأمير أحدثك قولا قام به النبي الهلال الغد من يوم الفتح، سمعته أذناي ووعاه قلبي وأبصرته عيناي حين تكلم به حمد الله وأثنى عليه ثم قال:
إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دما ولا يعضد بها، شجرة، فإن أحد ترخص لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها فقولوا إن الله قد أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار ثم عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس وليبلغ الشاهد
الغائب.
فقيل لأبي شريح ما قال عمرو؟ قال: أنا أعلم منك يا أبا شريح لا يعيذ (2/64)
صفحة 382
الرائد
65
عاصيا ولا فارا بدم ولا فارا بخربة.
على أن النواهي المذكورة في الحديث التي هي تفسير لحرمة مكة من
النبي صلى الله عليه وسلم نفسه أمور يشترك فيها المحرم وغيره، ولو كان الأمر على ما يقول
الكاساني لكانت حرمة مكة مقصورة حال الإحرام مهدرة حال الإحلال.
ثم إن هذا الكلام من الحنفية منقوض بما ذهبوا إليه فيمن شاء دخول المواقيت دون الحرم لغير حج وعمرة أنه لا يلزمه الإحرام، ولكن إن شاء بعد ذلك دخول الحرم وهو داخل المواقيت وخارج الحرم أنه لا يلزمه عند ذلك لدخول مكة إحرام".
مما
فتخلف الحكم وهو وجوب الإحرام مع وجود العلة وهي حرمة مكة يقضي بعدم صلاحيتها للتعليل، ولو كانت العلة حرمة البقعة وشرفها
(1) أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب من سمع شيئا فراجع حتى يعرفه (103)، وللإمام الربيع لفظ قريب بإسناد فيه انقطاع.
(2) وروي عن أبي يوسف منهم أنه لا يسقط عن هذا المكلف الإحرام ولا يجوز له أن يدخل مكة بغير إحرام ما لم يجاوز الميقات بنية أن يقيم بالمكان الذي هو دون الحرم خمسة عشر يوما فصاعدا؛ لأنه لا يثبت للبستان حكم الوطن في حقه إلا بنية مدة الإقامة، وأقل مدة
الإقامة خمسة عشر يوما.
الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 375. (2/65)
صفحة 383
الرائد
66
لألزم بالدخول محرما.
وأما الدليل الأخير بأن لمكة مكانا وخطرا ففيه نظر إذ هو إثبات شرع بمجرد النظر المحض الذي لا دليل عليه، ولو كان الأمر كذلك لاستلزم النظر الإحرام لدخول المدينة المنورة أيضا، وقد جاء في صحيح الحديث أن
النبي
حرمها كما حرمت مكة).
بل قال جماعة من أهل العلم إن المدينة أفضل من مكة، وإن كان الأمر
كذلك أفلا دار الحكم مع العلة حيث وجدت؟!
وهنا تخلف الحكم باتفاق أهل العلم؛ إذ الإحرام للمدينة أمر غير مشروع فما بقي مو- للإحرام لدخول مكة إلا الأثر الذي يسقط معارضه من النظر.
ولولا الأثر الثابت عن سيد البشر لما أحرم أحد لدخول مكة ولبقيت لها
حرمتها التي شرفها بها المولى جل جلاله من قبل بعثة النبي.
ثم إن النصوص الصحيحة التي ورد بها شغل الذمة لم تذكر سوى من أراد الحج والعمرة، أما من لم يرد الحج أو العمرة فهي ساكتة عن حكمه مما أنه على أصل البراءة فلا يشغل إلا بموجب شرعي ولا موجب هنا.
يعني
(1) أخرجه الإمام الربيع في كتاب الحج، باب في المواقيت والحرم (397). (2/66)
صفحة 384
الرائد
67
وهو
ثالثا: من مر على الميقات مريدا مكة المكرمة لحاجة عارضة غير متكررة يريد النسك الحج أو العمرة فهذا على التأصيل السابق لا يلزمه
لا
الإحرام.
وقيل بل يلزم إذ هو أولى من أصحاب الحاجات المتكررة، وهذا استدلال سبق توجيه الإشكال عليه فيبقى أصل براءة الذمة وعدم إلزام هذا الداخل الإحرام لعدم الموجب الشرعي.
فتبين من التفصيل السابق أن الإحرام لا يلزم سوى من جاوز الميقات مريدا النسك الحج أو العمرة أو كليهما، وعليه فمن جاوز بغير نية النسك ثم حدثت النية بعد أن كان داخل منطقة المواقيت لزمه الإحرام حينها بالنسك
الذي يرومه من موضعه ما لم يكن داخل الحرم.
فإن كان داخل الحرم فيفرق بين العمرة أو الحج فالذي يريد العمرة يكون ميقاته أدنى الحل، والذي يريد الحج فميقاته من موضعه على رأي الجمهور من أهل العلم كما سيأتي.
وهذا الوجوب يحكم به لكل من يمر بالميقات مطلقا سواء كان المار من أهل تلك المنطقة أو من غيرها ولكنه في طريقه إلى البيت العتيق.
فلا
يصح على هذا لمن جاء من طريق الشام ومر بذي الحليفة إلا أن يحرم (2/67)
صفحة 385
الرائد
منها وإن كان ميقاته الأصلي الجحفة على ظاهر الحديث عن النبي: فهن
لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة.
وألزم الإمام السالمي من جاوز ذا الحليفة إلى الجحفة في الإحرام مع مروره بها ألزمه عقوبة مجاوز الميقات.
سواء كان إحرام المحرم أصالة عن نفسه أو نيابة عن غيره، وشذ بعضهم فاستثنى الأجير إذا أحرم عن غيره بأنه يتعين أن يحرم من ميقات المستأجر
عنه.
فإن مر بغير ذلك الميقات أحرم من موضع بإزائه إذا كان أبعد من ذلك الميقات من مكة).
وهذا التفصيل غريب؛ إذ الشرع جعل وجوب الإحرام من المواقيت معللا بإتيانها مع إرادة الحج أو العمرة دون التفات إلى من وجب عليه ولا من أي بلد كان المار: هن لأهلهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد حجا أو عمرة.
وما من شك أن الإتيان إنما هو للأجير هنا فيتوجه الخطاب الشرعى إليه
(1) السالمي، جوابات الإمام السالمي، ج 2، ص 192.
(2) ابن جماعة، هداية السالك، ج 2، ص 581. (2/68)
صفحة 386
?
الرائد
وللميقات الذي يمر عليه على أنه لو جاء المستأجر نفسه الذي هو الأصيل وسعه على الرأي المشهور عند الفقهاء إلا الإحرام من الميقات الذي يمر عليه وإن لم يكن ميقاتا له.
وقال بعض الفقهاء إن من جاوز ميقاتا من هذه المواقيت من غير إحرام إلى ميقات آخر جاز له؛ لأن الميقات الذي صار إليه صار ميقاتا له إلا أن
المستحب أن يحرم من الميقات الأول كالشامي يمر بذي الحليفة".
وهذا عند فقهاء الحنفية والمالكية إذ نقله ابن القاسم عن الإمام مالك بن أنس الأصبحي فقال:
أن
قال لي مالك كل من مر بميقات ليس هو له بميقات فليحرم منه مثل يمر أهل الشام وأهل مصر من العراق قادمين فعليهم أن يهلوا من ذات عرق ميقات أهل العراق.
(1) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 3، ص 372، والكاندهلوي، أوجز المسالك، ج 6، ص 449، والقرافي الذخيرة، ج 3، ص 206، وابن عبد البر، التمهيد، ج 15، ص 148،
وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 220.
(2) واختلفوا هل للمدني مجاوزة ذي الحليفة إلى الجحفة والأكثر منهم على الجواز. ابن
الهمام، فتح القدير، ج 2، ص 334، والكاندهلوي، أوجز المسالك، ج 6، ص 454. (2/69)
صفحة 387
الرائد
وكذلك إن قدموا من اليمن أهلوا من يلملم، وإن قدموا من نجد فمن قرن، وكذلك جميع أهل العراق ومن مر منهم بميقات ليس له فليهل من ميقات أهل ذلك البلد إلا أن مالكا قال لي غير مرة في أهل الشام وأهل مصر إذا مروا بالمدينة فأرادوا أن يؤخروا إحرامهم إلى الجحفة فذلك لهم.
قال ابن القاسم: لأنها طريقهم، قال مالك: والفضل لهم في أن يحرموا من ميقات أهل المدينة).
وحكاه قطب الأئمة عن علمائنا الإباضية إذ قال:
وظاهر كلام أصحابنا أنه لا يتعين على الإنسان الإحرام من الميقات الأول سواء كان له أو لغيره، ويستحبون الإحرام من الأول إن كان لغيره
خروجا من الخلاف).
وقال قبل ذلك أيضا:
(وجاز لأهل كل ناحية أن يحرم وإن ميقات غيره) سواء جاء من ناحية ميقات غيره بدون أن يجاوز ميقات نفسه، أو جاوز ميقات نفسه ثم أحرم من ميقات غيره، مثل أن يترك المدني ذا الحليفة ويحرم من الجحفة، وهذا هو
(1) مالك بن أنس، المدونة، ج 2، ص 377. (2) القطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 46. (2/70)
صفحة 388
الرائد
الصحيح عندهم.
71
وحملوا المواقيت التي وقتها على ما إذا لا يجيء طريق أهلها بعد مجاوزتها على غيرها، وأما إذا كان يجاوز ميقاته ويمر بعد ذلك في طريقه على
ميقات آخر لحاجة أمرته عليه فله أن يؤخر الإحرام إلى الثاني.
وكذا إن كان يدور من واحد لآخر ومن الآخر للثالث وهكذا لحاجة أو
يحاذي فله أن يؤخر الإحرام إلى الأخير
(1)
وقد رجح قبل أن يلزمه الإحرام من الميقات الأول إذ قال:
ومن وصل ميقات غيره قبل ميقاته كأهل الشام ومصر إذا أخذوا المدينة في طريقهم لزمه الإحرام من ميقات غيره عند الشافعي وهو الحق عندي". ولعل مصدر القطب في نسبة ذلك إلى علمائنا الإباضية هو كتاب منهج الطالبين أصالة، أو وساطة كما هو الأقرب - من كتاب التاج المنظوم فقد
صرح
بذلك.
(1) القطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 45.
(2) القطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 45.
(3) الشقصي، منهج الطالبين، ج 7، ص 33.
(4) الثميني، التاج المنظوم، ج 3، ص 293. (2/71)
صفحة 389
الرائد
ر 72
وقال الإمام السالمي إن مشهور المذهب عدم الجواز، وهذه النسبة أولى، إذ في انفراد صاحب المنهج بالنسبة دون غيره نظر لا يخفى على من تتبع كتابه وراجع مصادره التي هي بيان الشرع والجامع لابن جعفر والمصنف.
وأما المالكية فخصوا جواز المجاوزة إلى الميقات الثاني بالشامي والمصري يجاوز ذا الحليفة إلى الجحفة أما غيرهم فلا يصح.
فالعراقي لا يصح له مجاوزة ذي الحليفة بغير إحرام إلى الجحفة ليحرم منها وهكذا، قال القرافي:
ومن كان منزله دون الميقات فسافر إلى ورائه ثم رجع يريد الدخول مكة فله الإحرام من الميقات ومن منزله كما يؤخر المصري من ذي الحليفة إلى الجحفة، ولا يؤخره إلى مسكنه إن كان بمكة؛ لأنه لا يدخل إلا بإحرام ويتعين عليه الميقات).
ولكن ذلك مقيد عند الإمام مالك بن أنس الأصبحي بعدم تقليده
للهدي في ذي الحليفة، قال ابن عبد البر:
(1) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 158. (2) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 206 (2/72)
صفحة 390
الرائد
73
وأما قول مالك أنه لا يحب لأحد قلد هديه بذي الحليفة أن يؤخر
إحرامه إلى الجحفة فإن الهدي لما كان محل هديه محله وذلك يوم النحر،
وكذلك ينبغي أن يكون إحرامه مع تقليده له.
وأما القائلون بجواز الإحرام من الميقات الثاني وترك الأول بإطلاق فقد
(2)
أيدوا قولهم ذلك بما رواه مالك في الموطأ بالإسناد الصحيح عن ابن عمر
-وهو مدني- أنه خرج إلى مكة وأحرم من الفرع" وهي منطقة بعد ذي
الحليفة وقبل الجحفة.
كما جاء عن السيدة عائشة أنها إذا أرادت الحج أحرمت من ذي الحليفة،
(1) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 87
(2) أخرجه الإمام مالك في الموطأ مالك بن أنس، الموطأ، ج 1، ص 331 من رواية يحيى
الليثي عن نافع أن عبد الله بن عمر به. (3) الفرع بضم الفاء وسكون الراء المهملة وبالعين المهملة أو بضمهما، وهو واد في جنوبي المدينة على أربعة أيام منها يشتمل على عدة قرى آهلة به أربعة عشر نهرا على كل نهر قرية وماؤها يصب في رابغ حيث يحرم حجاج مصر، وعليه طريق المشاة من مكة إلى المدينة، قال في "الروض المعطار ": ويقال إنها أول قرية مارت إسماعيل - التمر بمكة
وهي
الآن بيد بني حرب. القلقشندي، صبح الأعشى، ج 4، ص 296، والحموي، معجم البلدان، ج 4، ص 252، والزرقاني، شرح الموطأ، ج 2، ص 323. (2/73)
صفحة 391
الرائد
وإذا أرادت العمرة أحرمت من الجحفة.
وقال بعض أهل العلم إن سبب الخلاف هو أن قوله "ولمن أتى عليهن من غير أهلهن" عام فيمن أتى يدخل تحته من ميقاته بين يدي هذه
المواقيت التي مر بها، ومن ليس ميقاته بين يديها.
لا
وقوله "ولأهل الشام الجحفة" عام بالنسبة إلى من يمر بميقات آخر أو يمر، فإذا قلنا بالعموم الأول دخل تحته الشامي الذي مر بذي الحليفة فيلزمه أن يحرم منها.
وإذا قلنا بالعموم الثاني وهو أن لأهل الشام الجحفة دخل تحته هذا المار أيضا بذي الحليفة فيكون له التجاوز إليها، ولكل منهما عموم من وجه فكما يحتمل أن يقال ولمن أتى عليهن من غير أهلهن مخصوص بمن ليس ميقاته بين يديه يحتمل أن يقال ولأهل الشام الجحفة مخصوص بمن لم يمر بشيء من هذه المواقيت).
وهذا الكلام في سب الخلاف فيه نظر وذلك أن العموم الأول المستفاد
(1) لم أجده مسندا لكن ذكره جماعة من أهل العلم ابن عبد البر، التمهيد، ج 15، ص 147،
وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 114، وابن الهمام، فتح القدير، ج 2، ص 426.
(2) العراقي، تقريب الأسانيد، ج 5، ص 8. (2/74)
صفحة 392
الرائد
vo
من
من قوله " ولمن أتى عليهن من غير أهلهن" كان فيمن أتى فيدخل تحته ميقاته بين يدي هذه المواقيت التي مر بها ومن ليس ميقاته بين يديها وهذا أمر أخذ به الجمهور وهو الظاهر من الحديث.
به
أما العموم الثاني المستفاد من قوله صلى الله عليه وسلم " ولأهل الشام الجحفة" فلم يأخذ أحد وذلك لأن الحنفية ومن ذهب إليه من علمائنا الإباضية أباحوه
بإطلاق دون تقييد بكون الميقات الثاني بلدة الشخص المؤخر إليه، فليس التأخير من المدينة إلى الجحفة خاصا بأهل الشام الذين يستفاد حكمهم من العموم الثاني للحديث، وعليه فهو معارض لما قيل إن الأخذ به أخذ بالعموم
الثاني.
وأما المالكية فإنهم لا يأخذون بالعموم الثاني أيضا إذ إنهم قد قصروا الحكم في جواز مجاوزة الميقات على الشامي والمصري يجاوزان ميقات ذي الحليفة كما تقدم من نص كلام الإمام مالك في المدونة فغيرهم لا يدخل في الحكم، وعدم الدخول الظاهر أنه ليس لعدم الإمكان وإلا لنبه عليه. ومن ذلك كله يظهر أن الخلاف بين الفقهاء في القضية ليس هو تعارض العامين فالعموم الثاني لم يأخذ به أحد، لذا فاستدلال الحنفية معارض للظاهر وهو عموم الأفراد وأن المراد بأهل المدينة وأهل الشام وأهل (2/75)
صفحة 393
الرائد
76
نجد كل من سلك طريق سفرهم إذا مر على هذه المواقيت وإن لم يكن من
بلادهم.
فلو مر الشامي على ذي الحليفة كما يفعل الآن لزمه الإحرام منها وليس له مجاوزتها إلى الجحفة التي هي ميقاته وقد صرح بذلك في حديث ابن عباس في الصحيحين وغيرهما فقال: هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة.
ثم إن النص النبوي إنما جعل المواقيت على الطرق التي يسلكها أكثر الناس حينها فهي مشروعة لمن يأتي من ذلك الطريق ولو من غير أهله لا لأهل تلك المنطقة خاصة وهو صريح قوله له: فهن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة فالشامي بمروره على ذي الحليفة ينطبق عليه الشطر الثاني من الحديث.
أما فعل ابن عمر فيدخله أنه فعل صحابي ليس هو بحجة في التشريع. ثم إنه إن صح- محتمل لضروب من الاحتمال يسقط بسببها الاستدلال منها أنه لم يكن يريد العمرة عند مجاوزة ذي الحليفة وإنما أراد إنشاءها في الفرع فأحرم ثمة فيكون حكمه حكم من كان داخل المواقيت فيوافق الحديث بذلك. (2/76)
صفحة 394
الرائد
vv
ومن ضروب الاحتمال أنه كان بمكة ورجع المدينة وقبل دخولها وهو في
الفرع بدا له الرجوع إلى مكة.
قال الإمام الشافعي:
وهذا عندنا -والله أعلم - أنه مر بميقاته لم يرد حجا ولا عمرة ثم بدا له من الفرع فأهل منها، أو جاء الفرع من مكة أو غيرها ثم بدا له الإهلال فأهل منها ولم يرجع إلى ذي الحليفة، وهو روى الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في
المواقيت.
وقال الحافظ ابن عبدالبر:
وأما حديث مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر أهل من الفرع محتملة عند أهل العلم على أنه مر بالميقات لا يريد إحراما ثم بدا له فأهل منه، أو جاء إلى الفرع من مكة أو غيرها ثم بدا له في الإحرام.
هكذا ذكر الشافعي وغيره في معنى حديث ابن عمر هذا، ومعلوم أن ابن عمر روى حديث المواقيت ومحال أن يتعدى ذلك علمه به فيوجب
مع
(1) الشافعي، الأم، ج 2، ص 140، والبيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 29، والماوردي،
الحاوي الكبير، ج 4، ص 76. (2/77)
صفحة 395
الرائد
78
على نفسه دما، هذا لا يظنه عالم، والله أعلم.
وقال بعض الفقهاء إن ابن عمر جاء من مكة متوجها إلى المدينة فلما صار بالفرع بلغه أمر المدينة وما فيها من الفتنة وأمر الحرم وما كان من مسلم
بن عقبة المزي من أهل المدينة فرجع إلى مكة فأحرم من موضعه بالفرع". وأما حديث عائشة فلم أجده مسندا على الرواية السابقة لكن رواه الإمام مالك في الموطأ بلفظ:
علقمة بن أبي علقمة عن أمه عن عائشة أم المؤمنين أنها كانت تنزل من
عرفة بنمرة ثم تحولت إلى الأراك.
قالت وكانت عائشة تهل ما كانت في منزلها ومن كان معها فإذا ركبت
فتوجهت إلى الموقف تركت الإهلال.
قالت: وكانت عائشة تعتمر بعد الحج من مكة في ذي الحجة ثم تركت ذلك فكانت تخرج قبل هلال المحرم حتى تأتي الجحفة فتقيم بها حتى ترى
الهلال فإذا رأت الهلال أهلت بعمرة (3).
(1) ابن عبد البر، التمهيد، ج 15، ص 152، والاستذكار، ج 4، ص 42.
(2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 76.
(3) مالك بن أنس، الموطأ، ج 1، ص 338. (2/78)
صفحة 396
الرائد
79
وليس في هذا دليل إذ السيدة عائشة ما جاوزت ميقاتا إلى آخر بل كانت
مقيمة في الجحفة وأنشأت الإحرام منها، وذلك حقها.
ثانيا: موضع إنشاء الإحرام بالنظر إلى المواقيت
المكلفون من حيث إرادتهم إنشاء الإحرام للنسك الحج أو العمرة أقسام ثلاثة فمنهم من ينشئ الإحرام من الميقات أو قبله، ومنهم من يكون عند إرادته إنشاء الإحرام داخل منطقة المواقيت ولكن خارج الحرم، ومنهم من يكون عند إرادته إنشاء الإحرام داخل الحرم المكي، فهؤلاء أقسام ثلاثة.
القسم
الأول منهم وهم الذين يكونون من منطقة الميقات أو قبلها
فهؤلاء يكون إحرامهم من الميقات، ولا يصح لهم أن يجاوزوه وهم يريدون
الحج أو العمرة إلا محرمين، وهذا اتفاق من أهل العلم.
لكن اختلفوا في الإحرام قبل الميقات أيصح أو ليس هو بصحيح؟
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 73، والصائغي لباب الآثار، ج 3، ص 183، وابن المنذر الإجماع، ص 105، وابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 39، وابن قدامة، المغني،
05
ج 3، ص 222، والعيني، البناية، ج 4، ص 161. (2/79)
صفحة 397
الرائد
ذهب الجمهور من أهل العلم من المذاهب الفقهية كافة إلى الجواز.
ولكن ابن حزم الظاهري يخالف ذلك فقد نقل عن أصحابه الظاهرية
ورجحه أن الإحرام قبل الميقات غير جائز".
كما ذهب إلى عدم الجواز والإجزاء الشوكاني إذ قال:
فلا يجوز ولا يجزي الإحرام قبل أشهر الحج ولا قبل الوصول إلى
الميقات المضروب للإحرام.
ثم اختلف الجمهور القائلون بجواز الإحرام قبل الميقات في الأفضل من
الفعلين الإحرام قبل الميقات أو في الميقات نفسه.
عند النظر إلى الهدي النبوي نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحرم من الميقات يكن يحرم قبله، وهكذا فعل أصحابه أصحابه معه، وقد كان ذلك في عمرة الحديبية
(1) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 306، والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 46، وعبد الوهاب البغدادي، الإشراف، ج 1، ص 470، وابن عبد البر، التمهيد، ج 15، ص 143، والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص 211، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 338، والنووي،
المجموع، ج 7، ص 175.
(2) ابن حزم، المحلى، ج 7، ص 78
(3) الشوكاني، السيل الجرار، ج 2، ص 169. (2/80)
صفحة 398
الرائد
وحجة الوداع، ففي حجة الوداع الحديث مشهور قد تقدم.
ا
أما عمرة الحديبية فقد جاء من حديث معمر عن الزهري عن عروة بن
الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان قالا خرج النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة في بضع عشرة مئة من أصحابه حتى إذا كانوا بذي الحليفة قلد النبي صلى الله عليه وسلم الهدي وأشعر وأحرم بالعمرة.
وقد قال مخاطبا أصحابه ومرشدا الأمة جمعاء: لتأخذوا عني مناسككم"، وعليه فخير الهدي هدي محمد فيستحب الإحرام من الميقات لا قبله.
وذهب جماعة من أهل العلم إلى غير ذلك فقالوا: المواقيت رخصة وتوسعة يتمتع المرء بحله حتى يبلغها ولا يتجاوزها، والإحرام قبلها فيه
فضل لمن فعله وقوي عليه، ومن أحرم من منزله فهو حسن لا بأس به.
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب من أشعر وقلد بذي الحليفة ثم أحرم (1608). (2) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبا
(1297)
(3) الشافعي، الأم، ج 7، ص 254، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 372، والعيني، البناية، ج 4، ص 161. (2/81)
صفحة 399
الرائد
واستدل لهذا الرأي بأدلة منها أن في ذلك مشقة أكبر فكانت العبادة أكثر أجرا وفضلا، ومن الأدلة أيضا حديث أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، أو وجبت له الجنة، شك عبد الله أيتهما قال.
وقد جاء الحديث برواية أخرى من حديث أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أهل بعمرة من بيت المقدس كانت له كفارة لما قبلها من الذنوب قالت فخرجت أي من بيت المقدس بعمرة.
وجاء من حديث أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من أهل بعمرة من بيت المقدس غفر له.
وجاء من غير طريق أم سلمة من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله
من أحرم من بيت المقدس دخل مغفورا له.
ومن
أدلة هؤلاء حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله لا وَأَتِمُوا
الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ] قال: من تمام الحج أن تحرم من دويرة أهلك.
ومن أدلة هؤلاء حديث الحسن بن هادية قال: لقيت ابن عمر، قال إسحاق: فقال لي ممن أنت؟ قلت من أهل عُمان، قال: من أهل عُمان؟ (2/82)
صفحة 400
الرائد
(A)
قلت نعم قال: أفلا أحدثك ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: بلى، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
إني لأعلم أرضا يقال لها عُمان ينضح بجانبها، وقال إسحاق: بناحيتها
البحر - الحجة منها أفضل من حجتين من غيرها.
كما استدل هؤلاء بفعل كثير من الصحابة الذين أحرموا قبل الميقات من
ذلك ما قاله ابن عبد البر:
أحرم ابن عمر وابن عباس من الشام وأحرم عمران بن حصين من
البصرة، وأحرم عبد الله بن مسعود من القادسية).
وقال ابن حزم:
و من طريق شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة أن رجلا سأل علي بن أبي طالب عن قول الله تعالى وَأَتِمُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [فقال: أن تحرم من دويرة أهلك، وبه إلى عبد الله بن سلمة عن عائشة مثله.
ومن طريق عبد الرحمن بن مهدي عن هشيم عن أبي بشر عن سلام بن
عمرو عن عثمان بن عفان: العمرة تامة
أهلك،
من
ومن طريق الحماني عن
(1) ابن عبد البر، التمهيد، ج 15، ص 145، والبيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 30. (2/83)
صفحة 401
الرائد
هشيم عن بعض أصحابه عن إبراهيم عن ابن مسعود: من تمام الحج من دويرة أهله.
أن يحرم
ومن طريق ابن أبي شيبة عن وكيع عن عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه أنه رأى عثمان بن أبي العاص أحرم من المنجشانية بقرب البصرة.
وعن الحسن أن عمران بن الحصين أحرم من البصرة، وصح عن ابن
عمر أنه أحرم من بيت المقدس.
وعن رجل لم يسم أن أبا مسعود أحرم من السيلحين، وعن رجل أن ابن عباس أحرم من الشام في برد شديد.
ومن طريق سعيد بن منصور نا حماد بن زيد عن هشام بن حسان عن
حفصة بنت سيرين عن محمد بن سيرين أنه خرج مع أنس إلى مكة فأحرم من
العقيق، وعن معاذ أنه أحرم من الشام.
ورويناه من طريق الحذافي عن عبد الرزاق نا ابن جريج أنا يوسف بن ماهك أنه سمع عبد الله بن أبي عمار أنه كان مع معاذ بن جبل وكعب الخير
فأحرما من بيت المقدس بعمرة وأحرم معهما.
وبه إلى عبد الرزاق نا معمر عن الزهري عن سالم أن ابن عمر أحرم (2/84)
صفحة 402
الرائد
بعمرة من بيت المقدس).
أجاب القائلون بأفضلية الإحرام من الميقات بأن في كل ذلك نظرا لا يخفى، أما أول أدلتهم بأن في الإحرام قبل الميقات مشقة أكبر فيكون الأ- فيها أعظم فلا يسلم لهم، إذ المشقة المتعاظم فيها الأجر إنما هي في المشروع الذي لا يرجع على الإنسان فيها الحال بمضرة وتكون داخلة في العبادة وليست كل مشقة، والشرع قد التفت إلى ذلك في أدلة شرعية كثيرة منها
حديث
موسى بن إسماعيل حدثنا وهيب حدثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس {قال: بينا النبي يخطب إذا هو برجل قائم فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم، فقال النبي مره فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه).
وقد أمره بإتمام الصوم لأنه عبادة، أما الوقوف وعدم الاستظلال فليس للعبادة فيها مدخل في هذا الموقف لذا لم تكن مؤثرة في النذر إذ لا نذر إلا فيما
(1) ابن حزم، المحلى، ج 7، ص 76، وابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 123. (2) أخرجه البخاري في كتاب الأيمان والنذور باب النذر في معصية وفيما لا يملك
(6326) (2/85)
صفحة 403
الرائد
ابتغي به وجه الله.
AT
ومنها حديث مروان بن معاوية الفزاري حدثنا حميد حدثني ثابت عن
أنس أن النبي رأى شيخا يهادى بين ابنيه فقال: ما بال هذا؟ قالوا: نذر أن يمشي، قال: إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني عن تعذيب هذا نفسه لغني وأمره أن يركب.
ومنها حديث شعبة حدثنا محمد بن عبد الرحمن الأنصاري قال: سمعت محمد بن عمرو بن الحسن بن علي عن جابر بن عبد الله صلى الله عليه وسلم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فرأى زحاما ورجلا قد ظلل عليه فقال: ما هذا؟ فقالوا: صائم، فقال: ليس من البر الصوم في السفر.
لذلك فالمشقة غير منظور إليها ما لم تكن في طاعة وعبادة، وإن ثبت أن النبي لم يحرم إلا من الميقات فيقال إنه لن يحرص إلا على الخير والفضل؛ إذ خير الهدي هدي محمد، وقد سار عليه أكثر أصحابه والتابعين، بل عمل
(1) أخرجه البخاري في كتاب الأيمان والنذور باب النذر في معصية وفيما لا يملك (6323)، ومسلم في كتاب النذر، باب من نذر أن يمشي إلى الكعبة (1642) واللفظ
له.
(2) أخرجه البخاري في كتاب الصوم، باب قول النبي عل الله لمن ظلل عليه واشتد عليه الحر
(1844)
(3) ابن عبد البر، التمهيد، ج 15، ص 146. (2/86)
صفحة 404
الرائد
AV
هو
الأمة مستقر عليه، ولا يقال إن في هذه المشقة خيرا وعبادة؛ لأن ذلك موضع النزاع، على أن مما يحكم الأمر في قضيتنا حديث عائشة قالت: ما خير النبي صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يأثم".
وقد جاءت بعض الروايات عن أصحابه تشير إلى كراهية الإحرام قبل الميقات قال ابن عبد البر:
وروي عن عمر بن الخطاب أنه أنكر على عمران بن حصين إحرامه من البصرة، وعن عثمان بن عفان أنه أنكر على عبد الله بن عامر إحرامه قبل
الميقات.
أما الأدلة التي استند عليها القائلون بأفضلية تقديم الإحرام على المواقيت فلا يسلم بها، وبيان ذلك في الأمور التالية:
أولها أن حديث أم سلمة الدليل الأول جاء من طرق ثلاث لا تثبت، أما أولها فأخرجه أبو داود (3) من حديث ابن أبي فديك عن عبد الله
بن عبد
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحدود، باب إقامة الحدود والانتقام الحرمات الله (6404). (2) ابن عبد البر، التمهيد، ج 15، ص 143. (3) كتاب المناسك، باب: المواقيت (1741)، وقال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن أم
سلمة إلا بهذا الإسناد تفرد به ابن أبي فديك الطبراني، الأوسط، ج 6، ص 319. (2/87)
صفحة 405
الرائد
الرحمن بن يحنس عن يحيى بن أبي سفيان الأخنسي عن جدته حكيمة عن أم
سلمة.
وهذا إسناد لا يصح للضعف الذي يكتنفه، قال الذهبي بعد أن أورد محمد بن عبد الرحمن في الضعفاء:
محمد بن عبد الرحمن بن يحنس حديثه في الإحرام من بيت المقدس لا
يثبت قاله البخاري رواه ابن أبي فديك عنه عن أبي سفيان الأخنسي عن
جدته حكيمة بنت أمية).
وقال ابن حزم:
أما هذان الأثران فلا يشتغل بهما من له أدنى علم بالحديث؛ لأن يحيى بن أبي سفيان الأخنسي وجدته حكيمة وأم حكيم بنت أمية لا يدرى من هم من الناس، ولا يجوز مخالفة ما صح بيقين بمثل هذه المجهولات التي لا تصح
قط (2).
وقال النووي: إسناده ليس بالقوي، ونقل الشوكاني عن الحافظ ابن
(1) الذهبي، ميزان الاعتدال، ج 6، ص 231، وابن حجر، التلخيص الحبير، ج 2، ص 230.
(2) ابن حزم، المحلى، ج 7، ص 76.
(3) النووي، المجموع، ج 7، ص 175. (2/88)
صفحة 406
الرائد
€19
كثير قوله إن في حديث أم سلمة هذا اضطرابا.
ونقل ابن الملقن تضعيفه عن الدارقطني في العلل والمنذري في مختصر
سنن أبي داود وفي كلامه على أحاديث المهذب".
وعلى تقدير صحة الحديث فليس فيه حجة على أفضلية تقديم الإحرام على الميقات؛ لأن الحديث على تقدير صحته وقد تبين أنه غير صحيح- نص في الإحرام من بيت المقدس وليس فيه الإحرام من بيت المكلف، فعلى ذلك هو خاص ببيت المقدس مثبت لمن أحرم ثمة فضلا ولكنه قاصر عن الدلالة على فضل الإحرام من بيت المكلف فلا بد من الدليل.
ولا
القياس في ذلك؛ لأن لبيت المقدس منزلة في الشريعة لا يصح يدانيها فيه غيره وعليه فالقياس قياس مع الفارق فلا يصح ويقتصر به على
مورد النص.
وممكن أن يحمل الحديث على إنشاء السفر من هناك إلى مكة تعظيما
للمكانين ولفتا للأنظار إليهما لا الإحرام من ذلك الموضع
وأما حديث ابن عمر فرواه الطبراني من حديث موسى بن أيوب
(1) الشوكاني، نيل الأوطار، ج 6، ص 2443.
(2) ابن الملقن البدر المنير، ج 6، ص 96. (2/89)
صفحة 407
الرائد
€9.
النصيبيني ثنا عبد الله بن خالد عن غالب بن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر، وقال مشيرا إلى ضعفه لم يرو هذا الحديث عن نافع إلا غالب بن عبيد الله تفرد به موسى بن أيوب.
وغالب بن عبيد الله العقيلي الذي تفرد به عن نافع قال البخاري عنه: منكر الحديث)، وقال ابن حبان: كان ممن يروي المعضلات عن الثقات حتى ربما سبق إلى القلب أنه كان المتعمد لها لا يجوز الاحتجاج بخبره بحال". وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الحافظ ابن عدي في ترجمة جابر بن نوح وقال: لم أر له أنكر من هذا.
وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى)، وشعب الإيمان وضعفه بقوله الكبرى فيه نظر، وقال في الشعب: تفرد به جابر بن نوح، وهذا إنما يعرف
(1) الطبراني، المعجم الأوسط، ج 9، ص 97
(2) البخاري، التاريخ الأوسط، ج 2، ص 140، والتاريخ الكبير، ج 7، ص 101. (3) ابن حبان، المجروحين، ج 2، ص 201، وابن عدي الكامل، ج 6، ص 5، والعقيلي،
الضعفاء، ج 3، ص 431.
(4) ابن عدي، الكامل، ج 2، ص 120. (5) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 30.
(6) البيهقي، شعب الإيمان، ج 3، ص 447. (2/90)
صفحة 408
الرائد
91
عن علي موقوفا.
وجابر بن نوح بن جابر الحماني ليس بحجة فقد قال ابن معين: لم يكن بثقة، وقال أبو داود: ما أنكر حديثه، وقال النسائي: ليس بالقوي. وأما قول الشوكاني عنه إنه ثابت) فمما لم يسبق إليه ولم يتابع عليه وهو محجوج بما ذكرناه.
والحديث ثابت عن الإمام علي بن أبي طالب موقوفا أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه، والضياء المقدسي في المختارة، وصححه موقوفا، وضعف المرفوع الحافظ ابن الملقن).
وأما حديث الحسن بن هادية الذي فيه فضل الحج من عُمان فأخرجه
(1) ابن حبان، المجروحين، ج 1، ص 210، وابن عدي الكامل، ج 2، ص 120، والعقيلي، الضعفاء، ج 1، ص 196،،والمزي، تهذيب الكمال، ج 3، ص 302، والذهبي، ميزان
الاعتدال، ج 2، ص 102.
(2) الشوكاني، نيل الأوطار، ج 5، ص 27.
(3) الحاكم، المستدرك، ج 2، ص 303.
(4) الضياء المقدسي، الأحاديث المختارة، ج 2، ص 221.
(5) ابن الملقن البدر المنير، ج 6، ص 79. (2/91)
صفحة 409
الرائد
92
أحمد في المسند، والبيهقي، وقال الهيثمي: رجاله ثقات".
واعترض عليه قوله هذا بأن الحسن بن هادية مجهول لم يوثقه سوى ابن حبان بإيراده إياه في الثقات، وابن حبان معروف بتوثيق كثير من المجهولين الذين لم يجد لهم جارحا ولا موثقا فلذا لم يقبل انفراده به كما تقدم ذكر ذلك. والحسن بن هادية هذا نص على جهالته أبو حاتم وأنه لا يعرفه حينما سأله ابنه، لذا فالحديث ضعيف لا يثبت كما حكم بذلك شيخنا القدوة إمام السنة والأصول العلامة القنوبي -حفظه الله - في جواب له غير منشور.
ولو سلم بتصحيح الحديث فليس فيه شاهد على فضيلة الإحرام قبل الميقات إذ الفضل المذكور كان للحج من عمان، وليس فيه الإحرام من عمان فالحاج من عمان المحرم من نجد أو ذي الحليفة يصدق عليه الفضل المذكور
الحديث لو ثبت.
(1) أحمد بن حنبل، المسند، ج 2، ص 30.
(2) البيهقي، السنن الكبرى، ج 4، ص 335.
(3) الهيثمي، مجمع الزوائد، ج 3، ص 217.
(4) ابن حبان، الثقات، ج 4، ص 123.
(5) ابن حجر، لسان الميزان، ج 2، ص 258. (2/92)
صفحة 410
الرائد
93
وأما الاحتجاج بأفعال الصحابة الذين روي عنهم الإحرام قبل الميقات فيجاب عنه أنه قد كان أكثرهم يحرمون من الميقات كما فعلوا ذلك مع نبيهم في مواقفه المشهودة كما تقدم، وتخصيص شيء دون دليل بالندب مع وجود المعارض تحكم يأباه الإنصاف
ثم إن فعل هؤلاء لا يمكن أن يعارض به فعل النبي الذي ثبت عنه
التزام الميقات في إحرامه وعدم الإحرام قبل الميقات ولا مرة واحدة.
?
ومن عجيب ما قاله بعضهم لتأييد هذا القول أن فعل النبي دليل الجواز وفعل الصحابة المروي عنهم ذلك دليل الندب والأفضلية، وكأن
صاحب هذا القول يفيدنا أن التعبد بالاقتداء قد انتقل منه إلى الذين حوله
من صحابته.
قال النووي:
?
فإن قيل: إنما أحرم النبي لو من الميقات ليبين جوازه فالجواب من أوجه أحدهما: أنه قد بين الجواز بقوله ل ل ل ل لمهل أهل المدينة من ذي الحليفة.
الثاني: أن بيان الجواز إنما يكون فيما يتكرر فعله ففعله مرة أو مرات يسيرة على أقل ما يجزي بيانا للجواز ويداوم في عموم الأحوال على أكمل
(1) العيني، البناية، ج 4، ص 164. (2/93)
صفحة 411
الرائد
الهيئات كما توضأ مرة مرة في بعض الأحوال وداوم على الثلاث ونظائر هذا كثيرة، ولم ينقل أنه لا أحرم من المدينة وإنما أحرم بالحج وعمرة الحديبية من ذي الحليفة.
الثالث: أن بيان الجواز إنما يكون في شيء اشتهر أكمل أحواله بحيث
يخاف أن يظن وجوبه ولم يوجد ذلك هنا.
وذهب آخرون إلى التفصيل فقالوا إن الإحرام قبل الميقات أفضل إن
كان المحرم يملك نفسه أن يمنعها ما يمنع منه الإحرام".
وهذا أمر حسن أن لو لم يأت عن النبي صلى الله عليه وسلم التزام فعل معين هو وأصحابه أو ورد ما يدل على هذا التفصيل، ومع وروده بالتزام الإحرام من الميقات يكون الأفضل الحرص على ما حرص عليه فثمة الخير.
وعلى رأي الجمهور القائل بجواز الإحرام قبل الميقات يمكن أن يقال بوجوبه إن نذر الإنسان أو أقسم على أن يحرم من موضع قبل الميقات فيكون مجاوزة ذلك الموضع من الممنوع الذي يترتب عليه حكم الحنث في اليمين
وعدم الوفاء بالنذر.
(1) النووي، المجموع، ج 7، ص 176.
(2) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 372. (2/94)
صفحة 412
الرائد
وقيل بل يكون ذلك الموضع ميقاتا للإنسان الناذر أو الحالف فعلى ذلك يلزمه إن تجاوزه ما يلزم مجاوز الميقات غير محرم، وفي هذا الأخير نظر لا
يخفى.
ثم إن المسألة قد يدخلها عدم الوجوب مع النذر واليمين من باب وهو أن النذر الذي يلزم الوفاء به هو النذر بالطاعة لا غير كما تدل على ذلك الأدلة الشرعية، وما عداه لا يلزم الوفاء به.
وعليه فينظر الإحرام قبل الميقات على هذا إذ إن الذين يقولون هو جائز من حيث الأصل والخير والفضل أن يكون من الميقات يلزمهم أن يقولوا بعدم وجوب الوفاء بهذا النذر على الرأي القائل بأنه لا يلزم الوفاء بغير نذر الطاعة كما هو الأظهر، أما القول بأن الإحرام قبل الميقات طاعة فيلزم عليه الوفاء بهذا النذر.
القسم الثاني من المحرمين بالحج أو العمرة أو كليهما وهم الذين يريدون الإحرام بالنسك وهم داخل منطقة المواقيت ولكن دون الحرم فهؤلاء لم الأمر أن مكان إحرامهم هو موضعهم الذي هم مستقرون فيه
يختلف فيهم (2/95)
صفحة 413
الرائد
(97)
وشاءوا أن يحرموا بالنسك منه أو كما يعبر الفقهاء عنه دويرة أهلهم". وهؤلاء لا يصح لهم أن يتجاوزوا موضعهم ذاك إن كانوا يريدون الحج أو العمرة إلا محرمين، ودليل ذلك ما جاء في حديث المواقيت السابق تخريجه: فمن كان دونهن فمهله من أهله، وكذاك حتى أهل مكة يهلون منها. وخالف ذلك بعض الفقهاء فقالوا: إن الحل الذي بين دويرة أهلهم
وبين الحرم كشيء واحد فيجوز إحرامهم إلى آخر أجزاء الحل كما يجوز إحرام الأفقي من دويرة أهله إلى آخر أجزاء ميقاته.
ورتب هؤلاء عقوبة مجاوزة الإحرام على هذا القسم بدخول الحرم
وعدم الرجوع إلى خارجه).
ولكن هذا الرأي معارض لنص: الحديث فمن كان دونهن فمهله من
أهله، وكذاك حتى أهل مكة يهلون منها، فلا يؤخذ به.
وهذا القسم يشمل كل من جاوز المواقيت مريدا منطقة دون الحرم من
(1) يروى عن مجاهد أنه شذ بالمخالفة في هذا الحكم فقال إن ميقات هؤلاء هو مكة، وهذا إن صح عنه محجوج بنص الحديث الصائغي لباب، الآثار، ج 3، ص 183، وابن قدامة المغني، ج 3، ص 219، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 3، ص 375.
(2) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 375، والعيني، البناية، ج 4، ص 164. (2/96)
صفحة 414
الرائد
97
أن تصاحب مجاوزته تلك نية حج أو عمرة ولو كان أصله من أهل
غير الآفاق.
وفي هذا الزمان يذهب كثير من الناس مدينة جدة بعد مرورهم على شيء من المواقيت لذلك يقال في حق من ذهب إليها إنه لا يخلو من أحد أمور أربعة:
أولها أن يريد قضاء أمر غير النسك ثم يرجع دون دخول الحرم فهذا لا يلزمه الإحرام باتفاق.
ثانيها: أن يدخلها للراحة ثم ينطلق منها لأداء النسك كما هو فعل الكثيرين فهذا لا يصح له مجاوزة الميقات الذي يمر عليه أو يحاذيه إلا محرما
قولا واحدا.
ثالثها: أن يدخلها لعمل وفي نيته أداء النسك أيضا، فهذا لا يصح له مجاوزة الميقات إلا محرما لوجود نية النسك، ويدخله القول الذي يجيز تأخير
الإحرام إلى الميقات الثاني؛ لأنه سيحاذي في جدة أحد ميقاتين الجحفة أو يلملم، وقد تقدم ذكر هذا القول.
رابعها أن يدخل جدة لحاجة ثم يبدو له الحج بعد دخولها فحيث بدت له نية النسك وعزم عليه يلزمه الإحرام عند محاذاة أحد الميقاتين السابق (2/97)
صفحة 415
الرائد
ذكرهما.
98
وذهب بعض الفقهاء إلى أن من جاوز الميقات على نية غير النسك ثم بدا له أداؤه بعد مجاوزة الميقات وقبل الحرم أنه يرجع الميقات، ولا دليل يظهر على الرجوع فإحرامه من موضعه يجزيه على ما يظهر.
وعلى رأي الحنفية السابق لا يلزم بالإحرام ما لم يدخل الحرم إذ هو مخير
في المسافة كلها بين الحرم وموضعه، وقد سبق بيان ضعفه.
وقد أورد الشيخ الصائغي مسألة في اللباب سئل عنها الشيخ ناصر بن خميس، فنوردها كما هي لفوائدها:
من زار قبل الحج ورجع إلى جدة، أيجزيه الإحرام بالحج من جدة، أم
يرجع إلى الميقات كان رجوعه لجدة في حاجة أو غيره حاجة؟
فأجاب: إن عزم على دخول مكة من جدة وأحرم منها أجزاه ذلك. السؤال: وكذلك إذا حاذى لملم في البحر ولم يحرم منها لأن مراده جدة، أيجزيه الإحرام من جدة أم لا؟
الجواب: إذا كان سفره لجدة ولم يرد مكة فلا إحرام عليه من لملم ولا من
حذائها، وإن أراد مكة فعليه الإحرام من الميقات أو من محاذاته له. (2/98)
صفحة 416
الرائد
99
السؤال: وكذلك ما يوجد أنه إن كان يريد به الحج فلا يجزيه ذلك، أتكون إرادته للحج في خروجه من بلده لمعنى الحج؟
أم إذا كان مراده ذلك الوقت ليقف بجدة لشيء من المعاني إلى قريب الحج ويسعه ألا يحرم من لملم، ويجزيه إحرامه من جدة [عند] مسيره لمكة؟
الجواب: إن النية تكون مع الميقات، والله أعلم.
وأمر جدة من حيث محاذاة الميقات فيها قد تقدم الكلام حوله فيرجع
إليه.
القسم الثالث: من كان داخل الحرم
من أراد إنشاء الإحرام وهو داخل منطقة الحرم فينظر هل النسك الذي يريده حج أو عمرة، فإن كان يريد الحج فمهله من مكانه من أي الحرم شاء لقوله لها في حديث المواقيت حتى أهل مكة يهلون منها.
والصحابة الذين أحلوا بعد العمرة يوم حجة الوداع أحرموا بالحج من بطحاء مكة، وهذا الحكم لا كلام فيه، ولكن اختلفوا في المقصود بمكة أهي
(1) زيادة غير موجودة في الأصل ولعل إثباتها أ
(2) الصائغي، لباب الآثار، ج 3، ص 193. (2/99)
صفحة 417
الرائد
نفس مكة أي حدود البنيان والسكنى، أو جميع الحرم
وأثر ذلك أن من أحرم بالحج في الحرم خارج البيوت يلزمه على القول الأول عقوبة مجاوز الميقات.
وعلى الثاني لا شيء عليه لأنه في الميقات، ويؤيد الأول الذي هو حدود
أهله،
البنيان والسكنى ظاهر الحديث في قوله فمن كان دونهن فمهله من وكذاك حتى أهل مكة يهلون منها، والحديث يفيد أن مهلهم من أهلهم أي من أماكن سكناهم.
أما من أراد الإحرام للعمرة وهو موجود داخل منطقة الحرم فيخرج إلى الحل ويحرم هناك) ثم يدخل الحرم محرما حتى يجمع بين الحل والحرم كما
قالوا.
والذي خص العمرة من عموم حديث حتى أهل مكة يهلون منها هو أمر النبي عبد الرحمن بن أبي بكر أن يعمر أخته السيدة عائشة من التنعيم
(1) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 506، والمرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 26. (2) وقد جاء حديث يفيد أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل مكة التنعيم، ولكنه لا يثبت لإرساله فقد رواه أبو داود من طريق ابن سيرين عن النبي مرفوعا، وابن سيرين لم يلق النبي. أبو داود المراسيل، ص 145 (2/100)
صفحة 418
الرائد
الذي هو أدنى الحل.
ولو كان حكمهما واحدا لاكتفى بإعمارها من مكة نفسها ولم يحتج
لإخراجها إلى التنعيم الذي هو أدنى الحل.
وقد اختلف هؤلاء في أفضل أماكن الإحرام بالعمرة لمن كان بالحرم فقيل أفضلها التنعيم لكون النبي مال و أعمر السيدة عائشة منها، وقيل أفضلها الجعرانة فالتنعيم فالحديبية؛ لأن النبي أحرم بالعمرة من الجعرانة يوم حنين، وأوصى السيدة عائشة بأن تحرم من التنعيم".
ولعل إحرام النبي صلى الله عليه وسلم من الجعرانة واقعة حال لكونه عسكر في جهتها فلا يفيد ذلك التفضيل على غيرها، وإحرام السيدة عائشة من التنعيم محتمل الأمر به لكونه أقرب المواضع إلى البيت، ومع الأمور السابقة يعسر تفضيل موضع على آخر.
وقد ذكر غير واحد من أهل العلم الاتفاق على حكم المعتمر السابق،
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: كيف تهل الحائض والنفساء (1481). (2) النووي، المجموع، ج 7، ص 180.
(3) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 316، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 108، وابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 79، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 215، والصنعاني، سبل
السلام، ج 2، ص 299. (2/101)
صفحة 419
الرائد
ولعل ذلك كان هو المعروف عند الفقهاء في ذلك الزمان إذ إنه قد حدث قول بعد ذلك قال به الشيخ أبو نبهان من متأخري علمائنا الإباضية والأمير الصنعاني".
جاء في كتاب الحج المخطوط للشيخ أبي نبهان - وقد ألفه على صورة
السؤال والجواب:
قلت له: ومن كان أهله دون الميقات إلى مكة فمن أين إحرامه لحجته أو عمرته يكون إذا أراد ذلك؟
قال: قد قيل إنه يحرم لذلك من دويرة أهله؛ فإن ذلك هو ميقاته.
قلت له: ولو كان في الحرم أو في مكة؟
قال: هكذا يبين لي في ذلك أنه كذلك.
واستدل الصنعاني لما ذهب إليه بعموم حديث: حتى أهل مكة يهلون من
مكة، ومما قاله في العدة مقررا ما ذهب إليه:
لا أدري ما الذي فرق بين حكم الحج والعمرة في هذا فقد جمعه لهما
(1) صرح بذلك بل انتصر له أيما انتصار إذ هو حامل لوائه الصنعاني، سبل السلام، ج 2،
ص 299، والعدة، ج 3، ص 1174. (2/102)
صفحة 420
الرائد
في حكم للميقات المكي بقوله: " من أراد الحج أو العمرة" حتى قال:
" حتى أهل مكة من مكة".
إذ معناه حتى أهل مكة ممن يريد الحج أو العمرة ميقاته مكة، فجعل
حكم الحج والعمرة لأهل مكة في الميقات واحدا.
ولم نر لهم دليلا في التفريق بينهما إلا حديث عائشة الصحيح في أنها لما
قالت له إنه يرجع نساؤه بحج وعمرة وهي ترجع بحج فأمر أخاها عبد الرحمن أن يخرج بها إلى التنعيم فتعتمر من هنالك.
وهذا لا يقاوم حديث التوقيت لاسيما وحديث عائشة أخبرت فيه أنها لم تدخل مكة بعمرة كما دخل بها نساؤه لأنها حاضت في الطريق فأمرها أن تهل بالحج فأرادت أن تساوي نساءه في دخول مكة بعمرة، وكان يحب ما تهواه فأمرها بذلك لتدخل إلى مكة معتمرة كما دخل غيرها من أزواجه ..
وأما قول الطبري إنه لا يعلم أحدا جعل مكة ميقاتا للعمرة فيقال له بل جعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث المواقيت الذي لا ريب في صحته ووضوح
دلالته. (2/103)
صفحة 421
الرائد
(104)
(1)
قد ذهب الجمهور إلى أن القارن من أهل مكة حكمه حكم الحاج
في الإهلال من مكة كما قاله الحافظ في الفتح".
ويلوح في النظر أن أدلة القائلين باتفاق ميقاتي العمرة والحج لمن كان داخل الحرم أقرب، فإن دليلهم مفيد الحكم الذي رجحوه بدلالة الظاهر من عبارة النص.
أما القائلون بالفرق بين الميقاتين فقولهم مستند إلى دلالة الإشارة من حديث عائشة، ودلالة العبارة مقدمة بالاتفاق على دلالة الإشارة فضلا أن لحديث عائشة ضروبا من الاحتمالات تجعل الاستدلال به منفردا أمرا به شيء من العسر فكيف والحال أنه معارض بدلالة الظاهر من الحديث المسوي بعمومه بين الميقاتين.
والاحتمال المذكور هو أن هذا الحديث جاء الحكم فيه لإرضاء السيدة عائشة حتى لا ترجع بحجة وترجع زوجاته الأخريات بحجة وعمرة كما صرحت نفسها، وكان النبي لا يسارع لإرضائها ما دام الأمر واسعا ووجد إلى ذلك سبيلا، ومن غير شك أن الزوجات الأخريات اعتمرن بإحرام من
(1) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 206.
(2) الصنعاني، العدة، ج 3، ص 1174. (2/104)
صفحة 422
الرائد
الحل فكان الإرضاء يقضي بأن يكون حالها كحالهن لا ينقص شيئا. ذلكم الذي يظهر غير أن للاتفاق السابق على قول من خالف هيبة تجعل من الحزم في شأن العبادة والاحتياط لأمرها أن يأخذ الإنسان بالدليل الداعي للاحتياط فلا يحرم للعمرة إلا من الحل.
واختلف أصحاب القول الأول في المحرم بالعمرة إن لم يخرج إلى الحل وأحرم من موضعه داخل الحرم، فقيل له حكم من جاوز الميقات غير محرم مطلقا إذ إن له ميقاتا وهو الحل ولم يحرم منه فكان حكمه حكم من جاوز
الميقات غير محرم.
قال الإمام أبو سعيد الكدمي:
وكذلك إن أحرم من الحرم أعجبني أن ينعقد له الإحرام، وعليه أن
(2)
يخرج لعمرته بكمال عمرته بجميع الحل والحرم، فإن لم يخرج وطاف وسعى
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 79، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 218، والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص 206، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 340.
(2) كذا في الأصل المطبوع. (2/105)
صفحة 423
الرائد
وأحل أعجبني قول من قال عليه دم".
وقيل إن إحرامه غير صحيح وعمرته باطلة؛ لأنه لم يجمع بين الحل
والحرم، قال الشيخ أبو طاهر إسماعيل الجيطالي:
إن على المقيم بمكة مكيا أو أفقيا الخروج إلى طرف الحل ولو بخطوة في ابتداء، الإحرام، فإن لم يفعل ذلك حتى طاف وسعى لم يعتد بعمرته تلك؛ لأنه لم يجمع بين الحل والحرم، والحاج بوقوف عرفة جامع بينهما".
أفراد من
ولكن يشكل على هذا أن الجمع بين الحل والحرم استنباط الأدلة الشرعية وليس بنص للشارع فكيف يكون مثل ذلك شرطا يبطل به الإحرام، ثم إنه ما الذي أخرج هذا عن عموم حكم مجاوز الميقات.
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 80، والكندي، المصنف، ج 8، ص 107، وقال الشيخ أبو نبهان إن هذا هو قول علمائنا الإباضية ولا يعلم لهم قولا غيره، والظاهر أن الشيخ إسماعيل من علمائنا بالمغرب (ليبيا) يأخذ بالقول الآخر كما سيأتي.
(2) الجيطالي، مناسك الحج، ج 1، ص 81، والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 43. (2/106)
صفحة 424
الرائد
المبحث الثاني: مندوبات الإحرام
المطلب الأول: جماع الزوجة
ذهب بعض الفقهاء إلى أنه مما ينبغي للمحرم أن يجامع زوجته إن كان مسافرا بها، أو كان يحرم من دار؛ لأنه يحصل به ارتفاق له ولها فيما بعد
ذلك).
ثم إنه كان ذلك الأمر من فعل صاحب الدعوة صلى الله عليه وسلم إذ طاف على نسائه أجمع في الليلة التي باتها بذي الحليفة يوم حجة الوداع في السنة العاشرة من هجرته المباركة كما في حديث
شعبة عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه قال: سألت ابن عمر عن الطيب عند الإحرام فقال: لأن أطلي بالقطران أحب إلي من ذلك، فذكرت ذلك لعائشة فقالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن لقد كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيطوف في نسائه ثم يصبح ينضح طيبا".
والدليل السابق غير ظاهر في أن ذلك الجماع كان لأجل الإحرام حتى
يقال بندبه لمن أراد الإحرام، فدلالته على المراد قاصرة.
(1) ابن الهمام، فتح القدير، ج 2، ص 429.
(2) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب الطيب للمحرم عند الإحرام (1192). (2/107)
صفحة 425
الرائد
المطلب الثاني: الخضاب باليرناء للنساء
ذهب بعض الفقهاء إلى أنه يستحب للمرأة قبل الإحرام أن تخضب يديها
إلى الكوعين بالحناء، وتمسح وجهها بشيء منه ليستر البشرة.
ويستوي على قول هؤلاء الاستحباب للمتزوجة وغيرها، والمستحب تعميم اليد دون التطريف والنقش والتسويد؛ إذ هذه على قولهم - مكروهة إلا للمتزوجة بإذن الزوج.
وقد استدل هؤلاء لاستحبابهم الخضاب بالحناء للنساء بالأثر والنظر، أما الأثر فأمران أولهما حديث سعيد بن سالم عن موسى بن عبيدة عن أخيه
عبد الله
بن عبيدة وعبد الله بن دينار قال: من السنة أن تمسح المرأة يديها عند
الإحرام بشيء من الحناء ولا تحرم وهي غفل.
كما استدلوا بحديث محمد بن الزبرقان عن موسى بن عبيدة أخبرني عبد
الله بن دينار عن ابن عمر أنه كان يقول:
من السنة تدلك المرأة بشيء من حناء عشية الإحرام، وتغلف رأسها
(1) الشافعي، الأم، ج 2، ص 150، والنووي، المجموع، ج 7، ص 196، وابن جماعة، هداية السالك، ج 3، ص 623، وابن قدامة المغني، ج 3، ص 157، والقرافي، الذخيرة، ج 3،
ص 224. (2/108)
صفحة 426
الرائد
بغسله ليس فيها طيب ولا تحرم عطلا.
كما استدلوا بعد الأثر بالنظر فقالوا إن الحناء من زينة النساء فاستحب
عند الإحرام كالطيب.
ويشكل على هذا الاستحباب ضعف المستند الذي يثبته فالحديث الأول
(1)
أخرجه البيهقي وفي إسناده موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف متروك
كما نص على ذلك أهل الجرح والتعديل
(2)
ثم إن الكلام عن عبد الله بن دينار وليس هو وإن صح إسناده- في حكم المرفوع المتصل.
(3)
أما الثاني منهما فأخرجه الدارقطني وفيه أيضا موسى بن عبيدة الربذي
وهو واه متروك كما تقدم في الحديث الذي قبله، لذا قال البيهقي: ليس ذلك بمحفوظ).
(1) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 48.
(2) ابن حبان، المجروحين، ج 2، ص 234، وابن عدي الكامل، ج 6، ص 333، والعقيلي،
الضعفاء، ج 4، ص 160.
(3) الدار قطني، السنن، ج 2، ص 272.
(4) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 48. (2/109)
صفحة 427
الرائد
(11.)
والاستحباب إنما هو حكم شرعي لا يثبت إلا بدليل صالح للحجية، وما لم يصح للحكم الأصلي ناقل بقي على أصل حكمه قبل الإحرام، على أن للفقهاء خلافا في الحناء: أهو طيب أو ليس بطيب، أو يقال برجوعه إلى الأعراف.
وقد وردت آثار في مسألتنا هذه ولكن عند إجالة النظر فيها يتبين أنه لا يصح منها شيء، وقد تعارضت في حكمها إذ منها ما يؤخذ منه كون الحناء طيبا، ومنها ما هو بخلاف ذاك، فمما جاء مفيدا أن الحناء طيب ما أخرجه الطبراني من حديث عبد الله بن لهيعة عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن خولة عن أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تطيبي وأنت محرمة، ولا تمسي الحناء؛ فإنه طيب".
ولكن في الإسناد عبد الله بن لهيعة وهو ضعيف، قال البيهقي: وهذا
إسناد ضعيف ابن لهيعة غير محتج به (3).
(1) الشقصي، منهج الطالبين، ج 7، ص 44، وقد جزم ثمة بأنه والعصفر ليسا من الطيب ومالك بن أنس، المدونة الكبرى، ج 2، ص 459، والغزالي، الوسيط، ج 2، ص 682، والعيني، عمدة القاري، ج 9، ص 157، والشنقيطي، أضواء البيان، ج 5، ص 79. (2) الطبراني، المعجم الكبير، ج 23، ص 418.
(3) البيهقي، معرفة السنن والآثار، ج 4، ص 26. (2/110)
صفحة 428
الرائد
(111)
(1)
وأخرج أبو يعلى من حديث محمد بن أبي بكر المقدمي حدثنا الحسن بن
دعامة حدثنا عمر بن شريك عن أبيه عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اختضبوا بالحناء؛ فإنه طيب الريح يسكن الدوخة.
ولكن الحديث ضعيف لا يثبت؛ قال الهيثمي رواه أبو يعلى من طريق
الحسن بن دعامة عن عمر بن شريك، قال الذهبي: مجهولان".
أما ما جاء مثبتا أنه ليس بطيب فحديث كريمة بنت همام أن امرأة أتت عائشة فسألتها عن خضاب الحناء فقالت لا بأس به، ولكني أكرهه؛ كان حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره ريحه.
وقد أخرجه أبو داود واللفظ له، والنسائي، ولكن كريمة بنت همام الراوية عن السيدة عائشة مجهولة لا تعرف بتوثيق ولا تجريح فالحديث ضعيف لذلك.
والواقع أن الناس لا يقصدونه لطلب ريحه بل للتزين فقط، وهو وإن
(1) أبو يعلى الموصلي، المسند، ج 6، ص 305.
(2) الهيثمي، مجمع الزوائد، ج 5، ص 160. (3) في كتاب الترجل، باب في الخضاب للنساء (4164). (4) في كتاب الزينة باب كراهية ريح الحناء (5090). (2/111)
صفحة 429
الرائد
صاحبته رائحة طيبة للبعض إلا أنها كريهة لآخرين، وليس كل طيب الرائحة
طيبا، ولكن هو زينة باتفاق.
فعلى القول بأنه طيب مع بعده في الظاهر - يدخله الخلاف في استدامة المحرم له بعد إحرامه إن كان الخضاب قبل الإحرام وسيأتي بسط ذلك، وعلى القول بأنه ليس بطيب فلا بأس باستدامة المحرم له بعد الإحرام.
ولكن يتنبه في جانب النساء إلى أمر مهم وهو عدم جواز إظهار الزينة لغير من أباح الله إظهار الزينة، أمامه فالزينة وإن كانت مما لا يحظر حال الإحرام لعدم المانع الشرعي كما سيأتي - إلا أن ضوابط إظهارها لا تختلف في الحالين الإحرام والحل.
ولا
فتمنع من الإظهار لغير من أبيح لها في الإحرام فيلزمها أن تستر خضابها
يصح
لها الإظهار، والستر لخضاب اليدين يكون بحال لا يتعارض
والإحرام فلا يصح لها لبس القفازين؛ لأنها قد نهيت عنهما كما سيأتي. (2/112)
صفحة 430
الرائد
113
المطلب الثالث: إلقاء التفث والتنظف
يستفاد من مشروعية الغسل لمريد الإحرام والتطيب قبله على مذهب
الجمهور - أن يكون المكلف على أكمل هيئة يستطيعها فيلقي تفثه ويتنظف بإزالة الشعث وقطع الرائحة.
واختلفوا أيكون هذا قبل الغسل أو بعده، والكل سائغ فالمقصد دخول
الإحرام دون التفث ويحصل ذلك بالأمرين، وإن كانت ثمة قرائن مرجحة فكل مكلف أدرى بالأصلح لنفسه".
وهذا الإلقاء للتفث يشمل قص الأظفار وحف الشارب وحلق العانة
أو نتفها أو استعمال النورة وكذا نتف الإبط).
والعانة الشعر القريب من فرج الرجل والمرأة، ومثلها شعر الدبر بل هو أولى بالإزالة لئلا يعلق به شيء من الخارج عند الاستنجاء.
واختلفوا في حلق شعر الرأس فقيل مما يؤمر به من اعتاده فقط، وقيل لا يؤمر به بل هو من فعل العامة والنبي صلى الله عليه وسلم حلقه عند إحلاله من النسك لا
(1) ابن عابدين، رد المحتار، ج 3، ص 558
(2) ابن عابدين، رد المحتار، ج 3، ص 558.
(3) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 233، وابن الهمام، فتح القدير، ج 2، ص 430. (2/113)
صفحة 431
الرائد
عند إنشائه الإحرام".
(118)
ومن فوائد إلقاء التفث قبل الإحرام أن المحرم مقبل على الإحرام الذي يمنع حينه من ذلك كله فحسن أن نفسه قبل لئلا يصل به الحال إلى يہي الفحش وبالغ التغير المؤذي للنفس وللقرين فلا يهنأ بالعبادة ولا يتعلل حينها بعبق العبودية لاشتغاله بأذى نفسه.
ثم إنه قد يضطره الحال إلى إلقاء التفث من شعر أو غيره فلا يجد سبيلا إليه وهو محرم إلا بالافتداء الذي يبيح له ارتكاب هذا المحظور، فمن هنا استحسن له التنظف بإزالة ذلك قبل أن يحرم.
ومما لا مانع منه أن يستعمل المحرم قبل إحرامه ما يمنع رائحة العرق من الظهور سواء كان طيبا أو غير طيب إن كان الطيب لا يدوم إلى ما بعد الإحرام كما هو الحال في أكثر هذه المزيلات، وإن كان يدوم فعلى الخلاف الواقع بين الفقهاء في حكم استدامة الطيب وسيأتي بسطه في محله.
أما بعد إحرامه فلا يشرع له استعمال هذا المزيل إلا إن كان خلوا من الطيب؛ إذ هو بعد الإحرام ممنوع من ابتداء الطيب قولا واحدا، وإن اضطر إليه ولم يجد بدا من استعماله بعد الإحرام وكان طيبا فلا بأس باستعماله بشرط
(1) ابن عابدين، رد المحتار، ج 3، ص 558. (2/114)
صفحة 432
الرائد
(110)
الفدية صيام أو صدقة أو نسك، على أن رائحة كثير من مزيلات العرق ليست طيبا وإن كانت مستحسنة، وما كل رائحة مستحسنة طيبا، وضابط
الطيب الممنوع مفصل حكمه في الجزء الثالث من هذا الكتاب.
و مما يستحسنه الفقهاء أخذا من السابق لبس الجديد من أثواب الإحرام،
فإن لم يكن فالغسيل منها الذي لم يلبس بعد غسله، وذلك استحسان منهم وليس بشرط من الشارع بل ولا باستحباب منه كما يظهر.
وعليه فإن أحرم في ثوب لم يكن كالسابق ذكره صح إحرامه باتفاق علماء الملة ولو كان ثوب الإحرام نجسا فالإحرام نفسه لا يستلزم الطهارة بل يصح ولو كان المكلف على نجاسة بل لو كان على حدث أكبر كالنفاس أو الحيض أو الجنابة).
ويمكن أن يحرم بثوب واحد إن كان ساترا للعورة، وله أن يحرم في أكثر من ثوبين ثلاثة أو أكثر؛ إذ لا مانع ما لم يكن إسراف أو مخيلة ولكن السنة في أن يكون الإحرام للرجال بثوبين إزار ورداء الحديث الزهري عن سالم عن ابن عمر {أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين، فإن لم
(1) الشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 355. (2/115)
صفحة 433
الرائد
يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعهما حتى يكونا إلى العقبين).
ومن ذلك أيضا حديث موسى بن عقبة قال: أخبرني كريب عن عبد الله
بن عباس {قال: انطلق النبي الله من المدينة بعد ما ترجل وادهن ولبس إزاره ورداءه هو وأصحابه فلم ينه عن شيء من الأردية والأزر تلبس إلا المزعفرة التي تردع على الجلد.
وأما لباس المرأة في حال الإحرام فلا يختلف عن لباسها الشرعي الذي تلبسه في العادة فليس الإحرام ذاته بموجب شيئا زائدا على الأصل في
اللباس.
وما تصر عليه بعض النساء من التزام نوع خاص من الثياب كالخضر أو
غيرها فليس له من دليل شرعي يستند إليه بل هو إلى سنن الابتداع أقرب.
منه
إلى المشروعية إن كانت ترى ذلك من صميم العبادة كما هو واقع البعض. أما إن لبسته على أنه ثوب يسترها فلا حرج في أي لون تلبسه من الثياب ما دام مما يجوز لها لبسه في الشرع.
(1) ابن الجارود، المنتقى، ص 111، وأصل الحديث دون محل الشاهد عند الشيخين من الطريق نفسها طريق ابن عمر، وعند الإمام الربيع من طريق أبي سعيد الخدري.
(2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب ما يلبس المحرم من الثياب (1470). (2/116)
صفحة 434
الرائد
(117)
والأفضل أن تكون ثياب الإحرام بيضا مع جواز غير البيض، ولكن البيض أفضل لفضل البيض من الثياب الثابت في السنة كما في حديث أبي
عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس {قال: قال رسول الله:
عليكم بهذه الثياب البيض ألبسوها أحياءكم، وكفنوا فيها موتاكم؛ فإنها خير ثيابكم ولا تكفنوهم في حرير ولا مع شيء من الذهب؛ لأنهما محرمان على رجال أمتي، ومحللان لنسائها).
وهذا الحكم وإن كان عاما في الإحرام وغيره إلا أن المكلف في حال الإحرام حري بالمسارعة إلى ما هو أعظم في الأجر لشرف المقام وعظم أجر
الالتزام".
المطلب الرابع: الغسل
أولا: مشروعية الغسل وحكمه
أكبر الشرع الحنيف النسك والقدوم عليه فسن تهيئة النفوس لملاقاته حتى يعبر القادم عن عبوديته الله بلسان الحال والمقال ومما جاء في ذلك ندب مريد الإحرام لاغتسال كغسل الجنابة قبل أن يزلف في الإحرام.
(1) أخرجه الإمام الربيع في كتاب الجنائز، باب: الكفن والغسل (471). (2) الخروصي، من جوابات الإمام جابر بن زيد، ص 70. (2/117)
صفحة 435
الرائد
مع نية
وهذا الغسل يرتفع الحدث الأكبر به إن قصد به المكلف ذلك التأسي والاتباع لمن سن ذلك، ولكنه في حال الحائض والنفساء لا يرفع شيئا
من الأحداث لبقاء علة الحدث الأكبر وهي الدم حيضا كان أو نفاسا. ولكن يبقى للغسل المأمور به شرف التأسي والامتثال لسنة المصطفى الهادي وكفى بذلك منزلة وشرفا، كما يمكن أن يرام منه التنظف والاغتسال وإزالة الوعث عن البدن.
وقد جاءت في مشروعية الغسل أدلة شرعية عن النبي صلى الله عليه وسلم تقرر هذا الحكم وهي وإن كانت أفرادها لا تسلم من الإعلال من حيث الجملة لكنها تتظافر مجتمعة للحجية وإثبات مشروعية الغسل لمن أراد الإحرام.
وقد اختلفوا في حكم هذا الغسل مع الاتفاق على أنه سنة، فقيل مؤكدة حتى قال بعضهم هو أكد من غسل الجمعة للأمر الشرعي بالاغتسال كما هو رأي علمائنا الإباضية والإمام مالك بن أنس، وقيل بل سنة
للنفساء
مطلقة).
(1) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 276، والشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 355،
6
والجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2، ص 135، والشقصي، منهج الطالبين، ج 7، ص 43،
والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 50، والشافعي، الأم، ج 2، ص 145، وابن عبد (2/118)
صفحة 436
الرائد
119
وقد أغرب الشوكاني جدا فقال لا تثبت مشروعية الاغتسال للإحرام، وهذا الحكم منه وارد مع تظافر الأدلة عليه وحكاية الاتفاق على مقتضاها
من قبل المذاهب الإسلامية كافة إلا تابع الشوكاني وظله صديق خان). والأدلة المفيدة لمشروعية الاغتسال كثيرة، ومن ذلك حديث ابن عمر
{قال: إن من السنة أن يغتسل إذا أراد أن يحرم وإذا أراد أن يدخل مكة. ومعلوم أن قول الصحابي من السنة كذا له حكم الرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم على
قول أكثر أهل العلم ومضى احتجاجهم بذلك".
(4)
(0)
والحديث أخرجه الحاكم والبيهقي من حديث عبدان الأهوازي ثنا
البر، الاستذكار، ج 4، ص 5، والنووي، المجموع، ج 7، ص 188، وابن جماعة، هداية السالك، ج 2، ص 607، وابن الهمام، فتح القدير، ج 2، ص 429، والقرافي، الذخيرة،
ج 3، ص 223، وابن حزم، المحلى، ج 7، ص 82.
(1) الشوكاني، وبل الغمام، ج 1، ص 543.
(2) صديق خان، الروضة الندية، ج 1، ص 363.
(3) الآمدي، الإحكام، ج 2، ص 110، والجويني، البرهان، ج 1، ص 417، والسبكي،
الإبهاج، ج 2، ص 329.
(4) الحاكم، المستدرك، ج 1، ص 615.
(5) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 33. (2/119)
صفحة 437
الرائد
محمد بن المثنى ثنا سهل بن يوسف ثنا حميد عن بكر بن عبد الله المزني عن ابن
عمر.
وقال الحاكم إثره إنه صحيح على شرط الشيخين، وتعقبه الألباني فقال:
وإنما هو صحيح فقط؛ فإن فيه سهل بن يوسف ولم يرو له الشيخان. وفي كلام الشيخ الألباني نظر؛ إذ إن سهل بن يوسف أبا عبد الله الأنماطي البصري من رجال البخاري في صحيحه فقد روى له في موضعين في كتاب الجهاد والسير عن شعبة عن أبي إسحاق، وفي كتاب الأنبياء قال: سمعت العوام عن مجاهد قال: قلت لابن عباس.
ومما جاء في ندبية الاغتسال للإحرام حديث ابن عباس {قال:
اغتسل رسول الله الله ثم لبس ثيابه فلما أتى ذا الحليفة صلى ركعتين ثم على بعيره فلما استوى به على البيداء أحرم بالحج.
قعد
(1) الألباني، إرواء الغليل، ج 1، ص 178.
(2) الكلاباذي رجال صحيح البخاري، ج 1، ص 325،،والمزي، تهذيب الكمال، ج 12،
ص 213.
(3) برقم (2709).
(4) برقم (3239). (2/120)
صفحة 438
الرائد
(2)
والحديث أخرجه الحاكم، والبيهقي من حديث يعقوب بن عطاء عن أبيه عن ابن عباس، ويعقوب بن عطاء بن أبي رباح غير حجة في الرواية فقد قال ابن معين: ضعيف الحديث ليس بمتروك، وقال أحمد: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي"، وفوق ضعفه هو مدلس.
ومما جاء حديث: عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج إلى مكة اغتسل حين يريد أن يحرم، وقد أخرجه الطبراني من طريق عيسى بن محمد السمسار قال: حدثنا محمد بن عمرويه الهروي قال حدثنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي قال: حدثنا خالد بن إلياس عن صالح بن أبي حسان عن عبد الملك بن مروان عن عائشة).
وهذا إسناد ضعيف جدا؛ فخالد بن إلياس قال عنه أحمد والنسائي: متروك الحديث، وقال يحيى بن معين: ليس بشيء لا يكتب حديثه، وقال ابن
(1) الحاكم، المستدرك، ج 1، ص 615.
(2) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 33.
(3) ابن عدي، الكامل، ج 7، ص 143، والعقيلي الضعفاء، ج 4، ص 445، والذهبي، ميزان
الاعتدال، ج 7، ص 279.
(4) ابن حجر، طبقات المدلسين، ص 51.
(5) الطبراني، المعجم الأوسط، ج 5، ص 138. (2/121)
صفحة 439
الرائد
122
حبان: يروي الموضوعات عن الثقات حتى يسبق إلى القلب أنه الواضع لها لا
يحل أن يكتب حديثه إلا على جهة التعجب).
ومما جاء حديث عبد الله بن يعقوب المدني عن ابن أبي الزناد عن
خارجة بن زيد عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم تجرد لإهلاله واغتسل.
أبيه
أخرجه الترمذي وقال حسن غريب وابن خزيمة، وفي الإسناد
عبد الله بن يعقوب المدني وهو مجهول الحال لم أجد من ذكره بجرح أو تعديل غير ما قاله الذهبي: لا أعرفه).
وقد رواه عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، وقد اختلف فيه أهل الجرح والتعديل فقال ابن معين ضعيف، وفي رواية لا يحتج به، وقال أحمد: مضطرب الحديث، وقال ابن المديني والنسائي: ضعيف، ووثقه الترمذي
(1) ابن حبان المجروحين، ج 1، ص 279، وابن عدي الكامل، ج 3، صه، والعقيلي،
الضعفاء، ج 2، ص 3.
(2) في كتاب الحج، باب ما جاء في الاغتسال عند الإحرام (830).
(3) ابن خزيمة، صحيح ابن خزيمة، ج 4، ص 161.
(4) الذهبي، ميزان الاعتدال، ج 4، ص 231. (2/122)
صفحة 440
الرائد
123
والعجلي، قال ابن الملقن:
قال ابن القطان: وإنما حسنه الترمذي للاختلاف في عبد الرحمن بن أبي الزناد، قال: ولعله عرف عبد الله بن يعقوب المدني وما أدري كيف ذلك، ولا
أرى أني يلزمني صحته؛ فإني أجهدت نفسي في معرفته فلم أر أحدا ذكره.
وفي حديث النهي عن الصلاة خلف النائم عبد الله بن يعقوب المدني وهو أيضا لا أعرفه مذكورا قال ابن الملقن: صرح بعضهم بأنه هو، وليس في سنن د ت سواه، نعم هو مجهول الحال.
وتُعِقّب ابن الملقن في ذلك فقال تلميذه الحافظ ابن حجر:
ويبعد ظنه بعد ما بينهما من الطبقة؛ فإن من روى عن الذي أخرج له أبو داود وهما ابن أيمن شيخ القعنبي، وعبد الله بن وهب المصري في عداد شيوخ الذي أخرج الترمذي الحديث عنه.
ولأن الحضرمي إذا كان تابعيا لا يدركه من يروي عن عبد الرحمن بن
(1) ابن حبان، المجروحين، ج 2، ص 56، وابن عدي، الكامل، ج 4، ص 274، والمزي،
6
تهذيب الكمال، ج 17، ص 95.
(2) ابن الملقن البدر المنير، ج 6، ص 129. (2/123)
صفحة 441
الرائد
124
أبي الزناد وعن واحد عن محمد بن كعب).
وقد تابع عبد الله بن يعقوب المدني الأسود بن عامر من رجال الشيخين
عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن خارجة عن أبيه بإسناد لا يصح
عند البيهقي
(2)
كما تابعه أيضا أبو غزية محمد بن موسى عند الدارقطني، والطبراني، والبيهقي، ولكنه ضعيف لا يحتج به، قال ابن صاعد الراوي عن أبي غزية: هذا حديث غريب ما سمعناه إلا منه.
ومما جاء أيضا حديث عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن
يحرم غسل رأسه بخطمي وأشنان، ودهنه بشيء من زيت غير كثير. أخرجه أحمد من حديث زكريا بن عدي قال: أنا عبيد الله بن عمرو عن
(1) ابن حجر، تهذيب التهذيب، ج 4، ص 544.
(2) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 32.
(3) الدارقطني، السنن، ج 2، ص 220. (4) الطبراني، المعجم الكبير، ج 5، ص 135.
(5) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 2 (2/124)
صفحة 442
الرائد
125
عبد الله بن محمد بن عقيل عن عروة عن عائشة.
وفي إسناده عبد الله بن محمد بن عقيل وهو ضعيف، قال أحمد بن حنبل:
منكر الحديث، وقال عباس الدوري عن يحيى بن معين: لا يحتج بحديثه، وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: توقف عنه عامة ما يرويه غريب.
وقال ابن حبان من فقهاء أهل البيت وقرائهم إلا أنه كان رديء
الحفظ
كان يحدث عن التوهم فيجيء بالخبر على غير سننه فلما كثر ذلك في أخباره وجب مجانبتها والاحتجاج بضدها.
ولذلك حكى جماعة من الأئمة الإجماع على استحباب الاغتسال للمحرم، وأنه ليس بشرط لصحة الإحرام بل الإحرام صحيح دونه من ذلك قول الشيخ أبي طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي
قد أجمع العلماء على أن الإحرام جائز بغير اغتسال لكنهم استحبوه
(1) أحمد بن حنبل، المسند، ج 6، ص 78.
(2) ابن حبان، المجروحين، ج 2، ص 3، وابن عدي الكامل، ج 4، ص 127، والعقيلي،
الضعفاء، ج 2، ص 298، والمزي، تهذيب الكمال، ج 16، ص 78. (2/125)
صفحة 443
الرائد
126
لغسل النبي، ولأمره أسماء بنت عميس وهي نفساء أن تغتسل وتحرم". والأمر بالاغتسال قبل الإحرام مشروع بالأدلة الماضية للرجال والنساء الذين يستفيدون من الغسل كما هو بين ظاهر، وجاء الهدي النبوي بمشروعية الاغتسال للمرأة النفساء وإن كانت لا تصل إلى الطهارة بذلك الغسل ومن ذلك حديث:
أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة أم المؤمنين < قالت: إن أسماء بنت عميس ولدت محمد بن أبي بكر بالبيداء، فذكر ذلك أبو بكر لرسول الله فقال: مرها فلتغتسل، ثم لتهلل.
(1) الجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2، ص 135، والكاندهلوي، أوجز المسالك، ج 6،
ص 345.
(2) أخرجه الإمام الربيع في كتاب الحج، باب ما تفعل الحائض في الحج (442)، وجاء من طريق السيدة عائشة أيضا عند الإمام مسلم في كتاب الحج، باب: إحرام النفساء
و استحباب اغتسالها للإحرام وكذا الحائض (1209)، قال النووي في الشرح قولها: نفست أي ولدت وهي بكسر الفاء لا غير، وفي النون لغتان المشهورة ضمها، والثانية فتحها، سمي نفاسا لخروج النفس وهو المولود والدم أيضا، قال القاضي: وتجري اللغتان في الحيض أيضا يقال: نفست أي حاضت بفتح النون وضمها، قال: ذكرهما صاحب الأفعال، قال: وأنكر جماعة الضم في الحيض. (2/126)
صفحة 444
الرائد
127
وبذلك كان لقصة أسماء بنت عميس سنن ثلاث: أولها: جواز اغتسال المحرم، واغتسال الحائض والنفساء، وأن الإحرام لا تشترط فيه الطهارة، ولا صلاة ركعتي الإحرام بل يصح دون ذلك سواء كانت الطهارة من الحدث الأصغر أو الأكبر)
وجاء الأمر بالاغتسال للحائض والنفساء عاما للأمة من قول صاحب الدعوة من حديث مروان بن شجاع عن خصيف عن عكرمة ومجاهد وعطاء عن ابن عباس {أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الحائض والنفساء إذا أتنا على الوقت تغتسلان وتحرمان وتقضيان المناسك كلها غير الطواف بالبيت. والحديث أخرجه بهذا اللفظ أبو داود)، واختلف في الاحتجاج به وقد أعله المنذري بقوله: وأخرجه الترمذي وقال غريب من هذا الوجه، هذا آخر كلامه، وفي إسناده خصيف وهو ابن عبد الرحمن الحراني كنيته أبو عوان وقد ضعفه غير واحد (3).
(1) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 276، والشقصي، منهج الطالبين، ج 7، ص 51، والبسيوي، الجامع، ج 2، ص 264.
(2) كتاب المناسك، باب الطيب عند الإحرام (1744).
(3) ابن حبان، المجروحين، ج 1، ص 287، وابن عدي الكامل، ج 3، ص 69، والعقيلي،
الضعفاء، ج 2، ص 31. (2/127)
صفحة 445
الرائد
128
هذا الذي عليه أكثر الأمة بل حكي عليه الاتفاق، وحكى الرافعي
(1)
قولا شاذا أن الحائض والنفساء لا يسن لهما الاغتسال وكفى به ضعفا مصادمته للأمر النبوي.
وهذا الأمر بالغسل للمرأة وغيرها أمر ندب وإرشاد وليس بشرط
لصحة الإحرام على رأي أكثر الأمة بل حكي عليه اتفاق أهل العلم". قال ابن المنذر: وأجمعوا على أن الإحرام جائز بغير اغتسال، وأجمعوا على أن الاغتسال للإحرام غير واجب، وانفرد الحسن البصري وعطاء". قال الإمام أبو سعيد الكدمي مبينا رأي علمائنا الإباضية:
أصحابنا يأمرون بالاغتسال للإحرام للحج والعمرة ولا أعلم ذلك لازما في قولهم؛ لأن الحائض والنفساء يفعلان جميع المناسك ويتم فعلهما في المناسك إلا في الطواف بالبيت؛ لأنه بمنزلة الصلاة والإحرام من سائر
جميع
مناسك الحج.
(1) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 376.
(2) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 232.
(3) ابن المنذر الإجماع، ص 106.
(4) الشقصي، منهج الطالبين، ج 7، ص 54. (2/128)
صفحة 446
الرائد
129
ولكن ذهب الظاهرية على ما حكاه ابن حزم في المحلى- إلى أن المرأة النفساء من الواجب عليها الغسل قبل الإحرام مستدلين بحديث أسماء بنت عميس زوج أبي بكر الصديق له إذ إن الأمر الأصل فيه الوجوب.
ومن أهل العلم من ينسب للظاهرية القول بوجوب الغسل على مريد الإحرام بإطلاق ولا أدري مصدرهم في ذلك، وكلام ابن حزم الظاهري السابق في المحلى ينص أن الفرضية على رأيهم متوجهة إلى النفساء وحدها بعد أن حرر أن الاغتسال للإحرام أمر مستحب للرجال والنساء من حيث الجملة، وما ذلك إلا لاختصاصها بالأمر النبوي الذي أخذوا منه الوجوب، وغيرها دليله الفعل النبوي.
والقول بوجوب الغسل للإحرام على الحائض والنفساء مروي عن الحسن البصري وعطاء).
وذهب بعض أهل العلم إلى وجوب الاغتسال للإحرام مطلقا من ذلك
ما سبق النقل عن ابن المنذر من أن الحسن البصري وعطاء قالا
وقال أبو عمر ابن عبد البر:
(1) ابن حزم، المحلى، ج 7، ص 82
(2) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 5.
به. (2/129)
صفحة 447
الرائد
وقال أحمد بن المعذل عن عبد الملك بن الماجشون: الغسل عند الإحرام لازم إلا أنه ليس في تركه ناسيا ولا عامدا دم ولا فدية، قال: وإن ذكره بعد الإهلال فلا أرى عليه غسلا.
ورأى بعض الفقهاء) حسنا للمرأة النفساء والحائض أن تقيما بالميقات إن كان هناك واسع من الوقت ولم تكن مشقة ثم تغتسلان بعد الطهر لتكونا على أكمل حالها من الغسل طاهرتين مع جواز عدم الانتظار، فإن ضاق الوقت اغتسلت حائضا وأحرمت.
واختلفوا في علة أمرها بالغسل فقيل للتشبه بأهل الكمال وهن
الطاهرات طمعا في درك مراتبهن ورجاء لمشاركتهن).
وقيل بل الأمر باغتسال من لا يصل إلى الطهارة كالحائض والنفساء إنما هو لشمول المعنى الذي شرع الغسل من أجله وهو التنظف وقطع الرائحة
الكريهة لدفع أذاها عن الناس.
(1) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 5، والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص 224. (2) الشافعي، الأم، ج 2، ص 145، وابن جماعة، هداية السالك، ج 2، ص 610. (3) الخطابي، معالم السنن (بحاشية سنن أبي داود)، ج 2، ص 246.
(4) الكاندهلوي، أوجز المسالك، ج 6، ص 344. (2/130)
صفحة 448
الرائد
131
ثانيا: الخلاف في مشروعية نيابة التيمم عن الغسل
لأهل العلم خلاف فيمن لم يجد الماء لغسل الإحرام أيشرع له التيمم أو
ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه لا يشرع له ذلك؛ إذ هذا الغسل مسنون وليس بواجب، والتيمم إنما هو وارد على الأغسال الواجبة دون غيرها رافعا المكلف به الأحداث التي تمنعه من العبادات التي يشترط لها الطهارة الكبرى، فبذلك يفترق الأمران فلا يشرع التيمم بدلا من الغسل في
هذا الموضع.
وقال آخرون: إن التيمم يشرع لمن شاء الإحرام ولم يستطع الغسل؛ لأن الغسل مشروع ينوب عنه التيمم كالواجب، وإن ناب عن الغسل الواجب فبالأحرى أن ينوب عن المسنون الذي هو أقل درجة من الواجب.
ويمكن أن يفرع الخلاف في المسألة على الأصل الذي اختلف الفقهاء فيه: أمشروعية غسل الإحرام للتعبد أو ذلك للتنظف فقط، إذ هو على
(1) البسيوي، الجامع، ج 2، ص 265، والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 50 والشافعي، الأم، ج 2، ص 145، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 233، وابن جماعة، هداية السالك، ج 2، ص 611، والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص 224. (2/131)
صفحة 449
الرائد
132
الأخير غير مشروع فالتراب لا يزيد المتنظف به إلا شعثا وغبرا.
أما إن كان للتعبد فخطاب الشارع للمكلفين أن بدل الماء التراب، وبدل
الوضوء والغسل التيمم.
ثالثا: الاغتسال خارج الميقات
اختلف الناس فيمن اغتسل خارج الميقات كالمدينة المنورة ثم ذهب إلى ذي الحليفة أيجزيه ذلك، فقيل إن ذهب بعد اغتساله دون أن يشتغل بغيره اختيارا فيجزيه، وإن تمادى ومضى عليه شيء من الزمن حيث اغتسل لم يجزه ذلك وطولب بالاغتسال مرة أخرى إن شاء حيازة أجر الامتثال.
وقيل بل المشروع أن يكون الاغتسال مطلقا بالميقات ليوافق ذلك الهدي
النبوي على صاحبه أفضل الصلاة والسلام.
ولعل أصل اختلافهم هو: هل الغسل في الميقات أمر تعبدي يتوقف عنده على فعل صاحب الدعوة أو هو للتنظف والاستعداد للإحرام فقط؛ فعلى الثاني يتحقق المقصد بالاغتسال من المدينة؛ إذ المسافة جد قصيرة لا
يزول معها أصل مشروعية الاغتسال.
(1) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 5. (2/132)
صفحة 450
الرائد
المطلب الخامس: تلبيد شعر الرأس
أولا: تعريف التلبيد
133
التلبيد في اللغة جعل الشيء مجتمعا ساكنا، قال ابن فارس: اللام والباء والدال كلمة صحيحة تدلُّ على تكرُّسِ الشَّيء بعضه فوقَ
بعض، من ذلك اللبد، وهو معروف، وتلبدت الأرضُ، ولبدها المطر. وصار الناس عليه لُبَداً إذا تجمعوا عليه، قال الله تعالى: وَأَنَّهُ لَا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا.
ولبد أيضاً على وزن، فُعَل من ألبد بالمكان إذا أقام، والأسد ذو لبدة، وذلك أنَّ قَطيفَتَه تتلبّد عليه، لكثرة الدّماء التي يَلغُ فيها.
ومن الباب: ألْبَدَ بالمكان: أقام به، واللُّبَد: الرّجلُ لا يفارِقُ مَنْزِلَه، كلُّ ذلك مقيس على الكلمة الأولى اهـ.
في المسند
أما التلبيد في المصطلح الشرعي فعرفه الإمام الربيع بن حبيب بعد رواية الحديث فقال: التلبيد أن يعمد إلى غاسول أو صمغ فيعصب به
(1) ابن منظور، لسان العرب، ج 3، ص 385، والزبيدي، تاج العروس، ج 9، ص 131.
(2) سورة الجن الآية. (19). (2/133)
صفحة 451
الرائد
134
رأسه ويلبد به شعره.
أي أن يجعل في رأسه شيئا من صمغ أو نحوه فيتماسك شعره صيانة له
عن الهوام وسقوط الشعر بحك أو نحوه.
ثانيا: مشروعية التلبيد
التلبيد على المعنى السابق من حيث إنه من مندوبات الإحرام مذهـ بعض من أهل العلم، وقد قالوا به لثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم في روايات منها حديث يونس عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل ملبدا).
ومن ذلك أيضا حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري له قال: قالت حفصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما بال الناس أحلوا بعمرة ولم تحلل أنت من عمرتك؟ فقال: إني لبدت رأسي، وقلدت هديي،، فلا أحل
(1) کتاب الحج، باب في الهدي والجزاء والفدية (428)، ومالك بن أنس، المدونة الكبرى، ج 2، ص 402، وابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 312، وابن جماعة هداية السالك
،
ج 2، ص 613، والعيني، عمدة القاري، ج 9، ص 159 وابن عبد البر، الاستذكار
ج 4، ص 319، والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص 225.
(2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب من أهل ملبدا (1466)، ومسلم في كتاب: الحج، باب التلبية وصفتها (1184). (2/134)
صفحة 452
الرائد
(1)
حتى أنحر.
وجاء ما يفيد ذكر ما لبد به النبي الله يوم إحرامه وهو حديث عبيد الله بن عمر ثنا عبد الأعلى ثنا محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر {أن النبيل البلد رأسه بالعسل.
والحديث أخرجه أبو داود) وإسناده صحيح محتج به سوى الكلام في محمد بن إسحاق صاحب المغازي فالناس مختلفون فيه بين موثق ومضعف ومن يحسن حديثه، ومع هذا القبول لحديثه لا بد من اشتراط تصريحه بالتحديث؛ إذ الرجل متهم بالتدليس
قال الحافظ ابن حجر
(3)
قال ابن عبد السلام يحتمل أنه بفتح المهملتين، ويحتمل أنه بكسر
المعجمة وسكون المهملة وهو ما يغسل به الرأس من خطمي أو غيره. قلت: ضبطناه في روايتنا في سنن أبي داود بالمهملتين، اهـ، وقال ابن
(1) أخرجه الربيع واللفظ له في كتاب الحج، باب في الهدي والجزاء والفدية (428)، والبخاري في كتاب الحج، باب: التلبيد (5572).
(2) في كتاب المناسك، باب: التلبيد (1748).
(3) المزي، تهذيب الكمال، ج 24، ص 105. (2/135)
صفحة 453
الرائد
136
الصلاح يحتمل أن لفظ العسل بالمهملتين.
ويحتمل من حيث المعنى إن الغسل بكسر الغين المعجمة وهو ما يغسل
به الرأس من خطمي أو غيره.
لكن ذهب آخرون من أهل العلم إلى عدم مشروعية التلبيد رأسا، بل أوجب بعضهم على التلبيد بالثخين دما، ودمين إن جمع معه الطيب، وعللوا ذلك بأنه تغطية للرأس وهو من المحظورات التي ينهى عنها المحرم كما سنذكر ذلك إن شاء الله.
ولكن يشكل على هذا التعليل أن الذي بيّن محظورات الإحرام هو نفسه الذي ثبت عنه التلبيد دون خلاف كما تبين فلا بد من الجمع بينهما، أو يقال إن التلبيد ليس من باب تغطية الرأس في شيء؛ إذ هو مخامر للشعر غير متميز عنه يفيد تسكينه وعدم تشعثه.
ومن الفقهاء من ذهب إلى أنه يؤمر بالتلبيد من طال مكثه في الإحرام
دون غيره.
(1) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 400، والعيني، عمدة القاري، ج 9، ص 159.
(2) الكاندهلوي، أوجز المسالك، ج 6، ص 429.
(3) السيوطي، شرح سنن النسائي، ج 5، ص 136. (2/136)
صفحة 454
الرائد
137
ولعل هؤلاء نظروا إلى علة التلبيد فما رأوها سائغة إلا لمن طال مكثه في الإحرام؛ إذ الآخر غير محتاج له، وأنت خبير أن هذا التقييد لم ينطق به الدليل
الشرعي.
ظهور مشروعية التلبيد بالأدلة السابقة لا بد من التنبه إلى أن ومع التلبيد الوارد في النص الشرعي قد علل به حكم شرعي وهو عدم الإحلال بعمرة ولزوم القران بينها والحج، مما يعني أنه مشروع لمن شاء القرآن بين الحج والعمرة، فيكون مفهوم ذلك أن من أراد التمتع فلا يشرع له ذلك كما هو مجتلى من قوله: إني لبدت رأسي، وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر. ثالثا: وقت التلبيد
للفقهاء القائلين بمشروعية التلبيد خلاف في وقته أيكون بعد الإحرام
أو قبله على وجه يتلبس صاحبه فيه بوصف الإحرام ملبدا،
تباين النظر في الأثر: أكان تلبيد النبي صلى الله عليه وسلم بعد الإحرام أو قبله.
وسبب
الخلاف
ظاهر حديث ابن عمر {أن الإهلال كان مصاحبا للتلبيد كما في قوله: أهل ملبدا، وإن كان مصاحبا له فليس هناك من بد أن يكون سابقا
للإهلال وإلا لما اصطحبه حال إحرامه.
(1) الكاندهلوي، حجة الوداع، ص 43. (2/137)
صفحة 455
الرائد
138
رابعا: الإحلال بالتقصير لمن لبد رأسه
اختلف القائلون بمشروعية التلبيد فيمن لبد رأسه، ومثله من ظفر رأسه وعقص شعره أيلزمه الحلق أو يجوز له التقصير عند إحلاله من إحرامه على رأيين:
منهم على لزوم الحلق لفعل النبي إذ إنه لبد وحلق"، ولأمر عمر بن الخطاب وابنه عبد الله {بذلك كما في حديث سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر {قال: سمعت عمر ه يقول:
من ضفر فليحلق ولا تشبهوا بالتلبيد، وكان ابن عمر يقول: لقد رأيت
رسول الله صلى الله عليه وسلم ملبدا).
وكذلك أمر الإمام علي بذلك على ما روي عنه.
(1) ابن جعفر الجامع، ج 3، ص 348، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 162، وابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 560، والعيني، عمدة القاري، ج 9، ص 159، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 223، والقرافي الذخيرة، ج 3، ص 268.
(2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب الحلق والتقصير (1639).
(3) أخرجه الإمام مالك في الموطأ باب: في التلبيد (894)، وابن عبد البر، الاستذكار، ج 4،
ص 319.
(4) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 311. (2/138)
صفحة 456
الرائد
139
ثم إن من لبد لم يتمكن من تعميم التقصير لجملة شعره.
كما استدل هؤلاء أيضا بحديث مرفوع من طريق عبد الله بن نافع عن
أبيه عن ابن عمر {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من لبد رأسه للإحرام فقد
وجب عليه الحلق.
قال الإمام السالمي -:
الناس بالنظر إلى الحلق والتقصير على ثلاثة أصناف: صنف يتعين في حقه الحلق وهو الذي يتعذر عليه التقصير كالملبد رأسه وكذلك الذي ليس له شعر فإنه يجري على رأسه الموسى، وكذلك من كان شعره لطيفا لا يمكن
تقصيره
وصنف يتعين في حقه التقصير وهي النساء فإن الحلق في حقهن مثلة فلا يجوز، وصنف يجوز له الأمران وهم غير من ذكرنا).
وذهب آخرون إلى أنه لا يلزمه الحلق لأصل التخيير بين الحلق والتقصير المستفاد من أدلة الشارع وعدم الموجب لتعيين الحلق.
(1) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 268.
(2) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 280. (2/139)
صفحة 457
الرائد
قال المخيّرون وما روي من حديث عبد الله بن رافع لا يثبت عن النبي فلا يسلم لهم به.
و بيان ذلك أنه قد أخرجه الحافظ ابن عدي في ترجمة عبد الله بن نافع مولى ابن عمر وهو ممن لا يحتج بحديثه فقد قال النسائي: متروك، وقال البخاري: منكر الحديث، وضعفه ابن معين وغيره كما أورد ذلك ابن عدي
نفسه (1).
وقد روى عبد الله بن نافع المذكور هذا الحديث عن عاصم بن عمر بن حفص وهو ضعيف أيضا، قال النسائي: متروك، وقال ابن حبان: لا يجوز
الاحتجاج بحديثه).
قال ابن قدامة:
والصحيح أنه مخير إلا أن يثبت الخبر عن النبي، وقول عمر وابنه قد خالفهما فيه ابن عباس، وفعل النبي الله لا يدل على وجوبه بعدما بيّن لهم
(1) ابن عدي، الكامل، ج 4، ص 164.
(2) ابن عدي الكامل، ج 5، ص 228، والعقيلي، الضعفاء، ج 3، ص 335، والمزي، تهذيب
الكمال، ج 13، ص 517. (2/140)
صفحة 458
الرائد
جواز الأمرين.
وقد تبين أن الحديث لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فيبقى الأمر على أصل
التخيير المستفاد من الشارع إذ لم تقم الحجة بالتعيين.
يبقى
أنه هل يمكن واقعا الإحلال بالتقصير لمن لبد رأسه فإن أمكنه
ذلك فقد تبين أنه ليس هناك مانع شرعي من الحلق بالتقصير لمن لبد رأسه، وإن لم يمكن ولم يتوصل إلى الإحلال إلا بالحلق فلا محيص حينها من القول بتعين الحلق لا لأصل التلبيد بل لعلة أن الإحلال لا يتوصل إليه إلا بالحلق، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
ومن القائلين بوجوب الحلق لمن لبد رأسه من قال إن التلبيد لا يفعله إلا من يريد الحلق يوم النحر للنسك فينزل هذا منزلة نذر الحلق".
(1) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 223.
(2) العراقي، طرح التثريب، ج 5، ص 99. (2/141)
صفحة 459
الرائد
142
المطلب السادس: استدامة الطيب
:أولا مشروعية استدامة الطيب
ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن من المشروع لمن شاء الإحرام التطيب قبله واستدامته بعد الإحرام لورود الأخبار الصحاح أن صاحب الدعوة صلى الله عليه وسلم فعل ذلك في حجة الوداع ومن ذلك حديث سعيد بن جبير قال: كان ابن عمر يدهن بالزيت فذكرته لإبراهيم قال ما تصنع بقوله حدثني الأسود عن عائشة قالت: كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم).
وجاء في ذلك أيضا حديث عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه حين يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت).
د
وجاء في ذلك أيضا حديث إبراهيم بن يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق السبيعي عن أبيه عن أبي إسحاق سمع ابن الأسود يذكر عن أبيه عن عائشة قالت: كان رسول الله له إذا أراد أن يحرم يتطيب بأطيب ما يجد
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب الطيب عند الإحرام (1464). (2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب الطيب عند الإحرام (1465) (2/142)
صفحة 460
الرائد
143
ثم أرى وبيص الدهن في رأسه ولحيته بعد ذلك.
وجاء في ذلك أيضا حديث عبد الرحمن بن القاسم أنه سمع أباه يقول:
سمعت عائشة < تقول: طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي هاتين حين أحرم،
ولحله حين أحل قبل أن يطوف وبسطت يديها.
وجاء في ذلك أيضا حديث الحسين بن الجنيد الدامغاني ثنا أبو أسامة
قال: أخبرني عمر بن سويد الثقفي قال: حدثتني عائشة بنت طلحة أن عائشة أم المؤمنين < حدثتها قالت:
كنا نخرج مع النبي إلى مكة فنضمد جباهنا بالسك) المطيب عند الإحرام فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها فيراه النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينهاها.
و استعمال الطيب قبل الإحرام واستدامته بعده مروي عن جماعة من
أصحاب رسول الله، قال ابن حزم:
:
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب الطيب عند الإحرام (1465)
(2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب الطيب عند رمي الجمار والحلق قبل الإفاضة (1667)، ومسلم في كتاب الحج، باب الطيب للمحرم (1189).
(3) بضم السين المهملة وتشديد الكاف، ضرب من الطيب يركب من مسك ورامك. (4) أخرجه أبو داود في كتاب المناسك باب ما يلبس المحرم (1830). (2/143)
صفحة 461
الرائد
(144
ومن طريق وكيع عن محمد بن قيس عن بشير بن يسار الأنصاري أن عمر وجد ريح طيب فقال: ممن هذه الريح؟
فقال البراء بن عازب مني يا أمير المؤمنين، قال: قد علمنا أن امرأتك عطرة، إنما الحاج الأدفر الأغبر.
وبه إلى محمد بن قيس عن الشعبي أنه قال: كان عبد الله بن جعفر يتطيب بالمسك عند إحرامه، ومن طريق ابن أبي شيبة عن مروان بن معاوية الفزاري عن صالح بن حيان قال:
رأيت أنس بن مالك أصاب ثوبه من خلوق الكعبة وهو محرم فلم
يغسله.
ومن طريق سفيان عن أيوب السختياني عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص: قالت طيبت أبي بالسك والذريرة الحرمه حين أحرم ولحله قبل أن يزور أو يطوف.
ومن طريق معمر عن أيوب عنها وغيره أنها سئلت ما كان ذلك الطيب؟ قالت البان الجيد والذريرة الممسكة ... ومن طريق حماد بن
سلمة
قال: حدثتني ذرة أنها كانت تغلف رأس عائشة أم المؤمنين بالمسك والعنبر
عند الإحرام. (2/144)
صفحة 462
الرائد
(120)
ومن طريق عبد الرحمن بن القاسم عن أمه –وهي بنت عبد الرحمن بن
أبي بكر الصديق -: رأيت عائشة تنكث في مفارقها الطيب ثم تحرم. وعن أبي سعيد الخدري أنه كان يدهن بالبان عند الإحرام، ومن طريق وكيع عن سفيان عن عمار الدهني عن مسلم البطين أن الحسين بن علي أمر لأصحابه بالطيب عند الإحرام.
ومن طريق شعبة عن الأشعث بن سليم عن مرة بن خالد الشيباني قال:
سألنا أبا ذر بالربذة بأي شيء يدهن المحرم؟ قال: بالدهن.
وعن أبي معاوية عن الأعمش عن أبي الضحى قال: رأيت عبد الله بن
الزبير وفي رأسه ولحيته وهو محرم ما لو كان لرجل لاتخذ منه رأس مال. وعن وكيع عن هشام بن عروة عن أبيه عن ابن الزبير أنه كان يتطيب بالغالية الجيدة عند إحرامه، ومن طريق وكيع عن عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه قال: سألت ابن عباس عن الطيب للمحرم فقال: إني لأسغسغه في رأسي قبل أن أحرم ثم أحب بقاءه.
وعن ابن عباس أنه كان لا يرى بأسا بالطيب عند الإحرام ويوم
النحر (2/145)
صفحة 463
الرائد
قبل أن يزور.
146
ومن الحسن ذكره أن هذا الحكم خاص بالاستدامة للطيب الذي أحرم به الإنسان وهو عليه فقط، أما بعد الإحرام فلا يشرع للمحرم أن يتعرض
للطيب بمساس؛ إذ هو ممنوع من ذلك باتفاق على ضوابط يأتي ذكرها. ومما قاله بعض الفقهاء تفريعا على ذلك أن جواز الاستدامة يكون ما لم
ينزع المحرم الثوب منه فإن نزعه لم يكن له أن يلبسه؛ لأن الإحرام يمنع ابتداء الطيب ولبس المطيب دون الاستدامة.
وقيل بل لا حرج في ذلك؛ لأن العادة جرت على الارتداء والترك من
(2)
حال إلى آخر.
وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن المحرم ممنوع من ابتداء الطيب بعد الإحرام وهو ممنوع من استدامته، وقالوا هو بعد الإحرام ممنوع اتفاقا
فيحمل عليه الحكم في استدامته.
(1) ابن حزم المحلى، ج 7، ص 82، وابن عبد البر، التمهيد، ج 2، ص 256.
(2) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 236، والنووي، المجموع، ج 9، ص 196. (3) الشقصي منهج الطالبين، ج 7، ص 68، والكندي، المصنف، ج 8، ص 124، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 234، والعيني، البناية، ج 4، ص 170. (2/146)
صفحة 464
الرائد
(147)
والدليل أن العلة من المنع بعد الإحرام موجودة نفسها في الاستدامة خاصة إن علمنا أن إحرام المحرم لا يدوم كثيرا فهو في حق المتمتعين اليوم لا يزيد على يومين ونصف مما يعني أن الطيب سيصحب المحرم من أول إحرامه وإلى حين إحلاله.
والشرع قد بين الحكمة من الإحرام ومشروعيته كما في حديث محمد بن عباد قال: سمعت عبد الله بن عمر الله يقول: قام رجل فقال: يا رسول الله، ما الحاج؟ قال: الشعث التفل.
قال أبو سليمان الخطابي: يريد أن من صفة الحاج أن يهجر الطيب
والدهن حتى يشعث بدنه و تتغير رائحته).
ثم إن ما كان ممنوعا من استدامته منع من ابتدائه كلبس المخيط.
وفوق ذلك قد شهد الأثر القاضي على غيره بهذا الحكم كما في حديث همام حدثنا عطاء قال: حدثني صفوان بن يعلى بن أمية يعني عن أبيه أن
(1) قال الزمخشري: التفل ألا يتطيب فيوجد منه رائحة كريهة من تفل الشيء من فيه إذا رمـ
به متكرها الزمخشري الفائق في غريب الحديث، ج 1، ص 151.
(2) الخطابي، غريب الحديث، ج 2، ص 263.
رمى (2/147)
صفحة 465
الرائد
148
(1)
رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة وعليه جبة وعليه أثر الخلوق –أو قال
صفرة فقال: كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟
فأنزل الله على النبي صلى الله عليه وسلم فستر بثوب ووددت أني قد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وقد أنزل عليه الوحي، فقال عمر: تعال أيسرك أن تنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد أنزل الله عليه الوحي؟ قلت: نعم، فرفع طرف الثوب فنظرت إليه له غطيط وأحسبه قال كغطيط البكر.
فلما سري عنه قال: أين السائل عن العمرة؟ اخلع عنك الجبة، واغسل أثر الخلوق عنك، وأنق الصفرة واصنع في عمرتك كما تصنع في حجك". ثم إن ابن عمر وأباه {قد منعا من استدامة الطيب للمحرم وهما مَنْ هما في التمسك بسنة النبي، ولو كان ذلك مشروعا لما خفي عليهما، ولو كانا عالمين به لما أفتيا بخلافه وهما المعروفان بالتمسك الشديد بالسنة وقد روى: شعبة عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه قال: سألت ابن عمر
(1) الخلوق بفتح الخاء المعجمة نوع من الطيب مركب فيه زعفران. القطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 84، وابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 393.
(2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: يفعل في العمرة ما يفعل في الحج (1697). (2/148)
صفحة 466
الرائد
(129)
عن الطيب عند الإحرام فقال: لأن أطلي بالقطران أحب إلي من ذلك. وأجاب هؤلاء عن حديث السيدة عائشة بقولهم إن النبي تطيب هلال
ثم أتى زوجاته ثم اغتسل مما يعني أنه قد زال أثر الطيب بالاغتسال كما يفيد
ذلك حديث: سفيان عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه قال: سمعت ابن عمر يقول:
لأن أصبح مطليا بقطران أحب إلي من أن أصبح محرما أنضح طيبا، فدخلت على عائشة فأخبرتها بقوله فقالت طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف في نسائه ثم أصبح محرما).
فالحديث بذلك دال على مشروعية تطيب الرجل عند إتيان زوجه لا
للإحرام كما هو بيّن ظاهر من هذا النص.
ثم إن الرواة عن عائشة يمكن أن يغلطوا فيؤخذ بنهي عمر وابنه.
أما حديث السيدة عائشة الذي قالت فيه: كنا نخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة فنضمد جباهنا بالسك المطيب عند الإحرام فإذا عرقت إحدانا سال على
وجهها فيراه النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينهاها.
(1) أخرجه النسائي في كتاب مناسك الحج، باب: موضع الطيب (2704).
(2) أخرجه النسائي في كتاب: مناسك الحج، باب: موضع الطيب (2705). (2/149)
صفحة 467
الرائد
فتعقب بالنكارة التي في متنه وإن صح إسناده؛ إذ كيف يمكن أن يتطيبن خارج بيوتهن والنبي صلى الله عليه وسلم حاضر يرى ولا ينكر، ومعلوم أنه قد نهى عن تعطر المرأة خارج بيتها كما في حديث:
ثابت بن عمارة حدثني غنيم بن قيس عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا استعطرت المرأة فمرت على القوم ليجدوا ريحها فهي كذا وكذا قال قولا
شديدا).
وتعقب أصحاب القول الأول المفيد جواز استدامة الطيب هذا الرأي
المانع من الاستدامة من حيث أدلته فقالوا:
أما القول إن ما كان ممنوعا ابتداؤه عند الإحرام منع من استدامته فقاعدة لا يسلم بها؛ إذ المحرم ممنوع من ابتداء عقد النكاح ولكنه غير ممنوع
من استدامته باتفاق.
ثم إنه لو سلم بهذه القاعدة لما صح أن يعارض بها النص الشرعي إذ هي ليست بنص شرعي، وحق أن يقال في مثل هذا إذا ورد الأثر بطل النظر. قالوا: أما حديث محمد بن عباد قال: سمعت عبد الله بن عمر الله يقول:
قام رجل فقال: يا رسول الله، ما الحاج؟ قال: الشعث التفل.
(1) أخرجه أبو داود في كتاب الترجل، باب ما جاء في المرأة تتطيب في الخروج (4173). (2/150)
صفحة 468
الرائد
(1)
فقد أخرجه الترمذي وابن ماجه) وابن عدي في الكامل" من طريق
إبراهيم بن يزيد عن محمد بن عباد بن جعفر عن ابن عمر مرفوعا.
ولكنه مما انفرد بروايته إبراهيم بن يزيد الخوزي كما قال الترمذي والبزار بعد إخراجه، والخوزي هذا ممن لا تقبل روايته كما تقدم ذكره فقد قال ابن معين ليس بشيء، وقال البخاري: لا يحتجون بحديثه، وقال في رواية: سكتوا عنه، أي هو متروك.
وقال النسائي: متروك، وقال ابن حبان روى عن عمر بن دينار وأبي الزبير ومحمد بن عباد بن جعفر مناكير كثيرة وأوهاما غليظة حتى يسبق إلى القلب أنه المتعمد لها، وقال الترمذي بعد إخراجه:
هذا حديث لا نعرفه من حديث ابن عمر إلا من حديث إبراهيم بن
يزيد الخوزي المكي، وقد تكلم بعض أهل الحديث في إبراهيم بن يزيد من
قبل حفظه.
(1) كتاب تفسير القرآن باب من سورة آل عمران (2998)
(2) كتاب المناسك، باب ما يوجب الحج (2896).
(3) ابن عدي الكامل، ج 1، ص 226.
(4) ابن حبان، المجروحين، ج 1، ص 100، وابن عدي الكامل، ج 1، ص 226، والعقيلي،
V.
الضعفاء، ج 1، ص 70. (2/151)
صفحة 469
الرائد
152
أما القول: إن تطيب النبي لو كان قبل أن يأتي أهله وباغتساله يكون قد ذهب أثره فيرده أن الروايات قد صرحت بدلالة النص أن أثر الطيب قد صاحب النبي بعد إحرامه كما في الحديث المستدل به نفسه
شعبة عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه قال: سألت ابن عمر عن الطيب عند الإحرام فقال: لأن أطلي بالقطران أحب إلي من ذلك، فذكرت ذلك لعائشة فقالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن لقد كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيطوف في نسائه ثم يصبح ينضح طيبا).
وجاء أيضا من الروايات ما صرح أن أثر الطيب كان يستمر به صلى الله عليه وسلم بعد إحرامه من ذلك حديث سعيد بن جبير: قال كان ابن عمر الله يدهن بالزيت فذكرته لإبراهيم قال: ما تصنع بقوله حدثني الأسود عن عائشة قالت: كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم". وجاء في ذلك أيضا حديث إبراهيم بن يوسف وهو ابن إسحاق بن
(1) ابن عبد البر، التمهيد، ج 2، ص 256.
(2) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب: الطيب للمحرم عند الإحرام (1192)، والنسائي
في كتاب مناسك الحج باب موضع الطيب (2704).
(3) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب الطيب عند الإحرام (1464). (2/152)
صفحة 470
الرائد
153
أبي إسحاق السبيعي عن أبيه عن أبي إسحاق سمع ابن الأسود يذكر عن أبيه
عن عائشة قالت:
كان رسول الله إذا أراد أن يحرم يتطيب بأطيب ما يجد ثم أرى وبيص الدهن في رأسه ولحيته بعد ذلك.
وأنت ترى أن أمر بقاء الطيب بالنبي مأخوذ بدلالة النص من قول السيدة عائشة د، أما أمر ذهاب الطيب بالاغتسال فمأخوذ بدلالة الإشارة، والاتفاق واقع على أن دلالة الإشارة لا قبل لها بمعارضة دلالة
النص.
ومن الغرابة أن تطوع دلالة النص لتوافق دلالة الإشارة فيقال إن قولها
وبيص الطيب مبالغة وليس بطيب حقيقي.
وهذا ظاهر التكلف إذ هو أخذ بغير الظاهر دون دليل، وإلا فالنص جلي أن الطيب يستمر به بعد الإحرام وليس هو بحاجة إلى مزيد من البيان بل هو أغنى من ذلك.
ثم إن تقريره لأمهات المؤمنين كما في حديث أبي داود حجة لا تندفع
بالاحتمال القائل إن ذلك مبالغة فقط.
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب الطيب عند الإحرام (1465) (2/153)
صفحة 471
الرائد
154
وحديث ابن المنتشر باللفظ المستدل به من أنه كان يتطيب ثم يطوف بنسائه قد أعل، وذلك أنه في أثبت رواياته ذكر من كلام السيدة عائشة أنه بعد طوافه بأزواجه يصبح محرما وهو ينضح طيبا وهذا من غير شك موافق لرواية الجماعة عنها.
والرواية التي نذكرها جاءت من حديث شعبة عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه كما في حديث شعبة عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه قال: سألت ابن عمر عن الطيب عند الإحرام فقال: لأن أطلي بالقطران أحب إلي من ذلك، فذكرت ذلك لعائشة فقالت:
يرحم
الله أبا عبد الرحمن لقد كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيطوف في نسائه
ثم يصبح ينضح طيبا.
قال الحافظ ابن عبدالبر:
وقالوا: لا معنى لحديث ابن المنتشر؛ لأنه ليس ممن يعارض به هؤلاء الأئمة فلو كان مما يحتج به ما كان في لفظه حجة؛ لأن قوله طاف على نسائه يحتمل أن يكون طوافه لغير جماع، وجائز أن يكون طوافه عليهن ليعلمهن
(1) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب: الطيب للمحرم عند الإحرام (1192)، والنسائي في كتاب: مناسك الحج، باب: موضع الطيب (2704). (2/154)
صفحة 472
الرائد
(100)
كيف يحر من أو لغير ذلك.
والدليل على ذلك ما رواه إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: كان
يرى وبيص الطيب في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ثلاث وهو محرم.
قالوا: والصحيح في حديث ابن المنتشر ما رواه شعبة عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه أنه سأل ابن عمر عن الطيب عند الإحرام فقال: لأن أتطيب بقطران أحب إلي من أن أفعل، قال: فذكرته لعائشة فقالت: الله أبا عبد الرحمن قد كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيطوف على نسائه ثم يصبح محرما ينضخ طيبا.
يرحم
والقول بأن الرواة عن عائشة من الممكن أن يكونوا قد غلطوا ووهموا
ذلك؛
قول ضعيف لا ينبغي أن يشتغل بصرف الهمة لإدحاضه فهو أقل من. إذ العلة نفسها متوجهة لنهي عمر وابنه {فرواتهما أقل وحديثها أشهر. ثم إنه لو فتح هذا الباب في التعامل مع الأدلة الشرعية لجر شرا وبلاء وفتح موصدا؛ إذ الاحتمال متوجه للأدلة الشرعية كلها فلا يسلم منها شيء
قال الإمام الشافعي:
(1) ابن عبد البر، التمهيد، ج 2، ص 257. (2/155)
صفحة 473
الرائد
(107)
فإن قال: أفلا تخاف غلط من روى عن عائشة؟ قيل: هم أولى أن لا
يغلطوا ممن روى عن ابن عمر عن عمر؛ لأنه إنما روى هذا عن ابن عمر عن عمر رجل أو اثنان.
وروى هذا عن عائشة عن النبي ل ستة أو سبعة، والعدد الكثير أولى أن لا يغلطوا من العدد القليل.
وكل عندنا لم يغلط إن شاء الله تعالى، ولو جاز إذا خالف ما روى عن عمر ما روى عن النبي لي في الطيب أن يخاف غلط من روى هذا الحديث
عن صلى الله عليه وسلم النبي جاز أن يخاف غلط من روى هذا عن عمر.
وإذا كان علمنا بأن النبي تطيب، وأن عمر كره علما واحدا من جهة
الخبر فلا يجوز لأحد أن يزعم أن قول النبي يترك بحال إلا لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا لقول غيره.
وقد خالف عمر سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عباس وغيرهما.
وقد يترك من يكره الطيب للإحرام والإحلال لقول عمر أقاويل لعمر
لقول الواحد من أصحاب النبي الهلال وأقاويل لعمر لا يخالفه فيها أحد من
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيخالف عمر لرأي نفسه.
فإذا كان يصنع
هذا في بعض قول عمر فكيف جاز أن يدع السنة التي (2/156)
صفحة 474
الرائد
157
فرض الله تعالى على الخلق اتباعها لقول من يفعل في قوله مثل هذا؟!
لعمري لئن جاز له أن يأخذ به فيدع السنة بخلافه فما لا سنة عليه فيه أضيق وأحرى أن لا يخرج من خلافه وهو يكثر خلافه فيما لا سنة فيه. وأما إعلالهم حديث السيدة عائشة الذي فيه:
كنا نخرج مع النبي إلى مكة فنضمد جباهنا بالسك المطيب عند
الإحرام فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها فيراه النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينهاها. فمحل نظر؛ إذ الحال يستلزم أن تحمل زوجاته صلى الله عليه وسلم –وهو قبلهن- على
المحامل الحسنة التي تفرضها منزلة الإيمان والتقوى.
ثم إن الأمة قاطبة قد ارتضت الإسناد الصحيح حجة شرعية تثبت بها أدلة الشارع، ولا يمكن أن تترك دلالات تلك النصوص الشرعية لمجرد ظن أنها متعارضة مع أدلة أخر فتسقط بذلك دلالاتها.
بل الأمر يحتم أن يؤخذ بالأدلة الشرعية جميعها ما وجد لذلك سبيل
ممكن ولا يصار إلى التضعيف والإلغاء إلا عند التعذر.
أما إن كانت المعارضة بين الدليلين لا يمكن معها الجمع بوجه من
(1) الشافعي، الأم، ج 2، ص 153. (2/157)
صفحة 475
الرائد
(101)
وجوه الحق وكان أحدهما ثابتا حكمه بنص شرعي قطعي، وهذا الظني يلغيه فحينها يصار إليه لقطعنا بالأول أنه من الله تعالى ولا تعارض في أخبار الله
تعالى.
ولو جئنا إلى حديث السيدة عائشة > الأخير لوجدناه مما يحتمل وجها من وجوه الحق من حيث الخروج بالطيب خارج البيت، وهذا الوجه يفيد أنهن يضمدن جباههن بالسك المطيب وما كان يجد ريحهن أحد لا يحل له
ذلك.
وهذا هو الأليق وعليه دلائل الحال فالحجاب المفروض حتى عند سؤال الحاجة، والتباعد بين الجميع في دور العبادة خشية الاختلاط كل تلك قرائن بالغة في القوة تجعل من الممكن أن يضمدن جباههن بالسك المطيب ولا يجد أحد منهن ذلك، ومع العلم أن طيب النساء لون لا ريح فيه.
وهذا الجمع الحسن يجعل إلغاء النص أمرا عسيرا، بل الأظهر أن يؤخذ من الدليل الشرعي المذكور حكم جواز تطيب المرأة خارج بيتها إن كان لا يجد ريحها أحد ممن لا يحل له ذلك، وهو الموافق للقياس.
فالمراد والحكمة جعل باب الفتن والبلايا، موصدا، وإن كان لا يجد ريحها أحد ممن لا يحل له ذلك لم تتسبب في تأجيج نار فتنة فكانت الإباحة الأصلية (2/158)
صفحة 476
الرائد
(109
لدوران العلة مع معلولها في الوجود.
أما الاستدلال بحديث يعلى بن أمية فتعقب من جهتين:
أولهما: أن الرجل كانت عليه جبة بها أثر خلوق كما في رواية مسلم، أو
هو متضمخ بالخلوق، أو عليه درع من زعفران، وهذه الألفاظ تدل أن طيب الرجل كان من الزعفران.
والرجل من الأصل منهي عن ذلك كان مُحرِما أو غير محرم، فكان النهي النبوي عن هذا لأجل النهي العام وليس هو للإحرام فقط كما يدل على ذلك حديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزعفر الرجل.
وقد صرح بالسابق في الروايات الصحيحة للحديث التي خرجت. ومما جاء صريحا بذلك أيضا حديث محمد بن هشام ثنا هشيم عن منصور وعبد الملك وابن أبي ليلى والحجاج كلهم عن عطاء عن يعلى بن أمية
قال:
(1) أخرجه البخاري في كتاب: اللباس، باب: التزعفر للرجال (5508)، ومسلم في كتاب: اللباس والزينة، باب نهى الرجال عن التزعفر (2101). (2/159)
صفحة 477
الرائد
جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه جبة عليها ردغ من زعفران فقال: يا رسول الله إني أحرمت فما ترى والناس يسخرون مني؟
قال: فأطرق عنه هنيهة، قال: ثم دعاه فقال: اخلع عنك هذه الجبة، واغسل عنك هذا الزعفران، واصنع في عمرتك ما كنت تصنع في حجك غير أنه قال في آخر الحديث قال: حجاج ثنا عطاء بهذا الحديث عن صفوان بن يعلى عن أبيه).
ثانيهما: أن الحديث كان يوم عمرة الجعرانة، وما من شك أنها كانت في العام الهجري الثامن وحديث السيدة عائشة الدال على المشروعية كان في العام الهجري العاشر.
ولو كانت ثمة معارضة بين الحديثين لا يمكن معها الأخذ بهما جميعا لقدم حديث السيدة عائشة لكونه المتأخر منهما؛ فقد كانوا يأخذون بالأحدث من أموره.
أما فعل ابن عمر {فليس هو بحجة في هذا المقام فقد استدركت عليه السيدة عائشة قوله هذا بأنه قد خالف فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلعله نسي أو
يصله الخبر.
(1) ابن خزيمة، صحيح ابن خزيمة، ج 4، ص 193. (2/160)
صفحة 478
الرائد
ولو كان فعل ابن عمر وأبيه {حجة لكونهما حريصين على اتباع السنة لقيل إن أفعالهما كلها سنة يتأسى بها، وذلك ما لم يقل به أحد.
ومن السابق كله يبقى الدليل الشرعي عن صاحب الرسالة معينا يستقى منه من الأحكام الشرعية ما تقتضيه دلالات الاستنباط، وتحكمه شروط
الاستدلال.
ثم إنه قد ثبت عن بعض صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم قد خالفوا ابن عمر في حكمه ومنهم البحر الخضم ابن عباس فقد تطيب قبل إحرامه واستدامه كما سبق ذكر ذلك عنه.
وقال بعض أهل العلم جمعا بين حديث السيدة عائشة وحديث يعلى إن استدامة الطيب أمر خاص جوازه بالنبي؛ لأنه فعله كما يدل عليه حديث السيدة عائشة، ومنع غيره يفيد ذلك حديث يعلى بن أمية).
ولكن هذا الرأي مدفوع بالتوجيه لنهي النبي صلى الله عليه وسلم الوارد في حديث يعلى أمية من أنه كان بسبب الزعفران الذي هو منهي عنه الرجال مطلقا المحرم وغيره فيبقى الحديث الذي فيه إباحة الطيب، والأصل عدم
بن
الخصوصية.
(1) ابن الهمام، فتح القدير، ج 2، ص 431. (2/161)
صفحة 479
الرائد
ثم إن رواية السيدة عائشة حينما كن يضمدن أنفسهن بالسك المطيب ويراهن النبي ويقرهن على ذلك دليل على عدم الخصوصية فضلا عن الروايات الكثيرة عن جماعة من الصحابة أنهم استداموا الطيب.
وبعد بيان حكم استدامة الطيب من حيث الجواز وعدمه اختلف الفقهاء فيه أهو مباح أو أنه مندوب والأظهر أنه ليس بمندوب لذات الإحرام بل إن تطيب النبي صلى الله عليه وسلم كان جريا على سننه وعادته التي مضى عليها في حياته كما في حديث خداش بن مهاجر عن الأوزاعي عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: كان رسول الله يكره أن يخرج إلى أصحابه تفل الريح، وكان إذا كان من آخر الليل مس طيبا.
فليس هو بمندوب لذات الإحرام بل كان جريا على مألوف عاداته.
ثانيا خصوصية الاستدامة بالبدن
اختلف القائلون بجواز استدامة الطيب بعد الإحرام: أذلك حكم
(1) أخرجه أبو الشيخ ابن حيان أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه، برقم (233). (2/162)
صفحة 480
الرائد
163
خاص بالبدن دون الثوب، أو هو شامل لهما؟
هو
الذين قالوا بالأول نصوا على أن الوارد المنصوص عليه في الأدلة السابقة البدن لا الثوب فيقتصر على موارد الأدلة الشرعية ولا يتجاوز بها
نصوصها؛ إذ الأصل في الإحرام المنع من الطيب، وجاءت نصوص شرعية بتخصيص الاستدامة بالجواز.
ثم إن المقصود من استنان الطيب عند الإحرام حصول الارتفاق به
حالة المنع منه على مثال السحور للصوم، وهذا القدر يحصل بما في البدن فيغني عن تجويزه في الثوب؛ إذ لم يقصد كمال الارتفاق في حالة الإحرام؛ لأن الحاج الشعث التفل.
ومن هؤلاء من قال إن حقيقة قول السيدة عائشة كنت أطيب رسول الله تطييب بدنه ولا يتناول ذلك تطييب ثيابه، وقد دل على اختصاص ذلك ببدنه الرواية التي فيها حتى أجد وبيص الطيب في رأسه
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 100، وابن الهمام فتح القدير، ج 2، ص 432، والنووي، المجموع، ج 7، ص 195، وابن حزم، حجة الوداع، ص 35، والعراقي، طرح التثريب، ج 5، ص 65. (2/163)
صفحة 481
الرائد
ولحيته).
164
كما استدل هؤلاء بحديث جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يلبس المحرم القميص ولا العمامة ولا السراويلات ولا البرانس ولا الأخفاف.
فإن لم يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعهما من أسفل الكعبين، ولا يلبس
المحرم شيئاً من ثياب مسها الزعفران ولا الورس"
وقالوا إن النبي نهى عن لبس الثياب التي مسها ورس أو زعفران،
ومن استدام طيبا في ثوبه كان مرتكبا لهذا النهي.
أما الآخرون فقالوا: البدن والثوب في حكم الواحد لعدم افتراقهما واقعا
فلا يفرق بينهما حكما، أما الحديث فنحمله على حال ما بعد الإحرام لا
الاستدامة.
ثالثا: بقاء عين الطيب بعد الإحرام أو ريحه
اختلفوا في الطيب هل الجواز مقيد بما لا تبقى عينه بعد الإحرام؛ لأنه
(1) العراقي، طرح التثريب، ج 5، ص 65.
(2) أخرجه الربيع في كتاب الحج، باب ما يتقي المحرم وما لا يتقي (406).: (2/164)
صفحة 482
الرائد
(170)
منتفع بالطيب بعد الإحرام، أو الكل جائز.
النبي
ظاهر حديث عائشة < يدل على أن عين الطيب كانت موجودة في
بعد إحرامه فعبرت عن ذلك بقولها وبيص الطيب، وهكذا حديثها عندما ذكرت فعلها وزوجاته له وهو يراهن دليل أن عين الطيب كانت
موجودة وليست مقتصرة على الرائحة فقط.
رابعا: حكم استدامة الطيب للنساء
واختلفوا كذلك في الطيب أهو حكم عام للرجال والنساء، أو هو حكم
خاص بالرجال فقط، أو يمنعن من التطيب بما تبقى عينه؟).
بالنظر إلى الأدلة الشرعية السابقة يظهر جليا أن الحكم ليس بخاص بالرجال وحدهم بل يأتي على المرأة والرجل على حد السواء من حيث الأصل، وفعل زوجات النبي صلى الله عليه وسلم خير دليل على عدم التفريق بين الحكمين
من حيث جنس المتطيب، ومن حيث بقاء العين بعد الإحرام أو الريح. والأمر بالتطيب على قول هؤلاء يشرع للمرأة ما لم تكن ثمة فتنة بارتكاب لمحذور شرعي كالظهور بالطيب عند غير المحارم، وعند حصولها
(1) العيني، البناية، ج 4، ص 170، وابن حزم، حجة الوداع، ص 35.
(2) النووي، المجموع، ج 7، ص 195. (2/165)
صفحة 483
الرائد
(166
يقال بعدم الجواز أصلا؛ المفاسد أصلا؛ إذ دفع
مقدم على جلب المصالح، وعند
تعارض المندوب والمحرم وعدم إمكان العمل بالدلالتين يسقط ندب
المندوب ويحرم على المكلف غشيان المحرم.
المطلب السابع: الصلاة قبل الإحرام
أولا: مشروعية صلاة الإحرام
أحرم النبي يوم حجة الوداع بعد صلاة صلاها بذي الحليفة وهي صلاة الظهر كما جاء في حديث شعبة عن قتادة عن أبي حسان عن ابن عباس {قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر بذي الحليفة ثم دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن وسلت الدم وقلدها نعلين ثم ركب راحلته فلما استوت به على البيداء أهل بالحج.
وقد أخذ الفقهاء من فعل النبي المروي بالحديث السابق وغيره مشروعية صلاة الإحرام، قال الشيخ خميس بن سعيد الشقصي: والسنة أن
يكون [أي الإحرام] على طهارة وعلى إثر صلاة فريضة أو نافلة".
(1) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب تقليد الهدي وإشعاره عند الإحرام (1243). (2) الشقصي، منهج الطالبين، ج 7، ص 51. (2/166)
صفحة 484
الرائد
167
وقد ذكر غير واحد من الفقهاء الاتفاق على مشروعية صلاة الإحرام، والأمر فيها ليس بالبعيد فقد شهدت بمشروعيتها ظواهر الأدلة الشرعية،
من ذلك كون النبي صلى الله عليه وسلم أخرهما إلى ما بعد صلاة الظهر فأحرم عقبها مما مشروعية الاقتداء به فيحرم الإنسان عقب صلاة يؤديها.
يعني
فإن كان عقب فريضة فقد وافق الهدي النبوي، وتبلغ الموافقة تمامها إن كان الإحرام بعد صلاة الظهر.
وإن لم تكن فريضة أنشأ صلاة يحرم بعدها سواء كانت من السنن المطلقة أو المقيدة، وإن لم يكن شيء ركع نفلا وأحرم بعد الصلاة حتى يكون إحرامه بعد صلاة.
ثم إن بعض الأدلة الشرعية يفيد أن الله تعالى أوحى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم بالإهلال
(1) الشماخي الإيضاح، ج 2، ص 355، والجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2، ص 136، والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 52، والشقصي، منهج الطالبين، ج 7، ص 39، والنووي، المجموع، ج 7، ص 187، وابن جماعة هداية السالك، ج 2، ص 625، والعيني، عمدة القاري، ج 9، ص 148، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 236، وابن الهمام، فتح القدير، ج 2، ص،432، والقرافي الذخيرة، ج 3، ص 229، وابن حزم، حجة
الوداع، ص 36. (2/167)
صفحة 485
الرائد
168
عند وادي العقيق وهو وادي ذي الحليفة نفسه بعد أن يصلي به صلاة.
وقد قال جمع من الفقهاء كما سيأتي إن النبي صلى الله عليه وسلم كان قبل ذلك مفردا أنه أمر
فقرن حينها في الوادي المبارك وادي العقيق بعدما أتاه آتي ربه مما يعني بالصلاة قبل أن يحرم الإحرام الجديد الذي فيه الأمر بأن يقرن الحج بالعمرة
ويفيد ذلك حديث
الأوزاعي قال: حدثني يحيى قال: حدثني عكرمة أنه
سمع ابن عباس {يقول: إنه سمع عمر الله يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم بوادي العقيق يقول: أتاني الليلة آت من ربي فقال صل في هذا الوادي المبارك وقل: عمرة في
حجة (2).
والآتي الذي أتى النبي لو كان برؤيا منام ورؤيا الأنبياء حق كما يفيد
ذلك حديث
موسى بن عقبة عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه ه أن النبي صلى الله عليه وسلم
أري وهو في معرسه من ذي الحليفة في بطن الوادي فقيل له:
إنك ببطحاء مباركة. فقال موسى وقد أناخ بنا سالم بالمناخ الذي كان
(1) العيني، عمدة القاري، ج 9، ص 148.
(2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم العقيق واد مبارك (1461). (2/168)
صفحة 486
الرائد
(179)
عبد الله ينيخ به يتحرى معرس رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أسفل من المسجد الذي
ببطن الوادي بينه وبين الطريق وسط من ذلك.
ويظهر من السابق أن الآتي قد جاء النبي صلى الله عليه وسلم آخر الليل كما يدل عليه لفظ
التعريس الذي يعني نزول آخر الليل للراحة".
قال ابن فارس:
التّعريس: نُزول القوم في سفَرِ من آخر الليل، يقعون وَقْعةً ثم يرتحلون. قلنا في هذا: وإِنَّ خَفٌ نزوهُم فهو محمول على القياس الذي ذكرناه، لأنهم لا
بد [هم] من المقام اهـ.
والأمر بالصلاة في الوادي المبارك هنا ليس لأداء الصلاة وحدها إذ هو
أمر مفروغ وإنما كان للصلاة في الوادي المبارك وإنشاء الإحرام بالتلبية بعد الصلاة كما
منه، وأن الصلاة ستؤدى كما أديت العصر والمغرب والعشاء،
يفيده ظاهر قوله صل في هذا الوادي المبارك وقل: عمرة في حجة (3).
(1) أخرجه البخاري في كتاب المزارعة باب من أحيا أرضي مواتا (2211)، ومسلم في
كتاب الحج، باب التعريس بذي الحليفة (1346).
(2) ابن حجر، فتح الباري، ج 5، ص 21.
(3) الطريفي، شرح حديث جابر الطويل، ص 86. (2/169)
صفحة 487
الرائد
وقد جاء من الأدلة الشرعية ما يفيد عموم الحكم كما في حديث سليمان بن داود أبي الربيع حدثنا فليح عن نافع قال: كان ابن عمر ه إذا أراد الخروج إلى مكة ادهن بدهن ليس له رائحة طيبة ثم يأتي مسجد ذي الحليفة فيصلي ثم يركب، وإذا استوت به راحلته قائمة أحرم ثم قال: هكذا رأيت
(1)
النبي يفعل)
ومن
ذلك أيضا حديث حرملة بن يحيى أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس
عن ابن شهاب قال: فإن سالم بن عبد الله بن عمر أخبرني عن أبيه قال: سمعت رسول الله يهل ملبدا يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، لا يزيد على هؤلاء الكلمات.
وإن عبد الله بن عمر {كان يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يركع بذي الحليفة ركعتين ثم إذا استوت به الناقة قائمة عند مسجد الحليفة أهل بهؤلاء الكلمات).
والنبي أهل من ذي الحليفة ثلاث مرات ومرة من الجعرانة، أما
التي
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب الإهلال مستقبل القبلة (1479). (2) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب التلبية وصفتها ووقتها (1184). (2/170)
صفحة 488
الرائد
أحرم بها من ذي الحليفة فعمرة الحديبية وعمرة القضاء وحجة الوداع، وهذا الحديث أن إحرامه من ذي الحليفة كان بعد الصلاة، وقد عبر الراوي فيه
بقوله كان مما يشعر بالمداومة على الفعل.
ثانيا: مشروعية صلاة الإحرام بالأصالة
اختلف الفقهاء أصلاة الإحرام مشروعة بالأصالة لا يجزي عنها غيرها كسنة الفجر، أو يمكن أن يحرم الإنسان بعد فريضة أو شيء من السنن
يصليها حيث أراد الإحرام ثم يهل بعد ذلك؟
فعل صاحب الدعوة في حجة الوداع أنه قد أحرم بعد الظهر ولم
ينشئ للإحرام صلاة خاصة مما يعني الإجزاء، والآخرون قالوا إنها سنة مستقلة بذاتها فلا يجزي عنها غيرها.
ولكن يَرُدُّ هذا أنها غير مرادة بذاتها وإلا لما اقتصر صاحب الدعوة على صلاة الظهر وحدها بل سينشئ للإحرام صلاة سوى صلاة الظهر، ولم يفعل ذلك فيفهم أن المقصود الإحرام بعد صلاة وهذا قد صلى.
وهذا الحال نفسه يقال في ركعتي تحية المسجد؛ إذ المراد أن لا يجلس في المسجد إلا من قد صلى ركعتين فلو صلى صلاة من الصلوات ركعتين أو أكثر أجزت عنه كما كان يفعل رسول الهدى الله في غالب أحواله إذ يدخل المسجد (2/171)
صفحة 489
الرائد
172
عند الإقامة دون أن يركع ركعتي التحية بل يكتفي بما سيصلي بعد، ومثله
فعله عند دخوله لخطبة الجمعة.
ثالثا: حكم صلاة الإحرام في الأوقات المكروهة
اختلف الفقهاء في صلاة الإحرام أتصلى في الأوقات المكروهة أو لا
تصلى؟
تبين من قبل أن هذه الصلاة تراد لتكون توطئة لغيرها وهو الإحرام وليست مقصودة لذاتها في الأوقات جميعها بل مشروعيتها خاصة بالإحرام. وعليه فالصلاة من ذوات السبب إذ ربطها بالإحرام يجعلها غير مختصة بوقت دون غيره بل علتها وسببها الإحرام تسن متى وجد فلا تتعلق بهما الكراهة المقيدة بأوقات النهي الوارد للكراهة وهي بعد الفجر حتى تطلع
الشمس وبعد العصر حتى تغرب الشمس على المشهور في الفتوى.
والنهي وارد عن التنفل المطلق كما هو معلوم من الأدلة الشرعية التي
محل بسطها كتاب الصلاة لا الحج.
(1) أبو نبهان، الحج، (مخطوط)، وقد اختار العلامة أبو نبهان - ثمّ أن لا تصلى في أوقات الكراهة؛ لأنها من المستحبات في الأصل وليست بلازمة. (2/172)
صفحة 490
الرائد
173
رابعا: ما يستحب أن يقرأ فيها من السور
إن جماعة من الفقهاء استحسنوا أن يقرأ في الأولى من ركعتيها إن
صلاهما مفردتين الفاتحة وسورة الكافرون وفي الثانية منها الفاتحة وسورة
الإخلاص.
وهذا منهم استحسان مأخوذ من السنن التي كان يقرأ فيها النبي صلى الله عليه وسلم
السور آنفة الذكر كركعتي الفجر وركعتي الطواف وإلا فلم يرد نص خاص
بركعتي الإحرام يفصح عما فعله نبي الهدى له كما هو معلوم، وقد أحرم يوم صلى الله عليه وسلم حجة الوداع بعد صلاة الظهر.
والعمل عند علمائنا الإباضية على قراءة الفاتحة مفردة في ركعات صلاتي
الظهر والعصر جميعها على مذهب حبر الأمة ابن عباس، وعليه فلا يقرأ مريد الإحرام فيهما سوى الفاتحة.
خامسا: مشروعية أداء صلاة الإحرام جماعة
أحرم النبي يوم حجة الوداع بعد صلاة الظهر ومعلوم من أحواله أنه لا يصليها إلا جماعة كما هو ظاهر من هديه، ولذلك يقال إن المكلف مريد الإحرام ينظر إلى الصلاة التي يبغي أن يحرم بعدها فإن كانت مما يشرع فيه
الجماعة فيصليها جماعة سنة إن كانت الصلاة من السنن. (2/173)
صفحة 491
الرائد
(174)
وإلا ففرضا واجبا عينيا إن كانت من الصلوات الخمس على الذي استقرت عليه الفتوى للأدلة الشرعية الكثيرة التي تؤيده.
أما ما عدا الفرائض فلأهل العلم: خلاف أتشرع الجماعة في كل صلاة،
هي
خاصة بما جاءت السنة به، وما عدا ذلك فلا تشرع فيه الجماعة.
فإن كان مريد الإحرام يأخذ بمشروعية الجماعة في كل نفل لعدم المخصص الشرعي الظاهر فلا حرج عليه إن صلى صلاة الإحرام جماعة أو
فردا إلا فيما تتعين فيه الجماعة.
وإن كان يأخذ بالقول الآخر فلا يصلها جماعة إلا فيما ورد به النص أنه
يصلى جماعة، وما عدا ذلك يصليه مفردا. (2/174)
صفحة 492
الرائد
توطئة
المبحث الثالث: أنواع الإحرام
(Ivo
جاءت الشريعة من حيث الجملة بطرق ثلاث يمكن الناس أن يحرموا بها حتى لا يضيق عليهم شأن الإحرام بتعينه في طريقة واحدة قد تتلاءم ظروفها وجماعة من الناس ولكنها تشق على آخرين، وهذه الوجوه هي التمتع والقران والإفراد.
وقد ذكر بعض الفقهاء أن وجوه الإحرام خمسة: ثلاثة منها خمسة: ثلاثة منها هي المشهورة التمتع والقران والإفراد، ورابعها الإحرام بما أحرم به الغير، وخامسها
الإطلاق.
ولكن الوجهين الأخيرين ليسا بوجهين منفردين كالثلاثة الأول بل هما منها؛ لأنهما يؤولان إليها فهي مبهمة شهد الشرع لها بالجواز فترجع إلى أحد
الثلاثة السابقة.
أن
وقد أحرم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أول ما أحرموا بالأنواع كلها بعد خيّرهم فيها يأتون ما شاءوا منها وإن عزم عليهم في منتهى الأمر أن يسلكوا سبيل أحدها كما في حديث هشام عن أبيه عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم موافين لهلال ذي الحجة فقال لنا: من أحب منكم أن يهل (2/175)
صفحة 493
الرائد
176
بالحج فليهل، ومن أحب أن يهل بعمرة فليهل بعمرة، فلولا أني أهديت
لأهللت بعمرة.
قالت: فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج، وكنت ممن أهل بعمرة
فأظلني يوم عرفة وأنا حائض فشكوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
ارفضي عمرتك وانقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج، فلما كان ليلة الحصبة أرسل معي عبد الرحمن إلى التنعيم فأهللت بعمرة مكان عمرتي". ومن ذلك حديث سفيان عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: د خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليفعل، ومن أراد أن يهل بحج فليهل، ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل.
قالت عائشة: فأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بحج وأهل به ناس معه، وأهل
ناس بالعمرة والحج، وأهل ناس بعمرة، وكنت فيمن أهل بالعمرة". لذا فقد أجمعت الأمة على الأنواع الثلاثة سبلا للإحرام وأداء هذا الركن من أركان الدين من حيث الجملة، ولكنهم اختلفوا في الفروع التفصيلية وسنبين ذلك كله في هذا المبحث، وليكن تفصيلنا القضية في مطالب، والله
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب العمرة ليلة الحصبة (1691). (2) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام (1211). (2/176)
صفحة 494
الرائد
الموفق لكل خير.
المطلب الأول: التمتع
أولا: معنى التمتع ومشروعيته وفضله
جاء التمتع في إطلاق الأدلة الشرعية على معاني أربعة:
177
أولها: المعنى المشهور وهو الإحرام بعمرة في أشهر الحج ثم إتباعها بعد
التحلل منها بحجة في السنة نفسها، وسيأتي بيانه مفصلا.
ثانيها: القرآن فقد جاءت بعض الأدلة الشرعية مطلقة عليه لفظ التمتع، وسبب ذلك أن القارن يتمتع بسقوط سفره الثاني من بلده فيقوم بنسكين في سفر واحد كما صنع المتمتع في عمرته إذا حج من عامه ولم ينصرف إلى بلده. ثالثها: فسخ الحج إلى عمرة، فقد أطلق عليه أنه متعة وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد
نهى عنه كما تفيد ذلك بعض الآثار التي سيأتي ذكرها.
رابعها: تمتع المحصر وهو اصطلاح عبد الله بن الزبير، وذلك أنه جاء عن عبد الله بن الزبير وعلقمة وإبراهيم أن التمتع هذا ليس على ما قال به
الجمهور ولكنه في المحصرين دون المخلى سبيلهم.
وصورة هذا التمتع أن يحصر المكلف المحرم حتى يفوته الحج ثم يصل (2/177)
صفحة 495
الرائد
(IVA)
إلى البيت فيحل بعمرة، ثم يقضي الحج من قابل".
خالد
يقول:
فهذا قد تمتع بما بين العمرة إلى حج القضاء، وقد رواه عنه وهيب بن
عن إسحاق بن سويد قال: سمعت عبد الله بن الزبير وهو يخطب
يا أيها الناس، ألا إنه والله ما التمتع بالعمرة إلى الحج كما تصنعون، ولكن التمتع بالعمرة إلى الحج أن يخرج الرجل حاجا فيحبسه عدوه أو مرض أو أمر بعذر به حتى تذهب أيام الحج فيأتي البيت فيطوف به سبعا ويسعى بين الصفا والمروة ويتمتع بحله إلى العام المقبل فيحج ويهدي.
أما أول وجوه التمتع فهو أول أنواع النسك وأولاها وله من ظاهر اسمه نصيب، إذ صاحبه يحرم بالعمرة مفردة أول الإحرام ثم يحل بعد أدائها بحله الذي يباح له فيه كل شيء مباح في أصل الأمر إلا حرمة الحرم من صيد وشجر وغير ذلك إلى أن يحرم بالحج بعد في العام نفسه، وحينها
ويستمتع
(1) الجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2، ص 139، والشقصى، منهج الطالبين، والطحاوي، شرح معاني الآثار، ج 2، ص 156، والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 2، ص 257، وابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 94، وابن الملقن الإعلام شرح عمدة الأحكام، ج 6،
ص 230.
6
(2) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 213، والطحاوي، شرح مشكل الآثار، ج 2، ص 78. (2/178)
صفحة 496
الرائد
179
يحرم عليه ما يحرم بسبب الإحرام.
وقد ذكر الله تعالى هذا النوع من التمتع في كتابه مبينا حكمه من حيث
وجوب الهدي دون سائر الأنواع فقال سبحانه:
فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ اهْدِي فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجَ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ
أَهْلُهُ، حَاضِرِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ.
ونسك التمتع بالصورة السابقة هو الذي فعله أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوم حجة الوداع بل عزمه عليهم لفضله، وتمنى لو أن لو لم يسق الهدي ليكون من المتمتعين وما ذلك إلا لفضل التمتع وعظيم منزلته دون غيره من
الأنواع كما في حديث حماد بن زيد أخبرنا عبد الملك بن جريج عن
جابر، وعن طاوس عن ابن عباس {أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت، ولولا أن
لأحللت (2).
عطاء
عن
معي الهدي
والتمتع يزيد على غيره من أنواع النسك بفضل ما استيسر من الهدي
(1) سورة البقرة، الآية (196).
(2) أخرجه البخاري في كتاب: الشركة، باب الاشتراك في الهدي والبدن (2371). (2/179)
صفحة 497
الرائد
(1.)
الذي يلزم صاحبه اتفاقا بين علماء الملة كما تفيده الآية الكريمة ففيه مزيد فعل
ومشقة ومزيد بذل مال أمر به الشرع فكان أفضل من سواه.
ومع
بعض
الاتفاق السابق على مشروعية التمتع وفضله جاء ما يفيد أن صحابة رسول الله له كانوا ينهون عنه ومنهم الخليفة الراشد عمر بن الخطاب الله كما في حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغني عن سعد بن أبي وقاص والضحاك بن قيس اختلفا في التمتع بالعمرة إلى الحج فقال الضحاك: لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله.
فقال سعد: بئس ما قلت فقال الضحاك إن عمر بن الخطاب قد نهى
عن ذلك، فقال سعد: قد صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصنعناها معه.
قال الربيع: قال أبو عبيدة: من أراد التمتع فعل، ومن شاء ترك، وكل
(1)
ذلك واسع. والحديث السابق جاء من طريق مالك بن أنس عن ابن شهاب عن محمد
بن عبد الله بن الحارث بن نوفل أنه سمع سعد بن أبي وقاص والضحاك بن
(1) أخرجه الربيع في كتاب الحج، باب: التمتع والإفراد والقران (433)، ورواه النسائي في كتاب مناسك الحج، باب التمتع (2723)، والترمذي في كتاب الحج، باب ما
:
جاء في التمتع (823). (2/180)
صفحة 498
الرائد
181
قيس وهما يذكر ان التمتع بالعمرة إلى الحج فقال الضحاك بن قيس:
لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله فقال سعد: بئس ما قلت يا ابن
أخي، فقال الضحاك بن قيس: فإن عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلك، فقال سعد: قد صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصنعناها معه.
وجاء نهيه له من طريق أبي خيثمة حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا أبي
قال:
عن ابن إسحاق، حدثني محمد بن مسلم عن سالم بن عبد الله بن عمر جلس رجل من أهل الشام إلى عبد الله بن عمر وأنا معه فقال له: يا أبا عبد الرحمن ما ترى في التمتع بالعمرة إلى الحج؟
فقال له عبد الله: حسن جميل لمن صنع ذلك، فقال له الرجل: فإن أباك قد كان ينهى عنها، فغضب عبد الله ثم قال: ويلك، أرأيت إن كان أبي نهى عنها وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم عمل بها، أبأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم تأخذ أم بأمر أبي؟
قال: لا، بل بأمر رسول الله، قال: فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فعل
لشأنك (2).
ذلك
فقم
(1) أخرجه بهذا اللفظ الترمذي في كتاب الحج، باب: ما جاء في الحج (823).
(2) أبو يعلى، المسند، ج 9، ص 341. (2/181)
صفحة 499
الرائد
182
وجاء النهي عن التمتع عن معاوية بن أبي سفيان من حديث ليث عن
طاوس عن ابن عباس {قال: تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان، وأول من نهى عنها معاوية.
والحديث أخرجه ابن أبي شيبة)، وأحمد ()، والترمذي، وفي إسناده ليث
بن أبي سليم وليس هو بحجة في الرواية بل حديثه ضعيف كما نص عليه ابن معين والنسائي وغيرهم.
وقال أحمد مضطرب الحديث، وقال ابن حبان كان من العباد ولكن اختلط في آخر عمره حتى كان لا يدري ما يحدث به فكان يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل ويأتي عن الثقات بما ليس من أحاديثهم، كل ذلك كان منه في اختلاطه تركه يحيى القطان وابن مهدي.
وقال الحافظ ابن عبدالبر: حديث ليث هذا منكر، وهو ليث بن أبي
(1) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 228.
(2) أحمد بن حنبل، المسند، ج 1، ص 313.
(3) کتاب الحج، باب ما جاء في التمتع (822).
(4) ابن حبان، المجروحين، ج 2، ص 231، وابن عدي الكامل، ج 6، ص 87، والعقيلي،
الضعفاء، ج 4، ص 14. (2/182)
صفحة 500
الرائد
183
(1)
سليم ضعيف، والمشهور عن عمر وعثمان أنهما كانا ينهيان عن التمتع).
ولكن هذا النهي عن التمتع ليس بناقض لنا ما أصلناه من أن التمتع مشروع إلى يوم القيامة، وأن من أتاه أتى بابا عظيما من أبواب القرب إلى الحق
تبارك وتعالى إذ إن النهي متعقب من وجوه عدة:
أولها: نهي عمر بن الخطاب له إنما كان عن فسخ الحج بعمرة وليس عن أصل التمتع الذي جاءت به الآية الكريمة بل هو أعلى وأجل من ذلك فالمسألة اتفاقية.
أما فسخ الحج بعمرة فالخلاف في حكمه خبر ذائع من عهد الصحابة
الكرام}.
ثانيها: من أثبت نهي عمر عن التمتع في الحج على الصورة المتفق على جوازها اختلفوا في علة نهيه):
منهم من قال إنه كان يعلم أن التمتع مباح، وأن القران مباح، وأن الإفراد، مباح فلما صحت عنده الإباحة والتخيير في ذلك كله اختار الإفراد
6
(1) ابن عبد البر، التمهيد، ج 8، ص 210.
(2) ابن عبد البر، التمهيد، ج 8، ص 210، والاستذكار، ج 4، ص 93، وابن الملقن الإعلام ج 6، ص 228، والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 2، ص 258. (2/183)
صفحة 501
الرائد
(118)
فكان يحض على ما هو المختار عنده، ولهذا كان يقول:
افصلوا بين حجكم وعمرتكم؛ فإن ذلك أتم لحج أحدكم وأتم لعمرته
أن يعتمر في غير أشهر الحج.
ومنهم من قال إن نهي عمر بن الخطاب كان عملا بالمصلحة التي تُقيَّد بها الأدلة الشرعية، وذلك أنه نهى عنه لينتجع البيت مرتين أو أكثر في العام
حتى تكثر عمارته بكثرة الزوار له في غير الموسم.
ومنهم من قال إنه أراد بهذا النهي الرفق بأهل الحرم بدخول الناس تحقيقا لدعوة إبراهيم [فَأَجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِى إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ).
ومن الفقهاء من قال إن نهي عمر ه كان لأنه رأى الناس مالوا إلى التمتع ليسارته وخفته فخشي ان يضيع الإفراد والقران وهما سنتان للنبي ويستثنى من أصلنا السابق القائل بمشروعية التمتع مطلقا ما قاله بعض
(1) مالك بن أنس، الموطأ، ج 1، ص 347.
(2) سورة إبراهيم، الآية (37). (2/184)
صفحة 502
الرائد
(110)
أهل العلم أنه لا يشرع التمتع ولا القرآن لحاضري المسجد الحرام". وجعلوا الإشارة في قوله تعالى ذلك" راجعة إلى أصل التمتع لا الهدي
والصيام، وإن فعلوها وجب عليهم دم جناية لا يأكل منه الواجب عليه.
واستدل هؤلاء لقولهم السابق بقوله سبحانه: فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ
?
بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجَ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ اهْدِي فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجّ
وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ.
قالوا: إن في الآية لقرائن تدل على أن الحكم راجع للتمتع وليسه براجع للهدي، ومن تلك القرائن التعبير باللام في قوله لا ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؛ لأن اللام تستعمل فيما لنا لا فيما علينا، والتمتع
لنا أن نفعله وأن لا نفعله بخلاف الهدي فهو علينا، وكذلك الصوم
العجز عن الهدي.
عند
(1) القطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 63، والطبري، جامع البيان، ج 2، ص 255، وابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 98، والنووي، المجموع، ج 7، ص 143، والعيني،
البناية، ج 4، ص 313، والشنقيطي، أضواء البيان، ج 4، ص 490.
(2) سورة البقرة، الآية (196). (2/185)
صفحة 503
الرائد
186
ومن القرائن أنه جمع في الإشارة بين اللام والكاف، وذلك يدل على شدة البعد والتمتع أبعد في الذكر من الهدي والصوم.
وفي هذا القول من النظر ما يقضي بعدم الأخذ به إذ العموم في الأشخاص المكيين وغيرهم مستفاد من قوله تعالى "فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي" فـ"من" من ألفاظ العموم كما هو معلوم، ولم يأت أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى المكيين عن التمتع فالأصل أن يكون التكليف الذي وجه إليهم هو التكليف الموجه لغيرهم.
أما القرائن التي أخذ بها القائلون بالمنع وخصوا بها العموم السابق فمحتملة أن يكون المراد كما قالوا ومحتملة أن لا تكون كذلك إذ من الشائع في لغة العرب أن تأتي اللام بمعنى (على)، ومن ذلك ما في الكتاب العزيز من قول الحق تبارك وتعالى: إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا،
لأن المقصود وإن أسأتم فعليها، قال قطب الأئمة:
(1) الشنقيطي، أضواء البيان، ج 4، ص 490.
(2) سورة الإسراء، الآية (7).
(3) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 10، ص 217، وأبو حيان، البحر المحيط، ج 6، ص 10، والألوسي، روح المعاني، ج 17، ص 59. (2/186)
صفحة 504
الرائد
(JAV)
وعقاب الإساءة على المسيء فالمعنى فعليها، وجاءت اللام للمشاكلة كما شاكل بقوله: "ما عوقبتم به عاقبتم وعاقبوا أو شبه العقاب بالثواب لجامع الترتب المطلق فجرت الاستعارة التبعية، باللام إذ كان العقاب من جنس الثواب بالجامع المذكور.
وقوله: وَتَحِرُونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا، والمعنى يخرون
على الأذقان، ومن ذلك أيضا قوله تعالى الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَكِفُونَ.
وقد أتى بالفعل معدى بـ (على) في موضع آخر كما في قوله تعالى
وَجَنوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَاءِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ هُمْ. وأما الاستدلال باسم الإشارة ذلك للدلالة على البعد مما يفيد رجوع الأم للتمتع لا الهدي والصوم ففيه نظر من حيث إن من الأسلوب العربي البليغ الإشارة للقريب بإشارة البعيد، ومنه قول الله تعالى "ذلك الكتاب" أن القرآن قريب ولكن أشار إليه بإشارة البعيد كما أشار إليه في مواضع
مع
(1) القطب، تيسير التفسير، ج 7، ص 146، وهميان الزاد، ج 9، ق 2، ص 88.
(2) سورة الإسراء، الآية (109)
(3) سورة الأنبياء، جزء من الآية (52).
(4) سورة الأعراف الآية (138). (2/187)
صفحة 505
الرائد
أخر بإشارة القريب.
ومما يفيد ذلك من لغة العرب قول الشاعر:
188
فإن تك خيلي قد أصيبت صميمها فعمدا على عيني تيممت مالكا أقول له والرمح يأطر متنه تأمل خفافا إنني أنا ذلكا ومع طروق هذا الاحتمال للدليل أن يكون المراد هذا أو ذاك يسقط الاستدلال بهذا الوجه ويرجع فيه إلى أصل الحكم الذي هو عموم حكم الجواز للناس كافة.
وإن كان من حيث النظر أن الأصل أن يرجع اسم الإشارة كما هو الضمير إلى أقرب مذكور ما لم يكن ثم دليل يصرفه، والدليل في هذا الموضع يؤكد رجوعه إلى أقرب المذكورين المحتملين وهو الهدي والصوم.
ثانيا: ما على المتمتع من الطواف والسعي
يأتي المتمتع في سفره نسكين حجا وعمرة فاصلا بينهما بتحلل، وقد اتفق الفقهاء أن على المتمتع طوافين واجبين طواف العمرة وطواف الإفاضة وهو
(1) البغدادي، خزانة الأدب، ج 5، ص 420.
(2) البغدادي خزانة الأدب، ج 5، ص 420، والبصري، الحماسة البصرية، ج 1، ص 101. (2/188)
صفحة 506
الرائد
(119)
للحج.
سعي؛
والأصل أن يكون للعمرة بعد طوافها سعي كما للحج بعد الإفاضة؛ إذ النسكان مختلفان، لكن أمر السعي للمتمتع لم يكن متفقا عليه، بل اختلف الناس فيه أعليه سعيان، أو يجزيه سعي واحد وهو سعي العمرة، ولا يلزمه أن يسعى بعد طواف الإفاضة)؟
بالنظر إلى الأدلة وأفعال صحابته لا نجد أن السيدة عائشة وصفت أفعال الصحابة كما في حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة أم المؤمنين < قالت ..... فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة ثم أحلوا، ثم طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا من منى لحجتهم، وأما الذين أهلوا بالحج أو جمعوا الحج والعمرة، فإنها طافوا طوافاً واحداً".
وجاء الحديث من طريق مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فأهللنا بعمرة ثم قال رسول الله:
من كان معه هدي فليهلل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما
(1) الكندي بيان الشرع، ج 23، ص 131، وابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 102.
:
(2) أخرجه الربيع في كتاب الحج، باب ما تفعل الحائض في الحج (438). (2/189)
صفحة 507
الرائد
جميعا.
فقدمت معه مكة وأنا حائض ولم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة
فشكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: انقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج ودعي العمرة ففعلت.
فلما قضينا الحج أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم مع
عبد الرحمن بن أبي بكر
الصديق إلى التنعيم فاعتمرت فقال: هذه مكان عمرتك، قالت:
فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة ثم حلوا، ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى، وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا.
وبين من هذا النص أن الذين لم يطوفوا بالصفا والمروة بعد طواف
الإفاضة هم القارنون الذين طافوا بعد القدوم.
أما المتمتعون الذين أحلوا بعمرة فطافوا بالصفا والمروة طوافا آخر بعد الإفاضة مما يعني أن على المتمتع طوافين وسعيين، وهذا الذي عليه الأكثر من
أهل العلم.
(1) أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب: حجة الوداع (4134). (2/190)
صفحة 508
الرائد
وخالف ذلك بعض أهل العلم فقالوا إن على المتمتع طوافين وسعيا واحدا السعي الأول للعمرة؛ إذ يجزيه سعي العمرة، وليس عليه سعي بعد
الإفاضة.
وقالوا إننا أسقطنا
سعي الإفاضة عن المتمتع لرواية جابر بن عبد الله
قال:
{كما في حديث عبد بن حميد أخبرنا محمد بن بكر أخبرنا ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله له يقول: لم يطف النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا زاد في حديث محمد بن بكر: طوافه الأول.
كما استدل هؤلاء بحديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم فيمن تمتع بالعمرة إلى الحج قال يطوف بالبيت سبعا ويسعى بين الصفا والمروة، فإذا كان يوم النحر طاف بالبيت وحده ولا يسعى بين الصفا والمروة.
وفي الدليلين كليهما نظر:
أما أولهما فيرد عليه أن كون النبي لم يطف إلا طوافا واحدا أمر لا إشكال فيه بل الأدلة تؤيده وتنصره ونص عليه حديث عائشة سابق الذكر،
وكذلك من كان قارنا معه من أصحابه.
(1) أخرجه مسلم کتاب الحج، باب: وجوه الإحرام (1215). (2/191)
صفحة 509
الرائد
192
أما المتمتعون منهم فقد نص حديث عائشة أنهم طافوا طوافين بين < الصفا والمروة، ووصفها مقدم على وصف جابر بن عبد الله إذ عندها زيادة علم وتفصيل لم يوجدا في حديث جابر فكانت روايتها أحق بالتقدمة، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ.
ومن الممكن حمل حديث جابر على أن الذين لم يطوفوا طوافين من أصحابه هم الذي كانوا، قارنين ولم يذكر حكم المتمتعين فهو مجمل يبينه المفصل من قول عائشة.
أما الدليل الثاني الذي استدلوا به على إسقاط الطواف الثاني بالصفا
(1)
والمروة للمتمتع فرواه الدارقطني من طريق عبد الصمد بن علي نا أبو
إسماعيل الترمذي نا الحسن بن سوار نا عمر بن قيس عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس.
وفي إسناده عمر بن قيس المكي الملقب سندل مولى آل الزبير ويكنى أبا حفص، وهو متروك واهي الحديث قال أحمد عمر بن قيس أخو حميد بن قيس متروك الحديث يقال له سندل من أهل مكة، وكان له لسان ولم يكن
حديثه صحيحا، وقال النسائي: متروك الحديث.
(1) الدارقطني، السنن، ج 2، ص 287. (2/192)
صفحة 510
الرائد
193
وقال ابن معين: عمر بن قيس أخو حميد بن قيس ضعيف، وفي موضع
آخر: ليس بشيء لا يروى عنه، وقال البخاري: منكر الحديث.
ومن السابق يتبين أنه لا مخرج من عموم الحكم بلزوم أداء كل نسك بأعماله الخاصة لعدم ما تقوم به الحجة لإسقاط شيء منها بل الدليل ناص على أصل الأمر وهو وجوب الطوافين والسعيين للمتمتع كما هو صنيع
صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حجة الوداع.
ثالثا: شروط وجوب الهدي على المتمتع
مما اتفق عليه بين علماء الملة وجوب ما استيسر من الهدي على المتمتع
لنص الآية الكريمة كما في قوله تعالى، فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجَ فَمَا اسْتَيْسَرَ
مِنَ اهْدِي فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَقِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ
كَامِلَةٌ.
ولكن هذا الوجوب مشروط بأمور إن لم تكن ارتفع حكم الوجوب
وو
(1) ابن عدي الكامل، ج 5، ص 5، والعقيلي، الضعفاء، ج 3، ص 186، والذهبي، ميزان
الاعتدال، ج 5، ص 263. (2/193)
صفحة 511
الرائد
المكلف، وإليك ما ذكر من شروط:
الشرط الأول:
194
أن لا يكون أهله حاضري المسجد الحرام، فأهل الحرم لا يلزمهم الهدي اتفاقا وإن كانوا في صورة المتمتعين بأن أحرموا بعمرة في أشهر الحج ثم أحرموا بحج بعد ذلك.
ويظهر بذلك أن من كان من حاضري المسجد الحرام وقطع صلته به بأن استوطن غيره ثم أتى الحرم فإن عليه الهدي؛ لأنه ليس من حاضري المسجد الحرام وقت تمتعه.
ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان من أهل مكة ولكنه هاجر عنها إلى المدينة، وعندما جاءها يوم الفتح قصر فيها الصلاة ولم يتمها طيلة أيام إقامته بها إلى أن رجع
(1) البسيوي الجامع، ج 2، ص 267، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 91، والكندي، المصنف، ج 8، ص 182، والجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2، ص 137، والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 59، وابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 96، والنووي، المجموع، ج 7، ص 149، وابن الملقن الإعلام، ج 6، ص 233. (2/194)
صفحة 512
الرائد
195
المدينة؛ لأنه قد ارتفعت عنه أحكام المقيمين بها.
وبعد الاتفاق السابق على إسقاط هدي التمتع عن حاضري المسجد الحرام اختلفوا في حاضري المسجد الحرام من هم على أقوال عدة أقواها وأولاها أنهم أهل الحرم نفسه، أما من كان خارج الحرم فليس من حاضري المسجد الحرام.
والشرع قد أطلق المسجد الحرام في أدلة كثيرة وما أراد به إلا فيحمل هذا على ذلك، ومن أمثلة إطلاق الشارع قوله تعالى: وَلَا تُقَتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَفِرِينَ [.
وقال سبحانه: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدُ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَدَمُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ
(1) يذكر بعض الفقهاء قولا شاذا أن مثل هذا حكمه حكم حاضري المسجد الحرام، وهذا مع شذوذه مخالف للدليل الشرعي المذكور. (2) القول بذلك مشهور عن ابن عباس {القطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 63، والطبري، جامع البيان، ج 2، ص 255، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 200.
(3) سورة البقرة، الآية (193). (2/195)
صفحة 513
الرائد
(197)
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ.
ومنه قوله تعالى: سُبْحَنَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ
ج
الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِي بَرَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ وَايَتِنَا إِنَّهُ هُوَ
السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، ومعلوم من الحال أن الإسراء ما كان إلا من البيت". ومن ذلك قوله سبحانه: [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْتَهُ لِلنَّاسِ سَوَاءَ الْعَكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، ومعلوم من اتفاق أهل العلم أن هذا هو حكم الحرم كله.
وقال آخرون إن حاضري المسجد الحرام هم أهل مكة، وقيل هم أهل مكة والوادي ذي طوى وما كان من ذلك مثل مكة، وقيل هم أهل المواقيت ومن يليهم إلى الحرم.
وقيل من كان منزله وأهله دون المواقيت إلى مكة فهو من حاضري
(1) سورة التوبة، الآية (7).
(2) سورة الإسراء، الآية (1).
(3) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب: كيف فرضت الصلوات في الإسراء (342). (4) سورة الحج، الآية (25). (2/196)
صفحة 514
الرائد
197
المسجد الحرام، وأما أهل المواقيت فهم كسائر أهل الآفاق.
ومنهم من قال إن حاضري المسجد الحرام هم أهل عرفة ومر وعرنة
وضجنان والرجيع ونخلتان، ومنهم من قال إن حاضري المسجد الحرام هم من كانت بينهم والحرم مسافة أقرب المواقيت.
ومنهم من قال إنهم من كانوا على حد ما تقصر فيه الصلاة أي مقدار فرسخين، وهذا الأخير منسوب إلى أبي المؤثر ومحمد بن الحسن من متقدمي
علمائنا الإباضية).
والأقوال السابقة لا أعلم لها دليلا يسندها سوى أنها آراء قد نقلت، والأمر الأقوى كما تقدم دليله هو حمل حاضري المسجد الحرام على أهل
الحرم.
والحكم السابق المسقط الهدي يقال في المتمتع من أهل الحرم كما هو نص الدليل الشرعي، ومثله القارن منهم بل هو أولى من المتمتع؛ لأن المتمتع يجب عليه الهدي باتفاق وقد سقط عنه لتمتعه وهو من أهل الحرم، أما القارن ففيه خلاف بين أهل العلم ولا دليل ينص عليه بل ولا ظاهره كذلك كما سيتبين
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 91، والكندي، المصنف، ج 8، ص 182، والشقصي منهج الطالبين، ج 7، ص 164. (2/197)
صفحة 515
الرائد
198
لاحقا فكان سقوط الهدي عنه أولى وعلى هذا أكثر الأمة.
وخالف ابن الماجشون من المالكية فأوجب الهدي على القارن من أهل الحرم، ولعل دليله في ذلك أن العفو الشرعي عن الهدي كان من حق المتمتع
ولم يتعرض الدليل الشرعي للقارن فيبقى على الأصل وهو تعبده بالهدي. ولكن يشكل عليه أنه لا دليل نصي يوجب الهدي على القارن بل هو
مقيس على المتمتع، وإن كان الأصل معفوا عنه في حال حاضري المسجد الحرام فالفرع أولى منه بالعفو.
واختلفوا فيمن دخل مكة وأهله ليسوا من حاضري المسجد الحرام
وكان قاصدا عند دخوله الإقامة بمكة شرفها الله - أحكمه حكم حاضري المسجد الحرام أو لا؟
الجمهور منهم قالوا إنه لا يعطى حكم حاضري المسجد الحرام بل يلزمه الهدي؛ لأن تعلق الهدي إنما هو بالإحرام بالنسك وهو عند إحرامه لم يكن
منهم فيلزمه الهدي والإقامة لا يعلم عنها متى تكون.
(1) الشقصي، منهج الطالبين، ج 7، ص 167، والنووي، المجموع، ج 7، ص 149. (2/198)
صفحة 516
الرائد
الشرط الثاني:
(199)
أن يكون تمتعه بالعمرة إلى الحج في أشهر الحج من العام نفسه، فمن اعتمر خارج أشهر الحج ثم أحرم بالحج في أشهره أو قبل أشهره على رأي من يقول بذلك فلا هدي عليه اتفاقا.
ولكن اختلفوا فيمن أحرم بالعمرة في غير أشهر الحج ولم يؤدها إلا في
أشهر الحج ثم أحرم بحجة في العام نفسه اختلفوا على أقوال:
منهم من نظر إلى مبدأ الإحرام في غير أشهر الحج فقا ام في غير أشهر الحج فقال لا يلزم الهدي بذلك؛ لأنه لا يطلق عليه التمتع بالعمرة إلى الحج.
ومنهم من نظر إلى الفراغ من الفعل نفسه فقال قد أديت العمرة في أشهر الحج فكان صاحبها متمتعا وهذا منسوب للإمام جابر بن زيد وأبي
(1) هذا الذي عليه جمهور الأمة، ومن الفقهاء من اشترط أن يكون ذلك في شهر واحد، وهذا أمر مخالف للدليل وتقييد بغير قيد شرعي معتبر. النووي، المجموع، ج 7،
ص 151.
(2) القطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 60. (2/199)
صفحة 517
الرائد
المؤثر البهلوي من فقهاء القرن الهجري الثالث.
ومن الفقهاء من قال إن طاف للعمرة ثلاثة أشواط في رمضان وأربعة
أشواط في شوال كان متمتعا، وإن طاف لها أربعة في رمضان وثلاثة في شوال
لم يكن متمتعا.
وأصل اختلافهم في ذلك قاعدة أصولية وهي: هل العبرة بأوائل الأسماء أو بأواخرها، فمن قال في هذه القضية بأوائل الأسماء نظر إلى الإحرام أنه كان في غير أشهر الحج فلم يعد المتلبس بذلك متمتعا.
ومن قال بالأواخر في هذه القضية نظر إلى أن الأداء نفسه كان في أشهر
الحج فعد المتلبس بذلك متمتعا.
أما القول الثالث فنظر إلى الأغلب من الأفعال فعده عمرة في أشهر الحج أو في خارجها ومن قواعدهم الفقهية "إن الحكم للأغلب".
الشرط الثالث: أن لا يرجع إلى بلده بعد عمرته بل يقيم
الفقهاء مختلفون في هذا الشرط)، فمنهم من قال إن من اعتمر في أشهر
(1) الشماخي الإيضاح، ج 2، ص 359، والشقصي منهج الطالبين، ج 7، ص 167،
والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 0) (2/200)
صفحة 518
الرائد
الحج ثم أقام حتى يحج فهو متمتع وعليه الهدي فإن رجع إلى مصره ثم حج
من عامه فلا شيء عليه إن لم يكن سبب موجب للهدي.
أما
عمرة السفرة السابقة فليست بسبب موجب للهدي؛ لأنه ليس له
حكم التمتع بل هو في حجه الثاني مفرد إن أحرم بالحج مفردا، أو قارن إن أحرم بأحدهما، وهذا قول الجمهور.
متمتع أو
واختلفوا في مقدار السفر الذي يسقط حكم العمرة، فقيل إن كان إلى مثل بعدِ بلده وإن كان أقل فيلزمه الهدي، وقيل بل نفس الخروج من الحرم
مسقط للهدي.
ومنهم من قال: من اعتمر في أشهر الحج ثم رجع إلى أهله ثم حج من عامه ذلك فعليه هدي؛ لأنه كان يقال: عمرة في أشهر الحج متعة، وإلى هذا
الرأي كان يذهب الإمام جابر بن زيد).
ومنهم من أوجب الهدي بمجرد الاعتمار في أشهر الحج حج المعتمر أو لم
يحج؛ لأنهم قالوا إن عمرة في أشهر الحج متعة.
(1) الكندي، المصنف، ج 8، ص 188، والشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 358، والشقصي
منهج الطالبين، ج 7، ص 168.
(2) الخروصي، من جوابات الإمام جابر بن زيد، ص 71. (2/201)
صفحة 519
الرائد
وفي هذين نظر إذ ليس هذا القول أن عمرة في أشهر الحج متعة قرآنا ولا سنة حتى يثبت به شرع بل هو من كلامهم فليس هو بحجة شرعية يلزم
اتباعها.
قال ابن عبدالبر:
وقد روي عن طاوس في التمتع قولان هما أشد شذوذا مما ذكرنا عن الحسن أحدهما أن من اعتمر في غير أشهر الحج ثم أقام حتى الحج ثم حج من عامه فهو متمتع.
وهذا لم يقله أحد من العلماء غيره فيما علمت، وذلك –والله أعلم- أن شهور الحج أحق بالحج من العمرة؛ لأن العمرة جائزة في السنة كلها والحج إنما موضعه أشهر معلومات.
فإذا جعل أحد العمرة في أشهر الحج ولم يحج العام فقد جعل العمرة في عام كان الحج أولى بها ثم رخص الله لا في كتابه وعلى لسان نبيه في
العمرة في أشهر الحج للمتمتع وللقارن ولمن شاء أن يفردها في أشهر الحج. والقول الآخر قاله في المكي إذا تمتع من مصر من الأمصار فعليه الهدي وهذا لم يعرج عليه أحد لظاهر قول الله عز وجل لا ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ (2/202)
صفحة 520
الرائد
حَاضِرِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
الشرط الرابع: اتفاق صاحب العمرة والحج
أولا: مشروعية ذلك
ذهب إلى هذا بعض أهل العلم، وقالوا إن كان صاحب العمرة غير صاحب الحج كأن يكون نائبا في العمرة عن أحد وكان الحج عن غيره فلا
هدي عليه، أو إن فعل بنفسه أحدهما وناب عن الغير في الثاني.
وقال آخرون عليه الهدي إذ النص الشرعي جاء عاما من غير تخصيص بل عمم أن من تمتع بالعمرة إلى الحج فعليه ما استيسر من الهدي، وصاحب النسكين مختلفي الأصل يصدق عليه أنه تمتع بالعمرة إلى الحج فيلزمه ما استيسر من الهدي، وهذا أظهر القولين.
ثانيا: لزوم الهدي
اختلف القائلون بالهدي في مثل هذه الحالة على من يكون، فقيل هو على النائب مطلقا؛ لأنه هو المتمتع، والأصل في المعتمر والمفرد أنه ليس عليه
(1) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 99، والنووي، المجموع، ج 7، ص 149. (2) القطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 61، والنووي، المجموع، ج 7، ص 151. (3) النووي، المجموع، ج 7، ص 151. (2/203)
صفحة 521
الرائد
هدي باتفاق، ولا يغير عقد النيابة من الحكم شيئا.
وقال آخرون بل نصفه على صاحب العمرة ونصفه على صاحب الحج،
وهذا مشكل من حيث إن الاثنين لا يجب عليهما الهدي اتفاقا أن لو انفردا، ولا يصدق على واحد منهما أنه متمتع بالعمرة إلى الحج فيلزمه الهدي، أما النائب فيصدق ذلك عليه فيخاطب بالهدي.
وقيل إن أذن المنوب عنهما في التمتع فالدم عليهما نصفان، وإن لم يأذنا فعلى النائب، وإن أذن أحدهما دون الآخر فعليه والنصف الثاني على الأجير
الشرط الخامس: أن يكون تمتعه بالعمرة إلى الحج
وهذا يفيد أنه لا بد من أن يكون تمتع المتمتع بالعمرة إلى الحج، أما إن أدى الحج ثم أحرم بالعمرة في أشهره فلا يعد ذلك تمتعا موجبا للهدي؛ لأن المشروع أن يكون التمتع بالعمرة إلى الحج، و" إلى " مستخدمة عند العرب لانتهاء الغاية فالحج تال العمرة.
ثم إن السيدة عائشة قد اعتمرت بعد حجها كما هو معلوم متقدم التخريج، ولم يأت دليل يلزمها الهدي بل خرج النبي صلى الله عليه وسلم بعد انتهائها من
عمرتها مباشرة. (2/204)
صفحة 522
الرائد
الشرط السادس: أن لا يتمتع بعمرة النفل إلى حج الفرض
وهذا قول قال به بعض الفقهاء، وهو من الغرابة بمكان إذ لا أعلم مستند هؤلاء، بل الظاهر أن الدليل على خلاف ما قالوا، إذ إن الآية جاءت بصيغة العموم "من تمتع " فلم يخصص مفترضا من غيره بل نفس التمتع بالعمرة إلى الحج موجب للهدي، ثم إنه عمم لفظي العمرة والحج ولم يخصهما بفرض ولا نفل.
والنبي صلى الله عليه وسلم قد أمر أصحابه بالإحلال بعمرة، وما من شك أن فيهم من اعتمر وأدى ما عليه من قبل؛ إذ القوافل إليها لم تتوقف، والنبي صلى الله عليه وسلم قد اعتمر وأصحابه ثلاث عمرات قبل حجة الوداع، ولم يأتنا دليل يخص هؤلاء بعدم الهدي، والأصل إجراء العام على عمومه ما لم يأت دليل مخصص، ولا دليل
يعلم هنا.
الشرط السابع: نية التمتع
اشترط جماعة من أهل الفقه لوجوب الهدي أن ينوي التمتع عند إحرامه بالعمرة، أما إن أحرم بها في أشهر الحج ولم تكن له نية في نسك التمتع بل أرادها عمرة مفردة ثم بدا له أن يحج في العام نفسه فلا يلزمه الهدي على هذا
(1) القطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 64. (2/205)
صفحة 523
الرائد
القول.
وهذا شرط قال به بعض الفقهاء ولم أجد له دليلا يسنده، والذي يظهر أن فيه نظرا؛ لأن ظاهر الكتاب العزيز يفيد أن نفس حصول التحلل بين
العمرة والحج موجب لما استيسر من الهدي.
ثم إن الصحابة الذين أحلوا بعمرة بعدما كانوا مفردين أو قارنين ما
نووا التمتع بل ما كانوا يعرفونه على ما يظهر - لكن ألزموا به وأعطوا حكم
المتمتعين وهو وجوب الهدي.
رابعا: حكم من لم يجد الهدي مع وجوبه عليه
حكم من لم يجد الهدي
معلوم أن التكاليف الشرعية عامة إنما هي منوطة بالاستطاعة والقدرة عليها، فالله -سبحانه- لا يكلف الأنفس شططا لا تطيقه، وما المراد من الحج إلا التقوى وأي تقوى تتحقق إن كانت التكاليف خارجة عن حد الإمكان والاستطاعة إنه لا يكون نتاجها غير النفرة، وأي عقاب يتوجه لمن كلف ما لا يستطيع إنه الظلم والجور تعالى الله عن ذلك [وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا (2/206)
صفحة 524
الرائد
صلے
وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَبٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ)
وللسابق من لم يستطع الهدي شرع له الحق سبحانه وتعالى أمرا آخر وهو الصيام فقال سبحانه: فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجَ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ
وو
كاملة).
والبدل عن الهدي هنا هو صيام عشرة أيام، وهذه العشرة من الأيام موزعة على وقتين فثلاث منها تصام في الحج، وسبعة الأيام مكملة العشرة تصام إذا رجع المبتلى.
وفي هذا النص الإلهي المقدس علق الحق بدل الهدي بعدم وجدانه بعدم الاستطاعة للوصول إليه، ويتحقق السابق بأن يعدم الهدي، أو يعدم ثمنه حينئذ، أو يجد ثمنه لكن يحتاج إليه لأهم من ذلك، أو يجده لكن يمتنع
صاحبه من بيعه، أو يمتنع من بيعه إلا بغلاء في السعر يربو على ثمن المثل. وهذا الأمر سواء فيه من كان له مال غائب في بلده أو غيره ومن لم يكن له بخلاف الكفارة فإنه يشترط في الانتقال إلى الصوم فيها العدم مطلقا،
(1) سورة المؤمنون، الآية (62).
(2) سورة البقرة، جزء من الآية (196). (2/207)
صفحة 525
الرائد
والفرق أن بدل الدم موقت بكونه في الحج ولا توقيت في الكفارة، فيلزمه
أن يصوم ثلاثة أيام في الحج.
مبدأ صيام ثلاثة الأيام
جاء النص الإلهي بصيام ثلاثة أيام في الحج وفي هذا النص شيء من الإجمال إذ ما المقصود بالحج أهو أشهر الحج فيصح الصيام في فترة أشهر الحج كلها بدءا من غرة شهر شوال، أو الأيام التي تؤدى فيها مناسك الحج فتشمل ما قبل العشر وما بعدها من أيام التشريق.
أو أن المقصود في حين أداء أعمال الحج كالوقوف بعرفة إذ سماه النبي صلى الله عليه وسلم حجا في قوله: الحج عرفة، أو أن المقصود بالحج مواضع الحج وهي مكة شرفها الله تعالى).
وقد كان للإجمال السابق سبب في اختلاف أهل العلم في مبدأ صيام أيام بدل الهدي لمن لم يجده:
فقيل له أن يشرع في صيامها من حين ما أحرم بالعمرة، وقيل لا يصومها إلا بعد الإحرام بالحج، وقيل يصومها قبل الإحرام بالعمرة أي بمجرد
(1) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 540، والنووي، المجموع، ج 7، ص 159. (2) الجصاص، أحكام القرآن، ج 1، ص 366، وابن العربي، أحكام القرآن، ج 1، ص 184. (2/208)
صفحة 526
الرائد
دخول أشهر الحج التي أولها شوال.
وقيل بعد التحلل من العمرة، وقيل تصام بدخول العشر معتمرا كان أو
غير معتمر حلالا كان أو محرما).
وأصل اختلافهم هو إجمال قوله تعالى "في الحج" أهو ميقات الحج فيصح بدخول أشهر الحج، أو هو حال التعبد بالحج نفسه فيكون لا بد من صيامها والمكلف محرم بالحج، أو حال توجه الإحرام بالحج فيكون بعد الإحلال من العمرة؟
قال العلامة أبو المؤثر البهلوي: إن المتمتع في أشهر الحج إذا لم يكن
معه ما يهدي لمتعته فإنه يصوم ثلاثة أيام من يوم أن يحرم بالمتعة في أشهر
الحج).
وهي
—
ويظهر أن في قوله تعالى "وسبعة إذا رجعتم " قرينة أن صيام غيرها - ثلاثة الأيام يكون في مواضع الحج فيصح بمجرد الإحرام بالعمرة
(1) الشقصي، منهج الطالبين، ج 7، ص 171، والجصاص، أحكام القرآن، ج 1، ص 365، وابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 100، والعيني، البناية، ج 4، ص 294، وابن
الملقن الإعلام، ج 6، ص 248.
(2) الشقصي، منهج الطالبين، ج 7، ص 171. (2/209)
صفحة 527
الرائد
للتمتع، إذ لو كان المراد به أيام الحج لقال إذا أحللتم أو فرغتم". ومما يدل على السابق أن الإحرام بالعمرة هو سبب التمتع "فمن تمتع
بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي" فمتى وجد السبب جاز تقديمه على وقت الوجوب كتعجيل الزكاة لوجود النصاب وتعجيل كفارة القتل لوجود الجراحة.
وجوب
ويدل على جواز تقديمه قبل وقت وجوبه لوجود سببه أن الهدي متعلق بوجوب تمام الحج وذلك إنما يكون بالوقوف بعرفة؛ لأن قبل ذلك يجوز ورود الفساد عليه فلا يكون الهدي واجبا عليه.
وإذا كان كذلك وقد جاز عند الجميع صوم ثلاثة أيام بعد الإحرام بالحج وإن لم يكن الإحرام به موجبا له إذ كان وجوبه متعلقا بتمام الحج والعمرة جميعا ثبت جوازه بعد وجود سببه وهو العمرة.
ولا فرق بين إحرام الحج وإحرام العمرة إذ فعله بعد إحرام الحج إنما هو لأجل وجود سببه وذلك موجود بعد إحرام العمرة
والذين قالوا بالحج أي في حال التلبس بالإحرام بالحج أمروا من لم يجد
(1) ابن العربي، أحكام القرآن، ج 1، ص 185.
(2) الجصاص، أحكام القرآن، ج 1، ص 366. (2/210)
صفحة 528
الرائد
الهدي بتقديم الإحرام قبل يوم التروية حتى يستطيع الصيام وإتمام ثلاثة الأيام قبل يوم النحر، ويدخل هذا الرأي أنه مستلزم إسقاط سنة محكمة ثابتة نص عليها صراحة بلفظ مجمل.
ومن كره منهم صيام يوم عرفة للحاج أمر أن يكون الإحرام بالحج في وقت ينهي فيه الحاج ثلاثة الأيام قبل يوم عرفة خشية التعرض للنهي". حكم التتابع في الصيام
مما اختلف فيه الفقهاء حكم التتابع في صيام بدل الهدي، فقال جماعة إن النص قد أطلق الصيام ولم يقيده بالتتابع فلذا يجوز أن تصام الأيام متفرقة. ومنهم من قال بوجوب التتابع؛ لأن الأصل التتابع كما هو الحال في الأيمان، غير أنه لا يسلم لهم أن الأصل التتابع؛ إذ لا دليل يدل عليه، والأصل الأخذ بالمطلق ما لم يدل دليل على تقييده، ولم يأت هنا دليل يقيده بالتتابع، على أن الخلاف في وجوب التتابع في صوم كفارة الأيمان بين الفقهاء خبر ذائع وليس هو بمتفق عليه فلا يلزم إلا من يقول به أن لو سلم بصحة القياس بين الأمرين.
(1) الشنقيطي، أضواء البيان، ج 5، ص 158.
(2) الشقصي، منهج الطالبين، ج 7، ص 171، والنووي، المجموع، ج 7، ص 3 ن 163. (2/211)
صفحة 529
الرائد
212
مبدأ صيام سبعة الأيام
نصت الآية الكريمة في سبعة الأيام أنه يصومها إذا رجع "وسبعة إذا رجعتم "، وقد جاءت لفظة الرجوع مطلقة فلم تقيد بالرجوع من مكان دون آخر، وقد ذهب كثير من الفقهاء إلى أنه برجوع الإنسان إلى الإنسان إلى أهله يشرع له صيام سبعة الأيام، واختلف هؤلاء أبو صوله بلده أو له الصوم وإن كان في طريقه إلى أهله.
وروى الإمام الربيع بن حبيب عن ضمام أن الإمام جابر بن زيد قال: لا
يصوم المتمتع السبعة أيام حتى يأتي إلى أرضه وقراه".
وقال بعض الفقهاء إن تعليق الحكم بالرجوع كناية عن الانتهاء من أعمال الحج ولا يراد به ظاهر اللفظ لكونه واردا مورد الأغلب الذين يرجعون بعد الانتهاء من أعمال الحج.
ثم إنه لو كان المراد الرجوع نفسه لقيدت الأيام الثلاثة الأولى بالحرم لا أيام الحج مما يعني أن المراد أن يكون بعض الصيام في أيام الحج وبعضه في
(1) الخروصي من جوابات الإمام جابر بن زيد، ص 70، والطبري، جامع البيان، ج 2،،253، والعيني، البناية، ج 4، ص 295، والشنقيطي، أضواء البيان، ج 5، ص 158.
ص
(2) الخروصي، من جوابات الإمام جابر بن زيد، ص 70. (2/212)
صفحة 530
الرائد
غير أيام الحج.
213
وذهب فريق آخر من العلماء إلى أن قوله "إذا رجعتم" أي من منى، فللمكلف بالصيام أن يصوم السبعة إذا رجع من منى ولو كان بمكة شرفها
الله تعالى.
وهذا القول هو نفسه السابق فيما يظهر غير أن الاختلاف بينهما في مأخذ
"
الحكم، فالأولون رأوا أن قوله رجعتم أي إلى أمصاركم أو دياركم غير أن الأمر ما أريد به إلا الإرفاق والترخيص، قالوا وترك الترخص والأخذ بالعزائم أمر سائغ شرعا.
أما الآخرون وهم القائلون بالرجوع إلى منى فقالوا إنه لا دليل في قوله إذا رجعتم أنه الرجوع إلى الديار أو الأمصار فالآية مطلقة، والأوجه أنه إذا رجعتم من الحج فيكون معنى الآية ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم من الحج، والرجوع من الحج يكون بالانتهاء من أيام منى.
لكن يعكر على هذا الأمر الأخير مع قوته في النظر- أن النص من الشارع على قضية الرجوع إلى الأهل ثابت كما في قول النبي لأصحابه يوم
حجة الوداع:
(1) ابن العربي، أحكام القرآن، ج 1، ص 185. (2/213)
صفحة 531
الرائد
214
من كان منكم أهدى فإنه لا يحل لشيء حرم منه حتى يقضي حجة، ومن
لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل، ثم ليهل بالحج، فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى
أهله).
ووجه الشاهد هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قيد مطلق الرجوع الوارد في الكتاب العزيز بكونه رجوعا إلى الأهل فليس هو رجوعا من منى وليس هو انتهاء من أعمال الحج، ومعلوم أن السنة تقيد مطلق الكتاب العزيز.
ومن الفقهاء من استدل بهذا الحديث على أن الصيام لا يصح أن يكون والمبتلى في الطريق إلى أهله بل لا بد من وصوله إلى أهله حتى يصوم، وقال بعض هؤلاء إنه لو صام وهو لم يصل أهله لم يجزه صيامه وأعاده.
وفي هذا الكلام نظر من حيث إن قوله إذا رجعتم يصدق على من كان في الطريق إلى أهله، فهو راجع إلى أهله بمجرد أن يخرج من أرض العراص
المشرفة ميما داره.
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب من ساق البدن معه (1606). (2/214)
صفحة 532
الرائد
215
حكم من لم يصم قبل النحر
من لم يصم ثلاثة الأيام قبل يوم النحر اختلف في حكمه:
قيل يصومها في أيام التشريق فإن فاته ذلك صام عشرة أيام إذا رجع إلى
بلاده وأجزاء، وإن وجد هديا بعد رجوعه وقبل صومه أهدى قبل أن يصوم.
وقيل إذا لم يصم
ثلاثة الأيام في الحج لم يجزه الصوم بعد وكان عليه
هديان هدي لمتعته أو قرانه وهدي لتحلله من غير هدي ولا صيام. وقيل لا يقضى يوم النحر حتى يهدي أو يصوم، فإن لم يهد حتى رجع إلى
بلاده فعليه هدي ويصوم عشرة أيام في بلده ويهدي إن وجد.
أما اختلافهم في صوم أيام التشريق فأصله أنه قال جماعة من أهل العلم على رأسهم السيدة عائشة وابن عمر له من كبار الصحابة أنه يشرع له أن يصوم أيام التشريق، وذلك لحديث:
محمد بن بشار حدثنا غندر حدثنا شعبة سمعت عبد الله بن عيسى عن الزهري عن عروة عن عائشة وعن سالم عن ابن عمر قالا: لم يرخص في
(1) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 344، وابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 101، والعيني، عمدة القاري، ج 10، ص 32. (2/215)
صفحة 533
الرائد
016
أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي.
وجاء بلفظ: مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر عن ابن
عمر {قال: الصيام لمن تمتع بالعمرة إلى الحج إلى يوم عرفة، فإن لم يجد هديا ولم يصم صام أيام منى.
وعن ابن شهاب عن عروة عن عائشة مثله تابعه إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب).
وجاء الحديث السابق مرفوعا إلى النبي له من لفظه بأسانيد لا تصح مع من ذلك حديث محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، ثنا يحيى بن سلام
تعددها
ثنا شعبة عن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن الزهري عن
سالم عن ابن عمر قال: رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم للمتمتع إذا لم يجد الهدي يصوم أيام التشريق.
أخرجه الدارقطني في السنن، وأعله بعد إخراجه بيحيى بن سلام".
وقال الطحاوي:
(1) أخرجه البخاري، كتاب الصوم، باب صوم أيام التشريق (1894). (2) أخرجه البخاري، كتاب الصوم، باب صوم أيام التشريق (1895). (3) الدارقطني، السنن، ج 2، ص 186.
أن (2/216)
صفحة 534
الرائد
217
هو حديث منكر لا يثبته أهل العلم بالرواية لضعف يحيى بن سلام
عندهم وابن أبي ليلى وفساد حفظهما مع أني لا أحب أن أطعن على أحد من العلماء بشيء ولكن ذكرت ما تقول أهل الرواية في ذلك.
ومن ذلك حديث عبد الغفار بن القاسم عن الزهري حدثني عروة بن الزبير قال: قالت عائشة وعبد الله بن عمر قالا لم يرخص رسول الله صلى الله عليه وسلم
لأحد في صيام التشريق إلا لمتمتع أو محصر.
أخرجه الدارقطني وأعله عقبه فقال: أخطأ في إسناده عبد الغفار وهو
،
أبو مريم الكوفي ضعيف".
ومن. ذلك حديث: إبراهيم بن محمد بن الضحاك ثنا محمد بن سنجر ثنا يونس بن بكير عن يحيى بن أبي أنيسة عن الزهري عن عروة عن عائشة
قالت:
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من لم يكن معه هدي فليصم ثلاثة أيام قبل يوم النحر، ومن لم يكن صام تلك الثلاثة الأيام فليصم أيام التشريق أيام
مني.
(1) الطحاوي، شرح معاني الآثار، ج 2، ص 246.
(2) الدارقطني، السنن، ج 2، ص 186. (2/217)
صفحة 535
الرائد
(218)
(1)
أخرجه الدارقطني وفيه يحيى بن أبي أنيسة وهو ضعيف، قال ابن
معين: ليس بشيء، وقال ابن حبان: كان ممن يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل حتى إذا سمعها المبتدئ في الصناعة لم يشك أنها معمولة لا يجوز الاحتجاج به بحال)، وقد أعله به الدارقطني بعد إخراجه.
(2)
ومن ذلك حديث العباس بن الفضل عن سليمان أبي معاذ عن الزهري
عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن حذافة السهمي قال:
أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط أن يطوفوا في منى في حجة الوداع يوم النحر فينادوا إن هذه أيام أكل وشرب وذكر الله فلا تصوموا فيهن إلا صوما في
هدي.
(3)
والحديث أخرجه الدارقطني وفيه أبو معاذ سليمان بن أرقم البصري،
قال ابن معين: ليس يسوى فلسا، وقال: ليس بشيء، وقال البخاري: تركوه، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال ابن حبان: كان ممن يقلب الأخبار
(1) الدارقطني، السنن ج 2، ص 186.
(2) ابن معين، تاريخ ابن معين، ج 4، ص 415، وابن حبان، المجروحين، ج 3، ص 110، والعقيلي، الضعفاء، ج 4، ص 392
(3) الدارقطني، السنن، ج 2، ص 186. (2/218)
صفحة 536
الرائد
219
ويروي عن الثقات الموضوعات.
ومن ذلك حديث سليمان بن أبي داود الحراني ثنا الزهري عن مسعود بن الحكم الزرقي عن رجل من أصحاب النبي الله قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن حذافة فنادى في أيام التشريق:
ألا إن هذه أيام عيد وأكل وشرب وذكر؛ فلا يصومهن إلا محصرا أو
متمتعا لم يجد هديا، ومن لم يصمهن في أيام الحج المتتابعة فليصمهن. أخرجه الدارقطني، وفيه سليمان بن أبي داود، قال أبو حاتم الرازي: ضعيف جدا، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال ابن حبان: منكر الحديث جدا يروي عن الأثبات ما يخالف حديث الثقات حتى خرج عن حد الاحتجاج به إلا فيما وافق الأثبات من رواية ابنه عنه".
وله علة أخرى قال الدارقطني سليمان بن أبي داود ضعيف رواه
(1) ابن حبان المجروحين، ج 1، ص 328، وابن عدي الكامل، ج 3، ص 250، والعقيلي،
الضعفاء، ج 2، ص 121.
(2) الدارقطني، السنن، ج 2، ص 186.
(3) البخاري، التاريخ الكبير، ج 4، ص،11، وابن حبان المجروحين، ج 1، ص 335، وابن
حجر، لسان الميزان، ج 3، ص 90. (2/219)
صفحة 537
الرائد
الزبيدي عن الزهري أنه بلغه عن مسعود بن الحكم عن بعض رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا ولم يقل فيه إلا محصرا ومتمتعا.
أصحاب
أما الفريق الآخر فقال من لم يصم الأيام قبل يوم النحر تعلق في ذمته دم يأتي به الحرم، وذلك لأمرين:
أولهما: أن صيام أيام التشريق منهي عنه في الشرع كما هو ثابت معلوم. ثانيهما أن الشرع قد نص أن هذا الصوم في الحج وأيام التشريق خارج أيام الحج فلا يشرع صيامها لذا يخرج وقت الصيام بغروب شمس عرفة؛ إذ
يوم النحر يوم عيد منهي عن صيامه وإن كان من أيام الحج.
قالوا: وفوق الأمر السابق جاء ما يشهد بالنهي العام عن صيام أيام التشريق في منى مما يعني دخول المتمتعين غير واجدي الهدي بدلالة الظاهر إن لم تكن النص وهو حديث:
سعيد بن سفيان الجحدري ثنا عبيد الله بن أبي حميد عن أبي المليح بن أسامة عن أبيه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام منى رجلا على جمل أحمر فنادى: أيها الناس، إنها أيام أكل وشرب فلا تصوموا.
ودلالة الظاهر التي يعنونها هنا هي دلالة العام على أفراده، والحاج أحد أفراد العام، أما النص فلعلهم رأوا أن دخول الحاج فيها أولي لكونه مما قصد (2/220)
صفحة 538
الرائد
بالحكم أصالة فالحادثة في منى، والمخاطبون حجاج، وسبب نزول الحكم
العام يدخل قطعا في اللفظ العام كما هو المشهور عند أهل الأصول.
والفيصل في القضية هو حديث ابن عمر وعائشة إذ إنه على القول بأن له
(1)
حكم الرفع في عبارتهما (لم يرخص) كما هو المتبادر السابق إلى النفس يكون
مخصصا عموم النهي عن صيام أيام التشريق فيستثنى من النهي المتمتع غير القادر على ما استيسر من الهدي.
أما قول المانعين إن أيام التشريق ليست من أيام الحج فموضع اجتهاد لغيرهم أن يخالفهم فيه؛ إذ من أعمال الحج الواجبة ما يؤدى فيها كالرمي، بل منها ما يكون ركنا كطواف الإفاضة ولم يقل أحد بعدم جواز أن يؤدى في أيام التشريق فلم هي ليست معدودة من أيام الحج؟.
والحديث الذي فيه النهي عن صومها يوم بعث النبي صلى الله عليه وسلم مناديه بمنى على ظهر جمل أحمر أخرجه الطبراني، وقال عقبه معلا: لم يرو هذا الحديث عن
أبي المليح عن أبيه إلا عبيد الله بن أبي حميد، ورواه أبو قلابة عن أبي المليح عن
(1) ابن حجر، فتح الباري، ج 4، ص 243، والزرقاني، شرح موطأ مالك، ج 2، ص 240، والمباركفوري، تحفة الأحوذي، ج 3، ص 404. (2/221)
صفحة 539
الرائد
222
نبيته (1).
وعبيد الله بن أبي حميد - أحد رجاله - منكر الحديث يروي عن أبي المليح عجائب كما قال البخاري، وقال النسائي: متروك، وقال ابن حبان: كان ممن يقلب الأسانيد ويأتي بالأشياء التي لا يشك من الحديث صناعته أنها مقلوبة فاستحق الترك لما كثر في روايته ".
ولو ثبت لما كان دالا على المراد إلا بدلالة العموم في قوله "الناس" التي ظنية على أفراد ذلك العام على الرأي الذي عليه الأكثر من أئمة الأصول وتؤيده الأدلة).
هي
وحديث ابن عمر وعائشة دال بدلالة الخصوص التي هي قطعية في
أفراد الخاص كما هو الاتفاق - وما من شك أن الخاص مقدم على العام. أما على القول بأن الحديث عائشة وابن عمر حكم الوقف كما هو مذهب جماعة من أهل العلم فيتعارض عندنا عمومان عموم القرآن الذي جعل
(1) الطبراني، المعجم الأوسط، ج 7، ص 169.
(2) ابن حبان، المجروحين، ج 2، ص 65، وابن عدي الكامل، ج 4، ص 325، والعقيلي، الضعفاء، ج 3، ص 118،،والمزي، تهذيب الكمال، ج 19، ص 29.
(3) السالمي، طلعة الشمس، ج 1، ص 103. (2/222)
صفحة 540
الرائد
223
الصيام في الحج ولم يستثن أيام التشريق من هذا العموم وما من شك أنها من أيام الحج لوجوب بعض أعمال الحج فيها فيستفاد منه مشروعية
الصيام.
والعموم الآخر عموم حديث النهي عن صوم أيام التشريق فيستفاد منه النهي، وعموم القرآن يقدم هنا لترجحه بجانب قطعية الورود بعكس السنة فهو ظني الورود وإن اتحد العمومان في ظنية الدلالة على رأي الأكثر من أهل العلم خلا الأحناف.
عموم
وهذا الأخير تحرير حسن رائق ولكن يظهر لي انتقاضه بيوم الأضحى يوم العيد؛ إذ صيامه منهي عنه بعموم حديث أحادي، وإباحة صيامه داخلة في عموم أيام الحج ولكن مع ذلك كان النهي عن صيامه متفقا عليه عند الفريقين فلم لم يؤخذ بعموم القرآن هنا".
وممكن الجواب عن ذلك بالقول إن النهي عن صيام يوم العيد متأيد بالاتفاق بين علماء ملة الإسلام والإجماع يرفع من شأن المجمع عليه وإن كان في أصله أحاديا، وأما أيام التشريق ففي صيامها الخلاف شائع بين أهل
(1) وذلك على القول بعدم ثبوت استثناء أيام التشريق وقد تقدم الكلام حول ذلك. (2) الطحاوي، شرح معاني الآثار، ج 2، ص 246، وابن حجر، فتح الباري، ج 4، ص 243. (2/223)
صفحة 541
الرائد
224
العلم.
وعلى كل ظهر من السابق أن أيام التشريق مستثناة بالنص فيصح لمن لم
يجد الهدي صيامها.
حكم من وجد الهدي بعدما شرع في الصيام
علق الله تعالى أمر الصيام بعدم وجدان الهدي، وقد تقدم أن
عدم
وجدان الهدي قد يكون لعدم المال لشرائه أو لغلائه، أو عدم القدرة على
الذهاب إلى أماكن وجوده، وقد يكون لانعدامه.
يهي
المقصود أن المكلف به غير مستطيع عليه فيشرع له الصيام، ولكن قد
الله تعالى من
الأسباب ما يجعل المكلف بالهدي قادرا عليه وقد يكون
شارعا في الصيام ووقت ذبح الهدي لم ينته بعد فما الحكم في ذلك؟
(1)
للفقهاء خلاف في مثل هذا المبتلى فمنهم من يقول إنه ما دام
وقت الذبح في أيام التشريق فإنه ينتقل من الصيام إلى الهدي وإن أكمل صيام
الثلاث.
وقال هؤلاء إن الصيام بدل عن الهدي في حال عدم الاستطاعة عليه، أما
(1) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 102، والعيني، البناية، ج 4، ص 297. (2/224)
صفحة 542
الرائد
225
مع
القدرة عليه في الوقت فلا يجزي عنه.
وقال آخرون ما دام هذا المتعبد دخل في الصيام فقد انتقل فرضه من الهدي إلى الصيام وأصبح هو فرضه المتعبد به فلا ينتقل إلى غيره كحال المصلي بالتيمم إذا وجد الماء وهو في الصلاة لا يؤمر بالإعادة بل له المواصلة. وذهب آخرون إلى أنه إن وجد الهدي قبل إتمام صوم الثلاث فإنه لا
يجزيه ويتعبد بالهدي، أما إن وجده بعد إتمام صيامهن فلا هدي عليه. وهؤلاء قاسوه على الصلاة في حال التيمم أيضا، وفرع الصلاة يجري
عليه الاختلاف الجاري هنا.
وقيل بل يعلق أمر الهدي إذا وجده بالإحلال، فإن وجده قبل أن يحل
فليذبح، وإن كان بعد الإحلال فله إكمال الصيام.
وقال آخرون إنه بشروعه في الصيام مخير بين الأمرين إتمام الصيام
والهدي.
حكم من فاته وقت صيام الثلاث
قد يفوت من لزمه الصيام وقت صيام ثلاثة الأيام لنسيان أو مرض أو غير ذلك من الأعذار وفي هذه الحالة قال بعض الفقهاء إن كان بمكة فليصم (2/225)
صفحة 543
الرائد
226
الثلاثة الأيام فيها، وليصم إذا رجع إلى أهله سبعة، وإن كان رجع إلى أهله فليهد إن قدر فإن لم يقدر فليصم ثلاثة وسبعة بعدها.
واختلفوا هل يفرق بينها بيوم، أو أربعة، أو بمدة السير، أو بكليهما، أولا
يفرق رأسا.
أما القائلون بأنه يفرق بينها فقالوا ذلك هو الأصل المشروع، والآخرون قالوا إن ذلك أمر لم ينص عليه الشارع وهو بعد خروج الوقت عليه عشر من الأيام فيأتي بها كلها، وقال آخرون إنه إن انقضى وقت الصيام وهو لم يصم
فعليه دم. خامسا: وقت وجوب الهدي على المتمتع
اختلف الفقهاء في وقت وجوب الهدي على المتمتع، فقال جماعة منهم
يجب الهدي على المتمتع بإحرامه بالحج مباشرة؛ إذ هو منطبق عليه النص
الشرعي
أنه متمتع بالعمرة إلى الحج ولذا عليه ما استيسر من الهدي.
وذهب بعض الفقهاء إلى أنه يجب عليه الهدي برميه للجمرة الكبرى في
(1) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 102، والعيني، البناية، ج 4، ص 295. (2/226)
صفحة 544
الرائد
227
اليوم العاشر، ومنهم من قال إنه لا يجب حتى يقف بعرفات).
وأثر الخلاف يبرز فيمن مات بعد الإحرام وقبل الرمي أيتعلق ما
استيسر من الهدي به أو لا، أما من قال وجوبه بالإحرام فيتعلق به، وأما قال برمي جمرة العقبة فلا دم عليه.
من
وعلى كل إن مات وتعلق برقبته الدم على أي قول من الأقوال فإنه يدخله الخلاف المشهور في حقوق الله أتخرج من أصل المال أو الثلث.
المطلب الثاني: الإفراد
أولا: مشروعية الإفراد
هذا
هو أول أنواع النسك من حيث إنه أقلها أعمالا؛ إذ لا عمرة فيه،
ومقتفيه لا يلزم بالهدي اتفاقا بين علماء الملة كما في حديث سفيان عن الزهري
عن عروة عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليفعل، ومن أراد أن يهل بحج
فليهل، ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل.
(1) الشقصي، منهج الطالبين، ج 7، ص 166، وابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 100،
والنووي، المجموع، ج 7، ص 157. (2/227)
صفحة 545
الرائد
228
قالت عائشة: فأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم، بحج، وأهل به ناس معه، وأهل
ناس بالعمرة والحج، وأهل ناس بعمرة، وكنت فيمن أهل بالعمرة.
بل هناك من أهل العلم من فضله على غيره من الأنواع كما سيأتي. وهذا النسك يستفاد معناه من مبناه فهو إفراد الإحرام بالحج وحده فلا يلزم بشيء سواه، بل أعماله تبدأ من يوم التروية الثامن من ذي الحجة من منى، وبعد ذلك هو كغيره من أصحاب الأنساك الأخرى ولكنه لا يلزم بالهدي بعد رمي العقبة بل يشرع له التحلل بعد الرمي ثم يكون في رميه الجمرات أيام التشريق كباقي أصحاب الأنساك الأخرى.
وهو في شأن التلبية كالقارن مصطحب لها دون انقطاع عنها منذ أن يحرم بالحج إلى أن يرمي الجمرة يوم العاشر من ذي الحجة، قال قطب الأئمة ~: وهو (أي الإفراد: أنواع محرم بحج وحده وأتمه فقط، ومحرم بحج وحده وأتمه ثم أحرم، بعمرة، ومحرم بحج في أشهره وقد أحرم بعمرة قبل أشهره وأتمها، ومحرم بحج في أشهره ثم فسخه إلى عمرة فهذا كان مفردا ثم
صار متمتعا).
(1) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام (1211).
(2) القطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 58. (2/228)
صفحة 546
الرائد
229
ثانيا: طواف القدوم للمفرد
الوصف السابق مشروع للمفرد إذا ما يمم صوب منى في اليوم الثامن ولم يأت مكة - شرفها الله -، أما إن جاء مكة فاختلف أهل العلم: أيشرع له أن يطوف حول البيت العتيق طواف القدوم، أو لا يشرع له ذلك؟ ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه لا يشرع له ذلك لكونه مفردا، والمفرد تبدأ أعمال نسكه يوم التروية الثامن من ذي الحجة، وعليه على قول هؤلاء - إذا دخل المسجد أن يجتنب الطواف فيقرأ القرآن ويذكر الله ويصلي، على أنه إن طاف فبطوافه ذلك يكون قد أضاف إلى إحرامه الذي أحرم به أمرا آخر غير مشروع له.
ولو كان يريد الطواف والسعي فقد شرع له أمر وهو التمتع أو القرآن، أما وقد فصلت له الأحكام وأن الطواف والسعي قبل الثامن من ذي الحجة ليس من شأن المفرد بل هو من شأن القارن والمتمتع فلا يشرع له أن يأتي به، للعلل السابق ذكرها، فيظل بمكة دون طواف.
واختلفوا فيما يلزمه إن طاف فقيل بفساد إحرامه، وقيل: أخطأ وإحرامه
(1) الكندي بيان الشرع، ج 23، ص 131، والشماخي الإيضاح، ج 2، ص 364، والجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2، ص 137، والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 58. (2/229)
صفحة 547
الرائد
230
صحيح، واختلف في لزوم الدم عليه.
وذهب آخرون إلى أن من المشروع للمفرد طواف القدوم فقط، وقال
آخرون بل يضيف إليه السعي بين الصفا والمروة لعدم المانع منه فيبقى الأمر على أصل الجواز.
ودليل هؤلاء ظاهر فعل الصحابة الذين أحرموا مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ كان منهم المفرد ومع ذلك طافوا مع النبي وسله والو طواف القدوم وطافوا بين الصفا والمروة مما يدل على المشروعية، ودليل كون بعضهم مفردين حديث هشام عن أبيه عن عائشة قالت خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم موافين لهلال ذي <: الحجة فقال لنا:
من أحب منكم أن يهل بالحج فليهل، ومن أحب أن يهل بعمرة فليهل
بعمرة، فلولا أني أهديت لأهللت بعمرة.
قالت: فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج".
وأما كونهم أي المفردين طافوا بالبيت للقدوم وسعوا فيفيده حديث
السيدة عائشة عندما قالت
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 160.
(2) أخرجه البخاري، كتاب: الحج، باب: العمرة ليلة الحصبة (1691). (2/230)
صفحة 548
الرائد
231
فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة ثم أحلوا، ثم طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا من منى لحجتهم، وأما الذين أهلوا بالحج أو جمعوا الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافاً واحداً».
ثم إن من قال إن إحرام النبي كان بنسك الإفراد واستمر عليه فالدليل له على صحة طواف المفرد وسعيه جلي ظاهر إذ إنه من الثابت عنه أنه قد طاف للقدوم وسعى.
ولكن القول بأن إحرامه لو كان الإفراد يعتريه شيء من الإشكال -على
ما يظهر - ويأتي بيانه عند ذكر أفضل الأنساك.
وظاهر من الحديث السابق حديث عائشة أن المفرد والقارن ليس على واحد منهما إلا طواف واحد بالصفا والمروة إن طافا بالصفا والمروة بعد طواف القدوم فيجزيهما عن الطواف بالصفا والمروة في طواف الإفاضة كما هو ظاهر فعل النبي وأصحابه فالذين سعوا سعيين للقدوم والإفاضة إنما هم المتمتعون فقط.
وغير خفي عن النظر أن المفرد والقارن إن لم يطوفا بالصفا والمروة عند
القدوم لزمهما الطواف بهما عند الإفاضة اتفاقا.
(1) أخرجه الربيع، كتاب الحج، باب ما تفعل الحائض في الحج (438). (2/231)
صفحة 549
الرائد
232
والذي يظهر أن الاستدلال بالسابق على مشروعية طواف القدوم للمفردين أمر ظاهر الإشكال من حيث إنه من المعلوم أنه لم يكن أحد من الصحابة الذين كانوا مع النبي لا مفردا إذ سيأتي أن النبي صلى الله عليه وسلم قد عزم عليهم الإحلال بعمرة وهذا مما لا خلاف فيه بين أحد من أهل العلم.
وعلى السابق يكون طوافهم المذكور في الروايات السابقة طواف العمرة لا طواف القدوم، والسعي سعي العمرة، وأين فيه أن المفرد مطلقا يندب له أو يسن أن يطوف طواف القدوم إن الأدلة لقاصرة عن الحكم بذلك.
لكن قد تؤخذ المشروعية من جهة أنهم لما طافوا للقدوم ما كان في نياتهم أن ذلك للعمرة بل العزم عليهم على أن يحلوا بعمرة ما كان إلا بعد السعي.
-
والذي يظهر والعلم عند الله تعالى أن مذهب علمائنا الإباضية القائل
بعدم مشروعية طواف القدوم والسعي بعده للمفرد الذي لا يبغي سوى نسك الإفراد ولا يريد التحلل بعمرة ليكون متمتعا بذلك له من الدليل نصيب وحظ من حيث إنه سيأتي عند الكلام على فسخ الحج بعمرة أن النبي قد عزم على أصحابه المفردين والقارنين الإحلال بعمرة لمن لم يسق
الهدي.
وقد كان رأي ابن عباس {أن ذلك على سبيل الوجوب وليس على (2/232)
صفحة 550
الرائد
233
التخيير، وأنه للأمة قاطبة وليس بخاص بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في حجة
الوداع".
ومعلوم من حال الفقه عند علمائنا الإباضية أنه منبن في كثير من مسائله
على فقه ابن عباس لتتلمذ إمام المذهب جابر بن زيد ه على يديه.
والظاهر أن هذا أخذ بمذهب ابن عباس؛ لأن المفرد إن طاف وسعى لزمه الإحلال بعمرة وضاع عنه ما أراده من الإفراد، لذا اشترط لبقاء نسك الإفراد عدم الطواف والسعي.
وهذا الحكم في المفرد لا إشكال يتوجه عليه بناء على التأصيل السابق، ولكن الإشكال يتضح في القارن الذي لم يسق الهدي، إذ إن آثار علمائنا الإباضية تنص أنه لا يحل بعمرة بعد أن يسعى سعي عمرة القرآن بل يبقى على إحرامه حتى يحل منهما جميعا في اليوم العاشر، والأصل إن كان البناء على مذهب ابن عباس أن يلزم بالإحلال بعد السعي في حال عدم سوق الهدي. وهذا الظاهر من السنة؛ إذ إن القارنين والمفردين على حد السواء ألزموا بالإحلال بعمرة ولم يكن المخلص من ذلك سوى سوق الهدي كما سيتبين عند بحث مسألة فسخ الحج بعمرة.
(1) سيأتي أن ابن عباس في هذه القضية قد أخذ بالدليل الأقوى لذا تابعه علماؤنا عليه. (2/233)
صفحة 551
الرائد
234
وأما حديث السيدة عائشة الذي قالت فيه: فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة ثم أحلوا، ثم طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا من منى لحجتهم، وأما الذين أهلوا بالحج أو جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافاً واحداً.
وأنه
فالظاهر أنه لا يراد به ظاهره أو أن للرواة فيه تصرفا، وإن تعين الظاهر من كلامها فلا محيص من القول حين ذاك إنه قد سرى إليها شيء من الوهم فيه؛ إذ إن غيرها من الصحابة الذين رووا حجته قالوا إن الناس ما كانوا إلا أحد رجلين:
سائق الهدي، وهذا استمر على إحرامه ولم يحل إلا يوم النحر لعلة سوق الهدي، ولم يكن بهذا الحال إلا النبي وطلحة ولحق بهم بعدها علي بن أبي طالب كما في حديث حبيب المعلم عن عطاء عن جابر بن عبد الله {قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلبينا بالحج وقدمنا مكة لأربع خلون من ذي الحجة فأمرنا النبي أن نطوف بالبيت وبالصفا والمروة وأن نجعلها عمرة ولنحل إلا من كان معه معه هدي، قال: ولم يكن مع أحد منا هدي غير النبي وطلحة،
(1) أخرجه الإمام الربيع، كتاب الحج، باب ما تفعل الحائض في الحج (438). (2/234)
صفحة 552
الرائد
235
الله (1)
وجاء علي من اليمن معه الهدي فقال: أهللت بما أهل به رسول الله (). وغير سائق الهدي، وهذا أمر بالإحلال أمرا جازما سواء كان مفردا أو
قارنا، كما في حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدريه قال: قالت حفصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بال الناس أحلوا بعمرة ولم تحلل أنت
من عمرتك؟ فقال: إني لبَّدت رأسي، وقلّدت هديي فلا أحل حتى أنحر "
(2)
وجاء ذلك أيضا من حديث جابر بن عبد الله الطويل إذ قال: فحل
الناس كلهم وقصروا إلا النبي صلى الله عليه وسلم ومن كان معه هدي.
يتم
ولكن يتعقب هذا الرأي القائل باجتناب المفرد الطواف إذا ما أراد أن له نسك الإفراد بأن ظاهر فعل النبي صلى الله عليه وسلم في أمره أصحابه بالإحلال بعمرة ما كان المراد به عدم طواف القدوم للمفرد بل المراد به وجوب الإحلال بعمرة وإن كان مفردا أو قارنا ما دام لم يسق الهدي.
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لو استقبلت من أمري ما
استدبرت (6803).
(2) أخرجه الربيع واللفظ له في كتاب الحج، باب في الهدي والجزاء والفدية (428)،
:
والبخاري، كتاب الحج، باب: التلبيد (5572).
(3) أخرجه مسلم کتاب الحج، باب: حجة النبي (1218). (2/235)
صفحة 553
الرائد
236
وأنه من المتعين على كل من أراد تأدية النسك ووصل مكة –شرفها الله
تعالى- وهو من خارجها أن يحل بعمرة إلا من ساق الهدي ومن لم يمكنه الإحلال بعمرة كحال السيدة عائشة.
على أن السيدة عائشة نفسها قد صح عنها أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بفسخ الحج بعمرة كما روى ذلك عنها الأسود بن يزيد والقاسم وعمرة، ومن ذلك حديث: إبراهيم عن الأسود عن عائشة: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ولا نرى إلا أنه الحج فلما قدمنا تطوفنا بالبيت فأمر النبي من لم يكن ساق الهدي أن يحل فحل من لم يكن ساق الهدي ونساؤه لم يسقن فأحللن.
?
ويمكن الاعتراض على هذا الأخير بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد خير الناس في
اصطفاء أي الأنساك الثلاثة، والقول السابق يجعل التمتع نسكا متعينا على الناس، ومما يفيد التخيير السابق حديث هشام عن أسه
عائشة عن
قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم موافين لهلال ذي الحجة فقال لنا:
من أحب منكم أن يهل بالحج فليهل، ومن أحب أن يهل بعمرة فليهل
بعمرة، فلولا أني أهديت لأهللت بعمرة.
(1) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب التمتع والإقران والإفراد بالحج وفسخ الحج لمن لم
يكن معه هدي (1486).
: (2/236)
صفحة 554
الرائد
237
قالت: فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحج، وكنت ممن أهل
بعمرة).
ومن ذلك حديث سفيان عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: د خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليفعل، ومن أراد أن يهل بحج فليهل، ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل.
قالت عائشة: فأهل رسول الله الله بحج وأهل به ناس معه، وأهل
ناس بالعمرة والحج، وأهل ناس بعمرة، وكنت فيمن أهل بالعمرة".
ومن غير العسير دفع هذا الاعتراض وذلك أنه مما ينبغي أن لا يفوت أصحاب الاعتراض أن هذا التخيير كان أول الأمر قبل إهلال الناس في
الميقات أو بعده لكن قبل إتمام الطواف بالبيت.
وأما أمر الصحابة بالإحلال بعمرة سواء المفردون والقارنون فكان متأخرا عن هذا، ولعل العزم عليهم كان عند المروة بعد أداء العمرة.
(1) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب: العمرة ليلة الحصبة (1691). (2) أخرجه مسلم، کتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام (1211). (2/237)
صفحة 555
الرائد
238
والأصل أن يؤخذ بالأحدث من أموره كما فعل الصحابة أنفسهم إذ
أحلوا بعمرة مع قرانهم أو إفرادهم السابق الذي كانوا فيه متبعين الهدي
الذي بلغهم.
المطلب الثالث: القرآن
أولا: مشروعية القرآن
يراد بنسك القران جمع الحج والعمرة بإحرام واحد من حيث الأصل،
ولا يحل صاحبه إلا يوم النحر بعد رمي جمرة العقبة.
وقد ذكر اتفاق الناس على مشروعية هذا النسك من حيث الجملة كما يفيد ذلك حديث عائشة الذي ذكرناه مرارا وفيه تخيير النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بين الإحرام بحج أو الإحرام بعمرة وحج أو الإحرام بعمرة.
ولكن روي ما يخالف هذا الرأي وهو أن الخليفة الثالث عثمان بن عفان كان ينهى عن هذا الوجه من وجوه الإحرام كما في حديث: شعبة عن الحكم عن علي بن حسين عن مروان بن الحكم: قال شهدت عثمان وعليا، وعثمان ينهى عن المتعة وأن يجمع بينهما، فلما رأى علي أهل بهما: لبيك بعمرة وحجة،
(1) يطلق بعض الكاتبين هنا لفظ الإقران ولا أدري وجهه؛ إذ الفعل ثلاثي على وزن ضرب فحق المصدر منه قرن، وقران، أما إقران فمصدر أقرن وليس مرادا في موضعنا هذا. (2/238)
صفحة 556
الرائد
239
قال: ما كنت لأدع سنة النبي القول أحد.
وعلى أي حال ثبت الخبر عن عثمان أو لم يثبت ما كان لنا أن نقدم نهيه
على فعل النبي صلى الله عليه وسلم وتشريعه، وقد بيّن ذلك الإمام علي بن أبي طالب -كما في
الحديث السابق - وابن عمر.
كحال
وللقارن أن يقصد مكة قبل أعمال الحج فيطوف بالبيت ويسعى المفرد وهو الأصل الذي جاءت به السنة، وله أن يقصد منى يوم الثامن فيطوف للحج والعمرة طوافا واحدا ويسعى سعيا واحدا لدخول العمرة في
الحج.
واختلف في الطواف إن طاف أهو طواف قدوم أو طواف العمرة، وعلى الأول يكون القارن مدخلا العمرة في الحج من غير تمييز لها، وعلى الثاني العمرة يمكن تمييزها ويمكن إدخالها ضمن الحج.
وأظهر الأقوال أن ذلك الطواف طواف العمرة وليس هو بطواف القدوم، إذ لم يأت دليل يبين أن الطواف الأول للقارن هو للقدوم وليس
(1) أخرجه البخاري كتاب الحج، باب التمتع والإقران والإفراد (1488)، ومسلم في کتاب الحج، باب: جواز المتعة (1233).
(2) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 35. (2/239)
صفحة 557
الرائد
240
للعمرة، بل ظاهر تلبية النبي صلى الله عليه وسلم "لبيك بعمرة وحجة" خلاف ذلك.
ثم إن إجزاء طواف الحج عن العمرة في الحال السابق لا يستلزم كون العمرة غير متميزة بل مفاده أن حكم الإجزاء اضطراري فهو خلاف
الأصل.
والظاهر أن الصحابة والله ما كانوا يفهمون من الطواف الأول للقارن أنه للقدوم بل كانوا يرون أنه للعمرة ولم يكن يصحح لهم فهمهم ذلك مما يفيد إقرارهم عليه.
ومما جاء مفيدا الفهم السابق حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري قال: قالت حفصة > لرسول الله: ما بال الناس أحلوا بعمرة ولم تحلل أنت من عمرتك؟ فقال: إني لبدت رأسي، وقلدت هديي، فلا أحل. حتى
أنحر).
فقول السيدة حفصة: ولم تحلل أنت من عمرتك بين في الدلالة على أن الطواف السابق ما كان إلا للعمرة، ولو كان للقدوم وليس للعمرة لبين لها النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ولما انتقل إلى ما يفيد علة عدم الإحلال، فيكون معنى
(1) أخرجه الربيع واللفظ له في كتاب الحج، باب في الهدي والجزاء والفدية (428)، والبخاري في كتاب الحج، باب: التلبيد (5572). (2/240)
صفحة 558
الرائد
241
القول: ما أحللت من العمرة التي أديتها لأني لبدت رأسي وقلدت هديي. وحرر بعض الفقهاء أن الأول من الأقوال والذي يفيد تمايز طواف
الحج والعمرة يقول به من قال بلزوم طوافين وسعيين على القارن، والثاني يقول به من قال بإجزاء طواف وسعي للقارن).
وفي السابق نظر إذ لا تلازم بين تمايز طواف الحج والعمرة وبين إجزاء طواف واحد عن الحج والعمرة، فقد يكون الأصل التمايز، لكن إن لم يمكن التمايز -كما في الأحوال التي ذكرت أجزى طواف الحج عن العمرة لأدلة
تفيد الحكم كما سيأتي ذكرها.
ثانيا: هل القارن محرم بإحرامين؟
اختلف الفقهاء في القارن أهو محرم بإحرامين متداخلين فيلزمه عند
ارتكاب شيء ما لكل إحرام فدية أو لا؟
ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أنه وإن كان يجمع نسكين إلا أن الإحرام واحد هو إحرام القرآن ولا يلزمه سوى ما يلزم صاحب الإحرام
الواحد.
(1) القطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 65.
(2) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 325، والعيني، البناية، ج 4، ص 286. (2/241)
صفحة 559
الرائد
242
والدليل قائم على أن القران نوع من أنواع النسك التي أباحها الشارع
على صورة معينة مقابلة للإحرام بالعمرة مفردة والإحرام بالحج مفردا. وقد سكت الشارع عن التفصيل الذي فيه زيادة أحكام، فألزم المحصر
الدم ولم يفصل أنواع النسك، وتأخير البيان عن وقت الحاجة أمر ممنوع
فكيف بتركه.
عنه
ثم إن ترك الاستفصال في مثل هذا دليل العموم، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يأت شيء يفصل بين أحكام القارن من المفرد وغيره مما يعني أن الأحكام كلها واحدة، على أنه قد شهد في مواضع أن حكم الأمرين واحد فيجزي القارن
طواف واحد وسعي واحد للنسكين-كما سيأتي-.
ثم إن العمرة مفردة ليس على صاحبها هدي، والحج مفردا ليس على اتفاقا، أما هما متقارنان فيلزم بالهدي على رأي جماعة من أهل
صاحبه هدي
العلم كما سيأتي.
والسابق يدل أنهما شيء جديد ولم يكن إحرام كل منهما منفصلا عن إحرام الآخر بل هو إحرام واحد مباين للإحرامين المنفردين موجب أحكاما
جديدة.
وذهب آخرون إلى أن القارن محرم بإحرام الحج وإحرام العمرة فيلزمه (2/242)
صفحة 560
الرائد
243
دمان عند ارتكاب محظور الإحرام واحد لإحرام العمرة والثاني لإحرام الحج، وإذا أحصر أحل بهديين واحد لإحرام العمرة والثاني لإحرام الحج.
وفي هذا القول نظر للسابق الذي ذكرناه ولو كان ثابتا لم يغفل من جانب السنة في الذكر إذ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
ثالثا: وجوب الهدي على القارن
الهدي في القران واجب على رأي أكثر الأمة بل حكي عليه الإجماع – وإن كان في الحكاية نظر - لشبهه بالتمتع، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قد قرن وأهدى". وذهب آخرون إلى أنه ليس على القارن هدي؛ لأن الأصل براءة الذمة
وليس ثمة ما يوجب شغلها.
أما إهداء النبي فليس بنص في وجوب الهدي على القارن؛ إذ إنه قد أهدى مئة من الإبل نحر منها بيده الشريفة ثلاثا وستين بدنة، وأتم المئة صهره وابن عمه الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.
ولم يقل أحد بوجوب ذلك العدد على كل قارن، فما كان من محمل له إلا التطوع ومزيد القربة وتلكم منازل يتنافس فيها المتنافسون، ويتبارى في
(1) النووي، شرح صحيح مسلم، ج 8، ص 145، والعيني، البناية، ج 4، ص 293. (2/243)
صفحة 561
الرائد
244
تحصيلها السائرون إلى الله ولكن من غير وجوب على أحد.
ثم إن النص القرآني قد شغل ذمة المتمتع بوجوب الهدي بالنص الصريح
في قوله تعالى: {فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجَ فَمَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ أَهْدْي، والمتمتع غير القارن، ولم يذكر القارن فبقي على أصل براءة الذمة.
ثم إنه جاء في بعض روايات عائشة أنه لم يكن عليها هدي ولا صوم ولا صدقة وقد كانت قارنة مما يفيد عدم وجوب الهدي على القارن وذلك في حديث عبدة بن سليمان عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت: خرجنا < مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع موافين لهلال ذي الحجة قالت: فقال رسول
الله:
من أراد منكم أن يهل بعمرة فليهل فلولا أني أهديت لأهللت بعمرة. قالت: فكان من القوم من أهل بعمرة، ومنهم من أهل بالحج، قالت: فكنت أنا ممن أهل بعمرة فخرجنا حتى قدمنا مكة فأدركني يوم عرفة وأنا حائض لم أحل من عمرتي فشكوت ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: دعي عمرتك
وانقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج.
(1) سورة البقرة، جزء من الآية (196). (2/244)
صفحة 562
الرائد
245
قالت: ففعلت فلما كانت ليلة الحصبة وقد قضى الله حجنا أرسل معي عبد الرحمن بن أبي بكر فأردفني وخرج بي إلى التنعيم فأهللت بعمرة فقضى الله حجنا وعمرتنا ولم يكن في ذلك هدي ولا صدقة ولا صوم.
وحق لمن يعارض هذا الحكم أن يعترض على هذا الاستدلال أن جملة (ولم يكن في ذلك هدي ولا صدقة ولا صوم) وهي موطن الشاهد للقائلين
بعدم الهدي لا تثبت من قول عائشة.
-
ووجه عدم ثبوتها كما قيل أنها مدرجة من قول هشام بن عروة كما
صرح الإمام مسلم نفسه في رواية بعد هذه، والمبين مقدم على المجمل.
قال النووي عند شرح الحديث السابق:
وهذا اللفظ وهو قوله (ولم يكن في ذلك هدي ولا صدقة ولا صوم) ظاهره في الرواية الأولى أنه من كلام عائشة، ولكن صرح في الرواية التي
بعدها بأنه من كلام هشام بن عروة فيحمل الأول عليه ويكون الأول في
معنى المدرج.
وقال ابن القيم:
(1) أخرجه مسلم، کتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام (1211).
(2) النووي، شرح صحيح مسلم، ج 8، ص 145. (2/245)
صفحة 563
الرائد
246
هذه الزيادة وهي (ولم يكن في ذلك هدي مدرجة في الحديث من كلام
6
هشام بن عروة بينه مسلم في الصحيح قال أنبأنا أبو كريب أنبأنا وكيع
حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة فذكر الحديث وفي آخره قال عروة في ذلك أنه قضى الله حجها وعمرتها، قال هشام ولم يكن في ذلك هدي ولا صيام ولا صدقة.
فجعل وكيع هذا اللفظ من قول هشام وابن نمير وعبدة لم يقولا قالت
عائشة بل أدرجاه إدراجا وفصله وكيع وغيره.
واعترض على ذلك ابن حزم فقال:
هدي
فإن قيل فإن وكيعا روى هذا الخبر فجعل قولها "ولم يكن في ذلك ولا صوم" من قول هشام قلنا: فإن عبد الله بن نمير وعبدة جعلاه من كلام عائشة، وما ابن نمير دون وكيع في الحفظ والثقة وكذلك عبدة وكلا الروايتين حق قالته هي وقاله هشام ونحن أيضا نقوله".
والترجيح في هذه الكلمة أهي من كلام عائشة أو عروة عسير، إذ الذين جعلوها من كلام السيدة عائشة أكثر ممن جعلها من كلام هشام وليسوا بأقل
(1) ابن القيم، الحاشية على سنن أبي داود، ج 5، ص 120.
(2) ابن حزم، المحلى، ج 7، ص 170. (2/246)
صفحة 564
الرائد
(YEV)
منهم
حفظا وأمانة، ومع هذا الاحتمال يتوجه كلام ابن حزم بقبول الجميع،
إذ ليس من البعيد أن تكون من لفظ عائشة ويجعلها هشام في بعض رواياته من لفظه.
وكانت للقائلين بوجوب الهدي على القارن ضروب من التأويل يظهر عليها التكلف في تطويع النص لموافقة الرأي الفقهي الذي قال به الإمام
ومن
ذلك ما قيل:
إن المراد لم يجب علي دم ارتكاب شيء من محظورات الإحرام كالطيب وستر الوجه وقتل الصيد وإزالة شعر وظفر وغير ذلك أي لم أرتكب محظورا فيجب بسببه هدي أو صدقه أو صوم.
وقيل إن في هذا الكلام دليلا على أن إحرامها < كان الإفراد لا
القرآن).
رابعا ما على القارن من الطواف والسعي
اختلف في القارن أيلزمه طوافان وسعيان أو يجزيه طواف الإفاضة
(1) النووي، شرح صحيح مسلم، ج 8، ص 145، والسيوطي، الديباج، ج 3، ص 309. (2/247)
صفحة 565
الرائد
248
وسعيه، أو يلزمه طوافان ويجزيه سعي واحد).
ظاهر السنة أنه يجزيه طواف الإفاضة وسعيه وإن لم يسع للعمرة أو يطف، قال الشيخ أبو الحسن البسيوي:
والرواية أنه قرن النبي بالحج والعمرة جميعا، وسعى بين الصفا والمروة سبعا مرة واحدة للحج والعمرة).
وهذا الاختيار الذي قيل به يدل عليه حديث أبي الزبير عن جابر الله أنه
قال: أقبلنا مهلين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
بحج
>
مفرد وأقبلت عائشة بعمرة
حتى إذا كنا بسرف عركت حتى إذا قدمنا طفنا بالكعبة والصفا والمروة
فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحل منا من لم يكن معه هدي.
قال: فقلنا: حل ماذا؟ قال الحل، كله فواقعنا النساء وتطيبنا بالطيب
ولبسنا ثيابنا وليس بيننا وبين عرفة إلا أربع ليال، ثم أهللنا
يوم
التروية.
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 165، والشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 363، وابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 386، والعيني، البناية، ج 4، ص 286، وابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 394، والعيني، عمدة القاري، ج 9، ص 280، وابن حزم، المحلى ج 7، ص 174، والطحاوي، شرح معاني الآثار، ج 2، ص 197.
(2) البسيوي، الجامع، ج 2، ص 261. (2/248)
صفحة 566
الرائد
249
ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على عائشة فوجدها تبكي فقال: ما شأنك؟
قالت: شأني أني قد حضت وقد حل الناس ولم أحلل ولم أطف بالبيت، والناس يذهبون إلى الحج الآن.
فقال: إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم فاغتسلي ثم أهلي بالحج.
ففعلت ووقفت المواقف حتى إذا طهرت طافت بالكعبة والصفا والمروة
ثم قال:
قد حللت من حجك وعمرتك جميعا، فقالت: يا رسول الله، إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت قال: فاذهب بها يا عبد الرحمن فأعمرها من التنعيم، وذلك ليلة الحصبة.
وفي هذا الحديث الأمر ظاهر أن النبي لا بين لعائشة أن طوافها للحج وسعيها قد أجزاها للحج والعمرة، وقد كانت قارنة حين إرادتها الإحلال وهذا دليل كون القارن يجزيه طواف واحد وسعي بين الصفا والمروة لطواف
الحج.
وتقدم أن القارن إن طاف للقدوم وسعى بين الصفا والمروة أجزاه ذلك
السعي عن السعي بعد طواف الإفاضة كحال المفرد.
(1) أخرجه مسلم، کتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام (1213). (2/249)
صفحة 567
الرائد
250
واستدل بعضهم
لذلك بحديث عبد العزيز بن محمد عن عبيد الله
عمر عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
بن
من أحرم بالحج والعمرة أجزاه طواف واحد وسعي واحد عنهما حتى
يحل منهما جميعا.
والحديث أخرجه الترمذي)، وابن ماجه (3)، وهو صحيح الإسناد عن
ابن عمر ولكن تعارض فيه الرفع والإرسال فبعض من المحتج بروايتهم رووه عن عبيد الله موقوفا من كلام ابن عمر.
ومن ذلك حديث ابن نمير عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال: من أحرم بالحج والعمرة جميعا كفاه طواف واحد ولم يحل حتى يقضي حجته
ويحل منهما جميعا).
ومن الموقوف حديث صالح بن عبد الرحمن قال: ثنا سعيد بن منصور قال: ثنا هشيم قال: ثنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر له أنه كان يقول: إذا
(1) کتاب الحج، باب ما جاء أن القارن يطوف طوافا واحدا (948).
(2) کتاب المناسك باب طواف القارن (2975).
(3) أخرجه مسلم، کتاب الحج، باب بيان جواز التحلل بالإحصار (1230). (2/250)
صفحة 568
الرائد
251
قرن طاف لهما طوافا واحدا، فإذا فرق طاف لكل واحد منهما طوافا وسعيا.
وجاء مرفوعا إلى النبي كما هو عند الترمذي وغيره، وقد اختلف أهل العلم في الراجح من الروايتين فمنهم من أعل رواية الرفع ورجح الوقف ومن هؤلاء الترمذي في السنن إذ قال بعد إخراجه:
حديث حسن صحيح غريب تفرد به الدراوردي على ذلك اللفظ، وقد
رواه غير واحد عن عبيد الله بن عمر ولم يرفعوه وهو أصح.
وأعل الحديث بالوقف الطحاوي فقال:
هذا الحديث خطأ؛ أخطأ فيه الدراوردي فرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما أصله
عن ابن عمر عن نفسه، هكذا رواه الحفاظ، وهم مع
بالدراوردي عن عبيد الله أصلا فكيف يحتجون به في هذا.
هذا فلا يحتجون
وصحح الرفع الحافظ ابن حجر)، وابن خزيمة وابن حبان، وابن
(1) الطحاوي، شرح معاني الآثار، ج 2، ص 197. (2) الطحاوي، شرح معاني الآثار، ج 2، ص 197. (3) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 495. (4) ابن خزيمة، صحيح ابن خزيمة، ج 4، ص 225.
(5) ابن حبان، صحيح ابن حبان، ج 9، ص 224. (2/251)
صفحة 569
الرائد
252
هذا
حزم في المحلى، وعلى كل أكثر القائلين بالطواف والسعي يحتجون برفع هـ
الحديث.
وقد اختلف أهل العلم في ترجيح الرفع أو الوقف عند تعارضهما مع
خلو الإسناد من العلل القادحة.
منهم من حكم للرفع، وقالوا إنه زيادة من ثقة يقبل خبره لو تفرد به فما
يضيره مشاركة غيره له في الرواية إلا التقوي والاستناد.
ثم إن هذا الرافع مثبت والواقف ساكت أو ناف، وفي كل المثبت مقدم
على غيره كما هو معلوم من القواعد.
والسابق رأي أكثر الفقهاء والأصوليين ونسب إلى الإمام البخاري من أئمة الحديث وأبى النسبة آخرون كما قال به الخطيب البغدادي وابن
الصلاح والنووي والعراقي من المحدثين.
ومنهم من حكم للوقف بإطلاق كما يظهر من صنيع الإمام الدارقطني
في العلل، ولا أدري وجه هذا القول.
(1) ابن حزم، المحلى، ج 7، ص 174.
(2) الغزالي المستصفى، ص 133، والزركشي، البحر المحيط، ج 3، ص 386، والسخاوي،
فتح المغيث، ج 1، ص 173، والسيوطي، تدريب الراوي، ج 1، ص 3 ن 223. (2/252)
صفحة 570
الرائد
253
ومنهم من أدار الحكم على القرائن كالضبط والكثرة فرجحوا بهما،
والأخير مذهب الأكثر من أهل الحديث وعليه شيخنا القدوة إمام السنة والأصول العلامة القنوبي -حفظه الله -.
قال الإمام مسلم في مقدمة صحيحه:
حكم أهل العلم والذي نعرف من مذهبهم في قبول ما يتفرد به المحدث من الحديث أن يكون قد شارك الثقات من أهل العلم والحفظ في بعض ما رووا وأمعن في ذلك على الموافقة لهم، فإذا وجد كذلك ثم زاد بعد ذلك شيئا ليس عند أصحابه قبلت زيادته.
فأما من تراه يعمد لمثل الزهري في جلالته وكثرة أصحابه الحفاظ المتقنين لحديثه وحديث غيره أو لمثل هشام بن عروة وحديثهما عند أهل العلم مبسوط مشترك قد نقل أصحابهما عنهما حديثهما على الاتفاق منهم في أكثره فيروي عنهما أو عن أحدهما العدد من الحديث مما لا يعرفه أحد من أصحابهما وليس ممن قد شاركهم في الصحيح مما عندهم فغير جائز قبول حديث هذا
الضرب من الناس، والله أعلم.
(1) شيخنا القنوبي، السيف الحاد، ص 149.
(2) مسلم، صحيح مسلم، ج 1، ص 7. (2/253)
صفحة 571
الرائد
254
ومنهم من فصل فقال بأن الوصل في السند زيادة عن الثقة فتقبل، وليس الرفع زيادة في المتن فتكون علة.
وأقوى الأقوال السابقة قولا الفقهاء والأصوليين بالحكم بالرفع وقول المحدثين بالإدارة مع القرائن.
ولعل قول النظر إلى القرائن وإدارة الحكم عليها هو الأوجه في النظر منها؛ إذ إن اتحاد مخرج الرواية من راو واحد ثم تفرد راو معين دون البقية الكاثرة الضابطة، أو من هو أضبط منه وأحفظ يورث في النفس شيئا أنه ما ضبط ما رواه؛ لأن الحكم في الأصل للأغلب.
وخطأ الفرد محتمل أكثر من خطأ الجماعة فلذلك يقدم خبر الجماعة أو الأضبط، أما إن تساوى الجميع في الضبط والعدد، أو كان الرافع أضبط، أو عدد الرافعين الثقات أكبر فيؤخذ بالرفع عندها لأن الأصل مع عدم المعارض الأقوى صدق الزائد فيما زاد.
ومع ذلك التقرير تجد كثيرا من أهل العلم عند التفريع غير منضبطين بأصولهم، ففي قضيتنا هذه نرى أن القائلين بالرفع وترجيحه هم الذين الطواف الواحد للقارن مع أن منهم من كبار المحدثين كما تقدم بل
مذهبهم
منهم من نص على قضية الإدارة مع القرائن كالحافظ ابن حجر. (2/254)
صفحة 572
الرائد
255
في حين أن القائلين بالوقف هم الذين يرجحون في فروعهم الفقهية أن على القارن طوافين وسعيين كالطحاوي والعيني وهما من كبار الفقهاء والمحدثين.
ومن السابق يظهر أن للقول الفقهي الجاري أثرا في تقرير ترجيح الرفع أو الوقف عند التطبيق لا التأصيل خاصة عند من التزم التقيد بمذهب أحد من الأئمة، ويبقى الحسم في قضية زيادة الثقة أمرا من أشكل الأمور في النظر في القضايا التأصيلية.
أما القائلون بأن على القارن طوافين وسعيين فقالوا إن المكلف حال القرآن قد جمع نسكين الحج والعمرة وامتاز هذا عن التمتع بكونه لا يحل بينهما بل يبقى محرما بهما لذا لزمه الطوافان والسعيان للنسكين لعدم المسقط
الشرعي.
وقالوا: فوق قياسنا السابق نقول إن الأثر قد شهد لنا مؤيدا ما ذهبنا إليه فقد جاء حديث عبد الله بن عمر أنه جمع بين حجته وعمرته معا وقال: سبيلهما واحد، قال: فطاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين، وقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع كما صنعت.
كما روى ذلك جماعة من الصحابة منهم عبد الله بن مسعود قال: طاف (2/255)
صفحة 573
الرائد
256
رسول الله صلى الله عليه وسلم العمرته وحجته طوافين وسعى سعيين، وأبو بكر وعمر وعلي
وابن مسعود.
كما جاء من طريق الإمام علي بن أبي طالب أنه جمع بين الحج والعمرة فطاف لهما طوافا واحدا وسعى لهما سعيين ثم قال: هكذا رأيت رسول الله
وجاء عنه كرم الله وجهه من طريق عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي حدثني أبي عن أبيه عن جده عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارنا
فطاف طوافين وسعى سعيين.
كما جاء ذلك عن عمران بن حصين من حديث مطرف عن عمران بن
الحصين أن النبي لوالو طاف طوافين وسعى سعيين.
واستدل صاحب الهداية من الحنفية بحديث الصبي بن معبد أنه لما طاف
طوافين وسعى سعيين قال له عمر: هديت لسنة نبيك).
وقال هؤلاء: أما حديث ابن عمر الذي استدل به المجتزون بطواف
واحد وسعي واحد فمعل من جهتين:
(1) العيني، البناية، ج 4، ص 290. (2/256)
صفحة 574
الرائد
أولاهما الوقف كما تبين.
والثانية المعارضة بما يثبت الطوافين والسعيين كما تقدم من
أدلتنا.
257
ولكن كلام الموجبين للطوافين ساقط من حيث إن أدلتهم ضعيفة لا
تقوم بها حجة في سوق المناظرة والجدل فكيف يعارض بها الثابت المتقرر. قالوا: معاذ الله أن يستدل في شرع الله برواية أمثال الحسن بن عمارة وأضرابه وإن تكاثرت طرقها فما حق هذه الروايات إلا النكارة المستلزمة للرد وعدم القبول؛ إذ الحال مستقر من رواية الثقات العدول عن جماعة من الصحابة أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما سعى بعد الإفاضة.
وبيان ضعف أدلة القائلين بالطوافين والسعيين أن أول الأحاديث جاء من طريق الحسن بن عمارة عن الحكم عن مجاهد عن ابن عمر أخرجه
الدار قطني
(1)
والحسن بن عمارة قد أعل الدارقطني الحديث به، وهو متروك لا تقبل
روايته إذا انفرد فكيف به وقد خالف الثقات إن خبره حينها يكون من باب
المنكر المردود.
(1) الدارقطني، السنن، ج 2، ص 258. (2/257)
صفحة 575
الرائد
258
قال أحمد: متروك، وقال ابن معين: ليس حديثه بشيء، وقال ابن المديني:
ما أحتاج إلى شعبة فيه أمره أبين من ذلك قيل: أكان يغلط؟ قال: إيش يغلط وذهب إلى أنه كان يضع الحديث.
وقال الجوزجاني: ساقط، وقال أبو حاتم ومسلم والدارقطني: متروك،
(1)
ونقل أبو داود عن شعبة أنه كان يكذب).
وأما ثاني أدلتهم فجاء من طريق جعفر بن محمد بن مروان نا أبي نا عبد
العزيز بن أبان نا أبو بردة عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن
مسعود.
(2)
والحديث أخرجه الدارقطني وفي إسناده أبو بردة عمرو بن يزيد، قال
يحيى بن معين: ليس حديثه بشيء، وقال أبو حاتم: منكر الحديث، وقال الدارقطني: ضعيف.
(1) ابن حبان، المجروحين، ج 1، ص 229، وابن عدي الكامل، ج 2، ص 283، والعقيلي،
الضعفاء، ج 1، ص 237.
(2) الدارقطني، السنن، ج 2، ص 264.
(3) ابن عدي الكامل، ج 5، ص 138، والعقيلي، الضعفاء، ج 3، ص 295، والذهبي، ميزان جه
الاعتدال، ج 5، ص 353. (2/258)
صفحة 576
الرائد
259
والراوي عن أبي بردة عبد العزيز بن أبان وليس شره بأقل ممن روى
عنه، فقد قال يحيى بن معين: كذاب خبيث حدث بأحاديث موضوعة، وقال أحمد: لا يكتب حديثه.
وقال البخاري: تركوه وقال ابن حبان كان ممن يأخذ كتب الناس فيرويها من غير سماع ويسرق الحديث ويأتي عن الثقات بالأشياء المعضلات تركه أحمد بن حنبل وكان شديد الحمل عليه).
وجعفر بن محمد بن مروان قال الدارقطني: لا يحتج بحديثه، وأبوه محمد بن مروان قال الدارقطني عنه: شيخ من الشيعة حاطب ليل لا يكاد يحدث عن ثقة، متروك، ذلكم حال ثاني الأدلة وتبين أنه سلسلة المتروكين. أما رواية الإمام علي الأولى فجاءت من طريقين أولهما حفص بن أبي داود عن ابن أبي ليلى عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي أخرجه
(1) ابن حبان المجروحين، ج 2، ص 140، والعقيلي، الضعفاء، ج 3، ص 16، والذهبي،
ميزان الاعتدال، ج 4، ص 357.
(2) الذهبي، ميزان الاعتدال، ج 2، ص 147.
(3) الذهبي، ميزان الاعتدال، ج 8، ص 186. (2/259)
صفحة 577
الرائد
الدار قطني
(1)
ولكن هذا الإسناد ضعيف جدا فحفص بن أبي داود وهو حفص بن سليمان أبو عمر الأسدي القاراء الغاضري متهم بالكذب، قال يحيى بن معين: كان كذابا، وقال أحمد ومسلم والنسائي: متروك الحديث، وقال البخاري: تركوه
وقال عبد الرحمن بن يوسف بن خراش كذاب متروك يضع الحديث،: وقال ابن حبان كان يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل".
وقد روى حفص الحديث عن ابن أبي ليلى وقد تقدم غير مرة أنه ضعيف
سيء الحفظ.
والطريق الأخرى التي جاء بها حديث الإمام علي أخرجها الدارقطني من حديث إسحاق الأزرق عن الحسن بن عمارة عن الحكم عن ابن أبي ليلى عن علي)، وفي الإسناد الحسن بن عمارة متروك الحديث كما تقدم.
(1) الدارقطني، السنن، ج 2، ص 263.
(2) ابن حبان المجروحين، ج 1، ص 255، وابن عدي الكامل، ج 2، ص 380، والمزي،
تهذيب الكمال، ج 7، ص 10.
(3) الدارقطني، السنن، ج 2، ص 263. (2/260)
صفحة 578
الرائد
أما الرواية الثانية عن الإمام علي التي هي ثالث الأدلة فرواها الدارقطني من حديث عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي حدثني أبي عن أبيه عن جده عن علي.
وعيسى بن عبد الله الراوي عن أبيه هنا ليس بمقبول الرواية، قال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه، وقال ابن حبان: يروي عن أبيه عن آبائه أشياء موضوعة لا يحل الاحتجاج به كأنه كان يهم ويخطئ حتى كان يجيء بالأشياء الموضوعة عن أسلافه فبطل الاحتجاج بما يرويه لما وصفت".
أما رابع أدلتهم وهو حديث عمران بن حصين فرواه محمد بن يحيى الأزدي نا عبد الله بن داود عن شعبة عن حميد بن هلال عن مطرف عن عمران بن الحصين.
وهو معل في متنه بأنه مخالف لرواية الكثرة من الصحابة التي جاءت من أحاديث الثقات، وما كان الأمر إلا واحدا إما أن يكون طاف طوافين وسعى سعيا واحدا كما هو رواية الأكثرين من الصحابة، وإما أنه سعى سعيين كما هو في هذه الرواية، ورواية الأكثرين م هي الأقرب للنفس والأحب لذا فأقل
(1) الدارقطني، السنن، ج 2، ص 263.
(2) ابن حبان، المجروحين، ج 2، ص 121، وابن عدي، الكامل، ج 5، ص 242. (2/261)
صفحة 579
الرائد
أحوال هذه الشذوذ.
262
ثم إن هناك علة قادحة في الحديث قال الدارقطني بعد إخراجه: قال لنا
ابن صاعد شيخه الذي روى عنه خالف محمد بن يحيى غيره في هذه الرواية تخرجه عنه إن شاء الله، قال الشيخ أبو الحسن الدارقطني):
يقال إن محمد بن يحيى الأزدي حدث بهذا من حفظه فوهم في متنه والصواب بهذا الإسناد أن النبي القرن الحج والعمرة وليس فيه ذكر الطواف ولا السعي وقد حدث به محمد بن يحيى الأزدي على الصواب مرارا ويقال إنه رجع عن ذكر الطواف والسعي إلى الصواب والله أعلم.
ثم أشار الدارقطني إلى اللفظ الصحيح لهذا الحديث من حديث محمد بن إبراهيم بن نيروز نا محمد بن يحيى الأزدي نا عبد الله بن داود نا شعبة عن حميد بن هلال عن مطرف عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرن. قال الدارقطني: وكذلك حدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد الوكيل ومحمد بن مخلد قالا نا القاسم بن محمد بن عباد بن المهلبي نا عبد الله بن داود نا شعبة بهذا الإسناد أن النبي صلى الله عليه وسلم قرن.
وقد جاء الحديث من رواية شعبة عن حميد بن هلال عن مطرف قال:
(1) الدارقطني، السنن، ج 2، ص 264. (2/262)
صفحة 580
الرائد
263
قال لي عمران بن حصين: أحدثك حديثا عسى الله أن ينفعك به، إن رسول
الله
يحرمه).
جمع
بين حجة وعمرة ثم لم ينه عنه حتى مات، ولم ينزل فيه قرآن
أما إعلال حديث ابن عمر فعلى التسليم به ليس هو بالدليل الفرد في
المسألة بل هناك الصحيح من الحديث باتفاق.
أما حديث الصبي بن معبد فتبين نكارة اللفظ المستدل به الذي فيه التنصيص على الطوافين والسعيين وأن الصحيح من لفظه خال من موطن الشاهد كما تقدم في مبحث حكم العمرة.
وليس في هذه الرواية محل للاستشهاد بل مفاده أنه قرن الحج والعمرة، وهذا أمر لا مخالف فيه.
ومما يتفرع على قضية لزوم طوافين وسعيين على القارن أن الحنفية قالوا
كما هو نص صاحب الهداية منهم: إن لم يدخل القارن مكة وتوجه إلى عرفات
فقد صار رافضا لعمرته بالوقوف لأنه تعذر عليه أداؤها، وسقط عنه
القرآن وعليه دم لرفض عمرته بعد الشروع فيها وعليه قضاؤها".
(1) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب: جواز التمتع (1226).
(2) العيني، البناية، ج 4، ص 298.
دم (2/263)
صفحة 581
الرائد
264
وبعد السابق كله أقول الثابت من فعل النبي أنه كان قارنا وطاف
أول ما قدم وسعى بعد ذلك الطواف، ثم إنه طاف يوم العاشر للزيارة وثبت ثبوتا بينا أنه لم يسع يومها بعد ذلك الطواف.
ومن الفعل السابق يقال إن المشروع للقارن من حيث الأصل طوافان أول ما يقدم وللإفاضة يوم العاشر، والمشروع له واحد يأتيه بعد سعي الطواف الذي يطوفه أول ما يقدم، ولا يشرع له أن يسعى بين الصفا والمروة بعد طواف الإفاضة وإلا كان مخالفا لهدي النبي.
قال إمام الحرمين بعد أن تكلم عن حكم السعي بعد طواف الإفاضة لمن سعى بعد القدوم:
وكان شيخي يقول تكره إعادته، والأمر على ما ذكر، وليس كالطواف، فإن غير الناسك يأتي بما شاء من الطواف؛ فإنه قربة في نفسه، والسعي تابع فيقتصر منه على الركن).
وقال بعض الفقهاء له أن يؤخر السعي الأول إلى أن يطوف للإفاضة بل
منهم من فضله ليكون سعيه الواجب بعد طواف فرض).
(1) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 303.
(2) ابن جماعة، هداية السالك، ج 3، ص 1026، وابن عابدين، رد المحتار، ج 2، (2/264)
صفحة 582
الرائد
265
ولا أعلم دليلا يفيد السابق، فسنة النبي ظاهرة، لذا ذهب جمع من
أهل العلم إلى أن من أخر السعي من غير مراهقة ولا يأس ولا حيض إلى
طواف الإفاضة فعليه دم كدم مجاوز الميقات.
خامسا: وقت رفع حظر محظورات الإحرام للقارن
سيأتي أن النسك الذي أحرم به النبي هو القرآن، وقد أبان الصحابة
أنه رمى الجمرة ثم نحر هديه ثم حلق وختم
أتاها أفعاله التي يوم النحر أنه
أعماله ذلك اليوم بطواف الزيارة وذلك أمر لم يخالف فيه أحد من حيث فعله
وقد بينه حديث
محمد بن سيرين عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى منى فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى ونحر، ثم قال للحلاق: خذ، وأشار إلى جانبه الأيمن، ثم الأيسر ثم جعل يعطيه الناس.
والسابق أمر جلي في دلالته وقد نقل إجماع العلماء على مطلوبيته، لكن
(1) ابن الحاجب، جامع الأمهات، ص 196.
(2) أخرجه جه مسلم في كتاب الحج، باب: بيان أن السنة يوم النحر أن يرمي ثم ينحر ثم يحلق
(1305)
(3) ابن دقيق العيد، الإحكام، ج 3، ص 77، وابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 571 (2/265)
صفحة 583
الرائد
266
نقلت مخالفة ابن الجهم من المالكية وبأنه يرى أن لا يحلق القارن حتى يطوف،
لعلة أن العمرة لم تؤد بعد، ولا يتقدم الحلق الطواف.
وهذا الرأي ضعيف جدا، وحسبه أن النبي صلى الله عليه وسلم عامل بخلافه كما تقدم،
وفوق ذلك رده النووي مع النص السابق بكونه مخالفا لإجماع تحقق قبله".
وتعقب ابن دقيق العيد الدليلين السابقين اللذين تعقب بهما ابن الجزي بأن النصوص المذكورة لا منازعة فيها ولكن ينازع في كون النبي صلى الله عليه وسلم قارنا بل هو مفرد على رأي الإمام مالك، وعليه فلا يتوجه إليه الإيراد السابق. أما الإجماع المنقول فبعيد الثبوت إن أريد به الإجماع النقلي القولي، وإن
أريد السكوتي ففيه نظر وقد ينازع فيه أيضا".
وأجاب الصنعاني بأن القارن يطوف ويسعى عند قدومه للعمرة ثم يطوف للحج، فإذا حلق قبل طواف الإفاضة كان تحللا من العمرة وبعض تحلل من محظورات الحج، فإن طاف بعد الإفاضة كان الحل كله.
(1) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 571. (2) النووي، شرح صحيح مسلم، ج 9، ص 51. (3) ابن دقيق العيد، الإحكام، ج 3، ص 78
(4) الصنعاني، العدة، ج 3، ص 1272. (2/266)
صفحة 584
الرائد
267
ونقل الحطاب أن مخالفة ابن الجهم منهم ليست في عموم القرآن بل هي في القارن المراهق وهو الذي لم يسعه الوقت لطواف القدوم بل دخلت أعمال الحج.
وهذا الأمر لم يتعرض له الحديث السابق الذي فيه أفعال النبي صلى الله عليه وسلم إذ إنه
طاف للقدوم وسعى كما هو الاتفاق والمراهق لم يطف للقدوم. ونقل الإمام الرافعي عن الأودني من الشافعية أن القارن إذا جامع بعد
التحلل الأول وقبل الإتيان بشيء من أعمال العمرة فسدت عمرته". ومن أسباب الخلاف السابق اختلافهم في الطواف الأول الذي يطوفه القارن أهو للعمرة خاصة أو أنه للقدوم وليس للعمرة بل العمرة داخل طوافها في طواف الحج.
والفقيهان اللذان نقلت عنهما المخالفة ممن يقول مذهبهما الفقهي إن الطواف الأول للقدوم، وطواف العمرة مشترك مع طواف الحج، فيتوجه الإشكال إليهما جميعا ويصح لردهما الاستدلال بفعل النبي صلى الله عليه وسلم وأنه حلق قبل طواف الإفاضة إذ هو على رأي مذهبيهما لم يطف للعمرة بعد.
(1) الحطاب، مواهب الجليل، ج 3، ص 52.
(2) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 485. (2/267)
صفحة 585
الرائد
268
وقد يكون للخلاف في المسألة وجه عند من يقول إن طواف القارن الأول هو للعمرة ويتضمن القدوم وليس هو للقدوم المحض، ولكن يجزي طواف الحج عن طواف العمرة إن لم يطف لها كما هو الأظهر، فالقارن الذي يطف للعمرة عند هؤلاء متعبد بالعمرة متوجهة إليه محظوراتها إلى أن يؤديها، وحديث أنس السابق الذي فيه أفعال النبي يوم النحر لا ينطبق على صاحب هذه الحالة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد اعتمر وهذا لم يعتمر.
والواقع أن القائلين بتميز طواف العمرة عن طواف الحج في القرآن هم الإباضية والحنفية كما تقدم، أما الحنفية فلا تدخل عندهم هذه المسألة إذ رأيهم أن القارن ملزم بطوافين وسعيين، وإن لم يطف للعمرة حتى أظله يوم عرفة كان رافضا للعمرة ولا يتوجه إليه حينها إلا طواف الحج، لذا ليس هو متعبدا حينها إلا بإحرام الحج فقط.
أما الإباضية فلهم أقوال في إجزاء الطواف الواحد للقارن، والراجح كما يظهر من أقوالهم أن القارن يجزيه طواف واحد لحجته وعمرته، ومع السابق لم أجد أحدا منهم يصرح بمنع القارن الذي لم يطف لعمرته من الحلق، بل وجدت من صرح بالمسألة أنه له الحلق لعموم الأدلة التي فيها الحلق ولم تستثن الطائف من غيره. (2/268)
صفحة 586
الرائد
قال قطب الأئمة
269
وإذا طاف للعمرة عند وصوله فإذا ذبح يوم النحر حلق بلا إشكال، والظاهر أنه كذلك يحلق إذا ذبح ولم يطف قبل للعمرة بل يطوف لها بعد الحج أو يطوف ويسعى لها طوافا وسعيا واحدا.
وجواز حلق القارن قبل طواف الإفاضة هو الأظهر وإن كان لم يطف للعمرة لأمور:
أولها: أن هذا إحرام مستقل جمعت فيه العمرة والحج وليس هو بعمرة مفردة ولا حج مفرد بل هو قسيم للسابقين لا قسم منهما ويكون التحلل الأصغر لهذا القسم بعد الرمي أو الهدي على رأي الموجبين، ولم يأت دليل أنه يمنع من ذلك بل عموم الأدلة التي فيها أن الصحابة أحلوا يوم النحر مع
النبي
ثانيها: وهو أن السيدة عائشة لم تطف طواف العمرة فقرنت على ما ذلك لم يأت ما يدل أنها أمرت أن تجتنب محظورات
هو المشهور، ومع
الإحرام حتى تطوف بالبيت وتسعى بل الذي أتى أن الناس مع نبيهم أحلوا
حينها من غير استثنائها.
(1) القطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 68. (2/269)
صفحة 587
الرائد
270
ولو كانت مختصة بحكم دونهم لنقل وما سكت عنه، وما دام لم ينقل فيظهر أن حكمها حكم بقية الناس، بل إن ظاهر الأدلة يفيد أنها قد ارتفع عنها حكم محظورات الإحرام كما في حديث عبد الرحمن بن القاسم أنه سمع أباه يقول: سمعت عائشة < تقول: طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي هاتين حين أحرم، ولحله حين أحل قبل أن يطوف وبسطت يديها.
ومن البعيد جدا أن لا يمسها شيء من الطيب، ولو كانت ممتنعة منه
حتى تطوف لتوافرت الدواعي على النقل ولم ينقل.
لذا رتب كثير من الفقهاء على هذا الرأي أحكاما منها أن القائلين بعدم إفساد الحج بالجماع بعد التحلل الأصغر قالوا من جامع بعد التحلل الأصغر
لم يفسد واحد من نسكيه وإن لم يطف للعمرة.
وهكذا يبطل الإحرام بالقرآن وإن كان الجماع بعد إنهاء أعمال العمرة كحال من يطوف ويسعى للعمرة قبل أن يؤدي شيئا من مناسك الحج، قال
الرافعي معللا الحكم
لأن العمرة في القرآن تتبع الحج في الحكم ولهذا يحل للقارن معظم
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: الطيب عند رمي الجمار والحلق قبل الإفاضة (1667)، ومسلم في كتاب الحج، باب: الطيب للمحرم (1189). (2/270)
صفحة 588
الرائد
(271
محظورات الإحرام بعد التحلل الأول وإن لم يأت بأعمال العمرة".
ونقل قبل ذلك ما ذكرناه عن الأودني من فقهاء الشافعية أنه إذا لم يأت
بشيء من أعمال العمرة تفسد العمرة.
المطلب الرابع: نسيان النسك المحرم به
برى الله البشر على خلال النقص وصفات القصور ليقضي سبحانه بالكمال المطلق لذاته، وإن من مظاهر القصور النسيان الذي يأتي على الكبير والصغير فترتفع عنده المؤاخذة على الأحكام الشرعية التكليفية.
وهذا الأمر قد يأتي على المحرم بنسك معين ثم يعرض له نسيان ذلك النسك ولا يستطيع الوصول إليه، وللفقهاء في مثل ذلك قولان، منهم من قال إنه يبني على الأغلب من ظنه فيتحرى وينظر العوائد الجارية وما غلب على ظنه كان هو نسكه.
قال هؤلاء: إن الذي حملنا على هذا القول هو أمر الشارع بهذا في الصلاة وما الحج والصلاة إلا خارجان من مشكاة واحدة فتكون لهما الأحكام
نفسها، وقد ورد في الحديث من رواية:
(1) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 485.
(2) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 254. (2/271)
صفحة 589
الرائد
272
لا
علقمة قال: قال عبد الله بن مسعود: صلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: إبراهيم أدري زاد أو نقص فلما سلم قيل له: يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء؟ قال: وما ذاك؟ قالوا صليت كذا وكذا، فثنى رجليه واستقبل القبلة وسجد سجدتين ثم سلم.
فلما أقبل علينا بوجهه قال: إنه لو حدث في الصلاة شيء لنبأتكم به،
ولكن إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني. وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه ثم ليسلم ثم
يسجد سجدتين (1).
وذهب آخرون إلى التعيين من غير التفات إلى التحري ولا غلبة الظن؛ إذ الحال مختلف بين الحج والصلاة فبينهما من حيث الصفات والأفعال بون
شاسع ولا جامع أو نص.
ثم إن الأمر هناك
مع
الأخذ بغلبة الظن مجبور بالسجود للسهو وما له
جابر في الحج يعلم من النصوص الشرعية، والتوقيف المعهود في العبادات
يجعل من العسير جدا الأخذ بمثل هذا القياس.
(1) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة باب التوجه نحو القبلة (392). (2/272)
صفحة 590
الرائد
273
وهؤلاء اختلفوا على أقوال عدة فيما يكون إحراما لمن نسي ما أحرم به، وأقوى هذه الأقوال المشهود له بالصحة من النصوص الشرعية أن إحرامه يكون عمرة ليكون هو بذلك متمتعا.
إذ إنه في مثل ذلك لا يتعارض وشيئا من الأصول العامة للحج فالأمر الأمر
لا يخلو من أن يكون تمتعا أو إفرادا أو قرانا، فإن كان تمتعا فقد وافق الذي أسس إحرامه عليه.
وإن كان أصله الذي أحرم به إفرادا أو قرانا فسيأتي مقررا بالنصوص الشرعية أنه لكل من المفرد والقارن أن يحل بعمرة مع إحرامه بأحد النسكين بل جعل ذلك بعضهم واجبا كما ثبت الحكم بذلك عن البحر الخضم ابن
}
عباس {
ولا ينقص الإحرام بالتمتع عن بقية النسك بشيء بل هو أفضلها كما سيتبين، ثم إن أعماله شاملة لأعمال النسكين جميعا ولا ينقص عنها بشيء بل هو زائد عليها بالهدي الذي يجب على المتمتع اتفاقا بين علماء الملة للنص القرآني.
وقال آخرون إن من نسي نسكه الذي أحرم به كان كمن أطلق في إحرامه
فله صرفه إلى ما شاء من النسك قال ابن قدامة: (2/273)
صفحة 591
الرائد
274
إن صرفه إلى عمرة وكان المنسي عمرة فقد أصاب، وإن كان حجا مفردا أو قرانا فله فسخهما إلى العمرة على ما سنذكره.
وإن صرفه إلى القرآن وكان المنسي قرانا فقد أصاب، وإن كان عمرة
فإدخال الحج على العمرة جائز قبل الطواف فيصير قارنا.
(1)
وإن كان مفردا لغى إحرامه بالعمرة وصح بالحج وسقط فرضه، وإن
صرفه إلى الإفراد وكان مفردا فلقد أصاب، وإن كان متمتعا فقد أدخل الحج على العمرة فصار قارنا في الحكم وفيما بينه وبين الله تعالى وهو يظن أنه مفرد وإن كان قارنا فكذلك".
المطلب الخامس: الإطلاق في الإحرام
وهذا يكون المكلف فيه عند إحرامه غير متقيد بنسك معين من حج أو عمرة أو قران بل بمطلق الإحرام ثم يوجه النية بعد ذلك إلى أي الأنساك شاء، وهذا جائز؛ لأن الإحرام يصح مع الإبهام كما تبين فيصح مع
(1) كذا في الأصل.
(2) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 254.
(3) الشافعي، الأم، ج 2، ص 127، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 252، والقرافي، الذخيرة،
ج 3، ص 220. (2/274)
صفحة 592
الرائد
الإطلاق.
275
والأولى أن يصرفه إلى العمرة مطلقا فإن كان في غير أشهر الحج كان الإحرام متعينا في العمرة لعدم إمكان الإهلال بحج في غير أشهره، وإن كان في أشهر الحج فليكون محرما بنسك التمتع الذي هو أفضلها على ما تبين من
قبل.
وأبو موسى الأشعري قد أمره النبي بصرف إحرامه إلى الإحلال بعمرة ثم التمتع بعدها كما روى ذلك طارق بن شهاب عن أبي موسى قال: بعثني النبي إلى قوم باليمن فجئت وهو بالبطحاء فقال: بم أهللت؟ قلت: أهللت كإهلال النبي، قال: هل معك من هدي؟ قلت: لا، فأمرني فطفت بالبيت وبالصفا والمروة ثم أمرني فأحللت
وقال بعض الفقهاء إن كان في أشهر الحج كان إحرامه حجا، وإن كان في غير أشهر الحج كان إحرامه، عمرة وحكي عن أبي سفيان محبوب بن
الرحيل".
(1) أخرجه البخاري، في كتاب الحج، باب من أهل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كإهلال النبي
(1484)
(2) الشقصي، منهج الطالبين، ج 7، ص 55، والقطب، شرح كتاب النيل ج 4، ص 70. (2/275)
صفحة 593
الرائد
276
المطلب السادس: الإحرام بما أحرم به الغير
ليس هذا بنوع خاص من النسك ولكنه قائم على أن يقيد المكلف إحرامه بما أحرم به فلان من الناس، وقد ثبت من الشارع ما يفيد جواز ذلك لإقرار النبي أحد الصحابة عليه وهو الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه- كما في حديث مروان الأصفر عن أنس بن مالك قال: قدم عليه على النبي من اليمن فقال: بم أهللت؟ قال: بما أهل به النبي، فقال: لولا أن معي الهدي لأحللت.
وزاد محمد بن بكر عن ابن جريج قال له النبي: بم أهللت يا علي؟
قال: بما أهل به النبي، قال: فأهد وامكث حراما كما أنت".
كما فعل ذلك أيضا أبو موسى الأشعري وقد نقلنا ذلك عنه قبل قليل. وعلى ذلك فينصرف إحرام هذا المحرم إلى إحرام من أحرم على إحرامه كما هو فعل الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه إذ كان قارنا ولم يحل
(1) البسيوي، الجامع، ج 2، ص 262، والشقصي، منهج الطالبين ج 7، ص 43، وص 54،
وص 55.
(2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب من أهل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم
(1483) (2/276)
صفحة 594
الرائد
277
بعمرة كحال أبي موسى لكونه أهدى كما هو فعل النبي، ومن ساق الهدي
لزمه القرآن.
والأحكام السابقة لا إشكال فيها من حيث الاتفاق بين أهل العلم، ولكن يظهر الإشكال في طوارق الاحتمال إذ من الممكن أن لا يعلم هذا
المحرم بنسك من. علق الإحرام على إحرامه لأي سبب كان فيكون حكمه
حكم من نسي إحرامه على ما تقدم الكلام عليه.
ومن الممكن أن يكون فلان لم يحرم أصلا فيكون إحرام هذا المعلق مطلقا يصرفه إلى ما شاء من أنواع النسك، وأما إن لم يعلم أأحرم فلان أو لم يحرم
فيكون إحرام المعلّق مطلقا أيضا.
المطلب السابع: إبدال النسك بغيره
الأصل في المتعبد أن يواصل نسكه على ما أحرم به وأسس عليه نيته، ولكن جاء من الأدلة الشرعية ما يفيد جواز أن يحول الإنسان نسكه الذي أحرم به إلى غيره، وللفقهاء في ذلك خلاف نبينه في أمرين أولهما تحويل القران
والإفراد إلى تمتع، وثانيهما تحويل التمتع إلى قرآن.
أولا: فسخ الحج بعمرة
مما اختلف الفقهاء فيه جواز أن يحل المفرد بالحج بعمرة بأن يطوف قبل (2/277)
صفحة 595
الرائد
(TVA >
الحج بالبيت والصفا والمروة ثم يحل فيكون متمتعا إلى أن يحرم بالحج.
ذهب فريق من أهل العلم -وهم الأكثر - إلى المنع من ذلك
بعد (1).
حتى
قال
الإمام مالك بن أنس إنه سمع أهل العلم: يقولون: من أهل بحج مفرد ثم بدا
له أن يهل بعده بعمرة فليس له ذلك، قال مالك: وذلك الذي أدركت عليه أهل العلم ببلدنا.
وهؤلاء ذهبوا إلى ما ذهبوا إليه مستدلين بأصل النية التي أحرم بها المفرد إذ إنه قد أهل بالحج مفردا فماله يتنصل مما أحرم ويخالف ما نوى وقد روى أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي عن جابر بن زيد الأزدي عن عبد الله بن عباس عن النبي:
(1) ابن جعفر الجامع، ج 3، ص 323، والكندي، المصنف، ج 8، ص 109، والشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 359، والجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2، ص 137، والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 65، وصحح الشيخ عامر بن علي الشماخي والشيخ الثميني وقطب الأئمة ثمة الجواز بعد ذكر الخلاف والثميني التاج المنظوم، ج 3، ص 347، والشقصي، منهج الطالبين، ج 7، ص 58، وابن عبد البر، التمهيد، ج 8، ص 356، والاستذكار، ج 4، ص 58، والنووي، المجموع، ج 7، ص 140.
(2) مالك بن أنس، الموطأ، ج 1، ص 335. (2/278)
صفحة 596
الرائد
279
إنما الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى، فهذا له نيته التي أحرم وهي الإفراد وليس له أن يخالفها إلى غيرها.
وخالف ذلك آخرون فقالوا: نعم ليس للمكلف أن يخالف ما أسس عليه نيته وبنى قصده ولكننا نقول إن للمفرد والقارن أن يحلا بعمرة بعد إحرامهما بالحج مفردا أو مقرونا بعمرة لدلالة النص عن النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، وحق أن يقال في مثل هذا إذا ورد الأثر بطل النظر.
والأثر الذي نزعمه دليلا لنا هو أمر النبي لأصحابه بالإحلال لمن كان منهم لم يسق الهدي ومنهم القارن والمفرد ومن ذلك حديث أبي نعيم حدثنا أبو شهاب قال: قدمت متمتعا مكة بعمرة فدخلنا قبل التروية بثلاثة أيام فقال لي أناس من أهل مكة تصير الآن حجتك مكية، فدخلت على عطاء أستفتيه فقال:
حدثني جابر بن عبد الله {أنه حج مع النبي يوم ساق البدن معه وقد أهلوا بالحج مفردا فقال لهم:
أحلوا من إحرامكم بطواف البيت وبين الصفا والمروة، وقصروا ثم أقيموا حلالا حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج واجعلوا التي قدمتم بها
(1) أخرجه الإمام الربيع في باب: النية (2). (2/279)
صفحة 597
الرائد
280
متعة.
فقالوا: كيف نجعلها متعة وقد سمينا الحج؟ فقال: افعلوا ما أمرتكم
فلولا أني سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم، ولكن لا يحل مني حرام حتى يبلغ الهدي محله ففعلوا.
وجاء الأمر بالإحلال أيضا من حديث الأعلى بن عبد الأعلى حدثنا
داود عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال:
خرجنا مع رسول الله الله نصرخ بالحج صراخا فلما قدمنا مكة أمرنا أن نجعلها عمرة إلا من ساق الهدي، فلما كان يوم التروية ورحنا إلى منى أهللنا
بالحج).
كما جاء الأمر من حديث موسى بن عقبة قال: أخبرني كريب عن عبد الله بن عباس {قال:
انطلق النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة بعد ما ترجّل وادّهن ولبس إزاره ورداءه هو وأصحابه فلم ينه عن شيء من الأردية والأزر تلبس إلا المزعفرة التي تردع على الجلد فأصبح بذي الحليفة ركب راحلته حتى استوى على البيداء أهل
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: التمتع والإفراد والإقران (1491).
(2) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب: التقصير في العمرة (1247). (2/280)
صفحة 598
الرائد
281
هو وأصحابه وقلد بدنته.
وذلك لخمس بقين من ذي القعدة فقدم مكة لأربع ليال خلون من ذي الحجة فطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة ولم يحل من أجل بدنه؛ لأنه
قلدها.
ثم نزل بأعلى مكة عند الحجون وهو مهل بالحج، ولم يقرب الكعبة بعد طوافه بها حتى رجع من عرفة وأمر أصحابه أن يطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة ثم يقصروا من رؤوسهم ثم يحلوا وذلك لمن لم يكن معه بدنة قلدها، ومن كانت معه امرأته فهي له حلال والطيب والثياب).
كما جاء الأمر بفسخ الحج بعمرة من حديث أيوب عن أبي قلابة عن أنس قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن معه بالمدينة الظهر أربعا والعصر بذي الحليفة ركعتين ثم بات بها حتى أصبح ثم ركب حتى استوت به على البيداء حمد الله وسبح وكبر ثم أهل بحج وعمرة.
وأهل الناس بهما، فلما قدمنا أمر الناس فحلوا حتى كان يوم التروية أهلوا بالحج قال: ونحر النبي صلى الله عليه وسلم بدنات بيده قياما، وذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم
(1) أخرجه البخاري، في كتاب الحج، باب ما يلبس المحرم من الثياب (1470). (2/281)
صفحة 599
الرائد
282
بالمدينة كبشين أملحين).
كما جاء الأمر بفسخ الحج بعمرة من حديث جابر بن عبد الله في الحديث الطويل إذ قال: حتى إذا كان آخر طوافه على المروة فقال: لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة.
فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة. فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله ألعامنا هذا أم للأبد؟ فشبك رسول الله أصابعه واحدة في الأخرى وقال: دخلت العمرة في الحج مرتين، لا بل
لأبد أبد.
قال العلامة أبو جابر ابن جعفر
وقيل من دخل مهلا بالحج في أشهر الحج فله أن يجعلها عمرة فيحل ثم يرجع يحرم بالحج في وقته، وكذلك بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أمر أصحابه
وقد دخلوا بالحج أن يجعلوها عمرة.
(1) أخرجه البخاري، في كتاب الحج، باب التحميد والتسبيح والتكبير (1476). (2) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام، وأنه يجوز إفراد الحج والتمتع والقرآن وجواز إدخال الحج على العمرة، ومتى يحل القارن من نسكه (1216).
(3) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 323، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 86. (2/282)
صفحة 600
الرائد
283
أجاب القائلون بالمنع من الحكم السابق:
لم يكن في ثبوت خبر أمر النبي لأصحابه بفسخ الحج والإحلال بعمرة إشكال فهو خبر مستفيض جاء من أكثر من عشر طرق، ولكننا نقول إن ذلك الأمر لم يكن إلا لصحابة رسول الله له الذين حجوا معه يوم الوداع خاصة فالحكم بفسخ الحج بالعمرة والانتقال من الإفراد أو القرآن إلى التمتع لا يعدوهم إلى غيرهم.
قالوا وحاذروا أن تعترضوا علينا بأن الأصل عدم الخصوصية إذ إننا نقول بصحة هذا الأصل العظيم ولكننا اقتفينا الأثر الذي نقلنا به الحكم من أصله الذي هو العموم إلى الخصوصية بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين حجوا معه يوم الوداع دون سائر الأمة وأثرنا هو حديث
ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن الحارث بن بلال عن أبيه قال: قلت: يا
رسول الله: أفسخ الحج لنا خاصة أم للناس عامة؟ قال: بل لنا خاصة. لا
كما أننا نستدل أيضا بقول أبي ذر الصحابي أن ذلك كان خاصا بأصحاب محمد وليس حكما عاما، وقد جاء عنه من طرق عدة أصحها حديث الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر قال: كانت المتعة
(1) النووي، المجموع، ج 7، ص 142. (2/283)
صفحة 601
الرائد
284
في الحج لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصة.
وقد يكون هذا الأمر منه منسوخا كما يفيد ذلك حديث أبان بن أبي حازم قال: حدثني أبو بكر بن حفص عن ابن عمر عن عمر قال: لما ولي ه عمر حمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحل لنا المتعة ثم حرمها علينا.
واعترض المجيزون بأن فيما قلتم نظرا؛ إذ إن زعمنا بأنه عام للناس كافة إلى الأبد نستدل له بالأثر الصحيح الثابت عند الجهابذة النقاد من طريق اثنين من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حديث حماد بن زيد أخبرنا عبد الملك بن جريج عن عطاء عن جابر، وعن طاوس عن ابن عباس قال: قدم النبي صبح رابعة من ذي الحجة مهلين بالحج لا يخلطهم شيء فلما قدمنا أمرنا فجعلناها عمرة وأن نحل إلى نسائنا.
ففشت في ذلك القالة قال عطاء: فقال جابر: فيروح أحدنا إلى منى وذكره يقطر منيا؟ فقال: جابر بكفه فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقام خطيبا فقال: بلغني أن أقواما يقولون كذا وكذا، والله لأنا أبر وأتقى الله منهم، ولو أني
استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت.
(1) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب: جواز التمتع (1224). (2/284)
صفحة 602
الرائد
285
ولولا أن معي الهدي لأحللت فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله هي لنا أو للأبد؟ فقال: لا بل للأبد، وفي هذا نص ثابت أنها لهم
ولغيرهم.
أما الحديث المرفوع الذي استدلوا به فأخرجه النسائي واللفظ له، وأبو داود وابن ماجه).
والحديث في إسناده الحارث بن بلال وهو غير معروف بعدالة)، قال النووي: لم أر في الحرث جرحا ولا تعديلا)، فخبره بذلك منكر لمخالفته،
قال ابن حزم:
الحديث،
الحارث بن بلال مجهول، ولم يخرج أحد هذا الخبر في صحيح وقد صح خلافه بيقين كما أوردنا من طريق جابر بن عبد الله أن سراقة بن
(1) أخرجه البخاري في كتاب: الشركة، باب: الاشتراك في الهدي والبدن (2371). (2) كتاب مناسك الحج، باب: إباحة فسخ الحج بعمرة لمن لم يسق الهدي (2808). (3) كتاب المناسك باب الرجل يهل بالحج ثم يجعلها عمرة (1808).
(4) كتاب: ا المناسك، باب: من قال فسخ الحج لهم خاصة (2984). (5) المزي، تهذيب الكمال، ج 5، ص 215، والذهبي، ميزان الاعتدال، ج 5، ص 62، وابن
حجر، تهذيب التهذيب، ج 2، ص 119.
(6) النووي، المجموع، ج 7، ص 142. (2/285)
صفحة 603
الرائد
286
مالك قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أمرهم بفسخ الحج في عمرة:
يا رسول الله لعامنا هذا أم لأبد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل لأبد الأبد.
(2)
وأما ما استدلوا به من نسخ الجواز فأخرجه البزار وقال إثره: وهذا
الحديث لا نعلم له إسنادا عن عمر أحسن من هذا الإسناد.
وفي إسناده أبان بن أبي حازم وثقه جماعة منهم أحمد والعجلي، وقال ابن حبان كان ممن فحش خطؤه وانفرد بالمناكير، وقال: النسائي: ليس بالقوي، وذكره العقيلي في الضعفاء، وقال الذهبي له مناكير حسن الحديث).
قال المانعون: إن قوله صلى الله عليه وسلم للأبد يريد به جواز العمرة في الحج إذ إنه كان من المعلوم عند أهل الجاهلية أن الاعتمار في أشهر الحج من أفجر الفجور كما
}
يدل على ذلك حديث وهيب حدثنا بن طاوس عن أبيه عن ابن عباس {
قال: كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض،
(1) ابن حزم، المحلى، ج 7، ص 108.
(2) البزار، المسند، ج 1، ص 286.
(3) ابن حبان، المجروحين، ج 1، ص 99، وابن عدي، الكامل، ج 1، ص 387، والعقيلي، الضعفاء، ج 1، ص 42. (2/286)
صفحة 604
الرائد
287
ويجعلون المحرم صفر.
(4)
ويقولون إذا برا الدبر)، وعفا الأثر، وانسلخ صفر حلت العمرة لمن
(1) قال الحافظ ابن حجر: كذا هو في جميع الأصول من الصحيحين، قال النووي: كان ينبغي أن يكتب بالألف ولكن على تقدير حذفها لا بد من قراءته منصوبا؛ لأنه مصروف بلا خلاف، يعني والمشهور عن اللغة الربيعية كتابة المنصوب بغير ألف فلا يلزم من كتابته ألف أن لا يصرف فيقرأ بالألف، وسبقه عياض إلى نفى الخلاف فيه لكن في " المحكم ": كان أبو عبيدة لا يصرفه فقيل له: إنه لا يمتنع الصرف حتى يجتمع علتان فما
بغير
هما؟ قال: المعرفة والساعة وفسره المطرزي بأن مراده بالساعة أن الأزمنة ساعات
أن
والساعة مؤنثة انتهى وحديث ابن عباس هذا حجة قوية لأبي عبيدة، ونقل بعضهم أ في صحيح مسلم صفرا بالألف. ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 426. (2) أي برا الدبر من ظهور الإبل إذا انصرفت عن الحج دبرة ظهورها، والدبر بالدال المهملة وفتح الباء الموحدة وهو الجرح الذي يحصل على ظهر الإبل ونحوه من الحمل عليها ومشقة السفر فإنه كان يبرأ بعد انصرافهم من الحج.
(3) أي اندرس أثر الإبل وغيرها في سيرها، ويمكن المراد اندراس أثر الدبر المذكور. (4) قال الطحاوي وانسلخ (صفر) ذلك عندنا - والله أعلم - وهم، وإنما هو ودخل صفر يريدون بذلك دخول المحرم الذي كانوا يسمونه صفرا والله أعلم.
وقال الحافظ ابن حجر ووجه تعلق جواز الاعتمار بانسلاخ صفر مع كونه ليس من أشهر الحج وكذلك المحرم أنهم لما جعلوا المحرم صفرا ولا يستقرون ببلادهم في الغالب (2/287)
صفحة 605
الرائد
288
اعتمر
(1)
قال المجيزون: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اعتمر قبل عمرة الوداع ثلاث عمر
كلها في ذي القعدة الذي هو من أشهر الحج كما في حديث هدبة بن
حدثنا همام عن قتادة أن أنساه الله أخبره قال: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع كلهن في ذي القعدة إلا التي كانت مع حجته.
خالد
عمر
عمرة من الحديبية في ذي القعدة وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة، وعمرة من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة، وعمرة مع
حجته (2).
أفلم يكف ذلك بيانا وحجة لأصحابه أن العمرة في أشهر الحج من المشروع الجائز؟؟
ويبرأ دبر إبلهم إلا عند انسلاخه ألحقوه بأشهر الحج على طريق التبعية، وجعلوا أول أشهر الاعتمار شهر المحرم الذي هو في الأصل صفر والعمرة عندهم في غير أشهر الحج. الطحاوي، شرح مشكل الآثار، ج 6، ص 217، وابن حجر، فتح الباري ج 3،
ص 426.
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب التمتع والإفراد والإقران (1489)، ومسلم في کتاب الحج، باب جواز العمرة في أشهر الحج (1240).
(2) أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب: غزوة الحديبية (3917). (2/288)
صفحة 606
الرائد
289
ثم إنه قد أبان لهم بأفصح لسان بعد إحرامهم بالأنساك الثلاثة ومنها التمتع الذي هو الإحلال بالعمرة ثم الإهلال بالحج يوم ثامن ذي الحجة كما في حديث هشام عن أبيه عن عائشة {خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم موافين لهلال ذي الحجة فقال لنا من أحب منكم أن يهل بالحج فليهل، ومن أحب أن يهل بعمرة فليهل بعمرة، فلولا أني أهديت لأهللت بعمرة. قالت: فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج، وكنت ممن أهل
بعمرة).
فمالهم ينسون ذلك كله بعد طوافهم بالصفا والمروة ويقال إنهم لا يزالون يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، إن ذلك إلا احتمال بعيد جدا على ما يظهر.
أما قولهم إن فسخ الحج مما يحتمل النسخ الحديث عمر الوارد من طريق أبان السابق ذكره فنقول إن الحديث نفسه لا يصح كما تبين من تخريجه فلا
يتترس به ضد أحاديث استفاضت صحتها وسلم الجميع لها بذلك.
إنه لو سلم بصحته جدلا لكان مجملا من حيث دلالته على متعة الحج والظاهر أنها متعة الزواج لا الحج فقد ثبت فيها الحال أنها أبيحت زمنا في
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب العمرة ليلة الحصبة (1691). (2/289)
صفحة 607
الرائد
290
صل الله
عهده ثم نسخ حكم الإباحة فنهي عنها، وذلك ما جرى عليه أكثر الأمة
المحمدية، وقد جاء ما ينص على أنها متعة النكاح لا الحج في روايات الحديث
المختلفة
من
ذلك:
محمد بن خلف العسقلاني ثنا الفريابي عن أبان بن أبي حازم عن أبي بكر بن حفص عن ابن عمر قال:
لما ولي عمر بن الخطاب خطب الناس فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لنا في المتعة ثلاثا ثم حرمها، والله لا أعلم أحدا يتمتع وهو محصن إلا رجمته
بالحجارة إلا أن يأتيني بأربعة يشهدون أن رسول الله أحلها بعد إذ حرمها وبعد تبين القول الأقرب إلى الصواب وهو أن من المشروع فسخ الحج إلى عمرة نقول إنه قد اختلف القائلون بالمشروعية السابقة أذلك سبيله الوجوب أو لا؟
ذهب البحر ابن عباس {إلى الوجوب وأن كل من طاف بالبيت ممن لا هدي معه من مفرد أو قارن أو متمتع فقد حل وأصبح متمتعا بمجرد سعيه وجوبا أو حكما كما في حديث
قتادة قال: سمعت أبا حسان الأعرج قال: قال رجل من بني الهجيم
(1) أخرجه ابن ماجه في كتاب: النكاح، باب: النهي عن نكاح المتعة (1963). (2/290)
صفحة 608
الرائد
291
لابن عباس: ما هذا الفتيا التي قد تشغفت أو تشغبت بالناس أن من طاف
بالبيت فقد حل؟ فقال: سنة نبيكم الله و إن رغمم).
وجاء من طريق ابن جريج أخبرني عطاء: قال كان ابن عباس يقول: لا يطوف بالبيت حاج ولا غير حاج إلا حل، قلت لعطاء: من أين يقول ذلك؟ قال: من قول الله تعالى: "ثم محلها إلى البيت العتيق" قال: قلت: فإن ذلك بعد المعرّف.
فقال: كان ابن عباس يقول: هو بعد المعرّف وقبله، وكان يأخذ ذلك
من أمر النبي صلى الله عليه وسلم حين أمرهم أن يحلوا في حجة الوداع".
ودليل ابن عباس {بيّن ظاهر وهو أمر النبي لأصحابه بالإحلال وعدم عذره إياهم بل اشتد غضبه عندما شاء بعضهم المخالفة كما تقدم من حديث جابر بن عبد الله وكما في حديث:
البراء بن عازب قال: خرج رسول الله الله وأصحابه، قال: فأحرمنا بالحج فلما قدمنا مكة قال: اجعلوا حجكم، عمرة، قال: فقال الناس: يا
(1) أخرجه مسلم في كتاب: الحج، باب: تقليد الهدي وإشعاره عند الإحرام (1244). (2) أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب حجة الوداع (4135)، ومسلم في كتاب: الحج، باب تقليد الهدي وإشعاره عند الإحرام (1245). (2/291)
صفحة 609
الرائد
292
رسول الله، قد أحرمنا بالحج فكيف نجعلها عمرة؟
قال: انظروا ما آمركم به فافعلوا، فردوا عليه القول فغضب ثم انطلق
حتى دخل على عائشة غضبان فرأت الغضب في وجهه فقالت: من أغضبك
أغضبه الله؟
قال: وما لي لا أغضب وأنا آمر بالأمر فلا أتبع.
والحديث أخرجه أحمد في المسند ورجاله ثقات محتج بحديثهم غير أن هناك من وثق أبا إسحاق السبيعي مطلقا ومنهم من ذكر أنه اختلط بآخر عمره"، ولا أدري أكان سماع أبي بكر بن عياش منه قبل اختلاطه أو بعده إذ لم أجد من نص على ذلك إلى الآن.
وقد اشتد نكير ابن عباس {على من اعترضه بقول أبي بكر وعمر {اللذين لا يريا رأيه كما في حديث حماد بن سلمة عن أيوب عن ابن أبي مليكة أن عروة قال لابن عباس:: أضللت الناس يا ابن عباس
قال: وما ذاك يا عروة؟
(1) أحمد بن حنبل، المسند، ج 4، ص 286.
(2) المزي، تهذيب الكمال، ج 22، ص 110. (2/292)
صفحة 610
الرائد
293
قال: تفتي الناس أنهم إذا طافوا بالبيت فقد حلوا، وكان أبو بكر وعمر
يجيئان ملبيين بالحج فلا يزالان محرمين إلى يوم النحر.
(1)
قال ابن عباس: بهذا ضللتم أحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحدثوني عن أبي بكر وعمر {.
فقال عروة: إن أبا بكر وعمر {كانا أعلم برسول الله صلى الله عليه وسلم منك".
ومن الممكن أن يستدل لابن عباس وموافقيه بحديث الربيع بن سبرة عن أبيه قال: خرجنا مع رسول الله حتى إذا كان بعسفان قال له سراقة بن مالك المدلجي: يا رسول الله، اقض لنا قضاء قوم كأنها ولدوا اليوم.
فقال: إن الله تعالى قد أدخل عليكم في حجكم هذا عمرة، فإذا قدمتم
فمن تطوف بالبيت وبين الصفا والمروة فقد حل إلا من كان معه هدي. والشاهد هنا قوله فمن تطوف بالبيت وبين الصفا والمروة فقد حل، جعل الحل جزاء لفعل الشرط وهو الطواف فيحصل بحدوث
أنه ووجهه
الطواف مباشرة ما لم يكن هدي مسوق.
(1) كذا في الأصل.
(2) الطحاوي، شرح معاني الآثار، ج 2، ص 189.
(3) أخرجه أبو داود في كتاب: المناسك، باب: في الإقران (1801)، وظاهر إسناده الصحة. (2/293)
صفحة 611
الرائد
294
وعلى هذا الرأي لا يشرع الإفراد ولا القرآن إلا لمن ساق الهدي إن كان المفرد أو القارن قد طافا بالبيت طواف القدوم، أما إن كانا لم يطوفا بالبيت للقدوم، أو قصدا المشاعر كمنى وعرفات فيمكن أن يتصور في حقهما الإفراد
والقران.
وذهب آخرون إلى أن الأمر بفسخ الحج إلى عمرة هو للجواز وليس هو للوجوب، واستدل بعض هؤلاء القائلين لصرف دلالة الأوامر بالإجماع على مشروعية الأنساك الثلاثة.
ولكن يشكل على هذا الاستدلال أن الإجماع المذكور حاصل في حال عدم طواف المفرد والقارن للقدوم، أما في حال طوافهما للقدوم فقد ثبت خلاف ابن عباس {وغيره كإسحاق بن راهويه () منذ القرون الأولى فلا تصلح هذه العلة دليلا لصرف الأمر من الوجوب إلى الندبية.
ولكن يمكن الاستدلال للجواز و أن أمره لو لم يكن للوجوب بل لبيان الجواز بأن هناك من صحابة رسول الله الله من كان قارنا أو مفردا وطاف صلى الله عليه وسلم بالبيت وطاف بالصفا والمروة ومع ذلك لم يحل كما يفيده ظاهر حديث:
(1) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 478.
(2) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 478. (2/294)
صفحة 612
الرائد
295
أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة أم المؤمنين قالت: فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة ثم أحلوا، ثم طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا من منى لحجتهم، وأما الذين أهلوا بالحج أو جمعوا الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافا واحدا.
وجاء الحديث عنها من طريق آخر مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة > أنها قالت فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبالصفا والمروة ثم حلوا ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم، وأما الذين كانوا جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا.
ومما يدل على ذلك أيضا حديث ابن وهب أخبرني عمرو وهو ابن الحارث عن محمد بن عبد الرحمن أن رجلا من أهل العراق قال له: سل لي عروة بن الزبير عن رجل يهل بالحج فإذا طاف بالبيت أيحل أم لا، فإن قال لك لا يحل فقل له: إن رجلا يقول ذلك.
قال: فسألته فقال: لا يحل من أهل بالحج إلا بالحج، قلت: فإن رجلا
كان يقول ذلك، قال: بئس ما قال.
(1) أخرجه الإمام الربيع في كتاب الحج، باب ما تفعل الحائض في الحج (438). (2) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب: بيان وجوه الإحرام (1211). (2/295)
صفحة 613
الرائد
296
فتصداني الرجل فسألني فحدثته فقال: فقل له: فإن رجلا كان يخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فعل ذلك، وما شأن أسماء والزبير قد فعلا ذلك، قال: فجئته فذكرت له ذلك فقال: من هذا؟
فقلت: لا أدري قال فما باله لا يأتيني بنفسه يسألني أظنه عراقيا، قلت: لا أدري قال: فإنه قد كذب قد حج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرتني عائشة أن أول شيء بدأ به حين قدم مكة أنه توضأ ثم طاف بالبيت، ثم أبو بكر فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم يكن غيره، ثم
مثل ذلك.
عمر
ثم حج عثمان فرأيته أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم يكن غيره ثم معاوية وعبد الله بن عمر.
ثم حججت مع أبي الزبير بن العوام فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم يكن غيره ثم رأيت المهاجرين والأنصار يفعلون ذلك، ثم لم يكن غيره.
(1) قال الحافظ ابن حجر وقد وقع في رواية مسلم بدل عمرة غيره بغين معجمة وياء ساكنة وآخره هاء، قال عياض وهو تصحيف، وقال النووي لها وجه أي لم يكن غير الحج،
وكذا وجهه القرطبي. ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 479. (2/296)
صفحة 614
الرائد
297
آخر من رأيت فعل ذلك ابن عمر، ثم لم ينقضها بعمرة وهذا ابن
عمر عندهم أفلا يسألونه، ولا أحد ممن مضى ما كانوا يبدءون بشيء حين يضعون أقدامهم أول من الطواف بالبيت، ثم لا يحلون.
وقد رأيت أمي وخالتي حين تقدمان لا تبدآن بشيء أول من البيت
تطوفان به ثم لا تحلان، وقد أخبرتني أمي أنها أقبلت أمي أنها أقبلت هي وأختها والزبير
وفلان وفلان بعمرة قط فلما مسحوا الركن حلوا وقد كذب فيما ذكر من
ذلك (1).
ثانيا: إدخال الحج على العمرة
جاء الحديث مفيدا أن السيدة عائشة < قد أحرمت بعمرة من الميقات ولكن أصابها ما أصابها من الحيض فأمرها النبي أن تلبي بالحج وساعة إحلالها أنبأها أن إحلالها كان لحجها وعمرتها وأن طوافها كاف لها عن
حجها وعمرتها.
وما ذلك إلا أنه قد استحالت عمرتها قرانا مما يعني أنها أدخلت العمرة
(1) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب: ما يلزم من طاف بالبيت وسعى من البقاء على
الإحرام وترك التحلل (1235). (2/297)
صفحة 615
الرائد
298
على الحج وهذا دليل جواز هذا الحكم.
ونص الحديث كما هو من رواية أبي الزبير عن جابر الله أنه قال: أقبلنا مهلين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بحج مفرد وأقبلت عائشة بعمرة حتى إذا كنا < بسرف عركت حتى إذا قدمنا طفنا بالكعبة والصفا والمروة فأمرنا رسول الله أن يحل منا من لم يكن معه هدي.
قال: فقلنا: حل ماذا؟ قال الحل، كله فواقعنا النساء وتطيبنا بالطيب ولبسنا ثيابنا وليس بيننا وبين عرفة إلا أربع ليال، ثم أهللنا يوم
التروية.
ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على عائشة فوجدها تبكي فقال: ما شأنك؟ قالت: شأني أني قد حضت وقد حل الناس ولم أحلل ولم أطف بالبيت، والناس يذهبون إلى الحج الآن.
فقال: إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم فاغتسلي ثم أهلي بالحج، ففعلت ووقفت المواقف حتى إذا طهرت طافت بالكعبة والصفا والمروة ثم قال: قد حللت من حجك وعمرتك جميعا.
(1) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 267، وقد نسب هذا الجواز إلى جمهور الأمة، والشقصي، منهج الطالبين، ج 7، ص 57، وابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 365،
والنووي، المجموع، ج 7، ص 136، والعيني، البناية، ج 4، ص 287. (2/298)
صفحة 616
الرائد
299
فقالت: يا رسول الله إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت، قال: فاذهب بها يا عبد الرحمن فأعمرها من التنعيم وذلك ليلة
الحصبة).
حج
(2)
قال القطب: وفي "التاج: أجمع المسلمون أن لمن أهل بعمرة إدخال
عليها ما لم يبتدئ الطواف، كما حكى الإجماع على ذلك ابن المنذر.
قال الشيخ خميس بن سعيد الشقصي: ولولا إجماعهم على جواز ذلك لم يجز؛ لأن الإحرام بها فعل لها دون الحج غير أنه لا حظ للنظر مع ورود
الأثره.
ولعل العبارة منقولة من كلام ابن جعفر في الجامع إذ قال
أجمع المسلمون على أن لمن أهل بالعمرة في أشهر الحج إدخال الحج عليها ما لم يفتتح الطواف، فإذا أهل بالعمرة في أشهر الحج جاز له إدخال الحج
(1) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب: بيان وجوه الإحرام (1213).
(2) الكندي، المصنف، ج 8، ص 105، والشقصي منهج الطالبين، ج 7، ص 57، والثميني،
التاج المنظوم، ج 3، ص 302.
(3) القطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 66.
(4) ابن المنذر الإجماع، ص 112.
(5) الشقصي، منهج الطالبين، ج 7، ص 58. (2/299)
صفحة 617
الرائد
( .. )
عليها ما لم يدخل في طواف البيت.
فإذا دخل في الطواف لم يجز له إدخال الحج عليها، ولولا إجماعهم على جواز ذلك لم يجز؛ لأن الإحرام جعل لها دون الحج، غير أنه لا حظ للنظر مع
الإجماع.
ولكن الأصل المحتج به يفيد عدم صحة مثل هذا التصرف إلا إن كان
معه
ثمة عذر يحمل صاحبه عليه ولا يستطيع إتمام عمرته كحالة المرأة الحائض أو النفساء وكل معتمر خشي فوات عرفة، كما هو حال السيدة عائشة التي أمرت بالإهلال بالحج لعدم قدرتها على الإحلال بعمرة وقد كان يوم أمرها يوم عرفة مما يعني أن يفوتها الحج وركنه الأكبر وهي لم تحج ولم تعتمر فأمرت من الجناب النبوي بإدخال الحج على العمرة لتكون بذلك
قارنة.
على أن الناس في حال السعة قد أمروا من الجناب النبوي بالإحلال من قرانهم أو إفرادهم إلى التمتع لفضله وعلو منزلته كما تبين من قبل، أَفَيَتْرُكُ
الإنسان هذا الفضل بإدخال الحج على العمرة وهو قادر على الإتمام؟. وقال آخرون ممن منعوا إدخال الحج على العمرة إن السيدة عائشة قد
(1) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 315. (2/300)
صفحة 618
الرائد
رفضت العمرة وأنشأت إحراما جديدا وهو الحج، فليس في المسألة إدخال
أصلا حتى يحتج به، ودليلنا على الرفض حديث:
كان
أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة أم المؤمنين قالت: خرجنا مع < رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من معه هدي فليهل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يتمهما جميعاً.
قالت: فقدمت مكة وأنا حائض فلم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: انقضي رأسك وامتشطي، وأهلي بالحج، ودعي العمرة.
قالت: ففعلت، فلما قضيت الحج أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عبد الرحمن
بن أبي بكر إلى التنعيم فاعتمرت فقال: هذا مكان عمرتك.
<
وجاء الحديث من رواية هشام عن أبيه عن عائشة قالت: فأظلني
يوم عرفة وأنا حائض فشكوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ارفضي عمرتك وانقضي
رأسك وامتشطي وأهلي بالحج.
فلما كان ليلة الحصبة أرسل معي عبد الرحمن إلى التنعيم فأهللت بعمرة
(1) أخرجه الربيع في كتاب الحج، باب ما تفعل الحائض في الحج (438). (2/301)
صفحة 619
الرائد
مكان عمرتي.
ولكن من الممكن الاعتراض على هذا بأن قوله "يكفيك طوافك لحجك وعمرتك" نص صريح أنها كانت قارنة، أما قوله "ارفضي العمرة" فمعناه لا تشتغلي بأمرها واتركيها الآن وليكن شغلك بالحج.
ويدل على التأويل المذكور قوله في الرواية الأخرى "دعي العمرة"، وما حملنا على هذا التأويل إلا قربه وإمكانه ليسلم لنا النص الصريح الوارد في قوله بعدها: يكفيك طوافك لحجك وعمرتك، قال الإمام السالمي: قوله: دعي العمرة أي أعرضي عنها وأقبلي إلى عمل الحج وليس المراد
إبطال عمرتها بالكلية).
أما قوله "انقضي رأسك وامتشطي" فليس بصريح في رفض العمرة إذ ليس ذلك من محظورات الإحرام في شيء بل للمحرم أن يمتشط وأن ينقض شعره وذلك غير مستلزم لقلع الشعر من وجه، ثم إنه لا قائل يعلم بأن
الإحلال من الإحرام يكون بالامتشاط.
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب العمرة ليلة الحصبة (1691). (2) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 266، والنووي، شرح صحيح مسلم، ج 8،
ص 139. (2/302)
صفحة 620
الرائد
(303)
أما قولها < " فأهللت بعمرة مكان عمرتي" فليس بنص في المراد بل المعنى أنها كانت تريد أن ترجع بحج وعمرة مفردتين كما فعلت زوجاته فلا تكون أقل منهن فطيب خاطرها وهو الذي يسارع إلى رضاها فأمر أخاها عبد الرحمن أن يعمرها من التنعيم.
قال ابن حزم:
وأوهم هذا المكابر بهذه الألفاظ أنها أحلت من العمرة، وهذا باطل؛ لأن معنى ارفضي العمرة، ودعي العمرة، واتركي العمرة، وأهلي بالحج أن تدع الطواف الذي هو عمل العمرة وتتركه وترفض عمل العمرة من أجل حيضها وتدخل حجا على عمرتها فتكون قارنة فإذا طهرت طافت بالبيت حينئذ للعمرة وللحج.
وأما نقض الرأس والامتشاط فلا يكره ذلك في الإحرام بل هو مباح مطلقا برهان ذلك قول رسول الله لها حينئذ: طوافك بالبيت وسعيك بين الصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك.
فكيف يمكن أن يكفيها طوافها وسعيها لعمرة قد أحلت منها لولا الهوى المعمي المصم المقحم في بحار الضلالة بالمجاهرة بالباطل، فصح يقينا أنه إنما كفاها طوافها وسعيها لحجها وعمرتها اللذين كانت قارنة بينهما هذا (2/303)
صفحة 621
الرائد
ما لا يحيل على من له أدنى فهم
(1)
04
ثم إن الشرع قد دل على أن الإحلال من إحرام عقده المكلف ولم يستطع
الوفاء به يستلزم من صاحبه هديا بالغ الكعبة كما فعل النبي يوم الحديبية
وعليه قوله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ اهدي وَلَا تَحْلِقُوا رُءُ وسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ أَهْدَى فَحِلَّهُ.
0
وما الحائض في حالها هذا إلا كالمحصر بل هي دونه إذ المحصر متعذر عليه النسك الذي أحرم به، أما الحائض فيمكنها الانتظار إلى حين الطهر آت لا محالة ما لم يقض الله أجلها وتسلم الروح لباريها وحينها يرتفع
وهو
عنها قلم التكليف.
شرط جواز إدخال الحج على العمرة
اختلف القائلون بجواز إدخال الحج على العمرة في شرط ذلك فقيل شرطه أن يكون الإدخال قبل الشروع في طواف العمرة لظاهر فعل السيدة
عائشة (2).
(1) ابن حزم، المحلى، ج 7، ص 178.
(2) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 267، والشقصي، منهج الطالبين، ج 7،
ص 57، والعيني، البناية، ج 4، ص 287، والنووي، المجموع، ج 7، ص 146. (2/304)
صفحة 622
الرائد
(305)
وقيل إن كان الإدخال قبل مضي أربعة أشواط صح؛ لأن أكثر الأشواط
منها أربعة فصار كأن الكل باق، وقيل يصح ولو بعد تمام الطواف. وهكذا اختلفوا: أمن شرط جواز إدخال الحج على العمرة أن تكون العمرة قد أحرم بها في أشهر الحج، جمهور القائلين بالجواز قالوا لا يشترط ذلك فيمكن إدخال حج على عمرة أحرم بها قبل أشهر الحج؛ لأن الشرع لم يمنع من ذلك والأصل عموم الجواز، ثم إن العمرة صحيحة في وقتها والحج صحيح في وقته.
وقال آخرون لا ذلك بل من شرط جواز الإدخال أن يكون يصح الإحرام بالعمرة في أشهر الحج؛ لأنه يؤدي إلى صحة الإحرام قبل أشهره. وفي هذا نظر؛ إذ الإحرام للحج ما كان إلا بعد دخول أشهره، وقبل لا ذلك الذي أحرم بعمرة حاجا عرفا ولغة ولا شرعا.
يسمى
ثالثا: إدخال العمرة على الحج
مما اختلف فيه أهل العلم أيضا إدخال العمرة على الحج أي تحويل نسك الإفراد إلى (قرآن) فذهب جماعة إلى الجواز واختلفوا في الاستدلال لذلك
(1) الشقصي، منهج الطالبين، ج 7، ص 58، والنووي، المجموع، ج 7، ص 136، وص 147، والعيني، البناية، ج 4، ص 287. (2/305)
صفحة 623
الرائد
(1.7)
فمنهم من استدل بالنص النبوي وهو حديث الأوزاعي قال: حدثني يحيى قال: حدثني عكرمة أنه سمع ابن عباس {يقول: إنه سمع عمر ه يقول: سمعت النبي بوادي العقيق يقول:
أتاني الليلة آت من ربي فقال: صل في هذا الوادي المبارك وقل: عمرة في
حجة).
وقالوا كان النبي صلى الله عليه وسلم مفردا ثم أدخل عمرة وأصبح قارنا.
وفي هذا الاستدلال نظر كما سيأتي محررا عند الحديث عن نسك النبي
وقالت جماعة من أهل العلم بالمنع من ذلك لعدم الدليل الناص عليه ففي توجيه الحديث السابق أقاويل لأهل العلم إذ إن من أهل العلم من قال إنه كان محرما من قبل بالقرآن وما كان فعله ذلك إلا تأكيدا لأمر سابق والدليل إن طرقه الاحتمال سقط به الاستدلال.
أما القياس فممتنع هنا لكون المسألة من باب التعبد، والأصل العام المتفق عليه أن الأعمال بالنيات وهذا ما نوى عند إحرامه سوى الإفراد فيحاكم على نيته، ولم يأت الدليل مستثنيا هذا الفرع كما استثني غيره فيبقى
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم العقيق واد مبارك (1461). (2/306)
صفحة 624
الرائد
على الأصل المتفق عليه.
واختلف القائلون بالجواز فقيل بجواز ذلك ما لم يشرع المحرم في طواف
القدوم أو شيء من أعمال الحج.
وقيل يجوز بعد طواف القدوم ما لم يشرع في السعي أو غيره من فروض الحج، وقيل يجوز ما لم يقف بعرفات، وقيل بل يجوز ما لم يشتغل بشيء من أسباب التحلل كالرمي ونحوه.
كان مما اتفق عليه القائلون بمشروعية إدخال العمرة على الحج جواز أن تكون العمرة مقدمة على الحج كما هو المشهور المنقول المتفق عليه في حال
القرآن.
ولكن ذهب بعضهم في قول أقرب إلى الشذوذ إلى أنه إن أفرد المحرم الحج ثم قبل الفراغ من أفعال الحج أحرم بالعمرة صار قارنا وإن كان مسيئا
لتركه السنة.
ولكن هذا مشكل بل هو أقرب إلى الابتداع؛ إذ الشرع جاء في القران بصورتين لا ثالث لهما وهي إفراد العمرة بالأعمال فيطوف لها طوافها ويسعى
(1) النووي، المجموع، ج 7، ص 147.
(2) العيني، البناية، ج 4، ص 288. (2/307)
صفحة 625
الرائد
08
ثم يطوف للإفاضة بعد ذلك كما فعل النبي.
والصورة الثانية أن يجتزي بطواف واحد وسعي واحد للعمرة والحج وهذا قد شهدت له النصوص الشرعية بالجواز كما ذكرنا ذلك، أما تأخير
العمرة عن الحج وفي الإحرام نفسه فلم يأت ما يشهد له بالجواز فيقال بعدم
مشروعيته.
المطلب الثامن: أفضل الأنساك
مع
تعددت أنواع النسك على ما ذكرنا سلفا، وقد اختلف الفقهاء فيها اتفاقهم على جواز الجميع من حيث الجملة، فمنهم من قال إنه لا تفاضل بين تلك الأنساك الثلاثة بل كلها على مرتبة واحدة من الفضل والخير للمكلف أن يأخذ بأيها شاء.
وقال هؤلاء مبينين علة هذا الاختيار: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أباحها كلها وأذن فيها ورضيها ولم يخبر بأن واحدا منها أفضل من غيره، ولا أمكن منه
العمل بها كلها في حجته التي لم يحج غيرها.
وذهب آخرون - وهم أكثر أهل العلم من المذاهب الإسلامية المختلفة
(1) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 252، وابن عبد البر، الاستذكار، ج 4،
ص 63. (2/308)
صفحة 626
الرائد
إلى أن هذه الأنساك الثلاثة مع الاتفاق على جوازها تتفاضل فيما بينها لأدلة
قامت وكانت سببا لاختلاف هؤلاء في الأفضل منها.
وهذه الأدلة قرائن كافية لترجيح نوع منها على الآخر، فنسك النبي صلى الله عليه وسلم خير من غيره؛ لأن الله تعالى ما كان ليصطفي لنبيه إلا أكمل الخير ومنتهى الفضل، وهذه قرينة يتبين بها بعد إثباتها أن ما اختاره النبي صلى الله عليه وسلم نسكا خير من
غيره.
ثم إن الأمر الذي يفيد تفاضل نسك على آخر هو الإرشاد النبوي لواحد من الأنواع الثلاثة فيكون مرجحا لذلك النسك.
بعد السابق اختلف الفقهاء القائلون بالتفاضل على مذاهب عدة، وكان سبب الخلاف فيها اختلافهم في نسك النبي الذي أحرم به للعلم أن الله ليس بمختار لنبيه إلا أفضلها وخيرها، و لاختلافهم في المرجح الذي يثبت به الترجيح. رجيح غير فعل النبي صلى الله عليه وسلم من الأدلة القولية.
(1) الكندي، المصنف، ج 8، ص 111، والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 62، والسالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 251، وابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 59، وابن الملقن الإعلام، ج 6، ص 228، والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 2، ص 258، والعيني، البناية، ج 4، ص 282، والنووي، المجموع، ج 7، ص.
120 (2/309)
صفحة 627
الرائد
(310)
أما الأدلة القياسية فلم نعول عليها لكونها مما لا يثبت بها ترجيح شرعي
فصاحب كل مذهب يأتي بشيء منها.
النسك الذي أحرم به النبي صلى الله عليه وسلم
أما السبب الأول للخلاف وهو نسك النبي الذي أحرم به فعويصته اختلاف الروايات عن أصحابه في تحديد نسكه، وليس ذلك بعجيب في حجة حضرها عشرات الألوف من البشر تتفاوت بهم الأفهام في التعبير عما رأوا من أفعاله لو عند الحجة التي قد يختلط فيها فعله بأمره لغيره الذي يخالف فيه فعل صاحب الدعوة، وقد يكون لتصرف الرواة فيما رووا مدخل في هذا الباب.
غير أن عندنا بعضا من القواعد العامة التي استقرت بروايات الثقات نتبين بها النسك الذي أحرم به صاحب الدعوة، من ذلك أنه ما أحرم متمتعا لما استقر من فعله أنه لم يحل مع إحلال الناس من عمرتهم بل بقي على إحرامه وسئل عن علة فعله ذلك فأجاب كما في حديث:
أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري قال: قالت حفصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بال الناس أحلوا بعمرة ولم تحلل أنت من عمرتك؟ فقال: (2/310)
صفحة 628
الرائد
إني لبدت رأسي، وقلّدت هديي، فلا أحل حتى أنحر.
عطاء
ومن
ذلك أيضا حديث حماد بن زيد أخبرنا عبد الملك بن جريج عن
عن جابر، وعن طاوس عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت، ولولا أن
لأحللت (2).
معي
الهدي
وبذلك كله يظهر عدم صحة ما قال به البعض أنه قد أحرم متمتعا بمعنى أنه قد أحل من إحرامه بعمرة ثم أحرم بالحج بعدها.
ومن ذلك حديث الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله أن ابن عمر {قال: تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة.
وبدأ رسول الله لي فأهلا بالعمرة ثم أهل بالحج فتمتع الناس مع النبي بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى فساق الهدي، ومنهم من لم
يهد فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة قال للناس:
(1) أخرجه الربيع - واللفظ له- في كتاب الحج، باب: في الهدي والجزاء والفدية (428)، والبخاري في كتاب الحج، باب: التلبيد (5572).
(2) أخرجه البخاري في كتاب الشركة باب الاشتراك في الهدي والبدن (2371) (2/311)
صفحة 629
الرائد
312
من كان منكم أهدى فإنه لا يحل لشيء حرم منه حتى يقضي حجه، ومن يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل ثم ليهل بالحج، فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى
أهله.
فطاف حين قدم مكة واستلم الركن أول شيء ثم خب ثلاثة أطواف ومشى أربعا فركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين ثم سلم فانصرف فأتى الصفا فطاف بالصفا والمروة سبعة أطواف.
ثم لم يحلل من شيء حرم منه حتى قضى حجه ونحر هديه يوم النحر وأفاض فطاف بالبيت ثم حل من كل شيء حرم منه، وفعل مثل ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهدى وساق الهدي من الناس.
إلا إن كان التمتع المذكور لا يراد به التمتع المعروف بالإحلال من العمرة ثم الإحرام بالحج بعدها كما هو الأظهر بل نفس العمرة مع الحج في السفرة الواحدة، وكما قال بعض الفقهاء بأن من معاني التمتع أيضا القران
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: من ساق البدن معه (1606)، ومسلم في كتاب: الحج، باب وجوب الدم على المتمتع (1227). (2/312)
صفحة 630
الرائد
313
عند جماعة؛ لأن القارن يتمتع بسقوط سفره الثاني من بلده كما صنع المتمتع في عمرته إذا حج من عامه ولم ينصرف إلى بلده.
فالتمتع والقران يتفقان في هذا المعنى، وكذلك يتفقان عند أكثر العلماء
في الهدي والصيام لمن لم يجد هديا منها وقد شرح في غير هذا الموضع. ومن ذلك ما جاء في حديث مالك بن أنس عن ابن شهاب عن محمد بن عبد الله بن الحارث بن نوفل أنه سمع سعد بن أبي وقاص والضحاك بن قيس وهما يذكران التمتع بالعمرة إلى الحج فقال الضحاك بن قيس: لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله.
فقال سعد: بئس ما قلت يا ابن أخي، فقال الضحاك بن قيس: فإن عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلك، فقال سعد: قد صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصنعناها
معه (2).
وذهب بعض أهل العلم إلى أن النبي و قد أحرم إحراما مطلقا ينتظر قضاء الله تعالى في اختيار النسك حتى جاءه جبريل بوادي العقيق فأمره
(1) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 251.
(2) أخرجه الترمذي في كتاب: الحج، باب: ما جاء في التمتع (823). (2/313)
صفحة 631
الرائد
314
بالإهلال بالقران)، وقد استدل هؤلاء بحديث:
الشافعي أنبأ سفيان ثنا ابن طاوس وإبراهيم بن ميسرة وهشام بن
يسمي
حجا
حجير سمعوا طاوسا يقول: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة لا ولا عمرة ينتظر القضاء فنزل عليه القضاء وهو بين الصفا والمروة فأمر أصحابه من كان منهم أهل بالحج ولم يكن معه هدي أن يجعلها عمرة، وقال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي، ولكني لبدت رأسي
وسقت هديي فليس لي محل إلا محل هديي.
فقام إليه سراقة بن مالك الله فقال: يا رسول الله، اقض لنا قضاء قوم كأنها ولدوا اليوم، أعمر تنا هذه لعامنا هذا أم للأبد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل
للأبد، دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة).
أنه
ولكن يشكل على هذا مع صحة إسناده على ما قال النووي في المجموع" مرسل، ولو كان مرسلا فحسب لكان ذلك علة تبعده عن مراتب
(1) الشافعي، الأم، ج 2، ص 127، والبيهقي، السنن الكبرى، ج 5، صه، والنووي، المجموع، ج 7، ص 139، وابن الملقن الإعلام، ج 6، ص 230.
(2) الشافعي، الأم، ج 2، ص 127، والبيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 6.
(3) النووي، المجموع، ج 7، ص 139. (2/314)
صفحة 632
الرائد
الاحتجاج فكيف وهو مع إرساله مخالف لرواية الصحابة الذين صحبوا
النبي.
ثم إن إحرامه بالقران كان من أول الأمر إذ الآتي الذي جاءه إنما جاءه آمرا بالصلاة في الوادي المبارك وأن يقول عمرة في حجة، وهو ما أحرم
إلا في الوادي المبارك مما يفيد أنه لم يكن ثمة وقت فاصل بين الإطلاق في الإحرام وتحويله إلى قرآن بل القرآن من أول الأمر.
ومن
الأدلة ما جاء مفيدا أن النبي أحرم مفردا لذا فضل بعض أهل
العلم الإفراد على غيره، ومن ذلك حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن
عائشة أن رسول الله الهلال أفرد الحج ")
وجاءت حكاية إفراد النبي الله من طريق حميد عن بكر عن أنس قال:
سمعت النبي يلبي بالحج والعمرة جميعا، قال بكر: فحدثت بذلك ابن فقال: لبي بالحج وحده، فلقيت أنسا فحدثته بقول ابن عمر فقال أنس:
عمر
(1) هذا هو مذهب الشافعية، ولكنهم فضلوا الإفراد المتبوع بعمرة في السنة نفسها لا الإفراد المطلق إذ إنه إن كان مطلقا فالتمتع والقرآن خير منه عندهم. النووي، المجموع، ج 7،
ص 120.
(2) أخرجه الربيع في كتاب الحج (434)، ومن طريق أخرى عنها أخرجه مسلم في كتاب: الحج، باب: وجوه الإحرام (1211). (2/315)
صفحة 633
الرائد
316
ما تعدوننا إلا صبيانا، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لبيك عمرة وحجا).
ولكن هذه الأدلة قد أعربت عما كان يعلمه أصحابها من حال النبي صلى الله عليه وسلم
ولا تتعدى ذلك.
وحديث أنس بن مالك الأخير مع ابن عمر ينبئ أن عند أنس علما لم
أنه
يكن عند ابن عمر أن في ذلك زيادة علم لعلها عزبت عن ابن عمر بل ظاهره الإنكار على ابن
فقد نص نص انه سمع النبي يلبي تلبية القرآن وما من شك
عمر فيؤخذ بحديث أنس ووصفه.
على أنه جاء وصف حج النبي الله لو أنه قران من طرق كثيرة منها حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري قال: قالت حفصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بال الناس أحلوا بعمرة ولم تحلل أنت من عمرتك؟ فقال: إني لبَّدت رأسي، وقلّدت هديي، فلا أحل حتى أنحر".
ومنها حديث شعبة عن عمرو بن مرة عن سعيد بن المسيب قال: اختلف على وعثمان وهما بعسفان في المتعة فقال علي: ما تريد إلا أن تنهى عن
(1) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب: في الإفراد والقران بالحج والعمرة (1232). (2) أخرجه الربيع - واللفظ له في كتاب الحج، باب في الهدي والجزاء والفدية (428)،
:
والبخاري في كتاب الحج، باب: التلبيد (5572). (2/316)
صفحة 634
الرائد
317
أمر فعله النبي صلى الله عليه وسلم فلما رأى ذلك علي أهل بهما جميعا.
كما جاء حديث شعبة عن حميد بن هلال عن مطرف قال: قال لي عمران
بن حصين: أحدثك حديثا عسى الله أن ينفعك به، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين حجة وعمرة، ثم لم ينه عنه حتى مات، ولم ينزل فيه قرآن يحرمه". قال الإمام السالمي -
من أهل العلم من صار إلى التعارض فرجح نوعا وأجاب عن
الأحاديث القاضية بما يخالفه، وهي جوابات طويلة أكثرها متعسف. وأوَّلَ كل منهم لما اختاره مرجحات أقواها وأولاها مرجحات القران؛ لأن أحاديثه مشتملة على زيادة والزيادة مقبولة إن خرجت من مخرج
صحيح.
وأيضا فكل من روى الإفراد والتمتع اختلف عليه في ذلك لأنهم جميعا
أنه
روي عنهم
حج قرانا، وأيضا فروايات القرآن لا تحتمل التأويل
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: التمتع والإفراد والإقران (1494)، ومسلم في
کتاب الحج، باب: جواز التمتع (1223).
(2) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب: جواز التمتع (1226). (2/317)
صفحة 635
الرائد
318
بخلاف روايات الإفراد والتمتع.
وقال بعض أهل العلم جمعا بين مختلف الروايات- إن الذي استقر عليه إحرام النبي صلى الله عليه وسلم هو القرآن على ما تبين من قبل، وكما يدل عليه سياق
ولكن هذا القرآن ما كان من أول الإحرام بل أحرم به بعدما كان محرما بالإفراد، فلعل حكاية من حكى من أصحابه عن إفراده كانت أول الإحرام، ثم حول النبي صلى الله عليه وسلم إحرامه منه إلى القرآن بأمر من ربه سبحانه في وادي
العقيق.
أما إفراده أول الأمر فمستفاد من وصف الصحابة الذين شاهدوه أول الأمر وهم ابن عمر وجابر الذين وصفوه وهو لا يزال بذي الحليفة، وحديث عائشة الذي فيه الإفراد كان أول الأمر كما في رواية:
سفيان عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول د الله صلى الله عليه وسلم فقال: من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليفعل، ومن أراد أن يهل
بحج فليهل، ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل.
(1) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 252.
(2) النووي، المجموع، ج 7، ص 133، وابن الملقن الإعلام، ج 6، ص 229. (2/318)
صفحة 636
الرائد
(319)
قالت عائشة: فأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بحج وأهل به ناس معه، وأهل
ناس بالعمرة والحج، وأهل ناس بعمرة، وكنت فيمن أهل بالعمرة. أما قرانه بوادي العقيق فكان بعد ذلك كما يفيده حديث الأوزاعي قال: حدثني يحيى قال: حدثني عكرمة أنه سمع ابن عباس {يقول: إنه سمع عمر ه يقول: سمعت النبي بوادي العقيق يقول: أتاني الليلة آت من ربي فقال: صل في هذا الوادي المبارك وقل: عمرة في حجة).
من ذلك يتبين أن الإحرام الذي استقر عليه النبي وتحلل منه يوم العاشر من ذي الحجة هو القرآن، لذا قال جماعة من أهل العلم بتفضيل نسك القرآن على غيره.
ولكن يشكل على هذا الاستدلال أن الإحرام بنسك القران كان من أول الأمر إذ أمر بأن يقول عمرة في حجة بالأمر الأول للإحرام قبل أن يحرم مفردا كما يقول أصحاب هذا القول.
ودليله أن الأمر بالإحرام بالقران في الوادي المبارك كان آخر الليل في رؤيا منامية وهي من أقسام الوحي كما هو معلوم، ومعلوم أنه لم يبت بها إلا
(1) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام (1211).
(2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم العقيق واد مبارك (1461). (2/319)
صفحة 637
الرائد
320
ليلة واحدة وباتفاق أنه لم يكن ساعتها محرما بشيء بعد فأمر بالقران كما في حديث موسى بن عقبة عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أري وهو في معرسه من ذي الحليفة في بطن الوادي فقيل له: إنك ببطحاء
مباركة.
فقال موسى وقد أناخ بنا سالم بالمناخ الذي كان عبد الله ينيخ به يتحرى معرس رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أسفل من المسجد الذي ببطن الوادي بينه وبين الطريق وسط من ذلك).
وعليه فالإحرام بالقران كان من أول الأمر وليس هو كما قال هؤلاء من
أنه كان مفردا ثم أدخل العمرة على الحج.
الإرشاد النبوي لنوع من أنواع النسك
تبين من السابق أن ما اختاره الله لنبيه من النسك هو القرآن، ولكن الفعل وحده يكون غير محتج به للتفضيل مطلقا مع وجود المعارض القولي، إذ قد يختار رب العزة لنبيه شيئا وترشد الأمة إلى آخر فيكون الخير لها في اتباع ما أرشدت إليه؛ إذ لا تعلم علة ذلك الاختلاف.
(1) أخرجه البخاري في كتاب المزارعة باب من أحيا أرضا مواتا (2211)، ومسلم في کتاب الحج، باب التعريس بذي الحليفة (1346). (2/320)
صفحة 638
الرائد
321
وفي قضيتنا هذه جاءت بعض الآثار المرفوعة التي أريد بها خطاب الأمة في بيان أفضل ما تحرم به بعيدا عن الفعل وما يستلزمه من احتمالات، من ذلك الأحاديث الكثيرة التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم فيها أصحابه بالتمتع وقد سبق أن ذكرنا طرفا منها.
وفوق الأمر السابق بين الله حين ذلك أنه يتمنى أن يكون ذلك هو نسكه لولا أنه أتى ما يمنعه من التمتع والإحلال بعمرة وهو سوق الهدي كما في حديث حماد بن زيد أخبرنا عبد الملك بن جريج عن عطاء عن جابر، وعن طاوس عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت، ولولا أن معي الهدي لأحللت".
ولن يتمنى إلا ما هو الفضل والخير فلذا قال جماعة من أهل العلم إن نسك التمتع هو خير النسك".
أما تأويل من أول أن ذلك أراد به النبي صلى الله عليه وسلم تعزية الأمة وتسليتهم فضعيف إذ هو مخالف للظاهر المستفاد من اللغة، وما كان ليدل أمته إلا
على الخير.
(1) أخرجه البخاري في كتاب الشركة باب الاشتراك في الهدي والبدن (2371). (2) الكندي، المصنف، ج 8، ص 111، والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 60. (2/321)
صفحة 639
الرائد
322
وأما القول بأن الله تعالى لا يختار لنبيه إلا الأفضل، وقد اختار له القرآن فيكون القران أفضل، فأمر لا يسلم لهم بمقدمته فتبطل نتيجته إذ صواب العبارة أن يقال إن الله لا يقر نبيه إلا على الجائز، وجواز الشيء غير مستلزم
أفضليته.
وقد أتى النبي أمورا بين له الله تعالى أن الأفضل خلافها كما في حادثة فداء الأسرى والإعراض عن ابن أم مكتوم والإذن للمنافقين يوم تبوك وغير ذلك، وهذا يدلنا على أن القاعدة المذكورة أن الله لا يختار لنبيه إلا الأفضل منقوضة لا تصح وصوابها ما ذكرناه قبل.
وقال مرجحو القرآن إنه قد أتى من الأحاديث القولية ما يؤكد ما اخترناه فوق فعل صاحب الدعوة وهو حديث حجاج ثنا ليث بن سعد المصري قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب عن أبي عمران أسلم أنه قال: حججت مع موالي فدخلت على أم سلمة زوج النبي أعتمر قبل أن أحج؟ قالت: إن شئت اعتمر قبل أن تحج، وإن شئت بعد أن تحج.
قال: فقلت إنهم يقولون من كان صرورة فلا يصلح أن يعتمر قبل أن
قال: فسألت أمهات المؤمنين فقلن مثل ما قالت فرجعت إليها فأخبرتها (2/322)
صفحة 640
الرائد
323
بقولهن، قال: فقالت نعم وأشفيك سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أهلوا يا آل محمد بعمرة في حج.
ففي هذا الحديث صحيح الإسناد النص أن النبي صلى الله عليه وسلم أرشد آله وأهل
بيته إلى الإحرام بالقرآن وفي ذلك خير دليل على فضيلة نسك القرآن. وقال بعضهم إن التمتع والقرآن بمنزلة واحدة وهما أفضل من
الإفراد.
ولا أدري علة هذا الاختيار إلا أن يكون جمعا بين النسك الذي أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم أمته وبين النسك الذي التزمه وثبت عنه، وعلى هذا يكون للإفراد منزلة دون النسكين لعدم المرجح له على غيره.
ومن الفقهاء من قال جمعا بين مختلف الأدلة إن من ساق الهدي الأفضل له القران كما هو فعل النبي، ومن لم يسق فالأفضل له التمتع كما أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك أصحابه.
ولكن يشكل على ذلك أمور منها أن النبي صلى الله عليه وسلم تمنى أن لو لم يسق الهدي
(1) الطحاوي، شرح معاني الآثار، ج 2، ص 154، والبيهقي، السنن الكبرى، ج 4،
ص 355.
(2) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 252. (2/323)
صفحة 641
الرائد
324
وأحل بعمرة كما هو فعل أصحابه، وهذا فيه أمر ظاهر أن التمتع أفضل من القران مطلقا مع سوق الهدي، ثم إن من المتقرر عند جماعة من أهل العلم وعليه ظاهر السنة أن من ساق الهدي تعين عليه القرآن كما سيأتي.
المطلب التاسع: إحرام من ساق الهدي ولبد الشعر
أولا: حكم سوق الهدي
يصح باتفاق للإنسان مريد النسك أن يسوق الهدي للحرم؛ فقد فعله صاحب الدعوة وبعض من صحابته، إذ إنه ساق الهدي من ذي الحليفة وساق معه أيضا طلحة بن عبيد الله ممن كان معه.
وجاء الإمام علي بن أبي طالب من اليمن ومعه الهدي كما في حديث جابر بن عبد الله قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلبينا بالحج وقدمنا مكة لأربع خلون من ذي الحجة فأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نطوف بالبيت وبالصفا والمروة وأن نجعلها عمرة ولنحل إلا من كان معه هدي.
قال: ولم يكن مع أحد منا هدي غير النبي وطلحة، وجاء علي من
(1) القطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 215، وابن حزم المحلى، ج 7، ص 55 (دار إحياء التراث)، والكاندهلوي، أوجز المسالك، ج 7، ص 512. (2/324)
صفحة 642
الرائد
325
اليمن معه الهدي فقال: أهللت بما أهل به رسول الله. . . . . .
ولكنه بيّن بعد حينما أمر أصحابه بالعمرة أنه لو استقبل من أمره ما
استدبر ما ساق الهدي كما في حديث حماد بن زيد أخبرنا عبد الملك بن جريج
عطاء عن
عن جابر، وعن طاوس عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت، ولولا أن
معي
الهدي
لأحللت).
وهذا يظهر منه أن النبي أحب آخر أمره أن لو لم يسق الهدي وأحل بعمرة مما يعني أن الأفضل للمحرم عدم سوق الهدي، وإن ساق فهو أمر
جائز فقد فعله النبي صلى الله عليه وسلم نفسه كما تبين من قبل.
ولكن بالنظر إلى الأدلة الأخرى نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بعث بالهدي السنة التاسعة إلى مكة فيقال جمعا بين الأدلة الشرعية إن النبي صلى الله عليه وسلم تمنى أن لو لم يسق
الهدي حتى لا يفوته فضل التمتع وأجره.
ويقال في مثل ذلك إن أجر التمتع أعظم من أجر سوق الهدي فقدمه
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم لو استقبلت من أمري ما
استدبرت (6803).
(2) أخرجه البخاري في كتاب الشركة، باب الاشتراك في الهدي والبدن (2371). (2/325)
صفحة 643
الرائد
326
النبي، أما عندما لا يتعارض سوق الهدي مع فضيلة أكبر منه أجرا فيبقى
أجره عظيما وحسبه شرفا اقتداؤه بالمقام الأرفع مقام النبوة.
ثانيا: سوق الهدي وإيجاب الإحرام.
كانت سنة سوق الهدي إلى الحرم معلومة عمل بها النبي ومن وافقه من أصحابه، وقد كانت لها أحكام شرعية تخصها، وقبل أن نذكر خلاف أهل الفقه في حكم إحرام من أحرم وقد ساق هديه نبين أن سوق الهدي له
حالان:
أولهما: أن يسوق الهدي ويقصد النسك فيقلد هديه ويشعره عند إحرامه كما فعل النبي يوم حجة الوداع، وقد تقدم ذكر أحكام ذلك مفصلا عند الحديث عن مندوبات الإحرام.
ثانيهما: أن يسوقه ويقيم فيقلدها من مكانه كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في
السنة التاسعة يوم حج أبو بكر بالناس".
وللفقهاء خلاف في سوق الهدي وتقليده هل يوجب ما يوجبه الإحرام
(1) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 547. (2/326)
صفحة 644
الرائد
327
من اجتناب محظوراته أو ليس هو كذلك؟
الجمهور من أهل العلم قائلون إن ذلك نفسه ليس بموجب الإحرام حتى يقصد المكلف الإحرام وتلزمه أحكامه بإحداثه؛ إذ ذلك هو الأصل في
الإحرام، ولم يأت شيء مما تقوم به الحجة الشرعية موجبا لغير ما قلناه.
وقال هؤلاء مع ثبوت الحكم بأصل الإباحة الشرعية هو متأيد بفعل صاحب الدعوة إذ ذلك هو هدي النبي فقد بعث في السنة التاسعة من الهجرة المباركة مع خليفته الأكبر يوم الحج شيئا من الهدي ولم يلتزم الامتناع من محظورات الإحرام كما جاء في حديث:
أبي عبيدة عن جابر زيد عن أبي سعيد الخدري قال: كتب زياد بن أبي سفيان إلى عائشة أم المؤمنين < فقال: إن عبد الله بن عباس يقول: من أهدى هديا يحرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر هديه، وقد بعثت بهديي فاكتبي إلي بأمرك.
قال: قالت عائشة: ليس كما قال ابن عباس أنا فتلت قليد هدي رسول
(1) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 319، والبسيوي، الجامع، ج 2، ص 266، والسالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 240، وابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 82، والطحاوي،
شرح معاني الآثار، ج 2، ص 264، والعيني، البناية، ج 4، ص 276. (2/327)
صفحة 645
الرائد
328
الله بيدي، ثم قلدها رسول الله الله ثم بعث بها مع أبي، فلم يحرم رسول
الله شيئاً أحله الله له حتى ينحر هديه).
وجاء الحديث من رواية عمرة بنت عبد الرحمن أنها أخبرته أن زياد بن
أبي سفيان" كتب إلى عائشة زوج النبي الله أن عبد الله بن عباس قال: من
(1) أخرجه الإمام الربيع في كتاب: الحج (427).
:-
(2) قال الحافظ ابن حجر - ومثله للإمام السالمي كذا وقع في الموطأ وكأن شيخ مالك حدث به كذلك في زمن بني أمية وأما بعدهم فما كان يقال له إلا زياد بن أبيه، وقبل استلحاق معاوية له كان يقال له زياد بن عبيد.
وكانت أمه سمية مولاة الحارث بن كلدة الثقفي تحت عبيد المذكور فولدت زيادا على فراشه فكان ينسب إليه، فلما كان في خلافة معاوية شهد جماعة على إقرار أبي سفيان بأن زيادا ولده فاستلحقه معاوية لذلك وزوج ابنه ابنته.
وأمر زيادا على العراقين البصرة والكوفة جمعهما له ومات في خلافة معاوية سنة ثلاث وخمسين.
تنبيه: وقع عند مسلم عن يحيى بن يحيى عن مالك في هذا الحديث أن ابن زياد بدل قوله أن زياد بن أبي سفيان وهو وهم نبه عليه الغساني ومن تبعه قال النووي: وجميع من تكلم على صحيح مسلم، والصواب ما وقع في البخاري وهو الموجود عند
الموطأ.
جميع
رواة
ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 454، والسالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2،
ص 238. (2/328)
صفحة 646
الرائد
329
أهدى هديا حرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر الهدي، وقد بعثت بهدي فاكتبي إلي بأمرك، أو مري صاحب الهدي.
قالت عمرة قالت عائشة: ليس كما قال ابن عباس، أنا فتلت قلائد
هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي ثم قلدها رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ثم بعث بها رسول الله
?
مع أبي فلم يحرم على رسول الله لا شيء أحله الله له حتى نحر الهدي.
أهله
وخالف ذلك آخرون فقالوا إن الرجل إذا بعث الهدي وأقام في فقلّد الهدي وأشعر أنه يتجرد فيقيم كذلك حتى يحل الناس من حجهم، حتى قالت طائفة منهم ابن عمر {كقول ابن عباس {: من قلد هديه سواء
خرج معه أو بعث به وأقام وهو يفعله يحرم عليه ما يحرم على المحرم. قال الإمام السالمي:
وبه أفتى الربيع، قال أبو سفيان خرجت أم عمرو إلى مكة فلما كانت على مرحلة من البصرة أمرت مولى لها يقال له مسلم السقط وكان فاضلا: يا مسلم اشتر لي بدنة، قال: فاشترى لها بدنة، فقالت له: أشعرها، قال: ففعل. قال: فقالت: ما صنعنا إنا نخاف أن يدخل علينا شيء من ذلك، قال:
(1) أخرجه البخاري في كتاب، باب من قلد القلائد بيده (1613)، ومسلم في كتاب: الحج، باب استحباب بعث الهدي (1321). (2/329)
صفحة 647
الرائد
330
فأقامت مكانها فوجهت مسلما إلى الربيع تسأله، قال: فقال لها: قد وجب
عليك الإحرام فأمسكي عما يمسك عنه المحرم حتى تنحري بدنتك". ولهذا الرأي اختلف نقل الفقهاء في الاستدلال فمنهم من عد أقوال الصحابة التي نقلت حججا يستند قولهم عليها، وهذا مشكل جدا إذ هي من المسائل الفرعية التي تتنازعها الآراء، وقد اختلف فيها الصحابة أنفسهم فلا يكون قول بعضهم حجة على الآخرين؛ إذ للمخالفين أن يحتجوا بأقوال من
خالفهم.
قال الزهري: أول من كشف الغماء عن الناس وبين لهم السنة في ذلك
عائشة .... ولما بلغ الناس قولها أخذوا به وتركوا فتوى ابن عباس.
ومن الناس من استدل بالنصوص المرفوعة التي وردت إلينا في القضية وإثبات الإحرام بالتقليد والإشعار واحتجوا بحديث حاتم بن إسماعيل عن عبد الرحمن بن عطاء بن أبي لبيبة عن عبد الملك بن جابر عن جابر بن عبد الله قال: كنت عند النبي جالسا فَقَدَّ قميصه من جنبه حتى أخرجه من رجليه فنظر القوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
(1) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 240.
(2) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 241. (2/330)
صفحة 648
الرائد
أمرت ببدني التي بعثت بها أن تقلد وتشعر على مكان كذا وكذا فلبست
قميصي ونسيت فلم أكن لأخرج قميصي من رأسي.
(1)
أخرجه الطحاوي ولكنه معل بعلة التبست إسناده؛ إذ فيه عبد الرحمن
بن عطاء بن أبي لبيبة، وقد قال ابن عبدالبر:
وعبد الرحمن بن عطاء بن أبي لبيبة شيخ من أهل المدينة روى عنه سليمان بن بلال والدراوردي وداود بن قيس وحاتم بن إسماعيل إلا أنه ممن لا يحتج به فيما ينفرد به فكيف فيما خالفه فيه من هو أثبت منه).
ونص على ضعفه غير واحد من أهل العلم".
وبظهور ضعف الحديث يتبين أنه ليس بحجة في المرام فيبقى الأصل الإباحي الذي هو عدم التعبد حتى يقوم دليل شغل الذمة.
قال الطحاوي:
إسناد حديث عائشة < هذا إسناد صحيح لا تنازع بين أهل العلم
(1) الطحاوي، شرح معاني الآثار، ج 2، ص 264.
(2) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 83.
(3) المزي، تهذيب الكمال، ج 17، ص 285، وابن حجر، تهذيب التهذيب، ج 6، ص 209،
والزيلعي، نصب الراية، ج 3، ص 97، وابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 546. (2/331)
صفحة 649
الرائد
332
فيه، وليس حديث جابر بن عبد الله كذلك؛ لأن من رواه دون من روى
حديث عائشة <
>
وإن كان ذلك يؤخذ من طريق ظهور الشيء وتواتر الرواية به فإن حديث عائشة أيضا أولى؛ لأن ذلك موجود فيه ومعدوم في حديث جابر. وإن كان ذلك يؤخذ من طريق النظر فإنا قد رأينا الذين يذهبون إلى حديث جابر ه يقولون إن الحرمة التي تجب على باعث الهدي بتقليده إياه وإشعاره فيحل عنه إذا حل الناس بغير فعل يفعله هو فيحل به، فأردنا أن ننظر في الإحرام المتفق عليه هل هو كذلك أم لا.
فرأينا الرجل إذا أحرم بحج أو عمرة فقد صار محرما إحراما متفقا عليه ورأيناه غير خارج من ذلك الإحرام إلا بأفعال يفعلها فيحل بها منه ولا يحل بغيرها.
ألا ترى أنه إذا كان حاجا فلم يقف بعرفة حتى مضى وقتها أن الحج قد فاته ولا يحل إلا بفعل يفعله من الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة والحلق أو التقصير.
ولو وقف بعرفة وفعل جميع ما يفعله الحاج غير الطواف الواجب لم يحل
له النساء أبدا حتى يطوف الطواف الواجب. (2/332)
صفحة 650
الرائد
333
وكذلك العمرة لا يحل منها إلا بالطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة والحلق الذي يكون منه بعد ذلك فكانت هذه أحكام الإحرام المتفق عليه لا يخرجه منه مرور مدة وإنما يخرجه منه الأفعال.
وكان من أحرم بعمرة وساق الهدي وهو يريد التمتع فطاف لعمرته وسعى لم يحل حتى يفرغ من حجه وينحر الهدي فكانت هذه حرمة زائدة بسبب الهدي؛ لأنه لولا الهدي لكان إذا طاف لعمرته وسعى حلق وحل له فإنما منعه من ذلك الهدي الذي ساقه ثم كان إحلاله من تلك الحرمة أيضا إنما يكون بفعل يفعله لا بمرور وقت فكان هذا الإحرام المتفق عليه لا يخرج بمرور الأوقات ولا بأفعال غيره ولكن بأفعال يفعلها هو.
منه
وكأن من بعث بهدي وأقام في أهله وأمر أن يقلد ويشعر فوجب عليه بذلك التجريد في قول من يوجب ذلك يحل من تلك الحرمة لا بفعل يفعله ولكن في وقت ما يحل الناس.
فخالف ذلك الإحرام المتفق عليه فلم يجب ثبوته كذلك لأنه إنما يثبت الأشياء المختلف فيها إذا أشبهت الأشياء المجتمع عليها فإذا كانت غير مشبهة لها لم يثبت إلا أن يكون معها التوقيت الذي يقوم به الحجة فيجب
القول بها لذلك. (2/333)
صفحة 651
الرائد
334
فإذا وجب ذلك انتفى الاختلاف فثبت بما ذكرنا صحة قول من ذهب إلى حديث عائشة وفساد قول من خالف ذلك إلى حديث جابر بن عبد الله).
ومن الفقهاء من قال إنه إذا توجه في إثرها صار محرما، ومنهم من قال: إن من قلد بدنة تطوعا أو نذرا أو جزاء صيد أو شيئا من الأشياء كدم التمتع أو القران أو نحوها من الدماء الواجبة وتوجه معها يريد الحج فقد أحرم؛ سوق الهدي في معنى التلبية في إظهار الإجابة، ولأنه لا يفعله إلا مريد
لأن
الحج والعمرة.
ومنهم من ينص على أن مجرد السوق والتقليد موجب للإحرام نوى النسك أو لم ينو، وقد استدل له أنصاره كصاحب الهداية من الحنفية") برواية رفعها إلى النبي أنه قال: من قلد بدنة فقد أحرم.
ولكن الحديث تعقبه المعتنون بالهداية من محدثي الحنفية فقالوا بغرابته
(1) الطحاوي، شرح معاني الآثار، ج 2، ص 266.
(2) العيني، البناية، ج 4، ص 275.
(3) العيني، البناية، ج 4، ص 5
275 (2/334)
صفحة 652
الرائد
335
(1)
متابعين الحافظ الزيلعي، ومصطلح الغرابة عنده يقضي بعدم وجدانه أصلا للحديث المستدل به)، وهذا يعني أن الحكم المعلق به معارض للأصل فلا يعرج عليه.
ثم إن صاحب المقام العالي صلى الله عليه وسلم قد ساق الهدي وقلده مع إرادته الإحرام
ومع ذلك التزم التلبية سبيلا لدخول الإحرام.
ثالثا: إحرام من ساق الهدي
المعتمر غير المتمتع يحل سواء كان معه هدي أو لم يكن وسواء كان في أشهر الحج أو غيرها، أما من ساق الهدي وهو يريد الحج فيتعين عليه القرآن ولا يشرع له أن يحل من عمرته كما هو فعل النبي صلى الله عليه وسلم الذي جاء من
طرق عدة منها حديث:
أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري له قال: قالت حفصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بال الناس أحلوا بعمرة ولم تحلل أنت من عمرتك؟ فقال:
(1) الزيلعي، نصب الراية، ج 3، ص 97.
(2) الكوثري، فقه أهل العراق وحديثهم، و دراسة حديثية مقارنة لنصب الراية وفتح القدير ومنية الألمعي" لمحمد عوامة، و"منية الألمعي" للحافظ قاسم بن قطلوبغا، ص 159. (3) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 195. (2/335)
صفحة 653
الرائد
336
إني لبَّدت رأسي، وقلّدت هديي، فلا أحل حتى أنحر).
كما جاء حديث حماد بن زيد أخبرنا عبد الملك بن جريج عن عطاء عن جابر، وعن طاوس عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت، ولولا أن معي الهدي لأحللت".
وهذا الحديث يبين أن علة لعدم إحلال النبي ومن معه من صحابته هو سوقه الهدي وتلبيده رأسه، قال قطب الأئمة:
ومعنى "لو استقبلت من أمري ما استدبرت" لو كان الباقي من عمري
هو ما مضى منه لتركت التقليد وأحللت لما ظهر لي أن هذا الآن خير
(3)
ومما يدل على الحكم السابق حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة أم المؤمنين < قالت خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بعمرة، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان معه هدي فليهل بالحج مع
فأهللنا
(1) أخرجه الربيع في كتاب الحج، باب في الهدي والجزاء والفدية (428)، والبخاري في
كتاب الحج، باب: التلبيد (5572).
(2) أخرجه البخاري في كتاب الشركة، باب: الاشتراك في الهدي والبدن (2371).
(3) القطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 61. (2/336)
صفحة 654
الرائد
337
العمرة ثم لا يحل حتى يتمهما جميعا).
ومنه حديث الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة
قالت: خرجنا مع النبي في حجة الوداع فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج، فقدمنا مكة فقال رسول الله:
من أحرم بعمرة ولم يهد فليحلل، ومن أحرم بعمرة وأهدى فلا يحل حتى ينحر هديه، ومن أهل بحج فليتم حجه.
كما جاء حديث مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة
قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع
فأهللنا بعمرة ثم قال رسول
الله: من كان معه هدي فليهلل بالحج مع العمرة".
وظهر ذلك أيضا في تفرقته في الحكم بين الإمام علي بن أبي طالب وأبي موسى الأشعري في أمره بالإحلال من العمرة، فالإمام علي أمر بعدم الإحلال وأبو موسى الأشعري أمر بالإحلال بعمرة مع أن كلا منهما قد
(1) أخرجه الربيع، في كتاب الحج، باب: ما تفعل الحائض (442).
،
(2) أخرجه البخاري في كتاب الحيض باب كيف تهل الحائض (313)، ومسلم في كتاب:
الحج، باب بيان وجوه الإحرام (1211).
(3) أخرجه النسائي في كتاب: مناسك الحج، باب: إهلال النفساء (2764). (2/337)
صفحة 655
338
الرائد
أحرم إحراما كإحرام النبي الله ولكن الذي جعل الإمام علي بن أبي طالب لا يحل هو سوقه الهدي كما في حديث جابر الطويل إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم للإمام علي: ماذا قلت حين فرضت الحج؟ قال: قلت: اللهم إني أهل بما أهل به رسولك، قال: فإن معي الهدي فلا تحل.
قال: فكان جماعة الهدي الذي قدم به علي من اليمن والذي أتى به النبي مئة، قال: فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي ومن كان معه هدي. أما أبو موسى الأشعري فلم يسق الهدي فأمر بالإحلال بعمرة كما روى ذلك طارق بن شهاب عن أبي موسى قال بعثني النبي صلى الله عليه وسلم إلى قوم باليمن فجئت وهو بالبطحاء فقال: بم أهللت؟
قلت: أهللت كإهلال النبي ا ل ا و و و و: قال: هل معك من هدي؟ قلت: لا،
فأمرني فطفت بالبيت وبالصفا والمروة ثم أمرني فأحللت".
وأوّل الذين لا يقولون بالحكم السابق حديث: من أحرم بعمرة وأهدى فلا يحل حتى ينحر هديه فقالوا تقديره من أحرم بعمرة وأهدى فليهلل
(1) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب: حجة النبي صلى الله عليه وسلم (1218).
(2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب من أهل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم
(1484) (2/338)
صفحة 656
الرائد
339
بالحج ولا يحل حتى ينحر هديه).
وهذا تأويل بعيد متكلف؛ إذ الأصل في الألفاظ أن يؤخذ بظاهرها ولا
يصار إلى التأويل إلا في حال تعذر الظاهر، والواقع أنه ما حملهم على هذا إلا مخالفة ظاهر الحديث لمذهبهم.
وعلى السابق يظهر أنه يتعين على كل من ساق الهدي عدم الإحلال بعمرة ولو كان في الأصل متمتعا، ومنه لا حرج في تسميته متمتعا لم يشرع
له الإحلال بعمرة، أو سمي قارنا مع أنه في أصله متمتع.
وقال آخرون: للمتمتع أن يحل من عمرته وإن ساق الهدي".
وذهب بعض أهل العلم في قول ثالث إلى أنه إن دخلها في العشر لم ينحر الهدي حتى ينحره يوم النحر، وإن قدم قبل العشر نحر الهدي، وهذا يدل على أن المتمتع إذا قدم قبل العشر حل وإن كان معه هدي وإن قدم في العشر
يحل، وليس لهذا التفصيل دليل.
(1) العراقي، طرح التثريب، ج 5، ص 68.
(2) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 195، والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 61. (3) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 161، والنووي، المجموع، ج 7، ص 154. (4) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 195. (2/339)
صفحة 657
الرائد
(+34)
وقيل يحل له التقصير من شعر رأسه خاصة ولا يمس من أظفاره
وشاربه شيئا، وهؤلاء استدلوا بحديث معاوية قال: قصرت من رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشقص عند المروة).
وسيأتي في الفصل السادس عند ذكر أحكام الحلق أن في هذا الحديث إشكالات كثيرة فليس هو بحجة، وهو معارض لما استقر القول عليه أن
النبي لم يحل من إحرامه إلا يوم العاشر من ذي الحجة.
المطلب العاشر: الإهلال بحجتين أو عمرتين أو إدخال حجة أو عمرة
على مثلها
مما اختلف فيه الفقهاء الإهلال بالنسك نفسه مرتين، أو إدخال نسك على مثله كمن أحرم بحجتين في نسك، واحد أو عمرتين، وكذلك من أحرم بحجة ثم أدخل عليها حجة أخرى، أو أحرم بعمرة ثم أدخل عليها
أخرى".
(1) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 195.
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 214، والكندي، المصنف، ج 8، ص 112، والشقصي، منهج الطالبين، ج 7، ص 56، والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 70، وابن عبد البر،
الاستذكار، ج 4، ص 64. (2/340)
صفحة 658
الرائد
قال جماعة من أهل العلم يلزمه النسكان اللذان أحرم بهما، وفي مثل هذا يقال من ألزم نفسه شيئا ألزم إياه.
ثم إن الشرع قد شهد لمثل هذا بالجواز عندما أجاز إدخال الحج على العمرة كما هو نسك السيدة عائشة، كما أجاز الشرع إدخال العمرة على الحج المفرد كما تبين من قبل، وهذا الأمر ليس بمفترق عن ذلك ومعلوم من القواعد الشرعية أنه لا يفرق بين مجتمعين.
وقال آخرون وهم الأكثر - إنه لا يشرع الجمع بين حجتين ولا عمرتين على الصورة المذكورة، لأنه أمر لم يرد به الشرع في أمر تعبدي فحق مثله أن يقال بحديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: قال رسول الله: من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد.
وما من شك أن جمع النسك بهذه الصورة مما ليس له أصل فيرد ولا يبقى للمحرم إلا ما أحرم به وهو حجة أو عمرة فقط.
قال الإمام أبو سعيد الكدمي:
معي أنه صح ما يخرج من هذه الأقاويل لمن أهل بحجتين أنه لا ينعقد
عليه لأنه محيل لذلك، ولا يقع المحال، فلا يكون حجتان في سنة واحدة كما
(1) أخرجه الإمام الربيع في باب: الإمارة (49). (2/341)
صفحة 659
الرائد
342
لا يكون الحج في أشهر الحج وكما لا يجوز الإحرام لصلاتين.
(ومن) جعل الشيء في غير موضعه بطل ولا ينعقد عليه له حكم ولا أن ينعقد عليه عمرة مكان الحجة).
يعجبني
أما إدخال العمرة على الحج أو إدخال الحج على العمرة فتلك أمور قد نص عليها الشارع ولا يقاس عليها غيرها لخفاء عللها التي أسست عليها أحكامها.
ثم إن في السابق تبديل نسك إلى آخر وليس فيه جمع نسكين في نسك فافترقا وامتنع القياس.
أما قول هؤلاء إنه يفرق بين مجتمعين فيقال لهم إنه كذلك لا يجمع بين مفترقين وما من شك أن هذين مفترقان.
ومما يدلك على ضعف قول القائلين بالجواز أنهم اتفقوا على أنه لا يأتي بهما جميعا لعدم إمكان ذلك لذا قالوا إنه يكون رافضا لأحدهما ولا يتمها ويلزمه بذلك الرفض دم، واختلفوا في الوقت الذي يكون فيه رافضا فقيل ساعة الإحرام بهما، وقيل حين يتوجه إلى مكة.
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 214. (2/342)
صفحة 660
الرائد
343
المبحث الرابع: التلبية وأحكامها
المطلب الأول: تعريف التلبية
التلبية مصدر لبى أي قال لبيك، ولا يكون عامله إلا مضمرا.
و "لبيك" لفظ
هو مثنى عند سيبويه ومن تبعه، وقال يونس: هو اسم
مفرد وألفه إنما انقلبت ياء لاتصالها بالضمير كلدى وعلى، ورُدَّ بأنها قلبت ياء
مع
المظهر.
وعن الفراء هو منصوب على المصدر، وأصله لبا لك فثني على التأكيد أي إلبابا بعد الباب، وهذه التثنية ليست حقيقية بل هى للتكثير أو المبالغة). وقد اختلفوا في أصل معنى التلبية الواردة في باب الحج"، فقيل إنها بمعنى إجابة لك بعد إجابة ولهذا كررت في النسك إيذانا بتكرير التلبية، لذا
(1) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 409. (2) الزبيدي، تاج العروس، باب: لبب وقد أطال كثيرا في المعنى، ج 4، ص 184، والشقصي، منهج الطالبين، ج 7، ص 41، والسالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 168، والكندي، المصنف، ج 8، ص 115، والنووي، المجموع، ج 7، ص 219، وابن القيم، حاشية على سنن أبي داود، ج 5، ص 176، وابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 409، وابن الهمام، فتح القدير، ج 2، ص 434، والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص 230، والكاندهلوي، أوجز المسالك، ج 6، ص 466. (2/343)
صفحة 661
الرائد
344
قال جماعة من أهل العلم إن الإجابة هنا كانت إجابة لنداء إبراهيم العلي
بعدما أمره الله تعالى بالأذان للحج في قوله تعالى: وَأَذِن فِي النَّاسِ بِالْحَجّ
90
يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ.
قال ابن جرير الطبري:
جرير عن قابوس عن أبيه عن ابن عباس قال: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قيل له: أذن في الناس بالحج، قال: رب وما يبلغ صوتي؟
قال: أذن وعلي البلاغ، فنادى إبراهيم أيها الناس، كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق فحجوا قال: فسمعه ما بين السماء والأرض، أفلا ترى الناس يجيئون من أقصى الأرض يلبون.
عطاء
حدثنا الحسن بن عرفة قال: ثنا محمد بن فضيل بن غزوان الضبي عن
بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما بنى إبراهيم
البيت أوحى الله إليه أن أذن في الناس بالحج.
قال: فقال إبراهيم: ألا إن ربكم قد اتخذ بيتا وأمركم أن تحجوه، فاستجاب له ما سمعه من شيء من حجر وشجر وأكمة أو تراب أو شيء:
(1) سورة البقرة، الآية (27). (2/344)
صفحة 662
الرائد
لبيك اللهم لبيك.
345
وقيل إنها بمعنى الانقياد أخذا من قولهم لبيت الرجل إذا أخذت على تلابيبه ومنه لببته، بردائه والمعنى انقدت لك وسعت نفسي لك خاضعة ذليلة.
وقيل إنها مأخوذة من قولهم لب بالمكان إذا قام به ولزمه، والمعنى: أنا مقيم على طاعتك ملازم لها.
وقيل بأنه من قولهم داري تلب دارك أي تواجهها وتقابلها، والمعنى هنا مواجهتك بما تحب متوجه إليك.
بعد
وقيل هو من قولهم امرأة لبة إذا كانت محبة لولدها والمعنى هنا حبا لك
وقيل هو من لب الشيء أي خالصه ولب الرجل عقله وقلبه، والمعنى أخلصت لبي وقلبي لك، وقيل هو من قولهم فلان رخي اللبب وفي لب
رخي أي في حال واسعة منشرح الصدر.
والمعنى إني منشرح الصدر لقبول دعوتك وإجابتها لا بكره ولا تكلف.
(1) الطبري، جامع البيان، ج 17، ص 144. (2/345)
صفحة 663
الرائد
346
وقيل هي من الإلباب وهو الاقتراب أي اقترابا لك بعد اقتراب.
قال ابن فارس:
اللام والباء أصل صحيح يدلُّ على لزوم وثبات، وعلى خلوص وجودة. فالأول ألب بالمكان، إذا أقام به، يُلتُ إلبابا، ورجلٌ لَبّ بهذا الأمر إذا
لازمه.
وحكى الفرّاء: امرأَةٌ لَبَّةٌ: مُحِبَّةٌ لزوجها، ومعناه أنها ثابتة على وُدّه أبداً. ومن الباب التلبية وهو قوله: لَبَّيْك، قالوا معناه أنا مقيم على طاعتك، ونُصب على المصدر، وثنّي على معنى إجابةً بَعْد إجابة، واللبيب الملبي، قال
الشاعر:
فقلت لها فيئي إليكِ فإنَّني حرام وإنِّي بعد ذاكِ لبيب
أي مُحرِم مُلَبِّ.
ومن الباب لبلَبَ من الشَّيء: أشفق، فهو ملبلب. وقال: مِنا الملبلبُ
والمشبل، ويكون ذلك من الثَّباتِ على الودّ.
(1) ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، ج 5، كتاب اللام وما بعدها في المضاعف والمطابق
باب لب. (2/346)
صفحة 664
الرائد
347
المطلب الثاني: مشروعية التلبية وفضلها
أمر مشروعية التلبية وفضلها لا مخالف
من
الأمة الإسلامية فيه من
حيث الأصل، والنصوص الشرعية كثيرة تشهد له بذلك وسنبين بعضها.
والتلبية نوع من الذكر الذي تلهج به النفوس المؤمنة مبتغية به القربى الله تعالى، وهو بذلك كعموم الذكر غير القرآن الكريم لا يشترط له الطهارة من الحدث أصغره وأكبره فيصح من المتوضئ والجنب والحائض
من
والنفساء وغيرهم، وإن كان الأكمل من الناس أعظم في الأجر.
وقد كان للفقهاء خلاف في مشروعية التلبية لغير المحرم بالنسك، ولا دليل يمنع منها؛ إذ هي ذكر عام يتقرب إلى الله به، ولكنه يتأكد في حال الإحرام مع عدم منع المحرم من بقية الأذكار، ونُقل عن الإمام مالك بن أنس أنه ذهب إلى أن غير المحرم ممنوع من التلبية).
وقد جاء ما يدل على عدم اشتراط الطهارة في حال التلبية، ومن ذلك حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة أم المؤمنين < قالت: إن أسماء بنت عميس ولدت محمد بن أبي بكر بالبيداء، فذكر ذلك أبو بكر
(1) العظيم أبادي، عون المعبود، ج 5، ص 183. (2/347)
صفحة 665
الرائد
لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: مرها فلتغتسل ثم لتهلل
348
أطف
ومن ذلك أيضا قول السيدة عائشة: فقدمت مكة وأنا حائض فلم بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: انقضي
رأسك وامتشطي وأهلي بالحج ودعي العمرة".
وقد قال لها ما يفيد عموم الحكم بأن تفعل أعمال الحج كلها خلا الطواف بالبيت، والتلبية من أعمال الحج فتدخل في العموم السابق كما في حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة < أنها قالت: قدمت مكة وأنا حائض ولم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
افعلي ما يفعل الحاج غير أنك لا تطوفي بالبيت حتى تطهري".
ومن السابق يقال إنه لا يشرط للتلبية الطهارة من الحدثين الأصغر والأكبر بل للمسلم أن يأتيها على أحواله كلها، وإن كان الحفاظ على الطهارة
في الأحوال جميعها مطلبا شرعيا.
(1) أخرجه الربيع في كتاب الحج، باب: ما تفعل الحائض (442). (2) أخرجه الربيع في كتاب الحج، باب: ما تفعل الحائض (438). (3) أخرجه الربيع في كتاب الحج، باب: ما تفعل الحائض (440). (2/348)
صفحة 666
الرائد
349
وفوق المشروعية السابقة للتلبية فضل عظيم لمن أجاب بها داعي الله مخلص القول، فهي ذكر من الأذكار التي يتصل بها حبل المخلوق بحبل الخالق، وهي سبب لأن يتفاعل مع الإنسان ما حوله بالتلبية.
ولا غرو أن يكون مثل ذلك في شريعة كونية ما أريد للمكلف فيها إلا أن يعيش في صلاح الدارين كما في حديث إسماعيل بن عياش عن عمارة بن
غزية عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
ما من مسلم يلبي إلا لبى من عن يمينه أو عن شماله من حجر أو شجر
أو مدر حتى تنقطع الأرض من ها هنا وها هنا.
والتلبية كانت هدي الحبيب المصطفى كما تبين، وقبله كان المصطفون من خلق الله محافظين عليها مما يؤذن بعظم منزلتها وسمو رفعتها فقد جاء حديث هشيم أخبرنا داود بن أبي هند عن أبي العالية عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بوادي الأزرق فقال: أي واد هذا؟ فقالوا: هذا وادي
الأزرق.
قال: كأني أنظر إلى موسى الهابطا من الثنية وله جؤار إلى الله بالتلبية،
(1) أخرجه الترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في التلبية (828)، وابن ماجه في كتاب: المناسك، باب: التلبية (2921). (2/349)
صفحة 667
الرائد
(ro.)
ثم أتى على ثنية هرشي فقال: أي ثنية هذه؟ قالوا: ثنية هرشي، قال: كأني أنظر إلى يونس بن متى الله على ناقة حمراء جعدة عليه جبة من صوف خطام ناقته خلبة وهو يلبي
وقد كان رفع الصوت بالتلبية أمرا إلهيا من الله تعالى لصحابة رسول الله وما ذلك إلا لاسترعاء النظر وشد العزيمة لاقتناص فرصة هذه العبادة كما في حديث مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام عن خلاد بن السائب الأنصاري عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
أتاني جبريل الفأمرني أن آمر أصحابي ومن معي أن يرفعوا أصواتهم
بالإهلال أو قال بالتلبية يريد أحدهما).
(1) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم (166).
(2) أخرجه النسائي في كتاب مناسك الحج، باب رفع الصوت بالإهلال (2753)، وأبو داود -واللفظ له في كتاب المناسك باب كيف التلبية (1814)، وابن ماجه في كتاب: المناسك، باب: رفع الصوت بالتلبية (2922).
وقال البيهقي: رواه الحميدي وغيره عن سفيان، ورواه ابن جريج، قال: كتب إلى عبد الله بن أبي بكر فذكره ولم يذكر أبا خلاد في إسناده والصحيح رواية مالك وابن عيينة (2/350)
صفحة 668
الرائد
351
المطلب الثالث: ألفاظ التلبية
لم تأت ألفاظ التلبية في الذكر الحكيم بل هي مأخوذة مما كان النبي صلى الله عليه وسلم
يأتيه في حال إحرامه، وقد جاءت الروايات المتفق على صحتها أن أهل الشرك والأوثان كانوا يلبون حال إحرامهم.
وليس ذلك بعجيب فالحج نفسه كان بقية مما أخذه الناس من مشاعر أبي الأنبياء إبراهيم ال ولكنهم بسبب جاهليتهم الوثنية أضافوا إلى تلبية أبي الأنبياء شيئا من الشركيات تقر بها الهتم التي يعبدونها من دون الله تعالى وكان ذلك على يدي عمرو بن لحي سبب الشرك في جزيرة العرب، ولفظ تلبية المشركين مذكور في حديث:
النضر بن محمد اليمامي حدثنا عكرمة بن عمار حدثنا أبو زميل عن ابن
عباس
{قال كان المشركون يقولون: لبيك لا شريك لك، قال: فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويلكم قد قد، فيقولون: إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك،
عن عبد الله بن أبي بكر عن عبد الملك عن خلاد بن السائب عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك قاله البخاري وغيره البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 42.
(1) قال النووي فقوله الا و قد قد قال القاضي: روي بإسكان الدال وكسرها مع التنوين، ومعناه كفاكم هذا الكلام فاقتصروا عليه ولا تزيدوا النووي، شرح صحيح مسلم،
ج 8، ص 90. (2/351)
صفحة 669
الرائد
352
يقولون هذا وهم يطوفون بالبيت.
وهذه التلبية أولها واقع على الأصول الشرعية، ولا عجب إذ هي من
موروثات أبي الأنبياء، ولكن آخرها من الشركيات المحرمة فأقر الشرع ما كان منها واردا مورد التوحيد وألغى المحرم.
وجاء من ألفاظ تلبية أهل الشرك حديث شرحبيل بن القعقاع قال: سمعت عمرو بن معد يكرب يقول: لقد رأيتنا منذ قريب ونحن إذا حججنا
نقول:
لبيك تعظيما إليك عذرا هذي زبيد قد أتتك قسرا
تغدو
بهم
مضمرات شزرا يقطعن حينا وحبالا وعرا
قد خلفوا الأنداد خلوا صفرا
ونحن اليوم نقول كما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والحديث أخرجه الطحاوي)، والطبراني، من طريق شرقي بن قطامي
(1) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب: التلبية وصفتها ووقتها (1185). (2) الطحاوي، شرح معاني الآثار، ج 2، ص 124، والطحاوي، أحكام القرآن،
ج 2/ ق 23/ 1 (1149).
(3) الطبراني، المعجم الأوسط، ج 2، ص 379، والمعجم الصغير، ج 1، ص. (2/352)
صفحة 670
الرائد
353
قال: أنا أبو طلق العائذي قال: سمعت شرحبيل بن القعقاع يقول: سمعت
عمرو بن معد يكرب ولكن شرقي بن قطامي ضعيف).
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في الغالب أحيانه يحافظ على ألفاظ للتلبية يأتي بها دون غيرها مما يفيد مشروعية أن يحافظ المسلم على تلك الألفاظ نفسها لمحافظة صاحب الدعوة عليها، ومن ذلك حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري صلى الله عليه وسلم قال:
إن تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك، إن
الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.
}
وجاء الحديث عن ابن عمر {من طريق أخرى صحيحة أيضا من
حديث مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر {أن تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم: لبيك
لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا
اللهم شريك لك.
(1) ابن عدي، الكامل، ج 4، ص 35، والعقيلي، الضعفاء، ج 2، ص 187، والذهبي، ميزان
الاعتدال، ج 3، ص 369.
(2) أخرجه الإمام الربيع في كتاب الحج، باب: في الإهلال بالحج والتلبية (399)، وقد جاء
عند غير الربيع من طرق عن ابن عمر ولا منازع في صحتها عنه. (2/353)
صفحة 671
الرائد
(354
قال: وكان عبد الله بن عمر {يزيد فيها: لبيك لبيك وسعديك،
والخير بيديك لبيك والرغباء إليك والعمل.
كما جاء ذكر التلبية السابقة من حديث السيدة عائشة {من حديث: الأعمش عن عمارة عن أبي عطية عن عائشة قالت: إني لأعلم كيف كان النبي يلبي: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك).
وبالنظر إلى هذه الرواية نجد أن السيدة عائشة لم تذكر ما بعد هذا وذكره
غيرها من الصحابة الذين سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم فيكون حجة.
وقد وافق السيدة عائشة على هذا الاقتصار ابن مسعود له كما في حديث أحمد بن عبدة قال: حدثنا حماد بن زيد عن أبان بن تغلب عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله بن مسعود: قال كان من تلبية النبي: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك".
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: التلبية (1474)، ومسلم - واللفظ له- في کتاب الحج، باب التلبية وصفتها ووقتها (1184).
(2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: التلبية (1475).
(3) أخرجه النسائي في كتاب مناسك الحج، باب: كيف التلبية (2751). (2/354)
صفحة 672
الرائد
(355
وقد اختلف الرواة للحديث في اللفظ المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم في ضبط همزة "ان" الواردة في حديث التلبية) فمنهم من رواها بالكسر، ومنهم من
رواها بالفتح قال ابن عبد البر: وأهل العربية في ذلك يختارون الكسر.
ومن حيث المعنى تكون روايتها على الكسر مفيدة الاستئناف وابتداء جملة جديدة لا يربطها بالسابق أمر، أما روايتها على الفتح فتفيد معنى التعليل فكأن القائل يقول: نلبي لأن الحمد والنعمة لك.
وللفقهاء في ترجيح أحد الرأيين على الآخر خلاف
مع الاتفاق على
جواز أن يأتي الملبي أيهما شاء، ما شاء، رجح القدوة إمام السنة والأصول العلامة القنوبي -حفظه الله- الكسر، وهو منسوب للجمهور من أهل العلم لكونه استئنافا فيكون الحمد عاما الله في
جماعة منهم الإمام السالمي - وشيخنا
الأحوال جميعها.
أما الفتح المفيد للتعليل فيفيد أن التلبية معللة بالحمد ولولاه لم تكن، وما
(1) الكندي، المصنف، ج 8، ص 115، والسالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 168، والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 53، وابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 44، وابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 409، وابن الهمام، فتح القدير، ج 2، ص 434، والكاندهلوي، أوجز المسالك، ج 6، ص 468، والسهارنفوري، بذل المجهود، ج 9،
ص 29. (2/355)
صفحة 673
الرائد
356
من
شك أن تعميم حمد الله بإطلاق أولى، قال الكمال ابن الهمام:
قوله يعني صاحب الهداية - بكسر الهمزة لا بفتحها يعني في الوجه الأوجه، وأما في الجواز فيجوز، والكسر على استئناف الثناء وتكون التلبية للذات، والفتح على أنه تعليل للتلبية أي لبيك؛ لأن الحمد والنعمة لك
والملك.
ولا يخفى أن تعليق الإجابة التي لا نهاية لها بالذات أولى منه باعتبار صفة، هذا وإن كان استئناف الثناء لا يتعين مع الكسر لجواز كونه تعليلا
مستأنفا كما في قولك: علم ابنك العلم إن العلم نافعه.
قال الله تعالى: وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوَتَكَ سَكَنٌ هُمْ، وهذا مقرر في مسالك العلة من علم الأصول، لكن لما جاز فيه كل منهما يحمل على الأول
لأولويته بخلاف الفتح ليس فيه سوى أنه تعليل
وقال شيخنا القدوة إمام السنة والأصول العلامة القنوبي -حفظه الله -: ينبغي الاقتصار على الكسر؛ لأنه هو الثابت عن النبي، وهو أيضا الأقوى
من حيث المعنى).
(1) ابن الهمام، فتح القدير، ج 2، ص 434.
(2) شيخنا القنوبي، تحفة الأبرار، ص 221 (2/356)
صفحة 674
الرائد
357
ومن الفقهاء من قال بأنه لا مزية لأحد اللفظين على الآخر، ولعلهم
نظروا إلى أن الكل مروي عن النبي الله ولم يأت عنه ترجيح لأحد اللفظين
على غيره.
ومن
الألفاظ التي جاءت مروية عن النبي صلى الله عليه وسلم في التلبية لفظ "لبيك إله الحق لبيك" وقد جاءت من حديث عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة عن عبد الله بن الفضل عن عبد الرحمن بن الأعرج عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في تلبيته: لبيك إله الحق.
والحديث أخرجه النسائي وابن ماجه، وابن خزيمة، وابن حبان، والنسائي في الكبرى، وإسناده صحيح، لكن أعل بأمر، قال النسائي في المجتبى بعد إخراجه: لا أعلم أحدا أسند هذا عن عبد الله بن الفضل إلا عبد العزيز رواه إسماعيل بن أمية عنه مرسلا.
وقال في الكبرى عقبها: لا أعلم أحدا أسند هذا الحديث غير عبد الله بن
(1) في كتاب مناسك الحج، باب: كيف التلبية (2758).
(2) في كتاب المناسك، باب: التلبية (2920).
(3) ابن خزيمة، صحيح ابن خزيمة، ج 4، ص 172. (4) ابن حبان، صحيح ابن حبان، ج 9، ص 109.
(5) البيهقي، السنن الكبرى، ج 2، ص 354. (2/357)
صفحة 675
الرائد
(TOA)
الفضل، وعبد الله بن الفضل ثقة خالفه إسماعيل بن أمية برفع الصوت
بالإهلال.
وترجم له ابن خزيمة بقوله: باب ذكر البيان أن الزيادة في التلبية على ما
حفظ ابن عمر عن النبي جائز، والدليل على أن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
صلى الله عليه وسلم
قد يحفظ عنه ما يغرب عن بعضهم؛ لأن أبا هريرة قد حفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم في
تلبيته ما لم يحك عنه غيره.
والحديث كما تقدم من حيث إسناده صحيح لذا قال بمشروعيتها جماعة
من أهل العلم.
ومنهم من ضعف الحديث كما تبين من تخريجه، ولكن على القول بثبوتها ينبغي أن لا يعزب عن النظر أن التلبية التي شاعت عند صحابته بالألفاظ المتفق عليها أولى مما جاءت عن أفراد منهم مع اختلاف في إثباتها، لذا يؤتى بهذه بين الفينة والأخرى ولكن الشيوع والأصل للأولى.
قال الطحاوي:
(1) الشقصي منهج الطالبين، ج 7، ص 42، والشافعي، الأم، ج 2، ص 156، وابن حزم، المحلى، ج 7، ص 94، والنووي، المجموع، ج 7، ص 221. (2/358)
صفحة 676
الرائد
(359)
وهذا عندنا دليل على أنه لا بأس للحاج بعد دخوله في الحج التلبية) الأولى أن يلبي بهذه التلبية الثانية وبما سواها مما يشبه التلبية الأولى ويرجع
معناها إلى معناها.
وقد كان ابن عمر مع وقوفه على تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم التي رويناها عنه في هذا الباب يزيد عليها.
وجاء من الألفاظ التي يؤتى بها عند التلبية حديث: هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أخيه يحيى بن سيرين عن أخيه معبد بن سيرين عن أخيه أنس بن سيرين عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لبيك حجا حقا تعبدا ورقا
والحديث أخرجه محمد بن علي الصوري، والحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي، ونسبه جماعة إلى الدار قطني في العلل، والبزار في مسنده.
(1) كذا في الأصل.
(2) الطحاوي، أحكام القرآن الكريم، ج 2/ 1 / ص 24.
(3) الفوائد المنتقاة والغرائب الحسان عن الشيوخ الكوفيين، (35،36).
(4) الرامهرمزي، المحدث الفاصل، ص 624.
(5) ابن حجر، مختصر زوائد مسند البزار على الكتب الستة، ج 1، ص 448. (2/359)
صفحة 677
الرائد
(360)
وقال الهيثمي: رواه البزار مرفوعا وموقوفا ولم يسم شيخه في المرفوع، وقد رجح الدارقطني وغيره موقوف أنس على مرفوعه، وضعف المرفوع شيخنا القدوة إمام السنة والأصول العلامة القنوبي -حفظه الله"، وفي إسناد المرفوع لطيفة إسنادية وهي اجتماع أربعة إخوة يروي بعضهم عن
بعض.
المطلب الرابع: الزيادة على تلبية النبي صلى الله عليه وسلم
من الثابت الذي لا خلاف فيه أن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يزيدون في الحضرة النبوية من أنواع الذكر أمورا والمصطفى يسمعهم ولا ينكرها عليهم مما يعني إقرارهم على الزيادة وعدم الحرج فيها، ومن أثبت تلك الزيادات التي زادها الصحابة حديث:
أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري قال: إن تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم "لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد
والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبيك".
قال نافع وكان ابن عمر يزيد فيها: لبيك وسعديك، والخير بيديك،
(1) الهيثمي، مجمع الزوائد، ج 3، ص 223
(2) شيخنا القنوبي، تحفة الأذكار، ص 223 (2/360)
صفحة 678
الرائد
361
لبيك والرغبة إليك والعمل).
وجاء هذا من حديث مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر {أن تلبية
رسول الله صلى الله عليه وسلم: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.
قال: وكان عبد الله بن عمر {يزيد فيها: لبيك لبيك وسعديك والخير
بيديك، لبيك والرغباء إليك والعمل".
وجاء أن الزيادة السابقة كان عمر بن الخطاب الله يأتي بها فلعل ابنه أخذها عنه كما في حديث يونس عن ابن شهاب قال: إن سالم بن عبد الله بن
عمر
أخبرني عن أبيه الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل ملبدا يقول:
لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.
لا يزيد على هؤلاء الكلمات، وإن عبد الله بن عمر {كان يقول: كان
(1) أخرجه الإمام الربيع في كتاب الحج، باب في الإهلال بالحج والتلبية (399)، وقد جاء عند غير الربيع من طرق عن ابن عمر ولا منازع في صحتها عنه.
(2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: التلبية (1474)، ومسلم واللفظ له في كتاب: الحج، باب: التلبية وصفتها ووقتها (1184). (2/361)
صفحة 679
الرائد
362
رسول الله صلى الله عليه وسلم يركع بذي الحليفة ركعتين ثم إذا استوت به الناقة قائمة عند مسجد الحليفة أهل بهؤلاء الكلمات.
وكان عبد الله بن عمر {يقول: كان عمر بن الخطاب له يهل بإهلال
رسول الله صلى الله عليه وسلم من هؤلاء الكلمات ويقول:
لبيك اللهم لبيك لبيك وسعديك والخير في يديك، لبيك والرغباء
إليك والعمل.
وجاء عن ابن مسعود أنه كان يلبي ويقول: لبيك عدد التراب، كما
أخرج ذلك ابن أبي شيبة، والطحاوي) والبيهقي.
وقد كانوا يضيفون إلى التلبية التكبير كما في حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد قال: اصطحب محمد بن أبي بكر وأنس بن مالك من منى إلى عرفات، فقال له محمد بن أبي بكر: كيف تصنعون في مثل هذا اليوم وأنتم مع رسول
(1) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب: التلبية وصفتها (1184).
(2) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 375.
(3) الطحاوي، أحكام القرآن الكريم، 2/ 1 / ص 25، وشرح معاني الآثار، ج 2، ص 227.
(4) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 121. (2/362)
صفحة 680
الرائد
363
الله؟ فقال: يهل منا المهل فلا ينكر عليه، ويكبر المكبر فلا ينكر عليه).
وجاء أن صحابته كانت من تلبيتهم لبيك" ذا المعارج" كما في حديث يحيى بن سعيد ثنا جعفر حدثني أبي قال أتينا جابر بن عبد الله فسألناه عن حجة النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
اللهم
فخرج حتى إذا استوت به راحلته على البيداء أهل بالتوحيد: لبيك لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا
شريك لك.
قال: وأما الناس يزيدون ذا المعارج ونحوه والنبي صلى الله عليه وسلم
شيئا (2).
لا يقول يسمع
وجاء الحديث السابق بزيادة أخرجها البيهقي من حديث قتيبة بن سعيد ثنا محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عن أبيه
(1) أخرجه الإمام الربيع في كتاب الحج، باب في الإهلال بالحج والتلبية (402)، وقد جاء عند غير الربيع من طرق لا منازع في صحتها. (2) أخرجه أبو داود في كتاب المناسك باب كيف التلبية (1813)، وقال ابن جماعة: إسناده صحيح، وهذا الذي أثبته جابر بن عبد الله عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو حافظ
وحجة يدلل على ما قاله ابن جماعة هداية السالك، ج 2، ص 639. (2/363)
صفحة 681
الرائد
364
عن جده عن جابر بن عبد الله {في قصة حج رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
ولبي الناس لبيك ذا المعارج ولبيك ذا الفواضل فلم يعب على أحد
منهم شيئا.
وهذه الأدلة مفيدة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان محافظا على لفظ من ألفاظ التلبية
التي ذكرناها عنه، ولكنه كان يسمع
أصحابه يزيدون عليها زيادات ولم
ينكرها عليهم مما يعني جواز الزيادة على تلبية النبي، ولكل درجات مما
عملوا، قال الإمام أبو سعيد الكدمي -
معي
أن الزيادة فضل، ولا دليل على منع ذلك عندي إلا على معنى
الإرادة بخلاف السنة أو اللازم بغير هذا الثابت اهـ.
ولا يقال إن تلك الزيادة من التوقيف فيقتصر بها على نصوصهم إذ هي
وقائع أحوال غاية ما يستفاد منها جواز الزيادة، أما منع غير تلك الألفاظ
(1) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 45.
(2) الكندي بيان الشرع، ج 22 ص 121،،والسالمي شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 169، والشافعي، الأم، ج 2، ص 156، وابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 344، والطحاوي، شرح معاني الآثار، ج 2، ص 125، وأحكام القرآن الكريم 1/ 2/ ص 25، والنووي، المجموع، ج 7، ص 221، وابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 410، وابن الهمام، فتح القدير، ج 2، ص 436. (2/364)
صفحة 682
الرائد
365
التي زادوها فمفتقر إلى الدليل ومفض إلى القول بأن ألفاظهم تعبدية، وذلك
مما لا دليل عليه إذ تكليفهم لا يعدو تكليف غيرهم.
فنخلص من ذاك أن الاقتصار على تلبية النبي صلى الله عليه وسلم هو الأفضل لاقتصاره هو عليها، وأن الزيادة عليها جائزة من غير كراهة لإقراره صلى الله عليه وسلم أصحابه على
الزيادة.
وقد ذهب بعض الفقهاء إلى كراهة الزيادة على تلبية النبي صلى الله عليه وسلم لعدم زيادته هو واقتصاره عليها كما استدلوا بحديث محمد بن عجلان عن عبد الله بن أبي سلمة أنه قال: سمع سعد بعض بني أخيه وهو يلبي يا ذا المعارج فقال سعد: المعارج، إنه لذو المعارج، وما هكذا كنا نلبي على عهد رسول الله
رواه الشافعي واللفظ له، وأحمد في المسند، وابن أبي شيبة، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح ألا أن عبد الله لم يسمع من سعد بن أبي
(1) الشافعي، الأم، ج 2، ص 156.
(2) أحمد بن حنبل، المسند، ج 1، ص 172. (3) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 204. (2/365)
صفحة 683
الرائد
(1)
وقاص.
366
وعدم سماع عبد الله بن أبي سلمة من سعد بن أبي وقاص قال عنه الحافظ العلائي: عبد الله بن أبي سلمة عن سعد بن أبي وقاص، قال أبو زرعة: مرسل).
ولكن جاء بإسناد صحيح متصل عند الطحاوي من طريق الدراوردي
عن محمد بن عجلان عن عبد الله بن أبي سلمة عن عامر بن سعد). وقد أعلت هذه الرواية بالشذوذ وفي العلل للدارقطني: وسئل عن حديث عبد الله بن أبي سلمة الماجشون عن سعد أنه سمع رجلا يقول: لبيك ذا المعارج فقال: فقال: هو حديث يرويه محمد بن عجلان عن عبد الله بن أبي
سلمة.
واختلف عنه فرواه القاسم بن معن ويحيى بن القطان وأبو خالد الأحمر
والثوري عن ابن عجلان عن عبد الله بن أبي سلمة عن سعد.
وخالفهم الدراوردي فرواه عن ابن عجلان عن عبد الله بن أبي سلمة
(1) الهيثمي، مجمع الزوائد، ج 3، ص 223.
(2) العلائي، جامع التحصيل، ص 212. (3) الطحاوي، شرح معاني الآثار، ج 2، ص 125. (2/366)
صفحة 684
الرائد
367
عن عامر بن سعد ولم يتابع الدراوردي على عامر.
وتعقب هؤلاء بعد الكلام في ثبوت الحديث الذي سبق بأن هذا مشكل من جهة أن الفعل نفسه لا يفيد كراهة غيره إلا بدليل خارجي سواء كان الخارجي قولا أو فعلا أو إشارة، إذ الفعل مقتصر الحكم على ما أفاده منطوقه فحسب، أما تعدية الحكم إلى كراهة غيره فمفتقر إلى الدليل.
هذا من حيث الأصل ولكنه في قضيتنا جاء الدليل قضيتنا جاء الدليل الخارجي مفيدا الجواز دون كراهة وهو سماعه لزيادة أصحابه دون إنكار عليهم، ومعلوم من الحال أن تأخير البيان عن وقت الحاجة أمر ممتنع.
أما دليلهم الثاني وهو حديث سعد الأخير فهو معل بالانقطاع كما تبين
من تخريجه.
ثم إنه إن ثبت دال على أن هذه التلبية لم تكن الشائعة المعروفة حتى عزبت عن علم سعد، ولكنه لا يدل على امتناعها وعدم صحتها إذ قد يحفظ صحابي ما لا يحفظه غيره.
وفصل بعض الفقهاء فقالوا إن الزيادة بالمأثور مستحبة بعد الفراغ من التلبية لا في خلالها كما هو صنيع ابن عمر وأبيه، أما ما لم يكن مأثورا فجائز
(1) الدارقطني، العلل، ج 4، ص 385. (2/367)
صفحة 685
الرائد
أو حسن".
المطلب الخامس: حكم التلبية
(368
اختلف الفقهاء في حكم التلبية فمنهم من قال إنها سنة لفعل النبي،
ومنهم من قال إنها أمر واجب، ومن الفقهاء من أضاف إلى الوجوب حكم
الشرطية فلا يدخل الإحرام رأسا دونها.
أما القائلون بالوجوب فاستدلوا بأن التلبية من أعمال الحج التي تدخل
في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: لتأخذوا عني مناسككم".
وأفعاله كانت بيانا لمجمل واجب فتكون واجبة إذ إنه التزم التلبية
(1) السهارنفوري، بذل المجهود، ج 9، ص 30.
(2) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 316، والسالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 167، والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 54، والطبري، جامع البيان، ج 2، ص 262، والشافعي، الأم، ج 2، ص 155، والطحاوي، أحكام القرآن الكريم، 1/ 22/ 2، وابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 46، وابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 411، والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص 218، والسهارنفوري، بذل المجهود، ج 9، ص 31، والكاندهلوي، أوجز المسالك، ج 6، ص 462. (3) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبا
(1297) (2/368)
صفحة 686
الرائد
369
سبيلا لدخول الإحرام بل هي عنوان دخوله وشعار المحرم ولم يؤخرها عن الإحرام، ولم يأت في سنته ما يفيد أنها غير واجبة بل جاء الأمر بها مما يفيد
الوجوب كما في حديث:
الأوزاعي قال: حدثني يحيى قال: حدثني عكرمة أنه
سمع ابن عباس
{يقول: إنه سمع عمر الله يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم بوادي العقيق يقول:
أتاني الليلة آت من ربي فقال: صل في هذا الوادي المبارك وقل: عمرة في
ـجة (1).
(2)
وفي هذا الحديث جاء الأمر الإلهي من الله تعالى لنبيه) أن يدخل في
إحرامه في الوادي المبارك وادي العقيق وأمر بأن يلبي وأن يذكر اسم نسكه، والأصل في الأمر أنه للوجوب.
وقال جماعة من هؤلاء الموجبين إن الحج عبادة ذات تحريم وتحليل فكان لها نطق واجب كالصلاة، لذا فالتلبية تقوم مقام تكبيرة الإحرام، ومعلوم من حال التكبيرة أنها ركن في الصلاة لا يدخل مصل فيها بغيرها.
وهذا قول علمائنا الإباضية في التلبية إذ عدوها ركنا لا يدخل المكلف في
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم العقيق واد مبارك (1461). (2) من صور الوحي المتفق عليها الرؤيا المنامية التي يراها الرسول. (2/369)
صفحة 687
الرائد
الإحرام دونها.
370
وذهب بعض أهل العلم إلى وجوبها لكن قد يقوم مقامها سوق الهدي،
أو التكبير ونحوه مع نية الإحرام".
قال الإمام أبو سعيد الكدمي -:
ومعي أنه لا ينعقد الإحرام بحج ولا بعمرة إلا بتلبية مع عقد النية، ولا أعلم أن ينعقد الإحرام بغير تلبية من تكبير ولا تسبيح ولا تهليل كما لا يثبت الإحرام في الصلاة إلا بالتكبير.
فإن جهل جاهل فقصد إلى عقد الإحرام بشيء من ذكر الله وجعله إحراما وحج على ذلك واعتمر رجوت أن يسعه ذلك، وأعجبني في هذا قول
من يقول بذلك.
(1) هذا الذي عليه مصنفات المذهب وصرح به الإمام أبو سعيد الكدمي له كما نقلنا عنه في الأصل، ولكن حكى الشيخ أبو نبهان في كتاب الحج المخطوط له خلافا بين علمائنا فيمن ساق الهدي أيجزيه ذلك عن التلبية للدخول في الإحرام أو يشترط التقليد
والإشعار، والمشهور أن هذا قول الأحناف.
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 24.
(3) الكندي، المصنف، ج 8، ص 108. (2/370)
صفحة 688
الرائد
(rvi)
كما استدل القائلون بوجوب التلبية بقوله تعالى: الْحَجُ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَتٌ
فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجَّ. ووجه الاستدلال من ذلك أن جماعة من أئمة التفسير قد فسروا الفرض هنا بالتلبية ومنهم ابن عمر وعطاء وسفيان الثوري ومجاهد وطاوس وغيرهم".
واعترض عليهم في هذا الأخير بأنكم تستدلون بمحل الخلاف نفسه؛ إذ إننا ننازعكم الرأي في تفسير فرض الحج ونقول إن فرض الحج هنا ما يراد به إلا الإحرام نفسه، والإحرام ممكن قيامه بالنية المجردة غير المقرونة بالتلفظ، وقد فسره بذلك جماعة منهم ابن عباس وإبراهيم النخعي والحسن وغيرهم. وأما القائلون بعدم وجوب التلبية فقالوا إن التلبية ذكر فلم تجب في الحج كسائر الأذكار، وفارق ذلك الصلاة فإن النطق يجب في آخرها فوج أولها والحج بخلاف ذلك".
وحاصل الأمر أن في التلبية أربعة مذاهب لأهل العلم أولها الركنية وأنه
(1) سورة البقرة، الآية (197).
(2) الطبري، جامع البيان، ج 2، ص 262، والكندي، المصنف، ج 8، ص 107.
(3) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 130. (2/371)
صفحة 689
الرائد
372
لا يدخل الإحرام إلا بها.
وثانيها الركنية أيضا ولكن يقوم غيرها مقامها كسوق الهدي والتكبير
والتهليل والتسبيح إن نوى به الإحرام، وثالثها الوجوب وأنه يلزم تاركها بدم، ورابعها السنية وأنه لا يجب بتركها دم.
ولا يفوتني أن أنبه أن الخلاف السابق بين الفقهاء في حكم التلبية إنما هو في المستطيع على التلفظ بها، أما غير المستطيع كالأخرس فلا يكلف بذلك بل
يكيفها في نفسها ويستحضرها بفكره عند إرادة الإحرام فتجزيه النية.
لكن اختلف أيلزمه أن يحرك لسانه عنده أو لا، والإلزام حكم شرعي مفتقر للدليل والأصل التلفظ وبانعدام محله ينعدم حكمه حتى يدل دليل شرعي آخر تشغل به الذمة والفرق بين التلفظ والتحريك جلي.
وقال بعض الفقهاء يستحب أن يلبى عن أخرس ومريض نقله ابن
إبراهيم قال جماعة وعن مجنون ومغمى عليه زاد بعضهم ونائم.
ولا أدري مستندهم في ذلك إذ هذه العبادة خاصة به، والتكليف متوجه له في حدود الاستطاعة، وما فوقها مرتفع عنه، واستحباب تلبية غيره عنه حكم شرعي مفتقر لدليل شرعي ولا أعلم دليلا يدل عليه، ولم أجد من
(1) المرداوي، الإنصاف، ج 3، ص 452. (2/372)
صفحة 690
الرائد
يستدل له بشيء.
373
كما أن هذا الخلاف في القادر على التلبية مطلقا بالتلفظ دون نظر إلى لغة
التلبية والذي عليه الفقهاء أن التلبية لا يشترط فيها أن تكون بالعربية بل الأعجمي له أن يلبي بغير العربية إن لم يستطع العربية.
قومه.
ومن الفقهاء من قال يتعلم التلبية بالعربية وإلى حين ذلك يلبي بلسان
المطلب السادس: حكم تارك التلبية بعد الإحرام
مضى بنا ذكر الخلف بين أهل العلم في تعين التلبية سبيلا للإحرام، وهنا نبين أن الجميع متفقون أن التلبية أمر من الفضل الكبير الإتيان به ولا ينبغي لمن أحرم أن يتركه طلبا للأجر وتأسيا بصاحب الدعوة الغراء وصحبه الكرام والتابعين لهم بإحسان، ولكن اختلفوا فيمن لم يأت بالتلبية وقضى
نسکه (1).
(1) غير مفتقر إلى التنبيه أن هذا الخلاف فيما عدا تلبية الدخول في الإحرام عند القائلين
بتعينها سبيلا للإحرام إذ إن هؤلاء يقولون بوجوبها فلا يدخل الإحرام دونها، ولكن
الخلاف فيما عدا ذلك
من
التلبية. (2/373)
صفحة 691
الرائد
374
ذهب الأكثر منهم إلى أنه أساء ولا شيء عليه، إذ الأمر ليس بواجب،
ثم إن الأصل براءة الذمة من العقوبات الشرعية إلى أن يأتي الدليل بها ولا
دليل هنا على الإلزام.
قال الإمام أبو سعيد الكدمي
وأما من لم يلب حتى قضى حجه فقد أساء ولا شيء عليه، والإحرام
والتلبية الواحدة تجزيه).
وذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا تشرط التلبية لدخول الإحرام ولكن
يلزمه دم إن تركها إلى أن قضى نسكه، وهذا مذهب المالكية، قال الحافظ ابن
عبدالبر:
ذكر إسماعيل بن إسحاق عن أبي ثابت قال: قيل لابن القاسم: أرأيت المحرم من مسجد ذي الحليفة إذا توجه من فناء المسجد بعد أن صلى فتوجه وهو ناس أن يكون في توجهه محرما؟
فقال ابن القاسم أراه محرما، فإن ذكر من قريب لبى ولا شيء عليه،
(1) الكندي، المصنف، ج 8، ص 109، والشقصي، منهج الطالبين، ج 7، ص 47، وابن عبد
البر، الاستذكار، ج 4، ص 47.
(2) الكندي، المصنف، ج 8، ص 109. (2/374)
صفحة 692
الرائد
375
وإن تطاول ذلك عليه ولم يذكر حتى خرج من حجه رأيت أن يهريق دما). وصدر الشيخ أبو نبهان في كتاب الحج المخطوط له الخلاف في المسألة
بقول من يقول إنه لا شيء على هذا المبتلى، ثم ذكر القول بلزوم الدم مطلقا.
وذكر قولين آخرين هما لزوم الدم بذلك إن مضت عليه خمس من الصلوات وهو تارك للتلبية، وقولا بلزوم الدم في حال مضي وقت صلاة مكتوبة وهو غير ملب ونسبه إلى الشيخ أبي سعيد الكدمي.
نص
من
وهذه النسبة إلى الإمام أبي سعيد الكدمي - تتعارض مع. ما نقلناه كلامه أنه لا يلزمه شيء في ذلك وهو الموافق لظاهر الدليل الذي سلف
ذكره؛ إذ إن شغل الذمة بما يوجب إخراج شيء من المال أمر مفتقر إلى الدليل البين لا القياسي؛ لأن الأصل في أموال أهل التوحيد الحفظ
الشرعي
والصون بنصوص صريحة.
وكثير من الفقهاء قد أكثروا في أمر الدماء وأولعوا بها مع أنك إن نظرت في حجة الوداع التي حضرها ألوف من المؤمنين ما وجدت أمرا واحدا من صاحب الدعوة أفتى فيه بالدم وحده سوى ما نص عليه الكتاب العزيز في موضعين من سورة البقرة اتفقت الأمة عليهما من حيث الجملة وهما قوله
(1) ابن عبد البر، التمهيد، ج 15، ص 134، والاستذكار، ج 4، ص 46. (2/375)
صفحة 693
الرائد
376
تعالى: (وَأَتِمُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي) وقوله:
ا فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجَ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي.
المطلب السابع: موضع التلبية
أولا: مبتدأ التلبية
لم يكن ثمة خلاف بين الفقهاء أن الإهلال يجزي من أي مكان من الميقات أوله وآخره وقد تقدم ذكر ذلك، ولكنهم اختلفوا في أفضل أماكن
ذي
الحليفة للإحرام، وذلك لاختلافهم في موضع إهلال النبي صلى الله عليه وسلم الاتفاق أنه لم يجاوز ذا الحليفة إلا محرما.
وليس في المسألة حديث صحيح من قوله يرجح أحد الآراء ولكنها
حكاية لفعله فقط تعددت أقوال النقلة فيها.
قال بعضهم إن أولى الإحرام أن يكون من المسجد نفسه عقيب الصلاة، واختلف هؤلاء في التقييد بالجلوس حال الإحرام.
وهؤلاء استدلوا بأحاديث عدة منها حديث الأوزاعي قال: حدثني
(1) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 49، وابن قدامة، المغني، ج 5، ص 100 (ط دار هجر)، والعيني، عمدة القاري، ج 9، ص 160. (2/376)
صفحة 694
الرائد
377
يحيى قال: حدثني عكرمة أنه سمع ابن عباس {يقول: إنه سمع عمر له يقول: سمعت النبي بوادي العقيق يقول: أتاني الليلة آت من ربي فقال: صل في هذا الوادي المبارك وقل: عمرة في حجة).
وقالوا إن هذه الصلاة هي الصلاة التي أحرم النبي صلى الله عليه وسلم بها وقد كان الأمر
أن يحرم بعدها مما يعني إحرامه في المسجد.
كما استدلوا بحديث علي بن عبد الله حدثنا موسى بن عقبة سمعت سالم بن عبد الله قال: سمعت ابن عمر {.
وحدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن موسى بن عقبة عن سالم بن
عبد الله أنه سمع أباه يقول: ما أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من عند المسجد يعني مسجد ذي الحليفة".
كما استدلوا بحديث خصيف عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: عجبت لاختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في إهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وجب حجته، فقال:
إني لأعلم الناس بذلك، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما صلى بمسجده ذي
(1) أخرجه البخاري في كتاب: الحج، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم العقيق واد مبارك (1461). (2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: الإهلال عند مسجد ذي الحليفة (1467). (2/377)
صفحة 695
الرائد
378
الحليفة ركعتيه أوجبه في مجلسه فأهل بالحج حين فرغ من الركعتين، فسمع ذلك منه أقوام فحفظوا عنه ذلك.
ثم ركب فلما استقلت به ناقته أهل وأدرك ذلك منه أقوام فحفظوا ذلك عنه، وذلك أن الناس إنما كانوا يأتون أرسالا فسمعوه حين استقلت به ناقته يهل فقالوا إنما أهل حين استقلت به ناقته.
ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما وقف على شرف البيداء أهل وأدرك ذلك منه
أقوام فقالوا إنما أهل على شرف البيداء.
وجاء الحديث السابق من طريق آخر بلفظ هارون بن موسى الفروي
ثنا أبو غزية محمد بن موسى ثنا إسحاق بن سعيد المازني حدثني ابن أبي داود المازني عن أبيه عن جده أبي داود قال:
خرجنا
مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما جئنا ذا الحليفة دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد
فصلى ركعتين ثم أحرم في دبر الصلاة بحجة وعمرة معا.
ثنا
كما استدلوا بحديث محمد بن عبد الغني بن عبد العزيز العسال ثنا مؤمل بن عبد الرحمن الثقفي عن محمد بن عجلان عن ابن شهاب عن أنس
بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم لبى من مسجد ذي الحليفة.
ومن الفقهاء من قال إنه قد أحرم من البيداء وهي في ذي الحليفة ولكنها (2/378)
صفحة 696
الرائد
متقدمة عن المسجد.
379
قال الحافظ ابن حجر: فائدة: البيداء هذه فوق عَلَمَي ذي الحليفة لمن
صعد من الوادي، قاله أبو عبيد البكري وغيره.
وقال النووي:
قال العلماء: هذه البيداء هي الشرف الذي قدام ذي الحليفة إلى جهة مكة، وهي بقرب ذي الحليفة، وسميت بيداء؛ لأنه ليس فيها بناء ولا أثر، وكل مفازة تسمى بيداء، وأما هنا فالمراد بالبيداء ما ذكرناه.
وعليه كان الإهلال بها بعد ركوب الراحلة كما يفيد ذلك حديث:
موسى بن عقبة قال: أخبرني كريب عن عبد الله بن عباس {قال:
انطلق النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة بعد ما ترجّل وادهن ولبس إزاره ورداءه هو وأصحابه فلم ينه عن شيء من الأردية والأزر تلبس إلا المزعفرة التي تردع على الجلد فأصبح بذي الحليفة ركب راحلته حتى استوى على البيداء أهل هو وأصحابه وقلد بدنته.
وذلك لخمس بقين من ذي القعدة فقدم مكة لأربع ليال خلون من ذي الحجة فطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة ولم يحل من أجل بدنه؛ لأنه
قلدها. (2/379)
صفحة 697
الرائد
380
ثم نزل بأعلى مكة عند الحجون وهو مهل بالحج، ولم يقرب الكعبة بعد طوافه بها حتى رجع من عرفة.
وأمر أصحابه أن يطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة ثم يقصروا من رؤوسهم ثم يحلوا وذلك لمن لم يكن معه بدنه قلدها، ومن كانت معه امرأته فهي له حلال والطيب والثياب.
كما استدلوا بحديث إسحاق بن إبراهيم بن راهويه قال: أنبأ النضر قال: أنبأ أشعب بن عبد الملك عن الحسن بن أبي الحسن البصري عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بالبيداء ثم ركب وصعد جبل البيداء وأهل بالحج والعمرة حين صلى الظهر)
كما استدلوا بحديث عمران بن يزيد الدمشقي قال: أنبأ شعيب يعني ابن إسحاق قال: أخبرني ابن جريج قال: سمعت جعفر بن محمد يحدث عن أبيه عن جابر في حجة النبي: فلما أتى ذا الحليفة صلى وهو صامت حتى أتى
البيداء (3).
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب ما يلبس المحرم من الثياب (1470).
(2) النسائي، السنن الكبرى، ج 2، ص 354.
(3) أخرجه النسائي في كتاب مناسك الحج، باب العمل في الإهلال (2756). (2/380)
صفحة 698
الرائد
381
وذهب آخرون في قول ثالث إلى أن أفضل الإحرام أن يكون بعد صلاة
حينما تنبعث بالإنسان راحلته.
قال الشيخ خميس بن سعيد الشقصي
والأفضل أن يحرم الحاج إذا انبعثت به راحلته إن كان راكبا، وإن أخذ
السير إن كان راجلا).
وعلل هؤلاء ما ذهبوا إليه بقولهم: إنه قد جاءت الروايات الصحيحة أن النبي أهل حين انبعثت به راحلته، وهذا أول مكان تأتي فيه رواية صحيحة أن النبي أحرم منه فيؤخذ به ويقال السنة على ما نرى الإحرام
عند استواء الراحلة، وفي زماننا عند انطلاق السيارة.
أما ما استدل به أنه أحرم قبل ذلك فلا يعدو أحد قسمين أحد قسمين صريح غير صريح، والجميع ليس بحجة تلزمنا لننتقل عن الذي
صحيح، وصحيح
غير
ذكرناه.
وبيان ذلك أن القسم الأول وهو الصريح غير الصحيح فأوله حديث خصيف بن عبد الرحمن عن سعيد بن جبير أخرجه النسائي واللفظ له،
(1) الشقصي، منهج الطالبين، ج 7، ص 43.
(2) کتاب مناسك الحج، باب العمل في الإهلال (2754). (2/381)
صفحة 699
الرائد
382
وأبو داود، وهو معل في إسناده بخصيف الراوي عن سعيد بن
وهو صريح في معناه لكنه ضعيف في إسناده إذ خصيف بن عبد الرحمن الجزري الحضرمي الحراني ضعيف كما نص على ذلك الأئمة، أما جمع من لفظه الآخر فأخرجه الطبراني وأعله بقوله: لا يروى هذا الحديث عن أبي
داود إلا بهذا الإسناد تفرد به هارون الفروي.
وقال الهيثمي:
رواه الطبراني في الأوسط، وفيه أبو غزية محمد بن موسى الأنصاري ضعفه البخاري وغيره ووثقه الحاكم، وفيه أيضا جماعة لم أعرفهم ولم
يسموا (4).
ومع هذا الضعف في الحديث هو غير نص في الموضوع المستدل به؛ إذ إن الراوي عبر بقوله ثم أحرم والعرب جعلت ثم للمهلة والترتيب مما
يعني
أنه
(1) کتاب المناسك باب في وقت الإحرام (1770)
(2) ابن حبان، المجروحين، ج 1، ص 287، وابن عدي الكامل، ج 3، ص 96، والعقيلي
الضعفاء، ج 2، ص 31.
(3) الطبراني، المعجم الأوسط، ج 6، ص 296.
(4) الهيثمي، مجمع الزوائد، ج 3، ص 236. (2/382)
صفحة 700
الرائد
383
قد أحرم بعد فترة زمنية غير عاقبة للصلاة، وقد تكون هذه الفترة بعد الخروج من المسجد.
وأما الحديثان اللذان أتيا من طريقي جابر وأنس فالظاهر أنهما شاذان وذلك أن الأحاديث المشهورة عنهما بنقل الثقات ما كانت بذلك السياق مما يؤذن بشذوذهما.
أما الاستدلال على الإحرام من المسجد برواية أن إحرامه كان من عند المسجد ففيه شيء من الإشكال؛ إذ العندية في الرواية ما تعني إلا المجاورة وهو دليل القائلين بانبعاث الراحلة فانبعاثها كان عند المسجد أي بالقرب منه، ولا تعني أن الإحرام كان من المسجد نفسه فهي إلى الدلالة على قولنا أقوى منها في الدلالة على القول الأول القائل بالإحرام من المسجد.
أما الاستدلال برواية الإحرام من وادي العقيق ففيها من الإشكال ما يكفي لتقديم غيرها الناص على الإحرام حين انبعاث الراحلة عليها، وذلك أن هذا الإحرام كان الأمر به في الوادي المبارك وهو وادي ذي الحليفة الذي يشمل المسجد ومكان انبعاث الراحلة والبيداء.
ثم إن الأمر بالصلاة والإحرام قد ربط بعضهما بالآخر بحرف الواو الذي يفيد مطلق الجمع دون معية ولا ترتيب ولا تعاقب فهي مجملة في هذا (2/383)
صفحة 701
الرائد
384
الأمر وجاءت رواية الإحرام حين انبعاث الراحلة مفيدة أنها لمطلق الجمع وأن الإهلال متأخر عن الصلاة في المحلين الرتبي والزماني.
ومن ذلك كله نقدم الروايات الناصة غير المحتملة التي يمكن أن ترد إليها الروايات المحتملة فيكون الأخذ بالروايات جميعها دون طرح بعضها بأدنى الشبه.
ويقال في مثل هذه الروايات المستدل بها على الإحرام من المسجد والتي ظاهر أسانيدها الصحة ما قعده أهل العلم والكمال في قولهم: إن الدليل إن طرقه الاحتمال سقط به الاستدلال.
أما الروايات التي فيها الإحرام بعد هذا الموضع كالبيداء فهي وإن صحت أسانيدها إلا أنها متأخرة من حيث الزمان والمكان عن رواية الإحرام حين انبعاث الراحلة مما يقضي بأن صاحبها الذي حكاها رأى النبي يحرم حينها، ولكنه لم يدركه يحرم قبلها وقد أدركه غيره فيؤخذ بقول من حكى التلبية قبل؛ لأنه من المعلوم أنه كان الله وأصحابه يكررون التلبية مرات
عديدة.
والروايات التي فيها الإحرام حين انبعاث الراحلة منها حديث أبي
(1) ابن أمير الحاج، التقرير والتحبير، ج 1، ص 386. (2/384)
صفحة 702
الرائد
(385
عبيدة عن جابر قال: جاء رجل إلى عبد الله بن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن،
لقد رأيتك تصنع أربعاً لم أر أحداً يصنعها من أصحابك، قال: وما هن؟ قال: رأيتك لا تمس من الأركان إلا اليماني، ورأيتك تلبس النعال السبتية، ورأيتك تصبغ بالصفرة، ورأيتك إذا كنت بمكة أهل الناس إذا رأوا الهلال ولم تهلل إلا يوم التروية.
قال له ابن عمر: أما الأركان فإني لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يمس إلا اليماني،
وأما النعال السبتية فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسها.
وأما الصفرة فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبغ بها، وأما الإهلال فإني لم أر
رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل حتى تنبعث به راحلته.
وجاء الحديث السابق من رواية مالك عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن عبيد بن جريج أنه قال لعبد الله بن عمر: يا أبا عبد الرحمن رأيتك تصنع أربعا لم أر أحدا من أصحابك يصنعها، قال: ما هن يا ابن جريج؟
قال: رأيتك لا تمس من الأركان إلا اليمانيين ورأيتك تلبس النعال السبتية، ورأيتك تصبغ بالصفرة، ورأيتك إذا كنت بمكة أهل الناس إذا رأوا
الهلال ولم تهلل أنت حتى يكون يوم التروية.
(1) أخرجه الإمام الربيع في كتاب الحج، باب في الإهلال بالحج والتلبية (401). (2/385)
صفحة 703
الرائد
386
فقال عبد الله بن عمر أما الأركان فإني لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يمس إلا: اليمانيين، وأما النعال السبتية فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس النعال التي ليس فيها شعر ويتوضأ فيها فأنا أحب أن ألبسها.
وأما الصفرة فإني رأيت رسول الله لا يصبغ بها فأنا أحب أن أصبغ بها،
وأما الإهلال فإني لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل حتى تنبعث به راحلته.
وجاء عن ابن عمر من حديث ابن جريج قال: أخبرني صالح بن كيسان عن نافع عن ابن عمر {قال: أهل النبي صلى الله عليه وسلم حين استوت به راحلته
قائمة (2).
بل كان {يشتد كثيرا على من يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم في غير ما يقول هو كما في حديث موسى بن عقبة عن سالم قال كان ابن عمر {إذا قيل له الإحرام من البيداء قال: البيداء التي تكذبون فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من عند الشجرة حين قام به بعيره.
وجاءت الرواية في الحكم السابق من حديث هشام بن يوسف أخبرنا
(1) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب: الإهلال من حيث تنبعث الراحلة (1187). (2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب من أهل حين استوت به راحلته (1477). (3) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب أمر أهل المدينة بالإحرام من عند مسجد ذي الحليفة (1186). (2/386)
صفحة 704
الرائد
ابن جريج
387
حدثنا محمد بن المنكدر عن أنس بن مالك قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم
بالمدينة أربعا وبذي الحليفة ركعتين، ثم بات حتى أصبح بذي الحليفة، فلما ركب راحلته واستوت به أهل.
والحكم السابق في القضية ظاهر من دلالات الألفاظ السابقة، أما ما رواه محمد بن إسحاق عن أبي الزناد عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص قالت: قال سعد بن أبي وقاص له: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أخذ طريق الفرع أهل إذا استقلت به راحلته، وإذا أخذ طريق أحد أهل إذا أشرف على جبل
البيداء (3).
(2)
ففيه جمع حسن بين رواية من روى الإحرام حين انبعاث الراحلة ومن روى الإحرام حال الوصول إلى البيداء، ولكن الذي يعكر على الاستدلال
60
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب من بات بذي الحليفة (1471). (2) وجاء في رواية "طريقا أخرى" كما عند البيهقي وأبي يعلى والبزار. البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 38، وأبو يعلى، المسند، ج 2، ص 138، والبزار، مسند البزار، ج 4، ص 36، وقال: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن سعد إلا من هذا الوجه، ولا نعلم روى أبو الزناد عن عائشة عن أبيها إلا هذا الحديث، ولا نعلم روى هذا اللفظ عن النبي
إلا سعد.
(3) أخرجه أبو داود في كتاب المناسك باب في وقت الإحرام (1775). (2/387)
صفحة 705
الرائد
388
بمثله عنعنة ابن إسحاق وهو مدلس لا تقبل روايته بغير التصريح بالسماع
على ما تقدم.
ثم إن المتن أعل بعلة أخرى، قال ابن كثير: فيه غرابة ونكارة.
ثانيا: منتهى
التلبية
منتهى تلبية المعتمر
مما اختلف فيه أهل العلم موضع قطع التلبية للمعتمر، ولكن أقوى الآراء في ذلك قول من قال إن قطع التلبية للمعتمر يكون عند دخوله الحرم، وذلك لحديث عبد الوارث حدثنا أيوب عن نافع قال:
كان ابن عمر {إذا صلى الغداة بذي الحليفة أمر براحلته فرحلت ثم ركب فإذا استوت به استقبل القبلة قائما ثم يلبي حتى يبلغ الحرم، ثم يمسك
(1) ابن كثير، البداية والنهاية، ج 5، ص 120.
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 77، والكندي، المصنف، ج 8، ص 114، والشقصي، منهج الطالبين، ج 7، ص 60، وص 158، وص 159، والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 57، والشافعي، الأم، ج 2، ص 205، وابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 92، وابن عبد البر، التمهيد،،ج 13، ص 84، وابن الهمام، فتح القدير، ج 2، 433، والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص 233.
ص (2/388)
صفحة 706
الرائد
389
حتى إذا جاء ذا طوى بات به حتى يصبح، فإذا صلى الغداة اغتسل وزعم أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك.
}
وفي هذا الحديث - وهو صحيح ثابت الدلالة ناصة أن ابن عمر {كان يقطع التلبية عند دخوله الحرم، وقوله في آخره إن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك يدل على الأفعال السابقة كلها في الظاهر من قطع للتلبية ومبيت واغتسال إذ لا يمكن أن يخص شيء منها بالحكم دون غيره دون دليل، ولا دليل هنا فيحمل على الأفعال كلها خاصة أنها سيقت على معنى الاحتجاج وبيان حال
النبي.
وقد جاء عن ابن عمر في رواية أخرى تدل على أن قطع التلبية يكون عند الوصول إلى بيوت مكة وهو في زمان ابن عمر مرحلة بعد مرحلة حد الحرم إذ حد الحرم كان قبل الوصول إلى بيوت مكة، مما يعني أنه سيصل الحرم وهو لا يزال ملبيا حتى يصل إلى البيوت، وهذا قول جماعة من الفقهاء.
حدثنا
والرواية الدالة على ذلك من حديث أحمد بن عبد الرحمن بن وهب حدثني أبو صخر عن ابن قسيط عن عبيد بن حنين قال:
عمي
حججت مع عبد الله بن عمر بن الخطاب بين حجة وعمرة اثنتي عشرة مرة،
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب الإهلال مستقبل القبلة (1478). (2/389)
صفحة 707
الرائد
قال:
قلت له: يا أبا عبد الرحمن لقد رأيت منك أربع خصال فذكر الحديث
وقال: رأيتك إذا أهللت فدخلت العرش قطعت التلبية، قال:
صدقت يا ابن حنين خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما دخل العرش قطع التلبية فلا تزال تلبيتي حتى أموت.
وذهب آخرون من أهل العلم إلى أن المحرم يقطع التلبية عند استلام الحجر الأسود والشروع في الطواف، وقد قال هؤلاء بذلك لأدلة من النظر
والأثر.
أما النظر فالمحرم يذكر الله بالتلبية إلى أن تشغل ذمته بذكر آخر، وهذا الذكر لا تشغل به الذمة إلا بالشروع في الطواف إذ يخاطب حينها بالتكبير والتسمية على رأي آخرين كما سيأتي، وقبل هذا يصطحب الحكم السابق وهو التلبية.
أما النظر فجمع من الأحاديث النبوية التي تفيد أن صاحب الدعوة كان يقطع التلبية عند استلام الحجر، وقد جاء ذلك من طرق منها حديث ابن أبي ليلى عن عطاء عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يلبي المعتمر حتى
(1) ابن خزيمة، صحيح ابن خزيمة، ج 4، ص 205. (2/390)
صفحة 708
الرائد
391
يستلم الحجر.
وتابع ابن أبي ليلى في روايته ذلك عن عطاء عن ابن عباس مرفوعا المثنى
بن الصباح، والحجاج بن أرطأة مما يزيد الأمر قوة والحديث حجة.
وجاء الحديث المرفوع أيضا من طريق حفص بن غياث عن حجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث عمر كل ذلك لا يقطع التلبية حتى يستلم الحجر.
وجاء من حديث عمرو بن شعيب لكن من طريق سليم بن مسلم الخشاب عن الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب عن عمرو بن شعيب عن
أبيه عن جده عند ابن عدي في الكامل عند ترجمة سليم الخشاب).
ولكن الخشاب ضعيف لا يحتج بروايته فعامة ما يرويه غير محفوظ كما قال ابن عدي في ترجمته، والحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب ضعيف أيضا كما تقدم.
وجاء أيضا من طريق: عمرو بن مالك ثنا عبد الرحمن بن عثمان ثنا بحر بن مرار بن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن جده عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه أن رسول الله خرج في بعض عمره وخرجت معه فما قطع التلبية حتى
(1) ابن عدي، الكامل، ج 3، ص 320. (2/391)
صفحة 709
الرائد
استلم الحجر.
392
وهذه الأحاديث نصوص في محل النزاع أن قطع التلبية يكون عند استلام الحجر الأسود، وهي متأيدة بالقياس أن المحرم حين بدئه بالطواف يكون من المشروع له الإتيان بأعمال أخرى في الطواف وحال السعي فيتوقف عن التلبية.
أما قبل ذلك فلم يرد عن الشرع تكليفه بأمر سوى التلبية وهو ماض في
سبيله للطواف فيشغل مضيه هذا بمشروع وهو التلبية.
لم يسلم لهؤلاء قولهم السابق إذ كانت استدلالاتهم التي أيدوا بها قولهم محل نظر، وبيان ذلك أن الأثر الذي قيل به من أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقطع التلبية
عند استلام
تصح.
الحجر لا يثبت عن صاحب الدعوة له بل طرقه كلها ضعيفة لا
(2)
وذلك أن الحديث الأول أخرجه أبو داود والترمذي من حديث ابن
أبي ليلى عن عطاء عن ابن عباس عن النبي، وابن أبي ليلى الفقيه غير حجة في الرواية وإن علت منزلته في الحفظ، قال أحمد: كان سيء ء الحفظ مضطرب
(1) كتاب: المناسك، باب: متى يقطع المعتمر التلبية (1817).
(2) کتاب الحج، باب ما جاء متى تقطع التلبية في العمرة (919). (2/392)
صفحة 710
الرائد
393
الحديث، كان فقه بن أبي ليلى أحب إلينا من حديثه، في حديثه اضطراب. وقال ابن أبي ليلى ضعيف، وفي عطاء أكثر خطأ، وقال يحيى بن معين: ليس بذاك، وقال شعبة: ما رأيت أحدا أسوأ حفظا من ابن أبي ليلى أفادني أحاديث فإذا هي مقلوبة، وقال النسائي ليس بالقوي.
وقال البيهقي ولكنا هبنا روايته؛ لأنا وجدنا حفاظ المكيين يقفونه على ابن عباس، قال الشيخ رفعه خطأ، وكان ابن أبي ليلى هذا كثير الوهم وخاصة إذا روى عن عطاء فيخطاء كثيرا ضعفه أهل النقل مع كبر محله في
الفقه (2).
وأما المتابعات التي ذكرت تقوية لحديث ابن أبي ليلى فليست بحجة،
(3)
وذلك أن متابعة المثنى بن الصباح أخرجها البيهقي ولكن لا يفرح بها إذ المثنى نفسه ضعيف غير ثابت الرواية فقد قال ابن معين: ليس بشيء، وقال
أحمد: مثنى بن الصباح لا يسوى شيئا هو مضطرب الحديث.
(1) ابن عدي الكامل، ج 6، ص 183، والعقيلي، الضعفاء، ج 4، ص 98، والمزي، تهذيب
الكمال، ج 25، ص 625.
(2) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 105.
(3) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 105. (2/393)
صفحة 711
الرائد
394
وقد كان تخليط المثنى هذا أكثر في روايته عن عطاء، قال البخاري: المثنى بن الصباح قال سفيان كنيته أبو عبد الله قال: لم يتركه من أجل عمرو بن شعيب ولكن كان منه الاختلاط عن عطاء وعمرو بن شعيب وروايته هنا عن عطاء، ومنه يظهر أن هذه المتابعة ليست بشيء.
أما متابعة الحجاج بن أرطأة فلا تعدو حال سابقتها فقد أخرجها البيهقي، وليس الحجاج بمقبول الرواية حتى تصلح متابعته كما نص على ضعفها البيهقي بعدها وذلك لضعفه في الرواية ولكونه مدلسا تدليس التسوية وهو شر أنواع التدليس إذ هو كذب صريح)
ولضعف الحجاج بن أرطأة اضطرب فيه مما يزيده ضعفا فرواه هنا
عن
ابن عباس، ورواه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في موضع آخر كما
سيأتي.
وقد جاء الحديث السابق موقوفا على ابن عباس {بإسناد أصلح من
(1) ابن عدي الكامل، ج 6، ص 423، والعقيلي الضعفاء، ج 4، ص 249، والمزي، تهذيب
الكمال، ج 27، ص 203.
(2) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 105.
(3) العلائي، جامع التحصيل، ص 163، وابن حجر، تهذيب التهذيب، ج 2، ص 173. (2/394)
صفحة 712
الرائد
(395
السابق مما يعل الرواية السابقة كما في حديث مسلم بن خالد وسعيد بن سالم
عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: يلبي المعتمر حتى يفتتح
الطواف مستلما أو غير مستلم.
(1)
وقد أخرجه البيهقي ورواه همام عن عطاء عن ابن عباس موقوفا من
(2)
قوله كما أخرجه الدارقطني.
ومعلوم أن ابن أبي ليلى مع علو منزلته في الفقه إلا أنه لا يقوى على مدافعة همام وحفاظ المكيين في الرواية قال أبو داود بعد إخراجه: رواه عبد الملك بن أبي سليمان وهمام عن عطاء عن ابن عباس موقوفا.
وقال البيهقي: ولكنا هبنا روايته؛ لأنا وجدنا حفاظ المكيين يقفونه على ابن عباس، قال الشيخ [البيهقي]: رفعه خطأ، وكان ابن أبي ليلى هذا كثير
الوهم وخاصة إذا روى عن عطاء فيخطاء كثيرا ضعفه أهل النقل
محله في الفقه.
مع
کير
أما حديث عمرو بن شعيب فأخرجه أحمد"، والبيهقي، وفيه الخلاف
(1) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 104.
(2) الدارقطني، السنن، ج 2، ص 286.
(3) أحمد بن حنبل، المسند، ج 2، ص 180. (2/395)
صفحة 713
الرائد
396
في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
كما أنه على القول بالاحتجاج بها في الإسناد إلى عمرو بن شعيب الحجاج بن أرطأة وحفص بن غياث وكلاهما غير حجة في الرواية كما تقدم. وأما حديث أبي بكرة فأخرجه ابن عدي، ومن طريقه البيهقي، وبحر بن مرار ضعيف الحديث مخلط، قال البخاري: قال يحيى القطان: رأيت بحر بن مرار قد خولط، لذا قال البيهقي: هذا إسناد غير قوي.
وذهب بعض الفقهاء إلى أن المعتمر يلبي ولا يقطع تلبيته حتى ينتهي من
السعي بين الصفا والمروة ويتحلل، واستدل هؤلاء بأمرين:
أولهما: حديث تلبيته وبأنه لم يزل يلبي حتى رمى الجمرة. ثانيهما: قالوا إنه جاء عن ابن مسعود الله أنه كان يلبي بين الصفا والمروة كما جاء من حديث أبي نصر بن قتادة أنبأ أبو عمرو بن مطر ثنا أبو خليفة ثنا محمد بن كثير أنبأ سفيان عن منصور عن أبي وائل عن مسروق عن عبد الله
(1) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 105.
(2) ابن عدي، الكامل، ج 2، ص 55. (3) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 105.
(4) سيأتي تخريجه قريبا. (2/396)
صفحة 714
الرائد
397
بن مسعود أنه قام على الشق الذي على الصفا فلبي فقلت:
إني نهيت عن التلبية فقال: ولكني آمرك بها كانت التلبية استجابة
استجابها إبراهيم
ولكن يشكل على هذا الاستدلال أن عموم قوله لم يزل يلبي حتى رمى
الجمرة إنما هو في حق مستصحب الإحرام كالقارن.
أما الصحابة الذين أحلوا من إحرامهم فباتفاق الجميع أنهم قطعوا
التلبية قبل.
ثم إن قول ابن عمر {بأنه قطع التلبية عند دخول الحرم أدل على المقصود وأخص في الدلالة من عموم أنه لم يزل يلبي حتى رمى الجمرة؛ إذ من الممكن انقطاعه عن التلبية عند دخوله الحرم أول الأمر ثم عوده إليها بعد ذلك كما في الأحوال المنقولة التي سيأتي ذكرها واستصحابها إلى حين رمي
الجمرة.
إنه لم ينقل أنه كان يلبي في حال طوافه بل نقل أنه كبر ودعا بين الركنيين اليمانيين وأنه توضأ ونحو ذلك، وهذا من حيث الظاهر يدل على
عدم التلبية عند الطواف لعدم نقله.
(1) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 44. (2/397)
صفحة 715
الرائد
(398)
أما الاستدلال بفعل ابن أم معبد الله وأنه كان يستصحب التلبية إلى
المسعى فيسقطه أن المسألة من القضايا التي للاجتهاد فيها
خالفه له غيره من صحابة رسول صلى الله عليه وسلم كابن عمر.
مسرح
، لذا
يقضي
ثم إن في ظاهر الخبر أن الرجل قد نهي عن التلبية في الطواف مما بالمخالفة، وعليه فيكون الحكم المستند إليه هو كلام الشارع من القرآن أو
السنة وقد تبين من قبل ظاهر السنة.
وذهب بعض الفقهاء إلى أن قطع التلبية يكون عند مشاهدة البيت، ولا
أدري سبب هذا القول إلا أن يكون الاشتغال بالأذكار التي قال بها بعض الفقهاء عند رؤية البيت وأنت تدري أن مثل ذلك لا يعد حجة شرعية؛ إذ الأخيرة مستحسنة من قبل البشر وليست من أصل الشارع الذي يلزم الناس
أن يتبعوه.
وحاصل الأمر أن في محل قطع التلبية أقوالا ستة أقواها قطعها عند دخول الحرم، وثانيها قطعها عند دخول مكة، وثالثها قطعها عند رؤية البيت ورابعها قطعها عند استلام الحجر، وخامسها عند الشروع في
الطواف، وسادسها عند الانتهاء من العمرة بعد الطواف بالصفا والمروة. (2/398)
صفحة 716
الرائد
399
منتهى تلبية عمرة أدنى الحرم
تقدم الكلام على قطع التلبية حينما تكون العمرة من الميقات، ولكن
يبقى المحرم بعمرة من أدنى الحرم متى يقطع تلبيته.
بالنظر إلى الأقوال السابقة يظهر أنه لا إشكال يظهر ليفرق بين حكم من اعتمر من الميقات أو من أدنى الحرم في مكان قطعه للعمرة إلا على قول من قال إن من أحرم من الميقات يقطع تلبيته عند بلوغه الحرم؛ لأنه على هذا الرأي لا يخاطب هذا المحرم بالتلبية رأسا إذ محل إنشائها وبدئها هو محل
قطعها.
وهذا أمر قد اتفقت الكلمة على المنع منه لذا قال أصحاب هذا الرأي إنه
يقطع التلبية عند الطواف أو بيوت مكة.
وفرق بعض المالكية بين من أحرم من التنعيم فيقطع عند رؤية البيت، أو
من الجعرانة فيقطع عند دخول مكة.
ولا أدري علة تسوغ هذا التفريق ولا يقبل مثله إلا بنص شرعي.
(1) مالك بن أنس، المدونة الكبرى، ج 2، ص 365، وابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 533، والقرافي الذخيرة، ج 3، ص 234، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2،
ص 358. (2/399)
صفحة 717
الرائد
ويمكن أن يستدل لهذا بأن النص جاء في العمرة التي تنشأ من الميقات، أما هذه فلم يأت نص يعلم حاسما أمر قطع التلبية فيها فيرجع إلى القياس
وهو
أن المحرم حين بدئه بالطواف يكون من المشروع له الإتيان بأعمال أخرى في الطواف وحال السعي فيتوقف عن التلبية.
أما قبل ذلك فلم يرد عن الشرع تكليفه بأمر سوى التلبية وهو ماض في
سبيله للطواف فيشغل مضيه هذا بمشروع وهو التلبية إلى حين التعبد بعمل آخر وذكر وهو الطواف مع التكبير عند استلام الحجر.
منتهى تلبية الحاج، وفيه مسائل:
المسألة الأولى تلبية القارن
حال المعتمر والمتمتع ظاهر من حيث توقفه عن التلبية؛ إذ الجميع متفقون أنه في حال حله غير مخاطب بالتلبية مخاطبة شرعية إلا إن كان يريد أن يأتي بها ذكرا عاما يتقرب به إلى ربه على مذهب من رأى ذلك من أهل العلم.
أما المفرد إن لم يطف طواف القدوم ولا سعى سعيه فلا إشكال أيضا في استمراره على التلبية إلى حين رميه الجمرة يوم العاشر يوم النحر.
ولكن الإشكال فيه إن طاف للقدوم وسعى، وفي القارن الذي يطوف (2/400)
صفحة 718
الرائد
لعمرته طوافا مقدما منفصلا عن طواف الحج هل يلبي في حال طوافه وسعيه أو يمضي على تلبيته هناك؟
الأصل أن القضية تكون محسومة إذ صاحب الدعوة صلى الله عليه وسلم كان قارنا كما
تبين من قبل ولكن المشكل أنه لم ينص على فعله في التلبية نصا ظاهرا حاسما للنزاع والخلاف لذا اختلف الفقهاء في القضية.
ذهب بعضهم إلى أنه يقطع التلبية عند وصوله الحرم ويعود إليها بعد فراغه من سعي العمرة ويستمر عليها إلى أن يرمي جمرة العقبة) لحديث محمد بن مهدي العطار حدثنا عمرو بن أبي سلمة حدثني عبد الله بن العلاء بن زبر حدثني القاسم بن محمد قال: رأيت عبد الله بن عمر يقطع التلبية إذا دخل
الحرم، ويعاود إذا طاف بالبيت وإذا فرغ من الطواف بين الصفا والمروة. والرأي السابق متأيد بأن النبي قد قطع التلبية عند دخوله الحرم كما تقدم، ومعلوم أنه قد نقل الرواة عنه بالأسانيد الصحيحة أنه كان بشروعه في
(1) ابن خزيمة، صحيح ابن خزيمة، ج 4، ص 205، وابن حزم، المحلى، ج 7، ص 118، والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص 234، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 358، وابن قدامة، المغني، ج 5، ص 107 (هجر)، والنووي، المجموع، ج 7، ص 220، والمرداوي، الإنصاف، ج 3، ص 454.
(2) ابن خزيمة، صحيح ابن خزيمة، ج 4، ص 207. (2/401)
صفحة 719
الرائد
الطواف وبالسعي بعده يأتي أنواعا من الأفعال والأذكار غير التلبية، ولم ينقلوا التلبية بل قالوا إنه توقف عنها بدخوله الحرم أو باستلامه الحجر كما عند آخرين مما يفيد عدم تلبيته أثناء الطواف بالبيت والطواف بين الصفا والمروة ظاهرا، إلى أن نقلت التلبية مرة أخرى عند الغدو إلى منى صباح الثامن يوم التروية كما سيأتي.
قال الإمام أبو سعيد الكدمي -:
[يلبي] في مسجد جماعة أو غيره، [و] إذا أقيمت الصلاة أعجبني ألا يرفع صوته بالتلبية فيشغلهم، وأما في الطواف فلا أعلمه من قول أصحابنا
اهـ.
وذهب بعض الفقهاء إلى أنه يقطع التلبية حين الطواف، ويعاودها بعده قبل السعي؛ لأن السعي لا تعلق له بالبيت، ولا أدري علة هذا التفصيل. ومنهم من قال إن الحديث عن الفضل بن العباس وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبي حتى رمى الجمرة صباح العاشر وقد كان قارنا، وظاهره يقضي بأن الطواف داخل في هذا العموم.
ومن الفقهاء من لم ير بالتلبية عند الطواف بالبيت بأسا لعدم المانع
الشرعي
منه. (2/402)
صفحة 720
الرائد
ويشكل على هذا أن البأس لا بد من أن يستفاد من دليل شرعي يكون
حجة في بابه، ولا دليل هنا مما يعني
أنه لا يقال بكراهة التلبية هنا كراهة
شرعية، ولكن في الوقت نفسه يقال بفضل الأذكار الأخرى التي كان النبي يحافظ عليها، وعدم نقل الرواة عنه أنه كان يلبي في طوافه مع ذكرهم
صنوفا من الأذكار كان يأتيها في طوافه يفيد ظاهرا أنه لم يكن يلبي عنده. ثم إن الأذكار التي ثبتت عنه في الطواف ثابتة بدلالة النص، أما التلبية فلو قيل بدخولها في اللفظ العام لم يزل يلبي حتى رمى فإن الدلالة عليها بالظاهر، وما من شك أن ما دل عليه بالنص مقدم على ما دل عليه بالظاهر.
المسألة الثانية: منتهى تلبية المفرد والمتمتع
لم يكن من خلاف أن الحاج تشرع له التلبية والمداومة عليها بعد إحرامه بالحج مباشرة سواء أحرم يوم التروية أو قبل ذلك إلا ما شرحناه من سلوك القارن، وللفقهاء خلاف في منتهى التلبية لمن كان إحرامه بحج مفرد أو
قرآن).
(1) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 295، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 90، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 168، والشقصي، منهج الطالبين، ج 7، ص 159، والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 57، ومالك بن أنس، المدونة الكبرى، ج 2، ص 364، وابن (2/403)
صفحة 721
الرائد
منهم من قال تقطع التلبية إذا ذهب المحرم إلى موقف عرفات.
ومنهم من قال إذا زالت الشمس يوم عرفة وراح يريد الصلاة، ومنهم
من قال يقطعها إذا زاغت الشمس من يوم عرفة).
ومنهم من قال إذا فرغ من الصلاة يوم عرفة، ومن الفقهاء من قال إن
قطع التلبية يكون عند رمي جمرة العقبة صباح العاشر من ذي الحجة. وعند النظر إلى حال النبي اله وصحبه الذين حجوا معه نجد أنهم كانوا محافظين على التلبية في حال غدوهم إلى عرفة وفيها وعند إفاضتهم منها إلى مزدلفة كما في الأحاديث ومنها حديث التلبية في الغدو إلى عرفات كما في حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد قال: اصطحب محمد بن أبي بكر وأنس بن
عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 72، والطحاوي، شرح معاني الآثار، ج 2، ص 223، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 358، والسهارنفوري، بذل المجهود، ج 9،
ص 35.
(1) رواه الإمام مالك بن أنس عن أم المؤمنين السيدة عائشة بنت أبي بكر الصديق وابن عمر. مالك بن أنس، الموطأ، ج 1، ص 338.
(2) رواه الإمام مالك بن أنس عن جعفر بن محمد عن أبيه عن الإمام علي بن أبي طالب. مالك بن أنس، الموطأ، ج 1، ص 338، وأعل ابن حزم هذه الرواية بالانقطاع، ابن حزم،
المحلى، ج 7، ص 35 (2/404)
صفحة 722
الرائد
مالك من منى إلى عرفات، فقال له محمد بن أبي بكر:
كيف تصنعون في مثل هذا اليوم وأنتم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: يهل منا
المهل فلا ينكر عليه، ويكبر المكبر فلا ينكر عليه.
ومنها حديث التلبية في عرفات كما في حديث: أحمد بن عثمان بن حكيم
الكوفي الأودي عن خالد بن مخلد قال حدثنا علي بن صالح عن ميسرة عن
حبيب عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير قال:
کنا
مع ابن عباس بعرفات فقال: مالي لا أسمع الناس يلبون فقلت:
يخافون من معاوية فخرج ابن عباس من فسطاطه فقال:
لبيك اللهم لبيك، فإنهم قد تركوا السنة من بغض علي)
ومن ذلك حديث: جميل بن الحسن الجهضمي حدثنا محبوب بن الحسن حدثنا داود عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف بعرفات فلما قال لبيك اللهم لبيك قال: إنما الخير خير الآخرة.
والحديث أخرجه ابن الجارود)، وابن خزيمة (3)، والطبراني
(1) أخرجه الإمام الربيع في كتاب الحج، باب في الإهلال بالحج والتلبية (402)، وقد جاء
عند غير الربيع من طرق لا منازع في صحتها.
(2) أخرجه النسائي في كتاب مناسك الحج، باب: التلبية بعرفة (3006). (2/405)
صفحة 723
الرائد
وقال: قد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بداود، وهذا الحديث صحيح لم يخرجاه، وحسنه الهيثمي، وفي هذا الحديث دلالة على استصحاب التلبية في عرفة.
وذهب ابن تيمية إلى أنه لم ينقل عن النبي أنه كان يلبي بوقوفه بعرفة ومزدلفة، والرواية السابقة بخلاف ذلك إلا إن كان لا يصححها والتي بعدها لكن عبارته لا تعين على تأويل عدم التصحيح إذ النقل شامل للصحيح وغيره وقد مضى هو في كتابه على ذلك على ما يظهر.
وكان يلبي بجمع بعد الإفاضة من عرفات كما في حديث هناد بن السري الكوفي في حديثه عن أبي الأحوص عن حصين هو ابن عبد الرحمن عن كثير هو ابن مدرك عن عبد الرحمن بن يزيد قال:
قال ابن مسعود ونحن بجمع سمعت الذي أنزلت عليه سورة البقرة
(1) ابن الجارود، المنتقى، ص 126.
(2) ابن خزيمة، صحيح ابن خزيمة، ج 4، ص 260.
(3) الطبراني، المعجم الأوسط، ج 5، ص 317.
(4) الحاكم، المستدرك، ج 1، ص 636.
(5) الهيثمي، مجمع الزوائد، ج 3، ص 223
(6) ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج 26، ص 136. (2/406)
صفحة 724
الرائد
يقول في هذا المكان: لبيك اللهم لبيك).
يصبح
ثم إنا لو رأينا سنته لوجدنا فيها الصحيح الذي ينص على أنه كان
ملبيا يوم العاشر من ذي الحجة يوم النحر ولا يزال على حاله من
التلبية حتى يرمي جمرة العقبة ومن ذلك حديث:
الليث عن أبي الزبير عن أبي معبد مولى بن عباس عن ابن عباس عن الفضل بن عباس وكان رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في عشية عرفة وغداة جمع للناس حين دفعوا: عليكم بالسكينة وهو کاف ناقته حتى دخل محسرا
وهو من منى قال:
عليکم بحصى
الخذف الذي يرمى به الجمرة، وقال: لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم
يلبي حتى رمي الجمرة".
ولكن بعد العلم أنه إلى حين رمي جمرة العقبة كان النبي صلى الله عليه وسلم يلبي ما زال النص غير صريح في وقت انتهاء الرمي فهل هو عند بداءة الرمي، أو هو بعد
رمي أول جمرة منها، أو بعد الانتهاء من الرمي كله.
(1) أخرجه جه النسائي في كتاب مناسك الحج، باب: التلبية بعرفة (3046). (2) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب استحباب إدامة الحاج التلبية حتى يشرع في رمي
جمرة العقبة يوم النحر (1280). (2/407)
صفحة 725
الرائد
وهي أقوال للفقهاء يحتملها تأويل قول الفضل بن العباس: لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي حتى رمي الجمرة.
من الفقهاء من قال إنه يقطع التلبية عند شروعه في رمي أول حصاة فيكون تأويل قول ابن عباس أنه لم يزل يلبي حتى بدأ رمي الجمرة فقط ثمة، كما استدلوا بحديث صفوان بن عيسى عن الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب عن مجاهد عن عبد الله بن سخبرة عن عبد الله قال: حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فما ترك التلبية حتى أتى العقبة وإلا أن يخلطها بتكبير أو تهليل. والحديث أخرجه ابن أبي شيبة)، وفي إسناده الحارث بن عبد الرحمن بن
أبي ذباب وقد تقدم من قبل ذكر حاله وأنه ممن لا يثبت حديثه.
كما استدلوا بحديث عبد الأعلى عن محمد بن إسحاق قال: حدثني أبان بن صالح عن عكرمة قال: دفعت مع علي بن حسين من المزدلفة فلم أزل أسمعه يلبي يقول:
لبيك حتى انتهى إلى الجمرة فقلت له: ما هذا الإهلال يا أبا عبد الله؟ قال: سمعت أبي علي بن أبي طالب يهل حتى انتهى إلى الجمرة وحدثني أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل حتى انتهى إليها.
(1) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 258. (2/408)
صفحة 726
الرائد
وأما ثاني الحديثين فأخرجه ابن أبي شيبة)، وفي الإسناد محمد بن
إسحاق وهو مدلس لم يصرح بالسماع.
وأبان بن صالح وهو ضعيف، ولكن تعقب أن ابن إسحاق قد
صرح بالسماع عند البزار، وقال بعده وهذا الحديث حسن الإسناد، ولا نعلمه يروى عن علي إلا من هذا الوجه.
ومن الممكن أن يتأيد قول هؤلاء بأن الشخص الرامي للجمرة يشرع له أن يأتي حين رميه الجمرة بشيء من الذكر غير التلبية كما هو ثابت عن صاحب الدعوة وهو التكبير، ولن يكبر النبي صلى الله عليه وسلم إلا بترك التلبية، ولو كان جامعا لهما لنقل ولم يقتصر على التكبير وحده.
ولكن من الفقهاء من قال إنه يقطع التلبية مع آخر حصاة يرميها".
واستدل هؤلاء برواية محمد بن حفص الشيباني ثنا حفص بن غياث ثنا جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن حسين عن ابن عباس عن أخيه الفضل قال: أفضت مع النبي صلى الله عليه وسلم في عرفات فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة
(1) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 257.
(2) البزار، المسند، ج 2، ص 140.
(3) ابن خزيمة، صحيح ابن خزيمة، ج 4، ص،281، وابن حزم، المحلى، ج 7، ص 135. (2/409)
صفحة 727
الرائد
يكبر مع كل حصاة ثم قطع التلبية مع آخرها حصاة.
والحديث أخرجه ابن خزيمة، ولكن أعله البيهقي فقال:
وأما ما في رواية الفضل بن عباس من الزيادة فإنها غريبة أوردها محمد
بن إسحاق بن خزيمة واختارها وليست في الروايات المشهورة عن ابن عباس عن الفضل بن عباس فالله أعلم.
ونقل العيني عن الذهبي قوله عن هذا الحديث: فيه نكارة"، والواقع أنه لا بد من الحكم على هذه الزيادة بأنها غير محفوظة لخلو روايات الثقات منها. ومن ذلك حديث هناد بن السري عن أبي الأحوص عن خصيف عن مجاهد عن ابن عباس قال: قال الفضل بن عباس: كنت ردف النبي صلى الله عليه وسلم فما زلت أسمعه يلبي حتى رمى جمرة العقبة فلما رمى قطع التلبية.
والحديث أخرجه النسائي، وفيه خصيف بن عبد الرحمن وهو
ضعيف، وقد مضى الكلام فيه من قبل.
(1) ابن خزيمة، صحيح ابن خزيمة، ج 4، ص 282
(2) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 137. (3) العيني، عمدة القاري، ج 9، ص 165. (4) النسائي، السنن الكبرى، ج 2، ص 440. (2/410)
صفحة 728
الرائد
وقال بعض الفقهاء إنه يلبي حتى يرمي الجمرة بأول حصاة وبعد ذلك
يتوقف.
واستدل هؤلاء بحديث علي بن حجر أخبرنا شريك عن عامر عن أبي وائل عن عبد الله قال: رمقت النبي فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة بأول حصاة.
والحديث أخرجه ابن خزيمة، وفيه شريك بن عبد الله القاضي وهو
ضعيف ومدلس لا يحتج بروايته".
ومع تقدير صحة هذه الرواية، يبقى هذا اللفظ غير نص في الموضوع بل هو محتمل عند الانتهاء من رمي الجمرة بأول حصاة ومحتمل عند الشروع في
هذا الاحتمال القوي يسقط الاستدلال بالرواية على هذا القول،
رميها، ومع وما بقي إلا القول الأول.
ومن الفقهاء من قال إن قطع التلبية للحاج يكون بعد زوال اليوم
(1) الشافعي، الأم، ج 2، ص 205.
(2) ابن خزيمة، صحيح ابن خزيمة، ج 4، ص 281.
(3) ابن عدي الكامل، ج 4، ص 6، والعقيلي، الضعفاء، ج 2، ص 193، والمزي، تهذيب
الكمال، ج 12، ص 462. (2/411)
صفحة 729
الرائد
العاشر".
412
ولا أدري حجتهم في ذلك إلا أن يقال إن ذلك في حال عدم الرمي إلى
حين الزوال، وذلك أن رأي جماعة من الفقهاء تقييد انتهاء وقت رمي العقبة
بالزوال من اليوم العاشر وما بعد ذلك قضاء.
المطلب الثامن: تسمية النسك آخر التلبية
يدخل الشخص إحرامه بالتلبية مع النية الباطنة، أو بالنية وحدها على قول آخرين كما تقدم بيان ذلك، ولكن إن سمى النسك في تلبيته فذلك أمر مندوب إليه على ما سنذكر مع عدم اشتراطه ولا وجوبه.
قال أبو مودود حاجب الطائي (2) النية
التسمية (3).
مع
التلبية تجزي عن
ولكن اتفقوا أنه إن أخطأ في لفظه أن العبرة حينها بما عقده قلبه، فمن
(1) السهار، نفوري، بذل المجهود، ج 9، ص 35
(2) الشقصي، منهج الطالبين، ج 7، ص 33.
(3) ومثل ذلك يقال فيمن كان نائبا عن غيره أن نية النيابة في القلب تجزي عن التصريح
بالتلبية عن المنوب عنه وإن ذكره فقال: لبيك عن فلان فلا حرج، وللمنوب عنه
اشتراط ذلك. (2/412)
صفحة 730
الرائد
413
لفظ خطأ الإفراد وقد نوى العمرة للتمتع كان ما عقده قلبه مقدما على لفظ
لسانه، ومثله من أراد الحج وسمى العمرة، أو أراد القرآن وسمى
الإفراد.
ومما جاء مبينا أن النبي قد سمى ما أحرم به حديث هشيم حدثنا حميد
عن بكر عن أنس قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يلبي بالحج والعمرة جميعا، قال
بكر: فحدثت بذلك ابن عمر فقال: لبي بالحج وحده.
فلقيت أنسا فحدثته بقول ابن عمر فقال أنس ما تعدوننا إلا صبيانا،
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لبيك عمرة وحجا).
ومما يدل على التسمية أيضا حديث الأوزاعي قال: حدثني يحيى قال: حدثني عكرمة أنه سمع ابن عباس {يقول: إنه سمع عمر ه يقول: النبي صلى الله عليه وسلم بوادي العقيق يقول: أتاني الليلة آت من ربي فقال: صل في
سمعت
هذا الوادي المبارك وقل: عمرة في حجة (3).
ولكن ذهب بعض الفقهاء إلى أن الأفضل أن لا يريد الإحرام به بل ينويه في قلبه دون تلفظ.
يسمي
النسك الذي
(1) مالك بن أنس، المدونة الكبرى، ج 2، ص 360، والشافعي، الأم، ج 2، ص 155. (2) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب في الإفراد والقران بالحج والعمرة (1232). (3) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم العقيق واد مبارك (1461). (2/413)
صفحة 731
الرائد
414
وقال هؤلاء: إن نية الملبي كافية له من أن يظهر ما يحرم به كما تكون نية المصلي مكتوبة أو نافلة أو نذرا كافية له من إظهار ما ينوي منها بأي إحرام نوى، ونية الصائم كذلك، وكذلك لو حج أو اعتمر عن غيره كفته نيته من أن يسمي أن حجه هذا عن غيره).
واستدل هؤلاء بأن النبي صلى الله عليه وسلم ما سمى نسكا قط كما يدل على ذلك الاستقراء ويؤكده حديث الشافعي عن إبراهيم بن محمد عن سعيد بن عبد الرحمن أن جابر بن عبد الله قال ما سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلبيته حجا قط
ولا عمرة.
أما حديث وادي العقيق فجوابه أنه محمول على الكلام النفساني"،
وحديث جابر الطويل ليس فيه تسمية
واعترض على هؤلاء قولهم هذا، وقيل لهم إن عموم السلب يكفي لدفعه فرد موجب وقد تحقق هذا بحمد الله فيما ذكرناه من روايات صحيحة
فيها ذكر النبي صلى الله عليه وسلم النسك الذي أحرم به.
(1) القطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 54، والشافعي، الأم، ج 2، ص 155، والقرافي،
الذخيرة، ج 3، ص 218.،ج
(2) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 218. (2/414)
صفحة 732
الرائد
(210)
ثم إن ما استدلوا به من حديث جابر بن عبد الله لا يثبت بل هو بالغ الضعف فقد أخرجه الإمام الشافعي، وفيه إبراهيم بن محمد وهو ابن أبي يحيى الأسلمي المدني شيخ الشافعي وهو متروك، بل قال يحيى بن معين ويحيى بن سعيد وابن حبان وغيرهم بأنه كذاب".
أما القياس على الصلاة والصيام فمدفوع بالنص المثبت للتلفظ بنوع النسك في الحج، أما في الصلاة والصيام فلم يثبت تلفظ فيهما بالنية فيقتصر بها على موارد النصوص.
وأما حملهم حديث العقيق على الكلام النفساني فمدفوع إذ إن أنس بن
مالك قد
سمع صاحب الدعوة الغراء يلبي به فما باله يكون نفسيا، ثم إن
حمله على الكلام النفسي خلاف الأصل بل الأصل أن المقام مقام تعبد ظاهر
وقد جهر بالتلبية وهذا تبع لها.
(1) الشافعي، الأم، ج 2، ص 155.
(2) ابن حبان، المجروحين، ج 1، ص 105، وابن عدي الكامل، ج 1، ص 217، والعقيلي
الضعفاء، ج 1، ص 62. (2/415)
صفحة 733
الرائد
16
المطلب التاسع: مندوبات التلبية
ذكرنا فيما تقدم حكم التلبية وأحكامها ومشروعيتها، وبقي أن ننبه إلى
وهو أن الشرع ندب الملبي إلى أن يقرن تلبيته بأمور حتى يكون عمله
أدعى للأجر وأقرب للقبول.
أولا: رفع الصوت بها
كان مما يندب لمن كان يلبي أن يرفع عقيرته بها جاهرا بنداء التوحيد الله تعالى المتمثل في التلبية ملبيا النداء للنسك وعمارة البيت الحرام على حال لا يضر فيه بنفسه ولا بغيره؛ إذ هي شعار الحاج، وقد جاء الشرع بذلك في أدلة
عدة منها حديث
مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام عن بن هشام عن خلاد بن السائب الأنصاري عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي ومن معي أن يرفعوا أصواتهم
بالإهلال أو قال بالتلبية يريد أحدهما. (2/416)
صفحة 734
الرائد
417
والحديث أخرجه النسائي، وأبو داود واللفظ له، وابن ماجه، وقال
البيهقي:
رواه الحميدي وغيره عن سفيان ورواه ابن جريج قال كتب إلى عبد الله بن أبي بكر فذكره ولم يذكر أبا خلاد في إسناده.
والصحيح رواية مالك وابن عيينة عن عبد الله بن أبي بكر عن عبد الملك عن خلاد بن السائب عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك قاله البخاري
وغيره).
ومن
ذلك حديث وكيع ثنا سفيان عن عبد الله بن أبي لبيد عن المطلب
بن عبد الله بن حنطب عن خلاد بن السائب عن زيد بن خالد الجهني قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
جاءني جبريل فقال: يا محمد مر أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالتلبية؛
(1) كتاب: مناسك الحج، باب رفع الصوت بالإهلال (2753).
(2) كتاب المناسك باب كيف التلبية (1814).
(3) کتاب المناسك، باب: رفع الصوت بالتلبية (2922).
(4) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 42. (2/417)
صفحة 735
الرائد
418
فإنها من شعار الحج.
ومن ذلك حديث ابن أبي فديك عن الضحاك بن عثمان عن محمد بن
المنكدر عن عبد الرحمن بن يربوع عن أبي بكر الصديق أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أي الحج أفضل؟ قال: العج والثج.
(3)
أخرجه الترمذي)، وابن ماجه، وقال الترمذي بعد إخراجه معلا:
حديث أبي بكر حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي فديك عن الضحاك بن عثمان.
بن
ومحمد بن المنكدر لم يسمع من عبد الرحمن بن يربوع، وقد روى محمد
المنكدر عن سعيد بن عبد الرحمن بن يربوع عن أبيه غير هذا الحديث. وروى أبو نعيم الطحان ضرار بن صرد هذا الحديث عن ابن أبي فديك عن الضحاك عن عثمان عن محمد بن المنكدر عن سعيد بن عبد الرحمن بن يربوع عن أبيه عن أبي بكر عن النبي وأخطأ فيه ضرار.
قال أبو عيسى: سمعت أحمد بن الحسن يقول: قال أحمد بن حنبل: من
(1) أخرجه ابن ماجه في كتاب المناسك باب رفع الصوت بالتلبية (2923). (2) کتاب الحج، باب ما جاء في فضل التلبية والنحر (827).
(3) کتاب المناسك باب رفع الصوت بالتلبية (2924). (2/418)
صفحة 736
الرائد
قال في هذا الحديث عن محمد بن المنكدر عن ابن عبد الرحمن بن يربوع عن أبيه فقد أخطأ.
قال وسمعت محمدا (يعني شيخه الإمام البخاري) يقول: وذكرت له حديث ضرار بن صرد عن ابن أبي فديك فقال: هو خطأ، فقلت: قد رواه غيره عن ابن أبي فديك أيضا مثل روايته فقال: لا شيء إنما رووه عن ابن أبي فديك ولم يذكروا فيه عن سعيد بن عبد الرحمن، ورأيته يضعف ضرار بن
وجاء في حديث محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي لبيد عن المطلب بن عبد الله بن حنطب عن إبراهيم بن خلاد بن سويد عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: جاء جبريل فقال: يا محمد، كن عجاجا ثجاجا. يعني بالعج التلبية، والثج الدماء.
وقد امتثل الصحابة ذلك فكانوا خير سلف في رفع الصوت بالتلبية والحفاظ عليها، وقد جاء أنهم كانوا يصرخون بالتلبية صراخا كما في حديث أيوب عن أبي قلابة عن أنس قال صلى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة الظهر أربعا
(1) أحمد، المسند، ج 4، ص 56، والطبراني، المعجم الكبير، ج 7، ص 144. (2/419)
صفحة 737
الرائد
420
والعصر بذي الحليفة ركعتين وسمعتهم يصرخون بهما جميعا"
كما جاء ما يفيد أن صحب النبي الاول يوم حجة الوداع ما بلغوا الروحاء إلا وأصواتهم قد بحت من شدة رفعهم إياها عند التلبية كما في حديث أبي حريز سهل مولى المغيرة بن أبي الغيث عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله له فما بلغنا الروحاء حتى سمعت عامة الناس قد بحت أصواتهم من التلبية.
<
أخرجه البيهقي وتعقبه مضعفا بقوله: أبو حريز هذا ضعيف، ورواه
عمر بن صهبان وهو ضعيف عن أبي الزناد عن أنس بن مالك).
ورواه ابن حزم من طريق سعيد بن منصور من طريق هشيم أنا الفضل بن عطية نا أبو حازم قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أحرموا لم يبلغوا الروحاء حتى تبح أصواتهم")
وجاء ذلك من حديث وكيع عن كثير بن يزيد عن المطلب بن عبد الله قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفعون أصواتهم بالتلبية حتى تبح
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: رفع الصوت بالإهلال (1473).
(2) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 43.
(3) ابن حزم، المحلى، ج 7، ص 94. (2/420)
صفحة 738
الرائد
421
أصواتهم، وكانوا يضحون للشمس إذا أحرموا.
أخرجه ابن أبي شيبة، وقال الحافظ ابن حجر: إسناده صحيح).
كما جاء من حديث موسى بن عبيدة عن يعقوب بن زيد قال كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يبلغون الروحاء حتى تبح أصواتهم من شدة
تلبيتهم.
وجاء حديث هشيم أنا حميد هو ابن عبد الرحمن عن بكر بن عبد الله المزني قال: سمعت ابن عمر يرفع صوته بالتلبية حتى إني لأسمع دوي صوته
بين الجبال.
أخرجه سعيد بن منصور في سننه وعنه ابن حزم، وابن أبي شيبة بلفظ مقارب، وقال الحافظ ابن حجر: إسناد ابن أبي شيبة صحيح.
(1) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 373.
(2) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 408. (3) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 372.
(4) ابن حزم، المحلى، ج 7، ص 94. (5) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 372. (6) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 408. (2/421)
صفحة 739
الرائد
422
وقد ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أن رفع الصوت بالتلبية سنة
وليس هو بواجب؛ إذ التلبية نفسها غير واجبة فلا تكون صفتها واجبة. وخالف بعض أهل العلم ذلك فقالوا بوجوب رفع الصوت بالتلبية ولو مرة واحدة لوجوب التلبية ووجوب رفع الصوت بها، ولعلهم أخذوه من عموم الأدلة التي فيها الأمر برفع الصوت بالتلبية وقد تقدم ذكرها.
وبعد هذا العموم المتفق على أنه مطلوب اختلفوا في مسائل منها: المسألة الأولى: تلبية النساء
الأصل في التكليف أن الرجل والمرأة في الأحكام الشرعية سواء إذ هن شقائق الرجال يخاطبن بأدلة الشارع التي خوطب بها الرجال، ولكن معلوم من حال المرأة أنها تفارق الرجال في بعض الأمور فتخص بأحكام دونهم، وهذا التخصيص مخالف لأصل العموم الذي تقدم فلا يكون إلا بأحد
أمرين:
نص الشارع، أو دليل خارجي يجعل فعل المرأة مسببا لفتنة تتنافى ومقصد الشارع من الأحكام كسد ذرائع الفساد وإيصاد أبواب الفتن ونحو
ذلك.
والأخير منهما غير مختص بالمرأة وحدها بل هو جار في الجنسين الرجال (2/422)
صفحة 740
الرائد
423
والنساء كما هو معلوم من حال الأحكام الشرعية.
وفي مسألتنا تلبية النساء ننهج التأصيل السابق فنقول إنه لم يأت نص
شرعي من كتاب أو سنة مرفوعة ثابتة مستثنيا المرأة من عموم الخطاب برفع الصوت عند التلبية فيكون حكمها حكم الرجال.
لكن بإعمال المخصص الثاني يستفاد أنها ترفع صوتها ما لم يكن في ذلك فتنة ككونها مع رجال أجانب ونحو ذلك فهنا يقدم درء المفاسد المحرمة بنصوص الشارع على المصالح المندوبة فتخفض صوتها ولا يشرع لها رفعه
لهي
(1)
ولكن إن كانت وحدها أو مع نساء أو مع زوج أو محرم فلا بأس عليها بالرفع ما لم يصل الصوت إلى من منعت من إيصاله إليه.
ومن الممكن أن يكتب لها المولى الأجر مرتين بالامتناع فتعطى أجره، وبالنية الحسنة على التلبية لولا الامتناع فتعطى أجر العمل؛ لأن نية المؤمن
(1) الشقصي منهج الطالبين، ج 7، ص 63، والسالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 170، والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 57، والشافعي، الأم، ج 2، ص 156، ومالك بن أنس المدونة الكبرى، ج 1، ص 65، وابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 56، وابن حزم، المحلى، ج 7، ص 94، والنووي، المجموع، ج 7، ص 220. (2/423)
صفحة 741
الرائد
424
خير من عمله.
وذهب بعض الفقهاء إلى أن من المشروع للمرأة رفع الصوت بالتلبية
مطلقا استدلالا بعموم الفضل، وأيد هؤلاء قولهم بفعل السيدة عائشة
>
كما في حديث عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد عن أبيه قال:
خرج معاوية ليلة النفر فسمع صوت تلبية فقال: من هذا؟ قيل: عائشة أم المؤمنين اعتمرت من التنعيم، فذكر ذلك لعائشة فقالت عائشة: لو سألني
لأخبرته).
وهذا حسن ولكن باب سد ذرائع الفساد باب من الواجب على الفقيه مراعاته وقد التفتت له النصوص الشرعية كثيرا في مواضع وإليه أشارت السيدة عائشة بقولها كما في حديث مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة قالت لو أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء لمنعهن كما منعت نساء بني إسرائيل".
ولعل السيدة الصديقة عند جهرها بالتلبية لم تكن تخشى فتنة
(1) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 328.
(2) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب انتظار الناس قيام الإمام العالم (831). (2/424)
صفحة 742
الرائد
425
فاستصحبت أصل الجهر بالتلبية الذي يعم الجنسين الذكور والإناث.
كما استدل بعضهم لهذا الحكم بحديث محمد بن الحسن بن عبد الوارث الرازي نا عبد الرحمن بن عمر بن محمد بن النحاس بمصر نا أبو سعيد بن الأعرابي نا عبيد بن غنام بن حفص بن غياث النخعي نا محمد بن عبد الله بن نمير نا أحمد بن بشر عن عبد السلام بن عبد الله بن جابر الأحمسي عن أبيه عن زينب بنت جابر الأحمسية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها في امرأة حجت معها مصمتة قولي لها تتكلم؛ فإنه لا حج لمن لم يتكلم.
والحديث أخرجه بإسناده ابن حزم، وأعل بأمرين:
أولهما جهالة رجلين في إسناده كما قال العيني"، وقال الحافظ ابن حجر: قد طعن فيه ابن القطان أن في سنده مجهولين وفي سياقه غلط والصواب ما تقدم في القسم قبله أن القصة جرت لزينب مع أبي بكر الصديق والمخاطبة بينهما باللفظ الذي تقدم لا ذكر للنبي فيه ولا لامرأة أخرى".
والصحيح أن اللفظ الثابت إنما جاء من قول أبي بكر الصديق وقد
(1) ابن حزم المحلى، ج 7، ص 196.
(2) العيني، عمدة القاري، ج 9، ص 171. (3) ابن حجر، الإصابة، ج 7، ص 688. (2/425)
صفحة 743
الرائد
426
أخرجه البخاري من حديث قيس بن أبي حازم قال: دخل أبو بكر على امرأة
من أحمس يقال لها زينب فرآها لا تكلم فقال: ما لها لا تكلم؟
قالوا: حجت مصمتة، قال لها تكلمي؛ فإن هذا لا يحل، هذا من عمل الجاهلية، فتكلمت فقالت: من أنت؟ قال امرؤ من المهاجرين قالت: أي
المهاجرين؟
قال: من قريش قالت من أي قريش أنت؟ قال: إنك لسؤول أنا أبو بكر، قالت: ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح الذي جاء الله به بعد الجاهلية؟ قال: بقاؤكم عليه ما استقامت بكم أئمتكم، قالت: وما الأئمة؟ قال: أما كان لقومك رؤوس وأشراف يأمرونهم فيطيعونهم؟ قالت: بلى، قال: فهم أولئك على الناس.
والحديث المستدل به مع ضعفه كما تبين من تخريجه ليس فيه دلالة على التلبية والجهر بها فهو ساكت في موضع الشاهد، بل هو وارد على النهي العام
عن صمت يوم.
(1) کتاب فضائل الصحابة، باب أيام الجاهلية (3622). (2/426)
صفحة 744
الرائد
427
المسألة الثانية التلبية في المساجد
المساجد كغيرها ما جاء فيها من النصوص الشرعية ما يخصها بعدم الجهر بالتلبية فيها بل الحكم يعمها وغيرها)، ولكن عند التلبية لا بد من النظر إلى عدم ترتب مفسدة من إعلاء الصوت بها كأن يكون فيها من يعبد الله تعالى بشيء من العبادات فيتأذى برفع الصوت فيها إذ درء هذه المفسدة المحرمة مفسدة الإيذاء مقدم على جلب المصلحة المرجوة من تطبيق المندوب. وقد شهد الشرع لمثل ذلك بالحكم كما في حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فوجد الناس يصلون وقد علت أصواتهم بالقراءة فقال:
إن المصلي يناجي ربه فلينظر ما يناجيه، به ولا يجهر بعضكم على بعض
بالقرآن فيشغلهم عن صلاتهم".
قال الإمام أبو سعيد الكدمي
(1) الكندي، المصنف، ج 8، ص 108، ومالك بن أنس، المدونة الكبرى، ج 2، ص 366، والشافعي، الأم، ج 2، ص 156، وابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 56، والنووي،
المجموع، ج 7، ص 220.
(2) أخرجه الإمام الربيع في كتاب الصلاة، باب: القراءة في الصلاة (227). (2/427)
صفحة 745
الرائد
428
(يلبي) في مسجد جماعة أو غيره، (و) إذا أقيمت الصلاة أعجبني ألا يرفع صوته بالتلبية فيشغلهم، وأما في الطواف فلا أعلمه من قول أصحابنا. وذهب بعض الفقهاء إلى أنه يرفع صوته بالتلبية في المساجد جميعها، وقيل بل يرفع في المساجد التي بين مكة والمدينة، ومنهم من قيد رفع الصوت بالتلبية في المساجد بمسجد مكة ومسجد منى ومسجد عرفة.
وهؤلاء عللوا اختيارهم هذا بأن المساجد لم توضع للتلبية، وهذه المساجد المذكورة لها تعلق بالحج فلها تعلق بالتلبية، ولعل الأصل فيها أن لا يكون ثمة إلا من تعبدوا بالتلبية.
ولكن يشكل عليه أن التلبية عبادة مسنونة والخشوع في الصلاة عبادة
واجبة تتوجه للمتعبدين بالتلبية أيضا بل التفريط في الأخيرة مؤد إلى عدم
قبول الأولى.
ثانيا: التسبيح والتحميد والتكبير
استحب جماعة من أهل العلم قبل أن يشرع الإنسان في تلبيته أن
الله ويحمده ثم يلبي.
يسبح
(1) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 412، وابن جماعة، هداية السالك ج 2، ص 630. (2/428)
صفحة 746
429
الرائد
وقد أخذوا الاستحباب السابق مما جاء في حديث أيوب عن أبي قلابة عن أنس قال: صلى رسول الله له ونحن معه بالمدينة الظهر أربعا والعصر بذي الحليفة ركعتين ثم بات بها حتى أصبح ثم ركب حتى استوت به على
البيداء حمد الله وسبح وكبر ثم أهل بحج وعمرة، وأهل الناس بهما.
وخالف ذلك آخرون فقالوا إن أنس بن مالك ذكر إهلال النبي صلى الله عليه وسلم لما علت به ناقته البيداء، ولكن من الثابت كما تقدم أن الإهلال من صاحب الحضرة النبوية كان قبل ذلك كما بينه حديث ابن عمر.
وحديث ابن عمر لم يذكر هذا التسبيح والتحميد، فلعل المذكور في حديث أنس هذا كان ذكرا عاما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم وليس خاصا بالإحرام فلا يقال عنه إنه من مندوبات الإحرام، قال شيخنا القدوة إمام السنة والأصول العلامة القنوبي -حفظه الله -:
وفي الاستدلال بذلك [أي حديث أنس] على مشروعية التحميد والتسبيح والتكبير قبل التلبية نظر لا يخفى؛ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أحرم بعد أن استوت به راحلته عند المسجد كما يدل على ذلك حديث ابن عمر {في
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: التحميد والتسبيح والتكبير عند الإهلال
(1476) (2/429)
صفحة 747
الرائد
الصحيحين وغيرهما ..
430
وبذلك تعرف أن التحميد والتسبيح والتكبير الذي رواه أنس متأخر
عن التلبية التي دخل بها النبي لا في النسك وبه يتبين أنه لا يمكن أن يقال
بمسنونية ذلك).
ثالثا: استقبال القبلة عند الإهلال
من مندوبات التلبية أن يلبي بها صاحبها مستقبلا القبلة كما حكى ذلك ابن عمر عن النبي، وقد جاء من حديث نافع قال: كان ابن عمر {إذا صلى بالغداة بذي الحليفة أمر براحلته فرحلت ثم ركب فإذا استوت به استقبل القبلة قائما ثم يلبي حتى يبلغ الحرم ثم يمسك حتى إذا جاء ذا طوى بات به حتى يصبح
فإذا صلى الغداة اغتسل وزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك).
رابعا: وضع الإصبعين في الأذنين عند التلبية
قال ابن خزيمة وتلميذه ابن حبان من المحدثين باستحبابه واستدلا
(1) شيخنا القنوبي، تحفة الأبرار، ص 224.
(2) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 413، وشيخنا القنوبي، تحفة الأبرار، ص 228.
(3) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: الإهلال مستقبل القبلة (1478). (2/430)
صفحة 748
الرائد
431
له بحديث علي بن سعيد المسروقي حدثنا ابن أبي زائدة عن داود بن أبي هند عن أبي العالية عن ابن عباس قال: انطلقنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة فلما أتينا على وادي الأزرق قال:
أي واد هذا؟ قالوا وادي الأزرق، قال: كأنما أنظر إلى موسى ينعت من طوله وشعره ولونه واضعا أصبعيه في أذنيه له جؤار إلى الله تعالى بالتلبية مارا
بهذا الوادي، ثم نفذنا الوادي حتى أتينا، قال داود: أظنه ثنية هرشي قال: أي ثنية هذه؟ فقلنا: ثنية، هرشى قال كأنها أنظر إلى يونس على ناقة
حمراء خطام الناقة خلبة عليه جبة له من صوف يهل نهارا بهذه الثنية ملبيا. ولكن من المشكل أن هذا أمر لم يذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم مع معرفة دقائق من
هديه في الحج لنقلها، والظاهر أنه لم يكن ذلك من هديه وإلا لتوفرت الدواعي على نقله، وشرع من مضى يؤخذ به لولا الظاهر السابق فيكون فعله آخر الأمرين كما أننا تعبدنا باتباعه هو واتباع غيره في مثل هذا أمر مختلف
فيه.
(1) ابن خزيمة، صحيح ابن خزيمة، ج 4، ص 175، وابن حبان، صحيح ابن حبان، ج 9،
ص 110. (2/431)
صفحة 749
الرائد
432
خامسا: زيادة إنما الخير خير الآخرة
من الفقهاء من استحب زيادة "إنما الخير خير الآخر الآخرة" في التلبية مطلقا لحديث جميل بن الحسن الجهضمي حدثنا محبوب بن الحسن حدثنا داود عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف بعرفات فلما قال لبيك اللهم لبيك قال: إنما الخير خير الآخرة.
أخرجه ابن الجارود)، وابن خزيمة، والطبراني، والحاكم وقال: قد احتج البخاري بعكرمة، واحتج مسلم بداود، وهذا الحديث صحيح لم يخرجاه، وقال الهيثمي: إسناده حسن).
ومنهم من قيدها بما إذا رأى ما يسره ويعجبه لحديث سعيد عن ابن جريج أخبرني حميد الأعرج عن مجاهد أنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يظهر من التلبية: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك
والملك لا شريك لك.
(1) ابن الجارود، المنتقى، ص 126. (2) ابن خزيمة، صحيح ابن خزيمة، ج 4، ص. (3) الطبراني، المعجم الأوسط، ج 5، ص 317.
(4) الحاكم، المستدرك، ج 1، ص 636.
(5) الهيثمي، مجمع الزوائد، ج 3، ص 223. (2/432)
صفحة 750
الرائد
433
قال: حتى إذا كان ذات يوم والناس يصرفون عنه كأنه أعجبه ما هو فيه
فزاد فيها: لبيك إن العيش عيش الآخرة، قال ابن جريج: وحسبت أن ذلك
يوم عرفة.
أخرجه البيهقي، وقال النووي: إسناده صحيح).
ولكن قول من قال بالندبية المطلقة أمر فيه من الإشكال أن النبي صلى الله عليه وسلم ما حافظ عليها بل الروايات المتفق على تصحيحها كانت خُلُواً من هذه الزيادة وغيرها وقال الراوي: بأن الناس كانوا يزيدون التكبير والتهليل ولزم رسول الله تلبيته، فلعله أتى به مرة.
ولعله يستأنس بمرسل مجاهد صحيح الإسناد في أن قول ذلك يكون في حال رؤيته ما يسره ويفرحه، خاصة أنه يشهد له ما ذكرناه قبل، وكذلك
سياق الزيادة التي تقال في مثل تلك الأحوال.
سادسا: سؤال الله رضوانه والجنة
ومن الفقهاء من استحب أن يسأل الله رضوانه ويستعيذ من النار بعد
(1) البيهقي، السنن الكبرى، ج 7، ص 48.
(2) النووي، المجموع، ج 7، ص 218. (2/433)
صفحة 751
الرائد
434
التلبية كما في حديث ابن رستة ثنا ابن كاسب ثنا عبد الله بن عبد الله الأموي أنه سمع صالح بن محمد بن زائدة يحدث عن عمارة بن خزيمة بن ثابت عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من تلبيته سأل الله رضوانه ومغفرته واستعاذ
برحمته من النار.
والحديث أخرجه البيهقي، وابن عدي، وفي إسناده صالح بن محمد بن زائدة، قال يحيى بن معين: مديني ضعيف الحديث، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: ليس بالقوي.
وعليه فالحديث ضعيف ليس بحجة في إثبات حكم شرعي فلا يقال
بندب ذلك.
سابعا: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
من الفقهاء من استحب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم آخر التلبية أخذا من حديث: الشافعي قال أخبرنا إبراهيم بن محمد أن القاسم بن محمد كان يأمر إذا فرغ من التلبية أن يصلى على النبي.
(1) الشافعي، الأم، ج 2، ص 157، والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص 232، والمرداوي، الإنصاف، ج 3، ص 453، وابن النجيم، البحر الرائق، ج 2، ص 350.
(2) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 46.
(3) ابن عدي، الكامل، ج 4، ص 59. (2/434)
صفحة 752
الرائد
435
(1)
والحديث أخرجه الإمام الشافعي في الأم بالإسناد المذكور ولا يصح
لإرساله وضعف سنده، إذ فيه إبراهيم بن محمد شيخ الشافعي وهو متهم بالكذب كما تقدم غير مرة فلا تقوم بروايته حجة، ولا يندب شيء جاء برواية من قبله وأمثاله.
وجاء الحديث من طريق عبد الله بن عبد الله الأموي أنه سمع صالح بن محمد بن زائدة يقول: سمعت القاسم بن محمد يقول: كان يؤمر إذا فرغ من
أن
وقال القرافي:
وليس فيها دعاء ولا الصلاة عليه، لأنه لم ينقل في تلبيته ال والمناسك اتباع، ثم أجاب عن المروي في ذلك من الأحاديث فقال: جوابه أن ذلك كان عند قطع التلبية في الحج أو دخول المسجد في العمرة حالة الدعاء غير مرتبطة بالتلبية.
وهي
أن
وفي هذا الجواب نظر إذ ظاهر الأدلة أنه كان يأتي به إثر التلبية قبل يقطعها، وأولى ما يقال إن الآثار التي يستفاد منها ذلك ضعيفة ليست بحجة
(1) الشافعي، الأم، ج 2، ص 157.
(2) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 46.
(3) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 232. (2/435)
صفحة 753
436
الرائد
في الأحكام الشرعية.
ثامنا: استصحاب التلبية
و مما يندب للملبي استصحاب التلبية في الأحوال كلها الأمصار وغير الأمصار من الصحاري ونحوها لعموم الأخبار وعدم استثنائها وهذا الذي عليه الأكثر، وذهب بعض أهل العلم إلى أن التلبية لا تشرع في الأمصار بل أمر خاص بالصحاري.
هي
وقال الفقهاء تتأكد التلبية على المحرم إذا علا نشزا أو هبط واديا، أو
ملبيا،
صلى أو أقبل ليل أو نهار، أو التقت الرفاق، أو ركب أو نزل أو سمع أو رأى البيت، أو فعل محظورا ناسيا ونحو ذلك من تغير الأحوال وتبدل الأوقات.
والذي عليه أكثر الفقهاء إطلاق ذكر الصلوات هنا المكتوبات وغير المكتوبات، وذهب بعض فقهاء الحنفية - ونسب إلى الطحاوي منهم- إلى أن
ذلك مخصوص بالمكتوبات دون غيرها).
(1) ابن النجيم، البحر الرائق، ج 2، ص 350. (2/436)
صفحة 754
الرائد
المحتويات
الفصل الثالث: الإحرام .. أحكامه ........
المبحث الأول: مكان الإحرام (المواقيت)
توطئة.
المطلب الأول: مواقيت الحج المكانية تعداد ووصف
توطئة: جعلت المواقيت تعظيما للبيت الحرام.
خلاف أهل العلم فيمن يكون حجة في الإخبار بالمواقيت.
أولا: ذو الحليفة.
علة كون ذي الحليفة أبعد المواقيت عن الحرم
ثانيا: الجحفة.
ثالثا: قرن المنازل.
رابعا يلملم.
خامسا: ذات عرق ..
ضعف أدلة أن العقيق ميقات أهل العراق ..
المطلب الثاني: إحرام من لم يكن طريقه على ميقات.
المراد بالمحاذاة في حكم من لم يمر على ميقات. (2/437)
صفحة 755
الرائد
المنطقة الأقرب إلى الحرم من الميقات هي التي يراعى فيها أمر
المحاذاة ...
مقاسات المعاصرين في بُعد المواقيت عن الحرم وعدم صلاحيتها لتحقيق المحاذاة المطلوبة في حكم من لم يمر على ميقات ............ جدة من المواقيت وتفصيل حكم من يأتيها بحرا أو جوا ..... قول من قال إن المرور في سماء الميقات لا يأخذ حكم المرور في أرضه
المطلب الثالث: توقيت المواقيت.
الأظهر أن النبي هو الذي وقت ذات عرق.
المطلب الرابع: أحكام المواقيت.
أولا: وجوب الإحرام منها.
وجوب الإحرام من المواقيت خاص بمن أراد النسك
أقسام المارين على منطقة المواقيت.
حكم الشامي يمر بذي الحليفة ويؤخر إحرامه إلى الحجفة ...
تأويل فعل ابن عمر في إحرامه من الفرع وتركه ذا الحليفة.
ثانيا: موضع إنشاء الإحرام بالنظر إلى المواقيت.
حكم الإحرام قبل الميقات. (2/438)
صفحة 756
الرائد
ما كان النبي يحرم قبل الميقات.
الجواب عن أدلة المفضلين الإحرام قبل الميقات.
حكم الذين يريدون الإحرام وهم داخل منطقة المواقيت
إحرام من كان داخل الحر
ضعف حديث أن النبي و و و و و و ا ل ا لأهل مكة التنعيم.
حكم من أحرم للعمرة داخل الحرم ولم يخرج إلى الحل.
المبحث الثاني: مندوبات الإحرا
المطلب الأول: جماع الزوجة.
المطلب الثاني: الخضاب باليرناء للنساء ..
خلاف الفقهاء في كون الحناء طيبا.
لا يثبت دليل نصي في تمييز الحناء أطيب هو أو ليس بطيب
المطلب الثالث: إلقاء التفث والتنظف.
مزيلات العرق وحكم استعمالها قبل الإحرام .. وبعده ... السنة الإحرام بثوبين وجواز الإحرام بأكثر من ذلك.
لباس النساء حال الإحرا
ندب البيض من الثياب حال الإحرام وجواز غيرها.
المطلب الرابع: الغسل. (2/439)
صفحة 757
الرائد
:أولا مشروعية الغسل للإحرام وحكمه.
أغرب الشوكاني جدا فقال: لا تثبت مشروعية الاغتسال للإحرام
ثانيا: الخلاف في مشروعية نيابة التيمم عن الغسل.
ثالثا: الاغتسال خارج الميقات.
المطلب الخامس: تلبيد شعر الرأس.
أولا: تعريف التلبيد.
ثانيا: مشروعية التلبيد.
ثالثا: وقت التلبيد.
رابعا: الإحلال بالتقصير لمن لبد رأسه.
المطلب السادس: استدامة الطيب.
أولا: مشروعية استدامة الطيب.
حديث: الحاج الشعث التفل لا يصح.
دلالة الإشارة لا قبل لها بمعارضة دلالة النص.
رد الحديث باحتمال غلط الرواة مع تحقق ضوابط الصحة أمر
خطير.
لا يصار إلى إلغاء الأدلة المتعارضة إلا بعد تعذر الجمع بينها.
ثانيا خصوصية الاستدامة بالبدن. (2/440)
صفحة 758
الرائد
ثالثا: بقاء عين الطيب بعد الإحرام أو ريحه.
رابعا حكم استدامة الطيب للنساء.
المطلب السابع: الصلاة قبل الإحرام
أولا: مشروعية صلاة الإحرام.
ثانيا: مشروعية صلاة الإحرام بالأصالة.
ثالثا: حكم صلاة الإحرام في الأوقات المكروهة.
رابعا ما يستحب أن يقرأ فيها من السور
خامسا: مشروعية أداء صلاة الإحرام جماعة.
المبحث الثالث: أنواع الإحرام.
توطئة.
المطلب الأول: التمتع.
أولا: معنى التمتع ومشروعيته وفضله.
دفع قول من قال بالنهي عن التمتع. ثانيا: ما على المتمتع من الطواف والسعي.
ثالثا: شروط وجوب الهدي على المتمتع.
الشرط الأول: أن لا يكون أهله حاضري المسجد الحرام.
من هم حاضر و المسجد الحرام (2/441)
صفحة 759
الرائد
ضعف قول من أوجب الهدي على القارن من أهل الحرم.
الشرط الثاني: كون الحج والعمرة في عام واحد.
حكم الهدي على من أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج وأداها في أشهر
الحج.
الشرط الثالث: أن لا يرجع إلى بلده بعد عمرته بل يقيم
الشرط الرابع: اتفاق صاحب العمرة والح
أولا: مشروعية ذلك
ثانيا: لزوم الهدي وعلى من يكون ..
الشرط الخامس: أن يكون تمتعه بالعمرة إلى الحج.
الشرط السادس: أن لا يتمتع بعمرة النفل إلى حج الفرض.
الشرط السابع: نية التمتع.
رابعا: حكم من لم يجد الهدي مع وجوبه عليه.
مبدأ صيام ثلاثة الأيام.
حكم التتابع في صيام بدل الهدي.
مبدأ صيام سبعة الأيام.
حكم من لم يصم قبل النحر.
حكم من وجد الهدي بعدما شرع في الصيام. (2/442)
صفحة 760
الرائد
حكم من فاته وقت صيام الثلاث.
خامسا: وقت وجوب الهدي على المتمتع.
المطلب الثاني: الإفراد.
أولا: مشروعية الإفراد.
ثانيا: طواف القدوم للمفرد.
المطلب الثالث: القرآن
أولا: مشروعية القرآن.
الخلاف في الطواف الأول للقارن أهو للقدوم أو العمرة ......
ثانيا: هل القارن محرم بإحرامين؟.
ثالثا: وجوب الهدي على .. القارن
رابعا: ما على القارن من الطواف والسعي.
الخلاف في تعارض الوقف والرفع في الحديث الواحد.
خامسا: وقت رفع حظر محظورات الإحرام للقارن
المطلب الرابع: نسيان النسك المحرم. به.
المطلب الخامس: الإطلاق في الإحرام.
المطلب السادس: الإحرام بما أحرم به الغير
المطلب السابع: إبدال النسك بغيره. (2/443)
صفحة 761
الرائد
أولا: فسخ الحج بعمرة ..
الخلاف في حكم فسخ الحج إلى عمرة بين القائلين بمشروعيته ....
ثانيا: إدخال الحج على العمرة.
شرط جواز إدخال الحج على العمرة.
ثالثا: إدخال العمرة على الحج.
المطلب الثامن: أفضل الأنساك
النسك الذي أحرم بها النبي يا لالالال.
الإرشاد النبوي لنوع من أنواع النسك.
المطلب التاسع إحرام من ساق الهدي ولبَّد الشعر.
أولا: حكم سوق الهدي.
ثانيا: سوق الهدي وإيجاب الإحرام.
ثالثا: إحرام من ساق الهدي.
المطلب العاشر: الإهلال بحجتين أو عمرتين أو إدخال حجة أو
عمرة على مثلها.
المبحث الرابع: التلبية وأحكامها.
المطلب الأول: تعريف التلبية.
المطلب الثاني: مشروعية التلبية وفضلها. (2/444)
صفحة 762
الرائد
مشروعية التلبية لغير المحرم بالنسك.
المطلب الثالث: ألفاظ التلية.
تلبية لبيك إله الحق لبيك.
المطلب الرابع: الزيادة على التلبية النبي يا لالالال.
المطلب الخامس: حكم التلبية.
التلبية بغير العربية.
المطلب السادس: حكم تارك التلبية بعد الإحرام.
المطلب: السابع موضع التلبية.
أولا: مبتدأ التلبية.
ثانيا: منتهى التلبية.
منتهى تلبية المعتمر.
منتهى تلبية عمرة أدنى الحرم ..
منتهى تلبية الحاج وفيه مسائل:
المسألة الأولى تلبية .. القارن
المسألة الثانية: منتهى تلبية المفرد والمتمتع.
المطلب الثامن: تسمية النسك آخر التلبية.
المطلب التاسع مندوبات التلبية. (2/445)
صفحة 763
الرائد
أولا: رفع الصوت بها.
حكم رفع الصوت بالتلبية.
المسألة الأولى: تلبية النساء ..
المسألة الثانية: التلبية في المساجد.
ثانيا: التسبيح والتحميد والتكبير
ثالثا: استقبال القبلة عند الإهلال
رابعا: وضع الإصبعين في الأذنين عند التلبية.
خامسا: زيادة إنما الخير خير الآخـ
سادسا: سؤال الله رضوانه والجنة.
ثامنا: استصحاب التلبية. (2/446)
صفحة 764
الرائد
أبحاث تأصيلية معاصرة في فقه الحج والعمرة
تأليف
ماجد بن محمد بن سالم الكندي
الجزء الثالث
الإحرام (2)
محظورات الإحرام، وأحكام الحرم المكي والمدني، والتحلل من الإحرام (3/1)
صفحة 765
الرائد
أبحاث تأصيلية معاصرة في فقه الحج والعمرة
الجزء الثالث
HOCHOCHOD (3/2)
صفحة 766
جميع حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
الطبعة الأولى 1429 هـ / 2008 م
حقوق الطبع محفوظة ©، ولا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي
سابق من المؤلف.
HOCHOCHOCH
HOCHOCHOCH (3/3)
صفحة 767
الرائد
أبحاث تأصيلية معاصرة في فقه الحج والعمرة
تاليف
ماجد بن محمد بن سالم الكندي
الجزء الثالث
الإحرام (2)
محظورات الإحرام، وأحكام الحرم المكي والمدني، والتحلل من الإحرام
HOCHOCHOCH
HOCHOCHOCH (3/4)
صفحة 768
الرائد
المبحث الخامس: محظورات الإحرام
المطلب الأول: لبس المفصل على مقدار الجسد
توطئة
مما جاء الشرع به مميزا حال المحرم، اللباس، فقد شرع له لباسا له من
الأوصاف ما يحمله على تذكر أحوال الآخرة فيكون ذلك أدعى لتزكية
النفس ورجعها إلى الله تعالى.
وكذلك
منع الناس من المخيط وغيره في الإحرام ليخرجوا عن
عادتهم
والفهم فيكون ذلك مذكرا لهم بما هم
فيه من
طاعة
ربهم فيقبلون عليها
والآخرة بمفارقة العوائد في لبس المخيط والاندراج في الأكفان وانقطاع
المألوف عن الأوطان واللذات.
قال الإمام السالمي ~:
والحكمة في منع المحرم من اللباس والطيب أنه يدعو إلى الجماع، ولأنه
مناف للحج؛ فإن الحاج أشعث أغبر.
والقصد أن يبعد الحاج عن الترفه وزينة الدنيا وملاذها ويجتمع همه
(1) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 229. (3/5)
صفحة 769
الرائد
لمقاصد الآخرة والاتصاف بصفة الخاشع
وليتذكر القدوم على ربه فيكون أقرب إلى مراقبته وامتناعه من ارتكاب
المحظورات، وليتذكر به الموت ولبس الأكفان، ويتذكر البعث حفاة عراة، وليتفاءل بتجرده عن ذنوبه).
يوم
القيامة
واللباس الذي شرع للمحرم بينته الأحاديث النبوية في واقعة سأل فيها أحد الصحابة عن اللباس الذي يلبسه المحرم، فأجابه عما يمتنع المحرم عن لبسه؛ لأن الأصل في الأمور الإباحة، والتحريم عارض لذا نبه السائل على ما عرض من المحرمات، وجعل له أن يلبس ما شاء بعد ذلك من اللباس الذي ليس بممنوع، وما من شك أن اللباس المباح أكثر من الممنوع. قال القاضي البيضاوي:
سئل عما يلبس فأجاب بما لا يلبس ليدل بالالتزام من طريق المفهوم على
ما يجوز، وإنما عدل عن الجواب لأنه أخصر وأحصر.
وفيه إشارة إلى أن حق السؤال أن يكون عما لا يلبس؛ لأنه العارض في الإحرام المحتاج لبيانه إذ الجواز ثابت بالأصل معلوم
(1) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 184. (3/6)
صفحة 770
(v)
(1)
الرائد
بالاستصحاب فكان الأليق السؤال عما لا يلبس
وقد جاء في بعض الروايات أن السائل سأل عما يترك المحرم من الثياب
كما في حديث مسدد وأحمد بن حنبل قالا: ثنا سفيان عن الزهري عن سالم أبيه قال: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يترك المحرم من الثياب؟
عن
فقال: لا يلبس القميص ولا البرنس ولا السراويل، ولا العمامة، ولا ثوبا مسه ورس ولا زعفران ولا الخفين إلا لمن لا يجد النعلين، فمن لم يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين".
والظاهر أن ذلك شاذ، وأن الثابت الذي عليه أكثر النقلة من المحتج برواياتهم أن السائل سأل عما يلبس لا عما يترك؛ إذ الحادثة ما كانت إلا
واحدة فاللفظ ما كان إلا واحدا.
والاختلاف في لفظ اللبس أو الترك كان من سفيان بن عيينة الذي روى
عنه أحمد ومسدد، فإنه تارة يحدث به كذا وتارة كذا.
والسؤال عما يلبس المحرم جاء من رواية الأكثرين من المحتج برواياتهم
(1) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 402.
(2) أخرجه أبو داود، في كتاب المناسك، باب ما يلبس المحرم (1823).
(3) العراقي، طرح التثريب، ج 5، ص 36. (3/7)
صفحة 771
الرائد
فتقدم على رواية الأفراد.
وهنا نسرد طرق الحادثة التي أفصح فيها عن حكم لباس المحرم
وأولها حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري قال: قال
(1)
رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يلبس المحرم القميص، ولا العمامة، ولا السراويلات،
ولا البرانس، ولا الأخفاف.
فإن لم يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعهما من أسفل الكعبين، ولا يلبس
المحرم شيئاً من ثياب مسها الزعفران ولا الورس".
وجاء ذلك من حديث مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر {أن
رجلا قال يا رسول الله ما يلبس المحرم من الثياب؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يلبس القمص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف إلا أحد لا يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعهما أسفل
(1) قال الإمام السالمي: روي بالرفع على الخبر الذي في معنى النهي، وروي بالنهي على الجزم. السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 183.
(2) أخرجه الربيع، في كتاب الحج، باب ما يتقي المحرم وما لا يتقي (406). (3/8)
صفحة 772
الرائد
(4)
من الكعبين، ولا تلبسوا من الثياب شيئا مسه الزعفران أو ورس".
كما جاء من حديث محمد بن شهاب عن سالم عن عبد الله بن عمر {سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يلبس المحرم من الثياب؟
فقال: لا يلبس القميص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرنس،
ولا ثوبا مسه زعفران ولا، ورس وإن لم يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعها حتى يكونا أسفل من الكعبين).
في الأحاديث السابقة بيان من النبي صلى الله عليه وسلم الملبوسات المحرمين الرجال وهي ضربان:
ضرب متعلق بالبدن وضرب متعلق بالرأس، فالقمص تلبس مغطى بها الجزء العلوي من الجسد والسراويل تلبس ساترة الجزء السفلي من الجسد، والعمائم تلبس لتكون غطاء للرأس.
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب ما لا يلبس المحرم من الثياب (1468)، و مسلم، في كتاب: الحج، باب: ما يباح للمحرم بحج أو عمرة وما لا يباح، وبيان تحريم الطيب عليه (1177).
(2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب لبس الخفين للمحرم إذا لم يجد النعلين
(1745) (3/9)
صفحة 773
الرائد
أما البرانس فجمع برنس بضم الباء والنون، وهو كل ثوب رأسه منه ملتزق به، وقال الجوهري: هو قلنسوة طويلة كان النساك يلبسونها في صدر
الإسلام وهو من البرنس بضم الباء وهو القطن والنون زائدة، وقيل إنه غير
عربي.
وقد اتفق علماء الأمة على نهي ' عن الملبوسات السابقة، قال ابن المنذر وأجمعوا أن المحرم ممنوع من لبس القميص والعمامة والسراويل والخفاف والبرانس، وأجمعوا على أن للمرأة المحرمة لبس القميص والدروع والسراويل والخمر والخفاف".
وجاء في بعض روايات الحديث زيادة القباء مع الملبوسات السابقة من طريق ابن عمر، ولها عنه طرق منها من حديث سفيان عن أيوب عن نافع
(1) ابن منظور، لسان العرب، ج 6، ص 26، والزبيدي، تاج العروس، ج 15، ص 448، والسالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 184. (2) ابن المنذر الإجماع، ص 109، وابن حزم، مراتب الإجماع، ص 76، والسالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 183، وابن عبد البر، التمهيد، ج 15، ص 103، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 137، وابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 402. (3/10)
صفحة 774
الرائد
(11)
عن ابن عمر)، والحديث صحح إسناده البيهقي بعده والعراقي
(2)
كما رواه المفضل بن صدقة عن ابن أبي ليلى عن نافع عن ابن عمر، وهذا إسناد ضعيف لضعف ابن أبي ليلى.
وجاء من طريق النضر بن عبد الجبار ثنا ابن لهيعة عن أبي الأسود عن
القاسم بن محمد عن ابن عمر)، وهذا ضعيف أيضا لضعف ابن لهيعة.
والقباء ممدودا هو الثوب المفرج المضموم وسطه، وجمعه أقبية، واشتقاقه من القبو وهو الجمع بالأصابع، يقال قباه يقبوه، قبوا، ويقال قد تقبيت قباء أي اتخذته).
والوصف الجامع للأحكام السابقة أن الشرع منع المحرم من كل لباس مفصل على قدر الجسد كالقميص أو عضو منه كالسراويل والخفاف
(1) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 49، وقد قال قبل ذلك عن زيادة "القباء": وهو صحيح محفوظ من حديث سفيان الثوري عن أيوب اهـ وهو كذلك من حيث سنده.
(2) العراقي، طرح التثريب، ج 5، ص 38. (3) الطبراني، المعجم الأوسط، ج 5، ص 189.
(4) الطبراني، المعجم الكبير، ج 12، ص 275.
(5) الحميدي، تفسير غريب ما في الصحيحين، ص 276. (3/11)
صفحة 775
الرائد
والعمائم.
وما عدا ذلك فليس فيه من حرج إذ هو داخل في العفو، والشرع نبه بالقميص على ما فصل للبدن كله أيا كان.
ونبه بالعمامة على كل ساتر للرأس معتاد كالقبع والطاقية والقلنسوة ونحو ذلك، ونبه بالبرنس على المحيط بالرأس والبدن جميعا كالغفارة ونحوها، ونبه بالسراويل على المفصل على الأسافل كالتبان ونحوه، ونبه بالخفين على ما في معناهما من الجرموق والجورب والزربول ذي الساق
ونحوه (2).
ومما يؤكد ذلك أن النبي ما هو الأمر أن يحرم المحرم في إزار ورداء ونعلين كما في حديث الزهري عن سالم عن ابن عمر له أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين، فإن لم يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعها
(1) ابن قدامة، الكافي، ج 1، ص 403.
(2) الشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 366، والسالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 184، والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص 226، وابن مفلح، المبدع، ج 3، ص 141. (3/12)
صفحة 776
الرائد
(13)
حتى يكونا إلى العقبين).
والإزار والرداء في الحديث جاءا مطلقين غير مقيدين بكونهما خلوا من الخياطة فممكن أن يكون في كل واحد منهما خياط، كما أنه يمكن أن يستعمل الإزار مشقوق الطرفين وممكن استعماله مجموع الطرفين ولو بخياطة؛ إذ هذا الجمع لا يخرجه عن كونه إزارا وغير مفصل على مقدار الجسد.
ولو سلم بأن هذا ليس بإزار فيقال إنه ليس بسراويل ولا يشبه السراويل، والشرع إنما نهى عن السراويل في قوله: لا يلبس المحرم السراويلات ويلحق بالسراويل ما كان مثله مما فصل على مقدار الجزء السفلي من البدن، أما الثوب الموصول طرفاه فليس هو سراويل ولا في حكم السراويل فيكون على أصل براءة الذمة إذ إن السائل لما سأل عن ما يلبس المحرم أجابه النبي عن الذي لا يلبسه في إشارة إلى أن الأصل الإباحة وأن الممنوع محدود فلا يلحق بالمذكور إلا ما كان مثله.
وأما حديث: من لم يجد الإزار فليلبس السروايل فالظاهر أن المنطوق فيه
(1) ابن الجارود، المنتقى، ص 111، برقم (416)، وأصل الحديث دون محل الشاهد عند الشيخين من الطريق نفسها طريق ابن عمر، وعند الإمام الربيع من طريق أبي سعيد
الخدري كما تقدم تخريجه (3/13)
صفحة 777
الرائد
وارد مورد الأغلب المعتاد فلا يكون له مفهوم والتوجيه السابق كله على
فرض أنه لا يصح أن يطلق على الثوب السابق إزارا.
والإزار ما يستر أسفل البدن والرداء ما يستر به أعلاه، وكلاهما غير مخيط، وقيل: الإزار ما تحت العاتق في وسطه الأسفل والرداء ما على العاتق
والظهر، وقيل: إن الإزار ما يستر أسفل البدن ولا يكون مخيطا.
ومن السابق يظهر أن الارتداء والائتزار قد يكونان بما هو محيط أصلا كمن لف بدنه بثوب مخيط طاقا أو طاقين أو أكثر فهذا غير داخل في النهي الشرعي؛ إذ لم يكن الثوب ملبوسا على قدر عضو بل مؤتزر به ولا إشكال في
ذلك للسابق).
قال قطب الأئمة وخرج بلبس المخيط الارتداء به والالتحاف به
(1) الزبيدي، تاج العروس، ج 10، ص 43.
(2) الشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 368، والشافعي، الأم، ج 2، ص 50، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 459، والنووي، المجموع، ج 7، ص 229، وابن عبد البر، الكافي، ص 153، وابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 402، والسرخسي، المبسوط، ج 4، ص 126، والعيني، عمدة القاري، ج 9، ص 162، وابن حزم، المحلى، ج 7، ص 78، وابن جماعة،
هداية السالك، ج 2، ص 707، وابن مفلح، المبدع، ج 3، ص 144. (3/14)
صفحة 778
الرائد
15
ووضعه على الظهر مثلا أو البطن فذلك جائز.
وجماع الأمر أن يقال إن اللبس الحرام الموجب للفدية محمول على ما
يعتاد في كل ملبوس.
وقد نص جماعة من الفقهاء على أن لبس القباء ممنوع إذا ما أدخل اللابس يديه في الكمين؛ لأنه بذلك يكون مفصلا على قدر الجسد، أما إن طرحه دون أن يدخل يديه في كميه فلا بأس فيه".
ونص على الحكم السابق الإمام أبو سعيد الكدمي وأبو المؤثر البهلوي وغيرهما (3)؛ إذ الأمر لا يعدو أن يكون كحال الارتداء بالقميص وليس لبسا لمفصل على مقدار الجسد، على أن المحرم يلف بدنه بردائه وهذا غير مختلف
عنه، قال السرخسي:
لبس القباء إنما يحصل بإدخال اليدين في الكمين فإذا لم يفعل ذلك كان
(1) القطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 71.
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 177، وابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 18، والنووي، المجموع، ج 7، ص 229، والسرخسي، المبسوط، ج 4، ص 125، والكاساني،
بدائع الصنائع، ج 2، ص 184، وابن مفلح، المبدع، ج 3، ص 145.
(3) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 178، وص 182. (3/15)
صفحة 779
الرائد
واضعا القباء على منكبيه لا لابسا، وهذا لأنه في معنى لبس الرداء لأنه يحتاج إلى تكلف حفظه على منكبيه عند اشتغاله بعمل كما يحتاج إليه لابس الرداء.
أما إذا أدخل يديه في كميه فلا يحتاج في حفظه على نفسه عند الاشتغال بالعمل فيكون لابسا للمخيط وكذلك إن زره عليه كان لابسا لأنه لا يحتاج إلى تكلف حفظه عليه بعد ما زره.
لكن يبقى أن القباء قد يكون مفصلا على مقدار الجسد وإن كان المحرم لا يدخل يديه فيه وذلك أنه بالنظر إليه يكون مفصلا على مقدار المنكبين فتجده يقبض فيهما دون قابض سوى التفصيل على مقدارهما.
وقد جرت عادة الكثيرين على لبسه دون إدخال اليدين في الكمين، لذا فالأولى أن يقال إنه لا يصح أن يلبس كهيئته على المنكبين ولو لم تدخل اليدان في الكمين).
وأجاز جماعة لبسه منكوسا؛ لأنه والحالة تلك كالرداء فهو غير مفصل
على مقدار الجسد ولا عضو منه، وهذا لا إشكال فيه.
وذهب آخرون إلى أنه إن طرح القباء عليه لزمته الفدية وإن لم يدخل
(1) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 125.
(2) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 459. (3/16)
صفحة 780
الرائد
(17) IV
اليدين في الكمين واختلفوا في إدخال اليد الواحدة، واستدلوا لذلك بما روى ابن المنذر مرفوعا أنه نهى عن لبس الأقبية للمحرم، ولأنه مخيط وهو
عادة لبسه كالقميص
(1)
على أن جمعا من الفقهاء نظروا إلى عموم النص في النهي عن لبس القباء
(2)
في حديث ابن عمر فمنعوا منه بإطلاق ".
أما ما يطلقه كثير من الفقهاء من منع المحرم من لبس المخيط فأمر لا
يراد به ظاهره وإنما يراد به المخيط المفصل على قدر الجسد لا الذي فيه مطلق
خياطة.
ويظهر أن الذي حملهم على هذا الإطلاق كون غالب المفصلات على
قدر الجسد مفصلة بالخياطة فلغلبة هذا النوع من المفصلات وشيوعه
أطلق
(1) لم أجد هذه الرواية مسندة وقد نقلت عن ابن المنذر، وقد يكون المراد بها ما تقدم تخريجه من حديث ابن عمر. ابن مفلح المبدع، ج 3، ص 145.
(2) العراقي، طرح التثريب، ج 5، ص 40.
(3) الشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 365، والصائغي، لباب الآثار، ج 3، ص 439، والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 71، وابن عبد البر، التمهيد، ج 15، ص 104، والكافي، ص 153، والرافعي العزيز، ج 3، ص 459، وابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 402، وابن قدامة، الكافي، ج 1، ص 403. (3/17)
صفحة 781
الرائد
18
لفظ الخياطة على كل مفصل.
ومما يدلك على أنه ليس المقصود بالمخيط هنا الذي فيه خياطة اتفاقهم
على منع المحرم من الثوب المنسوج مفصلا على قدر الجسد أو الملصق بعضه ببعض على قدر الجسد أو عضو منه.
ثم إن لفظ منع المحرم من المخيط أمر لم يأت في شيء من النصوص الشرعية المحتج بها وأقصى ما أتى الأنواع التي جاءت في حديث ابن عمر
وأبي سعيد الخدري سابقي الذكر والتخريج.
والعلة الجامعة بينها ليست الخياطة بل التفصيل على قدر الجسد لما ذكرناه من انتقاض علة الخياطة بالإجماع على منع المحرم من غير المخيط إن
كان مفصلا على قدر الجسد كالثوب المنسوج.
وقد يعترض معترض بأن العلة التي ذكرناها في اللباس الممنوع منقوضة بحديث وكيع عن ابن أبي ذئب عن صالح بن أبي حسان أن النبي صلى الله عليه وسلم أبصر رجلا محرما بحبل أبرق وهو محرم فقال: يا صاحب الحبل ألقه.
(1) ابن تيمية شرح العمدة، ج 3، ص 15، وابن قدامة، الكافي، ج 1، ص 403، والدمياطي، إعانة الطالبين، ج 2، ص 322، والنفراوي، الفواكه الدواني، ج 1، ص 368، والشربيني،
الإقناع، ج 1، ص 259. (3/18)
صفحة 782
الرائد
(14)
والحديث أخرجه ابن أبي شيبة، ومن طريق هناد عن وكيع به أخرجه أبو داود) ولكن الحديث غير متصل كما هو بيّن في إسناده فلا يكون حجة.
وقد جاء من طريق سعيد بن سالم القداح عن ابن جريج أن رسول الله
رأى رجلا محتزما بحبل أبرق فقال: انزع الحبل مرتين".
غير أن هذا لا يثبت لضعف إسناده المتمثل في القداح الذي ذكرنا مرارا أنه لا يثبت حديثه، وانقطاعه من جهة أن بين ابن جريج والنبي صلى الله عليه وسلم مراحل إضافة إلى أن ابن جريج لا يقبل منه إلا التصريح بالسماع، فضلا عن كونه خلوا من موطن الشاهد وهو أن الأمر كان في حال الإحرام.
والعلة السابقة تقضي بأن قليل اللبس المنهي عنه ككثيره، ولم أجد من فرق بين قليل اللبس المنهي عنه وكثيره بل الكلمة واحدة أن النهي الشرعي شامل للحالين فكما يكون الانتهاك في ملبوس كامل يكون الانتهاك
(1) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 409.
(2) أبو داود المراسيل، ص 156.
(3) الشافعي، الأم، ج 2، ص 150.
(4) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 51. (3/19)
صفحة 783
الرائد
لنصفه).
أولا: وصف اللباس الممنوع
تبين من السابق أن الوصف الجامع للباس الممنوع هو التفصيل على مقدار الجسد أو عضو منه، وهذا التفصيل قد يكون بالخياطة أو أن ينسج نسجا، أو يلصق بلصوق، أو يربط بخيوط، أو يخلل بخلال، أو يزر ونحو ذلك مما يوصل به الثوب المقطع حتى يصير كالمخيط فيفصل على مقدار
الجسد.
وهذا المقدار أمر متفق عليه بين الأمة، وإن لف المحرم الثوب المخيط أو ما كان مفصلا على مقدار الجسد على جسده واستعماله إياه بهيئة الرداء أمر لا حرج فيه إذ العلة السابقة غير متحققة ولم يكن نهي شرعي عن مثل ذلك". ولكن ذهب بعض الفقهاء إلى كراهة الارتداء بالثوب المخيط، ولعلهم نظروا إلى علة مطلق الخياطة وقد ظهر لك أن علة المنع خلافها، ولا ما نهى الشرع عنه ولم ينه الشرع عن الارتداء بالمخيط.
(1) النووي، المجموع، ج 7، ص 228، وابن مفلح، المبدع، ج 3، ص 141. (2) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 435، وابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 34. (3) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 435.
نهي
الا (3/20)
صفحة 784
الرائد
(21)
وبالقاعدة السابقة يتبين لك حكم أمور كثيرة أنه لا
حرج
فيها وذلك
كالهميان يعقده المحرم على نفسه حفظا لماله في الأغلب، واللفافة يلفها على
عضو منه لعلاج.
(3)
وحشوة يحتشي بها صاحب سلس، ونظارة يلبسها المحرم، وسيف يتقلده، وساعة يد يضبط بها، وقته، وهكذا التعاويذ والحروز، والخاتم والنعال.
وسبب ذلك أن علة التفصيل على مقدار الجسد أو عضو منه غير متحققة فما الأمور السابقة إلا تغطية لعضو على هيئة الارتداء والاتزار وقد
هي
تبين بالإجماع أنه لا حرج في السابق بل السنة الآمرة بذلك، وما الأمور التي ذكرناها إلا داخلة في معنى هذه.
وذهب بعض الفقهاء إلى المنع من تقلد السيف ونحوه، وفي هذا المنع نظر من حيث إن هذا التعليق ليس هو بلبس لغة ولا عرفا، ولا تنطبق عليه
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 169، وابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 22، والنووي، المجموع، ج 7، ص 229، والسرخسي، المبسوط، ج 4، ص 127.
(2) الصائغي، لباب الآثار، ج 3، ص 445.
(3) الصائغي، لباب الآثار، ج 3، ص 445. (3/21)
صفحة 785
الرائد
22
علة المنع التي مضى تحريرها.
فضلا أنه مخالف لنص شرعي ثابت وهو دخول النبي ومن معه مكة
محرما يوم عمرة القضية وعندهم السيوف ولم يكن الإحرام مانعا لهم من مثل
ذلك.
ثم إن هذه الأمور ليست من المنصوص عليه في شيء وقياسها على
المنصوص عليها قياس مع الفارق الكبير فلا يصح.
ومن السابق أيضا يظهر أنه لا حرج في أن يلف المحرم نفسه بالألحفة القطنية والثقيلة التي تقيه شر البرد إذا ما تعرض له فذلك ليس بلبس بل هو التحاف وبينهما بون، وقد يكون ارتداء.
كما أنه لا حرج عليه إذا ما ادرع عن البرد بالدخول في حقيبة النوم المعروفة بـ (sleeping bag) وذلك لأن العلة التي قلناها في المنع غير شيئا مفصلا على مقدار الجسد أو عضو منه وإنما
متحققة فيها فليست هي
هي
كالثوب الغليظ يلفه المحرم حوله ليجنبه كثيرا من المؤذيات، فهي
كالدخول في الخيمة ولكنها لا تتسع إلا لشخص واحد.
ولكن أيصح له أن يدخل في هذه الحقيبة كله ويتغطى جسده جميعه بها أو لا للنهي عن تغطية الرأس؟ (3/22)
صفحة 786
الرائد
23
الظاهر أنه لا حرج في أن يدخل كله في هذه الحقيبة، وذلك لأن الممنوع في الرأس كما سيأتي - إنما هو قصد تغطيته بمعتاد أو غير معتاد، بشرط ملامسة الغطاء للرأس، أما عند عدم الملامسة فلا حرج كما سيأتي.
هي
والحال في هذه الحقيبة أن التغطية لا يقصد بها الرأس استقلالا فتمنع بل
للجسد كله والرأس من الجسد كحال الداخل في الخيمة.
ثم إن الذي يلحق الرأس منها قليل ما هو إلا كحال الوسادة يتوسد بها
المحرم فتغطي شيئا من رأسه وقد يكون التوسد بعمامة وقد نص الفقهاء على أنه لا مانع يحجر ذلك.
وما العلة إلا أن التوسد لا يقصد به التغطية للرأس وإنما هو أمر يراد
لغيره مع حصول جزء من التغطية تبعا لا استقلالا.
ونص الشيخ أبو نبهان - على أنه إن دخل المحرم الخيمة أو العريش
أو البيت ومس شيء من ذلك رأسه فلا شيء عليه".
كما أن الفقهاء نصوا على أنه لا حرج على المحرم في حمله متاعه فوق
(1) القطب شرح كتاب النيل، ج 4، ص 74، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 457، وابن
جماعة، هداية السالك، ج 2، ص 701.
(2) الصائغي لباب الآثار، ج 3، ص 447. (3/23)
صفحة 787
الرائد
24
رأسه
مع
أنه يتغطى شيء من رأسه ولكن لما كانت التغطية غير مقصودة
أصالة ولكن تحققت تبعا كان الحكم الجواز.
وكذلك نص الفقهاء على أن للمحرم وضع يده على رأسه والانغماس في
الماء، وما العلة إلا عدم قصد التغطية.
كذلك
يمسح المحرم رأسه في الوضوء والغسل اتفاقا، وما قصد التغطية
أصالة ولكن تحققت تبعا فعفي عنها.
و مما يدل على ذلك من السنة المطهرة حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: اختلفت أنا والمسور بن مخرمة بالأبواء فقلت: يغسل
المحرم رأسه، وقال هو: لا يغسله، قال ابن عباس:
فأرسلت رجلا اسمه عبدالله بن حنين إلى أبي أيوب الأنصاري فوجده
الرجل يغتسل بين القرنين وهو يستتر بثوب فسلم عليه فقال له: من هذا؟ فقال الرجل: أنا رسول ابن عباس إليك يسألك: كيف يغتسل رسول
الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم؟
(1) الصائغي، لباب الآثار، ج 3، ص 446، وابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 34، والنووي، المجموع، ج 7، ص 227، وابن قدامة، الكافي، ج 1، ص 406، وابن مفلح،
المبدع، ج 3، ص 139. (3/24)
صفحة 788
الرائد
25
قال الرجل: فوضع يده على الثوب فطأطأه حتى بدا لي رأسه ثم قال
لإنسان يصب عليه اصبب فصب على رأسه ثم حركه بيده فأقبل بهما وأدبر قال: هكذا رأيته يفعل صلوات الله عليه).
والحكم في حقيبة النوم كذلك الأمر إذ الأمر أن التغطية غير مقصودة للرأس أصالة بل هي ملامسة للرأس من طرف واحد اقتضاها أمر الدخول
في الحقيبة فكان حكمه الجواز كالأمور التي ذكرناها.
واختلف الفقهاء في عقد الثوب للمحرم أهو مما يصح؟
(2)؟
العقد
وبإعمال علة النهي نجد أنه لا حرج في ذلك وإن كان الأولى عدم للرداء وذلك لأن الأمة متفقة على جواز عقد الإزار ولم يأت دليل يشرعه بذاته حتى يقال بأنه خاص بالإزار مما يعني أن العقد نفسه غير ممنوع إن كان يصل به بين طرفي ردائه خشية أن يشغله بتفلته.
ثم إن العقد للرداء غير داخل في شيء من المنهيات المذكورة في الأدلة
(1) أخرجه الربيع في كتاب الحج، باب: في غسل المحرم (405).
(2) الشافعي، الأم، ج 2، ص 147، والنووي، المجموع، ج 7، ص 229، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 139، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 185، وابن مفلح، الكافي، ج 1،
ص 404. (3/25)
صفحة 789
الرائد
(YT)
الشرعية اللهم إلا إن قيل إن العقد ممكن أن يفصل به على مقدار الجسد أو عضو منه فحينها يكون المنع لتحقق العلة وإن كان الأمر في ظاهره عسيرا.
ومن الفقهاء من أجاز عقد الهميان للحاجة ومنعه عند عدمها، لذا
منع
هؤلاء المنطقة التي يلبسها المحرم الذي يجد الوجع في ظهره مع إيجابهم الفدية
عليه (1).
وأنت خبير أن لف الهميان والمنطقة حول بدن المحرم ليس إلا كلف الإزار في حقويه فما الذي أخرجه من حكمه.
ثم إن العلة التي قررناها في منع المحرم من اللباس لا تتناول الهميان ولا
المنطقة ولا ما شابهها بنوع من أنواع الدلالة المعتبرة.
ومن الفقهاء من قيد جواز لبس الهميان والمنطقة بالحاجة إليه كحفظ
المال، فإذا ما عدمت الحاجة ارتفع حكم الجواز.
ولكن يشكل على هذا مع عدم الدليل عليه أن الحاجة لانتهاك محظور ترفع حكم المنع مع إيجاب الفدية كما هو الحال فيمن اضطر إلى حلق شعره لعلة وهو محرم فنص الكتاب العزيز حينها على الفدية شرطا لارتفاع
(1) ابن قدامة، الكافي، ج 1، ص 404.
(2) الشافعي، الأم، ج 2، ص 150، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 139. (3/26)
صفحة 790
الرائد
27
المنع.
وهؤلاء جعلوا الحاجة نفسها علة لجواز اللبس دون قيد الفدية وهو
خلاف السابق).
ثانيا: لبس المحرم الخفين
حكم لبس الخفين
جاء الحديث النبوي آمرا المحرم بلبس النعلين من حيث الأصل، وفي حال عدم وجدان النعلين يلبس الخفين مع شرط قطعهما أسفل من الكعبين. وعدم الوجدان لهما يكون بأن لا يقدر على تحصيلهما إما لفقدهما، أو ترك بذل المالك لهما، وعجزه عن الثمن إن وجد من يبيعه أو الأجرة، ولو بيع
بغبن لم يلزمه الشراء، أو وهب له لم يجب القبول.
واختلف إن وجده بإعارة أيلزمه أخذه أو لا يلزمه، والأظهر عدم
اللزوم خشية الضمان وشبهه بالهبة).
(1) الشافعي، الأم، ج 2، ص 151.
(2) النووي، المجموع، ج 7، ص 231، وابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 403، والزرقاني، شرح الموطأ، ج 2، ص 307، والدمياطي، إعانة الطالبين، ج 2، ص 323. (3/27)
صفحة 791
الرائد
والبدل هنا إنما هو في حال العذر فإذا ما ارتفع العذر عاد الحكم الأصلي وهو لبس النعال.
والأمر السابق منطبق على الخفين كليهما كما أنه متوجه إلى الخف الواحد إذ الخطاب شامل للأمرين.
وذهب بعض إلى أن المنع للخفين كليهما وأنه إن لبس واحدا فقط فلا شيء عليه).
وفي هذا نظر؛ إذ علة التفصيل على مقدار جزء من الجسد متحققة في الخف، وكون الشرع أطلق لفظ الخفين فللغالب المعتاد أن لا يقتصر أحد على خف واحد سواء لبس للرجل الثانية نعلا أو لم يلبس شيئا، ومعلوما أن ما كان إطلاقه للغالب المعتاد فلا مفهوم له.
وهذا الأمر بلبس الخفين ليس على سبيل الوجوب بل هو أمر إرشاد أريد به التسهيل على العباد) فلو أن محرما لم يجد النعلين ومضى مؤديا حجه حافيا لم يكن عليه شيء باتفاق من حيث عدم اللبس نفسه إلا إن كان يدخل
(1) الشافعي، الأم، ج 2، ص 147.
(2) النووي، المجموع، ج 7، ص 231.
(3) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 403. (3/28)
صفحة 792
الرائد
(29)
على نفسه الضرر بالمشي حافيا فينهي حينها لحرمة الإضرار بالنفس لا لذات
عدم اللبس.
على أن الأصل وهو لبس النعلين حال الإحرام ليس بواجب من حيث
الأصل فلا يكون بدله المشروع للتخفيف على الأمة واجبا.
وغير غائب عن النظر أن الشرع يسوي في الترخيص في التكاليف الشرعية بين عدم الوجدان وعدم القدرة على الاستعمال كحال التيمم مثلا لذا فغير الواجد للنعلين وغير القادر على استعمالهما سواء في جواز الانتقال إلى لبس الخفين من غير وجوب فدية على ما مضى ذكره.
وعدم القدرة على الاستعمال قد يكون لمرض في قدمه، أو كونه لم يعتد المشي فيها فإذا مشى تعثر وانقطعت ونحو ذلك، أو يصيب أصابعه شوك أو حصى، أو لا يقدر أن يسرع في السير فيخاف فوات الرفقة، أو يكون عليه عمل لا يمكنه أن يعمله، وهكذا.
لكن ذهب بعض الفقهاء إلى أن على من لم يستطع لبس النعلين فانتقل إلى الخفين، الفدية، وذلك أن النص أثبت الانتقال إلى الخفين عند عدمهما لا
(1) القطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 72، وابن قدامة المغني، ج 3، ص 139، وابن تيمية، شرح العمدة، ج 3، ص 43. (3/29)
صفحة 793
الرائد
عند عدم القدرة عليهما.
وفي هذا نظر فإن عدم الوجدان مما يدخل فيه عدم القدرة على الاستعمال في الفروع الفقهية الأخرى كتعليق مشروعية التيمم بعدم وجدان الماء في نص الكتاب العزيز، ومعلوم أن عدم القدرة على الاستعمال حكمها حكم عدم الوجدان كما بينت السنة ذلك في التيمم.
ثم إن المقصود من الانتقال إلى الخفين هو عدم التكليف بما لا يطاق بالانتقال إلى الحكم الأخف؛ إذ إن الأمور إذا ضاقت اتسعت وإذا اتسعت ضاقت، وحال غير القادر على الاستعمال كحال غير الواجد من حيث عدم إمكان الوصول إلى تطبيق الحكم الشرعي فكان الحكم واحدا لما اتحدت العلة
بينهما.
لبس النعال المخيطة
أمر النبي المحرم بلبس النعلين أمرا عاما ولم يخص النعال المخيطة من غيرها، وهذا العموم يفيد بظاهره جواز لبس النعلين على كل حال ووصف. وذهب بعض الفقهاء إلى منع المحرم من لبس النعال التي فيها خياطة).
(1) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 184، وابن قدامة، الكافي، ج 1، ص 5 (3/30)
صفحة 794
الرائد
(31)
علة
ولا أعلم دليلا لهؤلاء يستندون عليه سوى ما ذكرناه سابقا من جعل منع المحرم من الثياب هي الخياطة وقد ذكرنا قادح تلك العلة وهو النقض بالإجماع على تخلفها في بعض الفروع، وأن الصحيح أن العلة هي التفصيل على قدر الجسد أو عضو منه.
على أن الحديث لم يذكر الخياطة ولا غيرها بل عمم الأمر للمحرم في لبس النعلين فتخصيص ذلك بغير المخيطة تحكم لم ينطق به الدليل الشرعي.
ثم إن اللبس للنعل شبيه بالارتداء للجسم إذ ليست هي مقدار الجسد كالخف المنهي عنه لذا أبيحت.
مفصلة على
وكونها بها خياطة في بعض الأحوال لا يغير من الحكم شيئا؛ لأنهم قد
نصوا على جواز الارتداء بالمخيط من قميص وغيره كما تقدم وحال النعل لف للقدم بما فيه خياطة.
واختلفوا في النعل يكون لها قيد يحفظ القدم حال المشي، فقيل بأن
النص أباح النعل بإطلاق دون قيد خلوها من القيد فلذا
هي
جائزة، وليس
ذلك القيد بمخرج لها عن وصف النعل.
(1) القطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 73.
(2) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 139، وابن جماعة، هداية السالك، ج 2، ص 707. (3/31)
صفحة 795
الرائد
وذهب آخرون إلى المنع من النعل ذات القيد، وقالوا إنها والحال ذلك أشبه بالخف فتعطى حكمه وإن كان القيد أسفل من الكعبين فالأمر ليس
بمؤثر شيئا غير عدم القطع إذ المشروع من القطع غير موجود فانتفى الحكم لانتفائه، والنص الشرعي أطلق خطابه على المعهود من حال النعال أنها خالية من القيد.
قطع الخف وصفة ذلك
فرق بعض الفقهاء بين الخف والنعل فقال ما ظهر منه العقب ورؤوس الأصابع يحل مطلقا، وما ستر الأصابع فقط أو العقب فقط لا يحل إلا مع فقد النعلين).
وكأنه يشير إلى أن الخف ما غطى الأصابع والقدم، والنعل ما لم يكن كذلك، وبهذا تتحقق علة المنع وهي التفصيل على مقدار الجسد في الخف دون النعل التي حالها لا يعدو كونه لفا على القدم فهي كالرداء والإزار
للجسد.
وجاءت السنة من طرق مقيدة جواز لبس الخف للمحرم بقطعه أسفل من الكعبين ومن ذلك حديثا أبي سعيد الخدري وابن عمر اللذان تقدم
(1) الدمياطي، إعانة الطالبين، ج 2، ص 321. (3/32)
صفحة 796
الرائد
تخريجهما.
كما جاء بالحكم السابق حديث هاشم بن مرثد نا زكريا بن نافع الأرسوفي ثنا محمد بن مسلم الطائفي عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
من لم يجد إزارا وهو محرم فوجد سراويلا فليلبسه، ومن لم يجد نعلين فليلبس الخفين فليقطعهما أسفل من الكعبين.
زريع
كما جاء السابق من حديث إسماعيل بن مسعود قال: حدثنا يزيد بن قال: أنبأنا أيوب عن عمرو عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال:
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
إذا لم يجد إزارا فليلبس السراويل، وإذا لم يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين.
جاءت رواية هؤلاء الصحابة مقيدة جواز لبسه للمحرم بقطعه أسفل
(1) الطبراني، المعجم الأوسط، ج 9، ص 128، قال الهيثمي: إسناده حسن، الهيثمي، مجمع الزوائد، ج 3، ص 219.
(2) أخرجه النسائي في كتاب: مناسك الحج، باب: الرخصة في لبس الخفين في الإحرام لمن
لا يجد النعلين (2679). (3/33)
صفحة 797
الرائد
34
من الكعبين لذا ذهب الأكثر من أهل العلم إلى أن شرط لبس الخفين هو
قطعهما أسفل من الكعبين كما هو نص الأحاديث السابقة.
وهو
والعلة في ذلك أن الخف مما فصل على مقدار جزء من الجسد القدم، أما النعل فلا يعدو حالها أن يكون كحال الارتداء وقد سبق النص أن الارتداء مما لا حرج فيه والكعبان في اللغة العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم، فيكون المقصود من القطع إظهار الكعبين مع بقاء شيء منه تستمسك به رجلاه
ونسب إلى الإمام محمد بن الحسن الشيباني أن الكعب هنا هو العظم الذي في وسط القدم عند معقد الشراك)، غير أن الحافظ ابن حجر قال إن هذه النسبة نظرا.
6
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 187، والشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 367، والسالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 184، والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 72، والشافعي، الأم، ج 2، ص 147، وابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 403، والعيني، عمدة القاري، ج 9، ص 162، والقرافي الذخيرة، ج 3، ص 228، وابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 17، وابن حزم، المحلى، ج 7، ص 80.
(2) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 127.
(3) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 403. (3/34)
صفحة 798
الرائد
وعلى أي حال صحت النسبة أو لم تصح فتفسير الجمهور للكعبين هو الذي عليه ظاهر لغة العرب".
وغير خفي عن النظر أن هذا القطع للخفين عند هؤلاء إنما هو في حال الخفين اللذين هما أعلى من الكعبين، وأما إن كانا أسفل من الكعبين فلا قطع حينها لذهاب الحكم بذهاب محله.
لكن ذهب آخرون إلى أن للمحرم إن لم يجد النعلين لبس الخفين دون
اشتراط قطعها، وقد استدل هؤلاء لما ذهبوا إليه بأدلة منها:
أولا: ما في حديث ابن عباس من إطلاق لبس الخفين دون تقييد بقطعهما كما في حديث عمرو بن دينار سمعت جابر بن زيد سمعت ابن
عباس
{قال: سمعت النبي الله يخطب بعرفات: من لم يجد النعلين
فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزارا فليلبس سراويل للمحرم".
(1) الفراهيدي، العين، ج 1، ص 207، وابن سيده المحكم، ج 1، ص 285، والعظيم
أبادي، القاموس المحيط، ص 168.
6
(2) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 138، وابن تيمية شرح العمدة، ج 3، ص 21. (3) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب لبس الخفين للمحرم إذا لم يجد النعلين
(\ VEE) (3/35)
صفحة 799
الرائد
36
قالوا وهذا الحديث الذي لم يأمر بقطعهما كان في عرفات مما يعني تأخره عن الحديث الذي فيه الأمر بقطعها إذ إنه على ما يظهر كان في المدينة المنورة قبل خروجه فيكون الأول منسوخا والآخر ناسخا.
وقالوا أطلق النبي الإذن في لبس الخفين ولم يشترط القطع وهذا كان بعرفات والحاضرون معه إذ ذاك أكثرهم لم يشهدوا خطبته بالمدينة فإنه كان معه من أهل مكة واليمن والبوادي من لا يحصيهم إلا الله تعالى وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع.
فدل هذا على أن هذا الجواز لم يكن شرع بالمدينة وأن الذي شرع بالمدينة
هو لبس الخف المقطوع ثم شرع بعرفات لبس الخف من غير قطع
(1)
قالوا ومما يدل على النسخ وتبدل الحكم حديث عائشة عن النبي أنه رخص للمحرم أن يلبس الخفين ولا يقطعهما، وكان ابن عمر يفتي بقطعها، قالت صفية: فلما أخبرته بهذا رجع.
ثانيا: القدح في حديث ابن عمر وذلك أن حديث ابن عمر اختلف في
وقفه ورفعه، وحديث ابن عباس لم يختلف في رفعه، قال ابن قدامة:
فقد قيل إن قوله " وليقطعها" من كلام نافع كذلك رويناه في أمالي أبي
(1) ابن القيم، الحاشية على سنن أبي داود، ج 5، ص 195. (3/36)
صفحة 800
الرائد
37
القاسم بن بشران بإسناد صحيح أن نافعا قال بعد روايته للحديث: وليقطع
الخفين أسفل من الكعبين.
<
وروى ابن أبي موسى عن صفية بنت أبي عبيد عن عائشة أن رسول
الله صلى الله عليه وسلمرخص للمحرم أن يلبس الخفين ولا يقطعها، وكان ابن عمر يفتي بقطعهما قالت صفية: فلما أخبرته بهذا رجع.
وروى أبو حفص في شرحه بإسناده عن عبد الرحمن بن عوف أنه طاف
وعليه خفان فقال له عمر والخفان مع القباء؟ فقال: قد لبستها مع من هو خير منك يعني رسول الله).
ثالثا: في قطع الخفين فساد، والله لا يحب الفساد.
رابعا قياس لبس الخفين عند
عدم
النعلين دون قطع على لبس السراويل
عند عدم الإزار إذ لا يؤمر المحرم بحلها.
وأجاب الجمهور عن السابق بأمور:
أولها أن التعارض بين حديثي أبي سعيد الخدري وابن عمر وجابر بن
عبدالله وابن عباس في رواية النسائي وبين حديث ابن عباس الذي استدل به
(1) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 138. (3/37)
صفحة 801
الرائد
38
القائلون بعدم القطع إنما هو من قبيل تعارض المطلق والمقيد والجمع بينهما يكون بحمل المطلق على المقيد لذا يقيد إطلاق ابن عباس بقيد حديثي
سعيد الخدري وابن عمر وهو القطع أسفل الكعبين.
وغير خفي عن النظر أن المطلق والمقيد هنا متحدان سببا وحكما فيجب الحمل باتفاق اقترنا في الوجود أو تقدم أحدهما على الآخر".
قال الإمام السالمي:
إن اتحد حكم المطلق والمقيد واتفق سببهما وجب حمل المطلق على المقيد بيانا سواء تقدم أحدهما على الآخر أو تقارنا في الوجود ما لم يتأخر المقيد حتى يعمل بالمطلق فإنه يكون حينئذ يكون المقيد ناسخا لبعض أحكام المطلق". وقال الإمام الشافعي:
أرى أن يقطعا؛ لأن ذلك في حديث ابن عمر وإن لم يكن في حديث ابن عباس وكلاهما صادق، حافظ، وليس زيادة أحدهما على الآخر شيئا لم يؤده
(1) السمعاني، قواطع الأدلة، ج 1، ص 228، والجويني، البرهان، ج 1، ص 289، والسبكي، الإبهاج، ج 1، ص 200، وابن قدامة روضة الناظر، ص 260، والزركشي، البحر
المحيط، ج 3، ص 6، والبخاري، شرح التلويح، ج 1، ص 117.
(2) السالمي، طلعة الشمس، ج 1، ص 78. (3/38)
صفحة 802
الرائد
39
الآخر إما عزب عنه، وإما شك فيه فلم يؤده، وإما سكت عنه، وإما أداه فلم
يؤد عنه (1).
ومن أهل العلم من اعترض رواية ابن عباس التي هي خلو من الأمر بالقطع بأنها معارضة بما ورد عند النسائي من تقييد لبس الخفين بالقطع لأنه
زيادة من ثقة).
وهذا الاعتراض فيه شيء من النظر مع صحة إسناد الرواية، وذلك أن الأقرب في حكم هذه الزيادة هو الشذوذ لا القبول إذ إنه انفرد بها إسماعيل بن مسعود الجحدري وهو وإن كان موثقا) إلا أن النفس أميل إلى رواية الجماعة الأوثق والأكثر مع اتحاد المخرج ولذا فالاعتراض بذلك فيه شيء من
النظر.
ثانيها أن قول المانعين من القطع إن حديث ابن عمر معل بالوقف أجيب عن هذا بأنه لم يختلف على ابن عمر في رفع الأمر بالقطع فتلكم روايات
(1) الشافعي، الأم، ج 2، ص 148
(2) العيني، عمدة القاري، ج 9، ص 163.
(3) ابن حبان، الثقات، ج 8، ص 102، والمزي، تهذيب الكمال، ج 3، ص 195، وابن حجر،
تهذيب التهذيب، ج 1، ص 288. (3/39)
صفحة 803
الرائد
(?.)
الثقات التي خرجت جميعها ناصة على الرفع إلا في رواية شاذة فقط وما
الشاذ إلا ضعيف مطرح لا تعارض به روايات عامة الثقات.
وإنما الاختلاف كان في أمر الانتقاب ولبس القفازين للمحرمة وهذا
غير موطن الشاهد.
قال ابن تيمية متعقبا دعوى الإعلال بالوقف
وهذا غلط؛ فإنه لم يختلف أحد من الحفاظ في اتصاله وأن هذه الزيادة متصلة، وإنما تكلم أبو داود في قوله لا تنتقب المرأة الحرام ولا تلبس
القفازين
مع
أنه قد
وذكر أن هذه الزيادة من الناس من وقفها ومنهم من رفعها أخرجها البخاري وهذا بين في سنن أبي داود فمن توهم أن أبا داود عنى
زيادة القطع فقد غلط عليه غلطا بينا فاحشا.
على أنه اختلف في حديث ابن عباس أيضا فرواه ابن أبي شيبة بإسناد
صحيح عن سعيد بن جبير عن ابن عباس موقوفا).
(1) ابن تيمية، شرح العمدة، ج 3، ص 28
(2) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 439. (3/40)
صفحة 804
الرائد
(41)
وحديث ابن عمر أصح من حديث ابن عباس؛ لأن حديث ابن عمر جاء بإسناد وصف بكونه أصح الأسانيد، واتفق عليه عن ابن عمر غير واحد من الحفاظ منهم نافع وسالم بخلاف حديث ابن عباس فلم يأت مرفوعا إلا من رواية الإمام جابر بن زيد عنه).
وممكن أن يقال بقول الذين رأوا عدم القطع أن لو ثبت أن حديث القطع كان بالمدينة المنورة قبل الخروج ولكن يشكل عليه أنه لم يثبت من طريق صحيح في شيء من الروايات أن ذلك كان بالمدينة بل هي إشارة استفيدت من حديث يزيد أنا محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على هذا المنبر وهو ينهى الناس إذا أحرموا عما
يكره لهم:
لا تلبسوا العمائم ولا القمص ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفين
إلا أن يضطر مضطر إليهما فيقطعهما أسفل من الكعبين.
ولا ثوبا مسه الورس ولا الزعفران قالك وسمعته ينهى
القفاز والنقاب وما مس الورس والزعفران من الثياب).
النساء
عن
(1) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 403، والعيني، عمدة القاري، ج 9، ص 163. (2) أحمد بن حنبل، المسند، ج 2، ص 32. (3/41)
صفحة 805
الرائد
كما جاء ما يشير إلى ذلك من حديث يحيى بن أبي طالب أنبأ عبد الوهاب بن عطاء أنبأ عبد الله بن عون عن نافع عن ابن عمر قال: قام رجل من هذا الباب - يعني بعض أبواب مسجد المدينة فقال يا رسول الله ما يلبس المحرم؟.
كما جاء ما يشير إلى ذلك من حديث حماد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: نادي رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب وهو بذاك المكان وأشار نافع إلى مقدم المسجد فقال يا رسول الله ما يلبس المحرم من الثياب؟ .... والرواية الأولى التي فيها الإشارة بكون ذلك في المدينة جاءت من طريق ابن إسحاق، وأنت خبير أن ابن إسحاق مدلس لا يقبل منه غير الذي يصرح بسماعه وهو هنا معنعن مما يعني ضعف روايته.
ثم إنا نقول إنه لو صرح ابن إسحاق بالتحديث لما قبلنا انفراده بهذه الزيادة إذ ما حال ابن إسحاق مع الرواة الذين لا قبل له بمعارضتهم ولم يذكروا هذه الزيادة مما يعني أنها غير محفوظة إذ لا يحتمل ابن إسحاق مثل هذه المخالفة وما حق زيادته هذه إلا الشذوذ إن لم نقل النكارة.
(1) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 49.
(2) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 49. (3/42)
صفحة 806
الرائد
43
أما الحديث الثاني الذي فيه الإشارة إلى كون ذلك في المدينة ففيه علل أحمد:
منها عبد الوهاب بن عطاء الخفاف الراوي عن ابن عون وقد قال عنه ضعيف الحديث مضطرب)، وقال البخاري: ليس بالقوي عندهم، وقال النسائي: ليس بالقوي".
وفوق ضعف الرجل هو موصوف بالتدليس قال البخاري: كان يدلس عن ثور الحمصي وأقوام أحاديث مناكير».
ثم إن القول بأن الحكم الإطلاقي في حديث ابن عباس كان بعرفات فيه شيء من النظر.
وذلك أن قوله: بعرفات مما اختلف فيه الرواة فقد انفرد شعبة بذكرها وخالفه الجماعة من الرواة فلم يذكروها كما أوضح ذلك الإمام مسلم بن
الحجاج صاحب الصحيح.
(1) العقيلي، الضعفاء، ج 3، ص 77، والمزي، تهذيب الكمال، ج 18، ص 509، والذهبي،
الكاشف، ج 1، ص 675.
(2) البخاري، الضعفاء الصغير، ص 77. (3) النسائي، الضعفاء والمتروكين، ص 68. (4) ابن حجر، طبقات المدلسين، ص 41. (3/43)
صفحة 807
الرائد
فقد رواه من الطرق التي لم يرد فيها ذكر عرفات ثم أتى برواية شعبة التي انفرد فيها بذكر عرفات وقال إثرها:
وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا سفيان بن عيينة ح وحدثنا يحيى بن
يحيى أخبرنا هشيم ح وحدثنا أبو كريب حدثنا وكيع عن سفيان.
ح وحدثنا علي بن خشرم أخبرنا عيسى بن يونس عن ابن جريج ح وحدثني علي بن حجر حدثنا إسماعيل عن أيوب، كل هؤلاء عن عمرو بن دينار بهذا الإسناد ولم يذكر أحد منهم يخطب بعرفات غير شعبة وحده). ورواه الشافعي في الأم من طريق سفيان بن عيينة أنه سمع عمرو بن دينار يقول: سمعت أبا الشعثاء جابر بن زيد يقول: سمعت ابن عباس يقول: سمعت رسول الله يخطب وهو يقول: إذا لم يجد المحرم نعلين لبس خفين، وإذا لم يجد إزارا لبس سراويل).
ومع جلالة حفظ الذاكر للكلمة إلا أن النفس أميل لرواية الجماعة الذين لم يذكروها فتكون روايته من قبيل الشاذ الذي هو ليس بحجة، ومن ذا الذي
(1) کتاب الحج، باب: ما يباح للمحرم بحج أو عمرة وما لا يباح وبيان تحريم الطيب عليه
(1178)
(2) الشافعي، الأم، ج 2، ص 147. (3/44)
صفحة 808
الرائد
45
كتبت له العصمة من البشر خلا الأنبياء.
أما استدلالهم على النسخ بحديث عائشة فوهم؛ إذ الحديث وارد في المرأة المحرمة لا المحرم، كما في حديث قتيبة بن سعيد ثنا ابن أبي عدي عن
محمد بن إسحاق قال: ذكرت لابن شهاب فقال: حدثني سالم بن عبد الله أن الله بن عمر يصنع يعني يقطع الخفين للمرأة المحرمة ثم حدثته
عبد
كان
ذلك
صفية بنت أبي عبيد أن عائشة حدثتها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان رخص للنساء في الخفين فترك ذلك".
وجاء بلفظ أطول منه كما في حديث ابن أبي عدي عن محمد بن إسحاق قال: حدثني نافع وكانت امرأته أم ولد لعبد الله بن عمر حدثته أن عبد الله بن عمر ابتاع جارية بطريق مكة فأعتقها وأمرها أن تحج معه فابتغى لها نعلين فلم يجدهما فقطع لها خفين أسفل من الكعبين.
قال ابن إسحاق فذكرت ذلك لابن شهاب فقال: حدثني سالم أن عبد يصنع ثم حدثته صفية بنت أبي عبيد أن عائشة حدثتها أن
الله كان
ذلك
(1) ابن تيمية شرح العمدة، ج 3، ص 28.
(2) أخرجه أبو داود في كتاب المناسك باب ما يلبس المحرم (1831). (3/45)
صفحة 809
الرائد
46
رسول الله لو كان يرخص للنساء في الخفين فترك ذلك).
وعليه فلا اعتراض بمثل تلك الرواية إذ ليس بها محل الشاهد فهي عن
المرأة المحرمة ألها أن تلبس الخفين أو ليس لها ذلك وموضعنا هنا في الرجل
أيلزم
مه قطعهما إذا ما اضطر إليهما.
من
السابق يظهر أن حديث ابن عمر في رواياته الصحيحة المتفق على صحتها لم يعين محل السؤال مما يعني أنه من الممكن أن يكون السماع لأصل النهي واحدا في موقف واحد بعرفات مع ابن عباس إن قلنا إن زيادة "بعرفات" ثابتة وليست بشاذة وقد ظهر لك أن الأظهر فيها الشذوذ كما أشار إلى ذلك الإمام مسلم فتساوت الروايات في عدم ذكر المحل. ومما يؤكد لك ذلك أن أبا سعيد الخدري الله عند الربيع، وجابر بن عبدالله عند الطبراني في الأوسط قد رويا تقييد لبس الخفين بقطعها ولم يأت في الرواية ما يفيد أنه بعرفات ولا غيرها.
ومن غير شك أن الأخذ في هذا الحال يكون بواقعة واحدة روى فيها ابن عباس الحديث مطلقا وحفظ ثلاثة من الصحابة غيره أنها رويت مقيدة وقد وقع الاتفاق بين علماء الملة أن المطلق محمول على المقيد في مثل هذا الحال
(1) أحمد بن حنبل، المسند، ج 6، ص 35. (3/46)
صفحة 810
الرائد
(? v)
كما تقدم فيلزم القطع.
وبعد إثبات السابق يظهر لك بطلان الوجوه التي قيلت في رد الحديث المقيد بالقطع من أن ذلك فساد، لأنا نقول إن جاء نهر الله بطل نهر معقل، وكل قياس عارض النص الثابت كان فاسد الاعتبار واجب الرد.
أما القياس على حال السراويل فمقدوح من وجهين:
أولهما: أنه فاسد الاعتبار لخلافه للنصوص الشرعية فلا ينظر إليه.
ثانيهما: أنه قياس مع الفارق إذ حل السراويل يعني إظهار العورة وإظهار العورة مفسدة لعن من يأتيها وعليه فتدرأ مفسدة حل السراويل
بلبسها دون حل؛ إذ ذلك أخف الضررين.
أما لبس الخفين المقطوعين فلا يتعلق به أمر من السابق إذ قطعهما لا
يوقع في محذور شرعي.
ثالثا: لبس الخفين المقطوعين مع وجود النعلين.
قيد الحديث جواز لبس الخفين بأمرين: أولهما عدم وجدان النعلين، وثانيهما قطعهما أسفل من الكعبين كما هو صريح قوله: فإن لم يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولأنه مخيط لعضو على قدره (3/47)
صفحة 811
الرائد
48
فوجبت على المحرم الفدية بلبسه القفازين.
وعلى الحكم السابق الأكثر من أهل العلم، لكن ذهب آخرون إلى جواز لبس الخفين المقطوعين أسفل من الكعبين وقالوا إن الشرع قد أذن للمحرم أن يلبسها، ولأنه لو كان لبسه محرما وفيه فدية لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطعهما لعدم الفائدة فيه.
ولكن يرد عليهم أن الشرع ما أباحهما مطلقين بل بقيد عدم وجود النعلين، والمقطوعان يصدق عليهما أنهما خفان مع القطع، والإجازة كانت في
حال قيد القطع.
وعلى السابق الذي يمنع لبس الخفين المقطوعين مع وجدان النعال ينطبق الحكم على ما كان في معنى الخف المقطوع كالأخفاف التي تصنع من أصلها أسفل من الكعبين كما هو استعمال الناس أغلبهم للأخفاف الآن،
(1) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 139.
(2) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 185، وابن عبد البر، الاستذكار، ج 4،
6
ص 17، والنووي، المجموع، ج 7، ص 231، وابن قدامة المغني، ج 3، ص 138، وابن
حجر، فتح الباري، ج 3، ص 403، وابن حزم، المحلى، ج 7، ص 80. (3/48)
صفحة 812
الرائد
49
ويمنع
ما كان في معنى الخفين المقطوعين كالجمجم واللالكة.
رابعا: ما على المحرم بلبسه الخفين اللذين قطعا
جاء الحديث النبوي: فإن لم يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل
من الكعبين، وفي هذا النص الشرعي لم يطلب من المحرم في حال عدم وجدانه النعلين غير أن يلبس الخفين المقطوعين، لذا قال الجمهور من أهل العلم إنه ليس عليه فدية) إذ إنه أتى فعلا أذن له الشارع أن يأتيه من غير أن يوجب عليه شيئا، ومعلوم من القواعد الشرعية أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
وذهب من أهل العلم آخرون إلى أن من لبس الخفين المقطوعين ملزم بالفدية كما هو الحكم في منتهك المحظورات على ما يفيده قوله تعالى: فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِن رَّأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكِ، والذي يفسره حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى أن كعب بن عجرة حدثه قال:
(1) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 139.
(2) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 403.
(3) الطحاوي، شرح معاني الآثار، ج 2، ص 134، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 138.
(4) سورة البقرة، جزء من الآية (196). (3/49)
صفحة 813
الرائد
( .. )
وقف عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية ورأسي يتهافت قملا فقال: يؤذيك هو امك؟ قلت: نعم، قال: فاحلق رأسك أو قال احلق.
قال: في نزلت هذه الآية [فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ
?
فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكِ إلى آخرها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم صم ثلاثة أيام،
(1)
أو تصدق بفرق بين ستة، أو انسك بما تيسر).
والجامع بين الأمرين لإثبات القياس كون كل واحد منهما انتهاكا
لمحظور في حال الاضطرار، ولأن ما وجبت الفدية بلبسه مع وجود الإزار
(2)
وجبت مع عدمه كالقميص.
والجمهور ذهبوا إلى السابق لكونه نص الشارع في حال الحاجة فليست
ثمة حاجة إلى القياس مع وجود النص.
ثم إن هناك فرقا بين حلق الرأس ولبس الخفين المقطوعين والفرق بينهما أن أذى الرأس ضرورة خاصة لا تعم فهي رفاهية للحاجة، وأما لبس الخفين عدم النعلين فبدل يقوم مقام المبدل، والمبدل وهو النعل لا فدية فيه فلا
عند
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب قول الله تعالى فَمَن كَانَ مِنكُم مِّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكِ) (1719).
(2) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 138. (3/50)
صفحة 814
الرائد
(01) *0*0*
فدية في بدله، وأما حلق الرأس فليس ببدل وإنما هو ترفه للحاجة فجبر
بالفدية).
ثم إن ترك واجبات الحج وفعل محظوراته يوجب الفدية إذا فعلت لعذر خاص يكون ببعض الناس بعض الأوقات، فأما ما رخص فيه للحاجة العامة وهو ما يحتاج إليه في كل وقت غالبا فإنه لا فدية معه، ولهذا رخص للرعاة والسقاة في ترك المبيت بمنى من غير كفارة لأنهم يحتاجون إلى ذلك كل عام.
ورخص للحائض أن تنفر قبل الوداع من غير كفارة؛ لأن الحيض أمر معتاد غالب فكيف بما يحتاج إليه الناس وهو الاحتذاء والاستتار فإنه لما احتاج إليه كل الناس لما في تركهما من الضرر شرعا وعرفا وطبعا لم يحتج المباح إلى فدية لا سيما وكثيرا ما يعدل إلى السراويل والخف للفقر حيث لا يجد ثمن نعل وإزار فالفقر أولى بالرخصة).
هذا
(1) ابن القيم، الحاشية على سنن أبي داود، ج 5، ص 194.
(2) ابن تيمية، شرح العمدة، ج 3، ص 41. (3/51)
صفحة 815
الرائد
ثالثا: لبس السراويل
حكم لبس السراويل للمحرم
نص حديث أبي سعيد الخدري وحديث ابن عمر على نهي المحرم عن لبس السراويل وقد سبق من قبل أن عليه لبس الإزار كما في حديث ابن
عباس سابق الذكر، وقد نقلنا إجماع أهل العلم على الأخذ بهذا النهي وأنه
خاص بالرجال دون النساء.
حكم من لم يجد غير السراويل
الأحكام الشرعية منوطة بالاستطاعة إذ لا يكلف الله العباد ما لا يطيقون، ومن لم يجد الإزار للإحرام عذره الشارع ولم يلزمه فوق طاقته بل أباح له لبس السراويل كما في حديث عمرو بن دينار سمعت جابر بن زيد سمعت ابن عباس {قال:
سمعت النبي الله يخطب من لم يجد النعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد
إزارا فليلبس سراويل للمحرم.
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب لبس الخفين للمحرم إذا لم يجد النعلين
(\ VEE) (3/52)
صفحة 816
الرائد
53
وذلك ليس بعجيب إذ ستر العورات أمر واجب منتهكه واقع في كبائر
الذنوب متعرض للعن السنة النبوية لذا تنتهك له المفاسد التي هي أقل من فأبيح لبس السراويل لذلك.
منه
وعدم الوجدان في حال السراويل كعدم الوجدان في حال النعال شامل لعدم الوجدان الحقيقي أو عدم القدرة على الشراء أو الاستعمال، أو يجده يباع وليس معه ثمن فاضل عن حاجاته الأصلية، وهو كأصل الحج لا يلزمه أخذه بالإعارة ولا العطية بل ينتقل إلى بدله.
وإن علم أنه لا يجده حيث الإحرام وكان قادرا على الإتيان به من بلده أو مكان آخر دون مشقة لزمه الإتيان به إذ إن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ما دام في حيز الاستطاعة.
والنص النبوي جعل لبس الإزار للرجال في حال الاستطاعة،
ومع
عدمها يلبس السراويل، خلافا للقميص إذ يمكن غير الواجد للرداء مع
وجدانه القميص أن يتزر به ويرتدي.
وهذا الحكم أمر من الشارع لم يقيد فيه ذلك الفعل بفدية ولا غيرها لذا
(1) النووي، المجموع، ج 7، ص 231. (3/53)
صفحة 817
الرائد
54
لا يلزم الواقع في ذلك بالفدية.
ولكن ذهب فريق من أهل العلم إلى إنه لا يجوز لبس السراويل إلا إذا لم يتأت فتقه وجعله إزارا، فإن تأتى ذلك لم يجز لبسه فإن لبسه لزمته الفدية".
وألزم هؤلاء لابس السراويل غير الواجد للإزار الفدية لأن ما وجبت
الفدية بلبسه مع وجود الإزار وجبت مع عدمه كالقميص.
ويرد على هذا الرأي الأخير خبر ابن عباس سابق الذكر وهو صريح في الإباحة ظاهر في إسقاط الفدية لأنه أمر بلبسه ولم يذكر فدية، ثم إنه يختص لبسه بحالة عدم غيره فلم تجب به فدية كالخفين المقطوعين".
وروي عن السيدة عائشة أنها أجازت لغلمانها المحرمين أن يلبسوا
(1) القطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 73، والشافعي، الأم، ج 2، ص 147، وابن حجر، فتح الباري، ج 4، ص 57، وابن حزم المحلى، ج 7، ص 80، والشنقيطي، أضواء البيان
ج 5، ص 15.
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 190، والنووي، المجموع، ج 7، ص 231، والعيني، عمدة القاري، ج 9، ص 162، والزرقاني، شرح الموطأ، ج 2، ص 309.
(3) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 138. (3/54)
صفحة 818
الرائد
(1)
€00
التبابين لانكشافهم عند رحلهم هودجها كما في حديث عبدة عن يحيى بن
سعيد عن القاسم قال:
كانت عائشة إذا خرجت حاجة أو معتمرة أخرجت معها عبيدها يرحلون هودجها فكانوا يشدون بأرجلهم إلى بطن البغلة فأمرتهم أن يلبسوا
التبابين).
وهذا أمر إن صح عنها انفردت به؛ إذ الجمهور من أهل العلم لا يرون التبابين إلا كالسراويل فهي مما يلبس مفصلا على قدر الجسد أو عضو منه).
رابعا: تغطية الرأس
حكم تغطية الرأس للمحرم
صرح حديث أبي سعيد الخدري عند الربيع وابن عمر عند غيره بنهي المحرم عن لبس العمائم والبرانس، وهذه من الألبسة المعتادة للرأس، ويحمل على العمائم كل ما جامعها في الاستعمال كالقلنسوة ونحوها كما تبين من علة
(1) جمع تُبَّان سراويل صغير مقدار شبر يستر العورة المغلطة فقط. الفيروز أبادي، القاموس المحيط، ص 1527، وابن منظور، لسان العرب، ج 13، ص 72.
(2) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 5، ص 170.
(3) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 397، والعيني، عمدة القاري، ج 9، ص (3/55)
صفحة 819
الرائد
56
النهي الذي ورد به الحديث.
وجاء ما يفيد أن المحرم ممنوع من مطلق التغطية بالمعتاد كانت أو بغير المعتاد كما يفيد ذلك حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا مات المحرم غسل ولا يكفن إلا في ثوبيه اللذين أحرم فيهما ولا يمس بطيب ولا يخمر رأسه.
وجاء الحديث مع بيان سببه من حديث أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رجلا و قصه بعيره ونحن مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو محرم فقال النبي: اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تمسوه طيبا، ولا تخمروا رأسه؛ فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبيا.
وفي هذا الحديث ذكر النبي الحكم الذي يموت وهو محرم بأنه يكفن في ثوبيه ولا يخمر رأسه، ثم علل الحكم السابق بقوله في ثاني الروايتين: فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا.
فعلة عدم تغطية الرأس هي كونه محرما ملبيا، ولذا فالحي من المحرمين
(1) أخرجه الإمام الربيع كتاب الحج، باب: في غسل المحرم (404). (2) أخرجه البخاري كتاب الجنائز، باب كيف يكفن المحرم (1207). (3/56)
صفحة 820
الرائد
ov
له الحكم نفسه فلا يخمر رأسه لكونه محرما ملبيا بل هو أولى بالحكم.
والنهي عن التخمير هو نهي عن مطلق التغطية بالمعتاد وغيره، لذا نص جماعة من أهل العلم على أنه يمنع من طلي رأسه بطين أو حناء أو مرهم ونحوها؛ لأن ذلك من التغطية وإن لم تكن معتادة".
هذا الذي قيل ولا أدري ما يقال في التلبيد وهو أن يعمد إلى غاسول أو صمغ فيعصب به رأسه ويلبد به شعره كما تقدم ذكره فقد ثبت في الحديث أن صاحب الدعوة قد فعله قبل أن يحرم وأحرم ملبدا كما في حديث يونس عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه الله قال: سمعت رسول الله يهل ملبدا). ومن ذلك أيضا حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري له قال: قالت حفصة لرسول الله: ما بال الناس أحلوا بعمرة ولم تحلل أنت من عمرتك؟ فقال: إني لبدت رأسي، وقلدت هديي، فلا أحل
(1) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 180، والدمياطي، إعانة الطالبين، ج 2،
ص 320.
(2) ابن جماعة هداية السالك، ج 2، ص 704.
(3) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب من أهل ملبدا (1466)، ومسلم في كتاب:
الحج، باب: التلبية وصفتها (1184). (3/57)
صفحة 821
الرائد
حتى أنحر.
(1)
58
والظاهر أن التلبيد الذي فعله النبي ليس من باب تغطية الرأس في
شيء، ولا يصدق عليه ذلك لغة ولا عرفا؛ إذ هو مخامر للشعر غير متميز عنه يفيد تسكينه وعدم تشعثه.
وذهب بعض الفقهاء إلى أن المحرم إن مات زال إحرامه لكونه كباقي
موتى المسلمين، فلا مانع من تغطية رأسه وتطييبه".
كما استدل لهذا الرأي بحديث عبد الرحمن بن صالح ثنا حفص بن غياث عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خمروا وجوه موتاكم ولا تشبهوا بيهود).
كما جاء من طريق حفص بن غياث عن الأعمش عن عبد الله بن مرة
(1) أخرجه الإمام الربيع واللفظ له في كتاب الحج، باب في الهدي والجزاء والفدية (428)، والبخاري في كتاب الحج، باب: التلبيد (5572).
(2) السالمي شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 180، وابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 303، وابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 25، والزرقاني، شرح الموطأ، ج 2،
ص 313، وابن عابدين رد المحتار، ج 3، ص 568.
(3) الدارقطني، السنن، ج 2، ص 297، والبيهقي، السنن الكبرى، ج 3، ص 394، والطبراني، المعجم الكبير، ج 11، ص 183. (3/58)
صفحة 822
الرائد
(09)
عن مسروق عن عبد الله ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خمروا وجوه موتاكم لا تشبهوا باليهود.
وأجابوا عن حديث المحرم الذي وقصته الناقة فقالوا إنها واقعة عين لا عموم لها؛ لأنه علل ذلك بقوله " فإنه يبعث ملبيا "، وهذا الأمر لا يتحقق في غيره وجوده فيكون خاصا بذلك الرجل، ولو استمر بقاؤه على إحرامه لأمر بقضاء بقية مناسكه.
ولو أريد التحريم في كل محرم لقال فإن المحرم كما قال إن الشهيد يبعث وجرحه يثعب دما (2).
وفي هذا الرأي نظر لا يخفى، وذلك أنه من حيث الاستدلال له بقياسه
على سائر الموتى مرفوض لكون القياس فاسد الاعتبار إذ هو في مقابل نص شرعي ثابت.
أما الرواية التي استدل بها فالرد عليها من وجوه:
أولها: أنه ليس فيها تعرض للمحرم من غيره فهي عامة تشمل المحرم وغيره، وخص منها المحرم بالنهي عن التغطية كما في حديث ابن عباس
(1) أبو نعيم الأصبهاني، تاريخ أصبهان، ج 2، ص 316.
(2) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 180، والزرقاني، شرح الموطأ، ج 2، ص 313. (3/59)
صفحة 823
الرائد
السابق، والخاص يقضي على العام كما هو الاتفاق.
ثانيها: أن الرواية معلة بالإرسال فقد جاءت من حديث وكيع عن
سفيان عن ابن جريج عن عطاء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خمروا وجوهكم ولا
تشبهوا باليهود.
قال البيهقي:
وهذا إن صح يشهد لرواية إبراهيم بن أبي حرة في الأمر بتخمير الوجه إلا أن أبا عبد الله الحافظ وأبا سعيد بن أبي عمرو أخبرنا أن أبا العباس محمد بن يعقوب حدثهما ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثنا بعض الكوفيين وهو عبد الرحمن بن صالح فذكر هذا الحديث بمثله.
قال عبد الله: فحدثت به أبي فأنكره وقال هذا أخطأ فيه حفص فرفعه، وحدثني عن حجاج بن محمد عن ابن جريج عن عطاء مرسلا، قال الشيخ وكذلك رواه الثوري وغيره عن ابن جريج، مرسلا، وروى عن علي بن عاصم عن ابن جريج كما رواه حفص وهو وهم والله أعلم".
على أن هذه الأخيرة مع إرسالها ضعيفة السند لا تثبت وحسبك أنها من
(1) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 303.
(2) البيهقي، السنن الكبرى، ج 3، ص 394. (3/60)
صفحة 824
الرائد
(11)
طريق ابن جريج عن عطاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، وابن جريج مدلس مشهور بل تدليسه أقبح أنواع التدليس وهو تدليس التسوية، وفوق ذلك الحديث مرسل غير متصل.
وأنت خبير أن هذا اجتهاد في موضع النص فلا يلتفت إليه إذ الشارع
ناص على بقاء الإحرام وحرمة تخمير الرأس.
وأما اعتراضهم على الاستدلال برواية المحرم الذي وقصته الناقة فالذي يظهر من سياق النص أن العلة في الحكم الإحرام" وذلك لذكر وصف الإحرام في نص كلام الراوي لقول ابن عباس: أن رجلا كان مع رسول الله
وهو محرم.
فدلالة الإيماء مشيرة إلى أن العلة الإحرام، وقد أكد ذلك بذكر الأحكام المترتبة على الإحرام من كونه يكفن في ثوبيه ويجنب الطيب ولا يخمر الرأس. وليس ثمة قرينة تفيد أحقية عين الصحابي بخصوصية الحكم بل ما ذكر بوصف الإحرام مما يشعر بأن ذلك هو العلة في الأحكام السابقة وأنه
إلا
مستصحب إياه يوم القيامة.
وأما تخصيصهم ذلك بصاحب الواقعة فتحكم لم يأت به الدليل الشرعي
(1) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 180. (3/61)
صفحة 825
الرائد
62
بل إشارة النص دالة على أن العلة هي الإحرام فيثبت الحكم بمجرد تحققها
ويكون كل من مات محرما بعث يوم القيامة ملبيا.
ثم إن الأصل العام المطرد عدم خصوصية الأحكام ما لم يكن ثمة دليل) إذ النبي صلى الله عليه وسلم مبعوث للناس كافة وليست أحكامه لأناس دون غيرهم، وهذا الأصل لا ينتقل عنه إلا بدليل شرعي ولا دليل هنا بل الدليل على خلافه. مقدار الممنوع من تغطية الرأس
جاء حديث أبي سعيد الخدري وابن عمر ناهيين المحرم عن لبس العمائم والبرانس، وهذان مما يلبس عادة في الرأس مغطى بهما الجزء العلوي من الرأس حيث الشعر ولا يغطى بها الوج
حه
لذلك يحمل قوله في الحديث الآخر "ولا تخمروا رأسه" على الرأس دون الوجه فلا يكون الحديث متعرضا لحكم الوجه بل يكون على أصل الإباحة الشرعية؛ إذ النهي في المحظورات السابقة أمر عارض على الإباحة الأصلية فيقتصر به على مواضع النصوص.
فضلا أن الشرع قد عد في الفروع أحكام الرأس غير أحكام الوجه
(1) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 180
(2) الشافعي، الأم، ج 2، ص 149، والنووي، المجموع، ج 7، ص 231. (3/62)
صفحة 826
الرائد
63
كالوضوء والتيمم والسجود والديات وغيرها فلا تشذ هذه المسألة إلا بدليل
شرعي يدخل الوجه في حكم الرأس.
واستدل بعضهم بحديث أبي بكر الشافعي قال: ثنا موسى بن الحسن
قال: ثنا القعنبي ثنا ابن أبي ذئب عن الزهري عن أبان بن عثمان عن عثمان بن عفان: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخمر وجهه وهو محرم.
(1)
وفي هذا الاستدلال نظر إذ الحديث قد رواه الدارقطني في العلل وأعله
بعد روايته بالوقف.
ونص آخرون على أن للأذنين حكم الرأس فيمنع المحرم من تغطيتها
(2)
لحديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد: قال سمعت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الأذنان من الرأس.
وخالف آخرون فقالوا إنهما ليستا من الرأس في هذا الموضع بل هما
عضوان مستقلان لم يتعرض النص الشرعي لهما بشيء وذلك للعلل السابق
(1) الدارقطني، العلل، ج 3، ص 13.
(2) ابن مفلح، المبدع، ج 3، ص 139.
(3) أخرجه الإمام الربيع في كتاب: الوضوء، باب: آداب الوضوء (128).
(4) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 165، وابن مفلح، المبدع، ج 3، ص 139. (3/63)
صفحة 827
الرائد
64
ذكرها من حمل الأدلة الشرعية على منطقة الشعر من الرأس فقط.
وذهب فريق من أهل العلم إلى أن المحرم ممنوع من تغطية الرأس جميعه الجزء العلوي والوجه، واستدلوا لرأيهم هذا بأمرين:
أولهما: أن الرأس في اللغة شامل للوجه، فقوله صلى الله عليه وسلم في حديث الذي وقصته الناقة ولا تخمروا رأسه، لم يخص الجزء العلوي منه وقد جاء ذلك عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في حديث مالك عن نافع أن عبدالله بن عمر كان يقول: ما فوق الذقن من الرأس فلا يخمره المحرم".
ثانيهما: أنه قد ورد النص على الوجه في الرواية كما في حديث وكيع عن سفيان عن عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير عن ابن عباس {أن رجلا أو قصته راحلته وهو محرم فمات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تخمروا رأسه ولا وجهه؛ فإنه
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 164، والشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 366، والشقصي، منهج الطالبين، ج 4، ص 567، والسالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 180، وابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 23، والقرافي الذخيرة، ج 3، ص 228، والشنقيطي، أضواء البيان، ج 5، ص 14.
(2) أخرجه الإمام مالك في الموطأ في كتاب الحج، باب: تخمير المحرم وجهه (737). (3/64)
صفحة 828
الرائد
65
يبعث يوم القيامة ملبيا.
والذي يظهر أن قول الذين قالوا بالرأس دون الوجه أظهر وذلك لأن الاستدلال بأن الوجه من الرأس فيشمله النص معارض بأنه ورد من النصوص الشرعية ما أطلق الرأس وخص إجماعا بالرأس دون الوجه كما في قوله تعالى وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ) في حال الوضوء إذ لا يجزي مسح الوجه دون الرأس إجماعا.
(2)
ثم إن النهي عن العمائم والقلانس وهما من ألبسة الرأس دون الوجه
قطعا يجعل المقصود من النهي إنما هو تغطية الرأس دون الوجه.
أما الاستدلال بزيادة "وجهه" في الحديث ففيه نظر من حيث إن الظاهر أن هذه الزيادة شاذة والشاذ من قسم الضعيف من الحديث:
وليس بالمقطوع والموقوف تقوم حجة ولا الضعيف
قال السهيلي: ذكر الوجه فيه وهم من بعض الرواة.
(1) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب ما يفعل بالمحرم إذا مات (1206).
(2) سورة المائدة، جزء من الآية (6).
(3) الرملي، نهاية المحتاج، ج 3، ص 331. (3/65)
صفحة 829
الرائد
66
بيان ذلك أنه جاءت روايات الكثرة من الثقات دون هذه الزيادة، وما كانت الواقعة إلا واحدة مما يقضي بعدم تعددها وأن المنقول الثابت أحد اللفظين فتعين الترجيح، وما من شك أن ما اجتمع عليه أكثر النقلة أولى بالتقدمة من رواية الأفراد وإن جلت منزلتهم في الحفظ.
وقد جاء الحديث دون الزيادة من رواية أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس {أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا مات المحرم غسل ولا يكفن إلا في ثوبيه اللذين أحرم فيهما ولا يمس بطيب ولا يخمر رأسه.
وهذه أقوى ما نقل في الرواية وقد خلت من زيادة الوجه، وجاءت الرواية من طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس {أن رجلا وقصه بعيره ونحن مع النبي الله وهو محرم فقال النبي: اغسلوه بماء صلى الله عليه وسلم: وسدر وكفنوه في ثوبين، ولا تمسوه طيبا، ولا تخمروا رأسه؛ فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبدا.
كما جاءت من طريق حماد عن أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس {قال: بينما رجل واقف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة إذ وقع من راحلته
(1) أخرجه الإمام الربيع في كتاب الحج، باب: في غسل المحرم (404). (2) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب كيف يكفن المحرم (1208). (3/66)
صفحة 830
الرائد
67
فأقصعته أو قال فأقعصته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تحنطوه، ولا تخمروا رأسه؛
فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبيا.
لذا قال الحافظ البيهقي:
ورواية الجماعة في الرأس وحده وذكر الوجه فيه غريب، ورواه أبو
الزبير عن سعيد بن جبير فذكر الوجه على شك منه في متنه.
ورواية الجماعة الذين لم يشكوا وساقوا المتن أحسن سياقة أولى بأن تكون
محفوظة، والله أعلم.
وقال الإمام البخاري: الصحيح لا تخمروا رأسه، ولذا اقتصر عليها
في الصحيح، وقال الحاكم أبو عبدالله:
(1) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب الحنوط للميت (1207).
(2) البيهقي، السنن الكبرى، ج 3، ص 393.
(3) البغوي، حديث شعبة، ص 24. (3/67)
صفحة 831
الرائد
68
(1)
قال أبو عبد الله: ذكر الوجه تصحيف من الرواة لإجماع الثقات
الأثبات من أصحاب عمرو بن دينار على روايته عنه "ولا تغطوا رأسه" وهو
المحفوظ).
ويظهر من السابق أيضا وهم ما تفرد به إبراهيم بن أبي حرة من زيادة النهي عن تخمير الوجه كما جاء من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال: سمعت سعيد بن جبير يقول:
سمعت ابن عباس يقول: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فخر رجل عن بعيره فوقص فمات فقال النبي: اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تخمروا رأسه. فقال سفيان: وزاد إبراهيم بن أبي حرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وخمروا وجهه ولا تخمروا رأسه، ولا تمسوه طيبا؛ فإنه يبعث
يوم
القيامة ملبيا (3).
(1) في كلام الحاكم هنا نظر؛ إذ التصحيف يكون في الأحرف المتشابهة ولا مشابهة بين الوجه والرأس ويشكل عليه أكثر ما جاء في بعض الروايات من جمع الوجه والرأس، ولعل
الأوجه أن يقول وهم لا تصحيف.
(2) الحاكم، معرفة علوم الحديث، ص 148.
(3) الشافعي، الأم، ج 1، ص 270، والبيهقي، معرفة السنن والآثار، ج 3، ص 129. (3/68)
صفحة 832
الرائد
79
وقد يقول قائل: لعل رواية الرأس مروية بالمعنى وأن الصحيح الوجه فأطلق الراوي الكل وما ورد إلا البعض؟
فيقال له إن كان الأمر كما ذكرت - والأصل خلافه- فالأولى أن يقال إن الرأس هو الصحيح ولكن الراوي ذكر الوجه وهما؛ إذ الرأس ثابت النهي عن تغطيته من أحاديث أخر كحديث أبي سعيد الخدري عند الإمام الربيع، وابن عمر عند الستة وغيرهم، وهذا الحديث جاء ليفيدنا أن ميت المحرمين كحيهم لا يغطى رأسه.
وقد أفاد حديثا أبي سعيد الخدري وابن عمر أن التغطية للرأس بالمعتاد من الأغطية إذ ذكرا العمائم والبرانس، وذكر هذين لا يدخل الوجه في الحكم من قريب ولا بعيد فلزم أن تتحد أحكام الشارع لذا تترجح رواية الرأس وحده بكثرة رواتها وثقتهم وبكونها موافقة للأحاديث الأخرى التي ذكرناها.
وبعد ذكرنا للسابق نقول إن تغطية الوجه لها حالان
أولهما أن تكون بمطلق التخمير دون المفصل وهذه لا حرج فيها على السابق وقد ثبت فعل ذلك عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحكم نفسه يقال في حق النساء كما سيأتي. (3/69)
صفحة 833
الرائد
70
ثانيهما أن تكون التغطية بمفصل على مقداره كالبرقع الثابت في الوجه المفصل على مقداره لا الثوب المسدول عليه وهذه يتناولها المنع من جهة أنها مشمولة بالعلة السابقة التي تقررت في ضابط اللباس الممنوع منه المحرم التفصيل على مقدار الجسد.
وهي
ولما كان حال النساء مختلفا عن الرجال من حيث جواز لبسهن المفصل على مقدار الجسد كما تحقق الإجماع عليه أراد الشرع أن ينبه أنهن في قضيتين مختلفات عن العموم السابق فيمنعن من لبس المفصل على مقدار الجسد وذلك في القفازين والبرقع كما سيأتي التفصيل فيهما.
وبعد الاستطراد السابق نقول إن التخمير للرأس يكون بكل ما صدق عليه أنه تغطية معتادا كان التخمير أو غير معتاد كما يفيد ذلك النهي العام "ولا تخمروا رأسه " الوارد في حديث المحرم الذي وقصته الناقة.
وقال كثير من الفقهاء إن لاصق الجروح والعصابة مما يمنع منه المحرم وإذا ما اضطر المحرم إليه لزمه أن يفتدي، واختلف في مثل الخيط يجعله لشيء (3/70)
صفحة 834
الرائد
(vi)
من الحاجات أيجوز أو هو من الممنوع؟.
والأصل اختلافهم في ضابط المنع في الرأس أهو ما يقصد بستر قدر
يقصد ستره لغرض، أو هو كل ما يسمى ساترا للرأس أو بعضه.
وفي نفسي نظر من هذه الأمور التي ذكرت كالخيط ونحوه إذ إن الناظر في الدليلين اللذين أخذ منهما حكم المنع من تغطية الرأس يجدهما متوجهين لما كان غطاء لأغلب الرأس، أما أجزاء يسيرة منه فلم يتوجه الدليلان إليها بل هو من باب القياس مع الفارق وفيه إشكال ظاهر، وقد يكون الفرق بينهما في الواقع هو علة اختلافهما في الحكم.
ثم إن من حزم رأسه بخيط أو نحوه لا يعد في اللغة ولا العرف أنه مغط رأسه ولا ساتره، ولم أجد دليلا يفيد أن وضع أي شيء في الرأس من لصقة في جزء يسير منه ونحو ذلك يمنع منه المحرم بل الدليل وارد على العمامة ومطلق التخمير وليست مثل هذه الأمور عمامة ولا في معنى العمامة ولا البرانس ولا في معناها.
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 166، والشقصي، منهج الطالبين، ج 4، ص 567 (ط مسقط)، والنووي، المجموع، ج 7، ص 228، والسرخسي، المبسوط، ج 4، ص 127،
وابن جماعة، هداية السالك، ج 2، ص 702. (3/71)
صفحة 835
الرائد
72
وليست هي من باب التخمير العام الذي ورد في حديث المحرم الذي
وقصته الناقة إذ لا يصدق عليها ذلك في اللغة ولا العرف.
ويدلك على هذا مبالغتهم في المنع من مخالطة شيء من المائعات للشعر كما تقدم مع أن ذلك لا يصدق عليه شيء من وجوه الدليلين الشرعيين المذكورين فضلا أنه مخالف لنص فعل النبي الذي فيه أنه لبد شعره عندما أراد الإحرام ولو كان على القواعد السابقة لقيل بأنه من محظورات الإحرام.
ومن ذلك منع بعض الفقهاء المحرم من حمل شيء على رأسه مع أنه لا يسمى مخمرا رأسه في العرف ولا اللغة وليس ثمة دليل يخص هذا الفعل
بالمنع.
وهكذا التشديد في ستر البياض الذي وراء الأذن واللحية وأنه مما تلزم الفدية بمثله ذلك مما لا يظهر له دليل يسنده بل هو باق على أصل الإباحة، لذا يظهر أن الممنوع في غطاء الرأس ما كان مغطيا لأكثر الرأس ويقصد به التغطية وما عداه فليس بممنوع وإن كان الأولى الامتناع عن الجميع خروجا
من الخلاف.
قال الإمام أبوسعيد -
(1) ابن جماعة، هداية السالك، ج 2، ص 705. (3/72)
صفحة 836
الرائد
فأرجو أنه ما لم يخمر أكثر رأسه أن لا يقع به حكم تخمير الرأس في معنى الجزاء، وكأني أستغرب وضع يده على رأسه ولا يعجبني ذلك على هذا.
ولو نظرت إلى المستثنيات كمسح الرأس في الوضوء واستعمال المحرم للوسادة ولو كانت عمامة أو برنسا وحمله متاعه على رأسه لوجدتها من هذا الباب وأنها مما لا يصدق عليه أنه تخمير لغة ولا عرفا.
ومن السابق يظهر لك حكم الكمامات التي يستخدمها كثير من الحجيج في هذا الزمان مغطين بها أنوفهم وقاية من الروائح غير المرغوب فيها كروائح عوادم السيارات الموجودة بكثرة في أرض المشاعر، إذ إنها قائمة على الوجه بل عضو منه وهو الأنف أو الأنف والفم وتغطية الوجه مما لا
للرجال.
حرج فيه
أما الخيط الذي يمتد منها ممسكا إياها ويدور حول الرأس في أحوال أو الأذنين في أحوال أخرى فلا حرج لأن مرور الخيط في الرأس لا يعد سترا
للرأس في العرف ولا اللغة لذا فلا حرج فيه.
وقد يقول قائل إن الممنوع من اللباس للمحرم ما كان مفصلا على مقدار الجسد أو عضو منه وهذه الكمامات موضوعة للأنف أو للأنف والفم فيلزم
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 169. (3/73)
صفحة 837
الرائد
(74)
V?
من ذلك أن تكون من الممنوعات.
هي
والجواب أنها ليست مفصلة على مقدار الأنف ولا الفم ولا كليهما فما إلا قطعة من القماش أو البلاستيك موثقة على الأنف أو الأنف والفم بسير يدور حول الرأس أو الأذنين، وحال هذا السير في حفظه لتلك القطعة كحال الهميان الذي يحفظ به الإزار والمنطقة وسيأتي أنه لا حرج في مثل
ذلك.
أما استعمال النساء لهذه الكمامات فأمر لا حرج فيه أيضا إذ إنه سيأتي أن المنع في تغطية وجه المرأة إنما هو وارد في حال البرقع المفصل على مقدار الجسد لا مطلق التغطية كما سيأتي بدليله.
على أنه رخص كثير من القائلين بمنع المحرم من تغطية وجهه في أن
يغطي أنفه إذا ما تعرض لرائحة كريهة).
صفة التغطية الممنوع منها المحرم
النهي السابق عن لبس العمائم والبرانس بل عن التخمير مطلقا ما يراد
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 165، والشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 366، والشقصي، منهج الطالبين، ج 4، ص 568 (ط مسقط)، والصائغي، لباب الآثار، ج 3،
ص 442، والبيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 54. (3/74)
صفحة 838
الرائد
Vo
به إلا التخمير الملاصق للرأس، أما إن كان التخمير غير ملاصق للرأس كحال الاستظلال فلا حرج فيه كما يدل على ذلك حديث محمد بن سلمة عن أبي عبد الرحيم عن زيد بن أبي أنيسة عن يحيى بن الحصين عن أم الحصين جدته قالت:
حججت مع رسول الله الله الحجة الوداع فرأيت أسامة وبلالا وأحدهما آخذ بخطام ناقة النبي صلى الله عليه وسلم والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة
العقبة).
وفي رواية أوردها مسلم جاءت بلفظ: يظله من الشمس، وهي نص في موضوعنا، والفقهاء متفقون على منع الخمار الملامس للأدلة السابقة، وعلى إباحة نحو الخيمة لحديث جابر أن النبي لو ضربت له قبة من شعر بنمرة
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 164، والشقصي منهج الطالبين، ج 4، ص 567 (ط ج 22، مسقط)، والسالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 184، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 457، والنووي، المجموع، ج 7، ص 236، والسرخسي، المبسوط، ج 4، ص 129. (2) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبا
(1298) (3/75)
صفحة 839
الرائد
فنزل بها حتى زاغت الشمس.
قال الشيخ عامر - ناقلا عن كتب الأثر:
VT
وسألت: هل ينصب مظلة وهو محرم أو يجعل ثوبا على عصاه فيرفعه فوق رأسه أو على محمله إذا اشتد الحر؟ قال: لا بأس به ما لم يمس رأسه.
التي
ويظهر لك من ذلك أنه لا حرج في استعمال المحرم المظلات الشمسية
شاعت في هذا الزمان لتقيه حرارة الشمس الملتهبة.
وذهب آخرون إلى أن الفعل السابق مما يمنع منه المحرم وليس بجائز)
وذلك لأمور:
أولها: لقول ابن عمر: اضح لمن أحرمت له أي ابرز للشمس.
(1) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب حجة النبي (1218) من حديث جابر الطويل في صفة حجة النبي.
(2) الشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 366.
(3) الكندي بيان الشرع، ج 22، ص 165، والصائغي لباب الآثار، ج 3، ص 447،
والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 74.
(4) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 24، وابن مفلح، المبدع، ج 3، ص 140. (5) قال أبو عبيد: المحدثون يقولون أضْحِ بفتح الألف وكسر الحاء من أضحيت، قال الأصمعي: اضح بكسر الألف وفتح الحاء من ضحيت، وهو كما قال الأصمعي؛ لأنه (3/76)
صفحة 840
الرائد
(vv >
ثانيها: لأنه ستر رأسه بما يقصد به الترفه فأشبه تغطيته.
ثالثها: ما جاء من كلام الشارع في مدح من يضحى برأسه وهو محرم كما
في حديث جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله: ما من محرم يضحى
يومه يلبي حتى تغيب الشمس إلا غابت بذنوبه فعاد كما ولدته أمه.
الله
وفي هذا الرأي نظر مقتض رده، وحسبه من الضعف أن النبي صلى الله عليه وسلم فاعل
خلافه فقد تظلل واجتنب حرارة الشمس، ولو لم يرد فعله لكان في الأدلة السابقة ما يقضي برده إذ الأصل عدم المنع والمنع عارض يقتصر فيه على
6
موضع النص، والنص ما منع إلا من أشياء ملامسة.
ثم إن قولهم هذا ينتقض بالخيمة فقد يدخلها المحرم للاستظلال وهو ترفه في نظر هؤلاء ومع ذلك أجيز للمحرم دخولها اتفاقا.
أمره بالبروز للشمس وهو الضح يقال: أضحيت بالمكان أي أقمت به حتى أضحيت، ومنه قول عمر: اضحوا بصلاة الضحى أي لا تصلوها إلى ارتفاع الضحى، ويدل على صحة ما قلته ما حدثنا به عبدان ... عن عبد الله بن عامر عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما ضحى مؤمن حتى تغرب الشمس إلا غربت بذنوبه العسكري، تصحيفات المحدثين، ج 1، ص 319. (1) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 70، وقال النووي: إسناده صحيح النووي، المجموع، ج 7، ص 237، وشرح صحيح مسلم، ج 9، ص 46. (3/77)
صفحة 841
الرائد
78
ثم إن العلة التي ذكرت وهي الانكشاف للخالق المحرم له يلزم منها ندب كشف الصدر والبدن خلا العورة وهذا فاسد بالاتفاق.
ثم إن إتعاب الجسد بالتعرض للشمس أمر بإهلاكها وعرضها على الأمراض كضربة الشمس ونحوها إذ أرض المشاعر العظام واقعة في البلاد الحارة وكم هم المرضى المصابون بسبب ضربة الشمس وحرارتها فما من لحظة تمر إلا وتدوي صفارة سيارة الإسعاف حاملة هؤلاء، والشرع ما جاء بتعاليمه إلا لحفظ النفوس في دينها ومعاشها فكيف وهو الذي يقول: [وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، وقال: [وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (3) وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا.
ثم إن الحفاظ على النفس أصل من أصول الشريعة العامة فلا يأتي فرع من الفروع مناقضا لأصل ثبت بأدلة متعددة يقضى بقطعيتها من حيث الجملة، قال الإمام المحقق أبو سعيد الكدمي له:
ضي عنه
معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا أنه لا بأس باستظلال المحرم نازلا
(1) سورة البقرة، الآية (195).
(2) سورة النساء، الآيتان (29) و (30). (3/78)
صفحة 842
الرائد
(va)
أو راكبا ما لم تكن المظلة واقفة على رأسه، وما كانت مرتفعة بقليل أو كثير فهي بمنزلة السقف ما كانت من ثوب أو غيره ولا مانع يوجد يمنع ذلك. ومن رفه نفسه الله تبارك وتعالى ليقوى على طاعته كمن خشنها له رجاء ثوابه، وليس للعبد أن يحمل نفسه على ما يخاف منه نزول الضرر بها بل يؤمر بإدخال النفع عليها.
إلا أن القلوب مختلفة فمنها ما يصلح على الخشونة في ذات الله، ومنها ما يصلح على التنعم واللين والمرء سائق، مطيته ومطيته نفسه فليسقها على ما لها فيه السلامة ولا يحملها على التلف.
يرجو
ثم إن الشرع بيّن في أدلة أخر بأن التعرض للشمس وعدم الاستظلال ليس من باب العبادة في شيء، فقد نهى ذلك الذي نذر أن لا يستظل كما في حديث موسى بن إسماعيل حدثنا وهيب حدثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال: بينا النبي يخطب إذا هو برجل قائم فسأل عنه فقالوا:
أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم، فقال
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 174. (3/79)
صفحة 843
الرائد
80
النبي: مره فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صوم
مه (1).
فبين النبي أن التعرض للشمس مثل الصمت والقيام ليس مشروعا ولا مسنونا ولا بر فيه.
أما الرواية التي سيقت فلا تصح فقد رواها على الوجه المستدل به ابن
بن
ماجه من طريق إبراهيم بن المنذر الحزامي حدثنا عبدالله بن نافع وعبدالله وهب ومحمد بن فليح قالوا: حدثنا عاصم بن عمر بن حفص عن عاصم بن عبيد الله عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن جابر بن عبدالله الحديث). وفي الإسناد عاصم بن عمر وعاصم بن عبيد الله وكلاهما ضعيف لا تقوم بروايته حجة.
فعاصم بن عمر بن حفص قال عنه ابن معين وأحمد وأبو حاتم: ضعيف ليس بشيء، وقال الترمذي: ليس عندي بالحافظ وقال النسائي: متروك، وقال ابن حبان منكر الحديث جدا، يروي عن الثقات ما يشبه حديث
(1) أخرجه البخاري في كتاب الأيمان والنذور باب النذر فيما لا يملك وفي معصية
(6326)
(2) أخرجه ابن ماجه في كتاب المناسك باب الظلال للمحرم (2925). (3/80)
صفحة 844
الرائد
الأثبات لا يجوز الاحتجاج به إلا فيما وافق الثقات.
وأما عاصم بن عبيد الله فهو عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن
الخطاب العدوي وهو ممن لا يحتج بحديثه فقد قال ابن حبان: كان الحفظ كثير الوهم فاحش الخطأ فترك من أجل كثرة خطئه.
سيء
وقال عفان: سمعت شعبة يقول: كان عاصم لو قيل له من بنى مسجد البصرة لقال فلان عن فلان عن النبي أنه بناه.
وقال أحمد: كان ابن عيينة يقول: كان الأشياخ يتقون حديث عاصم، وقال علي: سمعت عبد الرحمن ينكر حديثه أشد الإنكار، وقال ابن سعد: كان كثير الحديث ولا يحتج به وقال يعقوب بن شيبة: قد حمل الناس عنه ر في أحاديثه ضعف وله أحاديث مناكير.
وقال ابن نمير: عاصم منكر الحديث في الأصل وهو مضطرب الحديث، وقال أبو حاتم: منكر الحديث مضطرب الحديث ليس له حديث
60
(1) ابن أبي حاتم الجرح والتعديل، ج 6، ص 346، وابن عدي الكامل، ج 5، ص 228، والمزي، تهذيب الكمال، ج 13، ص 517، وابن حجر، تهذيب التهذيب، ج 5، ص 45. (3/81)
صفحة 845
الرائد
يعتمد عليه وما أقربه من ابن عقيل وقال البخاري: منكر الحديث، فأنى
لمثل هذا أن يعارض به الثابت من القواعد والأدلة الشرعية.
خامسا: ما يخص النساء من اللباس
توطئة
عمر
اتفق الفقهاء على أن النواهي الواردة في حديثي أبي سعيد الخدري وابن
خاصة بالرجال دون النساء خلا لبس الثوب الذي مسه الورس
والزعفران فهما عامان للرجال والنساء.
قال ابن المنذر
وأجمعوا أن المحرم ممنوع من لبس القميص والعمامة والسراويل والخفاف والبرانس، وأجمعوا على أن للمرأة المحرمة لبس القميص والدروع
والسراويل والخمر والخفاف".
(1) ابن أبي حاتم الجرح والتعديل، ج 6، ص 347، وابن عدي، الكامل، ج 5، ص 225، وابن حبان، المجروحين، ج 2، ص 127، والمزي، تهذيب الكمال، ج 13، ص 0 (2) ابن المنذر الإجماع، ص 107، والكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 177، والشماخي الإيضاح، ج 2، ص 369، والشافعي، الأم، ج 2، ص 147، وابن عبد البر، التمهيد،
ج 15، ص 104 وابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 2 ن 402. (3/82)
صفحة 846
الرائد
83
حال
ولكن جاءت بعض النصوص الشرعية خاصة المرأة بأمور تنهى عنها
حرام وإن كانت قبل ذلك مما لا تمنع منه، ونفصل هذه الأمور في
الفروع التالية:
تغطية الوجه
مما اختلف فيه أهل العلم تغطية المحرمة وجهها، فذهب جماعة منهم إلى أن المحرمة ممنوعة من مطلق التغطية)، واستدلوا لذلك بحديث الليث حدثنا نافع عن عبد الله بن عمر {قال قام رجل فقال: يا رسول الله، ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب في الإحرام؟
فقال النبي: لا تلبسوا القميص ولا السراويلات ولا العمائم ولا البرانس إلا أن يكون أحد ليست له نعلان فليلبس الخفين وليقطع أسفل من
الكعبين، ولا تلبسوا شيئا مسه زعفران ولا الورس ولا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين.
والحديث اختلف في رفعه ووقفه من حيث ذكر القفازين والنقاب،
(1) الشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 369، والشقصي، منهج الطالبين، ج 4، ص 564، والشافعي، الأم، ج 2، ص 149، والنووي، المجموع، ج 7، ص 231.
(2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب ما ينهى من الطيب للمحرم والمحرمة (1741). (3/83)
صفحة 847
الرائد
84
ولكن رجح الإمام البخاري وجمع من الأئمة رفع الحديث لكثرة الرافعين
وكونهم من الثقات الأثبات.
قال الإمام البخاري عقبه:
تابعه موسى بن عقبة وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة وجويرية وابن إسحاق في النقاب، والقفازين وقال عبيد الله ولا ورس وكان يقول: لا تتنقب المحرمة ولا تلبس القفازين وقال مالك عن نافع عن ابن عمر: لا تتنقب المحرمة، وتابعه ليث بن أبي سليم.
وقال الحافظ ابن عبد البر:
رفعه صحيح عن ابن عمر رواه ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر مرفوعا، ورواه ابن المبارك عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر مرفوعا
أيضا، فهذا يصحح ما رواه الليث وحاتم بن إسماعيل ويحيى بن أيوب".
وقد جاء الحديث السابق مفردا فيه حكم القفازين والنقاب من رواية صرح فيها ابن عمر بسماعه ذلك من النبي الله وذلك مما يؤيد رفع الحديث كما في رواية: أحمد بن حنبل ثنا يعقوب ثنا أبي عن ابن إسحاق قال:
(1) ابن عبد البر، التمهيد، ج 15، ص 106. (3/84)
صفحة 848
الرائد
10
فإن نافعا مولى عبد الله بن عمر حدثني عن عبد الله بن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب وما مس الورس والزعفران من الثياب، ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب معصفرا أو خزا أو حليا أو سراويل أو قميصا أو خفا.
وفي الإسناد ابن إسحاق وهو مدلس لكن صرح بالتحديث مما يجعله مقبول الرواية حسن الحديث، كما استدل آخرون لهذا الرأي بحديث: إحرام المرأة في وجهها، وإحرام الرجل في رأسه.
واستثنى بعض هؤلاء ما تغطيه من أعلى الرأس من جبهتها خشية
انکشاف شعرها فقالوا لا حرج عليها إن غطت).
وقال بعض هؤلاء إن شاءت التغطية فلها بشرط أن لا يلامس الغطاء وجهها لذا قالوا لها أن ترخي على وجهها ثوبا متجافيا عنه بنحو أعواد ولو لغير حاجة، ولو سقط الثوب على وجهها بلا اختيارها فإن رفعته فورا فلا
(1) أخرجه أبو داود في كتاب المناسك، باب ما يلبس المحرم من الثياب (1827). (2) النووي، المجموع، ج 7، ص 234، والدمياطي، إعانة الطالبين، ج 2، ص 323. (3/85)
صفحة 849
الرائد
86
شيء عليها، وإلا أثمت وفدت.
والذي يظهر قول من قال إن المرأة غير ممنوعة من مطلق التغطية للوجه
حال الإحرام، وإنما المنع من تغطية الوجه بما هو مفصل على قدره، أما إن كانت التغطية بأن تسدل ثوبا عليه من جلباب أو نحوه فلا حرج". قال الحافظ ابن عبدالبر:
وأجمعوا أن إحرام المرأة في وجهها وأن لها أن تغطي رأسها وتستر شعرها وهي محرمة، وأن لها أن تسدل الثوب على وجهها من فوق رأسها سدلا خفيفا تستتر به عن نظر الرجل إليها).
وذلك لأمور:
أولها: حديث هشيم أخبرنا يزيد بن أبي زياد عن مجاهد عن عائشة قالت: كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم محرمات فإذا حاذوا
(1) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 311، والنووي، المجموع، ج 7، ص 234، والسرخسي، المبسوط، ج 4، ص 128، والدمياطي، إعانة الطالبين، ج 2، ص 323، والشربيني،
الإقناع، ج 1، ص 260.
(2) الشافعي، الأم، ج 2، ص 149.
(3) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 15 (3/86)
صفحة 850
الرائد
(87) AV
بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزونا كشفناه.
والحديث أخرجه أحمد) ومن طريقه أبو داود، وفي الاستدلال به نظر
لأمرين:
أولهما: أن مداره على يزيد بن أبي زياد القرشي وهو ليس بحجة في الرواية، قال الدارقطني: ضعيف يخطاء كثيرا ويتلقن إذا لقن"، وقال ابن معين ليس بالقوي.
ثانيهما: أنكر سماع مجاهد عن عائشة جماعة منهم يحيى بن معين ويحيى بن
سعيد القطان وشعبة، وقال أبو حاتم مجاهد عن عائشة مرسل).
ولكن في هذا الاعتراض نظر من حيث إنه قد ثبت سماعه عنها كما في
الصحيحين وغيرهما.
(1) أحمد بن حنبل، المسند، ج 6، ص 30.
(2) أخرجه أبو داود في كتاب المناسك، باب في المحرمة تغطي وجهها (1833).
(3) الدارقطني، سؤالات البرقاني، ص 72.
(4) ابن معين تاريخ ابن معين (رواية الدارمي)، ص 228.
(5) الزيلعي، نصب الراية، ج 3، ص 94.
(6) أخرجه البخاري في كتاب: الحج، باب: كم اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم (1685). (3/87)
صفحة 851
الرائد
88
والشاهد في هذا الحديث إن احتج به أن السيدة عائشة مصرحة بأن فعل زوجاته تغطية الوجه بما هو غير مفصل على مقدار الجسد، ولم تذكر أنهن كن يجافين ذلك الثوب الذي غطي به الوجه من أن يلحق بشرتهن ولا يجافينه بأعواد خشية ملامسته لبشرة الوجه كما ذكر ذلك بعض الفقهاء. وغير ممكن في العادة إلا أن يلحقها فقول من اشترط للسدل مجافاة
الثوب عن البشرة) فيه تكلف ظاهر وبعد عن ظاهر النص.
ثانيها: جاء النهي عن الانتقاب للمحرمة مقترنا بالنهي عن لبس القفازين ولم يختلف بين أهل العلم أن الممنوع في اليدين ما فصل على
مقدارهما ولا يكون بغير القفازين.
وقد نصوا أنه لها أن تلف خرقة على كل من يديها وتشدها وتعقدها، وهذا مقتض أن مطلق التغطية لليدين غير ممنوعة وإنما المفصل على مقدار أن الحكم في الوجه مثله وذلك أن العلة الموجبة لحرمة
الجسد، وهذا يعني لباس الرجل حال الإحرام هي التفصيل على مقدار الجسد كما تقدم، وأن العلة في المنع من لبس القفازين ليست مطلق التغطية بل التفصيل على مقدار
(1) ابن قدامة، الكافي، ج 1، ص 405، والدمياطي، إعانة الطالبين، ج 2، ص 323.
(2) الدمياطي، إعانة الطالبين، ج 2، ص 323. (3/88)
صفحة 852
الرائد
(19)
الجسد كما تقدم تحرير ذلك أخذا من الإجماع على إباحة تغطيتهما بما هو غير مفصل على مقدار الجسد.
وقد نص الفقهاء على أنه لها أن تلف خرقة على كل من يديها وتشدها وتعقدها، وللرجل شدها) وهذا دليل على أن المقصود التفصيل على مقدار
عضو من الجسد لا مطلق التغطية لذا فيحمل ذلك على الوجه.
وحديث السيدة عائشة الذي كان أمام مرأى سيد البشر يفيد أنهن كن يغطين وجوههن في حال قدوم الركب مما يعني أن التغطية نفسها غير ممنوعة منها المحرمة لذاتها ولا تتناقض والإحرام، لذا كان من المتعين للسابق حمل الحديث على التغطية التي تكون بالمفصل على مقدار الوجه فقط.
ثالثها: أن الانتقاب الذي ورد به الحديث غير مطلق التغطية كما يدل على ذلك ما جاء من حديث الشافعي أخبرنا سعيد بن سالم عن ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه قال: لتدل المرأة المحرمة ثوبها على وجهها ولا تنتقب".
وإن لم يحتج بالسابق فبلغته في كون الانتقاب غير مطلق التغطية.
رابعها أن مما يفيد صحة التأويل السابق فعل السيدة عائشة وأختها فقد
(1) الدمياطي، إعانة الطالبين، ج 2، ص 323.
(2) الشافعي، الأم، ج 2، ص 149. (3/89)
صفحة 853
الرائد
(4.)
جاء عن السيدة عائشة أنها قالت: تغطي المحرمة وجهها إن شاءت). وعن أختها أسماء بنت أبي بكر الصديق أنها قالت: المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت إلا ثوبا مسه ورس أو زعفران، ولا تتبرقع ولا تلثم وتسدل الثوب على وجهها إن شاءت).
عن
وروى الإمام مالك في الموطأ بإسناد صحيح من طريق هشام بن عروة فاطمة بنت المنذر أنها قالت: كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات ونحن
مع أسماء بنت أبي بكر الصديق".
وهذا يفيد أن التغطية نفسها لا تمنع منها المحرمة وإنما المنع متوجه للمفصل على مقدار الوجه فقط.
خامسها أن الرواية التي فيها أن إحرام المرأة في وجهها كإحرام الرجل في رأسه مما ليس له أصل عن النبي صلى الله عليه وسلم بل هي كلام لمن أوجب عليه اتباع هدي النبوة فلا يكون كلامه حجة يعترض بها بل لا بد من أن يحتج لكلامه يقبل، وأقصى ما روي في ذلك حديث:
V
(1) ابن عبد البر، التمهيد، ج 15، ص 107.
(2) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 47، وإسناده صحيح.
(3) مالك بن أنس، الموطأ، ج 1، ص 328. (3/90)
صفحة 854
الرائد
(91)
عبد الله بن رجاء ثنا أيوب بن محمد أبو الجمل عن عبيد الله عن نافع عن
ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس على المرأة حرم إلا في وجهها.
ولكن هذا مما لا تقوم بمثله حجة إذ إنه قد رواه ابن عدي في الكامل
(3)
(1)
والبيهقي في الكبرى والطبراني في "الأوسط والكبير، وأعل بأيوب بن محمد أبي الجمل، قال البيهقي عقبه:
وأيوب بن محمد أبو الجمل ضعيف عند أهل العلم بالحديث؛ فقد
ضعفه يحيى بن معين وغيره، وقد روي هذا الحديث من وجه آخر مجهول عن
عبيدالله
بن عمر مرفوعا والمحفوظ موقوف.
لبس القفازين
القفاز بضم القاف وتشديد الفاء وبعد الألف زاي القفاز بالضم والتشديد لباس الكف وهو شيء يعمل لليدين يحشى بقطن ويكون له أزرار تزرر على الساعدين من البرد تلبسه المرأة في يديها وهما قفازان، وهو لليد
(1) ابن عدي الكامل، ج 1، ص 356. (2) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 47. (3) الطبراني، المعجم الأوسط، ج 6، ص 78. (4) الطبراني، المعجم الكبير، ج 12، ص 370. (3/91)
صفحة 855
الرائد
كالخف للرجل.
92
ومن القواعد السابقة التي فيها أن الممنوع من لبس الرجل هو المفصل على قدر الجسد أو عضو منه يظهر أن الرجل ممنوع من القفازين إذ هما مما فصل على مقدار عضو من الجسد وهو اليد.
أما المرأة فالأصل أنها غير ممنوعة منهما إذ لها لبس ما فصل على قدر الجسد، ولكن جاء من الروايات ما يستثني القفازين من الحكم الإباحي للمرأة وأنها ممنوعة منهما كما في حديث:
الليث حدثنا نافع عن عبد الله بن عمر قال: قام رجل فقال: يا رسول الله، ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب في الإحرام؟ فقال النبي: لا تلبسوا القميص ..... ولا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين.
وللفقهاء في حكم لبس المحرمة القفازين خلاف فمنهم من رأى
عدم
(1) ابن منظور، لسان العرب، ج 5، ص 396، والسالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2،
ص 183.
(2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب ما ينهى من الطيب للمحرم والمحرمة (1741). (3/92)
صفحة 856
الرائد
93
المنع، ولعلهم نظروا الأصل الإباحي للقضية وأن النهي السابق من كلام ابن عمر في قضية للاجتهاد فيها مسرح وقد خالفه غيره من صحابة رسول، وروي عن سعد بن أبي وقاص أنه كان يلبس بناته وهن محرمات القفازين.
ولكن الجمهور من أهل العلم على أن المحرمة ممنوعة من القفازين" كما هو ظاهر حديث ابن عمر السابق، وقد تبين أنه مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم. لبس الحلي
بينت الأحاديث السابقة الممنوعات المتوجهة للمرأة إبان الإحرام وقد انحصرت في القفازين وتغطية الوجه ولبس ما مسه الورس والزعفران وقد مر ذكر الخلاف في السابق.
لذا فقد ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أن لبس الحلي للمرأة إبان الإحرام أمر لا حرج فيه بل هو من الأمور المباحة إن لبس على الوجه المباح
(1) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 310، والكندي، بيان الشرع، ج 24، ص 72، والنووي، المجموع، ج 7، ص 234، والسرخسي، المبسوط، ج 4، ص 128.
(2) ابن عبد البر، التمهيد، ج 15، ص 107.
(3) الشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 369، وابن عبد البر، التمهيد، ج 15، ص 108. (3/93)
صفحة 857
الرائد
94
شرعا، وقد ذهب إلى هذا من علمائنا المتقدمين أبو المهاجر".
وذهب بعض أهل العلم إلى منع المرأة من لبس الحلي كالخاتم والقرطين والسوار والحرير إبان الإحرام.
ولا أدري الدليل الذي حملهم على هذا القول، إذ إن المحظورات مما لا يعلم بغير النصوص، ولا أعلم نصا ورد في النهي عنها مما يفيد أنها على حكم الإباحة.
ولا يمكن الاستدلال بكونها زينة إذ لا ناهي عن الزينة خلا النصوص العامة التي نهت عن الزينة عند غير المحارم وأنت خبير أن ذلك ليس له دخل في المحظورات، وإلا للزم منه نهيها عنه حال الصيام لكونه من دواعي الوطء والجماع ممنوع منه الصائم والمصلي ولم يقل أحد بمنعها من ذلك. وفوق الأصل الإباحي السابق ورد ما ينص أن الحلي مما يباح للمحرمة
(1) الكندي بيان الشرع، ج 24، ص 70، والشقصى منهج الطالبين، ج 4، ص 563 (ط
مسقط).
(2) ابن جعفر الجامع، ج 3، ص 311،والبسيوي، الجامع، ج 2، ص 243، وبيان الشرع، ج 24، ص 69، والشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 371، والشقصي، منهج الطالبين، ج 4،
ص 562. (3/94)
صفحة 858
الرائد
95
وهو حديث أحمد بن حنبل ثنا يعقوب ثنا أبي عن ابن إسحاق قال: إن نافعا
نهى
مولى عبد الله بن عمر حدثني عن عبد الله بن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب وما مس الورس والزعفران من
الثياب ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب معصفرا أو خزا أو حليا أو سراويل أو قميصا أو خفا.
والحديث من حيث الإسناد صحيح ولكن أشار أبو داود بعد إخراجه
إلى علة في متنه فقال:
روى هذا الحديث عن ابن إسحاق عن نافع عبدة بن سليمان ومحمد بن سلمة إلى قوله وما مس الورس والزعفران من الثياب ولم يذكرا ما بعده اهـ.
كما جاء الحكم السابق عن السيدة عائشة كما في حديث سعيد عن قال: أخبرني الحسن بن مسلم عن صفية بنت شيبة أنها قالت:
ابن جريج كنت عند عائشة إذ جاءتها امرأة من نساء بني عبد الدار يقال لها تملك فقالت لها: يا أم المؤمنين، إن ابنتي فلانة حلفت أن لا تلبس حليها في الموسم، فقالت عائشة: قولي لها إن أم المؤمنين تقسم عليك إلا لبست حليك كله.
(1) أخرجه أبو داود في كتاب: المناسك، باب: ما يلبس المحرم من الثياب (1827). (2) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 52. (3/95)
صفحة 859
الرائد
96
كما جاء عنها ذلك من حديث محمد بن يعقوب ثنا الحسن بن مكرم ثنا
أبو النضر ثنا محمد بن راشد عن عبدة بن أبي لبابة عن ابن باباه المكي أن
امرأته سألت عائشة: ما تلبس المرأة في إحرامها؟
قال: فقالت عائشة: تلبس من خزها وبزها وأصباغها وحليها.
سادسا: حكم الخنثى
لم أجد شيئا من النصوص الشرعية مبينا حال الخنثى، غير أنه يمكن أن
يقال في حق الخنثى إن الأمور التي يشترك فيها الذكر والأنثى من حيث الجواز في الإحرام هي مشروعة للخنثى.
والأمور التي يشتركان فيها من حيث الحرمة كالثياب المطيبة وتغطية الوجه عند جماعة من الفقهاء هي ممنوعة للخنثى، وما عدا ذلك يغلب عليها جانب الإناث فيلبس المفصل من الثياب على مقدار الجسد، ويغطي رأسه.
أولى.
وهذا التغليب سببه جانب الترجيح للأنوثة إذ سد الذريعة في ذلك
(1) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 52.
(2) النووي، المجموع، ج 7، ص 234، والدمياطي، إعانة الطالبين، ج 2، ص 320 والشربيني، الإقناع، ج 1، ص 260. (3/96)
صفحة 860
الرائد
97
سابعا: حكم من أحرم في محظور من اللباس
تبين من السابق أن هناك أنواعا من اللباس يمنع المحرم منها إبان
إحرامه، وهذا المنع من خطاب التكليف لا الوضع أي أن إحرام المحرم تام وصحيح مع انتهاك هذا المحظور، ولكن تبقى أمور:
أولها: الإثم إن كان متعمدا انتهاك المحظور دون عذر شرعي
بالتوبة والاستغفار.
لذا يلزم
ثانيها نزع اللباس المحظور فور العلم به أو زوال العذر، وهذا النزع
(2)
يكون بالصورة المعتادة في النزع ولو كان ذلك من طريق الرأس إذ هو
الأصل المتبادر.
قال الإمام أبوسعيد الكدمي:
ويعجبني أن ينزع القميص والجبة مما يلي رأسه، وإن أمكنه أن ينزعه مما
يلي الرجلين بلا خرق له فلعله أوجب وإلا فلا يقع هذا موقع التغطية إذا كان
في حال نزع اللباس.
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 177.
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 185، والعيني، عمدة القاري، ج 9، ص 162.
(3) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 187. (3/97)
صفحة 861
الرائد
98
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا ينزعه من قبل رأسه ولو اقتضى ذلك
تمزيقه لئلا يصير مغطيا رأسه، واستدل بعض هؤلاء بحديث ربيع المؤذن
عطاء قال: ثنا أسد قال: ثنا حاتم بن إسماعيل عن عبد الرحمن بن عن عبد الملك بن جابر عن جابر بن عبد الله قال:
بن
لبيبة
كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم جالسا في المسجد فقد قميصه من جيبه حتى أخرجه من رجليه فنظر القوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني أمرت ببدني التي بعثت بها أن يقلد اليوم ويشعر على كذا وكذا فلبست قميصي ونسيت فلم أكن لأخرج قميصي من رأسي وكان بعث ببدنه وأقام بالمدينة.
وفي هذا نظر إذ النازع ما قصد تخمير الرأس بذلك فيكون واقعا في محذور شرعي وإنما إمرار الجبة لخلعه، ثم إنه جاء التصريح في بعض روايات
يعلى بن أمية بأن خلعه كان من قبل رأسه كما في حديث محمد بن عيسى
ثنا
أبو عوانة عن أبي بشر عن عطاء عن يعلى بن أمية وهشيم عن الحجاج عن عطاء عن صفوان بن يعلى عن أبيه بهذه القصة قال فيه: فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:
(1) ابن جعفر الجامع، ج 3، ص 310، والبسيوي الجامع، ج 2، ص 266، والشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 368، والطحاوي، شرح معاني الآثار، ج 2، ص 139، وابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 33. (3/98)
صفحة 862
الرائد
99
اخلع جبتك فخلعها من رأسه وساق الحديث.
وفي النفس من العبارة المستدل بها "فخلعها من رأسه" شيء إذ إن
الحديث جاء عند الشيخين وغيرهما من رواية كثير من الحفاظ دون هذه
الزيادة مما يوقع في القلب أنها من الأوهام.
أما ما استدلوا به من الرواية فأخرجها الطحاوي في شرح معاني الآثار" وهي معلة بأمرين: أولهما ضعف الإسناد إذ فيه عبدالرحمن بن عطاء وقد قال ابن عبدالبر:
وعبد الرحمن بن عطاء بن أبي لبيبة شيخ من أهل المدينة روى عنه سليمان بن بلال والدراوردي وداود بن قيس وحاتم بن إسماعيل إلا أنه ممن لا يحتج
به فيما ينفرد به فكيف فيما خالفه فيه من هو أثبت منه (3).
ونص على ضعفه الحافظ ابن حجر في الفتح، وأشار إليه الحافظ
الطحاوي بعد إخراجه الرواية.
(1) أخرجه أبو داود في كتاب المناسك، باب ما يلبس المحرم (1820).
(2) الطحاوي، شرح معاني الآثار، ج 2، ص 138.
(3) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 83.
(4) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 546. (3/99)
صفحة 863
الرائد
(1 .. )
ثانيهما: معارضتها بما هو أقوى منها سندا وذلك حديث أبي عبيدة عن جابر زيد عن أبي سعيد الخدري قال: كتب زياد بن أبي سفيان إلى عائشة أم المؤمنين < فقال: إن عبدالله بن عباس يقول:
من أهدى هدياً يحرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر هديه، وقد بعثت بهديي فاكتبي إلي بأمرك، قال: قالت عائشة:
ليس كما قال ابن عباس أنا فتلت قليد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي، ثم قلدها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بعث بها مع أبي، فلم يحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً أحله
الله له حتى ينحر هديه (1).
وجاء الحديث من رواية عمرة بنت عبد الرحمن أنها أخبرته أن زياد بن
أبي سفيان كتب إلى عائشة زوج النبي الأن عبد الله بن عباس قال: أهدى هديا حرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر الهدي، وقد
من
بعثت بهدي فاكتبي إلي بأمرك، أو مري صاحب الهدي.
قالت عمرة قالت عائشة: ليس كما قال ابن عباس، أنا فتلت قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي ثم قلدها رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ثم بعث بها رسول الله
(1) أخرجه الإمام الربيع في كتاب: الحج (427). (3/100)
صفحة 864
الرائد
مع أبي فلم يحرم على رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء أحله الله له حتى نحر الهدي. ثالثها: الفدية على خلاف بين الفقهاء فيها وسيأتي التفصيل في حكمها
وأنه ليس على غير المتعمد على انتهاك محظورات الإحرام فدية، والدليل على السابق كله حديث همام حدثنا عطاء قال: حدثني صفوان بن يعلى بن أمية يعني عن أبيه أن رجلا أتى النبي الله وهو بالجعرانة وعليه جبة وعليه أثر الخلوق أو قال صفرة فقال: كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟
فأنزل الله على النبي فستر بثوب ووددت أني قد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وقد أنزل عليه الوحي، فقال عمر: تعال أيسرك أن تنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد أنزل الله
عليه الوحي؟
قلت: نعم، فرفع طرف الثوب فنظرت إليه له غطيط وأحسبه قال
كغطيط البكر.
فلما سري عنه قال: أين السائل عن العمرة؟ اخلع عنك الجبة، واغسل أثر الخلوق عنك، وأنق الصفرة، واصنع في عمرتك كما تصنع في حجك". وذهب ابن حزم إلى أنه يجب عليه أن يحدث إحراما ولا يجزيه الإحرام
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب من قلد القلائد بيده (1613)، ومسلم في كتاب: الحج، باب: استحباب بعث الهدي (1321).
(2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: يفعل في العمرة ما يفعل في الحج (1697). (3/101)
صفحة 865
الرائد
السابق، وقد استدل بحديث رواه من طريق:
عبد الله بن ربيع قال: نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب نا نوح بن
القومسي
نا عطاء عن
نا يحيى بن سعيد هو القطان نا ابن جريج صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أحرم في جبة متضمخ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أما الجبة فاخلعها، وأما الطيب فاغسله ثم أحدث إحراما.
ثم قال ابن حزم: نوح ثقة مشهور فالأخذ بهذه الزيادة واجب، ويجب إحداث الإحرام لمن أحرم في جبة متضمخا بصفرة معا وإن كان جاهلا؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمر بذلك إلا من جمعهما.
ولكن يشكل على كلام ابن حزم أن الزيادة التي ذكرها شاذة إذ اتفق الرواة على عدم ذكرها غير نوح هذا مما يجعلها غير محفوظة، قال النسائي: "ثم أحدث إحراما" ما أعلم أحدا قاله غير نوح بن حبيب، ولا أحسبه
محفوظا.
وقال البيهقي: رواه جماعات غير نوح بن حبيب فلم يذكروها، ولم
(1) ابن حزم، المحلى، ج 7، ص 80
(2) کتاب مناسك الحج، باب الجبة في الإحرام (2668). (3/102)
صفحة 866
الرائد
(1+ r)
يقبلها أهل العلم بالحديث من نوح، على أن ابن حزم نفسه حكى الإجماع على أن الحج لا يبطل بذلك فقد قال في مراتب الإجماع:
واتفقوا أنه من فعل من كل ما ذكرنا أنه يجتنبه في إحرامه شيئا عامدا أو
ناسيا أنه لا يبطل حجه ولا إحرامه".
المطلب الثاني: استعمال الطيب
توطئة
مما جاءت الأدلة الشرعية ناهية عنه المحرم الطيب إبان إحرامه، وإن كان الأصل في التطيب أنه أمر مندوب إليه إذ هو مما تزكو به النفوس وتشيع به
الألفة.
كما أن للرائحة الطيبة أثرا في حفظ الصحة؛ فإنها غذاء الروح، والروح مطية القوى، والقوى تزداد بالطيب وهو ينفع الأعضاء الباطنة كالدماغ والقلب، لذا كان مما حبب إلى نبينا كما في حديث:
عفان بن مسلم قال نا سلام أبو المنذر عن ثابت عن أنس قال: قال
(1) ابن حجر، التلخيص الحبير، ج 2، ص 273.
(2) ابن حزم، مراتب الإجماع، ص 77.
(3) ابن مفلح الآداب الشرعية، ج 3، ص 38. (3/103)
صفحة 867
الرائد
رسول الله صلى الله عليه وسلم: حبب إلي من الدنيا النساء والطيب، وجعل قرة عيني في
الصلاة).
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتطيب كما في حديث شيبان بن عبد الرحمن عن عبد الله بن المختار عن موسى بن أنس عن أنس بن مالك قال: كانت للنبي صلى الله عليه وسلم سكة
يتطيب منها (2).
كما جاء عنه الله أنه كان يكره أن يخرج إلى أصحابه وبه ما يكره من الروائح كما في حديث خداش بن مهاجر عن الأوزاعي عن الزهري عن عروة عن عائشة {قالت:
كان رسول الله يكره أن يخرج إلى أصحابه تفل الريح، وكان إذا كان من آخر الليل مس طيبا (3).
لذا لازمته أزكى الروائح وأفضلها كما في حديث سماك عن جابر بن سمرة قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الأولى ثم خرج إلى أهله ه وخرجت معه فاستقبله ولدان فجعل يمسح خدي أحدهم واحدا واحدا.
(1) أخرجه النسائي في كتاب عشرة النساء، باب: حب النساء (3939). (2) أخرجه أبو داود في كتاب الترجل، باب ما جاء في استحباب الطيب (4162). (3) أبو الشيخ، أخلاق النبي وآدابه، ج 2، ص 61. (3/104)
صفحة 868
الرائد
(1.0)
قال: وأما أنا فمسح خدي، قال: فوجدت ليده بردا أو ريحا كأنما أخرجها من جؤنة عطار".
ومما وصف به ما جاء من حديث هاشم بن القاسم حدثنا سليمان بن
المغيرة عن ثابت قال أنس: ما شممت عنبرا قط ولا مسكا ولا شيئا أطيب من ريح رسول الله صلى الله عليه وسلم، و لا مسست شيئا قط ديباجا ولا حريرا ألين مسا رسول الله (2).
من
وما السابق إلا لقصده أفضل الطيب وأزكاه كما في حديث إبراهيم بن يوسف وهو ابن إسحاق بن أبي إسحاق السبيعي عن أبيه عن أبي إسحاق سمع ابن الأسود يذكر عن أبيه عن عائشة قالت:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يحرم يتطيب بأطيب ما يجد ثم أرى وبيص
الدهن في رأسه ولحيته بعد ذلك".
وقد كان ينهى من عرض عليه طيب أن يرده كما في حديث عبيد الله بن أبي جعفر عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من عرض عليه
(1) أخرجه مسلم في كتاب الفضائل، باب: طيب رائحة النبي صلى الله عليه وسلم (2329). (2) أخرجه مسلم في كتاب الفضائل، باب طيب رائحة النبي صلى الله عليه وسلم (2330). (3) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب الطيب عند الإحرام (1465) (3/105)
صفحة 869
الرائد
طيب فلا يرده فإنه طيب الريح خفيف المحمل.
وكان مع نهيه السابق عن رد الطيب عاملا به فلا يرد طيبا عرض عليه
كما في حديث ثمامة بن عبد الله عن أنس له أنه كان لا يرد الطيب، وزعم أن النبي كان لا يرد الطيب).
بعد ذكر تلك الأحوال التي كان عليها النبي يا في حياته العامة استثنيت أو عمرة أو كليهما من ندب التطيب فمنع من استعمال
حالة المحرم بحج الطيب خشية أن يشغله ذلك عن واجب التزكية الذي يقتضي التخلي عن كل الأسباب التي قد تحول دون رقي نفسه وعروجها إلى الملأ الأعلى، ومن هنا
(1) أخرجه النسائي في كتاب الزينة، باب: الطيب (5259)، وأبو داود في كتاب: الترجل، باب في رد الطيب (4172). ورواه مسلم في كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها باب استعمال المسك (2259) بالإسناد السابق نفسه ولكن بلفظ من" عرض عليه ريحان فلا يرده"، قال الحافظ ابن حجر وأخرجه مسلم من هذا الوجه لكن قال ريحان بدل طيب.
ورواية الجماعة أثبت؛ فإن أحمد وسبعة أنفس معه رووه عن عبدالله بن يزيد المقبري عن سعيد بن أبي أيوب بلفظ الطيب ووافقه ابن وهب عن سعيد عند ابن حبان، والعدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد ابن حجر، فتح الباري، ج 5، ص 209.
(2) أخرجه البخاري في كتاب اللباس، باب من لم يرد الطيب (5585). (3/106)
صفحة 870
الرائد
(107)
كان النهي عن استعمال الطيب.
ومن المناسب أن أذكره هنا أن النهي عن استعمال الطيب لا يستلزم ندب مفهومه المخالف الذي هو استحباب الرائحة الكريهة فما كان هذا هدي سيد الخلق ولا دلت عليه تعاليم الإسلام فقد كان يتطيب قبيل المنع ليستمر عليه الطيب كما هو شأنه في بقية حياته في فترة المنع.
وبعد زوال حكم المنع يتطيب مباشرة ليسارع إلى مألوفه من الطيب كما يدل على ذلك حديث عبد الرحمن بن القاسم أنه سمع أباه وكان أفضل أهل زمانه- يقول: سمعت عائشة تقول:
طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي هاتين حين أحرم، ولحله حين أحل قبل أن يطوف وبسطت يديها.
أما حديث محمد بن عباد قال: سمعت عبد الله بن عمر الله يقول: قام
(2)
رجل فقال: يا رسول الله ما الحاج؟ قال: الشعث التفل فأخرجه
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب الطيب عند رمي الجمار والحلق قبل الإفاضة (1667)، ومسلم في كتاب الحج، باب الطيب للمحرم (1189). (2) قال الزمخشري: التفل ألا يتطيب فيوجد منه رائحه كريهة من تفل الشيء من فيه إذا رمى
به متكرها الزمخشري، الفائق، ج 1، ص 151. (3/107)
صفحة 871
الرائد
الترمذي وابن ماجه)، من طريق إبراهيم بن يزيد عن محمد بن عباد بن
جعفر عن ابن عمر مرفوعا.
ولكنه مما انفرد بروايته إبراهيم بن يزيد الخوزي كما قال الترمذي والبزار
بعد إخراجه وهو ممن لا تقبل روايته كما تقدم ذكره غير مرة فقد قال ابن معين: ليس بشيء.
وقال البخاري: لا يحتجون بحديثه، وقال في رواية: سكتوا عنه، هو متروك، وقال النسائي: متروك.
-أي
وقال الترمذي بعد إخراجه هذا حديث لا نعرفه من حديث ابن عمر إلا من حديث إبراهيم بن يزيد الخوزي المكي، وقد تكلم بعض أهل الحديث في إبراهيم بن يزيد من قبل حفظه اهـ.
لذلك يظهر لك أنه لا مانع من أن يستعمل المحرم مزيلات العرق وهذه
المزيلات قسمان:
أولهما: أملاح كأملاح الشبَّةِ أو غيرها لا رائحة لها أو بها رائحة لكنها
(1) كتاب تفسير القرآن باب من سورة آل عمران (2998)
(2) كتاب المناسك، باب ما يوجب الحج (2896).
(3) ابن عدي، الكامل، ج 1، ص 226. (3/108)
صفحة 872
الرائد
ليست بطيب، وهذه لا مانع من استعمالها في حال الإحرام أو قبله مستديما لها
صاحبها بعده.
ثانيهما: مزيلات ذات رائحة عطرية أي بها طيب، وهذه لا
استعمالها بعد الإحرام إلا لمن اضطر إليها مع شرط الفدية.
في
يصح
أما استعمالها قبل الإحرام واستدامتها في حال الإحرام فيدخله الخلاف
المسألة وقد مضى بنا الأمر أنه لا حرج في استدامة الطيب في حال الإحرام
لذا فلا حرج فيها.
أولا: حكم التطيب للمحرم
الطيب ومن
ذلك
جاءت الأدلة الشرعية متظافرة على منع المحرم من حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري له قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يلبس المحرم القميص ولا العمامة ولا السراويلات ولا البرانس ولا الأخفاف، فإن لم يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعها من أسفل الكعبين، ولا يلبس المحرم شيئاً من ثياب مسها الزعفران ولا الورس
(1)
وجاء ذلك من حديث مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر له أن رجلا
قال: يا رسول الله ما يلبس المحرم من الثياب؟
(1) أخرجه الربيع في كتاب الحج، باب: ما يتقي المحرم وما لا يتقي (406). (3/109)
صفحة 873
الرائد
(11.)
قال رسول الله: لا يلبس القمص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف إلا أحد لا يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعهما أسفل
من الكعبين، ولا تلبسوا من الثياب شيئا مسه الزعفران أو ورس". وموطن الشاهد في الحديث هو قوله " ولا يلبس المحرم شيئاً من ثياب
مسها الزعفران ولا الورس".
قال الإمام السالمي:
قال العراقي: نبه بالزعفران والورس على ما هو أطيب رائحة منهما
كالمسك والعنبر ونحوهما، وإذا حرم في الثوب ففي البدن أولى
(2)
و مما يفيد الحكم السابق أيضا حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا مات المحرم غسل ولا يكفن إلا في ثوبيه اللذين
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب ما لا يلبس المحرم من الثياب (1468)، ومسلم في كتاب الحج، باب: ما يباح للمحرم بحج أو عمرة وما لا يباح وبيان تحريم الطيب
عليه (1177).
(2) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 185، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4،
ص 99. (3/110)
صفحة 874
الرائد
أحرم فيهما ولا يمس بطيب ولا يخمر رأسه.
وجاء الحديث مع بيان سببه من طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير عن
ابن عباس أن رجلا وقصه بعيره ونحن مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو محرم فقال النبي له
: اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبين، ولا تمسوه طيبا، ولا تخمروا رأسه؛
فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبدا.
ووجه الدلالة
من
الحديث السابق هو منع المسلمين من تطييب ميت
المحرمين لعلة الإحرام كما تقدم ذكره من قبل، وهذه العلة نفسها تمنع الأحياء من التطيب كما منعت منه الأموات.
وللأدلة السابقة نقل إجماع الأمة على منع المحرم من الطيب من حيث
الجملة (3).
وهذا التحريم للطيب وارد في حق استعماله مع غض الطرف عن
(1) أخرجه الربيع في كتاب الحج، باب: في غسل المحرم (404).
(2) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب كيف يكفن المحرم (1208).
(3) الجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2، ص 145، والسالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2،
ص 185، وابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 29، والمغني، ج 3، ص 147، والنووي،
المجموع، ج 7، ص 239، والصنعاني، العدة، ج 3، ص 2
1182 (3/111)
صفحة 875
الرائد
(112)
صاحبه أكان يشمه أو هو ممن لا يشم خلافا لمن ذهب إلى جواز تطيب من لا
يشم؛ إذ النواهي الشرعية لم تتطرق إلى الشم، وما من شك أن شامل لمن يشم ومن لا يشم.
عدم القربان
قطعا
المسلمين عن تطييب ميت المحرمين، وهو ومما يؤكد السابق نهي ممن لا يشم في ذلك الحال كما في حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا مات المحرم، غسل، ولا يكفن إلا في ثوبيه اللذين أحرم فيهما، ولا يمس بطيب، ولا يخمر رأسه.
ثانيا: حكم شم المحرم للطيب
جاءت النصوص الشرعية السابقة مانعة من استعمال الطيب في الثوب كما في حديثي أبي سعيد الخدري وابن عمر ويعلى بن أمية، ومن قربانه مطلقا كما في حديث المحرم الذي وقصته الناقة، وما من شك أن منفعة الطيب إنما تكون في شم رائحته الزكية فيتعلق النهي بمطلق الشم للطيب.
ولكن نبه الشرع على الأمور السابقة لكونها ملازمة للمحرم لا تنفك عنه فأثرها دائم متصل، أما شم الروائح غير المتصلة فأمر ينهى عنه المحرم إن
(1) النووي، المجموع، ج 7، ص 241.
(2) أخرجه الإمام الربيع في كتاب الحج، باب: في غسل المحرم (404). (3/112)
صفحة 876
الرائد
(113)
كان قاصدا للشم مترفها بذلك متلذذا، أما إن وصلت الريح إليه دون قصد
منه فلا حرج
عليه (1).
ولكن مما ينبغي لنا أن نستثنيه من المنع في هذا الحال شم الطيب الذي استدامه المحرم عند إحرامه إذ ما استديم إلا والشم متحقق، ومن البعيد أن يستديمه النبي صلى الله عليه وسلم ولا يشمه، ثم إن استعمال الطيب حصل في وقت مباح فبقي شم نفس الرائحة فلا يمنع منه).
ثالثا: ضابط الطيب الممنوع
جاء الشارع بالنهي عن الطيب مطلقا ولم يحده في أمور بعينها يجتنبها المحرم، ومعلوم أنه ما كل طيب الرائحة طيبا يمنع منه المحرم وإلا لزم منه أن لا يقصد المحرم إلا كريه الرائحة منتنا إذ ضد الطيب النتن".
وهذا لازم باطل فيبطل ملزومه، لذا كان حريا بنا أن نبين ضابط الطيب
(1) البسيوي، الجامع، ج 2، ص 263، والكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 267، والشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 370، والجيطالي، مناسك الحج، ج 1، ص 166، والقطب شرح
كتاب النيل، ج 4، ص 83، والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص 311.
(2) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 191.
(3) ابن منظور، لسان العرب، ج 1، ص 564. (3/113)
صفحة 877
الرائد
الذي يمنع منه المحرم.
(114)
وقبل ذلك نبين أنه جاء في أدلة الشارع ما يعين أصنافا أنها من الطيب، ومنه يتبين منع المحرم منها، ومن ذلك المسك الذي بين فيه النبي صلى الله عليه وسلم أنه أطيب الطيب كما في حديث خليد بن جعفر عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري له عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
كانت امرأة من بني إسرائيل قصيرة تمشي مع امرأتين طويلتين فاتخذت رجلين من خشب وخاتما من ذهب مغلق مطبق ثم حشته مسكا -وهو
أطيب الطيب - فمرت بين المرأتين فلم يعرفوها فقالت بيدها هكذا.
وجاء أن السيدة عائشة < قد طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم عند إحرامه يوم حجة الوداع بالمسك كما في حديث هشيم أخبرنا منصور عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت كنت أطيب النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يحرم ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك).
كما جاء النص على العنبر أنه من الطيب الذي كان يتطيب به النبي في حديث عبد الله. بن عطاء الهاشمي عن محمد بن علي قال: سألت عائشة:
(1) أخرجه مسلم في كتاب: الألفاظ من الأدب وغيرها، باب: استعمال المسك (2252). (2) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب الطيب للمحرم عند الإحرام (1190). (3/114)
صفحة 878
الرائد
(115)
أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتطيب؟ قالت: نعم، بذكارة الطيب المسك والعنبر. كما جاء النص على الألوة والكافور أنه مما كان يتطيب به رسول الله صلى الله عليه وسلم على هيئة البخور كما في حديث ابن وهب أخبرني محرمة عن أبيه عن نافع قال: كان ابن عمر إذا استجمر استجمر بالألوة غير مطراة وبكافور يطرحه مع الألوة ثم قال: هكذا كان يستجمر رسول الله.
والألوة بضم اللام مع ضم الهمزة وفتحها وتشديد الواو -وحكي كسر اللام، وحكي تخفيف الواو - وهي ضرب من خيار العود وأجوده، وأصل
الكلمة فارسي
ومن
(4)
ذلك ما كانت تتطيب به زوجات النبي صلى الله عليه وسلم وهو الشك كما في
حديث عمر بن سويد الثقفي قال: حدثتني عائشة بنت طلحة أن عائشة أم
المؤمنين < حدثتها قالت:
(1) أخرجه النسائي في كتاب الزينة، باب: العنبر (5116).
(2) أخرجه مسلم في كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها، باب: استعمال المسك (2254). (3) الزمخشري الفائق، ج 3، ص 333، وابن منظور، لسان العرب، ج 14، ص 42. (4) العوتبي، الإبانة، ج 1، ص 113. (3/115)
صفحة 879
الرائد
(1)
كنا نخرج مع النبي إلى مكة فنضمد جباهنا بالسك المطيب عند
الإحرام فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها فيراه النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينهاها. ومما ورد النص عليه الحناء، ولكن في آثار لا تصح فمما جاء مفيدا أن الحناء طيب ما أخرجه الطبراني من حديث عبدالله بن لهيعة عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن خولة عن أم سلمة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تطيبي وأنت محرمة، ولا تمسي الحناء فإنه طيب".
ولكن في الإسناد عبدالله بن لهيعة وهو ضعيف، قال البيهقي: وهذا
إسناد ضعيف، ابن لهيعة غير محتج به.
وأخرج أبو يعلى من حديث محمد بن أبي بكر المقدمي حدثنا الحسن بن
دعامة حدثنا عمر بن شريك عن
، عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اختضبوا
بالحناء؛ فإنه طيب الريح يسكن الدوخة).
(1) بضم السين المهملة وتشديد الكاف، ضرب من الطيب يركب من مسك ورامك. (2) أخرجه أبو داود في كتاب المناسك باب ما يلبس المحرم (1830).
(3) الطبراني، المعجم الكبير، ج 23، ص 418. (4) البيهقي، معرفة السنن والآثار، ج 4، ص 26.
(5) أبو يعلى الموصلي، المسند، ج 6، ص 05 (3/116)
صفحة 880
الرائد
(117)
وقال أبو يعلى إثره: هذا هو ابن أبي نمر أم لا.
لكن جاء الجزم بأنه شريك ابن أبي نمر من قبل تمام الرازي في الفوائد.
والحديث ضعيف لا يثبت؛ إذ في إسناده الحسن بن دعامة الراوي عن عمر بن شريك، وكلاهما مجهول، قال ابن أبي حاتم الرازي: سألت أبي عنه:
ماحال الحسن وعمر؟ فقال: مجهولان).
وقال في ترجمة عمر بن شريك:
عمر بن شريك روى عن أبيه عن أنس، روى عنه الحسن بن دعامة،
عنه فقال: مجهول، ووجدت غيري يحكي عن أبي أنه قال: هو
سألت أبي ضعيف الحديث (3).
ونص على جهالة الرجلين الذهبي في الضعفاء.
أما ما جاء مثبتا أنه ليس بطيب فحديث كريمة بنت همام أن امرأة أتت
(1) تمام الرازي، الفوائد، ج 1، ص 256.
(2) ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ج 3، ص 12.
(3) ابن أبي حاتم الجرح والتعديل، ج 6، ص 115.
(4) الذهبي، الضعفاء، ج 1، ص 158، وميزان الاعتدال، ج 2، ص 234، وابن حجر، لسان
الميزان، ج 2، ص 203. (3/117)
صفحة 881
الرائد
(118)
عائشة فسألتها عن خضاب الحناء فقالت: لا بأس به، ولكني أكرهه؛ حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره ريحه.
كان
همام
وقد أخرجه أبو داود واللفظ له، والنسائي"، ولكن كريمة بنت
(3)
الطائية الراوية عن السيدة عائشة مجهولة لا تعرف بتوثيق لذا قال الحافظ ابن حجر: مقبولة، أي عند المتابعة، ولم يتابعها أحد فالحديث
ضعيف لذلك.
وكذلك حديث ابن عباس قال: كن أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم يخضبن بالحناء
وهن محرمات، ويلبسن المعصفر وهن محرمات.
ووجه الدلالة من ذلك أن هذا الفعل كان بعد الإحرام، والمحرم ممنوع
من الطيب بعد الإحرام اتفاقا كما سيأتي، فلو كان الحناء طيبا ما استعملنه -
رضي
الله
عنهن ولكنه زينة مطلقة فيكون فعلهن واردا مورد الإباحة
الشرعية لو ثبت.
(1) في كتاب الترجل، باب في الخضاب للنساء (4164).
(2) في كتاب الزينة باب كراهية ريح الحناء (5090).
(3) المزي، تهذيب الكمال، ج 35، ص 294، وابن حجر، تهذيب التهذيب، ج 12، ص 476.
(4) ابن حجر، تقريب التهذيب، ص 752. (3/118)
صفحة 882
الرائد
ولكن الحديث ضعيف؛ إذ رواه الطبراني من طريق أحمد بن محمد بن أيوب صاحب المغازي ثنا أبو بكر بن عياش عن يعقوب بن عطاء عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قال).
وهذا إسناد ضعيف، يعقوب بن عطاء قال عنه أحمد بن حنبل: منكر الحديث، وقال ابن معين وأبو زرعة ضعيف، وقال أبو حاتم: ليس عندي
بالمتين، يكتب حديثه)، والرجل متهم أيضا بالتدليس.
ولا يثبت في أمر الحناء من حيث كونه طيبا أو لا شيء، والواقع الذي نراه أن الناس لا يقصدونه لطلب ريحه بل للتزين فقط، وهو وإن صاحبته رائحة طيبة للبعض إلا أنها كريهة لآخرين وليس كل طيب الرائحة طيبا، ولكن هو زينة باتفاق.
وقد نص الشارع على استعماله في غير التطيب كحديث عبد الرزاق ثنا معمر عن سعيد الجريري عن عبد الله بن بريدة عن أبي الأسود الديلي عن أبي
(1) الطبراني، المعجم الكبير، ج 11، ص 105.
(2) ابن أبي حاتم الجرح والتعديل، ج 9، ص 211، وابن عدي، الكامل، ج 7، ص 143، والعقيلي، الضعفاء، ج 4، ص 445.
(3) ابن حجر، طبقات المدلسين، ص 51. (3/119)
صفحة 883
الرائد
120
ذر قال: قال رسول الله: إن أحسن ما غير به هذا الشيب الحناء والكتم". وقد اختلف الفقهاء فيه أهو طيب أو ليس هو بطيب، ولعل سبب اختلافهم تباين أعراف البلدان فيه، ولكن بعد ذهاب ريحه مع بقاء لونه يكون على أصل الإباحة اتفاقا إلا على رأي من يجعل مطلق الزينة من
ممنوعات الإحرام كما تقدم ذكره والراجح خلافه لعدم الدليل عليه. والقرنفل نص جماعة أنه من أقسام الطيب، ولكن بالنظر إلى عموم الناس الذين نراهم لا نجدهم يقصدون التطيب به فلا يمكن أن نعده على
السابق من الطيب إلا إن قصد به التطيب.
وقد أشار جماعة من الفقهاء إلى الضابط الذي يميز به الطيب الممنوع
(1) أخرجه أبو داود في كتاب الترجل، باب في الخضاب (4205).
(2) الشقصي، منهج الطالبين، ج 7، ص 44، وقد جزم ثمة بأنه والعصفر ليسا من الطيب، ومالك بن أنس، المدونة الكبرى، ج 2، ص 459، والغزالي، الوسيط، ج 2، ص 682، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 466، والنووي، المجموع، ج 7، ص 245، وابن الهمام، فتح القدير، ج 2، ص 443، والعيني، البناية، ج 4، ص 185، وعمدة القاري، ج 9، ص 157، والشنقيطي، أضواء البيان، ج 5، ص 79.
(3) القلقشندي، صبح الأعشى، ج 5، ص 59، والأبشيهي، المستطرف، ج 2، ص 281. (3/120)
صفحة 884
الرائد
(121)
وهو قولهم إنه ما يقصد لرائحته الطيبة، أو كما قال آخرون ما كان معظم الغرض منه التطيب واتخاذ الطيب منه) وإن وجدت به صفات أخرى.
ومنهم من قال إنه كل شيء له رائحة مستلذة ويعده العقلاء طيبا).
وبذلك يتبين لك حكم كثير من الأمور:
أولها: أن هناك ما لا يعرف فيه غير قصد التطيب فيمنع المحرم منها
اتفاقا كالنصوص التي ذكرناها ومنها المسك والعنبر والعود والكافور والصندل والغالية ونحوها.
ثانيها: الأمور التي تقصد لغير الطيب ولكن يأتي الطيب تبعا لها كحال كثير من المأكولات ذات الروائح الزاكية كالتفاح والأترج ونحوها؛ إذ لا
تقصد إلا للأكل وليس ثمة من يشتريها ليشم ريحها.
(1) الغزالي، الوسيط، ج 2، ص 682، وابن قدامة المغني، ج 3، ص 147، والنووي،
المجموع، ج 7، ص 244.
(2) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 464.
(3) نظام الدين، الفتاوى الهندية، ج 1، ص 240.
(4) أشار كثير من الفقهاء إلى بطلان عقد الإجارة إن كان قائما على شم رائحة تفاحة؛ لأن المنفعة غير متقومة. النووي روضة الطالبين، ج 5، ص 170، والعبدري، التاج
والإكليل، ج 5، ص 422، وابن رشد، بداية المجتهد، ج 2، ص 169. (3/121)
صفحة 885
الرائد
(122)
ثالثها: يظهر لك بتعليق الأمر على القصد الاختلاف في الأحكام الشرعية لاختلاف بيئات المكلفين فما يقصده هؤلاء للتطيب لا يراه آخرون
كذلك، ومن
هنا تظهر علة الخلاف بين الفقهاء في عدهم بعض الأمور طيبا
يمنع منه المحرم أو ليست بطيب فهي على أصل الإباحة.
قال الغزالي:
والورد والبنفسج والنرجس والضيمران وهو الريحان الفارسي طيب، وإنما تردد نص الشافعي في الريحان لأنه لا يعد طيبا في بلاده.
وهكذا نقلت كتب الآثار عن الإمام الربيع بن حبيب بالريحان العربي بأسا.
أنه لا يرى
رابعها يظهر أن القصد لا بد من أن يكون متوجها لطيب الرائحة وعليه فإن زالت الرائحة وبقيت العين لم يكن ثمة نهي بل يرجع الأمر إلى أصل الإباحة لزوال الحكم بزوال مناطه الذي هو الطيب".
(1) الغزالي، الوسيط، ج 2، ص 682.
(2) الجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2، ص 146، والجيطالي، مناسك الحج، ج 1، ص 166. (3) الصائغي لباب الآثار، ج 3، ص 440، والسيابي، سلك الدرر، ج 1، ص 313 والرافعي، العزيز، ج 3، ص 468، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 148، والرافعي، (3/122)
صفحة 886
الرائد
(123)
ومنهم من قال إن كان على وجه لو أصابه الماء فاحت الرائحة منه لم يجز استعماله، ومنهم من علق المنع ببقاء اللون، والأخير بعيد إذ المناط الرائحة لا
اللون.
وسئل الشيخ أبو نبهان - عن زوال أثر الطيب من الثوب بغير غسل هل يبيح للمحرم استعماله فقال:
نعم فيما معي على ذهابهن، وأما أن أؤدي من حفظي عن أحد من فقهاء المسلمين شيئا فيه فلا أقدر؛ لأني لا أعلم أنه يحضرني فيه من قولهم شيء فأرفعه.
والذي أستدل به على جوازه أن الشيء إذا كان مباحا في الأصل وإنما
حجر لعلة عارضة فبارتفاع تلك العلة لا بد وأن عارض التحريم فيزول ويرجع الشيء إلى ما كان عليه من قبل، ولا يبين لي في هذا المعنى إلا ذلك".
(2)
الحاوي الكبير، ج 4، ص 100، والنووي المجموع، ج 7، ص 240، وابن قدامة،
الكافي، ج 1، ص 407.
(1) كذا وردت في الأصل.
(2) كذا وردت في الأصل.
(3) أبو نبهان الحج، مخطوط، نسخة منه غير مرقمة، والصائغي، لباب الآثار، ج 4، ص 6. (3/123)
صفحة 887
الرائد
(124)
وقد قسم الفقهاء ذوات الروائح الزكية من النباتات إلى أقسام:
أولها ما يطلب للتطيب واتخاذ الطيب منه كالورد والياسمين والورس، وهذا يمنع المحرم منه.
ثانيها: ما يتطيب به ولا يتخذ منه الطيب كالنرجس والريحان والآس
والورد.
وقد اختلفوا في هذا القسم فمنهم من رأى ظاهر القصد منه عند اخضراره وهو التطيب فقال بأنه طيب وعلى هذا الأكثر؛ إذ العلة التي علق النهي عليها هي التطيب وهو موجود في هذه الأمور مع غض النظر عن المآل لأنه في حال الجفاف يجوز استعماله للمحرم لانفكاك مناط الحكم عنه الذي هو الطيب.
ومنهم من رأى أنه لا يمنع المحرم منه فلا يكون طيبا إذ بجفافه تزول
ريحه الطيبة).
(1) البسيوي، الجامع، ج 2، ص 263، والكندي، بيان الشرع، ج 22، 263، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 108، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 465، والذهبي، المغني، ج 3، ص 147، والنووي، المجموع، ج 7، ص 244، والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص 311. (2) عبد الوهاب، الإشراف، ج 1، ص 473. (3/124)
صفحة 888
الرائد
125
وذهب إلى هذا الرأي من علمائنا الشيخ إسماعيل فقال
:~
ويكره له شم الريحان والورد والياسمين وشبهه من غير المؤنث فإن
شمه أو مسه أو علقه ببدنه فلا فدية عليه فيه).
وفي زماننا يصنع مثل هذا القسم من الروائح الزاكية ويباع للناس على
أنه طيب يقصد به التطيب ولا يشتريه المشترون إلا بقصد الطيب، ومع هذا
التوجه لم يكن ثمة محيص عن القول أن هذه بالقصد السابق طيب يمنع
منه
المحرم.
ثالثها: ما يطلب للأكل والتداوي غالبا دون التطيب وإن صاحبته رائحة طيبة كالقرنفل والدارصيني والهيل والفلفل والزنجيل والأبازير ذات الرائحة الطيبة، وكالسفرجل والتفاح والنارنج والأترج.
وهذه ليست بطيب، اللهم إلا إن كانت تصنع على أنها طيب كما ظه
الآن عطر التفاح والمشمش، وهذه لا تباع إلا على أنها طيب، ولا تشترى إلا على أنها طيب، وهذا الأمر يحتم كونها طيبا يمنع منه
المحرم.
رابعها ما ينبت بنفسه من نباتات البراري والصحاري ولا يستنبت
كالشيح والقيصوم فلا تعد طيبا إذ ينعدم فيها ضابط قصدها طيبا.
(1) الجيطالي، مناسك الحج، ج 1، ص 166. (3/125)
صفحة 889
الرائد
126
وهناك من الفقهاء من قسم النبات ذكي الرائحة إلى أقسام ثلاثة:
أولها ما كان طيبا ويتخذ بعد يبسه طيبا مثل الزعفران والورس
والكافور والعود والورد والياسمين والنرجس والخيري والزنبق والكاذي، وهذا القسم يمنع منه المحرم.
وثانيها: ما كان طيبا ولكن لا يتخذ بعد يبسه طيبا كالريحان
والمرزنجوش والشاهين، وفي هذا خلاف.
وثالثها: ما ليس بطيب ولا يتخذ طيبا وإن كان طيب الرائحة.
وهذا أنواع ثلاثة:
النوع الأول: ما يعد مأكولا كالتفاح والنارنج والليمون والمصطكي
والدارصيني والزنجبيل.
والنوع الثاني: ما كان يعد معلوما) أو حطبا مثل الشيح والقيصوم
والإذخر.
والنوع الثالث ما يعد لزهرته وحسن منظره لا لرائحته كالبهار
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 108.
(2) كذا وردت في الأصل المطبوع من الحاوي، ولعل الصواب: معلوفا. (3/126)
صفحة 890
الرائد
(127)
والأدريون والخزامى.
وقسم فقهاء الحنفية الأشياء غير النباتات من حيث الطيب وعدمه
فقالوا:
الأشياء التي تستعمل في البدن على ثلاثة أنواع:
نوع هو طيب محض معد للتطيب به كالمسك والكافور والعنبر وغير ذلك تجب به الكفارة على أي وجه استعمل حتى قالوا: الوادي عينه بطيب تجب عليه الكفارة.
ونوع ليس بطيب بنفسه ولا فيه معنى الطيب ولا يصير طيبا بوجه ما كالشحم فسواء أكل أو دهن أو جعل في شقاق الرجل لا تجب الكفارة. ونوع ليس بطيب بنفسه ولكنه أصل للطيب يستعمل على وجه التطيب،
ويستعمل على وجه الدواء كالزيت والشيرج.
ويعتبر فيه الاستعمال فإن استعمل استعمال الأدهان في البدن يعطى له حكم الطيب، وإن استعمل في مأكول أو شقاق رجل لا يعطى له حكم
الطيب.
(1) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 190، ونظام الدين الفتاوى الهندية، ج 1، ص 240. (3/127)
صفحة 891
الرائد
128
رابعا: صفة الاستعمال الممنوع للطيب
لا إشكال في منع أن يقصد المحرم الطيب واضعا إياه في بدنه أو ثوبه إذ ذلك هو المعهود من الاستعمال فتتوجه إليه الأدلة الشرعية، أما لو حمله وهو محكم الغطاء في آنيته فلا حرج، ولا يعد متطيبا لغة ولا عرفا ولا شرعا).
وذهب بعض أهل العلم إلى أن التطيب الممنوع هو ما كان في البدن خاصة دون الثوب، اللهم إلا إن كان التطيب في الثوب مؤديا إلى أن يردع إلى البدن.
وفي هذا الرأي نظر من حيث إن النهي الشرعي قد ورد ذاكرا الاستعمال في الملابس دون أن يفرق بين ما يردع وما لا يردع كما في حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ولا يلبس المحرم شيئاً من ثياب مسها الزعفران ولا الورس، وعلة النهي
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 263، والقطب شرح كتاب النيل، ج 4، ص 82، والنووي، المجموع، ج 7، ص 239. (2) الجيطالي، مناسك الحج، ج 1، ص 170، والقطب شرح كتاب النيل، ج 4، ص 82. (3) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 99، والنووي، المجموع، ج 7، ص 239. (4) أخرجه الربيع في كتاب: الحج، باب: ما يتقي المحرم وما لا يتقي (406). (3/128)
صفحة 892
الرائد
129
متحققة في تطييب الثوب.
ثم إن كثيرا من الطيب يكون استعماله في الطعام كالزعفران وبغية الناس
في تطييب الطعام كبغيتهم في تطييب اللباس، لذا يقال في حكمه إن كانت
النار لم تستهلك الطيب بل بقي بعد الطهو فيمنع المحرم منه لبقاء علة النهي
التي هي
الطيب.
وإن كانت النار قد استهلكته فيرتفع النهي لارتفاع مناط الحكم وهو الطيب، قال شيخنا العلامة القدوة الخليلي -حفظه الله - في جواب له: إن كان الطبخ استهلك الطيب في المأكول والمشروب فلا مانع منهما
للمحرم، وإن كان أثرهما ظاهرا فيحرم استعمالها عليه، والله أعلم. واختلف هؤلاء في بقاء الطعم دون الرائحة أو اللون فمنهم من علق الأمر ببقاء اللون، وفي القولين؛ نظر إذ العلة الطيب لا اللون ولا الطعم".
(1) ابن الملقن الإعلام، ج 6، ص 47.
(2) شيخنا الخليلي الفتاوى الكتاب الأول، ص 363.
(3) الكندي بيان الشرع، ج 22، ص 266، وابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 35،
والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 110، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 150، (3/129)
صفحة 893
الرائد
130
ومنهم من رأى الطعام المطبوخ مع الطيب مما لا حرج فيه مطلقا. واختلف تعليلهم للقول بالجواز فمنهم من قال إن النار قد غيرت فعل
الطيب، ومنهم من قال إنه بالنار خرج عن كونه طيبا ولحق بالطعام. وفي هذا نظر؛ لأن الحكم يدور مع علته، فإن كانت العلة موجودة وجد معها الحكم والعلة هنا الطيب فيلزم دورانها مع الحكم. وذهب بعض الفقهاء إلى التفصيل فقالوا: إِنَّ خَلْطَ الطيب بغيره يأتي
على وجوه:
أولها: أن يخلط بطعام مطبوخ وهنا لا حكم للطيب سواء كان غالبا أو
والنووي، المجموع، ج 7، ص 240، وابن الهمام فتح القدير، ج 2، ص 442، وابن الملقن الإعلام، ج 6، ص 47، والبهوتي، شرح منتهى الإرادات، ج 1، ص 541. (1) البسيوي، الجامع، ج 2، ص 263، والكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 264، والشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 370، والجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2، ص 146، ومناسك الحج، ج 1، ص 166، والثميني، التاج المنظوم، ج 3، ص 307، والقطب شرح كتاب النيل ج 4، ص 83، وابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 34، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 191، وابن، عابدين رد المحتار، ج 2، ص 546، والكاندهلوي، أوجز
المسالك، ج 6، ص 437.
(2) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 312.
V (3/130)
صفحة 894
الرائد
مغلوبا.
131
وثانيها: الخلط بطعام غير مطبوخ، ويكون الحكم هنا للغلبة، إن غلب
الطيب وجب الدم وإن لم يظهر رائحته وإلا فلا شيء عليه غير عليه غير أنه إذا وجدت معه الرائحة كره.
وإن خلط بمشروب فالحكم فيه للطيب سواء غلب غيره أم لا، غير أنه في غلبة الطيب يجب الدم، وفي غلبة الغير تجب الصدقة إلا أن يشرب مرارا فيجب الدم.
ومن هؤلاء من سوّى بين المأكول والمشروب المخلوط كل منهما بطيب مغلوب إما بعدم وجوب شيء أصلا أو بوجوب الصدقة فيها وتمامه فيه.
وقيد بعض هؤلاء الغلبة التي ينبني عليها حكم المنع فقالوا إنه إن وجد من المخالط رائحة الطيب كما في الخلط فهو غالب وإلا فمغلوب، ومنهم من قيد الغلبة بالأجزاء لا الرائحة).
واختلف فيما إذا كان استعمال الطيب على غير الوجه المعهود من
(1) ابن عابدين رد المحتار، ج 2، ص 547.
(2) ابن عابدين، رد المحتار، ج 2، ص 547. (3/131)
صفحة 895
الرائد
(1)
132
استعماله) كما إذا كان الطيب بباطن الجسد وذلك باحتقانه أو استعاطه، أو اكتحل به أو لطخ به وجهه أو رأسه، والأكثر على المنع من ذلك إذ هذا غير مانع من حصول الحظر وهي الرائحة.
ومن أنواع الطيب ما يكون استعماله في الوجه المعهود عن طريق التبخير يمنع
والتجمير كحطب العود ونحوه الذي يعبق شذاه الطيب بإحراقه لذا المحرم من ذلك إذ هو في عداد المتطيبين بطيب يقصد لطيبه".
ومن الفقهاء من لم ير بأكل العود بأسا للمحرم؛ لأنه لا يكون مستعملا إياه على الوجه المعهود بل لا يكاد يظهر لذلك رائحة للطيب، وهذا بين عند مراعاة علة المنع إذ العلة مرتفعة هنا.
وذهب بعضهم إلى أن التطيب بالتبخير لا مانع منه"، وهذا أمر مشكل؛
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 269، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 111، والنووي، المجموع، ج 7، ص 239، والقرافي الذخيرة، ج 3، ص 312، وابن عابدين، رد المحتار، ج 2، ص 546، وابن قدامة، الكافي، ج 1، ص 407.
(2) النووي، المجموع، ج 7، ص 239، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 191 وابن
قدامة، الكافي، ج 1، ص 407.
(3) الشاشي، حلية العلماء، ج 1، ص 417، والرافعي العزيز، ج 3، ص 468، والنووي، المجموع، ج 7، ص 246. (3/132)
صفحة 896
الرائد
133
إذ هو تطيب لغة وعرفا، بل لا يقصد ذلك الفعل إلا للتطيب ولم يا ات دليل يفيد أن التطيب لا يكون إلا بوضع الطيب على الجسد.
كما يفيد حديث الذي وقصته الناقة أن على المحرم أن لا يقرب طيبا، فإن علم أنه بمروره على محل العطار أو نحوه يعبق به الريح فعليه أن لا يمر". ومما يتعلق بهذا تقبيل الحجر الأسود أو استلامه واستلام الركن اليماني
إن كان بهما شيء من الطيب فإنه إن كان المستلم محرما منع من ذلك؛ إذ الاستلام أمر مسنون كما سيأتي - في حين أن عدم قربان الطيب أمر واجب فيلزمه الحفاظ على الواجب، وفي حال إحلاله يستلم الركنين إن شاء إذ لا مانع من الطيب حينها.
وقال بعض الفقهاء بجواز لمسهما لعموم البلوى".
وفي هذا القول نظر، وذلك أنا لا نسلم كون ذلك من باب عموم البلوى
(1) السيابي، سلك الدرر، ج 1، ص 313، وابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 34، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 112، وابن قدامة، المغني، 3، ص 152، والبهوتي، شرح منتهى الإرادات، ج 1، ص 541، والرحيباني، مطالب أولي النهى، ج 2، ص 331. (2) الثميني، التاج المنظوم، ج 3، ص 307، والقطب شرح كتاب النيل، ج 4، ص 82، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 191.
(3) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 311. (3/133)
صفحة 897
الرائد
(134)
التي يترتب عليها الترخيص لأمور أولها أنه لا ضرورة في القضية فالأمر باللمس أو التقبيل أمر بمندوب ثبت عن صاحب الدعوة العمل به وتركه كما سيأتي، والنهي عن الطيب نهي عن محرم لا ينتهك إلا في اضطرار بشرط فدية.
ثانيها أنه من الممكن أن يطوف في حال الإحلال ويأتي بالأمور السابقة. خامسا: الطيب الحديث
تفنن الناس في هذا الزمان في استحداث أنواع من الطيب لم تكن معلومة عند الأقدمين، بل إن بعضها مما نص الأولون على عدم عدها طيبا وتحولت في زماننا إلى أمور لا تقصد إلا لطيبها ولا تباع إلا على أنها طيب كحال طيب كثير من الفواكه كالتفاح والشمام والمشمش وبإعمال ضابطنا في الطيب يتبين أن حكم هذه الأمور هو المنع على المحرم لتحقق علة المنع فيها وهي استعمال الطيب قصدا.
ثم إن كثيرا من المنظفات والأدوات التي يستخدمها الناس في زماننا تكون معطرة بأنواع من الطيب الذي يقصد لطيبه كالمسك والورد والبنفسج فيكون حكمها المنع.
أما إن كانت بها روائح طيبة ولكن تلك الروائح لا تقصد عرفا ولا (3/134)
صفحة 898
الرائد
شرعا لطيبها فلا حرج فيها كرائحة السدر والحناء والليمون والقرنفل والنعناع في معاجين الأسنان مثلا.
ومنها ما يصحبها رائحة صناعية كيماوية ولكنها في استقلالها لا تقصد
للتطيب فلا مانع من استعمالها للمحرم.
سادسا: منتهى المنع من الطيب
للفقهاء خلاف في منتهى وقت المنع من الطيب لمن أحرم بالحج، فذهب جمع من الفقهاء إلى أنه يحل التطيب بالتحلل الأصغر أي بعد الحلق وقبل
طواف الزيارة).
قال العلامة أبو المؤثر -
من رمى جمرة العقبة يوم النحر ثم ذبح ثم حلق فقد حل له الحلال كله لباس القميص والعمامة والخفين والطيب إلا النساء والصيد فإنهما لا يحلان للحاج حتى يطوف بالبيت طواف الزيارة ويركع ويسعى بين الصفا والمروة قد حل له الحلال كله إلا الصيد صيد الحرم و شجره).
(1) الجيطالي مناسك الحج، ج 2، ص 301، والجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 319، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 191، والسرخسي، المبسوط، ج 4، ص 22.
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 231. (3/135)
صفحة 899
الرائد
136
وقطع به الشيخ عامر دون أن يذكر غيره فقال:
والتحلل تحللان تحلل أصغر وهو الحلق بعد الذبح، فإنه يحل له كل
شيء إلا النساء والصيد، والتحلل الأكبر هو طواف الزيارة؛ لأنه يحل له كل
شيء إلا صيد الحرم فحرام على المحلين والمحرمين.
و دليل هؤلاء حديث عبد الرحمن بن القاسم أنه
سمع
أباه يقول:
سمعت عائشة تقول: طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي هاتين حين أحرم، ولحله حين أحل قبل أن يطوف وبسطت يديها.
وقال الترمذي بعد إخراج الحديث:
حديث عائشة حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي وغيرهم يرون أن المحرم إذا رمى جمرة العقبة صلى الله عليه وسلم يوم النحر وذبح وحلق أو قصر فقد حل له كل شيء حرم عليه إلا النساء".
(1) الشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 434.
(2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب الطيب عند رمي الجمار والحلق قبل الإفاضة (1667)، ومسلم في كتاب الحج، باب: الطيب للمحرم (1189).
(3) الترمذي، السنن، كتاب الحج، باب ما جاء في الطيب عند الإحلال قبل الزيارة
(917) (3/136)
صفحة 900
الرائد
137
ومن الباب السابق أيضا حديث سلمة بن كهيل عن الحسن العربي عن
ابن عباس قال: إذا رمى الجمرة فقد حل له كل شيء إلا النساء، قيل: والطيب؟ قال: أما أنا فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتضمخ بالمسك أفطيب
هو؟
والحديث رجاله ثقات غير أنه أعل بعدم سماع الحسن العربي من ابن عباس شيئا كما قال أحمد والبخاري وابن معين، ومع ذلك يشهد له من
حيث فعل النبي لا لا لا لو حديث عائشة المتقدم وهو حديث صحيح.
ووجه الدلالة من الحديثين ظاهر وهو أن النبي تطيب قبل طواف صلى الله عليه وسلم
الزيارة مما يؤذن برفع الحظر عنه.
كما استدل آخرون على إباحة التطيب بعد التحلل الأول بكون الطيب أخف حالا من اللباس الجواز استدامة الطيب بعد الإحرام ولحرمة استدامة
(1) أخرجه النسائي في كتاب مناسك الحج، باب ما يحل للمحرم بعد رمي الجمار (3084)، وابن ماجه في كتاب المناسك باب ما يحل للرجل إذا رمى جمرة العقبة
(3041)
(2) أحمد بن حنبل، العلل، ج 1، ص 143، والبخاري، التاريخ الأوسط، ج 1، ص 296، وابن أبي حاتم الجرح والتعديل، ج 3، ص 45، وابن أبي حاتم، المراسيل، ص 46، والزيلعي، نصب الراية، ج 3، ص 75. (3/137)
صفحة 901
الرائد
138
اللباس بعده، فلما أباح الشارع أغلظ الأمرين حالا كان استباحته أخفهما
أولى.
ثم إن استعمال الطيب لا يفسد الإحرام بحال بخلاف النساء فكان قياس سائر المحظورات.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن الطيب لا يرتفع عنه حكم الحظر إلا بعد طواف الإفاضة، وقد حكى هذا الرأي الإمام أبو سعيد الكدمي عن بعض علمائنا، والعبارة الموجودة في بيان الشرع فيها خطأ طباعي إذ النص في بيان
الشرع:
معي أنه يخرج في قول أصحابنا أن المحرم إذا رمى جمرة العقبة وذبح وحلق أو قصر حل له الحلال كله إلا النساء والصيد والطيب، وقال من قال إلا النساء والصيد والطيب).
وصواب العبارة كما في المصنف: إن المحرم إذا رمي الجمرة وذبح وحلق أو قصر حل له الحلال كله إلا النساء والصيد وقال من قال إلا النساء
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 191.
(2) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 22.
(3) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 246، والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 226. (3/138)
صفحة 902
الرائد
والصيد والطيب
139
وقال العبدري المالكي: كره مالك لمن رمى جمرة العقبة أن يتطيب حتى
يفيض فإن فعل فلا شيء عليه (3).
والإمام مالك لم يلزم المتطيب قبل الإفاضة شيئا في حين أنه ألزم قاتل
الصيد قبل الزيارة جزاءه، وقد علل بعض المالكية نفي الفدية عن المتطيب بالحال السابق أن الإمام مالكا راعى فيه الخلاف".
ولكن يشكل على هذا الرأي أن الخلاف متحقق في الصيد أيضا إذ إن جمعا من الفقهاء يقولون إن الحظر يرتفع عن الصيد بالتحلل الأول، فالمفترض على السابق أن لا يلزم بالجزاء أيضا، اللهم إلا أن يقال إن الخلاف الطيب كان بسبب شبهة قوية وهي حديث السيدة عائشة في تطييب في حين أن محظور الصيد خلو من السابق.
النبي
ومن الباب السابق ما رواه ابن أبي شيبة من حديث محمد بن فضيل عن أشعث عن نافع عن ابن عمر وعمر أنهما قالا إذا نحر الرجل وحلق حل له
(1) الكندي، المصنف، ج 8، ص 167. (2) العبدري، التاج والإكليل، ج 3، ص 123.
(3) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 33. (3/139)
صفحة 903
الرائد
(140)
كل شيء إلا النساء والطيب).
وجاء السابق من حديث محمد بن رافع ثنا عبد الرازق أخبرنا معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر عن عمر قال: إذا رمى الرجل الجمرة بسبع
حصيات وذبح وحلق فقد حل له كل شيء إلا النساء والطيب (3).
كما روى ابن أبي شيبة أيضا القول السابق من طريق ابن أبي عدي عن
أشعث عن الحسن قال: إذا رمى جمرة العقبة حل له كل شيء إلا الطيب
(3)
والنساء والصيد).
ومما قد يستدل به للمنع من الطيب بعد التحلل الأول حديث إبراهيم بن عبد الله أنبأ يزيد بن هارون أنبأ يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد عن عبد الله بن الزبير قال:
من
سنة الحج أن يصلي الإمام الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة
والصبح بمنى ثم يغدو إلى عرفة .... ثم يقف بجمع حتى يسفر ويدفع قبل
(1) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 239.
(2) ابن خزيمة، صحيح ابن خزيمة، ج 4، ص 303.
(3) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 239. (3/140)
صفحة 904
الرائد
(141)
طلوع الشمس فإذا رمى الجمرة الكبرى حل له كل شيء حرم عليه إلا النساء
والطيب حتى يزور البيت.
والحديث أخرجه الحاكم وقال: هذا حديث على شرط الشيخين ولم
يخرجاه، وأخرجه ابن خزيمة من حديث يوسف بن موسى
(2)
يحيى عن القاسم بن محمد عن عبد الله بن الزبير (2).
ثنا جرير عن
وأعل ابن خزيمة الرواية السابقة بأنها جاءت من طريق محمد بن الوليد ثنا يزيد بن هارون أخبرنا يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد قال: سمعت ابن الزبير، ثم ذكر الحديث والمستثنى فيه النساء فقط ورجحه على الأولى
لدلالة حديث عائشة الذي فيه أنها طيبت النبي صلى الله عليه وسلم قبل طواف الزيارة". وقد حكم بشذوذ زيادة الطيب السابقة بعض أهل العلم، ومما يؤكد السابق أنه روى ابن أبي شيبة عن سفيان بن عيينة عن ابن المنكدر أنه
سمع
(1) الحاكم، المستدرك، ج 1، ص 632.
(2) ابن خزيمة، صحيح ابن خزيمة، ج 4، ص 247.
(3) ابن خزيمة، صحيح ابن خزيمة، ج 4، ص 247.
(4) ابن حجر، الدراية، ج 2، ص 27، والمباركفوري، تحفة الأحوذي، ج 3، ص 569. (3/141)
صفحة 905
الرائد
(142)
ابن الزبير يقول: إذا رميت الجمرة من يوم النحر فقد حل لك ما وراء
النساء).
كما اختار الرأي المانع من الطيب قبل طواف الزيارة بعض أهل العلم مستدلين بأن الطيب من دواعي الجماع كالمباشرة، واعتذر عن حديث
تطيب النبي قبل طواف الإفاضة بادعاء خصوصية النبي صلى الله عليه وسلم بذلك. ويعترض عليه بأن الأصل التشريع وعدم التخصيص، والقول بالتخصيص يحتاج إلى دليل وليس ثم دليل على ذلك.
فإن قالوا: الطيب من مقدمات الجماع والدواعي إليه والنبي صلى الله عليه وسلم يملك إربه بخلاف غيره كما قالت عائشة في حقه في القبلة للصائم وأيكم يملك إربه كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يملك إربه (3).
فيرد عليهم على الإلزام السابق بكون الأصل في التطيب الإباحة إلا من خشي على نفسه وليس للمنع منه مدخل في الإحرام إذ جوازه لمن ملك إربه
يستلزم كونه ليس من المحظورات.
(1) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 238.
(2) ابن عبد البر، التمهيد، ج 2، ص 261، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 191.
(3) العراقي، طرح التثريب، ج 5، ص 69. (3/142)
صفحة 906
الرائد
(143)
ومما يدلك على ضعف هذا المستند أن النبي صلى الله عليه وسلم مع كونه أملك الناس
لإربه لم يتطيب عند إحرامه وقبل تحلله ولو كان جائزا مع العلة السابقة امع
لقيل بجوازه في حقه وذلك ما لم يقل به أحد.
ومن السابق كله يظهر لك أن قول من أباح التطيب بعد التحلل الأول
وقبل طواف الزيارة هو الأظهر والأقرب للدليل.
سابعا: جزاء من استعمل الطيب
تبين من السابق أن استعمال الطيب من محظورات الإحرام لا يجوز للمحرم أن يأتيه، وإن أتاه من غير عذر شرعي فيجب عليه ما يأتي:
أولا: التوبة إلى الله والاستغفار؛ إذ إن ما أتاه معصية.
ثانيا: إزالة الممنوع للرجوع إلى الحال المطلوب شرعا فيلزمه أن يزيل الطيب من بدنه قدر جهده فإن تمكن أن يزيل الرائحة بغسل أو تتريب أو غيره مع بقاء الثوب عليه أجزاه ذلك، وإن لم تزل ولم يكن سبيل إلا التخلص من الثوب لزمه إبداله بثوب غير مطيب ما دام مستطيعا.
ثالثا: الفدية التي ذكرها الله تعالى في كتابه إذ قال: فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا (3/143)
صفحة 907
الرائد
(144)
أَوْ بِهِ أَذًى مِن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكِ، وبيَّن السابق
حديث كعب بن عجرة الذي ذكرناه من قبل.
والجامع بين استعمال الطيب والحلق أن كلا من استعمال الطيب وحلق
الشعر محظور على المحرم فيترتب على انتهاكه وجوب الكفارة).
أما إن كان انتهاكه المحظور واستعماله الطيب بسبب اضطرار إليه كعلاج ونحوه فهنا يلزم بالفدية المذكورة قبل، ومع زوال سبب الاضطرار الأمر إلى أصل الحكم وهو المنع إذ الضرورة تقدر بقدرها، ومتى
يرجع
ارتفعت علة الترخيص وهي الاضطرار ارتفع معها الترخيص.
أما إن كان الانتهاك جهلا لحرمة ذلك أو جهلا لكونه طيبا أو عن غير تعمد كنسيان أو من ألقي عليه الطيب دون اختياره فتلزم التوبة والاستغفار
والإسراع إلى إزالة الممنوع".
(1) سورة البقرة، جزء من الآية (196).
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 263، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 147، والقرافي،
الذخيرة، ج 3، ص 311.
(3) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 265، وابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 33. (3/144)
صفحة 908
الرائد
المطلب الثالث: حلق الشعر
أولا: حكم حلق الشعر للمحرم
145
مما جاءت الأدلة الشرعية ناهية عنه المحرم حلق شعر الرأس فقد قال الله تعالى: وَلا تَحلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ أَهْدَى يَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ).
كما جاء في السنة ما يفيد ظاهره منع المحرم من أخذ شعره وهو حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: خرج كعب بن عجرة يريد الحج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فآذاه القمل في رأسه فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحلق
رأسه وقال له:
صم
ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين مدين لكل مسكين، أو انسك
بشاة، أي ذلك فعلت أجزاك).
ووجه الاستدلال من الرواية ظاهر إذ الأذى كان من القمل وقتل القمل مما لا حرج فيه كما سيأتي في بحث محظور قتل الصيد ولكن لا يتوصل إلى التخلص من أذى القمل إلا بحلق الشعر فالشعر مسكنه ومأواه لذا أبيح
(1) سورة البقرة، جزء من الآية (196).
(2) أخرجه الإمام الربيع في كتاب الحج، باب في الهدي والجزاء والفدية (435). (3/145)
صفحة 909
الرائد
146
قص الشعر بشرط الفدية ولو كان القص غير ممنوع منه لما لزمت الفدية
بإتيانه.
لحلق
وقال بعض الفقهاء إن الفدية كانت لقتل القمل وليست هي الشعر، وفي هذا نظر إذ إنه سيأتي مقررا أنه لا حرج في قتل المحرم القمل إذ ليس ثمة دليل يفيد منع ذلك.
وليس القمل من الصيد في شيء، ثم إن صدر الآية الكريمة سيق في
جواب للنهي عن حلق الشعر ولم يكن ثمة ذكر للقمل بل علل الأمر بالأذى الذي بالرأس.
ثانيا: الشعر الذي يمنع حلقه
الشعر المذكور في الأدلة الشرعية هو شعر الرأس كما في قوله تعالى ولا
?
تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهُدَى عَحِلَّهُ، فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن
رَّأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكِ، والتحلل من الإحرام لا يكون
إلا بشعر الرأس، لذلك كان النهي عن حلق شعر الرأس هو منطوق الدليل،
ومحل إجماع الفقهاء.
(1) سورة البقرة، جزء من الآية (196). (3/146)
صفحة 910
الرائد
(147)
وألحق جمع من الفقهاء بالسابق كل شعر الجسد كشعر الإبط والعانة وحلقة الدبر والرفغين والصدر والأنف، فيحرم المساس به حين الإحرام كما يحرم المساس بشعر الرأس.
قالوا: وقد ذكر في الأدلة السابقة أن المنع كان لشعر الرأس، وقد كان هذا الذكر لأن أغلب الحاجات يكون في شعر الرأس ولكن غيره من باقي شعر الجسد داخل في الحكم لكونه شعرا أيضا، ولأنه يتنظف ويترفه به فأشبه حلق الرأس، وقص الشعر وقطعه ونتفه كحلقه).
ونسب هذا الرأي إلى الأكثر من أهل العلم ولكن اختلفوا أفدية الجميع واحدة أو يفصل؟ قال الجمهور منهم إن الفدية واحدة وهي المذكورة في الآية الكريمة؛ إذ الوصف الجامع بينهما كونهما شعرا.
وقال غيرهم إن جزاء شعر الرأس الفدية المذكورة في الآية، أما شعر
(1) الصائغي، لباب الآثار، ج 4، ص 15، والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 88، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 149، والنووي، المجموع، ج 7، ص 222، وابن النجيم، البحر الرائق، ج 2، ص 349، والبهوتي، الروض المربع، ج 1، ص 474.
(2) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 259، والنووي، المجموع، ج 7، ص 223، والدمياطي،
إعانة الطالبين، ج 2، ص 319
(3) ابن قدامة، الكافي، ج 1، ص 403. (3/147)
صفحة 911
الرائد
باقي الجسد فدم.
148
وهذا الرأي الأخير فيه نظر إذ لا مفرق في الأدلة الشرعية بين الأمرين،
ثم إنه لم يأت دليل بالدم في هذا الموضع رأسا.
وقال بعض الفقهاء من حلق عضوا مقصودا بالحلق من بدنه قبل أوان التحلل فعليه دم وإن حلق ما ليس بمقصود فعليه الصدقة
نصف وهي صاع من البر، ومما ليس بمقصود حلق شعر الصدر أو الساق ومما هو مقصود حلق الرأس أو الإبطين.
وقال هؤلاء إن حلق الرقبة كلها فعليه دم؛ لأنه حلق مقصود للراحة
والزينة فإن العلوية يفعلون ذلك، واختلفوا في الشارب أيلزم فيه دم أو
صدقة لاختلافهم أذلك مقصود بالحلق أو لا.
كما اختلف هؤلاء: هل الرأس والجسد شيء واحد أو هما شيئان؟
(1) ابن عبد البر، التمهيد، ج 2، ص 240، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 116، وابن
قدامة، المغني، ج 3، ص 259.
(2) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 73.
(3) النووي المجموع، ج 7، ص 324، وابن قدامة المغني، ج 3، ص 259، وابن النجيم،
البحر الرائق، ج 3، ص 10، وابن مفلح، الفروع، ج 3، ص 260. (3/148)
صفحة 912
الرائد
149
من
أخذ بعلة كونهما شعرا قال هما كالعضو الواحد، ومن نظر إلى أنهما
كالعضوين قال إن الرأس يخالف البدن بحصول التحلل به دون البدن). وعلى الأول تلزم المضطر لحلقهما فدية واحدة، وإذا ما اجتمع العدد من الاثنين لزمت الفدية، وعلى الثاني لا تلزم الفدية إلا باجتماع الحد المطلوب من كل واحد منهما حتى تلزم الفدية بحياله.
والإلحاق السابق كان بدليل القياس إذ منطوق الأدلة المذكورة شعر الرأس، ويحتج بالقياس إن اجتمعت فيه شروط القياس الصحيح وخلا من القوادح ولا أراه يسلم بل بين شعر الرأس وباقي المذكورات بون شاسع فيقدح القياس بكونه قياسا مع الفارق.
وكثير من الفقهاء ينصون أنه لا يكون التحلل إلا بالأخذ من شعر الرأس دون غيره من شعر الجسد، وإن كان المنع من الأخذ من الشعر حال الإحرام شاملا لكل شعر الجسد والعلة أن التحلل بالحلق أو التقصير ما ورد إلا في شعر الرأس.
ويرد ذلك أن الحظر أيضا من حلق الشعر ما كان واردا إلا في شعر
(1) النووي، المجموع، ج 7، ص 324، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 259.
(2) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 425. (3/149)
صفحة 913
الرائد
150
الرأس، وليس ثمة دليل يحظر بمنطوقه أو مفهومه غيره، والطرد يثبت أنه يجزي للتحلل حلق أي شعر محظور قبل الإحرام، ولكن الاتفاق المذكور يرد هذا، والمفترض أنه ليس بمحظور ما دام لا يجزي حلقه للتحلل.
وللسابق ذهب آخرون من أهل العلم إلى أن الممنوع حلق شعر الرأس فقط، وهو الذي يوجب على الحالق الفدية كما هو نص الكتاب العزيز والمستفاد من حديث كعب بن عجرة.
أما شعر باقي الجسد فلم تتعرض له النصوص بذكر فيبقى على أصل الإباحة، ومما يفيد ذلك كما ذكرنا - اتفاقهم على أنه لا يتحلل المتحلل بحلق غير شعر الرأس.
والشعر الذي يتوجه الخطاب إليه هو الشعر الحي، أما الميت منه الآيل للسقوط فلا تتوجه إليه الأدلة الشرعية لكونه ميتا فهو في حكم المنفصل؛ إذ لا رابط بينه والجسد.
وقد أجمعت الأمة على منع المحرم ذكرا كان أو أنثى من
أخذ شعره
(1) ابن حزم، المحلى، ج 7، ص 246.
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 255، والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 91، وابن
قدامة، المغني، ج 3، ص 261. (3/150)
صفحة 914
الرائد
(101)
مباشرة أو تمكينا إلا من عذر.
وهذا الأخذ قد يكون بالحلق أو التقصير أو القلع أو النتف أو النورة أو
غير ذلك من سبل إزالته على اختلافها ولو بشرب دواء مزيل للشعر على ما قاله بعض الفقهاء".
ووافق ابن حزم الجمهور في منع المحرم من إزالة الشعر بالنورة ولكنه أباح إزالته بالنتف فقال:
فإن نتفه فلا شيء في ذلك؛ لأنه لم يحلقه والنتف غير الحلق"، وما كان
(1) الجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2، ص 146، ومالك بن أنس، الموطأ، ج 1، ص 395، وابن المنذر الإجماع، ص 64، وابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 315، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 114، والنووي، المجموع، ج 7، ص 222، وابن النجيم، البحر الرائق، ج 2، ص 349، وابن مفلح، الفروع، ج 3، ص 258.
(2) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 248، والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 88، والسيابي، سلك الدرر، ج 1، ص 313، والنووي، المجموع، ج 7، ص 325، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 258، وابن النجيم البحر الرائق، ج 2، ص 349، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 192، والقرافي الذخيرة، ج 3، ص 308، والدمياطي، إعانة الطالبين، ج 2، ص 319، والبهوتي، الروض المربع، ج 1، ص 474. (3/151)
صفحة 915
الرائد
152
ربك نسيا" وإنما جاء النهي والفدية في الحلق لا في النتف.
وهذا الرأي لائق بظاهرية ابن حزم وإلا فما الفرق بين الإزالة بالنورة وبالنتف إذ المحصلة واحدة، لذا فقول الجمهور أولى بالأخذ، إذ دخول حكم النتف في الحكم بالمنع منه إنما كان بدلالة النص المساوية وهي حجة وإن كان ابن حزم لا يراها إذ هي قياس على الأوجه، وليست ثمة مناسبة لقصر
الحكم على الحلق سوى تصريح النص لكون الغالب في أخذ شعر الرأس إنما
هو الحلق فأطلق له الحكم.
ثالثا: فدية حلق شعر الرأس
لا يخلو المحرم الحالق شعر رأسه من أن يكون مضطرا لحلق الشعر كما هو الحال في حديث كعب بن عجرة أو غير مضطر.
فإن كان مضطرا لذلك طبق عليه ما جاء في حديث كعب بن عجرة.
(1) ابن حزم، المحلى، ج 7، ص 214.
(2) هي
دلالة اللفظ على الحكم في شيء يوجد فيه معنى يفهم كل من يعرف اللغة أن الحكم
في المنطوق لأجل ذلك المعنى، وتعرف بفحوى الخطاب ومفهوم الموافقة. السالمي، طلعة الشمس، ج 1، ص 258، والبخاري، التوضيح في حل غوامض التنقيح ج 1، ص 245. (3/152)
صفحة 916
الرائد
(107)
أما غير المضطر فلا يخلو من أن يكون متعمدا الانتهاك أو غير متعمد، أما المتعمد للانتهاك دون عذر فالجمهور على صحة إحرامه ولكنهم اختلفوا أتلزمه الفدية أو الدم أو لا شيء عليه، والجمهور على وجوب الفدية.
ومن كان غير متعمد حلق شعره للانتهاك بل حلقه ناسيا، أو ظانا تمام النسك وعلم بعدها أنه لم يتم وعاد إلى إحرامه، أو حلقه جاهلا فهذا لا شيء عليه على الأظهر، وقيل عليه الفدية أيضا.
وأغرب ابن حزم فقال إن حلق رأسه لغير ضرورة أو حلق بعض رأسه
دون بعض عامدا عالما أن ذلك لا يجوز بطل حجه؛ لأن ذلك معصية
والمعصية فسوق والفسوق مبطل للحج
(1)
(1) ابن حزم، المحلى، ج 7، ص 211. (3/153)
صفحة 917
الرائد
(102)
رابعا: تقليم الأظفار
ألحق الجمهور من أهل العلم بمحظور حلق الرأس قص الأظفار بجامع أن الكل إلقاء تفث ولأن قطع الأظفار إزالة جزء يترفه به فحرم كإزالة الشعر، والله تعالى يقول: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ.
لذا فيمنع المحرم من قص أظفاره، قال الإمام أبو سعيد الكدمي:
معي
أنه يخرج في معاني قول أصحابنا نحو ما حكي أنه ممنوع قص أظفاره وتقليمها في الإحرام، وأنه مباح له أن يزيل عن نفسه ما انكسر وآذاه وخرج عن معنى الثبوت ولا فداء عليه فيه (3).
(1) الشماخي الإيضاح، ج 2، ص 371، والقطب شرح كتاب النيل، ج 4، ص 91، والسيابي، سلك الدرر، ج 1، ص 314، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 261، والنووي، المجموع، ج 7، ص 222، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 194، والحطاب، مواهب الجليل، ج 3، ص 162، والعبدري، التاج والإكليل، ج 3، ص 156، والدمياطي، إعانة الطالبين، ج 2، ص 320، والبهوتي، الروض المربع، ج 1، ص 474.
(2) سورة: الحج، الآية (29).
(3) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 257. (3/154)
صفحة 918
الرائد
(100)
وقد نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على القول السابق، ولا إجماع في الحقيقة فجواز قص الأظفار مذهب جماعة من أهل العلم، ودليلهم عدم ورود نص على المنع من تقليم الأظفار، وما لم يرد دليل فالأمر باق على أصل الإباحة الشرعية بل الندب الأصلي.
خامسا: جزاء من حلق شعره أو قص أظفاره
مضى
الخلاف في حكم منتهك محظور الإحرام على سبيل العمد أو الخطأ وما عليه، وتقدم أن النبي الله أذن لكعب بن عجرة في حلق شعر رأسه. بشرط الفدية المذكورة سلفا.
جميعه
ولكن قد يكون القص لشعرة أو شعرتين والحكم هنا أنه قال كثير من أهل العلم إن من قص شعرة أو حلق ظفرا فعليه إطعام مسكين، ومن قص شعرتين أو قص ظفرين فعليه إطعام مسكينين ومن وصل حد الثلاث فصاعدا فيعطى حكم الكل وهو الفدية الكاملة، لأن الثلاث جمع فينطلق
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 256، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 150. (2) ابن حزم، المحلى، ج 7، ص 246، والشنقيطي، أضواء البيان، ج 5، ص 47. (3) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 308، والكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 249، والشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 372، والجناوني، الوضع، ص 210، والقطب، شرح (3/155)
صفحة 919
الرائد
عليها لفظ شعر.
156
وقيل بالأربع؛ لأن الأربع كثير، وقيل خمس، وقيل إذا حلق من رأسه
ما أماط عنه الأذى فليفتد وما عدا ذلك ففيه حفنة من طعام".
ومن الفقهاء من قيد الواحدة بمد من طعام، والاثنتين بمدين؛ لأن الله تعالى عدل في جزاء الصيد من الحيوان إلى الطعام فيجب أن يكون هنا مثله، وأقل ما يجب من الطعام مد فوجب ذلك.
ومنهم بقبضة من طعام ومنهم بإطعام مسكين، ومنهم بدرهم؛ لأن إخراج ثلث دم يشق فعدل إلى قميته وكانت قيمة الشاة ثلاثة دراهم فوجب ثلثه، ومنهم من قيد الشعرة بثلث دم والشعرتين بثلثي دم؛ لأن في الثلاث
دما (3).
وذهب بعض الفقهاء إلى أن فدية حلق الرأس تلزم بحلق الكثير وما
كتاب النيل، ج 4، ص 90، والنووي، المجموع، ج 7، ص 324، والبهوتي، الروض
المربع، ج 1، ص 474.
(1) ابن مفلح، الفروع، ج 3، ص 258.
(2) القرافي الذخيرة، ج 3، ص 309، والعبدري التاج والإكليل، ج 3، ص 156، والحطاب، مواهب الجليل، ج 3، ص 163، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 259.
(3) النووي، المجموع، ج 7، ص 324، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 261. (3/156)
صفحة 920
الرائد
157
ليس بكثير وجبت فيه صدقة، ثم اختلف هؤلاء في الكثير فقيل ربع الرأس، ومن هؤلاء من قال بالثلث، ومنهم من قال بالأكثر من الرأس". وقال القائلون بتحديد الكثير بالربع لو كان أصلع على ناصيته أقل من ربع الرأس فإنما فيه صدقة، وكذا لو حلق كل رأسه وما عليه أقل من ربع شعره، وقالوا إن في إزالته لشعر الرأس أو اللحية إذا كان أقل من الربع
نصف صاع ولو كان شعرة واحدة فإنهم قالوا كل صدقة في الإحرام غير مقدرة فهي نصف صاع من بر) بر).
والحال في الأظفار كالحال في الشعر من حيث الخلاف في العدد
والمخرج.
وذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا يجب الدم إلا بتقليم أظفار يد كاملة؛
لأنه لم يستكمل منفعة اليد فأشبه الظفر والظفرين.
ومن قلم أقل من يد كاملة فعليه صدقة نصف صاع من البر عن كل
(1) العيني، البناية، ج 4، ص 333، والسرخسي، المبسوط، ج 4، ص 73.
(2) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 73. (3) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 192.
(4) ابن النجيم، البحر الرائق، ج 3، ص 9. (3/157)
صفحة 921
الرائد
101
ظفر، واختلف هؤلاء فمنهم من اعتبر عدد الخمسة لا غير ولم يعتبر التفرق
والاجتماع.
ومنهم من اعتبر مع عدد الخمسة صفة الاجتماع وهو أن يكون من محل
واحد).
وتعقب النووي القول القائل بأن مقدار الشاة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة دراهم فقال:
وأما احتجاج المصنف) وغيره لهذا القول بأن الشاة كانت تساوي ثلاثة دراهم فإنما هو مجرد دعوى لا أصل لها؛ فإن أرادوا أنها كانت في زمن النبي تساوي ثلاثة دراهم فهو مردود؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم عادل بينها وبين عشرة
دراهم في الزكاة فجعل الجبران شاتين أو عشرين درهما.
وإن أراد أنها كانت تساوي ثلاثة دراهم في زمن آخر لم يكن فيه حجة ولا يلزم اعتماد هذا في جميع الأزمان.
وأنكر صاحب التتمة على الأصحاب قولهم إن الشاة كانت تساوي ثلاثة دراهم في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال هذا باطل لأوجه: أحدها أن الموضع
(1) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 194، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 261. (2) يقصد الشيخ أبا إسحاق الشيرازي. (3/158)
صفحة 922
الرائد
159
الذي يصار فيه إلى التقويم في فدية الحج لا تخرج الدراهم بل يصرف الطعام
وهو جزاء الصيد فكان ينبغي أن يصرف في الطعام.
والثاني أن الاعتبار في القيمة بالوقت لا بما كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما
في جزاء الصيد فإنه يقوم ما لا مثل له من النعم بقيمة الوقت فكان ينبغي أن يجب ثلث قيمة شاة.
الثالث أن الشرع خير بين الشاة والطعام، والطعام يحتمل التبعيض كما ذكرنا، قال صاحب التتمة: وأما توجيه القول بأن في الشعرة مدا بأن الشرع عدل الحيوان بالطعام في جزاء الصيد وغيره.
وأقل ما يجب في الشرع للفقير في الكفارات مد والشعرة الواحدة هي النهاية في القلة فأوجبنا في مقابلتها أقل ما يوجب في الشرع فهذا التوجيه فيه ضعف؛ لأنه إذا لم يكن بد من الرجوع إلى الطعام فقد قابل الشرع الشاة في فدية الحلق بثلاثة أصع، والأصع مما يحتمل التقسيط فكان ينبغي أن يجب في مقابلة الشعرة صاع.
ولم أجد دليلا مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولا موقوفا على صحابته يدل على هذا التفصيل، إلا ما جاء عن أبي سعيد ابن أبي عمرو ثنا أبو العباس الأصم
(1) النووي، المجموع، ج 7، ص 326. (3/159)
صفحة 923
الرائد
(160)
أنبأ الربيع بن سليمان أنبأ الشافعي أنبأ مسلم بن خالد عن ابن جريج عن
عطاء أنه قال: في الشعرة مد، وفي الشعرتين، مدان، وفي الثلاث فصاعدا دم.
وروينا عن الحسن البصري وعطاء أنهما قالا في ثلاث شعرات دم الناسي
والمتعمد فيها سواء).
ولعله لعدم حجية الدليل السابق وعدم وجود إجماع يكون حجة في الباب قال من قال من الفقهاء إن جزاء انتهاك هذا المحظور يتعلق بالشعرة الواحدة وما زاد؛ إذ قلع الواحدة أمر محظور باتفاق".
ودليل هذا أن قلع الشعر أمر محظور بلسان الشرع لذا يكون قليله وكثيره سواء إذ يصدق النص على الواحدة وأكثر فينطبق النص الشرعي على الشعرة، والمئة ثم إن التحديدات السابقة لا بد فيها من نص توقيفي وما قال به من قال ما كان بغير الرأي)، وذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا يتعلق
(1) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 62.
(2) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 192، والنووي، المجموع، ج 7، ص 325. (3) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 160. (3/160)
صفحة 924
الرائد
بالشعرة والشعرتين شيء.
واختلفوا فيما إذا قص جزءا من شعرة) فالذي عليه الأكثر أن قص جزء الشعرة كقصها كلها إذ الفدية تجب في الشعرة والظفر سواء طال أو قصر، وليس بمقدر بمساحة فيتقدر الضمان عليه بل هو كالموضحة يجب في الصغيرة منها مثلما يجب في الكبيرة).
ولأن التقصير كالحلق من أصله في حصول التحلل فكذا في الفدية،
وقال بعض يجب بحساب المتلف كالأصبع في أنملتها ثلث ديتها.
وقال بعض الفقهاء إذا قلع جلدة عليها شعر أو أصبعا أو رجلا أو يدا عليها شعر أو أظفار فلا فدية عليه؛ لأنه أزال تابعا لغيره، والتابع لا يضمن
(1) الكندي بيان الشرع، ج 22، ص 250، وابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 160، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 115، والنووي، المجموع، ج 7، ص 327. (2) القطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 90، والنووي، المجموع، ج 7، ص 325، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 261، والدمياطي، إعانة الطالبين، ج 2، ص 320.
(3) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 261.
(4) النووي، المجموع، ج 7، ص 326. (3/161)
صفحة 925
الرائد
كما لو قلع أشفار عيني إنسان فإنه لا يضمن أهدابها.
سادسا: اختلاف الحالق والمحلوق
حلق المحرم رأسه على وجه الانتهاك دون مسوغ شرعي
162
للحلق موجب
للفدية ولا إشكال في ذلك، ولكن اختلاف الحالق والمحلوق له صور:
أولها حلق المحرم للمحل أو من هو في حكم المحل كمن أراد الإحلال وثانيها حلق المحرم للمحرم، وثالثها حلق المحل للمحرم.
أما أولها وهي حلق المحرم للمحل أو من في حكمه فغير ممنوع منه
المحرم".
وذهب بعض الفقهاء إلى أن حلق المحرم للمحل أمر لا يشرع لأنه إتلاف شعر آدمي فأشبه شعر المحرم، واختلف هؤلاء فيما يجب على من فعل
ذلك فقيل تلزمه صدقة، وقيل يتصدق بدرهم).
وفي هذا الرأي نظر لا يخفى إذ إنه شعر مباح الإتلاف فلم يجب بإتلافه
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 117، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 261، والنووي، المجموع، ج 7، ص 223، والدمياطي، إعانة الطالبين، ج 2، ص 320.
(2) النووي، المجموع، ج 7، ص 222
(3) ابن النجيم، البحر الرائق، ج 3، ص 9. (3/162)
صفحة 926
الرائد
(163)
جزاء بل المنع كان حلق الرأس على وجه يكون فيه منتهكا كحلقه رأسه أو
رأس غيره قبل وقت الإحلال الشرعي دون عذر يبيح له ذلك.
أما إن كان الحلق لحلال أو لمحرم حان وقت إحلاله أو لمضطر إلى الحلق بمسوغ: عي فليس الحالق حينها آتيا أمرا محرما بل فعله مباح يؤجر عليه بالنية الصالحة ويصبح قربة من القرب، إذ ليست العلة للنهي مطلق الحلق بل بقيد الانتهاك للممنوع الشرعي
ثم إن الظاهر أن الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم كلهم محرمون ومع ذلك فتم الإحلال بالحلق مما يعني على الظاهر - أن هناك من المحرمين من حلق
لغيره.
قال العلامة ابن جعفر ولا بأس أن يقصر المحرم للمحرم إذا حل لهما
جميعا أن يقصر ا).
ونقل عن ابن دينار أنه رأى رجلا محرما قصر لأبي الشعثاء يحلله".
(1) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 260، والكافي، ج 1، ص 403، وابن مفلح، المبدع، ج 3،
ص 138.
(2) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 347، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 216.
(3) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 348. (3/163)
صفحة 927
الرائد
(164)
ورواية ابن دينار التي ذكرها ابن جعفر أخرجها ابن أبي شيبة من طريق
يحيى بن سعيد عن ابن جريج عن عمرو بن دينار قال: أخبرني من رأى بعض أصحابنا حراما يقصر عن جابر بن زيد يحلله).
وقال الشيخ إسماعيل: قال أبو سفيان محبوب - كان أصحابنا لا يرون بأسا أن يحلق الرجل رأس صاحبه بعدما يرمي جمرة العقبة، وكان أبو المهاجر يضيق على أن يحلق الرجل لصاحبه إذا رمي الجمرة).
ثانيا: حلق المحرم للمحرم، وهذا الحلق لا يخلو من صورة من صور
ثلاث:
أولها: حلقه إياه مع كون المحلوق مباحا له الحلق، فهذا جائز ولا حرج فيه، وحكمه كحكم الحلق لمن هو في حكم المحل، وقد تقدم ذكر الخلاف
فيه.
ثاني الصور: حلقه مع كون المحلوق ممنوعا من الحلق غير مباح له شرعا
(1) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 187.
(2) الجيطالي، مناسك الحج، ج 2، ص 308
(3) شيخنا الخليلي، الفتاوى الكتاب الأول، ص 377. (3/164)
صفحة 928
الرائد
(165)
(1)
فهنا لا يجوز له أن يعينه عليه؛ لأنه من باب التعاون على المنكر والله تعالى
صلح
?
يقول: [وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ.
وإذا ما حلق فالأمر لا يخلو من أن يكون بأمر الحالق أو بغير أمره، فإن
كان بأمره لزمتهما التوبة جميعا ولزم المحلوق الفدية؛ لأن ذلك بإذنه فأشبه ما لو باشره.
ولأنه تعالى أوجب الفدية عليه في حال الاضطرار مع المعلوم أن غيره
هو الذي يحلقه، ولا يحلق الإنسان شعر نفسه في الغالب).
وإن كان بغير أمره كأن يكون مكرها أو نائما وقت الحلق لزمت التوبة
الحالق اتفاقا؛ لأنه منتهك، واختلف في الفدية:
فقيل هي على الحالق؛ لأنه هو الحالق وقد أزال ما منع من إزالته لأجل الإحرام فكانت عليه فديته كالمحرم يحلق رأس نفسه.
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 216، والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص 310.
(2) سورة المائدة، الآية (2).
(3) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 260، والحطاب، مواهب الجليل، ج 3، ص 162. (4) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 260، وابن مفلح، المبدع، ج 3، ص 137.
(5) الحطاب، مواهب الجليل، ج 3، ص 163. (3/165)
صفحة 929
الرائد
166
بسبب
وقيل على المحلوق ويلزم الحلال الحالق بصدقة، قال هؤلاء وعندنا الإكراه والنوم ينتفي عنه الإثم ولكن لا ينتفي حكم الفعل إذا تقرر سببه، والسبب هنا ما نال من الراحة والزينة بإزالة التفث عن بدنه وذلك حصل له فيلزمه الدم.
وقيل إن الفدية على الحالق والمحلوق، واختلف أصحاب القولين، وهذان
الأخيرين أيرجع المحلوق على الحالق بقيمة الدم أو لا يرجع،
الرأيان ضعيفان.
وقال بعض الفقهاء إنه إذا حلق الحلال رأس المحرم ولزمت الحلال الفدية فإنه يفتدي بغير الصوم فإن لم يجد فليفتد المحرم ويرجع على الحلال بالأقل إن لم يفتد بالصوم.
وقيل ليس على المحلوق فدية لكونه لم يحلق بإذنه فأشبه ما لو سقط
(1) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 249، والسرخسي، المبسوط، ج 4، ص 73، وابن النجيم، البحر الرائق، ج 3، ص 11.
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 256، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 261.
(3) الغزالي، الوسيط، ج 2، ص 688، والسرخسي، المبسوط، ج 4، ص 73، والكاساني،
6
بدائع الصنائع، ج 2، ص 193، والحطاب، مواهب الجليل، ج 3، ص 162.
(4) الحطاب، مواهب الجليل، ج 3، ص 162. (3/166)
صفحة 930
الرائد
(ITV)
بنفسه ولا فدية في هذا الحال باتفاق وهذا قول الإمام الربيع من متقدمي علمائنا الإباضية.
ولا فدية على الحالق لكونه غير مخاطب بها فهو ليس منتهكا لمحظور من محظورات الإحرام بل هو آثم بفعله ذلك فتلزمه التوبة، وهذا أقوى ما قيل
به.
أما ثالث الصور وهي حلق المحل للمحرم فالأمر لا يخلو من أن يكون ذلك المحرم مأذونا له شرعا في الحلق كالمضطر أو من أراد الإحلال أو غير مأذون له، فإن كان مأذونا له في الحلق فلا إشكال في جواز الحلق بل الأمر
متفق عليه.
أما إن كان المحلوق غير مأذون له شرعا فلا يجوز للمحل أن يحلق له؛ لأن الأمر يكون من باب التعاون على المنكر وقد تقدم ما فيه فيلزم بالتوبة، واختلفوا في الفدية في مثل هذا الحال والأظهر أنه لا شيء على الحالق إذ
ليس هو من المخاطبين بالفدية.
قال الإمام أبو سعيد الكدمي:
معي
أنه يخرج في قول أصحابنا أن المحل إذا حلق للمحرم بغير أمره
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 259. (3/167)
صفحة 931
الرائد
(168)
خرج في معنى الحكم عليه لا معنى للكفارة في الفدية؛ لأن ذلك مباح له من
طريق الإحلال.
وقد يشبه في معاني قولهم أنه تلزم الفدية؛ لأنه قد أحل عليه ما تجب به
عليه الفدية، ومعي
أن ذلك من طريق الضمان مما يتعلق عليه في المال إذا أتلفه
عليه).
سابعا: إيذاء الشعر أو الظفر صاحبه المحرم
سيأتي القول أن المحرم إن صال عليه الصيد فله قتله دون أن يكون عليه جزاء قاتل الصيد، والحال في الشعر هنا كذلك فيصح للمحرم أن يزيل ما آذاه منه كالذي يدخل عينيه دون أن يكون عليه شيء
أما إن كان القص للشعر لأذية غيره ولا يمكن صرف أذية الغير دون حلق الشعر فثمة تجب الفدية كما هو حديث كعب بن عجرة؛ إذ الأذية كانت من هوام الرأس التي تتناثر عليه ولا سبيل إلى رفع ذلك الضرر إلا بحلق أن الشعر بذاته على ظاهر الحديث غير مؤذ، ومثله الحكم إذا
الشعر مع
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 259.
(2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 116، وابن قدامة المغني، ج 3، ص 150،
والدمياطي، إعانة الطالبين، ج 2، ص 320. (3/168)
صفحة 932
الرائد
169
انكسر الظفر دون أن يكون للمحرم مؤاخذة في الكسر وآذاه فله أن يزيل
الباقي)
وجاء السابق في حديث يوسف بن عبد الله بن ماهان ثنا أبو حذيفة ثنا
سفيان عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال:
المحرم يدخل الحمام وينزع ضرسه ويشم الريحان، وإذا انكسر ظفره طرحه ويقول: أميطوا عنكم الأذى؛ فإن الله عز وجل لا يصنع بأذاكم
شيئا (2).
قال ابن المنذر وأجمعوا على أن المحرم ممنوع من أخذ أظفاره، وأجمعوا
على أن له أن يزيل عن نفسه ما كان منكسرا منه).
والأمر السابق تقدر فيه الضرورة بقدرها فلا
إليه الضرورة.
يصح
إزالة فوق ما تدعو
أما إن كان قص الظفر لأمر آخر كمن احتاج إلى مداواة قرحة لا يمكنه
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 257، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 195، وابن النجيم البحر الرائق، ج 3، ص 13، والحطاب، التاج والإكليل، ج 3، ص 143.
(2) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 62.
(3) ابن المنذر الإجماع، ص 64. (3/169)
صفحة 933
الرائد
(170)
مداواتها إلا بقص ظفره فعل وعليه الفدية كحالق الرأس دفعا لأذى قمل، وقيل لا فدية عليه؛ لأنه أزالها لإزالة مرضها فأشبه قصها لكسرها. وقال قطب الأئمة
وإن بلغ شعر إبطه أو عانته أو شاربه أو ظفره حيث تجب إزالته أزاله وافتدى، والذي عندي أنه لا فداء عليه؛ لأنه فعل واجبا طاعة.
وإنما يلزمه الفداء إن فعل قبل وجوب إزالته فلم يزله حتى كان بعد إحرامه بقدر ما تجب إزالته أزاله ولا فداء عليه عندي؛ إذ لم يخاطب به قبل بلوغ قدر ذلك.
وأما إن بلغ قدر ذلك المقدار قبل إحرامه ولم يزله فأزاله بعد إحرامه
فعليه فداء مع لزوم إزالته).
ثامنا: حك المحرم رأسه أو جسده
لا مانع من أن يحك المحرم جسده أو رأسه إذ الشعر الحي لا يسقط بالحك المجرد ما لم يكن الحك عنيفا ينقلع معه الشعر من أساسه، وقد حكي
(1) ابن قدامة، الكافي، ج 1، ص 403.
(2) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 150.
(3) القطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 88. (3/170)
صفحة 934
الرائد
(171)
على ذلك الاتفاق، كما جاء عن السيدة عائشة < من حديث مالك
علقمة
عن
بن أبي علقمة عن أمه أنها قالت: سمعت عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم تسأل
عن المحرم أيحك جسده؟ فقالت نعم فليحککه وليشدد، ولو ربطت يداي
ولم أجد الا رجلي لحككت ".
(1) الجيطالي، مناسك الحج، ج 1، ص 174، والنووي، المجموع، ج 7، ص 224. (2) مالك بن أنس، الموطأ، ج 1، ص 358. (3/171)
صفحة 935
الرائد
المطلب الرابع: عقد النكاح
توطئة
(172)
شاءت الحكمة الإلهية أن يكون الحج تجردا أكمل من المظاهر الدنيوية الأرضية تحقيقا لمبدأ التزكية الذي تحققه هذه العبادة، لذا جاءت التشريعات الربانية بمنع المحرم من أمور قد تشغل في الجملة عقل المحرم بالحج مما يضعف جانب السير في طريق التزكية المنشودة.
وإن من أجل ما يشغل الفكر ويشتت همه عقد النكاح، قال العلامة
الدهلوي:
السر منه أي منع المحرم من النكاح أن النكاح من الارتفاقات المطلوبة أكثر من الصيد ولا يقاس الإنشاء على الإبقاء؛ لأن الفرح والطرب إنما يكون في الابتداء ولذلك يضرب بالعروس المثل في هذا الباب دون
البقاء.
لذا سندرس هذا العقد وحكم إنشائه إبان الإحرام وما يتعلق بذلك من
مسائل.
(1) الدهلوي، حجة الله البالغة، ص 541. (3/172)
صفحة 936
الرائد
173
بينهم
أولا: حكم عقد النكاح للمحرم
لم تكن كلمة الفقهاء متفقة في أن النكاح ممنوع منه المحرم بل الخلاف
ضارب بقدمه منذ القرون الفاضلة، إذ إن من الفقهاء من قال بجواز
عقد النكاح للمحرم ولم يره من محظورات الإحرام.
ومنهم من رأى منع المحرم من عقد النكاح، ومنهم من فصل فقال إن
عقد المحرم النكاح لغيره صحيح؛ لأنه حرم لكونه من دواعي الوطء ولا يحصل ذلك بكونه وليا.
مما
وغير خفي عن النظر أن من قواعد الفقهاء أن الوكيل كالأصيل فيمنع يمنع منه، فلو كان الوكيل بعقد النكاح محرما منع منه على قول المانعين، وهكذا إن عقد الحلال نكاحا لمحرم بأن يكون وكيلا له أو وليا عليه أو عقده على محرمة لم يصح للسابق".
والعبرة في السابق بالعقد ذاته سواء كان التوكيل في أثناء الإحرام أو في حال الإحلال بمعنى أنه يصح للمحرم التوكيل أو التوكل لعقد الزواج في
(1) عمال الحاكم وقضاته لهم أن يزوجوا ولو كان الحاكم محرما إذ عملهم ذلك بالولاية لا
الوكالة.
(2) ابن قدامة، المغني، ج 7، ص 140. (3/173)
صفحة 937
الرائد
(174)
حال الإحرام إن كان إبرام العقد في حال الإحلال، ولا أثر للإحرام على الوكالة بل تبقى كما هي ولكن يمتنع العمل بها إبان الإحرام ويرجع إلى ما كان عليه عند التحلل، وخالف ذلك آخرون فقالوا إن الوكالة تبطل بالإحرام".
أدلة القائلين بجواز الإنكاح دون النكاح
ذهب بعض الفقهاء إلى أن المحرم ممنوع من النكاح دون الإنكاح،
فيصح أن يزوج وليته أو أن يكون وكيلا عن الولي في التزويج".
ولم أجد لهؤلاء شيئا من النصوص الشرعية يستندون عليه سوى توجيه من بعض أهل العلم لهذا القول إذ قالوا إن عقد المحرم النكاح لغيره صحيح؛ لأنه حرم لكونه من دواعي الوطء ولا يحصل ذلك بكونه وليا. ومنهم من وجهه بقوله إنه سبب لإباحة محظور لحلال فلم يمنعه
(1) الشافعي، الأم، ج 5، ص 79، وابن تيمية، شرح العمدة، ج 3، ص 185، والبهوتي، شرح منتهى الإرادات، ج 1، ص 548، والنفراوي، الفواكه الدواني، ج 2، ص 29.
(2) النووي، المجموع، ج 7، ص 252.
(3) ابن قدامة، الكافي، ج 3، ص 54.
(4) ابن قدامة، الكافي، ج 3، ص 54. (3/174)
صفحة 938
الرائد
(175) 175
الإحرام كحلقه رأس حلال.
وفي هذا القول بالتفصيل نظر؛ إذ لا يسوغ به الجمع بين مختلف الأدلة بل هو متعارض مع جميعها، فحديث عثمان الذي سيأتي شامل نهيه للنكاح والإنكاح.
وحديث ابن عباس الذي أخذ منه القائلون بالجواز يؤخذ منه إثبات جواز النكاح دون الإنكاح، أما الاستدلال بالقياس السابق ففاسد الاعتبار إذ هو في مقابل النص الذي هو حديث عثمان.
أدلة القائلين بجواز عقد النكاح للمحرم
ذهب جماعة من أهل العلم إلى القول بأن المحرم غير ممنوع من عقد
النكاح بل هو كسائر الأمور الجائزة التي لا تعارض بينها والإحرام". وقالوا إنا ذهبنا إلى ذلك ودليلنا الإباحة الأصلية العامة للنكاح كقوله:
(1) ابن مفلح، المبدع، ج 3، ص 160.
(2) الجناوني، النكاح، ص 125، والشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 375، والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 98، والسرخسي، المبسوط، ج 4، ص 191، والطحاوي، شرح مشكل الآثار، ج 14، ص 509، والزيلعي تبيين الحقائق، ج 2، ص 110، والعيني، عمدة القاري، ج 10، ص 95. (3/175)
صفحة 939
الرائد
176
فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَثَ وَرُبَعَ [.
وهذا عموم لم نجد له مخصصا من إحرام أو غيره فضلا أنا نزعم أن لحال الإحرام دليلا شرعيا خاصا به يدل على أنه داخل في عموم الحكم بجواز النكاح مطلقا السابق ودليلنا فيما قلناه الأثر عن سيد البشر صلى الله عليه وسلم فقد ثبت في حديث ضمام بن السائب عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج بخالته ميمونة بنت الحارث وهو محرم".
كما جاء ذلك من حديث سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي
الشعثاء أن ابن عباس أخبره أن النبي لا تزوج ميمونة وهو محرم".
وهذه أسانيد كالشمس في رائعة النهار وضوحا في صحتها ولا نعلم قائلا أعلها بما يوجب إسقاط حجيتها، والسيدة ميمونة بنت الحارث <
(1) سورة النساء، جزء من الآية (3).
(2) أخرجه الإمام الربيع في كتاب: النكاح، باب: ما يجوز من النكاح وما لا يجوز (520)، ورواه أبو غانم الخراساني في المدونة من طريق أبي عبيدة عن جابر عن ابن عباس أبو غانم الخراساني، المدونة، ص 177.
(3) أخرجه مسلم في كتاب: النكاح، باب تحريم نكاح المحرم وكراهة خطبته (1410). وأخرجه البخاري في كتاب الحج، باب تزويج المحرم (1740) من طريق عبد
القدوس بن الحجاج حدثنا الأوزاعي حدثني عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس به. (3/176)
صفحة 940
الرائد
(177
كانت خالة لابن عباس فهي من ألصقهم به قربى.
ولم يكن ابن عباس له منفردا في حكاية ذلك بل وافقه غيره من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءت حكاية تزوجه الله وهو محرم من حديث السيدة عائشة، وله طرق ثلاث أولها حديث علي بن الحسن ثنا أبو عاصم عن عثمان بن الأسود عن ابن أبي مليكة عن عائشة > أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج وهو محرم".
وثانيها من حديث معلى بن أسد ثنا أبو عوانة عن مغيرة عن أبي الضحى
عن مسروق عن عائشة قالت: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض نسائه محرم، واحتجم وهو محرم".
وهو
وثالثها من حديث مسدد عن أبي عوانة عن مغيرة عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة.
كما جاءت حكاية نكاحه ميمونة محرما من حديث أبي هريرة الله من رواية سليمان بن شعيب الكيساني حدثنا خالد بن عبد الرحمن الخراساني حدثنا كامل أبو العلاء عن أبي صالح عن أبي هريرة ه قال: تزوج رسول
(1) البيهقي، السنن الكبرى، ج 7، ص 212.
(2) ابن حبان، صحيح ابن حبان، ج 9، ص 440.
(3) البيهقي، السنن الكبرى، ج 7، ص 212. (3/177)
صفحة 941
الرائد
الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم".
178
قال الحافظ ابن حجر وصح نحوه عن عائشة وأبي هريرة، أي نحو حكاية ابن عباس، وعليه فهؤلاء ثلاثة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكدوا
فعله
قال المجيزون: تلك الآثار قاضية بأن صاحب الدعوة صلى الله عليه وسلم تزوج وهو محرم وما مقام النبي الله إلا مقام التشريع والبيان للناس ما لم يأت دليل الخصوصية ولا دليل في قضيتنا يعارض عموم الحكم بالجواز.
على أن القياس والنظر يفيد ما ذهبنا إلينا أن لو كان لم يرد هذا النص بالزواج في حال الإحرام، وذلك أنه يجوز النكاح للمحرم؛ لأنه عقد يملك
به الاستمتاع فلم يحرمه الإحرام كشراء الإماء".
كما أن النكاح عقد معاوضة والمحرم غير ممنوع عن مباشرة المعاوضات
كالشراء ونحوه، ولا يمتنع شيء من العقود بسبب الإحرام.
(1) الطحاوي، شرح مشكل الآثار، ج 14، ص 512، وقال إثره: وهذا مما لا نعلم أيضا عن
أبي هريرة فيه خلافا لذلك.
(2) ابن حجر، فتح الباري، ج 4، ص 52.
(3) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 158، ابن مفلح، المبدع، ج 3، ص 159 (3/178)
صفحة 942
الرائد
179
ثم إنه لو حرم عقد النكاح حال الإحرام لكان غايته أن ينزل منزلة نفس الوطء وأثره في إفساد الحج لا في بطلان العقد نفسه، وأيضا لو لم يصح لبطل عقد المنكوحة سابقا لطرو الإحرام؛ لأن المنافي للعقد يستوي في الابتداء والبقاء كالطارئ على العقد.
ومما يفيد استقرار الأمر على ما رسمنا وبينا أن هناك من صحابة رسول الله من أفتى بذلك فقد جاء حديث عبد الله بن محمد بن أبي بكر قال: سألت أنسا عن نكاح المحرم فقال: لا بأس به، وهل هو إلا كالبيع.
قال الحافظ ابن حجر: وإسناده قوي.
أدلة القائلين بحرمة عقد النكاح للمحرم
ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن المحرم ممنوع من عقد النكاح إبان إحرامه، والذين يشملهم النهي هم الزوج والزوجة والولي فلا يقبل الزوج،
(1) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 191، وابن الهمام، فتح القدير، ج 3، ص 232، والزيلعي، تبيين الحقائق، ج 2، ص 110. (2) الطحاوي، شرح مشكل الآثار، ج 14، ص 520، وشرح معاني الآثار، ج 2، ص 273. (3) ابن حجر، فتح الباري، ج 9، ص 166. (3/179)
صفحة 943
الرائد
(180)
ولا تأذن الزوجة، ولا يجيب الولي وهم محرمون ولا يوكلون ولا يجيزون، وهذا قول الجمهور من علماء الأمة وعليه أكثر علمائنا الإباضية.
قال هؤلاء كفى بعقد النكاح شغلا للمحرم عن أداء حق الإحرام المطلوب من الشارع، ثم إن الشارع نفسه قد نص بصريح العبارة أن المحرم ممنوع من النكاح كما في حديث:
مالك عن نافع عن نبيه بن وهب أن عمر بن عبيد الله أراد أن يزوج طلحة بن عمر بنت شيبة بن جبير فأرسل إلى أبان بن عثمان يحضر ذلك وهو أمير الحج فقال أبان:
سمعت عثمان بن عفان يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ينكح المحرم ولا
(1) الكندي بيان الشرع، ج 22، ص 204، والشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 375، والشقصي، منهج الطالبين، ج 7، ص 44، والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 98، والشافعي، الأم، ج 5، ص 78، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 488، وابن عبد البر، التمهيد، ج 3، ص 156، وابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 118، وابن مفلح، الفروع، ج 3، ص 282، والأبي، الثمر الداني، ص 462. (2) قال ابن غنيم النفراوي: إنما جاز النكاح للمعتكف وحرم على المحرم مع أن كلا متلبس بعبادة؛ لأن المعتكف معه ما يمنعه من الوصول للمرأة بخلاف المحرم، ولأن فساد
الإحرام أشد من فساد الاعتكاف النفراوي، الفواكه الدواني، ج 2، ص 29. (3/180)
صفحة 944
الرائد
181
ينكح ولا يخطب.
وجاء الحديث السابق من رواية أبي عبيدة قال: بلغني عن عثمان بن
عفان قال: قال رسول الله اول: لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب". ومن أدلة هؤلاء أيضا حديث أيوب بن عتبة ثنا عكرمة بن خالد قال: سألت عبد الله بن عمر عن امرأة أراد أن يتزوجها رجل وهو خارج من مكة
فأراد أن يعتمر أو يحج، فقال: لا تتزوجها وأنت محرم نهى رسول الله عنه.
(3)
والحديث أخرجه أحمد بالإسناد السابق والدارقطني إلا أن أيوب بن
عتبة ممن لا يصح حديثه، فقد قال الجوزجاني: ضعيف، وقال البخاري: هو عندهم لين، وقال النسائي: مضطرب الحديث، وقال أبو زرعة: ضعيف،
(1) أخرجه مسلم في كتاب: النكاح، باب تحريم نكاح المحرم وكراهة خطبته (1409). (2) أخرجه الإمام الربيع في كتاب النكاح، باب: ما يجوز من النكاح وما لا يجوز (519). (3) أحمد بن حنبل، المسند، ج 2، ص 115.
(4) الدارقطني، السنن، ج 3، ص 260. (5) الجوزجاني، أحوال الرجال، ص 115. (6) البخاري، التاريخ الكبير، ج 1، ص 420. (7) النسائي، الضعفاء والمتروكين، ص 15. (3/181)
صفحة 945
الرائد
182
وقال ابن معين: ليس بشيء).
غير أنه يشهد لهذا الحديث الذي قبله ومن ذلك أيضا حديث أحمد بن
إبراهيم القوهستاني نا يعقوب بن كاسب نا المغيرة بن عبد الرحمن عن الضحاك
بن عثمان عن نافع عن ابن عمر قال: - لا أعلمه إلا عن النبي -
قال: لا ينكح المحرم، ولا ينكح، ولا يخطب، ولا يخطب على غيره".
الله
بن
وجاء من حديث محمد بن يوسف الغضيضي قال: حدثنا عبد وهب عن عمر بن محمد عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا
ينكح المحرم ولا يخطب".
ومنه أيضا حديث محمد بن علي بن حبيس
نا أحمد بن القاس بن القاسم بن مساور
نا القواريري نا محمد بن دينار الطاحي عن أبان عن أنس قال: قال رسول الله
: لا يتزوج المحرم ولا يزوج.
وجاء من حديث نفيل عن مسلم بن خالد الزنجي عن إسماعيل عن
(1) ابن أبي حاتم الجرح والتعديل، ج 2، ص 253.
(2) الدارقطني، السنن، ج 3، ص 261. (3) الطبراني، الأوسط، ج 1، ص 162.
(4) الدار قطني، ج 3، ص 261. (3/182)
صفحة 946
الرائد
(183)
نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المحرم لا ينكح ولا ينكح.
قال المانعون: فهذه نصوص صاحب الدعوة ناطقة
بمنع المحرم من الزواج، وحق لنا أن نقول بعدها قطعت جهيزة قول كل خطيب، وعجبا
لأناس خالفوا قول رسول الله الله جهرة إنه لا يسع مسلما إلا اتباع نصوص
الشارع.
قال المانعون ومع
عمدتنا في التحريم النصوص السابقة قد شهد لنا
النظر والقياس على ما ذهبنا إليه من منع المحرم من الزواج، وهذا كاف بنفسه في إثبات الحكم لو لم ترد النصوص فكيف والنصوص كالجبال الرواسي قوة في صحتها.
والقياس الذي زعمناه دليلا على ما قلنا أن الإحرام يحرم الطيب فحرم النكاح كالعدة، ومن ذلك أن الإحرام يمنع الوطء ودواعيه فمنع عقد النكاح كالعدة.
(1) الدارقطني، السنن، ج 3، ص 260، والعقيلي، الضعفاء، ج 4، ص 151، وأتبعه بقوله: قال الميموني: قال أبو جعفر: هذا حديث منكر، وهذا رجل ضعيف يعني الزنجي.
(2) ابن قدامة، الكافي، ج 1، ص 402.
(3) البهوتي، كشاف القناع، ج 2، ص 442. (3/183)
صفحة 947
الرائد
(184)
ثالثا: موازنة بين المذهبين السابقين
تبيين الضعيف من الأدلة
قبل أن نشرع في الموازنة بين أدلة القولين نبعد منها ما هو غير صالح للاستدلال فالقائلون بالجواز استدلوا بحديث ابن عباس المتقدم وحديث
عائشة.
أما حديث عائشة فلا يثبت بطرقه الثلاث، أما أولها فأعلت بالإرسال فقد قال البيهقي نفسه:
هكذا رواه جماعة عن أبي عاصم، وإنما يروى عن ابن أبي مليكة مرسلا وذكر عائشة فيه وهم، قال أبو عيسى الترمذي: سألت محمد بن إسماعيل البخاري - رحمه الله - عن هذا الحديث فقال: يروون هذا الحديث عن ابن أبي
مليكة مرسلا.
ورواه عمرو بن علي عن أبي عاصم مرسلا وقال: قلت لأبي عاصم: أنت أمليته علينا من الرقعة ليس فيه عن عائشة قال: دعوا عائشة حتى أنظر! فيه، قال عمرو: فسمعت بعض أصحابنا يقول: قال أبو عاصم: فنظرت فيه فوجدته مرسلا.
أما الطريقان الآخران فأعلا بالإرسال أيضا فقد قال البيهقي: (3/184)
صفحة 948
الرائد
(110)
قال أبو عبد الله قال أبو علي الحافظ: كلاهما خطأ، والمحفوظ عن مغيرة عن شباك عن أبي الضحى عن مسروق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرسلا، هكذا رواه جرير عن مغيرة مرسلا
وحديث أبي هريرة الذي استدل به القائلون بجواز نكاح المحرم فيه كامل أبو العلاء وقد قال ابن حبان عنه كان ممن يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل من حيث لا يدري فلما فحش ذلك من أفعاله بطل الاحتجاج
بأخباره، وقال ابن معين: ليس به بأس، وقال في موضع آخر: ثقة.
أما أدلة القائلين بالمنع ففيها حديث نبيه بن وهب عن أبان بن عثمان بن عفان عن أبيه وهو حديث صحيح، ثابت وسماع أبان من أبيه عثمان ثابت كما في هذه الرواية.
وما قاله أحمد مما يفيد عدم سماعه معارض بهذه الرواية التي فيها
التصريح بالسماع، قال الحافظ العلائي:
(1) ابن حبان المجروحين، ج 2، ص 226، والعقيلي، الضعفاء، ج 4، ص 8، والذهبي،
ميزان الاعتدال، ج 5، ص 485.
(2) يحيى بن معين تاريخ ابن معين (رواية الدوري)، ج 3، ص 341.
(3) يحيى بن معين تاريخ ابن معين (رواية الدوري)، ج 3، ص 448. (4) ابن عساکر، تاريخ مدينة دمشق، ج 6، ص 147. (3/185)
صفحة 949
الرائد
186
أبان بن عثمان بن عفان الله له عن أبيه في صحيح مسلم حديث لا ينكح المحرم ولا ينكح، وذكر ابن أبي حاتم في كتاب المراسيل عن أبي بكر الأثرم أنه سأل أحمد بن حنبل: أبان سمع من أبيه؟ قال: لا، من أين سمع منه؟!).
أما باقي مرفوعا، ولكن ثبت موقوفا من قوله، قال البيهقي:
الأدلة ففيها نظر؛ إذ حديث ابن عمر بطرقه الثلاث لا يثبت
وروي عن إسماعيل بن أمية عن نافع عن ابن عمر مرفوعا، وعن
الضحاك بن عثمان عن نافع عن ابن عمر مرفوعا بالشك، والصحيح عن ابن
عمر موقوف.
المقابلة بين أدلة الفريقين
الأدلة المذكورة كان منها النصي ومنها القياسي، ولكن هذه المسألة
تعارضت النصوص فيها فلا محل للقياس وإلا كان فاسد الاعتبار.
فضلا
أقوى
عن أن الأقيسة عند الفريقين متعارضة ومعارضة بما هو منها كقياس جواز النكاح بشراء الأمة للاستمتاع الذي عورض بأنه قياس
(1) العلائي، جامع التحصيل، ص 139، والعراقي، تحفة التحصيل، ص 13.
(2) العقيلي، الضعفاء، ج 4، ص 151.
(3) البيهقي، السنن الكبرى، ج 7، ص 210. (3/186)
صفحة 950
الرائد
(187)
مع الفارق إذ عقد النكاح يخالف شراء الأمة فإنه يحرم بالعدة والردة واختلاف الدين وكون المنكوحة أختا له من الرضاع ويعتبر له شروط غير
معتبرة في الشراء.
وكذلك قد يشتري المرأة التي أرضعته ولا يحل له إصابتها، ويشتري الجارية وأمها وولدها ولا يحل له أن يجمع بين هؤلاء فأجيز الملك بغير جماع وأكثر ما في ملك النكاح الجماع ولا يصلح أن ينكح امرأة لا يحل له جماعها وقد يصلح أن يشتري من لا يحل له جماعها.
والفقهاء يحكون الاتفاق على جواز شراء المحرم الأمة للاستمتاع في غير
حال الإحرام".
وأما الأدلة النصية الصحيحة فدليلان أولهما حديث عثمان بن عفان الذي هو دال بنص عبارته على نهي المحرم عن النكاح والإنكاح والخطبة، وهو شامل بظاهر عمومه الذكر والأنثى، وحديث ابن عباس الذي فيه حكاية فعل للنبي.
والواقع أنا لو جعلنا التعارض بين حديث عثمان وحديث ابن عباس
(1) الشافعي، الأم، ج 5، ص 179، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 158. (2) الشافعي، الأم، ج 5، ص 79، وابن حزم، المحلى، ج 7، ص 198. (3/187)
صفحة 951
الرائد
188
لكان التحقيق العلمي قاضيا بترجيح الأخذ بحديث عثمان إذ حديث ابن عباس وارد مورد الإباحة الأصلية وحديث عثمان قاض بحكم مخالف للأصل مما يعني تأخره.
ومما يؤكد ذلك أنه ثبت عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم بالمنع من نكاح المحرم بل التفريق بين المتناكحين حال الإحرام من ذلك حديث مالك عن داود بن الحصين ان أبا غطفان بن طريف المري أخبره أن أباه طريفا تزوج امرأة وهو محرم فرد عمر بن الخطاب نكاحه. وحديث مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول: لا ينكح المحرم
ولا يخطب على نفسه ولا على غيره).
وحديث يحيى القطان عن ميمون المرائي عن الحسن عن علي قال: من
تزوج وهو محرم نزعنا منه امرأته".
وحديث بلال عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عليا قال: لا ينكح المحرم
(1) مالك بن أنس، الموطأ، ج 1، ص 349.
(2) مالك بن أنس، الموطأ، ج 1، ص 349.
(3) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 66. (3/188)
صفحة 952
الرائد
189
فإن نكح رد نكاحه).
وحديث عبد العزيز بن محمد عن قدامة بن موسى عن شوذب مولى
لزيد بن ثابت أنه تزوج وهو محرم ففرق بينهما زيد بن ثابت".
على أن حكاية ابن عباس له يظهر أنه قد خالطها شيء من الوهم كما ستأتي الأدلة على ذلك فأنى لها أن تعارض حديث عثمان بن عفان.
ومع
السابق ذكره وجه القائلون بجواز نكاح المحرم اعتراضات على
حديث عثمان:
أولها: أنه حديث ضعيف، وقال أبو غانم الخراساني (سائلا ابن
عبدالعزيز):
محرم؟
قلت: إن هؤلاء يقولون ويروون عن فقهائهم أنه لا يتزوج الرجل وهو
قال: ليس فيما يقولون شيء، وقد حدثني أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أنه قال: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة الهلالية وهو محرم.
(1) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 66. (2) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 66. (3) الزيلعي، تبيين الحقائق، ج 2، ص 110. (3/189)
صفحة 953
الرائد
(19.)
ثانيها: أن المروي إنما جاء على النفي لا النهي، وهذا يمحض الجملة خبرية أريد بها بيان حال المحرم من أنه مشغول بإحرامه غير ملتفت إلى النكاح والإنكاح والخطبة.
ثالثها: حمل لفظ النكاح الأول في الحديث على الوطء، ولفظه الثاني على التمكين من الوطء والتذكير باعتبار الشخص أي لا تمكن المحرمة زوجها من الوطء).
و في هذه الاعتراضات نظر:
أما أولها فيرده أن الرواية صحيحة وقد أخرجها مسلم في الصحيح بإسناد صحيح كما تقدم من تخريجه، على أن ادعاء الضعف دون تقديم الدليل عليه أمر لا يصح، وهؤلاء لم يأتوا بدليل على تضعيف الحديث.
الكبير
ثم إن كلام ابن عبدالعزيز معارض برواية شيخه الإمام التابعي أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة له فقد روى حديث عثمان بن عفان في نهي النبي عن نكاح المحرم وإنكاحه كما تقدم تخريجه من رواية مسند الإمام
الربيع بن
(1) ابن الجوزي كشف المشكل من حديث الصحيحين، ج 1، ص 172
(2) ابن الهمام، فتح القدير، ج 3، ص 234. (3/190)
صفحة 954
الرائد
(141)
أما ثاني الاعتراضات فترده أمور:
أولها: أن رواية الرفع معارضة برواية الجزم الدالة على النهي لا على
حكاية الحال، وقد صحح هذه الرواية جماعة منهم الخطابي.
ثانيها: أن صيغة النفي في قوله "لا ينكح ولا ينكح ولا يخطب" يراد بها
النهي فهي خبر بمعنى الإنشاء كقوله تعالى: فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ.
أي لا ترفئوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا في الحج، وإيراد الإنشاء بصيغة الخبر أبلغ من إيراده بصيغة الإنشاء كما هو مقرر في المعاني".
والجمع بين مختلف الأدلة الشرعية أولى من أن يصار إلى إلغاء بعضها، صونا لكلام الشارع.
ثالثها: سبب الحديث يفيد أنه وارد مورد النهي أو النفي المفيد للنهي كما يفيده إيراد أبان بن عثمان له.
رابعها أن الأصل في الأدلة الشرعية أن تحمل على تأسيس أحكام
(1) العظيم أبادي، عون المعبود، ج 5، ص 206، والقاري، مرقاة المفاتيح، ج 5، ص 582.
(2) سورة البقرة، جزء من الآية (197).
(3) الشنقيطي، أضواء البيان، ج 5، ص 20. (3/191)
صفحة 955
الرائد
192
ذلك
جديدة عند خلوها مما يفيد تأكيد حكم سابق والحال هنا خلوها من فضلا أن القرينة هنا متفقة مع الأصل الذي هو تأسيس حكم شرعي جديد إذ اشتغال المحرم بإحرامه عن عقد النكاح أمر غير مفتقر للتنبيه.
بضم
أما ثالث الاعتراضات فترده أمور:
أولها: قوله في الحديث " لا يَنْكِحُ المحرم ولا يُنْكِحُ " فقوله ولا ينكح التحتية يتمحض فيها معنى العقد إذ لا قائل بأن الولي المحرم لا يحل له
الإذن بوطء وليته لزوجها.
ثانيها: قوله في آخر الحديث "ولا يخطب" والمراد خطبة المرأة التي هي طلب تزويجها وذلك قرينة على أن المراد العقد؛ لأنه هو الذي يطلب بالخطبة
وليس من شأن وطء الزوجة أن يطلب بخطبة كما هو معلوم".
قال اللكنوي:
وأجاب المجوزون عن حديث المانعين بحمل "لا ينكح" على منع
الوطء؛ فإن النكاح يستعمل فيه، وفيه سخافة ظاهرة؛ فإن لا يخطب ولا
(1) الشنقيطي، أضواء البيان، ج 5، ص 25. (3/192)
صفحة 956
الرائد
193
ينكح بالضم آبيان عن هذا التأويل".
ثالثها: سبب الحديث يمحض معنى النكاح بالعقد كما في حديث
يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك عن نافع عن نبيه بن وهب أن
عمر
بن عبيد الله أراد أن يزوج طلحة بن عمر بنت شيبة بن جبير فأرسل إلى أبان بن عثمان يحضر ذلك وهو أمير الحج فقال أبان:
سمعت عثمان بن عفان يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ينكح المحرم ولا
ينكح ولا يخطب.
رابعها أنه لا يعرف في العربية إطلاق لفظ النكاح على التمكين من
الوطء.
ومع السابق لا يزال ثمة متسع للجمع بين الحديثين دون أن يطرح أحدها ويصار إلى إلغاء شيء من كلام الشارع، وقد ذكر أهل العلم عددا من
الوجوه التي يجمع بها بين هذين الحديثين أجملها في التالي:
أولا: حديث ابن عباس " تزوج ميمونة وهو محرم" لا يتعين معناه بكونه متلبسا بالإحرام الشرعي لحج أو عمرة حتى يستفاد منه جواز النكاح
(1) اللكنوي، التعليق الممجد، ج 2، ص 322. (3/193)
صفحة 957
الرائد
(194)
للمحرم بل يظهر بلائق في اللغة كثير الاستعمال والشواهد أنه غير معارض لحديث عثمان، فإن لفظ الإحرام يطلق على كل من دخل في حرمة لا تهتك. ومعلوم أن نكاح النبي السيدة ميمونة كان في ذي القعدة وهو من
الأشهر الحرم عام سبع في عمرة القضاء.
كما أن هذه الصيغة تستخدم لكل من كان بمحل فينسب إليه، فيقال محرم أي داخل الحرم أو داخل الأشهر الحرم كما يقال أنجد لمن دخل نجدا، وأعمن لمن دخل عمان، وأظلم لمن دخل الظلمة، وقد دلت الشواهد العربية على ذلك، ومنه قول زهير:
جَعَلْنَ القَنَانَ عَنْ يَمِينِ وَحَزْنَهُ وَكَمْ بِالقَنَانِ مِن مُحِلَّ وَمُحْرِمِ
وقول الآخر:
قتلوا ابن عفّان الخليفة مُحرما ودعا فلم أر مثله مقتولا فتفرقت من بعد ذاك عصاهُم شققا وأصبح سيفهم مسلولا قال أبو العباس المبرد: قوله "محرما" يريد في الشهر الحرام، وكان قتل في
(1) القرشي، جمهرة أشعار العرب، ص 90.
(2) المبرد، الکامل، ج 2، ص 918. (3/194)
صفحة 958
الرائد
(190)
أيام التشريق، وقيل: المعنى أنهم قتلوه في حرم المدينة، وللأصمعي رأي في الإحرام وهو أنه لفظ يطلق على كل من لم يأت فعلا يوجب عليه العقوبة،
قال الزيلعي:
وقال صاحب التنقيح وقد حمل بعض أصحابنا قول ابن عباس وهو محرم أي في شهر حرام ثم أنشد البيت ثم نقل عن الخطيب البغدادي أنه روى بسنده عن إسحاق الموصلي قال:
سأل هارون الرشيد الأصمعي بحضرة الكسائي عن قول الشاعر: قتلوا ابن عفان الخليفة محرما، فقال الأصمعي: ليس معنى هذا أنه أحرم بالحج ولا أنه في شهر حرام ولا أنه في الحرم، فقال الكسائي: ويحك فما معناه؟
قال الأصمعي: فما أراد عدي بن زيد بقوله:
قتلوا كسري بليل محرما فتولى لم يمتع بكفن
أي إحرام لكسرى؟!
فقال الرشيد: فما المعنى؟
(1) المبرد الكامل، ج 2، ص 918.
(2) النووي، شرح صحيح مسلم، ج 9، ص 194، والشنقيطي، أضواء البيان، ج 5، ص 21. (3/195)
صفحة 959
الرائد
196
قال: كل من لم يأت شيئا يوجب عليه عقوبة فهو محرم لا يحل منه
فقال له الرشيد: أنت لا تطاق انتهى.
شيء،
ثانيا: من الممكن أن يفسر قول ابن عباس "وهو محرم" بمذهبه فيمن قلد الهدي بأنه. يصير محرما فيكون إطلاقه أنه تزوجها وهو محرم أي عقد عليها
بعد أن قلّد الهدي وإن لم يكن تلبس بالإحرام وذلك أنه كان أرسل إليها أبا رافع يخطبها فجعلت أمرها إلى العباس فزوجها من النبي) كما تقدم ذكر ذلك عنه في مبحث أنواع النسك.
وهذا الحمل جيد إن بني على رأي سليمان بن يسار من أنه تزوجها قبل الإحرام، ولكن تبين كما ذكرنا أن ذلك لا يصح إذ زواجه بها كان بعد الإحلال من عمرة القضية في طريق العودة بسرف ولم يكن ثمة تقليد للهدي
ولا إشعار.
ثالثا: جمع آخرون بين مختلفي القضية فقالوا تزوجها حلالا وظهر أمر تزويجها وهو محرم ثم بنى بها حلالا بسرف من طريق مكة ونسب إلى
(1) الزيلعي، نصب الراية، ج 3، ص 173.
(2) ابن حجر، فتح الباري، ج 9، ص 165. (3/196)
صفحة 960
الرائد
الأكثرين.
(197
وهذه الألوان من التأويل قال بها كثير من أهل العلم وهي جيدة لها وجه وجيه في اللغة كما تقدم، ولكن الحمل عليها في كلام ابن عباس أمر فيه شيء من البعد بل قال الإمام السالمي - إنه بعيد جدا لما في رواية ابن عباس نفسه من حديث:
موسى بن إسماعيل حدثنا وهيب حدثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال: تزوج النبي صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو محرم، وبنى بها وهو حلال، وماتت بسرف (3).
والمقابلة بين العقد والبناء تمحض الإحرام الأول في إحرام النسك لا
نفس الوجود في أرض الحرم؛ إذ النكاح والبناء كانا في الشهر الحرام. وهذا كله يجعلنا نقول إن رواية ابن عباس غير صحيحة من حيث حكاية التزويج حال الإحرام، ولذا نقول إن حديث نكاحه وهو محل أولى
(1) الطوسي، مختصر الأحكام، ج 4، ص 67، والتبريزي، مشكاة المصابيح، ج 2، ص 822، وابن مفلح، الفروع، ج 3، ص 283.
(2) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 3، ص 32.
(3) أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب: عمرة القضاء (4011). (3/197)
صفحة 961
الرائد
198
بالتقدمة مما سواه وأن ما عداه وَهُم لأمور:
أولها أنه نص صاحب القضية السيدة ميمونة {فإنها نصت بأنها
(1)
كانت حال النكاح محلة غير محرمة كما في حديث يحيى بن آدم حدثنا جرير بن حازم حدثنا أبو فزارة عن يزيد بن الأصم حدثتني ميمونة بنت الحارث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو حلال، قال: وكانت خالتي وخالة ابن
عباس (2).
وجاء في حديث محمد بن يحيى قال: ثنا حجاج قال: ثنا حماد عن حبيب بن الشهيد عن ميمون بن مهران عن يزيد بن الأصم ابن أخت ميمونة بنت الحارث عن ميمونة د قالت: تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم بسرف ونحن
حلالان).
ومعلوم أن صاحب القضية أدرى بحاله من غيره المنقول له ذلك، قال
(1) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 3، ص 32، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 158، وابن مفلح، الفروع، ج 3، ص 283.
(2) أخرجه مسلم في كتاب: النكاح، باب: تحريم نكاح المحرم وكراهة خطبته (1411). (3) بفتح السين وكسر الراء، موضع معروف من مكة، يبعد عنها ب 20 كم.
محمد إلياس، تاريخ مكة، ص 145.
(4) أخرجه أبو داود في كتاب المناسك، باب: المحرم يتزوج (1843). (3/198)
صفحة 962
الرائد
البيهقي:
199
وهذا لأن صاحبة الأمر أعرف بشأن تزويجها وهي ميمونة بنت الحارث
وقد أخبرت أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو حلال.
وقد تقرر في الأصول أن خبر صاحب الواقعة المروية مقدم على خبر
غيره؛ لأنه أعرف بالحال من غيره، والأصوليون يمثلون له بحديث ميمون
المذكور مع حديث ابن عباس.
قال الإمام السالمي:
نة
ومن ذلك ترجيح رواية الراوي بكونه صاحب القصة كقول ميمونة: تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن حلال، فخبرها أرجح من خبر ابن عباس لكونها صاحبة القصة فهي أولى بمعرفة الحال حينئذ.
وقد اعترض على حديث ميمونة (3) فقال عمرو بن دينار أحد رواة
حديث ابن عباس معترضا على الحافظ ابن شهاب الزهري في تقديمه رواية النكاح بعد الإحلال على حديث ابن عباس:
(1) البيهقي، السنن الصغرى، ج 6، ص 199.
(2) السالمي، طلعة الشمس، ج 2، ص 204. (3) العيني، عمدة القاري، ج 10، ص 196. (3/199)
صفحة 963
الرائد
(Y .. )
أتجعل أعرابياً بوالاً على عقبيه إلى ابن عباس وهي خالة ابن عباس؟ وهو يشير بذلك إلى أن يزيد الأصم الذي روى النكاح بعد الإحلال
يقدم عليه ابن عباس، ولكن اعتراض عمرو بن دينار مدفوع بكون يزيد الأصم وهو محتج به في الرواية- قد رواه عن صاحبة الشأن من كلامها فالتعارض هنا بين كلام صاحبة الشأن وابن عباس وليس هو بين ابن عباس
ويزيد).
وقال العيني:
وأجابوا عن حديث ميمونة بأن عمرو بن دينار قد ضعف يزيد ابن الأصم في خطابه للزهري وترك الزهري الإنكار عليه وأخرجه من أهل العلم وجعله أعرابيا بوالاً على عقبيه وهم يضعفون الرجل بأقل من هذا
الكلام وبكلام من هو أقل من عمرو بن دينار والزهري.
ومع
هذا فالذين رووا أنه تزوج ميمونة وهو محرم نحو سعيد بن
جبير وعطاء وطاووس ومجاهد وعكرمة وجابر بن زيد أعلى وأثبت من
الذين رووا أنه تزوجها وهو حلال.
وميمون بن مهران و حبيب بن الشهير ونحوهما لا يلحقون هؤلاء الذين
(1) البيهقي، معرفة السنن والآثار، ج 4، ص 36. (3/200)
صفحة 964
الرائد
ذكرناهم".
وهذا من الحافظ العيني فيه شيء من التحامل دفعه إليه نصرة الرأي الفقهي الذي يتبعه وإلا فإن يزيد بن الأصم محتج به في الرواية ولم يقل أحد بالطعن فيه، وأما كلام عمرو بن دينار فما أراد به سوى الموازنة بين ابن عباس ويزيد ثم إن المعارضة ليست بمتصورة هنا بينه وابن عباس بل بين ابن
عباس وميمونة صاحبة القضية فما الرجل إلا راو.
واعترض الطحاوي على حديث ميمونة بقوله:
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان خطبها وفوض أمرها إلى العباس فزوجها إياه فاحتمل أن يكون لما فوض إلى العباس أمرها ما فوضته إليه ذهب عنها الوقت الذي كان من العباس فيه عقد التزويج عليها فلم تعلم بذلك إلا في الوقت الذي كان بني رسول الله صلى الله عليه وسلم بها فيه، وعلم ابن عباس أنه كان قبل ذلك من أبيه في عقد التزويج عليها ما لحضوره ذلك منه ولغيبتها عنه". وهذا من الحافظ الطحاوي على جلالة قدره، غريب، إذ كيف يرد احتمال على صاحب القضية المباشر لها ويبعد عمن تلقى الخبر عن غيره وكان
التوهم
(1) العيني، عمدة القاري، ج 10، ص 196.
(2) الطحاوي، شرح مشكل الآثار، ج 14، ص 517. (3/201)
صفحة 965
الرائد
إبان الحادثة طفلا في حدود التاسعة من العمر يختلف في صحة تحمله، فضلا أنا نقطع أن ابن عباس لم يحضر القضية إذ إنه لم يهاجر حينها بل كان وأمه من المخلفين الذين عذرهم الله كما في حديث:
علي بن عبد الله حدثنا سفيان قال: قال عبيد الله: سمعت ابن عباس يقول: كنت أنا وأمي من المستضعفين، أنا من الولدان وأمي من النساء). على أن الحافظ الطحاوي نفسه قد صرح في كتابه "الناسخ والمنسوخ" بتقديم خبر أبي رافع الذي سيأتي ذكره على خبر ميمونة لكونه مباشرا للأمر فليته مضى على ذلك في شرح المعاني والمشكل.
قال الزيلعي:
وقال الطحاوي في كتابه الناسخ والمنسوخ والأخذ بحديث أبي رافع
أولى لأنه كان السفير بينهما وكان مباشرا للحال وابن عباس كان حاكيا. ومباشر الحال مقدم على حاكيه ألا ترى عائشة كيف أحالت على علي حين سئلت عن مسح الخف وقالت: سلوا عليا فإنه كان يسافر مع رسول الله
(1) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب: إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه، وهل يعرض على الصبي الإسلام (1291). (3/202)
صفحة 966
الرائد
(203)
ل الله (1)
أما السفير بينهما المباشر للأمر وهو أبو رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم فكان من الصحابة المهاجرين والمصاحبين للنبي في ذهابه في عمرة القضية وإيابه وقد نص على كون النبي والسيدة ميمونة بنت الحارث عند عقد النكاح حلالين كما في حديث
حماد بن زيد عن مطر الوراق عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن سليمان بن يسار عن أبي رافع قال: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو حلال، وبنى بها وهو حلال، وكنت أنا الرسول فيما بينهما).
وقد تقرر في الأصول ترجيح خبر الراوي المباشر لما روى على خبر غيره؛ لأن المباشر لما روى أعرف بحاله من غيره، والأصوليون يمثلون له بخبر أبي رافع المذكور، قال الإمام السالمي
ومنها أي وجوه الترجيح أن يكون الراوي مباشرا لسبب الرواية
(1) الزيلعي، نصب الراية، ج 3، ص 173.
(2) أخرجه الترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في كراهية تزوج المحرم (841)، وابن حبان في صحيحه في كتاب النكاح باب ذكر البيان بأن المصطفى صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة
وهما حلالان (4130). (3/203)
صفحة 967
الرائد
204
كرواية أبي رافع أنه نكح ميمونة وهو حلال أي غير محرم.
وكان أبو رافع حينئذ هو السفير بينهما أي هو الذي خطبها له
فرجحت روايته على رواية ابن عباس أنه نكحها وهو حرام أي محرم، والمراد بالنكاح العقد لا الوطء.
وغريب من المحقق ابن الهمام أن يجعل التعارض بين حديث ابن عباس وأبي رافع من باب التعارض بين المثبت والنافي" فيحمله ذلك على أن يقدم المثبت للإحرام لكونه أتى بحكم زائد محفوف بالقرائن التي تستدعيها هيئة الإحرام مع أنه يعلم أن ابن عباس ما كان موجودا رأسا عند الواقعة. فضلا أن كلا من ابن عباس وأبي رافع مثبت من جهة ناف من جهة أخرى فأبو رافع مثبت للإحلال ناف للإحرام، وابن عباس مثبت بالواسطة للإحرام ناف للإحلال فلا يصلح الترجيح بينهما من هذا الوجه. والذي يظهر أنه ممكن أن يعترض على خبر أبي رافع هذا بكونه غير
حجة من أمور:
أولها: في إسناده مطر الوراق وهو عندهم ليس ممن يحتج بحديثه، فقد
(1) السالمي، طلعة الشمس، ج 2، ص 203، وشرح الجامع الصحيح، ج 3، ص 32.
(2) ابن الهمام، فتح القدير، ج 3، ص 234. (3/204)
صفحة 968
الرائد
(205)
قال أبو طالب عن أحمد كان يحيى بن سعيد يضعف حديثه عن عطاء، وقال عبدالله بن أحمد سألت أبي عن مطر الوراق فقال: كان يحيى بن سعيد يشبه حديث مطر الوراق بابن أبي ليلى في سوء الحفظ.
قال: فسألت أبي فقال: ما أقربه من ابن أبي ليلى في عطاء خاصة، وقال الآجري عن أبي داود ليس هو عندي بحجة ولا يقطع به في حديث إذا اختلف، وقال الساجي: صدوق يهم، ولما ذكره ابن حبان قال: ربما اخطأ. ثانيها: أن الحديث معل بالانقطاع بيان ذلك أن سليمان بن يسار ولد سنة أربع وثلاثين، وقيل سنة تسع وعشرين ومات أبو رافع بالمدينة بعد قتل عثمان بيسير، وكان قتل عثمان في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، وغير جائز ولا ممكن أن يسمع سليمان من أبي رافع فلا معنى لرواية مطر الوراق". ثالثها: أنه معل بالإرسال؛ فقد جاء من حديث مالك بن أنس عن ربيعة عن سليمان بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا رافع مولاه ورجلا من الأنصار فزوجاه ميمونة بنت الحارث وهو بالمدينة قبل أن يخرج".
(1) العيني، عمدة القاري، ج 10، ص 196.
(2) ابن عبد البر، التمهيد، ج 3، ص 151، والعيني، عمدة القاري، ج 10، ص 196. (3) مالك بن أنس، الموطأ، ج 1، ص 348. (3/205)
صفحة 969
الرائد
والإسناد الأخير أثبت وأقوى فالوراق لا يداني الإمام مالك بن أنس في حفظه، وقد أشار الترمذي إلى ذلك بعد أن أخرج الرواية فقال:
هذا حديث حسن، ولا نعلم أحدا أسنده غير حماد بن زيد عن مطر الوراق عن ربيعة.
وروى مالك بن أنس عن ربيعة عن سليمان بن يسار أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو حلال رواه مالك مرسلا قال ورواه أيضا سليمان بن بلال عن
ربيعة مرسلا.
قال الحافظ ابن عبدالبر:
حديث مالك عن ربيعة في هذا الباب غير متصل وقد رواه مطر الوراق فوصله رواه حماد بن زيد عن مطر الوراق عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن
سليمان بن يسار عن أبي رافع، وهذا عندي. غلط).
ومع الإعلال السابق لرواية أبي رافع إلا أنه لا يضر الحكم شيئا؛ لأنه
ثابت عن ميمونة صاحبة القضية.
ثم إنا نقول إنه معلوم من حال سليمان بن يسار أنه كان مولى لميمونة
(1) ابن عبد البر، التمهيد، ج 3، ص 151. (3/206)
صفحة 970
الرائد
(207)
ومن البعيد جدا أن يخفى عليه حالها وما كانت عليه، قال الحافظ ابن
عبدالبر:
وممكن صحيح أن يسمع سليمان بن يسار من ميمونة لما ذكرنا من
مولده، ولأن ميمونة مولاته ومولاة إخوته أعتقتهم وولاؤهم لها.
أن
وتوفيت ميمونة سنة ست وستين، وصلى عليها ابن عباس، فغير نكير منها، ويستحيل أن يخفى عليه أمرها وهو مولاها وموضعه من يسمع الفقه موضعه).
كما أنه جاء ذلك عن صفية بنت شيبة كما في حديث عبد الرزاق أنبأ معمر عن عبد الكريم عن ميمون بن مهران قال: سألت صفية بنت شيبة أتزوج النبي صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو محرم؟ قالت بل تزوجها وهو حلال. قال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، ورجال الكبير رجال
الصحيح".
وروى الإمام الشافعي عن مالك عن ربيعة عن سليمان بن يسار أن
(1) ابن عبد البر، التمهيد، ج 3، ص 151.
(2) البيهقي، السنن الكبرى، ج 7، ص 211، والطبراني، المعجم الكبير، ج 24، ص 21. (3) الهيثمي، مجمع الزوائد، ج 4، ص 268. (3/207)
صفحة 971
الرائد
رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا رافع مولاه ورجلا من الأنصار فزوجاه ميمونة بنت الحرث وهو بالمدينة قبل أن يخرج.
وفي هذا إشكال إذ الثابت أن الزواج كان بعد الإحلال من الإحرام أي بعد الخروج من المدينة كما هو من كلام ميمونة نفسها وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار لم يلق النبي صلى الله عليه وسلم وإن كانت ميمونة من قرابته، ولكن تأول البيهقي هذا القول فقال:
ومن قال بالمدينة فيحتمل أنه أراد به إرساله في خطبتها بالمدينة ثم النكاح
كان بعد ما أحل كما قالت ميمونة والله أعلم".
کلام
والمحصلة في ذلك أن نكاح ميمونة حلالا جاء من طرق عدة تربو على
المعترضين فضلا أنها نص صاحبة القضية، قال الحافظ ابن عبدالبر:
الآثار بأن رسول الله الله تزوجها حلالا أتت متواترة من طرق شتى عن أبي رافع مولى النبي، وعن سليمان بن يسار وهو مولاها، وعن يزيد بن الأصم وهو ابن أختها.
وهو قول سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وأبي بكر بن عبد الرحمن
(1) مالك بن أنس، الموطأ، ج 1، ص 348.
(2) البيهقي، السنن الصغرى، ج 4، ص 75. (3/208)
صفحة 972
الرائد
(209)
وابن شهاب وجمهور علماء المدينة يقولون إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينكح ميمونة إلا وهو حلال.
ثانيها: في الاستدلال بفعله و احتمال بالغ كما تبين أكان حين ذلك محرما أم محلا، والدليل إذا طرقه الاحتمال سقط به الاستدلال، فكيف إن كان
احتمال غير الإحرام هو الراجح، ولذلك يتعين المصير إلى حديث عثمان. ثالثها: أنه في القضية تعارض الفعل والقول وفي هذا الحال يرجح جانب القول لاحتمال خصوصية الفعل)، وكونه واقعة حال أما القول فتقعيد
وبناء.
:
رابعها أن ميمونة وأبا رافع كانا بالغين وقت تحمل الحديث المذكور وابن عباس ليس ببالغ وقت التحمل، وقد تقرر في الأصول ترجيح خبر الراوي المتحمل بعد البلوغ على المتحمل قبله؛ لأن البالغ أضبط من الصبي
لما تحمل.
(1) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 117.
(2) ابن مفلح، الفروع، ج 3، ص 283.
(3) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 3، ص 32، والنووي، شرح صحيح مسلم، ج 9،
ص 194. (3/209)
صفحة 973
الرائد
(210)
وللاختلاف في قبول خبر المتحمل قبل البلوغ من الاتفاق على قبول خبر المتحمل بعد البلوغ.
خامسها كون ذلك على تقدير صحة حديث ابن عباس- خاصا بالنبي، وحديث عثمان عام للأمة؛ إذ إنه من المعلوم أن النص القولي العام الذي يشمل النبي بظاهر عمومه لا بنص صريح إذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم فعلاً يخالفه كان ذلك الفعل مخصصاً لذلك العموم القولي فيكون ذلك الفعل خاصاً به، قال البيهقي:
فإن صح أنه نكح وهو محرم وقد قال لا ينكح المحرم ولا ينكح فحينئذ يتصور التخصيص".
سادسها: ما قاله جماعة من أهل العلم من أنه يرجح حكاية ميمونة وأبي رافع من كون ذلك في حال الإحلال على حكاية ابن عباس من كونه في الإحرام بالكثرة إذ انفرد ابن عباس بتلك الحكاية من بين سائر الصحابة ولم
(1) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 3، ص 32، وابن حجر، فتح الباري، ج 9، ص 165، وابن مفلح، الفروع، ج 3، ص 283. (2) البيهقي، السنن الكبرى، ج 7، ص 58، والشنقيطي، أضواء البيان، ج 5، ص 24، والشوكاني، وبل الغمام، ج 1، ص 570. (3/210)
صفحة 974
الرائد
(211)
يرو ذلك غيره.
وجاء عن التابعي سعيد بن المسيب ما يقضي بتوهيم ابن عباس في
حكايته زواج النبي الم من ميمونة حال الإحرام كما في حديث:
بشار ثنا عبد الرحمن بن مهدي ثنا سفيان عن إسماعيل بن أمية عن رجل
عن سعيد بن المسيب قال: وهم ابن عباس في تزويج ميمونة وهو محرم". ولكن يشكل على السابق إبهام الرجل الراوي عن سعيد بن المسيب مما يعني عدم الاحتجاج بالرواية، ولكن رواه البيهقي عنه بإسناد صحيح". فتبين من السابق أن الأقرب للصواب هو كون النبي صلى الله عليه وسلم وميمونة محلين
حين عقد النكاح.
ثانيا: خطبة المحرم
حكم الخطبة للمحرم
الخطبة هي
طلب الزواج، وقد جاء حديث عثمان السابق مانعا المحرم
(1) النووي، شرح صحيح مسلم، ج 9، ص 194، وابن حجر، فتح الباري، ج 9، ص 166،
والسيوطي، شرح سنن النسائي، ج 6، ص 87.
(2) أخرجه أبو داود في كتاب المناسك، باب: المحرم يتزوج (1845).
(3) البيهقي، السنن الكبرى، ج 7، ص 212. (3/211)
صفحة 975
الرائد
(212)
من النكاح والإنكاح ووسيلة ذلك التي هي الخطبة بأصل النهي الذي استفاد منه الجمهور التحريم فكان التحريم مستفادا من عبارات النهي الثلاث "لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب"، فيكون النهي من الكلمتين الأوليين مستفادا من دلالة الإشارة، وفي الثالثة بالنص من دلالة
العبارة.
وهذا النهي عن الخطبة مطلق لخطبة المحرم لنفسه وخطبته لغيره، ولا يفسد النكاح إذا ما تمت الخطبة في فترة الإحرام والعقد في غير الإحرام؛ لأن
الخطبة لا متعلق لها بالنكاح وقد يخطب ولا يتم النكاح إذا رد الخاطب. وقد يتم نكاح بلا خطبة أصلا لكن بأن يقول لها أنكحيني نفسك فتقول
نعم قد فعلت ويقول هو قد رضيت ويأذن الولي في ذلك".
ولكن ذهب فريق آخر من أهل العلم إلى أن الخطبة مكروهة للمحرم
كراهة تنزيه وليست بحرام فحكمها مفارفق لحكم النكاح والإنكاح". قالوا والشرع قد قرن بين أمرين مع أن حكمها مختلف كما في قوله تعالى:
(1) القاري، مرقاة المفاتيح، ج 5، ص 583، وابن حزم، المحلى، ج 7، ص 198.
(2) ابن حزم، المحلى، ج 7، ص 198.
(3) الشافعي، الأم، ج 5، ص 78، وابن قدامة، الكافي، ج 1، ص 402. (3/212)
صفحة 976
الرائد
213
كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ.
وهذا أمر مشكل إذ لا صارف للنهي عن أصل التحريم، والنهي عن
الخطبة إبان الإحرام جار على سنن القواعد الشرعية التي تنص تنص أن للوسائل
حكم المقاصد، فالوسيلة إلى أفضل المقاصد
إلى أرذل المقاصد هي أرذل الوسائل".
هي
أفضل الوسائل، والوسيلة
أما كون الآية جاءت على تفارق حكمين فنقول إن ذلك جائز ولكن خولف فيه الأصل لقرينة الإجماع على عدم وجوب الأكل من الثمر، أما في دليلنا حديث عثمان فلا قرينة تنقلنا من الأصل إلى خلافه فلذا يبقى الحكم على الأصل.
وذهب أبو علي الفارقي من الشافعية واحتمله اللكنوي في "التعليق الممجد" إلى تفسير الخطبة الواردة في الحديث إلى أنها بضم الخاء خطبة النكاح
(1) سورة الأنعام، جزء من الآية (143).
(2) ابن عبد السلام، قواعد الأحكام، ج 1، ص 46، والشاطبي، الموافقات، ج 2، ص 212.
(3) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 3، ص 30. (3/213)
صفحة 977
الرائد
214
وهي الكلمات التي تفتتح بالحمدلة عند عقد الزواج.
وهذا أمر يأباه سياق الحديث النبوي، ثم إن منع المحرم من
هذه
الكلمات أمر لا مناسبة له فهي ذكر من الأذكار والمحرم مطلوب منه أن يذكر
الله تعالى في مواطن كثيرة.
قال النووي في سياق الرد عليه:
وأما قول أبي على الفارقي في كتابه "فوائد المهذب" المراد به الخطبة التي بين يدي العقد وهي الحمد الله إلخ فغلط صريح وخطأ فاحش، ولا أدري ما حمله على هذا الذي تعسفه وتجسر عليه لولا خوفي من اعتراض بعض المتفقهين به لما استجزت حكايته، والله أعلم".
خطبة المحل المحرمة
أجاز جماعة من أهل العلم للحلال أن يخطب محرمة مع الكراهة).
قالوا ونفرق بين هذه الكراهة والكراهة التحريمية في حال خطبة المعتدة
(1) النووي، المجموع، ج 7، ص 251،واللكنوي التعليق الممجد، ج 2، ص 321
والسالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 3، ص 30.
(2) النووي، المجموع، ج 7، ص 251.
(3) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 127، والنووي، المجموع، ج 7، ص 252. (3/214)
صفحة 978
الرائد
215
بأن إحلال المحرمة من إحرامها يمكنها تعجيله، أما العدة فليست من فعلها
فربما حملها شدة الميل إليه على الإخبار بانقضاء العدة قبل الأجل لتتعجل
تزويجه).
ثالثا: حكم رجعة المحرم زوجته
بعد البيان السابق وتقرر منع المحرم من النكاح اختلف الفقهاء القائلون بذلك النهي في حكم رجعة المحرم، زوجه أو رجعة الزوج الحلال الزوجة المحرمة مع الاتفاق على المنع من الزواج بعد انقضاء أمد العدة الشرعية). والأصل في اختلافهم تباين نظرتهم هل الرجعة زواج جديد أو إمساك
لزواج سابق.
فإن كانت زواجا جديدا فهي داخلة في النهي الذي جاء به حديث عثمان فيمنع المحرم منها، أما إن كانت إمساكا لزواج سابق فلا يمنع منها المحرم،
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 127.
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 204، والكندي، المصنف، ج 8، ص 126، والسالمي، جوهر النظام، ج 1، ص 141، والشافعي، الأم، ج 5، ص 79، وابن عبد البر، التمهيد، ج 16، ص 47، وابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 120، وابن حزم، المحلى، ج 7، ص 198، والغزالي، الوسيط، ج 5، ص 75، وابن قدامة، الكافي، ج 1، ص 402. (3/215)
صفحة 979
الرائد
216
ومنهم من وجه المنع بأنه عقد وضع لإباحة البضع فأشبه النكاح. والناظر في حال الزوجة إبان عدة الطلاق يجد أن الشرع قد أعطاها كل حقوق الزوجية ولم يجعل بينها وزوجها فاصلا خلا المنع من الوطء فتجوز
الخلوة ولها التزين وعليها عدة الوفاة إذا ما توفي زوجها ولها الميراث منه.
كما له الميراث منها إذا ما ماتت إبان عدتها ويلحقها طلاقه وظهاره وإيلاؤه، ولو كانت الرجعة عقدا جديدا للزم من ذلك أنها كانت غير زوجة في فترة العدة والآثار الفقهية السابقة ترد ذلك.
ثم إن مما يؤكد أن الرجعة ليست بنكاح جديد أنها لا يشرط فيها ما يشرط في أصل العقد من الولي والمهر اتفاقا واختلف في اشتراط الإشهاد عليها مع الاتفاق على اشتراطه في حال أصل العقد.
والظاهر وجوب الإشهاد دون اشتراطه إذ الدليل الشرعي في قوله تعالى: فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ " لا يفيد غير الوجوب، والشرطية حكم زائد لا يدل عليه الدليل المذكور بأي نوع من أنواع الدلالات على ما
(1) ابن مفلح، المبدع، ج 3، ص 161. (2) سورة الطلاق، جزء من الآية (2). (3/216)
صفحة 980
الرائد
(217)
يظهر.
وكم هي الأمور الواجبات التي لم تعد شروطا ولا أركانا لمجرد دليل الوجوب كمثل وجوب صلاة الجماعة على الأعيان كما تفيد ذلك ظواهر
الأدلة - مع الاتفاق على أنها ليست بشرط، وغير ذلك كثير.
أما القياس على أصل عقد النكاح الذي دل الدليل فيه على اشتراط الإشهاد كما في حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن رسول الله له قال: لا طلاق إلا بعد نكاح ولا ظهار إلا بعد نكاح، ولا عتاق إلا بعد ملك، ولا نكاح إلا بولي وصداق وبينة).
فيرده أن هذا القياس قياس مع الفارق إذ إن هناك أمورا تختلف فيها الرجعة عن أصل النكاح بالإجماع منها رضا المرأة والولي والصداق فهذه الأمور لا ينظر إليها في الرجعة مع أنها شروط بل أركان على مذهب جماعة من الفقهاء في حال أصل العقد.
على أن وجود هذه الأمور الثلاثة يفيد أن الرجعة مفارق حكمها أصل النكاح مما يفيد عدم صحة القياس عليه فهي إمساك للزوجة -كما عبر
الكتاب العزيز - لا ابتداء عقد.
(1) أخرجه الإمام الربيع في كتاب النكاح، باب: في الأولياء (510). (3/217)
صفحة 981
الرائد
(TIA)
والظاهر أن عدم اشتراط الولي والصداق ورضا المرأة حال الرجعة كان لحفظ نظام الأسرة وتيسير رجوع الأمور إلى مجاريها فإنه لانفصال الزوجين عن بعضهما من الآثار السيئة عليهما وعلى المجتمع ما لا يخفى لذا توجهت التعاليم إلى الإقلال من تكاليف مصلحة الرجعة وعودة الأمور إلى مجاريها.
ولئن كان في الإشهاد ملاءمة في قياسه على أمر فقياسه على الأمور السابقة التي لا تشترط للرجعة كالولي والرضا والصداق أولى من قياسه على أصل العقد إذ هو أقرب إليها من أصل ابتداء العقد.
ثم إن الكتاب العزيز عبر عنها بلفظ الإمساك مما يفيد أنها ليست بزواج جديد قال تعالى: [وَإِذَا طَلَّقَمُ النِسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِحُوهُنَّ مَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا، وقال فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ
فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ.
وعلى السابق يصح لمن أسلم على أكثر من أربع ثم أراد اختيار بعضهن في حال الإحرام أن يختار؛ لأنه إمساك واستدامة لعقد سابق وليس هو ابتداء
(1) سورة البقرة، الآية (231)
(2) سورة الطلاق، الآية (2). (3/218)
صفحة 982
219
(1)
الرائد
لعقد جديد على ما مضى
رابعا حكم شهادة المحرم عقد النكاح
جاءت الأدلة السابقة مانعة المحرم من أمور ثلاثة النكاح والإنكاح
والخطبة ولم تتعرض للشهادة بشيء مما يقضي بجوازها لعدم الشاغل للذمة من أدلة الشارع".
وذهب جماعة من أهل العلم إلى منع المحرم من الشهادة على عقد
النكاح، وقالوا إنه إن شهد المحرم كان ذلك العقد كأن لم يشهد عليه، وقد
نسب إلى هؤلاء الاستدلال بأمرين:
أولهما: زيادة في حديث عثمان السابق وهي " ولا يشهد "
ثانيهما: القياس على الولي.
وفي هذين كليهما نظر، أما الزيادة في الحديث فقد بحثت كثيرا عن أصلها فلم أجدها مسندة لذا فحالها لا يخلو من أحد أمرين:
(1) البهوتي، كشاف القناع، ج 2، ص 442.
(2) الشافعي، الأم، ج 5، ص 78، والنووي، المجموع، ج 7، ص 251، وابن الجوزي، كشف المشكل، ج 1، ص 172، وابن قدامة، الكافي، ج 1، ص 402.
(3) الغزالي، الوسيط، ج 5، ص 75، والنووي، المجموع، ج 7، ص 251. (3/219)
صفحة 983
الرائد
220
أولهما: ورودها عن ضعيف فتكون منكرة، والمنكر من الحديث لا تقوم
به حجة.
ثانيهما: أن ترد من طريق مقبول الرواية فتكون شاذة؛ لأن الرواة المحتج بهم وهم كثر - ما ذكروها فانفراد هذا الراوي بها دون بقية الرواة يجعل روايته من قبيل الشاذ والشذوذ علة موجبة لترك الاحتجاج بالرواية.
أما القياس على الولي فيرده أنه قياس مع الفارق وذلك من وجهين:
أولهما: أن الولي متعين كالزوج بخلاف الشاهد.
وثانيهما: أن الولي له فعل في العقد بخلاف الشاهد.
خامسا: إذن المحرم لعبده بالنكاح
معلوم من الحال أن تصرفات العبد دائما مرهونة بموافقة السيد إذ هو المالك له، وهذا يقودنا إلى القول بأن زواج العبد يشترط لصحته إذن السيد وعليه فهو كولاية التزويج التي تزول عن الإنسان حال الإحرام لقوله صلى الله عليه وسلم
"ولا ينكح".
لأنه لا يصح نكاحه إلا بإذن سيده وسيده لا يصح تزوجه ولا تزويجه
(1) النووي، المجموع، ج 7، ص 251. (3/220)
صفحة 984
الرائد
(221)
في حال إحرامه فلم يصح إذنه، وهؤلاء جعلوا إذن المرأة لعبدها بالتزويج كهذا فمنعوها من الإذن وإن أذنت لم يصادف قولها محلا).
واستشكل بعضهم ذلك بأن فيه نظرا)، ولست أدري ما ذاك النظر، إذ
سوق التفريع السابق قائمة على أصول صحيحة.
سادسا: دخول الحاكم في الحكم السابق
لم تفرق الأدلة المانعة بين مكلف وآخر في الحكم السابق بل كان لفظ المحرم عاما ينطبق على كل متلبس بالإحرام رجلا كان أو امرأة حاكما أو محكوما، لذلك ذهب أكثر أهل العلم إلى أن النهي شامل للجميع للعلل
السابقة ().
لكن ذهب آخرون إلى القول بأن الحاكم له أن يزوج في حال إحرامه؛ لأن للولاية العامة التي يتمتع بها فضلا على الولاية الخاصة التي هي من
حقوق أولياء المرأة.
(1) النووي، المجموع، ج 7، ص 253.
(2) النووي، المجموع، ج 7، ص 253.
(3) البهوتي، شرح منتهى الإرادات، ج 1، ص 548.
(4) النووي، المجموع، ج 7، ص 251، وابن مفلح، المبدع، ج 3، ص 160. (3/221)
صفحة 985
الرائد
222
وفي هذا القول نظر لمصادمته العموم السابق، ثم إن ولاية السلطان ما إلا فرع الولاية الخاصة للزواج إذ ينشأ له هذا الحق عند انعدام الولي للمرأة كما يفيده حديث الزهري عن عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله
هي
أيما امرأة نكحت بغير إذن مواليها فنكاحها باطل ثلاث مرات، فإن دخل بها فالمهر لها بما أصاب منها، فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي
له).
أو عند تعسف ولي المرأة بعضلها بغير وجه حق فيدخل السلطان بحكم الولاية العامة لرفع الظلم، وفي الأحوال كلها ما جاء ما يميز ولايته بحكم جواز التزويج حال الإحرام فيبقى على أصل المنع.
وينبغي أن يستثنى من الخلاف السابق ما كان فيه تزويج الحاكم بطريق الولاية الخاصة كتزويجه من هو وليهن كابنته وغيرها، إذ العلة التي رآها المجيزون هي الولاية العامة ومعلوم أن تصرفه في مثل هذا الحال ما كان إلا بالولاية الخاصة والحكم يدور مع علته في وجوده.
ونقل القاضي الماوردي وجها ثالثا في القضية وهو أن إنكاح المحرم
(1) أخرجه أبو داود في كتاب النكاح، باب: في الولي (2083). (3/222)
صفحة 986
الرائد
جائز للحاكم دون القاضي؛ لأن ولاية الإمام أعم وجميع القضاة خلفاؤه وفي
منعه من ذلك ذريعة إلى منع سائر خلقه.
وقد تبين لك من قبل أن استثناء الإمام نفسه أمر مجانب للدليل على ما
يظهر وما بني عليه أعطي حكمه.
سابعا: حكم النكاح إن عقده المحرم
النهي السابق للمحرم عن ذات النكاح والإنكاح يجعله مسلوب العبارة في عقد النكاح بالوكالة والنيابة والاستقلال في شقي القبول والإيجاب".
ولئن قام به فكأنه قام به من ليس أهلا للقيام به مما يعني بطلان ذلك العقد؛ إذ النهي يدل على فساد المنهي عنه، والنهي هنا متوجه إلى ذات المنهي عنه وهو النكاح"
ولحديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: قال رسول
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 127.
(2) الغزالي، الوسيط، ج 5، ص 75.
(3) النووي، المجموع، ج 7، ص 251، وابن قدامة الكافي، ج 1، ص 402، والحصني،
كفاية الأخيار، ص 224. (3/223)
صفحة 987
الرائد
(224
الله: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد).
وهذا محل اتفاق بين القائلين بنهي المحرم عن النكاح والإنكاح، وقد دلت الأخبار أن الصحابة كانوا يفرقون بين من كان نكاحهما أو أحدهما في حال الإحرام، ولذلك يقال إنه إن دخل بها فأصابها فلها مهر مثلها إلا ما سمى لها ويفرق بينهما.
وينظر في حال إقدامه على الزواج بها في حال إحرامه فإن كان عالما
بالنهي الشرعي الشرعي لا يعدو فعله ذلك أن يكون، زنا، ونكاح الزاني بمزنيته أمر لا يجوز عند
وأن نكاحه والحال ذلك فاسد فإنها تحرم عليه حرمة أبدية إذ
علمائنا، وعلى مذهب من يجيزه فلا حرج.
أما إن كان غير عالم بالحكم أو الحال فلا حرج عليه إن تزوجها بعد
(1) ابن حزم، المحلى، ج 7، ص 139، والحديث باللفظ السابق أخرجه الإمام الربيع في باب: في الإمارة (49).
(2) الشافعي، الأم، ج 5، ص 78،،والنووي، المجموع، ج 7، ص 250، وابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 118، وابن حزم، المحلى، ج 7، ص 198، وابن قدامة، الكافي،
ج 1، ص 402.
(3) الشافعي، الأم، ج 5، ص 78.
(4) السالمي، جوابات الإمام السالمي، ج 2، ص 449. (3/224)
صفحة 988
الرائد
(225
زوال المانع الذي هو الإحرام هنا ولو كان الزواج الثاني في حال العدة إذ الماء
ماؤه والولد - إن كان ثمة ولد ولده بالنكاح الفاسد للشبهة.
وتكون عنده بتطليقات ثلاث إذ لا يعدو السابق أن يكون فسخا، أما
إن نكحها غيره فلا بد من انتهاء عدتها.
وإن كانا جاهلين أكان العقد في حال الإحرام أو في غير حال الإحرام
ولم يكن ثمة ما يرجح فالأصل أنه في غير الإحرام" إذ الإحرام عارض والأصل الإحلال.
ثم إن العقد ثابت بيقين والإحرام ظن عارض فلا يفسد العقد به، ولكن وصى بعض الفقهاء بالاحتياط فقال إن الورع أن يدع النكاح ويعطي نصف الصداق إن كان سمي، والمتعة إن لم يكن سمى.
ويفرق في ذلك بتطليقة ويقول إن لم أكن محرما فقد أوقعت عليها تطليقة ولا يلزمه في الحكم من هذا شيء؛ لأنه على إحلال النكاح حتى يعلم
فسخه (3).
(1) الشافعي، الأم، ج 5، ص 78.
(2) البهوتي، شرح منتهى الإرادات، ج 1، ص 548. (3) الشافعي، الأم، ج 5، ص 79. (3/225)
صفحة 989
الرائد
(226
ولو وقع العقد ثم اختلف الزوجان فقال الزوج: عقدت قبل إحرامي، وقالت الزوجة بعده قبل قول الزوج لدعواه صحة العقد، ثم إن طلق قبل
الدخول وكان أقبضها نصف المهر لا رجوع له به.
وإن لم يقبضها فلا طلب لها به لتضمن دعواها أنها لا تستحقه لفساد العقد، وكذا إن عكس فقالت: عقد قبل إحرامك، وقال بعده فيقبل قوله أيضا؛ لأنه يملك فسخه فقبل إقراره به لكن يلزم نصف المهر في الثانية؛ لأن إقراره عليه غير مقبول.
وإن قال الزوج تزوجتك وقد حللت وقالت بل وأنا محرمة صدق الزوج لما تقدم وتصدق هي في نظيرتها في العدة بأن قال الزوج تزوجتك بعد انقضاء عدتك، وقالت له بل قبله ولم تمكنه من نفسها فقولها لأنها مؤتمنة على
نفسها.
وذهب فريق من أهل العلم إلى مراعاة الخلاف في أصل القضية التي هي جواز نكاح المحرم فأمروا بفسخ العقد بطلاق حتى يكون الخروج من العقد متفقا عليه (2)؛ لأن الطلاق مُنْه لحكم الزوجية باتفاق.
(1) البهوتي، شرح منتهى الإرادات، ج 1، ص 548.
(2) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 158. (3/226)
صفحة 990
الرائد
(227)
ثامنا: ما على من انتهك هذا المحظور
النكاح والإنكاح والخطبة من محظورات الإحرام لا يجوز للمحرم أن يأتيها إذ يأثم بذلك ويفسد العقد في النكاح والإنكاح، ولكن لا يجب لارتكاب هذا المحظور شيء من فدية أو غيره لعدم الدليل عليه، ولأنه عقد فسد للإحرام فأشبه شراء الصيد، ولعدم حصول المقصود منه وهو الانعقاد بخلاف باقي المحرمات لأنه استمتع بما هو محرم
تاسعا: أثر الإحرام في نقل ولاية التزويج عن المحرم
عليه (2).
تبين مما مضى أن المحرم ممنوع من النكاح والإنكاح والخطبة، ولكن معلوم أن الإنكاح الذي هو ولاية الزواج حق متعلق بالغير، لذلك فمنع المحرم منه يقتضي منع الغير من الزواج وقد يكون في ذلك من الضرر ما فيه والشرع ما جاء إلا لدفع الضرر عن الناس.
وعلى السابق فهل يعد إحرام الولي مسوغا لانتقال الولاية من الولي الأقرب إلى الأبعد منه، أو أنه ليس بناقل للولاية وإنما هو مانع عن التزويج السلطان لبقاء الرشد والنظر، أو أن الأمر يفرق فيه بين طول فترة
فيزوج
(1) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 158.
(2) الحصني، كفاية الأخيار، ص 224. (3/227)
صفحة 991
الرائد
الإحرام وقصرها؟
228
في السابق خلاف بين أهل العلم ولكن يقال إن الأصل الذي اتفق عليه الفقهاء تزويج الولي الأقرب مادام موجودا يمكن الاتصال به ولا يكون ثمة ضرر على صاحبة الشأن بانتظاره إلى حين انتهائه من إحرامه.
وإن كان ضرر عليها بالانتظار ولي أمر تزويجها من كان أقرب إليها بعد الولي المحرم من بقية أوليائها، إذ النص الشرعي اشترط لصحة الزواج كونه وليا وأطلق اللفظ دون تقييد بالأقرب كما في حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا طلاق إلا بعد نكاح، ولا ظهار إلا بعد نكاح، ولا عتاق إلا بعد ملك ولا نكاح إلا بولي وصداق
وبينة).
والولي
الأبعد ينطبق عليه مطلق النص الشرعي الذي هو الولاية. على أن للفقهاء خلافا في تزويج الولي الأبعد مع وجود الأقرب إن لم يكن ثمة ضرر، فمنهم من قال إنه صحيح كان الولي الأقرب أبا أو غيره. ومنهم من قال إنه غير صحيح مطلقا، ومنهم من قال إنه يفرق بين الولي
(1) الغزالي، الوسيط، ج 5، ص 76، والرملي، نهاية المحتاج، ج 6، ص 240.
(2) أخرجه الإمام الربيع في كتاب النكاح، باب: في الأولياء (510). (3/228)
صفحة 992
الرائد
229
الأقرب إن كان أبا أو غيره فلا يصح تزويج الأبعد إن كان الأب موجودا،
ويصح تزويج الأبعد إن كان الأقرب غير أب).
عاشرا: الإحرام الذي يتوجه النهي الشرعي عليه
جاء الخطاب الشرعي "لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب" وهذا حرام لم يحدد بعمرة ولا حج فهو شامل لهما بل هو منطبق على كل من صدق عليه اسم الإحرام لذا فالمتحلل تحللا أصغر لا يصح له النكاح إذ لا تزال علائق الإحرام به فهو وإن أبيحت له أمور إلا أنه لا يزال ممنوعا من أمور أخر كالوطء.
وقد جاءت الأدلة الشرعية رافعة حكم الحظر في الطيب ولبس المخيط ولم يأت ما يرفع حكم الحظر في النكاح فلذا يبقى على الأصل حتى يرتفع حكم الإحرام كله.
وذهب بعض الفقهاء إلى أن النهي عن النكاح للمحرم يستمر حتى يتحلل من حجه أو عمرته فإن عقد بعد السعي وطواف الإفاضة وصلاة ركعتي الطواف كان عقدا صحيحا، وظاهر كلامهم وإن لم يكن رمى جمرة
العقبة.
(1) السالمي، جوابات الإمام السالمي، ج 2، ص 405. (3/229)
صفحة 993
الرائد
(230)
وإن حصل بعد السعي والطواف وقبل الركعتين فإنه يفسخ إن قرب لا إن بعد، وهذا في الحج، وأما في العمرة فيصح بعد تمام سعيها ويندب تأخره حتى يحلق ويجري مثله في الحج، ولا أعلم لهؤلاء دليلا يستندون عليه
سوى أنه يباح للمحرم حينها بعض ما كان ممنوعا منه، قال ابن حزم:
أن
لأن النص إنما جاء بأن لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب فصح هذا حرام على المحرم، ومن حل له لباس القمص والبرانس وحلق الرأس لغير ضرورة فهو حلال لا محرم فالنكاح والإنكاح والخطبة حلال له إذ ليس محرما (2).
ويرد عليهم أن لا دليل يخرج النكاح من ذلك بل شبهه الوطء أولى والأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يثبت الناقل ولم يثبت ناقل هنا. ثم إن بقاء المنع من الوطء كان بالدليل الأول لا بدليل جديد، على أن الفقهاء من يقول إن المنع من النكاح قبل الطواف داخل تحت عموم كلمة
من
النساء الواردة في الدليل: حل له كل شيء إلا النساء كما سيأتي بيانه.
(1) ابن حزم المحلى، ج 7، ص 139، وأبو الحسن المالكي، كفاية الطالب، ج 2، ص 98، والغزالي، الوسيط، ج 5، ص 76، وزكريا الأنصاري، فتح الوهاب، ج 1، ص 255.
(2) ابن حزم، المحلى، ج 7، ص 139. (3/230)
صفحة 994
231
الرائد
المطلب الخامس: الرفث
:أولا حرمة الرفث على المحرم
ذكرنا فيما تقدم من الحديث أن المحرم على أصح ما قيل- ممنوع من
عقد النكاح ومن توليه كما جاءت الأدلة الشرعية بذلك.
ولئن كان في قضية نكاح المحرم خلاف بين أهل العلم فإننا نجد كلمتهم مجتمعة على نهي المحرم من إتيان المقصود الأعلى من مقاصد الزواج وهو إفضاء كل من الزوجين للآخر حتى يطوف للإفاضة).
وهذا الاتفاق دليله قول الحق تبارك وتعالى [الْحَجُ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ، والرفث
هنا هو الجماع".
قال الإمام أبو سعيد الكدمي:
معي
ي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا أن الرفث غشيان النساء وهو
(1) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 257.
(2) سورة البقرة، جزء من الآية (197).
(3) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 216، والجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2، ص 148. (3/231)
صفحة 995
الرائد
232
الجماع في معاني الاتفاق من قولهم، وهو الذي يفسد به الحج والعمرة. وقد أطلقه المولى تبارك وتعالى مريدا به الجماع في موضع آخر من كتابه إذ قال أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآبِكُمْ، والرفث في هذه الآية بين
أنه ما أريد به إلا الجماع بدليل ذكر المباشرة بعده".
وقد جاء الدليل المانع مصرحا بالمنع من الرفث لمن فرض الحج ولم يذكر العمرة لكن ألحقت العمرة بالحج في المنع من الرفث بإجماع أهل العلم لعدم الفرق بينهما مما يؤذن أن علة النهي عن الجماع ليست هي الإحرام بحج ولا الإحرام بعمرة بل هي مطلق الإحرام، فمتى وجدت هذه الصفة في مكلف
وجد معها حكم المنع من الرفث.
ثانيا: ضابط الرفث
الظاهر الذي عليه كثير من الفقهاء أن الرفث الذي يفسد الإحرام هو
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 216.
(2) سورة البقرة، جزء من الآية (187).
(3) السالمي، معارج الآمال، ج 18، ص 114، وابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 257، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 479، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 215، والقرافي،
الذخيرة، ج 3، ص 339.
(4) المرداوي، الإنصاف، ج 3، ص 497. (3/232)
صفحة 996
الرائد
233
كل ما يوجب الغسل على الواطئ وهو التقاء الختانين أنزل الرجل أو لم
ينزل.
وهذا الضابط يدخل فيه الوطء الجائز من حيث الأصل كوطء الزوجين والسيد لأمته في موضع الحرث قبلها، كما يدخل فيه الوطء المحرم كالوطء في الدبر وكوطء الزنا ووطء فاحشة قوم لوط ووطء البهيمة، ورائد هذا كله
حديث:
أبي عبيدة عن جابر بن زيد: قال سألت عائشة: هل كان يغتسل رسول
صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم الله من جماع ولم ينزل؟ قالت كان رسول الله يصنع بنا ذلك ويغتسل
ويأمرنا بالغسل ويقول: الغسل واجب إذا التقى الختانان.
قال الإمام أبو سعيد الكدمي:
6
(1) الكندي بيان الشرع، ج 9، ص 12، والشماخي الإيضاح، ج 1، ص 178، وابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 259، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 160.
(2) الكندي بيان الشرع، ج 22، ص 211، والجيطالي قواعد الإسلام، ج 2، ص 149، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 480، والرافعي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 224، والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص 339، وابن مفلح الفروع، ج 3، ص 287، وابن عابدين، رد المحتار، ج 2، ص 558.
(3) أخرجه الإمام الربيع في: باب: فيما يكون منه غسل الجنابة (133). (3/233)
صفحة 997
234
الرائد
معي
أنه يخرج في معاني قول أصحابنا أنه من حيث حصل عليه معنى الجماع من قبل أو دبر في ذكر أو أنثى، في حلال أو حرام أو شيء من البهائم فأولج الحشفة مجامعا وغابت في أي شيء من هذا يريد إنزال النطفة ولم ينزل فهو مجامع رافت مفسد لحجه.
يصح
وكذلك من عبث بجميع
هذا
يريد إنزال النطفة وقضاء الشهوة ولو
عليه الجماع بمغيب الحشفة فهو بمعنى المجامع إذا أنزل في ذلك، والدبر أشد من القبل في زوجته أو غيرها، والبهيمة فقد ثبت في إتيانها معنى
الحكم بالزنا.
وقال بعض أهل العلم إن وطء البهيمة ومن لا تشتهى كالميتة والصغيرة
لا يفسد الحج وإن أوجب شاة على المبتلى في حال الإنزال؛ لأنه لا
الحد (2).
يوجب
وأثبت هؤلاء البطلان فيما لو استدخلت ذكر حمار أو ذكرا مقطوعا ولو لغير آدمي، قالوا والفرق بينه وبين ما إذا وطئ بهيمة أن داعي الشهوة في
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 211.
(2) ابن الهمام، فتح القدير، ج 3، ص 42، وابن عابدين، رد المحتار، ج 2، ص 558، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 160، والمرداوي، الإنصاف، ج 3، ص 495. (3/234)
صفحة 998
الرائد
235
النساء أتم فلم تكن في جانبهن قاصرة بخلاف الرجل إذا جامع بهيمة).
وهو تفريق عسير جدا إذ نفس الفعل الصادر من الرجل والمرأة على حد
السواء ما جاء إلا من فساد الفطرة ولإشباع الشهوة.
وقال آخرون إن إتيان فاحشة قوم لوط والوطء في الدبر لا يفسد الحج؛ لأنه لا يوجب الإحصان.
وتعقب هذا بوطء الإماء في القبل؛ فإنه لا يوجب الإحصان وهو مفسد للحج باتفاق.
وقال بعض الفقهاء إذا أولج المحرم ذكره في فرج خنثى مشكل لم يفسد إحرامه سواء أنزل أو لم ينزل؛ لأنه قد يجوز أن يكون الخنثى رجلا فيكون الفرج منه عضوا زائدا، والمحرم إذا أولج في غير فرج لم يفسد إحرامه كالمستمتع بما دون الفرج لكن عليه إن أنزل شاة".
أما الوطء الذي لا يوجب الغسل كالوطء فيما عدا الفرج دون إنزال فلا يقع به إفساد للحج وحكي اتفاق الفقهاء عليه، وإن كان بعض الفقهاء
(1) ابن عابدين رد المحتار، ج 2، ص 559. (2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 235.
(3) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 161. (3/235)
صفحة 999
الرائد
236
يوجب على آتيه الدم واختلفوا فقيل شاة، وقيل بقرة، وقيل بدنة، ولا دليل على ذلك كله.
واختلفوا في المحرم يلف ذكره بخرقة ثم يولجه في فرج، فقيل يفسد
الحج ويجب الغسل لولوج ذكره في الفرج المباشر.
وقيل لا يفسد الحج ولا يجب الغسل؛ لأن ذكره لم يماس الفرج فكان الفرج كغير المولج.
وقيل ينظر للخرقة فالكثيفة منها لا توجب الغسل ولا تنقض الحج والرقيقة توجب الغسل وتنقض الحج.
كما اختلفوا في الإنزال دون وطء كالاستمناء والنظر وغيره أيفسد الحج بإتيانه فقيل هو كالوطء موجب للغسل فيجب به فساد الحج وتتعلق بذمة
(2)
المكلف بدنة.
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 235، وابن عابدين رد المحتار، ج 2، ص 558. (2) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 191، والجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2، ص 149، وابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 260، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 488، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 223، وابن قدامة المغني، ج 3، ص 161، وابن الهمام، فتح القدير، ج 3، ص 42، والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص 344. (3/236)
صفحة 1000
الرائد
(237
وقال قوم إنه ليس كالوطء في شيء فإنهما وإن اجتمعا في أمر واحد وهو وجوب الغسل افترقا في أمور منها الحد وأمور العدد ووجوب الغسل على الموطوء وغير ذلك فالقياس حينها قياس مع الفارق فيبطل، وهؤلاء اختلفوا فقيل عليه شاة، وقيل هو آثم ولا شيء عليه.
قال في "بيان الشرع ":
وسألته عن المحرم إذا نظر في فرج امرأته عمدا، قال: إن خرج منه منيه
فعليه شاة، وإن لم يخرج منه منيه فلا شيء عليه، وأما إن نظر إلى فرجها خطأ فلا أرى عليه بأسا والله أعلم.
وإن وجد شهوة من غير نظر فخرج منه منيه فلا عليه شيء ما لم يعن على
(1)
نفسه، فإن أعان على نفسه فأرى عليه أن يهريق دما).
وقال بعضهم إذا داوم المحرم التذكر للذة أو عبث بذكره أو استدام الحركة على الدابة أو أدام النظر للذة أو باشر حتى أنزل فسد حجه، فإن لم
يداوم النظر ولم يبالغ فأنزل حجه تام وعليه دم".
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 191.
(2) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 344. (3/237)
صفحة 1001
الرائد
238
ثالثا: حكم المجامع حال الإحرام
لا يخلو المجامع في حال الإحرام من أحد أمرين التعمد أو غيره، ولكل
واحد من الأمرين تفاصيل نأتيها في فروع:
القسم الأول: المجامع عمدا
منتهى المنع من الرفث للمحرم
يبدأ منع المحرم من الرفث بعد تلبسه بالإحرام، ويتواصل المنع إلى حين طوافه طواف الإفاضة، أما بداءة المنع فمعلوم دليلها مما تقدم، وأما منتهى المنع فدليله حديث
سفيان عن سلمة بن كهيل عن الحسن العربي عن ابن عباس قال: إذا
رمى الجمرة فقد حل له كل شيء إلا النساء، قيل: والطيب؟ قال: أما أنا فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتضمن بالمسك كل أفطيب هو "
(1)
وقد نقل غير واحد من أهل العلم من المذاهب الإسلامية كافة الإجماع
على فساد إحرام المجامع عمدا في القبل إن كان جماعه قبل الوقوف بعرفة،
:
(1) أخرجه النسائي في كتاب مناسك الحج، باب ما يحل للمحرم بعد رمي الجمار (3084)، وقد تقدم تخريجه مفصلا (3/238)
صفحة 1002
الرائد
ومن المعتمرين قبل أن يطوف بالبيت ويسعى
(1)
239
قال الإمام أبو طاهر الجيطالي وأجمعوا على أن الجماع يفسد الحج قبل
الوقوف بعرفة، ويفسد العمرة قبل الطواف بالبيت.
وتقييد الأمر السابق بالسعي سببه أن للفقهاء خلافا في الحلق أهو نسك أو تحلل من محظور، فعلى الأول الذي عليه الجمهور يفسد الإحرام ما دام لم يحلق وعلى الثاني لا يفسد الإحرام أن لو كان بعد السعي الصحيح وقبل
الحلق.
وخالف الحكم السابق القائل ببطلان الحج بالرفث من
المتأخرين
العلامة الشوكاني فقال:
استدل
من
قال بالفساد بقوله تعالى فلا" رفث ولا فسوق ولا جدال في
الحج" وهذا الاستدلال غير صحيح
أما أولا فللاحتمال في معنى الرفث والمحتمل لا تقوم به حجة.
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 195، وابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 257، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 215، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 159، وابن
مفلح، الفروع، ج 3، ص 286.
(2) الجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2، ص 148. (3/239)
صفحة 1003
الرائد
(240)
وأما ثانيا فلو سلمنا أن الرفث هو الوطء لكان المنع منه لا يستلزم لا بمطابقة ولا تضمن ولا التزام وغايته أن فاعله إذا تعمد أثم إثم فاعل الحرام، فمن أين يلزم بطلان حجه.
وأما ثالثا فلو كان الرفث مبطلا للحج لزم أن يكون الجدال مبطلا له واللازم باطل بالإجماع فالملزوم مثله.
وإذا عرفت أنه لا دليل على أن الجماع عمدا مبطل للحج فكيف يبطل الجماع سهوا أو جهلا؟».
وللرأي الذي حكي عليه الاتفاق أدلة أخر غير ما ذكر الشوكاني من ذلك حديث أن رجلا من جذام جامع امرأته وهما محرمان فسأل الرجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهما اقضيا نسككما وأهديا هديا ثم ارجعا حتى إذا كنتما بالمكان الذي أصبتها فيه ما أصبتها تفرقا ولا يرى واحد منكما صاحبه. وعليكما حجة أخرى، فتقبلان حتى إذا كنتما بالمكان الذي أصبتهما فيه ما
أصبتها فأحرما وأتما نسككما وأهديا.
كما جاء من طريق ابن وهب أخبرني ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الرحمن بن حرملة عن ابن المسيب أن رجلا من جذام جامع امرأته
(1) الشوكاني، السيل الجرار، ج 2، ص 227. (3/240)
صفحة 1004
الرائد
(241)
وهما محرمان فسأل الرجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهما:
أتما حجكما ثم ارجعا وعليكما حجة أخرى، فإذا كنتما بالمكان الذي
أصبتهما فيه ما أصبتها فأحرما وتفرقا ولا يرى واحد منكما صاحبه ثم نسككما وأهديا.
أتما
والحديث الأول أخرجه أبو داود في المراسيل، ومن طريقه البيهقي في الكبرى" من حديث أبي توبة حدثنا معاوية بن سلام عن يحيى أخبرني يزيد بن نعيم أو زيد بن نعيم - شك أبو توبة، ولكنه معل بأمور:
أولها: الإرسال.
ثانيها: شك أبي توبة في الرجل جعل أهل العلم يفترقون أهما رجلان أو رجل واحد، فقال ابن القطان إنهما رجلان أحدهما مجهول والآخر ثقة ولعدم التعيين ضعف الحديث.
قال الزيلعي: قال ابن القطان في كتابه هذا حديث لا يصح؛ فان زيد بن
نعيم مجهول ويزيد بن نعيم بن هزال ثقة.
(1) أبو داود، المراسيل، ص 147.
(2) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 166 (3/241)
صفحة 1005
الرائد
(242)
وقد شك أبو توبة ولا يعلم عمن هو منهما ولا عمن حدثهم به معاوية بن سلام عن يحيى بن أبي كثير فهو لا يصح.
وقال البيهقي إن المذكور رجل واحد هو يزيد بن نعيم الأسلمي بلا
شك (2).
والإجماع المنقول مستفاد من بعض فتاوى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن قدامة ولم نعلم لهم في عصرهم مخالفا).
و مما جاء في ذلك حديث عبد الله بن معاوية الجمحي ثنا حماد عن أيوب عن سعيد بن جبير أن رجلا أهل هو وامرأته جميعا بعمرة فقضت مناسكها إلا التقصير فغشيها قبل أن تقصر فسئل ابن عباس عن ذلك فقال: إنها
لشقة.
فقيل له: إنها تسمع، فاستحيا من ذلك وقال: ألا أعلمتموني، وقال لها: أهريقي دما، قالت: ماذا؟ قال: انحري ناقة أو بقرة أو شاة، قالت: أي ذلك
(1) الزيلعي، نصب الراية، ج 3، ص 125. (2) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 166.
(3) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 159. (3/242)
صفحة 1006
الرائد
(243
أفضل؟ قال: ناقة.
ومن ذلك حديث ابن عيينة عن يزيد بن يزيد بن جابر قال: سألت مجاهدا عن المحرم يواقع امرأته فقال: كان ذلك على عهد عمر بن الخطاب فقال: يقضيان حجهما والله أعلم بحجهما ثم يرجعان حلالا كل واحد منهما لصاحبه، فإذا كان من قابل حجا وأهديا وتفرقا من المكان الذي أصابهما".
ومن ذلك حديث حفص عن أشعث عن الحكم عن علي قال: على كل واحد منهما بدنة فإذا حجا من قابل تفرقا من المكان الذي أصابهما.
ذلك حديث محمد بن عبيد حدثنا عبيد الله بن عمر عن عمرو بن شعيب عن أبيه أن رجلا أتى عبد الله بن عمرو يسأله عن محرم وقع بامرأة فأشار إلى عبد الله بن عمر فقال: اذهب إلى ذاك فسله.
قال شعيب: فلم يعرفه الرجل فذهبت معه فسأل ابن عمر فقال: بطل حجك، فقال الرجل: فما أصنع؟ قال: أحرم مع الناس واصنع ما يصنعون وإذا أدركت قابلا فحج واهد.
(1) البيهقي، السنن الکبري، ج 5، ص 172. (2) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 164.
(3) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 164. (3/243)
صفحة 1007
الرائد
(YEE)
فرجع إلى عبد الله بن عمرو وأنا معه فقال: اذهب إلى ابن عباس فسله قال شعيب: فذهبت معه إلى ابن عباس فسأله فقال له كما قال ابن عمر فرجع إلى عبد الله بن عمرو وأنا معه فأخبره بما قال ابن عباس ثم قال: ما تقول أنت؟ فقال: قولي مثل ما قالا.
(1)
(2)
والحديث أخرجه الدارقطني والحاكم والبيهقي، وأخرجه ابن أبي
شيبة في المصنف) من طريق ابن نمير عن عبيد الله بن عمر عن عمرو بن
شعيب.
قال الحاكم عقبه: هذا حديث ثقات رواته حفاظ صحة سماع شعيب بن محمد عن جده عبد الله بن عمرو.
محمد
وهو كالآخذ باليد في
وقال البيهقي: هذا إسناد صحيح، وفيه دليل على صحة سماع شعيب بن
بن
عبد الله من جده عبد الله بن عمرو.
لكن اختلف الفقهاء في الجماع قبل التحلل الأصغر مع اتفاقهم على أنه
(1) الدارقطني، السنن، ج 3، ص 50.
(2) الحاكم، المستدرك، ج 2، ص 74. (3) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 167. (4) ابن ابي شيبة، المصنف، ج 3، ص 164. (3/244)
صفحة 1008
الرائد
(245)
يبطل الحج إن كان قبل الوقوف بعرفة فذهب بعض أهل العلم إلى أن الجماع إن كان بعد الوقوف فلا يبطل الحج، وعمدتهم في ذلك أن الوقوف بعرفة هو الركن الأعظم الحديث:
سفيان عن بكير بن عطاء عن عبد الرحمن بن يعمر قال: شهدت رسول الله فأتاه ناس فسألوه عن الحج فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحج عرفة فمن أدرك
ليلة عرفة قبل طلوع الفجر من ليلة جمع فقد تم حجه).
فإذا جاء المكلف بهذا الركن فحجه تام كما يفهم من ظاهر الحديث.
(3)
لم يرتض الجمهور هذا الرأي وقالوا إن الوقوف بعرفة ركن من أركان
الحج وهو هو في مكانته ولا يعني ذلك عدم وجوب غيره فالأدلة أفادت أن
هذا الفعل من محظورات الإحرام ولا يزال الإحرام باقيا.
ثم إن هذه القاعدة ما جاء بها دليل شرعي إلا النظر ممن يستدل لكلامه
(1) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 258، وابن عابدين، رد المحتار، ج 2، ص 560. (2) أخرجه النسائي في كتاب مناسك الحج، باب فرض الوقوف بعرفة (3016)، والترمذي في كتاب: الحج، باب: ما جاء فيمن أدرك الإمام بجمع فقد أدرك الحج
(889)، وابن ماجه في كتاب المناسك، باب من أتى عرفة قبل الفجر (3015).
(3) الجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2، ص 148، وابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 258، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 479، والمرداوي، الإنصاف، ج 3، ص 495. (3/245)
صفحة 1009
الرائد
246
ولا يستدل به.
ومما ينقض هذا الرأي أنه إن كان الاستدلال بوقائع الصحابة المنقولة
فإنا نجدها لم تفرق بين الجماع قبل الوقوف أو بعده.
والجمهور الذين لم يرتضوا القول السابق الذي يحد البطلان بالوقوف بعرفة اختلفوا في منتهى الأعمال التي لا يفسد الحج بعدها بالجماع مع اتفاقهم أن المحرم ممنوع منه إلى أن ينهي طواف الإفاضة.
فقال جماعة إن كان المحرم قد تحلل التحلل الأصغر وجامع فلا يفسد حجه) وإن كان الفعل الذي أتاه محرما يوجب عليه دما اختلف فيه أشاة أو
بدنة.
واستدل هؤلاء فقالوا إن المحرم بتحلله التحلل الأصغر يرتفع عنه حظر كثير مما كان ممنوعا منه، فبالتحلل الأصغر ترتفع محظورات الإحرام أكثرها فالمفصل على مقدار الجسد والطيب وإلقاء التفث والصيد وعقد النكاح تباح
(1) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 265، والغزالي، الوسيط، ج 2، ص 689، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 479، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 159. (3/246)
صفحة 1010
الرائد
(YEV)
للمحرم بإحلاله بالحلق، وما بقي إلا النساء فإباحته مرهونة بطواف الإفاضة كما هو الاتفاق بين أهل العلم.
وقالوا: إن الجماع مفسد للإحرام والمكلف بعد التحلل الأصغر غير
محرم بدلالة ارتفاع الحظر عن محظورات الإحرام كلها خلا الرفث. وكون الرفث محرما لا يعني أنه يفسد أمرا قد انقضى بل آتيه آثم، وهؤلاء
اختلفوا في المجامع بعد التحلل الأصغر وقبل الإفاضة ما يلزمه:
فقيل شاة لعدم تعلق فساد الحج به فأشبه المباشرة في غير الفرج، وقيل بدنة لأنه وطء محظور في الحج فأشبه الوطء قبل التحلل، وقيل لا يلزم شيء لعدم الموجب الشرعي لكن يأثم من أقدم عليه".
وقال بعض الفقهاء قد فسد بوطئه ما بقي من حجه وعليه قضاء عمرة من التنعيم؛ لأن الباقي من حجه طواف وسعي وحلاق وذلك عمرة فلذلك
(1) فيما يباح بالتحلل الأول خلاف بين أهل العلم، وليست المذكورات متفقا عليها اللهم إلا إلقاء التفث ولبس المخيط وتغطية الرأس، واستعمال الطيب كما هو الثابث من فعل
النبي، وقد ذكر الخلاف في آخر هذا الجزء في مبحث التحلل من الإحرام. (2) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 480. (3/247)
صفحة 1011
الرائد
لزمه قضاء عمرة.
248
وذهب آخرون إلى أن البطلان حكمه سار ما لم يرتفع حكم النهي عن الجماع، ولا يرتفع النهي إلا بطواف الإفاضة، فكل محرم جامع ولم يطف للإفاضة فحجه باطل كان بعد التحلل الأصغر أو قبله؛ إذ لا دليل مفرق
بين حكمه قبل الإحلال وبعده، وإجماع الأمة قائم أن النهي قائم عن الرفث فما الذي أخرج الحكم وأوجب فرقا جديدا.
قال الشيخ أبو طاهر الجيطالي مبينا سبب الخلاف:
وسبب
الخلاف أن للحج تحللين شبه التسليم من الصلاة أحدهما بعد
رمي جمرة العقبة وهو التحلل الأصغر يحل به كل شيء إلا النساء والطيب
والصيد فحتى يزور البيت.
والتحلل الآخر بعد الزيارة يحل به كل شيء، فمن اشترط التحللين قال
بفساد حجه إذا وطئ، قبلهما، وهو الصحيح عندنا، ومن لم يشترطهما قال بإباحة الوطء عند التحلل الأول.
(1) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 339. (2) الجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2، ص 148. (3) الجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2، ص 148. (3/248)
صفحة 1012
الرائد
249
والأمر كما قال الشيخ أبو طاهر غير أن في منع الطيب بعد التحلل
الأصغر نظرا وقد تقدم أنه لا بأس به بل من السنة التطيب بعد التحلل الأصغر كما تفيد ذلك الأدلة الشرعية.
ثم إن قول الشيخ "ومن لم يشترطهما قال بإباحة الوطء عند التحلل الأول" فيه نظر إذ المنع من الوطء متفق عليه وأنه لا يحل إلا بطواف
الإفاضة، لكن الخلاف في إفساد الحج بالوطء قبل طواف الإفاضة. ومما يدلك على ذلك أن أكثر القائلين بعدم فساد الحج بالوطء بعد التحلل الأصغر يوجبون جزاء على الواطئ وإن اختلفوا في تحديده كما تبين. كما اختلف الفقهاء في الحد الذي يفسد به الإحرام للعمرة فقيل إن طاف أربعة أشواط وجامع بعد ذلك لم يفسد إحرامه، وهذا الرأي ضعيف؛ إذ الإحرام باق والنهي مستمر.
وقيل إن طاف وسعى ثم جامع لم يفسد إحرامه، وقيل كل جماع حصل
قبل الإحلال بالحلق فهو مفسد لإحرام العمرة.
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 199، والغزالي، الوسيط، ج 2، ص 664، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 425، والجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2، ص 149، والقرافي، الذخيرة،
ج 3، ص 269. (3/249)
صفحة 1013
الرائد
250
والقولان الأخيران مبنيان على الخلاف في الحلق أهو نسك أو استباحة محظور كما سيأتي، فعلى القول بأنه نسك لزم بالجماع قبله فساد الإحرام، وعلى
القول بأنه استباحة محظور فالإحرام منقض ولم يصادف الجماع إحراما.
قال الإمام أبو سعيد الكدمي
معي
أنه يخرج في قول أصحابنا أنه ما لم يحل بالحلق أو التقصير ولو
طاف وسعى وأبيح له الحلال فهو حرام.
وما أتى من جميع ما هو ممنوع في الحرم كان عليه في حاله ذلك ما على المحرم في الصيد واللباس والفساد في الوطء وغير ذلك من الأشياء
الممنوعة، ولا أعلم في مذهبهم يبين لي غير ذلك.
والواقع أن ثمة فقهاء يقولون إن الحلق نسك ومع ذلك لا يفسدون
(2)
العمرة بالوقاع قبل الحلق وبعد السعي لدليل خارجي وهو الاستدلال بأثر
عن ابن عباس أنه ألزم بالدم ولم يلزم بالإعادة.
ولأن التقصير ليس بركن فلا يفسد النسك بتركه ولا بالوطء قبله
كالرمي في الحج.
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 199.
(2) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 196. (3/250)
صفحة 1014
الرائد
(YO 1)
وذكر الشيخ أبو بكر الكندي أن الإمام أبا عبد الله محمد بن محبوب قال إن من طاف وجامع قبل السعي فأرجو أن لا يفسد حجه وعليه بدنة)، وقال ابن جعفر: من وطئ امرأته ولم يقصر عند إحلاله من العمرة فعليه دم".
جزاء المجامع
عند النظر إلى فتاوى الصحابة في قضية جماع المحرم نجد أن منها ما جاء أن عليه دما وفصل بشاة أو بقرة أو بدنة كما هو في فتوى ابن عباس، ومنها ما جاء بالهدي، ومنها ما جاء بالبدنة.
لذلك قال من قال من الفقهاء إن عليه شاة"، وخالفهم آخرون فقالوا إن الواجب على من انتهك هذا المحظور وجامع في وقت النهي بدنة) مستدلين بأنه جماع صادف إحراما تاما فوجبت به البدنة كبعد الوقوف، ولأنه قول من سمينا من الصحابة ولم يفرقوا بين الوقوف وبعده، وقال
(1) الكندي، المصنف، ج 8، ص 146.
(2) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 347.
(3) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 259، وابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 165.
(4) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 159.
(5) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 216، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 160. (3/251)
صفحة 1015
الرائد
252
بعضهم إن عليه، بدنة، فإن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد فشاة.
واختلف القائلون بتعين البدنة فيمن لم يجد البدنة فقال من قال منهم إن لم يجد بدنة فبقرة، ومن لم يجد بقرة فسبع من الغنم، ومن لم يجد ذلك قومت البدنة بالدراهم والدراهم بالطعام وتعطى لأهل مكة، فإن لم يجد ذلك صام
عن كل مد يوما).
وقال آخرون إن عليه شاة إن جامع قبل الوقوف بعرفة ويفسد حجه،
وبدنة إن جامع بعد الوقوف بعرفة ويصح حجه.
واستدل هؤلاء فقالوا إن الجماع قبل الوقوف بعرفة موجب للقضاء فلم
تجب به بدنة كالفوات.
رابعا: إتمام إحرامه الفاسد
ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن على المفسد إحرامه بالجماع أن يمضي
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 205، وج 22، ص 222.
(2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 225. (3/252)
صفحة 1016
الرائد
253
في فاسده وهو أن يأتي بكل عمل كان يأتي به لولا الإفساد ويكون في عقد
لازم يلزمه الفدية فيه بارتكاب المحظورات.
وعلل ذلك بعضهم بأن التحلل من الإحرام لا يكون إلا بأداء الأفعال أو الإحصار ولا وجود لأحدهما وإنما وجب المضي فيه مع فساده لما أنه مشروع بأصله دون وصفه ولم يسقط الواجب به لنقصانه".
واختلفوا في المفسد حجه بالجماع يجامع غيره في النسك نفسه، فقيل إن ذلك موجب للكفارة عليه، واختلفوا فقيل شاة لأنه محظور لا يتعلق به فساد
النسك، وقيل بدنة كحاله في الجماع الأول.
ومنهم من قال موجب للكفارة لكن تتداخل الكفارتان لأن الانتهاك واحد ومنهم من قال تتداخل الكفارتان ما لم يطل الزمان بين الجماعين ويختلف المجلس.
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 193،،والرافعي، العزيز، ج 3، ص 480، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 216، والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص 339، والمرداوي،
الإنصاف، ج 3، ص 495.
(2) ابن عابدين، رد المحتار، ج 2، ص 559. (3/253)
صفحة 1017
الرائد
(254
وذهب آخرون إلى أنه لا يلزم بذلك شيء؛ إذ الإحرام فاسد لذا فالجماع الثاني لم يصادف محلا.
وذهب آخرون إلى أنه إن فسد الإحرام بالجماع تعلق بذمة المكلف الجزاء وإعادة ا- ولا يلزمه المضي في فاسده؛ إذ الحج فاسد فما فائدة المضي فيه. وقال هؤلاء إن استطاع أن يحرم بالحج في عامه ذلك أحرم كأن يكون الجماع قبل فوات عرفة فيحرم من موضعه ويواصل إحرامه الجديد. قال الإمام أبو المؤثر البهلوي:
فيمن أحرم بالحج من الميقات ثم جامع امرأته قبل أن يقف بعرفات فإنه إن أمكنه أن يرجع إلى الميقات فيرجع فيحرم منه ويمضي على حجه، وحجه تام وعليه بدنة ينحرها بمنى أو بمكة.
وإن هو لم يرجع إلى الميقات فيحرم منه فإن هو أحرم من دون الميقات ووقف بعرفات فليقض حجه وعليه شاة يذبحها بمنى أو بمكة وليتصدق
بلحمها ولا يأكل منها شيئا.
(1) الغزالي، الوسيط، ج 2، ص 689، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 481.
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 207، والمرداوي، الإنصاف، ج 3، ص 495. (3/254)
صفحة 1018
الرائد
(001)
وكذلك إذا أحرم من دون الميقات، وعليه بدنة بوقوعه على امرأته وهو
محرم وحجه تام، وإن هو لم يجدد الإحرام بالحج مذ وقع على امرأته ووقف
بعرفات وقضى مناسك الحج فعليه بدنة وعليه الحج من قابل.
خامسا: وجوب القضاء
عموم وجوب القضاء للحج الواجب وغير الواجب
لا إشكال أنه إن كان الإحرام الفاسد إحراما واجبا كحجة الفريضة أو النذر أو الوفاء باليمين أو العمرة على مذهب من يرى وجوبها أنه يلزم المبتلى
بالقضاء إذ إن الواجب لا يزال متعلقا بذمته.
أما إن كان الإحرام السابق إحراما غير واجب فاختلف أهل العلم وجوب القضاء عليه، فقال جماعة من أهل العلم إنه يلزمه أن يقضيه، واستدلوا بظاهر بعض الآثار المنقولة عن الصحابة في ذلك إذ إنها لم تفصل بين واجب وغيره.
وذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا يلزم القضاء إن كان الإحرام السابق
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 207.
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 205، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 482، والمرداوي، الإنصاف، ج 3، ص 496. (3/255)
صفحة 1019
الرائد
256
ليس بواجب إذ إن الأصل أنه ليس بواجب فيبقى على أصله بعد فساده لعدم الدليل الناقل، وهذا الأمر نفسه يقال في الصيام الذي يشبه هذه العبادة فقضاء النفل من الصيام ليس بواجب على ما تفيده الأدلة وإن تسبب صاحبه
في الإفساد.
الفورية في القضاء
اختلف الفقهاء في القضاء للإحرام الفاسد أيلزم على سبيل الفور أي أن يأتي به المبتلى في أول سني الإمكان وإلا عُدَّ آثما، أو يجوز للمكلف أن يتراخى فيه فلا يأثم إن أخره عاما بعد عام شريطة أن لا يتوفى إلا وهو مؤد ما عليه". مما استدل به القائلون بالفورية ما جاء في فتاوى بعض الصحابة من ذكر الحج من قابل مما يعني الفورية.
وأما الآخرون فقالوا إن الحج الركن مختلف فيه أيلزم على سبيل الفورية أو يجوز فيه التراخي ومعلوم من حال هذا أنه أخف مرتبة من أصل الحج.
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 219، والمرداوي، الإنصاف، ج 3، ص 496. (2) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 218، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 482، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 221، والقرافي الذخيرة، ج 3، ص 340، وابن عابدين، رد المحتار، ج 2، ص 559. (3/256)
صفحة 1020
الرائد
(257)
ثم إن العبادات التي يضيق وقتها ويجب فعلها على الفور إذا فاتت كان قضاؤها على التراخي كالصوم، أما فتاوى من أفتى من الصحابة فمحل رأي
واجتهاد.
نفقة الموطوءة في حج القضاء
إن نفقة المرأة المطاوعة على الجماع محرما كان أو مباحا تكون عليها إذ هي السبب في بطلان، حجها، ولأن القضاء من عبادات الأبدان فالنفقة المتعلقة
بها من مال الزوجة لا يتحملها الزوج كحجة الإسلام.
لكن يستثنى من ذلك حالة كون الموطوءة أمة وطئت بملك اليمين ولو
مطاوعة فالنفقة على السيد الواطئ لأنها لا تملك ما كسبت".
وقيل إن النفقة في القضاء على الواطئ ولو باختيارها ورضاها؛ لأن القضاء إنما وجب بالوطئ وحقوق الأموال المتعلقة بالوطئ يتحملها الزوج
كالمهر.
أما إن كانت مكرهة فعلى من أكرهها ولو طلقها زوجها المكره
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 196.
(2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص،221، والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص 340. (3) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 221. (3/257)
صفحة 1021
الرائد
(YOA)
وتزوجت بغيره لزم الأخير أن لا يمنعها.
ومنهم من رأى كفارة واحدة على الجميع؛ لأن الوطء واحد، ومنهم
من قال لا كفارة عليها مطلقا كارهة كانت أو راضية لأنه لا وطء منها".
ولا يغيب عن التنبيه أن الأمر هنا على قول من قال إن الإكراه موجب لفساد الحج، وقد تبين أن الأظهر خلافه وأن المكره على الجماع دون إرادة منه
لا يفسد إحرامه.
تفرق الزوجين
قال بعض أهل العلم إنه يلزم اللذين ابتليا بالقضاء للجماع أن يتفرقا؛
كيلا تدعوه الشهوة إلى المعاودة فإن معهد الوصال مشوق.
ومعنى التفرق أن لا يركب معها في محمل ولا ينزل معها في فسطاط
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 220، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 484، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 222.
(2) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 165، والمرداوي، الإنصاف، ج 3، ص 495، وابن مفلح، الفروع، ج 3، ص 288.
(3) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 196، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 484، والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص 340. (3/258)
صفحة 1022
الرائد
259
ونحو ذلك، واختلف أذلك على سبيل الإيجاب أو الندب، كما اختلف في مبدئه فقيل من الإحرام، وقيل من مكان جماعهما السابق وإلى حين
الإحلال.
وقال بعض الفقهاء لا يلزمهما ذلك؛ لأنه لا معنى للتفرق إذ إنه لو وطئها في الصوم ثم دخل في القضاء لم يفرق بينهما ولم يمنعا من الاجتماع في الموضع الذي وطئها فيه.
نعم إن كان في اجتماعهما ذريعة إلى الوقوع في المحظور فيلزم سد ذريعة الفساد، وإن لم يكن فيه محذور - وكل طبيب نفسه - فلا لزوم لذلك التفرق
بينهما لعدم الدليل.
قال الإمام أبو سعيد الكدمي:
وقد كان في نفسي من افتراقهما ولزوم ذلك لهما في أي وجه إذا تابا مما أتيا
فلينظر في ذلك إذا كان على وجه اللزوم.
(1) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 484، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 222، والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص 341، والمرداوي، الإنصاف، ج 3، ص 496، وابن عابدين، رد
المحتار، ج 2، ص 560.
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 218، وابن عابدين، ردا 22، ص 218، وابن عابدين رد المحتار، ج 2، ص 560. (3/259)
صفحة 1023
الرائد
(260)
وإن كان ذلك على وجه التنزه خوفا أن يكون منهما ما كان فينبغي أن
يكون ذلك فيهما وغيرهما لأن ذلك مخوف).
مكان الإحرام في القضاء
ذهب بعض الفقهاء إلى أنه ملزم أن يحرم من أغلظ الموضعين عليه من الميقات، قالوا فإن كان قد أحرم في الأداء قبل الميقات لزمه أن يخرج في القضاء إلى ذلك الموضع؛ لأن ما بين ذلك الموضع مسافة لزمه قطعها محرما الأداء فيلزمه مثلها في القضاء، وإن لم يفعل أراق دما لمجاوزته الميقات
الشرعي.
وإن كان أحرم بعد الميقات في الأصل مسيئا لزمه الإحرام على الصواب من الميقات، وإن كان مصيبا في إحرامه بعد الميقات فاختلف أيلزمه الإحرام من الميقات أو يجزيه الإحرام من مكان الإحرام الأصل".
وقال هؤلاء إنه لا يلزم أن يحرم عند القضاء في زمان الأداء بل له التأخير عنه كأن يكون الأداء بشوال والقضاء بأول ذي الحجة.
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 218، وج 22، ص 221.
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 201، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 483، وابن مفلح، الفروع، ج 3، ص 289، وابن عابدين، رد المحتار، ج 2، ص 558. (3/260)
صفحة 1024
الرائد
(261)
وفرق هؤلاء بين الأمرين فقالوا إن اعتناء الشرع بالميقات المكاني أكمل
منه بالزماني كحال الناذر الذي لا يلزمه التوقيت الزماني.
وهذا التعليل ضعيف فيه نظر لذا قال الرافعي بعد إيراده: وظني أن هذا الاستشهاد لا يسلم عن النزاع.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن عليه أن يحرم للحج والعمرة من حيث أحرم أولا إلا أن يكون الأول أبعد من الميقات كأن يكون أحرم قبله فيحرم
من الميقات).
وذهب آخرون إلى أن الجماع لا يوجب حكما في الميقات لعدم الدليل فيحرم وكأنه لم يأت شيئا، فإن كان من أهل الآفاق فيحرم من الميقات، وإن كان ممن بعد المواقيت فيحرم من موضعه.
وإن كان من أهل الحرم فيحرم للحج من الحرم وللعمرة من أدنى الحل على ما ذهب إليه أكثر أهل العلم وقد تقدم، وهذا الرأي أولى بالاعتبار لعدم الدليل الناقل من هذا الأصل سوى الغرام بالتشديد والتعلق بالآراء.
(1) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 484.
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 201، والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص 341. (3) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 227. (3/261)
صفحة 1025
الرائد
(262
القسم الثاني: غير المتعمد للجماع
ذهب كثير من الفقهاء إلى عدم مراعاة الفرق بين العامد وغيره وأن
الجماع يفسد إحرام المكره وغير المكره، والناسي وغير الناسي".
وكان دليلهم العموم وعدم التفصيل بين المكره وغير المكره والناسي وغير الناسي من قبل الأدلة المستدل بها.
واختلف هؤلاء أعلى المكره بدنة أو ليس عليه بدنة، فقال بعضهم: ليس على المكره بدنة؛ لأنه جماع يوجب الكفارة فلم تجب به حال الإكراه أكثر من كفارة واحدة كما في الصيام.
وقيل عليه بدنة لكن يخرجها المكرِه؛ لأنه كان السبب في بطلان الحج،
وقيل بل عليه أن يخرجها بنفسه؛ لأن الفساد كان لحجه فخوطب هو بها.
وفي هذا الرأي القائل بفساد الإحرام مع الخلو من العمدية للانتهاك نظر
(1) الجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2، ص 150، وابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 260، والغزالي، الوسيط، ج 2، ص 690، وابن قدامة المغني، ج 3، ص 160، والقرافي،
الذخيرة، ج 3، ص 341، والمرداوي، الإنصاف، ج 3، ص 495. (3/262)
صفحة 1026
الرائد
263
كما ذهب إليه بعض الفقهاء، قال الإمام الربيع بن حبيب - إذا واقعها
وهي
ذلك؟
کارهة أو نائمة فإنها تقضي مناسكها ولا شيء عليها".
وقال في "بيان الشرع ":
وسألته (3) عن المحرم بحج إذا جامع ناسيا قبل الوقوف بعرفة ما يلزمه في
قال: لا أعلم أني سمعت فيه خبرا، ولا وطئت فيه أثرا، ويعجبني أن يكون مثل الصائم والواطئ في الصيام فقد قيل إن عليه بدل يومه إن كان ناسيا، وقيل لا شيء عليه، ويعجبني أن لا يكون على هذا شيء ويكون حجه تاما، وإن أهدى دما فحسن عندي.
قلت له: فإن لم يهد لم يلزمه ذلك؟ قال: لا يبين لي عليه شيء إذا كان ناسيا، قلت له وكذلك إذا وطء بعد الوقوف بعرفة قبل الزيارة أهو مثل
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 196، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 486، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 219، والمرداوي، الإنصاف، ج 3، ص 495، وابن مفلح الفروع، ج 3، ص 288.
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 196.
(3) لم يبين المسؤول والكلام نقل إثر كلام للعلامة أبي المؤثر، وإن لم يصح أنه لأبي المؤثر فالمشرب مشرب الإمام أبي سعيد الكدمي. (3/263)
صفحة 1027
الرائد
264
الأول أم فيه الاختلاف عندك؟ قال: عندي أنه واحد إذا كان ناسيا.
وقال الإمام أبو سعيد الكدمي:
معي أنه يخرج في معنى المستكره والنائمة نحو ما حكي من الاختلاف ويشبه فيهما ذلك، ويعجبني أن لا يكون عليهما من الكفارة ولا في فساد
شيء؛ لأن ذلك عندي زائل عنهما وبخاصة في النائم".
وجميع الفروع الفقهية مرفوعة عن المكره فعقوده غير صحيحة، وطلاقه لا يثبت، والحد مرفوع عنه، عنه، والإثم قد تجاوز الله عنه "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" فلم إثبات بطلان الحج بأمر خارج عن إرادته فيزر هو وزر غيره.
فضلا عن
أن قاعدتنا العامة في انتهاك محظورات الإحرام التي تدل
عليها الشواهد الشرعية كما سيأتي أن شرط الانتهاك الموجب للفدية العمد
فلا فدية على الجاهل ولا فدية على المكره ولا فدية على الناسي
وتقييدا للحكم السابق نبين أن للفقهاء خلافا في إمكان تصور الإكراه على الوطء، إذ إن النافين قالوا إن عمل آلة الوطء لا يتصور إلا وللنفس رغبة فيه أما مع عدم الرغبة فلا عمل لآلة الوطء.
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 209.
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 226. (3/264)
صفحة 1028
الرائد
(265)
وهذا يقيد به أن الإكراه متصور في جانب المرأة دون جانب الرجل من حيث محظور الإحرام، ولكن قد يرفع بذلك الحد للشبهة كما قد يرفع الجزاء للشبهة لأن الكفارات كالحدود تدفع بالشبهات على ما قاله بعض أهل
العلم.
رابعا: مقدمات الجماع
جاء النص القرآني بالمنع من الرفث لمن فرض الحج، لذا اتفق بين علماء
الملة على منع المحرم من الرفث ومعلوم من الحال أن تحريم أمر يستلزم تحريم كل ما يؤدي إليه وإلا لزم العبث والتناقض.
وبهذا يقال في نحو القبلة واللمس والنظر بأنه إن كانت القبلة
ونحوها
تؤدي بصاحبها إلى الجماع المحرم فلها حكم ما تؤدي إليه إذ للوسائل حكم
المقاصد، وإن كانت لا تفضي إلى الوقوع في المحظور فتبقى على أصل حكمها
(1)
قبل الإحرام لعدم الناقل.
(2)
وذهب كثير من الفقهاء إلى المنع من القبلة ونحوها بإطلاق سدا لذريعة الفساد، ولأن للوسائل حكم المقاصد، واختلفوا في الواجب على من
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 203، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 224. (2) الكندي، بيان الشرع، ج 22، ص 203، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 161. (3/265)
صفحة 1029
الرائد
266
قبل فقيل يفسد حجه وأعطوه حكم المجامع، وقيل لا يفسد حجه لكن يلزمه دم وإن أنزل بدنة).
هذا الذي قيل وفيه نظر لا يخفى إذ الأقوال السابقة عرية عن الدليل ولا حجة في الشرع لكلام من حقه التكليف، فالقبلة ليست بوطء من قبيل ولا دبير بل بينها والوطء بون شاسع مما يمنع القياس عليه فضلا من أن نقول ببطلان الحج بها.
على أن بطلان الحج بالوطء لم يكن بذلك الدليل القوي بل هي أحكام قضى بها بعض من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعرف لهم مخالف فيها مع عدم القطع به، وحكم الصحابي الصادر من رأيه من حيث الأصل ليس بحجة إذ هو مكلف كغيره.
مع
ثم إن الوطء مفسد لعبادة لحج موجب للكفارة كحاله في عبادة الصوم اختلاف الكفارتين، وهذا يعني أن حكم القبلة في العبادتين واحد إذ المفضى إليه في العبادتين واحد وهو إفساد عبادة واجبة، وإن كانت العبادة في رمضان أشد لتعين الصيام في وقت دون غيره عكس الحج، وقد جاءت
(1) الجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2، ص 148، وابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 259، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 162. (3/266)
صفحة 1030
الرائد
(267)
الأدلة عن صاحب الدعوة لو أنه كان يقبل وهو صائم كما في حديث:
أبي عبيدة عن جابر بن زيد قال: سألت عائشة هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل وهو صائم؟ قالت: يصنع
يصنع بنا ذلك وهو يضحك).
وجاء ما يفيد عموم الحكم السابق للنبي وأمته من حديث عمرو بن
الحارث عن عبد ربه بن سعيد عن عبد الله بن كعب الحميري عن عمر بن أبي سلمة أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيقبل الصائم؟
يصنع
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: سل هذه لأم سلمة فأخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، فقال: يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر،
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما والله إني لأتقاكم الله وأخشاكم له.
وما جاء من الروايات مفيدا نهي الصائم عن القبلة أو الحكم بأنها مفسدة للصيام فلا يثبت حتى لا يتعلق بها في الحج قياسا على الصوم ومن ذلك حديث زيد بن جبير عن أبي يزيد الضني عن ميمونة مولاة النبي صلى الله عليه وسلم قالت: سئل النبي عن رجل قبل امرأته وهما صائمان قال: قد أفطرا.
(1) أخرجه الإمام الربيع في باب ما يفطر الصائم (318).
(2) أخرجه الإمام مسلم في كتاب الصيام، باب بيان أن القبلة في الصيام ليست محرمة على
من لم تحرك شهوته (1108). (3/267)
صفحة 1031
الرائد
(268)
والحديث أخرجه أحمد)، وابن ماجه)، والدارقطني" من طريق زيد بن جبير عن أبي يزيد الضبي عن ميمونة بنت سعد، وهذا إسناد لا يصح، قال الدارقطني بعد إخراجه لا يثبت هذا وأبو يزيد الضبي ليس بمعروف.
وقال الترمذي:
وسألت محمدا عن حديث إسرائيل عن زيد بن جبير عن أبي يزيد عن ميمونة ابنة سعد مولاة النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن رجل قبل امرأته وهما صائمان قال: قد أفطرا.
فقال: هذا حديث منكر لا أحدث به، وأبو يزيد لا أعرف اسمه وهو
رجل مجهول، وزيد بن جبير ثقة (4).
وأعله بعضهم مع
العلة السابقة بزيد بن جبيرة وبأنه ليس بحجة إذ قال
عنه البخاري: متروك، وقال أبو حاتم: لا يكتب حديثه، وقال ابن عدي:
(1) أحمد بن حنبل، المسند، ج 6، ص 463.
(2) کتاب الصيام، باب ما جاء في القبلة للصائم (1686).
(3) الدارقطني، السنن، ج 2، ص 183.
(4) الترمذي، العلل، ص 116. (3/268)
صفحة 1032
الرائد
269
عامة ما يرويه لا يتابع عليه.
وفي هذا الإعلال نظر إذ الراوي هو زيد بن جبير لا ابن جبيرة وبين
الرجلين بون شاسع فراوي الحديث وهو زيد بن جبير من رجال البخاري محتج به كما قال البخاري.
أما ابن جبيرة فكما نقل عنه والذي يروي عن الظبي هو ابن جبير كما في كتب تراجم الرجال.
كما جاء حديث عمر بن الخطاب قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وهو لا ينظرني فقلت: يا رسول الله مالك لا تنظرني؟ قال: أنت الذي تقبل وأنت صائم، فقلت: إني لا أعود أقبل وأنا صائم.
والحديث أخرجه الحافظ ابن عدي في الكامل) وفي إسناده عمر بن حمزة قال عبدالله بن الإمام أحمد: سمعت: سمعت أبي يقول: عمر بن حمزة أحاديثه مناكير أبو أسامة ومروان الفزاري وقال النسائي: عمر بن حمزة بن عبد
روى عنه
الله بن عمر ليس بالقوي.
كما جاء مما يفيد النهى المطلق عن التقبيل حديث أبي هريرة قال: نهى
(1) زكريا الباكستاني، تنقيح الكلام، ص 581.
(2) ابن عدي، الكامل، ج 5، ص 19. (3/269)
صفحة 1033
الرائد
270
رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبل الرجل وهو صائم.
ولكن الحديث ليس بحجة فقد رواه الحافظ أبو القاسم الطبراني من
طريق موسى بن زكريا نا أزهر بن مروان الرقاشي نا الحارث بن نبهان عن معمر بن راشد عن عمار بن أبي عمار.
وفي إسناده الحارث بن نبهان وقد تفرد به کما قال الطبراني، والحار
ليس بحجة في الرواية فقد قال الإمام البخاري: منكر الحديث".
وقال ابن حبان كان من الصالحين الذين غلب عليهم الوهم حتى فحش خطؤه وخرج عن حد الاحتجاج به سمعت الحنبلي يقول: سمعت أحمد بن زهير عن يحيى بن معين قال: الحارث بن نبهان ليس بشيء
التي
فثبت من السابق أنه لم يثبت في النهي عن التقبيل شيء بل الأحاديث فيها الجواز صحيحة وما الحج إلا كالصيام بل نقض الصيام بالجماع ثابت من لفظ الشارع وكفارته ثابتة من نص الشارع المتأيد بالإجماع فما بال المنع في الحج بل إيجاب الدم على المقبل ما هذا إلا تشديد لم تنطق به الأدلة
(1) الطبراني، المعجم الأوسط، ج 8، ص 182.
(2) البخاري، التاريخ الكبير، ج 2، ص 284.
(3) ابن حبان، المجروحين، ج 1، ص 223، والعقيلي، الضعفاء، ج 1، ص 217. (3/270)
صفحة 1034
الرائد
الشرعية.
(TV 1)
والقبلة مفضية إلى نقض الوضوء بإخراج المني أو المذي ومع ذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيها كما في حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغني عن عروة بن الزبير يقول: عن عائشة {أنها قالت: يقبلني رسول الله يصلي ولا يتوضأ.
(1) أخرجه الإمام الربيع في باب ما يجب منه الوضوء (108).
: (3/271)
صفحة 1035
الرائد
272
المطلب السادس: قتل الصيد)
توطئة: حكم قتل الصيد
مما اتفقت عليه كلمة أهل العلم قاطبة تحريم قتل الصيد والاصطياد على
المحرم بعد تلبسه بالإحرام، ذكرا كان المحرم أو أنثى، وكذلك جاءت النصوص الشرعية في الكتاب والسنة فقد قال تعالى:
يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءُ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ تَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيَا بَلغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَرَةٌ طَعَامُ مَسَكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عادَ فَيَتَهمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيرٌ ذُو انتقامج
أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَنعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِ
(1) لأهل العلم - أعظم الله لهم الأجر - في موضوع الصيد مباحث مطولة وتفاصيل محررة اقتصرنا منها على اليسير فلم تكن الإطالة لنا شعارا لقلة الابتلاء بالصيد في زماننا وضعف الهمة عن الاستيعاب. (2) الجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2، ص 150، والنووي، شرح صحيح مسلم، ج 8، ص 104، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 143، والعيني، عمدة القاري، ج 10، ص 161، وابن مفلح، الفروع، ج 3، ص 297، والشنقيطي، أضواء البيان، ج 1،
ص 429.
10. (3/272)
صفحة 1036
الرائد
قلے
مَا دُمْتُمْ حُرُمَا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ.
273
وجاء في السنة حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: أهدى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا بالأبواء -يعني موضعا- فرده عليه، فلما رأى رسول الله الله الكراهة في وجهه قال: إنا لم نرده عليك إلا أنا
محرمون (2).
كما جاء الحديث السابقة من رواية أخرى من حديث مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن الصعب بن جثامة الليثي أنه أهدى لرسول الله له حمارا وحشيا وهو بالأبواء أو بودان فرده عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فلما أن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما في وجهي قال: إنا لم نرده (3)
(1) سورة المائدة، الآيتان (95 و 96).
(2) أخرجه الربيع في كتاب الحج، باب: الصيد للمحرم (436).
(3) قال النووي: قال القاضي عياض: رواية المحدثين في هذا الحديث لم نرده بفتح الدال، قال: وأنكره محققو شيوخنا من أهل العربية، وقالوا هذا غلط من الرواة وصوابه ضم
الدال.
قال: ووجدته بخط بعض الأشياخ بضم الدال وهو الصواب عندهم على مذهب سيبويه في مثل هذا من المضاعف إذا دخلت عليه الهاء أن يضم ما قبلها في الأمر ونحوه (3/273)
صفحة 1037
الرائد
عليك إلا أنا حرم.
274
وهذا التحريم ليس بمقتصر على القتل والاصطياد المباشر بل هو شامل
لكل ما يعين الحلال فضلا عن المحرم على الصيد بما قل أو كثر فقد فعل ما لا يجوز له وهذا إجماع من العلماء".
ودليله حديث عبد الله بن أبي قتادة أن أباه أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج
من المجزوم مراعاة للواو التي توجبها ضمة الهاء بعدها لخفاء الهاء فكان ما قبلها ولى الواو ولا يكون ما قبل الواو إلا مضموما هذا في المذكر. وأما المؤنث مثل ردها وجبها فمفتوح الدال ونظائرها مراعاة للألف هذا آخر كلام القاضي فأما ردها ونظائرها من المؤنث ففتحة الهاء لازمة بالاتفاق، وأما رده ونحوه للمذكر ففيه ثلاثة أوجه أفصحها وجوب الضم كما ذكره القاضي، والثاني الكسر وهو ضعيف، والثالث الفتح وهو أضعف منه، وممن ذكره ثعلب في الفصيح لكن غلطوه لكونه أوهم فصاحته ولم ينبه على ضعفه.
النووي، شرح صحيح مسلم، ج 8، ص 104، وابن حجر، فتح الباري، ج 4، ص 33،
والسالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 262.
(1) أخرجه بهذا اللفظ مسلم في كتاب الحج، باب تحريم الصيد للمحرم (1193)، وأخرجه البخاري في كتاب: الحج، باب: إذا أهدى للمحرم حمارا وحشيا حيا لم يقبل
(1729)
(2) ابن عبد البر، التمهيد، ج 21، ص 155، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 143. (3/274)
صفحة 1038
(YVO)
الرائد
حاجا فخرجوا معه فصرف طائفة منهم فيهم أبو قتادة فقال: خذوا ساحل البحر حتى نلتقي فأخذوا ساحل البحر فلما انصرفوا أحرموا كلهم إلا أبا
قتادة لم يحرم.
فبينما هم يسيرون إذ رأوا حمر وحش فحمل أبو قتادة على الحمر فعقر منها أتانا فنزلوا فأكلوا من لحمها وقالوا أنأكل لحم صيد ونحن محرمون فحملنا ما بقي من لحم الأتان فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا:
يا رسول الله إنا كنا أحرمنا وقد كان أبو قتادة لم يحرم فرأينا حمر وحش
فحمل عليها أبو قتادة فعقر منها أتانا فنزلنا فأكلنا
لحم صيد ونحن محرمون فحملنا ما بقي من لحمها.
من
قال: أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟
قالوا: لا، قال: فكلوا ما بقي من لحمها.
لحمها ثم
قلنا أنأكل
ودلالة المحرم المحرم أو دلالة الحلالِ المحرم الذي يريد قتل الصيد على
الصيد أمر لا لأنه
يصح؛ من باب إعانته على الإثم والعدوان والله تعالى
يقول: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ
(1) أخرجه البخاري في كتاب: الحج، باب: لا يشير المحرم إلى الصيد لكي يصطاده الحلال
صلے
(1728) (3/275)
صفحة 1039
الرائد
276
إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ.
ولأن الدال على الخير كفاعله فيكون الدال على الشر كفاعله، ولأن الدلالة والإشارة سبب إلى القتل وتحريم الشيء تحريم الأسبابه، ولا جزاء على الحلال بالدلالة بل يأثم والجزاء على الجاني).
ولكن في دلالة المحرم المحرمَ مع الإثم اختلف في أمر الجزاء فقيل يشتركان فعليهما معا جزاء واحد، وقيل بل يلزم كل واحد منهما جزاء، وقيل بل الجزاء على الجاني ولا جزاء على الدال وإن كان آثما بدلالته، وهذا أقرب الأقوال إذ الشرع رتب الجزاء على القاتل والدال ليس بقاتل.
واختلفوا في دلالة المحرم الحلال على الصيد فقيل جائز لعدم الدليل المانع، وقيل بل لا يجوز ويدل عليه قوله: أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها، مما يفيد أنه بالإشارة أو الأمر يمتنع الأكل منها.
(1) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 197.
(2) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 144. (3) الصائغي، لباب الآثار، ج 3، ص 294.
(4) ابن عبد البر، التمهيد، ج 21، ص 155، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 143. (3/276)
صفحة 1040
الرائد
(YVV)
واختلف هؤلاء في ضمان الصيد بالدلالة فقيل يثبت الضمان)؛ لأنه سبب يتوصل به إلى إتلاف الصيد فتعلق به الضمان كما لو نصب أحبولة. وهؤلاء اختلفوا هل على كل واحد جزاء أو جزاء واحد على الجميع"
وقيل لا ضمان عليه بالدلالة؛ لأن الضمان بالجناية).
وفي الاستدلال بقوله " أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها" في منع الإشارة والدلالة لمن كان محلا نظر من حيث إن الدليل مفيد حكم أكل الصيد في حال الدلالة والإشارة لا عن حكم نفس الدلالة
والإشارة.
إذ الدليل فيها ساكت وأصل سؤال الصحابة عن الأكل إذ إن جماعة منهم تورعوا عنه فكان تبيين مناط الحكم بالسؤال مما يفيد أن الجواب كلوا
إن كنتم لم تشيروا أو تعينوا ومفهومه لا تأكلوا إن كنتم أشرتم أو أعنتم. والصحابة لم يسألوا عن حكم الإشارة بل عن الأكل، وفي حال الإشارة يكون المشير في حكم القاتل وقتل المحرم الصيد يجعله ميتة لأنه مسلوب
(1) ابن مفلح، الفروع، ج 3، ص 299.
(2) ابن عبد البر، التمهيد، ج 21، ص 155، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 143.
(3) ابن عبد البر، التمهيد، ج 21، ص 155. (3/277)
صفحة 1041
الرائد
278
أهلية الذكاة الشرعية كما سيأتي.
لذا تبقى المسألة على أصل الإباحة لعدم الناهي الشرعي فهذه الدلالة كانت لمن يحل له شرعا قتل الصيد من المحلين والنهي ما كان إلا قتل الصيد كما هو نص الكتاب العزيز، ومنه يظهر لك أنه لا ضمان عليه بالدلالة إذ هو لم يأت جناية بل أتى مباحا من الفعل.
كما ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن المحرم ممنوع من تملك الصيد
بالبيع والهبة ونحوهما، بل حكى الحافظ ابن عبد البر الإجماع عليه فقال: وأجمع العلماء على أنه لا يجوز للمحرم قبول صيد وهب له، ولا يجوز له شراؤه، ولا اصطياده، ولا استحداث ملكه بوجه من الوجوه، لا خلاف بين علماء المسلمين في ذلك).
ومنهم من نص على منع الاستيداع للصيد عند المحرم".
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 24، ص 174، والنووي، شرح صحيح مسلم، ج 8، ص 104، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 279، وابن الملقن الإعلام، ج 6، ص 403، والعبدري، التاج والإكليل، ج 3، ص 172، وابن قدامة، الكافي، ج 1، ص 410.
(2) ابن عبد البر، التمهيد، ج 9، ص 58.
(3) العبدري، التاج والإكليل، ج 3، ص 172. (3/278)
صفحة 1042
الرائد
279
ولعل مما يمكن الاستدلال به على الأحكام السابقة حديث الصعب بن
جَنَّامة الليثي حينما أهدى النبي الحمار الوحشي فإن النبي صلى الله عليه وسلم امتنع عن قبوله هديته لعلة الإحرام.
وذهب آخرون إلى أن الصيد لا يملك للمحرم ولو كان سبيل أيلولته
إليه الإرث.
ولعل هؤلاء يستدلون بحديث الصعب بن جثامة، ومنع ذلك آخرون لأن الملك بالإرث ليس بفعل من جهته وإنما يدخل في ملكه حكما.
(2)
وبعد الاتفاق على عدم جواز بيعه اختلفوا فيمن اشتراه فقيل إن العقد باطل من أساسه إذ المحرم في هذا الحال ممن سلب أهلية التعاقد، وقيل بل العقد صحيح ولكن عليه أن يرسله.
كما اختلفوا في المحرم يحرم وفي ملكه صيد، فقيل عليه أن يرسله إن
(1) الغزالي، الوسيط، ج 2، ص 695، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 279.
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 24، ص 173، وج 24، ص 178، والصائغي، لباب الآثار، ج 3، ص 296، وابن عبد البر، التمهيد، ج 9، ص 59، والعبدري، التاج والإكليل، ج 3،
ص 172.
(3) الجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2، ص 152، والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 102، وابن عبد البر، التمهيد، ج 9، ص 59، والغزالي، الوسيط، ج 2، ص 695، وابن قدامة، (3/279)
صفحة 1043
الرائد
(YA.)
كان في يديه، وإن كان الصيد في أهله فلا شيء عليه.
وقيل عليه إرساله مطلقا في يديه أو في أهله، وقيل ليس عليه إرساله مطلقا، إذ المحرم ابتداء الصيد بالتسبب للقتل وليس الاستدامة كالنكاح
والطيب.
وهذا التحريم للصيد كان ابتلاء من الله تعالى للمحرمين، وذلك أنه كان من أحب الأمر إليهم الاصطياد، فجاء ابتلاء التمحيص بالمنع منه فتترك النفس البشرية محبوبها الله تعالى وحده حتى تستكمل حق العبودية، وقد كان المأخذ سهل التناول قال العلامة السيد محمد رشيد
الصيد منهم قريب
رضا
ووجه الابتلاء بذلك أن الصيد ألذ الطعام وأطيبه وناهيك باستطابته وبشدة الحاجة إليه في السفر الطويل كالسفر بين الحرمين، وسهولة تناول اللذيذ تغري، به فترك ما لا ينال إلا بمشقة لا يدل على التقوى والخوف من الله تعالى كما يدل عليه ترك ما ينال بسهولة.
وقد قيل إن من العصمة أن لا تجد، وهل يعد ترك الزنا ممن لا يصل إليه
المغني، ج 3، ص 144، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 206، والعبدري، التاج
والإكليل، ج 3، ص 171. (3/280)
صفحة 1044
الرائد
(281)
إلا
بسعي
وبذل مال وتوقع فضيحة كترك يوسف الصديق له إذ غلقت امرأة
العزيز الأبواب دونه وقالت هيت لك؟).
والصيد في الأدلة السابقة جاء لفظا عاما فيشمل صيد البر والبحر لكن
جاء النص الشرعي مخصصا صيد البر بالتحريم دون صيد البحر فقد أبيح الكتاب العزيز كما هو في قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِ مَا دُمْتُمْ حُرُمَا.
بنص
عن
ثم إنه في الآية الأخيرة خص الصيد المحرم تخصيصا متصلا بالإضافة إلى البر مما يعني أن صيد البحر غير محرم على المحرم، فضلا أن صيد البحر حلال مباح بمنطوق أدلة شرعية أخر ولم يأت ما يحرمه فيبقى على أصل الإباحة الشرعية.
والأحكام السابقة جلية في ظهورها لكن اختلفوا فيما كان من الصيد يعيش في البر والبحر أيعطى حكم البر فيحرم أم يعطى حكم البر فيحل، فقيل ينظر الغالب من مكان عيشه ويعطى حكمه، وقيل يغلب جانب
التحريم وهو حكم البر.
(1) رشيد رضا، تفسير القرآن الحكيم، ج 7، ص 101.
(2) الصائغي، لباب الآثار، ج 3، ص 329. (3/281)
صفحة 1045
الرائد
282
ثانيا: حكم ما ذكاه المحرم من الصيد
ظهر من السابق أن المحرم ممنوع من قتل الصيد، وهذا القتل شامل لكل ما تزهق به الروح إذ هو الإماتة، وخص الشرع الإماتة بشروط معينة حتى يباح للناس المأكول في طريقة تعرف بالذكاة الشرعية.
وفي حال الإحرام منع الشرع المحرم من قتل الصيد، وهذا النهي يدخل فيه أمر الذكاة الشرعية وغيرها كما تفيده دلالة العموم المأخوذة من الفعل
المقترن بالنهي"
وبنهي المحرم عن قتل الصيد تسلب منه أهلية الذكاة فكأنه قال لا يحل للمحرم أن يذكي، وهذا يجعله مسلوب الأهلية مما يعني عدم تأثير ذلك الذبح على الحيوان المذبوح بل يبقى في حكم الميتة لا يحل أكله لأحد محرما كان أو محلا، كما هو الحال في ذكاة المشرك إذ هو مسلوب الأهلية أيضا، والقائل: [وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَر آسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ " هو القائل: يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ.
(1) ابن العربي، أحكام القرآن، ج 2، ص 173.
(2) العيني، عمدة القاري، ج 10، ص 165، والعبدري، التاج والإكليل، ج 3، ص 177. (3) سورة الأنعام، الآية (121).
(4) ابن جعفر الجامع، ج 3، ص 383، والقطب شرح كتاب النيل، ج 4، ص 101، والصائغي، لباب الآثار، ج 3، ص 298، ومالك بن أنس، الموطأ، ج 1، ص 354، وابن (3/282)
صفحة 1046
الرائد
(283)
واختلف هؤلاء إن لم يجد المحرم غير الصيد أو الميتة أيهما يقدم إذ الصيد ميتة إن ذبحه المحرم فاستوى الحالان ووجب الترجيح، قال جماعة إنه يقدم الميتة على الصيد.
قال الإمام مالك يأكل الميتة، وذلك أن الله تبارك وتعالى لم يرخص للمحرم في أكل الصيد ولا في أخذه في حال من الأحوال، وقد أرخص في الميتة على حال الضرورة).
وذهب آخرون إلى أنه يأكل من الصيد؛ إذ قتل الصيد هو المحرم في حال السعة والاختيار، أما عند الاضطرار فيباح القتل كما هو الحال الدائم في خطاب التكليف الذي منه هذا النهي الشرعي ويكون القتل حينها سبيلا من سبل الوصول إلى حل لحمه وليس هو بميتة وإنما يعطى حكم الميتة إذا ما كان في حال النهي الشرعي أي السعة والاختيار.
عبد البر، التمهيد، ج 9، ص 58، والغزالي، الوسيط، ج 2، ص 696، وابن قدامة، المغني ج 3، ص 146، وابن العربي، أحكام القرآن، ج 2، ص 173، والبيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 194.
(1) ابن جعفر الجامع، ج 3، ص 312، والكندي، بيان الشرع، ج 24، ص 170، والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 101، والجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2، ص 151، وابن
قدامة، المغني، ج 3، ص 147.
(2) مالك بن أنس، الموطأ، ج 1، ص 354. (3/283)
صفحة 1047
الرائد
(284)
وعلى هذا الأخير فلا اجتماع بينه والميتة؛ إذ الأخيرة محرمة لذاتها وعينها، أما الصيد فتحريمه لعارض وهو الإحرام وما حرم لعارض مع أصل الإباحة مقدم على ما كان تحريمه لذاته أصليا.
التي
أما القول بأن الله أباح الميتة في حال ولم يبح الصيد في حال فيرده أن العلة أبيحت فيها الميتة هي تحقق الاضطرار إليها مما رفع محجور أكلها
والانتفاع بها.
وهذا الحكم يثبت مثله في الصيد إذ العلة السابقة وهي تعين الاضطرار ترفع حكم منع القتل فتبقى الذكاة الشرعية سبيلا تحل بها اللحوم، أما الميتة فالرفع فيها لحكم جواز الأكل مع بقائه محرما عليه في حال السعة والاختيار. والاضطرار لأكل الصيد يرفع حكم التحريم عن المحرم ولكن هل يوجب عليه الجزاء أو لا قولان لأهل العلم، فمنهم من رأى أن اضطراره لقتل الصيد هو اضطرار لانتهاك محظور فيكون حاله الجواز مع الضمان عليه، وذهب آخرون إلى أنه والحال ذلك مضطر فالأكل له مباح لذا لا يلزم بالضمان.
ترتب
وسئل الشيخ أبو نبهان - عن من لم تستسغ نفسه أكل الميتة ووجد
الصيد فقال:
(1) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 265. (3/284)
صفحة 1048
الرائد
(285
ليس عليه ولا له أن يتكلف بما لا يقبله بالطبع ولربما أداه في الشرع إلى ما يضره في حاله أو بعده في مآله فكيف يلزمه ما لا يجوز له؟.
وذهب بعض أهل العلم إلى القول بأن ذبيحته للصيد لا بأس بها فما هي إلا كذبيحة السارق، وفي هذا نظر إذ المحرم ممنوع هنا عن القتل نفسه مما فساد المنهي عنه وعدم اعتباره، وأما ذبيحة السارق فليس النهي فيها عن ذبحه بل عن السرقة.
يعني
وذهب آخرون إلى القول بأن الذبيحة لا تحل للذابح لكن تحل لغيره، وفي هذا نظر إذ إن ذكاته لا تحل له هو أكله إجماعا وإذا كان الذبح لا يفيد الحل للذابح فأولى وأحرى ألا يفيده لغيره؛ لأن الفرع تبع للأصل في أحكامه أن يثبت له ما لا يثبت لأصله".
فلا يصح
(1) الصائغي، لباب الآثار، ج 3، ص 304. (2) ابن العربي، أحكام القرآن، ج 2، ص 173 (3/285)
صفحة 1049
الرائد
286
ثالثا: ضابط الصيد
للفقهاء خلاف في ضابط الصيد فمنهم من قال إنه الممتنع المتوحش في أصل الخلقة).
وذهب آخرون إلى أن الصيد الذي يجب به الجزاء ويحرم على المحرم قتله هو كل متوحش بري مأكول).
فرق ما بين الأمرين الحل الشرعي للأكل، وعلى الرأيين السابقين يخرج ما ثبت بالإجماع عدم جواز قتله من كل مأكول اللحم الوحشي كالظبي والغزال والحمار الوحشي ونحو ذلك".
وفي مثل هذا يحصل الابتلاء الذي أشرنا إليه في التوطئة إذ هو مما تتلهف لمثله النفوس وتتطلع إليه الأعين ويسيل له اللعاب فيكون في المنع منه ابتلاء
و امتحان يعلم به الصادق من غيره.
(1) الصائغي لباب الآثار، ج 3، ص 346، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 196، والزيلعي، تبيين الحقائق، ج 2، ص 63، وابن عابدين، رد المحتار، ج 4، ص 91، ونظام،
الفتاوى الهندية، ج 1، ص 247.
(2) الصائغي، لباب الآثار، ج 3، ص 353، والغزالي، الوسيط، ج 2، ص 693.
(3) الشنقيطي، أضواء البيان، ج 1، ص 429. (3/286)
صفحة 1050
الرائد
فضلا
(YAV)
عن أن الأدلة التي تناولت قضية الصيد ما كانت إلا في مأكول
اللحم، وغيرها من الحيوانات إما أن يكون مضرا لفسقه وهذا يقتل بنص
الشارع.
وإما أن يكون غير مضر، وهذا يكون حكم قتله للمحرم كحكمه قبل
الإحرام لعدم الناقل الشرعي.
وتفصيل الضابط المذكور يتبين أن للصيد المحرَّم شروطا ثلاثة:
أولها: أن يكون وحشيا، أما غير الوحشي من الأهليات فليست صيدا
باتفاق كالأنعام والدجاج والخيول ونحوها؛ إذ ليست هي من الصيد في
شيء، قال الإمام السالمي -:
وجائز أن يذبح الأهليا
ويأكلن
لحمه
هنيا
من نعم أو من دجاج كانا ويأكلن
بيضه
عيانا
لأنه ليس من الصيود لا يدخلن في جملة المحدود
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 24، ص 184، والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 104، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 290، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 267، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 196، والعبدري، التاج والإكليل، ج 3، ص 178. (2) السالمي، جوهر النظام، ص 142. (3/287)
صفحة 1051
الرائد
288
واختلف فيما تغير طبعه كالأهلي يتوحش، أو الوحشي يتأهل ويستأنس
فقيل ينظر إلى الأصل، وقيل بل ينظر إلى الحال.
ثانيها: أن يكون بريا إذ ثبت بالنص جواز أكل صيد البحر وعليه وقع الاتفاق بين الأمة، والبحري كل ما يعيش في الماء ملحا كان الماء أو عذبا
فراتا.
واختلفوا في البرمائيات كالسلاحف والضفادع ونحوها فمنهم من غلب الماء ومنهم من غلب البر.
وهذا الخلاف مقيد بكونه مباح الأكل؛ إذ المنهي عن أكله في الأصل لا
يحل اصطياده وعلى الشرط التالي وهو كونه مباح الأكل لا جزاء فيه. ثالثها: أن يكون مباح الأكل فلا جزاء في كل ما ليس بمأكول كسباع البهائم والمستخبث من الحشرات والطير وسائر المحرمات، إذ هذه ليست
(1) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 380، والكندي، بيان الشرع، ج 24، ص 181، والغزالي، الوسيط، ج 2، ص 693، وابن قدامة المغني، ج 3، ص 267، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 196، والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص 314.
(2) الشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 377، والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 104، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 268. (3/288)
صفحة 1052
الرائد
289
من الصيد الذي يبتلى به كما هو في الآية الكريمة.
ثم إن الأمور التي جرت على تناولها الأدلة الشرعية المختلفة في هذه
القضية ما كانت إلا في مأكول اللحم.
قال الشيخ أبو نبهان:
قلت له: فإن كان من الأسود أو النمور أو الفهود؟
قال: الله أعلم، وأنا لا أدري من قول أهل العلم في هذه أنها من الصيد إلا أن يكون على قول من أهلها وإلا فهي من أنواع جنس ما له ناب يفرس به في الإجماع فلا جزاء على من قتلها في قول من يحرم أكلها.
وهذا الضابط يخرج أمورا:
أولها ما ثبت بالنص الشرعي جواز قتله للمحرم وهو الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور، كما في حديث:
أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح الغراب والحدأة
(1) ابن العربي، أحكام القرآن، ج 2، ص 177.
(2) الصائغي، لباب الآثار، ج 3، ص 349. (3/289)
صفحة 1053
الرائد
والفأرة والعقرب والكلب العقور.
(1)
290
كما جاء السابق من حديث عبد الله بن وهب عن يونس عن ابن شهاب
عن سالم قال: قال عبد الله بن عمر {قالت حفصة: قال رسول الله
خمس من الدواب لا حرج على من قتلهن الغراب والحدأة والفأرة
(2)
والعقرب والكلب العقور.
فالأدلة السابقة نصوص في الموضوع أن المحرم يقتلها، وقوله في الحديث "خمس" مما لا مفهوم له إذ ثبت بالنص إباحة قتل غير هذه الخمس، ومن ذلك حديث عبد الله بن مسعود ه قال:
بينما نحن مع النبي في غار بمنى إذ نزل عليه والمرسلات وإنه ليتلوها وإني لأتلقاها من فيه وإن فاه لرطب بها إذ وثبت علينا حية فقال النبي: اقتلوها فابتدرناها فذهبت فقال النبي: وقيت شركم كما وقيتم شرها.
(1) أخرجه الربيع في كتاب الحج، باب: ما يتقي المحرم وما لا يتقي (407). (2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب ما يقتل المحرم من الدواب (1731). (3) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 186، وابن حجر، فتح الباري، ج 4، ص 36، والعيني، عمدة القاري، ج 10، ص 179.
(4) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب ما يقتل المحرم من الدواب (1733). (3/290)
صفحة 1054
الرائد
(291)
ومع
البيان السابق أنه لا مفهوم لقوله في الحديث "خمس" يظهر أن
الشرع بذلك الخطاب نبه على أمور ليقاس عليها ما جامعها في علة الحكم ولم
يرد الحصر
وبالسبر والتقسيم نجد العلة التي يمكن أن يعلل بها النص تحتمل أمرين الفسق وحرمة الأكل، لكن نجد أن الحديث أومأ إلى العلة التي أمر المحرم بسببها بقتل هذه الحيوانات بقوله في الحديث "خمس" من الفواسق" والفاسق الخارج من الطاعة المؤذي لغيره، قال الخطابي:
الفسق الخروج من الحرمة، يقول: خمس لا حرمة لهن ولا بقيا عليهن ولا فدية على المحرم فيهن إذا أصابهن وإنما أباح قتلهن دفعا لعاديتهن؛ لأنهن كلهن من بين عاد قتال أو مؤذ ضرار.
لذلك قال هؤلاء إن ما لا يعدو منها كالهر والثعلب والضبع وصغار
(1) الغزالي، الوسيط، ج 2، ص 693.
(2) ابن العربي، أحكام القرآن، ج 2، ص 176، وابن قدامة، الكافي، ج 1، ص 411. (3) الخطابي، غريب الحديث، ج 1، ص 604. (3/291)
صفحة 1055
الرائد
(292)
الذئاب والغربان وما أشبهها لا يجوز قتله، فإن قتله فداه).
وهكذا قول بعضهم إنه لا يقتلها ما لم تبتدره بالأذى.
ورد العلامة ابن العربي القولين السابقين فقال:
ولا وجه لقول من قال إن من يبتدئ الإذاية بخلاف من لا يبتديها؛ لأن
من كانت الإذاية في طبعه فواجب قتله ابتدأ أو لم يبتدئ لوجود فسقه الذي صرح النبي صلى الله عليه وسلم به.
ألا ترى أن الحربي يقتل ابتدأ بالقتال أو لا لاستعداده لذلك ووجود سببه فيه، ولا تعجب من (ح)) في هذا واعجب من بعض علمائنا حيث
يقول إن صغار ما يقتل كباره من هذه الفواسق لا يقتل لأنه لم يؤذ بعد.
وكيف تكون الإذاية جبلته وينتظر به وجودها وقد قتل الخضر العلي الغلام ولم توجد بعد منه فتنة فهذا أولى، وقد قال الله تعالى في الكفار [إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا " فكيف في هذه
(1) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 187، ومالك بن أنس، الموطأ، ج 1،
ص 357.
(2) يريد الإمام أبا حنيفة إذ هو القائل بذلك.
(3) سورة: نوح، الآية (27). (3/292)
صفحة 1056
الرائد
الفواسق.
293
وذهب آخرون إلى أن إباحة قتل المذكورات كان لحرمة أكلها) فيجوز
للمحرم قتل كل محرم الأكل ولا جزاء عليه، وقالوا إن الصيد لا يعرف في
لغة العرب إلا في مأكول اللحم.
يأخذ بالعلة السابقة آخرون بل اقتصروا على موارد النصوص فلم
يجيزوا للمحرم قتل نحو الأسود والنمور والفهود.
وفي هذا القول نظر؛ إذ من العبث البالغ قصر جواز القتل بالخمس المذكورات ثم يترك ما هو أولى منها، ولينظر إلى وقائع حياتهم فالصحابة لما رأوا الحية وهم محرمون بل في الحرم ما فهموا أنها من الصيد بل أسرعوا إلى قتلها والنبي أقرهم على ذلك وقال وقيتم شرها، مما يعني أن الالتفات إنما هو للإضرار والعدوان كما هو المفهوم من قوله "خمس من الفواسق" قال
العلامة ابن العربي:
(1) ابن العربي، القبس، ج 2، ص 568.
(2) البيهقي، معرفة السنن والآثار، ج 4، ص 237، والنووي، شرح صحيح مسلم، ج 8،
ص 114. (3/293)
صفحة 1057
الرائد
(294)
أمر بالقتل وعلل بالفسق فتبعد الحكم إلى كل محل وجدت فيه العلة وإلا فلم يكن لذكرها فائدة، ألا ترى أنه لما علل في الهرة أنه من الطوافين
عليكم أو الطوافات تعلق الحكم بالتطواف وتعدى إلى كل طواف.
الثاني أنه نبه بالخمسة على خمسة أنواع من الفسق فنبه بالغراب إلى ما يجانسه من سباع الطير وكذلك بالحدأة، ويزيد الغراب على الحدأة بحل سفر المسافر ونقب حدبهم، والحدأة تقتصر على ما ظهر.
ونبه بالحية على كل ما يلسع وبالعقرب كذلك، والحية تلسع وتفترس والعقرب تلسع ولا تفترس.
ونبه بالفأرة على ما يجانسها من هوام المنازل فيها، ونبه بالكلب العقور
وبقوله السبع العادي على كل مفترس مبتدئ.
قال الإمام السالمي معلقا على كلام ابن العربي:
صدق من قال ذكر الخمس لينبه بها على خمسة أنواع من الفسق إلخ فهي أصول لأجناس المضار، وما ذكر من الحية والسبع والذئب والنمر (أي في
(1) كذا في الأصل، ولعل الصواب فتعدى. (3/294)
صفحة 1058
الرائد
(295)
الأدلة غير الخمس (المذكورة تفصيل لبعض أجناسها.
وقال ابن العربي أيضا:
واختلف الفقهاء في إلحاق غيرها بها، واعجبا لمن يلحق الحصى بالبر في
الربا ولا يلحق الفهد والنمر والذيب بهذه.
وقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث على العلة وهي الفسق ولم يتعرض لعلة الربا في البر بتنبيه ولكنه فهم من ذكر الأعيان الأربعة التنبيه على أمثالها فها هنا أولى".
على أن قوله الكلب العقور فسره جماعة من أهل العلم بكل سبع عاد
جارح مثل الأسد والنمر والفهد والذئب ولم يقيدوه بالكلب".
قالوا ومما يتأيد به حديث الحارث بن أبي أسامة حدثنا العباس بن الفضل الأنصاري حدثنا الأسود بن شيبان عن أبي نوفل بن أبي عقرب عن
(1) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 187.
(2) ابن العربي، القبس، ج 2، ص 568.
ج 1،
(3) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 188، ومالك بن أنس، الموطأ، ص 357، وابن عبد البر، التمهيد، ج 15، ص 157، والبيهقي، السنن الكبرى، ج 5،
ص 211، وابن حجر، فتح الباري، ج 4، ص 39. (3/295)
صفحة 1059
الرائد
أبيه قال:
296
كان لهب بن أبي لهب يسب النبي الله فقال النبي: اللهم سلط عليه كلبك، فخرج في قافلة يريد الشام فنزل منزلا فقال:
إني أخاف دعوة محمد ا، قالوا له: كلا فحطوا متاعهم حوله وقعدوا
يحرسونه فجاء الأسد فانتزعه فذهب به).
ومن ذلك قوله تعالى: (قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ فَكُلُوا مِما أَمْسَكَنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ]
(2)
قالوا فهذا اسم مشتق من الكلب ثم دخل فيه صيد الفهد والصقر والبازي فلهذا قيل لكل جارح أو عاقر من السباع كلب عقور".
ثم إن النص جرى على الأمور التي يتعرض لها العرب غالبا في بيئتهم التي ستكون محلا للإحرام الذي يمنع فيه من الصيد، ولكن ذلك لا يمنع من
(1) الحاكم، المستدرك، ج 2، ص 588، وقال إثره صحيح الإسناد، وقال الحافظ ابن حجر:
إسناده حسن. ابن حجر، فتح الباري، ج 4، ص 39.
(2) سورة المائدة، جزء من الآية (4).
(3) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 211. (3/296)
صفحة 1060
الرائد
(297
أن يدخل في الحكم ما كان أولى منه في تحقق وجود علة العدوان وإن لم يذكر
في النص الشرعي.
ومن العلة السابقة المبيحة للقتل وهي الإيذاء والعدوان يقال إن الصيد المأكول إن صال على المحرم ليؤذيه فله قتله ولا شيء عليه، إذ لا يعدو حكمه والحالة تلك حكم الفواسق التي أمر الشرع بقتلها لفسقها، ثم إنه لو صال عليه آدمي مريدا به شرا فله دفعه دون جزاء عليه، والآدمي أشد حرمة من الصيد الذي حرم لعارض وهو الإحرام ولم يلزم فيه جزاء فكيف
بالصيد.
وذهب آخرون إلى أن عليه الجزاء بذلك القتل لأنه قتله لمصلحة نفسه فأشبه ما لو قتله لأكله، وهذا ضعيف.
وبعد السابق اختلفوا في المتولد بين الصيد المأكول وبين غير المأكول ما يغلب عليه هل التحريم فيثبت الجزاء أو لا من غلب التحريم قال عند تعارض ما يوجب التحريم وما يوجب الإباحة ولا مرجح يقدم التحريم إذ
(1) الغزالي، الوسيط، ج 2، ص 696، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 266، والكافي، ج 1،
ص 412. (3/297)
صفحة 1061
الرائد
298
فيه زيادة احتياط، وقال من قال إن حكمه يرجع إلى أمه.
الأمر الثاني الحشرات الزاحفة والطائرة كالذباب والبعوض والقمل والقراد والصراصير والجعلان ونحوها، فهذه لم تتعرض لها النصوص الشرعية من حيث الإحرام بالجواز ولا بالحرمة وليست هي من الصيد في شيء فيلزم فيها الجزاء" فيكون قتلها على أصل الحكم في غير الإحرام، ولا يلزم القاتل بشيء لعدم الدليل.
وقياسها على الصيد المحرم كالظباء والحمير الوحشية قياس مع الفارق الكبير ولا أدري ما وجه الابتلاء في مثل هذه الحشرات حينما تكون في متناول الأيدي والرماح.
بل إنه قد يستفاد من النصوص الشرعية جواز أن تقتل دون أن يكون على القاتل شيء كما هو في حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: خرج كعب بن عجرة يريد الحج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فآذاه القمل في رأسه فأمره رسول الله أن يحلق رأسه وقال له:
صم
ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين مدين لكل مسكين، أو انسك
(1) الصائغي، لباب الآثار، ج 3، ص 304.
(2) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 196. (3/298)
صفحة 1062
الرائد
بشاة، أي ذلك فعلت أجزاك).
قال العلامة ابن جعفر:
299
وفي بعض الآثار: قلت: أرأيت الذباب والبعوض والقملة وأشباه ذلك بجزاء (2)؟
قال: لا ليس ذلك من الصيد قلت الحلمة والقراد يقتلهما المحرم أو شيئا من ذلك هل في ذلك كفارة؟
قال: لا، بلغنا عن عمر بن الخطاب له أنه كان يقرد بعيره وهو محرم). قال في "بيان الشرع": وليس في البعوض والنملة وأشباه ذلك جزاء،
وليس هو من الصيد، وقال الشيخ خلفان بن جميل السيابي:
وقيل ما في الذر والذباب والقمل والبعوض من إيجاب ونحوها فما على من قتلا منها عن الربيع هذا نقلا)
(1) أخرجه الإمام الربيع في كتاب الحج، باب في الهدي والجزاء والفدية (435).
(2) كذا في الأصل.
(3) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 379.
(4) الكندي، بيان الشرع، ج 24، ص 183.
(5) السيابي، سلك الدرر، ج 1، ص 319. (3/299)
صفحة 1063
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: أصول الفقه
------------------------------------------
العنوان: الرائد أبحاث تأصيلية معاصرة في فقه الحج والعمرة مباحث وجوب الحج والعمرة
المؤلف: ماجد بن محمد بن سالم الكندي
الناشر: دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع
مكان النشر: بيروت - لبنان
تاريخ النشر: 1429ه/ 2008م
الطبعة: 1
عدد الأجزاء: 5
الإيداع القانوني: 2008/158
الكلمات الدالة: فقه الحج، أحكام الحج، مناسك الحج، فقه العمرة
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=2743&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/index.php/node/813
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100?، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 22 ذو القعدة 1446ه/ 20 - شهر 05 - 2025م. الرائد
(r .. )
وذهب بعض الفقهاء إلى وجوب الجزاء بقتلها مما يعني حرمته على
المحرم، ولا أعلم لهؤلاء دليلا يكون حجة تنقل من أصل الإباحة إلا
القياس وقد بينا أنه ضعيف جدا على ما يظهر.
وخلاصة الأمر في القضية السابقة
أن
نهي
المحرم بسبب الإحرام لا
يكون إلا عن الصيد فقط وهو الحيوان المتوحش البري المأكول، وما عدا
ذلك فليس بصيد ولا يتعلق به الجزاء إذ الآية ما كانت إلا في الصيد.
ولم يكن ثمة دليل من الكتاب ولا السنة ولا الإجماع يثبت الجزاء في غير الصيد والقياس هنا متعذر، لذا يقال إن ما عدا الصيد من الحيوان يكون حكم قتله على الأصل فما نهى الشرع عن قتله ينهى عنه في الإحرام وغيره، وقاتله في الإحرام آثم ولكن ليس عليه جزاء.
وما لم ينه الشرع عن قتله لم ينه عنه في الإحرام ولا غيره فيبقى على أصل
الإباحة والله أعلم.
6
والشماخي
(1) البسيوي، الجامع، ج 2، ص 289، والكندي، بيان الشرع، ج 24، ص. الإيضاح، ج 2، ص 381، وابن عبد البر، التمهيد، ج 15، ص 163، والعبدري، التاج والإكليل، ج 3، ص 173، والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص 317، وابن قدامة، الكافي، ج 1،
ص 411.
6 (3/300)
صفحة 1064
الرائد
والمذكورات في الحديث هي:
الغراب، وقد جاء في بعض الروايات تقييده بالأبقع كما في حديث محمد
بن جعفر حدثنا شعبة قال سمعت قتادة يحدث عن سعيد بن المسيب عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم الحية والغراب الأبقع والفارة والكلب العقور والحديا.
وأخذ بهذا الوصف مخصصا عموم لفظ الغراب بوصف الأبقع بعض
أهل العلم.
ومنهم من قال بهذه الزيادة في الحديث ولكنه ألحق غير الأبقع مما شاركه
في الإيذاء وحرمة الأكل بالأبقع قياسا.
وضعف هذه الزيادة آخرون؛ لأنها من رواية قتادة عن سعيد وهو
(1) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب في الحل
والحرم (1198).
(2) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 187.
(3) ابن عبد البر، التمهيد، ج 15، ص 172. (3/301)
صفحة 1065
الرائد
(302
مدلس وقد شذ بذلك، قال الحافظ ابن عبد البر:
ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر وغيره أنه أباح للمحرم قتل
الغراب ولم يخص أبقع من غيره فلا وجه لما خالفه؛ لأنه لا يثبت. وقال ابن بطال:
وشذت فرقة من أهل الحديث فقالوا: لا يقتل المحرم إلا الغراب الأبقع
خاصة، ورووا في ذلك حديثًا عن قتادة، عن ابن المسيب، عن عائشة، عن
النبي
العلية لا.
وهذا الحديث لا يعرف من حديث ابن المسيب، ولم يروه عنه غير قتادة
وهو مدلس، وثقات أصحاب سعيد من أهل المدينة لا يوجد عندهم، مع
معارضته حديث ابن عمر وحفصة، فلا حجة فيه.
واستثنوا غراب الزرع الذي يأكل الحب وأفتوا بجواز أكله"
والأمر في الأخير ظاهر إذ ليس هو مما يؤذي الغير وليس من ذوات المخالب فأكله جائز ويكون من الصيد فيحرم على المحرم قتله.
(1) ابن حجر، فتح الباري، ج 4، ص 38. (2) ابن عبد البر، التمهيد، ج 15، ص 174.
(3) ابن حجر، فتح الباري، ج 4، ص 38. (3/302)
صفحة 1066
الرائد
(303)
والغراب الأبقع هو الذي في ظهره أو بطنه بياض".
وقد اختلف الفقهاء فيه فقيل لا يحل أن يقتل إلا الأبقع حملا للمطلق
على المقيد، ثم إن العدوان لا يكون إلا من الأبقع، أما غيره فلا يبتدئ بالأذى فلا يباح قتله كالعقعقق وغراب الزرع".
وقد اختلفوا في الجراد أهو من صيد البر الذي يمنع المحرم من قتله أو
ليس هو كذلك.
فقال جماعة إنه من صيد البر كما هو الواقع في عيشه، وقال آخرون إنه
(1) ابن عبد البر، التمهيد، ج 15، ص 172، وابن حجر، فتح الباري، ج 4، ص 38، والمباركفوري، تحفة الأحوذي، ج 3، ص 487.
(2) العيني، عمدة القاري، ج 10، ص 180.
(3) الصائغي، لباب الآثار، ج 3، ص 326، والغزالي، الوسيط، ج 2، ص 694، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 268، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 196، والعيني، عمدة القاري، ج 10، ص 164، والعبدري، التاج والإكليل، ج 3، ص 173، وابن قدامة،
الكافي، ج 1، ص 411.
(4) الصائغي، لباب الآثار، ج 3، ص 327. (3/303)
صفحة 1067
الرائد
(304)
من صيد البحر فيحل قتله إذ هو نثرة حوت، واستدلوا بحديث:
زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن كعب الأحبار أقبل من الشام في ركب حتى إذا كانوا ببعض الطريق وجدوا لحم صيد فأفتاهم كعب بأكله قال: فلما قدموا على عمر بن الخطاب بالمدينة ذكروا ذلك له فقال: من أفتاكم بهذا؟
قالوا كعب، قال: فإني قد أمرته عليكم حتى ترجعوا ثم لما كانوا ببعض طريق مكة مرت بهم رجل من جراد فأفتاهم كعب أن يأخذوه فيأكلوه فلما قدموا على عمر بن الخطاب ذكروا له ذلك فقال:
ما حملك على أن تفتيهم بهذا؟ قال هو من صيد البحر، قال: وما يدريك؟ قال: يا أمير المؤمنين، والذي نفسي بيده إن هي إلا نثرة حوت ينثره في كل عام مرتين).
كما استدلوا بحديث زياد بن عبد الله بن علاثة عن موسى بن محمد بن
إبراهيم التيمي عن أبيه عن جابر بن عبد الله وأنس بن مالك قالا:
(1) قال الحافظ ابن عبدالبر: ويقال الجراد نثرة حوت أي قذف به من أنفه، ابن عبد البر،
التمهيد، ج 18، ص 222.
(2) مالك بن أنس، الموطأ، ج 1، ص 352. (3/304)
صفحة 1068
الرائد
(305)
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دعا على الجراد قال: اللهم أهلك الجراد اقتل كباره وأهلك صغاره وأفسد بيضه واقطع دابره وخذ بأفواههم عن معاشنا الدعاء. وأرزاقنا إنك سميع
قال: فقال رجل: يا رسول الله كيف تدعو على جند من أجناد الله بقطع
دابره؟ قال: فقال رسول الله: إنها نثرة حوت في البحر.
ولكن في هذين الدليلين نظر، إذ الأول منهما موقوف يشبه أحاديث أهل الكتاب التي أخذها كعب الأحبار منهم، وقد أغنانا الله تعالى عنها.
(1)
أما الثاني فأخرجه الترمذي وابن ماجه)، وهو منكر المتن لا يشبه لسان الشارع كما أنه مظلم الإسناد، وقد كفى الترمذي شأنه فقال بعد
إخراجه:
هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وموسى بن محمد بن إبراهيم التيمي قد تكلم فيه وهو كثير الغرائب والمناكير، وأبوه محمد بن إبراهيم ثقة وهو مدني.
وقد جاء اللفظ السابق المستدل به ضمن حديث طويل منكر المتن جدا
(1) أخرجه الترمذي في كتاب الأطعمة، باب ما جاء في الدعاء على الجراد (1823). (2) أخرجه ابن ماجه في كتاب الصيد باب صيد الحيتان والجراد (3221). (3/305)
صفحة 1069
الرائد
(306)
من طريق ابن جريج عن عطاء عن جابر بن عبد الله مرفوعا، وقد ذكره
الحافظ الذهبي في ترجمة يوسف بن يعقوب أبي عمران وقال:
يوسف بن يعقوب أبو عمران عن ابن جريج بخبر باطل طويل إنسان مجهول واسمه محمد بن عبدالرحمن السلمي (3)
وعنه
ومما يدل على أن الجراد من صيد البحر حديث حماد بن سلمة عن أبي المهزم عن أبي هريرة الله قال: خرجنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مع
حج أو عمرة
فاستقبلنا رجل من جراد) فجعلنا نضربه بسياطنا وعصينا فقال النبي: كلوه؛ فإنه من صيد البحر.
(0)
والحديث أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه ولكنه ضعيف لا
يثبت ففيه أبو المهزم يزيد بن سفيان، قال الترمذي إثر إخراجه: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث أبي المهزم عن أبي هريرة، وأبو المهزم اسمه
(1) الطبراني، المعجم الأوسط، ج 7، ص 360.
(2) الذهبي، ميزان الاعتدال، ج 4، ص 475
(3) أي فوج أو طائفة.
(4) أخرجه أبو داود في كتاب المناسك، باب في الجراد للمحرم (1854). (5) أخرجه الترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في صيد البحر للمحرم (850).
(6) أخرجه ابن ماجه في كتاب الصيد باب صيد الحيتان والجراد (3222). (3/306)
صفحة 1070
الرائد
(307)
يزيد بن سفيان وقد تكلم فيه شعبة.
وقد ضعفه جماعة منهم أبو داود بعد إخراجه الحديث، والبيهقي،
والحافظ ابن حجر".
وروى أبو داود قبل الحديث السابق حديث محمد بن عيسى حدثنا حماد
عن ميمون بن جابان عن أبي رافع عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الجراد من
صيد البحر
(3)
ولكن تعقب الحديثين بقوله: أبو المهزم، ضعيف، والحديثان جميعا وهم، وقيل بأنه من صيد البر والبحر، ولا أعرف مستند هؤلاء، قال الشيخ أبو
نبهان:
أليس فيه يقال إنه من صيد البحر فلا جزاء على من قتله؟
قال: بلى، قد قيل هذا إلا أنه عمن قاله من القوم فاحتج فيه بحديث عن
النبي والصحيح أنه م
من البر؛ لأنه
يعيش فيه فيموت في الماء فأنى يصح
(1) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 207.
(2) ابن حجر، فتح الباري، ج 9، ص 621.
(3) أخرجه أبو داود في كتاب المناسك، باب في الجراد للمحرم (1853). (3/307)
صفحة 1071
الرائد
على هذا أن يكون من صيد البحر من غير ما دليل على ذلك.
وألحق جماعة بالسابق بيض الصيد فحرموا كسره، وإن كسره لم يحل
أكله
له وإن كان يحل لمحل إذ ليس هو كالصيد لا يحل بالذكاة الشرعية بل لو كان
الكاسر مشركا حل البيض.
ومنهم من قال إنه لا يحل لأحد، وقد ألزم هؤلاء كاسره الجزاء،
واستدلوا لذلك بأمرين:
محمد بن موسى
القطان الواسطي ثنا يزيد بن موهب ثنا مروان بن
معاوية الفزاري ثنا علي بن عبد العزيز ثنا حسين المعلم عن أبي المهزم عن أبي
هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: في بيض النعام يصيبه المحرم ثمنه.
وثاني أدلتهم أنه خارج من الصيد يصير منه مثله فهو كالفرخ. والحديث المستدل به أخرجه ابن ماجه ولكنه من طريق أبي المهزم وقد
(1) الصائغي لباب الآثار، ج 3، ص 326.
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 24، ص 167، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 273، والكساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 203، والعبدري، التاج والإكليل، ج 3، ص 171، وابن
قدامة، الكافي، ج 1، ص 412.
(3) ابن قدامة، الكافي، ج 1، ص 412. (3/308)
صفحة 1072
الرائد
(309)
تقدم ما فيه من الكلام وأن حديثه مما لا يصح، وفيه علة أخرى قال
البوصيري:
هذا إسناد ضعيف؛ علي بن عبد العزيز مجهول، وأبو المهزم ضعيف، و اسمه يزيد بن سفيان).
وقد جاء الحديث السابق من طرق غير هذه لا تخلو أفرادها من الضعف فقد جاء من حديث الوليد بن مسلم ثنا ابن جريج قال: أحسن ما سمعت في بيض النعامة حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: في كل بيض صيام يوم أو إطعام مسكين.
(3)
والحديث أخرجه البيهقي ولكنه من طريق الوليد بن مسلم وابن
جريج وهما إماما تدليس التسوية ولا إخاله يسلم من شرهما وقد صرح الأول منهما بالتحديث عن شيخه ولكن ابن جريج لم يصرح بالتحديث بل جاء بما يوهم السماع فلا يقبل منه كما هو منصوص القواعد.
على أنه قد نص من نص على أن ابن جريج لم يسمع من أبي الزناد شيئا
(1) أخرجه ابن ماجه في كتاب المناسك باب جزاء الصيد يصيبه المحرم (3086).
(2) البوصيري، مصباح الزجاجة، ج 3، ص 213.
(3) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 207. (3/309)
صفحة 1073
الرائد
310
مما يقوي تهمة تدليسه هنا، قال ابن أبي حاتم:
سألت أبي عن حديث رواه الوليد بن مسلم عن ابن جريج قال: أحسن ما سمعت في بيض النعامة حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: في بيض النعام في كل بيضة صيام يوم أو إطعام مسكين. قال أبي: هذا حديث ليس بصحيح عندي، ولم يسمع ابن جريج من أبي
الزناد شيئا يشبه أن يكون ابن جريج أخذه من إبراهيم بن أبي يحيى". وإبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي المديني ممن رمي بالكذب، وقد تقدم بيان حاله).
كما جاء من حديث محمد بن يوسف ثنا أبو قرة عن بن جريج أخبرني زياد بن سعد عن أبي الزناد عن عروة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم في بيض
النعام كسره رجل محرم صيام يوم لكل بيضة".
ولكن أعل البيهقي هذه الرواية بعد إخراجها فقال:
(1) ابن أبي حاتم، علل الحديث، ج 1، ص 270.
(2) البخاري، الضعفاء الصغير، ص 13، وابن عدي الكامل، ج 1، ص 217، وابن حبان، المجروحين، ج 1، ص 105، والعقيلي، الضعفاء، ج 1، ص 62.
(3) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 207. (3/310)
صفحة 1074
الرائد
(311)
هكذا رواه أبو قرة موسى بن طارق عن ابن جريج، ورواه أبو عاصم وهشام بن سليمان عن عبد العزيز بن أبي رواد عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن أبي الزناد عن رجل عن عائشة وهو الصحيح قاله أبو داود السجستاني وغيره من الحفاظ.
(1)
كما رجح قول البيهقي أبو داود في المراسيل، والرواية التي يذكرها
البيهقي عن رجل عن عائشة أخرجها الدارقطني
(2)
وجاء الحديث السابق من حكم الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه - وقد أقره النبي عليه من حديث رجل من الأنصار أن رجلا محرما أوطأ راحلته أُدْحِيَّ نعام فانطلق الرجل إلى عليه فسأله عن ذلك فقال علي:
عليك في كل بيضة ضراب ناقة أو جنين ناقة، فانطلق الرجل إلى نبي الله فأخبره ما قال علي فقال نبي الله لقد قال علي ما تسمع، ولكن هلم إلى
الرخصة عليك في كل بيضة صيام يوم أو إطعام مسكين.
(1) أبو داود، المراسيل، ص 146.
(2) الدارقطني، السنن، ج 2، ص 249. (3/311)
صفحة 1075
الرائد
(312)
(1)
(2)
والحديث أخرجه الإمام أحمد والدارقطني والبيهقي" وأبو داود في
المراسيل من حديث سعيد بن أبي عروبة ثنا مطر الوراق أن معاوية بن قرة حدثهم عن رجل من الأنصار.
ومطر بن طهمان الوراق ليس بحجة في الرواية)، وقد اضطرب كثيرا في إسناد هذا الحديث مما يؤذن بسقوطه فقد رواه باللفظ السابق عن معاوية بن
قرة عن رجل من الأنصار، وقال مرة: عن معاوية بن قرة عن رجل من
(6)
الأنصار من أصحاب النبي).
(7)
وقال مرة: عن معاوية بن قرة أن رجلا أوطأ بعيره ومعاوية لم يدرك
النبي فيكون الخبر مرسلا.
(1) أحمد بن حنبل، المسند، ج 5، ص 58.
(2) الدارقطني، السنن، ج 2، ص 249.
(3) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 207.
(4) أبو داود، المراسيل، ص 146.
(5) النسائي، الضعفاء والمتروكين، ص 97، وابن عدي الكامل، ج 6، ص 396، والعقيلي،
الضعفاء، ج 4، ص 219، والذهبي، ميزان الاعتدال، ج 6، ص 444.
(6) الدارقطني، السنن، ج 2، ص 248.
(7) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 390. (3/312)
صفحة 1076
الرائد
313
وقال مرة: عن معاوية بن قرة عن شيخ من الأنصار أنه حدثه أن رجلا، وقال مرة: عن معاوية بن قرة عن شيخ من أهل هجر عن علي بن أبي طالب عن النبي، ومثل هذا لا تقوم به حجة).
ومذهب الإمام علي بن أبي طالب في القضية بينته رواية هشيم عن منصور عن الحسن عن علي فيمن أصاب بيض نعام قال: يضرب بقدرهن نوقا، قيل له: فإن أزلقت منهن ناقة؟ قال: فإن من البيض ما يكون مارقا.
كما جاء من حديث إبراهيم بن أبي يحيى عن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس عن عكرمة عن ابن عباس عن كعب بن عجرة له أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في بيض نعام أصابه محرم بقدر ثمنه.
(7)
والحديث أخرجه عبدالرزاق) والبيهقي وفي إسناده إبراهيم بن أبي
يحيى الأسلمي وقد رمي
بالكذب كما تقدم، وقد تفرد برواية هذا الحديث
(1) الدارقطني، السنن، ج 2، ص 248. (2) الدار قطني، السنن، ج 2، ص 248.
(3) الدارقطني، العلل، ج 4، ص 10. (4) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 208. (5) عبد الرزاق، المصنف، ج 4، ص 423. (6) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 208. (3/313)
صفحة 1077
الرائد
(314)
(1)
حسين بن عبدالله بن عبيد الله الذي روى عنه الأسلمي وحسين ضعيف".
كما جاء من حديث حفص عن ابن جريج عن عبد الله بن ذكوان أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن محرم أصاب بيض نعام؟ قال: فداء عليه في كل بيضة صيام يوم أو إطعام مسكين.
يصرح
والحديث أخرجه ابن أبي شيبة) وفيه ابن جريج مدلس التسوية ولم بالتحديث، وقد روى الحديث عن أبي الزناد عبدالله بن ذكوان وهو
ممن لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم فخبره مرسل.
كما روي الحكم السابق في بيض النعام عن جماعة من أصحاب رسول
الله وجماعة من أئمة التابعين).
وقال بعض أهل العلم لو حلب المحرم صيدا فعليه ما نقصه الحلب؛
(1) ابن طاهر، أطراف الغرائب والأفراد، ج 4، ص 270.
(2) البخاري، الضعفاء الصغير، ص 33، والنسائي، الضعفاء والمتروكين، ص 33، وابن عدي الكامل، ج 2، ص 349، وابن حبان، المجروحين ج 1، ص 242، والعقيلي،
الضعفاء، ج 1، ص 245.
(3) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 389.
(4) عبد الرزاق، المصنف، ج 4، ص 420، وابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 389،
والبيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 208. (3/314)
صفحة 1078
الرائد
(315
لأن اللبن جزء من أجزاء الصيد فإذا نقصه الحلب يضمن كما لو أتلف جزاً
من أجزائه كالصيد المملوك).
رابعا: أكل المحرم ما صاده الحلال
مضى بنا القول أن المحرم ممنوع من الاصطياد مطلقا، وأن ما اصطاده لا يعدو كونه ميتة لا يحل أكلها له ولا لغيره من المحرمين أو المحلين. ولكن اختلف أهل العلم فيما إذا اصطاد من يحل له الاصطياد وهو
الحلال غير المحرم وأعطى المحرم شيئا منه أيحل له أن يأكل أو لا؟
ذهب جماعة إلى أن لحم الصيد محرم مطلقا على المحرم صيد من أجله أو لغيره، وقالوا إن الذي دعانا إلى هذا القول هو ظواهر كثير من الأدلة منها قوله تعالى: وَحُرْمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِ مَا دُمْتُمْ حُرُما.
فحكم التحريم هنا عام لم يفصل فيه طريقة الاصطياد كانت من قبل المحرم أو من قبل غيره، صيد من أجله أو لغيره، شارك المحرم أو لو
(1) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 203.
(2) الشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 376، والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 102، والسالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 260، وابن أبي شيبة، المصنف، ج 3،
ص 307، وابن عبد البر، التمهيد، ج 21، ص 153. (3/315)
صفحة 1079
الرائد
316
يشارك فمطلق الاصطياد محرم على من كان محرما.
ثم إن النبي لما امتنع عن أكل حمار الوحش الذي جاء به الصعب بن
جثامة ما علل الأمر إلا بالإحرام مما يعني أن علة المنع من أكل لحم الصيد
هي
مطلق الإحرام وذلك بين في حديث:
مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن بالأبواء
الصعب بن جثامة الليثي أنه أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا وهو أو بودان فرده عليه رسول الله، قال: فلما أن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما في وجهي قال: إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم.
ومثل هذا التعليل جاء من حديث يحيى بن سعيد عن ابن جريج قال: أخبرني الحسن بن مسلم عن طاوس عن ابن عباس قال: قدم زيد بن أرقم فقال له عبد الله بن عباس يستذكره:
كيف أخبرتني عن لحم صيد أهدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حرام؟ قال: قال: أهدي له عضو من لحم صيد فرده فقال: إنا لا نأكله إنا حرم. ومما يفيد الأمر السابق أيضا حديث ابن عباس عن البراء بن عازب أن
(1) أخرجه بهذا اللفظ مسلم في كتاب الحج، باب تحريم الصيد للمحرم (1193). (3/316)
صفحة 1080
الرائد
(317)
النبي
نزل ظهر مر فأهدي عضو صيد فرده على الرسول وقال له: اقرأ
عليه السلام وقل لولا أنا حرم ما رددناه عليك.
وممكن أن يستدل بعض هؤلاء بحديث عبدالرزاق عن الثوري عن
قيس بن مسلم عن الحسن بن محمد بن علي عن عائشة قالت: أهدي لرسول
الله وشيقة ظبي وهو محرم فلم يأكله.
وذهب جماعة إلى التفصيل فقالوا إن صاد المحل الصيد للمحرم لم يحل له أكله وإن لم يصد له حل له أكله، وترجم في مسند الإمام الربيع للباب
بقوله: ما جاء في أكل المحرم لحم الصيد إذا لم يصد من أجله).
ولا أدري أهذا من تبويب الإمام أبي يعقوب الوارجلاني - مرتب
المسند أو من كلام الإمام الربيع - صاحب المسند.
وقد استدل أرباب هذا القول لتفصيلهم هذا بحديث جابر بن عبدالله
(1) عبد الرزاق، المصنف، ج 4، ص 427.
(2) ابن عبد البر، التمهيد، ج 21، ص 154، والغزالي، الوسيط، ج 2، ص 696، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 145، وابن عبد الهادي تنقيح تحقيق أحاديث التعليق، ج 2، ص 445، وابن القيم، الحاشية على سنن أبي داود، ج 5، ص 215، والعبدري، التاج والإكليل، ج 3، ص 177، وابن العربي، عارضة الأحوذي، ج 2، ص 283.
(3) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 262. (3/317)
صفحة 1081
الرائد
(318)
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: صيد البر لكم حلال وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يصد بصد لكم.
(1)
وقد جاء هذا الحديث من طريق ابن عمر.
قالوا وبهذا التفصيل يزول التعارض بين الروايات التي فيها أكل النبي من الصيد وبين الروايات التي فيها الامتناع وإزالة التعارض والجمع بين الأدلة أمر فيه مكمن الخير.
واختلف هؤلاء فيما إذا صاده لمحرم بعينه أيجوز لغيره من المحرمين أن
يأكله"، فقيل بالجواز أخذا من حديث
مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: رأيت عثمان بن عفان له بالعرج في يوم صائف وهو محرم وقد غطى وجهه بقطيفة أرجوان ثم أتي بلحم صيد فقال لأصحابه:
كلوا قالوا ألا تأكل أنت؟ قال: إني لست كهيئتكم إنما صيد من
أجلي".
وقد جاء من حديث معمر عن الزهري عن عروة عن يحيى بن عبد
(1) سيأتى تخريجه عند ذكر الاعتراضات الموجهة على هذا القول.
(2) ابن عبد البر، التمهيد، ج 21، ص 145، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 146. (3) مالك بن أنس، الموطأ، ج 1، ص 354. (3/318)
صفحة 1082
الرائد
(319)
الرحمن بن حاطب عن أبيه أنه اعتمر مع عثمان الله في ركب فأهدي له طائر فأمرهم بأكله وأبى أن يأكل فقال له عمرو بن العاص: أنأكل مما لست منه
آکلا؟
فقال: إني لست في ذاكم مثلكم، إنما اصطيد لي وأميت باسمي) ا وقيل بالمنع أخذا من ظاهر حديث محمد بن كثير ثنا سليمان بن كثير عن حميد الطويل عن إسحاق بن عبد الله بن الحرث عن أبيه - وكان الحرث خليفة عثمان على الطائف - فصنع لعثمان طعاما فيه من الحجل واليعاقيب ولحم الوحش.
قال: فبعث إلى علي بن أبي طالب فجاءه الرسول وهو يخبط لأباعر له
6
فجاءه وهو ينفض الخبط عن يده فقالوا له: كل فقال: أطعموه قوما حلالا؛ فإنا حرم فقال عليه أنشد الله من كان ها هنا من أشجع أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدى إليه رجل حمار وحش وهو محرم فأبى أن يأكله؟ قالوا:
نعم".
ومن الممكن أن يستدل لهذا الرأي وإن لم أجد من صرح بذلك حديث
(1) عبدالرزاق، المصنف، ج 4، ص 433.
(2) سيأتي تخريجه وهو ضعيف. (3/319)
صفحة 1083
الرائد
(320)
معمر عن يحيى أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية فأحرم أصحابي ولم أحرم فرأيت حمارا فحملت عليه فاصطدته فذكرت شأنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرت أني لم أكن أحرمت وأني إنما اصطدته لك فأمر النبي الا الله أصحابه فأكلوا ولم يأكل منه حين أخبرته أني
أصطدته له.
واختلف هؤلاء في المحرم يأكل ما صاده له الحلال أعليه الجزاء، فقيل عليه الجزاء فيضمنه بمثله من اللحم؛ لأنه إتلاف ممنوع منه لحرمة الإحرام
فتعلق به الضمان.
وقيل ليس عليه جزاء لأنه أكل للصيد فلم يجب به الجزاء كما لو قتله ثم أكله، وذهب آخرون إلى إباحة أكل المحرم الصيد مطلقا إن كان الذي
صاده حلالا يباح اصطياده.
قال الإمام السالمي: والاحتياط ترك أكله من غير تحريم".
(1) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 146.
(2) اللكنوي، التعليق الممجد، ج 2، ص 336، والجصاص، أحكام القرآن، ج 4، ص 147،
والعثماني، إعلاء السنن، ج 7، ص 2987.
(3) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 260. (3/320)
صفحة 1084
الرائد
(321)
النبي
وقالوا إن دليلنا الذي يستند عليه ما ذهبنا إليه الأحاديث التي فيها أن أكل الصيد ومن ذلك حديث يحيى بن سعيد عن ابن جريج أخبرني
محمد بن المنكدر عن معاذ بن عبد الرحمن بن عثمان التيمي عن أبيه قال: كنا مع طلحة بن عبيد الله ونحن حرم فأهدي له طير وطلحة راقد فمنا
من أكل ومنا من تورع فلما استيقظ طلحة وفق من أكله وقال: أكلناه مع
رسول الله.
ومن
أدلة ذلك أيضا حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد قال: قال ابن عباس: خرج رسول الله يريد مكة وهو محرم حتى إذا بلغ الروحاء إذا هو بحمار وحش عقير فذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: دعوه يوشك أن يأتيه صاحبه، وأتى البهزي وهو صاحبه فقال:
يا رسول الله، شأنكم بهذا الحمار فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر فقسمه بين الرفاق ثم مضى حتى إذا كان بالأثاية بين الرويثة والعرج وهي مواضع فإذا بظبي حاقف في ظل وفيه سهم فأمر رسول الله رجلا أن يقف عليه ولا
(1) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب تحريم الصيد للمحرم (1197). (3/321)
صفحة 1085
الرائد
322
يريبه أحد حتى يجاوزه".
والحديث بالإسناد السابق في أعالي درجات الصحة، وقد جاء بأسانيد أخر منها حديث مالك عن يحيى بن سعيد الأنصاري أنه قال: أخبرني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن عيسى بن طلحة بن عبيد الله عن عمير بن سلمة الضمري عن البهزي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يريد مكة وهو محرم حتى
إذا كان بالروحاء إذا حمار وحشي عقير فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: دعوه؛ فإنه يوشك أن يأتي، صاحبه، فجاء البهزي وهو صاحبه إلى النبي فقال: يا رسول الله، شأنكم بهذا الحمار.
فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر فقسمه بين الرفاق ثم مضى حتى إذا كان بالأثابة بين الرويثة والعرج إذا ظبي حاقف في ظل فيه سهم فزعم أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم أمر رجلا أن يقف عنده لا يريبه أحد من الناس حتى يجاوزه".
و مما يدل على الحكم السابق أيضا حديث مالك عن ابن شهاب عن سالم
(1) أخرجه الإمام الربيع في كتاب الحج، باب في الصيد للمحرم (1437)، وقال إثره مبينا: العقير والمعقور والحاقف في ظل المحتقف هو المتعقب في موضع المفازة، وقوله "لا
يريبه" أي لا يمسه بسوء.
(2) مالك بن أنس، الموطأ، ج 1، ص 351. (3/322)
صفحة 1086
الرائد
بن عبد الله أنه سمع أبا هريرة يحدث عبد الله بن عمر أنه مر به قوم محرمون بالربذة فاستفتوه في لحم صيد وجدوا ناسا أحلت يأكلونه فأفتاهم بأكله.
قال: ثم قدمت المدينة على عمر بن الخطاب فسألته عن ذلك فقال:
بم
أفتيتهم؟ قال: فقلت: أفتيتهم بأكله، قال: فقال عمر: لو أفتيتهم بغير ذلك
لأوجعتك.
وعند إجالة النظر في الأقوال السابقة يظهر أن القول بالمنع الإطلاقي فيه نظر إذ إن الأحاديث الصحيحة التي فيها أكل النبي صلى الله عليه وسلم من الصيد أو إقراره أصحابه على الأكل من الكثرة بمكان بل لم يرد الامتناع عن الأكل إلا من
واقعة واحدة وهي حادثة حمار الصعب بن جَثَّامة.
ولا يمكن أن تلغى تلك الأدلة إذ هي في أعلى مراتب الصحة وقد اتفق على صحتها، ولا يمكن أن يصار إلى النسخ إذ إنه لا يثبت بالاحتمال بل لا بد
من دليل يدل عليه وممكن معارضة الدعوى بالدعوى.
أما استدلال المانعين بظاهر قوله تعالى وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِ مَا دُمْتُمْ
قلے
حُرُما ل ففيه نظر من حيث إن لفظة الصيد في الآية مما يحتمل الفعل الذي هو الاصطياد بل هو الأقرب أخذا من أمرين:
(1) مالك بن أنس، الموطأ، ج 1، ص 352. (3/323)
صفحة 1087
الرائد
324
أولهما: قوله تعالى: يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ،
فالآية ناهية عن القتل الذي هو الاصطياد وخير ما فسر القرآن القرآن. ثانيهما: قوله تعالى: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَيْبِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا أَهْدْيَ وَلَا الْقَلَبِدَ وَلَا وَآمِينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَأَصْطَادُوا
وفي هذه الآية الدليل بين أن المنهي عنه في الدليل السابق هو الاصطياد لا أكل نفس الصيد فقد جعلت الإحلال علة جواز الاصطياد ولم تتعرض
للأكل.
ومن الممكن أن يراد به نفس المصيد فيكون من باب إقامة المصدر مقام
المفعول).
وعلى الأول لا دليل يستمسك به في الآية إذ حرمة قتل الصيد من قبل
المحرم أمر أجمعت الأمة عليه كما تقدم ذلك.
وعلى الاحتمال الثاني يدل الحكم بعمومه على المنع إن لم يصح له مخصص
(1) سورة المائدة، جزء من الآية (2).
(2) القطب شرح كتاب النيل، ج 4، ص 102، وابن عبد البر، التمهيد، ج 9، ص 60، والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 6، ص 321. (3/324)
صفحة 1088
الرائد
325
ونحن نقول إن المخصص موجود وهي الأدلة التي في فيها أكله وإقراره غيره على الأكل فيكون التأويل على هذا الرأي حرم عليكم صيد البر الذي قتلتموه ما دمتم حرما.
ولك أن تقول إن الاحتمال السابق القائم على تردد العبارة بين الاصطياد والمصيد يسقط به الاستدلال ويوجب الانتقال إلى غيره الذي يزيل الإشكال.
قلے
ومن الطريف أن نقول إن قوله تعالى وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِ مَا دُمْتُمْ حُرُما [قد استدل به القائلون بالإباحة بإطلاق ووجهوا الصيد هنا إلى الاصطياد الذي هو الفعل، وقالوا إن الشرع قد حرم الاصطياد ولم يتعرض للصيد فيبقى على أصل الإباحة.
بذلك
وقالوا إن اللحم غير مسمى باسم الصيد بعد الذبح فإن سمي فإنما يسمى به على أنه كان صيدا، فأما اسم الصيد فليس يجوز أن يقع على
اللحم حقيقة بل هو مجاز فيقدم عليه المعنى الحقيقي للكلمة وهو الاصطياد. ويدل على أن لفظ الآية لم ينتظم اللحم أنه غير محظور عليه التصرف في اللحم بالإتلاف والشرى والبيع وسائر وجوه التصرف سوى الأكل عند القائلين بتحريم أكله ولو كان عموم الآية قد اشتمل عليه لما جاز له التصرف (3/325)
صفحة 1089
الرائد
326
فيه بغير الأكل كهو إذا كان حيا ولكان على متلفه إذا كان محرما ضمانه كما
يلزم ضمان إتلاف الصيد الحي)
وأما استدلالهم بحديث ابن عباس عن البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلمنزل
ظهر مر فأهدي عضو صيد فرده على الرسول وقال له: اقرأ عليه السلام وقل لولا أنا حرم ما رددناه عليك.
(3)
فضعيف إذ الحديث أخرجه الطبراني في الأوسط والصغير من حديث أحمد بن الحسين بن هارون بن سليمان بن إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان قال: نا إبراهيم بن راشد الآدمي قال نا داود بن مهران الدباغ قال: نا حماد بن شعيب الحماني عن أبي الزبير عن طاوس عن ابن عباس، وقال
إثره:
لم يروه عن أبي الزبير إلا حماد بن شعيب تفرد به ابن الدباغ.
وحماد بن شعيب ضعيف ليس بحجة في الرواية، فقد ضعفه ابن معين
وغيره وقال يحيى مرة: لا يكتب حديثه، وقال البخاري: فيه نظر، وقال
(1) الجصاص، أحكام القرآن، ج 4، ص 147. (2) الطبراني، المعجم الأوسط، ج 2، ص 362. (3) الطبراني، المعجم الصغير، ج 1، ص 95. (3/326)
صفحة 1090
الرائد
327
النسائي: ضعيف، وقال ابن عدي: أكثر حديثه مما لا يتابع عليه.
أما استدلالهم بحديث امتناعه عن أكل وشيقة الظبي كما جاء في حديث
عائشة فليس بحجة؛ إذ الامتناع غير معلل بالإحرام وممكن الامتناع لغير
الإحرام.
(0)
أما القول بالتفصيل فمشكل من حيث دليله الذي استند عليه، إذ إن الحديث الأول أخرجه أحمد، والنسائي)، وأبو داود والترمذي من طرق عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب عن المطلب عن جابر مرفوعا، لكن أعل بأمرين:
أولهما بينه الترمذي بقوله عقب إخراجه: حديث جابر حديث مفسر،
والمطلب لا نعرف له سماعا عن جابر.
وقال الحافظ ابن عبدالهادي: قال ابن أبي حاتم: المطلب عامة أحاديثه
(1) العقيلي، الضعفاء، ج 1، ص 311، وابن حبان، المجروحين، ج 1، ص 251، والذهبي،
ميزان الاعتدال، ج 2، ص 366.
(2) أحمد بن حنبل، المسند، ج 3، ص 361.
(3) كتاب مناسك الحج، باب: إذا أشار المحرم إلى الصيد فقتله الحلال (2827).
(4) کتاب المناسك، باب: لحم الصيد للمحرم (1851).
(5) کتاب الحج، باب ما جاء في أكل الصيد للمحرم (846). (3/327)
صفحة 1091
الرائد
مراسيل لم يدرك أحدا من الصحابة إلا سهل بن سعد وسلمة بن الأكوع
وأنسا أو من كان قريبا منهم، لم يسمع من جابر".
وثانيهما: بينه الحافظ أبو عبدالرحمن النسائي بقوله بعد إخراجه: عمرو
بن أبي عمرو ليس بالقوي في الحديث وإن كان قد روى عنه مالك. وقد اختلف فيه على المطلب بن أبي المطلب فقد رواه عن أبي موسى
الأشعري كما أخرجه الطحاوي".
أما حديث ابن عمر فرواه الحافظ ابن عدي) من حديث صالح بن أحمد بن يونس ثنا الحسين بن أبي زيد الدباغ ثنا عثمان بن خالد العثماني ثنا مالك عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصيد يأكله المحرم ما لم يصده أو يصد له.
ولكنه ضعيف إذ فيه عثمان بن خالد
وهو ضعيف الرواية كما أوضح
ذلك الحافظ ابن عدي في ترجمته آنفة الذكر.
أما حديث معمر عن يحيى أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه
(1) ابن عبد الهادي تنقيح تحقيق أحاديث التعليق، ج 2، ص 446.
(2) الطحاوي، شرح معاني الآثار، ج 2، ص 171.
(3) ابن عدي، الكامل، ج 5، ص 175. (3/328)
صفحة 1092
الرائد
329
قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية فأحرم أصحابي ولم أحرم فرأيت حمارا فحملت عليه فاصطدته فذكرت شأنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرت أني لم أكن أحرمت وأني إنما اصطدته لك فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فأكلوا ولم يأكل منه حين أخبرته أني أصطدته له.
فأخرجه ابن ماجه) وابن خزيمة) والبيهقي " ولكنه شاذ لا يقبل إذ انفرد بزيادة " وأني إنما اصطدته لك فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فأكلوا ولم يأكل منه حين أخبرته أني أصطدته له" وهي موطن الشاهد- معمر دون غيره من الكثرة الكاثرة من الثقات كما أفاد ذلك ابن خزيمة والبيهقي بعد إخراج
الحديث.
ثم إن هذه الزيادة تخالف الروايات الأقوى المتفق عليها فالروايات الصحيحة مثبتة أن جماعة من أصحابه أكلوا وتحرج آخرون، وهذا يعارض
هذه.
ثم إن أكل جماعة منهم دال على أنه لم يكن يريد النبي صلى الله عليه وسلم بذلك الصيد
(1) كتاب المناسك، باب الرخصة في ذلك إذا لم يصد له (3093).
(2) ابن خزيمة، صحيح ابن خزيمة، ج 4، ص 180.
(3) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 190. (3/329)
صفحة 1093
الرائد
330
وإلا كان أخره إلى أن يقدم عليه، وسؤالهم النبي صلى الله عليه وسلم كان عن حكم أكله مما
يدل أنه لم يكن النبي مقصودا بذلك الأكل.
وقال البيهقي بعد إخراجه
هذه لفظة غريبة لم نكتبها إلا من هذا الوجه وقد روينا عن أبي حازم بن دينار عن عبد الله بن أبي قتادة في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل منها. وتلك الرواية أودعها صاحبا الصحيح كتابيهما دون رواية معمر وإن
كان الإسنادان صحيحين، والله أعلم.
وقال الحافظ ابن عبدالهادي:
وهذا الحديث رواه ابن ماجه وفيه فذكرت أني لم أكن أحرمت، والظاهر أن هذا الذي تفرد به معمر غلط؛ فإن في الصحيحين أن النبي أكل
منه.
وفي لفظ لأحمد قال: أطعمونا، وفي لفظ له: هل العضد شويتها وأنضجتها وطيبتها؟ قال: فهاتها، قال: فجئته بها فنهشها رسول الله حتى فرغ
(1) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 190. (3/330)
صفحة 1094
الرائد
331
منها).
الصعب
ومن هذا يتبين أن الحديث ضعيف لا تقوم بمثله حجة، ومن جدا أن يحمل هذا التفصيل على حديث الصعب بن جَنَّامة فيقال إن النبي صلى الله عليه وسلم قد امتنع عن أخذه لاحتمال أن يكون الصعب قد صاده للنبي. وهذا الاحتمال ضعيف جدا على ما يظهر إذ هو مبني على صحة حديث جابر الذي فيه التفصيل وقد تبين أنه ضعيف ليس بحجة لذا ما كان هذا الاحتمال إلا تفسيرا للحديث بالرأي، وهذا لا يصح بل تطوع الآراء على ما تدل عليه الأدلة مجتمعة.
بعد ذكر الإيرادات السابقة على الرأي المانع بإطلاق والرأي المفصل يتبين أن الرأي المبيح بإطلاق لأن يأكل المحرم صيد الحلال هو الأقرب للصواب وذلك لأن الأدلة القرآنية لا يستفاد منها المنع على ما مضى ذكره، بل فيها نهي المحرم عن قتل الصيد وليس فيها نهي عن أكل لحم الصيد الذي صاده المحل إذ صيد المحل وذكاته حلال باتفاق على غير المحرم ولم يأت دليل يمنع منها فتبقى على أصل الإباحة.
ثم إنه بالنظر إلى أول الآيات يتبين أن الابتلاء وارد من الله تعالى في القتل
(1) ابن عبد الهادي تنقيح تحقيق أحاديث التعليق، ج 2، ص 447. (3/331)
صفحة 1095
الرائد
332
نفسه لا الأكل كما هو نص قوله تعالى: يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَا حُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن تَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَالِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ.
وهذا الابتلاء بسبب نيل الصيد بالأيدي والرماح غير متصور في أكل اللحم المصيد ممن يحق له الصيد شرعا، ثم إنه لا اعتداء حينها، وبينت الآية التالية لهذه أن الممنوع هو القتل وهو الذي يؤكد الحكمة السابقة ويحققها حينما قال تعالى: يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ.
0
ذلكم هو منطوق الأدلة من الكتاب العزيز، أما أدلة السنة فقد جاء فيها إباحة أكل صيد المحل للمحرم كما هو نص حديث أبي قتادة وغيره وهذا القسم لا معارضة بينه والأحكام المستفادة من الكتاب العزيز فيبقى على أصل الإباحة في أكل لحم صيد الحلال.
والقسم الثاني حادثة هدية الصعب بن جثامة للنبي صلى الله عليه وسلم وقد جاءت حكايتها من طرق أشهرها وأقواها طريق ابن عباس فقد أخرجها الربيع
وغيره كما تقدم، وقد جاءت على وجهين:
أولهما: أن الهدية كانت حمارا، وحشيا، وثانيهما أن الهدية كانت جزءا من
(1) سورة المائدة، الآية (94). (3/332)
صفحة 1096
الرائد
333
الحمار اختلف الرواة في تعيينه فروي من لحم حمار وحش، وروي: رجل حمار
وحشي، وروي: عجز حمار وحشي يقطر دما، وروي لحم حمار وحشي والصحيح من ألفاظه أنه أهدي إلى النبي الحمار وحش وامتنع النبي صلى الله عليه وسلم عن قبوله وليس في هذا دليل على المنع من الذي صاده حلال إذ إنه لن يصل النبي إلى الانتفاع به إلا بعد قتله والمحرم ممنوع من قتله اتفاقا.
وليس فيه أكل لحم صيد حتى يؤخذ بمطلق النهى (2)، أما حمله على أن
النبي عرف أنه قصده بذلك الصيد لذا امتنع فامر لا دليل عليه كما تقدم. كما أن حكاية أن المهدى كان حمار وحش جاءت من حديث محمد بن كثير ثنا سليمان بن كثير عن حميد الطويل عن إسحاق بن عبد الله بن الحرث عن أبيه - وكان الحرث خليفة عثمان على الطائف - فصنع لعثمان طعاما فيه من الحجل واليعاقيب ولحم الوحش.
قال: فبعث إلى علي بن أبي طالب فجاءه الرسول وهو يخبط لأباعر له فجاءه وهو ينفض الخبط عن يده فقالوا له: كل، فقال: أطعموه قوما حلالا؛
فإنا حرم.
(1) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب تحريم الصيد للمحرم (1193).
(2) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 261، وابن العربي، القبس، ج 2، ص 566. (3/333)
صفحة 1097
الرائد
334
فقال عليه أنشد الله من كان ها هنا من أشجع أتعلمون أن رسول الله
أهدى إليه رجل حمار وحش وهو محرم فأبى أن يأكله قالوا نعم.
والحديث أخرجه أبو داود) ولكن في إسناده شيخ أبي داود محمد بن كثير وهو للضعف أقرب إذ قال ابن معين: لم يكن بثقة، وقال: كان في حديثه ألفاظ، لم يكن لسائل أن يكتب عنه، وقال ابن قانع: ضعيف.
وقد روى محمد بن كثير هذا الحديث عن أخيه سليمان بن كثير وهو ضعيف أيضا إذ قال ابن معين ضعيف، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، وقال ابن حبان كان يخطئ كثيرا، فأما روايته عن الزهري فقد اختلطت عليه صحيفته فلا يحتج بشيء ينفرد به عن الثقات.
وقد رواه عن الإمام علي ابن ماجه بلفظ أخصر منه من حديث عثمان ن أبي شيبة ثنا عمران بن محمد بن أبي ليلى عن أبيه عن عبد الكريم عن عبد الله بن الحارث عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب قال: أتي النبي صلى الله عليه وسلم بلحم
(1) کتاب المناسك، باب: لحم الصيد للمحرم (1849).
(2) المزي، تهذيب الكمال، ج 26، ص 334، وابن حجر، تهذيب التهذيب، ج 9، ص 371. (3) ابن أبي حاتم الجرح والتعديل، ج 4، ص 138، وابن عدي، الكامل، ج 3، ص 288. (4) كتاب المناسك باب ما ينهى عنه المحرم من الصيد (3091). (3/334)
صفحة 1098
الرائد
صيد وهو محرم فلم يأكله.
ولكنه لا يصح ففيه عبد الكريم بن أبي المخارق قال ابن معين وأحمد: ضعيف، وقال النسائي والدارقطني: متروك، وقال ابن حبان: كان كثير الوهم فاحش الخطأ فلما كثر ذلك منه بطل الاحتجاج به، وقال ابن عبدالبر: مجمع على ضعفه.
ثم إن الراوي عنه هو محمد بن أبي ليلى الفقيه وقد تقدم من قبل أنه ضعيف غير مقبول الرواية، والراوي عنه ابنه عمران لم أجد ان لم أجد من شأن توثيقه شيئا غير أن ابن حبان قد أورده في الثقات، لذا قال الحافظ ابن حجر:
(3)
مقبول أي عند المتابعة ولم يتابعه أحد فترد روايته.
والاحتجاج بمن انفرد ابن حبان بتوثيقه أمر في غاية الإشكال كما حرر ذلك شيخنا إمام السنة والأصول العلامة القنوبي -حفظه الله).
(1) ابن عدي الكامل، ج 5، ص 338، والعقيلي، الضعفاء، ج 3، ص 62، والمزي، تهذيب
الكمال، ج 18، ص 52.
(2) ابن حبان، الثقات، ج 8، ص 496.
(3) ابن حجر، تقريب التهذيب، ص 430. (4) شيخنا القنوبي، الرأي المعتبر، ص 36. (3/335)
صفحة 1099
الرائد
336
أما ما جاء من الروايات مصرحا بأن ذلك كان من لحم حمار وحش، وفي رواية عجز حمار وحش يقطر دما، وفي رواية شق حمار وحش، وفي رواية عضوا من لحم صيد لحما أو عجزا أو نحو ذلك، فلا يثبت، قال البيهقي مبينا أن الصحيح رواية أن الإهداء كان حمارا وحشيا:
وبهذا المعنى رواه شعيب بن أبي حمزة وصالح بن كيسان والليث بن سعد ومعمر بن راشد وابن أبي ذئب ومحمد بن إسحاق بن يسار ومحمد بن عمرو بن علقمة عن الزهري أنه أهدى له حماراً وحشياً.
وكان ابن عيينة يضطرب فيه فرواية العدد الذين لم يشكوا فيه أولى، واختلف فيه على حبيب بن أبي ثابت والحكم بن عتيبة عن سعيد بن جبير
عن ابن عباس والمحفوظ عن حبيب حمار وحش وعن الحكم عجز حمار،
وقيل عن حبيب كما قال الحكم
وقال في "السنن الكبرى":
(2)
رواه مسلم في الصحيح عن يحيى بن يحيى وأخرجه أيضا من حديث
صالح بن كيسان ومعمر بن راشد عن الزهري بمعناه.
(1) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 261.
(2) البيهقي، معرفة السنن والآثار، ج 4، ص 196. (3/336)
صفحة 1100
الرائد
337
بن
وكذلك رواه ابن أبي ذئب ومحمد بن إسحاق بن يسار ومحمد بن عمرو
علقمة وغيرهم عن الزهري.
وخالفهم ابن عيينة فرواه كما أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن القاضي أنا حاجب بن أحمد ثنا عبد الرحيم بن منيب ثنا سفيان عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس أخبره الصعب بن جثامة أنه أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم لحم حمار وحش فرده فرأى الكراهية في وجهه فقال: ليس بنا رد عليك ولكنا حرم.
رواه مسلم في الصحيح عن يحيى بن يحيى وأبي بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد عن سفيان وقال في الحديث أهديت له من لحم حمار وحش، ورواه
الحميدي عن سفيان على الصحة كما رواه سائر الناس عن الزهري.
وسفيان
مع مخالفته للكثرة اضطرب في روايته قال الحميدي: وكان
سفيان ربما جمعها مرة في حديث، واحد، وربما، فرقهما، وكان سفيان يقول
حمار وحش ثم صار إلى لحم حمار وحش".
وقد أشار الإمام البخاري إلى ذلك عندما أخرج الحديث بلفظ الحمار وترجم للباب بقوله باب إذا أهدى للمحرم حمارا وحشيا حيا لم يقبل، قال
(1) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 192.
(2) الحميدي، المسند، ج 2، ص 344. (3/337)
صفحة 1101
الرائد
الحافظ ابن حجر معلقا:
338
كذا قيده في الترجمة بكونه حيا وفيه إشارة إلى أن الرواية التي تدل على
أنه كان مذبوحا موهمة).
كما اختار ذلك الحافظ البيهقي وترجم للباب بقوله: باب المحرم لا يقبل ما يهدى له من الصيد حيا).
وقد بين الحافظ أبو القاسم الطبراني في المعجم الكبير وجه ترجيح المهدى كان حمارا وحشيا وليس جزءا منه (3).
أن
وقال الإمام الشافعي: حديث مالك أن الصعب أهدى للنبي حمارا أثبت من حديث من حدث أنه أهدى له من لحم حمار والله أعلم.
وقال ابن خزيمة في صحيحه بعد إخراج الرواية: وفي خبر ابن جريج
قلت لابن شهاب: الحمار عقير؟ قال: لا أدري.
قال أبو بكر (ابن خزيمة في مسألة ابن جريج الزهري وإجابته إياه
(1) ابن حجر، فتح الباري، ج 4، ص 31.
(2) البيهقي، السنن الکبري، ج 5، ص 191. (3) الطبراني، المعجم الكبير، ج 8، ص 83. (4) الشافعي، اختلاف الحديث، ص 544. (3/338)
صفحة 1102
الرائد
339
دلالة على أن من قال في خبر الصعب أهديت له لحم حمار أو رجل حمار واهم
فيه.
إذ الزهري قد أعلم أنه لا يدري الحمار كان عقيرا أم لا حين أهدي للنبي وكيف يروي أن النبي أهدى له لحم حمار أو رجل حمار وهو لا يدري
كان الحمار المهدى إلى النبي لا لا لا ل ع ع ميرا أم لا).
وقال الترمذي: وقد روى بعض أصحاب الزهري عن الزهري هذا
الحديث وقال: أهدي له لحم حمار وحش وهو غير محفوظ.
لذلك فروايات الجزء شاذة، والشاذ ضعيف فلا حجة فيها.
وذهب الحافظ الطحاوي إلى أن الحديث ليس بحجة؛ لأنه مضطرب).
أما قول النووي إن ذلك باطل إذ أخرج مسلم الرواية بالألفاظ السابقة
(1) ابن خزيمة، صحيح ابن خزيمة، ج 4، ص 177.
(2) ذكر ذلك بعد إخراجه للحديث كتاب الحج، باب ما جاء في كراهية لحم الصيد
للمحرم (849).
(3) الطحاوي، شرح معاني الآثار، ج 2، ص 170. وممن حكم بذلك الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 205. (3/339)
صفحة 1103
الرائد
340
(1)
وهو من هو فأمر من الضعف بمكان إذ إن مسلما مع علو كعبه في الرواية ونظافة صحيحه لا يعدو كونه بشرا لم تكتب له العصمة ولا الكمال، والدليل
قائم على أن الصحيح من الرواية هو حمار وحشي.
وما جاء مصرحا فيه ابن عباس أن الحمار كان مذبوحا فلا
يصح،
وقد
أخرجه أبو بكر الإسماعيلي في " معجم شيوخه "، والخطيب في "تاريخ
بغداد"، وفي الإسناد محمد بن عمر الواقدي وهو كذاب مشهور.
(4)
ثم إن حديث زيد بن أرقم أخرجه مسلم وفي إسناده ابن جريج وهو مدلس تدليس التسوية أقبح أنواع التدليس فمن يقبل روايته يقبلها بشرط التصريح بالتحديث في طبقات السند كلها ولم يكن التصريح في الطبقات كلها إذ إسناد مسلم هو يحيى بن سعيد عن ابن جريج قال: أخبرني الحسن بن
مسلم عن طاوس عن ابن عباس.
ولو قيل إن هذه الرواية محفوظة لكانت التقدمة لحديث ابن عباس الذي
(1) النووي، شرح صحيح مسلم، ج 8، ص 104.
(2) الإسماعيلي، معجم شيوخ أبي بكر الإسماعيلي، ج 2، ص 690.
(3) البغدادي، تاريخ بغداد، ج 9، ص 449.
(4) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب تحريم الصيد للمحرم (1195). (3/340)
صفحة 1104
الرائد
فيه لفظ الحمار أولى إذ إن ابن عباس روى لفظ الحمار عن الصعب بن جثامة نفسه بقوله سمعت الصعب)، وفي هذه الرواية كانت الحكاية من زيد بن أرقم ومن غير شك أن رواية صاحب الواقعة مقدمة على رواية غيره الذي لا يقطع في شأنه أشهدها أو حكيت له.
وحمل بعضهم اختلاف ألفاظ الرواية على تعدد وقوعها، أو أنه أتاه أولا بالحمار كله فرده ثم أتاه بجزء منه، ولكن هذا الاحتمال ضعيف إذ لا دليل يسنده فضلا أن الرواية جاءت بلفظ الجزء ولفظ الحمار عن ابن عباس من
مخرج واحد وإنما انفرد بعضهم بذلك اللفظ، ولا دليل يدل على الأمر من ألفاظ كل الروايات.
وإن قيل بتعدد الواقعة فيحمل عليها حديث أبي الحسين بن الفضل القطان ببغداد أنا عبد الله بن جعفر بن درستويه ثنا يعقوب بن سفيان حدثني أبو سعيد يحيى بن سليمان الجعفي حدثني ابن وهب أخبرني يحيى بن أيوب عن يحيى بن سعيد عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري عن أبيه أن الصعب بن جثامة أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم عجز حمار وحش وهو بالجحفة فأكل منه وأكل
(1) أخرجه البخاري في كتاب الهبة، باب: من لم يقبل الهدية لعلة (6952).
(2) السالمي، طلعة الشمس، ج 2، ص 204. (3/341)
صفحة 1105
الرائد
342
القوم.
والحديث أخرجه البيهقي وقال عقبه وهذا إسناد صحيح، فإن كان
محفوظا فكأنه رد الحي وقبل اللحم والله أعلم.
وحسنه الحافظ ابن حجر في الفتح"
وذلك أن هذه القصة في الجحفة وممكن تعددها على ذلك إذ مكان الأولى غير هذه وإن كان قريبا منه، وقد جاء أن الإهداء كان ببطن التنعيم كما رواه الحافظ ابن عدي).
ولكن ذلك منكر لا يصح إذ في الإسناد محمد بن ثابت العبدي، قال ابن
حبان: كان يرفع المراسيل ويسند الموقوفات توهما من سوء حفظه فلما فحش
ذلك منه بطل الاحتجاج به.
?
وجه الاستدلال من هذه الرواية ظاهر؛ إذ الصايد محل فأكل النبي صلى الله عليه وسلم
(1) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 193.
193
(2) ابن حجر، فتح الباري، ج 4، ص 32.
(3) ابن عدي الكامل، ج 6، ص 135.
(4) ابن حبان، المجروحين، ج 2، ص 251، وابن عدي الكامل، ج 6، ص 135، والعقيلي،
الضعفاء، ج 4، ص 38. (3/342)
صفحة 1106
الرائد
(343)
اللحم لكونا حلالا، ورد الحمار الحي لكونه لا ينتفع به إلا بقتله محرمون، وبمثل هذا تتفق الروايات والظاهر من الكتاب العزيز.
وهم
أما الاستدلال بحديث عائشة أن النبي ورد وشيقة ظبي أهديت له وهو محرم فالحديث أخرجه الحافظ عبدالرزاق) وظاهر إسناده الصحة ولكن يشكل عليه أنه مجمل في ذكر سبب الرد إذ لم تبين السيدة عائشة أن الرد كان بسبب الإحرام وجائز أن يكون بسبب آخر.
ومما يدلك على الجواز الإطلاقي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله أصحاب أبي قتادة عن الواقعة ما سأل أبا قتادة عن نيته أكان ينوي بذلك الصيد نفسه وحدها رفقته مما يدل أن فعل أبي قتادة المحل ليس له مدخل في الحكم جوازا
مع
وحرمة إذ قد أتى مباحا من الأمر ولكن كان الالتفات الذي أراد النبي صلى الله عليه وسلم به الانتباه إلى مناط الحكم سؤالهم ألهم اشتراك ومعونة فيكونوا
أن يسترعي بإعانتهم في حكم القاتلين الصيد فيحرم عليهم، أو لا فيكونوا على أصل الإباحة كما هو الحال في حديث أينقص الرطب إذا جف"، وحديث
"أرأيت لو كان على أبيك دين".
(1) عبد الرزاق، المصنف، ج 4، ص 427.
(2) الطحاوي، شرح معاني الآثار، ج 2، ص 168. (3/343)
صفحة 1107
الرائد
(344)
ثم بعد تبين أنه لا دخل لهم في الإعانة على القتل جاء تقريرهم على جواز الأكل مصرحا به كما في قوله لهم "إنما هي طعمة أطعمكموها الله " وقوله "هل معكم من لحمه شيء" حتى يزول كل ما في نفوسهم، بل جاء في رواية عند البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلمأكل من الصيد.
وعدم استفصال أبي قتادة عن نيته تنطبق عليه القاعدة المشهورة ترك
الاستفصال في وقائع الأحوال ينزل منزلة العموم في المقال.
على أنه من البعيد جدا أن يسعى أبو قتادة للاصطياد وينوي أن لا يعطي رفقته منها شيئا بل ينفرد بما اصطاد إن أخلاقهم التي طبعوا عليها منذ عهد الجاهلية لتأبى عليهم إلا تقديم الصاحب في السفر وغيره على النفس، فكيف والقوم مسلمون تليت عليهم أخلاق الإسلام التي فيها بر الصاحب في السفر وإيثاره على النفس إن ذلك لمن البعيد حقا.
على أن في بعض ألفاظ الرواية ما يدل على أنه قصدهم بالاصطياد
وذلك حينما قال " وأحبوني لو أني أبصرته (3) " (2).
(1) السالمي، معارج الآمال، ج 18، ص 110، والسمعاني، قواطع الأدلة، ج 1، ص 225، والجويني، البرهان، ج 1، ص 237، والرازي، المحصول، ج 2، ص 631.
(2) أخرجه البخاري في كتاب الهبة باب من استوهب من أصحابه شيئا (2431). (3/344)
صفحة 1108
الرائد
(r?o)
النبي
ومثله حديث طلحة بن عبيدالله الذي حكى فيه أنهم أكلوا الصيد مع ما استفصل المهدي هل أرادهم بذلك الصيد أو لم يردهم عند
اصطياده.
وروى الإمام مالك بإسناد صحيح عن معمر عن هشام بن عروة عن
أبيه قال قال الزبير لقد كنا نتزود صفائف الوحش ونحن محرمون). وفي هذا إن قيل برفعه دليل على أن التحريم وارد في القتل لا مطلق أكل اللحم، وقد جاء الحديث السابق مرفوعا من حديث أحمد بن محمد بن شعيب الجلاباذي ثنا سهل بن عمار العتكي ثنا الجارود بن يزيد النيسابوري ثنا أبو حنيفة عن هشام بن عروة عن أبيه عن جده الزبير بن العوام قال: كنا نأكل لحم الصيد ونتزوده ونأكله ونحن محرمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكذلك رواه إبراهيم بن طهمان عن أبي حنيفة بمعناه، ولكن الموقوف
أقوى.
(1) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 4، ص 434.
(2) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 189. (3/345)
صفحة 1109
الرائد
(346
خامسا: الأفعال الموجبة للجزاء
تبين بالنص من الكتاب العزيز أن الجزاء في الصيد واجب على من تعمد
قتل الصيد والقتل كما تقدم هو كل ما يزهق الروح فيشمل الطرق الشرعية المعروفة بالذكاة الشرعية كما يشمل غيرها من الأفعال، لذلك فالأفعال الموجبة للضمان أقسام ثلاثة:
المباشرة للقتل والتسبب كحال من حفر بئرا في مكان لا يحق له الحفر فيه كطريق فهنا يلزم بالضمان لأنه هو السبب في القتل وإن كان التردي في البئر هو المباشر.
وإن حفره في ملكه فهو غير متعد فيكون الصيد هو الذي ساق نفسه
للموت.
واختلفوا فيمن نصب شبكة في ملكه فقيل لا يضمن؛ لأنها في ملكه، وذهب آخرون إلى التضمين إذ إن نصب الشبكة لا يكون إلا للاصطياد، والاصطياد ممنوع منه المحرم في الملك وفي خارجه).
(1) القطب شرح كتاب النيل، ج 4، ص 101، والغزالي، الوسيط، ج 2، ص 694، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 203، والقرافي الذخيرة، ج 3، ص 318،
والعبدري، التاج والإكليل، ج 3، ص 174. (3/346)
صفحة 1110
الرائد
(347)
وقد يكون التسبب بإرسال كلب، أو تنفير الصيد حتى يموت من أثره إذ القاتل في هذا الحال هو المنفر).
واختلف القائلون بمنع المحرم من أكل ما صاده الحلال من أجله أيلزمه بأكله جزاء أو لا يلزمه، وقد تبين من السابق أنه لا حرج في أكله ولو صيد أجله، ولو قيل بالمنع لكان القول بعدم لزوم الجزاء أولى إذ الشرع علق الجزاء بالقتل والآكل ليس بقاتل لغة ولا عرفا ولا شرعا.
من
سادسا: جزاء قتل الصيد
تقدم القول أن قتل الصيد في حال الإحرام أمر غير جائز بل كان النهي عنه بنص الكتاب العزيز، ثم إن الشارع رتب على قاتل الصيد جزاءا بينه بيانا واضحا بقوله: [وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءُ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ تَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيَا بَلغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّرَةٌ طَعَامُ مَسَكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ
صياما.
وهذا الحكم متفق عليه من حيث الجملة بين الأمة، وقد أوجبت الآية
(1) القطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 102، والصائغي، لباب الآثار، ج 3، ص 301 والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 205، والعبدري، التاج والإكليل، ج 3، ص 174.
(2) ابن الملقن الإعلام، ج 6، ص 407. (3/347)
صفحة 1111
الرائد
(348
الكريمة على المحرم المبتلى بقتل الصيد واحدا من أمور ثلاثة الجزاء إن كان
للصيد مثل من النعم وهي الإبل والبقر والغنم.
أو كفارة طعام مساكين، أو صيام بعدل الجزاء والإطعام ويخير بين
الأمور الثلاثة يأتي أيها شاء ويكون مجزئا عنه".
ولكن ذهب بعض الفقهاء إلى أن الأمر ليس فيه اختيار للمبتلى بل يلزمه جزاء المثل، فإن لم يكن فإطعام المساكين، فإن لم يكن فالصيام، واستدلوا بأن جزاء الصيد كفارة نفس محظورة وكفارات النفوس مرتبة لا تخيير فيها.
(1) للفقهاء خلاف في تعريف الأنعام، ولكنها في باب جزاء الصيد الأصناف الأربعة المذكورة في الأصل اتفاقا. الخليلي، لطائف الحكم، 85، وشيخنا الخليلي، زكاة الأنعام، ص 8، والبسيوي، الجامع، ج 2، ص 287، والصائغي، لباب الآثار، ج 3، ص 308، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 286، وج 4، ص 293.
(2) البسيوي، الجامع، ج 2، ص 287، والكندي، بيان الشرع، ج 24، ص 162 و ج 24، ص 173، والسيابي، سلك الدرر، ج 1، ص 317، والغزالي، الوسيط، ج 2، ص 697، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 299، والنووي، المجموع، ج 7، ص 359، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 200، والعبدري، التاج والإكليل، ج 3، ص 179، وابن قدامة، الكافي، ج 1، ص 422.
(3) النووي، المجموع، ج 7، ص 360، وابن قدامة، الكافي، ج 1، ص 422. (3/348)
صفحة 1112
الرائد
349
جزاء الصيد كفارة نفس محظورة وكفارات النفوس مرتبة لا تخيير فيها.
كما استدلوا بأن جماعة من الصحابة حكموا في الضبع بشاة ولم
يذكروا غيره فدل أن الواجب على الترتيب.
وفي هذا القول نظر ظاهر إذ هو قياس مخالف للكتاب العزيز فيكون فاسد الاعتبار، فـ"أو " كما هو مقتضى قواعد اللغة تأتي في الأوامر للتخيير وفي الأخبار للشك، والحال هنا أمر.
أما إفتاء الصحابة بالشاة في الضبع فذلك لبيان المثل من النعم في الضبع إذا ما شاء صاحبه الجزاء بمثل ما قتل من النعم وليس فيه منع المبتلى من الأخذ بالأمرين الأخريين، ولو صح هذا الأمر لكان ظاهر الكتاب العزيز
أولى بالاتباع.
الأمر الأول: جزاء المثل
وذلك بأن ينظر في حال الصيد المقتول أله مثل من الأنعام فإن كان له مثل في الصورة والخلقة فعلى المبتلى أن يذبح مثله في مكة شرفها الله – كما قال تعالى "هديا بالغ الكعبة ولا يجزيه أن يعطيهم إياه غير مذبوح أو في غير
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 299. (2) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 200. (3/349)
صفحة 1113
الرائد
(TO.)
الحرم كما هو ظاهر الكتاب العزيز، ولم يحدد الدليل الشرعي عددا من الفقراء
الذين يعطون الهدي مما يعني أنه يقسمه بينهم على قدر حاجتهم
وسواء اتفق البدلان الصيد والمثل في القيمة أو اختلفا إذ الخطاب الشرعي ما جاء في حكمه إلا بالمثلية.
والأصل في المثلية أن تكون في الجنس والصورة والشبه ولكن نظرا إلى
أن هذا هو الممنوع نفسه أسقط سبحانه المثلية في الجنس وبقيت المثلية في الصورة وجعل مقابل الجنس المقتول من الصيد جنس الأنعام.
والشبه في الصورة كشبه البدنة من الإبل بالنعامة وإن كانت القيمة مختلفة، وشبه الظبي بالغنم وشبه الضبع بالكبش وقد نص عليه الدليل الشرعي، ومما يدل على أن الشبه المنظور إليه هو الشبه في الصورة حديث: إسماعيل بن إبراهيم أخبرنا ابن جريج عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن ابن أبي عمار قال: قلت لجابر: الضبع أصيد هي؟ قال: نعم، قال: قلت: آکلها؟ قال نعم قال قلت أقاله رسول الله؟ قال: نعم.
(1)
والحديث أخرجه باللفظ السابق الترمذي وقال: حسن صحيح،
وأشار الترمذي بعد ذلك إلى ما أعل به الحديث وهو الوقف على عمر ثم رده
(1) کتاب الحج، باب ما جاء في الضبع يصيبها المحرم (851). (3/350)
صفحة 1114
الرائد
(351
فقال:
هذا
قال علي بن المديني: قال يحيى بن سعيد وروى جرير بن حازم الحديث فقال عن جابر عن عمر، وحديث ابن جريج أصح، وهو قول أحمد
وإسحاق.
والحديث بين الدلالة في الموضوع إذ طبق النبي صلى الله عليه وسلم أمر الكتاب العزيز
فجعل جزاء الضبع كبشا والكبش من الأنعام مماثل للضبع في الصورة.
وذهب بعض الفقهاء إلى النظر إلى القيمة مباشرة دون التفات إلى المثل من الأنعام فيقوم عندهم الصيد بالدراهم أو الدنانير ثم تصرف القيمة لشراء شيء من النعم فيذبح بمكة شرفها الله-، قال الكاساني:
قيمة الصيد المقتول يقومه ذوا عدل لهما بصارة بقيمة الصيود فيقومانه في
المكان الذي أصابه إن كان موضعا تباع فيه الصيود.
وإن كان في مفازة يقومانه في أقرب الأماكن من العمران إليه، فإن بلغت قيمته ثمن هدي فالقاتل بالخيار إن شاء أهدى وإن شاء أطعم وإن شاء صام. وإن لم يبلغ قيمته ثمن هدي فهو بالخيار بين الطعام والصيام سواء كان (3/351)
صفحة 1115
الرائد
352
الصيد مما له نظير أو كان مما لا نظير له).
وقد استدل هؤلاء بأدلة منها قولهم إن الصيد عين مضمونة والمضمون
يضمن بمثله فإن لم يكن ضمن بقيمته كما هو الحال في سائر الأموال، وكذلك
قولهم إن الصيد حيوان ممنوع من إتلافه بحرمة الإحرام فوجب
بقتله قيمته قياسا على ما لا مثل له كالعصفور.
أن يجب
واستدلوا بقوله تعالى "فجزاء مثل ما قتل من النعم" ووجه الاستدلال
بها أمور:
أولها: أن المثل يتناول من الجنس في الصورة والشبه وهذا مثل لغة وشرعا، وقد يتناول المثل في القيمة وهذا مثل شرعا لا لغة، ولكن المثل لا يتناول من غير الجنس لغة ولا شرعا، ولما بطل المتناول الأول لوجوب نعامة في النعامة وحمار في الحمار تعين الثاني وهو المثل في القيمة.
ثانيها: أن قوله تعالى يحكم به ذوا عدل منكم" مفيد أن المثلية هنا مثلية القيمة إذ هي التي تستلزم حكما، أما المثلية في الصورة فمقدور عليها من قبل كل أحد؛ لأنه مما يدرك بالمشاهدة والنظر ولا فرق فيه بين العدل والفاسق.
(1) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 198.
(2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 28. (3/352)
صفحة 1116
الرائد
(353
وفي كل ما قالوه نظر لا يخفى إذ القياسات المذكورة ما هي إلا اجتهادات في مواضع النصوص، إذ كون الضمان بالمثل جنسا وصورة وإلا كان بالقيمة كما في باقي المتلفات أصل من الأصول ولكن ثبت بهذا النص قطعي الورود أن ذلك الأصل غير معمول به هنا بل يكون بالمثل في الصورة.
وأما قولهم إن المثلية لا تكون إلا في جنس نفسه أو قيمته فمقابل بأن الشارع نص هنا أن المثلية المعتبرة هي مثلية الشكل والصورة والطرف الثاني هو النعم "فمثل ما قتل من النعم".
وقد أكد الحديث الصحيح الذي ذكرناه معنى المثلية المرادة شرعا حينما حكم على صايد الضبع بكبش، ثم إن فتاوى الصحابة تؤكد المعنى المستفاد إذ حكموا بالمثل من النعم.
بعد أن يحكم العدلان الخبيران به أو رجل وامرأتان، ومنهم من قيد
(1)
جواز حكم الرجل والمرأتين بحال الاضطرار فقط ولم يشترط الفقه بل
العدالة فقط والخبرة شرط إذ لا يستطيعان الحكم دونها وهي غير الفقه.
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 24، ص 164، والضائغي لباب الآثار، ج 3، ص 313
والسيابي، سلك الدرر، ج 1، ص 317. (3/353)
صفحة 1117
الرائد
(354
واشترط بعض الفقهاء الفقه وقالوا إن القضية قضية حكم ولا يجوز لأحد أن يحكم إلا أن يكون فقيها.
واختلف الفقهاء في جواز أن يكون المبتلى أحد الحكمين أو أن يكون
القاتلان هما الحكمين فمنهم من قال بالجواز إذ الخطاب منكم راجع للمسلمين والمبتلى بقتل الصيد من المسلمين.
كما استدل هؤلاء بحديث إربد وقد قتل صيدا وقد جاء من حديث طارق بن شهاب قال: خرجنا حجاجا فأوطأ رجل منا يقال له أربد ضبا ففزر ظهره فقدمنا على عمر الله فسأله أربد فقال عمر: احكم يا أربد، فقال: أنت خير مني يا أمير المؤمنين وأعلم.
فقال عمر: إنما أمرتك أن تحكم فيه ولم آمرك أن تزكيني، فقال أربد:
أرى فيه جديا قد جمع الماء والشجر
فقال عمر: فذاك فيه، قال: وأصبنا حيات بالرمل ونحن محرمون
رضي
(1) الشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 377، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 291.
6
(2) الغزالي، الوسيط، ج 2، ص 697، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 291، والنووي،
المجموع، ج 7، ص 361، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 269. (3/354)
صفحة 1118
الرائد
فقال: هن عدو اقتلهن حيث وجدتهن).
(355
فسألنا عنهن عمر والحديث أخرجه الحافظ عبدالرزاق في المصنف والشافعي في الأم
(4)
(0).
دون جملة الحيات)، وقال النووي والحافظ ابن حجر: إسناده صحيح.
ومن قال بالمنع قالوا إنه لا يكون المبتلى حاكما ومحكوما عليه، ثم إن هذا
اجتهاد في بدل متلف فلم يجز الرجوع فيه إلى المتلف كحقوق الآدمين التي ترجع إلى تقويم المقومين.
ومنهم من فرق فقال إن قتلاه عدوانا لم يجز أن يكونا من الحكمين إذ ذلك القتل جاعل القاتل فاسقا وقد اشترط النص الشرعي العدالة، أما إن
كان القتل غير متعمد فلا حرج إن كان القاتل حكما.
وإذا حكم أكثر من عدلين كأن يحكم عليه عدلان بمثل ثم يحكم غيرهما بمثل آخر فهو بالخيار بين حكم العدول الحاكمين إذ ينطبق عليه النص
(1) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 182
(2) عبد الرزاق، المصنف، ج 4، ص 402. (3) الشافعي، الأم، ج 2، ص 194.
(4) النووي، المجموع، ج 7، ص 357.
(5) ابن حجر، التلخيص الحبير، ج 2، ص 285. (3/355)
صفحة 1119
الرائد
356
الشرعي في أحوال العدول كلهم، وقيل يأخذ بأغلظهم قولا.
كما اختلف إذا حكم حكمان بكون الصيد من ذوات المثل وحكم آخران بكونه من غير ذوات الأمثال.
وفي كبير الصيد كبير مثله، وفي صغيره صغير مثله، وفي كل واحد من الصحيح والمعيب مثله، والذكر بالذكر والأنثى بالأنثى، كما يفيده "فجزاء مثل ما قتل من النعم"، وإن كان الأولى للمكلف أن يحرص فيما يتقرب به إلى الله على الأكمل والأفضل".
وقال بعض الفقهاء إنه لا فرق بين صغير الصيد وكبيره بل فيهما جزاء واحد والله سماه هديا ويشترط في الهدي ما يشترط في الأضاحي من السن". كما استدل هؤلاء بأن الأحكام المنقولة عن الصحابة ما كانوا يفرقون بين صغير وكبير بل كانوا يقولون في كذا كذا وعدم تفريقهم دليل استواء الصغير والكبير في الجزاء.
ولكن القول الأول أظهر لدلالة ظاهر الآية عليه إذ مثل الصغير صغير ومثل الكبير كبير، وغاية ما استدلوا به من أفعال الصحابة أنها آثار ساكتة لم
(1) الغزالي، الوسيط، ج 2، ص 697.
(2) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 200، والعبدري، التاج والإكليل، ج 3، ص 182. (3/356)
صفحة 1120
الرائد
(357)
تتعرض للحكم ولعل المحكوم به كان معروفا فلا يطلقون النعامة إلا على الكبيرة منها التي تقابلها بدنة كبيرة.
ومن الفقهاء من لم يلتفت إلى العيب الذي في الصيد بل أوجب في الصيد المعيب صحيحا من النعم.
وقد جاءت آثار فيها الحكم على بعض أنواع الصيد بأمثالها من ذلك أن
عمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت و ابن عباس حكموا في النعامة ببدنة. وحكم أبو عبيدة وابن عباس في حمار الوحش ببدنة، وحكم عمر فيه ببقرة، وحكم عمر وعلي في الظبي بشاة كما سيأتي تخريج ذلك.
الأمر الثاني: كفارة طعام مساكين
وذلك بأن ينظر في الصيد كم قيمته فيخرج من قيمته طعام لمساكين الحرم كما هو الحال في المثل إذ حده الله هديا بالغ الكعبة).
وذهب آخرون إلى أنه لا يتقيد الإطعام بمساكين الحرم إذ الآية ما قيدته
(1) ابن جعفر الجامع، ج 3، ص 377، والبسيوي، الجامع، ج 2، ص 287، والكندي، بيان
الشرع، ج 24، ص 160. (3/357)
صفحة 1121
الرائد
(358
بذلك بل قالت طعام مساكين).
وقال بعض أهل العلم إنه يخرج من قيمة المثل، ودليل الأول أن المقصود بالتعويض الصيد وليس المثل وما المثل إلا تقريب له ليعوض، ويعطى المسكين ما يعطى في الكفارات نصف صاع من الطعام.
الأمر الثالث: عدل ذلك صياما.
فيجعل مكان طعام كل مسكين صوم يوم، ولم يقيد الله تعالى الصيام هنا بالتتابع فيصح فيه غير التتابع، وذهب بعض الفقهاء إلى اشتراط التتابع في الصيام وحكوا الإجماع عليه وقالوا إن فرقه فالصيام باطل".
وفي هذا الرأي وحكاية الإجماع عليه نظر إذ لا دليل يفيد التتابع، ولو
سلم جدلا
بوجوب التتابع فمن أين اشتراطه حتى يبطل ما لم يتحقق فيه هذا
الشرط، كما أن الشارع لم يقيد الصيام بمكان دون غيره فيصح في كل
(1) الشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 378، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 200 (2) الغزالي، الوسيط، ج 2، ص 697، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 275.
(3) الصائغي، لباب الآثار، ج 3، ص 306. (3/358)
صفحة 1122
الرائد
359
مکان).
قال في "بيان الشرع":
ذكروا أن رجلا في الطواف ينادي يا معشر الفقهاء ما تقولون في رجل
عليه دم ولا يمكنه دم؟
فقال له الربيع: إليَّ يا صاحب المسألة، فجاء إليه فقال: اذهب إلى الجلابة فاشتر شاة لا شططا في الثمن ولا دون ثم اذهب إلى الحناطة فانظر قيمة الشاة
من الدراهم كم يقع لها من الحنطة فصم لكل نصف صاع يوما.
وذهب بعض الفقهاء إلى أنه يجب أن ينظر في الصيد فإن كان مما فيه الصحابة فيلزم اتباعهم، واستدلوا في ذلك بحديث: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم.
وفيما قالوه نظر إذ الكتاب العزيز ما التفت لذلك بل أتى بالحكم وقد خاطب به الأمة كلها.
(1) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 377، والبسيوي، الجامع، ج 2، ص 287، والكندي، بيان
الشرع، ج 24، ص 160.
(2) الغزالي، الوسيط، ج 2، ص 697، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 291، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 269. (3/359)
صفحة 1123
الرائد
(360)
ثم إن الحال لا يعدو أن يكون أحد أمرين أولهما الإجماع عليه وهنا يكون
الدليل الإجماع لا نفس قول الصحابة ثانيهما اختلافهم فيه وهنا لا مزية لواحد منهم على الآخر إذ المسألة رأي واجتهاد.
أما الحديث المستدل به فلا يثبت عن صاحب الدعوة صلى الله عليه وسلم قال الحافظ ابن
الملقن:
هذا الحديث رواه عبد بن حميد في مسنده، والدارقطني في الفضائل من حديث ابن عمر مرفوعا كذلك لكنه قال بدل اقتديتم بأيهم أخذتم بقوله اهتديتم وهو هو، وروي أيضا من طريق والده عمر بن الخطاب وأبي هريرة وجابر وكلها معلولة.
قال البزار وقد سئل عن هذا الحديث فقال: منكر ولا يصح عن رسول الله، وأما ابن حزم فقال في رسالته الكبرى في الكلام على إبطال القياس والتقليد وغيرهما: هذا حديث مكذوب موضوع باطل لم يصح قط.
ثامنا: تعدد الكفارة على قاتل الصيد وآكله
إن تعدد المقتول من الصيد فيتعدد الجزاء) إذ ينطبق على كل صيد قتل
(1) ابن الملقن، تذكرة المحتاج، ص 69.
(2) الشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 379، والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 103. (3/360)
صفحة 1124
الرائد
(361)
قول الحق تبارك وتعالى وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءُ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ تحكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنكُمْ هَدْيَا بَلغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّرَةٌ طَعَامُ مَسَكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ
صِيَامًا.
وقال بعضهم لا يلزم بتعدد القتل إلا جزاء واحد أخذا منهم بتداخل الكفارات، ومنهم من قال إنه يلزم بالجزاء في أول قتل وما بعده فلا شيء
عليه فيه).
واستدلوا بأن الحق تبارك وتعالى قيد الجزاء بلفظ "من" ولفظ "من" إن علق به الحكم اقتضى المرة الواحدة وذلك كقول القائل من دخل داري فله درهم، فإن من دخل الدار أعطي درهما وإن دخلها ثانية لم يعط شيئا، وكذلك من قال لنسائه من خرجت من البيت فهي طالق فإن الطلاق يلزم بأول خروج وإن خرجت ثانية لم يلزمها الطلاق.
والأظهر من السابق أن كفارة القتل تلزم كل ما يصدق عليه أنه قتل،
فتتعد بتعدد المقتول.
واختلفوا إن كان المقتول من الصيد واحدا ولكن أكل القاتل منه فقال
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 284، وابن قدامة المغني، ج 3، ص 276، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 201، وابن قدامة، الكافي، ج 1، ص 417. (3/361)
صفحة 1125
الرائد
362
جماعة إنه يلزمه بذلك جزاءان جزاء للقتل وآخر للأكل، وذهب آخرون إلى أن عليه جزاءا واحدا.
وهذا الذي عليه ظاهر الكتاب العزيز فقد رتب حكم الجزاء على القتل عمدا لا الأكل.
ثم إنه قد تبين من السابق أن المحرم نفسه غير ممنوع من أكل الصيد الذي صاده المحل مما يفيد أن العلة ليست الأكل بل القتل عمدا كما هو ظاهر الكتاب العزيز.
وإن قلنا إن صيد المحرم يحيل المصيد ميتة لا يحل أكلها كما هو رأي الجمهور فيكون عاصيا لأكله الميتة ولم يرتب الشرع على المحرم الذي يأكل
الميتة جزاء.
ومن السابق يظهر أنه لو تعدد القاتلون وذلك بأن اشترك فيه جماعة فلا
(1) الشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 377، والقطب شرح كتاب النيل، ج 4، ص 101 والسيابي، سلك الدرر، ج 1، ص 316، وابن عبد البر، التمهيد، ج 21، ص 155،
والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 203.
(2) مالك بن أنس، الموطأ، ج 1، ص 354. (3/362)
صفحة 1126
الرائد
363
(1)
يلزمهم إلا جزاء واحد يقتسمونه كل وما ينوبه منه إذ قوله "ومن" يصدق على الفرد والجماعة فهي من ألفاظ العموم، وقال الإمام الشافعي مستدلا
لهذا الرأي:
وهذا يوافقه القرآن لأن الله تعالى يقول: "فجزاء مثل ما قتل من وهذا مثل ومن قال عليه مثلان فقد خالف موافقه معنى القرآن).
النعم
"
ولكن لا يلزم ما قاله الإمام الشافعي إذ قد يتوجه معنى الآية أن كل من شارك عد قاتلا فيلزم كل من قتل مثل واحد
وذهب بعض أهل العلم إلى أن على كل واحد من المشتركين جزاء کاملا (3)، ومنهم من فصل فقال إذا قتل جماعة محرمون صيدا فعلى كل واحد منهم جزاء كامل، وإن قتل جماعة محلون صيدا في الحرم فعلى جماعتهم جزاء واحد، قال الحافظ ابن عبدالبر:
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 24، ص 169، والشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 377، والغزالي، الوسيط، ج 2، ص 700، والبيهقي، معرفة السنن والآثار، ج 4، ص 215، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 277، وابن عبد الهادي، تنقيح تحقيق أحاديث التعليق، ج 2، ص 445 (2) البيهقي، معرفة السنن والآثار، ج 4، ص 217.
(3) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 202، والعبدري، التاج والإكليل، ج 3، ص 175. (4) ابن عبد البر، التمهيد، ج 21، ص 155. (3/363)
صفحة 1127
الرائد
364
من جعل على كل واحد منهم جزاء قاسه على الكفارة في قتل النفس لأنهم لا يختلفون في وجوب الكفارة على جميع القتلة خطأ على كل واحد منهم كفارة.
وفيما قاله الحافظ ابن عبدالبر نظر إذ الخلاف في كفارة القتل موجود أعليهم كفارة واحدة يقتسمونها على ما ينوب كل واحد منهم أو على كل واحد كفارة أو يفرق بين العتق والصيام فإن وجدوا ما يعتقون أجزتهم واحدة وإن انتقلوا إلى الصيام صام كل واحد شهرين متتابعين.
تاسعا: حكم قاتل الصيد غير المتعمد
لا خلاف بين أهل العلم في أن غير المتعمد كالناسي والمكره لا إثم عليه بقتل الصيد إذ الإثم مرفوع عنهما باتفاق وتأثيمهما تكليف لهما بما لا يستطيعانه إذ النسيان والإكراه أمور خارجة عن الإرادة فترتفع عندها التكاليف الشرعية وإلا لزم منه وصف الله تعالى بالظلم تعالى الله عن ذلك
علوا كبيرا.
أما الجزاء في حال تحقق القتل فاختلف فيه أهل العلم إلى أقوال ثلاثة:
(1) ابن عبد البر، التمهيد، ج 21، ص 156.
(2) شيخنا الخليلي الفتاوى الكتاب الخامس، ص 110. (3/364)
صفحة 1128
الرائد
(365)
أولها - وهو الأشهر عند الجمهور - قول من لا يفرق فيه بين العامد
وغيره بل يلزم الجزاء الجميع
ثانيها - وهو الأسعد بظاهر الأدلة - قول من قال إن حكم الجزاء لا يلزم
إلا المتعمد).
وجماعة من هؤلاء فرقوا بين صيد الحرم وصيد المحرم، فقالوا إن صيد المحرم في الحل خطأ لا يلزم فيه بالجزاء، وصيد الحرم يلزم فيه الجزاء مطلقا كان الصيد خطأ أو عمدا.
وعلى هذا التفصيل الأخير بعض علمائنا كالإمام الربيع بن حبيب
ثالثها -وهو الأقرب للشذوذ - قول من قال إنه لا جزاء على العامد في
(1) القطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 105، ومالك بن أنس، الموطأ، ج 1، ص 354، والغزالي، الوسيط، ج 2، ص 695، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 283، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 266، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 201، ونظام، الفتاوى الهندية، ج 1، ص 247، وابن قدامة، الكافي، ج 1، ص 414.
(2) ابن جعفر الجامع، ج 3، ص 376، والكندي، بيان الشرع، ج 24، ص 168،
وص 175.
(3) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 380، والكندي، بيان الشرع، ج 24، ص 174. (3/365)
صفحة 1129
الرائد
366
القتل وإنما الجزاء على غير العامد سواء كان غير العامد متعمدا القتل ناسيا الإحرام أو متذكرا الإحرام مخطئا في القتل أو مخطئا وناسيا في الوقت نفسه. أما القائلون بوجوب الجزاء في الحالين العمد والخطأ فقالوا إن الأصل في أمور الضمانات أنها من قبيل خطاب الوضع الذي لا يفرق فيه بين عامد وغيره فمن اعتدى على ملك آخر لزمه الضمان ولو لم يكن مكلفا كصبي فضلا عن الناسي، والله تبارك وتعالى ذكر حكم العمد لا ليقيده به بل لأن الغالب من المحرمين أن لا يقتلوا الصيد إلا متعمدين فليس هو بقيد.
قال الشيخ عامر: أوجبوا الجزاء في العمد والخطأ ولم يمتثلوا دليل الخطاب في هذه الآية وهو الأشبه في هذا الوجه؛ لأن الخطأ لا يزيل الضمان بل يزيل الإثم فقط.
أما القائلون بأن الجزاء غير لازم في العمد فلا أعلم ما يستندون عليه
ولعلهم جعلوا المتعمد في حكم المستحل والمستحل لا يلزم بالضمان.
ولكن يرد عليهم نص الكتاب العزيز إذ إنه قيد الجزاء بالقتل عمدا،
وهؤلاء يقولون إنه لا جزاء في العمد، فيظهر من ذلك ضعف هذا القول. أما القائلون بأن حكم الجزاء لا يلزم غير متعمد القتل فأخذوا ذلك من
(1) الشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 377. (3/366)
صفحة 1130
الرائد
(367)
ظاهر الآية الكريمة إذ الأصل أن الصيد في غير الإحرام مباح للجميع، ثم
منع منه في حال الإحرام لحق الله لا لآدمي والأصل في حقوق الله أنه يعفى
فيها عن الجزاء وتكفي التوبة ما لم يثبت دليل يوجب الجزاء.
وحقوق الله تعالى مبنية على المساهلة بخلاف حقوق المخلوقين
قام
أصلها على المشاحة، وفي قضيتنا جاء الدليل مثبتا الجزاء بقيد العمدية فيبقى
غير المتعمد على أصل عدم وجوب الجزاء.
فضلا عن أن مفهوم!
الصفة الذي هو حجة عند الجمهور من العلماء خلا
الحنفية يثبت أن القاتل للصيد غير المتعمد ليس عليه جزاء.
ثم إنه إذا خصص الشارع موصوفا بالذكر فلا شك أنه لا يحمل تخصيصه على وفاق من غير انتحاء قصد التخصيص، وإجراء الكلام من غير فرض تجريد القصد إليه يزري بأوساط الناس فكيف يظن ذلك بلسان الشارع.
فإذا تبين أنه إذا خصص فقد قصد إلى التخصيص فينبني على ذلك أن
قصد الشارع في بيان الشرع يجب أن يكون محمولا على غرض صحيح
المقصود العري عن الأغراض الصحيحة لا يليق بمنصب الشارع.
اذ
فإذا ثبت القصد واستدعاؤه غرضا فليكن ذلك الغرض آيلا إلى مقتضى (3/367)
صفحة 1131
الرائد
368
الشرع، وإذا كان كذلك وقد انحسمت جهات الاحتمالات في إفادة التخصيص انحصر القول في أن تخصيص الشيء الموصوف بالذكر يدل على أن العاري عنها حكمه بخلاف حكم المتصف بها.
والذي يعضد ذلك من طريق التمثيل أن الرجل إذا قال: السودان إذا عطشوا لم يروهم إلا الماء عُدّ ذلك من ركيك الكلام وهجره، وقيل لقائله لا معنى لذكرك السودان وتخصيصهم مع العلم بأن من عداهم في معناهم". لكني لم أتبين علة التفريق بين صيد الحل وصيد الحرم في القضية، ولعل الأدلة السابقة تفيد عموم الحكم في الأمرين فلا يلزم الاثنان المخطئان
بالجزاء.
أما قول الموجبين إن الجزاء من باب خطاب الوضع الذي لا يفرق فيه بين عامد وغيره نقول نعم إن ذلك هو الأصل ولكن جاءت الآية الكريمة
مستثنية هذه الحالة فلم توجب الجزاء على غير المتعمد.
ثم إن الناظر في أحوال الجزاء التي تلزم الناس بانتهاك حقوق الله التي
بين الإنسان وربه يجدها مقيدة بالعمد من ذلك كفارة الصيام فقد عفي عن
الناسي وأن الله أطعمه وسقاه.
(1) الجويني، البرهان، ج 1، ص 307 بتصرف من كلام للإمام الشافعي (3/368)
صفحة 1132
369
الرائد
ثم إن الأدلة الأخر في باب الحج دالة على أن غير المتعمد من الجاهل والناسي والمخطئ معفو عنهم، من ذلك انتهاك المحظورات كحديث يعلى بن أمية الذي فيه الإحرام في اللباس الممنوع مع الطيب بسبب الجهل والنبي صلى الله عليه وسلم
يوجب على هذا شيئا بل أمره بالتخلص من المحظور ومواصلة الحج. وهكذا حال الذين أتوا أعمالا ممنوعة دون شعور منهم أي غير متعمدين فما كان منه إلا أن قال لا حرج كما في حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغني عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال في حجة الوداع: إن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
يا رسول الله، لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح، فقال له: اذبح ولا حرج، فجاءه آخر فقال له: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي، فقال:
ارم ولا حرج، فما سئل في ذلك اليوم عن شيء إلا قال: ولا حرج
ثم إن آخر الآية الكريمة ختم بعلة عقوبة الجزاء فقال تعالى: لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ. وهذا تشديد يتنافى وغير العمد وذلك لأن الإثم مرفوع باتفاق عن
(1) أخرجه الإمام الربيع في كتاب الحج، باب في التمتع والإفراد والقرآن والرخصة
(435) (3/369)
صفحة 1133
الرائد
ر 370
الناسي والمكره وعليه فالخطاب بالجزاء غير متوجه إليهم.
وعلى السابق لا جزاء على كل من لم يكن متعمدا قتل الصيد، وغير المتعمد يشمل الناسي للحكم أو الناسي لحالة الإحرام، أو المخطئ كمن أراد فعلا فتوجه لصيد ولم يكن يقصده بالأذى أو كان القاتل غير مكلف كالصبي غير البالغ إذ إن عمد الصبي خطأ كما تقدم غير مرة.
عندي
قال في "بيان الشرع ": مسألة من تأليف أصحابنا أهل المغرب: واختلف
العلماء في قتل الصيد خطأ هل عليه الجزاء أم لا بعد اتفاقهم على العمد؟ فالذي يعتمد عليه أصحابنا أن العامد والخاطئ سواء، والنظر يوجب أن لا شيء عليه لقوله تعالى "ومن قتله منكم متعمدا" فدليل الخطاب يسقط عن الخاطئ، لكن فيه خلافا بين الأصلين" هل يجب العمل به أم لا. وقال تعالى وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم" الآية، وقال ال: رفع عن أمتي الخطأ والنسيان .. الحديث". صحح القطب القول بعدم لزوم الجزاء على من لم يتعمد قتل
کہا
الصيد.
(1) كذا في الأصل ولعل الأصوب: الأصوليين.
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 24، ص 168.
(3) القطب، الجامع الصغير، ج 3، ص 164. (3/370)
صفحة 1134
(rvi)
الرائد
المبحث السادس: أحكام الحرم المكي
المطلب الأول: مبدأ تحريم مكة
التحريم
تعارضت ظواهر الأدلة في مبدأ تحريم مكة، فمنها ما يفيد بظاهره أن كان منذ خلق الله السماوات والأرض، ومنها ما يفيد أن التحريم ما كان إلا زمان خليل الرحمن إبراهيم بعد أن سأل الله ذلك حين أسكن ذريته فالأول منها يفيده حديث:
قال النبي يوم افتتح مكة: لا هجرة ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا؛ فإن هذا بلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، وهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ولم يحل لي إلا ساعة من نهار.
(1)
والحديث أخرجه باللفظ السابق الشيخان البخاري ومسلم.
وأما قول إبراهيم فما أراد به تحريم مكة بل هو مقر بذلك فقد وصف البيت الحرام بقوله: {رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ
(1) کتاب الحج، باب: لا يحل القتال بمكة (1737).
(2) کتاب الحج، باب تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها ولقتطها إلا لمنشد على الدوام
(1353) (3/371)
صفحة 1135
الرائد
372
الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَوَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِى إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ)، فقوله في الآية التي قبلها: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ عَامِنَّا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ).
هذا القول منه الا ما أراد به سؤال ربه أن يؤمنه من عقوبته وعقوبة الجبابرة ولكنه سأله أن يؤمن أهله من الجدوب والقحوط وأن يرزق ساكنه من الثمرات كما أخبر ربه عنه.
وأما الثاني فيفيده حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلع له أحد فقال: هذا جبل يحبنا ونحبه، اللهم إن ابراهيم حرم مكة وأنا أحرم ما بين لابتيها.
(1) سورة إبراهيم، الآية (37).
(2) سورة إبراهيم، الآية (35)
(3) الطبري، جامع البيان، ج 1، ص 542، والطحاوي شرح مشكل الآثار، ج 12،
ص 284.
(4) أخرجه الربيع في كتاب الحج، باب في المواقيت والإحرام (397)، والبخاري من طريق مالك عن عمرو مولى المطلب عن أنس بن مالك في كتاب: المغازي، باب: أحد يحبنا ونحبه (3856). (3/372)
صفحة 1136
الرائد
(373
وللاحتمالات السابقة اختلف العلماء في القضية، فمنهم من غلب الأخبار التي فيها التحريم من يوم خلق الله السماوات والأرض وهي ظاهرة
جلية.
ومنهم من غلب الأخبار التي فيها التحريم من قبل إبراهيم ال فالنص النبوي فيها جلي البيان.
وتوسط آخرون فجمعوا بين القولين بضروب من التوفيق، منها أن إبراهيم المبلغ لأوامر ربه ومظهر لأحكامه، فالحكم بالتحريم على الحقيقة هو الله تعالى أظهره على لسان إبراهيم، فهو يضاف مرة إلى فاعله الحقيقي ومرة إلى مبلغه.
ومنها أن الله قضى يوم خلق السماوات والأرض أن إبراهيم سيحرم مكة، أو المعنى أن إبراهيم أول من أظهر تحريمها بين الناس وكانت قبل ذلك عند الله حراما، أو أول من أظهره بعد الطوفان".
(1) الطبري، جامع البيان، ج 1، ص 541، والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 2، ص 117، والنووي، شرح صحيح مسلم، ج 9، ص 124، وابن جماعة، هداية السالك، ج 2، ص 853، والسالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 161.
(2) ابن الملقن الإعلام، ج 6، ص 119، وابن حجر، فتح الباري، ج 4، ص 43، والسالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 162. (3/373)
صفحة 1137
الرائد
(374
ومنها ما قاله الطبري: إن الله تعالى ذكره جعل مكة حرما حين خلقها وأنشأها كما أخبر النبي أنه حرمها يوم خلق السماوات والأرض بغير تحريم منه لها على لسان أحد من أنبيائه ورسله ولكن بمنعه من أرادها بسوء وبدفعه عنها من الآفات والعقوبات وعن ساكنيها ما أحل بغيرها وغير ساكنيها من النقمات.
فلم يزل ذلك أمرها حتى بوأها الله إبراهيم خليله، وأسكن بها أهله هاجر وولده إسماعيل فسأل حينئذ إبراهيم ربه إيجاد فرض تحريمها على عباده على لسانه ليكون ذلك سنة لمن بعده من خلقه يستنون بها فيها، فلذلك أضيف تحريمها إلى إبراهيم فقال رسول الله: إن الله حرم مكة؛ لأن فرض تحريمها الذي ألزم الله عباده على وجه العبادة له به دون التحريم الذي لم يزل متعبدا لها به على وجه الكلاء والحفظ لها قبل ذلك كان عن مسألة إبراهيم ربه إيجاب فرض ذلك على لسانه لزم
العباد فرضه دون غيره).
(1) الطبري، جامع البيان، ج 1، ص 543، وابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 440. (3/374)
صفحة 1138
الرائد
المطلب الثاني: صيد الحرم
أولا: حرمة صيد مكة
375
نقل غير واحد الإجماع على حرمة صيد مكة، وهذه الحرمة ليست
بخاصة بالمحرم بنسك من المكلفين بل هي شاملة غير المتلبس بوصف الإحرام أيضا).
ومستند الإجماع المذكور حديث أنس بن مالك لله قال: قال رسول الله مكة حرام حرمها الله لا تحل لقطتها، ولا يعضد شجرها، ولا ينفر صيدها، ولا يختلى خلاها.
فقال عمه العباس: إلا الإذخر يا رسول الله، فقال له: إلا الإذخـ
وقد رواه باللفظ السابق الإمام الربيع بن حبيب في الجامع الصحيح". وجاء من حديث عبد الله بن عباس له من طريق جرير عن منصور عن
مجاهد عن طاوس عنه بلفظ:
(1) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 145، وابن حزم، مراتب الإجماع، ص 78، والنووي، المجموع، ج 7، ص 372، والزركشي، إعلام الساجد، ص 108.
(2) ابن قدامة، المغني، ج 5، ص 179 (طبعة هجر).
(3) کتاب الحج، باب: المواقيت والحرم (398). (3/375)
صفحة 1139
الرائد
(376
قال النبي يوم افتتح مكة: لا هجرة ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا؛ فإن هذا بلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، وهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة.
وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ولم يحل لي إلا ساعة من نهار؛ فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها، ولا يختلى خلاها.
(1)
قال العباس: يا رسول الله إلا الإذخر؛ فإنه لقينهم ولبيوتهم، قال:
قال: إلا الإذخر.
والحديث تقدم تخريجه من رواية الشيخين مختصرا.
قتله، ومن
وجاء النص أيضا على الجراد أنه من صيد الحرم فلا يصح ذلك ما رواه الحافظ عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن جريج عن عطاء قال: سئل ابن عباس عن صيد الجراد في الحرم فنهى عنه فإما قلت وإما قال الرجل من القوم: فإن قومك يأخذونه وهم محتبون في المسجد؟ فقال: لا يعلمون".
(1) القين الحداد، وقيل كل صانع قين، والجمع أقيان وقيون.
ابن منظور، لسان العرب، ج 13، ص 350.
(2) عبد الرزاق، المصنف، ج 4، ص 409. (3/376)
صفحة 1140
الرائد
377
وهذا النهي عن تنفير صيد الحرم ليس بمقصور أمره على التنفير المباشر
للصيد بل كل ما يعين على التنفير أو يقوم مقامه من إشارة على المنفر به ولو برأي، أو دلالة عليه يعد داخلا في النهي.
والشرع ما أراد إلا تحقق وصف الأمن في الحرم، والإشارة والدلالة
ذرائع موصلة إلى المنهي عنه فيكون لها حكمه؛ فإنه من العبث البين النهي عن أمر مع إباحة ما يوصل إليه يقينا أو بظن غالب.
ثانيا: شمول التحريم لمن كان خارج الحرم
والحكم السابق ليس مخصوصا شأنه بمن كان داخل الحرم بل النهي كان عن تنفير صيد الحرم لحرمة المكان والبقعة من غير التفات من الشارع في خطابه لوصف المنفر أو مكانه فينهى عن الفعل السابق من كان داخل الحرم
ومن كان خارجه وأراد أن يقتل أو ينفر ما كان من الصيد داخل الحرم.
وابن حزم قد خالف الجمهور فقال بعدم جواز قتل صيد الحرم لمن كان خارج الحرم محلا غير أنه لا يلزم بالجزاء لكونه لا يصدق عليه وصف الإحرام بالمكان ولا الحالة والأصل عنده براءة الذمة والقياس على القاتل (3/377)
صفحة 1141
الرائد
378
المحرم لا يقول به).
والحكم السابق بعلته المذكورة يدل على أن من كان في الحرم وأراد أن يقتل من صيد غير الحرم فالأمر لا حرج عليه فيه؛ فليس النهي هنا لأجل القتل نفسه ولا لتلبس الفاعل بوصفه كحال الإحرام بل لحرمة البقعة وهو
يتعرض لها بشيء فلا يكون متعرضا للنهى الشرعي.
غير
أن قوله تعالى: "يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُم
(2)
يعم أنواع الحرمات كلها الحرمة بالحالة والمكان والزمان، وقد أخرجت حرمة الزمان بالإجماع الحاصل أنه لا أثر لحرمة الزمان في المنع من الصيد".
عموم المشترك التي بحثها
والعموم السابق هو المستفاد مسألة من الأصوليون وإن نفى ذلك الشيخ العثماني، وقد مضى سابقا بدليله أن القول
(1) ابن حزم المحلى، ج 7، ص 236، والشاشي، حلية العلماء، ج 1، ص 435، وابن جماعة،
هداية السالك، ج 2، ص 859.
(2) سورة المائدة، جزء من الآية (95).
(3) الجصاص، أحكام القرآن، ج 4، ص 130، وابن العربي، أحكام القرآن، ج 2، ص 175، والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 6، ص 305،، والعثماني، إعلاء السنن، ج 7،
ص 3428.
(4) العثماني، إعلاء السنن، ج 7، ص 3428. (3/378)
صفحة 1142
الرائد
379
بعدم عموم المشترك من حيث الأصل هو الأولى والأوجه، غير أنه قد قام الدليل هنا على دخول الحالة بالإجماع.
كما أن دخول الزمان قد دل الإجماع على عدم دخوله إذ لا يعهد لأحد قول بالمنع من الصيد في الأشهر الحرم مع عدم التلبس بالإحرام ولا الوجود في الحرم".
أما حالة المكان فعلى القول بعموم المشترك لأفراده يكون الأصل دخولها
فلا يحل لمن كان بالحرم محلا اصطياد ما كان خارج الحرم.
وأما من لا يقول بعموم المشترك فالأصل عنده عدم دخول المكان في لفظ الإحرام؛ إذ الأصل في الإطلاق عند هؤلاء أن لا يكون إلا لفرد من الألفاظ المشتركة، ودخول ما عدا ذلك الفرد مفتقر إلى الدليل، وقد ثبت بدليل الإجماع دخول الحالة، والوقت خارج بالأصل المتأيد بدليل الإجماع على الخروج.
وبقي الإحرام بالمكان والأصل على هذا القول عدم دخوله إلى أن يثبت الدليل وليس في المسألة إجماع بل الخلاف بين الفقهاء شائع في حكم من
يصيد من الحرم صيدا في الحل أله ذلك أو ليس له ذلك.
(1) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 207. (3/379)
صفحة 1143
الرائد
380
فالجمهور من أهل العلم قائلون بالمنع وأنه لا يحل لمن كان بالحرم صيد ما كان في الحل.
ونقل الحنابلة عن الإمام أحمد روايتين في القضية المنع وعدمه، وبيَّن المرداوي أن أصح الروايتين هي عدم الضمان، وهي المذهب عندهم، وعليها أكثر الحنابلة".
والحنابلة من حيث التأصيل لمسألة عموم المشترك لهم أقوال مختلفة، الصحيح منها والذي عليه أكثرهم كما يقول ابن النجار- هو القول بعموم اللفظ المشترك للمعاني الداخلة تحته، وهذا الأصل مخالف للفرع الذي نناقشه في مسألتنا هذه ولم أجد منهم من علل مخالفة التفريع للتأصيل في هذه
القضية.
بل قال جماعة إن الصايد والمصيد إن كانا من الحل لكن مرَّ السهم بهواء
(1) مالك بن أنس، الموطأ، ج 1، ص 355، وابن حزم، المحلى، ج 7، ص 236.
(2) المرداوي، الإنصاف، ج 3، ص 549.
(3) ابن النجار، شرح الكوكب المنير، ج 3، ص 189. (3/380)
صفحة 1144
الرائد
الحرم ألزم بالضمان مما يعني حرمة الفعل".
ثالثا جزاء قاتل صيد الحرم
(381)
بعد الاتفاق على حرمة التعدي على صيد الحرم ولو بالتنفير اختلف أرباب العلم فيمن فتك بالصيد الحرمي أعليه فوق الإثم جزاء لقتله أو ليس عليه شيء؟
ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أن قاتل الصيد الحرمي مطالب وجوبا بجزاء الصيد الذي قتله، سواء كان مسلما أو كافرا، كبيرا أو صغيرا، حرا أو
عبدا (2).
وخالف الرأي السابق آخرون فرأوا أن لا جزاء على من قتل الصيد الحرمي، وهذا القول رواية عن الإمام مالك أخذ بها بعض المالكية، ونسب
(1) الغزالي، الوسيط، ج 2، ص 700، والشاشي، حلية العلماء، ج 1، ص 435، والبيهقي، معرفة السنن والآثار، ج 4، ص 212، والنووي، المجموع، ج 7، ص 373.
(2) ابن حزم المحلى، ج 7، ص،235، والغزالي الوسيط، ج 2، ص 700، وابن قدامة، المغني، ج 5، ص 179 (طبعة هجر)، والكندي، المصنف، ج 8، ص 215، والقطب
شرح كتاب النيل، ج 4، ص 115، والعثماني، إعلاء السنن، ج 7، ص 3482. (3) ابن العربي، القبس، ج 2، ص 568. (3/381)
صفحة 1145
الرائد
لداود الظاهري، وقوّاه جدا الشنقيطي في أضواء البيان".
احتج الجمهور القائلون بالجزاء بأمور:
382
أولها: قوله تعالى: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاهُ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ تَحْكُمُ بِهِ، ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيَا
بَلغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفْرَةٌ طَعَامُ مَسَكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا
قلے
اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ.
وقوله "حرم" يدل على إحرام الحالة وإحرام المكان، فتكون الآية نصا في
وجوب الجزاء على قاتل صيد الحرم.
لكن مضى أن ذلك يلزم القائلين بعموم المشترك، وقد تقدم ما في ذلك. ثانيها: قضاء الصحابة في حمام الحرم بشاة شاة، ومن هؤلاء عمر وابنه عبد الله وعثمان وابن عباس، ولم ينقل عن غيرهم خلافهم فيكون
(1) ابن قدامة، المغني، ج 5، ص 180 (طبعة هجر)، والجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2، صر
178
(2) الشنقيطي، أضواء البيان، ج 1، ص 451. (3/382)
صفحة 1146
الرائد
383
إجماعا.
ثالثها: صيد الحرم صيد ممنوع منه لحق الله تعالى فأشبه الصيد في حق
المحرم"، وهو مثل صيد المحرم في التحريم فكان مثله في الجزاء).
وقد اختلف القائلون بالجزاء في الصيد الحرمي إذا ما اجتمع الإحرام بالحالة والمكان أيلزم قاتل الصيد جزاءان أو هو جزاء وحد؟
الجماهير منهم على أن عليه جزاء، واحدا، وقيل بل يلزمه جزاءان جزاء للحرم وآخر للإحرام.
ولو قيل بالجزاء في صيد الحرم لكان الأظهر قول الجمهور وهو الجزاء الواحد إذ المضمون وهو الحيوان واحد فلا يتعدد جزاؤه، نعم من الجائز أن يتعدد الإثم فيكون إثم لانتهاك كل حرمة.
أما القائلون بعدم وجوب الجزاء على قاتل الصيد الحرمي فاستندوا إلى
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 315 وابن قدامة المغني، ج 5، ص 180 (طبعة
هجر).
(2) ابن قدامة، المغني، ج 5، ص 180 (طبعة هجر).
(3) النووي، المجموع، ج 7، ص 371.
(4) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 383، والمرداوي، الإنصاف، ج 3، ص 485. (3/383)
صفحة 1147
الرائد
(PAE)
الأصل الذي لم يشغل الذمة بحكم، فأدلة الشارع أفادت النهي عن التعرض للصيد الحرمي بشيء، وذلك يدل على حرمة التعرض، ومن باب الأولى حرمة القتل الذي هو تعرض وزيادة.
غير أن وجوب الجزاء لم يأت به شيء من النصوص الشرعية فيبقى الأمر على أصل براءة الذمة وإن توجه للمبتلى واجب التوبة من الفعل المحرم الذي هو القتل عمدا.
ثم إن الحرم لو كان مانعا من قتل الصيد موجبا للجزاء فيه لكان مانعا
من قتل ما أدخل من الصيد إليه موجبا للجزاء فيه).
وممكن أن يعترض على ثاني الدليلين بأنه استدلال بفرع فيه خلاف وقد
لا يسلم الخصم بمقدمته فلا تسلم للمستدل نتيجته.
وغير خفي أن هذا الخلاف في وجوب الجزاء في صيد الحرم إنما هو في حال من كان غير متلبس بوصف الإحرام، أما المحرم الذي يقتل صيدا في الحرم على وجه يلزمه به الضمان أن لو كان خارجه فينبغي أن يخرج من
الخلاف.
(1) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 164.
(2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 314. (3/384)
صفحة 1148
الرائد
(385
رابعا: مسائل على مذهب الموجبين للجزاء في صيد الحرم
المسألة الأولى
اختلف في التعدي على صيد الحرم من الحل، كأن يرمي من في الحل صيدا في الحرم، أو يرسل عليه كلب صيد أو نحو ذلك، اختلف في ذلك أيلزم فاعله بالجزاء أو لا يلزم.
قال بعضهم إنه لا يلزمه ضمان بذلك التصرف، لأن القاتل حلال الحل، وذهب جماعة إلى إلزامه بذلك، لأمرين:
أولهما: أن صيد الحرم معصوم بمحله لحرمة الحرم فلا يختص تحريمه بمن في الحرم.
"
ثانيهما: جاء في دليل المسألة ولا ينفر "صيدها" وهذا لم يفرق بين من
كان داخل الحرم وخارجه، والإجماع حاصل على تحريم صيد الحرم وهذا من
صيده.
وفي هذين الدليلين نظر من جهة أنهما غير واردين على أصل المسألة فإنهما
مفيدان حرمة التعرض لصيد الحرم من قبل من كان خارجه.
(1) الغزالي، الوسيط، ج 2، ص 700، وابن قدامة، المغني، ج 5، ص 182 (طبعة هجر). (3/385)
صفحة 1149
الرائد
386
والدليلان
وهذا أمر متفق عليه مضى الحديث فيه ويقر به خصمهم، ساكتان عن محل الشاهد وهو حكم الضمان أن لو كان القاتل من خارج
الحرم.
المسألة الثانية
بعد تحقق النهي عن الإشارة والدلالة بالحجة السابقة اختلف الفقهاء أيكون لها حكم المقصود بالنهي أصالة وهو القتل أو لا، وقد عرضنا لمثل ذلك في مبحث قتل المحرم الصيد.
والأمر هنا الخلاف فيه أقل إذ تقدم أن من الفقهاء من لا يرى جزاء على قاتل صيد الحرم إن كان غير محرم، وعليه فلا يلزم المشير من باب الأولى إذ حاله أقل من المباشر قطعا.
أما الذين يرون الجزاء فالأمر مختلف فيه عندهم أيلزم غير المباشر من
دَال ومشير بالجزاء أو لا يلزم.
بسببها
القائلون بلزوم الضمان قالوا إن الدلالة نفسها أمر محرم فيلزم الضمان
(1) ابن قدامة، المغني، ج 5، ص 181 (طبعة هجر). (3/386)
صفحة 1150
الرائد
المسألة الثالثة
(387
إن رمى من الحل صيدا في الحل فقتل صيدا في الحرم أيلزم بالضمان؟
أما الإثم فلا إثم عليه لعدم تحقق القصد للفعل وهو من أركان الإثم فالرجل ما قصد إلا مباحا من العمل لكن نبا به السهم فأصاب الحرام.
الحرم،
أما الضمان فاختلف فيه القائلون بوجوب الضمان على قاتل صيد فقال منهم من قال إن الضمان لازم لأنه قتل صيدا حرميا والخطأ كالعمد في وجوب الجزاء).
وخالف ذلك آخرون فلم يروا في غير المتعمد جزاءا، وقد ذكرنا في مبحث قتل الصيد أن هناك من الفقهاء من فرق بين قتل المحرم الصيد في الحل وبين قتل صيد الحرم، فعذر في الأول بالخطأ ولم يعذر في الثاني.
خامسا: أكل صيد الحرم
ذكرنا قبل أن المحرم إذا قتل صيدا على وجه محرم في الشرع فإن للفقهاء خلافا في ذلك الصيد، والجمهور منهم أنه يصبح كالميتة لا يحل الانتفاع به.
(1) ابن قدامة، المغني، ج 5، ص 183 (طبعة هجر).
(2) مالك بن أنس، الموطأ، ج 1، ص 355، والنووي، المجموع، ج 7، ص 372. (3/387)
صفحة 1151
الرائد
388
والخلاف في صيد الحرم مثله إن كان الصايد محرما بل هو هنا أقرب إلى
المنع لاجتماع علتين في تحريمه هما الإحرام والحرمية.
أما إن كان من صاد حلالا فللفقهاء خلاف في جواز أن يأكله غيره.
سادسا: فرق ما بين صيد الإحرام والحرم
والقياس الذي قال به الجمهور حتم عليهم حمل تفاصيل صيد المحرم
على صيد الحرم، فكل ما يحرم ويضمن في الإحرام يحرم ويضمن في الحر
كما أن ضمان صيد الحرم يكون بالدلالة والإشارة كما هو الحال في
(2)
الإحرام، وقدر الجزاء في الإحرام هو قدره في صيد الحرم على ما مضى ذكر
أحكامه في المبحث السابق.
غير أن ثمة أمورا افترق فيها حكم صيد الحرم عن صيد المحرم: أولها: صيد البحر، فقد سبق نقل اتفاق علماء المسلمين على أن المحرم حلال له صيد البحر كما هو منطوق الأدلة الشرعية، غير أن الخلاف في صيد آبار الحرم وعيونه قائم بين الفقهاء، فجماعة منهم يرون أن هذا الصيد ممنوع
(1) الشاشي، حلية العلماء، ج 1، ص 435.
(2) الغزالي، الوسيط، ج 2، ص 700، والنووي، المجموع، ج 7، ص 372، وابن قدامة، المغني، ج 5، ص 180 (طبعة هجر). (3/388)
صفحة 1152
الرائد
منه لأمور:
أولها: عموم حديث "ولا ينفر صيدها".
ثانيها: هو صيد غير مؤذ فأشبه الظباء.
وخالف آخرون فقالوا بالجواز، مستدلين بأمور:
1389
أولها أن الآية التي أفادت حلية صيد البحر هي التي منعت من صيد البر ما دام المكلف محرما وهي قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ
قلے
مَتَنعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِ مَا دُمْتُمْ حُرُمَا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ
تُحْشَرُونَ.
ووجه الدلالة من الآية هو أنه إن قلنا إن قيد "ما دمتم حرما" راجع إلى الجملتين المتعاطفتين كليهما كما عليه أكثر الأصوليين- فالآية جلية الوضوح أن صيد البحر حلال لمحرم الحالة والمكان.
ثانيها: أن إحرام الموضع كإحرام الحالة في الأمور كلها، فلزم أن يكون
مثله في صيد البحر إذ لا دليل مفرق إلا عموم قوله "ولا ينفر صيدها".
(1) ابن قدامة، المغني، ج 5، ص 180 (طبعة هجر).
(2) المجد ابن تيمية، المحرر، ج 1، ص 242، وابن حزم المحلى، ج 7، ص 235، وابن ج 7،
عابدين، رد المحتار، ج 2، ص 561. (3/389)
صفحة 1153
الرائد
(ra.)
والعموم دلالته ظنية والقياس السابق ظني الدلالة لكنه أقوى من عموم
العام إذ فروعه الأخرى كالجزاء مجمع عليها، في حين أن
مختلف فيه.
هذا العام
عموم
ثالثها: لا يحرم صيد البحر فأشبه السباع والحيوان الأهلي".
وقد روى البيهقي عن أبي الحسن محمد بن أبي المعروف أنا بشر بن أحمد
أنا أحمد بن الحسين بن نصر ثنا علي بن المديني ثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة
قال:
أنا ابن جريج سئل عطاء عن بركة القسري" - وهي بركة عظيمة في الحرم- أيصاد؟ قال: نعم، ووددت أن عندنا منها الآن.
ثاني الأمور المستثناة القمل، فقد سبق البيان أن المحرم قد اختلف أهل العلم في حكم قتله القمل، لكن إباحة قتل القمل متفق عليها في الحرم، لأن
(1) ابن قدامة المغني، ج 5، ص 180 (طبعة هجر).
(2) أمر بإنشائها سليمان بن عبد الملك بن مروان مضاهاة لبئر زمزم، فقام بالأمر خالد بن عبد الله القسري، غير أن الناس أصروا على زمزم إلى أن قامت دولة بني العباس فأزالها
داود بن علي بن عبد الله بن عباس الأزرقي، أخبار مكة، ج 2، ص 109.
(3) البيهقي، السنن الکبري، ج 5، ص 208. (3/390)
صفحة 1154
الرائد
(391)
علة المانعين من قتله في الإحرام هي الترفه بقتله وإزالته.
وهذه العلة غير متحققة في محظورات الحرم بل قص الشعر وتقليم الأظفار مما يباح لمن كان بالحرم غير متصف بوصف الإحرام اتفاقا بين أهل العلم.
ثالث الأمور: ذهب أبو حنيفة إلى أن الصوم لا يدخل في جزاء صوم الحرم وإن كان داخلا في جزاء صيد المحرم بنص الكتاب العزيز؛ لأنها غرامة وليس بكفارة فأشبه ضمان الأموال.
وهذا لأنه يجب بتفويت وصف في المحل وهو الأمن، والواجب على المحرم بطريق الكفارة جزاء على فعله؛ لأن الحرمة باعتبار معنى فيه وهو إحرامه، والصوم يصلح جزاء الأفعال لا ضمان المحال".
واعترض على السابق بأن قولهم إن قتل صيد الحرم غرامة وليس بكفارة
يلزم منه أن يجب على الصبي والمجنون وهم ينصون على أنه لا يلزمهم.
(1) ابن قدامة، المغني، ج 5، ص 180 (طبعة هجر)، والحجاوي، الإقناع، ج 1، ص 605 (2) الطحاوي، شرح مشكل الآثار، ج 12، ص 283، والسرخسي، المبسوط، ج 4، ص 104، وابن النجيم، البحر الرائق، ج 3، ص 46، والعثماني، إعلاء السنن، ج 7، ص 3428، وابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 146. (3/391)
صفحة 1155
الرائد
(392
لكن أجيب عن هذا الاعتراض بأنه وإن كانت غرامة إلا أن مستحق هذا الضمان هو الله تعالى فتجاذبه أصلان شبه الغرامة وشبه الجزاء فرتب على كل وجه مقتضاه فلا يدخله الصوم نظرا إلى أنه ضمان محل، ولا ضمان على الصبي والذمي نظرا إلى شبهه بالجواز.
سابعا: صيد البر يُدخل الحرم
اختلف فقهاء المسلمين فيمن ملك صيدا بوجه من الوجوه الشرعية في الحل، أله أن يدخل به الحرم أو ليس له ذلك؟
ذهب جماعة من الفقهاء إلى القول بأن ذلك أمر ليس فيه من الكراهة شيء بل له أن يدخل به الحرم وينتفع فيه بما شاء فهو كالنعم إذ سبب ملكه إياه مباح له في الشريعة فيحل له أن يتصرف فيه كما يشاء داخل الحرم". ثم إنه قد جاء أن هشام بن عروة قد قال كان ابن الزبير تسع سنين يراها
في الأقفاص وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا يرون به بأسا.
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 24، ص،178 وص،180، والغزالي، الوسيط، ج 2، ص 700، والكندي، المصنف، ج 8، ص 217، والنووي، المجموع، ج 7، ص 372. (2) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 203، وابن قدامة، المغني، ج 5، ص 181 (طبعة
هجر). (3/392)
صفحة 1156
الرائد
1393
كما استدل لهذا الرأي بحديث أنس بن مالك قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل علينا ولي أخ صغير يكنى أبا عمير، وكان له نغر يلعب به فمات فدخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم فرآه حزينا فقال: ما شأنه؟ قالوا: مات نغره، فقال: يا أبا عمير ما فعل النغير.
والحديث باللفظ السابق أخرجه أبو داود، ووجه الشاهد فيه أنه
احتفظ بالنغر -وهو صيد - في المدينة وقد أقره على ذلك.
قال الطحاوي فهذا قد كان بالمدينة ولو كان حكم صيدها كحكم صيد مكة لما أطلق له رسول الله له الحبس النغير ولا اللعب به كما لا يطلق ذلك
بمكة (2).
غير أن الحديث ليس بنص في الموضوع فقد لا يسلم الخصم بحرمية المدينة، ولئن سلم فقد يكون الأمر قبل أن يحرم النبي صلى الله عليه وسلم ما بين لابتيها، ثم إن الحديث ساكت عن محل الشاهد وهو أن هذا النغير قد جيء به من خارج
الحرم.
وذهب آخرون إلى كراهة إدخال الصيد الحرم فمن ملك صيدا في الحل
(1) كتاب: الأدب، باب ما جاء في الرجل يتكنى وليس له ولد (4969).
(2) الطحاوي، شرح معاني الآثار، ج 4، ص 195. (3/393)
صفحة 1157
الرائد
(394
ثم أدخله الحرم لزمه رفع يده عنه وإرساله، فإن تلف في يده أو أتلفه لزمه ما يلزم متلف الصيد من المحرمين، بل بالغ بعض هؤلاء فقالوا بدفن لحم الصيد إن أدخل الحرم".
وهؤلاء لأصلهم السابق قال جماعة منهم بأن المبتلى إن لم يرسل الصيد أو باعه فعليه الجزاء، وإن كان قائم العين حيا ردّ البيع.
محرم
والحجة التي يستند عليها أرباب هذا القول
هي أن الحرم نفسه سبب الصيد وموجب ضمانه فحرم استدامة إمساكه كالإحرام، ثم إنه صيد
ذبح في الحرم فلزم الجزاء كما لو صاده منه.
ومما يؤيد قول الأولين أن الحديث جاء النهي فيه بلفظ: ولا ينفر
صيدها، والذي صيد في الحل لا يصدق عليه في اللغة ولا العرف أنه من
صيد الحرم فلا يشمله الحديث.
(1) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 332، والكندي، بيان الشرع، ج 24، ص 170، والكندي، المصنف، ج 8، ص 217، وابن قدامة، المغني، ج 5، ص 180 (طبعة هجر)، والشماخي،
6
الإيضاح، ج 2، ص 384، والقطب شرح كتاب النيل، ج 4، ص 117. (3/394)
صفحة 1158
الرائد
المطلب الثالث: شجر الحرم
أولا: حرمة شجر مكة
1395
تبين من أحاديث المطلب السابق أن مما حفظ في الحرم تكريما وتشريفا
للبيت العتيق الشجر كما في قوله: "ولا يعضد شجرها، ولا ينفر صيدها، ولا يختلى خلاها".
(1)
والخلى هو الرطب من الكلأ، أما الحشيش فهو اليابس منه، وقد أجمع
الفقهاء على الحكم السابق من حيث الجملة).
وبين من النصوص السابقة أن الانتهاك فيها كان لأمور فيها فائدة ومصلحة لذا فالمذكورات كلها أشجار خضراء، ومن هنا قال جماعة من الفقهاء بل حكي الاتفاق عليه أنه لا بأس بقطع اليابس من الشجر
والحشيش؛ لأنه بمنزلة الميت.
(1) الذي عليه أكثر الشراح أنه مقصور، وجاء في رواية أنه بالمد.
(2) النووي، المجموع، ج 7، ص 377، وابن قدامة المغني، ج 5، ص 185 (طبعة هجر)،
والزركشي، الديباج، ج 1، ص 412.
6
(3) ابن جعفر الجامع، ج 3، ص 373، والكندي، المصنف، ج 8، ص 222، وابن قدامة،
المغني، ج 5، ص 186 (طبعة هجر)، وابن جماعة، هداية السالك، ج 2، ص 866، وابن (3/395)
صفحة 1159
الرائد
1396
واختلفوا فيما قطعه آدمي أيحل الانتفاع به لغير القاطع، أباحه بعضهم
لأنه انقطع بغير فعله فأبيح له الانتفاع به كما لو قطعه حيوان بهمي. وفرق ما بينه والصيد أن قاتل الصيد مسلوب الأهلية فلا تصح ذكاته،
ومنه يكون المذكى ميتة ولا يحل لأحد أكل الميتة.
ثانيا: قطع ورق الشجر
جاءت النصوص النبوية مانعة من قطع الشجر ولم تتعرض للورق فاختلف الفقهاء فيه، قال بعضهم يحل أخذه لأنه لا يضر بالشجر"، وكان عطاء يرخص في أخذ ورق السني يستمشى به ولا ينزع من أصله. أما الآخرون فرأوا أن للورق حكم أصوله من الشجر؛ لأن ما حرم
أخذه حرم كل شيء منه كريش الطائر ".
النجيم، البحر الرائق، ج 3، ص 46، والسالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 165،
والقطب شرح كتاب النيل، ج 4، ص 124.
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 24، ص 170، وابن قدامة المغني، ج 5، ص 186 (طبعة
هجر).
(2) ابن جماعة، هداية السالك، ج 2، ص 869.
(3) ابن قدامة المغني، ج 5، ص 187 (طبعة هجر)، (3/396)
صفحة 1160
الرائد
(397)
ثالثا: أقسام النابت في أرض الحرم
لا يخلو الناب في أرض الحرم من أن يكون شجرا أو غير شجر،
فالشجر منه أقسام:
أولها: ما أنبته الله في الموات كالأراك، وهذا لا يجوز قطعه عند الاختيار باتفاق علماء المسلمين.
ثانيها: ما غرسه الآدميون في أملاكهم مما لا ينبت جنسه بنفسه في الحرم كالنخيل والرمان والأترج والكرم، وقطع هذا مباح كالنعم التي يجوز ذبحها
في الحرم.
ثالثها: أن يكون الشجر مما أنبته الله في الأملاك دون الموات، فهذا
كالأول لا يجوز قطعه.
رابعها أن يكون الشجر مما أنبته الآدميون لكن في الفلوات لا الأملاك، وفيه وجهان المنع لعموم ولا يعضد شجرها، والجواز لكونه كالحيوان
الأهلي.
(1) الشجر من النبات ما قام على ساق، وقيل الشجر كل ما سما بنفسه دق أو جلّ، قاوم الشتاء أو عجز عنه. الفيروز أبادي، القاموس المحيط، ص 530، وابن منظور، لسان العرب، ج 4، ص 394. (3/397)
صفحة 1161
الرائد
398
أما النابت من غير الشجر فقسمان:
أولهما: ما زرعه الآدميون كالبقول والحبوب وسائر الخضروات، وهذا
حكمه في الحرم كحكمه خارجه.
ثانيهما: ما نبت بغير زراعة الآدميين، وهذا أقسام:
القسم الأول: الإذخر، وهو جائز الأخذ والقطع بنص الحديث.
القسم الثاني: ما كان دواء كالسناء، وهذا جائز الأخذ والقطع. القسم الثالث ما كان شوكا، وهذا جائز القلع أيضا؛ لأنه مؤذ فشابه البهائم المؤذية كالسباع.
القسم الرابع الحشيش، وهذا غير جائز القلع لحديث "ولا يختلى
خلاها".
النابت في الأرض الحرم أنواع اتفق الفقهاء على بعضها من حيث إباحة الأخذ كالإذخر) الذي جرى النص على جوازه، كما ذكر غير واحد من
(1) قال قطب الأئمة: الإذخر نبت طيب الرائحة تصنع منه الحصر وتسقف به البيوت ما بين الخشب، ويسد به أهل مكة الخلل بين اللبنات في القبور، قضبانه دقاق وأصوله مندفنة، قال الشيخ إسماعيل: هو السَخْبَر بلغة أهل عمان ... ويسمونه الأشنان يغسلون به (3/398)
صفحة 1162
الرائد
399
الفقهاء الاتفاق على جواز أخذ ما أنبته الآدمي من غير الأشجار كالبقول والزروع والرياحين والحنطة والخضروات".
أما الشجر البري الذي لم ينبته آدمي بل هو نابت بنفسه ولم يكن من جنس ما ينبته الآدميون فالاتفاق حاصل بين الفقهاء أنه يمنع من أخذه. غير أن الخلاف الحاصل بينهم إنما هو في الشجر الذي ينبته الآدمي وليس نابتا بنفسه في الحرم، وقد كان خلافهم على أقوال:
قلعه من غير ضمان كالزروع، وقد نسب هذا القول إلى
أولها: يصح الجمهور من أهل العلم".
أيديهم. القطب شرح كتاب النيل، ج 4، ص 116، وابن وصاف، شرح الدعائم، ج 1،
ص 346.
(1) ابن جماعة، هداية السالك، ج 2، ص 871
(2) ابن المنذر الإجماع، ص 78، والكندي، المصنف، ج 8، ص 221، وابن قدامة، المغني، ج 5، ص 185) (طبعة هجر)، والزركشي، الديباج، ج 1، ص 412، والشربيني، الإقناع، ج 1، ص 270، والسالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 163.
(3) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 103، وابن قدامة، المغني، ج 5، ص 185 (طبعة هجر)، والشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 384، وابن حجر، فتح الباري، ج 4، ص 44، وابن
النجيم، البحر الرائق، ج 3، ص 46، والسالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 163. (3/399)
صفحة 1163
الرائد
(400)
ثانيها: ما نبت في الحل ثم غرس في الحرم فلا جزاء فيه، وما نبت أصله في الحرم ففيه الجزاء بكل حال.
ثالثها: لا يجوز قلعه بكل حال؛ إذ هو من شجر الحرم، وقد جاء الحديث عاما "لا يعضد شجرها ").
كما اختلفوا في الشوك أيجوز قطعه، فقال جماعة لا حرج في قطعه؛ لأنه يؤذي بطبعه فجاز كما هو الحال في الفواسق تقتل في الحل والحرم"، وخالف هذا الرأي آخرون فمنعوا من قطعه).
وهذا أولى القولين بالقبول إذ الخبر عن سيد البشر صلى الله عليه وسلم نص في شأنه "ولا
يعضد شوكها".
الفارق،
والقياس الذي ذكروه مع كونه فاسد الاعتبار هو قياس مع وذلك أن الفواسق تؤذي بطبعها وهي تقصد الإيذاء وتنطلق إليه، أما الشوك
(1) ابن قدامة، المغني، ج 5، ص 185 (طبعة هجر).
(2) البغوي، شرح السنة، ج 4، ص 413، والصنعاني العدة، ج 3، ص 1209، والزركشي، الديباج، ج 1، ص 412، والشربيني، الإقناع، ج 1، ص 270.
(3) البغوي، شرح السنة، ج 4، ص 412، والصنعاني، العدة، ج 3، ص 1209، وابن جماعة، هداية السالك، ج 2، ص 866، والزركشي، الديباج، ج 1، ص 412.
(4) ابن قدامة، المغني، ج 5، ص 186 (طبعة هجر)، والحجاوي، الإقناع، ج 1، ص 606. (3/400)
صفحة 1164
الرائد
فلا يؤذي إلا من قصده بنفسه فحاله أقل من حال الفواسق.
وإن تعين الإيذاء وعسر درؤه حتي عمت به البلوى فالحال يختلف غير أن كلامنا في الأصل.
كما اختلفوا في تسريح البهائم في مراعي الحرم الجائزة، فقال جماعة بالجواز واستدلوا بأمور:
أولها: حديث عبد الله بن عباس الله أنه قال: أقبلت راكبا على حمار أتان وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار فمررت بين يدي بعض الصف فنزلت وأرسلت الأتان ترتع ودخلت في الصف فلم ينكر ذلك علي أحد.
والحديث أخرجه الربيع) والبخاري ومسلم، والشاهد فيه أن
مني
(1) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 375، والكندي، بيان الشرع، ج 24، ص 190، والبسيوي، جامع أبي الحسن، ج 2، ص 286، والسرخسي، المبسوط، ج 4، ص 104، واللخمي، مختصر خلافيات البيهقي، ج 3، ص 243، والغزالي الوسيط، ج 2، ص 702، وابن النجيم، البحر الرائق، ج 3، ص 47، وابن جماعة هداية السالك، ج 2، ص 871، والقطب شرح كتاب النيل، ج 4، ص 124.
(2) کتاب الصلاة، باب: في القعود في الصلاة والتحيات (245).
(3) کتاب العلم باب متى يصح سماع الصغير (76). (3/401)
صفحة 1165
الرائد
من الحرم ومع ذلك أرسل ابن عباس أتانه ترتع فيها دون أن ينكر عليه أحد فعله ذلك مما يفيد الإباحة
ثانيها: أن الهدي كان يدخل الحرم بكثرة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وزمن أصحابه
ولم ينقل عن أحد الأمر بسد أفواه الهدي عن الأكل من نبات الحرم"
ثالثها: أن أصل النهي ما كان إلا للحفظ على البهائم والصيود".
رابعها: رفع الحرج عن الزائرين).
خامسها: أنه جرى النص من قبل الشارع على أن علف البهائم مستثنى من النهي العام في حرم المدينة النبوية، وحرمة مكة كحرمة المدينة، والحكم السابق جاء من حديث أبي سعيد الخدري له أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
اللهم إن إبراهيم حرم مكة فجعلها حرما، وإني حرمت المدينة حراما ما بين مأزميها أن لا يهراق فيها دم، ولا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا تخبط فيها
(1) کتاب الصلاة، باب: سترة المصلي (504).
(2) ابن قدامة، المغني، ج 5، ص 188 (طبعة هجر).
(3) الغزالي، الوسيط، ج 2، ص 702، وابن جماعة، هداية السالك، ج 2، ص 871. (4) ابن النجيم، البحر الرائق، ج 3، ص 47. (3/402)
صفحة 1166
الرائد
شجرة إلا لعلف.
وذهب آخرون إلى المنع منه، واحتجوا بأن ما حرم إتلافه لم يجز أن
يرسل عليه ما يتلفه كالصيد، وبعموم قوله "ولا يختلى خلاها".
كما احتج هؤلاء بحديث حجاج وعبد الملك عن عطاء عن عبيد بن عمير أن أن عمر بن الخطاب رأى رجلا يقطع من شجر الحرم ويعلفه بعيرا له، قال: فقال علي بالرجل، فأتي به فقال: يا عبد الله، أما علمت أن مكة حرام لا يعضد عضاهها، ولا ينفر صيدها، ولا تحل لقطتها إلا لمعرف؟
فقال: يا أمير المؤمنين والله ما حملني على ذلك إلا أن معي نضوا لي فخشيت أن لا يبلغني أهلي وما معي زاد ولا نفقة، فرقّ عليه بعدما هم به، وأمر له ببعير من إبل الصدقة موقرا صحيحا فأعطاه إياه، وقال: لا تعودن أن
تقطع من شجر الحرم شيئا.
(1) أخرجه مسلم، کتاب الحج، باب: الترغيب في سكنى المدينة (1374). (2) الطحاوي، شرح مشكل الآثار، ج 8، ص،176، والكندي، بيان الشرع، ج 24،
ص 165.
(3) الطحاوي، شرح مشكل الآثار، ج 8، ص،178 وابن قدامة، المغني، ج 5، ص 188،
والشنقيطي، أضواء البيان، ج 1، ص 450.
(4) الطحاوي، شرح مشكل
الآثار، ج 8، ص 177. (3/403)
صفحة 1167
الرائد
رابعا: حالات التعرض لخلا الحرم
جاء في الحديث المانع أن العباس عم النبي الطلب من النبي صلى الله عليه وسلم استثناء
الإذخر من جملة الخلى الذي نص على تحريمه في الحديث وقد طلب هذا الاستثناء لكون حاجة الناس إليه داعية فإنه لقينهم ولبيوتهم كما جاء في الخبر، ونظرا لهذه الضرورة التي يقع الناس فيها بسبب المنع رخص النبي صلى الله عليه وسلم في الإذخر.
وجاء في بعض روايات تحريم المدينة استثناء علف الدواب كما في حديث: اللهم إن إبراهيم حرم مكة فجعلها حرما، وإني حرمت المدينة حراما ما بين مأزميها أن لا يهراق فيها دم ولا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا تخبط فيها شجرة إلا لعلف.
ومن السابق اختلف الفقهاء أيقاس على الإذخر غيره أو يقتصر فيه على
مورد النص فلا يستثنى إلا ما استثناه الشارع من الأشجار".
الذي يظهر أن إباحة الإذخر من قبل النبي صلى الله عليه وسلم ما كانت إلا بسبب عموم
البلوى به.
(1) أخرجه مسلم، کتاب الحج، باب الترغيب في سكنى المدينة (1374).
(2) الغزالي، الوسيط، ج 2، ص 701. (3/404)
صفحة 1168
الرائد
ه.
وما تعم به البلوى: هو الحادثة التي تقع شاملة مع تعلق التكليف بها،
ويعسر احتراز المكلفين أو المكلف منها، أو استغناء المكلف أو المكلفين عن العمل إلا بمشقة زائدة تقتضي التيسير والتخفيف
والترخيص في مسألة ما عدا الإذخر مما تعم به البلوى يكون بأحد
أمرين:
أولهما: القياس على الإذخر والعلة الجامعة هي الحاجة العامة للناس التي أومأ إليها سؤال العباس، والتخصيص للعموم بالقياس مذهب الجمهور من أهل العلم.
ثانيهما: تخصيص عموم النص بالمصلحة العامة المستندة على أصول كثيرة أفادت قطعية الحكم الذي جاءت به، ومن تلك الأصول مبدأ دفع الحرج ورفع الضرر، واعتبار مآلات الأفعال، والضرورات تبيح المحظورات.
والتخصيص بالمصلحة المرسلة وإن كان يورث هاجس خوف عند جماعة إلا أن الواقع أن التخصيص به ما كان لأن المصلحة دليل مستقل بذاته
(1) الدوسري، عموم البلوى، ص 61.
(2) الرازي، المحصول، ج 2، ص 148، والسبكي، الإبهاج، ج 2، ص 176، والزركشي، البحر المحيط، ج 2، ص 501، والسالمي، طلعة الشمس، ج 1، ص 157. (3/405)
صفحة 1169
الرائد
أو مصدر تشريعي بل لاعتماد المصلحة على أدلة متفق عليها بين العلماء كالأمور التي ذكرناها سابقا فالتخصيص كان بتلك الأدلة لا بذات
المصلحة (1).
والظاهر أنه على الأصل السابق عمل الصحابة له فعمر بن الخطاب قد منع الصحابة من التزوج بالكتابيات لمصلحة المسلمات، ولمصلحة الدولة من خطرهن إذ إنه قد يبقى ولاؤهن لأقوامهن فيكن سببا لخطر قد يداهم الدولة الإسلامية من قبلهن، وغير خاف أن هذا الاجتهاد منه له تخصيص
للنصوص العامة المبيحة للزواج منهن، وغير ذلك من الاجتهادات.
وبعض الخلى الذي في الحرم قد يكون من أسباب العسر والمشقة في سبيل تعبيد الطرق وتنظيمها على وجه يدفع عن الناس شر الزحام الذي لا نزال عاما بعد آخر نسمع عن ضحاياه بأنهم مآت من الحجاج.
ثم إنه قد مضى القول في الصيد أنه إن كان سببا للتعدي على الإنسان المحرم قتله المحرم ولا جزاء عليه، وقد جاء النص أن الفواسق تقتل في الحل والحرم، وما ذلك إلا لكون هذه الفواسق الأصل فيها أن تعدو على الإنسان
و تضر به.
(1) الدريني، المناهج الأصولية، ص 491. (3/406)
صفحة 1170
الرائد
07
وعليه فنقول إن الأصل الذي قضت به عمومات الشريعة عدم جواز التعرض لخلا الحرم في حال السعة والاختيار، أما إن تعارض ذلك مع مصالح أخر يؤدي إهمالها إلى وقوع الناس من حجيج وغيرهم في العسر والمشقة البالغة الموجبة للترخيص فيكون إعمال الأدلة الرافعة للمشقة أولى لثبوتها بأدلة تكاد تفوت الحصر في وقائع مختلفة، فيزال الخلى بقدر الضرورة، وما خرج عن حد الضرورة لم يجز التعرض له.
وتقدير الضرورات وهل هي مما تباح بسببه المحضورات خاصة فيما يتعلق شأنه بعموم المسلمين تعجز جهود الأفراد عن الإحاطة بمقتضياته بل
لا بد من تظافر جهود الفقهاء والخبراء في اجتهاد جماعي يكون الوصول فيه إلى الأقرب من مقاصد الشارع الكريم في تشريع أحكامه فتراعى النصوص وتبقى لها قدسيتها ولا تنتهك إلا بقدر ما تحتمه الضرورة التي لا مناص
منها.
خامسا: تعلق الضمان بشجر الحرم الممنوع
سبق ذكر الخلاف في صيد الحرم أيلزم متلفه الضمان أو لا يلزمه، والملزمون -وهم الجمهور - قاسوه على صيد المحرم، وللناس خلاف فيمن أتلف من شجر الحرم أيلزمه الضمان أو لا مع الاتفاق على حرمة التعمد (3/407)
صفحة 1171
الرائد
للإتلاف دون اضطرار إليه، وأن المتلف في حال لا يعذر به آثم.
ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه لا يلزم الضمان بإتلاف شجر الحرم،
وقد استدلوا لذلك بأمور:
أولها: لم يرد نص شرعي موجب للجزاء في حق من أتلف شيئا من شجر
الحرم فيبقى الأمر على أصل براءة الذمة).
ثانيها: المحرم لا يضمنه في الحل فلا يضمن في الحرم.
وقال آخرون وهم الجمهور - إنه يجب الضمان بإتلاف شجر الحرم".
واستدلوا لقولهم بأمور:
أولها: حديث سفيان عن داود بن شابور عن مجاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: في
(1) مالك الموطأ، ج 1، ص 420، وابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 392، والغزالي،
الوسيط، ج 2، ص 702، والنووي، المجموع، ج 7، ص 377.
(2) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 164. (3) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 374، والبسيوي، الجامع، ج 2، ص 286، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 313، والسرخسي، المبسوط، ج 4، ص 103، والكندي، المصنف، ج 8، ص،222، والنووي، المجموع، ج 7، ص 377، وابن قدامة، المغني، جه،
ص 188 (طبعة هجر)، والسالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 163. (3/408)
صفحة 1172
الرائد
الدوحة إذا قطعت من أصلها بقرة.
والحديث لم أجده مسندا ولكن نقله الماوردي).
ثانيها: قياس شجر الحرم على الصيد بجامع التحريم والحرمة".
ثالثها: ما روي من آثار عن الصحابة.
وقد اختلف القائلون بالجزاء فيه، فمنهم من قدر الشجرة الكبيرة ببقرة،
والصغيرة بشاة والحشيش بقيمته، وقال آخرون بل ينظر إلى القيمة فتخرج
وليس ثمة مقدار محدود).
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 311.
(2) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 164.
(3) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 374، والبسيوي، جامع أبي الحسن، ج 2، ص 286، والغزالي الوسيط، ج 2، ص 702، وابن قدامة، المغني، ج 5، ص 189 (طبعة هجر).
(4) العثماني، إعلاء السنن، ج 7، ص 3487. (3/409)
صفحة 1173
الرائد
(E.)
المبحث السابع: الحرم المدني
أولا: الخلاف في حرمية المدينة
جاءت نصوص نبوية عن جماعة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم مفيدة أن للمدينة حرمة كحرمة مكة أمر بها النبى الله من ذلك حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلع له أحد فقال: هذا جبل يحبنا ونحبه، اللهم إن إبراهيم حرم مكة وأنا أحرم ما بين لابتيها. كما جاء الحكم السابق من حديث عباد بن تميم عن عمه عبد الله بن زيد بن عاصم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها، وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة، وإني دعوت في صاعها ومدها بمثلي دعا به إبراهيم لأهل مكة".
ما
وجاء الحكم السابق من حديث أبي بكر بن محمد عن عبد الله بن عمرو بن عثمان عن رافع بن خديج قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن إبراهيم حرم مكة،
(1) أخرجه الربيع في كتاب الحج، باب في المواقيت والإحرام (397)، والبخاري من طريق مالك عن عمرو مولى المطلب عن أنس بن مالك في كتاب المغازي، باب أحد يحبنا ونحبه (3856).
(2) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب: فضل المدينة (1360). (3/410)
صفحة 1174
الرائد
وإني أحرم ما بين لابتيها - يريد المدينة).
وغير ذلك من الروايات، وقد نص شراح الحديث أن تحريم المدينة كان
بعد قفول النبي من خيبر، لذا ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أن للمدينة حرمة كحرمة مكة (3).
وذهب آخرون إلى عدم حرمية المدينة النبوية، وقد استدلوا بأمور:
أولها: حديث عمرو بن أمية كان يتصيد بالعقيق.
قال ابن حزم وهذا لا حجة لهم فيه لأنه خبر لا يصح ولو صح لكان
(1) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب: فضل المدينة (1361).
(2) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 160.
(3) ابن حزم المحلى، ج 7، ص 236، والكندي، بيان الشرع، ج 24، ص 181، وص 189، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 326، وابن قدامة، المغني، ج 5، ص 190 (طبعة هجر)، والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 6، ص 306، والسالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 162.
(4) الخطابي، سنن أبي داود مع معالم السنن، ج 2، ص 363، والكندي، بيان الشرع، ج 24،
105،
ص 189، والسرخسي المبسوط، ج 4، ص 105، والسالمي جوابات الإمام السالمي
ج 2، ص 174. (3/411)
صفحة 1175
الرائد
412
ذلك ممكنا أن يكون قبل تحريم الحرم بالمدينة والنهي عن صيدها.
ثانيها: حديث عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي وفهد بن سليمان حدثانا
قالا: ثنا أبو نعيم، قال ثنا يونس بن أبي إسحاق، عن مجاهد قال: قالت عائشة
كان لآل رسول الله صلى الله عليه وسلم وحش فإذا خرج لعب واشتد وأقبل وأدبر فإذا أحس برسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد دخل ربض فلم يترمرم كراهية أن يؤذيه. والحديث أخرجه مستدلا به الطحاوي، لكن قال ابن حزم وهو خبر لا يصح ثم لو صح لما لما كانت فيه حجة لأن الصيد إذا صيد في الحل ثم أدخل في الحرم حل ملكه.
ثالثها: أن الصحابة لم يتحرجوا في المدينة تحرجهم في مكة حتى كانت
لهم وقائع وأحوال كثيرة.
رابعها أن تحريمها مما تعم به البلوى لا يكاد مثله يخفى، وثبت أن من
(1) ابن حزم، المحلى، ج 7، ص 236.
(2) الطحاوي، شرح معاني الآثار، ج 4، ص 195.
(3) ابن حزم المحلى، ج 7، ص 236.
ج 7،
(4) السالمي، جوابات الإمام السالمي، ج 2، ص 174. (3/412)
صفحة 1176
الرائد
413
خاف على نفسه التجأ إلى الحرم المكي ولم يثبت أن أحدا التجأ بالمدينة. خامسها من أراد دخول مكة لم يكن له أن يدخلها إلا حراما فكان
دخول الحرم لا يحل لحلال كانت حرمة صيده وشجره كحرمته في نفسه. أما المدينة فالجميع متفقون أنه لا بأس بدخولها للرجل حلالا، فلما لم تكن محرمة في نفسها كان حكم صيدها وشجرها كحكمها في نفسها، وكما كان صيد مكة إنما حرم الحرمتها ولم تكن المدينة في نفسها حراما لم يكن صيدها ولا شجرها حراما).
ويعترض على هذا الدليل بأمور:
أولها: عدم التسليم بمنع دخول مكة إلا بإحرام، بل الراجح الذي تفيده الأدلة أن الإحرام يجب على من أراد من دخوله مكة حجا أو عمرة، أما من لم يرد أحد النسكين فلا يلزمه للدخول إحرام، وقد تقدم ذلك مقررا بدليله.
ثانيها: هذا التقرير من القائلين بعدم حرمية المدينة لا يعدو أن يكون اجتهادا في مقابل النص فيرد.
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 327، والسالمي، جوابات الإمام السالمي، ج 2، ص
IVE
(2) الطحاوي، شرح معاني الآثار، ج 4، ص 196، والسرخسي، المبسوط، ج 4، ص 105. (3/413)
صفحة 1177
الرائد
(414
سادسها: حديث أنس في قطع النخل يوم الهجرة).
واعترض على هذا الأخير بأن قطع النخل كان في أول سني التشريع
المدني، أما تحريم المدينة فكان بعد الرجوع من خيبر".
وأجاب هؤلاء عن حديث تحريم المدينة بأنه حديث مضطرب، وبيان ذلك أنه قد جاء بلفظ ما بين جبليها، وفي رواية ما بين لابتيها، وفي رواية: مأزميها.
لكن هذا الجواب فيه ضعف، وذلك أن الاضطراب المسقط للرواية هو ما لا يمكن معه الجمع بين الروايات أو الترجيح بينها، والواقع هنا أن الجمع ممكن كما أن الترجيح ممكن، فلا يعل الحديث بالاضطراب.
سابعها: حديث موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبيه عن أبي سلمة عن سلمة بن الأكوع قال: كنت أرمي الوحش وأهدي لحومها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وفقدني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
يا سلمة، أين تكون؟ قلت تباعد على الصيد يا رسول الله، وأنا أصيد
(1) أخرجه مسلم في كتاب الصلاة، باب ابتناء مسجد النبي (524).
(2) ابن حجر، فتح الباري، ج 4، ص 83.
(3) ابن حجر، فتح الباري، ج 4، ص 83. (3/414)
صفحة 1178
الرائد
(415
بصدور فزارة من كذا، فقال: أما إنك لو كنت تصيد بالعقيق لشيعتك إذا ذهبت وتلقيتك إذا جئت؛ فإني أحب العقيق.
ووجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم قد دل على الصيد وهو في المدينة، ولو كانت
المدينة حرما لما دل على الصيد وهو فيها كما هو الحكم في مكة المكرمة.
ولكن الاستدلال بالحديث السابق يظهر عليه الضعف من وجوه:
(3)
أولها: ضعف الحديث إذ إنه قد أخرجه الطحاوي، والبيهقي من
طريق موسى بن محمد بن إبراهيم، وهو غير مقبول الرواية إذ إنه قد قال البخاري: في حديثه مناكير، وقال النسائي: منكر الحديث، وقال ابن حبان: ساقط الاحتجاج
ثانيها: عدم التسليم بعدم جواز دلالة من يحل له الصيد من قبل من يحرم عليه، بل الأظهر جوازه لعدم الدليل المانع، وقد سبق تقرير ذلك بدليله
(1) الطحاوي، شرح معاني الآثار، ج 4، ص 196. (2) الطحاوي، شرح معاني الآثار، ج 4، ص 196. (3) البيهقي، معرفة السنن والآثار، ج 4، ص 206.
(4) البخاري، الضعفاء الصغير، ص 107. (5) النسائي الضعفاء والمتروكين، ص 95. (6) ابن حبان، المجروحين، ج 2، ص 241. (3/415)
صفحة 1179
الرائد
416
في مبحث محظور قتل الصيد للمحرم.
ثالثها: أن من المقرر في أصول المذهب الحنفي أنه إن تعارضت عبارة النص مع إشارته قدمت عبارة النص لقوتها، فكيف بك والحال هنا أن الأدلة المفيدة حرمة المدينة في أعلى مراتب الوضوح وهي نصوص في إفادة حكم
الحرمية.
أما إفادة مثل هذا الدليل نفي حرمية المدينة فإشارية بعيدة غير واضحة أن الكثيرين لا يسلمون بالأصل الالتزامي لها كما تقدم، وعليه
فضلا عن
فالأدلة المفيدة للحرمية أولى مما أفاد عدمها.
ثانيا: ما استثني من مبدأ حرم المدينة
تقدم أنه مما استثنى الشارع من شجر الحرم المكي نبات الإذخر لحاجة الناس إليه، وبينا حينها أن كل ما تتعين المصلحة في إزالته أزيل ولا على وفق الضوابط.
حرج فيه
والحال في الحرم المدني كالحال في الحرم المكي إذ الأحكام العامة للشريعة واحدة غير أن أهل مكة كانت حاجتهم في نبات الإذخر فاستثناه الشارع لهم، وقد تكون حاجة أهل المدينة مختلفة فيراعوا فيما اضطرت إليه أحوالهم. وقال ابن قدامة إن الإمام أحمد روى حديث جابر بن عبد الله أن النبي (3/416)
صفحة 1180
الرائد
(417)
لما
حرم المدينة قالوا: يا رسول الله، إنا أصحاب عمل وأصحاب نضح،
وإنا لا نستطيع أرضا غير أرضنا، فرخص لنا، فقال: القائمتان والوسادة
والعارضة والمسند، فأما غير ذلك فلا يعضد ولا يخبط منها شيء.
والحديث أورده ابن قدامة ومن تابعه من مصنفي الحنابلة منسوبا إلى مسند الإمام أحمد، وقد بحثت عنه في المسند المذكور فلم أجده لأنظر إسناده.
ثالثا: وجوب الجزاء في صيد المدينة
تبين من السابق أن مذهب الجمهور من أهل العلم الذي تؤيده أحاديث كثيرة هو القول بحرمة المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة وأزكى التسليم، غير أن هؤلاء القائلين بحرمتها مختلفون أيجب على منتهك حرمتها
جزاء كما يجب على منتهك حرمة مكة المكرمة.
أما ما ذهب إليه بعض العلماء من أن الخلاف في الجزاء مبني على الخلاف في تحريم المدينة، فمن قال بالتحريم أوجب الجزاء، ومن لم يقل بالتحريم لم يجب الجزاء عنده، ففيه نظر؛ إذ الواقع أنه لا تلازم بين التحريم وثبوت الجزاء في صيد المدينة، فالجمهور من العلماء قائلون بالتحريم غير موجبين
(1) السالمي، جوابات الإمام السالمي، ج 2، ص 173. (3/417)
صفحة 1181
الرائد
418
للجزاء لثبوت التحريم بالنص وعدم شغل الذمة بالجزاء في نصوص
الشارع.
ثم إن الجمهور غير الموجبين للجزاء استدلوا لعدمه بأن المدينة موضع
المدينة
يجوز دخوله بغير إحرام فلم يجب فيه جزاء كصيد وج، وبأن حرم ليس محلا للنسك فلم يكن فيه جزاء)، ولا يصح قياس المدينة على حرم مكة
لأنه لو كان حرم المدينة كحرم مكة ما جاز دخولها إلا بالإحرام فافترقا. كما استدل النافون لوجوب الجزاء في صيد المدينة بعموم قوله صلى الله عليه وسلم في الصحيح "المدينة حرم ما بين عير إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة
(1) ابن قدامة، المغني، ج 5، ص 191 (طبعة هجر)، والشربيني، الإقناع، ج 1، ص 270، والسالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 162، والشنقيطي، أضواء البيان، ج 1،
ص 455.
(2) ابن قدامة، المغني، ج 5، ص 191 (طبعة هجر)، الشنقيطي، أضواء البيان، ج 1، ص
455
(3) الشربيني، الإقناع، ج 1، ص 270.
(4) ابن العربي، أحكام القرآن، ج 2، ص 203. (3/418)
صفحة 1182
الرائد
صرفا ولا عدلا.
ووجه الدلالة منه أن الرسول صلى الله عليه وسلم أرسل الوعيد الشديد ولم يذكر
كفارة (2).
وذهب آخرون إلى وجوب الجزاء في الصيد المدني مستدلين بأنه صرح في الأحاديث الصحيحة المتقدمة بأنه حرم المدينة مثل تحريم إبراهيم لمكة،
و مماثلة تحريمها تقتضي استواءهما في جزاء من انتهك الحرمة فيهما). وجاءت الأخبار عن بعض صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر في موضوع حرمة المدينة والعقوبة لمنتهكها بأن الجزاء فيه هو أخذ سلب قاتل الصيد أو قاطع الشجر فيه، كما يدل عليه حديث عامر بن سعد أن سعدا ركب إلى قصره بالعقيق فوجد عبدا يقطع شجرا أو يخبطه فسلبه فلما رجع سعد جاءه أهل العبد فكلموه أن يرد على غلامهم أو عليهم ما أخذ من غلامهم فقال: معاذ
(1) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير باب ذمة المسلمين وجوارهم واحدة (3001)، ومسلم في كتاب الحج، باب: فضل المدينة (1370). (2) ابن العربي، أحكام القرآن، ج 2، ص 203، والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 6،
ص 307.
(3) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص،162، والشنقيطي، أضواء البيان، ج 1،
ص 455. (3/419)
صفحة 1183
الرائد
الله أن أرد شيئا نفلنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى أن يرد عليهم.
والحديث أخرجه مسلم باللفظ السابق.
420
ووجه الدلالة منه على المقصود ظاهر، وقد جاء بلفظ مقارب من
حديث سليمان بن أبي عبد الله: قال رأيت سعد بن أبي وقاص أخذ رجلا
يصيد في حرم المدينة الذي حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلبه ثيابه فجاء مواليه إليه.
(2)
والحديث أخرجه أحمد وأبو داود.
وذهب بعض الفقهاء إلى القول به وأنه حلال سلبه كل ما معه من زينة كمنطقة وسوار وخاتم وجبة وآلة الاصطياد إلا ما يستر عورته من
الثياب).
(1) کتاب الحج، باب: فضل المدينة (1364).
(2) أحمد بن حنبل، المسند، ج 1، ص 170.
(3) کتاب المناسك باب في تحريم المدينة (2037)
(4) ابن مفلح، الفروع، ج 3، ص 361.
(5) ابن العربي، أحكام القرآن، ج 2، ص 203، وابن حزم المحلى، ج 7، ص 263، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 327، وابن قدامة، المغني، ج 5، ص 192 (طبعة
هجر)، وابن حجر فتح الباري، ج 4، ص 84، والشوكاني، السيل الجرار، ج 2، ص 189، والغمراوي، السراج الوهاج، ص. س
170 (3/420)
صفحة 1184
الرائد
421
ونص بعض هؤلاء على عدم جواز أخذ الدابة إن كان المنتهك على دابة؛ لأنها ليست من السلب، وجواز أخذها في المعارك كان للاستعانة بها. واختلف الآخذون بحديث سعد في المنتهك لحرم المدينة إذا تاب ولم
يسلبه أحد أيجزيه الاستغفار بينه وربه، أم يلزمه الجزاء فوق ذلك". والجمهور الذين لا يأخذون بما يفيده حديث سعد السابق لهم طرائق في تعليل مأخذهم من ذلك أن منهم من قال إن هذا الحكم خاص بسعد الله بدليل قوله: نفلنيه).
ومنهم من قال إن الحديث منسوخ، وأنه في أول الأمر كان الشارع يعزر العاصين بأخذ المال كما هو الحال في حال مخفي الزكاة فإنها تؤخذ منه وشطر
ماله.
ثم نسخ ذلك في وقت نسخ الربا فرد الأشياء المأخوذة إلى أمثالها إن كان
لها أمثال، وإلى قيمتها إن كان لا مثل لها، وجعلت العقوبات في انتهاك في الأبدان لا في الأموال، وحديث سعد في أخذ سلب منتهك حرمة المدينة
(1) ابن قدامة، المغني، ج 5، ص 192) (طبعة هجر)، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص
328
(2) ابن مفلح الفروع، ج 3، ص 361.
(3) ابن العربي، أحكام القرآن، ج 2، ص 203، والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 6،
ص 307 (3/421)
صفحة 1185
الرائد
422
يعامل مثل هذه فيكون حكمه منسوخا.
ومع قوة مذهب الجمهور في عدم الأخذ بحديث سعد إلا أن هذين التوجيهين المذكورين ضعيفان.
بيان ذلك أن أولهما وهو التخصيص الذي قيل به في دفع الحكم يتعارض والحديث العام الذي ذكره سعد بن أبي وقاص، فيكون قوله: نفلنيه تطبيقا
للحكم العام فلا يخص به سعد، إذ الاستدلال بالنص العام لا بقول سعد. أما كون الحكم منسوخا فلا يسلم به إذ الظاهر أن التعزير بالمال أمر مستقر حكمه لولي أمر المسلمين العمل به إذا ما كانت المصلحة متعينة في الأخذ به كما هو الحال الآن في كثير من القضايا.
وكون التعزير بالمال منسوخا بحرمة الربا فأمر لا يسلم به من حيث إن أدلة تحريم الربا بنوعيه لا جامع بينها والتعزير بالمال فتلك في عقود المعاوضات، وهذه لا مكان للمعاوضة فيها فلا جامع بينهما ومنه لا تصلح
دليلا للنسخ.
على أن من القواعد المتأصلة عند الحنفية وغيرهم أن النسخ لا يثبت
بالاحتمال فكيف والحال هنا أن لا احتمال رأسا.
والقائلون بظاهر حديث سعد أبانوا أن السلب المراد في الحديث ثياب
(1) الطحاوي، شرح معاني الآثار، ج 4، ص 196. (3/422)
صفحة 1186
الرائد
423
المنتهك لحرم المدينة، واختلفوا في مصرفه فقيل للسالب كما هو ظاهر حديث
سعد السابق، وقيل لفقراء المدينة، وقيل لبيت المال.
(1) الهيتمي، الحاشية على الإيضاح، ص 533، والشوكاني، نيل الأوطار، ج 5، ص 105،
والشنقيطي، أضواء البيان، ج 1، ص 456. (3/423)
صفحة 1187
الرائد
المبحث الثامن: التحلل من الإحرام
424
يكون التحلل المشروع من الإحرام بصورة من صور خمس: أولها التحلل بكمال أفعال النسك المحرم به، وثانيها بالإحصار، وثالثها التحلل
بالاشتراط، ورابعها بفوات الحج، وخامسها بإفساد الإحرام، وسنأخذ كل صورة من الصور السابقة في مطلب.
المطلب الأول: التحلل بكمال نسك الإحرام
هذا هو الأصل في التحلل من الإحرام أن يكون بإكمال النسك الذي أحرم به المكلف، فالمعتمر يكون تحلله بانتهائه من الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة.
أما المحرم بحج قرانا كان إحرامه أو إفرادا فيبقى على إحرامه إلى أن يقف بعرفة ويصبح عليه اليوم العاشر ويرمي وينسك إن كان ممن يجب عليه
النسك.
وللفقهاء خلاف في الحلق أو التقصير أهو نسك فلا يكون الإحلال إلا بعد تحققه، أو أنه ليس بنسك بل الإحلال حاصل بإتمام الأعمال وما هو إلا استباحة محظور؟
أمر فيه خلاف بين العلماء نذكره في الفصل السادس عند ذكر أحكام (3/424)
صفحة 1188
الرائد
425
الحلق بعد السعي بين الصفا والمروة.
والتحلل بسبب إكمال النسك المحرم به مشروط لصحته أن يكون المحرم قد أتى الأعمال كلها صحيحة وإلا لم يقع إحلاله موقع الصحة. بيان ذلك أن المعتمر إذا طاف وسعى وحلق ثم تبين له أن طوافه غير فعليه أن صحيح يعيد الطواف والسعي والإحلال؛ إذ عدم صحة الطواف يستلزم عدم صحة السعي، وعليه فلا يكون الإحلال واقعا موقعه الشرعي؛ إذ المشروع أن يكون الأمر بادئا بالطواف ثم السعي ثم الحلق، وحال من وقع في السابق هو أنه بدأ بالحلق ثم الطواف ثم السعي وهو خلاف المشروع. ولو قلنا إن حلقه واقع موقع الصحة لقلنا إنه قد طاف وسعى غير محرم، وهذا لا يقول بمشروعيته أحد.
وللعمرة تحللل واحد هو المذكور سابقا، أما الحج فله على مذهب الجمهور - تحللان يباح بتحقق الأول أمور دون غيرها وبتحقق الثاني منها الأمور الأخرى.
وعلل ذلك بعض أهل العلم بكون الحج يطول زمانه وتكثر أعماله
بخلاف العمرة فأبيح بعض محضوراته دفعة واحدة وبعضها أخّر.
وشبهوا السابق بالحيض والجنابة إذ إنه لما طال زمان الحيض جعل (3/425)
صفحة 1189
الرائد
426
لارتفاع محضوراته محلان انقطاع الحيض والاغتسال، والجنابة لما قصر زمانها جعل لارتفاع محضوراتها محل واحد).
وتحللا الحج أصغر وأكبر، وكلاهما مرتبط بأعمال اليوم العاشر، والفقهاء مختلفون في سبيل التحلل بأعمال اليوم العاشر فمنهم من قصر
التحلل الأول على الحلق والتحلل الثاني على طواف الإفاضة.
ومنهم من قال إنه يحصل التحلل الأول بالرمي والحلق أو التقصير"،
لقول النبي: إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء.
ووجه الدلالة
من ذلك أن ترتيب الحل عليهما دليل على حصوله بهما،
ولأنهما نسكان يتعقبهما الحل فكان حاصلا بهما كالطواف والسعي في
العمرة (3).
وقيل للحج تحللان يحصل أحدهما
برمي جمرة العقبة والآخر بطواف
الإفاضة.
(1) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 428. (2) البهوتي، الروض المربع، ج 1، ص 515.
(3) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 225. (3/426)
صفحة 1190
الرائد
427
وذهب آخرون إلى أن التحلل الأول بالحلق خاصة دون الرمي
والطواف، فإنهما ليسا من أسباب التحلل وفرقوا بأن التحلل هو الجناية في
6 (1)
غير أوانها وذلك مختص بالحلق، وأما ذبح الهدي فليس مما يتوقف عليه
التحلل.
قال الإمام أبو سعيد الكدمي:
أنه يخرج في قول أصحابنا أنه لا يحل للمحرم شيء من الحلال ولو معي
(2)
رمى جمرة العقبة حتى يحلق أو يقصر ".
وقيل إن التحلل الأول يحصل بالرمي وحده، وقيل يحصل التحلل
بواحد من رمي وطواف ويحصل التحلل الثاني بالباقي
ومن الفقهاء من نص على أن المقصود بالتحلل الأول هو الإتيان بنصف أعمال اليوم العاشر وأن المقصود بالتحلل الثاني هو الإتيان بالنصف الثاني من أعمال اليوم العاشر.
وهؤلاء يرون أن الذبح لا يتوقف التحلل عليه، وعليه فيتوقف
(1) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 140.
(2) الكندي، بيان الشرع، 23، ص 247. (3) المرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 41.
(4) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 428. (3/427)
صفحة 1191
الرائد
428
التحلل على الرمي والحلق والطواف والذين يقولون إن الحلق ليس بنسك استباحة محظور يكون التحلل الأصغر معهم بواحد من الاثنين الحلق
هو
أو الطواف، ويكون التحلل الأكبر بالأمر الثاني.
أما على رأي الجمهور القائل بكون الحلق نسكا فيكون التحلل منوطا بأعمال يوم النحر خلا الذبح وهي ثلاثة الرمي والحلق والطواف، وقد ذهب جمع من هؤلاء إلى أن التحلل الأصغر يكون بفعل أمرين من ثلاثة إما الرمي والحلق، أو الرمي والطواف، أو الحلق والطواف، والتحلل الأكبر يكون بفعل الأمر الثالث دون تعيين شيء".
وعلل بعض هؤلاء جعل الأول من التحللين حاصلا بفعل أمرين من ثلاثة بأنه ليس للثلاثة نصف صحيح فنزل الأمر على اثنين وإن كان الأصل التنصيف (3).
وثمة أقوال أخر على السابق ومنها ما قيل إن دخول وقت الرمي بمنزلة نفس الرمي في إفادة التحلل كما إذا فات وقت الرمي حصل له التحلل الأول
وإن لم يرم.
(1) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 316، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 428. (2) الرافعي العزيز، ج 3، ص 428، والمرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 41.
(3) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 316. (3/428)
صفحة 1192
الرائد
429
واعترض على هذا بحديث السيدة عائشة الذي جاء من طريق الحجاج أرطأة إذ إنه علق التحلل بفعل الرمي، ولأن ما تعلق به التحلل لم يتعلق
بدخول وقته كالطواف ويخالف إذا فات الوقت فإن بفوات الوقت يسقط
6
فرض الرمي كما يسقط بفعله وبدخول الوقت لا يسقط الفرض فلم يحصل به التحلل.
وقيل إن التحللين يحصلان معا بالحلق والطواف وبالرمي والطواف، ولا يحصل بالحلق والرمي إلا أحدهما، والعلة لهذا القول أن الطواف ركن فما انضم إليه قوي به بخلاف الرمي والحلق
وقيل إن أحد التحللين يحصل بالرمي وحده وبالطواف وحده. وعلى الأقوال كلها نص جمع من الفقهاء على أنه إن كان مما يشرع في طواف الإفاضة سعي فالتحلل يتوقف على الأمرين كليهما إذ إنهما يعدان شيئا واحدا
من أسباب التحلل.
(1) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 428، والنووي، المجموع، ج 8، ص 162.
(2) النووي، المجموع، ج 8، ص 162.
(3) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 428.
(4) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 429.
(5) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 318. (3/429)
صفحة 1193
الرائد
ويشكل نفي إدخال الذبح لمن شرع في حقه ضمن أسباب التحلل؛ لأن ظاهر بعض الأدلة الشرعية يوقف التحلل عليه أي أن النبي صلى الله عليه وسلم امتنع عن التحلل لامتناع الذبح كما في حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي
رضي عنه
سعيد الخدري قال قالت حفصة لرسول الله: ما بال الناس أحلوا بعمرة ولم تحلل أنت من عمرتك؟
فقال: إني لبَّدت رأسي، وقلّدت هديي، فلا أحل حتى أنحر.
و مما يفيد الحكم السابق حديث حماد بن زيد أخبرنا عبد الملك بن جريج
عطاء عن عن جابر، وعن طاوس عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت، ولولا أن
لأحللت).
الهدي
معي
وهذا الحديث يبين أن علة عدم إحلال النبي ومن معه من صحابته
إنما هو الهدي.
(1) أخرجه الربيع في كتاب الحج، باب: في الهدي والجزاء والفدية (428)، والبخاري في
كتاب الحج، باب: التلبيد (5572).
(2) أخرجه البخاري في كتاب: الشركة، باب: الاشتراك في الهدي والبدن (2371). (3/430)
صفحة 1194
الرائد
1
وأوجه الأقوال السابقة من قصر تحلل الحج على الحلق إذ هو علامة
التحلل، أما غيره فلا يثبت، وحديث أم سلمة الذي تعلق به أصحاب
الأقوال الأخرى تقدم أنه حديث مضطرب لا حجة فيه.
وبعد تحقق السابق نقول إن اتفاق الفقهاء منقول على أن لبس المخيط
وستر الرأس وقلم الظفر وحلق الرأس يحصل بالتحلل الأول، واتفقوا أيضا
على أن وطء النساء لا يباح إلا بالتحلل الثاني.
واختلفوا فيما عدا السابق فقيل يحل الصيد والطيب والمباشرة فيما دون
الفرج فلا يمنع على هذا إلا من وطء النساء في الفرج.
وقيل بل المباشرة فيما دون الفرج مما لا يحل إلا بالتحلل الثاني ويحل كل
شيء بعدها، وقيل يحل كل شيء إلا النساء والصيد).
وقيل يحل الصيد وعقد النكاح والمباشرة فيما دون الفرج كالقبلة والملامسة؛ لأنها من المحرمات التي لا يوجب تعاطيها إفسادا فأشبهت
الحلق.
(1) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 318، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 429.
(2) المرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 39.
(3) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 22.
(4) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 318. (3/431)
صفحة 1195
الرائد
432
وقيل يحل كل شيء إلا النساء مباشرة وقبلة ولمسا لشهوة وعقد نكاح لعموم "إلا النساء"، ولأنه كما يقول بعض أهل العلم- قضاء الشهوة بالنساء فيؤخر إلى تمام الإحلال، والذين يقولون بالمنع من الوطئ دون غيره يقولون إن تحريم المرأة ظاهر في وطئها، ولأنه أغلظ المحرمات ويفسد النسك بخلاف غيره).
وقيل يحل كل شيء إلا النساء والطيب والصيد لحديث مكحول عن عمر الله لأنه قال إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء
والطيب.
ومع ارتفاع حكم النهي عن وطء النساء بعد الزيارة إلا أن من الفقهاء من استحب تأخير الوطء مطلقا إلى أن تخرج أيام الرمي ليزول عنه اسم
الإحرام.
(1) الشربيني، مغني المحتاج، ج 1، ص 505
(2) المرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 39، والبهوتي، الروض المربع، ج 1، ص 515.
(3) المرغيناني، الهداية، ج 1، ص 148.
(4) ابن مفلح، الفروع، ج 3، ص 244.
(5) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 429، والنووي، المجموع، ج 8، ص 164. (3/432)
صفحة 1196
الرائد
433
أنه
لكن اعترض السابق بخبر أيام "منى" أيام أكل وشرب وبعال" وخبر بعث أم سلمة لتطوف قبل الفجر وكان يومها فأحب أن توافيه ليواقعها
فيه، وعليه بوّب سعيد بن منصور في سننه باب الرجل يزور البيت ثم يواقع أهله قبل أن يرجع إلى منى). ويشكل على الإشكال السابق أن زيادة "وبعال" لا تثبت بل هي منكرة
والحديث صحيح دونها، أما خبر أم سلمة فجاء من حديث:
هارون بن عبد الله ثنا ابن أبي فديك عن الضحاك بن عثمان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت:
أرسل النبي بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت وكان ذلك اليوم اليوم الذي يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم تعني عندها (2). وأقل أحوال سنده الحسن كما سيأتي بحثه في الجزء الخامس، وعليه فالاستحباب السابق باجتناب الوطء المباح في أيام التشريق أمر مشكل من
حيث دليله والأولى بقاؤه على أصل الحكم.
كما اختلفوا في الطيب أيستباح بالتحلل الأول أو بالتحلل الثاني، وقد ذكرنا المسألة بأدلتها عند بيان محظور استعمال الطيب في منتهى المنع من
(1) الشرواني، الحواشي، ج 4، ص 124.
(2) أخرجه أبو داود في كتاب المناسك، باب التعجيل من جمع (1942). (3/433)
صفحة 1197
الرائد
434
الطيب، وتبين ثمة أن أرجح الأقوال أنه بالتحلل الأول يستباح استعمال
الطيب كما ثبت ذلك عن عن النبي.
والقائلون بالمنع من الطيب إلى أن يطوف للإفاضة اختلفوا أعليه فدية
إذا ما تطيب أو ليس عليه فدية، مع أن من الذين يسقطون الفدية من يلزم بها
أن لو اصطاد قبل أن يطوف، والفرق بينهما عسير.
وروى البيهقي من حديث إبراهيم بن مرزوق ثنا حبان بن هلال ثنا عبد الوارث ثنا ابن أبي نجيح عن عطاء قال: إذا ذبح وحلق وأصاب صيدا قبل أن يزور البيت فإن عليه جزاءه ما بقي عليه من إحرامه شيء قال الله تعالى (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَأَصْطَادُوا ا
وروى عن ابن أبي أويس ثنا ابن أبي الزناد عن أبيه عن الفقهاء من أهل المدينة كانوا يقولون: من أصاب صيدا وقد رمى الجمرة ولم يفض فعليه
جزاؤه).
وخالف ابن حزم الظاهري الجمهور فلم يقل إن للحج تحللين بل ما هو إلا تحلل واحد التحلل الأول فيباح له سائر المحرمات على المحرم إلا الجماع فإنه مستمر التحريم إلى أن يطوف طواف الإفاضة.
(1) العراقي، طرح التثريب، ج 5، ص 66.
(2) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 205، وابن عبد البر، التمهيد، ج 19، ص 310. (3/434)
صفحة 1198
الرائد
435
وليس ذلك لأنه بقي عليه شيء من إحرامه بل انقضى إحرامه كله ولكن
الجماع محرم على من هو في الحج وإن لم يكن محرما، وما دام يبقى من فرائض الحج شيء فهو يعد في الحج وإن لم يكن محرما.
ووقت التحلل عند ابن حزم هو دخول وقت الرمي بطلوع الشمس يوم
صح
النحر، فإذا دخل وقت الرمي حل المحرم سواء رمى أو لم يرم؛ لأنه عنه جواز تقديم الطواف والذبح والرمي والحلق بعضها على بعض فإذا دخل وقتها بطل الإحرام وإن لم يفعل شيئا منها.
واعترض على القول السابق بأن الطواف أحد أركان الحج فكيف يزول الإحرام وبعض الأركان باق".
وعلى مذهب الجمهور الناص بالتحللين فالأمور التي تستحل بالتحلل
الأول من اللباس المفصل على مقدار الجسد واستعمال الطيب وغيرها تبقى حلالا طاف المتحلل للإفاضة في ذلك اليوم أو لم يطف، وقد حكي على هذا
الحكم الإجماع وأنه لا قائل بخلافه".
(1) العراقي، طرح التثريب، ج 5، ص 67.
(2) العراقي، طرح التثريب، ج 5، ص 67.
(3) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص، والنووي، المجموع، ج 8، ص، والعيني، عمدة
القاري، ج 10، ص 69 (3/435)
صفحة 1199
الرائد
436
والواقع أنه لا إجماع في القضية إذ ذكر ابن المنذر قولا أن المحرم إذا رمى الجمرة يكون في ثوبيه حتى يطوف بالبيت، ونسبه إلى أبي قلابة، ونسب إلى عروة بن الزبير أن من أخر الطواف بالبيت يوم النحر إلى يوم النفر فإنه لا يلبس القميص ولا العمامة ولا يتطيب ثم قال: وقد اختلف فيه عن الحسن البصري وعطاء والثوري.
ومما جاء دالا على الحكم السابق حديث ابن أبي عدي عن محمد بن إسحاق ثنا أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة عن أبيه وعن أمه زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة يحدثانه جميعا ذاك عنها قالت:
كانت ليلتي التي يصير إلي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم مساء يوم النحر فصار إلي ودخل علي وهب بن زمعة ومعه رجل من آل أبي أمية متقمصين فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم لوهب:
هل أفضت أبا عبد الله؟ قال: لا والله يا رسول الله، قال: انزع عنك القميص، قال: فنزعه من رأسه ونزع صاحبه قميصه من رأسه ثم قال: ولم يا
رسول الله؟
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 246. (3/436)
صفحة 1200
الرائد
437
قال: إن هذا يوم رخص لكم إذا أنتم رميتم الجمرة أن تحلوا يعني من
كل ما حرمتم منه إلا النساء فإذا أمسيتم قبل أن تطوفوا هذا البيت صرتم حرما كهيئتكم قبل أن ترموا الجمرة حتى تطوفوا به.
وقال النووي:
وهذا الإسناد صحيح، والجمهور على الاحتجاج بمحمد بن إسحاق إذا
قال حدثنا، وإنما عابوا عليه التدليس، والمدلس إذا قال حدثنا احتج به، وإذا ثبت أن الحديث صحيح فقد قال البيهقي لا أعلم أحدا من الفقهاء قال به،
6
هذا كلام البيهقي قلت فيكون الحديث منسوخا دل الإجماع على نسخه؛ فإن الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ لكن يدل على ناسخ".
وقال العيني متعقبا الاستدلال بالحديث السابق:
حديث أم سلمة هذا شاذ أجمعوا على ترك العمل به، وقال المحب الطبري: وهذا حكم لا أعلم أحدا قال به وإذا كان كذلك فهو منسوخ، والإجماع وإن كان لا ينسخ فهو يدل على وجود ناسخ وإن لم يظهر".
(1) أخرجه أبو داود في كتاب المناسك، باب: الإفاضة في الحج (1999).
(2) النووي، المجموع، ج 8، ص 195.
(3) العيني، عمدة القاري، ج 10، ص 69. (3/437)
صفحة 1201
الرائد
المطلب الثاني: التحلل بسبب الإحصار
أولا: تعريف الإحصار في اللغة
438
تدور معاني الحصر في لغة العرب بين المنع والجمع والحبس كما يقول ابن فارس، والإحصار أن يحصر الحاج عن البيت بمرض أو نحوه.
وقد سوّى جماعة من أئمة اللغة بين حصرني وأحصرني كما هو حال أبي عمرو الشيباني والزجاج والفراء، والشاهد عليه قول الشاعر:
وما هجر ليلى أن تكون تباعدت
عليك ولا أن أحصرتك شغول
غير أن الأكثر من أهل اللغة على التمييز بين حصرني وأحصرني فالأول منهما للعدو، خاصة، والثاني منها للمرض والخوف.
وأبان الفخر الرازي أن اختصاص لفظ الإحصار بالعدو دون المرض
(1) الزمخشري، الكشاف، ج 1، ص 267، وأبو حيان، البحر المحيط، ج 2، ص 67، وابن منظور، لسان العرب، ج 4، ص 194، والكندي بيان الشرع، ج 24، ص 42.
(2) الجصاص أحكام القرآن، ج 1، ص 334، والزمخشري، الكشاف، ج 1، ص 266، والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 2، ص 372، وأبو حيان، البحر المحيط، ج 2،
ص 68، والكندي، بيان الشرع، ج 24، ص 42، وابن حجر، فتح الباري، ج 4، ص 4. (3/438)
صفحة 1202
الرائد
439
أمر باطل لم يقل به أحد من أئمة اللغة فهو باطل باتفاقهم.
ولكن لا يغيب عن النظر أن القرآن الكريم قد استعمل لفظ الإحصار في معنى يدخل فيه الإحصار بالعدو كما في الآية الكريمة إذ سبب نزولها الإحصار بالعدو، ولو كان لفظ الإحصار خاصا بالمرض دون العدو لقال فإن حصرتم، لذا فلا يبعد أن يكون لفظا الإحصار والحصر بمعنى واحد للاستعمال السابق.
ثانيا: تعريف الإحصار في الاصطلاح الشرعي وخلاف الفقهاء فيه
ورد لفظ الإحصار بمعنى المنع عن إتمام النسك المحرم به مرة في كتاب
الله تعالى وذلك في قوله تعالى {وَأَتِمُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا
صلے
اسْتَيْسَرَ مِنَ أَهْهَدَى وَلَا تَحْلِقُوا رُهُ وسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ أَهْدَى يَحِلَّهُ
ولا أعلم أن الإحصار بالمعنى السابق وراد في نصوص السنة، غير أن ورد فيها اللفظ السابق جاءت مبينة الحكم الإلهي يوم حصر النبي
الآية التي
وأصحابه عن مكة عام الحديبية في السنة السادسة كما نقل الاتفاق عليه،
(1) الرازي، مفاتيح الغيب، ج 5، ص 124.
(2) البيهقي، معرفة السنن والآثار، ج 4، ص 238، وابن العربي، أحكام القرآن، ج 1،
ص 171. (3/439)
صفحة 1203
الرائد
(440)
وقد كان إحرامهم لعمرة، والآية جاءت بحكم الإحصار بعد الأمر بإتمام الحج والعمرة مما يدل على أن حكم الإحصار أمر يأتي على النسكين الحج
والعمرة.
وهذا القول عليه الجمهور من أهل العلم، وخالف بعضهم فقال إنه لا
إحصار في العمرة لعدم توقيتها فصاحبها لا يخشى الفوات.
وفي هذا الرأي نظر يقضي بضعفه؛ إذ الحكم نفسه ما ثبت إلا في العمرة مما يفيد أن دخولها أوّلي فالآية ما نزلت إلا لبيان حكمها، ويلحق الحج بها اتفاقا لعدم الفارق بل هو أولى بالحكم منها، ثم إن الحكم كما تقدم- جاء بعد الأمر بإتمام الحج والعمرة.
والرأي السابق جعل علة الإحصار خشية الفوات، ولا دليل على هذه العلة، بل الذي عليه الأكثر أن العلة هي رفع الضرر، وعلة خشية الفوات
(1) أبو سعيد الكدمي، الجامع المفيد، ج 2، ص 23، والبهوتي، الروض المربع، ج 1،
ص 527.
(2) الطبري، جامع البيان، ج 2، ص 224، والرازي، مفاتيح الغيب، ج 5، ص 127، والجصاص، أحكام القرآن، ج 1، ص 338، والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 2، ص 376، والعيني، عمدة القاري، ج 10، ص 142، وابن تيمية، شرح العمدة، ج 3،
ص 377. (3/440)
صفحة 1204
الرائد
(441)
مردودة بأن النص الذي ورد الحكم بشأنه كان في العمرة وهي مما لا يتوقت
فأين الفوات.
وقد جاء في الحديث أن ابن عمر ذكر الإحصار في العمرة كما في حديث عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر له حين خرج إلى مكة معتمرا في الفتنة قال:
إن صددت عن البيت صنعت كما صنعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأهل بعمرة
من أجل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أهل بعمرة عام الحديبية".
وأما القول بأن العمرة لا يشملها حكم الإحصار فدليله ذكره الحافظ ابن حجر حينما قال: احتج له إسماعيل القاضي بما أخرجه بإسناد صحيح عن أبي قلابة قال: خرجت معتمرا فوقعت عن راحلتي فانكسرت فأرسلت إلى ابن عباس وابن عمر فقالا: ليس لها وقت كالحج يكون على إحرامه حتى يصل إلى البيت.
(1) فتنة انتهاك الوالي الأموي الحجاج بن يوسف الثقفي للحرم مبتغيا القضاء على عبد الله
بن الزبير.
(2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: إذا أحصر المعتمر (1712).
(3) ابن حجر، فتح الباري، ج 4، ص 5. (3/441)
صفحة 1205
الرائد
442
والتحلل بالإحصار كما يكون في الإحرام الصحيح من حج أو عمرة – كما تقدم - فكذلك يكون في الإحرام الفاسد الذي يلزم صاحبه حياله بإتمامه. فإن زال الحصر بعد الحل وأمكنه الحج من عامه فله القضاء فيه، ولا يتصور القضاء للحج في العام الذي أفسده فيه إلا في هذا الموضع كما يقول ابن قدامة، وقد ذكرنا في مبحث محظور الرفث أن أولى الأقوال في حكم المجامع محرما والذي يدرك الحج من عامه أن له ذلك.
والحصر الذي هو سبب نزول الآية ما كان إلا بالعدو، وقد نص أئمة الأصول أن سبب النزول داخل قطعا في عموم العام لكونه واردا لبيان حكمه وهو داخل في عموم لفظه، وإنما وقع الخلاف في غير صورة سبب النزول أتدخل في عموم اللفظ أو لا تدخل.
وللفقهاء في الإحصار الذي يشرع معه الإحلال أقوال نجملها ثم نأتي
على أدلتها واحدا بعد الآخر.
القول الأول: الإحصار لا يكون إلا بالعدو فقط، وما عداه من المرض
(1) ابن قدامة، الكافي، ج 1، ص 463، والنووي، المجموع، ج 8، ص 228. (2) الزركشي، البحر المحيط، ج 2، ص 371. (3/442)
صفحة 1206
الرائد
443
ونحوه يلزم صاحبه أن يبقى على إحرامه حتى يطوف ويسعى ويحل)
وألحق بعض أصحاب هذا القول بالعدو من أحصره السلطان أو
الزوجة يمنعها زوجها والعبد يمنعه سيده فيكون حكمهم حكم المحصر بعدو على خلاف بينهم).
واختلف هؤلاء أيجزيه هذا الإحرام للحج في العام القابل أم لا بد من
الإحلال بعمرة ثم الإحرام للحج القابل في وقته".
وجماعة من هؤلاء سووا في الحكم بين المكي وغيره من أهل الآفاق ممن مرض، غير أن بعضهم قال إن المريض من أهل مكة لا بد له من أن يقف بعرفة وإن نعش نعشا استدلالا بقوله تعالى ذلك لمن لم يكن أهله حاضري
(4)
المسجد الحرام " (4).
(1) الطبري، جامع البيان، ج 2، ص 214، والكندي، بيان الشرع، ج 24، ص 53، وابن العربي، أحكام القرآن، ج 1، ص 170، وابن عبد البر، التمهيد، ج 15، ص 194، والرازي، مفاتيح الغيب، ج 5، ص 124، والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 2، ص 374، والبهوتي، الروض المربع، ج 1، ص 527.
(2) الشافعي، الأم، ج 2، ص 163.
(3) ابن عبد البر، التمهيد، ج 15، ص 197.
(4) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 2، ص 374. (3/443)
صفحة 1207
الرائد
(444)
القول الثاني: الإحصار يكون بالعدو والمرض ونحوهما مما يمنع الإنسان
من إتمام إحرامه، فالمرض داخل فيه بالحقيقة؛ إذ الإحصار بالمرض، وأما العدو فداخل في اللفظ بالقياس (3)
حسي
وقيل بل دخول العدو في لفظ الإحصار بدلالة الأولى؛ لأن منع العدو لا يتمكن معه من المضي بخلافه مع المرض إذ يمكن بالمحمل
والمركب).
وعارض آخرون فقالوا إن الأولى هو المرض لأنه يملك دفع شر العدو عن نفسه بالقتال فيدفع الإحصار عن نفسه ولا يمكنه دفع المرض عن
نفسه (4).
(1) الكدمي، الجامع المفيد، ج 2، ص 17 (وقد نسب الكلام لأبي سعيد الكدمي والصحيح أنه لأبي الحسن البسيوي، البسيوي، جامع أبي الحسن، ج 2، ص 303)، والطبري، جامع البيان، ج 2، ص 213، والجصاص أحكام القرآن، ج 1، ص 334، والكندي، بيان الشرع، ج 24، ص 29، والطحاوي، شرح مشكل الآثار، ج 2، ص 78، و ابن قدامة، الكافي، ج 1، ص 464، وأطفيش، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 240.
(2) الجصاص، أحكام القرآن، ج 1، ص 334.
(3) ابن النجيم، البحر الرائق، ج 3، ص 57.
(4) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 175. (3/444)
صفحة 1208
الرائد
445
وجماعة من هؤلاء أدخلوا كل ما يعوق الإنسان عن إتمام نسكه حتى قالوا إنه لو سرقت نفقته، أو هلكت راحلته أو ذهب زاده فإن كان لا يقدر على المشي فهو محصر؛ لأنه منع من المضي في موجب الإحرام فكان محصرا كما
لو منعه المرض.
ومن الفقهاء من قال إن المرأة الحائض إذا لم تطف للإفاضة ووصلت
بلدها وهي محرمة عادمة النفقة ولم يمكنها الوصول للبيت الحرام يكون حكمها كالمحصر فتتحلل بذبح شاة وتقصير ونية تحلل).
(2)
القول الثالث: الإحصار أمر خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم فلا يشرع لمن بعده.
القول الرابع: الإحصار يكون بالمرض فقط، ولا إحصار بالعدو.
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: قوله تعالى {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا
اسْتَيْسَرَ مِنَ أَهْدَي وَلَا تَحْلِقُوا رُهُ وسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ أَهَدَى يَحِلَّهُ} ()
(1) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 176، والثميني، التاج المنظوم، ج 3، ص 395.
(2) الشربيني، مغني المحتاج، ج 1، ص 510.
(3) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 2، ص 371. (4) سورة البقرة، الآية (196). (3/445)
صفحة 1209
الرائد
446
ووجه الاستدلال بالآية أنها وإن جاءت عامة من حيث اللفظ إلا أنها
خاصة من حيث الحكم؛ لأن سبب نزولها كان في الإحصار بسبب العدو وسبب نزول الحكم يخصص عموم لفظه".
قال هؤلاء: وأما النقل عن أهل اللغة بإبطال اختصاص معنى الإحصار بالعدو فمعارض بأن ابن عباس وابن عمر} ذهبا إلى أن الإحصار هنا هو بالعدو خاصة، وهما من أهل اللسان.
وفي الدليل السابق نظر من أوجه:
أولها: أن أصحاب هذا القول من قواعدهم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو معلوم، فقواعدهم تقضي بأن يكون لفظ الإحصار قاضيا على خصوص سببه.
ثانيها: في الإيراد بمذهب ابن عباس وابن عمر وأنهما من أهل اللسان فيه نظر من حيث إن الرجلين يتكلمان في مسألة شرعية تنازعتها أدلة فرجح عندهما هذا الرأي لذا فلا يعدو رأيهما أن يكون حقيقة شرعية في أمر رجحاه
(1) الطبري، جامع البيان، ج 2، ص 213، والشنقيطي، أضواء البيان، ج 1، ص 77. (2) الرازي، مفاتيح الغيب، ج 5، ص 124.
(3) السبكي، الإبهاج، ج 2، ص 185، والزركشي، البحر المحيط، ج 2، ص 385. (3/446)
صفحة 1210
الرائد
(447)
لكن لا يقدح في الحقيقة اللغوية التي تواطأ عليها أئمة اللغة، وعليه لا يكون قولهما تفسيرا لغويا بل هو حكم شرعي وبينهما بون.
وقال المدخلون للمرض لما كان سبب نزول الآية العدو وعدل الشارع
عن استعمال اللفظ الذي هو موضوع أصالة للعدو دل ذلك على أن مراده دخول المرض لوضع أصل الإحصار له.
والنبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بالإحلال بسبب العدو ليدخل العدو في اللفظ
عن طريق المعنى، ولو كان المراد من الحكم العدو وحده لما عبر الشارع إلا
باللفظ الخاص بالعدو وهو الحصر لا الإحصار.
قال العز بن عبد السلام:
(1)
والذي ذكره مالك والشافعي لا نظير له في الشريعة السمحة التي قال الله تعالى فيها {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ، وقال فيها {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (3)، وقال: {يُرِيدُ اللَّهُ أَن تُخَفِّفَ عَنكُمْ،
(1) أي أن الإحلال بالإحصار أمر خاص بالعدو دون المرض.
(2) سورة الحج، جزء من الآية (78).
(3) سورة البقرة، جزء من الآية (178). (4) سورة النساء، جزء من الآية (28). (3/447)
صفحة 1211
الرائد
448
فإن من انكسرت رجله وتعذر عليه أن يعود إلى الحج والعمرة يبقى في بقية عمره حاسر الرأس متجردا من اللباس محرما عليه النكاح والإنكاح وأكل الصيود والتطيب والادهان وقلم الأظفار وحلق الشعر ولبس الخفاف والسراويلات، وهذا بعيد من رحمة الشارع ورفقه ولطفه بعباده.
الدليل الثاني: أن الله تعالى قال في الآية السابقة "فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج ... " الآية، والأمن هنا هو الأمن من العدو، ولو كان المرض
داخلا لقال برئتم.
واعترض على هذا الدليل بأنه قد جاء إطلاق الأمن من المرض" كما في حديث: الزكام أمان من الجذام، وحديث: من سبق العاطس بالحمد أمن من الشوص واللوص والعلوص.
قالوا: الشوص وجع السن، واللوص وجع
الأذن، والعلوص وجع
البطن.
(1) العز ابن عبد السلام، قواعد الأحكام، ج 2، ص 11.
(2) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 2، ص 373، والشنقيطي، أضواء البيان، ج 1،
ص 80.
(3) أبو حيان البحر المحيط، ج 2، ص 85، والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 2،
ص 372. (3/448)
صفحة 1212
الرائد
449
ولكني لم أجد الحديث الأول باللفظ السابق والذي وجدته حديث أبي الربيع السمان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قال رسول الله: نبات الشعر في الأنف أمان من الجذام.
(2)
وقد أخرجه أبو يعلى، الطبراني في الأوسط)، وفيه أشعث بن سعيد أبو الربيع السمان، قال ابن معين: ليس بثقة، وقال أحمد: ليس بذاك مضطرب.
وقال هشيم كان يكذب وقال ابن حبان: يروي عن الأئمة الثقات الأحاديث الموضوعات وبخاصة عن هشام بن عروة كأنه ولع بقلب الأخبار
عليه.
وروى عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: نبات
الشعر في الأنف أمان من الجذام، وهذا متن باطل لا أصل له.
وجاء من طريق عامر بن سيار ثنا علي بن ثابت عن حمزة النصيبي عن أبي الزبير عن جابر الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نبات الشعر في الأنف أمان
من الجذام.
(1) أبو يعلى الموصلي، المسند، ج 7، ص 332.
(2) الطبراني، المعجم الأوسط، ج 1، ص 209.
(3) ابن عدي الكامل، ج 1، ص 376، وابن حبان، المجروحين، ج 1، ص 172. (3/449)
صفحة 1213
الرائد
450
وقد أخرجه ابن عدي بالإسناد السابق غير أن حمزة بن أبي حمزة النصيبي
ممن اتهمه غير واحد بتعمد الكذب فلا تصح روايته.
(2)
وللحديث طرق أخرى كلها معلة بالوضاعين والمتهمين مما يضعف الاحتجاج بالحديث.
أما حديث الأمان من الشوص واللوص فلم أجده مسندا مع كثرة البحث والتقصي ولا تكاد ألفاظه تشبه ألفاظ النبوة، وعلى كل صحت الأحاديث أو لم تصح كما هو الأظهر فإن من المعلوم عند العرب إطلاق لفظ
الأمان من المرض
(3)
الدليل الثالث: جاءت آثار عن الصحابة تفيد اختصاص حكم الإحصار بالعدو فقط دون غيره ومن تلك الآثار حديث سليمان بن يسار أن سعيد بن حزابة المخزومي صرع ببعض طريق مكة وهو محرم فسأل من يلي على الماء الذي كان عليه فوجد عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير ومروان
(1) ابن عدي الكامل، ج 2، ص 376.
(2) الشوكاني، الفوائد المجموعة، ص 475
(3) الفيروز أبادي، القاموس المحيط، ص 1417، والزبيدي، تاج العروس، ج 17،
ص /
ن 597. (3/450)
صفحة 1214
الرائد
451
بن الحكم فذكر لهم الذي عرض له فكلهم أمره أن يتداوى بما لا بد له منه ويفتدي فإذا صح اعتمر فحل من إحرامه ثم عليه حج قابل ويهدي ما استيسر من الهدي.
والحديث أخرجه الإمام مالك من طريق يحيى بن سعيد عن سليمان".
ومن ذلك حديث الشافعي عن سفيان بن عيينة عن ابن طاوس عن طاوس عن ابن عباس قال: لا حصر إلا حصر العدو، قال ابن حجر: إسناده صحيح
غير أن الآثار السابقة ليست بحجة؛ إذ هي اجتهاد في مسألة شرعية للاجتهاد فيها مسرح تختلف عنده الأنظار.
ومع
ذلك ثبت أن هناك من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من قال بغير ذلك
فابن مسعود ه يثبت الإحصار بكل مانع ونص على المرض كما في حديث:
عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن عبد الله بن مسعود الله في الذي لدغ وهو محرم بالعمرة فأحصر فقال عبد الله: ابعثوا بالهدي، واجعلوا بينكم وبينه
(1) مالك بن أنس، الموطأ، ج 1، ص 362.
(2) الشافعي، الأم، ج 2، ص 163.
(3) ابن حجر، التلخيص الحبير، ج 2، ص 288. (3/451)
صفحة 1215
الرائد
452
يوم أمار، فإذا ذبح الهدي بمكة حل هذا.
والقول بالإحصار بالمرض ونحوه مروي عن ابن عباس وعبد
الزبير من الصحابة).
الله
بن
الدليل الرابع: الإحصار على وزن إفعال والهمزة في الإفعال تأتي هنا. لمعنيين: أولهما: التعدية، وهو لا يصح
ثانيهما: الصيرورة فيكون المعنى فإذا صرتم محصورين، والمحصور من الحصر، وقد نقل أئمة اللغة أن الحصر يكون بالعدو، وأن الإحصار يكون بالمرض، فثبت من ذلك أن الآية أرادت العدو فقط.
وهذا أمر فيه نظر إذ الاتفاق قائم بين أهل اللغة أن الإحصار يدخل فيه المرض والخلاف في دخول العدو، والأكثر من أئمة اللغة على أن الحبس بالعدو حصر وليس بإحصار.
الدليل الخامس: الحصر هو المنع، وإنما يقال للإنسان أنه ممنوع من فعل
(1) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 221. وقال الحافظ ابن حجر: أخرجه ابن جرير بإسناد صحيح. ابن حجر، فتح الباري، ج 4، ص 3.
(2) الطحاوي، شرح مشكل الآثار، ج 2، ص 78
(3) الرازي، مفاتيح الغيب، ج 5، ص 124. (3/452)
صفحة 1216
الرائد
(? or)
إذا كان قادرا عليه متمكنا منه والممنوع بالمرض غير قادر عليه ولا متمكن منه فلا يسمى ممنوعا، وعليه فليس هو بمحصر فلا تصح فيه عبارة الحصر. أما الممنوع بالعدو فهو قادر عليه متمكن منه ولكن تعذر الفعل لأجل
مدافعة العدو.
اللغة
وفي هذا من النظر ما يبطله إذ هو مبطل للأصل الذي اتفق عليه بين أئمة أن الإحصار الأصل فيه أنه الحبس بالمرض والخلف في الحبس
بالعدو.
من
الدليل السادس: أن الحصر هو الحبس والمنع والحصر لا بد له من حابس ومانع، والمرض لا يصدق عليه أنه حابس أو مانع؛ لأن الحبس والمنع فعل وإضافة الفعل إلى المرض محال عقلاً؛ لأن المرض عرض لا يبقى زمانين فكيف يكون فاعلا وحابسا ومانعا، أما العدو فيصح فيه ذلك".
وفي هذا الدليل تطويل بغير طائل فهو على شاكلة سابقيه باطل باتفاق
أئمة اللغة لأنه مستلزم إبطال المتفق عليه من معنى الإحصار.
الدليل السابع: عطف الله تعالى على المحصر حكم المريض بقوله "فمن
(1) الرازي، مفاتيح الغيب، ج 5، ص 125.
(2) الرازي، مفاتيح الغيب، ج 5، ص 125. (3/453)
صفحة 1217
الرائد
(454)
كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك"،
والاستدلال بذلك من وجهين
أولهما: لأنه لو كان كذلك لما استأنف له ذكرا مع كونه في أول الخطاب
وعليه فلو كان المحصر هو المريض أو من يكون المرض داخلاً فيه لكان هذا عطفاً للشيء على نفسه".
ثانيهما: أنه لو كان مرادا به لكان يحل بذلك الدم ولم يكن يحتاج إلى
فدية (2).
وفي الدليل السابق نظر يرد الاستدلال به، وذلك أن هذا العطف ليس عطفا للشيء على نفسه، إذ الحكم هنا كان لمن يستطيع إتمام نسكه وهو في أرض المشاعر غير أنه يجد عسرا ومشقة، أما الإحصار بالمرض فحكمه في حال المرض دون إتمام النسك والوصول إلى البيت، وبينهما بون.
حق من
ومن الجائز أن يقال إن آية "ولا تحلقوا رؤوسكم" راجعة إلى قوله
" وأتموا الحج والعمرة الله" وليست هي لآية الإحصار، وعليه فهي في عموم
(1) الرازي، مفاتيح الغيب، ج 5، ص 125.
(2) الجصاص، أحكام القرآن، ج 1، ص 336. (3/454)
صفحة 1218
الرائد
455
المحرمين وليست في المحصرين)
تلكم هي
أدلة القول الأول القائل بأن الإحلال بالإحصار أمر خاص
بالعدو فقط وغير شامل للمرض، وقد ظهر لك أنها لم تسلم من الإيراد عليها مما يؤذن بضعفها.
فضلا عن أن في هذا القول منافاة للحنيفية السمحة التي جاءت بالتيسير، فالمريض الذي يمنعه مرضه من إتمام نسكه قد يستمر معه المرض سنوات عديدة وعلى القول السابق هو ملزم بالبقاء على إحرامه مجتنبا اللباس وتغطية الرأس والجماع بل وعقد النكاح والطيب وإلقاء التفث إلا بفدية،
وهذا أمر من العسر بمكان لا تكاد يشبهه شيء من الأحكام الشرعية.
القول الثاني:
حكم الإحصار المذكور في الآية شامل للعدو الذي هو سبب نزول الآية شمولا أوليا كما أنه شامل للمرض وغيره من العوائق التي تمنع المحرم من
إتمام نسكه.
(1) الجصاص، أحكام القرآن، ج 1، ص 337. (3/455)
صفحة 1219
الرائد
أدلة القول:
(207)
الدليل الأول: قوله فإن أحصر تم"، والإحصار عند أهل اللغة إما أن يكون بسبب المرض كما هو رأي أكثرهم، وإما أن يكون بكل مانع من إتمام
الإحرام.
أما الأول منهما فدخول المرض فيه بيّن، وعليه لا يكون اللفظ نفسه متناولا للعدو لكن يدل عليه بطريق القياس).
وأما الثاني منهما فيشمل المرض والعدو؛ إذ هما مانعان، وعلى تفسير من فسر الإحصار بالعدو خاصة يدخل المرض فيه بالقياس بجامع دفع
(2)
عن الأمة، وهذا قياس جلي ظاهر.
الدليل الثاني: حديث مسدد ثنا يحيى عن حجاج الصواف حدثني يحيى بن أبي كثير عن عكرمة قال: سمعت الحجاج بن عمرو الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كسر أو عرج فقد حل وعليه الحج من قابل، قال عكرمة: سألت ابن عباس وأبا هريرة عن ذلك فقالا: صدق.
(1) الطبري، جامع البيان، ج 2، ص 214.
(2) الرازي، مفاتيح الغيب، ج 5، ص 124.
(3) أخرجه أبو داود، كتاب المناسك، باب: الإحصار (1863). (3/456)
صفحة 1220
الرائد
457
غير أن الاستدلال بهذا الحديث لم يسلم من الطعن فوجهت إليه
الإيرادات التالية:
الإيراد الأول: إن صح الحديث فمعناه أنه يحل بعد فواته بما يحل به من يفوته الحج بغير مرض لما روي عن ابن عباس ثابتا عنه أنه قال: لا حصر إلا
حصر عدو).
الإيراد الثاني: حمل حله المذكور في الحديث على ما إذا اشترط في إحرامه أنه يحل حيث حبسه الله بالعذر، ولو كان التحلل جائزا دون شرط كما يفهم
من حديث الحجاج بن عمرو لما كان للاشتراط فائدة.
وحديث عائشة وابن عباس بالاشتراط أصح من حديث عكرمة عن الحجاج بن عمرو والجمع بين الأدلة واجب إذا أمكن.
وممكن أن يقال إن أحاديث الاشتراط فائدتها أن لا يكون على المشترط تعلق
قضاء لذلك الإحرام، أما أحاديث غيرها ففائدتها جواز الحل مع
القضاء.
لكن يجاب عن ذلك بأن القضاء في حال الإحصار قول من أقوال أهل
(1) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 220.
(2) الشنقيطي، أضواء البيان، ج 1، ص 80. (3/457)
صفحة 1221
الرائد
العلم والراجح خلافه.
عليه
458
ويقال إن أحاديث الاشتراط تسوغ للمحل بها الإحلال دون أن يكون
دم،
وأما أحاديث الإحلال بالمرض فتسوغ الإحلال بها لكن مع
وجوب الدم على من أحل بها.
ثم إن أحاديث الحل بالاشتراط تكون في حال السلامة مع خشية عدم القدرة على الإتيان بالنسك، أما أحاديث الإحلال بالمرض فتكون عند عدم
القدرة على إتمام النسك بسبب العذر الطارئ.
الدليل الثالث: المرأة في إحرام التطوع إذا منعها زوجها جاز لها الإحلال
اتفاقا، وكذلك من حبس في دين أو غيره فتعذر عليه الوصول إلى البيت، فكذلك يكون حكم المريض.
الدليل الرابع: لم يفرق الشارع في مواضع كثيرة من رخصه بين المرض
والعدو بل جعلهما سببا للترخيص، ومن ذلك أن الخائف له أن
أو قائما أو بالإيماء والأمر نفسه في حال المرض.
يصلي قاعدا
فكذلك المضي في الإحرام واجب أن لا يختلف حكمه عند تعذر
(1) الشنقيطي، أضواء البيان، ج 1، ص 81.
(2) الجصاص، أحكام القرآن، ج 1، ص 336. (3/458)
صفحة 1222
الرائد
459
الوصول إلى البيت لمرض كان ذلك أو لخوف عدو.
القول الثالث: الإحصار ما كان بسبب المرض فقط دون ما كان بسبب
العدو، وهذا القول منقول عن أكثر أهل اللغة".
للكلمة
دليل القول: دليل هذا القول التفسير للإحصار بالمعنى المعجمي إذ إن هناك من أئمة اللغة من قصره على الإحصار بسبب المرض، وعمدة هذا الرأي أن العرب تقول حصره العدو وأحصره المرض.
وفي هذا القول من النظر ما يكفي لرده إذ إنه قد تقدم أن صورة سبب النزول داخلة في عموم العام دخولا أوليا، بل إن جماعة من الأصوليين يجعلون دخولها قطعيا، وما ثمة شك أن سبب نزول الآية هو الإحصار بسبب العدو.
وأما النقل اللغوي الذي ذكروه فيسقط الاحتجاج به أمور:
أولها أنه معارض بنقل آخرين من أئمة اللغة سووا بين حصر وأحصر فجعلوه عاما في كل منع بعدو كان المنع أو بمرض كما تقدم عن ابن فارس،
(1) الجصاص، أحكام القرآن، ج 1، ص 336، (2) الرازي، مفاتيح الغيب، ج 5، ص 124. (3) الشنقيطي، أضواء البيان، ج 1، ص 80. (3/459)
صفحة 1223
الرائد
460
وهو قول الفراء.
ثانيها: أن الشارع قد نقل كثيرا من الحقائق اللغوية إلى مصطلحات خاصة به، ولا ينكر أن لو سلم بهذا النقل - أن يكون لفظ الإحصار مما نقل عن المرض إلى الإحصار بالعدو، خاصة، أو إلى عموم الحبس بالمرض كان أو بالعدو، فيكون هذا الاصطلاح حقيقة شرعية ومجازا لغويا، وتقدم الحقيقة الشرعية على الحقيقة اللغوية ما دام المتحدث هو الشارع.
القول الرابع: حكم الإحصار أمر خاص بالنبي، فلا إحصار لأحد
بعده (2).
الاعتراض على القول:
الأصل في الأحكام الشرعية الإحكام لا النسخ، والانتقال من هذا الأصل لا يكون إلا بدليل ثابت الحجية؛ إذ النسخ لا يثبت بالاحتمال.
ثالثا: وقت التحلل بالإحصار
الأصل في المحرم بنسك أن يتم نسكه الذي عليه اتفاقا بين علماء الملة
(1) الرازي، مفاتيح الغيب، ج 5، ص 124.
(2) الطبري، جامع البيان، ج 2، ص 227، والشنقيطي، أضواء البيان، ج 1، ص 83. (3/460)
صفحة 1224
الرائد
461
لقوله تعالى " وأتموا الحج والعمرة الله "، غير أن هذا الحكم التكليفي منوط وجوبه بالقدرة عليه خشية إلحاق الضرر بالمكلفين فنص الشارع على أن المحصر يتحلل من إحرامه ولا يلزمه البقاء عليه، كما أنه لا يلزمه من حيث الأصل أن يحل فله جوازا أن ينصرف إلى حيث شاء محرما حتى يزول الحاصر ويأتي بنسكه على الوجه الأتم.
غير
أن التحلل بعد الإحرام أمر الأصل فيه المنع للدليل السابق لذا فالتحلل بالإحصار رخصة يجب أن تقدر بقدرها فلا يتحلل من إحرامه لوهم خامره أنه محبوس عن البيت بل لا بد من اليقين أو الظن الغالب أنه سيحبس عن البيت، وأن الحابس قادر على الحبس حقا لا وهما.
وإن كان الحابس لا يزول إلا بقتال لم يلزم المحرم قتاله لهذا السبب وحده؛ لأن فيه إتلافا للنفس ولم يكلف الناس بذلك بل من شرط وجوب الحج نفسه أمن الطريق.
والنبي لم يقاتل المشركين حين منعوه عن إتمام نسكه يوم الحديبية بل
أحل بالإحصار.
(1) أبو سعيد الكدمي، الجامع المفيد، ج 2، ص 16.
(2) أبو سعيد الكدمي، الجامع المفيد، ج 2، ص 17، والثميني، التاج المنظوم، ج 3، ص 395. (3/461)
صفحة 1225
الرائد
462
وإن طلب الحابس مالا كثيرا لم يلزمه البذل له ما دام ذلك الإكراه على
البذل ظلما، واختلفوا إن طلب مالا قليلا يقدر عليه أيلزمه البذل أو يسوغ له الإحلال بالإحصار".
وإن كان الحبس بسبب دين على المحبوس فإن كان حالا وهو قادر على
الوفاء، لزمه الوفاء ولم يجز له أن يحل إذ لا ضرورة هنا.
وإن كان معسرا فله أن يحل إذ لا يجوز أن يحبس المعسر بل ينظر إلى حين
يسر كما قال الله في كتابه: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ، لذا فحبس هذا ظلم).
ثم إنه لا بد من البحث عن مخرج آخر يتيسر بسببه للمحرم إتمام نسكه، فإن أمكنه أن يسلك سبيلا آخر يزول فيه الحاصر السابق لزمه أن يأتيه ما دام قادرا عليه دون مشقة بالغة والحج لا يفوت مع سلوكه، ولا
(1) ابن مفلح، المبدع، ج 3، ص 371.
(2) سورة البقرة، الآية (280)
(3) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 173.
(4) أبو سعيد الكدمي، الجامع المفيد، ج 2، ص 17. (3/462)
صفحة 1226
الرائد
463
يصح له التحلل مع وجوده.
والحال نفسه يقال إن الحابس يجب أن يستمر إلى وقت لا يدرك فيه المحصر حج بيت الله الحرام بأن يفوت الوقوف بعرفة وهو لا يزال محبوسا عن البيت، أما من كان يعلم من حابسه بيقين أو ظن غالب أنه سيزول قبل فوات النسك فلا يصح له الإحلال".
ومن القاعدة السابقة التي تفيد تقدير الضرورة بقدرها نقول إن أحصر الحاج بعد الوقوف بعرفة الذي هو ركن الحج الأكبر فلا يتحلل بالإحصار؛ إذ الباقي من أعمال الحج الأمر فيه هين فإن من أدرك عرفة فقد أدرك الحج". وطواف الإفاضة لم يأت في شيء من نصوص الشارع أن له حدا يفوت
الحج إن لم يأت به فيه كما سيأتي تقريره في محله إن شاء الله.
أما العمرة فالسنة كلها وقت لأدائها لكن إن علم بيقين أو ظن غالب أن
(1) الشافعي، الأم، ج 2، ص 162، وابن قدامة، الكافي، ج 1، ص 461، والنووي، المجموع، ج 8، ص 224، والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص 187.
(2) ابن عبد البر، التمهيد، ج 15، ص 197.
(3) أبو سعيد الكدمي، الجامع المفيد، ج 2، ص 23.
،198
(4) الكندي، بيان الشرع، ج 24، ص 29 وابن عبد البر، التمهيد، ج 15، ص 198،
والبهوتي، الروض المربع، ج 1، ص 527. (3/463)
صفحة 1227
الرائد
(464)
الحابس يزول بعد مدة لا يعسر عليه البقاء فيها على إحرامه فلا يصح له
الإحلال بمثل هذا الإحصار.
وإن تطاولت المدة على نحو يدخل عليه العسر والمشقة بسببها فله
الإحلال بسبب الإحصار كما هو فعل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية إذ أحلوا بسبب الإحصار مع أن المانع أن المانع منه سيزول بعد عام منها.
ونص بعض أهل العلم على أمر وهو أن التحلل بالإحصار أمر مشروط بعدم علم المحصر بوجود الحاصر أو علمه بوجوده مع ترجح أن لا يصده عن البيت، أما إن ترجح عنده أنه سيصد عن البيت فقالوا إنه لا يحل من إحصار إلا بعمرة).
رابعا حكم الهدي على المحصر إذا ما أحل
نقل بعض الفقهاء الاتفاق على أن المحصر إن ساق الهدي لزمه نحره
إجماعا، لكن اختلفوا فيه إن كان لم يسقه.
والذي عليه الجمهور من أهل العلم أن عليه أن يشتري الهدي ويحل؛ إذ
(1) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 187.
(2) الشنقيطي، أضواء البيان، ج 1، ص 83. (3/464)
صفحة 1228
الرائد
465
لا يسقط وجوبه عنه عدم سوقه إياه.
ومن الفقهاء من نقل الإجماع على وجوب الهدي مطلقا على المحصر
لظاهر الآية "فما استيسر من الهدي".
عدم
والظاهر أنه لا إجماع في القضية، فقد نقل ابن القاسم عن مالك وجوب الهدي على المحصر تعلقا بأن المحصر لم يكن منه تفريط والهدي على
ذي التفريط، وابن القاسم نفسه أوجب الهدي على المحصر بالمرض دون المحصر بالعدو).
وأما نحر النبي وأصحابه للهدي فتأوله هؤلاء بأنه لم يكن من أجل الصد عن البيت بل كان أنه هدي ساقوه معهم وقد قلد وأشعر، بسبب وخرج الله فلم يجز الرجوع فيه (4)
غير
أنه يعكر على الدليل السابق أن الحجة في إيجاب ما استيسر من
الهدي النص في الكتاب العزيز عليها، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم محتمل أن يكون بسبب
(1) الشافعي، الأم، ج 2، ص 161، والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 2، ص 373.
(2) ابن مفلح، المبدع، ج 3، ص 178.
(3) ابن العربي، أحكام القرآن، ج 1، ص 171.
(4) ابن عبد البر، التمهيد، ج 15، ص 198. (3/465)
صفحة 1229
الرائد
466
التقليد كما قالوا ومحتمل أن يكون بسبب الإحصار، والدليل إذا طرقه الاحتمال سقط به الاستدلال.
على أن الواقع هنا أن الآية الآمرة بما استيسر من الهدي توجه أن المراد
بالهدي الإحصار إذ الحكم معلق على الإحصار مما يؤذن بكونه علة له، ولم يكن فيها تقييد بسوقه الهدي أو عدم سوقه.
ومن الفقهاء من فصل فقال إن كان المنع عن عرفة دون البيت فإنه يتحلل بعمرة ولا هدي عليه؛ لأن من الجائز أن يحول المحرم بحج إحرامه إلى
عمرة ولا شيء عليه كما تقدم ذلك بدليله.
والجمهور من الفقهاء قائلون بوجوب الهدي على من أحل بسبب الإحصار، والآية في الكتاب العزيز بينة في الدلالة على مذهبهم؛ فالله تعالى يقول "فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي"، والمعنى إذا حللتم فاذبحوا أو انحروا ما استيسر من الهدي على أن يكون الموصول منصوبا، أو يكون المعنى
(1) البهوتي، الروض المربع، ج 1، ص 527.
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 24، ص 31، وابن قدامة، المغني، ج 3، 173، والجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2، ص 187. (3/466)
صفحة 1230
الرائد
(ETV)
فالواجب ما استيسر من الهدي على الرفع للموصول.
وقوله تعالى "فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي" كقوله تعالى "فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي"، وقد اتفقوا على وجوب الهدي
على المتمتع بالآية السابقة، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم أكد الوجوب السابق.
وذهب بعض العلماء إلى أن القارن يلزمه هديان إذا ما أحصر، وقد
ذكرنا القضية سابقا في حكم القارن يرتكب محظورا من محظورات الإحرام أتلزمه مه فديتان أو فدية واحدة، وتبين هناك أنه لا يلزم إلا بواحدة.
ومن الفقهاء من قال إن المحرم إن كان قد ساق هديا معه قد قلده فلا يجزيه للإحلال بالإحصار بل عليه غيره؛ لأن الأول قد كان وجب عليه الله ويجب عليه للإحصار آخر
(4)
(1) الطبري، جامع البيان، ج 2، ص 219، والزمخشري الكشاف، ج 1، ص 267،
والرازي، مفاتيح الغيب، ج 5، ص 126.
(2) ابن تيمية شرح العمدة، ج 3، ص 369.
(3) البسيوي، الجامع، ج 2، ص 304، والكندي، بيان الشرع، ج 24، ص 29، وابن النجيم، البحر الرائق، ج 3، ص 59، وأطفيش، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 242.
(4) البسيوي، الجامع، ج 2، ص 304، والكندي، بيان الشرع، ج 24، ص 31، والثميني، التاج المنظوم، ج 3، ص 395. (3/467)
صفحة 1231
الرائد
(ETA)
لكن اختلف الجمهور القائلون بوجوب الهدي ولو كان المحصر غير
سائق للهدي إن عجز عن الهدي أيلزمه بدل عنه أو لا يلزمه بدل؟ ذهب جماعة منهم إلى أنه لا بدل عنه، لكن اختلف هؤلاء أله أن يحل
ويهدي في حال تمكنه، أو يبقى محرما على قولين.
القائلون بعدم إحلاله حتى يجد هديا قالوا إن ذلك هو الإعمال للنص فإنه غيّى إباحة الحلق الذي هو كناية عن الإحلال ببلوغ الهدي محله، وما دام الهدي لم يبلغ محله فالنهي قائم عن الحلق الذي هو كناية عن الإحلال".
ثم إن المحصر منصوص على حكمه والبدل الذي قال به البعض منصوص على حكمه وهو التمتع والقاعدة أن المنصوصات لا يقاس بعضها على بعض، ثم إن هذا قياس في شأن الكفارات والكفارات لا تثبت
بالقياس
(3)
ويعترض على ذلك أن النص في كل منهما متحقق في حال الوجود،
(1) الجصاص أحكام القرآن، ج 1، ص 349، والرازي، مفاتيح الغيب، ج 5، ص 127، والنووي، المجموع، ج 8، ص 227، وابن النجيم البحر الرائق، ج 3، ص 58.
(2) الجصاص، أحكام القرآن، ج 1، ص 349.
(3) الجصاص، أحكام القرآن، ج 1، ص 349. (3/468)
صفحة 1232
الرائد
469
ولكن في حال عدم الوجود نص على واحد ولم ينص على الآخر ولا مانع حينها من القياس.
ثم إن أصل الحكم قائم على التيسير ورفع الحرج عن الناس بالبقاء في ام لا يستطيعون، ملازمته، وفي بقائهم محرمين لأنهم لم يجدوا الهدي إبطال لحكمة مشروعية الأصل وهي التحلل بالإحصار إذ تبقى المشقة والعسر على
الناس.
وأما القائلون بأن للهدي بدلا فاختلفوا في تحديده على أقوال، أولها الصوم، ثانيها الإطعام، وثالثها، التخيير بين الصوم والإطعام، ونفصل كل قول بوجوهه.
ثلاثة:
القول الأول: بدله الصوم، والصوم يأتي بدلا عن الدم في أحوال
أولها حال المتمتع الذي لم يجد الهدي، فصيامه عشرة أيام، والجامع بينهما أنه وجب للتحلل كما وجب صوم التمتع للتحلل بين الحج والعمرة في أشهر
(1) الكدمي، الجامع المفيد، ج 2، ص 18 (3/469)
صفحة 1233
الرائد
الحج.
(470)
واختلف هؤلاء أله أن يحل قبل أن يصوم عشرة أيام أو ليس له ذلك، فقيل ليس له أن يتحلل حتى يصوم عشرة الأيام كما لا يحل قبل الهدي، وقيل بل له ذلك للعسر والمشقة.
ثانيها: صوم التعديل في جزاء الصيد، وقد تقدم بيانه أنه يصوم عن كل
نصف صاع يوما بعد النظر في قيمة الدم وكم مدا يطعم بقيمتها.
ثالثها: صوم فدية الأذى وهو ثلاثة أيام؛ لأنه وجب للترفه.
القول الثاني: بدله الإطعام، والإطعام جاء بدلا عن الدم في الحج في
موضعين:
أولهما: إطعام التعديل في جزاء الصيد، ويكون ذلك بأن ينظر في الهدي
(1) الكدمي، الجامع المفيد، ج 2، ص 19، والكندي، بيان الشرع، ج 24، ص 37، والنووي، المجموع، ج 8، ص 227، والقرافي الذخيرة، ج 3، ص 189، والبهوتي، الروض المربع، ج 1، ص 527، وأطفيش، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 242.
(2) النووي، المجموع، ج 8، ص 227، وابن قدامة، الكافي، ج 1، ص 462، والبهوتي،
الروض المربع، ج 1، ص 488.
(3) النووي، المجموع، ج 8، ص 227. (3/470)
صفحة 1234
الرائد
(471)
كم قيمته فيخرج من قيمته طعام لمساكين الحرم كما تقدم بيان ذلك.
ثانيهما: طعام فدية الأذى وهو ثلاثة آصع لستة مساكين يعطى كل
مسكين منها نصف صاع.
خامسا: ما يلزم المحصر من الهدي
جاءت الآية الكريمة بذكر ما استيسر من الهدي على المحصر إذا ما أراد الإحلال، والهدي يشمل النعم الثلاث التي أعلاها الإبل، وأوسطها البقر، وأقلها الغنم لذا فيشملها النص كلها يتقرب المبتلى بما يتيسر له منها.
وخالف ذلك آخرون فقالوا إن المراد بما استيسر من الهدي الإبل والبقر دون الغنم، وابن عمر كان مذهبه فيما استيسر من الهدي بقرة دون بقرة أو بدنة دون بدنة).
وثمة رواية أخرى عن ابن عمر وابن عباس وعلي والسيدة عائشة أن ما
(1) النووي، المجموع، ج 8، ص 227، وابن مفلح، المبدع، ج 3، ص 272
(2) الشافعي، الأم، ج 2، ص 159، والجصاص أحكام القرآن، ج 1، ص 338، والرازي،
مفاتيح الغيب، ج 5، ص 126.
(3) الطبري، جامع البيان، ج 2، ص 218
(4) ابن عبد البر، التمهيد، ج 15، ص 190. (3/471)
صفحة 1235
الرائد
472
استيسر من الهدي شاة.
ولا أدري حجة هؤلاء لكن رأى بعضهم أن مستند هؤلاء فيما ذهبوا إليه
قصة الحديبية فإنه لم ينقل عن أحد منهم أنه ذبح في تحلله ذلك شاة وإنما ذبحوا الإبل والبقر.
وهذا ضعيف فالأولى الأخذ بعموم النص الذي لم يثبت له مخصص، وما ذكر لا يخصص به النص إذ لا يعدو ذلك أن لو ثبت أن يكون واقعة
حال لأنهم لم يصحبوا معهم الغنم.
سادسا: وقت نحر الهدي
اتفق الفقهاء على أن من أراد الإحلال بسبب الإحصار عن العمرة ولم يكن قد ساق الهدي أن يذبح هدي الإحصار متى شاء لعدم توقيت العمرة،
والنبي يوم الحديبية نحر هديه وهو لا يزال بشهر ذي القعدة.
لكن اختلفوا في المحرم بحج أله أن ينحر هديه متى شاء أو يلتزم وقت
ذبح الهدي أن لو كان قد أدى نسكه؟
(1) ابن عبد البر، التمهيد، ج 15، ص 190.
(2) العيني، عمدة القاري، ج 10، ص 141. (3/472)
صفحة 1236
الرائد
473
ذهب الجمهور من الفقهاء إلى أن لمن أراد الإحلال أن ينحر هديه متى
شاء وليس ثمة ميقات زماني لا يحل النحر قبله أو بعده.
والدليل على السابق أن الحج أحد النسكين فجاز الحل منه ونحر هديه وقت حصره كالعمرة.
ولأن العمرة لا تفوت وجميع الزمان وقت لها فإذا جاز الحل منها ونحر
هديها من غير خشية فواتها فالحج الذي يخشى فواته أولى"
(2)
وخالف ذلك آخرون فقالوا إنه ليس للمحصر عن الحج نحر هديه إلا النحر ليتحقق الفوات؛ لأن للهدي محل زمان ومحل مكان فإن عجز محل يوم
المكان فسقط بقي محل الزمان واجبا لإمكانه.
سابعا: محل نحر الهدي
للفقهاء خلاف في محل نحر الهدي، والجمهور منهم
أن الهدي ينحره
(1) الجصاص، أحكام القرآن، ج 1، ص 342، وابن قدامة، الكافي، ج 1، ص 461.
(2) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 174.
(3) الكدمي، الجامع المفيد، ج 2، ص 20، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 175، و لجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2، ص 186، و القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 188. (3/473)
صفحة 1237
الرائد
474
المحصر حيث حصر حلا كان المكان أو حرما).
واختلف هؤلاء إن أحصر في غير الحرم واستطاع نحره في الحرم أيجب عليه نحره فيه لأنه قادر عليه والأصل أنه محل للهدي، أو لا يجب عليه ذلك؛ لأن موضع تحلله هو غيره والواجب في موضع تحلله".
وذهب آخرون إلى أن المحرم لا ينحر هديه إلا في الحرم حتى قال من
قال منهم إن الحرم كعبة في معنى الهدي، فيبعثه ويواطاء رجلا على نحره في وقت يتحلل فيه.
واصطفى غيرهم أنه إن استطاع إيصال الهدي الحرم فذلك هو الواجب
(1) الشافعي، الأم، ج 2، ص 159، وابن عبد البر، التمهيد، ج 15، ص 214، والرازي، مفاتيح الغيب، ج 5، ص 127، والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 2، ص 379،
6
والبهوتي، الروض المربع، ج 1، ص 527.
(2) النووي، المجموع، ج 8، ص 226، والقرافي الذخيرة، ج 3، ص 188، وأطفيش، شرح
کتاب النيل، ج 4، ص 241.
(3) الكدمي، الجامع المفيد، ج 2، ص 17، والجصاص، أحكام القرآن، ج 1، ص 339، والكندي، بيان الشرع، ج 24، ص 29، وابن قدامة المغني، ج 3، ص 174، وابن النجيم، البحر الرائق، ج 3، ص 58. (3/474)
صفحة 1238
الرائد
475
عليه، وإن لم يستطع نحر حيث أحصر".
وسبب الخلاف قوله تعالى حتى يبلغ الهدي محله" فالأولون يقولون إن
المراد بمحله هنا هو المحل الزماني، والآخرون يقولون إن المحل المراد هنا المحل المكاني.
هو
كانت للقائلين بالأول من الأقوال حجج أولها فعل النبي صلى الله عليه وسلم فإنه نحر بالحديبية، وليست هي من الحرم في شيء، وظاهر الكتاب العزيز يفيد ذلك كما هو في قوله تعالى: {هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَن الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاهَدَى مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ (3).
ولو كان الهدي في الحرم لكان بالغا محله).
وثاني أدلة هؤلاء أن الآية جاءت عامة الحكم غير خاصة بمن أحصر في حل ولا حرم، فالواجب أن يكون ذبح ما استيسر من الهدي غير خاص بحل
(1) ابن قدامة، الكافي، ج 1، ص 462، وابن حجر، فتح الباري، ج 4، ص 11. (2) البسيوي، الجامع، ج 2، ص 303، والرازي، مفاتيح الغيب، ج 5، ص 127. (3) سورة، الفتح، جزء من الآية (25). (4) الرازي، مفاتيح الغيب، ج 5، ص 127، والشنقيطي، أضواء البيان، ج 1، ص 84. (3/475)
صفحة 1239
الرائد
ولا حرم.
476
أما ثالث أدلتهم فتلخص في أن المقصود الشرعي من الحكم التيسير على المؤمنين، والمحصر خارج الحرم غير قادر على الوصول إليه، فتكليفه بإيصاله إلى الحرم يعود على أصل مقصود الشارع بالإبطال".
والرابع من الأدلة يتلخص في أن الهدي تابع للمهدي، والمهدي حل بموضعه فالمهدى أيضا يحل معه (3).
أما أرباب القول الثاني وهم القائلون إن المحصر لا ينحر هديه إلا في الحرم فاستدلوا بقوله تعالى: {وَأَتِمُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا
صلے
اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُهُ وسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ أَهْدَى عَحِلَّهُ).
فالآية نص صريح في النهي عن الحلق إلى أن يبلغ الهدي محله، وما محله
إلا الحرم؛ إذ المحل بكسر عين الفعل اسم المكان.
(1) الرازي، مفاتيح الغيب، ج 5، ص 127.
127
(2) الرازي، مفاتيح الغيب، ج 5، ص 127.
(3) ابن العربي، أحكام القرآن، ج 1، ص 175، والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 2،
ص 379
(4) سورة البقرة، جزء من الآية (196). (3/476)
صفحة 1240
الرائد
477
وأما احتمال كون ذلك شاملا الزمان أيضا فنقول إنه يتعين هنا للمكان
لأمور:
أولها: أن العمرة غير موقتة وهي داخلة في الحكم مما يعني أن المحل الزماني غير مراد، وذلك يقتضي "أن لا يحل حتى يبلغ مكانا غير مكان الإحصار؛ لأنه لو كان موضع الإحصار محلا للهدي لكان بالغا محله بوقوع الإحصار، ولأدى ذلك إلى بطلان الغاية المذكورة في الآية.
فدل ذلك على أن المراد بالمحل هو الحرم؛ لأن كل من لا يجعل موضع الإحصار محلا للهدي فإنما يجعل المحل الحرم، ومن جعل محل الهدي موضع الإحصار أبطل فائدة الآية وأسقط معناها.
ثانيها: قوله تعالى {فَجَزَاءُ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ تَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيَا بَلغَ الْكَعْبَةِ، وقوله: {لَكُمْ فِيهَا مَتَنفِعُ إِلَى أَجَلٍ وقوله: {لَكُمْ فِيهَا مَتَنفِعُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ يَحِلُّهَا إِلَى
الْبَيْتِ الْعَتِيقِ).
وفي الآيات السابقة النص على أن محل الهدي هو البيت العتيق، أي
(1) الجصاص، أحكام القرآن، ج 1، ص 340.
(2) سورة المائدة، جزء من الآية (95).
(3) سورة الحج، الآية (33). (3/477)
صفحة 1241
الرائد
478
الحرم، فلو قيل بإجمال الآية في موضع هدي الإحصار كانت هذه الآيات بيانا
لها.
لكن يعترض على الاستدلال بالآيتين أن موضوع هذه الآيات غير موضوع الإحصار، فالجميع مسلمون أن هدي جزاء الصيد يكون في الحرم،
ولكن كونه في الحرم لا يستلزم أن يكون هدي الإحصار مثله في المحل. كما استدل هؤلاء أيضا بقياس دم الإحصار على بقية الدماء التي لا تكون إلا في الحرم.
وأجيب عن هذا القياس بأن ثمة فرقا بين الأمرين يمنع صحة القياس، بيان ذلك أن دم الإحصار مشروع لإزالة الخوف، وهذا المقصد غير موجود غيره، والنبي وأصحابه أرسلوا بالهدي يوم الحديبية فنحر في الحرم كما يفيد ذلك حديث أحمد بن سليمان قال: حدثنا عبيد الله
في
بن موسى
قال:
أنبأ إسرائيل عن مجزأة قال: حدثني ناجية بن جندب الأسلمي أنه أتى النبي
حين صد الهدي فقال:
يا رسول الله، ابعث به معي فأنا أنحره، قال: وكيف؟ قال: آخذ به في أودية لا يقدر عليه قال فدفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق به حتى نحره في
(1) الرازي، مفاتيح الغيب، ج 5، ص 128. (3/478)
صفحة 1242
479
الرائد
الحرم".
والحديث اعترض عليه بأنه حديث ضعيف)، وعلى التسليم بصحته ليس فيه دليل على الوجوب بل ظاهر القصة أن أكثرهم نحر في مكانه وكانوا الحل وذلك دال على الجواز.
لكن اعترض على هؤلاء استدلالهم بالآية أن جملة "ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله" معطوفة على جملة "وأتموا الحج والعمرة الله" وليست على جملة "فما استيسر من الهدي
(E)
وذهب آخرون إلى القول بالتفصيل، فالمحرم ينحر هديه في الحرم إذا استطاع ذلك، وإن لم يستطع ذلك نحره حيث أحصر، وهذا أمر حسن في الاحتياط وليس هو ببعيد في الحكم جمعا بين أدلة الشارع.
(1) النسائي، السنن الكبرى، ج 2، ص 453. (2) ابن العربي، أحكام القرآن، ج 1، ص 175.
(3) ابن حجر، فتح الباري، ج 4، ص 11. (4) الشنقيطي، أضواء البيان، ج 1، ص 84. (5) الشنقيطي، أضواء البيان، ج 1، ص 84. (3/479)
صفحة 1243
الرائد
480
ثامنا: لزوم الحلق للإحلال على المحصر
لم تذكر الآية الكريمة الحلق في حق المحصر إذا ما أراد أن يحل بل جعلت
جزاء الإحصار ما استيسر من الهدي وكان معلوما بالاتفاق بين علماء المسلمين أن الخروج من الإحرام التامة أفعاله لا يكون إلا بالحلق، لذا اختلف بين الأخذ بظاهر الآية التي لم تذكر الحلق وبين القواعد الأخرى
التي جرى عليها الشارع من أن الخروج من الإحرام لا بد له من حلق.
ألزم
ثم إن المسألة ينبني مأخذها على الخلاف الكائن بين الفقهاء هل الحلق نسك أو أنه تحلل من محظور، فمن قال إنه نسك مستقل بذاته المحصر، ومن قال إنه ليس بنسك لم يلزم المحصر به بل يصير حلا من
إحرامه بنحر الهدي.
رجح
جماعة الأخذ بظاهر الآية وأنها ما شرطت الحلق للإحلال من
الإحرام بل ما استيسر من الهدي فقط، والأصل براءة الذمة، ولم يأت ما
يشغلها؛ لذا فليس على المحصر حلق).
(1) ابن قدامة، الكافي، ج 1، ص 462.
(2) الجصاص أحكام القرآن، ج 1، ص 343،، وابن النجيم، البحر الرائق، ج 3، ص 58،
والبهوتي، الروض المربع، ج 1، ص 527. (3/480)
صفحة 1244
الرائد
481
كما استدل بعض هؤلاء بأن الحلق لم يعرف كونه نسكا إلا بعد أداء
الأفعال، وهو قبل أداء الأفعال جناية، فلا يؤمر به، ولهذا العبد والمرأة إذا
منعهما السيد والزوج لا يؤمران بالحلق إجماعا.
كما قال هؤلاء إنه لما سقط عنه بالإحصار جميع المناسك كالطواف
والسعي وذلك مما يحل به المحرم من إحرامه سقط عنه سائر ما يحل به المحرم
(2)
من أجل أنه محصر (2).
على أن من الفقهاء من فصل فقال إن كان الإحصار في الحرم فيلزم الحلق، وإن كان الإحصار خارج الحرم فلا حلق؛ لأن الأمر عند هؤلاء أن الحلق موقت بمكان وهو الحرم كما سيأتي في محله -.
ومن أدلة هؤلاء أيضا أن السيدة عائشة > عند رفضها عمرة التمتع لم يأمرها النبي صلى الله عليه وسلم بالحلق أو التقصير، وما العلة في ذلك إلا أنها لم تكمل أعمال
العمرة.
(1) الجصاص، أحكام القرآن، ج 1، ص 343. (2) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 2، ص 380.
(3) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 71.
(4) الجصاص، أحكام القرآن، ج 1، ص 343. (3/481)
صفحة 1245
الرائد
482
وأجاب هؤلاء عن اعتراض قد يعترض به عليهم مجمله أن المحرم قد
سقطت عنه أعمال إحرامه لتعذرها والحلق غير متعذر عليه فيلزمه؛ إذ
الضرورة تقدر بقدرها، أجابوا عن ذلك بقولهم:
إن المحصر لو أمكنه الوقوف بالمزدلفة ورمي الجمار ولم يمكنه الوصول إلى البيت ولا الوقوف بعرفة لا يلزمه الوقوف بالمزدلفة ولا رمي الجمار مع إمكانهما؛ لأنهما مرتبان على مناسك تتقدمهما، كذلك لما كان الحلق مرتبا على أفعال أخر لم يكن فعله قبلهما نسكا.
وقال آخرون إن الحلق أمر واجب على المحصر وهو من
النسك
واستدلوا بأن الآية ذكرت بعد ذلك أمر الحلق "ولا تحلقوا رؤوسكم
حتى يبلغ الهدي محله".
ووجه الدلالة
من ذلك أنه جعل بلوغ الهدي محله غاية لزوال الحظر،
وحكم ما بعد الغاية مخالف ما قبله فيكون التقدير: ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله، فإذا بلغ فاحلقوا، وذلك يقتضي وجوب الحلق".
(1) الجصاص، أحكام القرآن، ج 1، ص 344. (2) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 2، ص 380.
(3) الجصاص، أحكام القرآن، ج 1، ص 344. (3/482)
صفحة 1246
الرائد
483
لكن يعترض على ذلك بأن الأمر بعد الحظر فيه خلاف بين الأصوليين شهير وليس بمتعين الحمل على الوجوب، بل إن أولى الأقوال بالرجحان هو كون الأمر بعد الحظر على أصله قبله، فهو يرجع بالمأمور إلى حاله قبل الحظ أو المنع، كما يدل على ذلك الاستقراء لجمع من أدلة الشارع".
وثاني أدلة المثبتين للحلق أن النبي الله وأصحابه قد حلقوا يوم الحديبية، بل إنه قد أمرهم بالحلق والأصل في الأمر الوجوب، ولو لم يكن مرادا بالأمر الشرعي لاكتفى بالنحر، والرواية التي تفيد ذلك حديث:
فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا قال فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث
مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس
فقالت أم سلمة:
يا نبي الله، أتحب ذلك؟
اخرج
أحدا لا تكلم
منهم
كلمة حتى تنحر
بدنك وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم
(1) ينظر في تفاصيل القضية ابن أمير الحاج التقرير والتحبير، ج 1، ص 378، وأمير بادشاه، تيسير التحرير، ج 1، ص 345، والسالمي، طلعة الشمس، ج 1، ص 41. (3/483)
صفحة 1247
الرائد
484
يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا عما.
ومن
أدلة هؤلاء أيضا أن الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة
د منع من ذلك كله المحصر، وقد صد عنه فسقط عنه ما قد حيل بينه وبينه،
وأما الحلاق فلم يحل بينه وبينه وهو قادر على أن يفعله، وما كان قادرا على أن يفعله فهو غير ساقط عنه " (2).
تاسعا: الحلق قبل بلوغ الهدي محله
جاءت الآية بالنهي عن الحلق قبل أن يبلغ الهدي محله كما هو صريح النهي في قوله تعالى {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ أَهْدَى عَحِلَّهُ، والنبي صلى الله عليه وسلم طبق الآية الكريمة فنحر ثم حلق وأمر الصحابة أن يفعلوا كفعله كما في حديث معمر عن الزهري عن عروة عن المسوره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحر قبل أن يحلق وأمر أصحابه بذلك".
(1) أخرجه البخاري ضمن حديث طويل من طريق عبد الله بن محمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر قال: أخبرني الزهري قال: أخبرني عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه قالا ... الحديث، باب: في الشروط في الجهاد والمصالحة (2581).
(2) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 2، ص 381.
(3) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب النحر قبل الحلق في الحصر (1716). (3/484)
صفحة 1248
الرائد
485
وقد كان في أصل الأمر قال لهم: قوموا فانحروا ثم احلقوا، والأصل في (ثم) أن تفيد لترتيب، وذلك هو الحكم الأولى بالاتفاق.
لكن اختلفوا أهو على الوجوب أو لا يرقى إليه فيكون مندوبا، ذهب
جماعة إلى عدم وجوبه فللمحصر أن يحلق قبل أن يبلغ الهدي محله". والمستند الذي يرجع إليه هؤلاء حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله رجل فقال
حلقت قبل أن أنحر قال: انحر ولا حرج".
غير أن بعض هؤلاء قالوا إذا حل المحصر قبل أن ينحر هديه فعليه دم
ويعود حراما كما كان حتى ينحر هديه.
وإن أصاب صيدا قبل أن ينحر الهدي فعليه الجزاء، وسواء في ذلك الموسر والمعسر لا يحل أبدا حتى ينحر أو ينحر عنه.
(1) تقدم تخريجه من رواية البخاري في صفة عمرة الحديبية.
(2) ابن العربي، أحكام القرآن، ج 1، ص 172.
(3) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب الذبح قبل الحلق (1635).
(4) الجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2، ص 186، والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 2،
ص 379. (3/485)
صفحة 1249
الرائد
(EAT)
عاشرا: وجوب القضاء على المحصر
للفقهاء خلاف أعلى المحصر قضاء لما أحصر عنه من النسك أو ليس
عليه شيء؟
قال جماعة إن نفس الإحلال بسبب الإحصار لا يوجب على المحصر قضاء، لكن يبقى الحكم هل هذا المحصر مؤد للواجب عليه أو لا، فإن كان قد أدى الفرض من الحج فلا يجب عليه شيء بعدها، ومثله العمرة على قول
من يرى وجوبها.
وإن كان لم يؤد شيئا فالواجب الأول ما زال متعلقا به لا بنفس الإحلال بسبب الإحصار بل بالوجوب الأول.
قال الإمام أبو سعيد الكدمي بعد كلام أبي بكر بن المنذر في الإشراف: يحسن فيما حكى من المعاني ما قال ليس عليه قضاء لما دخل فيه؛ لأنه قد
(1) الجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2، ص 187.
(2) الشافعي، الأم، ج 2، ص 159، وأبو سعيد الكدمي، الجامع المفيد، ج 2، ص 17، وابن العربي، أحكام القرآن، ج 1، ص 174، وابن عبد البر، التمهيد، ج 15، ص 195، والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 2، ص 376، وابن قدامة، الكافي، ج 1، ص 462، والثميني، التاج المنظوم، ج 3، ص 396. (3/486)
صفحة 1250
الرائد
(487)
عذر إلا أن يكون عليه فرض فعليه الحج إذا قدر عليه.
غير أن بعض القائلين بعدم وجوب القضاء أسقطوا عمن أحل
بالإحصار الواجب الأصل وهي حجة الإسلام إن كان إحصاره عنها؛ لأنه وجب عليه الإحرام بالحج وقد فعل جهده، وأسقط عنه
فبرئت ذمته والقضاء إنما يجب بأمر جديد، والأصل عدمه.
الباقي الحصر
واعترض على هذا الرأي بأنه وإن أحرم بها غير أنه ليس المقصود من مشروعية الحج الإحرام به فقط بل المقصود الإتيان بالأركان المختلفة وهذا لا يصدق عليه شرعا ولا لغة أنه حاج، ولم يأت شيء من الأدلة يفيد سقوط أصل الحج عنه بمجرد الإحرام فتبقى ذمته مشغولة بالأمر الأول.
احتج الذين لا يرون وجوب قضاء غير ما كان واجبا في الأصل لقولهم " بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمر أحدا من أصحابه ولا ممن كان معه أن يقضوا شيئا، ولا أن يعودوا لشيء، ولا حفظ ذلك عنه بوجه من الوجوه، ولا قال في العام المقبل إن عمرتي هذه قضاء عن العمرة التي حصرت فيها، ولم ينقل
ذلك عنه.
(1) أبو سعيد الكدمي، الجامع المفيد، ج 2، ص 21، والكندي، بيان الشرع، ج 24، ص 39.
(2) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 188. (3/487)
صفحة 1251
الرائد
488
وعمرة القضاء وعمرة القضية سواء، وإنما قيل لها ذلك لأن رسول الله
قاضى قريشا وصالحهم في ذلك العام على الرجوع عن البيت وقصده من قابل فسميت بذلك عمرة القضية).
قال الشافعي:
والذي أعقل في أخبار أهل المغازي شبيه بما ذكرت من ظاهر الآية، وذلك أنا قد علمنا في متواطئ أحاديثهم أن قد كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية رجال معروفون بأسمائهم ثم اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرة القضية وتخلف بعضهم بالمدينة من غير ضرورة في نفس ولا مال علمته، ولو لزمهم القضاء لأمرهم رسول الله - إن شاء الله – بأن لا يتخلفوا عنه".
وذهب آخرون إلى وجوب القضاء على المحل بالإحصار، واختلفوا في الذي يقضيه فقيل يقضي النسك الذي أحل منه بسبب الإحصار فقط إن كان مستطيعا على القضاء، فإن أحل من عمرة قضى عمرة فقط، وإن أحل من
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 24، ص 52 ابن عبد البر، التمهيد، ج 15، ص 212، والبيهقي، معرفة السننن والآثار، ج 4، ص 240، والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن،
ج 2، ص 376.
(2) الشافعي، الأم، ج 2، ص 159.
(3) الكدمي، الجامع المفيد، ج 2، ص 17 (3/488)
صفحة 1252
الرائد
489
حجة مفردة كانت عليه حجة فقط).
وذهب آخرون ممن أوجبوا القضاء إلى أنه إن كان أصل إحرامه بالعمرة
قضى عمرة، وإن كان محرما بحج قضى حجة وعمرة، وإن كان قارنا قضى حجا وعمرتين، وإن قضى حجا وعمرة في أشهر الحج كان متمتعا وعليه دم التمتع".
وأبو حنيفة من هؤلاء يوجب عليه حجة وعمرة إذا أحل بالدم ثم لم يحج من عامه ذلك، أما لو حج في عامه ذلك بأن زال سبب الإحصار فأحرم بالحج قبل فوات وقته لم يكن عليه، عمرة، لأن هذه العمرة إنما هي التي تلزم بالفوات وهو لم يفته، والدم الذي عليه في الإحصار إنما هو للإحلال ولا يقوم مقام العمرة التي تلزم بالفوات وذلك لأنه ليس في الأصول عمرة يقوم
مقامها دم".
واستدل هؤلاء لقولهم بالقضاء بأدلة:
(1) الكدمي، الجامع المفيد، ج 2، ص 17.
(2) الجصاص أحكام القرآن، ج 1، ص 345، وابن النجيم، البحر الرائق، ج 3، ص 59،
وابن قدامة، الكافي، ج 1، ص 462.
(3) الجصاص، أحكام القرآن، ج 1، ص 345. (3/489)
صفحة 1253
الرائد
(490)
أولها: فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وذلك أنه بعد إحلاله بالإحصار يوم
الحديبية قضى تلك العمرة بعد عام، حتى سميت العمرة عمرة القضاء. لكن اعترض على هذا الاستدلال بأن عمرة النبي صلى الله عليه وسلم في العام القابل "قضاها لأن الصلح وقع على ذلك إرغاما للمشركين، وإتماما للرؤيا، وتحقيقا للموعد، وهي في الحقيقة ابتداء عمرة أخرى وسميت عمرة القضية المقاضاة لا من القضاء " ().
من
ثانيها حديث محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن ميمون قال: سمعت أبا حاضر الحميري يحدث أبي ميمون بن مهران قال: خرجت معتمرا عام حاصر أهل الشام بن الزبير بمكة وبعث معي رجال من قومي بهدي فلما انتهينا إلى أهل الشام منعونا أن ندخل الحرم
فنحرت الهدي مكاني ثم أحللت ثم رجعت.
فلما كان من العام المقبل خرجت لأقضي عمرتي فأتيت ابن عباس فسألته فقال: أبدل الهدي؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يبدلوا الهدي الذي
نحروا عام الحديبية في عمرة القضاء.
(1) ابن العربي، أحكام القرآن، ج 1، ص 174. (3/490)
صفحة 1254
الرائد
491
والحديث أخرجه بالإسناد السابق أبو داود، وفيه ابن إسحاق مدلس
وقد عنعن فيضعف الحديث ولا يصلح للاحتجاج.
ثالثها: حديث الحجاج بن عمرو الأنصاري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول: من عرج أو كسر فقد حل وعليه حجة أخرى، وقد تقدم تخريجه. رابعها: أن الله تعالى قال " وأتموا الحج والعمرة الله"، وقد اتفق الفقهاء أن
من دخل في حج أو عمرة وجب عليه إتمامها ولو كان أصلهما غير واجب. ولما وجب الحكم بالدخول صار بمنزلة حجة الإسلام والنذر فيلزمه القضاء بالخروج منه قبل إتمامه سواء كان معذورا فيه أو غير معذور؛ لأن ما قد وجب لا يسقطه العذر، فلما اتفقوا على وجوب القضاء بالإفساد وجب
عليه مثله بالإحصار " "
(2)
خامسها: أن النبي لما رفضت السيدة عائشة عمرتها يوم حجة الوداع بسبب العذر أمرها أن تقضي مكانها عمرة فصحبها أخوها عبد الرحمن بن
أبي بكر.
والجواب عن ذلك تقدم في مبحث أنواع النسك وأن عائشة د ما
(1) كتاب المناسك، باب: الإحصار (1864).
(2) الجصاص، أحكام القرآن، ج 1، ص 348. (3/491)
صفحة 1255
الرائد
492
رفضت عمرتها بل أدخلتها في الحج فصارت قارنة بعد أن كان الأصل فيها التمتع، وقد أخبر النبي لو أن عمرتها دخلت في الحج وأنه يكفي للنسكين طواف واحد كما في قوله " يكفيك طوافك لحجك وعمرتك".
ثم إن العمرة الثانية ما كانت قضاء بل هي تطييب لخاطرها خشية أن ترجع بحجة وحدها طافت لها طوافا واحدا وغيرها من زوجاته يرجعن بحجة وعمرة.
سادسها أنه يلزم بالشروع فيصير كالمنذور بخلاف غيره من
التطوعات.
القضاء على من أحل بسبب
يقضي
وقد ذهب جماعة من القائلين بوجوب الإحصار إلى أنه ليس للمحصر أن يجامع أهله ولا يقتل الصيد إلى أن
النسك الذي عليه ويطوف بالبيت).
وفي هذا الرأي نظر، إذ ليس هو بمحرم، ولم يأت من الأدلة الشرعية ما
(1) ابن مفلح، المبدع، ج 3، ص 268.
(2) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 407، والكدمي، الجامع المفيد، ج 2، ص 18، والكندي، بيان الشرع، ج 24، ص 29، والجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2، ص 186، وأطفيش، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 238. (3/492)
صفحة 1256
الرائد
493
يشغل ذمته بحكم يختلف عن غيره من المحلين، بل إنه فوق الأصل السابق
المفيد ضعف هذا الرأي قد ثبت في السنة ما يخالفه وهو حديث:
يحيى بن صالح حدثنا معاوية بن سلام حدثنا يحيى بن أبي كثير عن
عكرمة قال: قال ابن عباس: قد أحصر رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلق رأسه،
و جامع نساءه، ونحر هديه حتى اعتمر عاما قابلا".
عاشرا: إحلال من كسر أو عرج
تقدم
الحديث فيمن كسر وقد كان ظاهره الذي انفرد في الأخذ به أبو
ثور، وتابعه داود الظاهري وبعض أصحابه كما يقول ابن عبد البر، وأخذ
به الشوكاني) أن إحلاله يكون بنفس الكسر أو العرج.
غير أن الجمهور من العلماء لم يوافقوا أبا ثور في الأخذ بظاهر الحديث بل قالوا إن العرج والكسر نفسه لا يستلزم الإحلال، بل لا بد من أن يقترن به
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 24، ص 38.
(2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب الحج وجزاء الصيد (1714).
(3) الشوكاني، وبل الغمام، ج 1، ص 582.
(4) ابن عبد البر، التمهيد، ج 15، ص 211، والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 2،
ص 377. (3/493)
صفحة 1257
الرائد
(494)
شيء على ما سبق من خلاف في المريض أيكون محصرا، فالقائلون بكون المرض سببا من أسباب الإحلال بالإحصار يقولون إن الإحلال يكون بالنية والحلق على خلاف في الأخير تقدم بيانه.
ومن السابق يكون معنى الحديث فقد حل أي حل له أن يحل مما هو فيه من الإحرام، كما يقال للمرأة بعد انتهاء عدتها بأنها حلت للأزواج أي بعد
العقد عليها.
والطحاوي بعد أن ذكر الكلام السابق عند كلامه على هذا الحديث
"
رجع عنه في الكتاب نفسه شرح مشكل "الآثار" فأبان أن هذا الحديث كان قبل نزول حكم الإحصار هو وحديث ضباعة بنت الزبير في الاشتراط. وفي كلام الطحاوي نظر، بيانه أن من المتفق عليه أن حديث ضباعة الذي جعله الطحاوي مع هذا الحديث منسوخا قد وقع في حجة الوداع، أما آية الإحصار والأمر بإتمام الحج والعمرة فما كان إلا يوم الحديبية في السنة السادسة للهجرة، فكيف ينسخ المتقدم المتأخر؟
وتكلف ابن قتيبة في التأويل فقال بأن الحديث في الرجل المكي يحرم بالحج منها ويطوف ويسعى ثم يكسر أو يعرج أو يمرض فلا يستطيع
(1) الطحاوي، شرح مشكل الآثار، ج 2، ص 79. (3/494)
صفحة 1258
الرائد
495
حضور المواقف أنه يحل في وقته وعليه حج قابل والهدي.
وكذلك الرجل يقدم مكة معتمرا في أشهر الحج ويقضي عمرته ثم يهل بالحج من مكة ويكسر أو يصيبه أمر لا يقدر معه على أن يحضر مع
المواقف إنه يحل وعليه حج قابل والهدي وحمل آية الإحصار على من خارج الحرم".
الناس
كان
وفي هذا الكلام تكلف كما سبق؛ إذ الآية عامة اللفظ فتقييدها بما قال مفتقر إلى الدليل، ثم إن حكم الإحصار جاء بيانا لاستثناء من حكم الأمر
بالإتمام للحج والعمرة فإنه قد يلحق المكي أيضا.
والقائلون بأن المرض ليس من أسباب الإحلال بالإحصار يوجبون أن
يكون الإحلال بطواف وسعي ثم تحلل.
(1) ابن قتيبة، تأويل مختلف الحديث، ص 325.
(2) الجصاص أحكام القرآن، ج 1، ص 335، والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 2،
ص 377. (3/495)
صفحة 1259
الرائد
المطلب الثالث: التحلل بالاشتراط
أولا: مشروعية الاشتراط
496
يقصد بالاشتراط في هذا الموضع جعل المحرم نفسه في حل من إحرامه إذا ما تحقق عذر علق بعدمه استمراره في نسكه، كأن يقول بعد التلبية: اللهم إن كانت الحرارة شديدة حللت من إحرامي، فإن تحقق الشرط السابق على ما نواه شرِ له أن يحل من إحرامه ولا يكون عليه بنفس التحلل شيء من دم أو
قضاء.
وقد اختلف الفقهاء في مشروعية الاشتراط السابق في الإحرام، فذهب جماعة إلى أنه حكم مشروع فيحل من اشترط بعد تحقق شرطه.
وجواز التحلل من الإحرام بالشرط يفيد جواز الاشتراط في أن ينتقل من نسك أعلى إلى نسك أقل كأن يشترط بأنه إن تحقق عذره كان نسكه عمرة بدل الحج، أو إفرادا بعد، قرآن كما نقل عن السيدة عائشة: اللهم إني
(1) الشافعي، الأم، ج 7، ص 190، وابن الجوزي، التحقيق، ج 2، ص 155، والنووي، المجموع، ج 8، ص 235، وأطفيش، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 239.
(2) النووي، المجموع، ج 8، ص 236، و الشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 440، وأطفيش، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 239. (3/496)
صفحة 1260
الرائد
أريد الحج فإن تيسر وإلا فعمرة.
(497
والاشتراط السابق نص جماعة من القائلين بالمشروعية أنه لا يصح أن يكون مطلقا بأن يقول أحل متى أشاء أو لا يلزمني القضاء إن وجب علي. وسبب الأول أن الأصل الواجب هو إتمام النسك المحرم به لدلالة قوله تعالى " وأتموا الحج والعمرة الله " لكن رفق الشرع بالناس ورفع عنهم الحرج
في حال ما يشق عليهم استثناء من الأصل العام السابق، والأصل في الرخص أن لا يتعدى بها مواضعها فلا يصح الإطلاق.
كما أن جماعة من هؤلاء نصوا على تقييد فائدة الشرط بما إذا كان مقارنا
للإحرام، أما ما جاء قبله أو بعده فلا ينفع المشترط شيئا".
وعلة السابق أن الأصل في الإحرام الإتمام فإن حصل الإحرام دون قيد الاشتراط كان على أصله.
والشرط المتقدم إن لم يستحضر بالنية عند الإحرام كان الإحرام خليا عن قيده، وهكذا إن كان الاشتراط بعد الإحرام لم يفده شيئا بإجماع الأمة لشغل الذمة بإتمام النسك السابق المستفاد من قوله تعالى " وأتموا الحج والعمرة الله".
(1) النووي، المجموع، ج 8، ص 237، والبهوتي، شرح منتهى الإرادات، ج 1، ص 529. (2) النووي، المجموع، ج 8، ص 237. (3/497)
صفحة 1261
الرائد
498
وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن هذا الشرط باطل ولا ينفع المحرم شيئا، فلو حصل له ذلك المانع فهو عند وجوده باق على إحرامه حتى يتحلل بعمرة أو يتم النسك الذي عليه، أو أن يعامل معاملة المحصر على ما مضى من الخلاف فيه والمحصلة أن وجود الشرط كعدمه.
ونقل عن أبي حنيفة أن الشرط عند الإحرام يفيد سقوط الدم ولا يفيد التحلل، ونقل عن محمد أنه إن كان قد اشترط الإحلال عند الإحرام إذا
حصر جاز له التحلل بغير هدي.
أدلة القائلين بمشروعية الاشتراط
(3)
استدل القائلون بالشرط بحديث ضُبَاعَة بنت الزبير، وقد جاء
من طرق منها طريق السيدة عائشة، وابن عباس، وأسماء بنت أبي بكر أو
(1) الطحاوي، شرح مشكل الآثار، ج 15، ص 151، ومختصر اختلاف العلماء، ج 2، ص 69، والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 2، ص 375، والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص،191، وابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص،410، والزركشي، الديباج، ج 1، ص
418
(2) الكاندهلوي، أوجز المسالك، ج 7، ص 249.
(3) ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب الهاشمية بنت عم النبي، تزوجها المقداد بن الأسود
الكندي. (3/498)
صفحة 1262
الرائد
499
سعدى بنت عوف، وجابر بن عبد الله وزينب بنت نبيط، وسعيد بن المسيب،
وعكرمة.
أما طريق السيدة عائشة بنت أبي بكر فرواه عنها جماعة أولهم عروة بلفظ:: عن عائشة قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على ضباعة بنت الزبير فقال لها: لعلك أردت الحج؟ قالت والله لا أجدني إلا وجعة، فقال لها: حجي
واشترطي قولي: اللهم محلي حيث حبستني.
أخرجه البخاري ومسلم) من طريق أبي أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه، وجاء من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة عن
عائشة أخرجه مسلم، وابن الجارود وغيرهم.
وجاء الحديث من رواية ابن عباس وله عنه طرق:
أولها: رواه محمد بن بكر أخبرنا ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع طاوسا وعكرمة مولى ابن عباس عن ابن عباس أن ضباعة بنت الزبير بن عبد
(1) كتاب النكاح، باب: الأكفاء في الدين (4801).
(2) کتاب الحج، باب جواز اشتراط المحرم التحلل بعذر المرض (1207). (3) کتاب الحج، باب: جواز اشتراط المحرم التحلل بعذر المرض (1207). (4) ابن الجارود، المنتقى، ص 112 (3/499)
صفحة 1263
الرائد
( ... )
المطلب أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إني امرأة ثقيلة، وإني أريد الحج فما تأمرني؟ قال: أهلي بالحج واشترطي أن محلي حيث تحبسني، قال: فأدركت. وقد أخرجه باللفظ السابق مسلم، وجاء أيضا من طريق عكرمة عن ابن عباس بلفظ:
عكرمة عن ابن عباس الا الله أن ضباعة بنت الزبير < أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إني أريد أن أحج أفأشترط؟ قال: نعم، قالت: كيف
أقول؟ قال: قولي: لبيك اللهم لبيك محلي من الأرض حيث حبستني. وقد أخرجه باللفظ السابق ابن الجارود) من طريق زياد بن أيوب قال
ثنا عباد - يعني ابن العوام عن هلال عن عكرمة.
وجاء الحديث من طريق أسماء بنت أبي بكر أو سعدى بنت عوف أخرجه ابن ماجه من طريق عثمان بن حكيم عن أبي بكر بن عبد الله بن الزبير عن جدته قال: لا أدري أسماء بنت أبي بكر أو سعدى بنت عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلمدخل على ضباعة بنت عبد المطلب فقال: ما يمنعك يا عمتاه من الحج؟ فقالت: أنا امرأة سقيمة، وأنا أخاف الحبس، قال: فأحرمي واشترطي
(1) کتاب: الحج، باب: جواز اشتراط المحرم التحلل بعذر المرض (1208).
(2) ابن الجارود، المنتقى، ص 111 برقم (419). (3/500)
صفحة 1264
الرائد
أن محلك حيث حبست
وروى الحديث السابق الطبراني من حديث حفص بن عمر بن الصباح
الرقي قال: ثنا معلى بن أسعد العمي ثنا عبد الواحد بن زياد عن عثمان بن
حكيم عن أبي بكر بن عبد الله".
وأبو بكر بن عبد الله غير مذكور بجرح ولا تعديل
وأما طريق جابر بن عبد الله فقد رواه عنه أبو الزبير معنعنا، وجاء عن
أبي الزبير من طرق:
أولها من طريق ابن جريج رواه عنه أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد أنا أبو الحسين أحمد بن عثمان بن يحيى الآدمى ثنا أبو قلابة ثنا أبو
عاصم ثنا ابن جريج)
وجاء من حديث علي بن أحمد بن عبدان أنبأ أحمد بن عبيد نا أبو مسلم نا
(1) كتاب المناسك باب الشرط في الحج (2936).
(2) الطبراني، المعجم الكبير، ج 24، ص 304.
(3) المزي، تهذيب الكمال، ج 33، ص 101، والذهبي، الكاشف، ج 2، ص 110. (4) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 222. (3/501)
صفحة 1265
الرائد
(502)
هشام نا أبو الزبير عن جابر.
وأما حديث زينب بنت نبيط فرواه محمد بن كثير ثنا سليمان بن كثير عن
حميد الطويل عن زينب بنت نبيط امرأة أنس بن مالك عن ضباعة بنت الزبير صلى الله عليه وسلم
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: حجي واشترطي
(2)
بن
وأما حديث سعيد بن المسيب فأخرجه محمد بن محمد بن عبد الله جعفر العطار الجيزي ثنا الإمام أبو سهل محمد بن سليمان ثنا أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة ثنا عصام بن رواد بن الجراح حدثنا آدم ثنا عبد الوارث
ثنا يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن ضباعة بنت الزبير قالت: يا رسول الله، إني أريد الحج فكيف أهل بالحج؟ قال: قولي: اللهم إني أهل بالحج إن أذنت لي به وأعنتني عليه ويسرته لي، وإن حبستني فعمرة، وإن
حبستني عنهما جميعا فمحلي حيث حبستني".
وللحديث إسناد آخر عن ابن المسيب إذ أخرجه أحمد بن حنبل في العلل
(1) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 222.
(2) الطبراني، المعجم الأوسط، ج 7، ص 62، والآحاد والمثاني، ج 5، ص 464، والبيهقي،
السنن الكبرى، ج 5، ص 222.
(3) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 222. (3/502)
صفحة 1266
الرائد
(503)
من طريق عفان قال: حدثنا همام قال: أخبرنا قتادة أن داود بن أبي عاصم حدثه عن سعيد بن المسيب أن ضباعة بنت الزبير استأمرت رسول الله صلى الله عليه وسلم في إحرامها فأمرها أن تشترط)
(1)
عطاء
وجاء حديث سعيد بن المسيب مع ذكر أن ابن عباس هو الذي حدثه كما في حديث أنس بن سالم الخولاني ثنا أبو الأصبغ عبد العزيز بن يحيى الحراني ثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن أبان بن صالح عن الخرساني عن سعيد بن المسيب عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لضباعة حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني
وأما حديث عكرمة فرواه عقبة بن مكرم نا أبو عاصم عن الحجاج
الصواف عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن ضباعة بنت الزبير <). كما استدل القائلون بالمشروعية بأن جواز الاشتراط مروي عن جماعة من أصحاب رسول الله الله منهم عمر بن الخطاب وعبدالله بن مسعود وعلي صلى الله عليه وسلم
(1) أحمد بن حنبل، العلل، ج 3، ص 334. (2) الطبراني، المعجم الأوسط، ج 24، ص 332.
(3) الآحاد والمثاني، ج 5، ص 464. (3/503)
صفحة 1267
الرائد
504
بن أبي طالب وعائشة وأم سلمة.
وصحح النووي أسانيد عمر بن الخطاب وابن مسعود وعائشة.
وقال الحافظ ابن حجر
وصح
القول بالاشتراط عن عمر وعثمان وعلي وعمار وابن مسعود
وعائشة وأم سلمة وغيرهم من الصحابة، ولم يصح إنكاره عن أحد من
(3)
الصحابة إلا عن ابن عمر.
الاعتراض على الدليل
القائلون بعدم مشروعية الاشتراط اختلفت نظرتهم إلى حديث ضباعة
لتسويغ قولهم بعدم مشروعية الاشتراط، وقد كان لكل وجهة هو موليها نبينها ذاكرين ما لكل وجهة وما عليها.
الوجهة الأولى: تضعيف الحديث، وقد نقلت كتب التخريج عن
(1) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 340، والبيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 222، وابن
عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 410.
(2) النووي، المجموع، ج 8، ص 233. (3) ابن حجر، فتح الباري، ج 4، ص 9. (3/504)
صفحة 1268
الرائد
505
الأصيلي أنه قال: لم يثبت في الاشتراط حديث".
ويتعقب هذا الكلام بأنه دعوى تسقط بما تبين سابقا أن الحديث ثابت
بنقل المحتج بروايتهم، وقد ثبت من أكثر من طريق عن صحابة رسول الله
منهم عائشة وابن عباس
الوجهة الثانية: تأويل الحديث، وقد اختلفت مشاربهم فيه:
الرأي الأول: حديث ضباعة صحيح غير أنه منسوخ.
ذهب إلى هذا التأويل الحافظ الطحاوي، والناسخ عنده
هو
آية
الإحصار إذ هي محكمة كما يقول، وأيد قوله بالنسخ أنه قد وقع الإجماع على
عدم
مؤيده
الأخذ بحديث ضباعة بنت الزبير من قبل فقهاء الأمصار كافة.
وفي هذا الرأي نظر يقضي بضعفه فيما يظهر، وضعفه في أصل الدليل وفي
أما أصل الدليل فضعفه من جهة أن من المعلوم أن آية الإحصار كانت في السنة السادسة للهجرة، أما حديث ضباعة فكان في السنة العاشرة
(1) ابن حجر، التلخيص، ج 2، ص 288.
(2) الطحاوي، شرح مشكل الآثار، ج 15، ص 151. (3/505)
صفحة 1269
الرائد
506
للهجرة، ومحال أن ينسخ المتقدم المتأخر.
ثم إن من المتقرر أنه لا يصار إلى إلغاء شيء من أدلة الشارع ما أمكن إن ظهر ما يوجب التعارض، على أن التعارض هنا ممكن التخلص منه بجعل حديث ضباعة بنت الزبير مؤسسا حكما جديدا وهو مشروعية التحلل بالاشتراط دون أن يكون على المتحلل هدي وآية الإحصار تفيد مشروعية
التحلل مع عدم الاشتراط وأن الحكم حينها وجوب ما استيسر من الهدي.
ثم إنه لو سلم بالتعارض بين الحكمين لقيل إن آية الإحصار تفيد بعمومها وجوب الهدي على المتحلل مشترطا كان أو غير مشترط، وحديث
ضباعة أخرج حكم المشترط من العموم السابق بتخصيصه.
ودلالة الخاص قطعية على أفراده كما هو الاتفاق بين الأصولين، أما
دلالة العام فظنية على مذهب الجمهور من أهل العلم.
وذلك يقتضي تقديم ما كان قطعي الدلالة على ما كان ظنيها فيقدم ما دل عليه الدليل الخاص وإن كان العام قطعي الورود والخاص ظني فما ذلك بضائر ما دام الدليلان حجة متفقا عليها؛ إذ لا يشرط في الدليل المفيد حكما عمليا القطع بل الظن كاف كما جرى عليه عمل الأمة قاطبة اللهم إلا الأمور العقدية فالآحاد ليس بحجة في إثباتها كما هو مذهب الجماهير من علماء (3/506)
صفحة 1270
الرائد
(o.V)
الأمة، وما إثباتها به إلا مذهب بعض أهل الحديث.
أما المؤيد الذي ذكره وهو ترك العمل به من قبل فقهاء الأمصار كافة) فأمر لا يوافق عليه إذ الأخذ بحكم حديث ضباعة بنت الزبير ثابت عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدم، وقال به جمع من فقهاء التابعين.
الرأي الثاني: حكم الاشتراط خاص بضباعة.
قال بهذا التأويل الروياني والطيبي والسهارنفوري"، ولا أدري مستندهم في قولهم هذا فإن الأصل في الأحكام الشرعية العموم، والخصوص عارض يستلزم للقول به الدليل ولا دليل هنا يفيده، بل إن فعل الصحابة وفتاواهم بمقتضى حديث ضباعة لغيرها دليل على أنهم لم يفهموا منه الخصوص.
الرأي الثالث: محلي حيث حبستني بالموت، أي إذا
قال الجويني:
مت انقطع إحرامي،
ويتجه حمل الحديث على أمرها بالإهلال وإعلامها أن محلها حيث تتوفى،
(1) الطحاوي، شرح مشكل الآثار، ج 15، ص 158
(2) النووي، المجموع، ج 8، ص 238، والسهارنفوري، بذل المجهود، ج 8، ص 377. (3/507)
صفحة 1271
الرائد
فكأنه قال لها: أهلي فإن حبسك أجلك فكل نفس تذوق الموت".
وعلق عليه النووي بقوله: وهذا تأويل باطل ظاهر الفساد، وعجب من
جلالة إمام الحرمين كيف قال هذا.
الرأي الرابع: المراد التحلل بعمرة لا مطلقا، فإنه ليس في الحديث دليل
على أن التحلل مطلق ليس على المتحلل بالاشتراط هدي أو ليس عليه تحلل
بالعمرة.
قال الشيخ العثماني:
ونحن معاشر الحنفية لا ننكر الاشتراط بأن لا يجوز التكلم بلفظ: اللهم محلي حيث حبستني، بل معنى إنكارنا له أنه لا يفيد جواز التحلل" بغير الهدي أو أفعال العمرة.
فلا يضرنا صحة حديث ضباعة، ولا صحة القول بالاشتراط عن بعض
الصحابة؛ فإن القدر الذي صح منه وثبت قد قلنا به، والذي أنكرنا لم يثبت
(1) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 428.
(2) النووي، المجموع، ج 8، ص 236.
(3) في الأصل المطبوع: التعلل، ولعل ما أثبته في الأصل هو الأصوب. (3/508)
صفحة 1272
الرائد
بالحديث فافهم.
ذلك ما قاله العثماني ولم أجده لأحد من الحنفية غيره وقد يوافق على
قضية الهدي على مذهب بعضهم وإن كان مرجوحا كما سيأتي شرحه بدليله-.
غير أنا لا نوافقه على أنه ليس في الحديث دليل على عدم العمرة إذ أصل الحديث قائم على أن ضباعة لا تريد الإحرام رأسا لوجعها وخشية أن لا تستطيع المواصلة والإتمام للنسك فرفق بها النبي صلى الله عليه وسلم وبين لها قائلا: محلك حيث حبست، وهذا في أنها تتحلل من إحرامها حيث تحبس، وموضع الحبس قد يكون بعد الإحرام وقبل دخول مكة فلها أن تتحل حينها بنص هذا الحديث، واحتمال العمرة بعيد جدا يأباه لفظ الحديث وسياقه.
وأما قوله إن الأمر بالاشتراط كان تطييبا لخاطرها حتى تحرم فيفيد أن في الأمر مخادعة وأنه قد أخبرت ضباعة من قبل النبي صلى الله عليه وسلم بغير الأمر الحقيقي إذ هذا الشرط ليس بنافع لها شيئا، ونحن ننزه مقام النبوة عن مثل هذه
التصرفات إن كان العثماني يستسيغها.
(1) العثماني، إعلاء السنن، ج 7، ص 3528. (3/509)
صفحة 1273
الرائد
(01.)
أدلة القائلين بعدم المشروعية
استدل القائلون بعدم المشروعية بأمور:
أولها: أنه قد ثبت عن عبد الله بن عمر الله أنه كان ينكر الاشتراط وهو
الذي قال: أليس حسبكم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إن حبس أحدكم عن
طاف بالبيت وبالصفا والمروة ثم حل من كل شيء حتى حج ويهدي أو يصوم إن لم يجد).
الحج
عاما قابلا،
ويعترض على هذا الدليل بأنه قول صحابي في مسألة للاجتهاد فيها مسرح فلا يلزم اتباعه أن لو لم يكن هناك نص نبوي فكيف ودليل السنة
قائم، وقد خالف ابن عمر غيره من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس قوله مقدما
عليهم، قال البيهقي بعد إخراج كلام عبد الله بن عمر:
وعندي
أن أبا عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب له لو بلغه
حديث ضباعة بنت الزبير لصار إليه ولم ينكر الاشتراط كما لم ينكره أبوه".
الدليل الثاني أن الإحرام عبادة تجب بأصل الشرع فلم يفد الاشتراط
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: الإحصار في الحج (1715).
(2) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 223، ومعرفة السنن والآثار، ج 4، ص 249. (3/510)
صفحة 1274
الرائد
511
فيها كالصوم والصلاة.
ويعترض على السابق أن صاحب الشرع هو الذي استثنى هذا الأمر
فيكون القياس المستدل به هنا فاسد الاعتبار.
ثانيا: حكم الاشتراط
اختلف القائلون بمشروعية الاشتراط أسبيله الإباحة أو الندب أو
الإيجاب).
ذهب إلى إباحة الاشتراط جماعة من العلماء، ونسب إلى الجمهور من
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين ومن بعدهم
غير
(0)
استدل القائلون بالجواز بظاهر أمر النبي صلى الله عليه وسلم والأصل في الأمر الوجوب أنه جاء هنا للإباحة لقرينة وهي أنه ترخيص وتوسعة وتخفيف ورفق،
(1) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 191.
(2) ابن حجر، فتح الباري، ج 4، ص 9.
(3) ابن قدامة، الكافي، ج 1، ص 392، المغني، ج 3، ص 126، وابن مفلح، الفروع، ج 3،
220
(4) العراقي، طرح التثريب، ج 5، ص 144، وابن حجر، فتح الباري، ج 4، ص 9.
(5) العراقي، طرح التثريب، ج 5، ص 145. (3/511)
صفحة 1275
الرائد
512
وأنه يتعلق بمصلحة دنيوية وهي ما يحصل لها من المشقة بمصابرة الإحرام مع المرض، وكل ذلك يمحضه للإباحة).
أما القائلون بالندب فصرفوه عن القرينة الأصل وهو الوجوب للقرينة السابقة غير أنهم قالوا إنه ليس للإباحة لأنه مصلحة دينية وليست دنيوية الاحتياط للعبادة فإنها بتقدير عدم الاشتراط قد يعرض لها مرض
وهي
يشعث العبادة ويوقع فيها الخلل فلذا رأوا فيه الندب.
أنه
أما القائلون بالوجوب فحملوا الأمر على أصله وهو الوجوب، غير قد اعترض عليهم فيه أنه لو كان للوجوب عامة لما أخل به النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقد نقلت تلبيته وتلبية أصحابه وليس فيها الاشتراط إلا ما جاء من أمره ضباعة، وتلكم قرينة قوية تصرف الأمر عن أصله الوجوبي. ثالثا: مم يكون الاشتراط
كانت ضباعة بنت الزبير تشكو المرض الذي تخشى أن يعوقها عن إكمال النسك فأرشدها إلى الاشتراط، لكن أيكون غير المرض له حكم المرض
فيشرع الاشتراط معه؟
(1) العراقي، طرح التثريب، ج 5، ص 146.
(2) العراقي، طرح التثريب، ج 5، ص 146. (3/512)
صفحة 1276
الرائد
(513)
ذهب بعض الفقهاء إلى أن الاشتراط لا يكون إلا في المرض كما هو مقتضى ترخيص النبي، والأصل في الرخص أن يقتصر بها على مواضعها ولا تتعدى إلى غيرها.
وذهب جمهور القائلين بمشروعية الاشتراط إلى أن لغير المرض حكم المرض، وذلك لأن علة الترخيص في الاشتراط هي الإرفاق بالناس ورفع الحرج عن الأمة، وقد يكون في غير المرض حرج المرض بل قد يكون في أحيان غير المرض أولى بالحكم من المرض، فيكون الجواز مستفادا من فحوى
الخطاب.
أما قاعدة الاستدلال بأن الرخص لا يتعدى بها مواضعها فيدفعه أن غير المرض مما يدخل المشقة على الناس من مواضع الرخص، إذ ليس لذكر
الشكاية والوجع في الحديث مفهوم.
رابعا: لفظ الاشتراط
في حديث ضباعة أمر النبي لضباعة أن تقول لفظ الاشتراط وهو
اللهم محلي حيث حبستني.
ونقل عن ابن مسعود أنه قال: اللهم إني أريد العمرة إن تيسرت لي وإلا
(1) النووي، المجموع، ج 8، ص 236. (3/513)
صفحة 1277
الرائد
(018)
فلا حرج علي.
وأوصت السيدة عائشة: اللهم إني أريد الحج فإن تيسر وإلا فعمرة.
وقال بعضهم يقول: أريد كذا إن تيسر وإلا فلا حرج علي".
وليست الألفاظ السابقة تعبدية لا يسع خلافها بل يصح الاشتراط بكل ما يؤدي إليه؛ لأن المقصود المعنى، وإنما اعتبر اللفظ لتأديته له).
والاشتراط عقد بين العبد وربه فيكفي فيه أن ينويه العبد بقلبه دون اشتراط للتلفظ والعبارات المنقولة يدل اختلافها على أن الألفاظ في الاشتراط ليست تعبدية توقيفية وإلا لما وسع الاختلاف بل كل ما يؤدي
قائله.
المعنى يصح من ويفارق الاشتراط التلبية في أن التلبية ذكر متعبد بتكرار ألفاظه المنقولة
عن الشارع، أما الاشتراط فلم يقل أحد بالتعبد بتكراره.
ويفارق الاشتراط النذر واليمين اللذين يشترط فيهما التلفظ في كونه تقييدا للّفظ المطلق في الإحرام فيجزي فيه القصد القلبي كما هو حال النذر
(1) ابن مفلح، الفروع، ج 3، ص 220.
(2) ابن قدامة، الكافي، ج 1، ص 393. (3/514)
صفحة 1278
الرائد
515
فنية الناذر تخصص عموم لفظه وتقيد إطلاقه، أما أصل الإحرام فلا يصح دون التلفظ بالتلبية على ما مضى تقريره في مبحث التلبية وأحكامها كأصل النذر واليمين.
وقال بعض الفقهاء باشتراط التلفظ وعدم إجزاء النية القلبية، ولا أعلم دليلا لهؤلاء سوى قول النبي الليل الضباعة قولي، لكن هذا الأمر لا يفيد الاشتراط بل الوجوب فقط وبينهما بون.
ثم إنه كان للتعليم إذ لم يكن من المعهود عندهم الاشتراط في الإحرام فجاءت هذه الألفاظ لبيان المشروعية لا لاشتراط التلفظ فصار ذلك قرينة
صارفة للأمر عن أصله الوجوبي.
خامسا: ما يلزم المشترط بالإحلال
للمشترط أن يحل من إحرامه بعد تحقق الشرط الذي علق الإحلال عليه، ومن الفقهاء من يقول يصير حلالا بمجرد تحقق الشرط، ومنهم من فرّق بين ما إذا قال إن مرضت تحللت من إحرامي، وبين ما إذا قال إن مرضت فأنا حلال، ففي الأولى لا يتحلل إلا بالنية، وفي الثانية يتحلل بمجرد
(1) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 127، وابن مفلح الفروع، ج 3، ص 221، والبهوتي، شرح منتهى الإرادات، ج 1، ص 529. (3/515)
صفحة 1279
الرائد
تحقق المشروط
(017)
سادسا: لزوم الحلق على المتحلل بالاشتراط
يتحلل المشترط بالحلق كما هو الحال في كل إحرام يعقده المكلف، غير أن
هذا الحلق إنما هو على قول من يراه، نسكا وإلا فالقائلون بأن الحلق ليس
(2)
بنسك بل استباحة محظور لا يلزمون به فيكون التحلل عندهم بالنية فقط.
سابعا: لزوم الهدي على المحل بالاشتراط
ذهب بعض الفقهاء إلى أنه يلزم بالهدي قياسا على المحصر"، ولعل هؤلاء رأوا أن حديث ضباعة ساكت عن الهدي وجاء دليل آخر وهو القياس موجبا للهدي فيؤخذ به، والعلة الجامعة بينهما الإحلال من الإحرام
بعذر.
وقال آخرون إنه ليس على من أحل بالاشتراط هدي، والدليل على ما
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 360، والنووي، المجموع، ج 8، ص 237 وأطفيش، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 239.
(2) النووي، المجموع، ج 8، ص 237.
(3) النووي، المجموع، ج 8، ص 236.
(4) النووي، المجموع، ج 8، ص 236، والبهوتي شرح منتهى الإرادات، ج 1، ص ... (3/516)
صفحة 1280
الرائد
قالوا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يلزم ضباعة بالهدي والأصل براءة الذمة.
أما قياس الإحلال بالاشتراط على الإحلال بالإحصار فلا
يصح
517
لأن
الفرق بينهما هو علة عدم وجوب الهدي في الاشتراط ووجوبه في الإحصار، وذلك أن الإحصار الأصل فيه وجوب الإتمام وبانتهاكه يلزم الهدي، أما الإحلال بالشرط فيجعل أصل الإتمام غير واجب مع العذر المشترط خلو الإحرام منه فلا يلزم الهدي لأن أصل الإتمام غير واجب. (3/517)
صفحة 1281
الرائد
المطلب الرابع: فوات الحج
أولا: وقت فوات الحج
518
ليس للعمرة المفردة وقت محدود تفوت بمضيه بل العام كله وقت لأدائها، غير أن الأمر يختلف في الحج فإن له وقتا لصحة الإحرام به، كما أن له
وقتا يفوت بخروجه فلا يصح أن يأتي شيئا من أفعاله خارجه.
وقد ذكرنا من قبل أشهر الحج وأنها تبدأ بدخول شهر شوال كما هو الاتفاق بين علماء الملة، وأن آخر وقت للحج هو الوقت الذي يسمى فيه
صاحبه مدركا للوقوف بعرفة على الخلاف بينهم كما سيأتي شرحه.
والذي اقتضته الأدلة أن من وقف بعرفة في اليوم التاسع بعد زوال الشمس أو ليلة العاشر ساعة من ليل أو نهار عُدَّ مدركا للحج، ومنه يكون
الفوات للحج بفوات الوقوف بعرفة.
من
لكن ذكر ابن جزي من المالكية قولا لم أجد أحدا قال به سواه وذلك أن الأمور التي يفوت بها الحج من أقام بعرفة حتى طلع الفجر من يوم
النحر سواء كان وقف بها أو لم يقف. (3/518)
صفحة 1282
الرائد
519
وهذا الكلام شاذ لا دليل عليه، وما أراه إلا وهما منه.
ثانيا: حكم من فات عليه الحج
الأصل أنه لا يجوز لإنسان أن يتسبب في فوات الحج عن نفسه بعد أن أحرم به لقوله تعالى " وأتموا الحج والعمرة الله" وعليه فيلزم بكل ما استطاع من حيلة أن يدركه ويحتال على إتمام نسكه كما أمره الشارع.
وحكم فوات الحج قد يتلبس به من أحرم بالحج مفردا أو قارنا بأن لا يدرك عرفة إلا بعد فوات وقتها، وقد يكون فوات الحج بعذر كنوم فلا يأثم صاحبه، وقد يكون بغير عذر كتفريط واشتغال بغير شاغل سائغ في الشرع فيأثم مع وجوب أحكام الفوات الأخرى عليهما.
ثالثا: تحلل من فات عليه الحج من الإحرام
بعد ثبوت حكم الفوات ما يفعل بالإحرام الذي أحرم به؟
الذي عليه أكثر الفقهاء بل هو منسوب إلى إجماع الصحابة أنه ليس له
(1) الحطاب، مواهب الجليل، ج 3، ص 101. (3/519)
صفحة 1283
الرائد
أن يبقى على إحرامه إلى العام المقبل للحج به.
520
ببه أن الحج لا يصح أن يحرم به قبل أشهره، ومن استدام إحرامه إلى
العام المقبل يكون محرما بالحج قبل أشهره؛ لأن البقاء على الإحرام
كابتدائه (2).
وخالف الحكم السابق آخرون فقالوا إن له أن يبقى على إحرامه إلى
العام المقبل، وأن حكم التحلل من الإحرام أمر ليس بواجب عليه". ولعل هؤلاء لا يسلمون بقاعدة أن الاستدامة كالابتداء، ويقولون إن الإحرام بالحج كان في وقته الصحيح الذي رسمه الشارع.
قال الإمام أبو سعيد الكدمي:
وأما إذا قام محرما ولم يحل فمعنى الحج عندي منعقد عليه إذا ترك ذلك
(1) الشافعي، الأم، ج 3، ص 166، والسرخسي، المبسوط، ج 4، ص 176، والقاضي عبد الوهاب، الإشراف، ج 1، ص 490، والحلي، تذكرة الفقهاء، ج 8، ص 413، وابن
جماعة، هداية السالك، ج 4، ص 1444.
(2) النووي، المجموع، ج 8، ص 219، وابن جماعة، هداية السالك، ج 4، ص 1444.
(3) ابن عبد البر، الكافي، ص،161، والمرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 66، وابن مفلح
ج 4،
المبدع، ج 3، ص 267، والثميني، التاج المنظوم، ج 3، ص 306. (3/520)
صفحة 1284
الرائد
521
من غير عذر، ولا يحل من دون أن يحج من قابل أو يطوف ويسعى بين
الصفا والمروة ويخرج بمعنى عمرة قبل أن تدخل أشهر الحج.
فإن دخلت أشهر الحج وهو محرم أعجبني أن ينعقد عليه الإحرام ولا
يكون له محل دون إتمام الحج.
ويعجبني أنه ما لم يجدد الإحرام بالحج بعد دخول أشهر الحج أن يكون على معنى التخيير إن شاء أحل بعمرة، وإن شاء أقام على إحرامه وقضى حجه ويجزيه ذلك عن حج الفريضة عندي.
أما من أراد التحلل من إحرامه ذلك فله على قول جماهير العلماء ويسقط عنه ما بعد ذلك من أعمال كالمبيت بمزدلفة والرمي، لكن تحلله من الإحرام لا بد من أن يكون بأعمال عمرة أي يطوف بالبيت ويسعى ثم يتحلل" كما يفيد ذلك قول ابن عمر:
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 24، ص 18 و ص 22، وقد ورد الكلام في الموضعين مع اختلاف حاولت الجمع بينهما فيه بما يليق والمعنى الصحيح.
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 24، ص 18.
(3) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 318، والشافعي، الأم، ج 2، ص 165، وابن عبد البر،
الكافي، ص 161. (3/521)
صفحة 1285
الرائد
522
إن حبس أحدكم عن الحج طاف بالبيت وبالصفا والمروة ثم حل من كل شيء حتى يحج عاما قابلا فيهدي أو يصوم إن لم يجد هديا".
وجاء الحكم السابق عن الخليفة الفاروق من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في حديث مالك عن نافع عن سليمان بن يسار أن هبار بن الأسود جاء النحر وعمر بن الخطاب ينحر هديه فقال: يا أمير المؤمنين، أخطأنا العدة يوم كنا نرى أن هذا اليوم يوم عرفة؟
فقال عمر: اذهب إلى مكة فطف أنت ومن معك وانحروا هديا إن كان معكم، ثم احلقوا أو قصروا وارجعوا، فإذا كان عام قابل فحجوا واهدوا، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع
(2)
وجاء حكمه الله السابق في حادثة أخرى كما في حديث مالك عن يحيى بن سعيد أنه قال: أخبرني سليمان بن يسار أن أبا أيوب الأنصاري خرج حاجا حتى إذا كان بالنازية من طريق مكة أضل رواحله وأنه قدم على عمر بن الخطاب يوم النحر فذكر ذلك له فقال عمر:
اصنع كما يصنع المعتمر ثم قد حللت، فإذا أدركك الحج قابلا فاحجج
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: الإحصار في الحج (1715). (2) مالك بن أنس، الموطأ، ج 1، ص 383. (3/522)
صفحة 1286
الرائد
وأهد ما استيسر من الهدي.
قال الحافظ ابن حجر:
523
أخرجه مالك بإسناد صحيح إلا أنه اختلف فيه على سليمان بن يسار هل
هو عن أبي أيوب أو عن هبار بن الأسود".
وما قاله الحافظ محتمل لكن الأرجح منه احتمال كون الروايتين في حادثتين مختلفتين؛ إذ هذا هو الأصل في أحاديث الثقات، ولا دليل على أنها رواية واحدة بل سياق الرواية يفيد أنهما روايتان مختلفتان.
وقد جاءت روايات مرفوعة تفيد الحكم السابق غير أنها لا تسلم من
النقد، ومن ذلك حديث رحمة بن مصعب أبو هاشم الفراء الواسطي عن ابن أبي ليلى عن عطاء ونافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
أن
من وقف بعرفات بليل فقد أدرك الحج، ومن فاته عرفات بليل فقد فاته
الحج فليحل بعمرة، وعليه الحج من قابل.
(3)
والحديث أخرجه الدارقطني غير أن في إسناده رحمة بن مصعب وهو
(1) مالك بن أنس، الموطأ، ج 1، ص 383، وصححه النووي، المجموع، ج 8، ص 215.
(2) ابن حجر، الدراية، ج 2، ص 46.
(3) الدارقطني، السنن، ج 2، ص 241. (3/523)
صفحة 1287
الرائد
524
ممن تكلم في حديثه إذ قال ابن معين: ليس بشيء، وقد تفرد به كما يقول الدارقطني بعد إخراجه، وعليه فلا تصح الرواية.
ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه الذي يروي عنه رحمة السابق
غير حجة في الرواية بل هو سيئ الحفظ كما تقدم ذكر حاله غير مرة. وجاء اللفظ السابق من حديث: يحيى بن عيسى عن ابن أبي ليلى عن عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أدرك عرفات فوقف بها والمزدلفة فقد تم حجه ومن فاته عرفات فقد فاته الحج فليحل بعمرة وعليه
عطاء
الحج من قابل.
والحديث أخرجه الدارقطني أيضا، غير أن في إسناده يحيى بن عيسى وهو النهشلي وقد قال الجوزجاني عنه إنه يروي أحاديث ينكرها عليه
الناس، وقال النسائي: ليس بالقوي)
وقال ابن معين: ليس بشيء، وفي رواية: ضعيف، وقال ابن عدي: عامة
(1) العقيلي، الضعفاء، ج 2، ص 70.
(2) الدارقطني، السنن، ج 2، ص
241
(3) الجوزجاني، أحوال الرجال، ص 62.
(4) النسائي، الضعفاء والمتروكين، ص 108. (3/524)
صفحة 1288
الرائد
525
رواياته مما لا يتابع عليه.
وقال ابن حبان كان ممن ساء حفظه وكثر وهمه حتى جعل يخالف الأثبات فيما يروي عن الثقات فلما كثر ذلك في روايته بطل الاحتجاج به.
جميع
وعلته الثانية ابن أبي ليلى الفقيه وقد تقدم بيان ضعفه.
وقال بعض أهل العلم إنه يمضي في الحج الفاسد ويقضيه فيلزمه أن يأتي أفعال الحج؛ لأن سقوط ما فات وقته لا يمنع وجوب ما لم يفت".
واستدل آخرون بأن فوات بعض الأركان لا يبيح التحلل قبل كمال الأركان جميعها، والعائد إلى بلده قبل الطواف لا يستبيح الإحلال من إحرامه قبل الطواف ومثله تارك الوقوف لا يستبيح التحلل من إحرامه قبل
الوقوف.
وظاهر عبارة الشيخ عامر - في الإيضاح يؤيد هذا القول إذ قال:
(1) ابن عدي الكامل، ج 7، ص 217
(2) ابن حبان، المجروحين، ج 3، ص 126.
(3) الكندي، بيان الشرع، ج 24، ص 18 و ص 22، والنووي، المجموع، ج 8، ص 216،
وابن مفلح، المبدع، ج 3، ص 267.
(4) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 237. (3/525)
صفحة 1289
الرائد
526
ومن
فاته الوقوف بعرفات فعل بمنى ما يفعل الحاج، ويرحل إلى بلده،
ولا يصيب النساء ولا الصيد حتى يحج من قابل".
وتابعه على السابق ملخصه الشيخ الثميني في كتاب النيل".
وتعقب هذا الرأي بأن الله سبحانه قال: {فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَتِ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ}، فأمرهم بالذكر عقب الإفاضة من عرفات فمن لم يفض من عرفات لم يكن مأمورا بالوقوف بالمشعر الحرام، وما
لا يؤمر به من أفعال الحج فهو منهي عنه كالوقوف بعرفة في غير وقته.
ولأن الحكم المعلق بالشرط معدوم بعدمه فإذا علق الوقوف بالمشعر
الحرام بالإفاضة من عرفة اقتضى عدمه عند عدم الإفاضة من عرفات.
واعترض على القول أيضا بأن الرمي والمبيت من توابع الوقوف بدليل سقوطهما في العمرة لأنه ليس فيها وقوف، ومن فاته الوقوف سقط عنه
(1) الشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 440. (2) أطفيش، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 236. (3) سورة البقرة، جزء من الآية (198)
(4) ابن تيمية، شرح العمدة، ج 3، ص 657. (3/526)
صفحة 1290
الرائد
527
فوجب أن تسقط توابعه.
ثم إن في القول بوجوب بقائهم بإحرامهم إلى العام المقبل حرجا شديدا لا أراه يتوافق وما اطرد من أحكام الحنيفية السمحة، فقول الجمهور الذي دلت عليه فتاوى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بالاعتبار، وقد نقله الشيخ عامر أئمة الدعوة الأوائل أبي عبيدة والربيع وأبي نوح} إذ قال: وفي الأثر عن الربيع وأبي نوح وأبي عبيدة أنهم قالوا فيمن فاته الوقوف بعرفة قالوا: لا حج له، وليصنع ما يصنع ما يصنع الناس، وليجعلها عمرة ثم يحل من إحرامه.
نفسه عن
وإن كان ذلك في الحج الواجب فعليه الإعادة، وإن كان في التطوع ثم حل بعمرة فلا إعادة عليه).
على أن النبي لو يوم أحصر عالم الحديبية كان سماح قريش له صلى الله عليه وسلم أن يعتمر وأصحابه بعد عام ومع ذلك نزل حكم الإحصار للتحلل من الإحرام رفعا للحرج والمشقة عن الناس مع أن العمرة لم تفت فكيف يلزم من فات
وقت نسكه بالبقاء عليه إلى عام كامل؟!.
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 237.
(2) الشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 441. (3/527)
صفحة 1291
الرائد
528
والقول الناص على أن إحرام من فاته الحج نفسه ولكن التحلل بأفعال عمرة هو قول الجمهور من أهل العلم.
غير أن بعض أهل العلم ذهب إلى أنه بالفوات ينقلب إحرامه إلى
عمرة، وإن اختلفوا أبنفس الفوات يكون التحول أو بإهلال جديد.
وقد جاءت رواية تشهد بالإهلال من حديث أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن النبي أن رجلا قدم يوم النحر وهو مهل بالحج فأمره أن يهل بالعمرة، وجعل عليه الحج من قابل".
وعلى هذا القول الأخير لو قيل إن له أن يبقى على إحرامه إلى عام مقبل يكون قارنا؛ إذ العمرة هو متلبس بها الآن وما بقي إلا أن يدخل عليها الحج. ولكن في الرأي القائل بانقلاب الإحرام بالحج إلى عمرة نظر من حيث إنه لم ينو ذلك، ثم إنه لو انقلب الإحرام إلى عمرة لما ألزم من فاته الحج
(1) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 175.
(2) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 175 وابن الجوزي التحقيق، ج 2، ص 157، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 220، والحلي، تذكرة الفقهاء، ج 8، ص 410،،
والمرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 62.
(3) أبو يوسف، الآثار، ص 119، ولكن الحديث ليس بحجة لانقطاعه. (3/528)
صفحة 1292
الرائد
529
بالقضاء والهدي؛ إذ العمرة التي تمثل الإحرام تامة.
ثم إن المكي إذا فاته الحج يتحلل بعمل العمرة من غير أن يخرج من
الحرم، ولو انقلب إحرامه للعمرة لكان يلزمه الخروج إلى الحرم؛ لأنه ميقات
إحرام العمرة في حق المكي"
رابعا: فوات الحج على القارن
مضى القول بأنه لا فوات للعمرة المفردة لعدم توقيتها، كما أن الفوات قد يكون في الحج المفرد وحكمه التحلل السابق الذي ذكرناه قبل قليل، ولكن ما الحكم فيمن كان قارنا بين الحج والعمرة وفاته الوقوف بعرفة؟
اختلفت أنظار أهل العلم في ذلك فقال بعضهم إن عمرة القرآن متميزة عن حجه فيأتي أفعالها أداء دون أن يتحلل ولا يجب عليه القضاء كما لو كان لم يفته الوقوف بعرفة، ثم يطوف طوافا آخر ويسعى ويتحلل لأجل فوات
الحج.
وأسقط هؤلاء دم القرآن عن هذا المبتلى؛ لأن العلة فيه عندهم القرآن نفسه ولا قرآن هنا فيسقط المعلول الذي هو الدم لعدم تحقق العلة وهي
(1) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 175، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 220. (2) الثميني، التاج المنظوم، ج 3، ص 306. (3/529)
صفحة 1293
الرائد
530
القرآن).
أما
من يقول إن العمرة غير متميزة عن الحج بل هما شيء واحد ولهما حرام واحد فيقول إنها تفوت بفوات الحج؛ إذ الإحرام بالقرآن لا يتبعض،
وعليه لهذا قضاؤها، ومنهم من جعل طوافه وسعيه للإحلال مجزئا عنها. والذين قالوا بقضائها قال جماعة منهم إن عليه القضاء قارنا مع وجوب
ثلاثة دماء عليه أما أولها فللفوات، وأما الثاني فللقران السابق، وأما الثالث فللقران الجديد).
ومنهم من قال بوجوب دمين عليه دم للفوات ودم للقران الجديد. ولعل العلة عند القائلين بثلاثة الدماء أن دم القرآن يجب على القارن بنفس الإحرام، لا تحقق الحج والعمرة مقرونين، أما القائلون بالدمين فلا يرون السابق قرانا إذ لم يأت صاحبه بالحج ليلزمه الهدي بل عمرة مفردة. والقول الأول الناص على أن العمرة لا تفوت على القارن أسعد بظاهر الأدلة، إذ مضى سابقا بدليله أن الأصل في العمرة التي مع القرآن أن تؤدى
(1) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 221.
(2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 240، والنووي، المجموع، ج 8، 218، والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص 296. (3/530)
صفحة 1294
الرائد
531
أما
عند القدوم هي وسعيها ويبقى على إحرامه إلى أن يكمل مناسك الحج. كون طواف الحج وسعيه مجزئا عن العمرة فذلك أمر غير الأصل يلجأ إليه إذا ما اضطر الإنسان إليه اضطرارا، والرسول صلى الله عليه وسلم أجاز ذلك للسيدة عائشة لكونها لا تصل إلى العمرة لمنعها من الطواف بسبب الحيض فأمرت بإدخالها حتى لا يفوت عليها الحج.
ولم يأت دليل يبين أن الطواف الأول للقارن ليس هو للعمرة، بل ظاهر
التلبية التي حافظ عليها النبي صلى الله عليه وسلم "لبيك بعمرة وحجة" خلاف ذلك.
ثم إن إجزاء طواف الحج عن العمرة في الحال السابق لا يستلزم كون العمرة غير متميزة بل قصاراه أن حكم الإجزاء اضطراري فهو خلاف
الأصل. والظاهر أن الصحابة ما كانوا يفهمون من الطواف الأول للقارن أنه للقدوم بل كانوا يرونه أنه للعمرة ولم يكن يصحح لهم فهمهم ذلك مما
يفيد إقرارهم عليه، ومما جاء مفيدا الدليل السابق حديث:
أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري صلى الله عليه وسلم قال: قالت حفصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بال الناس أحلوا بعمرة ولم تحلل أنت من عمرتك؟ فقال: (3/531)
صفحة 1295
الرائد
532
إني لبدت رأسي، وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر.
فقول السيدة حفصة: (ولم تحل أنت من عمرتك) بين في الدلالة أن
الطواف السابق ما كان إلا للعمرة، ولو لم يكن للعمرة لبين لها النبي ذلك ولما انتقل إلى ما يفيد علة عدم الإحلال.
فيكون معنى القول: ما أحللت من العمرة التي أديتها لأني لبدت رأسي
وقلدت هديي.
وبعد تقرر الحكم السابق يقال إن العمرة متميزة من حيث الأصل عن الحج ولم يفت وقتها فالأصل أن يأتي بها صاحبها لأنه قادر عليها فهو مأمور بإتمامها، أما الحج ففائت وقته.
والأظهر أن طواف عمرة القرآن وسعيها يسقط عن القارن طواف فوات الحج وسعيه؛ لأن طواف الفوات ليس مشروعا لذاته بل هو مشروع لجواز التحلل إذ إنه لا يصح في أقل أحواله الشرعية المنقولة إلا بعد طواف
وسعي، والطواف والسعي متحققان بعمرة القرآن.
(1) أخرجه الإمام الربيع - واللفظ له في كتاب الحج، باب في الهدي والجزاء والفدية (428)، والبخاري في كتاب الحج، باب: التلبيد (5572).
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 24، ص 18. (3/532)
صفحة 1296
الرائد
533
أما دم القران السابق فلا يلزم لأن الأصل أن القارن لا يلزمه هدي
بسبب القرآن كما مضى تقرير ذلك، ثم إنه لو قيل بأن على القارن هديا لقلنا إن الهدي يلزم بتحقق القرآن لا بالإحرام به.
قال ابن جعفر:
ومن أحرم بالحج والعمرة فعرض له شيء يشغله حتى قدم مكة وقد فاته الحج فليقض عمرته وليطف بالبيت وبالصفا والمروة، وليس لعمرته وحجته هدي.
ويجزيه السبوع الواحد في الطواف بالبيت والصفا والمروة أسبوعا واحدا، وعليه الحج من عام قابل؛ لأنه قدم مكة والناس يقضون حجهم، ولكنه لم يكن ليحل حتى يطوف لإحرامه طوافين لحجته وعمرته.
خامسا: حكم الهدي على من أحل بالفوات
لم يأت فيمن أحل بالفوات أعليه هدي أو لا دليل في الكتاب أو السنة، لكن جاءت آثار عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله {تثبت الهدي، ومن ذلك حديث مالك عن يحيى بن سعيد قال أخبرني سليمان بن يسار أن أبا أيوب خرج حاجاً حتى إذا كان بالنازية بطريق مكة أضل رواحله وأنه قدم
(1) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 325، وفي الكلام سقط ظاهر وتصحيف. (3/533)
صفحة 1297
الرائد
534
على عمر بن الخطاب يوم النحر فذكر ذلك له فقال له:
اصنع كما يصنع المعتمر ثم قد حللت، فإذا أدركت الحج قابل حج وأهد ما استيسر من الهدي.
وجاء الأمر السابق من حديث مالك عن نافع عن سليمان بن يسار أن
هبار بن الأسود جاء يوم النحر وعمر بن الخطاب ينحر هديه فقال: يا أمير المؤمنين، أخطأنا العدد كنا نظن هذا اليوم يوم عرفة، فقال له
عمر:
(2)
اذهب إلى مكة فطف أنت ومن معك وانحروا هدياً إن كان معكم ثم احلقوا أو قصروا ثم ارجعوا، فإذا كان عام قابل فحجوا وأهدوا فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله".
أما قول ابن عمر الله فلفظه: إن حبس أحدكم عن الحج طاف بالبيت وبالصفا والمروة ثم حل من كل شيء حتى يحج عاما قابلا فيهدي أو يصوم
(1) تقدم تخريجه.
(2) ليس هذا هو هدي الفوات بل هو هدي سيق للحرم فينحر قبل التحلل، أما هدي
الفوات فهو الذي أمر به له عند القضاء.
(3) تقدم تخريجه (3/534)
صفحة 1298
الرائد
إن لم يجد هديا.
535
وقد اختلف الفقهاء القائلون بالإحلال بالعمرة في وجوب الهدي على
من أحل بالفوات، أما القائلون ببقائه محرما إلى العام المقبل فلا يوجبون عليه
الهدي وإن ندب إليه بعضهم
(2)
ذهب جماعة إلى وجوب ما استيسر من الهدي على المحل بالفوات)، وإن لم يستطعه صام عشرة أيام ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع، مع خلاف أذلك في عام الفوات أو عند القضاء، أو الواجب في سنة الفوات وله تأخيره إلى
سنة القضاء (4).
واستدل هؤلاء بفتاوى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم المنقولة إذ فيها الأمـ بالهدي، وبأن الفوات سبب يجب به قضاء النسك فوجب أن يجب به الدم
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: الإحصار في الحج (1715).
(2) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 295.
(3) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 318، والشافعي، الأم، ج 2، ص 165، والقاضي عبد الوهاب، الإشراف، ج 1، ص 490، وابن عبد البر، الكافي، ص 161، والاستذكار،
ج 4، ص 263، والمرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 64.
(4) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص،239، والشيرازي التنبيه، ص 80، والنووي، المجموع، ج 8، ص 217. (3/535)
صفحة 1299
الرائد
كالإفساد.
536
ثم إنه تحلل قبل وقته فلزم بسبب ذلك الدم كالمحصر.
شرطا
واعترض على هذا الأخير بأن العمرة لفائت الحج جعلت شرعا شر للتحلل وكانت كالدم في المحصر فلا يجمع بينهما".
وقال آخرون إنه لا يلزم من أحل بالفوات هدي، واستدل جماعة من هؤلاء بحديث يحيى بن عيسى عن ابن أبي ليلى عن عطاء عن ابن عباس قال: قال رسول الله: من أدرك عرفات فوقف بها والمزدلفة فقد تم حجه، ومن فاته عرفات فقد فاته الحج فليحل بعمرة وعليه الحج من قابل.
ووجه الدلالة أن النبي ذكر الإحلال بالعمرة ولم يذكر الهدي حين تبيينه حكم الفوات، والموضع موضع بيان فدل على أنه لا يجب عليه الهدي
(1) القاضي عبد الوهاب، الإشراف، ج 1، ص 490.
(2) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 220.
(3) ابن الهمام، فتح القدير، ج 3، ص 137.
(4) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 325، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 0 والمرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 64، والثميني، التاج المنظوم، ج 3، ص 306، والحلي، تذكرة الفقهاء، ج 8، ص 410، والعيني، البناية، ج 4، ص 459، والعثماني، إعلاء السنن، ج 7، ص 3530. (3/536)
صفحة 1300
الرائد
للفوات).
537
لكن يشكل على الاستدلال بالحديث أنه ضعيف لا تقوم به حجة كما مضى تخريجه.
واستدل آخرون بأنه لو كان الفوات سببا للدم لكان على المحصر هديان
أحدهما للإحصار والآخر للفوات ولم يقل بذلك أحد".
الذمة
وأقوى ما يدل على أنه ليس على المحل بالفوات هدي هو أصل براءة
وعدم شغلها، وما قيل من فتاوى الصحابة فليس بحجة؛ إذ المسألة
فرعية خلافية وليست مما لا يقال بالرأي.
سادسا: لزوم القضاء على من أحل بالفوات
لا إشكال أنه إن كان الفوات للحج الواجب أنه يلزم من فاته أن يقضي ذلك الإحرام لتعلق الوجوب الأول برقبته إن استكمل شروط وجوب الحج، لكن اختلف الفقهاء في الإحلال بالفوات أيوجب على من أحل قضاء
النسك الذي فاته أو لا يوجب عليه ذلك؟
(1) العثماني، إعلاء السنن، ج 7، ص 3530.
(2) الحلي، تذكرة الفقهاء، ج 8، ص 410. (3/537)
صفحة 1301
الرائد
?
ذهب جماعة منهم الإمام أبو سعيد الكدمي إلى أن الإحلال بسبب الإحصار لا يوجب في ذاته قضاء على من أحل).
وقال آخرون وهم الجمهور من أهل العلم - إنه يلزمه القضاء ولو كان
النسك الذي فاته نفلا (3)، واختلفوا في فورية القضاء على قولين".
استدل القائلون بوجوب القضاء بأن الله تعالى يقول: "وأتموا والعمرة الله" فأوجب الإتمام على كل أحد غير المحصر وحَجَّة الفوت لا تتم إلا بالقضاء فوجب أن يلزمه ذلك».
كما استدلوا بفتاوى الصحابة التي فيها الأمر بالقضاء، وقد تقدم
(1) الكندي بيان الشرع، ج 24، ص 17، و الشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 441، وا. تذكرة الفقهاء، ج 8، ص 411، والمرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 64.
(2) مالك بن أنس المدونة الكبرى، ج 2، ص 401، والشافعي، الأم، ج 2، ص 165، والسرخسي، المبسوط، ج 4، ص 175، وابن عبد البر، الكافي، ص 161، والمرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 64.
(3) البسيوي، الجامع، ج 2، ص 304، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 239، وابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 263، والرافعي العزيز، ج 3، ص 536، والنووي،
المجموع، ج 8، ص 215.
(4) ابن تيمية، شرح العمدة، ج 3، ص 666. (3/538)
صفحة 1302
الرائد
تخريجها.
539
ويشكل على الرأي السابق أن الآية لم تتعرض للقضاء في شيء بل
كلامها في إتمام الإحرام إذا ما أحرم به، أما بعد إحلاله منه فلم تتعرض له بشيء من من أنواع الدلالة المعروفة.
وحَجَّة القضاء ليست بإتمام للإحرام السابق وإلا لقيل إنه يكفيها
الإحرام الأول ولم يقل بذلك أحد.
والأمر بالإتمام للحج والعمرة من باب خطاب التكليف الذي ينظر فيه إلى قدرة المكلف، فإن كان غير قادر عليه سقط التكليف به عنه، وهذا أقصى ما تفيده الآية.
أما القضاء للفائتة فلا بد لوجوبه من دليل شرعي غير أصل الأمر بالفعل، قال الإمام السالمي:
ولزم القضا بأمر ثاني إن فات أو فوته التواني
أما دليل فتاوى الصحابة فعورض بأن ابن عباس كان لا يرى
القضاء.
وجوب (3/539)
صفحة 1303
الرائد
540
سابعا: إجزاء عمرة الفوات عن عمرة الإسلام
اختلف القائلون بوجوب العمرة من حيث الأصل أتجزي عمرة الفوات عن عمرة الإسلام أم هي غير مجزية).
لعل القائلين بالإجزاء يرون أن المطلوب من هذا المكلف عمرة لم تقيد
بكونها غير عمرة الفوات، وهو قد أدى مناسك العمرة كلها فتجزيه.
وينبغي أن يخرج الخلاف في هذه القضية على قول من قال إن الإحرام ينقلب عمرة بالفوات، أما القائلون إن الإحرام هو السابق نفسه لكن يتحلل بأن يطوف ويسعى ليكون في حل من إحرامه فلا يقرون بأن هذه عمرة أصلا؛ إذ لم ينوها عند إحرامه، وإن لم تكن هذه عمرة شرعية فكيف تجزي عن الأصل الواجب
أما القائلون بأنها تنقلب عمرة فيسوغونها لأنهم يرونها من باب فسخ
الحج إلى عمرة، وقد مضى مقررا جواز ذلك.
(1) الشافعي، الأم، ج 2، ص 165، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 236، والمرداوي،
الإنصاف، ج 4، ص 63.
(2) النووي، المجموع، ج 8، ص 216.
(3) ابن تيمية، شرح العمدة، ج 3، ص 661. (3/540)
صفحة 1304
الرائد
(021)
وفي النفس شيء من هذا الفسخ إلى عمرة؛ إذ الأصل في الفسخ المشروع أنه أمر به الشارع لإدراك التمتع الذي هو أفضل الأنساك كما تقدم فخولف الأصل الذي يقضي بإتمام النسك الذي أحرم به للمصلحة السابقة التي هي أرجح من مفسدة مخالفة أصل النية الذي أسس الإحرام عليه كما تشهد لذلك نصوص الشارع الصحيحة.
أما
ا مع عدم وجود المصلحة السابقة التي هي! الفوز بأفضل الأنساك فيرجع إلى أصل ما أحرم المكلف به وأسس نيته عليه؛ إذ إن لكل إنسان ما نوى فالأعمال بالنيات، ولا يصح له أن يغير نيته التي أسس عبادته عليها. ولما تعذر عليه إتمام نيته على ما أسس فيخرج من إحرامه، ولا خروج من الإحرام إلا بطواف وسعي وحلق؛ إذ ذلك أقل ما يخرج به الإنسان من إحرامه في نصوص الشارع في غير الإحصار أو الاشتراط، وقد أيد الأمر
اتفاق ما نقل إلينا من فتاوى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه. (3/541)
صفحة 1305
[صفحة فارغة] (3/542)
صفحة 1306
الرائد
المحتويات
المبحث الخامس محظورات الإحرام
المطلب الأول: لبس المفصل على مقدار الجسد.
شذوذ الروايات التي فيها السؤال عما يترك المحرم من اللباس ..
ملبوسات المحرمين ضربان.
الوصف الجامع للملبوسات التي ينهى عنها المحرم.
استعمال الإزار مجموع الطرفين بخياطة.
استعمال القباء (البشت) للرجال.
إطلاق الفقهاء منع المحرم من المخيط.
اللباس الممنوع شامل للقليل منه والكثير اتفاقا.
أولا: وصف اللباس الممنوع.
حكم الهميان والنظارة وساعة اليد وحشوة السلس. (3/543)
صفحة 1307
الرائد
جواز الالتحاف بالقطنيات الثقيلة للمحرم
جواز استعمال حقيبة النوم للمحرم
ثانيا: لبس المحرم الخفين.
حكم لبس المحرم للخفين ..
يجيز لبس الخفين للمحرم عدم الوجدان للنعل وعدم القدرة
على استعمالها.
جواز لبس النعال المخيطة.
قطع الخف وصفة ذلك.
لبس الخفين المقطوعين مع وجود النعلين ..
ما على المحرم بلبسه الخفين اللذين قطعا.
ثالثا: لبس السراويل.
حكم لبس السراويل. (3/544)
صفحة 1308
الرائد
حكم من لم يجد غير السراويل.
رابعا: تغطية الرأس.
حكم تغطية الرأس
مقدار الممنوع من تغطية الرأس.
لا مانع من تغطية المحرم وجهه.
لا مانع من استعمال الكمامات للرجال والنساء ...
صفة التغطية الممنوعة.
ضعف الرأي المانع للمحرم من الاستظلال
خامسا: ما يخص النساء من اللباس.
تغطية الوجه.
لبس القفازين.
لبس الحلي. (3/545)
صفحة 1309
الرائد
سادسا: حكم الخنثى. ا
سابعا: حكم من أحرم في محظور من اللباس
تعقب الرأي الموجب إحراما جديدا على من لبس المحظور ..... 102
المطلب الثاني: استعمال الطيب.
من سنن النبي صلى الله عليه وسلم استعمال الطيب وفوائد ذلك.
النهي عن استعمال الطيب لا يستلزم مفهومه المخالف.
مزيلات العرق قسمان.
أولا: حكم التطيب للمحرم.
منع المحرم من استعمال الطيب مطلق يشم أو لا يشم ..
ثانيا: حكم شم المحرم للطيب.
ثالثا: ضابط الطيب الممنوع.
الأصناف التي صرح الشارع بكونها طيبا. (3/546)
صفحة 1310
الرائد
لا يثبت في أمر الحناء من حيث كونه طيبا أو لا شيء
اختلاف الأعراف جعلت الفقهاء يختلفون في الحناء أهو طيب. 120
الاختلاف في الأحكام الشرعية لاختلاف بيئات المكلفين ...... 122
أقسام النباتات ذوات الروائح الزاكية.
رابعا: صفة الاستعمال الممنوع للطيب
تقبيل الحجر الأسود إن كان به طيب.
خامسا: الطيب الحديث.
سادسا: منتهى منع المحرم من الطيب.
ثامنا: جزاء من استعمل الطيب من المحرمين.
المطلب الثالث: حلق الشعر.
أولا: حكم حلق الشعر للمحرم.
ثانيا: الشعر الذي يمنع حلقه. (3/547)
صفحة 1311
الرائد
ثالثا: فدية حلق شعر الرأس ..
رابعا: تقليم الأظفار.
خامسا: جزاء من حلق شعره أو قص أظفاره ..
سادسا: اختلاف الحالق والمحلوق ..
تقصير المحرم للمحرم.
سابعا: إيذاء الشعر أو الظفر صاحبه المحر
ثامنا: حك المحرم رأسه أو جسده.
المطلب الرابع: عقد النكاح.
توطئة: حكمة منع المحرم من النكاح.
أولا: حكم عقد النكاح للمحرم.
أدلة القائلين بجواز الإنكاح دون النكاح.
أدلة القائلين بجواز عقد النكاح للمحرم. (3/548)
صفحة 1312
الرائد
أدلة القائلين بحرمة عقد النكاح للمحرم.
موازنة بين المذهبين أولا: تبيين الضعيف من
الأدلة.
المقابلة بين أدلة الفريقين.
ثانيا: حكم خطبة المحرم.
خطبة المحل المحرمة.
ثالثا: حكم رجعة المحرم زوجته.
الرجعة ليست نكاحا جديدا ..
رابعا حكم شهادة المحرم عقد النكاح.
خامسا: إذن المحرم لعبده بالنكاح.
سادسا: دخول الحاكم في الحكم السابق ..
سابعا: حكم النكاح إن عقده المحرم.
ثامنا: ما على من انتهك هذا المحظور. (3/549)
صفحة 1313
الرائد
تاسعا: أثر الإحرام في نقل ولاية التزويج عن المحرم ..
عاشرا: الإحرام الذي يتوجه النهي الشرعي
عليه.
المطلب الخامس الرفث.
أولا: حرمة الرفث على المحرم
ثانيا: ضابط الرفث
ثالثا: حكم المجامع حال الإحرام.
القسم الأول: المجامع عمدا ...
جزاء المجامع.
رابعا: إتمام إحرامه الفاسد.
خامسا:
القضاء ... : وجوب
عموم وجوب. القضاء للحج الواجب وغير الواجب
الفورية في القضاء. (3/550)
صفحة 1314
الرائد
نفقة الموطوءة في حج
القضاء ...
تفرق الزوجين ..
مكان الإحرام في القضاء.
القسم الثاني: غير المتعمد للجماع
رابعا مقدمات الجماع.
المطلب السادس: قتل الصيد ..
أولا: حكم قتل الصيد.
التفصيل في حكم الدلالة لقتل الصيد.
حكمة تحريم الصيد على المحرم.
التحريم خاص بصيد البر.
ثانيا: حكم ما ذكاه المحرم من الصيد.
ثالثا: ضابط الصيد .. (3/551)
صفحة 1315
الرائد
رابعا: أكل المحرم ما صاده الحلال.
بيان موسع.
لحال المهدى إلى النبي الله من الصعب بن جثامة ....
خامسا: الأفعال الموجبة للجزاء.
سادسا: جزاء قتل الصيد.
الأمر الأول: جزاء المثل.
الأمر الثاني: كفارة طعام مساكين
الأمر الثالث: عدل ذلك صياما.
ثامنا: تعدد الكفارة على قاتل الصيد وآكله ..
تاسعا: حكم قاتل الصيد غير المتعمد.
المبحث السادس: أحكام الحرم المكي.
المطلب الأول: مبدأ تحريم مكة.
المطلب الثاني: صيد الحرم. (3/552)
صفحة 1316
الرائد
أولا: حرمة صيد مكة.
ثانيا: شمول التحريم لمن كان خارج الحرم
ثالثا: جزاء قاتل صيد الحرم.
رابعا: مسائل على مذهب الموجبين للجزاء في صيد
خامسا: أكل صيد الحرم.
سادسا: فرق ما بين صيد الإحرام والحرم.
سابعا: صيد البريُدخل الحر
المطلب الثالث: شجر الحرم.
أولا: حرمة شجر مكة
ثانيا: قطع ورق الشجر.
ثالثا: أقسام النابت في أرض الحرم.
رابعا حالات التعرض لخلا الحرم. (3/553)
صفحة 1317
الرائد
خامسا: تعلق الضمان بشجر الحرم الممنوع.
المبحث السابع: محظورات الحرم المدني
:أولا: الخلاف في حرمية المدينة.
ثانيا: ما استثني من مبدأ حرم المدينة.
ثالثا: وجوب الجزاء في صيد المدينة.
المبحث الثامن: التحلل من الإحرام.
المطلب الأول: التحلل بكمال نسك الإحرام
وقت تحلل المعتمر.
للحج تحللان ووقت كل واحد منهما ..
المطلب الثاني: التحلل بسبب الإحصار ..
أولا: تعريف الإحصار في اللغة.
ثانيا: تعريف الإحصار في الاصطلاح الشرعي والخلاف فيه ... (3/554)
صفحة 1318
الرائد
ثالثا: وقت التحلل بالإحصار
رابعا: حكم الهدي على المحصر إذا ما أحل
خامسا: ما يلزم المحصر من الهدي.
سادسا وقت نحر الهدي ..
سابعا: محل نحر الهدي
ثامنا: لزوم الحلق للإحلال على المحصر.
تاسعا: الحلق قبل بلوغ الهدي محله ..
عاشرا: وجوب القضاء على المحصر.
عاشرا: إحلال من كسر أو عرج.
المطلب الثالث: التحلل بالاشتراط
أولا: مشروعية الاشتراط.
أدلة القائلين بمشروعية الاشتراط. (3/555)
صفحة 1319
الرائد
أدلة القائلين بعدم المشروعية.
ثانيا: حكم الاشتراط.
ثالثا: مم يكون الاشتراط.
رابعا: لفظ الاشتراط.
خامسا: ما يلزم المشترط بالإحلال.
سادسا: لزوم الحلق على المتحلل بالاشتراط.
سابعا: لزوم الهدي على المحل بالاشتراط.
المطلب الرابع فوات الحج.
أولا: وقت فوات الحج.
ثانيا: حكم من فات عليه الحج.
ثالثا: تحلل من فات عليه الحج من الإحرام
رابعا: فوات الحج على القارن. (3/556)
صفحة 1320
الرائد
خامسا: حكم الهدي على من أحل بالفوات.
سادسا: لزوم القضاء على من أحل بالفوات.
سابعا: إجزاء عمرة الفوات عن عمرة الإسلام (3/557)
صفحة 1321
الرائد
أبحاث تأصيلية معاصرة في فقه الحج والعمرة
تأليف
ماجد بن محمد بن سالم الكندي
الجزء الرابع
الطواف والسعي والحلق (4/1)
صفحة 1322
الرائد
أبحاث تأصيلية معاصرة في فقه الحج والعمرة
الجزء الرابع
HOCHOCHOCH
HOCHOCHOCH (4/2)
صفحة 1323
جميع حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
الطبعة الأولى 1429 هـ / 2008 م
حقوق الطبع محفوظة ©، ولا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خط
سابق من المؤلف.
HOCHOCHOCH
HOCHOCHOCH (4/3)
صفحة 1324
الرائد
أبحاث تأصيلية معاصرة في فقه الحج والعمرة
تأليف
ماجد بن محمد بن سالم الكندي
الجزء الرابع
الطواف والسعي والحلق
---- OOO o OOOOO / 0 0 0 00
HOCHOCHOCH
HOCHOCHOCH
0000 000 - ------ (4/4)
صفحة 1325
الفصل الثالث: الطواف بالبيت
المبحث الأول: وصف المطاف والكعبة المشرفة
المبحث الثاني: آداب دخول المسجد الحرام
المبحث الثالث: مشروعية الطواف وفضله
المبحث الرابع: أنواع الطواف
المبحث الخامس: شروط الطواف وواجباته
المبحث السادس: مندوبات الطواف
المبحث السابع: مباحات الطواف
المبحث الثامن: ركعتا الطواف (4/5)
صفحة 1326
الرائد
المبحث الأول: وصف المطاف والكعبة المشرفة
تحوي منطقة الطواف بالبيت معالم مختلفة في كل منها عبادة تؤدى ونسك
يؤتى، لذا كان من الحسن أن نصف المكان ونصوره بشيء من الاختصار قبل
بيان الأحكام الشرعية.
المطلب الأول: تاريخ الكعبة المشرفة
أفاد الكتاب العزيز أن الكعبة هي أول بيت وضع للناس كما قال الله تعالى في كتابه: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَلَمِينَ
) فِيهِ وَايَتُ بَيِّنَتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُّ
رج
الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَلَمِينَ
وجاءت نصوص السنة الثابتة بالحكم السابق مع بيان ما تلاه من البيوت كما في حديث أبي ذر قال: قلت يا رسول الله، أي مسجد وضع في الأرض أول؟
قال: المسجد الحرام قال: قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى؟ قلت: كم كان بينهما؟ قال: أربعون سنة، ثم أينما أدركتك الصلاة بعد فصله فإن
(1) سورة آل عمران الآيتان (96 - 97) (4/6)
صفحة 1327
الرائد
الفضل فيه).
والسابق يثبت أن الكعبة الحرام كانت موجودة قبل إبراهيم # غير أن عوادي الزمن هدمت بنيانها وقوضت أركانها؛ إذ هي وسط واد غير ذي زرع كما وصفها إبراهيم، وما بقي منها إلا موضعها الذي طمرت الرمال
أسسه.
ثم أمر إبراهيم # برفع قواعدها هو وابنه إسماعيل #، وقد حكى ابن عباس {القصة كاملة كما ثبت عنه في الحديث الصحيح فنسوقها كما هي لعظم فوائدها، قال ابن عباس:
أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل اتخذت منطقا لتعفي أثرها على سارة ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعها عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء فوضعهما هنالك ووضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء.
ثم قفي إبراهيم منطلقا فتبعته أم إسماعيل فقالت:
يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا
(1) أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء، باب: يزفون النسلان في المشي (3186). (4/7)
صفحة 1328
الرائد
ء؟ فقالت له ذلك مرارا وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: الله الذي أمرك
بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يضيعنا ثم رجعت.
فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الكلمات ورفع يديه فقال: {رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَوَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّن النَّاسِ تَهْوِى إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) ().
وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلوى أو قال: يتلبط - فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض
يليها فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا فلم تر أحدا.
فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ثم سعت الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها سعي ونظرت هل ترى أحدا فلم تر أحدا ففعلت ذلك
سبع مرات.
قال ابن عباس قال النبي: فذلك سعي الناس بينهما، فلما أشرفت على
(1) سورة إبراهيم، الآية (37). (4/8)
صفحة 1329
الرائد
المروة سمعت صوتا فقالت صه تريد نفسها، ثم تسمعت فسمعت أيضا فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبة - أو قال بجناحه - حتى ظهر الماء فجعلت تحوضه وتقول بيدها هكذا وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعد ما تغرف.
قال ابن عباس: قال النبي: يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم - أو
قال لو لم تغرف من الماء - لكانت زمزم عينا معينا.
قال: فشربت وأرضعت ولدها فقال لها الملك: لا تخافوا الضيعة؛ فإن ها هنا بيت الله يبني هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله، وكان البيت مرتفعا من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله.
فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم أو أهل بيت من جرهم- مقبلين من طريق كداء فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائرا عائفا فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء فأرسلوا جريا أو جريين فإذا هم بالماء فرجعوا فأخبروهم بالماء فأقبلوا، قال: وأم
إسماعيل عند الماء فقالوا:
أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟
فقالت: نعم، ولكن لا حق لكم في الماء قالوا: نعم، قال ابن عباس: قال (4/9)
صفحة 1330
الرائد
(1.) ***
النبي: فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأنس فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم حتى إذا كان بها أهل أبيات. وشب الغلام وتعلم العربية منهم وأنفسهم وأعجبهم حين شب فلما أدرك زوجوه امرأة منهم. وماتت أم إسماعيل فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيل يطالع تركته فلم يجد إسماعيل فسأل امرأته عنه فقالت خرج يبتغي لنا، ثم سألها عن عيشهم و هيئتهم فقالت: نحن بشر، نحن في ضيق وشدة فشكت إليه، قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام وقولي له يغير عتبة بابه.
نعم،
فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئا فقال هل جاءكم من أحد؟ قالت: جاءنا شيخ كذا وكذا فسألنا عنك فأخبرته وسألني كيف عيشنا فأخبرته
أنا في جهد وشدة.
قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت نعم أمرني أن أقرأ عليك السلام ويقول: غيّر عتبة بابك.
قال: ذاك أبي، وقد أمرني أن أفارقك الحقي بأهلك فطلقها وتزوج منهم أخرى فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله ثم أتاهم بعد فلم يجده فدخل على
امرأته فسألها عنه فقالت: خرج يبتغي لنا، قال: كيف أنتم؟ وسألها
عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بخير وسعة، وأثنت على الله.
عن (4/10)
صفحة 1331
الرائد
فقال: ما طعامكم؟ قالت اللحم، قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء، قال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء، قال النبي: ولم يكن لهم يومئذ حب ولو كان لهم دعا لهم فيه، قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه.
قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام، ومريه يثبت عتبة بابه. فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة وأثنت عليه، فسألني عنك فأخبرته، فسألني:
كيف عيشنا فأخبرته أنا بخير قال: فأوصاك بشيء؟ قالت: نعم، هو
يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة بابك.
قال: ذاك أبي وأنت العتبة أمرني أن أمسكك، ثم لبث عنهم ما شاء الله جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلا له تحت دوحة قريبا من زمزم فلما رآه قام إليه فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد، ثم قال:
يا إسماعيل، إن الله أمرني بأمر، قال: فاصنع ما أمرك ربك، قال: وتعينني؟ قال: وأعينك، قال: فإن الله أمرني أن أبني ها هنا بيتا وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها.
قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه وهو (4/11)
صفحة 1332
الرائد
(12)
صلے
يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان: رَبَّنَا تَقَبَّلُ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ
السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.
قال: فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت وهما يقولان: رَبَّنَا تَقَبَّلُ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.
صلے
وذلك كما حكى الله تعالى عنه إذ قال وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ
الْبَيْتِ وَإِسْمَعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).
ومنذ ذلك اليوم عظم العرب البيت العتيق، ونادى إبراهيم في الناس
بحجه حتى توافدوا إليه فوجا بعد آخر معظمين.
وما زال الحال بالعرب على ذلك إلى أن جاء عام تأثر فيه بنيان الكعبة بسبب تَوَهُنِها من الحريق الذي أصابها حين جُمرت، والسيل العظيم الذي دخلها وصدع جدرانها بعد توهنها بالحريق، فقررت قريش إعادة بنائها وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حينها شابا شارك في البناء مع
أعمامه).
(1) أخرجه البخاري، في كتاب الأنبياء، باب يزفون النسلان في المشي (3184).
(2) سورة البقرة، الآية (127).
(3) الفاسي، شفاء الغرام، ج 1، ص 199.
(4) أخرجه البخاري، في كتاب الحج، باب فضل مكة وبنيانها (1505). (4/12)
صفحة 1333
الرائد
فبنوها مشترطين على أنفسهم أن لا يدخل مهر بغي ولا مال من ربا، وللسبب السابق قصرت النفقة بالقرشيين أن يبنوا الكعبة كما كانت على
قواعد إبراهيم # فنقصوا منها جزءا ولم يصلوه بالبيت وهو ما يعرف بالحطيم بعد أن كان من أصل الكعبة، كما يفيد ذلك حديث:
عبد
الله بن عمر عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها:
تري أن قومك لما بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم؟
فقلت: يا رسول الله، ألا تردها على قواعد إبراهيم؟ قال: لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت.
فقال عبد الله الله: لئن كانت عائشة < سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم
ما أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر إلا أن البيت لم
يتمم على قواعد إبراهيم
(1)
وفوق نقصهم أضافوا أمورا ما كانت موجودة على البناء قبل أن يهدموه
>
من ذلك رفعهم الباب، ويبين ذلك حديث الأسود بن يزيد عن عائشة قالت: سألت النبي الله عن الجدر أمن البيت هو؟ قال: نعم، قلت: فما لهم لم
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب فضل مكة وبنيانها (1506). (4/13)
صفحة 1334
الرائد
يدخلوه في البيت؟
قال: إن قومك قصرت بهم النفقة قلت فما شأن بابه مرتفعا؟ قال::
فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاؤوا ويمنعوا من شاؤوا.
ولولا أن قومك حديث عهدهم بالجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم أن
أدخل الجدر في البيت وأن ألصق بابه بالأرض".
كما أنه كان للكعبة على قواعد إبراهيم، بابان، وأهل قريش اقتصروا على واحد منهما كما يفيد ذلك حديث عروة عن عائشة < أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: يا عائشة، لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم فأدخلت فيه ما أخرج منه، وألزقته بالأرض وجعلت له بابين بابا شرقيا وبابا غربيا فبلغت به أساس إبراهيم".
واستمر حال الكعبة المشرفة على ما بناه أهل قريش طيلة حياة النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الأربعة، ثم إنه لما ملك بنو أمية نواصي المسلمين انتهكت حرمة البيت زمن يزيد بن معاوية بسبب الخلاف بينه وعبد الله بن الزبير، فرماها
الشاميون بالمنجنيق.
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب فضل مكة وبنيانها (1507). (2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب فضل مكة وبنيانها (1509). (4/14)
صفحة 1335
الرائد
(10)
ثم إن نارا أوقدها بعض أصحاب ابن الزبير في خيمة له فطارت الرياح
بلهيب تلك النار فأحرقت كسوة الكعبة، فضعفت جدران الكعبة حتى
أنه
لتنقض من أعلاها إلى أسفلها، ويقع الحمام عليها فتتناثر حجارتها. وكان نظر عبد الله بن الزبير أن يهدم ذلك البناء منشئا بناء يؤسسه على قواعد إبراهيم كما كان النبي لا يريد إذ الموانع التي أحجم النبي لأجلها صلى الله عليه وسلم قد انتهت، فبناه ابن الزبير على قواعد إبراهيم كما يفيد ذلك الحديث الصحيح الآتي:
عطاء قال: لما احترق البيت زمن يزيد بن معاوية حين غزاها أهل الشام فكان من أمره ما كان تركه ابن الزبير حتى قدم الناس الموسم يريد أن يجرئهم أو يحر بهم على أهل الشام فلما صدر الناس قال:
يا أيها الناس أشيروا علي في الكعبة أنقضها ثم أبني بناءها، أو أصلح ما وهى منها؟ قال: ابن عباس: فإني قد فرق لي رأي فيها أرى أن تصلح ما وهى منها وتدع بيتا أسلم الناس عليه وأحجارا أسلم الناس عليها وبعث عليها
النبي.
(1) الأزرقي، أخبار مكة، ج 1، ص 203، والفاسي، شفاء الغرام، ج 1، ص 1. (4/15)
صفحة 1336
الرائد
فقال ابن الزبير: لو كان أحدكم احترق بيته ما رضي حتى يجده، فكيف
بيت ربكم إني مستخير ربي ثلاثا ثم عازم على أمري.
فلما مضى الثلاث أجمع رأيه على أن ينقضها فتحاماه الناس أن ينزل بأول الناس يصعد فيه أمر من السماء حتى صعده رجل فألقى منه حجارة فلما لم يره الناس أصابه شيء تتابعوا فنقضوه حتى بلغوا به الأرض.
فجعل ابن الزبير أعمدة فستر عليها الستور حتى ارتفع بناؤه وقال ابن
الزبير: إني سمعت عائشة تقول إن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
لولا أن الناس حديث عهدهم بكفر وليس عندي من النفقة ما يقوى على بنائه لكنت أدخلت فيه من الحجر خمس أذرع ولجعلت لها بابا يدخل الناس منه وبابا يخرجون منه.
قال: فأنا اليوم أجد ما أنفق ولست أخاف الناس، قال: فزاد فيه خمس
أذرع من الحجر حتى أبدى أسا نظر الناس إليه فبنى عليه البناء.
وكان طول الكعبة ثماني عشرة ذراعا فلما زاد فيه استقصره فزاد في طوله عشر أذرع وجعل له بابين أحدهما يدخل منه والآخر يخرج منه.
(1) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب نقض الكعبة وبنيانها (1333). (4/16)
صفحة 1337
الرائد
17
وبعد مقتل ابن الزبير استشار والي بني أمية الحجاج بن يوسف الثقفي عبد الملك بن مروان في بناء الكعبة فذب عبد الملك الرواية التي سمعها ابن الزبير من عائشة وأمر واليه أن يهدم الكعبة ويبنيها على ما كانت عليه من بناء قريش فهدمت الكعبة وبنيت مرة أخرى.
وفي عهد هارون المعروف بالرشيد رأى أن ينقض الكعبة ويعيد بناءها على ما بناه ابن الزبير فسأل الإمام مالك بن أنس الأصبحي فأجابه بقوله: ناشدتك الله يا أمير المؤمنين ألا تجعل هذا البيت لعبة للملوك لا يشاء
أحد إلا نقضه وبناه فتذهب هيبته من صدور الناس.
وبقيت الكعبة على بناء الحجاج بن يوسف إلى عهد السلطان مراد العثماني فرممت ترميما شاملا سنة 1040 هـ / 1631 م، ثم رحمت ترميما شاملا في عهد الملك فهد بن عبد العزيز سنة 1417 هـ / 1996 م، فتمت تقوية الأساسات وإصلاح الشاذروان والحلقات وصقل الجدران الخارجية وسد
(1) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب نقض الكعبة وبنيانها (1333). (2) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 188، والنووي، شرح صحيح مسلم، ج 9، ص 89، والفاسي شفاء الغرام، ج 1، ص 207، والسالمي شرح الجامع الصحيح، ج 2،
ص 196. (4/17)
صفحة 1338
الرائد
18
الفجوات بين أحجارها وتغيير سقفي الكعبة بسقفين جديدين.
وكانت مقاسات الكعبة التي استقرت عليها في الترميم الأخير هي: ارتفاع الكعبة 14 م، وطولها من جهة الملتزم 12.84 م، وطولها من جهة الحطيم 11.28 م، والركن اليماني والحطيم 12.11 م، وبين الركنين
11.52 م.
المطلب الثاني: وصف داخل الكعبة
وصف المتقدمون داخل الكعبة كما وصفه المتأخرون، لذا ننقل نصا عن
المتقدمين وآخر من المحدثين.
وصفت أرض الكعبة وجدرانها من داخلها بأنها مرخمة برخام ملون،
وفيها ثلاث دعائم من ساج على ثلاثة كراسي وفوقها ثلاث كراسي، وعلى هذه الكراسي ثلاث جوائز من ساج.
ولها سقفان بينهما فرجة، وفي السقف أربع روازن نافذة من السقف الأعلى إلى السقف الأسفل للضوء، وفي ركنها الشامي درجة من خشب يصعد منها إلى سطحها، وعدد الدرج التي فيها ثمان وثلاثون مرقاة.
(1) محمد إلياس، تاريخ مكة المكرمة، ص 42. (4/18)
صفحة 1339
الرائد
19
وسقفها الأعلى مما يلي السماء مرخم برخام أبيض، ويطيف بسطحها
إفريز) مبني بالحجارة على جدرها من جميع جوانبها، ويتصل بهذا الإفريز أخشاب فيها حلق من حديد يربط بها كسوة الكعبة.
وبابها من ظاهره مصفح بصفائح فضة مموهة بالذهب، وكذلك فياريز الباب وعتبته العليا مطلية بالفضة".
أما الوصف الحديث الذي استقر عليه أمر الكعبة بعد آخر ترميم" لها فبين أن للكعبة ثلاثة أعمدة خشبية تحمل سقفها بقطر 44 سم، والمسافة بين كل عمودين 2.35 م، وفي مقابل باب الدخول محراب بني في مكان صلاة النبي داخل الكعبة.
وعلى يمين الداخل درج يؤدي إلى سطح الكعبة المشرفة، وعليه باب وقفل، ويعرف بباب التوبة وعليه ستارة، وجدران الكعبة من داخلها مؤزرة
برخام ملون مزركش بنقوش لطيفة.
(1) معرب يعني الجدار الصغير. ابن منظور، لسان العرب، ج 5، ص 391.
(2) الفاسي، شفاء الغرام، ج 1، ص 217.
(3) باسلامة، تاريخ الكعبة المعظمة، ص 177، ومحمد إلياس تاريخ مكة المكرمة، ص 53
وما بعدها. (4/19)
صفحة 1340
الرائد
يغطى سقف الكعبة وجوانب من جدرانها من الحرير الأخضر مكتوب عليه: لا إله إلا الله محمد رسول الله {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ}، {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَهَا فَوَلِ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، يا حنان يا منان يا ذا الجلال والإكرام.
ارتفاع الستارة السابقة 7.5 م، وتغير ما بين 3 - 5 سنوات، وفي داخل الكعبة صندوق ضخم تحفظ فيه بعض مقتنياتها.
وللكعبة الآن سقفان أعلى وأدنى كما هو حالها قبل، وسطحها محاط بإفريز ارتفاعه 80 سم، وعليه أعواد غليظة تربط فيها كسوة الكعبة، وفي أعلى السطح فتحة بأبعاد 1.27 م 1.04 م، مصنوعة من الزجاج القوي لتساعد على الإضاءة داخل الكعبة.
في عام 1399 هـ / 1979 م جدد باب الكعبة وباب التوبة الذي بداخلها فصنعا من الذهب الخالص، وقد كان وزنهما 280 كغم، والهيكل الإنشائي
للبابين متألف
من
قاعدة خشبية من خشب التيك، وثبتت عليها صفائح
(1) سورة آل عمران، الآية (96).
(2) سورة البقرة، جزء من الآية (144). (4/20)
صفحة 1341
الرائد
الذهب الخالص المزخرف، ومقاسات البابين كالتالي:
باب الكعبة طوله 3.10 م، وعرضه 1.90 م، وعمقه 0.5، وارتفاعه من
المطاف 2.25 م، أما باب التوبة فطوله 2.30 م، وعرضه 0.70 م.
حفظه
أما قفل الكعبة فمفتاحه عند ممثل العهدة من بني شيبة، وهذا الشرف قد
له لهم النبي منذ يوم الفتح وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وذلك أن قصي بن كلاب جد النبي صلى الله عليه وسلم لما آل إليه أمر الكعبة من حجابة وسقاية ورفادة أتمها حتى إذا كبر في السن أعطى السدانة وهي حجابة الكعبة ودار الندوة لابنه عبد الدار والسقاية والرفادة لابنه عبد مناف.
وولي عبد الدار حجابة البيت وولاية دار الندوة واللواء فلم يزل يليه حتى هلك، وجعل عبد الدار الحجابة بعده لابنه عثمان بن عبد الدار، وجعل دار الندوة إلى ابنه عبد مناف بن عبد الدار.
لم تزل بنو عبد مناف بن عبد الدار يلون الندوة دون ولد عبد الدار فكانت قريش إذا أرادت أن تشاور في أمرٍ فتحها لهم عامر بن هاشم بن عبد
مناف بن عبد الدار أو بعض ولده أو ولد أخيه.
ولم تزل بنو عثمان بن عبد الدار يلون الحجابة دون ولد عبد الدار، ثم وليها عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار، ثم وليها أبو طلحة عبد الله بن عبد (4/21)
صفحة 1342
الرائد
العزى بن عثمان بن عبد الدار.
ثم وليها ولده من بعده حتى كان فتح مكة فقبضها رسول الله صلى الله عليه وسلم من أيديهم وفتح الكعبة ودخلها ثم خرج رسول الله من الكعبة مشتملا على المفتاح فقال له العباس بن عبد المطلب:
بأبي أنت وأمي يا رسول الله أعطنا الحجابة مع السقاية فأنزل الله عز وجل على نبيه (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا ...
فتلاها النبي ثم دعا عثمان بن طلحة فدفع إليه المفتاح وقال: غيبوه، قال: خذوها يا بني أبي طلحة بأمانة الله سبحانه واعملوا فيها بالمعروف خالدة تالدة لا ينزعها من أيديكم إلا ظالم".
والمفتاح لا يزال عند ممثل العهدة من بني شيبة وطولها 40 سم، وتحفظ في الحقيبة الحريرية المطرزة بالذهب الخالص والتي يجهزها مصنع الكسوة سنويا ومكتوب عليها: (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا ...
(1) سورة النساء، جزء من الآية (58). (2) الأزرقي، أخبار مكة، ج 1، ص 110. (3) سورة النساء، جزء من الآية (58). (4/22)
صفحة 1343
الرائد
23
المطلب الثالث: كسوة الكعبة
كان أمر كسوة الكعبة المشرفة أمرا معروفا عند العرب، وحافظ عليه
النبي وخلفاؤه الراشدون بعده وهكذا أمراء بني أمية وبني العباس. وبعد دولة بني العباس كانت الكسوة تأتي من مصر أو اليمن، ثم استقر الحال أن تأتي الكسوة من مصر، ووقف الملك الصالح قلاوون ثلاث قرى بنواحي القاهرة لصالح الكسوة، ثم أضاف إليها السلطان سليم خان العثماني سبع قرى أخرى سنة 947 هـ / 1540 م.
بعد ذلك أنشأ محمد علي مصلحة حكومية لصالح الكسوة، فتولت الحكومة المصرية أمر صناعة الكسوة وإرسالها سنويا إلى عام
1343 هـ / 1924 م إذ توقف لظروف طرأت.
بعدها قام الملك عبد العزيز آل سعود بكساء الكعبة وأمر بإنشاء مصنع
للكسوة بمكة المكرمة أنتج أول كسوة سنة 1346 هـ / 1927 م.
والكسوة تنسج من الحرير الطبيعي الخالص المصبوغ باللون الأسود، وزنة الحرير المستخدم 670 كغم، وتتكون الكسوة من خمس قطع، أربع منها تغطي الجهات الأربع للكعبة المشرفة حسب مقاس كل منها، والخامسة هي الستارة التي توضع على الباب وفي الثلث الأعلى من الكسوة حزام كتبت (4/23)
صفحة 1344
الرائد
24
فيه آيات قرآنية.
تكسى الكعبة المعظمة كسوة جديدة في التاسع من ذي الحجة من كل
عام هجري.
المطلب الرابع: الحجر الأسود
هو الحجر المثبت في الركن الجنوبي للكعبة على ارتفاع 1.10 م من أرض المطاف، طوله نحو 25 سم، وعرضه نحو 17 سم، وهو مغروس في جدار الكعبة، وكان قطعة واحدة وتكسر إلى ثماني قطع صغار مختلفة الحجم أكبرها بقدر التمرة الواحدة.
والحجارة مغروسة في حجر آخر كبير عليه طوق من فضة، والحجارة
الثماني هي المقصودة بالتقبيل وليس الحجر الذي حوله).
ويصف الأزرقي مبدأ الحجر الأسود بقوله:
وكان إبراهيم يبني وينقل له إسماعيل الحجارة على رقبته، فلما ارتفع البنيان قرب له المقام فكان يقوم عليه ويبني ويحوله إسماعيل في نواحي البيت
(1) محمد إلياس، تاريخ مكة المكرمة، ص 61.
(2) محمد إلياس، تاريخ مكة المكرمة، ص 42. (4/24)
صفحة 1345
الرائد
(YO)
حتى انتهى إلى موضع الركن الأسود، قال إبراهيم لإسماعيل: يا إسماعيل
أبغني حجرا أضعه هاهنا يكون للناس علما يبتدئون منه الطواف.
فذهب إسماعيل يطلب له حجرا ورجع وقد جاءه جبريل بالح الأسود وكان الله عز وجل استودع الركن أبا قبيس حين غرق الله الأرض زمن نوح، وقال: إذا رأيت خليلي يبني بيتي فأخرجه له، قال: فجاءه إسماعيل فقال له: يا أبه، من أين لك هذا؟ قال: جاءني به من لم يكلني إلى حجرك، جاء به جبريل).
وتعرض الحجر الأسود للسرقة من قبل القرامطة عام 317 هـ / 930 م، وقد روى المؤرخون قصة ذلك ونذكرها على سبيل الاختصار، قال ابن فهد في حوادث عام 317 هـ:
فيها دخل صاحب البحرين أبو طاهر سليمان بن أبي ربيعة القرمطي مكة، وحضر عمر بن الحسن بن عبد العزيز لإقامة الحج خليفة لأبيه، فلم يشعر الناس يوم الاثنين وهو يوم التروية إلا وقد وافاهم أبو طاهر القرمطي في 900 رجل من أصحابه فدخلوا المسجد الحرام وأبو طاهر سكران راكب فرسا له وبيده سيف مسلول فصفّر لفرسه فبال عند البيت.
(1) الأزرقي، أخبار مكة، ج 1، ص 65. (4/25)
صفحة 1346
الرائد
26
وأسرف هو وأصحابه في قتل الحجاج وأسرهم ونهبهم مع هتكه لحرمة البيت وكان الناس يطوفون بالبيت والسيوف تحز رقابهم، حتى قتل بالمسجد الحرام 1700 وهم متعلقون بأستار الكعبة وردم بهم زمزم حتى ملؤوها، وصعد باب الكعبة وهو يقول:
أنا بالله وبالله أنا يخلق الخلق وأفنيهم أنا
وضرب بعض أصحابه الحجر الأسود فتكسر، ولم يقف أحد ذلك العام بعرفة، وأخذ أبو طاهر أموال الناس وحلي الكعبة وهتك أستارها وقسم
كسوتها بين أصحابه، ونهب دور مكة وقلع باب الكعبة.
ثم عاد على الحجر الأسود فقلعه جعفر بن أبي علاج البنا المكي بأمر القرمطي بعد صلاة العصر من يوم الاثنين 14 من ذي الحجة، ثم انصرف إلى بلده هجر حاملا معه الحجر الأسود، وظل موضع الحجر خاليا يضع الناس فيه أيديهم للتبرك.
وفي سنة 339 هـ / 951 م وافى سنبر بن الحسن القرمطي مكة ومعه الحجر الأسود، ولما صار بفناء الكعبة ومعه أمير مكة أظهر الحجر وعليه ضباب فضة قد عملت من طوله وعرضه تضبط شقوقا حدثت عليه بعد اقتلاعه، وأحضر معه جصا يشد به فوضع سنبر الحجر بيده وشده الصانع (4/26)
صفحة 1347
الرائد
ر 27
بالجص.
نظر الناس إلى الحجر فتبينوه وقبلوه واستلموه وحمدوا الله تعالى، وكان
رد الحجر الأسود في موضعه قبل حضور الناس لزيارة الكعبة يوم
يوم النحر،
وكانت مدة بقائه عند القرمطي وأصحابه اثنتين وعشرين سنة إلا أربعة
أيام".
المطلب الخامس: الركن اليماني
مضى بنا الكلام أن الركنين المؤسسين على قواعد إبراهيم # هما ركن
الحجر والركن اليماني، وقد مضى ذكر ركن الحجر الأسود.
وأما الركن اليماني فهو الركن الجنوبي الغربي الذي يسامت ركن
من قبل يمين الحجر فهو على يسار من يستقبل الحجر، وقد سمي هذا الركن
باليماني لكونه على جهة بلاد اليمن.
والآن في الركن اليماني فتحة في ستار الكعبة المشرفة بارتفاع قامة الإنسان
ليتمكن الطائفون من استلامه إذ ذلك سنة كما سيأتي.
(1) ابن كثير، البداية والنهاية، ج 11، ص 160، والفاسي شفاء الغرام، ج 1، ص 363، وباسلامة، تاريخ الكعبة المعظمة، ص 190. (4/27)
صفحة 1348
الرائد
28
المطلب السادس: حجر إسماعيل (الحطيم)
ذكرنا سابقا أن أهل قريش نقصوا من الكعبة لقصور نفقتهم، وما من شك أن ذلك الذي نقصوه من أصل الكعبة فيكون له حكمها، والكعبة الآن قد استقر بناؤها على ما بناه أهل الجاهلية، وهو شمال الكعبة مكشوف على شكل نصف دائرة له، مدخلان كل مدخل عند أحد الركنين الشامي
والعراقي.
أنه
والسابق يسمى حطيها كما قد يسمى حجرا، فتسميته بالحجر على معنى حجر من البيت أي منع منه، وتسميته بالحطيم على معنى أنه محطوم من
البيت أي مكسور منه فعيل بمعنى مفعول كقتيل بمعنى مقتول.
وقيل بل فعيل بمعنى فاعل أي حاطم كالعليم بمعنى عالم، وبيانه فيما جاء في الحديث من دعى على من ظلمه فيه حطمه الله تعالى.
وإليك بعضا من المعلومات التي تصف أطواله:
ارتفاع جدار الحطيم: 1.32 م، وعرضه 1.55 م، والمسافة بين مدخليه م،
(1) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص،11، والعيني، البناية، ج 4، ص 196. (4/28)
صفحة 1349
الرائد
29
8.77 م، وطول تدوير جداره من الخارج 21.57 م.
والظاهر أن بناء إبراهيم للكعبة لم يكن على كل الحجر الموجود الآن بل بعضه من بناء إبراهيم وبعضه ليس من بناء إبراهيم، وأهل تاريخ مكة المكرمة ينصون على أن إبراهيم # جعل بعد الكعبة التي رفع قواعدها عريشا إلى جانبها الشمالي، وكان زربا لغنم إسماعيل.
وأورد كثير من المؤرخين أن إسماعيل # قد دفن في الحجر عند قبر أمه
هاجر (3).
غير أن هؤلاء الذين ذكروا مدفن إسماعيل لم يذكروا لذلك دليلا مرفوعا
أو له حكم الرفع بل هي حكاية فقط مما يجعل أمر الأخذ بها عسيرا. وعلى كل الحجر نفسه من حيث الأصل ليس من البيت الذي أسسه إبراهيم، غير أن قريشا نقصت من البيت شيئا فأدخلته في الحجر.
(1) باسلامة، تاريخ الكعبة المعظمة، ص 199، ومحمد إلياس تاريخ مكة المكرمة، ص 49.
(2) الأزرقي، أخبار مكة، ج 1، ص 65.
(3) الطبري، تاريخ الطبري، ج 1، ص 189، وابن هشام، السيرة النبوية، ج 1، ص 111، وابن الجوزي، المنتظم، ج 1، ص 305، والأزرقي، أخبار مكة، ج 1، ص 86.
(4) باسلامة، تاريخ الكعبة المعظمة، ص 208. (4/29)
صفحة 1350
الرائد
وهذا الذي أنقصته قريش هو الذي أدخله ابن الزبير في الكعبة ثم إن الحجاج هدم ما أضافه ابن الزبير من الجهة الشمالية فقط وأعاد الأمر على بناء
قريش.
وقد اختلفت الروايات في مقدار ما نقصته قريش من البيت وأدخلته مع الحجر، فأفادت روايات بظاهرها أن الحجر كله من البيت كما في حديث الأسود بن يزيد عن عائشة قالت: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الجدر أمن البيت هو؟ قال: نعم، قلت: فما لهم لم يدخلوه في البيت؟ قال: إن قومك قصرت
بهم
النفقة).
ومما يفيد الحكم السابق أيضا أن السيدة عائشة < سألت النبي صلى الله عليه وسلم أن تصلي في الكعبة فأمرها بالصلاة في الحجر لأنه من البيت، وقد جاء الحديث السابق من طرق:
أولها من طريق علقمة عن أمه عن عائشة قالت: كنت أحب أن أدخل البيت فأصلي فيه فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فأدخلني الحجر فقال: إذا أردت دخول البيت فصلي ها هنا؛ فإنما هو قطعة من البيت ولكن قومك اقتصروا
حيث بنوه.
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب فضل مكة وبنيانها (1507). (4/30)
صفحة 1351
الرائد
31
وقد أخرج السابق النسائي واللفظ له، وأبو داود، والترمذي،
وقال: حسن صحيح.
لكن يشكل على كلام الترمذي أمور:
أم علقمة الراوية عن السيدة عائشة اسمها مرجانة، وثقها ابن حبان،
(0)
ونقل الحافظ ابن حجر عن العجلي أنه قال: تابعية مدنية ثقة ولم أجد ذلك
لغيرهما.
وقد روى عنها ابنها علقمة وبكير بن الأشج.
ثانيها: عبد العزيز بن محمد الدراوردي اختلف في توثيقه، فوثقه جماعة
وضعفه آخرون، ولعله ممن يحسن حديثه.
تنبيه: جاء في رواية الأزرقي من طريق إبراهيم بن محمد الشافعي حدثنا
(1) کتاب مناسك الحج، باب الصلاة في الحجر (2912).
(2) كتاب المناسك باب الصلاة في الحجر (2028) (3) کتاب الحج، باب ما جاء في الصلاة في الحجر (876). (4) ابن حبان، الثقات، ج 5، ص 466.
(5) ابن حجر، تهذيب التهذيب، ج 12، ص 500.
(6) المزي، تهذيب الكمال، ج 18، ص 187، وابن حجر، تهذيب التهذيب، ج 6، ص 315. (4/31)
صفحة 1352
الرائد
الدراوردي عن علقمة ابن أبي علقمة عن أبيه عن عائشة، وبين المباركفوري أن في نسخ الترمذي عن علقمة أبيه عن عن عائشة، وأن في نسخ النسائي عن علقمة عن أبيه عن أمه عن عائشة).
ثاني طرق الحديث: أحمد بن سعيد الرباطي قال: حدثنا وهب بن جرير: قال حدثنا قرة بن خالد عن عبد الحميد بن جبير عن عمته صفية بنت شيبة قالت: حدثتنا عائشة قالت: قلت يا رسول الله ألا أدخل البيت؟ قال: ادخلي الحجر؛ فإنه من البيت.
والحديث أخرجه باللفظ السابق النسائي في المجتبى"، ونسبه الحافظ ابن حجر إلى أبي داود، ولم أجد الرواية في سنن أبي داود بعد البحث، وعلى كل ظاهر إسناد النسائي الصحة.
أما ثالث طرق الحديث فهي: حسن ثنا حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن عائشة أنها قالت: يا رسول الله، كل أهلك قد
(1) الأزرقي، أخبار مكة، ج 1، ص 312.
(2) المباركفوري، تحفة الأحوذي، ج 3، ص 524.
(3) کتاب مناسك الحج، باب الصلاة في الحجر (2911). (4) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 443. (4/32)
صفحة 1353
الرائد
33
دخل البيت غيري فقال: أرسلي إلى شيبة فيفتح لك الباب، فأرسلت إليه
فقال شيبة
ما استطعنا فتحه في جاهلية ولا إسلام بليل فقال النبي: صلي في
الحجر؛ فان قومك استقصروا عن بناء البيت حين بنوه.
أخرجه أحمد)، غير أن فيه عللا تقصر به مفردا عن الاحتجاج:
أولها: سعيد بن جبير على علو منزلته لم يسمع من السيدة عائشة". ثانيها: أعله الهيثمي في المجمع باختلاط عطاء بن السائب، وقد
صححوا سماع عطاء بن السائب من حماد بن سلمة قبل اختلاطه.
وجاء ما يفيد أن سعيد بن جبير سمع هذا الحديث من ابن عباس عن عائشة مما يعني زوال الانقطاع وذلك لما روى الطبراني من طريق محمد بن نصر بن حميد قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم الترجماني قال:
حدثنا شعيب بن صفوان عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن
(1) أحمد بن حنبل، المسند، ج 6، ص 67.
(2) أحمد بن حنبل العلل ومعرفة الرجال، ج 3، ص 284، والعلائي، جامع التحصيل
6
ص 182، وابن حجر، تهذيب التهذيب، ج 4، ص 12.
(3) الهيثمي، مجمع الزوائد، ج 3، ص 293. (4/33)
صفحة 1354
الرائد
34
ابن عباس عن عائشة قالت: قلت يا رسول الله كل نسائك قد دخلت البيت غيري قال: فاذهبي إلى قرابتك إلى شيبة فليفتح لك الباب. وقال الطبراني عقبه: لم يرو هذا الحديث عن عطاء بن السائب إلا شعيب
بن صفوان.
وجاء الحديث بسياق أطول من طريق محمد بن عبد الله بن بكر السراج
نا إسماعيل بن إبراهيم الترجماني نا شعيب بن صفوان عن عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن عائشة قالت:
عطاء
بن
السائب
قلت: يا رسول الله، كل نسائك قد دخل البيت غيري، قال: فاذهبي إلى
ذي قرابتك إلى شيبة فليفتح لك الباب فادخليه.
فأرسلت إليه إن نبي الله قد أذن لي أن تفتح لي الباب فأدخله، قال: نبي
الله صلى الله عليه وسلم أمرك بذاك؟ قلت: نعم.
فأخذ المفاتيح فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أمرت عائشة أن يفتح لها الباب؟ قال: نعم، قال: لا والله ما فتحته في جاهلية ولا إسلام بليل قط،
قال:
(1) الطبراني، المعجم الأوسط، ج 5، ص 224. (4/34)
صفحة 1355
الرائد
35
فانظر ما كنت تصنع فافعله، وما كنت لا تفعل فلا تفعله، واذهبي أنت
يا عائشة فصلي ركعتين في الحجر؛ فإن طائفة منه من البيت، وإن قومك
قصرت بهم
النفقة فتركوا طائفة من البيت.
(1)
والحديث أخرجه أبو بكر الإسماعيلي والطبراني وقال عقبه: لم يرو هذا
الحديث عن عطاء بن السائب إلا شعيب بن صفوان.
ومع
تفرد شعيب بن صفوان بالرواية هو ممن لا يحتمل التفرد فضلا عن
مخالفة الثقات، فقد قال ابن معين: ليس بشيء، الترجماني يروي عنه وليس
يبالي عمن روى، وقال أبو حاتم يكتب حديثه ولا يحتج به.
وقال ابن عدي عامة ما يرويه لا يتابعه عليه أحد، ذلك فقد
ومع
أورده ابن حبان في الثقات وقال يخطئ، وقول من ذكرنا من الجارحين:
مقدم على كلام ابن حبان.
ومن السابق تكون رواية من روى دون ذكر السيدة عائشة أولى فيعل
(1) الإسماعيلي، معجم شيوخ أبي بكر الإسماعيلي، ج 1، ص 443.
(2) الطبراني، المعجم الأوسط، ج 7، ص 138.
(3) ابن أبي حاتم الجرح والتعديل، ج 4، ص 348.
(4) ابن حبان، الثقات، ج 6، ص 440. (4/35)
صفحة 1356
الرائد
الحديث بالانقطاع.
36
ولأبي عوانة من طريق قتادة عن عروة عن عائشة ولأحمد من طريق
سعيد بن جبير عن عائشة وفيه أنها أرسلت إلى شيبة الحجبي ليفتح لها البيت بالليل فقال: ما فتحناه في جاهلية ولا إسلام بليل.
وهذه الروايات كما رأيت مطلقة تفيد أن الحجر كله من البيت، وبذلك كان يفتي ابن عباس الله كما في حديث عبد الرزاق عن أبيه عن مرثد بن شرحبيل قال سمعت ابن عباس يقول: لو وليت من البيت شيئا لأدخلت الحجر فيه كله فلم يطف من ورائه).
غير أنه جاءت روايات تفيد أنه لم يكن الحجر كله من البيت، وقد اختلفت في التقدير، ففي رواية عن السيدة عائشة أنها خمس أذرع"، وقد
تقدم لفظ الرواية.
وجاء في رواية ستة أذرع كما في حديث يزيد بن رومان عن عروة عن
عائشة < أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها:
(1) عبد الرزاق، المصنف، ج 5، ص 57.
(2) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب نقض الكعبة وبنيانها (1333). (4/36)
صفحة 1357
الرائد
37
يا عائشة لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم
فأدخلت
فيه ما أخرج منه، وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين بابا شرقيا
وبابا غربيا فبلغت به أساس إبراهيم.
فذلك الذي حمل ابن الزبير الله الله على هدمه.
قال يزيد وشهدت ابن الزبير حين هدمه وبناه وأدخل فيه من الحجر،
وقد رأيت أساس إبراهيم حجارة كأسنمة الإبل، قال جرير: فقلت له: أين
موضعه؟
قال: أريكه الآن، فدخلت معه الحجر فأشار إلى مكان فقال: ها هنا، قال
جرير: فحزرت من الحجر ستة أذرع أو نحوها.
وجاء الحكم السابق دون الشك الذي في آخره من حديث محمد بن حاتم حدثني ابن مهدي حدثنا سليم بن حيان عن سعيد بن ميناء قال:
سمعت عبد الله بن الزبير يقول: حدثتني خالتي - يعني عائشة قالت:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بشرك لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض، وجعلت لها بابين بابا شرقيا وبابا غربيا، وزدت
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب فضل مكة وبنيانها (1509). (4/37)
صفحة 1358
الرائد
38
فيها ستة أذرع من الحجر؛ فإن قريشا اقتصرتها حيث بنت الكعبة.
وجاء في رواية قريبا من سبعة أذرع كما في حديث ابن جريج
قال:
سمعت عبد الله بن عبيد بن عمير والوليد بن عطاء يحدثان عن الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، قال عبد الله بن عبيد:
وفد الحارث بن عبد الله على عبد الملك بن مروان في خلافته فقال عبد
الملك: ما أظن أبا خبيب - يعني ابن الزبير - سمع من عائشة ما كان يزعم
سمعه منها.
أنه
قال الحارث: بلى أنا سمعته منها، قال: سمعتها تقول ماذا؟ قال: قالت: قال رسول الله:
إن قومك استقصروا من بنيان البيت ولولا حداثة عهدهم بالشرك أعدت ما تركوا منه، فإن بدا لقومك من بعدي أن يبنوه فهلمي لأريك ما تركوا منه فأراها قريبا من سبعة أذرع".
وللسابق حكم جماعة باضطراب الرواية وذهبوا إلى أن الحجر
کله
من
(1) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب نقض الكعبة وبنيانها (1333). (2) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب نقض الكعبة وبنيانها (1333). (4/38)
صفحة 1359
الرائد
39
البيت، وأيدوا قولهم السابق بأن النبي ثبتت الروايات عنه أنه كان يطوف من وراء الحجر.
ولم يأت أنه أو أحد من أصحابه كانوا يطوفون بعد الستة أذرع أو السبعة
المذكورة مما يفيد أن الحجر كله من البيت.
ويعترض على هؤلاء في استدلالهم السابق بأن الاضطراب الذي يقضي
بطرح الرواية هو الذي لا يمكن معه الجمع بين الروايات المختلفة، أما إمكان الجمع بينها فلا يصح أن يصار إلى إلغاء أدلة
الشارع.
مع
وقد جمع بين مختلف الروايات السابقة بأمر وهو أن الروايات جاءت
هي
بلفظ ليس فيه قطع وقد تفاوتت بين الستة أذرع وسبعة فيقال إن المسافة كذلك، غير أن النص النبوي للمسافة كان ستة أذرع، وما بقي فتخمين من
الرواة.
ومما يؤيده أن الذراع يختلف من شخص لآخر، كما أن التخمين والحدس لا ينضبط بضابط فيكون من السائغ فيه الاختلاف اليسير كما هو الحال
في الروايات السابقة.
(1) النووي، المجموع، ج 8، ص 27، وابن جماعة هداية السالك، ج 3، ص 938. (4/39)
صفحة 1360
الرائد
(2.)
والروايات التي زادت على الستة أذرع لا تعود على تلك التي فيها النص
على الستة بالإبطال فهي غير قاطعة بل الحدس والتخمين بين فيها. أما رواية خمسة الأذرع فهي حقا تعارض رواية الستة لذا حكم بعض
الأئمة بشذوذها، وذلك ما لا محيص من القول به.
فقال:
وجمع
الحافظ ابن حجر في الفتح بين هذه الرواية وغيرها من الروايات
ظهر لي لرواية عطاء وجه وهو أنه أريد بها ما عدا الفرجة التي بين الركن والحجر فتجتمع مع الروايات الأخرى؛ فإن الذي عدا الفرجة أربعة أذرع
وشيء.
ولهذا وقع عند
الفاكهي من حديث أبي عمرو ابن عدي بن الحمراء أن
النبي
قال لعائشة في هذه القصة:
ولأدخلت فيها من الحجر أربعة أذرع، فيحمل هذا على إلغاء الكسر،
ورواية عطاء على جبره، ويجمع بين الروايات كلها بذلك ولم أر من سبقني
(1) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 443. (4/40)
صفحة 1361
الرائد
إلى ذلك.
وكلام الحافظ ابن حجر حسن أن لو كانت الرواية في موضعين أو من قائلين مختلفين، لكن يعكر عليه أن القائل واحد وفي موضع واحد مما يستلزم أن يكون اللفظ المقول واحدا، وما عداه لم يقل مما يعني شذوذه على أقل
تقدير.
نعم يمكن القول به في الروايات الأخرى التي اختلف المقدرون فيها أما رواية عطاء فهي نفسها رواية سعيد بن نفسها رواية سعيد بن ميناء عن عبد الله بن الزبير مما يجعل من العسير الأخذ بجمع
الحافظ ابن حجر.
وأما رواية الفاكهي التي فيها أربعة أذرع فأخرجها في أخبار مكة ولكنها
غير مسندة).
أما الدليل الآخر الذي استدل به القائلون بأن الحجر كله من الكعبة لأن النبي طاف خارجه ولم يدخله في شيء من طوافه فيرده أن ذلك لا يستلزم كونه كله من الكعبة إذ قد يطوف خارجه وهو غير داخل في الكعبة ولا مانع من ذلك في الشرع ولا العقل.
(1) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 443. (2) الفاكهي، أخبار مكة، ج 5، ص 228. (4/41)
صفحة 1362
الرائد
ثم إن الحجر كان محاطا بجدار ومن العسير تسلق الجدار عند كل طواف فكيف إن علمنا أن فعله تشريع تمضي عليه الأمة بعده، لا شك بأن في ذلك حرجا كبيرا جدا، وقد خرج من الكعبة كارها خشية أن تدخل المشقة على الأمة بدخولهم فيها؛ لأن من الفعل الذي قام به هو دخولها.
وفوق التوجيهات السابقة يكون تعارض الأدلة المذكورة بين عبارة نص الرواية التي فيها بيان أن الذي من الكعبة ستة أذرع وبين إشارة نص الرواية التي فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف خارج الحجر.
دلالة الإشارة هي
ومعلوم من الاتفاق أن دلالة العبارة مقدمة على دلالة الإشارة؛ لأن دلالة اللفظ على معنى أو حكم غير مقصود للشارع لا أصالة ولا تبعا لكنه لازم عقلي ذاتي متأخر للمعنى الذي سيق أو شرع النص من أجله.
ومنه يقدم الحكم الثابت بالعبارة على الثابت بالإشارة؛ لأن الحكم الثابت بالعبارة يكون هو المقصود أولا وبالذات، والكلام قد سيق لأجله أصالة أو تبعا، أما الحكم الثابت بالإشارة فلم يسق الكلام لأجله لا أصالة (4/42)
صفحة 1363
الرائد
ولا تبعا، وما كان مقصودا من السياق أقوى مما ليس بمقصود من السياق.
أما حديث عائشة الذي فيه أن الحجر من البيت حينما أرادت أن تصلي
داخل الكعبة فمجمل بينه حديثها الذي فيه النص على أن الذي من
هو ستة أذرع فقط أو تزيد قليلا، ومعلوم من الاتفاق أن المبين من مقدم على المجمل.
البيت
الأدلة
ولو كان حديث سعيد بن جبير عن عائشة الذي سبق ذكره - ثابتا لكان فيه دليل قوي على أن الحجر ليس كله من البيت فإنه قال: فإن طائفة من الحجر من البيت، والمفهوم المخالف لذلك أن طائفة أخرى منه ليست من البيت، ولكن يشكل عليه ضعفه الذي بيناه مما يسقط حجيته.
ومن السابق يتبين أن الجدار المعمول الآن لحجر إسماعيل ليس كله من البيت بل بعضه من البيت وهو مقدار ستة أذرع، وما بقي فهو من حجر إسماعيل الذي نقلنا عن المؤرخين قصة مبدئه.
وقد اختلف الفقهاء أيصح طواف من خلى بينه والبيت سبعة أذرع أو لا يصح، وهذا أمر نعرض له عند الحديث عن واجبات الطواف وشروطه إن
(1) الدريني، المناهج الأصولية، ص 372.
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 140، وابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 448، القطب، كشف الكرب، ج 2، ص 112، والزرقاني، شرح الموطأ، ج 2، ص 402. (4/43)
صفحة 1364
الرائد
44
شاء الله.
المطلب السابع: شادروان الكعبة
هو البناء المسنم بأسفل جدار الكعبة مما يلي أرض المطاف ما عدا جهة الحطيم، وما كان منه في جهة الحطيم يسمى عتبة الحطيم.
وحجارة الشاذروان من الرخام القوي الصلب من أنفس حجارة
المرمر، وقد ثبتت فيها 43 حلقة نحاسية لربط حبال كسوة الكعبة). وللفقهاء خلاف هل الشاذروان المذكور من أصل الكعبة أو ليس هو
من أصل الكعبة.
قال جماعة: إن الشاذروان من أصل الكعبة، وقد نقصه مشركو قريش من الكعبة المشرفة مع ما نقصوا من جهة الحطيم"، وقد تقدم بيان ذلك.
(1) النووي، تهذيب الأسماء واللغات، ج 3، ص 62، وابن الضياء، البحر العميق، ج 2، ص 1225، والقطب، كشف الكرب، ج 2، ص 112.
6
(2) محمد إلياس تاريخ مكة المكرمة، ص 51
(3) الشافعي، الأم، ج 2، ص 177، والمزني، المختصر، ص 67، خليل بن إسحاق، مختصر
خليل، ص 76، والنووي، المجموع، ج 8، ص 25، وابن تيمية، شرح العمدة، ج 3، ص (4/44)
صفحة 1365
الرائد
واستدل هؤلاء لقولهم بأن المشركين قد ضيقوا عرض الجدار من الركن الأسود إلى الشامي الذي يليه فبقي من الأساس شبه الدكان مرتفعا وهو الذي يسمى بالشاذروان.
وذهب آخرون إلى أن الشاذروان ليس من أصل الكعبة فلا
الطواف عليه).
حرج في
ودليل هذا القول الأخير أنه لم يأت شيء من النصوص الشرعية يحكم بكون الشاذروان من أصل الكعبة وأن ما جاء من ذلك ناص على أن المشركين ما نقصوا إلا من جهة الحجر فقط وبمقدار ستة أذرع كما تقدم ذكر الروايات المختلفة في ذلك، فقول القائلين إنه من البيت دعوى ليس لهم ما يسندها من النصوص الشرعية؛ لذا يسقط دليلهم الذي استدلوا به.
ثم إن من المعلوم كما تقدم أن ابن الزبير لما بنى الكعبة بناها على
594، والعبدري، التاج والإكليل، ج 3، ص 70، والبهوتي، كشاف القناع، ج 2، ص
482، والقطب، كشف الكرب، ج 2، ص 112
(1) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 391.
(2) ابن تيمية مجموع الفتاوى، ج 26، ص 121، وابن الهمام، فتح القدير، ج 2، ص 494، وابن جماعة هداية السالك، ج 3، ص 940، وابن، الضياء البحر العميق، ج 2، ص
1226، وابن عابدين رد المحتار، ج 2، ص 496. (4/45)
صفحة 1366
الرائد
(ET)
قواعد إبراهيم # كما هو اتفاق المؤرخين، والحجاج ابن يوسف ما أزال من بناء ابن الزبير إلا حجر إسماعيل وباقي الأركان تركها كما هي، وهي الموجودة في زمن الناس هذا على ما تركها الحجاج.
وهذا يفيد أن البيت الآن من حيث أركانه - إلا ركن الحطيم - من البيت
على قواعد إبراهيم، وما من شك أن الشاذروان خارج من البيت الآن مما يعني أنه ليس من الكعبة التي أسست على قواعد إبراهيم
#
ثم إن كون الشاذروان من البيت أمر تستدعي الأحوال أن ينبه النبي صلى الله عليه وسلم عليه؛ إذ إن الوقوع فيه أو المرور عليه ولو بهوائه أمر تعم به البلوى خاصة في ركن الحجر الأسود الذي يأتيه الناس عند كل طوفة.
وذلك يستلزم كونهم مروا ببعض أجسادهم في الكعبة مما يجعل طوافهم غير صحيح، ولو كان الأمر كما ذكر لنبه النبي عليه، ولما لم ينبه ظهر أن الشاذروان ليس من أصل الكعبة).
ومن المستقر كذلك كما تقدمت الإشارة إليه- أن الركنين اليمانيين الحجر واليماني مما أسس على قواعد إبراهيم، فمكانهما هو نفسه الذي كان في
(1) ابن جماعة، هداية السالك، ج 3، ص 940، ابن الضياء البحر العميق، ج 2، ص 1227. (2) ابن جماعة، هداية السالك، ج 3، ص 940. (4/46)
صفحة 1367
الرائد
47
زمان إبراهيم، ولو قيل إن الشاذروان من البيت للزم من ذلك أن الركنين الآن ليسا على قواعد إبراهيم #.
وقد يعترض على ذلك بأنهما من الكعبة التي بناها إبراهيم # وإن تزحزح إلى الوراء قليلا.
ويرد على ذلك بأن ذلك هو الحال في الركنيين الشامي والعراقي، وقد تقدم من قبل أن ابن عمر له استنبط علة عدم تقبيل الركنين الشامي والعراقي من كونهما مبنيين على غير قواعد إبراهيم # مع أنهما من البيت
اتفاقا.
المطلب الثامن: مقام إبراهيم
ورد ذكر مقام إبراهيم في الكتاب العزيز والأمر بأن يتخذ مصلى وذلك في قوله تعالى: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمَنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى، كما قرر الكتاب العزيز أن مقام إبراهيم من الآيات البينات كما في
قلے
قوله تعالى: {فِيهِ آيَتُ بَيِّنَتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى
النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ
(1) سورة البقرة، الآية (125). (4/47)
صفحة 1368
الرائد
الْعَلَمِينَ).
48
وقد اختلف أهل العلم في مقام إبراهيم المذكور، فمنهم من قال إن مقام
إبراهيم هو الحرم كله، ومنهم من قال إنه عرفة والمزدلفة والجمار.
ومنهم من قال إنه الحج، كله وأشهر الأقوال التي أخذ بها أكثر أهل العلم واستقر الرأي عليها هو أن مقام إبراهيم هو الحجر الذي فيه أثر قدمي
إبراهيم
#
ومما يدل على السابق مع دليل استقرار الاجتهاد عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم سماه مقام إبراهيم كما في حديث جابر بن عبد الله في وصف حجة النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال: .. حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا ثم نفذ إلى مقام إبراهيم عليه السلام فقرأ: واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى" فجعل المقام بينه وبين البيت".
(1) سورة آل عمران الآية (97)
(2) الطبري، تفسير الطبري، ج 1، ص 535، والزمخشري الكشاف، ج 1، ص 212، والرازي، مفاتيح الغيب، ج 4، ص،44، والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 2،
ص 112، وابن جماعة هداية السالك، ج 4، ص 1486.
(3) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب: حجة النبي صلى الله عليه وسلم (1218). (4/48)
صفحة 1369
الرائد
والمقام -كما تقدم - حجر به أثر قدمي إبراهيم #، وقد كان الحال في أول الأمر أن آثار الأصابع بادية فيه لكن انمحت بسبب تمسح الناس به وللعوادي التي مرت به كما يقول من رآه.
وقال بعض الفقهاء إن الحفر التي تظهر الآن على مقام إبراهيم ليست بأثر للقدمين؛ لأن المعروف من الناحية التاريخية أن أثر القدمين قد زال منذ أزمنة متطاولة، ولكن حفرت هذه أو صنعت للعلامة فقط، ولا يمكن أن نجزم بأن هذا الحفر هو موضع قدمي إبراهيم عليه الصلاة والسلام".
وقد اختلفت الروايات في مبدئه فجاء بعضها مفيدا أنه الحجر الذي كان يقوم عليه إبراهيم عند بناء الكعبة كما يقول ابن عباس إنه جاء إبراهيم فوجد إسماعيل قاعدا تحت دوحة إلى ناحية البئر يبري نبلا له فسلم عليه ونزل إليه فقعد معه وقال: يا إسماعيل إن الله قد أمرني بأمر.
قال إسماعيل: فأطع ربك فيما أمرك، قال إبراهيم: أمرني أن أبني له بيتا، قال إسماعيل: ابنِ، قال ابن عباس: فأشار له إبراهيم إلى أكمة بين يديه مرتفعة على ما حولها يأتيها السيل من نواحيها ولا يركبها.
(1) الطبري، جامع البيان، ج 1، ص 537، وابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج 1، ص 171. (2) ابن عثيمين مجموع الفتاوى، ج 22، ص 411. (4/49)
صفحة 1370
الرائد
قال: فقاما يحفران عن القواعد يرفعانها ويقولان: ربنا تقبل منا إنك أنت
السميع العليم، ربنا تقبل منا إنك سميع الدعاء.
وإسماعيل يحمل الحجارة على رقبته والشيخ إبراهيم يبني، فلما ارتفع
البنيان وشق على الشيخ تناوله قرب إليه إسماعيل هذا الحجر فجعل يقوم
عليه ويبني ويحوله في نواحي البيت حتى
انتهى.
يقول ابن عباس: فذلك مقام إبراهيم وقيامه عليه).
ومن الروايات ما يفيد أنه الحجر الذي كانت زوجة إسماعيل وضعته
تحت قدم إبراهيم حين غسلت رأسه فوضع إبراهيم رجله عليه وهو راكب
فغسلت شقه
ثم
دفعته من
تحته وقد غابت رجله في الحجر فوضعته تحت
الشق الآخر فغسلته فغابت رجله أيضا فيه فجعلها الله من شعائره".
موضع المقام من البيت العتيق
استقر موضع مقام إبراهيم الآن خارجا من الكعبة في جهة بابها، لكن
للعلماء خلافا في موضع المقام في زمان النبي، وهذا الخلاف ما
هو إلا
(1) الطبري، جامع البيان، ج 13، ص 232 وعبدالرزاق، المصنف، ج 5، ص 110،
والأزرقي، أخبار مكة، ج 2، ص 32.
(2) الطبري، جامع البيان، ج 1، ص 537. (4/50)
صفحة 1371
الرائد
خلاف في الروايات الواردة فنأتي بالروايات ثم نذكر ما قيل فيها.
الرواية الأولى:
المقام منذ زمن إبراهيم # في الموضع الذي هو عليه الآن، وقد احتمله
سيل زمن الفاروق فرده إلى موضعه السابق.
ويدل على السابق حديث كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة السهمي عن أبيه عن جده قال:
كانت السيول تدخل المسجد الحرام من باب بني شيبة الكبير قبل أن
يردم عمر بن الخطاب الردم الأعلى، وكان يقال لهذا الباب باب السيل.
قال: فكانت السيول ربما دفعت المقام عن موضعه، وربما نحته إلى وجه الكعبة حتى جاء سيل في خلافة عمر بن الخطاب لا يقال له سيل أم نهشل، بأم نهشل أنه ذهب بأم نهشل ابنة عبيدة بن أبي أحيحة سعيد بن سمي
وإنما
العاصي فماتت فيه فاحتمل المقام من موضعه هذا فذهب به حتى وجد بأسفل مكة، فأتي به فربط إلى أستار الكعبة في وجهها.
وكتب في ذلك إلى عمر فأقبل عمر فزعا فدخل بعمرة في شهر رمضان وقد عفاه السيل فدعا عمر بالناس فقال: أنشد الله عبدا عنده علم
في هذا المقام؟ (4/51)
صفحة 1372
الرائد
فقال المطلب بن أبي وداعة السهمي: أنا يا أمير المؤمنين عندي ذلك، فقد كنت أخشى عليه هذا فأخذت قدره من موضعه إلى الركن، ومن موضعه إلى
باب الحجر، ومن موضعه إلى زمزم بمقاط وهو عندي في البيت.
فقال له عمر: فاجلس عندي وأرسل إليها فأتى بها فمدها فوجدها مستوية إلى موضعه هذا فسأل الناس وشاورهم فقالوا: نعم هذا موضعه،
فلما استثبت ذلك عمر ه وحق عنده أمر به.
والحديث أخرجه الأزرقي في أخبار مكة، وقال الحافظ ابن حجر
والمباركفوري: أسانيده صحيحة".
و مما يؤيد ذلك قول جابر بن عبد الله الله يوم وصف حجة النبي:
. حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا ثم نفذ إلى مقام إبراهيم عليه السلام فقرأ: "واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى" فجعل المقام بينه وبين البيت".
وثاني الروايات يقضي بأن المقام كان ملصقا بالكعبة غير أن عمر بن
(1) الأزرقي، أخبار مكة، ج 2، ص 33.
(2) ابن حجر، فتح الباري، ج 1، ص 499، والمباركفوري، تحفة الأحوذي، ج 3، ص 508.
(3) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب: حجة النبي صلى الله عليه وسلم (1218). (4/52)
صفحة 1373
الرائد
الخطاب الله هو الذي نقله من مكانه.
وهذا القول مروي عن بعض صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم السيدة عائشة، وروى عبد الرزاق عن ابن جريج قال سمعت عطاء وغيره من أصحابنا يزعمون أن عمر أول من رفع المقام فوضعه موضعه الآن، وإنما كان في قبل
الكعبة).
وروى الفاكهي عن الزبير بن أبي بكر قال: ثنا يحيى بن محمد بن ثوبان عن سليم عن ابن جريج عن عثمان بن أبي سليمان عن سعيد بن جبير أنه قال: كان المقام في وجه الكعبة، وإنما قام عليه إبراهيم حين ارتفع البنيان فأراد أن يشرف على البناء، قال: فلما كثر الناس خشي عمر بن الخطاب له أن يطئوه بأقدامهم فأخرجه إلى موضعه هذا الذي هو به اليوم حذاء موضعه الذي كان به قدام الكعبة).
وقال الحافظ ابن حجر: أخرج البيهقي عن عائشة مثله بسند قوي ولفظه أن المقام كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وفي زمن أبي بكر ملتصقا بالبيت ثم أخره عمر، وأخرج ابن مردويه بسند ضعيف عن مجاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم هو
(1) عبد الرزاق، المصنف، ج 5، ص 48. (2) الفاكهي، أخبار مكة، ج 1، ص 454. (4/53)
صفحة 1374
الرائد
الذي حوله.
ما استقر عليه أمر المقام حديثا
قام الشيخ محمد طاهر الكردي (ت 1400 هـ/ 1980 م) بوصف لمقام إبراهيم حين فتح له المقام سنة 1367 هـ فقال واصفا: لقد وجدنا حجر مقام إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام مثبتا فوق قاعدة صغيرة من الرخام المرمر بقدر قياس نفس المقام الشريف طولا وعرضا.
وأما ارتفاعها فثلاثة عشر سنتيمترا، وأما مقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام فهو حجر لونه ما بين الصفرة، والحمرة وهو إلى البياض أقرب،
ويمكن أن يحمله أضعف الرجال، وهو حجر وليس بصوان.
وأما
حجم حجر المقام الكريم فهو يشبه المكعب، ارتفاعه عشرون سنتميترا، وطول كل ضلع من أضلاعه الثلاثة من جهة سطحه ستة وثلاثون سنتيمترا، وطول ضلعه الرابع ثمانية وثلاثون سنتيمترا، فيكون مقدار محيطه من جهة السطح 146 سنتيمترا.
وفي هذا الحجر الشريف غاصت قدما خليل الله إبراهيم عليه الصلاة
(1) ابن حجر، فتح الباري، ج 8، ص 169. (4/54)
صفحة 1375
الرائد
والسلام مقدارا كبيرا إلى نصف ارتفاع الحجر، فعمق إحدى القدمين 10 سم، وعمق الثانية 9 سم .... ، وطول كل واحدة من القدمين من سطح الحجر والفضة 27 سم، وعرض كل واحدة منهما 14 سم.
أما قياسهما من باطن القدمين من أسفل الفضة النازلة فيهما فطول كل واحدة منهما 22 سم، وعرض كل واحدة منهما 11 سم، وما بين القدمين فاصل مستدق نحو اسم.
وحجر المقام كله ملبس بالفضة الخالصة فلا تظهر حقيقة الحجر لكن هيئة أثر القدمين واضحة بينة لم تتغير ولم تتبدل وتبقى كذلك والله أعلم إلى يوم القيامة".
ومقام إبراهيم السابق موضوع ضمن صندوق فضي، وبني عليه مقصورة بمساحة 6 م 3 م، أي،18 م، وهذا البناء في وسط المطاف يعوق الحركة ويسبب زحاما، فقامت رابطة العالم الإسلامي بدراسة تقترح بها إزالة المقصورة السابقة ووضع غطاء زجاجي فوق المقام لإفساح مكان أكبر
للطائفين.
ونفذ الاقتراح السابق بعد موافقة ملكية بتاريخ 1387/ 7/18 هـ
(1) سائد بكداش، فضل الحجر الأسود ومقام إبراهيم، ص 118 (4/55)
صفحة 1376
الرائد
56
الموافق 21/ 10 / 1967 م ووضع المقام داخل غطاء من الكريستال الفاخر 10/ 21/
مع حاجز حديدي وقاعدة رخامية مساحتها الإجمالية 180 سم 130 سم والذي يكون 2.34 م، وعليه تكون المساحة التي توفرت للمطاف 15.6 م. وجددت المقصورة في عهد الملك فهد بن عبد العزيز فغير الهيكل المعدني إلى هيكل نحاسي جديد، وشبكه الداخلي مطلي بالذهب، ومن الخارج زجاج شفاف مقاسه 10 مم مقاوم للحرارة والكسر، وتم تغيير كسوة القاعدة الخرسانية من الجرانيت الأسود إلى رخام أبيض محلى بجرانيت أخضر ليماثل
أرضية المطاف بتاريخ 21/ 1418/10 هـ.
(1) محمد إلياس، تاريخ مكة المكرمة، ص 75. (4/56)
صفحة 1377
الرائد
المبحث الثاني: آداب دخول المسجد الحرام
المساجد بيوت الله في أرضه وهي أسواق الآخرة التي تناجي فيها
الأرواح باريها، ولمنزلتها العظمى في الشريعة الإسلامية جعل لها من الأحكام ما يميزها عن غيرها.
والمسجد الحرام يتأدب فيه بما يتأدب به في عموم المساجد إلا أن له آدابا خاصة به يشرع لمن دخله أن يأتيها، ونحن هنا نبين عموم الآداب في المساجد كلها بشيء من الاختصار، ثم نعرج على تفصيل الآداب الخاصة بالمسجد
الحرام فنذكرها مبينين أدلة كل أدب.
المطلب الأول: الآداب العامة
الأدب الأول: تقديم الرجل اليمنى عند الدخول
ولا أعلم للسابق نصا خاصا به من الكتاب أو السنة، غير أن الاتفاق حاصل على القول به.
وعلته أن التيامن مستحب في كل أمر شريف كما هو معلوم من مجموع أحوال النبي صلى الله عليه وسلم وتصرفاته، وقد قالت السيدة عائشة د: كان النبي صلى الله عليه وسلم
(1) ابن جماعة، هداية السالك، ج 3، ص 906، والسالمي، معارج الآمال، ج 6، ص 76. (4/57)
صفحة 1378
الرائد
58
يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله.
ولكنا مع هذا الأصل العام لا نجرؤ على القول إن نفس الدخول داخلة في عموم
باليمنى من الرجلين من السنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم بل هي تفضيل التيامن في معالي الأمور.
وقال جماعة من الفقهاء إنه يشرع لمن خرج من المسجد أن يقدم رجله اليسرى، ولا أعلم دليلا يسوغ القول بهذا غير الذكر السابق من قبل الفقهاء. والذي يتوجه أن الخروج من المسجد ليس هو من أسافل الأمور حتى تقدم الشمال عند الخروج منه، أفلا جعلوه كالبيت تقدم اليمنى من الرجلين فيه دخولا وخروجا، خاصة إن علمنا أنه ليس هناك نص شرعي في القضية.
والتقديم السابق لليمنى يشرع عند دخول المسجد الحرام"؛ إذ هو
مسجد يستحب له ما يستحب لبقية المساجد.
وهذا الدخول باليمني يكون عند أول باب يدخل منه المسجد على ما
استقرت عليه آخر التوسعات للمسجد
(1) أخرجه البخاري في كتاب: الوضوء، باب: التيمن في الوضوء والغسل (166). (2) الصائغي، لباب الآثار، ج 4، ص 42. (4/58)
صفحة 1379
الرائد
وكون الفقهاء يستحبون الدخول من باب بني شيبة كما سيأتي لا يعني أن الدخول من الباب السابق يكون باليمنى إذ الباب السابق موضعه الآن داخل المسجد فدخوله فيه بيمناه أو يسراه سيان، وهم قالوا بذلك في زمانهم قبل أن يوسع المسجد الحرام ويكون باب بني شيبة من المسجد لا
حدا له.
الأدب الثاني: ذكر الله والدعاء عند دخول المسجد والخروج منه يشرع لمن دخل المسجد ذكر الله تعالى، وقد وردت ألفاظ كان النبي صلى الله عليه وسلم
يذكر بها ربه عند دخوله المسجد أو أنه كان يأمر بها، ومن ذلك حديث: عبد الملك بن سعيد بن سويد قال سمعت أبا حميد أو أبا أسيد الأنصاري يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي، ثم ليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، فإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك.
وجاء ذكر آخر من حديث حيوة بن شريح قال: لقيت عقبة بن مسلم فقلت له: بلغني أنك حدثت عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم
(1) أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب فيما يقوله الرجل عند دخوله المسجد (465). (4/59)
صفحة 1380
الرائد
أنه كان إذا دخل المسجد قال:
أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان
الرجيم، قال: أقط قلت: نعم، قال: فإذا قال ذلك قال الشيطان حفظ
سائر اليوم.
الأدب الثالث: صلاة ركعتين قبل أن يجلس
مني
وهاتان الركعتان شرعتا تعظيما للمسجد، وتمييزا له عن سائر بقاع الأرض، وقد جاء الأمر بهما أو النهي عن الجلوس قبل إتيانهما في غير
حديث، ومن ذلك حديث
عمرو بن سليم الزرقي سمع أبا قتادة بن ربعي الأنصاري قال: قال صلى الله عليه وسلم
النبي: إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين".
وهذا النهي يفيد أن المكلف إن دخل المسجد ولم يبق وقت يصلي فيه تحية المسجد فإنه ينهى عن الجلوس حتى يصليهما فيبقى واقفا، ولا ضير عليه في ذلك ما دام ملتزما أوامر محمد بن عبد الله.
(1) أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب: فيما يقوله الرجل عند دخوله المسجد (465). (2) أخرجه البخاري في باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى (1110). (4/60)
صفحة 1381
الرائد
والنبي صلى الله عليه وسلم أمر سليكا الغطفاني أن يأتي بهما والنبي يخطب كما في حديث عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله قال: جاء رجل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب الناس يوم الجمعة فقال: أصليت يا فلان؟ قال: لا، قال: قم فاركع
ركعتين).
وهذا يفيد أن الإنسان يشرع له أن يأتي بركعتي تحية المسجد ولو جلس
خلافا لما يقوله جماعة من الفقهاء إن وقتهما يفوت بالجلوس.
وهاتان الركعتان يستثنى منهما المسجد الحرام فالمستحب لمن دخل المسجد أن لا يعرج على شيء قبل الطواف بالبيت، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه كان يفعل ذلك كما يفيده حديث جابر بن عبد الله به إذ قال واصفا حالهم مع النبي الله يوم حجة الوداع: حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا".
(1) أخرجه البخاري في كتاب الجمعة، باب: إذا رأى الإمام رجلا جاء وهو يخطب أمره أن
يصلي ركعتين (888).
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 126، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 182، والعيني،
البناية، ج 4، ص
190
(3) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب: حجة النبي صلى الله عليه وسلم (1218). (4/61)
صفحة 1382
الرائد
كما جاء وصف السابق من كلام السيدة عائشة كما في حديث: محمد بن عبد الرحمن بن نوفل القرشي أنه سأل عروة بن الزبير فقال: قد حج النبي فأخبرتني عائشة أنه أول شيء بدأ به حين قدم أنه توضأ ثم طاف
بالبيت.
لكن إن كان لا يريد الطواف أو لا يمكنه حينها أو شغلت ذمته بأمر أولى من الطواف حال تزاحمهما على الذمة شرع له أن يركع ركعتي تحية المسجد الواردة في هذا الحديث كما سيأتي تفصيل ذلك.
المطلب الثاني: الآداب الخاصة بالمسجد الحرام
ذكرنا فيما تقدم من المطلب الأول طرفا من الآداب التي تشرع لكل داخل إلى المساجد ومنها المسجد الحرام، وثمة آداب أخر شرعت خاصة
بالمسجد الحرام نذكرها بأدلتها.
الأدب الأول: الدخول من باب بني شيبة
مما يستحب للداخل إلى المسجد الحرام - على رأي جماعة من الفقهاء-
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب الوضوء في الطواف (1560). (4/62)
صفحة 1383
الرائد
63
الدخول من باب بني شيبة، كما حكي على ذلك الاستحباب الإجماع، ولا إجماع في الحقيقة كما سيأتي.
وباب بني شيبة الآن غير موجود، وموضعه في السابق كان مقابلا لركن الحجر الأسود قريبا من البيت وليس هو في الواقع بابا بل هو ممر بين البيوت يوصل إلى جهة الحجر الأسود من البيت العتيق فيكون المراد بذلك الجهة لا حقيقة الباب، وقد جعل بابا حقيقيا في عمارة المهدي (3)
وقبل سنين خلت من الآن وضع مكان الجهة المذكورة باب كبير في وسط المطاف وقد يطوف الناس خلفه، ولكن أزيل في التوسعات الأخيرة التي شملت أرض المطاف والكعبة المشرفة، ويقابله الآن من أبواب دخول المسجد الحرام تقريبا باب السلام.
6
(1) الجناوني، الوضع، ص 215، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 133، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 386، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 181، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 146، والصائغي، لباب الآثار، ج 4، ص 51، والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 126.
(2) العيني، البناية، ج 4، ص 190.
(3) ابن جماعة، هداية السالك، ج 3، ص 906، والفاسي، شفاء الغرام، ج 2، ص 522، وابن الضياء، البحر العميق، ج 2، ص 1093. (4/63)
صفحة 1384
الرائد
64
وقد استدل للاستحباب السابق بأمور أولها أن الداخل منه يكون محاذيا
قلے
لوجه الكعبة وبابها والمنبر والركن وقد قال تعالى {وَأتُوا الْبُيُوتَ مِنْ
أَبْوَبِهَا.
ثم إن كل مقصود سبيله أن يؤتى من قبل وجهه لا من ظهره".
وقد استدل أيضا لاستحباب الدخول من الباب المذكور بأحاديث منها
:حديث
حماد بن سلمة وقيس وسلام كلهم عن سماك بن حرب عن خالد بن عرعرة عن عليه قال: لما انهدم البيت بعد جرهم بنته قريش فلما أرادوا وضع الحجر تشاجروا من يضعه فاتفقوا أن يضعه أول من يدخل من هذا الباب.
فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم من باب بني شيبة، فأمر بثوب فوضع الحجر في وسطه، وأمر كل فخذ أن يأخذ بطائفة من الثوب فيرفعوه وأخذه رسول الله
فوضعه.
(1) سورة البقرة، جزء من الآية (189).
(2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 133. (4/64)
صفحة 1385
الرائد
TO
والحديث أخرجه بالإسناد السابق أبو داود الطيالسي، ومن طريقه
البيهقي، كما أخرجه مطولا الضياء المقدسي".
وسماك بن حرب قال عنه ابن حبان يخطاء كثيرا، وكان شعبة يضعفه، وقال ابن المبارك: ضعيف الحديث.
وقال أحمد: مضطرب الحديث، وقال ابن خراش: في حديثه لين، وقال
النسائي: إذا انفرد بأصل لم يكن حجة؛ لأنه كان يلقن فيتلقن". ووجه الدلالة منه أن النبي الدخل منه قصدا لا اتفاقا؛ فإنه لم يكن على طريقه وإنما كان على طريقه باب إبراهيم
("#
وفي الاستدلال به نظر من جهة أن الحديث واقعة حال لم يقصد به الدخول للنسك حتى يكون سنة فيه، ثم إنه كان قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم فلا يكون
(1) الطيالسي، المسند، ص 18.
(2) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 72.
(3) الضياء المقدسي، الأحاديث المختارة، ج 2، ص 60.
(4) ابن حبان، الثقات، ج 4، ص 339
(5) ابن عدي الكامل، ج 3، ص 460، والعلائي، المختلطين، ص 49، والذهبي، ميزان الاعتدال، ج 3، ص 326، و ذكر من تكلم فيه وهو موثق، ص 95.
(6) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 386. (4/65)
صفحة 1386
الرائد
66
حجة.
وثاني الأحاديث التي جاء فيها أن النبي دخل من باب بني شيبة حديث أبي بكر أحمد بن محمد بن الحارث الفقيه أنبأ أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر أبو الشيخ الأصبهاني ثنا محمد بن يحيى بن منده ثنا أبو كريب ثنا عبد الرحيم بن سليمان.
ثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم ثنا أبو الطفيل ثنا ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم في عهد قريش دخل النبي الله مكة من هذا الباب الأعظم، وقد جلست قريش مما يلي الحجر.
والحديث بالإسناد السابق أخرجه البيهقي، وصحح النووي إسناده، وهو كما قال سوى كلام في عبد الله بن عثمان بن خثيم فقد لمزه جماعة فقال ابن حبان كان يخطئ، وقال ابن معين مرة: أحاديثه ليست بالقوية. لكن قد يعترض عليه أن الدخول من الباب المذكور اتفاقي لا مقصود.
(1) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 72.
(2) النووي، المجموع، ج 8، ص 11.
(3) ابن حبان، الثقات، ج 5، ص 34.
(4) ابن عدي، الكامل، ج 4، ص 161، والعقيلي، الضعفاء، ج 2، ص 281. (4/66)
صفحة 1387
الرائد
TV
كما جاء من الروايات ما يفيد دخول النبي صلى الله عليه وسلم من الباب المذكور حديث:
عبد الله بن نافع قال: حدثنا مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر
قال:
دخل رسول الله ودخلنا معه من باب بني عبد مناف - وهو الذي يسميه الناس باب بني شيبة، وخرجنا معه إلى المدينة من باب الحزورة وهو باب الخياطين.
والحديث أخرجه بالإسناد السابق، الطبراني وقال إثره: لم يرو هذا
الحديث عن مالك إلا عبد الله بن نافع تفرد به مروان بن أبي مروان. والحديث إسناده غير محفوظ كما يقول البيهقي)، فعبد الله بن نافع وهو المعروف بالصائغ ليس بحجة في الرواية فقد قال أحمد عنه: لم يكن صاحب حديث، كان ضيقا فيه، ولم يكن في الحديث بذاك، وقال: تعرف حفظه
وتنكر
(3)
ومروان بن أبي مران متكلم فيه.
(1) الطبراني، المعجم الأوسط، ج 1، ص 157.
(2) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 72
(3) ابن عدي الكامل، ج 4، ص 242، والعقيلي، الضعفاء، ج 2، ص 311
(4) الذهبي، ميزان الاعتدال، ج 6، ص 402. (4/67)
صفحة 1388
الرائد
68
وذهب الشيخ أبو طاهر الجيطالي إلى عدم الإطلاق في استحباب الدخول من باب بني شيبة، بل المشروع والأفضل -كما يرى- أن يدخل كل قوم من الناحية التي تلي ميقاتهم التي منها يحرمون على طريقهم كما أن إحرامهم من ميقاتهم إذا سلكوا عليه.
وعلى السابق يدخل من باب الحناطين أو باب إبراهيم إن كان من أهل
المغرب، وإن كان من أهل العراق فليدخل من باب بني شيبة.
الأدب الثاني: رفع اليدين عند رؤية البيت
ذهب إلى هذا الأدب جماعة من الفقهاء ()، مستدلين بحديث سعيد بن
سالم عن ابن جريج قال حدثت عن مقسم مولى عبد الله بن الحرث عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
ترفع الأيدي في الصلاة، وإذا رأى البيت وعلى الصفا والمروة، وعشية
عرفة، وبجمع، وعند الجمرتين، وعلى الميت.
(1) الجيطالي، مناسك الحج، ج 2، ص 233.
(2) الشافعي، الأم، ج 2، ص 169، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 133، وابن قدامة،
المغني، ج 3، ص 181.
(3) الشافعي، الأم، ج 2، ص 169. (4/68)
صفحة 1389
الرائد
69
ومما أفاد الحكم السابق من الروايات حديث سعيد بن سالم عن ابن جريج أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى البيت رفع يديه وقال:
اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة، وزد من شرفه
وكرمه ممن حجه أو اعتمره تشريفا وتكريما وتعظيما وبرا.
كما استدل هؤلاء بأن الدعاء مستحب عند رؤية البيت، وقد أمر برفع اليدين عند الدعاء).
وقال آخرون إنه لا يشرع رفع اليدين عند رؤية البيت"، لحديث محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة قال: سمعت أبا قزعة الباهلي يحدث عن المها.
المكي قال: سئل جابر بن عبد الله عن الرجل يرى البيت أيرفع يديه؟ قال: ما كنت أظن أحدا يفعل هذا إلا اليهود، حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم نكن نفعله.
والحديث أخرجه النسائي، وأبو داود) وحسنه النووي".
(1) الشافعي، الأم، ج 2، ص 169.
(2) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 181.
(3) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 236، وابن عابدين، رد المحتار، ج 2، ص 492.
(4) كتاب: مناسك الحج، باب ترك رفع اليدين عند رؤية البيت (2895). (4/69)
صفحة 1390
الرائد
(v.)
واعترض أصحاب القول الأول بأن رواية المثبت لرفع اليدين أولى بالأخذ لأن المثبت عنده زيادة علم".
والقول الثاني القائل بعدم مشروعية رفع الأيدي عند رؤية البيت أسعد
بالأدلة، وبيان ذلك أن أدلة رفع اليدين عند رؤية البيت كلها معلة بأمور: أولها: عبد الملك بن جريج ليس بحجة في الرواية ما لم يصرح بالتحديث كما مر ذكره غير مرة، وهو في حديث مقسم لم يصرح بل أبهم من حدثه، وفي
الحديث الثاني رفع الحديث إلى النبي فأعضله، وعليه فترد روايته.
ثانيها: سعيد بن سالم هو القداح شيخ الشافعي، قال العجلي: كان يرى الإرجاء ليس بحجة، وأورده البخاري في الضعفاء الصغير وقال: كان يرى
الإرجاءه).
(1) كتاب مناسك الحج، باب في رفع اليدين إذا رأى البيت (1870).
(2) النووي، المجموع، ج 8، ص 10.
(3) النووي، المجموع، ج 8، ص 10. (4) العجلي، معرفة الثقات، ج 1، ص 399.
(5) البخاري، الضعفاء الصغير، ص 50. (4/70)
صفحة 1391
الرائد
وقال عثمان بن سعيد: القداح ليس بذاك)، وقال ابن حبان: كان يرى الإرجاء، وكان يهم في الأخبار حتى يجيء بها مقلوبة حتى خرج بها عن حد الاحتجاج به، وقال ابن معين ليس بشيء
الذمة.
وعليه فلا يثبت استحباب رفع اليدين عند رؤية البيت، لأصل براءة
وأما حديث المهاجر المكي الذي أخرجه النسائي وأبو داود فالمهاجر الذي في إسناده هو مهاجر بن عكرمة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام القرشي، ولم أجد أحدا وثقه غير أن ابن حبان أورده في الثقات وليس ذلك
بحجة في التوثيق كما تقدم من ذكر قاعدته في توثيق المجاهيل.
وقال أبو حاتم: لا أعلم أحدا روى عن المهاجر بن عكرمة غير يحيى بن أبي كثير، والمهاجر ليس بالمشهور، وقال الخطابي: ضعف الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق حديث مهاجر في رفع اليدين عند رؤية البيت؛ لأن مهاجرا
(1) ابن عدي، الكامل، ج 3، ص 397.
(2) ابن حبان، المجروحين، ج 1، ص 320، والعقيلي، الضعفاء، ج 2، ص 108. (3) ابن حبان، الثقات، ج 5، ص 428. (4/71)
صفحة 1392
الرائد
عندهم مجهول.
الأدب الثالث: الذكر والدعاء
ذكر الله أمر ينبغي أن لا يعزب عن المسلم أنى كان، لكنه يتأكد في دور العبادة التي كان الأصل في وضعها وإقامتها ذكر الله، وحج، الله الحرام ما شرع إلا لذكر الله وعبادته كما في حديث
عبيد الله بن أبي زياد ثنا القاسم بن محمد عن عائشة < قالت: قال رسول الله: إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله.
والذكر يأتي الإنسان فيه ما يفتح الله له من الأذكار والأدعية شريطة أن لا تصدر من قلب غافل، لاه بل تصدر ممن وعاها قلبه، واتصل بخالقه جنانه.
وقد جاءت بعض الآثار أفادت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتي أذكارا معينة عند
(1) الخطابي معالم السنن (مطبوع بحاشية سنن أبي داود)، ج 2، ص 300، وابن حجر، تهذيب التهذيب، ج 10، ص 286. (2) أخرجه أبو داود في كتاب المناسك، باب في الرمل (1888)، والترمذي في كتاب: الحج، باب ما جاء كيف ترمي الجمار (902)، وقال: حسن صحيح. (4/72)
صفحة 1393
الرائد
73
دخول المسجد الحرام غير أنها لا تثبت عنه فيرجع إلى الأصل العام وهي
الأذكار التي يقولها الداخل إلى عموم المساجد وقد ذكرناها قبل.
عدم
والإنسان قد يأتي بالأذكار التي سنذكر ضعفها لما فيها من فائدة شريطة
اعتقاد أنها من لسان الشارع.
الأبلي
أما الأحاديث التي جاءت بالسابق فأولها حديث محمد بن موسى قال: نا عمر بن يحيى الأبلي قال: نا عاصم بن سليمان الكوزي عن زيد بن أسلم عن أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد أبي سريحة الغفاري أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نظر إلى البيت قال:
اللهم زد بيتك هذا تشريفا وتعظيما وتكريما وبرا ومهابة، وزد من شرفه
وعظمه ممن حجه أو اعتمره تعظيما وتشريفا وتكريما وبرا ومهابة.
والحديث أخرجه الطبراني في الأوسط والكبير، وقال عقبه مشيرا إلى ضعفه: لم يرو هذا الحديث عن زيد بن أسلم إلا عاصم بن سليمان تفرد به عمر بن يحيى، ولا يروى عن أبي سريحة إلا بهذا الإسناد تفرد به عمر.
(1) الطبراني، المعجم الأوسط، ج 6، ص 183، والمعجم الكبير، ج 3، ص 181. (4/73)
صفحة 1394
الرائد
وعاصم الذي تفرد بالحديث متروك كما قال النسائي، بل قال ابن
عدي: يعد فيمن يضع الحديث، وقال ابن حبان: كان ممن يروي
الموضوعات عن الأثبات لا يحل كتابة حديثه إلا على جهة التعجب).
أن
كما جاء الذكر السابق من حديث سعيد بن سالم عن ابن جريج رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى البيت رفع يديه وقال: اللهم زد هذا البيت تشريفا وتكريما وتعظيما ومهابة، وبرا وزد مَنْ شرَّفه ممن حجه واعتمره تشريفا وتكريما وتعظيما وبرا.
وللسابق قال جماعة من الفقهاء باستحباب الدعاء المذكور، غير أن حال الأول كما شرحنا، وأما الحديث الثاني ففيه علل تقصر به عن رتبة
الاحتجاج بيناها قبل قليل في الأدب الثاني.
ونقلت كتب فقه الحنفية عن عطاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا لقي البيت
(1) النسائي، الضعفاء والمتروكين، ص 78.
(2) ابن عدي الكامل، ج 5، ص 237.
(3) ابن حبان المجروحين، ج 2، ص 126.
(4) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 182، والعيني، البناية، ج 4، ص 191. (4/74)
صفحة 1395
الرائد
(vo
قال: أعوذ برب البيت من الدين والفقر وضيق الصدر وعذاب القبر. ولم أجد إلى الآن هذه الرواية مسندة فلا حجة فيها من حيث كونها ثابتة عن لسان الشارع، وقد يدعو بما فيها من شاء شريطة عدم نسبتها للسان الشارع.
ومن الفقهاء من لم يعين لمشاهد الحج شيئا من الأدعية أو الأذكار، وعلتهم أن التوقيت في الدعاء يذهب رقة القلب، فاستحبوا أن يدعو كل واحد بما يحضره ليكون أقرب إلى الخشوع، وإن تبرك بما نقل عن رسول الله
فهو حسن).
الأدب الرابع: أن لا يعرج على شيء قبل البدء بالطواف
وهذا الأدب مأخوذ من السنن العام الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يحافظ عليه، فالمروي عنه أنه يقصد الحجر الأسود لافتتاح الطواف، وقد ذكرنا في آداب دخول المسجد الأدلة عليها ومنها حديث جابر بن عبد الله الله إذ قال
(1) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 8، والعيني، البناية، ج 4، ص 191، والزيلعي، تبيين الحقائق، ج 2، ص 15، و شيخ زاده، مجمع الأنهر، ج 1، ص 399.
6
(2) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 9، والعيني، البناية، ج 4، ص 191، وابن عابدين، رد المحتار، ج 2، ص 492. (4/75)
صفحة 1396
الرائد
76
واصفا حالهم مع النبي يوم حجة الوداع:
حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا.
كما جاء وصف السابق من كلام السيدة عائشة كما في حديث محمد بن عبد الرحمن بن نوفل القرشي أنه سأل أنه سأل عروة بن الزبير فقال: قد حج النبي فأخبرتني عائشة < أنه أول شيء بدأ به حين قدم أنه توضأ ثم طاف
بالبيت).
قال الشيخ محمد بن إبراهيم الكندي:
وإذا دخلت المسجد فلا تتوان في شيء عن طوافك، فامض حتى تستلم
الحجر إن وجدت سبيلا (3).
غير أن البدء السابق بالطواف استحبابه إنما هو في حال
عدم
اشتغال ذمة
المكلف بأمر أوكد منه، فإن شغلت ذمته بما هو أولى من المستحب السابق أتى
به قبل الطواف.
(1) أخرجه رجه مسلم في كتاب الحج، باب: حجة النبي صلى الله عليه وسلم (1218). (2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب الوضوء في الطواف (1560). (3) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 126. (4/76)
صفحة 1397
الرائد
(vv)
ومن. ذلك أنه إذا أقيمت الفريضة جماعة في أرض المطاف لم يشرع له أن
يطوف حينها بل يدخل مع الجماعة في الصلاة).
قال الشيخ محمد بن إبراهيم الكندي:
ومن طاف ستة ثم أدركته الصلاة صلى ثم بنى على طوافه).
وهذا الدخول واجب لحديث أبي عبيدة بن جابر بن زيد قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس ذات يوم في مجلسه رجل يسمى محجنا فأقيمت الصلاة، قال فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى فلما فرغ من صلاته نظر إلى محجن وهو في مجلسه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:
ما منعك أن تصلي مع الناس ألست برجل مسلم؟ قال: بلى يا رسول
الله، ولكن قد صليت في أهلي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إذا جئت والناس يصلون فصل معهم وإن كنت قد صليت في أهلك).
(1) الشافعي، الأم، ج 2، ص 170، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 139، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 138، والقرافي الذخيرة، ج 3، ص 237، وابن الهمام، فتح
القدير، ج 2، ص 448، والمرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 4.
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 139.
(3) أخرجه الربيع في كتاب الصلاة، باب الإمامة والخلافة في الصلاة (219). (4/77)
صفحة 1398
الرائد
78
كما جاء حديث آخر يفيد الحكم السابق وأنه لا يسع المسلم إن كان في المسجد وأقيمت المكتوبة إلا الدخول مع الإمام كما في رواية:
جابر بن يزيد بن الأسود العامري عن أبيه قال: شهدت مع رسول الله صلاة الفجر في مسجد الخيف فلما قضى صلاته إذا هو برجلين في آخر
القوم لم يصليا معه قال: عليَّ بهما فأتي بهما ترعد فرائصهما فقال:
ما منعكما أن تصليا معنا؟ قالا: يا رسول الله إنا قد صلينا في رحالنا، قال: فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتها مسجد جماعة فصليا معهم؛
فإنها لكما نافلة.
والروايات السابقة تثبت أحقية الصلاة بالدخول فيها دون البدء بالطواف، على أن الطواف نفسه يقطع إن أقيمت الصلاة فلأن يبدأ بها
أولى).
(1) أخرجه النسائي واللفظ له في كتاب الإمامة، باب: إعادة الفجر مع الجماعة لمن صلى وحده (858)، وأبو داود في كتاب الصلاة، باب من صلى في منزله ثم أدرك الجماعة يصلي معهم (575)، والترمذي، في كتاب أبواب الصلاة، باب: ما جاء في الرجل يصلي وحده ثم يدرك الجماعة (219)، وقال الترمذي: حسن صحيح.
(2) الشافعي، الأم، ج 2، ص 169، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 182. (4/78)
صفحة 1399
الرائد
79
ثم إن الطواف ليس بموقت، والصلاة موقتة يعصي بمضي وقتها دون أدائها مع القدرة عليه فقدمت على الطواف.
ومن أهل العلم من نص على أنه لو طاف والجماعة تصلي فإن طوافه
ذلك لا يصح؛ إذ الجماعة تقطع الطواف عند الإحرام بها.
لكن قد يعترض على السابق بحديث عروة بن الزبير عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أشتكي، فقال:
طوفي من وراء الناس وأنت راكبة، فطفت ورسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ يصلي
إلى جنب البيت، وهو يقرأ والطور وكتاب مسطور " (2).
قال الإمام السالمي وفيه جواز الطواف حال صلاة الجماعة إذا لم يؤذ
بعضهم بعضا".
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 155.
(2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: طواف النساء مع الرجال (1540)، وأخرجه الإمام الربيع من طريق أبي عبيدة بلاغا عن عروة في كتاب: الحج، باب: في الكعبة
والمسجد والصفا والمروة (414).
(3) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 208. (4/79)
صفحة 1400
الرائد
لكن يجاب عن السابق أن حال المرأة بالنسبة لصلاة الجماعة ليس كحال الرجل، فأصل الخطاب بها كان للرجال، وخير للنساء صلاتهن في بيوتهن من صلاتهن في مسجد الجماعة.
ثم إن أم سلمة كانت تشتكي كما جاء في الرواية مما يعني أن الحكم المستنبط في الحديث لا بد من أن يقيد بالمشتكي لا بعموم الناس، فالعلة للترخيص بالطواف خلف الناس حال الصلاة هي الاشتكاء كما يفيد ذلك إيماء النص، وفي هذا جمع بين الأدلة الشرعية دون أن يطرح بعضها. فإن دخل والأذان قد أذن لكن لم تقم الصلاة نظر فإن كان الوقت ضيقا
انتظر وركع ركعتين تحية للمسجد، وإن كان الوقت متسعا طاف
أما إن جاء والإمام يخطب لصلاة الجمعة فله أن يطوف؛ لأن الطواف تحية المسجد الحرام، والنبي الله أمر سليكا الغطفاني بركعتين تحية للمسجد قبل أن يجلس حينما دخل والنبي يخطب، فيحيي الداخل المسجد الحرام بتحيته وهو الطواف بالبيت.
لكن قد يقال إن تحية المسجد الحرام غير متعينة في الطواف بل قد يحييه
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 139. (4/80)
صفحة 1401
الرائد
بالركعتين كباقي المساجد وتكون مجزية له فيجمع بين الفضلين الاستماع الواجب للخطبة وانتهاكه بأقل ما يمكن وعدم الجلوس إلا بالركعتين، وهذا أولى من السابق.
والحكم المذكور يشمل صلوات السنن التي يفوت وقتها بقصد الطواف ولا يمكن الجمع بين الأمرين منهما كركعتي الفجر أو الوتر إن خاف فوتها،
وهكذا الجنازة؛ لأنها سنة يخاف فوتها والطواف لا يفوت.
وروى الشافعي عن سعيد بن سالم عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: ألا أركع قبل تلك المكتوبة إن لم أكن ركعت ركعتين؟
قال: لا إلا ركعتي الصبح إن لم تكن ركعتهما فاركعهما ثم طف؛ لأنهما أعظم شأنا من غيرهما".
وقال بعض الفقهاء إذا خاف فوت سنة الظهر أو المغرب بعدها فيقدم
الطواف.
(1) الشافعي، الأم، ج 2، ص 170، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 142، وابن قدامة،
المغني، ج 3، ص 182، وابن الهمام، فتح القدير، ج 2، ص 448.
(2) الشافعي، الأم، ج 2، ص 170.
(3) ابن تيمية، شرح العمدة، ج 3، ص 419. (4/81)
صفحة 1402
الرائد
ونص جماعة من الفقهاء على أن من تذكر صلاة نسيها فإنه يصليها قبل
أن يطوف.
والعلة في ذلك أن صلاتها حال تذكرها أمر متعين عليه لحديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من نام عن صلاة أو نسيها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها.
وأما الطواف فغير متعين أن يطوف في ذلك الوقت إذ لا يفوت وقته
بذلك اتفاقا، فيقدم المتعين على غير المتعين.
كما أنه يصح أن يؤخر الطواف بالبيت إن كان به عذر يرهقه، كأن يكون مريضا، أو عنده مريض يبتغي له علاجا أو مكانا لراحته، أو اضطر لارتياد مسكن، أو نحو ذلك من الأمور التي تضطره لتأخير الطواف بالبيت
دخول مكة).
مع
والسابق أمر حسن، وذلك لأن المطلوب من العبادة أن تؤدي جانب التزكية، وأنى لنفس أن تتزكى وبها ما يشغلها عن التفكر في العبادة، إن هذا
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 139.
(2) ابن الجارود، المنتقى، ص 239 برقم (239)، وإسناده صحيح.
(3) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 139. (4/82)
صفحة 1403
الرائد
83
يجعل العبادة صورية لا يبلغ أثرها جوهر الإنسان وباطنه وهو ما لا يريده الشارع، بل قد يؤدي به إتيان العبادة حال الشدة والإرهاق إلى أن يكره العبادة وتنفر نفسه منها.
فيكون الواقع أنه يتعارض أمران أولهما الطواف حال الوصول وهو فضيلة والخشوع وتحصيل مقصد الشارع من العبادة وهو واجب قدر الاستطاعة فيقدم الواجب على الفضيلة.
وقد جاء النص على مثل ذلك في عبادة الصلاة كما في حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة > أنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا نعس أحدكم في الصلاة فليرقد حتى يذهب عنه النوم؛ فإن أحدكم إذا صلى وهو
ناعس لعله يذهب يستغفر الله فيسب نفسه).
ومما جاء مراعيا المقصد الأصلي للعبادة دون فضيلة أول الوقت حديث عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا أقيمت الصلاة وحضر العشاء فابدؤوا بالعشاء؛ لئلا تدعو أحدكم نفسه إلى الطعام
(1) أخرجه الربيع في كتاب الصلاة، باب: السهو في الصلاة (250)، وأخرجه البخاري من طريق عبد الله بن يوسف قال أخبرنا مالك عن هشام عن أبيه عن عائشة في كتاب: الوضوء، باب: الوضوء من النوم (209). (4/83)
صفحة 1404
الرائد
84
فيشتغل عن الصلاة فينقص منها.
وقال بعض الفقهاء يستحب أن يقدم على الطواف تحية المسجد الحرام
إلا أن يكون عليه فائتة فيقدم الفائتة على التحية؛ لأن الدخول إلى المسجد قبل المضي فيبدأ بالأسبق فالأسبق".
وفي هذا الرأي نظر إذ هو مخالف لما كان عليه النبي من أنه كان يبدأ
بالطواف.
(1) أخرجه الربيع في كتاب الصلاة، باب: السهو في الصلاة (249). (2) ابن تيمية، شرح العمدة، ج 3، ص 417. (4/84)
صفحة 1405
الرائد
المبحث الثالث: مشروعية الطواف وفضله
85
الطواف بالبيت من العبادات التي اتفقت الأمة على مشروعيتها من حيث الجملة؛ إذ النص بالأمر بها كان في الكتاب العزيز فالله تعالى يقول في
کتابه: «ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)
وجاءت نصوص تبين فضل الطواف بالبيت نُخرج بعضها مبينين الصحيح منها من السقيم.
أول تلك الروايات ما أفاد أن الطواف بالبيت يكون أجره كعدل عتق رقبة كما في حديث عطاء بن السائب عن عبد الله بن عبيد بن عمير أنه سمع أباه يقول لابن عمر: مالي لا أراك تستلم إلا هذين الركنين الحجر الأسود والركن اليماني؟
فقال ابن عمر: إن أفعل فقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن استلامهما يحط الخطايا، قال: وسمعته يقول: من طاف أسبوعا يحصيه وصلى ركعتين كان له كعدل رقبة.
قال: وسمعته يقول: ما رفع رجل قدما ولا وضعها إلا كتبت له عشر
(1) سورة: الحج، الآية (29). (4/85)
صفحة 1406
الرائد
86
حسنات وحط عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات.
أخرجه بالسياق السابق أحمد في المسند) من طريق هشيم بن بشير عن
عطاء عطاء، وهشيم بن بشير ممن سمع من بن السائب بعد الاختلاط فالأصل في روايته عدم الحجية.
غير أنه قد توبع في روايته هذه من قبل الثوري، والثوري ممن سمع من عطاء قبل الاختلاط كما نص على ذلك ابن معين والعجلي والنسائي وأبو
حاتم".
وباقي رجال الإسناد ممن يحتج بروايتهم.
ورواية الثوري التي أشرنا إليها جاءت من حديث: معمر والثوري عن
عطاء
بن
السائب عن عبد الله
عبيد بن عمير عن بن
أبيه
عن ابن عمر
أن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن مسح الركن اليماني والركن الأسود يحط الخطايا حطا.
(1) أحمد بن حنبل، المسند، ج 2، ص 3.
(2) البخاري، التاريخ الكبير، ج 6، ص،465، وابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ج 6، ص 333، وابن عدي الكامل في ضعفاء الرجال، ج 5، ص 361، والعلائي،
المختلطين، ص 82. (4/86)
صفحة 1407
الرائد
والحديث أخرجه عبد الرزاق في المصنف).
وقد تابعه أيضا حماد بن زيد وهو ممن سمع قبل الاختلاط كما في حديث قتيبة قال: حدثنا حماد عن عطاء عن عبد الله بن عبيد بن عمير بن عبيد بن عمير أن رجلا قال:
يا أبا عبد الرحمن، ما أراك تستلم إلا هذين الركنين.
قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن مسحهما يحطان الخطيئة،
وسمعته يقول: من طاف سبعا فهو كعدل رقبة.
والحديث أخرجه النسائي في المجتبى".
و مما يشهد لحكم الحديث السابق حديث الفضل بن دكين عن حريث بر
السائب عن محمد بن المنكدر عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من بالبيت أسبوعا لم يلغ فيه كان كعدل رقبة يعتقها.
بن
طاف
أخرجه ابن أبي شيبة، ورجاله محتج بهم غير كلام يسير في حريث بن
السائب لا يؤثر في رد حديثه.
(1) عبد الرزاق، المصنف، ج 5، ص 29.
(2) كتاب: مناسك الحج، باب ذكر الفضل في الطواف بالبيت (2919).
(3) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 123. (4/87)
صفحة 1408
الرائد
ومما جاء في فضل الطواف حديث سفيان بن وكيع حدثنا يحيى بن يمان عن شريك عن أبي إسحاق عن عبد الله بن سعيد بن جبير عن أبيه عن ابن عباس قال: قال رسول الله: من طاف بالبيت خمسين مرة خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه.
والحديث بالإسناد السابق أخرجه الترمذي، وقال ابن طاهر المقدسي: تفرد به شريك عن أبي إسحاق عن عبد الله عن أبيه مرفوعا، وتفرد به يحيى
بن اليمان عن شريك).
غير أنه لا يثبت لعلل:
أولها: أبو إسحاق هو السبيعي، فقد أعله المباركفوري بأنه مدلس اختلط بآخره فلا تقبل روايته، وقد عنعن ولم يصرح بالتدليس"، والظاهر أن إعلال الحديث ليس من قبل أبي إسحاق السبيعي فالأكثر على الاحتجاج
بروايته.
(1) کتاب الحج، باب ما جاء في فضل الطواف (866).
(2) ابن طاهر المقدسي، أطراف الغرائب والأفراد، ج 3، ص 171.
،،
(3) المباركفوري، تحفة الأحوذي، ج 3، ص 513، والحلبي، التبيين لأسماء المدلسين،
ص 160، والعلائي، المختلطين، ص 93، والمزي، تهذيب الكمال، ج 22، ص 102. (4/88)
صفحة 1409
الرائد
89
ثانيها: شريك هو ابن عبد الله القاضي ضعيف اختلط فلا تقبل روايته. ثالثها: يحيى بن اليمان وبه أعله ابن الجوزي؛ فإنه ليس بحجة في الرواية فقد قال النسائي: ليس بالقوي)، وقال يعقوب بن شيبة: صدوق وأنكروا عليه كثرة، الغلط وقال ابن معين ليس بالقوي، وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه).
رابعها إعلال الرواية بالوقف، قال الترمذي بعد إخراجها: سألت
محمدا عن هذا الحديث فقال: إنما يروى هذا عن ابن عباس قوله.
وقد روى هذا الحديث الحافظ عبد الرزاق عن ابن المبارك عن شريك عن أبي إسحاق عن عبد الله بن سعيد بن جبير عن أبيه عن ابن عباس من قوله، وهذا الإسناد خير من ذاك إلا أنه ضعيف كمثله فشريك
سيء
الحفظ
(1) ابن عدي الكامل، ج 4، ص 6، والعقيلي الضعفاء، ج 2، ص 193، وابن حجر، 4، ص 6 ج 2،
طبقات المدلسين، ص 33.
(2) ابن الجوزي العلل المتناهية، ج 2، ص 574.
(3) النسائي، الضعفاء والمتروكين، ص 108.
(4) ابن عدي الكامل، ج 7، ص 235، والعقيلي الضعفاء، ج 4، ص 434، والعلائي،
المختلطين، ص 132.
(5) عبد الرزاق، المصنف، ج 5، ص 500. (4/89)
صفحة 1410
الرائد
€4.
كما تقدم.
وجاء الحديث موقوفا من غير طريق شريك القاضي إذ رواه الحافظ ابن أبي شيبة من طريق حميد بن عبد الرحمن الرواسي عن الحسن بن صالح عن مطرف عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله بن عبيد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس من قوله).
واختلفوا في المفاضلة بين الطواف بالبيت والوقوف بعرفة من أركان الحج فقال بعض أهل العلم إن الطواف بالبيت خير من الوقوف بعرفة مستدلين بأن الطواف قربة في نفسه وجعله الشارع بمنزلة الصلاة التي هي
أعظم عبادات البدن بعد الإيمان بخلاف الوقوف.
وقالوا الطواف مشتمل على الصلاة، وهو في نفسه شبيه بها، والصلاة
أفضل من الحج فيكون أفضل الأركان".
أما من فضل الوقوف بعرفة على الطواف فقال الوقوف أفضل لخبر
" الحج عرفة"، ولهذا لا يفوت الحج إلا بفواته ثم إنه ورد في الوقوف بعرفة من الرغائب والفضل العظيم ما لم يرد في الطواف.
(1) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 123.
(2) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 175. (4/90)
صفحة 1411
الرائد
ومن الفقهاء من توسط وجمع بين الأمرين فقال إن الطواف أفضل من حيث ذاته لأنه مشبه بالصلاة وقربة مستقلة والوقوف أفضل من حيث كونه ركنا للحج لفواته به وتوقف صحته عليه واختصاصه به).
وظاهر أن قول من فضل الوقوف على الطواف من حيث الظاهر أولى لكثرة ما ورد من فضائله، إلا أني لا أدري ما الثمرة العملية للخلاف السابق فالأمران كلاهما ركن في عبادة الحج ولا تصح هذه العبادة دون أن يؤتى بهما
کليها، فغض الطرف عن الخلاف السابق أولى.
|
(1) الرملي، نهاية المحتاج، ج 3، ص 292، والحطاب، مواهب الجليل، ج 2، ص 538. (4/91)
صفحة 1412
الرائد
92
1 - طواف الإفاضة
المبحث الرابع: أنواع الطواف
(1)
وهو من أركان الحج يأتي به الحاج صباح يوم النحر بعد أن يتحلل التحلل الأصغر، وقد ذكر هذا الطواف - دون غيره- في الكتاب العزيز وذلك في قوله تعالى ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (2)
وقد نقل غير واحد الاتفاق على أن الطواف المقصود في هذه الآية هو
طواف الإفاضة).
ولا يصح أن يراد بهذا الطواف طواف القدوم فقد عبرت الآية بـ (ثم)
(1) المشهور عند الحنفية كما سيأتي أن الركن أربعة أشواط منه، وما بقي من الأشواط
واجبة.
(2) سورة: الحج، الآية (29).
(3) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 211، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 226، وابن رشد، بداية المجتهد، ج 1، ص 250، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 146، والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 12، ص
0. (4/92)
صفحة 1413
الرائد
93
التي هي حقيقة لغوية في الترتيب مع المهلة، والقدوم يؤدى أول ما يؤدى". و مما استدل به على ركنية هذا الطواف حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة قالت: إن صفية بنت حيي زوج النبي صلى الله عليه وسلم حاضت فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أحابستنا هي؟ فقيل: إنها أفاضت، قال: فلا
إذن).
ووجه الدلالة
من ذلك أنه لو لم يكن ركنا لا يجوز تركه لم تكن حابسة
له)، ثم إن الحج أحد النسكين فكان الطواف فيه ركنا كالعمرة.
ولهذا الطواف أسماء أخر يستعملها بعض أهل العلم من ذلك طواف الركن لكونه من أركان الحج، ومن ذلك طواف الفرض لفرضيته، ومن ذلك طواف الزيارة لزيارة البيت يوم العاشر إذ مكان الحاج المشروع في تلك الأيام خارج مكة، فيأتي لزيارة البيت ثم يرجع إلى منى.
(1) الجصاص، أحكام القرآن، ج 5، ص 74.
(2) أخرجه الربيع في كتاب الحج، باب ما تفعل الحائض في الحج (441).
(3) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 192.
(4) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 226. (4/93)
صفحة 1414
الرائد
94
وكره بعض الفقهاء أن يقال له طواف الزيارة، وقال الحافظ ابن عبد
البر: يسميه أهل الحجاز طواف الإفاضة ويسميه أهل العراق طواف
الزيارة).
ومن
ذلك يطلق عليه أيضا طواف الصدر، ومع البعد عن الاصطلاح الخاص بهذا الطواف نقول إنه قد اتفق على مشروعيته بل وجوبه بين علماء
الأمة كافة).
ويوم
أوقاته يوم
هذا الطواف هو العاشر من ذي الحجة، واتفق الفقهاء أن أفضل
النحر بعد الرمي والنحر والحلق كما فعل نبي الهدى.
لكن الفقهاء مختلفون في مبدأ وقته فمنهم من قال إن وقته يبدأ بعد
(4)
نصف الليل من ليلة النحر، ومنهم من قال إن أول وقت طواف الإفاضة
(1) ابن عبد البر، التمهيد، ج 17، ص 267.
(2) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 210.
(3) السالمي، جوابات الإمام السالمي، ج 2، ص 201، والصائغي، لباب الآثار،
ص 179
ج 3،
(4) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 192، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 227، والمرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 3
43 (4/94)
صفحة 1415
الرائد
هو طلوع الفجر من يوم النحر)
(1)
95
والواقع أن أول وقت طواف الإفاضة يتجاذبه أمران أولهما مسألة وجوب الترتيب بين أعمال اليوم العاشر، وثانيهما أول وقت الرمي فإن من يقول إن أول وقت الرمى هو نصف الليل من ليلة النحر ولا يقول بوجوب الترتيب بين أعمال اليوم العاشر فإنه يقول إن أول أوقات جواز الرمي هو نصف الليل الآخر.
ومن هؤلاء من جعل وقت الطواف هو وقت الرمي لعلة أن الجميع من أسباب التحلل، لكن يشكل على هذا أنهم جعلوا أسباب التحلل من العمرة الطواف والسعي والحلق ولم يقل أحد بجواز الحلق قبل الطواف، والجمهور وقد حكي عليه الإجماع على عدم جواز السعي قبل الطواف. ومن يقول إن أول أوقات الرمي هو طلوع الفجر من غير لزوم الترتيب
فإنه يقول إن وقت طواف الإفاضة هو طلوع الفجر وهكذا.
أما من يقول إن وقت الرمي من حيث الأصل هو طلوع الشمس -كما
(1) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 227.
(2) زكريا الأنصاري، أسنى المطالب، ج 1، ص 493. (4/95)
صفحة 1416
الرائد
96
هو ظاهر الأدلة - وأنه يلزم الترتيب بين أعمال اليوم العاشر فإنه يجعل دخول
وقت الطواف مشروطا بطلوع الشمس مع تقدم الرمي والحلق عليه.
أما آخر وقت طواف الإفاضة فأمره محل خلاف بين الفقهاء، غير أن من
الفقهاء من نص على أن من فعله في أيام التشريق أجزاه ولا دم
بالإجماع.
عليه
فإن أخره إلى ما بعد أيام التشريق وأتى به بعدها فاختلف في حكمه، والظاهر أنه لا إجماع إذ إن من الفقهاء من قال إن من أخر طواف الإفاضة عن يوم النحر ملزم بدم.
والاختلاف قائم في آخر، وقته والفقهاء منهم من قال إنه ليس لطواف الإفاضة وقت محدود من حيث آخره بل العمر كله وقت لأدائه، قال القطب: ولا حد له ما لم يصب النساء وبه قال أصحابنا.:
(1) ابن المنذر الإجماع، ص 75.
(2) النووي، شرح صحيح مسلم، ج 9، ص 58، والمرغيناني، الهداية، ج 1، ص 149.
(3) المرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 43.
(4) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 428، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 227.
(5) القطب، الجامع الصغير، ج 3، ص 150. (4/96)
صفحة 1417
الرائد
97
والذي حمل هؤلاء على القول بهذا الرأي أنه ليس ثمة تحديد من الشارع
يرجع إليه.
ومن الفقهاء من قال إن آخر وقت طواف الإفاضة هو آخر أيام النحر، ومن أخر طواف الإفاضة عن أيام النحر أجزاه طوافه لعدم الموقت وعليه دم، واعترض على ذلك من لا يقولون بالدم بأن وقته المسنون يوم النحر ولا يلزمه الدم بتأخيره إلى أيام التشريق؛ لأنه في كلا الوقتين مسقط لغرض الطواف بفعله.
ولأنه ركن أخره عن وقته المختار إلى وقت يسقط عنه الفرض بفعله فوجب أن لا يلزمه دم بتأخيره قياسا على تأخير الوقوف بعرفة من زمان النهار إلى زمان الليل).
ومنهم من قال إنه طاف فيما بعد أيام النحر طوافا صحيحا فلم يلزمه دم كما لو طاف أيام النحر فأما الوقوف والرمي فإنهما لما كانا موقتين كان لهما وقت يفوتان بفواته وليس كذلك الطواف فإنه متى أتى به صح).
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 192.
(2) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 227. (4/97)
صفحة 1418
الرائد
98
وقضية آخر وقت طواف الإفاضة مشكلة لعدم النص عليها، وفعل النبي على أرجح ما روي كان نهار اليوم العاشر على خلاف في تحديد الوقت بالضبط أقبل الزوال كما هو الأرجح - أو بعد الزوال كما في رواية أقرب للشذوذ، والفقهاء أكثرهم على أن أيام التشريق كلها أيام طواف يكون فيها مؤدى لا مقضيا.
والخلاف فيما بعد أيام التشريق والأولى بالحازم اللبيب أن لا يؤخره عنها فرارا من الشك إلى اليقين، وإن اضطرته الظروف التي لا يجد عنها محيصا فأخره عن أيام التشريق عملا بمذهب من لم يحد له حدا أخذا بسكوت
الأدلة فعسى أن لا يكون عليه حرج.
2 - طواف العمرة
وهذا الطواف هو ركن العمرة المتفق عليه، يأتي به المحرم بعمرة، وليس
له وقت محدد من السنة لعدم توقيت العمرة، ويسن فيه كل ما يسن في طواف
القدوم إذ هو قدوم من حيث الأصل.
طواف الوداع
ومن الفقهاء من يسميه طواف الصَدَر أيضا لأنه عند صدور الناس من (4/98)
صفحة 1419
الرائد
99
مكة، وهو الذي يأتي به الحاج عند الانتهاء من المناسك وقبل مغادرة مكة ليكون آخر عهده بالبيت.
ومع اتفاق الكلمة في هذا الطواف أنه مشروع لمن حج بيت الله الحرام من غير أهل مكة إلا أنه قد اختلف في حكمه أواجب هو أو ليس بواجب، كما اختلف في مشروعية أن يكون للعمرة طواف وداع، وسيأتي مزيد بيان للسابق نختم به مباحث الكتاب في آخر الجزء الخامس إن شاء الله أن يختم بالصالحات أعمالنا.
4 - طواف النفل
عسي
الله
وهو الطواف المطلق من سبب فإنه مندوب وردت في فضله آثار سبق
بيان بعضها، وقد اتفق على مشروعية هذا الطواف من حيث الجملة. وذكر الإمام السالمي أنه لا يجوز قطع طواف النفل بعد البدء به لقوله تعالى "ولا تبطلوا أعمالكم".
وقد أجاب بذلك - سؤال سائل عن حكم قطع الطواف لمن استأذى
(1) البسيوي، مختصر البسيوي، ص 111،،والجصاص أحكام القرآن، ج 1، ص 96، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 153، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 237
والصائغي، لباب الآثار، ج 3، ص 200. (4/99)
صفحة 1420
الرائد
من
النساء وإظهار هن عوراتهن، لكن اختلفوا في أمرين: طواف النفل حال خطبة الجمعة، والمفاضلة بين الطواف والصلاة غير الواجبين
الله
أولا: مشروعية طواف النفل حال خطبة الجمعة
ذهب جماعة إلى الجواز مستدلين بحديث أبي الزبير قال: سمعت عبد بن باباه يحدث عن جبير بن مطعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار. والحديث دال على جواز الطواف في عموم الأوقات بدلالة الإشارة؛ إذ عبارة النص النهي عن المنع من الطواف في أي ساعة، والإشارة جواز الطواف في أي ساعة، ووقت خطبة الخطيب يشملها العموم السابق
للأوقات.
غير
أنه يظهر أن في هذا الرأي نظرا وأن الأولى منه القول بعدم جواز
(1) السالمي، جوابات الإمام السالمي، ج 2، ص 202.
(2) أخرجه النسائي في كتاب: المواقيت، باب: إباحة الصلاة في الساعات كلها بمكة (585)، وأبو داود في كتاب المناسك باب الطواف بعد العصر (1894)، والترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في الصلاة بعد العصر وبعد الصبح لمن يطوف (868)،
وقال: حسن صحيح. (4/100)
صفحة 1421
الرائد
طواف النفل حال خطبة الخطيب.
وبيان ذلك أن المكلف يتعارض عنده حال خطبة الخطيب وهو يريد
الطواف أمران أولهما جواز الطواف المأخوذ بدلالة الإشارة السابق ذكرها.
وثانيهما وجوب الإنصات لخطبة الخطيب وترك الاشتغال بكل ما هو من غير خطبة الخطيب المأخوذ بدلالة النص من الأدلة الشرعية الأخرى، وقد اتفقت الأمة على الأخذ به من حيث العموم، والاتفاق حاصل بين أهل العلم على أن دلالة الإشارة تقصر بها رتبتها عن معارضة دلالة النص كما مضى تقرير ذلك مرارا.
وعليه فتقدم أدلة وجوب استماع الخطبة الدالة بنصها على دليل جواز
الطواف الدال بإشارته.
ثانيا: المفاضلة بين طواف النفل والتطوع بالصلاة في المسجد
للفقهاء خلف في المفاضلة بين طواف النفل وصلاة النفل، وفي كل
واحد من الفعلين ثبت حض الشارع، فذهب جماعة من الفقهاء إلى أن
(1)
الإكثار من الطواف أفضل من الإكثار من صلاة التطوع)
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 134، والنووي، المجموع، ج 8، ص 58. (4/101)
صفحة 1422
الرائد
الأدلة
القائلون بأفضلية الصلاة على طواف النفل نظروا إلى عموم المفيدة فضل الصلاة وأنها خير الأعمال كما في حديث "خير أعمالكم
الصلاة " (1).
وأما من قال بأفضلية الطواف على الصلاة فاستدلوا بحديث: عطاء عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ينزل الله تعالى على هذا البيت في كل يوم عشرين ومائة رحمة، ستون منها للطائفين وأربعون للمصلين، وعشرون
للناظرين.
والحديث السابق وجدته من طريقين كلاهما ضعيف أولهما ما أخرجه الأزرقي إذ قال الأزرقي: حدثني جدي عن سعيد بن سالم وسليم بن مسلم عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ينزل الله عز وجل على هذا البيت كل يوم وليلة عشرين ومئة رحمة، ستون منها للطائفين، وأربعون للمصلين، وعشرون للناظرين (3)
والحديث ليس بحجة، فالقداح سعيد بن سالم تكرر كثيرا في كتابنا وأنه
ليس بحجة في الرواية.
(1) ابن حبان، صحيح ابن حبان، ج 3، ص 311
(2) الأزرقي، أخبار مكة، ج 2، ص 8. (4/102)
صفحة 1423
الرائد
ومتابعه سليم بن مسلم هو الخشاب المكي، قال أبو حاتم: رأيته بمكة
ليس يسوى حديثه شيئا، ضعيف الحديث منكر الحديث، وقال ابن معين:
(1)
ليس بثقة، وقال أبو زرعة: ليس بقوي، وقال النسائي: متروك الحديث)،
وقال ابن عدي عامة ما يرويه غير محفوظ).
وقال ابن ما كولا: ضعفوه واتهموا دينه).
وقد رويا الحديث عن ابن جريج ولم يصرح بالسماع فلا يقبل منه، وعليه فالحديث ضعيف لا يصح.
وأخرجه الحارث بن أبي أسامة في مسنده من حديث أحمد بن يزيد من أهل كرمان ثنا سعيد عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ينزل الله عز وجل كل يوم مئة رحمة، ستون منها للطائفين، وعشرون منها لأهل مكة، وعشرون منها لسائر الناس.
(1) ابن أبي حاتم الجرح والتعديل، ج 4، ص 314.
(2) النسائي، الضعفاء والمتروكين، ص 47.
(3) ابن عدي الكامل، ج 3، ص 320.
(4) ابن ماكولا، الإكمال، ج 4، ص 330
(5) الحارث بن أبي أسامة مسند الحارث زوائد الهيثمي)، ج 1، ص 465. (4/103)
صفحة 1424
الرائد
وفي إسناده العلل السابقة دون الخشاب ثم إن هذا خلو من موطن
الشاهد إذ ليس فيه مفاضلة بين الطواف والصلاة.
وأخرجه
جه ابن عدي من طريق بهلول بن إسحاق بن بهلول حدثني محمد
بن معاوية ثنا محمد بن صفوان عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ينزل الله عز وجل في كل يوم مئة وعشرين رحمة ستون منها للطائفين، وأربعون للمصلين، وعشرون للناظرين.
وأعله ابن عدي عقبه بمحمد بن معاوية وقال: الضعف يتبين على رواياته، وقد حكم على الحديث السابق بعد روايته بأنه منكر.
ومن السابق لا يثبت هذا الحديث فيسقط الاحتجاج به.
ومن الفقهاء من فرق فقال إن المستحب لأهل مكة الإكثار من الصلاة، أما غيرهم فالأفضل لهم الطواف بالبيت.
والعلة للتفرقة السابقة أن عبادة الطواف معدومة عند غير أهل مكة فيبغتونها، بخلاف أهل مكة فإنها متيسرة ثم طول سنتهم فلا حاجة تدعوهم
إلى مزاحمة الناس في الموسم".
(1) ابن عدي الكامل، ج 6، ص 278.
(2) الصائغي، لباب الآثار، ج 4، ص 71
(3) الحطاب، مواهب الجليل، ج 2، ص 539. (4/104)
صفحة 1425
الرائد
ه - طواف القدوم
هو الطواف الذي يأتي به المحرم تحية للبيت عند أول لقاء به، وليس هو لحج ولا عمرة ولا وداع، فهو بمنزلة صلاة تحية المسجد لغير المسجد الحرام لذا اختلفوا في تأخيره بعد وصول المحرم إلى مكة أيفوت بذلك التأخير أو لا
يفوت)
واستثنى جماعة المرأة الجميلة أو الشريفة التي لا تبرز فيستحب لها تأخير الطواف إلى الليل إن دخلت نهارا، وهذا من باب تخصيص العموم
بالعادات.
لكن يرده أن زوجات النبي لكن في قمة الشرف ومع ذلك ما نقل عنهن إلا أنهن طفن معه الله ضحوة نهار الرابع من ذي الحجة خلا السيدة عائشة لحيضها، وكن إذا جاء الركب سدلن الخمر على وجوههن كما تقدم ذكر الحديث وتخريجه
وكذا من خاف فوت مكتوبة أو جماعة مكتوبة أو مؤكدة أو فائتة فإن
ذلك كله يقدم على طواف القدوم كما تقدم ذكر ذلك.
(1) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 479. (4/105)
صفحة 1426
الرائد
ولهذا الطواف أسماء أخر غير القدوم منها القادم والورود والوارد وطواف التحية وطواف اللقاء وطواف أول عهد بالبيت وطواف حداث العهد بالبيت)
وللقيود السابقة لا يتصور هذا الطواف إلا في حق المفرد والقارن اللذين أحرما من خارج مكة وقصدا مكة ولم يذهبا إلى غيرها كمنى أو عرفات". وأبان بعض الفقهاء أن طواف القدوم مشروع في حق المفرد والقارن إلا الحائض والنفساء والمجنون والمغمى عليه والناسي ونقل بعضهم الاتفاق على أن طواف القدوم يفوت بالذهاب إلى
عرفات).
ولو أن من وجب عليه طواف العمرة نواه للقدوم، أو من وجب عليه طواف الإفاضة نواه للقدوم قيل إن طوافه ينقلب للطواف الواجب، ويجزيه
(1) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 34، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 134، والنووي، المجموع، ج 8، ص 12، وابن عابدين رد المحتار، ج 2، ص 494.
(2) النووي، المجموع، ج 8، ص 12.
(3) عليش، منح الجليل، ج 2، ص 249.
(4) علي القاري، مرقاة المفاتيح، ج 5، ص 487. (4/106)
صفحة 1427
الرائد
107
عن الطواف السنة الذي هو طواف القدوم كما تجزي صلاة الفريضة عن صلاة تحية المسجد).
وفي هذه القضية خلاف والأولى كما سيأتي- أن ذلك لا يجزيه عن
العمرة ما لم ينوها؛ لأن الأعمال بالنيات.
والإمام أحمد بن حنبل قال بمشروعية طواف القدوم للمتمتع، وذلك
بعد الرجوع من منى فيطوف طوافين أحدهما للزيارة والآخر للقدوم، ومثله في الحكم المفرد والقارن إن لم يطوفا للقدوم أول الأمر
(2)
والحال هنا كما يقول ابن قدامة أنه لا يوافق أحمد بن حنبل على رأيه السابق أحد من السلف) ولا الخلف.
والنبي وأصحابه لم يفعلوا ما قاله أحمد، بل سنته ظاهرة أنه وأصحابه
ما طافوا بعد الرجوع من منى إلا طواف الزيارة، والوداع حين خرجوا من
مكة.
والحنفية القائلون بأن طواف القارن الأول إنما هو طواف العمرة لا
(1) ابن قدامة، الكافي، ج 1، ص 456، والنووي، المجموع، ج 8، ص 12.
(2) الخرقي، مختصر الخرقي، ص 61.
(3) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 228. (4/107)
صفحة 1428
الرائد
القدوم استحبوا للقارن أن يطوف للقدوم طوافا غير طوافه الأول الذي هو
للعمرة).
وابن الهمام تعقب السابق بأن طواف القدوم ليس مشروعا لذاته بل هو تحية للبيت، وبنى على السابق أن الطواف الثاني الذي قال به الحنفية ليس هو للقدوم بل هو طواف شرع لأجل أن يسعى بعده من شاء تقديم سعي الزيارة على وقته؛ لأن من شروط صحة السعي الطواف الصحيح قبله، ومعلوم أن السعي الأول إنما هو للعمرة.
وما كان أغنى الكمال ابن الهمام عن مثل هذا التأويل المتكلف وهو الخريت الماهر بشؤون الروايات وأنها ثابتة كالشمس في رائعة النهار أن النبي و طلحة وعليا من أصحابه كانوا قارنين لسوقهم الهدي ومع ذلك لم يطوفوا الطواف المذكور.
وهم أيضا لم يسعوا بعد طواف الإفاضة لإجزاء طواف العمرة عنه كما
ثبت ذلك بصحيح الروايات عند مبحث أنواع النسك في الجزء الثاني. وما طاف النبيل في حجة الوداع كلها إلا ثلاث مرات مرة للعمرة،
(1) ابن النجيم البحر الرائق، ج 2، ص 357
(2) ابن الهمام، فتح القدير، ج 3، ص 123. (4/108)
صفحة 1429
الرائد
وإن شئت سمها لأول قدومه، وكانت صبيحة اليوم الرابع من ذي الحجة، وقد سعى بعد هذا الطواف.
ومرة يوم العاشر من ذي الحجة للزيارة ولم يسع بعد هذا الطواف كما أثبتنا ذلك من قبل، وثالثة للوداع قبل فجر اليوم الرابع عشر من ذي الحجة.
ومن السابق يظهر لك جليا أن هذا الطواف الذي قال به أحمد والحنفية
ليس بمشروع وقد نطقت السنة بخلافه.
والإمام مالك وأصحابه يرون أن طواف القدوم إذا وصل بالسعي يجزي عن طواف الإفاضة لمن تركه جاهلا أو لسنة ولم يؤده حتى رجع إلى بلده، وعليه الهدي).
وذكر القرطبي أنه روى ابن القاسم وغيره عن مالك فيمن طاف طواف الإفاضة على غير وضوء أنه يرجع من بلده فيفيض إلا أن يكون تطوع بعد
ذلك.
قال: وهذا مما أجمع عليه مالك وأصحابه وأنه يجزيه تطوعه عن الواجب المفترض عليه من طوافه، وكذلك أجمعوا أن من فعل في حجه شيئا
(1) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 173، وابن رشد، بداية المجتهد، ج 1، ص 251. (4/109)
صفحة 1430
الرائد
تطوع به من عمل الحج وذلك الشيء واجب في الحج قد جاز وقته فإن تطوعه ذلك يصير للواجب لا للتطوع بخلاف الصلاة.
فإذا كان التطوع ينوب عن الفرض في الحج كان الطواف لدخول مكة أحرى أن ينوب عن طواف الإفاضة إلا ما كان من الطواف بعد رمي جمرة العقبة يوم النحر أو بعده للوداع.
ولا دليل للمالكية يؤيد قولهم السابق غير مجرد النظر، فطواف الإفاضة ثابت وجوبه بأدلة خاصة به وإسقاط هذا الوجوب بإجزاء غيره عنه لا إلا بدليل يكون حجة في سوق المناظرة ثم إن الإفاضة لم يدخل وقته
يصح
بعد، والمالكية يقولون بوجوب الترتيب بين أعمال اليوم العاشر كما سيأتي.
وقد اختلف القائلون بمشروعية طواف القدوم على النحو السابق من الخلاف في حكمه، فقال الأكثر منهم إنه سنة وليس بواجب، فلا يلزم تاركه
(1) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 12، ص 51.
(2) الجصاص، أحكام القرآن، ج 1، ص 96، وابن عبد البر، التمهيد، ج 8، ص 234، والنووي، المجموع، ج 8، ص 13، والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 12، ص 51، (4/110)
صفحة 1431
الرائد
111
وقال غيرهم إنه واجب، واختلفوا في وجوب الدم على من تركه.
وقال بعض هؤلاء من نسي طواف القدوم، أو نسي شوطا منه، أو نسي السعي أو شوطا منه حتى رجع إلى بلده ثم ذكره فإن لم يكن أصاب النساء رجع إلى مكة حتى يطوف بالبيت ويركع ويسعى بين الصفا والمروة يهدي، وإن أصاب النساء رجع فطاف وسعى ثم اعتمر وأهدى".
ونقل أن هناك من قال من الفقهاء بركنية طواف القدوم، وهذا القول على إطلاقه لا دليل يسنده إلا إن كان صاحبه يريد بالقدوم كل طواف طافه صاحبه أول ما يقدم على البيت فيدخل فيه طواف العمرة، وطواف الزيارة لمن لم يأت مكة قبل ذلك.
وابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 479، وابن النجيم البحر الرائق، ج 2، ص 357، والمرداوي، الإنصاف، ج 4، ص،61، والصائغي لباب الآثار، ج 4، ص 51. (1) الجصاص، أحكام القرآن، ج 1، ص 96، وعبد الوهاب، التلقين، ج 1، ص 231، وابن عبد البر، الكافي، ص 135 و 165، والنووي، المجموع، ج 8، ص 13، والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 12، ص 51، والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص 273، والمرداوي،
الإنصاف، ج 4، ص 61.
(2) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 12، ص 51.
(3) عليش، منح الجليل، ج 2، ص 222. (4/111)
صفحة 1432
الرائد
وقال الشوكاني بوجوب طواف القدوم على من كان منسكه كمنسك النبي، واستدل لذلك بأنه الطاف للقدوم كما تواترت الأخبار عنه بذلك، وأي فعل فعله النبي صلى الله عليه وسلم فالأصل فيه الوجوب؛ لأن فعله صلى الله عليه وسلم مبين لمجمل واجب هو قوله تعالى {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ
رج
سبيلا
وقوله: خذوا عني مناسككم، وقوله حجوا كما رأيتموني أحج، وهذا الدليل يستلزم وجوب كل فعل فعله النبي صلى الله عليه وسلم في حجه إلا ما خصه دليل.
وفي كلام الشوكاني تهويل في العبارة إذ مقدمته قائم سوقها على أن النبي طاف أول الطواف للقدوم، ولا أدري من أين للشوكاني أن ذلك الطواف كان لعلة القدوم إن الأدلة لتثبت أن ذلك الطواف كان لعمرة القرآن، وعليه فتسقط كل النتائج لسقوط المقدمة.
أما إن أراد بطواف القدوم أول ما يقدم مع غض الطرف عن العمرة فنعم ولكن لا يقال بالركنية إذ إنه أسقطه عن السيدة عائشة لحيضها،
(1) سورة آل عمران الآية (97).
(2) الشوكاني، السيل الجرار، ج 2، ص 190، ونيل الأوطار، ج 5، صر (4/112)
صفحة 1433
الرائد
113
والشوكاني نفسه يقول بأن القارن يجزيه طواف واحد وسعي واحد، كما يصرح بأن النبي كان قارنا، فما دام يجزي القارن طواف واحد وسعي واحد فلازمه عدم وجوب الطواف الأول ولا السعي الأول.
واستدلال الشوكاني بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حجوا كما رأيتموني أحج، رد
عليه؛ إذ ليس لهذا اللفظ أصل عن النبي، وقد بحثت عنه فلم أجده. استدل الأكثر القائلون بعدم وجوبه بأنه تحية فلم يلزم تاركه شيء كتحية
المسجد).
كما أن الله أمر بالطواف مطلقا، والأمر لا يقتضي التكرار، وطواف
الزيارة واجب بالاتفاق فلم يكن ما قبله واجبا).
وفي هذا الدليل نظر، وذلك لأنه إن كان الاستدلال على طواف القدوم بآية الأمر بالطواف فالأصل أنها إما أن تفيد الوجوب للجميع أو لا تفيده إلا
لواحد.
أما أن يؤخذ منها وحدها وجوب الزيارة وسنية القدوم فذلك مما لا
(1) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 217،والسرخسي المبسوط، ج 4، ص 34، والشنقيطي، أضواء البيان، ج 4، ص 404.
(2) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 34. (4/113)
صفحة 1434
الرائد
يصح
لأنه يكون من باب اجتماع الحقيقة والمجاز في الاستعمال الواحد للفظ
وذلك لا يصح.
واستدل لسنية طواف القدوم بأنه ثبت بالإجماع أن الطواف الذي هو
ركن في الحج موقت بيوم النحر حتى لا يجوز قبله فما يؤتى به قبل يوم النحر لا يكون واجبا؛ لأنه يؤتى به في الإحرام ولا يتكرر ركن واحد في الإحرام واجبا كالوقوف بعرفة فكان سنة، بخلاف طواف الوداع فإنه يؤتى به بعد تمام التحلل ولو جعل واجبا فإنه لن يؤدي إلى تكرار الطواف الواجب في
الإحرام".
كما استدل آخرون على عدم وجوب طواف القدوم بإجماع العلماء على سقوطه عن المكي وعن المراهق الخائف فوت عرفة والله لقد افترض على المكي وغيره إذا استطاعه فلو كان طواف القدوم فرضا لاستوى فيه المكي وغيره كما يستوون في طواف الإفاضة".
أما القائلون بالوجوب فاستدلوا أول ما استدلوا حديث محمد بن عبد
الرحمن بن نوفل القرشي أنه سأل عروة بن الزبير فقال: قد
حج النبي
(1) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 34.
(2) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 217. (4/114)
صفحة 1435
الرائد
115
فأخبرتني عائشة د أنه أول شيء بدأ به حين قدم أنه توضأ ثم طاف
بالبيت).
وهذا الفعل منه الأصل فيه الوجوب لحديث "لتأخذوا عني
مناسككم".
كما استدل بعضهم بأن المقصود زيارة البيت للتعظيم فالنسك الذي يكون عند ابتداء الزيارة يكون واجبا بمنزلة الذكر عند افتتاح الصلاة وهو التكبير.
واعترض هذا الأخير بقياس أولى منه وذلك أن الطواف في الحج بمنزلة ثناء الافتتاح في الصلاة؛ لأن التلبية عند الإحرام هنا كالتكبير هناك، وكما أن ثناء الافتتاح الذي يؤتى به عقيب التكبير سنة فكذلك الطواف الذي يؤتى به عقيب الإحرام سنة".
واستدل آخرون على الوجوب بأن السعي الذي بعد هذا الطواف
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب الوضوء في الطواف (1560).
(2) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 34.
(3) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 34. (4/115)
صفحة 1436
الرائد
واجب ولا يكون الواجب بناء على ما ليس بواجب).
وفي القول السابق المصور لطواف القدوم نظر وذلك لأنهم قالوا إنه لا
يتصور إلا في حق المفرد أو القارن، والنظر الذي يظهر يتبين بكل حالة من
المذكورات.
أما القارن فلا يخلو الأمر فيه من أحد حالين:
أولهما: أن يطوف ويسعى قبل طواف اليوم العاشر.
ثانيهما: أن لا يطوف ولا يسعى إلا في اليوم العاشر، وهذه الحالة الثانية لا يكون فيها طواف قدوم مستقل كما تدل على ذلك السنة وقد مر ذكرها. والسيدة عائشة منعها الحيض من الطواف الأول فكانت قارنة، ولم د يأت أنها طافت للقدوم بل طافت مع زوجها وزوجاته صباح اليوم العاشر للإفاضة، وبين لها أن هذا الطواف الأخير يجزيها عن طواف العمرة والحج.
ولو كان مشروعا لمن هذا حاله أن يطوف للقدوم لأمرت به، ولما لم
تأمر ولا غيرها دل ذلك على انعدام المشروعية.
(1) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 34. (4/116)
صفحة 1437
الرائد
117
أما الحالة الأولى فتقدم البيان مقررا بأدلته غير مرة أن طوافه صلى الله عليه وسلم وسعيه إنما هو للعمرة وليس هو للقدوم؛ إذ اختلاط طواف العمرة بطواف الحج إنما يكون في غير حال الاختيار، أما حال الاختيار فيكون فيه طواف العمرة متميزا عن طواف الحج كما هو ظاهر الأدلة، وعلى ذلك فلا يكون طواف
قدوم
وقال الصنعاني: لا خفاء في أنه ليس في العمرة طواف قدوم، بل هو
طواف العمرة، ولا يتصور طواف القدوم إلا في حق الحاج إفرادا). وجماعة من أهل العلم يرون طواف القارن الأول طواف العمرة ولا يقولون باختلاط طواف الحج بالعمرة غير أنهم استحبوا للقارن أن يطوف للقدوم بعد طواف العمرة، ويكون على هذا الأخير أول وقته حين دخوله مكة، وآخره من وقوفه بعرفة، فإذا وقف فقد فات وقته، وإن لم يقف فإلى
طلوع فجر النحر".
قال ابن النجيم:
يأتي بأفعال العمرة أولا من الطواف والسعي بين الصفا والمروة والرمل
(1) الصنعاني، العدة، ج 3، ص 1227.
(2) المرغيناني، الهداية، ص 154، وابن عابدين رد المحتار، ج 2، ص 494. (4/117)
صفحة 1438
الرائد
118
في الأشواط الثلاثة والسعي بين الميلين الأخضرين وصلاة ركعتي الطواف، ثم يأتي بأفعال الحج كلها ثانيا فيبدأ بطواف القدوم ويسعى بعده إن شاء،
وهذا الترتيب أعني تقديم العمرة في أفعال الحج واجب.
وقد بينا ضعف هذا الرأي قبل قليل بما يغنينا عن إعادته هنا.
وأما المفرد الذي يدخل مكة مع قدرته على الطواف فتقدم البيان عند ذكر أنواع النسك أنه يلزمه أن يحل بعمرة ليكون متمتعا كما هو مذهب ابن عباس {وجماعة من التابعين وعليه علماء الإباضية إن طاف وسعى، والإمامية مطلقا، وانتصر له ابن حزم من الظاهرية، وابن القيم من علماء الحنابلة وغيرهم كما تقدم ذكر ذلك، وهو ظاهر السنة ومقتضى الأدلة، وعليه فلا محل لطواف القدوم في حال المفرد؛ لأنه يلزمه أن يحل بعمرة ليكون متمتعا فطوافه طواف العمرة لا القدوم.
ولو لم يقل بالسابق وأخذ برأي الجمهور المخير بين الأنواع الثلاثة من أقسام الإحرام لما وجد دليل يفيد أن المفرد يسن له أن يطوف للقدوم، إذ
معه
تقدم سلفا أنه لم يكن من بين أصحاب النبي الا الذين طافوا أول الأمر مع
من هو مفرد.
(1) ابن النجيم، البحر الرائق، ج 2، ص 386. (4/118)
صفحة 1439
الرائد
119
كما تقدم البيان أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارنا وعليه فما كان الناس إلا أحد متمتع أو قارن ساق الهدي، فأنى لهم استحباب طواف القدوم
رجلين
للمفرد، وقد مضت المسألة مقررة عند مبحث أنواع النسك.
وتقدم أن من الفقهاء من يستدل بفعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وذلك أنه بدأ أول ما بدأ لما قدم مكة يوم حجة الوداع بالطواف بالبيت، ومن ذلك قول السيدة عائشة: إن أول شيء بدأ به حين قدم النبي أنه توضأ ثم
طاف (2).
وهذا من حيث الوقوع لا إشكال فيه أنه بدأ بالطواف لكنا نقول إن هذا الطواف كان طواف نسك العمرة سواء كانت عمرة القرآن كما هو فعل النبي ومن وافقه ممن ساق الهدي معه، أو عمرة التمتع كما هو حال أكثر
الصحابة الذين كانوا معه، ولم يكن لهذه القسمة ثالث.
وليس في قول جابر بن عبد الله {حين قدم، دليل على مشروعية طواف القدوم على وجه الاستقلال، لأن ذلك الوصف يصح في الغالبية من أصحابه الذين تمتعوا ومع ذلك نص القائلون بطواف القدوم أنه لا يشرع
(1) النووي، شرح صحيح مسلم، ج 8، ص 211، وابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 479. (2) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب من طاف بالبيت إذا قدم مكة (1614). (4/119)
صفحة 1440
الرائد
120
طواف القدوم للمتمتع إذ طواف العمرة يجزيه.
لكن إن قيل بإطلاق لفظ القدوم على كل من كان طوافه هو الأول الذي يلقى فيه البيت العتيق فلا إشكال في الجواز إذ القضية لا تعدو الاصطلاح،
وقد ثبت أن النبي و كان يبدأ بالطواف أول ما يبدأ عند دخول مكة.
وعلى هذا يشمل مصطلح طواف القدوم القارن والمتمتع والمعتمر حينما يكونون في طوافهم الأول.
ومن الفقهاء من استدل لإثبات طواف مستقل للقدوم بحديث إسماعيل بن أبي خالد عن وبرة قال: كنت جالسا عند ابن عمر فجاءه رجل فقال: أيصلح لي أن أطوف بالبيت قبل أن آتي الموقف؟
فقال: نعم، فقال: فإن ابن عباس يقول: لا تطف بالبيت حتى تأتي الموقف، فقال ابن عمر: فقد حج رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف بالبيت قبل أن يأتي الموقف، فبقول رسول الله أحق أن تأخذ أو بقول ابن عباس إن كنت
صادقا (2).
(1) النووي، شرح صحيح مسلم، ج 8، ص 217
(2) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب ما يلزم من أحرم بالحج ثم قدم مكة من الطواف
والسعي (1233). (4/120)
صفحة 1441
الرائد
121
لكن في الاستدلال بالسابق النظر المتقدم من أن طواف النبي صلى الله عليه وسلم
وأصحابه كان طواف نسك وليس هو بطواف مستقل، ولا قائل بالمنع من طواف النسك بل ابن عباس يلزم بذلك.
لكن نهي ابن عباس عن الطواف هنا إنما كان لأجل أنه يرى وجوب التمتع بالحج إن طاف المحرم ولا خير في الإفراد حينها ولا القرآن إلا إن كان سائقا الهدي، فمن أراد الإفراد لم يشرع له الطواف لأنه بطوافه يجب عليه أن يتحلل بعمرة.
ومن السابق كله نقول إن طواف القدوم الذي مضى ذكره وتترتب عليه أحكام خاصة به دون غيره من الطواف غير مشروع لذات القدوم بل للنسك
المحرم به فالمتمتع يطوف للعمرة، والقارن يطوف للعمرة.
والمفرد الذي لم يأت البيت يطوف في اليوم العاشر للإفاضة، ولم يأت الأدلة شيء من يفيد أنه يطوف للقدوم طوافا مستقلا، ويظهر أن قول من
قال به في هذا الموضع عري عن الدليل.
ومما يؤيد السابق الذي فيه أن مشروعية الطواف السابق للنسك المحرم
به لا لذات القدوم أنه قد تخلف الحكم السابق وهو مشروعية الطواف مع
تحقق الوصف وهو القدوم كما في حديث: (4/121)
صفحة 1442
الرائد
122
نافع عن عبد الله بن عمر {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل يوم الفتح من أعلى
من
مكة على راحلته مردفا أسامة بن زيد ومعه بلال ومعه عثمان بن طلحة الحجبة حتى أناخ في المسجد فأمره أن يأتي بمفتاح البيت ففتح ودخل رسول الله ومعه أسامة وبلال وعثمان فمكث فيها نهارا طويلا.
ثم خرج فاستبق الناس، وكان عبد الله بن عمر أول من دخل فوجد بلالا وراء الباب قائما فسأله: أين صلى رسول الله؟ فأشار له إلى المكان الذي صلى فيه، قال عبد الله فنسيت أن أسأله كم صلى من سجدة. الحديث أخرجه البخاري)، وفيه بيان متفق عليه بين أهل السير أن
النبي
قد دخل مكة يوم الفتح ولم يطف للقدوم.
ولو كان للبيت طواف خاص اسمه القدوم لما تخلف هنا؛ إذ الوصف
الآفاق ومع
قائم وهو القدوم من الآفاق
ذلك تخلف الحكم مما يؤذن بعدم صلاحيته
ليكون علة للحكم إذ من أوصاف العلة الانضباط وإلا لما كانت علة، والواقع أن الأمر الذي ينضبط في هذا المجال ويدور مع الحكم مطلقا هو
النسك لا غير فلا طواف يشرع بغير النسك إلا طواف النفل المطلق.
(1) کتاب المغازي، باب: دخول النبي صلى الله عليه وسلم من أعلى مكة (4038). (4/122)
صفحة 1443
الرائد
123
ومما يدلك على أن القدوم نفسه ليس بعلة للطواف المذكور الاتفاق
الذي يذكرونه أن المتمتع لا يشرع له طواف القدوم لأنه يأتي بالنسك. أما القارن فقول من قال فيه بطواف القدوم إنما هو لأنهم لا يقولون بأن طوافه الأول هو للعمرة بل هو للقدوم، وقد تبين من قبل أن هذا القول فيه ضعف بل طوافه الأول للعمرة.
وقد استدل بعض الفقهاء لإثبات طواف القدوم بحديث "من أتى البيت فليحيه بالطواف).
وهذا الحديث ليس له أصل بهذا اللفظ عن النبي، ولربما أورد بلفظ
"
"تحية البيت الطواف وكلاهما ليس له أصل عن النبي.
وقد بحثت عنه كثيرا لأجد له إسنادا فلم أجد، وما كان هذا حاله فليس
بحجة في إثبات أمر شرعي
(1) المرغيناني، الهداية، ص 141، والزيلعي تبيين الحقائق، ج 2، ص 19، وابن الضياء، البحر العميق، ج 2، ص 1097، وابن الهمام، فتح القدير، ج 2، ص 457.
(2) الزيلعي، نصب الراية، ج 3، ص 51، وابن حجر، الدراية، ج 2، ص 17، وابن الهمام فتح القدير، ج 2، ص 457، وعلي القاري، المصنوع، ص
79 (4/123)
صفحة 1444
الرائد
124
6 - طواف الصدر
سماه بذلك بعض أهل العلم، ومنهم من سماه طواف الإحرام"، وهو خاص بمن أراد أن يحرم بالحج يوم التروية من مكة، يطوف ويسعى ثم يحرم بالحج عقيب ذلك).
ونص هؤلاء على أنه إن أحرم قبل أن يطوف فقد أساء ويمضي إلى منى ولا يطوف بعد الإحرام.
واختلفوا في وجوب الدم على من أحرم بالحج ولم يطف هذا الطواف فمنهم من أوجبه ومنهم من لم يوجبه لأنه بخروجه غير مفارق للبيت وإنما
خرج ليعود إليه، مع الاتفاق على تلويم من لم يأت هذا الطواف.
(1) ابن جعفر الجامع، ج 3، ص 325، والصائغي لباب الآثار، ج 3، ص 199، وج 4،
ص 79
(2) البسيوي، الجامع، ج 2، ص 269.
(3) ابن، جعفر، الجامع، ج 3، ص 320، والبسيوي الجامع، ج 2، ص 269، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 167، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 205، والصائغي، لباب
الآثار، ج 3، ص 199، والمرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 25.
(4) البسيوي، الجامع، ج 2، ص 269، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 167، والصائغي، لباب الآثار، ج 3، ص 200. (4/124)
صفحة 1445
الرائد
ونص بعض القائلين بهذا الطواف أنه بمعنى الوداع للبيت)؛ إذ المحرم
بالحج سيخرج إلى منى وعرفات فيشرع له عندها توديع البيت.
وهذه العلة على هذا الرأي تجعله مشروعا لكل من أراد الخروج من
الحرم ولو كان مفردا أو قارنا كما نصوا على ذلك.
ولا أعلم لهؤلاء دليلا مرفوعا أو له حكم الرفع يستندون عليه في
الطواف السابق غير موقوف على ابن عمر من فعله كما في حديث أبي خالد قال: قلت لنافع: متى كان ابن عمر يروح؟ قال: رسوله عند
عن ابن جريج الإمام، فإذا راح راح عجل أو أخر، قال:
وكان لا يخرج حتى يطوف سبعا، وكان يحب أن لا يصلي الظهر إلا بمنى، قال: وأخر الإمام يوما فصلى دون منى".
والظاهر أن السنة بخلاف ذلك، فالنبي لم يأمر أصحابه بالطواف بالبيت قبل إحرامهم بالحج صباح اليوم الثامن ولا جاء شيء من الروايات
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 167، والصائغي لباب الآثار، ج 4، ص 79، والنووي، المجموع، ج 8، ص 77، والمرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 25.
(2) الصائغي، لباب الآثار، ج 4، ص 79.
(3) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 314. (4/125)
صفحة 1446
الرائد
126
يثبت أنهم قد طافوا هذا الطواف بل الوارد أنهم أحرموا يوم الثامن دون طواف كما في قول جابر بن عبد الله: فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر.
وظاهر هذا أنهم لم يطوفوا في هذا اليوم، قال الشيخ إسماعيل: وليس في الأخبار ما يدل على أنهم ودعوا البيت بالطواف، ولكن استحب ذلك
العلماء).
(1) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب: حجة النبي صلى الله عليه وسلم (1218). (2) الجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2، ص 160. (4/126)
صفحة 1447
الرائد
127
أولا: العقل
المبحث الخامس: شروط الطواف وواجباته
سبق أن بينا في الفصل الأول من هذا الكتاب أن عبادة الحج تعبدية محضة، لذا فمناط وجوبها على الناس هو العقل والاستطاعة عليها، ومعدم العقل لا يتوجه إليه الخطاب بالحج اتفاقا بين أهل العلم.
والطواف بالبيت من شعائر هذه العبادة فيشرط لصحته العقل، وغير
العاقل لا يصح طوافه، فالمغمى عليه ومن زال عقله لعارض لا طوافهم ولو حملهم غيرهم.
يصح
والخلاف بين الفقهاء فيمن شرع في الطواف لكن عرض عليه عارض زال معه عقله حينا ثم رجع أيستأنف طوافه من جديد أو يبني على السابق؟ ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه يستأنف طوافه من جديد سواء طال
الفاصل أو قصر "
(2)
ومن الذين يشترطون النية من قال إن الشرط أن لا يصرف النية إلى غير
(1) الشافعي، الأم، ج 2، ص 178
(2) الشافعي، الأم، ج 2، ص 178. (4/127)
صفحة 1448
الرائد
128
جهة النسك، لذا أجاز هؤلاء طواف النائم؛ لأنه لم يوجد منه فعل أصلا وإن
لم يكن حينها ذاكرا للطواف.
ثانيا: نية الطواف
الأعمال في صحتها رهينة النوايا الصالحة ودون النية لا يكون للعمل نفع ولا عائد، والطواف كباقي العبادات يشترط لصحته النية الصالحة التي تميز الدوران لأجل العبادة المقصودة والسعي المراد من مطلق الدوران. والإنسان قد يدور حول الكعبة بحثا عن شيء، أو وصولا إلى مكان دون أن يكون له نية في الطواف المراد به العبادة فهذا لا يجزيه فعله السابق عن طواف العبادة، بل لا بد من أن يخلص المقصد في الطواف حتى يجزيه). قال الشيخ محمد بن إبراهيم الكندي:
النبي
ومن. طاف ولم ينو بطوافه فرضا ولا تطوعا لم يجزه ذلك لما ثبت عن أنه قال: الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، وكل عمل يعرى من النية فغير محتسب به لعامله والطواف عمل فلا يجوز إثباته إلا بقصد ونية
(1) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 313.
(2) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 406، والزركشي، الديباج، ج 1، ص 389، والصائغي، لباب الآثار، ج 3، ص 226، وابن جماعة، هداية السالك، ج 3، ص 928. (4/128)
صفحة 1449
الرائد
129
وإرادة.
غير أن النية إن صاحبت المكلف أنه يطوف للمشروع من الأعمال كأن
ينوي طواف العمرة إن كان للعمرة، أو طواف الزيارة إن كان يوم وهو في الحج دون أن يقصده واجبا أو سنة فإنها تجزي المكلف. قال الإمام أبو سعيد الكدمي:
العاشر
ولا تصح الأعمال إلا بالنيات، وعندي إذا قصد إلى الطواف اللازم في حجته أو عمرته ولو لم يعلم أنه فرض أن ذلك يجزيه، وليس على الناس أن
يكونوا فقهاء إذا عملوا بما يلزمهم مع القصد إلى تأديته.
وذهب بعض الفقهاء إلى أن النية غير واجبة في الطواف؛ لأن الطواف
في الحج والعمرة أحد الأعمال فيكفي فيه نية النسك في الابتداء.
وعليه فمن وجب عليه طواف فنواه لغيره انقلب إلى الطواف الواجب، ومن طاف للوداع ولم يكن قد طاف للإفاضة وقع طوافه عن
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 129. (2) في الأصل "علموا" ولعل الصواب ما أثبت.
(3) الصائغي، لباب الآثار، ج 3، ص 185.
(4) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 406، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 151. (4/129)
صفحة 1450
الرائد
130
الإفاضة ولو لم يكن قد نواه.
وهؤلاء يستدلون بحديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول: لبيك عن شبرمة. قال: من شبرمة؟ قال: أخ لي أو قريب لي، قال: حججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة.
ووجه الدلالة منه أن الرجل قد لبى عن غيره مع اشتغال ذمته بحجه هو فكان الإحرام إحراما له لا عن شبرمة.
وقد تقدم ذكر الحديث في الجزء الأول من هذا الكتاب وأنه لا يثبت
(2)
مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما ذهب إلى ذلك جماعة منهم ابن المنذر النيسابوري)
فلا يكون حجة.
ثالثا: الطهارة من الحدث
ذهب الجماهير من أهل العلم إلى أن المبتلى بالحدث الأكبر لا يجوز له دخول المسجد، وقد جاء الحكم السابق في حال الجنب في قوله تعالى: {يَتأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا
(1) النووي، المجموع، ج 8، ص 158.
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 151. (4/130)
صفحة 1451
الرائد
131
عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا.
والمسجد الحرام كغيره من المساجد بل هو أولى، وعليه فلا يجوز لمن كان
مبتلى بحدث أكبر جنابة كان أو حيضا أو نفاسا أن يدخله تعظيما لحرمته، بناء على قول الجماهير من أهل العلم السابق ذكره.
ومن المتفق عليه بين الفقهاء جواز دخول صاحب الحدث الأصغر
المسجد
وعدم اشتراط الوضوء لمن أراد دخول المسجد إلا إن شاء الصلاة،
فالشرط إنما هو للصلاة وليس هو لدخول المسجد.
والمسجد الحرام كغيره في هذا الجانب لا يشترط لجواز دخوله الطهارة
من الحدث الأصغر بل يصح لمن لم يكن على وضوء أن يدخله ويمكث فيه ما دام خلوا من وصف الحدث الأكبر.
والقدر السابق متفق عليه من حيث الجملة وفي حال السعة والاختيار
بين الفقهاء، لكن اختلفوا في اشتراط الطهارة من الحدث الأصغر للطواف على أقوال ثلاثة:
أولها الوضوء شرط لصحة الطواف، وثانيها الوضوء واجب للطواف
(1) سورة النساء، جزء من الآية (43). (4/131)
صفحة 1452
الرائد
132
وليس بشرط، وثالثها الوضوء سنة وليس بواجب في الطواف، ونذكر كل قول على حدة وتفصيله وأدلته.
القول الأول: الوضوء شرط صحة للطواف، ومن انتقض وضوؤه
أثناء طوافه لزمه أن يعيد الوضوء ليصح له طوافه.
وهؤلاء اختلفوا أهو شرط مطلقا، أو أنه شرط في حال الذكر دون
النسيان"، الأكثرون منهم على أنه شرط مطلقا.
واختلف هؤلاء فيمن أحدث أثناء طوافه فقال جماعة إنه يعيد الوضوء ويستأنف الطواف من جديد كما هو حال الصلاة إذ لم يأت دليل يفرق بين
(1) الشافعي، الأم، ج 2، ص 173، وابن رشد، بداية المجتهد، ج 1، ص 250، والغزالي، الوسيط، ج 2، ص 642، وابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 206، والطوسي، الخلاف، ج 2، ص 322، والنووي، شرح صحيح مسلم، ج 8، ص 220، والمجموع، ج 8، ص 15، وابن قدامة الكافي، ج 1، ص 433، والمغني، ج 3، ص 186، والحلي، مختلف الشيعة، ج 4، ص،199، والقرافي الذخيرة، ج 3، ص 238، والجيطالي، مناسك الحج، ج 2، ص 245، وقواعد الإسلام، ج 2، ص 155، والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 131.
(2) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 206، وابن جماعة، هداية السالك، ج 3، ص 916. (4/132)
صفحة 1453
الرائد
133
الصلاة والطواف.
وقال آخرون بل يبني على طوافه السابق إن كان زاد في عدد طوافه على
النصف، وإن لم يزد أعاد الطواف من أوله).
ومنهم من علق الأمر بطول الفصل فإن طال الفصل أعاد، وإن لم يطل
الفصل بنى على الطواف السابق.
ومنهم من قال إنه يبني مطلقا وعليه جمهورهم، والعلة في ذلك أن الطواف عبادة تصح مع التفريق اليسير فوجب أن تصح مع التفريق الكثير
كسائر أفعال الحج والزكاة طردا والصلاة عكسا.
ونبه بعض هؤلاء على أن هذا البناء والخلاف فيه واقع في المتعمد نقض
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 143، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 148، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 390، والقرافي الذخيرة، ج 3، ص 249، والزركشي،
الديباج، ج 1، ص 388، القطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 132.
(2) الطوسي، الخلاف، ج 2، ص 323.
(3) ابن جعفر الجامع، ج 3، ص 321،والبسيوي الجامع، ج 2، ص 269، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 148، والزركشي، الديباج، ج 1، ص 388. (4/133)
صفحة 1454
الرائد
134
وضوئه، أما من لم يكن متعمدا فالبناء في حقه أولى والخلاف أقل.
وقال هؤلاء: إن كان انتقاض الوضوء بعد إتمام شوط عند الحجر الأسود توضأ فبدأ الشوط الذي بعده من الحجر الأسود، أما إن كان انتقاض الوضوء في أثناء شوط من الأشواط فلهم أقوال:
أولها أنه يبني على ما مضى مطلقا؛ لأنه لما استوى حكم التفريق اليسير في الطوفة الواحدة والأطواف وجب أن يستوي حكم التفريق الكثير في الطوفة الواحدة والأطواف.
وثاني الأقوال أنه يستأنف ذلك الشوط من جديد؛ لأن التفريق بين أعداد الأطواف جائز؛ إذ لكل طوفة حكم نفسها، وليس كذلك الطوفة الواحدة فإنه لا يستوي حكم جميعها فجاز أن يبني على أعدادها، ولم يجز أن يبني على أبعاض آحادها).
ومن هؤلاء من قال إذا بلغ الطائف في الشوط الذي انتقض الركن اليماني بنى عليه، أما إن لم يبلغه فلا يبني عليه وليبدأ من ركن الحجر وليهمل
(1) الزركشي، الديباج، ج 1، ص 388، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 143.
(2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 148. (4/134)
صفحة 1455
الرائد
135
الشوط الذي لم يبلغ الركن اليماني.
قال الإمام أبو سعيد الكدمي:
معي أنه يخرج في قول أصحابنا أن الطواف بالبيت لا يجوز إلا بالطهارة بمنزلة الصلاة، وأنه من طاف على غير وضوء كمن لم يطف، ولا أعلم بينهم اختلافا في مثل هذا.
أنه من قولهم أنه إذا انتقض وضوؤه وهو في الطواف توضأ وبنى ومعي على طوافه؛ لأن الطواف ينعقد معهم بما تنعقد به الصلاة، ولا ينحل
كانحلالها (2).
وقال المشترطون للوضوء في الطواف إن الأفعال التي لا تبطل الصلاة لكن الوضوء هي نفسها تبطل الوضوء دون الطواف، فمن قاء أو رعف أعاد وضوءه وبنى على طوافه من حيث خرج الحدث لانتقاض الوضوء هناك. والأصل للسابق القياس على الصلاة، وقد نص الشارع على حكم
الصلاة في المسألة كما في الحديث الصحيح:
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 143.
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 148.
(3) الشافعي، الأم، ج 2، ص 179، القطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 132. (4/135)
صفحة 1456
الرائد
136
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: القيء والرعاف لا ينقضان الصلاة، فإذا انفلت المصلي بهما توضأ وبنى على
صلاته (1).
والقول بأن الطواف لا ينتقض بالقيء والرعاف متوجه من حيث دليل القياس على الصلاة للحديث السابق، غير أن قولهم بالبناء في بقية الأحداث
على الخلاف بينهم فيه بالغ الضعف إذ ليس له من دليل يسنده.
فهم قد بنوا اشتراط الطهارة في الطواف على القياس في الصلاة، والصلاة لا بناء فيها في غير الأحداث التي جاء بها الحديث -على خلاف فيه، فالظاهر أنه إما أن يقولوا بعدم اشتراط الوضوء في الطواف رأسا، وإما أن يقولوا بنقضه بالأحداث التي لا يبنى بسببها في الصلاة، اللهم إلا إن كانوا يعدون كل حركة في الطواف أمرا مستقلا لا يصح إلا بطهارة، والأظهر أن الطواف عبادة واحدة.
أدلة القائلين باشتراط الوضوء للطواف
الدليل الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ قبل الطواف بالوضوء ثم طاف كما في
(1) أخرجه الربيع في كتاب الطهارة، باب ما يجب منه الوضوء (113). (4/136)
صفحة 1457
الرائد
137
قول السيدة عائشة: إن أول شيء بدأ به حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم أنه توضأ ثم
طاف (1).
قالوا: وأفعاله في الحج الأصل فيها الوجوب لحديث "لتأخذوا عني مناسككم، ثم إن فعله السابق كان بيانا لمجمل واجب" وهو قول الله تعالى: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ، وما كان بيانا لمجمل واجب فهو واجب.
الدليل الثاني: قالوا: ومما يدل على وجوب الوضوء للطواف أيضا حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة < أنها قالت: قدمت مكة وأنا حائض ولم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: افعلي ما يفعل الحاج، غير أنك لا تطوفي بالبيت حتى
تطهري).
(1) أخرجه البخاري كتاب الحج، باب: من طاف بالبيت إذا قدم مكة (1614). (2) النووي، شرح صحيح مسلم، ج 8، ص 220.
(3) الشنقيطي، أضواء البيان، ج 4، ص 397.
(4) سورة الحج، الآية (29).
(5) أخرجه الربيع في كتاب الحج، باب: ما تفعل الحائض (440). (4/137)
صفحة 1458
الرائد
138
هي
ووجه الاستدلال منه يظهر في أمرين:
أولهما أن المنع عن الطواف كان مغيى بالطهارة مما يعني أن العلة في المنع
الحدث، ومسلك هذه العلة هنا هو الإيماء.
ثانيهما: أن النبي الله أمرها في غير هذه الرواية أن تردف الحج على العمرة فتكون قارنة بعد التمتع، ولو كان الطواف مع عدم الطهارة جائزا لأباح لها الطواف.
ومن الباب السابق في الاستدلال أيضا حديث أبي عبيدة عن جابر بن
زيد عن عائشة
د قالت: قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن صفية بنت حيي
قد
حاضت، فقال لها رسول الله: لعلها حابستنا، ألم تكن قد طافت معكن
بالبيت؟ قلت: بلي قال فاخر جن
ووجه الاستدلال من هذا الحديث كالسابق.
الدليل الثالث: استدل القائلون باشتراط الوضوء للطواف بحديث
عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(1) القرافي الذخيرة، ج 3، ص 238
(2) أخرجه الربيع في كتاب: الحج، باب: ما تفعل الحائض (439). (4/138)
صفحة 1459
الرائد
139
الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أحل فيه النطق فمن نطق فيه فلا ينطق إلا
بخير.
ووجه الاستدلال من الحديث أن الشارع جعل الطواف بالبيت صلاة فيشترط له ما يشترط للصلاة إلا ما أخرجه دليل خاص كالمشي فيه
والانحراف عن القبلة والكلام ونحو ذلك.
ومن شروط الصلاة الطهارة لحديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا إيمان لمن لا صلاة له ولا صلاة لمن لا وضوء له، ولا صوم إلا بالكف عن محارم الله.
فيكون من شروط الطواف الطهارة؛ لأنه لم يأت دليل يخرج الطهارة بل جاء ما يفيد بقاء اشتراطها كما ذكرنا ذلك في الأدلة السابقة.
الدليل الرابع: كما استدل هؤلاء بقول ابن عباس: الطواف بالبيت صلاة، وقالوا إنه تحصل به الدلالة مع أنه موقوف لأنه قول لصحابي انتشر،
(1) الطحاوي، شرح مشكل الآثار، ج 14، ص 201، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 145، وعبد الوهاب البغدادي، الإشراف، ج 1، ص 475، والشنقيطي، أضواء البيان، ج 4، ص 400.
(2) أخرجه الربيع في كتاب الطهارة، باب في آداب الوضوء وفرضه (91). (4/139)
صفحة 1460
الرائد
واذا انتشر قول الصحابي بلا مخالفة كان حجة).
الدليل الخامس: آخر الطواف ركعتا الطواف، وهما لا تصحان إلا من
متوضئ إذ هما صلاة والصلاة لا تصح دون وضوء.
الدليل السادس: الطواف عبادة متعلقة بالبيت فكانت الطهارة والستارة
فيها شرطا كالصلاة، وعكس ذلك الوقوف.
الدليل السابع: قرن الله تعالى بين الطواف والصلاة في كتابه، فإذا كانت الصلاة تشترط لها الطهارة فكذلك الطواف، بل إن تقديم الطواف على الصلاة يدل على أن الطهارة فيها أولى.
والقران المذكور هو في قوله تعالى: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِمَ وَإِسْمَعِيلَ أَن
طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّابِفِينَ وَالْعَنكَفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ).
واعترض على ذلك بأن دلالة الاقتران لا يسلم بها جمهور أهل العلم
(1) النووي، شرح صحيح مسلم، ج 8، ص 220، والشنقيطي، أضواء البيان، ج 4،
ص 400.
(2) الشوكاني، السيل الجرار، ج 2، ص 191.
(3) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 187، والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص 238.
(4) سورة البقرة، جزء من الآية (125). (4/140)
صفحة 1461
الرائد
141
فليست
هي بحجة عندهم، ثم إن الحال هنا أن الاتفاق قائم بين أهل العلم
على عدم الأخذ بها هنا لأمرين:
أولهما: الاعتكاف مما ورد في الآية والإجماع قائم بين أهل العلم على أنه لا يشرط للاعتكاف الوضوء.
ثانيهما: خالف الطواف الصلاة في أغلب الأحكام، والمفترض من دلالة الاقتران التسوية بينهما لكن وقع الإجماع من أهل العلم على أنه ليس فيه
تسليم ولا دعاء استفتاح ولا استقبال قبلة ولا تجب له قراءة الفاتحة.
وله قطع الطواف لحضور الجماعة ثم البناء على الطواف السابق، كما أنه لا يحتاج إلى تسوية الصفوف ولا تأخير النساء إلى آخر الأمور الفارقة بين الصلاة والطواف بل الظاهر أنهما لا يجتمعان إلا في قضية الطهارة على خلاف واسع بين أهل العلم فيها.
القول الثاني: الوضوء واجب وليس بشرط، فيجبر بالدم ويصح الطواف إن تركه من تركه؛ لأنها عبادة لا يشترط فيها الاستقبال فلم يشترط (4/141)
صفحة 1462
الرائد
فيها الوضوء كالوقوف والسعي "
(1)
142
والحنفية يقولون بوجوب الطهارة من الحدث الأصغر دون اشتراطها،
ذلك
ومع
هم
يفضلون لمن طاف على غير وضوء أن يعيده، وإن لم تمكن
الإعادة كان عليه دم.
وفصلوا في الدم فقالوا شاة إن كان على غير وضوء، وبدنة إن كان الطواف مع وصف الجنابة؛ لأن الحال في الجنابة أشد منه في الحدث الأصغر فالمبتلى بالجنابة ممنوع من أمرين: الطواف بالبيت ودخول المسجد، أما المحدث حدثا أصغر فالمنع كان من أجل الطواف وحده".
والسابق كله في طواف الزيارة الذي هو ركن في الحج، غير أنهم نصوا أن طواف العمرة لا يكون على المبتلى بالطواف مع وصف الجنابة بدنة؛ لأنه لا يلزم في العمرة كلها بدنة فلا يلزم هنا بالبدنة في جزء منها.
كما نص الحنفية أيضا على أن طواف الوداع الذي يصطلحون على
(1) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 38، وابن قدامة، الكافي، ج 1، ص 434، والمغني، ج 3، ص 186، وابن النجيم البحر الرائق، ج 3، ص 19، وابن مفلح، المبدع، ج 3، ص
221
(2) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص،38، والمرغيناني، الهداية، ج 1، ص 165. (4/142)
صفحة 1463
الرائد
143
تسميته بالصدر - يختلف حكمه عن طواف الزيارة، فمن طاف طواف الصدر محدثا فعليه صدقة؛ لأنه دون طواف الزيارة وإن كان واجبا فلا بد من
إظهار التفاوت ولو طاف جنبا فعليه شاة؛ لأنه نقص كثير طواف الزيارة فيكتفى بالشاة.
هو دون
وقد اختلف الحنفية في المعتبر من طوافيه إذا ما أعاد الطواف من طاف
وهو محدث، فمنهم من قال إن الطواف الأول الحدث مع هو المعتبر، وما الثاني من طوافيه إلا جبر للأول.
ودليل ذلك أنه لا شك في وقوع الأول معتدا به حتى حل به النساء،
وتقرير ما علم شرعا باعتداده حال وجوده أولى".
ثم إنه لو طاف لعمرته جنبا في رمضان ثم أعاد طوافه في أشهر الحج وحج من عامه ذلك لا يكون متمتعا، فلو كان المعتبر هو الطواف الثاني لكان متمتعا يلزمه ما يلزم المتمتعين).
وذهب آخرون منهم إلى أن المعتد به من طوافيه هو الثاني، ولعل ذلك
(1) المرغيناني، الهداية، ج 1، ص 169.
(2) ابن الهمام، فتح القدير، ج 3، ص 53.
(3) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 39، وابن الهمام، فتح القدير، ج 3، ص 53. (4/143)
صفحة 1464
الرائد
لأنه خلو من النقص الذي دخل الطواف الأول.
أدلة القول بالوجوب دون الشرطية
144
الدليل الأول: أن الله تعالى أمر بالطواف بالبيت في كتابه أمرا مطلقا دون قيد الطهارة، فاشتراط الطهارة فيه زيادة على النص، والزيادة على النص نسخ، ولا يصح نسخ المتواتر بالآحاد، وأحاديث اشتراط الطهارة آحاد فلا ترقى لنسخ المتواتر الذي هو آية القرآن الكريم".
وممكن أن يعترض على هذا بأن قوله تعالى "وليطوفوا بالبيت العتيق" يجوز أن يكون أمرا بأصل الطواف ويكون بيان شروطه موكولا إلى الرسول فيكون قوله بيانا وتخصيصا للعموم لا نسخا فإنه نقصان من النص لا زيادة على النص؛ لأن عموم النص يقتضي إجزاء الطواف بطهارة وغير طهارة فأخرج خبر الواحد أحد القسمين من لفظ القرآن فهو نقصان من النص لا زيادة عليه.
ويحتمل أن يكون رفعا إن استقر العموم قطعا، وبيانا إن لم يستقر، ولا
(1) المرغيناني الهداية، ج 1، ص 165، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 129، وابن
النجيم، البحر الرائق، ج 3، ص 19. (4/144)
صفحة 1465
الرائد
145
معنى لدعوى استقراره بالتحكم.
وصور السرخسي مذهب الحنفية في إيجاب الطهارة في الطواف دون
اشتراطها بقوله:
الطواف اسم للدوران حول البيت وذلك يتحقق من المحدث والطاهر فاشتراط الطهارة فيه يكون زيادة على النص، ومثل هذه الزيادة لا تثبت بخبر الواحد ولا بالقياس؛ لأن الركنية لا تثبت إلا بالنص.
فأما الوجوب فيثبت بخبر الواحد؛ لأنه يوجب العمل ولا يوجب علم اليقين، والركنية إنما تثبت بما يوجب علم اليقين، فأصل الطواف ركن ثابت بالنص، والطهارة فيه تثبت بخبر الواحد فيكون موجب العمل دون العلم فلم تصر الطهارة ركنا ولكنها واجبة والدم يقوم مقام الواجبات في باب الحج).
الدليل الثاني: الإحرام وهو ركن من أركان الحج- يجوز بغير طهارة، وكذلك الطواف بالصفا والمروة، ويستحب أن يكون على طهارة فكذلك
(1) الغزالي، المستصفى، ص 95، والآمدي، الإحكام، ج 3، ص 191.
(2) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 38. (4/145)
صفحة 1466
الرائد
الطواف بالبيت.
(187)
قال الحافظ الطحاوي:
الأصل المتفق عليه أن الإهلال بالحج وبالعمرة قد أمر الناس أن لا يفعلوا ذلك إلا وهم، طاهرون، كما أمروا أن لا يطوفوا بالبيت إلا وهم كذلك، وكان من أحرم بالحج وهو غير طاهر إما بالجنابة به أو لأنه على غير وضوء أنه
مسيء فيما يفعله من ذلك، وأن إساءته تلك لا تمنعه من أن يكون
إحرامه به فيها إحراما قد دخل به في الذي أحرم به.
فلما كان ذلك كذلك في الإحرام كان في الطواف أيضا كذلك، وكان من طاف بالبيت على ما ذكرنا مما استحق به الإساءة مذموما على ما فعل، ولا يمنعه ذمه أن يكون بطوافه ذلك طائفا طوافا يجزيه.
وكذلك وجدناهم لا يختلفون فيمن وقف بعرفة أو بات بمزدلفة وهو جنب أو على غير وضوء أن ذلك يجزيه مع الإساءة التي قد لزمته في فعله ما
فعل على خلاف ما أمره الله تعالى به أن يفعله عليه.
(1) ابن رشد، بداية المجتهد، ج 1، ص 250، وابن عبد البر، التمهيد، ج 8، ص 215،
والاستذكار، ج 4، ص 207.
(2) الطحاوي، شرح مشكل الآثار، ج 15، ص 231. (4/146)
صفحة 1467
الرائد
147
الدليل الثالث: الطواف متردد بين أمرين أولهما تشبيهه بأركان الحج وأعماله الأخرى التي لا يشرط لها الطهارة ثانيهما أنه متعلق بالبيت فيستدعي الطهارة كالصلاة.
وما يتردد بين أصلين يوفر حظه عليهما فلشبهه بالصلاة تكون الطهارة فيه واجبة، ولكونه ركنا من أركان الحج يعتد به إذا حصل بغير طهارة.
القول الثالث: الوضوء سنة في الطواف وليس بشرط)
دليل هذا القول
لم ينقل أحد عن النبي لا لا لو أنه أمر المسلمين بالطهارة للطواف لا في عُمَرِه ولا في حجته مع كثرة من حج معه، واعتمر، وكثيرون منهم حديثو عهد بالإسلام ويمتنع أن يكون ذلك واجبا ولا يبينه للأمة، وتأخير البيان عن
وقته ممتنع".
والأدلة التي استدل بها الموجبون والمشترطون كلها لم ترق للدلالة بل
(1) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 38.
(2) ابن حزم، المحلى، ج 7، ص 179 وابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 207،
والسرخسي، المبسوط، ج 4، ص 38.
(3) ابن القيم، الحاشية على سنن أبي داود، ج 1، ص 66. (4/147)
صفحة 1468
الرائد
148
إنها قد تساقطت دليلا إثر الآخر، وبذلك يبقى أصل الأمر على براءة الذمة.
كما استدل آخرون بحديث أخرجه سعيد بن منصور حدثنا أبو عوانة
عن أبي بشر عن عطاء قال: حاضت امرأة وهي تطوف مع عائشة أم المؤمنين، فأتمت بها عائشة سنة طوافها).
(1)
قال ابن حزم فهذه أم المؤمنين لم تر الطهارة من شروط الطواف.
واعترض الذين لا يقولون بوجوب الوضوء للطواف ولا باشتراطه على أدلة المشترطين للوضوء في الطواف بأمور:
أولها أن الاستدلال بفعله أنه توضأ قبل أن يطوف مع قوله "لتأخذوا: مناسككم" يرده أن النبي و قد فعل أمورا كثيرة ولم يقل أحد من الأمة كافة بوجوبها لدلالة الحديث العام السابق.
عني
فالرمل والاضطباع مما فعله الله في الطواف وهما غير واجبين بل إنه ثبت أنه فعل الرمل والاضطباع في عمرة القضية والجعرانة وعمرة حجة الوداع
(1) نقل ذلك عن سعيد بن منصور جماعة، والسنن مفقود جزء كبير منها. ابن حزم المحلى ج 7، ص 180، وابن جماعة، هداية السالك، ج 3، ص 919، وابن الهمام، فتح القدير
ج 3، ص 51.
(2) ابن حزم، المحلى، ج 7، ص 180. (4/148)
صفحة 1469
الرائد
149
ومع هذا الحفاظ على هذين الأمرين لم يقل الجماهير من أهل العلم بوجوب هذه الأشياء وهي أحرى بالوجوب من الوضوء لو كان الاقتصار في النظر على هذا الدليل إذ وضوء النبي صلى الله عليه وسلم قبل الطواف ما رواه إلا صحابي واحد وفي طواف واحد فقط هو طواف العمرة يوم حجة الوداع، وبقيت أكثر أطوفة النبي لم يرو فيها الوضوء السابق.
ولا يقال إن عدم وجوب هذين الأمرين كان للإجماع على عدم الوجوب؛ لأنه لا إجماع في الحقيقة فثمة قائلون بالوجوب، بل منهم من ألزم
الدم في حال ترك الطائف الرمل مع مشروعيته له كما سيأتي.
وثمة أمور أخرى لم يقل أحد بوجوبها للفعل المجرد منه، ومن ذلك الغسل فمن الثابت أنه اغتسل عند دخوله مكة، وللفقهاء خلاف هل اغتساله ذلك كان لدخول مكة أو للطواف بالبيت، ولم يقل أحد بوجوبه
لهذا الحديث.
ومن السابق المبيت بمنى ليلة عرفة، والخروج بعد طلوع الشمس منها، والإقامة بنمرة قبل الزوال، والصلاة والخطبة بوادي عرنة، وخطب الحج الأربع، والتحريك بوادي محسر، ونحر مئة من الإبل، والركوب عند رمي
(1) الحطاب، مواهب الجليل، ج 3، ص 104. (4/149)
صفحة 1470
الرائد
150
جمرة العقبة، والتطيب بعد الإحلال بالحلق وقبل طواف الزيارة، وصلاة
الظهر بمكة يوم النحر، والتحصيب، وطواف الوداع قبل الفجر.
ومنها يتبين أن حديث "لتأخذوا عني مناسككم" يأمر أن يفعل المسلمون كالوجه الذي فعله دون التفات إلى حكم ذلك الشيء، وهذا هو أولى ما يفسر به الحديث، وستكون لهذا التفسير آثار في الترجيح في مسائل كثيرة يأتي ذكرها.
أو يقال إن قوله "خذوا عني مناسككم من حيث المشروعية لا وجوب
كل شيء فعله فإن هذا أمر قد اتفق على ترك الأخذ بظاهره.
ثم إن قول الراوي إن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ لا يدل على وجوب الطهارة قطعا لاحتمال أن يكون وضوؤه عليه الصلاة والسلام على وجه الاستحباب"، خاصة إن علمنا أنه كان يحافظ على الوضوء في مختلف أوقاته، بل الأصل عنده الوضوء لكل صلاة، كما أنه تيمم لرد السلام كما في حديث
جعفر بن ربيعة عن الأعرج قال: سمعت عميرا مولى ابن عباس قال: أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة زوج النبي حتى صلى الله عليه وسلم دخلنا على أبي
(1) ابن القيم، الحاشية على سنن أبي داود، ج 1، ص 66.
(2) العيني، عمدة القاري، ج 9، ص 285. (4/150)
صفحة 1471
الرائد
151
جهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري فقال أبو الجهيم:
لهما.
أقبل النبي صلى الله عليه وسلم من نحو بئر جمل فلقيه رجل فسلم عليه فلم يرد عليه النبي
حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه ثم رد عليه السلام.
ثم إنه سيتبع الطواف ركعتا الطواف وهما صلاة باتفاق الجميع فيدخلان
"
عموم قوله صلى الله عليه وسلم "لا صلاة بغير وضوء فمن المحتمل أن يكون الوضوء
ومع هذه الاحتمالات كلها تكون قاعدتنا إن الدليل إن طرقه الاحتمال
سقط به الاستدلال.
ثم إن الوضوء ليس بداخل في عموم المناسك حتى يقال إنه بيان لقوله
"خذوا عني مناسككم"
(2)
أما استدلال المشترطين بأن الطواف مجمل بينه النبي صلى الله عليه وسلم بفعله فيكون الوضوء واجبا لكون النبي صلى الله عليه وسلم قد توضأ فَرُدَّ بعدم التسليم بإجمال الطواف، وذلك لأن الطواف معلوم عند العرب وهو الدوران، وقد كانوا يفعلونه
(1) أخرجه البخاري في كتاب التيمم، باب: التيمم في الحضر (330).
(2) الشوكاني، وبل الغمام، ج 1، ص 545. (4/151)
صفحة 1472
الرائد
152
وهو من البقايا التي أخذوها عن أبي الأنبياء إبراهيم".
لذا كانت أفعاله معروفة لدى المسلمين من قبل أن ينزل هذا النص فلا
إجمال فيه.
أما الأدلة التي فيها منع الحائض من الطواف فلا يسلم للمشترطين بها، وذلك لأن من الجائز أن يكون المنع لأجل الحيض وهو الحدث الأكبر - لا لأجل الحدث الأصغر فلا يكون في الحديث دليل على اشتراط الوضوء.
وليست كل عبادة يشترط فيها الطهر من الحيض من شرطها الطهر من الحدث الأصغر فالصوم مشروط لصحته الطهر من الحدث الأكبر دون
الأصغر.
ومعلوم كما تقدم أن الحائض ممنوعة من دخول المسجد فتحمل الأحاديث السابقة عليها، ويكون معنى الحديث حتى تطهري من الحيض.
قال الشوكاني:
ولا يدل على هذا الوجوب منعه للحائض أن تطوف بالبيت؛ فإن
(1) العيني، عمدة القاري، ج 9، ص 285.
(2) ابن رشد، بداية المجتهد، ج 1، ص 250. (4/152)
صفحة 1473
الرائد
153
المانع من ذلك إنما هو حيضها فلا يدل إلا على أن الحائض ممنوعة من البيت بل فيه ما يفيد عدم وجوب كون الطواف على طهارة؛ لأنه لم يأمرها إلا بانتظار انقطاع حيضها ولم يأمرها بأن تتوضأ للطواف.
وأما جواب من أجاب عن الإلزام السابق بأن قوله صلى الله عليه وسلم حتى تطهري، وفي رواية حتى تغتسلي، دليل على أنه أراد الحدث إذ لو أراد المسجد لقال حتى ينقطع الدم"، فغريب لأن من الجائز أن تطهر المرأة وإن لم تتوضأ، ومن الجائز اتفاقا أن تغتسل المرأة دون أن تتوضأ، فالأظهر أن تكون هذه الإجابة دليلا للقائلين بعدم شرطية الوضوء للطواف.
وثاني الأمرين من هذا الدليل وهو قولهم إن الطهارة لو لم تكن شرطا لأمرها النبي صلى الله عليه وسلم بالطواف فيرده أن المنع كان لمفسدة دخول الحائض المسجد، وهذه المفسدة يمكن أن لا تنتهك بجعل النسك قرانا وهو الأمر الذي شهد الشرع له بالجواز.
ولو أمرها بالطواف لكان هناك انتهاك لمفسدة نهى الشرع عنها في الوقت
(1) الشوكاني، السيل الجرار، ج 2، ص 191
(2) ابن عبد البر، التمهيد، ج 8، ص 215، والنووي، المجموع، ج 8، ص 19، والشنقيطي، أضواء البيان، ج 4، ص 398. (4/153)
صفحة 1474
الرائد
154
الذي يمكن تفاديها بإتيان مشروع، ومن قواعدهم أن دفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة، فتحقيق مصلحة التمتع أولى منها دفع مفسدة دخول
الحائض المسجد.
أما الاستدلال بحديث "الطواف بالبيت صلاة" فاعترض عليه بوجوه:
أولها:
عدم التسليم بصحة الحديث، بل هو موقوف على الصحابي كما
سيأتي بيانه مفصلا، وهذا الموقوف كان في فرع فقهي للاجتهاد في تحقيقه
مسرح فلا يكون حجة.
ثانيها: التشبيه لا
عموم
له، ولهذا لا ركوع فيه ولا سجود، ولو كان
حقيقة لكان احتاج إلى تحليل وتسليم والمشبه بالشيء لا يستدعي المشاركة معه في كل شيء، ومما يدل على ذلك هنا أن جواز الأكل والشرب في الطواف
مجمع عليهما مع عدم جوازهما في الصلاة من غير نزاع، وما ورد دليل خاص
ثابت يجيز هما).
قال الكاساني:
ومعناه الطواف كالصلاة إما في الثواب أو في أصل الفرضية في طواف
(1) العيني، عمدة القاري، ج 9، ص 285، وعلي القاري، مرقاة المفاتيح، ج 5، ص 7 ن 487. (4/154)
صفحة 1475
الرائد
155
الزيارة؛ لأن كلام التشبيه لا عموم له فيحمل على المشابهة في بعض الوجوه
عملا بالكتاب والسنة.
ومن الحنفية من حمل قوله الطواف "صلاة بأن الطواف يشبه الصلاة
له
وليس بصلاة حقيقة، فمن حيث إنه ليس بصلاة حقيقة لا تفترض الطهارة، ومن حيث إنه يشبه الصلاة تجب له الطهارة عملا بالدليلين بالقدر
الممكن.
والأمر السابق مبني على التقعيد الأصولي الحنفي الذي يفرق بين الفرض الذي ثبت بدليل قطعي، والواجب الذي ثبت بدليل ظني، والفرض هنا يفيد الشرطية، والواجب لا يفيدها.
ثالثها: قوله الطواف "صلاة مجازي وليس بحقيقة، وما دام كذلك فلا يشرط فيه ما يشرط في الأصل بل قد يكون له نوع علاقة بالأصل في باب
دون غيره فأطلق عليه لفظ الصلاة.
والاستعمال السابق ليس بغريب على الشرع إذ أطلق لفظ الصلاة على
(1) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 129. (2) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 129. (3) العيني، عمدة القاري، ج 9، ص 272. (4/155)
صفحة 1476
الرائد
(107)
عبادات لم يقل أحد من الأمة بإعطائها أحكام الصلاة، ومن ذلك انتظار الصلاة أطلق عليه مصطلح الصلاة، وكما قال أبو الدرداء: ما دمت تذكر الله فأنت في صلاة وإن كنت في السوق.
ومنه قوله: إن أحدكم في صلاة ما دام يعمد إلى الصلاة".
والصلاة التي يشرط لها الوضوء بينها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله "مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم "، فكل ما كان فيه السابق اشترط له الوضوء لصحته، والطواف خلو من السابق فلا يشرط لصحته الوضوء). على أنا إن نظرنا إلى الفوارق بين الطواف والصلاة لوجدناها أكثر من الجوامع؛ فإنه يباح فيه الكلام والأكل والشرب والعمل الكثير، وليس فيه تحريم ولا تحليل ولا ركوع ولا سجود ولا قراءة ولا تشهد، ولا تجب له جماعة، وإنما اجتمع هو والصلاة في عموم كونه طاعة وقربة، وخصوص كونه متعلقا بالبيت وهذا لا يعطيه شروط الصلاة كما لا يعطيه واجباتها
وأركانها).
(1) ابن القيم، الحاشية على سنن أبي داود، ج 1، ص 66.
(2) ابن تيمية مجموع الفتاوى، ج 26، ص 123.
(3) ابن القيم، إعلام الموقعين، ج 3، ص 27. (4/156)
صفحة 1477
الرائد
157
رابعها قوله: "الطواف بالبيت "صلاة" يحتمل أن يكون المراد به الافتقار
إلى الطهارة أي هو كالصلاة حكما، ويحتمل أن فيه دعاء كما في الصلاة، ويحتمل أنه
يسمى صلاة شرعا - وإن كان لا يسمى في اللغة صلاة، فهو
مجمل بين هذه الجهات ولا ترجيح
(1)
وغير خفي عن النظر أن الاعتراض السابق الذي قال به الغزالي مبني
على ترجيح رجحه في مسألة اختلف فيها الأصوليون ورجح الغزالي فيها خلاف قول الجمهور.
والمسألة هي إذا تعذر حمل اللفظ على المعنى الشرعي ولم يمكن الرد إليه إلا بضرب من التجوز، فهل يحمل على اللغوي، أو يكون مجملا، أو يرد إلى
المعنى الشرعي
وتصوير المسألة في قضيتنا أن حديث الطواف بالبيت صلاة" تعذر فيه مسمى الصلاة شرعا فيرد إليه بتجوز بأن يقال كالصلاة في اعتبار الطهارة والنية ونحوهما، أو يحمل على المسمى اللغوي وهو الدعاء بخير لاشتمال
الطواف عليه فلا تعتبر فيهما ذكر ا).
(1) الغزالي، المستصفى، ص 189
(2) العطار، حاشية حسن العطار على جمع الجوامع، ج 2، ص 98. (4/157)
صفحة 1478
الرائد
158
ذهب الغزالي إلى الوقف كما نقلناه عنه، وذهب غيره إلى أنه ظاهر في
لا
الحكم الشرعي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما بعث لتعريف الأحكام الشرعية التي تعرف إلا من جهته لا لتعريف ما هو معروف لأهل اللغة فوجب حمل اللفظ عليه لما فيه من موافقة مقصود البعثة).
واعترض على ذلك بأن الحمل على الأصل اللغوي موافق للبراءة الأصلية-وفي مسألتنا عدم اشتراط الطهارة، بخلاف الحمل على المعنى
الشرعي.
ورد هذا بأن الحمل على المعنى اللغوي تكون فائدة النص الشرعي
التأكيد، أما حمله على المعنى الشرعي فيكون فائدة النص الشرعي وهو أولى من التأكيد.
عنده
التأسيس
أما دليل كون الطواف معقوبا بركعتي الطواف اللتين يشرط فيهما الوضوء اتفاقا فليس بحجة لأن هذا لا يوجب الوضوء لذات الطواف بل هو لغيره، ثم إن جماعة من الفقهاء لا يشرطون الموالاة بين الطواف
(1) الآمدي، الإحكام، ج 3، ص 26، والزركشي، البحر المحيط، ج 3، ص 62، وبادشاه،
تيسير التحرير، ج 1، ص 174.
(2) الآمدي، الإحكام، ج 3، ص 26. (4/158)
صفحة 1479
الرائد
159
والركعتين كما سيأتي.
أما القياس المذكور بأن الطواف عبادة متعلقة بالبيت فشرط لها الوضوء
كالصلاة فترده أمور:
أولها: لا دليل على أن علة اشتراط الوضوء لصحة الصلاة
هي
التعلق
بالبيت، بل إن هذه العلة قد تخلفت في مواضع ولا يزال الوضوء مشروطا
للصلاة، ولو كان علة للحكم لدارت معه
أمثلة تخلف العلة ومن
بقاء المعلول الذي هو اشتراط الوضوء أن مع
شرط الوضوء كان قائما والصحابة مستقبلون المسجد الأقصى.
ثم إن صلاة الخوف يشرط فيها الوضوء مع القدرة عليه والمصلي غير متوجه إلى البيت.
والنبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في السفر على راحلته أينما توجهت وكان يتوضأ. ثم إنه لم يقل أحد بأن من تيقن عدم استقباله القبلة، وكان غير قادر على الاستقبال أنه يسقط عنه الوضوء، لذا فالأولى أن يقال إن علة الوضوء هي
الصلاة نفسها لا الاستقبال؛ لأن علة الصلاة أضبط، وتدور مع معلولها.
و مما يبين أن العلة السابقة غير منضبطة أن ثمة عبادات متعلقة بالبيت ولم (4/159)
صفحة 1480
الرائد
160
يقل
أحد باشتراط الوضوء لها ومن أمثلة ذلك تقبيل الحجر الأسود لمن لم
يكن في طواف، وهكذا النظر إلى البيت فقد نص جماعة أنه عبادة ومع ذلك لم يشرط أحد له الوضوء.
ومن رأى الطواف في هذه الأزمان خاصة للحج وجد أنه أمر عسير يكلف الناس جهدا جهيدا لشدة الزحام في أرض المطاف، واشتراط الوضوء الحال السابق يضاعف المشقة، خاصة إن علمنا أن أحوالا كثيرة يفسد مع فيها وضوء الإنسان بسبب غيره فيضطر إلى أن يعيد وضوءه ويستأنف
طوافه.
والحال أن خروجه من أرض المطاف يكلفه عنتا للجموع الكثيرة، ثم إن
الوضوء مكانه ليس باليسير بل الوصول إلى أماكن الوضوء أمر عسير. ثم الدخول إلى أرض المطاف مع تلك الألوف المؤلفة من البشر، ثم استئناف الطواف من جديد مع احتمال انتقاض الوضوء مرة أخرى، والمشقة يدريها من كابدها.
وهي حرية بالترخيص إن تعينت المشقة والحال كما ذكر - أن لو كانت
(1) ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج 26، ص 213. (4/160)
صفحة 1481
الرائد
161
النصوص صحيحة صريحة فيها، وكيف وقد ظهر لك أنها ضعيفة في النظر فما من دليل من أدلة القائلين بالشرطية إلا ووجهت إليه معاول الإيراد والاعتراض، وأقوى الأدلة ضعيف لا يثبت مرفوعا، وما بعده غير صريح في مقابل مشقة يجمع عليها كل من طاف بالبيت أيام موسم الحج أو رمضان.
على أن جمهور المشترطين للوضوء في الطواف كما تقدم- يقولون إنه يتوضأ ويبني على طوافه السابق، ولا دليل يفيد هذا.
ومن السابق يظهر أنه
عسير القول باشتراط الوضوء للطواف، على
أن
أدلة المشترطين - إلا حديث ابن عباس - لو سلم بها لكانت مفيدة الوجوب دون الشرطية، وقد بينا من قبل عند ذكر محظورات الإحرام أن ثمة بونا بين الوجوب، والشرطية فصلاة الجماعة واجبة على الأعيان كما هو ظاهر الأدلة
الشرعية لكنها ليست بشرط فتصح صلاة من صلى منفردا، وقد حكي
الإجماع على ذلك.
ولكن مع الإنسان طوافا واجبا وأن لا يلجأ إلى الطواف دون وضوء إلا في أقسى
السابق كله ينبغي الاحتياط في أمر الطهارة إذا ما طاف
الظروف أخذا بالاحتياط في الدين إذ القائلون باشتراط الوضوء في الطواف كثرة من أهل العلم. (4/161)
صفحة 1482
الرائد
162
وابن حزم
الظاهري على عادته في الإغراب ذهب في هذه القضية مذهبا
عجبا فقال إن الطواف بالبيت على غير طهارة جائز للجنب وللنفساء، ولا يحرم إلا على الحائض فقط؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم منع أم المؤمنين إذ حاضت من الطواف بالبيت.
وولدت أسماء بنت عميس بذي الحليفة فأمرها بأن تغتسل وتهل ولم ينهها عن الطواف، فلو كانت الطهارة من شروط الطواف لبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم كما بين أمر الحائض.
ولا فرق بين إجازتهم الوقوف بعرفة والمزدلفة والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمرة على غير طهارة وبين جواز الطواف على غير طهارة إلا حيث منع منه النص فقط.
ويرد على كلام ابن حزم على قول المشترطين للطهارة أن الشرع سوّى بين الأحداث الثلاثة في الأحكام كلها، ولم يفرق والمسكوت عنه يحمل على
المنطوق.
لكن هذا لا يرد على ابن حزم إذ إنه لا يقول بالقياس أصلا، فلا يلزمه ما
(1) ابن حزم، المحلى، ج 7، ص 179. (4/162)
صفحة 1483
الرائد
163
التزمه غيره.
وأما على قول من لا يشترط الوضوء للطواف فيرد عليه أن النهي. لأجل الطواف بل النهي قائم عن دخول المسجد مع وصف الحدث الأكبر، والأدلة المانعة لهؤلاء من دخول المسجد ما فرقت بين المسجد الحرام ولا غيره، فلو لم يرد حديث عائشة أصلا لقلنا بالمنع من دخول الجنب والحائض
والنفساء المسجد.
الحائض والطواف بالبيت
د
جاء النص صحيحا عن النبي أنه أمر السيدة عائشة بأن تفعل ما يفعل الحاج غير أن لا تطوف بالبيت وهذا الأمر قد اتفق عليه أهل العلم
وأن الحائض ممنوعة من الطواف بالبيت ما دام الحال في السعة والاختيار. وأفتى بعض أهل العلم بجواز طواف الحائض للإفاضة مع وصف الحيض في حال أن تعين عليها الرجوع إلى البلد، مع عدم إمكان الطواف للإفاضة في الحال ولا المآل وبنوا قولهم على أن الطواف لا تشترط له الطهارة فهي إما أن تكون واجبة له أو سنة.
(1) ابن عبد البر، التمهيد، ج 17، ص 265. (4/163)
صفحة 1484
الرائد
164
ويبقى حينها المنع من دخولها المسجد، ومن غير شك أن دخولها مفسدة،
لكن هذه المفسدة قد التفت الشارع فدفع بها ما هو أشد منها من المفاسد، كقراءة الحائض للقرآن إن استوحشت ولم يُسَكِّنها غيره.
وهكذا لو خافت العدو أو من يستكرهها على الفاحشة أو أخذ مالها
تجد ملجأ إلا دخول المسجد جاز لها دخوله مع الحيض.
والرأي السابق كان في ظرف عارض وزمان خاص وليس هو على سبيل العموم، فمن حيث الاختيار لا يجوز اتفاقا طواف الحائض بالبيت، وهو مع ذلك مخصوص بالإفاضة وحدها لأنه يتصور فيها العسر، أما طواف عمرة التمتع فالضرورة مدفوعة فيه بالقران كما هو فعل السيدة عائشة. ثم إن الأمور في أزماننا قد افترق فيها الحال كثيرا مما يردنا إلى الأصل ولا يسوغ الأخذ بالرأي السابق اتفاقا فالمسافات التي كانت تطوى في الأشهر العديدة ما تزيد في زماننا على يوم أو بعض يوم في وسائط آمنة لا
عسر فيها ولا مشقة.
ثم إن الرأي الذي تدل عليه السنة أن المكاري الذي يحمل المرأة لأداء
(1) ابن القيم، إعلام الموقعين، ج 3، ص 14. (4/164)
صفحة 1485
الرائد
165
الحج ملزم شرعا هو والرفقة بانتظارها إلى حين طهرها.
وهذا شرط شرعي يقال به لو لم يرد نص إذ هو من باب قوله تعالى:
صلے
وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ).
على أنه قد ورد به النص الشرعي وهو حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة قالت: إن صفية بنت حيي زوج النبي صلى الله عليه وسلم حاضت فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أحابستنا هي. فقيل إنها أفاضت، قال:
فلا إذن (3).
قال الإمام السالمي في معرض ذكر فوائد الحديث السابق:
واستدل به على أمور منها أن أمير الحج يلزمه أن يؤخر الرحيل لأجل من تحيض ممن لم تطف للإفاضة .....
ومنها حبس الجمال للحائض إذا لم تطف طواف الزيارة؛ فإنهم قالوا يحبس لها إلى انقضاء أكثر مدة الحيض، وكذا على النفساء، زاد أبو سعيد
(1) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 271، والصائغي، لباب الآثار، ج 3، ص 187. (2) سورة المائدة، جزء من الآية (2).
(3) أخرجه بهذا اللفظ الربيع في كتاب الحج، باب ما تفعل الحائض في الحج (441). (4/165)
صفحة 1486
الرائد
166
أنه يحبس عليها حتى تطوف شرط عليه ذلك أو لم يشرط لأن ذلك معروف
من حال النساء، والعلم به قائم مقام ذكره في الشرط.
ونص كلام أبي سعيد في القضية:
معي
أنه يخرج في قول أصحابنا أن جمال الحائض يحبس إذا ثبت عليها
الكراء في حملها، وليس له أن يخرج ويدعها؛ لأن تركه لها مما يضر بها، ولأن هذا مما لا يتعرى إن ثبت معناه في شرطها ولو لم يشترطه، ولأن ذلك معروف في النساء، وفي تركها الطواف للزيارة معنى فساد حجها والضرر عليها، ولا أعلم في قولهم أن له تركها والخروج عنها.
والمسألة مختلف فيها بين أهل العلم هل يحبس الجمال إلى أن تطهر وتطوف للإفاضة أو لا يحبس، فمنهم من قال بما قدمناه وهو أن الجمال يحبس، ومنهم من قال إنه لا يحبس الجمال مطلقا بل يفسخ عقد الإجارة. ومنهم من قال إذا أفضى الحال إلى ضرر بالجمال بأن تحبسه أكثر من عشرة أيام فينفسخ العقد لمكان الضرر، وإن أفضى الحال إلى حبسه عشرة أيام
(1) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 271.
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 59. (4/166)
صفحة 1487
الرائد
167
أو أقل من ذلك فيجبر الجمال على المقام معها.
ومنهم من استدل في القضية بحديث: أميران وليسا بأميرين: من تبع جنازة فليس له أن ينصرف حتى تدفن أو يأذن أهلها، والمرأة تحج أو تعتمر مع قوم فتحيض قبل طواف الركن فليس لهم أن ينصرفوا حتى تطهر أو تأذن
لهم.
وقد جاء السابق مرفوعا من طريق أبي هريرة) وجابر بن عبد الله،
ولكن أسانيده كلها معلة لا تثبت كما يقول جمع من الأئمة.
على أنه إن لم تتحقق الأمور السابقة كلها جاز للحائض استعمال لقطع الحيض ما دامت لا تضر بصحتها، إذ لا مانع شرعا من ذلك. وإذا ما انقطع الحيض كانت طاهرة فيصح لها دخول المسجد)؛ لأن
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 48، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 214، وابن
جماعة، هداية السالك، ج 4، ص 1376.
(2) العقيلي، الضعفاء، ج 3، ص 229.
(3) أبو نعيم، تاريخ أصبهان، ج 2، ص 49.
(4) الدارقطني، العلل، ج 11، ص 183، والهيثمي، مجمع الزوائد، ج 3، ص 281، وابن
حجر، فتح الباري، ج 3، ص 590، والعيني، عمدة القاري، ج 10، ص 99.
(5) السالمي، جوابات الإمام السالمي، ج 2، ص 175. (4/167)
صفحة 1488
الرائد
168
العلة هي دم الحيض أو النفاس فعند مجيئه تمنع من الصلاة وعند ذهابه تطهر بعد الاغتسال وتخاطب بالصلاة في أيام حيضها كانت أو بعد أيام حيضها، تطهر بالقصة البيضاء كانت أو بالجفاف كما في حديث عائشة قالت: قال النبي: إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم
وصلي"
وعلى السابق كله لا يتصور الوقوع في الضرورة بل يبقى الدليل الشرعي على ظاهره فتفعل الحائض ما يفعل الحاج غير أن لا تطوف بالبيت.
تخريج حديث الطواف بالبيت صلاة
جاء حديث "الطواف بالبيت صلاة مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من ثلاث طرق أولها عن ابن عباس، وثانيها عن ابن عمر، وثالثها عن رجل أدرك
النبي
كما جاء الحديث موقوفا على ابن عباس من قوله.
أما أول الطرق فالتي رواها ابن عباس، وقد رواه عن ابن عباس طاوس
وسعيد بن جبير.
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحيض، باب: إذا رأت المستحاضة الطهر (324). (4/168)
صفحة 1489
الرائد
169
أما أولهما وهي رواية طاوس فقد تعارض فيها الرفع والوقف بين من
روى الحديث عنه.
وذلك لأنه رواه إبراهيم بن ميسرة وعبد الله بن طاوس والحسن بن مسلم
المكي وحنظلة بن أبي سفيان عن طاوس عن ابن عباس موقوفا.
أما رواية إبراهيم بن ميسرة عن طاوس عن ابن عباس موقوفا فقال فيه:
الطواف بالبيت صلاة فأقلوا به الكلام.
والحديث أخرجه النسائي، والبيهقي".
وأما رواية ابن طاوس عن أبيه فرواها عبد الرزاق أنبأ معمر عن ابن عن أبيه عن ابن عباس قال: الطواف صلاة فأقلوا فيه من الكلام.
طاوس عن
كما رواه الحارث بن منصور عن سفيان الثوري عن ابن طاوس عن عن ابن عباس قال: الطواف من الصلاة فأقلوا فيه الكلام.
أبيه
وروى الموقوف أيضا من تلامذة طاوس عطاء بن السائب على ما رواه
(1) النسائي، السنن الكبرى، ج 2، ص 406.
(2) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 87
(3) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 58. (4) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 87. (4/169)
صفحة 1490
الرائد
170
عنه حماد بن سلمة وشجاع بن الوليد.
وقد خولفا في الرواية فأكثر الرواة عن عطاء رووه عنه عن طاوس عن
ابن عباس مرفوعا كما سيأتي، ولعل مرد ذلك إلى التخليط الذي ابتلي به عطاء وقد ذكرناه آنفا في مباحث سبقت.
أما المرفوع إلى النبي فجاء من طرق عن طاوس، أولها ليث بن أبي سليم عنه، وثانيها عطاء بن السائب عن طاوس، وثالثها الحس بن مسلم عنه، ورابعها إبراهيم بن ميسرة، وخامسها حنظلة بن أبي سفيان.
وأول الرواة عن عطاء هو ليث بن أبي سليم".
وليث ضعيف في الرواية فقد قال النسائي ويحيى بن معين: ضعيف، وقال ابن حبان اختلط في آخر عمره حتى كان لا يدري ما يحدث به فكان الأسانيد ويرفع المراسيل ويأتي عن الثقات بما ليس من أحاديثهم كل
يقلب
ذلك كان منه في اختلاطه.
تركه يحيى القطان وابن مهدي وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين.
(1) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 85
(2) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 87. (4/170)
صفحة 1491
الرائد
171
وعليه فمخالفته للثقات تجعل روايته من باب المنكر من الأحاديث، على
أن روايته هذه غير مقبولة أن لو انفرد بها، وسقط بذلك المرفوع الأول. وثاني الروايتين المرفوعتين رواية عطاء بن السائب عن طاوس، وقد رواه عنه جماعة عن طاوس عن ابن عباس مرفوعا منهم فضيل بن عياض كما في حديث سعيد بن منصور عن فضيل بن عياض عن عطاء بن السائب عن طاوس عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
الطواف بالبيت صلاة، ولكن الله أحل لكم فيه النطق فمن نطق فلا
ينطق إلا بخير.
والحديث أخرجه ابن الجارود واللفظ له، والدارمي، وابن حبان،
(0)
والحاكم.
(1) ابن حبان، المجروحين، ج 2، ص 231، وابن عدي الكامل، ج 6، ص 87، والعقيلي،
الضعفاء، ج 4، ص 14.
(2) ابن الجارود، المنتقى، ص 120.
(3) الدارمي، سنن الدارمي، ج 2، ص 66. (4) ابن حبان، صحيح ابن حبان، ج 9، ص 143.
(5) الحاكم، المستدرك، ج 2، ص 293. (4/171)
صفحة 1492
الرائد
172
وممن رواه عن عطاء مرفوعا سفيان الثوري وقد أخرجه الحاكم في المستدرك، والبيهقي في السنن الكبرى".
كما رواه عن عطاء مرفوعا أيضا موسى بن أعين وجرير بن عبد الحميد، وسفيان بن عيينة).
وعطاء بن السائب لا قبل له بمخالفة من هو أوثق منه ممن وقف
الحديث على ابن عباس، إذ هو ضعيف.
وثالث الرواة عن طاوس هو الحسن بن مسلم بن يناق المكي، وقد
أخرج روايته عبد الرزاق عن ابن جريج قال: أخبرني الحسن بن مسلم عن
(6)
طاوس عن رجل أدرك النبي.
وابن جريج
هنا
صرح
بالتحديث عن الحسن بن مسلم، والشرط في
(1) الحاكم، المستدرك، ج 1، ص 630.
(2) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 87.
AV
(3) الدارمي، السنن، ج 2، ص 66، والبيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 87.
:
(4) أخرجه الترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في الكلام في الطواف (960)، والبيهقي،
السنن الكبرى، ج 5، ص 87، وابن عدي الكامل، ج 5، ص 364.
(5) الحاكم، المستدرك، ج 1، ص 630.
(6) عبد الرزاق، المصنف، ج 5، ص 495. (4/172)
صفحة 1493
الرائد
173
قبول رواية مثله التصريح بالتحديث في طبقات السند كلها وإلا لم تقبل روايته لأنه غير مأمون الجانب.
إن عبد الرزاق قد خولف في روايته هذه فقد رواه اثنان عن ابن جريج ولم يصرح فيه بالتحديث عن الحسن بن مسلم، مما يصم رواية عبد الرزاق بالشذوذ إذ الشذوذ يأتي الألفاظ والأسانيد كما يأتي صيغ التحمل. والرواية المعارضة لرواية عبد الرزاق أخرجها النسائي وقال: أنبأ يوسف بن سعيد قال: حدثنا حجاج عن ابن جريج، والحارث بن مسكين قراءة عليه عن ابن وهب قال: أخبرني ابن جريج عن الحسن بن مسلم.
وعلى السابق تعل رواية الحسن بن مسلم بابن جريج
بالتحديث.
لأنه لم يصرح
ورابع الرواة عن طاوس هو إبراهيم بن ميسرة، وقد أخرج روايته
الطبراني من طريق عبد الله
أحمد
بن
بن حنبل ثنا محمد بن عبد الوهاب
الحارثي ثنا محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير عن إبراهيم بن ميسرة عن
طاوس عن ابن عباس عن النبي
(1) الطبراني، المعجم الكبير، ج 11، ص 40. (4/173)
صفحة 1494
الرائد
174
غير أن الإسناد إلى إبراهيم بن ميسرة لا يصح فمحمد بن عبد الله الراوي عنه ضعيف جدا فقد قال البخاري عنه: منكر الحديث، وقال ابن معين: ليس حديثه بشيء، وقال ابن حبان كان ممن يقلب الأسانيد من حيث لا يفهم من سوء حفظه، فلما فحش ذلك منه استحق مجانبته).
وخامس الرواة حنظلة بن أبي سفيان عن طاوس، وقد أخرج حديثه الطبراني حدثنا محمد بن أبان نا أحمد بن ثابت نا أبو حذيفة موسى بن مسعود ثنا سفيان عن حنظلة عن طاوس عن ابن عمر لا أعلمه إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الطواف صلاة فأقلوا فيه الكلام".
وفي هذه الرواية جعل الكلام من حديث ابن عمر مرفوعا، وهذا خطأ،
إذ الحديث من مسند ابن عباس كما عليه أكثر الرواة.
ومن السابق يظهر أن أصح ما روي عن طاوس عن ابن عباس هو الرواية الموقوفة، أما الرواية المرفوعة فالأظهر أنها معلة بالنكارة.
(1) البخاري، التاريخ الأوسط، ج 2، ص 180.
(2) ابن أبي حاتم الجرح والتعديل، ج 7، ص 300، وابن حبان، المجروحين، ج 2،
ص 258، وابن عدي الكامل، ج 6، ص 220.
(3) الطبراني، المعجم الأوسط، ج 7، ص 5
235 (4/174)
صفحة 1495
الرائد
هذا
قال الترمذي عقيب إخراج حديث جرير بن عبد الحميد: قد روي الحديث عن ابن طاوس وغيره عن طاوس عن ابن عباس موقوفا، ولا نعرفه
مرفوعا إلا من حديث عطاء بن السائب.
وقد روي الحديث مرفوعا من غير طريق عطاء كما تقدم من رواية ليث
بن أبي سليم.
أما حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعا فجاء من طريقين:
أولهما ما أخرجه الحاكم من حديث أبي عمر و عثمان بن أحمد بن السماك ببغداد عن مكرم البزاز حدثنا يزيد بن هارون أنبأ القاسم بن أبي أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال:
قال الله لنبيه: طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود، فالطواف قبل الصلاة، وقد قال رسول الله الله الطواف بالبيت بمنزلة الصلاة إلا أن الله قد أحل فيه المنطق، فمن نطق فلا ينطق إلا بخير
وهذه الرواية صححها جماعة منهم الحاكم على شرط مسلم بعد
(1) الحاكم، المستدرك، ج 2، ص 293. (4/175)
صفحة 1496
الرائد
176
إخراجها، وابن الملقن، والحافظ ابن حجر).
إلا أن الحاكم أشار إلى علة في هذه الرواية إذ قال إثرها: صحيح على
شرط مسلم ولم يخرجاه، وإنما يُعرف هذا الحديث عن عطاء بن السائب عن
سعيد بن جبير.
وقال مثل ذلك الذهبي في التلخيص.
وأورد الحاكم بعد السابق الإسناد الصحيح للحديث: الحسن بن
الأشيب حدثنا حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال:
قال الله تعالى لنبيه: طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود،
فالطواف قبل الصلاة.
والحافظ ابن حجر أشار إلى علة أخرى في الحديث السابق إذ قال: بعد
تصحيحها إلا أني أظن أن فيها إدراجا".
(1) ابن الملقن خلاصة البدر المنير، ج 1، ص 57.
(2) ابن حجر، التلخيص الحبير، ج 1، ص 131. (3) ابن حجر، التلخيص الحبير، ج 1، ص 131. (4/176)
صفحة 1497
الرائد
(177)
ومع
العلة السابقة يقال إن حماد بن سلمة قد خالف أكثر الرواة عن
طاوس فإنهم رووا الحديث عن ابن عباس دون سعيد بن جبير مما يجعل روايته شاذة إن قيل إنه سمع من عطاء قبل الاختلاط، وإلا فإن جماعة يرون منه إلا بعد الاختلاط وهذه علة رابعة في الحديث، مما يقصيه عن
أنه ما سمع
الثبوت.
ثاني الطرق ما أخرجه الحاكم عن الحسين بن الحسن بن أيوب حدثنا
عبد الله بن أحمد بن أبي ميسرة حدثنا عبد الله بن الزبير الحميدي حدثنا فضيل
بن عياض عن عطاء
بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أحل فيه النطق، فمن نطق فيه
(1)
فلا ينطق إلا بخير.
وقد خولف عبد الله بن أحمد بن أبي ميسرة في الحديث من قبل من هو
أقوى منه حفظا وهو الدارمي إذ إنه رواه عن الحميدي ثنا الفضيل بن عياض
عن
عطاء بن السائب عن طاوس عن ابن عباس مرفوعا).
وهذه أرجح من حيث الإسناد، كما أنها موافقة لرواية أكثر أصحاب
(1) الحاكم، المستدرك، ج 2، ص 293.
(2) الدارمي، سنن الدارمي، ج 2، ص 66. (4/177)
صفحة 1498
الرائد
طاوس عنه.
178
أما طريق الرجل من أصحاب النبي ال ال فرواها ابن جريج عن الحسن
بن مسلم عن طاوس عن رجل أدرك النبي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الطواف صلاة فإذا طفتم فأقلوا الكلام.
والحديث أخرجه النسائي، والبيهقي، وقد تقدم الكلام فيه وفي
حديث ابن عمر.
وفي إسناد الحديث ابن جريج وقد روى الحديث معنعنا وهو ممن لا
يقبل منه غير التصريح بالرواية عند من قبل روايته كما تقدم ذكر ذلك.
ثم إن النسائي قد أعل الرواية السابقة بأنه قد خولف الحسن بن مسلم فيها فقد رواه حنظلة بن أبي سفيان عن طاوس عن عبد الله بن عمر من
قوله (3).
والظاهر أن هذه الرواية لا تعدو ابن عباس فالكلام فيها قد تقدم
(1) النسائي، المجتبى، كتاب مناسك الحج، باب إباحة الكلام في الطواف (2922)،
والسنن الكبرى، ج 2، ص 406.
AV
(2) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 87
(3) النسائي المجتبى كتاب مناسك الحج، باب: إباحة الكلام في الطواف (2923). (4/178)
صفحة 1499
الرائد
179
وأن أصح الروايات عنه هو الموقوف، إذ إن الحسن بن مسلم وإن كان محتجا بروايته إلا أن رواية الأكثر من الثقات أولى بالقبول منه، ثم إن الطريق إليه فيها مدلس تدليس التسوية.
وعليه فالحديث موقوف لا يثبت فيه الرفع، وقد اختار ذلك جماعة م
أهل العلم بالحديث منهم النسائي والبيهقي وابن الصلاح والمنذري
والنووي).
قال الحافظ ابن حجر:
وإذا تأملت هذه الطرق عرفت أنه اختلف على طاوس على خمسة أوجه، فأوضح الطرق وأسلمها رواية القاسم بن أبي أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فإنها سالمة من الاضطراب إلا أني أظن أن فيها إدراجا والله
أعلم".
وقد تقدم أن في رواية القاسم بن أبي أيوب عللا تضعفها.
(1) البيهقي، معرفة السنن والآثار، ج 4، ص 68، والنووي، شرح صحيح مسلم، ج 8، ص 220، والمجموع، ج 2، ص 83، وابن الملقن البدر المنير، ج 2، ص 487، وابن
حجر، تلخيص الحبير، ج 1، ص 129.
(2) ابن حجر، التلخيص الحبير، ج 1، ص 131. (4/179)
صفحة 1500
الرائد
180
أما الطحاوي فاختار مسلكا آخر في مناقشة الحديث إذ إنه فرض الحديث دائرا على عطاء بن السائب وحده، وأن كل الذين رووه عنه ممن سمعوا منه بعد الاختلاط، فلا تكون روايتهم حجة، وعليه فرجح رواية الرجل الذي أدرك النبي الله على الرواية الناصة بذكر ابن عباس.
ثم عمد الطحاوي إلى رواية الرجل الذي أدرك النبي وردها بأنه من الممكن إدراك هذا الرجل النبي صلى الله عليه وسلم دون لقياه كأن يكون في زمانه فلا تكون روايته حجة، وبذلك يسقط الاحتجاج بالحديث على اشتراط الطهارة في الطواف.
وفي المسلك الذي سلكه الحافظ الطحاوي نظر من وجوه:
أولها أنه فرض الرواية عن عطاء وحده، والصحيح كما تبين من قبل أنه قد شارك عطاء في الرواية غيره ممن يحتج بحديثهم كابن طاووس وإبراهيم الذين ذكرناهم من قبل.
ولو سلم بما قاله الطحاوي من تفرد عطاء بالرواية لم يسلم له بأنه لم يروه أحد ممن سمع منه قبل الاختلاط إذ إن حماد بن سلمة ممن سمع من عطاء
(1) الطحاوي، شرح مشكل الآثار، ج 15، ص 228. (4/180)
صفحة 1501
الرائد
181
قبل الاختلاط كما نص الطحاوي نفسه على ذلك.
ثانيها: قول الطحاوي إن أهل الإسناد لا يقبلون رواية من أدرك النبي ما لم يثبت سماعه لا يسلم له به، بل الثابت أن الرأي الذي عليه الجماهير قبول مثل هذه الرواية، وذلك لأن الحال لا يخلو من أحد أمرين أن يكون قد سمع الرواية أو لم يسمع، فالأولى لا كلام فيها.
والثانية يكون الحال فيها أنها من مراسيل الصحابة والجماهير على قبول مراسيل الصحابة بل حكي عليه الإجماع كما تقدم ذكر ذلك في هذا الكتاب، على أن الأظهر في هذا الراوي أنه ابن عباس كما تقدم ذكر ذلك.
رابعا: ستر العورة
من الأمور المتفق عليها بين الفقهاء أن ستر العورة من الأخلاق العامة التي جاء بها التشريع الإسلامي، وهي واجبة فلا يجوز إظهار شيء من العورات عند من لا يحل له النظر إليها دون ضرورة تسوغ ذلك الإظهار.
ومما جاء بالحكم السابق حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عنه عليه السلام قال: ملعون من نظر إلى فرج أخيه - أو قال إلى عورة
(1) الطحاوي، شرح مشكل الآثار، ج 15، ص 228. (4/181)
صفحة 1502
الرائد
182
أخيه، وملعون من أبدى عورته للناس.
وكون المكلف في عبادة يحتم عليه الالتزام بالشرع أكثر حتى لا يعصي الله وهو في سبيل الله فيكتب لعبادته القبول.
والفقهاء متفقون على وجوب ستر العورة عند الطواف بالبيت، وقد كان في أهل الجاهلية من يطوف بالبيت عاريا رجلا كان أو امرأة فنزل الكتاب العزيز ناهيا عن ذلك في قوله تعالى: {يَبَنِى آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا حِبُّ الْمُسْرِفِينَ، كما يفيد
ذلك حديث:
غندر حدثنا شعبة عن سلمة بن كهيل عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة فتقول: من يعيرني تطوافا تجعله على فرجها، وتقول:
اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا
فلا منه
فنزلت هذه الآية {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} (3).
أحله
(1) أخرجه الربيع، باب: في المحرمات (638).
(2) سورة: الأعراف، الآية (31).
(3) أخرجه مسلم في كتاب التفسير، باب في قوله خذوا زينتكم عند كل مسجد (3028). (4/182)
صفحة 1503
الرائد
183
وللعادة السابقة التي كان عليها أهل الجاهلية أرسل النبي صلى الله عليه وسلم في العام
التاسع للهجرة من ينبئ الناس بإبطال هذه العادة حتى يحج هو في العام العاشر وتكون كل مظاهر الشرك قد أعدمت كما في حديث:
حميد بن عبد الرحمن بن عوف أن أبا هريرة قال: بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين يوم النحر نؤذن بمنى ألا لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.
قال حميد بن عبد الرحمن: ثم أردف رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا فأمره أن يؤذن بـ براءة، قال أبو هريرة: فأذن معنا علي في أهل منى يوم النحر لا يحج بعد
العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.
وجاء الحديث من طريق أبي عبيدة قال: سئل علي بن أبي طالب بأي
شيء بعثك رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر في حجة عام تسع؟
قال: بأربع خصال: ألا يطوف بالبيت عريان، ولا تدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يجتمع مسلم ومشرك في الحرم بعد عامهم هذا، ومن كان له عند
(1) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب: ما يستر العورة (362). (4/183)
صفحة 1504
الرائد
184
(1)
النبي علها له عهده، ومن لم يكن له عهد فإلى أربعة أشهر.
وهذا النهي يفيد فساد المنهي عنه، وهو الطواف مع وصف العري فلا الطواف بل يكون باطلا، وهذا الذي عليه أكثر الأمة». يصح لكن ذهب بعض أهل العلم إلى أن من طاف بالوصف السابق لم يفسد
طوافه لكن يلزمه دم وهو شاة هنا إن رجع إلى أهله وهو لم يعده".
لكن في هذا الرأي نظر؛ إذ الاستدلال على الفساد هنا كان بالخبر الناهي عن الطواف مع وصف العري، أما في الطهارة للطواف فلم يكن هناك شرعي عن الطواف مع وصف الحدث.
نهي
وابن حزم نص على أن وصف العري يزول عن المكلف بتغطية القبل
(1) أخرجه الربيع في كتاب الحج، باب: في الكعبة والمسجد والصفا والمروة (412). (2) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 144، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 147، وابن حزم المحلى، ج 7، ص 179، والقرافي الذخيرة، ج 3، ص 238، والجيطالي، مناسك الحج، ج 2، ص 245، والزركشي، الديباج، ج 1، ص 388، والسالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 200.
(3) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 39 والكاساني بدائع الصنائع، ج 2، ص 129، وابن النجيم، البحر الرائق، ج 2، ص 20. (4/184)
صفحة 1505
الرائد
185
والدبر، وأن من انكشف سهوا لم يضره).
وكلامه في الانكشاف سهوا أمر يؤيده الدليل ويعدى على كل من انكشفت عورته دون قصد منه كزحام أو لعلاج أو غير ذلك، إذ الخطاب تكليفي، والناس لا يكلفون بأمر هو فوق طاقتهم، وإن كان للعلماء خلاف في الصلاة أستر العورة فيها شرط لصحتها أو هو واجب فقط.
والشارع في هذا الدليل علق الأمر بالعري لرد حال كان عليه المشركون زمان تنزل الحكم فلا يفيد التقييد والقول بمفهومه المخالف وأن
ما لا ينطبق عليه الوصف الوارد في الدليل مباح لا يضر الطواف شيئا.
بل الأدلة الأخرى التي تفيد وجوب تغطية العورة كلها سواء كانت عورة امرأة أو رجل على الخلاف في تحديدها - داخلة في هذا النهي فلا يحل لطائف إبداء شيء من عورته، وإن تعمد ذلك دون مسوغ شرعي فسد طوافه، ولزمه أن يعيده على الوصف المشروع.
خامسا: وقت الطواف
ذكر غير واحد من أهل العلم الإجماع على أن الطواف في الأوقات كلها
(1) ابن حزم، المحلى، ج 7، ص 179. (4/185)
صفحة 1506
الرائد
186
جائز، وأنه مفارق الصلاة في هذه القضية فلا تدخله النواهي التي منعت من
الصلاة في بعض الأوقات، ومن ذلك قول العلامة ابن جعفر:
وأجمعوا أن الطواف في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها جائز، ولولا الإجماع لم يجز؛ لأن الطواف صلاة.
وقد نقل الكلام السابق دون نسبة - العلامة محمد بن إبراهيم الكندي
ولم يتعقبه بشيء".
كما نقل الإجماع السابق العبدري من أئمة الشافعية وتابعه عليه جماعة
منهم النووي)، وابن جماعة، وابن الضياء الحنفي).
و مما يدل على الإجماع السابق أن كتب أهل العلم من المذاهب الإسلامية
كافة لم تذكر النهي السابق عن الطواف في الأوقات المنهي عنها.
ومما يستند عليه الإجماع السابق حديث أبي الزبير قال: سمعت عبد الله
(1) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 326.
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 136. (3) النووي، المجموع، ج 8، ص 62. (4) ابن جماعة، هداية السالك، ج 3، ص 1005.
(5) ابن الضياء، البحر العميق، ج 2، ص 1235. (4/186)
صفحة 1507
الرائد
187
بن باباه يحدث عن جبير بن مطعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا بني عبد مناف، لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار.
فعبارة النص في هذا الحديث تفيد نهي بني عبد مناف عن منع أحد من
الطواف بالبيت أو الصلاة فيه في أي ساعة من ليل أو نهار.
وإشارة النص تفيد إباحة الطواف لكل أحد في الأوقات كلها، وهذه الإشارة ما عارضها شيء أقوى منها يفيد المنع في بعض الأوقات دون بعض، فيكون الحكم المأخوذ بها وهو إباحة الطواف في الأوقات كلها محكما. وأغرب ابن رشد المالكي فذكر خلافا في الطواف في الأوقات المنهي عن
الصلاة فيها إذ قال:
وأما وقت جوازه فإنهم اختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال:
أحدها إجازة الطواف بعد الصبح والعصر ومنعه وقت الطلوع والغروب، وهو مذهب عمر بن الخطاب وأبي سعيد الخدري، وبه قال مالك
(1) أخرجه النسائي في كتاب: المواقيت، باب: إباحة الصلاة في الساعات كلها بمكة (585)، وأبو داود في كتاب المناسك باب الطواف بعد العصر (1894)، والترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في الصلاة بعد العصر وبعد الصبح لمن يطوف (868)، وقال: حسن صحيح. (4/187)
صفحة 1508
الرائد
وأصحابه، وجماعة.
188
والقول الثاني كراهيته بعد الصبح والعصر ومنعه عند الطلوع
والغروب، وبه قال سعيد بن جبير ومجاهد وجماعة.
والقول الثالث إباحة ذلك في هذه الأوقات كلها، وبه قال الشافعي
وجماعة.
وأصول أدلتهم راجعة إلى منع الصلاة في هذه الأوقات أو إباحتها. وقد تابع ابن رشد على الحكاية السابقة العلامة الجيطالي في قواعد الإسلام"، وأضاف إليه بعد نقل نص عبارته والقول الأول هو المعمول به عند أصحابنا (3).
وتابع الشيخ الجيطالي على نسبة القول الأول إلى علمائنا الشيخ الثميني في كتاب النيل، وقطب الأئمة في شرحه، والشيخ محمد بن شامس البطاشي في
(1) ابن رشد، بداية المجتهد، ص 256.
(2) الجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2، ص 157.
(3) مصطلح يريد به علماء المذهب الإباضي كما تقدمت الإشارة إليه من قبل.
(4) القطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 144. (4/188)
صفحة 1509
الرائد
إرشاد الحائر".
189
والظاهر أن في كلام ابن رشد و من تابعه من علمائنا نظرا من وجوه، والصحيح الذي عليه كتب أهل العلم مع اختلاف مذاهبهم أن الخلاف المذكور إنما هو في ركعتي الطواف لا في الطواف نفسه، ولم أجد أحدا من علماء المذاهب الفقهية المذكورة يقر كلام ابن رشد.
اللهم إلا ما ذهب إليه بعض المالكية من كراهية الطواف بعد العصر وبعد الفجر فقط، وهذه الكراهية كما صرحوا - لم تكن لأجل ذات الطواف وتعلقه بالأوقات المنهي عن الصلاة فيها بل كانت لأجل ركعتي الطواف؛ إذ الطائف سيضطر إلى ركوعهما مع أن الحديث ورد بالنهي عن الصلاة بعد العصر وبعد الفجر.
و مما يدل على ذلك أن الإمام مالك بن أنس روى عن أبي الزبير المكي أنه
كان يرى البيت يخلو بعد العصر وبعد الصبح ما يطوف به أحد".
فعلق الإمام محمد بن الحسن الشيباني تلميذ الإمام مالك على السابق في
الموطأ بروايته
(1) البطاشي، عقد الجواهر شرح إرشاد الحائر، ج 1، ص 409.
(2) مالك بن أنس، الموطأ، ج 1، ص 369. (4/189)
صفحة 1510
الرائد
190
إنما كان يخلو لأنهم كانوا يكرهون الصلاة تينك الساعتين، والطواف لا بد له من صلاة ركعتين، فلا بأس بأن يطوف سبعا ولا يصلي الركعتين حتى ترتفع الشمس وتبيض كما صنع عمر بن الخطاب، أو يصلي المغرب وهو قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى.
وعلق العلامة اللكنوي في شرحه على الموطأ المذكور برواية محمد بن الحسن بقوله: قوله فلا بأس بأن يطوف" تصريح بعدم كراهة الطواف في هذه الأوقات التي كرهت فيها الصلاة".
وقال العلامة ابن عابدين: لا يكره الطواف في الأوقات التي تكره فيها الصلاة كما صرح به في الفتح، قال إلا أنه لا يصلي ركعتيه فيها بل يصير إلى أن يدخل ما لا كراهة فيه.
وهؤلاء من أئمة المذهب الحنفي بعضهم من المتقدمين على ابن رشد، وبعضهم الآخر من المتأخرين يصرحون بأن الحنفية لا يكرهون الطواف بعد
العصر كما نسب إليهم ذلك ابن رشد.
(1) الشيباني، موطأ الإمام مالك برواية محمد بن الحسن الشيباني، ج 2، ص 325.
(2) اللكنوي، التعليق الممجد، ج 2، ص 325
(3) ابن عابدين رد المحتار، ج 2، ص 492. (4/190)
صفحة 1511
الرائد
191
والإمام مالك نفسه قال بعد رواية أبي الزبير المكي:
ومن طاف بالبيت بعض أسبوعه ثم أقيمت صلاة الصبح أو صلاة العصر فإنه يصلي مع الإمام ثم يبني على ما طاف حتى يكمل سبعا ثم لا يصلي حتى تطلع الشمس أو تغرب، وإن أخرهما حتى يصلي المغرب فلا بأس بذلك.
قال مالك: ولا بأس أن يطوف الرجل طوافا واحدا بعد الصبح وبعد العصر لا يزيد على سبع واحد.
ويؤخر الركعتين حتى تطلع الشمس كما صنع عمر بن الخطاب ويؤخرهما بعد العصر حتى تغرب الشمس، فإذا غربت الشمس صلاهما إن
شاء وإن شاء أخرهما حتى يصلي المغرب لا بأس بذلك.
وهذا بين الدلالة أن الأحكام المذكورة ما كانت مراعية إلا ركعتي
الطواف خشية أن تؤديا في وقت النهي.
وبين الحافظ ابن عبد البر وهو من كبار أئمة المالكية - علة كراهية من
كره الطواف بعد العصر إذ قال:
من سنة الطواف أن تصلى بعده ركعتان بلا فصل، ولا تؤخر الركعتان بعد الفراغ من الطواف إلا عن عذر فإذا لم تكن الصلاة جائزة لم يكن (4/191)
صفحة 1512
الرائد
192
الطواف جائزا، إلا أن الطواف لا يتم إلا بالركعتين ومن سنتهما أن لا يفرق
بينهما).
وقول عمر بن الخطاب الذي نسب إليه ابن رشد القول بالمنع ما كان لأجل الطواف بل كان لأجل الركعتين كما تصرح الروايات الصحيحة عنه أنه أخر الركعتين لما رأى الشمس لما تطلع بعد، ثم صلاهما بعد طلوعها كما في حديث مالك عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أن عبد الرحمن بن عبد القارئ أخبره أنه طاف بالبيت مع عمر بن الخطاب بعد صلاة الصبح فلما قضى عمر طوافه نظر فلم ير الشمس طلعت فركب حتى أناخ بذي طوى فصلى ركعتين).
والحافظ ابن حجر لما ذكر قول البخاري: "باب الطواف بعد الصبح
والعصر " علق بقوله في الشرح: أي ما حكم صلاة الطواف حينئذ". وقال العيني في الموضع السابق يقدر هكذا باب في بيان حكم الصلاة
(1) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 209. (2) مالك بن أنس، الموطأ، ج 1، ص 368.
(3) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 488. (4/192)
صفحة 1513
الرائد
193
عقيب الطواف بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر.)
وقال الحافظ ابن حجر قال ابن المنذر رخص في الصلاة بعد الطواف في كل وقت جمهور الصحابة ومن بعدهم، ومنهم من كره ذلك أخذا بعموم النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر، وهو قول عمر والثوري وطائفة، وذهب إليه مالك وأبو حنيفة.
ومعلوم أن رأس مراجع ابن رشد إنما هو كتاب ابن المنذر، وابن المنذر
بين كلامه أنه ما أراد إلا الركعتين لا الطواف نفسه.
وابن حزم في المحلى مع ذكره لكل خلاف في القضايا التي يعرضها، ومع اهتمامه البالغ برأي أئمة السلف من الصحابة والتابعين إلا أنه قطع في هذه المسألة دون أن يذكر أي خلاف فيها فقال والطواف بالبيت في كل ساعة
جائز، وعند طلوع الشمس، وعند غروبها).
أما ما يتعلق بكلام الشيخ الجيطالي ومن تابعه ممن نسب القول بمنع الطواف إلى علمائنا فيرده حكاية الإجماع التي قال بها العلامة ابن جعفر –
(1) العيني، عمدة القاري، ج 9، ص 271. (2) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 488.
(3) ابن حزم، المحلى، ج 7، ص 181. (4/193)
صفحة 1514
الرائد
194
وهو من متقدمي علمائنا وممن يرجع فقههم بعده إلى كتابه- وقد تابعه عليها
صاحب بيان الشرع دون تعقب كما سبق البيان.
كما صرح بجواز الطواف في الأوقات الثلاثة عند الطلوع والغروب واستواء الشمس بعض المتأخرين ففي لباب الآثار:
هل يجوز الطواف بالبيت في وقت لا تجوز فيه الصلاة، ومتى يركع
للطواف؟
الجواب: يجوز الطواف في الوقتين ويجوز ركوع الطواف إن كان فرضا فيهما على قول.
وجواز صلاة ركعتي الطواف في أوقات النهي مذهب جماعة من أهل
العلم، وسنذكر ذلك عند ذكر أحكام الركعتين.
ومما يؤكد أن علماءنا لا يقولون بالنهي عن الطواف في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها أن من طالع الأسفار وجد الآثار مطبقة على عدم ذكر هذا النهي بل على العكس من ذلك صرح كثير منهم بالجواز كما نقلنا حكاية
الإجماع السابقة.
(1) الصائغي، لباب الآثار، ج 3، ص 193. (4/194)
صفحة 1515
الرائد
195
والشيخ إسماعيل الذي سرى إليه الوهم فيها ذكر المسألة في كتابه مناسك الحج على ما يذكرها الجماهير من أهل العلم من أن الخلاف إنما هو في ركعتي الطواف أينهى عن صلاتهما في أوقات النهي، أو أن لهما ميزة خاصة فتصليا، دون أن يتعرض للطواف ولا للنهي عنه بشيء، ونص كلامه: ويكره الطواف قبل طلوع الشمس وبعد العصر، إلا أن يطوف أسبوعا
واحدا ثم يدع الركعتين حتى ترتفع الشمس فيصليهما.
وإذا صلى المغرب صلاهما أيضا، ولا يصليهما بعد العصر، وقيل إن شاء صلاهما قبل المغرب.
وهذا المذكور هو الموافق لأصل المسألة كما يذكرها أهل العلم، وبذلك يقول علماء المذهب الإباضي، والشيخ الجيطالي في كتاب مناسك الحج غير
متابع لابن رشد فسلم من الوهم الذي سرى إليه في القضية.
ونص - أيضا في القناطر على ما يذكره كثير من علمائنا على أن من أراد أن يطوف بعد العصر والفجر فليطف طوافا واحدا، ويصلي ركعتي
الطواف بعد الشروق أو بعد الغروب".
(1) الجيطالي، مناسك الحج، ج 2، ص 251.
(2) الجيطالي، قناطر الخيرات، ج 2، ص 77. (4/195)
صفحة 1516
الرائد
196
ومما يدلك على أن النهي إن قيل به ليس لذات الطواف بل للركعتين التصريح بذلك في كتب الأثر الإباضي ومن ذلك ما في جامع ابن جعفر وبيان الشرع من استحباب طواف النفل بعد العصر ولو طاف أكثر من مرة وأنه يقرن ركعتي الطواف للسابق بعد المغرب إذ قالا: أحب أن يقرن بعد العصر وبعد الصبح ولا يهجر البيت.
ولو كان حال الطواف كالصلاة لامتنع لأن الأمر المستقر في الفقه الإباضي كراهية الصلاة بعد العصر والفجر إلا إن كانت الصلاة لسبب، أما التنفل المطلق فلا يصح.
(2)
ومما يفيد السابق أيضا ما في لباب الآثار:
وإذا طاف بالبيت بعد صلاة الفجر والعصر متى يركع ركعتي الطواف؟ قال: يركعهما بعد طلوع الشمس وبعد غروبها، ولا يشتغل بشيء فيما بين الطواف وركوعها.
وقال ابن جعفر وأما الطواف بعد صلاة الفجر والعصر فليس عندي
(1) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 324، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 157. (2) الكندي، بيان الشرع، ج 10، ص 91، والشماخي، الإيضاح، ج 1، ص 401، والـ معارج الآمال، ج 6، ص 206، والبهلاني، نثار الجوهر، ج 4، ص 484.
(3) الصائغي، لباب الآثار، ج 3، ص 195. (4/196)
صفحة 1517
الرائد
197
بمنزلة الصلاة، وإن كنت لا أرخص في الطواف إلا واحدا، فإن فعل أكثر لم أره مثل هذا؛ لأن الطواف لم يجئ فيه نهي ولا تقديم).
وقال أيضا: ومن طاف بعد العصر فإن له أن يركع إذا غربت الشمس إن شاء قبل صلاة المغرب وإن شاء بعدها).
وقال صاحب فواكه البستان ومن طاف بعد صلاة العصر أو الفجر
أخر ركوعهما إلى بعد غروب الشمس أو طلوعها وصلاهما بعد ذلك". ومن السابق كله يظهر لك أنه لا مانع من الطواف في الأوقات المنهي عنها باتفاق أهل العلم، وأن ما ذكره ابن رشد و من تابعه عليه من الخلاف في ذات الطواف وهم سرى إليه من الخلاف في ركعتي الطواف في أوقات
النهي
سادسا: البدء بالحجر الأسود
بدأ النبي طوافه بالحجر الأسود، وقد اتفقت الأمة على أن المشروع في صلى الله عليه وسلم
الطواف إنما هو البدء بالحجر الأسود.
(1) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 340.
(2) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 319.
(3) المحيلوي، فواكه البستان، ج 1، ص 396.
(4) الشافعي، الأم، ج 2، ص 170، وابن عبد البر، التمهيد، ج 2، ص 68، وابن قدامة، (4/197)
صفحة 1518
الرائد
198
والجمهور من أهل العلم على أن من بدأ طوافه بعد الحجر الأسود فلا يعتد بذلك الشوط إلى أن يبدأ الثاني من الحجر ويكون الثاني هو أول أشواطه.
وهكذا من بدأ طوافه قبل ركن الحجر لم يعتد بذلك القدر حتى ينتهي
إلى الحجر
(1)
وقال المالكية إن ابتدأ الطائف طوافه من بين الحجر والباب بالشيء
اليسير أجزاه، وإن بدأ بباب البيت إلى الركن لم يعتد به.
وذهب بعض الحنفية إلى أن من بدأ طوافه قبل ركن الحجر فإنه يعتد به وإن كان مكروها.
وقال ابن عابدين وأما الابتداء من غيره فهو حرام أو مكروه تحريما أو تنزيها بناء على الأقوال عندنا من أن الابتداء بالحجر فرض أو واجب أو
المغني، ج 3، ص 183، والجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2، ص 153.
(1) الشافعي، الأم، ج 2، ص 170، وابن عبد البر، التمهيد، ج 2، ص 68، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 183، والجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2، ص 153.
(2) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 240.
(3) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 46. (4/198)
صفحة 1519
الرائد
199
سنة (1).
ودليل هذا الرأي أن الترتيب عند الحنفية ليس بواجب بل الواجب مطلق الدوران، وهذا الذي بدأ قبل الحجر حقق مطلق الدوران حول البيت فيصح طوافه.
ولكن هذا الرأي ليس هو المفتى به عند الحنفية بل الأكثر منهم قائلون
بأن الطائف إن لم يبدأ بركن الحجر لم يعتد بطوافه ذلك.
وعلة هذا الرأي مع كونه مخالفا لأصلهم الذي يقضي بسنية الترتيب دون وجوبه ما قاله السرخسي من أن محمد بن الحسن ذكر أنه لا يعتبر طوافه إلى الحجر لا لترك الترتيب ولكن لأن مفتاح الطواف من الحجر الأسود على روي أن إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه قال لإسماعيل ائتني أجعله علامة افتتاح الطواف. ا
ما
بحجر
فأتاه بحجر فألقاه ثم بالثاني ثم بالثالث فناداه قد أتاني بالحجر من أغناني
عن حجرك، ووجد الحجر الأسود في موضعه فعرفنا أن افتتاح الطواف منه
(1) ابن عابدين رد المحتار، ج 2، ص 493.
(2) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 46. (4/199)
صفحة 1520
الرائد
فما أداه قبل الافتتاح لا يكون معتدا به.
ولا أدري لم خالف الحنفية أصلهم القاضي بأن الزيادة على النص نسخ، ولا يصح نسخ القطعي بالظني لخبر لم يستكمل شرائط الصحة فضلا أن يكون قطعيا، والقول الأقل عندهم أشبه بقواعدهم، وإن كانت هذه القواعد
التي أصلوها محل نظر كما هو معلوم في الأصول.
سابعا: استقبال الركن في أول الطواف
مما تبين سابقا أن النبي و بدأ طوافه بقصد الحجر الأسود وتقبيله، وكان يأتيه في كل شوط بالاستلام أو الإشارة، والفقهاء مختلفون أذلك الاستقبال منه للحجر واجب في الطواف أو ليس بواجب.
قال جماعة من الفقهاء إن استقبال الركن مفتتح أول شوط من الطواف
أمر واجب ولا يجزي المرور عليه دون استقبال).
واستدل هؤلاء بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر إن وجدت خلوة فاستلمه، وإلا
فاستقبله وهلل وكبر.
(1) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 46.
(2) ابن تيمية، شرح العمدة، ج 3، 437. (4/200)
صفحة 1521
الرائد
لكن الذي عليه الجماهير من أهل العلم أن الاستقبال للحجر الأسود ليس بواجب بل هو أمر مسنون كما هو حال التكبير والتهليل عنده، وسيأتي ذكر ذلك والأدلة عليه عند ذكر مندوبات الطواف.
ثامنا: محاذاة الحجر الأسود بالبدن عند أول شوط
سبق البيان أن الطواف يبدأ من الحجر الأسود، وعلى الطائف أن
يستوعب البيت بالطواف فلا يصح أن يكون شيء من البيت لم يطف به بجميع بدنه من شاء الطواف.
وهذا الوجوب السابق مستدع أن يكون مبدأ طواف الطائف
من
الحجر
نفسه إن كان قريبا منه، أو مما يوازيه ببدنه كله فلا يكون شيء منه خارجا عن
محاذاة الحجر الأسود إلى الجهة التي فيها باب الكعبة).
وقد اختلفت عبارات الفقهاء في بيان صفة المحاذاة المرادة هنا.
فمنهم من قال إن المحاذاة أن يأتي عن يمين الحجر من ناحية الركن
اليماني ثم يجتاز بجميعه على يمين نفسه؛ لأن كل ما قابلك كان يمينك حذاء
يساره ويسارك حذاء يمينه؛ لأن السنة أن يبتدئ بالطواف بالحجر الأسود
د.
(1) سبيل، ثلاث رسائل فقهية، ص 149. (4/201)
صفحة 1522
الرائد
ولا يطوف جميعه بالحجر الأسود إلا بذلك.
وقال آخرون صفة ذلك أن يحاذي جميعه جميع الحجر الأسود فيمر بجميع بدنه على جميع الحجر، وذلك بأن يستقبل البيت ويقف على جانب الحجر الذي إلى جهة الركن اليماني على وجه يصير به جميع الحجر عن يمينه ويصير منكبه الأيمن عند طرف الحجر.
ثم ينوي الطواف لله تعالى، ثم يمشي مستقبل الحجر مارا إلى جهة يمينه حتى يجاوز الحجر، فإذا جاوزه انفتل وجعل يساره إلى البيت ويمينه إلى
خارج".
وقال بعضهم عليه أن يحاذيه بيديه).
وقال آخرون إن صفة الطواف أن يحاذي جميعه جميع الحجر الأسود،
بدنه على فيمر بجميع
جميع
الحجر، وذلك بأن يستقبل البيت ويقف على
جانب الحجر الذي إلى جهة الركن اليماني على وجه يصير به جميع
الحجر عن
يمينه ويصير منكبه الأيمن عند طرف الحجر.
(1) ابن تيمية، شرح العمدة، ج 3، 438.
(2) النووي، المجموع، ج 8، ص 14.
(3) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 134. (4/202)
صفحة 1523
الرائد
ثم ينوي الطواف الله تعالى ثم يمشي مستقبل الحجر مارا إلى جهة يمينه حتى يجاوز الحجر، فإذا جاوزه انفتل وجعل يساره إلى البيت ويمينه إلى
خارج.
وقد قال بهذه الصفة بعض الشافعية منهم أبو حامد والقاضي أبو الطيب وابن الصلاح والنووي".
غير أن الصفة السابقة يظهر عليها أن السنة بخلافها، وقد لاقت
معارضة من بعض علماء الشافعية أنفسهم، قال ابن جماعة:
ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة أتى
الحجر فاستلمه، ثم مشى على يمينه فرمل ثلاثا ومشى أربعا.
فمن بدأ بالطواف مستقبلا الحجر إلى أن جاوزه ثم انفتل فقد خالف السنة ومضى جزء من طوافه والبيت ليس على يساره، ولم ينقل ذلك عن سيدنا رسول الله له المبين عن الله ولا عن الصحابة} مع توفر الدواعي
على النقل.
(1) النووي، المجموع، ج 8، ص 14. (2) ابن جماعة، هداية السالك، ج 3، ص 912. (4/203)
صفحة 1524
الرائد
ولم يذكره الشافعي رحمه الله - ولا الخراسانيون من الشافعية ولا الرافعي واقتصروا على الكيفية الثانية، فالصحيح عدم استحباب الكيفية الأولى وكراهتها لما قدمنا.
ولأن ارتكابها قد يوقع في الأذى، وأنا ممن تأذى بها؛ فإن بعض فقهاء
الشافعية عمل بها وأنا
معه
في الطواف وكنت وراءه حين مشى مستقبل
الحجر قبل أن يجاوزه، ولم أدر به فانفتل عند مجاوزته الحجر ولم يرني فداس رجلي برجله و آذاني بدوسته).
وقد اختلف الفقهاء في حكم محاذاة الحجر الأسود عند أول الطواف
فمنهم من قال إن ذلك، واجب، والطواف لا يعتد به إن لم تتم
المحاذاة).
وهذا لا محيص من القول به؛ لأن المتقرر عند الجماهير من أهل العلم أن الطواف مشروطة صحته بالبدء من الحجر الأسود، ومن لم يبدأ من الحجر الأسود لم يعتد بذلك الشوط اللهم إلا إن كان البدء بالطواف قبل الحجر فيعتد بما حاذى الحجر دون ما قبله كما تقدم.
وتقدم النقل عن بعض الحنفية أنهم يرون إجزاء الطواف إن لم يكن من
(1) ابن جماعة، هداية السالك، ج 3، ص 912.
(2) الشافعي، الأم، ج 2، ص 170، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 125. (4/204)
صفحة 1525
الرائد
ركن الحجر لسنية الترتيب عندهم، فعلى هذا لا تكون المحاذاة من شروط الطواف عند القائلين بذلك منهم.
والقائلون بالوجوب مختلفون في عدم تحقق المحاذاة كلها كأن يكون المحاذي بعض البدن لكل الحجر، أو كل الحجر لبعض البدن أيجزيه ذلك.
قال الشافعي: وإذا حاذى الشيء من الركن ببدنه كله اعتد بذلك
الطواف.
وقال المالكية إن ابتدأ الطائف طوافه من بين الحجر والباب بالشيء
اليسير أجزاء، وإن بدأ بباب البيت إلى الركن لم يعتد به".
ومن الفقهاء من جعل المحاذاة المذكورة من كمال الطواف.
وفي سنة 1402 هـ تمت الموافقة على وضع خط يشير إلى الحجر الأسود في صحن المطاف، وهو عمودي على الحجر الأسود يعين الناس على تحقيق أمر محاذاة الحجر الأسود.
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 134، وابن تيمية، شرح العمدة، ج 3، 438.
(2) الشافعي، الأم، ج 2، ص 170.
(3) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 240.
(4) ابن تيمية، شرح العمدة، ج 3، 437. (4/205)
صفحة 1526
الرائد
وهذا الخط موضوع لغاية مشروعة وهي تحقيق محاذاة الحجر الأسود
للطواف فيكون مشروعا؛ لأن للوسائل حكم المقاصد والغايات.
الخط
ولكن في السنتين الأخيرتين من كتابة هذه الأوراق رأى أناس أن هذا يسبب زحاما شديدا عنده لتوقف الناس في الخط المذكور فكان ذلك
مفسدة يجب أن ترفع.
وقد نصت آخر دراسة أجراها معهد خادم الحرمين الشريفين، الذي مكة المكرمة مقرا له على صواب اتخاذ هذا القرار، ودوره في تسهيل
يتخذ من الحركة خلال الطواف.
وأوضح الدكتور أسامة البار عميد معهد خادم الحرمين الشريفين لأبحاث الحج أن المعهد أعد دراسة بحثية ميدانية، للوقوف على الآثار الإيجابية المترتبة على إزالة خط بداية الطواف بصحن الكعبة، وانعكاس ذلك على انسيابية حركة الطائفين.
وتقوم الدراسة على المقارنة بين انسيابية الحركة حاليا، عما كانت عليه عند وجود الخط، مشيرا إلى أن الآثار الإيجابية ظاهرة حاليا، وقصد المعهد
من الدراسة الوصول إلى نسبة مئوية تبين مدى الانسيابية. (4/206)
صفحة 1527
الرائد
207
وقال خبير سعودي من منسوبي معهد خادم الحرمين الشريفين الذين شاركوا في الدراسة التي أجريت إن مراحل الدراسة الأولى والثانية شملت مرحلة الكثافة المنخفضة نسبيا، والتي تم تنفيذها خلال أشهر الصيف الماضي، ثم مرحلة الكثافة المتوسطة التي تم تنفيذها نهاية شهر رجب إلى منتصف شهر شعبان الماضيين، وأخيرا مرحلة الكثافة العالية التي يتم تنفيذها هذه الأيام وفي موسم الحج القادم.
وأضاف أن الدراسة بدأت في شهر جمادى الأولى الماضي، حيث استعان المعهد بمجموعة من الباحثين والمصورين والطلاب لهذا الغرض، مشيرا إلى أنه جرى توثيق الدراسة بالتصوير بالفيديو من خلال منصات التصوير بالمسجد الحرام في أوقات معينة.
إضافة إلى قيام مجموعة من الطلاب والباحثين، بتسجيل أزمنة ومواقع الطائفين في صحن المطاف بأجهزة تحديد المواقع الآلية، إضافة إلى توزيع
2000 استمارة استبيان على الطائفين
وبيّن أن المؤشرات من تحليل الصور والأفلام، أثبتت صواب القرار المتخذ بتغطية الخط، حيث تمت ملاحظة زيادة انسيابية الطائفين في المنطقة (4/207)
صفحة 1528
الرائد
الجنوبية من صحن الطواف ما بين الركن اليماني والحجر الأسود، وهي المنطقة التي كانت تمثل عنق الزجاجة للطائفين سابقا، قبل تغطية الخط).
وللدراسة السابقة أزيل الخط السابق وجعل مكانه رخام أبيض لا يختلف عن رخام أرض المطاف، وكانت الموافقة على ذلك في شهر شوال من
سنة 1426 هـ.
وعلة ذلك أنه للدراسة السابقة يقال إنه يرد الناس إلى ما فيه المصلحة ودفع مفسدة الزحام، خاصة إن علمنا أن أرض المطاف زمان النبي صلى الله عليه وسلم كانت أقل مما هي عليه الآن بمرات كثيرة، وأن الذين حجوا معه يربو عدهم على مئة ألف حاج، ولم يأت أن النبي لو كان ينبه الناس على المحاذاة المذكورة مع احتمال المخالفة مما يبين أن في الأمر سعة.
وفي هذا الحال يسعى الطائف إلى تحقيق المحاذاة على الغالب على ظنه وذلك يجزيه، وقد أجزى من قبله النبي وأصحابه الذين طافوا بالبيت ولم
يكن لهم خط يشير إلى موازاة الحجر الأسود.
(1) جريدة الشرق الأوسط، السعودية، الجمعة 16 من شوال 1426 هـ الموافق
11/ 18/ 2005 م، العدد (9852). (4/208)
صفحة 1529
الرائد
تاسعا: جعل البيت على يسار الطائف
كان هدي النبي في طوافه بينا، فقد كان يبدأ بركن الحجر الأسود ثم العراقي ثم الشامي ثم اليماني فالحجر الأسود مكملا بذلك شوطا، وهذا
يفيد أن البيت كان على يساره، وهو الحكم المشروع من حيث الأصل اتفاقا بين علماء الأمة).
لكن إن طاف منكسا بأن جعل البيت على يمينه فالجمهور من أهل العلم على أن طوافه غير صحيح ولا يجزيه وعليه إعادته؛ لأنه كمن لم يطف، وفعله منابذ لغرض الشرع".
وقال بعضهم إن من طاف ثلاثة أشواط منكوسة ثم رأى الناس كيف يطوفون فطاف أربعة أشواط كما يطوفون وهذا في طواف الواجب- ثم
(1) الشافعي، الأم، ج 2، ص 176، والرافعي العزيز، ج 3، ص 392، وابن عبد البر، التمهيد، ج 2، ص 68، والجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2، ص 153، والزركشي، الديباج، ج 1، ص 388 (2) الشافعي، الأم، ج 2، ص 176، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 136، وابن عبد البر، التمهيد، ج 2، ص 68، وعبد الوهاب البغدادي، الإشراف، ج 1، ص 476، والجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2، ص 155، والزركشي، الديباج، ج 1، ص 388، القطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 131. (4/209)
صفحة 1530
الرائد
210
رجع إلى بلده فقيل عليه أن يهدي شاة.
وقال آخرون يعتد بطوافه في حكم التحلل، وعليه الإعادة ما دام بمكة، فإن رجع إلى أهله قبل الإعادة فعليه دم".
واستدل هؤلاء لقولهم بأن الثابت بالنص الدوران حول البيت وذلك حاصل من أي جانب أخذ ولكن بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخذ على يمينه على باب الكعبة تبين أن الواجب هذا فكانت هذه صفة واجبة في هذا الركن بمنزلة شرط الطهارة.
وذلك لأن تركه عند هؤلاء لا يمنع الاعتداد به ولكن يمكن فيه نقصانا يجبر بالدم وهذا لأن المعنى فيه معقول وهو تعظيم البقعة وذلك حاصل من أي جانب أخذ فعرفنا أن فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في البدء بالجانب الأيمن لبيان صفة الإتمام لا لبيان صفة الركنية بخلاف أركان الصلاة).
وفي هذا الرأي من الضعف البالغ ما يقضي برده، إذ لم يشهد لقاعدة
(1) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 326، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 136. (2) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 44، والعيني، البناية، ج 4، ص 195، وابن الهمام، فتح
القدير، ج 2، ص 453.
(3) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 44. (4/210)
صفحة 1531
الرائد
211
التفريق بين الواجب والفرض دليل.
ثم إن الراجح في الأصول أن مجمل القرآن يبينه الظني من الأدلة كالآحاد، والأمر بالطواف وإن كان مجملا في القرآن من حيث التيامن فيه والتياسر إلا أن السنة بينت أن الطائف ييمن في طوافه على الصفة التي ذكرنا اتفاق أهل العلم على أنها هي الأصل في الطواف، وحسبهم لرد طواف
المنكس حديث
أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: قال رسول الله: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)
ولأهل العلم خلاف فيمن لم يجعل البيت على يمينه لكن استقبله بوجهه وطاف معترضا، ومثله من ولى الكعبة شقه الأيمن ومر القهقرى نحو
الباب).
والقول الفصل في ذلك والذي ذهب إليه جماهير أهل العلم عدم إجزاء طواف من طاف بالصورتين السابقتين؛ لأنه خلاف المشروع المنقول عن
النبي
(1) أخرجه الربيع، باب: في الولاية والإمارة (49).
(2) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 392. (4/211)
صفحة 1532
الرائد
212
غير أن من الواجب بيانه أن كون البيت على يسار الإنسان الطائف أمر يتحقق من حيث الأصل العام.
لكن يعلم كل من طاف بالبيت أنه لا يمكنه أن يحافظ عليه في طوافه كله خاصة في فترات ذروة الزحام إذ يستحيل عندها الحفاظ على جعل البيت على يسار الطائف من مبدأ الطواف إلى منتهاه بل لا بد من انحراف قد يحصل فيستقبل معه الطائف البيت وقد يستدبره وقد يجعله عن يمينه لكن هذا ليس بأصل له بل الأصل ما ذكرناه من جعل البيت على يسار الطائف.
لذا فالحكم يؤسس على الأصل العام الذي بني الطواف عليه، ويعذر الطائف مما قد يحصل دون اختياره مما ينافي شرط جعل البيت على يساره، إذ
إن الطائف لا يطوف وحده بل مع ألوف من الطائفين.
ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم قد
حج
معه
أكثر من مئة ألف من المسلمين وأرض
المطاف الآن أكبر مما كانت عليه زمن النبي لا بأضعاف مضاعفة، مما يجعل
من المستحيل واقعا أن يحافظ كل طائف على جعل البيت على يساره دون
انحراف من أول طوافه وإلى حين ينتهي
من مخالفات الناس الآن
منه.
كثير من عوام الناس الآن يدخلون المناسك وكأنهم داخلون أرض (4/212)
صفحة 1533
الرائد
213
معركة يكلل مفتول العضلات فيها بباقة النصر، ومما يفعلونه مما
للأصول الشرعية أنه يتحلق مفتولو العضلات حول الضعفة
والولدان فيطوفون بهم حول البيت إلى أن تكمل الأشواط السبعة. وفي هذا من المخالفات الشرعية الآتي:
مخالف هو
من
النساء
أولا: المكونون للحلقة -وهم ممن يريد الطواف- لا يجعلون البيت على يسارهم، بل في أحيان قد يستدبرونه، وفي أحيان يستقبلونه بأيمانهم أي يمشون القهقرى، وقد يستقبلونه بوجوههم، وهم يؤسسون طوافهم من الأصل على ذلك ولا يأتون بالصفة الصحيحة في كل طوافهم.
وهذا مخالف للهدي المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم والشرط الذي أجمع عليه أئمة
الإسلام أنه الواجب حال السعة والاختيار، وقد مضى ذكره.
ثانيها: أن هذا يجر إلى الإضرار بالآخرين فإنا قد رأينا كثيرا من هؤلاء لا يلوون على شيء بل يأتون على كل من مروا عليه فيؤذونه، وقد يداس تحت أقدامهم، وحاشا شرع الله أن يتمثل في تصرفات هؤلاء الناس إن هم إلا مخالفون وعاصون بين يدي بيت الله.
ثالثها: الأصل في طواف النساء أن يكون بعيدا عن البيت ما دام في القرب رجال أو أذية لهن، والنبي صلى الله عليه وسلم أمر أم سلمة أن تطوف خلف < (4/213)
صفحة 1534
الرائد
الناس حتى لا تؤذيهم بدابتها ولا يؤذوها بزحامهم كما في حديث عروة بن الزبير عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أشتكي، فقال:
طوفي من وراء الناس وأنت راكبة، فطفت ورسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ يصلي إلى جنب البيت، وهو يقرأ " والطور وكتاب مسطور"
(1)
وقد روى الشافعي أن السيدة عائشة د اشتد نكيرها على النسوة اللائي زاحمن الرجال لأجل تقبيل الحجر الأسود كما في حديث سعيد بن سالم عن عمر بن سعيد بن أبي حسين عن منبوذ بن أبي سليمان عن أمه أنها
كانت عند عائشة أم المؤمنين فدخلت عليها مولاة لها فقالت لها:
يا أم المؤمنين، طفت بالبيت سبعا واستلمت الركن مرتين أو ثلاثا، فقالت لها عائشة: لا أجرك الله لا أجرك الله تدافعين الرجال؟ ألا كبرت
ومررت (2).
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب طواف النساء مع الرجال (1540)، وأخرجه الإمام الربيع من طريق أبي عبيدة بلاغا عن عروة في كتاب الحج، باب: في الكعبة
والمسجد والصفا والمروة (414).
(2) الشافعي، الأم، ج 2، ص 169. (4/214)
صفحة 1535
الرائد
وفي إسناد هذا الحديث علل تقصر به عن مراتب القبول.
عاشرا: استيعاب الكعبة بالطواف حولها
مما اتفقت عليه الكلمة بين الفقهاء أن من الواجب الذي لا يتم الطواف دونه استيعاب الكعبة بالطواف، فيطوف بكل جسده حول الكعبة كلها، ولا يجوز أن يخرج شيء من الكعبة فلا يشمله الطواف حوله، وإن خرج لم يتم ذلك الشوط.
والأصل للسابق أن الله تعالى في كتابه أمر بالطواف بالبيت إذ قال: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ، وإنما يكون طائفا
به إذا كان خارجا عنه وإلا فهو طائف في البيت).
والذي يبدو من واقع الناس في الأزمنة الحاضرة أنه لا يتصور إدخال شيء من الكعبة إلا في موضعين حجر إسماعيل والشاذروان.
(1) الشافعي، الأم، ج 2، ص 176، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 393، وعبد الوهاب البغدادي، الإشراف، ج 2، ص 477، والجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2، ص 155.
(2) سورة: الحج، الآية (29).
(3) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 393. (4/215)
صفحة 1536
الرائد
الموضع الأول: حجر إسماعيل
أما
حجر إسماعيل فقد سبق مقررا في المبحث الأول من هذا الفصل أن
قريشا أخرجت من بناء الكعبة شيئا لقصور نفقتها، والكعبة في زماننا
مؤسسة على بنيان قريش لا على قواعد إبراهيم - الأولى.
ومنه يلزم الطائف أن يدخل ما أخرج من الكعبة في طوافه إذ هو بعض
الكعبة إجماعا.
والحنفية مع قولهم إن من الواجب الطواف خارج حجر إسماعيل لكونه من الكعبة إلا أنهم يرون أنه إذا طاف الطواف الواجب في الحج والعمرة في جوف الحطيم قضى ما ترك منه إن كان بمكة، وإن كان رجع إلى أهله فعليه
دم.
وعلة قولهم هذا أن المتروك هو الأقل فإنه إنما ترك الطواف على الحطيم فقط، ولو ترك الأقل من أشواط الطواف فعليه إعادة المتروك، وإن لم يعد
فعليه الدم، فهذا مثله.
(1) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 337، وابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 188، والعيني، البناية، ج 4، ص 196، و الجناوني، الوضع، ص 218. (4/216)
صفحة 1537
الرائد
217
ثم الأفضل عندهم أن يعيد الطواف من الأصل ليكون مراعيا للترتيب المسنون، وإن أعاده على الحطيم فقط أجزاه؛ لأنه أتى بما هو المتروك، ومن
قواعدهم أن الترتيب في الطواف مسنون وليس هو بواجب
ومن الفقهاء من قال إن من مر في الحجر في طوافه فعليه دم".
ولا أدري المقصود بهذا القول هل عليه دم من غير إعادة، أو أن عليه دما لمجرد المخالفة مع السكوت عن حكم ذلك الشوط.
ولكن مضى مقررا أنه ليس كل ما أحاط به الجدار من حجر إسماعيل من الكعبة بل الذي منها ستة أذرع فقط، وما بعد الستة ليس من الكعبة في شيء
فالأصل أن الطواف يشمل الستة فقط، وما بعد الستة ليس من الكعبة فلا
حرج في إدخاله في الطواف.
لكن مع
الأصل السابق للفقهاء خلاف فيمن طاف بعد ستة الأذرع
الكعبة لكن داخل جدار حجر إسماعيل أيصح طوافه أو لا يصح)
(1) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 46.
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 129.
(3) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 140، وابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 448،
القطب، كشف الكرب، ج 2، ص 112، والزرقاني، شرح الموطأ، ج 2، ص 402. (4/217)
صفحة 1538
الرائد
218
ذهب جماعة إلى أنه لا يصح، واستدلوا لقولهم ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلمطاف خلف الجدار، فيجب التأسي بما فعل، ولو كان الطواف بعد الستة وداخل الحجر جائزا لبينه النبي.
وقال آخرون إن طاف بعد المسافة التي هي من الكعبة فطوافه صحيح"، قال الشيخ محمد بن إبراهيم الكندي حكم ما بعد السبعة الأذرع حكم خارج الكعبة:
وليصل في المسجد حيثما شاء إلا الحطيم، وقال غيره: يكره له ذلك، فإن صلى في الحطيم خلف سبعة أذرع فلا بأس ولا يلزمه شيء".
ودليل ذلك أن الواجب إدخال الكعبة كلها في الطواف، وهذا قد
أدخلها كلها في الطواف ولا يجب عليه شيء فوق ذلك لعدم الموجب. أما الحديث الذي استدل به الموجبون إدخال الحجر كله في الطواف فصحيح غير أن دلالته على المطلوب قاصرة فإنه يرده أن ذلك لا يستلزم كونه يجب إدخاله كله في الطواف إذ قد يطوف خارجه مع جواز أن يدخله في
(1) الزركشي، الديباج، ج 1، ص 389.
(2) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 394.
(3) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 140، وابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 322. (4/218)
صفحة 1539
الرائد
219
الطواف ولا مانع يمنع ذلك في الشرع ولا العقل.
ثم إن الحجر كان محاطا بجدار ومن العسير تسلق الجدار عند كل طواف فكيف إن علمنا أن فعله لتشريع تمضي عليه الأمة بعده، لا شك بأن في ذلك حرجا كبيرا جدا، وقد خرج من الكعبة كارها خشية أن تدخل المشقة على الأمة بدخولهم فيها؛ لأن من الفعل الذي قام به هو دخولها. الموضع الثاني: الشاذروان
سبق في المبحث الأول من هذا الفصل بيان الشاذروان وصفته، وقد تقدم ثمة أن أهل العلم مختلفون أهو جزء من الكعبة نقص منها أو ليس هو من الكعبة، وكان نتاج الدراسة هناك أن الشاذروان ليس من الكعبة في شيء. والفقهاء مختلفون فيمن أدخل جسده أو بعضا منه في هواء الشاذروان أيجزيه طوافه ذلك أو لا يجزيه.
القائلون بعدم الإجزاء قائلون بأن الشاذروان من أصل الكعبة، إذ من طاف فيه أو مر شيء من جسده في هوائه لا يتحقق فيه شرط طواف كل
الجسد حول كل الكعبة وعليه فلا يجزيه).
(1) الشافعي، الأم، ج 2، ص 176، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 149. (4/219)
صفحة 1540
الرائد
220
ونبه هؤلاء على أنه ينبغي أن يحترز الشخص في حال استلامه الحـ الأسود والركن اليماني أن يمس جدار الكعبة الشريفة ولو في بعض خطوة لأنه طاف وبعضه في هواء الشاذروان.
كما قالوا إنه ينبغي أن يحترز الشخص في حال استلامه الحجر الأسود والركن اليماني من ذلك فإنه إذا مشى في حال استلامه أو تقبيله لزحمة أو غير ذلك ولو بعض خطوة لم يصح طوافه.
بل الواجب عندهم- أن يقر قدميه حال الاستلام والتقبيل إلى أن يفرغ من ذلك، ثم يعتدل قائما في مكانه ثم يمشي، وإن مشى في حال الاستلام والتقبيل فليرجع إلى مكانه الأول قبلها ثم يمشي ليكمل له الطواف خارج البيت.
والأمر السابق كما يقول ابن جماعة- لو كان معتبرا لنبه الرسول صلى الله عليه وسلم
عليه أصحابه لكونه مما تمس الحاجة إليه).
وثمة قائلون بأن الشاذروان من أصل الكعبة غير أنهم يرخصون في صحة طوافه لأن معظم بدنه خارج، وحينها يصدق عليه أنه طائف
(1) ابن جماعة، هداية السالك، ج 3، ص 940. (4/220)
صفحة 1541
الرائد
221
بالبيت).
أما القائلون بأنه ليس
من
الكعبة فلا حرج عندهم إذا طاف الطائف في
الشاذروان أو مر بعض جسده في هوائه إذ ليس هو من الكعبة.
وهذا القول هو الأسعد بظاهر الأدلة الشرعية والأقرب للصواب، وقد
مضى تحرير القضية عند وصف الشاذروان في المبحث الأول من هذا الفصل.
العلو على الكعبة في الطواف
ثم إن مما اختلفوا فيه طواف من علا على الكعبة أيجزيه أو لا يجزيه؟ قال جماعة من الفقهاء إن ذلك لا يجزيه؛ لأن المقصود بالطواف البناء نفسه لا الجهة كما في قوله تعالى ثُمَّ لْيَقضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ، ومن علا الكعبة لم يكن طائفا بالبناء نفسه فلا يجزيه". والله سبحانه قال (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا
(1) الغزالي، الوسيط، ج 2، ص 644، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 394.
(2) سورة الحج، الآية (29).
(3) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 149، والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص 241. (4/221)
صفحة 1542
الرائد
222
وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّابِفِينَ وَالْقَابِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ، وقال جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَما لِلنَّاسِ)، فبين أن الطواف والركوع والسجود إنما هو متعلق بالبيت، والبيت أو الكعبة لا يكون اسما إلا للبناء.
أما الهواء فليس هو بيتا ولا كعبة وأيضا فلو كان استقبال هواء العرصة والطواف به كافيا لم يجب بناء البيت ولم يحتج إليه فلما أمر الله إبراهيم خليله ببناء بيته وبدعاء الناس إلى حجه حينئذ، وكان من أشراط الساعة خراب هذه البنية علم أن دين الله منوط ببنية تكون هناك، وأن لا يكون وجودها وعدمها سواء (3).
والأمر في الصلاة مختلف إذ المقصود جهة البيت لا البيت نفسه كما في
صلے
قوله تعالى {قَدْ نَرَى تَقَلَّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَهَا فَوَلِ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ).
قال شيخنا القدوة العلامة الخليلي -حفظه الله -:
(1) سورة: الحج، الآية (26).
(2) سورة المائدة، جزء من الآية (97).
(3) ابن تيمية، شرح العمدة، ج 4، ص 491.
(4) سورة البقرة، الآية (144). (4/222)
صفحة 1543
الرائد
223
أما الطواف في سطح المسجد الحرام فإن الطائف لا يحاذي فيه شيئا من البيت الحرام؛ إذ المطاف يكون أعلى من البيت، لذلك لا أرى وجها له، وإنما له في حال الزحام أن يطوف ويسعى في الطابق الوسط).
وعلة استثناء الوسط هي محاذاته لبعض الكعبة؛ إذ البيت مستغرق
للمطاف الأرضي، وبعضه يحاذي المطاف الوسط، أما المطاف العلوي الذي سقف الطابق الأول فلا تقابله الكعبة بل هواؤها.
هو
وقال آخرون إن ذلك يجزيه)، وأوردوا على القول السابق أنه يلزم من قولهم إذا انهدمت الكعبة -والعياذ بالله - لم يصح الطواف حول عرصتها.
الحادي عشر: إكمال سبعة أشواط
طاف النبي صلى الله عليه وسلم سبعة أشواط حول البيت والأمة بمذاهبها كافة قالت إن هذا هو المشروع والمأمور به لمن أراد أن يطوف بالبيت.
(1) الخليلي، الفتاوى الكتاب الأول، ص 368.
(2) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 395، والزركشي، الديباج، ج 1، ص 389، وابن عثيمين،
مجموع الفتاوي، ج 22، ص 292.
(3) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 395، وابن جماعة، هداية السالك، ج 3، ص 936.
(4) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 136. (4/223)
صفحة 1544
الرائد
224
غير
لا يجزيه؟
أنهم قد اختلفوا فيمن نسي شوطا من السبعة أيجزيه طوافه ذلك أو
ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أن ذلك الطواف لا يجزيه، ولو كان الناقص عن السبعة خطوة واحدة).
استدل هؤلاء لقولهم بأن النبي لوا ما طاف إلا سبعة أشواط، والطواف الذي هو مجز سبعة أشواط، فمن طاف أقل من ذلك لم يصدق عليه أنه طاف
الطواف الشرعي.
وعليه فلا يجزيه طوافه ذلك).
ثم إن الستة من الأشواط مخالفة للهدي النبوي، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول:
"كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد" وقد قال "لتأخذوا عني مناسككم". وقال الحنفية إن الواجب على من أراد الطواف أن يطوف سبعة أشواط، غير أن الطواف يتحقق بأكثر الطواف، ومنها قالوا إن إكمال سبعة الأشواط واجب يجبر إن نقص العدد عنه بدم، لكن الركن الذي لا يتم الحج أو العمرة
(1) الشافعي، الأم، ج 2، ص 178، وابن عبد البر، التمهيد، ج 2، ص 69، وعبد الوهاب البغدادي، الإشراف، ج 1، ص 476، والجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2، ص 157. (2) ابن عبد البر، التمهيد، ج 2، ص 69. (4/224)
صفحة 1545
الرائد
225
دونه هو أكثر الطواف.
واختلفوا في مقدار أكثر الطواف فقيل أربعة أشواط، وقيل ثلاثة أشواط
وثلثا شوط.
ومما فرعوه على السابق أن قالوا إن طاف الأقل من طواف الزيارة وطاف للوداع في آخر أيام التشريق يكمل طواف الزيارة من طواف الوداع؛ لأن استحقاق الزيارة عليه أقوى فما أتى به مصروف إلى إكماله وإن نواه عن غيره، وعليه لتأخير ذلك دم.
ثم قد بقي من طوافه للوداع ثلاثة أشواط فصار تاركا للأكثر من طواف
الوداع وذلك ينزل منزلة ترك الكل فعليه دم لذلك.
وإن كان المتروك من طواف الزيارة ثلاثة أشواط أكمل ذلك من طواف الوداع وعليه لكل شوط منه صدقة بسبب التأخير عن وقته؛ لأنه لا يجب في تأخير الأقل ما يجب في تأخير الكل.
ثم قد بقي من طواف الصدر أربعة أشواط فإنما ترك الأقل منها فيكفيه
(1) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 45، وابن النجيم، البحر الرائق، ج 2، ص 353، ونظام الدين، الفتاوى الهندية، ج 1، ص 232، وابن عابدين، رد المحتار، ج 2، ص 467. (4/225)
صفحة 1546
الرائد
226
لكل شوط صدقة؛ لأن الدم يقوم مقام جميع طواف الصدر فلا يجب في ترك أقله ما يجب في ترك كله.
وهذا مبني على أصل تفرقتهم بين الواجب والفرض كما ذكرنا ذلك عند ذكر اشتراط الوضوء للطواف، وهو الأمر الذي لا يوافقهم عليه الجمهور. ومن شك في عدد أشواط طوافه فلا يخلو الحال فيه أن يترجح عنده أمر أو يستوي الأمران المشكوك فيهما.
من
فإن ترجح بغالب الظن أمر أخذ به، وإن لم يترجح شيء بنى على الأقل الأمرين المشكوك فيهما، فإن شك أهو في ثالث الأشواط أو رابعها بني
في هذا الحال على الأقل وهو ثالث الأشواط".
وحكى ابن المنذر الإجماع على أن من شك في طوافه بنى على اليقين". والأصل للسابق القياس على حال الصلاة فقد نص الشارع فيها على حكم المسألة كما في حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا
(1) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 43.
(2) الشافعي، الأم، ج 2، ص 179، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 172، و ابن جماعة،
هداية السالك، ج 3، ص 933، وشيخنا الخليلي الفتاوى، ج 1، ص 365.
(3) ابن المنذر، الإجماع، ص 70. (4/226)
صفحة 1547
الرائد
227
شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثا أم أربعا فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم.
فإن كان صلى خمسا شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتماما لأربع كانتا ترغيما للشيطان.
و من الفقهاء من قال إنه يبني على ما استيقن ثم بعد ذلك يعيد الطواف أصله، ومنهم من قال إنه يتم أربعة عشر شوطا ثم يركع ثم يبتدئ طوافا
من أصله،
جديد).
والقول الأول الناص على الاجتزاء بالبناء على غالب الظن إن كان وإلا فيما استيقن أولى بالقبول من القول الآمر بطواف آخر، لما نص عليه من حكم في الصلاة، وهو يفيد أن غلبة الظن في أمر جعل له الشارع حدا معينا في عبادة غير معقولة المعنى تجزي الإنسان.
أما إن لم يعلم في أي الأشواط هو، ولم يكن ثمة قرينة على شيء فإنه يستأنف طوافه من جديد؛ لأنه لا يقين لديه حتى يبني
عليه.
(1) أخرجه مسلم في كتاب: المساجد، باب السهو في الصلاة والسجود له (571).
(2) البسيوي، الجامع، ج 2، ص 269. (4/227)
صفحة 1548
الرائد
228
وكما يمنع الإنسان من النقصان عن سبعة الأشواط كذلك يمنع من الزيادة عليها، وإذا ما زاد على السبعة سهوا فإنه يقطعها ويركع ركعتي الطواف، قياسا على الصلاة).
وذهب بعض الفقهاء إلى التفريق فقالوا إن من طاف ثمانية أشواط في
النفل ركع ركعتين ثم يطوف ستة أشواط ثم يركع ركعتين.
وأما إن كان الطواف فريضة فعليه أن يعيد الطواف مع الفعل السابق
(2)
الذي فعله عند النفل.
أي أن من نسي بزيادة أو نقصان في الطواف فلا يجزيه ذلك الطواف، والواجب عليه -على قول هؤلاء - أن يطوف طوافا آخر يصلح فيه خطأ الطواف الأول.
فإن كان الخلل في الأول النقصان طاف الطواف الثاني سبعة مع زيادة
النقص الذي طرأ على الأول كأن يطوف ثمانية إن كان الأول ستة.
وأما إن كان الخلل زيادةً طاف الطواف الثاني ناقصا بمقدار الزيادة التي
(1) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 320، والبسيوي الجامع، ج 2، ص 269، وابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 205، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 174.
(2) البسيوي، الجامع، ج 2، ص 269، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 171 (4/228)
صفحة 1549
229
الرائد
عرت الطواف الأول كأن يكون طاف أولا ثمانية فإنه يطوف ثانيا ستة، ثم بعد ذلك يطوف الطواف الصحيح وهو سبعة الأشواط وهو الذي يبرئ
ذمته.
وهذا التفصيل فيه من العسر والمشقة ما فيه فضلا عن أنه لا دليل يدل عليه، والسنن العام الذي جرى عليه الشارع كما هو الحال في الصلاة- أولى بالأخذ، فيكون من طاف أكثر من سبعة أشواط غير متعمد ذلك يقف حال تذكره أو علمه ويركع ركعتين للطواف.
أما من علم النقص في طوافه فإنه يزيد ما نقص ما لم يتطاول الفصل أو يعرض عن الطواف بالاشتغال بغيره فحينها يلزمه أن يستأنف الطواف من
جديد.
ومما يفيد ذلك حديث عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الظهر خمسا، فلما سلم قيل له: أزيد في الصلاة؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: صليت خمسا، فسجد سجدتين).
وجاءت رواية تفيد أن الصحابة تفاوتت أشواطهم والنبي أقرهم على
(1) أخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب السهو في الصلاة والسجود له
(572) (4/229)
صفحة 1550
الرائد
230
فعلهم كما في حديث سريج بن النعمان ثنا أبو شهاب عن الحجاج عن ابن أبي
نجيح عن مجاهد عن سعد بن مالك قال:
طفنا
مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنا من طاف سبعا، ومنا من طاف ثمانيا، ومنا
من طاف أكثر من ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا حرج.
والحديث أخرجه أحمد، لكنه لا يثبت وفيه علتان:
أولاهما: الحجاج هو ابن أرطأة ضعيف مدلس لا تقبل روايته كما تقدم.
ثانيهما: مجاهد بن جبر لم يسمع من سعد بن مالك فروايته عنه مرسلة). ومن كان مبتلى بآفة النسيان فلا مانع من أن يتخذ لنفسه ما يذكره بعدد الأشواط التي يطوفها، وهذه الوسيلة مشروعة لغاية حسنة فلا حرج فيها. كما أنه قد يتذكر الإنسان بقول غيره الذي صحبه إن اطمأن إلى كلامه، ورجحه على ما استقر في نفسه، وإلا فقوله أولى بالتقدمة من قول غيره.
وذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا ينتفع بقول صاحبه إن أخبره بذلك
(1) ,
(1) أحمد بن حنبل، المسند، ج 1، ص 184.
(2) العلائي، جامع التحصيل، ص 273، وابن حجر، تهذيب التهذيب، ج 10، ص 40،
وأبو زرعة العراقي، تحفة التحصيل، ص 294. (4/230)
صفحة 1551
الرائد
231
ولا أعلم دليلا لهذا القول، وليست المسألة تعبدية أن لا ينفع الإنسان إلا كلام نفسه، بل المراد أن يطوف سبعة أشواط بنية خالصة مع موافقة لمراد الشارع، والمعتمد على غيره متحصل على الأمور المرادة من الشارع.
الثاني عشر: أن يكون الطواف داخل المسجد
يشترط لصحة الطواف أن يكون داخل المسجد، قال العلامة ابن
جعفر وأجمعوا على أن الطواف خارج من المسجد لا يجوز"، وحكى الإجماع
السابق ابن المنذر أيضا.
ولا
حرج بالحائل فيه بين الطائف والبيت كالسقاية والسواري، ويجوز
في أخريات المسجد، وأروقته، وعند باب المسجد من داخله، لكن اختلفوا
في الطواف في مناطق في أرض المطاف.
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 129.
(2) الشافعي، الأم، ج 2، ص 179، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 128، والرافعي،
العزيز، ج 3، ص 395، والسرخسي، المبسوط، ج 4، ص 49.
(3) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 326، ومثله: الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 136.
(4) ابن المنذر الإجماع، ص 71
(5) النووي، روضة الطالبين، ج 3، ص 81. (4/231)
صفحة 1552
الرائد
232
فذهبت جماعة من أهل العلم إلى أن كل أرض المطاف التي يدور حولها
جدار المسجد مما يصح الطواف فيها حول الكعبة.
فمن طاف في المسجد من دون السقاية وزمزم أو من ورائهما أو وراء سقايات المسجد التي أحدثت فحف بها المسجد حتى يكون الطائف من ورائها كلها فطوافه يجزي عنه؛ لأنه في موضع الطواف، وأكثر الطائفين محول بينهم وبين الطواف بالناس الطائفين والمصلين).
وحكى ابن المنذر الإجماع على إجزاء الطواف من وراء السقاية".
قال الشيخ أبو الحسن البسيوي ومن طاف خلف زمزم في ظلة المسجد
من غير زحام فإنه يجزيه، وإن طاف خلف حيطان المسجد فإنه لا يجزيه). وذهب بعض الفقهاء إلى أن من طاف من وراء زمزم وفي سقائف المسجد من زحام أجزاه، وإن طاف في السقائف لغير زحام الحر أو برد أعاد؛ لأن اتصال الزحام يصير الجميع متصلا بالبيت كاتصال الزحام بالطرقات
(1) الشافعي، الأم، ج 2، ص 177، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 128.
(2) ابن المنذر، الإجماع، ص 71.
(3) البسيوي، الجامع، ج 2، ص 270، والكندي بيان الشرع، ج 23، ص 128، وأصل النص من جامع ابن جعفر، ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 322. (4/232)
صفحة 1553
الرائد
233
يوم الجمعة، ومع عدم الزحام الطائف خارج المسجد يعد طائفا بالمسجد لا
بالبيت.
ومن هؤلاء من منع الطواف خلف زمزم".
ولا أعلم دليلا يسوغ الآراء السابقة بل قول الجمهور الناص على صحة الطواف في المسجد كله أولى بالأخذ.
ومما جد في الأيام المتأخرة بعد التحديثات الأخيرة للمسجد الحرام أن أرض المسعى من جهة الصفا اختلط أمرها بالمسجد فلا يكاد يظهر فرق بينهما، على أنه في سقف الطابق العلوي لا يكاد يتميز المسعى من أرض المطاف وتجد بعض الناس يأخذ سقفُ المسعى شيئا من طوافهم. وقد اختلفوا ألتلك الأرض حكم المسجد الحرام فيصح الطواف فيها
وتمنع الحائض منها، أو أنها على ما كانت عليه من قبل أرض للسعي؟ الذي يظهر أن المسعى أمر مستقل بذاته لا يطوله المسجد الحرام، وكون المسجد بعد التحديثات الأخيرة ألصق بالمسعى ذلك لا يأخذ أرض
من
(1) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 241.
(2) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 241. (4/233)
صفحة 1554
الرائد
234
المسعى شيئا بل تبقى على أصلها أرضا خاصة بشعيرة معينة لا تنتقل عنها إلى
أخرى.
على أن التصاق أرض المسعى بأرض الطواف إنما هو في منطقة يسيرة مفصولة بجدار وبعدها تنفصل تماما عن المسجد، وليس المكانان مختلطين. وقد نص على عدم دخول أرض المسعى في حكم المسجد قرار مجمع الفقه الإسلامي بمكة المكرمة.
ومن السابق يظهر أنه يصح للحائض والجنب دخول أرض المسعى وسعيهما فيها، كما أنه لا يصح للمعتكف في المسجد الحرام المكث في أرض
المسعى.
ومنه أيضا لا يصح الطواف في أرض المسعى وعلوها من المساعي الثلاثة، والناس يقعون كثيرا في المسألة في سقف المسجد الحرام إذ إن مطاف السقف يضيق إلى ستة أمتار فيضطر الناس إلى الخروج لسقف المسعى".
(1) الجيزاني، فقه النوازل، ج 2، ص 345. (2) ابن عثيمين مجموع الفتاوي، ج 22، ص 289. (4/234)
صفحة 1555
الرائد
الثالث عشر: الموالاة في الطواف
مما اختلف فيه الفقهاء وجوب الموالاة بين أشواط الطواف، فذهب جماعة من الفقهاء إلى أنه لا يجوز لمن طاف بالبيت أن يقطع طوافه إلا لعذر لا يستطيع له دفعا كإقامة الصلاة أو زحام ونحو ذلك، حتى قال قائلهم إنه
ليس في الطواف ذمام يدع الرجل صاحبه ويختلف عنه ويستلم الأركان". وروي عن الحسن البصري أن من أقيمت عليه الصلاة وهو في الطواف فقطعه فإن عليه أن يستأنفه ولا يبني على ما مضى، ولكن خالفه الجمهور
فقالوا يبني، بل ذُكِرَ الاتفاق على هذا الرأي الأخير رأي الجمهور".
وبناء على الأصل السابق القائل بوجوب الموالاة فإنه لا يقطع الطائف طوافه إلا بأمر واجب يفوق في وجوبه أمر الموالاة، أما السنن والواجبات
غير المتعينة عليه كصلاة الجنازة فلا يصح أن يقطع بها طوافه.
-
وخطبة الجمعة على هذا الرأي لا يقطع الطائف بها طوافه، إذ الشارع التفت فيها إلى أمر غير واجب فأجازه وهو ركعتا تحية المسجد على رأي
(1) الشافعي، الأم، ج 2، ص 179، وابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 333، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 136، وابن حزم المحلى، ج 7، ص 180، والقرافي، الذخيرة، ج 3،
ص 239.
(2) ابن المنذر، الإجماع، ص 70، وابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 484. (4/235)
صفحة 1556
الرائد
236
الأكثر من أهل العلم، فيكون للموالاة هذا فلا يلزم الطائف بقطع طوافه
لأجل الخطبة.
وهذا الأمر في حق من بدأ الطواف وخطب الخطيب بعد بدئه، وقد ذكرنا من قبل حكم من دخل المسجد الحرام ولم يطف القدوم والخطيب يخطب.
وذهب آخرون إلى أن الموالاة ليست بشرط ولا أمر واجب في الطواف
(1)
وإن كانت من حيث الأصل الأفضل والأكمل في الأجر.
ثم إن من الفقهاء من توسع في شأن الموالاة في الطواف فأجاز قطعه لأجل صلاة الجنازة، أو للحاجة تعرض للطائف ثم يبني على طوافه على خلاف مشهور بينهم في قطعه بالجنازة، ومن ذلك حديث:
سعيد بن منصور هشيم حدثنا الملك حدثنا هشيم عبد
عن عطاء أنه كان يقول
في الرجل يطوف بعض طوافه ثم تحضر الجنازة يخرج فيصلي عليها ثم يرجع
فيقضي ما بقي عليه من طوافه.
ومن قطع طوافه لعذر وصح له أن يبني عليه على الخلاف السابق
(1) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 397.
(2) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 48، وابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 484.
(3) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 484. (4/236)
صفحة 1557
الرائد
237
فإنه يرجع إلى الموضع الذي قطع عنده نية الطواف ويواصل منه.
على أن جماعة من الفقهاء استحبوا أن ينهي الشوط الذي هو فيه ليبدأ
عند البناء من الحجر الأسود.
كما أن
منهم من استحب أن يكون الوقوف عند وتر لا شفع من الأشواط كالثالث أو الخامس ما أمكنه ذلك؛ لأن الله وتر ويحب كل وتر).
وروى عبد الرزاق عن الأسلمي عن داود بن الحصين عن عكرمة عن
ابن عباس قال: من طاف بالبيت فبدت له حاجة فلينصرف على وتر وليركع ركعتين ولا يعد البقية سبعه (3).
وروى الربيع بن حبيب عن ضمام بن السائب عن أبي الشعثاء جابر بن
زيد قال: لا ينصر ينصرف الرجل عن طوافه إلا عن وتر).
(1) الشافعي، الأم، ج 2، ص 179.
(2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 139.
(3) عبد الرزاق، المصنف، ج 5، ص 55.
(4) الخروصي، من جوابات الإمام جابر بن زيد، ص 72. (4/237)
صفحة 1558
الرائد
238
المبحث السادس: مندوبات الطواف
أولا: تعظيم الحجر الأسود
تعظيم الحجر الأسود وأنه مما يتقرب به إلى الله تعالى أمر قد اتفقت عليه الأمة قاطبة، فهو من شعائر الله تعالى {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَيْرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ، ولا غرو في ذلك فقد ثبت عن صاحب الدعوة الغراء تعظيمه.
قال الإمام أبو طاهر الجيطالي وأجمعوا على أن تقبيل الحجر الأسود لمن قدر عليه أنه من سنن الطواف.
وما خُرِق الاتفاق السابق على تعظيم الحجر الأسود إلا من قبل نابتة العقليين التي ابتلي بها الفكر الإسلامي، فقد أثاروا شبهات مفادها أن الأحاديث التي فيها تعظيم الحجر الأسود تنافي دعوة الإسلام للتوحيد ونبذ
الأوثان.
(1) ابن عبد البر، التمهيد، ج 22، ص 257، والجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2، ص 154. (2) سورة: الحج، الآية (32).
(3) الجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2، ص 154. وممن نص على الاتفاق على استلام الحجر الأسود ابن حزم الظاهري ابن حزم، مراتب الإجماع، ص 78. (4/238)
صفحة 1559
الرائد
239
وقد فند شيخنا القدوة العلامة الخليلي متعنا الله والمسلمين بحياته- الدعوى السابقة فقال:
تقبيل الحجر الأسود واستلامه أمران ثابتان بالسنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لم نعرف الإسلام إلا عن طريقه، ولذلك فرض الله تعالى
علينا اتباعه وجعله من مقتضيات الإيمان حيث قال سبحانه:
وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ
مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلًا مُّبِينًا}.
وقال: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا).
وقد انعقد إجماع الأمة على مشروعية تقبيل الحجر ولمسه، وعليه فدعواه أن ذلك ينافي دعوة الإسلام لنبذ الأوثان ضلال وكفر فشتان ما بين من يأتي ذلك طاعة الله ورسوله وهو معتقد أن الحجر لا ينفع ولا يضر - وبين من يقدس الأوثان التي نهى
الله عن الاقتراب منها.
(1) سورة الأحزاب، الآية (36).
(2) سورة الأحزاب، الآية (21) (4/239)
صفحة 1560
الرائد
240
والفارق بين الوثنية والإسلام أن المسلم لا يفعل شيئا إلا بقصد الطاعة
الله انطلاقا من أوامره، فطوافنا بالكعبة المشرفة وصلاتنا إليها إنما هي عبادة الله لا لها، فالله هو الأمر بذلك.
وأما الوثني فيأتي ما يأتيه من غير شرع من الله، ولا لقصد عبادته بل لعبادة الوثن الذي يعتقد أنه بإمكانه أن يضره أو ينفعه أو أن يقربه إلى الله.
ونص بعض الفقهاء على أن استلام الحجر للطواف بمنزلة التكبير للصلوات فيبدأ به طوافه.
وقد كانت للنبي الأفعال يأتيها عند الحجر الأسود تختلف مراتبها بقدر الاستطاعة عليها دون إضرار بالنفس ولا بالآخرين.
وهذا التصرف منه يجعل في الأمر فسحة يمنع معها الإصرار على
صل الله (3)
فعل دون آخر من الهيئات التي ثبتت عن إمام الأتقياء محمد دلار.
(1) شيخنا الخليلي، الفتاوى الكتاب الأول، ص 365.
(2) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 9.
(3) ذكرنا عند مبحث محظورات الإحرام أن المباشرة للحجر الأسود والركن اليماني مشروعة مطلقا إلا إن كان المباشر محرما وعلم أن في الركنين طيبا يصيبه وهو محرم فحينها لا
يشرع له مباشرتهما. (4/240)
صفحة 1561
الرائد
241
وظاهر الروايات التي فيها تعظيم الحجر الأسود أنها كلها ما كانت إلا في طواف، وقد ذهب بعض الفقهاء إلى أن الهيئات المنقولة عن النبي صلى الله عليه وسلم من
استلام وتقبيل وإشارة من سنن الطواف فلا تشرع إلا في الطواف فقط.
ومما يؤكد السابق أن المنقول من تقبيل الحجر الأسود هو التعبد فقط، كما
أنه
يظهر من قول عمر بن الخطاب في حديث عابس بن ربيعة عن عمر جاء إلى الحجر الأسود فقبله فقال: إني أعلم أنك لا تضر ولا تنفع
ولولا أني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك".
حجر
وما دام أصل الأمر مبنيا على التعبد كان مما ينبغي فيه الاقتصار على مورد النص لعدم المعرفة بعلة الحكم والنصوص ما جاءت إلا بالتعظيم حال الطواف.
وخالف السابق بعض أهل العلم فقالوا إنه لا بأس باستلامه بغير طواف، بل استحب بعضهم ندب ذلك عقب الصلاة وكل عبادة فعلت
(1) الهيتمي، حاشية على الإيضاح، ص 274، وابن عثيمين مجموع الفتاوي، ج 22،
ص 326.
(2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب ما ذكر في الحجر الأسود (1520). (4/241)
صفحة 1562
الرائد
بالمسجد).
242
ومما أورد على مشروعية الاستلام بغير الطواف أفعال نقلت عن بعض صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، و من ذلك أن ابن عمر كان لا يخرج من المسجد مطلقا حتى يقبله، وأن مغيرة روى عن إبراهيم قال:
كانوا يستحبون أن يستلموا الحجر كلما دخلوا المسجد وخرجوا منه،
وكان عبد الله بن الزبير أول من استلمه قبل الصلاة وبعدها.
ورواية عبد الله بن عمر رواها ابن أبي شيبة من طريق عبدة بن سليمان عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أنه كان لا يخرج من المسجد حتى يستلم كان في طواف أو في غير طواف".
وأما رواية المغيرة عن إبراهيم فرواها الحافظ عبد الرزاق في المصنف،
وسياقها مختلف وليس فيها دلالة على المراد فقد قال الحافظ عبد الرزاق:
عن هشيم عن مغيرة عن إبراهيم قال: إن استطعت أن تستلم الركن وإلا فاستقبله وهلل وكبر، وكان يجب أن يفتتح بالحجر، ويختم به في الطواف
(1) العبدري، التاج والإكليل، ج 3، ص 108، والهيتمي، حاشية على الإيضاح، ص 274. (2) الهيتمي، حاشية على الإيضاح، ص 274.
(3) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 215. (4/242)
صفحة 1563
الرائد
243
الذي يرمل فيه، والطواف الذي يحل فيه، والطواف الذي ينفر فيه.
وكان يجب أن يزاحم على الحجر في هذه الثلاثة حين يستلمه ويفتتح به ويختم به، ورواه عبد الرزاق قبل السابق من حديث الثوري عن منصور عن إبراهيم قال:
كانوا يستحبون أن يهجروا إلى منى وكانوا يحبون أن يستلموا الحجر
حين يقدمون وحين يطوفون وحين يختمون ويوم النحر ويوم النفر). والإجمال الذي قد يفهم من رواية الثوري عن منصور هذه بينه التفصيل
الذي رواه هشيم عن مغيرة، والهيئات السابقة ما كانت إلا في طواف. وجاء السابق عند ابن أبي شيبة من طريق ابن إدريس عن أبيه عن حماد
عن إبراهيم قال:
كلما دخلت المسجد الحرام طفت بالبيت أو لم تطف فاستلم الحجر حين تريد أن تخرج من المسجد أو استقبله فكبر وادع الله".
(1) عبد الرزاق، المصنف، ج 5، ص 32.
(2) عبد الرزاق، المصنف، ج 5، ص 31.
(3) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 215. (4/243)
صفحة 1564
الرائد
244
لكن روى عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه قال: كان يكون في المسجد فإذا أراد أن يخرج من المسجد استلم الركن ثم خرج. وظاهر الإسناد السابق الصحة غير أن فعل طاووس ليس بحجة في
الشريعة، بل هو رأي يراه قد يخالفه فيه غيره.
وقد سألت شيخنا الخليلي متعنا الله والمسلمين بحياته- عن ذلك فقال بأنه ما وجد دليلا يفيد مشروعية تقبيل الحجر واستلامه في غير طواف، ولكن النفس تطمئن إليه.
وأول الهيئات التي يعظم بها الحجر الأسود وأولاها استلامه" وتقبيله، وقد حكي اتفاق علماء الإسلام على مشروعية السابق، ومما جاء بالأمر السابق حديث زيد بن أسلم عن أبيه قال: رأيت عمر بن الخطاب له قبل
(1) عبد الرزاق، المصنف، ج 5، ص 43.
(2) قال ابن قتيبة: استلام الحجر هو افتعال في التقدير مأخوذ من السلام وهي الحجارة، واحدتها سلمة، تقول: استلمت الحجر إذا لمسته من السلمة كما تقول: اكتحلت إذا أخذت من الكحل، وادهنت إذا أصبت من الدهن ابن قتيبة، غريب الحديث، ج 1،
ص 221.
(3) ابن عبد البر، التمهيد، ج 4، ص 201، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 182، والسرخسي، المبسوط، ج 4، ص 10. (4/244)
صفحة 1565
الرائد
245
الحجر، وقال: لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلك ما قبلتك.
وقد جاء الحديث السابق من قول النبي وأبي بكر وعمر كما في رواية خالد بن مخلد قال حدثني سليمان بن بلال قال: حدثني شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن عيسى بن طلحة عن رجل رأى النبي صلى الله عليه وسلم وقف على الركن
فقال:
إني لأعلم أنك حجر ما تضر وما تنفع ثم قبله.
قال: ثم حج أبو بكر، فوقف عليه فقال: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك ثم قبله.
حجر ما تضر
ثم حج عمر الله فوقف عليه فقال: والله إني لأعلم أنك ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك ثم قبله". وظاهر إسناده الصحة إلا كلاما يسيرا في شريك بن عبد الله بن أبي نمر. وجاء الأمر السابق من حديث الزبير بن عربي قال: سأل رجل ابن عمر ه عن استلام الحجر فقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمه ويقبله، قال: قلت:
(1) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب: تقبيل الحجر (1532).
(2) المروزي، مسند أبي بكر، ص 185. (4/245)
صفحة 1566
الرائد
246
أرأيت إن زحمت، أرأيت إن غلبت؟ قال: اجعل أرأيت باليمن؛ رأيت رسول
الله يستلمه ويقبله).
وبعض الروايات أفادت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل الحجر الأسود إذا لم يكن عنده زحام، فإن كان عنده زحام مر دون أن يقبل كما في حديث عمرو بن عثمان قال: حدثنا الوليد عن حنظلة قال: رأيت طاووسا يمر بالركن فإن وجد عليه زحاما مر ولم يزاحم، وإن رآه خاليا قبله ثلاثا، ثم قا قال:
رأيت ابن عباس فعل مثل ذلك، وقال ابن عباس: رأيت عمر بن الخطاب فعل مثل ذلك ثم قال: إنك حجر لا تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلك ما قبلتك، ثم قال عمر: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل مثل
ذلك.
والحكم المانع من الضرر الذي أفادته الرواية وإن صح لكون الإضرار بالآخرين مفسدة يجب أن ترفع وقد ثبت تأصيلها بأدلة كثيرة تكاد تربو على
العد إلا أن الرواية لا تثبت من حيث قواعد قبول الروايات.
وذلك لأنه روى الحديث السابق النسائي، وفي إسناده الوليد بن مسلم
(1) أخرجه البخاري كتاب الحج، باب: تقبيل الحجر (1533).
(2) كتاب: مناسك الحج، باب: كيف يقبل (2938). (4/246)
صفحة 1567
الرائد
247
مدلس التسوية، وقد مضى مرارا أنه لا حجة في روايته ما لم يصرح بالسماع، وعلى الأحوال كلها لم يصرح هو بالسماع في هذه الرواية فلا يقبل حديثه هذا. ومن الروايات ما أفاد أن النبي كان يبكي عند تقبيل الحجر الأسود،
بل حض عمر بن الخطاب الله على البكاء كما في حديث محمد بن عون عن نافع عن ابن عمر قال: استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحجر فاستلمه ثم وضع شفتيه عليه يبكي طويلا فالتفت فإذا هو بعمر يبكي فقال: يا عمر، ها هنا تسكب العبرات.
والحديث أخرجه ابن خزيمة) وابن ماجه (3) غير أنه ضعيف جدا لا يثبت وعلة ضعفه أن في إسناده محمد بن عون، وقد قال البخاري عنه: منكر الحديث، وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال النسائي: متروك الحديث. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث منكر الحديث روى عن نافع حديثا ليس له أصل، وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث ليس بقوي.
(1) ابن خزيمة، صحيح ابن خزيمة، ج 4، ص 212.
(2) كتاب المناسك باب استلام الحجر (2945).
(3) ابن أبي حاتم الجرح والتعديل، ج 8، ص 47، وابن حبان، المجروحين، ج 2، ص 272،
وابن عدي الكامل في ضعفاء الرجال، ج 6، ص 244، والعقيلي، الضعفاء، ج 4، (4/247)
صفحة 1568
الرائد
248
وجاء أمر البكاء أيضا من حديث جابر بن عبد الله له قال: فدخلنا مكة حين ارتفاع الضحى فأتى - يعني النبي - باب المسجد فأناخ راحلته ثم دخل المسجد فبدأ بالحجر فاستلم وفاضت عيناه بالبكاء، فذكر الحديث وقال: ورمل ثلاثا ومشى أربعا حتى فرغ فلما فرغ قبل الحجر ووضع يديه عليه ثم مسح بهما وجهه.
وللحديث استحب بعض الفقهاء مسح الوجه باليدين بعد استلام
الحجر بهما.
والحديث جاء من طريق نعيم بن حماد حدثنا عيسى بن يونس حدثنا
محمد بن إسحاق عن أبي جعفر وهو محمد بن علي عن جابر بن عبد الله، وقد
رواه ابن خزيمة، والحاكم، ومن طريقه البيهقي
(4)
والحديث ليس بحجة بل هو ضعيف لا يثبت لأمور:
ص 112.
(1) ابن الهمام، فتح القدير، ج 2، ص 451.
(2) ابن خزيمة، صحيح ابن خزيمة، ج 4، ص 212.
(3) الحاكم، المستدرك، ج 1، ص 625.
(4) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 74. (4/248)
صفحة 1569
الرائد
249
صرح
:أولها محمد بن إسحاق مدلس لا يقبل من رواياته إلا ما بالتحديث كما تقدم بيان ذلك عنه مرارا، وهو هنا لم يصرح فلا تقبل روايته.
فيه
ثانيها: نعيم بن حماد، قال النسائي ضعيف، وقال أيضا: كثر تفرده عن الأئمة المعروفين بأحاديث كثيرة فصار في حد من لا يحتج به، وقال الدولابي: نعيم بن حماد يروي عن ابن المبارك ضعيف، قاله أحمد بن شعيب.
فيما
قال ابن حماد وقال غيره: كان يضع الحديث في تقوية السنة وحكايات عن العلماء في ثلب أبي حنيفة كذب قال ابن عدي: وابن حماد يقوله لصلابته في أهل الرأي.
متهم
وقال صالح بن محمد الأسدي الحافظ بعد حديث ذكره: وليس لهذا الحديث أصل، ولا يعرف من حديث ابن المبارك، ولا أدري من أين جاء به نعيم، وكان نعيم يحدث من حفظه وعنده مناكير كثيرة لا يتابع عليها.
قال: وسمعت يحيى بن معين سئل عنه فقال: ليس في الحديث بشيء، ولكنه كان صاحب سنة، وقال أبو عبيد الآجري عن أبي داود عند نعيم بن
حماد نحو عشرين حديثا عن النبي ليس لها أصل.
(1) ابن عدي الكامل، ج 7، ص 16، والمزي، تهذيب الكمال، ج 29، ص 466، والذهبي، (4/249)
صفحة 1570
الرائد
250
والحديث به زيادات خلت منها رواية الثقات فلا يكون الحديث بسببها
إلا منكرا.
وذهب بعض الفقهاء إلى أن من استلم الحجر الأسود فعليه أن لا يعلوه بيده بل يمسحه من جانب أو من تحت وهكذا لا يعلوه بفيه إذا قبله، ولا أعلم دليلا يسند هذا القول فيبقى عريا عن المشروعية، لأن المستحب ما استحبه الشارع.
ونص بعض الفقهاء على أنه يستحب تخفيف القبلة على وجه لا يظهر لها صوت، وقال آخرون إنه يستحب أن يستلمه أولا، ثم يقبله، ثم يضع جبهته عليه، ولم أجدا دليلا يؤيد هذين الرأيين.
أثناء
والاستلام السابق للحجر الأسود مشروع عند كل مرور به الطواف، ومن ذلك نهاية الشوط السابع، ودليل السابق أن الراوي -كما
ميزان الاعتدال، ج 7، ص 41.
(1) الجيطالي، مناسك الحج، ج 2، ص 236، والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 127.
(2) ابن الملقن، الإعلام، ج 6، ص 191.
(3) ابن الملقن الإعلام، ج 6، ص 191.
(4) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 2
12 (4/250)
صفحة 1571
الرائد
251
تقدم ذكر أن النبي يستلم الحجر كلما أتاه، وفي الشوط السابع هو يأتيه
فيستلمه.
ومما جاء صحيحا مشروعية استلام الحجر الأسود بعد ركعتي الطواف
(1)
وقبل الذهاب للسعي بين الصفا والمروة كما في قول جابر بن عبد الله: حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا، ثم نفذ
إلى مقام إبراهيم عليه السلام فقرأ (وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِمَ مُصَلَّى. فجعل المقام بينه وبين البيت فكان أبي يقول ولا أعلمه ذكره إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعتين قل هو الله أحد وقل يا أيها الكافرون.
ثم رجع إلى الركن فاستلمه ثم خرج من الباب إلى الصفا). وحكى ابن المنذر الإجماع على مشروعية الاستلام السابق الوارد في
الحديث (3).
(1) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 292، والبسيوي، الجامع، ج 2، ص 268، وابن عبد البر،
201
الاستذكار، ج 4، ص 197، والعيني، البناية، ج 4، ص 201، وابن جماعة، هداية
السالك، ج 3، ص 1024.
(2) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب: حجة النبي صلى الله عليه وسلم (1218).
(3) ابن المنذر، الإجماع، ص 71. (4/251)
صفحة 1572
الرائد
252
واستنبط بعض أهل العلم علة لذلك فقال إن الأصل أن كل طواف
بعده سعي يعود إلى استلام الحجر فيه بعد الفراغ من الصلاة.
وكل طواف ليس بعده سعي لا يعود إلى استلام الحجر فيه بعد الصلاة؛ لأن الطواف الذي ليس بعده سعي عبادة قد تم فراغه منها حين فرغ من الركعتين فلا معنى للعود إلى ما به بدأ الطواف.
فأما الطواف الذي بعده سعي فكما يفتتح طوافه باستلام الحجر فكذلك
السعي يفتتح باستلام الحجر فلهذا يعود إلى الحجر فيستلمه.
وقد يستدل لهذا التعليل ولم أجد من ذكره- بأن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه من وصف جابر بن عبد الله الله أنه استلم الحجر بعد ركعتي طواف القدوم
الذي سعى بعده.
أما
بعد طواف الإفاضة فلم يأت فيه كما سيأتي أنه صلى ركعتي الطواف، كما لم يأت فيه أنه استلم الحجر الأسود بعد الطواف، ومعلوم مما ثبت عنه أنه لم يسع بين الصفا والمروة بعد طواف الإفاضة بل اجتزى بما سعاه بعد طواف أول قدومه.
(1) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 12، وابن، عابدين رد المحتار، ج 2، ص 500، وابن
الضياء، البحر العميق، ج 3، ص 1253. (4/252)
صفحة 1573
الرائد
253
وقال ابن الضياء: إن السنة استلام الحجر بين كل شوطين فكذا يستلم الحجر بين الطواف والسعي (1)
ومن الفقهاء من قال إن السر في استلام الحجر في طرفي الطواف هو أنه عند افتتاح الطواف مقام المصافحة بين الناس عند اللقاء والرجوع، والمصافحة تكون عند اللقاء والرجوع فكذا الاستلام.
أقيم
ومن الفقهاء من قال إنه يستحب له إذا فرغ من ركعتي الطواف استلام
الحجر الأسود ليكون آخر عهده بالاستلام كما افتتح طوافه به.
والعلة السابقة تجعل الاستلام مشروعا لكل طواف بعد ركعتيه، سعى الطائف بعد طوافه أو لم يسع، فيدخل فيه طواف القدوم والإفاضة والوداع بل حتى النفل على العلة السابقة وإن لم ينصوا على الأخير، وهذا قول ارتضاه جمع من أهل العلم.
ولو التزم الطائف بالمنصوص عليه كان حسنا؛ إذ العلل السابقة
(1) ابن الضياء، البحر العميق، ج 3، ص 1253.
(2) ابن الضياء البحر العميق، ج 3، ص 1253.
(3) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 407.
(4) ابن تيمية، شرح العمدة، ج 3، ص 449، وابن جماعة، هداية السالك، ج 3، ص 1026. (4/253)
صفحة 1574
الرائد
254
الكها غير بينة وإن كانت علة تعليق الاستلام بالسعي أبين من حيث إن النبي لا لا لا لو لم ينقل عنه الاستلام السابق في غير طواف يعقبه سعي ومن ذلك الإفاضة والوداع، فالراوي لم يذكر الاستلام فيها بعد ركعتي الطواف، بل إن
الركعتين نفسهما لم تذكرا بتصريح ولا إشارة.
الأمر المشروع الثاني: الاقتصار على الاستلام باليد
كما يفيد ذلك قول جابر بن عبد الله: حتى إذا أتينا البيت معه الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا ثم نفذ إلى مقام إبراهيم عليه السلام.
استلم
وجاء صحيحا ما يفيد أنه يشرع له في هذا الحال أن يقبل يده بعد
بن
استلامه بها كما في حديث الحسن بن سفيان قال: حدثنا محمد بن عبد الله نمير قال: حدثنا أبو خالد الأحمر عن عبيد الله عن نافع عن عبد الله بن عمر
أنه استلم الحجر ثم قبل يده وقال: ما تركته منذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبله". وجاءت روايات مفيدة أن جمعا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يقبلون أيديهم بعد استلام الحجر الأسود، ومما جاء في ذلك حديث عبد الرزاق قال: قلت لعطاء: أرأيت تقبيل الناس أيديهم إذا استلموا
أخبرنا ابن جريج
(1) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب: حجة النبي (1218).
(2) ابن حبان، صحيح ابن حبان، ج 9، ص 132. (4/254)
صفحة 1575
الرائد
255
الركن، أكان ممن مضى في كل شيء؟
قال: نعم، رأيت ابن عمر، وأبا سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، وأبا
هريرة، إذا استلموا قبلوا أيديهم.
قال: قلت: فابن عباس؟ قال: وابن عباس حسبت، قال: قلت: أفتكره
(1)
أن تدع تقبيل يدك إذا استلمت؟ قال: نعم، فلو استلم إذا لو قبل وأنا أريد
بركته.
والحديث بالإسناد السابق أخرجه عبد الرزاق، وظاهر إسناده الصحة على مذهب من يحتج برواية ابن جريج إن صرح بالتحديث، وهو هنا قد صرح، بل روى عن من هو من أخص شيوخه.
كما أخرجه الدارقطني من طريق مخلد نا إسحاق بن إبراهيم البغوي نا
(1) كذا في الأصل المطبوع، واستظهر محقق الكتاب حبيب الرحمن الأعظمي أن يكون الصواب: فلِمَ أَسْتَلِمُ إذا لم أقبل.
وما قاله محقق الكتاب صُرّح به في رواية الفاكهي عن عبد الرزاق، وذكره ابن جماعة. الفاكهي، أخبار مكة، ج 1، ص 156، وابن جماعة، هداية السالك، ج 3، ص 973. (2) عبد الرزاق، المصنف، ج 5، ص 40. (4/255)
صفحة 1576
الرائد
256
محمد بن ربيعة عن ابن جريج عن عطاء).
ورواه الشافعي من طريق سعيد بن سالم عن ابن جريج قال: قلت
لعطاء (2).
ورواه ابن أبي شيبة من طريق ابن إدريس عن ابن جريج عن عطاء). ورواه البيهقي من طريق أبي عبد الله الحافظ وأبي سعيد بن أبي عمرو قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا يحيى بن أبي طالب أنبأ عبد الوهاب بن عطاء أخبرني ابن جريج عن عطاء).
والأدلة السابقة نصوص ظاهرة في مشروعية تقبيل اليد بعد استلام
الحجر الأسود، وإلى ذلك ذهب الجمهور من أهل العلم.
وقد خالف آخرون الحكم السابق فقالوا إنه لا يشرع تقبيل اليد بعد
(1) الدارقطني، السنن، ج 2، ص 290.
(2) الشافعي، مسند الشافعي، ص 126.
(3) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 313.
(4) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 75
(5) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 10، وابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 473 (4/256)
صفحة 1577
الرائد
257
استلام الحجر الأسود؛ لأن تقبيل الحجر تعبد وليست اليد بالحجر
(1)
وقال آخرون يضع يده في فمه دون تقبيل؛ لأن الغرض أن يمس بفيه ما مس الحجر، فأما التقبيل فإنه مسنون في الحجر دون غيره".
ويرد هذا القول الأدلة الصحيحة السابقة فإنها نصوص صريحة في تقبيل
اليد بعد استلام الحجر بها والاعتلال بكون ذلك تعبدا مدفوع بأن تقبيل اليد ثابت بالنص من الشارع.
وقال بعض أهل العلم إنه يقبل يده أولا، ثم يستلم الحجر الأسود بها، يقبلها ثانيا بعد استلامه (3).
ولا أدري على ما بني هذا، والذي في الروايات السابقة أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يستلمون الحجر بأيديهم ثم يقبلون أيديهم بعد الاستلام فقط، وهذا أولى بالأخذ لظاهر الدليل.
ومن الفقهاء من قال إن استلام الحجر الأسود يتأكد في كل وتر من
(1) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 237، والمرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 6. (2) عبد الوهاب البغدادي الإشراف، ج 1، ص 475، وابن حجر، فتح الباري، ج 3،
ص 473.
(3) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 01 (4/257)
صفحة 1578
الرائد
258
أشواط الطواف.
واستدل هؤلاء بحديث سعيد بن سالم عن عثمان بن الأسود عن مجاهد أنه كان لا يكاد أن يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر في كل وتر من طوافه، وحديث سفيان عن ابن أبي نجيح عن طاوس أنه قال: استلموا، هذا لنا
خامس.
والحديثان أخرجهما الشافعي، وهما آراء لبعض أئمة التابعين، لكن لا ترقى إلى التأكيد الشرعي؛ لأن ظاهر الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتي بتعظيم الأسود في كل شوط يطوف به.
ونقل الحافظ ابن عبد البر عن بعض العلماء أن الاستلام للحجر الأسود
لا يكون إلا في كل وتر من الطواف.
وهذا ضعيف لا يصح إذ لا دليل يسنده، بل الاستلام في كل شوط كما
هو ظاهر فعل النبي، إذ الراوي عبر عن السابق بقوله كلما التي تفيد تكرار
الفعل عند كل إتيان للحجر في الأشواط كلها.
(1) الشافعي، الأم، ج 2، ص 171.
(2) الشافعي، الأم، ج 2، ص 171.
(3) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 200. (4/258)
صفحة 1579
الرائد
259
وروى عبد الرزاق عن ابن جريج قال قلت لعطاء: الأشل أجب الكف اليمنى أيستلم بظهر كفه أم بشماله؟ قال: بل يكبر ولا يستلم بشيء من يديه، وأي ذلك صنع فحسن، قال: وقد سمعته قبل ذلك يقول يستلم بيمينه وإن كان أشل.
ونقل الإمامية عن الإمام علي بن أبي طالب أنه سئل عن استلام الحجر لمقطوع اليد فقال: يستلم حيث قطع ما لم تقطع من المرفق، فإن قطعت من المرفق استلم بشماله.
المشروع الثالث استلام الحجر بأداة في اليد وتقبيل الأداة
مما يشرع عند المرور بالحجر الأسود استلامه بأداة في اليد إن كانت اليد لا تصل إلى الحجر الأسود، والنبي استلمه بعصا في يده في طواف صلى الله عليه وسلم
بن
الإفاضة يوم حجة الوداع لأنه كان راكبا، كما يفيد ذلك حديث عبيد الله عبد الله عن ابن عباس الله عنه قال: طاف النبي الله في حجة الوداع على بعير
يستلم الركن بمحجن).
(1) عبد الرزاق، المصنف، ج 5، ص 44.
(2) الحلي، تذكرة الفقهاء، ج 8، ص 103.
(3) أخرجه البخاري، کتاب الحج، باب استلام الركن بالمحجن (1530). (4/259)
صفحة 1580
الرائد
260
والمحجن بكسر الميم وإسكان الحاء وفتح الجيم، وهو عصا معقفة
يتناول بها الراكب ما سقط له ويحرك بطرفها بعيره للمشي).
وقد اختلف الفقهاء أيشرع له أن يقبل الأداة التي استلم بها أو لا يشرع له تقبيل الأداة".
غير أنه قد جاء صحيحا ما ينص على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل المحجن الذي استلم به الحجر، ومن ذلك حديث محمد بن المثنى حدثنا سليمان بن داود حدثنا معروف بن خربوذ قال: سمعت أبا الطفيل يقول: رأيت رسول الله يطوف بالبيت ويستلم الركن بمحجن معه ويقبل المحجن). قال الحافظ ابن حجر:
وبهذا قال الجمهور إن السنة أن يستلم الركن ويقبل يده، فإن لم يستطع
(1) النووي، شرح صحيح مسلم، ج 9، ص 18، وابن منظور، لسان العرب، ج 13، ص 108، والزبيدي، تاج العروس، ج 34، ص 399.
(2) ابن جعفر الجامع، ج 3، ص 333، والسرخسي، المبسوط، ج 4، ص 10، والجيطالي، مناسك الحج، ج 2، ص 254، وابن الملقن الإعلام، ج 6، ص 220، والمرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 6، والصنعاني العدة، ج 3، ص 1233، والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 131.
(3) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب جواز الطواف على بعير وغيره (1273). (4/260)
صفحة 1581
الرائد
261
أن يستلمه بيده استلمه بشيء في يده وقبل ذلك الشيء، فإن لم يستطع أشار
إليه واكتفى بذلك.
وخالف بعضهم فلم يقولوا بمشروعية التقبيل
وهؤلاء محجوجون بما صح من الروايات التي فيه النص على أن النبي قد قبل، والصحابة كانوا يستلمون الحجر بشيء في أيديهم إن لم تدركه أيديهم مباشرة كما في حديث:
الربيع بن سليمان نا عمار بن نوح أبو سهل نا شعبة عن زيد بن جبير قال:
سمعت ابن عمر يقول: كنا إذا لم نقدر على الحجر قرعناه بالعصا.
والحديث رواه أبو عوانة في مسنده) من طريق الربيع بن سليمان السابق ومن طريق بحر بن نصار عن عمار بن نوح بزيادة وكنا لا نأكل لحوم
الأضاحي فوق ثلاث.
وروى عبد الرزاق عن الثوري وغير واحد عن الحسن بن عبد الله عن
(1) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 473.
(2) النووي، شرح صحيح مسلم، ج 9، ص
(3) أبو عوانة، المسند، ج 2، ص 360.
15 (4/261)
صفحة 1582
الرائد
262
عكرمة عن ابن عباس: ثم إنه مسح الركن بثوبه ثم قبله.
المشروع الرابع: استقبال الحجر الأسود والإشارة إليه
ويكون هذا الفعل في الحال الذي لا يمكن الإنسان فيه أن يستلم الحجر
الأسود بيده مباشرة ولا بأداة، والأمر غير واجب.
وفي هذا الحال لا يقبل يده إذا أشار إليه بالاستلام من غير استلام؛ لأن التقبيل إنما هو للحجر أو لما مس الحجر، وأما رفع اليد فهو مسنون عنده". وذهب بعض الفقهاء إلى أنه يقبل يده إذا أشار إليه.
ولا أعلم دليلا لهذا بل الأولى السابق وهو أن التقبيل لا يكون إلا للحجر أو ما مس الحجر كما تفيد ذلك ظواهر الأدلة الصحيحة.
وجاء عن عمر بن الخطاب الا الله أنه كان يلتزم الحجر الأسود لكون النبي يعظمه كما في حديث وكيع عن سفيان عن إبراهيم بن عبد الأعلى عن سويد بن غفلة قال: رأيت عمر بن الخطاب قبل الحجر والتزمه وقال: كان
(1) عبد الرزاق، المصنف، ج 5، ص 72
(2) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 10.
(3) ابن تيمية، شرح العمدة، ج 3، ص 430، والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 131. (4) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 136، وابن جماعة، هداية السالك، ج 3، ص 970. (4/262)
صفحة 1583
الرائد
263
بك رسول الله حفيا).
ورواه عبد الرزاق من طريق إسرائيل قال: أخبرني إبراهيم بن عبد الأعلى عن سويد بن غفلة قال: رأيت عمر بن الخطاب يقبل الحجر ويقول: والله إني لأعلم أنك حجر ولكن رأيت أبا القاسم بك حفيا.
وجاء ما يفيد أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يسجدون على الحجر حين استلامه ومن ذلك حديث حميد بن عبد الرحمن عن حنظلة عن طاوس أن عمر قبل الحجر ثلاثا وسجد عليه لكل قبلة وذكر أن النبي فعله).
والحديث إسناده غير أن به علة أن طاوس بن كيسان –
صحيح
به علة وهي
على علو منزلته- لم يسمع من عمر بن الخطاب قال أبو زرعة: طاوس عن علي وعن معاذ وعن عمر كل ذلك مرسل
(4)
(1) أخرجه ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 342. وأخرجه من طريق ابن أبي شيبة مسلم في كتاب الحج، باب استحباب تقبيل الحجر الأسود في الطواف (1281).
(2) عبد الرزاق، المصنف، ج 5، ص 72.
(3) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 342.
(4) ابن أبي حاتم المراسيل، ص 100، وأبو زرعة العراقي تحفة التحصيل، ص 158، والعلائي، جامع التحصيل، ص 201، وابن حجر، تهذيب التهذيب، ج 5، ص 9. (4/263)
صفحة 1584
الرائد
264
ومن
ذلك حديث جعفر بن عبد الله بن عثمان القرشي قال: رأيت محمد
بن عباد بن جعفر قبل الحجر وسجد عليه، ثم قال: رأيت عبد الله بن عباس قبله وسجد عليه فقال ابن عباس: رأيت عمر بن الخطاب قبله وسجد عليه، ثم قال عمر: لو لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبله ما قبلته.
والحديث أخرجه أبو داود الطيالسي عن جعفر لكن نسبه لجده عثمان،
وأخرجه الحاكم وصححه (3)، ومن طريقه البيهقي (3)
والحاكم رواه بلفظ عن جعفر بن عبد الله وفسره بلفظ: ابن الحكم.
والصواب رواية الطيالسي فالمروي عنه شيخه.
وقال البزار بعد إخراجه من الطريق السابقة وهذا الحديث لا نعلمه
يروى عن عمر إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد.
وجعفر المذكور قال العقيلي عنه في حديثه وهم واضطراب
(1) الطيالسي، المسند، ص 7.
(2) الحاكم، المستدرك، ج 1، ص 625. (3) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 74. (4) البزار، مسند البزار، ج 1، ص 333 (5) العقيلي، الضعفاء، ج 1، ص 183. (4/264)
صفحة 1585
الرائد
265
وقد أعل الحديث بالوقف، لأنه رواه من هو أولى من جعفر المذكور موقوفا على ابن عباس كما في حديث عبد الرزاق عن ابن جريج قال: أخبرني محمد بن عباد عن أبي جعفر أنه رأى ابن عباس جاء يوم التروية مسبدا رأسه، قال: فرأيته قبل الركن ثم سجد عليه ثم قبله ثم سجد عليه ثم قبله ثم سجد
عليه (2).
وجاء الفعل السابق موقوفا من فعل ابن عباس له من رواية وكيع عن ابن جريج كما في حديث وكيع عن ابن جريج عن محمد بن عباد بن جعفر قال: رأيت ابن عباس جاء يوم التروية فقبل الحجر ثم سجد عليه فعل ذلك
ثلاثا.
ورواه ابن أبي شيبة من طريق وكيع عن سفيان عن حسين بن عبد الله
عن عكرمة أن ابن عباس سجد عليه.
وجاء الأمر السابق من حديث أبي الحسن علي بن أحمد بن عبدان أنبأ
(1) العقيلي، الضعفاء، ج 1، ص 183.
(2) عبد الرزاق، المصنف، ج 5، ص 37. (3) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 342. (4) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 342. (4/265)
صفحة 1586
الرائد
266
سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني ثنا أبو الزنباع ثنا يحيى بن سليمان الجعفي ثنا يحيى بن يمان ثنا سفيان عن ابن أبي حسين عن عكرمة عن ابن عباس قال: رأيت النبي يسجد على الحجر. قال سليمان: لم يروه عن سفيان إلا
ابن يمان وابن أبي حسين عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين.
ويحيى بن يمان غير مقبول الرواية، فقد قال محمد بن عبد الله بن نمير: ابن يمان سريع النسيان، وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه"، وقال أبو بكر بن عياش: ذاك ذاهب الحديث، وقال ابن معين والنسائي: ليس بالقوي. وللسابق ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أن من المشروع السجود على الحجر الأسود بوضع الجبهة عليه، بل حكى ابن المنذر الإجماع عليه إلا
(1) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 75
(2) ابن عدي الكامل، ج 7، ص 235.
(3) العقيلي، الضعفاء، ج 4، ص 433.
(4) الذهبي، ميزان الاعتدال، ج 7، ص 230.
(5) ابن المنذر الإجماع، ص 69، وابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 202، والرافعي،
العزيز، ج 3، ص 399، والنووي، شرح صحيح مسلم، ج 9، ص 16، وابن تيمية، شرح
العمدة، ج 3، ص 430، والعيني، البناية، ج 4، ص 193. (4/266)
صفحة 1587
الرائد
267
قولا لمالك أنه بدعة، ونص غيره على عدم مشروعية الفعل
ولعل هؤلاء رأوا أن الروايات المرفوعة كلها غير سالمة من الإعلال،
لكن يرد عليهم أن الفعل نفسه ثابت عن جمع من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن الفقهاء من استحب رفع اليدين قبل استلام الحجر الأسود كما يرفعان عند افتتاح الصلاة لكن حذو منكبيه، وقيل حذو أذنيه ثم يرسلهما ثم يسلم".
وقال الكمال ابن الهمام ويمكن أن يلحق بقياس الشبه لا العلة ويكون
باطنهما في هذا الرفع إلى الحجر كهيئتهما في افتتاح الصلاة).
واستدل هؤلاء لقولهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا ترفع الأيدي إلا في سبعة
مواطن وذكر من جملتها استلام الحجر
(0)
(1) ابن المنذر، الإجماع، ص 69.
(2) النووي، شرح صحيح مسلم، ج 9، ص 16، وابن الملقن الإعلام، ج 6، ص 191، وابن
الهمام، فتح القدير، ج 2، ص 450، وابن عابدين، رد المحتار، ج 2، ص 493. (3) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 146، والعيني، البناية، ج 4، ص 192. (4) ابن الهمام، فتح القدير، ج 2، ص 449.
(5) العيني، البناية، ج 4، ص 192. (4/267)
صفحة 1588
الرائد
268
وهذا الحديث بالزيادة التي ذكروها ليس له أصل عن النبي، والرسول صلى الله عليه وسلم قد نقلت عنه أفعاله مع الحجر وليس منها رفع اليدين، وعليه
فيكون الرفع المذكور هنا غير مشروع لضعف مستنده.
وجلي مما صح من الروايات السابقة أنها أطلقت الركن دون الحجر، وقد ذهب بعض أهل العلم للدليل السابق إلى أن مما يشرع ندبا استلام ركن الحجر كله مع استحباب استلام الحجر نفسه وإن كان الجمهور يخصون الاستلام بالحجر الأسود نفسه لا جميع الركن.
وفي الأحوال كلها استلام الحجر الأسود وتقبيله وغير ذلك مما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم إتيانه أمر ليس بالواجب فلا يأثم من تركه، لكن حري بطالب العلا من الجنة أن لا يهمله، وقد حرص على تعظيمه من غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فكيف بمن لم يتحقق فيه ذلك ولم تكتب له العصمة. وإن من رحمة الله بالعباد أن أعطى المؤمنين بالنيات الصالحة أجور من
(1) ابن دقيق العيد، الإحكام، مطبوع مع العدة للصنعاني، ج 3، ص 1231، وابن الملقن، الإعلام، ج 6، ص 191.
(2) الشافعي، الأم، ج 2، ص 171، والسرخسي، المبسوط، ج 4، ص 46، وابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 198. (4/268)
صفحة 1589
الرائد
269
أتى الأعمال الصالحة، فمن لم يستطع التعظيم السابق بالفعل فلا ينس إضمار النية الصالحة على تعظيم ما عظمه الشرع، وأنه لولا العذر ما تقاصرت به الهمم عن التعظيم والتقرب إلى الله تعالى.
وقد جاءت بعض الروايات مفيدة عدم وجوب استلام الركن ومن ذلك حديث الحسين بن محمد بن أبي معشر قال حدثنا عبد الجبار بن العلاء قال: حدثنا بشر بن السري قال: حدثنا الثوري عن هشام بن عروة عن عروة بن الزبير عن عبد الرحمن بن عوف قال:
قال لي النبي: كيف صنعت في استلام الحجر؟ فقلت: استلمت
وتركت، قال: أصبت
المزاحمة على استلام الحجر الأسود
اختلف أهل العلم في المزاحمة لاستلام الحجر الأسود، والذي يظهر - وعليه الجمهور من أهل العلم أن المزاحمة لا تشرع لاستلام الحجر الأسود. وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم كانت له هيئات متعددة يأتي الطائف منها ما يتيسر له، فمن لم يتيسر له التقبيل استلمه باليد، ومن لم يتيسر له الاستلام باليد
(1) ابن حبان، صحيح ابن حبان، ج 9، ص 131. (4/269)
صفحة 1590
الرائد
270
استلم بأداة، ومن لم يتيسر له ذلك أشار.
وروى الشافعي عن سعيد بن سالم عن ابن جريج عن عطاء عن ابن
عباس أنه قال: إذا وجدت على الركن زحاما فانصرف ولا تقف.
وروى أيضا عن سعيد بن سالم عن عمر بن سعيد بن أبي حسين عن منبوذ بن أبي سليمان عن أمه أنها كانت عند عائشة أم المؤمنين فدخلت عليها مولاة لها فقالت لها: يا أم المؤمنين طفت بالبيت سبعا واستلمت الركن مرتين أو ثلاثا.
فقالت لها عائشة: لا أجرك الله لا أجرك الله، تدافعين الرجال؟ ألا
كبرت ومررت.
وروى أيضا عن سعيد بن سالم عن عثمان بن مقسم الربي عن عائشة بنت سعد أنها قالت: كان أبي يقول لنا: إذا وجدتن فرجة من الناس فاستلمن وإلا فكبرن وامضين).
وذهب بعض الفقهاء إلى استحباب المزاحمة على الحجر الأسود)،
(1) الشافعي، الأم، ج 2، ص 169.
(2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 136، وابن جماعة، هداية السالك، ج 3، ص 968. (4/270)
صفحة 1591
الرائد
271
واستدل هؤلاء بحديث سالم بن عبد الله قال: كنا نزاحم ابن عمر على الركن، وكان عبد الله لو زاحم الإبل لزحمها.
وروي عن طلحة بن يحيى بن طلحة قال: سألت القاسم بن محمد عن
استلام الركن فقال: استلمه يا ابن أخي وزاحم عليه؛ فإني رأيت ابن عمر يزاحم عليه حتى يدمى.
والرأي الأول القاضي بعدم مشروعية المزاحمة على الحجر الأسود أولى، ومع القول الثاني لا بد من أن يشرط أمر وهو أن المزاحمة التي قيل بها لا بد بعدم الإضرار بالآخرين، أما إن كان هناك إضرار بالآخرين
أن من
تقيد بعدم
فيقال بمنعها قولا واحدا، وأن من يزاحم عندها ويتسبب في الإضرار
بالآخرين عاص وآثم.
المندوب الثاني: استلام الركن اليماني
مما ثبت من فعل النبي أنه كان يستلم الركن اليماني بيده، ومما جاء مبينا الحكم السابق حديث سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: لم أر
(1) الأزرقي، أخبار مكة، ج 1، ص 333، والفاكهي، أخبار مكة، ج 1، ص 130 (4/271)
صفحة 1592
الرائد
272
النبي
يستلم من البيت إلا الركنين اليمانيين.
وهذا الأمر قال به أكثر الأمة، وذهب بعض أهل العلم إلى عدم
مشروعية استلام الركن اليماني.
واستدل هؤلاء بأن كل ركن يكون استلامه مسنونا فتقبيله كذلك
مسنون كالحجر الأسود، وبالاتفاق تقبيل الركن اليماني ليس بمسنون فكذا
الاستلام.
وهذا الرأي حسبه من الضعف مصادمته لما ثبت عن النبي، قال
الإمام السالمي:
نقدم الحديث مهما جاءا على قياسنا ولا مراءا ثم إنه لا يسلم لهم بأنه لا يسن تقبيل الركن اليماني بالاتفاق فثمة قائلون
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: من لم يستلم إلا الركنين اليمانيين (1531). (2) البسيوي، الجامع، ج 2، ص 245، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 137، والنووي، شرح صحيح مسلم، ج 9، ص 16، والجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2، ص 153، والسالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 214.
(3) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 49.
(4) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 49. (4/272)
صفحة 1593
الرائد
273
بمشروعية تقبيل الركن اليماني، وهذا الرأي وإن كان ضعيفا كما سيأتي – إلا أنه يقدح في الدليل السابق.
والقائلون بمشروعية استلام الركن اليماني اختلفوا فيما يشرع عند استلامه فقيل يستلم ولا يقبل، وقيل يستلم ويقبل، وقيل يستلم وتقبل
اليد).
ذهب بعضهم إلى إلى أنه يشرع تقبيله مع استلامه، وهؤلاء استدلوا بحديث إسرائيل بن يونس عن عبد الله بن مسلم بن هرمز عن مجاهد عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الركن اليماني ويضع خده عليه.
(ه)،
والحديث أخرجه عبد بن حميد)، وأبو يعلى، والدارقطني من الطريق المذكور، غير أن أبا يعلى رواه من طريق عبد الله بن مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس
(1) الشافعي، الأم، ج 2، ص 170، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 137، وابن تيمية،
شرح العمدة، ج 3، ص 446.
(2) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 188، والنووي، شرح صحيح مسلم، ج 9، ص 16.
(3) عبد بن حميد، المسند، ص 215.
(4) أبو يعلى، المسند، ج 4، ص 472.
(5) الدارقطني، سنن الدارقطني، ج 2، ص 290. (4/273)
صفحة 1594
الرائد
274
وروى الأزرقي الحديث من طريق عيسى بن يونس ابن أبي إسحاق
السبيعي حدثنا عبد الله بن مسلم بن هرمز عن مجاهد قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلم الركن اليماني ويضع خده عليه.
والحديث ضعيف فعبد الله بن مسلم بن هرمز غير حجة في الرواية، قال ابن معين: ضعيف ليس حديثه عندهم بشيء كان يرفع أشياء لا ترفع، وقال أحمد: ضعيف ليس بشيء، وقال ابن حبان: ممن يروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات فوجب التنكب عن روايته عند الاحتجاج به.
ومما يدلك على ضعفه اضطرابه فيه فرواه عن مجاهد عن ابن عباس،
ورواه عن مجاهد عن النبي، ورواه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. والذين قالوا باستلامه باليد وتقبيل اليد بعده استدلوا بحديث محمد بن أحمد بن أبي العوام الرياحي ثنا يزيد بن هارون أنبأ عمر بن قيس المكي عن عطاء عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استلم الحجر فقبله واستلم
الركن اليماني فقبل يده.
(1) الأزرقي، أخبار مكة، ج 1، ص 338.
(2) ابن أبي حاتم الجرح والتعديل، ج 5، ص 164، وابن حبان، المجروحين، ج 2، ص 26، وابن عدي، الكامل، ج 4، ص 157، والعقيلي، الضعفاء، ج 2، ص 302. (4/274)
صفحة 1595
الرائد
275
والحديث أخرجه البيهقي، وأعله بعده بعمر بن قيس المكي، فيكون
الخبر منكرا، إذ المعروف من حديث جابر خلوه من هذه الزيادة.
وعند النظر إلى نصوص السنة نرى أن استلام الركن اليماني جاء منصوصا عليه بالأسانيد الصحيحة كما هو حال حديث ابن عمر السابق، أما بقية الأفعال فما جاء ما يفيد المشروعية فيها من طرق محتج بها في الشريعة.
وذهب بعض الفقهاء إلى مشروعية الإشارة إلى الركن اليماني إن لم يمكن استلامه، ولا أعلم دليلا يفيد السابق بل الدليل كما تقدم- مقتصر على
الاستلام فقط.
ولا
يصح القياس على ركن الحجر إذ ركن الحجر متميز بأمور عن اليماني
منها كون الحجر الأسود فيه، ويبدأ منه الطواف.
وإعمال القياس هنا يكون من باب قياس الأدنى على الأعلى أي القياس
مع قادح الفارق مع أنه قد تكون الأمور الفارقة بينهما هي علة اختلاف
الحكمين من حيث الإشارة وعدمها.
(1) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 76.
(2) الصائغي، لباب الآثار، ج 4، ص 45. (4/275)
صفحة 1596
الرائد
276
لذا فالاقتصار على مورد النص هنا أولى فيستلم الركن اليماني إن أمكن، وإن لم يمكن الاستلام لم تشرع الإشارة.
وذهب بعضهم إلى أفضلية الركن اليماني على أركان الكعبة كلها، ومن ذلك ما نقله البحراني من الإمامية عن أبي الفرج السندي أنه كان يطوف مع
أبي عبد الله فسأله: أي هذا (أي البيت الحرم أعظم حرمة؟
فقال السندي: جعلت فداك، أنت أعلم بهذا مني، فأعاده عليه فقال: داخل البيت، فقال أبو عبد الله:
الركن اليماني على باب من أبواب الجنة مفتوح لشيعة آل محمد صلى الله عليه وآله مسدود عن غيرهم، وما من مؤمن يدعو بدعاء عنده إلا صعد
دعاؤه حتى يلصق بالعرش ما بينه وبين الله تعالى حجاب.
وهذا الأمر دعوى من صاحبه لم يشهد لها الشرع فهي رد عليه إن
صحت عنه، وما أكثر مثيلاتها.
(1) البحراني، الحدائق الناضرة، ج 16، ص 133. (4/276)
صفحة 1597
الرائد
277
المندوب الثالث: استلام أركان الكعبة كلها
ثبت مقررا أن من السنة استلام الركنيين اليمانيين اتفاقا، غير أنه قد
اختلف أهل العلم في استلام ما بقي من أركان الكعبة أيشرع أو لا يشرع. أفادت الأدلة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستلم الركنين اليمانيين فقط ولم يكن يستلم شيئا غيرهما كما في حديث عبد الله بن عمر قال: لم أر النبي صلى الله عليه وسلم
يستلم من البيت إلا الركنين اليمانيين".
ثم إن للكعبة أركانا أربعة أولها وهو ركن الحجر له فضيلتان كونه
مؤسسا على قواعد إبراهيم، وكون الحجر الأسود فيه.
أما الثاني وهو الركن اليماني فله فضيلة تأسيسه على قواعد إبراهيم أما الركنان الباقيان فلا مزية لهما على غيرهما لذا قال من الفقهاء إن لركن
الحجر مزيتين فشرع تقبيله واستلامه.
أما اليماني فله مزية واحدة فشرع استلامه فقط، ولا شيء للركنين
(1) النووي، شرح صحيح مسلم، ج 9، ص 14.
(2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: من لم يستلم إلا الركنين اليمانيين (1531). (4/277)
صفحة 1598
الرائد
278
الأخيرين فلذلك لا يقبلان ولا يستلمان.
وملخص العلة في عدم استلام غير اليمانيين أنهما كسائر حيطان البيت
التي لا تستلم فهما ليسا بركنين على حقيقة بناء إبراهيم؛ لأن ركن الشيء
ناحيته وهما في وسط البيت؛ إذ الحطيم من البيت".
قال الطحاوي:
إن الركنين اليمانيين هما مبنيان على منتهى البيت مما يليهما، والآخران ليسا كذلك؛ لأن الحجر وراءهما وهو من البيت، وقد أجمعوا أن ما بين الركنين اليمانيين لا يستلم؛ لأنه ليس بركن للبيت فكان يجيء في النظر أن يكون كذلك الركنان الآخران لا يستلمان؛ لأنهما ليسا بركنين للبيت". وذهب آخرون من أهل العلم إلى أن من المشروع استلام أركان الكعبة
(1) الشافعي، الأم، ج 2، ص 170، والسرخسي، المبسوط، ج 4، ص 49، والنووي، شرح صحيح مسلم، ج 9، ص 14، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 148، والجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2، ص 154، والصنعاني، العدة، ج 3، ص 1233، والسالمي، جوابات الإمام السالمي، ج 2، ص 199.
(2) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 186، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 148. (3) الطحاوي، شرح معاني الآثار، ج 2، ص 184. (4/278)
صفحة 1599
الرائد
279
كلها، وقد عزاه جماعة إلى بعض أئمة السلف، ثم إنه قد انقرض الخلاف
واتحدت الكلمة على أن المشروع هو استلام الركنين اليمانيين فقط). والاستلام لأركان الكعبة كلها مع تأكيد الركنين اليمانيين مذهب الشيعة الإمامية، وقد روى إبراهيم بن أبي محمود أنه سأل الرضا: أستلم اليماني
والشامي والغربي؟ فقال الرضا: نعم.
وعلة هؤلاء أنه ليس شيء من البيت مهجورا، فالبيت كله معظم،
وليست جهة منه بأولى بالتعظيم من أخرى.
وقد كان على رأس القائلين بالسابق بعض صحابة النبي
غير أنه اعترض على السابق أن استلام بعض أركان الكعبة دون بعض آخر لا يدل على أن ما لم يستلم من الأركان مهجور؛ لأن الباعث على استلام ما استلم كان الاتباع لهدي النبي، ولو ثبت عنه استلام غير اليمانيين
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 181، وابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 474. (2) عبد الرزاق، المصنف، ج 5، ص 46، والبخاري، الجامع الصحيح، کتاب الحج، باب: من لم يستلم إلا الركنين اليمانيين، وابن جماعة، هداية السالك، ج 3، ص 980.
(3) النووي، شرح صحيح مسلم، ج 9، ص 14.
(4) الحلي، تذكرة الفقهاء، ج 8، ص 105. (4/279)
صفحة 1600
الرائد
لاستلمنا ما استلم.
280
ثم إنه لو كان ترك استلام الركنين هجرا لكان ترك استلام ما بين الأركان هجرا أيضا ولا قائل به.
ولعلة عدم تأسيس الركنين الشاميين على قواعد إبراهيم رأى بعض أهل العلم أنهما لو أسسا على قواعد إبراهيم - لاستلمها كما يستلم الركنين اليمانيين).
وقد روي عن عبد الله بن الزبير أنه كان يستلم أركان الكعبة كلها، وقد رجع بعض أهل العلم استلام عبد الله بن الزبير للأركان كلها إلى السبب السابق فقال إنه بناها على قواعد إبراهيم فكان الركنان الشاميان على القواعد الأولى فشرع استلامها.
ومن الغريب ما نقله ابن خليل المكي عن الشافعي أنه إذا بلغ الطائف الركن العراقي والشامي لم يستلم واحدا منهما وكفته الإشارة إليهما بيده، وقد علق ابن جماعة على السابق بأنه نص غريب لم يقف عليه إلا في كلامه.
(1) الشافعي، الأم، ج 2، ص 171، والصنعاني، العدة، ج 3، ص 1233.
(2) ابن الملقن، الإعلام، ج 6، ص 224.
(3) ابن جماعة، هداية السالك، ج 3، ص 982. (4/280)
صفحة 1601
الرائد
281
المندوب الرابع: الرمل
أولا: مشروعية الرمل
الرمل والرمل بالتحريك- الهرولة، وهو دون المشي وفوق العدو،
يقال رمل الرجل إذا أسرع في مشيته وهز منكبيه.
وقد ثبت الإسراع السابق في المشي عند الطواف عن صاحب الدعوة، فإنه يوم عمرة القضية أشاع المشركون قالة سوء مفادها أن المسلمين قد أو هنتهم حمى المدينة، فأراد النبي الله أن يثبت خلاف ما قالوا فحضّ الصحابة على الرمل دفعا للإشاعة المغرضة؛ إذ الموهن بالحمى لا يستطيع
الرمل.
وقد أفاد الحكم السابق أحاديث منها حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قدم رسول الله الله وأصحابه فقال المشركون: إنه يقدم عليكم وقد وهنتهم حمى يثرب وأمرهم النبي الله أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنين، ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا
الإبقاء عليهم.
(1) الفيروز أبادي، القاموس المحيط، ص 1302، وابن منظور، لسان العرب، ج 11، ص 295، والزبيدي، تاج العروس، ج 29، ص 98. (4/281)
صفحة 1602
الرائد
282
وزاد ابن سلمة عن أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما قدم
النبي لعامه الذي استأمن قال ارملوا ليرى المشركون قوتهم، والمشركون من قبل قعيقعان).
وجاء الحديث السابق عن ابن عباس بلفظ:
قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم و أصحابه مكة وقد وهنتهم حمى يثرب قال المشركون:
إنه يقدم عليكم غدا قوم قد وهنتهم الحمى، ولقوا منها شدة فجلسوا مما يلي الحجر وأمرهم النبي أن يرملوا ثلاثة أشواط ويمشوا ما بين الركنين ليرى المشركون جلدهم.
فقال المشركون هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم؟ هؤلاء أجلد من كذا وكذا قال ابن عباس: ولم يمنعه أن يأمرهم أن
يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم".
والأمر السابق ظاهر منه أنه معلل بعلة هي في الأصل خاصة بالذين كانوا مع النبي إذ الحكم كان لإغاضة المشركين ورد دعواهم المغرضة،
(1) أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب: عمرة القضاء (4009).
(2) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب استحباب الرمل (1266). (4/282)
صفحة 1603
الرائد
283
وهذه العلة تجعل الحكم معلقا بها، فيؤخذ منه أن الرمل سنة في الطواف
الذي تكون فيه العلة السابقة، وأنه ليس مشروعا في الطواف بإطلاق.
والحكم السابق وهو تعليق سنية الرمل بالعلة السابقة مذهب جماعة من أهل العلم، وقد قال بذلك جماعة من كبار التابعين منهم عطاء ومجاهد وطاوس والحسن وسالم والقاسم وسعيد بن جبير، وهو ظاهر ما نقل عن الحبر ابن عباس له كما في حديث:
عبد الواحد بن زياد حدثنا الجريري عن أبي الطفيل قال: قلت لابن عباس: أرأيت هذا الرمل بالبيت ثلاثة أطواف ومشي أربعة أطواف أسنة
هو؛ فإن قومك يزعمون أنه سنة؟
قال: فقال: صدقوا وكذبوا.
قال: قلت: ما قولك صدقوا وكذبوا؟
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 210، وابن النضر، الدعائم، ص 72، والجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2، ص 153، ومناسك الحج، ج 2، ص 254، والسالمي، شرح الجامع
الصحيح، ج 2، ص 204.
(2) ابن عبد البر، التمهيد، ج 2، ص 70 وابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 471، 70، والصنعاني، العدة، ج 3، ص 1226. (4/283)
صفحة 1604
الرائد
284
قال: إن رسول الله الله قدم مكة فقال المشركون إن محمدا وأصحابه لا
يستطيعون أن يطوفوا بالبيت من الهزل، وكانوا يحسدونه، قال: فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرملوا ثلاثا ويمشوا أربعا.
والصدق الذي أراده ابن عباس إنما هو في النقل أن النبي صلى الله عليه وسلم رمل، والكذب أراد به ثبوت كون ذلك سنة تقتفى مع زوال العلة التي رمل من أجلها (2).
كما احتج بعض هؤلاء بحديث الحجاج بن أرطاة عن أبي جعفر وعكرمة عن ابن عباس قال:
لما اعتمر رسول الله هل بلغ أهل مكة أن بأصحابه هزلا فلما قدم مكة قال لأصحابه شدوا ميازركم وارملوا حتى يرى قومكم أن بكم قوة، ثم حج رسول الله فلم يرمل)
غير أن هذا الحديث لا يثبت بل هو منكر، فالحجاج بن أرطأة -كما تقدم مرارا ضعيف مدلس، فضلا عن مخالفته لعامة الناس الذين أثبتوا رمل
(1) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب استحباب الرمل (1266).
(2) الجيطالي، مناسك الحج، ج 2، ص 255.
(3) ابن عبد البر، التمهيد، ج 2، ص 72. (4/284)
صفحة 1605
الرائد
285
النبي يوم حجة الوداع.
ثم إن من القواعد المتقررة أن المثبت مقدم في الأصل على النافي، لأن لدى المثبت زيادة علم فيقدم على النافي، فتكون رواية من روى إثبات رمل النبي أولى من رواية من نفى، وهذا لو سلم بثبوت رواية المثبت، والحال أنها ضعيفة.
وقد يحتج من يرى مشروعية الرمل خاصة بالعمرة التي قاضى فيها النبي المشركين بحديث يحيى الحماني قال ثنا قيس عن العلاء بن المسيب عن الحكم عن مجاهد عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم رمل في العمرة ومشى في
الحج. والحديث أخرجه الطحاوي، غير أن هذا الدليل لا يغنيهم شيئا، إذ هو منكر خالف رواية أكثر الصحابة الذين أثبتوا رمله يوم حجة الوداع،
فضلا عن أن ابن عمر قد ثبت عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قد رمل في حجة الوداع. وفوق النكارة السابقة يحيى الحماني وهو ابن عبد الحميد الراوي عن قيس بن الربيع متهم بالكذب فقد قال أحمد بن حنبل: كان يكذب جهارا،
(1) ابن عبد البر، التمهيد، ج 2، ص 75.
(2) الطحاوي، شرح معاني الآثار، ج 2، ص 180. (4/285)
صفحة 1606
الرائد
286
وقال النسائي: ضعيف وقال البخاري كان أحمد وعلي يتكلمان فيه، وقال محمد بن عبد الله بن نمير: ابن الحماني كذاب).
ثم إن أكثر الثقات قد روى هذا الحديث موقوفا على ابن.
والحكم القائل بإدارة الحكم مع العلة ظاهر دليله غير أن الذي يشكل
عليه أن النبي له قد ثبت عنه الرمل مع عدم تحقق العلة السابقة.
فقد رمل في العمرة ويوم حجة الوداع مما يؤذن أن العلة السابقة لم يجعلها مناطا للحكم بعد ذلك، بل نسخت وجعل للحكم علة أخرى يدور معها، ومعلوم أنه يؤخذ بالأحدث من أموره، لذا ذهب الأكثرون من الأمة إلى أن الرمل حكم مشروع ومحكم".
وقد جاءت روايات عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم تثبت أنه قد رمل في
(1) ابن أبي حاتم الجرح والتعديل، ج 9، ص 168، والمزي، تهذيب الكمال، ج 31، ص 119، والذهبي، ميزان الاعتدال، ج 7، ص 198.
(2) ابن عبد البر، التمهيد، ج 2، ص 75.
(3) الشافعي، الأم، ح 2، ص 174، وابن عبد البر، التمهيد، ج 2، ص 69، والسرخسي، المبسوط، ج 4، ص 10، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 147، وشيخنا الخليلي،
الفتاوى، ج 1، ص 366. (4/286)
صفحة 1607
الرائد
287
طواف الحج، ومن ذلك حديث نافع عن ابن عمر ه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا طاف في الحج والعمرة أول ما يقدم فإنه يسعى ثلاثة أطواف بالبيت ثم يمشي أربعة ثم يصلي سجدتين ثم يطوف بين الصفا والمروة.
ويوم حجة الوداع روى جابر بن عبد الله له في حديثه الطويل الذي وصف فيه حجة الوداع أن النبي صلى الله عليه وسلم قد رمل وذلك في قوله: حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا".
وجاء ما يفيد الحكم السابق وأنه مع علة دفع قالة السوء من المشركين إلا أن الحكم ثابت مأخوذ به لعلة الاتباع لهدي النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب له قال للركن: أما والله إني لأعلم أنك لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم استلمك ما استلمتك
نجر
فاستلمه.
6
(1) قال الحافظ ابن حجر: (في الحج والعمرة أي حجة الوداع وعمرة القضية؛ لأن الحديبية لم يمكن فيها من الطواف والجعرانة لم يكن ابن عمر معه فيها، ولهذا أنكرها، والتي مع
حجته اندرجت أفعالها في الحج فلم يبق إلا عمرة القضية.
ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 471.
(2) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب استحباب الرمل (1261).
(3) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب: حجة النبي صلى الله عليه وسلم (1218). (4/287)
صفحة 1608
الرائد
288
ثم قال: فما لنا وللرمل إنما كنا راءينا به المشركين وقد أهلكهم الله؟ ثم قال: شيء صنعه النبي صلى الله عليه وسلم فلا نحب أن نتركه).
كما ثبت رمل النبي في عمرة الجعرانة وهي بعد عمرة القضية- بعد
أن سلمت قريش الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم ودخلت في الإسلام، وأصبحت مكة من معاقل المسلمين كما في حديث
حماد عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رسول الله الله وأصحابه اعتمروا من الجعرانة فرملوا بالبيت وجعلوا
أرديتهم تحت آباطهم قد قذفوها على عواتقهم اليسرى".
وقد يقال إن الأصل في العلة التي تعبد بها كان من مع النبي يوم
أن
عمرة القضاء هي. يروا المشركين منهم الجلد والقوة، أما بعد ذلك فكانت العلة هي الاتباع لهدي النبوة، فالأولى من العلل منسوخة وبقيت الثانية.
وقد اختلف الفقهاء في حكمة الرمل، فمنهم من قال إنه التعبد، ومنهم من قال إن حكمة الرمل تذكر الوقائع الماضية للسلف الكرام، وفي طي تذكرها مصالح دينية؛ إذ يتبين في كثير منها ما كانوا عليه من امتثال أمر الله
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب الرمل في الحج والعمرة (1528). (2) أخرجه أبو داود في كتاب المناسك باب الاضطباع في الطواف (1884). (4/288)
صفحة 1609
الرائد
289
تعالى والمبادرة إليه وبذل الأنفس في ذلك.
والتذكر السابق يبعث على الاقتفاء بهم، ويقرر في النفوس تعظيم
الأولين.
والمشروعية السابقة للرمل خاصة بالذكور، أما النساء فما عليهن رمل في الطواف بل هو غير مشروع لهن كما هو الاتفاق والإجماع بين أهل العلم.
وعلة عدم مشروعية الرمل للنساء أن في الرمل تعارضا مع ما أمرت به
المرأة من الستر وترك كل ما قد يثير كامن الفتن.
واستثنى بعضهم فقال لو كانت المرأة تطوف ليلا في خلوة لم يمنع
استحباب الرمل لها كما قيل بمثله في السعي
وهذا استثناء حسن؛ إذ الحكم يقبل بإقبال علته ويدبر بإدبارها، وإذا
(1) ابن دقيق العيد، إحكام الإحكام، مطبوع مع حاشيته العدة للصنعاني، ج 3، ص 1228، وابن الملقن الإعلام، ج 6، ص 207، وابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 472. (2) الشافعي، الأم، ج 2، ص 176، وابن المنذر، الإجماع، ص 70، وابن عبد البر، التمهيد، ج 2، ص 78، والجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2، ص 154، وابن الملقن، الإعلام، ج 6،
ص 209، والصنعاني العدة، ج 3، ص 1227.
(3) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 136، وابن الملقن، الإعلام، ج 6، 209. (4/289)
صفحة 1610
الرائد
290
انتفت الفتنة عاد أصل الحكم -وهو المشروعية - للجميع الرجال والنساء، غير أن تحقق الخلوة لطوافها إلا من النساء أو محارمها أمر من العسر بمكان بل لا يكاد يتحقق.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن الرمل حكم مشروع لغير المكيين، أما
المكيون المنشئون حجهم من مكة فلا يشرع لهم ذلك).
وينبغي
أن يخرج هذا الخلاف في المكيين على الخلاف في الطواف الذي
يشرع معه الرمل، فعلى القول بأنه يشرع في طواف القدوم محرما فإنه لن يشرع في حق المكيين إن كان إحرامهم بالحج؛ لأنه لا قدوم لهم.
أما إن كان إحرامهم بالعمرة من أدنى الحل فيشرع حينها لهم الرمل".
فإنه
أما على القول بأن الرمل مشروع في الطواف الذي يعقبه سعي يشرع لهم أن يرملوا في طواف الإفاضة إن سعوا بعده كما سيأتي بيان ذلك
بعد قليل.
وقد جاء عن نافع عن ابن عمر الله أنه كان إذا قدم مكة رمل بالبيت ثم
(1) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 196، والصنعاني، العدة، ج 3، ص 1227. (2) شيخنا الخليلي، الفتاوى الكتاب الأول، ص 366. (4/290)
صفحة 1611
الرائد
291
طاف بين الصفا والمروة، وإذا أحرم بمكة لم يرمل بالبيت وأخر الطواف بين الصفا والمروة إلى يوم النحر.
وفي هذا الحديث عن ابن عمر أنه كان يرمل في الحجة إذا كان إحرامه بها
من غير مكة، وكان لا يرمل في حجته إذا أحرم بها من مكة).
والرمل المشروع يأتي به الطائف على قدر وسعه متى أمكنه ذلك، ومن كان راكبا حرك راحلته على سيرها المعتاد قدر الوسع شريطة أن لا يلحق الضرر بغيره فإن الإضرار بالغير أمر لا يجوز.
ومثل الراكب في الحكم الحامل لغيره للطواف فإنه يشرع له أن يحرك في سيره على الأصل المعتاد، اللهم إلا إن كان المحمول ممن لا يشرع له الرمل
أصالة كالنساء فإن الحامل له لا يرمل به.
وبعد أن ثبتت مشروعية الرمل نقول إنه مع المشروعية السابقة غير واجب، فمن تركه عامدا أو غير عامد ليس عليه شيء، لكن غير لائق
(1) ابن عبد البر، التمهيد، ج 2، ص 76.
(2) الشافعي، الأم، ج 2، ص 175.
(3) الشافعي، الأم، ج 2، ص 176.
(4) الشافعي، الأم، ج 2، ص 174، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 182، والسرخسي، (4/291)
صفحة 1612
الرائد
292
بطالب العلا من الجنة تركه مع القدرة عليه.
وذهب بعض الفقهاء إلى أن من ترك الرمل لزمه دم، ورأي الجمهور
النافي وجوب الدم أولى بالأخذ لعدم الدليل على وجوب الدم.
ثانيا: الطواف الذي يشرع معه الرمل
باستقراء النصوص التي رمل فيها النبي يظهر أن النبي صلى الله عليه وسلم رمل في طواف طافه بالكعبة محرما بنسك، وقد طاف النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في طواف العمرة سواء كان لعمرة مفردة كما هو الحال في عمرة القضية والجعرانة، أو كان الطواف لعمرة مقرونة بالحج كما في حجة الوداع إذ رمل النبي صلى الله عليه وسلم في طواف عمرة القران.
وللسابق يقال إن مشروعية الرمل إنما هي في طواف المحرم للنسك، أو كما قال بعض أهل العلم يشرع الرمل في طواف يحصل به طواف القدوم
لكونه للقدوم أو للفرض واندرج فيه لوروده فيه".
وهؤلاء اختلفوا في شرط تحقق وصف الإحرام في الطائف، القائلون إن
المبسوط، ج 4، ص 46.
(1) الكندي، المصنف، ج 8، ص 116، وابن العربي، عارضة الأحوذي، ج 2، ص 291.
(2) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 402، والزركشي، الديباج، ج 1، ص 391. (4/292)
صفحة 1613
الرائد
293
شرط مشروعية الرمل تحقق وصف الإحرام ذكروا أن النبي صلى الله عليه وسلم ما عهد عنه أنه رمل إلا مع وصف الإحرام.
وعليه فلا يشرع الرمل لمن طاف محلا أو لم يكن طوافه لنسك بل كان تنفلا مطلقا، ومنه فلا رمل في طواف الإفاضة ولا طواف الوداع ولا في طواف النفل".
وذهب آخرون من أهل العلم إلى أن علة الرمل هي عقبان السعي بين الصفا والمروة للطواف، فكل طواف كان بعده سعي يرمل فيه، وما لم يعقبه
سعي
فلا رمل فيه).
ويجتمع الرأيان في أمور أولها أنه لا رمل في طواف الوداع، وثانيها أنه يرمل في طواف العمرة، وثالثها أن الذين يشترطون طواف القدوم دون وصف الإحرام والذين قالوا بالطواف الذي يعقبه سعي يقولون إنه يشرع
الرمل لمن دخل مكة بعد الوقوف.
(1) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 190.
(2) الشافعي، الأم، ج 2، ص 175، والسرخسي، المبسوط، ج 4، ص 10، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 140، وابن الملقن الإعلام، ج 6، ص 208، وابن حجر، فتح
الباري، ج 3، ص 472. (4/293)
صفحة 1614
الرائد
294
ويختلفان في المفرد إن طاف للقدوم ولم يسع بعده فعلى القول الأول
يشرع له أن يرمل، وعلى القول الثاني لا يشرع له أن يرمل".
وقد روى الإمام الربيع بن حبيب عن ضمام عن أبي الشعثاء جابر بن
زيد} أنه لم ير بأسا أن يرمل بالبيت يوم النحر "
ثالثا: أشواط الرمل
(2)
لم يكن ثمة خلاف بين الفقهاء أن مشروعية الرمل ما كانت إلا في الأشواط الثلاثة الأول فقط"، والأدلة التي نقلناها عند بيان مشروعية الرمل بينة في دلالتها على أن صاحب الدعوة ما كان يرمل إلا في الأشواط الثلاثة الأولى.
غير أنه قد حكي عن ابن الزبير القول بأن الرمل مشروع في الأشواط السبعة كلها، ولئن صح عنه ذلك فهو محجوج بثبوت الرمل في الأشواط
(1) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 403.
(2) الخروصي، من جوابات الإمام جابر بن زيد، ص 72.
(3) الشافعي، الأم، ج 2، ص 174، وابن عبد البر، التمهيد، ج 2، ص 68، وابن قدامة،
المغني، ج 3، ص 185.
(4) النووي، المجموع، ج 8، ص 63، وابن الملقن، الإعلام، ج 6، ص 07 (4/294)
صفحة 1615
الرائد
295
الثلاثة وحدها من قبل صاحب الدعوة.
ولكون مشروعية الرمل خاصة بالأشواط الثلاثة الأولى فإن من نسي الرمل فيها وتذكر بعدها لم يشرع له أن يتدارك ذلك بل يكون محل الرمل قد
فاته، إذ المشروع في الأشواط الأربعة الأخيرة المشي.
فلو أن الناسي للرمل في الثلاثة الأول أتى به في الأربعة الأخيرة لكان قد فوت سُنتين الأولى الرمل في الثلاثة الأول والثانية المشي والسكينة في الأربعة الأخر.
ومعلوم أنه يشرع للإنسان أن يتدارك سنة في غير موضعها إن لم يكن لأخرى، أما الحال هنا أن تدارك الرمل في الأشواط الأخيرة
هناك تضييع
مستلزم ترك سنة السكينة فيها فلا يشرع القضاء فيها.
ولأن الرمل هيئة فات موضعها فسقطت كالجهر في الركعتين
الأوليين".
لكن لمن نسي الرمل في الأشواط الثلاثة الأول وتذكر قبل أن يفرغ منها
(1) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 49، وابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 472.
(2) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 185. (4/295)
صفحة 1616
الرائد
296
فإنه يأتي بهذه السنة متى تذكرها فيرمل ولو كان في الثاني أو الثالث من الأشواط؛ لأن تركه للهيئة في بعض محلها لا يسقطها في بقية محلها كتارك
الجهر في إحدى الركعتين الأوليين لا يسقطه في الثانية.
غير
أن الأدلة السابقة اختلفت في أمر وهو أكان النبي صلى الله عليه وسلم يستوعب
الثلاثة من الأشواط بالرمل أو لا؟
الرمل المنقول يوم عمرة القضاء أفادت أدلته أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يرمل بين الركنين اليماني والحجر كما يفيده قول ابن عباس: وأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنين.
والمشي بين الركنين كان لأجل أن المشركين لا يرونهم ثمة، والأمر ما
كان إلا لإغاظتهم.
وقد قال بظاهر الحديث السابق بعض الفقهاء فنصوا على أن مشروعية الرمل لا تشمل ما بين الركنين اليماني والحجر بل يمشي الطائف في الموضع المذكور ويكون رمله محصورا بالحجر الأسود إلى الركن اليماني.
(1) ابن قدامة المغني، ج 3، ص 186.
(2) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 11، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 402، وابن الملقن، الإعلام، ج 6، 209، وابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 472. (4/296)
صفحة 1617
الرائد
297
يوم عمرة
غير أن الرأي السابق مدفوع بأن هذا الفعل منه كان القضاء، ولكنه لم يفعله بعد ذلك بل كان يستوعب الأشواط الثلاثة الأولى بالطواف، مما يفيد أن استقرار الأمر به الله كان على استيعاب الأشواط الثلاثة بالرمل، فيكون الأول من فِعْلَيْه و منسوخا، والآخر ناسخا فيفيد هو المشروعية).
ومن الروايات التي أفادت استيعاب الأشواط الثلاثة بالطواف حديث عبد الله بن عمر بن أبان الجعفي حدثنا ابن المبارك أخبرنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال: رمل رسول الله لهم من الحجر إلى الحجر ثلاثا، ومشى
أربعا.
رضي عنه
كما جاءت الحكاية السابقة عن جابر بن عبد الله له كما في حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن جابر بن عبد الله قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رمل إلى الحجر الأسود حتى انتهى إليه في ثلاثة أطواف.
(1) ابن دقيق العيد، إحكام الإحكام، مطبوع مع حاشيته العدة للصنعاني، ج 3، ص 1227، وابن الملقن الإعلام، ج 6، ص 202.
(2) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب استحباب الرمل (1262).
:
(3) أخرجه الربيع في كتاب الحج، باب: في الكعبة والمسجد والصفا والمروة (314). (4/297)
صفحة 1618
الرائد
298
كما جاءت عنه من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله أنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رمل من الحجر الأسود حتى انتهى إليه
ثلاثة أطواف.
واستيعاب الرمل للأشواط الثلاثة كلها هو مذهب جماهير القائلين بمشروعية الرمل".
وقد كان ابن عمر ه يمشي بين الركنين ولا يرمل، وقد أجاب نافع عن ذلك بأنه يمشي ليكون أيسر له في استلام الحجر الأسود كما في حديث مسدد حدثنا يحيى عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال: ما تركت استلام هذين الركنين في شدة ولا رخاء منذ رأيت النبي يستلمها.
قلت عبيد الله - النافع: أكان ابن عمر يمشي بين الركنين؟ قال: إنما كان يمشي ليكون أيسر لاستلامه".
وعلق الحافظ ابن حجر على السابق بأن الذي قاله نافع إن كان استند فيه إلى فهمه فلا يدفع احتمال أن يكون ابن عمر فعل ذلك اتباعا للصفة الأولى
(1) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب استحباب الرمل (1263).
(2) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 10، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 147. (3) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب الرمل في الحج والعمرة (1529). (4/298)
صفحة 1619
الرائد
299
من الرمل لما عرف من مذهبه في الاتباع.
ولكن يدفع قول الحافظ ابن حجر أن الاتباع أيضا حاصل باستيعاب المطاف إذ إنه آخر الأمرين منه، وقد حكاه ابن عمر نفسه، والأولى ما قيل إنه كان لا يرمل ثمة ليتيسر له أمر استلام الحجر لما عرف من مذهبه له في
المزاحمة لاستلام الحجر وقد تقدم.
رابعا: حكم من ترك الرمل
الذي عليه الفقهاء أكثرهم أن الرمل ليس بواجب ولا شرط، فمن تركه لم يكن عليه شيء".
وللسابق أدلة منها أن من ترك الرمل ما كان تاركا لعمل بل لهيئة مخصوصة كرفع الصوت بالتلبية فمن لبى خافضا صوته لم يكن تاركا للتلبية بل لصفتها فلا شيء عليه".
وقال آخرون إن الرمل شيء مختلف فيه هل هو سنة أم لا، وإيجاب الدم
(1) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 472.
(2) ابن عبد البر، التمهيد، ج 2، ص 77، وابن الملقن الإعلام، ج 6، ص 207. (3) الشافعي، الأم، ج 2، ص 175، وابن عبد البر، التمهيد، ج 2، ص 78، والصنعاني،
العدة، ج 3، ص 1227. (4/299)
صفحة 1620
الرائد
عليه إيجاب فرض وإخراج مال من يده، وهذا لا يجب إلا بيقين لا شك فيه، وقد جاء عن ابن عباس نصا فيمن ترك الرمل أنه لا شيء عليه.
أما الإمام مالك بن أنس وأصحابه فاختلف قولهم فيمن ترك الرمل في الطواف والهرولة في السعي ثم ذكر الرمل وهو قريب فمرة قال يعيد، ومرة قال لا يعيد، وبه قال ابن القاسم من أصحابه.
واختلف قول مالك أيضا فيمن ترك الرمل ولم يلزمه الإعادة أعليه
أو ليس عليه شيء، وقال ابن القاسم هو خفيف ولا نرى فيه شيئا.
دم
وكذلك روى ابن وهب في موطئه عن مالك أنه استخفه ولم ير فيه شيئا، وروى معن بن عيسى عن مالك أن عليه دما، قال ابن القاسم رجع عن
ذلك، وقال عبد الملك بن الماجشون عليه دم".
وروي وجوب الدم بإطلاق على من ترك الرمل عن الحسن البصري
والثوري وابن الماجشون.
(1) ابن عبد البر، التمهيد، ج 2، ص 77.
(2) ابن عبد البر، التمهيد، ج 2، ص 77، والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص 246، والصنعاني،
العدة، ج 3، ص 1226.
(3) ابن الملقن الإعلام، ج 6، ص 208 (4/300)
صفحة 1621
الرائد
واحتج من رأى عليه دما بقول ابن عباس: من ترك نسكا أهرق دما،
والرمل من النسك.
المندوب الخامس: الاضطباع
أولا: تعريفه ومشروعيته
الاضطباع هو أن يجعل وسط الرداء تحت كتفه اليمنى، ويرد طرفيه على كتفه اليسرى، ويبقي كتفه اليمنى مكشوفة، وهو مأخوذ من الضبع وهو عضد الإنسان افتعال منه، وكان أصله اضتبع فقلبوا التاء طاء؛ لأن التاء متى وضعت بعد ضاد أو صاد أو طاء ساكنة قلبت طاء).
والاضطباع بالمعنى السابق مما ثبت فعله عن صاحب الدعوة الغراء
وأصحابه، وقد جاءت روايات صحيحة تثبته، ومن ذلك حديث
حماد عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه اعتمروا من الجعرانة فرملوا بالبيت وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم قد قذفوها على عواتقهم اليسرى.
(1) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 183.
:
(2) أخرجه أبو داود في كتاب المناسك باب الاضطباع في الطواف (1884). (4/301)
صفحة 1622
الرائد
ومن ذلك أيضا حديث محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن ابن جريج عن
ابن يعلى عن يعلى قال: طاف النبي صلى الله عليه وسلم مضطبعا ببرد أخضر.
والحديث أخرجه أبو داود)، وفيه عنعنة ابن جريج، وقد مضى أن ما
عنعن فيه ابن جريج فليس بحجة.
ومن ذلك حديث: محمد بن سليمان الأنباري ثنا يحيى بن سليم عن ابن خثيم عن أبي الطفيل عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم اضطبع فاستلم وكبر ثم رمل ثلاثة أطواف.
وكانوا إذا بلغوا الركن اليماني وتغيبوا من قريش مشوا ثم يطلعون عليهم
يرملون تقول قريش كأنهم، الغزلان قال ابن عباس: فكانت سنة).
وللأدلة السابقة قال أكثر أهل العلم بمشروعية الاضطباع وكونه سنة من سنن الطواف، ولكنه ليس بواجب فما على من تركه شيء، وخالف
(1) کتاب المناسك باب الاضطباع في الطواف (1883).
(2) أخرجه أبو داود في كتاب المناسك، باب: في الرمل (1889).
(3) الشافعي، الأم، ج 2، ص 174، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 140، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 147، وابن حجر فتح الباري ج 3، ص 472، والعيني،
البناية، ج 4، ص 195، وشيخنا الخليلي، الفتاوى الكتاب الأول، ص 367. (4/302)
صفحة 1623
الرائد
ذلك آخرون فقالوا من ترك الاضطباع في الطواف كان عليه دم".
وذهب آخرون إلى عدم مشروعية الاضطباع، والأمر فيه كالأمر في
الرمل وقد تقدم، والقائلون بمشروعية الاضطباع ينصون أنه يشرع في
الطواف الذي يشرع معه الرمل، وقد تقدم.
ثانيا: وقت الاضطباع
للفقهاء خلاف في وقت مشروعية الاضطباع، فقال جماعة إنه يبدأ قبل أن يستلم الحجر الأسود، وقال آخرون يشرع له الاضطباع بعد أن يستلم
الحجر الأسود.
وحديث أبي الطفيل عن ابن عباس الذي تقدم ذكره ناص على أن النبي وأصحابه اضطبعوا قبل استلام الحجر الأسود، ورملوا بعد استلام
الحجر الأسود.
(1) العيني، البناية، ج 4، ص 195.
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 210، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 184.
(3) الرافعي العزيز، ج 3، ص 404.
(4) ابن تيمية، شرح العمدة، ج 3، ص 422. (4/303)
صفحة 1624
الرائد
ثالثا: موضع الاضطباع
ذهب جمع من الفقهاء إلى أن الاضطباع أمر خاص بالطواف بالبيت فقط، فلا يشرع أن يضطبع أحد في غير طواف بالبيت، وعليه فلا اضطباع -
على رأي هؤلاء في صلاة الطواف ولا في السعي بين الصفا والمروة". ودليل السابق ظاهر؛ إذ إنه لم ينقل عن النبي الاضطباع إلا في الطواف فقط، فيبقى ما عدا الطواف على أصل المنع؛ لأن الأصل في العبادات عدم المشروعية إلى أن يثبت الدليل.
لكن فارق القول السابق آخرون فقالوا بل يسن الاضطباع في السعي
بين الصفا والمروة؛ لأن السعي أحد الطوافين.
كما اختلف هؤلاء أيشرع الاضطباع في ركعتي الطواف لأنهما كسائر أعمال الطواف، أو لا يشرع لكراهية الاضطباع في الصلاة.
والقائلون بأن الاضطباع أمر خاص بالطواف وحده لهم خلف في
(1) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 184، العيني، البناية، ج 4، ص 195.
(2) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 404، والزركشي، الديباج، ج 1، ص 391. (3) الرافعي العزيز، ج 3، ص 405، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 210، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 184. (4/304)
صفحة 1625
الرائد
الأشواط التي يضطبع فيها، فذهب جماعة منهم إلى أن مشروعية الاضطباع
مفارقة للرمل فيشرع في الأشواط السبعة كلها.
وقال آخرون إنما يضطبع في الأشواط الثلاثة التي يرمل فيها، وقد اختار
هذا الرأي شيخنا القدوة العلامة الخليلي -حفظه الله؛ لأن الاضطباع إنما
(2)
هو معونة على الرمل، وإنما فعل تبعا له فإذا لم يرمل لم يضطبع.
وعلى القولين كليهما من نسي الاضطباع في شيء من أشواط الطواف تداركه فيما بقي من الأشواط التي يشرع فيها الاضطباع، وإن لم يتذكره إلا بعد أن خرج محل مشروعيته لم يشرع له الاضطباع حينها".
ومن نسي الاضطباع أو تعمد تركه فلا شيء عليه إذ ليس هو بواجب من حيث الأصل، لكن لا ينبغي لطالب الآخرة التهاون في أمر حرص من غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر على المواظبة عليه.
(1) شيخنا الخليلي، الفتاوى، ج 1، ص 367.
(2) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 184، وابن تيمية، شرح العمدة، ج 3، ص 423، والمرداوي،
الإنصاف، ج 4، ص 5.
(3) الشافعي، الأم، ج 2، ص 174، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 140.
(4) الشافعي، الأم، ج 2، ص 174. (4/305)
صفحة 1626
الرائد
المندوب السادس: الذكر والدعاء
عبادة الحج قائمة على ذكر الله تعالى وقد دللنا في أول الكتاب على الأصل السابق، ومن فروع الأصل السابق أنه ينبغي أن يصحب الحاج الذكر في أحواله كلها فيرقى بروحه عارجا في سماء القدس فلا تستهويه العوارض الأرضية صارفة فكره عن أصل العبادة التي يتقرب بها.
والطواف بالبيت من أنساك الحج فيشرع فيه ما يشرع في بقية العبادة من ذكر الله عز وجل، وقد جاءت أدلة شرعية نصت على بعض الأذكار التي للطائف أن يأتيها للقربى من ربه، نبينها ذاكرين ما صح منها فيكون
ينبغي
حجة وما لم يصح منها فلا يكون حجة.
مما يشرع للطائف بالبيت ندبا على قول الجماهير من أهل العلم التكبير كلما أتى الحجر الأسود، وهو أمر ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث عكرمة عن ابن عباس قال: طاف النبي صلى الله عليه وسلم بالبيت على بعير كلما أتى الركن أشار
إليه بشيء كان عنده وكبر).
(1) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب التكبير عند الركن (1535). (4/306)
صفحة 1627
الرائد
وفي هذا الحديث دلالة على أن التكبير مشروع كلما أتى الطائف الركن مع كل تقبيل أو استلام أو إشارة، فيشرع هذا الفعل.
وقد أطلق التكبير والأصل فيه أنه تكبيرة واحدة، وقال آخرون إن
التكبير في أول الطواف واجب لا يتم الطواف دونه، أما بعد ذلك فغير واجب ولكنه مندوب إليه).
وجاء عن ابن عمر لهم أنه كان يضيف إلى التكبير البسملة كما في حديث
عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع أن ابن عمر كان إذا استلم الركن قال بسم الله والله أكبر
وذهب بعض الفقهاء إلى أنه مما يندب أن يقوله من يستلم الحجر
(E)
الأسود باسم الله والله أكبر إيمانا بالله وتصديقا بما جاء به رسول الله.
واستدل هؤلاء لقولهم هذا بحديث سعيد بن سالم عن ابن جريج
قال:
أخبرت أن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله، كيف نقول إذا
(1) البسيوي، الجامع، ج 2، ص 268.
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 128.
(3) عبد الرزاق، المصنف، ج 5، ص 33.
170
(4) الشافعي، الأم، ج 2، ص 170. (4/307)
صفحة 1628
الرائد
استلمنا الحجر؟ قال: قولوا باسم الله والله أكبر إيمانا بالله وتصديقا بما جاء به
رسول الله.
(1)
والحديث أخرجه الشافعي من الطريق المذكور، وهو لا يثبت فلا
يكون حجة؛ إذ ابن جريج ممن لا يقبل إرساله، وسعيد بن سالم ضعيف كما تقدم ذكر علل هذا الإسناد.
بسم
ومن الفقهاء من قال إنه يستحب أن يقول عند استلام الحجر الأسود:
الله والله أكبر، اللهم إيمانا بك وتصديقا لكتابك، ووفاء بعهدك،
صل الله
واتباعا لسنة نبيك محمد (2).
وأيد هؤلاء قولهم السابق بأنه جاء عن النبي، ولم أجد شيئا ثابتا عن النبي ينص على السابق.
وجاء أنه أمر عمر بن الخطاب بالتهيلل مع التكبير عند استقبال الحجر كما في حديث وكيع ثنا سفيان عن أبي يعفور العبدي قال: سمعت شيخا بمكة في إمارة الحجاج يحدث عن عمر بن الخطاب له أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: يا عمر، إنك رجل قوي، لا تزاحم على الحجر فتؤذي الضعيف، إن
(1) الشافعي، الأم، ج 2، ص 170.
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 13، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 36 (4/308)
صفحة 1629
الرائد
وجدت خلوة فاستلمه وإلا فاستقبله فهلل وكبر.
والحديث أخرجه أحمد، وعلته إبهام الشيخ الذي حدث أبا يعفور عن
عمر، فيضعف الحديث بسببه.
و مما يندب للطائف أن يقوله على رأي جماعة من الفقهاء- ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وهذا الذكر يقال بين الركنين اليماني والحجر ليكون ختاما للشوط، وقد قال بذلك جماعة من أهل
الفقه (2).
واستحب بعض الفقهاء أن يؤتى بهذا الذكر في الطواف كله.
واستدل من استحب الذكر السابق بحديث يحيى بن عبيد عن أبيه عن
عبد الله بن السائب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما بين الركنين: {رَبَّنَا وَاتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
والحديث أخرجه باللفظ السابق أبو داود، وأخرجه بلفظ قريب عبد
(1) أحمد بن حنبل، المسند، ج 1، ص 28.
(2) الشافعي، الأم، ج 2، ص 173، والجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2، ص 154، والقطب
شرح كتاب النيل، ج 4، ص 130.
(3) الشافعي، الأم، ج 2، ص 173. (4/309)
صفحة 1630
الرائد
310
الرزاق، وابن أبي شيبة، والضياء المقدسي، والنسائي، وآخرون.
وفي إسناده عبيد مولى السائب بن أبي السائب المخزومي والد يحيى بن عبيد، لم أجد أحدا وثقه غير ابن حبان.
والقاعدة التي مضينا عليها عدم قبول توثيق ابن حبان إذا انفرد به إذ هو
معروف بتوثيق كل من لم يجد فيه جرحا، مع
أن بين المجروح والثقة منزلة
المجهول، وهو ممن لا يحتج بروايته فمن يدري لعله مجروح، ومن السابق
يكون الحديث ضعيفا غير حجة في الندب المذكور.
ومن حيث الأصل العام ثبت أن النبي اللي كان يكثر من هذا الدعاء كما في حديث عبد الوارث عن عبد العزيز عن أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
(1) كتاب المناسك باب الدعاء في الطواف (1892).
(2) عبد الرزاق، المصنف، ج 5، ص 50.
(3) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 443. (4) المقدسي، الأحاديث المختارة، ج 9، ص 390. (5) النسائي، السنن الكبرى، ج 2، ص 403. (6) ابن حبان، الثقات، ج 5، ص 139. (4/310)
صفحة 1631
الرائد
311
اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
بل ثبت ما يفيد أنها أكثر دعاء يدعو به النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث زهير بن
حرب حدثنا إسماعيل بن علية عن عبد العزيز بن صهيب قال: سأل قتادة أنسا: أي دعوة كان يدعو بها النبي صلى الله عليه وسلم أكثر؟
قال: كان أكثر دعوة يدعو بها يقول: اللهم {آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، قال: وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها، فإذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها فيه).
وجاء أن النبي صلى الله عليه وسلم ارشد بهذا الذكر المريض كما في حديث قتيبة بن سعيد قال: حدثنا ابن أبي عدي عن حميد، وأخبرنا محمد بن المثنى قال: حدثنا خالد بن الحارث قال: حدثنا حميد عن أنس قال:
عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا قد صار مثل الفرخ فقال له: هل كنت تدعو بشيء أو تسأله إياه؟ قال: كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة
(1) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب: {وَمِنْهُم مِّن يَقُولُ رَبَّنَا وَاتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} (4250). (2) أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: فضل الدعاء بـ:
اللهم آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} (2690). (4/311)
صفحة 1632
الرائد
فعجله لي في الدنيا.
312
قال: سبحان الله! لا تستطيعه أو لا تطيقه ألا قلت: ربنا آتنا في الدنيا
حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. في حديث قتيبة قال: فدعا الله
فشفاه اللفظ لابن المثنى.
أخرجه النسائي في الكبرى، وإسناده صحيح.
وجاء ذكر آخر فيه أن النبي الله كان يقوله بين الركنين من حديث سعيد
بن زيد ثنا عطاء بن السائب ثنا سعيد بن جبير قال:
كان ابن عباس يقول: احفظوا هذا الحديث - وكان يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يدعو به بين الركنين: رب قنعني بما رزقتني وبارك لي فيه واخلف على كل غائبة لي بخير.
والحديث أخرجه الحاكم باللفظ السابق، وابن خزيمة، وليس هو بحجة، فعطاء بن السائب ضعيف اختلط كما تقدم غير مرة، ثم إن روايته عن سعيد بن جبير أكثر سقما فإنه يرفع عنه ما ليس بمرفوع كما تقدم.
(1) النسائي، السنن الكبرى، ج 6، ص 260.
(2) الحاكم، المستدرك، ج 1، ص 626.
(3) ابن خزيمة، صحيح ابن خزيمة، ج 4، ص 217. (4/312)
صفحة 1633
الرائد
313
وسعيد بن زيد الراوي عن عطاء اختلف فيه فضعفه جماعة فقال ابن
المديني: سمعت يحيى بن سعيد يضعفه جدا في الحديث، وقال أبو حاتم والنسائي: ليس بالقوي.
وقال الجوزجاني: يضعفون حديثه وليس بحجة، وقال ابن حبان: كان صدوقا حافظا ممن كان يخطئ في الأخبار ويهم حتى لا يحتج به إذا انفرد، وقال الدارقطني: ضعيف).
وقد خولف سعيد بن زيد في الحديث فرواه ابن أبي شيبة عن أسباط بن محمد عن عطاء عن سعيد بن جبير: قال كان من دعاء ابن عباس الذي لا يدع بين الركن والمقام أن يقول: رب قنعني بما رزقتني وبارك لي فيه واخلف على كل غائبة لي بخير.
(2)
وجاء بالإسناد السابق خلوا من محل الشاهد كما في حديث عبد الرحمن بن عبد الله الدشتكي ثنا عمروة بن أبي قيس عن عطاء بن السائب عن يحيى بن عمارة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو:
(1) ابن حبان، المجروحين، ج 1، ص 320، وابن عدي، الكامل، ج 3، ص 376، والعقيلي،
الضعفاء، ج 2، ص 105.
(2) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 443. (4/313)
صفحة 1634
الرائد
314
(1)
اللهم قنعني بما رزقتني، وبارك لي فيه واخلف على كل غائبة لي بخير). ومما جاء من الأذكار في الطواف حديث هشام بن عمار ثنا إسماعيل بن عياش ثنا حميد بن أبي سويد قال: سمعت ابن هشام يسأل عطاء بن أبي رباح عن الركن اليماني وهو يطوف بالبيت فقال عطاء: حدثني أبو هريرة أن النبي
قال:
وکل به سبعون ملكا فمن قال اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار قالوا آمين.
فلما بلغ الركن الأسود قال يا أبا محمد، ما بلغك في هذا الركن الأسود؟ فقال عطاء: حدثني أبو هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من فاوضه فإنما يفاوض يد الرحمن قال له ابن هشام: يا أبا محمد، فالطواف؟
قال عطاء: حدثني أبو هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من طاف بالبيت سبعا ولا يتكلم إلا بسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله محيت عنه عشر سيئات، وكتبت له عشر حسنات،
(1) المقدسي، الأحاديث المختارة، ج 10، ص 395. (4/314)
صفحة 1635
الرائد
315
ورفع له بها عشر درجات.
ومن طاف فتكلم وهو في تلك الحال خاض في الرحمة برجليه كخائض
الماء برجليه.
والحديث أخرجه ابن ماجه، وقال الطبراني بعد إخراجه: لم يرو هذا
الحديث عن عطاء إلا حميد بن أبي سويد تفرد به إسماعيل بن عياش). والحديث ضعيف لا يثبت فلا يندب ما فيه من أذكار إلا أن يأتي بها الطائف على أنها أذكار عامة دون أن يعتقد ثبوت شيء منها، وللحديث
علتان:
أولاهما: حميد بن أبي سويد، قال الذهبي له مناكير، وقال ابن عدي بعدما أسند هذا الحديث في ترجمة حميد في الكامل: وهذه الأحاديث عن عطاء غير محفوظات).
ثانيهما: إسماعيل بن عياش كان من أروى الناس عن الكذابين، وهو في
(1) کتاب المناسك باب فضل الطواف (2957).
(2) الطبراني، المعجم الأوسط، ج 8، ص 202.
(3) الذهبي، المغني في الضعفاء، ص 194. (4) ابن عدي، الكامل، ج 2، ص 274. (4/315)
صفحة 1636
الرائد
316
حديث الثقات من الشاميين أحمد منه في حديث غيرهم.
وقال ابن حبان كان إسماعيل بن عياش من الحفاظ المتقنين في حداثته فلما كبر تغير حفظه، فما حفظ في صباه وحداثته أتى به على جهته، وما حفظ على الكبر من حديث الغرباء خلط فيه وأدخل الإسناد في الإسناد، وألزق المتن بالمتن، وهو لا يعلم. ومن كان هذا نعته حتى صار الخطأ في حديثه يكثر خرج عن الاحتجاج به فيما لم يخلط فيه.
وأورد الماوردي" حديثين في أذكار تقال في الطواف غير أني ما وجدتهما إلى الآن مسندين مع كثرة البحث والتقصي فلا حجة فيهما إلى أن يثبتا مسندين من طريق صحيح، والحديثان
أولهما: عبد الأعلى التيمي أن خديجة بنت خويلد < قالت: يا رسول
الله صلى الله عليه وسلم ما أقول إذا طفت البيت؟
فقال: قولي: اللهم اغفر لي خطاياي وعثراتي وإسرافي في أمري
(1) الجوزجاني، أحوال الرجال، ص 174، وابن حبان المجروحين، ج 1، ص 125، وابن
عدي، الكامل، ج 1، ص 291، والعقيلي، الضعفاء، ج 1، ص 88.
(2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 142. (4/316)
صفحة 1637
الرائد
317
واخلفني في أهلي فإن لم تخلفني تهلكني.
وثانيهما: ما روي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه - قال: كنت في الطواف فلقيني شاب نظيف الثوب حسن الوجه فقال: يا علي، ألا أعلمك دعاء تدعو به؟
قلت بلى قال: قل: يا من لا يشغله سمع عن سمع، يا من لا يغلطه السائلون، يا من لا يتبرم بإلحاح الملحين أسألك يد عفوك وحلاوة رحمتك. قال علي: فقلتها ثم أخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم بها فقال: يا علي ذاك الخضر. و مما أورد الماوردي أيضا ذكر يقال عند محاذاة ميزاب الكعبة مستدلا لذلك بحديث جعفر بن محمد عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا حاذى ميزاب الكعبة وهو في الطواف اللهم إني أسألك الراحة عند الموت والعفو
عند الحساب).
والحديث أخرجه أبو الوليد الأزرقي قال: حدثني جدي عن سعيد بن
سالم عن عثمان بن ساج عن جعفر بن محمد عن أبيه).
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 155.
(2) الأزرقي، أخبار مكة، ج 1، ص 319. (4/317)
صفحة 1638
الرائد
318
وميزاب الكعبة ما رأيت له فضلا ثابتا على غيره، لكن روى الأزرقي عن جده عن عيسى بن يونس السبيعي حدثنا عنبسة بن سعيد الرازي عن إبراهيم بن عبد الله الخاطبي عن عطاء عن ابن عباس قال: صلوا في مصلى الأخيار، واشربوا من شراب الأبرار.
قيل لابن عباس: ما مصلى الأخيار؟ قال تحت الميزاب، قيل: وما شراب الأبرار؟ قال: ماء زمزم".
وروى الأزرقي أيضا عن محمد بن سليم حدثنا الزنجي مسلم بن خالد عن ابن جريج عن عطاء أنه قال: من قام تحت ميزاب الكعبة فدعا استجيب له وخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه).
وهذا الإسناد الأخير ليس بحجة فالزنجي مسلم بن خالد لا تصح روايته، وابن جريج عنعن في روايته ولا يقبل منه سوى التصريح.
(1) الأزرقي، أخبار مكة، ج 1، ص 318.
(2) الأزرقي، أخبار مكة، ج 1، ص 318. (4/318)
صفحة 1639
الرائد
319
المندوب السابع: القرب من البيت عند الطواف
نص جمع من الفقهاء على أن مما يندب إليه الطائف بالبيت أن يكون قريبا منه ما لم يكن ثمة زحام فيؤذي غيره أو يتأذى بنفسه فيخرج إلى حيث
أمكنه).
ولا أعلم نصا يفيد ذلك غير أن بالقرب يتيسر للطائف أمر استلام الحجر الأسود والركن اليماني.
وأضاف بعضهم أنه يتحقق بالقرب من البيت مع السابق أمران أولها أن البيت أشرف البقاع فالقرب منه أفضل، وثانيهما أن القرب من البيت في الصلاة أفضل من البعد).
وإن تعارض القرب من البيت مع الرمل بأن كان لا يستطيع الرمل
بقرب البيت لازدحام الناس هناك فهذا له حالان:
أولهما: أن يعلم أنه إن وقف يسيرا وجد فرجة وأمكنه الرمل من غير أن
(1) الشافعي، الأم، ج 2، ص 175، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 185، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 141، وابن تيمية، شرح العمدة، ج 3، ص 442، والقرافي، الذخيرة،
ج 3، ص 245، وابن الهمام، فتح القدير، ج 2، ص 455.
(2) ابن جماعة، هداية السالك، ج 3، ص 962. (4/319)
صفحة 1640
الرائد
320
يتضرر بوقوفه، فهذا يقف في مكانه ويرمل بعد تمكنه منه.
ثانيهما أن يعلم أنه مع وقوفه لن يجد فرجة تمكنه من الرمل، أو كان الوقوف مضرا به فهذا الأولى له الرمل ولو بعد عن البيت)؛ إذ الرمل منصوص عليه وهو مقصود لذاته، أما القرب فغير منصوص عليه وهو مقصود لتحقيق غيره
ثم إن الرمل هيئة في نفس العبادة، أما القرب فهيئة في مكانها، وما كان
هيئة في نفس العبادة أولى مما كان هيئة في مكانها.
ومثل السابق الصلاة بالجماعة في البيت أفضل من الانفراد في المسجد). وذهب بعض الفقهاء إلى أن القرب أولى من تحقيق الرمل؛ لأن الرمل هيئة فهو كالتجافي في الركوع والسجود، ولا يترك الصف الأول لأجل
(1) الشافعي، الأم، ج 2، ص 174، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 141، والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص 245، وابن تيمية شرح العمدة، ج 3، ص 442، وابن الملقن، الإعلام، ج 6، ص 208.
(2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 141، وابن تيمية شرح العمدة، ج 3، ص 442،
وابن الملقن الإعلام، ج 6، ص 208.
(3) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 403. (4/320)
صفحة 1641
الرائد
321
تعذرها فكذلك هنا لا يترك المكان القريب من البيت لأجل تعذر الهيئة. واعترض على هذا الرأي الأخير بأن الرمل سنة مؤكدة فيكره تركها بل قيل إن من لم يرمل لزمه دم أما الطواف في حاشية المطاف فلا يكره بخلاف التأخر إلى الصف الثاني في الصلاة فإنه مكروه كراهة شديدة بل قيل بعدم جوازه رأسا للأدلة التي أمرت بتسوية الصفوف وإتمامها.
والفرق بين الصف الأول وبين داخل المطاف أن المصلين في صلاة واحدة ومن سنة الصلاة إتمام الصف الأول بخلاف الطائفين فإن كل واحد يطوف منفردا في الحكم فنظير ذلك أن يصلي منفردا في قبلي المسجد مع عدم إتمام هيئات الصلاة فإن صلاته في مؤخره مع إتمامها أولى.
وأيضا فإن تراص الصف وانضمامه سنة في نفسه فاغتفر في جانبها زوال التجافي بخلاف ازدحام الطائفين فإنه ليس مستحبا وإنما هو بحسب الواقع، وأيضا فإن فضيلة الصف الأول ثبتت بنصوص كثيرة بخلاف داخل
المطاف (2).
وذهب ابن حزم الظاهري إلى أنه لا يجوز التباعد عن البيت عند الطواف
(1) ابن تيمية، شرح العمدة، ج 3، 442.
(2) ابن تيمية، شرح العمدة، ج 3، 443. (4/321)
صفحة 1642
الرائد
322
إلا في الزحام؛ لأن التباعد عنده عمل بخلاف فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبث لا معنى له فلا يجوز.
ولا أدري من أين أخذ ابن حزم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قريبا من البيت حتى يعد البعد عن البيت أمرا لا يجوز، فإن كان من استلام النبي صلى الله عليه وسلم الحجر بيده فذلك ليس بدليل لأن الاستلام في جزء من الطواف وليس في الطواف كله، فقد يقرب من البيت عند إرادة استلام الحجر.
ثم إنه ثبت عنه الله لو أنه أشار إليه، والإشارة إلى الحجر دون استلامه تفيد بظاهرها أنه كان بعيدا عنه لا قريبا منه، واختلاف الأحوال المنقولة عنه في ذلك بينة الدلالة على أنه ما كان يلتزم أمرا واحدا من حيث القرب والبعد
عن البيت.
المندوب الثامن: السواك
نص على ذلك بعض الفقهاء بل قال إنه لو قيل بتأكد استحباب السواك
لم يبعد؛ لأنه عبادة مشبهة بالصلاة).
(1) ابن حزم، المحلى، ج 7، ص 181
(2) ابن جماعة، هداية السالك، ج 3، ص 912. (4/322)
صفحة 1643
الرائد
المبحث السابع: مباحات الطواف
323
أولا: الطواف راكبا
مضت سنة الناس على أن الطواف بالبيت يكون بالمشي بالأقدام دون
الركوب، وفي ذلك من المصالح ما لا يخفى على متأمل، وهو الغالب من
أفعال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
غير أنه قد ثبت عن صاحب الدعوة لأنه طاف مرة راكبا في طواف الإفاضة يوم حجة الوداع كما في حديث عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس ه قال: طاف النبيل الهلال في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن) غير أن هذا على خلاف الأصل الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتيه في أكثر طوافه، وقد كانت العلة للطواف راكبا هي أن الناس قد غشوه وتزاحموا عليه فطاف للسابق راكبا كما يفيد ذلك حديث أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: طاف النبي في حجة الوداع على راحلته بالبيت وبالصفا والمروة ليراه الناس وليشرف وليسألوه؛ فإن الناس غشوه".
(1) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب استلام الركن بالمحجن (1530). (2) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب: جواز الطواف على بعيره (1273). (4/323)
صفحة 1644
الرائد
324
وجاءت بعض الروايات مفيدة أن طوافه راكبا كان لعلة به لم يستطع معها المشي فطاف راكبا، كما في حديث:
مسدد ثنا خالد بن عبد الله ثنا يزيد بن أبي زياد عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم مكة وهو يشتكي فطاف على راحلته كلما أتى
على الركن استلم الركن بمحجن، فلما فرغ من طوافه أناخ فصلى ركعتين. والحديث أخرجه أبو داود غير أنه ليس بثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم لضعف إسناده؛ فإن يزيد بن أبي زياد ليس بحجة في الرواية، قال الدارقطني: ضعيف يخطاء كثيرا ويتلقن إذا لقن)، وقال ابن معين: ليس بالقوي.
وفي الرواية علة أخرى وهي أن ظاهرها أن ركوب النبي صلى الله عليه وسلم كان في طواف القدوم يوم طاف للعمرة، وهذا لا يصح، فالثقات من الرواة متفقون على أن طوافه راكبا ما كان إلا في طواف الزيارة كما تقدم، فيكون الحديث لذلك منكرا.
وللفقهاء رأيان في الركوب في الطواف، منهم من رأى الجواز لعذر كان
(1) کتاب المناسك باب الطواف الواجب (1881).
(2) الدارقطني، سؤالات البرقاني، ص 72.
(3) ابن معين تاريخ ابن معين (رواية الدارمي)، ص 228. (4/324)
صفحة 1645
الرائد
325
الطواف أو لغير عذر، مع تفضيلهم المشي لكونه الأكثر من أفعال النبي.
قال الإمام أبو سعيد الكدمي:
طاف النبي بالبيت على ناقته واستلم الأركان لحجته، وسعى بين الصفا والمروة على ناقته، والإنسان مخير بين أن يطوف راجلا أو راكبا؛ لأن الله ل لم يشترط في الطواف المشي.
قالوا: ومما يؤكد الجواز أيضا طواف أم سلمة راكبة كما في حديث عروة بن الزبير عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم
قالت: شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أشتكي، فقال:
طوفي من وراء الناس وأنت راكبة، فطفت ورسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ يصلي إلى جنب البيت، وهو يقرأ " والطور وكتاب مسطور ").
(1) الشافعي، الأم، ج 2، ص 173، والطبري، تهذيب الآثار (مسند علي)، ج 1، ص 72، وابن حزم المحلى، ج 7، ص 180،،والغزالي الوسيط، ج 2، ص 647، والرافعي العزيز، ج 3، ص 398، والجيطالي، مناسك الحج، ج 2، ص 253.
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 134.
(3) أخرجه البخاري في كتاب: الحج، باب: طواف النساء مع الرجال (1540)، وأخرجه
الإمام الربيع من طريق أبي عبيدة بلاغا عن عروة في كتاب الحج، باب: في الكعبة (4/325)
صفحة 1646
الرائد
326
وذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا يصح الطواف راكبا ولا محمولا إلا من
عذر، فإن لم يكن عذر لم يجزهما ذلك الطواف وألزما بالإعادة.
وحجة هؤلاء أن الطواف بالبيت صلاة، وقد أجمع الناس على أن الصلاة المكتوبة لا يجزي من قدر على أدائها قائما أداؤها قاعدا، وأنه إن صلاها قاعدا لغير عذر يعذر به في القعود منها فعليه إعادتها، وكذلك الطواف بالبيت عندهم إذ هو بمنزلة الصلاة المكتوبة.
و ممن ذهب إلى القول بالمنع من الطواف راكبا من قال إن طوافه وكذا أم سلمة كان قبل أن يحوط المسجد، ووقع في حديث أم سلمة: طوفي من وراء الناس، وهذا يقتضي منع الطواف في المطاف، وإذا حوط المسجد امتنع داخله إذ لا يؤمن التلويث فلا يجوز بعد التحويط بخلاف ما قبله فإنه كان لا يحرم التلويث كما في السعي.
ومن الفقهاء من عد طوافه راكبا من خصائصه، ومنهم من قال يحتمل أيضا أن تكون راحلته عصمت من التلويث حينئذ كرامة له فلا يقاس
والمسجد والصفا والمروة (414).
(1) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 213، والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص 246.
(2) الطبري، تهذيب الآثار (مسند علي)، ج 1، ص 72. (4/326)
صفحة 1647
الرائد
327
غيره عليه).
ومنهم من قال بكراهية الطواف راكبا لغير عذر لكنه يجزيه وعليه دم؛ لأن الوجوب تعلق عليه أن يفعله بنفسه لأنه اللي طاف ماشيا، ثم إنه فعل قربة يفتقر إلى مشاهدة فوجب ألا يفعل راكبا مع القدرة على النزول كالصلاة، وإذا ثبت ذلك ثبت أنه إذا تركه فقد ترك نسكا واجبا فكان عليه
الدم.
وعلق ابن العربي على قول المالكية بلزوم الدم على من طاف راكبا بقوله: مما صعب علينا قول علمائنا أن من طاف راكبا عليه دم).
والحنفية على أصلهم السابق قالوا إن كان الطواف راكبا لغير عذر أعاده ما دام بمكة، فإن رجع إلى أهله فعليه الدم، وعلة ذلك أن الفرض إنما هو مطلق الدوران بالبيت، أما المشي فواجب.
(1) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 490، والسالمي شرح الجامع الصحيح، ج 2،
ص 208.
(2) عبد الوهاب البغدادي، الإشراف، ج 1، ص 477.
(3) ابن العربي، عارضة الأحوذي، ج 2، ص 294.
(4) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 45. (4/327)
صفحة 1648
الرائد
328
وعلى القول بصحة طواف المحمول اختلف الفقهاء لو كان كل من
الحامل والمحمول محرما عليه طواف قد نواه عن نفسه:
القول الأول أن الطواف يكون عن الحامل دون المحمول؛ لأنه أصل
والمحمول تبع.
القول الثاني: يكون الطواف عن المحمول دون الحامل؛ لأن الحامل قد صرف عمله إلى معونة المحمول.
القول الثالث: يكون الطواف عن الحامل والمحمول جميعا، واختاره قطب الأئمة استدلالا بأنه لو حمله بعرفة أجزاهما عن وقوفهما فكذلك في
الطواف يجزيهما عن طوافهما.
القول الرابع: لا يجزي عنهما جميعا.
وأظهر الأقوال الثلاثة المذكورة القول الثالث إذ لا مانع من اعتبار الطواف يجزي الحامل والمحمول ما دامت نية الطواف متحققة من الاثنين، أما إن لم ينو الحامل أو المحمول الطواف فلا يجزيه.
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 152، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 406، والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص 247، والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 154. (4/328)
صفحة 1649
الرائد
329
وابن المنذر حكى الإجماع على أن المريض يطاف به ويجزي عنه، إلا ما
انفرد به عطاء بن السائب إذ إنه قال يستأجر من يطوف عنه.
ثانيا: الكلام في الطواف
مما وقع الاتفاق عليه بين الفقهاء جواز مباح الكلام في الطواف"، غير أن الاشتغال بالعبادة والتفكر فيها مما يورث النفس خشوعا وإخباتا الله تعالى فلم يكن ثمة خلاف أن الصوم عن الحديث الدنيوي -ما لم تكن ضرورة- خير من الكلام، فالمقام مقام ذكر وتبتل الله تعالى.
وقد كان الإمساك عن الكلام أثناء الطواف هدي الرعيل الأول من السلف الصالح فقد قال عطاء بن أبي رباح طفت خلف ابن عمر وابن عباس فما سمعت واحدا منهما متكلما حتى فرغ من طوافه.
قال الإمام أبو المؤثر البهلوي:
(1) ابن المنذر الإجماع، ص.
70
(2) الشافعي، الأم، ج 2، ص 173، وابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 323، والبسيوي، الجامع،
ج 2، ص 269، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 144، والسرخسي، المبسوط، ج 4،
ص 48، والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص 244.
(3) الشافعي، الأم، ج 2، ص 173. (4/329)
صفحة 1650
الرائد
330
ومن
طاف بالبيت طواف الفريضة فلا يتكلم إلا بذكر الله أو في حاجة
تعنيه في طوافه عددا يعده في طوافه أو يسأل عن إحصاء طوافه، فإن تكلم
بغير ذلك فهو مكروه له، ولا يبلغ له إلى إبطال طوافه.
وللسابق أرشد بعض أهل العلم من ضحك في الطواف أو لغا إلى أن
يصنع معروفا للفقراء مع الاستغفار".
والسابق يقال به في حال عدم كون الكلام أولى، أما إن تعين الكلام لأمر
بمعروف أو نهي عن منكر أو كان في الكلام مصلحة راجحة أو رد لسلام سلم به عليه غيره فحينها يتكلم الطائف ولا عليه بل يحتسب الأج على الله بكلامه ذلك.
حرج
وقد ثبت الكلام أثناء الطواف عن النبي الله لتغيير منكر كما في حديث إبراهيم بن موسى حدثنا هشام أن ابن جريج أخبرهم قال: أخبرني سليمان الأحول أن طاوسا أخبره عن ابن عباس له:
أن النبي مر وهو يطوف بالكعبة بإنسان ربط يده إلى إنسان بسير أو
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 142، وفي المنقول كلام يظهر أن به خللا لكن هكذا
ورد في الأصل.
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 141. (4/330)
صفحة 1651
الرائد
331
بخيط أو بشيء غير ذلك فقطعه النبي صلى الله عليه وسلم بيده ثم قال: قده بيده".
ومما جاء مما يفيد الحكم السابق حديث يحيى بن يمان عن سفيان عن
منصور عن خالد بن سعد عن أبي مسعود سئل النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الطواف:
أحلال هو أم حرام؟ قال: حلال.
يعني
النبيذ.
والحديث أخرجه البيهقي)، وابن عدي، وهو لا يثبت فقد تقدم
الكلام حول ضعف يحيى بن يمان، وقد قال البيهقي بعد إخراجه:
قال علي بن عمر: هذا حديث معروف بيحيي بن يمان، ويقال إنه انقلب عليه الإسناد، واختلط بحديث الكلبي عن أبي صالح، والكلبي متروك، وأبو صالح ضعيف.
ثم إن قراءة القرآن الكريم أثناء الطواف أمر فيه من الخير ما فيه لعظم الذكر والمكان والحالة فهو أفضل من الأذكار غير المسنونة في هذا الموضع، فحسن بالطائف أن يشتغل به وغيره من الأذكار مع التأكيد على ما ثبت
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب الكلام في الطواف (1540).
(2) البيهقي، السنن الكبرى، ج 8، ص 304.
(3) ابن عدي الكامل، ج 7، ص 235. (4/331)
صفحة 1652
الرائد
332
استحبابه بلسان الشارع مصرحا في حال الطواف وقد مضى ذكره.
ومن الفقهاء من استدل على السابق بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد قرأ القرآن حينما كان يقرأ بين الركنين اليمانيين (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً
وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، وهذا من القرآن".
واستدل بعض الفقهاء باستدلال غريب على استحباب قراءة القرآن في
الطواف فقال إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الطواف صلاة، ثم كانت القراءة واجبة في
الصلاة، فوجب أن تكون مستحبة في الطواف.
ومن الفقهاء من نص على جواز قراءة القرآن في الطواف وعدوا قراءة القرآن أشرف الأذكار إلا أنهم كرهوا رفع الصوت بقراءة القرآن في الطواف؛ لأن الناس يشتغلون فيه بالذكر والثناء فقلما يستمعون لقراءته.
وترك الاستماع عند رفع الصوت بالقراءة من الجفاء فلا يرفع صوته
(1) الشافعي، الأم، ج 2، ص 173، وابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 219، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 401، والجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2، ص 154.
(2) سورة البقرة، الآية (201)
(3) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 187.
(4) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 143. (4/332)
صفحة 1653
الرائد
333
بذلك صيانة للناس عن هذا الجفاء).
وهذا القول حسن بسن، لائح دليله والشرع قد التفت إلى مثل ذلك في الصلاة كما في حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فوجد الناس يصلون وقد علت أصواتهم بالقراءة فقال:
إن المصلي يناجي ربه فلينظر ما يناجيه به ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن فيشغلهم عن صلاتهم.
ومن الفقهاء من كره قراءة القرآن أثناء الطواف، واستدلوا لذلك بأن
القراءة ليست من عمل السلف.
(1) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 335، والسرخسي، المبسوط، ج 4، ص 48، والكندي، بيان
الشرع، ج 23، ص 152.
(2) أخرجه الربيع في كتاب الصلاة، باب في القراءة في الصلاة (227).
(3) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 219، والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص 244، والجيطالي،
قواعد الإسلام، ج 2، ص 154، وابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 483.
(4) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 244. (4/333)
صفحة 1654
الرائد
334
ثالثا: الانتعال في الطواف
ذهب جماعة من الفقهاء إلى أنه لا حرج في الانتعال أثناء الطواف إن كان النعلان أو الخفان طاهرين، واستدلوا بأن الأصل الجواز لعدم المانع
الشرعي.
ثم إن الشارع شهد بجواز ذلك في الصلاة كما في حديث سعيد بن يزيد الأزدي قال: سألت أنس بن مالك: أكان النبي يصلي في نعليه؟ قال:
نعم).
ومنهم من كره الطواف بالخفين إن كانا طاهرين، وفي هذا القول نظر إذ الكراهة لا بد لها من دليل، ولم يأت القائلون بها هنا بدليل.
(1) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 48، والقرافي الذخيرة، ج 3، ص 248، وشيخ
الخليلي،
الفتاوى، ج 1، ص 367.
(2) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب الصلاة في النعال (379).
(3) الجيطالي، مناسك الحج، ج 2، ص 255. (4/334)
صفحة 1655
الرائد
335
رابعا: الأكل والشرب والاستراحة
صحيح أن مقام الطواف مقام خشوع وتبتل وخضوع الله تعالى، غير أنه لم يأت دليل شرعي يمنع من الأكل أو الشرب أثناءه، وهكذا أن يستريح من تعب في الطواف.
ولذا قال جماعة من الفقهاء إنه مع كون الأصل مواصلة الطواف على ما جاء به الشارع إلا أن للطائف إن احتاج الأكل أو الشرب كان له أن يأكل ويشرب، كما أن له أن يستريح إذا ما أعياه الطواف.
وقد حكى ابن المنذر الإجماع على جواز شرب الماء في الطواف). وممكن أن يستدل على مشروعية الشرب في الطواف بحديث هارون بن عيسى بن السكين ببلد قال: حدثنا عباس بن محمد بن حاتم قال: حدثنا أبو غسان قال: حدثنا عبد السلام بن حرب عن شعبة عن عاصم عن الشعبي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب ماء في الطواف.
(1) عبد الرزاق، المصنف، ج 5، ص 55، وابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 323، والبسيوي، الجامع، ج 2، ص 270، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 141، والقطب، شرح كتاب
النيل، ج 4، ص 131. (2) ابن المنذر، الإجماع، ص 70. (4/335)
صفحة 1656
الرائد
336
وقد أخرجه ابن خزيمة وابن حبان، والحاكم، وقال ابن خزيمة:)، باب الرخصة في الشرب في الطواف إن ثبت الخبر؛ فإن في القلب من هذا الإسناد، وأنا خائف أن يكون عبد السلام أو من دونه وهم في هذه اللفظة أعني قوله في الطواف.
والأظهر أن زيادة " في "الطواف" شاذة لا تصح فقد رواه عن عاصم جماعة من الثقات وما ذكروها بل ذكروا أن شربه من زمزم كان واقفا، ومن هؤلاء الفزاري، وأبو عوانة والثوري وشعبة وهشيم، وعبد الله بن المبارك والحسن بن صالح، وغيرهم.
ورواية هؤلاء خير من رواية عبد السلام فتكون روايته شاذة، ولا
حديثه.
يصح
وروى عبد الرزاق عن الثوري قال: أخبرني جميل بن زيد أنه رأى ابن
(1) ابن خزيمة، صحيح ابن خزيمة، ج 4، ص 226.
(2) ابن حبان، صحيح ابن حبان، ج 9، ص 144.
(3) الحاكم، المستدرك، ج 1، ص 631.
(4) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب ما جاء في زمزم (1556).
(5) أخرجه مسلم في كتاب الأشربة، باب في الشرب من زمزم قائما (2027)، والحميدي،
مسند الحميدي، ج 1، ص 225، وابن حبان، صحيح ابن حبان، ج 9، ص 146، وأبو
عوانة، المسند، ج 2، ص 319. (4/336)
صفحة 1657
الرائد
عمر
337
طاف في يوم حار ثلاثة أطواف ثم قعد في الحجر فاستراح ثم قام فأتم
(1)
على ما مضى.
غير أن جميل بن زيد ليس بحجة في الرواية عن ابن عمر بل هو متهم فيه، قال ابن حبان:
يروي عن ابن عمر ولم يره روى عنه الثوري، دخل المدينة فجمع أحاديث ابن عمر بعد موت ابن عمر ثم رجع إلى البصرة، ورواها عنه، وقال يحيى بن معين: جميل بن زيد يروي عن ابن عمر ليس بثقة).
وقال الحافظ العلائي: لم يسمع من عبد الله بن عمر، قال أبو بكر بن عياش قلت لجميل بن زيد هذه الأحاديث أحاديث ابن عمر، قال: أنا ما سمعت من ابن عمر شيئا، إنما قالوا لي: إذا قدمت المدينة فاكتب أحاديث ابن
عمر، فقدمت المدينة فكتبتها (3).
(1) عبد الرزاق، المصنف، ج 5، ص 56.
(2) ابن حبان، المجروحين، ج 1، ص 217، وابن عدي، الكامل، ج 2، ص 171، والعقيلي،
الضعفاء، ج 1، ص 191.
(3) العلائي، جامع التحصيل، ص 155. (4/337)
صفحة 1658
الرائد
المبحث الثامن: ركعتا الطواف
338
المطلب الأول: مشروعية صلاة الطواف وحكمها
لم يكن ثمة خلاف بين الفقهاء أنه يشرع لمن طاف بالبيت أن يصلي بعد طوافه، ركعتين قال ابن المنذر وأجمعوا أن من طاف أسبوعا وصلى ركعتين
أنه مصيب، كما حكى الإجماع السابق غيره من أهل العلم.
ومستند الإجماع السابق ما ثبت بالنصوص من فعل النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد صلى
ركعتين بعد طوافه، كما في قول جابر بن عبد الله {:
حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم - فقرأ: {وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِمَ مُصَلَّى»، فجعل المقام بينه وبين البيت فكان أبي يقول ولا أعلمه ذكره إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعتين قل هو الله أحد وقل يا أيها الكافرون، ثم رجع إلى الركن فاستلمه
(1) ابن المنذر الإجماع، ص 70.
(2) ابن عبد البر، التمهيد، ج 24، ص 414، والنووي، المجموع، ج 8، ص 56، والجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2، ص 156، والشنقيطي، أضواء البيان، ج 4، ص 410. (4/338)
صفحة 1659
الرائد
339
ثم خرج من الباب إلى الصفا.
وجاء الفعل السابق منه من قول ابن عمر ه: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم
فطاف بالبيت سبعا ثم صلى خلف المقام ركعتين وطاف بين الصفا والمروة). وظاهر من الأحوال السابقة المنقولة عن النبي أنه ما صلى صلاة الطواف إلا منفردا مع وجود جمع من أصحابه قد طافوا معه، وهذا يفيد أنه لا تشرع الجماعة في صلاة الطواف بل يصلي كل طائف وحده دون أن يقتدي
بغيره.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لو طاف رجلان كل واحد منهما أسبوعا فاقتدى أحدهما بالآخر في ركعتي الطواف لم يصح اقتداؤه بمنزلة اقتداء
(3)
الناذر بالناذر).
وهذا ذكره الحنفية بناء على مذهبهم المانع من اقتداء المفترض بالمتنفل. وصلاة الناذر بالناذر تكون فيها صلاة الإمام نفلا بالنسبة إلى المقتدي؛ لأن التزامه إنما يظهر عليه فقط إلا إذا نذر أحدهما عين ما نذره الآخر فاقتدى
(1) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب: حجة النبي (1218). (2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، صلى النبي صلى الله عليه وسلم لسبوعه ركعتين (1544). (3) ابن الضياء، البحر العميق، ج 2، ص 1242. (4/339)
صفحة 1660
الرائد
340
أحدهما بالآخر فإنه يجوز للاتحاد.
وصلاة الطواف كالسابق إذ إن مصليي ركعتي الطواف كالناذرين؛ لأن
طواف هذا غير طواف الآخر وهو السبب فهو اقتداء الواجب بالنفل). ومن أهل العلم من استحب لمن انتهى من طوافه وتوجه لمقام إبراهيم لصلاة ركعتي الطواف أن يتلو قوله تعالى (وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى كما فعل النبي.
وعلتهم في الاستحباب السابق مع فعل النبي أنه يقول ذلك ليشعر نفسه أنه إنما تقدم إلى هذا المقام ليصلي خلفه امتثالا لأمر الله حتى يشعر بالعبادة والتذلل لله).
وهو أمر حسن بالنية السابقة، وأصل الفعل منه محتمل للتشريع، و محتمل للتعليم، ولا دليل يرجح واحدا من الأمرين فيؤخذ بالاقتداء به لأن
الأصل في أفعاله عند الخلو من القرائن أن تكون للتشريع.
ومن الفقهاء من رأى السنة في صلاة الطواف عدم إطالتها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم
قرأ فيها الكافرون والإخلاص، وهاتان سورتان قصيرتان.
(1) ابن النجيم، البحر الرائق، ج 1، ص 383، وابن عابدين رد المحتار، ج 1، ص 580. (2) ابن عثيمين مجموع الفتاوى، ج 22، ص 406. (4/340)
صفحة 1661
الرائد
341
غير
أن الدليل السابق لازمه ليس بالقريب فقد يطيل مع قراءة هاتين
السورتين، لذا فمن العسير الحكم بأن السنة عدم الإطالة فيها، كما أنه من غير الصواب القول بأن السنة الإطالة فيهما، وإن كان الرواة من الصحابة ينبهون في الغالب على إطالة النبي صلى الله عليه وسلم إن أطال.
ومن أهل العلم من جعل اتصال الطواف بركعتيه من سنن الطواف؛
لأنها صلاة تضاف إلى عبادة فكان من سنتها أن تتصل بها.
على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ثبت عنه اتصال طوافه بركعتيه ولم يفصل بينهما شيء
كما في فعله في طواف عمرة القران يوم حجة الوداع.
ومع
الاتفاق على مشروعية صلاة الطواف من حيث الجملة للفقهاء
خلاف في حكمها، فذهب جماعة منهم إلى أن صلاة الطواف سنة. ونسب هذا القول إلى الجمهور، واختلفوا: أهي مؤكدة».
(1) الكاندهلوي، أوجز المسالك، ج 7، ص 390.
(2) الكندي بيان الشرع، ج 23، ص 140، والشماخي الإيضاح، ج 2، ص 398، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 191، والنووي، المجموع، ج 8، ص 56، والحجاوي، الإقناع،
ج 2، ص 13، والصائغي، لباب الآثار، ج 3، ص 205.
(3) الشنقيطي، أضواء البيان، ج 4، ص 410.
(4) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 191، وابن جماعة، هداية السالك، ج 3، ص 07 (4/341)
صفحة 1662
الرائد
342
وللقول بسنية هذه الصلاة نص جماعة من هؤلاء على أنه
يصح
يصليها الطائف جالسا مع القدرة على القيام كسائر السنن والنوافل".
أن
كما أنه لسنية هذه الصلاة لا يجب قضاؤها إن تركها الطائف عمدا كان الترك أو عن غير عمد".
والشيخ الجيطالي مع قوله بأن صلاة الطواف سنة مؤكدة إلا أنه ألزم من
تركها حتى خرج من الحرم أن يركعها وأن يهرق دما".
ودليل هؤلاء على قولهم بأن صلاة الطواف سنة النصوص الشرعية المصرحة بعدم وجوب شيء غير الصلوات الخمس المكتوبة كما في حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغني عن طلحة بن عبيد الله قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل نجد ثائر الرأس يسمع دوي صوته ولا يفقه قوله حتى
دنا فإذا هو يسأل عن الإسلام فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:
خمس صلوات في اليوم والليلة، قال: هل غيرها؟
قال: لا، إلا أن تطوع ....
والجيطالي، قناطر الخيرات، ج 2، ص 77. (1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 154. (2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 154. (3) الجيطالي، قناطر الخيرات، ج 2، ص 77. (4/342)
صفحة 1663
الرائد
343
قال: فأدبر الرجل وهو يقول: لا أزيد على هذا، ولا أنقص منه، قال رسول الله: أفلح إن صدق".
ووجه الدلالة من السابق أن النبي صلى الله عليه وسلم نفى الوجوب عن ما عدا
الصلوات الخمس، وصلاة الطواف ليست من الصلوات الخمس فكانت
غير واجبة.
أحمد
ومما يفيد أن صلاة الطواف سنة وليست بأمر واجب حديث القاسم بن الفرج بن مهدي البغدادي ثنا أبو عبيد الله بن عبدة القاضي ثنا إبراهيم بن الحجاج السامي ثنا عدي بن الفضل عن إسماعيل بن أمية عن نافع عن ابن عمر قال: سن رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل أسبوع ركعتين. ووجه الدلالة من السابق أن النص الصريح من ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم
سنها ولم يجعلها فريضة.
والحديث أخرجه تمام الرازي، غير أنه لا يصح الاحتجاج به لأمرين: أولهما: قوله "سن" لا يراد به الحكم المقابل للوجوب، بل سن هنا
(1) أخرجه الربيع في باب: الإيمان والإسلام والشرائع (55)، وأخرجه البخاري من طريق إسماعيل قال: حدثني مالك بن أنس عن عمه أبي سهيل بن مالك عن أبيه أنه سمع
طلحة بن عبيد الله يقول في كتاب الإيمان، باب الزكاة من الإسلام (46).
(2) تمام الرازي، الفوائد، ج 2، ص 177. (4/343)
صفحة 1664
الرائد
344
بمعنى شرع، واستقرار المصطلحات الأصولية الفارقة بين أحكام التكليف المختلفة ما كان في زمان تنزل الأحكام حتى يحمل الألفاظ الأولى عليها، ويدلك على ذلك النصوص الكثيرة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي عبروا فيها بمصطلح السنة. مع أن تلك الأمور واجبة.
ثانيهما: الحديث لا يثبت؛ فإن عدي بن الفضل الراوي عن إسماعيل بن أمية هو التيمي أبو حاتم البصري لا يثبت حديثه بل هو ضعيف جدا، قال ابن معين عنه: ليس بثقة، وقال أبو حاتم: متروك الحديث، وقال النسائي:
ليس بثقة.
وقال ابن حبان ممن كثر خطوه حتى ظهرت المناكير في حديثه فبطل الاحتجاج بروايته.
كما استدل آخرون على أنهما سنة وليستا واجبتين بحديث ابن عمر
قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من طاف أسبوعا وصلى ركعتين كان له
كعدل رقبة).
ووجه
الدلالة
من
ذلك أن الشارع أخرج صلاة الطواف مخرج الفضل،
(1) ابن حبان، المجروحين، ج 2، 187، وابن عدي الكامل، ج 5، 173، والمزي، تهذيب
الكمال، ج 19، ص 539.
(2) تقدم تخريجه موسعا في أول الفصل، وهو حديث محتج به من حيث ثبوته. (4/344)
صفحة 1665
الرائد
345
وجعل لها ثوابا محدودا فدل على أنها تطوع؛ لأن الواجب غير محدود
الثواب.
ومما يفيد عدم وجوب صلاة الطواف أنها صلاة لم تشرع لها جماعة فلم
تكن واجبة كسائر النوافل.
واستدل آخرون لعدم وجوب صلاة الطواف بأمرين:
أولهما: لو وجبت هذه الصلاة للزم شيء لتركها كالرمي، والواقع أنه لا يلزم من تركها بشيء.
ثانيهما: لو وجبت لاختص فعلها بمكة ولا يختص بل يجوز في بلده
وأي موضع شاء".
واعترض على هذين الدليلين، أما أولهما فأورد عليه أركان الحج إذ إنها
واجبة ولا تجبر بشيء
على أن الجبر بالدم يكون عند فوات المجبور، وهذه الصلاة لا تفوت –
على رأي الجمهور - إلا بأن يموت، وحينئذ لا يمتنع جبرها بالدم. أما ثانيهما فلا مانع من أن تكون واجبات الحج منقسمة إلى ما يختص
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، 153.
(2) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 191.
(3) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 396. (4/345)
صفحة 1666
الرائد
بمكة وإلى ما لا يختص ومما لا يختص بمكة الإحرام".
وذهب آخرون إلى أن صلاة الطواف واجبة).
346
وهؤلاء مختلفون فأكثرهم على أنها واجبة إن كان الطواف واجبا، أما إن
كان الطواف غير واجب فتأخذ الركعتان حكمه.
ومن الفقهاء من ذهب إلى الوجوب مطلقا واجبا كان الطواف أو غير واجب لإطلاق الأدلة، إذ إنه لا مانع من أن يشترط في النفل ما يشترط في الفرض كالطهارة وغيرها.
كما أنه يجوز أن يكون الشيء غير واجب من حيث الأصل ويقتضي
واجبا كالنكاح يقتضي وجوب النفقة والمهر.
وقال بعض هؤلاء إن الواجب قسمان واجب بإيجاب الله تعالى، وواجب
(1) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 396.
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 137، والكندي، المصنف، ج 8، ص 122، وابن حمزة الطوسي، الوسيلة، ص 174، والنووي، المجموع، ج 8، ص 56، وابن العربي، أحكام القرآن، ج 1، ص 60، والعيني، البناية، ج 4، ص 200، وابن الضياء، البحر العميق، ج 2، ص 1237، والحلي، تذكرة الفقهاء، ج 8، ص 94، والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص 242، والمحروقي، الدلائل، ص 121.
(3) النووي، المجموع، ج 8، ص 57، وابن الضياء البحر العميق، ج 2، ص 1238. (4/346)
صفحة 1667
الرائد
347
مضاف إلى العبد كركعتي الطواف، فإنهما وإن كانتا واجبتين فإن وجوبهما بفعله وهو شروعه في الطواف).
وعلى القول بوجوب هذه الصلاة أورد بعض أهل العلم وجهين في صلاة الطائف لها جالسا مع قدرته على الصلاة قائما: أولهما: يجزيه ذلك؛ لأنهما من أحكام الطواف وتبعه، فلما جاز أن يطوف
راكبا ومحمولا مع القدرة على المشي جاز أن يصلي ركعتي الطواف قاعدا القدرة على القيام
مع
ثانيهما: لا يجزيه ذلك لأنه مخالف فعل النبي صلى الله عليه وسلم فقد طاف راكبا للإفاضة ولكنه نزل لصلاة الركعتين، فلو جاز فعلهما جالسا لأجزاه فعلهما راكبا، فلما نزل وصلاهما على الأرض دل على أن فرضها القيام كسائر الصلوات
الواجبات).
ومع
الوجوب السابق اختلف القائلون به فيمن ترك هذه الصلاة فقال
بعض هؤلاء لا يلزم بترك الركعتين دم، ودليلهم القياس على الصلاة
(1) ابن الضياء، البحر العميق، ج 2، ص 1238.
6
(2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 154، ويحيى بن سعيد الحلي، الجامع للشرايع،
ص 64.
(3) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 154، وابن الضياء، البحر العميق، ج 2، ص 1238. (4/347)
صفحة 1668
الرائد
348
المكتوبة في الحج وليس ركعتا الطواف بأوكد من المكتوبة وأكثر أحوالهما أن
يحكم لهما بحكمهما في القضاء على من نسيهما أو تركها.
وخالفهم آخرون فقالوا إنهما يجبران بدم، أخذا
بترك الواجبات.
من
قاعدة وجوب الدم
استدل القائلون بالوجوب بالأمر الوارد في قوله تعالى {وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِمَ مُصَلَّى، ووجهه أن الأصل في الأمر الوجوب، والنبي صلى الله عليه وسلم لما طاف قرأ هذه الآية الكريمة، وصلى ركعتين خلف المقام ممتثلاً بذلك الأمر،
(3)
وقد قال: خذوا عني مناسككم.
وتكون تلاوته للآية مع الفعل السابق تنبيها أن صلاته كانت امتثالا
لأمر الله تعالى، وأمره للوجوب.
(1) ابن عبد البر، التمهيد، ج 24، ص 415.
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 137، وعبد الوهاب البغدادي، التلقين، ج 1، ص 230، وابن العربي، أحكام القرآن، ج 1، ص 60، والقرافي، الذخيرة، ج 3،
ص 242.
(3) العيني، البناية، ج 4، ص 200، والحلي، تذكرة الفقهاء، ج 8، ص 94، وابن الضياء، البحر العميق، ج 2، ص 1237، والشنقيطي، أضواء البيان، ج 4، ص 410.
(4) العيني، البناية، ج 4، ص 201، وابن زهرة الحلبي، غنية النزوع، ص 75. 201، (4/348)
صفحة 1669
الرائد
349
وقال بعضهم: إن قوله (وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِمَ مُصَلَّى يدل على لزوم ركعتي الطواف، وذلك لأن قوله تعالى (مَثَابَةً لِلنَّاسِ لما اقتضى فعل الطواف ثم عطف عليه قوله (وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِمَ مُصَلَّى، وهو أمر ظاهره الإيجاب دل ذلك على أن الطواف موجب للصلاة.
وقال آخرون استدلالا للسابق إن فعله الا الله حينما صلى الركعتين إما أن
يكون بيانا أو ابتداء شرع، وفي كل دليل على الوجوب".
واعترض على هذا بأن أمر الآية ليس بالصلاتين حتى يقال بوجوبهما،
بل أمرها كان باتخاذ مقام إبراهيم مصلى، وبينهما فرق. لكن رد هذا بأن حمل الآية عليه لا لأنه كان لا يصلى قبله، ولأن يصح
اتخاذ البقعة ليس إلينا إنما إلينا فعل الصلاة فلا يجوز حمله عليه.
ثم إن عمر قضى ركعتي الطواف بذي طوى، والقضاء دليل الوجوب). كما أن هذه الصلاة عبادة بعد الطواف فتجب كالسعي).
(1) الجصاص، أحكام القرآن، ج 1، ص 91.
(2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 153.
(3) العيني، البناية، ج 4، ص 201.
(4) العيني، البناية، ج 4، ص 200، وابن الضياء البحر العميق، ج 2، ص 1237.
(5) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 242. (4/349)
صفحة 1670
الرائد
350
واستدل بعضهم على الوجوب بحديث "وليصل الطائف لكل أسبوع
ركعتين"، والأمر للوجوب.
واعترض هؤلاء على حديث الأعرابي الذي نفى وجوب غير الصلوات
الخمس بأن الأمر بصلاة ركعتي الطواف خلف المقام وارد بعد قوله: لا
إلا أن تطوع".
ثم إن هذا الحديث قد ترك ظاهره فصلاة العيدين والجنازة واجبة. كما اختلف الفقهاء القائلون بوجوب صلاة الطواف أحكمها مستقل أو أنها جزء من الطواف).
وعلى القول بأنهما جزء من الطواف نص جماعة على أنه يشترط بقاء الطائف على وضوئه إلى أن يركعهما، وإن انتقض أعاد الطواف والصلاة كما
هو مذهب المالكية).
قال الإمام مالك:
(1) العيني، البناية، ج 4، ص 200، وابن، الضياء البحر العميق، ج 2، ص 1237.
(2) الشنقيطي، أضواء البيان، ج 4، ص 410.
(3) ابن الضياء، البحر العميق، ج 2، ص 1237.
(4) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 137، والنووي، المجموع، ج 8، ص 56.
(5) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 244. (4/350)
صفحة 1671
الرائد
351
إن طاف بالبيت في غير إبان الصلاة فلا بأس أن يؤخر صلاته، وإن
خرج إلى الحل فليركعهما في الحل ويجزئانه ما لم ينتقض وضوؤه. فإن انتقض وضوؤه قبل أن يركع وقد كان طوافه هذا طوافا واجبا فليرجع حتى يطوف بالبيت ويركع الركعتين؛ لأن من انتقض وضوؤه بعد الطواف قبل أن يصلي الركعتين رجع فطاف؛ لأن الركعتين من الطواف
يوصلان بالطواف.
غير
أن الإمام مالكا قيد الفعل السابق بما إذا لم يتباعد عن مكة، أما إن تباعد عنها فيصلي الركعتين مطلقا ولأي طواف، ويهدي دما. قال إنهما جزء من الطواف يفرع عليه أن التحلل من الإحرام لا يتم
من
دونها، فيبقى محرما إلى أن يأتي بهما.
وقال العلامة ابن جعفر: إن من طاف وسعى ووطئ ولم يركع فعلى
قياس قول جابر بن زيد - أنه يركع ويرجع يسعى وعليه دم.
وقال الشيخ أبو بكر الكندي: إن من ترك ركعتي الطواف فإن عليه دما
(1) مالك بن أنس، المدونة الكبري، ج 2، ص 407، وابن زرب المالكي، الخصال، ص 89. (2) مالك بن أنس المدونة الكبرى، ج 2، ص 489.
(3) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 137، والنووي، المجموع، ج 8، ص 59.
(4) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 322، وص 334. (4/351)
صفحة 1672
الرائد
352
ويعيد طوافه وسعيه وتقصيره).
ونقل ابن جعفر عن عطاء أنه قال في امرأة قدمت بعمرة فطافت ثم
حاضت قبل أن تركع أنها تسعى بين الصفا والمروة ثم تخرج إلى مصرها فإذا
طهرت صلت الركعتين).
ومن
قال إن صلاة الطواف أمر مستقل وليست هي من الطواف نص
على أنه يحصل التحلل، دونهما، بل لا علاقة لهما بالتحلل إذ هما عبادة
منفردة (3).
وقال الشيخ إسماعيل: من طاف بالبيت ونسي الركعتين حتى فرغ من سعيه فليصلهما ولا بأس، وإن ذكرهما وهو في السعي فليقطعه ويصليهما ويستأنف السعي أحب إلي.
وأولى الأقوال السابقة بالاعتبار قول من قال إن صلاة الطواف سنة
وليست هي بواجبة، أما دليل كونها سنة ففعل النبي صلى الله عليه وسلم الذي أجمع على
مشروعيته للأمة كلها.
(1) الكندي، المصنف، ج 8، ص 122.
(2) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 406.
(3) النووي، المجموع، ج 8، ص 59.
(4) الجيطالي، مناسك الحج، ج 2، ص 252. (4/352)
صفحة 1673
الرائد
353
أما كونها غير واجبة فحديث الأعرابي الذي أقسم أنه لا يزيد على الصلوات الخمس وحكم النبي لهلهلهلهلهلهله بالفلاح، وهو ظاهر في نفي الوجوب عن غير الصلوات الخمس بعمومه، ولم يأت دليل يصلح للحجية يدفع ظاهر الحديث السابق. وأما قول الموجبين إنه متروك الظاهر فيرد عليهم أن الأصل الاحتجاج به إلا إن قام دليل يمنع، وفي الأمثلة التي ذكروها الخلاف فيها وارد، ومع القول بالوجوب فما كان إلا لدليل خارجي خص به عموم حديث الأعرابي. والحال في ركعتي الطواف أنه ما ورد دليل يخص عموم الحديث السابق فيبقى أمرها على ظاهره.
أما حديث "لتأخذوا عني مناسككم" فقد سبق القول فيه أنه وارد لبيان صفة المناسك لا حكمها، وإلا فإن هناك أمورا كثيرة لم يحكم بوجوبها مع كونها لم يأت فيها دليل يدفع عموم "خذوا عني مناسككم" كالرمل والاضطباع ومع ذلك الجماهير من الأئمة على أنهما غير واجبين.
وآية الأمر بجعل مقام إبراهيم مصلى تقدم ما فيها من الإيرادات. وأما قضاء عمر بن الخطاب لصلاة الطواف فليس فيه دليل للوجوب من جهات أولها كونه رأيا، الصحابي وثانيها أن قضاء السنن غير الواجبة أمر
دلت على مشروعيته نصوص من لسان الشارع. (4/353)
صفحة 1674
الرائد
354
وثالثها أنه لا يتعين لصلاة الطواف موضع خاص بها كما هو مذهب
الجمهور، وسيأتي بيانه.
وأما الحديث الذي استدلوا به وفيه وليصل الطائف لكل طواف
ركعتين" فقد سعيت إلى أن أجد إسنادا له فلم أظفر بمطلوبي مما يدل على أنه ليس له أصل عن النبي، وقد نص على ذلك على أنه
الأئمة). جمع من
مع السابق كله ما جاء صريحا في صلاة النبي لركعتي الطواف
إلا يوم القدوم في حجة الوداع كما في حديث جابر بن عبد الله سابق الذكر. وكما في حديث إبراهيم بن المنذر حدثنا أبو ضمرة أنس، حدثنا موسى بن عقبة عن نافع عن عبد الله بن عمر ه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا طاف في الحج أو العمرة أول ما يقدم سعى ثلاثة أطواف ومشى أربعة ثم سجد سجدتين ثم يطوف بين الصفا والمروة.
كما جاء ذكر صلاة الطواف على الظاهر - يوم عمرة القضية كما في حديث ابن نمير حدثنا يعلى حدثنا إسماعيل قال: سمعت عبد الله بن أبي أوفى قال: كنا مع النبي و حين اعتمر فطاف فطفنا معه، وصلى فصلينا معه،
ه
(1) العيني، البناية، ج 4، ص 200.
(2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب من طاف بالبيت إذا قدم مكة قبل أن يرجع إلى بيته ثم صلى ركعتين ثم خرج إلى الصفا (1537). (4/354)
صفحة 1675
الرائد
355
وسعى بين الصفا والمروة فكنا نستره من أهل مكة لا يصيبه أحد بشيء". أما طوافه للإفاضة في اليوم العاشر فظاهره أنه لم يصل صلاة الطواف
كما في قول جابر: ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم ....
وما جاء مفيدا التصريح بكونه صلى ركعتين للطواف لا يثبت كما في حديث مسدد ثنا خالد بن عبد الله ثنا يزيد بن أبي زياد عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله قدم مكة وهو يشتكي فطاف على راحلته كلما أتى على الركن استلم الركن بمحجن فلما فرغ من طوافه أناخ فصلى ركعتين. والحديث أخرجه أبو داود، وتقدم قبل أنه ضعيف لا يثبت لضعف
يزيد بن أبي زياد أحد رواته.
وطاف النبي للوداع ولم يأت تصريح ولا ظاهر يفيد أنه ركع ركعتين للطواف، إلا ما يحتمله أمر صلاة النبي صلى الله عليه وسلم الفجر عند الكعبة بعدما طاف للوداع فتكون صلاة الفجر مجزية له عن ركعتي الطواف.
(1) أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية (3952). (2) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب: حجة النبي (1218).
(3) كتاب المناسك باب الطواف الواجب (1881). (4/355)
صفحة 1676
الرائد
356
نعم
جاء ما يفيد أنه صلى الركعتين يوم عمرة القضية كما في حديث نافع
عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا طاف في الحج والعمرة أول ما يقدم ثلاثة أطواف بالبيت ثم يمشي أربعة ثم يصلي سجدتين ثم يطوف
فإنه يسعى
بين الصفا والمروة.
قال الحافظ ابن حجر في الحج والعمرة أي حجة الوداع وعمرة القضية؛ لأن الحديبية لم يمكن فيها من الطواف والجعرانة لم يكن ابن عمر معه فيها، ولهذا أنكرها، والتي مع حجته اندرجت أفعالها في الحج فلم يبق إلا عمرة القضية).
نعم إن عدم الذكر لا يستلزم عدم الوقوع لكنه يضعف القول بالوجوب خاصة مع عدم وجود شيء يفيده، فكيف ونحن نشترط الوقوع الذي لا
يحكم به إلا بعد ثبوته بالدليل، والعدم هو الوارد على الأصل.
وبعد ثبوت حكم سنية صلاة الطواف يقال حينها إنه لا يلزم من تركها
بشيء، كما أن سعي من تركها صحيح.
(1) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب: استحباب الرمل (1261).
(2) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 471. (4/356)
صفحة 1677
الرائد
357
المطلب الثاني: إجزاء غيرها عنها
للفقهاء خلف أيجزي عن صلاة الطواف غيرها، كأن يتعبد الإنسان بعد
طوافه بصلاة فيصليها وهو لم يصل الصلاة المقصودة للطواف أصالة. أصل بعض أهل العلم أن القائلين بوجوب صلاة الطواف قائلون بأنه لا يجزي عنها غيرها فلا تسقط بفعل فريضة ولا غيرها بل تبقى ذمة الطائف مشغولة بها كما تبقى الذمة مشغولة بصلاة العصر ولو صلى المصلي في وقتها صلاة الظهر؛ إذ صلاة الطواف مقصودة لذاتها.
أما
من قال إن صلاة الطواف سنة فإنه يقول إنها تجزي عنها صلاة
الفريضة كتحية المسجد).
ومما احتج به من اجتزى بالمكتوبة عن ركعتي الطواف أنهما ركعتان
شرعتا للنسك فأجزأت عنهما المكتوبة كركعتي الإحرام".
ومن الفقهاء من قال إن صلاة الفريضة تجزي عن ركعتي طواف
(1) مالك بن أنس، المدونة الكبرى، ج 2، ص 406، وابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 249، وابن قدامة المغني، ج 3، ص 191،،والنووي، المجموع، ج 8، ص 57، والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص 243، وابن، الضياء البحر العميق، ج 2، ص 1244، والحلي، تذكرة الفقهاء، ج 8، ص 97، والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 133.
(2) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 191. (4/357)
صفحة 1678
الرائد
358
التطوع، أما ركعتا طواف الفريضة فلا يجزي عنه إلا ركعتان مستقلتان. ومنهم من اجتزى بصلاة الفريضة مطلقا عن صلاة الطواف، سواء كان
الطواف طواف فريضة، أو كان طواف نفل).
وغني عن التنبيه أن الإجزاء السابق على قول من قال به إنما هو في حال كون الفريضة بعد الانتهاء من الطواف، أما إن كان أداء الفريضة قبل الانتهاء من الطواف فلا تجزيه.
ومما قيل تفريعا على الحكم السابق ما قاله الشيخ محمد بن إبراهيم الكندي إن من قدم آخر يوم من شهر رمضان وطاف بعد أن صلى العصر فلا يركع حتى يدخل الليل، فإذا غربت الشمس ركع ثم سعى وهو متمتع. فإن طاف وركع قبل أن يصلي العصر ولم يسع فليس بمتمتع إذا ركع قبل
(2)
صلاة العصر (2).
إلا أن جماعة ممن يقولون بأن صلاة الطواف جزء من الطواف يصرحون
(1) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 322، والبسيوي، الجامع، ج 2، ص 268، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 139، والصائغي، لباب الآثار، ج 3، ص 226.
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 140، وأصل الأمر عند ابن جعفر. ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 333. (4/358)
صفحة 1679
الرائد
359
بصحة السعي قبل صلاة ركعتي الطواف.
والناظر إلى فعل النبي يجد أنه أنشأ لصلاة الطواف صلاة مستقلة،
فالأولى أن يفرد الإنسان لها صلاة خاصة وأن لا يجتزي بغيرها عنها وإن صلى فريضة غيرها أو سنة.
نعم إن ذلك ليس على سبيل الوجوب بل سبيله الندب والتوسع في الفضل؛ لأنا قائلون إن أصل صلاة الطواف ليست بواجبة، فلو تركها لم يأثم، لكن الخير أجمعه في الاقتفاء بهدي من غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
وتقدم قبل قليل أن النبي الله لم يأت النقل عنه بصراحة ولا ظهور يوم طاف للوداع أنه صلى ركعتين خاصتين بالطواف، لكن يؤخذ من الأخبار أنه صلى الفجر بعد طوافه حينما طافت أم سلمة راكبة من وراء الناس"، فإن لم يكن صلى فلعله اكتفى بالفجر عن إحداث صلاة خاصة تكون عقب
الطواف.
(1) النووي، المجموع، ج 8، ص 59.
(2) سيأتي بيانه مخرجا آخر الجزء الخامس عند ذكر أحكام طواف الوداع. (4/359)
صفحة 1680
الرائد
360
المطلب الثالث: موضع صلاة الطواف
ثبت من هدي النبي لو أنه لما صلى ركعتي الطواف جعل بينه والكعبة المشرفة مقام إبراهيم - مع تلاوته قوله تعالى (وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِمَ مُصَلَّى.
ومنه أخذ الفقهاء كافة أن الأفضل في صلاة الطواف أن تصلى في الموضع المذكور، وأن ذلك يجزي من صلى، وأنه قد أتى بفعله السابق على الوجه
الشرعي
(2)
وروى البحراني الإمامي عن أبي بلال المكي قال: رأيت أبا عبد الله طاف بالبيت ثم صلى ما بين الباب والحجر الأسود ركعتين فقلت له: ما رأيت أحدا منكم صلى في هذا الموضع؟
فقال: هذا المكان الذي تيب على آدم فيه".
وهذا الكلام لا دليل عليه من القرآن ولا السنة، فضلا عن أن شرع من مضى شرع لنا على مذهب من يقول به - إن لم يصح في شرعنا ناسخ له،
(1) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب: حجة النبي صلى الله عليه وسلم (1218).
(2) البسيوي، الجامع، ج 2، ص 268، والنووي، المجموع، ج 8، ص 58، والعيني، البناية، ج 4، ص 200، والحلي، تذكرة الفقهاء، ج 8، ص 94.
(3) البحراني، الحدائق الناضرة، ج 16، ص 138. (4/360)
صفحة 1681
الرائد
361
والحال أن فعل النبي ال ال بين في ظهوره أن الصلاة خلف مقام إبراهيم أفضل. لذا فمذهب الجماهير من أهل العلم ومنهم الشيعة الإمامية بكون
منطقة ما خلف المقام أفضل لصلاة الطواف هو الأقوى والأولى. ومعلوم أن الحال السابق قد يتيسر للإنسان في أحوال السعة والاختيار، أما أيام الزحام كرمضان ومواسم الحج فإنه قد يعسر على الإنسان الصلاة في الموضع المذكور؛ إذ الزحام الشديد يخلص المنطقة المذكورة للطواف فقط، ومن يصلي ثمة -والحال كما ذكر - يعرض نفسه للخطر ويؤدي بغيره إلى الأذى، وهو مما لا يجوز بل يرجع صاحبه بسببه بالإثم.
الصلاة والمصلي منهي عن مع مدافعة الأخبثين في صلاته لئلا تذهب
مدافعته تلك بخشوعه، فكيف به وهو يدافع الألوف المؤلفة من الناس. ثم إن الأصل في المطاف أنه للطواف إذ إنه لا يجزي الطواف في غير المسجد، أما الصلاة فتصح في غيره.
لذا ذهب الجماهير من أهل العلم إلى أن من لم يتيسر له أمر الصلاة في
الموضع المذكور صلى الركعتين بحذاء المقام ولو كان في معزل عنه. وإن لم تتيسر المحاذاة صلى في أي موضع من المسجد، ولا حرج عليه، بل قد يحوز أجر النية الصالحة إذا ما نوى الصلاة خلف المقام لولا ما بين يديه (4/361)
صفحة 1682
الرائد
362
من زحام.
والإمامية نصوا على أن من لم يتمكن من الصلاة خلف المقام صلى حياله
على أحد جانبيه؛ لأن الحسين بن عثمان قال: رأيت أبا الحسن موسى السلام يصلي ركعتي الفريضة بحيال المقام قريبا من الظلال.
عليه
على أن ظواهر بعض الأدلة تفيد أن صلاة الطواف تجزي الإنسان ولو صلاها خارج المسجد بل ولو كان خارج الحرم، كما في حديث مالك عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أن عبد الرحمن بن عبد القارئ أخبره أنه طاف بالبيت مع عمر بن الخطاب بعد صلاة الصبح فلما قضى عمر طوافه نظر فلم ير الشمس طلعت فركب حتى أناخ بذي طوى" فصلى
ركعتين).
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 140، والشماخي، الإيضاح، ج 3، ص 393، وابن الضياء، البحر العميق، ج 2، ص 1242.
(2) الحلي، تذكرة الفقهاء، ج 8، ص 96، و البحراني، الحدائق الناضرة، ج 16، ص 141. (3) واد من أودية مكة، عُمر كله اليوم بأحياء سكنية، انحصر اسمه الآن في بئر بجرول
تسمى بئر طوى محمد إلياس تاريخ مكة، ص 139.
(4) مالك بن أنس، الموطأ، ج 1، ص 368. (4/362)
صفحة 1683
الرائد
363
وذو طوى ليست من الحرم بل هي من خارجه).
و مما يدل على الحكم السابق أيضا حديث هشام بن عروة عن عروة عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو بمكة وأراد الخروج ولم تكن أم سلمة طافت بالبيت وأرادت الخروج فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أقيمت صلاة الصبح فطوفي على بعيرك والناس يصلون، ففعلت ذلك فلم تصل حتى خرجت".
قال العيني:
أي فلم تصل ركعتي الطواف حتى خرجت من الحرم أو من المسجد ثم صلت، فدل هذا على جواز تأخير ركعتي الطواف إلى خارج الحرم، وأن تعيينها بموضع غير لازم؛ لأن التعيين لو كان شرطا لازما لما أقر النبي صلى الله عليه وسلم أم سلمة على ذلك.
ومما استدل به لتأكيد السابق أن صلاة الطواف ليست بأوكد من
(1) النووي، المجموع، ج 8، ص 55، والعيني عمدة القاري، ج 9، ص 269، والبغوي، شرح السنة، ج 4، ص 309.
(2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب من صلى ركعتي الطواف خارجا من المسجد
(1087)
(3) العيني، عمدة القاري، ج 9، ص 269. (4/363)
صفحة 1684
الرائد
364
الصلوات المفروضات، والصلوات المفروضات يصح أن تصلى بأي مكان؛ إذ لم تخص بموضع دون غيره، فصلاة الطواف كذلك.
ثم إنه قد ذكر ابن المنذر الإجماع على أنه يجزي الطائف أن يصلي الركعتين
حيث شاء (3).
وقال العلامة ابن جعفر:
ومن طاف لفريضة ثم سعى ولم يركع لطوافه ثم رجع إلى منى فإنه يركع بمنى ولا شيء عليه".
ونقل الشيخ الجيطالي عن أبي عيسى من فقهائنا أن من طاف بالبيت ثم
أتى بلده فذكر أنه لم يركع لطوافه ركع في بلده ولا شيء عليه. وقال بعض الفقهاء إن المستحب أن يصليها خلف المقام، فإن لم يفعل
ففي الحجر تحت الميزاب، وإلا ففي المسجد، وإلا ففي
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 154، وابن عبد البر، التمهيد، ج 24، ص 415.
(2) ابن المنذر، الإجماع، ص 71.
(3) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 319، ومثله لأبي الحسن البسيوي. البسيوي، الجامع، ج 2،
ص 268.
(4) الجيطالي، مناسك الحج، ج 2، ص 252.
(5) النووي، المجموع، ج 8، ص 58، والزركشي، الديباج، ج 1، ص 392. (4/364)
صفحة 1685
الرائد
365
ولم أجد دليلا على التفصيل السابق وعليه فلا سبيل إلى استحبابه.
ونص بعض الفقهاء على عدم جواز صلاة الطواف في الحجر). وعلة ذلك أنهم يمنعون من الصلاة مطلقا داخل الكعبة، والحجر من
الكعبة.
واستثنى علماؤنا الإباضية موضع سبعة أذرع من الحجر فتصح الصلاة
فيه؛ لأن ما دون ذلك من الكعبة، قال الشيخ محمد بن إبراهيم الكندي: وليصل في المسجد حيثما شاء إلا الحطيم وقال غيره: يكره له ذلك، فإن
صلى في الحطيم خلف سبعة أذرع فلا بأس ولا يلزمه شيء".
وقد مضى بنا القول أنه لا مانع من الصلاة داخل الكعبة فقد فعل ذلك وكفى بذلك حجة.
النبي ثم إن الصلاة في الحجر منصوص عليها بذاتها فقد ثبت –كما تقدم - أن النبي لا لا لا أشار على السيدة عائشة بالصلاة في الحجر لما أرادت الصلاة
في الكعبة.
(1) ابن عبد البر، التمهيد، ج 24، ص 414، والبحراني، الحدائق الناضرة، ج 16، ص 136،
والصائغي، لباب الآثار، ج 4، ص 46.
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 140، وابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 322. (4/365)
صفحة 1686
الرائد
366
وأغرب الإسنوي من الشافعية فمال إلى أن فعلهما في الكعبة أولى منه
خلف المقام".
وهذا الأمر رد عليه، ففعل النبي صريح في صلاتها خلف المقام، بل
إن الأئمة
من المذاهب الإسلامية كافة قبل الإسنوي وبعده مطبقون على
أفضلية أن تصلى ركعتا الطواف خلف مقام إبراهيم.
والقاضي حسين من الشافعية حكى الخلاف فيمن وصل وطنه وهو لم يصل ركعتي الطواف على قول من يقول إنهما سنة أيصليها فيه أو لا، وقال إن هذا الخلاف منبن على الخلاف في قضاء النوافل إذا فاتت.
غير أن النووي تعقبه بقوله: وهذا الذي قاله شاذ وغلط، بل الذي نص عليه الشافعي وأطبق عليه الأصحاب الجزم بأنه يصليهما حيث كان ومتى
كان (2).
قال الشيخ الجيطالي:
وسئل بعض علمائنا عمن طاف أسبوعا واجبا أو تطوعا وأخر ركعتيه
حتى يخرج من مكة هل يضره ذلك؟
(1) الشربيني، مغني المحتاج، ج 1، ص 491.
(2) النووي، المجموع، ج 8، ص 58. (4/366)
صفحة 1687
الرائد
367
قال: لا، وحدث أنه بلغه عن عمر بن الخطاب له طاف قبل أن تطلع الشمس أسبوعا، ثم خرج حتى إذا كان بذي طوى وارتفعت الشمس صلى
ركعتين).
وروي عن الثوري أن صلاة الطواف لا تصح إلا خلف مقام إبراهيم". وذهب إلى القول السابق جماعة من علماء الشيعة الإمامية على خلاف بينهم، قال الصادق:
وليس لأحد أن يصلي ركعتي طواف الفريضة إلا خلف المقام لقول الله تعالى (وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِمَ مُصَلَّى، فإن صليتهما في غيره فعليك إعادة
الصلاة).
والحكم السابق عند هؤلاء القائلين خاص بطواف الفريضة، وقد صرحوا أن ركعتي طواف غير الفريضة يمكن أن تصليا في أي موضع من
المسجده).
(1) الجيطالي، مناسك الحج، ج 2، 251.
(2) النووي، المجموع، ج 8، ص 68.
(3) الحلي، تذكرة الفقهاء، ج 8، ص 96.
(4) الحلي، تذكرة الفقهاء، ج 8، ص 96. (5) الحلي، تذكرة الفقهاء، ج 8، ص 95. (4/367)
صفحة 1688
الرائد
368
والظاهر أنهم يجعلون الصلاة عند مقام إبراهيم واجبة عند السعة والاختيار، وأما في حال الزحام فيقولون بأنه يصلي وراءه أو إلى أحد
جانبيه).
تلكم هي أقوال مراجع وأئمة في المذهب الإمامي، ولكن مع ذلك نجد كثيرا من الإمامية يصرون على الصلاة خلف المقام ولو كان الحال قد بلغ مداه في شدة الزحام فيورثون بذلك ضررا كبيرا على ما رأيته، والأمر واسع جدا عند علمائهم فمالهم يضيقونه ويسببون الضرر على الآخرين ويجتلبون بذلك قالة السوء لهم.
ثم إنه كان يأتيني أن من يفعل ذلك عوام لا دراية لهم بالأحكام الفقهية فلا يعجب من تصرفاتهم، إلى أن رأيت بعض المرشدين والمطوفين منهم يصرون على الفعل السابق بل يضربون حولهم إلى أن يفرغوا من الصلاة في الموضع المذكور جدارا بشريا صادا يدفع كل من يقترب من المصلي، وقد كنت ممن تأثر بجدار الصد هذا حتى آذاني.
فنصحي أن يراعي هؤلاء طبيعة المكان الذي هم فيه، ثم إني لا أطالبهم باتباع أقوال غيرهم من علماء المسلمين إن كانوا لا يريدون ذلك بل ليرجعوا
(1) العاملي، مدارك الأحكام، ج 8، ص 141. (4/368)
صفحة 1689
الرائد
369
إلى أئمتهم فما ظني بهم إلا أنهم معارضون لمثل هذه الأفعال، وتلكم نصوص
متقدميهم تحقق ظني الذي ذكرته.
بل إن منهم من لم ير وجوب الصلاة عند مقام إبراهيم بل جعل أمر الصلاة ثمة مستحبا كما هو مذهب الجماهير من علماء الأمة.
المطلب الرابع: صلاة الطواف في أوقات النهي
ثبت في الأحاديث الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلمنهى عن الصلاة في خمسة أوقات، عند طلوع الشمس وعند غروبها وحال استوائها في كبد السماء،
وبعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس. أما الأوقات الثلاثة الأولى فدل على النهي عن الصلاة فيها حديث موسى بن علي عن أبيه قال: سمعت عقبة بن عامر الجهني يقول: ثلاث ساعات كان رسول الله لا ينهانا أن نصلي فيهن أو أن نقبر فيهن موتانا. حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب (3). أما بعد العصر والفجر فدليله حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن
(1) البحراني، الحدائق الناضرة، ج 16، ص 135.
(2) أخرجه مسلم في باب: الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها (831). (4/369)
صفحة 1690
الرائد
370
ابن عباس له عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس
وقد صح أن النبي الأذن بالصلاة بعد العصر والفجر كما هو في حال
من جاء المسجد وقد صلى في رحله وأدرك الجماعة يصلون المكتوبة. وأخذ كثير من الفقهاء من ذلك جواز الصلوات ذوات الأسباب بعد العصر والفجر، والأوقات الثلاثة الأخرى يكون النهي فيها على أصله لعدم المخصص فلا تباح الصلاة فيها بإطلاق. وهذا الأمر يقال به في صلاة الطواف إذ هي صلاة ذات سبب فيجوز أن تؤدى بعد العصر وهكذا بعد الفجر، لكنه لا يجوز أن تؤدى حين طلوع
الشمس ولا حين غروبها ولا حين استوائها في كبد السماء).
ومن الفقهاء من يمنع من الصلاة مطلقا بعد العصر وبعد المغرب وفي الأوقات الثلاثة ولم يستثن ذوات السبب، وهم هنا قائلون إن صلاة الطواف
لا تصلى في الأوقات الخمسة المنهي عنها".
(1) أخرجه الربيع في كتاب الصلاة، باب: جامع الصلاة (295).
(2) الطحاوي، شرح معاني الآثار، ج 2، ص 188، والقطب، شرح كتاب النيل، ج 3، ص 133، وشيخنا الخليلي، الفتاوى الكتاب الأول، ص 267.
(3) الطحاوي، شرح معاني الآثار، ج 2، ص 187، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 138، (4/370)
صفحة 1691
الرائد
371
حتى روي عن الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي الله أنه ألزم من صلى لطوافه بعد العصر وقصر أن يعيد الطواف.
وإن طاف أخرها إلى حين الجواز، واختلفوا فيمن يطوف قبل المغرب بأيهما يبدأ أبصلاة المغرب أو ركعتي الطواف مع اتفاقهم على التخيير؛ إذ لم يتبين أي الوجهين أفضل، أتعجيل المغرب لأول وقتها أو اتصال الطواف بالركعتين).
وذهب بعض الفقهاء إلى إجازة أن تصلى صلاة الطواف في الأوقات كلها بلا كراهة، سواء الأوقات المنهي عنها بالأحاديث السابقة وغيرها. وقد استدلوا لإثبات قولهم هذا بأمور:
:أولها حديث أبي الزبير قال سمعت عبد الله بن باباه يحدث عن جبير بن مطعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت
والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص 243.
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 138، والكندي، المصنف، ج 8، ص 122.
(2) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 319.
(3) ابن قدامة، المغني، ج 1، ص 425، وابن جماعة هداية السالك، ج 3، ص 1007، وابن الجوزي، التحقيق، ج 1، ص 445، والحلي، تذكرة الفقهاء، ج 8، ص 95، والمرداوي،
الإنصاف، ج 2، ص 205. (4/371)
صفحة 1692
الرائد
372
وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار.
ووجه الدلالة منه أن النبي الله منعهم عن نهي من يصلي في أي ساعة من
ليل أو نهار، ودلالة الإشارة تفيد أنه تجوز الصلاة في الأوقات كلها. ثانيها: جاءت أدلة تفيد استثناء مكة من عموم النهي عن الصلاة في الأوقات المكروهة فتصح الصلاة فيها بإطلاق كما في حديث مجاهد قال: قدم أبو ذر مكة فأخذ بعضادتي الباب فقال: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا جندب أبو ذر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس، إلا بمكة إلا بمكة إلا بمكة.
وقد اعترض على الدليلين كليهما، فالأول منهما ينازعون فيه من حيث دلالته على الحكم الذي استنبطوه منه، والثاني منهما لا يصح عن النبي. أما الأول منهما فنوزعوا في دلالته بوجوه:
:أولها أن إباحة الصلاة في الأوقات جميعها المستفاد من حديث جبير بن
(1) أخرجه النسائي في كتاب: المواقيت، باب: إباحة الصلاة في الساعات كلها بمكة (585)، وأبو داود في كتاب المناسك باب الطواف بعد العصر (1894)، والترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في الصلاة بعد العصر وبعد الصبح لمن يطوف (868)، وقال: حسن صحيح. (4/372)
صفحة 1693
الرائد
373
مطعم مستفاد بدلالة الإشارة، أما النهي العام فمستفاد بدلالة العبارة، والاتفاق حاصل بين الأصوليين على أن دلالة الإشارة لا تقوى على معارضة دلالة العبارة، فالعبارة مقدمة عليها.
ثانيها: أن في الأدلة المانعة من الصلوات في الأوقات المنهي عنها،
و حديث جبير بن مطعم عموما وخصوصا من وجه.
بيان ذلك أن أحاديث النهي عن الصلاة عامة في المكان فيشمل مكة وغيرها، وهي خاصة في أوقات النهي أما حديث جبير بن مطعم فعام في
أوقات النهي وغيرها، وهو خاص في المكان فلا يكون إلا في مكة.
فتختص أحاديث النهي بأوقات النهي في غير مكة، ويختص حديث جبير بالأوقات التي لا ينهى عن الصلاة فيها بمكة، ويجتمعان في أوقات
النهي في مكة.
جميع
فعموم أحاديث النهي يشمل مكة وغيرها، وعموم إباحة الصلاة في الزمن في حديث جبير يشمل أوقات النهي وغيرها في مكة، فيظهر
التعارض في أوقات النهي في مكة فيجب الترجيح.
وأحاديث النهي أرجح من حديث جبير من وجهين:
أولهما: أنها أصح منه.
ثانيهما: ما تقرر في الأصول أن النص الدال على النهي يقدم على النص (4/373)
صفحة 1694
الرائد
374
الدال على الإباحة؛ لأن درأ المفاسد مقدم على جلب المصالح.
ثالثها: أتى الحافظ الطحاوي برد حسن على الاستدلال السابق بحديث جبير بن مطعم فقال:
إن ما أباح رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها وأمر بني عبد المطلب أو بني عبد مناف أن
لا يمنعوا أحدا منه من الطواف والصلاة هو الطواف على سبيل ما ينبغي يطاف والصلاة على سبيل ما ينبغي أن تصلى.
أن
فأما على ما سوى ذلك فلا، ألا ترى أن رجلا لو طاف بالبيت عريانا أو على غير وضوء أو جنبا أن عليهم أن يمنعوه من ذلك؛ لأنه طاف على غير ما ينبغي الطواف عليه.
وليس ذلك بداخل فيما أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يمنعوا منه من
الطواف.
فكذلك قوله لا تمنعوا أحدا يصلي هو على ما قد أمر أن يصلى عليه من الطهارة وستر العورة واستقبال القبلة في الأوقات التي قد أبيحت الصلاة
فيها.
فأما ما
سوى ذلك فلا، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم نهيا عاما عن الصلاة عند
(1) الشنقيطي، أضواء البيان، ج 4، ص 414. (4/374)
صفحة 1695
الرائد
375
طلوع الشمس وعند غروبها ونصف النهار وبعد الصبح حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغيب الشمس وتواترت بذلك الآثار عن رسول الله). أما حديث أبي ذر الذي فيه استثناء مكة من النهي فمدار طرقه على
رواية مجاهد عن أبي ذر، ولتلك الرواية طرق:
أولها الشافعي وسعيد بن سليمان عن عبد الله بن المؤمل عن حميد مولى عفراء عن قيس بن سعد عن مجاهد عن أبي ذر، وقد رواه البيهقي". وفي هذا الإسناد علل تقصر بالحديث عن مراتب الاحتجاج: العلة الأولى: مجاهد لم يسمع من أبي ذر، فحديثه عنه منقطع. العلة الثانية: أعله البيهقي بحميد مولى عفراء فقال: ليس بالقوي. ولم أجد أحدا سبق البيهقي إلى التضعيف السابق إلا رواية عن أحمد بن
(1) الطحاوي، شرح معاني الآثار، ج 2، ص 186.
(2) البيهقي، السنن الكبرى، ج 2، ص 461.
(3) البزار، مسند البزار، ج 9، ص 461، وابن خزيمة، صحيح ابن خزيمة، ج 4، ص 226،
وابن عبد البر، التمهيد، ج 13، ص 45، والبيهقي، السنن الكبرى، ج 2، ص 461،
والعلائي، جامع التحصيل، ص 273
(4) البيهقي، السنن الكبرى، ج 2، ص 461. (4/375)
صفحة 1696
الرائد
حنبل).
376
والمعروف الاحتجاج بأحاديث حميد بن قيس، كما نص على ذلك أحمد
نفسه في روايات عدة، والرجل من رجال الشيخين". ولعل البيهقي اختلط عليه الأمر بحميد بن عطاء الأعرج، وهذا ضعيف لا يحتج به.
العلة الثالثة عبد الله بن المؤمل، قال يحيى بن معين: ضعيف، وقال أحمد: أحاديث عبد الله بن المؤمل، مناكير، وقال أبو حاتم وأبو زرعة: ليس بقوي، وقال ابن حبان كان قليل الحديث منكر الرواية لا يجوز الاحتجاج بخبره إذا انفرد).
وخالف السابق سعيد بن سالم القداح وعبد الله
بن
محمد الشافعي
(1) ابن عدي الكامل، ج 2، ص 271، والمزي، تهذيب الكمال، ج 7، 384.
(2) الكلاباذي رجال صحيح البخاري، ج 1، ص 179، وابن منجويه رجال مسلم، ج 1،
ص 164.
(3) ابن حبان، المجروحين، ج 1، ص 262، وابن عدي، الكامل، ج 2، ص 272.
(4) ابن أبي حاتم الجرح والتعديل، ج 5، ص 175، وابن حبان المجروحين، ج 2، ص 28،
وابن عدي الكامل، ج 4، ص 135. (4/376)
صفحة 1697
الرائد
377
فروياه عن عبد الله بن المؤمل عن مجاهد دون ذكر حميد).
وفي هذين العلل السابقة.
ثانيها إبراهيم بن طهمان ثنا حميد مولى عفراء عن قيس بن سعد عن
مجاهد قال: جاءنا أبو ذر).
وفي هذا انقطاع إن صح إسناده.
ثالثها: محمد بن يونس العصفري ثنا محمد بن موسى الحرشي حدثني
اليسع بن طلحة القرشي من أهل مكة قال: سمعت مجاهدا يقول: بلغنا أن أبا
ذر.
(3)
أخرجه ابن عدي، والبيهقي
وفي هذا علتان:
(4)
أولاهما الانقطاع، وقد تقدم بيانها.
ثاني العلتين: اليسع بن طلحة القرشي ضعيف لا يثبت حديثه، قال ابن حبان: منكر الحديث يروي عن عطاء مالا يشبه حديثه، لا يجوز الاحتجاج
(1) البيهقي، السنن الكبرى، ج 2، ص 461. (2) البيهقي، السنن الكبرى، ج 2، ص 461.
(3) ابن عدي الكامل، ج 7، ص 289
(4) البيهقي، السنن الكبرى، ج 2، ص 462. (4/377)
صفحة 1698
الرائد
378
به بحال لما في روايته من المناكير التي ينكرها أهل الرواية والسبر. ومن السابق كله يظهر لك أن الحديث الذي فيه استثناء مكة لا يثبت
عن النبي، وقد حكم بذلك جماعة من أهل العلم".
ومنه يرجع الحكم إلى الأصل العام الذي يفيد المنع من الصلاة في الأوقات الثلاثة التي فيها النهي نهي تحريم وهي الطلوع والغروب وعند الاستواء في كبد السماء.
أما بعد العصر وبعد الفجر فتصلى في هذين الوقتين الصلوات ذوات
السبب، وصلاة الطواف منها، فتصلى بعد العصر وبعد الفجر.
ومن الفقهاء من فرق في الأمر بين طواف النافلة وطواف الفريضة، فقال إن صلاة الطواف تصلى بعد الفجر والعصر إن كان الطواف فريضة، أما إن
كان الطواف نافلة فيؤخر الصلاة إلى ما بعد وقت النهي
(1) ابن حبان المجروحين، ج 3، ص 145، وابن عدي الكامل، ج 7، ص 289، والعقيلي
الضعفاء، ج 2، ص 227.
(2) ابن عبد البر، التمهيد، ج 13، ص 45، وابن خزيمة صحيح ابن خزيمة، ج 4،
ص 226، والبيهقي، السنن الكبرى، ج 2، ص 461.
(3) يحيى بن سعيد الحلي، الجامع للشرايع، ص 9
199 (4/378)
صفحة 1699
الرائد
379
المطلب الخامس: ما يستحب أن يقرأ فيهما
عنه
قال جابر بن عبد الله له لما وصف فعل النبي: كان يقرأ في الركعتين قل هو الله أحد وقل يا أيها الكافرون، وللسابق استحب جماهير أهل العلم لمن صلى ركعتي الطواف أن يقرأ في الأولى منهما الفاتحة وسورة الكافرون، وفي الثانية منهما الفاتحة وسورة الإخلاص).
ورأى آخرون استحباب تكرار سورة الإخلاص في الركعة الثانية ثلاثا، ولم أجد دليلا لهذا القول بل ظاهر فعل النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما قرأها إلا
واحدة.
وذهب بعض الفقهاء إلى أنه يقرأ في الأولى من ركعتي الطواف سورة
الإخلاص، وفي الثانية منهما سورة الكافرون بعد الفاتحة.
(1) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب: حجة النبي صلى الله عليه وسلم (1218).
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 137،،والنووي، المجموع، ج 8، ص 58، وابن جماعة، هداية السالك، ج 3، ص 1012، وابن زهرة الحلبي غنية النزوع، ص 97، والجيطالي قناطر الخيرات، ج 2، ص 77، وابن الضياء البحر العميق، ج 2، ص 1243، والحطاب، مواهب الجليل، ج 3، ص 111.
(3) القطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 133.
(4) الحلي، تذكرة الفقهاء، ج 8، ص 100، والبحراني، الحدائق الناضرة، ج 16، ص 134، (4/379)
صفحة 1700
الرائد
380
واعترض على السابق بأن في ذلك مخالفة السنة من وجهين أحدهما
القراءة على خلاف ترتيب المصحف، والثاني تطويل الثاني على الأول. وقال بعضهم إنه يشرع لمن صلى الركعتين أن يجهر بالقراءة ليلا، وأن يسر بها نهارا كصلاة الكسوف).
ويرد على هذا أن النبي الله صلى صلاة الطواف في النهار يوم قدومه في عام حجة الوداع، ومع ذلك نص جابر على السورتين، مما يفيد ظاهره الجهر بهما ولو قليلا لتعليم أصحابه.
وقال آخرون بل يسمع القراءة نفسه في الليل والنهار، وهذا أولى من حيث الدليل لعدم الدليل المفرق بين الأمرين.
والفقهاء من المذاهب الفقهية المختلفة يذكرون استحباب قراءة السورتين السابقتين في صلاة الطواف لفعل النبي، ولكن للمحدثين خلاف في السورتين المذكورتين في حديث جابر بن عبد الله هل لهما حكم
والحطاب، مواهب الجليل، ج 3، ص 111.
(1) الحطاب، مواهب الجليل، ج 3، ص 111.
(2) النووي، المجموع، ج 8، ص 58، وابن جماعة، هداية السالك، ج 3، ص 1012، والزركشي، الديباج، ج 1، ص 392.
(3) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 137. (4/380)
صفحة 1701
الرائد
381
الرفع أو أنها مدرجان من فعل غيره.
?
رواه بذكر السورتين ورفعهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم كل من حاتم بن إسماعيل
وعبد العزيز بن عمران و حفص بن غياث و سليمان بن بلال والإمام مالك.
وأما من رواه عن جعفر وصرح بأنه ليس من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم إما لكونه رواه مرسلا أو أنه صرح بعدم رفع هذا الجزء من الحديث فسفيان الثوري وأبو أويس وابن جريج وابن الهاد وسفيان بن عيينة ووهيب بن
خالد وروح بن القاسم ويحيى بن سعيد.
المطلب السادس: القرآن في الطواف
الأصل الذي عليه الاتفاق أنه يجزي الإنسان أن يركع الطائف ركعتين بعد كل أسبوع، وهذا هو الأفضل، لكن اختلف فيمن يطوف شوطين أو أكثر ويؤخر صلاة كل طواف، وبعد انتهائه من الطواف يصلي ركعتين لكل
طواف.
فإن طاف طوافين صلى أربع ركعات كل اثنتين على حدة، وإن طاف
ثلاثة صلى ستا وهكذا.
ذهب جماعة من الفقهاء إلى أن ذلك جائز، ولا حرج فيه مع كون الفضل (4/381)
صفحة 1702
الرائد
382
لمن يصلي صلاة كل طواف عقيبه).
بل إن هناك من الفقهاء من قال إنه يجزيه عن الجميع صلاة واحدة
بركعتين فقط.
وحمل هذا القول على أنه على قول من يقول إن الركعتين سنة وليستا
واجبتين).
ومما جاء مؤيدا الرأي السابق حديث إبراهيم بن فراس بمكة ثنا أحمد بن علي ثنا أحمد بن جناب ثنا عيسى بن يونس عن عبد السلام بن أبي الجنوب عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال:
طاف النبي الا بالبيت ثلاثة أسباع جميعا ثم أتى المقام فصلى خلفه ست ركعات يسلم في كل ركعتين يمينا وشمالا، قال أبو هريرة: أراد أن يعلمنا. ومما جاء أيضا حديث محمد بن يعقوب ثنا محمد بن إسحاق ثنا أحمد بن جناب ثنا عيسى بن يونس عن عبد السلام بن أبي الجنوب عن الزهري عن سالم بن عبد الله عن أبيه قال:
(1) ابن الجوزي، التحقيق، ج 2، ص 145، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 191، والنووي،
المجموع، ج 8، ص 59.
(2) النووي، المجموع، ج 8، ص 59.
(3) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 110. (4/382)
صفحة 1703
الرائد
383
طفت مع عمر بن الخطاب بالبيت فلما أتممنا دخلنا في الثاني فقلنا له: إنا قد أتممنا، قال: إني لم أوهم ولكني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرن فأنا أحب أن أقرن.
والحديثان ضعفهما النووي وابن عبد الهادي)، ونص ابن جماعة على
ضعف حديث أبي هريرة".
وعلة ضعفهما عبد السلام بن أبي الجنوب، قال أبو حاتم: شيخ مديني
متروك الحديث، وقال أبو زرعة: ضعيف).
وقال ابن حبان منكر الحديث، يروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات، لا يعجبني الاحتجاج بخبره لمخالفته الأثبات في الروايات، وقال
ابن عدي: بعض ما يرويه لا يتابع عليه، منكر.
ومن الفقهاء من استدل لذلك بحديث عبد الرزاق عن ابن عيينة عن
(1) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 110.
(2) النووي، المجموع، ج 8، ص 68، وابن عبد الهادي تنقيح التحقيق، ج 2، ص 461. (3) ابن جماعة، هداية السالك، ج 3، ص 1015.
(4) ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ج 6، ص 45. (5) ابن حبان المجروحين، ج 2، ص 150.
(6) ابن عدي، الكامل، ج 5، ص 332. (4/383)
صفحة 1704
الرائد
384
مع عائشة بالبيت ثلاثة
محمد بن السائب بن بركة المكي عن أمه أنها طافت أسابع لا تصلي بينهن فلما فرغت صلت لكل سبع ركعتين.
والحديث أخرجه عبد الرزاق، غير أن أم محمد بن السائب لم يوثقها
أحد فلا حجة في روايتها.
ورواه عبد الرزاق قبل السابق من فعل عائشة قال فيه عبد الرزاق عن
ابن جريج
قال: حدثت أن عائشة، وابن جريج أرسله عن عائشة فلا حجة
في روايته أيضا.
وذهب بعض الفقهاء إلى المنع، فقالوا لكل طواف ركعتان بعده، ولا يصح القرآن في الطواف).
وعلى السابق يقطع من قرن طوافين أو أكثر طوافه ويصلي، إلا أن بعضهم استثنى ما إذا أتم الطواف الثاني فيصلي لكل طواف ركعتين، مراعيا
بذلك الخلاف في المسألة.
(1) عبد الرزاق، المصنف، ج 5، ص 66.
(2) مالك بن أنس، الموطأ، ج 1، ص 367، وابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 324، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 157، وابن النجيم البحر الرائق، ج 2، ص 356، والفاضل الهندي، كشف اللثام، ج 5، ص 426، وابن الضياء البحر العميق، ج 2، ص 1245. (3) مالك بن أنس، المدونة الكبرى، ج 2، ص 407. (4/384)
صفحة 1705
الرائد
385
ومما استدل به هؤلاء قول إسماعيل بن أمية: قلت للزهري: إن عطاء
يقول تجزيه المكتوبة من ركعتي الطواف فقال: السنة أفضل؛ لم يطف النبي سبوعا قط إلا صلى ركعتين.
?
والحديث وصله عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: قيل له: إن
الصلاة المكتوبة تجزي من ركعتين على السبع؟
فقال: ما طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعا إلا صلى عليه ركعتين).
لكن قد يعترض على هذا أن صلاة الفريضة كالفجر يصدق عليها أنها ركعتان، غير أنه يرد هذا أن السياق مبني على ذكر حكم الفريضة فتدخل فيه
(3)
فريضة الفجر).
وقالوا إنه لو طاف أسبوعا ثم شرع في أسبوع آخر ناسيا فطاف شوطا أو شوطين منه ثم تذكر فإنه يتم الأسبوع الذي دخل فيه، وعليه لكل أسبوع
ركعتان.
وسبب السابق أنه إن قطع الأسبوع الثاني للصلاة أخل بأمرين الصلاة لكونه قد تأخر عنها، والطواف الثاني لكونه قطعه، لكن لو واصله لم يخل إلا
(1) أخرجه البخاري معلقا في كتاب الحج، باب صلى النبي صلى الله عليه وسلم لسبوعه ركعتين.
(2) عبد الرزاق، المصنف، ج 5، ص 59.
(3) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 485. (4/385)
صفحة 1706
الرائد
386
بواحد.
أما لو كان في أول شوط من الأسبوع الثاني فإنه يرجع إلى الصلاة؛ لأن
ما دون الشوط كما دون الركعة من الصلاة يحتمل الرفض
ومما عليه السابق أن من الفقهاء من أجاز الطواف بعد العصر والفجر مرة واحدة فقط، والعلة في التقييد بالمرة الواحدة أنه لا يصح له عندهم - الصلاة في ذلك الوقت، كما لا يصح له القران في الطواف، فيطوف مرة ويؤخر صلاة الطواف إلى حين خروج وقت النهي.
قال الإمام مالك بن أنس:
ولا بأس أن يطوف الرجل طوافا واحدا بعد الصبح وبعد العصر لا
يزيد على سبع واحد.
ويؤخر الركعتين حتى تطلع الشمس كما صنع عمر بن الخطاب
ويؤخرهما بعد العصر حتى تغرب الشمس)
ومن الفقهاء من قال لا بأس بالقران في الطواف إذا انصرف الطائف
(1) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 243، وابن الهمام، فتح القدير، ج 2، ص 457، وابن الضياء،
البحر العميق، ج 2، ص 1247.
(2) مالك بن أنس، الموطأ، ج 1، ص 369. (4/386)
صفحة 1707
الرائد
387
عن وتر من الأسابيع، كأن يقرن ثلاثة أسابيع أو خمسة أو سبعة، ثم يصلي لكل أسبوع ركعتين.
ومن الفقهاء من أجاز القرآن في الطواف في الأوقات التي ينهى فيها عن الصلاة، وسبب ذلك أنه لا يتوقف عن عبادة الطواف ويؤخر ركعتي كل طواف إلى الوقت الذي لا تكره فيه الصلاة؛ لأن الطواف -كما تقدم- يجوز
في الأوقات كلها.
وفي كتابي جامع ابن جعفر وبيان الشرع:
أحب أن يقرن بعد العصر وبعد الصبح ولا يهجر البيت".
المطلب السابع: صلاة الطواف للنائب عن غيره
ذكر بعض أهل العلم أن صلاة الطواف هي وحدها من الصلوات التي تقبل النيابة عن الغير.
وقد ذكرنا سلفا في الجزء الأول من هذا الكتاب أن العبادات البدنية الخالصة لا تقبل النيابة، كما بينا أن الرأي الصحيح أن النيابة في الحج لا تشرع
(1) ابن الضياء، البحر العميق، ج 2، ص 1245، والعثماني، إعلاء السنن، ج 7، ص 3046. (2) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 324، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 157، والعثماني، إعلاء السنن، ج 7، ص 3046.
(3) النووي، المجموع، ج 8، ص 59، وابن العربي، أحكام القرآن، ج 3، ص 221. (4/387)
صفحة 1708
الرائد
388
إلا أن تكون نيابة ولد عن أحد والديه لاستثناء الشرع ذلك بالنصوص. فإذا ما تحققت النيابة على الوجه الجائز فإن صلاة ركعتي الطواف
تسقطان عن المنوب عنه وتبرأ ذمته بفعل النائب عنه.
لكن اختلف الفقهاء أتقع صلاة الطواف هذه عن النائب أو المنوب عنه،
القائلون بوقوعها عن المنوب عنه قالوا إنها من جملة أعمال الحج والحج كله واقع عن المنوب عنه فتقع هذه عنه).
أما الآخرون القائلون بوقوعها عن النائب فمستمسكون بالأصل المانع
من النيابة في الأعمال البدنية الخالصة.
المطلب الثامن: حكم من لم يصلها
ذكرنا سابقا أنه قال جمع من الفقهاء إنه لا يتعين لصلاة الطواف موضع
دون غيره بل يصليها متى شاء وأينما شاء مع كون الفضل والخير في المسجد
الحرام لفعل النبي.
وللتأصيل السابق قال هؤلاء إن صلاة الطواف لا تفوت على الإنسان ما
دام حيا، وعليه فلا يجبر تأخيرها، بدم، إذ لا يزال فعلها أداء).
(1) النووي، المجموع، ج 8، ص 59.
(2) النووي، المجموع، ج 8، ص 58، والعيني، البناية، ج 4، ص 201، وابن الضياء، البحر
العميق، ج 2، ص 1243. (4/388)
صفحة 1709
الرائد
389
والحنفية مع قولهم إن أداء هذه الصلاة على التراخي إلا أنهم يقيدون ذلك بما لم يرد أن يطوف أسبوعا آخر فتكون على الفور لأصلهم القاضي بالمنع تحريما من القران في الطواف.
غير أن بعض الفقهاء من القائلين بسنية صلاة الطواف ذهب إلى أن من لم يصل صلاة الطواف حتى رجع إلى بلده صلاها وأراق دما استحبابا". والقائلون بوجوب هذه الصلاة مختلفون في وجوب الدم بتركها كما تقدم ذكر ذلك عنهم، ومنهم من نص على أنها مع وجوبها من شروط صحة الطواف فلا يصح السعي دونها، ومن تذكر في سعيه أنه لم يصلها قطع سعيه
وصلاها.
وإن ذكرها بعد السعي أعاده، وإن تطاول به النوى ورجع إلى بلده ركعهما مكانه في سائر الطوافات في الحج والعمرة ويهدي وطئ النساء أو يطأ).
قال الحافظ ابن عبد البر: قال مالك: إن صلى صلاة الطواف الواجب في الحجر أعاد الطواف والسعي بين الصفا والمروة، وإن لم يركعهما حتى بلغ
(1) ابن النجيم، البحر الرائق، ج 2، ص 356.
(2) النووي، المجموع، ج 8، ص 58.
(3) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 242. (4/389)
صفحة 1710
الرائد
390
بلده أهراق دما ولا إعادة عليه.
وقال الصادق من الإمامية إن من نسي ركعتي الطواف حتى شرع في
(2)
السعي قطع السعي وعاد إلى المقام فصلى الركعتين ثم عاد فتمم السعي " والحجة لمن أوجب الدم لترك ركعتي الطواف قول ابن عباس من ترك نسكا أهرق دما.
وحكى جماعة عن الثوري أنه قال: إن قضاء الركعتين في غير الحرم لا
(3)
يجزي.
وقد روى السابق عبد الرزاق عن الثوري أنه قال: اركعهما حيث شئت ما لم تخرج من الحرم.
ونقل مثل السابق عن الإمام أبي عبد الله محمد بن محبوب) وروى ابن أبي شيبة عن مجاهد وطاوس أن من صلى خارج الحرم أهرق
(1) ابن عبد البر، التمهيد، ج 24، ص 414، والاستذكار، ج 4، ص 189.
(2) الحلي، تذكرة الفقهاء، ج 8، ص •
(3) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 154.
(4) عبد الرزاق، المصنف، ج 5، ص 60.
(5) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 138، والكندي، المصنف،، ج 8، ص 123. (4/390)
صفحة 1711
الرائد
391
دما (1).
وذهب بعض القائلين بالوجوب إلى أنه مع إمكان الرجوع إلى مقام إبراهيم فيجب على من ترك صلاة الطواف أن يرجع إليه فيصليها عنده، وإن لم يمكن صلاها حيث يستطيع، وإن لم يمكنه حتى توفي قبل أن يصليها صلاها عنه وليه (2).
ومما ينبغي لنا بيانه أن صلاة الطواف مستثناة من عموم الصلوات؛ إذ إن كل صلاة تفوت في زمن الحيض لا تقضى إلا ركعتي الطواف كما هو مذهب جماعة من أهل العلم.
المطلب التاسع: الدعاء بعد ركعتي الطواف
استحب بعض أهل العلم لمن صلى ركعتي الطواف أن يدعو بعدهما
خلف المقام بما أحب من أمر الآخرة والدنيا.
وقد استدل هؤلاء لاستحبابهم السابق بما روي عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم
(1) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 317
(2) يحيى بن سعيد الحلي، الجامع للشرايع، ص 99
(3) النووي، شرح صحيح مسلم، ج 4، ص 26، والمرداوي، الإنصاف، ج 1، ص 346. (4) النووي، المجموع، ج 8، ص 60، وابن عبد البر، الكافي، ص 147، والحلي، تذكرة الفقهاء، ج 8، ص 95، والرحيباني، مطالب أولي النهى، ج 2، ص. (4/391)
صفحة 1712
الرائد
392
صلى خلف المقام ركعتين، ثم قال:
اللهم هذا بلدك الحرام والمسجد الحرام، وبيتك الحرام، وأنا عبدك ابن عبدك ابن أمتك، أتيتك بذنوب كثيرة وخطايا جمة وأعمال سيئة، وهذا مقام
العائذ بك من النار، فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم.
اللهم إنك دعوت عبادك إلى بيتك الحرام، وقد جئت طالبا رحمتك مبتغيا مرضاتك وأنت مننت عليّ بذلك فاغفر لي وارحمني إنك على كل
شيء (1)
والحديث بالسياق السابق مذكور في كتب الفقه ولم أجده مسندا إلى الآن، ولا أظنه يصح إذ أقل ما فيه الشذوذ فرواية العالم لحديث جابر بن عبد الله خلو منه بهذا السياق.
ومما جاء أيضا ما رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن يعلى بن عبيد
قال: حدثنا محمد بن سوقة عن نافع قال:
كان ابن عمر إذا قدم حاجا أو معتمرا طاف بالبيت وصلى ركعتين،
وكان جلوسه فيها أطول من قيامه ثناء على ربه ومسألة فكان يقول حين
يفرغ من ركعتيه وبين الصفا والمروة:
(1) النووي، المجموع، ج 8، ص 60. (4/392)
صفحة 1713
الرائد
393
اللهم اعصمني بدينك وطاعتك وطاعة رسولك، اللهم جنبني
حدودك، اللهم اجعلني ممن يحبك ويحب ملائكتك ورسلك وعبادك
الصالحين.
اللهم حببني إليك وإلى ملائكتك ورسلك.
اللهم آتني من خير ما تؤتي عبادك الصالحين في الدنيا والآخرة، اللهم
يسرني لليسرى وجنبني العسرى، واغفر لي في الأخرى والأولى.
اللهم أوزعني أن أو في بعهدك الذي عاهدتني عليه، اللهم اجعلني من
أئمة المتقين، واجعلني من ورثة جنة النعيم واغفر لي خطيئتي يوم الدين. وجاء حديث قد يؤخذ منه استحباب دعاء بعد ركعتي الطواف وهو حديث عبد الله بن المنهال عن سليمان بن قسيم عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
لما أهبط آدم إلى الأرض طاف بالبيت سبوعاً، وصلى حذاء المقام ركعتين ثم قال: اللهم أنت تعلم سري وعلانيتي فاقبل معذرتي، وتعلم حاجتي فأعطني سؤلي، وتعلم ما عندي فاغفر لي ذنوبي، أسألك إيماناً يباهي قلبي، ويقينا صادقا حتى أعلم أنه لن يصيبني إلا ما كتبت لي، ورضني بقضائك،
(1) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 6، ص 108. (4/393)
صفحة 1714
الرائد
فأوحى الله إليه:
394
يا آدم إنك دعوتني بدعاء فاستجبت لك فيه، ولن يدعوني به أحد من ذريتك من بعدك إلا استجبت له، وغفرت له ذنبه، وفرجت همه وغمومه،
واتجرت له من وراء كل تاجر، وأتته الدنيا راغمة وإن كان لا يريدها. والحديث أخرجه البيهقي في الدعوات، ومن طريقه الحافظ ابن عساكر، ولكنه لا يثبت ففيه علل تقصر به عن رتبة الاحتجاج منها سليمان بن قسيم أبو الصباح النخعي الكوفي، قال البخاري: ليس بالقوي عندهم". وقال الفسوي: ضعيف، وقال يحيى بن معين: ليس بشيء، وقال ابن
(0)
حبان: يأتي بالمعضلات عن أقوام ثقات، وعليه فلا يقال باستحباب السابق
بل المستحب بعد ركعتي الطواف استلام الحجر الأسود ثم قصد المسعى كما هو فعل النبي، نعم يقال إن الدعاء ثمة جائز لكن من غير استحباب ولا
كراهة؛ إذ الأمران لم يقم عليهما دليل.
(1) البيهقي، الدعوات الكبير، ص 170.
(2) ابن عساکر، تاريخ مدينة دمشق، ج 6، ص 428.
(3) البخاري، التاريخ الكبير، ج 4، ص 42.
(4) الفسوي، المعرفة والتاريخ، ج 3، ص 164.
(5) ابن حبان المجروحين، ج 1، ص 329، وابن عدي الكامل، ج 3، ص 271. (4/394)
صفحة 1715
الفصل الرابع: السعي بين الصفا والمروة
المبحث الأول: وصف جبلي الصفا والمروة وأرض المسعى
المبحث الثاني: مشروعية السعي بين الصفا والمروة
المبحث الثالث: حكم السعي
المبحث الرابع: شروط السعي وواجباته
المبحث الخامس: سنن السعي
المبحث السادس: السعي راكبا
المبحث السابع: السعي فوق سطح المسعى (4/395)
صفحة 1716
[صفحة فارغة] (4/396)
صفحة 1717
الرائد
397
المبحث الأول: وصف جبلي الصفا والمروة وأرض المسعى
(1)
الصفا والمروة جبلان صغيران بمكة والأول منهما مرتفع عند باب المسجد الحرام، وهو قطعة من جبل أبي قبيس" في الجهة الجنوبية مائلا إلى الشرق على بعد نحو ثلاثين ومئة متر (130 م).
وأما المروة فجبيل صغير منخفض عن الصفا من حجر المرو-الأبيض الصلب، قطعة من جبل قعيقعان، وهو في الجهة الشرقية الشمالية على بعد نحو ثلاث مئة متر (300 م) من الركن الشامي للكعبة المشرفة).
(1) كتبت هذا الوصف قبل توسعة الحرم الأخيرة (1427 هـ)، وآثرت أن أبقيه على ما هو عليه ولا أتعرض للتوسعة المذكورة؛ لأن أمرها لم يستقر بعد في زمان كتابة هذه
الأوراق.
(2) هو الجبل المشرف على الصفا والمسجد الحرام، وارتفاعه نحو 420 م من سطح البحر، أحد أخشبي مكة الفاسي، شفاء الغرام، ج 1، ص 495، ومحمد إلياس، تاريخ
وهو
مكة، ص 130.
(3) بضم القاف وفتح العين، جبل ضخم مشرف على المسجد الحرام من الشمال والشمال الغربي والممتد من حارة الباب إلى الشامية، وهو الجبل الثاني من أخشبي مكة، وارتفاعه
نحو 410 م من سطح البحر. محمد إلياس، تاريخ مكة، ص 131.
(4) الطبري، جامع البيان، ج 2، ص 43، والفاسي، شفاء الغرام، ج 2، ص 538، واللكنوي، (4/397)
صفحة 1718
الرائد
398
وكان بين الصفا والمروة مسيل فيه سوق عظيم تباع فيه الحبوب واللحم والتمر والسمن وغيرها، ولم تكن بمكة سوق منظم سوى هذا السوق الذي كان يقع بالمسعى، مما جعل الساعين يجدون مشقة أثناء السعي لازدحام الناس على حوانيت الباعة.
ثم حدثت التجديدات السعودية، فأضحى المسعى متكونا من طابقين بطول ثلاث مئة وتسعين وخمسة أمتار (395 م)، وعرض عشرين مترا
(20 م).
ارتفاع المسعى الأرضي اثنا عشر مترا إلا ربع المتر (11.75 م)، وارتفاع
الطابق العلوي ثمانية أمتار ونصف المتر (8.5 م).
وفي مكاني السعي السفلي والعلوي حاجز يقسم المسعى إلى طريقين: أحدهما مخصص بالسعي من الصفا إلى المروة، والثاني من المروة إلى الصفا وبين ممري السعي ممر ضيق ذو اتجاهين، خاص بالعاجزين عن السعي بأقدامهم، فكان الممر سبيلا خاصا بعربات تقلهم وتقي الساعين بأقدامهم خطرها.
وللمسعى ستة عشر بابا في الجهة الشرقية للمسعى والمسجد الحرام،
التعليق الممجد، ج 2، ص 373، ومحمد إلياس، تاريخ مكة، 79. (4/398)
صفحة 1719
الرائد
399
وللطابق العلوي مدخلان أحدهما عند الصفا والآخر عند المروة، ويمكن الوصول لهذا الطابق بسُلّمين من داخل المسجد أحدهما عند باب الصفا، والآخر عند باب السلام.
وفي عام 1417 هـ تمت تسوية المروة بمستوى الساحة الشمالية المقابلة
لها، وأقيمت ثمة أبواب تيسر خروج من أكمل سعيه بالمروة". وفي هذا العام 1428 هـ شُرع في توسعة أرض المسعى توسعة عرضية عادلت ضعف المنطقة السابقة، حتى أضحت المنطقة السابقة كلها طريقا لمن سعى من المروة إلى الصفا والمنطقة الجديدة طريقا لمن سعى من الصفا إلى
المروة.
وقد أثارت التوسعة السابقة كلاما كثيرا وخلافا حادا حتى بالغ بعض النافين لمشروعيتها في القول فمنعوا من العمرة ومنهم من ألزم الدم من تحلل بطواف وسعي لعدم صحة السعي والقائلون بمشروعيتها علماء كبار وأدلتهم لها وجاهتها، والمسألة لا تعدو الاجتهاد، وقد أخذ من بيده الأمر في تلك الديار بالقول المجيز فنفذت التوسعة وكان ذلك التصرف حسما للنزاع وقد حمد الناس التوسعة السابقة ووجدوا فائدتها فقد خلصت الساعين من
(1) محمد إلياس، تاريخ مكة، ص 79 وما بعدها. (4/399)
صفحة 1720
الرائد
الازدحام الشديد والاختناقات المهلكة التي كانت بأرض المسعى أيام موسمي الحج ورمضان.
وقد قال بمشروعية التوسعة السابقة شيخنا العلامة قدوة الأنام وبدر الزمان أحمد بن حمد الخليلي أطال الله في عمره ونفع به العالمين، وإن القول ما
قال. (4/400)
صفحة 1721
الرائد
المبحث الثاني: مشروعية السعي بين الصفا والمروة
مشروعية السعي محل إجماع من قبل المسلمين كافة، وكيف لا يكون كذلك وقد ثبت بالنص من الكتاب العزيز ما يقضي بمشروعيته كما في قول الله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرُ عَلِيمُ).
وقد كان بعض صحابة رسول الله يتحرجون من السعي بينهما للعوائد التي كانوا يأتونها أيام الجاهلية والإسلام نابذ عادات أهل الشرك والأوثان كما في حديث الزهري قال عروة: سألت عائشة < فقلت لها: أرأيت قول الله تعالى:
إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرُ عَلِيمُ فوالله ما على أحد جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة.
قالت: بئس ما قلت يا ابن أختي إن هذه لو كانت كما أوّلتها عليه كانت
أن
لا جناح عليه أن لا يتطوف بهما، ولكنها أنزلت في الأنصار كانوا قبل يسلموا يُهلُّون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المشلل، فكان مَنْ أَهَلَّ
(1) سورة البقرة، الآية (156). (4/401)
صفحة 1722
الرائد
يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة.
فلما أسلموا سألوا رسول الله له عن ذلك قالوا: يا رسول الله، إنا كنا
صلے
نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة فأنزل الله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ. قالت عائشة: وقد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما.
ثم أخبرت أبا بكر بن عبد الرحمن فقال: إن هذا لعلم ما كنت سمعته، ولقد سمعت رجالا من أهل العلم يذكرون أن الناس إلا من ذكرت عائشة - ممن كان يهل بمناة كانوا يطوفون كلهم بالصفا والمروة فلما ذكر الله تعالى الطواف بالبيت ولم يذكر الصفا والمروة في القرآن قالوا:
يا رسول الله، كنا نطوف بالصفا والمروة، وإن الله أنزل الطواف بالبيت
فلم يذكر الصفا فهل علينا من حرج أن نطوف بالصفا والمروة؟ فأنزل الله
صلے
تعالى {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ
عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرُ عَلِيمٌ.
قال أبو بكر: فأسمع هذه الآية نزلت في الفريقين كليهما في الذين كانوا
يتحرجون أن يطوفوا بالجاهلية بالصفا والمروة، والذين يطوفون ثم تحرجوا (4/402)
صفحة 1723
الرائد
403
أن يطوفوا بهما في الإسلام من أجل أن الله تعالى أمر بالطواف بالبيت ولم يذكر
الصفا حتى ذكر ذلك بعد ما ذكر الطواف بالبيت.
والدليل من قولها الأول العروة كما يقول القرافي أن نفي الحرج
-
إثبات للجواز، وثبوت الجواز لا ينافي الوجوب، بل الجواز من لوازم
الوجوب، فلو نفي الحرج عن الترك أبطل الوجوب".
وتحريرها السابق من دقيق علمها وفهمها الثاقب وكبير معرفتها بدقائق الألفاظ؛ لأن الآية الكريمة ما دل لفظها إلا على رفع الجناح عمن يطوف بهما، وليس فيه دلالة على عدم وجوب السعي ولا على وجوبه). و مما جاء مفيدا سبب نزول الآية حديث أحمد بن محمد أخبرنا عبد الله أخبرنا عاصم قال: قلت لأنس بن مالك: أكنتم تكرهون السعي بين
الصفا والمروة؟
قال: نعم؛ لأنها كانت من شعائر الجاهلية حتى أنزل الله إِنَّ الصَّفَا
(1) أخرجه باللفظ السابق البخاري في كتاب الحج، باب وجوب الصفا والمروة وجعل من شعائر الله (1561)، وأخرجه الربيع في كتاب الحج، باب في الكعبة والمسجد والصفا والمروة (416) من طريق أبي عبيدة قال: بلغني عن عروة بن الزبير بسياق مختصر.
(2) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 250.
(3) النووي، شرح صحيح مسلم، ج 9، ص 21. (4/403)
صفحة 1724
الرائد
صلے
وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَفَ
بهما.
وذكر الحافظ ابن حجر أنه روى النسائي بإسناد قوي عن زيد بن حارثة قال: كان على الصفا والمروة صنمان من نحاس يقال لهما أساف ونائلة كان المشركون إذا طافوا تمسحوا بهما. وقد سعيت إلى أن أجد الرواية السابقة في سنن النسائي الصغرى منهما والكبرى فلم أجد إلا رواية في السنن الكبرى وهي خلو من الشاهد إذ جاءت دون ذكر الصفا والمروة ولفظها وكان صنمان من نحاس يقال لهما إساف ونائلة).
بل ظاهرها متفق مع روايات كثيرة تنص على أن الصنمين المذكورين
كانا في المطاف لا على الصفا والمروة. وعلى الأحوال كلها قد تواترت الأخبار بما يفيد علم اليقين أن النبي صلى الله عليه وسلم قد سعى بين الصفا والمروة من حيث الجملة، مما يفيد مشروعية السعي،
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب ما جاء في السعي بين الصفا والمروة (1565).
(2) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 500.
(3) النسائي، السنن الكبرى، ج 5، ص 54. (4/404)
صفحة 1725
الرائد
405
وعليه إجماع الناس كما تقدم.
والسعي مشروع للاقتداء بأم إسماعيل هاجر < تذكيرا للنفوس بأحوال السالفين الذين صدق توكلهم على الله كما في حديث ابن عباس إذ
قال:
وجعلت أم إسماعيل [بعدما تركها إبراهيم وابنها بواد غير ذي زرع] ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلوى أو قال: يتلبط - فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا فلم تر أحدا.
سعي
فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ثم سعت الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها
ونظرت هل ترى أحدا فلم تر أحدا ففعلت ذلك سبع مرات.
قال ابن عباس: قال النبي: فذلك سعي الناس بينهما.
والسعي مع مشروعيته السابقة إلا أنه غير مشروع بالإطلاق للتنفل
(1) أخرجه البخاري، في كتاب: الأنبياء، باب: يزفون النسلان في المشي (3184). (2) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 499، والعيني، البناية، ج 4، ص 210.
(2) (4/405)
صفحة 1726
الرائد
بل مشروعيته لا تكون إلا في نسك وبعد طواف بخلاف الطواف الذي يشرع التنفل به مطلقا كما دلت على ذلك الآثار واتفقت عليه الأمة.
وذكر بعض الفقهاء هنا مسألة المفاضلة بين الصفا والمروة، فقال إن مما فضلت به المروة على الصفا أن الساعي يزورها من الصفا أربعا، أما الصفا
فيزورها من المروة ثلاثا، وما كانت العبادة فيه أكثر كان أفضل). والقائلون بأفضلية الصفا قالوا لأنها تقصد بالذكر والدعاء أربع مرات
بخلاف الصفا فإنها تقصد ثلاثا.
وهذا الأخير مبني على رأي من لم يقل بمشروعية الدعاء في آخر الشوط
السابع على المروة، وسيأتي ذكر ذلك وأن في المسألة خلافا.
على
أنه قد تفضل الصفا على المروة بكونها أقرب إلى البيت من المروة، ثم إنه يبدأ بها في الطواف، وبدأ الله بها في الذكر، والبداءة بالشيء عنوان تشريف
وشارة تفضيل.
واعترض السابق بأن البداءة بالصفا لبيان الترتيب وضرورته فلا إشعار
في تقديمها بأفضليتها، وبأن البداءة بالشيء لا تستلزم أفضلية المبدأ على
(1) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 252.
(2) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 503. (4/406)
صفحة 1727
الرائد
407
الآخر كصوم رمضان آخره أفضل من أوله.
ومن الوجوه التي فضلت بها الصفا أن ما أمر الشرع بمباشرته بالعبادة
قبل نظيره وعدم
الاعتداد بمباشرة نظيره قبله يكون أفضل لأنه الأصل وغيره تابع له والضرورة قاضية بتفضيل المتبوع، وقد بان بالسابق أن الصفا الأصل إذ لا يعتد بالمروة قبلها فتكون تابعة لها صحة ووجوبا فكانت
هي
الصفا أفضل".
وقد تعقب الخلاف السابق بأنه لا ثمرة، له والعبادة المتعلقة بهما لا تتم بأحدهما دون الآخر.
عن
ثم إنه لم يدل دليل ظاهر على تفضيل أحد الجبلين على الآخر، فالسكوت هذه المسألة أولى، على أن منزلتهما ليست في ذاتها، بل هما حجران لا
يجلبان نفعا ولا يدفعان ضرا، لكن منزلتهما لما تعبدنا من السعي بينهما. وقد استنبط بعض أهل العلم حكمة لمشروعية السعي وقال إن لهذه
الحكمة وجهين أولهما موافقة هاجر فجعل من شعائر الحج لبقاء الذكر على ما قال
(1) الرملي نهاية المحتاج، ج 3، ص 292.
،
(2) الرملي، نهاية المحتاج، ج 3، ص 292.
(3) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 209. (4/407)
صفحة 1728
الرائد
408
إبراهيم وَاجْعَل لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ).
ثانيهما إظهار الجلد أمام مشركي قريش لدفع قالة سوء بثوها للناس
تنفير (2).
والناظر لهذه العبادة وكونها قائمة على التردد بين جبلين مشيا حينا وهرولة حينا آخر سبع مرات يدرك أنه لا مجال لكنه العقول حقيقتها وعوائدها ولكنَّه التسليم المطلق لأوامر الشارع وما من باعث على الفعل إلا الالتزام بما أراد الخالق والتقرب إليه بما أمر:
وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ
مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا (3)
فما على الساعي بعد ذلك كما قال بعض أهل العلم إلا أن يتفكر حال تردده بين الصفا والمروة مشيا وسعيا في علو عظمة الله تعالى وتكليفه العباد بهذه الطاعة التي لا يهتدي إلى درك معناها عقل، ولا يعرف لها في مألوف العبادة نظير ولا مثل، فكل عبادة غيرها للعقل في فهم معناها مجال.
(1) سورة الشعراء، الآية (84).
(2) ابن الضياء، البحر العميق، ج 3، ص 1276.
(3) سورة الأحزاب، الآية (36) (4/408)
صفحة 1729
الرائد
وكون الشخص يتردد من جبل إلى جبل في آن واحد سبع مرات شبه الحائر حاسر الرأس حافي القدم يمشي تارة ويهرول تارة على وجه لا تألفه
الطباع بل تستنكف منه، ويعد الفاعل له في غير ذلك الوقت مجنونا. ثم إن النفوس تلتَذُّ بفعله في ذلك الحال ويأخذها إذا لابسته شبه الطرب، ولا يفتر أحد من الرؤساء أو الملوك، بل يكابد في فعله مجاهدة نفس
ولا تجد له كراهية، ثم إذا انقضى وقته وتم فعله لو بذل لآحاد هؤلاء بذل على أن يأتي بمثل ذلك الفعل ولو في ذلك المحل بعينه منفكا النسك عن ومجردا عن الإحرام لم يصغ إلى ذلك، فسبحان من أذعنت النفوس لعزته، وانقادت العقول في عنان عبوديته.
ومن أهل العلم من قال إن حكمة السعي بين الصفا والمروة أن هاجر أم إسماعيل سعت بينهما السعي المذكور وهي في أشد حاجة وأعظم فاقة إلى ربها؛ لأنها تنظر إلى ثمرة كبدها إسماعيل وهو يتلوى من العطش في بلد لا
ماء فيه ولا أنيس.
وهي
أيضا في جوع وعطش في غاية الاضطرار إلى خالقها جل وعلا،
وهي من شدة الكرب تصعد على هذا الجبل فإذا لم تر شيئا جرت إلى الثاني
(1) ابن الضياء البحر العميق، ج 3، ص 1273. (4/409)
صفحة 1730
الرائد
فصعدت عليه لترى أحدا وكل شيء من ذلك لم يقع.
فأمر الناس بالسعي بين الصفا والمروة ليشعروا بأن حاجتهم وفقرهم إلى
خالقهم ورازقهم كحاجة تلك المرأة وفقرها في ذلك الوقت الضيق والكرب العظيم إلى خالقها ورازقها.
وليتذكروا أن من كان يطيع الله كإبراهيم لا يضيعه ولا يخيب دعاءه، وهذه حكمة بالغة ظاهرة دل عليها حديث صحيح
(1) الشنقيطي، أضواء البيان، ج 4، ص 481، والرازي، مفاتيح الغيب، ج 4، ص 144. (4/410)
صفحة 1731
الرائد
المبحث الثالث: حكم السعي
تقدم في المبحث السابق أن السعي بين الصفا والمروة أمر قد اتفقت الكلمة على مشروعيته من حيث الجملة لكن للفقهاء خلاف في حكمه على أقوال ثلاثة، والخلاف شامل للسعي في الحج والعمرة، ولم يفرق أحد من المختلفين بينها، وأغرب ابن العربي فقال إن كون السعي ركنا في العمرة محل اتفاق بين أهل العلم.
القول الأول: ذهب جماعة من الفقهاء إلى أن السعي بين الصفا والمروة ركن من أركان الحج والعمرة لا يتم الحج ولا العمرة إلا به، ولا يجبر بدم". فإن ترك منه شوطا واحدا بل ذراعا من شوط واحد كان على إحرامه -
(1) لم أجد ذلك فيما بين يدي من كتب العلامة ابن العربي، لكن نسب إليه ذلك الحافظ ابن حجر. ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 499. (2) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 281، والطبري، جامع البيان، ج 2، ص 50، وابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 220، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 155، وعبد الوهاب البغدادي، الإشراف، ج 1، ص 478، والجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 302، والنووي، المجموع، ج 8، ص،81، وابن قدامة المغني، ج 3، ص 194، وابن العربي، القبس، ج 2، ص 545. (4/411)
صفحة 1732
الرائد
412
وإن عاد إلى بلده حتى يأتي به).
قال الإمام الربيع بن حبيب
لو أن رجلا ترك السعي بين الصفا والمروة متعمدا لرأيت عليه الحج من
قابل؛ لأنه من المشاعر، وقد صنعه رسول الله والمهاجرون من بعده. والإلزام بالحج من قابل سببه توقيت السعي بزمان لا يصح تأخيره عنه، ومن أخره عنه كان تاركا له، وهو ركن فيكون تاركه مبطلا لحجه فيلزمه القضاء، وهذا التوقيت قول لبعض أهل العلم، ومنهم من لا يرى له وقتا. هذا القول الشيخ خلفان بن جميل السيابي إذ إنه ذكر القول
كما رجح
المشهور في المذهب وهو الوجوب مع إجزاء الدم عنه إن ترك، ثم ذكر القول
الثاني القاضي بالركنية ثم قال:
تارکه عليه قد قيل دم
وقيل فرض لا
يتم
أبدا
وحجه يتم لا ينهدم حج لمن يتركه تعمدا
وأول القولين للأصحاب وذهب الأكثر للإيجاب
وإنني إلى الوجوب أميل لما به عن النبي ينقل
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 155.
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 192. (4/412)
صفحة 1733
الرائد
413
دل عليه قوله وفعله
استدل القائلون بالركنية لقولهم بأدلة:
وصحبه ما تركوه مثله)
الدليل الأول: أن الله قد نص صريحا بكونه من شعائر الله إذ قال: {إِنَّ
الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِر اللهِ، وشعائر الله تعالى واجبة، قال الله تعالى:
يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَبَرَ اللَّهِ.
ا الله
يوم
الدليل الثاني: فعل النبي) فقد نص جابر بن عبد الله على ذلك حجة الوداع كما في حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن جابر بن عبد الله قال: رأيت رسول الله الرمل إلى الحجر الأسود حتى انتهى إليه في ثلاثة أطواف، فإذا وقف على الصفا كبر ثلاثا ويقول:
لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو
على كل شيء قدير.
ويصنع على المروة مثل ذلك ثلاثا ثلاثا، وإذا نزل من على الصفا مشى حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى حتى يخرج منه، ونحر بعض
(1) السيابي، سلك الدرر، ج 1، ص 323.
(2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 156. (3) سورة المائدة، جزء من الآية (2).
(4) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 250. (4/413)
صفحة 1734
الرائد
414
هديه بيده ونحر بعضه غيره
الدليل الثالث أن النبي الأمر به أبا موسى الأشعري كما في حديث طارق بن شهاب عن أبي موسى قال: بعثني النبي صلى الله عليه وسلم إلى قوم باليمن فجئت وهو بالبطحاء فقال: بم أهللت؟ قلت: أهللت كإهلال النبي.
قال: هل معك من هدي؟ قلت لا فأمرني فطفت بالبيت وبالصفا والمروة، ثم أمرني فأحللت".
الدليل الرابع: حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيها الناس اسعوا؛ فإن الله قد كتب
عليكم السعي.
قالوا: وهذا إخبار عن وجوبه بأبلغ ألفاظ الوجوب وآكدها وهو كونه
مكتوبا (3).
لكن الاستدلال بهذا الحديث فيه شيء من النظر، فالحديث به من الاضطراب في إسناده ومتنه ما يقضي بضعف الاستدلال به.
(1) أخرجه الربيع في كتاب الحج، باب في الكعبة والمسجد والصفا والمروة (314). (2) أخرجه البخاري، في كتاب الحج، باب من أهل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كإهلال النبي
(1484)
(3) عبد الوهاب البغدادي، الإشراف، ج 1، ص 478. (4/414)
صفحة 1735
الرائد
415
وبيان السابق أنه جاء من طرق أولها من حديث الخليل بن عمر قال:
سمعت بن أبي نبيه يحدث عن جدته صفية بنت شيبة عن حبيبة بنت أبي تجراة قالت: كانت لنا صفة في الجاهلية قالت:
فاطلعت من كوة بين الصفا والمروة فأشرفت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا هو يسعى ويقول لأصحابه:
اسعوا؛ فإن الله تعالى كتب عليكم السعي، قالت: رأيته في شدة السعي
يدور الإزار حول بطنه حتى رأيت بياض إبطيه وفخذيه.
أخرجه الحاكم من طريق الخليل بن عمر عن ابن أبي نبيه، وأخرجه ابن خزيمة من طريق الخليل بن عثمان قال سمعت عبد الله بن بنيه عن جدته صفية بنت شيبة عن جدتها بنت أبي تجزأة قالت".
وهذه الطريق ليست بحجة إذ خليل بن عمر أو عثمان مجهول، كما أن عبد الله بن نبيه لا يعدو حاله حال، سابقه، فيسقط الاحتجاج بهذه الطريق.
وجاء من حديث يونس بن محمد المؤدب ثنا عبد الله بن المؤمل المكي عن عمر بن عبد الرحمن بن محيصن حدثني عطاء بن أبي رباح عن حبيبة بنت أبي
(1) الحاكم، المستدرك، ج 4، ص 79.
(2) ابن خزيمة، صحيح ابن خزيمة، ج 4، ص 232. (4/415)
صفحة 1736
الرائد
416
تجراة قالت:
دخلت على دار أبي حسين في نسوة من قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بين
الصفا والمروة وهو يسعى يدور به إزاره من شدة السعي وهو يقول لأصحابه: اسعوا؛ فإن الله وكتب عليكم السعي"
(1)
وهذه الطريق ضعيفة لا تثبت فعبد الله بن المؤمل ممن ليس بحجة في الرواية، فقد قال أحمد عنه: أحاديث عبد الله بن المؤمل مناكير، وقال أبو حاتم ليس بذاك، وقال يحيى بن معين ضعيف، وقال أبو زرعة: ليس
بقوي).
وقال ابن حبان كان قليل الحديث منكر الرواية لا يجوز الاحتجاج
بخبره إذا انفرد).
وللنكارة السابقة التي تكتنف أحاديث عبد الله بن المؤمل اضطرب فيه كثيرا جدا، فقد أسقط في الإسناد السابق صفية بنت شيبة التي روت الحديث
عن حبيبة.
كما أنه جاءت روايات عنه بإسقاط شيخه ابن محيصن كما عند أحمد من
(1) الحاكم، المستدرك، ج 4، ص 79.
60
(2) ابن أبي حاتم الجرح والتعديل، ج 5، ص 175، وابن عدي، الكامل، ج 4، ص 135.
(3) ابن حبان، المجروحين، ج 2، ص 28. (4/416)
صفحة 1737
الرائد
417
طريق عبد الله بن المؤمل عن عطاء بن أبي رباح عن صفية بنت شيبة عن حبيبة بنت أبي تجزئة).
ورواه الطبراني بإسقاط عطاء كما في حديث عبد الله بن المؤمل عن بن عبد الرحمن بن محيصن عن صفية بنت شيبة قالت: حدثتنا حبيبة بنت أبي تجراة (2).
كما جاء من طريق عبد الرزاق أخبرنا معمر عن واصل مولى أبي عيينة عن موسى بن عبيدة عن صفية بنت شيبة أن امرأة أخبرتها أنها سمعت النبي بين الصفا والمروة يقول: كتب عليكم السعي فاسعوا.
والاضطراب السابق على أنا لم نستقصه - يضعف الحديث ويقصيه عن
مراتب القبول، لذا قال الحافظ ابن القطان ممثلا على اضطراب ابن المؤمل: فهذا اضطراب بإسقاط عطاء تارة، وابن محيصن أخرى، وصفية بنت شيبة أخرى، وإبدال ابن محيصن بابن أبي حسين أخرى، وجعل المرأة عبدرية تارة، ومن أهل اليمن أخرى في الطواف تارة وفي السعي بين الصفا والمروة
أخرى).
(1) أحمد بن حنبل، المسند، ج 4، ص 421. (2) الطبراني، المعجم الكبير، ج 24، ص 225. (3) نقل ذلك عنه الزيلعي، نصب الراية، ج 3، ص 5 (4/417)
صفحة 1738
الرائد
418
والحديث أخرجه أحمد عن عبد الرزاق)، وقال ابن خزيمة: هذه المرأة
التي لم تسم في هذا الخبر حبيبة بنت أبي تجزأة (2)
وهذه الطريق بها موسى بن عبيدة الربذي ذكرناه سابقا وقلنا إنه ليس بحجة في الرواية، وأحاديثه لا تثبت.
كما جاء الحديث من طريق مهران بن أبي عمر ثنا سفيان ثنا المثنى بن الصباح عن المغيرة بن أبي حكيم عن صفية بنت شيبة عن تملك قالت: نظرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا في غرفة لي بين الصفا والمروة وهو يقول: إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا.
وقد أخرجه الطبراني، والمثنى بن الصباح ذكرناه من قبل وقلنا إنه ليس بحجة في الرواية.
وفي هذا الإسناد علة أخرى وهي مهران بن أبي عمر وهو الرازي
العطار، قال البخاري في حديث اضطراب).
ورواية مهران عن الثوري قد نُصَّ على اضطرابه فيها مما يزيد الحديث
(1) أحمد بن حنبل، المسند، ج 6، ص 437.
(2) ابن خزيمة، صحيح ابن خزيمة، ج 4، ص 233.
(3) الطبراني، المعجم الكبير، ج 24، ص 206.
(4) البخاري التاريخ الكبير، ج 7، ص 429، والضعفاء الصغير، ص 111. (4/418)
صفحة 1739
الرائد
419
ضعفا، قال العقيلي: روى عن الثوري أحاديث لا يتابع عليها. ونقل ابن أبي حاتم عن يحيى بن معين أنه قال عن مهران السابق: كان
شيخا مسلما كتبت عنه وكان عنده غلط كثير في حديث سفيان). الدليل الخامس: حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت لعروة: ما أتم الله حج امرئ ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة، وفي رواية أخرى قالت فلعمري ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة، والروايتان أخرجهما مسلم".
ووجه الدلالة من السابق أن عائشة د لا تقسم على ذلك وتقطع به
إلا أن معنى الآية غير محتمل، والتأويل فيها غير سائغ.
>
واعترض بأنه لو كان لقول السيدة عائشة - حكم الرفع لكان خير
دليل على الركنية، ولكن يشكل عليه خلاف غيرها لها مما يعني أنه رأي لها
استنبطته وقد يخالفها غيرها فيه.
(1) العقيلي، الضعفاء، ج 4، ص 229.
(2) ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ج 8، ص 301.
(3) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب بيان أن السعي بين الصفا والمروة ركن لا يصح
الحج إلا به (1277).
(4) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 156. (4/419)
صفحة 1740
الرائد
420
وذهب بعض أهل العلم إلى أن لقول عائشة السابق حكم الرفع لأنها رتبت بالفاء - في الرواية المتفق عليها - قولها فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما على قولها قد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بينهما وهو صريح في أن قولها ليس لأحد أن يترك الطواف بينهما لأجل أنه صلى الله عليه وسلم سن الطواف بينهما. ودل هذا الترتيب بالفاء على أن مرادها بأنه سنة أنه فرضه بسنته كما جزم به ابن حجر في الفتح مقتصرا عليه مستدلا له بأنها قالت: ما أتم الله حج امرئ ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة.
فقولها إن النبي صلى الله عليه وسلم سن الطواف بينهما، وترتيبها على ذلك بالفاء، وقولها فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما، وجزمها بأنه لا يتم حج ولا عمرة إلا
بذلك دليل واضح على أنها إنما أخذت ذلك مما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لا برأي
منها).
الدليل السادس: حديث عبد العزيز بن محمد عن عبيد الله بن عمر عن
نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
من أحرم بالحج والعمرة أجزاه طواف واحد وسعي واحد عنهما حتى
يحل منهما جميعا.
(1) الشنقيطي، أضواء البيان، ج 4، ص 422. (4/420)
صفحة 1741
الرائد
421
ووجه الدلالة من السابق أن الشارع عبر بلفظ الإجزاء الذي هو من مظان الدلالة على الركنية.
والحديث أخرجه الترمذي ()، وابن ماجه (3)، وهو صحيح الإسناد عن ابن عمر، ولكن تعارض فيه الرفع والإرسال وقد ذكرناه سابقا في الجزء الثاني من هذا الكتاب عند بحث أنواع النسك، وقد تقدم أن الأرجح فيه الوقف على ابن عمر، والرفع شذوذ فيضعف الحديث بسببه.
لكن جاء في حديث إبراهيم بن نافع حدثني عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد عن عائشة أنها حاضت بسرف فتطهرت بعرفة فقال لها رسول الله يجزي عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك).
الدليل السابع السعي مشي ذو عدد سبع فوجب أن يكون ركنا في الحج
كالطواف.
الدليل الثامن: السعي مشي نسك يتنوع نوعين فوجب أن يكون ركنا
(1) الشنقيطي، أضواء البيان، ج 4، ص 428.
(2) الترمذي، كتاب الحج، باب ما جاء أن القارن يطوف طوافا واحدا (948). (3) ابن ماجه،کتاب المناسك باب طواف القارن (2975).
(4) مسلم في كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام (1211). (5) عبد الوهاب البغدادي، الإشراف، ج 1، ص 478. (4/421)
صفحة 1742
الرائد
422
كالطواف، ومعنى تنوعه أن يكون في بعضه ماشيا وفي بعضه ساعيا). الدليل التاسع: السعي نسك هو ركن في العمرة فكان ركنا في الحج
كالإحرام".
الدليل العاشر: أن السعي نسك في الحج والعمرة، فوجب أن يكون ركنا من شرائطها كالإحرام والطواف، ولا يدخل عليه الحلق؛ لأنه ليس بنسك على أحد القولين.
الدليل الحادي عشر: السعي أشواط شرعت في بقعة من بقاع الحرم، أو يؤتى به في إحرام كامل فكان جنسها ركنا كطواف الزيارة، ولا يلزم طواف الصدر؛ لأن الكلام للجنس لوجوبه مرة.
القول الثاني: السعي بين الصفا والمروة واجب ليس بركن، وعليه فهو
يجبر بالدم.
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 156.
(2) عبد الوهاب البغدادي، الإشراف، ج 1، ص 478.
(3) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 156، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 194.
(4) الرازي، مفاتيح الغيب، ج 4، ص 145.
(5) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 281، والبسيوي، الجامع، ج 2، ص 271، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 198، والجصاص أحكام القرآن، ج 1، ص 118، وابن العربي، (4/422)
صفحة 1743
الرائد
423
وذهب كثير من الحنفية إلى أن الوجوب إنما هو متعلق بأكثر السعي وهو
أربعة الأشواط أو كله كالحال الذي ذكرناه في الطواف.
أما من ترك أقل السعي فلا يلزمه دم عندهم بل يطعم عن كل شوط مسكينا نصف صاع من حنطة، أو صاعا من تمر أو شعير إلا أن يبلغ ذلك دما فينقص منه ما شاء.
وهذا كله إذا رجع إلى بلده، أما إن لم يرجع إلى بلده فما دام بمكة فإنه
يسعى، فإذا رجع فالدم أحب إلى أبي حنيفة من الرجوع إلى مكة. وعلة تفضيل الدم على الرجوع هي أنه إذا رجع كان مؤديا السعي في إحرام آخر غير الإحرام الذي أدى به الحج، وإن أراق دما انجبر به النقصان
الواقع في الحج.
ولأن في إراقة الدم توفير منفعة اللحم على المساكين فهو أولى من
الرجوع للسعي)
القبس، ج 2، ص 545، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 194، والعيني، البناية، ج 4، ص 207، والقطب شرح كتاب النيل، ج 4، ص 146، وشيخنا الخليلي، الفتاوى، الكتاب الأول، ص 375 وقد نسبه لأكثر علماء المذهب الإباضي.
(1) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 52. (4/423)
صفحة 1744
الرائد
424
ولو أراد الرجوع إلى مكة ليأتي بالسعي رجع بإحرام جديد".
والظاهر أن اشتراطهم الإحرام الجديد لدخوله مكة لا لإيقاع السعي في
حال الإحرام، لما علم من أن الساعي لو سعى بعد الإحلال والجماع لأجزى عنه، وكذلك بعد أشهر الحج؛ لأنه غير موقت.
السعي
ولهم
أدلة على القول السابق منها الآية التي احتج بها من يقولون إن
سنة وليس بواجب ولا ركن وقالوا إن رفع الجناح يستعمل
للإباحة، وما دام مستعملا للإباحة فينفي الركنية والوجوب.
واختلفوا في سبب العدول عن الإباحة إلى الإيجاب، منهم من قال
بحديث "إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا، وقد تقدم تخريجه في أدلة القائلين بالركنية.
ومنهم من قال إن العدول إلى الإيجاب كان بأول الآية وهو قوله "إن
الصفا والمروة من شعائر الله"؛ لأن الشعائر جمع
العلامة، شعيرة، وهي
وذلك يكون فرضا، ومنهم من قال إن العدول كان بسبب الإجماع. الدليل الثاني: أن فرض الحج مجمل في كتاب الله؛ لأن الحج في اللغة
(1) ابن الضياء البحر العميق، ج 3، ص 1282.
(2) العيني، البناية، ج 4، ص 208. (4/424)
صفحة 1745
الرائد
425
القصد ثم نقل في الشرع إلى معاني أخر لم يكن اسما موضوعا لها في اللغة، وفعل النبي الله بين الإجمال السابق، فيكون سعيه بين الصفا والمروة آخذا حكم المجمل وهو الوجوب.
ذلكم دليل كونه واجبا، أما دليل كونه ليس بركن فحديث الشعبي عن عروة بن مضرس بن أوس بن حارثة بن لام الطائي قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة فقلت:
يا رسول الله، إني جئت من جبلي طيء أكللت راحلتي، وأتعبت نفسي،
والله ما تركت من حبل إلا وقفت عليه.
فهل لي من حج فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد أتم حجه وقضى
تفته (1).
ووجه الدلالة من السابق أن النبي ل لا لم يذكر السعي، ولو كان ركنا لما
(2)
وسعه إلا ذكره؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع.
"
ومما يدل على الوجوب حديث طارق بن شهاب عن أبي موسى قال:
(1) أخرجه الترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء فيمن أدرك الإمام بجمع فقد أدرك الحج
(891)، وقال: حسن صحيح.
(2) الجصاص، أحكام القرآن، ج 1، ص 119. (4/425)
صفحة 1746
426
الرائد
بعثني النبي صلى الله عليه وسلم إلى قوم باليمن فجئت وهو بالبطحاء فقال: بم أهللت؟ قلت: أهللت كإهلال النبي.
قال: هل معك من هدي؟ قلت لا فأمرني فطفت بالبيت وبالصفا والمروة، ثم أمرني فأحللت فأتيت امرأة من قومي فمشطتني أو غسلت
رأسي".
ووجه الدلالة منه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بالسعي، والأصل في الأمر أنه للوجوب.
وتتوجه الاستدلالات السابقة على مذهب الحنفية المفرقين بين الفرض والواجب، والسعي بين الصفا والمروة جاء بالأدلة السابقة وهي غير قطعية فيكون واجبا لا فرضا.
ومن قواعدهم أن الواجب يجبر بالدم والفرض لا يقوم الدم مقامه كما
ذكرنا ذلك من قبل.
أما
من
قال بوجوبه دون ركنيته من غيرهم كابن قدامة من الحنابلة
فاستدل بأن الأدلة التي استدل بها القائلون بالركنية تفيد مطلق الوجوب،
(1) أخرجه البخاري في كتاب: الحج، باب من أهل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم
(1484) (4/426)
صفحة 1747
الرائد
427
وليس فيها ما يدل على أن الحج لا يتم دون السعي كما هو دليل الركنية. القول الثالث: السعي سنة وليس بواجب، فمن تركه فليس عليه شيء وروى ابن أبي شيبة عن يحيى بن سعيد عن ابن جريج عن عطاء عن ابن
عباس قال: إن شاء سعى بين الصفا والمروة، وإن شاء لم يسع، كما روى عدم الوجوب عن عطاء).
وقد احتجوا لقولهم هذا بأدلة:
أولها: قوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرُ عَلِيمُ. ووجه الدلالة منه أن رفع الجناح في الطواف بهما يدل على أنه مباح لا
واجب).
كما جاء في بعض القراءات الشاذة أن لا يطوف بهما وهي نص في الباب،
(1) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 194.
(2) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 281، والطبري، جامع البيان، ج 2، ص 49، وابن عبد
البر، الاستذكار، ج 4، ص 222، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 194.
(3) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 281.
(4) النووي، المجموع، ج 8، ص 82، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 194. (4/427)
صفحة 1748
الرائد
428
بل هي أقوى من خبر الآحاد).
الدليل الثاني: السعي تبع للطواف؛ لأنه لا يجوز إلا بعده، وما كان تبعا
لركن من أركان الحج لم يكن ركنا في الحج كالمبيت بمزدلفة لما كان تبعا للوقوف بعرفة لم يكن ركنا في الحج.
الدليل الثالث: السعي يتكرر وليس من شرطه المسجد، فوجب أن لا يكون ركنا كرمي الجمار.
الدليل الرابع: أنه نسك ذو عدد لا يتعلق بالبيت فلم يكن ركنا
كالرمي".
وقد اعترض على الاستدلال بالآية بما ذكرته السيدة عائشة د من
سبب النزول، وقد تقدم ذكره
ثم إن اللفظ الدال على القدر المشترك بين الأقسام لا دلالة فيه على
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 155، والنووي المجموع، ج 8، ص 82، وابن
قدامة، المغني، ج 3، ص 194.
(2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 156.
(3) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 156.
(4) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 194. (4/428)
صفحة 1749
الرائد
429
خصوصية من الرجوع إلى قسم دون آخر، ورفع الجناح يدل على الجواز
الذي يشمل الواجب وغير الواجب، وجعله خاصا بغير الواجب تحكم.
(2)
(3)
أما القراءة الشاذة المحتج بها فأخرجها الطحاوي والطبري من
حديث يوسف بن يزيد قال: حدثنا حجاج بن إبراهيم قال: حدثنا عيسى بن
يونس عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن ابن عباس أنه كان يقرأ: "إن الصفا والمروة من شعائر الله، فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح
عليه أن لا يطوف بهما.
واعترض على الاستدلال بالقراءة أنها شاذة ولا حجة فيها
وبيان ذلك أن لأهل العلم خلافا في القراءة الشاذة أهي حجة في التشريع أو ليست بحجة، وعلى القول بحجيتها تقيد هذه الحجية بما لم تعارض القراءة المتواترة؛ لأن القراءة المتواترة حجة بالاتفاق.
(1) الرازي، مفاتيح الغيب، ج 4، ص 145.
(2) الطحاوي، شرح مشكل الآثار، ج 10، ص 89.
(3) الطبري، تفسير الطبري، ج 2، ص 49.
(4) الطبري، جامع البيان، ج 2، ص 51، والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 147. (5) الجويني، البرهان، ج 1، ص 427، والإسنوي، التمهيد، ص 141، والزركشي، البحر المحيط، ج 1، ص 383، وبادشاه، تيسير التحرير، ج 3، ص 9. (4/429)
صفحة 1750
الرائد
430
قال:
والإمام السالمي مع قوله بحجية القراءة الشاذة إلا أنه قيد العمل بها إذ
لكن يجب علينا العمل بالمنقول الغير المتواتر في المواضع التي لم يعارض
المتواتر).
والحال هنا أن التعارض بين القراءة المتواترة والشاذة بين جلي، فأي تعارض أكبر من التعارض بين النفي والإثبات، وهذا يقضي ببطلان الاحتجاج بالقراءة الشاذة المذكورة في هذا الدليل.
ثم إن من الجائز أن تكون (لا) زائدة أو على الصلة كما يسميها كثير من أهل العلم، وعليه فيرجع معنى الآية على التأويل الذي ذكرته السيدة عائشة
د،
، وتتفق بذلك القراءتان.
وكون الأحرف قد تزيد في الكتاب العزيز لمعنى أراده الله أمر شائع، ومن ذلك قوله تعالى: {لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَبِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (3) والشاهد هنا هو قوله لئلا مع أن المراد ليعلم أهل الكتاب كما هو معلوم
(1) السالمي، طلعة الشمس، ج 1، ص 31.
(2) سورة الحديد، الآية (29). (4/430)
صفحة 1751
الرائد
431
من السياق.
ومنه أيضا قوله تعالى: {وَحَرَامُ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ)،
والمعنى أنهم يرجعون فزاد (لا).
ومن الباب السابق قوله تعالى: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ
أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينِ.
والمعنى المراد ما منعك أن تسجد، فزاد (لا) في السياق.
وبالتحرير السابق تتفق القراءة الشاذة مع القراءة المتواترة صحيحة
المعنى.
وأما ثاني أدلتهم فيرده أن طواف الإفاضة لا يجوز إلا بعد الوقوف، وهو
ركن كالوقوف).
أما ثالث الأدلة وهو قياسهم على الرمي، فالمعنى في الرمي أنه تابع
(1) سورة الأنبياء، الآية (95).
(2) سورة الأعراف الآية (12).
(3) الطحاوي، شرح مشكل الآثار، ج 10، ص 90، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 157، وأبو حيان البحر المحيط، ج 1، ص 631، وابن حجر، فتح الباري، ج 3،
ص 499، والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 147.
(4) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 157. (4/431)
صفحة 1752
الرائد
432
للوقوف، بدليل سقوطه عمن فاته الوقوف والسعي ليس بتابع للوقوف
بدليل وجوبه على من فاته الوقوف، فلما كان الرمي تابعا لم يكن ركنا، ولما لم
يكن السعي تابعا كان ركنا.
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 157. (4/432)
صفحة 1753
الرائد
433
المبحث الرابع: شروط السعي وواجباته
المطلب الأول: النية
وقد
تقدم الكلام فيها من قبل عند الكلام على نية الطواف، فمن مشى
بين الجبلين دون نية السعي لم يصح سعيه؛ إذ الأعمال بالنيات كما نص على
ذلك النبي. والنية مشروطة للسعي كله فلو أعرض عن نية السعي ومشى مسافة ثم
رجع
إليها لم يجزه ما قطعه دون نية السعي ولزمه أن يسعى.
المطلب الثاني: كون السعي بعد طواف صحيح
وعلى السابق من لم يصح طوافه وسعى كان سعيه غير صحيح، وقد
نقل غير واحد الإجماع على السابق، قال الشيخ محمد بن إبراهيم الكندي:
يسع،
وإن
ومن سعى بين الصفا والمروة قبل أن يطوف فهو بمنزلة من لم كان بمكة فعليه أن يعيد، وإن كان قد أتى بلده فعليه دم يهرقه بمكة شرفها
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 191،،والرافعي العزيز، ج 3، ص 409، والنووي، المجموع، ج 8، ص 77، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 194، والقرافي، الذخيرة، ج 3،
ص 252.
(2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 157، والنووي، المجموع، ج 8، ص 77. (4/433)
صفحة 1754
الرائد
434
(1)
الله.
والدم المذكور هنا لكون الساعي في حكم من لم يسع، وهو مبني على قول من قال إن السعي واجب يجبر بالدم.
وقد تقدم قبل أن الحنفية يعتدون بأكثر الطواف، فلذا يقيدون الأمر هنا بعد أكثر الطواف، ولا يشترطون كله).
ودليل السابق أن النبي لا ما سعى إلا بعد الطواف كما لم يسجد إلا بعد ركوع، وقد قال "لتأخذوا عني مناسككم".
ولو جاز السعي من غير أن يتقدمه طواف لفعله صلى الله عليه وسلم ولو مرة ليدل به على
الجواز.
كما أن الطواف بالبيت نسك لا يقع إلا لله عز وجل فجاز فعله متفردا،
أن
والسعي بين الصفا والمروة قد يفعل الله عز وجل ولغير الله عز وجل وهو يسعى بينهما في حاجة عارضة أو أمر سانح فافتقر إلى طواف يتقدمه؛ ليمتاز
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 202.
(2) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 51، وابن الضياء البحر العميق، ج 3، ص 1287، والعثماني، إعلاء السنن، ج 7، ص 3053.
(3) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 157. (4/434)
صفحة 1755
الرائد
435
عما لغير الله، ويكون خالصا.
وفي هذا الأخير نظر إذ إنه قد يعتري الطواف أيضا أنه يكون لأمر
عارض، وقد ذكر الفقهاء ذلك كما نقلنا عنهم في فصل الطواف. واستدل بعضهم للسابق بأن السعي شرع لإكمال الطواف وأنه تبع؛ فإن
الله تعالى شرع السعي عقيب الطواف لا قبله فقال تعالى:
صلے
إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرُ عَلِيمُ).
ووجه الدلالة من السابق أن الله ذكر بحرف الفاء وأنها للتعقيب فكان
تبعا، والتبع لا يتقدم على المتبوع".
و مما قد يدل على السابق وأن السعي لا يصح إلا بعد طواف صحيح. ولم أجد من ذكره - فعل السيدة عائشة في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم إذ إنها لم تطف بالبيت لحيضها، ولم تسع أيضا مع أن النبي صلى الله عليه وسلم نص لها أنها غير ممنوعة مما لطافت أخذا يفعله الحاج كله إلا من الطواف بالبيت، ولو كان السعي يصح
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 157. (2) سورة البقرة، الآية (158).
(3) ابن الضياء البحر العميق، ج 3، ص 1287 (4/435)
صفحة 1756
الرائد
436
من العموم السابق.
وتؤخذ الدلالة من السابق أنه بالسبر والتقسيم يظهر أن موانع سعيها قد تفترض في أمور ثلاثة:
أولها رغبتها عن السعي، وثانيها الحيض الذي تلبست به، وثالثها كونها لم تطف.
أما أول الأمور فلا يصلح مانعا؛ لأنه ثبت بالنص أن النبي صلى الله عليه وسلمدخل عليها وهي تبكي لعدم قدرتها على الطواف بسبب الحيض، وهذا يفيد أنها راغبة في السعي لا راغبة عنه.
أما ثاني الأمور فلا يصلح مانعا كذلك لأنه ذكر غير واحد من أهل
-
العلم الإجماع كما سيأتي على أن السعي لا يشترط له الطهارة بل للحائض أن تسعى، ومع ذلك لم تسع السيدة عائشة، وليس لذلك من سبب إلا أنها لم
تطف.
فضلا عن أن ظاهر الحديث لم يمنعها من السعي بل أفاد بعمومه جوازه. وقد ثبت عنها بالنص جواز السعي بين الصفا والمروة مع التلبس بالحيض كما في حديث أبي الأحوص عن طارق قال: طافت امرأتي وصلت ركعتين ثم حاضت قبل أن تطوف بين الصفا والمروة فأمرتها أن تطوف بين
الصفا والمروة فسمعتني امرأة وأنا آمرها بذلك فقالت: (4/436)
صفحة 1757
الرائد
437
نِعْمَ ما أمرتها به عمتي وخالتي عائشة وأم سلمة زوجتا النبي صلى الله عليه وسلم تقولان: إذا طافت المرأة بالبيت ثم صلت ركعتين ثم حاضت فلتطف بين الصفا والمروة.
وعليه فلا يبقى من العلل إلا كونها لم تطف طوافا صحيحا.
وكونها لم تسع يفيده تصريحها كما في حديث عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أنها قالت: قدمت مكة وأنا حائض ولم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، قالت:
فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: افعلي كما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري.
وخالف بعض الفقهاء فقالوا بجواز تقدم السعي على الطواف، ومن ذلك ما رواه ابن أبي شيبة عن محمد بن جعفر عن أشعث عن الحسن قال: لا يعتد به يطوف بالبيت ثم يطوف بين الصفا والمروة.
(1) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 299.
(2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت
(107 V)
(3) أحمد بن حنبل، المسائل برواية عبد الله ص 216،،والنووي، المجموع، ج 8، ص 77، وابن مفلح الفروع، ج 3، ص 373، وابن عثيمين مجموع الفتاوى، ج 23، ص 205. (4/437)
صفحة 1758
الرائد
438
فلا
فإن لم يفعل حتى ينسى؟ قال: قد قضى ما عليه ولا شيء عليه). ومنهم من قيد الأمر بالنسيان، فمن سعى قبل أن يطوف من غير عمد
حرج
عليه).
ومنهم من قيد جواز تقديم السعي قبل الطواف بطواف الحج، أما
(3)
العمرة فلا يصح.
وقد استدل هؤلاء لقولهم بحديث عثمان بن أبي شيبة ثنا جرير عن
الشيباني عن زياد بن علاقة عن أسامة بن شريك قال:
خرجت مع النبي حاجا فكان الناس يأتونه فمن قال: يا رسول الله،
سعيت قبل أن أطوف، أو قدمت شيئا أو أخرت شيئا فكان يقول:
لا حرج لا حرج، إلا على رجل اقترض عرض رجل مسلم وهو ظالم
فذلك الذي حرج وهلك).
(1) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 251.
(2) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 194.
(3) ابن عثيمين مجموع الفتاوى، ج 23، ص 210.
(4) أخرجه أبو داود في كتاب المناسك باب باب فيمن قدم شيئا قبل شيء في
(2015) (4/438)
صفحة 1759
الرائد
والحديث قال النووي) وابن جماعة) إن إسناده صحيح.
وقال الشوكاني: قال الحفاظ إنه ليس بمحفوظ".
ولا أدري من يريد الشوكاني بقوله السابق.
439
لكن أشار بعض المحدثين إلى شذوذ لفظة "سعيت قبل أن أطوف"، قال
الدارقطني: ولم يقل سعيت قبل أن أطوف إلا جرير عن الشيباني.
وقال البيهقي:
هذا اللفظ سعيت قبل أن أطوف غريب تفرد به جرير عن الشيباني، فإن
كان محفوظا فكأنه سأله عن رجل سعى عقيب طواف القدوم قبل طواف
الإفاضة فقال: لا حرج
(0)
وبيان السابق أنه أخرجه دون ذكر الشاهد المذكور جماعة منهم عيسى بن
يونس قال: حدثنا عثمان بن حكيم عن زياد بن علاقة عن أسامة بن شريك
(1) النووي، المجموع، ج 8، ص 83.
(2) ابن جماعة، هداية السالك، ج 3، ص 1048.
(3) الشوكاني، السيل الجرار، ج 2، ص 198.
(4) الدارقطني، السنن، ج 2، ص 251.
(5) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 146. (4/439)
صفحة 1760
الرائد
قال).
440
ورواه عمران بن داود القطان حدثني محمد بن جحادة عن زياد بن
علاقة عن أسامة بن شريك).
ورواه إسحاق بن يوسف قال: ثنا مسعر عن زياد بن علاقة عن
بن شريك (3).
أسامة
ورواه الإمام أحمد قال: ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن زياد بن علاقة عن أسامة بن شريك).
ورواه محمد بن محمد التمار ثنا سهل بن بكار قالوا ثنا أبو عوانة عن زياد
بن علاقة عن أسامة بن شريك).
ورواه أبو بكر بن أبي شيبة وهشام بن عمار قالا ثنا سفيان بن عيينة عن
زياد بن علاقة عن أسامة بن شريك)).
(1) ابن حبان، صحيح ابن حبان، ج 2، ص 236. (2) ابن خزيمة، صحيح ابن خزيمة، ج 4، ص 310. (3) النسائي، السنن الكبرى، ج 4، 368. (4) أحمد بن حنبل، المسند، ج 4، ص 278.
(5) الطبراني، المعجم الكبير، ج 1، ص 179.
(6) أخرجه ابن ماجه في كتاب الطب، باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء (3436). (4/440)
صفحة 1761
الرائد
441
ورواه عمرو بن علي ثنا أبو عاصم ثنا محمد بن بشر الأسلمي عن زياد بن علاقة عن أسامة بن شريك).
ورواه ابن أبي شيبة حدثنا أسباط بن محمد عن الشيباني عن زياد بن
علاقة عن أسامة بن شريك أن النبي لا لا لا ل سئل عن رجل حلق قبل أن يذبح
قال: لا حرج".
ورواه ابن أبي شيبة عن ابن عيينة عن زياد علاقة
شريك).
بن
أسامة
عن
بن
ورواه ابن الجعد عن شيخه علي عن زهير ثنا زياد بن علاقة عن
بن شريك).
أسامة
ورواه عيسى بن يونس عن عثمان بن حكيم عن زياد بن علاقة عن
أسامة بن شريك).
ورواه النعمان بن عبد السلام حدثنا مالك بن مغول عن زياد بن علاقة
(1) الطبراني، المعجم الكبير، ج 1، ص 182.
(2) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، 363.
(3) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، 363.
(4) ابن الجعد، المسند، ص 378.
(5) الطبراني، المعجم الأوسط، ج 6، ص 268. (4/441)
صفحة 1762
الرائد
442
عن أسامة بن شريك).
ورواه عبد الله بن رجاء أنا إسرائيل عن زياد بن علاقة عن أسامة بن
شريك (2).
ومع
السابق يبقى في الاستدلال باللفظة السابقة نظر، وما بقي إلا
الاستدلال بعموم ترخيصها في التقديم والتأخير وقوله لا حرج.
والواقع أن هذا العموم لم يقل أحد بظاهره في الأحوال كلها، لأنه لم يقل أحد بإجزاء طواف من طاف للإفاضة قبل الإحرام بالحج أو قبل يوم
التاسع.
كما لم يقل أحد بتأخير وقوف عرفة أو تقديمه عن يومه لعموم الحديث
القاضي بترخيص النبي في التقديم والتأخير وأنه لا حرج.
وحديث أسامة بن شريك كان في عرفات كما يظهر من جمع طرقه السابقة فقد نص عليه في حديث سليمان بن حرب قال: نا شعبة عن زياد بن علاقة عن أسامة بن شريك قال: أتيت النبي بعرفات.
وفيه الترخيص العام في التقديم والتأخير قبل اليوم العاشر، وعليه فهو
(1) الطبراني، المعجم الصغير، ج 1، ص 337
(2) الطبراني، المعجم الكبير، ج 1، ص 180. (3) الضياء المقدسي، الأحاديث المختارة، ج 4، ص 168. (4/442)
صفحة 1763
الرائد
443
متروك الظاهر اتفاقا.
وقول من قال إن الأمر خاص باليوم العاشر مستدلا بحديث أسامة بن
شريك يدفعه أن الحديث كان في اليوم التاسع مما يعني أن السؤال كان
عن
طواف العمرة إذ لم يبدأ الناس بطواف الإفاضة بعد فكيف يسأل عنه. وما دام الحال كما ذكر فمذهب الجماهير من أهل العلم القاضي باشتراط الطواف لصحة السعي هو الأولى والأقرب للدليل؛ إذ أدلته التي ذكرناها
أظهر من دليل القول الذي يرخص في تقديم السعي على الطواف.
ومع
القول بشذوذ اللفظة السابقة وأنه لا حجة فيها فالجمهور القائلون
باشتراط الطواف الصحيح لصحة السعي أوّلوها بأن قوله "قبل أن أطوف"
أي سعيت بعد طواف القدوم وقبل طواف الإفاضة).
قال الخطابي:
وأما قوله سعيت قبل أن أطوف" فيشبه أن يكون هذا السائل لما طاف
فأفتاه
طواف القدوم قرن به السعي فلما طاف طواف الإفاضة لم يعد السعي بأن لا حرج؛ لأن السعي الأول الذي قرنه بالطواف الأول قد أجزاه. فأما إذا لم يكن سعى إلى أن أفاض فالواجب عليه أن يؤخر السعي عن
(1) النووي، المجموع، ج 8، ص 83، وابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 5 (4/443)
صفحة 1764
الرائد
444
الطواف لا يجزيه غير ذلك في قول عامة أهل العلم، إلا في قول عطاء وحده فإنه قال يجزيه وهو قول كالشاذ لا اعتبار له.
وأبو المؤثر من أئمة القرن الهجري الثالث قال إن الأصل الطواف ثم السعي ولا يجوز خلافه، لكن من سعى ثم طاف فعليه أن يعيد السعي، ومن
لم يعد حتى رجع إلى بلده فأقل ما يلزمه دم، واستحب هو البدنة". والرأي السابق محتمل لأن يكون الدم المراد قائما على مذهب من يرى
وجوب السعي وهذا لم يسع فيجب عليه.
كما أنه محتمل لأن يكون السعي قد أجزى الساعي لكنه ألزم بالدم للإخلال بواجب الترتيب بين النسكين، وهذا أظهر الأمرين كما صرح به في خاتمة جوابه - إذ قال:
والذي أقول به أنا أنه يعيد السعي، فإن لم يعد السعي حتى يخرج من
مكة أن عليه دما؛ لأنه قدم نسكا قبل نسك.
وللشرط السابق يتصور السعي بعد طواف القدوم للمفرد، وطواف القدوم للقارن على مذهب من يرى أن طواف القدوم ليس بطواف عمرة،
(1) الخطابي معالم السنن، حاشية سنن أبي داود، ج 2، ص 354.
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 193.
(3) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 194. (4/444)
صفحة 1765
الرائد
445
كما يتصور بعد طواف العمرة، وبعد طواف الإفاضة).
ومن الفقهاء من قال إن الأفضل للحاج أن لا يسعى بعد طواف القدوم؛ لأن السعي واجب لا يليق أن يكون تبعا للسنة، بل يؤخره إلى طواف الزيارة؛ لأنه ركن واللائق للواجب أن يكون تبعا للفرض". ويرد هذا القول فعل النبي صلى الله عليه وسلم فإنه سعى بعد أول طواف طافه بعد ما
قدم.
وقال بعض الفقهاء يجوز لمن أحرم بالحج من مكة إذا طاف للوداع لخروجه إلى منى أن يقدم السعي بعد هذا الطواف؛ لأنه إذا جاز ذلك لمن أحرم من خارج مكة جاز للمحرم منها).
من
وقد تقدم من قبل عند ذكر أنواع الطواف أن هذا الطواف غير مشروع أصله؛ إذ لا دليل يسنده، وعليه فالسعي لا يتجاوز الأنواع التي ذكرناها
من قبل.
ونص بعض الفقهاء على أن السعي لا يتأقت بكونه عقب طواف
(1) تقدم في مبحث أنواع النسك التفصيل في مشروعية سعي المفرد والمتمتع والقارن، وهل
على القارن والمتمتع سعيان أو سعي واحد.
(2) ابن النجيم البحر الرائق، ج 2، ص 358.
(3) النووي، المجموع، ج 8، ص 77. (4/445)
صفحة 1766
الرائد
446
الإفاضة، بل لو كان الطواف المتقدم نفلا لم يمتنع أن يقع السعي بعده ركنا. وكون السعي لا يتأقت بطواف الإفاضة صحيح، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يسع بعد طواف الإفاضة رأسا فكيف يتأقت السعي به، ولم يأت صريحا أن الصحابة الذين حجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم قد سعوا بعد طواف الإفاضة.
غير أن كون السعي يجزي ولو كان بعد طواف نفل محل نظر، وذلك لأن الأمر تعبدي علته خافية، ولا يعلم لم كان سعي النبي صلى الله عليه وسلم بعد القدوم ولم يكن بعد الإفاضة، فهل العلة كون السعي بعد طواف، أو العلة كون السعي بعد
القدوم.
ومن غير شك أن طواف النفل أدنى مرتبة من طواف القدوم الذي قد يكون طواف عمرة، وقد قيل بوجوبه بل ركنيته كما هو قول عند المالكية وقد
تقدم، لذا ستكون المسألة من باب قياس الأدنى على الأعلى فيقدح فيه
بالفارق.
والتفاوت بينهما في الحكم الشرعي قد يكون هو علة الاختلاف بينهما في الإجزاء من عدمه، والمسألة محتملة؛ لذا كان الأولى أن يقتصر على مورد النص فيقال إجزاء السعي إنما هو في كونه بعد طواف القدوم أو الإفاضة
(1) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 303. (4/446)
صفحة 1767
الرائد
447
للقارن والمفرد إن لم يسعيا بعد القدوم، وللمتمتع على ما تقدم من خلاف في
مشروعية سعيه بعد الإفاضة.
والمالكية قالوا لِيَسْعَ عقب طواف القدوم، فإن كان مراهقا فعقيب
طواف الإفاضة، ولو أخره غير المراهق عقيب الإفاضة لزمه الدم عند ابن
القاسم منهم.
ولو أخره عقيب طواف الوداع أجزاه عند مالك.
وقال ابن القاسم: إذا قدم مكة فطاف ولم ينو به حجا ثم سعى لا أحب
له سعيه إلا بعد طواف ينوي به الفرض، فإن رجع إلى بلده أو جامع رأيته مجزيا عنه وعليه دم وأمر الدم خفيف (3).
وأصلهم السابق أن السعي من سننه أن يكون بعد طواف واجب ولهم خلاف فيمن سعى بعد طواف غير واجب كما يظهر من المنقول السابق. غير أن مسألة كون السعي يجزي بعد طواف الوداع أمر فيه من الحرج ما قدمناه أنه لا دليل عليه بل طواف النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه للوداع لم يكن إثره
(1) المراهق عند المالكية من يصل مكة متأخرا ويخشى فوات عرفة.
(2) واختار هذا الرأي الشيخ أبو طاهر الجيطالي. الجيطالي، مناسك الحج، ج 2، ص 259.
(3) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 252.
(4) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 253. (4/447)
صفحة 1768
الرائد
سعي
توقيفي.
448
باتفاق فكيف يجزي مثل هذا السعي وليس له أصل في أمر تعبدي
ثم إنه لو قيل بسعيه عقب طواف الوداع ما كان ذلك الطواف وداعا؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بجعل آخر عهد الناسك بالبيت، ومن سعى بعد الوداع كان آخر عهده بالمسعى لا بالبيت فلا يكون ممتثلا الأمر النبوي، ويلزمه طواف آخر للوداع ليكون آخر عهده بالبيت، وقد ذهب لذلك بعض أهل العلم، وقال الزركشي:
شرط السعي وقوعه بعد طواف ما فرضا أو نفلا، فإن قلت: هل يصح بعد طواف الوداع؟ قلت: هذا مغالطة؛ لأن طواف الوداع لا يصح قبل إتمام
(2)
المناسك فكيف يصح قبل السعي اهـ، وهو أمر ظاهر دليله، جلي تعليله. إلا أن من الفقهاء من اغتفر السابق لكون السعي من توابع الطواف وما هو بأمر مستقل.
وهذا التعليل ليس بشيء، إذ لا دليل على أن السعي تابع للطواف، بل هو شعيرة مستقلة بذاتها لها أحكامها التي لا يجمعها بالطواف شيء سوى أنها
(1) العيني، عمدة القاري، ج 9، ص 290.
(2) الزركشي، المنثور في القواعد، ج 3، ص 404.
(3) ابن عثيمين، مجموع الفتاوى، ج 22، ص 438. (4/448)
صفحة 1769
الرائد
449
إثره ولا تصح إلا بعد أن يتقدمها.
وكون هذه الشعيرة لا تصح إلا بعد الاعتداد بالطواف قبلها ذلك لا يقدح في صحة الأصل السابق؛ لأن عدم صحتها إلا بعد طواف صحيح ليس لذات الطواف بل لأمر خارج وهو وجوب الترتيب بين المناسك، لذا فالأولى قول من قال إن الفعل السابق لا يجزي وأن صاحبه ملزم بطواف وداع آخر ليس بعده نسك.
قال الشيخ أبو طاهر الجيطالي: وعندي إذا نوى طواف الوداع للزيارة أن يجزيه ويلزمه للوداع دم".
وبالسابق يظهر لك أن فعل كثير من الناس المتمتعين الذين يؤخرون طواف الإفاضة إلى ما بعد المناسك ويجمعونه وسعيه مع طواف الوداع باعتبار أن آخر العهد بالبيت هو طواف الإفاضة فيجزي عن الوداع أمر فيه
نظر من وجهين:
أولهما: هو مخالف للسنة فصاحبها لا اله جعل للإفاضة طوافا وللوداع غيره، وهؤلاء ما طافوا إلا طوافا واحدا وزيادة الأعمال والنصب في المشروعات تستلزم زيادة الأجور، إذ الأجر على مقدار النصب كما أخبر
(1) الجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2، ص 168. (4/449)
صفحة 1770
450
الرائد
النبي
ثانيهما: طواف الوداع واجب على مذهب الجماهير من أهل العلم وعليه ظاهر السنة، ومشروعيته ليكون آخر عهد الناسك بالبيت باتفاق العلماء
وبنص الحديث، لذا فلا يأتيه مريده إلا بعد أن ينهي أعمال نسكه كلها. والمتمتع على مذهب الجماهير من العلماء كما تقدم- يشرع له السعي بعد طواف الإفاضة وذلك السعي نسك باتفاق، فإيقاع الوداع المجزي قبله ثم الإتيان بنسك بعده يمحض الوداع واقعا قبل وقته فلا يجزي. ويلزم من فعل السابق طواف آخر للوداع لا يلتفت بعده إلى نسك بل الرحيل فقط.
ذلك ما كتبته أولا ثم إني رأيت بعض ألفاظ حديث السيدة عائشة وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينتظرها ليلة الحصبة إلى أن تنهي عمرتها مع أخيها عبد الرحمن، وظاهر الرواية أنها قد اجتزت بطواف العمرة الذي يعقبه من حيث الأصل سعي، والسابق جاء من حديث أبي نعيم حدثنا أفلح بن حميد عن القاسم عن
عائشة قالت:
.. نفرنا من منى فنزلنا المحصب فدعا عبد الرحمن فقال: اخرج بأختك الحرم فلتهل بعمرة ثم افرغا من طوافكما أنتظركما ها هنا، فأتينا في (4/450)
صفحة 1771
الرائد
451
جوف الليل فقال: فرغتها؟ قلت نعم فنادى بالرحيل في أصحابه فارتحل
الناس ومن طاف بالبيت قبل صلاة الصبح، ثم خرج موجها إلى المدينة. غير أن هذه الرواية من حيث الظاهر لا تسلم من الإعلال، فإن الأظهر كما تفيد ذلك الروايات الأخر للحديث أنه لو انتظر السيدة عائشة إلى أن أنهت عمرتها ثم أذن للناس بالرحيل وطاف بالبيت للوداع ثم نفر كما يفيد ذلك حديث إسحاق بن سليمان عن أفلح بن حميد عن القاسم عن عائشة قالت: ..... ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم المحصب فدعا عبد الرحمن بن أبي بكر بأختك من الحرم فلتهل بعمرة ثم لتطف بالبيت فإني أنتظركما
فقال: اخرج
ها هنا.
قالت: فخرجنا فأهللت ثم طفت بالبيت وبالصفا والمروة فجئنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في منزله من جوف الليل فقال: هل فرغت؟ قلت: نعم، فآذن في أصحابه بالرحيل فخرج فمر بالبيت فطاف به قبل صلاة الصبح ثم خرج إلى
المدينة (2).
وجاء السابق من رواية أبي بكر الحنفي عن أفلح عن القاسم عن عائشة
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: المعتمر إذا طاف طواف العمرة ثم خرج هل
يجزئه من طواف الوداع (1696).
(2) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام (1211). (4/451)
صفحة 1772
الرائد
452
قالت:
خرجت مع النبي في النفر الآخر فنزل المحصب ثم جئته بسحر فأذن في أصحابه بالرحيل فارتحل فمر بالبيت قبل صلاة الصبح فطاف به حين خرج ثم انصرف متوجها إلى المدينة).
كما جاء السابق من حديث وهب بن بقية عن خالد عن أفلح عن القاسم عن عائشة قالت: أحرمت من التنعيم بعمرة فدخلت فقضيت عمرتي وانتظرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأبطح حتى فرغت وأمر الناس بالرحيل، قالت:
وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت فطاف به ثم خرج.
ومن السابق كله يظهر أن فيما جاء في الرواية من قولها "فارتحل الناس ومن طاف بالبيت قبل صلاة الصبح" تحريفا كما يقول الحافظ ابن حجر وأن صواب العبارة: فارتحل الناس ثم طاف بالبيت)، فضلا عن الركة التي في العبارة إذ الناس هم الذين طافوا بالبيت والأصل في العطف أن يدل على
التغاير.
(1) أخرجه أبو داود في كتاب المناسك باب طواف الوداع (2006).
(2) أخرجه أبو داود في كتاب المناسك، باب: طواف الوداع (2005).
6
(3) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 613، والعيني، عمدة القاري، ج 10، ص 126، وابن القيم، زاد المعاد، ج 2، ص 291 (4/452)
صفحة 1773
الرائد
453
وعلى السابق ليس في العبارة المذكورة دليل على أن الفصل بين الطواف
والنفر بالسعي مغتفر فيبقى على أصل الأمر وهو عدم الإجزاء. وبعد ذكر مسألة الاعتداد بالطواف الذي يسبق الطواف لا بد من التنبه إلى أن السعي لا بد من أن يكون في أشهر الحج، فلو طاف طوافا قبل أشهر الحج وسعى بعد الطواف السابق قبل أشهر الحج ما كان ذلك السعي يجزيه عن سعي الحج إذ هو واقع قبل وقته فلا يجزيه).
والسابق نبه عليه بعض أهل العلم، ولم أهتد إلى حال يمكن فيه أن
يسعى سعي الحج بعد طواف خارج أشهر الحج.
وبيان ذلك أن الطواف الذي يجزي السعي بعده عن سعي الحج في مجمل أقوال أهل العلم مع الخلاف فيها إما أن يكون بعد طواف القدوم للمفرد أو القارن أو العمرة للمتمتع.
وفي الأحوال السابقة كلها لا يتحقق الإحرام بنسك من الأنساك السابقة إلا في أشهر الحج وإن أحرم بشيء منها خارج الأشهر لم يعتد بإحرامه على رأي الجماهير من العلماء وهو الذي تشير إليه الأدلة، وإن اختلفوا أيكون عمرة أو لا يعتد به رأسا كما هو الأظهر.
(1) أبو البركات، المحرر في الفقه، ج 1، ص 243. (4/453)
صفحة 1774
الرائد
454
لكن الحال الذي يتصور فيه الفعل السابق هو السعي بعد طواف النفل خارج أشهر الحج، وقد مضى ذكر الخلاف في السابق، وتبين أن السعي
المذكور من الأصل غير مشروع فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يسع إلا بعد طواف نسك. وإلحاق طواف النفل بطواف النسك إلحاق مع الفارق بينهما، ثم إنه قد تكون علة الإجزاء هي كونه بعد نسك، وعليه فلا يصح السعي رأسا، ومنه أنه لا حاجة بنا إلى هذا الشرط، اللهم إلا على قول من سوغ السعي بعد
يتبين
أي طواف كان وقد تبين ضعفه.
المطلب الثالث: الترتيب
ويتصور الترتيب المراد هنا في الأشواط، بأن يكون الشوط الأول من الصفا إلى المروة، والشوط الثاني من المروة إلى الصفا، وهكذا الأشواط الفردية كلها يشترط لها أن يكون بدءها من الصفا، وختمها بالمروة. أما الأشواط الزوجية فيشترط لها أن يكون بدءها من المروة وختمها
بالصفا.
و مما يقتضيه شرط الترتيب أن الشوط الثاني لا يصح إلا بعد أن يصح
الشوط الأول، والشوط الثالث لا
وهكذا.
يصح إلا بعد أن يصح الشوط الثاني
وهذا يفيد أن عدم صحة شوط من الأشواط يجر معه عدم صحة كل ما (4/454)
صفحة 1775
الرائد
455
بعده من الأشواط؛ إذ صحة التالي مشروطة بصحة السابق. ومما يقتضيه شرط الترتيب المبين سابقا أن من طاف شوطه الأول من الصفا إلى المروة، ثم خرج من المسجد ودخل المسعى من جهة الصفا وطاف شوطه الثاني من الصفا إلى المروة أيضا فإنه لا يحسب له إلا شوطه الأول من الصفا إلى المروة، أما الشوط الثاني فليس له من أمر الصحة شيء. وإن أراد التصحيح فما عليه إلا الرجوع إلى المروة ليبدأ من عندها شوطه
الثاني إلى الصفا إلا في وجه شاذ عند الشافعية اعتد بشوطه الثاني من
إلى المروة.
الصفا
ومن بدأ طوافه من المروة إلى الصفا ألغى أول الأشواط التي أداها، وحسب له طوافه من الصفا إلى المروة شوطا أول، وهكذا). ومن الفقهاء من قال إن من بدأ بالمروة وختم بالصفا وقصر فعليه دم
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 200، والجصاص، أحكام القرآن، ج 1، ص 123، والنووي، المجموع، ج 8، ص 75، وابن قدامة المغني، ج 3، ص 193، والقرافي،
الذخيرة، ج 3، ص 250، وشيخنا الخليلي، الفتاوى الكتاب الأول، ص 376.
(2) النووي، المجموع، ج 8، ص 75.
(3) الجيطالي، مناسك الحج، ج 2، ص 260، والنووي، المجموع، ج 8، ص 75، وابن قدامة،
المغني، ج 3، ص 193، والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص 251. (4/455)
صفحة 1776
الرائد
456
ويعيد سعيه، وإن لم يقصر فعليه إعادة السعي ولا
واحدا يبدأ بالصفا ويختم بالمروة.
دم
عليه، ويعيد سعيا
والدم السابق المذكور هو لحلق الشعر حال الإحرام وقبل موضعه. ومن أهل العلم من قال إن من بدأ سعيه بالمروة صح أداء ذلك الشوط لكن لا يعتد به؛ لأنه لم يأت به بوصف الوجوب فكأنه لم يأت به فيجب أن يعيده بعد ستة من الصفا، ولو لم يعده فعليه، دم، لترك واجب البداءة
بالصفا).
ولو تصور أن ثمة نسيانا في السعي أدى إلى إخلال بالترتيب السابق كان حكمه كما ذكرنا.
وعلة السابق فعل النبي الهلال الذي قال: "لتأخذوا عني مناسككم"، وكل عمل ليس عليه أمر الشرع فهو رد، والأمر تعبدي محض فيقتصر به على
مواضع النصوص، والنصوص ما جاءت إلا بالسابق.
ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم لما بدأ بالصفا جاء عنه أنه قال "ابدءوا بما بدأ الله به"،
والأصل في الأمر الوجوب".
(1) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 346، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 199.
(2) العثماني، إعلاء السنن، ج 7، ص 3051.
(3) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 158. (4/456)
صفحة 1777
الرائد
457
وفي اللفظة التي استدل بها وفيها الأمر بالبدء بما بدأ الله به نظر، وذلك لأن هذه الواقعة ما كانت إلا مرة واحدة على ما يظهر من السير-، وقد رويت بألفاظ أشهرها "أبدا"، و" نبدأ "، ورويت بلفظ "ابدءوا"، وكون الأمر واقعة واحدة يتعين معه أن اللفظ الذي نطق به النبي صلى الله عليه وسلم واحد، وما
عداه شاذ لا يثبت.
والخلاف في الألفاظ السابقة كان بين الرواة عن جعفر بن محمد الذي
روى الحديث عن أبيه عن جابر بن عبد الله.
وبيان ذلك أن حاتم بن إسماعيل المدني رواه بلفظ "أبدأ" كما أخرج
(4)
الرواية مسلم، وابن حبان، وجاء عند ابن الجارود، والنسائي من طريق حاتم بن إسماعيل بلفظ "ابدءوا".
وأما رواية "نبدأ" فرواها جماعة منهم الإمام مالك في الموطأ، وسفيان
(1) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب: حجة النبي صلى الله عليه وسلم (1218).
(2) ابن حبان، صحيح ابن حبان، ج 9، ص 253.
(3) ابن الجارود، المنتقى، ص 121.
(4) النسائي، السنن الكبرى، ج 2، ص 413 من طريق إبراهيم بن هارون البلخي حدثنا
حاتم.
(5) مالك بن أنس، الموطأ، ج 1، ص 372. (4/457)
صفحة 1778
الرائد
458
بن عيينة كما عند الترمذي من طريق ابن أبي عمر)، ويحيى بن سعيد كما عند أحمد)، وابن الجارود)، والنسائي)
ومنهم وهيب بن خالد كما رواه عنه تلميذه الطيالسي، وإسماعيل بن
جعفر كما عند النسائي، وابن الهادي كما عند النسائي، وابن عند أبي عوانة.
جريج
کہا
كما رواه بلفظ " نبدأ" عبد الله بن محمد النفيلي وعثمان بن أبي شيبة و هشام بن عمار وسليمان بن عبد الرحمن الدمشقيان قالوا: ثنا حاتم بن إسماعيل، روى ذلك عنهم كلهم أبو داود في السنن، وأخرج رواية هشام
(1) أخرجه الترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء أنه يبدأ بالصفا قبل المروة (862)، وقال:
حسن صحيح.
(2) أحمد بن حنبل، المسند، ج 3، ص 320.
(3) ابن الجارود، المنتقى، ص 121. (4) النسائي، السنن الكبرى، ج 2، ص 411.
(5) الطيالسي، المسند، ص 232. 2
(6) النسائي، السنن الكبرى، ج 2، ص 409.
(7) النسائي، السنن الکبري، ج 2، ص 412.
(8) أبو عوانة، المسند، ج 2، ص 363.
(9) أخرجه أبو داود في كتاب المناسك، باب صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم (1905). (4/458)
صفحة 1779
الرائد
459
بن عمار ابن ماجه).
ورواه بلفظ " نبدأ " ابن أبي شيبة عن حاتم".
ومن السابق يظهر أن رواية الأمر بالبدء بما بدأ الله به رواية شاذة وهي ليست بحجة في الاستدلال.
والأمر بالترتيب وعدم الاعتداد بخلافه هو الذي عليه الجماهير من أهل
العلم، بل إن ثمة من أهل العلم من ذكر الإجماع على أن من بدأ بالمروة إلى
الصفا أن ذلك لا يجزيه).
لكن روي عن عطاء ما يخالف السابق فقال: إن بدأ الساعي بالمروة
أجزاه سعيه).
كما ذهب آخرون إلى أن ترتيب البدء بالصفا ثم المروة سنة وليس بشرط فمن بدأ سعيه بالمروة ثم يمر إلى الصفا اعتد بذلك الشوط مع الكراهة لما فيه من خلاف للسنة».
(1) أخرجه ابن ماجه في كتاب المناسك، باب حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم (3074).
(2) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 334.
(3) العيني، البناية، ج 4، ص 207.
(4) العيني، البناية، ج 4، ص 207.
(5) الجصاص أحكام القرآن، ج 1، ص 123، وابن الضياء، البحر العميق، ج 3، (4/459)
صفحة 1780
الرائد
(460
ووجه هذا القول أن الثابت الألفاظ عن النبي صلى الله عليه وسلم " نبدأ بما بدأ الله"، من
وهذا لا يفيد وجوب البداءة بالصفا بذاته بل يفيد السنية.
ووجه هذا القول عند القائلين به من الحنفية أنه أتى بأصل السعي وإنما ترك الترتيب فلا تلزمه الإعادة كما لو توضاً في باب الصلاة فترك الترتيب). ومنهم من يقول بسنية الترتيب لا اشتراطه لكن لا يعتد بذلك الشوط
المنكس؛ لأن الواجب صعود الصفا أربعا والمروة ثلاثا.
ومع قول عطاء السابق الجميع متفقون على أن من بدأ بالصفا وختم أسبوعه بالمروة أنه مصيب للسنة».
المطلب الرابع: قطع المسافة بين الصفا والمروة جميعها
مما اتفقت عليه الكلمة بين الفقهاء أن الساعي يجب عليه أن يقطع ما بين
الصفا والمروة من المسافة جميعها، ولا
يصح
له أن يبقي يبقي شيئا من
تلك
المسافة غير مقطوع.
ص 1289، والعثماني، إعلاء السنن، ج 7، ص 3050.
(1) العثماني، إعلاء السنن، ج 7، ص 3050.
(2) ابن الضياء، البحر العميق، ج 3، ص 1289.
(3) ابن الضياء البحر العميق، ج 3، ص 1289.
(4) ابن المنذر، الإجماع، ص 71.
(5) النووي، المجموع، ج 8، ص 74، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 192، والقرافي، (4/460)
صفحة 1781
الرائد
461
غير مقطوع.
وإن أبقى شيئا ولو بعض خطوة - غير مقطوع كان ذلك شوطا ناقصا
فلم يصح، وعليه لن يصح ما بعده.
ونبه جمع من الفقهاء على أن من طاف راكبا اشترط أن يسير دابته حتى تضع حافرها على الجبل، أو إليه حتى لا يبقى من المسافة شيء تحقيقا للشرط
السابق).
والحال الآن أنه لا يسعى أحد بالبيت على الدواب ولله الحمد، لكن يؤخذ منه حكم الساعين ركبانا على عجلات الضعفة فيتنبه ويقطع بهم مسافة السعي كلها.
وسيأتي أن من سنن السعي صعود الجبلين عند بداءة كل شوط، ومن لم يصعد ذهب جمع من الفقهاء إلى أنه يلزمه أن يلصق في الابتداء والانتهاء
رجله في الجبل على وجه لا يبقى معه فرجة بين رجله والجبل
وعليه فيلزمه أن يلصق العقب بأصل ما يذهب منه، ويلصق رؤوس أصابع رجليه بما يذهب إليه، وكل هذا أصله وجوب قطع المسافة بين
الذخيرة، ج 3، ص 251.
(1) النووي، المجموع، ج 8، ص 75.
(2) النووي، المجموع، ج 8، ص 75، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 192. (4/461)
صفحة 1782
الرائد
الجبلين كلها.
462
ومن الفقهاء من استعسر الصاق الرجلين بالجبلين من حيث يقين قطع
المسافة المرادة جميعها فقال
أن بوجوب يصعد إلى الجبلين قليلا على وجه
يستيقن معه أنه قد قطع المسافة بين الجبلين كلها.
والسابق نفسه قيل به في حال الوضوء إذ يلزم غاسل وجهه غسل جزء
من رأسه مع وجهه ليستيقن إكمال الوجه.
?
وقد اعترض على السابق بأن النبي سعى راكبا، ومعلوم أن الراكب
لا يصعد (2).
كما أن السعي قد اشتهر من غير رقي كما روي عن عثمان وغيره من
الصحابة (3).
ثم إن قولهم إنه لا يمكنه استيفاء ما بينهما إلا بالصعود عليه لا يصح؛ إذ قد يمكنه ذلك بإلصاق عقبه بالصفا، ثم يسعى فإذا انتهى إلى المروة ألصق
(1) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 409، والنووي، المجموع، ج 8، ص 75.
(2) النووي، المجموع، ج 8، ص 75.
(3) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 159، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 409، والقرافي،
الذخيرة، ج 3، ص 251. (4/462)
صفحة 1783
الرائد
463
أصابع قدميه بالمروة فيستوفي ما بينهما وإن لم يصعد عليهما.
وذهب جمع من الفقهاء إلى أنه إن لم يرد الساعي رقي الجبلين فلا يجب
عليه إلصاق الكعبين بالجبلين بل يبلغه من غير تحديد".
ومنطقة السعي بعد التحديثات الأخيرة التي شملت المسجد الحرام والمسعى مبلطة، وعند الجبلين اللذين يرقى إليهما جعل نوع من الرخام
الصغير ليعلم أن ثمة يكون الرقي الذي يذكره الفقهاء.
ومن علماء بلاد الحرمين من نص على أن منتهى منطقة السعي هو نهاية طريق دراجات العجزة؛ لأن الذين وضعوا طريق الدراجات السابقة وضعوه على منتهى ما يجب السعي فيه.
فيكون السابق هو المنطقة التي يلزم السعي فيها ولا يجوز للإنسان أن
ينقص شيئا منها، ويكون رقي الجبلين مسنونا فيما عدا هذه المنطقة. على أن رؤية البيت الآن ممكنة من الصفا دون المروة ومن منطقة عالية
في الصفا، وفي ظني أنها أعلى مما كانت الرؤية ممكنة عنده زمان النبي. والنبي صلى الله عليه وسلمرقي الجبل إلى أن رأى البيت فيسن هذا الرقي ولو كان أعلى
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 159.
(2) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 251.
(3) ابن عثيمين، مجموع الفتاوى، ج 22، ص 437. (4/463)
صفحة 1784
الرائد
464
من منطقة رقي النبي تحقيقا لعلة الرقي السابقة المستفادة الإيماء، وليس هو بالأمر العسير والحمد لله.
من
مسلك
والطابق العلوي للمسعى ليس به جبل رأسا، فيكون منتهى السعي الواجب فيه هو آخر الطريق الذي ذكرناه، وأما الدوران بالقبة المقامة على هواء الصفا أو المروة فليس بواجب؛ لأنه بعد منتهى مكان السعي الواجب. والإخلال بواجب قطع مسافة المسعى يتصور فيمن لا يصل إلى أول منطقة السعي عند الصفا، أو من لا يصل إلى آخرها عند المروة في الأشواط الفردية، وهكذا العكس في الأشواط الزوجية.
كما قد يتصور فيمن ينتقل من منطقة الأشواط الفردية إلى منطقة الأشواط الزوجية، ليقلل المسافة على نفسه وهذا أمر يفعله بعضهم كما يظهر فيقطعون الطريق من وسطها وينقلبون إلى المسعى المقابل دون وصول إلى منتهى السعي من كل شوط.
ولا أدري من يخادع هؤلاء بفعلهم السابق، والمشكلة تظهر فيمن هم ليسوا من أهل الأمانة، وينوبون بالأجرة عن غيرهم على مذهب من أجاز
ذلك - ويقومون بالفعل السابق والله المستعان.
كما قد يتصور الإخلال فيمن يدخل من الأبواب الجانبية للمسعى ويقطع جزءا من المسافة خارج منطقة المسعى متجنبا بذلك الزحام في منطقة (4/464)
صفحة 1785
الرائد
465
السعي ثم يدخل بعدها إلى منطقة متقدمة.
كما قد يتصور النقص فيمن يفارق منطقة سعيه لعذر ثم يكمل سعيه من
منطقة بعد المنطقة التي وقف عندها، فيكون جزء لم يقطعه. وهذه الصور كلها لا تصح ومما يقع فيها كثير من الناس، فتدخل
النقص في سعيهم. والنقص السابق في شيء من الأشواط يتصور في حالات ثلاث: أولها: أن يكون من أول الشوط، كمن نقص من الشوط الثالث بأن بدأ
بعد الصفا بقليل وخلف جزءا من المسافة غير مقطوع.
وهذا يمحض ذلك الشوط ناقصا، وإذا لم يتم ذلك الشوط وواصل سعيه كان ما بعده غير صحيح؛ لأن صحة الشوط الرابع رهينة صحة
الشوط الثالث، وصحة الخامس رهينة صحة الرابع، وهكذا.
وعلى السابق فمن نقص بعض شوط من أوله وأنهى سعيه أو كان لم ينهه بعد يلزمه أن يرجع إلى منطقة النقص فيبدأ من أول الصفا ثم يواصل سعيه حتى يتم الثالث ثم الرابع وهكذا.
الحالة الثانية: أن يكون النقص من بعد أول الشوط كأن يقطع جزءا من أول منطقة السعي أي بعد الجبل مباشرة ثم يحصل له النقص بعد ذلك، فهذا يلزمه أن يتم النقص بأن يسعى من المنطقة التي دخله فيها النقص وما بعدها (4/465)
صفحة 1786
الرائد
466
على الحال الذي ذكرناه قبل.
الحالة الثالثة أن يكون النقص آخر الشوط، فهذا يلزمه السعي من منطقة
النقص وما بعدها إلى أن يأتي على الأشواط جميعها).
المطلب الخامس: إكمال سبع مرات
فيحسب سعيه من الصفا إلى المروة شوطا، ومن المروة إلى الصفا شوطا
ثانيا، ومن الصفا إلى المروة شوطا ثالثا، ومن المروة إلى الصفا شوطا رابعا
وهكذا.
وهذا رأي الجمهور من أهل العلم.
والدليل للسابق أن النبي هل بدأ بالصفا وختم بالمروة، ولا يكون ذلل مكملا سبعة أشواط إلا أن يحسب من الصفا إلى المروة مرة ومن المروة إلى
الصفا مرة ثانية، قال جابر بن عبد الله له:
ثم خرج من الباب إلى الصفا فلما دنا من الصفا قرأ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 160.
(2) البسيوي، جامع أبي الحسن، ج 2، ص 273، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص. والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 159، والنووي، المجموع، ج 8، ص 76، وابن
قدامة، المغني، ج 3، ص 193، والعيني، البناية، ج 4، ص 205، والسالمي، شرح الجامع
ج 3،
الصحيح، ج 2، ص 206.
6 (4/466)
صفحة 1787
الرائد
467
مِن شَعَابِرِ اللَّهِ} أبدأ بما بدأ الله به.
(1)
فبدأ بالصفا فرقي عليه حتى رأى البيت فاستقبل القبلة فوحد الله
وكبره وقال:
لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. ثم دعا بين ذلك، قال مثل هذا ثلاث مرات ثم نزل إلى المروة حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى حتى إذا صعدتا مشى حتى أتى المروة ففعل على المروة كما فعل على الصفا، حتى إذا كان آخر طوافه على المروة". ولو زاد فطاف أربع عشرة مرة فقال بعضهم عليه أن يعيد، وقيل
يجزيه (3).
ومن الفقهاء من اغتفر الزيادة إن لم يتعمدها الزائد لكن ألزموه أن تكون نهايته عند المروة، فمن نسي وسعى ثمانية أشواط منتهيا عند الصفا ألزم أن
(1) قال ابن الجوزي: وقوله فرقي عليه القاف مكسورة والمعنى صعد وارتفع، فإذا فتحت القاف كان من الرقية، وعوام المحدثين يفتحونها جهلا باللغة.
ابن الجوزي، كشف المشكل من أحاديث الصحيحين، ج 3، ص 64.
(2) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب: حجة النبي صلى الله عليه وسلم (1218).
(3) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 403، وابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 347. (4/467)
صفحة 1788
الرائد
468
يزيد شوطا لينتهي عند المروة كما هو المشروع.
ورأي الإجزاء أولى غير أنه لا بد من التنبيه على أمر وهو أن من يسعى
أربعة عشر شوطا لا يخلو حاله من أحد أمور ثلاثة:
أولها: أن يكون غير متعمد، لكن نسي الأمر، أو لبس عليه أو غير ذلك، فهذا يجزيه فعله، ولا إثم عليه.
ثانيها: أن يكون متأولا، بمعنى أنه يرى السعي مشروعا أربعة عشر شوطا، وأن مقتضى الأدلة ذلك كما سيأتي ذكر هذا القول، فهذا له أمر اجتهاده، وهو في نفسه مصيب، بل يحتسب أجره الله؛ إذ المسألة واسع فيها
الاجتهاد.
ثالثها: أن يكون قاصدا خلاف السنة بفعله، وأسس سعيه من مبدئه على معارضة المشروع، فهذا يأثم بنيته الفاسدة، ولا يتم له سعيه بل يطالب
بالإعادة الحديث " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد".
ومن أهل العلم من ذهب إلى أن سعي الساعي من الصفا إلى المروة ثم من المروة إلى الصفا يعد مرة واحدة، وعلى الساعي أن يكرر السابق سبع
(1) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 346، والبسيوي، الجامع، ج 2، ص 272. (4/468)
صفحة 1789
الرائد
469
مرات والمرة الواحدة من الصفا إلى الصفا.
واختار هذا الرأي من علمائنا الإباضية من أهل المغرب الشيخ أبو طاهر
الجيطالي إذ قال:
يبتدئ بالصفا حتى يصل إلى المروة، فيعود إلى الصفا فيعد ذلك شوطا
واحدا، ولا يعد الرجوع إلى الصفا شوطا، ولكن يعد من الصفا إلى المروة ثم
إلى الصفا شوطا حتى يتم سبعة).
وعلق عليه قطب الأئمة في شرح النيل قائلا:
وليست المغاربة تقول بما قال الشيخ إسماعيل في مناسكه، وإنما قول شذ به، وإنما يقولون من الصفا إلى المروة شوط، ومنها إلى الصفا شوط، وتوهم أبو عبد الله محمد بن عمرو بن ابن ستة أن المغاربة تقول بما ذكر الشيخ في
مناسکه (4).
والسابق -عندهم - كحال الطواف من الحجر إلى الحجر، وهكذا مسح
(1) النووي، المجموع، ج 8، ص 76، والعيني، البناية، ج 4، ص 206.
(2) الجيطالي، قناطر الخيرات، ج 2، ص 78، واختار ذلك في مناسك الحج، ج 2، ص 258، ولكنه اقتصر على ذكر مذهب الجمهور في قواعد الإسلام، ج 2، ص 159.
(3) كذا في الأصل المطبوع.
(4) القطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 151. (4/469)
صفحة 1790
الرائد
470
الرأس في الوضوء من مقدمة الرأس إلى مؤخرته ثم من مؤخرته إلى مقدمته يعد مرة واحدة).
وتعقب القياس السابق بأن الطواف لا يحصل فيه قطع المسافة كلها إلا بالمرور من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود، وأما في السعي فيحصل المسافة بالمرور من الصفا إلى المروة، ولو رجع إلى الصفا مرة أخرى لكان فعله مرتين).
وأما حال الوضوء فالذي عليه الإجماع أن مسحه من المقدمة إلى المؤخرة يجزيه اتفاقا، وليس رجوعه إلى المقدمة واجبا اتفاقا بل هو سنة، وهم يقولون إن رجوعه إلى المروة واجب لا تتم إلا به المرة من السعي.
كما اعترض بأن السعي أمر مستفيض في الشرع ينقله الخاصة والعامة خلف عن سلف، ليس بينهم فيه تنازع أنهم يبدؤون بالصفا ويختمون بالمروة وأن الذهاب مرة والإياب مرة أخرى فكان ذلك إجماعا منهم كالإجماع على أن الظهر أربع والعصر أربع". ومما رد به السابق أن الساعي في كل مرة طائف بهما فينبغي أن يحتسب
(1) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 409، والنووي، المجموع، ج 8، ص 76. (2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 159، والنووي، المجموع، ج 8، ص 77. (3) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 159، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 409. (4/470)
صفحة 1791
الرائد
بذلك مرة كما أنه إذا طاف بجميع البيت احتسب به مرة، ثم إن جابر بن عبد الله ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم انتهى من طوافه عند المروة، وذلك لا يحصل على هذا القول؛ لأن السعي على مذهبهم ينتهي عند الصفا).
وذهب آخرون إلى أن السعي ما هو إلا من الصفا إلى المروة، أما الرجوع
فليس بشيء، فالطائف تعد له مرة إذا ذهب من الصفا إلى المروة،
أما
رجوعه من المروة إلى الصفا فليس بشيء فلا يحسب له، وإنما هو
توصل إلى الصفا ليسعى المرة الثانية، فلو عاد إلى الصفا بأي سبيل كان ولو من المسجد لم يضره ذلك شيئا.
واحتج من قال بهذا القول أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رقي على الصفا قال "نبدأ بما بدأ الله به"، وأراد به قوله تعالى {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ) فيفهم أن يبدأ بالصفا في كل شوط؛ لأن الحديث مطلق فيه يبدأ به كل شوط، فإن كانت البداءة في كل شوط من الصفا يكون المضي من الصفا إلى المروة،
منه
(1) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 192.
(2) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 193.
(3) النووي المجموع، ج 8، ص 77، والعيني، البناية، ج 4، ص 206، وابن الهمام، فتح
القدير، ج 2، ص 459، و ابن الضياء البحر العميق، ج 3، ص 1284.
(4) سورة البقرة، جزء من الآية (158). (4/471)
صفحة 1792
الرائد
472
والعود من المروة إلى الصفا شوطا واحدا لا محالة.
وقوله صلى الله عليه وسلم "نبدأ" محذوف، والمفعول إذا كان محذوفا يقدر أعم الأشياء لا أخصها لعدم الأولوية، فيكون التقدير عندئذ: نبدأ كل شوط من الأشواط بما بدأ الله به وهو الصفا، وقد تعقب العيني الدليل السابق بأن فيه نظرا؛ لأن المفعول في الحقيقة غير محذوف؛ إذ هو حرف الجر وما دخل عليه فيكون التقدير نبدأ بابتداء الله أو بالذي بدأ الله به.
ولا جديد في كلام العيني بل هو ترديد للحجة السابقة؛ لأن المحذوف الذي عليه الدليل السابق الشوط الأول أو الأشواط كلها فيكون معنى الكلام الذي قام عليه الدليل هو الاحتمال القائم بين نبدأ الشوط الأول بما بدأ الله به، أو نبدأ الأشواط كلها بما بدأ الله به.
وهم أخذوا بالدليل الأعم؛ لأن فيه إدخالا للدليل الأخص، أما الدليل الأخص فالأخذ به أخذ ببعض الدليل الأعم وترك لأكثره، فيكون الأخذ بالدليل الأعم أولى من الأخذ بالدليل الأخص، وهو حجة ظاهرة من حيث هو مع غض النظر عن الأدلة الأخرى التي ترجح أحد الاحتمالين.
(1) العيني، البناية، ج 4، ص 206.
(2) العيني، البناية، ج 4، ص 206. (4/472)
صفحة 1793
الرائد
473
و مما قد يدل على السابق ولم أجد من ذكره- أن أصل مشروعية السعي بين الصفا والمروة كان مأخوذا من سعي هاجر أم إسماعيل كما نص عليه النبي، وظاهر الحديث أنها سعت سبع مرات من الصفا إلى المروة، ولم يذكر أنها سعت من المروة إلى الصفا، كما في قول ابن عباس:
فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض
يليها فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا فلم تر أحدا.
فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ثم سعت الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها سعي ونظرت هل ترى أحدا فلم تر أحدا ففعلت ذلك سبع مرات).
فقوله "ففعلت ذلك سبع مرات" اسم الإشارة فيه لا يرجع إلا إلى
السعي من الصفا والمروة إذ لم يذكر غيره، فيرجع اسم الإشارة إليه وحده. وقول الجمهور الذي عدَّ الذهاب مرة والإياب أخرى هو الذي استقر عليه العمل فلا تكاد تجد قائلا بالقولين، الآخرين، وذلك من المرجحات فيعول عليه مع هذا الإشكال والتكافؤ بين الأدلة.
والشرط إكمال المرات السبع لصحة السعي، فلو شك بنى على الأقل)
(1) أخرجه البخاري، في كتاب الأنبياء، باب: يزفون النسلان في المشي (3184). (4/473)
صفحة 1794
الرائد
474
كما ذكرنا في الطواف.
لكن الشك هنا يكون بين الأشواط الفردية أو بين الأشواط الزوجية فيشك أشوطه هذا الثالث أو الخامس، كما قد يشك أشوطه هذا الخامس أو السابع. أو يكون شكه أهذا الثاني أو الرابع، أو أهذا الرابع أو السادس، وعلى الأحوال كلها يبني على الأقل ويأتي بما بعده إن لم يكن ثمة ظن غالب، فإن كان هناك ظن غالب بنى على غالب ظنه كما ذكرنا ذلك بأدلته عند ذكر
أحكام الطواف.
(1) الكندي، المصنف، ج 8، ص 145، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 410. (4/474)
صفحة 1795
الرائد
المبحث الخامس: سنن السعي
أولا: الموالاة
475
الموالاة المرادة هنا تأتي على أمرين:
أولهما الموالاة بين الطواف والسعي، فلا يفصل بينهما بشيء إلا اليسير
الذي لا بد منه.
والنبي صلى الله عليه وسلم ذكرنا حاله من قبل أنه لم يشتغل بعد ركعتي الطواف بشيء إلا
استلام الحجر الأسود ثم قصد المسعى بعده مباشرة.
وقد ذهب أكثر الفقهاء إلى أن الموالاة السابقة سنة)، ونص بعضهم على السابق طويلا كان الفصل أو قصيرا، غير أنهم اشترطوا أن لا يتخلل بين الطواف والسعي الوقوف بعرفة.
أن
ومنهم من قال أن لا يتخلل بينهما ركن، فإن تخلل شيء من السابق لم يجز يسعى بعده وقبل طواف الإفاضة، بل يتعين السعي بعد طواف
الإفاضة).
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 191، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 157، والنووي، المجموع، ج 8، ص 78، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 194، والقرافي،
الذخيرة، ج 3، ص 252، وشيخنا الخليلي، الفتاوى الكتاب الأول، ص 375.
(2) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 303، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 409، والنووي، (4/475)
صفحة 1796
الرائد
476
ومنهم من عبر عن السابق بأنه ليس له أن يطوف طوافا آخر حتى يسعى بين الصفا والمروة).
ويظهر أن علة السابق هي الإعراض عن السعي وهو ركن عندهم- بالدخول في ركن آخر، وذلك يجعل أعمال الحج واردة على غير الصورة الشرعية فكأن من أتى الفعل السابق طاف ثم وقف ثم سعى، ومن غير شك أن الشرع لم يأت بالسابق فيكون مردودا ويسعى بعد الإفاضة لكونه عندهم
مشروعا.
ويلزم أن يقال بالأمر السابق أيضا في حق من شرع له السعي بعد
الجمار
الإفاضة ولم يسع بل رجع منى وفصل بأعمال التشريق من رمي والمبيت بمنى، غير أن من أهل العلم من اغتفر الفصل السابق، ولا أدري علة التفريق السابق بين الوقوف والإتيان بأعمال منى.
ومما هو تفريع على الأصل السابق وهو عدم وجوب الموالاة ما نص عليه بعض الفقهاء أن من طاف للزيارة ولم يسع ثم رجع إلى منى وبعدها
المجموع، ج 8، ص 78
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 192.
(2) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 303. (4/476)
صفحة 1797
الرائد
477
رجع مكة وسعى ثم قفل راجعا إلى منى فليس عليه شيء.
ومن الفقهاء من قال إن الموالاة بين الطواف والسعي شرط؛ لأن
الطواف والسعي ركنان في عبادة وأمكن الموالاة بينهما فصارا كاليد مع الوجه في الوضوء).
كما إنه إن بعد ما بين الطواف والسعي لم يجزه؛ لأن السعي لما افتقر إلى تقدم الطواف عليه ليمتاز عما لغير الله تعالى افتقر إلى فعله على الفور ليقع به الامتياز عما لغير الله تعالى؛ لأن الامتياز يوجد بفعله على الفور، ولا يوجد
بفعله على التراخي".
وقد ذكرنا ضعف هذا الاستدلال قبل بما يغني عن ترداده هنا. وثاني ما تتصور الموالاة فيه الموالاة بين مراتب السعي، وقد ذهب الأكثر من الفقهاء إلى أن الموالاة بين مراتب السعي سنة وليس أمرها بواجب، فلو تخلل فصل يسير أو طويل لم يضر، وإن كان شهرا أو سنة أو أكثر، مع كون
(1) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 346، والبسيوي، الجامع، ج 2، ص 272، والكندي، بيان
الشرع، ج 23، ص 199.
(2) النووي، المجموع، ج 8، ص 79.
(3) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 157. (4/477)
صفحة 1798
الرائد
478
الفضل والخير في الموالاة.
وعلى السابق يقطع الساعي سعيه للصلاة ثم يبني عليه من حيث
قطع.
ثم إنه لا بأس على الساعي أن يستريح في سعيه إذا ما أعياه"، ونص جمع من فقهائنا على أن له أن يذهب إلى منزله يستريح ثم يرجع يبني على سعيه
السابق).
ومن الفقهاء من قال إن العبرة في البناء على السعي السابق الذي قطعه الساعي هي قطع النية من عدمها، فإن خرج من سعيه بنية الإعراض عن السعي السابق فلا بد من أن يستأنف سعيه من جديد، وإن خرج لحاجته بنية الرجوع فليواصل سعيه بانيا على ما بدأه من قبل.
6
(1) البسيوي، الجامع، ج 2، ص 273، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 192، والنووي،
المجموع، ج 8، ص 78.
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 194.
(3) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 364، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 192،
والثميني، التاج المنظوم، ج 3، ص 367.
(4) الثميني، التاج المنظوم، ج 3، ص 367.
(5) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 349، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 192، والكندي، (4/478)
صفحة 1799
الرائد
479
وهذا التفصيل حسن بسن، إذ في قطع النية إبطال للسابق فيلزم
الاستئناف.
وذهب آخرون إلى التفريق فقالوا إن الفصل اليسير لا حرج فيه، غير أن
الفصل الطويل لا يجوز إن كان بغير عذر فيلزم الاستئناف.
أما مع العذر فلا حرج وذلك كالصلاة المكتوبة والخروج للطهارة وعليه فيبني على الطواف السابق.
ومن الفقهاء من نص على أن من تذكر وهو في سعيه أنه لم يصل ركعتي الطواف قطع سعيه وصلاهما ثم بنى على سعيه". ومنهم من أوجب الاستئناف مطلقا الفصل الطويل بعذر كان
مع
الفصل أو بغير عذر، أما الفصل اليسير للصلاة، أو الوضوء لها
مع عدم الاشتغال بغيره أو لأخذ قسط من الراحة يعود به النشاط إلى الساعي فلا
حرج فيه (3).
وهذا هو الأولى بالقول؛ لأن الفصل الطويل بمنزلة الإعراض عن
المصنف، ج 8، ص 145.
(1) الجيطالي، مناسك الحج، ج 2، ص 261، والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص 251.
(2) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 347.
(3) النووي، المجموع، ج 8، ص 78. (4/479)
صفحة 1800
الرائد
480
العبادة فيلزم استئنافها.
ثانيا: الخروج إلى المسعى من باب الصفا
وهو الذي كان يدعى من قبل باب بني مخزوم، وهو أقرب الأبواب إلى الصفا وأقصدها.
وقال الشيخ أبو طاهر الجيطالي: هو الباب الذي بحيال الحجر في مقابلته ويسمى باب الجنائز).
ونص جمع من أهل العلم على أنه في محاذاة الضلع السهيلي الذي بين الركن اليماني وركن الحجر.
(3)
وقال الشيخ أبو بكر الكندي تمضي إلى الصفا من باب الصفا تخرج من بين الساريتين المذهبتين).
وعلى السابق جماهير أهل العلم وقالوا إنه سنة، وقال آخرون بل هو
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 158، والعيني، البناية، ج 4، ص 203، والفاسي، شفاء الغرام، ج 2، ص 522.
(2) الجيطالي، قناطر الخيرات، ج 2، ص 77، ومناسك الحج، ج 2، ص 256.
(3) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 302، والصائغي، لباب الآثار، ج 4، ص 47.
(4) الكندي، المصنف، ج 8، ص 16.
(5) البسيوي، جامع أبي الحسن، ج 2، ص 274، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 191، (4/480)
صفحة 1801
الرائد
مستحب
1 48
وعلة التفريق أكان النبي خارجا من الباب السابق قصدا فيكون
الأمر سنة، أو أنه خرج اتفاقا فيكون مندوبا عند من فرق بينهما لأنه أقرب الأبواب إلى الصفا".
والواقع أنه لا دليل يفيد واحدا من الأمرين السابقين القصد أو الاتفاق، وما دام الأمر أنه لا دليل يعين فالأصل أن تحمل أفعاله صلى الله عليه وسلم على
التشريع؛ لأن ذلك هو الغالب فيها، وهو الأصل من بعثة النبي. وإرادة غير التشريع أمر عارض لا يقال به إلا مع الدليل المقارن، فكيف
والحال هنا حال عبادة.
ولو أنه خرج من باب غيره فلا حرج عليه، فالمقصود بالأصالة الوصول إلى الصفا، والخروج من الباب أمر ثبت عن النبي الله
والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 158، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 407، والنووي، المجموع، ج 8، ص 79، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 192.
(1) العيني، البناية، ج 4، ص 203، وابن الضياء البحر العميق، ج 3، ص 1297.
(2) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 12، والعيني، البناية، ج 4، ص 205. (3) الشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 403، والعيني، البناية، ج 4، ص 204، والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 148. (4/481)
صفحة 1802
الرائد
482
والقطب بعد أن قرر عدم وجوب الخروج من الباب المذكور حكى قولا
- ولم ينسبه- - أن من لم يخرج من الباب المذكور لزمه دم"، وهو رأي مطرح عند الفقهاء، ضعيف لا دليل له.
ودليل مشروعية الخروج من باب الصفا ظاهر حديث جابر بن عبد الله الذي تقدم ذكره، وقد ثبت الفعل السابق من حديث:
محمد بن بشار قال حدثنا شعبة عن عمرو بن دينار قال: سمعت ابن عمر يقول:
لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة طاف بالبيت سبعا ثم صلى خلف المقام ركعتين، ثم خرج إلى الصفا من الباب الذي يخرج منه فطاف بالصفا والمروة.
قال شعبة وأخبرني أيوب عن عمرو عن ابن عمر أنه قال سنة". كما جاء من حديث أبي أسامة عن ابن جريج عن عطاء أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى الصفا من باب بني مخزوم.
والحديث أخرجه ابن أبي شيبة)، وهو مرسل، كما أنه من عنعنة ابن
(1) القطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 153.
(2) أخرجه النسائي في كتاب: مناسك الحج، باب: ذكر خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الصفا من الباب
الذي يخرج منه (2966).
(3) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 191. (4/482)
صفحة 1803
الرائد
483
جريج
فلا يكون حجة لكن يشهد له حديثا جابر بن عبد الله وابن عمر.
كما جاء من طريق إبراهيم بن هاشم البغوي قال: حدثنا سعد بن زنبور، قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر عن أبيه وعبيد الله بن عمر عن
(1)
نافع عن ابن عمر أن النبي الله خرج إلى الصفا من باب بني مخزوم. أخرجه الطبراني في الكبير) والأوسط وقال: لم يرو هذا الحديث عن عبيد الله إلا عبد الرحمن (3).
وعبد الرحمن الذي تفرد بهذا الحديث ممن ليس تقوم بحديثه حجة فقد
قال أبو حاتم: متروك الحديث أضعف من أخيه القاسم كان يكذب. وقال أبو حاتم: سئل أبو زرعة عن عبد الرحمن بن عبد الله العمرى فقال: هو متروك الحديث، وترك قراءة حديثه في مسند ابن عمر ولم يقرأه علينا.
وقال أحمد عنه: ليس بشيء، وقد سمعت أنا منه ثم مزقته، وكان يقلب
،
(†)
حديث نافع عن ابن عمر يجعله عبد الله بن دينار عن ابن عمر (3).
وقال ابن حبان كان ممن يروي عن عمه ما ليس من حديثه، وذاك أنه
(1) الطبراني، المعجم الكبير، ج 12، ص 372. (2) الطبراني، المعجم الأوسط، ج 3، ص 187. (3) ابن أبي حاتم الجرح والتعديل، ج 5، ص 3 ن 253. (4/483)
صفحة 1804
الرائد
كان
يهم
الترك).
484
فيقلب الإسناد ويلزق المتن بالمتن يفحش ذلك في روايته فاستحق
وللسابق قال الحافظ ابن حجر: إسناده ضعيف جدا).
كما جاء السابق من فعل ابن عمر كما في حديث أبي خالد عن حميد عن بكر قال: كان ابن عمر إذا قدم فطاف بالبيت وصلى ركعتين خرج إلى الصفا من باب الذي يلي السقاية".
وباب الصفا الذي نتحدث عنه ليس له وجود في زماننا بعد التوسعة الأخيرة، ولكن جهته معلومة، وفيها ممر يوصل إلى جبل الصفا، فعسى أن
يكون من قصده مع نية تحري السنة ممن يحوز أجرها.
وهذا الذهاب إلى المسعى خروج من المسجد الحرام لذا نبه بعض الفقهاء على آداب الخروج من المسجد كتقديم اليسرى من القدمين في الخروج، والإتيان بالأذكار التي تقال عند الخروج من المسجد، وقد ذكرناها أول
(1) ابن حبان، المجروحين، ج 2، ص 53.
(2) ابن حجر، الدراية، ج 2، ص 17. (3) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 191.
(4) الكندي، المصنف، ج 8، ص 16، والعيني، البناية، ج 4، ص 203، وابن جماعة، هداية
السالك، ج 3، ص 1027، وابن الضياء، البحر العميق، ج 3، ص 1256. (4/484)
صفحة 1805
الرائد
485
فصل الطواف.
ولا أدري أين حد الخروج من المسجد في زماننا حتى يتحرى الأمر السابق فقد اختلطت أرض المسجد بأرض المسعى، وليس ببعيد أن يقال إن أول منطقة يشرع فيها السعي الآن هي آخر المسجد.
والنبي صلى الله عليه وسلم ثابت عنه أنه قرأ قوله تعالى {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ} لما دنا من الصفا أي بعد خروجه من أرض المطاف وقبل صعود الصفا كما قال جابر بن عبد الله: ثم خرج من الباب إلى الصفا فلما دنا من الصفا قرأ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ} أبدأ بما بدأ الله به.
والفقهاء مختلفون أكان ذلك القول منه للتشريع أو لبيان الشرعى وأن البداءة يجب أن تكون من الصفا، فعلى الأول وإخاله قول
الجمهور من أهل العلم - يندب لكل من سعى أن يأتي بالآية وأن يقول بعدها نبدأ بما بدأ الله به.
وقد ذكرنا علة السابق عند ذكر مسنونات الطواف، وبينا حينها أن
مسنونية ترديد السابق أمر متوجه وله حظ من النظر.
وعلى هذا الرأي لا يشرع ترديد الآية السابقة مع كل صعود إلى الجبل بل لا تقال إلا قبيل أول صعود إلى الصفا أول مرة بعد ركعتي الطواف، والنص ما جاء إلا بذلك، فليس ثمة دليل يسوغ فعل من يردد قراءة الآية عند كل (4/485)
صفحة 1806
الرائد
486
صعود للجبلين، ولو كان ذلك خيرا لكان محمد ال لا لما سبقنا إلى التمام والوفا. والظاهر من الرواية أن النبي لا لو اقتصر على المذكور من الآية دون إتمام،
ووجهه
أنه أراد بذلك الاستشهاد على نقطة البدء كما يفيد ذلك حديثه القولي
بعده، والاستشهاد للسابق يفيده الجزء المذكور دون بقية الآية، وعليه فالمشروع الإتيان بالآية على الوجه المنقول عن النبي.
ومن المحتمل أن يكون قرأها النبي صلى الله عليه وسلم كلها واقتصر الراوي على أولها
بيانا لها، إلا أن هذا الاحتمال فيه شيء من البعد والأولى منه الظاهر السابق. ومن الفقهاء من نص على أن القول السابق ما كان لتشريع أن يقال السابق بل كان لتعليم الناس أن البداءة من الصفا والتعليم انتهى ببيانه
ذلك فلا يشرع القول السابق بل ينطلق من ينطلق إلى الصفا مباشرة. واحتمال إرادة التعليم وارد ولكنه ليس بتلك القوة التي تخصص عموم مشروعية الاقتداء به في أفعاله كلها، خاصة أن لقراءة الآية منفعة أخروية
يستفيدها من يقرأها وقد بيناها قبل عند سنن الطواف.
ثالثا: الطهارة
مما ذهب إليه جماعة من أهل العلم أنه يستحب لمن أراد السعي بين (4/486)
صفحة 1807
الرائد
487
الصفا والمروة أن يكون على طهارة.
ولا أعلم نصا صريحا يفيد الاستحباب السابق، لكن جائز أن يكون
النبي صلى الله عليه وسلم سعى طاهرا؛ لأنه توضأ قبل الطواف، وصلى ركعتيه ثم سعى. وقد يستفاد الندب السابق من كون الحفاظ على الوضوء سنة في
الأوقات جميعها، وتتأكد عند العبادات، والسعي عبادة منها.
ومع السابق يصح السعي مع الحدثين الأصغر والأكبر؛ إذ لا دليل يمنع بل جاء ما يفيد بظاهره لعمومه جواز السعي مع حدث أكبر وهو الحيض) كما في حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة أنها قالت: قدمت مكة وأنا حائض ولم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
افعلي ما يفعل الحاج غير أنك لا تطوفي بالبيت حتى تطهري".
والسعي مما يفعله الحاج فلا تمنع منه الحائض، وكالحيض النفاس
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 194، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 158، والنووي، المجموع، ج 8، ص 79، والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص 253.
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 194.
(3) أخرجه الربيع في كتاب الحج، باب: ما تفعل الحائض (440). (4/487)
صفحة 1808
الرائد
488
والجنابة،
ومع
الحدث الأصغر.
جواز السعي مع الحدث الأكبر يجوز بالأولى السعي مع
وجاءت رواية حديث السيدة عائشة السابق وفيها النص على المنع من السعي بين الصفا والمروة مع الطواف بالبيت إلا أنها رواية شاذة؛ إذ الرواة الذين رووا الحادثة اقتصروا على المنع من الطواف بالبيت ولم يذكروا المنع من
السعي.
وانفرد يحيى الليثي عن مالك فذكرها كما في حديث يحيى عن مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أنها قالت: قدمت مكة وأنا حائض فلم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة فشكوت ذلك إلى رسول الله
فقال:
افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت ولا بين الصفا والمروة حتى
تطهري.
قال الحافظ ابن عبد البر:
هكذا قال يحيى عن مالك في هذا الحديث غير أن لا تطوفي بالبيت ولا بين الصفا والمروة حتى تطهري، وقال غيره من رواة الموطأ: غير أن لا تطوفي
(1) مالك بن أنس، الموطأ، ج 1، ص 411. (4/488)
صفحة 1809
الرائد
489
بالبيت حتى تطهري لم يذكروا ولا بين الصفا والمروة.
ولا ذكر أحد من رواة الموطأ في هذا الحديث ولا بين الصفا والمروة غير
يحيى فيما علمت وهو عندي وهم منه والله أعلم.
وقد ذكر ابن المنذر الإجماع على أن من سعى بين الصفا والمروة على غير طهر أن ذلك يجزيه إلا ما يروى من انفراد الحسن أنه إن ذكر قبل الحلق كونه
سعى من غير طهارة فعليه أن يعيد السعي".
لكن يعارض كلام ابن المنذر السابق الناص على الإجماع ما رواه ابن أبي شيبة عن أبي معاوية عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: تقضي
الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة.
وظاهر هذا الإسناد الصحة، وقد حكم عليه بذلك الحافظ ابن. كما روى ابن أبي شيبة عن ابن فضيل عن عاصم قال: قلت لأبي العالية: تقرأ الحائض القرآن؟
قال: لا تقرأ القرآن ولا تقبل، ولا تطوف بالبيت، ولا بين الصفا
(1) ابن عبد البر، التمهيد، ج 19، ص 261.
(2) ابن المنذر، الإجماع، ص 72.
(3) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 296.
(4) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 5 (4/489)
صفحة 1810
الرائد
والمروة.
490
وقال الطواف بين الصفا والمروة عدل الطواف بالبيت.
وهذان يقدحان في الإجماع المذكور، والمروي عن أبي العالية أنص في الموضوع، لأن قول ابن عمر جائز المنع فيه من السعي لكون الحائض لم تطف لا لحيضها، وقد جاء عنه النص بسعيها ما دامت قد طافت وصلت الركعتين كما في حديث:
عبد الوهاب الثقفي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: إذا طافت بالبيت ثم حاضت قبل أن تسعى بين الصفا والمروة فلتسع بين الصفا
والمروة.
والحديث أخرجه ابن أبي شيبة، غير أن ثمة خلافا في عبد الوهاب الثقفي بين موثق ومضعف، والأكثر على الاحتجاج بروايته، وتضعيف من
ضعفه ما كان إلا لاختلاط رمي به آخر حياته.
ومع
ذلك فمذهب الجماهير من أهل العلم أولى للأدلة المذكورة، وما
نقله ابن أبي شيبة لا يعدو أن يكون رأيا لمن رآه.
(1) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 296.
(2) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 299.
(3) العقيلي، الضعفاء، ج 3، ص 75، وابن حجر، لسان الميزان، ج 4، ص 88. (4/490)
صفحة 1811
الرائد
491
ومنهم من استدل لعدم اشتراط الطهارة للسعي أنها عبادة تؤدى لا في المسجد الحرام، والأصل أن كل عبادة تؤدى لا في المسجد الحرام في أحكام المناسك فالطهارة ليست بواجبة لها كالإحرام والوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة ورمي الجمار والذبح والحلق.
والدليل السابق معتمد على الاستقراء التام، وهو حجة عند الكثيرين،
لكن تقدم ذكر عدم التسليم بكون الطواف داخل المسجد هو الموجب للطهارة فيه.
وقد ذكرنا في أحكام الطواف أن الأظهر في أرض المسعى بعد التحديثات الجديدة أنها ليست من المسجد، وعليه فلا حرج في سعي الحائض فيها أو مكوثها بها.
وقال أبو المؤثر إن من طاف وركع لفريضة فلا أحب أن ينام حتى يسعى بين الصفا والمروة، فإن نام فأصابته جنابة ثم قام يسعى بين الصفا والمروة وهو جنب رأيت سعيه تاما، وأحب إلي أن يغتسل من الجنابة ثم يسعى بين
الصفا والمروة.
(1) العثماني، إعلاء السنن، ج 7، ص 3052.
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 197. (4/491)
صفحة 1812
الرائد
492
وقال بعض أهل العلم إن طاف ليلا وأخره حتى أصبح أجزاه إن كان
بوضوء وإلا أعاد الطواف والسعي والحلاق فإن خرج من مكة أهدى
وأجزاه.
رابعا: أن يرقى على الصفا وعلى المروة
وقد ثبت عن النبي أنه رقي على الصفا إلى أن رأى البيت كما في حديث جابر بن عبد الله، وقال بذلك جماهير أهل العلم".
ومنهم من أورد فيه احتمالين أهو سنة أو مندوب.
والرقي الآن يكون بقطع منطقة ما بعد منتهى سير العربات التي تنقل العجزة، إلا أن رؤية البيت من الصفا لا تتحقق إلا بالرقي إلى منطقة قريبة
(1) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 252.
(2) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب: حجة النبي صلى الله عليه وسلم (1218).
(3) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 430، والبسيوي، الجامع، ج 2، ص 271، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 198، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 407، والنووي، المجموع، ج 8، ص 80، وابن قدامة المغني، ج 3، ص 192، والعيني، البناية، ج 4، ص 204، والقرافي الذخيرة، ج 3، ص 251، والسالمي جوابات الإمام السالمي، ج 2، ص 204، وشرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 206، وشيخنا الخليلي، الفتاوى، الكتاب الأول،
ص 376.
(4) العيني، البناية، ج 4، ص 203. (4/492)
صفحة 1813
الرائد
493
من رأس الصفا، وإخالها كما تقدم أعلى من المنطقة التي رقي إليها النبي، ولكن لا ضير في ذلك إذ المراد جعل رؤية البيت منتهى منطقة الرقي وهو حد منضبط، أما تحديد مكان رقي النبي ومنتهاه فلم يثبت بحجة
شرعية.
نفسه
والرقي المسنون السابق أمر يشكل على الذين يطوفون في الطابق العلوي أو سطحه إذ لا جبل ثمة حتى يكلفوا أنفسهم مؤنة رقيه بل سعيهم فوق الجبل، وعسى أن يكتب لهؤلاء أجر امتثال السنة السابقة مع النية الصالحة والوصول إلى ما يحاذي منطقة الرقي من الطابق الأرضي. وللفقهاء خلاف هل الرقي لرأس الصفا والمروة معلل بعلة أو ليس
بمعلل.
ذهب بعض الفقهاء إلى أن الرقي ليس مقصودا في الحج، ولكن لا يأمن
المنتهي لو لم يرق أن يكون ما انتهى إليه من الدرج المستحدثة، وإلا فالانتهاء
إلى أصل الجبل كاف وفاقا".
وفي السابق نظر من وجهين:
أولهما أن الخلاف موجود في المسألة إذ إن ثمة فقهاء قائلين بوجوب
(1) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 302. (4/493)
صفحة 1814
الرائد
494
الرقي وعدم الاجتزاء بقطع المسافة كلها كما سيأتي.
ثانيهما: جعل علة الرقي الدرج المستحدثة خشية أن تكون آخذة شيئا
من المسعى يبطله أن النبي صلى الله عليه وسلم قد رقي على الجبلين ولم تكن حال رقيه درج،
بل هي مستحدثة بعده. وقال بعض الفقهاء إن المقصود بهذا الرقي هو استقبال البيت، لذا
استحبوا الرقي بمقدار ما يرى الساعي الكعبة).
والواقع أن استقبال البيت ممكن لو لم يكن رقي، والأولى أن يقال إن المقصود بالصعود هو رؤية البيت، ومع ذلك في هذا الأخير ضعف؛ إذ
الاتفاق قائم على أن الصعود مندوب ولو لم تكن ثمة رؤية للبيت.
كما أن الصعود مندوب اتفاقا في المروة ورؤية البيت تتعذر منها الآن ومنذ أزمنة طويلة، بل لم أجد ما يفيد أن الكعبة كانت ترى من المروة إلا كلاما صدره ابن جماعة بقوله:
وقيل إن الكعبة كانت ترى من أعلى المروة فحالت الأبنية بينها وبين
المروة).
(1) العيني، البناية، ج 4، ص 204.
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 198، والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص 251. (3) ابن جماعة، هداية السالك، ج 3، ص 1027. (4/494)
صفحة 1815
الرائد
495
والأمر السابق جزم به إمام الحرمين في النهاية، ولعل ابن جماعة
يقصده.
وظاهر الحديث أن النبي ما رآها من المروة، فالأولى من ذلك أن يقال إن الرقي سنة قائمة بنفسها والنظر سنة، فلا تسقط إحداهما لسقوط الأخرى. والأمر السابق يخاطب به الرجال دون النساء فلا يشرع في حقهن رقي
الجبلين إلا إن كان المحل خاليا من غير المحارم، ولا أظن ذلك يحصل. وعدم مشروعية رقي النساء أمر تواطأت عليه المذاهب الفقهية خشية انكشاف شيء من العورة حال صعودها الجبلين، إلا أن الشوكاني من المتأخرين خالف في الحكم السابق فقال بمشروعية رقي النساء الجبلين، لأنه لم يثبت دليل يخص الرجال بالحكم، والأصل في الأحكام شمولها الجنسين. وفي هذه الأزمان بعد التوسعات التي استقر عليها أمر المسعى يظهر أن العلة التي رآها الجمهور مانعة النساء من رقي الجبلين منتفية، إذ يمكن المرأة
(1) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 305.
(2) ابن قدامة المغني، ج 3، ص 192، وابن جماعة، هداية السالك، ج 3، ص 1038، والقرافي الذخيرة، ج 3، ص 251، والسالمي، جوابات الإمام السالمي، ج 2، ص 204،
وابن الضياء، البحر العميق، ج 3، ص 1273.
(3) الشوكاني، السيل الجرار، ج 2، ص 199. (4/495)
صفحة 1816
الرائد
496
الآن رقي الجبلين بالحال الذي تسعى فيه بينهما من غير أن تنحني ولا تتكلف جهدا، وعليه فلا يكون الرقي سببا لانكشافها إذ الأرض معبدة مبلطة. وبانتفاء المانع السابق ترجع الأحكام إلى أصل العموم للجنسين إذ يثبت في شيء من نصوص الشارع تخصيص الرجال برقي الجبلين دون
النساء.
والحال الآن أن النساء قد استقر عندهن الأمر أنهن يرقين الجبلين، بل لا يستطعن الانتقال إلى المسعى الآخر إلا مع شيء من الرقي إذ الحاجز بين خطي الذهاب والإياب والذي هو ممر العربات التي تحمل العجزة لا ينتهي
إلا عند أصل الجبل.
خامسا: الذكر والدعاء
ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول أذكارا عند رقيه الجبلين، وهذه الأذكار ثابتة في حجة الوداع، ولم أجد أحدا من أهل العلم مفرقا بين الحج والعمرة هذا الشأن بل العمرة يسن لمن رقي الجبلين أن يقول فيها ما يقال في الحج من الأذكار التي سنبينها بعد قليل.
في
وقد يدل للسابق قول النبي صلى الله عليه وسلم ليعلى بن أمية: واصنع في عمرتك كما (4/496)
صفحة 1817
الرائد
497
تصنع في حجك، وقد تقدم أن الأصل لهذا الحديث استواء أعمال الحج والعمرة ما لم يكن ثمة دليل يقضي بخلاف هذا الأصل العام.
ومن الفقهاء من أمر بالوقوف حال الذكر والدعاء، ومنهم من كره الذكر قاعدا.
ولم يأت وصف أن النبي الله دعا قائما أو قاعدا، لكن الأقرب أن دعاءه كان واقفا على الأصل من طوافه وما سيكون من سعيه بعد هذا الذكر،
والجلوس خلاف الأصل فيلزم له الدليل ولا دليل.
ومما جاء في بيان أذكار النبي صلى الله عليه وسلم قول جابر بن عبد الله
ثم خرج من الباب إلى الصفا فلما دنا من الصفا قرأ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ} أبدأ بما بدأ الله به.
وقال:
فبدأ بالصفا فرقي عليه حتى رأى البيت فاستقبل القبلة فوحد الله وكبره
لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: يفعل في العمرة ما يفعل في الحج (1697).
(2) المحروقي، الدلائل، ص 122.
(3) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 251. (4/497)
صفحة 1818
الرائد
498
قدير، لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده. ثم دعا بين ذلك قال مثل هذا ثلاث مرات ثم نزل إلى المروة حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى حتى إذا صعدتا مشى حتى أتى المروة ففعل على المروة كما فعل على الصفا، حتى إذا كان آخر طوافه على المروة. وجاء في بعض الروايات الثابتة النص على أن النبي صلى الله عليه وسلم كبر ثلاثا وأنه زاد يحيي ويميت بعد قوله له الملك وله الحمد كما في حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن جابر بن عبد الله قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رمل إلى الحجر الأسود حتى انتهى إليه في ثلاثة أطواف.
فإذا وقف على الصفا كبر ثلاثا ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، ويصنع على المروة مثل ذلك ثلاثا ثلاثا، وإذا نزل من على الصفا مشى حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى حتى يخرج يخرج منه، ونحر بعض هديه بيده ونحر بعضه
غيره
كما روى التكرار ثلاثا محمد بن بشار ثنا يحيى بن سعيد ثنا جعفر حدثني
(1) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب: حجة النبي صلى الله عليه وسلم (1218).
(2) أخرجه الربيع في كتاب الحج، باب في الكعبة والمسجد والصفا والمروة (314). (4/498)
صفحة 1819
الرائد
499
أبي: أتينا جابر بن عبد الله.
كما رواه مالك عن جعفر بن محمد بن علي عن أبيه عن جابر بن عبد الله أن رسول الله لا لا لو كان إذا وقف على الصفا يكبر ثلاثا ويقول:
لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، يصنع ذلك ثلاث مرات، ويدعو ويصنع على المروة مثل ذلك. كما ثبت التكبير ثلاثا من فعل ابن عمر
وصورة السابق أن يأتي بالذكر الوارد في الحديث ثم يدعو بما أحب، ثم
يعود للذكر ثم يدعو بما أحب، ثم يعود للذكر السابق.
واختلفوا أيأتي بالدعاء هنا بعد الذكر الثالث أو لا، وظاهر حديث
جابر عند مسلم أن التكرار ثلاثا كان للذكر والدعاء ولم يفرق بينهما فالأولى
التكرار ثلاثا.
وعليه يكون التكبير تسعا والتهليل ستا والدعاء مرتين، وعلى القول
(1) ابن خزيمة، صحيح ابن خزيمة، ج 4، ص 230.
(2) مالك بن أنس، الموطأ، ج 1، ص 372.
(3) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 311.
(4) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 407، والنووي، روضة الطالبين، ج 3، ص 89، وابن تيمية
شرح العمدة، ج 3، ص 455. (4/499)
صفحة 1820
الرائد
الثاني ثلاثا.
وذهب بعض الفقهاء إلى أنه يكرر السابق سبع مرات، ومنهم من نص
على التكبير سبع مرات)، وهو خلاف ظاهر الحديث إذ وصف جابر أن
النبي
کرر ذلك ثلاث مرات.
نعم قد يستفاد ذلك من حديث عبد الله بن نمير عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أنه كان إذا صعد على الصفا استقبل البيت ثم كبر ثلاثا ثم قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير يرفع بها صوته، ثم يدعو قليلا.
ثم يفعل ذلك على المروة حتى يفعل ذلك سبع مرات، فيكون التكبير واحدا وعشرين تكبيرة فما يكاد يفرغ حتى يشق علينا ونحن شباب". غير أن الأظهر في هذه الرواية أن السبع موصوف بها مجموع عند كل صعود جبل لا في المرة الواحدة.
الأذكار
لكن جاء ما يفيد السابق صريحا عن عمر بن الخطاب الله كما في حديث
ابن فضيل عن زكريا عن الشعبي عن وهب بن الأجدع أنه سمع عمر يقول:
(1) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 251.
(2) البسيوي، الجامع، ج 2، ص 271.
(3) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 311. (4/500)
صفحة 1821
الرائد
يبدأ بالصفا ويستقبل البيت ثم يكبر سبع تكبيرات بين كل تكبيرتين حمد الله والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ويسأله لنفسه وعلى المروة مثل ذلك.
غير أن التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم أولى، وقد ثبت صريحا عنه التكرار ثلاث
مرات.
ومن الفقهاء من استحب أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم خاتمة دعائه، وهذا
مأخوذ من عموم ما استحب من ختم الدعاء بالصلاة والسلام على النبي، وإلا فظاهر الأدلة السابقة خلو من الصلاة إلا من فعل عمر بن الخطاب، لكن الدعاء السابق ليس بمعزل عن آداب الدعاء الأخرى بل هو منها يسن له ما يسن في غيره من الأدعية.
ومنهم من نص على الاستغفار لنفسه وللمسلمين والمسلمات. والدعاء لم يأت في النصوص تحديده بل أطلق الراوي أن النبي صلى الله عليه وسلم قد دعا، فالأمر فيه كما قيل لا يتحدد بأمر دون غيره، بل يدعو الداعي بما يستطيع من مهمات دينه ودنياه، ومن غير شك أن الاستغفار من أهم المهمات
(1) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 311.
(2) البسيوي، الجامع، ج 2، ص 271، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 198، والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص 251، وابن الضياء، البحر العميق، ج 3، ص 1262.
6
(3) البسيوي، الجامع، ج 2، ص 271. (4/501)
صفحة 1822
الرائد
التي ينبغي أن يشتغل بها من يود الدعاء.
والأمر السابق يشرع في رأس الصفا كما أنه يشرع في رأس المروة. والنص جار في المرة الأولى من الأشواط وينسحب حكمه عند كل مرة
يصعد فيها الساعي أحد الجبلين ولو كان في الشوط الأخير عند المروة؛ إذ ظاهر الحديث لم يستثن ذلك ولم يأت ما يفيد أن الشوط الأخير لا يقال فيه عند صعود المروة الذكر السابق.
نعم قد يفيد ذلك فعل ابن عمر كما في حديث ابن نمير عن عبد الله عن نافع عن ابن عمر أنه كان إذا صعد على الصفا استقبل البيت ثم كبر ثلاثا ثم
قال:
لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء
قدير يرفع بها صوته، ثم يدعو قليلا.
ثم يفعل ذلك على المروة حتى يفعل ذلك سبع مرات، فيكون التكبير
واحدا وعشرين تكبيرة فما يكاد يفرغ حتى يشق علينا ونحن شباب). فقول الراوي حتى يفعل ذلك سبع مرات" أي يأتي بالأذكار السابقة
(1) البسيوي، الجامع، ج 2، ص 272، والجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 305، والماوردي،
الحاوي الكبير، ج 4، ص 158.
(2) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 311. (4/502)
صفحة 1823
الرائد
سبع مرات، وذلك يجعل الاختتام بالمروة لا يقال فيه الذكر السابق وإلا كان العدد ثماني مرات.
ومما يؤيد ذلك من النظر أيضا احتمال أن الذكر على كل جبل جعله الشرع فاتحة لكل شوط لا خاتمة له وذلك أمر ليس بالبعيد وإن لم يكن له نص ظاهر، فالرسول صلى الله عليه وسلم قاله أول شوط ليكون فاتحة سعيه من الصفا إلى المروة، وقاله في الشوط الثاني على المروة ليكون فاتحة سعيه من المروة إلى الصفا، وهكذا.
أما رقي المروة في المرة الأخيرة فليس بفاتحة لشوط بل هو ختام السعي. وليس في الرواية السابقة التي فيها وصف فعل النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول دعاء بعينه بل أطلق الراوي، لذا نص جمع من الفقهاء على أنه ليس في السعي دعاء موقت، فيدعو الداعي بما شاء.
وقد استحب بعض الفقهاء رفع الصوت بالذكر السابق، وهو ثابت
عن ابن عمر كما قدمنا من رواية ابن أبي شيبة.
ونقل عن الإمام أبي الشعثاء جابر بن زيد أنه كان إذا رقي على الصفا
(1) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 310، والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص 251. (2) الشقصي، منهج الطالبين، ج 7، ص 207، وابن عابدين، رد المحتار، ج 2، ص
500 (4/503)
صفحة 1824
الرائد
يرفع صوته بالذكر كأنه أعرابي جاف.
غير أنه لا بد من التنبيه على أن هذا الرفع بالصوت -لو قيل به- خاص
بالرجل، أما المرأة فالمشروع في حقها خفض الصوت.
ثم إن رفع الصوت بالذكر مأخوذ من فعل النبي، إذ لو لم يجهر به لما سمعه جابر، وغيره وأما الدعاء فالسنة فيه الإسرار فلذا لم يسمع من النبي
صل الله (2)
ومما جاء واستحبه بعض الفقهاء أن يقول الساعي بين الجبلين: رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم وأنت الأعز الأكرم، اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
والسابق ثابت من قول ابن عمر كما روى ذلك عنه ابن أبي شيبة من طريق أبي معاوية عن الأعمش عن شقيق قال: كان عبد الله إذا سعى في بطن
(1) الكندي بيان الشرع، ج 23، ص 201، والسالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2،
ص 205.
(2) ابن تيمية، شرح العمدة، ج 3، ص 460.
(3) البسيوي، الجامع، ج 2، ص 271، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 195، والرافعي،
العزيز، ج 3، ص 408، والنووي، المجموع، ج 8، ص 80، وابن قدامة، المغني، ج 3،
ص
193 (4/504)
صفحة 1825
الرائد
ه.
الوادي قال: رب اغفر وارحم إنك أنت الأعز الأكرم".
كما أنه ثابت من قول عبد الله بن مسعود).
لذا فقول إمام الحرمين إنه قد صح عن النبي أنه كان يقوله في سعيه) مما لا يوافق عليه).
وقد روي السابق من قول الرسول صلى الله عليه وسلم من حديث إبراهيم بن الحجاج السامي قال: حدثنا عبد الوارث بن سعيد قال: حدثنا ليث بن أبي سليم عن أبي إسحاق عن علقمة عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سعى في بطن المسيل قال: اللهم اغفر وارحم وأنت الأعز الأكرم.
أخرجه الطبراني وقال إثره: لم يرو هذا الحديث عن أبي إسحاق إلا ليث
تفرد به عبد الوارث).
وليث بن أبي سليم ممن لا يثبت حديثه كما ذكرنا ذلك عنه من قبل. كما جاء السابق من قول النبي الله في حديث الفاكهي من طريق يعقوب
(1) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 420.
(2) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 95.
(3) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 305.
(4) ابن الملقن البدر المنير، ج 6، ص 216، وابن حجر، التلخيص الحبير، ج 2، ص 251. (5) الطبراني، المعجم الأوسط، ج 3، ص 148. (4/505)
صفحة 1826
الرائد
بن حميد قال: أنا وكيع عن إبراهيم بن يزيد عن الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث عن صفية بنت شيبة عن امرأة من بني نوفل قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم
يقول وهو يسعى مما يلي الوادي: رب اغفر وارحم إنك أنت الأعز الأكرم". لكن الحديث لا يثبت أيضا ففيه إبراهيم بن يزيد الخوزي، قال: أحمد: متروك الحديث، وقال يحيى بن معين: ليس بثقة وليس بشيء، وقال أبو زرعة وأبو حاتم: منكر الحديث ضعيف الحديث، وقال أبو بشر الدولابي عن البخاري: سكتوا عنه قال الدولابي: يعني تركوه، وقال النسائي: متروك
الحديث).
و مما استحبه بعض الفقهاء (3) ما كان يدعو به ابن عمر له من قوله: اللهم اعصمني بدينك وطاعتك وطاعة رسولك، اللهم اجعلني ممن يحبك ويحب ملائكتك ورسلك وعبادك الصالحين، اللهم آتني من خير ما
تؤتي عبادك الصالحين، اللهم اجعلني من الأئمة المتقين، واجعلني من ورثة
جنة النعيم، واغفر لي خطيئتي يوم الدين
(1) الفاكهي، تاريخ مكة، ج 2، ص 219.
(2) المزي، تهذيب الكمال، ج 2، ص 243.
(4)
(3) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 408، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 192.
(4) أبو نعيم، حلية الأولياء، ج 1، ص 308. (4/506)
صفحة 1827
الرائد
والدعاء السابق كان ابن عمر ه يأتي به بعد ركعتي الطواف كما في حديث يعلى بن عبيد قال: حدثنا محمد بن سوقة عن نافع قال: كان ابن عمر إذا قدم حاجا أو معتمرا طاف بالبيت وصلى ركعتين، وكان جلوسه فيها أطول من قيامة ثناء على ربه ومسألة فكان يقول حين يفرغ من ركعتيه وبين الصفا والمروة، ثم ساق الدعاء السابق.
وفي كل يرفع يديه، ولم يأت في النص الشرعي أن النبي خفضهما صلى الله عليه وسلم حال الذكر ورفعهما حال الدعاء، بل الظاهر أن الرفع استوعب الجميع ولا مانع منه من حيث الشرع.
بل على العكس مما ثبت أن النبي ل لرفع يديه حال الذكر كما في حديث أبي هريرة أن النبي لما فرغ من طوافه أتى الصفا فعلا عليه حتى نظر إلى البيت ورفع يديه فجعل يحمد الله ويدعو بما شاء أن يدعو".
وكثير من الناس الآن من يشير إلى البيت حال رقيه الجبلين، والظاهر أن النبي رفع يديه حال رقيه الجبلين رفع دعاء لا رفع إشارة إلى البيت، وعليه
(1) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 6، ص 108.
(2) العيني، البناية، ج 4، ص 203، وابن جماعة، هداية السالك، ج 3، ص 1031، وابن النجيم، البحر الرائق، ج 2، ص 358، و ابن الضياء، البحر العميق، ج 3، ص 1257.
(3) أخرجه مسلم في كتاب: الجهاد والسير، باب: فتح مكة (1780). (4/507)
صفحة 1828
الرائد
فالمشروع رفعهما كما يرفع الداعي يديه لا أن يشير إلى البيت؛ فإن الإشارة في هذا الموضع ليس لها أصل عن الشارع.
والإمام مالك هنا على أصله لا يستحب رفع اليدين إلا حال الصلاة. واستحب بعض أهل العلم للحاج أن يلبي بعد الذكر الأول ثم يدعو بما أحب، وقد تقدم في الجزء الثاني من الكتاب أن التلبية غير مشروعة في حال الطواف. والنبي نقلت عنه أحواله وأذكاره على الجبلين ولم يكن من بينها التلبية بل ظاهر قول ابن عمر كما تقدم- أنه قطع التلبية عند أدنى الحرم، ثم إنه هنا ذكر ما كان يقوله على رأس الصفا ولم يكن من بين ما ذكره التلبية. ثم إن التلبية مشروعة في عموم الإحرام ولهذا المكان ذكر يخصه فلم يزاحم بغيره، وأيضا فإن التلبية شعار المجيب للداعي فشرع له ما دام يسير ويسعى إلى المقصد فإذا بلغ مكانا من الأمكنة التي دعي. إليها فقد وصل إلى المقصد فلا معنى للتلبية ما دام فيه فإذا خرج منه وقصد مكانا آخر لبى".
(1) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 251.
(2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 158، وابن جماعة، هداية السالك، ج 3، ص 1028،
وابن الضياء، البحر العميق، ج 3، ص 1257.
(3) ابن تيمية، شرح العمدة، ج 3، ص 461. (4/508)
صفحة 1829
الرائد
لكن جاء ما يفيد التلبية في الموضع السابق من فعل عبد الله بن مسعود ه كما في حديث أبي نصر عمر بن عبد العزيز بن عمر بن قتادة البشيري، أنبأ أبو عمرو بن مطر، ثنا أبو خليفة، ثنا محمد بن كثير، أنبأ سفيان عن منصور عن أبي وائل عن مسروق قال:
جئت مُسَلّما على عائشة) وصحبت عبد الله بن مسعود حتى دخل في الطواف فطاف ثلاثة رملا وأربعة مشيا ثم إنه صلى خلف المقام ركعتين ثم إنه عاد إلى الحجر فاستلمه.
ثم خرج إلى الصفا فقام على الشق الذي على الصفا فلبي فقلت: إني نهيت عن التلبية؟
فقال: ولكني آمرك بها؛ كانت التلبية استجابة استجابها إبراهيم، فلما
هبط إلى الوادي سعى فقال: اللهم اغفر وارحم وأنت الأعز الأكرم. والحديث أخرجه البيهقي وقال إثره: وهذا أصح الروايات في ذلك عن
ابن مسعود).
وبعض أهل العلم على أن التلبية على الصفا والمروة تشرع للحاج، أما
(1) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 95. (4/509)
صفحة 1830
الرائد
510
المعتمر فيتوقف عن التلبية عند أدنى الحرم أو الشروع في الطواف على
الخلاف الذي ذكرناه سابقا.
ولعل علة السابق عموم أن النبي لبى حتى رمي الجمرة، وطواف الإفاضة يكون بعد رمي الجمرة فمن هنا لم يستحبوا إلا في السعي بعد طواف
القدوم.
ولكن حديث ابن مسعود سابق الذكر لم يكن فيه تقييد بالحج بل ظاهره
أنه في العمرة، ثم إن العلة التي احتج بها له عامة للحج والعمرة. والأولى من ذلك كله عدم مشروعية التلبية على الصفا والمروة وحال
الطواف للأدلة التي قدمناها، وهي بينة جلية.
ومن الفقهاء من فضل قراءة القرآن في السعي بين الصفا والمروة. والتفضيل السابق حسن في غير حال رقي الجبلين، أما عند الرقي فالأفضل ما ثبت في السنة، وإن كان ذكر الله بقراءة القرآن خيرا من حيث
الأصل العام إلا أنه في هذا الموضع الأولى ما نص عليه الشارع.
وقال بعض الفقهاء لم يأمر النبي الله بالدعاء في الطواف؛ لأنه يشبه بالصلاة، والدعاء يؤتى بعد الفراغ منها، والسعي تتمة ذلك فأشبه آخر
(1) ابن جماعة، هداية السالك، ج 3، ص 1036. (4/510)
صفحة 1831
الرائد
511
الصلاة فاستقام الدعاء بالحاجة فيه دون الطواف.
سادسا: استقبال البيت
ومما جاء في ذلك حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فرغ من طوافه أتى الصفا فعلا عليه حتى نظر إلى البيت ورفع يديه فجعل يحمد الله ويدعو بما شاء أن يدعو).
غير أن الذي يشكل على السابق أنه كان يوم فتح مكة، ورقيه صلى الله عليه وسلم المذكور ما كان في نسك فقد اتفق الجميع على أنه لما دخل مكة يوم الفتح محرما، فطوافه ورقيه ما كان للنسك.
ولعل رقيه كان لأنه أمر فرق جيشه بالاجتماع عند جبل الصفا فيكون دعاؤه في مكان الاجتماع دعاء شكر وحمد لا نسك، وعليه فدلالته على استحباب التوجه للبيت حال النسك ضعيفة.
ثم إن السابق ليس بنص في أن النبي صلى الله عليه وسلم استقبل البيت حال الدعاء، وليس من لازم الرؤية الاستقبال، لكن أيد القائلون بمشروعية استقبال
البيت حال الذكر السابق بأمور منها:
(1) ابن الضياء البحر العميق، ج 3، ص 1266.
(2) أخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب: فتح مكة (1780). (4/511)
صفحة 1832
الرائد
512
أنه حال مكث للذكر والدعاء فاستحب فيها استقبال القبلة كسائر
الأحوال وأوكد.
ومنها أن الوقوف بالمشاعر نوع من الصلاة، ولأن المناسك هي حج
البيت فكان استقبال البيت وقت فعلها تحقيقا لمعنى حج البيت وقصده.
ولأن
جميع
العبادات البدنية من القراءة والذكر والدعاء والصلاة
والاعتكاف وذبح الهدي والأضحية يسن استقبال الكعبة فيها فما تعلق منها
بالبيت أولى.
النبي
سابعا: الهرولة بين العلمين الأخضرين
والعلمان الأخضران جعلا علامة على موضع السعي الذي سعى فيه
بطن الوادي، وليس ثمة الآن بطن واد ولا له أثر)
وفي زماننا نصب مصباح أخضر ليكون علامة على مبدأ منطقة السعي ومنتهاها من الوجهين.
ودليل الأمر السابق حديث عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أن النبي كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول يخب ثلاثة أطواف ويمشي أربعة،
(1) ابن تيمية، شرح العمدة، ج 3، ص 453.
(2) العيني، البناية، ج 4، ص 205. (4/512)
صفحة 1833
الرائد
513
وأنه كان يسعى بطن المسيل إذا طاف بين الصفا والمروة. وجاء عن ابن عباس حديث عمرو عن بكير بن الأشج أن كريبا مولى ابن عباس حدثه أن ابن عباس قال: ليس السعي ببطن الوادي بين الصفا والمروة سنة، إنما كان أهل الجاهلية يسعونها ويقولون لا نجيز البطحاء إلا
شدا (2).
وذكر بعض أهل العلم أنه لا يريد أنه لا يسن السعي في بطن الوادي وإنما أراد أنه ليس بسنة أنشأه النبي صلى الله عليه وسلم بل كانت من عمل الجاهلية فأقرها على ما كانت عليه فصارت سنة بالتقرير، وغيرها من السنن أنشأ
النبي
فعلها).
ويشكل على التوجيه السابق أن الطواف بالبيت وكثيرا من مناسك كانت معروفة عند أهل الجاهلية وأقرها النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقل أحد فيها ما قاله ابن عباس.
على أنه ثبت عنه الله - كما قدمنا - أن أصل السعي ببطن الوادي هو فعل
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: من طاف بالبيت إذا قدم مكة قبل أن يرجع إلى بيته ثم صلى ركعتين ثم خرج إلى الصفا (1538).
(2) أخرجه البخاري في كتاب مناقب الأنصار باب القسامة في الجاهلية (3634).
(3) ابن الضياء البحر العميق، ج 3، ص 1272 (4/513)
صفحة 1834
الرائد
514
هاجر أم إسماعيل وأن المشروعية كانت لذلك.
ومن الفقهاء من حمل حديث ابن عباس السابق على أنه أراد أن
الوجوب عن السعي كله، فيكون حكمه تطوعا).
ينفي
وفي هذا التوجيه نظر؛ إذ كلام ابن عباس ما كان إلا في السعي ببطن
الوادي، والموجهون كلامهم في السعي كله ثم إنه لو قيل بظاهر كلام ابن
عباس لأفاد عدم المشروعية رأسا، وهو ما لا يقول به أحد.
ولعل ابن عباس الله لا يرى مشروعية الهرولة بين العلمين كمذهبه في
الرمل في طواف القدوم إن صح هذا المنقول عنه كما هو الظاهر.
ونبه بعض أهل العلم على أن الساعي يسعى سعيا شديدا قبل الميل الملصق بجدار المسجد بنحو ستة أذرع، وهكذا عند رجوعه من المروة إلى الصفا يواصل سعيه الشديد بعد الميل الأخضر بستة أذرع محاذيا لمكان سعيه من الصفا إلى المروة).
وعلة ذلك أن الميل كان موضوعا على المكان الذي منه ابتداء السعي فكان السيل يهدمه ويحطمه، فرفعوه إلى أعلى ركن المسجد ولم يجدوا على
(1) ابن الجوزي، كشف المشكل، ج 2، ص 398، والعيني، عمدة القاري، ج 16، ص 298. (2) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 304، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 158، والعيني، البناية، ج 4، ص 205، والجيطالي، قناطر الخيرات، ج 2، ص 78. (4/514)
صفحة 1835
الرائد
515
(1)
السنن أقرب من ذلك الركن فوقع متأخرا عن مبدأ السعي ستة أذرع) والحال الآن -ولله الحمد - أن العلمين موضوعان في مكانهما الذي يبين
بطن الوادي الذي سعى فيه نبي الإسلام، وسعت فيه من قبل أم إسماعيل هاجر -رحمها الله-، فلا داعي للتقديم السابق بل يلتزم موضع العلامة في المبتدأ والمنتهى.
وقد تقدم ذلك من فعل النبي صلى الله عليه وسلم كما وصف جابر بن عبد الله.
والهرولة السابقة ليست مشروعة إلا في بطن الوادي منطقة السعي بين العلمين، فلا يصح السعي في المسعى كله كما يفعل جماعات من السعاة الآن ولكن مع هذه الإساءة التي يتعرض لها هؤلاء نص من نص من أهل العلم
على أنه ليس عليهم شيء".
ولا أظن متعمد المخالفة مع العلم بالمشروع سالما من الإثم. وقال بعض أهل العلم إن من سعى راكبا أو محمولا أسرع حامله بقدر
الإرمال بين العلمين ولو دابة يسرعها راكبها أو سائقها). والجمهور من الفقهاء على أن هذا السعي سنة وليس بواجب، فمن
(1) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 305، والعيني، البناية، ج 4، ص 205. (2) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 347، والبسيوي، الجامع، ج 2، ص 273. (3) القطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 153. (4/515)
صفحة 1836
الرائد
516
مشى بين العلمين على عادته لم يكن عليه شيء وفاتته الفضيلة).
و مما يفيد الحكم السابق حديث ابن عمر قال: إن أسع بين الصفا والمروة
فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن أمش فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي، وأنا شيخ كبير.
ولأن ترك الرمل في الطواف بالبيت لا شيء فيه فبين الصفا والمروة
أولى".
وحديث ابن عمر الذي استدل به الجمهور، روي عنه من طرق ا
أولها عطاء بن السائب عن كثير بن جمهان عن ابن عمر.
وقد روى الحديث عن عطاء جماعة منهم الثوري كما أخرج ذلك النسائي من حديث محمود بن غيلان المروزي قال حدثنا بشر بن السري قال: حدثنا سفيان عن الثوري عن عطاء بن السائب عن كثير بن جمهان قال: رأيت ابن عمر ... الحديث (3).
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 207، والنووي، المجموع، ج 8، ص 80، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 193، والشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 403، والقرافي، الذخيرة، ج 3،
ص 253.
(2) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 194.
(3) النسائي، السنن الكبرى، ج 2، ص 414، والمجتبى، باب: المشي بينهما (2976). (4/516)
صفحة 1837
الرائد
517
وروى الحديث أبو داود من طريق النفيلي ثنا زهير ثنا عطاء ء بن
عن كثير بن جمهان أن رجلا قال لعبد الله بن عمر.
ورواه الترمذي من طريق يوسف بن عيسى حدثنا ابن فضيل عن
السائب
عطاء
بن السائب عن كثير بن جمهان قال: رأيت ابن عمر ... الحديث، وقال: حسن
(2)
ورواه ابن ماجه من طريق علي بن محمد وعمرو بن عبد الله قالا: ثنا وكيع ثنا أبي عن عطاء بن السائب عن كثير بن جمهان عن ابن عمر. وصححه ابن خزيمة بإخراجه إياه).
ورواه ابن خزيمة عن أبي موس موسى ثنا عقبة ثنا الضحاك عن سفيان عن
عبد الكريم الجزري عن سعيد بن جبير عن ابن عمر نحوه.
ورواه النسائي من طريق محمد بن رافع النيسابوري قال: حدثنا عبد الرزاق قال أنبأ الثوري عن عبد الكريم الجزري عن سعيد بن جبير قال:
(1) أبو داود، كتاب المناسك باب أمر الصفا والمروة (1904).
(2) الترمذي، كتاب الحج، باب ما جاء في السعي بين الصفا والمروة (864). (3) ابن ماجه، کتاب المناسك، باب السعي بين الصفا والمروة (2988). (4) ابن خزيمة، صحيح ابن خزيمة، ج 4، ص 237.
(5) ابن خزيمة، صحيح ابن خزيمة، ج 4، ص 237. (4/517)
صفحة 1838
الرائد
518
رأيت ابن عمر يمشي بين الصفا والمروة، ثم قال: إن شئت فقد رأيت رسول
الله صلى الله عليه وسلم يمشي، وإن سعيت فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسعى
(1)
ومن مجموع السابق يظهر أن حديث ابن عمر صحيح حجة، بل بعض
طرقه صحيحة بذاتها.
وروى ابن خزيمة عن محمد بن يحيى حدثنا المغيرة ثنا سعيد بن بشير عاما ومشى
حدثني قتادة عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم سعي
عاما (2).
ومنهم من استحسن له أن يهدي إن تركه في سعيه كله.
ومن الفقهاء من نص على كونه سنة إلا أنه ألزم تاركه الدم، ومنهم من قال يعيد ما دام في مكة فإن فات أهدى، ومنهم من قال لا يعيد وعليه دم". والظاهر أن بعضهم يعلقون وجوب الدم بالعمد، أما الناسي للهرولة
فلا شيء عليه).
(1) النسائي، السنن الكبرى، ج 2، ص 414، والمجتبى، كتاب: مناسك الحج، باب: المشي
بينهما (2977).
(2) ابن خزيمة، صحيح ابن خزيمة، ج 4، ص 237.
(3) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 253، والسالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 206. (4) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 206. (4/518)
صفحة 1839
الرائد
519
ومن الفقهاء من ذهب إلى أن من ترك الهرولة السابقة أربعة أشواط
فصاعدا فعليه دم وقد تم سعيه تعمد الترك أو لم يتعمد، إلا أن غير المتعمد
للترك كالناسي يتذكر وهو بمكة فله أن يعيد ويسقط الدم عنه. وإن كان المتروك رمل أقل من أربعة أشواط فيلزم بترك رمل كل شوط بإطعام مسكين.
وحكى الإمام السالمي وقطب الأئمة عن الأبدلاني من علماء الإباضية المغاربة أنه ألزم من لم يهرول إعادة السعي والدم مع الإعادة إن كانت
الإعادة بعد الحلق".
وقال ابن جعفر:
ومن ترك الرمل في شوط أو شوطين فليعد الشوطين، وإن قصر قبل أن
(3)
يعيد وكان قد ترك الأكثر من الهرولة أربعة أو أكثر - فعليه دم".
(1) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 346، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 195، والسعدي، قاموس الشريعة، ج 19، ص 297.
(2) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 206، والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4،
ص 153.
(3) في الأصل: يعود، والأظهر المثبت في الأصل.
(4) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 346. (4/519)
صفحة 1840
الرائد
520
واختلفوا فيمن جاوز موضع الهرولة أيرجع إليه ليهرول، قال جماعة لا يرجع إليه، وهؤلاء هم الذين يقولون بأن الهرولة المذكورة ليست بواجبة.
النبي
ومنهم من قال يرجع إليه ما لم يجاوزه بثلاث خطوات.
ومنهم من أطلق الأمر بالرجوع دون تقييد بعدد الخطوات". والتفصيلات السابقة يعوزها الدليل وحديث ابن عمر الذي فيه أن
?
سعى ومشى ظاهر في نفي الوجوب عن الهرولة بين العلمين.
والأمر السابق خاص بالرجال، وقد اتفق العلماء على أنه إن كان
الازدحام موجودا لم يشرع للمرأة السعي بين العلمين بل تمشي مشيها
المعتاد (3).
ومن الفقهاء من أمرها بالإسراع شيئا يسيرا عن المشي المعتاد.
(1) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 346، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 206، والسالمي،
شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 206.
(2) البسيوي، الجامع، ج 2، ص 272.
(3) الشافعي، الأم، ج 2، ص 176، والبسيوي، الجامع، ج 2، ص 273، وابن جماعة، هداية السالك، ج 3، ص 1038، وابن الضياء البحر العميق، ج 3، ص 1273، والسالمي،
شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 206.
(4) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 347، والشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 403. (4/520)
صفحة 1841
الرائد
521
وروى الإمام الربيع عن ضمام بن السائب عن أبي الشعثاء جابر بن زيد أنه كان لا يرى على النساء رملا بالبيت ولا بين الصفا والمروة، ويسر عن في
المشي".
فيكون الإجماع مخصصا لعموم النصوص الشرعية التي الأصل فيها أن يتعبد بها الجنسان الذكور والإناث.
واختلف في حال خلو المسعى من الرجال أيشرع لها أن تسعى بين العلمين أو لا يشرع لها ذلك، وذهاب علة المنع يرد إلى أصل عموم أحكام
الشريعة للجنسين إذ لا مانع من الهرولة إلا العلة المذكورة.
ومن أهل العلم من رأى مشروعية السعي للنساء لولا الإجماع السابق فإن مبدأ السعي كان سعي امرأة وهي هاجر أم إسماعيل، فالأصل أن تدخل في المشروعية بالأولى بل على سبيل القطع على ما يذهب إليه بعض العلماء، ولكن لورود الإجماع يقال بما أفاده الإجماع.
ثم إن فعل هاجر كان في حال الخلوة ولم يكن ثمة رجال يسعون معها
(1) الخروصي، من جوابات الإمام جابر بن زيد، ص 72.
(2) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 410، والنووي، المجموع، ج 8، ص 80، وابن جماعة، هداية
السالك، ج 3، ص 1038.
(3) ابن عثيمين، مجموع الفتاوى، ج 22، ص 430. (4/521)
صفحة 1842
الرائد
522
والنساء الآن لا يسعين إلا مع الرجال ففرق بين الأمرين كبير، نعم قد
يستفاد من فعلها -رحمها الله- أنه يشرع سعي النساء بين العلمين في حال خلو المسعى من الرجال غير المحارم. والمشكلة التي قد تحول دون تطبيق السنة السابقة أن من الرجال من يسعى بين الصفا والمروة ويكون معه من لا يشرع له السعي كالنساء وغيرها من الضعفة غير القادرين على السعي والمرأة في أحيان كثيرة ضعيفة لا تكاد تقوم بشأنها فيخشى عليها من يعنى بشأنها لرفقتها الضياع خاصة أيام المواسم كالحج ورمضان فيكون حاله دائرا بين أمرين شرف الامتثال لسنة النبي وخشية إضاعة من تحت يديه والتفريق فيهما مر.
ويقال في حق مثل من هذا حاله إن مفسدة ضياع المرأة وسط تلك الجموع الغفيرة من ضيوف الرحمن أمر بالغ الضرر، وتطبيق السنة أمر ليس بالواجب المحتم، فعلى القواعد التأصيلية يقدم دفع المفسدة على جلب المصلحة فيرعى شؤونها.
ولعل ذلك أأجر له في مثل حاله ذاك؛ إذ التزام الواجب أشرف من
الحرص على المندوب إن لم يمكن الجمع بينهما، بل التضييع في الواجبات
المتحتمة لأجل تحصيل المندوبات أمر يعد صاحبه آثما.
ومع
السابق يمكن الرجل السابق حاله أن يجمع بين الخيرين فيرعى من (4/522)
صفحة 1843
الرائد
523
يخشى عليه الضياع بنية القيام بالواجب، وينوي السعي بنية تطبيق السنة أن لو لم يكن ما بين يديه من العناية بمن أوجب عليه العناية بهم، وبذلك يحوز العملين؛ إذ نية المؤمن خير من عمله، ويشهد له حديث:
أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع من غزوة تبوك فدنا من المدينة
فقال: إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم. قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟! قال: وهم بالمدينة حبسهم العذر. وإن كان ثمة مجال لسعي الرجل في الأحوال التي فيها الزحام ليس ببالغ، أو كانت المرأة ممن يستطيع أن يرعى نفسه في تلك المنطقة اليسيرة رمل الرجل ومن يشرع له أن يرمل وانتظر المرأة عند آخر منطقة الرمل ليصطحبا بعد ذلك إن لم يسبب وقوفه إحداث ضرر بالناس؛ إذ لا مانع منه. وإن سبب ذلك فالأولى انتهاك الرمل بعدم إتيانه لا إحداث الضرر
بالآخرين.
والقائلون بوجوب الهرولة بين العلمين منهم من نص على وجوب أن يهرول عن المرأة التي عنده ولا ينتظرها، ومن ذلك أن أبا المؤثر البهلوي
سئل:
(1) أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب نزول النبي صلى الله عليه وسلم الحجر (4161). (4/523)
صفحة 1844
الرائد
524
عن الرجل إذا سعى بين الصفا والمروة وكانت عنده امرأة ينظرها
ويمشي على مشيها، أو يمشي هو على هيئته وتمشي هي على هيئتها؟
قال: لا بأس أن يمشي على مشيها.
قيل: فتمسك به؟
قال: نعم، لا بأس أن تمسك به إلا أن تشغله عن الهرولة بين العلمين،
فإن شغلته فليسع وحده وهي وحدها.
قيل: فينظرها عند العلم؟، قال: لا.
غير أن عدم الانتظار هنا لا بد من أن يقيد بما قيدناه سابقا.
وأغرب ابن حزم بما لم يسبق إليه ولم يتابع عليه فقال: واتفقوا أن من طاف بين الصفا والمروة سبعا يبدأ بالصفا ويختم بالمروة
ثلاثة خيبا وأربعة مشيا فقد سعى).
ونص على السابق في حجة الوداع، وكلامه غير صحيح بل الاتفاق قائم بين أهل العلم على أن الرمل بين العلمين الأخضرين أمر مشروع في الأشواط كلها كما ثبت ذلك عن صاحب الدعوة، إلا ما قال به مثله
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 205.
(2) ابن حزم، مراتب الإجماع، ص 78.
(3) ابن حزم، حجة الوداع، ص 117. (4/524)
صفحة 1845
الرائد
525
الفارسي الحنفي في مناسكه كما نقله عنه ابن الضياء.
وقال إمام الحرمين لا ينبغي أن يبلغ السعي مبلغا ينبهر به، فإذا كان
كذلك فمن ضرورته طرف من الاقتصاد.
ومن الفقهاء من قال إن من أهل بالحج من أهل مكة لم يكن عليه سعي
بين العلمين كما لا رمل عليه في الطواف).
ولا أعلم دليلا لهذا، والأصل في السعي أنه مشروع للاقتداء بأم
إسماعيل هاجر، وهذا الأصل يستوي فيه أهل مكة وغيرهم.
معه
ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم قد حج أناس من أهل مكة ولم ينقل أنه فرق في
المشروعية السابقة بينهم وغيرهم، ولو كان ثمة تفريق لاشتهر إذ البلوى تعم
به.
والرمل في الطواف لم يقل به لأهل مكة لأنهم يحرمون في الحج من موضعهم فلا طواف قدوم لهم، أما في حال إحرامهم بالعمرة من أدنى الحل على مذهب الجمهور - فذكرنا الخلاف فيهم، وتبين أنهم متعبدون بما تعبد
به غيرهم.
(1) ابن الضياء، البحر العميق، ج 3، ص 1293.
(2) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 305.
(3) ابن تيمية، شرح العمدة، ج 3، ص 466، وابن جماعة، هداية السالك، ج 3، ص 1036. (4/525)
صفحة 1846
الرائد
526
ثامنا: صلاة ركعتين عند المروة بعد الانتهاء من السعي
وقد قال باستحباب السابق بعض أهل العلم، قال الكمال ابن الهمام:
إذا فرغ من السعي يستحب له أن يدخل فيصلي ركعتين ليكون ختم السعي كختم الطواف كما ثبت أن مبدأه بالاستلام كمبدئه عنه عليه الصلاة
والسلام.
وقد اختلفوا في الاستدلال له فمنهم من قال إن في ذلك زيادة طاعة وإن كان الأمر لم يثبت عن النبي.
الهمام.
ومنهم من استدل بالقياس على الطواف، وقد تقدم نقل ذلك عن ابن
ومنهم من رأى أن الساعي إذا فرغ من السعي دخل المسجد وصلى ركعتين، لحديث أبي بكر بن أبي شيبة ثنا أبو أسامة عن ابن جريج عن كثير
بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة السهمي عن أبيه عن المطلب قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من سبعه جاء حتى يحاذي بالركن فصلى
(1) النووي، المجموع، ج 8، ص 80، وابن جماعة، هداية السالك، ج 3، ص 1054.
(2) ابن الهمام، فتح القدير، ج 2، ص 460.
(3) ابن الهمام فتح القدير، ج 2، ص 460، وابن الضياء البحر العميق، ج 3، ص 1301. (4/526)
صفحة 1847
الرائد
527
ركعتين في حاشية المطاف وليس بينه وبين الطواف أحد.
وليس في الحديث (سعيه) كما أورد ذلك الكمال ابن الهمام وابن
الضياء، بل سبعه وهذا يراد به سبعة الأشواط في الطواف لا السعي، وقد ترجم لذلك ابن ماجه بقوله باب الركعتين بعد الطواف. ثم إن الحديث ضعيف لا يثبت؛ ففي إسناده ابن جريج ولم يصرح
بالتحديث.
وفي الحديث علة أخرى وهي أن كثيرا لم يسمع الحديث من بعض أهله.
من أبيه ولكن
ورأى آخرون أن الفعل السابق غير مشروع بل من الفقهاء من صرح بكراهة هاتين الركعتين؛ لأنه ابتداع شعار"، وهذا القول أولى.
(1) أخرجه ابن ماجه في كتاب المناسك باب الركعتين بعد الطواف (2958).
(2) ابن الهمام، فتح القدير، ج 2، ص 460.
(3) ابن الضياء البحر العميق، ج 3، ص 1301.
(4) العلائي، جامع التحصيل، ص 258.
(5) النووي، المجموع، ج 8، ص 80، وابن جماعة، هداية السالك، ج 3، ص 1055. ج 8، ص 80، (4/527)
صفحة 1848
الرائد
المبحث السادس: السعي راكبا
528
اتفق الفقهاء على أن السعي ماشيا أولى من السعي راكبا، لكن اختلفوا في كراهة السعي راكبا، فمنهم من قال إن السعي راكبا خلاف الأولى لكنه ليس بمكروه، فلا يلزم من سعى راكبا شيء.
ومن الباب السابق روى محمد بن فضيل عن الأحوص قال: رأيت أنسا
يطوف بين الصفا والمروة على حمار".
كما روى وكيع عن قيس بن عبد الله عن أبي إدريس قال: رأيت عائشة
تسعى بين الصفا والمروة على بغل).
وذهب آخرون إلى أن السعي راكبا مكروه إلا من ضرورة.
ومنهم من قال إن السعي راكبا لا يجوز إلا من عذر فلا يجزي من سعى
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 191، والرافعي العزيز، ج 3، ص 410، والنووي، المجموع، ج 8، ص 81، والشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 404.
(2) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 170.
(3) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 170.
(4) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 203. (4/528)
صفحة 1849
الرائد
راكبا سعيه حتى يعيده، وإن لم يعد أراق دما.
وهؤلاء فرقوا بين أن يطوف على بعير أو يطوف على ظهر إنسان، فإن
طاف على ظهر إنسان لم يجزه؛ لأنه حينئذ لا يكون طائفا وإنما الطائف
الحامل، وإذا طاف على بعير يكون هو الطائف).
وآخرون قالوا إن لزوم الدم لمن طاف راكبا يلزم من ركب أكثر السعي،
أما إن كان ركوبه أقل السعي بغير عذر فعليه صدقة نصف صاع من بر أو
صاع من تمر أو شعير).
ومع
الخلاف السابق جاء ما يفيد أن النبي صلى الله عليه وسلمسعى راكبا كما في حديث
أبي الزبير أنه
سمع
جابر بن عبد الله يقول: طاف النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع على
راحلته بالبيت وبالصفا والمروة ليراه الناس وليشرف وليسألوه؛ فإن الناس
غشوه.
كما جاء ما يفيد الأمر السابق وهو حديث موسى بن إسماعيل ثنا حماد ثنا أبو عاصم الغنوي عن أبي الطفيل قال: قلت لابن عباس: يزعم قومك أن
(1) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 2، ص 184، والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص 253. (2) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 2، ص 184.
(3) النووي، المجموع، ج 8، ص 81، وابن الضياء البحر العميق، ج 3، ص 1290.
(4) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب جواز الطواف على بعيره (1273). (4/529)
صفحة 1850
الرائد
530
رسول الله صلى الله عليه وسلم ا ا ا ف بين الصفا والمروة على بعيره، وأن ذلك سنة؟
فقال: صدقوا وكذبوا، قلت: ما صدقوا وما كذبوا؟ قال: صدقوا قد
طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الصفا والمروة على بعيره.
وكذبوا ليس بسنة؛ كان الناس لا يدفعون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا
يصرفون عنه فطاف على بعير ليسمعوا كلامه وليروا مكانه ولا تناله
أيديهم.
والحديث في ظاهره مشكل جدا، وذلك لأن الثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف وسعى يوم قدومه في حجة الوداع ماشيا ولم يركب، وما كان ركوبه كما تقدم إلا في طواف الإفاضة، ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم ما سعى بعد طواف الإفاضة فضلا عن أن يكون سعى راكبا.
ذهب بعض أهل العلم إلى أن سعيه راكبا كان في عمرة القضاء لا في حجة الوداع لما روى أبو داود أنه عليه الصلاة والسلام طاف في عمرة القضاء راكبا ليسمعوا كلامه ويروا مكانه ولا تمسه الأيدي؛ لأن الناس كانوا
لا يدفعون عنه (2).
(1) أخرجه أبو داود في كتاب المناسك، باب: في الرمل (1885). (2) القاري، مرقاة المفاتيح، ج 5، ص 464. (4/530)
صفحة 1851
الرائد
531
وذهب ابن حزم إلى أنه ليس ما ذكر من أنه طاف بين الصفا والمروة راكبا بمعارض لما ذكر من قول الراوي انصبت قدماه؛ لأن الراكب إذا انصب به بعيره فقد انصب كله وانصبت قدماه أيضا مع سائر جسده، وكذلك ذكر الرمل يعني رمل الدابة براكبها. والأظهر في حل الإشكال السابق أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ سعيه يوم القدوم ماشيا، ولما غشاه الناس وتزاحموا ركب، والسابق مأخوذ من حديث فضيل بن حسين الجحدري حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا الجريري عن أبي الطفيل قال: قلت لابن عباس: أخبرني عن الطواف بين الصفا والمروة راكبا أسنة هو؛ فإن قومك يزعمون أنه سنة؟
قال: صدقوا وكذبوا، قال: قلت: وما قولك صدقوا وكذبوا؟
قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كثر عليه الناس يقولون: هذا محمد، هذا محمد،
حتى خرج العواتق من البيوت، قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يضرب الناس بين يديه، فلما كثر عليه ركب، والمشي والسعي أفضل
(2)
وأورد القرافي سؤالا مفاده كيف يصح عنه أنه ركب في السعي وأنه
(1) ابن حزم، حجة الوداع، ص 157.
(2) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب استحباب الرمل في الطواف والعمرة وفي الطواف
الأول من الحج (1264). (4/531)
صفحة 1852
الرائد
532
رمل؟ ثم أجاب عنه بقوله: رمل بزيادة تحريك دابته، ويجوز أن يكون ركب في حجه ومشى في عمرته أو بالعكس.
والشيخ أبو ساكن عامر بن علي الشماخي - استدل لجواز السعي راكبا بخبر سعي النبي راكبا وبأن السعي هو الإسراع في المشي والسعي الركوب كما قال الله تعالى {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} قال: وأجمعت الأمة أنهم لو سعوا إلى الصلاة ركبانا لكانوا قد امتثلوا ما أمروا به، قال الشاعر:
سعيت إليها والرماح تنوشني
وطرفي يخوض الموت والقلب ثابت)
وخلاصة الأمر أن سعي النبي ال راكبا دليل جواز من حيث الأصل
العام ولكنه ليس دليل أفضلية بل سننه العام في السعي راجلا مقدم عليه
فضلا عن
أنه بدأ سعيه راجلا وما ركب إلا لعلة.
والركوب في هذا الزمان متصور في حق العجزة الذين تقلهم عربات
للسعي بين الجبلين، وينبغي للإنسان أن يكون راجلا في سعيه إلا إذا ما
ألحت عليه ضرورة للركوب.
(1) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 253.
(2) الشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 404. (4/532)
صفحة 1853
الرائد
533
المبحث السابع: السعي فوق سطح المسعى
اختلف الفقهاء المعاصرون في السعي فوق سطح المسعى، والذي عليه أكثر الفقهاء المعاصرين أن ذلك جائز ولا حرج
فيه.
و ممن نص على ذلك شيخنا العلامة الخليلي، والشيخ ابن عثيمين إذ قال: ومحل السعي ثلاثة الأرض والسطح الذي فوقها، والسطح الأعلى، ولو بنوا سطحا رابعا فلا حرج، كما أنه لو قدر أنه فتح قبو على طول المسعى فإنه يجزي السعي فيه).
كما أفتى بجواز السعي فوق سقف المسعى هيئة كبار العلماء بالسعودية في دورتها الرابعة المنعقدة ما بين 29 من شوال إلى 12 من ذي القعدة سنة
1393 هـ) الذي يوافقه 1973/ 11/24 م إلى 12/ 6/ 1973 م. واختلفوا في التعليل للجواز فمنهم من قال إن الجواز؛ لأن الهواء تابع
للقرار.
ومنهم من أخذ الجواز من أمور:
(1) ابن عثيمين مجموع الفتاوى، ج 22، ص 429.
(2) أبحاث هيئة كبار العلماء، ج 1، ص 8.
(3) ابن عثيمين، مجموع الفتاوى، ج 22، ص 429. (4/533)
صفحة 1854
الرائد
534
أرضين"،
أولها: قوله " من ظلم من الأرض شيئا طوقه من سبع ووجه الدلالة منه أن حكم أعلى الأرض وأسفلها تابع لحكمها في التملك
والاختصاص ونحوهما، وعلى ذلك يمكن أن يقال إن السعي فوق الطابق
الذي جعل سقفا لأرض المسعى له حكم السعي على أرض المسعى. ثانيها: تشبيه السعي في سطح المسعى بالسعي راكبا؛ إذ الكل غير مباشر للأرض في سعيه خاصة إن علمنا أنه لم يرد في السعي ما يلحقه بالصلاة في حكمها بل إنه أولى من الطواف راكبا بالإجزاء، فإذا صح الطواف راكبا لعذر صح السعي فوق سقف المسعى لعذر، والزحام عذر.
ثالثها: من صلى على مكان مرتفع عن سطح الكعبة مستقبلا ما فوق سطحها من هواء صحت صلاته إجماعا، وعليه يقال إذا كان استقبال ما فوق الكعبة من هواء في الصلاة كاستقبال بنائها فالسعي فوق سقف المسعى في حكم السعي على أرض المسعى.
رابعها ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد رمى الجمرة راكبا، وقد اتفق الفقهاء على جواز رمي الجمرة راكبا من حيث الأصل، ومنه يقال إنه إذا جاز الرمي راكبا جاز السعي فوق سقف المسعى؛ فإن كلا منهما نسك أدي من غير مباشرة مؤديه للأرض التي أداه عليها. بل السعي في سقف المسعى أقرب من أداء أي شعيرة من شعائر الحج أو (4/534)
صفحة 1855
الرائد
535
العمرة فوق البعير ونحوه لما في البناء من الثبات الذي لا يوجد في المراكب وذهب آخرون إلى عدم جواز السعي فوق سطح المسعى واستدلوا
لذلك بأمور:
الأمر الأول: أن الأمكنة المحددة من قبل الشرع لنوع من أنواع العبادات لا تجوز الزيادة فيها ولا النقص إلا بدليل يجب الرجوع إليه من كتاب أو سنة.
الأمر الثاني: أن الأمكنة المحددة شرعا لنوع من أنواع العبادات ليست محلا للقياس؛ لأنه لا قياس ولا اجتهاد مع النص الصريح المقتضي تحديد المكان المعين للعبادة
ولأن تخصيص تلك الأماكن بتلك العبادات دون غيرها من سائر الأماكن ليست له علة معقولة المعنى حتى يتحقق المناط بوجودها في فرع
آخر حتى يلحق بالقياس، فالتعبدي المحض ليس من موارد القياس. الأمر الثالث: أن الصفا والمروة كلاهما علم لمكان معين، وهو علم شخص لا علم جنس، و لا نزاع في أن العلم يعين مسماه – أي يشخصه، فإن كان علم شخص كما هنا شخص مسماه في الخارج، بمعنى أنه لا يدخل في
(1) أبحاث هيئة كبار العلماء، ج 1، ص 8. (4/535)
صفحة 1856
الرائد
536
مسماه شيء آخر غير ذلك الشخص، عاقلا كان أو غير عاقل.
وبما ذكر يعلم أن ما ذكر الله في الآية أنه
من شعائر الله هو شخص
الصفا وشخص المروة، ولا يدخل شيء آخر البتة في ذلك لتعين المسمى بعلمه الشخصي دون غيره كائنا ما كان سواء كان الفراغ الكائن فوق المسمى المشخص بعلمه أو غير ذلك من الأماكن الأخرى.
والمسعى الجديد الكائن فوق السقف المرتفع الذي فوق المسعى النبوي المبين بالسعي فيه معنى القرآن غير المسعى النبوي المذكور، ومغايرته له من الضروريات؛ لأنه مما لا نزاع فيه أن المتضايفين اللذين تستلزمها كل صفة إضافية متباينان تباين المقابلة لا تباين المخالفة، ومعلوم أن المتباينين تباين المقابلة بينهما غاية المنافاة لتنافيهما في حقيقتيهما واستحالة اجتماعهما في محل
آخر.
الأمر الرابع: أن السعي في المسعى الجديد خارج عن مكان السعي الذي دلت عليه النصوص؛ لأن النبي الهلال بين أن الظرف المكاني للسعي بالنسبة إلى الصفا والمروة هو ظرف المكان الذي يعبر عنه بلفظة بين، وأما المسعى العلوي فظرفه المكاني بالنسبة إلى الصفا والمروة هو لفظة فوق. ومعلوم أن لفظ (بين) ولفظ (فوق) وإن كانا ظرفي مكان فمعناهما مختلف، ولا يؤدي أحدهما معنى الآخر لتباين مدلوليهما، فالساعي في المسعى (4/536)
صفحة 1857
الرائد
537
الأعلى الجديد لا يصدق عليه أنه ساع بين الصفا والمروة، وإنما هو ساع
فوقهما، والساعي فوق شيئين ليس ساعيا بينهما للمغايرة.
وبين من السابق أن أدلة القائلين بعدم إجزاء السعي في الطابق العلوي للمسعى أقوى من حيث الدلالة وإن كانت للأقوال الأخرى وجاهة، ولكن جرى العمل من الناس كافة عامهم وعالمهم ذكرهم وأنثاهم على السابق،
وفيه تنفيس للسعاة، وأخذ بمذهب الجمهور.
(1) من مقال للشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي. (4/537)
صفحة 1858
[صفحة فارغة] (4/538)
صفحة 1859
الفصل الخامس: التحلل بالحلق أو التقصير
المبحث الأول: مشروعية التحلل من الإحرام المبحث الثاني: ما يلزم تقصيره أو حلقه من الرأس المبحث الثالث: المفاضلة بين الحلق والتقصير
المبحث الرابع: توقت الحلق بالزمان والمكان المبحث الخامس: حكم تارك الحلق أو التقصير
المبحث السادس: مندوبات الحلق أو التقصير (4/539)
صفحة 1860
[صفحة فارغة] (4/540)
صفحة 1861
الرائد
541
الفصل الخامس: التحلل بالحلق أو التقصير
المبحث الأول: مشروعية التحلل من الإحرام
يشرع لمن أنهى أعمال عمرته وهو يريد التمتع التحلل من إحرامها بالحلق أو التقصير، ومثله من كانت عمرته مطلقة الحديث سالم بن عبد الله أن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان منكم أهدى فإنه لا يحل لشيء حرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل والتحلل السابق لا يكون إلا بالأخذ من شعر الرأس دون غيره من شعر الجسد، وإن كان المنع من الأخذ من الشعر حال الإحرام شاملا لكل شعر الجسد، والعلة أن التحلل بالحلق أو التقصير ما ورد إلا في شعر
الرأس.
(1)
وقد بينا في المجلد الثاني من هذا الكتاب أن مشروعية التحلل من إحرام عمرة التمتع إنما هو حكم خاص بمن لم يسق الهدي، أما من ساق الهدي
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: من ساق البدن معه (1606)، ومسلم في كتاب: الحج، باب: وجوب الدم على المتمتع (1227).
(2) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 425. (4/541)
صفحة 1862
الرائد
542
فيبقى على إحرامه كما هو ظاهر السنة وإن خالف في ذلك بعض أهل العلم. وظاهر السابق أن الأصل في الحلق كونه تلو الانتهاء من السعي لذا استحب جمع من أهل العلم أن لا يؤخر التحلل بل يعقب بالانتهاء من
السعي، ولكن من أخر فقد أساء ولا شيء عليه).
ومع
(2)
الإجماع الحاصل بين أهل العلم على مشروعية الحلق السابق إلا
أن لهم خلافا في توصيفه أهو نسك من الأنساك يجب على المحرم أن يأتي به. أو هو إطلاق من محظور فيكون الإحلال بالانتهاء من السعي الصحيح المجزي في حال العمرة، وبرمي الجمرة أو الذبح لمن تعبد به في حال الحج،
والحلق أو التقصير ما هو إلا علامة على أن الإحرام قد انتهى. ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أن الحلق نسك يؤمر المتلبس بالإحرام أن يأتي به فهو كالطواف والسعي، وعليه فهو واجب".
(1) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 195.
(2) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 195.
(3) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 313، وعبد الوهاب، الإشراف، ج 1، ص 479،
والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 161، والنووي، شرح صحيح مسلم، ج 8،
6
ص 209، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 140، والجيطالي، قواعد الإسلام
170، والمرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 40، والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4،
6 (4/542)
صفحة 1863
الرائد
543
وقال إمام الحرمين إذا حكمنا بكون الحلق نسكا فهو ركن وليس كالرمي والمبيت، فاعلم ذلك؛ فإنه متفق عليه.
ثم بين آية كلامه وهو أنه مع الحكم بوجوبه لا يقوم الفداء مقامه حتى
لو فرض اعتلال في الرأس يعسر معه التعرض للشعر ولكنه كائن فلا بد من التريث إلى إمكان الحلق ولا تقوم الفدية مقامه.
وإن لم يكن شعر فلا حلق؛ لأن الحلق للنسك هو حلق شعر اشتمل الإحرام عليه، فإذا لم يكن على الرأس شعر في وقت الحلق لم يتحقق ما ذكر. وقد تابع إمام الحرمين على ذلك مختصر النهاية تلميذه الإمام الغزالي،
وشارح المختصر الرافعي)، وقال العراقي إن عليه أكثر الشافعية. ولا أدري وجه الاتفاق الذي ذكره إمام الحرمين؛ إذ إن الآخرين يفرقون بين كونه واجبا وركنا أنه في حال الوجوب دون الركنية لو جامع المحرم بعد السعي وقبل الحلق اختلف في بطلان إحرامه أو يلزمه دم ولا
ص 196، والسالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 280.
(1) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 309.
(2) الغزالي، الوسيط، ج 2، ص 664.
(3) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 425.
(4) العراقي، طرح التثريب، ج 5، ص 97. (4/543)
صفحة 1864
الرائد
544
يبطل الإحرام، وقد عرضنا لذلك عند الكلام على محظورات الإحرام. وقد نص بعض الفقهاء على الخلاف فيه بين القائلين بالنسك أهو
واجب أو ركن".
وابن جماعة ذكر القول بالركنية ثم قال ومذهب الثلاثة أنه نسك وعدوه من الواجبات.
والعيني نقل عن شيخه العراقي في شرح الترمذي أنه أورد في الحلق خمسة أوجه أصحها أنه ركن لا يصح الحج والعمرة إلا به، والثاني أنه واجب، والثالث أنه مستحب، والرابع أنه استباحة محظور، والخامس أنه ركن في الحج واجب في العمرة.
استدل القائلون بأنه نسك بأدلة متعددة:
الدليل الأول: أن الأمر بالحلق أو التقصير ثابت في نصوص الشارع، والأصل في الأمر أن يكون للوجوب، ولم يأت دليل يصرف هذا الأصل. ومن النصوص التي جاء الأمر فيها بالحلق حديث سالم بن عبد الله أن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان منكم أهدى فإنه لا يحل لشيء
(1) علي القاري، مرقاة المفاتيح، ج 5، ص 555. (2) ابن جماعة، هداية السالك، ج 3، ص 1293. (3) العيني، عمدة القاري، ج 10، ص 62. (4/544)
صفحة 1865
الرائد
545
حرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت
وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل.
ومن ذلك حديث جابر بن عبد الله له أنه مع النبي يوم صلى الله عليه وسلم البدن معه وقد أهلوا بالحج مفردا فقال لهم:
ساق
أحلوا من إحرامكم بطواف البيت وبين الصفا والمروة وقصروا ثم أقيموا حلالا حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج واجعلوا التي قدمتم بها
متعة (2).
الدليل الثاني: إن الله تعالى وصف به المسلمين يوم الحديبية بقوله سبحانه: {مُحلِقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ}، ولو لم يكن من المناسك لما وصفهم به کاللبس وقتل الصيد.
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب من ساق البدن معه (1606)، ومسلم في كتاب: الحج، باب: وجوب الدم على المتمتع (1227).
(2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: التمتع والإقران والإفراد بالحج وفسخ الحج لمن لم يكن معه هدي (1493).
(3) سورة الفتح، جزء من الآية (27).
(4) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 161، والجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 306، وابن
قدامة، المغني، ج 3، ص 224. (4/545)
صفحة 1866
الرائد
546
وقال آخرون مستدلين بهذه الآية إنه وإن كانت الآية على الإخبار والوعد على ما يقتضيه ظاهر الصيغة فلا بد وأن يكون المخبر به على ما أخبر وهو دخولهم محلقين ومقصرين، وذلك متعلق باختيارهم، وقد يوجد وقد لا يوجد فلا بد من الدخول ليكون الوجوب حاملا لهم على التحصيل فيوجد المخبر به ظاهرا وغالبا.
فالاستثناء على هذا التأويل يكون على طريق التيمن والتبرك باسم الله تعالى، أو يرجع إلى دخول بعضهم دون بعض الجواز أن يموت البعض أو
يمنع بمانع فيحمل عليه لئلا يؤدي إلى الخلف في الخبر).
الدليل الثالث: أن النبي لا لا لا ترحم على المحلقين ثلاثا وعلى المقصرين مرة
ولو لم يكن من المناسك لما دخله التفضيل كالمباحات).
ثم إن الشرع لما ميزه عن الطيب واللباس في الدعاء لفاعله والتنبيه على فضيلته وجعل ثواب الحالق أكثر من ثواب المقصر على أنه مخالف لسائر
المباحات بعد الحظر فثبت أنه نسك".
(1) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 141.
(2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 161، والغزالي الوسيط، ج 2، ص 663، وابن
قدامة، المغني، ج 3، ص 224.
(3) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 161. (4/546)
صفحة 1867
الرائد
547
وقد اعترض على هذا بأن النبي دعا لهم لتنظفهم وإزالتهم التفث. الدليل الرابع: أن النبي الله وأصحابه فعلوه في جميع حجهم وعمرهم ولم يخلوا به ولو لم يكن نسكا لما داوموا عليه بل لم يفعلوه؛ لأنه لم يكن من عادتهم فيفعلوه عادة، ولا فيه فضل فيفعلوه لفضله.
الدليل الخامس: حديث ابن عباس قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: زرت قبل
قال: حلقت قبل أن أذبح، قال: لا حرج،
أن أرمي، قال: لا ذبحت قبل أن أرمي، قال: لا حرج".
حرج، قال:
ووجه الدلالة منه أنه لو لم يكن نسكا لما جاز تقديمه على الرمي؛ إذ إنه
سيكون انتهاكا لمحظور.
الدليل السادس: لا خلاف بين أهل العلم في أنه مستحب يلزم بالنذر في
الحج.
(1) النووي، المجموع، ج 8، ص 151.
(2) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 224.
(3) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: الذبح قبل الحلق (1635).
(4) ابن جماعة، هداية السالك، ج 3، ص 1293.
(5) الغزالي، الوسيط، ج 2، ص 3
663 (4/547)
صفحة 1868
الرائد
548
الدليل السابع: أنه يقع به التحلل فأشبه الرمي والطواف.
الدليل الثامن: حديث الحجاج بن أرطأة عن أبي بكر بن محمد بن حزم
عن عمرة عن عائشة قالت: قال رسول الله: إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب والثياب وكل شيء إلا النساء.
ووجه الدلالة من الحديث أن الشارع علق الحل بالحلق كما علقه
بالرمي).
والحديث أخرجه أحمد) وابن خزيمة، من الطريق المذكور. وذكره الدارقطني مجملا من طريق الحجاج عن الزهري عن عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله).
إلا أن الرواية التي أجمل لفظها الدارقطني خلو من موطن الشاهد وهو ذكر الحلق فقد روى أبو داود عن الحجاج عن الزهري عن عمرة عن عائشة
(1) عبد الوهاب الإشراف، ج 1، ص 479.
(2) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 425.
(3) أحمد بن حنبل، المسند، ج 6، ص 143.
(4) ابن خزيمة، صحيح ابن خزيمة، ج 4، ص 302.
(5) الدارقطني، السنن، ج 2، ص 276. (4/548)
صفحة 1869
الرائد
549
مرفوعا: إذا رمى أحدكم جمرة العقبة فقد حل له كل شيء إلا النساء). إلا أنه ضعيف كما حكم عليه بذلك جمع من الأئمة"، وعلته الحجاج بن أرطأة، وقد ذكرناه مرارا وأنه ضعيف مدلس روايته ليست بحجة. والحجاج خلط في الحديث كثيرا في إسناده ومتنه، وسنعرض لذلك عند ذكر أعمال اليوم العاشر.
ومن علل السابق أن الحجاج لم ير، الزهري قال أبو داود إثر روايته
السابقة
هذا حديث ضعيف؛ الحجاج لم ير الزهري ولم يسمع منه. الدليل التاسع: إطباق الناس على التشوف إليه حتى لا يخلو منقطع
نسك عنه (3).
وذهب آخرون إلى أن الحلق إطلاق من محظور كان محرما عليه بالإحرام، أو قل: هو محظور نسك أبيح، فأطلق فيه عند الحل كاللباس
(1) کتاب المناسك باب في رمي الجمار (1978).
(2) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 136، والعراقي، طرح التثريب، ج 5، ص 68، وابن
حجر، التلخيص الحبير، ج 2، ص 260، والعيني، عمدة القاري، ج 10، ص 93.
(3) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 306. (4/549)
صفحة 1870
الرائد
(00.)
والطيب وسائر محظورات الإحرام، وتاركه لا شيء عليه. وقال الماوردي: وهذا القول أقيس".
وقد اختار هذا الرأي الإمام أبو سعيد الكدمي إذ قال:
وإنما الحلق للإحلال إباحة وخروج من الإحرام بمنزلة التسليم عند
الفراغ من الصلاة، فإن سلم فقد أتى بالمأمور به، وإن لم يسلم فإنما التسليم إذن وإباحة وخروج من حد الصلاة.
ويحلو في نفسي هذا القول للمحرم أنه إذا جاز له الحلق للإحلال كان متاحا له جميع ما للمحل كما أبيح له الحلق، وقد كان محجورا عليه في إحرامه (3).
والشيخ عامر بن علي الشماخي قال: وأما الحلق فهو سنة، ولا أدري ما يريد بالسابق هل أصل المشروعية كان بالسنة مع أنه وارد الذكر في الكتاب العزيز، أو أن الحكم أنه سنة فيكون ممن يرى الحلق إطلاقا من محظور ولا
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 215، والجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 306، وابن
قدامة، المغني، ج 3، ص 223.
(2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 161. (3) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 215.
(4) الشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 405. (4/550)
صفحة 1871
الرائد
(001)
يراه نسكا.
واستدل هؤلاء لقولهم بالنصوص التي فيها الأمر بالطواف بالبيت والسعي دون أن يذكر فيها الحلق ومن ذلك حديث طارق بن شهاب عن أبي موسى الأشعري قال: بعثني النبي الله إلى قوم باليمن فجئت وهو بالبطحاء
فقال:
بم أهللت؟ قلت: أهللت كإهلال النبي، قال: هل معك من هدي؟
قلت: لا، فأمرني فطفت بالبيت وبالصفا والمروة ثم أمرني فأحللت. وممكن الاعتراض على هؤلاء في هذا الدليل بأنه دليل على أن الحلق نسك وليس إطلاقا من محظور إذ الأصل على قولهم - خروجه من إحرامه بمجرد السعي بين الصفا والمروة، والواقع في الحديث أنه أمر آخر وإلا لما كانت ثمة مهلة زمنية ولما أمر به بل يكون الحال أنك حلال بالسعي. أما قولهم إنه لم يذكر حلق ولا تقصير فالواقع أن الحل هنا ما أريد به إلا الحلق والتقصير للقرائن السابقة.
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: باب من أهل في زمن النبي كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم
(1484) (4/551)
صفحة 1872
الرائد
552
ومما قد يفيد السابق حديث الربيع بن سبرة عن أبيه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بعسفان قال له سراقة بن مالك المدلجي: يا رسول الله، اقض لنا قضاء قوم كأنها ولدوا اليوم، فقال: إن الله تعالى قد أدخل عليكم في حجكم هذا عمرة، فإذا قدمتم فمن تطوف بالبيت وبين الصفا والمروة فقد حل إلا من كان معه هدي). والدليل الثاني الذي عولوا عليه لإثبات أن الحلق ليس بنسك أن ما
هو
كان محرما في الإحرام إذا أبيح كان إطلاقا من محظور كسائر محرماته". واعترض على هذا أنه لا دليل على أنه يمتنع الحل من العبادة بما كان
محرما فيها؛ إذ السلام منهي عنه في الصلاة ولكنه يحصل به التحلل منها). كما استدل هؤلاء بقوله تعالى: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ أَهَدَى محله، ووجه الدلالة من السابق أن الشارع حظر الحلق وجعل لحظره
غاية وهو التحلل فلم يجز أن يكون نسكا يقع به التحلل.
(1) أخرجه أبو داود في كتاب المناسك، باب: في الإقران (1801)، وظاهر إسناده الصحة.
(2) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 223.
(3) ابن قدامة المغني، ج 3، ص 224.
(4) سورة البقرة، جزء من الآية (196).
(5) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 161. (4/552)
صفحة 1873
الرائد
553
ثم إن الأمر الوارد بعد الحظر يقتضي الإباحة).
ولأن كل شيء لو فعله في غير وقته لزمته الفدية لم يكن فعله في وقته نسكا كالطيب واللباس وتقليم الأظفار، وينعكس بالرمي والطواف والسعي من حيث كان نسكا في وقته، لم تجب فيه الفدية بتقدمه قبل وقته، فلما كان الحلق موجبا للفدية قبل وقته ثبت أنه ليس بنسك في وقته". وعبر آخرون عن الدليل السابق بقولهم: إن كل ما فعله قبل وقته لزمته الفدية فإذا فعله في وقته كان استباحة كالطيب واللبس، وهذا لأنه يريد أن
يتحلل فيتناول بعض ما حظر عليه كما يتطيب
والأمر كما قيل قد استقر على كون الحلق أو التقصير من أنساك الإحرام
فلا يخرج المحرم من إحرامه إلا بهما، وحسبك أن النبي صلى الله عليه وسلم ما خرج من إحرام من أصحابه الذين كانوا معه أو حجوا
إلا بواحد منهما، ولم يأت عن
أحد
بعده الاقتصار على السعي أو الرمي دون حلق أو تقصير بل هو شعار الحاج. وللخلاف في تكييف الحلق أهو نسك أو إطلاق من محظور تترتب فروع
فقهية منها:
(1) ابن الملقن الإعلام، ج 6، ص 368. (2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 161.
(3) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 424. (4/553)
صفحة 1874
الرائد
(002)
أولا: إن القائلين بكونه نسكا ينص كثير منهم أن من جامع زوجته بعد
السعي وقبل الحلق ينهدم إحرامه وتلزمه الإعادة، وأما القائلون بكونه يكون
إطلاقا من محظور فلا شيء عليه؛ إذ الخروج من إحرام العمرة معهم بالسعي الصحيح.
وقد عرضنا المسألة في الجزء الثالث من هذا الكتاب وذكرنا أن فيها خلافا إذ ثمة فقهاء ممن يقولون بأن الحلق نسك ينصون على أن الإحرام لا يفسد بذلك ولكنه يلزمه دم لبعض الآثار عن الصحابة التي منها رأي ابن عباس.
ثانيا: القائلون بكون الحلق إطلاقا من محظور يمنعون منه قبل الطواف في العمرة والرمي في الحج إذ الإطلاق من المحظور لا يكون إلا بعدهما، أما القائلون بكونه نسكا فلهم خلاف في تقديمه على الرمي للخلاف في حكم الترتيب بين أعمال اليوم العاشر وسنرجئ ذكره إلى أن يأتي موضعه -إن شاء
الله -.
وبعد ثبوت كون الحلق أو التقصير من أنساك الحج وأعماله نقول إنه ليست ثمة طريقة دون غيرها تكون سبيلا للحلق أو التقصير، بل المراد إلقاء
(1) الغزالي، الوسيط، ج 2، ص 664. (4/554)
صفحة 1875
الرائد
شيء من الشعر في التقصير، وإزالة الشعر كله في الحلق، وذلك يدخل فيه الحلق بآلات الحلاقة الموسى وغيرها كالأدوات الكهربائية في هذا الزمان.
كما قد يزال بنحو النورة من المواد، وقد تكون إزالته بالنتف، وبالقرض
وباليد، كما قد يكون بالإحراق".
ومن الفقهاء من منع من إزالة الشعر بالنورة).
إلا أن الحلق بالموسى أحب وأفضل لموافقته فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ولأن إطلاق
اسم الحلق يقع على الحلق بالموسى).
(1) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 349، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 163، والسرخسي المبسوط، ج 4، ص 70، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 196، والشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 433، والقرافي، الذخيرة، ج 3،
ص 270.
(2) الغزالي الوسيط، ج 2، ص 664، والرافعي العزيز، ج 3، ص 426، وابن الملقن الإعلام، ج 6، ص 372.
(3) العراقي، طرح التثريب، ج 5، ص
(4) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 348، والسرخسي، المبسوط، ج 4، ص 70، والكاساني،
بدائع الصنائع، ج 2، ص 141، والجيطالي، مناسك الحج، ج 2، ص 306. (4/555)
صفحة 1876
الرائد
(007)
المبحث الثاني: ما يلزم تقصيره أو حلقه من الرأس
بعد ثبوت الاتفاق السابق على مشروعية الحلق اختلف الجمهور
القائلون بوجوبه لكونه نسكا هل الوجوب متعلق بشعر الرأس كله؟ ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن من الواجب على من أراد التحلل أن رأسه بالحلق أو التقصير، ومن هؤلاء الفقهاء القائلين بالاستيعاب من اجتزى بأكثر الرأس؛ لأنه بذلك يسمى حالقا).
يعمم
وحد الرأس، معلوم، ومن جهة الجوانب حده العظمان اللذان عند منقطع الصدغ من الوجه، بجانب الأذن، والشعر الذي تحويه الأذنان لا
مدخل له في الإحلال.
قال العلامة الكندي:
وأجمعوا أن من كان على أذنيه شعر كثير فأخذ منهما لم يكن محلا بذلك،
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 229، وعبد الوهاب، الإشراف، ج 1، ص 478، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 196، والجيطالي، مناسك الحج، ج 2، ص 306، وأبو البركات، المحرر في الفقه، ج 1، ص 244، والقرافي الذخيرة، ج 3، ص 269، والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 195، وعلي القاري، مرقاة المفاتيح، ج 5، ص 552. (2) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 231، والشقصي، منهج الطالبين، ج 7، ص 222.
(3) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 162، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 224. (4/556)
صفحة 1877
الرائد
(oov
وأجمعوا أنه لو حلق رأسه كله وترك الشعر الذي على أذنيه يسمى حالقا
رأسه، ولم يقل أحد فيما علمنا أنه ترك حلق بعض شعر رأسه.
وآية هذا القول أن الأدلة ما جاءت مفرقة بل هي تناولت الرؤوس مطلقا فالله تعالى يقول مُحلِقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ"، وهذا عام في جميع {الرأس، والنبي حلق جميع رأسه تفسيرا لمطلق الأمر به فيجب الرجوع إليه، ولأنه نسك تعلق بالرأس فوجب استيعابه به کالمسح.
ولم يثبت عنه عليه الصلاة والسلام وأصحابه الكرام قط أنهم اكتفوا بحلق بعض الرأس أو تقصيره بل ورد النهي عن القزعة حتى للصغار وهي حلق بعض الرأس وتخلية بعضه).
ثم إن الحكمة في قوله محلقين بصيغة المبالغة وفي قوله ولا تحلقوا بدونها أن الفعل ينبغي أن يكون مستوعبا، وأن النهي عنه يشمل القليل والكثير
(1) الكندي بيان الشرع، ج 23، ص 221، والشقصي منهج الطالبين، ج 7، ص 220،
والثميني، التاج المنظوم، ج 3، ص 372.
(2) سورة الفتح، جزء من الآية (27).
(3) عبد الوهاب الإشراف، ج 1، ص 478، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 196.
(4) علي القاري، مرقاة المفاتيح، ج 5، ص 552. (4/557)
صفحة 1878
الرائد
558
مطلقا).
ومن الفقهاء من قال إنه يجزيه البعض كما هو الحال في الوضوء.
وقال ابن المنذر: يجزيه ما يقع عليه اسم التقصير لتناول اللفظ له". وقال بعض الفقهاء: إن أقل ما يجزي للحلق هو قص ثلاث شعرات؛ إذ
هو أقل الجمع، وما دونه لا ينطلق عليه أنه شعر بل شعرة أو شعرتان". ونص بعض أهل العلم على أن الأقل المجزي نسكا هو الذي تكمل الفدية فيه إذا جرى محظورا وهو ثلاث شعرات (8)
(4)
وهؤلاء اختلفوا فيمن قص جزءا من شعرة، وبعد فترة قص جزءا منها نفسها، ثم قص جزءا ثالثا منها بعد مدة أيجزيه ذلك للتحلل، بعد الاتفاق منهم على عدم الإجزاء إن كان القص في زمان واحد). ومن الفقهاء قال من ربع الرأس أقل ما يجزي؛ لأن كل حكم تعلق
(1) علي القاري، مرقاة المفاتيح، ج 5، ص 552.
(2) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 196.
(3) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 231، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 163، والكندي، المصنف، ج 8، ص 174، والنووي، المجموع، ج 8، ص 155.
(4) الكندي، المصنف، ج 8، ص 174، والجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 308.
(5) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 309. (4/558)
صفحة 1879
الرائد
بالرأس فالربع منه ينزل منزلة الكمال كالمسح بالرأس.
إلا أنهم مع هذا القول ينصون على أن من اقتصر على الربع مسيء في
الاكتفاء بهذا المقدار؛ لأن النبي حلق جميع رأسه وأمرنا بالاقتداء به فما كان أقرب إلى موافقة فعله فهو أفضل.
ولأنه إنما يفعل هذا ضنة منه بشعره، وفيما هو نسك تكره الضنة فيه
بالمال والنفس فكيف بالشعر
(1)
ومن الفقهاء من لم يحدد المقدار المجزي بل أطلق الأمر بأن يأخذ شيئا من الرأس ولو لم يستوعب "
والأقوال السابقة في إجزاء حلق بعض الرأس مبنية على قياس المقدار المجزي في الحلق أو التقصير بالمقدار المجزي في مسح الرأس عند الوضوء، ومن أهل العلم من استشكل القياس السابق؛ لأنه قياس بلا جامع يظهر أثره.
وذلك لأن حكم الأصل على تقدير القياس وجوب المسح ومحله المسح، وحكم الفرع وجوب الحلق ومحله الحلق للتحلل، ولا يظن أن محل الحكم
(1) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 70، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 141. (2) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 348. (4/559)
صفحة 1880
الرائد
560
الرأس إذ لا يتحد الأصل والفرع وذلك أن الأصل والفرع هما محلا الحكم المشبه به والمشبه والحكم هو الوجوب مثلا ولا قياس يتصور عند اتحاد محله إذ لا اثنينية.
ولأجل السابق يرجع في حكم كل صورة إلى أدلتها الخاصة بها، فحكم المسح ليس فيه معنى يوجب جواز قصره على الربع وإنما فيه نفس النص الوارد فيه وهو قوله تعالى "وامسحوا برؤوسكم" بناء إما على الإجمال المبين بالسنة التي فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم اقتصر على مسح بعض الرأس في الوضوء. أو يقال إن النص يفيد التبعيض من ذاته لما في حرف الباء من خلف بين الفقهاء؛ إذ منهم من رآها للتبعيض، ومنهم من رأى الباء مفيدة إلصاق اليد كلها بالرأس؛ لأن الفعل حينئذ يصير متعديا إلى الآلة بنفسه فيشملها وتمام اليد يستوعب الربع عادة فتعين قدره، ومنهم من رآها زائدة فأوجب
الكل.
أما الحلق فليس فيه إلا حلق الرأس وهو واضح يفيد بعموم تعميم الشعر كله (مُحَلِقِينَ رُءُ وسَكُمْ وَمُقَصِّرِير {).
لفظه
(1) ابن الهمام، فتح القدير، ج 2، ص 490.
(2) سورة الفتح، جزء من الآية (27). (4/560)
صفحة 1881
الرائد
561
والسنة أكدت العموم السابق فلم يأت أن النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه اقتصروا على البعض في تحللهم بل الوارد بظاهره أنه وصحابته حلقوا رؤوسهم كلها.
وقول من قال بالاجتزاء بالشعرات الثلاث أو بالربع أو غير ذلك ضعيف؛ إذ إنه أسقط العمل ببعض أفراد العام دون دليل مسوغ، والأصل العمل بالعام ما لم يخصص، وليس هنا مخصص، فيبقى أن الحلق لا يجزي فيه إلا أن يكون من الرأس كله.
وبيان ذلك أن الأصل حلق الرأس أي شعر الرأس، والاجتزاء ببعضه مناف لحكم العام، نعم لو طلب الشرع حلق شعر فيجتزى فيه بشعرات ثلاث إذ هي أقل الجمع على رأي الأكثر من الأصوليين.
أما التقصير من الرأس من حيث مقدار المقصر من كل شعرة فالأمر فيه كما قال الإمام أبو سعيد الكدمي - وغيره ليس فيه حد محدود)؛ إذ آخذ القليل من كل الشعر والكثير منه يصدق عليه في اللغة أنه مقصر، ولم يأت دليل يحدد مقدار الذي يؤخذ من الشعر فيبقى على الأصل السابق.
(1) الكندي، المصنف، ج 8، ص 175، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 196، والنووي،
المجموع، ج 8، ص 149. (4/561)
صفحة 1882
الرائد
562
ومن الفقهاء من حد التقصير بقدر أنملة)، ولعل ذلك على وجه الاستحسان إذ لا دليل يفيده.
إلا أن ثمة فقهاء يوجبون على من أراد الإحلال بالتقصير أن يأخذ أكثر
من الأنملة؛ لأن الواجب هو قدر الأنملة من أطراف الشعر جميعه، وأطراف جميع الشعر لا يتساوى طولها عادة بل تتفاوت.
فلو قصر قدر الأنملة لا يصير مستوفيا قدر الأنملة من جميع الشعر بل من بعضه فوجب أن يزيد عليه حتى يستيقن باستيفاء قدر الواجب فيخرج عن العهدة بيقين).
ومنهم من قال إنه يأخذ من شعره مما علا المشط، ومنهم من قال إن المقصر يجز شعره من أصوله).
(1) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 425، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 141. والأنملة بتثليث الميم والهمزة تسع لغات، وزاد بعضهم أنمولة بالواو، وهي التي فيها الظفر من المفصل الأعلى من الإصبع، جمع أنامل وأنملات وهي رؤوس الأصابع. ابن منظور، لسان العرب، ج 11، ص 679، والزبيدي، تاج العروس، ج 31، ص 41. (2) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 141، وابن النجيم، البحر الرائق، ج 2، ص 372. (3) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 163.
(4) البسيوي الجامع، ج 2، ص 272، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 219، والقرافي، (4/562)
صفحة 1883
الرائد
563
وروى ابن أبي شيبة عن أبي بكر بن عياش عن ليث عن نافع عن ابن عمر قال: تجمع المحرمة شعرها ثم تأخذ قدر أنملة.
وبين ابن جماعة أن موقوف ابن عمر روي مرفوعا من طريقه عند سعيد بن منصور في سننه" ولكني لم أجده.
ويذكر عن عائشة د أنها قالت: كنا نحج ونعتمر فما نزيد على أن
نطرف قدر أصبع، ويذكر عن عطاء أنه قال: تأخذ من عفو رأسها". وقال ابن أبي شيبة حدثنا عبد الأعلى عن هشام عن حفصة ابنة سيرين في تقصير المرأة من شعرها قالت: إنه يعجبني أن لا تكثر المرأة الشابة، وأما
(4)
التي قد دلت فإن شاءت أخذت أكثر فإن فعلت فلا تزيد على الربع)
ومن أهل العلم من قدر أن تأخذ المرأة مثل الأنملة عند الإحلال لكن اختلفوا هل قدر الأنملة من ربع الرأس أو من الشعر كله.
الذخيرة، ج 3، ص 270.
(1) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 146. (2) ابن جماعة، هداية السالك، ج 3، ص 1282.
(3) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 104.
(4) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 147.
(5) العيني، البناية، ج 4، ص 247، وابن الضياء، البحر العميق، ج 3، ص 1797. (4/563)
صفحة 1884
الرائد
ومن الفقهاء من قدر المأخوذ في حال التقصير بطول راجبة، ومنهم من قدره بعرض ثلاث أصابع أو أصبعين ومنهم من فصل فقال تقصر في العمرة عرض ثلاث أصابع وفي الحج أربع أصابع.
ومن الفقهاء من قال إن المرأة تقصر من رأسها قدر طول راحتها. وأبو المؤثر فصل فقال إن كان شعر المرأة يجاوز شحمة أذنيها فإنها تقصر
منه أصبعا، وإن كان شعرها يبلغ أكثر من ذلك قصرت أصبعين، وإن كان طويلا قصرت ثلاث أصابع.
وقال أيضا: إن من كان شعرها قصيرا لا يبلغ شحمة الأذن فليس عليها تقصير، بل إن ذبحت من بعد رمي جمرة العقبة فقد أحلت ولا تقصير
عليها).
والأمر في الحلق لا إشكال فيه من حيث استيعاب الرأس بالحلق، لكن الإشكال في التقصير إذ من العسير بل قد يكون من غير الممكن - استيعاب كل شعرة بالتقصير لذا فيجزي من عمم شعره بالتقصير في ظاهر الأمر ولو
(1) البسيوي، الجامع، ج 2، ص 273. (2) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 218.
(3) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 348.
(4) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 232. (4/564)
صفحة 1885
الرائد
يتيقن ذلك؛ لأن اليقين لا يعلم إلا بالحلق.
وآلات الحلاقة الكهربائية في زماننا تعمم الرأس بالتقصير ولا يكاد
يفوتها شيء فيجزي التقصير بها بل هي الأولى من غيرها.
ومن كان شعره مظفورا مستر سلا ولو لم يحاذ بشرة الرأس أجزاه إن شاء التقصير أن يأخذ من أطراف ظفائره).
وذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا يجزي إلا تقصير ما لم يخرج عن حد الرأس من الشعر، كما لا يجزي إلا مسح ما لم يخرج عن حد الرأس في
الوضوء).
وفي هذا القول نظر إذ إن القياس المذكور قياس لا يصح؛ لأن أصل العبادة في الوضوء قائم على مسح الرأس نفسه لذا لم يقل أحد إن الأصلع
يسقط عنه مسح الرأس إذ لا يجوز فيما خرج عن حد الرأس. أما التحلل فأصل العبادة فيه قائم على الشعر نفسه، والمسترسل عن
الرأس شعر فأجزى الأخذ منه).
(1) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 196.
(2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 163، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 196.
(3) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 163.
(4) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 163، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 426. (4/565)
صفحة 1886
الرائد
566
وكثير من الناس في زماننا يقصدون شعرات معينة، أو مواضع من الرأس دون غيرها مع تميز المقصر من غيره، وهذا التصرف فيه إشكال من حيث إن صاحبه لم يلتزم الأمر الشرعي الذي يفيد تعميم الرأس فلا يجزيه على الأظهر من أقوال أهل العلم بل يلزم وجوبا بالتعميم للأدلة السابقة. (4/566)
صفحة 1887
الرائد
المبحث الثالث: المفاضلة بين الحلق والتقصير
567
الحلق والتقصير أمران يخرج المحرم من إحرامه بواحد منهما من حيث الأصل إن كان منهيا للأعمال التي يقتضيها نسكه، والاتفاق حاصل على السابق، وحكى ابن المنذر عن الحسن البصري أنه كان يقول يلزم الحلق في أول حجة ولا يجزيه التقصير).
قبله (2).
قال النووي إثره: وهذا إن صح عنه باطل مردود بالنصوص وإجماع من
وقد ثبت عن الحسن خلاف ما نقله ابن المنذر فقد روى ابن أبي شيبة عن عبد الأعلى عن هشام عن الحسن في الذي لم يحج قط إن شاء حلق وإن
شاء قصر (3).
لكن روى ابن أبي شيبة القول السابق عن حفص بن غياث قال: حدثنا جرير عن مغيرة عن إبراهيم النخعي قال إذا حج الرجل أول حجة حلق، فإن حج مرة أخرى إن شاء حلق وإن شاء قصر والحلق أفضل، وإن اعتمر الرجل ولم يحج قط فإن شاء حلق وإن شاء قصر، فإن كان متمتعا قصر ثم
(1) ابن المنذر، الإجماع، ص 75. (2) النووي، المجموع، ج 8، ص 153.
(3) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 219. (4/567)
صفحة 1888
الرائد
568
حلق).
وروى عن إبراهيم النخعي أنه قال: كانوا يحبون أن يحلقوا في أول حجة
وأول عمرة).
ومما ينبغي أن يخرج من أصل التخيير بين الحلق والتقصير ما لو تعذر أحدهما لعدم إمكان الآخر كمن استطاع التقصير ولم يقدر على الحلق، أو استطاع الحلق ولم يمكنه التقصير فهنا يرتفع حكم التخيير ويتعين عليه وجوبا ما استطاعه من الأمرين.
وذكر بعض أهل العلم أنه مما يتعين على العبد التقصير، ولا يحلق إلا
بإذن من سيده؛ لأن الحلق ينقص قيمته.
ونسك الحلق أمر أتاه النبي الله في الإحلال من الحج كما أتاه عند إحلاله من إحرام العمرة، مما يفيد مشروعيته في النسكين، ومما جاء في ذلك حديث موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حلق رأسه في حجة
(1) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 219.
(2) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 219.
(3) ابن الهمام، فتح القدير، ج 2، ص 490، وابن النجيم، البحر الرائق، ج 2، ص 372، والعثماني، إعلاء السنن، ج 7، ص 3167.
(4) الحجاوي، الإقناع، ج 2، ص 24. (4/568)
صفحة 1889
الرائد
الوداع.
كما ثبت عنه أنه حلق يوم إحلاله من عمرة الحديبية بعدما أحصر كما
في حديث عكرمة قال: قال ابن عباس: قد أحصر رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلق
رأسه وجامع نساءه ونحر هديه حتى اعتمر عاما قابلا.
وأما
مشروعية الاقتصار على التقصير فهي مع الإجماع عليها ثابتة بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بها كما في حديث جابر بن عبد الله له أنه حج مع النبي يوم ساق البدن معه وقد أهلوا بالحج مفردا فقال لهم: أحلوا من إحرامكم بطواف البيت وبين الصفا والمروة وقصروا ثم أقيموا حلالا حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج واجعلوا التي قدمتم بها متعة.
وللسابق نص بعض الفقهاء على استحباب الجمع بين الحلق والتقصير لحيازة أجرهما كأن يقص شعره ثم يحلقه، ولم أجد لهذا دليلا بل الحرص
(1) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب تفضيل الحلق على التقصير وجواز التقصير
(1304)
(2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: إذا أحصر المعتمر (1714).
(3) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب التمتع والإقران والإفراد بالحج وفسخ الحج لمن
لم يكن معه هدي (1493).
(4) القطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 195. (4/569)
صفحة 1890
الرائد
570
على ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم وهو الحلق من أول الأمر أولى.
وبعد ثبوت المشروعية العامة لأن يكون التحلل بالحلق أو التقصير نقول
إن الأولى منهما هو الحلق من حيث الأصل العام، وقد ذكر جماعة من أهل
العلم الإجماع عليه".
ويفيد هذا التفضيل أمور:
المرجح الأول: أنه الثابت من فعل النبي صلى الله عليه وسلم -كما تقدم- في حجه
وعمرته، وقد حافظ عليه مع إقراره التقصير.
ولكن جاء ما يفيد أنه قصر كما في حديث الحسن بن مسلم عن طاوس عن ابن عباس عن معاوية بن أبي سفيان قال قصرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
بمشقص (3)
ورواية معاوية باللفظ السابق ليست بنص في أنها كانت في نسك الحج
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 218، والسرخسي، المبسوط، ج 4، ص 21، والجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 307، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 425، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 140، و القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 269. (2) ابن حزم، مراتب الإجماع، ص 78، وابن الملقن الإعلام، ج 6، ص 368، والعيني،
البناية، ج 4، ص 247.
(3) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب الحلق والتقصير عند الإحلال (1730). (4/570)
صفحة 1891
الرائد
571
ولا العمرة، لذا فمحتمل كونها في العمرة ومحتمل كونها في الحج.
أما الاحتمال الأول الذي يفيد أنها كانت في شيء من عمر النبي صلى الله عليه وسلم فيشير إليه حديث عمرو الناقد حدثنا سفيان بن عيينة عن هشام بن حجير عن
طاوس قال: قال ابن عباس: قال لي معاوية: أعلمت أني قصرت من رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند المروة بمشقص.
فقلت له: لا أعلم هذا إلا حجة عليك.
وكون السابق يشير إلى أنه في عمرة مأخوذ من أن الأصل في الإحلال من الحج أن يكون في منى كما هو الاتفاق من فعل النبي، والإحلال من العمرة يكون في مكة عند المروة.
وقد جاء التصريح بذلك في بعض روايات الحديث كما في رواية محمد بن المثنى عن يحيى بن سعيد عن ابن جريج قال: أخبرني الحسن بن مسلم أن طاوسا أخبره أن عباس أخبره عن معاوية أنه قصر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
بمشقص في عمرة على المروة).
وبعد السابق نقول إنه لم يكن للنبي غير عمرة حجته إلا عمرتان
(1) أخرج رجه مسلم في كتاب الحج، باب: التقصير في العمرة (1246).
(2) أخرجه النسائي في كتاب مناسك الحج، باب: أين يقصر المعتمر (2987)، والنسائي، السنن الكبرى، ج 2، ص 416. (4/571)
صفحة 1892
الرائد
572
عمرة القضية وعمرة الجعرانة بعد فتح مكة.
أما
عمرة القضية فعسير أن يكون فيها معاوية مقصرا شعر النبي
لأنه ما كان إلا من مسلمة الفتح، فالرجل يوم عمرة القضية مشرك لم يثبت
إسلامه، فكيف يقصر للنبي صلى الله عليه وسلم وهم يومها أشد أعدائه بل هم قادة الناس
وعليهم تدور رحى حرب حرب النبي
على أنه قد جاء في روايات عمرة القضية إن صحت- أن النبي صلى الله عليه وسلم قد
حلق رأسه ولم يكن مقصرا.
قال النووي:
فلا يجوز حمل تقصير معاوية على حجة الوداع ولا يصح حمله أيضا على عمرة القضاء الواقعة سنة سبع من الهجرة؛ لأن معاوية لم يكن يومئذ مسلما، إنما أسلم يوم الفتح سنة ثمان هذا هو الصحيح المشهور.
ولا يصح قول من حمله على حجة الوداع وزعم أنه كان متمتعا؛ لأن هذا غلط فاحش فقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة السابقة في مسلم وغيره
أن النبي لو قيل له: ما شأن الناس حلوا ولم تحل أنت؟
(1) أخرجه أبو داود في كتاب المناسك، باب: أمر الصفا والمروة (1903)، والبيهقي، السنن
الكبرى، ج 5، ص 02 (4/572)
صفحة 1893
الرائد
573
فقال: إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر الهدى، وفي رواية حتى أحل من الحج.
وبعد سقوط كون التقصير السابق في عمرة القضية ما بقي - إن صح
الحديث - إلا احتمال أن يكون التقصير في عمرة الجعرانة.
والأظهر في عمرة الجعرانة أن معاوية لم يكن فيها مع النبي صلى الله عليه وسلم - كما حرر ذلك الحافظ ابن حجر - إذ إن النبي صلى الله عليه وسلم ركب من الجعرانة بعد أن أحرم بعمرة ولم يستصحب أحدا معه إلا بعض أصحابه المهاجرين فقدم مكة فطاف وسعى وحلق ورجع إلى الجعرانة فأصبح بها كمن بات فيها حتى خفيت عمرته على كثير من الناس.
يعد معاوية فيمن صحبه حينئذ، ولا كان معاوية فيمن تخلف عنه
بمكة في غزوة حنين حتى يقال لعله وجده بمكة بل كان كان مع القوم وأعطاه مثل ما أعطى أباه من الغنيمة مع جملة المؤلفة.
وبعد سقوط احتمال أن يكون معاوية يريد بتقصيره السابق شيئا من
ر النبي صلى الله عليه وسلم التي اعتمرها مستقلة ما بقي إلا أن يكون مريدا بذلك العمرة
6
(1) النووي، شرح صحيح مسلم، ج 8، ص 231.
(2) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 566. (4/573)
صفحة 1894
الرائد
574
التي اعتمرها مع حجة الوداع.
ومما يؤيد السابق أن معاوية يريد بتقصيره في العمرة عند المروة عمرة
حجة
حجة الوداع أنه جاء في بعض ألفاظ حديثه أن ذلك التقصير كان في العشر مما يعين كونه يوم حجة الوداع لأنه لم يعتمر في العشر قط إلا يوم الوداع عمرته التي قرنها مع حجة الإسلام كما في حديث محمد بن منصور قال: ثنا الحسن بن موسى قال حدثنا حماد بن سلمة عن قيس بن
الطوسي
سعد عن عطاء عن معاوية قال: أخذت من أطراف شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشقص كان معي بعدما طاف
(1)
بالبيت وبالصفا والمروة في أيام العشر.
وهذا الإسناد صحيح وإن كان المتن باطلا؛ إذ روايات الأكثرين من الصحابة أنه ما قصر يوم حجته، وللسابق قال قيس بن سعد في آخر روايته التي أخرجها النسائي والناس ينكرون هذا على معاوية.
وقد جاء التصريح بإسناد صحيح أن تقصير معاوية كان في الحج من حديث الحسن بن علي ثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه
:
(1) أخرجه النسائي في كتاب مناسك الحج، باب: كيف يقصر (2989)، والنسائي، السنن
الكبرى، ج 2، ص 416. (4/574)
صفحة 1895
الرائد
(ovo
عن ابن عباس أن معاوية قال له: أما علمت أني قصرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشقص أعرابي على المروة لحجته).
وروى أبو عوانة عن حجاج عن ابن جريج قال: أخبرني جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن الحسين عن ابن عباس عن معاوية أنه لما حج فطاف بين
الصفا والمروة قال: إيه يا ابن عباس ما تقول في التمتع بالعمرة إلى فقال: أقول ما قال الله وعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقريش عنده، قال معاوية:
أما إني معه وقصرت عنده بمشقص أعرابي.
فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين فلا شهيد أقرب منك ولا أعدل. فقال معاوية: إنه لو عاد عدنا، فقال ابن عباس يا أمير المؤمنين فالأولى من رسول الله هل ضلالة، قال معاوية: أعوذ بالله فقال ابن عباس: فكيف). و مما يظهر أن المقصود السابق من حديث معاوية هو الحج حديث سفيان قال: ثنا هشام بن حجير عن طاوس قال: سمعت ابن عباس يقول: هذه حجة على معاوية قوله: قصرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشقص أعرابي عند المروة، يقول ابن عباس حين نهي عن المتعة).
(1) أخرجه أبو داود في كتاب المناسك باب: في الإقران (1803)
(2) أبو عوانة، المسند، ج 2، ص 301.
(3) الحميدي، المسند، ج 2، ص 275. (4/575)
صفحة 1896
الرائد
576
وقد ذكرنا من قبل أن معاوية كان ينهى عن المتعة وأن ابن عباس كان
يحتج عليه بروايته أنه قصر عن النبي و ما التقصير إلا آية كونه متمتعا، فلا محيص حينها من حمل قول معاوية أنه كان يريد الحج.
و مما يفيد السابق أن المقصود بالتقصير يوم حجة الوداع حديث منصور عن كلاب بن علي الوحيدي من بني عامر عن ابن أخي جبير بن مطعم عن أبيه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم على المروة في عمرته وهو يقصر من شعره وهو يقول: دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة. غير أن كلاب بن علي وشيخه منصور وابن أخي جبير ممن لا يعرفون
بتوثيق معتبر.
ومما هو نص أن المراد في حجة الوداع حديث محمد بن إسحاق عن الحارث بن عبد الرحمن عن مجاهد عن ابن عباس قال: قال لي معاوية: أرأيت
من تمتع وساق الهدي هل يمس من شعره شيئا؟ فقلت: لا، قال: فإني أشهد لأخذت من رسول الله صلى الله عليه وسلم من شعره عند
المروة حين فرغ من طوافه بمشقص من كنانته).
(1) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 218،،والبزار، المسند، ج 8، ص 369، والطبراني،
المعجم الكبير، ج 2، ص 137.
(2) الطبراني، المعجم الكبير، ج 19، ص 310. (4/576)
صفحة 1897
الرائد
(ovv
وروى الطبراني بإسناد صحيح عن عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا عبد الرزاق أنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس عن معاوية قال: قصرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند المروة بمشقص في حجته. ومما يشهد للسابق أن تقصير معاوية أراد به أنه كان في حجة الوداع حديث أحمد بن حنبل ثنا يونس بن محمد ثنا عبد الواحد بن زياد ثنا ليث عن طاوس عن ابن عباس قال: تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات، وأبو بكر حتى مات، وعمر حتى مات، وعثمان حتى مات، رضي الله عنهم.
وكان أول من نهى عنها معاوية قال ابن عباس: فعجبت منه وقد
حدثني
أنه
قصر عن رسول الله الله بالمشقصص "
(2)
وبعد تبين أن أولى ما يحمل عليه قول معاوية هو عمرة حجة الوداع
الأمة
نقول إن ذلك غير مقبول منه، فالروايات عن الصحابة والاتفاق من قائم على أنه ما أحل من عمرة حجة الوداع بل بقي على إحرامه كما ظهر ذلك في المجلد الثاني من هذا الكتاب، وحينها فلا محيص من الحكم بشذوذ هذه الرواية وأنها لا تثبت كما حكم بذلك بعض أهل العلم.
(1) الطبراني، المعجم الكبير، ج 19، ص 309.
(2) أحمد بن حنبل، المسند، ج 1، ص 292.
(3) علي القاري، مرقاة المفاتيح، ج 5، ص ي 0552 (4/577)
صفحة 1898
الرائد
578
وقد أبان ذلك كما تقدم - أحد رواة الحديث وهو قيس بن سعد إذ قال
عقب روايته والناس ينكرون ذلك على معاوية.
وقال الكمال بن الهمام:
الأحاديث الدالة على عدم إحلاله جاءت مجيئا متظافرا يقرب القدر المشترك من الشهرة التي هي قريبة من التواتر كحديث ابن عمر السابق وما تقدم في الفتح من الأحاديث وحديث جابر الطويل الثابت في مسلم وغيره. ولو انفرد حديث ابن عمر كان مقدما على حديث معاوية فكيف والحال ما أعلمناك فلزم في حديث معاوية الشذوذ عن الجم الغفير، فإما هو خطأ أو محمول على عمرة الجعرانة؛ ... وعلى هذا فيجب الحكم على الزيادة التي في سنن النسائي وهو قوله في أيام العشر بالخطأ ولو كانت بسند صحيح إما للنسيان من معاوية أو من بعض الرواة عنه.
ومن أهل العلم من تكلف في توجيه كلام معاوية فقال بعضهم يحتمل أن يكون في قول معاوية قصرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشقص حذف تقديره
قصرت أنا شعري عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال آخرون يحتمل أن يكون معاوية قصر رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم بقية شعر
(1) ابن الهمام، فتح القدير، ج 2، ص 520. (4/578)
صفحة 1899
الرائد
لم يكن الحلاق استوفاه يوم النحر.
(1)
(ova
وبطلان هذه التأويلات أظهر من أن يسود في تقريره
ثم إن الناظر في الحديث يتبين له أن في ألفاظه اضطرابا، وذلك أن لفظ
البخاري قصرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشقص دون ذكر الموضع ولا النسك، ولفظ مسلم أنه قال مخاطبا ابن عباس:
أعلمت أني قصرت من رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند المروة بمشقص، فقلت له: لا أعلم هذا إلا حجة عليك.
وجاء في بعض رواياته التصريح بالعمرة، وفي روايات أخر التصريح بالمروة، ثم إن الروايات اختلفت أكان ذلك في العمرة أو الحج فبعضها لم يقيد بشيء من السابق، وبعضها نص على الحج، وبعضها نص على العشر وبعضها نص على العمرة.
كما اختلفت الروايات في موضع التقصير فبعضها نص على كونه عند
المروة، وبعضها لم يتعرض لموضع التقصير.
ثم إن الروايات اختلفت في المقصر فأكثرها على أن المقصر هو معاوية
نفسه، وفي بعضها أنه رأى من يقصر شعر النبي
(1) العيني، عمدة القاري، ج 10، ص 67. (4/579)
صفحة 1900
الرائد
580
المرجح الثاني للحلق ما أشار إليه دعاؤه للمحلقين بالرحمة ثلاثا وسكوته عن المقصرين إلى أن نُبه فدعا لهم في الثالثة أو في الرابعة على اختلاف الرواة، ودلالة الإشارة السابقة تفيد تفضيل الحلق على التقصير، وقد جاء السابق من حديث مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر له أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اللهم ارحم المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله. قال: اللهم ارحم
المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله. قال: والمقصرين".
كما جاء من طريق أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم ارحم المحلقين قالوا يا رسول الله، والمقصرين، قال:
والمقصرين.
وسمعت شيخنا إمام السنة والأصول العلامة القنوبي -حفظه الله - يذكر أنه جاء في بعض نسخ المسند ذكر الحديث على الوجه المشهور وهو
(1) قال الحافظ ابن حجر والواو في قوله والمقصرين معطوفة على شيء محذوف تقديره قل والمقصرين، أو قل وارحم المقصرين، وهو يسمى العطف التلقيني.
ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 562.
(2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب الحلق أو التقصير عند الإحرام (1640). (3) أخرجه الربيع في كتاب الحج، باب في فضل الحج والعمرة (444). (4/580)
صفحة 1901
الرائد
581
تكرار الترحم على المحلقين، وذلك أولى.
ولئن صحت الرواية بالدعاء مرة واحدة فإنها تفيد تفضيل الحلق إذ إنه
به بداءة دون تنبيه وسكت عن التقصير والتقصير جيء به متأخر الرتبة اللفظية فيتأخر في المنزلة فضلا عن أنه جيء به بعد تنبيه وإلا فالأصل عدم ذكره وقصر الترحم على المحلقين وحدهم.
وقد اختلف أهل العلم في الوقت الذي دعا فيه النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الدعاء فقال جماعة إنه كان يوم الحديبية، ومنهم من قال إنه كان يوم حجة الوداع. ولا يبعد في النظر أن يكون الدعاء مما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في الموضعين الحديبية والوداع كليهما، بل الأصل في التعامل مع الأدلة ذلك.
أما الحديبية فيدل عليها حديث يزيد بن هارون قال: قال محمد بن
إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس قال:
حلق رجال
الله الحديبية وقصر آخرون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يرحم يوم
المحلقين قالوا يا رسول الله، والمقصرين قال: الله المحلقين، قالوا: يا يرحم
رسول الله، والمقصرين، قال: يرحم الله المحلقين.
(1) ابن عبد البر، التمهيد، ج 15، ص 233، وابن الملقن الإعلام، ج 6، ص 365، وابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 563، والسالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 278،
والصنعاني، العدة، ج 3، ص 1278. (4/581)
صفحة 1902
الرائد
582
قالوا: يا رسول الله، والمقصرين قال والمقصرين، قالوا: فما بال
المحلقين يا رسول الله ظاهرت لهم الرحمة؟ قال: لم يشكوا، قال: فانصرف رسول الله).
وأما كونه قال ذلك أيضا في حجة الوداع فيدل عليه حديث وكيع وأبي داود الطيالسي عن شعبة عن يحيى بن الحصين عن جدته أم الحصين الأحمسية أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع دعا للمحلقين ثلاثا وللمقصرين مرة. ولم يقل وكيع في حجة الوداع".
ولعله يفهم من التعليق الأخير غمز في محل الشاهد وأن الطيالسي قد انفرد بها، غير أن لفظة " في حجة الوداع محفوظة إذ رواها مع الطيالسي"
"
إسحاق بن راهويه عن النضر نا شعبة عن يحيى بن أم الحصين.
وعلة الترحم في الحديبية أشار إليها حديث ابن عباس وهو تردد
الصحابة في الرجوع دون عمرة يوم الحديبية، فالذين حلقوا بادروا ولم يكن
(1) أحمد بن حنبل، المسند، ج 1، ص 353.
(2) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 220، وعنه مسلم في كتاب الحج، باب: تفضيل
على التقصير وجواز التقصير (1303).
(3) الطيالسي، المسند، ص 230.
(4) إسحاق بن راهويه، المسند، ج 5، ص 244. (4/582)
صفحة 1903
583
الرائد
في أنفسهم تردد فاستحقوا تكرار الترحم".
النبي
أما علة تكرار الترحم في حجة الوداع فاختلف فيها:
منهم من قال إن أكثر من أحرم مع النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن معهم هدي، وكان
قد ساق الهدي، ومن معه هدي فإنه لا يحلق حتى ينحر هديه، فلما أمر من ليس معه هدي أن يحلق ويحل وجدوا في أنفسهم من ذلك وأحبوا أن يأذن لهم في المقام على إحرامهم حتى يكملوا الحج.
وكانت طاعة النبي الأولى لهم، فلما لم يكن لهم بد من الإحلال كان التقصير أخف في نفوسهم من الحلق فمال أكثرهم إليه، وكان فيهم من بادر
إلى الطاعة وحلق ولم يراجع فلذلك قدم المحلقين وأخر المقصرين". وقال آخرون إن التعليل السابق ضعيف؛ لأن المتمتع يستحب في حقه أن يقصر في العمرة ويحلق في الحج إذا كان ما بين النسكين متقاربا وقد كان ذلك في حقهم كذلك، والأمر بالتقصير دون الحلق كان من النبي صلى الله عليه وسلم نفسه. والأولى في التعليل عند هؤلاء أن يقال إن عادة العرب أنها كانت تحب توفير الشعر والتزين به وكان الحلق فيهم قليلا وربما كانوا يرونه من الشهرة
(1) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 278، والصنعاني، العدة، ج 3، ص 1278. (2) الخطابي، معالم السنن مع سنن أبي داود، ج 2، ص 342، وابن الأثير، النهاية، ج 1، ص 427، والسالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 279. (4/583)
صفحة 1904
الرائد
584
ومن زي الأعاجم فلذلك كرهوا الحلق واقتصروا على التقصير".
وقال العلامة الطاهر بن عاشور:
لم أر من شفى الغليل ببيان وجه الاقتصار على الدعاء للمحلقين ابتداء، وبيان وجه الإعراض عمن قال له والمقصرين مرة أو مرتين الدال على أن
المحلقين هم الجديرون بالثناء، وكل ما قالوا في توجيهه مدخول.
والذي يظهر لي أنه لما كان الإحرام يمنع التطيب والتدهن مع كثر الشعث كان الحلاق عقب الفراغ من الحج أنقى للرأس وأقطع للقمل
والوسخ، والنظافة مقصد شرعي فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم للذين أتوا بأقصاها
ج
تنبيها على فضلها كما في قوله تعالى فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ تُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ.
ولما رام المقصرون أن لا تفوتهم بركة دعائه لقنوه طلب الدعاء لهم فأعرض عنهم أولا إظهارا لفضل الحلق، ثم شركهم في الدعوة بعد كيلا يحرمهم من بركته (3).
(1) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 564، والعيني، عمدة القاري، ج 10، ص 64،
والسالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 279.
(2) سورة التوبة، الآية (108).
(3) ابن عاشور، کشف المغطى، ص 208. (4/584)
صفحة 1905
الرائد
585
المرجح الثالث الحلق أعم من التقصير فكان أكثر ثوابا.
المرجح الرابع: إشارة الكتاب العزيز، وذلك لأن الله تعالى قال: {مُحلِقِينَ
رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ، وتقديم الشيء على غيره عنوان شرفه ودليل أفضليته، والعرب تبدأ بالأهم والأفضل".
المرجح الخامس: الإجماع من قبل علماء الأمة كافة أن الحلق خير من التقصير.
المرجح السادس: المأمور به بعد الذبح قضاء التفث قال الله تعالى: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ) وهو في الحلق أتم والتقصير فيه بعض الحلق فلهذا كان
الحلق أفضل".
المرجح السابع في الحلق تقصير وزيادة ولا حلق في التقصير أصلا
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 162.
(2) سورة الفتح، جزء من الآية (27).
(3) السرخسي، المبسوط، ج 4، 21، والنووي، المجموع، ج 8، ص 148.
(4) النووي، المجموع، ج 8، ص 148.
(5) سورة: الحج، جزء من الآية (29).
(6) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 70. (4/585)
صفحة 1906
الرائد
فكان الحلق أفضل".
586
المرجح الثامن الحلق أبلغ في العبادة وأبين للخضوع والذلة، وأدل على صدق النية، والذي يقصر يبقي على نفسه شيئا مما يتزين به بخلاف الحالق فإنه يشعر بأنه ترك ذلك الله تعالى، وفيه إشارة إلى التجرد ومن ثم استحب الصلحاء إلقاء الشعور عند التوبة.
المرجح التاسع: الشعر زينة، والمحرم مأمور بتركها؛ فإنه أشعث أغبر. لكن اعترض على هذا الأخير بأن الأمر بترك الزينة إنما هو في حال الإحرام، أما التحلل فخارج صاحبه عن الإحرام بل مما أبيح له إتيان النساء
والتطيب، والنبي قد تطيب بعد إحلاله من الحج.
ومع
الأفضلية السابقة للحلق في حالي الحج والعمرة إلا أنه ثمة أحوال
تكون الأفضلية فيها للتقصير دون الحلق
الحال الأول: جاء ما يفيد أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بالتقصير عند
إحلالهم من عمرة التمتع يوم حجة الوداع ولم يأمرهم بالحلق، مما يؤذن
(1) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 140.
(2) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 564، والسالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 280، والسهارنفوري، بذل المجهود، ج 9، ص 294.
(3) ابن الملقن الإعلام، ج 6، ص 368. (4/586)
صفحة 1907
الرائد
587
بكونه الأفضل في ذلك الحال، ومن السابق قوله كما روى ذلك ابن عمر ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر
وليحلل.
التروية
ومنه حديث جابر بن عبد الله الله أنه حج مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم ساق البدن معه وقد أهلوا بالحج مفردا فقال لهم: أحلوا من إحرامكم بطواف البيت وبين الصفا والمروة وقصروا ثم أقيموا حلالا حتى إذا كان يوم فأهلوا بالحج واجعلوا التي قدمتم بها متعة. وبالسبر والتقسيم يظهر أن العلة في هذا الأمر بالتقصير بقاء شيء من
الشعر ليحلق في الحج؛ فإن الحلق في تحلل الحج أفضل من تحلل العمرة". وقال بعضهم؛ لأنهم أرادوا أن يبقى شعر يحلق في الحج فلو حلقوا لم يبق شعر فكان التقصير هنا أحسن ليحصل في النسكين إزالة شعر).
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب من ساق البدن معه (1606)، ومسلم في كتاب: الحج، باب: وجوب الدم على المتمتع (1227).
(2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب التمتع والإقران والإفراد بالحج وفسخ الحج لمن لم يكن معه هدي (1493).
(3) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 233، وابن قدامة المغني، ج 3، ص 195، والنووي،
شرح صحيح مسلم، ج 8، ص 209، والعيني، عمدة القاري، ج 10، ص 32. (4/587)
صفحة 1908
الرائد
588
قال العلامة الكندي:
ويحلق إن كان عليه وقت بعيد من الحج يتوافى فيه شعره إلى الحج، وإن
كان قد قرب الحج قصر "
(2)
ومما يؤيد العلة السابقة أنه ما كان بين الإحلالين من العمرة والحج إلا أيام خمسة، فقد دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة ضحى اليوم الرابع من ذي الحجة، والتحلل من الحج كان صباح العاشر من الشهر نفسه، والمدة قصيرة لا يكاد ينبت فيها شعر.
وبعد ثبوت العلة السابقة للتقصير نقول إن التقصير يكون أفضل من الحلق في حال أن يعقب مريد الحلق نسك آخر لا يكون الفاصل بينهما من الزمان كافيا لنبات الشعر بقدر يحلق فيه كحال المتمتع الذي يحل من عمرته في وقت قريب من وقت الإحرام بالحج كما هو حال الصحابة. أما إن كان إحلال المتمتع من عمرته في زمن يمكن للشعر أن يتوفر فيه
فيحلق في الحج فيرجع الأصل السابق وهو فضيلة الحلق على التقصير. ومثل السابق يقال في حق من يكرر العمرة في أوقات متقاربة، فيشرع له
(1) النووي، شرح صحيح مسلم، ج 8، ص 180.
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 220. (4/588)
صفحة 1909
الرائد
589
التقصير دون الحلق ما دام يريد أن يعتمر مرة أخرى في وقت لا يمكن لشعره
أن ينبت فيه.
الحال الثاني: النساء والخناثى المشروع في حقهن التقصير، وقد حكى غير واحد الإجماع على السابق.
قال ابن المنذر وأجمعوا أن ليس على النساء حلق".
بل ثمة فقهاء صرحوا بحرمة حلق النساء شعرهن.
وقال الشيخ إسماعيل: وأما المرأة فالسنة في حلقها التقصير دون الحلق؛ إذ هو تشويه لها، ولا تحلق رأسها؛ فإن ذلك معصية).
وقد استدل الفقهاء للسابق بأدلة
الدليل الأول الحلق للنساء فيه مثلة، وقد نهي عن المثلة، ولهذا لم تفعله
(1) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 348، والبسيوي، الجامع، ج 2، ص 273، وابن عبد البر، التمهيد، ج 7، ص 267، والنووي، المجموع، ج 8، ص 150، وابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 565، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 141، والسالمي، شرح الجامع
الصحيح، ج 2، ص 279.
(2) ابن المنذر، الإجماع، ص 75.
(3) ابن الملقن الإعلام، ج،6، ص 371، وابن جماعة، هداية السالك، ج 3، ص 1281. (4) الجيطالي، مناسك الحج، ج 2، ص 306. (4/589)
صفحة 1910
الرائد
090
على الله
واحدة من نساء النبي).
الدليل الثاني حديث عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس
على النساء حلق إنما على النساء التقصير.
والحديث روته صفية بنت شيبة بن عثمان قالت: أخبرتني أم عثمان بنت
أبي سفيان عن ابن عباس، وقد جاء من طرق عن صفية: أولها محمد بن الحسن العتكي ثنا محمد بن بكر ثنا ابن جريج
عن صفية بنت شيبة).
قال: بلغني
وفي الإسناد ابن جريج ولم يصرح بالسماع بل كان تحمله بلاغا ولا يقبل منه ذلك (3) فتضعف هذه الطريق بسببه.
ثانيها أبو يعقوب البغدادي ثنا هشام بن يوسف عن ابن جريج عن عبد
الحميد بن جبير بن شيبة عن صفية).
وفي هذه الطريق ابن جريج أيضا وذكر الراوي عنه إلا أنه لم يصرح
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 164، والجيطالي، قناطر الخيرات، ج 2، ص 84، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 141.
(2) أخرجه أبو داود في كتاب المناسك، باب: في رمي الجمار (1984).
(3) السهار، نفوري، بذل المجهود، ج 9، ص 303
(4) أخرجه أبو داود في كتاب المناسك، باب: في رمي الجمار (1985). (4/590)
صفحة 1911
الرائد
091
بالسماع فلا تقبل روايته أيضا.
لكن رواه الدارمي عن علي بن عبد الله المديني ثنا هشام بن يوسف ثنا ابن جريج أخبرني عبد الحميد).
ثالثها أبو بكر بن عياش عن يعقوب بن عطاء عن صفية).
والحديث حسنه جمع من أهل العلم منهم النووي والحافظ ابن حجر".
الدليل الثالث: نهي النبي الله عن حلق المرأة رأسها، وقد جاء هذا النهي
?
من طرق عدة عن النبي من ذلك حديث أبي داود الطيالسي قال: حدثنا همام عن قتادة عن خلاس عن علي نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تحلق المرأة رأسها.
(4)
والحديث أخرجه النسائي والترمذي، ورواه الترمذي عقب السابق
من طريق أبي داود عن همام عن خلاس نحوه ولم يذكر فيه عن علي، وأعله
بعد ذلك بالاضطراب.
(1) الدارمي، السنن، ج 2، ص 89.
(2) الدارقطني، السنن، ج 2، ص 271، والبيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 104. (3) النووي، المجموع، ج 8، ص 147، وابن حجر، التلخيص الحبير، ج 2، ص 261. (4) كتاب: الزينة، باب: النهى عن حلق المرأة رأسها (5049). (5) كتاب الحج، باب ما جاء في كراهية الحلق للنساء (914). (6) كتاب الحج، باب ما جاء في كراهية الحلق للنساء (915). (4/591)
صفحة 1912
الرائد
592
وقال الدارقطني:
رواه همام بن يحيى عن قتادة عن خلاس عن علي وخالفه هشام الدستوائي وحماد بن سلمة فرواه عن قتادة مرسلا عن النبي صلى الله عليه وسلم والمرسل أصح".
وجاء الحديث من طريق عبد الله بن يوسف الثقفي قال: نا روح بن عطاء بن أبي ميمونة قال: حدثني أبي عن وهب بن عمير قال: سمعت عثمان يقول: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تحلق المرأة رأسها.
أخرجه البزار) وأعله بعده بقوله:
ووهب بن عمير لا نعلم روى إلا هذا الحديث، ولا نعلم حدث عنه إلا
عطاء بن أبي ميمونة، وروح فليس بالقوي.
وجاء الحديث من طريق معلى بن عبد الرحمن الواسطى ثنا عبد الحميد
بن جعفر عن هشام بن عروة عن أبيه عن نهى عائشة < أن النبي
تحلق المرأة رأسها.
أن
والحديث أخرجه البزار وقال عقبه ومعلى بن عبد الرحمن الواسطي
(1) الدارقطني، العلل، ج 3، ص 195.
(2) البزار، المسند، ج 2، ص 92. (4/592)
صفحة 1913
الرائد
593
روى عن عبد الحميد بأحاديث لم يتابع عليها، ولا نعلم أحدا تابعه على هذا
الحديث.
ولو لم تلتزم التقصير بل حلقت أجزاها لكنها أساءت بخلافها
للمشروع.
وجاء ما يفيد أن إحدى زوجات النبي صلى الله عليه وسلم قد حلقت في الحج كما في حديث وهب بن جرير حدثني أبي عن أبي فزارة عن يزيد بن الأصم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو حلال وبنى بها وهو حلال فماتت بسرف فحضرت جنازتها فدفناها في الظلة التي فيها البناء.
فدخلت أنا وابن عباس - وهي خالتي - قبرها فلما وضعناها في اللحد مال رأسها فجمعت ردائي فجعلته تحت رأسها فأخذه ابن عباس فرمي به ووضع تحت رأسها كذانه، وكانت قد حلقت رأسها في الحج، وكان محمما. والحديث رواه عن وهب إسحاق بن راهويه، وهو حجة في موطن
الشاهد الذي نريده.
أما إن نذرت الحلق سبيلا لتحللها فلا يلزمها الوفاء بذلك وعليها
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 164.
(2) إسحاق بن راهويه، المسند، ج 4، ص 223. (4/593)
صفحة 1914
الرائد
594
التقصير؛ لأن النذر لا يلزم على الأصح من أقوال أهل العلم إلا فيما كان
قربة، والقربة هنا هي التقصير؛ إذ الحلق في حق النساء غير مشروع". ونقل العراقي عن الإسنوي أنه قال: يتجه تقييد كراهة حلق المرأة بثلاثة شروط أن تكون كبيرة حرة خلية عن الأزواج، فإن كانت صغيرة لم تنته إلى
سن يترك فيه شعرها فالمتجه أنها كالرجل في استحباب الحلق.
وإن كانت أمة فإن منعها السيد من الحلق حرم بلا نزاع وتعدل إلى التقصير؛ لأن الشعر، ملكه، ولأنه قد يقصد الاستمتاع بها أو بيعها والحلق
ينقص القيمة.
وإن لم يمنع ولم يأذن فالمتجه التحريم أيضا، ثم المتجه فيما إذا قصرت امتناع الزيادة على ثلاث شعرات إلا بإذن إن كانت حرة إلا أنها متزوجة جاز لها تقصير الجميع، وإن منع الزوج؛ لأن لها غرضا في حصول هذه السنة ولا ضرر على الزوج فيه.
ومع ثبوت التخيير العام بين الحلق والتقصير إلا أنه قد ينصرف عن هذا الأصل العام بصارف خارجي فيلزم أحدهما دون غيره، ويتصور السابق في
(1) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 308، والغزالي، الوسيط، ج 2، ص 664.
(2) العراقي، طرح التثريب، ج 5، ص 98. (4/594)
صفحة 1915
الرائد
أمور:
أولها من أحرم ملبدا، رأسه، وقد ذكرنا في الجزء الثاني من هذا الكتاب أن للفقهاء خلافا أيلزمه الإحلال بالحلق فلا يجزيه التقصير، أو لا يلزمه
فيجزيه
أن يقصر، وقد تبين هناك أنه باق على أصل التخيير بين النسكين، وليس التلبيد لذاته سببا موجبا لتعين الحلق.
ثانيها من نذر الحلق سبيلا للتحلل تعين عليه أن يفي بنذره؛ إذ في نذره زيادة طاعة، والقاعدة المنصوص عليها أن من نذر أن يطيع الله فليطعه، لكن إن أحل بالتقصير أجزاه تحلله وأثم بعدم إيفائه بنذره فيلزمه ما يلزم المفرط في الوفاء بنذره.
والحلق الذي يلزم هذا الناذر هو الحلق المعهود بالموسى في اللغة والعرف، فمن استأصل بشيء غيره أو نتف أو أزاله بالنورة، أو أمر الموسى من غير استئصال للشعر لم يكن موفيا بنذره) إلا إن خصصت العرف نية
مقارنة تدخل الطرق السابقة في تحقيق النذر.
(1) الجيطالي، مناسك الحج، ج 2، ص 309.
(2) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 308. (4/595)
صفحة 1916
الرائد
596
المبحث الرابع: توقت الحلق بالزمان والمكان
لم يكن خلاف بين الفقهاء أن المشروع للمعتمر الحلق بعد إتمام السعي، وأن المشروع للحاج الحلق في صباح العاشر بعد ذبح النسك إن كان ممن يشرع في حقه ذبح النسك، أو بعد رمي جمرة العقبة إن لم يلزمه ذبح النسك على خلاف بين الفقهاء في وجوب الترتيب نأتي لذكره لاحقا. ولأئمة الحنفية أبي حنيفة وأبي يوسف وزفر ومحمد خلاف في توقت الحلق للحج بالزمان والمكان فمنهم من قال إن الحلق يتوقت بالزمان وهي أيام النحر وبالمكان وهو الحرم، فإن أخل بواحد منهما لزمه دم، كمن يحلق خارج الحرم أو أيام النحر.
ومنهم من قال إن الحلق للحج لا يتوقت بالزمان ولا المكان، ومنهم من قال إنه يتوقت بالمكان وهو الحرم دون الزمان، ومنهم من قال إنه يتوقت بالزمان دون المكان.
أما القائلون بالمكان والزمان فقاسوه على طواف الإفاضة فهو عندهم لا يصح إلا في المسجد ولا يصح إلا في أيام النحر، إلا أنهم اعتدوا به في خارج المكان لأن محل فعله الرأس دون الحرم فيحصل به التحلل ولكنه جان بتأخيره عن مكانه فيلزمه دم بالتأخير عن المكان كما يلزمه بتأخيره عن وقته. (4/596)
صفحة 1917
الرائد
597
وهذا لأن الحلق لا يعقل فيه معنى القربة وإنما عرفناه قربة بفعل رسول
الله وهو ما حلق للحج إلا في الحرم يوم النحر فما وجد بهذه الصفة يكون قربة، وما خالف هذا لا يتحقق فيه معنى القربة فيلزمه الجبر فيه بالدم. وأما القائلون بعدم التوقت بالمكان ولا الزمان فقالوا الحلق الذي هو نسك في أوانه بمنزلة الحلق الذي هو جناية قبل أوانه فكما أن ذلك لا يختص بزمان ولا مكان فكذلك هذا لا يختص بزمان ولا مكان.
وعلة السابق أنه لو اختص بزمان ومكان لم يكن معتدا به في غير ذلك المكان ولا في غير ذلك الزمان كالوقوف بعرفة فسواء أخره عن أيام النحر أو خرج من الحرم فحلق لا يلزمه شيء.
وأما القائلون بالزمان دون المكان فقالوا إن التحلل عن الإحرام معتبر بابتداء الإحرام، وابتداء الإحرام موقت بالزمان غير موقت بالمكان حتى يكره له أن يحرم بالحج في غير أشهر الحج ولا يكره له أن يحرم بالحج في أي مكان شاء قبل أن يصل إلى الميقات فكذلك التحلل عنه بالحلق.
كما أن النبي حلق يوم الحديبية خارج الحرم.
أما من لم يوقت الزمان فاحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا حرج لمن حلق قبل أن (4/597)
صفحة 1918
الرائد
598
يذبح.
والخلاف السابق كله في الحج، أما العمرة فالحلق فيها لا يتوقت بالزمان فلو أخره إلى أجل ولو طويل لم يلزمه شيء، لكن اختلفوا في التوقت بالمكان للعلة السابقة، فذهب الجمهور من أهل العلم إلى أنه لا يتوقت بالمكان فيصح الحلق في أي مكان.
وذهب آخرون إلى أنه يتوقت بالمكان فلا يصح الحلق خارج الحرم، ومن حلق خارج الحرم لزمه دم".
ونقل الإمام أبو سعيد الكدمي الخلاف فيمن نسي الحلق حتى مضت
أيام منى، فقول عليه دم إن طاف للزيارة ولم يحلق، وقول إنه ليس للحلق
حد، وعلق على هذا القول بقوله:
ويعجبني
ذلك ما لم يخرج من الحرم، فإذا خرج من الحرم وحدوده ولم
يحلق أعجبني أن يكون عليه، دم، ويحسن عندي إذا قالوا: انقضت ن أيام منى
(1) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 71، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 141، وابن
الضياء، البحر العميق، ج 3، ص 1798.
(2) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 71. (3) كذا في الأصل. (4/598)
صفحة 1919
الرائد
أن عليه دما؛ لأن الذبح وقضاء التفث كله أيام التشريق.
والمالكية ذهبوا إلى توقيت الحلق بالميقات الزماني دون المكاني
لأن
المقصود إماطة الشعر، واختلفوا في الميقات الزماني فقيل زمان الرمي، وقيل
أشهر الحج
قال القرافي: فإن أخر الحلاق لبلده جاهلا أو ناسيا حلق أو قصر
وأهدى".
(1) الكندي، المصنف، ج 8، ص 174. (2) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 269. (3) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 268. (4/599)
صفحة 1920
الرائد
المبحث الخامس: حكم تارك الحلق أو التقصير
تقدم من قبل أن القائلين بكون الحلق استباحة محظور وليس بنسك لا يوجبون واحدا من الأمرين من حيث الأصل، فمن تركه على قولهم فليس
عليه شيء. أما الجمهور القائلون بكون الحلق نسكا فهم فرقتان في مسألتنا هذه، الأولون منهم القائلون بأنه ركن لا يتوقت بالزمان ولا المكان فهؤلاء يقولون إنه لا يتصور ترك الحلق إذ هو لازم لا يأتيه وقت يفوت به لذا فهذه المسألة غير واردة معهم.
أما القائلون بوجوبه وتوقته سواء بالمكان أو الزمان وأنه واجب
فيوجبون دما على من تركه.
و من به عذر يمنعه من الحلق يصبر إلى أن يزول ذلك العذر إن كان مما
يرجى برؤه منه في وقت جواز الحلق.
وإن كان لا يرجى برؤه منه مطلقا أو في وقته فيصير حلالا كالذي لا
يقدر على مسح رأسه في الوضوء لآفة.
(1) ابن الهمام، فتح القدير، ج 2، ص 490، وابن النجيم، البحر الرائق، ج 2، ص 372. (4/600)
صفحة 1921
الرائد
والمالكية قالوا إن من لم يقدر على الحلاق والتقصير لمرض فعليه بدنة إن
وجد وإلا فبقرة، وإلا فشاة، وإلا صام ثلاثة أيام وسبعة).
وابن العجمي من الحنفية قال إن من لم يقدر على الحلق ولا على التقصير لوجع به يجب عليه شاة".
(1) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 269. (2) ابن الضياء البحر العميق، ج 3، ص 1789 (4/601)
صفحة 1922
الرائد
المبحث السادس: مندوبات الحلق أو التقصير
أولا: البداءة بالشق الأيمن
قال بذلك الجماهير من أهل العلم، وإن كان شق المحلوق هو الجانب
الأيسر للحالق، لعموم فضل التيامن، فضلا عن أن في هذا دليلا خاصا به فالنبي صلى الله عليه وسلم بدأ بشق رأسه الأيمن كما في حديث:
فأتى
محمد بن سيرين عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى منى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى ونحر ثم قال للحلاق: خذ وأشار إلى
جانبه الأيمن ثم الأيسر ثم جعل يعطيه الناس".
قال ابن عبد البر:
وعلى العمل به جماعة المسلمين إلا ما كان من قسم الشعر فإن ذلك
(1) البسيوي، الجامع، ج 2، ص 272، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 162، وابن
قدامة، المغني، ج 3، ص 196.
(2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 162.
(3) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب: بيان أن السنة يوم النحر أن يرمي ثم ينحر ثم يحلق،
والابتداء في الحلق بالجانب الأيمن من رأس المحلوق (1305). (4/602)
صفحة 1923
الرائد
603
لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة تبركا به.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن الاعتبار في ذلك بالحالق لا المحلوق
فيبدأ الحالق بالجانب الأيمن له وإن كان هو الأيسر من رأس المحلوق". والسابق المعتبر للمحلوق أولى لظاهر الخبر الذي فيه أنه أعطى الحالق شق رأسه الأيمن، ثم إن اعتبار يمين صاحب النسك أولى من اعتبار الحالق؛ لأن النسك في رأسه دون رأس الحالق.
والقول بأن الاعتبار بيمين الحالق لا المحلوق منقول عن أبي حنيفة، وقد
(3)
نص بعض الحنفية على رجوعه عنه بعد أن اطلع على خيبر النبي عليه السلام.
ثانيا: إمرار الموسى على الرأس للأصلع
وقد قال بذلك الجماهير من أهل العلم، بل قد ذكر الإجماع على
(1) ابن عبد البر، التمهيد، ج 7، ص 267.
(2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 162، وابن الهمام، فتح القدير، ج 2، ص 489.
(3) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 162.
(4) علي القاري، مرقاة المفاتيح، ج 5، ص 555.
(5) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 348، والبسيوي، الجامع، ج 2، ص 273، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 162، والسرخسي، المبسوط، ج 4، ص 70، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 224، والشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 433، والقرافي، الذخيرة، ج 3، (4/603)
صفحة 1924
الرائد
مشروعية السابق، قال ابن المنذر: وأجمعوا على أن الأصلع يمر على رأسه
الموسى عند الحلق.
قال العراقي وأنكره أبو بكر بن داود وهو محجوج بالإجماع قبله".
وسع
مثله
ومن الفقهاء من علل السابق بكونه تشبها بمن يحلق؛ لأنه والتكليف بحسب الوسع والسابق كحال الأخرس يؤمر بتحريك الشفتين عند التكبير والقراءة في الصلاة فينزل ذلك منه منزلة قراءة الناطق فهذا
مثله (3).
ومنهم من قال إنه إذا عجز عن تحقيق الحلق فلم يعجز عن التشبه
بالحالقين وقد قال النبي: من تشبه بقوم فهو منهم).
والأصل للسابق حديثان أولهما حديث يحيى بن يحيى وعلي بن خشرم قالا: ثنا عيسى بن يونس عن ابن جريج أخبرني موسى بن عقبة عن نافع أن ابن عمر له أخبره أن النبي صلى الله عليه وسلم حلق رأسه في حجة الوداع.
ص 269.
(1) ابن المنذر الإجماع، ص 75، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 229.
(2) العراقي، طرح التثريب، ج 5، ص 100.
(3) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 70.
(4) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 140. (4/604)
صفحة 1925
الرائد
605
قال: فكان الناس يحلقون في الحج ثم يعتمرون عند النفر ويقولون بما يحلق هذا فيقول: أمرر الموسى على رأسك.
(2)
والحديث أخرجه ابن خزيمة والحاكم وقال إثره: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وثانيهما حديث يحيى الجاري عن عبد العزيز عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر له في الأصلع يمر الموسى على رأسه.
أخرجه الدارقطني والبيهقي، وقد ضعفه غير واحد بسبب يحيى الراوي عن عبد العزيز).
وجاء الحديث من طريق عبد الكريم بن روح عن عنبسة بن سعيد نا عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال في الأصلع يمر الموسى على رأسه، قال عبد الكريم: وجدت في كتابي رفعه مرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومرة
يرفعه).
(1) ابن خزيمة، صحيح ابن خزيمة، ج 4، ص 338.
(2) الحاكم، المستدرك، ج 1، ص 654.
(3) الدارقطني، السنن، ج 2، ص 256، والبيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 103.
(4) النووي، المجموع، ج 8، ص 147.
(5) الدار قطني، السنن، ج 2، ص 256. (4/605)
صفحة 1926
الرائد
قال البيهقي: وروينا عن ابن عمر في الأصلع يمر الموسى على رأسه ولا يصح مرفوعا البتة، كما ضعفه النووي".
ومع السابق قد يمكن نبت الشعر لو صبر الأصلع إلى حين لكن لم يلزمه أحد بالانتظار؛ لأنه متعبد بالتحلل حينها، فإن لم يكن محل لم يكن مخاطبا
به (3).
واستحب الشافعي لمن لم يكن على رأسه شعر أن يأخذ من شعر لحيته
وشاربيه ليضع من شعره شيئا الله.
وليس له في هذا من دليل بل عموم النهي عن حلق اللحية والأمر
بتوفيرها أولى فلا يجوز معه أخذ شيء من شعر اللحية.
والإمرار السابق مشروعيته في حق من لم يكن به شعر ولا زغب، أما من كانت به شعرة أو شعرتان فيلزمه أن يقصر منهما أو يحلقهما، لقاعدة إذا
أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم)
(1) البيهقي، معرفة السنن والآثار، ج 4، ص 92.
(2) النووي، المجموع، ج 8، ص 154.
(3) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 306، والنووي، روضة الطالبين، ج 3، ص 101.
(4) البيهقي، معرفة السنن والآثار، ج 4، ص 92.
(5) النووي، المجموع، ج 8، ص 149. (4/606)
صفحة 1927
الرائد
607
والإجماع المنقول كان في أصل المشروعية لا الوجوب، والفقهاء مختلفون
أيجب على الأصلع إمرار الموسى على رأسه أو ليس هو بواجب.
ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الإمرار السابق واجب على الأصلع؛ لأن الواجب شيئان إجراؤه مع الإزالة فما عجز عنه سقط دون ما لم يعجز
فلو كان ذا شعر وجب عليه إزالته وإمرار الموسى على رأسه، فإذا سقط
أحدهما لتعذره وجب الآخر
(2)
كما استدلوا بقوله تعالى {مُحُلِقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ}، ووجه الدلالة
من ذلك أنه علق الحلق بالرأس فلم يسقطه ذهاب الشعر.
إلا أن الجمهور من أهل العلم لم يرتضوا السابق فقالوا إن الإمرار ليس
(1) الكندي بيان، الشرع، ج 23، ص 216، وابن الهمام، فتح القدير، ج 2، ص 489، والقرافي الذخيرة، ج 3، ص 269، وابن النجيم البحر الرائق، ج 2، ص 372، وابن
الضياء البحر العميق، ج 3، ص 1785، والشقصي منهج الطالبين، ج 7، ص 216.
1785،
(2) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 224.
(3) سورة الفتح، جزء من الآية (27).
(4) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 163. (4/607)
صفحة 1928
الرائد
بواجب).
وعلة عدم الوجوب أن الحلق محله الشعر فسقط بعدمه كما يسقط
وجوب غسل العضو في الوضوء بفقده.
كما أن الإمرار السابق على رأس الأصلع لو أتاه الأصلع في حال إحرامه دون أن يزيل شعرا لم يجب عليه به دم فلم يجب عند التحلل كإمراره على الشعر من غير حلق).
ثم إنه لو كان على رأسه شعر فأمر الموسى على رأسه من غير حلق الشعر لم يجزه، ولو أزال الشعر من غير إمرار الموسى على رأسه أجزاه، وإذا كان حكم الحلق متعلقا بالشعر سقط الحكم بزوال الشعر.
وحكم الحلق يتعلق بوجود الاسم، ولا يسمى حالقا بإمرار الموسى على رأسه من غير حلق الشعر بدليل أنه لو حلف لا يحلق رأسه فأمر الموسى على
رأسه لم يحنث، وإذا انتفى عنه اسم الحلق انتفى عنه حكم الحلق. كما أن من القواعد المتفق عليها أن الوسائل يسقط اعتبارها عند تعذر
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 162، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 224.
(2) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 224.
(3) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 163.
(4) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 163. (4/608)
صفحة 1929
الرائد
المقاصد، وإمرار الموسى وسيلة لإزالة الشعر)
(1)
609
وأورد السهارنفوري مسألة ما وجدتها لغيره وما أظنها تصح على قوله- وهي أنه لو اعتمرت المرأة أياما وقصرت من شعرها كل يوم حتى بقي من شعرها قدر أنملة، فإن حلقت شعرها وقعت في الحرمة أو الكراهة،
وإن لم تحلق فلا تحل، ثم أجاب عن ذلك بقوله تجري المقص على رأسها كما يجري الأصلع الموسى على رأسه ولعل ذلك يكفيها".
ثالثا: الأخذ من الشارب وقلم الأظفار
والسابق أمر استحبه بعض أهل العلم، وقال بعضهم من أخذ
من
لحيته وشاربه وأظفاره ولم يأخذ من شعر رأسه وجامع أهله فليأخذ من شعر
رأسه وقد خالف السنة ولو كان ذبح كان أفضل وأوثق».
(1) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 270.
(2) السهارنفوري، بذل المجهود، ج 9، ص 04
(3) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 348، والبسيوي الجامع، ج 2، ص 273، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 163، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 426، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 224، والجيطالي، مناسك الحج، ج 2، ص 306، والجناوني، الوضع، ص 226، والقرافي الذخيرة، ج 3، ص 268.
(4) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 348، والبسيوي، الجامع، ج 2، ص 273، والكندي، بيان (4/609)
صفحة 1930
الرائد
وقال أبو المؤثر:
سمعنا أن المحرم إذا أحل من إحرامه وأخذ رأسه أخذ من عفا لحيته،
والذي معنا أنه يأخذ من عرضها أكثر من طولها.
وقال ابن المنذر: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حلق رأسه قلم أظفاره". وقد وجدت رواية تقليم النبي لا لا لا أظفاره من حديث عبد الصمد بن عبد الوارث قال: ثنا أبان العطار قال: ثنا يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن محمد بن عبد الله بن زيد أن أباه حدثه أنه شهد النبي صلى الله عليه وسلم على المنحر ورجلا من قريش وهو يقسم أضاحي فلم يصبه منها شيء ولا صاحبه. فحلق رسول الله رأسه في ثوبه فأعطاه فقسم منه على رجال، وقلم أظفاره فأعطاه، صاحبه قال: فإنه لعندنا مخضوب بالحناء والكتم يعنى
شعره.
أخرجه أحمد والحاكم وصححه، وابن خزيمة، وأبو عوانة)،
الشرع، ج 23، ص 220.
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 219، والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 225. (2) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 225، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 224.
(3) أحمد بن حنبل، المسند، ج 4، ص 19.
(4) الحاكم، المستدرك، ج 1، ص 648. (4/610)
صفحة 1931
الرائد
والبيهقي، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، وهو كما قال إلا الصحابي فلم يخرج له الشيخان
ذلكم دليل قلم الأظفار وهو ثابت كما يظهر، أما أخذ شيء من اللحية فقال الماوردي والدلالة عليه رواية ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الحالق أن يأخذ من لحيته طولا وعرضا (ه).
ولم أجد الرواية التي ذكرها الماوردي مسندة وما أظنها تصح؛ إذ روايات أكثر الثقات بينة وهي خلو من الشاهد الذي ذكره الماوردي وعليه فلا يخلو حالها من شذوذ أو نكارة فيضعف الحديث بسببها.
لكن ثبت عن ابن عمر {أخذه شيئا من شاربه ولحيته عند الإحلال من العمرة كما في حديث الإمام مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان إذا حلق في حج أو عمرة أخذ من لحيته وشاربه.
(1) ابن خزيمة، صحيح ابن خزيمة، ج 4، ص 19.
(2) أبو عوانة، المسند، ج 2، ص 312.
(3) البيهقي، السنن الكبرى، ج 1، ص 25.
(4) الهيثمي، مجمع الزوائد، ج 4، ص 19. (5) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 163. (6) مالك بن أنس، الموطأ، ج 1، ص 396. (4/611)
صفحة 1932
الرائد
612
وقال بعض أهل العلم لعل ابن عمر أراد الجمع بين الحلق والتقصير في النسك فحلق رأسه كله وقصر من لحيته ليدخل في عموم قوله تعالى: مُحلِقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ)، وخص ذلك من عموم قوله "وفروا
اللحى" فحمله على حالة غير حالة النسك).
إلا أنه قد اعترض السابق بأن ابن عمر كان لا يخص هذا التخصيص بالنسك بل كان يحمل الأمر بالإعفاء على غير الحالة التي تتشوه فيها الصورة بإفراط طول شعر اللحية أو عرضه".
ومنهم من أوّل فعل ابن عمر {بأنه كان اتفاقا لا قصدا.
وخالف ذلك آخرون فقالوا إنه لا يجوز أن يأخذ من شعر لحيته شيئا
لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بتوفير اللحية.
ولأن الواجب حلق الرأس بالنص، واللحية ليست من الرأس، ولأن
حلق اللحية من باب المثلة؛ إذ الله تعالى زين الرجال باللحى والنساء
(1) سورة الفتح، جزء من الآية (27).
(2) ابن حجر، فتح الباري، ج 10، ص 350، والعيني، عمدة القاري، ج 22، ص 47.
(3) ابن حجر، فتح الباري، ج 10، ص 350.
(4) العيني، البناية، ج 4، ص 247.
(5) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 163. (4/612)
صفحة 1933
الرائد
613
عنه (1)
بالذوائب، كما أن في الأخذ من اللحية تشبها بالنصارى فينهي وإمام الحرمين ذكر نقل الصيدلاني عن الشافعي استحباب الأخذ من الشارب واللحية وتعقبه بقوله: ولست أرى لهذا وجها إلا أن يكون أسنده إلى أثر".
وعليه فيكون الأخذ من اللحية عند التحلل من الإحرام محرما لا يجوز
على ما هو الأصل في شعرها لعدم الناقل، وأما الأخذ من الشارب عند حلق الرأس فأمر مباح لا يرقى إلى الندب لعدم الدليل.
رابعا: استقبال القبلة والتكبير عند الفراغ من الحلق ودفنه. قال بذلك بعض أهل العلم، ومنهم من استحب أن يقول: الحمد لله
على ما هدانا وأنعم علينا.
(1) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 141.
(2) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 306.
(3) البسيوي الجامع، ج 2، ص 272، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 219، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 162، والجيطالي قناطر الخيرات، ج 2، ص 83، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 426، وابن الهمام، فتح القدير، ج 2، ص 490، والحجاوي، الإقناع،
ج 2، ص 24. (4/613)
صفحة 1934
الرائد
614
اللهم هذه ناصيتي بيدك فتقبل مني واغفر لي ذنوبي، اللهم اكتب لي بكل
شعرة حسنة، وامح بها عني سيئة، وارفع لي بها درجة، اللهم اغفر لي وللمحلقين والمقصرين يا واسع المغفرة آمين.
ويقينا.
من
وإذا فرغ فليكبر وليقل: الحمد لله الذي قضى عنا نسكنا اللهم زدنا إيمانا
ويدعو لوالديه والمسلمين)، بل قال بعض الفقهاء إنه يستحب أن يكثر
الدعاء عند الحلاق؛ فإن الرحمة تغشى الحالق عند حلاقه).
ومنهم من استحب أن يقول: اللهم أقلني عثرتي، وتقبل مني ومنهم من استحب أن يقول:
اللهم بارك لي في تفشي واغفر لي ذنبي واشكر لي حلقي، ويكثر من قول: الحمد لله رب العالمين رب السماوات السبع ورب العرش العظيم، وله
الكبرياء في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم.
(1) ابن الهمام، فتح القدير، ج 2، ص 490.
(2) الجيطالي، مناسك الحج، ج 2، ص 305، وابن الضياء البحر العميق، ج 3، ص 1823.
(3) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 230.
(4) الشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 433، والجيطالي، مناسك الحج، ج 2، ص 305،
والجناوني، الوضع، ص 5 (4/614)
صفحة 1935
الرائد
615
ونقل القرافي عن الإمام مالك أن دفن الشعر والأظافر بدعة. وذكر ابن عابدين أن الإمام أبا حنيفة قال: حلقت رأسي فخطأني الحلاق في ثلاثة أشياء: لما أن جلست قال: استقبل القبلة، وناولته الجانب الأيسر فقال: ابدأ بالأيمن فلما أردت أن أذهب قال ادفن شعرك فرجعت
و دفنته (2).
وجاءت القصة أطول مما ذكر فقد رواها ابن جماعة والعيني وابن الضياء
الحنفي عن ابن الجوزي في كتابه مثير الغرام الساكن فقال: قال أبو حنيفة: أخطأت في ستة أبواب من المناسك علمنيها حجام، وذلك أني حين أردت أن أحلق رأسي وقفت على حجام فقلت له: بكم تحلق رأسي؟ فقال لي: أعراقي أنت؟ فقلت نعم فقال النسك لا يشارط عليه، اجلس، فجلست منحرفا عن القبلة فقال لي حول وجهك إلى القبلة.
فحولته وأردت أن يحلق رأسي من الجانب الأيسر، فقال لي: أدر الشق الأيمن من رأسك فأدرته، وجعل يحلق وأنا ساكت فقال لي: كبر، فجعلت أكبر حتى قمت لأذهب فقال لي: أين تريد؟
(1) القرافي، الذخيرة، ج 13، ص 281
(2) ابن عابدين، رد المحتار، ج 2، ص 517. (4/615)
صفحة 1936
الرائد
616
فقلت: رحلي، فقال لي: ادفن شعرك ثم صل ركعتين ثم امض، فقلت له: من أين لك ما أمرتني به؟ فقال: رأيت عطاء بن أبي رباح يفعل هذا.
ومن
هذه القصة أخذ بعضهم استحباب ركعتين بعد الحلق".
ومنهم من علل دفن الشعر بكونه صيانة له).
وقال المستحبون للدفن إنه إن ألقاه فلا بأس عليه، ولكن يكره إلقاؤه في
الكنيف والمغتسل؛ لأنه يورث المرض، ونص بعضهم على أن دفن الشعر الحسن أكد لئلا يؤخذ للوصل.
والحق في هذه القضية من حيث استقبال القبلة والتكبير ودفن الشعر وصلاة الركعتين مع أبي حنيفة إن صحت القصة وفي النفس منها شيء، إذ لا يليق ذلك بحال الإمام أبي حنيفة مع علو منزلته.
وعلى كل لا أعلم دليلا يؤيد السنن المذكورة من دعاء وتكبير واستقبال ودفن للشعر وليس بحجة في الندب والاستحباب إلا ما ثبت بلسان
(1) ابن جماعة هداية السالك، ج 3، ص 1288، والعيني، البناية، ج 4، ص 248، وابن الضياء، البحر العميق، ج 3، ص 1820. (2) ابن الضياء، البحر العميق، ج 3، ص 1821.
(3) ابن الضياء، البحر العميق، ج 3، ص 1822. (4) ابن الضياء البحر العميق، ج 3، ص 1822. (5) زكريا الأنصاري، أسنى المطالب، ج 1، ص 492. (4/616)
صفحة 1937
الرائد
617
الشارع، ولم تثبت الأمور السابقة بوجه يكون حجة فيبقى أصل الأمر على
عدم المشروعية ولا يقال بندبه.
قال ابن جماعة بعد نقل الاستحباب السابق:
وأسقط النووي في الروضة ذلك، ولعمري إنه معذور في إسقاطه؛ فإن السنة لم تأت به، واستحبابه بخصوصيته من أجل هذا الفعل بدعة.
(1) ابن جماعة هداية السالك، ج 3، ص 1286. (4/617)
صفحة 1938
المحتويات
الرائد
الفصل الرابع: الطواف بالبيتـ
المبحث الأول: وصف المطاف والكعبة المشرفة.
المطلب الأول: تاريخ الكعبة المشرفة.
تجديد قريش للكعبة.
كان للكعبة على قواعد إبراهيم بابان.
قصة بناء ابن الزبير للكعبة ..
بناء الحجاج بن يوسف للكعبة.
الأخ مقاسات الكعبة التي استقرت عليها في الترميم
المطلب الثاني: وصف داخل الكعبة ..
قصة الحجابة والسقاية. (4/618)
صفحة 1939
الرائد
المطلب الثالث: كسوة الكعبة.
المطلب الرابع الحجر الأسود.
القرامطة والحجر الأسود.
المطلب الخامس: الركن اليماني.
المطلب السادس: حجر إسماعيل (الحطيم)
ليس كل حجر إسماعيل من الكعبة وبيان ذلك.
المطلب السابع: شادروان الكعبة.
الخلاف في كون الشاذروان من الكعبة.
المطلب الثامن: مقام إبراهيم.
موضع المقام من البيت العتيق.
ما استقر عليه أمر المقام حديثا.
المبحث الثاني: آداب دخول المسجد الحر (4/619)
صفحة 1940
الرائد
المطلب الأول: الآداب العامة ..
الأدب الأول: تقديم الرجل اليمنى عند الدخول.
الأدب الثاني: ذكر الله والدعاء عند دخول المسجد والخروج منه.
الأدب الثالث: صلاة ركعتين قبل أن يجلس
المطلب الثاني: الآداب الخاصة بالمسجد الحرام.
الأدب الأول: الدخول من باب بني
شبة.
الأدب الثاني: رفع اليدين عند رؤية البيت.
الأدب الثالث: الذكر والدعاء .....
الأدب الرابع: أن لا يعرج على شيء قبل البدء بالطواف.
المبحث الثالث: مشروعية الطواف وفضله.
المبحث الرابع: أنواع الطواف.
طواف الإفاضة. (4/620)
صفحة 1941
الرائد
طواف العمرة ..
طواف الوداع
طواف النفل.
أولا: مشروعية طواف النفل حال خطبة الجمعة.
ثانيا: المفاضلة بين طواف النفل والصلاة في المسجد.
طواف القدوم.
طواف الصدر.
المبحث الخامس: شروط الطواف وواجباته.
:أولا: العقل
ثانيا نية الطواف.
ثالثا: الطهارة من الحدث.
أدلة القائلين باشتراط الوضوء للطواف. (4/621)
صفحة 1942
الرائد
أدلة القول بالوجوب دون الشرطية.
القول الثالث: الوضوء سنة في الطواف وليس بشرط.
قوادح
الاستدلال بحديث الطواف بالبيت صلاة.
الحائض والطواف بالبيت ..
تخريج حديث الطواف بالبيت صلاة.
رابعا: ستر العورة ..
خامسا وقت الطواف.
:سادسا: البدء بالحجر الأسود.
سابعا: استقبال الركن في أول الطواف.
ثامنا: محاذاة الحجر الأسود بالبدن عند أول شوط.
إنشاء خط بدء الطواف وإزالته.
تاسعا: جعل البيت على يسار الطائف. (4/622)
صفحة 1943
الرائد
من
مخالفات الناس الآن ...
عاشرا: استيعاب الكعبة بالطواف حولها.
العلو على الكعبة في الطواف.
الحادي عشر: إكمال سبعة أشواط.
الثاني عشر: أن يكون الطواف داخل المسجد.
الثالث عشر: الموالاة في الطواف.
المبحث السادس: مندوبات الطواف.
أولا: تعظيم الحجر الأسود بتقبيله واستلامه والإشارة إليه ..
الخلاف في استلام الحجر وتقبيله في غير طواف.
المزاحمة على استلام الحجر الأسود
المندوب الثاني: استلام الركن اليماني.
المندوب الثالث: استلام أركان الكعبة كلها. (4/623)
صفحة 1944
الرائد
المندوب الرابع: الرمل.
أولا: مشروعية الرمل.
ثانيا: الطواف الذي يشرع معه الرمل.
ثالثا: أشواط الرمل.
رابعا حكم من ترك الرمل.
المندوب الخامس الاضطباع.
أولا: تعريفه ومشروعيته.
ثانيا: وقت الاضطباع.
ثالثا: موضع الاضطباع.
المندوب السادس: الذكر والدعاء ..
المندوب السابع: القرب من البيت عند الطواف
تعارض القرب من البيت مع الرمل. (4/624)
صفحة 1945
الرائد
المندوب الثامن: السواك.
المبحث السابع مباحات الطواف.
أولا: الطواف راكبا.
ثانيا: الكلام في الطواف
ثالثا: الانتعال في الطواف.
رابعا: الأكل والشرب والاستراحة.
المبحث الثامن ركعتا الطواف.
المطلب الأول: مشروعية صلاة الطواف وحكمها.
المطلب الثاني: إجزاء غيرها عنها.
المطلب الثالث: موضع صلاة الطواف
المطلب الرابع: صلاة الطواف في أوقات النهي.
المطلب الخامس: ما يستحب أن يقرأ فيهما. (4/625)
صفحة 1946
الرائد
المطلب السادس: القران في الطواف.
المطلب السابع: صلاة الطواف للنائب عن غيره.
المطلب الثامن: حكم من لم يصلّهما.
: الدعاء بعد ركعتي الطواف. المطلب التاسع: ا
الفصل الخامس: السعي بين الصفا والمروة.
المبحث الأول: وصف جبلي الصفا والمروة وأرض المسعى.
المبحث الثاني: مشروعية السعي بين الصفا والمروة.
المفاضلة بين الصفا والمروة ..
المبحث الثالث: حكم السعي
المبحث الرابع: شروط السعي وواجباته.
المطلب الأول: النية.
المطلب الثاني: كون السعي بعد طواف صحيح. (4/626)
صفحة 1947
الرائد
حكم الاجتزاء بطواف الإفاضة عن طواف الوداع.
المطلب الثالث: الترتيب.
المطلب الرابع: قطع المسافة بين الصفا والمروة جميعها.
منتهى منطقة السعي هو نهاية طريق دراجات العجزة
صور النقص من أشواط السعي
المطلب الخامس: إكمال سبع مرات.
من يسعى أربعة عشر شوطا لا يخلو حاله من أحد أمور ثلاثة ...
ذهب بعض العلماء إلى أن السعي الواحد من الصفا إلى الصفا ....... 469
قيل إن السعي من الصفا إلى المروة، أما الرجوع فليس بشيء
الشك في عدد الأشواط.
المبحث الخامس: سنن السعي.
أولا: الموالاة. (4/627)
صفحة 1948
الرائد
ثانيا: الخروج إلى المسعى من باب الصفا ..
ثالثا: الطهارة.
رابعا: أن يرقى على الصفا وعلى المروة.
خامسا: الذكر والدعاء ...
سادسا: استقبال البيت.
سابعا: الهرولة بين العلمين الأخضرين.
ثامنا: صلاة ركعتين عند المروة بعد الانتهاء من السعي.
المبحث السادس: السعي راكبا.
المبحث السابع: السعي فوق سطح المسعى.
الفصل السادس: التحلل بالحلق أو التقصير
المبحث الأول: مشروعية التحلل من الإحرام.
الخلاف في تكييف الحلق أهو نسك أو إطلاق من محظور. (4/628)
صفحة 1949
الرائد
المبحث الثاني: ما يلزم تقصيره أو حلقه من الرأس.
المبحث الثالث: المفاضلة بين الحلق والتقصير.
ضعف حديث أن معاوية قصر رأس النبي والهلال وبمشقص
المبحث الرابع: توقت الحلق بالزمان والمكان ...
المبحث الخامس: حكم تارك الحلق أو التقصير.
المبحث السادس: مندوبات الحلق أو التقصير
أولا: البداءة بالشق الأيمن.
ثانيا: إمرار الموسى على الرأس للأصلع.
ثالثا: الأخذ من الشارب وقلم الأظفار
رابعا: استقبال القبلة والتكبير عند الفراغ من الحلق ودفنه. (4/629)
صفحة 1950
الرائد
أبحاث تأصيلية معاصرة في فقه الحج والعمرة
تأليف
ماجد بن محمد بن سالم الكندي
الجزء الخامس
أعمال يوم التروية وعرفة والنحر وأيام التشريق وطواف الوداع (5/1)
صفحة 1951
الرائد
أبحاث تأصيلية معاصرة في فقه الحج والعمرة
الجزء الخامس (5/2)
صفحة 1952
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف الطبعة الأولى 1429 هـ / 2008 م
حقوق الطبع محفوظة ©، ولا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب ©، أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي سابق من المؤلف.
HOCHOCHOCH
HOCHOCHOCH (5/3)
صفحة 1953
الرائد
أبحاث تأصيلية معاصرة في فقه الحج والعمرة
تأليف
ماجد بن محمد بن سالم الكندي
الجزء الخامس
أعمال يوم التروية وعرفة والنحر وأيام التشريق وطواف الوداع
HOCHOCHOCH
HOCHOCHOCH (5/4)
صفحة 1954
الفصل السادس: أعمال يوم التروية وخطب الحج
المبحث الأول: سبب التسمية بيوم التروية
المبحث الثاني: زمان الإحرام بالحج وموضعه
المبحث الثالث: الذهاب إلى منى
المبحث الرابع: أداء الصلوات الخمس بمنى
المبحث الخامس: الخطب المندوبة في الحج (5/5)
صفحة 1955
[صفحة فارغة] (5/6)
صفحة 1956
الرائد
توطئة
(v)
حجة الوداع، وحري بنا
وصف جابر بن عبد الله {فعل النبي. يوم أن نبدأ كلامنا في يومي التروية وعرفة بوصف فعله ثم نبين الأحكام الفقهية بعد ذلك، قال جابر بن عبد الله:
فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلا حتى
طلعت الشمس.
وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية فأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فأتى بطن الوادي فخطب الناس
وقال:
إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع (5/7)
صفحة 1957
الرائد
()
ربانا ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله.
فاتقوا الله في النساء؛ فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف. وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: اللهم اشهد اللهم اشهد، ثلاث مرات.
ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئا، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة، فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص وأردف أسامة خلفه ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شنق للقصواء الزمام".
(1) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب حجة النبي (1218). (5/8)
صفحة 1958
الرائد
(4)
المبحث الأول: سبب التسمية بيوم التروية
أيام الحج التي تكون فيها المناسك ستة أولها يوم التروية، ثم يوم عرفة
ثم يوم النحر ثم يوم القرثم يوم النفر الأول ثم يوم النفر الثاني.
ويوم
التروية هو اليوم الثامن من ذي الحجة وللفقهاء خلف في سبب تسميته بالتروية فمن ذلك ما قيل إنه سمي بذلك لأجل أنهم كانوا يتروون فيه من الماء ويسقون إبلهم من بئر زمزم يعدونه لمنى وعرفة؛ لأن تلك الأماكن لم تكن حينها ذات آبار ولا عيون، وأما الآن فقد كثرت جدا واستغنوا عن حمل الماء.
والرأي السابق أسنده الفاكهي من طريق محمد بن أبي عمر قال: ثنا سفيان عن عمرو بن دينار قال سمعت محمد بن علي ابن الحنفية رضي الله
عنه يقول: إنما سمي يوم التروية لأن الناس كانوا يتروون من الماء.
كما روى عن محمد بن عبد الملك الواسطي قال: ثنا يعلى بن عبد الرحمن قال: ثنا شريك عن الأعمش قال: إنما سمي يوم التروية لأن الناس كانوا يتروون فيه الماء إلى عرفات ولم يكن بها ماء".
وقيل: سمي التروية لأن إبراهيم # رأى ليلتئذ في المنام ذبح ابنه فأصبح يروي في نفسه أهو حلم أم من الله تعالى، فسمي يوم التروية، فلما
(1) الفاكهي، أخبار مكة، ج 3، ص 189.
(2) الفاكهي، أخبار مكة، ج 3، ص 189. (5/9)
صفحة 1959
الرائد
(1.)
كانت ليلة عرفة رأى ذلك أيضا فعرف أنه من الله تعالى فسمي يوم عرفة. وقيل لأنه اليوم الذي رأى فيه آدم #حواء، وقيل لأن جبريل # أرى فيه أبا الأنبياء إبراهيم # أول المناسك، وقيل هو من الرواية لأن الإمام يروي للناس مناسكهم. وأقوى الآراء هو القول الأول الناص على التروي بالماء أهبة لمنى وعرفة، على أن ما عدا الأول لا يساعد عليه التصريف والاشتقاق، لذا حكم الحافظ ابن حجر لما عدا القول الأول بالشذوذ؛ لأنه لو كان من الثاني لكان التروي بتشديد الواو، ولو كان من الثالث لكان يوم الرؤية، ولو كان من
من
الرابع لكان يوم الرؤيا، ولو كان من الخامس لكان من الرواية. ومن الفقهاء من يسمي اليوم السابق بيوم النقلة؛ لأن الناس ينتقلون فيه
من مكة إلى منى).
(1) الشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 407، والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 164، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 167، والسرخسي، المبسوط، ج 4، ص 52، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 204، وابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 507، والعيني، عمدة
القاري، ج 9، ص 296.
(2) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 507.
(3) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 319، والنووي، المجموع، ج 8، ص 85. (5/10)
صفحة 1960
الرائد
(11)
المبحث الثاني: زمان الإحرام بالحج وموضعه
معلوم من حال المفرد والقارن أنهما باقيان على إحرامهما الأول لم يحلا منه، ولكن المتمتع الذي أحل من عمرته أو من كان مقيما بمكة من أهلها أو من غيرهم يتوجه الخطاب الشرعي إليه بالإحرام بالحج، وهذا محل اتفاق بين أهل العلم. كما أن الاتفاق متحقق في أن له أن يحرم بالحج في أي وقت من أشهر
الحج وأنه يجزيه ولو كان من أول يوم من شهر شوال.
لكن اختلفوا في الأفضل من الأوقات فذهب الأكثر من أهل العلم إلى أن الأفضل أن يحرم بالحج يوم التروية عند قصده الذهاب إلى منى سواء كان متمتعا وأراد أن يحرم بالحج، أو كان مقيما بمكة من أهلها أو من غيرهم) وبعض هؤلاء استثنى من لم يجد الهدي من المتمتعين وقالوا إن الأفضل له الإحرام يوم السابع ليصوم الأيام الثلاثة ويكون آخر الأيام عرفة، ومن كره صيام عرفة للواقف بها قال يحرم بالحج قبل فجر السادس ويصوم
(1) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 204، والشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 407. (2) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 204، والشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 407. (5/11)
صفحة 1961
الرائد
(1)
السادس والسابع والثامن.
وتعقب هذا الاستثناء بأنه تصرف بالسنة المسنونة بالرأي وليس في
شيء مضى من النبي لي فيه سنة إلا اتباعها وقد أمر أصحابه كلهم أن يحرموا
يوم التروية وكانوا كلهم متمتعين إلا نفرا قليلا ساقوا الهدي.
وأمر
من لم يجد الهدي منهم فأمروا أن يصوموا ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعوا، ولم يأمروا بالإحرام قبل يوم التروية، ومعلوم علم اليقين أن قوما فيهم عشرات الألوف في ذلك الوقت الضيق يكون كثير منهم أو أكثرهم غير واجدين للهدي فكيف يجوز أن يقال كان ينبغي لهؤلاء الإحرام يوم السادس والخامس ورسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرهم بالإحرام يوم الثامن. ثم إن المتمتع إذا أمر بتقديم الإحرام قل ترفهه وربما لم يمكنه التمتع إذا
قدم مكة يوم السادس أو السابع وفي ذلك إخراج للتمتع عن وجهه. والإحرام إنما يشرع عند الشروع في السفر ولهذا لم يحرم النبي صلى الله عليه وسلم من الميقات إلا عند إرادة المسير، وقد بات فيه ليلة والحاج إنما يتوجهون يوم
(1) المرداوي، الإنصاف، ج 3، ص 512، والحجاوي، الإقناع، ج 2، ص 17. (5/12)
صفحة 1962
الرائد
(1)
التروية ففي الأمر بالإحرام قبلها أمر بالإحرام وهو مقيم، أو أمر بالتقدم إلى منى وكلاهما أمر بخلاف الأفضل المسنون).
وقد ذكرنا في الجزء الثاني من هذا الكتاب أن للفقهاء خلافا في وقت صيام ثلاثة الأيام لمن لم يجد الهدي أهو بالإحرام بالعمرة، أو هو بشرط الإحرام بالحج، أو إذا دخلت العشر.
وتبين ثمة أن أولى ما يقال هو أنه يشرع الصيام بمجرد الإحرام بعمرة التمتع، وليس من شرط الصيام أن يكون حال التلبس بوصف الإحرام، وعليه فليس ثمة داع إلى تقديم الإحرام قبل التروية، بل يلتزم بالسنة، نعم ذلك يلزم من يقول إن صيام ثلاثة الأيام شرطه الإحرام بالحج، ولكن دليل هذا غير ظاهر على دليل غيره.
والدليل لاستحباب الإحرام بالحج يوم التروية فعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في حضرته إذ إنهم أحرموا صباح يوم التروية كما نص عليه جابر بن عبد الله في الحديث الذي ذكرناه أول الفصل.
ونص على فعل الصحابة السابق أنس بن مالك لله كما في حديث أيوب
عن أبي قلابة عن أنس له قال: فلما قدمنا أمر الناس فحلوا حتى كان يوم
(1) ابن تيمية، شرح العمدة، ج 3، ص 483. (5/13)
صفحة 1963
الرائد
14
التروية أهلوا بالحج.
وجاء السابق من نص أبي سعيد الخدري له كما في حديث الأعلى بن
عبد الأعلى حدثنا داود عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: خرجنا مع رسول الله له نصرخ بالحج صراخا، فلما قدمنا مكة أمرنا أن نجعلها عمرة إلا من ساق الهدي، فلما كان يوم التروية ورحنا إلى منى أهللنا بالحج.
وذهب آخرون من أهل العلم إلى أن الأفضل في الإحرام بالحج لمن كان
بمكة أن يكون إذا رأوا هلال ذي الحجة).
وقد روى ابن أبي شيبة عن عبدة عن هشام بن عروة عن أبيه أن ابن
الزبير كان يقيم بمكة السنين يهل بالحج لهلال ذي الحجة).
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب التحميد والتسبيح والتكبير عند الإهلال
(18 VT)
(2) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب: التقصير في العمرة (1247).
(3) مالك بن أنس المدونة، ج 2، ص 383،،والمرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 25، وابن
جزي، القوانين الفقهية، ص 88، والدردير الشرح الكبير، ج 2، ص 21.
(4) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 368. (5/14)
صفحة 1964
الرائد
(10)
وروي عن عمر الله أنه قال لأهل مكة: مالكم يقدم الناس عليكم شعثا إذا رأيتم الهلال فأهلوا بالحج.
قال ابن حزم رواية لا نعلمها تتصل إلى عمر إنما نذكرها من طريق
القاسم بن محمد وإبراهيم النخعي عن عمر وكلاهما لم يولد إلا بعد موت
عمر بأعوام. ثم لو صح عنه لكان الثابت المتصل من فعل الصحابة بحضرة النبي أولى من رأي رآه عمر.
لكن قال الحافظ ابن حجر وروى مالك وغيره بإسناد منقطع وابن المنذر بإسناد متصل عن عمر أنه قال لأهل مكة: مالكم يقدم الناس عليكم
شعثا وأنتم تنضحون طيبا مدهنين؟! إذا رأيتم الهلال فأهلوا بالحج وروى ابن أبي شيبة عن يحيى بن يمان عن هشام قال: رأيت الحسن يتعجل إلى منى قبل الناس بيوم، ورأيت هشاما يتعجل، وعن حفص عن حجاج قال: سألت عطاء عن التعجل إلى منى قبل التروية بيوم فلم ير بذلك
(1) ابن حزم، المحلى، ج 7، ص 124.
(2) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 506. (5/15)
صفحة 1965
الرائد
بأسا.
(11)
ومن الفقهاء من استحب تقديم الإحرام على التروية؛ لأن فيه إظهار المسارعة والرغبة في العبادة، ولأنه أشق على البدن).
وقال هؤلاء: إن الرسول الله أمر أصحابه بالإحرام يوم التروية لأنه
اختار لهم الأيسر على الأفضل".
واعترض على السابق بالأمر بالإحرام من شوال، ولا يقول بذلك
أحد).
وظاهر من السابق أن الأخذ بما دلت عليه السنة من إقرار فعل الصحابة بالإحرام يوم التروية هو الأولى والأظهر، ثم إنه كما يقول بعض أهل العلم - يوم التروية ميقات للإحرام فاستوى فيه أهل مكة وغيرهم كميقات
المكان).
اختلف القائلون بتعين يوم التروية للإحرام ما على من أخر الإحرام عن
(1) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 396.
(2) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 32، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 150.
(3) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 150.
(4) ابن حزم، المحلى، ج 7، ص 125.
(5) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 204. (5/16)
صفحة 1966
الرائد
(iv)
ذلك اليوم، فالجمهور من الفقهاء على أن ذلك على سبيل الندب وليس هو للوجوب، فمن أحرم على وجه يدرك فيه عرفة فإنه يجزيه ولا يكون مفوتا
شيئا من واجبات الحج، وإن فاتته فضائل وسنن فليست هي بواجبة. وذهب بعض الفقهاء إلى أن عليه دما، ولا أدري على ماذا
الرأي.
بني
هذا
أما موضع الإحرام بالحج فنص عليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله "حتى أهل مكة يهلون منها، فمن أي موضع من الحرم أحرم فإنه يجزيه كما هو مذهب الجمهور، ومنهم من خص الإحرام بمكة، وقد تقدم ذكر المسألة في الجزء الثاني من الكتاب.
ومن الفقهاء من جعل الإحرام من الحرم للمتمتع شرطا) والصحابة} أحرموا من الأبطح كما في حديث ابن جريج أخبرني أبو الزبير عن جابر بن عبد الله قال: أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم لما أحللنا أن نحرم إذا
(1) المرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 25.
(2) الشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 406، والسرخسي، المبسوط، ج 4، ص 31، والمرداوي،
الإنصاف، ج 4، ص 26.
(3) المرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 26.
(4) المرغيناني، الهداية، ص 156. (5/17)
صفحة 1967
الرائد
توجهنا إلى منى قال: فأهللنا من الأبطح
(1)
18
والأبطح البطحاء التي بين مكة، ومنى وهي ما انبطح من الوادي
واتسع، وهي التي يقال لها المحصب، والمعرس وحدها ما بين الجبلين إلى
المقبرة (2).
والمنطقة الآن معمورة بالبنايات وشوارع السير، ولعل الصحابة يومها كانوا مقيمين بها فإحرامهم كان في مكان إقامتهم، أو لأنها آخر مكة وأقرب
المناطق إلى منى.
واختلفوا في الأفضل من الأماكن من الحرم، فمنهم من قال من المسجد، ومنهم من حدد فقال من تحت الميزاب)، ومنهم من قال إذا خرج من المسجد وولى البيت ظهره، ومنهم من قال من مسجد الجن، ومنهم من
(1) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام (1214). (2) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 590، والعيني، عمدة القاري، ج 9، ص 297. (3) البهوتي، الروض المربع، ج 1، ص 507.
(4) يقع في الجهة الشمالية الشرقية من المسجد الحرام على يسار الصاعد إلى المعلاة بجانب
المشاة،
جسر
وسمي بذلك لأن النبي
خط لابن مسعود في هذا الموضع عندما جاء
الجن يبايعون النبي صلى الله عليه وسلم، ويطلق عليه مسجد الحرس، ومسجد البيعة، وقد جدد سنة
1421 هـ. (5/18)
صفحة 1968
الرائد
(19)
قال إنه لا ترجيح لمكان على غيره".
والذين قالوا من المسجد وجهوا قولهم بأن كل ميقات فيه مسجد فإنه
يستحب الإحرام بعد الصلاة في مسجده كميقات ذي الحليفة). والأقوال السابقة في تفضيل بعض الأماكن على بعض عرية عن الدليل، والأولى أن يقال إن الإحرام يكون من مكان نزول من أراد الإحرام وسكناه لقوله: فهن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة، فمن كان دونهن فمهله من أهله وكذاك حتى أهل مكة يهلون
منها (4).
والشاهد هنا قوله فمن" كان دونهن فمهله من أهله".
الأزرقي، أخبار مكة، ج 2، ص 200، والفاكهي أخبار مكة، ج 4، ص 20، ومحمد
إلياس، تاريخ مكة المكرمة، ص 132.
(1) البسيوي، الجامع، ج 2، ص 275، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 251. (2) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 356، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 251، وابن تيمية، شرح العمدة، ج 3، ص 484، والمرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 26.
(3) ابن تيمية شرح العمدة، ج 3، ص 484.
(4) أخرجه البخاري -واللفظ له- في كتاب: الحج، باب: مهل أهل الشام (1454)، ومسلم في كتاب الحج، باب مواقيت الحج والعمرة (1181). (5/19)
صفحة 1969
الرائد
ومع
الاتفاق على فضل أن يكون الإحرام من مكة اختلف فيمن أحرم من الحل أيجوز له ذلك أو لا يجوز، من الفقهاء من ذهب إلى المنع بل أوجب على من أحرم من خارج الحرم، ومنهم من لم ير المنع بل أجاز الإحرام
الدم
من الحل.
وهذا الإحرام يندب فيه ما يندب في الإحرام عند الميقات من غسل
وصلاة الإحرام وغير ذلك مما تقدم ذكره في الجزء الثاني من هذا الكتاب. واستحب جمع من الفقهاء في هذا الموضع طوافا بالبيت قبل الإحرام
ليكون بمنزلة توديع البيت؛ إذ الخروج هذا سيكون إلى خارج الحرم. وقد ذكرنا هذا الطواف عند ذكر أنواع الطواف في الجزء الرابع من هذا الكتاب وقد بينا ثمة أنه لا دليل يفيد الحكم السابق فلا يقال بندب ذلك
الطواف.
(1) المرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 26. (5/20)
صفحة 1970
الرائد
المبحث الثالث: الذهاب إلى منى
النصوص بينة كما سيأتي أن صاحب الدعوة قد صلى ظهر يوم التروية بمنى، ولكنها مجملة في تحديد الوقت الذي خرج فيه من مكة إلى منى مما أورث أهل العلم خلافا في الوقت الذي يستحب لمن أراد الحج أن يحرم فيه ويذهب إلى منى. وقبل أن نعرض أقوالهم في ذلك نبين أن الإحرام يكون عند الشروع في الذهاب بعدما تستقل الراحلة بصاحبها لمن كان على راحلة، وبعدما يشرع في المشي من كان ماشيا، وهذا أمر قد تقدم تقريره بأدلته وأقوال أهل العلم فيه في الجزء الثاني من الكتاب.
ذهب بعض أهل العلم إلى أن الأفضل أن يخرج من مكة بعد زوال
(1)
الشمس فيصلي الظهر بمنى، وإن خرج قبل ذلك فلا حرج، ومنهم من عبر بعشية اليوم الثامن والعشية تبدأ بالزوال.
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 251، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 167، وابن
تيمية، شرح العمدة، ج 3، ص 483.
(2) الشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 405.
(3) الفيومي، المصباح المنير، ج 2، ص 412، وابن منظور، لسان العرب، ج 15، ص 60. (5/21)
صفحة 1971
الرائد
(TT)
ودليل هؤلاء ما صرح من الروايات أن الصحابة أمروا بالإحرام بالحج عشية التروية، ووقت العشية إنما يبدأ بزوال الشمس، ومعلوم أن المسافة
بين بطحاء مكة ومنى ليست بالطويلة فيسع الوقت لأن تصلى الظهر فيها. والحديث الذي فيه الأمر بالإحرام عشية يوم التروية جاء من طريق عثمان بن غياث عن عكرمة عن ابن عباس له أنه سئل عن متعة الحج فقال: أهل المهاجرون والأنصار وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وأهللنا، فلما قدمنا مكة قال رسول الله له اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد
الهدي. طفنا بالبيت وبالصفا والمروة وأتينا النساء ولبسنا الثياب وقال: من قلد الهدي فإنه لا يحل له حتى يبلغ الهدي محله.
(2)
ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت والصفا والمروة فقد تم حجنا وعلينا الهدي غير أن آخرين قالوا إن الأفضل أن يكون خروجه بعد صلاة الصبح
(1) ابن تيمية، شرح العمدة، ج 3، ص 483.
(2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام
(1497) (5/22)
صفحة 1972
الرائد
ليصلوا الظهر بمنى).
ومنهم من فضل أن يكون الخروج بعد طلوع الشمس ضحى". قال ابن الهمام: لما عن ابن عمر الله أنه عليه الصلاة والسلام صلى الفجر التروية بمكة فلما طلعت الشمس راح إلى منى فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح يوم عرفة).
يوم
ذلك ما قاله المحقق ابن الهمام غير أني قد سعيت إلى أن أجد الرواية التي فيها التصريح بوقت طلوع الشمس فلم أجدها، لكن أوردها صاحب الهداية معلقة دون ذكر الصحابي، لذا خرجها الحافظ ابن حجر دون الزيادة المذكورة من حديث جابر الطويل الذي قدمنا ذكره أول الفصل وأعقبها
بقوله: لكن ليس فيه لما طلعت الشمس
(0)
لذا يبقى الاستدلال بالسابق محل نظر.
ومن
الفقهاء
من
قال الأفضل الخروج يوم التروية من مكة إلى منى
(1) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 411، والنووي، المجموع، ج 8، ص 87.
(2) ابن الهمام فتح القدير، ج 2، ص 466، وابن النجيم، البحر الرائق، ج 2، ص 361.
(3) ابن الهمام، فتح القدير، ج 2، ص 466.
(4) المرغيناني الهداية، ص 143.
(5) ابن حجر، الدراية، ج 2، ص 18. (5/23)
صفحة 1973
الرائد
(24)
بمقدار أن يصلي الظهر بها، وهذا لا يبعد من القول الناص بالزوال، غير أن ذلك أظهر في دليله.
ومن الفقهاء من قال إن الأفضل أن يصلي الحجيج الظهر بمكة يوم التروية ثم يخرجون، وروى ابن أبي شيبة عن جرير عن مغيرة عن إبراهيم قال: يصلي الظهر يوم التروية بمكة ثم يسير إلى منى فيبيت بها. وروى ابن أبي شيبة عن أبي خالد الأحمر عن ابن جريج عن عطاء قال:
(4)
كانت عائشة تمكث بمكة ليلة عرفة مساء يوم التروية عامة الليل)
وهذان القولان بينا المعارضة لما نقل ثابتا عن النبي صلى الله عليه وسلم من صلاته الظهر
بمنى، وعليه فليس ثمة بد من حملها على إتيان الواسع من الأفعال دون
المشروع والمندوب لأمر يخص من أتاهما.
وقد يصادف
يوم
التروية يوم جمعة، فإن خرج مريد الحج قبل دخول
وقتها فلا حرج عليه، أما إن دخل وقت الجمعة وهو بمكة وممن تلزمه
(1) البسيوي الجامع، ج 2، ص 275، والعبدري التاج والإكليل، ج 3، ص 118، والدردير، الشرح الكبير، ج 2، ص 21.
(2) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 411. (3) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 315. (4) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 315. (5/24)
صفحة 1974
الرائد
(25)
الجمعة فإنه يشهد الجمعة؛ إذ تلبية ندائها أمر واجب، والخروج إلى منى أمر ليس بواجب، فيقدم الواجب على غيره.
ومن الفقهاء من أمر في الحال السابق بالخروج إلى منى قبل طلوع الفجر إن كان اليوم يوم جمعة؛ لأن الخروج إلى حيث لا تصلى الجمعة حرام مكروه على الخلاف.
ونص بعض أهل العلم على أن الأفضل أن يكون نزله وصلاته في مسجد الخيف من منى، ومنهم من نص على الخيف الأيمن منها بين الأخشبين؛ لأنه مصلى النبي الا في منى، وللفضل الذي ورد لهذا المسجد في
نصوص الشارع.
(r),
كما استدل آخرون لإثبات السابق بحديث مالك عن محمد بن عمرو بن حلحلة الديلي عن محمد بن عمران الأنصاري عن أبيه أنه قال: عدل إلي عبد الله بن عمر وأنا نازل تحت سرحة بطريق مكة فقال:
(1) ابن قدامة المغني، ج 3، ص 205، وابن النجيم البحر الرائق، ج 2، ص 361،
والحجاوي، الإقناع، ج 2، ص 18.
(2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 167، وابن الهمام، فتح القدير، ج 2، ص 467، وابن النجيم، البحر الرائق، ج 2، ص 361. (5/25)
صفحة 1975
الرائد
(26)
ما أنزلك تحت هذه السرحة؟ فقلت: أردت ظلها، فقال: هل غير ذلك؟ فقلت: لا، ما أنزلني إلا ذلك فقال عبد الله بن عمر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كنت بين الأخشبين من منى ونفخ بيده نحو المشرق فإن هناك واديا
يقال له السرر به شجرة سر تحتها سبعون نبيا.
والحديث أخرجه الإمام مالك في الموطأ، ومن طريقه أحمد، والنسائي)، وابن حبان) وغيرهم، غير أن إسناده ضعيف ليس بحجة إذ إن
محمد بن عمران وأباه ممن لا يعلم حالهم، قال ابن عبد البر:
لا أعرف محمد بن عمران هذا إلا بهذا الحديث، وإن لم يكن أبوه عمران بن حبان الأنصاري أو عمران بن سوادة فلا أدري من هو.
وقال الذهبي:
(1) مالك بن أنس، الموطأ، ج 1، ص 423. (2) أحمد بن حنبل، المسند، ج 2، ص 138.
(3) كتاب: مناسك الحج، باب: ما ذكر في منى (2995).
(4) ابن حبان صحيح ابن حبان، ج 14، ص 137.
(5) ابن عبد البر، التمهيد، ج 13، ص 64. (5/26)
صفحة 1976
الرائد
(rv)
محمد بن عمران الأنصاري عن أبيه لا يدرى من هو ولا أبوه روى محمد بن عمرو بن حلحلة).
عنه
ونص على أنه مجهول الحافظ ابن حجر في التقريب، وقد أورد ابن حبان محمد بن عمران هذا في كتابه الثقات (3) على قاعدته التي ذكرناها من قبل مرارا.
وجاء الحديث من غير الطريق السابقة بإسناد غير مستجمع شروط الصحة لعدم اتصاله من حديث أبي عبيدة قال: بلغني عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كنت بين الأخشبين بمنى ونفخ بيده نحو المشرق فإن هناك واديا يقال له وادي السرر فيه سرحة سر تحتها سبعون نبيا. ومراعاة الموضع السابق والإصرار على أن يكون نزل الإنسان أمر به من العسر في أزماننا شيء كبير، وعليه فيحافظ الإنسان على النظام المتبع في توزيع الحجاج، فإن كان قريبا من مسجد الخيف مكان نزول النبي صلى الله عليه وسلم فذلك خير
(1) الذهبي، ميزان الاعتدال، ج 6، ص 282.
(2) ابن حجر، تقريب التهذيب، ص 500.
(3) ابن حبان، الثقات، ج 7، ص 411.
(4) أخرجه الربيع في كتاب الحج، باب في عرفة والمزدلفة ومنى (425). (5/27)
صفحة 1977
الرائد
(A)
وفضل، وإن كان بعيدا عنه فينوي النزول فيه لولا اتباعه ما يبعد عن حجاج بيت الله الحرام الوقوع في الضرر فينال بذلك أجر النية كما ينال أجر الالتزام بما يحفظ لضيوف الرحمن الأمن والراحة.
ونص بعض الفقهاء على أن المبيت بمنى ليلة عرفة مبيت منزل لا مبيت
نسك يجبر بالدم ولا يتعلق به غرض نسكي، وإنما الغرض منه الاستراحة للسير من الغد إلى عرفة من غير تعب)، قال ابن جعفر
ومن نام بمكة ليلة عرفة حتى أصبح ثم غدا يوم عرفة حتى مر بمنى ووقف مع الناس فقد أساء).
وأوضح النووي السابق فقال إن المراد ليس بواجب، ولا يراد به أنه لا فضيلة فيه بل هو سنة، وقد نقل بعض الفقهاء الإجماع على أنه ليس بركن ولا واجب
(1) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 319، والغزالي، الوسيط، ج 2، ص 656، والسرخسي، المبسوط، ج 4، ص 52، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 412، والحجاوي، الإقناع، ج 2،
ص 17.
(2) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 411. (3) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 350. (4) النووي، المجموع، ج 8، ص 88. (5/28)
صفحة 1978
الرائد
ومن الفقهاء من ألزم من لم يبت ليلة عرفة بمنى دما إن لم يأت مِنْ بعيد وفاته المبيت).
وقد أخذ الحكم السابق من حديث عروة بن مضرس - سيأتي تخريجه
إذ إنه أدرك النبي لا في مزدلفة ولم يلزمه النبي بالدم.
وذهب بعض الفقهاء إلى كراهة صوم يوم التروية خشية الضعف عن
العبادة، ومنهم من لم يجعله مكروها لكن استحب الفطر فيه كعرفة). والحكم بالكراهة أو الندب لذات يوم التروية مستلزم الدليل ولا دليل في القضية، وعليه فيكون له الحكم العام للصيام فينهى عنه إن كان يوم ولم يصم قبله أو بعده وغير ذلك من أحكام صيام النفل العامة.
جمعة
(1) الشربيني، مغني المحتاج، ج 1، ص 496.
(2) الشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 408، والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 166.
(3) الشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 408.
(4) ابن الهمام، فتح القدير، ج 2، ص 350، ونظام الفتاوى الهندية، ج 1، ص 202،
والمرداوي، الإنصاف، ج 3، ص 345. (5/29)
صفحة 1979
الرائد
المبحث الرابع: أداء الصلوات الخمس بمنى
جاء في حديث جابر بن عبد الله الله الذي تقدم ذكره أن النبي صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر بمنى، وهذا يفيد أن المشروع أداء
هذه الصلوات الخمس بمنى ومن ذلك المبيت ليلة عرفة بمنى). ومما جاء مبينا أن النبي الله صلى الظهر يوم التروية بمنى حديث إسحاق الأزرق حدثنا سفيان عن عبد العزيز بن رفيع قال: سألت أنس بن مالك لله قلت: أخبرني بشيء عقلته عن النبي له أين صلى الظهر والعصر يوم التروية؟ قال: بمنى، قلت: فأين صلى العصر يوم النفر؟ قال: بالأبطح، ثم قال: افعل كما يفعل أمراؤك).
ثنا
وروى أبو داود عن زهير بن حرب ثنا الأحوص بن جواب الضبي عمار بن رزيق عن سليمان الأعمش عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس
قال: صلى رسول الله الله الظهر يوم التروية والفجر يوم عرفة بمنى.
(1) البسيوي، الجامع، ج 2، ص 275، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 251، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 167.
(2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب أين يصلي الظهر يوم التروية (1570)، ومسلم
في كتاب الحج، باب استحباب طواف الإفاضة يوم النحر (1309).
(3) كتاب: المناسك، باب: الخروج إلى منى (1911). (5/30)
صفحة 1980
الرائد
(1)
والحديث صححه النووي على شرط مسلم، إلا أن ثمة خلافا في سماع الحكم من مقسم، وعلى كل الحكم الذي أفاده الحديث ثابت من جهات
أخر.
وروى ابن أبي شيبة عن ابن نمير عن يحيى بن سعيد عن القاسم قال: سمعت ابن الزبير يقول: إن من سنة الحج أن الإمام يصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ثم يغدو.
وروى عن عبد الجبار بن العلاء ثنا سفيان ثنا ابن أبي ليلى عن ابن أبي مليكة عن عبد الله بن عمرو قال: أتى جبريل إبراهيم يريه المناسك فصلى به
الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح بمنى.
ثم ذهب
معه إلى عرفة فصلى به الظهر والعصر بعرفة ووقفه في الموقف
حتى غابت الشمس ثم دفع به فصلي به المغرب والعشاء والصبح بمزدلفة ثم
أبات ليلته ثم دفع به حتى رمى الجمرة فقال له: اعرف الآن فأراه المناسك
علم الله (3)
كلها، وفعل ذلك بالنبي.
(1) النووي، المجموع، ج 8، ص 84.
(2) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 315.
(3) ابن خزيمة، صحيح ابن خزيمة، ج 4، ص 264. (5/31)
صفحة 1981
الرائد
وابن أبي ليلى هو الفقيه ضعيف مضت ترجمته من قبل.
والأمر السابق من أداء الصلوات الخمس بمنى والمبيت بها ليلة عرفة أمر
ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم لكنه ليس بواجب بل هو سنة من تركها فاته فضلها لكن لا يجب عليه شيء من دم ولا إثم، وحكي على ذلك الاتفاق. قال ابن المنذر ولا أحفظ عن أحد من أهل العلم أنه أوجب على من تخلف عن منى ليلة التاسع شيئا".
وقال ابن عبد البر: أما صلاته يوم التروية بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح فكذلك فعل رسول الله، وهي سنة معمول بها عند الجميع مستحبة، ولا شيء عندهم على تاركها إذا شهد عرفة في وقتها. أن القول بوجوب الدم على من تخلف عن المبيت بمنى ليلة عرفة
غير
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 254، وابن عبد البر، الكافي، ص 142، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 167، وابن قدامة المغني، ج 3، ص 205، والشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 408، والعيني، عمدة القاري، ج 9، ص 298، وابن النجيم، البحر
الرائق، ج 2، ص 361.
(2) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 509.
(3) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 328. (5/32)
صفحة 1982
الرائد
موجود قال به بعض أهل العلم.
ومن الفقهاء من استحب جمع العصرين والعشاءين بمنى يوم التروية،
فيجمع الظهر والعصر، والمغرب والعشاء).
وظاهر حديث جابر أنه صلى كل صلاة في وقتها، وهو وإن لم يذكر
الإفراد إلا أنه ذكر الصلاة، والجمع أمر زائد لا بد من التنبيه عليه كما هو الحال في عرفة ومزدلفة.
وقال القطب: ويحتمل أن يريد بالجمع صلاتهن بالجماعة".
وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن من تعجل إلى عرفة من ليلة منى فعليه دم، وكذلك كل من خرج من حدود منى قبل أن يصلي الصبح فعليه دم، وحكى الحطاب عن ابن العربي أنه أوجب الدم على من لم يبت بمنى
ليلة التاسع من ذي الحجة).
(1) المرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 61.
(2) الشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 406.
(3) القطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 165.
(4) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 351، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 263، والقطب،
الجامع الصغير، ج 3، ص 210.
(5) الحطاب، مواهب الجليل، ج 3، ص 118. (5/33)
صفحة 1983
الرائد
(34)
المبحث الخامس: الخطب المندوبة في
الحج منسك به من الأعمال الشيء الكثير، لذا كان لزاما على من
أراد
تأديته أن يتفقه فيه حتى يتقبل منه ولا تفسد عبادته لعدم وضعه العبادة في موضعها الصحيح الذي أراده الشارع.
ومن باب وجوب التناصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يندب أن تكون ثمة خطب بين يدي كل نسك تعرف الناس بالنسك الذي سيأتونه حتى يؤدوه على وفق المراد الشرعي.
وكان السلف حريصين على أن يتفقه الناس في دينهم فتجدهم يعلمونهم
الأحكام الفقهية ويتخولونهم بالموعظة كما في حديث:
عبد الله بن عثمان بن خثيم عن أبي الزبير عن جابر أنهم حين رجعوا إلى
المدينة من عمرة الجعرانة بعث أبا بكر الله على الحج فأقبلنا معه حتى إذا كنا
رضي
بالعرج ثوب بالصبح فلما استوى للتكبير سمع الرغوة خلف ظهره فوقف عن التكبير.
فقال: هذه رغوة ناقة رسول الله الله الجدعاء فلعله أن يكون رسول الله
فنصلي معه فإذا علي عليها فقال له أبو بكر: أمير أنت أم رسول؟ (5/34)
صفحة 1984
الرائد
(+)
قال: لا، بل رسول أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم ببراءة أقرؤها على الناس في
مواقف الحج.
فقدمنا مكة فلما كان قبل التروية بيوم قام أبو بكر فخطب الناس حتى
يوم
إذا فرغ قام علي فقرأ ببراءة حتى ختمها، ثم خرجنا معه حتى إذا كان عرفة قام أبو بكر فخطب الناس يعلمهم مناسكهم حتى إذا فرغ قام علي فقر على الناس براءة حتى ختمها. ثم كان يوم النحر فأفضنا فلما رجع أبو بكر خطب الناس فحدثهم عن إفاضتهم وعن نحرهم وعن مناسكهم فلما فرغ قام علي فقرأ على الناس براءة
حتى ختمها.
فلما كان يوم النفر الأول قام أبو بكر فخطب الناس فحدثهم كيف ينفرون وكيف يرمون وعلمهم مناسكهم، فلما فرغ قام علي فقرأ براءة على الناس حتى ختمها).
والحديث اختلف في تصحيحه فصححه ابن خزيمة وابن حبان
بإخراجهم إياه، وقال النسائي عقبه كما في المجتبى:
(1) النسائي، السنن الكبرى، ج 2، ص 416، وابن حبان، صحيح ابن حبان، ج 15، ص 19، والبيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 111 (5/35)
صفحة 1985
الرائد
(36)
ابن خثيم ليس بالقوي في الحديث، وإنما أخرجت هذا لئلا يجعل ابن جريج عن أبي الزبير، وما كتبناه إلا عن إسحاق بن إبراهيم، ويحيى بن سعيد القطان لم يترك حديث ابن خثيم ولا عبد الرحمن، إلا أن علي بن المديني قال: ابن خثيم منكر الحديث، وكأن علي بن المديني خلق للحديث. وقد قال أبو حاتم ما به بأس صالح الحديث"، ووثقه العجلي"،
وأورده ابن حبان في الثقات وقال: كان يخطئ.
واختلفت الرواية عن ابن معين فيه فقال في رواية: ثقة حجة، وقال في أخرى: أحاديثه ليست بالقوية، وقال ابن عدي وأحاديثه أحاديث حسان مما يحب أن يكتب، وقال ابن سعد: ثقة.
وعلى السابق كله الحديث لا يقل في رتبته عن منزلة الحسن، وهو حجة. ومما جاء مفيدا خطب النبي صلى الله عليه وسلم حديث محمد بن عمر الواقدي حدثنا
(1) كتاب: مناسك الحج، باب الخطبة قبل يوم التروية (2993). (2) ابن أبي حاتم الجرح والتعديل، ج 5، ص 111.
(3) العجلي، معرفة الثقات، ج 2، ص 46.
(4) ابن حبان، الثقات، ج 5، ص 34.
(5) ابن عدي الكامل، ج 4، ص 161.
(6) ابن حجر، تهذيب التهذيب، ج 5، ص 275. (5/36)
صفحة 1986
الرائد
(ry)
هشام بن عمار حدثنا عبد الرحمن بن أبي سعيد عن عمارة بن حارثة عن عمرو بن يثربي الضمري قال: رأيت رسول الله يخطب قبل التروية بيوم بعد الظهر ويوم عرفة حين زاغت الشمس على راحلته قبل الصلاة والغد من يوم النحر بمنى بعد الظهر.
والحديث أخرجه أبو بكر الإسماعيلي في معجم شيوخه، والفاكهي في أخبار مكة)، وحسبه أن في إسناده الواقدي، وهو متهم بالكذب وتعمد
الوضع فلا يصح الحديث بسببه.
ومما جاء بالحكم السابق حديث محمد بن عمر قال: حدثنا عبد الصمد بن محمد السعدي قال: أخبرني حفص بن عمر بن أبي طلحة الأنصاري قال: لما أراد عمر بن عبد العزيز أن يحج من المدينة وهو واليها في خلافة الوليد بن عبد الملك دخل عليه أنس بن مالك وهو يومئذ بالمدينة فقال:
يا أبا حمزة ألا تخبرنا عن خطب النبي؟
فقال: خطب رسول الله بمكة قبل التروية بيوم، وخطب بعرفة يوم عرفة، وخطب بمنى الغد من يوم النحر، والغد من يوم النفر.
(1) الإسماعيلي، معجم الشيوخ، ج 2، ص 520.
(2) الفاكهي، أخبار مكة، ج 3، ص 131. (5/37)
صفحة 1987
الرائد
(A)
والحديث لم أجده إلا عند ابن سعد في الطبقات وهو مسلسل بالمجاهيل الذين لم أجد لهم ترجمة.
وعلى العموم استحسن الإمام أبو سعيد الكدمي - الخطبة في كل موطن اجتمع فيه الناس ليعلمهم ما يلزمهم من أمر دينهم في ذلك المجمع (3) وقد ذكر أهل العلم جملة من الخطب يستحب أن يخطبها القائمون بأمر
إرشاد الناس ووعظهم لينبهوهم على المناسك ويعلموهم الشريعة نذكرها بأدلتها، وقد قال الشيخ إسماعيل الجيطالي:
وبلغنا أن رسول الله لو كان يخطب يوم النحر إذا صلى الظهر، والغد من
يوم النحر، وبعد يوم النفر الأول، يخطب في هذه الثلاثة الأيام تباعا، وفعله بعده أبو بكر وعمر وعثمان وابن عباس كذلك.
الخطبة الأولى خطبة اليوم السابع بمكة بعد صلاة الظهر، وهي
خطبة
واحدة يبين فيها أحكام الإحرام بالحج وما يندب فيه وما ينهى عنه، والغدو
(1) ابن سعد، الطبقات، ج 5، ص 331 (2) السالمي، معارج الآمال، ج 12، ص 237. (3) الجيطالي، مناسك الحج، ج 2، ص 284. (5/38)
صفحة 1988
الرائد
إلى منى، والذهاب بعدها إلى عرفة).
ونص بعض أهل العلم على أنه ينبغي للخطيب أن يأمر المتمتعين بأن يطوفوا قبل الخروج للوداع، وهذا على رأي من قال بمشروعية الطواف
السابق، وقد مضى ذكر المسألة في الجزء الرابع عند ذكر أقسام الطواف. والحنفية قالوا هذه أول الخطب الثلاث التي في الحج ويبدأ في الكل
بالتكبير ثم بالتلبية ثم بالتحميد كابتدائه في خطبة العيدين".
وإن وافق يوم السابع من ذي الحجة يوم الجمعة خطب الجمعة وصلاها ثم خطب بعد الصلاة هذه الخطبة؛ لأن السنة فيها التأخير عن الصلاة، والدليل على مشروعية الخطبة السابقة حديث:
موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر الله قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا
صيب
كان قبل التروية بيوم خطب الناس فأخبرهم بمناسكهم.
(1) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 411، والنووي، المجموع، ج 8، ص 86، وابن النجيم، البحر
الرائق، ج 2، ص 360، والسالمي، معارج الآمال، ج 12، ص 236.
(2) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 411.
(3) ابن النجيم البحر الرائق، ج 2، ص 360.
(4) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 411. (5/39)
صفحة 1989
الرائد
(?.)
والحديث أخرجه ابن خزيمة)، والحاكم وصححه، والبيهقي، وقال النووي: إسناده جيد.
ومن الفقهاء من لم يقل بمشروعية هذه الخطبة، قال المرداوي الحنبلي: وهو من مفردات المذهب، ولكن هذا الرأي محجوج بفعل النبي صلى الله عليه وسلم
السابق.
الخطبة الثانية: خطبة عرفة، وسيأتي بيانها مفصلا في الفصل القادم، وهي
مشروعة باتفاق.
الخطبة الثالثة: يوم النحر، وفيها أحاديث صحيحة منها حديث عيسى
طلحة أن بن
عبد الله بن عمرو بن العاص حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم بينما هو يخطب
يوم النحر إذ قام إليه رجل فقال:
كنت أحسب يا رسول الله كذا وكذا قبل كذا وكذا، ثم قام آخر فقال: يا رسول الله، كنت أحسب كذا وكذا لهؤلاء الثلاث، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: افعل ولا
(1) ابن خزيمة صحيح ابن خزيمة، ج 4، ص 245.
(2) الحاكم، المستدرك، ج 1، ص 632.
(3) البيهقي، السنن الکبري، ج 5، ص 111.
(4) النووي، المجموع، ج 8، ص 84
(5) المرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 27، والحجاوي، الإقناع، ج 2، ص 17. (5/40)
صفحة 1990
الرائد
(41)
حرج لهن كلهن يومئذ، فما سئل يومئذ عن شيء إلا قال افعل ولا حرج) كما جاء ذكر أنه خطب يوم النحر من حديث عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم النحر فقال:
يا أيها الناس أي يوم هذا؟ قالوا: يوم حرام، قال: فأي بلد هذا؟ قالوا:
بلد حرام؟ قال: فأي شهر هذا؟ قالوا: شهر حرام؟
قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، فأعادها مرارا، ثم رفع رأسه فقال: اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت.
قال ابن عباس {فوالذي نفسي بيده إنها لوصيته إلى أمته، فليبلغ
(2)
الشاهد الغائب، لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض) وجاء السابق من حديث أبي بكرة، كما جاء السابق من حديث يحيى بن حصين عن جدته أم الحصين قال: سمعتها تقول: حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع فرأيته حين رمى جمرة العقبة وانصرف وهو على
(1) أخرجه البخاري في كتاب الأيمان، باب إذا حنث ناسيا في الأيمان (6288). (2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: الخطبة أيام (1652). (3) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: الخطبة أيام (1654). (5/41)
صفحة 1991
الرائد
(42)
راحلته ومعه بلال وأسامة أحدهما يقود به راحلته والآخر رافع ثوبه على
رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشمس.
قالت: فقال رسول الله قولا كثيرا ثم سمعته سمعته
يقول: إن أُمر عليكم
عبد مجدع -حسبتها قالت أسود يقودكم بكتاب الله تعالى فاسمعوا له
وأطيعوا.
وقال بعض الفقهاء بعدم مشروعية هذه الخطبة؛ لأن الحجاج في يوم التروية يخرجون من مكة إلى منى فلا يتفرغون لسماع الخطبة فينبغي أن يخطب قبل التروية بيوم يعلمهم في هذه الخطبة الخروج من مكة إلى منى ثم من منى إلى عرفات.
ثم يخطب يوم عرفة يعلمهم في هذه الخطبة كيفية الوقوف بعرفات والإفاضة إلى المزدلفة والوقوف بالمزدلفة والرمي والذبح والحلق والرجوع
إلى مكة لطواف الزيارة والسعي ثم العود إلى منى.
(1) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبا
(1298)
(2) ابن عبد البر، الكافي، ص 171، والسرخسي، المبسوط، ج 2، ص 130، وابن النجيم البحر الرائق، ج 2، ص 161. (5/42)
صفحة 1992
الرائد
(43)
ثم يخطب في اليوم الثاني من أيام النحر يعلمهم في هذه الخطبة بقية أعمال
الحج فيكون للتعليم يوم وللعمل يوم".
أدلة
والأدلة السابقة التي تثبت أن النبي و قد خطب يوم النحر هي صحيحة، لكن الناظر إليها يتبين له أنها ليست لتعليم المناسك كما هو ظاهر منها بل هي خطبة عامة نبه الرسول صلى الله عليه وسلم بها المسلمين على قضايا خارج الحج، فدفع من دفع لردها ظاهر أن لو كانت لتعليم المناسك، والحال أنها لغير
ذلك.
والفقهاء ذهب بعضهم إلى أن الخطبة تندب يوم النحر بعد صلاة الظهر، وظاهر الأدلة السابقة يثبت أن الخطبة كانت ضحوة النحر وليست بعد
الظهر
(2)
ثم إن الفقهاء مختلفون في محلها فقيل بمكة، وقيل بمنى"، ولعل الخلاف اختلافهم في موضع صلاة النبي أصلى بمكة أو صلى بمنى إذ إن كثيرا منهم ينصون على أن هذه الخطبة بعد صلاة ظهر يوم النحر.
(1) السرخسي، المبسوط، ج 2، ص 130. (2) النووي، المجموع، ج 8، ص 156. (3) النووي، المجموع، ج 8، ص 156. (5/43)
صفحة 1993
الرائد
??
(44)
ومن الفقهاء من استحب للخطبة السابقة ما يستحب للجمعة من
اغتسال وتطيب إن كان التطيب مباحا حينها).
الخطبة الرابعة: يوم النفر الأول).
ويسميها بعض الفقهاء خطبة الوداع، وقد دلت على الخطبة السابقة بعض الأحاديث ومنها حديث إبراهيم بن نافع عن ابن أبي نجيح عن أبيه
عن رجلين من بني بكر: قالا رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب بين أوسط أيام
(4)
التشريق ونحن عند راحلته وهي خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي خطب بمنى كما جاءت حكاية السابق من حديث محمد بن بشار ثنا أبو عاصم ثنا ربيعة بن عبد الرحمن بن حصن حدثتني جدتي سراء بنت نبهان وكانت ربة بيت في الجاهلية قالت: خطبنا رسول الله له يوم الرءوس فقال: أي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: أليس أوسط أيام التشريق؟ قال أبو داود: وكذلك قال عم أبي حرة الرقاشي إنه خطب أوسط أيام
(1) النووي، المجموع، ج 8، ص 156.
(2) ابن النجيم البحر الرائق، ج 2، ص 161، والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 171،
والنووي، المجموع، ج 8، ص 180.
(3) النووي، المجموع، ج 8، ص 180.
(4) أبو داود في كتاب: المناسك، باب: أي يوم يخطب بمنى (1952). (5/44)
صفحة 1994
الرائد
التشريق.
(45)
ونص بعض الفقهاء على أن وقت هذه الخطبة بعد صلاة الظهر في اليوم
الثاني من أيام التشريق، وإن شاء الإمام أن ينفر النفر الأول وعجل الخطبة قبل الزوال لينفر بعد الزوال جاز".
وموضوع الخطبة وداع الحجيج وتعليمهم جواز النفر و أحكامه وطواف الوداع، كما يحثهم الخطيب على طاعة الله تعالى وعلى أن يختموا حجهم بالاستقامة والثبات على طاعة الله تعالى وأن يكونوا بعد الحج خيرا
(3)
منهم قبله، وأن لا ينسوا ما عاهدوا الله عليه من خير).
(1) أبو داود في كتاب المناسك باب أي يوم يخطب بمنى (1953).
(2) النووي، المجموع، ج 8، ص 180.
(3) الشيرازي، المهذب، ج 1، ص 231، والنووي، المجموع، ج 8، ص 180 (5/45)
صفحة 1995
[صفحة فارغة] (5/46)
صفحة 1996
الفصل السابع: أعمال يوم عرفة
توطئة: سبب تسميتها بعرفة
المبحث الأول: الذهاب إلى عرفة
المبحث الثاني: الإقامة بنمرة والانتقال إلى بطن وادي عرنة
المبحث الثالث: خطبة عرفة
المبحث الرابع: الأذان والإقامة
المبحث الخامس: صلاة الظهر والعصر
المبحث السادس: الوقوف بعرفة
المبحث السابع: مندوبات الوقوف بعرفة
المبحث الثامن: الخطأ في تاريخ الوقوف (5/47)
صفحة 1997
[صفحة فارغة] (5/48)
صفحة 1998
الرائد
(49)
توطئة سبب تسميتها بعرفة
عرفات) جمع عرفة سميت بها بقعة واحدة كقولهم ثوب أخلاق وبرمة أعشار وأرض سباسب، والتقدير كأن كل قطعة من تلك الأرض عرفة، فسمي مجموع تلك القطع بعرفات".
ولأهل العلم خلاف في سبب تسمية عرفة بهذا الاسم، وأقوالهم ترجع إلى أقوال ثلاثة أولها، المعرفة وثانيها الاعتراف وثالثها العرف الذي هو الرائحة الزكية.
أما أولها وهو الناص على أنها مأخوذة من المعرفة فلأصحابها أقوال من معرفة كان الأخذ، فمنهم من قال إن آدم وحواء التقيا بعرفة فعرف
(1) هذه اللفظة غير ممنوعة من الصرف مع أن فيها سببين يوجبان المنع من الصرف هما التعريف والتأنيث، وأُوضحت علة السابق بأن هذه اللفظة في الأصل اسم لقطع كثيرة من الأرض كل واحدة منه مسماة بعرفة.
وعلى هذا التقدير لم يكن علما ثم جعلت علما لمجموع تلك القطع فتركوها بعد ذلك على
أصلها في عدم الصرف.
الزمخشري، الكشاف، ج 1، ص 273، والرازي، مفاتيح الغيب، ج 5، ص 147.
(2) الرازي، مفاتيح الغيب، ج 5، ص 147، والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 2،
ص 415. (5/49)
صفحة 1999
الرائد
( .. ) ***
أحدهما صاحبه فسمي اليوم عرفة والموضع عرفات.
ومنهم من قال إن آدم علمه جبريل مناسك الحج فلما وقف بعرفات قال له: أعرفت؟ قال: نعم، فسمي، عرفات، ومنهم من قال إن جبريل عرّف فيها الأنبياء مناسكهم، ومنهم من قال سمي الموضع عرفات لأن إبراهيم عرفها حين رآها بما تقدم من النعت والصفة.
جميع
ومنهم من قال إن جبريل كان علّم إبراهيم - المناسك وأوصله إلى
عرفات وقال له: أعرفت كيف تطوف، وفي أي موضع تقف؟ قال: نعم. ومنهم من قال إن إبراهيم - وضع ابنه إسماعيل وأمه هاجر بمكة ورجع إلى الشام ولم يلتقيا سنين ثم التقيا يوم عرفة بعرفات.
ومنهم من قال إن الحاج يتعارفون فيه بعرفات إذا وقفوا، ومنهم من قال
إنه تعالى يتعرف فيه إلى الحاج بالمغفرة والرحمة.
وأما على القول بأن عرفة مأخوذة من الاعتراف فعللوا ذلك بأن
الحجاج إذا وقفوا في عرفة اعترفوا للحق بالربوبية والجلال والصمدية
والاستغناء، ولأنفسهم بالفقر والذلة والمسكنة والحاجة.
وأما
من قال إن الاسم مشتق من العرف فعللوا ذلك بأن المذنبين لما تابوا (5/50)
صفحة 2000
الرائد
في عرفات فقد تخلصوا عن نجاسات الذنوب ويكتسبون به عند الله تعالى رائحة طيبة، قال عليه: خلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك، ومنهم من قال إن عرفة طيبة بخلاف منى التي فيها الفروث
والدماء.
وقيل سميت بذلك لعلو الناس فيها على جبالها، والعرب تسمي كل ما ارتفع عرفة وعرفات.
وقيل عرفة من الأسماء المرتجلة؛ لأن العرفة لا تعرف في أسماء الأجناس إلا أن تكون جمع عارف.
وقيل بل هي من الصبر يقال رجل عارف إذا كان صابرا خاشعا، ويقال لخضوع
سم
في المثل: النفس عروف وما حملتها تتحمل وسميت بهذا الاس الحاج وصبرهم على الدعاء وأنواع البلاء واحتمال الشدائد لإقامة هذه
العبادة (2).
(1) أخرجه الربيع من طريق أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة مرفوعا في كتاب: الصوم، باب فضل رمضان (328)
(2) الزمخشري الكشاف، ج 1، ص 273، والرازي مفاتيح الغيب، ج 5، ص 147، والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 2، ص 415، والجيطالي، مناسك الحج، ج 2، (5/51)
صفحة 2001
الرائد
(OT)
المبحث الأول: الذهاب إلى عرفة
تبين من حديث جابر بن عبد الله الذي ذكرناه آنفا في الفصل الماضي أن النبي - من منى إلى عرفة بعد شروق الشمس من اليوم التاسع من ذي الحجة، وهو المأمور به عند الجمهور من أهل العلم من غير وجوب بل سنة
مرغب في إتيانها ليس على من فرط فيها
ومن الفقهاء من ذكر أن تحرك الناس من منى إلى عرفات يكون بعد
شروق الشمس على جبل ثبير بمنى".
(3)
وقال بعض الفقهاء إن الخروج إلى عرفة يكون بعد صلاة الفجر).
ص 279، والمرداوي، الإنصاف، ج 3، ص 345.
(1) الشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 410، والماوردي الحاوي الكبير، ج 4، ص 168، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 206، والنووي، المجموع، ج 8، ص 88، والجيطالي، مناسك الحج، ج 2، ص 280، وابن عابدين رد المحتار ج 2، ص 503، والحطاب، مواهب
الجليل، ج 3، ص 114.
(2) النووي، المجموع، ج 8، ص 88.
(3) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 356،والبسيوي الجامع، ج 2، ص 275، والماوردي،
الحاوي الكبير، ج 4، ص 168. (5/52)
صفحة 2002
الرائد
(or) ***
ولعل القائلين بالخروج بعد الفجر يستدلون بحديث:
ابن عمر قال: غدا رسول الله صلى الله عليه وسلم من منى حين صلى الصبح صبيحة يوم عرفة حتى أتى عرفة، فنزل بنمرة - وهي منزل الإمام الذي ينزل به بعرفة-. حتى إذا كان عند صلاة الظهر راح رسول الله صلى الله عليه وسلم مهجرا فجمع بين
الظهر والعصر ثم خطب الناس ثم راح فوقف على الموقف من عرفة. والحديث أخرجه الإمام أحمد، وعنه أبو داود" من طريق يعقوب بن
إبراهيم ثنا أبي عن ابن إسحاق حدثني نافع عن ابن عمر.
وأعله بعض أهل العلم بابن إسحاق، قال الزيلعي: قال عبد الحق في أحكامه وفي حديث جابر أنه - خطب قبل الصلاة، وهو المشهور الذي عمل به الأئمة والمسلمون، وأعله هو وابن القطان بعده بابن إسحاق.
كما أعل الحديث السابق ابن حزم.
(1) أحمد بن حنبل، المسند، ج 2، ص 129. (2) كتاب المناسك باب الخروج إلى عرفة (1913).
(3) الزيلعي نصب الراية، ج 3، ص 59.
(4) ابن حزم، حجة الوداع، ص 277. (5/53)
صفحة 2003
الرائد
(02)
والرواية السابقة متعارضة مع ما علم من خروج النبي إثر طلوع
الشمس كما رواه جابر بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وهو
أدق ما وصف من حال النبي صلى الله عليه وسلم
في حجة الوداع.
لكن الخلاف بين الروايتين من هذه الناحية ليس بالكبير إذ خروجه بعد شروق الشمس يصدق عليه أنه خروج بعد الفجر، لكن جابر بن عبد
الله كان وصفه أدق وأخص من ابن عمر في هذه الرواية فهو مبين ما أجمله حديث ابن عمر فيقدم عليه.
ومع
السابق ممكن أن توجه رواية ابن عمر السابقة بكونها إخبارا عن
حال تأهبه وشد رحله، أما رواية جابر بن عبد الله التي فيها أن خروجه
كان بعد طلوع الشمس فإخبار عن حال سيره
صرح
ومما يدلك على ذلك أن من الفقهاء الذين قالوا بالخروج بعد الفجر من
الجبال).
بأن لا يجاوز منى إلا بعد شروق الشمس ورؤيتها على رؤوس
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 168.
(2) البسيوي، الجامع، ج 2، ص 275. (5/54)
صفحة 2004
الرائد
وهذان جمعان حسنان يصان بهما الدليلان كلاهما من الإلغاء، خاصة أن إعلال من أعل كان بابن إسحاق، وهو على الأكثر مقبول الرواية إن صرح بالتحديث، وقد صرح به هنا
غير أن عبارة أن خطبتها الهلال لو كانت بعد الصلاة أمر لا يمكن أن يقبل من
هذه الرواية، فالاتفاق قائم على أن خطبته كانت قبل الصلاة.
ومن الفقهاء من استحسن أن يكون بعد الزوال من تاسع ذي الحجة)
?
وهذا أضعف الأقوال المنقولة؛ إذ الزوال كان محلا لانتقال النبي صلى الله عليه وسلم من قبته
بنمرة إلى بطن وادي عرنة للخطبة والصلاة ولم يكن وقتا للخروج إلى عرفة.
هو
وبعد ثبوت أن السنة هي الخروج بعد طلوع الشمس يقال إن ذلك الأفضل ولكنه ليس بواجب، فمن خرج قبل ذلك ولو في اليوم الثامن أو قبله، أو من خرج بعد الزوال وأدرك وقت الوقوف بعرفة فليس هو بآثم لكن فاته الفضل).
ومن الفقهاء من أوجب الدم على من خرج من منى إلى عرفة قبل أن
(1) ابن النجيم، البحر الرائق، ج 2، ص 361.
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 263، وابن النجيم، البحر الرائق، ج 2، ص 361. (5/55)
صفحة 2005
الرائد
56
يصلي الصبح"، وهذا يفيد أنهم يرون وجوب الفعل السابق، ورتبوا عليه
وجوب الدم عند الإخلال به لقاعدة جبر الواجبات بالدم.
ومذهب الجماهير أولى؛ إذ إنه في هذا الباب لا يؤخذ الوجوب من الفعل المجرد بل هو دليل مشروعية وندب إلى أن يأتي دليل خارجي ينقل من الندب إلى الوجوب، ولئن سلم بالقول بالوجوب لم يسلم بوجوب الدم لعدم الدليل، والقاعدة نفسها محل خلاف ونظر.
واستحب بعض الفقهاء الغدو إلى عرفات راكبا كما هو ظاهر فعل النبي، وللركوب الآن منافع كثيرة خاصة في أجواء الزحام والحرارة المرتفعة وعوادم السيارات فحسن الحفاظ عليه للاقتفاء بالهدي النبوي وحفظ الصحة، وهما مطلبان مقصودان، شرعا، قال العلامة ابن بركة:
ومن ركب من أول الحج إلى آخره كان جائزا له، ولا ينبغي لمن يخاف
العجز أن يمشي ويتكلف.
(1) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 351، و البسيوي، الجامع، ج 2، ص 276.
(2) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 255.
(3) ابن بركة، الجامع، ج 2، ص 43. (5/56)
صفحة 2006
الرائد
(ov)
وقد صاحبت التلبية النبي وأصحابه في خروجهم هذا كما في حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد: قال اصطحب محمد بن أبي بكر وأنس بن مالك من منى إلى عرفات، فقال له محمد بن أبي بكر:
كيف تصنعون في مثل هذا اليوم وأنتم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: يهل منا
المهل فلا ينكر عليه، ويكبر المكبر فلا ينكر عليه.
كما جاء السابق من حديث يحيى بن سعيد عن عبد الله بن أبي سلمة عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: غدونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من منى إلى عرفات منا الملبي ومنا المكبر).
ومن الفقهاء من رأى أن يضيف الذاهب إلى عرفات دعاء بأن يقول
حين مسيره
اللهم إليك توجهت ولوجهك الكريم أردت، فاجعل ذنبي مغفورا،
(1) أخرجه الربيع في كتاب الحج، باب في الإهلال بالحج والتلبية (402)، ورواه البخاري في كتاب العيدين باب التكبير أيام منى (927) من طريق أبي نعيم قال: حدثنا مالك بن أنس قال: حدثني محمد بن أبي بكر الثقفي
(2) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب التلبية والتكبير في الذهاب من منى إلى عرفات في
يوم عرفة (1284). (5/57)
صفحة 2007
الرائد
(01)
وحجي مبرورا، وارحمني ولا تخيبني إنك على ذلك وعلى كل شيء قدير. وقال بعض الفقهاء إنه إذا وصل عرفات ووقع بصره على جبل الرحمة قال: سبحان الله، والحمد الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ثم يلبي إلى أن يدخل
عرفات (2).
وقال الشيخ إسماعيل: يقول من يذهب إلى عرفات:
اللهم إليك أفضيت وإليك صمدت، وإياك اعتمدت ورحمتك أردت، اللهم اجعلها خير غدوة غدوتها قط، وأقربها من رضوانك، وأبعدها من
سخطك.
اللهم إليك غدوت، وإياك رجوت، وعليك اعتمدت ووجهك أردت أسألك أن تبارك لي في رزقي ورحيلي، وأن تقضي في عرفات حاجتي، وأن تباهيني فيمن هو أفضل مني، وأن تجعلني من التائبين برحمتك يا أرحم
(1) النووي، المجموع، ج 8، ص 88، وابن الهمام، فتح القدير، ج 2، ص 467.
(2) ابن الهمام، فتح القدير، ج 2، ص 468.
(3) كذا في الأصل ولعل الأصوب وأن تباهي بي من هو أفضل مني. (5/58)
صفحة 2008
الرائد
الراحمين.
ولا أعلم السابق منصوصا عليه من لسان الشارع لكن يبدو أنه استحسان ممن رآه، ولا يضيق على الناسك الإتيان به وغيره من الأذكار على أنه ذكر عام، وما عبادة الحج إلا إقامة لذكر الله، لكن عند تعارضه مع توقيت بعض الأذكار المنصوص عليها في لسان الشارع أنه يؤتى بها في مواضع بعينها فالمنصوص عليه أولى من غير المنصوص.
وقد استحب بعض أهل العلم أن يسلك الذاهب إلى عرفة الطريق التي سلكها النبي يوم خرج من منى ذاهبا إلى عرفة، وهي من مزدلفة في أصل المأزمين على يمين الذاهب إلى عرفة، يقال له طريق ضب).
وفي رد المحتار: (ضب) بفتح الضاد المعجمة وتشديد الموحدة وهو اسم للجبل الذي يلي مسجد الخيف، والمأزمان مثنى مأزم وهو الطريق الضيق
(1) الجيطالي، مناسك الحج، ج 2، ص 280.
(2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 168، وابن النجيم، البحر الرائق، ج 2، ص 361، والحطاب، مواهب الجليل، ج 3، ص 114.
(3) ابن عابدين، رد المحتار، ج 2، ص 503. (5/59)
صفحة 2009
الرائد
(1.)
بين الجبلين، وهذا الطريق يأتي المزدلفة من طريق عرفة لا يدفع الناس ليلة المزدلفة إلا منه، فإذا أفضوا منه كانوا في المزدلفة، وهو طريق ضيق بين جبلين يسميان الأخشبين، وهما غير أخشبي مكة، والشارع قد عبد اليوم بالقار في مسارات للسيارات وللمشاة وقد فصل بينها بشبك حيطة وأمانا للمشاة. وقال الماوردي- وأنعم بما قال: وليس في المسلك نسك، ولكننا نختار التأسي برسول الله.
وضع
وأوصى الشيخ إسماعيل الذاهب إلى عرفات أن يتزود بالفانيذ لأنه إذا تحت اللسان ذهب بالغبار الذي يدخل في الحلق وفتح سدد الحنجرة
وأطلق الصوت ولم يبح به.
(1) ابن منظور، لسان العرب، ج 12، ص 17.
(2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 175.
(3) في الأصل الفانيك، ولعله الفانيذ المثبت، وهو ضرب من الحلوى يصنع من عصارة
قصب السكر إذا جمد والنشا.
الفيروز أبادي، القاموس المحيط، ص 429، والفيومي، المصباح المنير، ج 2، ص 481،
وابن منظور، لسان العرب، ج 3، ص 368.
(4) الجيطالي، مناسك الحج، ج 2، ص 280. (5/60)
صفحة 2010
الرائد
المبحث الثاني: الإقامة بنمرة والانتقال إلى بطن وادي عرنة
المطلب الأول: الإقامة بنمرة إلى حين الزوال
نمرة بفتح النون وكسر الميم وسكونها جبيل غرب المسجد، وبه مسجد يسمى مسجد نمرة، والنبي صلى الله عليه وسلم أمر أن تعد له قبة من شعر فأعدت بنمرة فنزل
بها بعد وصوله كما تقدم من حديث جابر بن عبد الله الطويل.
وللفقهاء خلاف في نمرة أهي موضع من عرفات أو ليست هي من عرفات، والذي عليه الأكثرون أن نمرة ليست من عرفات، ونقل الرافعي
عن صاحب الشامل من الشافعية أن نمرة موضع من عرفات).
غير أن النووي تعقبه فقال: وهذا الذي نقله غريب ليس بمعروف، ولا هو في الشامل، ولا هو صحيح بل إنكار للحس ولما تطابقت عليه كتب
العلماء (2).
والإقامة السابقة بنمرة ليست واجبة اتفاقا مع فعل النبي صلى الله عليه وسلم لها، غير أن
(1) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 413.
(2) النووي، المجموع، ج 8، ص 105. (5/61)
صفحة 2011
الرائد
(62)
من أهل العلم من بالغ في نكيره على من دخل عرفات قبل الزوال ولم يقم
بنمرة كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم قال النووي:
وأما ما يفعله معظم الناس في هذه الأزمان من دخولهم أرض عرفات
قبل وقت الوقوف فخطأ وبدعة ومنابذة للسنة، والصواب أن يمكثوا بنمرة
حتى تزول الشمس ويغتسلوا بها للوقوف
(1)
ولو حرص الناس كافة الآن على الإقامة بنمرة قبل الزوال لكان مصيبة
وكارثة إذ المكان لا يتسع، والحال مظنة حصول الضرر على المقيمين، فإنكار النووي فيه شيء من المبالغة.
ثم إنه قد اختلف أنزوله بنمرة نزول تشريع فيكون سنة لمن بعده، أو أنه وقع اتفاقا لا قصدا فلا يكون سنة لغيره بل ينزل حيثما شاء، أو هو أمر خاص بالإمام دون غيره من المسلمين)، والظاهر أن النزول بها ما كان اتفاقا بل هو مقصود إذ راوي الحديث يقول: وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة. والناظر يتبين له أنه لا بد من أن يكون بعض صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم
(1) النووي، المجموع، ج 8، ص 89.
(2) المرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 27، وابن عابدين، رد المحتار، ج 2، ص 503. (5/62)
صفحة 2012
الرائد
خارج نمرة؛ إذ المنطقة صغيرة لا تتسع لتلكم الألوف المؤلفة التي كانت معه، وليس ثمة إشارة تبين فضل البقاء فيها إبان الوقت المذكور سوى الفعل
الذي يحتمل الأمرين السابقين اللذين هما التشريع والاتفاق دون قصد. والحال في زماننا أنه لا يمكن القول ببقاء الناس كافة في الموضع المذكور بل ذلك سبب في حدوث الزحام ولوازمه الكارثية، وعليه فيقصد الإنسان موضعا من عرفات ولو قبل الزوال مع إضماره نية الاتباع لولا ما بين يديه من الزحام الذي قد يؤدي إلى إلحاق الضرر بالنفس والغير.
المطلب الثاني: الانتقال إلى بطن وادي عرنة
وادي عرنة المراد هنا واد يأخذ أعلى مساقط مياهه من الثنية شرق مكة المكرمة 70 كم، ثم ينحدر فيسمى الصدر ثم وادي الشرائع وهو حنين، ويصب بالبحر الأحمر جنوب جدة، ويمر جنوب مكة المكرمة 11 كم، والوادي المذكور بين الحرم، وعرفات والأكثر من أهل العلم على أنه ليس
من الحرم.
والنبي انتقل بعد زوال الشمس من نمرة التي أقيمت له فيها قبة من
(1) أبو خليل أطلس الحديث النبوي، ص 266، ومحمد إلياس، تاريخ مكة، ص 120. (5/63)
صفحة 2013
الرائد
(TE)
شعر إلى بطن وادي عرنة، وخطب في الوادي المذكور خطبته المعروفة بخطبة الوداع وهو راكب ناقته القصواء، ثم صلى بالناس الظهر والعصر جمعا
وقصرا.
وفي موضع خطبته وصلاته بني مسجد ببطن وادي عرنة في أول عهد الخلافة العباسية في منتصف القرن الهجري الثالث وقد كان قديما يسمى
مسجد إبراهيم"
(1)
غير أنه بعد توسعات المسجد السابق التي تمت عبر التاريخ صارت مقدمة المسجد خارج عرفات كما هو حال الموضع الذي صلى فيه نبي الهدى، ومؤخرة المسجد في عرفات، وثمة لوحات إرشادية تبين الحدود الفارقة بين ما كان من عرفات وما كان من غيرها فما على الناسك إلا أن يتبينها ليميز مكان الوقوف من غيره فيحفظ نسكه.
قال إمام الحرمين ومسجد إبراهيم بعضه في الوادي وأخرياته في عرفة،
فمن وقف في صدر المسجد فليس واقفا في عرفة.
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 168، والنووي، المجموع، ج 8، ص 89. (2) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 310، والدمياطي، إعانة الطالبين، ج 2، ص 287. (5/64)
صفحة 2014
الرائد
(65)
وفي السنوات الأخيرة تمت توسعة المسجد وعرف بمسجد نمرة نسبة
لمنطقة نمرة التي أقام بها النبي لا لا لا اقبل الزوال وإن كان موضع صلاته عرنة،
صلى الله عليه وسلم
وأضحى المسجد بعد توسعته طوله من الشرق إلى الغرب 340 م، وعرضه من الشمال إلى الجنوب 240 م.
ومساحته أكثر من عشرة آلاف ومئة ألف متر مربع (110000 م)،
ويتسع
المسجد لخمسين ألفا وثلاث مئة ألف (350000) مصل، وله أكثر
من ألف دورة مياه وخمسة عشر ألف صنبور للوضوء).
(1) محمد إلياس، تاريخ مكة المكرمة، ص 117. (5/65)
صفحة 2015
الرائد
المبحث الثالث: خطبة عرفة
66
المطلب الأول: مشروعية الخطبة وصفتها وحكمها
روى جابر بن عبد الله أن النبي الخطب لعرفة قبل الصلاة، لذا اتفقت الأمة في عملها على مشروعية خطبة عرفة قبل الصلاة).
وعلل بعض الفقهاء كون الخطبة قبل الصلاة بأن المقصود تعليم الناس المناسك، والجمع بين الصلاتين من المناسك، فتقدم الخطبة على المناسك للعلة السابقة، ولأنهم بعد الفراغ من الصلاة يتفرقون في الموقف ولا يجتمعون لاستماع الخطبة.
ونسب بعض أهل العلم إلى المالكية القول بمشروعية الخطبة بعد الصلاة لا قبلها، ولا أدري حال النسبة السابقة إلا أن المالكية يصرحون في كتبهم بخلافه وأنهم قائلون بأن الخطبة قبل الزوال على مذهب غيرهم من
(1) الجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2، ص 161، وابن عبد البر، التمهيد، ج 10، ص 19. (2) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 15، والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص 255.
(3) ابن الهمام، فتح القدير، ج 2، ص 469. (5/66)
صفحة 2016
الرائد
أهل العلم.
(TV)
لكن جاء من الروايات ما يفيد أنه لا يخطب بعد أن صلى الظهر والعصر كما في حديث ابن عمر قال: غدا رسول الله صلى الله عليه وسلم من منى حين صلى الصبح صبيحة يوم عرفة حتى أتى عرفة، فنزل بنمرة - وهي منزل الإمام الذي ينزل
به بعرفة-.
حتى إذا كان عند صلاة الظهر راح رسول الله صلى الله عليه وسلم مهجرا فجمع بين
الظهر والعصر ثم خطب الناس ثم راح فوقف على الموقف من عرفة. والحديث أخرجه أحمد ()، وعنه أبو داود) من طريق يعقوب بن إبراهيم ثنا أبي عن ابن إسحاق حدثني نافع عن ابن عمر، وتقدم الكلام عليه في المبحث الأول من هذا الفصل، ونقلنا ثمة أن هناك من أعل الحديث بابن إسحاق الراوي عن نافع.
ومما أعل به هذا الحديث أيضا أن الكافة كلها كما يقول ابن حزم نقلت من رواية جابر أن الخطبة كانت ذلك اليوم قبل الصلاة نقلا يقطع
(1) ابن عبد البر، التمهيد، ج 10، ص 12، والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص 255.
(2) أحمد بن حنبل، المسند، ج 2، ص 129.
(3) كتاب المناسك، باب: الخروج إلى عرفة (1913). (5/67)
صفحة 2017
الرائد
(68)
العذر ويرفع الشك.
ولا شك في أن عمل جميع الأئمة المقيمين للحج عاما بعد عام من ذلك الوقت إلى الآن إنما جرى على رواية جابر فصح بذلك أن الرواية عن ابن عمر التي ذكرناها لا تخلو من أحد وجهين لا ثالث لهما:
إما أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم خطب كما روى جابر ثم جمع بين الصلاتين ثم كلم الناس ببعض ما يأمرهم به ويعظهم فيه فسمي ذلك اليوم خطبة فيتفق الحديثان بذلك، وهذا حسن لمن فعله، فإن لم يكن هذا فحديث ابن عمر - والله أعلم - وهم بين أحمد بن حنبل وبين نافع، والله أعلم. والكلام السابق حسن رائق، ومحتمل أن يقال إن (ثم) في هذه الرواية ليست على بابها في إفادة الترتيب المتراخي بل إنها هنا لإفادة مطلق العطف كما هو حال الواو.
والمعنى السابق وإن كان مجازيا إلا أنه
صحيح
يصار إليه
مع
الدليل
والدليل هنا حديث جابر بن عبد الله السابق وتواطؤ الأمة على العمل
بخلاف حديث ابن عمر.
(1) ابن حزم، حجة الوداع، ص 277. (5/68)
صفحة 2018
الرائد
ومما يفيد السابق قوله تعالى {وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَنِ مِن طِينِ (3) ثُمَّ جَعَلَ
لله
نَسْلَهُ مِن سُلَلَةٍ مِّن مَّاءٍ مَهِينٍ (3) ثُمَّ سَوَّنَهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ).)).
ومما جاء على السابق قول الشاعر:
كهز الرديني تحت العجاج
جرى في الأنابيب ثم اضطرب
فجعل الاضطراب بعد الهز وهو نفسه.
ومنه قول الآخر:
إن من ساد ثم ساد أبوه ثم ساد قبل ذلك جده واختلف الفقهاء في خطبة عرفة أهي كحال الجمعة في مشروعيتها خطبتان يجلس بينهما، أو خطبة واحدة.
ذهب بعض الفقهاء إلى أن المشروع خطبتان يجلس بينهما للاستراحة، ومنهم من حدد الجلسة بين الخطبتين بمقدار قراءة سورة الإخلاص. ومن الفقهاء من قال بالخطبتين لكن يستحب أن يفصل بينهما بسكتة
(1) سورة السجدة، الآيات (7 - 9)
(2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 169، والسرخسي، المبسوط، ج 4، ص 15، والغزالي، الوسيط، ج 2، ص 656، وابن النجيم البحر الرائق، ج 2، ص 361.
(3) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 412، والنووي، المجموع، ج 8، ص 90. (5/69)
صفحة 2019
الرائد
خفيفة لا جلوس فيها ليمتاز بعضهما عن بعض، قال الإمام السالمي
الجمعة
عرفة عيدين
يخطب
فيهن
(v.)
بخطبتين
ويستحب سكتة بينهما حتى تكون تلك فصلا لها
استدل القائلون بالخطبتين على الوجه السابق بحديث إبراهيم بن محمد
عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله في حجة الإسلام قال: فراح
النبي صلى الله عليه وسلم إلى الموقف بعرفة فخطب الناس الخطبة الأولى، ثم أذن بلال ثم أخذ النبي في الخطبة الثانية، ففرغ النبي من الخطبة وبلال من الأذان، ثم
?
أقام بلال وصلى الظهر، ثم أقام وصلى العصر.
الحديث بالإسناد السابق أخرجه الإمام الشافعي، ومن طريقه
البيهقي، وليس إسناد الحديث مستقيما بل هو خبر منكر؛ إذ إن إبراهيم بن
محمد ابن أبي يحيى الأسلمي المدني شيخ الشافعي متروك، بل قال يحيى بن معين ويحيى بن سعيد وابن حبان وغيرهم بأنه كذاب.
(1) السالمي، معارج الآمال، ج 12، ص 243.
(2) الشافعي، الأم، ج 1، ص 86.
(3) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 114، ومعرفة السنن والآثار، ج 4، ص 107.
(4) ابن حبان، المجروحين، ج 1، ص 105، وابن عدي الكامل، ج 1، ص 217، والعقيلي، (5/70)
صفحة 2020
الرائد
(vi)
ورواية الأسلمي معارضة لروايات جمع من الثقات لحديث جابر بن
عبد الله وهي خلو من موطن الشاهد السابق فما حقها إلا النكارة. وقد حكم غير واحد من الأئمة على الحديث السابق بعدم الثبوت. وما دام الحديث بالتفصيل السابق لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم فالظاهر المستفاد من حديث جابر بن عبد الله أنه خطب، والأصل خطبة واحدة؛ إذ هو أقل اليقين الذي يصح معه إطلاق لفظ الخطبة وما عداه مستلزم الدليل، ولا دليل أنه خطب خطبة ثانية، لذا فالقول المفيد أن المشروع خطبة واحدة هو الأسعد بظاهر الأدلة.
فقط
واستظهر ابن جماعة أنه كان للنبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة خطبتان أولاهما التي رواها جابر بن عبد الله وقد كانت قبل الوقوف بعرفة، وفصلنا أحكامها من
قبل، وثاني الخطبتين كانت في عرفة بعد وقوفه).
والذي دعا ابن جماعة إلى القول بالسابق ما جاء من نصوص فيها أن
الضعفاء، ج 1، ص 62.
(1) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 114، والنووي، المجموع، ج 8،،جموع، ج 8، ص 95، وابن حجر،
التلخيص الحبير، ج 2، ص 252.
(2) ابن جماعة، هداية السالك، ج 3، ص 1129. (5/71)
صفحة 2021
الرائد
(VT)
النبي خطب بعرفات، ومعلوم أن الخطبة التي رواها جابر بن عبد الله كانت في بطن وادي، عرنة ومما جاء من الروايات حديث عمرو بن دينار سمعت جابر بن زيد سمعت ابن عباس قال: سمعت النبي الله يخطب بعرفات من لم يجد النعلين فليلبس الخفين ومن لم يجد إزارا فليلبس سراويل للمحرم".
و مما جاء مفيدا الحكم السابق حديث سلمة بن نبيط الذي سيأتي بألفاظه مخرجا بعد قليل، واستدل أيضا برواية من روايات عمرو بن خارجة الذي مضى تخريجه.
وفي كلام ابن جماعة كله نظر والظاهر أنه ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة إلا خطبته قبل صلاة الظهر، إذ إن ما استدل به لا يعدو حاله أن يكون صريحا غير صحيح أو صحيحا غير صريح.
وبيان ذلك أن الصحيح منها حديث ابن عباس، وهو ليس بصريح أن كلامه في خطبة غير الأولى، ومع الاحتمال لا يقطع بالأمر خاصة مع
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب لبس الخفين للمحرم إذا لم يجد النعلين
(1744) (5/72)
صفحة 2022
الرائد
(vr)
الاتفاق على عدم القول بخطبة أخرى في عرفة غير الخطبة الأولى.
ثم إنه قد مضى من قبل في الجزء الثالث من هذا الكتاب أن الرواة قد
اختلفوا في لفظة "بعرفات"، والأكثر منهم على عدم ذكرها بل إطلاق ذكر
الخطبة دون تقييد بموضعها.
أما حديث عمرو بن خارجة فليس في شيء من طرقه التي تتبعتها التصريح بكون ذلك في عرفة بل جاء في بعضها التصريح بمنى وفي بعضها الآخر الإطلاق من ذكر الموضع، ومع ذلك الأمر في حديث عمرو بن
خارجة - كما قال البيهقي - لا يصح شيء من طرقه كلها.
وأما حديث سلمة بن نبيط عن أبيه قال: رأيت رسول الله يخطب يوم عرفة على جمل أحمر فجاء من طرق تظهر على بعضها الصحة من حيث الظاهر غير أنه لا يسلم من الاضطراب، ومن ذلك أنه رواه محمد بن آدم المصيصي عن ابن المبارك عن سلمة بن نبيط عن أبيه باللفظ السابق.
(1) البيهقي، السنن الكبرى، ج 6، ص 264.
(2) النسائي، السنن الكبرى، ج 2، ص 421، والمجتبى، كتاب مناسك الحج، باب: الخطبة
يوم عرفة على الناقة (3008). (5/73)
صفحة 2023
الرائد
(v? >
ورواه الطبراني من طريق أحمد بن محمد بن نافع قال: حدثنا يحيى بن سليمان الجعفي قال: حدثنا عبد الله بن المبارك عن سلمة بن نبيط عن أبيه، ثم أعقبه بقوله: لم يرو هذا الحديث عن سلمة بن نبيط إلا ابن المبارك).
وفيما قاله الطبراني نظر؛ فقد رواه غير ابن المبارك كسفيان الثوري، وقد رواه عن سفيان جماعة منهم يحيى القطان كما في حديث عمرو بن علي قال: حدثنا يحيى يحيى القطان عن سفيان الثوري عن سلمة بن نبيط عن أبيه، وزاد في هذه الرواية أن الخطبة كانت قبل الصلاة ".
ورواه عن سفيان أيضا محمد بن كثير كما في حديث ابن قانع عن معاذ بن
المثنى نا محمد بن کثير نا سفيان نا سلمة بن نبيط).
ورواه عن سلمة بن نبيط وكيع كما في حديث ابن أبي شيبة ثنا وكيع عن سلمة بن نبيط عن أبيه، غير أنه لم يذكر هنا أن الخطبة كانت بعرفة.
(1) الطبراني، المعجم الأوسط، ج 2، ص 260.
(2) النسائي، السنن الكبرى، ج 2، ص 421، والمجتبى، كتاب مناسك الحج، باب: الخطبة في عرفة قبل الصلاة (3007).
(3) ابن قانع، معجم الصحابة، ج 3، ص 169.
(4) أخرجه ابن ماجه في كتاب: إقامة الصلاة، باب ما جاء في الخطبة في العيدين (1286). (5/74)
صفحة 2024
الرائد
كما رواه أحمد من طريق عبد الحميد بن عبد الرحمن أبي يحيى الحماني قال: ثنا سلمة بن نبيط قال: كان أبي وجدي وعمى مع النبي، قال: أخبرني أبي
قال: رأيت النبي يخطب عشية عرفة على جمل أحمر"
وروى أحمد من طريق حسن بن موسى ثنا رافع بن سلمة الأشجعي وسالم بن أبي الجعد عن أبيه قال: حدثني سلمة بن نبيط الأشجعي أن أباه قد أدرك النبي، وكان ردفا خلف أبيه في حجة الوداع قال:
فقلت يا أبت أرني النبي، قال: قم فخذ بواسطة الرحل، قال: فقمت فأخذت بواسطة الرحل فقال: انظر إلى صاحب الجمل الأحمر الذي يومئ بيده في يده القضيب
وروى ابن سعد عن مالك بن إسماعيل قال: حدثنا موسى بن محمد الأنصاري عن أبي مالك الأشجعي عن نبيط بن شريط قال: كنت ردف أبي
على عجز الراحلة والنبي يخطب عند الجمرة.
(1) أحمد بن حنبل، المسند، ج 4، ص 306.
(2) أحمد بن حنبل، المسند، ج 4، ص 306.
(3) ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج 6، ص 29. (5/75)
صفحة 2025
الرائد
(VT)
ورواه من طريق مؤمل بن إسماعيل قال حدثنا سفيان عن سلمة بن نبيط عن أبيه، وفيه أن الخطبة كانت يوم النحر).
وجاء الحديث من طريق هناد عن ابن أبي زائدة ثنا سفيان بن عيينة عن زيد بن أسلم عن رجل من بني ضمرة عن أبيه أو عمه قال: رأيت رسول الله
ورواه مسدد ثنا عبد الله بن داود عن سلمة بن نبيط عن رجل من الحي
عن أبيه نبيط).
وبعد بيان الخطبة نقول إن الفقهاء اختلفوا في حكمها التكليفي، فقال بعض أهل العلم إنها واجبة قبل الصلاة كخطبة الجمعة.
ومن أهل العلم -وهم الجمهور - من قال إن الخطبة سنة وليست بواجبة ولا شرط للجمع بين الصلاتين)؛ لأنها خطبة وعظ وتذكير وتعليم
(1) ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج 6، ص 29.
(2) أخرجه أبو داود في كتاب المناسك باب الخطبة على المنبر بعرفة (1915). (3) أخرجه أبو داود في كتاب المناسك باب الخطبة على المنبر بعرفة (1916).
(4) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 168.
(5) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 170، وابن النجيم، البحر الرائق، ج 2، ص 365. (5/76)
صفحة 2026
الرائد
(vv)
لبعض ما يحتاج إليه في الوقت فتركها لا يوجب إلا الإساءة كترك الخطبة في
العيدين).
وللعلة السابقة رتب هؤلاء أنه يصح أن يبدأها الخطيب قبل الزوال وإن كان شرف الاتباع النبي لا لا لا لا لا يعدل له شيء
ولا أظن أن هناك قرينة أخرجت حكم هذه الخطبة عن بقية خطبه في الحج، والجماهير من أهل العلم صائرون إلى أنها غير واجبة، وقد قررنا سابقا أن الفعل وحده من النبي صلى الله عليه وسلم في باب المناسك غير مفيد الوجوب بل مطلق المشروعية من حيث الأصل، والوجوب لا بد له من دليل خارجي، وما
رأيت هنا دليلا يعدل به عن الأصل السابق، فيكون الحكم على الأصل.
وعليه فمن صلى الظهرين ووقف بعرفة دون أن يخطب لها فأفعاله السابقة صحيحة من هذا الجانب، وإن كان الأولى الحفاظ على المعهود من
فعل النبي الذي جرت عليه الأمة.
وليس من الشرط حضور خطبة الخطيب في مسجد نمرة بل لا يمكن
(1) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 54.
(2) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 255. (5/77)
صفحة 2027
الرائد
78
ذلك واقعا فالمسجد مساحته دون الأعداد العظيمة التي تقف ذلك اليوم، وعليه فيخطب كل جمع من الناس خطيب يقوم بالسنة السابقة ثم يصلي بهم.
المطلب الثاني: مندوبات الخطبة
أولا: تقصير الخطبة
أفادت الأدلة الشرعية أن مما يندب لخطيب عرفة أن يقصر في خطبته ولا
يطيل، وقد قرر ذلك أهل العلم، والقائلون بأن المشروع لعرفة خطبتان نصوا على أن الخطبة الثانية أقصر من الخطبة الأولى".
ودليل الحكم السابق حديث مالك عن ابن شهاب عن سالم قال: كتب
رضي عنه
عبد الملك إلى الحجاج أن لا يخالف ابن عمر في الحج، فجاء ابن عمر ه وأنا
معه يوم عرفة حين زالت الشمس فصاح عند سرادق الحجاج فخرج وعليه ملحفة معصفرة فقال: ما لك يا أبا عبد الرحمن؟
فقال: الرواح إن كنت تريد السنة، قال: هذه الساعة؟ قال: قال: نعم،
فأنظرني حتى أفيض على رأسي ثم أخرج، فنزل حتى خرج الحجاج فسار
(1) الغزالي، الوسيط، ج 2، ص 656، والنووي، المجموع، ج 8، ص 90. (2) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 413، والنووي، المجموع، ج 8، ص 90. (5/78)
صفحة 2028
الرائد
(va)
بيني وبين أبي فقلت:
إن كنت تريد السنة فاقصر الخطبة، وعجل الوقوف، فجعل ينظر إلى
عبد الله فلما رأى ذلك عبد الله قال: صدق.
لكن سئل الإمام مالك عن الإمام إذا صعد المنبر يوم عرفة أيجلس قبل أن يخطب؟ قال: نعم، ثم يقوم فيخطب طويلا ثم يؤذن".
ثانيا: ارتفاع الخطيب
استحب جمع من أهل العلم أن يكون الخطيب على منبر إن وجد، أو على
نشز من الأرض، أو على ظهر بعير
(3)
والسابق مأخوذ من ظاهر فعل النبي لا لا له كما في حديث جابر بن عبد الله
في صفة حجة النبي له إذ قال: إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له
حتى إذا انتهى إلى بطن الوادي خطب الناس.
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب التهجير بالرواح يوم عرفة (1577).
(2) ابن عبد البر، التمهيد، ج 10، ص 13.
(3) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 168، والجيطالي، مناسك الحج، ج 2، ص 282،
والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص 255. (5/79)
صفحة 2029
الرائد
(1.)
والأصل أنه خطبهم عليها إذ خلاف ذلك مقتض للبيان والذكر ولم يذكر أنه نزل من راحلته، وفوق الظاهر السابق جاء من الروايات ما ينص على أنه خطب على راحلته كما في حديث ابن نبيط سابق الذكر، فقد اتفقت رواياته على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب على جمل.
ثالثا: بدء خطبة عرفة بالتكبير
وهذا الأمر قال به بعض أهل العلم، ولا أدري المستند الذي بني
عليه
هذا الرأي، والسنن العام في خطبه الله له أنه كان يبدأها بالحمد كما قال الإمام
السالمي - بعد ذكر خطبه:
وكلها تبدأ بالتحميد إلا التكابير التي للعيد
رابعا: موضوع خطبة عرفة
أشار جمع من الفقهاء إلى أن الخطيب ينبه الناس على المناسك التي بين أيديهم من أحكام الإفاضة والمبيت والرمي والذبح والحلق ويفقههم في صفة أدائها، ويحرضهم على الإكثار من الدعاء والتهليل بالموقف"، وللسابق قال
(1) المرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 28.
(2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 169، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 412، والقطب، (5/80)
صفحة 2030
الرائد
جمع من الفقهاء إنه إن كان الخطيب فقيها عرض للناس الاستفتاء لمن أراد منهم السؤال.
والأمور السابقة لا بد منها حتى يمضي الناس في عبادتهم على بصيرة ونور من الله وإن كنت لم أجد في خطبة عرفة التي ذكرها جابر بن عبد الله الله إشارة لذلك اللهم إلا إذا قيل بما يفيده حديث عمرو بن دينار سمعت جابر بن زيد سمعت ابن عباس قال: سمعت النبي ه يخطب بعرفات: من لم يجد النعلين فليلبس الخفين ومن لم يجد إزارا فليلبس سراويل للمحرم. أن لا تخلو خطبة الخطيب من ذكر الأمور التي تهم المسلمين عامة وتذكرهم بوشائج القربى الدينية التي تربطهم، وتلفت أنظارهم إلى الأعداء الحقيقيين للأمة، وما يكيدونه لها بغية سلخها من هويتها الإسلامية.
وحسن
ثم إن في المجتمعات من الأعمال والأخلاق التي تنافي تعاليم دين
الله
الحنيف شيئا كثيرا فيستغل ذلك الموقف لإصلاح الخلل، ورتق الفتق وإتمام
شرح کتاب النيل، ج 4، ص 170.
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 169.
(2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب لبس الخفين للمحرم إذا لم يجد النعلين
(\ VEE) (5/81)
صفحة 2031
الرائد
(AT)
النقص فإنه ليس بواجد الناس مجتمعين على اختلاف مشاربهم ومعتقداتهم كحالهم يوم عرفة فليقدر للمقام قدره بما يؤلف ويجلب المصلحة.
ورسول الإسلام نبه المسلمين في خطبته على أهم القضايا التي قد يدخل الفساد بها إليهم من الربا والتفريط في حفظ الأسرة التي بصلاحها صلاح المجتمع الإسلامي الكبير.
وهذه عظائم قد رسخت جذورها في حياة المسلمين هذا اليوم، بل وجدنا منهم من يسوغ الربا ويحسنه في الأنظار حتى شاعت حمى هذه الموبقة من كبائر العظائم عند كثير من عوام الناس وسوقتهم وأصبح انتهاكها أمرا شائعا، فليس ثمة بد من تنبيه الغافلين وبيان أن من يأكل الربا هو محارب الله مستحق للخلود في نار جهنم ما لم يتب، فضلا عن ذلك الذي يسوغه ويشرع له ما يمكنه في دنيا الناس ثم يدعي أنه مسلم محب الله ورسوله.
وقد أوصى الحبيب المصطفى الله في خطبته هذه بالنساء خيرا، والناس الآن ما تخذوا النساء إلا سلعا يتاجر بها مُرْوِين بذلك سعارهم البهمي بدعوى تحريرها وأقبح بها من دعوى كاذبة فاجرة وإلا فَوَرَبِّ البيت ما نعمت المرأة بحرية أعظم من حرية الإسلام الذي حفظها بما يكفل حقها منذ أن كانت جنينة في الأرحام وإلى ما بعد موتها. (5/82)
صفحة 2032
الرائد
(r)
أما الحضارة التي يراد لها أن ترسخ عنوة في مجتمعاتنا الطاهرة فتعطيها من الحقوق إبان شبابها وزهرة نضارتها ما يضمن للفجرة خلوص التمتع بها ثم رميها مهينة إذا لم يعد جسدها سادا حالة السعار البهمي ولله الأمر من قبل ومن بعد.
كما نبه في خطبته على عظم شأن الدماء والأموال وأنها محرمة بحرمة الإسلام فلا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه وفي حدود ما أباح
الشارع.
كما لا تحل نفسه إلا بأمر من الشارع فليتق الله أناس تلخطت أيديهم بدماء الأبرياء وأجسادهم لا لشيء إلا أنهم يقولون ربنا الله، وليستحيوا مِنْ ظُلْمِ من لا يجد لنفسه ناصرا إلا الله، ولقد أقسم الله على نصرته ولو بعد حين، وما مصارع الظلمة وصور هلاكهم إلا زواجر لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
ثم إنه ختم خطبته بأمر الناس بإبلاغ هذه التعاليم الشرعية التي أوصى بها الأمة، ويالله من أناس من المسلمين أخذوا يشنون الغارة تلو الأخرى على سنة الهادي النذير، ويستقون من المستشرقين وأعداء دين الله من الشبه والضلالات ما يبثونه في قلوب رقاق العلم ليخف وقع السنة فيها، (5/83)
صفحة 2033
الرائد
(AE)
فأخذ من تزبب قبل أن يتحصرم يأتينا كل يوم بشبهة بدعوى التفكير
والتنوير.
وفي هذا الموقف نأتي بخطبته التي أوصى بها أصحابه، وأمر أن تنقل للأمة بإبلاغ حاضرِهم غائِبهم حتى نكون ممن ائتمر فبلغ ما وصل إليه، قال
إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل.
وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا ربا عباس بن عبد المطلب؛ فإنه موضوع كله.
فاتقوا الله في النساء؛ فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف. وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله، وأنتم (5/84)
صفحة 2034
الرائد
تسألون عني فما أنتم قائلون؟
قالوا نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بإصبعه السبابة
يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس اللهم اشهد، اللهم اشهد، ثلاث
مرات).
(1) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب: حجة النبي صلى الله عليه وسلم (1218). (5/85)
صفحة 2035
الرائد
المبحث الرابع: الأذان والإقامة
نص جابر بن عبد الله أنه لا الهلال الخطب وبعد الخطبة أذن بلال لصلاة الظهر ثم أقام وصلوها ثم أقام للعصر وصلوها.
والسابق بين في دلالته أن المشروع الخطبة ثم الأذان بعد تمامها، ثم الإقامة للظهر ثم الصلاة ثم الإقامة للعصر ثم صلاتها، وهذا الذي قال به جمع من أهل العلم ويؤيده ظاهر السنة.
وذهب بعض الفقهاء إلى أن المشروع أن يؤذن المؤذن إذا صعد الإمام
المنبر فجلس، فإذا فرغ المؤذن قام الإمام فخطب كما هو الحال في الجمعة". وقيل يؤذن في آخر خطبة الإمام على وجه ينتهي فيه الإمام من الخطبة
والمؤذن من الأذان.
ومنهم من قال يؤذن أثناء الخطبة حتى يكون فراغ الإمام من خطبته بعد
(1) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 206، والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص 255.
(2) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 15، وابن عبد البر، التمهيد، ج 10، ص 12، والجيطالي، مناسك الحج، ج 2، ص 282، وابن النجيم، البحر الرائق، ج 2، ص 361.
(3) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 169، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 206. (5/86)
صفحة 2036
الرائد
(AV)
فراغ المؤذن من أذانه.
ومنهم من قال يخطب الإمام صدرا من خطبته ثم يؤذن المؤذن فيكون فراغه مع فراغ الإمام من الخطبة ثم ينزل فيقيم".
ومنهم من قال يقوم للخطبة الثانية والمؤذن يأخذ في الأذان، ويخفف
الخطبة على وجه يفرغ منها مع فراغ المؤذن من الإقامة، وقيل من
الأذان.
وقد اعترض على هذه الأقوال التي فيها الأذان أو الإقامة أثناء الخطبة بأن المؤذن قد أمر بالإنصات للخطبة فكيف يؤذن ولا يبقى للخطبة معه
فائدة (4).
وأجيب عن الاعتراض بأن المقصود بالخطبة من التعليم إنما هو في الأولى، وأما الثانية فهي ذكر ودعاء فشرعت مع الأذان قصدا للمبادرة
(1) الغزالي، الوسيط، ج 2، ص 656.
(2) ابن عبد البر، التمهيد، ج 10، ص 12.
(3) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 412، والسرخسي، المبسوط، ج 4، ص 15، والنووي،
المجموع، ج 8، ص 90.
(4) ابن حجر، التلخيص الحبير، ج 2، ص 252. (5/87)
صفحة 2037
الرائد
بالصلاة.
(M)
وهذا الجواب دعوى من قائله لا تقبل إلا بالدليل على التفصيل السابق
ومن الفقهاء من قال إنه يؤذن قبل خروج الإمام؛ لأن هذا الأذان لأداء الظهر كما في سائر الأيام.
وحديث جابر ينص على أنه أذن سيدنا بلال له بعد فراغ النبي صلى الله عليه وسلم من
خطبته، فحسبك به حجة في المراد، ودع معه كل قياس يدل على خلافه، قال
الإمام السالمي -
نقدم الحديث مهما جاءا على قياسنا ولا مراءا
كما اختلفوا في الأذان للصلاتين المجموعتين فقيل أذان واحد للصلاتين وإقامة لكل صلاة، فيكون للظهر أذان وإقامة وللعصر إقامة فقط؛ لأنها
(1) الشربيني، مغني المحتاج، ج 1، ص 496.
(2) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 15.
(3) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 169، وابن قدامة الكافي، ج 1، ص 441،
والنووي، المجموع، ج 8، ص 96، والجيطالي مناسك الحج، ج 2، ص 282، وابن
النجيم، البحر الرائق، ج 2، ص 361. (5/88)
صفحة 2038
الرائد
(19)
تؤدى قبل وقتها المعتاد فتفرد بالإقامة للإعلام بالشروع في الصلاة، وهو ذلك موافق للقياس كما في سائر المجموعات والفوائت إذ المشروع فيها
مع
أذان واحد).
غير أن الحنفية مع قولهم السابق نصوا على أن التنفل بين الصلاتين مكروه، وإن تنفل أعاد الأذان للعصر لانقطاع فوره فصار كالاشتغال بينهما بفعل آخر كأكل وشرب، إلا في رواية عن الإمام محمد بن الحسن أنه ما دام في وقت الظهر فلا يعيد الأذان للعصر.
وقيل إن المشروع أن يؤذن لكل صلاة أذانا خاصا بها وإقامة خاصة بها فيكون المجموع أذانين وإقامتين، أو على من أراد الجمع إقامتان دون أذان،
(1) ابن النجيم، البحر الرائق، ج 2، ص 361، وابن عابدين، رد المحتار، ج 2، ص 504. (2) ابن قدامة المغني، ج 3، ص 206.
(3) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 15، وابن النجيم، البحر الرائق، ج 2، ص 362.
(4) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 15.
(5) ابن عبد البر، التمهيد، ج 10، ص 16، والقرافي الذخيرة، ج 3، ص 256، والعبدري، التاج والإكليل، ج 3، ص 118. (5/89)
صفحة 2039
الرائد
(4.)
أو الهيئات السابقة سائغة كلها فمن فعل أيا منها فحسن.
ظاهر وصف جابر بن عبد الله في الحديث الصحيح أن بلال بن رباح له
أذن بعد الخطبة ثم أقام للظهر ثم أقام للعصر، وهذا هو المشروع، وبقية الأقوال معارضة للدليل فتضعف.
وهذا الجمع كالجمع ليلة مزدلفة، والروايات الصحيحة فيه كما
سيأتي- أنه كان بأذان وإقامتين.
(1) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 206. (5/90)
صفحة 2040
الرائد
المبحث الخامس: صلاة الظهر والعصر
(91)
المطلب الأول: تعجيل الصلاة حين تزول الشمس
ظاهر فعل النبي كما في حديث جابر بن عبد الله أنه أتى بطن وادي أخذ
عرنة لخطبة عرفة بعد الزوال مباشرة، وبعد الخطبة صلى الظهر، ومنه الفقهاء ندبية تعجيل الصلاة بعد الخطبة.
وابن عمر استنبط ذلك من فعل النبي صلى الله عليه وسلم السابق كما في حديث ابن شهاب قال: أخبرني سالم بن عبد الله بن عمر أن الحجاج بن يوسف) عام
نزل بابن الزبير سأل عبد الله كيف تصنع في الموقف يوم عرفة؟
فقال سالم: إن كنت تريد السنة فهجر بالصلاة يوم عرفة، فقال عبد الله
(1) قال الحافظ ابن عبد البر: كان الحجاج عند جمهور العلماء أهلا أن لا يروى عنه، ولا يؤثر حديثه، ولا يذكر بخير لسوء سره وإفراطه في الظلم، ومن أهل العلم طائفة تكفره. ولكن هذا] الحديث يخرج في المسند لقول عبد الله بن عمر للحجاج: الرواح هذه الساعة إن كنت تريد السنة، ولقول سالم: إن كنت تريد أن تصيب السنة فأقصر الخطبة
وعجل الصلاة، وقول ابن عمر صدق.
ابن عبد البر، التمهيد، ج 10، ص 6. (5/91)
صفحة 2041
الرائد
92
بن عمر: صدق إنهم كانوا يجمعون بين الظهر والعصر في السنة، فقلت لسالم: أفعل ذلك رسول الله؟ فقال سالم: وهل تتبعون في ذلك إلا سنته. ولأن تأخير الصلاة يمنع الرواح إلى الموقف في أول وقت الزوال والسنة
الظاهرة من فعل النبي صلى الله عليه وسلم التعجيل في ذلك.
وفي هذا الحديث أن رواح الإمام من موضع نزوله بعرفة إلى مسجدها
حين تزول الشمس، وأن الجمع بين الظهر والعصر في المسجد في أول وقت الظهر سنة، وكذلك فعل رسول الله.
ل الله (2)
وذهب بعض الفقهاء إلى أن الأولى تأخير الصلاة إلى آخر وقت الظهر)
(3)
وروى ابن أبي شيبة عن جرير عن ليث عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه قال: يؤخر الإمام الظهر يوم عرفة أشد ما يؤخرها في يوم من السنة، ويعجل العصر أشد ما يعجلها في يوم من السنة).
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب الجمع بين الصلاتين بعرفة (1579). (2) البسيوي، الجامع، ج 2، ص 275، وابن عبد البر، التمهيد، ج 10، ص 10.
(3) ابن عابدين، رد المحتار، ج 2، ص 504.
(4) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 296. (5/92)
صفحة 2042
الرائد
(ar)
وهذا القول ضعيف معارض للأدلة النصية السابقة، ولا أدري بما يعتل
أصحابه.
المطلب الثاني: جمع صلاتي الظهر والعصر بعرفة
ذهب الفقهاء من المذاهب الإسلامية كافة إلى أن المشروع جمع صلاتي
الظهر والعصر بعرفة للواقف فيها، وقد تقدم ذكر من حكى الإجماع على ذلك، قال الشيخ عامر:
والجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة سنة، كما أن الجمع بين الظهر والعصر بعرفات سنة).
وأغرب الشوكاني فقال إنه لم يثبت أنه جمع العصرين بعرفة". ولم أجد أحدا قال بما ذكره الشوكاني ولا تابعه عليه، وهو غريب؛ إذ ظاهر حديث جابر بن عبد الله أنه صلى الصلاتين ثم أتى الموقف، ولم يأت أنه بعد أن وقف صلى شيئا من الصلوات.
ثم إنه قال عبد الله بن عمر للحجاج كما في رواية البخاري: كانوا
(1) الشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 415.
(2) الشوكاني، السيل الجرار، ج 2، ص 201 (5/93)
صفحة 2043
الرائد
(94)
يجمعون بين الظهر والعصر في السنة).
وقال الحافظ ابن حجر:
روى ابن المنذر بإسناد صحيح عن القاسم بن محمد سمعت ابن الزبير
يقول: إن من سنة الحج أن الإمام يروح إذا زالت الشمس يخطب فيخطب
الناس فإذا فرغ من خطبته نزل فصلى الظهر والعصر جميعا).
?
وبعد ثبوت أن النبي جمع صلاتي الظهر والعصر نقول إنه معلوم أنه
قد صلى الناس وراءه، وهذا يفيد ظاهرا أن كل من كان خلفه قد جمع؛ لأن هذا هو المتبادر من ظاهر اللفظ.
ولم يأت ما يبين أن ثمة من لم يجمع الصلاتين، ولم يأمرهم بترك الجمع كما أمرهم بترك القصر حين قال أتموا فإنا سفر، ولو حرم الجمع لبينه لهم؛ إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولا يقر النبي صلى الله عليه وسلم على الخطأ.
ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما جمع العصرين هناك ليفضل له الدعاء بالوقوف،
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: الجمع بين الصلاتين بعرفة (1579). (2) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 513.
(3) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 207. (5/94)
صفحة 2044
الرائد
95
فلذلك لم يقع الفرق بين المسافر والمقيم فكلاهما يبتغي السابق". ثم إن الأصل أن إقامة الصلوات في أوقاتها المرسومة بنصوص الشارع
أولى من جمعها إلا في عرفة؛ إذ إيثار الفراغ عشية عرفة أهم وأولى". وهذا قول أكثر أهل العلم، بل حكي الإجماع عليه، قال ابن المنذر: وقد أجمع أهل العلم على القول ببعض هذه الأخبار واختلفوا في القول
بسائرها.
فما أجمع أهل العلم على القول به وتوارثته الأئمة قرنا عن قرن وتبعهم الناس عليه منذ زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذا الوقت الجمع بين الظهر والعصر بعرفة يوم عرفة وبين المغرب والعشاء بجمع في ليلة النحر
(4)
والصائرون إلى القول السابق كثير منهم قائلون إن الجمع في عرفة علته
النسك وليس هو على أصله.
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 169.
(2) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 313.
(3) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 169، وابن قدامة المغني، ج 3، ص 206،
والجيطالي، مناسك الحج، ج 2، ص 281.
(4) ابن المنذر، الأوسط، ج 2، ص 421. (5/95)
صفحة 2045
الرائد
(97)
ومنهم من رأى للمكيين الجمع لكن ليس للنسك بل لأن السفر القصير يبيح الجمع".
وذهب بعض أهل العلم إلى أن الجمع في عرفة لا يصح إلا لمن كان مسافرا، ونسب هذا القول إلى الجمهور)، وما أرى هذه النسبة إلا وهما ممن قالها بعد ما ذكرناه.
وبعد ما ذكر يتحصل من السابق أن الخلاف في علة الجمع بعرفة على ثلاثة أقوال أولها أنه للنسك، وثانيها للسفر الطويل، وثالثها لأصل السفر". وعلى الخلاف في الجمع أهو للنسك أو هو للسفر يظهر حكم من كان من أهل عرفة أيجمع الصلاتين أولا يجمع، فمن قال إنه للنسك أمره بجمع الصلاتين، ومن جعله للسفر لم يصح عنده الجمع؛ لأنه ليس بمسافر.
(1) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 314.
(2) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 207، وابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 513. (3) الغزالي، الوسيط، ج 2، ص 659، والوارد في طبعتين من الأصل وهما طبعة دار السلام المعتمدة في هذا الكتاب وطبعة دار الكتب العلمية عبارة: لأصل السعي، وهي خطأ بين بل الصواب ما أثبت في الأصل وهو السفر، والنووي، المجموع، ج 8، ص 90.
(4) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 314، والحطاب، مواهب الجليل، ج 3، ص 120. (5/96)
صفحة 2046
الرائد
(av)
وممكن القول إن الجمع ليس للنسك فيه مدخل -كما هو الأظهر وسيأتي تحريره - غير أنه يشرع لهؤلاء الجمع لعموم رخصة حديث جابر بن زيد عن ابن عباس أن النبي صلى الظهر والعصر جميعا، والمغرب والعشاء الآخرة جميعا في غير خوف ولا سفر ولا سحاب ولا مطر.
والتكبير أيام التشريق إثر الصلوات بدؤه عند الحنفية يوم التاسع، وقد اختلفوا في مشروعية أن يؤتى به بين العصرين فمنهم من راعى عموم
واجب الفورية بين الصلاتين فمنع من التكبير بين الصلاتين.
لكن تعقب ذلك آخرون بأن فيه نظرا؛ إذ الوارد في الحديث أنه صلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئا، وفيه التصريح بترك الصلاة بينهما، ولا يلزم منه ترك التكبير.
ولا يقاس على الصلاة لوجوبه دونها، ولأن مدته يسيرة حتى لم يعد فاصلا بين الفريضة والراتبة والحاصل أن التكبير بعد ثبوت وجوبه لا
(1) أخرجه الربيع في كتاب الصلاة باب القرآن في الصلاة (251)، ومسلم في كتاب: صلاة المسافرين، باب: الجمع بين الصلاتين في الحضر (705) من طريق مالك عن أبي الزبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال صلى رسول الله الظهر والعصر جميعا، والمغرب والعشاء جميعا في غير خوف ولا سفر. (5/97)
صفحة 2047
الرائد
(a)
يسقط هنا إلا بدليل، وما ذكر لا يصلح للدلالة).
ولم أجد نصا على السابق والأخذ بالظاهر يفيد أنه ما أتى بالتكبير المذكور، وقد جاء ما يفيد أن النبي صلى الله عليه وسلم كبر بعد فجر اليوم التاسع كما في حديث نائل بن نجيح عن عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر وعبد الرحمن بن سابط عن جابر بن عبد الله قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الصبح من غداة عرفة يقبل على أصحابه فيقول: على مكانكم. ويقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله
الحمد، فيكبر من غداة عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق. والحديث أخرجه الدارقطني، وهو مع عدم ثبوته كما بين ذلك ابن الجوزي ليس بنص في أن الحال السابق كان في حج بل ظاهره أنه في غير
نسك.
(3)
والجمع وإن كان مشروعا في هذا اليوم إلا أنه ليس بواجب بل هو مندوب إليه حتى يتفرغ الحجيج للدعاء ويتسع لهم وقت الإفاضة، ومن لم
(1) ابن عابدين رد المحتار، ج 2، ص 504.
(2) الدارقطني، السنن، ج 2، ص 50.
(3) ابن الجوزي، التحقيق، ج 1، ص 513. (5/98)
صفحة 2048
الرائد
يجمع لم يكن عليه شيء.
والجمهور القائلون بالجمع اختلفوا أمن شرطه أن ينوى عند افتتاح
الصلاة الأولى، أو ليس ذلك بشرط؟
الذين قالوا باشتراطه استدلوا بأنه لما لم يصح جمع الإمام إلا بنية الجمع،
لم يصح جمع المأمومين إلا بنية الجمع كالجمع بغير عرفة.
والآخرون الذين لا يشترطون النية للجمع نظروا لاختصاص الموضع لجواز الجمع ولحوق المشقة في إعلام الكل؛ ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع هناك من
غير أن ينادي فيهم بالجمع ولا أخبرهم به".
إلا أن جمعا من هؤلاء يفرقون بين من يصلي منفردا ومن يصلي مع الجماعة، فالذي يصلي منفردا يشترط لصحة جمعه النية للجمع، أما الجماعة فلا يشترط لها ذلك).
وهذه المسألة نغض الطرف عنها إذ محلها كتاب الصلاة وليس المناسك
(1) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 415.
6
(2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 170، والنووي، المجموع، ج 8، ص 91.
(3) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 170. (5/99)
صفحة 2049
الرائد
فليرجع من شاءها إلى الموضع الذي ذكرناه.
ومن فاتته الجماعة صلى منفردا وجمع الصلاتين؛ لأن كل جمع جاز مع
الإمام جاز منفردا كالجمع بين العشاءين بجمع
(2)
ثم إن ابن عمر كان إذا فاته الجمع بين الظهر والعصر مع الإمام بعرفة جمع بينهما منفردا، كما في حديث ابن أبي شيبة حدثنا حفص عن ابن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر أنه كان إذا فاتته الصلاة مع الإمام بعرفة جمع بين الظهر والعصر في رحله).
وذهب بعض الفقهاء إلى أن الجمع لا يكون إلا في حال الصلاة الإمام، أما من صلى منفردا فلا يصح له الجمع.
مع
استدل أصحاب هذا القول بأمور منها أن الله تعالى قال في كتابه {إِنَّ
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 170، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 206. (2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 170، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 206. (3) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 170، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 206. (4) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 262.
(5) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 15، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 6 (5/100)
صفحة 2050
الرائد
الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَنَبًا مَّوْقُونًا) أي فرضا مؤقتا، فالمحافظة على الوقت في الصلاة فرض بيقين فلا يجوز تركه إلا بيقين وهو الموضوع الذي ورد النص به.
وإنما ورد النص بجمع رسول الله بين الصلاتين والخلفاء من بعده صلى الله عليه وسلم فلا يجوز الجمع إلا بتلك الصفة، وكأن المعنى فيه أن هذا الجمع مختص بمكان وزمان ومثله لا يجوز إلا بإمام كإقامة الخطبة مقام ركعتين في الجمعة لما كان مختصا بمكان وزمان كان الإمام شرطا فيه.
كما قال هؤلاء بأنه لو سلم أن هذا الجمع لأجل الوقوف لقيل إن الحاجة إلى الجمع للجماعة لا للمفرد؛ لأن المنفرد يمكنه أن يصلي العصر في وقته في موضع وقوفه فإن المصلي واقف فلا ينقطع وقوفه بالاشتغال بالصلاة.
وإنما يحتاجون إلى الخروج لتسوية الصفوف إذا أدوها بالجماعة، ولأنه يشق عليهم الاجتماع فإنهم بعد الفراغ من الصلاة يتفرقون في الموقف فيختار كل واحد منهم موضعا خاليا يناجي فيه ربه، وهذا المعنى ينعدم في حق
(1) سورة النساء، جزء من الآية (103).
(2) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 16. (5/101)
صفحة 2051
الرائد
6.)
المنفرد؛ لأنه يمكنه أداء العصر في وقته في موضع خلوته.
واعترض على السابق بأن قولهم إنما جاز الجمع في الجماعة لا يصح لأنهم قد سلموا أن الإمام يجمع وإن كان منفردا).
ثم إن الجمع بين الصلاتين إنما جاز لحاجته إلى امتداد الوقوف؛ فإن الموقف هبوط وصعود لا يمكن تسوية الصفوف فيها فيحتاجون إلى الخر منها والاجتماع لصلاة العصر فينقطع وقوفهم وامتداد الوقوف إلى غروب الشمس واجب فللحاجة إلى ذلك جوز له الجمع بين الصلاتين، وفي هذا المنفرد والذي يصلي مع الإمام سواء".
والحنفية لا يقولون بالجمع بين الصلاتين إلا في هذا الموضع وليلة مزدلفة، وهم يشرطون له هنا الإحرام بالحج، حتى أن الحلال إذا صلى الظهر مع الإمام ثم أحرم بالحج فصلى العصر، والمحرم بالعمرة صلى الظهر مع الإمام ثم أحرم بالحج فصلى العصر معه لم يجزه العصر إلا في وقتها.
(1) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 16.
(2) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 206.
(3) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 15. (5/102)
صفحة 2052
الرائد
6.)
بل إن ثمة رواية في المذهب الحنفي أنه يشترط لهذا الجمع أن يكون مريده محرما بالحج قبل زوال الشمس؛ لأنه بزوال الشمس يدخل وقت الجمع، ويختص بهذا الجمع المحرم بالحج فيشترط تقديم الإحرام بالحج على الزوال.
وفي رواية أخرى عند الحنفية أنه إن أحرم بالحج بعد الزوال فله أن يجمع بين الصلاتين؛ لأن اشتراط الإحرام بالحج لأجل الصلاة لا لأجل الوقت.
وقال الحافظ ابن عبد البر:
وجمع
الصلاتين بها سنة مع الإمام، وقد جاء في ذلك حديث خالفه
الإجماع ذكره عبد الرزاق قال: قلت للثوري: إن ابن عيينة حدثني عن عبدة بن أبي لبابة عن سويد بن غفلة أن عمر بن الخطاب قال: من فاتته الصلاة مع الإمام يوم عرفة فلا حج له.
فقال لي: إنها قد جاءت أحاديث لا يؤخذ بها وقد تركت هذا منها وما
يضره أن لا يشهدها مع الإمام بعرفة.
قال الكشوري: قلت لابن أبي عمر أتعرف هذا الحديث لابن عيينة؟
(1) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 17. (5/103)
صفحة 2053
الرائد
6.?)
قال: لا أعرفه).
وحري بنا أن ننبه أنه لو وافق يوم عرفة يوم الجمعة لم يصل الناسكون
الجمعة هناك؛ لأن من شرطها دار الإقامة وأن يصليها مستوطنون". والمصر من شرائط الجمعة، وعرفات ليست في حكم المصر؛ إذ ليس لها
أبنية إنما هي فضاء وليست من فناء مكة؛ لأنها من الحل".
ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم كان وقوفه يوم الجمعة على ما أخبر بذلك عمر بن الخطاب له في حديث قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن عمر بن الخطاب أن رجلا من اليهود قال له يا أمير المؤمنين آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا.
قال: أي آية؟ قال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي
(1) ابن عبد البر، التمهيد، ج 10، ص 25.
(2) ابن عبد البر، التمهيد، ج 10، ص 15، والسرخسي، المبسوط، ج 4، ص 55، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 170، والنووي، المجموع، ج 8، ص 92، والجيطالي، مناسك
الحج، ج 2، ص 282.
(3) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 55. (5/104)
صفحة 2054
الرائد
( .. )
وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا.
قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على والمكان الذي نزلت فيه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو قائم
بعرفة يوم جمعة).
ومع
السابق ما صلى إلا الظهر كما نص على ذلك جابر بن عبد الله.
ومن الفقهاء من قال إنه لو بني بعرفات قرية واستوطنها أربعون كاملون صليت بها الجمعة (3).
وهذا الأخير حسن غير أن وجوب الصلاة هنا للمقيمين بها، أما
المسافرون فعلى مذهب الجماهير من أهل العلم لا تلزمهم
المطلب الثالث: الإسرار في الصلاتين المجموعتين
الجمعة.
من المتفق عليه أن صلاتي الظهر والعصر في حالي الحضر والسفر بغير
عرفة يسر فيهما ولا يجهر بالقراءة، والجمهور من أهل العلم قالوا بالأصل
(1) سورة المائدة، جزء من الآية (3).
(2) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان باب زيادة الإيمان ونقصانه (45).
(3) النووي، المجموع، ج 8، ص 92. (5/105)
صفحة 2055
الرائد
6.7)
السابق في حال صلاتهما يوم عرفة بعرفة)؛ إذ لم يصح ناقل لهما عن
أصلهما.
ثم إن جابر بن عبد الله له ذكر أن النبي الله صلى الظهر والعصر دون أن يذكر تفصيلا للصلاة، والأصل أن تحمل على الصلاة المعهودة التي كان يصليها فخلاف ذلك مقتض للتنبيه.
واستدل بعض أهل العلم بحديث "صلاة النهار عجماء إلا الجمعة والعيدين والمسألة أغنى من أن يستدل لها بهذا الحديث؛ إذ إنه لا يثبت عن النبي بل ليس له أصل كما نص على ذلك الأئمة".
وحكى الحافظ ابن عبد البر الإجماع على القول السابق إذ قال:
وأجمع العلماء على أن الإمام لا يجهر بالقراءة في الظهر والعصر بعرفة لا في يوم الجمعة ولا غيرها، وأجمعوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك فعل لم يجهر. والرأي السابق وإن كان هو المختار الذي تدل عليه السنة إلا أنه لا إجماع
(1) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 54، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 170، والجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2، ص 162.
(2) النووي خلاصة الأحكام، ج 1، ص 394، والزيلعي، نصب الراية، ج 2، ص 1، والعيني، عمدة القاري، ج 6، ص 9، والقاري، الأسرار المرفوعة، ص 234.
(3) ابن عبد البر، التمهيد، ج 10، ص 13. (5/106)
صفحة 2056
الرائد
6. v)
في الحقيقة عليه إذ ذهب بعض أهل العلم إلى أن الإمام يجهر في الصلاتين بالقراءة كالجمعة لتقدم الخطبة.
وقال ابن حزم إن وافق الإمام يوم عرفة يوم جمعة جهر وهي صلاة جمعة، الجمعة أيضا بمنى وبمكة لأن النص لم يأت بالنهي عن ذلك". ومنهم من علل القول بالجهر بأنها صلاة مؤداة بجمع عظيم فيجهر فيها
بالقراءة كالجمعة والعيدين (3).
والقياس السابق على الجمعة فيه نظر للفارق؛ إذ الجمعة يتقدم أذانها
الخطبة، أما عرفة فأذانها بالنص الصحيح يتأخر عن الخطبة.
ثم إن القياس السابق فاسد الاعتبار لمخالفته النص الذي دل بظاهره أن
النبي صلى الله عليه وسلم قد أسر في الصلاة ولم يجهر.
المطلب الرابع: قصر صلاتي الظهر والعصر
من تحقق فيهم وصف السفر يوم عرفة شرع لهم القصر من الصلاة في
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 170.
(2) ابن حزم، المحلى، ج 7، ص 272.
(3) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 54. (5/107)
صفحة 2057
الرائد
6.1)
عرفة، وهؤلاء ليسوا محل بحثنا إذ الاتفاق قائم على حكمهم السابق وأن ليس النسك بمؤثر في أصل ما تعبدوا به.
لكن خلاف أهل العلم قائم فيمن لم يتحقق فيه وصف السفر الذي يشرع معه القصر أيؤثر عليه نسكه بأمر فيغير أصل ما تعبد به وهو الإتمام أو
ليس هو بمؤثر شيئا بل يبقى على أصل ما تعبده به الشارع؟
ذهب جمع من أهل العلم إخالهم الجمهور من علماء الأمة- إلى أن النسك لا يؤثر في أصل العبادة من حيث الإتمام والقصر فلا يجوز لمن لم يتحقق فيه وصف السفر أن يقصر؛ لأنه ليس بمسافر)
وعلى السابق إن كان الإمام مسافرا قصر الصلاة فصلى الظهر ركعتين
والعصر ركعتين، وقصر من خلفه من المسافرين وأتم المقيمون أربعا. ويندب للإمام المسافر على رأي جماعة - أن يقول لغير المسافرين أتموا
(1) الجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2، ص 162.
(2) ابن عبد البر، التمهيد، ج 10، ص 13، والسمرقندي تحفة الفقهاء، ج 1، ص 405، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 169، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 207،
والجيطالي، مناسك الحج، ج 2، ص 281، والجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2، ص 162. (5/108)
صفحة 2058
الرائد
6.9)
صلاتكم؛ فإنا قوم سفر)، وإن كان الإمام من أهل مكة أو مقيما بها أتم الصلاة أربعا وأتم من خلفه من المسافرين والمقيمين أربعا لوجوب المتابعة. واستدل هؤلاء لقولهم بأنهم في غير سفر بعيد فلم يجز لهم القصر كغير
من في عرفة ومزدلفة).
وذهب آخرون إلى أن الإمام يقصر وإن كان مقيما، ويقصر من خلفه من المسافرين والمقيمين، استدلالا بأن رسول الله قصر بعرفة، ولم يأمر من كان معه من أهل مكة بالإتمام، والواقع أن هذا الاستدلال ليس بالقوي بل هو ضعيف؛ إذ ليس فيه أنهم لم يتموا صلاتهم.
وكون الراوي لم يفصل لا يدل على شمول حكم القصر لهم إلا من مكان بعيد يقدم عليه ما هو أقرب منه في دلالته عند التعارض، والواقع أن هذا معارض لدليل أظهر منه وهو أصل التعبد بالأربع ركعات، وهذا
(1) السمر قندي، تحفة الفقهاء، ج 1، ص 405، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 412، والنووي، المجموع، ج 8، ص 91.
(2) السمر قندي، تحفة الفقهاء، ج 1، ص 405، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 169. (3) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 207.
(4) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 169. (5/109)
صفحة 2059
الرائد
61.)
الأصل لا ينتقل عنه إلا بما يساويه في الدلالة على الحكم أو ما هو أقوى
أما أن يأتي محتمل في مقابل نص صريح فلا يقبل في نقل الحكم.
منه،
ثم إنه لم يدل دليل على أن النسك مؤثر في عبادة الصلاة بل كانت على سننها قبل النسك، فجمعه في السفر وقصره كان أمرا معهودا يأتيه في النسك، وغيره وليس النسك بمؤثر شيئا.
أما جمع غير المسافرين في عرفة للصلاة على ظاهر الأمر والخلاف فيه موجود - فقد قلنا قبل إن سببه غير النسك.
ثم إنه لو صح أن أهل مكة قصروا صلاتهم مع النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة فليس
ذلك لأجل النسك بل لأصل السفر الذي يشرع م
معه
القصر؛ فإن عرفة تبعد
عن مكة بما يقارب اثنين وعشرين (22) كم فيسوغ معها القصر بل يجب على
الأظهر من أقوال أهل العلم.
والنبي - وهو ممن وطنه المدينة المنورة قصر اتفاقا في ذي الحليفة التي لا تبعد عن بيته إلا بأحد عشر (11) كم، وبعد عرفة عن مكة ضعف هذه المسافة، ولم يكن له في نسك بل ما كان لقصره سبب إلا وصف السفر. على أن الراجح من أقوال أهل العلم أن ليس للقصر في السفر مسافة (5/110)
صفحة 2060
الرائد
??? ? ? ????
تحدده ولا زمن، بل هو حكم يكلف به كل من تحقق فيه وصف السفر،
ووصف السفر يصدق على كل من خرج من حدود بلده ولو بشبر واحد. والناظر في ذي الحليفة التي قصر النبي فيها اتفاقا بين أهل العلم ما كانت تبعد كثيرا عن المدينة بل هي على ما يظهر حد المدينة من جهة مكة فيكون القصر فيها لأصل السفر وليس لقطعه مسافة معينة، إذ الأخير لو سلم به لما عدا أن يكون واقعة حال لا تخصص عموما ولا تقيد إطلاقا. والأدلة الشرعية ما التفتت إلى تحديد مسافة للقصر ولا مدة بل راعت أصل السفر، وهو وصف ظاهر مجاوز منضبط غير قاصر فيعلل الحكم الشرعي به، ومن السابق كله يظهر لك جليا أن ليس النسك بمؤثر في أصل عبادة الصلاة شيئا بل أحكامها قبل النسك هي أحكامها أثناءه.
وقال ابن عبد البر:
واحتجوا أيضا بما رواه يزيد بن عياض عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أن النبي استعمل عتاب بن أسيد على مكة وأمره أن يصلي بأهل مكة ركعتين، وهذا خبر عند أهل العلم بالحديث منكر لا تقوم به حجة لضعفه ونكارته.
(1) ابن عبد البر، التمهيد، ج 10، ص 14. (5/111)
صفحة 2061
الرائد
112
المطلب الخامس: رواتب الصلاتين والتنفل المطلق
ذهب جمع من الفقهاء إلى أنه لا يشرع لمن جمع الظهر والعصر أن يأتي شيئا من الرواتب كما هو الظاهر من فعل النبي، وقالوا إن تقديم العصر على وقتها ما كان إلا ليتوصل إلى الوقوف المقصود بالأصالة، ولئلا ينقطع وقوفه، فلأن لا يشتغل بالنافلة بين الصلاتين ليحصل هذا المقصود أولى". وفي المسألة خلاف نكتفي منه بالإشارة السابقة ومحله كتاب الصلاة، وقاعدتنا أن النسك لا يؤثر في هذه العبادة فيكون هذا الموضوع خارجا عن
كتاب الحج فلا نعرض له هنا.
(1) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 312،والسرخسي المبسوط، ج 4، ص 15، وابن
النجيم، البحر الرائق، ج 2، ص 362. (5/112)
صفحة 2062
الرائد
(113)
المبحث السادس: الوقوف بعرفة
المطلب الأول: معنى الوقوف بعرفة
يراد بالوقوف بعرفة الكون بها والحضور فيها مع غض الطرف عن كونه
قياما أو جلوسا أو اضطجاعا أو ركوبا)، والاختلاف بين أهل العلم في
تفاضل الهيئات السابقة شاهر، وسنأتي لذكره إن شاء الله.
وإنما كثر استعمالهم الوقوف هنا؛ لأنه أفضل الأحوال في حق أكثر
الناس، والركوب لا يتأتى في حق الأكثر).
وذكر بعض الفقهاء وقال إنه يكفي الكون بعرفة ولو كان الواقف على ظهر دابة أو شجرة فيها لا على غصن منها وهو خارج عن هوائها وإن كان أصلها فيها لأنه لا يصدق عليه الكون بها، ولا على غصن فيها دون أصلها. وقيل بل يصح الوقوف في الصورة الأخيرة؛ لأنه يصدق على صاحبه أنه كائن بعرفة وهو مستقر في نفسه على جرم في هواء عرفة فأشبه الواقف في
(1) الرملي، نهاية المحتاج، ج 3، ص 298، والدمياطي، إعانة الطالبين، ج 2، ص 287، والحطاب، مواهب الجليل، ج 3، ص 93، والدردير، الشرح الكبير، ج 2، ص 36.
(2) الحطاب، مواهب الجليل، ج 3، ص 93. (5/113)
صفحة 2063
الرائد
(310)
أرضه.
واختلف في الطيران في هوائها أيجزي صاحبه أو لا يجزيه، ومن رأى
الجواز نزل هواء عرفة منزلة أرضها).
وذهب بعض الفقهاء إلى وجوب الاستقرار مطمئنا، ورتبوا على السابق وجوب الدم على من مر بعرفة دون أن يستقر مع إجزاء مروره السابق عن الوقوف.
ومن الفقهاء من فضل للمرأة أن تكون قاعدة لأنه أستر لها.
ولكن اختلفوا في النية أهي من شروط الوقوف بعرفة أو ليست هي بشرط، ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن النية ليست بشرط للوقوف بعرفة بل المعتبر فيه الحضور في جزء من عرفات ولو في لحظة لطيفة بشرط كونه أهلا للعبادة سواء حضرها عمدا أو وقف مع الغفلة والبيع والشراء
(1) الشبراملسي الحاشية على نهاية المحتاج، ج 3، ص 298، والدمياطي، إعانة الطالبين ج 2، ص 287، والشرواني، حواشي الشرواني، ج 4، ص 09
(2) الشبراملسي، الحاشية على نهاية المحتاج، ج 3، ص 298.
(3) الحطاب، مواهب الجليل، ج 3، ص 94، والدردير، الشرح الكبير، ج 2، ص 37. (4) ابن جماعة، هداية السالك، ج 3، ص 1149. (5/114)
صفحة 2064
الرائد
(110)
والتحدث واللهو.
أو في حالة النوم أو اجتاز فيها في وقت الوقوف وهو لا يعلم أنها عرفات ولم يمكث أصلا بل مرَّ مسرعا في طرق من أطرافها، أو كان نائما على بعير فانتهى البعير إلى عرفات فمر بها البعير ولم يستيقظ راكبه حتى فارقها.
أو اجتازها في طلب غريم هارب بين يديه أو بهيمة شاردة أو غير ذلك
مما هو في معناه فيصح وقوفه في جميع هذه الصور ونحوها.
قال إمام الحرمين:
إن الحصول بعرفة كاف وإن لم يتفق لبث، حتى لو عبر بطرف من عرفة كفاه ذلك، ولا يشترط أن يكون حضوره إياها على علم منه بها، ولو لم يعرف حصوله بعرفة وقد كان حضر كفاه ذلك).
ومن هؤلاء من قال إنه لو حول نية الوقوف إلى غيره قصدا صح وقوفه،
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 171،والجويني نهاية المطلب، ج 4، ص 312، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 127، والنووي، المجموع، ج 8، ص 103، وابن
النجيم، البحر الرائق، ج 2، ص 365.
(2) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 312. (5/115)
صفحة 2065
الرائد
وقال إمام الحرمين: لا يمتنع طرد الخلاف في الوقوف إذا صرف قصدا عن جهة النسك، وقد ذكر قبل هذا أنه ليس هناك من تعرض لذكر الخلاف وإن استظهر حصول الوقوف)، ثم بين العلة الفارقة بين الطواف والوقوف بعرفة أن الوقوف في نفسه لا يتخيل قربة، والطواف قربة على حياله). واستدل هؤلاء بعموم قوله: وقد أتى عرفات قبل ذلك ليلا أو نهارا،
ولأنه حصل بعرفة في زمن الوقوف وهو عاقل فأجزاه كما لو علم".
واختلف هؤلاء الذين لا يشرطون النية للوقوف في المغمى عليه والمجنون، فذهب بعضهم إلى صحة وقوفها؛ لأنه لا يعتبر له نية ولا طهارة، ويصح من النائم فصح من المغمى عليه كالمبيت بمزدلفة.
قال ابن جعفر:
وقيل عن الربيع وغيره فيمن يؤم البيت فيغمى عليه فيهل عنه أصحابه
(1) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 312.
(2) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 312.
(3) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 211.
(4) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 56، وابن قدامة المغني، ج 3، ص 211، والحطاب،
مواهب الجليل، ج 3، ص 95. (5/116)
صفحة 2066
الرائد
بالحج ثم يقفون به في المناسك كلها أن ذلك يجزيه اهـ.
والمانعون قالوا إنه ركن من أركان الحج فلم يصح من المغمى عليه
كسائر أركانه، ولأنه ليس أهلا للعبادة، وإن قال بعض هؤلاء إنه يقع
نفلا كحج الصبي".
وجاء في مسائل أحمد برواية صالح:
المغمى عليه يوقف بعرفة؟ فقال: إذا لم يعقل الوقوف حتى ينفجر الفجر
فلا حج له، يروى عن الحسن وعطاء، وما علمت أن أحدا قال يجزيه. ومن احتج فزعم أن الحج عرفة فلو كان هذا على ظاهر الكلام فوقف بعرفة ورجع إلى أهله ووطئ وأصاب الصيد كان يلزمه أن يقول ليس عليه شيء؛ لأن الحج عرفة.
وإنما قوله الحج عرفة على السلامة إذا عمل ما يعمل الناس من طواف يوم النحر وهو الواجب؛ لأنه لم يختلف الناس فيهما علمنا أنه من لم يطف يوم النحر أنه يرجع حتى يطوف وإن كان قد أتى أهله.
(1) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 211، والمرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 30.
(2) الغزالي، الوسيط، ج 2، ص 657.
(3) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 416، والنووي، المجموع، ج 8، ص 104. (5/117)
صفحة 2067
الرائد
وذلك يشبه قول رسول الله له من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها، فإذا أدرك ركعة أفليس عليه أن يأتي بها على كمالها، وما أفسد آخرها أفسد أولها، وإنما ذلك على إكمالها، ومن قال إن المغمى عليه يجزيه الوقوف بعرفة فقد يجزيه أن لا يعيد الصلاة وكذلك الصوم، ولو أغمي عليه في يوم من رمضان حتى ينسلخ عنه رمضان أنه يجزيه عنه رمضان أنه يجزيه لأنه لم يطعم فيه)
ومن الفقهاء من طرد الخلاف في السكران كالمغمى عليه، ومنهم من قال
لا يجزيه إن كان سكره لمعصية تغليظا عليه، ومن قال بالإجزاء قال هو
كالصاحي).
قال في بيان الشرع:
ومن وقف بعرفة وهو سكران فلا إعادة عليه، وأما المجنون والمعتوه فإن وقف على تلك الحال فلا حج لهما، وإذا أفاق المجنون ووقف فله الحج". وذهب آخرون من أهل العلم إلى أن من شروط الوقوف بعرفة النية،
(1) أحمد بن حنبل، المسائل برواية صالح، ج 2، ص 111.
(2) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 416، والنووي، المجموع، ج 8، ص 104. (3) الكندي، بيان الشرع، ج 24، ص 60. (5/118)
صفحة 2068
الرائد
(19)
فمن لم تتحقق منه نية الوقوف لم يكن واقفا بعرفة؛ ولو كان بها؛ إذ الوقوف عبادة، وكل عبادة لا بد لها من نية
وعلى السابق لا يصح وقوف النائم إن استغرق نومه وقت الوقوف كله ولم تصحبه نية الوقوف، كما أنه لا يصح وقوف من مرَّ بعرفة وهو غير عالم بها لعدم تحقق النية منه، كما أنه لا يصح وقوف المغمى عليه ولا السكران ولا من حوّل نية الوقوف إلى غيرها كطلب غريم ونحو ذلك".
وجماع الأمر أنه إن لم تتحق نية الوقوف ولو للحظة من الزمان مع العقل والإسلام فليس ذلك الوقوف بمجز صاحبه، وهذا أولى الأقوال بالقبول سنا بالوقوف بعرفة بسنة بقية العبادات غير معقولة المعنى.
والاستدلال بإطلاق حديث عروة بن مضرس ضعيف إذ إنه وارد مورد ذكر حكم معين وهو ساكت عن غيره من الأحكام فلا تلغى لعدم ذكرها فيه، ألا ترى أنه لم يذكر الإحرام، ولا طواف الإفاضة، وباتفاق أن من لم
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 299، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 212، والمرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 30، وابن مفلح، الفروع، ج 3، ص 374، والدردير، الشرح الكبير،
ج 2، ص 37
(2) المرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 30. (5/119)
صفحة 2069
الرائد
(T.)
يأتهما حجه غير تام.
والنبي صلى الله عليه وسلم قال من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة، فهل يؤخذ من ذلك صحة صلاة من أدرك ركعة من الصلاة وهو غير متوضئ؟
المطلب الثاني: حكم الوقوف
لم يكن ثمة خلاف بين أهل العلم أن الوقوف بعرفة ركن من أركان
(1)
الحج لا يتم حج من لم يأته على الوجه المشروع خلا ما نقل عن الحسن أن الوقوف بعرفة واجب إلا أنه إن فاته ذلك قام الوقوف بجميع الحرم مقامه،
وسائر الفقهاء أنكروا ذلك على الحسن، واتفقوا على أن الحج لا يحصل إلا بالوقوف بعرفة).
وعلى السابق من لم يقف بعرفة لم يصح حجه سواء تركه لعذر أو غير
(1) الشماخي الإيضاح، ج 2، ص 410، والجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2، ص 161، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 171، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 125، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 208، والنووي، المجموع، ج 8، ص 103، وابن النجيم، البحر الرائق، ج 2، ص 364، والدردير، الشرح الكبير، ج 2، ص 36، والشنقيطي، أضواء البيان، ج 4، ص 434.
(2) الرازي، مفاتيح الغيب، ج 5، ص 151. (5/120)
صفحة 2070
الرائد
عذر بخلاف أركان الصلاة فإنها تجب
مع
القدرة وتسقط مع العجز، وسبب
الفرق أنه متى عجز عن أركان الحج أمكنه الاستنابة فيما عجز عنه في حياته
أو بعد موته بخلاف الصلاة المكتوبة فإنه لا نيابة فيها).
والدليل على الحكم السابق الحديث الصحيح الذي جاء من طريق وكيع عن سفيان عن بكير بن عطاء الليثي عن عبد الرحمن بن يعمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف بعرفة وأتاه أناس من أهل مكة فقالوا: يا رسول الله، كيف الحج؟
:قال الحج عرفة، فمن جاء قبل طلوع الفجر ليلة جمع فقد تم حجه، منى ثلاثة أيام فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه، ثم أردف رجلا خلفه يناديهن).
وقال بعض أهل العلم مدللا على ركنية الحج بأن الله تعالى قد قال: {وَلِلَّهِ
رج
عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) (3).
(1) ابن تيمية، شرح العمدة، ج 3، ص 572. (2) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 226. (3) سورة آل عمران، جزء من الآية (93). (5/121)
صفحة 2071
الرائد
وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم الحج بقوله "الحج عرفة" أي: الحج الوقوف بعرفة؛ إذ الحج فعل وعرفة مكان فلا يكون حجا فكان الوقوف مضمرا فيه فكان تقديره الحج الوقوف بعرفة.
والمجمل إذا التحق به التفسير يصير مفسرا من الأصل فيصير كأنه تعالى
قال: والله على الناس حج البيت، والحج الوقوف بعرفة، فظاهره يقتضي
يكون هو الركن لا غير إلا أنه زيد عليه طواف الزيارة بدليل خارجي
(1)
أن
ومن الفقهاء من استدل لوجوب الوقوف بعرفة بقوله تعالى {فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتِ فَاذْكُرُوا اللهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ).
وبيان ذلك أن الآية دالة على وجوب ذكر الله عند المشعر الحرام عند
الإفاضة من عرفات والإفاضة من عرفات مشروطة بالحصول في عرفات،
وما لا
يتم
الواجب إلا به وكان مقدورا للمكلف فهو واجب، فثبت أن الآية
دالة على أن الحصول في عرفات واجب في الحج.
فإذا لم يأت به فلم يكن آتيا بالحج المأمور به فوجب أن لا يخرج عن
(1) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 125.
(2) سورة البقرة، جزء من الآية (198). (5/122)
صفحة 2072
الرائد
(123)
العهدة، وهذا يقتضي أن يكون الوقوف بعرفة شرطا.
ومنهم من قال إن كلمة (إذا) لا تستعمل إلا في الأفعال التي لا بد من
وجودها كقولهم إذا احمر البسر، فأتني، ولا يقال إن احمر البسر، وذلك لأنها في الأصل ظرف لما يستقبل من الأفعال.
وهي تتضمن الشرط في الغالب فإذا جوزي بها كان معناه إيقاع الجزاء في الزمن الذي أضيف إليه الفعل فلا بد من أن يكون الفعل موجودا في ذلك الزمان وإلا خرجت عن أن تكون ظرفا.
ومعلوم أن الإفاضة من عرفات من أفعال العباد فالإخبار عن وجودها
يكون أمرا حتما بإيجادها نحو أن يترك بعض الناس وكلهم الإفاضة وصار
هذا بمنزلة إذا صليت الظهر فافعل كذا.
والسابق يصح
الاستدلال به أن لو قيل إن المأمورين بالإفاضة في الآية
هم عموم الناس، أما لو قيل إن المأمورين هم الحمس كما يفيد ذلك سبب
نزول الآية فإنه لا يتم الاستدلال بها على الوجوه السابقة).
(1) الزمخشري، الكشاف، ج 1، ص 274، والرازي، مفاتيح الغيب، ج 5، ص 151.
(2) ابن تيمية، شرح العمدة، ج 3، ص 572.
(3) القرطبي، الجامع لحكام القرآن، ج 2، ص 427. (5/123)
صفحة 2073
الرائد
124
الله
المطلب الثالث: موضع الوقوف
جاء النص النبوي بتحديد موضع الوقوف كما في حديث جابر بن عبد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وقفت ها هنا وعرفة كلها موقف
وعليه فعرفة كلها، موقف فلو وقف في أي جزء منها صح وقوفه إجماعا، وقد جاء صحيحا أن من الصحابة من وقف في غير موقف النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عمرو بن عبد الله بن صفوان عن يزيد بن شيبان قال: أتانا ابن مربع الأنصاري ونحن وقوف بالموقف مكانا يباعده عمرو فقال:
إني رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكم يقول: كونوا على مشاعركم فإنكم على إرث من إرث إبراهيم".
غير أن الفقهاء اختلفوا في تفاضل مناطق عرفات نفسها في الوقوف، فذهب الجماهير من أهل العلم إلى أن أفضل عرفات موضع وقوف النبي صلى الله عليه وسلم
(1) أحمد بن حنبل، المسند، ج 3، ص 320.
(2) النووي، المجموع، ج 8، ص 104.
(3) أخرجه الترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في الوقوف بعرفات والدعاء بها (883)،
وقال إثره: حسن صحيح. (5/124)
صفحة 2074
الرائد
(125
عند الصخرات الكبار المفترشة في أسفل جبل الرحمة).
وقد أقيم في موضع وقوف النبي صلى الله عليه وسلم مسجد صغير يعرف بمسجد الصخرات أسفل جبل الرحمة على يمين الصاعد إليه، وهو مرتفع قليلا عن الأرض يحيط به جدار قصير، وفيه صخرات كبار وقف عندها رسول الله
والموضع السابق محاط بجدار طوله من جهة القبلة 13.3 م، والجدار الذي على يمينه ويساره،8 م أما الجدار المقابل للقبلة فدائري غير مستقيم". ومن الفقهاء من استحب موقف الإمام على غيره، وقال بعض الفقهاء: وينزل مع الناس حيث شاء وبقرب الجبل أفضل، والبعد عن الناس في هذا المكان تجبر والحال حال تضرع ومسكنة، والإجابة في الجمع أرجى، ولأنه يأمن بذلك من اللصوص، وقيل لا ينزل على الطريق كي لا يضيق على
المارة).
(1) النووي، المجموع، ج 8، ص 104، والشوكاني، السيل الجرار، ج 2، ص 201.
(2) محمد إلياس تاريخ مكة، ص 118.
(3) ابن الهمام، فتح القدير، ج 2، ص 468، وابن النجيم، البحر الرائق، ج 2، ص 361. (5/125)
صفحة 2075
الرائد
وذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا تفاضل بين جنبات عرفة بل كلها على
حد سواء استدلالا بحديث "وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف).
لكن يعترض على السابق بأن هذا الحديث يفيد بدلالة النص كون عرفة كلها موقفا من حيث الإجزاء، وهذا لا يخالف فيه أحد، ولكنه ساكت عن التفضيل بين جنباتها إلا من لازم بعيد.
ومن السابق يكون الحديث أراد به النبي صلى الله عليه وسلم لفت أنظار الناس إلى عدم تعين مكان وقوفه، وفعله الناطق بظاهره كما هو الأصل- على تفضيل ذلك المكان على غيره فلا تنافي بين الأمرين ويجمع بين الحديثين السابقين بما ليس فيه إلغاء لأحدهما.
قاله
وقال بعض أهل العلم فضيلة الحرص على مكان وقوفه لا تنافي ما
أن من
عرفة كلها موقف؛ فإن تتبع آثاره والوقوف في مواقفه في حج
وغيره هو من أعظم مواطن التبرك التي تكون ذريعة إلى الخير وصلة إلى الرشد، وقد كان الصحابة} يبالغون في مثل هذا ويتنافسون فيه).
(1) الحطاب، مواهب الجليل، ج 3، ص 92.
(2) الشوكاني، السيل الجرار، ج 2، ص 201. (5/126)
صفحة 2076
الرائد
127
وعرفة ليست من الحرم بل هي خارجه، وحدها من الجبل المشرف على
(1)
عرنة إلى الجبال المقابلة له إلى ما يلي بساتين بني عامر).
تقع عرفات إلى الجنوب الشرقي من المسجد الحرام على بعد 22 كم عبر شارع المسجد الحرام، وموقعها فلكيا بين دائرتي عرض 57،21، 39 39، 49، 39 شرقا، وإجمالي مساحتها 10.4 كم، وتعيينها الآن ميسور لوجود اللوحات الإرشادية التي تبين حدودها).
ويذكر الفقهاء وادي عرنة وأنه لا يجزي الوقوف فيه؛ إذ ليس هو من
عرفة (3).
وقد جاء ما يؤيد السابق من الآثار المرفوعة حديث هشام بن عمار ثنا القاسم بن عبد الله العمري ثنا محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
كل عرفة موقف وارتفعوا عن بطن عرنة، وكل المزدلفة موقف وارتفعوا
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 171، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 207.
(2) محمد إلياس تاريخ مكة، ص 115.
(3) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 287، والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 2،
ص 418، والجيطالي، مناسك الحج، ج 2، ص 281. (5/127)
صفحة 2077
الرائد
عن بطن محسر، وكل منى منحر إلا ما وراء العقبة.
والحديث أخرجه ابن ماجه) من الطريق المذكور غير أنه لا يثبت بل هو
ضعيف جدا؛ إذ فيه القاسم بن عبد الله بن عمر العمري، وهو ممن لا يقبل حديثه فقد قال أحمد بن حنبل: مديني كذاب كان يضع الحديث ترك الناس
حديثه.
وقال يحيى بن معين: هو ضعيف ليس بشيء، وقال أبو حاتم: هو متروك، وقال أبو زرعة: ضعيف لا يساوي شيئا، متروك الحديث، منكر الحديث، وقال ابن حبان رديء الحفظ كثير الوهم ممن يقلب الأسانيد حتى يأتي بالشيء الذي يشبه المعمول.
وجاء من طريق جبير بن مطعم مرفوعا بلفظ: كل عرفات موقف وارفعوا عن عرنة، وكل مزدلفة موقف وارفعوا عن محسر، فكل فجاج منى
منحر، وفي كل أيام التشريق ذبح (3)
(1) کتاب المناسك باب الموقف بعرفات (3012).
(2) ابن أبي حاتم الجرح والتعديل، ج 7، ص 111، وابن حبان، المجروحين، ج 2،
ص 212، وابن عدي الكامل، ج 6، ص 34.
(3) ابن حبان، صحيح ابن حبان، ج 9، ص 166. (5/128)
صفحة 2078
الرائد
129
غير أن في هذا الإسناد عللا يقصر بها عن الصحة، وبيان ذلك أن مدار طرقه على سليمان بن موسى الأموي المعروف بالأشدق، وقد اضطرب فيه كثيرا جدا فقد رواه أحمد) والبيهقي) من طريق أبي المغيرة عبد القدوس بن الحجاج وأبي اليمان الحكم بن نافع الحمصي حدثنا سعيد بن عبد العزيز حدثنا سليمان بن موسى عن جبير بن مطعم مرفوعا.
ومع
علة اضطراب سليمان بن موسى لم يلق هو جبير بن مطعم كما يقول
البخاري: سليمان لم يدرك أحدا
صار الله (3)
من أصحاب النبي فيكون ذلك علة
(4)
أخرى للحديث، وقال البيهقي عن هذا الحديث إنه مرسل ولعله يقصد
السابق.
وجاء الحديث من طريق أبي نصر التمار عبد الملك بن عبد العزيز حدثنا
سعيد بن عبد العزيز عن سليمان بن موسى عن عبد الرحمن بن أبي حسين عن
(1) أحمد بن حنبل، المسند، ج 4، ص 82. (2) البيهقي، السنن الكبرى، ج 9، ص 295.
(3) الترمذي، العلل، ص 102.
(4) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 239. (5/129)
صفحة 2079
الرائد
(r.)
جبير بن مطعم مرفوعا، رواه البزار)، وابن حبان (3)، والبيهقي
وقد
(3)
رجح البزار هذا الوجه للحديث مع ضعفه وقال إثر روايته
وحديث ابن أبي حسين هذا هو الصواب، وابن أبي حسين لم يلق جبير بن
مطعم.
ومع العلة التي أفادها البزار عبدالرحمن بن أبي حسين لم يوثقه أحد خلا ابن حبان بإيراده إياه في الثقات وروايته الحديث في صحيحه، وقد تقدم أن ابن حبان لا يعتمد على توثيقه إذا ما انفرد به.
وجاء الحديث من طريق سويد بن عبد العزيز عن سعيد بن عبد العزيز
عن سليمان بن موسى عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه، أخرجه
(6)
الدارقطني)، والبيهقي، والطبراني، والبزار)، وقال إثره:
(1) البزار، المسند، ج 8، ص 363.
(2) ابن حبان، صحيح ابن حبان، ج 9، ص 166.
(3) البيهقي، السنن الكبرى، ج 9، ص 295.
(4) ابن حبان، الثقات، ج 5، ص 109.
(5) الدارقطني، السنن، ج 4، ص 284.
(6) البيهقي، السنن الكبرى، ج 9، ص 296. (5/130)
صفحة 2080
الرائد
وهذا الحديث لا نعلم أحدا قال فيه عن نافع بن جبير عن أبيه إلا سويد
بن عبد العزيز، وهو رجل ليس بالحافظ ولا يحتج به إذا انفرد بحديث.
وجاء الحديث من طريق أبي معيد حفص بن غيلان عن سليمان بن أن عمرو بن دينار حدثه عن جبير بن مطعم مرفوعا، أخرجه موسي
البيهقي"
وجاء من طريق الوليد بن مسلم عن حفص بن غيلان عن سليمان بن
موسى عن محمد بن المنكدر عن جبير بن مطعم مرفوعا.
ومن السابق يظهر الاضطراب الشديد في رواية سليمان بن موسى
فقد
رواه عن جبير بن مطعم تارة -وهو لم يلقه، ورواه عنه بالواسطة تارة
أخرى.
واختلف عليه في الواسطة فمرة يقول عبد الرحمن بن أبي حسين، ومرة يقول نافع بن جبير، ومرة يقول عمرو بن دينار، ومرة يقول محمد بن
(1) الطبراني، المعجم الكبير، ج 2، 138.
(2) البزار، المسند، ج 8، ص 363.
(3) البيهقي، السنن الكبرى، ج 9، ص 296.
(4) الطبراني، مسند الشاميين، ج 2، ص 389. (5/131)
صفحة 2081
الرائد
(r)
المنكدر، والحديث يضعف بأقل من ذلك الاضطراب، قال ابن عبد البر: وهو حديث في إسناده اضطراب).
وقد قال أبو حاتم محله الصدق وفي حديثه بعض الاضطراب، وقال النسائي: أحد الفقهاء ليس بالقوي في الحديث، وقال البخاري: عنده مناكير).
وقال أيضا فيما نقله الترمذي وسليمان بن موسى منكر الحديث، أنا لا
أروي عنه شيئا، روى سليمان بن موسى أحاديث عامتها مناكير).
وجاء من طريق محمد بن يحيى ثنا محمد بن كثير العبدي ثنا سفيان بن عيينة عن زياد بن سعد عن أبي الزبير عن أبي معبد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ارفعوا عن بطن عرنة وارفعوا عن بطن محسر)
(7)
(1) ابن عبد البر، التمهيد، ج 12، ص 131. (2) ابن أبي حاتم الجرح والتعديل، ج 4، ص 141.
(3) النسائي، الضعفاء والمتروكين، ص 49.
(4) البخاري، الضعفاء الصغير، ص 53.
(5) الترمذي، العلل، ص 257.
(6) ابن خزيمة، صحيح ابن خزيمة، ج 4، ص 254. (5/132)
صفحة 2082
الرائد
(133
وجاء الحديث مرسلا بإسناد صحيح كما يقول الحافظ ابن حجر - من طريق محمد بن يعقوب ثنا يحيى بن أبي طالب أنبأ عبد الوهاب بن عطاء قال ابن جريج وأخبرني محمد بن المنكدر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: عرفة كلها موقف
وارتفعوا عن بطن عرنة، والمزدلفة كلها موقف وارتفعوا عن محسر).
وجاء الحديث مرسلا من طريق سويد قال: أخبرنا ابن المبارك عن
سفيان عن زيد بن أسلم عن النبي الله قال: عرفة كلها موقف إلا عرنة وجمع كلها موقف إلا محسرا
(2)
ورواه ابن أبي شيبة قال: حدثنا ابن عيينة عن ابن المنكدر وزيد بن أسلم
قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عرفة كلها موقف وارتفعوا عن بطن عرنة).
وجاء الحديث موقوفا على ابن عباس بإسناد صحيح -كما يقول الحافظ ابن حجر - من حديث عبد الله بن هاشم ثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج قال: أخبرني عطاء عن ابن عباس قال: كان يقال ارتفعوا عن محسر وارتفعوا
(1) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 115.
(2) الطبري، جامع البيان، ج 2، ص 289 (3) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 245. (5/133)
صفحة 2083
الرائد
134
عن عرنات).
وجاء الحكم السابق من حديث محمد بن عمر ثنا صالح بن خوات عن
يزيد بن رومان عن حبيب بن عمير عن حبيب بن خماشة الخطمي له قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بعرفة: عرفة كلها موقف إلا بطن عرنة، والمزدلفة كلها موقف إلا بطن محسر).
ورواه إسحاق بن راهويه عن عبد الرزاق عن معمر عن ابن المنكدر عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: عرفة كلها موقف وارفعوا عن عرنة، والمزدلفة كلها موقف وارفعوا عن محسر، وفجاج مكة كلها منحر (3)
كما جاء الحكم السابق معللا بسبب النهي كما في حديث النهي كما في حديث أحمد بن محمد بن عباد الجوهري البغدادي: قال نا محمد بن زياد بن زبار الكلبي قال: نا شرقي بن القطامي قال: سمعت أبا طلق العائذي يحدث عن شراحيل بن
القعقاع عن عمرو بن معدي كرب الزبيدي قال:
(1) ابن خزيمة، صحيح ابن خزيمة، ج 4، ص 254. (2) ابن حجر، المطالب العالية، ج 7، ص 15.
(3) إسحاق بن راهويه، المسند، ج 1، ص 363. (5/134)
صفحة 2084
الرائد
Gro)
رأيتنا وقوفا ببطن محسر نخاف أن تتخطفنا الجن فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:
ارتفعوا عن بطن عرنة؛ فإنهم إخوانكم إذ أسلموا.
غير أن هذا لا يثبت فشرقي بن قطامي ضعيف، وقد بينا الحديث
وضعفه في الجزء الثاني في مبحث التلبية.
وإلى عدم صحة وقوف من وقف في عرنة الجماهير من أهل العلم،
وهو الراجح عند المالكية، وحكى سند منهم الاتفاق عليه، بل حكي على
عدم الإجزاء الإجماع.
قال الحافظ ابن عبد البر:
وأجمعوا أن الوقوف ببطن عرنة من عرفة لا يجوز لقول رسول الله:
وارتفعوا عن بطن عرنة، واختلفوا فيمن وقف بها ولم يقف من عرفة بغيرها
فقال مالك: يهريق دما وحجه تام.
(1) الطبراني، المعجم الأوسط، ج 2، ص 379.
(2) النووي، المجموع، ج 8، ص 113.
(3) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 2، ص 418، والحطاب، مواهب الجليل، ج 3،
ص 97.
(4) ابن عبد البر، التمهيد، ج 10، ص 22. (5/135)
صفحة 2085
الرائد
(136
وعند المالكية خمسة أقوال في الوقوف بعرنة أولها الإجزاء مطلقا، وثانيها
عدم الإجزاء مطلقا، وثالثها الإجزاء مع الدم ورابعها الوقف، وخامسها الإجزاء مع الكراهة.
ورواية الإجزاء مع الدم حكاها ابن المنذر عن الإمام مالك وليست مشهورة عند المالكية بل إنه قد ضعفها جماعة من كبارهم وهو الأليق بها، قال الشنقيطي والظاهر أنه لم يصح عن مالك.
ومن الفقهاء من يضيف إلى عرنة موضع الأراك فلا يجزي الوقوف
عليه (3).
ولا أدري ما موضع الأراك هذا أهو من عرفة واستثني، أو أنه من الأصل ليس من عرفة.
وقد كان أهل قريش لا يقفون في عرفة بحجة أنهم أهل الحرم فلا يخرجون منه، غير أن النبي الله لقد خالفهم في أمرهم السابق فوقف في عرفة
(1) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 256، والحطاب، مواهب الجليل، ج 3، ص 97.
(2) الشنقيطي، أضواء البيان، ج 4، ص 441.
(3) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 287، والجيطالي، مناسك الحج، ج 2، ص 281. (5/136)
صفحة 2086
الرائد
(ry)
كما في حديث هشام عن أبيه عن عائشة قالت: كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون الحمس، وكان سائر العرب يقفون بعرفات.
فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأتي عرفات ثم يقف بها ثم يفيض منها، فذلك قوله تعالى {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ)).
وقد عجب أحد الصحابة لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم واقفا بعرفة ولم يسلك ما كان عليه أهل الحرم في الوقوف بالمزدلفة كما في حديث مسدد حدثنا سفيان عن عمرو سمع محمد بن جبير عن أبيه جبير بن مطعم قال: أضللت بعيرا لي فذهبت أطلبه يوم عرفة فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم واقفا بعرفة فقلت: هذا والله من الحمس فما شأنه ها هنا).
ولأهل العلم خلاف في المراد بالحمس فقيل لأنهم تحمسوا في دينهم، والحماسة الشدة يقال رجل أحمس وقوم حمس، أي أشداء، وتشدد أهل قريش لأنهم كانوا لا يقفون في عرفات ويقولون لا نخرج من الحرم ولا نتركه في
(1) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ
(4248)
(2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: الوقوف بعرفة (1581). (5/137)
صفحة 2087
الرائد
وقت الطاعة وكان غيرهم من الناس يقفون بعرفة.
الثاني: أنهم سموا حمسا بالكعبة لأنها حمس، حجرها أبيض يضرب إلى
السواد.
المطلب الرابع: وقت الوقوف
أولا: أول وقت الوقوف
لم تكن كلمة أهل العلم متفقة في أول وقت الوقف المشروع مع اتفاقهم أن النبي ما شرع في وقوفه إلا بعد الزوال.
ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أن أول وقت الوقوف هو زوال الشمس من يوم التاسع من ذي الحجة)، وحكي على هذا القول الإجماع، قال ابن عبد البر:
وأجمعوا على أن من وقف بعرفة يوم عرفة قبل الزوال ثم أفاض منها
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 171، الرازي، مفاتيح الغيب، ج 5، ص 51 (2) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 55، والجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 311، والنووي، المجموع، ج 8، ص 99، والجيطالي، مناسك الحج، ج 2، ص 284، والدردير، الشرح
الكبير، ج 2، ص 37، والحطاب، مواهب الجليل، ج 3، ص 94. (5/138)
صفحة 2088
الرائد
(ra)
قبل الزوال أنه لا يعتد بوقوفه قبل الزوال، وأنه إن لم يرجع فيقف بعد الزوال أو يقف من ليلته تلك أقل وقوف قبل الفجر فقد فاته الحج.
قليل.
ونقل الإجماع السابق القرطبي، ولا إجماع في الحقيقة كما سيظهر بعد
كما نقل الشوكاني الإجماع على أن مبدأ الوقوف هو زوال الشمس، ونص على تقييد مطلق النهار الوارد في حديث عروة بن مضرس -كما سيأتي- بالإجماع.
وعجيب حال الشوكاني فإنه نص في مواضع كثيرة من كتبه على أن الإجماع الذي يذكره الفقهاء ليس بحجة لعدم إمكان نقله، فلا أدري لم أخذ به هنا مع شهرة الخلاف في القضية.
وعلى السابق ليس بمعتد بوقوف من وقف قبل الزوال من اليوم المذكور وأفاض من عرفات قبل الزوال، فيكون صاحبه كمن لم يقف.
(1) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 281.
(2) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 2، ص 415.
(3) الشوكاني، السيل الجرار، ج 2، ص 200.
(4) الشوكاني، إرشاد الفحول، ص 133. (5/139)
صفحة 2089
الرائد
(140
ومن أهل العلم من قال إنه يشترط كون الوقوف بعد الزوال وبعد مضي
وقت يمكن أن تصلى فيه صلاة الظهر.
صلاة
وعلى هذا فمن كان وقوفه بعد الزوال مباشرة وامتد فترة أقل من الظهر ثم أفاض من عرفات قبل تحقق الوقت المذكور فليس بنافع له وقوفه
السابق.
وذهب آخرون من أهل العلم إلى أن وقت الوقوف المشروع يبدأ بطلوع فجر اليوم التاسع من ذي الحجة، فمن وقف في أي ساعة بعد الفجر أجزاه
وقوفه).
وعلة الخلاف السابق تعارض مطلق قول النبي صلى الله عليه وسلم مع فعله، وذلك لأن الثابت من فعله لا لا لا أنه ما كان مبدأ وقوفه إلا بعد زوال الشمس، وهذا يفيد تحديد أول الوقوف.
أما قوله الذي استفيد منه أن مبدأ وقت الوقوف هو طلوع الفجر فحديث وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن عروة بن مضرس
(1) النووي، المجموع، ج 8، ص 102.
(2) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 211، والمرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 29. (5/140)
صفحة 2090
الرائد
(141)
الطائي أنه حج على عهد النبي الله فلم يدرك الناس إلا وهم بجمع قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله أتعبت نفسي وأنصبت راحلتي،
والله ما تركت حبلا من الحبال إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صلى معنا هذه الصلاة وقد أفاض قبل ذلك من
عرفات ليلا أو نهارا فقد قضى تفثه وتم حجه).
فقوله "نهارا" مطلق لم يقيده بكونه بعد الزوال ولا قبله، وهذا الإطلاق يجعل الحكم صحيحا فيما يصدق عليه لفظ النهار والنهار وقت لما بعد الفجر إلى غروب الشمس.
أما قول ابن عبد البر وأجمعوا على أن المراد بقوله في هذا الحديث "نهارا" لم يرد به ما قبل الزوال -كما تقدم عنه- - فَرَدُّ عليه إذ لا إجماع في الحقيقة بل الخلاف شهير في المسألة كما تقدم.
والفرقاء السابقون كانت لهم ضروب من التأويل لأدلة خصومهم، فالقائلون بالاحتجاج بالفعل - وهم الجمهور - ذكروا أن إطلاق النهار في حديث عروة بن مضرس مقيد بفعل النبي الله، وحمل المطلق على المقيد من
(1) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 226. (5/141)
صفحة 2091
الرائد
142
حيث الأصل أمر متفق عليه.
ودلائل الحال وقرائن الواقعة تعين السابق، ومن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الوقوف قبل الزوال بل كان خارج عرفة حينها إلى أن آذنت الشمس بالزوال، وبعدما زالت الشمس خطب وصلى ثم وقف، وقد أشعر كلام الراوي أنه قد قصد الزوال نفسه مما يعني أنه حد له.
وقال بعض أهل العلم إن النبي الله وقف بعد الزوال فكان مبينا وقت
الوقوف بفعله فدل أن ابتداء الوقوف بعد الزوال.
وابن عمر لما احتج على الحجاج بن يوسف قال له بعد الزوال: الرواح
إن كنت تريد السنة كما تقدم ذلك عنه.
ثم إنه مع فعل النبي السابق تواتر العمل لدى الأمة عليه فالخلفاء الراشدون ومن بعدهم إلى اليوم ما كان وقوفهم إلا بعد الزوال، وما ثمة نقل
عن أحد منهم أنه وقف قبل الزوال.
أما أصحاب الاحتجاج بالحديث القولي فلهم أن يتخلصوا من ربقة
(1) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 55.
(2) النووي، المجموع، ج 8، ص 112. (5/142)
صفحة 2092
الرائد
(143
الدليل الفعلي بالقول إن النبي صلى الله عليه وسلم وقف في الوقت الأفضل لكن ذلك لا صحة غيره وهم قائلون إن أفضل الأوقات هو الوقوف بعد الزوال.
ينفي
ثم إن وقت ما قبل الزوال من يوم عرفة فكان وقتا للوقوف كبعد الزوال.
ثم إن في القول المجتزي بوقوف من وقف قبل الزوال على هذا الرأي- عملا بما أفاده دليلان فيكون الأول منهما وهو الحديث القولي محمولا على الإجزاء من باب التيسير.
النبي
ويدلك على السابق أنه ذكر الإجزاء لمن وقف ساعة من ليل مع أن أفاض بعد تحقق الليل مباشرة ولم يكن الليل محلا للوقوف بل اقتضى الساعة اليسيرة منه إلى أن يتحقق غروب الشمس واجب استيعاب النهار بالوقوف، ومع السابق لم يأخذ العلماء بالفعل وأنه تجب الإفاضة بتحقق الغروب بل حكي الاتفاق على العمل بإطلاق كلمة ليل الواردة فيه أن فيها معارضة للفعل كما هو الحال في النهار.
مع
وقال هؤلاء: أما الدليل الثاني وهو الفعلي فلم نصر إلى إلغائه بل
أخذنا
(1) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 211. (5/143)
صفحة 2093
الرائد
(144)
منه حكما وهو أن أفضل أوقات البدء في الوقوف هو الزوال كما أن صلاة الوتر يبدأ وقتها بصلاة العشاء ولو كانت الصلاة أول الوقت، غير أن الأفضل فيها ما بينته السنة الفعلية من حرص النبي صلى الله عليه وسلم على أدائها في ثلث الليل الآخر
ثم إن في ترجيح الأخذ بالحديث الفعلي على الوجه الذي أخذ به الجمهور إلغاء لجزء من الحديث القولي وهو نهار ما قبل الزوال، أما الأخذ بما يفيده الحديث القولي فلا إلغاء فيه بل هو أخذ بما أفادته نصوص الشارع
بدلالاتها المختلفة.
ومع
القوة النظرية لهذا القول إلا أن قول الجمهور الذي تواطأ العمل عليه من فعل النبي الله ثم أصحابه وأكثر الأمة أقرب إلى النفس، وفاعله يجزيه فعله اتفاقا، أما من اقتصر على الوقوف قبل الزوال، وأفاض قبله فهو على مذهب الجماهير من أهل العلم كمن لم يقف.
أما القول الذي فيه أن وقت الوقوف يبدأ بعد مضي جزء من النهار تصلى فيه الظهر عادة فراعى أصحابه إن كان ثمة آخذون به حقا- فعل النبي وذلك أنه توجه إلى الوقوف بعد الصلاتين وليس بعد الزوال
مباشرة. (5/144)
صفحة 2094
الرائد
145
وهذا رأي فيه نظر إذ يلزم أصحابه على هذا إن كانت المراعاة لظاهر
الفعل أن يشرط لصحة الوقوف مضي وقت الخطبة والصلاتين معا، وهذا ما
لا يقول به أحد.
قال الرملي:
وإنما لم يعتبر هنا مضي قدر الخطبتين والصلاة بعد الزوال للإجماع على اعتبار الزوال، بل جوزه أحمد، قبله فالوجه القائل باشتراط ذلك كما في الأضحية شاذ، ولعل الفرق التسهيل على الحاج لكثرة أعماله فوسع له الوقت ولم يضيق عليه باشتراط توقفه على شيء آخر بعد الزوال بخلاف المضحي".
وتبقى القضية في تعيين أول وقت الوقوف مشكلة بين القولين المشهورين فيها، والأولى بالإنسان أن يأخذ فيها بالدليل الاحتياطي وهو
قول الجمهور خروجا من الإشكال السابق.
ثانيا: آخر الوقت
ذكر غير واحد من أهل العلم الاتفاق على أن آخر وقت الوقوف بعرفة
(1) الرملي، نهاية المحتاج، ج 3، ص 299. (5/145)
صفحة 2095
الرائد
هو طلوع الفجر من يوم النحر.
(1)
146
وفي حكاية الاتفاق السابق نظر؛ فإن ثمة علماء يقولون إن الليل ليس
بوقت للوقوف رأسا بل الوقوف من زوال الشمس إلى غروبها، وليس
بمعتد بوقوف من وقف بعد غروب الشمس.
قال الإمام أبو المؤثر البهلوي:
وإن غربت الشمس قبل أن يقف بعرفات ثم وقف فقد فاته الحج، وإن دخل أول عرفات وقد غاب من الشمس قرن فقد فاته الحج".
ومنهم من اجتزى بالوقوف لو غاب بعض الشمس ولم تغب كلها إذ
حكم النهار باق لا يزول إلا بغيابها كلها.
وصرح بعض هؤلاء أن الواجب أن لا تغيب الشمس إلا والناسك
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 171، والجويني، نهاية نهاية المطلب، ج 4، ص 311، وابن ج 4،
قدامة، المغني، ج 3، ص 211.
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 286، والبسيوي، الجامع، ج 2، ص 276، والنووي،
المجموع، ج 8، ص 102.
(3) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 286.
(4) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 299، والشقصي منهج الطالبين، ج 7، ص 262. (5/146)
صفحة 2096
الرائد
147
واقف بعرفة، وصرح بعضهم أنه إذا وقف الواقف بعرفات وذكر الله فقال: الحمد لله وسبحان الله ولا إله إلا الله والله أكبر ويسبح الله ثلاث مرات ثم غاب من الشمس قرن فقد أدرك الوقوف بعرفات.
ومنهم من قال إنه وقت إلا أنه لو أخر الإحرام إلى الليل لم يحز، ولو أحرم نهارا ووقف ليلا جاز".
لكن اتفقوا أن من طلع عليه الفجر وهو لم يقف سواء فاته الوقوف
لعذر حصر أو غيره أو لغير عذر فقد فاته الحج)
وأشار بعضهم إلى أن هناك من قال إن وقت الوقوف بعرفة يمتد إلى ما
بعد الفجر إلى طلوع الشمس.
ولعل مما يؤيد السابق حديث حجاج بن الشاعر أنا يعقوب بن إبراهيم ثنا أبي عن ابن إسحاق حدثني شعبة بن أبي هند عن رجل من المغرب من أهل البادية - وقليل من أهل البادية من يكذب في مثل هذا الحديث أن أباه
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 285.
(2) الغزالي، الوسيط، ج 2، ص 658.
(3) المرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 62، والشنقيطي، أضواء البيان، ج 4، ص 434. (4) علي القاري، مرقاة المفاتيح، ج 5، ص 605. (5/147)
صفحة 2097
الرائد
(V 31)
حدثه قال الرسول الله صلى الله عليه وسلم:
يا نبي الله أرأيت من فاتته الدفعة من عرفات؟
فقال له رسول الله: إن وقفت عليها قبل الفجر فقد أدركت، فقلت:
يا نبي الله، أرأيت إن أدركتني الفجر؟ فقال لي رسول الله: إن وقفت عليها قبل أن تطلع الشمس فقد أدركت.
والحديث أخرجه مسلم في كتاب التمييز)، وقد حكم على الرواية فقال: رواية فاسدة بلا عاضد لها في شيء من الروايات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتفق العلماء على القول بخلافها.
ثم قال: واتفاق العلماء على ما وصفنا أن رواية ابن إسحاق التي رواها فجعل إدراك الحج فيها إلى بعد الصبح قبل طلوع الشمس رواية ساقطة وحديث مطرح؛ إذ لو كان محفوظا وقولا مقولا بمثل سائر الموجبات لم
يذهب عن جميعهم "
بدأ النبي وقوفه بعرفة بعد زوال الشمس وما خرج منها إلا بعد تحقق
(1) مسلم بن الحجاج، التمييز، ص 200.
(2) مسلم بن الحجاج، التمييز، ص 201. (5/148)
صفحة 2098
الرائد
149
غروبها، لذا قال أهل العلم إنه يجب الوقوف إلى حين غروب الشمس،
وذكروا علة للسابق وهي جمع الواقف بين الليل والنهار.
ومما يدل على الوجوب السابق مع فعل النبي - نص الشارع على أن الإفاضة بعد غروب الشمس أمر مشروع ليخالف به عوائد المشركين التي جرت على الإفاضة قبل الغروب والشمس على رؤوس الجبال، وما كان مشروعا للمقصد السابق مع الفعل منه الله فلا أقل من أن يقال بوجوبه كما في حديث أبي عبيدة قال: لما أتم حجه النبي صلى الله عليه وسلم) خطب الناس بعرفة فقال: إن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون من عرفات إذا صارت الشمس على رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوههم.
ويدفعون من المزدلفة إذا طلعت الشمس على رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوههم، وإنا لا ندفع من عرفات حتى تغرب الشمس ويفطر
الصائم.
وندفع من المزدلفة غدا - إن شاء الله - قبل طلوع الشمس، هدينا مخالف
(1) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 210، وابن النجيم، البحر الرائق، ج 2، ص 365. (5/149)
صفحة 2099
الرائد
(10.)
لهدي أهل الشرك والأوثان.
والحديث السابق جاء أيضا من حديث عبد الوارث بن سعيد عن ابن
جريج عن محمد بن قيس بن مخرمة عن المسور بن مخرمة قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
أما بعد: فإن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون من ها هنا عند غروب
الشمس حين تكون الشمس على رؤوس الجبال مثل عمائم الرجال على رؤوسها فهدينا مخالف لهديهم.
وكانوا يدفعون من المشعر الحرام عند طلوع الشمس على رؤوس الجبال
مثل عمائم الرجال على رؤوسها فهدينا مخالف لهديهم.
والحديث أخرجه الحاكم وقال إثره: حديث صحيح على شرط الشيخين
ولم يخرجاه)، وقال النووي: إسناده جيد).
لكن
مع
تقرر الوجوب السابق اختلفوا فيمن أفاض قبل غروب
(1) أخرجه الربيع في كتاب الحج، باب: في عرفة والمزدلفة ومنى (422).
(2) الحاكم، المستدرك، ج 2، ص 304.
(3) النووي، المجموع، ج 8، ص 117. (5/150)
صفحة 2100
الرائد
(101)
الشمس من عرفات وخرج منها والقرص الشمسي لم يتوار بعد منتهكا بذلك أمر الشارع، ولم يرجع إليها حتى توارت الشمس بالحجاب.
ذهب جمع من أهل العلم إلى أنه لا حج له، وقال هؤلاء إن الوقوف
بعرفة بعد الغروب ساعة ليلة النحر فريضة يفوت الحج بفواته، وأما الوقوف به جزءا من النهار فواجب ينجبر بالدم.
ومن
آثار القول السابق قول الجزولي من المالكية: يستحب
أن يقوم
بالناس الإمام المالكي لأنه إذا كان غير المالكي يفسد على المالكيين حجهم؛
لأنه ينفر قبل الغروب وإن كان مالكيا لن ينفر إلا بعد الغروب. واعترض الحطاب الجزولي فقال: هذا ليس بلازم؛ لأن الأمة مجمعة على
طلب الوقوف في جزء من الليل.
كما نقل الحطاب عن ابن بشير من المالكية أنه قال: لو دفع من عرفة قبل
(1) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 352، والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 2، ص 416، والجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 311، والسالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 232، والشنقيطي، أضواء البيان، ج 4، ص 434.
(2) الحطاب، مواهب الجليل، ج 3، ص 94، النفراوي، الفواكه الدواني، ج 2، ص 274.
(3) الحطاب، مواهب الجليل، ج 3، ص 94. (5/151)
صفحة 2101
الرائد
152
الغروب مغلوبا فهل يجزيه أو لا قولان نفي الإجزاء أصل المذهب، وثبوته مراعاة للخلاف، ونقله التادلي وابن فرحون والقول بالإجزاء ليحيى بن عمر في أهل الموسم ينزل بهم ما نزل بالناس سنة الغلو من هروبهم من عرفة قبل أن يتموا الوقوف أنه يجزيهم ولا دم عليهم.
وهؤلاء استدلوا بحديث إبراهيم بن حماد عن أبي عون محمد بن عمرو بن عون عن داود بن جبير عن أبي هاشم رحمة بن مصعب الفراء الواسطي عن ابن أبي ليلى عن عطاء عن نافع عن ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من وقف بعرفات بليل فقد أدرك الحج ومن فاته عرفات بليل فقد فاته الحج.
واعترض ابن حزم الاستدلال بالسابق بقوله:
هذا عورة؛ لأن أبا عون بن عمرو ورحمة بن مصعب وداود بن جبير مجهولون لا يدرى من هم، وابن أبي ليلى سيء الحفظ، وعلى هذا الخبر يبطل حج النبي، لأنه لم يقف بعرفة بليل إنما دفع منها في أول أوقات الليل". كما اعترض على الحديث بأنه خص الليل؛ لأن الفوات يتعلق به إذا كان
(1) الحطاب، مواهب الجليل، ج 3، ص 94.
(2) ابن حزم، المحلى، ج 7، ص 122. (5/152)
صفحة 2102
الرائد
153
يوجد بعد النهار فهو آخر وقت الوقوف كما قال: من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها، ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تدرك الشمس فقد أدركها).
وبنى الكاساني - وهو من أرباب القول بصحة الحج - رده على الدليل بافتراضه مقتصرا على الشطر الأول منه وتعقبه بكونه مفهوما لا منطوقا، والحنفية لا يقولون بدليل الخطاب خلافا لجماهير العلماء).
لكن يشكل عليه أن الشطر الثاني من الحديث مفيد الحكم المراد بمنطوقه، وليس الاقتصار فيه على الشطر الأول الذي يفيد الحكم بمفهومه.
كما تعقب الدليل السابق بتضعيف موطن الشاهد وهو قوله "ومن فاته عرفة بليل"، وعلة ذلك خلو الروايات المشهورة منه (3).
ومما استدل به للسابق حديث سعيد بن منصور نا هشيم أنا ابن أبي ليلى نا عطاء يرفع الحديث قال: من أدرك عرفة بليل فقد أدرك الحج، ومن فاته
(1) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 210. (2) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 126.
(3) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 55. (5/153)
صفحة 2103
الرائد
154
عرفات بليل فقد فاته الحج).
والحديث ضعفه بين فابن أبي ليلى تقدم النص على ضعفه مرارا،
والحديث ليس بمتصل.
كما استدل للسابق بحديث عبد الملك بن حبيب عن أبي معاوية المدني عن يزيد بن عياض بن جعدبة عن عمرو بن شعيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من أجاز بطن عرنة قبل أن تغيب الشمس فلا حج له.
ورد ابن حزم الحديث السابق بعد روايته بقوله:
وهذه بلية؛ لأن عبد الملك ساقط، وأبا معاوية مجهول، ويزيد كذاب، ثم هو مرسل، ثم إنه مخالف لقولهم؛ لأن بطن عرنة من الحرم وهو غير عرفة فليس فيه وجوب الوقوف ليلا بعرفة أصلا.
كما استدل للسابق بأن النبي صلى الله عليه وسلم وقف حتى غربت الشمس وقال:
لتأخذوا عني مناسككم.
لكن أجيب عن هذا بأنه محمول على الاستحباب أو أن الجمع بين الليل
(1) ابن حزم، المحلى، ج 7، ص 123.
123
(2) ابن حزم، المحلى، ج 7، ص 3 (5/154)
صفحة 2104
الرائد
(001)
والنهار يجب لكن يجبر بدم.
والأولى من السابق أن يقال إن هذا الحديث الذي فيه الأمر باتباع النبي
قد يفيد الوجوب دون تعرض للإجزاء، وحديث عروة بن مضرس الذي احتج به به القائلون بصحة الحج يفيد الإجزاء.
وتأول هؤلاء قوله في حديث عروة بن مضرس "ليلا أو نهارا" بأنه
فعله
أراد ليلا أو نهارا وليلا، فسكت عن أن يقول وليلا لعلمه بما قدم من لأنه وقف نهارا وأخذ من الليل فكأنه أراد بذكر النهار اتصال الليل به، ويحتمل أن يكون قوله ليلا أو نهارا في معنى ليلا ونهارا فتكون أو بمعنى
الواو.
وقال ابن حزم رادا على القول السابق: لو صح لكم في الخبر تأويلكم الفاسد لكان لا يصح لأحد حج حتى يقف بها نهارا وليلا معا، وهذا خلاف قولكم مع أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقف بها إلا نهارا ودفع منها إثر تمام غروب القرص في أول الليل، والدفع لا
وقوفا بل هو زوال عنها.
(1) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 283.
(2) ابن حزم، المحلى، ج 7، ص 122.
يسمى (5/155)
صفحة 2105
الرائد
156
واعترض ابن عبد البر الاستدلال السابق بعد نقله بأنه لو كان كما ذكر لكان الوقوف واجبا ليلا ونهارا ولم يغن أحدهما عن صاحبه، وهذا لا يقوله أحد، وقد أجمع المسلمون أن الوقوف بعرفة ليلا يجزي عن الوقوف بالنهار إلا أن فاعل ذلك عندهم إذا لم يكن مراهقا ولم يكن له عذر فهو مسيء وكون (أو) تأتي بمعنى الواو أمر فيه خلاف بين أهل اللغة، ولئن صح القول به فالاتفاق قائم على أن (أو) بمعنى الواو مجاز وليست بحقيقة،
وعليه فلا بد لها من دليل يصرفها عن معناها الحقيقي، ولا دليل هنا.
ومع وجود القول السابق لدى المالكية وأفراد من غيرهم إلا أن الجمهور من أهل العلم قائلون إن حج من نفر قبل غروب الشمس صحيح ويكون آثما عند القائلين بوجوب الوقوف إلى أن تستكمل الشمس غروبها.
ونبه بعضهم على أنه إن دفع من موضعه قبل غروب الشمس فهو بين
(1) ابن عبد البر، التمهيد، ج 9، ص 275.
(2) ابن جني، الخصائص، ج 2، ص 460، والأنباري، الإنصاف، ج 2، ص 16،
والبغدادي، خزانة الأدب، ج 11، ص 71.
(3) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 285، والسرخسي، المبسوط، ج 4، ص 55، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 172، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 210. (5/156)
صفحة 2106
الرائد
157
حالين إما أن يجاوز عرفة قبل غروب الشمس، أو لا يجاوزها إلا وقرص
الشمس قد غاب.
فإن جاوز عرفة بعد الغروب فلا شيء عليه؛ لأنه ما ترك الواجب، وإن
جاوزها قبل الغروب فعليه ما على من ترك واجبا في
(1)
والمالكية فصلوا في الأمر فقالوا من دفع قبل الغروب ولم يخرج من عرفة حتى غابت الشمس أجزاه وعليه هدي، لأنه كان بنية الانصراف قبل
الغروب.
ومن دفع قبل الغروب من المحل الذي يقف فيه الناس لأجل الزحمة
ونيته أن يتقدم للسعة ويقف حتى تغرب الشمس فلا يضره ذلك".
وإمام الحرمين أتى بعبارة في هذا الموضع ظاهرها أن التحرك من موضع الوقوف يكون عند مقاربة الشمس الغروب، ولكن الخروج من عرفة لا يكون إلا بعد غروب الشمس إذ قال:
ثم الحجيج إذا رأوا الشمس متضيفة للغروب انقلبوا عن الموقف
(1) السمر قندي، تحفة الفقهاء، ج 1، ص 405، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 127. (2) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 260، والحطاب، مواهب الجليل، ج 3، ص 94. (5/157)
صفحة 2107
الرائد
فيوافون الانفصال من طرف عرفة بعد غروب الشمس.
غير أن ظاهر فعل النبي أنه ما تحرك من موضعه الذي وقفه إلا بعد تحقق غياب الشمس ودخول وقت المغرب.
وقال القطب: والصحيح أنه لا يتم إن نوى الإفاضة لأن الفرض اللبث
وهو قد انتقل).
والرأي الأول أقوى فيصح له حجه، أما التأثيم وعدمه فراجع أمره إلى
الخلاف في وجوب الإفاضة بعد تحقق غروب الشمس.
قال الإمام أبو المؤثر:
إذا وقف الواقف بعرفة فذكر الله ثم أفاض من قبل أن تغيب الشمس فلم يرجع حتى غربت الشمس فإن حجه تام وعليه دم لإفاضته قبل مغيب الشمس وحجه تام، فإن رجع ووقف ولم يدرك الوقوف من قبل غروب
الشمس فهو كمن لم يرجع وعليه دم.
فإن
فوقف فأدرك الوقوف فذكر الله قبل أن تغرب الشمس فقد رجع
(1) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 315.
(2) القطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 176. (5/158)
صفحة 2108
الرائد
(109)
أدرك ولا شيء عليه.
استدل القائلون بصحة حج من أفاض قبل الغروب بأمور منها أن الله تعالى قال في كتابه "فإذا أفضتم من عرفات" وجاء بالإفاضة مطلقة من قيدي الليل أو النهار.
كما استدل الجمهور للدلالة على صحة حج من أفاض قبل الغروب بحديث وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن عروة بن مضرس
الطائي أنه حج على عهد النبي الله فلم يدرك الناس إلا وهم بجمع قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، أتعبت نفسي وأنصبت راحلتي، والله ما تركت حبلا من الحبال إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟
فقال رسول الله: من صلى معنا هذه الصلاة وقد أفاض قبل ذلك من
عرفات ليلا أو نهارا فقد قضى تفثه وتم حجه).
ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم قصد الموقف نهارا وانصرف منه ليلا فجعل النهار وقتا
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 285. (2) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 2، ص 416.
(3) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 226. (5/159)
صفحة 2109
الرائد
(17.)
للوقوف، وجعل الليل وقتا لترك الوقوف، والظاهر أنه ما قصد الليل للوقوف بل الوقوف فيه ما كان إلا تبعا لتحقق غروب الشمس، فعلم أن
النهار مقصود والليل تبع
(1)
ثم إن الواقف في النهار واقف في زمن الوقوف فيجزيه كالليل".
ولأن حكم آخر الوقت إما أن يكون مثل أوله أو أضعف، ولا يجوز أن يكون أقوى منه فلما جعله النبي المدركا بآخره وهو الليل كان أولى أن يكون مدركا بأوله وهو النهار، وللسابق صحح الجمهور من أهل العلم الإحرام ليلة العاشر ما لم يخرج وقت الوقوف بعرفة).
لكن اختلف القائلون بصحة الحج ماذا على من أفاض من عرفة قبل الغروب، فبعضهم أخذ بقاعدة ترك الواجبات فأوجب الدم، ومنهم من
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 173.
(2) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 210.
(3) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 173.
(4) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 311.
(5) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 285، وابن قدامة، المغني، ج 3. 210، والمرداوي،
الإنصاف، ج 4، ص 30، والدردير، الشرح الكبير، ج 2، ص 37. (5/160)
صفحة 2110
الرائد
671)
قال بوجوب بدنة عليه، ومنهم من قال إنه لا شيء عليه بل هو مخالف للأمر
فيأثم".
والذين يقولون إن الجمع بين الليل والنهار في الوقوف سنة لا يوجبون الدم على من أفاض قبل غروب الشمس).
ونقل المرداوي رواية عن الإمام أحمد أنه يلزم من دفع قبل الإمام دم ولو
كان بعد الغروب؛ لأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لم يدفعوا قبله".
استدل القائلون بأنه يجب عليه دم بأنه واجب لا يفسد الحج بفواته فلم
يوجب البدنة كالإحرام من الميقات، ومنهم من قال إن أفاض مع الإمام فمعذور لأنه تابع.
والنبي صلى الله عليه وسلمسن الدفع من عرفة بعد غروب الشمس كما سن الإحرام من
(1) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 210، والمرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 30.
(2) المرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 59.
(3) المرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 30، وابن قدامة، الكافي، ج 1، ص 443.
(4) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 210.
(5) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 418، والنووي، المجموع، ج 8، ص 102، والكاساني، بدائع
الصنائع، ج 2، ص 127. (5/161)
صفحة 2111
الرائد
(177)
الميقات، ثم ثبت أن الدم على مجاوز الميقات غير محرم واجب، فكذا الدم على الدافع من عرفة قبل غروب الشمس واجب.
وقال إمام الحرمين: وإذا اختلف القولان في وجوب الدم تبين من
اختلافهما الاختلاف في وجوب الكون بعرفة).
والكون المراد في كلام إمام الحرمين هو الكون عند الغروب والجمع في
الوقوف بين الليل والنهار؛ إذ الذين لا يلزمون بالدم لا يقولون بوجوبه، فالدم يلزم في ترك الواجبات.
ولم أجد دليلا يفيد وجوب شيء على من أفاض من عرفة قبل غروب الشمس، وحديث عروة بن مضرس يفيد بظاهره عدم وجوب شيء على من أفاض قبل تحقق الغروب إلا الإثم لدليل خارجي، وهذا هو الأولى من الأقوال، أما قاعدة وجوب الدم بترك الواجبات فلا يسلم بها، وقد ذكرناها
من قبل.
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 174.
(2) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 311.
(3) الدمياطي، إعانة الطالبين، ج 2، ص 288. (5/162)
صفحة 2112
الرائد
(163
أما من دفع من عرفة قبل الغروب ثم عاد والوقت لا يزال باقيا فغربت عليه الشمس في عرفة فالأكثر على أنه لا شيء عليه؛ لأنه أتى بالواجب وهو الجمع بين الوقوف في الليل والنهار فلم يجب عليه دم كمن تجاوز الميقات غير محرم ثم رجع فأحرم منه.
وذهب آخرون من أهل العلم إلى أنه يلزمه الدم؛ لأنه بالدفع لزمه الدم
فلم يسقط برجوعه كما لو عاد بعد غروب الشمس".
ولأن الواجب على من وصل إلى عرفات بعد الزوال استدامة الوقوف إلى غروب الشمس ولم يتدارك ذلك بالانصراف بعد الشمس فلا يسقط عنه
الدم.
أما من لم يعد حتى غربت الشمس ففيه قولان أيضا، أولهما عليه دم لأن عليه الوقوف حال الغروب وقد فاته بخروجه فأشبه من تجاوز الميقات غير
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 174، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 210، والمرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 30.
(2) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 210.
(3) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 56. (5/163)
صفحة 2113
الرائد
164
محرم فأحرم دونه ثم عاد إليه، وقال إمام الحرمين: لأن المطلوب أن يتصل آخر النهار بأول الليل وهو كائن بعرفة).
ومن الفقهاء من علل وجوب الدم على من أفاض من عرفة قبل الغروب بقوله إن نفس الوقوف ركن، واستدامته إلى غروب الشمس واجبة لما فيها من إظهار مخالفة المشركين، وقد فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر به، وترك الواجب يوجب الجبر بالدم.
ومن الفقهاء من قال هو مخالف للأصل لكن لا شيء يجب عليه لدلالة حديث عروة بن مضرس، ثم إن الليل والنهار وقت لإدراك الوقوف بعرفة وقد ثبت أنه لو وقف بها ليلا دون النهار لم يلزمه دم، كذلك إذا وقف بها
نهارا دون الليل لم يلزمه دم.
أما
من جاء ليلا ولم يدرك شيئا من النهار قبل غروب الشمس فوقف
ليلا فلا شيء عليه وحجة، تام وحكي عليه الاتفاق لأنه لم يدرك جزءا من
(1) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 211. (2) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 312.
(3) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 56.
(4) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 174. (5/164)
صفحة 2114
الرائد
170
النهار فأشبه من منزله دون الميقات إذا أحرم منه.
ولا اتفاق في الحقيقة كما ذكرنا من قبل قول من قال إن وقت الوقوف
(2)
هو النهار فقط ويخرج بغياب الشمس).
لكن اختلف الجمهور القائلون بإجزاء الوقوف ليلا دون النهار أعليه
شيء أولا، فذهب الجمهور إلى أنه لا شيء عليه، وذهب فريق من أهل العلم إلى أنه ملزم بالدم".
والظاهر أن علة الإلزام بالدم هي قاعدة جبر ترك واجبات الحج بالدم المستفادة من موقوف ابن عباس {، ومن الواجب الجمع بين الليل والنهار في الوقوف بعرفة.
وبعد تحقق مسألة آخر الوقت وأنها بطلوع فجر يوم النحر نقول إنه قد يتعارض لدى المكلف أمران هما الصلاة والوقوف بأن يكون إن أدى أحد
(1) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 2، ص 416، والجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 16 ص 311، وابن قدامة المغني، ج 3، ص 211، والشنقيطي، أضواء البيان، ج 4،
ص 434.
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 286.
(3) الحطاب، مواهب الجليل، ج 3، ص 94، والشنقيطي، أضواء البيان، ج 4، ص 434. (5/165)
صفحة 2115
الرائد
الفعلين فاته الآخر كأن يكون في آخر وقت العشاء فلو وقف ليصليها لم يدرك عرفة، ولو واصل مسيره أدرك عرفة لكن تفوته العشاء.
وللفقهاء في السابق خلاف في أقوال أربعة نذكرها وما أورد عليها، نقول إنه إن أمكن أن يدخل عرفة ويصلي فيها ويكون وقوفه بمقدار صلاته فإنه يجزيه ذلك؛ إذ شرطنا في الوقوف إنما هو كينونته في عرفة بأي حال مع
نية الوقوف، ومن غير شك أنه في مثل هذا الحال كائن بعرفة. القول الأول: تقدم الصلاة لعظم أمرها في الشرع واستحقاقها للوقت بالذكر إن كانت منسية.
وقال القرافي: المضيق في الشرع مقدم على ما وسع في تأخيره، وما وسع فيه في زمان محصور كالصلاة مقدم على ما غيّاه بالعمر كالكفارات، وما رتب على تاركيه القتل مقدم على ما ليس كذلك، فتقدم الصلاة على الحج إجماعا. وممكن أن يعترض على هذا الأخير بما ذكره القرافي نفسه بعد السابق إذ قال: إن فضل الصلاة قد عورض هاهنا بالدخول في الحج وما في فواته من المشاق، كما استدل للسابق بكون الصلاة أفضل وبكونها فورية إجماعا،
(1) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 260. (5/166)
صفحة 2116
الرائد
167
والحج مختلف فيه.
واعترض الحطاب على السابق بأن كونهما فرضين تزاحما ظاهر، أما أن ذلك إنما يأتي على القول بالفور فغير ظاهر؛ لأن الفور والتراخي إنما ينظر فيه قبل الدخول في الإحرام.
أما بعد الدخول في الإحرام فقد صار إتمام الحج فرضا على الفور إجماعا، بل لو كان تطوعا وجب عليه إتمامه على الفور، ولو أفسده وجب قضاؤه على الفور فالوقت مستحق للحج والصلاة معا.
القول الثاني: إن كان من أهل مكة وما حولها فيصلي، وإن كان آفاقيا فيمضي لعرفة، ولعل دليل هؤلاء أنه لا يقع أهل مكة في الضرورة كما يقع لغيرهم؛ إذ الحج لهم أمره ميسور لا يكلف من المال والجهد ما يكلفه غيرهم فكانوا أولى بتقديم الصلاة.
القول الثالث: تقدم عرفة مطلقا لما في فوات الحج من المشاق، وهذا
القول أسعد الأقوال بالدليل وأرجحها.
وآيته أنه قد تعين الحج بالإحرام، وهو يفوت فعله، والصلاة وقت
(1) الحطاب، مواهب الجليل، ج 3، ص 100. (5/167)
صفحة 2117
الرائد
قضائها متسع، ولو كانت صلاة تلك الليلة، ألا تري أنه يؤخر المغرب ويعجل العصر مع الإمكان إظهارا لمزيته وتنبيها على رتبته دون رتبة الصلاة، ولما في قضائه من كبير المضرة حتى راعى ذلك جمهور العلماء إذا غم الهلال فوقف الناس يوم النحر وقالوا يجزيهم وإن لم يكن يوم عرفة.
وأما قول القرافي في تقديم المضيق على الموسع إلى آخر كلامه فيعترض عليه بأنه ليس في الصلاة في الصورة المفروضة ما يقتضي تقديمها على الحج
إلا كونها ترتب على تاركها القتل على خلاف بين أهل العلم في ذلك. وأما ما قبل ذلك فإن الحج يشاركها فيه لأنه قد استحق ذلك الوقت وصار مضيقا لا يجوز فيه الاشتغال بغيره والصلاة الحاضرة تشاركه في ذلك، ويترجح تقديم الحج على الصلاة بأن الشرع يراعي ارتكاب أخف الضررين إذ تأخير الصلاة لا يكون معه ضرر في المال والجهد، أما تأخير الحج فيصحبه خسارة في المال والجهد.
ثم إن ما يترتب في الذمة ولا يمكن الخلاص منه إلا بعذر من بعيد
ينبغي أن يقدم على ما يمكن قضاؤه بسرعة.
ويرجح أيضا تقديم الحج أن صون الأموال يقدم على العبادات فيقدم صون المال في شراء الماء للوضوء والغسل إذا رفع في ثمنه على العادة على
(1) الحطاب، مواهب الجليل، ج 3، ص 99. (5/168)
صفحة 2118
الرائد
(179)
فعلهما ويشرع التيمم حينها، ويقدم إسقاط وجوب الحج إذا خيف على النفس أو المال على إيجاب فعله، ولا شك أن في تفويته إتلافا للمال المصروف في القضاء وفي الخلاف على النفس).
القول الرابع: يصلي إيماء كالمسايف، واعترض على هذا القول بأمرين أولهما أنه قياس مع عدم تحقق وجود الجامع؛ لأن المشقة في الأصل خوف إتلاف النفس، وفي الفرع خوف إتلاف المال، وثانيهما أنه قياس على الرخص).
لكن أجيب عن هذين الاعتراضين كليهما، فالأول منهما يرده أن الأسفار الشاقة مع بعد المسافة يخشى معها على النفس مع ضميمة إتلاف المال، ففي الفرع ما في الأصل وزيادة فيعود إلى قياس الأحرى.
وأما الثاني فيرده أن القياس على الرخص المختلف في قبوله إنما هو إذا كان الأصل المقيس عليه منصوصا عليه في الشريعة، أما إذا كان اجتهاديا فلا
يسلم.
(1) الحطاب، مواهب الجليل، ج 3، ص 100.
(2) الحطاب مواهب الجليل، ج 3، ص 98. (3) الحطاب، مواهب الجليل، ج 3، ص 100. (4) الحطاب، مواهب الجليل، ج 3، ص 100. (5/169)
صفحة 2119
الرائد
(v.)
المبحث السابع: مندوبات الوقوف بعرفة
المندوب الأول: تعجيل الوقوف
وقد حكي الإجماع على استحباب السابق، ودليله فعل النبي صلى الله عليه وسلم كما هو ظاهر حديث جابر بن عبد الله {في صفة حجة النبي.
كما يؤخذ الاستحباب السابق من حديث مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر قال: كتب عبد الملك إلى الحجاج أن لا يخالف ابن عمر في الحج، فجاء ابن عمر الله وأنا معه يوم عرفة حين زالت الشمس فصاح عند سرادق الحجاج فخرج وعليه ملحفة معصفرة فقال: ما لك يا أبا عبد الرحمن؟ فقال: الرواح إن كنت تريد السنة قال هذه الساعة؟ قال: نعم".
(1) النووي، المجموع، ج 8، ص 102.
(2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب التهجير بالرواح يوم عرفة (1577). (5/170)
صفحة 2120
الرائد
(vi)
المندوب الثاني: الغسل
لم يكن ثمة خلاف أن الوقوف بعرفة ليس من شرطه الطهارة من الحدثين الأصغر ولا الأكبر بل يصح وقوف المحدث من حائض وجنب ونفساء، واستدل بعض أهل العلم أيضا بأن الوقوف بعرفة نسك غير متعلق بالبيت فلا تشترط له الطهارة كرمي الجمار.
ولكن مع عدم الشرطية قال جمع من أهل العلم إنه يندب للواقف بعرفة الغسل للوقوف بعد الزوال وقبل الصلاة، وإن اجتزى بالوضوء أجزاه والغسل أفضل.
وعلة السابق أن عرفة مجمع للناس فاستحب الاغتسال لها كالعيد
(1) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 127.
(2) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 127.
(3) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 350، والبسيوي، الجامع، ج 2، ص 275، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 287، وابن عبد البر، التمهيد، ج 10، ص 18، والسرخسي،
610
المبسوط، ج 4، ص 15، وابن قدامة المغني، ج 3، ص 207، والنووي، المجموع، ج 8، ص 100، والجيطالي، مناسك الحج، ج 2، ص 281، وابن النجيم، البحر الرائق، ج 2، ص 361، والدردير، الشرح الكبير، ج 2، ص 39. (5/171)
صفحة 2121
الرائد
(172)
والجمعة، أو كما قال الشيرازي: قربة يجتمع لها الخلق في موضع واحد فشرع لها الغسل كصلاة الجمعة والعيد).
وممكن أن ينقض السابق بالمبيت بمنى ليلة التاسع إذ يجتمع له الخلق في
موضع واحد ولم يشرع له الاغتسال، لذا يبدو الضعف على هذا التعليل. وأمر اغتسال النبي للوقوف بعرفة يوم حجة الوداع سكت عنه حديث جابر بن عبد الله {في طرقه المشهورة بالصحة، لكن جاء في بعض الطرق الأخرى أمره بالاغتسال يوم عرفة كما في حديث محمد بن عيسى ثنا نعيم بن حماد ثنا عيسى بن يونس بن أبي إسحاق ثنا محمد بن إسحاق عن محمد بن علي بن الحسين عن جابر قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجته مناديا فنادى عند الزوال أن اغتسلوا.
والحديث ليس بحجة بل زيادة الأمر بالاغتسال الأظهر فيها أنها منكرة، فابن إسحاق لم يصرح بالتحديث مع تدليسه وفي روايات نعيم بن حماد نظر
(1) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 207.
(2) النووي، المجموع، ج 8، ص 97.
(3) النووي، المجموع، ج 8، ص 101.
(4) ابن خزيمة، صحيح ابن خزيمة، ج 4، ص 261. (5/172)
صفحة 2122
الرائد
ذكرناه من قبل.
(vr)
وروى الإمام الشافعي عن إبراهيم بن محمد قال: أخبرنا جعفر بن محمد عن أبيه أن الإمام علي بن أبي طالب كان يغتسل يوم العيد ويوم الجمعة ويوم عرفة وإذا أراد أن يحرم".
وروى الإمام مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يغتسل لإحرامه
قبل أن يحرم ولدخوله مكة، ولوقوفه عشية عرفة)، كما جاء عنه طرق أخرى، وجاء الأمر بالاغتسال عن غير واحد من أئمة التابعين".
وقال الشيخ إسماعيل بن طاهر الجيطالي:
من
فإذا زالت الشمس فليغتسل بالماء إن أمكنه غسلا نظيفا من غير أن
يدلك رأسه وجسده ولكن يصب الماء عليه صبا، فإن لم يستطع الغسل أجزاء
الوضوء).
(1) الشافعي، الأم، ج 1، ص 231.
(2) مالك بن أنس، الموطأ، ج 1، ص 322.
(3) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 420.
(4) كذا في الأصل.
(5) الجيطالي، مناسك الحج، ج 2، ص 281. (5/173)
صفحة 2123
الرائد
174
وقال بعض أهل العلم إن له أن يتدلك في غسله تدليكا خفيفا، ونص آخرون على أنه يطلب في غسل عرفة الاتصال فلو اغتسل في أول النهار لم
يجزه، كما أنه يطلب من كل من وقف بعرفة حتى الحائض والنفساء".
المندوب الثالث: الوقوف في مكان وقوف النبي، وقد ذكرنا الدليل
على هذا القول من قبل عند ذكر مطلب مكان الوقوف.
المندوب الرابع: استقبال الكعبة).
والدليل على الحكم السابق فعل النبي صلى الله عليه وسلم فقد قال جابر بن عبد الله كما في الحديث الذي تقدم ذكره: ركب رسول الله حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة.
و من الفقهاء من استدل لاستقبال القبلة بكونه لابد أن يكون مستقبلا
(1) الدردير، الشرح الكبير، ج 2، ص 39، والحطاب، مواهب الجليل، ج 3، ص 3
(2) الحطاب مواهب الجليل، ج 3، ص 104.
(3) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 17، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 172، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 208. (5/174)
صفحة 2124
الرائد
ر 175
لجهة، وجهة الكعبة أولى لحديث أشرف المجالس ما استقبل به القبلة.
المندوب الخامس: الوقوف بجبل الرحمة
وجبل الرحمة يقال له جبل إلال بفتح الهمزة وكسرها) والنابت (لأنه كالنبتة في الأرض السهل والقُرين، وهو جبل صغير يتكون من حجارة صلدة كبيرة يقع في شرق عرفات بين الطريقين رقم 7 و 8، على بعد نحو 1.5 كم من مسجد نمرة).
وقد ذهب إلى الاستحباب السابق بعض أهل العلم، لكن خالف آخرون وهم الجماهير من أهل العلم فقالوا بأنه لا نسك في الرقي في الجبل المذكور بل هو كسائر بقاع عرفة وإن كان يعتاده الناس.
وقال النووي متعقبا السابق
وأما ما اشتهر عند العوام من الاعتناء بالوقوف على جبل الرحمة الذي
(1) النووي، المجموع، ج 8، ص 97.
(2) محمد إلياس، تاريخ مكة، ص 119.
(3) النووي، المجموع، ج 8، ص 107.
(4) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 311، وابن النجيم، البحر الرائق، ج 2، ص 365. (5/175)
صفحة 2125
الرائد
(176)
هو بوسط عرفات وترجيحهم له على غيره من أرض عرفات حتى ربما توهم
من جهلتهم أنه لا يصح الوقوف إلا فيه فخطأ ظاهر ومخالف للسنة.
ولم يذكر أحد ممن يعتمد في صعود هذا الجبل فضيلة يختص بها بل له حكم سائر أرض عرفات غير موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أبو جعفر محمد بن جرير الطبري فإنه قال يستحب الوقوف عليه، وكذا قال الماوردي في الحاوي يستحب قصد هذا الجبل الذي يقال له جبل الدعاء قال وهو موقف الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.
وذكر البندنيجي نحوه، وهذا الذي قالوه لا أصل له، ولم يرد فيه حديث ولا ضعيف، فالصواب الاعتناء بموقف رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي
صحيح
خصه العلماء بالذكر وحثوا عليه وفضلوه.
غير أن عبارة القاضي الماوردي لا تفيد استحباب رقي الجبل بل تفضيله الوقوف نحوه، ومعلوم أن وقوف النبي صلى الله عليه وسلم كان بجانب الجبل، ونص
عبارته:
فإذا ثبت أن عرفة هي الموقف فالذي يختار من ذلك أن يقصد نحو الجبل
(1) النووي، المجموع، ج 8، ص 107. (5/176)
صفحة 2126
الرائد
الذي يقال له جبل الدعاء، وهو موقف الأنبياء صلى الله عليهم.
ومع
السابق من وقف في الجبل فإنه يجزيه وقوفه؛ إذ الواقف فيه واقف
في عرفة، ولكن السابق إنما هو للتدليل على أن الجبل كغيره من الأماكن لم يرد
في الوقوف فيه بذاته فضل.
المندوب السادس: الوقوف راكبا
الفقهاء متفقون أن المقصد الأساس الذي على الناسك أن يسعى لإتمامه يوم عرفة هو ذكر الله وجمع النفس لإتمامه على أكمل الوجوه بإلقاء الشواغل، والدعاء بخيري الدنيا والآخرة والاستغفار، وهذا المقصد هو الأصل فتطوع له الوسائل المشروعة المؤدية إليه.
وعلى السابق يقال إنه إن كان يشق على الناسك الوقوف راجلا، أو كان يضعف به عن الدعاء، أو كان ممن يقتدى به ويحتاج الناس إلى ظهوره ليستفتى ويقتدى به في عمله فالأفضل له وقوفه راكبا كما هو المنقول عن
النبي
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 172.
(2) النووي، المجموع، ج 8، ص 106. (5/177)
صفحة 2127
الرائد
178
وأما إن كان تحقق المقصد الأصلي من الوقوف لا يمكن إلا بالوقوف راجلا فالأفضل الوقوف راجلا؛ إذ ما كان لنا أن نغيب المقصد الأصلي من الوقوف لهيئة تتنازعها احتمالات شتى وهي جائزة بالاتفاق.
أما إن استوى الحالان الركوب وغيره فلأهل العلم أقوال في ترجيح الوقوف أو غيره، ذهب إلى ترجيح الركوب بعض أهل العلم أخذا من فعل النبي كما ثبت ذلك عنه، ولأنه أعون في الدعاء والذكر، كما أن في الوقوف راكبا مباهاة وتعظيما للحج وَمَن يُعَظِمْ شَعَنَبِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى
الْقُلُوبِ)
(3)
بل قال ابن عبد البر والقرطبي إنه لا خلاف بين العلماء في أن الوقوف بعرفة راكبا لمن قدر عليه أفضل؛ لأن النبي و كذلك وقف إلى أن دفع منها
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص،173، والرافعي العزيز، ج 3، ص 414، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 208، والجيطالي، مناسك الحج، ج 2، ص 284، القرافي،
الذخيرة، ج 3، ص 257، والنفراوي، الفواكه الدواني، ج 2، ص 274.
(2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 173، والجيطالي، مناسك الحج، ج 2، ص 284. (3) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 279، والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 2،
ص 417. (5/178)
صفحة 2128
الرائد
179
بعد غروب الشمس وأردف أسامة بن زيد).
وقال هؤلاء: إن لم يقدر على الركوب وقف قائما على رجليه داعيا ما دام
يقدر، ولا حرج عليه في الجلوس إذا لم يقدر على الوقوف".
ومن أهل العلم من ذهب إلى أن الراجل أفضل من الراكب؛ لأنه أخف على الراحلة).
ومن أهل العلم من احتمل التسوية بين الأمرين فليس لأحدهما مزية
على الآخر، ومنهم من توقف عن الترجيح)
(4)
ومن الفقهاء من جعل ندبية الوقوف راكبا خاصة بالإمام دون غيره؛ لأنه يدعو ويدعو الناس بدعائه، ثم إنه إن كان على راحلته كان أبلغ في
مشاهدتهم إياه).
(1) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 2، ص 417.
(2) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 2، ص 417.
(3) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 208، والمرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 28. (4) الغزالي، الوسيط، ج 2، ص 657، وابن قدامة المغني، ج 3، ص 208، والمرداوي،
الإنصاف، ج 4، ص 29.
(5) ابن عابدين، رد المحتار، ج 2، ص 506. (5/179)
صفحة 2129
الرائد
(1.)
وقال المرداوي: وعنه الإمام أحمد لا يجزيه راكبا ذكرها في الرعاية، ولا أدري ما يقصد بعدم الإجزاء، وإن كان يريد الظاهر وهو عدم إجزاء الوقوف فأمر ضعيف جدا لا أدري ما دليله عليه وحسبه أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف
راكبا.
وفعل النبي الذي فيه وقوفه راكبا جاء من حديث أم الفضل بنت الحارث كما في حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري قال: اختلف ناس عند أم الفضل بنت الحارث - وهي والدة عبد الله بن العباس- في يوم عرفة في صيام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قائلون هو صائم، وقال آخرون ليس بصائم.
قال أبو سعيد فأرسلت إليه أم الفضل بقدح لبن وهو واقف على بعيره
فشربه).
كما ذكر جابر بن عبد الله في حديثه الطويل في صفة حجة النبي أنه
(1) المرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 29.
(2) أخرجه الربيع في كتاب الحج، باب في عرفة والمزدلفة ومنى (421)، وأخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: الوقوف على الدابة في عرفة (1578) من طريق عبد الله
بن مسلمة عن مالك عن أبي النضر عن عمير مولى عبد الله بن العباس عن أم الفضل. (5/180)
صفحة 2130
الرائد
6 A 1)
وقف على ناقته القصواء.
والحال في زماننا أن الوقوف راكبا على الحال المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به من العسر والمشقة ما يكاد يجعله معدوما، والوقوف على الرواحل الحديثة كالسيارات لا أراه يختلف من حيث الوقوف عن الوقوف راجلا ومن
العسير إلحاقها بهيئة الوقوف على الراحلة التي ثبتت عن النبي. المندوب السابع: الفطر
صوم يوم عرفة لغير الحاج أمر شهدت النصوص الشرعية له بعظيم الأجر كما في حديث عبد الله بن معبد الزماني عن أبي قتادة الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم عرفة فقال: يكفر السنة الماضية والباقية. ولكن الحال للحاج الواقف بصعيد عرفات يختلف فيه بين أهل العلم لما ثبت نصا أن النبي صلى الله عليه وسلم أفطر يوم عرفة كما في حديث أم الفضل بنت الحارث الذي ذكرناه في المندوب السابق.
ولم يكن ثمة خلاف أنه قد أفطر يوم وقف بعرفة أخذا بالحديث
(1) أخرجه مسلم في كتاب الصيام، باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر وصوم يوم عرفة وعاشوراء والاثنين والخميس (1162). (5/181)
صفحة 2131
الرائد
السابق، لكن قال بعض الفقهاء إن إفطار النبي يوم عرفة مع فضل الصيام في ذلك اليوم محتمل أمرين:
أولهما: لئلا يشق على أمته، وثانيهما ليسن فطره لمن كان حاجا؛ فإنه
أقوى له على الدعاء والعبادة، فيكون ذلك تخصيصا للحاج من عموم الحديث، ويبقى الفضل لغير الحاج.
والفقهاء اختلفوا في حكم صوم عرفة للواقف بها لتعارض عموم الحديث القولي الشاهد بالأجر العظيم لمن صامه مع الحديث الفعلي الذي فيه
إفطاره.
قال الجماهير من الفقهاء إن الفطر في ذلك اليوم أفضل من الصيام، أطاق الصوم أم لا، وسواء ضعف به أم لا، ونقل إمام الحرمين اتفاق
(1) ابن العربي، القبس، ج 2، ص 575.
(2) الكندي بيان الشرع، ج 23، ص 299، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 173، والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 2، ص 420، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 208، والنووي، المجموع، ج 8، ص 106، والجيطالي، مناسك الحج، ج 2، ص 288، والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص 257، والشقصي، منهج الطالبين، ج 7، ص 261. (5/182)
صفحة 2132
الرائد
(183
العلماء على أنه لا يُؤْثَرُ صيام عرفة للحاج بل الفطر أولى"، وهذا قول ظاهر. ومما يدل عليه أن ظاهر الحديث الفعلي الذي فيه إفطار النبي صلى الله عليه وسلم أنه يراد به تقرير أمر كون عرفة من حيث الصيام مخالفة لغيرها إذ الصحابة اختلفوا أهو صائم أو لا، وإشارة النص تفيد أيوم عرفة على أصل الحديث العام أو أن هذا الحال له حكم مخالف.
و مما يدل على السابق أيضا ما رواه إسماعيل بن علية عن ابن أبي نجيح عن أبيه أنه سأل ابن عمر عن صوم يوم عرفة فقال: حججت مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يصمه، وحججت مع أبي بكر فلم يصمه، وحججت مع عمر فلم يصمه، وحججت مع عثمان فلم يصمه، وأنا لا أصومه ولا آمر به ولا أنهى
وقد روى الحديث السابق الحميدي قال: ثنا ابن أبي نجيح عن أبيه عن رجل أن رجلا سأل ابن عمر عن صيام يوم عرفة فقال ابن عمر:
حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يصمه، وحججت مع أبي بكر فلم
(1) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 313.
(2) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 195. (5/183)
صفحة 2133
الرائد
(184)
يصمه، وحججت مع عمر فلم يصمه، وحججت مع عثمان فلم يصمه، وأنا
لا أصومه ولا آمر به ولا أنهى عنه.
قال الشيخ خميس الشقصي:
يخرج فيما تناهى إلينا من الآثار أن الإفطار يوم عرفة بعرفة أفضل لما يرجى من الاستظهار بالأكل والشرب على القدرة على الدعاء والتضرع والقيام في ذلك الموقف المأمور فيه في ذلك الموقف، وأما في غير عرفة فالصوم لها أفضل".
ومن الفقهاء من راعى علة الاستعانة على الذكر فأمر بالإفطار في الصيف والصيام في الشتاء، كما روى عبد الرزاق عن ابن جريج قال: سألت عطاء قلت: أتصوم يوم عرفة؟ قال: أصومه في الشتاء، ولا أصومه في
الصيف (4).
(1) الحميدي، المسند، ج 2، ص 300.
(2) الشقصي، منهج الطالبين، ج 7، ص 262.
(3) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 235، والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 2،
ص 421.
(4) عبد الرزاق، المصنف، ج 4، ص 284. (5/184)
صفحة 2134
الرائد
(185)
ومنهم من ذهب إلى عدم جواز الصيام، ولعلهم أخذوا بظاهر النهي عن صيامه كما سيأتي تخريجه.
ومن الفقهاء من صرح بكراهة الصيام يوم عرفة للحاج، وفي النفس من الحكم بالكراهة حرج؛ إذ القول بالكراهة مستلزم دليلا ولا أعلم دليلا ثابتا يفيد السابق، وإفطار النبي يؤخذ منه ندب الإفطار لمن كان بعرفة، ولكن ندب الإفطار لا يستلزم كراهة الصيام.
وأما ما جاء من حديث حوشب بن عقيل عن مهدي الهجري ثنا عكرمة قال: كنا عند أبي هريرة في بيته فحدثنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم يوم
عرفة بعرفة.
فالظاهر أنه لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم لأنه قد رواه ابن أبي شيبة وأبو
داود) وعلته مهدي الهجري الراوي عن عكرمة فإنه غير معروف بعدالة ولا جرح، بل قال ابن معين حينما سئل عنه: لا أعرفه، وقال مثله أحمد
(1) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 2، ص 421.
(2) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 195.
(3) کتاب الصوم، باب في صوم عرفة بعرفة (2440).
(4) المزي، تهذيب الكمال، ج 28، ص 586.
بن (5/185)
صفحة 2135
الرائد
حنبل، ونص ابن حزم والحافظ ابن حجر على جهالته).
وقول الحاكم إثر إخراجه الحديث السابق هذا حديث صحيح على
شرط البخاري ولم يخرجاه، مردود للسابق.
واستدل بعضهم للنهي عن صوم عرفة بحديث وكيع عن موسى بن
علي عن أبيه عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يوم عرفة ويوم النحر أيام أكل وشرب.
والحديث من حيث إسناده صحيح غير أن بعضهم أعله في محل الشاهد
في لفظة "يوم عرفة"، قال الحافظ ابن عبد البر:
هذا حديث انفرد به موسى بن علي عن أبيه، وما انفرد به فليس بالقوي، وذكر يوم عرفة في هذا الحديث غير محفوظ، وإنما المحفوظ عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه: يوم الفطر ويوم النحر وأيام التشريق أيام أكل وشرب.
(1) أحمد بن حنبل، سؤالات أبي داود، ص 586.
(2) ابن حزم، المحلى، ج 7، ص 18، وابن حجر، التلخيص الحبير، ج 2، ص 213.
(3) الحاكم، المستدرك، ج 1، ص 600.
(4) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 196. (5/186)
صفحة 2136
الرائد
(AY)
وقد أجمع العلماء على أن يوم عرفة جائز صيامه للمتمتع إذا لم يجد هديا، وأنه جائز صيامه بغير مكة، ومن كره صومه بعرفة فإنما كرهه من أجل
الضعف عن الدعاء والعمل في ذلك الموقف والنصب الله فيه فإن صيامه قادرا على الإتيان بما كلف من العمل بعرفة بغير حرج 1
وقال:
(1)
وقد أورد الحافظ السخاوي الزيادة السابقة في أمثلة الشذوذ في المتن،
ومثاله في المتن زيادة يوم عرفة في حديث: أيام التشريق أيام أكل وشرب، فإن الحديث من جميع طرقه بدونها، وإنما جاء بها موسى بن علي بن رباح عن أبيه عن عقبة بن عامر).
وروى عبد الرزاق عن عبد الله بن عمر عن نافع أن ابن عمر كان يكره
صيام يوم عرفة).
(1) ابن عبد البر، التمهيد، ج 21، ص 163.
(2) السخاوي، فتح المغيث، ج 1، ص 197. (3) عبد الرزاق، المصنف، ج 4، ص 284. (5/187)
صفحة 2137
الرائد
المندوب الثامن: الذكر والدعاء
من أعظم وظائف الوقوف بعرفة ذكر الله والثناء عليه طلبا للقربى منه والعتق من نار جهنم، وهو كما جاء في النص الشرعي أكثر يوم يعتق الله فيه
عبادا له من النار، وإنه يتفضل عليهم بإجابة الدعاء).
ثم إن يوم عرفة من أيام عشر ذي الحجة الأولى التي نص الشارع أنها أفضل أيام العمل الصالح وأحبه إلى الله تعالى كما في حديث الأعمش عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام العشر.
قالوا يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل
الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء"
وللمنزلة السابقة كان من الواجب على طالب العلى من الجنة أن يستغل ذلك اليوم وأن يقدر له قدره بل يجعل شرطا على نفسه أن يكون ممن يتفضل
الله عليهم فيعتقهم من نار جهنم.
(1) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب: في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة (1348). (2) ابن حبان، صحيح ابن حبان، ج 2، ص 30. (5/188)
صفحة 2138
الرائد
19
والعتق من نار جهنم مشروط بالتزام تقوى الله تعالى؛ فإن الجنة لا تورث إلا من كان تقيا من عباد الله تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيَّا، أما أهل النار فهم من قال الله تعالى فيهم {وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَلِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ.
ومن السابق فلا بد من أن يعمر القلب في ذلك اليوم العظيم بالذكر الله تعالى وصدق الالتجاء إليه، والاستغفار والتوبة مما ألم به العبد في حياته من معاصي وذنوب عسى أن تغرب شمس ذلك اليوم العظيم طاوية معها ذنوبا
سلفت فيمسي العبد ممن كتب له العتق من نار جهنم وأنعم بها من رتبة. ولتحقق المنزلة السابقة كان من الواجب على العبد أن يسعى لجعل دعائه وذكره الله جل ذاتيا في نفسه غير متعلق بعرض غير إقباله الخالص لربه وإحساسه بعز عبوديته لخالقه، فيدعو ويتضرع مهما تغيرت عليه الظروف وتبدلت الأحوال إذ إن من يدعوه معه أينما حل وفي الظروف كلها، وذلك ما
يمليه واجب الإخلاص.
(1) سورة مريم، الآية (63).
(2) سورة النساء، الآية (14). (5/189)
صفحة 2139
الرائد
69.
وليحذر سالك درب الآخرة من أن يتعلق دعاؤه بدعاء فلان من الناس،
أو بكاؤه وندمه ببكاء غيره إن فعلوا فعل وإلا أضاع يومه، فما هكذا يكون الإخلاص ولا هكذا تكون العبادة.
أن يرسخوا
وعلى قوام أمر الناس ودعاتهم وأهل العلم والفقه منهم المبدأ السابق في قلوب العباد وأن يتعهدوهم بين الفينة والأخرى بالحث على الدعاء والاستغفار والذكر، ولو أعطي الناس من وقت لآخر أدعية وأذكارا مع بيان فضل ما ثبت له فضل منها ليعمروا بها يومهم العظيم لكان حسنا وفيه منفعة لهم وشغل لأوقاتهم.
والبكاء في هذا اليوم تعظم منزلته إن صدر من قلب مكلوم أبكته خشية الله، وأخضعته هيبته، أما أن يبكي الإنسان لبكاء غيره فما علمت شيئا من
نصوص الشارع التفت إليه بفضل بل يخشى على صاحبه الرياء.
والبكاء ليس له فضل في ذاته فهو عاطفة لا تعبر عن التقوى المراد من الإنسان سلوك سبيلها إذ يشترك فيه البر والفاجر والمسلم والكافر، وقد يبكي الإنسان لبكاء غيره ولو لم يعرف السبب، وما مثل هذا ما يلتفت إليه الشارع. والواقع كما توحي بذلك الأدلة الشرعية أن البكاء يكون موضع محمدة (5/190)
صفحة 2140
الرائد
641)
إن صدر ممن ذكر الله خاليا ففاضت عيناه بالدموع لا ممن يضج بنشيجه في حضرة الألوف من الناس، ويكون قلبه كالحجارة أو أشد قسوة إذا ما خلا بربه مناجيا؛ إذ الأول ليس لبكائه من سبب إلا حرارة الخشية من ربه تتلهب بها أحشاؤه فيورثه ذلك البكاء.
و محمد صلى الله عليه وسلم وقف يوم عرفة إلى غروب الشمس وما جاء عنه أنه كان
يحرص على إبكاء أصحابه بل ولا دعا بهم دعاء جماعيا، نعم كان يذكر لهم - كما سيأتي - أذكارا يعمرون بها يومهم العظيم، ويدلهم على فضلها ليكون
الانبعاث للعمل من قبلهم ذاتيا، وخير الهدي هدي محمد.
والواقع أن كثيرا من الناس لا ينبعثون للدعاء من تلقاء نفوسهم بل يظلون في لغوهم ولغطهم ونومهم منتظرين من يتقدمهم ليدعو لهم من الدنيا والآخرة، وتعظم منزلته عندهم حينما يسمعون نشيجه الذي
خيري تنفعل له عواطفهم فيبكون، لبكائه وهم بعدها يقيسون الناس بمقدار بكائهم في دعائهم، وليس لهذا المقياس حظ من أدلة الكتاب ولا السنة.
والواقع السابق مر ينبغي للدعاة وأهل العلم أن يبينوا خطأه وأن الدعاء في هذا اليوم وغيره يجب أن ينبعث الداعي إليه مسوقا بسبب القرب من الله
والعتق من النار. (5/191)
صفحة 2141
الرائد
(192)
والذكر في هذا اليوم ليس بمحصور في ألفاظ بذاتها يحرص عليها الذاكر وهي خلو من معانيها بل يسعى إلى أن يدعو ويذكر بقلب مستشعر بما يدعو، ولينوع لنفسه خشية الملل والسآمة فتارة يقرأ شيئا من القرآن -وهو أفضل الأذكار -، وتارة يستغفر، وتارة يدعو بحاجاته الدنيوية والأخروية.
وإن كان الجلوس مع رفاق الآخرة يعيد للإنسان نشاطه في أداء حق هذا اليوم فليجلس معهم، ومحصلة الأمر أنه طبيب نفسه وأعلم الناس بما يصلحها فليأتها من الباب المشروع الذي يجر لها خيري الدنيا والآخرة.
أن
وقد ثبتت من لسان الشارع في الكتاب والسنة أذكار كثيرة ينبغي تكون محط اهتمام الداعي الواقف بعرفة فيحرص عليها إذ هي مجامع الخير، ولشيخنا القدوة إمام السنة والأصول العلامة القنوبي -حفظه الله - كتاب جمع فيه ما ثبت من لسان الشارع من أذكار فحسن أن لا يخلو من رفقته سالك درب الآخرة.
والدعاء في هذا اليوم يتأدب فيه بآداب الدعاء العامة ليكون أدعى للقبول وأقرب للإجابة، وهذه الآداب يرجع إليها في مظانها إذ بابنا المناسك. وقد جاءت نصوص تبين مشروعية الحفاظ على أذكار معينة في هذا اليوم العظيم من أيام الله فنبينها ذاكرين الثابت منها من غير الثابت، وأول (5/192)
صفحة 2142
الرائد
(193)
تلك الأدلة حديث: خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
والحديث جاء مرفوعا إلى النبي الهلال اليوم من طرق أولها من حديث مسلم بن عمر حدثني عبد الله بن نافع عن حماد بن أبي حميد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال، وقد أخرجه الترمذي، وقال إثره معلا إياه: هذا حديث غريب من هذا الوجه وحماد بن أبي حميد هو محمد بن أبي حميد وهو أبو إبراهيم الأنصاري المديني وليس بالقوي عند أهل الحديث اهـ، وقال الحافظ ابن عبد البر: عبد الله بن عمرو من حديث عمرو بن شعيب وليس دون عمرو من يحتج به فيه".
وجاء الحديث السابق من طريق محمد بن عباس ثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي ثنا عبيد الله بن موسى ثنا موسى بن عبيدة عن أخيه عبد الله بن
عبيدة عن علي بن أبي طالب مرفوعا.
وزاد في آخره: اللهم اجعل في قلبي، نورا، وفي سمعي نورا، وفي بصري
(1) کتاب الدعوات، باب في دعاء يوم عرفة (3585).
(2) ابن عبد البر، التمهيد، ج 6، ص 39. (5/193)
صفحة 2143
الرائد
(194)
نورا، اللهم اشرح لي صدري ويسر لي أمري، وأعوذ بك من وسواس
الصدر، وشتات الأمر، وفتنة القبر.
اللهم إني أعوذ بك من شر ما يلج في الليل وشر ما يلج في النهار، وشر
ما تهب به الرياح، ومن شر بوائق الدهر.
وقد أخرجه البيهقي وأعله عقبه بقوله:
رضي
الله
تفرد به موسى بن عبيدة وهو ضعيف، ولم يدرك أخوه عليا عنه، وأعله ابن عبد البر فقال: حديث علي يدور على دينار أبي عمرو عن
ابن الحنفية وليس دينار ممن يحتج به)
وجاء الحديث السابق مرسلا من حديث مالك عن زياد بن أبي زياد
مولى ابن عياش عن طلحة بن عبيد الله بن كريز أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال. وقد رواه الإمام مالك في الموطأ، وعنه عبد الرزاق) والبيهقي)،
وأعله بعده بقوله:
(1) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 117.
(2) ابن عبد البر، التمهيد، ج 6، ص 39. (3) مالك بن أنس، الموطأ، ج 1، ص 214. (4) عبد الرزاق، المصنف، ج 4، ص 378. (5) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 117. (5/194)
صفحة 2144
الرائد
(061)
هذا مرسل، وقد روي عن مالك بإسناد آخر موصولا ووصله ضعيف. وأعله في الدعوات بقوله بعد روايته وهذا منقطع، وقد روي من حديث مالك بإسناد آخر موصولا وهو ضعيف، والمرسل هو المحفوظ). وقال ابن عبد البر: لا خلاف عن مالك في إرسال هذا الحديث كما
رأيت، ولا أحفظه بهذا الإسناد مسندا من وجه يحتج بمثله.
وروى ابن أبي شيبة قال: حدثنا جرير عن منصور عن هلال عن أبي شعبة قال: كنت بجنب ابن عمر بعرفة وإن ركبتي لتمس ركبته أو فخذي فخذه فما سمعته يزيد على هؤلاء الكلمات:
يمس
لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء
قدير حتى أفاض من عرفة إلى جمع".
ومما جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوله حديث بقية بن الوليد حدثني جبير بن عمرو عن أبي سعد الأنصاري عن أبي يحيى مولى آل الزبير بن العوام عن
الزبير بن العوام قال:
(1) البيهقي، الدعوات الكبير، ج 2، ص 246.
(2) ابن عبد البر، التمهيد، ج 6، ص 39.
(3) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 381. (5/195)
صفحة 2145
الرائد
6147)
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بعرفة يقرأ هذه الآية {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَتَبِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قَابِما بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وأَنا على ذلك من الشاهدين يا رب.
والحديث أخرجه أحمد، ولا يصح إذ إن جبير بن عمرو لم أجد له
(2)
توثيقا ولا جرحا، بل قال الحافظ ابن حجر: لا يدرى من هو.
والراوي عنه أبو سعد وأبو يحيى كلهم مجاهيل فلا يثبت الحديث، وقد أعله بالمجاهيل في إسناده الهيثمي "
(3)
ومما جاء من الأذكار يوم عرفة حديث إسماعيل بن أمية عن عطاء بن أبي
رباح عن ابن عباس: قال كان مما دعا به النبي صلى الله عليه وسلم عشية عرفة:
اللهم إنك ترى مكاني وتسمع كلامي، وتعلم سري وعلانيتي، لا يخفى عليك شيء من أمري، أنا البائس الفقير المستغيث المستجير الوجل المشفق المقر المعترف بذنبه أسألك مسألة المسكين وأبتهل إليك ابتهال
(1) أحمد بن حنبل، المسند، ج 1، ص 166. (2) ابن حجر، تعجيل المنفعة، ج 1، ص 67. (3) الهيثمي، مجمع الزوائد، ج 6، ص 325. (5/196)
صفحة 2146
الرائد
المذنب الذليل.
(197
ورغم
وأدعوك دعاء الخائف الضرير من خضعت لك رقبته، وذل جسده،
أنفه، اللهم لا تجعلني بدعائك شقيا وكن بي رؤوفا رحيما، يا خير
المسؤولين، ويا خير المعطين.
(1)
أخرجه الطبراني في الصغير) والكبير، وقال إثره في الصغير:
لم يروه عن عطاء إلا إسماعيل ولا عنه إلا يحيي تفرد به ابن بکير بدون
،
المشفق، وفيه كما هو هنا يحيى بن صالح الأبلي، قال العقيلي روى عنه يحيى بن
بكير مناكير.
وقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح، قال الدارقطني: كان إسماعيل بن أمية يضع الحديث).
كما جاء من الروايات حديث محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ثنا سعيد
بن بشير القرشي حدثني عبد الله بن حكيم الكناني من أهل اليمن من
(1) الطبراني، المعجم الصغير، ج 2، ص 15. (2) الطبراني، المعجم الكبير، ج 11، ص 174. (3) ابن الجوزي، العلل المتناهية، ج 2، ص 844. (5/197)
صفحة 2147
الرائد
مواليهم عن بشر بن قدامة الضبابي قال:
أبصرت عيناي حبي
رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفا بعرفات على ناقة له حمراء
قصواء وتحته قطيفة قولانية وهو يقول: اللهم اجعله حجا غير رياء ولا هباء
ولا سمعة.
أخرجه ابن خزيمة وعلق القول به على صحة الخبر، وفي إسناده سعيد بن بشير قال عنه العقيلي بعدما أورده في الضعفاء: لا يتابع على حديثه، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال شيخ مجهول، وعبد الله بن حكيم مجهول لا نعرف واحدا منهما (3).
وقال الذهبي: سعيد بن بشير القرشي عن عبد الله بن حكيم الكناني،
مجهول وكذا شيخه، ثم أورد له الحديث السابق ليكون من منكراته.
ومما جاء أيضا حديث محمد بن حاتم المؤدب حدثنا علي بن ثابت حدثني قيس بن الربيع عن الأغر بن الصباح عن خليفة بن حصين عن علي
(1) ابن خزيمة صحيح ابن خزيمة، ج 4، ص 262.
(2) العقيلي، الضعفاء، ج 2، ص 101. (3) ابن أبي حاتم الجرح والتعديل، ج 4، ص 8.
(4) الذهبي، ميزان الاعتدال، ج 3، ص 192. (5/198)
صفحة 2148
الرائد
199
بن أبي طالب قال: أكثر ما دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة في الموقف: اللهم لك الحمد كالذي نقول وخيرا مما نقول، اللهم لك صلاتي
ونسكي ومحياي ومماتي، وإليك مآبي ولك رب تراثي، اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ووسوسة الصدر وشتات الأمر، اللهم إني أعوذ بك من شر ما يجيء به الريح.
والحديث أخرجه الترمذي وتعقبه بقوله: هذا حديث غريب من
الوجه وليس إسناده بالقوي، وضعفه النووي.
هذا
ومن الأذكار التي كان يأتي بها النبي و التلبية كما يفيد ذلك حديث علي بن صالح عن ميسرة عن حبيب عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير
قال:
كنا مع ابن عباس بعرفات فقال مالي لا أسمع الناس يلبون فقلت: يخافون من معاوية فخرج ابن عباس من فسطاطه فقال: لبيك اللهم لبيك
(1) کتاب الدعوات (3520).
(2) النووي، المجموع، ج 8، ص 109. (5/199)
صفحة 2149
الرائد
( .. )
فإنهم قد تركوا السنة من بغض علي
ومما استحبه بعض الفقهاء من الأذكار قراءة سورة الحشر؛ لأنه روي
ذلك عن الإمام علي بن أبي طالب، ومن الفقهاء من استحب قراءة ألف مرة لحديث ابن عباس له مرفوعا: من قرأ قل هو الله أحد
الإخلاص
ألف مرة يوم عرفة أعطي ما سأل، ولم أجد هذا الحديث مسندا.
المندوب التاسع: أن لا يستظل بل يبرز للشمس إلا للعذر بأن يتضرر أو ينقص دعاؤه أو اجتهاده في الأذكار.
(4)
وقيل به لحديث روي أن النبي رأى يوم عرفة رجلا يطلب الفيافي، فقال: اضح لمن أحرمت له أي اخرج إلى الشمس، والنبي صلى الله عليه وسلم لم ينقل عنه أنه استظل بعرفات مع الحديث السابق في البروز للشمس وإظهار النفس
لها (ه).
(1) أخرجه النسائي في كتاب مناسك الحج، باب: التلبية بعرفة (3006).
:
(2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 173، والشربيني، مغني المحتاج، ج 1، ص 497.
(3) الشربيني، مغني المحتاج، ج 1، ص 497.
6
(4) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 173، والنووي، المجموع، ج 8، ص 110.
(5) النووي، المجموع، ج 8، ص 110. (5/200)
صفحة 2150
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: أصول الفقه
------------------------------------------
العنوان: الرائد أبحاث تأصيلية معاصرة في فقه الحج والعمرة مباحث وجوب الحج والعمرة
المؤلف: ماجد بن محمد بن سالم الكندي
الناشر: دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع
مكان النشر: بيروت - لبنان
تاريخ النشر: 1429ه/ 2008م
الطبعة: 1
عدد الأجزاء: 5
الإيداع القانوني: 2008/158
الكلمات الدالة: فقه الحج، أحكام الحج، مناسك الحج، فقه العمرة
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=2743&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/index.php/node/813
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100?، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 22 ذو القعدة 1446ه/ 20 - شهر 05 - 2025م. الرائد
(201
وقد ذكرنا هذا الرأي عند ذكر محظور تغطية الرأس في الجزء الثالث من هذا الكتاب، والإيرادات التي وجهت إليه وأنه ضعيف لا يصح، وقال ابن
العربي بعد ذكر حديث "أفضل الصدقات ظل فسطاط في سبيل الله ":
وهذا يدل على فضل الظل على الضحاء، وأنه ليس من العبادة التضحي وترك التظلل، كما أنه ليس من العبادة أن يكون الفسطاط خشنا بل إن قدر عليه من أدم فهو أحسن، فليس على الأرض أزهد من نبينا وكان له خباء من أدم واستظل ولم يضح.
المندوب العاشر: استحب بعض أهل العلم للأنثى والخنثى الوقوف في حاشية الموقف ما لم يخشيا ضررا)، ومنهم من صرح باستحباب قعودها لأنه أستر لها.
وهذا المندوب ليس خاصا بعرفة بل هو حكم عام في المواضع كلها إذ لا يحل اختلاط الأجانب من الجنسين ويقال بالسابق أن لو كان القعود أو الوقوف في حاشية المطاف متعينا معه البروز للرجال أو الاختلاط
بهم.
أما إن لم يكن شيء من ذلك بأن فصلت النساء في موقف ليس به شيء
(1) ابن العربي، عارضة الأحوذي، ج 2، ص 315.
(2) الدمياطي، إعانة الطالبين، ج 2، ص 288، والشربيني، مغني المحتاج، ج 1، ص 496. (3) الهيتمي، الحاشية على الإيضاح، ص 325. (5/201)
صفحة 2151
الرائد
(202)
من المحاذير الشرعية فيندب لها ما يندب للرجال إذ هن شقائق الرجال ولم يأت ما يخرجهن من أصل العموم السابق في هذه المسألة. (5/202)
صفحة 2152
الرائد
203
المبحث الثامن: الخطأ في تاريخ الوقوف
معلوم أن زمان الوقوف بعرفة اتفاقا هو اليوم التاسع من ذي الحجة، ولا يسع الناس إلا الوقوف فيه، غير أنه قد يطرأ من الأمـ أنه قد يطرأ من الأمور ما يجعل وقوف الناس في غير موعده المتقرر كأن يُثبت الهلال بشهادة كاذبة فيتقدم يوما، أو يتأخر من تقوم الحجة برؤيته إلى أن يقف الناس بعد يوم التاسع لإكمالهم عدة ذي الحجة ثلاثين يوما.
وللفقهاء كلام في القضية السابقة نذكره بتفاصيله، فنقول ذهب جمع من أهل العلم إلى أنه إن كان الوقوف ثم تبين للناس خطؤه وأنه صادف اليوم
العاشر فإنه يقع وقوفهم موقعه، بل حكي على ذلك الإجماع.
قالوا: وعلة السابق أنهم لو كلفوا القضاء لم يأمنوا وقوع مثله في القضاء.
ثم إن أقاموا لاقوا عسرا، وإن انقلبوا وآبوا تضاعفت المشقات، وليس
(1) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 314، والرملي، نهاية المحتاج، ج 3، ص 299، والدردير، الشرح الكبير، ج 2، ص 38، والحطاب، مواهب الجليل، ج 3، ص 95. (5/203)
صفحة 2153
الرائد
(204)
في الشرع تكليف مثل هذا، والمشقة هنا عامة فهي حرية بالترخيص".
كما استدل آخرون على الصحة بحديث أحمد بن منيع حدثنا هشيم
أخبرنا عوام عن السفاح بن مطر عن عبد العزيز بن عبد الله
أسيد أن النبي الله قال: يوم عرفة اليوم الذي يعرف فيه الناس.
(3)
بن
خالد
بن
والحديث أخرجه أبو داود في المراسيل، وقال البيهقي: مرسل جيد
والسفاح بن مطر هو الشيباني لم أجد من وثقه إلا إيراد ابن حبان إياه في
الثقاته).
وعلى السابق يكون وقوفهم في العاشر أداء لا قضاء؛ لأنه لا يدخله القضاء أصلا، وقد قالوا ليس يوم الفطر أول شوال مطلقا بل يوم يفطر الناس، وكذا يوم النحر يوم يضحي الناس، ويوم عرفة اليوم الذي يظهر لهم يوم عرفة سواء التاسع والعاشر الحديث "الفطر يوم يفطر الناس،
أنه
(1) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 314، والغزالي، الوسيط، ج 2، ص 659.
(2) الرملي، نهاية المحتاج، ج 3، ص 299.
(3) أبو داود، المراسيل، ص 153.
(4) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 176.
(5) ابن حبان، الثقات، ج 6، ص 435. (5/204)
صفحة 2154
الرائد
( .. )
والأضحى يوم يضحي الناس، وعرفة يوم يعرف الناس.
واختلفوا هل الحكم السابق يشمل الحادي عشر كما شمل العاشر، فقيل
إنه ليس كمثله فلا يجزيهم وقوفهم؛ إذ هو نادر الوقوع، وقيل بالإجزاء كالعاشر؛ لأنه من تتمته).
أما إن كان الخطأ بتقديم الوقوف في اليوم الثامن فله حالان:
أولهما أن يتنبهوا لذلك في التاسع قبل انقضائه أي قبل فوات وقت الوقوف، فهؤلاء ملزمون بإعادة الوقوف ليقع في زمانه المقرر شرعا، ولو كان ليلا على ما مضى ذكره أن الليل وقت للوقوف أيضا على ما يفيده ظاهر
السنة.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لو اشتبه على الناس هلال ذي الحجة فوقفوا بعرفة بعد أن أكملوا عدة ذي القعدة ثلاثين يوما ثم شهد الشهود أنهم رأوا الهلال يوم كذا، وتبين أن ذلك اليوم كان يوم النحر فوقوفهم صحيح وحجتهم تامة استحسانا وإن كان القياس أن لا يصح.
وجه القياس أنهم وقفوا في غير وقت الوقوف فلا يجوز كما لو تبين أنهم
(1) الرملي، نهاية المحتاج، ج 3، ص 299. (5/205)
صفحة 2155
الرائد
وقفوا يوم التروية، وأي فرق بين التقديم والتأخير.
ووجه الاستحسان حديث "صومكم يوم تصومون، وأضحاكم يوم
تضحون، وعرفتكم يوم تعرفون" فقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم وقت الوقوف أو الحج وقت تقف أو تحج فيه الناس).
ثانيهما: إن لم يتنبهوا إلا بعد التاسع فاختلف في شأنهم، فذهب بعض أهل العلم إلى أن وقوفهم يقع موقعه الشرعي كالغلط في التأخير الذي ذكرناه سابقا.
قال العلامة ابن جعفر:
حجهم
سئل أبو معاوية عن أهل مكة إذا غلطوا وكانت عرفتهم يوم التروية، أو كانت عرفتهم يوم الأضحى أيكون حجهم تاما؟ قال: سمعنا أن تام، ولكل قوم هلالهم.
ومن الفقهاء - ونسب إلى الأكثرين من قال إن وقوفهم لا يقع موقعه، وفرق هؤلاء بين التأخير فأجازوه والتقديم فلم يجيزوه لأمور:
(1) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 126.
(2) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 358. (5/206)
صفحة 2156
الرائد
207
أولها: التقديم بديع نادر الوقوع لا يتفق إلا بتوارد شهادتين كاذبتين في شهرين، ووضع الشرع يقتضي الفرق بينهما، ثانيها: تأخير العبادة عن الوقت أقرب إلى الاحتساب من تقديمها على الوقت.
ثالثها: الغلط بالتقديم يمكن الاحتراز عنه، فإنه إنما يقع الغلط في الحساب أو الخلل في الشهود الذي شهدوا بتقديم الهلال، والغلط بالتأخير قد يكون للتغيم المانع من رؤية الهلال، ومثل ذلك لا يمكن الاحتراز عنه. أما شهادة الشهود فيقال فيها بأحد أمرين:
أولهما: هذه شهادة قامت على النفي وهي نفي جواز الحج، والشهادة على النفي باطلة.
ثانيهما: أن شهادتهم جائزة مقبولة والوقوف جائز أيضا؛ لأن هذا النوع من الاشتباه مما يغلب ولا يمكن التحرز عنه فلو لم يحكم بالجواز لوقع الناس في الحرج بخلاف ما إذا تبين أن ذلك اليوم كان يوم التروية؛ لأن ذلك نادر غاية الندرة فكان ملحقا بالعدم.
(1) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 315، والغزالي، الوسيط، ج 2، ص 659، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 420، والحطاب، مواهب الجليل، ج 3، ص 95. (5/207)
صفحة 2157
الرائد
208
ولأنهم بهذا التأخير بنوا على دليل ظاهر واجب العمل به وهو وجوب إكمال العدة إذا لم ير الهلال فعذروا في الخطأ بخلاف التقديم فإنه خطأ غير مبني على دليل رأسا فلم يعذروا فيه.
نظيره إذا اشتبهت القبلة فتحرى وصلى إلى جهة ثم تبين أنه أخطأ جهة القبلة جازت صلاته ولو لم يتحر وصلى ثم تبين أنه أخطأ لم يجز لما قلنا كذا
هذا).
ورتب بعض الفقهاء على السابق أنه إن اشتبه على الناس فوقف الإمام والناس يوم النحر، وقد كان من رأى الهلال وقف يوم عرفة لم يجزه وقوفه، وكان عليه أن يعيد الوقوف مع الإمام؛ لأن يوم النحر صار يوم الحج في حق الجماعة، ووقت الوقوف لا يجوز أن يختلف فلا يعتد بما فعله بانفراده. وكذا إذا أخر الإمام الوقوف لمعنى يسوغ فيه الاجتهاد لم يجز وقوف من وقف، قبله، كما لو شهد شاهدان عند الإمام بهلال ذي الحجة فرد شهادتهما؛ لأنه لا علة بالسماء فوقف بشهادتهما قوم قبل الإمام لم يجز وقوفهم؛ لأن
(1) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 126. (5/208)
صفحة 2158
الرائد
(209)
الإمام أخر الوقوف بسبب يجوز العمل عليه في الشرع فصار كما لو أخر
بالاشتباه).
وفي بيان الشرع:
ومن رأى هلال ذي الحجة وحده ولم يخرج الأمير ولا الناس لذلك الوقت فإنه ينبغي لهذا الرجل أن يتهم نفسه ويكون مع الناس؛ فإن الأضحى والفطر بلغني لكل قوم رؤيتهم وأضحاهم يوم يضحون، وفطرهم يوم
يفطرون).
قال الدمياطي وإن وقفوا بعد التبين كما إذا ثبت الهلال ليلة العاشر ولم يتمكن من الوقوف فيها لبعد المسافة وإليه حينئذ تنتقل أحكام التاسع كلها فلا يعتد بوقوفهم قبل الزوال، ولا يصح رمي جمرة العقبة إلا بعد نصف ليلة الحادي عشر والوقوف، وهكذا جميع الأحكام".
و من الفقهاء من قال إن الشهود متعبدون برؤيتهم، فيقف في اليوم الذي
(1) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 126.
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 283.
(3) الدمياطي، إعانة الطالبين، ج 2، ص 288. (5/209)
صفحة 2159
الرائد
(1.)
تدل عليه رؤيته وإن لم يعمل بشهادته.
والأمور السابقة كلها جائزة الحدوث في زمن كتابتها والحكم فيها ما ذكر سابقا من تفصيل للفقهاء، وقد امتن الله تعالى لعباده ببلوغ علم الفلك مبلغا عظيما، وعليه فيعتمد في قبول شهادة الشهود و ردها على إمكان الرؤية
وعدمها.
فإن كان علم الفلك يقضي باستحالة الرؤية لمقدماته اليقينية فترد حينها شهادة الشهود إذ إنه يقطع بعدم مطابقتها للواقع، أما إن أثبت علم الفلك جواز الرؤية فينظر حينها إلى شهادة الشهود فإن شهد شهود بالرؤية والقرائن لا تنفي صدق شهادتهم قبلت وأثبت الهلال، ولكن إن لم يشهد أحد بالرؤية مع جوازها في علم الفلك فلا يقال بثبوت الهلال لأن الشارع علق دخول الشهر برؤية الهلال).
وليس في السابق معارضة للسنة ولا تقديم لكلام المنجمين على الشرع كما يتوهم البعض؛ لأن السنة نصت على الصوم برؤية الهلال والإفطار برؤيته، وباقي الأشهر كشهر رمضان كما حكي الإجماع عليه.
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 281.
(2) بيوض، الفتاوى، ص 261. (5/210)
صفحة 2160
الرائد
(211)
والرؤية إنما تنقل بالشهادة والاتفاق قائم بين الفقهاء أن العدالة في الشاهد إنما هي شرط من الشروط التي تراعى لقبول الشهادة وليست هي الشرط الأوحد، بل من الشروط كون الشهادة مصدقة من قبل الواقع، أما إن كان الواقع يكذبها فلا تقبل ولو جاء بها عدلان بلغا أتم منازل العدالة؛ إذ بمنابذة الواقع لها يتبين أنها ما كانت إلا نتيجة وهم ممن أداها.
على أن من المحرر في علم أصول الحديث أن الرواية ولو كانت من طريق العدول- ترد إن كانت مخالفة يكذبها الواقع، قال السيوطي في ألفية
الحديث:
وقال بعض العلماء الكمل احكم بوضع خبر إن ينجلي
قد باين المعقول والمنقولا عارضه أو ناقض الأصولا وقد رد العلماء خبر شريك بن عبد الله القاضي عند مسلم حينما ذكر أن الإسراء بالنبي لو كان قبل أن ينبأ، والواقع خلافه، كما رد أهل العلم خبر أبي سفيان بعد إسلامه حينما طلب من النبي أن يتزوج ابنته حبيبة، والمعلوم أن النبي تزوجها من قبل إلى آخر الأمثلة الكثيرة التي ما كان رد حديث الثقات فيها إلا أن الحديث معارض للواقع والثابت.
(1) شيخنا القنوبي، الطوفان، ج 3، وسلطان العكايلة، نقد الحديث بالعرض على الوقائع (5/211)
صفحة 2161
الرائد
212
والقاعدة السابقة من أبجديات علم الحديث المتقررة، والمطالع لكتب العلل والشروح، وكتب السيرة المعنية بتحقيق الأحاديث يظهر له السابق،
فهل يقال بأن هؤلاء القوم رادون للحديث الصحيح؟
وعلم الفلك بلغ شأوا عظيما جدا في دقته فكم حدد حوادث من كسوف أو خسوف أو أخبار مذنبات وكواكب قبل سنين من حدوثها بالثانية
الواحدة ووقعت كما قال، والأمر السابق مسلم به لا يجادل فيه أحد. وعليه فيقال بالقاعدة السابقة وهي رد الشهادة إن دل علم الفلك أن الرؤية غير ممكنة وقبولها إن دل علم الفلك على إمكانها، واستكملت الشهادة الأمور الأخرى لقبولها.
وقد حرر السابق بعض أئمة الفقه من المسلمين، فقد قال العلامة السبكي (ت 756 هـ):
وههنا صورة أخرى وهو أن يدل الحساب على عدم إمكان رؤيته ويدرك
ذلك بمقدمات قطعية ويكون في غاية القرب من الشمس ففي هذه الحالة لا يمكن فرض رؤيتنا له حسا؛ لأنه يستحيل.
فلو أخبرنا به مخبر واحد أو أكثر ممن يحتمل خبره الكذب أو الغلط
والمعلومات التاريخية، ص 95. (5/212)
صفحة 2162
الرائد
(213)
(1)
فالذي يتجه قبول هذا الخبر وحمله على الكذب أو الغلط ولو شهد به شاهدان لم تقبل شهادتها؛ لأن الحساب قطعي والشهادة والخبر ظنيان والظن لا يعارض القطع فضلا عن أن يقدم عليه.
والبينة شرطها أن يكون ما شهدت به ممكنا حسا وعقلا وشرعا، فإذا فرض دلالة الحساب قطعا على عدم الإمكان استحال القبول شرعا لاستحالة المشهود به والشرع لا يأتي بالمستحيلات، ولم يأت لنا نص من الشرع أن كل شاهدين تقبل شهادتهما سواء كان المشهود به صحيحا أو
باطلا.
ولا يترتب وجوب الصوم وأحكام الشهر على مجرد الخبر أو الشهادة حتى إنا نقول العمدة قول الشارع صوموا إذا أخبركم مخبر فإنه لو ورد ذلك قبلناه على الرأس والعين لكن ذلك لم يأت قط في الشرع بل وجـ التبين في قبول الخبر حتى نعلم حقيقته أولاً.
وجب
علينا
ولا شك أن بعض من يشهد بالهلال قد لا يراه ويشتبه عليه أو يرى ما يظنه هلالا وليس بهلال، أو تريه عينه ما لم ير أو يؤدي الشهادة بعد أيام ويحصل الغلط في الليلة التي رأى فيها، أو يكون جهله عظيما يحمله على أن
(1) كذا في الأصل، ولعل الأصوب عدم قبول (5/213)
صفحة 2163
الرائد
14
يعتقد في حمله الناس على الصيام أجرا، أو يكون ممن يقصد إثبات عدالته فيتخذ ذلك وسيلة إلى أن يزكى ويصير مقبولا عند الحكام.
وكل هذه الأنواع قد رأيناها وسمعناها فيجب على الحاكم إذا جرب مثل ذلك وعرف من نفسه أو بخبر من يثق به أن دلالة الحساب على عدم إمكان الرؤية أن لا يقبل هذه الشهادة ولا يثبت بها ولا يحكم بها ويستصحب الأصل في بقاء الشهر فإنه دليل شرعي محقق حتى يتحقق خلافه.
ولا نقول الشرع ألغى قول الحساب مطلقا والفقهاء قالوا لا يعتمد فإن ذلك إنما قالوه في عكس هذا، وهذه المسألة المتقدمة التي حكينا فيها الخلاف أما هذه المسألة فلا ولم أجد في هذه نقلا ولا وجه فيها للاحتمال غير ما
ذكرته).
وقال في موضع آخر: واعلم أنه ليس مرادنا بالقطع ههنا الذي يحصل بالبرهان الذي مقدماته كلها عقلية؛ فإن الحال هنا ليس كذلك، وإنما هو مبني على أرصاد وتجارب طويلة وتسيير منازل الشمس والقمر ومعرفة حصول الضوء الذي فيه بحيث يتمكن الناس من رؤيته.
والناس يختلفون في حدة البصر فتارة يحصل القطع إما بإمكان الرؤية
(1) السبكي، الفتاوى، ج 1، ص 209. (5/214)
صفحة 2164
الرائد
وإما بعدمه، وتارة لا يقطع بل يتردد والقطع بأحد الطرفين مستنده العادة كما نقطع في بعض الأجرام البعيدة عنا بأنا لا نراها ولا يمكنا رؤيتها في العادة وإن كان في الإمكان العقلي ذلك.
ولكن يكون ذلك خارقا للعادة وقد يقع معجزة لنبي أو كرامة لولي أما غيرهما فلا، فلو أخبرنا مخبر أنه رأى شخصا بعيدا عنه في مسافة
يوم مثلا وسمعه يقر بحق وشهد عليه به لم يقبل خبره ولا شهادته بذلك ولا نرتب عليها حكما وإن كان ذلك ممكنا في العقل لكنه مستحيل في العادة. فكذلك إذا شهد عندنا اثنان أو أكثر ممن يجوز كذبهما أو غلطهما برؤية الهلال وقد دل حساب تسيير منازل القمر على عدم إمكان رؤيته في ذلك الذي قالا إنهما رأياه فيه ترد شهادتهما؛ لأن الإمكان شرط في المشهور به وتجويز الكذب والغلط على الشاهدين المذكورين أولى من تجويز انخرام العادة، فالمستحيل العادي والمستحيل العقلي لا يقبل الإقرار به ولا الشهادة فكذلك المستحيل العادي.
وحق على القاضي التيقظ لذلك وأن لا يتسرع إلى قبول الشاهدين حتى يفحص عن حال ما شهدا به من الإمكان، وعدمه ومراتب الإمكان فيه، وهل بصرهما يقتضي ذلك أو لا، وهل هما ممن يشتبه عليهما أو لا، فإذا تبين له (5/215)
صفحة 2165
الرائد
الإمكان وأنهما ممن يجيد بصرهما رؤيته ولا يشتبه عليهما لفطنتهما ويقظتهما ولا
غرض لهما وهما عدلان ذلك بسبب أو لا فيتوقف أو يرد.
ولو كان كل ما يشهد به شاهدان يثبته القاضي لكان كل أحد يدرك حقيقة القضاء لكن لا بد من نظر لأجله جعل القاضي فإذا قال القاضي ثبت
عندي علمنا أنه استوفى هذه الأحوال كلها وتكاملت شروطها عنده. فلذلك ينبغي للقاضي التثبت وعدم التسرع مظنة الغلط ولهذا إن الشاهد المتسرع إلى أداء الشهادة ترد شهادته ومن عرف منه التسرع في ذلك لم
تقبل شهادته فيه).
والسابق واضح في تقريره، جلي في بيانه، ومن العجب الذي لا ينقضي أن تثبت عبادة يؤمها الملايين من المسلمين بشهادة شهود نص الفلكيون المسلمون على استحالة مقتضاها وهو الرؤية حين رأى الرائي الذي شهد بها، بل في بعض الأحيان يكون الهلال غير مولود رأسا أو قد غرب قبل الشمس بدقائق ويأتينا شاهدان بأنهما رأياه ويؤخذ بشهادتهما ويقال إننا نطبق سنة النبي.
وقد قال الفقهاء قديما إن من موانع الشهادة قرابة الولادة والزوجية وأن
(1) السبكي، الفتاوى، ج 1، ص 210. (5/216)
صفحة 2166
الرائد
217
يدفع عن نفسه بشهادته ضررا أو يجر نفعا، والعداوة الدنيوية، فهل يقال إن رد هذه الشهادات منابذ للسنة؟ والواقع أن الرد ما كان إلا لمظنة الكذب مع احتمال الصدق.
وعلم الفلك وحساباته قطعية لا ينكرها في هذا الزمان الذي أطبق الناس مسلمهم وكافرهم على الاعتداد بحساباته الدقيقة، فمن باب الأولى أن لا تقبل شهادة الشاهد إن كُذِّبت فلكا، والمأمول ممن بيدهم سلطة إهلال الهلال في منطقة العراص المطهرة أن يرجعوا البصر كرتين فالعبادة شاملة
للمسلمين كلهم.
(1) البهوتي، كشاف القناع، ج 6، ص 427. (5/217)
صفحة 2167
[صفحة فارغة] (5/218)
صفحة 2168
الفصل الثامن: أعمال اليوم العاشر
المبحث الأول: أعمال مزدلفة
المبحث الثاني: رمي جمرة العقبة
المبحث الثالث: نحر الهدي
المبحث الرابع: طواف الإفاضة
المبحث الخامس: حكم الترتيب بين أعمال اليوم العاشر (5/219)
صفحة 2169
[صفحة فارغة] (5/220)
صفحة 2170
الرائد
المبحث الأول: أعمال مزدلفة
المطلب الأول: الطريق إلى مزدلفة
ذكرنا في الفصل السابق أعمال عرفة وخلاف العلماء في وجوب
الاستمرار في الوقوف إلى حين غروب الشمس، غير أنا بينا أنه
الخلاف مع السابق الجميع متفقون أن مجمع الخير والفضل في اقتفاء هدي النبوة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.
ومن المتفق عليه بين الرواة أنه لا الله ما أفاض من عرفات إلا حينما توار الشمس بالحجاب وغابت والناس قد أفاضوا معه حينها، وقد ذهب جمع من أهل العلم إلى أنه لا يصح أن يفيض الناس قبل إفاضة أمير الحج أخذا من الفعل السابق، بل منهم من بالغ في التشديد حتى ألزم المفيض قبل الإمام
دما).
ومن السابق حديث وكيع عن إسرائيل عن إبراهيم بن عبد الأعلى قال:
(1) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 212،والقرافي الذخيرة، ج 3، ص 261، وابن مفلح،
المبدع، ج 3، ص 235. (5/221)
صفحة 2171
الرائد
222
أفاض صاحب لنا قبل الإمام فسألت مجاهدا فقال: يهرق دما. كما رواه ابن أبي شيبة أيضا في الموضع المذكور من طريق حفص عن
أشعث عن الحسن قال: إذا أفاض قبل الإمام فعليه دم.
وبيّن بعض أهل العلم أن الإمام لو أبطأ في دفعه من عرفة إلى وقت يبعد عما دفع عليه النبي صلى الله عليه وسلم الشرع للمأمومين الدفع بعد الغروب؛ لأنه لا موافقة في مخالفة السنة، ومن مكث بعد الغروب وبعد دفع الإمام وإن كان قليلا لخوف الزحام فلا بأس به، وإن كان كثيرا كان مسيئا لمخالفة السنة. ولا أظن الإساءة المذكورة تبلغ حد التأثيم إذ لا دليل يفيد ذلك سوى الفعل السابق، وأما ما جاء مرفوعا وفيه النهي عن الإفاضة قبل الإمام فلا يثبت؛ إذ إنه رواه المقدام نا عبد الله بن يوسف وعثمان بن صالح قالا: ثنا ابن لهيعة عن محمد بن المنكدر عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تدفعوا يوم عرفة حتى يدفع الإمام.
والحديث أخرجه الطبراني وقال عقبه لم يرو هذا الحديث عن محمد بن
(1) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 391.
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 286، وابن النجيم، البحر الرائق، ج 2، ص 366. (5/222)
صفحة 2172
الرائد
223
المنكدر إلا ابن لهيعة.
وابن لهيعة ضعيف لا يصح حديثه كما ذكرنا ذلك من قبل.
وروى ابن حزم من طريق عبد الملك بن حبيب الأندلسي نا ابن أبي نافع عن المنكدر بن محمد بن بن محمد بن المنكدر عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تدفعوا من عرفة ومزدلفة حتى يدفع الإمام، وتعقبه بقوله: وهذا لا شيء لوجوه: أحدها أنه مرسل، والثاني أن فيه ثلاثة ضعفاء في نسق".
ومع الحكم السابق وهو التزام حركة أمير الحج في الإفاضة من عرفات إلى مزدلفة إلا أن الحال الآن لا يتقيد فيه بالقيد السابق؛ فالأعداد الكبيرة من الحجاج الآن لا يكادون يصدرون في أمورهم عن إمرة واحدة بل أظن
الدهماء منهم
أنفسهم.
لا يعرفون أن ثمة أميرا للحج وقائدا فيتحركون من
تلقاء
نعم ممكن أن تحقق السنة السابقة برؤساء بعثات حج مختلف الدول
الإسلامية وجاليات الأقليات الإسلامية على افتراض أنهم ممن يهمهم
أن
يأتوا المناسك على وجهها الشرعي وذلك لا يكون إلا فيمن تحققت فيه
(1) الطبراني، المعجم الأوسط، ج 9، ص 32.
(2) ابن حزم المحلى، ج 7، ص 3
123 (5/223)
صفحة 2173
الرائد
224
تقوى الله تعالى مع حرصه على أن لا يكون ما يأتيه إلا موافقا للأمر الشرعي، وعندها يقال بالسنة السابقة فلا يخرج أحد من عرفة إلى مزدلفة قبل خروج أميره.
وللسابق فوائد جمة لعل من أقلها ضبط الفوضى التي تثيرها الآراء المرتجلة من قبل الأفراد، كما أن في التقيد بفعل من أسلفنا ذكر أوصافه ضمانا لالتزام الناس بالهدي الشرعي في أداء هذه العبادة.
والنبي كان يسير في دفعه من عرفات إلى مزدلفة بكل سكينة وطمأنينة ووقار من غير عجلة ولا سعي والصحابة معه يبين لهم ويرشدهم إليها، لذا فإن من المستحب الاقتداء به والدفع بسكينة لكيلا يتأذى البعض بمصادمة البعض فإن وجد بعضهم فرجة أسرع.
وقد جاء الإرشاد إلى الأمور السابقة في غير حديث عنه ومن ذلك حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد قال: سئل أسامة بن زيد كيف كان رسول الله يسير في حجة الوداع حين دفع؟ قال كان يسير العنق، فإذا وجد فرجة نص).
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 175، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 414. (2) أخرجه الربيع في كتاب الحج، باب في عرفة والمزدلفة ومنى (423). (5/224)
صفحة 2174
الرائد
والعنق سير بين الإسراع والإبطاء، وقيل سير سهل في سرعة، أما النص
فتحريك الدابة حتى تستخرج أقصى ما عندها.
ومن السابق يظهر أن الأصل الإسراع في المشي ولكنه كان يمتنع عنه لأجل دفع مفسدة الزحام وخشية أن يؤذي أحدا، وحينما تزول المفسدة يرجع إلى الأصل وهو الإسراع. وقد علل بعض أهل العلم الإسراع السابق بكونه استعجالا لإدراك وقت الصلاة؛ إذ المغرب مؤخرة مع دخول وقتها، فيكون في الفعل السابق مصلحتان الوقار والسكينة عند الزحمة والإسراع عند عدمها لأجل
الصلاة (2).
ووصف جابر بن عبد الله ه فقال:
فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص، وأردف أسامة خلفه ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شنق للقصواء الزمام
حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله ويقول بيده اليمنى:
(1) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 233.
(2) ابن عبد البر، التمهيد، ج 22، ص 202، والسالمي شرح الجامع الصحيح، ج 2،
6
ص
233 (5/225)
صفحة 2175
الرائد
أيها الناس السكينة السكينة، كلما أتى حبلا من الحبال أرخى لها قليلا حتى تصعد حتى أتى المزدلفة).
وجاء ما يفيد علة أمره او بالسكينة كما في حديث سعيد بن جبير حدثني ابن عباس أنه دفع مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة فسمع النبي صلى الله عليه وسلم وراءه زجرا شديدا وضربا وصوتا للإبل فأشار بسوطه إليهم وقال: أيها الناس عليكم بالسكينة؛ فإن البر ليس بالإيضاع.
والإيضاع هو الإسراع كما فسره البخاري بعد إخراج الحديث. قال الخطابي وفي هذا بيان أن السكينة والتؤدة المأمور بها إنما هي من أجل الرفق بالناس لئلا يتصادموا، فإذا لم يكن زحام وكان في الموضع سعة سار كيف شاء (3).
وبين بعض أهل العلم أن تعجيل الدفع من عرفة إنما هو لضيق الوقت؛ لأنهم إنما يدفعون من عرفة إلى المزدلفة عند سقوط الشمس، وبين عرفة
(1) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب: حجة النبي صلى الله عليه وسلم (1218).
(2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالسكينة عند الإفاضة وإشارته
إليهم بالسوط (1587).
(3) الخطابي، معالم السنن، ج 2، ص 324. (5/226)
صفحة 2176
الرائد
227
والمزدلفة نحو ثلاثة أميال، وعليهم أن يجمعوا المغرب والعشاء بالمزدلفة،
وتلك سنتها فتعجلوا في السير لاستعجال الصلاة.
وجلي من النصوص السابقة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في إفاضته من مزدلفة
راكبا، ومع
ذلك استحب بعض أهل العلم الإفاضة مشيا لعلة أن ذلك
أفضل وأقرب إلى توقير الحرم".
ولا تظهر العلة السابقة بل لو كان ذلك صحيحا لكان النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه معه وبعده أولى بتوقير الحرم، وتعظيمه وما دفعوا إلا راكبين، فلو كان ثمة تفاضل بين الأمرين لقيل إن أفضلهما الركوب لفعل النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه، وإن قيل إنه لا تفاضل بين الأمرين إلا بما يقترن بهما من أحوال قد يختلف فيها زيد وعمرو من الناس لكان حسنا.
والناظر إلى ليلة الإفاضة من عرفة إلى مزدلفة يجد أن أكثر إصابات الناس بالأمراض تكون من جرائها وما يتبعها من أعمال اليوم العاشر، إذ الطريق بها من عوادم السيارات أمر عجب يودي بالصحة ويسبب إرهاقا
(1) العيني، عمدة القاري، ج 10، ص 7.
(2) الجيطالي، قناطر الخيرات، ج 2، ص 81، وابن النجيم البحر الرائق، ج 2، ص 366، وابن الضياء، البحر العميق، ج 3، ص 1598. (5/227)
صفحة 2177
الرائد
(VAA)
وتعبا.
ثم إن المسافة بين عرفة والمزدلفة ليست باليسيرة فيصل الماشي مزدلفة و به من التعب ما به وقد لا يتم له نوم تلك الليلة بسبب الزحام وإزعاج المراكب، ثم يصبح ماشيا إلى منى ويأتي بأعمال اليوم العاشر وهي كثيرة وذلك يورثه إرهاقا يقصر به عن توفية المناسك حقها من الأداء على الصورة المشروعة.
فحسن أن يرعى الإنسان أسباب راحته ويقلل من كل ما قد يدخل عليه
إرهاقا أو يسبب
له مرضا ما دام يؤدي المناسك على الصورة الشرعية فما المقصد إهلاك النفوس بل أداء العبادة على وجهها اليسير الذي جاء به الشرع
لتزكو الأرواح.
والحال الآن -ولله الحمد - أن الركوب لا يكون للدواب فقد مضى عهدها وولى وأبدل الله الناس خيرا منها في السرعة والراحة والرفاهية فيأخذ ركوب الأخيرة حكم ركوب الدواب السابقة، ولئن قلنا بتفضيل الركوب فما استحدث الناس من رواحل يحقق التفضيل السابق، فليست السنة متعينة في الدواب بل في جنس الركوب.
والنبي توقف في طريق دفعه إلى مزدلفة ليقضي حاجة الإنسان في (5/228)
صفحة 2178
الرائد
229)
شعب من الشعاب كما في حديث محمد بن أبي حرملة عن كريب مولى ابن عباس عن أسامة بن زيد له أنه قال:
ردفت رسول الله له من عرفات فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الشعب الأيسر الذي دون المزدلفة أناخ فبال ثم جاء فصببت عليه الوضوء فتوضأ وضوءا خفيفا فقلت: الصلاة يا رسول الله قال: الصلاة أمامك، فركب رسول الله حتى أتى المزدلفة فصلى.
والفعل السابق لمنه لا لا لا لا داعيه الجبلة وتلبية نداء الفطرة وليس من قبيل التشريع في شيء، لذا لم يقل الفقهاء باستحبابه وابن عمر كان يحرص عليه لشدة تأسيه بالنبي صلى الله عليه وسلم كما قال نافع:
كان عبد الله بن عمر الله يجمع بين المغرب والعشاء بجمع، غير أنه يمر بالشعب الذي أخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيدخل فينتفض" ويتوضأ ولا يصلي حتى
(3)
يصلي بجمع. وقد أنكر ابن عمر وغيره على بعض. على بعض خلفاء بني أمية صلاتهم المغرب
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب النزول بين عرفة وجمع (1586). (2) بفاء وضاد معجمة أي يستجمر. ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 520. (3) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب النزول بين عرفة وجمع (1585). (5/229)
صفحة 2179
الرائد
230
في الشعب السابق.
وروى الفاكهي من طريق محمد بن أبي عمر قال: حدثنا سفيان قال: ثنا
ابن أبي نجيح قال: سمعت عكرمة يقول: اتخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم مبالا واتخذتموه
مصلى (2).
وروى الأزرقي السابق عن عطاء (3).
وكما أسلفنا من قبل أن المقصود من عبادة الحج إقامة ذكر الله تعالى لذا يصحب الحاج ذكر الله في الأحوال كلها، وإن وقت إفاضته من عرفات إلى مزدلفة أولى بأن يتأكد فيه الأمر بذكر الله تعالى كيف وقد جرى عليه النص الشرعي كما في قوله تعالى:
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتِ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن
كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ).
(1) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 520. (2) الفاكهي، أخبار مكة، ج 5، ص 45.
(3) الأزرقي، أخبار مكة، ج 2، ص 39.
(4) سورة البقرة، الآية (198) (5/230)
صفحة 2180
الرائد
وسيأتي أن بعض الفقهاء حكم على الذكر بالوجوب بل منهم من جعله نسكا للأمر به في الآية والأصل في الأمر أنه للوجوب.
وقد ذكرنا من قبل في الجزء الثاني من هذا الكتاب أن التلبية مما يشرع
الإتيان به في هذا الموضع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة في صباح اليوم العاشر.
ويستحب أن يمضي على طريق المأزمين لأن النبي صلى الله عليه وسلم سلكها، وإن سلك
الطريق الأخرى جاز.
واستحب بعض الفقهاء الاغتسال لدخول مزدلفة لأنها من
وظاهر حديث جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم ما اغتسل لدخولها، وعلة
استحباب الغسل لدخول الحرم لا يسلم بها لعدم الدليل الذي يثبتها.
المطلب الثاني: جمع المغرب والعشاء بمزدلفة
لم يختلف نقلة الأخبار أن النبي يا اهل الجمع المغرب والعشاء في مزدلفة جمع
صلى الله عليه وسلم
تأخير، إذ إن وقت المغرب قد دخل عليه وهو في عرفات فلم يصلها ثمة بل
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 175، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 212. (2) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 279، والجيطالي، قناطر الخيرات، ج 2، ص 81. (5/231)
صفحة 2181
الرائد
232
صلاها والعشاء في موضع مبيته بالمزدلفة، واقتفاء هذا الفعل وتفضيله هو مذهب فقهاء المذاهب كافة.
بل من الفقهاء من نص على كونه سنة مؤكدة، وحكي الإجماع عليه، قال ابن المنذر وأجمعوا على أن السنة أن يجمع الحاج بجمع بين المغرب والعشاء، ونقل الإجماع السابق ابن حزم)
ومن النصوص التي أفادت الحكم السابق حديث محمد بن أبي حرملة عن كريب مولى ابن عباس عن أسامة بن زيد الله أنه قال: ردفت رسول الله من عرفات فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الشعب الأيسر الذي دون المزدلفة أناخ فبال ثم جاء فصببت عليه الوضوء فتوضأ وضوءا خفيفا.
فقلت: الصلاة يا رسول الله، قال: الصلاة أمامك، فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم
(1) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 354، والجيطالي، قناطر الخيرات، ج 2، ص 81، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 175، والقاضي عبد الوهاب، الإشراف، ج 1،
ص 483، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 213.
(2) القاضي عبد الوهاب، الإشراف، ج 1، ص 483.
(3) ابن المنذر، الإجماع، ص 74.
(4) ابن حزم، مراتب الإجماع، ص 79. (5/232)
صفحة 2182
الرائد
233
حتى أتى المزدلفة فصلى.
ومما جاء أيضا حديث سالم بن عبد الله عن ابن عمر قال: جمع النبي بين المغرب والعشاء بجمع كل واحدة منهما بإقامة ولم يسبح بينهما ولا على إثر كل واحدة منهما.
كما جاء السابق من حديث عدي بن ثابت قال: حدثني عبد الله بن يزيد الخطمي قال: حدثني أبو أيوب الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع في حجة الوداع المغرب والعشاء بالمزدلفة).
ومن الفقهاء من استنبط إقامة صلاتي المغرب والعشاء مجموعتين جمع
تأخير بمزدلفة من قوله تعالى {فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتِ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ
(E),
الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ فقالوا:
إن هذا الذكر هو صلاة المغرب والعشاء اللتين يجمع بينهما بالمزدلفة، والذكر الثاني في قوله (وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَنكُمْ} هو الذكر المفعول عند
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب النزول بين عرفة وجمع (1586). (2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب من جمع بينهما ولم يتطوع (1589). (3) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب من جمع بينهما ولم يتطوع (1589). (4) سورة البقرة، جزء من الآية (198). (5/233)
صفحة 2183
الرائد
234
الوقوف بالمزدلفة غداة جمع فيكون الذكر الأول غير الثاني، والصلاة تسمى ذكرا، وعلى السابق تكون الآية قد اقتضت تأخير صلاة المغرب إلى أن تجمع
مع
العشاء بالمزدلفة.
وللفقهاء في هذا الجمع خلاف أسببه السفر أو النسك، وقد عرضنا للقضية في الفصل المتقدم عند الحديث عن جمع العصرين بعرفة فنؤثر غض الطرف عن القضية هنا خشية التكرار؛ إذ الأمران لا فارق بينهما، وقد تبين ثمة أن سبب الجمع السفر لا النسك.
والجمع السابق للعشاءين مع الاتفاق على كونه الأولى والأفضل إلا أن الجماهير من فقهاء الأمصار قائلون إنه ليس بواجب، فلو أفرد كل صلاة في وقتها أو جمعهما جمع تقديم أو صلى إحدى الصلاتين مع الإمام والأخرى وحده أو صلى في عرفة أو الطريق أو مزدلفة فإن صلاتيه صحيحتان وإن كان فاته فضل اقتفاء السنة.
(1) الجصاص، أحكام القرآن، ج 1، ص 390.
(2) النووي، شرح صحيح مسلم، ج 8، ص 187، وابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 522،
وابن النجيم، البحر الرائق، ج 2، ص 366.
(3) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 176، والقاضي عبد الوهاب، الإشراف، ج 1،
ص 483، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 415، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 214. (5/234)
صفحة 2184
الرائد
ودليل السابق أن كل صلاتين جاز الجمع بينهما جاز التفريق بينهما كالظهر والعصر بعرفة، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم محمول على الأولى والأفضل، ولئلا
ينقطع سيره، ثم إن الجمع رخصة فجاز تركها كسائر الرخص
(2)
ومما تقدم أنه ليس للنسك مدخل في جمع الصلوات وقصرها يتبين أن
الأمر باق على أصل الحكم وهو جواز الجمع لا وجوبه.
وذهب بعض الفقهاء إلى أن من صلى المغرب قبل أن يأتي المزدلفة لم تجزه ووجب عليه أن يعيدها، وما دامت المغرب لا تجزيه حتى يصليها بمزدلفة خارج وقتها فلأن تكون العشاء غير مجزية في غير مزدلفة من باب أولى إذ
وقتها باق.
ونص بعض هؤلاء على أنه إذا صلاهما أو إحداهما قبل مزدلفة فقد ارتكب كراهة التحريم، فكل صلاة أديت معها وجب إعادتها فيجب
(1) القاضي عبد الوهاب، الإشراف، ج 1، ص 483، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 214. (2) ابن قدامة، الكافي، ج 1، ص 443. (3) الجصاص أحكام القرآن، ج 1، ص 390، والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص 261، والقطب، الجامع الصغير، ج 3، ص 198.
(4) الجصاص، أحكام القرآن، ج 1، ص 390، وابن النجيم، البحر الرائق، ج 2، ص 366. (5/235)
صفحة 2185
الرائد
إعادتهما ما لم يطلع الفجر، فإن طلع سقطت الإعادة؛ لأن الإعادة للجمع
بينهما في وقت العشاء وقد خرج.
وروى الفاكهي عن سعيد بن عبد الرحمن قال: ثنا عبد المجيد بن أبي
رواد عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله الله
(2)
يقول: لا صلاة ليلتئذ إلا بجمع، وقال الحافظ ابن حجر: وكان جابر يقول
لا صلاة إلا بجمع أخرجه ابن المنذر بإسناد صحيح.
6
وقد روى السابق ابن أبي شيبة عن يحيى بن سعيد عن ابن جريج عن أبي
الزبير عن جابر قال: لا صلاة إلا بجمع، غير أنه قد تعاقب في إسناده مدلسان دون تصريح بالتحديث
وقال بعض الفقهاء من صلى العشاءين قبل مزدلفة أعاد صلاة العشاء
دون المغرب إن صلاها قبل مغيب الشفق).
(1) ابن النجيم، البحر الرائق، ج 2، ص 366. (2) الفاكهي، أخبار مكة، ج 5، ص 46. (3) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 520.
(4) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 261.
(5) ابن العربي، عارضة الأحوذي، ج 2، ص 314. (5/236)
صفحة 2186
الرائد
237
وقد كانت لهؤلاء أدلة يستندون إليها، أولها ظاهر قوله تعالى "فإذا
أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام" وقد ذكرنا قبل وجه دلالة الآية على جمع صلاتي المغرب والعشاء.
ووجه الدلالة على عدم إجزاء الصلاة قبل مزدلفة أنه إذا كان المراد به
الصلاة يمنع جوازها قبله إذ إن الأمر يقتضي الإيجاب.
ثاني
الأدلة قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أسامة الذي تقدم ذكره وتخريجه:
الصلاة أمامك، وهذا الأمر يفيد وجوب أن تكون الصلاة في مزدلفة. لكن اعترض على الاستدلال السابق بأمور أولها أن قوله ذلك
للترخيص والترفيه دون العزيمة والإيجاب)
ثانيها قوله " الصلاة أمامك" مثل قوله "لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة"، وقد ثبت أنه صوب فعل من صلى في غير بني قريظة، فيكون المعنى المستفاد اللفظ
من هو ترغيب الناس في الوصول إلى المحل
(1) الجصاص، أحكام القرآن، ج 1، ص 390.
(2) الخطابي، معالم السنن، ج 2، ص 324. (5/237)
صفحة 2187
الرائد
238
المقصود وتعليق أمر مهم به كالصلاة ليبذلوا في السير طاقتهم، ويحملهم بقاء
الصلاة وعدم الإتيان بها إلا في ذلك المحل على الوصول إليه.
كما اعترض على هذا القول بأن الجمع بين الظهر والعصر مسنون بعرفة كما أن الجمع بين المغرب والعشاء مسنون بمزدلفة، وترك الجمع بعرفة لا
يمنع الإجزاء فوجب أن يكون ترك الجمع بمزدلفة لا يمنع الإجزاء. وذلك لأنهما صلاتان سن الجمع بينهما في إحداهما فوجب أن لا يمنع جوازهما ترك الجمع بينهما بمكانهما كالجمع بعرفة، ولأن ما كان وقتا لصلاة الفرض في غير النسك كان وقتا لها في النسك قياسا على سائر الأوقات". والحنفية مع قول كثير منهم إن من شرط جمع العصرين بعرفة الصلاة مع الإمام لا يقولون بذلك في جمع العشاءين بمزدلفة، فقد نصوا على أن هذا الجمع لا يشترط فيه الإمام كما شرط في الجمع المتقدم؛ لأن العشاء تقع أداء في وقتها والمغرب قضاء، والأفضل أن يصليهما مع الإمام بجماعة.
(1) الشوكاني، وبل الغمام، ج 1، ص 550. (2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 176. (3) ابن النجيم، البحر الرائق، ج 2، ص 366. (5/238)
صفحة 2188
الرائد
ثم الظاهر من فعل النبي لو أنه صلى وأصحابه المغرب حينما وصلوا مزدلفة قبل حط رحالهم، ثم أناخ كل إنسان جمله وبعده أقيمت العشاء كما
في حديث كريب مولى ابن عباس عن أسامة
بن زيد أنه سمعه يقول: دفع
رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة حتى إذا كان بالشعب نزل فبال ثم توضأ ولم يسبغ الوضوء فقلت له: الصلاة.
قال: الصلاة أمامك، فركب فلما جاء المزدلفة نزل فتوضأ فأسبغ الوضوء
ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم
أقيمت العشاء فصلاها ولم يصل بينهما شيئا.
وذهب بعض الفقهاء إلى أنه إن وصل مزدلفة أناخ راحلته ثم صلى
المغرب والعشاء قبل حط الرحال يجمع بينهما.
والحال الآن كما ذكرنا قبل ليس للدواب وجود في التنقل بين عراص المناسك بل الرواحل الجديدة، وإناخة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الدواب بين
(1) أخرجه بهذا اللفظ مسلم في كتاب الحج، باب الإفاضة من عرفات إلى المزدلفة واستحباب صلاتي المغرب والعشاء جميعا بالمزدلفة في هذه الليلة (1280)
(2) ابن قدامة، الكافي، ج 1، ص 443، والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص 262. (5/239)
صفحة 2189
الرائد
(240
صلاتي المغرب والعشاء ما كان إلا لإراحتها وذلك لشفقته ورحمته، وعليه فليس هو بنسك يقصد لذاته.
ومن السابق يجمع الناس الصلاتين دون أن يكون هناك الفعل السابق
لفوات محل علته وهي الحيوانات أما عدة نوم الناس فيكون إنزالها بعد
الانتهاء من الصلاتين.
ومع
الاتفاق السابق على مشروعية جمع العشاءين بمزدلفة إلا أن الخلاف بين الفقهاء كائن في المشروع من حيث الأذان والإقامة أيشرع أذانان وإقامتان أو أذان وإقامتان أو إقامتان دون أذان وإن اقتصر على الإقامة للأولى أجزاء، أو أذان وإقامة للأولى فقط، أو تكون الصلاتان دون أذان ولا
إقامة.
وقد عرضنا القضية في الفصل السابق عند الحديث عن صلاتي الظهر والعصر في عرفة، وقد ذكرنا ثمة أن أرجح أقوال المسألة هو أن المشروع أذان
(1) الشافعي، الأم، ج 2، ص 212، والشيباني، المبسوط، ج 2، ص 367، والجيطالي، قناطر الخيرات، ج 2، ص 81، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 176، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 213، وابن مفلح المبدع، ج 3، ص 235، وابن النجيم، البحر الرائق، ج 2، ص 366، والسالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 228. (5/240)
صفحة 2190
الرائد
(134)
وإقامتان كما هو السنن العام لجمع الصلوات وليس للنسك تأثير في مثل هذه
القضية.
وفوق الأصل السابق جاء من النصوص ما يصف فعل النبي صراحة أنه كان على الأصل العام السابق أذان وإقامتين كما في حديث جابر بن عبد الله الله إذ قال: حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئا.
واعترض الأترازي من الحنفية على الاستدلال بحديث جابر بن عبد الله بأنه مضطرب لأنه رواه ابن أبي شيبة من طريق حاتم بن إسماعيل عن
محمد بن جعفر عن جابر بن عبد الله صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم المغرب والعشاء
بجمع
بأذان واحد وإقامة واحدة ولم يسبح بينهما.
وأجاب العيني بأن الحديث الذي احتج به الأترازي غريب، ويصح الحكم بالاضطراب لو كانت الروايتان مخرجتين في الصحيح، والواقع أن الرواية التي اعترض بها الأترازي ليست في الصحيح.
(1) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب: حجة النبي صلى الله عليه وسلم (1218).
(2) العيني، البناية، ج 4، ص 229.
(3) العيني، البناية، ج 4، ص 229. (5/241)
صفحة 2191
الرائد
242
وقد رجعت إلى نسخ مصنف ابن أبي شيبة المطبوعة فما وجدتها على ما ذكر الأترازي بل هي عين ما رواه مسلم في الصحيح بأذان وإقامتين كالنسخة المعتمدة في هذا الكتاب، ونسخة شركة دار القبلة التي قوبلت على ست نسخ خطية.
و مما يؤكد السابق أن رواية مسلم في الصحيح ما كانت إلا من طريق ابن
أبي شيبة عن حاتم بن إسماعيل المدني عن محمد بن جعفر، وعليه فالوهم كان إلا من الأترازي أو أن في نسخته التي رجع إليها خطأ.
غير
ما
أن الذين قالوا بالأقوال الأخرى كانت لهم أدلة مستقلة نبينها
ذاكرين ما أورد عليها.
أما القائلون إن المشروع إقامتان دون أذان فاستدلوا بما روى أسامة بن زيد إذ إنه قال: فلما جاء مزدلفة نزل فتوضأ فأسبغ الوضوء ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله ثم أقيمت الصلاة فصلى ولم
يصل بينهما، وقد تقدم تخريجه.
(1) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 264.
(2) ابن أبي شيبة، المصنف تحقيق محمد عوامة)، ج 8، ص 361. (3) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب: حجة النبي صلى الله عليه وسلم (1218). (5/242)
صفحة 2192
الرائد
(243
ورجح هؤلاء قولهم بأنه رواية أسامة وهو أعلم بحال النبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان رديفه وقد اتفق هو وجابر في حديثهما على إقامة لكل صلاة، واتفق أسامة وابن عمر على الصلاة بغير أذان، وإنما لم يؤذن للأولى ها هنا لأنها في غير وقتها بخلاف المجموعتين بعرفة).
لكن يرد على هذا القول أن أسامة وابن عمر لم ينفيا الأذان للصلاتين بل اقتصرا على الإقامتين فقط، أما جابر بن عبد الله فنص على الأذان، والقاعدة أن المثبت مقدم على النافي، فكيف والحال هنا أن المعارضين ليسا بنافيين بل هما ساکتان فخبر هما محتمل فيكون مجملا، وخبر جابر بن عبد الله مبين فيقدم عليهما لأن عنده زيادة علم.
على أنه روى الفضل بن دكين عن مسعر عن عبد الكريم قال: صليت خلف سالم المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين فلقيت نافعا فقلت بجمع
له: هكذا كان يصنع عبد الله؟
قال: هكذا.
قال: فلقيت عطاء فقلت له: قد كنت أقول لهم لا صلاة إلا بإقامة".
(1) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 213، وابن مفلح، المبدع، ج 3، ص 236. (2) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 264. (5/243)
صفحة 2193
الرائد
(334)
أما القائلون بالإقامة الواحدة للصلاتين فاستدلوا برواية عبد الله بن
يزيد عن أبي أيوب أن النبي الله صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة بإقامة. واعترض على السابق بأن قوله أنه جمع بينهما بإقامة يعني لكل واحدة
منهما.
أن النبي
وأما القائلون بأذان وإقامة واحدة فاستدلوا بحديث ابن عمر أذن للمغرب بجمع فأقام ثم صلى العشاء بالإقامة الأولى". والقولان السابقان يتوجه إليهما ما وجه للقول الذي قبلهما، وأحاديثهما قد خرجت من قبل.
وأما القائلون بأن المشروع أذان وإقامة لكل صلاة فاحتجوا بموقوفات على بعض الصحابة فيها الأذان والإقامة لكل صلاة، ومن ذلك حديث عبد الرحمن بن يزيد قال:
حج عبد الله بن مسعود له فأتينا المزدلفة حين الأذان بالعتمة أو قريبا من ذلك فأمر رجلا فأذن وأقام ثم صلى المغرب وصلى بعدها ركعتين،
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 176.
(2) ابن النجيم، البحر الرائق، ج 2، ص 366. (5/244)
صفحة 2194
الرائد
245
ثم دعا بعشائه فتعشى، ثم أمر أرى فأذن وأقام ثم صلى العشاء ركعتين. كما جاء السابق من حديث ابن أبي داود: قال: ثنا أحمد بن يونس قال: ثنا
إسرائيل عن منصور عن إبراهيم عن الأسود أنه صلى مع عمر بن
الخطاب
صلاتين مرتين بجمع كل صلاة بأذان وإقامة، والعشاء بينهما. واعترض على الاستدلال بأفعال الصحابة بأن الذي حملهم على الأذان الثاني هو تفرق الصحابة فكان الأذان الجمعهم، ولو لم يكن السابق لكان
تقديم المرفوع من الأدلة أولى، والمسألة مختلف فيها وقد عارضهم غيرهم. وأما القائلون بالجمع دون أذان ولا إقامة فأخذوا بحديث عبد الله بن يزيد الخطمي قال: حدثني أبو أيوب الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع في
حجة الوداع المغرب والعشاء بالمزدلفة.
ويعترض على السابق أنه ساكت عن الأذان، وغيره ناطق بحكمه فيقدم
عليه لبيانه وإجمال هذا.
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب من أذن وأقام لكل واحدة منهما (1591).
(2) الطحاوي، شرح معاني الآثار، ج 2، ص 211.
(3) الطحاوي، شرح معاني الآثار، ج 2، ص 211.
(4) البخاري في كتاب الحج، باب: من جمع بينهما ولم يتطوع (1674). (5/245)
صفحة 2195
الرائد
(246
وظاهر فعل النبي لا أنه لم يتطوع بين الصلاتين ولا بعدهما، بل قد نص
عليه ابن عمر الله الله كما ذكرنا ذلك عنه مخرجا، وقد ذكرنا عند جمع العصرين بعرفة أن النص جاء من قبل راوي الحديث جابر بن عبد الله له أن النبي صلى الله عليه وسلم
لم يصل شيئا بين العصرين، والحال في مزدلفة لا يعدو السابق. وعلل بعض الفقهاء الأمر السابق بكون التنفل بينهما يقطع الجمع ويخل
بواجب الموالاة، ولأنه مأمور بالتأهب لمناسكه.
وذهب الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة إلى استحباب ركعتين خفيفتين بعد المغرب، وتعقبه المحشي أبو ستة بقوله: يتعجب من أبي عبيدة - كيف يروي الحديث ثم يقول بخلافه ولم يستدل في ذلك بحديث ولا
بأثر).
ومن الفقهاء من فرق بين الإمام وغيره، فقال إن كان إماما فالمشروع في ـقه ما تقدم لأنه متبوع فلو اشتغل بالنوافل لاقتدى به الناس وانقطعوا عن
النوافل، فليشتغل بجمع الحصى وغيره من المناسك.
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 176، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 214. (2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 176.
(3) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 228. (5/246)
صفحة 2196
الرائد
247
أما غير الإمام فالأمر واسع له لأنه ليس بمتبوع، قال الرافعي: وهذا في النوافل المطلقة دون الرواتب).
وأولى الأقوال بالقبول ما عليه ظاهر السنة من عدم التنفل بين الصلاتين
بشيء، والتفريق بين الإمام والمأموم مستلزم للدليل.
وندبية الصلاة بمزدلفة مقيدة بما إن كان يدرك وقتا يصلي فيه الصلاتين بها قبل أن يخرج وقت العشاء، أما إن ضاق وقت العشاء ولم يكن ليصل مزدلفة إلا بعد خروج وقت صلاة العشاء فليصلها حيث أدرك؛ إذ العناية بأداء الصلاة في وقتها مقدمة على العناية بأداء الصلاة في مزدلفة فالأول واجب والآخر سنة، وعند التعارض يقدم الواجب إذ يترتب على إهماله
الإثم.
(1) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 415، والنووي، روضة الطالبين، ج 3، ص 94. (2) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 354، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 301، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 415. (5/247)
صفحة 2197
الرائد
(V 3 A)
المطلب الثالث: المبيت بمزدلفة
أولا: التعريف بمزدلفة
مزدلفة من الحرم وهي تقع بين منى وعرفة، ولها أسماء ثلاثة: أولها
مزدلفة بكسر اللام، وفي تسميتها مزدلفة قولان: أولهما أنهم يقربون فيها من
(1) ,
منى، والازدلاف التقريب ومنه قوله تعالى {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ أَي
قربت.
وثانيهما أن الناس يجتمعون بها، والاجتماع الازدلاف، ومنه قوله تعالى
وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ) أي جمعناهم؛ ولذلك قيل لمزدلفة جمع. وثالثها للنزول بها في كل زلفة من الليل ورابعها لأنها منزلة وقربة إلى
الله، وخامسها لازدلاف آدم إلى حواء بها.
وثاني أسمائها جمع، وللفقهاء خلاف في سبب تسميتها بذلك فقيل لأن آدم اجتمع فيها مع حواء، وقيل لأنها يجمع فيها بين الصلاتين، وقيل وصفت
(1) سورة الشعراء، الآية (90).
(2) سورة الشعراء، الآية (64).
(3) البسيوي، الجامع، ج 2، ص 276، والنووي، المجموع، ج 8، ص 117، وابن حجر، فتح
الباري، ج 3، ص 523. (5/248)
صفحة 2198
الرائد
249
بفعل أهلها لأنهم يجتمعون بها ويزدلفون إلى الله أي يتقربون إليه بالوقوف
فيها
وثالث أسمائها المشعر الحرام، إذ هي أرض تؤدى فيها شعيرة من مشاعر الحج، ووصفت بالحرمة لكونها في الحرم بخلاف عرفة إذ هي مشعر ولكن ليس بحرام. وحد مزدلفة من مأزمي عرفة إلى قرن محسر، وما على يمين ذلك وشماله من الشعاب، ومساحتها 12.25 كم.) 2 (2).
والحدود السابقة كلها محل للمبيت (3)، ونبه الفقهاء على اجتناب وادي
محسر؛ فإنه ليس من مزدلفة، ومن بات به فكمن لم يبت بمزدلفة.
ثانيا: العبادة المؤداة في المزدلفة
الذي عليه الفقهاء أكثرهم أن المقصود في مزدلفة عبادتان أولهما المبيت بها والثانية الوقوف بالمشعر الحرام لذكر الله، وقد دل على الأولى منهما فعل
(1) البسيوي، الجامع، ج 2، ص 276، وابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 523. (2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 175، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 214، ومحمد إلياس، تاريخ مكة المكرمة، ص 113.
(3) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 215.
(4) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 178، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 215. (5/249)
صفحة 2199
الرائد
250
النبي ومبيته بها.
مطلقا
أما الثانية فدل عليها الأمر بذكر الله تعالى عند المشعر الحرام الذي ورد
من
الوقت وإن كان مقيدا بالمزدلفة والتقييد بما بعد الفجر دل عليه
فعل النبي صلى الله عليه وسلم الذي ذكر الله تعالى بعد الفجر حتى أسفر جدا كما في حديث جابر بن عبد الله، والسابق أمر جلي في برهانه مع غض الطرف عن حكم الفعلين السابقين.
وذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا اعتبار بالمبيت وإنما الاعتبار بالوقوف بالمزدلفة بعد طلوع الفجر، فإذا تركه لزمه، دم، وهؤلاء جعلوا وقت الوقوف بمزدلفة طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس.
فالأمر عندهم أن المبيت ليلة مزدلفة سنة، والوقوف بعد الفجر الثاني واجب يلزم تاركه بالدم ما لم يكن معذورا بنحو زحام أو ضعف أو علة ولو خوف زحام عند الرمي، واختلفوا هل خوف الزحام يشمل الرجل والمرأة أو
خاص بالمرأة.
(1) الجصاص أحكام القرآن، ج 1، ص 391، وابن النجيم البحر الرائق، ج 2، ص 368،
وابن تيمية، شرح العمدة، ج 3، ص 612.
(2) ابن عابدين، رد المحتار، ج 2، ص 511. (5/250)
صفحة 2200
الرائد
وقال أصحاب هذا الرأي مستدلين له إنا وجدنا سائر أفعال المناسك
إنما وقتها بالنهار والليل يدخل فيه على وجه التبع.
وذهب بعض الفقهاء إلى أن المقصود بالأصالة الذكر في المشعر الحرام،
وما المبيت إلا وسيلة إليه فمشروعيته تبعية لا ذاتية.
واستدل هؤلاء بأن الوقوف بالمزدلفة محله بعد الوقوف بعرفة القرآن والسنة والعبادات المتعاقبة لا يجوز دخول وقت إحداهما في وقت الأخرى كأوقات الصلوات ووقت عرفة يمتد إلى طلوع الفجر فلو كان وقت مزدلفة ينتهي إلى ذلك الوقت لكان وقت مزدلفة بعض وقت عرفة، وذلك لا يجوز.
وهذا فيه نظر إذ فعل النبي يعارضه فيكون قياسه فاسد الاعتبار، والأمة كلها متفقة خلا هذا القائل أن المبيت بمزدلفة نسك مستقل بذاته كما
تدل على ذلك المصنفات الفقهية في مذاهب الإسلام المختلفة ونص عليه ابن
الله (3)
جماعة إذ قال: والمبيت بمزدلفة نسك بالإجماع اقتداء بسيدنا رسول الله.
(1) الجصاص، أحكام القرآن، ج 1، ص 391.
(2) ابن تيمية، شرح العمدة، ج 3، ص 614. (3) ابن جماعة، هداية السالك، ج 3، ص 1182. (5/251)
صفحة 2201
الرائد
252
ونص على السابق أيضا ابن الضياء الحنفي)
وقد أخذت مشروعية هذا النسك من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وإن اختلفت
عباراتهم في تسميته مبيتا أو وقوفا بمزدلفة.
والحنفية مع قولهم إن الوقوف بعد الفجر بالمشعر الحرام واجب ويخصونه باسم الوقوف بمزدلفة إلا أنهم يصرحون بكون المبيت نفسه سنة
بل منهم من يقول إنها سنة مؤكدة وإن لم يكن نسكا واجبا).
أما تداخل أوقات العبادات المتعاقبة فيرده أن وقت الوقوف الأصلي هو غروب الشمس، وما بعد ذلك وقت رخصة يُسّر به على الناس، وليس هو الأصل بل الأصل الوقت الذي وقف النبي.
ومما يرد السابق أنه قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع العصرين وجمع العشاءين في المدينة المنورة من غير خوف ولا سفر ولا سحاب ولا مطر، وأخذ جمع من أهل العلم من ذلك القول باشتراك وقتي كل صلاتين مع أنهما عبادتان
متعاقبتان.
(1) ابن الضياء، البحر العميق، ج 3، ص 1614.
(2) ابن النجيم، البحر الرائق، ج 2، ص 368، وابن الضياء، البحر العميق، ج 3، ص 1614، وابن عابدين، رد المحتار، ج 2، ص 511. (5/252)
صفحة 2202
الرائد
وبعد السابق ذكر بعض الفقهاء حكم مبيت المجنون وفاقد العقل بمزدلفة ليلتها هل يسقط الدم؛ لأن كلا من الجنون والإغماء عذر والمبيت
عنه
يسقط بالعذر، ومنهم من لم يبعد القول بعذره ولكن إن كان له ولي أحرم وجب عليه إحضاره وإلا فعلى الولي الدم. والمسألة قد ذكرنا طرفا منها عندما ذكرنا الوقوف بعرفة في الفصل الماضي وأنه هل يشترط له النية أو ليست هي بشرط، وقد تبين ثمة أن الوقوف عبادة غير معقولة المعنى فيشترط لإجزائها عن المكلف العقل الذي يوجه الوقوف قصدا للعبادة، وما عبادة مزدلفة إلا أخية عبادة عرفة في كونهما غير معقولتي المعنى فلا تجزيان صاحبهما إلا بالنية من المكلف نفسه. والأمر في مزدلفة أقل منه في عرفة؛ إذ الوقوف بعرفة ركن مجمع عليه لا يقوم غيره مقامه، أما المبيت بمزدلفة ففيه أقوال ثلاثة السنية والوجوب
والركنية.
أما ما ذكر من إلزام الدم ولي المجنون وغيره من فاقدي العقل فأمر تبين ضعفه من قبل في الجزء الأول من الكتاب وأن الفدية في الحج من باب خطاب التكليف وليس الوضع كما تفيد ذلك ظواهر الأدلة الشرعية، فلا
(1) الشرواني، الحواشي، ج 4، ص 113، والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص 263. (5/253)
صفحة 2203
الرائد
254
يلزم من جُنَّ تلك الليلة أو غلب على أمره لأمر خارج عن إرادته فلم يستطع
المبيت بمزدلفة شيء بل يواصل نسكه من غير أن يكون عليه فدية ولا
متعين، وليسأل الله القبول
ثالثا: حكم المبيت بمزدلفة
دم
التعبير السابق قال به جمع من الفقهاء ومنهم من يعبر عنه بالنزول بمزدلفة، ومنهم من يعبر عنه بالوقوف بمزدلفة، والمراد من الكل هو الكون بمزدلفة في الوقت المذكور ولو بمرور كمثل الذي ذكرناه يوم بينا أحكام الوقوف بعرفة في الفصل السابق".
وكون الأكثرين منهم على التعبير بالمبيت لأن النبي صلى الله عليه وسلم بات تلك الليلة ولم يقم بعمل من ذكر وغيره، ثم إن الأصل أن الناس غالبهم يبيتون. وقال الزركشي: والمراد المكث وإن لم ينم".
وذهب بعض الفقهاء إلى أن المبيت للاستراحة غير نسك واجب،
(1) القاضي عبد الوهاب، الإشراف، ج 1، ص 483.
(2) الجيطالي، قناطر الخيرات، ج 2، ص 82، والبجيرمي، الحاشية، ج 2، ص 132. (3) الزركشي، الديباج، ج 1، ص 398. (5/254)
صفحة 2204
الرائد
oo
والنزول الواجب يحصل بحط الرحل والتمكن من المبيت)
وبعد تقرر السابق نقول إن للفقهاء خلافا في حكم المبيت بمزدلفة ليلة
النحر على ثلاثة أقوال أولها أنه ركن لا يتم الحج دونه، وثانيها أنه واجب يجبر بالدم وثالثها أنه سنة مرغبة لا شيء على من تركها.
القول الأول: المبيت بمزدلفة ركن لا يتم حج من لم يأته في وقته المحدد شرعا، ومن فاته المبيت بها تحلل من إحرامه بعمرة ثم حج من قابل". وقد روى ابن أبي شيبة عن ابن مهدي عن سفيان عن ابن أبي السفر عن قال: من لم يقف بجمع جعلها عمرة.
الشعبي
وروى عن سهل بن يوسف عن عمرو عن الحسن قال: من لم يقف
بجمع فلا حج له ويحج من قابل.
استدل هؤلاء لقولهم السابق بعدد من الأدلة:
(1) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 263.
(2) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 421، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 215، وابن حجر، فتح
الباري، ج 3، ص 527.
(3) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 528، والشنقيطي، أضواء البيان، ج 4، ص 443. (4) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 391. (5/255)
صفحة 2205
الرائد
أولها: قول الله تعالى {فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتِ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ)، ووجه الدلالة منها أن في الآية أمرا بذكر الله في المزدلفة، والأصل في الأمر الوجوب، ولعل الاستدلال كان بالالتزام إذ كون الذكر واجبا بالمزدلفة يستلزم كون المبيت واجبا.
واعترض على الاستدلال بالآية بأن المنطوق فيها وهو الأمر بذكر الله عند المشعر الحرام ليس بركن في الحج إجماعا؛ فإنه لو بات بجمع ولم يذكر الله
تعالى ولم يشهد الصلاة فيها صح حجه فما هو من ضرورة ذلك أولى".
ولأن المبيت ليس من ضرورة ذكر الله تعالى بها وكذلك شهود صلاة الفجر فإنه لو أفاض من عرفة في آخر ليلة النحر أمكنه ذلك فيتعين حمل ذلك على مجرد الإيجاب أو الفضيلة أو الاستحباب).
ثم إن جمعا من أهل العلم قد ذهبوا إلى أن الأمر بالذكر هنا يراد به الأمر
(1) سورة البقرة، جزء من الآية (198).
(2) الطحاوي، شرح معاني الآثار، ج 2، ص 208.
(3) الطحاوي، شرح معاني الآثار، ج 2، ص 208، وابن عبد البر، التمهيد، ج 9، ص 276. (4) الجصاص أحكام القرآن، ج 1، ص 391، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 177، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 215. (5/256)
صفحة 2206
الرائد
(rov)
بالصلاة في المزدلفة كما تقدم ذكره.
ثم إن الأمر وإن كان الأصل فيه الوجوب على رأي الجماهير من أهل العلم إلا أنه لا تلازم بين الوجوب والركنية، بل الركنية منزلة أرفع من
الوجوب فتستلزم دليلا، والواقع أن الدليل مقتصر على الوجوب فقط. ثاني أدلتهم حديث وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن عروة بن مضرس الطائي أنه حج على عهد النبي فلم يدرك الناس إلا صلى الله عليه وسلم
وهم بجمع
قال:
فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، أتعبت نفسي وأنصبت راحلتي،
والله ما تركت حبلا من الحبال إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صلى معنا هذه الصلاة وقد أفاض قبل ذلك من
عرفات ليلا أو نهارا فقد قضى تفثه وتم حجه).
ولعل وجه الدلالة من الحديث أن منطوقه يفيد إدراك تمام الحج بصلاة الفجر في مزدلفة والإفاضة من عرفة ليلا أو نهارا، ومفهوم الشرط من
(1) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 226. (5/257)
صفحة 2207
الرائد
258
الحديث أن من لم يصل الفجر في مزدلفة لم يتم حجه، وعدم تمام حجه دليل
كون المبيت ركنا.
ويعترض على الاستدلال بهذا الحديث بأمور:
أولها الاستدلال على ركنية المبيت بالمزدلفة هنا كان بدلالة مفهوم المخالفة، في حين أن حديث ابن يعمر الديلي يدل على نفي ركنيته بدلالة الإشارة، ودلالة الإشارة من أقسام المنطوق، وإن كان المنطوق فيها غير صريح إلا أنه مقدم على المفهوم اتفاقا.
مزدلفة
ثانيها: حديث عروة بن مضرس مفهومه يفيد ركنية صلاة الفجر في الإمام، والواقع أن الإجماع متحقق أنه لو بات بمزدلفة ووقف مع قبل ذلك بعرفة ونام عن صلاة الصبح فلم يصلها مع الإمام حتى فاتته أن حجه تام.
ثالثها: الاستدلال بمفهوم حديث عروة بن مضرس يفيد ركنية الصلاة مع الإمام، وليس المبيت من لوازم الصلاة فقد يصلي ثمة ولم يبت بالمزدلفة.
(1) الطحاوي، شرح معاني الآثار، ج 2، ص 208، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 276، والشنقيطي، أضواء البيان، ج 4، ص 445. (5/258)
صفحة 2208
الرائد
ثالث أدلتهم حديث عن النبي: لفظه من وقف فقد أدرك
الحج، ومن فاته فقد فاته الحج.
بجمع
والسابق جاء في بعض ألفاظ حديث عروة بن مضرس فقد رواه
النسائي من طريق محمد بن قدامة قال: حدثني جرير عن مطرف عن الشعبي عن عروة بن مضرس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أدرك جمعا مع الإمام والناس حتى يفيض منها فقد أدرك الحج، ومن لم يدرك مع الناس والإمام فلم يدرك.
واعترض على الاستدلال به بأمور:
أولها: اتفقوا أن ترك الصلاة هناك لا يفسد الحج وقد ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم
فكذلك الوقوف.
ثانيها: إن صح فيحمل على فوات فضيلة الحج.
ثالثها: قوله "فلا له" يحتمل أن يريد به نفي الفضل لا نفي الأصل
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 177، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 421. (2) کتاب مناسك الحج، باب فيمن لم يدرك صلاة الصبح مع الإمام بالمزدلفة (3040). (3) الجصاص، أحكام القرآن، ج 1، ص 392.
(4) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 177، والنووي، المجموع، ج 8، ص 131. (5/259)
صفحة 2209
الرائد
كما قال: لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه، وكما روى عمر من قدم نفله فلا حج له.
رابعها: زيادة "ومن لم يدرك مع الناس والإمام فلم يدرك" موطن الشاهد شاذة لا تثبت لخلو رواية أكثر الثقات منها، قال الحافظ ابن حجر:
وقد صنف أبو جعفر العقيلي جزءا في إنكار هذه الزيادة وبين
أنها
من
رواية مطرف عن الشعبي عن عروة وأن مطرفا كان يهم في المتون. وقال الطحاوي: وهذا المعنى لمن فاته الوقوف بجمع أنه لا حج له فلم نعلم أحدا جاء به في هذا الحديث عن الشعبي غير مطرف، فأما الجماعة من أصحاب الشعبي فلا يذكرونه فيه، ثم ساقه من طرق خمسة من أصحاب الشعبي وكلهم لم يذكر الزيادة التي جاءت عند مطرف مما يستلزم شذوذها وعدم صحتها.
وقد أخرج الطبراني في الكبير روايات حديث عروة من طريق زكريا بن أبي زائدة وعبد الله بن أبي السفر وأبي داود بن يزيد الأودي وداود بن أبي هند
(1) الجصاص، أحكام القرآن، ج 1، ص 392.
(2) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 529.
(3) الطحاوي، شرح مشكل الآثار، ج 12، ص 110. (5/260)
صفحة 2210
الرائد
وإسماعيل بن أبي خالد وسيار وزيد كلهم عن الشعبي من غير الزيادة المذكورة، وزكريا أحفظهم لهذا الحديث عن الشعبي كما نقل ابن عبد البر عن سفيان بن عيينة).
قال ابن حجر: وقد ارتكب ابن حزم الشطط فزعم أنه من لم يصل صلاة الصبح بمزدلفة مع الإمام أن الحج يفوته التزاما لما ألزمه به الطحاوي، ولم يعتبر ابن قدامة مخالفته هذه فحكى الإجماع على الإجزاء كما حكاه الطحاوي، وعند الحنفية يجب بترك الوقوف بها دم لمن ليس به عذر ومن جملة الأعذار عندهم الزحام.
ورابع أدلتهم على القول بركنية المبيت بمزدلفة هو أن النبي صلى الله عليه وسلم كذلك
فعل فقد بات بمزدلفة وقال "لتأخذوا عني مناسككم".
ويجاب عن السابق بما ذكرناه مرارا أن المستفاد من الحديث أن فعل النبي للأمر لا يفيد إلا كونه مشروعا والحال هنا أنه لم يخالف أحد في كون
(1) الطحاوي، شرح مشكل الآثار، ج 12، ص 110، والطبراني، المعجم الكبير، ج 17،
ص 154.
(2) ابن عبد البر، التمهيد، ج 9، ص 273.
(3) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 529. (5/261)
صفحة 2211
الرائد
المبيت بمزدلفة نسكا مشروعا، ولكن صحة الحج بدونه علمت بدليل آخر
وهو حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي".
القول الثاني: ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أن المبيت بمزدلفة نسك
واجب يجبر تركه بالدم وإن كان حج من تركه صحيحا.
وقال جمع من الموجبين من انتهى إلى عرفات ليلة النحر واشتغل بالوقوف عن المبيت بالمزدلفة فلا شيء عليه، ولو أفاض من عرفات إلى مكة وطاف الإفاضة بعد نصف ليلة النحر ففاته المبيت بالمزدلفة بسبب الطواف فلا شيء عليه؛ لأنه اشتغل بركن فأشبه المشتغل بالوقوف.
والدليل على حكم الوجوب الحديث الصحيح الذي جاء من طريق وكيع عن سفيان عن بكير بن عطاء الليثي عن عبد الرحمن بن يعمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف بعرفة وأتاه أناس من أهل مكة فقالوا: يا
(1) الشنقيطي، أضواء البيان، ج 4، ص 446. (2) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 354، والبسيوي الجامع، ج 2، ص 277، والجصاص، أحكام القرآن، ج 1، ص 391، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 177، والقاضي عبد الوهاب، الإشراف، ج 1، ص 483، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 215، والشنقيطي، أضواء البيان، ج 4، ص 442.
(3) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 335، والنووي، المجموع، ج 8، ص 123. (5/262)
صفحة 2212
الرائد
رسول الله، كيف الحج؟
قال: الحج عرفة، فمن جاء قبل طلوع الفجر ليلة جمع فقد تم حجه، منى ثلاثة أيام فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه، ثم أردف رجلا خلفه يناديهن.
والدلالة من الحديث على عدم ركنية المبيت بالمزدلفة مأخوذة بدلالة الإشارة، وذلك لأن حديث عبد الرحمن بن يعمر لم يقصد به بيان حكم المبيت بمزدلفة ولكنه ذكره قاصدا بيان أن من أدرك الوقوف بعرفة في آخر جزء من ليلة النحر أن حجه تام، ودليل ذلك سؤال السائل.
وهذا المعنى المقصود يلزم منه حكم آخر غير مقصود باللفظ وهو عدم ركنية المبيت بمزدلفة؛ لأنه إذا لم يدرك عرفة إلا في الجزء الأخير من الليل فقد فاته المبيت بمزدلفة قطعا، ومع ذلك فقد صرح بأن حجه تام". وبعد ثبوت أن المبيت بمزدلفة ليس بركن فوجوب الدم فيه كان بسبب
ترك النسك، ومعلوم أنه بترك النسك يلزم الدم.
واستدل آخرون بأنه مبيت تضمن من صبيحة الرمي فوجب أن يكون
(1) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 226.
(2) الشنقيطي، أضواء البيان، ج 4، ص 444. (5/263)
صفحة 2213
الرائد
264
نسكا، ولا يكون ركنا كليالي منى، ولأن زمان المبيت بمزدلفة هو زمان الوقوف بعرفة فلو كان المبيت بها ركنا لاختصت بزمان مستثنى لا يشارك زمان الوقوف).
وقال آخرون إن المبيت واجب لأنه نسك مقصود في موضعه فكان
واجبا كالرمي.
وتعقب بأنه ينتقض بالمبيت بمنى ليلة التاسع وبطواف القدوم وبالخطب
والتلبية).
واستدل بعض الفقهاء بأنه لو كان الوقوف بمزدلفة ركنا لما رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في تركه للضعفة كما لا يرخص في الوقوف بعرفة لأجل الضعف، وكل ما جاز تركه لعذر لم يكن ركنا كطواف القدوم والوداع. ثم إنه مبيت بمكان فلم يكن شرطا في الحج كالمبيت بمنى).
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 177.
(2) النووي، المجموع، ج 8، ص 119.
(3) الجصاص، أحكام القرآن، ج 1، ص 391.
(4) الطحاوي، شرح معاني الآثار، ج 2، ص 210، والقاضي عبد الوهاب، الإشراف، ج 1،
ص 483.
(5) القاضي عبد الوهاب، الإشراف، ج 1، ص 483. (5/264)
صفحة 2214
الرائد
?? ?
وفي هذا الاستدلال نظر من حيث إن الترخيص للضعفة في الدفع من
مزدلفة ما كان إلا بعد أن باتوا بها فيكونون بقضاء ذلك الجزء بمزدلفة قد أدوا ما عليهم من واجب المبيت بها.
نعم ممكن أن يستدل بالسابق على خصوص مذهب الحنفية القائل بأن الوقوف بمزدلفة يقصد به الوقوف بعد طلوع الفجر لا في الليل، غير أن الجماهير من أهل العلم يخالفون الحنفية في ذلك ويقولون المقصود بالوقوف بمزدلفة المبيت بها ليلا والوقوف بعد الفجر كما تقدم ذكره
عطاء
القول الثالث: المبيت بمزدلفة نسك إلا أنه ليس بواجب، وعن والأوزاعي أنها منزل من شاء نزل به ومن شاء لم ينزل به، وروى نحوه الطبري بسند فيه ضعف عن ابن عمر مرفوعا: إنما جمع منزل لدلج
المسلمين (3).
وأورد الحافظ ابن عبد البر عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس،
(1) الجصاص، أحكام القرآن، ج 1، ص 391.
(2) الغزالي، الوسيط، ج 2، ص 660، وابن تيمية، شرح العمدة، ج 3، ص 608. (3) ابن عبد البر، التمهيد، ج 9، ص 272، وابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 528، والشنقيطي، أضواء البيان، ج 4، ص 443. (5/265)
صفحة 2215
الرائد
??
وعن أبي العباس الأعمى عن عبد الله بن عمرو قال: إنما جمع منزل تدلج منه
إذا شئت.
وقال الشيخ عامر والوقوف عند المشعر الحرام والذكر فيه سنة في أكثر
القول).
وقال الشيخ إسماعيل: واختلفوا في حكم المبيت بالمزدلفة فقال أصحابنا
إنه سنة (3).
وكلام الشيخين هنا محتمل السنية المقابلة للوجوب، ومحتمل السنية المقابلة للركنية فيكون سنة واجبة، والاحتمال الأخير هو الأقرب لما سيأتي من آثارهم أنهم يوجبون الدم على من ترك المبيت بالمزدلفة، وإيجاب الدم فرع كون الشيء واجبا.
ودليل هذا القول أن مشروعية المبيت التي أقل أحوالها السنية مجمع على القول بها، وفعل النبي أقوى ما تستند عليه وثبت من حديث يعمر الديلي أن الوقوف ليس بركن كما تقدم ذكره، فما بقي إلا التردد بين الوجوب
(1) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 291.
(2) الشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 415.
(3) الجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2، ص 163. (5/266)
صفحة 2216
الرائد
والسنية.
القائلون بالوجوب ما استدلوا إلا بمطلق الفعل المقترن بقوله "لتأخذوا عني مناسككم" غير أن هذا الاستدلال كما أوضحنا مرارا لا يفيد إلا المشروعية دون الوجوب ولا الركنية فكم هي الأفعال التي فعلها النبي مقترنة بالنص السابق ولم يقل أحد بوجوبها، وعليه فالزيادة على مستوى
المشروعية سواء إلى الوجوب أو الركنية مستلزمة لدليل غير نفس الفعل. و مما يدلك على السابق أن النبي قد بات ليلة عرفة بمنى وهو في نسك بأرض من أراضي الحرم التي تؤدى فيها المناسك ومع ذلك الجماهير من أهل العلم بل حكي عليه الإجماع كما تقدم - أن ذلك المبيت ليس بواجب بل هو سنة مع أنه لا يكاد يختلف عن المبيت بمزدلفة شيئا.
وقد كانت للقائلين بالسنية أدلة صرحوا بها إلا أنها دون الدليل السابق
من حيث قوتها، ومنها أنه مبيت فكان سنة كالمبيت بمنى ليلة عرفة). واعترض على هذا بأن بين الوقوف بمزدلفة والمبيت بمنى من المباينة في الكتاب والسنة ما لا يجوز معه إلحاق أحدهما بالآخر إلا كإلحاق الوقوف بين
(1) الشنقيطي، أضواء البيان، ج 4، ص 446. (5/267)
صفحة 2217
الرائد
الجمرتين بالوقوف بعرفة، ولا أدري ما المباينة المرادة من السابق. وقال آخرون هو ليس بواجب لأن المبيت ليس بمقصود لنفسه وإنما
يقصد للوقوف في غداتها، وذلك ليس بواجب فما يقصد له أولى". رابعا: المقدار المجزي من المبيت
ليس ثمة خلاف أن الحبيب المصطفى وقف بالمزدلفة من بعد صلاتيه وإلى أن صلى الفجر بها وذكر الله تعالى عند المشعر الحرام بعد صلاة الفجر وقبل قطعه وادي محسر الذي كان قبيل طلوع الشمس، وذلكم الهدي هو أولى ما يحافظ عليه المسلم.
و مما اتفق عليه أن النبي قد رخص للضعفة في الإفاضة من مزدلفة قبل الفجر، والضعفة كل من يخاف من تأذيه بزحمة الناس عند الوقوف والمسير ورمي الجمرة، وهم النساء والصبيان والمرضى ونحوهم ومن يقوم
بشأنهم".
وقال بعض أهل العلم إن الأولى تقديم النساء والضعفة بعد انتصاف
(1) ابن تيمية، شرح العمدة، ج 3، ص 610.
(2) ابن تيمية، شرح العمدة، ج 3، ص 610.
(3) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 275، وابن تيمية شرح العمدة، ج 3، ص 25 (5/268)
صفحة 2218
الرائد
الليل إلى منى.
وقد جاءت بذلك نصوص في السنة متعددة منها حديث الليث عن يونس عن ابن شهاب قال سالم: وكان عبد الله بن عمر الله يقدم ضعفة أهله فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة بليل فيذكرون الله ما بدا لهم ثم يرجعون قبل أن يقف الإمام وقبل أن يدفع.
فمنهم من يقدم منى لصلاة الفجر، ومنهم من يقدم بعد ذلك، فإذا قدموا رموا الجمرة، وكان ابن عمر الله يقول: أرخص في أولئك رسول الله
الله (2)
كما جاء الترخيص السابق من حديث أفلح بن حميد عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت: نزلنا المزدلفة فاستأذنت النبي صلى الله عليه وسلم سودة أن تدفع قبل حطمة الناس، وكانت امرأة بطيئة فأذن لها فدفعت قبل حطمة الناس. وأقمنا حتى أصبحنا نحن ثم دفعنا بدفعه، فلأن أكون استأذنت رسول
(1) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 422.
(2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب من قدم ضعفة أهله بليل فيقفون بالمزدلفة
ويدعون ويقدم إذا غاب القمر (1592). (5/269)
صفحة 2219
الرائد
(270)
الله كما استأذنت سودة أحب إلي من مفروح به
كما جاء الترخيص من حديث ابن جريج قال: حدثني عبد الله مولى
أسماء عن أسماء أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة فقامت تصلي فصلت ساعة، ثم قالت: يا بني هل غاب القمر؟
قلت: لا، فصلت ساعة ثم قالت هل غاب القمر؟ قلت: نعم، قالت: فارتحلوا فارتحلنا ومضينا حتى رمت الجمرة ثم رجعت فصلت الصبح في منزلها فقلت لها:
يا هنتاه، ما أرانا إلا قد غلسنا قالت يا بني، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن
للظعن (2).
قال الحافظ ابن حجر ومغيب القمر تلك الليلة يقع عند أوائل الثلث
الأخير.
كما جاء الترخيص من حديث عبيد الله بن أبي يزيد أنه سمع ابن عباس
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: من قدم ضعفة أهله بليل فيقفون بالمزدلفة ويدعون ويقدم إذا غاب القمر (1597).
(2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب من قدم ضعفة أهله بليل فيقفون بالمزدلفة ويدعون ويقدم إذا غاب القمر (1595).
(3) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 527. (5/270)
صفحة 2220
الرائد
271)
{يقول: أنا ممن قدم النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المزدلفة في ضعفة أهله.
وأغرب القاضي عبد الوهاب المالكي فقال:
وللإمام تقديم ضعفة أهله ليلة المزدلفة إلى منى بشرط الدم، وقيل إنها رخصت له خصوصا (3).
وبعد السابق نقول إن كون المبيت إلى الفجر هو الأفضل لا يستلزم كونه أقل ما يجزي الواقف، وقد اختلف الفقهاء في أقل ما يطلق على صاحبه أنه بات بها فقال بعض الفقهاء إن النزول بمزدلفة بقدر ما يصلي المغرب والعشاء ويتعشى يجزيه ولو أفاض منها قبل نصف الليل، ومن هؤلاء من يضيف شرط حط الرحال (3).
ومن الفقهاء من حدد وجوب الإقامة بمزدلفة بنصف الليل، فمن دفع منها بعد منتصف الليل فلا شيء عليه وأجزاه فعله السابق، وإن دفع منها قبل نصف الليل لزمه دم.
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب من قدم ضعفة أهله بليل فيقفون بالمزدلفة
ويدعون ويقدم إذا غاب القمر (1594).
(2) القاضي عبد الوهاب التلقين، ج 1، ص 231.
(3) الشنقيطي، أضواء البيان، ج 4، ص 443.
(4) البسيوي الجامع، ج 2، ص 276، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 177، وابن (5/271)
صفحة 2221
الرائد
272
قال ابن جعفر ومن بات بجمع إلى نصف الليل أجزاه".
ومنهم من لم يشترط استغراق النصف الأول من الليل، لحديث استئذان سودة فإنه لم يبين لها وقتا مخصوصا ().
والدم السابق يحكم به ما لم يعد فإن عاد فلا دم عليه كالذي دفع من عرفة نهارا، وللشافعية قولان في الدم السابق أهو على سبيل الوجوب أو ليس هو بواجب كما هو الحال معهم فيمن أفاض من عرفات قبل الغروب، وقد تقدم الكلام عليه.
ومن لم يوافق مزدلفة إلا في النصف الأخير من الليل فلا شيء عليه، لأنه لم يدرك جزءا من النصف الأول فلم يتعلق به حكمه كمن أدرك الليل بعرفات دون النهار (3).
ودليل كون الإجزاء متعلقا بنصف الليل أن النبي صلى الله عليه وسلم بات بها وقال خذوا عني مناسككم، وإنما أبيح الدفع بعد نصف الليل بما ورد من الرخصة
قدامة، المغني، ج 3، ص 215.
(1) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 352.
(2) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 263.
(3) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 178، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 215. (5/272)
صفحة 2222
الرائد
273
فيه بلسان الشارع للضعفة في الإفاضة من مزدلفة.
واستدل بعضهم بترخيص النبي الا للضعفة ووجهوه بأنه لو كان الدفع
قبل الفجر حراما لما اختلف بالضعفة وغيرهم).
ولكن يعترض على هذا القياس بأنه قياس مع وجود الفارق، على أن الأظهر أن الاختلاف بين الضعفة وغيرهم في الحال والقدرة هو علة التفريق بينهم في الحكم، ثم إن قياس القوي على الضعيف قياس مع الفارق الكبير. على أنه لو كان الإذن في الدفع قبل صلاة الفجر عاما للناس لم تستأذنه عائشة لسودة، ولو فهمت - وهي السائلة - أن إذنه لسودة إذن لكل الناس لم تتأسف على أنها لم تستأذنه لنفسها وهي أعلم بمعنى ما سألته وما أجابها، وإنما كانت الرخصة مقصورة على ذي العذر فخشيت عائشة أن لا تكون هي من جملة أولي الأعذار فبنت على الأصل.
واحتج ابن المنذر لقول من أوجب المبيت بمزدلفة على غير الضعفة بأن حكم من لم يرخص له ليس كحكم من رخص له، ومن جعلهما سواء لزمه
(1) النووي، المجموع، ج 8، ص 131. (2) الشنقيطي، أضواء البيان، ج 4، ص 448.
(3) ابن تيمية، شرح العمدة، ج 3، ص 622. (5/273)
صفحة 2223
الرائد
274
أن يجيز المبيت خارج منى لسائر الناس لكونه لا أرخص لأصحاب السقاية وللرعاة أن لا يبيتوا بمنى، فإن أجيب بأن الرخص لا تعدو مواضعها قيل فليستعمل ذلك هنا ولا يأذن لأحد أن يتقدم من جمع إلا لمن رخص له على الله (1) رسول الله. وللاعتراضات السابقة ذهب آخرون من أهل العلم إلى وجوب الوقوف بمزدلفة لمن لم يكن من الضعفة إلى طلوع الفجر بل منهم من ذهب إلى أنه إن دفع منها قبل الفجر لزمه دم؛ واختلفوا في سبب وجوب الدم فقيل لأن الوجوب استغراق الليل بالمبيت، وقيل لأن وقت الوقوف بعد صلاة الصبح، ومن حضر المزدلفة في ذلك الوقت فقد أتى بالوقوف ومن تركه ودفع ليلا فعليه دم إلا إن كان لعذر.
وذهب آخرون إلى أنه إن مر بها ولم ينزل فعليه دم فإن نزل فلا دم عليه
متى ما دفع.
(1) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 527.
(2) النووي، المجموع، ج 8، ص 131. (5/274)
صفحة 2224
الرائد
vo
وقيل يحصل المبيت بساعة بين نصف الليل وطلوع الشمس، وقيل بل
يشترط أن يبيت معظم الليل حتى يجزيه، وقيل بل الشرط الحضور حال
(1)
طلوع الفجر.
قال ابن جعفر:
ومن نزل المزدلفة ولم يقف بها فعليه دم، وقد أساء حيث لم يبت بها، ومن وقف بالمزدلفة قبل طلوع الشمس فقد وقف، ولا وقوف بعد طلوع الشمس، وإن وقف بعد طلوع الفجر ثم أفاض قبل الإمام فلا ينبغي ذلك". وغني عن البيان أن التفصيلات السابقة إنما هي واردة على قول من ألزم الحاج بالمبيت في مزدلفة سواء كان الفعل ركنا أو واجبا، أما القائلون بأن المبيت ليس بواجب بل هو سنة فلا يلزمهم السابق إذ لو ترك المبيت رأسا لما لزمه شيء.
ومثل الذي ذكرناه في عرفة ذهب بعض أهل العلم إلى أن من أفاض من
(1) النووي، روضة الطالبين، ج 3، ص 99، والمجموع، ج 8، ص 122.
(2) كذا في الأصل ولعل الأقرب: يبت كما يفيد ذلك السياق.
(3) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 354، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 276. (5/275)
صفحة 2225
الرائد
276
جمع قبل الإمام وإن بات بها أن عليه دما.
والسابق لا أدري له دليلا على أن من الثابت أن قد سبق النبي صلى الله عليه وسلم في
الإفاضة من مزدلفة كما هو الحال في الضعفة ومن سار معهم، وقد اعتذر جمع من أهل العلم لأصحاب هذا القول بجواز أنه لم يبلغهم الخبر).
خامسا: إحياء ليلة مزدلفة بالعبادة
ذهب جمع من أهل العلم إلى أن ليلة مزدلفة عظيمة تجمع أنواعا من الفضل كشرف الزمان والمكان إذ هي من الحرم وانضم إلى هذا جلالة أهل المجمع الحاضرين بها وهم وفد الله تعالى ومن لا يشقى بهم جليسهم، فينبغي أن يعنى الحاضر هناك بإحيائها بالعبادة من صلاة أو تلاوة وذكر ودعاء
وتضرع.
ومما قد يستدل به للسابق حديث من أحيى الليالي الأربع وجبت له الجنة، ليلة التروية وليلة عرفة وليلة النحر وليلة الفطر.
(1) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 291.
(2) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 291.
(3) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 357، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 276، والجيطالي،
قناطر الخيرات، ج 2، ص 82، والنووي، المجموع، ج 8، ص 123، وابن النجيم، البحر
الرائق، ج 2، ص 366. (5/276)
صفحة 2226
الرائد
277
والحديث أخرجه ابن عساكر من طريق سويد بن سعيد حدثني عبد
الرحيم بن زيد العمي عن أبيه عن وهب بن منبه عن معاذ بن جبل عن النبي
مرفوعا).
وليس الحديث بشيء فسويد بن سعيد ليس بحجة إذ قال البخاري: فيه
نظر؛ كان عمي
ذاك (3).
فلقن ما ليس من حديثه، وقال أبو حاتم: كان يدلس يكثر
وأسند ابن حبان عن يحيى بن معين قوله: لو كان لي فرس ورمح لكنت أغزو سويد بن سعيد، وقال ابن حبان يأتي عن الثقات في المعضلات يجب
مجانبة رواياته، هذا إلى ما يخطئ في الآثار ويقلب الأخبار.
وروى سويد الحديث عن عبد الرحيم بن زيد العمي وقد قال البخاري
عنه: تركوه، وقال النسائي: متروك.
(1) ابن عساکر، تاريخ مدينة دمشق، ج 43، ص 93. (2) البخاري، التاريخ الأوسط، ج 2، ص 373. (3) ابن أبي حاتم الجرح والتعديل، ج 4، ص 240. (4) ابن حبان المجروحين، ج 1، ص 352.
(5) البخاري، الضعفاء الصغير، ص 77.
(6) النسائي، الضعفاء والمتروكين، ص 68. (5/277)
صفحة 2227
الرائد
(VAA)
وقال ابن حبان: يروي عن أبيه العجائب لا يشك من الحديث صناعته
أنها معمولة أو مقلوبة كلها، يروي عن أبيه، روى عنه العراقيون.
فأما ما روى عن أبيه فالجرح ملزق بأحدهما أو بهما، وهذا لا سبيل إلى معرفته؛ إذ الضعيفان إذا انفرد أحدهما عن الآخر بخبر لا يتهيأ حكم القدح في أحدهما دون الآخر، وإن كان وجود المناكير في حديث منهما معا أو من أحدهما استحق الترك).
ومن الفقهاء من كان استدلاله لإحياء ليلة مزدلفة بما ورد من فضل إحياء ليلة العيد) كحديث المرار بن حموية ثنا محمد بن المصفى ثنا بقية بن الوليد عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من قام ليلتي العيدين محتسبا لله لم يمت قلبه يوم تموت القلوب. والحديث أخرجه ابن ماجه بالإسناد السابق، وفي إسناده بقية بن
الوليد مدلس التسوية فلا يقبل ما لم يصرح بالتحديث.
ورواه الشافعي من طريق إبراهيم بن محمد قال: قال ثور بن يزيد عن
(1) ابن حبان المجروحين، ج 2، ص 161.
(2) الهيتمي الحاشية على الإيضاح، ص 346، والحطاب، مواهب الجليل، ج 2، ص 193. (3) کتاب: الصيام، باب فيمن قام في ليلتي العيدين (1782). (5/278)
صفحة 2228
الرائد
279
خالد بن معدان عن أبي الدرداء قال: من قام ليلتي العيد محتسبا لم يمت قبله
حين تموت القلوب.
والحديث موقوف وفيه إبراهيم بن محمد شيخ الشافعي وقد تقدم
غير مقبول الرواية بل اتهمه غير واحد بالكذب.
أنه
والطرق السابقة كلها مع اضطرابها في الصحابي الراوي مدارها على ثور
بن يزيد ولم يرو عنه في الطرق كلها إلا متهم.
وجاء الحديث من طريق جرير بن عبد الحميد عن عمر بن هارون البلخي عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن عبادة الصامت أن بن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من صلى ليلة الفطر والأضحى لم يمت قلبه يوم تموت
القلوب).
وجاء الحديث من طريق عيسى بن إبراهيم القرشي عن سلمة بن سليمان الجزري عن مروان بن سالم عن ابن كردوس عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أحيى ليلتي العيد وليلة النصف من شعبان لم يمت قلبه يوم تموت فيه
القلوب.
(1) البيهقي، السنن الکبري، ج 3، ص 319.
(2) الطبراني، الأوسط، ج 1، ص 57. (5/279)
صفحة 2229
الرائد
280
قال ابن الجوزي بعد إخراجه: هذا حديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه: آفات أما مروان بن سالم فقال أحمد: ليس بثقة، وقال النسائي والدارقطني والأزدي: متروك، وأما سلمة بن سليمان فقال الأزدي: هو
ضعيف، وأما عيسى فقال يحيى: ليس بشيء.
وقال الذهبي: وهذا حديث منكر مرسل).
رضي
والناظر لوصف جابر بن عبد الله الله يظهر له أن النبي صلى الله عليه وسلم ما قام تلك
الليلة بل نام إلى الفجر كما قال جابر بن عبدالله:
حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم
يسبح بينهما شيئا، ثم اضطجع رسول الله الله حتى طلع الفجر "
(3)
قال ابن جماعة: ولم يصح عن النبي في إحيائها شيء، فتخصيصها بالإحياء بدعة كتخصيص ليلة الرغايب وليلة النصف من شعبان بالإحياء، وقد أنكره جماعة من محققي العلماء).
(1) ابن الجوزي، العلل المتناهية، ج 2، ص 562.
(2) الذهبي، ميزان الاعتدال، ج 5، ص 372.
(3) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب: حجة النبي صلى الله عليه وسلم (1218).
1192
(4) ابن جماعة، هداية السالك، ج 3، ص 1192. (5/280)
صفحة 2230
الرائد
281
المطلب الرابع: صلاة الفجر بمزدلفة وذكر الله فيها
بات النبي صلى الله عليه وسلم في مزدلفة بعد صلاتي العشاءين، ثم صلى الصبح في أول
وقتها كما يثبت عنه ذلك رواة فعله، فقد قال جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصبح حين تبين الصبح)
وفي حديث ابن مسعود الله ثم صلى الفجر حين طلع الفجر قائل يقول طلع الفجر وقائل يقول لم يطلع الفجر، ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن هاتين الصلاتين حولتا عن وقتهما في هذا المكان المغرب والعشاء فلا يقدم الناس جمعا حتى يعتموا، وصلاة الفجر هذه الساعة.
وقول ابن مسعود يريد به أنه صلاها قبل وقتها الذي كان يصليها فيه من قبل وفي أحوال غير مزدلفة).
والتقديم السابق لصلاة الفجر يوم النحر عند طلوع الفجر هو المأمور به عند الفقهاء، اقتفاء لفعل النبي، وليتسع وقت الوقوف عند المشعر
(1) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب: حجة النبي صلى الله عليه وسلم (1218).
(2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب متى يصلي الفجر بجمع صلاة الفجر بالمزدلفة
(1099)
(3) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 181.
(4) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 275، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 181، وابن (5/281)
صفحة 2231
الرائد
282
الحرام، أو كما قيل لأنه يستحب
الدعاء (2).
الدعاء بعدها فاستحب تقديمها ليكثر
وصلاة الفجر بمزدلفة ذهب بعض الفقهاء إلى وجوبها وأن من صلاها
خارجها عليه دم إلا إن رجع وصلى قبل خروج الوقت.
(4)
وقد كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه يذكر الله تعالى عند المشعر الحرام وهو جبل، فيرقى عليه إن أمكنه وإلا وقف عنده فذكر الله تعالى ودعا واجتهد حتى يسفر جدا لما في حديث جابر في صفة حجة النبي أنه لم يزل واقفا حتى أسفر جدا.
قدامة، المغني، ج 3، ص 214، والجيطالي، مناسك الحج، ج 2، ص 296، وابن النجيم،
البحر الرائق، ج 2، ص 368.
(1) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 214.
(2) النووي، المجموع، ج 8، ص 115.
(3) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 277.
(4) وهو غير منصرف للعدل والعلمية كعمر من قزح الشيء ارتفع، والعدل تقديري
معدول عن قازح كزفر عن زافر.
العيني، البناية، ج 4، ص 228، وابن النجيم البحر الرائق، ج 2، ص 366.
(5) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 182، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 214.
فكأنه (5/282)
صفحة 2232
الرائد
283
والمعذور من الضعفة الذي يفيض قبل طلوع الفجر يذكر الله عند المشعر الحرام بليل، وذلك حديث الليث عن يونس عن ابن شهاب قال سالم: وكان عبد الله بن عمر الله يقدم ضعفة أهله فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة بليل فيذكرون الله ما بدا لهم ثم يرجعون قبل أن يقف الإمام وقبل
أن يدفع.
فمنهم من يقدم منى لصلاة الفجر، ومنهم من يقدم بعد ذلك، فإذا قدموا رموا الجمرة، وكان ابن عمر الله يقول: أرخص في أولئك رسول الله
الله (2)
وذهب بعض أهل العلم إلى أن الوقوف السابق بعد الفجر واجب وهو المقصود بالأصالة في الوقوف بالمزدلفة، ومن ترك الوقوف بها بعد الصبح من غير عذر فعليه دم، وإن كان بعذر الزحام فتعجل السير إلى منى فلا شيء
عليه (3).
(1) ابن تيمية، شرح العمدة، ج 3، ص 523.
(2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب من قدم ضعفة أهله بليل فيقفون بالمزدلفة ويدعون ويقدم إذا غاب القمر (1592).
(3) العيني، عمدة القاري، ج 10، ص 17. (5/283)
صفحة 2233
الرائد
284
واستحب بعض الفقهاء أن يقول:
اللهم كما وقفتنا فيها وأريتنا إياها فوفقنا لذكرك كما هديتنا، واغفر لنا وارحمنا كما وعدتنا بقولك {فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ
صلے
الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَنكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
رَّحِيمُ).
ولو وقف الناسك في غير قزح أجزاه، وإن كان الأولى الحرص على موقف النبي صلى الله عليه وسلم بقزح".
واستحب بعض الفقهاء الاغتسال بالمزدلفة بعد نصف الليل للوقوف
تيمم.
بالمشعر الحرام وللعيد ولما فيها من الاجتماع، فإن عجز عن الماء ولا أعلم دليلا يفيد ندبية الاغتسال في هذا الموقف، وظاهر حديث
جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم ما اغتسل.
(1) الدمياطي، إعانة الطالبين، ج 2، ص 311، وابن مفلح، المبدع، ج 3، ص 237.
(2) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 423.
(3) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 350، والنووي، المجموع، ج 8، ص 123، والسبكي،
فتاوى السبكي، ج 1، ص 288. (5/284)
صفحة 2234
الرائد
285
ومما يستحب استقبال الكعبة في هذا الموقف عند الذكر، ودليله حديث
جابر بن عبد الله في وصف فعل النبي إذ قال:
وصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى
أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا).
والذكر السابق على قزح ليس هو بنسك واجب بل أمر مستحب ينبغي الإتيان به دون وجوب ولا يترتب على تاركه، دم وعلى هذا الجماهير من
أهل العلم، بل قد حكي عليه الإجماع كما تقدم".
وذهب بعض أهل العلم إلى أن الذكر عند المشعر الحرام نسك واجب
لفعل النبي، والأمر به في الآية).
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ
صلے
عَرَفَتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن
(1) الرافعي العزيز، ج 3، ص 423.
(2) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب: حجة النبي صلى الله عليه وسلم (1218).
(3) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 315، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 182. (4) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 355، والشوكاني وبل الغمام، ج 1، ص 550، وشيخنا الخليلي، الفتاوى الكتاب الأول، ص 384. (5/285)
صفحة 2235
الرائد
286
كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ
وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).
ومن أهل العلم من ألزم من لم يذكر الله غداة المزدلفة بعد صلاة الفجر
دما، والإلزام بالدم فرع كون الأمر واجبا.
ولكن الأمر بالذكر في الآية الكريمة مطلق لم يقيد بلفظ ولا فعل معين فكل ما صدق عليه أنه ذكر في مزدلفة يبرئ ذمة آتيه إذ يصدق عليه أنه قد ذكر الله في المشعر الحرام، وقد يتحقق بنفس صلاة الفجر في المزدلفة كما صرح بذلك جمع من أهل العلم)؛ إذ الصلاة من أفضل الأذكار
على أن ظاهر الآية الكريمة أن الأمر بالذكر مأمور به عقب الإفاضة من عرفات فقد عطف بحرف الفاء الذي يفيد التعقيب دون مهلة، والقائلون بالوجوب السابق قالوا به بعد طلوع الفجر، ومن غير شك أن في ذلك مهلة
طويلة.
(1) سورة البقرة، الآيتان (198 - 199).
(2) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 355، والبسيوي الجامع، ج 2، ص 277، والجيطالي،
مناسك الحج، ج 2، ص 297.
(3) الطبري، جامع البيان، ج 2، ص 287، والرازي، مفاتيح الغيب، ج 5، ص 152. (5/286)
صفحة 2236
الرائد
287
وقد أقيم في موضع قزح الذي وقف فيه النبي صلى الله عليه وسلم مسجد عرف بمسجد المشعر الحرام، وهو واقع بمزدلفة على الطريق رقم (5)، وهو مسقف طوله من الشرق إلى الغرب تسعون مترا (90 م)، وعرضه ستة وخمسون مترا (56 م)، ويستوعب أكثر من اثني عشر ألف مصل.
وبين هذا المسجد ومسجد الخيف بمنى نحو خمسة كيلومترات (5 كم)،
وبينه ومسجد نمرة نحو سبعة كيلومترات (كم)).
المطلب الخامس: الدفع من مزدلفة إلى منى
لم يكن ثمة خلاف بين أهل العلم أن السنة في الدفع من مزدلفة أن يكون قبل طلوع الشمس، فقد فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وأرشد إليه كما في حديث جابر بن عبد الله به إذ قال:
ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلله ووحده فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا فدفع قبل أن تطلع الشمس".
(1) محمد إلياس، تاريخ مكة، ص 114.
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 275، والسرخسي، المبسوط، ج 4، ص 20، وابن
قدامة، المغني، ج 3، ص 215.
(3) أخرجه مسلم، في كتاب الحج، باب: حجة النبي صلى الله عليه وسلم (1218). (5/287)
صفحة 2237
الرائد
ثم إن قصد الدفع بعد طلوع الشمس كان من هدي المشركين وقد خالفهم النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث عمرو بن ميمون قال: شهدت عمر ه صلى بجمع الصبح ثم وقف فقال: إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس، ويقولون: أشرق ثبير، وأن النبي لو خالفهم ثم أفاض قبل أن تطلع
الشمس
(1)
وبعد تقرر أن المشروع الدفع قبل طلوع الشمس نقول إنه مشروع بعد إسفار الفجر جدا أي قبيل طلوع الشمس بقليل فيستمر الداعي والذاكر في ذكره على وجه يخرج فيه من مزدلفة قبيل طلوع الشمس بقليل، ودليل ذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم كما رواه جابر في الحديث إذ قال في الحديث الذي ذكر قبل قليل: فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا.
وروى ابن أبي شيبة عن سفيان بن عيينة عن محمد بن المنكدر أنه سمع سعيد بن عبد الرحمن بن يربوع يخبر عن جبير بن الحويرث أنه سمع أبا بكر وهو واقف على قزح وهو يقول:
أيها الناس أصبحوا أيها الناس أصبحوا، ثم دفع فكأني أنظر إلى فخذه
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب متى يدفع من جمع (1600). (5/288)
صفحة 2238
الرائد
289
قد انكشفت مما يحرش بعيره بمحجنه).
وإلى استحباب السابق ذهب جمع من أهل العلم أخذا بالمنقول عن النبي، قال الإمام أبو الشعثاء: الدفع من جمع حين تنظر الدواب مواضع قوائمها والناس).
وذهب آخرون إلى أن الأفضل لمن أراد الدفع من مزدلفة أن يخرج بغلس
أي والوقت مظلم قبل الإسفار، وعلتهم مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم أهل الجاهلية الذين يفيضون بعد شروق الشمس على ثبير)
(4)
والتزام هدي النبي الأولى، ثم إنه لا تلازم بين مجاوزة محسر قبل طلوع الشمس لمخالفة المشركين وبين الخروج بغلس، بل قد يخرج بإسفار ومع ذلك يجاوز محسر قبل طلوع الشمس كما فعل النبي، فالأولى الأخذ بفعليه
كليهما.
وقد يقال بالسابق في حق من كان خروجه في وقت إسفار الفجر يؤدي
(1) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 399
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 278، والجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 316، وابن
قدامة، المغني، ج 3، ص 216.
(3) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 278
(4) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 263. (5/289)
صفحة 2239
الرائد
(290)
به إلى مجاوزة مزدلفة بعد طلوع الشمس لأي ظرف كان، فهذا يقال له اخرج في وقت تتجاوز فيه وادي محسر قبل طلوع الشمس ولو كان بغلس،
فالمقصود بالأصالة مخالفة المشركين بالدفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس. ومما يستحب لمن دفع من مزدلفة أن يسرع في دفعه إذا ما بلغ وادي محسر، وذلك قدر رمية بحجر)، كما روى ذلك جابر بن عبد الله له إذ قال واصفا فعل النبي: حتى أتى بطن محسر فحرك قليلا.
وروى الترمذي عن محمد بن بشار حدثنا أبو أحمد الزبيري حدثنا سفيان عن عبد الرحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة عن زيد بن علي عن أبيه عن عبيد الله بن أبي رافع عن الإمام علي بن أبي طالب قال في وصفه فعل النبي: ثم أفاض حتى انتهى إلى وادي محسر فقرع ناقته فخبت حتى جاوز
(1) الجيطالي، مناسك الحج، ج 2، ص 299، والجيطالي، قناطر الخيرات، ج 2، ص 82، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 216، والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 2، ص 429، وابن النجيم، البحر الرائق، ج 2، ص 368، والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص 263.
(2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 182، وابن قدامة المغني، ج 3، ص 216، وابن النجيم البحر الرائق، ج 2، ص 368، والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص 263.
(3) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب: حجة النبي صلى الله عليه وسلم (1218). (5/290)
صفحة 2240
الرائد
الوادي.
291
والتحديد برمية بحجر رواه الإمام مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر
(2)
أنه كان يحرك راحلته في بطن محسر قدر رمية بحجر)
ووادي محسر موضع فاصل بين منى ومزدلفة وليس من واحدة منهما بل
أوله آخر مزدلفة، وآخره أول منى، وهو من الحرم".
والوادي المذكور سمي وادي محسر بضم الميم وفتح الحاء والسين المشددة المكسورة لأن فيل أصحاب الفيل حسر فيه أي أعيى وكلَّ عن
السير).
(0)
ورأى بعضهم خلاف السابق فقالوا إن الفيل لم يدخل الحرم أصلا، ومزدلفة ومحسر من الحرم، ولكن سمي محسرا لأنه يحسر سالكيه ويتعبهم وقيل إنه يسمى أيضا وادي النار، لأن رجلا اصطاد فنزلت نار حرقته.
(1) كتاب الحج، باب ما جاء أن عرفة كلها موقف (885)، وقال إثره: حسن صحيح.
(2) مالك بن أنس، الموطأ، ج 1، ص 392.
(3) النووي، المجموع، ج 8، ص 117.
(4) النووي، المجموع، ج 8، ص 117، والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 167.
(5) العيني، عمدة القاري، ج 10، ص 16.
(6) العيني، عمدة القاري، ج 10، ص 16، الجمل، الحاشية، ج 2، ص 463. (5/291)
صفحة 2241
الرائد
292
وهبوط
وتحريكه في السير بوادي محسر محتمل أن يكون لسعة المكان الراحلة كما ورد في حال إفاضته من عرفات إلى مزدلفة أنه إذا وجد فرجة
نص، كما يحتمل أن يكون تحريكه ندبا، وقال الماوردي: أما ما روي من فعل الصحابة فلا يحتمل إلا الندبية).
وقد روى ابن أبي شيبة الإسراع في وادي محسر عن جمع من الصحابة)، فقد روى عن وكيع عن مسعر عن سعد بن إبراهيم أن عائشة كانت تسرع في وادي محسر.
وروى عن وكيع عن موسى بن عبيدة عن يزيد بن عبد الرحمن أن ابن عمر لما أتى وادي محسر ضرب راحلته، وعن وكيع عن الأعمش عن عمارة عن عبد الرحمن بن يزيد أن عبد الله بن مسعود أوضع في وادي محسر، وعن ابن فضيل عن إسماعيل عن عطاء عن ابن عباس أنه لم ير بأسا بالإيضاع في وادي محسر وكرهه في جبال عرفات.
وعن ابن فضيل عن عمر بن ذر عن عبد الملك بن الحارث عن عقبة مولى أدلم بن ناعمة الحضرمي أنه دفع مع الحسين بن علي من جمع فلم يزد على
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 182، وابن مفلح، المبدع، ج 3، ص 238.
(2) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 427. (5/292)
صفحة 2242
الرائد
293
السير، فلما أتى وادي محسر قال ازجر بصوتك واركض برجلك، واضرب
بسوطك، ودفع في الوادي حتى استوت به الأرض وخرج من الوادي.
ويروى أن
عمر له لما أتى محسر أسرع وقال:
إليك تعدو قلقا وضينها مخالفا دين النصارى دينها، معترضا في بطنها
جنينها، كما في حديث علي بن هاشم عن هشام عن أبيه قال: كان عمر
يوضع يقول:
إليك تعدو قلقا وضينها معترضا في بطنها جنينها
مخالفا دين النصارى دينها
والسابق أخرجه ابن أبي شيبة، غير أن به انقطاعا فعروة أبو هشام لم يلق عمر بن الخطاب، غير أن ابن أبي شيبة رواه في موضع آخر من طريق محمد بن فضيل عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت: كان عمر يتمثل بهذا
(1) ومعنى هذا البيت أن ناقتي تعدو إليك يا رب مسرعة في طاعتك، قلقا وضينها وهو الحبل الذي كالحزام وإنما صار قلقا من كثرة السير والإقبال التام والإجهاد البالغ في طاعتك، والمراد صاحب الناقة، وقوله مخالفا دين النصارى دينها بنصب دين النصارى
ورفع دينها أي إني لا أفعل فعل النصارى ولا أعتقد اعتقادهم.
النووي، المجموع، ج 8، ص 128.
(2) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 427. (5/293)
صفحة 2243
الرائد
(294)
البيت ... ثم أتت بالبيت السابق، وفي هذه الرواية لم يقيد ذكر الأبيات
بكونها في وادي محسر بل هي مطلقة من حيث المكان.
ورواه هشام بن عروة عن أبيه عن المسور بن مخرمة أن عمر بن
الخطاب (2).
وقال القاضي حسين من الشافعية إنه يستحب لمن قطع وادي محسر يقول قول عمر بن الخطاب السابق).
أن
وجاء السابق من قول النبي الا هو حال الدفع من عرفات كما في حديث أبي الربيع السمان عن عاصم بن عبيد الله عن سالم عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفاض من عرفات وهو يقول: إليك تعدو قلقا وضينها، مخالفا دين النصارى
دينها.
رفع
والحديث أخرجه الطبراني وقال إثره: وهم عندي أبو الربيع السمان في هذا الحديث إلى رسول الله له، لأن المشهور في الرواية عن ابن عمر من
عرفات وهو يقول ثم ذكر الرجز.
(1) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 5، ص 275.
(2) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 126.
(3) النووي، المجموع، ج 8، ص 128. (5/294)
صفحة 2244
الرائد
وعاصم الذي في إسناد الحديث تقدم ذكره مرات أنه ممن لا يثبت
حديثه.
وأما أبو الربيع السمان فقال ابن معين: ليس حديثه بشيء"، وقال أحمد: حديثه ليس بذاك، مضطرب، وقال يحيى بن أيوب: سمعت هشيم يقول: الربيع السمان كان يكذب، وقال الدارقطني: متروك. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث منكر الحديث
سيء
الحفظ يروي
المناكير عن الثقات سمعت أبا زرعة يقول: أشعث بن سعيد أبو الربيع
السمان ضعيف الحديث).
وقال ابن حبان: يروي عن الأئمة الثقات الأحاديث الموضوعات
وبخاصة عن هشام بن عروة كأنه ولع بقلب الأخبار عليه.
ومن أهل العلم من علل التحريك السابق بوادي محسر بكون الوادي المذكور من الأماكن التي حل بها خسف وعذاب وكان من هديه صلى الله عليه وسلم الإسراع
(1) الطبراني، المعجم الكبير، ج 12، ص 308.
(2) ابن معين، تاريخ ابن معين (الدوري)، ج 4، ص 80.
(3) أحمد بن حنبل، العلل، ج 2، ص 516.
(4) ابن أبي حاتم الجرح والتعديل، ج 2، ص 272، وابن عدي، الكامل، ج 1، ص 376. (5) ابن حبان، المجروحين، ج 1، ص 172. (5/295)
صفحة 2245
الرائد
(296)
فيها، وعلى هذا التعليل لا يكون التحريك في الوادي المذكور خاصا بالحاج بل هو لكل مار به.
ومن أهل العلم من قال إن إسراع النبي في الوادي المذكور كان لأنه مأوى الشياطين، ولا أدري ما الذي يعتل به هؤلاء لقولهم إذ لم أجد دليلا
يؤيد ما قالوا، وما دام الأمر على ذلك فمن العسير الركون إلى قولهم. ومشروعية التحريك في الوادي المذكور مذهب الجماهير من أهل العلم، غير أنه جاء ما يفيد أن تحريك النبي صلى الله عليه وسلم في الوادي المذكور لم يكن لذات التحريك بل لأن الإبل قد أزعجت فتحركت للإزعاج السابق، وعليه فليس التحريك مقصودا لذاته كما في حديث حماد بن زيد عن كثير بن شنظير عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال: إنما كان بدء الإيضاع من قبل أهل البادية، كانوا يقفون حافتي الناس حتى يعلقوا العصي والجعاب والقعاب، فإذا نفروا تقعقعت تلك فنفروا بالناس.
قال: ولقد رئي رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن ذفرى ناقته ليمس حاركها وهو يقول بيده يا أيها الناس عليكم بالسكينة يا أيها الناس عليكم بالسكينة.
(1) الجمل الحاشية على شرح المنهج، ج 2، ص 463.
(2) ابن مفلح، المبدع، ج 3، ص 238. (5/296)
صفحة 2246
الرائد
297
والحديث أخرجه الإمام أحمد)، ورجاله رجال الصحيح غير أن في كثير بن شنظير كلاما يجرحه ويبعده عن رتبة الصحيح، فقد قال أبو زرعة: لين، وعن عمرو بن علي: قال كان يحيى بن سعيد لا يحدث عن كثير بن شنظير، حدثته يوما عن بشر بن المفضل عن كثير بن شنظير فقال: كثير بن شنظير
(2)
كثير بن شنظير).
وقال النسائي: ضعيف، وقال يحيى بن معين: ليس بشيء، وقال ابن حبان: كان كثير الخطأ على قلة روايته، ممن يروي عن المشاهير أشياء مناكير حتى خرج بها عن حد الاحتجاج إلا فيما وافق الثقات.
(1) أحمد بن حنبل، المسند، ج 1، ص 244.
وقد فسر محققو المسند لطبعة مؤسسة الرسالة بعض ألفاظ الحديث فقالوا: الجعاب جمع جعبة وهي الكنانة التي تجعل فيها السهام، والقعاب جمع قعب وهو القدح الضخم الغليظ من الخشب، وتقعقعت أي ضرب بعضها بعضا فكان منها صوت وصخب ينفر منه الناس والدواب، ذفرى ناقته أصل أذنها، والحارك أعلى الكاهل. أحمد بن حنبل، المسند (طبعة مؤسسة الرسالة)، ج 4، ص 75.
(2) ابن أبي حاتم الجرح والتعديل، ج 7، ص 153.
(3) النسائي، الضعفاء والمتروكين، ص 89.
(4) ابن معين تاريخ ابن معين (رواية الدوري)، ج 4، ص 212. (5/297)
صفحة 2247
الرائد
298
وفوق السابق أجيب عن الرواية بوجهين:
أولهما: أنه ليس في الحديث تصريح بترك الإسراع في وادي محسر فلا يعارضان الصريح بإثبات الإسراع.
ثانيهما: أنه لو صرح فيهما بترك الإسراع كانت رواية الإسراع أولى لوجهين: أحدهما أنها إثبات وهو مقدم على النفي، والثاني أنها أكثر رواة وأصح أسانيد وأشهر فهي أولى".
والأكثرون من أهل العلم على أن الإسراع السابق مسنون لكل من جاز الوادي المذكور راكبا كان أو راجلا، وذهب بعضهم إلى أنه أمر خاص بمن اجتاز الوادي المذكور راكبا، أما الراجل فلا يسن له التحريك في المشي". ولعل هؤلاء نظروا إلى حال اجتياز النبي صلى الله عليه وسلم فقد كان راكبا وأسرع، أما الجمهور فنظروا إلى مطلق الاجتياز وأنه كان مع التحريك في السير دون تقييد بركوب إذ ليس الركوب مؤثرا في الحكم فيتعلق الأمر بمطلق الاجتياز
وهذا يأتي على الراكب والراجل.
(1) ابن حبان، المجروحين، ج 2، ص 223.
(2) النووي، المجموع، ج 8، ص 129.
(3) الجيطالي، قناطر الخيرات، ج 2، ص 82، والنووي روضة الطالبين، ج 3، ص 100. (5/298)
صفحة 2248
الرائد
299
ومما يؤيد مذهب الجمهور العلة التي علل بها التحريك في الوادي
المذكور وهي كونه من مناطق العذاب، وهذه العلة ليست بخاصة بالراكب بل شاملة الراجل أيضا.
ومن الفقهاء من صرح بكون التحريك السابق بوادي محسر تعبديا
خاصا بالرجال دون النساء).
وقال الكاساني:
وأما مكانه فجزء من أجزاء مزدلفة أي جزء كان، وله أن ينزل في أي موضع شاء منها إلا أنه لا ينبغي أن ينزل في وادي محسر لقول النبي صلى الله عليه وسلم عرفات كلها موقف إلا بطن عرنة، ومزدلفة كلها موقف إلا وادي محسر. أنه قال: مزدلفة كلها موقف وارتفعوا عن المحسر، فيكره النزول
وروي
فيه ولو وقف به أجزاء مع الكراهة.
وتعقبه ابن الهمام بأن الذي يقتضيه النظر - إن لم يكن إجماع على عدم
إجزاء الوقوف -بالمكانين هو أن عرنة ووادي محسر إن كانا من مسمى عرفة
والمشعر الحرام يجزي الوقوف بهما ويكون مكروها؛ لأن القاطع
(1) الأبي، الثمر الداني، ص 374.
(2) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 136.
أطلق (5/299)
صفحة 2249
الرائد
)
الوقوف بمسماهما مطلقا وخبر الواحد منعه في بعضه فقيده والزيادة عليه
بخبر الواحد لا تجوز فيثبت الركن بالوقوف في مسماهما مطلقا، والوجوب في أصلا وهو
كونه في غير المكانين المستثنيين، وإن لم يكونا من مسماهما لا يجزي أصلا
ظاهر والاستثناء منقطع
(1)
وحديث استثناء محسر من جمع مضى تخريجه مفصلا في الفصل السابق
عند حديث عرفة كلها موقف وارتفعوا عن عرنة.
كانت مجاوزة النبي وادي محسر قبل شروق الشمس، وللفقهاء خلاف في وجوب الفعل السابق، فذهب الجمهور منهم إلى عدم وجوبه وأن من أخل بالسابق فلم يجاوز الوادي المذكور إلا بعد طلوع الشمس فليس عليه شيء، ورجح هذا الرأي الإمام أبو سعيد الكدمي).
ولا أدري ما الذي يصرف الكثيرين عن القول بالوجوب هنا مع أن تأصيلهم الذي بنوه أن الأصل في أفعال الحج الوجوب لحديث "لتأخذوا
(1) ابن الهمام، فتح القدير، ج 2، ص 484.
(2) الشافعي، الأم، ج 2، ص 212، والقرافي الذخيرة، ج 3، ص 263، والشقصي، منهج
الطالبين، ج 7، ص 247.
(3) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 276. (5/300)
صفحة 2250
الرائد
(.)
عني مناسككم"، ولكن القاعدة التي ذكرناها من قبل تعفينا من ربقة الإلزام السابق إذ الحديث المذكور يؤخذ منه مطلق المشروعية التي أقل مراتبها الندب والسنية، فيفهم فعل النبي صلى الله عليه وسلم على الأصل السابق.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن من طلعت عليه الشمس ولم يجاوز وادي محسر فإن عليه دما، وإيجاب الدم على تارك فعل فرع كون ذلك الفعل واجبا، وقد مضى ما فيه، ومن هؤلاء من عذر من ذهب به النوم والمغمى عليه لأنهما مغلوبان، وقد يستدل للقول بالوجوب بأن فعله كان مخالفة لهدي المشركين فيجب.
والدافع من مزدلفة يستصحب معه التلبية كما تقدم؛ إذ التوقف عنها لا
يكون إلا عند رمي جمرة العقبة.
(1) البسيوي، الجامع، ج 2، ص 277، وشيخنا الخليلي، الفتاوى، الكتاب الأول، ص 383.
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 275.
(3) البسيوي، الجامع، ج 2، ص 277. (5/301)
صفحة 2251
الرائد
302)
المبحث الثاني: رمي جمرة العقبة
المطلب الأول: وصف جمرة العقبة
جاوز النبي وادي محسر حينما أسفر الفجر جدا، فقصد جمرة العقبة
ولم يعرج على شيء سواها، وقد كان سالكا في سيره هذا الطريق الوسطى التي تؤدي إلى جمرة العقبة مباشرة.
وعندما كان في محسر أمر الناس أن يلتزموا في حجارة رميهم أن تكون
مثل حصى عباس عن ابن عباس عن الفضل بن عباس وكان رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم
الخذف كما في حديث الليث عن أبي الزبير عن أبي معبد مولى ابن
أنه قال في عشية عرفة وغداة جمع للناس حين دفعوا:
عليكم بالسكينة وهو كاف ناقته حتى دخل محسرا وهو من منى قال:
عليكم بحصى الخذف الذي يرمى به الجمرة، وقال لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي حتى رمي الجمرة).
ووصف جابر بن عبد الله {تحركه صلى الله عليه وسلم فقال: حتى أتى بطن محسر
(1) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب استحباب إدامة الحاج التلبية حتى يشرع في رمي
جمرة العقبة يوم النحر (1282). (5/302)
صفحة 2252
الرائد
303
فحرك قليلا، ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخذف، رمى من بطن الوادي.
والطريق الوسطى التي سلكها النبي المخالفة لما ذكرناه عنه أنه سلكه من قبل إذ إنه سلك في ذهابه من منى إلى عرفات طريق ضب، وفي رجوعه إلى منى سلك طريقا غيره، وقد كان ذلك سننا يقتفيه كما كان يخالف طريق ذهابه إلى مصلى العيد وطريق إيابه، ودخل مكة من طريق وخرج من غيره، وحول رداءه يوم الاستسقاء تفاؤلا بتغير الحال إلى الأحسن، وقد
علم الله (3)
استحب جمع من أهل العلم سلوك الطريق التي سلكها النبي، وقال
الأزرقي: الطريق الوسطى وهي التي سلكها رسول الله يوم النحر من مزدلفة حين غدا من قزح إلى الجمرة ولم تزل أئمة الحج تسلكها حتى تركت من سنة
(1) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب: حجة النبي صلى الله عليه وسلم (1218).
(2) النووي، شرح صحيح مسلم، ج 8، ص 190.
(3) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 218، والنووي، المجموع، ج 8، ص 128، وابن مفلح
المبدع، ج 3، ص 239. (5/303)
صفحة 2253
(304)
الرائد
المئتين، وجاء أمراء لا يعرفون ذلك سلكوا الطريق الملاصقة بالمسجد وليست بطريق النبي.
ويتمثل هذا الطريق في الوقت الحاضر في طريق المشاة الممتد من عرفات فمزدلفة فوادي محسر منتهيا إلى منى فجمرة العقبة، وهو بين طريق الملك عبد
العزيز في غرب منى وشارع الجوهرة وسوق العرب من جهة الشرق). وقد كان في سيره هذا متظللا اتقاء الشمس كما في حديث زيد بن أبي أنيسة عن يحيى بن الحصين عن أم الحصين جدته قالت: حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع فرأيت أسامة وبلالا وأحدهما آخذ بخطام ناقة النبي صلى الله عليه وسلم، والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة".
وظاهر الأمر أن النبي للقصد الجمرة بإفاضته من محسر، لذا قال جمع من الفقهاء إنه يستحب أن لا يعرج على شيء من نزول أو حط رحل أو غير
(1) الأزرقي، أخبار مكة، ج 2، ص 186.
(2) من كلام للأستاذ الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان المكي في مقال عن منى نشرته صحيفة عكاظ السعودية في عددها 2021 الصادر بتاريخ 9 شوال 1427 هـ الموافق
12/ 29/ 2006 م.
(3) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبا
(1298) (5/304)
صفحة 2254
الرائد
ذلك حتى يرمي جمرة العقبة، وقد صرح جمع من الفقهاء أن رمي الجمرة تحية
منى، ومنهم من قال تحية الحرم.
قال ابن جماعة: وهذه المبادرة مستحبة إن لم يكن معها أذى، فإن كان
فيستحب التأخير إلى أن تزول الزحمة المؤذية.
وقال بعض الفقهاء يسن لمن دخل منى قبل طلوع الشمس تأخير الرمي إليه، وقد ينظر فيه بأن الرمي تحية البقعة والتحية تفوت بالتأخير، ولا يعارض ذلك الكلام المذكور؛ لأن معناه أنه يندب تأخير دخول منى إلى طلوع الشمس".
والندبية السابقة على قول من أجاز رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس، وقد خالف ذلك جمع من الفقهاء وقالوا إنه لا يصح رميها إلا بعد طلوع الشمس كما سيأتي بيانه.
وجمرة العقبة هي في آخر منى من جهة مكة شرفها الله، وقد اختلف أهل العلم فيها أهي من منى أو ليست هي من منى، وليس ذلك بكبير الأهمية إذ
(1) ابن جماعة، هداية السالك، ج 3، ص 1218، وابن الضياء البحر العميق، ج 3، 1658. (2) الهيتمي، الحاشية على الإيضاح، ص 357. (3) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 581، والهيتمي الحاشية على الإيضاح، ص 354، (5/305)
صفحة 2255
الرائد
نسكها متفق عليه، والقائلون بأنها ليست من منى ينصون على أنها حد منى أي بها تنتهي، وهي ليست بالكبيرة من حيث المساحة، فالأورع عدم المبيت
فيها ليالي التشريق خروجا من الخلاف إذ ليس في القضية نص يحسم النزاع. والجمرة سميت باسم ما يرمى فيها وهي الحجارة، والجمرة مجتمع الحصى بمنى فكل كومة من الحصى جمرة، وهي التي بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصار قريبا منها قبل الهجرة).
وقال بعض الفقهاء إن هذه الجمرة على العقبة عن يمين مستقبل الكعبة
إذا وقف في الجادة والمرمى مرتفع قليلا في سفح الجبل.
ونقل الحطاب عن ابن فرحون في شرحه على ابن الحاجب أنه قال:
وليس المراد بالجمرة البناء القائم وذلك البناء قائم وسط الجمرة علامة على
موضعها والجمرة اسم للجميع
(0)
والأبي، الثمر الداني، ص 374، ومجلة مجمع الفقه الإسلامي، د 3، ج 3، ص 1576.
(1) الأبي، الثمر الداني، ص 374.
(2) الأزهري، الزاهر، ص 182، والفيومى المصباح المنير، ج 1، ص 108، مادة: جمر. (3) ابن جماعة، هداية السالك، ج 3، ص 1219، وابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 581. (4) ابن جماعة، هداية السالك، ج 3، ص 1219.
(5) الحطاب، مواهب الجليل، ج 3، ص 134. (5/306)
صفحة 2256
الرائد
307)
وتسمى جمرة العقبة الجمرة الكبرى والجمرة الثالثة).
والجمرة اسم لمجتمع الحصى، سميت بذلك لاجتماع الناس بها يقال تجمر بنو فلان إذا اجتمعوا، وقيل إن العرب تسمي الحصى الصغار جمارا فسميت تسمية الشيء بلازمه، وقيل لأن آدم أو إبراهيم لما عرض له إبليس فحصبه جمر بين يديه أي أسرع فسميت بذلك".
قال ابن جماعة: المرمى مجتمع الحصى عند البناء الشاخص هناك لا ما
(3)
سال من الحصى، ولا البناء الشاخص فإنه بني علامة على موضع الرمي ولم أجد فيما وقعت عليه يداي من مراجع توصيفا صريحا للجمرة ما هي، أهي حجر يرمى، أو أنها موضع يقصد بالرمي دون غيره، ثم إنه لو كان أحد الأمرين السابقين ما طوله وعرضه، كل ذلك لم أجده.
ونقل عن الجمال الطبري أنه قال: ولم يذكروا في المرمى حدا معلوما غير أن كل جمرة عليها علم فينبغي أن يرمي تحته على الأرض ولا يبعد عنه
(1) ابن جماعة، هداية السالك، ج 3، ص 1219.
(2) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 581.
(3) ابن جماعة، هداية السالك، ج 3، ص 1224. (5/307)
صفحة 2257
الرائد
308
احتياطا، ثم قال: وحده بعض المتأخرين بثلاثة أذرع من سائر الجوانب إلا في جمرة العقبة فليس لها إلا وجه واحد وهو قريب مما تقدم.
وذكر الأزرقي أنه كانت الجمرة زائلة عن موضعها أزالها جهال الناس
برميهم
الحصى، وغفل عنها حتى أزيحت عن موضعها شيئا يسيرا منها من
فوقها فردت إلى موضعها الذي لم تزل عليه.
والذي تواطأ الفقهاء على ذكره أن المكان الذي يقصد بالرمي هو مجتمع
الحصى
(3)
وقال النووي: والمراد مجتمع الحصى في موضعه المعروف، وهو الذي كان في زمان رسول الله الله، فلو حول -والعياذ بالله- ورمى الناس في غيره واجتمع الحصى فيه لم يجزه، ولو نحي الحصى إلى موضعه الشرعي ورمى إلى نفس الأرض أجزاه لأنه رمى في موضع الرمي.
وفسر البجيرمي المرمى بقوله:
(1) الشربيني، الإقناع، ج 1، ص 257، والشرواني، الحواشي، ج 4، ص 132.
(2) الأزرقي، أخبار مكة، ج 1، ص 303.
(3) البهوتي، شرح منتهى الإرادات، ج 1، ص 584، والشربيني، الإقناع، ج 1، ص 257.
(4) النووي، المجموع، ج 8، ص 140. (5/308)
صفحة 2258
الرائد
9
(b++)
هو
المكان الذي يجتمع فيه الحصى المحوط عليه الذي العلم في وسطه
دون ما سال إليه ودون العلم المنصوب اهـ.
ثم ذكر الخلاف في الشاخص أهو من المرمى أو ليس هو من المرمى، وعلى أنه ليس من المرمى لو أزيل من موضعه لم يجز الرمي في محله، ثم ذكر القطع بأنه حادث ليس في زمان النبي الله، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه يرمون حوالي محله ويتركون محله، ولو وقع ذلك لنقل؛ فإنه غريب) ويظهر من كلام بعض أهل العلم أن الجمرة موضع من الأرض يقصد بالرمي، فقد قال الشرواني:
لو فرش في جميع المرمى أحجار فأثبتت كفى الرمي عليها كما هو ظاهر؛ لأن المرمى وإن كان هو الأرض إلا أن الأحجار المثبتة فيه صارت تعد منه
رميا على تلك الأرض".
ويعد الرمي - والتفريع السابق وهو إجزاء رمي. ما علا على الجمرة من أشياء هو تفريع
لما قاله جمع من أهل العلم إن العلو يعطى حكم سفله، والأمر هنا أن ما علا
الجمرة متصل بها فأعطاه جمع
من الفقهاء حكم الجمرة، ومن ذلك نصهم
(1) البجيرمي، حاشية البجيرمي، ج 2، ص 137.
(2) الشرواني، الحواشي، ج 4، ص 134. (5/309)
صفحة 2259
الرائد
1.)
على أنه لو بني على جميع المرمى دكة مرتفعة جاز الرمي عليها لأنها تعد تابعة
له.
ومن السابق نصهم على أنه لو هبط المرمى إلى تخوم الأرض أو علا إلى السماء ورمي فيه أجزأ نظير الطواف، وأنه لو بني عليه دكة أو منارة عالية أو سطح أو فرشت فيه أو بعضه أحجار وأثبتت أو ألقيت على أرضه وسترته
بلا إثبات.
وقال الشيخ سليمان بن علي:
المرمى الذي يترتب عليه الأحكام هو الأرض المحيطة بالميل المبني
وعرفه بعض المتأخرين بما يوحي بالسابق ومن ذلك تعريف إبراهيم
رفعت في كتابه "مكة الحرمين" إذ قال:
الجمار: هي
حائط
من الحجر ارتفاعه نحو ثلاثة أمتار في عرض نحو
مترين، أقيم على منطقة صخرية مرتفعة عن الأرض بنحو متر ونصف، ومن
أسفل هذا الحائط حوض من البناء تسقط إليه حجارة الرجم.
وعرفه الشيخ عبده بن علي العمري الحضرمي في منسكه "دليل الطريق
(1) الشرواني، الحواشي، ج 4، ص 134.
(2) مجلة مجمع الفقه الإسلامي الدولي، د 3، ج 3، ص 1588. (5/310)
صفحة 2260
الرائد
لحجاج بيت الله العتيق" الذي ألف كتابه عام 1355 هـ:
المرمى: هو المحل المبني فيه العلم - أي العمود- وضبط بثلاثة أذرع من مجموع جوانبه، وقد حوط الآن على هذا المقدار بجدار قصير فالمرمى يكون
داخله.
وهذا في غير جمرة العقبة، أما هي فلها جهة واحدة وعليها دائرة أمامها،
فالمرمى يكون في وسط الدائرة تحتها.
وقد بني في موضع الجمرة شاخص لم أجد شيئا من النصوص يشير إليه أنه كان موجودا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين، وقد جزم بعض
الفقهاء بكونه حادثا وليس بموجود في القرون الفاضلة.
ومنهم من ذكر أن الشاخص ما هو إلا علامة على الجمرة، ومن السابق
قول الإمام السالمي
ومن تمام النسك المختار للناسكين الرمي للجمار وهي مواضع أعدت بمنى ثلاثة موضعها قد بينا بنوا عليها نقصا تعرف وكلها بعد الغروب تقذف
(1) لم أر هذه الكتب لكن نقلت الكلام بالواسطة من كتاب: حدود المشاعر المقدسة للبسام مجلة مجمع الفقه الإسلامي الدولي، د 3، ج 3، ص 1590.
(2) السالمي، جوهر النظام، ج 1، ص 148. (5/311)
صفحة 2261
الرائد
ومنهم من رأى أنه موجود في زمان النبي صلى الله عليه وسلم وقبله، واستدلوا لذلك
بقول أبي طالب عم النبي إذ قال:
(1)
وبالجمرة الكبرى إذا صمدوا لها يؤمون قذفا رأسها بالجنادل) ومنهم من احتمل أن يكون في موضع الشاخص في عهده أحجار موضوعة بأمره الشريف ثم أزيلت بعده وبني الشاخص في موضعها، وسبب الاحتمال السابق استبعاد عدم تحديد النبي صلى الله عليه وسلم موضع الجمرة مع أنه بين حدود الحرمين الشريفين ونصب الأعلام عليها".
والشاخص تناقله الناس ولم أجد أحدا من أهل العلم أنكره، أو بيّن مبدأه، وقاعدة استصحاب العكس أو الاستصحاب المقلوب لو قيل بها- تبين أنه كان موجودا في الزمن الماضي لعدم النص على حدوث تغيير فيها، فضلا عن المنقول من شعر أبي طالب.
وقد كان مرمى الجمار غير محوط بل شاخص ويرمي الناس أصل الشاخص وما قرب منه من الأرض، ثم أحدث في آخر شهر ذي القعدة من سنة 1291 هـ (1875 م شباك حديدي حول المرمى لدفع الزحام لا
(1) مجلة مجمع الفقه الإسلامي الدولي، د 3، ج 3، ص 1590.
(2) البجيرمي، حاشية البجيرمي، ج 2، ص 137، والشرواني، الحواشي، ج 4، ص 134. (5/312)
صفحة 2262
الرائد
313
لتحديد منطقة الرمي.
ومساحة يسار العلم إلى جهة منى ما بين ركن العلم والشباك بذراع اليد أربعة أذرع وخمس أصابع ونصف، ويمينه إلى جهة مكة ما بين ركنه والشباك خمسة أذرع، وأما من جهة الوادي ذراع واحد وعشرة أصابع من جهة مكة ومنى، وما بين طرفي الشباك مع إدخال مساحة العلم فيه ثلاثة عشر ذراعا وعشر أصابع ونصف).
والشباك الحديدي السابق أوقع الناس في التوهم أن كل ما دار عليه هو الأصلية عام
منطقة للرمي فدفع بإزالته وبناء أحواض على منطقة المرمى
1292 هـ (2).
وفي الأزمنة المتأخرة مرت جمرة العقبة بتطورات كثيرة حتمتها الأعداد الهائلة من الحجاج التي تؤم المشاعر العظام أيام الحج، وأول تلك التطورات إزالة العقبة المعتلية في جانب الجمرة شمالا شرقا في جمادى الأولى سنة 1376 هـ (1956 م) لصالح توسعة المكان.
ثم إنه في عام 1393 هـ تمت الموافقة على بناء طابق علوي على شارع
(1) مجلة مجمع الفقه الإسلامي الدولي، د 3، ج 3، ص 1589.
(2) مجلة مجمع الفقه الإسلامي الدولي، د 3، ج 3، ص 1590. (5/313)
صفحة 2263
الرائد
14
الجمرات ورفع الشاخص حتى يرمي قسم من الحجاج منه لتخفيف وطأة
الزحام في منطقة الرمي السفلية.
والأمور السابقة كانت
مع الحفاظ على منطقة المرمى على الحد الذي
تناقلته الأمة عن سلفها جيلا بعد آخر.
ومع السابق لا زالت مآسي الجمرات تتكرر كل عام للأعداد الهائلة من الحجيج وغلبة عدم التقيد بالأنظمة عليهم، وكم هي قوافل الموتى التي تساق ضحية لحوادث الجمرات مع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم.
وللسابق وسعت منطقة الجمرات توسعة ضخمة تمثلت في زيادة منطقة المرمى زيادة كبيرة جدا تتضاعف على المنطقة السابقة بمرات كثيرة، كما وسع معها شاخص الجمرة، وجعل الرمي في طوابق أربعة نظمت فيها مناطق الذهاب والإياب على وجه يصبح فيه التزاحم والتدافع أمرا معدوما أو في حكم النادر، وقد حمد الناس الرمي في هذا العام (1428 هـ) واستسهلوه جدا مع أنه كان في طوابق ثلاثة إذ رابع الأدوار لما يكتمل إنشاؤه بعد.
(1) الجيزاني، فقه النوازل، ج 2، ص 356.
(2) أخرجه النسائي في كتاب تحريم الدم، باب تعظيم الدم (3987) (5/314)
صفحة 2264
الرائد
Fol
المطلب الثاني: مشروعية رمي جمرة العقبة
لم يكن ثمة خلاف بين أحد من الأمة أن من المشروع رمي الجمار،
والأصل للسابق فعل النبي صلى الله عليه وسلم الذي نقل عنه الرمي كما نقل عن وسارت عليه الأمة جيلا بعد آخر.
أصحابه
وقد جاء من الروايات ما يفيد أن مبدأ مشروعية الرمي كان عند أبي الأنبياء إبراهيم - كما في حديث الحسين بن عبد المؤمن قال: ثنا علي بن عاصم عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس {قال: جاء جبريل عليه الصلاة والسلام إلى إبراهيم - ليريه أين المناسك. قال: فلما ذهب به انفرج له ثبير فدخله فأتى عرفات فقال له: أعرفت؟ قال: نعم، قال: ثم أتى جمعا فجمع به بين الصلاتين، قال: فمن هناك سميت جمعا، ثم أتى به منى فعرض له الشيطان عند الجمرة الأولى فقال له جبريل
عليه الصلاة والسلام:
خذ
سبع
حصيات فارمه بها، وكبر مع كل حصاة، ففعل ذلك فساخ
الشيطان، ثم عرض له عند الجمرة الثانية فقال له خذ سبع حصيات فارمه،
وكبر مع كل حصاة، ففعل فساخ، الشيطان، فعرض له عند جمرة العقبة فأمره (5/315)
صفحة 2265
الرائد
بمثل ذلك ففعل فساخ الشيطان ثم لم يزل يعرض له.
وروايات عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير تقدم الحديث عنها وأنها
لا تثبت بانفرادها.
ولكن جاء السابق من حديث يونس
أنا حماد عن
عطاء بن السائب عن
سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن جبريل ذهب
بإبراهيم إلى جمرة العقبة فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات فساخ. ثم أتى الجمرة الوسطى فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات فساخ، ثم أتى الجمرة القصوى فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات فساخ، فلما أراد إبراهيم أن يذبح ابنه إسحاق قال لأبيه:
يا أبت أو ثقني لا أضطرب فينتضح عليك من دمي إذا ذبحتني، فشده فلما أخذ الشفرة فأراد أن يذبحه نودي من خلفه أن يا إبراهيم قد صدقت
الرؤيا).
وهذه الرواية لا تعدو الرواية السابقة، وفيها مخالفة وهي ذكر أن الذبيح كان إسحاق، وهو خلاف الثابت أن الذبيح هو إسماعيل أبو العرب.
(1) الفاكهي، أخبار مكة، ج 4، ص 284.
(2) أحمد بن حنبل، المسند، ج 1، ص 306. (5/316)
صفحة 2266
الرائد
317
وقد جاءت بعض الآثار مفيدة ثواب من يرمي جمرة العقبة ومنها حديث عبد السلام عن حجاج بن أرطاة عن القاسم بن الوليد والقاسم بن أبي بزة عن طلحة بن مصرف عن مجاهد عن ابن عمر أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن رمي الجمار ما لنا فيه؟
فسمعته يقول: تجد ذلك عند ربك أحوج ما تكون إليه.
والرواية لا تصح فحجاج وعبد السلام ممن لا يصح حديثهم وقد قدمنا ذكرهم مرارا، والطبراني بعد إخراجه الحديث قال:
لم
يرو هذا الحديث عن القاسم إلا حجاج ولا عن حجاج إلا عبد
السلام تفرد به عبد المؤمن.
وذكر الهيثمي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا رميت الجمار كان لك نورا يوم القيامة، وقال: رواه البزار وفيه صالح مولى التوأمة وهو
ضعيف (2).
وجاء من الآثار ما يفيد أن ما يقبل من الجمار رفع، وهذه الآثار منها المرفوع ومنها الموقوف، أما المرفوعات فلا تصح، وأما الموقوفات فالظاهر
(1) الطبراني، المعجم الأوسط، ج 4، ص 263.
(2) الهيثمي، مجمع الزوائد، ج 3، ص 260. (5/317)
صفحة 2267
الرائد
أنها من حيث سندها صحيحة.
ومن ذلك حديث الحسين بن إسماعيل نا سعيد بن يحيى الأموي نا أبي نا يزيد بن سنان عن يزيد بن أبي أنيسة عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبي سعيد قال: قلنا: يا رسول الله هذه الجمار التي يرمى بها كل
عام فنحتسب أنها تنقص؟ فقال: إنه ما تقبل منها رفع، ولولا ذلك لرأيتها
أمثال الجبال).
وقال الطبراني إثر هذا الحديث:
لم يرو هذا الحديث عن عمرو إلا زيد تفرد به يزيد بن سنان.
ويزيد المذكور أبو فروة ليس بحجة في الرواية فقد قال أبو زرعة ليس بقوي الحديث، وقال علي بن المديني ضعيف الحديث، وقال يحيى بن معين: ليس بشيء، وقال الفسوي ضعيف).
وجاء الحكم السابق مرفوعا من حديث محمد بن صدران ثنا عبد الله بن خراش عن واسط بن الحارث عن نافع عن ابن عمر قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما
(1) الدار قطني، السنن، ج 2، ص 300، والطبراني، المعجم الأوسط، ج 2، ص 209. (2) ابن أبي حاتم الجرح والتعديل، ج 9، ص 266.
(3) الفسوي، المعرفة والتاريخ، ج 3، ص 246. (5/318)
صفحة 2268
الرائد
19
يقبل حج امرئ لا يرفع حصاه.
والحديث أخرجه ابن عدي في ترجمة واسط بن الحارث وقال إثرها:
روى عنه ابن خراش بنسخة، وعامة هذه الأحاديث لا يتابع عليها، وقال
(2)
الذهبي: مقل وله مناكير).
أما الآثار الموقوفة فمنها حديث ابن عيينة عن سليمان بن المغيرة العبسي عن ابن أبي نعم عن أبي سعيد الخدري قال ما يقبل من حصى الجمار رفع". ومن ذلك أيضا حديث ابن عيينة عن فطر عن أبي الطفيل قال: قلت لابن عباس: رمى الناس في الجاهلية والإسلام؟ فقال: ما يقبل منه رفع، وإلا كان ذلك أعظم من ثبير).
وبعد بيان إجماع الأمة على مشروعية الرمي وأنه من مناسك الحج نقول إنه نقل بعض أهل العلم الاتفاق على كون الرمي ليس بركن وإنما هو من الأبعاض، وأنه مجبور بالدم قولا واحدا، ومنهم من صرح بكونه واجبا بلا
(1) ابن عدي الكامل، ج 7، ص 93. (2) الذهبي، ميزان الاعتدال، ج 7، ص 216. (3) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 399. (4) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 400. (5/319)
صفحة 2269
الرائد
320
خلاف أو بالاتفاق".
وقال بعض الفقهاء: من ترك رمي جمرة العقبة في يوم النحر فعليه دم؛ لأن كل وظيفة هذا اليوم رمي، وكذا إذا ترك الأكثر منها، وإن ترك منها حصاة أو حصاتين أو ثلاثا تصدق لكل حصاة نصف صاع إلا أن يبلغ دما فينقص ما شاء؛ لأن المتروك هو الأقل فتكفيه الصدقة.
وبين بعض أهل العلم أن وجوب رمي جمرة العقبة ثابت بالإجماع والنص، فقد أجمعت الأمة على الوجوب ولم يؤثر عن أحد القول بأقل من
الوجوب، وأما النص فحديث: "ارم ولا حرج"، والأصل في الأمر أنه
للوجوب.
ومن
أدلة الوجوب أيضا فعله إذ إنه رمى، وأفعال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يكن بيانا لمجمل الكتاب، ولم يكن من حوائج نفسه، ولا من أمور الدنيا محمولة على الوجوب لورود النصوص بوجوب الاقتداء به والاتباع له
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 330، والجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 320، والنووي، المجموع، ج 8، ص 135، وابن جماعة، هداية السالك، ج 3، ص 1219، وابن الضياء، البحر العميق، ج 3، 1660.
(2) المرغيناني، الهداية، ج 1، ص 168. (5/320)
صفحة 2270
الرائد
ولزوم طاعته وحرمة مخالفته.
ويظهر في ثاني الاستدلالين بالحديث نظر من حيث كون الأمر فيه للوجوب وذلك لأن قرينة السياق تمحضه لمطلق المشروعية، وبيانه أن السائل قد خالف الترتيب المشروع الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم فجاء سائلا أيشرع له أن يرمي بعدما قدم على الرمي ما هو مؤخر عنه فبين له أن لا حرج في رميك في هذا الوقت.
وقال العلامة أبو نبهان:
هو من السنن في الحج الثابتة على وجوبها فيما قيل بالإجماع، ولا نعلم في ثبوتها من قول المسلمين اختلافا).
حجه
ونقل العلامة الكندي قولا لبعض أن من ترك رمي جمرة العقبة لم يبطل ولم يجب عليه، دم، وهذا قد يفهم منه أن الرمي عند هؤلاء غير واجب، ولكن ذلك ليس بلازم فقد يقال بالوجوب من غير بطلان للحج وهذا لا إشكال فيه، وهكذا قد يقال بالوجوب من غير لزوم الدم لعدم
(1) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 136.
(2) أبو نبهان الحج، (مخطوط)، والصائغي، لباب الآثار، ج 4، ص 109.
(3) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 330. (5/321)
صفحة 2271
الرائد
322
الدليل كما تقدم ذكر ذلك.
وذكر العلامة ابن جعفر أن عطاء قال إن من ترك رمي جمرة العقبة عامدا
بطل حجه)، وفصل الشيخ الكندي مذهب عطاء بأنه إن تركه عامدا بطل حجه، وإن تركه ناسيا أراق دما).
ثم إنه ذكر - والكلام لابن جعفر - أن من رمى جمرة الوسطى يوم النحر وحسبها جمرة العقبة فذبح وحلق ثم علم بعد ذلك أنه كان أخطأ فعليه دم والحج من قابل).
والأصل في إيجاب الحج من قابل هو كون الرمي ركنا، غير أنه مشكل جدا، وغالب الظن أن في الكلام سقطا وليس هو على ظاهره، ويؤيده أن العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم الكندي نقل المسألة السابقة على الوجه الصحيح إذ قال:
ومن رمى الجمرة الوسطى يوم النحر وحسبها جمرة العقبة فذبح وحلق ثم علم بعد ذلك أنه كان أخطأ
من
الغد فعليه دم يريقه، وقيل دمان ويعيد
(1) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 365. (2) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 330. (3) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 366. (5/322)
صفحة 2272
الرائد
الرمي.
323
ومن رماها (أو لبى دونها)) وهو يحسبها جمرة العقبة وذبح وحلق
وأفاض وطاف بالبيت وبالصفا والمروة ثم أتى أهله ثم علم أنه كان أخطأ فعليه بدنة والحج من قابل".
وهذا هو الوجه الصحيح للمسألة؛ إذ وجوب الحج من قابل كان للجماع في الإحرام الذي لم يخرج منه صاحبه لأن الحلق والذبح والطواف لم يقعا موقعهما فذمة المكلف مشغولة بالإحرام.
وذكر المالكية الخلاف بينهم في ركنية رمي جمرة العقبة، وقد ذهب عبد الملك ابن الماجشون إلى أن رمي جمرة العقبة من أركان الحج)
ونص بعضهم على أنه حكى الواقدي عن مالك مثل قول عبد الملك
بوجوب رمي جمرة العقبة، وحكاه ابن عرفة عن ابن رشد عن الواقدي. وحقيقة مذهبه كما يقول غير واحد من المالكية - أن رمي جمرة العقبة
(1) كذا في الأصل.
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 326.
(3) القاضي عبد الوهاب التلقين، ص 210، وابن جزي، القوانين الفقهية، ص 87، والحطاب، مواهب الجليل، ج 3، ص 9، والعبدري، التاج والإكليل، ج 3، ص 64.
(4) الحطاب، مواهب الجليل، ج 3، ص 9. (5/323)
صفحة 2273
الرائد
24
في أيام منى ركن، فإن رماها يوم النحر تحلل، وإن لم يرمها لم يتحلل، فإن رمى الجمار ثاني يوم تحلل برمي العقبة ولا يشترط بها تعيين نية، فإن لم يذكرها حتى زالت أيام منى بطل حجه ووجب عليه القضاء من قابل والهدي.
واستدل له بدليلين أولهما حديث عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا رمى أحدكم جمرة العقبة فقد حل له كل شيء إلا النساء. ووجه الدلالة من ذلك أن الشارع جعل رميها شرطا في التحليل فتكون
ركنا.
وثاني دليليه أنها عبادة تتكرر سبعا فتكون ركنا كالطواف والسعي". وفي الاستدلالين كليهما نظر، أما أولهما وهو الحديث فقد رواه أبو داود من حديث مسدد ثنا عبد الواحد بن زياد ثنا الحجاج عن الزهري عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة)، وقد ضعفه إذ قال إثره: هذا حديث ضعيف
الحجاج لم ير الزهري ولم يسمع من
منه.
(1) الحطاب، مواهب الجليل، ج 3، ص 9. (2) الحطاب، مواهب الجليل، ج 3، ص 9.
(3) كتاب: المناسك، باب: رمي الجمار (1978). (5/324)
صفحة 2274
الرائد
325
والحديث في إسناده الحجاج بن أرطأة وهو مدلس ضعيف مختلط كما ذكرنا ذلك من قبل مرارا، وقد اضطرب في هذا الحديث كثيرا جدا، وقد بينا شيئا من اضطرابه فيه فيما تقدم من الكلام عن أسباب التحلل من الإحرام آخر الجزء الثالث.
أما القياس فلا يسلم به إذ لا يسلم بأن العلة في ركنية الطواف والسعي كونهما عبادة تتكرر سبعا بل العلة النصوص التي أفادت ذلك في أمر تعبدي لا مدخل للقياس فيه.
والعلة الأولى التي ذكروها غير مناسبة ولا مؤثرة، ثم إنها تنتقض برمي الجمار أيام التشريق فهو مع كونه عبادة تتكرر سبعا إلا أن الإجماع حاصل - كما سيأتي على أنه ليس بركن، وقياس رمي جمرة العقبة يوم النحر على رمي أيام التشريق أولى من قياسه على الطواف.
ثم إن القياس السابق فاسد الاعتبار؛ فإن بعض ظواهر الأدلة الأخرى تفيد تمام الحج وقضاء النسك بالوقوف بعرفة، وتمامه بالسابق يستلزم أن لا يكون هناك ركن بعده وإلا ما تم إلا ما جاء به الدليل وتحقق فيه الإجماع وهو طواف الإفاضة، ورمي جمرة العقبة لم يأت دليل يخرجه بذاته من الحكم
(1) الحطاب، مواهب الجليل، ج 3، ص 9. (5/325)
صفحة 2275
الرائد
السابق فلا يكون ركنا.
ومما يؤخذ منه حكم عدم ركنية رمي الجمار حديث يعمر الديلي كما في
رواية وكيع عن سفيان عن بكير بن عطاء الليثي عن عبد الرحمن بن يعمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف بعرفة وأتاه أناس من أهل مكة فقالوا: يا رسول الله، كيف الحج؟
:قال الحج عرفة، فمن جاء قبل طلوع الفجر ليلة جمع فقد تم حجه، منى ثلاثة أيام فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه، ثم
أردف رجلا خلفه يناديهن.
(1) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 226. (5/326)
صفحة 2276
الرائد
327
المطلب الثالث: حجارة الرمي
أولا: موضع أخذ حصى الجمار
أنه يجوز
لم يختلف أهل العلم في أخذ
حصى
الجمار من أي محل من
الحرم" لكنهم اختلفوا في أخذ الحصى من خارج الحرم، والذي عليه الجمهور أن لا يشترط أن يكون الحجر المراد رميه في هذه العبادة من حصى
الحرم.
وذهب آخرون إلى أن الشرط في الحصى المرمي أن يكون مأخوذا من الحرم، فإن رمى بحصى الحل أعاد الرمي بحصى الحرم، وإن فات ذلك وأحل
فعليه دم".
والذين قالوا بالجواز من أي موضع نص كثير منهم على أنه يكره الأخذ
من ثلاثة مواضع مع الإجزاء:
أولها:
حصى
المسجد؛ لأنه
من جملته، وقد جاء في الحديث أن الحصى
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 319، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 178، وابن
قدامة، المغني، ج 3، ص 217.
(2) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 363، والبسيوي، الجامع، ج 2، ص 281، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 319. (5/327)
صفحة 2277
الرائد
(VAR
ليسبح في المسجد.
ثانيها: الحصى النجس؛ لأن الرمي عبادة فيكره أداؤها بنجس.
ثالثها: ما رمي به مرة؛ لأنه غير متقبل.
رابعها حصى الحل).
ومن الفقهاء من قال يجزي الرمي بحصى الحرم جميعه إلا ما رمي به وما
أدخل في البنيان".
،
والرمي بما رمي به يأتي بحثه بعد قليل وأما ما أدخل في البنيان فلم أجد لدى المانعين سوى إطلاق العبارة باللفظ السابق دون بيان لها، ولعلهم يقصدون الحجارة الداخلة في بنيان الآخرين؛ إذ أخذها مضرة بهم، فيكون النهي عن أخذها لا لذات الحجارة بل لأمر خارج وهو ما ذكرناه. وقال إمام الحرمين والحجيج يعتادون أخذ ما يحتاجون إليه من الحصى من جبال مزدلفة؛ فإنهم يصادفون فيها أحجارا رخوة، ولم يرد في التزود منها
،
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 178، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 422، والنووي،
المجموع، ج 8، ص 124.
(2) القطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 193. (5/328)
صفحة 2278
الرائد
329
ثبت وتوقيف في الشرع.
ومن أهل العلم من استحب لمن أراد رمي جمرة العقبة أن يلقط الحصى من طريقه أو من مزدلفة لئلا يشتغل عند قدومه بشيء قبل الرمي؛ فإن الرمي
تحية منى كما أن الطواف تحية المسجد فلا يبدأ بشيء قبله".
عمر
والسابق مروي عن بعض السلف من الصحابة وتابعيهم فقد كان ابن يأخذ الحصى من جمع، وفعله سعيد بن جبير وقال: كانوا يتزودون
الحصى من جمع.
وقال الماوردي إن النبي لا لا لا أخذها من مزدلفة).
ولم أجد نصا على أن النبي لو أخذ الحصى من المزدلفة، وما جاء من خبر لقط الحصى للنبي ليس بصريح أنه من مزدلفة بل هو محتمل إذ جاء تعبير الراوي بأن اللقط لحجارة الرمي كان غداة منى، ومن الفقهاء من قطع أنه
(1) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 321.
(2) الرافعي العزيز، ج 3، ص 422، والنووي، المجموع، ج 8، ص 123، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 216، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 156، والجيطالي، قواعد
الإسلام، ج 2، ص 167.
(3) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 178.
(4) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 178. (5/329)
صفحة 2279
الرائد
330
من منى أخذا بظاهر اللفظ السابق كما سيأتي.
ومن الفقهاء من قال يأخذ حصى جمرة العقبة من المأزمين، ومنهم من
قال يأخذها من وادي محسر)
(2)
ولعل هؤلاء يستدلون بحديث محبوب القواريري عن عبد الله بن عامر
الأسلمي عن أبي الزبير عن جابر قال: لما بلغنا وادي محسر قال رسول الله
(3)
: خذوا حصى الجمار من وادي محسر) غير أن الحديث لا يثبت فالأسلمي عبد الله بن عامر لا يصح حديثه، فقد قال البخاري: يتكلمون في حفظه، وقال أحمد: ضعيف، وقال ابن
(7)
معين ليس بشيء ضعيف)، وقال النسائي: ضعيف، وقال ابن حبان كان
ممن يقلب الأسانيد والمتون ويرفع المراسيل والموقوف.
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 178.
(2) الحطاب، مواهب الجليل، ج 3، ص 127. (3) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 202. (4) البخاري، التاريخ الكبير، ج 5، ص 156. (5) ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ج 5، ص 123. (6) النسائي، الضعفاء والمتروكين، ص 61.
(7) ابن حبان، المجروحين، ج 2، ص 6. (5/330)
صفحة 2280
الرائد
وفوق ضعفه هو حديث منكر؛ إذ رواية الناس لحديث جابر بن عبد الله خلو من هذا الأمر.
ومن الفقهاء من لم يفاضل بين مناطق أخذ الحصى فيأخذ من أراد الرمي
الحصى من حيث شاء سواء كان ذلك من مزدلفة أو من منى.
وهؤلاء استدلوا بحديث زياد بن حصين عن أبي العالية قال: قال ابن عباس: قال لي رسول الله غداة العقبة وهو على راحلته: هات القط لي، فلقطت له حصيات هن حصى الخذف، فلما وضعتهن في يده قال:
بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو في الدين؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو
في الدين). والحديث
صحيح كما هو ظاهر إسناده، ووجه الاستدلال منه أن اللقط
السابق ما كان إلا من منى لقول الراوي: غداة العقبة، والنبي صلى الله عليه وسلم فارق
مزدلفة ودخل منى قبل طلوع الشمس.
(1) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 216، والعبدري، التاج والإكليل، ج 3، ص 127. (2) أخرجه النسائي في كتاب مناسك الحج، باب: التقاط الحصى (3057)، وابن ماجه في
کتاب المناسك باب قدر حصى الرمي (3029).
(3) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 216. (5/331)
صفحة 2281
الرائد
332
وهذا القول هو الأولى إذ تفضيل منطقة على أخرى مستلزم للدليل،
ولقط النبي من منى واقعة حال لا تخصص عموما ولا تقيد إطلاقا. واختلف القائلون بالأخذ من مزدلفة في أمور منها في مقدار الملقوط من الحجارة فمنهم من ذكر أنه يأخذ سبع حصيات لرمي جمرة العقبة مع إضافة بعض للاحتياط.
ومنهم من قال إنه يأخذ سبعين حصاة لرمي يوم النحر وأيام التشريق، ومنهم من قال يستحب الأخذ الأخذ من المزدلفة لجميع الرمي لكنه لرمي العقبة
أحب".
ولا دليل يؤيد واحدا من الأقوال السابقة، فيرجع كل مكلف إلى نفسه وما هو الأفضل لها؛ إذ الشارع ملتفت إلى تحقيق الرمي وهيئته وترك أمر تحصيل الحجارة التي يحقق بها الأمر السابق مسكوتا عنه.
كما اختلفوا في وقت اللقط أهو قبل صلاة الفجر لئلا يشتغلوا في النهار
(1) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 422، والنووي، المجموع، ج 8، ص 124، والعيني، البناية، ج 4، ص 239، والمحروقي، الدلائل، ص 125، والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 192، والدردير الشرح الكبير، ج 2، ص 46، والحطاب، مواهب الجليل، ج 3،
ص 127. (5/332)
صفحة 2282
الرائد
بتحصيله، أو بعدها، وهذا الأمر كسابقه فمتى ما لقط الإنسان أجزاه،
والمفاضلة مستلزمة للدليل.
ونص بعض الفقهاء على أن كل مريد للرمي يحمل حصى نفسه ولا
يستعين على حمله بغيره (2).
ثانيا: تكسير حصى الجمار
يصدق لفظ الحصى على ما التقط وعلى ما كسّر من حجارة كبيرة فيجزي الرمي بالقسمين كليهما، ولكن ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أن التقاط الحصى أولى من تكسيره" لخبر لقط النبي صلى الله عليه وسلم للحصى الذي تقدم ذكره، ولم يأت أنه كسره، وقال بعض أهل العلم ولأنه لا يؤمن في التكسير أن يطير إلى وجهه شيء يؤذيه).
واستدل بعض الفقهاء بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: التقطوا ولا تنبهوا
(1) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 422، والنووي، المجموع، ج 8، ص 124.
(2) الحطاب، مواهب الجليل، ج 3، ص 133.
(3) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 323، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 178، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 217، وابن الحاجب، جامع الأمهات، ص 199، والعبدري،
التاج والإكليل، ج 3، ص 127.
(4) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 217. (5/333)
صفحة 2283
الرائد
334
النوام، والحديث إن صح
فالالتقاط مندوب
مندوب لا لذاته بل لعلة النهي عن
إيذاء الآخرين، فلو ارتفعت العلة ارتفع الحكم.
فلم
والحديث الذي استدل به على كراهة تكسير الحصى بحثت عنه أجده إلا في أدب الإملاء والاستملاء لأبي سعد السمعاني من طريق محمد بن نافع بن إسحاق المكي ومحمد بن أحمد بن إبراهيم قالا: ثنا محمد بن خالد بن يزيد المكي ثنا علي بن الموفق البغدادي ثنا شبويه بن عبد الرحيم أبو أحمد المروزي ثنا عبد الله بن المبارك عن سفيان الثوري عن الزبير عن عدي عن أنس بن مالك مرفوعا.
والإسناد السابق مسلسل بالمجاهيل الذين لم أجد لهم ترجمة فلا يكون حجة في المراد، ومن الفقهاء من فضل كسر الحصى على التقاطه، ولا أدري
على ماذا يستند هؤلاء في رأيهم السابق.
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 178. (2) أبو سعد السمعاني، أدب الإملاء والاستملاء، ص 97.
(3) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 178. (5/334)
صفحة 2284
الرائد
335
حصى
ثالثا: حجم حصى الجمار
ثبتت النصوص عن صاحب الدعوة أنه أمر برمي جمرة العقبة بمثل الخذف ونهى عن الغلو في الدين، ومن ذلك حديث زياد بن حصين عن أبي العالية قال: قال ابن عباس: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة العقبة وهو على راحلته: هات القط لي، فلقطت له حصيات هن حصى الخذف، فلما
وضعتهن في يده قال: بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو في الدين؛ فإنما أهلك كان قبلكم الغلو في الدين.
من
ومن الحديث السابق قال جمع من الفقهاء إن حصى الجمار مثل حصى الخذف" يكون أكبر من الحمص ودون البندق، ومنهم من قال هو دون الأنملة طولا وعرضا بقدر الباقلاء، ومنهم من قال قدر الفولة ونحوها،
(1) أخرجه النسائي في كتاب مناسك الحج، باب: التقاط الحصى (3057)، وابن ماجه في کتاب المناسك، باب: قدر حصى الرمي (3029).
(2) قال الإمام الخليل بن أحمد الفراهيدي: الخذف رميك بحصاة أو نواة تأخذها بين سبابتيك، وتخذف بها أي ترمي. الفراهيدي، العين، ج 4، ص 245.
(3) ابن قدامة المغني، ج 3، ص 217.
6
(4) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 178، و الرافعي، العزيز، ج 3، ص 438.
(5) العبدري، التاج والإكليل، ج 3، ص 127. (5/335)
صفحة 2285
الرائد
ومنهم من قال فوق الفستق ودون البندق، ومنهم من حكى إجماع الفقهاء على أن الحصى الذي يرمى به مثل الجوزة والبندقة، وكان ابن عمر يرمي بمثل بعر الغنم. غير أن الإمام مالك بن أنس استحب أن تكون حصى الجمار أكبر من
الخذف).
حصى الخذف قليلا، وكان القاسم بن محمد يرمي بأكبر من حصى وأجاب المالكية عن قول الإمام مالك ومخالفته لما في الحديث بجوابين:
حصى
أولهما: أنه لم يبلغه الحديث، وثانيهما: أنه بلغه لكن استحب الزيادة على
(ه)
الخذف لئلا ينقص الرامي ذلك).
الخذف
وفي الحديث السابق أمر من النبي صلى الله عليه وسلم بالتزام الرمي بمثل حصى وأن لا يزاد عليه إذ هو غلو في الدين، وهو سبب هلاك الأمم من قبل، والفقهاء مختلفون فيمن رمى بحجارة أكبر مما جاء به الحديث فقال بعض
(1) الحطاب، مواهب الجليل، ج 3، ص 133.
(2) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 363، والبسيوي، الجامع، ج 2، ص 282، والكندي، بيان
الشرع، ج 23، ص 320.
(3) البيهقي، السنن الکبري، ج 5، ص 128.
(4) القرافي الذخيرة، ج 3، ص 264، والحطاب، مواهب الجليل، ج 3، ص 133.
(5) الحطاب، مواهب الجليل، ج 3، ص 133. (5/336)
صفحة 2286
الرائد
337
أهل العلم إن ذلك لا يجزيه.
واستدل هؤلاء بالنصوص الشرعية التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم فيها بالرمي بمثل مارمي، ثم إنه نهى عن الغلو في الدين وجعله سببا أهلك الأولين، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه، ولأن الرمي بالكبير ربما آذى من يصيبه". ورأى آخرون أصل الرمي بحجارة وتحققه فقرروا إجزاء رمي من رمى بالحجارة الكبيرة).
وقال ابن الهمام: لما أجازوا الأكبر قليلا ولو كان مثل حصاة الخذف علم الأذى،
أن الأمر بحصى الخذف محمول على الندب نظرا إلى تعليله بتوهم ويلزمه الإجزاء برمي الصخرات فيكون المنع منها الصخرات فيكون المنع منها منع كراهة لتوقع الأذى
بها (4)
ومنهم من قال يكره الزيادة والنقصان على المقدار المذكور في النصوص
(1) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 217.
(2) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 217.
(3) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 319، والسرخسي، المبسوط، ج 4، ص 69، وابن
قدامة، المغني، ج 3، ص 217.
(4) ابن الهمام، فتح القدير، ج 2، ص 485. (5/337)
صفحة 2287
الرائد
النبوية ولكن يجزي من رمى).
وذهب بعض الفقهاء إلى التفريق فقالوا لا يجزي الصغير جدا كالحمصة
لأنه في حكم العدم، ويكره الكبير خوف الأذية ولمخالفته السنة وأجزأ
صاحبه (2).
رابعا: جنس المرمى
ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أنه يجزي الرمي بكل ما يسمى حجرا، والحجارة الصغار سواء كان أسود أو أبيض أو أحمر من المرمر أو البرام أو المرو وهو الصوان أو الرخام أو الكذان أو حجر المسن".
وكل ما لا ينطلق عليه اسم الحجارة لا يصح الرمي به كالآجر والطين والجص والنورة والكحل والزرنيخ والفضة والذهب والنحاس والرصاص
واللؤلؤ والملح.
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 178، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 438. (2) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 264، والدردير، الشرح الكبير، ج 2، ص 50.
(3) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 365، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 179، والجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 321، وابن قدامة المغني، ج 3، ص 217،
والعبدري، التاج والإكليل، ج 3، ص 133.
(4) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 321. (5/338)
صفحة 2288
الرائد
339
ومن هؤلاء من استثنى الرخام والبرام".
قال الإمام أبو المؤثر:
لا يرمي
الرامي الجمار بدر ولا بعظم ولا بخشب ولا بجص ولا بآجر
ولا بطين ولا بمدر ولا ببندق، ولا يرمي إلا بالحصى، فمن رمى بشيء. ذلك فهو كمن لم يرم، وليعد الرمي بالحصى.
من
واستدل هؤلاء لقولهم السابق بأن النبي صلى الله عليه وسلم رمى بالحصى، وأمر بالرمي بمثل حصى الخذف فلا يتناول غير الحصى ويتناول جميع أنواعه، فلا يجوز
تخصيصه بغير دليل ولا إلحاق غيره به؛ لأنه موضع لا يدخل القياس فيه. وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يجوز الرمي بكل ما كان من أجزاء الأرض، ومنهم من قال يجزي الرمي بأي شيء حجرا كان أو طينا أو غيرهما هو من جنس الأرض، بل منهم من قال بأجزاء الأرض ولو بكف من
مما
(1) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 365، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 179، والقاضي عبد الوهاب، الإشراف، ج 1، ص 484.
(2) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 217.
(3) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 320.
(4) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 179، والجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 321، وابن،
قدامة، المغني، ج 3، ص 217. (5/339)
صفحة 2289
الرائد
تراب).
340
ومن هؤلاء من عدد ما يجوز الرمي به فقال يجوز بكل ما كان من أجزاء الأرض سواء كان مدرا أو طينا أو يابسا أو قبضة تراب، كما يجوز بالنورة
والأحجار النفيسة كالياقوت والزمرد والملح الحيلي والكحل والزبرجد". واستدل هؤلاء بأن المنصوص عليه فعل الرمي، وذلك يحصل بالطين كما يحصل بالحجر، والأصل فيه فعل الخليل، ولم يكن له في الحجر بعينه مقصود، إنما مقصوده فعل الرمي إما لإعادة الكبش أو لطرد الشيطان، فقلنا بأي شيء حصل فعل الرمي أجزاه بمنزلة أحجار الاستنجاء فكما يحصل الاستنجاء بالحجر يحصل الاستنجاء بالطين وغيره.
ورد هؤلاء على من يقولون من رمى بالبعرة أجزاه، ومن رمى بالفضة أو الذهب أو اللؤلؤ والجواهر لم يجزه؛ لأن المقصود إهانة الشيطان وذلك يحصل بالبعر دون الذهب والفضة والجواهر، ردوا عليهم فقالوا إن الرمي بالفضة والذهب يسمى في الناس نثارا لا رميا والواجب عليه الرمي فيرمي بكل ما
(1) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 66، والمرغيناني الهداية، ج 1، ص 147، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 157، وابن الهمام، فتح القدير، ج 2، ص 488. (2) العيني، البناية، ج 4، ص 244. (5/340)
صفحة 2290
الرائد
يسمي به راميا.
341
واستدل بعض هؤلاء بما ورد الأمر فيه بالرمي من غير قيد الحجارة كـ"
أول نسكنا في يومنا هذا الرمي ثم الذبح ثم الحلق"، و"من رمى وذبح وحلق فقد حل له كل شيء إلا النساء" قالوا: هذه الآثار مطلقة
الرمي.
صفة عن
والرمي بالحصى من النبي الا الله وأصحابه محمول على الأفضلية لا الجواز توفيقا بين الدلائل لما ذهب إليه هؤلاء أن المطلق لا يحمل على المقيد بل يجرى المطلق على إطلاقه والمقيد على تقييده ما أمكن وهاهنا أمكن بأن يحمل المطلق على أصل الجواز والمقيد على الأفضلية.
وتعقب المحقق ابن الهمام أصحابه الحنفية في استدلالهم السابق بأنه يصدق اسم الرمي على الذهب والفضة مع كونه يسمى نثارا فغاية ما فيه أنه خص باسم آخر باعتبار خصوص متعلقه، ولا تأثير لذلك في سقوط رمي اسم الرمي عنه ولا صورته.
ولو غير أصل الجواب إلى اشتراط الاستهانة اندفع الكل لكنه يطالب
(1) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 66.
(2) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 158. (5/341)
صفحة 2291
الرائد
342
بدليل اعتباره، وليس فيه سوى ثبوت فعله بالحجر إذ لا إجماع فيه وهو لا يستلزم بمجرد التعيين كرميه من أسفل الجمرة لا من أعلاها وغيره ولو استلزمه تعين الحجر وهو مطلوب الخصم. ثم لو تم نظر إلى ما أثر من أن الرمي رغم للشيطان إذ أصله رمي نبي الله إياه عند الجمار لما عرض له عندها للإغواء بالمخالفة استلزم جواز الرمي بمثل الخشبة والرثة والبعرة، وهو ممنوع، على أن أكثر المحققين على أنها أمور
تعبدية لا يشتغل بالمعنى فيها.
والحاصل أنه إما أن يلاحظ مجرد الرمي أو مع الاستهانة أو خصوص ما وقع منه عليه الصلاة والسلام والأول يستلزم الجواز بالجواهر، والثاني بالبعرة والخشبة التي لا قيمة لها، والثالث بالحجر خصوصا، وهذا أولى لكونه أسلم، والأصل في أعمال هذه المواطن التعبد والتوقيف إلا ما قام دليل على عدم تعينه كما في الرمي من أسفل الجمرة.
وحكي عن داود الظاهري أنه يجوز الرمي بكل شيء حتى بالعصفور الميت استدلالا بعموم النصوص في الرمي دون تقييد بالحجارة كقوله:
" فإذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم كل شيء
(1) ابن الهمام، فتح القدير، ج 2، ص 489. (5/342)
صفحة 2292
الرائد
343
كما استدلوا بما روي أن سكينة بنت الحسين رمت ست حصيات فأعوزتها السابعة فرمت بخاتمها.
واعترض على أدلة هذا القول بأن قوله "إذا رميتم وحلقتم" المقصود به ما يقع به التحلل لا ما يجوز الرمي به.
أما حديث سكينة فقد قيل إنها رمت خاتمها إلى سائل كان هناك، ولو صح أنها رمت به بدلا من الحصى السابعة فالمقصود منه فصه وكان حجرا وفضة الخاتم تبع".
ثم إن فعل سكينة بنت الحسين ليس بتشريع بل هي نفسها ملزمة بالدليل لما ذهبت إليه، ومحصلة الكلام أنه إن صح عنها لم يزد على كونه اجتهادا رأته وقد يخالفها فيه غيره، والواقع أني بحثت عن القصة مسندة فلم
أجدها.
خامسا: الرمي بما رمي من الحجارة
اختلف الفقهاء في رمي الحجارة التي أخذت من المرمى أيجزي صاحبها
أو لا يجزيه مع الاتفاق على كراهية الفعل السابق.
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 178، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 217. (2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 179. (5/343)
صفحة 2293
الرائد
(344)
ذهب جمع من أهل العلم إلى أن ذلك يجزيه؛ لأنه حجارة فيدخل في العموم، وليس رميه به سالبا عنه اسم الحجر المطلق، ولم يكن أداء العبادة به مانعا من أدائها ثانية به كالكسوة والإطعام في الكفارات، إذ لو اشتراها ممن دفعها إليه ثم أعطاها آخر لأجزاه".
وبعض السابقين عللوا كراهيتهم الفعل السابق مع القول بالإجزاء بأن
ما عند الجمرة من الحصى مردود فيتشاءم منه ولا يتبرك به، ولكن
(3)
هذا
مع
يجزيه لوجود فعل الرمي وذهب آخرون إلى أن ذلك لا يجزيه، ومنهم من قال إن كان في حصاة واحدة أجزاه وإلا فلا)؛ لأن النبي لو أخذ من غير المرمى وقال: خذوا عني مناسككم، ولأنه لو جاز الرمي بما رمى به لما احتاج أحد إلى أخذ الحصى من
(1) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 367،والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 179، والسرخسي، المبسوط، ج 4، ص 67، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 321، وابن
قدامة، المغني، ج 3، ص 217، والعبدري التاج والإكليل، ج 3، ص 133.
(2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 180، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 439. (3) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 67.
(4) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 320، والمرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 35. (5) ابن عبد البر، الكافي، ص 146. (5/344)
صفحة 2294
الرائد
(03 -
غير مكانه ولا تكسيره والإجماع على خلافه. ولأن ابن عباس قال: ما يقبل منها يرفع.
كما استدل بعضهم بقياس الحجارة المرمي بها على الماء المستعمل إذ لا يصح الوضوء به).
ومن الفقهاء من فرق بين رميه ورمي غيره، له، فما رماه هو لا يجزيه، وما
رماه غيره يجزيه (3).
واعترض على القياس على الماء المستعمل بوجهين:
أولهما: أن استعمال الماء قد سلبه اسم الماء المطلق فلم يجز استعماله، والرمي بالأحجار لم يسلبها اسم الأحجار فجاز الرمي بها.
ثانيهما: أن الماء يستعمل على وجه الإتلاف فلم يجز
كالعتق في الكفارات).
أن يستعمل ثانية
ومن الفقهاء من فصل في الموضوع فقال إن تعدد الشخص أو الجمرة أو
(1) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 217.
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 320.
(3) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 180.
(4) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 180، والنووي، المجموع، ج 8، ص 139
والسرخسي، المبسوط، ج 4، ص 67. (5/345)
صفحة 2295
الرائد
346
الوقت لم يمتنع الرمي اتفاقا، وإن اتحدت الأمور السابقة ففي المسألة وجهان
أولهما المنع لاتحاد الأسباب، والعدد مطلوب معني.
ومنهم من قال بالإجزاء كصور الاتفاق السابقة فإن الرمي قد تعدد فلا اعتبار بعده باتحاد وتعدد.
وصور الحالة الأولى وهي التعدد أن يرمي شخص حصاة إلى جمرة ثم يأخذها ويرميها إلى أخرى، أو يرمي شخص جمرة ثم يأخذها شخص فيرمي بها الجمرة نفسها أو غيرها، أو ترمى الحصاة في يوم ثم ترمى في يوم آخر الجمرة نفسها أو غيرها من قبل الرامي الأول أو غيره. أما صورة الحالة الثانية فأن ترمى جمرة بحصاة ثم ترمى بالحصاة نفسها من قبل الرامي الأول نفسه.
وأولى الأقوال الأول إذ ليس ثمة دليل يشترط كون الحجر لم يرم به من
أن
قبل، وقياسه على الماء المستعمل قياس مع الفارق كما تقدم فضلا عن الخلاف في الوضوء بالماء المستعمل مشهور إن لم يتغير شيء من أوصافه يزيل
عنه وصف الماء المطلق وينقله إلى المضاف، والحجارة ولو قد
رمي
بها لا
يزول عنها وصف كونها حجارة.
(1) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 322، والغزالي، الوسيط، ج 2، ص 668. (5/346)
صفحة 2296
الرائد
347
وروى ابن أبي شيبة عن وكيع عن سفيان عن جابر عن الشعبي قال: ارم
إن شئت بما رمي به مرة، وروى عن ابن جريج عن عطاء قال: قلت: سقطت حصاة أو حصيات قال خذها من تحت رجليك).
سادسا: غسل حصى الجمار
اختلف الفقهاء في استحباب غسل حصى الجمار، فنظر جمع منهم إلى آثار رويت عن بعض الصحابة والتابعين أنهم يغسلونها فاستحبوا غسل حصى الجمار، حتى قال الإمام الشافعي: لا أكره غسل حصى الجمار بل لم أزل
أعمله وأحبه).
ومن
الآثار المروية ما جاء عن ابن عمر أنه غسله، وكان طاوس يفعله،
وكان ابن عمر يتحرى السنة النبي يا لا لا لا. . .
وروى ابن أبي شيبة عن وكيع عن زمعة عن ابن طاوس عن أبيه أنه كان
(1) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 202.
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 320، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 178، والنووي، المجموع، ج 8، ص 125، وابن قدامة المغني، ج 3، ص 217، وابن الهمام،
فتح القدير، ج 2، ص 488.
(3) النووي، المجموع، ج 8، ص 125.
(4) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 217. (5/347)
صفحة 2297
الرائد
348
يغسل حصى الجمار، وروى عن عبد الملك بن عمرو عن أفلح قال: كان القاسم يغسل حصى الجمار، ويأخذه كما هو فيرمي به، وروى عن ابن مهدي عن مورع بن موسى قال: سمعت شيخا يحدث أنه رأى سعيد بن جبير غسل
حصى الجمار.
ومنهم من علل استحباب غسل حصى الجمار بأنه ليتيقن طهارتها فإنه يقام بها قربة).
ومنهم من استدل بأن السيدة عائشة < كانت تغسل حصى النبي، ولم أجد هذه الرواية مسندة فضلا عن أن تكون صحيحة، وقال ابن المنذرلا يعلم في شيء من الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم غسلها وأمر بغسلها، ولا معنى لغسلها، وكان عطاء والثوري ومالك وكثير من أهل العلم لا يرون غسلها، وروينا عن طاوس أنه كان يغسلها.
ورأى آخرون أن النبي لم يأت عنه أنه غسله، وظاهر حديث لقط
(1) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 397.
(2) ابن الهمام، فتح القدير، ج 2، ص 488.
(3) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 178.
(4) النووي، المجموع، ج 8، ص 132. (5/348)
صفحة 2298
الرائد
49
الجمار أنه لم يغسلهن ولا أمر بغسلهن، ولا فيه معنى يقتضيه، وعليه فليس
بمشروع غسل حصى الجمار من حيث أصل عبادة الرمي.
والرأي القائل بعدم مشروعية غسل الجمار من حيث أصل العبادة هو الأقرب، وتقييد السابق بأصل العبادة يخرج ما لو كان الغسل لغير أصل عبادة الرمي كأن يكون نجسا فيغسل لنجاسته، أو يكون به من الوسخ أو الطين ما قد يؤذي الآخرين فهنا يغسل لهذه الأسباب.
والفقهاء مختلفون أيجزي الرمي بالحجارة النجسة، وجمع منهم على أنه يجزي ذلك، إذ الأمر بالرمي كان بحصى مع الخلو من قيد الطهارة، وقال أبو نبهان عمن رمى بحجارة نجسة:
قد أساء في فعله، وترك ما كان ينبغي أن لا يترك مع القدرة عليه من
غسله، وأرجو أن يجزيه ولا شيء عليه.
ومن الفقهاء من احتمل عدم الإجزاء لأنه يؤدي به العبادة فاعتبرت
(1) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 371، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 217
(2) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 365، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 438، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 218، وابن الهمام، فتح القدير، ج 2، ص 488، والعبدري، التاج
والإكليل، ج 3، ص 133.
(3) أبو نبهان، الحج، (مخطوط)، والصائغي، لباب الآثار، ج 4، ص 111. (5/349)
صفحة 2299
الرائد
350
طهارته كحجر الاستجمار وتراب التيمم، ثم إن الأدلة واردة في المنع من
استعمال النجاسات وملابستها.
المطلب الرابع: وقت الرمي
أولا: مبدأ وقت الرمي
لم يكن خلاف بين أرباب السير والفقه أنه ما رمى جمرة العقبة يوم
النحر إلا بعد طلوع الشمس كما في قول جابر بن عبد الله: رمي رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمرة يوم النحر ضحى، وأما بعد فإذا زالت الشمس
(0)
والفقهاء متفقون على أن هذا هو أفضل أوقات رمي جمرة العقبة يوم النحر، ومن رمى فيه فقد أجزاءه، ومنهم حدد طلوع الشمس بقيد رمح) قال العلامة الجيطالي النفوسي وأجمعوا على أن من رماها بعد الطلوع إلى
الزوال أنه رماها في وقتها.
(1) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 218، والمرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 6
(2) الشوكاني، السيل الجرار، ج 2، ص 203.
(3) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب بيان وقت استحباب الرمي (1299).
(4) ابن حزم، مراتب الإجماع، ص 79.
(5) ابن جزي القوانين الفقهية، ص 90.
(6) الجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2، ص 166، ونقل الإجماع السابق ابن عبد البر، (5/350)
صفحة 2300
الرائد
351
وجاءت ظواهر بعض الأدلة أنه لرخص للضعفة أن يرموا بعد
إفاضتهم كما في حديث ابن جريج قال حدثني عبد الله مولى أسماء عن أسماء أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة فقامت تصلي فصلت ساعة، ثم قالت: يا بني هل غاب القمر؟
قلت: لا، فصلت ساعة ثم قالت هل غاب القمر؟ قلت: نعم، قالت:: فارتحلوا فارتحلنا ومضينا حتى رمت الجمرة ثم رجعت فصلت الصبح في منزلها فقلت لها: يا هنتاه ما أرانا إلا قد غلسنا، قالت: يا بني، إن رسول الله أذن للطعن".
وجاء الترخيص أيضا من حديث الليث عن يونس عن ابن شهاب قال سالم: وكان عبد الله بن عمر {يقدم ضعفة أهله فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة بليل فيذكرون الله ما بدا لهم ثم يرجعون قبل أن يقف الإمام وقبل
أن يدفع.
فمنهم من يقدم منى لصلاة الفجر، ومنهم من يقدم بعد ذلك، فإذا
الاستذكار، ج 4، ص 293.
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب من قدم ضعفة أهله بليل فيقفون بالمزدلفة ويدعون ويقدم إذا غاب القمر (1595). (5/351)
صفحة 2301
الرائد
352
قدموا رموا الجمرة، وكان ابن عمر {يقول: أرخص في أولئك رسول الله
علم الله (1)
وأخرج الإمام البخاري هذا الحديث بالإسناد نفسه في التاريخ الأوسط أنه قال عن ابن عمر قال فمنهم من يقدم ليلا ومنهم من يقدم بعد ذلك فإذا قدموا رموا الجمرة).
غير
وجاء السابق عن ابن عمر من طريق أخرى من حديث ابن نمير عن
عبيد الله
بن عبد الله قال كان ابن عمر يبعث بصبيانه ليلة المزدلفة فيصلون
الصبح بمنى، ويرمون الجمرة قبل أن يأتي الناس.
ومن الباب السابق حديث أبي خالد الأحمر عن عبيد الله بن عمر عن القاسم عن عائشة قالت: وددت أني كنت استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما استأذنته سودة أن تأتي منى بليل وترمي من قبل أن يأتي الناس فأذن لها،
وكانت امرأة ثبطة ثقيلة، وظاهر إسناده الصحة.
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب من قدم ضعفة أهله بليل فيقفون بالمزدلفة ويدعون ويقدم إذا غاب القمر (1592).
(2) البخاري، التاريخ الأوسط، ج 1، ص 297. (3) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 271.
(4) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 320. (5/352)
صفحة 2302
الرائد
353
ومن السابق حديث هارون بن عبد الله ثنا ابن أبي فديك عن الضحاك بن عثمان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت:
أرسل النبي صلى الله عليه وسلم أم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت وكان ذلك اليوم اليوم الذي يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم تعني عندها. وهذا حديث ظاهر إسناده الصحة إلا كلاما يسيرا في الضحاك ينزله إلى رتبة الحسن، قال البيهقي: وهذا إسناد صحيح لا غبار عليه.
ورواه الطبراني من حديث علي بن حرب الموصلي ثنا هارون بن عمران ثنا سليمان بن أبي داود عن هشام بن عروة عن أبيه قال: حدثتني أم سلمة قالت: قدمني رسول الله الله فيمن قدم من ضعفة أهله ليلة المزدلفة، قالت: فرميت الجمرة بليل ثم مضيت إلى مكة فصليت بها الصبح ثم رجعت إلى
مني).
والحديث في إسناده سليمان بن أبي داود، وقد تقدم من قبل أنه
حجة في الرواية.
ليس
(1) أخرجه أبو داود في كتاب المناسك باب التعجيل من جمع (1942).
(2) البيهقي، معرفة السنن والآثار، ج 4، ص 127.
(3) الطبراني، المعجم الكبير، ج 23، ص 268. (5/353)
صفحة 2303
الرائد
354
والأحاديث السابقة تفيد حكما وهو ترخيص النبي صلى الله عليه وسلم للضعفة في
الإفاضة من مزدلفة قبل الفجر وفي رمي جمرة العقبة.
لكن جاء من الروايات ما يفيد أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى ضعفة أهله عن الرمي قبل طلوع الشمس كما في حديث سفيان عن سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن الحسن العربي عن ابن عباس قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أغيلمة بني عبد المطلب على حمرات يلطح أفخاذنا ويقول أبيني: لا ترموا جمرة العقبة حتى تطلع الشمس. والحديث من هذا الطريق أخرجه النسائي وأبو داود"، وأخرجه ابن
(1)
أبي شيبة وأحمد من حديث وكيع عن مسعر وسفيان عن سلمة بن كهيل عن الحسن العرني عن ابن عباس قال:
قدمنا رسول الله لا أغيلمة بني عبد المطلب على حمرات من جمع وجعل يلطح أفخاذنا ويقول: أبيني لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس، زاد سفيان
فيه: ولا إخال أحدا يرميها حتى تطلع الشمس
(3)
(1) کتاب مناسك الحج، باب النهي عن رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس (3064).
(2) کتاب المناسك باب التعجيل من جمع (1940).
(3) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 233، وأحمد بن حنبل، المسند، ج 1،ص 234. (5/354)
صفحة 2304
الرائد
والحديث أعل بعدم سماع الحسن العربي من ابن عباس شيئا كما قال أحمد والبخاري وابن معين)، لكن رواه ابن أبي شيبة من طريق جرير بن عبد الحميد عن منصور عن سلمة بن كهيل عن الحسن العرني عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أو عن الحسن عن ابن عباس).
وهذا الشك غير مجزوم فيه بشيء فلا يكون حجة فضلا عن أن غيره من
الرواة قد بينه بصيغة الجزم أنه دون ذكر سعيد بن جبير.
وجاء الحديث من طريق بشر بن السري قال: حدثنا سفيان عن بن أبي ثابت عن عطاء عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم أهله وأمرهم أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس.
أخرجه النسائي بالإسناد السابق، وأخرجه أبو داود من حديث الوليد بن عقبة ثنا حمزة الزيات عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء عن ابن عباس).
(1) أحمد بن حنبل، العلل، ج 1، ص 143، والبخاري، التاريخ الأوسط، ج 1، ص 296، وابن أبي حاتم الجرح والتعديل، ج 3، ص 45، وابن أبي حاتم، المراسيل، ص 46،
والزيلعي، نصب الراية، ج 3، ص 75.
(2) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 319.
(3) کتاب: مناسك الحج، باب النهي عن رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس (3065). (4) كتاب المناسك، باب: التعجيل من جمع (1941). (5/355)
صفحة 2305
الرائد
غير أن علة هذه الطريق أن مدارها على حبيب بن أبي ثابت، وهو مدلس لا تقبل روايته إلا بالتصريح بالتحديث) وهو ما لم يفعله هنا.
وجاء الحديث من طريق أحمد بن إسحاق الحضرمي ثنا خالد بن الحارث
ثنا شعبة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس.
وأعل الإمام البخاري هذه الرواية بقوله وحديث الحكم هذا عن
مقسم مضطرب لما وصفنا ولا ندري الحكم سمع هذا من مقسم أم لا". ووجه الاضطراب أنه رواه محمد بن بشار قال حدثنا غندر قال: حدثنا
—
شعبة عن الحكم عن ابن عباس دخل على النبي ناس من بني هاشم وقال شعبة: أحسبه قال ضعفتهم - وأمرهم ألا يرموا حتى تطلع الشمس. ورواه معاذ بن معاذ حدثنا شعبة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس.
(1) ابن حجر، طبقات المدلسين، ص 37.
(2) الطحاوي، شرح مشكل الآثار، ج 9، ص 118، والبيهقي، السنن الكبرى، جه،
ص 132.
(3) البخاري، التاريخ الأوسط، ج 1، ص 295.
(4) البخاري، التاريخ الأوسط، ج 1، ص 294. (5/356)
صفحة 2306
الرائد
357
ورواه حفص حدثنا الأعمش قال حدثنا الحكم عن مقسم عن ابن عباس وقف النبي صلى الله عليه وسلم اور دفه الفضل بعرفة ثم أفاض فلم أرها رافعة يديها عادية حتى أتى جمعا، قال أسامة: ثم أردفني ووقف جمعا، وردفه أسامة ثم أفاض يبادر طلوع الشمس فلم أرها رافعة يديها حتى أتى منى، قال: ونحن على حمرات لنا فجعل يضرب أفخاذنا ويقول أبيني أفيضوا ولا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس.
ورواه محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن الحكم عن ابن عباس).
وجاء من حديث الحسن بن محمد بن إسحاق ثنا يوسف بن يعقوب ثنا محمد بن أبي بكر ثنا فضيل بن سليمان ثنا موسى بن عقبة أخبرني كريب عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر نساءه وثقله من صبيحة جمع أن يفيضوا مع أول الفجر بسواد وأن لا يرموا الجمرة إلا مصبحين.
وجاء الحديث من طريق شريك عن ليث عن طاوس عن ابن عباس
قال: عجلنا النبي صلى الله عليه وسلم أو عجل أم سلمة وأنا معهم من المزدلفة إلى جمرة العقبة
(1) البخاري، التاريخ الأوسط، ج 1، ص 295.
(2) أحمد بن حنبل، المسند، ج 1، ص 248.
(3) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 2 (5/357)
صفحة 2307
الرائد
???
فأمرنا أن لا نرميها حتى تطلع الشمس.
والحديث ضعيف ليس بحجة فشريك وليث كلاهما ضعيف.
قال الزيلعي وروى البزار في مسنده من حديث الفضل بن عباس أن
النبي عليه السلام أمر ضعفة بني هاشم أن يرتحلوا من جمع بليل ويقول أبني لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس
وروى البخاري في التاريخ الأوسط عن آدم قال: حدثنا ابن أبي ذئب عن
شعبة مولى ابن عباس عن ابن عباس بعثني النبي صلى الله عليه وسلم مع
(3)
النحر فرمينا الجمرة مع طلوع الفجر.
أهله إلى منى يوم
وجاء الحديث موافقا لرواية البخاري وظاهره أن الرمي كان قبل طلوع
الشمس من طريق داود العطار عن عمرو بن دينار حدثني عطاء بن أبي رباح
أنه
سمع
ابن عباس يقول: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ثقله وضعفة أهله ليلة
المزدلفة فصلينا الصبح بمنى ورمينا الجمرة.
(1) أحمد بن حنبل، المسند، ج 1، ص 272.
(2) الزيلعي، نصب الراية، ج 3، ص 86. (3) البخاري، التاريخ الأوسط، ج 1، ص 296. (4) أحمد بن حنبل، المسند، ج 1، ص 272. (5/358)
صفحة 2308
الرائد
وهذا إسناد صحيح، والظاهر أن الروايات التي فيها ترخيص النبي للضعفة بالرمي قبل طلوع الشمس أكثر وأصح كما يقول الإمام البخاري) فقد جاءت من حديث عائشة وسودة وأم سلمة وابن عمر.
أما حديث المنع من الرمي قبل طلوع الشمس فما جاء إلا من طريق ابن
عباس وقد اضطربت الرواية فيه كثيرا كما تقدم فمنه ما جاء بالمنع من الرمي قبل طلوع الشمس غير أنه ضعيف مضطرب في السند، ومنه ما جاء بأسانيد صحيحة موافقا ما رواه الجماعة من الترخيص في الرمي قبل طلوع الشمس. وعند التعارض السابق يترجح ما رواه الجماعة على ما رواه ابن عباس فير خص للضعفة ومن معهم ممن لا لا غنى لهم عنهم في الرمي قبل طلوع الشمس، أو قُل بعد النفر مباشرة ولو كان قبل طلوع الفجر.
وفعل النبي هو الحكم العام فلا يشرع رمي جمرة العقبة قبل طلوع
الشمس من حيث عموم الناس الحديث "لتأخذوا عني مناسككم".
وبعد ثبوت الحكم السابق نقول إن بعض الفقهاء منعوا من الرمي قبل طلوع الشمس بإطلاق دون تفريق بين الضعفة وغيرهم من الناس أخذا من
(1) البخاري، التاريخ الأوسط، ج 1، ص 297. (5/359)
صفحة 2309
الرائد
ر 360
حديث ابن عباس سابق الذكر)، وهذا الرأي يرده ما ذكرناه من قبل. واختلف الفقهاء في حكم غير الضعفة من الناس على قولين أولهما أن
الضعفة.
لهم الرمي مع الضعفة، وثانيهما أن وقت رميهم مخالف لوقت رمي استدل القائلون بمفارقة وقت رمي غير الضعفة لوقت رمي الضعفة بأن الأحاديث التي فيها الرمي قبل طلوع الشمس خاصة بالضعفة فقد نص فيهما أن النبي رخص فيهم، والأصل في الرخص أن لا يتعدى بها مواضعها إذ علتها الضعف، والحكم لا يدور إلا مع علته فمن لم يتحقق فيه الوصف السابق كان على الأصل وهو فعل النبي، وقد ذكرنا هذا الأمر عند ذكر حكم استغراق المبيت بالمزدلفة.
والقول الثاني هو الناص على أن لغير الضعفة حكم الضعفة فلهم الرمي قبل طلوع الشمس، واختلفوا أبعد نصف الليل يبدأ وقت الرمي أو بعد طلوع الفجر.
قال الذين حددوا الرمي بغياب القمر إن الحديث الذي فيه وصف فعل
(1) الطحاوي، شرح مشكل الآثار، ج 9، ص 125، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 345، والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص،192، وعليش، منح الجليل، ج 2،
ص 279. (5/360)
صفحة 2310
الرائد
محمول على وقت الفضيلة والاستحباب، أما أحاديث الترخيص
للضعفة فتدل على وقت الإجزاء، فيجوز الرمي بعد غياب القمر، والأفضل الرمي بعد طلوع الشمس.
كما استدلوا بأن نصف الليل وقت للدفع من مزدلفة فكان وقتا للرمي
كبعد طلوع الشمس"
(2)
واستدل آخرون منهم بأن ما بعد نصف الليل من توابع النهار المستقبل
فوجب أن يكون حكمه في الرمي حكم النهار المستقبل، وتحرير ذلك قياسا أنه رمى بعد نصف الليل فوجب أن يجزيه كالر بعد الفجر).
مي
()
ومنهم من قال إنه علق رمي أم سلمة بما قبل الفجر وهو صالح لجميع الليل ولا ضابط له فجعل النصف ضابطا؛ لأنه أقرب إلى الحقيقة مما قبله، ولأنه وقت الدفع من مزدلفة، ولأذان الصبح فكان وقتا للرمي كما بعد
الفجر).
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 185، والجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 317، وابن | ص 317،
قدامة، المغني، ج 3، ص 218.
(2) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 219
(3) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 185.
(4) زكريا الأنصاري، أسنى المطالب، ج 1، ص 493. (5/361)
صفحة 2311
الرائد
362
وذهب بعض الفقهاء إلى أن بدء وقت الرمي هو طلوع الفجر فلا يجزي من رمى قبل الفجر، والأفضل الرمي بعد طلوع الشمس، وهذا الوقت شامل عندهم للضعفة وغيرهم فلا يجوز للضعفة الرمي قبل طلوع الفجر.
(2)
وفصل بعض هؤلاء فقالوا إن الرمي يوم النحر ثلاثة أنواع: مكروه ومسنون ومباح، فما بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس وقت مكروه، وما بعد طلوع الشمس إلى الزوال وقت مسنون، وما بعد الزوال إلى غروب الشمس مباح، والليل مكروه إن كان بغير عذر، ومباح إن كان بعذر. وقال ابن المنذر وأجمعوا على أنه إن رمى جمرة العقبة
طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس أنه يجزي
يوم
النحر بعد
قال السرخسي: وحجتنا في ذلك ما روي أنه لما قدم ضعفة أهله قال: أي بني لا ترموا جمرة العقبة إلا مصبحين فنعمل بالحديثين جميعا فنقول بعد
(1) مالك بن أنس، المدونة الكبرى، ج 2، ص 418، والسرخسي، المبسوط، ج 4، ص 21، والدردير، الشرح الكبير، ج 2، ص 52.
(2) ابن الضياء البحر العميق، ج 3، ص 1664.
(3) نظام الفتاوى الهندية، ج 1، ص 233، وابن الضياء البحر العميق، ج 3، ص 1667. (4) ابن المنذر، الإجماع، ص 74. (5/362)
صفحة 2312
الرائد
363
الصبح يجوز وتأخيره إلى ما بعد طلوع الشمس أولى.
كما استدلوا بحديث ابن أبي ذئب قال: حدثني سعيد عن ابن عباس
قال: بعثني النبي الهلال مع أهله وأمرني أن أرمي الجمرة بعد الفجر). كما استدل هؤلاء بأن دخول وقت الرمي بخروج وقت الوقوف إذ لا يجتمع الرمي والوقوف في وقت واحد، ووقت الوقوف يمتد إلى طلوع الفجر، فوقت الرمي يكون بعده أو وقت الرمي هو وقت التضحية وإنما
يدخل وقت التضحية بطلوع الفجر الثاني فكذلك وقت الرمي". واستدل هؤلاء أيضا بأن حكم ما بعد نصف الليل كحكم ما قبله لكونه وقتا للمبيت بمزدلفة، فوجب أن يستوي حكمها في المنع من رمي جمرة العقبة، وذلك قياسا إن رمى بليل فوجب أن لا يجزي كما قبل نصف الليل. واعترض على هذا الاستدلال بأن المعنى في النصف الأول أنه من توابع اليوم الماضي فلذلك لم يجزه، والنصف الثاني من توابع اليوم المستقبل فلذلك
(1) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 21. (2) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 294.
(3) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 21. (5/363)
صفحة 2313
الرائد
أجزاه.
364
كما استدل للقول بعدم الإجزاء بأن الرمي يجب في يوم النحر وأيام منى، فلما لم يجز رمي أيام منى قبل طلوع الفجر لم يجز رمي يوم النحر قبل طلوع الفجر، ولأنه قد يتعلق بيوم النحر شيئان رمي وذبح، فلما لم يجز بتقديم الذبح قبل الفجر لم يجز تقديم الرمي قبل الفجر".
واعترض على هذا الاستدلال بأن القياس المذكور قياس مع الفارق، إذ رمي أيام التشريق وقته بعد الزوال فلا يجوز قبله، ورمي يوم النحر وقته قبل الزوال اتفاقا، وللفارق السابق جاز الرمي يوم النحر قبل الفجر وإن لم يجز أيام التشريق.
كما استدل آخرون لجواز الرمي بعد الفجر بأن الليل زمان الوقوف بعرفة، والرمي تحلل وغير مناسب وقوع التحلل في زمن الإحرام، ولأنها ليلة لا يصلح الرمي في أولها فلا يصلح في آخرها كيوم عرفة عكسه يوم
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 186. (2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 185. (3) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 186. (5/364)
صفحة 2314
الرائد
النحر.
365
ومنهم من أجاب عن فعل أم سلمة بأنه يحتمل أن يكون المراد بالفجر
صلاة الفجر، أو يكون خاصا بها".
ومنهم من أجاب عن حديثي أسماء وأم سلمة بأمرين:
أولهما: ليس في حديث أم سلمة دلالة على أنه علمها ذلك وأقرها
عليه، ولا أنه أمرها أن ترمي ليلا، وبمثل ذلك لا يترك المرفوع الناهي عن الرمي قبل الإصباح.
ثم إن من المحتمل أن تكون رمت بعد طلوع الفجر ولكن ظن الراوي
الرمي قبله.
وأما حديث أسماء فيفيد أن دفعها من المزدلفة كان بعدما غاب القمر، وهو لا يغيب في الليلة العاشرة إلا آخر الليل وأغلب الظن أنهم إلى أن يتأهبوا للدفع ويصلوا إلى منى يطلع الفجر.
ومحتمل أنها قعدت بعدما غاب القمر زمانا طويلا لأنه لم يذكر الراوي
(1) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 265.
(2) القرافي الذخيرة، ج 3، ص 265. (5/365)
صفحة 2315
الرائد
(1)
أنها دفعت بعدما غاب القمر).
وهذه الأمور كلها احتمالات لا يندفع بها ظاهر الحديث الذي فيه النص
على على نفي الحرج عن الرمي ليلا.
كما استدل هؤلاء لدفع القول بنصف الليل بأن قولهم يؤدي إلى خرق الإجماع بتحصيل حجتين في سنة واحدة، وذلك بأن يرمي بالليل، ثم يطوف للزيارة بالليل، ثم يحرم بحجة أخرى ويرجع إلى عرفات ويقف بها قبل طلوع الفجر، ثم يفعل بقية الأفعال، ولو كان هذا جائزا لما أمر أفسد من حجه بالجماع أن يقضي من قابل". وأقوى الآراء السابقة ما نص على أن وقت رمي الضعفة يبدأ بغياب القمر ليلة النحر، ومن عداهم على الأصل المنقول من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وهو الرمي بعد طلوع الشمس؛ إذ ليس ثمة دليل يخرجهم، والقياس على الضعفة قياس مع الفارق فحال الضعفة مقتض الترخيص لهم لضعفهم.
على أن التقييد بمنتصف الليل عند من قيد - لم أجد شيئا من النصوص الشرعية يفيده، وحديث أسماء كان التقييد فيه بغروب القمر.
(1) ابن الضياء البحر العميق، ج 3، ص 1663.
(2) الزيلعي، تبيين الحقائق، ج 2، ص 31. (5/366)
صفحة 2316
الرائد
367
وذهب جماعة من الحنابلة إلى أنه يسن رمي جمرة العقبة بعد زوال الشمس من اليوم العاشر وهذا أمر مخالف للسنة الصحيحة صراحة فلا يلتفت إليه، وقد علق المرداوي عليه بعد نقله بقوله: وهذا ضعيف مخالف لفعله عليه أفضل الصلاة والسلام.
ثانيا: منتهى وقت الرمي
لئن كانت ثمة نصوص تبين بإشارتها مبدأ وقت الرمي فإنها لا تكاد توجد في بيان منتهى وقت الرمي، وقد اختلف الفقهاء في المسألة إلى أقوال، لكن ذكر الحافظ ابن عبد البر الإجماع على أن من رماها يوم النحر قبل المغيب فقد رماها في وقت لها وإن لم يكن ذلك مستحسنا له.
كما اتفقوا على أن من فاتته أيام التشريق ولم يرم فقد فاته وقت الرمي". واختلفوا فيما عدا السابق فذهب بعض أهل العلم إلى أن وقت رمي جمرة العقبة هو من طلوع الشمس إلى آخر الوقت الذي يطلق عليه أنه
ضحى).
(1) المرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 37. (2) ابن عبد البر، التمهيد، ج 7، ص 268. (3) الجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2، ص 172. (5/367)
صفحة 2317
الرائد
368
و دليله في المبتدأ فعله مع نهيه عن الرمي قبل طلوع الشمس، وأما المنتهى ففعله إذ إنه رمى ضحى، وتأول حديث الذي استفتى النبي صلى الله عليه وسلم أنه
رمي
بعدما أمسى بأنه ترخيص لمن جهل الوقت لا لمن علمه".
ومن الفقهاء من قال إن آخر وقت الرمي هو زوال الشمس، وعلتهم أن
6
أوقات العبادة لا تعرف إلا بالتوقيف والتوقيف ورد بالرمي في يوم النحر قبل الزوال فلا يكون ما بعده وقتا له أداء كما في سائر أيام النحر؛ لأنه لما جعل وقته فيها بعد الزوال لم يكن قبل الزوال وقتا له.
ومنهم من قال لا يجوز تأخير رمي جمرة العقبة بعد الزوال إلا لمريض أو
ناس، ولا دم على من رمى بها قبل الغروب وإن كان مسيئا).
ومن الفقهاء من قال إذا غربت الشمس فقد فات الوقت، وعليه
الفدية).
ومنهم من عبر بقوله آخر الرمي زوال الشمس في وقت الاختيار
(1) الشوكاني، السيل الجرار، ج 2، ص 205.
(2) الشوكاني، السيل الجرار، ج 2، ص 205.
(3) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 64، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 137.
(4) ابن عبد البر، الكافي، ص 144.
(5) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 137. (5/368)
صفحة 2318
الرائد
والفضيلة، أما وقت الإجزاء والسعة فغروب الشمس.
واستدل هؤلاء لقولهم بالاعتبار بسائر الأيام وذلك لأن في سائر الأيام ما بعد الزوال إلى غروب الشمس وقت الرمي فكذا في هذا اليوم؛ لأن هذا اليوم إنما يفارق سائر الأيام في ابتداء الرمي لا في انتهائه فكان مثل سائر الأيام في الانتهاء، فكان آخر وقت الرمي كسائر الأيام.
وهؤلاء اختلفوا فيمن لم يرم حتى غابت الشمس فقال بعضهم يرمي قبل طلوع الفجر من اليوم الثاني فيجزيه ولا شيء عليه، وإن أخر الرمي حتى طلع الفجر من اليوم الثاني رمى وعليه دم للتأخير، وقيل: لا شيء عليه، وسبب الخلاف هل الرمي موقت أو ليس بموقت فمن وقت ألزم
الدم.
والدليل على الرمي ليلا إذن النبي الاول للرعاة أن يرموا بالليل، وأجاب هؤلاء عن الاعتراض بأن الرعاة كانوا معذورين وهؤلاء ما كان لهم عذر؛ لأنه كان يمكنهم أن يستنيب بعضهم بعضا فيأتي بالنهار فيرمي، فثبت أن
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 185. (2) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 137. (3) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 137. (5/369)
صفحة 2319
الرائد
(v.)
الإباحة كانت لعذر فيدل على الجواز مطلقا فلا يجب الدم.
وقد جاءت بعض الآثار التي فيها ما يدل على الرمي ليلا ومن ذلك
حديث أبي خالد عن ابن جريج عن ابن سابط قال: كان أصحاب رسول الله
يقدمون حجاجا فيرعون ظهرهم فيجيئون فيرمون بالليل".
ومنه حديث أبي خالد عن ابن جريج عن عمرو قال: أخبرني من رأى بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ترمي مغربان الشمس غربت الشمس أو لم تغرب وهذه الأسانيد كلها محل نظر.
ومن السابق حديث محمد بن عبيد عن عبيد الله بن عمر عن نافع أن أم سلمة ابنة المختار كانت تحت ابن لعبد الله بن عمر فولدت بالمزدلفة فتخلفت معها صفية فلم تضع ليلتها تلك ومن الغد.
ثم جاءتا منى من الليل فرمتا الجمرة فلم ينكر ذلك عليهما عبد الله، ولم
يأمرهما أن تقضيا شيئا.
(1) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 137.
(2) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 398 (3) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 398. (4) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 398. (5/370)
صفحة 2320
الرائد
371
ومن الفقهاء من قال إن وقت رمي جمرة العقبة يمتد إلى طلوع الفجر في الليلة المستقبلة يوم الحادي عشر اعتبارا بالوقوف بعرفة لما تعلق بالنهار وبالليلة المستقبلة).
ومن النصوص التي استدل بها على رفع الحرج عمن رمى ليلا حديث عبد الأعلى حدثنا خالد عن عكرمة عن ابن عباس {قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم فقال رميت بعد ما أمسيت؟ فقال: لا قال: حلقت قبل أن أنحر؟ حرج
قال: لا حرج". والواقع أن الدليل السابق ليس نصا في الرمي ليلا؛ إذ المساء لا يلزم منه أن يكون في الليل، وقد اتفق أئمة المعاجم اللغوية على أنه يطلق على ما بعد الزوال إلى غروب الشمس، واختلفوا أيطلق على ما بعد الغروب إلى منتصف الليل، قال الإمام الخليل بن أحمد الفراهيدي المساء بعد الظهر إلى صلاة المغرب، وقال بعض إلى نصف الليل.
(1) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 317، والغزالي، الوسيط، ج 2، ص 667. (2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب الذبح قبل الحلق (1636).
(3) الفراهيدي، العين، ج 7، ص 323، والأزهري، تهذيب اللغة، ج 13، ص 82، والفيومي،
المصباح المنير، ج 2، ص 457، وابن منظور، لسان العرب، ج 15، ص 281. (5/371)
صفحة 2321
الرائد
372
وعلى السابق لا دليل متعين على أن السائل رمى ليلا، ولعل السائل أراد
أنه رمى بعدما زالت الشمس فحمله ذلك على السؤال لأن الذي فعله النبي أنه رمى بعد شروق الشمس.
وذهب بعض الفقهاء إلى أن أيام التشريق كلها محل للرمي، ولا يفوت
وقت رمي جمرة العقبة إلا بغروب شمس ثالث أيام التشريق.
ومن هؤلاء من قصر وقت الرمي على النهار فمن لم يرم حتى غابت
الشمس لم يشرع له الرمي ليلا، وإنما ينتظر الأمر إلى أن تزول الشمس من
(3)
يوم الحادي عشر).
واستدل هؤلاء بأن ابن عمر قال: من فاته الرمي حتى تغيب الشمس
فلا يرم حتى تزول الشمس من ال
الغد).
وأجابوا عن قول النبي دارم ولا حرج للذي سأله بأنه رمى بعدما
(1) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 235، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 137، وابن جماعة، هداية السالك، ج 3، ص 1221.
(2) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 363، والسرخسي، المبسوط، ج 4، ص 64، والبسيوي،
الجامع، ج 2، ص 281.
(3) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 317، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 219.
(4) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 219. (5/372)
صفحة 2322
الرائد
373
أمسى بأن ذلك إنما كان في النهار لأنه سأله في يوم النحر ولا يكون اليوم إلا
قبل مغيب الشمس.
أن
والاختلاف السابق بين أهل العلم رحمة للأمة، والمكلف يوصى يكون رميه أقرب إلى هدي النبي، فإن لم يستطع فقبل الغروب، وإن لم يستطع رمى ليلا، وإن لم يكن بد من بيان الأظهر فالأظهر القول الناص على
تحديد الرمي بغروب الشمس، وواسع الأخذ بما عدا ذلك.
وبعد السابق نقول إن الفقهاء السابقين نص أكثرهم على أنه إن فات وقت الرمي دون أن يرمي صاحبه فإن عليه دما، بل منهم من حكى الإجماع على وجوب الدم لمن ترك الرمي حتى فات وقته كما تقدم.
واختلف في التحلل دون الإتيان ببدل الرمي فمنهم من قال إن التحلل يتوقف على الإتيان ببدل الرمي، ومنهم من قال إنه يفرق بين أن يكون البدل صوما وأن يكون دما، فإن كان صوما لم يتوقف عليه لطول الزمان، لكنه
يتوقف عليه في حال كون البدل دما).
(1) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 219.
(2) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 318، والغزالي، الوسيط، ج 2، ص 662. (5/373)
صفحة 2323
الرائد
المطلب الخامس: صفة الره
أولا: النية
374
ناقشنا
كان الأمر الذي مضينا عليه في بيان الأحكام السابقة للحج يوم الطواف والسعي والوقوف بعرفة هو اشتراط النية لإتيان النسك، وكل نسك خلا من نية التعبد فليس هو بشيء بل صاحبه لا يجزيه ولو وجدت منه صورة الفعل.
والحال في الرمي كالسابق فمن رمى حجارة وكان رميه خلوا من معنى العبادة التي في نسكه وقصد الرمي لها كأن يريد رمي إنسان أو جهة أو دابة فأصابت الجمرة مباشرة أو بعد ارتدادها فليس رميه ذلك بشيء؛ إذ الرمـ عبادة تعبدية يشرط لها النية كما ذكرنا الأمر من قبل.
ومن الفقهاء من قال إنه يعتد بالرمي السابق ولا أدري بما يعتلون.
(1) النووي، المجموع، ج 8، ص 139.
(2) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 325. (5/374)
صفحة 2324
الرائد
375
ثانيا: عدد مرات الرمي
لم يكن ثمة خلاف أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى جمرة العقبة يوم النحر بسبع صلى الله عليه وسلم حصيات، وأن ذلك هو المشروع المجزي باتفاق.
واختلفوا في رمي أقل من السابق أو أكثر، أما الأقل فالجماهير من أهل العلم على أنه لا يجزي الرامي إلا أن يرمي سبع حجرات، واختلفوا فيما يلزم من ترك أقل من السبع فقيل يتصدق بشيء، وقيل من رمى بأقل من سبع وفاته التدارك جبره بدم.
وقيل في ترك حصاة مد، وفي ترك حصاتين مدان، وفي ثلاث فأكثر دم،
وقيل في الثلاث ثلاثة مساكين وفي الأربع دم".
وقيل إن ترك أقل من نصف الجمرات الثلاث فنصف صاع وإلا فدم". ومن الفقهاء من رخص في الحصاة لا ترمى كما في حديث يحيى بن موسى البلخي قال: حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح قال مجاهد: قال سعد:
(1) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 218، وابن جماعة، هداية السالك، ج 3، ص 1227. (2) الجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2، ص 172،والجناوني الوضع، ص 228، والشقصي منهج الطالبين، ج 7، ص 276.
(3) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 581. (5/375)
صفحة 2325
الرائد
376
رجعنا من الحجة مع النبي وبعضنا يقول رميت بسبع وبعضنا يقول رميت بست فلم يعب بعضهم على بعض.
وأعل الحديث بعدم سماع مجاهد من سعد بن أبي وقاص إذ إنه لم
يدركه).
وجاء عن بعض السلف الاجتزاء برمي ست جمرات كما في حديث عباد
بن العوام عن عمر بن عامر عن قتادة عن ابن عمر أنه قال: ما أبالي رميت الجمار بست أو بسبع.
(3)
وقد أعلت رواية قتادة عن ابن عمر بكون قتادة لم يسمع من ابن عمر. وعن زياد بن سعد عن ابن طاوس عن أبيه فيمن رمى ستا قال طاوس:
يتصدق بشيء.
وأما الزيادة على السبع فمن الفقهاء من لم يجزه، ومنهم من كرهه، ومنهم من قال يثاب بالزيادة، وغريب القول بندب الزيادة بل الأولى القول بمنعها
(1) النسائي، السنن الكبرى، ج 2، ص 440.
(2) العلائي، جامع التحصيل، ص 273. (3) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 581. (4) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 201. (5) ابن جماعة، هداية السالك، ج 3، ص 1228. (5/376)
صفحة 2326
الرائد
377
إذ الأمر تعبدي لا تدرى علته.
ثالثا: هيئة الرامي
رمى النبي جمرة العقبة يوم النحر راكبا كما في حديث عيسى بن يونس عن ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرا يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يرمى على راحلته يوم النحر ويقول: لتأخذوا مناسككم؛ فإني لا أدري لعلي لا هذه). أحج بعد حجتي ومما جاء في ذلك أيضا حديث زيد بن أبي أنيسة عن يحيى بن الحصين عن أم الحصين جدته قالت: حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع فرأيت أسامة وبلالا وأحدهما آخذ بخطام ناقة النبي، والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة). ومما جاء في وصف فعل النبي صلى الله عليه وسلم أيضا حديث وكيع عن أيمن بن نابل عن قدامة بن عبد الله قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم رمى جمرة العقبة يوم النحر على
(1) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبا
(1297)
(2) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبا
(1298) (5/377)
صفحة 2327
الرائد
378
ناقة صهباء لا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك.
ومما جاء أيضا حديث الحجاج بن أرطأة عن الحكم عن مقسم عن ابن
عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم رمي الجمرة يوم النحر راكبا.
(2)
والحديث أخرجه الترمذي وابن ماجه) غير أن في إسناده الحجاج بن
أرطأة ضعيف ومدلس وقد تقدمت ترجمته مرارا، ولكن يشهد للحديث ما
تقدم.
كما رمي الجمار الثلاث أيام التشريق راجلا ولم يكن راكبا كما في حديث القعنبي ثنا عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنه كان يأتي الجمار في الأيام الثلاثة بعد يوم النحر ماشيا ذاهبا وراجعا ويخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل
ذلك (4).
وعبد الله بن عمر الراوي عن نافع لا يثبت حديثه كما تقدم غير مرة لكن
رواه الترمذي من حديث يوسف بن عيسى حدثنا ابن نمير عن عبيد
الله
عن
(1) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 233.
(2) کتاب الحج، باب ما جاء في رمي الجمار راكبا وماشيا (899).
(3) كتاب المناسك باب رمي الجمار راكبا (3034).
(4) أخرجه أبو داود في كتاب المناسك، باب: في رمي الجمار (1969). (5/378)
صفحة 2328
الرائد
379
نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رمي الجمار مشى إليها ذاهبا وراجعا،
وقال الترمذي: حسن صحيح.
وروي الأخير موقوفا من فعل ابن عمر من حديث ابن أبي شيبة عن ابن نمير عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنه كان يرمي الجمار ماشيا
ذاهبا وراجعا).
ومن الفعلين السابقين أخذ الفقهاء الجواز للأمرين، وحكي على جوازهما الإجماع.
لكن اختلفوا في المستحب من الأمرين، فقال بعض الفقهاء الأولى رمي جمرة العقبة راكبا وما بعدها من الجمار أيام التشريق راجلا على ظاهر ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأمر
(0)
(1) کتاب الحج، باب ما جاء في رمي الجمار راكبا وماشيا (900).
(2) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 232.
(3) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 333، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 218، والعبدري،
التاج والإكليل، ج 3، ص 126.
(4) العيني، عمدة القاري، ج 10، ص 75.
(5) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 184، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 423، والعبدري،
التاج والإكليل، ج 3، ص 126. (5/379)
صفحة 2329
الرائد
380
قال العلامة أبو المؤثر:
يرمي الرامي جمرة العقبة يوم النحر وهو راكب، وأما أيام التشريق فلا يرم الجمار راكبا إلا من عذر.
وعلل بعضهم تفريقه لا بين يوم النحر وأيام التشريق بأن رمي جمرة العقبة مما يستحب البدء به في يوم النحر عند القدوم، ولو سن له المشي إليها
شغله النزول عن البداءة بها والتعجيل إليها بخلاف سائرها).
وقال بعض الفقهاء يستحب لمن وصل منى راكبا أن يرمي جمرة العقبة النحر راكبا، ولو رماها ماشيا جاز، وأما من وصلها ماشيا فيرميها ماشيا، وهذا في يوم النحر، وأما اليومان الأولان من أيام التشريق فالسنة أن
يوم
يرمي فيهما جميع الجمرات ماشيا وفي اليوم الثالث يرمي راكبا وينفر". وقال بعض الفقهاء كل رمي كان بعده وقوف فالرمي فيه ماشيا أفضل، وما ليس بعده وقوف فالرمي راكبا أفضل، ومن الفقهاء من قال إن
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 336.
(2) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 219.
(3) النووي، شرح صحيح مسلم، ج 9، ص 45.
(4) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 23، والعيني، عمدة القاري، ج 10، ص 75. (5/380)
صفحة 2330
الرائد
الركوب مطلوب في اليوم العاشر ويوم النفر من منى، وأما ما عدا ذلك فالأفضل المشي.
هي
وذهب بعض الفقهاء إلى أن لا نسك في الركوب أو المشي عند الرمي إنما هيئة فقط، والمقصود بالأصالة معهم هو الاستعجال لرمي جمرة العقبة فمن كان راكبا رمى راكبا قبل أن ينزل ومن كان ماشيا رمى ماشيا، ولو مشى الراكب وركب الماشي لم يكن فيه شيء؛ لأن هذه هيئة وليس بنسك
مستقل).
ومن الفقهاء من استحب رمي جمرة العقبة ماشيا بإطلاق، ولعل هؤلاء يستدلون بحديث عبد الجبار بن العلاء قال: ثنا بشر بن السري قال: ثنا إبراهيم بن نافع أنه
سمع
عطاء يحدث عن جابر بن عبد الله {أنه كان
يكره أن يرمي شيئا من الجمار راكبا إلا من ضرورة.
(1) العيني، عمدة القاري، ج 10، ص 75
(2) الحطاب، مواهب الجليل، ج 3، ص 126.
(3) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 333، وأبو البركات، المحرر في الفقه، ج 1، ص 247،
والمرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 34.
(4) الفاكهي، أخبار مكة، ج 4، ص 291. (5/381)
صفحة 2331
الرائد
382
وهذا الإسناد صحيح فيما يظهر غير أنه موقوف على صحابي في مسألة
الخلاف فيها شائع.
والقول بأن الركوب وعدمه هيئة ليست بنسك بل ينظر الإنسان الأقرب إليه من غير أذية بغيره هو الأولى، إذ الفعلان ثابتان عن النبي صلى الله عليه وسلم وعلة أولهما أنه جاء من طريق راكبا فصادف الحال الرمي راكبا، وفي أيام التشريق هو مقيم في مكان ليس بالبعيد من الجمرة فرمى راجلا. ثم إن الحال في زماننا على شدة الزحام الموجود عند الرمي يتعين المشي الجمرات، بل ليس من البعيد أن يقال بإثم من يرمي راكبا، وليس
عند
رمي
الإثم لذات الركوب بل لما يسببه الركوب من ضرر للحجاج. وأجاب العلامة الشيخ أبو نبهان - عن حكم من رمي الجمرة قاعدا
فقال:
لا أعلم أنه يحضرني في تمامه ولا فساده شيء أعتمد عليه من قول المسلمين، وكأني على فساده لا أقوى، وفي نفسي أنه لا يبطل وإن كان قد خالف النهي لحصول الرمي هنالك وثبوته في الاسم وعلى وقوعه ومع الإرادة فكيف لا يصح له وقد رمى. (5/382)
صفحة 2332
الرائد
383
وفي جوازه للراكب على قعوده في ركوبه دليل واضح على جوازه للقاعد على الأرض لأنهما في النظر - على الصحيح - كلاهما قاعدان هذا على الأرض
وذاك على الدابة، فما الفرق بين القاعدين أخبروني فإني لا أرى ذلك، أم اسم
القعود في الركوب ممكن على حصوله بما لا شك فيه وليس بمنكر)
رابعا: وقوع الحصى في المرمى
(1)
الرمي قائم على قذف الحصى في منطقة مجمع
الحصى بالجمرة من قبل
الرامي نفسه، وعليه فمن لم تقع حصاته على مكان الرمي لم يجزه ذلك الرمي، وحكي على ذلك اتفاق أهل العلم.
لكن قال بعض أهل العلم إن رماها من بعيد فلم تقع الحصاة عند الجمرة فإن وقعت قريبا منها أجزأه؛ لأن هذا القدر مما لا يتأتى التحرز عنه خصوصا عند كثرة الزحام وإن وقعت بعيدا منها لم يجزه؛ لأن الرمي قربة في
مكان مخصوص ففي غير ذلك المكان لا يكون قربة).
(1) أبو نبهان، الحج، (مخطوط)، والصائغي، لباب الآثار، ج 4، ص 112. (2) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 363، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 180، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 137، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 219.
(3) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 67، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 138. (5/383)
صفحة 2333
الرائد
384
والناس الآن من حيث الواقع غالبهم يقصدون بالرمي شاخص الجمرة، وهذا مخالف للسابق، وللفقهاء خلاف فيمن رمى شاخص الجمرة دون أن يرمي أصل الجمرة المقصودة أصالة بالرمي، فمنهم من قال إن رميه ذلك ليس يجزيه لما ذكرناه، قبل، ومنهم من قال بالإجزاء لأن لهواء الجمرة
حكم سفلها.
وقال ابن عابدين:
علامة
وفي اللباب ولو وقعت على الشاخص أي أطراف الميل الذي هو للجمرة أجزأه ولو على قبة الشاخص ولم تنزل عنه أنه لا يجزيه للبعد". ومنهم من رأى الاجتزاء لأن للبناء الشاخص حكم أسفله، وما قرب من الشيء أعطي حكمه".
وقال ابن الضياء: وقال المغلي المالكي في مناسكه إن بعض المتأخرين من المالكية حذر من الرمي في البناء الذي هنالك وقال إنه لو رمى إليه لم يجزه،
(1) ابن عابدين، رد المحتار ج 2، ص 513، وابن الضياء البحر العميق، ج 3، ص 1673. (2) ابن الضياء، البحر العميق، ج 3، ص 1672. (5/384)
صفحة 2334
الرائد
وبهذا أفتى الشيخ الإمام العالم ضياء الدين خليل المكي إمام
بحرم الله الشريف).
خامسا: صفة الرمي
385
مقام المالكية
جاء النص الذي فيه وصف فعل النبي أنه رمى الجمرة بسبع
حصيات، كما جاء أنه أمر بالرمي بمثل حصى الخذف ونهى عن الزيادة عليه لأنه من الغلو في الدين.
والأصل في الرمي أن يكون باليد كما هو المتبادر من فعل النبي صلى الله عليه وسلم والذي جرى عليه عمل الأمة، وقال بعض الفقهاء: إن لم يستطع اليد فيقدم القوس
ثم الرجل ثم الفم.
والفقهاء مختلفون في صفة الرمي المشروعة فقال بعضهم إنه يضعه على
بطن الإبهام ويرميه برأس السبابة).
وقيل كيفية الرمي
بالمسبحة).
أن يضع الحصاة على ظهر إبهامه اليمنى ويستعين
(1) ابن الضياء البحر العميق، ج 3، ص 1673.
(2) الشرواني، الحواشي، ج 4، ص 132.
(3) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 438. (5/385)
صفحة 2335
الرائد
386
وقيل أن يضع طرف إبهامه اليمنى على وسط السبابة، ويضع على ظهر الإبهام كأنه عاقد سبعين فيرميها.
الحصاة
وقيل أن يحلق سبابته ويضعها على مفصل إبهامه كأنه عاقد عشرة، قال
ابن الهمام: وهذا في التمكن من الرمي به مع الزحمة والوهجة عسر.
ومن الفقهاء من قال يمسكها بإبهامه والوسطى
(3)
وقيل يأخذها بطرفي إبهامه، وسبابته وهذا الذي قال به الجماهير، وهو أيسر والمعتاد الذي عليه عمل الناس بل لا تكاد تجد أحدا يرمي بغيره. والصورتان الأوليان يصدق فيهما وصف الخذف، ولعلهما مأخوذتان من ذكر النبي للخذف وقوله: بأمثال هذا فارموا، وهذا لا يدل ولا يستلزم كون كيفية الرمي المطلوبة مثل كيفية الخذف، وإنما هو تعيين ضابط مقدار الحصاة إذ كان مقدار ما يخذف به معلوما لهم.
(1) المرغيناني، الهداية، ج 1، ص 147.
(2) ابن الهمام، فتح القدير، ج 2، ص 487، ونظام الفتاوى الهندية، ج 1، ص 233.
(3) الأبي، الثمر الداني، ص 374.
(4) الأبي، الثمر الداني، ص 374.
(5) ابن الهمام، فتح القدير، ج 2، ص 487. (5/386)
صفحة 2336
الرائد
FAV
ولعل مما يستدل به لصورة الخذف الزيادة التي جاءت عند مسلم وهو قوله بعد أن أوصى بالرمي بمثل الخذف والنبي صلى الله عليه وسلم يشير بيده كما يخذف
الإنسان.
واعترض ابن الهمام الاستدلال السابق بأنه ليس يستلزم طلب كون الرمي بصورة الخذف لجواز كونه ليؤكد كون المطلوب حصى الخذف كأنه قال خذوا حصى الخذف الذي هو هكذا ليشير أنه لا تجوز في كونه حصى الخذف، وهذا لأنه لا يعقل في خصوص وضع الحصاة في اليد على هذه الهيئة
وجه قربة فالظاهر أنه لا يتعلق به غرض شرعي بل بمجرد صغر الحصاة. ولو أمكن أن يقال فيه إشارة إلى كون الرمي خذفا عارضه كونه وضعا غير متمكن واليوم يوم زحمة يوجب نفي غير المتمكن". وأورد الكاساني حديثا فيه السابق عن معاذ الله أنه قال: خطبنا رسول
الله بمنى وعلمنا المناسك وقال ارموا سبع حصيات مثل حصى ووضع إحدى سبابتيه على الأخرى كأنه يخذف.
الخذف
(1) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب استحباب إدامة الحاج التلبية حتى يشرع في را
جمرة العقبة يوم النحر (1282).
(2) ابن الهمام، فتح القدير، ج 2، ص 487. (5/387)
صفحة 2337
الرائد
ولم أجد هذا الحديث مسندا.
ومن الفقهاء من ضعف الرمي بصورة الخذف أخذا من أن الشارع قد
نهى عن الخذف فكيف يرمي الإنسان به).
ودليل نهي الإنسان عن الخذف بالصورة السابقة حديث شعبة عن قتادة قال: سمعت عقبة بن صهبان الأزدي يحدث عن عبد الله بن مغفل المزني
قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الخذف وقال إنه لا يقتل الصيد، ولا ينكأ العدو، وإنه يفقأ العين ويكسر السن".
قالوا: وهذا الحديث عام يتناول الخذف في رمي الجمار وغيره، فلا يجوز تخصيصه إلا بدليل، ولم يصح فيما قاله صاحب الوجه الأول شيء، ولأن النبي نبه على العلة في كراهة الخذف وهو أنه لا يأمن أن يفقأ العين أو يكسر السن، وهذه العلة موجودة في رمي الجمار).
(1) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 157.
(2) النووي، روضة الطالبين، ج 3، ص 113، والمجموع، ج 8، ص 138. (3) أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب النهي عن الخذف (5866).
(4) النووي، المجموع، ج 8، ص 138. (5/388)
صفحة 2338
الرائد
وجاء من الروايات ما فيه بيان صفة الرمي وإن كان لا يزال فيه شيء من الإبهام كما في حديث عفان ثنا وهيب ثنا عبد الرحمن بن حرملة عن يحيى بن هند أنه سمع حرملة بن عمرو وهو أبو عبد الرحمن قال:
حججت حجة الوداع مرد في عمي سنان بن سنة قال: فلما وقفنا بعرفات مردفي رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واضعا إحدى إصبعيه على الأخرى، فقلت لعمي: ماذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يقول ارموا الجمرة بمثل حصى الخذف.
والحديث أخرجه أحمد، وفي إسناده يحيى بن هند، ولم أجد أحدا قد وثقه غير ما قاله ابن أبي حاتم يحيى بن هند الأسلمي روى عن سنان بن سنة، ولسنان صحبة روى عنه عبد الرحمن بن حرملة سمعت أبي يقول
ذلك (2).
وبعد الاتفاق على مطلوبية الرمي للحصيات اختلفوا فيمن طرح الحجارة في مكان الرمي أيجزيه ذلك، ذهب بعض الفقهاء إلى أن ذلك يجزيه
اكتفاء بالحصول في المرمى، ولأن الطرح رمي".
(1) أحمد بن حنبل، المسند، ج 4، ص 343.
(2) ابن أبي حاتم الجرح والتعديل، ج 9، ص 194.
(3) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 368، والسرخسي، المبسوط، ج 4، ص 67، والرافعي، (5/389)
صفحة 2339
الرائد
390
وقال بعضهم إن قام عند الجمرة ووضع الحصاة عندها وضعا لم يجزه؛ لأن الواجب عليه فعل الرمي والواضع غير رام، وإن طرحها طرحا أجزاه وقد أساء؛ لأن الطارح رام إلا أن الرمي تارة يكون أمامه وتارة يكون عند قدميه بالطرح، ولكنه مسيء لمخالفة فعل رسول الله وصفا.
ومنهم من رأى أن اسم الرمي لم يتحقق فيمن طرح الحجارة فلم يروا إجزاء فعله السابق، وهذا أقرب للأخذ، فالمسألة تعبدية لا تعلم علتها، والنبي صلى الله عليه وسلم رمى ولم يطرح.
ونص بعض الفقهاء على أن من وضع الحجارة وضعا دون رمي لم يجزه
فعله ذلك (3).
وذكر الفقهاء هنا صورا للرمي قد يقع فيها الناس وبينوا أحكامها فمن ذلك قولهم إن رمى حصاة فوقعت في غير المرمى فأطارت حصاة أخرى فوقعت في المرمى لم يجزه لأن التي رماها لم تقع في المرمى، والحصاة الأخرى
العزيز، ج 3، ص 438، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 219.
(1) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 67، وابن الحاجب، جامع الأمهات، ص 199. (2) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 326، والعبدري، التاج والإكليل، ج 3، ص 133. (3) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 368، والبسيوي، الجامع، ج 2، ص 282. (5/390)
صفحة 2340
الرائد
391
لم يكن لوقوعها في المرمى نية تخصها بذاتها فلم تجز.
وإن رمى حصاة فالتقمها طائر قبل وصولها لم يجزه لأنها لم تقع في
المرمى)
وإن وقعت على موضع صلب في غير المرمى ثم تدحرجت على المرمى أو على ثوب إنسان ثم طارت فوقعت في المرمى أجزأته لأن حصوله بفعله، وإن نفضها ذلك الإنسان عن ثوبه فوقعت في المرمى فقيل إنها تجزيه؛ لأنه انفرد برميها، وقيل لا يجزيه لأن حصولها في المرمى بفعل الثاني فأشبه ما لو أخذها بيده فرمى بها، وهذا أشبه".
وأورد ابن جعفر أن من رمى حصاة فأصابت شيئا ثم رجعت إلى الجمرة
أجزأت، وعلق عليه في الزيادات بقوله:
(1) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 220.
(2) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 220.
(3) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 363، والجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 326، والكندي،
بيان الشرع، ج 23، ص 341، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 220. (5/391)
صفحة 2341
الرائد
392
هذا إذا كان قصد برميه الجمرة فأصابت الرمية شيئا آخر ورجعت إلى
الجمرة فهو كما قال وإن كان قصد برميه غير الجمرة فأصابت ما قصد ورجعت إلى الجمرة فلا تجزيه).
ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم كما هو ظاهر الحديث رمى سبع الحصيات حجرا بعد حجر ولم يرمها دفعة واحدة كما قال جابر بن عبد الله: حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، وقد قال: لتأخذوا عني مناسككم.
ومما جاء مفيدا الحكم السابق حديث علي بن مسهر عن يزيد بن أبي زياد أخبرنا سليمان بن عمرو بن الأحوص عن أمه قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمرة من بطن الوادي وهو راكب يكبر مع كل حصاة ورجل من خلفه يستره فسألت عن الرجل فقالوا: الفضل بن العباس، وازدحم الناس فقال النبي: يا أيها الناس لا يقتل بعضكم بعضا، وإذا رميتم الجمرة
يرمي
فارموا بمثل حصى
الخذف (3).
(1) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 365.
(2) أخرجه جه مسلم في كتاب الحج، باب: حجة النبي صلى الله عليه وسلم (1218).
:
(3) أخرجه أبو داود في كتاب المناسك، باب: في رمي الجمار (1966). (5/392)
صفحة 2342
الرائد
393
والحديث أخرجه أبو داود وفي إسناده يزيد بن أبي زياد وقد تقدم ذكره
غير مرة وأنه ضعيف، ولكن يشهد لهذا ما تقدم من حديث جابر بن عبد الله
في الصحيح. والسابق يفيد أن المشروع هو الرمي بالوصف السابق فالمقصود أمران أعداد الحصى وأعداد الرمي، فمن رمى سبع الحصيات دفعة واحدة لم يجزه رميه؛ لأنه خلاف المشروع، وكان رميه بمنزلة
حجر
واحد).
وقال بعض أهل العلم استدلالا للسابق إن المنصوص عليه تفرق الأعمال لا عين الحصيات، فإذا أتى بفعل واحد لا يكون إلا عن حصاة واحدة كما لو أطعم كفارة اليمين مسكينا واحدا مكان إطعام عشرة مساكين جملة لم يجزه إلا عن إطعام مسكين واحد.
(1) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 368، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 195، والسرخسي، المبسوط، ج 4، ص 67، والبسيوي، الجامع، ج 2، ص 282، والجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 326، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 219، والعبدري، التاج
والإكليل، ج 3، ص 127.
(2) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 67. (5/393)
صفحة 2343
الرائد
1394
إلا أن من هؤلاء من رأى أنه إن تفاوتت الحجارة المرمية دفعة واحدة في
الوصول إلى الجمرة أجزت راميها ولو كان أصل الرمي دفعة واحدة. كما اختلف هؤلاء فيمن أتبع الحجر الحجر أيجزيه ذلك إن وقعا في المرم دفعة واحدة، فمنهم من رأى صورة الرمي وكونها على الوجه المشروع فاجتزى بالرمي السابق إذ الاعتبار بتعدد الرمي وهو الأولى، ومنهم من نظر
إلى الاجتماع في الوقوع فلم يحكم بالإجزاء).
وهكذا اختلافهم فيما إذا أصاب الحجر المرمي ثانيا قبل الحجر المرمي أولا أيجزي أو لا يجزي، والأولى الإجزاء لعلة أن العبرة بتعدد الرمي. ومن السابق ذهب بعض أهل العلم إلى أن من رمى حصاتين باليمين
والأخرى باليسرى دفعة واحدة حسبت واحدة).
ومن الفقهاء من رأى أن المقصود الرمي بسبع حصيات دون نظر إلى تعدد الرميات فاجتزى برميهن دفعة واحدة ومنهم من قال إن وقعت على
(1) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 326.
(2) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 326، و الرافعي، العزيز، ج 3، ص 439.
(3) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 326.
(4) ابن جماعة، هداية السالك، ج 3، ص 1229. (5/394)
صفحة 2344
الرائد
95
أماكن متفرقة من موضع المرمى أجزاه الحصول الرمي بسبعة أحجار في سبعة
مواطن من المرمى.
ومنهم من رأى أن المقصود أعداد التكبير والحصى دون الرمي، فإذا رمى
بالسبع دفعة أجزأه إذا كبر سبعا، وإن لم يكبر سبعا لم يجزه".
واستدل لهذا بالقياس على الحد في اعتبار العدد إذ إن ضرب من
عليه الحد مئة سوط دفعة واحدة كضربه مئة سوط متفرقة، فيجب أن يكون رميه بالسبع في دفعة واحدة كرميه، سبع حصيات متفرقات.
واعترض على السابق بأن المقصود من ضرب الحد الإيلام والزجر وهو متحقق بالأمرين كليهما، ثم إن الحدود مبناها على التخفيف فاجتزي بالدفعة، أما الرمي فعلته خافية مبنية على التعبد فمن هنا افترقا.
ونص بعض أهل العلم على أن الفرق بينهما أن الحد عبادة وجبت على المحدود وقد وصل إلى بدنه ضرب مئة فكان وصول مئة سوط دفعة واحدة كوصول السوط الواحد مئة دفعة؛ لأنه قد وصل إلى بدنه ضرب مئة.
(1) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 220، و ابن الضياء، البحر العميق، ج 3، ص 1677. (2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 195.
(3) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 196. (5/395)
صفحة 2345
الرائد
396
وأما الرمي فعبادة على الرامي وليس رميه بالسبع دفعة واحدة كرميه بسبع دفعات؛ لأنه لم يوجد منه سبع رميات".
ونقل العلامة أبو نبهان أن الإمام أبا محمد ابن بركة قال إن الحجة توجب لمن رمى السبع دفعة واحدة اسم الاستحقاق برمي سبع، وعلق عليه الشيخ أبو نبهان بقوله: وليس في الشرع ولا في صحيح النظر ما يحيله ويدل بالحق على فساده بالقطع من كل وجه الحصول الرمي بالسبع في المرة بما لا
شك فيه.
ألا ترى أنه إن حلف أن يرمي جمرة بسبع من الحصى فرماها بهن في مرته
لبر في يمينه ولم يحنث؛ لأنه قد رماها ولا شك).
غير أنه اختار في خاتمة كلامه مذهب الجماهير وهو عدم الإجزاء لأن اتباع الصحيح من الأثر أولى من تكلف النظر، والعمل في الحق بما لا شبهة فيه أولى مما لا يخلو من الشبهة.
وإن حصل شك من الرامي أوقعت حصاته في المرمى أو لم تقع فالأصل
عدم الوقوع وشغل الذمة حتى يبرأ بيقين أو ظن غالب.
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 196، والنووي، المجموع، ج 8، ص 141. (2) أبو نبهان، الحج، (مخطوط)، والصائغي، لباب الآثار، ج 4، ص 118. (5/396)
صفحة 2346
الرائد
397
المطلب السادس: النيابة في الرمي
تبين مما تقدم في الجزء الأول من هذا الكتاب أن الجمهور من أهل العلم
قائلون بمشروعية النيابة في الحج من حيث الجملة على تفاصيل اختلفوا فيها، والحال أنهم قائلون بمشروعية النيابة أيضا في الرمي لمن كان غير قادر على الرمي بنفسه).
ودليل السابق أن النيابة إذا جرت في أصل الحج فجريانها في أبعاض المناسك غير ممتنع من باب الأولى".
ومن الفقهاء من قال إنه وإن لم يرد ما يدل على النيابة في الرمي ولكن الأعذار مسوغة للاستنابة إلا أن يقال إن العذر مسقط للوجوب من الأصل لأنه لا وجوب على معذور إلا أن يكون مثل رعاء الإبل.
وهؤلاء يشرطون لجواز النيابة في الرمي ما يشرطونه في جواز النيابة في
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 343، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 220. (2) ابن جعفر الجامع، ج 3، ص 360، وابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 385، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 342، والسرخسي، المبسوط، ج 4، ص 69، والجويني، نهاية
المطلب، ج 4، ص 327.
(3) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 327، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 439.
(4) الشوكاني، السيل الجرار، ج 2، ص 208. (5/397)
صفحة 2347
الرائد
أصل العبادة، فلا بد من رمي النائب عن نفسه أولا ثم عن المنوب عنه،
وإن رمى عنه أولا وقع عن نفسه.
واختلفوا في رمي أيام التشريق أشرط الجواز رمي الجمرات الثلاث عن نفسه ثم يرمي عن المنوب، أو له أن يرمي عن نفسه جمرة ثم يرمي عن المنوب
كما اختلفوا فيما إذا زال عذر المنوب عنه ووقت الرمي باق، والأكثرون منهم على الإجزاء).
ومنهم من يقول إن رجي زوال العذر المانع من الرمي في وقت الرمي فلا يجوز له أن يستنيب غيره، وإن لم يرج إلا بعد زوال وقت الرمي فله أن
ينيب غيره عنه).
وقد نص بعض هؤلاء بأنه لو أغمي على المستنيب لم ينعزل النائب بخلاف الوكيل في التصرفات؛ لأن علة هذه النيابة العجز فلا تضادها زيادة
(1) البسيوي، الجامع، ج 2، ص 280.
(2) الشرواني، الحواشي، ج 4، ص 137.
(3) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 440.
(4) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 327. (5/398)
صفحة 2348
الرائد
العجز).
399
واستحب بعض القائلين بالسابق أن يناول النائب الحصى إن قدر عليه
وكبر هو).
وذهب بعض الفقهاء إلى أنه يستنيب العاجز من يرمي عنه، ولا يسقط
عنه الدم برمي حال الصبي فإنه لا دم عليه عند هؤلاء إن رمى عنه غيره، وإن لم يرم عنه لزم الدم على من أحجه)
النائب، وفائدة الاستنابة سقوط الإثم، وهذا الأمر بخلاف
ومن الفقهاء من اشترط أن يكون النائب في الرمي من الحجاج، فلا
يجزي أن ينوب من لم يكن من الحجاج في ذلك العام.
ولم أجد نصا صريحا للذين لا يقولون بمشروعية النيابة في أصل الحج أيجيزونها في هذا الموضع أو لا يجيزونها، وقياد قولهم أن الرمي يسقط عنه إذ لم يرد على لسان الشارع ما يثبت مشروعية النيابة في الرمي والأصل الاقتصار
(1) الغزالي، الوسيط، ج 2، ص 668.
(2) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 439.
(3) ابن الحاجب، جامع الأمهات، ص 199، والدردير، الشرح الكبير، ج 2، ص 48. (4) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ج 11، ص 284. (5/399)
صفحة 2349
الرائد
( .. )
على موارد النصوص في الأمور التعبدية، والنصوص ما وردت إلا برمي
الإنسان عن نفسه.
ولا يبعد أن يختلفوا أيلزم الدم بالترك أو لا يلزم أخذا من خلافهم في
قاعدة وجوب الدم بترك الواجبات.
المطلب السابع مندوبات الرمي
أولا: الاغتسال أو الوضوء
والاستحباب السابق أمر مروي عن السلف دون أن أجد فيه شيئا مرفوعا أو له حكم الرفع، ومما جاء حديث أبي أسامة عن عبيد الله عن نافع قال: ما رأيت ابن عمر أراد أن يرمي الجمار إلا اغتسل".
وروى في الموضع السابق عن وكيع عن إسرائيل عن جابر عن عبد الرحمن بن الأسود أنه كان يغتسل إذا راح إلى الجمار، وعن أبي معاوية عن
الحجاج عن الحكم قال كانوا يغتسلون إذا راحوا للرمي
وقال العلامة أبو المؤثر:
الذي يستحب للرامي بالجمار أن يغتسل كل يوم قبل الرمي ويتوضأ ثم
(1) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 403.
(2) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 403. (5/400)
صفحة 2350
الرائد
(+1)
يرمي، فإن لم يغتسل ويتوضأ ويرمي فلا بأس عليه ورميه تام ... والحائض والنفساء يرميان الجمار على هيئتهما لا يغسلان ولا يتوضآن ورميها تام. ثانيا: ذكر الله عند الرمي
وأول الأذكار التي ثبتت في الموضوع التكبير مع كل حصاة، وأدلتها ذكرناها مرارا في حديث جابر بن عبد الله الطويل، وبين بعض الفقهاء التكبير بأن يقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر، ومن الفقهاء من نص على التكبيرة الواحدة مع كل حصاة، لأن جابرا قال: فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، وهذا ظاهر العبارة فهو أولى.
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 336، وينظر: الجيطالي، مناسك الحج، ج 2، ص 319. (2) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 20، والغزالي، الوسيط، ج 2، ص 660، والعبدري، التاج والإكليل، ج 3، ص 126.
(3) المحروقي، الدلائل، ص 125.
(4) البسيوي، الجامع، ج 2، ص 278، والشماخي الإيضاح، ج 2، ص 417، والدردير، الشرح الكبير، ج 2، ص 45. (5/401)
صفحة 2351
الرائد
(402)
وذهب بعض الفقهاء إلى أن التكبير يكون بعد رمي الحصاة، وهذا فيه
ضعف إذ معية التكبير مع رمي كل حصاة منصوص عليها في حديث جابر وهو الأصل في هذا الباب.
ولكن جاء ما يفيد بظاهره أن النبي كان يكبر إثر الرمي كما في حديث
الزهري عن سالم عن ابن عمر له أنه كان يرمي
الجمرة الدنيا بسبع
حصيات
يكبر على إثر كل حصاة، ثم يتقدم حتى يسهل فيقوم مستقبل القبلة فيقوم
طويلا ويدعو ويرفع يديه.
وقال بعض الفقهاء ممكن حمل التكبير في لفظ الرواة على معناه من التعظيم فيدخل كل ذكر لفظا لا معنى فقط، وتعقب بأن في ذلك بعدا لأن المعروف من إطلاق لفظ كبر الله ونحوه إرادة ما كان تعظيما بلفظ التكبير فإنه إذا كان غيره قالوا سبح الله ووحده أو ذكر الله فهذا المعتاد يبعد هذا الحمل.
(1) المرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 34.
(2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: إذا رمى الجمرتين يقوم ويسهل مستقبل القبلة
(1664)
(3) ابن الهمام، فتح القدير، ج 2، ص 486. (5/402)
صفحة 2352
الرائد
(403)
والفقهاء جمهورهم يرون أن التكبير أمر مسنون وليس بواجب بل منهم
(1)
من حكى الإجماع على هذا الرأي - ولا إجماع على الحقيقة، وعلى السابق من رمى ولم يكبر صح رميه وأجزاه.
وذهب بعض الفقهاء إلى أن من ترك التكبير كله يوم النحر عند الرمي فليعد رميه ويكبر، فإن ذبح وحلق قبل ذلك فعليه دم، وإن لم يذكر حتى مضى يوم النحر فالذي يستحب له أن يهدي شاة، والذي نسي تكبيرة أو تكبيرتين فليعد ويكبر معهما إن كان من ساعته وإلا فليصنع معروفا بترك التكبيرة والتكبيرتين). واختار العلامة أبو المؤثر أن من نسي أن يكبر على إثر كل حصاة إذا رمى تكبيرات
الجمار فإن كان في مقامه أو قريبا من ذلك فليرجع وليكبر سبع وليس عليه إعادة الرمي، وإن لم يرجع فلا شيء عليه وقد تم رميه، وإن كان
قد تباعد فلا شيء عليه في التكبير "
(3)
(1) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 582، والعيني، عمدة القاري، ج 10، ص 90. (2) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 360، والبسيوي، الجامع، ج 2، ص 280، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 325.
(3) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 334. (5/403)
صفحة 2353
الرائد
(404)
ولكن ذهب بعض إلى أن التكبير هو الواجب في الجمار، وإنما جعل
الرمي حفظا لعدده كالتسبيح بالحصى، فالدم يتعلق عندهم بترك التكبير لا بترك الرمي، ومن كبر ولم يرم فلا شيء عليه.
ومما يفيد هذا حديث الحسين بن إسماعيل نا زهير بن محمد نا الهيثم بن جميل نا محمد بن مسلم عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت: إنما جعل الحصى ليحصى به التكبير - يعني حصى الجمار -
ومن الفقهاء من استحب أن يضيف مع التكبير قول: هذه في طاعة الرحمن، وهذه في غضب الشيطان، ومنهم من استحسن أن يقال عند الرمي: اللهم اجعله حجا مبرورا وذنبا مغفورا)، ومنهم من استحب أن يقول إثر كل تكبيرة: والله الحمد، ومنهم من قيد هذا الحمد بأن يقال في إثر آخر
حصاة ترمى).
(1) الحطاب، مواهب الجليل، ج 3، ص 126، وابن الضياء، البحر العميق، ج 3، ص 1675. (2) الدار قطني، السنن، ج 2، ص 300.
(3) البسيوي، الجامع، ج 2، ص 279،والحطاب مواهب الجليل، ج 3، ص 126،
والمرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 34.
(4) الشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 417، والجيطالي، مناسك الحج، ج 2، ص 300.
(5) المحروقي، الدلائل، ص 125، والجناوني، الوضع، ص 225. (5/404)
صفحة 2354
الرائد
(0.3)
ومنهم من استحب أن يقول الرامي: اللهم اجعله حجا مبرورا، وذنبا
مغفورا، وعملا مشكورا
ولعلهم يستدلون بحديث عبد الله بن حكيم بن الأزهر المدني حدثني زيد أبو أسامة قال: رأيت سالم بن عبد الله بن عمر استبطن الوادي ثم رمى الجمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة الله أكبر الله أكبر، اللهم اجعله حجا مبرورا، وذنبا مغفورا، وعملا مشكورا، فسألته عما صنع فقال: حدثني أبي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرمي الجمرة في هذا المكان ويقول كلما رمى بحصاة مثل
ما قلت.
والحديث أخرجه البيهقي وتعقبه بتضعيفه، وعلته عبد الله بن حكيم. وجاء السابق من حديث ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد عن أبيه قال: أفضت مع عبد الله فرمى سبع حصيات استبطن الوادي حتى إذا فرغ قال: اللهم اجعله حجا مبرورا، وذنبا مغفورا، ثم قال: هكذا رأيت الذي أنزل عليه سورة البقرة صنع".
(1) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 129.
(2) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 260، وأحمد بن حنبل، المسند، ج 1، ص 427. (5/405)
صفحة 2355
الرائد
(406)
والحديث في إسناده ليث بن أبي سليم وهو ضعيف ليس بحجة في
الرواية كما تقدم.
لكن جاء السابق موقوفا من قول ابن عمر كما في حديث أبي إسحاق
السبيعي عن الهيثم بن حنش قال: سمعت ابن عمر حين رمي الجمار يقول: اجعله حجا مبرورا وذنبا مغفورا".
اللهم
والحديث علته أبو إسحاق السبيعي مدلس كما تقدم، ولم يصرح بالتحديث، وللسابق حكم من حكم من أهل العلم على أثري ابن عمر وابن مسعود بالضعف.
والظاهر أن ثمة فقهاء يقولون بأن الذكر السابق يقال عند
رمي
كل
حصاة لا بعد الفراغ منه كما هو نص حديث ليث بن أبي سليم السابق، وروى ابن أبي شيبة من حديث ابن مهدي عن سفيان عن مغيرة قال: قلت لإبراهيم: ما أقول إذا رميت الجمرة؟
قال: قل: اللهم اجعله حجا مبرورا، وذنبا مغفورا، قال: قلت: أقوله مع
كل حصاة؟ قال:
نعم
إن شئت)، ومنهم من استحب إضافة البسملة
مع
(1) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 260.
(2) ابن حجر، التلخيص الحبير، ج 2، ص 250. (5/406)
صفحة 2356
الرائد
(407)
التكبير عند الرمي، وظاهر فعل النبي صلى الله عليه وسلم خلاف هذا إذ المنقول التكبير
فقط.
وقال بعض الفقهاء لو لم يكبر مع كل حصاة أو جعل مكان التكبيرات تسبيحا أجزأه؛ لأن المقصود ذكر الله تعالى عند كل حصاة، وذلك يحصل بالتسبيح كما يحصل بالتكبير، ثم هو من آداب الرمي وليس من واجباته فتركه لا يوجـ شيئا (3).
ومن الفقهاء من استحب أن يقول إثر الرمي: اللهم هذه حصياتي وأنت أحصى لهن مني فتقبلهن مني، واجعلهن في الآخرة ذخرا لي، وأثبني عليهن غفرانك ورضوانك).
ثالثا: الانصراف بعد رميها للنسك الذي بعده من غير توقف للدعاء وقد قال بالسابق جمع من أهل العلم، وأخذ الاستحباب السابق من فعله إذ إنه انصرف بعد رمي الجمرة مباشرة ولم يقف كما هو ظاهر من
(1) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 261.
(2) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص. 20.
(3) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 66.
(4) الشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 417، والجيطالي، مناسك الحج، ج 2، ص 300.
(5) البسيوي، الجامع، ج 2، ص 279، والسرخسي، المبسوط، ج 4، ص 21، والكندي، بيان (5/407)
صفحة 2357
الرائد
(408)
قول جابر بن عبد الله: أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخذف رمى من بطن الوادي ثم انصرف إلى المنحر).
وفي أيام التشريق كان يقف للدعاء بعد الجمرتين الصغرى والوسطى ولا يقف بعد العقبة كما في حديث الزهري عن سالم عن ابن عمر {أنه الجمرة الدنيا حصيات يكبر على إثر كل حصاة، ثم يتقدم
كان يرمي
بسبع
حتى يسهل فيقوم مستقبل القبلة فيقوم طويلا ويدعو ويرفع يديه. ثم يرمي الوسطى ثم يأخذ ذات الشمال فيسهل ويقوم مستقبل القبلة
فيقوم طويلا ويدعو ويرفع يديه ويقوم طويلا.
ثم يرمي جمرة ذات العقبة من بطن الوادي ولا يقف عندها ثم ينصرف
فيقول هكذا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعله".
الشرع، ج 23، ص 327.
(1) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب: حجة النبي صلى الله عليه وسلم (1218).
(2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: إذا رمى الجمرتين يقوم ويسهل مستقبل القبلة
(1778) (5/408)
صفحة 2358
الرائد
(+4)
واختلفوا في علة عدم وقوفه الله بعد جمرة العقبة يوم النحر فقيل إن
السبب هو كثرة ما عليه من الشغل كالذبح والحلق والإفاضة إلى مكة. وقد اعترض هذا بأن الشغل منعدم أيام التشريق ومع ذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم
يقف للدعاء بعد الجمرتين الأوليين ولا يقف بعد جمرة العقبة.
ومن الفقهاء من علل ذلك بأن الوقوف بعد العقبة يكون في الطريق فيوجب قطع سلوكها على الناس وشدة زحام الواقفين والمارين وإفضاء ذلك إلى ضرر عظيم بخلافه في باقي الجمار فإنه لا يقع في نفس الطريق بل بمعزل منضم عنه).
والأولى السكوت عن العلة الفارقة بين جمرة العقبة وغيرها من الجمار
لعدم الدليل فيلتزم بالمنقول عن النبي مع التسليم.
والشيخ عامر - ذكر أنه بعد رمي جمرة العقبة ينصرف ولا يقف عندها، وقال في موضع آخر أن الدعاء عند جمرة العقبة وعند الجمار كلها
(3)، ولعله يريد بالدعاء الدعاء أثناء الرمي لا الدعاء الذي يقال بعد
مستحب،
(1) ابن الهمام، فتح القدير، ج 2، ص 486.
(2) الشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 417. (3) الشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 419. (5/409)
صفحة 2359
الرائد
(1.)
رمي الجمرة، وقد صرح الشيخ - في موضع آخر بقوله: وأما جمرة العقبة
فلا يقف عندها إذا رماها).
رابعا: رفع اليدين عند الرمي حتى يرى بياض إبط الرامي
وعلل السابق بكونه أعون على الرمي، وأمكن، وهذا خاص بالذكور دون الإناث والخناثى، ومنهم من صرح بأن الرمي يكون باليمنى من اليدين).
والسابق لم أجد له نصا مرفوعا غير أنه جاء عن ابن عباس كما في حديث يحيى بن سليم الطائفي عن عبد الله بن عثمان قال: سمعت مجاهدا وسعيد بن جبير يقولان كنا نرى عبد الله إذا رمى الجمرة يرفع يديه حتى يساوي رأسه ويرى بياض إبطيه، وكان حصاه مثل البندقة الحادرة».
(1) الشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 437.
(2) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 364، والشرواني، الحواشي، ج 4، ص 133.
(3) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 184، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 220، وابن
مفلح، المبدع، ج 3، ص 239.
(4) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 271. (5/410)
صفحة 2360
الرائد
(11)
وروى ابن أبي شيبة عن يحيى بن سعيد عن ابن جريج عن ابن خثيم عن
مجاهد قال: إذا رمى الجمرة فليرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه. خامسا: الرمي من بطن الوادي
كانت جمرة العقبة على سفح جبل بعض جهاتها في الوادي كما تقدم ذكر ذلك، والنبي صلى الله عليه وسلم رمى هذه الجمرة من بطن الوادي، ولم يأت من سفح الجبل، قال الشافعي: ولا يمكنه غير ذلك؛ لأنها على أكمة فلا يتمكن من رميها إلا
كذلك).
ومما يفيد الحكم السابق حديث الأعمش عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد قال: رمى عبد الله من بطن الوادي فقلت يا أبا عبد الرحمن، إن ناسا يرمونها من فوقها؟ فقال: والذي لا إله غيره هذا مقام الذي أنزلت عليه
سورة البقرة). ام الله
(1) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 271
(2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 184.
(3) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب رمي الجمار من بطن الوادي (1660). (5/411)
صفحة 2361
الرائد
(412)
وجاء من طريق الحكم عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله أنه انتهى إلى الجمرة الكبرى جعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه
ورمى بسبع وقال: هكذا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة). وجاءت بعض روايات حديث ابن مسعود مفيدة أن النبي صلى الله عليه وسلم استقبل الكعبة عند رميه الجمرة كما في حديث المسعودي عن جامع بن شداد أبي صخرة عن عبد الرحمن بن يزيد قال:
لما أتى عبد الله جمرة العقبة استبطن الوادي واستقبل القبلة وجعل يرمي الجمرة على حاجبه الأيمن ثم رمى بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ثم قال: والله الذي لا إله إلا هو من ها هنا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة. واستقبال القبلة عند الرمي أمر قال باستحبابه جمع من الفقهاء"، غير أن الحديث أخرجه الترمذي) وهو مخالف للروايات الصحيحة التي فيها أن
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: رمي الجمار من بطن الوادي (1661).
(2) الشقصى، منهج الطالبين، ج 7، ص 265.
(3) کتاب الحج، باب ما جاء كيف ترمي الجمار (901). (5/412)
صفحة 2362
الرائد
(413)
13
اختلط).
جعل البيت عن يساره، وقد أعلت هذه الرواية بالمسعودي فقد
وللسابق رأى الجماهير من أهل العلم أن الأفضل رمي جمرة العقبة حيث رمى النبي من بطن الوادي، وأن يجعل الرامي مكة عن يساره ومنى عن
يمينه (2).
لكن اختلفوا أذلك على سبيل الوجوب فلا يصح رمي هذه الجمرة إلا من بطن الوادي أو أنه ندب فحسب.
ذهب جمع من الفقهاء إلى أن ذلك واجب فمن رمي الجمرة من أعلاها
لم يجزه رميه ذلك، قال العلامة ابن جعفر:
ومن رمى جمرة العقبة من فوقها يوم النحر فليعد الرمي من بطن الوادي، فإن ذبح وحلق قبل أن يعيده فيعيد الرمي وعليه دم، وإن كان في
غير يوم النحر فليعد ما كان بمنى ولا شيء عليه).
(1) العقيلي، الضعفاء، ج 2، ص 336، والمزي، تهذيب الكمال، ج 17، ص 219، والعلائي،
المختلطين، ص 72.
(2) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 20، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 442، والعبدري، التاج
والإكليل، ج 3، ص 126.
(3) البسيوي، الجامع، ج 2، ص 280. (5/413)
صفحة 2363
الرائد
(414)
والدليل للسابق حديث عبد الله بن مسعود السابق، ووجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم آمر أن تؤخذ المناسك عنه، والذي فعله الرمي من بطن الوادي فكان ذلك
متعينا.
وذهب آخرون إلى أن فعل النبي لا لا لا لا والذي حكاه ابن مسعود دليل أفضلية وليس دليل وجوب فيجوز رميها من غير الجهة التي رماها النبي، فضلا عن أنه قد يكون رمي النبي من أسفل الجمرة لسهولة الموضع وعسر أعلاها، فيكون فعله واقعة حال كما هو
الأظهر.
القول بإجزاء رمي من رمى العقبة من أعلاها العلامة أبو المؤثر ورجح وتابعه عليه العلامة أبو نبهان).
ووجه بعضهم رمي النبي الجمرة من أسفلها بأنه يتوقع الأذى إذا أعلاها لمن أسفلها؛ فإنه لا يخلو من مرور الناس فيصيبهم بخلاف
رموا من
الرمي من أسفل مع المارين من فوقها)
(1) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 360.
(2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 184، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 218،
والمرغيناني الهداية، ج 1، ص 147، والجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2، ص 170.
(3) أبو نبهان الحج، (مخطوط)، والصائغي لباب الآثار، ج 4، ص 114. (4) ابن الهمام، فتح القدير، ج 2، ص 486. (5/414)
صفحة 2364
الرائد
(10)
وقد ذكر بعض أهل العلم الإجماع على أنه من حيث رماها جاز سواء استقبلها أو جعلها عن يمينه أو عن يساره، أو رماها من فوقها أو أسفلها، أو وقف في وسطها ورماها؛ لأن ما حولها موضع نسك لكنه ترك الأفضل. واختلفوا في استقبال القبلة عند رمي جمرة العقبة، فنص بعضهم على
أفضلية استدبارها)، وقال ابن جماعة: ولا دليل لهم في ذلك).
وقال بعض الفقهاء بل يشرع استقبال القبلة، ومن الفقهاء من قال إنه
يجعل الكعبة على يساره، ومنى على يمينه ويستقبل الجمرة).
وروى ابن أبي شيبة حديث وكيع عن المسعودي عن جامع بن شداد عن عبد الرحمن بن يزيد أن عبد الله لما أتى إلى الجمرة العقبة استبطن الوادي واستقبل الكعبة وجعلها على حاجبه الأيمن ثم رماها بسبع حصيات يكبر
(1) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 582، وابن الضياء البحر العميق، ج 3، ص 1667،
وابن المنذر، الإجماع، ص 74.
(2) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 442.
(3) ابن جماعة هداية السالك، ج 3، ص 1223.
(4) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 68، والنووي، روضة الطالبين، ج 3، ص 110، والعبدري، التاج والإكليل، ج 3، ص 126. (5/415)
صفحة 2365
الرائد
(416)
مع كل حصاة).
وقد تقدم بيان ضعف هذا الحديث وأن الصحيح أن عبد الله بن مسعود
قد جعل مكة عن يساره، وحكى ذلك عن النبي.
وروى عن إسماعيل بن عياش عن ليث عن عطاء وطاوس ومجاهد
وسعيد بن جبير أنهم كانوا إذا رموا الجمار استقبلوا البيت".
ومع كون هذه الآثار غير مرفوعة هي ضعيفة في أسانيدها فإسماعيل وليث ممن لا يثبت حديثهم كما تقدم ذكرهم غير مرة.
وروى ابن عدي من طريق عاصم بن سليمان عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رمي
الجمرة يوم النحر وظهره مما يلي
مكة (3).
وعاصم بن سليمان الذي في الحديث هو العبدي الكوزي، وهو متروك
كما قال النسائي، بل قال ابن عدي: يعد فيمن يضع الحديث، وقال ابن
(1) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 404.
(2) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 404.
(3) ابن عدي الكامل، ج 5، ص 238.
(4) النسائي، الضعفاء والمتروكين، ص 78. (5/416)
صفحة 2366
الرائد
(417)
حبان كان ممن يروي الموضوعات عن الأثبات لا يحل كتابة حديثه إلا على
جهة التعجب).
وللسابق حكم الحافظ ابن حجر على الحديث بأنه موضوع.
وقال الجمل ويختص هذا بيوم النحر لتميزها فيه بخلاف بقية أيام
(4)
التشريق فإن السنة استقباله للقبلة في رمي الكل.
سادسا: الموالاة بين الحجارة السبع
ودليل السابق ظاهر فعل النبي، ومن الفقهاء من أطلق فقال: لا تشترط الموالاة بين الرميات بل يسن فيكره تركها، وقد حكى بعض أهل العلم الاتفاق على أن التفريق اليسير بينها لا يضر، واختلف في التفريق
الطويل.
(1) ابن عدي الكامل، ج 5، ص 237.
(2) ابن حبان المجروحين، ج 2، ص 126.
(3) ابن حجر، التلخيص الحبير، ج 2، ص 265.
(4) الجمل الحاشية على شرح المنهج، ج 2، ص 464.
6
(5) ابن عابدين، رد المحتار، ج 2، ص 514، والعبدري، التاج والإكليل، ج 3، ص 127.
(6) النووي، المجموع، ج 8، ص 141. (5/417)
صفحة 2367
الرائد
(418)
وذكر العلامة أبو المؤثر أن من رمى سبع حصيات دفعة واحدة أضاف
حصيات).
ستا من الحصى إن كان في موضعه، وإن انصرف فليعد رمي سبع وقال بعض الفقهاء إن من رمى جمرة العقبة بست حصيات وترك
واحدة إلى الليل أو إلى الغد ناسيا أو عامدا فإن كان ناسيا فليرم الواحدة من
الغد قبل أن يرمي الجمار، وإن كان عامدا فعليه الاستغفار ودم
وقال ابن جزي ويفرق بين كل حصاتين بقدر ما يمكث ساجدا في الصلاة، وهذا أمر فيه شيء من البعد؛ إذ التفريق معه ليس باليسير خاصة إن علمنا أن ثمة زحاما في الموضع، ومثله ينبغي التنبيه عليه في الرواية إذ هو خلاف الأصل، والظاهر أنه كان يرمي حجرا إثر حجر.
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 333. (2) الجيطالي، مناسك الحج، ج 2، ص 304. (3) ابن جزي، القوانين الفقهية، ص 90. (5/418)
صفحة 2368
الرائد
(19)
سابعا: إتيان مسجد الخيف بعد رمي جمرة العقبة
استحب بعض الفقهاء لمن رمى جمرة العقبة أن يأتي مسجد الخيف بعدها
فيصلي ركعتين قبل النحر، فإن لم يمكنه صلى في رحله ركعتين، ولا يكثر في الركعتين من تكبير العيدين.
والظاهر من فعل النبي أنه نحر بعد الرمي مباشرة كما يفيده حديث
جابر بن عبد الله، فالأولى الحرص على ما فعله النبي لا لا لا له.
(1) الكندي بيان الشرع، ج 23، ص 337، والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 231. (5/419)
صفحة 2369
الرائد
(420)
المبحث الثالث: نحر الهدي
ذكرنا في المبحث السابق أن النبي انصرف من جمرة العقبة بعد رميها
إلى نسك النحر، وقد وصف جابر بن عبد الله له فعله إذ قال:
سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى
الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها مثل
حصى
الخذف، رمى من بطن الوادي.
ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثا وستين بيده، ثم أعطى عليا فنحر ما غبر وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت لحمها وشربا من مرقها ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفاض إلى البيت.
فأكلا
من
وللسابق يندب لكل من أراد أن ينحر أو يذبح أن ينصرف بعد رمي
الجمرة مباشرة إلى النسك التالي كما فعل النبي.
والنبي صلى الله عليه وسلم تولى نحر ثلاث وستين من البدن بيده لذا نص جمع من الفقهاء على أن المستحب أن يتولى الناسك ذبح نسكه بيده"، مع جواز أن
(1) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب: حجة النبي (1218).
(2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 188، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 220، والنووي، (5/420)
صفحة 2370
الرائد
(TI)
ينوب عنه غيره في تولي النسك كما يفيد ذلك نحر الإمام علي بن أبي طالب ما بقي من بدن النبي.
كما يفيد السابق أن النبي ضحى عن نسائه البقر، وقد جاء من حديث يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن قالت: سمعت عائشة تقول: خرجنا
رسول الله صلى الله عليه وسلم الخمس بقين من ذي القعدة لا نرى إلا الحج فلما دنونا من مكة أمر رسول الله لمن لم يكن معه هدي إذا طاف وسعى بين الصفا والمروة أن يحل قالت: فدخل علينا يوم النحر بلحم بقر فقلت: ما هذا؟ قال: نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أزواجه.
وصفة الذبح والنحر وما يتعلق بأسنان الهدي أمر ليس خاصا بالمناسك فنعرض عن ذكره صفحا خشية الإطالة إذ بابه كتاب الذبائح والأضاحي كما
عليه أكثر المصنفين في كتاب الحج.
المجموع، ج 8، ص 144.
(1) أخرجه البخاري في كتاب: الحج، باب: ذبح الرجل عن نسائه من غير أمرهن (1623). (5/421)
صفحة 2371
الرائد
(422
المبحث الرابع: طواف الإفاضة
تبين من قبل أن أول المشروعات في اليوم العاشر هو الإفاضة إلى منى ثم
رمي جمرة العقبة وبعده ذبح الهدي لمن تعبد به ثم التحلل بالحلق أو التقصير، وقد مضى بيان السابق كله ولله الحمد والمنة.
والنبي صلى الله عليه وسلم بعدما تحلل بالحلق أفاض إلى مكة قاصدا طواف الزيارة، وقد
مضت أحكام طواف الإفاضة في الجزء الرابع من هذا الكتاب.
وصف جابر بن عبد الله {أفعال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك اليوم فقال: ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها مثل
حصى
الخذف رمى من بطن الوادي.
ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثا وستين بيده ثم أعطى عليا فنحر ما غبر، وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت فأكلا من لحمها وشربا من مرقها.
ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم فقال: انزعوا بني عبد المطلب فلولا أن يغلبكم (5/422)
صفحة 2372
الرائد
(423
الناس على سقايتكم لنزعت معكم فناولوه دلوا فشرب منه. واستحب جمع من الفقهاء دون إيجاب الشرب من ماء زمزم بعد الفراغ من طواف الإفاضة أخذا من فعل النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه جابر بن عبد الله. قال شيخنا القدوة العلامة الخليلي:
الشرب من ماء زمزم ليس من مناسك الحج وليس بواجب، وإنما هو ماء مبارك، وقد جاءت فيه روايات بعضها صحيح وبعضها دون ذلك). ومن الفقهاء من نص على الأمر بدخول زمزم وأن يشرب ثلاث جرع ويغسل صدره ووجهه ويصب على رأسه. ولم أجد للسابق نصا يؤيده غير أنه وردت في تعظيم شأن زمزم آثار منها ما جاء في حادثة إسلام أبي ذر الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: متى كنت ها هنا؟ قال: قلت قد كنتها هنا منذ ثلاثين بين ليلة ويوم قال: فمن كان يطعمك؟: قال: قلت ما كان لي طعام إلا ماء زمزم فسمنت حتى تكسرت عكن)
(1) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب: حجة النبي (1218).
(2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 193، والمرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 44.
(3) شيخنا الخليلي الفتاوى الكتاب الأول، ص 436.
6
(4) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 193، والمرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 44.
(5) العكن جمع عكنة، والعكن والأعكان الأطواء في البطن من السمن. (5/423)
صفحة 2373
الرائد
(424)
بطني، وما أجد على كبدي سخفة جوع، قال: إنها مباركة إنها طعام
طعم".
وبعد
6
أن طاف النبي صلى الله عليه وسلم طواف الإفاضة وشرب من ماء زمزم قفل راجعا إلى منى وقد اختلفت الروايات عنه في المكان الذي صلى فيه الظهر، فجابر بن عبد الله كما تقدم عنه - يروي أن صلاة النبي الظهر كانت في صلى الله عليه وسلم مكة - شرفها الله-.
وروى ابن عمر من صحابته لأنه صلاها في منى كما في حديث محمد
أن
بن رافع حدثنا عبد الرزاق أخبرنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى، قال نافع: فكان ابن عمر يفيض يوم النحر ثم يرجع فيصلي الظهر بمنى ويذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم
فعله (2).
والإشكال في الروايتين ظاهر، والجمع بينهما عسير إذ هو جمع بين النفي والإثبات، والترجيح بينهما مفتقر إلى الدليل ولا دليل يظهر، وللسابق قال
الفراهيدي، العين، ج 1، ص 203، وابن منظور، لسان العرب، ج 13، ص 288. (1) أخرجه جه مسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي ذر (2473). (2) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب: استحباب طواف الإفاضة يوم النحر (1308). (5/424)
صفحة 2374
الرائد
ابن حزم:
(425)
ثم رجـ من يومه ذلك إلى منى فصلى بها الظهر هذا قول ابن عمر، وقالت عائشة وجابر بل صلى الظهر ذلك اليوم بمكة، وهذا الفصل الذي
أشكل علينا الفصل فيه بصحة الطرق في كل ذلك، ولا شك أن أحد الخبرين وهم والثاني صحيح، ولا ندري أيهما هو.
(1)
وقد كانت لأهل العلم سبل مختلفة في الجمع بين الروايتين المختلفتين
فمنهم من توقف لعدم المرجح كما هو حال المنقول عن أبي محمد بن حزم. ومنهم من سلك جانب الترجيح فقال تترجح صلاته بمكة لكونها أفضل، ويؤيده ضيق الوقت؛ لأنه عليه الصلاة والسلام رجع قبيل طلوع الشمس من المشعر ورمى بمنى ونحر مئة من الإبل وطبخ لحمها وأكل منها ثم ذهب إلى مكة وطاف وسعى فلا شك أنه أدركه الوقت بمكة وما كان يؤخرها عن وقتها المختار لغير ضرورة، ولا ضرورة هنا والله أعلم. ومنهم من قال إن الأغلب أنه صلى الظهر في ذلك اليوم بمكة لوجوه
>
أحدها اتفاق عائشة وجابر على ذلك واختصاص عائشة بموضعه.
(1) ابن حزم، حجة الوداع، ص 124.
(2) العظيم أبادي، عون المعبود، ج 5، ص 268. (5/425)
صفحة 2375
الرائد
(426)
وأيضا حجة الوداع كانت في شهر آذار وهو وقت تساوي الليل والنهار
?
وقد دفع الله من مزدلفة قبيل طلوع الشمس إلى منى وخطب بها الناس ونحر بدنا عظيمة وتردد بها على الخلق ورمى الجمرة وتطيب ثم أفاض إلى مكة فطاف بالبيت سبعا وشرب من زمزم ومن نبيذ السقاية، وهذه الأعمال يبدو في الأظهر أنها لا تنقضي في مقدار يمكن معه الرجوع من مكة إلى منى قبل الظهر ويدرك بها صلاة الظهر في أيام آذار.
ومن أهل العلم من سلك مسلك الجمع بين الروايتين فقال: يحتمل أن يكون صلى منفردا في أحد الموضعين ثم مع جماعة في الآخر، أو صلى بأصحابه بمنى ثم أفاض فوجد قوما لم يصلوا فصلى بهم ثم لما رجع إلى منى وجد قوما آخرين فصلى بهم؛ لأنه لا يتقدمه أحد في الصلاة أو كرر الصلاة بمكة ومنى ليتبين جواز الأمرين في هذا اليوم توسعة على الأمة ويجوز أن يكون أذن في الصلاة في أحد الموضعين فنسبت إليه).
ومن الفقهاء من قال إنه الطاف للإفاضة قبل الزوال ثم صلى الظهر بمكة في أول وقتها، ثم رجع إلى منى فصلى بها الظهر مرة أخرى بأصحابه
(1) ابن حزم، حجة الوداع، ص 296.
(2) العيني، عمدة القاري، ج 10، ص 68. (5/426)
صفحة 2376
الرائد
(427)
حين سألوه ذلك، فيكون متنفلا بالظهر الثانية التي بمنى.
وهذا كما ثبت في صلاته ل ببطن نخل أحد أنواع صلاة الخوف فإنه صلى بطائفة من أصحابه الصلاة بكمالها وسلم بهم، ثم صلى بالطائفة
الأخرى تلك الصلاة مرة أخرى فكانت له صلاتان ولهم صلاة.
ومن أهل العلم من ضعف حديث ابن عمر الذي فيه الصلاة بمنى". وجاءت رواية تضاد السابق كله ومفادها أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف للزيارة ليلة الحادي عشر كما في حديث عمر بن محمد الهمداني قال: حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد قال: حدثني أبي عن جدي قال: حدثني خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن قتادة عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء ورقد رقدة بمنى ثم ركب إلى البيت
فطاف به.
والحديث أخرجه ابن حبان (3)، وقال عقبه جامعا بينه ورواية طوافه
قبل الظهر:
(1) النووي، شرح صحيح مسلم، ج 8، ص 193.
(2) ابن الملقن التوضيح لشرح الجامع الصحيح، ج 12، ص 140. (3) ابن حبان، صحيح ابن حبان، ج 9، ص 195. (5/427)
صفحة 2377
الرائد
(428)
في خبر ابن عمر أنه كان يفيض يوم النحر ثم يرجع فيصلي الظهر بمنى، وفي خبر أنس أنه صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء ورقد رقدة بمنى ثم ركب إلى البيت فطاف به فجعل أنس طوافه للزيارة بالليل وأخبر ابن عمر
أنه لا اله الطاف الزيارة قبل الظهر، وتلك حجة واحدة وطواف واحد للزيارة. والذي يجمع بين الخبرين به أنه رمى جمرة العقبة ونحر ثم تطيب للزيارة ثم أفاض فطاف بالبيت طواف الزيارة ثم رجع إلى منى فصلى الظهر بها والعصر والمغرب والعشاء ورقد رقدة بها، ثم ركب إلى البيت ثانيا فطاف بها طوافا آخر بالليل دون أن يكون بين الخبرين تضاد أو تهاتر اهـ. وجمع بعض أهل العلم بين الروايتين بقوله إن النبي صلى الله عليه وسلم طاف للزيارة قبل الظهر من يوم النحر إلا أنه في أيام منى كان يأتي مكة بالليل مستترا فيطوف فمن رأى ذلك منه ظن أن طوافه ذلك للزيارة فنقل كما وقع عنده. وجاءت رواية مفادها أن النبي صلى الله عليه وسلم أفاض بعدما صلى الظهر كما في حديث عبد الله بن سعيد الأشج ثنا سليمان بن حسان عن محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن بن القاسم عن عائشة قالت: أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع فمكث بمنى ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة
(1) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 22. (5/428)
صفحة 2378
الرائد
(429)
الأولى
إذا زالت الشمس كل جمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ويقف عند وعند الثانية فيطيل القيام ويتضرع، ثم يرمي الثالثة ولا يقف عندها. والحديث أخرجه ابن خزيمة، ولكنه يعل بعنعنة ابن إسحاق فلا
يصح، وقال عقبه جامعا بينه وحديث ابن عمر سابق الذكر
هذه اللفظة حين صلى الظهر) ظاهرها خلاف خبر ابن عمر الذي ذكرناه قبل أن النبي صلى الله عليه وسلم أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى، وأحسب أن معنى هذه اللفظة لا تضاد خبر ابن عمر لعل عائشة أرادت أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر يومه حين صلى الظهر بعد رجوعه إلى منى. فإذا حمل خبر عائشة على هذا المعنى لم يكن مخالفا لخبر ابن عمر، وخبر ابن عمر أثبت إسنادا من هذا الخبر.
وخبر عائشة ما تأولت من الجنس الذي نقول إن الكلام مقدم ومؤخر كقوله (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا، ومثل هذا في القرآن كثير قد بينت بعضه في كتاب معاني القرآن وسأبين باقيه إن شاء الله، وهذا كقوله (وَلَقَدْ خَلَقْنَكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَبِكَةِ
(1) ابن خزيمة، صحيح ابن خزيمة، ج 4، ص 311.
(2) سورة الكهف، الآية (1). (5/429)
صفحة 2379
الرائد
(r.) ***
آخر
أَسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّجِدِينَ). فمعنى قول عائشة - على هذا التأويل - أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه ثم رجع حين صلى الظهر فقدم حين صلى الظهر قبل قوله ثم رجع كما قدم الله عز وجل خلقناكم قبل قوله ثم صورناكم والمعنى صورناكم ثم خلقناكم.
ومما جاء بالسابق حديث محمد بن المثنى قال حدثنا عبد الرحمن قال: حدثنا سفيان عن أبي الزبير عن عائشة وابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أخر الطواف يوم النحر إلى الليل.
والحديث أخرجه النسائي في الكبرى"، وقال البيهقي بعد روايته: وأبو الزبير سمع من ابن عباس، وفي سماعه من عائشة نظر قاله البخاري، ومع سماعه لا بد من أن يصرح بالتحديث، وقد أعل ابن حزم هذا الحديث بعنعنة
أبي الزبير.
عمر بن قيس عن عبد الرحمن بن القاسم عن القاسم بن محمد عن
(1) سورة الأعراف الآية (11)
(2) النسائي، السنن الكبرى، ج 2، ص 460.
(3) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 144. (5/430)
صفحة 2380
الرائد
(431)
عائشة < أن النبي لا أذن لأصحابه فزاروا البيت يوم النحر ظهيرة، وزار رسول الله صلى الله عليه وسلم مع نسائه ليلا).
وهذا الحديث لا يصح بل هو مخالف لما استقر من رواية الثقات عن
جماعة من أصحابه و أنه طاف للزيارة نهار اليوم العاشر.
جعفر بن عون أنبأ مسعر عن عبد الملك بن ميسرة عن طاوس أن رسول
(2)
الله صلى الله عليه وسلم طاف طواف يوم النحر من الليل، والحديث مرسل فلا يعارض به
الأحاديث الصحاح.
(1) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 144.
(2) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 144. (5/431)
صفحة 2381
الرائد
(432
المبحث الخامس: حكم الترتيب بين أعمال اليوم العاشر
الإتيان بأعمال اليوم العاشر على وفق ما أتى النبي صلى الله عليه وسلم أمر لا يختلف في أفضليته وأنه أولى ما يحافظ عليه المتنسك، وعليه فيرمي جمرة العقبة بعد
طلوع الشمس ثم يذبح ثم يحلق أو يقصر ثم يطوف طواف الإفاضة). والفقهاء مختلفون في حكم الترتيب بين الأعمال السابقة فذهب جمع من الفقهاء إلى أن الترتيب السابق ليس بواجب بل هو سنة وللناسك أن يقدم أيها شاء ويؤخر أيها شاء".
وهؤلاء يجعلون وقت كل عمل من الأعمال الثلاثة يبدأ بوقت رمي جمرة العقبة، فمن يقول منهم بأن وقتها انتصاف ليلة العيد يقول أيضا بأنه وقت للطواف والحلق؛ إذ الترتيب بين الأعمال المذكورة ليس بواجب فتدخل أوقاتها في وقت أول الأعمال).
ودليل عدم وجوب مراعاة الترتيب بين أعمال اليوم العاشر جاء من طرق منها حديث عبد العزيز بن رفيع عن عطاء عن ابن عباس قال رجل
(1) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 319، وابن مفلح، المبدع، ج 3، ص 245. (2) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 316، والمرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 42. (3) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 316، والمرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 43. (5/432)
صفحة 2382
الرائد
(433
للنبي صلى الله عليه وسلم: زرت قبل أن أرمي؟ قال: لا حرج، قال: حلقت قبل أن أذبح؟
قال: لا حرج، قال: ذبحت قبل أن أرمي؟ قال: لا حرج".
كما جاء من حديث حماد بن سلمة عن قيس بن سعد عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله أن رجلا قال يا رسول الله، ذبحت قبل أن أرمي؟ فقال: ارم ولا حرج فقال آخر: يا رسول الله حلقت قبل أن أذبح؟ قال: اذبح ولا حرج، فقال آخر: طفت قبل أن أرمي يا رسول الله؟ فقال: ارم ولا حرج".
وجاء السابق من حديث زيد بن علي عن أبيه عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي عن النبي أن رجلا أتاه فقال: أفضت قبل أن أحلق، قال: فاحلق أو قصر ولا حرج (3).
كما جاء السابق من حديث بشر بن معاذ العقدي قال: حدثنا عمر بن علي قال: سمعت الحجاج يذكر عن عبادة بن نسي قال: حدثني أبو زبيد قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو بين الجمرتين-
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: الذبح قبل الحلق (1635).
(2) ابن حبان صحيح ابن حبان، ج 9، ص 190.
(3) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 363. (5/433)
صفحة 2383
الرائد
434
عن رجل طاف بالبيت قبل أن يرمي، وحلق قبل أن يذبح، قال: لا حرج، ثم
قال: أيها الناس إن الله قد رفع عنكم الضيق والحرج ولكن تعلموا مناسككم
فإنها من دينكم.
وقال الطبري بعد إخراج الروايات السابقة:
من
والذي فيها من ذلك الإبانة من النبي الله عن صحة قول القائلين بأن قدم شيئا من نسك حجه عن وقته قبل شيء منه هو أولى بتقديمه عليه، أو أخر شيئا منه عن موضعه على شيء هو أولى بتقديمه على ما قدمه عليه فلا حرج عليه ولا فدية ولا جزاء.
وذلك أن الفدية والجزاء في النسك إنما هو عوض من تقصير في واجب وتضييع للازم قد فات وقت عمله وحرج بتضييعه وأثم بتقصيره فيه، وفي إعلام النبي أمته أنه لا حرج على من قدم شيئا من مناسك حجه التي صفتها ما ذكرت قبل شيء منها أو أخر شيئا منها عن موضعه أبين البيان وأوضح البرهان على أن لا كفارة على من أعلم أنه لا حرج عليه فيما فعل من ذلك ولا فدية؛ إذ كان من زال عنه الحرج زائلا عنه البدل الذي كان له لازما
(1) الطبري، تهذيب الآثار (مسند علي)، ج 1، ص 227. (5/434)
صفحة 2384
الرائد
35
لو كان حرجا وذلك الفدية والكفارة والجزاء).
وأما كون الترتيب سنة ففعل النبي الله الذي اتفق على كونه هو الأولى
بأن يقتفى كما تقدم ذكر ذلك، وقد ثبت ترتيبه.
و مما قد يستفاد منه عدم وجوب الترتيب ما رواه ابن أبي شيبة عن ابن نمير عن ابن أبي ليلى عن عطاء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قدم من حجه
(2)
شيئا مكان شيء فلا حرج، ولكن الحديث مرسل وفي إسناده ابن أبي ليلى وهو ضعيف كما تقدم. لكن رواه ابن أبي شيبة بعده بإسناد حسن من طريق وكيع عن الليثي عن عطاء عن جابر عن النبي: من قدم من حجه شيئا مكان شيء
فلا حرج
أسامة
أخل
وذهب بعض الفقهاء إلى أن الترتيب واجب من حيث الأصل لكن من به جهلا أو نسيانا فلا حرج عليه، ومن أخل به ممن كان من غير
(1) الطبري، تهذيب الآثار (مسند علي)، ج 1، ص 229.
(2) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 363.
(3) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 363. (5/435)
صفحة 2385
الرائد
436
السابقين المعذورين فعليه دم.
ودليل هذا القول أنه جاء في بعض طرق الحديث السابق أن السائل صرح بعدم شعوره حينما ارتكب الخطأ السابق أو أنه ما كان يعرف أن الفعل الفلاني مشروعيته أن يكون قبل الفعل الفلاني فقدم ما حقه التأخير، كما في حديث الإمام الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغني عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال في حجة الوداع:
إن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح، فقال له: اذبح ولا حرج، فجاءه آخر فقال له: يا رسول الله لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي، فقال: ارم ولا حرج فما سئل في ذلك اليوم عن شيء إلا قال: ولا حرج. وجاء متصلا من طريق مالك عن ابن شهاب عن عيسى بن عبد الله بن عمرو أن رسول الله وقف في حجة الوداع فجعلوا يسألونه فقال رجل: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح؟ قال: اذبح ولا حرج، فجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي؟ قال: ارم ولا حرج، فما سئل يومئذ عن
طلحة عن
(1) الكندي بيان الشرع، ج 23، ص 232 والسالمي شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 258، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 230، والمرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 42. (5/436)
صفحة 2386
الرائد
37
شيء قدم ولا أخر إلا قال افعل ولا حرج".
وجاء الحديث من طريق يحيى بن سعيد حدثنا ابن جريج حدثني الزهري عن عيسى بن طلحة عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله
عنه - حدثه أنه شهد النبي لا يخطب يوم النحر فقام إليه رجل فقال: كنت أحسب أن كذا قبل كذا، ثم قام آخر فقال: كنت أحسب أن كذا قبل كذا حلقت قبل أن أنحر، نحرت قبل أن أرمي، وأشباه ذلك فقال النبي افعل ولا حرج لهن كلهن، فما سئل يومئذ عن شيء إلا قال: افعل ولا
عن
كما روى التقييد بعدم الشعور ابن وهب عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب، وصالح عن ابن شهاب، وزاد في آخره: فما سمعته يسأل يومئذ أمر مما ينسى المرء ويجهل من تقديم بعض الأمور قبل بعض وأشباهها إلا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: افعلوا ذلك ولا حر
(3)
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: الفتيا على الدابة عند الجمرة (1649)، ومسلم في كتاب الحج، باب: من حلق قبل النحر أو نحر قبل الرمي (1306).
:
(2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب الفتيا على الدابة عند الجمرة (1650). (3) أخرجه مسلم في كتاب: الحج، باب: من حلق قبل النحر أو نحر قبل الرمي (1306). (5/437)
صفحة 2387
الرائد
(38)
وبين الإمام السالمي - وجه الدلالة من حديث التقييد بعدم الشعور على أن الناسي والجاهل معفو عنه فقال:
قول السائل لم أشعر أي لم أعلم، فهذا يدل على أن الرخصة لهذا الجاهل أو المخطئ، ويؤيد ذلك ما في رواية عند مسلم: فما سمعته يسأل يومئذ عن مما ينسى المرء أو يجهل من تقديم بعض الأمور قبل بعض وأشباهها إلا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم افعلوا ولا حرج.
وأيضا فإن الدليل دل على وجوب اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم في الحج بقوله: خذوا عني مناسككم، والأحاديث المرخصة في تقديم ما وقع عنه قرنت بقول السائل لم أشعر فيختص هذا الحكم بهذه الحالة وتبقى صورة العمد على أصل وجوب الاتباع في الحج. وأيضا الحكم إذا رتب على وصف يمكن أن يكون معتبرا لم يجز اطراحه،
ولا شك أن
عدم الشعور مناسب لعدم المؤاخذة وقد علق به الحكم فلا
يصح اطراحه).
ومن غير شك أن هذا الدليل قوي جدا ولكن أصحاب الزهري الذين
(1) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 259، وابن حجر، فتح الباري، ج 3،
ص 572. (5/438)
صفحة 2388
الرائد
439
رووا عنه حديث عبد الله بن عمرو بن العاص اختلفوا فالمذكورون قبل
رووه مع قيد عدم الشعور الذي قام عليه هذا الدليل
لكن رواه آخرون من أصحاب الزهري بدون القيد السابق بل على نسق الأكثر من الصحابة كما في رواية ابن عباس وعلي وجابر بن عبد الله وأسامة بن شريك، ومن تلامذته الذين رووه عنه دون التقييد بعدم الشعور سفيان بن عيينة، ومعمر ومحمد بن أبي حفصة، وكل ذلك عند مسلم في صحيحه. وروى النسائي أيضا عدم التقييد بعدم الشعور في الرواية السابقة من طريق عمرو بن علي قال: حدثنا يحيى قال حدثنا مالك قال: حدثني
الزهري.
وقد اعترض بعض أهل العلم الاستدلال السابق الذي ساقه الإمام السالمي وغيره بأن الجاهل والناسي لا يضع عنهما عذرهما المذكور حكم المتعمد في موضع مناسك الحج، وإنما يضع الإثم.
وذلك أنه لا خلاف بينهم أن جاهلا من الحاج لو جهل ما عليه فلم يرم الجمرات حتى انقضت أيام الرمي أن حكمه في الفدية كالعامد، وكذلك
(1) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب: من حلق قبل النحر أو نحر قبل الرمي (1306). (2) النسائي، السنن الكبرى، ج 2، ص 447. (5/439)
صفحة 2389
الرائد
(40)
تارك الوقوف جاهلا أو ناسيا حتى انقضى وقته، فكذلك مقدم الشيء من ذلك ومؤخره الجاهل والعامد فيه سواء لأنه قال: لا حرج، ولم يفصل
بجوابه بينهم
(1)
ومن السابق تكون الأقوال ثلاثة أولها لا يجب الترتيب مطلقا، وثانيها يجب الترتيب مطلقا، وثالثها التفريق بين غير المتعمد كالجاهل والناسي فيعفى عن التقديم والتأخير، والمتعمد تلزمه الفدية.
وقال ابن عبد البر: ولا يحلق حتى ينحر هديه، فإن حلق قبل أن ينحر،
أو نحر قبل أن يحلق، أو قبل أن يرمي فلا حرج، ولا يحلق حتى يرمي،، فإن حلق قبل الرمي فعليه عند مالك الفدية).
وذهب الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة له إلى أن الرخص السابقة المذكورة في الأحاديث خاصة بأولئك السائلين دون غيرهم، قال الإمام السالمي مبينا دليل هذا القول:
لأن الناس يومئذ لم يعلموا أحكام المناسك على التمام، وإنما خرجوا معه ليأخذوا مناسكهم فناسب أن يعذر المخطئ يومئذ لتعذر الاطلاع من
(1) ابن الملقن التوضيح، ج 12، ص 110.
(2) ابن عبد البر، الكافي، ص 144. (5/440)
صفحة 2390
الرائد
(441)
جميع الأشخاص على أفعال المصطفى في الوقت الواحد فرخص لهم في ذلك اليوم لهذا العذر، وقد استقرت الأحكام وانتشرت بعد ذلك اليوم فلا عذر
لجاهل ولا مخطئ عن وجوب الفداء).
وقال ابن قدامة عن الترتيب بين الحلق والنحر: لا نعلم خلافا بينهم في
أن مخالفة الترتيب لا تخرج هذه الأفعال عن الإجزاء، ولا تمنع وقوعها
موقعها، وإنما اختلفوا في وجوب الدم.
وعلى كل الأحوال سواء قلنا إن الترتيب واجب أم ليس بواجب يظهر
أنه ليس بشرط، وعلى القول بالوجوب يلزم المفرط فيه ما يلزم المفرط
للواجب في الحج التوبة وحدها، أو التوبة مع الدم.
ونفي الشرطية عنه كان لعلة أن الشارع ناص على العفو عمن فرط فيه دون عمد كما في الأحاديث السابقة، والشروط من باب خطاب الوضع الذي لا يفرق فيه بين عمد وغيره، وبانتفاء خطاب الوضع يكون الأمر بالترتيب من باب خطاب التكليف الذي يفرق فيه بين العمد فيأثم صاحبه وبين غير العمد فلا يأثم.
(1) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 259.
(2) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 231. (5/441)
صفحة 2391
[صفحة فارغة] (5/442)
صفحة 2392
الفصل التاسع: أعمال أيام التشريق
المبحث الأول: تعريف أيام التشريق
المبحث الثاني: المبيت بمنى
المبحث الثالث: رمي الجمرات
المبحث الرابع: النفر من منى
المبحث الخامس: النزول بالمحصب (5/443)
صفحة 2393
[صفحة فارغة] (5/444)
صفحة 2394
الرائد
(445)
أيام التشريق هي
المبحث الأول: تعريف أيام التشريق
الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من شهر ذي
الحجة، والأول منها يسمى يوم القَر لقرار الناس في منى بعد أن كانوا يوم
التروية ويوم عرفة ويوم النحر في تعب من الحج.
ومن باب الإطلاق السابق حديث عبد الله بن قرط عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن أعظم الأيام عند الله تبارك وتعالى يوم النحر ثم يوم القر.
ويسمى أيضا يوم الرؤوس؛ لأن الناس يأكلون رؤوس ذبائحهم، قال الزمخشري: أهل مكة يسمون يوم القريوم الرؤوس لأنهم يأكلون فيه رؤوس الأضاحي، ومن باب الإطلاق السابق حديث ربيعة بن عبد الرحمن بن حصن حدثتني جدتي سراء بنت نبهان وكانت ربة بيت في الجاهلية - قالت: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الرؤوس فقال: أي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله
(1) أخرجه أبو داود في كتاب المناسك، باب في الهدي إذا عطب قبل أن يبلغ (1765)، والحديث صححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم بإخراجهم إياه. ابن خزيمة، صحيح ابن خزيمة، ج 4، ص 315، وابن حبان، صحيح ابن حبان، ج 7،
ص 51، والحاكم، المستدرك، ج 4، ص 246.
(2) الزمخشري، أساس البلاغة، ص 212، والزبيدي، تاج العروس، ج 16، ص 09 (5/445)
صفحة 2395
الرائد
(446)
أعلم، قال: أليس أوسط أيام التشريق؟.
أما الثاني عشر فيوم النفر الأول، والثالث عشر يوم النفر الثاني، كما يسمى يوم الخلا؛ لأن منى تخلو فيه منى تخلو فيه من أهلها، وسبب تسمية هذه الأيام بالتشريق فيه وجوه لأهل العلم فمنهم من يقول سميت بذلك لإشراقها
(3)
نهارا بنور الشمس وليلا بنور القمر)، ويشكل عليه أنه لو كان من السابق لكانت أيام الإشراق.
ومنهم من قال إنها سميت أيام التشريق لأن الهدي لا ينحر حتى تشرق الشمس، ومنهم من قال سميت بالتشريق؛ لأن الناس يشرقون اللحم فيها في الشمس، أي ينشرونها في الشمس ويقددونها).
(1) أخرجه أبو داود في كتاب المناسك باب أي يوم يخطب بمنى (1953)، وربيعة بن عبد الرحمن لا يعرف توثيقه إلا عن ابن حبان، وقال الذهبي تابعي فيه جهالة. الذهبي،
ميزان الاعتدال، ج 3، ص 68.
(2) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 320، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 194، وابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 575.
(3) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 194. (4) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 342. (5) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 194. (5/446)
صفحة 2396
الرائد
(447)
المبحث الثاني: المبيت بمنى
ذكرنا في الفصل السابق أن النبي رجع بعدما أفاض إلى منى، وقد
بقي بها أيام التشريق يبيت الليل فيها ويرمي الجمار بعد الزوال، إلى أن نفر
منها بعد رمي
الثالث عشر إلى منطقة المحصب بين مكة ومنى.
والذي يدل عليه فعل النبي صلى الله عليه وسلم أنه استقر بمنى طيلة أيام التشريق، وأرجح الروايات أنه ما خرج من منى بعد طواف الإفاضة إلا بعد أن نفر اليوم الثالث، وعليه فالمشروع للحاج أن يمكث أيام منى بها وأن لا يغادرها فما هي إلا يومان ونصف لمن أكمل العدة، أو يوم ونصف لمن
بعد رمي
تعجل.
والبقاء في منى نهارا كما هو ثابت من فعل النبي - لم يتعرض له الفقهاء السابقون بذكر من حيث حكمه على ما رأيت، لكن ذكروا المبيت بمنى وحكمه، ولا أدري لم هذا الاقتصار عليه مع أن المبيت والمقيل ثابتان
عنه.
قال العلامة أبو المؤثر: الذي نستحبه إذا ازدار البيت أن يرجع إلى منى
(1) الهيتمي، الحاشية على الإيضاح، ص 397. (5/447)
صفحة 2397
الرائد
(448)
ثم لا يبرح فيها حتى ينفر متعجلا في اليومين أو متأخرا إلى ثلاثة أيام. والفقهاء لما اقتصروا على ذكر المبيت ليالي التشريق بمنى اختلفوا في حكمه بعد الاتفاق على أنه مشروع ومأمور به، فذهب بعضهم إلى أنه واجب)، ونسب هذا الرأي إلى الأكثر، ومن هذا الباب ما رواه ابن أبي
شيبة عن ابن فضيل عن ليث عن عطاء عن ابن عباس أنه قال: لا يبيتن من وراء العقبة ليلا بمنى أيام التشريق.
أحد
وروى عن ابن نمير عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر كان أن يبيت أحد ينهى
أحد من وراء العقبة وكان يأمرهم أن يدخلوا منى، وروى
عن زيد بن الحباب عن حسن بن عبد الله المزني قال: سمعت محمد بن کعب
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 267.
(2) النووي، شرح صحيح مسلم، ج 9، ص 63.
(3) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 270، والنووي المجموع، ج 8، ص 177، وابن
قدامة، المغني، ج 3، ص 231، والجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2، ص 172.
(4) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 343.
(5) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 297، وفي إسناده ليث بن أبي سليم وهو ضعيف.
(6) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 297. (5/448)
صفحة 2398
الرائد
(449)
يقول: من السنة إذا زرت البيت أن لا تبيت إلا بمنى".
وروى الإمام مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر
قال: لا يبيتن أحد من الحاج ليالي منى من وراء العقبة.
أن
عمر بن الخطاب
وقال الشيخ عامر الشماخي: وأما المبيت بمنى ليالي منى سنة" اهـ، ويريد بالسنة هنا أي السنة الواجبة، أو الواجب الذي ثبت بالسنة بدليل أنه لأحد
رتب بعد ذلك الدم على من لم يبت وقال الشيخ الجيطالي: ولا يجوز أن يبيت ليالي منى في غيرها.
والقائلون بوجوب المبيت بمنى ليالي التشريق استدلوا بأمور أولها فعل النبي إذ إنه قد قال: خذوا عني مناسككم، والأصل عند جماعة من أهل
كما استدل القائلون بالوجوب بحديث نافع عن ابن عمر له أن العباس
(1) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 297.
(2) مالك بن أنس، الموطأ، ج 1، ص 406.
(3) الشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 436.
(4) الجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2، ص 172، والجيطالي، مناسك الحج، ج 2، ص 325.
(5) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 232. (5/449)
صفحة 2399
الرائد
(0.)
استأذن النبي ليبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له، ووجه
الدلالة
لغيره (2).
من
السابق أن تخصيص العباس بالرخصة دليل على أنه لا رخصة
والسابق استدلال بمفهوم اللقب، وهو على رأي الجمهور من أهل العلم ليس بحجة، لكن ذكر العلة بعد المنطوق السابق يستفاد منه أن الإذن كان لكل من تحققت فيه العلة المنصوصة أو معناها، ومن لم تتحقق فيه يستحق الرخصة، ومن لم يستحق الرخصة وجب عليه المبيت بمنى.
محمد
وجاء النص صريحا بحصر الرخصة بالعباس كما في حديث علي بن وهناد بن السري قالا: ثنا أبو معاوية عن إسماعيل بن مسلم عن عطاء عن ابن عباس قال: لم يرخص النبي صلى الله عليه وسلم لأحد يبيت بمكة إلا للعباس من أجل
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: هل يبيت أصحاب السقاية أو غيرهم بمكة ليالي مني (1658)، ومسلم في كتاب الحج، باب وجوب المبيت بمنى ليالي أيام التشريق والترخيص في تركه لأهل السقاية (1315).
(2) النووي، المجموع، ج 8، ص 176، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 232.
(3) السالمي، طلعة الشمس، ج 1، ص 265، والسيابي، فصول الأصول، ص 150. (5/450)
صفحة 2400
الرائد
السقاية).
(201)
وأورده الحافظ ابن حجر من حديث إسحاق أخبرنا أبو عامر العقدي
ثنا أيوب بن سنان عن عطاء عن ابن عباس قال: لم يرخص لأحد أن يبيت
عن منى إلا للعباس بن عبد المطلب من أجل سقايته).
ومع
الوجوب الذي يقول به هؤلاء إلا أنه يجوز لأهل سقاية العباس إذا
رجموا جمرة العقبة يوم النحر أن يدعوا المبيت بمنى ليالي منى، وقد تقدم
النص على ذلك من حديث استئذان العباس من النبي.
والعلة منصوصة أن الإذن كان لأجل السقاية، وعليه فكل من تحققت فيه العلة السابقة كان مأذونا له في البيتوتة خارج منى لدوران الحكم مع علته أينما وجدت، وهذا الذي عليه الأكثر، ومن الفقهاء من قال إن رخصة السقاية خاصة بأهل بيت المصطفى وهم بنو هاشم لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أرخص لأهل السقاية من أهل بيته، ومنهم من قال إن رخصة السقاية
(1) أخرجه ابن ماجه في كتاب المناسك، باب: البيتوتة بمكة ليالي منى (3066).
(2) ابن حجر، المطالب العالية، ج 7، ص 40.
(3) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 337. (5/451)
صفحة 2401
الرائد
(452)
خاصة بأولاد العباس.
والرأيان الأخيران ضعيفان؛ لأنه لا مستند لهما ولا مناسبة فيهما إذ الترخيص كان للاشتغال عن المبيت بما هو أولى منه إذ السقاية الحاجة إليها
عامة، والحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة كما هو في القاعدة الفقهية.
و ممن رخص لهم في ترك المبيت بمنى الرعاة كما يفيد ذلك حديث مالك بن أنس حدثني عبد الله بن أبي بكر عن أبيه عن أبي البداح بن عاصم بن عدي عن أبيه قال: رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم لرعاء الإبل في البيتوتة أن يرموا يوم النحر ثم يجمعوا رمي يومين بعد يوم النحر فيرمونه في أحدهما).
وفرق بعض الفقهاء بين عذر سقاية الحجيج وعذر الرعي في البيتوتة بمنى ليالي التشريق فأثبت الرخصة بإطلاق للسقاة، وقصر الرخصة للرعاة بما إذا لم تغرب عليهم الشمس بمنى، فإن غربت لزمهم المبيت، ووجه ذلك أن السقاية يحتاج إليها في الأوقات كلها، أما الرعي فليس يكون في الليل"،
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 270، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 435. (2) أخرجه الترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في الرخصة للرعاء أن يرموا يوما ويدعوا يوما (955)، وقال: حسن صحيح. (3) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 198، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 434، وابن (5/452)
صفحة 2402
الرائد
(or)
أو كما قال آخرون إن الإبل لا ترعى في الليل والماء يجمع وتتعهد السقاية
بالليل.
والأولى من السابق أن يقال فيه بقاعدة تقدير الضرورة بقدرها للطرفين
كليهما، فكل من أمكنه المبيت دون الوقوع في المشقة لزمه ذلك على هذا
القول، ومن تحققت فيه المشقة رخص له.
والترخيص السابق للرعاة والسقاة يؤخذ منه الترخيص لكل صاحب
عذر كالمرضى ومن له مال يخاف ضياعه ونحوهم في ترك المبيت بمنى ليالي التشريق إذ النبي صلى الله عليه وسلم نص على الرعاة والسقاة لمعنى وجد في غيرهم فوجب
(2)
إلحاقه بهم"
وفي بيان الشرع عن العلامة أبي المؤثر:
أرأيت الرجل تعنيه الحاجة إلى مكة وغيرها فيدركه الليل، هل عليه بأس؟ قال: ما لم ينم فلا أرى عليه بأسا قلت فإن خرج من منى في الليل
قدامة، المغني، ج 3، ص 256.
(1) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 434.
(2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 197، والغزالي، الوسيط، ج 2، ص 666، والرافعي،
العزيز، ج 3، ص 435، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 256. (5/453)
صفحة 2403
الرائد
(454)
(1)
ورجع إلى الليل؟، قال: لا بأس إن شاء الله تعالى ما لم ينم في غيرها، قلت:
فإن لم يرجع إلى منى حتى أدركه الصبح؟ قال: لا بأس، قلت: فإن نام في غير منى في ليل أو نهار؟، قال: أما النهار فلا أرى عليه بأسا، وأما الليل فلا أوجبه عليه برأي.
ومن الفقهاء من قال إن الرعاة وأهل السقاية مخصوصون بذلك دون غيرهم من أصحاب الأعذار لتخصيصهم بالرخصة وما يعود بتأخيرهم من الرفق والمعونة فباينوا غيرهم من أصحاب الأعذار، ومنهم من قال إن غير السقاة والرعاة لا يلحقون لأن شغلهم ينفع الحجيج عامة، وأعذار غيرهم تخصهم.
بهم
والقائلون بالوجوب نصوا على أنه متعلق بأكثر الليل فله أن يخرج أوله
أو آخره إن قضى أكثره في منى.
(1) كذا في الأصل.
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 267.
(3) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 198.
(4) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 435.
(5) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 274، والطحاوي، شرح مشكل الآثار، ج 4، (5/454)
صفحة 2404
الرائد
455
ومنهم من قال إن المبيت متعلق بطلوع الفجر بمنى، فمن غاب عنها الليل كله ولكن طلع عليه الفجر فيها فقد أدى حق المبيت.
ومن هؤلاء من نص على أنه إن كان الاشتغال عن المبيت بطواف الإفاضة لم يكن عليه فدية لأن الطواف عمل لازم من أعمال الحج ووقت الليل من الأوقات التي يجوز أن يطاف فيها، وفي هذه الأيام قد يخرج أناس لطواف الإفاضة رواح اليوم العشر ولا يرجعون بسبب الزحام- إلا آخر الليل، فلا يكون عليهم حرج للسابق.
واختلف القائلون بالوجوب فيمن ترك المبيت بمنى فذهب بعضهم إلى أن الليلة يجب بها مد من طعام، والليلتان مدان، والثلاث دم، وقيل بل في الليلة الواحدة درهم، وفي الليلتين در همان وفي الثلاث شاة، وقيل في الليلة الواحدة ثلث شاة).
ص 227، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 205، والنووي، المجموع، ج 8،
ص 177.
(1) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 333. (2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 205.
(3) المرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 47. (5/455)
صفحة 2405
الرائد
(207)
واعترض ابن قدامة القول الأخير بأنه لا نظير له فإننا لا نعلم كما
يقول - في ترك شيء من المناسك درهما ولا نصف درهم فإيجابه بغير نص تحكم لا وجه له.
وقال الإمام أبو سعيد الكدمي:
وفي قول أصحابنا من بات بمكة بعد الزيارة أو نام بها مطمئنا أن عليه دما، ولا أعلم بينهم في ذلك اختلافا، وأما من نام بعد أن خرج منها أعني مكة شرفها الله تعالى- تلك الليلة بعد الزيارة فمعي أن فيه تشديدا أن يبيت دون منى، ويختلف فيه في معاني وجوب الجزاء، وأرجو أن بعضا يرى عليه الجزاء وبعضا لا يرى عليه جزاء.
وأما ليالي منى غير ليلة الزيارة فمعي أنه يختلف فيها من قول أصحابنا فيمن نام بمكة فيهن، وأحسب فيمن نام في غير منى من غير عذر فمعي أن بعضا يرى عليه الكفارة دما لكل ليلة، وأرجو أن بعضا يرى عليه لليالي كلها دما ولكل ليلة مسكين، وأرجو أن بعضا لا يرى عليه الكفارة ولا نأمر
بذلك).
(1) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 231. (2) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 270. (5/456)
صفحة 2406
الرائد
(457)
وقد علق ابن حزم على الأقوال المفصلة السابقة بقوله:
هذه الأقوال لا دليل على صحتها يعني الصدقة بدرهم أو بإطعام شيء أو بإيجاب دم أو بمد أو مدين أو ثلث دم أو ثلثي دم أو الفرق بين المبيت أكثر الليل أو أقله، وما كان هكذا فالقول به لا يجوز، وما نعلم لمالك ولا للشافعي في أقوالهم هذه سلفا أصلا لا من صاحب ولا من تابع.
وعلى القول السابق الناص على الوجوب يقال فيه إنه حكم تكليفي فيسقط عن غير المستطيع عليه لمرض أو نحوه، والشرع قد التفت إلى الحاجة فأسقط بها الوجوب كما هو حال الرعاة والسقاة، فما كان أشد من فهو أولى بالترخيص.
الحاجة
ومن الواقع هذه الأيام أن منى معمورة بالخيام التي تؤوي المقيمين بها وتوفر لهم شيئا من سبل الراحة وتجعل إقامتهم بمنى ممكنة مع ظروف هذا الزمان، غير أن هذه الخيام لا يستفيد منها إلا من دفع أجرتها وهي على مراتب بمقدار خدماتها وقربها من أماكن الجمرات.
ومن لم يستطع الخيام المذكورة بأن لم يجد المال الذي يستأجر به أو لم يجد
(1) ابن حزم، المحلى، ج 7، ص 185. (5/457)
صفحة 2407
الرائد
(201)
إلا الفئة الراقية منها والتي يعسر عليه أن يستأجرها فلا يكلف الإقامة في شوارع منى بل يسقط عنه الوجوب إذ بقاء الإنسان عرضة على الغادي والرائح، مع أذى الناقلات وأوساخ الطرق أمر ضرورته أدعى من ضرورة الرعاة والسقاة فيستحق صاحبه معه الترخيص في ترك المبيت مع عدم وجوب شيء عليه.
وذهب آخرون إلى أن المبيت بمنى ليالي التشريق ليس بواجب، ومن هذا القبيل ما رواه ابن أبي شيبة عن زيد بن الحباب قال: أخبرنا إبراهيم بن نافع قال: أخبرنا عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس قال: إذا رميت الجمار فبت حيث شئت (2).
وهؤلاء يرون أن العبادة المقصودة في أيام التشريق إنما هي رمي الجمار، وما المبيت في منى إلا وسيلة لذلك، وقد استدل هؤلاء بأثر ابن عباس السابق، وبأنه قد حل من حجه فلم يجب عليه المبيت بموضع معين كليلة
الحصبة.
(1) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 334، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 231، والزركشي،
الديباج، ج 1، ص 402.
(2) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 298. (5/458)
صفحة 2408
الرائد
(209)
والواقع أن الاستدلال بأثر ابن عباس فيه نظر؛ إذ المسألة مختلف فيها، وقد ذهب غيره من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وجوب المبيت، وعليه فلا يكون قول الصحابي حجة، أما الاستدلال الثاني فيرده أنه مع الإحلال من الحج تلزمه أفعال أخرى كالرمي الذي حكي الاتفاق على وجوبه، وإن كان لم يطف للإفاضة لزمه ذلك، وأما المبيت ليلة الحصبة فعدم وجوبه لعدم الدليل لا للإحلال من الإحرام.
ومما استدل به لنفي الوجوب عن المبيت بمنى حديث إبراهيم بن محمد بن عرعرة قال: دفع إلينا معاذ بن هشام كتابا وقال: سمعته من أبي ولم يقرأه، قال: فكان فيه عن قتادة عن أبي حسان عن ابن عباس أن نبي الله كان
يزور البيت كل ليلة ما دام بمنى
ووجه
(1)
الشاهد من ذلك أن النبي لا ما كان يبيت بمنى بل كان يذهب
للطواف، وذلك دليل على عدم الوج
والواقع أن عبارة النص لا تفيد المبيت من حيث وجوبه ولا عدم
6
(1) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 146، والطبراني، المعجم الكبير، ج 12، ص 205،
والرامهرمزي، المحدث الفاصل، ص 499. (5/459)
صفحة 2409
الرائد
(1.)
وجوبه، ولكن يستفاد نفي الوجوب من إشارة النص التي يكون مقتضى الأمر فيها أنه ما دام يزور البيت كل ليلة إذن هو لا يبيت بمنى.
وقد اعترض على هذا الاستدلال بأمرين:
أولهما: أنه حديث لا يصح، وقد قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: تحفظ
عن قتادة عن أبي حسان عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يزور البيت كل
ليلة؟
أنه
فقال: كتبوه من كتاب معاذ ولم يسمعوه، قلت: ها هنا إنسان يزعم قد سمعه من معاذ، فأنكر ذلك قال: من هو؟ قلت: إبراهيم بن عرعرة،
فتغير وجهه ونفض يده: وقال كذب، وزور سبحان الله ما سمعوه منه إنما
6
قال فلان كتبناه من كتابه ولم يسمعه سبحان الله واستعظم ذلك منه.
ثانيهما: ليس في الحديث دليل على أنه لم يكن يبيت بمنى إلا بإشارة ذلك فمن الجائز أن يطوف بالبيت ويرجع منى فيقضي فيها أكثر
بعيدة، ومع
الليل، وذلك هو المراد من المبيت، ويؤخذ من هذا الحديث جواز الخروج
(1) الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ج 6، ص 148. (5/460)
صفحة 2410
الرائد
(71)
منها إن كان ذلك مع البيتوتة فيها).
كما استدل لهذا الرأي بأن المبيت مشروع بمنى فوجب أن لا يتعلق به دم قياسا على ليلة عرفة، لكن اعترض عليه بأنه نسك مشروع بعد التحلل فوجب أن يكون واجبا يتعلق به الدم قياسا على الرمي، أما ليلة عرفة فليست
نسكا (3).
وممن ذهب إلى القول بعدم وجوب المبيت بمنى ليالي التشريق ابن حزم المحلى، وقد استدل لرأيه بقوله:
أهل السقاية مأذون لهم من أجل السقاية، وبات - بمنى ولم يأمر بالمبيت بها فالمبيت بها سنة وليس فرضا؛ لأن الفرض إنما هو أمره فقط، فإن قيل إن إذنه للرعاء وترخيصه لهم وإذنه للعباس دليل على أن غيرهم
بخلافهم.
قلنا: لا، وإنما كان يكون هذا لو تقدم منه - أمر بالمبيت والرمي فكان يكون هؤلاء مستثنين من سائر من أمروا، وأما إذا لم يتقدم منه أمر عليه
(1) الطحاوي، شرح مشكل الآثار، ج 4، ص 227.
(2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 205.
(3) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 206. (5/461)
صفحة 2411
الرائد
(TT)
السلام فنحن ندري أن هؤلاء مأذون لهم وليس غيرهم مأمورا بذلك ولا منهيا فهم على الإباحة).
والمبيت السابق لا يقصد به وجوب النوم بل أن يكون تلك الليالي في منى سواء نامها أو لم ينمها، وإن كان الأصل النوم، وإن لم ينم ليلا ونام نهارا أجزاه ذلك وليس عليه حرج من حيث المناسك مع غض الطرف عن الواجبات الأخرى، على أن لفظة المبيت لا تستلزم النوم كما يقول الشاعر:
أأبيت سهران الدجى وتبيته نوما وتبغي بعد ذاك لحاقي ومما قد يقع في أيامنا هذه أن من الناس من لا يجد نزلا يقضي فيه أيام التشريق إلا خارج منى، وفي هذا الحال يقال إنه لا حرج عليه أن يبيت خارج منى لكن يكون منزله متصلا بمنازل الحجاج والله تعالى ما كلف الناس حرجا وقد قال: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)، ويكون منزله متصلا بخيام الحجاج كالجماعة إذا امتلأ المسجد يصفون عند نهاية الصفوف ويكون
حكم المصلين داخل المسجد.
(1) ابن حزم، المحلى، ج 7، ص 184.
(2) سورة التغابن جزء من الآية (16).
(3) ابن عثيمين، مجموع الفتاوى، ج 23، ص 240. (5/462)
صفحة 2412
الرائد
(Tr)
63
المبحث الثالث: رمي الجمرات
تقدم في الفصل السابق رمي جمرة العقبة وأحكام الرمي من حيث
العموم، وهنا سنبين الأحكام التي تطلب في رمي أيام التشريق مما لم نذكره في
الفصل السابق.
المطلب الأول: وقت الرمي
أولا: مبدأ وقت الرمي
ذهب أكثر أهل العلم إلى أن وقت رمي الجمرات أيام التشريق يبدأ
بزوال الشمس، وكل من رمى أيام التشريق قبل الزوال لزمه إعادة الرمي
(1)
قال ابن جعفر ولا ترمي الجمار إلا بعد زوال الشمس إلا جمرة العقبة
في يوم النحر فإنها ترمى قبل الزوال وبعده).
وقال العلامة أبو المؤثر ومن رمي الجمار قبل أن تزول الشمس فلا
(1) ابن جعفر الجامع، ج 3، ص 363، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 137، والجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 323، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 194،
وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 231.
(2) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 366. (5/463)
صفحة 2413
الرائد
464
ينتفع بذلك وليعد الرمي إذا زالت الشمس، فإن أعاد الرمي في أيام التشريق لم أر عليه بأسا، وإن لم يعد حتى تنقضي أيام التشريق رأيت عليه لرمي كل جمرة شاة في كل يوم.
ودليل الرأي السابق أمران أولهما أنه فعل النبي صلى الله عليه وسلم إذ الثابت عنه أنه كان يرمي أيام التشريق بعد الزوال، وذلكم يفيد أن مشروعية هذا الرمي إنما هي بعد الزوال لقوله: لتأخذوا عني مناسككم.
قال هؤلاء: لو كان الرمي قبل الزوال جائزا لأذن به النبي صلى الله عليه وسلم للضعفة، ثم إنه لو كان جائزا لرمى الأول النهار لأنه أبرد له من حرارة نصف النهار الملتهبة، ومعلوم من حاله لأنه ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ولو كان الرمي قبل الزوال جائزا لاختاره أو صرح به.
والدليل الثاني أن الرمي بعد الزوال هو المعروف عند الصحابة في زمانه فقد كانوا يتحينونه وذلك ظاهر أن الوقت هو الزوال وما قبله ليس بوقت للرمي كما يفيد ذلك حديث مسعر عن وبرة قال: سألت ابن عمر:
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 348.
(2) ابن عثيمين مجموع الفتاوى، ج 23، ص 228. (5/464)
صفحة 2414
الرائد
465
متى أرمي الجمار؟ قال: إذا رمى إمامك فارمه، فأعدت عليه المسألة، قال: كنا نتحين فإذا زالت الشمس رمينا.
وأما الروايات التي فيها أن النبي ل رمى بعد الزوال فمنها حديث ابن
جريج عن أبي الزبير عن جابر قال: رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمرة يوم ضحى، وأما بعد فإذا زالت الشمس.
النحر
ومما يفيد الحكم السابق حديث محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت: أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر يومه حين صلى الظهر ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس كل جمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ويقف عند الأولى والثانية فيطيل القيام ويتضرع ويرمي الثالثة ولا يقف عندها.
والحديث أخرجه أبو داود وابن خزيمة وابن حبان والحاكم ونص
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: رمي الجمار (1659).
(2) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب: بيان وقت استحباب الرمي (1299). (3) كتاب المناسك باب في رمي الجمار (1973).
(4) ابن خزيمة، صحيح ابن خزيمة، ج 4، ص 317. (5) ابن حبان، صحيح ابن حبان، ج 9، ص 180. (5/465)
صفحة 2415
الرائد
(466)
على صحته، وعلته عنعنة ابن إسحاق، وقد صرح بالتحديث عند ابن حبان وإن كان أكثر الرواة عنه على العنعنة ومما يؤيد رواية الأكثر عنه أن في السند إليه عند ابن حبان من تكلم فيه.
ولكن يشهد له ما تقدم من الأحاديث إلا قوله " من آخر يومه حين صلى الظهر " فإنه مما لا يوافق عليه بل هو من منكراته؛ إذ الثابت من رواية الثقات أنه لا أفاض قبل صلاة الظهر، وإنما اختلفوا أصلى الظهر بمكة أو بمنى كما تقدم ذكره.
كما استدل هؤلاء بحديث حجاج بن أرطأة عن الحكم عن مقسم عن
ابن عباس قال: كان رسول الله لا يرمي الجمار إذا زالت الشمس. والحديث أخرجه ابن أبي شيبة، وفيه الحجاج بن أرطأة وهو مدلس
ضعيف لا حجة في روايته وقد تقدمت ترجمته مرارا.
ولكنه توبع في روايته هذه فقد روى ابن ماجه عن جبارة بن المغلس ثنا إبراهيم بن عثمان بن أبي شيبة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس أن رسول
(1) الحاكم، المستدرك، ج 1، ص 651.
(2) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 318. (5/466)
صفحة 2416
الرائد
467
الله كان يرمي الظهر.
الجمار إذا زالت الشمس قدر ما إذا فرغ من رميه صلى
ولكن هذه المتابعة لا تصلح في شيء؛ فإبراهيم بن عثمان بن أبي شيبة ليس بحجة في الرواية فقد قال أحمد: منكر الحديث، وقال ابن معين: ليس
(Y),
بثقة، وقال أبو زرعة: ضعيف، وقال الجوزجاني: ساقط، وقال ابن حبان: كان إذا حدث عن الحكم جاء بأشياء معضلة وكان ممن كثر وهمه وفحش خطوه حتى خرج عن حد الاحتجاج به وتركه يحيى بن معين.
والأدلة السابقة جلية في ظهورها أن وقت الرمي أيام التشريق مبدؤه
الزوال؛ لأن النبي لا لا لا ل رمى بعد الزوال، وقد أمر بأخذ المناسك عنه.
ومع السابق لأهل العلم أقوال أخرى نذكرها ونبين أدلتها، وأولها قول من قال إن الأصل في الرمي أن يكون بعد الزوال لكن يجوز لمن أراد النفر أن
(1) کتاب المناسك، باب: رمي الجمار أيام التشريق (3054).
(2) ابن أبي حاتم الجرح والتعديل، ج 2، ص 115.
(3) الجوزجاني، أحوال الرجال، ص 64.
(4) ابن حبان، المجروحين، ج 1، ص 104. (5/467)
صفحة 2417
الرائد
يرمي قبل الزوال.
468
قال الكاساني: وأما وقت الرمي من اليوم الثالث من أيام التشريق وهو
اليوم الرابع من أيام الرمي فالوقت المستحب له بعد الزوال، ولو رمى قبل الزوال يجوز في قول أبي حنيفة).
وأوضح الكاساني دليل أبي حنيفة وهو موقوف ابن عباس أنه قال: إذا افتتح النهار من آخر أيام التشريق جاز الرمي، قال: والظاهر أنه قاله سماعا من النبي؛ إذ هو باب لا يدرك بالرأي والاجتهاد فصار اليوم الأخير من أيام التشريق مخصوصا من حديث جابر بهذا الحديث.
ثم إن له أن ينفر قبل الرمي ويترك الرمي في هذا اليوم رأسا فإذا جاز له ترك الرمي أصلا فلأن يجوز له الرمي قبل الزوال أولى".
والظاهر أن هذه الرواية المرجوحة في مذهب أبي حنيفة دليلها ليس نصيا بل الرخصة كانت لأجل الحاجة فقط وقد نصت الرواية عنه أنه إن كان من
(1) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 68، والمرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 45، وابن النجيم،
البحر الرائق، ج 2، ص 374.
(2) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 138.
(3) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 138. (5/468)
صفحة 2418
الرائد
(79)
قصده أن يتعجل النفر الأول فلا بأس بأن يرمي في اليوم الثالث قبل الزوال،
وإن رمى بعد الزوال فهو أفضل، وإن لم يكن ذلك
من
قصده لا يجزيه الرمي إلا بعد الزوال؛ لأنه إذا كان من قصده التعجيل فربما يلحقه بعض الحرج في تأخير الرمي إلى ما بعد الزوال بأن لا يصل إلى مكة إلا بالليل فهو محتاج إلى أن يرمي قبل الزوال ليصل إلى مكة بالنهار فيرى موضع نزوله فيرخص له في ذلك، والأفضل ما هو العزيمة وهو الرمي بعد الزوال.
وهذه الحاجة ليست مما ينتهك لأجله النص الشرعي فالترخيص بها ضعيف، ثم إنه إن كان الأمر معلقا بالحاجة إلى ذلك فالأمر منتف في هذا
الزمان من حيث يسر الرمي ووصول الحاج إلى مكة قبل الليل.
والقول الثاني هو أن وقت الرمي هو زوال الشمس ولكنه يجزي من رمى قبل الزوال رميه وإن اختلفوا في جواز أن ينفر قبل الزوال، وهذا الرأي
منسوب إلى عطاء وطاوس وعكرمة).
وترجع
أدلة هؤلاء إلى أمرين أولهما ما سبق من النصوص في ترخيص
(1) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 138.
(2) ابن عبد البر، التمهيد، ج 7، ص 272. (5/469)
صفحة 2419
الرائد
(470)
النبي صلى الله عليه وسلم في أعمال يوم النحر وقوله لمن قدم أو أخر لا حرج.
وثانيهما قولهم ليس للتحديد أصل لا من الكتاب ولا الكتاب ولا من السنة ولا من القياس ولا الإجماع، ومع عدمه فإنه لا يجوز أن يسمى ما قبل الزوال وقت نهي بدون أن ينهى عنه رسول الله، وغاية الأمر أنه مسكوت عنه رحمة منه النبي
بالناس، ولو كان ما قبل الزوال وقت نهي غير قابل للرمي لحذر منه؛ إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة).
وهذه الأدلة ضعيفة لا تقوى على معارضة الفعل الذي حافظ عليه النبي في أيام الرمي كلها ثم إن قول ابن عمر: كنا نتحين كالصريح في التحديد، أما حديث افعل ولا حرج فهو في أعمال اليوم العاشر التي دخل وقتها، وإلا فالجميع مسلّمون أن من وقف عرفة في اليوم الثامن أن وقوفه ذلك لا يجزيه ولا ينفعه عموم افعل ولا حرج.
الأفضل في الرمي أيام التشريق على الرأي الذي عليه الجمهور ويفيده
(1) آل محمود، مجموعة الرسائل، ج 1، ص 7. (2) آل محمود، مجموعة الرسائل، ج 1، ص 13. (3) آل محمود، مجموعة الرسائل، ج 1، ص 17. (5/470)
صفحة 2420
الرائد
(471)
ظاهر
الأدلة أن يكون بعد الزوال مباشرة ويصلي الظهر بعده، ويدل على ذلك أمران أولهما حديث ابن عمر أنهم كانوا يتحينون الزوال فإذا تحقق رموا، وثانيهما أن الرمي في أول الوقت خير إذ هو مسارعة في الصالحات وإبراء للذمة.
قال العلامة أبو المؤثر: إذا زالت الشمس فليرم الرامي الجمار وليعجل
أن يرمي عند الزوال ثم يصلي الظهر
ثانيا: آخر وقت الرمي
(2)
ينبغي للإنسان أن يبادر إلى الرمي بعد الزوال ما وجد إلى ذلك سبيلا مسارعة إلى تنفيذ أوامر الشارع والأدلة المذكورة في بيان أول وقت الرمي يفيد ظاهرها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبادر إلى الرمي بمجرد الزوال، وأنه كان يؤخر الصلاة إلى أن يرمي في أيام التشريق كلها.
وقد جاء ما ينص على الأمر السابق وهو حديث إبراهيم بن عثمان بن أبي شيبة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرمي
(1) النووي، المجموع، ج 8، ص 169.
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 347. (5/471)
صفحة 2421
الرائد
(472)
الجمار إذا زالت الشمس قدر ما إذا فرغ من رميه صلى الظهر، والحديث تقدم تخريجه وهو مما لا يثبت؛ إذ إبراهيم بن عثمان ضعيف.
وقد اتفق الفقهاء على أن رمي يوم النفر الثاني ينقضي بغروب شمس
ثالث أيام التشريق؛ إذ لا نسك بعد ذلك، قال العلامة ابن جعفر:
وإذا دخل الليل فقد خرج وقت الرمي بإجماع، أجمع المسلمون على أن النفر الأول النحر الثالث من النحر، وهذا يدل على أن الأيام
يوم
المعدودات هن ثلاثة أيام التي بعد النحر، قال الله تعالى: {فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ).
ولكن اختلفوا في آخر رمي كل يوم من أيام التشريق، والمسألة إن كانت بها أدلة ظاهرة في وقت بدء أيام التشريق إلا أنها ليس بها ذلك القدر من الأدلة في تعيين آخر وقت الرمي من كل يوم على حدة.
ذهب بعضهم إلى أن آخر وقت الرمي في الأيام كلها النحر والتشريق هو
(1) كذا في الأصل وهو مشكل، والنص نفسه موجود في منهج الطالبين بلفظ: أجمع المسلمون أن النفر الأول يوم الثالث من النحر اهـ، وهذا أولى.
الشقصي، منهج الطالبين، ج 7، ص 279
(2) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 366. (5/472)
صفحة 2422
الرائد
(vr)
غروب الشمس من كل يوم، فيكون وقت الرمي من الزوال إلى غروب
الشمس.
قال العلامة ابن جعفر: ووقت الرمي في أيام التشريق إلى مغيب
الشمس، ولا يرمي في الليل إلا الخائف والراعي".
ودليل هذا الرأي أن الرمي إنما هو لذلك اليوم، واليوم ينقضي بغروب الشمس، فيكون ذلك آخر وقت الرمي، وبعد غروب الشمس يدخل يوم آخر، وقد أفادت الأدلة أن بدأ الرمي من الزوال، والسابق يفيد أن آخره
الغروب.
وقد اختلف أرباب هذا القول فيما إذا انقضى الوقت وغربت الشمس
(3)
أثمة تدارك للرمي بعد الوقت السابق أو لا، قيل إنه لا يتدارك ليلا كما هو
الحال في ثالث أيام التشريق حملا للمختلف فيه على المتفق عليه؛ إذ الغالب فيه التعبد، وعليه فيلزم من خرج وقت الرمي وهو لم يرم ما يلزم من ترك
(1) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 323.
(2) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 364.
(3) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 363، الكندي، بيان الشرع، ج 233، ص 346، والماوردي،
197
الحاوي الكبير، ج 4، ص 197. | (5/473)
صفحة 2423
الرائد
474
الرمي.
ومما يدل على هذا القول أيضا أن الرمي في أيام منى موقت فلو كان جميعها وقتا لرمي الأيام كلها لجاز له في اليوم الأول أن يرمي عن جميع الأيام؛ لأنه وقت لها، ولما لم يكن اليوم الأول وقتا لرمي جميعها إجماعا لم يكن اليوم الأخير وقتا لرمي جميعها حجاجا، وسواء ترك ذلك عامدا أو ناسيا. وقال بعضهم إن من ترك حصاة أو حصاتين أو ثلاثا إلى الغد رماها
وعليه لكل حصاة نصف صاع، وإن ترك أربعا رماها وعليه دم". وذهب آخرون من أهل العلم إلى أنه يتدارك الرمي بعد خروج الوقت،
قال العلامة أبو الحسن البسيوي:
ولا يجوز شيء من ذلك في الليل، وإنما يقضى ما ترك في النهار، وقال
قوم: إذا فات ذلك فإنما هو قضاء جاز في الليل والنهار.
ومن الذين قالوا بالتدارك من نص على أن وجه التدارك تشبيهه ببقاء
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 197.
(2) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 65.
(3) البسيوي، الجامع، ج 2، ص 281. (5/474)
صفحة 2424
الرائد
475
6 (1)
وقت الوقوف بعد غروب الشمس، ومنهم من قال إنه يتدارك اعتبارا بمعظم العبادات الموقتة.
والقائلون بالتدارك السابق في الرمي مختلفون أذلك الرمي أداء تأخر عن وقت الاختيار، أو قضاء على الحقيقة، فقيل إنه أداء وأيام منى في حكم الوقت الواحد للرمي لكن تخير الشارع لكل قدر منها وقتا فهو كالأوقات المختارة في الصلوات).
ثم إن لهم خلافا في وجوب الدم بالتدارك فقيل به كما لو أخر قضاء رمضان حتى أدركه رمضان آخر فيقضي ويفدي، وقيل لا شيء عليه لأنه أداه في وقته وإن لم يكن الوقت الأفضل).
ومما بني من القضايا على الخلاف السابق أنه إن قيل إن رمي اليوم الأول مقضي في الثاني فلا يجوز التقديم، وإن قيل إنه مؤدى - وإن أخر - فلا يمتنع
(1) الغزالي، الوسيط، ج 2، ص 667، والنووي، المجموع، ج 8، ص 70
(2) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 323.
(3) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 323، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 441.
(4) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 443. (5/475)
صفحة 2425
الرائد
التقديم.
476
والقائلون بكون الرمي في اليوم الثاني قضاء اختلفوا في جواز إيقاعه في النصف الأول من النهار، المجوزون استدلوا بأن المقضي لا وقت له على التعيين، والمانعون قالوا إن القضاء قد يتأقت بعض التأقت وما قبل الزوال لم لا أداء ولا قضاء فكانت تلك الساعات بمنزلة الليل في
يشرع فيه رمي
الصوم
قال العلامة الشيخ عامر الشماخي:
أمس قضاه رمي
لا يرمي قبل زوال الشمس في أول النهار إلا فاته من أول النهار إن شاء؛ لأن هذا قضاء، وإن أخره إلى زوال الشمس فلا بأس؛
لأن رمي الجمار لا يفوت حتى تنقضي أيام التشريق إلا جمرة العقبة. والقائلون بكون الرمي أداء لهم خلاف في الرمي ليلا وقبل الزوال
وقد ذهب آخر أيام جمع من الفقهاء إلى أن آخر وقت الرمي هو
(1) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 323.
(2) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 324.
(3) الشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 436.
(4) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 324. (5/476)
صفحة 2426
الرائد
(vv
التشريق، فمن أخر رمي يوم إلى ما بعده من أيام التشريق، أو أخر الرمي كله إلى آخر أيام التشريق ترك السنة ولا شيء عليه إلا أنه يقدم بالنية رمي اليوم الأول ثم الثاني ثم الثالث.
واختلف هؤلاء في رمي يوم النحر فقيل يقضى في أيام التشريق، ويكون حكم الأيام الأربعة واحدا، وقيل يوم النحر مستقل عنها فلا يقضى فيها؛ لأن حكم الرمي في يوم النحر مخالف لحكم الرمي في أيام منى في عدده ووقته وحكمه، ورمي أيام منى متفق في عدده وحكمه ووقته.
قال العلامة ابن جعفر ومن لم يرم الجمار في اليوم الأول أو الثاني رماها في اليوم الثالث بحصى الأيام جميعا ولا شيء عليه، وذلك غير يوم النحر، وقال أبو عيسى يرمي في الأولى بسبع والوسطى بسبع ثم يعود ولا يرمي بأربعة عشر جميعا.
وفي قول آخر قال: إن شاء أن يعيدها جميعا في موقف واحد، وليس عليه أن يرجع، فإن خلت الثلاث ولم يرم فيها فعليه لرمي كل جمرة في كل يوم
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 196، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 235.
(2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 197. (5/477)
صفحة 2427
الرائد
(EVA)
شاة).
واستدل القائلون بأن آخر وقت الرمي هو ثالث أيام التشريق بأن النبي رخص لرعاة الإبل وأهل سقاية العباس أن يدعوا رمي اليوم الأول ويقضوه في اليوم الثاني، فعلم أن حكم جميعها واحد وأنها زمان للرمي، ولأنه لما كان جميع أيام التشريق وقتا لنحر الأضاحي وجب أن يكون جميعها وقتا لرمي الجمار.)
وعلى الأحوال السابقة كلها الرمي لا يكون بعد أيام التشريق فمن فاتته أيام التشريق بأن غربت شمس الثالث من أيام التشريق فإنه لا يقضي
الرمي"
والخلاف السابق بين الفقهاء يجعل في المسألة شيئا من المرونة يراعى في الأخذ به الظروف والأحوال المختلفة؛ إذ الأقوال قريبة من التكافؤ لانعدام الأدلة النصية في المسألة، وعليه فيراعى فيها القاعدة الفقهية التي تنص على أن الأمر إذا ضاق اتسع وإذا اتسع ضاق.
(1) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 361، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 338.
(2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 197.
(3) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 201. (5/478)
صفحة 2428
الرائد
479
فمع الاتساع لا ينبغي للإنسان أن يؤخر رميه إلى ما بعد غروب الشمس فهذا القول أظهر الأقوال المحددة لآخر الوقت، ومع الضيق ينبغي لمن بيده أمر تنظيم الحجاج أن يوسع في الأخذ بالآراء الأخرى ما دامت الأقوال في حدود الرأي الجائز، فإن ذلك هو الأولى خشية تكرر المآسي التي شهدتها
منطقة
الجمرات في السنوات الماضية. رمي
المطلب الثاني: الترتيب بين الجمرات في الرمي
اتفق أهل العلم على أن المشروع في الرمي أيام التشريق أن يبدأ الرامي بالجمرة الصغرى التي تلي مسجد الخيف وهي الأبعد عن مكة، ثم الجمرة الوسطى ثم الجمرة الكبرى جمرة العقبة التي تلي مكة كما نقل لدى الجميع من فعل النبي.
لكن اختلفوا فيمن خالف الترتيب السابق فبدأ بالكبرى ثم الوسطى ثم الصغرى، أو بدأ بالكبرى ثم الصغرى ثم الوسطى، أو بالصغرى ثم الكبرى ثم الوسطى ما عليه؟
ذهب جمع من أهل العلم إلى أن الترتيب بين الجمرات شرط لإجزاء رميها، وعليه فيعاد كل ما لم يكن على الوصف الذي فعله النبي، فمن بدأ بالكبرى ثم الوسطى ثم الصغرى أجزاه رمي الصغرى وأعاد الوسطى ثم (5/479)
صفحة 2429
الرائد
الكبرى.
ومن بدأ بالكبرى ثم الصغرى ثم الوسطى أعاد رمي الكبرى إذ الأولى والوسطى مرتبتان على الوصف المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم والكبرى بخلاف ذلك
فتعاد).
و مما تقدم عند ذكر أحكام رمي جمرة العقبة أن من رمى أكثر من رمى أكثر من حصاة دفعة واحدة لم تعد إلا واحدة على الراجح من أقوال أهل العلم وبالجمع بين ذلك وشرط الترتيب فرّع بعض أهل العلم أن من رمى في الجمرة الأولى بالسبع دفعة واحدة، ورمى في الثانية والثالثة حصاة بعد حصاة كان رميه بالسبع في الجمرة الأولى كرميه بحصاة واحدة، فيكمل رمي الأولى بست
حصيات ليكمل سبعا، ويستأنف رمي الثانية والثالثة ليكون مرتبا.
ولو رمى في الأولى سبع مرات، ورمى في الثانية مرة واحدة بسبع حصيات اعتد برمي الجمرة الأولى وبحصاة من الثانية، وكملها سبعا بست
رميات، واستأنف رمي الثالثة.
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 194، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 233
والرافعي، العزيز، ج 3، ص 442. (5/480)
صفحة 2430
الرائد
(481)
ولو رمى في الأولى سبع مرات، وفي الثانية سبع مرات، وفي الثالثة مرة واحدة بسبع حصيات اعتد بالأولى والثانية وحصاة من الثالثة وكملها سبعا بست رميات.
ولو علم أنه قد رمى في إحدى الجمرات بالسبع دفعة وليس يعرفها حسبها الأولى تغليظا، وكمل رميها واستأنف الثانية والثالثة وعاد فرمى حصاة من تلك الجمرة ليكمل سبعا واستأنف ما يليها.
وهؤلاء المشترطون للترتيب في الرمي استدلوا بفعل النبي صلى الله عليه وسلم الذي اتفق عليه وقد قال: لتأخذوا عني مناسككم، ثم إن الرمي في أيام التشريق نسك
(2)
متكرر فاشترط فيه الترتيب كالسعي، ومنهم من قال: لأنه نسك يتكرر
فوجب أن يكون ابتداؤه معينا كالطواف.
وذهب آخرون إلى أن الترتيب بين الجمرات الثلاث ليس بواجب بل هو مندوب، قال العلامة ابن جعفر ومن رمى جمرة العقبة ثم الوسطى ثم
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 196.
(2) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 233. (3) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 195. (4) القطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 232. (5/481)
صفحة 2431
الرائد
(EAT)
الأولى فقد أخطأ ولا شيء عليه، فإن أعاد الرمي فذلك أوثق".
واستدل هؤلاء بأمور منها حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من قدم نسكا بين يدي نسك فلا حرج.
ولأنها مناسك متكررة في أمكنة متفرقة في وقت واحد ليس بعضها تابعا
لبعض فلم يشترط الترتيب فيها كالرمي والذبح".
لكن اعترض على هذه الأدلة أن الحديث المستدل به إنما جاء فيمن يقدم
نسكا على نسك لا في تقديم بعض النسك على بعض وقد تقدم تخريجه، أما
القياس المذكور فيبطل بالطواف والسعي
(3)
ومن الفقهاء من ألزم بإعادة الرمي لمن نسي فرمى العقبة ثم الوسطى ثم
الصغرى ما دامت الشمس لم تغب، فإذا غابت الشمس ولم يبدل لم يكن عليه
شيء،
ولعل هؤلاء يرون الترتيب بين الجمرات عند الرمي واجبا وليس
(1) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 361، والبسيوي، الجامع، ج 2، ص 280، و الكندي، بيان
الشرع، ج 23، ص 337.
(2) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 233.
(3) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 233.
(4) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 335. (5/482)
صفحة 2432
الرائد
(EAT)
بشرط.
و مما قد يبنى على القول بإيجاب الترتيب بين الجمار المسألة التي نقلت عن الإمام أبي الحواري - فيمن أخذ إحدى وعشرين حصاة فرمي الجمار -: وبقيت في يده واحدة ولم يدر من أيهن فإنه يرمي بها الأولى ويعيد على الباقيتين سبعا سبعا، وقال أهل مكة يجزيه أن يرمي كل واحدة بحصاة، وكذلك عن بقي حصاتان أو ثلاث، وإن بقي في يده أربع أعاد الرمي لكل جمرة سبعا، وكذلك في الخمس والست والسبع.
والترتيب السابق كما اختلفوا فيه في حال رمي الجمرات كذلك اختلفوا في الترتيب بين الأيام كما إذا تدارك عليه رمي يومين كالرعاة وأهل السقاية إذا تركوا رمي الحادي عشر وأرادوا الرمي في الثاني عشر.
وكمن ترك الرمي عامدا أو ناسيا في الحادي عشر وجوز له القضاء على
أحد القولين في الثاني عشر، أو تدارك عليه رمي ثلاثة أيام، وذلك أن يترك
(2)
رمي الحادي عشر والثاني عشر ويريد القضاء في الثالث عشر.
فمن الفقهاء من يقول إن الترتيب في هذا الحال واجب، ومنهم من يقول
(1) الشقصي، منهج الطالبين، ج 7، ص 278
(2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 202. (5/483)
صفحة 2433
الرائد
(484)
إن الترتيب في هذا الحال ليس بواجب، وردوا سبب الخلاف في القضية إلى الخلاف في رمي اليوم الثاني أهو قضاء أو أداء، فمن قال إنه قضاء لم يو.
الترتيب، ومن قال منهم إنه أداء ألزم بالترتيب السابق".
المطلب الثالث: الوقوف للدعاء بعد الجمرتين الصغرى والوسطى ذكرنا في مبحث رمي جمرة العقبة من الفصل السابق أن الراجح من
أقوال أهل العلم أنه لا يشرع الوقوف بعد جمرة العقبة للدعاء وإنما المشروع
الوقوف للدعاء بعد الجمرتين الصغرى والوسطى.
قال الشيخ عامر:
فإذا فرغت من رميها فتقدمها واستقبل القبلة وادع مثل دعائك على
(2)
الصفا والمروة وتفعل ذلك ثلاث مرات ثم امض إلى الجمرة الوسطى واختلفوا في مقدار ما يقف عند الجمرة الأولى فكان ابن مسعود يقف
عندها قدر قراءة سورة البقرة مرتين وعن ابن عمر كان يقف عندها قدر قراءة سورة البقرة عند الجمرتين، وعن أبي مجلز قال: كان ابن عمر يشبر ظله ثلاثة أشبار ثم يرمي وقام عند الجمرتين قدر قراءة سورة يوسف، وكان ابن
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 202.
(2) الشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 435. (5/484)
صفحة 2434
الرائد
(485)
عباس {يقف بقدر قراءة سورة من المئين، ولا توقيف في ذلك وإنما هو
ذكر ودعاء).
والفقهاء ذهب جمهورهم إلى أن الدعاء بعد الجمرتين السابقتين مسنون
وليس هو بواجب، وعليه فما على من تركه
وذهب بعض الفقهاء إلى أن من ترك الوقوف للدعاء بعد الجمرتين فيطعم شيئا وإن أراق دما كان أفضل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله فيكون نسكا. المطلب الرابع: حكم من ترك رمي الجمار
لا يخلو حال من ترك الرمي أن يكون تركه للرمي كله أيام التشريق، أو
يكون تركه الرمي الجمرة أو يكون تركه لحصيات معدودة.
أما من ترك رمي أيام التشريق كله فاختلف الفقهاء في حكمه فقيل عليه دم واحد بناء على أن أيام منى كاليوم الواحد، وقيل عليه ثلاثة دماء بناء على الرأي القائل إن لكل يوم حكم نفسه، وقيل عليه لكل جمرة دما، فيكون
المجموع تسعة دماء، قال العلامة ابن جعفر:
(1) العيني، عمدة القاري، ج 10، ص 91.
(2) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 233.
(3) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 234. (5/485)
صفحة 2435
الرائد
(486)
ومن ترك رمي الجمار كلها حتى انقضت أيام منى فعليه لكل جمرة لكل يوم دم، ولكل حصاة لم يرمها من الجمار إطعام مسكين، وفي السبع حصيات من كل جمرة في كل يوم دم".
أما إن ترك رمي يوم كله ففيه دم كما لو حلق شعر رأسه كله.
أما إن كان الترك لبعض الحصيات فاختلف الفقهاء في ذلك، فقيل في الحصاة مد من طعام، وفي الحصاتين، مدان، وفي الثلاث دم، وقيل في الحصاة درهم، وفي الحصاتين در همان وفي الثلاث دم، وقيل في الحصاة ثلث شاة، وفي
الحصاتين ثلثا شاة وفي الثلاث شاة.
ولا أعلم للسابق كله دليلا إلا القياسات التي يختلف فيها بين المذاهب
الفقهية.
(1) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 363، والبسيوي، الجامع، ج 2، ص 281.
(2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 203. (5/486)
صفحة 2436
الرائد
(487)
المبحث الرابع: النفر من منى
لا يختلف الرمي في اليوم الثاني من أيام التشريق عن الرمي في اليوم
الأول في وقته وصفته وهيئته، وقد ذكر الإجماع على الرأي السابق. والنبي صلى الله عليه وسلم فرق بين رمي اليوم الذي ما أراد النفر بعده واليوم الذي نفر بعده بأنه في الأول رمى بعد الزوال مباشرة وصلى في منى، أما في اليوم الذي
نفر بعد رميه فرمى أول الوقت ثم غادر منى وصلى الظهر في المحصب. وللسابق من أحوال النبي الله قال بعض الفقهاء إن الأولى إذا رمى بعد الزوال أن ينفر قبل صلاة الظهر، ويرمي راكبا؛ لأنه يصل رميه بالنفر كما
يرمي
راكبا
؛ لأنه
يوم النحر؛ يصل رميه بالإفاضة بالطواف ويرمي في اليوم
الأول نازلا لأنه مقيم بمنى وكيف رمى أجزأ.
وأمر النفر قبل صلاة الظهر فيه اتباع لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولكن لا بد من النظر إلى الظروف المصاحبة له، ففي أحيان يسبب الزحام الشديد تأخر الإنسان عن الوصول إلى مكان استقراره بعد الخروج من منى ولا تكاد تسلم له صلاته إلا بتضييع شيء من حدودها، ومع هذا الحال يؤدي الإنسان
(1) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 234. (2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 199. (5/487)
صفحة 2437
الرائد
(48)
صلاته قبل الرمي؛ إذ الحفاظ على واجبات الصلاة مقدم على الهيئات التي وقع الاتفاق على أنها لا تؤثر على النسك من حيث صحته. وقد شرع لمن أحب الخروج من منى بعد رمي اليوم الثاني أن يخرج
ويسقط عنه المبيت بمنى في ليلته ويسقط عنه رمي الجمار من غده. ومن أراد أن يبقى إلى أن يرمي اليوم الثالث من أيام التشريق فذلك له كما هو مأخوذ من قوله تعالى: {وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَن اتَّقَى.
والآية السابقة ظاهرة في أن الحكم السابق عام لأهل مكة وغيرهم فيباح لهم التعجل في النفر، والدليل الأنص على الحكم السابق شمول الحكم السابق أهل مكة الحديث الصحيح الذي جاء من طريق وكيع عن سفيان عن بكير بن عطاء الليثي عن عبد الرحمن بن يعمر قال: سمعت رسول الله وهو واقف بعرفة وأتاه أناس من أهل مكة فقالوا: يا رسول الله، كيف
الحج؟
قال: الحج عرفة، فمن جاء قبل طلوع الفجر ليلة جمع فقد تم حجه، منى ثلاثة أيام فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه، ثم
(1) سورة البقرة، جزء من الآية (203) (5/488)
صفحة 2438
الرائد
(489)
أردف رجلا خلفه يناديهن.
والفقهاء ذكر عنهم الإجماع على أن من أراد الخروج من منى شاخصا
عن الحرم غير مقيم بمكة أن ينفر بعد الزوال في اليوم الثاني من أيام
التشريق).
أما من كان يريد الإقامة بمكة بعد النفر فكره له بعض الفقهاء أن ينفر
متعجلا بل يؤخر نفره إلى اليوم الثالث عشر)، واستدل هؤلاء لما ذهبوا إليه
:
بقول عمر بن الخطاب الله من شاء من الناس كلهم أن ينفر في النفر الأول إلا آل خزيمة فلا ينفرون إلا في النفر الآخر.
وقد جعل هؤلاء معنى قول عمر إلا آل خزيمة أي إنهم أهل حرم
مكة (4).
وفي هذا الرأي ضعف فيقال إن عموم الآية السابق والذي جاء به الحديث- ظاهر في دلالته على أن الحكم يشمل أهل مكة وغيرهم فليسوا هم
(1) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 226.
(2) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 234، والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 3، ص 12.
(3) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 234.
(4) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 234. (5/489)
صفحة 2439
الرائد
(9.)
بمختلفين عن غيرهم في شيء.
ومما يؤيد السابق أيضا أن الدفع السابق دفع من مكان فاستوى فيه أهل
مكة وغيرهم كالدفع من عرفة ومن مزدلفة.
والتخيير بين التعجل أو التأخر إلى الثالث عشر ثابت الحكم به للجميع كما تقدم غير أن التأخر في النفر إلى ما بعد رمي الثالث عشر مرجح بقرينة فعل النبي صلى الله عليه وسلم فإن الثابت عنه أنه ما دفع من منى إلا بعد رمي الثالث عشر (2)، فضلا عن أن في التأخر زيادة في العبادة تستلزم زيادة في الأجر فيكون أفضل مع ثبوت أصل التخيير للجميع، ثم إن المتعجل قد ترفه بترك بعض الأعمال والمقيم لم يترفه".
ومن الفقهاء من قال إن الإقامة للإمام إلى يوم النفر الثاني أأكد منه لغيره؛ لأنه يقتدى به، ولأنه يقيم الناس بإقامته، فإن تعجل جاز ولا فدية
عليه كغيره.
(1) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 234.
(2) النووي، المجموع، ج 8، ص 180. (3) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 199.
(4) النووي، المجموع، ج 8، ص 180. (5/490)
صفحة 2440
الرائد
(91)
ومن ينفر النفر الأول يكون قد رمى تسعا وأربعين حصاة، سبعا في جمرة
العقبة يوم النحر وإحدى وعشرين في الجمرات الثلاث يوم الحادي عشر،
يرميه
وإحدى وعشرين في الجمرات الثلاث يوم الثاني عشر، وذلك أقل ما الحاج فإن كان معه حصى الجمار في اليوم الثالث، فإن شاء ألقاه، وإن شاء
دفنه، وإن شاء دفعه إلى غيره، وليس في دفنه نسك ولا في إلقائه كراهة)، ونص بعضهم على أن دفنه بدعة.
والفقهاء مختلفون في وقت النفر الأول فقيل من أدركه العصر وهو بمنى من اليوم الثاني من الثاني من أيام التشريق لم ينفر حتى الغد"، ولست أعلم بماذا يستدل هؤلاء.
وذهب الجمهور من الفقهاء إلى أن من رمي الجمار في اليوم الثاني فله النفر إلى غروب الشمس، فإن غربت الشمس وهو لم يخرج من منى لزمه المبيت بها ورمي اليوم الثالث عشر سواء كان ارتحل أو كان مقيما في منزله
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 200، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 436. (2) الهيتمي، الحاشية على الإيضاح، 411.
(3) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 3، ص 13. (5/491)
صفحة 2441
الرائد
(492)
وأي وقت نفر قبل غروب الشمس أجزاه، وسقط عنه
قال ابن جعفر
~
الغد).
رمي
جاء رجل إلى ابن محبوب بمنى يوم النفر الأول وقد غربت
الشمس فقال: إني أريد الخروج إلى بلدي الليلة، قال: لا يجوز إذا غربت الشمس يوم النفر الأول خروج لأحد، ولكن أقم إلى غد حتى ترمي الجمار
وتنفر مع الناس، قال: إن الجمال لا ينتظرني، قال: فاذبح لكل جمرة شاة". واستدل هؤلاء بقوله تعالى {فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} إِذ اليوم
اسم للنهار، فمن أدركه الليل فما تعجل في يومين".
وقال ابن المنذر: ثبت عن عمر أنه قال: من أدركه المساء في اليوم الثاني فليقم إلى الغد حتى ينفر مع الناس)
(4)
واختلف هؤلاء فيمن ارتحل فغربت الشمس قبل أن ينفصل عن منى،
(1) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 362، والبسيوي الجامع، ج 2، ص 251، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص،199، وابن قدامة المغني، ج 3، ص 234، والشماخي،
الإيضاح، ج 2، ص 436.
(2) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 364. (3) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 235.
(4) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 235. (5/492)
صفحة 2442
الرائد
(493)
فمنهم من قال إن له أن ينفر كيلا يحتاج إلى الحط بعد الارتحال، أما إن غربت وهو في شغل الارتحال فيلزمه المبيت ومن الفقهاء من رخص له في النفر. وذهب بعض الفقهاء إلى أن له أن ينفر ما لم يطلع فجر اليوم الثالث؛ لأنه لم يدخل اليوم الآخر فجاز له النفر كما قبل الغروب"، ومنهم من استدل لهذا القول بأن الليل يتبع ما قبله في الحج كليلة عرفة، ولا يتبع ما بعدها من يوم
النحر).
واعترض السابق بأمرين: أولهما أن التعجيل يتعلق باليوم وخروج اليوم معتبر بغروب الشمس، فوجب أن يكون الحكم المعلق عليه معتبرا بغروب
الشمس.
وثانيهما: أن النفر نفران، فلما ثبت أن ما بعد النفر الثاني من الليل ليس بتابع له ثبت أن ما بعد النفر الأول من الليل ليس بتابع له، وما ذكره من ليلة
عرفة فليست تبعا وإنما هي ويوم عرفة فيه سواء في
(1) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 436، والنووي، المجموع، ج 8، ص 180.
(2) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 235.
(3) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 200.
(4) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 200. (5/493)
صفحة 2443
الرائد
(494)
وهذان لا يردان على أرباب هذا القول قولهم لأن من أصولهم التي
ذكرناها من قبل أن الليالي في الحج تتبع النهار الذي قبلها، فرميه قبل الفجر -معهم - هو رمي في اليوم الثاني عشر.
أنه ويظهر من كلام ابن حزم يقول بالتخيير مطلقا بين النفر في اليوم الثاني والنفر في اليوم الثالث، أما تقييد النفر في اليوم الثاني بالليل فخطأ وحكم بلا دليل وخلاف للقرآن.
ولكلام ابن حزم حظ من الدليل؛ فإن الآية ظاهرة في التخيير بين اليومين والثلاثة، والإلزام بالثالث من الأيام إن غربت الشمس أو طلع
الفجر محتاج إلى دليل ولا إجماع في المسألة حتى يرجع إليه.
وبعض القائلين بالتحديد الجواز النفر الأول نصوا على أن من فارق منى
قبل غروب الشمس ثم عاد إليها ليلا أو نهارا فقد استقر حكم النفر وسقط
عنه رمي الغد سواء عاد ليلا أو نهارا لحاجة أو لغير حاجة).
ومن فارقها متعجلا للنفر منها ثم تيقن أنه ترك رمي يومه أو شيئا منه
فلا يخلو من ثلاثة أحوال:
(1) ابن حزم، المحلى، ج 7، ص 185.
(2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 200. (5/494)
صفحة 2444
الرائد
(495)
الجمار قبل
أحدها: أن يذكر ذلك قبل غروب الشمس، ويدرك رمي غروب الشمس فيلزمه العود إلى منى ورمي ما ترك من الحصى لوجوب وبقاء الوقت، ثم له أن ينفر منها إن لم تغرب الشمس وهو بها، فإن
الر
غربت وهو بها لزمه المبيت بها والرمي من الغد على رأي الجمهور. والحالة الثانية: أن يذكره بعد غروب الشمس من اليوم الثالث فليس
عليه العود إلى منى لفوات وقته، وقد استقر حكم تارك الرمي عليه. والحالة الثالثة: أن يذكره في اليوم الثالث قبل غروب الشمس منه فإن قلنا إن لكل يوم حكم نفسه لزمه الفدية ولم يعد الرمي لخروج وقته، وإن قلنا: إن أيام منى كلها زمان للرمي، وأن حكم الجميع واحد لزمه العود إلى منى لرمي ما ترك لبقاء وقته فإن لم يعد فعليه الفدية).
ومن الفقهاء من نص على أن من نفر من منى النفر الأول ولم يرم ذلك اليوم وعاد بعد غروب الشمس فقد فاته الرمي ولا استدراك، وانقطع أثر من منى ولا حكم لمبيته، ويكون نفره ذلك بمنزلة انقضاء أيام التشريق،
ويكون حكمه حكم من ترك الرمي".
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 200.
(2) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 330. (5/495)
صفحة 2445
الرائد
(496)
والمحصلة أن من نفر وعليه شيء من الرمي الواجب فللفقهاء في حكمه
أقوال أربعة:
أولها: إذا نفر فقد انقطع الرمي ولا ينفعه العود، ولو عاد لم يلزمه المبيت، ولو بات لم يكن لمبيته حكم.
ثانيها: يجب عليه العود ويرمي حسبما عليه ما لم تغرب الشمس، فإذا غربت تعين الدم، وعلى هذا الرأي لو رمى وغابت عليه الشمس بمنى لزمه المبيت والرمي من الغد.
ثالثها: هو بالخيار إن أراد الرجوع والرمي فله ذلك ويسقط عنه
الفرض، وإن أراد أن لا يرجع ويريق الدم جاز له ذلك.
رابعها التفريق بين النفر الأول والنفر الثاني، فإن خرج في النفر الأول ثم عاد قبل غروب الشمس ورمى لم يقع رميه موقعه، وإن خرج في النفر الثاني ولم يرم ثم عاد ورمى قبل غروب الشمس وقع الرمي موقعه. ووجه الفرق بينهما أن الخروج في النفر الثاني لا حكم له فإنه منتهى الوقت نفر أو لم ينفر فنفره وعدمه بمنزلة واحدة، أما الخروج في النفر الأول فله حكم وهو وجوب بقائه إلى الثالث إن لم يخرج فيؤثر خروجه في قطع (5/496)
صفحة 2446
الرائد
(497)
علائق منى وإذا انقطعت العلائق لم تعد.
ومن تأخر نفره إلى اليوم الثالث عشر زاد على من نفر قبل ذلك واحدا
وعشرين حصاة فيكون مجموع ما يرمي يوم النحر والتشريق سبعين حصاة. ومن الفقهاء من نص على أن من شروط النفر الأول أن يبيت ليلتين بمنى، فمن لم يبت الليلة الأولى من ليالي منى وبات الليلة الثانية لم يجز أن يفيض في النفر الأول ونفر ولزمه أن يبيت في الليلة الثالثة لأن من بات في الليلة الأولى والثانية جاز أن يفيض في النفر الأول ويدع المبيت في الليلة الثالثة؛ لأنه قد أتى بأكثر النسك ومعظمه فرخص له في ترك الأقل، ومن بات في الليلة الثانية دون الأولى فقد أتى بأقل النسك فلم يجز أن يرخص له
في ترك الأكثر ".
(1) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 330، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 443.
(2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 205. (5/497)
صفحة 2447
الرائد
(498)
المبحث الخامس: النزول بالمحصب
ثبت من فعل النبي لا أنه بعد أن رمى جمرة العقبة من ثالث أيام التشريق أتى المحصب وصلى فيه الظهر والعصر والمغرب والعشاء ورقد ثم طاف بالبيت طواف الوداع وبعدها صلى الفجر ثم خرج من مكة كما في حديث عمرو بن الحارث أن قتادة حدثه عن أنس بن مالك حدثه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء ورقد رقدة بالمحصب ثم ركب إلى البيت فطاف به.
والفقهاء مختلفون هل النزول السابق الذي نزله النبي صلى الله عليه وسلم في منطقة المحصب نزول تشريع أو حصل له اتفاقا ذهب جمع منهم إلى أن النزول
السابق ليس للتشريع بل حصل من النبي صلى الله عليه وسلم اتفاقا.
ومن هذا الباب حديث سفيان قال عمرو عن عطاء عن ابن عباس {
قال: ليس التحصيب بشيء إنما هو منزل نزله رسول الله،
، ومنه أيضا حديث سفيان عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت: إنما كان منزلا ينزله
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: من صلى العصر يوم النفر بالأبطح (1675). (2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: المحصب (1677). (5/498)
صفحة 2448
الرائد
(499)
النبي صلى الله عليه وسلم ليكون أسمح لخروجه تعني بالأبطح).
ومما يؤيد الرأي السابق حديث سفيان بن عيينة عن صالح بن كيسان عن سليمان بن يسار قال: قال أبو رافع لم يأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنزل
الأبطح حين خرج من منى ولكني جئت فضربت فيه قبته فجاء فنزل". وذهب جمع من الفقهاء إلى أن النزول السابق بالأبطح مستحب وليس بواجب، وقد نقل الإجماع عليه، ومن هذا الباب ما ثبت أن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله كانا ينزلان المنزل السابق كما في حديث خالد بن
الحارث قال: سئل عبيد الله عن المحصب فحدثنا عبيد الله عن نافع قال: نزل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم و عمر وابن عمر، وعن نافع أن ابن عمر {كان يصلي بها -يعني المحصب - الظهر والعصر أحسبه قال والمغرب- قال: خالد لا أشك في العشاء ويهجع هجعة ويذكر ذلك عن النبي يا الله).
(1) أخرجه البخاري في كتاب: الحج، باب: المحصب (1676).
(2) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب استحباب النزول بالمحصب (1313). (3) الرافعي العزيز، ج 3، ص 443، والنووي، المجموع، ج 8، ص 183، والسرخسي،
المبسوط، ج 4، ص 24.
(4) النووي، المجموع، ج 8، ص 184.
(5) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: المحصب (1679). (5/499)
صفحة 2449
الرائد
6 .. )
وروي
أحمد عن نوح بن ميمون أنا عبد الله عن نافع عن ابن عمر أن
النبي و أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم نزلوا المحصب. وهؤلاء رأوا نزول النبي نزول تشريع فقد قصده النبي صلى الله عليه وسلم لذاته كما يفيد ذلك حديث الزهري قال: حدثني أبو سلمة أن أبا هريرة الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد قدوم مكة: منزلنا غدا -إن شاء الله- بخيف بني
(2)
كنانة حيث تقاسموا على الكفر (2).
ومعنى تقاسموا على الكفر تحالفوا وتعاهدوا عليه، وهو تحالفهم على
إخراج النبي وبني هاشم وبني المطلب من مكة إلى هذا الشعب وهو كنانة، وكتبوا بينهم الصحيفة المشهورة، وكتبوا فيها أنواعا من
خيف بني الباطل وقطيعة الرحم والكفر.
فأرسل الله تعالى عليها الأرضة فأكلت كل ما فيها من كفر وقطيعة رحم وباطل وتركت ما فيها من ذكر الله تعالى فأخبر جبريل النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فأخبر به النبي صلى الله عليه وسلم عمه أبا طالب فجاء إليهم أبو طالب فأخبرهم عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك
(1) أحمد بن حنبل، المسند، ج 2، 138.
(2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: نزول النبي صلى الله عليه وسلم مكة (1512). (5/500)
صفحة 2450
الرائد
فوجدوه كما أخبر.
6.1)
ووجه
الشاهد من الحديث أنه أراد به الإشارة إلى تعاهد المشركين في
ذلك الموضع على هجران بني هاشم فظهر من ذلك أنه نزله قصدا لإراءة المشركين لطيف صنع الله تعالى به فيكون النزول فيه سنة بمنزلة الرمل في الطواف).
والواقع أن الحديث من حيث المذكور فيه تعارض مع حديث أبي رافع الذي ذكرناه ضمن أدلة القائلين بعدم مشروعية التحصيب وفيه قوله: لم يأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنزل الأبطح حين خرج من منى ولكني جئت فضربت فيه قبته فجاء فنزل.
ولكن قد يجمع بين الأمرين بأن أبا رافع لم يكن يعلم كلام النبي صلى الله عليه وسلم السابق، وعليه فمن حفظ قوله صلى الله عليه وسلم السابق حجة على من لم يحفظ، لكن في النفس من حديث أبي هريرة السابق إشكال وإن لم أجد من ذكره. بيان ذلك أن في حديث أبي هريرة السابق اضطرابا بينا من العسر
معه
(1) ابن عبد البر، التمهيد، ج 15، ص 246، والنووي، شرح صحيح مسلم، ج 9، ص 61،
والعيني، عمدة القاري، ج 9، ص 229.
(2) المرغيناني، الهداية، ج 1، ص 150، والسرخسي، المبسوط، ج 4، ص 24. (5/501)
صفحة 2451
الرائد
6. T)
الجمع بين الروايات المختلفة، بيان ذلك أن الروايات عن أبي هريرة اختلفت في موضع قول النبي فمنها ما فيه أنه قال ذلك في منى عند الفراغ من حجة الوداع، ومنها ما فيه أنه قال ذلك عند فتح مكة، ومنها ما فيه أنه قال ذلك يوم حنين، ومنها ما جاء الكلام فيه بأنه قال ذلك يوم أراد القدوم لمكة. أما الأول من الأمور وهو قوله ذلك في منى فجاء التصريح فيه من حديث الوليد حدثنا الأوزاعي قال: حدثني الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة الله قال: قال النبي لا من الغد يوم النحر وهو بمنى النحر وهو بمني: نحن نازلون غدا بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر.
وجاء السابق من حديث محمد بن عزيز الأيلي أن سلامة حدثهم عن عقيل عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين أراد أن ينفر من منى: نحن نازلون غدا إن شاء الله بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر.
وفي هذه الرواية إشكال من حيث إنه قال ذلك على ما تفيده الرواية- ن يوم
يوم السبت الحادي عشر من ذي الحجة، وهذا يفيد أن نفره كان
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب نزول النبي مكة (1513). (2) ابن خزيمة، صحيح ابن خزيمة، ج 4، ص 322.
الثاني (5/502)
صفحة 2452
الرائد
6. T)
عشر، وهذا مخالف لما اتفق عليه أنه نفر يوما الثالث عشر
وفي رواية مسلم من الطريق السابق قال أبو هريرة: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم
(1)
ونحن بمنى نحن نازلون غدا بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر. أما ما يفيد أنه قال السابق يوم غزوة حنين فحديث عبد العزيز بن عبد الله قال: حدثني إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد حنينا: منزلنا غدا - إن شاء الله - بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر. وأما رواية أنه قال ذلك يوم فتح مكة فجاءت من حديث شعيب حدثنا أبو الزناد عن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: منزلنا - إن شاء الله - إذا فتح الله الخيف حيث تقاسموا على الكفر. أما الرواية المطلقة فيفيدها حديث شعيب عن الزهري قال: حدثني أبو سلمة أن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد قدوم مكة: منزلنا
(1) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب استحباب النزول بالمحصب (1314). (2) أخرجه البخاري في كتاب فضائل الصحابة، باب تقاسم المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم
(3669)
(3) أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب: أين ركز النبي اهل الراية يوم الفتح (4033). (5/503)
صفحة 2453
الرائد
6.?)
(1)
غدا - إن شاء الله - بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر.
وروى البخاري إطلاق الحديث من غير تقييده بموضع عن أحمد بن
صالح حدثنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة". ومن الفقهاء من حمل السابق على أنه قاله في الأوقات السابقة كلها، وفي ذلك نظر إذ مخرج الرواية، واحد، وما حصل الخلاف إلا بين الرواة عن ابن شهاب الزهري، وعليه فلا بد من الحكم بالاضطراب فيقدم حديث أبي رافع الذي فيه أنه أعد نزل النبي صلى الله عليه وسلم في منطقة المحصب برأيه هو لا برأي النبي، وعليه يبقى الاستدلال بنفس الفعل.
واختلف القائلون بالمشروعية هل هو مسنون لمن نفر ثالث أيام التشريق كما هو فعل النبي، أو هو مسنون لكل من نفر ولو كان متعجلا، كما اختلف في حد المحصب فقيل ما بين الجبلين إلى المقبرة سمي به لاجتماع
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب نزول النبي صلى الله عليه وسلم مكة (1512). (2) كتاب التوحيد، باب في المشيئة والإرادة (7041).
(3) العراقي، طرح التثريب، ج 5، ص 152.
(4) الهيتمي، الحاشية على الإيضاح، ص 414. (5/504)
صفحة 2454
الرائد
6.0)
الحصباء فيه يحمل السيل فإنه موضع منهبط، ويسمى الأبطح والبطحاء وخيف بني كنانة.
وقيل: حد المحصب من الحجون مصعدا في الشق الأيسر وأنت ذاهب إلى حائط خرمان مرتفعا عن الوادي فذلك كله المحصب)، وقيل حده ما بين شعب عمرو إلى شعب بني كنانة، وقيل هو مابين شعب عمرو الذي هو الملاوي إلى ثنية إذخر، وقيل ما بين شعب الصفي إلى حائط مقيصرة وهو فناء دار محمد بن سليمان إلى حائط خرمان إلى ثنية الوداع.
والأماكن السابقة لا يمكن للناس في هذه الأيام أن يقتفوا فيها هذه السنة على من يرى مشروعية التحصيب، وما ذلك إلا لأن المنطقة عمرت بالبنايات والأسواق والأزقة التي لا مجال في أن يقف الإنسان بها فضلا عن البقاء من صلاة الظهر إلى منتصف الليل، وما بقي من الأمر عند من يرى مشروعية التحصيب إلا النية الصالحة التي يدرك الإنسان بها أجر العامل.
(1) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 445، والنووي، المجموع، ج 8، ص 183.
(2) الأزرقي، أخبار مكة، ج 2، ص 160.
(3) الحموي، معجم البلدان، ج 5، ص 62.
(4) الفاكهي، أخبار مكة، ج 4، ص 73. (5/505)
صفحة 2455
[صفحة فارغة] (5/506)
صفحة 2456
الفصل العاشر: طواف الوداع
المبحث الأول: معنى طواف الوداع ووقته
المبحث الثاني: مشروعية طواف الوداع وحكمه وتكييفه
المبحث الثالث: من يشرع في حقه طواف الوداع
المبحث الرابع: الاشتغال بغير النفر بعد طواف الوداع المبحث الخامس: حكم من نفر دون طواف الوداع
المبحث السادس: مندوبات الوداع (5/507)
صفحة 2457
[صفحة فارغة] (5/508)
صفحة 2458
الرائد
6.9)
المبحث الأول: معنى طواف الوداع ووقته
يأتي طواف الوداع آخر الأعمال التي يقوم بها قاصد بيت الله الحرام
للحج والعمرة، ومشروعيته ما هي أفئدة أحباء الله وأصفيائه، فيظهر الطائف فيه من الحزن على فراق هذا المكان المعظم ويجعله آخر ما يقوم به في هذا البيت الحرام فليس بعده إلا النفر ومعالجة أسباب الخروج؛ إذ هو أشرف عباداته.
إلا ترسيخ لمكانة البيت الحرام مهوى
وأبان بعض أهل العلم أنه شرع طواف الوداع لأن القادم ينبغي له السلام إذا فارق ولما كان السلام على الله تعالى محالا لكونه سالما لذاته فلا يدعى له بالسلامة جعلت الصلاة والطواف بدلا منه لتمييز جناب الربوبية
عن غيرها).
أن
عمر بن
وقد روى الإمام مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر الخطاب قال: لا يصدرن أحد من الحاج حتى يطوف بالبيت؛ فإن آخر
النسك الطواف بالبيت، ثم علق عليه بقوله:
في قول عمر بن الخطاب فإن آخر النسك الطواف بالبيت إن ذلك فيما
نرى - والله أعلم - لقول الله تبارك وتعالى: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَيْبِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا
(1) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 235. (5/509)
صفحة 2459
الرائد
61.)
(2)
مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ، وقال: {ثُمَّ يَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ فمحل الشعائر
كلها وانقضاؤها إلى البيت العتيق".
وقد
سمي هذا الطواف بهذا الاسم لأنه لتوديع البيت، كما يسميه بعض
الفقهاء طواف الصدر لأنه يكون عند صدور الناس من مكة، ويسميه
(0)
آخرون طواف الخروج لخروج الناس من مكة إثره، وقال الحطاب من
المالكية وكره مالك في الموازية أن يقال طواف الوداع، قال: وليقل
الطواف.
وقد سعيت لأن أجد النص الذي قاله الإمام مالك فلم أجد إلا ما نقله
ابن عبد الهادي ونصه:
قال مالك في وداع البيت ما يعرف في كتاب الله ولا سنة نبيه صلى الله عليه وسلم الوداع،
(1) سورة: الحج، الآية (32).
(2) سورة: الحج، جزء من الآية (33).
(3) مالك بن أنس، الموطأ، ج 1، ص 369.
(4) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 237.
(5) سمته بذلك أم سلمة كما في الرواية التي أخرجها النسائي في كتاب الحج، باب: طواف
الرجال مع النساء (2926).
(6) الحطاب، مواهب الجليل، ج 3، ص 137. (5/510)
صفحة 2460
الرائد
611
إنما هو الطواف بالبيت.
وليس لهذا الطواف وقت محدد لا يعدوه من شرع في حقه بل أمره معلق بإرادة من شرع في حقه النفر من مكة ليكون هذا الطواف آخر العهد بالبيت على ما جرت به العادة في توديع المسافر أهله وإخوانه"، فقد يشرع في حق الإنسان ليلا كما قد يشرع نهارا، كما أنه قد يشرع إثر الرمي وقد يشرع بعد أعوام منه، والجامع أن سببه إرادة النفر من مكة، فمتى تحقق شرع طواف الوداع وكان الوقت وقته.
وذهب بعض الفقهاء إلى أن لمن طاف الإفاضة يوم العاشر أن يطوف بعده للوداع ثم يرجع بعدها إلى منى وينفر منها إلى وطنه؛ لأن طواف الوداع يراد المفارقة البيت وهذا قد تحقق فيه المراد السابق).
وهذا رأي ضعيف فالرسول صلى الله عليه وسلم مصرح بوقته أنه آخر عهد الناسك، والآتي به قبل الرمي آت به قبل وقته إذ الرمي والمبيت أيام التشريق هو آخر العهد وليس الطواف بالبيت فلا يجزيه، ثم إنه الله وأصحابه ما طافوا للوداع
(1) ابن عبد الهادي الصارم المنكي، ص 370
(2) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 237.
(3) النووي، المجموع، ج 8، ص 187، والسخاوي، التحفة اللطيفة، ج 1، ص 380. (5/511)
صفحة 2461
الرائد
(12)
إلا بعد أن أنهوا مناسكهم فيلزم اتباعهم.
ومما يقع كثيرا أن من الناس من يضطر إلى النفر من مكة في الحادي
عشر، ويكون بقي عليه الثاني عشر ومبيته فهل يشرع في حقه طواف
رمي
الوداع أو لا يشرع في حقه؟
لم أجد هذه المسألة عند الفقهاء المتقدمين لكن ذكرها المعاصرون ولهم
فيها قولان أولهما أنه لا يشرع في حقه طواف الوداع، وعلتهم أن طواف الناسك أعمال الحج، ومن نفر في الحادي
أن ينهي
الوداع لا يكون إلا بعد أن
عشر غير مُنْهِ أعمال الحج فيكون الطواف في غير وقته، وألزم هؤلاء المبتلى بالسابق بما يلزم به تارك طواف الوداع.
والواقع أنه لا بد من رجع الخلاف إلى أمر سنذكره بعد قليل في تكييف طواف الوداع فمن قال إنه مشروع لوداع البيت دون تعلق بنسك أو غيره فيقول هنا إنه مشروع في حق هذا.
ومن قال إن طواف الوداع نسك فيدخله الخلاف، والرأي الأول القائل بعدم مشروعيته في حق من نفر قبل إتمام الأعمال تقدم دليله، والقول الثاني - الأظهر - أنه مشروع لأن مشروعيته معلقة بالنفر لقول النبي صلى الله عليه وسلم: فلا ينفرن حتى يكون آخر عهده بالبيت فطواف الوداع معلق بالنفر لا بإنهاء
وهو
المناسك. (5/512)
صفحة 2462
الرائد
613)
المبحث الثاني: مشروعية طواف الوداع وحكمه وتكييفه
المطلب الأول: مشروعية طواف الوداع
اتفقت المذاهب الفقهية على القول بمشروعية طواف الوداع من حيث
الجملة، والدليل على المشروعية السابقة فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله وإجماع الأمة
>
عليه بعد ذلك، أما فعله فقد روى أفلح بن حميد عن القاسم عن عائشة قالت: نزل رسول الله لا لما حصل فدعا عبد الرحمن بن أبي بكر فقال: اخرج بأختك من الحرم فلتهل بعمرة ثم لتطف بالبيت فإني أنتظركما ها هنا. قالت: فخرجنا فأهللت ثم طفت بالبيت وبالصفا والمروة فجئنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في منزله من جوف الليل فقال: هل فرغت؟ قلت: نعم، فآذن في أصحابه بالرحيل فخرج فمر بالبيت فطاف به قبل صلاة الصبح ثم خرج إلى
المدينة (2).
أما أمره غيره بطواف الوداع فجاء في أحاديث مختلفة منها حديث ابن
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 43، والشماخي، الإيضاح، ج 2، ص 451، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 212، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 236.
(2) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام (1211). (5/513)
صفحة 2463
الرائد
618)
طاوس عن أبيه عن ابن عباس الله قال: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن الحائض).
والاحتجاج بالسابق على الوجوب ينبني على القول القائل بأن إخبار الصحابي عن صيغة الأمر كحكايته لها، وقد نسب هذا الرأي إلى الأكثر من الأصوليين، وفي المسألة أقوال ثلاثة أولها القول بكونه مرفوعا، وثانيها الحمل
على أنه من الصحابة دون الرسول صلى الله عليه وسلم، وثالثها الوقف حتى يقوم دليل". والخلاف السابق إنما هو في حال الخلو من القرائن، أما مع القرينة فيصار إلى ما أفادته والحال هنا أن القرينة دالة على أن الأمر هو النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث سليمان الأحول عن طاوس عن ابن عباس قال: كان الناس ينصرفون في كل وجه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ينفرن أحد حتى يكون آخر
عهده بالبيت (3).
والحميدي روى حديث سفيان بن عيينة عن سليمان الأحول ثم نقل عن
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: طواف الوداع (1668).
(2) ابن السمعاني، قواطع الأدلة، ج 2، ص 203، وابن دقيق العيد، الإحكام، ج 3، ص 87، والسبكي، الإبهاج، ج 2، ص 328، وابن أمير الحاج، التقرير والتحبير، ج 2،
ص 351.
(3) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب وجوب طواف الوداع (1327). (5/514)
صفحة 2464
الرائد
?°??%
سفيان قوله:
لم أسمع في هذا الحديث أحسن من هذا الذي حدثنا سليمان، قال سفيان وأخبرنا ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض).
كما جاء النص على أن النهي من قبل النبي صلى الله عليه وسلم في حديث علي بن محمد ثنا وكيع ثنا إبراهيم بن يزيد عن طاوس عن ابن عمر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينفر الرجل حتى يكون آخر عهده بالبيت.
والحديث أخرجه ابن ماجه ()، ولكنه لا يثبت من حيث سنده فإبراهيم
بن يزيد الخوزي مضى ذكره غير مرة وأنه لا يثبت حديثه.
والحديث رواه الترمذي من حديث عيسى بن يونس عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال من حج البيت فليكن آخر عهده بالبيت إلا
الحيض ورخص لهن رسول الله.
(1) الحميدي، المسند، ج 1، ص 233.
(2) أخرجه ابن ماجه في كتاب مناسك الحج، باب طواف الوداع (3071).
(3) کتاب الحج، باب ما جاء في المرأة تحيض بعد الإفاضة (944)، وقال إثره: حسن
صحيح. (5/515)
صفحة 2465
الرائد
516
كما جاء الحديث مرفوعا من غير الطريقين السابقين فقد رواه الترمذي من حديث الحجاج بن أرطاة عن عبد الملك بن المغيرة عن عبد الرحمن بن السلماني عن عمرو بن أوس عن الحارث بن عبد الله بن أوس قال: سمعت النبي يقول: من حج هذا البيت أو اعتمر فليكن آخر عهده بالبيت، فقال صلى الله عليه وسلم
له عمر: خررت من يديك سمعت هذا من رسول الله له لو لم تخبرنا به؟). غير أن في إسناده الحجاج بن أرطأة وقد مضى مرارا أنه ليس بحجة فهو مدلس ضعيف الرواية، لذا قال الترمذي بعد إخراجه حديث الحارث بن عبد الله بن أوس حديث غريب، وهكذا روى غير واحد عن الحجاج بن أرطاة مثل هذا وقد خولف الحجاج في بعض هذا الإسناد اهـ.
والحجاج قد توبع على الإسناد السابق من قبل يزيد بن أبي زياد عن عبد الملك بن المغيرة الطائفي كما عند الطبراني، ولكن يزيد بن أبي زياد لا يثبت حديثه كما تقدم ذكره.
وقد جاء الحديث السابق من طريق أخرى بسياق مختلف ولا أدري هل هو السابق نفسه أو اضطراب في الحديث يسقطه، والحديث من طريق عفان
(1) کتاب الحج، باب ما جاء من حج أو اعتمر فليكن 0 DOO ID بالبيت (946).
(2) الطبراني، المعجم الكبير، ج 3، ص 263. (5/516)
صفحة 2466
الرائد
517
قال: ثنا أبو عوانة عن يعلى بن عطاء عن الوليد بن عبد الرحمن عن الحارث بن عبد الله بن أوس الثقفي قال:
سألت عمر بن الخطاب عن المرأة تطوف بالبيت ثم تحيض؟ فقال: ليكن آخر عهدها بالبيت، فقال الحارث: كذلك أفتاني رسول الله، فقال عمر:
أَرِبْتَ عن يديك) سألتني عن شيء سألت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم كيما أخالفه". وأورد الحافظ ابن حجر هذا الحديث مرفوعا من طريق عطاء من حديث مسدد حدثنا عيسى بن يونس ثنا ابن أبي ليلى عن عطاء رضي الله عنه قال: إن النبي قال: من حج هذا البيت فليكن آخر عهده الطواف بالبيت
ورخص للنساء (3).
من
سنة
ومما يفيد المشروعية على ما قاله بعض أهل العلم- أنه لما كان القادم أن يطوف بالبيت تحية وتسليما اقتضى أن يكون من سنة الحاج أن يطوف بالبيت تحية وتوديعا، وإذا كان هذا ثابتا فمن سنة العائد إلى بلده بعد
(1) أي سقطت آرابه، والآرباب جمع إرب وهو العضو، والكلمة دعاء لا يراد به الوقوع. ابن الجوزي غريب الحديث، ج 1، ص 17.
(2) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 174.
(3) ابن حجر، المطالب العالية، ج 7، ص 99. (5/517)
صفحة 2467
الرائد
611)
فراغ حجه أن يودع البيت بالطواف، سواء كان بمكة أو بمنى".
وبعد تبين مشروعية طواف الوداع نقول إنه كسائر أنواع الطواف في ده وأن المقام
الأركان والشرائط والسنن، ومنه صرحوا باستحباب ركعتين بعده و
لهما بعده لا يبطل الوداع، بل منهم من قال إن من ودع في غير وقت صلاة فلا يخرج من المسجد حتى يصلي، فإن خرج فعليه دم".
ومنهم من استدل للركعتين التي بعد طواف الوداع بأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى
الفجر بعد أن طاف للوداع كما سيأتي دليل ذلك.
ومن
الفقهاء من قال إن تعيين النية لطواف الوداع ليس بشرط حتى لو طاف بعد طواف الزيارة لا يعين شيئا أو نوى تطوعا كان للوداع؛ لأن الوقت تعين له فتنصرف مطلق النية إليه كما في صوم رمضان، وفي هذا الكلام نظر
ذكرناه في الجزء الرابع من هذا الكتاب.
والسنن التي ذكرناها من قبل وقد علقت بوصف ليس في طواف الوداع
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 212.
(2) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 448، والنووي، المجموع، ج 8، ص 189.
(3) البسيوي، الجامع، ج 2، ص 282.
(4) ابن عثيمين مجموع الفتاوى، ج 23، ص 351.
(5) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص
143 (5/518)
صفحة 2468
الرائد
619)
فإنها لا تشرع فيه كالرمل والاضطباع، وهذا أمر قد ذكرناه من قبل، وقد ذكر بعض الفقهاء الاتفاق عليه).
ومن الفقهاء من نص على أن النيابة لا تدخل هذا الطواف، فمن خرج ولم يودع فأوصى بعض أصحابه أن يودع عنه فودع عنه لم يجزه ذلك وعليه دم إن لم يرجع".
وذهب بعضهم إلى أن طواف الوداع يصح من غير طهارة، وأن الطهارة
فيه تجبر بالدم، وهذا منسوب في كتب الشافعية إلى الأبيوردي منهم". لكن تعقب الزركشي ذلك بأنه إنما قال الأبيوردي هذا من حيث إنه ألزم وقيل له لو جاز جبر طواف الوداع بالدم لجاز جبر الطهارة به كالدم، فارتكبه وقال يجبر بالدم، قال الزركشي وهذا غلط؛ فإن الجبر للطواف لا للطهارة. وكان الزركشي مقررا أنه لم يحسن نقل الرافعي الحكم السابق قولا للأبيوردي لأنه قد لأنه قد يرتكب في المناظرة الخلاف لأنه موضع ضرورة وقد
(1) ابن جماعة، هداية السالك، ج 4، ص 1373.
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 54.
(3) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 449، والنووي، روضة الطالبين، ج 3، ص 117. (5/519)
صفحة 2469
الرائد
6 T.)
يكون صاحبه في مهلة النظر فلا ينبغي نقله إلا إذا تحقق استقراره عليه.
المطلب الثاني: مشروعية طواف الوداع للمعتمر
(2)
مشروعية طواف الوداع لمن أنهى نسك الحج وأراد الخروج من مكة متفق عليها كما تقدم، غير أن الفقهاء مختلفون في مشروعية أن يكون للعمرة طواف وداع لمن أراد الخروج من مكة، فذهب بعض الفقهاء إلى عدم مشروعية أن يكون للعمرة ذاتها طواف للوداع، واستدل هؤلاء بأدلة
متعددة
أولها: أن الأدلة التي ورد فيها ذكر طواف الوداع ما هي إلا أدلة في الحج، و ما قال النبي الله ذلك إلا في نسك الحج فيقتصر على موارد النصوص
في أمر تعبدي.
(1) الزركشى المنثور في القواعد، ج 2، ص 140.
6
(2) الفقهاء كما سيأتي - مختلفون في تكييف طواف الوداع أهو نسك أو واجب متعلق بنفس الخروج من مكة سواء كان صاحب نسك أو غيره، وهذا المطلب والخلاف فيه لا يتصور إلا عند القائلين بكونه نسكا.
(3) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 35، والسمرقندي، تحفة الفقهاء، ص 410، والعيني، عمدة القاري، ج 10، ص 95.
(4) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 227، والعيني، عمدة القاري، ج 10، ص 95. (5/520)
صفحة 2470
الرائد
6 T 1)
ثانيها: إن الرسول صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمر ولم ينقل عنه أنه طاف للوداع،
ولو طاف لنقل، فلما لم ينقل دل على عدم اقتضاء العمرة ذاتها طواف وداع. ثالثها: أن معظم الركن في العمرة الطواف وما هو معظم الركن في النسك لا يتكرر عند الوداع كالوقوف في الحج؛ لأن الشيء الواحد لا يجوز
البيت،
أن يكون معظم الركن في نسك وهو بعينه غير ركن في ذلك النسك، ولأن ما هو معظم الركن مقصود وطواف الوداع تبع يجب لقصد توديع والشيء الواحد لا يكون مقصودا وتبعا.
وذهب آخرون من الفقهاء إلى مشروعية طواف الوداع للمعتمر"، وقد اختلفت مآخذهم في الاستدلال لقولهم، فمنهم من أخذ المشروعية من كون طواف الوداع مشروعا لكل من خرج من مكة وليس هو للنسك، والخارج بعد أداء العمرة إلى خارج مكة تشمله العلة السابقة كما سيأتي تفصيل ذلك بعد قليل).
(1) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 35.
(2) مالك بن أنس، المدونة الكبرى، ج 2، ص 502، والسرخسي، المبسوط، ج 4، ص 35، وابن جماعة، هداية السالك، ج 4، ص 1366، وابن الضياء، البحر العميق، ج 4،
6
ص 1910، شيخنا الخليلي الفتاوى الكتاب الأول، ص 371
(3) الزركشي، الديباج، ج 1، ص 404. (5/521)
صفحة 2471
الرائد
22
ومنهم من قال يشرع الطواف للنسك، وقد ثبت النص في نسك الحج فيقاس عليه نسك العمرة لعدم الفارق؛ إذ العلة النسك والعمرة نسك
اتفاقا.
ومنهم من قال إن ثبوته في العمرة كان بظاهر النص الشرعي الذي ألحق بعمومه العمرة بالحج كما في حديث يعلى بن أمية لما أحضر إلى النبي صلى الله عليه وسلم من تضمخ بالصفرة فقال له الله و اخلع عنك الجبة، واغسل أثر الخلوق عنك، وأنق الصفرة، واصنع في عمرتك كما تصنع في حجك.
ووجه الدلالة
من ذلك أن كل ما ثبت في الحج ثبت في العمرة إلا ما دل
الدليل أو الإجماع على خلافه.
ومنهم من استدل لإثبات طواف الوداع للعمرة بأن النبي صلى الله عليه وسلم سمى العمرة حجا أصغر فتعطى أحكام الحج، ثم إن الله تعالى قال في كتابه {وَأَتِمُّوا الْحَجَ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ " وإذا كان طواف الوداع من تمام الحج فهو من تمام العمرة
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: يفعل في العمرة ما يفعل في الحج (1697). (2) ابن عثيمين، مجموع الفتاوى، ج 22، ص 436.
(3) سورة البقرة، جزء من الآية (196). (5/522)
صفحة 2472
الرائد
23
أيضا
والقول الناص على مشروعية طواف وداع للمعتمر هو الأولى سواء قلنا إن الدليل هو عموم النص فيما يشرع في العمرة أم قلنا إن الدليل هو القياس الذي علته النسك فكلا الدليلين حجة في إثبات مشروعية طواف الوداع
للمعتمر.
وقد جاء مرفوعا ما ينص على أنه يشرع للمعتمر طواف وداع كما في حديث عبد الرحمن البيلماني عن عمرو بن أوس عن الحارث بن عبد الله بن أوس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من حج هذا البيت أو اعتمر فليكن آخر عهده بالبيت فقال له عمر خررت من يديك سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم تخبرنا به.
والحديث أخرجه الترمذي كما تقدم بيانه وبيان علته.
أدلة
أما أدلة القائلين بعدم المشروعية فالأول منها ساقط بما ذكرناه من القائلين بالمشروعية، إذ عدم ذكرها هناك مقابل بالأدلة التي تلحقها بالمذكور
سواء بعموم النص كما في حديث يعلى بن أمية أم بالقياس الجلي.
(1) ابن عثيمين، مجموع الفتاوى، ج 23، ص 324. (5/523)
صفحة 2473
الرائد
524
أما الاستدلال بأن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمر ولم ينقل عنه أنه طاف للوداع فيها فيرد عليه بأن العمر الأربع أولها عمرة الحديبية التي كانت سنة ست من الهجرة، والنبي قد منع من دخول الحرم فضلا عن الطواف، وما عُدَّت عمرة إلا لأصل الإحرام بها والمسلم مأجور بالنية، وعليه فليس في عدم طوافه للوداع هنا دليل.
أما العمرة الثانية فعمرة القضاء من السنة التالية لعمرة الحديبية، وهذه العمرة لم يذكر فيها طواف الوداع، ولكن عدم الذكر لا يستلزم عدم الوقوع حقا وإن أفاده ظاهرا.
ومع الظاهر السابق قد يرد هذا الدليل بأن الأدلة التي فيها طواف الوداع متأخرة والأصل أن يؤخذ بالأحدث من أموره، فلعل طواف
الوداع لم يكن مشروعا حينها ثم شرع يوم حجة الوداع.
أما العمرة الثالثة فعمرة الجعرانة في ذي القعدة من عام فتح مكة بعد حنين، "وهذه العمرة لم يبق فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة إنما اعتمر وخرج في
ليلته إلى الجعرانة وهي خارج حدود الحرم وذلك لقسم غنائم حنين. (5/524)
صفحة 2474
الرائد
ومعلوم أن المعتمر إذا طاف وسعى وحلق أو قصر ثم خرج مباشرة من مكة ولم يمكث فليس عليه طواف وداع؛ لأن هذا الفعل يستلزم أن يكون
آخر عهده بالبيت، وإذن ليس فيها دلالة لعدم وجوب طواف العمرة". ومما يدل بظاهره على أن المعتمر إن خرج بعد العمرة مباشرة أنه ليس
عليه طواف وداع حديث أفلح بن حميد عن القاسم عن عائشة قالت: د ..... نفرنا من منى فنزلنا المحصب فدعا عبد الرحمن فقال: اخرج بأختك الحرم فلتهل بعمرة ثم افرغا من طوافكما أنتظركما ها هنا، فأتينا في جوف الليل فقال: فرغتها؟ قلت نعم فنادى بالرحيل في أصحابه فارتحل
الناس ومن طاف بالبيت قبل صلاة الصبح، ثم خرج موجها إلى المدينة". وظاهر هذا أن نفر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كان بعد أن فرغت من العمرة مباشرة، وليس فيه أنها طافت للوداع للحج مع الاتفاق أن طواف الوداع مشروع للحج، ونقل الحافظ ابن حجر عن ابن بطال قوله: لا خلاف بين
(1) القطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 265.
(2) الكلام للأستاذ الدكتور سليمان العيسى كما في موقع: المسلم، ركن النوازل. (3) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: المعتمر إذا طاف طواف العمرة ثم خرج هل
يجزئه من 100 mm 0 (0000 (5/525)
صفحة 2475
الرائد
العلماء أن المعتمر إذا طاف فخرج إلى بلده أنه يجزيه من طواف الوداع كما
فعلت عائشة (1).
ولو لم يسلم بالسابق فيرد على الاستدلال به بكون الأدلة المفيدة مشروعية طواف وداع للعمرة متأخرة في السنة العاشرة للهجرة يوم طواف الوداع، والمتأخر يقضي على المتقدم كما تقدم عند الحديث عن العمرة الثانية. أما العمرة الرابعة فهي التي كانت مع حجته، وهذه لا دلالة فيها على المراد إذ من المتفق عليه أن النبي و قد طاف حينما نفر من مكة بعد أن رمى الجمار، ولم يبين هل طوافه ذلك لأجل النسكين معا العمرة والحج أو هو للمجموع منها إذ إنه لو كان قارنا أو المطلق النسك أو لمفارقة مكة. وعلى الاحتمالات السابقة كلها العمرة داخلة مما يفيد المشروعية، وعدم
صلاحية هذا الدليل لنفي اقتضاء العمرة طواف وداع.
(1) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 612، والعبدري، التاج والإكليل، ج 3، ص 137. (5/526)
صفحة 2476
الرائد
27
المطلب الثالث: تكييف طواف الوداع
بعد الاتفاق على مشروعية طواف الوداع من حيث الجملة اختلف الفقهاء في تكييفه، فمنهم من قال إنه نسك أنساك من الحج، ومن هؤلاء من حكى الاتفاق على أن من خرج من مكة لا يشرع له طواف وداع إلا إن كان حاجا، وقال هؤلاء إنه لا تعويل على ما يعتاده المكيون من الحرص على الوداع أكثر من حرص الغرباء، ومنهم من قال إنه لا خلاف في كون طواف الوداع نسكا.
وعلى هذا فهو من توابع الحج، وبالأخذ بأنه لا يشرع لأهل مكة فيقال
إن علة وجوبه إتمام نسك الحج مع كون الناسك عازما على النفر منها. والواقع أنه لا اتفاق على ما ذكره بعض هؤلاء من كونه لا خلاف في كونه نسكا؛ إذ إن جماعة من أهل العلم يرون أن طواف الوداع ليس من جملة المناسك بل يؤمر به كل من أراد مفارقة مكة إلى مسافة القصر سواء كان مكيا يريد سفرا أو أفقيا يريد الرجوع إلى أهله، وقد كانت مشروعيته تعظيما للحرم وتشبيها لاقتضاء خروجه للوداع باقتضاء دخوله الإحرام.
(1) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 299، والغزالي، الوسيط، ج 2، ص 672. (2) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 212. (5/527)
صفحة 2477
الرائد
6 TA)
قال الرافعي: والظاهر المشهور أن طواف الوداع لا يختص بصاحب
النسك، بل يؤمر به كل من يخرج من مكة مكيا كان أو غريبا. ثم إن هؤلاء نقلوا الاتفاق على أن المكي إذا حج وهو عازم على أن يقيم بوطنه أنه لا يؤمر بالوداع، والآفاقي إذا حج وأراد المقام بمكة فحكمه مثله،
ولو كان من جملة المناسك لأشبه أن يعم الحجيج كلهم.
والواقع أن الأمر السابق ليس بلازم فالشرع قد فرق بين أهل مكة وغيرهم في لزوم دم التمتع وهو من المناسك اتفاقا، ثم إن علة وجوبه
المذكورة سلفا تشمل الجميع المكيين وغيرهم.
واستدل بعض أهل العلم أيضا لإثبات أن الطواف ليس نسكا بل هو لكل خارج من مكة بقوله: يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا، ووجه الدلالة أن طواف الوداع يكون عند الرجوع فسماه قبله قاضيا
(1) الرافعي شرح مسند الشافعي، ج 2، ص 354.
(2) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 446، والنووي، المجموع، ج 8، ص 186، وابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج 26، ص 8، والدردير، الشرح الكبير، ج 2، ص 53.
(3) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب جواز الإقامة بمكة للمهاجر منها بعد فراغ الحج والعمرة ثلاثة أيام بلا زيادة (1352). (5/528)
صفحة 2478
الرائد
679)
للمناسك وحقيقته أن يكون قضاها كلها.
واعترض على هذا بأن الظاهر أن المراد به النسك الذي تمكن الإقامة معه، أو الذي ليس بتابع على أن المهاجر إذا طاف للوداع ثم خرج من مكة يجوز أن يرجع ويقيم بها ثلاثا لا غير للخبر فلا يلزم حمله على الإقامة قبل
الطواف.
كما اعترض على القول بكونه نسكا بأنه مع القول بوجوبه يقتضي منع العمرة قبله كما يمنعها بقاء الرمي وليس كذلك فقد اعتمرت عائشة قبله. لكن أجيب عن هذا الاعتراض بأنه لما كان الوداع آخر ما يفعله قاصد
النبي
الخروج تعذر تقديمه عليها فاحتمل تقديمها عليه بخلاف الرمي". ولا أدري ما يقول الذين لا يرون طواف الوداع نسكا في خروج إلى منى وعرفات خروجا قصر فيه الصلاة ومع ذلك لم يثبت أنه طاف للوداع، والظاهر أنه ما طاف للوداع وإلا لنبه عليه.
ثم إنه ما دام طواف الوداع ليس من المناسك على رأي هؤلاء فما
(1) النووي، المجموع، ج 8، ص 186، وروضة الطالبين، ج 3، ص 117.
(2) الرملي، الحاشية، ج 1، ص 500.
(3) الرملي، الحاشية، ج 1، ص
0 .. (5/529)
صفحة 2479
الرائد
6 r.)
الموجب للدم لمن تركه مع القول بالوجوب، إذ وجوب الدم على من ترك واجبا من واجبات الحج معلوم دليله، ولكن وجوبه على من ترك واجبا ليس هو بالنسك مفتقر إلى الدليل وتعلق طواف الوداع بالنسك ظاهر لأن الخطاب كان للناسكين، أما تعديه إلى غيرهم فمستلزم دليلا.
وللخلاف السابق في تكييف طواف الوداع ظهرت بعض الآثار الفقهية، منها أنه رتب بعض الفقهاء أثرا على الخلاف في تكييف طواف الوداع أهو نسك أو ليس بنسك فقالوا إن الأجير إذا تركه وقلنا إنه نسك حط من
الأجرة بقدره، أما إن قلنا إنه ليس بنسك فلا يحط من الأجرة شيء. ومن الفقهاء من رتب على السابق أثرا آخر وهو أنه على قول القائلين بكونه ليس نسكا لا يدخل تحت غيره من الأطوفة بل لا بد من طواف يخصه حتى لو أخر طواف الإفاضة وفعله بعد أيام منى وأراد الخروج عقبه لم
يكف).
والواقع
أن هناك فقهاء يقولون بأن طواف الوداع ليس بنسك بل هو
مشروع لكل خارج من الحرم ومع ذلك يصرحون بدخوله تحت غيره من
(1) البجيرمي، الحاشية، ج 2، ص 139.
(2) الشربيني، مغني المحتاج، ج 1، ص 510. (5/530)
صفحة 2480
الرائد
61)
الأطوفة كطواف الإفاضة والعمرة.
وهؤلاء يعللون توجههم السابق بأن طواف الوداع ليس مقصودا لذاته
بل المقصود أن يكون آخر عهده بالبيت للحديث فأي طواف كان أجزاه فرضا أو تطوعا).
ومنهم من يجعله من باب تداخل العبادات في واجب وكل منهما مقصود في نفسه ومقصودهما مختلف فلا تداخل ومن ثم قالوا طواف الوداع مقصود في نفسه ولذلك لو طاف للإفاضة بعد رجوعه من منى ثم أراد السفر عقبة لم يكف بل لا بد أن يطوف للوداع أيضا.
ومن الفقهاء من قال إنه على القول بأنه من المناسك يلزم الولي أن يطوف بالصغير مطلقا إذا أحرم به، ولا يلزم الولي ذلك مطلقا على القول بأنه
واجب مستقل ليس من واجبات الحج).
(1) الدردير الشرح الكبير، ج 2، ص 53.
(2) الحطاب، مواهب الجليل، ج 3، ص 137.
(3) الزركشي، المنثور في القواعد، ج 1، ص 269، وابن رجب، تقرير القواعد، ج 1،
ص 149.
(4) ابن جماعة، هداية السالك، ج 4، ص 1367، والجاوي، نهاية الزين، ص 210. (5/531)
صفحة 2481
الرائد
32
المطلب الرابع: حكم طواف الوداع
بعد الاتفاق على مشروعية طواف الوداع من حيث الجملة الفقهاء
متفقون على أن طواف الوداع ليس بركن بدليل سقوطه عن الحائض ولو كان ركنا لما اختلف الحكم فيه من شخص لآخر.
غير أنهم مختلفون في حكمه، فذهب جماعة منهم –إخالهم الجمهور- إلى أنه واجب، واختلفوا في حكم تاركه، فقال أكثرهم يجب الدم على من شرع حقه وتركه دون عذر، ومنهم من ذهب إلى الوجوب ولكن تاركه يأثم من غير وجوب الدم عليه).
ودليل القائلين بالوجوب حديث الأمر به والنهي عن النفر قبل الإتيان به، وقد تقدما عند ذكر المشروعية، ووجه الدلالة منهما أن الأصل في الأمر أن يكون للوجوب، والأصل في النهي أن يكون للتحريم ما لم تصرف عن
(1) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 237، والقرافي، الذخيرة، ج 3، ص 283.
(2) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 369،،والبسيوي الجامع، ج 2، ص 282، والسرخسي، المبسوط، ج 4، ص 41، والسمرقندي، تحفة الفقهاء، ص 382، وابن الجوزي، التحقيق،
ج 2، ص 150، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 237.
(3) الكندي، المصنف، ج 8، ص 193، والشقصي منهج الطالبين، ج 7، ص 140، والشنقيطي، أضواء البيان، ج 4، ص 405. (5/532)
صفحة 2482
الرائد
33
القول بهما قرينة فالأحاديث الآمرة بجعله آخر العهد بالبيت يؤخذ منها وجوبه، والأحاديث التي فيها النهي عن النفر قبله يؤخذ منها حرمة النفر قبله وذلك مقتض وجوبه.
ثم إن مما يفيد أن حكم طواف الوداع الوجوب أن الشرع رخص للحائض في النفر دون أن تأتي بطواف الوداع، ومفهوم ذلك أنه لا رخصة لغير الحائض في النفر قبل طواف الوداع، ونفي الرخصة عن الفعل يفيد وجوبه على من لم يتحقق فيه وصف الرخصة. ونص بعض الفقهاء على أنه لا يقال أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالوداع أمر ندب بقرينة المعنى وهو أن المقصود الوداع؛ لأنا نقول ليس هذا صالحا لأن يكون صارفا عن الوجوب الجواز أن يطلب حتما لما في عدمه من شائبة عدم على الفراق وشبه عدم المبالاة به.
التأسف
على أن معنى الوداع ليس مذكورا في النصوص بل أن يجعل آخر عهدهم بالطواف فيجوز أن يكون معلا بغيره مما لم نقف عليه.
ولو سلم فإنما تعتبر دلالة القرينة إذا لم يفقها ما يقتضي خلاف مقتضاها، وهنا كذلك فإن لفظ الترخيص يفيد أنه حتم في حق من لم يرخص له؛ لأن
معنى عدم الترخيص في الشيء هو تحتم طلبه؛ إذ الترخيص فيه هو إطلاق (5/533)
صفحة 2483
الرائد
534
ترکه فعدمه عدم إطلاق تركه.
صحيح
ومما يفيد أيضا أن الأمر على حقيقته من الوجوب ما وقع في مسلم من أنه كان الناس ينصرفون في كل وجه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا
ينصرفن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت، فهذا النهي وقع مؤكدا بالنون الثقيلة وهو يؤكد موضوع اللفظ.
واستدل بعض أهل العلم لإثبات الوجوب بأن طواف الزيارة لتمام التحلل عن إحرام الحج فطواف الصدر لانتهاء المقام بمكة فيكون واجبا على من ينتهي مقامه بها وهو الأفقي أيضا الذي يرجع إلى أهله دون المكي الذي لا يرجع إلى موضع آخر".
وقال السيوطي: وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: طواف الوداع واجب، وهو قول الله وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ" اهـ، ولكن أسند الطبري عن ابن عباس أن المراد بالطواف المذكور في الآية طواف الزيارة).
(1) ابن الهمام، فتح القدير، ج 2، ص 504.
(2) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 35.
(3) السيوطي، الدر المنثور، ج 6، ص 41، والزمخشري، الکشاف، ج 3، ص 154. (4) الطبري، جامع البيان، ج 17، ص 152. (5/534)
صفحة 2484
الرائد
غير أنه أسند عن أبي عبد الرحمن البرقي قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة قال: سألت زهيرا عن قول الله وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ، قال: طواف
الوداع".
أما الخلاف في وجوب الدم على تاركه فراجع أمره إلى قاعدة جبر
الواجبات بالدم، والقاعدة السابقة راجعة إلى عد طواف الوداع نسكا. واعترض على إثبات الدم السابق بأن الدم لما في الإحرام من خلل
الواجبات وهذا بعد الإحرام فكيف يجب".
وقد يقول قائل بالقاعدة السابقة ولكن لا يثبت الدم على تارك الوداع لكونه ليس من النسك بل هو أمر مشروع لكل خارج من الحرم، وعليه فيكون على منتهك الأمر وزر انتهاكه، والدم أمر لم ينطق به الدليل الشرعي. لكن أولى ما يقال في الأمر أن طواف الوداع نسك في حق من شرع له، وتركه موجب للإثم لمن لم يرخص له النفر قبله، ولكن الدم أمر لم يدل عليه دليل فلا يجب.
والوجوب السابق على قول من قال به تستثنى منه الحائض فقد جاء من
(1) الطبري، جامع البيان، ج 17، ص 152.
(2) القرافي، الذخيرة، ج 3، ص 283. (5/535)
صفحة 2485
الرائد
(36)
الأدلة الشرعية ما يخفف عنها أمر طواف الوداع كما في حديث أبي عبيدة عن
جابر بن زيد عن عائشة قالت:
صلى الله عليه وسلم
إن صفية بنت حيي زوج النبي لا لا لا حاضت فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم
فقال: أحابستنا هي؟ فقيل إنها أفاضت، قال: فلا إذن.
وجاء السابق من حديث عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة". وجاء في بعض روايات الحديث من طريق يحيى بن أبي كثير عن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد من بعض ما يريد الرجل من أهله) فقالوا: إنها حائض يا رسول الله.
صفية
(1) أخرجه بهذا اللفظ الربيع في كتاب الحج، باب ما تفعل الحائض في الحج (441). (2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: إذا حاضت المرأة بعدما أفاضت (1670). (3) قال الحافظ العراقي: وهذه الرواية مشكلة؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لم يكن علم بأنها طافت طواف الإفاضة كما اتفقت عليه سائر الروايات فكيف يريد وقاعها وحكم الإحرام في حقها بالنسبة إلى الوقاع باق قبل الطواف؟ وجوابه أنه عليه الصلاة والسلام ظن أنها طاهرة، وأنها طافت طواف الإفاضة، فلما تبين له أنها حائض توهم حينئذ أنها لم تطف طواف الإفاضة فما حدث له هذا التوهم إلا بعد علمه بأنها حائض فلم يجتمع إرادة الوقاع وتوهم عدم الطواف في زمن واحد والله
أعلم. (5/536)
صفحة 2486
الرائد
قال: وإنها لحابستنا؟ فقالوا يا رسول الله، إنها قد زارت يوم
قال: فلتنفر معكم.
قال الحافظ ابن عبد البر:
6 rv)
النحر،
هذا حديث لا خلاف بين فقهاء الأمصار بالحجاز والعراق والشام في
القول به، وأن المرأة إذا حاضت بعد طوافها بالبيت طوافها للإفاضة أنها تنفر ولا تنتظر طهرها لطواف الوداع، وأن طواف الوداع ساقط عنها ولا
ذلك عليها).
وقال العلامة ابن جعفر والمرأة إذا نفر أصحابها فليس عليها نفرت ولم تطف للصدر.
شيء في
دم
إن
وقد روى الشافعي عن مالك عن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة أم المؤمنين أنها كانت إذا حجت ومعها نساء تخاف أن يحضن قدمتهن يوم النحر فأفضن فإن حضن بعد ذلك لم
العراقي، طرح التثريب، ج 5، ص 109.
(1) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب وجوب طواف الوداع وسقوطه عن الحائض
(1211)
(2) ابن عبد البر، التمهيد، ج 22، ص 153.
(3) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 405، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 52. (5/537)
صفحة 2487
الرائد
38
تنتظرهن فتنفر بهن وهن حيض إذا كن قد أفضن).
وقد كان بعض الصحابة يفتون بوجوب أن تنتظر الحائض إلى أن تطهر حتى تودع إلى أن بلغهم خبر ترخيص النبي، ومن هؤلاء الصحابة ابن
عمر الله كما في حديث ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس الله قال: رخص للحائض أن تنفر إذا أفاضت، قال: وسمعت ابن عمر يقول:
إنها لا تنفر، ثم سمعته يقول بعد إن النبي رخص لهن.
و ممن كان يفتي بعدم الرخصة للحائض في النفر زيد بن ثابته كما في حديث الحسن بن مسلم عن طاوس قال: كنت مع ابن عباس إذ قال زيد بن ثابت: تفتي أن تصدر الحائض قبل أن يكون آخر عهدها بالبيت؟
فقال له ابن عباس: إما لا فسل فلانة الأنصارية هل أمرها بذلك رسول الله؟ قال: فرجع زيد بن ثابت إلى ابن عباس يضحك وهو يقول:
(1) الشافعي،، المسند، ص 132.
(2) القائل هو طاوس ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 588، والعيني، عمدة القاري، ج 3، ص 313.
(3) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: إذا حاضت المرأة بعدما أفاضت (1672). (4) قال الرافعي: المعنى إن لم يكن ذلك الأمر فافعل كذا الرافعي، شرح مسند الشافعي، ج 2، ص 358. (5/538)
صفحة 2488
الرائد
(39)
ما أراك إلا قد صدقت.
وممن خالف أيضا جابر بن عبد الله كما في حديث وكيع عن مسعر عن
عبد الملك بن ميسرة عن طاوس قال:
ما رأيت ابن عباس خالفه أحد في شيء فتركه حتى يقرره، فخالفه جابر
بن عبد الله في المرأة تطوف ثم تحيض، فقال ابن عباس: تنفر، فأرسلوا إلى امرأة كان أصابها ذلك فوافقت ابن عباس).
وهؤلاء الصحابة قد ثبت رجوعهم عن القول السابق، لكن أسند ابن المنذر بإسناد صحيح كما يقول الحافظ ابن حجر والعيني- إلى نافع عن ابن عمر قال:
طافت امرأة بالبيت يوم النحر ثم حاضت فأمر عمر بحبسها بمكة بعد أن ينفر الناس حتى تطهر وتطوف بالبيت قال ابن المنذر: وقد ثبت رجوع ابن عمر وزيد بن ثابت عن ذلك وبقي عمر فخالفناه لثبوت حديث
(1) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب وجوب 0 0 0 0 وسقوطه عن الحائض
(1328)
(2) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 3 ن 173. (5/539)
صفحة 2489
الرائد
6?.)
عائشة (1).
وروى ابن أبي شيبة عن جرير عن أبي فروة قال: سألت القاسم بن محمد
عن امرأة زارت البيت يوم النحر، ثم حاضت قبل النفر؟ فقال:
عمر،
يرحم
الله
، كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يقولون قد فرغت إلا عمر فإنه كان يقول:
يكون آخر عهدها بالبيت).
وممن كان يقول بقول عمر أيضا الحارث بن عبد الله بن أوس الثقفي كما في حديث عفان قال: ثنا أبو عوانة عن يعلى بن عطاء عن الوليد بن عبد
الرحمن عن الحارث بن عبد الله بن أوس الثقفي قال:
سألت عمر بن الخطاب عن المرأة تطوف بالبيت ثم تحيض؟ فقال: ليكن آخر عهدها بالبيت، فقال الحارث كذلك أفتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: أربتَ عن يديك سألتني عن شيء سألت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم كيما أخالفه". قال الحافظ ابن حجر استدل الطحاوي بحديث عائشة وبحديث أم
(1) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 587، والعيني، عمدة القاري، ج 10، ص 96. (2) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 173، وفي بعض الألفاظ تصحيف فأصلحتها من النسخة المحققة من قبل الشيخ محمد عوامة طبعة شركة دار القبلة. ابن أبي شيبة،
المصنف، ج 8، ص 140.
(3) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 3، ص 174. (5/540)
صفحة 2490
الرائد
6?1)
سليم على نسخ حديث الحارث في حق الحائض).
وقال أبو الحسن البسيوي: وكذلك لا تخرج إن لم تطهر وقد حجت حتى تودع البيت؛ لأنه قد جاء الحديث بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الحائض بأن لا تخرج حتى يكون آخر عهدها بالبيت ... وإن خرجت إلى بلادها ولم تطف طواف الصدر للوداع فعليها دم تبعث به إلى مكة. والقول بسقوط طواف الوداع عن الحائض هو المتعين للأدلة النصية التي فيها رخصة النبي.
(3)
والنفساء في الحكم السابق كالحائض لعدم الفارق بينهما بل هي أولى بالرخصة لطول أيامها، وقد يقال إنها منصوص عليها أيضا لحديث مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه أن أبا سلمة بن عبد الرحمن أخبره أن أم سليم بنت ملحان استفتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد حاضت أو ولدت بعد ما أفاضت يوم النحر فأذن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرجت.
(1) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 587.
(2) البسيوي، الجامع، ج 2، ص 303.
(3) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 406، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 239، وابن الضياء،
البحر العميق، ج 4، ص 1914.
(4) مالك بن أنس، الموطأ، ج 1، ص 413. (5/541)
صفحة 2491
الرائد
6 ET)
وألحق جمع من أهل العلم بالحائض والنفساء ذا الجرح الذي لا يأمن تلويث المسجد منه وفاقد الطهورين والمستحاضة في زمن نوبة حيضها والخائف على نفس أو بضع أو مال تأخر له وقالوا هذه الأعذار تسقط الدم
والإثم.
ونص بعض أهل العلم على أنه قد يسقط العذر الإثم لا الدم فيما إذا عامدا عالما عازما على العود قبل وصوله لما يستقر به وجوب
لزمه وخرج الدم ثم تعذر العود.
وقسم بعض أهل العلم تارك طواف الوداع دون عذر إلى أقسام ثلاثة: أحدها لا دم ولا إثم، وذلك في ترك المسنون منه، وفيمن عليه شيء من
أركان النسك، وفيمن خرج من عمران مكة لحاجة ثم طرأ له السفر. ثانيها: عليه الإثم ولا دم وذلك فيما إذا تركه عامدا عالما وقد لزمه بغير على العود ثم عاد قبل وصوله لما يستقر به الدم فالعود مسقط للدم لا
عزم
للإثم.
(1) الدمياطي، إعانة الطالبين، ج 2، ص 305.
(2) الدمياطي، إعانة الطالبين، ج 2، ص 305. (5/542)
صفحة 2492
الرائد
543
ثالثها: ما يلزمه بتركه الإثم ثم الدم وذلك في غير ما ذكر من الصور. والحائض والنفساء إن طهرتا قبل مفارقة البنيان رجعتا فاغتسلتا وودعتا لأنهما في حكم الإقامة بدليل أنهما لا تستبيحان الرخص، فإن لم يمكنهما الإقامة فمضتا أو مضتا لغير عذر فعليهما، دم، وإن فارقتا البنيان لم يجب الرجوع إذا كانتا قريبتين كالخارج)، وإن كانتا في مكان القصر لم يلزمها
الرجوع.
والفرق بين الحائض ومن نفر وهو لا يزال قريبا أنه هناك ترك واجبا يسقط بخروجه حتى يسير إلى مسافة القصر لأنه يكون إنشاء سفر طويل غير الأول وها هنا لم يكن واجبا ولا يثبت وجوبه ابتداء إلا في حق من كان
مقيما (3).
ومنهم من قال إن الفرق أن الحائض مأذون لها في الانصراف، أما
غير
الحائض فليس بمأذون له في الانصراف
(4)
(1) الدمياطي، إعانة الطالبين، ج 2، ص 305.
(2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 213، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 448، وابن
قدامة، المغني، ج 3، ص 239، والمرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 52.
(3) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 239.
(4) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 448. (5/543)
صفحة 2493
الرائد
(544)
واستثنى بعض القائلين بالوجوب من يتكرر منهم الدخول مثل الحطابين وأهل البقول والفواكه فقالوا ليس عليهم وداع كما لا يعتمرون إذا قدموا، وترك العمرة أشد من ترك الوداع، وإسقاط الوداع عمن خرج لحاجة قريبة ثم يعود بين لأنه ليس في عداد المفارق والتارك للبيت بخلاف من خرج ليقيم بأهله في منزله).
ذلكم هو قول الجمهور الموجب لطواف الوداع، والقول الثاني في حكم طواف الوداع هو ما ذهب إليه بعض أهل العلم من أن طواف الوداع من السنن المندوبة وليس بواجب)، ومنهم من قال سنة مؤكدة لا جبران على
تارکه (3).
والدليل على هذا القول أنه لو كان نسكا واجبا لا يستوي فيه حال المعذور وغير المعذور والمقيم بمكة وغير المقيم بمكة، فلما لم يكن نسكا
(1) الحطاب، مواهب الجليل، ج 3، ص 137، والبسيوي، الجامع، ج 2، ص 282. (2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 213، وابن عبد البر، التمهيد، ج 17، ص 269، وابن جماعة، هداية السالك، ج 4، ص 1366، والعبدري، التاج والإكليل، ج 3، ص 137، والصنعاني، سبل السلام، ج 2، ص 215، والشنقيطي، أضواء البيان، ج 4،
ص 404.
(3) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 296. (5/544)
صفحة 2494
الرائد
(45)
للمقيم والحائض يلزمهما بتركه دم، لم يكن نسكا لغير المقيم والحائض، ولم
يلزم بتركه دم.
كما استدل القائلون بعدم وجوب طواف الوداع بأن طواف القدوم لا يجب بتركه دم وكذلك طواف الوداع.
واعترض على هذا الرأي بأنه ليس في سقوطه عن المعذور ما يجوز سقوطه لغيره كالصلاة تسقط عن الحائض وتجب على غيرها، بل تخصيص
الحائض بإسقاطه عنها دليل على وجوبه على غيرها إذ لو كان ساقطا عن
الكل لم يكن لتخصيصها بذلك معنى
(3)
أما تشبيهه بطواف القدوم في إسقاط الدم فمردود بأن هناك من أهل
العلم من أوجب الدم على من ترك طواف القدوم، وقد مضى ذكر ذلك ودليله في الجزء الرابع.
ثم إنه على القول بسقوط الدم عن تارك القدوم فالفرق بين الطوافين
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 213، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 447، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 237، والشنقيطي، أضواء البيان، ج 4، ص 404.
(2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 213، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 447، وابن
قدامة، المغني، ج 3، ص 237.
(3) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 237. (5/545)
صفحة 2495
الرائد
6?7)
متحقق في كون طواف القدوم تحية البقعة وليس مقصودا لذاته فيدخل في
طواف العمرة، أما طواف الوداع فمقصود لذاته فلا يدخل في غيره. واستدل الكاساني للقائلين بعدم الوجوب فقال إن وجه قولهم مبني على أنهم لا يفرقون بين الفرض والواجب، وليس طواف الوداع بفرض إجماعا فلا يكون واجبا، لكنه سنة لفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه على المواظبة وأنه دليل
السنة (2).
(1) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 447. (2) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 142. (5/546)
صفحة 2496
الرائد
(47)
المبحث الثالث: من يشرع في حقه طواف الوداع
اتفقت الكلمة على أن طواف الوداع مشروع في حق من كان من أهل الآفاق وأراد مغادرة مكة، ومن كان منزله داخل الحرم لا يشرع في حقه طواف الوداع ما دام لا يريد بعد النفر من منى إلا منزله؛ إذ المشروعية كما في الحديث للنافر وهذا ليس بنافر بل مقيم لكن استحب أبو يوسف من الحنفية أن يطوف المكي لأنه يختم المناسك).
وفي الاستحباب السابق نظر إذ إن مشروعية طواف الوداع ما كانت لختم المناسك بل أومأ إليها قوله: فلا ينفرن حتى يكون آخر عهده بالبيت
وهي النفر، وأهل مكة لا ينفرون فلا يشرع في حقهم طواف الوداع. وذهب بعض الفقهاء إلى أن طواف الوداع يتوجه لكل من أراد مفارقة مكة إلى مسافة القصر، ومن أراد دون مسافة القصر لم يتوجه له طواف
الوداع.
ومن أهل العلم من قال إن كل من أراد الخروج من مكة مشروع له طواف الوداع سواء كان يريد مسافة القصر أو دونها، وسواء كانت المسافة
(1) العيني، عمدة القاري، ج 10، ص 95. (5/547)
صفحة 2497
الرائد
6? A)
قريبة أم بعيدة، وهذا أولى من السابق، إذ النفر يصدق على كل من أراد الخروج من مكة، أما من كانت مكة داره فلا يصدق عليه أنه نافر بل هو
مستقر فيها.
واختلفوا فيمن كان قريبا من الحرم ولكنه خارجه فقيل عليه طواف الوداع" لعلة أنه من خارج الحرم فهو نافر منه لذا فيشمله قوله: فلا ينفرن حتى يكون آخر عهده بالبيت.
ومن الفقهاء من قال إن طواف الوداع يتوجه لكل من أراد الخروج من
الحرم".
وذهب بعض الفقهاء إلى أنه ليس على أهل مكة ومن وراء الميقات طواف الوداع إنما ذلك على أهل الآفاق الذين يصدرون عن البيت بالرجوع إلى منازلهم؛ لأنهم معدودون من حاضري المسجد الحرام بدليل سقوط دم
المتعة عنهم.
(1) النووي، المجموع، ج 8، ص 187
(2) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 237.
(3) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 55، والكندي، المصنف، ج 8، ص 192.
(4) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 370، والبسيوي، الجامع، ج 2، ص 282، والسرخسي، المبسوط، ج 4، ص 179، والعيني، عمدة القاري، ج 10، ص 95. (5/548)
صفحة 2498
الرائد
629)
واعترض على هذا القول بعموم قوله "لا ينفرن أحد حتى يكون آخر
عهده بالبيت"، ثم إن هؤلاء خارجون من مكة فلزمهم التوديع كالبعيد. وسقوط دم المتعة عمن كانوا داخل المواقيت أمر مختلف فيه وقد تقدم ذكر ذلك في الجزء الثاني من هذا الكتاب وتبين حينها أن أولى ما يقال في القضية أن الذين يسقط عنهم دم المتعة هم أهل الحرم، أما من سواهم من الناس فمتعبدون به إذا ما تمتعوا لظاهر قوله تعالى {ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) (2).
ومن الفقهاء من نص على أن المقيم بمكة الخارج إلى التنعيم ليس عليه وداع"، والدليل أن النبي لما أعمر عائشة من التنعيم مع أخيها عبد الرحمن لم يأمرها عند ذهابها بوداع بل الظاهر أنها خرجت من المحصب إلى التنعيم مباشرة كما هو ظاهر الرواية التي ذكرناها مرارا.
وأيد بعضهم القول بعدم الوداع بأنه أقيس؛ لأنه راجع في عمرته إلى
(1) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 237.
(2) سورة البقرة، جزء من الآية (196).
(3) الجيطالي، مناسك الحج، ج 2، ص 390، والنووي، المجموع، ج 8، ص 187. (5/549)
صفحة 2499
الرائد
60.)
البيت وليس بناهض إلى بلده، وقال بعض أهل العلم إنه يودع.
ومن أهل العلم من قال من فرغ من حجه فخرج ليعتمر من الجعرانة أو
التنعيم فليس عليه طواف الوداع، وأما إن خرج ليعتمر من ميقات كالجحفة
وغيرها فليودع".
ومنهم من نص على أن الخارج إلى منى لا وداع عليه).
وأما من أراد الإقامة بمكة فلا وداع عليه سواء كان من أهل مكة أم غريبا عنها؛ لأن الوداع من المفارق لا من الملازم سواء نوى الإقامة قبل النفر أو بعده؛ إذ إن علة طواف الوداع هي النفر من مكة لا من منى فهو مشروع لمن أراد النفر من مكة.
وقال بعض الفقهاء: ليس على أهل مكة ومن كان داخل الميقات وكذا اتخذ مكة دارا ثم بدا له الخروج ليس عليهم طواف صدر، وكذا فائت
(1) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 4، ص 211.
(2) مالك بن أنس المدونة الكبرى، ج 2، ص 502، والعبدري، التاج والإكليل، ج 3،
ص 137.
(3) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 55.
(4) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 212، والجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 299، وابن
قدامة، المغني، ج 3، ص 236، والنووي، المجموع، ج 8، ص 185. (5/550)
صفحة 2500
الرائد
601)
الحج؛ لأن العود مستحق عليه، ولأنه صار كالمعتمر وليس على المعتمر
طواف وداع.
وهذا الكلام يسلم به في حق أهل مكة ومن اتخذها دارا ثم بدا له الخروج بعد أن استقر فيها، أما من كان داخل الميقات فتقدم الكلام فيهم وأما فائت الحج فلا يسلم بما قيل فيه لأن خروجه من الإحرام يكون بعمرة، وتقدم الكلام في العمرة أنه يشرع لها طواف وداع كما هو الحال في الحج. وبنية الإقامة يسقط عن الناسك طواف الوداع فلا يشرع في حقه، ولو أراد السفر ونقض عزيمة الإقامة فلا وداع عليه، وهؤلاء قالوا إن الوداع من جملة مناسك الحج، وليس على الخارج من مكة وداع بخروجه منها، وليس الخروج في اقتضاء الوداع كدخول الغرباء مكة في اقتضاء الإحرام". وذهب بعض الفقهاء إلى أنه إن نوى الإقامة بمكة واتخذها دارا سقط عنه طواف الوداع إن كانت نيته قبل أن يحل النفر الأول؛ لأن وقت الوداع بعد حل النفر الأول، وقد جاء وقت الوداع وهو من أهل مكة فلا يلزمه طواف الوداع.
(1) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 180، والقاري، مرقاة المفاتيح، ج 5، ص 571. (2) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 299، والمرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 61. (5/551)
صفحة 2501
الرائد
GOT)
وإن كانت نيته الإقامة بعد ما حل النفر الأول فعليه طواف الوداع؛ لأن ذلك قد لزمه بمجيء وقت الصدر قبل نية الإقامة فلا يسقط عنه بنيته الإقامة بعد ذلك كالمرأة إذا حاضت بعد خروج وقت الصلاة لا تسقط عنها
تلك الصلاة.
وقال بعضهم إذا نوى الإقامة قبل أن يأخذ في طواف الوداع سقط عنه طواف الوداع؛ لأنه وإن دخل وقته فلا يصير طواف الوداع دينا عليه بدخول وقته، فنيته الإقامة بعد دخول وقته وقبله سواء كالمرأة إذا حاضت بعد دخول وقت الصلاة لا تلزمها تلك الصلاة. فأما إذا نوى الإقامة بعد ما أخذ في طواف الصدر فعليه أن يأتي بذلك الطواف لأن بالشروع فيه لزم إتمامه فلا يسقط بنية الإقامة بعد ذلك، فإن بدا له الخروج من مكة بعد ما اتخذها دارا لا يلزمه طواف الصدر لأنه بمنزلة المكي يقصد الخروج واعترض على هذا الرأي بتفصيلاته السابقة بأن من أراد الإقامة بعد دخول وقت الوداع غير مفارق فلا يلزمه وداع كمن نواها قبل حل النفر، وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت وهذا ليس
بنافر).
(1) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 179، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 142.
(2) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 237. (5/552)
صفحة 2502
الرائد
المبحث الرابع: الاشتغال بغير النفر بعد طواف الوداع
جاء النص النبوي على صاحبه أفضل الصلاة والسلام بجعل الطواف
آخر عهد الناسك بالبيت، لذا نص جمع من أهل العلم على أن
من
طاف
للوداع ثم اشتغل في مكة بتجارة أو إقامة فعليه إعادته ليكون آخر عهده
بالبيت).
ومن نام بعد طواف الوداع نوم استراحة واستقرار لزمه أن يطوف للوداع مرة أخرى، قال ابن جعفر من بات بمكة بعدما ودع فعليه دم إلا أن يرجع فيه فيودع.
أما إن غالبه النوم وهو في حال النفر أو في حكمه كمن ينتظر رفقة
ولشدة إعيائه نعس ولم يرده لذاته فلا إعادة عليه.
ومن
الباب السابق ما ذكره صاحب بيان الشرع عن سليمان بن سعيد
عن أبي صفرة قال: لو أن رجلا ركب في محمله من باب الصفا ثم نام وهو
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 212، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 237،
والعبدري، التاج والإكليل، ج 3، ص 137.
(2) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 369، والبسيوي، الجامع، ج 2، ص 282. (5/553)
صفحة 2503
الرائد
554
خارج و نعس ما كان عليه بأس.
وقال صاحب المصنف: من ودع ثم نام بمكة فإن نام بالأبطح قال:
كأنهم قالوا إذا تعدى الردم فهو أهون، وما دون الردم فهو أشد لا أشد لا بيع هناك
ولا شراء).
ونص بعض أهل العلم على أن من طاف للوداع وضاع بعض رفقته واستمر يومين يبحث عنه أنه لا يلزم بطواف وداع غير الأول؛ لأنه أقام بعد
الطواف للضرورة، وليست إقامته متيقنة بل متى وجد ضالته نفر.
وإن اشتغل بأسباب الخروج من شراء الزاد وشد الرحل أو انتظار الرفقة ونحو ذلك فالأكثر من أهل العلم على أنه ليس عليه شيء؛ لأن المشغول بأسباب الخروج مشغول بالخروج غير مقيم، ومنهم من قال إن عليه إعادة الوداع ليكون آخر عهده بالبيت، والأول من القولين أولى.
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 56.
(2) الكندي، المصنف، ج 8، ص 194.
(3) ابن عثيمين مجموع الفتاوى، ج 23، ص 360.
(4) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 370،والماوردي الحاوي الكبير، ج 4، ص 212، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 447، والنووي، المجموع، ج 8، ص 186، وابن تيمية،
مجموع الفتاوى، ج 26، ص 142. (5/554)
صفحة 2504
الرائد
قال ابن جعفر
600)
أما جابر وعطاء فقيل إنهما رخصا للمودع أن يشتري الطعام والعلف،
ويقضي الشيء الذي يكون عليه وهو نافر على طريقه، وقال ذلك ابن أبي ميسرة أيضا، ومن أخذ بذلك لم أر عليه بأسا.
ومنهم من رخص في الصلاة يؤديها بالمسجد إن أقيمت فلا يعيد طواف الوداع، ويؤيد هذا الرأي الظاهر من فعل النبي إذ إنه صلى الفجر عند البيت بعد أن طاف للوداع قبل الصلاة ومما يفيد ذلك حديث هشام بن عروة عن عروة عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو بمكة وأراد الخروج ولم تكن أم سلمة طافت بالبيت وأرادت الخروج فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إذا أقيمت صلاة الصبح فطوفي على بعيرك والناس يصلون، ففعلت
ذلك فلم تصل حتى خرجت.
(1) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 368، والكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 54. (2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 212، والنووي، روضة الطالبين، ج 3، ص 117. (3) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب من صلى ركعتي الطواف خارجا من المسجد
(1087) (5/555)
صفحة 2505
الرائد
556
والنبي لم يطف بالبيت ليلا إلا للوداع كما يفيد ذلك سياق حجته، فقد طاف للقدوم والإفاضة نهارا، وعليه لم يكن بد من السابق أن يكون الطواف المذكور هو طواف الوداع.
وجاء في بعض روايات الحديث النص على كونه طواف الخروج كما في حديث محمد بن آدم عن عبدة عن هشام بن عروة عن أبيه عن أم سلمة قالت يا رسول الله والله ما طفت طواف الخروج، فقال النبي: إذا أقيمت الصلاة فطو في على بعيرك من وراء الناس (1)
وذهب بعض الفقهاء إلى أن من صلى بعد أن ودع فعليه إعادة الطواف، ونقل في بيان الشرع أن وائل بن أيوب طاف لوداعه ثم نودي لصلاة العصر فانتظر حتى صلى فقال له أبو المهاجر أعد طوافك لوداعك، فقال وائل: صلاتي لا تحدث علي وداعا.
وقال بعضهم إن صلاة الفريضة لا تنقض الوداع، ونص شيخنا
(1) أخرجه النسائي في كتاب الحج، باب طواف الرجال مع النساء (2926).
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 48.
(3) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 48.
(4) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 48. (5/556)
صفحة 2506
الرائد
bov)
العلامة القدوة الخليلي -حفظه الله - أن الصلاة ولو نافلة تصح بعد طواف
الوداع".
قال ابن جعفر:
قال أبو صفرة: قال محبوب:- إن أبا عبيدة - ودع ثم تحول إلى بئر ميمون فسلم على امرأتين من المسلمين ثم قام يصلي المغرب فقال الجمال: يا أبا عبيدة حبستني، قال: أَوَمَا حبسك غيري؟ قال: لا، قال: فركب أبو عبيدة من وقته ليجمع في موضع آخر)
(2)
ورخص جمع من الفقهاء فيمن قضى حاجة في طريقه أو اشترى زادا أو شيئا لنفسه ولم يوجبوا عليه الإعادة؛ لأن ذلك ليس بإقامة تخرج عن أن يكون آخر عهده بالبيت.
قال ابن جعفر: وإن احتاج إلى ماء يشرب أو يتوضأ فلم يجد إلا بشراء فيشتري ولا يتمهل، ويقضي ما كان عليه من دين وهو مار، ولا بأس أن
(1) شيخنا الخليلي، الفتاوى الكتاب الأول، ص 374.
(2) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 369.
(3) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 238، والبهوتي كشاف القناع، ج 2، ص 512. (5/557)
صفحة 2507
الرائد
691)
يوصي بعض أصحابه بحوائجه وما يشترى به.
وقال بعضهم يبطل كونه وداعا - وإن كان الطواف في نفسه صحيحا - بإقامة بعض يوم بمكة فيطالب بإعادته لا بشغل خف ولو بيعا فلا يبطل أي لا يطلب بإعادته).
وذهب بعض الفقهاء إلى أنه إذا طاف للوداع أو طاف تطوعا بعدما حل له النفر أجزاه عن طواف الوداع وإن أقام سنة؛ لأنه طاف بعدما حل له النفر فلم يلزمه إعادته كما لو نفر عقيبه).
وقال هؤلاء إن من شرع في حقه طواف الوداع ما قدم مكة إلا لأداء النسك فعندما تم فراغه منه جاء أوان الصدر فطوافه بعد ذلك يكون
للصدر، وتأويل الحديث أن آخر نسكه طواف الصدر لا آخر عمله بمكة). وفي هذا القول نظر لأنه مخالف للحديث، إذ الرسول صلى الله عليه وسلم آمر بجعل البيت آخر عهد الناسك، وعلى رأي هؤلاء لا يكون البيت هو آخر العهد
(1) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 369، والبسيوي، الجامع، ج 2، ص 282.
(2) الدردير، الشرح الكبير، ج 2، ص 53.
(3) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 29، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 143،
والعيني، عمدة القاري، ج 10، ص 95.
(4) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 29، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 143. (5/558)
صفحة 2508
الرائد
بالناسك، ولأنه إذا قام بعده خرج عن أن يكون وداعا في العادة فلم يجزه كما
لو طافه قبل حل النفر
(1)
أو كما يقول بعض الفقهاء إنه طواف للصدر والوداع فوجب إذا وجد
قبل زمانه وزال عنه اسم موجبه أن لا يجزيه؛ لأنه لا يكون طواف صدر ولا وداع لوجوده قبل الصدر والوداع".
والاشتغال بغير النفير من أسباب الإقامة موجب على الإنسان الطواف مرة أخرى ليتحقق الأمر الشرعي بجعل الطواف آخر العهد بالبيت، ولكن الأمر السابق تكليفي يلزم الإنسان ما دام قادرا عليه، أما إن كان خارجا عن نطاق قدرته بأن أكره على الإقامة أو الاشتغال بشيء من أسباب فلا يلزمه أن يطوف بعد القدرة على النفر بل يجزيه الطواف السابق إذ إنه ارتفع عنه قلم
التكليف بسبب الإكراه الملجئ الذي لم يستطع له دفعا.
(1) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 238. (2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 212.
(3) الإسنوي، التمهيد، ص 121. (5/559)
صفحة 2509
الرائد
560
المبحث الخامس: حكم من نفر دون طواف الوداع
ذهب جمع من الفقهاء إلى أن طواف الوداع نسك واجب لذا نصوا على
أن من تركه يلزمه دم لتركه نسكا واجبا، أما من يقول إنه ليس بواجب بل هو مستحب فلا يوجب الدم على تاركه).
ومن الفقهاء من قال إن إثم الخروج وتحقق الدم يكون بمجاوزة الحرم،
أما من لم يجاوز الحرم ورجع وودع فلا شيء عليه".
وقد ذهب جمع من الفقهاء إلى أن من نفر قبل طواف الوداع رجع إن
كان قريبا ولم يكن عليه دم، وإن بعد بعث بدم، ومن هذا الباب حديث
يحيى بن سعيد أن
البيته).
عمر بن الخطاب رد رجلا من مر الظهران لم يكن ودع
ونص آخرون على أنه إذا خرج قبل الوداع وكان قريبا فعليه الرجوع إذا
(1) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 367، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 213. (2) ابن جعفر، الجامع، ج 3، ص 367، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 213. (3) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 52.
(4) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 238، والمرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 51. (5) مالك بن أنس الموطأ، ج 1، ص 370، ومن طريقه البيهقي، السنن الكبرى، ج 5،
ص 162. (5/560)
صفحة 2510
الرائد
611)
يخف على نفس أو مال أو فوات رفقة أو غير ذلك، فإن رجع فلا دم عليه،
وإن كان بعيدا وهو مسافة القصر لزمه الدم سواء رجع أو لا.
واختلفوا في تفسير القرب والبعد منهم من فسر القرب بما دون مسافة
القصر، والبعد بما هو بالغ مسافة القصر لأن من دون مسافة القصر في حكم
وس
الحاضر في أنه لا يقصر ولا يفطر ولذلك عُدّ من حاضري المسجد الحرام". ومنهم من قال القريب من كان في الحرم والبعيد من كان خارج الحرم، ومنهم من قال إنه يرجع ما لم يصل المواقيت.
واختلفوا في البعيد يرجع فيطوف الوداع فذهب بعض الفقهاء إلى استقرار الدم عليه وعدم سقوطه لأنه قد استقر عليه الدم ببلوغه المكان البعيد فلم يسقط برجوعه كمن تجاوز الميقات فأحرم دونه ثم رجع إليه، وقيل بسقوط الدم لأنه واجب أتى به فلم يجب عليه بدله كالقريب).
(1) المرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 51.
(2) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 213، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 238.
(3) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 238.
(4) العيني، عمدة القاري، ج 10، ص 95.
(5) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 297، والرافعي، العزيز، ج 3، ص 447، وابن قدامة،
المغني، ج 3، ص 238. (5/561)
صفحة 2511
الرائد
562
ومنهم من ذهب إلى أن من خرج بعيدا ثم عاد من مسافة القصر فيكون مدركا للوداع ولا شيء عليه، ولكن دخوله مكة لا يكون إلا بإحرام بنسك، فإذا تحلل وودع وخرج يكفيه الوداع الذي جاء به عن النسك الذي وعن الذي أراد أن يتداركه، وقيل بل يشرع في حقه طوافان أولهما
أحدثه
الذي فاته ثم عن النسك الجديد).
لأنه
ونص بعض هؤلاء أنه لا فرق بين تركه عمدا أو خطأ لعذر أو غيره؛ من واجبات الحج فاستوى عمده وخطؤه والمعذور وغيره كسائر
واجباته (3).
وقال بعض الفقهاء إن من نفر ولم يطف وجب عليه أن يرجع ويطوف ما لم يجاوز الميقات؛ لأنه ترك طوافا واجبا وأمكنه أن يأتي به من غير الحاجة إلى تجديد الإحرام فيجب عليه أن يرجع ويأتي به.
وإن جاوز الميقات لم يجب عليه الرجوع؛ لأنه لا يمكنه الرجوع إلا بالتزام عمرة بالتزام إحرامها ثم إذا أراد أن يمضي مضى وعليه دم
(1) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 297.
(2) الجويني، نهاية المطلب، ج 4، ص 297، والمرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 51.
(3) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 238. (5/562)
صفحة 2512
الرائد
???
وإن أراد أن يرجع أحرم بعمرة ثم رجع، وإذا رجع ابتدأ بطواف العمرة ثم بطواف الصدر، ولا شيء عليه لتأخيره عن مكانه، وقالوا الأولى أن لا يرجع ويريق دما مكان الطواف؛ لأن هذا أنفع للفقراء وأيسر عليه لما فيه من دفع مشقة السفر وضرر التزام الإحرام.
والحنفية فصلوا في ترك طواف الوداع لأنه إما أن يتركه كله فيجب عليه شاة، أو أكثره فمثل السابق، وإن ترك الأقل فعليه صدقة لكل شوط مقدارها نصف صاع من بر أو صاع من تمر أو شعير
(2)
ومن يقول إن طواف الوداع ليس بواجب لا يوجب الدم على من
تركه، وإن كان بعضهم يقول إنه انتفاء وجوبه إلا أنه
مع
مسنون)،
والمالكية مع نفيهم الوجوب عن طواف الوداع إلا أنهم يستحبون لمن غادر دون أن يطوف للوداع أن يرجع ما دام قريبا، ومنهم من يقول يرجع ما لم
يخش فوات أصحابه).
(1) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 2، ص 143، وابن الهمام، فتح القدير، ج 2، ص 503.
(2) ابن الضياء، البحر العميق، ج 4، ص 1921.
(3) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 213.
(4) النووي، المجموع، ج 8، ص 185.
(5) القرافي الذخيرة، ج 3، ص 283. (5/563)
صفحة 2513
الرائد
564
وقد تقدم من قبل أن طواف الوداع من باب خطاب التكليف الذي يشترط لتوجهه إلى المكلف القدرة عليه، ومن لم يكن قادرا عليه أو كان قادرا
ولكن بمشقة غالبة فإنه لا يكلف به وليس عليه شيء في تركه.
قال الإمام الربيع بن حبيب إذا كانت الحائض والمريض لا يقدران على
الوداع إذا زارا البيت فلا بأس عليهما أن لا يودعا).
لكن إن استطاع الطواف محمولا فيتعين عليه ذلك كما يفيده حديث أم
سلمة المتقدم إذ إنها كانت شاكية فطافت بالبيت راكبة.
ثم إن التارك لطواف الوداع مع القدرة عليه وتوجه الخطاب إليه آثم يلزمه الرجوع للإتيان به وإن لم يأت به وخرج من مكة استقر الإثم عليه فتلزمه التوبة مما أتى من معصية، والدم مختلف فيه أيلزمه كما تقدم،
وأظهر الأقوال أنه غير ملزم بالدم لعدم الدليل.
(1) الكندي بيان الشرع، ج 23، ص 48، والقطب، شرح كتاب النيل، ج 4، ص 266،
والسالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2، ص 272. (5/564)
صفحة 2514
الرائد
565
المبحث السادس: مندوبات الوداع
أولا: وقوف المودع في الملتزم وذكر الله عنده
الملتزم بضم الميم وفتح الزاي هو منطقة ما بين ركن الحجر الأسود وباب الكعبة المشرفة بذلك لأن الناس يلزمونه بالدعاء، وقد نص سمي بعض أهل العلم أن الملتزم من المواضع التي يستجاب عندها الدعاء، ولم أجد لهذا دليلا يكون حجة للمذكور.
وذهب بعض أهل العلم إلى مسنونية أن يلتزم الإنسان المنطقة السابقة فيلصق بها صدره ووجهه ويدعو بما فتح الله عليه بعدما يصلي ركعتي الطواف وقبل أن يخرج.
ومنهم من قال يقف بين الباب والحجر، ويعتمد على أُسْكُفّة الباب
واليد اليسرى على أستار الكعبة ويلزق بطنه بجدار الكعبة).
(1) النووي، المجموع، ج 8، ص 189.
(2) النووي، المجموع، ج 8، ص 189.
(3) الكندي، المصنف، ج 8، ص 30، والشماخي الإيضاح، ج 2، ص 452، وابن قدامة،
المغني، ج 3، ص 239، والجيطالي، مناسك الحج، ج 2، ص 386، والمرداوي، الإنصاف،
ج 4، ص 52، والعبدري، التاج والإكليل، ج 3، ص 137.
(4) ابن وصاف، شرح الدعائم، ج 1، ص 356. (5/565)
صفحة 2515
الرائد
566
ومنهم من قال: إن الرجل إذا ودع البيت قام بين الباب والحجر ومد يده اليمنى إلى الباب واليسرى إلى الحجر)، ومنهم من قال يقف بحد الملتزم بين الركن والباب ويدعو.
ولمنع الحائض من دخول المسجد استحب لها بعض الفقهاء أن تقف على
باب المسجد الحرام وتدعو "، قال الشيخ أبو طاهر الجيطالي:
وإن بقي عليها طواف الوداع فإنها تقف على باب المسجد وتوادع
وتدعو بما أمكنها وتسافر مع أصحابها ولا شيء عليها.
وقد جاءت بعض الآثار المرفوعة فيها مشروعية الالتزام ومنها حديث عثمان بن أبي شيبة ثنا جرير بن عبد الحميد عن يزيد بن أبي زياد عن مجاهد عن عبد الرحمن بن صفوان قال:
لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قلت لألبسن ثيابي، وكانت داري على الطريق فلأنظرن كيف يصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلقت فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم قد خرج من
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 212.
(2) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 449.
(3) النووي، المجموع، ج 8، ص 185، وابن مفلح، الفروع، ج 3، ص 385.
(4) الجيطالي، مناسك الحج، ج 2، ص 367. (5/566)
صفحة 2516
الرائد
567
الكعبة هو وأصحابه وقد استلموا البيت من الباب إلى الحطيم وقد وضعوا خدودهم على البيت ورسول الله صلى الله عليه وسلم وسطهم.
والحديث أخرجه أبو داود، ولكنه لا يثبت ففي السند يزيد بن أبي زياد وهو غير حجة في الرواية كما ذكرناه من قبل، لذا نص بعض أهل العلم على ضعفه، ثم إنه لو قيل بثبوته جدلا فمنطقة الالتزام كانت من الباب إلى الحطيم وذلك خلاف ما يقرره كثير من الفقهاء من أن الملتزم هو ما بين الباب والحجر.
ثم إن هذه الرواية لو سلم جدلا بصحتها ليست في طواف الوداع على ما يظهر إذ إنها كانت يوم فتح مكة، وما حفظ عنه صلى الله عليه وسلم يومها أنه طاف للوداع وقد تقدم.
ومما جاء في إثبات حجية الالتزام المذكور حديث المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب عن أبيه قال: طفت مع عبد الله فلما جئنا دبر الكعبة قلت: ألا تتعوذ؟ قال: نعوذ بالله من النار، ثم مضى حتى استلم الحجر وأقام بين
(1) أخرجه أبو داود في كتاب المناسك، باب: الملتزم (1899).
(2) النووي، المجموع، ج 8، ص 190. (5/567)
صفحة 2517
الرائد
الركن والباب فوضع صدره ووجهه وذراعيه وكفيه هكذا وبسطها بسطا،
ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله.
والحديث أخرجه أبو داود، وهو ضعيف لا يثبت وعلته المثنى بن الصباح فقد قال أحمد عنه: لا يساوي حديثه شيئا مضطرب الحديث، وقال
أبو حاتم وأبو زررعة لين الحديث، وقال ابن معين والدارقطني: ضعيف، وهو ضعيف)، وقال
وقال أبو حاتم: يروي عن عطاء ما
عنه لم يرو
أحد
يحيى بن سعيد القطان كان منه اختلاط في عقله (3)، ولأجله ضعف الحديث
بعض أهل العلم.
وروى البيهقي عن سليمان بن بلال عن إبراهيم بن إسماعيل عن أبي الزبير عن عبد الله بن عباس أنه كان يلزم ما بين الركن والباب، وكان يقول: ما بين الركن والباب يدعى الملتزم لا يلزم ما بينهما أحد يسأل الله شيئا إلا
أعطاه إياه).
(1) أخرجه أبو داود في كتاب المناسك، باب: الملتزم (1900).
(2) ابن أبي حاتم الجرح والتعديل، ج 8، ص 324.
(3) البخاري، الضعفاء الصغير، ص 112.
(4) النووي، المجموع، ج 8، ص 190.
(5) البيهقي، السنن الكبرى، ج 5، ص 164. (5/568)
صفحة 2518
الرائد
569
وقد ضعف النووي السابق وإن ذكر بعدها أن التسامح في الأحاديث الضعيفة في فضائل الأعمال مما اتفق العلماء على القول به).
وقال منصور: سألت مجاهدا إذا أردت الوداع كيف أصنع؟ قال: تطوف بالبيت سبعا وتصلي ركعتين خلف المقام ثم تأتي زمزم فتشرب من مائها ثم تأتي الملتزم ما بين الحجر والباب فتستلمه ثم تدعو ثم تسأل حاجتك ثم تستلم الحجر وتنصرف).
والناظر إلى الأدلة السابقة التي فيها الالتزام يتبين له أنها مع ضعفها المقصي لها عن رتبة الاحتجاج ليست في طواف الوداع بل ظاهرها أنها في يوم فتح مكة، ويرشح من كلام الإمام مالك أنه كان يكره الالتزام السابق فقد جاء في الموازية:
قلت لمالك: أفترى هذا الطواف الذي يودع به أهو الالتزام؟ قال: بل الطواف، وإنما قال فيه عمر آخر النسك الطواف بالبيت، قيل لمالك: فالذي يلتزم أترى له أن يتعلق بأستار الكعبة عند الوداع؟ قال: لا، ولكن يقف
(1) النووي، المجموع، ج 8، ص 190.
(2) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 239. (5/569)
صفحة 2519
الرائد
6 v.)
(1)
ويدعو).
واستحب بعض أهل العلم له أن يقول:
اللهم هذا بيتك، وأنا عبدك وابن عبدك، حملتني على ما سخرت لي من خلقك، وسيرتني في بلادك حتى بلغتني بنعمتك إلى بيتك، وأعنتني على أداء نسكي، فإن كنت رضيت عني فازدد عني، رضا، وإلا فمن الآن قبل أن تنأى عن بيتك داري.
فهذا أوان انصرافي أن أذنت لي غير مستبدل بك ولا ببيتك ولا راغب عنك ولا عن بيتك، اللهم فأصحبني العافية في بدني، والصحة في جسمي، والعصمة في ديني، وأحسن منقلبي، وارزقني طاعتك أبدا ما أبقيتني، واجمع لي بين خيري الدينا والآخرة إنك على كل شيء قدير.
وعن طاوس قال: رأيت أعرابيا أتى الملتزم فتعلق بأستار الكعبة فقال: بك أعوذ وبك ألوذ، اللهم فاجعل لي في اللهف إلى جودك والرضا بضمانك
(1) نقل النص عن الموازية ابن عبد الهادي الصارم المنكى، ص 370.
(2) الكندي، بيان الشرع، ج 23، ص 43، والماوردي، الحاوي الكبير، ج 4، ص 212، وابن قدامة، المغني، ج 3، ص 239، والعبدري، التاج والإكليل، ج 3، ص 137. (5/570)
صفحة 2520
الرائد
6 V 1)
مندوحا عن منع الباخلين وغنى عما في أيدي المستأثرين، اللهم بفرجك القريب ومعروفك القديم وعادتك الحسنة.
ثم أضلني في الناس فلقيته بعرفات قائما وهو يقول: اللهم إن كنت تقبل حجتي وتعبي ونصبي فلا تحرمني أجر المصاب على مصيبته فلا أعلم أعظم مصيبة ممن ورد حوضك وانصرفت محروما من وجه رغبتك.
وقال آخر: يا خير موفود إليه قد ضعفت قوتي، وذهبت منتي،
وأتيت
إليك بذنوب لا تغسلها البحار أستجير برضاك من سخطك، وبعفوك من
عقوبتك، رب ارحم من شملته الخطايا وغمرته الذنوب وظهرت منه العيوب، ارحم أسير ضر وطريد فقر أسألك أن تهب لي عظيم جرمي يا مستزادا من نعمه، ومستعاذا من نقمه ارحم صوت حزين دعاك بزفير
وشهيق.
اللهم إن كنت بسطت إليك يدي داعيا فطالما كفيتني ساهيا فبنعمتك التي تظاهرت علي عند الغفلة لا أيأس منها عند التوبة فلا تقطع رجائي منك
لما قدمت من اقتراف وهي لي الإصلاح في الولد والأمن في البلد والعافية في
الجسد إنك سميع مجيب. (5/571)
صفحة 2521
الرائد
72)
اللهم إن لك علي حقوقا فتصدق بها علي، وللناس قبلي تبعات فتحملها عني، وقد أوجبت لكل ضيف قرى وأنا ضيفك الليلة فاجعل قراي الجنة. اللهم إني سائلك عند بابك من ذهبت أيامه وبقيت آثامه وانقطعت
شهوته وبقيت تبعته فارض عنه وإن لم ترض عنه فاعف عنه فقد يعفو السيد عن عبده وهو عنه غير راض).
ومن الفقهاء من استحب أن يأتي استحب أن يأتي الحطيم فيدعو، ثم يشرب من ماء زمزم ويستلم الحجر الأسود، ومنهم من قال يستحب له أن يأتي الباب ويقبل العتبة.
ومن الفقهاء من قال إذا فرغ من طواف الوداع المتبوع بركعتيه استحب له أن يدخل البيت ما لم يؤذ أو يتأذ بزحام أو غيره وأن يكون حافيا وأن لا ينظر إلى أرضه ولا يرفع بصره إلى سقفه تعظيما الله تعالى وحياء منه وأن يصلي
فيه ولو ركعتين).
(1) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 239.
(2) المرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 52، والبهوتي، الروض المربع، ج 1، ص 521.
(3) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 24.
(4) الشربيني، مغني المحتاج، ج 1، ص 510. (5/572)
صفحة 2522
الرائد
6 vr)
ومن الفقهاء من قال إنه يستحب بعدما ينتهي من الذكر أن ينصرف إلى باب المسجد فيخر ساجدا ويطيل السجود ويسبح الله تعالى ويدعو بما بدا له ثم يقوم خارجا من المسجد متوجها إلى أهله، ولا أعلم لهذا دليلا وتركه هو الأولى.
ثانيا: أن لا يقف بعد الدعاء ولا يلتفت
ذهب إلى السابق بعض أهل العلم، واستحبوا لمن التفت أن يعيد الوداع، ومنهم من قال يستحب له أن يتبع نظره البيت ما أمكنه"، ومنهم من قال يخرج وبصره إلى البيت ليكون آخر عهده بالبيت، وقيل يلتفت إليه في انصرافه كالمتحزن على مفارقته، ومنهم من نص على أنه يمشي القهقرى، ومنهم من قال: ينصرف وهو يمشي وراءه ووجهه إلى البيت متباكيا متحسرا على فوات البيت حتى يخرج من المسجد.
وليس في هذا المذكور سنة تروى بل هو أقرب إلى الابتداع إذ ليس له
(1) الجيطالي، مناسك الحج، ج 2، ص 388.
(2) ابن قدامة، المغني، ج 3، ص 239.
(3) الرافعي، العزيز، ج 3، ص 449، والنووي، روضة الطالبين، ج 3، ص 118.
(4) السرخسي، المبسوط، ج 4، ص 24، والجيطالي، قناطر الخيرات، ج 2، ص 85، والهيتمي،
الحاشية على الإيضاح، ص 446. (5/573)
صفحة 2523
الرائد
???
أصل فاجتنابه أولى كما نبه على ذلك جمع من أهل العلم.
وقال العلامة ابن النضر
وابك عند الوداع منك وأسبل ماء عينيك بالبكا إسبالا وعلى البيت فاسكب الدمع سحا واسقه منك واكفا وسحالا فإذا ما نفرت قلت إلهي تائب آيب إليك آيب إليك ابتهالا فقني السيئات منك وكن لي ناصرا رب لا تكن خذالا ثم أكثر من ذكرك الله يصلح ذكرك الله منك حالا فحالا (2)
(1) الهيتمي الحاشية على الإيضاح، ص 446.
(2) ابن وصاف، شرح الدعائم، ج 1، ص 356. (5/574)
صفحة 2524
الرائد
Covo
الخاتمة
بعد رحلة ماتعة مضمخة بصنوف من العناء والمشقة زادتها حلاوة
ونضارة بين أفانين المعارف وطيبات العوارف آن لنا أن نلقي عصى الترحال مدنين جنى تلك الرحلة حتى بدا على طرف الثمام قربا ويسرا وكالشمس في رائعة النهار وضوحا.
وهذا ما كان ولم يكن لولا فضل من الله تعالى وحده وتوفيق، فأسألك ربي كما وفقت الختامه أن تنعم على عبدك الضعيف بقبوله فقد تقرب به إليك، والتوفيق ما كان إلا منك وحدك ولم يرد به عبدك الضعيف أحدا إلّاك، كما أسألك ربي أن تنفع به كل من قرأه. (5/575)
صفحة 2525
الرائد
(76)
كشاف بأكثر المراجع
1) إبراهيم بن عمر بيوض (ت 1401 هـ / 1981 م)، فتاوى الإمام الشيخ بيوض، ترتيب وتقديم بكير محمد الشيخ بالحاج، الطبعة الثانية، 1411 هـ / 1990 م، مكتبة أبي الشعثاء، السيب، سلطنة
عمان.
(2) أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني (ت 587 هـ / 1191 م)، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، الطبعة الثانية، 1402 هـ / 1982 م، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان.
(3) أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن القرافي (ت 684 هـ/ 1285 م)، الذخيرة، تحقيق محمد حجي، 1414 هـ/ 1994 م، دار الغرب
الإسلامي، بيروت، لبنان.
4) أحمد بن الحسين بن علي بن موسى البيهقي، السنن الكبرى، تحقيق محمد عبد القادر عطا، 1414 هـ / 1994 م، دار الكتب العلمية،
بيروت.
معرفة السنن والآثار تحقيق سيد كسروي حسن، دار الكتب
العلمية، بيروت. (5/576)
صفحة 2526
الرائد
6) أحمد بن حمد الخليلي شيخنا العلامة، جواهر التفسير أنوار من بيان
التنزيل، الطبعة الأولى مكتبة الاستقامة، سلطنة عمان.
(أحمد بن حمزة الرملي، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، 1404 هـ
1984 م، دار الفكر للطباعة، بيروت.
أحمد بن حنبل الشيباني، المسند،، مؤسسة قرطبة، مصر.
9)، العلل ومعرفة الرجال، تحقيق وصي
6
الله بن محمد عباس، الطبعة
الأولى، 1408 هـ / 1988 م، المكتب الإسلامي، بيروت.
(10) أحمد بن سعيد بن خلفان الخليلي الطلع النضيد، تحقيق محمد بن سالم بن خميس المقبالي، الطبعة الأولى، 1427 هـ / 2006 م، مكتبة الجيل الواعد، سلطنة عمان، مسقط.
11) أحمد بن شعيب أبو عبد الرحمن النسائي، السنن الكبرى، تحقيق د. عبد الغفار سليمان البنداري، الطبعة الأولى، 1411 هـ / 1991 م،
(12
دار الكتب العلمية، بيروت.
12)، المجتبى من السنن، تحقيق عبد الفتاح أبو غدة، الطبعة الثانية،
(13
1406 هـ / 1986 م، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب.
13)، الضعفاء والمتروكين تحقيق محمود إبراهيم زايد، الطبعة (5/577)
صفحة 2527
الرائد
578
الأولى، 1396 هـ، دار الوعي، حلب.
14) أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني شرح العمدة في الفقه، تحقيق د. سعود صالح العطيشان الطبعة الأولى، 1413 هـ، مكتبة
(10
العبيكان، الرياض.
15)، كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية جمع عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي، الطبعة الثانية، مكتبة ابن تيمية. 16) أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين أبي زرعة العراقي، تحفة التحصيل في ذكر رواة المراسيل تحقيق عبد الله نوارة، 1999 م، مكتبة الرشد،
الرياض.
17) أحمد بن علي الرازي الجصاص أحكام القرآن، تحقيق محمد الصادق قمحاوي، 1405 هـ، دار إحياء التراث العربي، بيروت. (18) أحمد بن علي بن المثنى أبو يعلى الموصلي التميمي، مسند أبي يعلى، تحقيق حسين سليم أسد، الطبعة الأولى، 1404 هـ/ 1984 م، دار
المأمون للتراث، دمشق.
(19) أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني، فتح الباري شرح
صحيح البخاري، تحقيق محب الدين الخطيب، دار المعرفة، بيروت. (5/578)
صفحة 2528
الرائد
Cova
(20
20) ، تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، تحقيق السيد عبدالله هاشم اليماني المدني، 1384 هـ / 1964 م، المدينة المنورة. 21)، تهذيب التهذيب، الطبعة الأولى، 1404 هـ / 1984 م، دار
(21
(22
الفكر بيروت.
طبقات المدلسين تحقيق د. عاصم بن عبدالله القريوتي
الطبعة الأولى مكتبة المنار عمان 1403 هـ / 1983 م.
(23) أحمد بن عمرو بن عبد الخالق، البزار، البحر الزخار، تحقيق محفوظ الرحمن زين الله، الطبعة الأولى، 1409 هـ، مؤسسة علوم
القرآن، بيروت، ومكتبة العلوم والحكم المدينة.
(24) أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي، شرح مشكل الآثار، تحقيق شعيب الأرنؤوط، الطبعة الأولى، 1408 هـ / 1987 م، مؤسسة
(25
الرسالة، بيروت.
شرح معاني الآثار تحقيق محمد زهري النجار، الطبعة
الأولى، 1399 هـ، دار الكتب العلمية، بيروت. (5/579)
صفحة 2529
الرائد
61.)
(26) أحمد بن محمد بن عبد الغني الدمياطي، إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر، تحقيق أنس مهرة، الطبعة الأولى،
1419 هـ 1998 م، دار الكتب العلمية، بيروت.
(27 أحمد بن محمد بن علي المقري الفيومي (ت 770 هـ / 1369 م)، المصباح المنير، د ط ت المكتبة العلمية، بيروت، لبنان.
28) أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد البغدادي، السبعة في القراآت تحقيق شوقي ضيف، الطبعة الثانية، 1400 هـ، دار المعارف بمصر. 29) إسماعيل بن موسى الجيطالي (ت 750 هـ/ 1349 م)، قواعد الإسلام، صححه وعلق عليه بكلي عبد الرحمن عمر، الطبعة الثانية،
(30
1413 هـ / 1992 م، مكتبة الاستقامة، سلطنة عمان.
(30)، مناسك الحج، تحقيق فايز بن ناصر بن سعيد الرزيقي وآخرين، رسالة تخرج من معهد العلوم الشرعية بسلطنة عمان، غير
منشور.
31 خلفان بن جميل السيابي (ت 1392 هـ / 1972 م)، فصول الأصول، تحقيق د. سليم بن سعيد آل ثاني، الطبعة الثانية،
1426 هـ / 2005 م، مطابع مؤسسة عمان للصحافة والأنباء والنشر (5/580)
صفحة 2530
الرائد
6 A 1)
(32
والإعلان، مسقط، سلطنة عمان.
سلك الدرر الحاوي غرر الأثر، الطبعة الثانية،
1409 هـ / 1988 م، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان. (33) خليل أحمد السهارنفوري (ت 1346 هـ)، بذل المجهود في حل أبي داود، تعليق العلامة محمد زكريا الكاندهلوي، الطبعة الأولى، 1408 هـ / 1988 م، دار الريان، القاهرة.
34) الخليل بن أحمد الفراهيدي (175 هـ / 791 م)، العين، تحقيق د. مهدي المخزومي، و د. إبراهيم السامرائي، د ط ت دار ومكتبة الهلال، بيروت، لبنان.
35)
35) خميس بن سعيد بن علي بن مسعود الشقصي حي 1070 هـ / (1660 م، منهج الطالبين وبلاغ الراغبين، تحقيق سالم بن حمد بن سليمان الحارثي وزارة التراث القومي والثقافة،
سلطنة عمان.
(36) الربيع بن حبيب الفراهيدي البصري، الجامع الصحيح، تحقيق محمد إدريس وعاشور بن يوسف، الطبعة الأولى، 1415 هـ، دار
الحكمة، بيروت، ومكتبة الاستقامة سلطنة عمان. (5/581)
صفحة 2531
الرائد
582)
37) زين الدين ابن نجيم الحنفي، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، الطبعة الثانية، دار المعرفة، بيروت.
38) سعيد بن خلف الخروصي، من جوابات الإمام جابر بن زيد، الطبعة الثانية، 1412 هـ / 1992 م، وزارة التراث القومي والثقافة،
سلطنة عمان.
39) سعيد بن خلفان الخليلي الإمام المحقق الخليلي، تمهيد قواعد الإيمان وتقييد شوارد مسائل الأحكام والأديان، طبعة وزارة التراث والثقافة
بسلطنة عمان.
(40 شيخنا سعيد بن مبروك بن حمود القنوبي، الرأي المعتبر في حكم صلاة السفر، الطبعة الثالثة، 1419 هـ.
41)، السيف الحاد في الرد على من أخذ بحديث الآحاد، الطبعة
الثالثة.
42 سليمان بن أحمد الطبراني، المعجم الأوسط، تحقيق طارق بن عوض الله بن محمد وعبد المحسن بن إبراهيم الحسيني، دار الحرمين،
(43
القاهرة، 1415 هـ.
المعجم الكبير، تحقيق حمدي بن عبد المجيد السلفي، الطبعة (5/582)
صفحة 2532
الرائد
583)
الثانية، 1404 هـ / 1983 م، مكتبة الزهراء الموصل.
44 سليمان بن الأشعث أبو داود السجستاني الأزدي، سنن أبي داود،
تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد دار الفكر.
45) سليمان بن عمر بن محمد البجيرمي، حاشية البجيرمي على شرح
منهج
تركيا.
الطلاب التجريد لنفع العبيد)، المكتبة الإسلامية، ديار بكر،
46) سيدي
بيروت.
أحمد الدردير أبو البركات، الشرح الكبير، دار الفكر،
(47) ظفر أحمد العثماني التهانوي إعلاء السنن، الطبعة الأولى،
1421 هـ / 2001 م، دار الفكر، بيروت، لبنان.
48 عامر بن علي الشماخي (ت 792 هـ)، الإيضاح، الطبعة الخامسة، مكتبة مسقط، سلطنة عمان، 1425 هـ / 04
2 م.
49) عبد الحي بن عبد الحليم، اللكنوي التعليق الممجد على موطأ محمد تحقيق د. تقي الدين الندوي، الطبعة الأولى، 1412 هـ / 1992 م، دار
السنة والسيرة، بومباي الهند، ودار القلم، دمشق، سوريا.
50) عبد الرحمن بن محمد بن إدريس الرازي التميمي، الجرح (5/583)
صفحة 2533
الرائد
584
والتعديل، الطبعة الأولى، 1371 هـ / 1952 م، دار إحياء التراث
العربي بيروت.
(51 عبد الرحيم بن الحسين وابنه أبو زرعة العراقيان، طرح التثريب في شرح التقريب، تحقيق عبد القادر محمد علي، الطبعة الأولى، 2000 م، دار الكتب العلمية، بيروت.
(52) عبد الرزاق بن همام الصنعاني (ت 211 هـ/826 م)، المصنف، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، الطبعة الثانية، 1403 هـ / 1983 م،
المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.
53) عبد العزيز بن الحاج بن إبراهيم الثميني (ت 1223 هـ / 1808 م)، التاج المنظوم من درر المنهاج المعلوم، تحقيق محمد بن موسى بابا عمي
ومصطفى بن محمد شريفي، الطبعة الأولى، 1421 هـ / 2000 م. 54) عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم بن جماعة الكناني (ت 767 هـ)، هداية السالك إلى المذاهب الأربعة في المناسك، تحقيق صالح بن ناصر بن صالح الخزيم، الطبعة الأولى، 1422 هـ، دار ابن الجوزي،
الدمام، السعودية. (5/584)
صفحة 2534
الرائد
55) عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم الرافعي (ت 623 هـ)، العزيز شرح الوجيز، تحقيق علي محمد معوض وعادل أحمد عبد الموجود، الطبعة الأولى، 1417 هـ / 1997 م، دار الكتب العلمية، بيروت،
لبنان.
56)، شرح مسند الشافعي، تحقيق وائل محمد زهران، الطبعة الأولى، 1428 هـ / 2007 م، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، قطر.
57) عبد الله أحمد بن
بن قدامة المقدسي، المغني، الطبعة الأولى،
1405 هـ، دار الفكر، بيروت.
58) عبد الله بن علي بن الجارود المنتقى من السنن المسندة، تحقيق عبدالله عمر البارودي، الطبعة الأولى، 1408 هـ / 1988 م، مؤسسة
الكتاب الثقافية، بيروت.
59) عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفي، الكتاب المصنف في الأحاديث والآثار، تحقيق كمال يوسف الحوت، الطبعة الأولى،
1409 هـ، مكتبة الرشد، الرياض. (5/585)
صفحة 2535
الرائد
(86)
60) عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني (ت 478 هـ)، نهاية المطلب في دراية المذهب، تحقيق أ. د عبد العظيم محمود الديب، الطبعة
الأولى، 1428 هـ / 2007 م، دار المنهاج، جدة، السعودية.
61)، البرهان في أصول الفقه، تحقيق د. عبد العظيم محمود الديب،
الطبعة الرابعة، 1418 هـ، الوفاء المنصورة، مصر.
62) عبد الله بن حميد السالمي (1332 هـ / 1914 م)، شرح الجامع الصحيح، دون معلومات الطباعة.
63)، طلعة الشمس على الألفية، 1401 هـ / 1981 م، وزارة
التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان.
64)، معارج الآمال على مدارج الكمال 1404 هـ / 1984 م، وزارة
(70
التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان.
مدارج الكمال نظم مختصر الخصال، الطبعة الثانية،
1423 هـ / 2003 م، مكتبة الضامري، سلطنة عمان، السيب.
(66 عبدالله بن عبدالرحمن أبو محمد الدارمي، سنن الدارمي، تحقيق
فواز أحمد زمرلي وخالد السبع العلمي، الطبعة الأولى، 1407 هـ، دار الكتاب العربي، بيروت. (5/586)
صفحة 2536
الرائد
6 AV)
67 عبد الله بن عدي بن عبد الله بن محمد أبو أحمد الجرجاني، الكامل في ضعفاء الرجال، تحقيق يحيى مختار غزاوي، الطبعة الثالثة
1409 هـ / 1988 م، دار الفكر، بيروت.
(68) عبد الله بن يوسف أبو محمد الحنفي الزيلعي، نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية، تحقيق محمد يوسف البنوري، 1357 هـ، دار
الحديث، مصر.
69) عبدالوهاب بن علي بن نصر البغدادي (ت 422 هـ)، الإشراف على نكت مسائل الخلاف، تحقيق الحبيب بن طاهر، الطبعة الأولى،
1420 هـ / 1999 م، دار ابن حزم، بيروت.
70) عثمان بن سعيد بن عثمان بن سعيد بن عمرو الداني، التيسير في
القراءات السبع تحقيق اوتو تريزل الطبعة الثانية، 1404 هـ /
،
1984 م، دار الكتاب العربي، بيروت.
(71) علي بن أبي بكر الهيثمي، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، 1407 هـ، دار الريان للتراث، القاهرة، ودار الكتاب العربي، بيروت.
72) علي بن أحمد بن حزم الأندلسي (ت 456 هـ/ 1064 م)، المحلى، د ط ت، دار الآفاق الجديدة، بيروت، لبنان. (5/587)
صفحة 2537
الرائد
(73
، حجة الوداع، تحقيق أبي صهيب الكرمي، الطبعة الأولى،
1998 م، بيت الأفكار الدولية للنشر والتوزيع، الرياض.
74) علي بن سليمان المرداوي، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف،
تحقيق محمد حامد الفقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
75 علي بن عبد الكافي السبكي وابنه عبد الوهاب، الإبهاج في شرح المنهاج، تحقيق جماعة من العلماء، الطبعة الأولى، 1404 هـ، دار الكتب العلمية بيروت.
(76 علي بن عمر بن أحمد بن مهدي أبو الحسن الدارقطني البغدادي، العلل الواردة في الأحاديث النبوية تحقيق د. محفوظ الرحمن زين الله السلفي، الطبعة الأولى، 1405 هـ / 1985 م، دار طيبة، الرياض. علي بن محمد الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، تحقيق د. سيد
الجميلي، الطبعة الأولى، 1404 هـ، دار الكتاب العربي، بيروت
78) علي بن محمد بن حبيب الماوردي، الحاوي الكبير، تحقيق علي محمد معوض وعادل أحمد عبد الموجود، 1419 هـ / 1999 م، دار الكتب
العلمية، بيروت. (5/588)
صفحة 2538
الرائد
79) علي بن محمد بن علي البسيوي (حي) 364 هـ/ 975 م)، جامع أبي الحسن البسيوي، 1404 هـ / 1984 م، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان.
80 عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشهير بابن الملقن (ت 804 هـ)،
(81
أحمد
الإعلام بفوائد عمدة الأحكام تحقيق عبد العزيز بن محمد بن المشيقح الطبعة الأولى، 1421 هـ / 2000 م، دار العاصمة،
الرياض، السعودية.
البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير، تحقيق مجدي بن السيد بن أمين وآخرين، الطبعة الأولى، 1425 هـ / 2004 م دار الهجرة للنشر والتوزيع، الرياض،
السعودية.
(82)، التوضيح لشرح الجامع الصحيح، تحقيق دار الفلاح للبحث العلمي، الطبعة الأولى، 1429 هـ / 2008 م، وزارة الأوقاف
والشؤون الإسلامية، قطر.
(83) خلاصة البدر المنير في تخريج كتاب الشرح الكبير للرافعي، تحقيق حمدي عبد المجيد إسماعيل السلفي، الطبعة الأولى، 1410 هـ، (5/589)
صفحة 2539
الرائد
69.
مكتبة الرشد الرياض.
84 مالك بن أنس أبو عبد الله الأصبحي (ت 179 هـ / 795 م)،
(10
الموطأ، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي دار إحياء التراث العربي.
85)، المدونة الكبرى، د ط ت دار صادر، بيروت، لبنان.
86) محمد الحبيب بن الخوجة، محمد الطاهر بن عاشور وكتابه مقاصد الشريعة الإسلامية، 1425 هـ / 2004 م، طبعة وزارة الأوقاف
والشؤون الإسلامية بدولة قطر.
87) محمد الطاهر بن عاشور (ت 1393 هـ / 1973 م)، التحرير
والتنوير، د ط ت الدار التونسية للنشر، تونس.
(88 محمد بن إبراهيم الكندي (ت 508 هـ / 1115 م)، بيان الشرع، 1408 هـ / 1988 م، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان. 89 محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، الإجماع، تحقيق د. فؤاد عبد المنعم أحمد، الطبعة الثالثة 1402 هـ، دار الدعوة، الإسكندرية. 90 محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي، التاريخ الصغير تحقيق محمود إبراهيم زايد، الطبعة الأولى، 1397 هـ/ 1977 م، دار
الوعى، حلب، ومكتبة دار التراث، القاهرة. (5/590)
صفحة 2540
الرائد
691)
(91
11
(92
التاريخ الكبير، تحقيق السيد هاشم الندوي، دار الفكر. الجامع الصحيح، تحقيق د. مصطفى ديب البغا، الطبعة
الثالثة 1407 هـ / 1987 م، دار ابن كثير، اليمامة، بيروت.
93) محمد بن
أحمد الأزهري، معجم تهذيب اللغة، الطبعة الأولى، دار
إحياء التراث العربي، بيروت.
94) محمد
بن أحمد الأنصاري القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، دار
الشعب، القاهرة.
95) محمد بن
أحمد الذهبي، ميزان الاعتدال في نقد الرجال، تحقيق
الشيخ علي محمد معوض والشيخ عادل أحمد عبدالموجود، الطبعة
الأولى، 1995 م، دار الكتب العلمية، بيروت.
96) محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي (ت 490 هـ / 1097 م)، أصول السرخسي، د ط ت، دار المعرفة، بيروت، لبنان.
97) محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي (ت 490 هـ/ 1097 م)، المبسوط، د ط ت دار المعرفة، بيروت، لبنان. (5/591)
صفحة 2541
الرائد
592
98) محمد بن البلد الحرام، تحقيق عادل عبد الحميد العدوي وآخرين، الطبعة الأولى، 1417 هـ / 1996 م، مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة. 99) محمد بن أحمد بن محمد المكي الحنفي (ت 854 هـ)، البحر العميق في مناسك المعتمر والحاج إلى البيت العتيق، تحقيق د. عبدالله نذير أحمد، الطبعة الأولى، 1427 هـ / 2006 م، المكتبة المكية، مكة المكرمة. 100) محمد بن إدريس الشافعي الأم، الطبعة الثانية، 1393 هـ، دار المعرفة، بيروت.
أحمد بن علي الفاسي (ت 832 هـ)، شفاء الغرام بأخبار
(101) محمد بن إسحاق بن العباس الفاكهي أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه، تحقيق د. عبد الملك بن عبد الله بن دهيش، الطبعة الثانية،
1414 هـ، دار، خضر بيروت
102) محمد بن إسحاق بن خزيمة أبو بكر السلمي النيسابوري، صحيح ابن خزيمة، تحقيق د. محمد مصطفى الأعظمي، 1390 هـ / 1970 م،
المكتب الإسلامي، بيروت. (5/592)
صفحة 2542
الرائد
593
(103) محمد بن إسماعيل الصنعاني (ت 1182 هـ)، العدة، تحقيق عبد المنعم إبراهيم، الطبعة الأولى، 1421 هـ / 2000 م، مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة.
104) محمد بن جرير بن يزيد الطبري، تهذيب الآثار وتفصيل الثابت عن رسول الله من الأخبار تحقيق محمود محمد شاكر، مطبعة المدني،
القاهرة.
105) محمد بن جرير بن يزيد بن خالد الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، 1405 هـ دار الفكر، بيروت.
106) محمد بن جعفر الإزكوي (حي) 280 هـ / 893 م)، الجامع، تحقيق عبد المنعم عامر، طبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، وزارة التراث
القومى والثقافة، سلطنة عمان.
و
107) محمد بن حبان بن أحمد أبو حاتم التميمي البستي، الثقات، تحقيق السيد شرف الدين أحمد، الطبعة الأولى، 1395 هـ / 1975 م، دار
الفكر.
108)، صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، تحقيق شعيب
الأرنؤوط، الطبعة الثانية، 1414 هـ / 1993 م، مؤسسة الرسالة، (5/593)
صفحة 2543
الرائد
بيروت.
692)
109)، المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين، تحقيق محمود
إبراهيم زايد، الطبعة الأولى، 1396 هـ، دار الوعي، حلب.
(110) محمد بن صالح العثيمين مجموع الفتاوى والرسائل، جمع وترتيب فهد بن ناصر السليمان، الطبعة الأولى، 1424 هـ / 2004 م، دار الثريا للنشر والتوزيع، الرياض.
111) محمد بن عبد الرحمن السخاوي، فتح المغيث شرح ألفية الحديث، الطبعة الأولى، 1403 هـ، دار الكتب العلمية، بيروت.
112) محمد بن عبد الرحمن المغربي أبو عبد الله، مواهب الجليل لشرح مختصر خليل، الطبعة الثانية، 1398 هـ، دار الفكر، بيرون 113) محمد بن عبد الله ابن العربي (ت 543 هـ)، أحكام القرآن، تحقيق محمد عبد القادر عطا، دار الفكر للطباعة والنشر، لبنان.
114)، عارضة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، ضبط صدقي جميل العطار، 1415 هـ / 1995 م، دار الفكر، بيروت.
115) محمد بن عبد الله بن أحمد الأزرقي، أخبار مكة وما جاء فيها من
الآثار، تحقيق رشدي الصالح ملحس 1416 هـ / 1996 م، دار (5/594)
صفحة 2544
الرائد
(690)
الأندلس للنشر، بيروت.
116) محمد بن عبد الواحد السيواسي الشهير بابن الهمام الحنفي (ت 861 هـ / 1457 م) فتح القدير للعاجز الفقير، الطبعة الثانية، دار
الفكر، بيروت.
117) محمد بن عبد الواحد بن أحمد الحنبلي المقدسي، الأحاديث المختارة، تحقيق عبد الملك بن عبد الله بن دهيش الطبعة الأولى، مكتبة النهضة الحديثة، مكة المكرمة 1410 هـ.
(118) محمد بن عبدالله أبو عبدالله الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، الطبعة الأولى،
1411 هـ / 1990 م، دار الكتب العلمية، بيروت
119) محمد بن علي الشوكاني، وبل الغمام على شفاء الأوام، تحقيق محمد صبحي حسن، الطبعة الأولى، 1416 هـ، مكتبة ابن تيمية، القاهرة،
120)، السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار، تحقيق محمود إبراهيم زايد، الطبعة الأولى، 1405 هـ، دار الكتب العلمية بيروت. 121)، نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار، 1973 م، دار الجيل، (5/595)
صفحة 2545
الرائد
بيروت.
697
122) محمد بن عمر بن موسى العقيلي، الضعفاء الكبير، تحقيق عبد المعطي أمين قلعجي، الطبعة الأولى، 1404 هـ 1984 م، دار المكتبة العلمية، بيروت.
123) محمد بن عيسى بن سورة الترمذي السلمي، سنن الترمذي، تحقيق
أحمد محمد شاكر، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
124) محمد بن محمد الغزالي المستصفى في علم الأصول،، تحقيق محمد عبد السلام عبد الشافي، الطبعة الأولى، 1413 هـ، دار الكتب
العلمية، بيروت.
125) محمد بن محمد بن حسن الشهير بابن أمير الحاج الحلبي (ت 879 هـ / 1474 م)، التقرير والتحبير على التحرير في أصول الفقه، تحقيق عبد الله محمود محمد عمر، الطبعة الأولى،
1419 هـ / 1999 م، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
126) محمد بن محمد أمين بن عمر عابدين، رد المحتار على الدر المختار، 1421 هـ / 2000 م، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت.
127) محمد بن محمد بن محمد الحسيني الزبيدي الشهير بمرتضى (5/596)
صفحة 2546
الرائد
597
(ت 1205 هـ / 1791 م)، تاج العروس في شرح القاموس، د ط ت،
دار الهداية.
128) محمد بن محمد بن محمد الغزالي الوسيط في المذهب، تحقيق أحمد محمود إبراهيم ومحمد محمد تامر مشهور، الطبعة الأولى، 1417 هـ، دار السلام القاهرة.
129) محمد بن مفلح المقدسي الفروع تحقيق أبي الزهراء حازم القاضي، الطبعة الأولى، 1418 هـ، دار الكتب العلمية، بيروت.
(130) محمد بن مکرم بن منظور (ت 711 هـ / 1311 هـ)، لسان العرب، الطبعة الأولى، دار صادر، بيروت، لبنان
(131) محمد بن وصاف العماني (ق 6 هـ / 12 م)، شرح الدعائم، تحقيق عبد المنعم عامر، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان. 132) محمد بن يزيد أبو عبد الله القزويني، سنن ابن ماجه، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر، بيروت.
133) محمد بن يوسف أطفيش (ت 1332 هـ / 1914 م)، شرح كتاب
النيل وشفاء العليل، الطبعة الثالثة، 1405 هـ / 1985 م، مكتبة
الإرشاد، جدة، السعودية. (5/597)
صفحة 2547
الرائد
691)
134)، الجامع الصغير، 1406 هـ / 1986 م، وزارة التراث القومي
والثقافة سلطنة عمان.
135) محمد بن يوسف بن أبي القاسم العبدري، التاج والإكليل لمختصر
خليل، الطبعة الثانية، 1398 هـ، دار الفكر، بيروت.
136) محمد زكريا الكاندهلوي (ت 1402 هـ)، أوجز المسالك إلى موطأ مالك، تحقيق أ. د. تقي الدين الندوي، الطبعة الأولى،
1424 هـ / 2003 م.
137) محمد عليش منح الجليل شرح على مختصر سيد خليل،
1409 هـ / 1989 م، دار الفكر، بيروت.
138) محمود بن أحمد العيني، عمدة القاري شرح صحيح البخاري، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
139) محمود بن أحمد بن موسى العيني (ت 855 هـ)، البناية شرح
الهداية، تحقيق أيمن تحقيق أيمن صالح شعبان، الطبعة
1420 هـ / 2000 م، دار الكتب العلمية، بيروت.
الأولى،
140) محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، تحقيق عبد الرزاق المهدي، (5/598)
صفحة 2548
الرائد
(699)
طبعة دار إحياء التراث العربي، بيروت.
141) مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري النيسابوري، الجامع
الصحيح، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي،
بيروت.
142) مصطفى بن سعد السيوطي الرحيباني، مطالب أولي النهى شرح غاية المنتهى، الطبعة الأولى، 1360 هـ، المكتب الإسلامي دمشق. 143) مصطفى محمد أحمد الزرقا الفتاوى اعتنى بها مجد أحمد مكي، الطبعة الأولى، 1420 هـ / 1999 م، دار القلم، بيروت.
144) منصور بن محمد بن عبد الجبار السمعاني (ت 489 هـ)، قواطع الأدلة في أصول الفقه، تحقيق د. علي بن عباس بن عثمان الحكمي، ود. عبدالله حافظ أحمد الحكمي، الطبعة الأولى، 1419 هـ / 1998 م. 145) مهنا بن خلفان بن محمد البوسعيدي (ت 1250 هـ / 1835 م)، لباب الآثار الواردة على الأولين والمتأخرين الأخيار، 1405 هـ،
1985 م، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان.
146) يحيى بن شرف بن مري النووي، شرح صحيح مسلم المعروف بالمنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، الطبعة الثانية، 1392 هـ، دار إحياء التراث العربي، بيروت. (5/599)
صفحة 2549
الرائد
( .. )
147)، المجموع شرح المهذب تحقيق د. محمود مطرجي، الطبعة
الأولى، 1997 م، دار الفكر، بيروت.
148)، روضة الطالبين وعمدة المفتين الطبعة الثانية، 1405 هـ،
—
المكتب الإسلامي، بيروت.
149) يحيى بن معين أبو زكريا تاريخ ابن معين (رواية الدوري)، تحقيق د. أحمد محمد نور سيف، الطبعة الأولى، 1399 هـ 1979 م، مرکز
البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي، مكة المكرمة.
150) يعقوب بن إسحاق الإسفرائيني، المسند، دار المعرفة، بيروت 151) يوسف بن الزكي عبدالرحمن أبو الحجاج المزي، تهذيب الكمال في أسماء الرجال، تحقيق د. بشار عواد معروف، الطبعة الأولى، 1400 هـ 1980 م، مؤسسة الرسالة، بيروت.
152) يوسف بن عبد الله بن عبد البر القرطبي (ت 463 هـ / 1071 م)، الاستذكار، تحقيق سالم محمد عطا وعلي محمد معوض، الطبعة الأولى،
1421 هـ / 2000 م، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
153)، التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، تحقيق مصطفى بن أحمد العلوي ومحمد عبد الكبير البكري، 1387 هـ، وزارة عموم
الأوقاف والشؤون الإسلامية، المغرب. (5/600)
صفحة 2550
الرائد
المحتويات
الفصل السادس: أعمال يوم التروية وخطب الحج.
توطئة.
المبحث الأول: سبب التسمية بيوم التروية.
المبحث الثاني: زمان الإحرام بالحج وموم
موضع الإحرام بالحج.
المبحث الثالث: الذهاب إلى منى
ضعه.
المبحث الرابع: أداء الصلوات الخمس بمنى.
المبحث الخامس: الخطب المندوبة في
الفصل السابع: أعمال يوم عرفة.
توطئة: سبب تسميتها بعرفة
المبحث الأول: الذهاب إلى عرفة.
المبحث الثاني: الإقامة بنمرة والانتقال إلى بطن وادي عرنة .....
المطلب الأول: الإقامة بنمرة إلى حين الزوال .. (5/601)
صفحة 2551
الرائد
المطلب الثاني: الانتقال إلى بطن وادي عرنة.
مسجد نمرة وموقعه من عرفة.
المبحث الثالث: خطبة عرفة.
المطلب الأول: مشروعية الخطبة وصفتها وحكمها.
المطلب الثاني: مندوبات الخطبة.
:أولا تقصير الخطبة.
ثانيا: ارتفاع الخطيب.
ثالثا: بدء خطبة عرفة بالتكبير.
رابعا: موضوع خطبة عرفة ..
المبحث الرابع: الأذان والإقامة.
المبحث الخامس: صلاة الظهر والعصر.
المطلب الأول: تعجيل الصلاة حين تزول الشمس.
المطلب الثاني: جمع صلاتي الظهر والعصر بعرفة.
المطلب الثالث: الإسرار في الصلاتين المجموعتين.
المطلب الرابع: قصر صلاتي الظهر والعصر. المطلب الخامس: رواتب الصلاتين والتنفل المطلق (5/602)
صفحة 2552
الرائد
المبحث السادس: الوقوف بعرفة.
المطلب الأول: معنى الوقوف بعرفة.
المطلب الثاني: حكم الوقوف.
المطلب الثالث: موضع الوقوف
المطلب الرابع: وقت الوقوف.
أولا: أول وقت الوقوف.
ثانيا: آخر الوقت.
المبحث السابع: مندوبات الوقوف بعرفة.
المندوب الأول: تعجيل الوقوف
المندوب الثاني: الغسل.
المندوب الثالث: الوقوف في مكان وقوف النبي الله.
المندوب الرابع: استقبال الكعبة.
المندوب الخامس: الوقوف بجبل الرحمة.
المندوب السادس: الوقوف راكبا.
المندوب السابع: الفطر.
المندوب الثامن: الذكر والدعاء. (5/603)
صفحة 2553
الرائد
المندوب التاسع: أن لا يستظل بل يبرز للشمس. المندوب العاشر: الوقوف في حاشية الموقف للأنثى.
المبحث الثامن: الخطأ في تاريخ الوقوف.
الفصل الثامن: أعمال اليوم العاشر.
المبحث الأول: أعمال مزدلفة.
المطلب الأول: الطريق إلى مزدلفة.
ذهب جمع من أهل العلم إلى أنه لا يصح أن يفيض الناس قبل
إفاضة أمير الحج، وتطبيق ذلك في رؤساء بعثات الحج حاضرا. 221
الأفضل الركوب عند أداء الشعائر.
التلبية مما يشرع الإتيان به في هذا الموضع. المطلب الثاني: جمع المغرب والعشاء بمزدلفة. سبب جمع الصلاتين بمزدلفة السفر لا النسك.
جمع الصلاتين بمزدلفة مسنون وليس بواجب.
إناخة النبي الدواب بين صلاتي المغرب والعشاء ليس نسكا
المطلب الثالث: المبيت بمزدلفة.
أولا: التعريف بمزدلفة. (5/604)
صفحة 2554
الرائد
ثانيا: العبادة المؤداة في المزدلفة.
ثالثا: حكم المبيت بمزدلفة.
رابعا: المقدار المجزي من المبيت.
خامسا: إحياء ليلة مزدلفة بالعبادة.
لم يثبت في فضل إحياء ليلة مزدلفة شيء.
المطلب الرابع: صلاة الفجر بمزدلفة وذكر الله فيها.
وصف مسجد المشعر الحرام.
المطلب الخامس: الدفع من مزدلفة إلى منى.
ندبية الإسراع في وادي محسر والخلاف في علة ذلك.
الإسراع مسنون لكل من جاز الوادي راكبا كان أو راجلا.
حكم مجاوزة محسر قبل شروق الشمس.
المبحث الثاني: رمي جمرة العقبة.
المطلب الأول: وصف جمرة العقبة.
الطريق الوسطى التي سلكها النبي لا اله إلى جمرة العقبة.
شاخص الجمار وأصل مشروعيته.
المطلب الثاني: مشروعية رمي جمرة العقبة. (5/605)
صفحة 2555
الرائد
المطلب الثالث: حجارة الرم
أولا: موضع أخذ حصى
الجمار.
ثانيا: تكسير حصى الجمار.
ثالثا:
حجم
حصى
الجمار.
رابعا: جنس المرمي.
رمي من الحجارة.
خامسا: الرمي بما رمي من
سادسا: غسل حصى الجمار.
المطلب الرابع: وقت الرم
أولا: مبدأ وقت الرمي.
ثانيا: منتهى وقت الرم
المطلب الخامس: صفة الرمـ
أولا: النية.
ثانيا: عدد مرات الر
ثالثا: هيئة الرامي
رابعا: وقوع الحصى في المرمى.
خامسا: صفة الـ (5/606)
صفحة 2556
الرائد
المطلب السادس: النيابة في الرحم
المطلب السابع: مندوبات الرم
أولا: الاغتسال أو الوضوء.
ثانيا: ذكر الله عند الرمي
ثالثا: الانصراف بعد رميها للنسك الذي بعده من غير توقف
للدعاء.
رابعا رفع اليدين عند الرمي حتى يرى بياض إبط الرامي ..
خامسا: الرمي من بطن الوادي.
سادسا: الموالاة بين الحجارة السبع.
سابعا: إتيان مسجد الخيف بعد رمي جمرة العقبة.
المبحث الثالث: نحر الهدي
المبحث الرابع: طواف الإفاضة ..
استحباب الشرب من ماء زمزم بعد طواف الإفاضة.
اختلفت الروايات في المكان الذي صلى ال اللي فيه الظهر يوم النحر 424
المبحث الخامس: حكم الترتيب بين أعمال اليوم العاشر.
الفصل التاسع: أعمال أيام التشريق. (5/607)
صفحة 2557
الرائد
المبحث الأول: تعريف أيام التشريق.
المبحث الثاني: المبيت بمنى.
حكم من لم يستطع استئجار خيام منى.
المبحث الثالث: رمي الجمرات.
المطلب الأول: وقت الرمـ
أولا: مبدأ وقت الرمي.
ثانيا: آخر وقت الرحم
المطلب الثاني: الترتيب بين الجمرات في الرم
المطلب الثالث: الوقوف للدعاء بعد الجمرتين الصغرى
والوسطى.
المطلب الرابع: حكم من ترك رمي الجمار.
المبحث الرابع: النفر من منى
المبحث الخامس: النزول بالمحصب.
الفصل العاشر: طواف الوداع.
المبحث الأول: معنى طواف الوداع ووقته.
مشروعية طواف الوداع لمن نفر قبل رمي الثاني عشر. (5/608)
صفحة 2558
الرائد
المبحث الثاني: مشروعية طواف الوداع وحكمه وتكييفه.
المطلب الأول: مشروعية طواف الوداع.
المطلب الثاني: مشروعية طواف الوداع للمعتمر.
المطلب الثالث: تكييف طواف الوداع.
المطلب الرابع: حكم طواف الوداع.
المبحث الثالث: من يشرع في حقه طواف الوداع.
المبحث الرابع: الاشتغال بغير النفر بعد طواف الوداع.
المبحث الخامس: حكم من نفر دون طواف الوداع.
المبحث السادس: مندوبات الوداع
أولا: وقوف المودع في الملتزم وذكر الله عنده ..
ثانيا: أن لا يقف بعد الدعاء ولا يلتفت.
الخاتمة.
كشاف بأكثر المراجع. (5/609)
صفحة 2559
[صفحة فارغة] (5/610)
صفحة 2560
[صفحة فارغة] (5/611)
صفحة 2561
وقد حرصت في هذا النتاج (الرائد) - قدر الوسع والحال-
على أن يكون ذا طابع علمي يحرر القضايا الشرعية على ما تقتضيه القواعد التأصيلية المنضبطة التي سار عليها أئمة الإسلام خلفا بعد سلف للوصول إلى الرأي الأقرب إلى الدليل، فلذا حوى تأصيلات فقهية وتخريجات حديثية وإشراقات وعظية لم يأل صاحبها جهدا في تحريرها وتقريرها على ما يرى نصيحة لله ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم.
ثم إن المقصد الأساس الذي قام عليه الكتاب هو بيان مناسك الحج التي يؤديها المسلم في هذا الزمان لذا ضربت صفحا عن ذكر ما ليس له صلة بهذا الزمان من الأحكام إلا ما اضطرني إليه التأصيل لما هو واقع، وعنيت هذه الدراسة بذكر كل ما استجد من أحكام الحج إلى وقت كتابتها على قدر ما يفتح الله وييسر
المؤلف (5/612)