صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: فقه
------------------------------------------
العنوان: الشورى في الإسلام
المؤلف: أحمد بن سعود السيابي
الناشر: بصيرة - مكتبة خزائن الآثار
مكان النشر: مسقط - سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1441ه/ 2020م
الطبعة: 2 (مزيدة)
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=6839&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/381
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/213696784241
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 25 جمادى الآخرة 1446ه/ 27 - شهر 12 - 2024م. الشورى في الإسلام
بقلم
الشيخ أحمد بن سعود السيابي (1/1)
صفحة 2
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الثانية مزيدة
1441 هـ - 2020 م
نشر وتوزيع مكتبة خزائن الآثار
سلطنة عُمان - بركاء
نقال: 091898177789
•.9719001. YO_
الراعي الإعلامي:
موقع بصيرة الإلكتروني
موسوعة إلكترونية في العلوم الإسلامية لسماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام لسلطنة عُمان للتواصل: info@baseera.net
-
www.baseera.net (1/2)
صفحة 3
الشورى في الإسلام
بقلم
الشيخ أحمد بن سعود السيابي (1/3)
صفحة 4
بسم الله الرحمن الرحيم (1/4)
صفحة 5
المقدمة
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد، فإن الشورى من الأمور التي رافقت حياة الإنسان في دنياه منذ بدء الخليقة، حيث كانت توجد الشورى الشخصية، التي تكون بين الإنسان وأخيه الإنسان، وهناك الشورى الجماعية التي تكون بين جماعة من الناس يجتمعون ويتشاورون فيما يهمهم ويعنيهم من أمور معاشهم في حياتهم ودنياهم، كما أن هناك الشورى السياسية التي تتعلق بشؤون الحكم، وهي التي ينبني عليها نظام الحكم، أي بين الحكم والشورى أو بين الحاكم وأهل الحل والعقد الذين هم أهل الشورى.
وعلى كل حال من الأحوال فإن الشورى أمرها رشيد، وعواقبها حميدة، ونتائجها سعيدة وتكون بها الحياة جميلة للجميع، للأفراد وللمجتمع
وللأنظمة السياسية الحاكمة، فهي كما يقول شاعر النيل حافظ إبراهيم:
رأي الجماعة لا تشقى البلاد به رغم الخلاف ورأي الفرد يشقيها
(1) من قصيدة مطلعها:
حسب القوافي وحسبي حين ألقيها إني إلى ساحة الفاروق أهديها
وهي في مدح أمير المؤمنين الخليفة العظيم عمر بن الخطاب. (1/5)
صفحة 6
على أن الشورى السياسية هي موضوع الاهتمام الدولي في هذا العصر باعتبارها كبحًا لجماح السلطة المطلقة والأنانية الفردية، وحدا لاستبداد الحاكم الفرد، لأنها تعطي قدرًا مناسبًا للمشاركة الشعبية من خلال أهل الحل والعقد الذين يشكّلون مجالس الشورى، كما أنها تتكيف مع الإرادة الوطنية. على أن الشورى بهذا المفهوم - أي الشورى السياسية ـ هي الموضوع الذي يطرحه كتابنا هذا، وهو يناقش موضوع الشورى السياسية بين الحاكم والمحكوم وجوبًا أو استحبابًا من المنظور الشرعي الإسلامي وسوف تبين الفقرة القادمة الشورى من حيث اللغة والاصطلاح. (1/6)
صفحة 7
الشورى لغة واصطلاحًا
قال الخليل بن أحمد الفراهيدي: شرت العسل أشوره شورا، ومشارة، وأشرته أشيره إشارة، وأشترته أشتاره اشتيارا، والمشورة مفعلة، اشتق من الاشارة، أشرت عليهم بذلك، ويقال مشورة).
وقال ابن منظور شار العسل يشوره شورا و شيارا ومشارًا ومشارة استخرجه من الوقبة واجتناه والشارة والشورة، الحسن والهيئة، وأشار إليه وشور أوماً، وشور إليه بيده أي أشار، وأشار إليه بأمر كذا، أمره به، وهي الشورى والمشورة بضم الشين، مفعلة، وشاورته في الأمر واستشرته بمعنى، وفلان خير شير أي يصلح للمشاورة، واستشاره طلب منه المشاورة، وأشار عليه بالرأي إذا ما وجّه بالرأي، ويقال فلان جيد المَشُوْرة والمشورة".
وفي الاصطلاح: الشورى طلب الشيء، وقال عنها بعض: إنّها الاجتماع على الأمر ليستشير كل واحد صاحبه ويستخرج ما عنده، وقال الراغب: المشورة، استخراج الرأي بمراجعة البعض إلى البعض، والشورى الأمر الذي يتشاور فيه، وقال بعضهم: عرض الأمر على الخبرة حتى يعلم المراد منه.
(1) كتاب العين مادة (شور).
(2) لسان العرب مادة (شور). (1/7)
صفحة 8
ومن هذا المعنى يطلق على الموضع الذي يتم فيه التشاور مجلس الشورى.
وهي أي الشورى اجتماع الناس على استخلاص الصواب بطرح جملة آراء في مسألة لكي يهتدوا إلى قرار).
من هذه الألفاظ والمعاني نفهم أن الشورى تنبني على أمور هي: وجود شخص أو أكثر مجتمعين في مكان ليبدي كل واحد رأيه، ثم التوصل إلى رأي واحد صائب.
ويبدأ استعمال الشورى عندنا في عُمان من السبلة وهو موضوعنا القادم.
(1) الخالدي، محمود نظام الشورى في الإسلام، ص 15. (1/8)
صفحة 9
دور السبلة في الشورى
السبلة مفردة، وجمعها السبل في اللهجة العمانية، وهي التي تسمى اليوم المجالس العامة.
ولعل معنى السبلة مأخوذ من التسبيل، أي جعل الشيء عاما، ومنه
ما جاء في الحديث: «حبّس الأصل، وسبل الثمرة»، أي اجعل الأصل وقفا ثابتا، والثمرة للمنفعة العامة.
والحديث ورد في مشروعية الوقف في الإسلام، أمرًا من النبي صلى الله عليه وسلم
لعمر بن الخطاب الله.
أو لعل المعنى مأخوذ من ابن السبيل، وهو الضيف الذي لا أهل له في المكان، والمقصود الحث على إكرام الضيف الذي هو ابن السبيل.
وفي رأيي أن المعنى المقصود من لفظ السبلة هو عموم المنفعة من ذلك
المكان الذي يتخذ سبلة أي مجلسًا عامًا في العرف المعاصر.
وكانت السبلة قد قامت بدور محوري ورئيسي في المجتمع العماني فهي المكان الذي يجمع أهل الحارة طوال يومهم، ففيه يتناولون قهوة الصباح، وقهوة الظهر، وفيه يتسامرون في الهزيع الأول من الليل، كما أنها كانت مقرًا للضيف الذي ينزل على أهل تلك الحارة. (1/9)
صفحة 10
وكانت السبل تتوزع على جميع الحارات حيث أنه في كل حارة سبلة لأهل تلك الحارة، أو للأسرة أو الفخيذة (البطن) من القبيلة.
وكان أولئكم الأهالي يناقشون فيها همومهم وشجونهم وشؤونهم الاجتماعية والسياسية وكل ما يهمهم ويعنيهم.
وكان العمانيون منذ نعومة أظفارهم يتعلمون منها العلم والأدب والسلوك الراقي.
فكم سمعنا من الذين يقدمون القهوة فيها وهم أميون قراءة وكتابة يحفظون أبياتا من الشعر لا سيما من كتاب «جوهر النظام للإمام نور الدين السالمي ومن كتاب الدعائم» للإمام أحمد بن النظر السمائلي، وكذلك من القصص وسير الأنبياء والعلماء والقادة ويحفظون الأمثال والحكم.
أما قسمة المواريث فحدث عن ذلك ولا حرج، لأن عُمّار تلك السبل يأخذها بعضهم عن بعض، جيلا عن جيل.
فإذا مات أحد الناس تذاكروا قسمة التركة على وراثه، ليعرفوا ما يكون لكل واحد منهم ذكورًا وإناثا فتترسخ تلك القسمة في أذهانهم ويقيسوا عليها نظائرها.
وعلى العموم فإن السبلة كان لها دور كبير في حل القضايا السياسية كتلك التي بين القبيلة والدولة، أو القضايا الاجتماعية كتلك التي تكون بين الأسر أو فخائذ القبيلة الواحدة، أو القضايا القبلية كتلك التي تكون بين القبيلة وغيرها من القبائل
وأول من اتخذ دارًا وهي بمعنى السبلة هو قصي بن كلاب جد قريش الذي استولى على الحرم (مكة) من خزاعة، وسميت دار الندوة، وذلك لأنهم (1/10)
صفحة 11
ينتدون فيها، أي يجتمعون ويتشاورن وجعل بابها إلى الكعبة، وكانت قريش من بعده لا تقضي أمرًا إلا فيها).
وفي عصرنا الحالي كثر - والحمد لله - الاهتمام بالمجالس العامة كبديل
عن السبل في الماضي، ولكنها تستعمل في الغالب للأفراح والأتراح.
وصدق شاعر العروبة والإسلام أبو مسلم البهلاني الرواحي عندما قال:
إن للاجتماع روحا لطيفا فاعلا في النفوس كل جميل
قلما يكسب انفرادك فضلا ومع الاجتماع غرس العقول
أدب حكمة كمال دعاء واقتناص المعقول والمنقول
ومن السبل والاجتماعات والتجمعات يتطور أمر الشورى إلى أن يكون تحت قبب مجالس الشورى وهو موضوع الفقرة القادمة.
(1) سيرة ابن هشام، ص 62. (1/11)
صفحة 12
مجالس الشورى
عمدت الدول المعاصرة إلى إنشاء مجالس للشورى، وذلك لكي تعطي هذه المجالس آراءها للحكومات لكون هذه المجالس هي الجهات التشريعية التي من شأنها سنّ القوانين وتراقب تنفيذها، على اعتبار أن أنظمة الحكم في الدول المعاصرة تتكون من سلطات ثلاث هي:
السلطة التشريعية (مجلس الشورى وما في معناه).
- السلطة القضائية (القضاء).
السلطة التنفيذية (الحكومة).
وهذه السلطات الثلاث كل وحدة مستقلة عن الأخرى، بيد أنها يكمّل
بعضها البعض.
على أن مجالس الشورى في العصر الحاضر هي ما كان يعرف في الماضي بأهل الحل والعقد الذين سوف نتحدث عنهم في الفقرة اللاحقة. (1/12)
صفحة 13
أهل الحل والعقد
ومعنى أهل الحل والعقد، هم الذين لهم التأثير في المجتمع، أي يحلون ويعقدون على أن مفهوم أهل الحل والعقد يتسع ويضيق، بحسب كل زمان وأهله، حيث أننا نجده في بعض الأحيان والأزمان يقتصر على شريحة معينة في المجتمع، كعلماء الدين مثلا، كما هو الأمر في دولة الإمام الجلندي بن مسعود آل الجلندى (132 - 134 هـ) الذي هو أول إمام بعُمان وجاء إلى الحكم نتيجة الشورى، وكان أهل الحل والعقد في عهده هم العلماء، وهم الذين ذكرهم الشيخ هاشم بن غيلان في رسالته إلى الإمام غسان بن عبد الله اليحمدي (192) - 207 هـ) وذكرهم أبو الحسن البسيوي في سيرته، ومنهم:
موسى بن أبي جابر، وهلال بن عطية، وخلف بن زياد البحراني، وشبيب بن عطية، وبشير بن المنذر، والمنير بن النير الريامي الجعلاني، والحسن بن عقبة، ولوط بن سام وحميم بن المغيرة والهماس بن المغلس، والنير بن عبد الملك، وعبد الله بن أبي، وعمارة بن همام، ومحمد بن عبد الله بن سوم، وعمر بن يحيى، وحميد بن عبد الله، ويحيى بن يزيد وعمر بن عبد الله (1).
(1) السالمي نور الدين عبد الله بن حميد تحفة الأعيان، ج 1، ص 88 - 90. (1/13)
صفحة 14
كما نجد مفهوم أهل الحل والعقد يتسع في أحيان وأزمان أخرى، حيث يشتمل على علماء الدين وزعماء القبائل والوجهاء والأعيان؛ كما هو الحال بعد عزل أو انعزال الإمام الصلت بن مالك (237) - 273 هـ) حيث برز عدد من الزعماء القبليين بعد انقسام العلماء إلى مؤيد لعزل أو انعزال الإمام الصلت ومعارض له، وما أعقب ذلك من تداعيات كمعركة الروضة (تنوف) ومعركة إزكي، الأمر الذي أدّى إلى ضعف موقف العلماء أمام زعماء القبائل، وانقسم أهل عُمان بسبب ذلك قبائليّا إلى قحطانية وعدنانية، أو يمنية ونزارية
وعلمائيا إلى نزوانية ورستاقية وإزكوية، وقد اختفت الأزكوية، وبقيت النزوانية والرستاقية اللتان تعرفان الآن بالمدرسة النزوانية، والمدرسة الرستاقية، لما أحدثتاه من تطور في مفهوم العلاقة بين الحاكم والمحكوم إيجابا أوسلبًا من المنظور الفقهي في الإسلام ..
ومن الملاحظ أنه إذا ظهر زعماء القبائل في المشهد السياسي ضعف دور علماء الدين، وإذا قوي دور علماء الدين تضاءل دور زعماء القبائل، قال الإمام نور الدين السالمي وهو يتحدث عما حصل من تدخل شيوخ القبائل وتعاظم دورهم آخر عهد الأئمة اليعاربة في تنصيب ذلك اليعاربة في تنصيب الأئمة، وما نتج عن من حروب وفتن «وما بُلي أهل عُمان هذا البلاء إلّا بمخالفة أهل العلم وأهل الفضل، فالله يحفظ لنا ديننا ودنيانا وبقية بلادنا» (1).
وهو الأمر الذي أشار إليه الباحث العراقي مهدي طالب هاشم بعد أن ذكر شعر أحمد بن جميل الجديدي من بني مالك بن فهم وشعر ابن دريد الأديب المعروف في وقعة القاع من منطقة عوتب بصحار.
ولما كان الشعر يعكس أفكار الشاعر وعقائده وتصوراته في الحياة
(1) تحفة الأعيان، ج 2، ص 147. (1/14)
صفحة 15
الاجتماعية فإننا يمكننا القول، إن روح الثأر بين القبائل الحميرية والمضرية طغت على شعر هذه الفترة، ويتضح هذا بصورة كبيرة في شعر ابن دريد الأزدي في وقعة الروضة، وشعر أحمد بن جميل الهنائي في وقعة القاع. وكانت معركة القاع دارت بين القبائل النزارية بقيادة الإمام الحواري بن عبد الله الحداني والقبائل القحطانية بقيادة الإمام عزان بن تميم الخروصي
سنة 278 هـ.
وشعر ابن دريد الذي أشار إليه الباحث العراقي المذكور في تحريض قبائل الأزد ضد القبائل النزارية هو بعد معركة تنوف وقتل العديد من الأزد لا سيما من قبائل بني مالك بن فهم من قبل الإمام راشد بن النظر (272 - 277 هـ) والشيخ موسى بن موسى بن علي سنة 275 هـ.
قال ابن دريد وهو محمد بن الحسن بن دريد
نبه نابه وخطب جليل بَلْ رَزَايَا لَهُنَّ عِبْءٌ ثَقِيلُ
إنَّ بالقاع من تنوف محلا لَيْسَ لِلْمَكْرُمَاتِ عَنْهُ حَوِيلُ
يا بني مالك بن فهم قتيلا لا يباريه في الأنام قتيلُ
أقليلٌ عَدِيدُكُمْ فَتَقُولُوا إننا في الوغى نفير قليل
أَمْ ضِعَافُ عَنْ ثَارِكُمْ فَتَلَذُوا مَشْرَبَ الذُّلِّ وَالضَّعِيفُ الذُّلِيلُ
أَنِسَاءُ يُبغى لَهُنَّ بُعُولٌ إنَّ سِترَ المُحَصَّنَاتِ البُعُولُ
أم عبيد لراشد ولموسى أيُّ هذي الأصنافِ أنتم فقولوا
(1) الحركة الإباضية في المشرق العربي، ط أولى، ص 277. (1/15)
صفحة 16
وقال أحمد بن جميل
يالك بالقاع من صباح قاع خيام إلى البطاح
أنعلت الخيل هام عوف من بين طاها إلى وقاح
وخضنا من منبة دماء كزاجر اليم ذي الطماح
خيل بن نصر فتى المعالي والقوم من مالك الصباح
واليحمد المانعي حماها ومدركي الوتر بالسفاح
لما أتانا بان عوفا تدعو بجهل إلى النطاح
سرنا إليهم بمقربات في ظل غاب من الرماح
تقدمنا الأسد من هناء في جحفل شاهري السلاح
فكم كعاب هناك تدعو بالويل أباها رزاح
فنجد في هذا الشعر تحريضا مفعمًا بالعنصرية القبلية البغيضة، حيث أخذ يحرض قبائل الأزد قبيلة قبيلة إلى أن جاء الجيش العباسي بقيادة محمد بن نور فقضى على الجميع وقتل الكثير واستولى على عُمان وضعفت شوكة أهل عُمان، ولا شك أن اللوم يقع على الجانبين العمانيين القحطاني والنزاري.
وكما هو الحال آخر دولة اليعاربة، فقد سيطر على المشهد السياسي زعماء القبائل، وفي مقدمتهم محمد بن ناصر الغافري وخلف بن مبارك الهنائي اللذان انقسمت عُمان بسببهما إلى طرفين غافري وهناوي، فالقبائل التي انحازت إلى الغافري أطلق عليها، غافرية، والتي انحازت إلى الهنائي أطلق عليها هناوية، وقد امتدت نيران هذا الانقسام أو هذه الفتنة من إمارات ساحل عمان شمالا إلى المهرة جنوبًا. (1/16)
صفحة 17
وفي هذا العصر توسع مفهوم أهل الحل والعقد عبر مجالس الشورى ليشمل كل من له تأثير اجتماعي، وهو توجه جيد لأنه يقوم على المشاركة الوطنية، ويدعم الوحدة الوطنية، وإذا كان المجتمع هو الذي يصنع أهل الحل والعقد، فإن أهل الحل والعقد هم الذين يصنعون الحاكم، وهو موضوعنا القادم. (1/17)
صفحة 18
الحكم الشوري
الحكم الشوري هو أن يأتي الحاكم بالاختيار والانتخاب من قبل أهل
الحل والعقد مجلس الشورى).
ويتم ذلك بالبيعة حيث يتقدم علماء الدين على البقية من أهل الحل والعقد على أن يكون في مقدمة الجميع كبير علماء عصره، فيبايع الحاكم، ثم يبايعه العلماء ثم بقية أهل الحل والعقد.
وتسمّى هذه البيعة بيعة الشورى لأنها تكون بعد الاختيار والانتخاب للحاكم، أي بعد أن يتشاوروا في من يكون حاكمًا.
وهناك بيعة أخرى هي بيعة الطاعة، وهي التي أحدثها الأمويون بدءًا من معاوية بن أبي سفيان.
وقد التزم الإباضية ببيعة الشورى، وهي التي سار عليها الخلفاء الأربعة بعد النبي صلى الله عليه وسلم وسار عليها الأئمة الإباضية شرقا وغربا وفي عُمان، وسمّي الحاكم المختار والمبايع شوريا إمامًا.
وهذه التسمية مأخوذة من الأمام وهي الجهة التي تكون في المقدمة، وذلك يعني أن الإمام يكون في مقدمة الرعية لقيادتهم حكمًا، وانقيادهم له طاعة. (1/18)
صفحة 19
وأريد من ذلك التفرقة بينه وبين أمير المؤمنين، أو الخليفة.
وجائز أن يتغير هذا اللقب إلى أي لقب آخر يعبر عن ولي الأمر، كالملك أو السلطان، أو الرئيس، أو الأمير، المهم في الأمر هو تحقيق العدالة بين الناس. على أن هناك عدة صيغ للبيعة، وهي وإن كانت مختلفة الألفاظ إلا أنها
متفقة المعنى.
ونختار من تلك الصيغ صيغة بيعة الإمام عزان بن قيس البوسعيدي
(1285 هـ ـ 1868 م الموافق 1287 هـ ـ 1871 م).
وهذه هي:
بسم الله الرحمن الرحيم، قد بايعناك على طاعة الله ورسوله، وعلى الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر، ونصبناك إمامًا علينا وعلى الناس على سبيل الدفاع، على شرط أن لا تعقد راية، ولا تنفذ حكمًا ولا تقضي أمرًا إلا برأي المسلمين ومشورتهم وقد بايعناك على إنفاذ أحكام الله تعالى، وإقامة حدوده، وقبض الجبايات وإقامة الجمعات، ونصرة المظلوم، وإغاثة الملهوف، وأن لا تأخذك في الله لومة لائم، وأن تجعل القوي ضعيفا حتى تأخذ منه حق الله، والعزيز ذليلا حتى تنفذ فيه حكم الله، وأن تمضي على سبيل الحق أو تفنى روحك فيه، وأن تعطينا على ذلك عهد الله وميثاقه لنا ولجميع المسلمين).
على ما كان يتم بموجبه تنصيب الحاكم سابقا.
أما في العصر الحالي الذي شهد تطورًا في عملية الشورى، وفي تنظيم
العلاقة بين الحاكم والمحكوم.
(1) تحفة الاعيان، ج 2، ص 247. (1/19)
صفحة 20
فإني أرى أن الدستور يغني عن البيعة، لأن البيعة والدستور كليهما يُحكمان العلاقة بين الحاكم والشعب.
وإذا كان رأي الفقه السياسي يقول: إن الرضى والتسليم يُغنيان عن البيعة، إلى حد أن اعتبرا أهم من البيعة، فمن باب الأولى اعتبار الدستور يقوم مقام
البيعة.
على أن وجود أهل الحل والعقد ووجود الحكم الشوري منطلقهما الشورى التي أمر الله بها في كتابه العزيز وسنة نبيه. وهو الموضوع القادم. (1/20)
صفحة 21
الشورى في الكتاب والسنة
في القرآن الكريم: سمّى الله بها سورة في القرآن الكريم، هي سورة الشورى وهي السورة رقم (42) حسب ترتيب المصحف الشريف، كما جاء ذكر الشورى في ثلاثة مواضع من القرآن فقد جاء ذكرها في الأمور العسكرية في قول الله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159].
وجاء في حياة السلم والاستقرار في قوله (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَوَةَ
وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَتَهُمْ يُنفِقُونَ} [الشورى: 38].
كما جاء ذكر الشورى في الحياة الإجتماعية في قوله تعالى {فَإِنْ أَرَادَا فصَالًا عَن تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} [البقرة: 233].
قال قتادة في قوله (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) أمر بمشاورتهم تأليفا لهم، وتطييبا
لأنفسهم.
وقال الضحاك «أمر بمشاورتهم لما علم منه من الفضل».
وقال الحسن البصري: «ليستن به المسلمون وإن كان عن مشورتهم
غنيا» (1).
(1) الجيطالي، إسماعيل بن موسى قناطر الخيرات، ج 3، ص 180. (1/21)
صفحة 22
على أن بداية الشورى تتمثل في المحاورة الرائعة الجميلة التي جرت بين رب العزّة له، وعظم سلطانه وبين ملائكته الكرام حول استخلاف أبي البشر آدم على هذه البسيطة حيث قال الله تعالى {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلتَبِكَةِ إِنِّي جَاعِلُ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَعَلَمَ ءَادَمَ الأَسْمَاءَ كُلَهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَبِكَةِ فَقَالَ أَنْبِتُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ قَالُوا سُبْحَنَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ. قَالَ يَتَنَادَمُ أَنْبِتْهُم بِأَسْمَاءِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُم بِأَسْمَاءِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} [البقرة: 30 - 33].
قال العلامة الزمخشري فإن قلت لأي غرض أخبرهم بذلك؟».
قلت: ليسألوا ذلك السؤال، ويجابوا بما أجيبوا به فيعرفوا حكمته في استخلافهم قبل كونهم صيانة لهم عن اعتراض الشبهة في وقت استخلافهم وقيل ليعلّم عباده المشاورة في أمورهم قبل أن يقدموا عليها وعرضها على ثقاتهم ونصحائهم، وإن كان هو بعلمه وحكمته البالغة غنيا عن المشاورة»).
أما السنة النبوية: فقد جاءت بالكثير من أمور الشورى، حيث استشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في معركة بدر الكبرى في السنة الثانية للهجرة بقوله أشيروا علي أيها الناس».
وقد أخذ برأي الحباب بن المنذر بن الجموح حول موقع المعركة، عندما قال له: الحباب يا رسول الله أرأيت هذا المنزل منزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة قال يا رسول الله فإن هذا ليس بمنزل فانهض بالناس
(1) الكشاف، ج 1، ص 271. (1/22)
صفحة 23
حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله، ثم نغوّر ما وراءه من القلب، ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد أشرت بالرأي فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الناس، فسار حتى إذا أتى أدنى ماء من القوم فنزل عليه، ثم أمر بالقلب فغورت وبنى حوضا على القليب الذي نزل عليه فملئ ماء ثم قذفوا فيه الآنية).
وشاور أصحابه في الخروج إلى أحد لملاقاة قريش في السنة الثالثة للهجرة، وكان يرى عدم الخروج ولكنه آثر رأي الأغلبية. وشاور علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد في قضية الإفك التي ابتليت بها أم المؤمنين السيدة عائشة بنت أبي بكر الصديق، بل ابتلي بها النبي صلى الله عليه وسلم لكونها أهله قال الله تعالى و إِنَّ اللَّذِينَ جَاءُو بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ أمْرِي مِنهُم مَّا أَكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبَرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ * لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِنَّكَ مُّبِينٌ) [النور: 11 - 12].
وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم كثير المشاورة لأصحابه، وقال أبو هريرة: «ما رأيت
أحدا أكثر مشورة لأصحابه من النبي (1).
كما كان للشورى وجودها في عهد الخلفاء الراشدين والصحابة الكرام رضوان الله عليهم وأول اجتماع شوري لهم بعد وفاة نبيهم كان يوم السقيفة وهي سقيفة بني ساعدة، وهم قبيلة من الخزرج من الأنصار ومنازلهم
بين سوق المدينة ودار بني ضمرة (3).
(1) سيرة ابن هشام، ص 296.
(2) رواة الترمذي.
(3) السمهودي، علي بن أحمد، وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى، ج 1، ص 165، دار الكتب
العلمية، لبنان. (1/23)
صفحة 24
والسقيفة هي بناء مسقوف على شكل صفة أو شبه صفة، وقيل إنها ظلّة
كانوا يجلسون تحتها (1) وتمخض ذلك التشاور المبارك عن اختيار أبي بكر الصديق خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ورئيسًا للدولة الإسلامية، بعد أن كاد الخلاف حول الخلافة يعصف بالكيان الإسلامي دولة ودعوة ولكن الله حفظ دينه بحزم الفاروق عمر ابن الخطاب، ثم بعزيمة أبي بكر لقتال أهل الردة، حتى استقام أمر الإسلام وبزل قوة بعد أن كان حقيرًا ضعيفًا كما عبّر عنه الفاروق.
وكان الخليفة عمر بن الخطاب كثير المشاورة فلا يكاد يفعل شيئا حتى يستشير أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندما كان خارجًا إلى الشام لقيه أمراء الأجناد بموضع بالشام يُسمّى سرعا، فأخبروه أن الوباء (الطاعون) وقع بأرض الشام، فاختلفوا، فقال بعضهم: خرجت لأمر ولا نرى أن ترجع ترجع عنه، وقال بعضهم: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء، فقال عمر: ارتفعوا عني قال ابن عباس (راوي الحديث) فقال عمر: ادع لي المهاجرين الأولين فدعوتهم فاستشارهم فاختلفوا، فقال بعضهم: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء، وقال بعضهم: خرجت لأمر ولا نرى أن ترجع عنه، فقال: ارتفعوا عني، ثم قال: ادع لي الأنصار فدعوتهم فاستشارهم، فسلكوا سبيل المهاجرين، واختلفوا كالاختلافهم، فقال ارتفعوا عني فارتفعوا ثم قال: ادع من كان هاهنا من مشيخة قريش ومن مهاجرة الفتح فدعوتهم فلم يختلف عليه منهم رجلان، فقالوا نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء، فنادى عمر في الناس: إني مصبح على ظهر فأصبحوا عليه، فقال أبو عبيدة: أفرارًا من
قدر الله يا عمر؟ فقال عمر لو غيرك قالها يا أباعبيدة، نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله.
(1) نفس المصدر، ج 4، ص 92. (1/24)
صفحة 25
قال ابن عباس: فجاء عبد الرحمن بن عوف، وكان متغيبا في بعض حاجته فقال: إن عندي من هذا علما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه.
قال: فحمد الله عمر، وأثنى عليه، ثم انصرف).
ولم تكن الأدبيات لدى الأمم والشعوب ومنهم العرب بمنأى عن التعبير عن أهمية الشورى الذي سيكون الموضوع القادم.
(1) الربيع بن حبيب، المسند، الحديث رقم (649). (1/25)
صفحة 26
الشورى في الأدبيات العربية
حفلت الأدبيات لدى الأمم والشعوب عامة ولدى العرب خاصة بأهمية الشورى في دنيا الناس، وحياة البشرية.
فجاءت أقوالهم شعرا ونثرا، حِكَمًا وأمثالًا، ومن ذلك، قول بشار بن برد:
إذا بلغ الرأي المشورة فاسْتَعِن برأي نصيح أو نصِيحَةِ حَازِمٍ
ولا تجعل السُّورَى عليك عَصَاصَةٌ فإن الخوَافِي قُوَّةٌ لِلْقَوَادِمِ
وقال أبو الطيب المتنبي:
رأي الفَتى لَيْسَ يُغنى عَن مشاورةٍ كعفة الخود لَا تُغنى عَن الرجل
وقال حافظ إبراهيم:
رأي الجماعة لا تشقى البلاد به رغم الخلاف ورأي الفرد يشقيها
وقال آخر:
خليلي ليس الرأي في صدر واحد أشيرا علي اليوم ما ترياني
وقال عمر بن عبد العزيز: «إن المشاورة والمناظرة بابا رحمة، ومفتاحا بركة لا يضل معهما رأي، ولا يفقد معهما حزم». (1/26)
صفحة 27
وقيل: «المشورة حصن من الندامة، وأمان من الملامة».
وقال بعض: «ما خاب من استخار ولا ندم من استشار».
وقال بعض آخر: من حق العاقل أن يضيف إلى رأيه آراء العقلاء، ويجمع إلى عقله عقول الحكماء، فالرأي الفذ ربما زل، والعقل الفرد ربما ضل» (1).
وينبغي أن يكون في المستشار خمس خصال:
الأولى: عقل كامل مع تجارب سابقة.
الثانية: دين وتقوى.
الثالثة: النصح والمودة.
الرابعة سلامة الفكر من هم قاطع وغم شاغل.
الخامسة: عدم وجود هدف خاص في الأمر المستشار فيه (2).
ولذلك قال لقمان الحكيم لابنه: «شاور من جرب الأمور، فإنه يعطيك من رأيه ما قام عليه بالغلاء، وأنت تأخذه مجانا (3).
وقال بعض الحكماء: «من أكثر المشورة لم يعدم عند الصواب مادحا، وعند الخطأ عاذرا، وإن كان الخطأ من الجماعة بعيدا» (4).
وقال ابن عباس: «الرجال ثلاثة رجل ونصف ولاشيء، فالرجل هو
(1) الماوردي، علي بن محمد بن حبيب البصري، أدب الدنيا والدين، ص 289.
(2) الجيطالي، إسماعيل بن موسى قناطر الخيرات، ج 3، ص 182.
(3) الماوردي، علي بن محمد بن حبيب البصري، أدب الدنيا والدين، ص 290.
(4) نفس المصدر. ن. ص. (1/27)
صفحة 28
المشاور في أموره، ونصف رجل، المشاور في بعض أموره، ولا شيء للذي لا يشاور» (1).
وقد أمر الإمام سلطان بن سيف (الأول) اليعربي ولاته وقضاته وعماله بأخذ المشورة من أهل الحل والعقد والعلماء وأهل الفضل قائلا: «ولا تتركوا مشورتهم في جميع أموركم، لئلا يقع بكم الخطأ، لأن عقل المرء لا يغني عن المشورة، ولو كان كذلك لما أمر الله نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام بالمشورة، وهو أرجح الناس عقلا بقوله: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عمتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159]».
وفي المنقول: لا صواب لمن ترك المشورة، ولا خطأ مع المشورة».
وكذلك قال الشاعر:
رأي الْفَتَى لَيْسَ يُعْنِي عَن مشاورةٍ كعفة الخود لا تُغنى عن الرجل
وكثير من هذا لا يخفى عليكم).
على أن الشورى والنصيحة يكمّل إحداهما الأخرى.
وسوف نبين ذلك في الموضوع اللاحق.
(1) الجيطالي، المصدر السابق. ن. ص.
(2) تحفة الاعيان ج 2 ص 52. (1/28)
صفحة 29
النصيحة
النصيحة قرينة الشورى أو الاستشارة، وإذا كانت الاستشارة هي طلب من المستشير، فإن النصيحة هي مبادرة من الناصح.
والنصح في اللغة فعل الشيء الذي فيه الصلاح، كما حكى الله ل عن النبي هود قوله إلى قومه أبْلَغُكُمْ رِسَلَتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَامِعُ أَمِينُ) [الأعراف: 68].
وقال تعالى حكاية عن النبي صالح: {فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَنقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لَّا تُحِبُّونَ النَّصِحِينَ} [الأعراف: 79]. وهو ما يعنيه قول الرسول صلى الله عليه وسلم الدين النصيحة، قلنا لمن؟ قال: الله
ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم.
قال الإمام أبو طاهر الجيطالي واعلم أن النصيحة مرّة لا يقبلها إلا أولو العزم، وكان عمر رحم الله يقول: «رحم الله عبدا أهدى إلي عيوبي).
وقيل: «أخوك من احتمل ثقل نصيحتك».
وجاء عن بعض الحكماء قوله: «ودّك من نصحك، وقلاك من مشى في
هواك».
(1) رواه مسلم.
(2) قناطر الخيرات، ج 3، ص 185. (1/29)
صفحة 30
وقال أبو العيناء:
النصحُ أرخص ما باع الرجال فلا تردد على ناصح نُضحًا ولا تَلُم
إِنَّ النصائح لا تخفَى مَناهِجُها على الرجال ذوي الألباب والفهم
وكان العلماء وأهل الحل والعقد يبعثون بنصائحهم إلى الأئمة والمسئولين كتابة أو مشافهة، ومن ذلك ما كتبه عدد من العلماء الذين كانوا
يمثلون أهل الحل والعقد في زمانهم وهم:
هاشم بن غيلان.
محمد بن موسي.
الأزهر بن علي.
العباس بن الأزهر.
موسى بن علي.
محمد بن علي.
- سعيد بن جعفر.
إلى الإمام عبد الملك بن حميد (207) - 226 هـ) قائلين له: وذلك إنا وإياك على دين وجبت فيه الحقوق علينا وعليك بحقوق مؤداة، فالحق علينا محض النصيحة في كل أمر وإن خالف فيه الهوى والحق عليك قبول ذلك، وإن استمر (1) وثقل حمله (2).
على أن كتابات العلماء وأهل الحل والعقد إلى الأئمة بالنصائح كثيرة،
(1) مر المذاق.
(2) الكندي محمد بن إبراهيم بيان الشرع، ج 68، ص 453. (1/30)
صفحة 31
وهي فيها الحث على المشورة وقبول النصائح والتهديد بالعواقب الوخيمة من جراء ترك ذلك، على أنّ تلك العواقب تؤدي أحيانًا إلى العزل من الحكم. أو الحكم بالبراءة في الدين في حال المخالفة وعدم الاستجابة إلى تلك
النصائح.
وقد علمت أن منتهى أهل الدين عندك ترك النصح والتولي عليها البراءة والفراق فعائدون بالله من تلك المنزلة والمصير إليها وقد رجونا أن لا يبلغ بنا الأمر إلى تلك المنزلة).
وقد كتب القاضي محمد بن عيسى السرّي إلى الإمام راشد بن علي: ومشورة المسلمين أهل العلم والورع فيما يعرض عليكم من الأمور وقد قال الله تعالى {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) [آل عمران: 159] ولا تعتدوا برأيكم، ولا تعجلوا في أموركم» (3).
ومن النصائح المهمة التي كان لها تأثير مبارك، نصيحة الوفد الإباضي للخليفة الراشد أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز الأموي وذلك أن الإباضية كونوا وفدًا وأرسلوه إلى ذلكم الخليفة الراشد، وكان الوفد مكونا من سبعة
أشخاص وهم:
1 ـ أبو الحر علي بن الحصين العنبري التميمي.
2 ـ الحتات بن كاتب الهميمي.
3 - جعفر بن السماك.
4 ـ سالم بن ذكوان الهلالي.
(1) المصدر نفسه، ن. ص.
(2) السير والجوابات لأئمة وعلماء عُمان، ج 1، ص 411. (1/31)
صفحة 32
ه - الحباب بن كليب.
6 - حاجب بن مودود الطائي.
- أبو سفيان قنير (1)
وعندما التقى الوفد بأمير المؤمنين كانت نصيحتهم له، وجوب تغيير
السياسة الأموية التي انتهجها خلفاء بني أمية في الحكم ظلما وجورا.
وبعد إلحاح منهم قال لهم: عليّ أن أحيي كل يوم سنة وأميت كل يوم بدعة، وطالبوه بترك لعن الخليفة الرابع علي بن أبي طالب، وكان معاوية بن أبي سفيان أمر بلعن علي على المنابر في خطب الجمعة» (2).
وكان عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز قد سمعهم ووافقهم على آرائهم وطرحهم، وقد وافت المنية عبد الملك أثناء وجود الوفد هنالك فأوكل إليهم أبوه غسله وتكفينه ففعلوا.
قال أبو سفيان محبوب بن الرحيل القرشي: «وأخبرنا مبارك حتات بن عن أبيه قال مات عبد الملك بن عمر ونحن يومئذ عنده فبعث إلينا عمر وقال: آلوا، صاحبكم قال ودخلنا لنغسله، قال: وجاء عمر ودخل فوضع له كرسي وجلس عليه، قال: فلما أخذنا في غسله ونزع ثيابه غشي عليه فوقع، فقال له بعض من معه يا أمير المؤمنين إن هذا ليس لك بمجلس، فلو خرجت إلى الناس فعزّوك وحدّثوك كان أرفق بك، قال: فخرج فغسلناه وكفناه وصلى عليه أبوه كم الله» (3).
(1) الدرجيني، أحمد بن سعيد طبقات المشايخ بالمغرب، تراجم.
(2) المسعودي، علي بن الحسين مروج الذهب، ج 3، ص 36 دار المعرفة، لبنان؛ وانظر ابن الأثير علي بن أبي الكرم الجزري الكامل في التاريخ، ج 4، ص 321، المكتبة التوفيقية، تحقيق خيري سعيد
(3) سيرة ابن، مداد ص،8 وزارة التراث والثقافة. (1/32)
صفحة 33
ومن النصائح الجميلة في التاريخ العماني، نصيحة العلّامة سعيد بن بشير الصبحي للإمام سيف بن سلطان (الثاني) اليعربي، عندما طلب منه الإمام زيادة راتبه عما كان مقررًا لآبائه وأجداده، وكان الشيخ الوالي سالم بن راشد البهلوي يناظر الشيخ الصبحي في الزيادة ويلح عليه في الموافقة، فقال العلامة الصبحي الذي كان رئيس الإفتاء والقضاء والمرجع الديني: لا بل فريضة آبائه لأن العاقدين الإمامة لجده الإمام ناصر بن مرشد رحم الله لم يألوا جهدًا، ولم يتركوا اجتهادا، ولو جاز لهم ذلك ووسعهم فوق الألف الذي جعلوه لما بخلوا عليه من الزيادة، ولو لكل يوم ألف، ولو جاز لهم ذلك لجاز للإمام قبوله منهم إذا صار العطاء المفروض في بيت مال الله، ولو جاز لهم ما اختاروه لجاز للإمام ما فرضوه، وأرجوا أنه أخذوا ما فعلوا تأويلا من قول الله ول: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: 67] والقوامه العدل بين الأمرين فخذها سيدنا فريضة هنية، وهبة بريه لا وبيّة خارجة على حكم التقية، ولا أعلم أن جدك الإمام سلطان بن سيف ولا جدك سيف، ولا عمك بلعرب، ولا أباك سلطان طلبوا ولا أخذ أحد منهم زيادة على ما مضى عليه إمامهم ناصر بن مرشد، وتلك فريضة كافيه ومات عليها الأسلاف، ولا أريد لك خلاف ما عليه السلف، فهذا اختياري والجهدة مني ولا خفت في أمرك لومة لائم، بل اخترت لك ما اختاره الله لمثلك من الأئمة، واختار المسلمون لهم ذلك نظرًا ومعونة
وموافقة لكتاب ربهم (1)
وكتب الشيخ العلامة سعيد بن أحمد الكندي إلى الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي ناصحا له وقد ذكرت تسأل وتناظر أن تستعين بأناس من قبائل أهل الخلاف من غير أهل عُمان، فلا يعجبنا ذلك، ولا تفتح لهم بابا على
(1) تحفة الاعيان، ج 1، ص 142. (1/33)
صفحة 34
أهل عُمان، وتدعوهم إلى نصرتك ومعونتك فإنهم لا تؤمن غوائلهم ومكرهم وخدائعهم، ولا ترجى منهم النصرة لهذا الدين وهم أعداؤه وحربه، وقد مكنت العداوة في قلوبهم لأهل هذا الدين أترجى منهم أن يخوضوا الفيافي والقفار، ويحتملوا المشاق والمضار، ويسافروا البر والبحار، ويجهزوا الأموال والأبشار، ويفارقوا الأهل والأصحاب، لنصرة من عاداهم في الدين، وإن كان مجيئهم وإجابتهم لدعوتك من قبل الأطماع وما تبذله لهم من المال، فعندنا أن ما تبذله لهم من المال، لا يقوم بما يغرمونه من أموالهم ولا يبيعون به أنفسهم للقتال، وإن لم تجد من أهل عُمان على غير الجبر، فكيف تجد من غيرهم إلا على طمع في سلطانك وملكك، فتفكر في ذلك وتدبر تدبر من أشفق على نفسه طالبا رضا الله، وانظر في أمر سيف بن سلطان وأتباعه، العجم وما تولد من أمورهم وصنيع حيلهم، فإن لمن تدبّر في ذلك وتفكر عظة عن غيره، ومن لم ينفعه قليل الحكمة ضرّه كثيرها (1).
ومن النصائح الجميلة ما قاله العالم الزاهد درويش بن جمعة المحروقي مذكرًا أهل عُمان بما هم فيه من النعمة حيث قال: ومن الله عليكم بإمام عادل رجل منكم حمى بلدانکم وآمن به سبلكم، وكثر به أموالكم وأصلح به أحوالكم انظروا هل ترون أو تسمعون في أرض الله مثل أرضكم هذه في هذه النعمة والراحة، هل أدركتم ذلك من سابقة لكم واستحقاق (3). وبما أن الشورى والنصيحة تسيران في خطين متوازيين يؤديان إلى محطة واحدة لتكون الشورى هي العنوان الأبرز في تكوين توأمة مع نظام الحكم، وهو موضوع حديثنا في الفقرة اللاحقة.
(1) الفكر والاعتبار، ص 81 دراسة وتحقيق: صالح بن سعيد الحوسني، مكتبة الضامري.
(2) هذه النصيحة تصلح الآن لمن يحاول العبث بأمن عُمان غير مقدر النعمة التي يعيشها البلد والمنجزات القائمة. (1/34)
صفحة 35
التوأمة بين الشورى والحكم
الشورى أساس من أسس الحكم في الإسلام، وهي الدعامة القوية التي تقوم عليها، أركانه، وقد اختلف الفقهاء حول مدى إلزاميتها للحاكم، فهل هي ملزمة؟ أم أنها غير ملزمة؟ أم أنها ملزمة في موضع وغير ملزمة في موضع
آخر؟
قال شيخ الإسلام والمسلمين خميس بن سعيد الشقصي الرستاقي: والمشورة فرض على الإمام في بعض القول، كان الإمام عالما أو ضعيفًا، وشدد المسلمون كثيرًا، وقال بعض إنها ندب فإذا اشترطها المسلمون على الإمام كانت فرضا واجبًا، فإن تركها زالت إمامته، وسقط عن الرعية طاعته» (1).
إذن هنالك أقوال ثلاثة: -
القول الأول: إنها واجبة.
القول الثاني: إنها مستحبة.
القول الثالث: على التفصيل، وهو أنه إذا اشترطها أهل الحل والعقد على الإمام كانت واجبة وإذا لم يشترطوها كانت مستحبة.
بَيْد أن المتتبع لفقههم وتاريخهم - أي الإباضية ـ يجد أن الإلزام هو
(1) منهج الطالبين، ج 8، ص 59، وزارة التراث والثقافة. (1/35)
صفحة 36
الغالب على أقوالهم والمعمول به في تاريخهم قال الإمام أبو المؤثر: والشورى حق في كتاب الله، فمن ردّها ردّ الحق، وقد قال الله تعالى {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَوَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْتَهُمْ يُنفِقُونَ} [الشورى: 38] فذكر فضل الشورى وبيّن الصلاة والزكاة» (1).
ولم يقرن الله الشورى مع الصلاة والاستجابة لله عزوجل وأهمية الإنفاق
الذي يشمل الزكاة، إلّا لكون الشورى مبدأ أصيلا من مبادئ الإسلام.
ولعله يعني بقوله هذا، كما أن الاستجابة والصلاة والزكاة حق واجب، فكذلك الشورى حق واجب لا يجوز تركة وردّه.
على أن الآية الكريمة التي استدل بها أبو المؤثر على كون الشورى حقا يجب اتباعه هي أيضا فيها مدح وثناء من الله على المتصفين بها، والقائمين بحقها، والعاملين على تطبيقها، ومن المقررات الشرعية في المذهب، أنه إذا مدح الله أمرًا يقتضي الأمر به فمدح الفعل أو مدح الفاعل أو ذكر الثواب على الفعل يقتضي الأمر بذلك الفعل (3).
وقال الشيخ الإمام محمد بن يوسف اطفيش: «وينبغي للإمام أن يشاور أهل الرأي في الدين فيما يخصه من المهم من أمور رعيته تأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم، مع أنه أكمل أصحابه رأيًا وعقلا ودراية، فإذا اجتمع الإمام وجماعة على شيء كان أصح من رأيه وحده» (3).
من ذلك كله يفهم أن وجوب الشورى في نظام الحكم، وإلزاميتها
للحاكم هو قول المذهب، أما القول بالاستحباب، أو القول بالتفصيل، وهو
(1) بيان الشرع، ج 68، ص 453.
(2) أطفيش، أبو اسحاق إبراهيم كتاب الوضع، ص 42. الهامش.
(3) شرح النيل، ج 14، ص 325. (1/36)
صفحة 37
على الوجوب إذا اشترطت، وعلى الاستحباب إذا لم تشترط، فهما قولان في
المذهب.
وينبغي أن نفرق بين قول المذهب الذي هو قول جمهور المذهب، وقول في المذهب الذي هو قول العالم واحد أو أكثر.
وبما أن كل نظرية لا بد لها من تطبيق وممارسة لتكون حكما من أحكام الشرع الشريف ومبدأ من مبادئه فإننا نتحدث عن ذلك في الفقرة القادمة. (1/37)
صفحة 38
الممارسة والتطبيق
طبق الإباضية مبدأ الشورى أو نظام الشورى في أماكنهم شرقا وغربا، ومارسوا حق الشورى مع نظام الحكم بكل شفافية ووضوح، قال ابن الصغير مؤرخ الدولة الرستمية ولما دخل أبو حاتم مدينة تاهرت جمع مشايخ البلد
إباضيتها وغير إباضيتها واستشارهم فيمن يولي قضاء المسلمين).
وكان الأئمة في عُمان يستشيرون العلماء في كل أمر يعرض لهم ومن ذلك ما فعله الإمام غسان بن عبد الله اليحمدي (192 ـ 207 هـ) فقد جمع
العلماء وسألهم عمن يقدم من بلاد الهند بتجارة، كيف يأخذ منه الزكاة؟.
فقالوا: إذا وصل عُمان وباع متاعه فخذ منه الزكاة من حينه، وإن لم يبع المتاع حتى حال عليه الحول، يقوّم متاعه كما يباع ثم خذ منه الزكاة سنة واحدة، وأما من يقدم من البصرة وسيراف بمتاع فلا تؤخذ منه الزكاة حتى يحول عليه الحول، وإذا حال عليه الحول أخذت منه باع أو لم يبع)
كما فعل الإمام عبد الملك بن حميد العلوي (207 ـ 226 هـ) الشيء نفسه فقد كتب إلى عدد من العلماء بالوصول إليه لمشاورتهم في أمر الأمور،
(1) أخبار الأئمة الرستميين، تحقيق: محمد ناصر وإبراهيم بحاز، ص 101.
(2) تحفة الأعيان، ج 1، ص 130. (1/38)
صفحة 39
فكتبوا إليه» وصل إلينا كتابك تذكر فيه وصولنا إليك في الأمر الذي قد عرفته وعرفناه (1).
وإذا لم يستجب الأئمة إلى الشورى والنصائح من قبل العلماء وأهل الحل والعقد فإن مصيرهم الخلع والعزل.
كما حدث للإمام محمد بن أبي عفان (177) - 179 هـ) عندما لم يستجب لمشورة العلماء وأهل الحل والعقد فإنهم قاموا بعزله، وكان على رأسهم شيخ المسلمين ومرجعهم في الدين موسى بن أبي جابر الأزكوي.
قال الشيخ سرحان الأزكوي: فظهرت منه أحداث لم تعجبهم، وبلغني: إن الذي أنكروه عليه جفوته للمسلمين وردّه للنصائح والله أعلم، فلم يرضوا سيرته فعملوا له حيلة وأخرجوه من عسكر نزوى، فلما خرج اجتمعوا فاختاروا إمامًا وعزلوا محمدا» (2).
كما تم عزل الإمام بلعرب بن سلطان اليعربي (1090 ـ 1104 هـ).
قال الشيخ علي بن مسعود المحمودي المنحي: «فالذي عندنا وما نحن عليه منه مما حفظناه وعايناه ممن حضر عزل الشيخ بلعرب بن سلطان وعقدهم الإمامة لأخيه سيف بن سلطان رحم الله مع اتفاق منهم في ذلك، والتراضي به إمامًا للمسلمين بعد عزل أخيه من الإمامة، ولأن للمسلمين عزل إمام الدفاع طائعا أوكارها إذا ارادوا ذلك، ولو كان عزله على غير فعل منه مما يخرج من الإمامة» (3).
(1) بيان الشرع، ج 68، ص 442.
(2) الأزكوي سرحان بن سعيد، كشف الغمة، ج 3، ص 119، ط 2، وزارة التراث والثقافة،
تحقيق: محمد حبيب صالح ومحمود السليمي.
(3) البطاشي، سيف بن حمود اتحاف الأعيان، ج 3، ص 405. (1/39)
صفحة 40
وقد عزل أيضا الإمام سيف بن سلطان (الثاني) اليعربي (1140 - 1145 هـ).
قال نور الدين السالمي: «فإن سيف بن سلطان لبث ما شاء، تم 1 أحداثًا لا يرضاها المسلمون فعزلوه، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»).
وقد أعيد مرة ثانية إلى الإمامة سنة 1150 هـ وعزل في 1154 هـ.
قال نور الدين السالمي: ثم ظهرت منه أحداث لم يرضها المسلمون، ولا رضوا مبدأ أمره ولا منتهاه، ووضع الخراج على الرعية، واتفقوا على غيره، فنصبوا سلطان بن مرشد» (2)
وتم عزل الإمام بلعرب بن حمير اليعربي آخر الأئمة اليعاربة
(1156 ـ 1161 هـ).
قال الشيخ حبيب بن سالم أمبوسعيدي: «فاعلم علما يقينا إني خالعك والشيخ سالم بن راشد البهلوي، والشيخ راشد بن سعيد الجهضمي، والشيخ محمد بن ناصر الحراصي والشيخ محمد بن عامر، والشيخ محمد بن خلف، والشيخ غانم بن عامر، والشيخ بجاد بن سالم (3).
وهكذا كان الأمر في مواطن الإباضية الأخرى كالبلاد المغاربية حيث
الدولة الرستمية في تاهرت بشمال افريقيا وفي بلاد حضرموت باليمن.
والأصل أن يطلب من الإمام الاعتزال فإن أبى فإنه يعزل من قبل أهل
الحل والعقد.
وبما أن لكل فكر فلسفة توضح مفهومه، فإن فلسفة الشورى هي ما نذكره
في الفقرة اللاحقة.
(1) تحفة الأعيان، ج 2، ص 141.
(2) نفس المصدر، ص 149.
(3) نفسه المصدر السابق، ص 166. (1/40)
صفحة 41
فلسفة الشورى
وإنه مما ينبغي أن يتوجه إليه الانتباه في عملية الشورى أو المشورة فكرًا وتطبيقيًا، مبدأ ونظاما، أنها تجب بين ركني نظام الحكم (الحاكم) - أهل الحل والعقد في القضايا الكبرى، والأمور المصيرية التي تهم الأمة، أما تنفيذ الأحكام، والأمور الإدارية اليومية، فليست هناك حاجة إلى الاستشارة فيها، وإلا لتعطل الكثير من مصالح الناس، ولكانت هنالك عراقيل تؤدّي إلى تعطيل الأعمال، وهذا هو الذي أفتى به الإمامان الربيع بن حبيب الفراهيدي، وأبو غسان مخلد بن العمرد البصري. نظام الحكم المتمثل في الدولة الرسمية على عهد الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن الرستمي (172 - 208 هـ)، عندما أراد أحد أعضاء مجلس الشورى الذي كونه الإمام عبد الرحمن بن رستم الفارسي (160 - 172 هـ) اقتداء بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب الذي رشح ستة من الصحابة الكرام ليختاروا واحدًا منهم يكون
خليفة من بعده وأولئكم الستة هم:
1 - عبد الرحمن بن عوف.
2 ـ عثمان بن عفان.
ـ علي بن أبي طالب.
ـ سعد بن أبي وقاص. (1/41)
صفحة 42
ه - طلحة بن عبيد الله.
6 - الزبير بن العوام.
وجعل معهم ابنه عبد الله بن عمر حاكمًا مؤقتاً مدة المهلة التي هي ثلاثة أيام ولإبداء الرأي فقط دون أن يكون له حظ في تولي منصب الخلافة، وأمر صهيبا الرومي أن يصلي بالناس في الأيام الثلاثة، وجعل إلى أبي طلحة زيد بن سهيل الأنصاري الخزرجي في خمسين رجلا من الأنصار أمر استعجالهم على الاتفاق بأن لا تمضي ثلاثة أيام إلا وقد اتفقوا على رجل منهم، وقال لهم: إن اجتمع خمسة وخالف واحد فاقتلوه وكذلك إن خالف الثاني واجتمع أربعة، وإن افترقوا فئتين فكونوا في الفرقة التي فيها عبد الرحمن بن عوف وإن أبت الفرقة الأخرى الدخول فيما اجتمع عليه المسلمون فاقتلوهم، وأخرج عبد الرحمن بن عوف نفسه من الستة ليختاروا واحدا من الخمسة فاجتمعوا وظلوا ثلاثة أيام يبحثون الأمر ويتشاورون فيه، ثم بايع عثمان بن عفان (1).
أما الستة الذين رشحهم الإمام عبد الرحمن بن رستم فهم:
1 - مسعود الاندلسي.
2 - عبد الوهاب بن عبد الرحمن الرستمي.
3 ـ أبو قدامة يزيد بن فندين اليفرني.
4 ـ مروان الاندلسي.
ه ـ سعدوس بن عطية أبو الموفق.
6 ـ شكر بن صالح الكتامي.
(1) المسعودي، علي بن الحسين التنبية والاشراف، ص 268. (1/42)
صفحة 43
وذلك لاختيار واحد من هؤلاء الستة يكون إماما بعد وفاته، غير أنه بعد أن تم اختيار عبد الوهاب بن عبد الرحمن الرستمي إماما، كان هنالك اعتراض من يزيد بن فندين اليفرني، وكان ذلك الاعتراض في صورة شروط اشترطها على الإمام عبد الوهاب، وهي أن لا يقطع أمرا من الأمور، ولا ينفذ
حكما، ولا يقيم حدا من حدود الله إلا بحضور وموافقة أهل الحل والعقد.
فرفعوا الأمر إلى أئمة المذهب بالمشرق وصادف الوفد المغاربي الإمامين الربيع بن حبيب الفراهيدي وأبا غسان مخلد بن العمرد البصري في مكة لأن الوقت كان موسم حج.
فكانت فتواهما بأن العقد صحيح، أي الإمامة صحيحة والشرط باطل، وأنه لوصح ذلك الشرط لما قطعت يد سارق، ولا رجم زان، ولا أقيم حد من حدود الله، ولا كان هناك أمر أو نهي فتضيع بذلك الأحكام، وبالتالي فإنهم يصيرون كلهم أئمة.
وهذا نص الفتوى: «فقد اتصل بنا ما وقع قبلكم وما كتبتم فيه، فأما ما ذكرتموه من أمر الشرط فليس من سيرة المسلمين أن يجعلوا في الإمامة شرطا أن لا يقطع الإمام أمرا دون جماعة معلومة، الإمامة صحيحة والشرط باطل، فلو صح في الإمامة الشرط لما قام، حق ولا أقيم الله حد، ولبطلت الحدود والأحكام، وضاع الحق، والجماعة يتعذر اتفاقها، على أن الإمام إن قدم إليه سارق فلا يمكنه أن يقيم عليه الحق فيقطع يده حتى تحضر الجماعة، ولا يجاهد الإمام عدوا، ولا ينهى عن منكر إلا بحضرة الجماعة فيكونوا كلهم إذن إماما وكلهم لا إمام، فهذا إبطال وتتبعه غير الاستقامة، ورمي الإمامة به، بغي والسؤال عن هذا غيّ، وأما ما ذكرتم من تولية رجل وفي جماعة المسلمين من هو أعلم منه، فذلك جائز إذا كان مستكملا لشروط الإمامة، وكان من أهل الفضل في الدين والعدل والسياسة والمنزلة المرضية، (1/43)
صفحة 44
وقد ولي أبو بكر الصديق الله، وزيد بن ثابت أفرض منه، وعلي أقضى منه، و معاذ بالحلال والحرام أعرف منه، وأبي بكتاب الله أقرأ منه كل شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، ومع هذا فلم يكن أحد منهم أولى أولى منه بالإمامة، فالجواب إثبات الولاية وإبطال الشرط ولو انعقد عليه وتخطئة من اختلقه
وأحله غير محله.
وذكر أبو العباس أحمد بن سعيد الدرجيني، أن مما تضمنه جوابهم: إن الإمامة لا تبطل إلا بحدث في الإمام بعد الإعذار والإنذار، وتمادي المحدث على الإصرار والاستكبار، فحينئذ يجب القيام عليه، وإبطال ما صار من أمر المسلمين إليه» (1).
وبناء على ما تقدم من أعمال الشورى فكرًا وتطبيقا، نظرية وحكما، مبدأ ونظامًا، يأتي تطور الشورى في السلطنة في هذا العهد الذي هو عصر النهضة وهو موضوع حديثنا في الفقرة القادمة.
(1) طبقات المشايخ بالمغرب، ج 1، ص 49، تحقيق: ابراهيم طلاي الطبقة الأولى، الجزائر. (1/44)
صفحة 45
تطور الشورى في عصر النهضة
كانت البداية هي مجلس الزراعة والأسماك والصناعة، فقد تم إنشاء هذا المجلس سنه،1979 م، وعهد إليه بدراسة القوانين والأنظمة السارية، وقد تكوّن من (12) عضوًا تم تعيينهم من قبل جلالة السلطان المعظم وهم من فئتين:
الفئة الأولى تم تعيينهم بحكم مناصبهم.
الفئة الثانية من القطاعات الثلاثة (الزراعة، والأسماك، والصناعة).
وقد تطور هذا المجلس إلى المجلس الاستشاري للدولة الذي أنشيء سنة 1981 م، وكان مكونا من (45) عضوا بالتعيين من جلالة السلطان المعظم ويمثلون القطاعين الحكومي والأهلي.
وكان بديلا عن مجلس الزراعة والأسماك والصناعة.
وكتطور العملية الشورى فقد تم إنشاء مجلس الشورى سنه 1991 م كبديل عن المجلس الاستشاري للدولة.
وقد أخذ مجلس الشورى في التدرج من حيث عدد أعضائه وتوس
صلاحياته وتعدد نشاطاتة.
وقد بدء تعيين أعضائه بالترشيح، حيث إن كل ولاية ترشح ثلاثة أشخاص من أهلها، وليتم بعد ذلك اختيار مرشح واحد من قبل الحكومة ليكون عضوا من أعضاء مجلس الشورى. (1/45)
صفحة 46
وفي عام 2003 م شهد مجلس الشورى تطورا آخر، حيث كان الانتخاب بدلا من الترشيح، فصار المواطنون ينتخبون ممثليهم انتخابا حرًا لا تتدخل فيه الحكومة.
وقد مرّ هذا المجلس الانتخابي بتطورات في صلاحياته وآليات عمله، كما أن آليات الانتخاب صاحبها هي الأخرى تطوير وذلك لرفع كفاءة أعضائه. أما الحدث الأبرز فهو يتمثل في إنشاء مجلس عمان سنه 1996 م الذي يضم مجلس الشورى المذكور ومجلس الدولة الذي يتم تعيين أعضائه
بالتعيين من قبل جلالة السلطان المعظم) (1).
وتشهد السلطنة هذا العام انتخابات أعضاء مجلس الشورى للدورة
التاسعة، حيث الاستعدادات قائمة على قدم وساق لإنجاز ذلك.
وشيء رائع وجميل أن أختم هذا البحث بشيء من كلام جلالة السلطان المعظم من خطبته في افتتاح مجلس عمان سنه 1997 م، فقد استهل خطبته حفظه الله بالقول: «في هذا اليوم الميمون المبارك نفتح باسم الله وتوفيقه مجلس عمان الذي يتكون من مجلسين مجلس الشورى، وقد كان تجربة رائدة أثبتت نجاحها خلال الفترة الماضية، ومجلس الدولة الذي نأمل أن يكون لبنة أخرى قوية راسخة في بنيان المجتمع العماني، تعزز مما تحقق من منجزات، وتؤكد ما رسمناه من مبادئ ومن بينها إرساء أسس صالحة لترسيخ دعائم شورى صحيحة نابعة من تراث الوطن وقيمه وشريعته الإسلامية، معتزة بتاريخه، آخذة بالمفيد من أساليب العصر وأدواته» (2). وإذا كان لكل شيء بداية فإن له خاتمة وهي الفقرة القادمة والأخيرة في
بحثنا هذا.
(1) الشكيلي، سالم بن سليمان النظام السياسي والدستوري في سلطنة عمان، ص 338.
(2) كلمات وخطب حضرة صاحب الجلاله السلطان قابوس بن سعيد المعظم، ص 391، وزارة الإعلام. (1/46)
صفحة 47
الخاتمة
هذا ما تيسر طرحه في موضوع الشورى ومدى إلزاميتها للحاكم، وعلى اعتبارها أنها تحتل أحد ركني نظام الحكم في الإسلام، وهذا هو ما أخذت به الدول المعاصرة في العالم، بصورة عامة، وفي العالم العربي والإسلامي
بصورة خاصة، والتي لم تأخذ به من الدول حتى الآن فإنها متجهة إليه.
على أن تقسيم الدولة إلى ثلاث سلطات تشريعية، وقضائية، وتنفيذية هو ما تمخض به مبدأ الشورى أو نظامها، ولذلك عمدت الدولة العاملة بالشورى إلى إنشاء مجالس للشورى لمناقشة الأوضاع الحيوية، ولمراقبة أداء الحكومات.
ونسأل الله للجميع التوفيق والصلاح.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
أحمد بن سعود السيابي
مسقط العامرة
15 رمضان 1440 هـ ـ 2 مايو 2019 م (1/47)
صفحة 48
فهرس المحتويات
المقدمة
الشورى لغة واصطلاحًا.
دور السبلة في الشورى.
مجالس الشورى. 12
أهل الحل والعقد. 13
الحكم الشوري. 18
الشورى في الكتاب والسُّنَّة. 21
الشورى في الأدبيات العربية. 26 .....
النصيحة. 29
التوأمة بين الشورى والحكم
الممارسة والتطبيق
فلسفة الشورى. 41
تطور الشورى في عصر النهضة. 45
الخاتمة (1/48)