صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: فقه
------------------------------------------
العنوان: العنوان في الكلام على عدم سماع الدعوى بمرور الزمان
المؤلف: زهران بن ناصر بن سالم البراشدي
الناشر: مكتبة الجيل الواعد
مكان النشر: [سلطنة عمان]
تاريخ النشر: د.ت
الطبعة: 2
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/670
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 24 شعبان 1446ه/ 23 - شهر 02 - 2025م. العنوان
في الكلام على عدم سماع الدعوى بمرور الزمان
العبد الراجي عفو ربه
زهران بن ناصر بن سالم البراشدي
القاضي بالمحكمة العليا مسقط
مكتبة الجيل الواعد (1/1)
صفحة 2
العنوان
في
الكلام على عدم سماع الدعوى بمرور الزمان
تأليف
العبد الراجي عفو ربه
زهران بن ناصر بن سالم البراشدي
معدة هذه النسخة
للطبعة الثانية (1/2)
صفحة 3
ح الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه والتابعين.
وبعد: فلما كان دابُ الحياة الاختلافُ والتباين في الأفكار والأهداف، والتشاح في الحقوق والواجبات والأعراف؛ كان لابد أن يكون من بين الناس من هو طالب ومطلوب وظالم ومظلوم ومحق ومبطل، وكان لا بد من فصل الخصام بين الأطراف، وجمعِ الشمل وتقريب الرأي ونصر المظلوم حتى يأخذ حقه، والظالم حتى يرجع عن غيه، وإلا لضاعت الأمور، واعتدى الناس بعضهم على بعض في
شتى المجالات.
وسمي الطالب مدعيا والمطلوب: مدعى عليه والقائم بالفصل حاكما وقاضيا وإماما وسلطانا ومصلحا إلى غير ذلك.
ولما كان من الدعاوى ما هو مسموع وما هو مرفوض وما هو ساقط وموقوف إلى غير ذلك من أنواعها كان لابد أوَّلاً من معرفة ذلك وبيانه؛ حتى يكون الناس على بصيرة من أمرهم من حاكم ومحكوم وطالب ومطلوب.
وفي أثناء صياغة مشروع القانون المدني ولما كنت أحد من في لجنة الصياغة وكان من ضمن المواد المقترحة تحديد مدة معينة لسماع الدعوى على أن يكون المدعي بعد انتهائها غير مسموع الدعوى لدى المحاكم إن فوت الوقت على نفسه (1/3)
صفحة 4
دون عذر مقبول، وكانت مواد المشروع لابد من أن تتطرق لذلك؛ لأجل استقرار المعاملات والنأي بالأحكام - مع كثرة المحاكم وتعدد القضاة مع اختلاف المشارب والأفكار - عن التباين والتناقض والاضطراب ... الخ.
كان لزاما عليَّ مع قلة زادي وضعف فهمي أولا: سَبر أغوار الفقه الإسلامي وأدلته، والرجوع إلى ما قاله فقهاء الإسلام قديما وحديثا عن عدم سماع الدعوى
بمرور الزمان؛ كي تكون مواد المشروع متفقةً مع الحكم الشرعي وملائمة للعصر أعددت أن ذاك مذكرة في الكلام) على عدم سماع الدعوى بمرور الزمان) مبينا الفرق بين عدم السماع وبين عدم سقوط الحق.
وبعد الانتهاء من المشروع أهملتُ ذلك في الأجهزة الحاسوبية كون الورقة لا تغني الباحث ولا ترد الناكث؛ لصغر حجمها وقلة زاد صاحبها ومضت الأيام والسنون والأعوام وتغيرت الأجهزة عندي عدة مرات وفي هذه الأيام بحثني عن الموضوع أحد المشايخ الأعلام الذين لهم الحق عَلَيَّ واستفدت منهم الشيء الكثير، فشجعني سؤاله إلى الكَرَّةِ مرة أخرى.
6
6
وقلت لعل في ذلك فائدة وفي إعادة الكرة مصلحة رائدة؛ لي ولسائر محبي الاطلاع، وبحثت عن تلك الورقة في الأجهزة وما وجدته متبقيا منها لم يفن جمعته هنا وأضفت بعض الأشباه والأمثلة عليه ولعل في إظهاره إلى الوجود - إن قدر الله له ذلك - فائدةً للمقصود، وعسى أن يفي بشيء من الموضوع ولا يزال بحاجة إلى إعادة ترتيب وتنسيق، وقد عنَّ لي (الآن أن أُسمّيه (العنوان، في الكلام على عدم
سماع الدعوى بمرور الزمان
1 - "عَنَّ يَعِنُّ ويعُن، عَنّاً وعُنُوناً، إذا اعترض وعن له الشيء عنا وعنونا ظهر أمامه واعترض، يقال: لا أفعله ما عَنَّ نجم في السماء، ويقال: عنَّ لي الأمر، وقد عَنَّ هذا بفكري، أي اعترض. المعجم
الوسيط، الخليل: العين الجمهرة لابن دريد. مادة: ع - ن - ن. (1/4)
صفحة 5
وبالله التوفيق وعليه التكلان وهو حسبي ونعم الوكيل والحمد لله رب العالمين وصلى الله على النبي المصطفى والحبيب المجتبى محمد بن عبد الله بن عبد المطلب وعلى آله وصحبه ومن والاه، أهل الحق والوفاء، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وأول ما أبدأ به التعريف (1/5)
صفحة 6
تعريف الدعوى
الدعوى بفتح الواو وكسرها لغةً: الطلب والتمني، ومنه قوله تعالى: {وَلَهُمْ مَا
يَدَّعُونَ (57) يس.
وجمعها دَعاوى ودَعاوِي، وفتح الواو أولى؛ لأنَّ العَرَبَ أَثَرَتِ التَّخْفِيفَ فَفَتَحَتْ وحافَظَتْ على أَلِفِ التَّأْنِيث الَّتِي بُنِي عَلَيْهَا المفردُ. وَهُوَ المفهوم من كلام أبي العباس أَحْمَد بن وَلاد. ولفظه وما كان على فعلى بالضم أو الفتح أو الكسر فجمعه الغالب الأكثر
-1
أحمد بن محمد بن الوليد بن ولاد أبو الحسن النحوي البغدادي المتوفى: سنة 332، اثنتين وثلاثين وثلاثمائة سكن مصر وحدث بها عن المبرد. من مؤلفاته: كتاب المقصور والممدود. انظر الوافي بالوفيات للصفدي ج 8 ص 49 و 27 ص 262، السيوطي بغية الوعاة 1 ص 395 ترجمة 784، المدارس النحوية ص: 329، لأحمد شوقي عبد السلام ضيف الشهير بشوقي ضيف المتوفى: 1426 هـ الناشر: دار المعارف عدد الأجزاء: 1 وهو مذيل بالحواشي، الرد على النحاة ص: 104، لأحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن مَضَاء، بن عمير اللخمي القرطبي أبو العباس المتوفى: 592 هـ، دراسة وتحقيق الدكتور محمد إبراهيم البنا الناشر: دار الاعتصام الطبعة: الأولى، 1399 هـ - 1979 م شرح سنن النسائي: ذخيرة العقبى في شرح المجتبى 321/ 18، لمحمد بن علي بن آدم بن موسى الإثيوبي الوَلَّوِي. المصباح المنير في غريب الشرح الكبير لأحمد بن محمد بن علي المقري الفيومي 1951. تاج العروس من جواهر القاموس 52/ 38، مادة (دعو) (1/6)
صفحة 7
V
فعالى بالفتح وقد يكسرون اللام في كثير منه.
وقال بعضهم: الكسر أولى، وهو المفهوم من كلام سيبويه؛ لأنه ثبت أنَّ ما بعد ألف الجمع لا يكون إلا مكسورا، وما فتح منه فمسموع لا يقاس عليه؛ لأنه خارج عن القياس.
قال ابن جني: قالوا حُبلى وحُبالى بفتح اللام، والأصل حبالي بالكسر مثل: دعوى ودعاوي.
أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي النحوي المشهور؛ كان إماماً في علم العربية، قرأ الأدب على الشيخ أبي علي الفارسي وفارقه وقعد للإقراء بالموصل، فاجتاز بها شيخُه أبو علي فرآه في حلقته والناس حوله يشتغلون عليه، فقال له تزببت وأنت حصرم، فترك حلقته وتبعه ولازمه حتى تمهر. وكان أبوه جني مملوكاً رومياً لسليمان بن فهد بن أحمد الأزدي الموصلي، وإلى هذا أشار بقوله في جملة أبيات:
فإن أصبح بلا نسب ... فعلمي في الورى نسبي على أني أؤول إلى ... قروم سادة نجب
قياصرة إذا نطقوا ... أرَم الدهرُ ذو الخطب
أولاك دعا النبي لهم ... كفى شرفاً دعاء نبي
و" أرَمَّ" بمعنى سكت أرَمَّ الدهرُ، سكت، ولابن جني من التصانيف المفيدة في النحو كتاب " الصناعة " و " المنصف في شرح تصريف أبي عثمان المازني " و " التلقين في
"1
الخصائص " و " سر
النحو " و " التعاقب " و " الكافي في شرح القوافي " للأخفش، و " المذكر والمؤنث " و " المقصور والممدود " و " التمام في شرح شعر الهذليين " و " المنهج في اشتقاق أسماء شعراء الحماسة " ومختصر في العروض ومختصر في القوافي و " المسائل الخاطريات " و " التذكرة الأصبهانية " و " مختار تذكرة أبي علي الفارسي " وتهذيبها و " المقتضب " في المعتل العين و " اللمع " و " التنبيه " و " المهذب " و " التبصرة " وغير ذلك، ويقال: إن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي أخذ منه أسماء كتبه، فإن له " المهذب " و " (1/7)
صفحة 8
8
وقال ابن السكيت قالو يتامى، والأصل يتائم، فقلب ثم فتح للتخفيف. وقال ابن السراج وإن كانت فعلى بكسر الفاء ليس لها أفعل مثل: ذفرى؛ إذا كسرت حذفت الزيادة التي للتأنيث ثم بنيت على فعال، وتبدل من الياء المحذوفة ألف أيضا فيقال: ذفار وذَفارى، وفَعلى بالفتح، مثل: فعلى، سواء في هذا الباب؛ أي لاشتراكهما في الاسمية وكون كل واحدة ليس لها أفعل، وعلى هذا فالفتح والكسر في الدعاوى سواء، ومثله الفتوى والفتاوى والفتاوي
ثم قال ابن السراج: قال يعنى سيبويه قولهم ذفار؛ يدلك على أنهم جمعوا هذا الباب على فعال؛ إذ جاء على الأصل ثم قلبوا الياء ألفا أي: للتخفيف؛ لأن الألف أخف من الياء ولعدم اللبس لفقد فعالل بفتح اللام.
وقال الأزهري: قال اليزيدي: يقال لي في هذا الأمر دعوى ودعاوى، أي مطالب، وهي مضبوطة في بعض النسخ بفتح الواو وكسرها معا.
التنبيه " في الفقه، و " اللمع " و " التبصرة " في أصول الفقه وغيرها. وشرح ابن جني ديوان المتنبي وسماه الفسر، قال ابن جني في شرحه سأل شخص أبا الطيب المتنبي عن قوله: -
باد هواك صبرت أم لم تصبرا ... فقال: كيف أثبت الألف في " تصبرا " مع وجود لم الجازمة، وكان من حقه أن يقول: "لم تصبر "، فقال المتنبي: لو كان أبو الفتح هاهنا لأجابك، يعنيني، وهذه الألف هي بدل من نون التأكيد الخفيفة، كان في الأصل " لم تصبرن " ونون التأكيد الخفيفة إذا وقف الإنسان عليها أبدل منها ألفاً، قال الأعشى: ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا وكان الأصل فاعبدن فلما وقف أتى بالألف بدلاً. وفيات الأعيان (3/ 245 فما بعدها المؤلف: أبو العباس شمس الدين أحمد محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلكان البرمكي الإربلي (المتوفى: (681 هـ) المحقق: إحسان عباس الناشر: دار صادر - بيروت. وانظر: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد الذهبي "سير أعلام النبلاء" المحقق: مجموعة محققين بإشراف شعيب الأرناؤوط الناشر: مؤسسة الرسالة.
بن (1/8)
صفحة 9
9
وفي الحديث لو أعطي الناس بدعاويهم لاستحل رجال دماء رجال وأموالهم ولكن البيّنة على المدَّعي، واليمين على من أنكر
وهذا منقول وهو جار على الأصول خال عن التأويل بعيد عن التصحيف، فيجب المصير إليه وقد قاس عليه ابن جني كما تقدم.
وتداعى البنيان تصدع من جوانبه وأذن بالانهدام والسقوط وتداعى الكثيب من الرمل إذا هيل فانهال وتداعى الناس على فلان تألبوا عليه. وتداعوا بالألقاب دعا بعضهم بعضا بذلك.
والتداعي أن يدعو بعضهم بعضا، ودعوت فلانا ناديته وهو داع وهم دعاة وقول عمر رضي الله تعالى عنه: "إنما بعثناك داعيا " 2
1 - والحديث بتمامه أخرجه مسلم وغيره، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لو أعطي الناس بدعاويهم ... " وسيأتي بعدة ألفاظ ومن عدة طرق إن شاء الله، وانظر ما بعده وشروط الدعوى الصحيحة من هذا البحث المتواضع.
-2
روى ابن أبي شيبة عن حنظلة قال: شهدت عمر في رمضان وقرّب إليه شراب فشرب بعض القوم وهم يرون الشمس قد غربت ثم ارتقى المؤذن فقال: يا أمير المؤمنين والله إن الشمس طالعة لم تغرب فقال عمر: من كان أفطر فليصم يوما مكانه ومن لم يفطر فيتم صومه حتى تغرب الشمس وزاد من طريق آخر فقال له إنما بعثناك داعيا ولم نبعثك راعيا وقد اجتهدنا وقضاء يوم يسير" وفي (المبسوط) في حديث عمر بعدما أفطر وقد صعد المؤذن المأذنة قال: الشمس يا أمير المؤمنين. قال: بعثناك داعيا ولم نبعثك راعيا ما تجانفنا الإثم وقضاء يوم علينا يسير." أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه 3 ص 24 ح 9145 وابن خزيمة في صحيحه ج 3 ص 239. وانظر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري 11 ص 69، نصب الراية لأحاديث الهداية مع حاشيته بغية الألمعي في تخريج الزيلعي 2/ 469 شرح فتح القدير 373/ 2، المبسوط للسرخسي 56/ 3، البناية شرح الهداية 102/ 4، والعناية ج 2 ص 373 وانظر: تطبيقات القواعد للباحث ج 3 ص 260 فما بعدها "في: من ظن أنَّ الشمس قد غربت فأكل ثم تبين أنَّ الشمس لم تغرب" (1/9)
صفحة 10
10
ومصدرها ادعاء، وألفها للتأنيث؛ ويقال: دعوى فلان كذا: أي قوله كذا. وفي التنزيل العزيز: (فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ) (5) الاعراف: أي: قولهم أو ادعاؤهم.
و"الدعوى" هنا تختلف عن "الدعوة" بتاء التأنيث فـ"الدعوى" من الفعل الرباعي: إدعى يدعي ادعاء، وجمعها دعاو ودعاوي ودعاوى؛ كما مر، وهو مدع وهما مدعيان وهم مدعون، وهي مدعية وهما مدعيتان وهن مدعيات وهكذا. أمَّا "الدعوة" فالفعل منها دعا يدعو دعوةً وجمعها دعوات فهو داع وهما داعيان وهم داعون وهما داعيتان وهن داعيات وهكذا. و"الدّعْوَةُ: بكسر الدال ادّعاء الولد الدّعي غير أبيه، ويدعيه غير أبيه. قال
الشاعر:
ودِعْوَة هارب من لُؤْمِ أصل ... إلى فخلٍ لغير أبيه حوب.
يقال: دَعِي بَيِّنُ الدِّعْوَة. والادعاء في الحرب: الاعتزاء.
و"الدعوى " اصطلاحا: طلب الانسان حقا على الغير عند الحاكم. سواء أكان
هذا الحق له أو لمن يقوم مقامه.
له. 1
وشرعا: طلب شخص حقا له أو لمن يقوم مقامه على غيره عند الحاكم وإلزامه
1 - يراجع الهروي تهذيب اللغة 79.3 القاموس للفيروز أبادي، ابن منظور لسان العرب، والتاج للزبيدي، والعين للخليل، وجمهرة اللغة لابن دريد، والمصباح المنير في غريب الشرح الكبير
للفيومي؛ بالتقادم" تعريف الدعوى ص 20 فما بعدها.
مادة دع و وانظر: الدكتور السيد عبد الصمد محمد يوسف "سقوط الحق (1/10)
صفحة 11
11
وبالنظر إلى هذين التعريفين يتبين منهما شمول الحق بمعناه الواسع الوجودي وهو جميع الحقوق العينية وغيرها بما فيها المعنوية، وسواء وجودية كانت أم عدمية؛ والمراد بالوجودية جميع أنواع الحقوق والمنافع الحاصلة منها لأن المنافع تعد من الأموال المتقوّمة؛ وذلك لأن الأشياء أو الأعيان تقصد المنافعها لا لذواتها، والغرض من جميع الأموال منفعتها.
والمراد بالعدمي عدم التعرض للحق وهو مطالبة المدعي كف المدعى عليه عن التعرض له في حقه.
وفي الاصطلاح الفقهي طلب" الفصل في الخصومة
ويسمى الطالب "مدعيا" والمطلوب "مدعى عليه والشيء المتخاصم فيه "مدعى فيه" يقال: إدعى زيد على عمرو مالاً، فزيد المدعي وعمرو: المدعى عليه، والمال: المدعى فيه. 1
أمَّا الهدفُ أو الغرضُ من إقامة الدعوى فهو طلب المدعي حماية حقه من الاعتداء عليه، أو استرداده ممن هو في يده - إن كان في يد غيره- أمام القضاء. كما أن الغرض من جعل المحاكم ونصب الحكام القيام بالعدل ورفع الظلم ونصر المظلوم وردُّ الظالم وأمنُ الأرض من براثن الفساد واستقرار الأمن والأمان، ولولا ذلك لفسدت الأرض ومن عليها.
1 - انظر: الفيومي المصباح المنير في غريب الشرح الكبير 3 ص 225 - 227 النسفي عمر بن محمد بن أحمد أبو حفص النسفي الحنفي طلبة الطلبة في الاصطلاحات الفقهية كِتَابُ الدَّعْوَى ص:
134. وسائر المعاجم مادة (د ع و) (1/11)
صفحة 12
12
أخرج البيهقي من طريق ابن عباس عنعنله ل ا لاول مرفوعا أنه قال: "لو يُعطى الناسُ بدعواهم لادَّعى رجال دماء رجال وأموالهم، ولكن البينةُ على الطالب واليمين على
المطلوب"
"
وأخرج الامام الربيع في مسنده الصحيح أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: قال رسول الله: «البينة على من ادَّعى واليمين على من أنكر».
قال النور السالميه: قوله: «عن ابن عباس»: الحديث رواه الشيخان وأحمد بلفظ " صلى الله عليه وسلم قضى باليمين على المدعى عليه. 3
وفي لفظ عند مسلم وأحمد: «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه؛
وفي شرح النووي على مسلم قال: وجاء في رواية البيهقي بإسناد حسن وصحيح زيادة عن ابن عباس موقوفاً: «لكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر».
1 - أخرجه البيهقي 252/ 10، رقم 20989 وسبق الحديث عند مسلم وغيره بلفظ" لو أعطى
-2
الناس بدعاويهم .. " التعليق ص 6 رقم 1.
مسند الامام الربيع بن حبيب ح 2
592
3 - البخاري ح 2524. مسلم ح 1711، الترمذي ح 1342، وابن ماجة 2321 مصنف ابن أبي شيبة 218/ 6 ح 21221 ابو داود 3619 وغيرهم.
- E
-0
سيأتي تخريجه في شروط الدعوى الصحيحة إن شاء الله.
هذه الرواية هي نص رواية الربيع السابقة "البينة على المدعي واليمين على من أنكر» تقدم ذكرها مرفوعة قبل قليل، وانظر: ابن رجب جامع العلوم والحكم محقق 3 ص 932، شرح الأربعين نووية ص: 84، الاشبيلي القبس في شرح موطأ مالك بن أنس ص: 893، المباركفوري. (1/12)
صفحة 13
13
و" البيَّنة ": الحجة الظاهرة، والبرهان بيان يظهر به الحق من الباطل. 1 وهي:: فَيْعَلَةٌ من البيان أو البينونة وبان الشيء يبين بيانا: اتضح فهو بين، كأبانَ وأبنتُه أظهرتُه عَزَّ واستبان: ظهر، واستبنته: عرفته، وتبين ظهر. والبينَةُ دلالة واضحة، عقليةً كانت أو محسوسة، وسميت شهادة الشاهدين بينةً لقوله عليه السلام: "البينة على المدعى واليمين على من أنكر" والجمع بينات.
«على من ادَّعى»: أي طلب الفصل في الخصومة بدعواه أنَّ الحقَّ المتخاصم فيه
له.
تحفة الأحوذي 4 ص 475، شرح الأربعين نووية لابن دقيق العيد ص:. 84، ملا علي القارئ شرح
سنن أبي حنيفة. ج 1 ص 78.
1 - النسفي طلبة الطلبة في الاصطلاحات الفقهية كِتَابُ الدَّعْوَى ص: 134. مرجع سابق. 2 - انظر: المُغَرَّب في ترتيب المُعَرَّب وتاج العروس وطلبة الطلبة مادة (ب ي ن) والحديث تقدم. - انظر: شرح الجامع الصحيح لنور الدين السالمي؛ ما جاء أنَّ البينة على من ادعى واليمين على من أنكر" ج 251/ 3 - 253، ح 83 وح 592 حسب ترتيبه في المسند؛ ببعض تصرف. (1/13)
صفحة 14
14
الفرق بين المدعي والمدعى عليه
اختلف في بيان المدعي والمدعى عليه، فقيل: المدَّعي من تخالف دعواه الظاهر، والمدعى عليه بخلافه؛ أي من كان معه الظاهر، وقيل: المدعي من إذا سكت تُرك، والمدعى عليه من لا يترك إذا سكت، وبمعناه ما قيل: إن المدعي من لا يجبر على الخصومة، والمدعى عليه من يجبر عليها، وأورد على الأول بأنَّ المودَع إذا ادعى الرد أو التلف، فإن دعواه تخالف الظاهر ومع ذلك فالقول قوله.
قال الباحث ويجاب عن هذا الايراد بـ أنَّ المودَع أمين والأمينُ القول قوله في الأمانة وهو محسن في حفظه لها، و: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (91) التوبة. فهو يختلف تمام الاختلاف عن المدعي، ولا مقارنة بينهما ولا قياس يجمعهما، وبهذا يسقط هذا الايراد.
وفي التاج والمنهج وقد اختلف في الاستدلال على معرفة هذا من هذا، فقيل: المدَّعي من إذا ترك الخصومة تُرك، والمدعى عليه من إذا تركها لم يترك، إلا إن أقرَّ بشيء أو يسلّمه إليه؛ وقيل: المدَّعي هو الطالب، والمدعى عليه هو المطلوب؛ وقيل: المدَّعي من ادَّعى الأصل، والمدعى عليه من ادعى حادئًا، وهذا ليس بعام؛ وقيل: المدَّعي من حسن أن يطالب ببيّنة لا المدعى عليه بها على الإنكار؛ وقيل: المدَّعي من يدَّعي خلاف الظاهر، والمدعى عليه من معه الظاهر.
1 - أنظر نور الدين السالمي شرح الجامع السابق. 252/ 3.
2 - ينظر منهج الطالبين للعلامة خميس بن سعيد الشقصي الرستاقي ج 5 ص 328. أدب القاضي. و 342 القول السادس في الابتداء ومعرفة المدعي من المدعى عليه ن مكتبة مسقط، التاج المنظوم من درر المنهاج المعلوم لعبد العزيز الثميني 2217، الباب السادس في الابتداء في
الحكم ومعرفة المدعي من المدعى عليه. والضياء سلمة بن مسلم العوتبي الصحاري ج 11 م
ص (1/14)
صفحة 15
15
أقسام الدعاوى والفرق بينها
تنقسم الدعاوى إلى قسمين دعوى باطلة غير مسموعة، ودعوى صحيحة مسموعة.
فالصحيحة ما كانت معتبرة شرعا بأن استوفت شروطها وهي ما يتعلق بها غرض صحيح وتنتج أحكامها وهي إحضار الخصم والمطالبة بالجواب والزام المدعى عليه به، والإثبات بالبينة من المدعي عند الانكار واليمين من المدعى عليه إذا أنكر وطلبها منه المدعي، ولزوم إحضار المدعى فيه بحضرة الطرفين أو من يقوم مقامهما شرعا مع الامكان أمام الحاكم، إن كان منقولا لا يتعذر إحضاره.
امع
6
أمَّا إن كان المتنازع عليه من الأصول أي- العقار الثابت غير المنقول- فعلى القاضي الوقوف عليه بعد سماع الدعوى بحضرة الطرفين.
وأما شروطها فستأتي بإذن الله.
28؛ أدب الحاكم، الصحاري عبد الله بن بشير الكوكب الدري ج 6. النهج الثاني والأربعون في الدعاوي المسموعة والمردودة ومعرفة المدعي والمدعى عليه. شرح النيل للقطب اطفيش 13/ 38 فما بعدها، مختصر البسيوي ص: 143، الباب الحادي والستون في الفرائض، والفتح القدير لابن الهمام ج 6 ص 356، فما بعدها مرجع سابق، ونصب الراية؛ كتاب أدب القاضي ج 4 ص 60 فما بعدها، دار إحياء التراث العربي ط، والمبسوط للسرخسي كتاب أدب القاضي، ج 16 ص 60 فما بعدها ن دار المعرفة مرجع سابق، وتكملة حاشية رد المحتار لابن عابدين علاء الدين ج 2 ص 13. وانظر هداية الحكام للعلامة حمد بن عبيد السليمي ص 140 ط 1. وانظر: كتاب الإيضاح في الأحكام لأبي زكريا ج 2/ 102، ادب القضاء للباحث المطلب الثالث في بعض مكروهات القاضي ص 101 فما بعدها ط 3. أما الامام أبو سعيد فقد ذكر الخلاف في المسألة إن أسلموا بعد موت "المورث الجامع المفيد من أحكام أبي سعيد ج 5 ص: 276، باب في ميراث المشرك من المسلم والعبد والحر. (1/15)
صفحة 16
وضابط الدعوى الصحيحة أنها طلب حق معين أو ما في ذمة معين أو ما يترتب عليه أحدهما، معتبرةً شرعا، لا تكذبها العادة.
فالأول: كدعوى أنَّ السلعة المعينة؛ أي الموصوفة بكذا وكذا، اشتراها منه فلم يسلمها له، أولم يدفع ثمنها له - إن كان المدعي البائع - أو غصبها منه، أو الشيءَ الفلانيَّ غصبه منه، أو المال الفلاني أفسده عليه، أو الدابة أتلفها. أو .. أو .. الخ. ويطلب الانصاف وهكذا.
والثاني: كالديون والسلم، والإستصناع والاجارة والمساقاة والمغارسة وكل ما جاز فيه التعامل شرعا، وفيه نفع للمدعي ماديا كان أو معنويا أو دفع ضر عنه. ثم المعيَّن؛ الذي يُدَّعى الشيءُ في ذمته، قد يكون معينا بالشخص كزيد، أو بالصفة كدعوى الدية على العاقلة والقتل على جماعة معينة، أو أنهم أتلفوا عليه متموّلا ودعوى القسامة بشروطها.
والثالث: كدعوى المرأة على زوجها الطلاق أو الرّدَّة، فيترتب لها حوزُ نفسها وهي دعوى معيَّنة، أو دعوى الوارث أنَّ أباه مات مسلما، أو كافرا، فيترتب له الميراث المُعَيَّن، فهذه مقاصد صحيحة.
وقولنا: "معتبرة "شرعا" احترازاً مما لا فائدة فيه للمدعي إلا إثارة الدعوى وشغل الخصم بها؛ كدعوى عُشْرِ تمرة؛ فإنَّ الحاكم لا يسمع مثل هذه الدعوى لأنه لا يترتب عليها نفع شرعي؛ لضآلتها وتفاهتها وعدم الفائدة منها.
والدعوى الباطلة: ما كانت غير معتبرة شرعا بأن اختل منها شرط من شروطها. ولا تترتب عليها الأحكام المقصودة من الادعاء، ولا يتعلق بها غرض صحيح، ولا تنتج شيئا في الأحكام، وسيأتي بإذن الله تفصيل ذلك. (1/16)
صفحة 17
17
وكما لا تجوز الدعوى الباطلة فكذلك لا يجوز الصلح عنها، كالصلح عن دعوى حةٍ أو ربا أو حلوان الكاهن أو أجرة النائحة أو المغنية، وكدعوى الضمان على الراعي الخاص أو المشترك إذا قال أكلها السبع أو سرقت، فصالحه ربُّ الغنم على دراهم معلومة لا يجوز. ذلك؛ لأنه من باب تحريم الحلال وتحليل الحرام فالبدل الذي هو المال المصالح به كان حلالا للدافع حراما على الآخذ وبالصلح ينعكس الأمر فيكون حراما على الدافع حلالا للآخذ، فصار صلحا أحل حراما من وجه، وحرم حلالا من وجه آخر.
ولأنَّ المدعى عليه يدفع المال لقطع الخصومة عن نفسه، فسبيله سبيل الرشوة على رأي في ذلك.
وفي الحديث: "الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، إِلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا، أَوْ حَرَّمَ
حَلَالًا."
1 - الصلح لغة قطع المنازعة، وشرعا عقد بين طرفي النزاع ينهي الخصومة بينهما.
2 - أنظر تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق لفخر الدين عثمان بن علي الزيلعي المتوفى 743 هـ كتاب الصلح ج 5 ص 31. الهداية شرح البداية (3/ 192) لأبي الحسن علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الرشداني المرغياني سنة الولادة 511 هـ سنة الوفاة 593 هـ الناشر المكتبة الإسلامية فقه
أخرجه أبو داود 304/ 3، ح 3594، والحاكم 113/ 4 ح 7058، والبيهقي 6 ص 64 ح 11132. والديلمي 418/ 2 ح 3856 من طريق أبي هريرة، والترمذي 634/ 3 ح 1352 وقال: حسن صحيح وابن ماجه 788/ 2 ح 2353، والبيهقي 65/ 6 ح 11134، والحاكم 113/ 4 ح 7059. وابن حبان 11 ص 488 ح 5091 من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده، وهو عند الحاكم والطبراني في معجمه الكبير ج 17 ص 22 ح 30 والبيهقي 79/ 6 ح 11212. (1/17)
صفحة 18
18
وهو عند الامام الربيع ح 596 ونصه: أبو عبيدة قال: بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الصلح خير الأحكام - أو قال سيد الأحكام - وهو جائز بين الناس، إلا صلحاً أحل حراماً، أو حرم حلالاً، وهو أحرز للحاكم من الإثم والجور
وقال تعالى: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ النساء (128)
وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10) الحجرات.
وذكر الشيخ أبو زكريا رحمه الله في الصلح عشر خصال وهي: موافقة كتاب الله، وموافقة، السنة وتحبه الملائكة، ويصلح ويرضي الفريقين، وفيه نجاة الحاكم من الجور والعالم من الميل في الفتيا والشاهدين من الزور، والمزكين من إثم التزكية، مع ما فيه من الفضل الكثير للصلحاء بكل كلمة حسنة.
والدار قطني 27/ 3 ح 98 وابن عدى في الكامل 61/ 6 ترجمة كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف رقمها 1599، عنه بلفظ " المسلمون على شروطهم إلا شرطًا حرم حلالاً أو أحلَّ حرامًا والصلح جائز بين الناس إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالاً " وانظر: بيان الشرع 37/ 30. وهو جزء من وثيقة العهد التي كتبها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الله لأبي موسى الأشعري، وقد أخرجتها بكاملها مع رسالة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في أدب القضاء فمن أراد المزيد فليرجع اليهما هنالك.
1 - حاشية الترتيب لأبي ستة (3 (181) وانظر: ابن بركة الجامع (386/ 2). شرح الجامع الصحيح لنور الدين السالمي - نسخة (262/ 3) (1/18)
صفحة 19
19
ذلك أنَّ الأصل في الراعي والشريك الأمانة والأمين غير ضامن إلا بالتعدي فمصالحته بأخذ المال منه وهو لم يتعد ظلم والظلم حرام
أمَّا إن ثبت التعدي فالصلح جائز مع تراضي الطرفين دون جبر أو إكراه.
قال النور السالمي: قوله: «وَهُوَ جائز بين الناس»: أي: الصلح جائز بين الناس، أي لا إثم فيه، بل فيه الفضل الكثير إن وافق موضعه.
قوله: «إلا صلحًا أحلَّ حراما أو حرَّم حلالاً»: فَالأَوَّلُ كالذي يصالح على خمر أو نحوه، أو من له دراهم فصالح على أكثر منها، وذلك كما إذا كان لرجل على آخر دين وطالبه فيه فصالحه على أن يؤخّر عنه ويزيده على دراهمه، فهذا صلح أحل حراماً، وَهُوَ باطل لأنَّه ربَّا، وكذلك من منع المباح من الأرض، فصولح على شيء يدفع إليه، فإنَّ ذلك عليه حرام.
وأمَّا الصلح الذي حرَّم حلالاً فكالذي يصالح امرأته على ألا يطأ ضرتها أو أمته،
وكالصلح الذي يمنع من التصرُّف في المصالح.
قال أبو زكريا الصلح الجائز على وجهين:
أحدهما: رجل وقع على مال رجل ظلما وعدوانا، فإنَّ الصلحاء يقولون في ذلك للمظلوم: ائذن لنا ندفع عنك ظلم هذا الظالم بما وجدنا دفعه من مالك، وهذا النوع جائز بالنظر إلى الصلحاء والمظلوم دون الظالم، فإنَّه إِنَّمَا يأكل سحتًا، وليس هو في الحقيقة من الصلح وإنَّما هو من التقيَّة.
قال: والوجه الثاني: رجلان تخاصما في شيء فلمْ يُدْرَ المحقُّ منهما من المبطل، فللصلحاء أن يصلحوا بينهما بجهد رأيهم. (1/19)
صفحة 20
20
قوله: «وَهُوَ أحرز للحاكم: أي أحصن وأمنع، والمراد بالحاكم القاضي، والحديث يدلُّ أنَّ للحاكم أن يصلح بين الخصوم ويأمرهم بالصلح ويدعوهم إليه، ولو لم يطلبوا ذلك، ولكن لا يجبرهم عليه، وَقِيلَ: ليس له أن يأمرهم ويدعوهم إليه، وحمله أبو سعيد على معنى الجبر.
وأحكامه أحكام البيع صِحًةً وفسادًا، فينقضه ما ينقض البيع من الجهالة
والعيب.
وهل هو رخصة أو أصل بنفسه؟ فقيل: رخصة مستثناة من المحظورات، وَقِيلَ: هو أصل بنفسه مندوب إليه، فمن قال بالأَوَّلِ قال: الحديث مجمل، ومن قال بالثاني قال: إنَّه عام، وتظهر فائدة الخلاف فيما إذا ترددت في نوع من الصلح، فإن جعلته مجملا لم يصح الاستدلال بالخبر على جوازه، وعلى الثاني يجوز إلا أن يقوم دليل على تخصيصه، وَهُوَ المذهب، وسياق الحديث يشهد له، ولا إجمال فيه، بل هو واضح الدلالة، فالصلح أصل بنفسه، وَهُوَ نوع من الأحكام، لكنَّه أفضل منها لما فيه من الألفة بين الناس والمقاربة بين الأقارب وعن ل عمر رضي الله عنه قال: رُدُّوا الخصومة ليصطلحوا فإنَّ الحكم يورث بينهم الضغائن، فمن هاهنا كان الصلح سيّد الأحكام.
1 - شرح الجامع الصحيح لنور الدين السالمي السابق ج 263/ 3.
2 - شرح الجامع الصحيح لنور الدين السالمي ج 262/ 3. السابق. وانظر: حاشية الترتيب
المرجع السابق. (1/20)
صفحة 21
21
وقسم بعضُهم الدعوى إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الدعوى الصحيحة، وهي المستكملة لشروط الصحة.
القسم الثاني: الفاسدة وهي التي اختلت فيها بعض الشروط ويمكن تصحيحها كالدعوى بالمجهول.
القسم الثالث: الباطلة وهي التي لم يتوفر فيها شيء من شروط الصحة ولا يمكن تصحيحها، ولا يجوز أن تسمع أصلا؛ كأن يدعي حقا مقابل خمر أو خنزير أو ربا أو زنا أو نياحة وما أشبه ذلك.
وعند النور السالمي له ان الدعوى الباطلة هي التي يكذبها شاهد الحال فقد سئل في: من قال لزوجته أنت طالق ثم قال: ما أردت إلا طلاق حصاة في يدى، وكان قد تقدم بينهما منازعة، هل يسمع قوله؟ وهل يجوز لزوجته أن تصدقه في ذلك؟ وإذا حكم أحدٌ ورد الأمر إليها هل يثبت حكمه والرجل فاسق، والمرأةُ تشبهه؛ أعني الزوج والمقام مقام سخط بينهما؟
الجواب: "ما ذكرت من الأحوال شواهد تكذب الرجل في دعواه أنه قصد غير ظاهر اللفظ واللفظ صريح في الطلاق، وقوله أنت طالق خطاب لمخاطبة وهى المرأة التي عنده لا الحصاة، فإن الحصاة لا تخاطب بمثل ذلك لأنها ليست عاقلة حتى يقال لها أنت كذا وأنت كذا فليتق الله ربه، وليس للحاكم أن يسمع دعواه في ذلك ولا للمرأة أن تصدقه، ولو أبطلنا مقتضيات الألفاظ بمثل هذه الدعاوى
1 - انظر: علي حيدر خواجه أمين أفندي المتوفى: 1353 هـ، درر الحكام شرح مجلة الأحكام 4 ص 2 و 25 و 154، حاشية ابن عابدين 2468. الموسوعة الفقهية الكويتية 20/ 280 فما بعدها. (1/21)
صفحة 22
22
الباطلة لما ثبت إقرار على مقر ولتَمَشَّى ذلك حتى يكون قادحا في الألفاظ العربية ووصمة في البلاغة والله أعلم.
وفي الموسوعة الدعوى الفاسدة وهي الدعوى التي استوفت جميع شرائطها الأساسية، ولكنها مختلة فى بعض أوصافها بصورة يمكن إصلاحها وتصحيحها كأن يدعي شخص على آخر بدين ولا يبين مقداره أو يدعي عليه استحقاق عقار، ولا يبين حدوده. وترجع أسباب الفساد في الدعوى إلى تخلف أحد شرطين
هما: -
أ- شرط المعلوميَّة: معلوميَّة المدعى كما في المثالين السابقين، أو معلومية سبب الاستحقاق فيما يشترط فيه ذكره من الدعاوى.
ب- الشروط المطلوبة في التعبير المكون للدعوى، كما لو كانت الدعوى في طلب عين من الأعيان، ولم يذكر المدعي فيها أنها بيد المدعى عليه، أو يكون مترددا في الألفاظ التي يستعملها، كأن يقول: أشك أو أظن أنَّ لي على فلان ألف درهم. -مثلا- ففي جميع هذه الحالات لا ترد الدعوى، وإنما يطلب من المدعي إكمال ما ينقصها، فإن فعل ذلك نظرت دعواه، وطلب الجواب من خصمه،
1 - جوابات الإمام نور الدين السالمي /234/ 4 تحت عنوان (ادعاء التورية في الطلاق) ط 2010 م وانظر: هداية المبصرين في فتاوى المتأخرين ج 2 لحمد بن عبيد السليمي، تحقيق ياسر بن مسعود الراشدي ب تخرج ص: (78 وانظر هداية الحكام له ص 140 فما بعدها ط الأولى
تحقيق انتصار السليمية وص 151 فما بعدها منه تحت عنوان "باب نوعان من الفقه" (1/22)
صفحة 23
23
وإلا فترد إلى أن يصححها. وهذا الاصطلاح في تسمية هذه الأنواع من
الدعاوى بالفاسدة اختص به فقهاء الحنفية.
وإليك تفصيلها بإذن الله تعالى.
الموسوعة المرجع السابق. المبسوط 16 ص 78، تبصرة الحكام 1 ص 104، تحفة المحتاج 10/ 297،
10
المغني 9 ص 86
-1 (1/23)
صفحة 24
24
أولا: الدعوى الباطلة غير المقبولة
الدعوى الباطلة وهي: التي لا يجوز أن تسمع أصلاً مثل أن يدعي إنسان على آخر أنه وعده أن يهبه أو أن يتصدق عليه من غير شيء موجب لذلك.
أو أن يدعي شيئاً لا يحل - كأن يدعي حقا مقابل خمر أو خنزير أو ربا أو زنا أو نياحة وما أشبه ذلك.
أو يدعي رجلاً مشهور النسب أنه مملوكه، أو رجلاً أكبر منه سنا أنه ولده، أو العكس؛ كأن يدعي من عمره خمسون سنة على ذي ثلاثين سنة أنه أبوه، أو
العكس؛ كان يدعي من عمره ثلاثون سنه أنه أب لمن عمره خمسون سنة.
أو يدعي حقا على المدعى عليه قبل أن يولد المدعى عليه كالبيع والسرقة والإجارة والاعارة إلخ أو العكس أي يدعي انه سرقه أو ادان منه قبل أن يولد هو أي المدعي، وأمثال هذا الذي لا يمكن أن يكون، وينفي وقوعه العقل السالم من الرين، فلا تسمع فيه الدعوى ولا يطالب فيه المدعي بالبينة ولا يجوز إجبار الخصم على الحضور كما سيأتي تفصيله بإذن الله.
وخرج بقولنا: (من غير شيء موجب لذلك ما إذا وعده مقابل عمل ولو خيريا محضا؛ كأن يقول له: إن حفظت كذا من القرآن أو من السنة -مثلا- فلك عليَّ كذا وكذا، فأنجز الموعود ذلك، فعلى الموعد الوفاء بوعده ديانةً وحكما، فالوفاء بالوعد من صفات المؤمن ومن علاماتِ الايمان والخلف من صفات المنافق وعلامات النفاق، ولا يُقَرُّ الانسان على النفاق؛ لأنه معصية وكبيرة من كبائر الذنوب، بل يجب ردعه عنها على القادر على ذلك، فإن وصل الأمر إلى الحاكم
جبره على الوفاء. كما سيأتي بيانه إن شاء الله في محله. (1/24)
صفحة 25
25
ثانيا: الدعوى الصحيحة المسموعة
تقدم أن الدعوى الصحيحة ما كانت معتبرة شرعا بأن استوفت شروطها الخ.
ثم إن الدعوى الصحيحة المسموعة قسمان -
أحدهما: يطالب فيها المدعي بالبيئة؛ وذلك مثل شخص يدعي على آخر حقاً في مال أو متاع أو أصل من الأملاك أو الحيوان في يده ويمكن أن تكون له فيطالب المدعي في ذلك بالبينة عند عدم الإقرار من المدعى عليه. 1
فإن أعجز المدعي البينة وطلب يمين المنكر كان له عليه اليمين.
وكمن ادعى على شخص أنه عبده فأنكره وادَّعى الحرية فالقول قول مدعي الحرية وعلى مدعي الرق البينة
وشرطها أن تشهد أنه عبده مملوك له، ولم يعلموا أنه خرج من ملكه بوجه حق إلى أن أدوا شهادتهم هذه.
فإن شهدت عليه البينة بالرق فقط من غير تفصيل فهي هدر. واختلف فيمن أراد ان يبيع إنسانا على أنه عبد مملوك بحضرته فاعترف بالعبودية ولم ينكر حتى تمت الصفقة وذهب مع المشتري طواعية من غير جبر
الإِقْرَارُ لغة: إِثْبَاتُ الشَّيْءٍ إِمَّا بِاللَّسَان وإما بالقَلْبِ أو بهما جميعا، واصطلاحا: التكلم بالحق اللازم على النفس مع توطين النفس على الانقياد والاذعان ويشهد له قوله تعالى: " ثم أقررتم وأنتم تشهدون " (البقرة آية (82)
والاعتراف: هو التكلم بذلك وإن لم يكن معه توطين أو الاعتراف: هو ما كان باللسان، والاقرار قد يكون به وبغيره. (1/25)
صفحة 26
26
ولا إكراه، ثم ادعى الحرية بعد الشراء وبعد استلام المشتري له بتمام الصفقة وبعد إقراره، فقيل بعدم سماع دعوى الحرية بعد هذا كله؛ إذ لا إنكار بعد إقرار. وقيل: العكس أي بسماع الدعوى وإلزامه البينة على ذلك وهو الأصح، فإن شہدت البينة بالحرية فهو حر وإلا فهو مملوك. وهذا القول بناء على أنَّ الأصل الحرية والعبودية طارئة، وقد يعترف بالعبودية خوفا على نفسه.
وقيل: هو حرّ مطلقا، وعلى من باعه البيانُ بأنه عبد وأنه مالكه. وقد أراح الله الأُمَّةَ في هذا الزمان من الرّق فلم يعد له ذكر في معظم بلاد العالم إلا في كتب الفقه فهو يذكر كحكم من الأحكام ولا يشاهد على الواقع، والحمد لله رب العالمين.
قال في النيل وشرحه ولا شغل بادعائه حرية بعد إقراره لمشتريه بعبودية إن أمِنَ إلا ببيان، وقال الشيخ أبو صالح: 1 لا يشتغل بإقرارهم بالعبودية في هذا الزمان، فحيثما ادعى الحرية فهو حر إلا ببيان
لعله: الشيخ أبو صالح جَنُّون بن يمريان أحد مشايخ وارجلان عاش بوارجلان وعاصر أحداث نهاية الدولة الرستمية 296 هـ/909 م وصفه الدرجيني بقوله: «ذو الورع والسخاء وبركات الدعاء الصالح ... إن لم يكن مقدما في العلوم فمُقدَّم في المعارف، وإن لم يكاشف أجسام الدواوين، فهو لأرواحها مكاشف». وقد كان ملجأ العلماء والأخيار إذ التجأ إليه الإمام أبو يوسف يعقوب بن أفلح فارا من تاهرت حينما هجم عليها الداعية الشيعي فلم يجد أحسن مكان يحتمي فيه إلا وارجلان، ولم يجد أبرز شخص يأوي إليه مثل الشيخ أبي صالح جنون بن يمريان فتلقاه وأحسن وفادته.
-1 (1/26)
صفحة 27
27
وعليه فحكم الثمن ما ذكره في قوله وإن أقر بالعبودية في محل خافَ من بائعه أو غيره فيه على نفسه لو أنكرها حرر، أي حكم بأنه حر إذا أنكرها، ورجع مشتريه بالثمن على بائعه إن وجده وقدر عليه، ولو لم يعلم البائع بأنه حر، وإلا استرجعه أي الثمن من ذلك المبيع؛ مدعي الحرية؛ لأنه أنسب بإقراره بالعبودية، وخوفه لا يكون له عذرا في انتفاء الضمان ورجع هو على بائعه إن كان حرا كما
وكذلك التجأ إليه أبو نوح سعيد بن زنغيل وهو أحد العلماء البارزين في الحامة فارا من وجه أبي تميم وحينما بشَّر البشير أبا صالح بمقدم أبي نوح وبوصوله البكرات - قرب وارجلان - قال للبشير: ارجع إليه وقل له: لا تخف نجوت من القوم الظالمين. ثمَّ ملأ بيته إلى السقف تمرا، وأجرى له مائدة بكرة وأخرى عشية. وبلغنا أنَّه قعد معه ذات يوم وقال له أبو صالح: اجعل يدك في جيبي، فإن أصبت شيئا فخذه واغسل به ثيابك. فجعل أبو نوحه يده في جيبه فوجد فيه صرة وفكها، فوجد فيها سبعين دينارا. فعند ذلك قال أبو نوح، من كان له أخ مثل جَنُّون بن يمريان لا يعدم شيئا. وكانت جموع أهل وارجلان تجتمع إليه في مسجد جنون بن يمريان، فسأله ذات مرة رجل من أغنيائهم، فقال له: أخبرنا يا أبا نوح بكل ما علمت من علوم الكلام الليلة. فقال له أبو نوح: فكيف أخبركم بما أكلت في تعلمه أقفزة ملح في ليلة واحدة. فمكث أبو نوح في وارجلان زمنا حسن الحال، ثم أراد الرجوع إلى بلاده وأخذ في أهبة السفر، فقال الشيخ أبو صالح جنون، اقعد في وارجلان وأقاسمك جميع ما ملكت، وكان الشيخ جنون ذا مال كثير في وارجلان، فأبى عليه أبو نوح. قال: فتوجه إلى إفريقيا فلما وصلها وجد البلاد قد تغيرت والصدور قد تنكرت. وقال له بعض أصحابه قبل ذلك، ما الذي ردك يا شيخ وأخرجك من وارجلان، وقد أحسنوا القيام بأمورك وقاموا بحوائجك؟، فقال له أبو نوح الإخوان والأصحاب. كما كان له اهتمام بالمسائل الشرعيَّة فكانت له مراسلات مع الشيخ أبي خزر يغلا بن زلتاف بمصر فيما لا يسع الناس جهله. ينظر: الوسياني السير مخطوط، ورقة 11:
الدرجيني، طبقات، ص 144 ص 341 وما بعدها. أبو زكريا السيرة. ج 1. ص 155 و 222. (1/27)
صفحة 28
قال
28
وثانيهما: دعوى مسموعة ولا يطالب فيها المدعي بالبينة؛ وذلك مثل رجل في يده رجل أو امرأة لا يعلم أمرهما إلا أنهما في خدمته ويصرفهما فيما يشاء وما يريد من أعماله ثم يدعيان الحرية فهما حران ولا يكلفان البينة على دعواهما فلا يحكم برقهما بمجرد الخدمة لأن الأصل الحرية والعبودية أمر طارئ محتاج إلي
بيان.
وكذلك الرجل يطلق المرأة طلاقاً يملك فيه الرجعة فيردها بعد شهر فأكثر فتدعي انقضاء العدة، فإنها تبينُ منه ولا تكلف على ذلك البينة؛ لأن الله ناط أمر ذلك بها وجعله أمانة في عنقها. قال جل شأنه وعظم سلطانه: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ .. سورة البقرة الآية 228.
وكذلك الرجل المسلم يكون له أولاد مسلمون ومشركون فيموت فيأتي أولاده من أهل الشرك قبل أن يقسم مال أبيهم ويدعون أنهم مسلمون قبل موت أبيهم فإنهم يرثون مع بنيه المسلمين ولا يكلفون البينة أنهم أسلموا قبل موت أبيهم وأشباه ذلك والله أعلم.
قال النور السالمي في شرح الجامع: حديث لا يرث الكافر المسلم .. " وقال أصحابنا: إن أسلم المشرك قبل أن يقسم الماك فإنَّه يُعطى منه نصيبه بالإرث، إلا الزوجين فإنَّه لا شيء لهما في ذلك.
1 - شرح النيل للقطب اطفيش 256/ 8. معالم الحضارة الإسلامية بوارجلان لعمر سليمان
بوعصبانة ص: 135 و 190.
1 - ينظر المراجع السابقة، وانظر التبيان للعلامة المحروقي درويش بن جمعة ج 2 ص 196 ط 2. (1/28)
صفحة 29
29
ولم يفرّق أحمد بين الزوجين وغيرهما، فقال: إذا أسلم المشرك قبل القسمة ورث ترغيبا في الإسلام؛ ونسب القولُ بذلك إلى عمر وعثمان من الصحابة وجابر بن زيد وعكرمة والحسن.
واستثناء الزوجين ظاهر؛ لأنَّ إرْتَهُما بسبب الزوجيَّة، وذلك ينقطع بموت أحدهما بخلاف القرابة فإنَّها سبب أصلي ليس بعارض.
وتُعقِّبَ القول بتوريثه إن أسلم قبل القسمة بأنَّ عموم الحديث يتناوله، فمن قيد عدم التوارث بالقسمة احتاج إلى دَلِيل، ولأنَّ الميراث يستحق بالموت فإذا انتقل عن ملك الميّت بموته يستَحقُه الذي انتقل إليه ولو لم يقسم.
قال الشيخ أبو ستة في الحاشية: 2 وأما إذا أسلم قبل القسمة فالجمهور من قومنا على أنَّه لا يرثه أيضا.
-1
نور الدين السالمي شرح الجامع ج 3 ص 450
2 - أبو ستة: هو الشيخ العلامة أبو عبد الله محمد بن عمر بن محمد بن أحمد ابن أبي القاسم بن أبي ستة القصبي السدويكشي الجربي النفوسي المحشي ولد 1022 هـ / 1614 م ويكنى أيضا بأبي ستة كنيةً بأولاده الستة الذين امتن الله عليهم بالعلم والمعرفة فصاروا كلهم علماء يشار إليهم بالبنان - وهو عالم جليل من أشهر علماء جزيرة جربة، ولد وترعرع بها، وهو سليل أسرة عريقة في العلم، تنسب إلى حومة «القصبيين» شمال غرب قلالة بجربة، ثم انتقل إلى حومة «سدويکش» بالجزيرة، ولذلك عرف المترجم له بالقصبي السدويكشي» أخذ العلم عن والده، وعن عمّه الشيخ أحمد بن محمد، وبعد حفظه القرآن الكريم، وارتشافه من معين اللغة العربية، وارتوائه من بحر الشريعة الإسلامية، أرسله والده ليدرس في جامع الأزهر سنة 1040 هـ / 1631 م، استقرَّ بها مدة ثمان وعشرين سنة، متعلّما ثمَّ معلّما بالمدرسة الإباضية بالقاهرة، ثم مدرسا بجامع الأزهر، حيث سطع نجمه وعُرف بين العلماء بالبدر، عاد من القاهرة سنة 1068 هـ / 1658 م، وآلت إليه رئاسة الحلقة بعد وفاة شيخه عبد الله بن سعيد (1/29)
صفحة 30
7
A
السدويكشي، فواصل رسالته التعليمية متنقلا بين مساجد الجزيرة، كما تولى الحكم بين الأهالي في منازعاتهم، كان شديدا في الحقِّ، ورعا، متواضعا مع الناس، محبًّا للعلم والمتعلّمين، ترك آثاراً علمية بارزة تشهد على رسوخ قدمه في مختلف العلوم، وعلى جمعه بين المنقول والمعقول؛ فله حواش عديدة على أمهات الكتب الإباضية، بلغ عددها عشرين حاشية، ولذلك اشتهر بالمحشّي، منها: 1. حاشية على كتاب قواعد الإسلام»، للشيخ إسماعيل الجيطالي، شرع فيها أوائل 1057 هـ، وهي أول تصانيفه. 2. حاشية على كتاب الوضع في الأصول والفقه، للشيخ أبي زكريا الجناوني .. حاشية على كتاب مسند الربيع ابن حبيب في الحديث، بترتيب أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني، وضع عليه أبو ستة حاشية سماها "حاشية الترتيب" طبع عدة مرات، آخرها طبعة في خمسة مجلدات، اعتنى بتحقيقها الشيخ إبراهيم طلاي. والحاشية من أجل كتب أبي ستة، فقد سلك فيها منهج المقارنة والتحليل في شرح أحاديث الرسول عليه السلام. 4. حاشية على كتاب البيوع للشيخ عامر بن علي الشماخي. 5. حاشية على شرح مختصر العدل والإنصاف، في أصول الفقه للشيخ أحمد بن سعيد الشماخي، ولكنه لم يتمها. حاشية على كتاب النكاح للشيخ يحيى الجناوني. 7. حاشية على جزء تفسير كتاب الله العزيز لهود بن محكّم الهواري، لم يكمل فيها سورة البقرة.
حاشية على كتاب شرح الجهالات، في علم الكلام لأبي عمار عبد الكافي.
9. حاشية على شرح العقيدة للشيخ أبي العباس أحمد الشماخي. 10. حاشية على تبيين أفعال العباد، لأبي العباس أحمد بن محمد بن بكر. 11. حاشية على كتابي النكاح والأحكام، للشيخ يحيى الجناوني.
وله العديد من الأجوبة الفقهية القيّمة، ودفتر سجّل فيه أحكام النوازل والأقضية. وقد جمع مؤلفاته أحد تلامذته، وهو علي بن سالم بن بيان توفي الشيخ أبو ستة في 1088 هـ/1679 م، وعمره خمس وستون عاما، ودفن بمقبرة آل أبي ستَّة أنظر الجادوي: ترجمة أبي ستة، آخر الحاشية على كتاب القواعد، فهرس آل يدَّر، (مخ) ص 282 - 283 ابن تعاريت رسالة في تراجم علماء جربة 77 - 78 أبو اليقظان ملحق السير 45/ 1 سالم بن يعقوب: دروس في علماء جربة (1/30)
صفحة 31
31
قالوا لأنَّ عموم الحديث يتناوله، فمن قيَّد عدم التوارث بالقسمة احتاج إلى دليل، ولأنَّ الميراث يستحقُ بالموت، فإذا انتقل عن ملك الميت بموته فقد استحقه الذي انتقل إليه ولو لم يقسم. وذهب أحمد إلى أنه إذا أسلم قبل القسمة ورث ترغيبا له في الإسلام، أقول: وهو مذهب أصحابنا إلا في الزوجين.
قال الشيخ إسماعيل رحمه الله: "وأمَّا إن أسلم المشرك على مال فأدركه قبل أن يُقسَم، فإنَّ له ميراثه منه، قال أصحابنا: ما خلا الزوجين فإنَّهما لا يدركان شيئا قُسِم أو لم يُقسم.
"
قال القطب في شرح النيل وإن أسلم المشرك على مال فأدركه قبل أن يقسم فله ميراثه منه، قال أصحابنا: ما خلا الزوجين فإنهما لا يدركان شيئا قُسِم أو لم
يقسم.
4 - 9 الجعبيري نظام العزابة، 224 - 227، 272 - 273 والبعد الحضاري، 147 - 148 وملامح عن الحركة العلمية، 13 - 14 علي يحيى معمر: الإباضية في موكب التاريخ، ح 189/ 3 - 192 حاشية الترتيب، ترجمة المحقق محمد ناصر المرموري مسند الإمام الفراهيدي 8 جهلان: الفكر السياسي، 144 دائرة المعارف الإسلامية، ج 254/ 5 وانظر ترجمته في معجم اعلام الإباضية بالمغرب رقمه 841 ومن أعلامنا بحث في تراجم بعض العلماء للباحث مخطوط.
أبو ستة حاشية الترتيب ج 6 ص 26 ط التراث، وكذا شرح النيل. ومنهج الطالبين وبلاغ الراغبين لخميس الرستاقي 20/ 169. القول الواحد والعشرون في ميراث المجوس وأهل الشرك وص 192 القول السادس والعشرون في الميراث من الأحرار والمماليك والمسلمين والمشركين. التراث. الجامع المفيد من أحكام أبي سعيدج 5 ص: 276
-1 (1/31)
صفحة 32
32
وذلك أن يموت المسلم فتسلم زوجته الكتابية قبل قسم تركته، أو يموت أحد الزوجين الكافرين فيسلم الآخر أو يسلم أحدهما فيموت الآخر؛ لكن عدم الإرث في هذا انقطاع العصمة.
وقال الشافعية: لا إرث لمن أسلم بعد موت موروثه ولو قبل القسم، وهو قول
علي وابن المسيب وعطاء وطاووس ومالك وأصحابه وأبي حنيفة.
وروي عن عمر وعثمان أنه يرث إن أدرك المال قبل أن يقسم. وأجمعوا أنه لا يرث إن أسلم بعد القسم، وإن أدرك بعضا فقيل: له فيه سهمه وقيل: لا، ووجه قول الشافعي ومن معه أنه ليس من الورثة يوم مات من يرثه لشركه. ومال المرتد إذا مات لجماعة المسلمين عند أهل الحجاز، ولقرابته المسلمين عند أهل العراق؛ لأن فيهم سببين القرابة والإسلام.
قلت: ولعلهم يستدلون بما روي عنه " أنه قال: "كل قَسْمٍ قُسِمَ في الجاهلية فهو على ما قسم له وكل قسم أدركه الإسلام فهو على قسم الإسلام"
21
1 - شرح النيل للقطب اطفيش 344/ 15. وانظر: احكام المرتد من جهد المقل للباحث. فقد بحثتها
-2
هنالك.
الحديث من طريق محمد بن مسلم عن عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء جابر بن زيد عن ابن عباس قال: قال رسول الله ..... أخرجه أبو داود في كتاب الفرائض، باب فيمن أسلم على ميراث ج 3 ص 129، برقم 2914، وابن ماجه في كتاب الرهون باب قسمة الماء، ص 398 ح 2485، السنن الكبرى للبيهقي وفي ذيله الجوهر النقي 122/ 9 ح 18749 وأبو يعلى 247/ 4، رقم 2359 بلفظ " كل قَسْمٍ قُسِمَ فهو على ما قسم وكل قسم أدركه الإسلام فهو على ما قسم وانظر العلامة حمد بن عبيد السليمي هداية المبصرين ص 97. ابن عبد البر التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد 2 ص 49 والاستذكار 1987 له الخطابي معالم السنن 102/ 4 (1/32)
صفحة 33
33
وفي النيل وشرحه" ولا يُجبِرُ حاكم، أو إمام أو غيره أحدا على قسمة حرامٍ أ مريب ريبة عارضة أو محققة إذا تبين الريب.
ولا يحضرها شهود ولا غيرهم، ولا يشهد بها أحد، ولا يرضى بها، ولا يجيزها، ولا يكتبها، ولا تسمع الدعوى فيها، ولا تنصب الخصومة ولا يدخل فيها بوجه ما.
وكذا الكلام فيما يتعلق بذلك الشيء من إتمامه وإصلاحه، وأما دفع ضره فأهون لكنه لا يدخل في دفعه بوجه الملك، وقيل: يجبر على قسمة المريب ريبة عارضة، وفي الجبر على المكروه خلاف مبني على أنه منهي عنه أم لا؟ ويأتي في كلام المصنف أنه لا يجبر عليها فيه إن شاء الله"
الطحاوي شرح مشكل الاثار 253/ 8 السيوطي جامع الأحاديث 352/ 15 ح 15681. والطبراني بلفظ" حدثني يحيى عن مالك عن ثور بن زيد الديلي أنه قال بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أَيُّمَا دَارٍ أَوْ أَرْضِ قُسَمَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَهِيَ عَلَى قَسْمِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَيُّمَا دَارٍ أَوْ أَرْضِ أدركها الإسلامُ ولم تُقسَم فهي عَلَى قَسْمِ الإسلام" مالك في الموطأ ج 2 ص 747 حديث رقم: 1433 الطبراني ح 2175 وفي لفظ له الله عن عبد بن عمر له أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما كان من ميراث قسم في الجاهلية فإنه على قسمة الجاهلية، وما كان من ميراث أدركه الإسلام فهو على قسم الإسلام" الطبراني في معجمه الأوسط ج 6 ص 312 ح 6499 وانظر شرحه في أبي داود للعبادي عبد
المحسن.
1 - شرح النيل للقطب 587/ 10 وانظر: ص 609 منه. (1/33)
صفحة 34
34
شروط تقديم الدعوى
إعلم رحمني الله وإياك وجميع المؤمنين أنَّ لتقديم الدعوى شروط لا بد منها. الشرط الأول: أن تكون مُبيَّنة واضحةً سالمةً من الابهام والغموض، وذلك بأن يذكر جنس المدعى به، ونوعه وصفته وقدره، حتى يصير متميزاً، ظاهراً، مُحرَّراً، مُخَلَّصاً من شوائب الجهل.
ولا تَصِحُ الدَّعْوَى، إلا مَعْلُومَةَ المُدَّعَى بِهِ: وهي كادِعاء الإنسان على غيره حقاً، أو براءةً من حق، كأن يدعي على غيره حقاً، فيقول: أنا أطلب فلان بن فلان بن فلان الفلاني كذا وكذا، أو براءة منه من كذا، أو إيقافه عن الاعتراض علي في
كذا، الخ. أو أن يُدعى عليه فينكر ويطلب إنهاء الدعوى، فهذا أيضاً نوع من أنواع الدعوى، وإن كانت تسمى إنكاراً.
والدعوى جائزة من كل مدع كامل الأهلية، وذلك إذا كان يدعي. حقا ثابتاً على المدعى عليه، فله أن يدعي على المدعى عليه الحق الذي يطالبه به، وأما إذا كان ظلماً فإن النصوص كثيرة في عقوبة من ادعى على غيره شيئاً باطلاً.
روى الربيع بن حبيب عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن مسعود قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «لزوم الفقير حرام والمدَّعي ما ليس له والمنكر لما عليه كافران
1 - مسند الامام الربيع كتاب الأحكام حديث 591 وانظر: شرح الجامع الصحيح لنور الدين السالمي 3/
251 (1/34)
صفحة 35
35
والمراد بالكفر هنا كفر النعمة وهو عدم مراعاة أو امر الله ونواهيه حيث كان الواجب في شرع الإسلام إعطاء كُلِ ذي حق حقه، فمن لم يمتثل أوامر الشرع فقد كفر نعمته التي أمره بامتثالها فعلا أو تركا أي: لم يرع نعمة الله عليه حق رعايتها، فارتكب بذلك كبيرة من كبائر الذنوب بمخالفته أوامر الله ورسوله ونواهيهما فلم يرع حق الله فيها، أخذا من المعنى اللغوي وهو الستر والتغطية، وليس معناه الشرك بالله أعاذنا الله من ذلك.
ومنه قوله عز وجل وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97) آل عمران.
أي من كفر بتركه الحج وهو مستطيع السبيل إليه فلم يحج ولا عذر معه في التأخير، فقد قارف إثما كبيرا لعدم مبادرته الامتثال وهو قادر ولا عذر معه وليس معناه الشرك بالله.
وقوله جل شأنه: (وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40) النمل. وقوله: {وَمَنْ يَشْكُرُ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) (12)
لقمان.
وقوله: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (44) المائدة. وقوله: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (45) المائدة. وقوله: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (47) المائدة. (1/35)
صفحة 36
36
وقول النبي: "من اقتطع مال امرئ مسلم بيمين كاذبة لقي الله وهو عليه غضبان"
وإن كان المدعي ناقص الأهلية فلا تقبل منه ولا عليه إلا من وليه الشرعي أو بوكيل شرعي يخاصم عنه. الشرط الثاني: أن تكون معلومة المدعى به، فلا يكفي أن يقول المدعي: أنا أدعي عليه طعاماً، أو أدعي عليه، مالا، فهذه دعوى غير مسموعة، ولا تصح حتى
يوضحها، فيقول في المطعوم مثلا بُرّاً، أو شعيرا أو أرزاً، أو ما أشبه ذلك. ويذكر الكيل في المكيل والوزن في الموزون والعدد في المعدود والذرع في المذروع أي يقول: إنَّ قدْرَه كذا وكذا، مائة صاع، مائتا صاع مائة منّ، مائة ذراع مائة ريال مائة فدان وما أشبه ذلك.
ويضيف إليه ذكر الوصف كالجودة والرداءة، فيما يحتاج إلى ذلك، وما
أشبه ذلك.
وفي دعوى النقود لا بد من تعين نوعه وجنسه وقدره وعدده كأن يقول مثلا أطلبه بمائة ريال ... صرف البلد الفلاني عماني قطري، كويتي، سعودي، إماراتي عراقي امريكي بريطاني الماني ياباني، صيني، الخ.
6
والحاصل أنه لا بد أن تكون الدعوى واضحة من جميع الجوانب، ومن كل وجه، فلو ادعى عليه شيئا مبهما كبعير مثلا، لا تقبل؛ لأنها مبهمة حتى يبين، فيقول: بعيراً رباعيا، ثنياً عمره، كذا صفته كذا وكذا، جنسه كذا، وما أشبه ذلك.
الحديث أخرجه البخاري في التوحيد؛ باب قول الله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ح 7445، ومسلم في الإيمان؛ باب وعيد من اقتطع حق مسلم ... 138، عن ابن مسعود
-1 (1/36)
صفحة 37
37
وقيل: تصح الدعوى بغير ذلك ويسمعها القاضي، ويطلب من المدعي توضيحها، فإذا قال: أدعي عليه بعيراً، يسمعها، ولكن يقول: صفها لي، اذكر نوعها، جنسها، وما أشبه ذلك.
ولعل هذا أصح، لا سيما في الأمور التي تحتاج إلى دقة وصف، مثل لو قال: أنا أدعي عليه أرضاً، أو إن هذا المال الذي بيده يتصرف فيها لي، فتسمع الدعوى، ثم بعد ذلك يطلب الحاكم من المدعي أن يوضحها ويميزها؛ لأنه لا يمكن الحكم
إلا بذلك.
وإذا كان المدعى به عينا فلا يلزم بيان سبب الملكية بل تصح دعوى الملك المطلق بقوله هذا المال لي وأما إذا كان دينا فيسأل عن سببه وجهته يعني يسأل هل هو ثمن مبيع أو أجرة أو دين أو من جهة أخرى.
والقضاء في الدعوى لا يمكن إلا بعد سماع أقوال المدعي والمدعى عليه وردودهما على بعضهما البعض، والتأمل التام في ذلك حتى ينكشف الأمر للحاكم دون لبس أو شك، ومعرفة المقضي فيه، والمقضي به، وإلا فإنه لا يمكن القضاء بشيء مبهم، أو في شيء مبهم.
واستدل الفقهاء رحمهم الله على ذلك بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ."
1 - أخرجه الإمام الربيع بسنده العالي من طريق ابن عباس ينظر الجزء الثالث من شرح الجامع رقم الحديث 79 كتاب الأحكام ص 241، والبخاري: باب موعظة الإمام للخصوم، وفي الشهادات، 235/ 3، وفي الحيل، وفي الأحكام، وأبو داود باب قضاء القاضي إذا أخطأ ح 3583 (1/37)
صفحة 38
38
ويستثنى من شرط التبيين ومعلومية المدعى به أمران وهما: الوصية بالمجهول، والعوض للزوجة مقابل مهرها، وما شابه ذلك.
فلو أوصى بمجهول كشيء من ماله غير مسمى، فلفظة شيءٍ نكرة دالة على مجهول غير معلوم القدر ولا النوع ولا الجنس ولا الصفة؛ فتصح الدعوى به على
رأي في ذلك، ويحكم القاضي بها، ثم يُعطى الموصى له ما يترتب على ذلك. لكن ماذا يعطى من المال؟ في ذلك خلاف كبير بين أهل العلم؛ فمنهم من قال: يعطيه الوارث ما شاء مما يطلق عليه أنه مال، فلو أعطاه درهماً من مائة مليون درهم صح، لأنه يطلق عليه شيء، ولو أعطاه ثوباً من ثيابه صح؛ لأنه يطلق عليه أنه شيء. وكذا بعبد من عبيده وبنخلة من ماله وهكذا ...
ومنهم من قال الثلث، ومنهم السدس، ومنهم أقل سهام الورثة. كما سيأتي بيانه إن شاء الله عل.
وعلى هذا فلو قال المدعي أنا أدعي على الورثة بأن مورثهم أوصى لي بشيء، فلا يقول القاضي: لا نسمع الدعوى، بل يقول نسمعها، وإذا أتيت بشهود حكمنا لك بأن لك وصية في ماله بشيء، فلو أوصى له بسهم من ماله فإنه يصح، لكنَّ الفقهاء قالوا: إنه يعطى السدس بناءً على آثار وردت في ذلك.
ومسلم في الأقضية ح 1713 وأحمد والترمذي في الأحكام 1339 باب التشديد على من يقضى له بشي ليس له والنسائي في القضاة ح 5403 باب الحكم بالظاهر وابن ماجه ح 2317 باب قضية الحاكم لا تحل حراما؛ كلهم من طريق أم سلمه رضي الله عنها.
1 - أنظر الشرح الممتع على زاد المستقنع 15/ 327 محمد بن صالح بن محمد العثيمين المتوفى: 1421 هـ. الناشر: دار ابن الجوزي الطبعة الأولى سنة الطبع: 1422 - 1428 هـ عدد الأجزاء: 15. السليمي هداية الحكام السابق الجامع المفيد من أحكام أبي سعيد شرح النيل للقطب (1/38)
صفحة 39
39
ولو قال لي عليه شيء فلا تسمع دعواه لأنها مجهولة وكذلك أظن أن لي عليك ألفا أو لك علي ألف، وأظن أني قضيتها لم تسمع لتعذر الحكم بالمجهول، إذ ليس بعض المراتب أولى من بعض.
ولا ينبغي للحاكم أن يدخل في الخطر بمجرد الوهم من المدعي، وقالت الشافعية: لا تصح دعوى المجهول إلا في الإقرار والوصية لصحة القضاء بالوصية المجهولة كثلث المال والمال غير معلوم وصحة الملك في الإقرار بالمجهول من غير حكم ويلزمه الحاكم بالتعيين.
وفي المنهج: اختلف فيمن أقر لآخر بجزء من ماله فقول له الربع. وقول له السبع. وقول: لا يثبت له شيء، إلا ما أقر به الورثة.
وإن أقر له بشيء من ماله، ثبت له ما يقع عليه اسم شيء، من أقل شيء. ذلك
في الحكم.
وإن أقر له الورثة بشيء مما يقع عليه اسم الملك، من ماله، لم يبن لي أنَّ له أكثر من ذلك.
وإن أمر له ببعض ماله. فبعض يقول له النصف وبعض يقول: الشيء منه، مما يتجزأ، مما يقع عليه اسم الجزء.
وإن أقر له بجزء من ماله، فيختلف في ذلك، فبعض يقول: إن الجزء هو: الربع؛ لقول الله تعالى: {قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى
اطفيش 13/ 383 فما بعدها منهج الطالبين وبيان الشرع والايضاح في الأحكام "الدعاوى
والأحكام" الآتية تباعا إن شاء الله.
1 - انظر: القرافي الفروق مع الهوامش. 152/ 4 فما بعدها. الفرق الحادي والثلاثون والمائتان بين قاعدتي الدعوى الصحيحة والدعوى الباطلة. (1/39)
صفحة 40
40
كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا (سورة البقرة آية 260.
وبعض يقول: الجزء هو السبع، لقول الله تعالى: {لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (44) (الحجر.
وقول: ليس ذلك بشيء. ويؤخذ المقر، حتى يقر بشيء، مما يشاء من ماله. وإن مات المقر، أخذ ورثته أن يقروا له بما شاءوا من المال.
وإن أقر لهم بسهم من ماله، ففيه اختلاف أيضاً.
فقول السدس. وقول الثلث. وقول سهم من اثني عشر سهماً.
وقول: سهم، من أربعة وعشرين سهماً.
وقول: أقل سهام الورثة سهما لا يجاوز الثلث من ماله، فله السدس.
وقول: يشترى له سهم من سهام النبل، ويدفع له على بعض المعاني. وإن أقر له بنصيب من ماله، فإنما له، ما أقر له به المقر، أو ورثته من بعده، إن كان ميتاً، ولا نعلم في هذا اختلافاً، إلا أن يصح للمقر له، أو ورثته، ببينة عدل. وقول: لا يثبت من هذا شيء، إلا ما صحت به البينة والقول الأول أحب إلينا.
وما قيل في الإقرار فكذا القولُ في الوصية حَذْوَ النعل بالنعل.
وقول: كسهم أنثى من بناته، إن كان له بنات.
1 - النَّبْلُ: اسم للسّهام العربيّة، وصاحبها نابل، وحِرْفتُه، النّبالة، وهو أيضاً النَّبال، وإذا رجعوا إلى واحد قالوا: سَهم. وهو: السَّهُمُ الذي يرمى به الهدف والنابل حامل النَّبْل والحاذق بالشَّيء. قال الشاعر: شديدُ الوَصاةِ نابل وابنُ نابِلِ؛ أي: حاذق وابن حاذق. انظر: العين مادة "نبل" ويأتي أيضا على عدة معان غير هذا. (1/40)
صفحة 41
41
قال أبو سعيد رحمه الله: وقد قيل: إنه ينظر إلى أقل السهام، فيكون له، وقول: يجمع له أقل الأسهم، وأكثر الأسهم. ويكون له نصف ذلك. وقول: إن أوصى لرجل بسهم من ماله وله ابنتان وامرأة وأب. فله ثلاثة أسهم من سبعة وعشرين سهما.
وإن أوصى له، بسهم من ماله وله عشرة بنين، وعشر بنات. فله من واحد وثلاثين سهما.
1
سهم،
قال أبو غانم في المدونة: وأَخبَرَني أبو المؤرّج ومحبوب عَن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ انَّه سُئِلَ عَن إِنسَانٍ أَوصَى بِسَهمِ مِن مَالِهِ، فَقَالَ: أَعطوا فُلانًا سَهمًا مِنْ مَالِي، ولمْ يُسَمِّ شيئًا. فقالَ ابنُ مَسعودٍ يُعطَى السُّدُسَ.
وقال الربيع: إذا أوصى الرجلُ فقَالَ: أَعطوا فلاناً سهماً مِن مَالِي، ولم يُسَمِّ شيئًا. قال الربيع: قالَ عمرُ بنُ الخطَّابِ: احْسِبُوا سِهَامَ الفريضة، واجْعَلُوا
-1
ينظر: منهج الطالبين وبلاغ الراغبين لخميس الرستاقي 9 595 فما بعدها، القول الخامس عشر في الإقرار بالجزء والسهم والنصيب وما أشبه ذلك. و 10 ص 344 - فما بعدها. القول الخمسون في الوصية بالثلث والسهم والجزء والنصف وما أشبه ذلك. ن مكتبة مسقط. وهذه الأقول كلها موجودة أيضا في الفقه المالكي كما في المنتقى شرح الموطأ /6/ 174، الوصايا. الباب الرابع في تبدئة بعض الوصايا على بعض.
151
2 - مدونة أبي غانم المدونة الصغرى 26/ 2 و 238 فما بعدها، المدونة الكبرى 90/ 3 ط التراث تحقيق باجو كتاب الوصايا. وأخرجه ابن أبي شيبة في كتاب الوصايا، باب الرجل يوصي للرجل بسهم من ماله، 392/ 6، ح، من طريق هلال بن بلال الفزاري. وهو في مجمع الزوائد للهيثمي 4/ 388 ح 7098 - عن عبد الله بن مسعود أن رجلا أوصى لرجل بسهم من ماله فجعل له النبي و السدس " وقال: رواه البزار وفيه محمد بن عبيد الله العرزمي وهو ضعيف. (1/41)
صفحة 42
42
لَهُ سَهْمًا كَأَحَدِهِم.
ومن الجامع المفيد من أحكام أبي سعيد
وعن رجل أقر لزيد بجزء من ماله ما يكون له من المال؟ فهل يكون له الربع؟ قال: معي أنه قد قال بعض ذلك، وقال من قال: السُّبُع، وقال من قال: لا يثبت له شيء إلا ما أقر به الورثة.
1
قلت له: فإن قال بشيء من ماله، هل يثبت له شيء؟
قال: معي أنه يثبت له ما يقع عليه اسم شيء من أقل ذلك في الحكم، وإن أقر الورثة بشيء مما يقع عليه اسم الملك من ماله لم يبن له أكثر من ذلك.
قلت له: فإن قال ببعض ماله، هل يثبت له شيء؟
قال: معي أن بعضا يقول: النصف، وبعضا يقول: الشيء منه مما يتجزأ مما يقع عليه اسم الجزء.
قلت له: فمن أقر لأهل نزوى بعشرة دراهم؟ قال: فمعي أنه يثبت عليه، ويكون
لأهل نزوى حين أقر لهم كلهم. .
211
المدونة الكبرى السابق ص 90 وروي مثله عن شريح قاضي عمر،، أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الوصايا، باب في الرجل يوصي للرجل بسهم من ماله. 292/ 7، ح 1، من طريق يسار بن أبي كريب، والدارمي في سننه ج 2 ص 506 ح 3235 وانظر: ابن الجوزي التحقيق في أحاديث الخلاف 2 ص 237، والعسقلاني الدراية في تخريج أحاديث الهداية 2 ص 291، وتنقيح كتاب التحقيق في أحاديث التعليق للذهبي 156/ 2. وشرح النيل للقطب؛ 583/ 12، فما بعدها.
الجامع المفيد من أحكام أبي سعيد ج 5 ص: 95. (1/42)
صفحة 43
43
الشرط الثالث: ألا يكذبها الواقع فلو ادَّعى على شخص أنه سرق عليه منذ عشرين سنة، وعُمْرُ هذا المدعى عليه سبع عشرة سنة، فإن الدعوى لا تصح؛ لأننا لو سمعناها لكان معنى ذلك أننا حكمنا على هذا الإنسان بأنه سرق قبل أن يولد بثلاث سنين، وهذا شيء مستحيل فالدعوى إن قرن بها ما يكذبها لم تسمع ولا تصح.
وكذلك العكس؛ فلو ادَّعى أنه سرقه منذ ثلاثين سنة، وعمر المدعي أقل من ذلك، لا تسمع الدعوى.
هذا من جهة ومن جهة ثانية أنه يدعي عليه الفسق وموجب الحد، والدعوى الحدية إن مضى عليها الزمن لا تسمع، كما هو معلوم في محله فراجعه من تقادم الدعوى الحدية من تطبيقات القواعد للباحث. من "الفرع الخامس تقادم الدعوى الحدية ص 291 من الجزء الثاني.
الشرط الرابع ذكر سبب الاستحقاق إن كان يدعي أيلولة المدعى به من غيره؛ على الأصح؛ فلا تصح الدعوى بدون ذكر السبب، فلو ادَّعى الإرث، وقال: أنا وارث هذا الرجل الميت، سئل عن صلته به، وبَيَّنَ باتصال النسب بينهما، فإن لم يبين لم تصح الدعوى، فلا تسمع دعواه
أما في القانون الوضعي فنجد أنَّ قانون الإجراءات المدنية والتجارية العماني قد بين شروط قبول الدعوى؛ أي إجراءات رفعها، فالمادة (3) من القانون المذكور تنص على أنه لا يقبل أي طلب أو دفع لا يكون لصاحبه فيه مصلحة قائمة ومشروعة يقرها القانون، ومع ذلك تكفي المصلحة المحتملة إذا كان الغرض من الطلب الاحتياط لدفع ضرر محدق، أو الاستيثاق لحق يخشى زوال دليله عند النزاع فيه"
والمصلحة هي مناط الدعوى، فلا دعوى بلا مصلحة، وهي الحاجة إلى الحماية القضائية متى ما وقع اعتداء على الحق المراد حمايته. (1/43)
صفحة 44
ولهذا حدد قانون الإجراءات المدنية والتجارية في المادة (64) بيانات صحيفة الدعوى، حيث نصت ترفع الدعوى إلى المحكمة بناء على طلب المدعي بصحيفة
تودع أمانة سر المحكمة، ويجب أن تشتمل الصحيفة على البيانات الآتية: الاسم الثلاثي للمدعي وقبيلته أو لقبه ومهنته أو وظيفته وموطنه أو محله المختار، والاسم الثلاثي لمن يمثله وقبيلته أو لقبه ومهنته أو وظيفته وصفته
وموطنه.
الاسم الثلاثي للمدعى عليه وقبيلته أو لقبه ومهنته أو وظيفته وموطنه أو محله المختار والاسم الثلاثي لمن يمثله وقبيلته أو لقبه ومهنته أو وظيفته وصفته
وموطنه تاريخ تقديم الصحيفة.
المحكمة المرفوع أمامها الدعوى.
وقائع الدعوى والطلبات المدعى فيها وأسانيدها.
توقيع المدعي أو من يمثله وذلك بعد التثبت من شخصية كل منهما. (1/44)
صفحة 45
حكم الدعوى المسموعة
حكم الدعوى المسموعة استحقاق الجواب على الخصم بنعم، أو: لا، فإن أقر ثبت المدعى به، وإن أنكر يقول القاضي للمدعي: ألك بينة فإن قال: لا. يقول القاضي لك يمينه؛ اقتداء برسول الله له في قضية الحضرمي والكندي التي جاء فيها: " ... فقال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِلْحَضْرَمِي:" أَلَكَ بَيِّنَةٌ قَالَ: لَا. قَالَ: فَلَكَ يَمِينُهُ ..... وسيأتي بكامله مع تخريجه بمشيئة الله.
ولو سكت المدعى عليه ولم يجبه بلا أو نعم فالقاضي يُلزمه الجواب، فإن أصر على السكوت فيوضح له أنَّ سكوته عن الجواب يصير بمثابة الاعتراف فإن بقي ساكتا بعد البيان فيجعله في حكم الناكل، إذ السكوت" في معرض الحاجة إلى البيان بيان" وهذه قاعدة فرعية مشهورة، وستأتي بمشيئة الله مع فروعها في
الجزء السادس من التطبيقات.
ويستثنى من ذلك الدعاوى الحدية فإن سكوت المدعى عليه -حتى ولو أعذره القاضي - لا يعد حجة عليه، ويعتبر في حالة إنكار أخذا بمبدأ قاعدة: "درء الحد بالشبهة" فإن أقام المدعي البينة فتسمع بينته بحضرة المشهود عليه -كما سيأتي إن شاء الله في الشرط الثامن من شروط الدعوى ويحكم بموجبها إن اكتملت شروطها، وصحت عدالتها.
وكذا مسائل القصاص حكمها حكم الحدود في القصاص لا تثبت إلا بالإقرار الصريح أو البينة العادلة وقيل: يجعل السجن بيته حتى يموت.
- الكندي بيان الشرع، ج 29 ص 128، إغاثة الملهوف بالسيف المذكر للعالم الرباني الشهيد: سعيد بن خلفان الخليلي. ص 79 وص 261، المحقق. ورواه أبو مروان سليمان بن الحكم، العقري النزوي، من علماء القرن الثالث الهجري، وهو ممن حضر بيعة الإمام الصلت بن مالك عن (1/45)
صفحة 46
46
وقد بحثت الموضوع في جهد المقل؛ بما يغني عن الاطالة هنا وسيأتي الكلام عنها بمشيئة الله في الجزء السادس من التطبيقات، قاعدة "السكوت في معرض الحاجة إلى البيان بيان أنَّ سكوت المدعى عليه في الدعاوى الحدية لا يعتبر حجة عليه. وبالله التوفيق.
أبي عثمان سليمان بن عثمان النزوي، وهو أحد العلماء الذين تولوا القضاء في عهد الإمام الوارث بن كعب، عقد الإمامة هو والعلامة مسعدة بن تميم على غسان بن عبد الله وعمل له قاضياً، عاش في النصف الثاني من القرن الثاني وأوائل القرن الثالث. غاية المطلوب في الأثر المنسوب للعلامة الراحل عامر بن خميس المالكي 779 - 781 تحقيق بدر بن سالم العبري. ط الأولى/ مكتبة الجيل الواعد معارج الآمال لنور الدين السالمي 171/ 6، المسألة الخامسة في صلاة المسجون" معارج الآمال لنور الدين السالمي 6 ص 482، الأمر الثالث: في صفة الإقامة التي يجب بها التمام" ابن فرحون (تبصرة الحكّام) ج 2 ص 264. وابن القيم (الطرق الحكمية) ص 104 - 105. فتح المنعم شرح صحيح مسلم 6 ص 585، و 7 ص 259 واستدل بعضم بقوله تعالى: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ. النساء. وابن عابدين (رد المحتار) ج 6 ص 113.
1 - أنظر أيضا في هذا التفصيل: الفتاوى الهندية (34) كتاب الدعوى. ففيها عدة فوائد من النوع وسيأتي بإذن الله في الجزء السادس من التطبيقات بعض ذلك.
هذا (1/46)
صفحة 47
47
محل سماع الدعوى
سماع الدعوى - في عرف الفقهاء - لا يكون إلا من القاضي أو ممن يقوم مقامه. وهم يريدون بهذا السّماع أمرين متتاليين:
الأمر الأوّل: الإنصات والإصغاء إليها لاستيعابها وإدراك خفاياها عند رفعها إليه من المدعي أو وكيله حيث نصوا على أنّ السّماع هنا يجب أن يكون كاملاً شاملاً محصلاً للفهم الصحيح؛ الذي أمر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في كثير من الأحاديث الواردة في ذلك، منها قوله لعلي كرم الله وجهه ... إِنَّ النَّاسَ سَيَتَقَاصَوْنَ إِلَيْكَ، فَإِذَا أَتَاكَ الْخَصْمَانِ فَلَا تَقْضِ لِوَاحِدٍ حَتَّى تَسْمَعَ كَلَامَ الْآخَرِ، فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ تَعْلَمَ لِمَنْ الْحَقُّ ""
وقوله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ
6
ورد هذا الحديث بعدة ألفاظ منها هذا النص المزبور أخرجه ابن حبان في كتاب القضاء ذكر أدب القاضي، 451/ 11 ح 5065. وأحمد 150/ 1، ح 1286، والهيثمي في مورد الضمان والمتقي الهندي في الكنز. وبلفظ: "عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تقاضيا إليك رجلان فلا تقض للأول حتى تسمع كلام الآخر فسوف ترى كيف تقضي. قال علي: فما زلت بعد قاضيا" أخرجه البيهقي 137/ 10 20256 والترمذي،618/ 3، ح 1331 وقال: حديث حسن. وأحمد 143/ 1 ح 1210، والبيهقي 137/ 10 ح 20256. وأخرجه الحاكم في المستدرك من طريق ابْنِ عَبَّاسٍ بلفظ: قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلِيَّا إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ: عَلّمْهُمْ الشَّرَائِعَ، وَاقْضِ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: لَا عِلْمَ لِي بِالْقَضَاءِ، فَدَفَعَ فِي صَدْرِهِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ اهْدِهِ لِلْقَضَاءِ. " المستدرك 99/ 4 ح 7003. وقال: صحيح
على شرط الشيخين.
-1 (1/47)
صفحة 48
??
حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ.
ونص عليه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الله في خطابه المشهور لأبي موسى الأشعري؛ في رسالة القضاء المشهورة، حين قال: "فافهم إذا أدلى إليك الخصوم ..
2
2 - أخرجه الإمام الربيع في المسند والبخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد وغيرهم. سيأتي
-2
بإذن الله.
ورد كتاب عمر
??
بعدة الفاظ متقاربة متفقة المراد وهذا أحدها كما في سنن الدار قطني 4/ 206 ح 15 كتاب في الأقضية والأحكام وغير ذلك " أما بعد فإن القضاء فريضة محكمة، وسنة متّبعة، فافهم إذا أُذلي إليك بحجة، وأنفذ الحق إذا وضح، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له، وأس بين الناس في وجهك ومجلسك وعدلك؛ حتى لا ييأس الضعيف من عدلك، ولا يطمع الشريف في حيفك، البينة على من ادعى واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا، لا يمنعك قضاء قضيته بالأمس راجعت فيه نفسك وهديت فيه لرشدك أن تراجع الحق، فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل، الفهم الفهم فيما يختلج في صدرك، مما لم يبلغك في الكتاب أو السنة اعرف الأمثال والأشباه ثم قس الأمور عند ذلك، فاعمد إلى أحبها عند الله وأشبهها بالحق فيما ترى، واجعل لمن ادعى بينةً أمدا ينتهي إليه، فإن أحضر بينة أخذ بحقه، وإلا وجهت القضاء عليه، فإن ذلك أجلى للعمى وأبلغ في العذر المسلمون عدول بعضهم على بعض؛ إلا مجلودا في حد أو مجربا في شهادة زور أو ظنينا في ولاء أو قرابة، إن الله تولى منكم السرائر ودرأ عنكم بالبينات، وإياك والقلق والضجر والتأذي بالناس والتنكر للخصوم في مواطن الحق التي يوجب الله بها الأجر ويحسن بها الذخر؛ فإنه من يصلح نيته فيما بينه وبين الله ولو على نفسه يكفه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزين للناس بما يعلم الله منه غير ذلك يشنه الله، فما ظنك بثواب غير الله عز و جل، في عاجل رزقه وخزائن رحمته، والسلام عليك. انتهى. وهو في أكثر النسخ "أدلى" وهنا عند الدار قطني "أُدلي" وفي مسند الفاروق عند ابن كثير" فافهم إذا أدلى إليك الرَّجلُ الحُجَّةَ" (1/48)
صفحة 49
49
إذ لا يتمكّن أي حاكم مهما كانت درجته من الحكم بالحق إلا بنوعين من
الفهم.
النّوع الأوّل: فهم الدّعوى التي عرضت عليه، وهو المعبر عنها بفهم الواقعة والفقه فيها أي الحكم الشرعي الذي ينطبق عليها فالحكم على الشيء فرع من تصرفه وبدون ذلك باطل، والحاكم به آثم.
النوع الثاني: فهم الواجب في الواقعة وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في مثل تلك الواقعة إنْ كان ثَمَّةَ سابقة حكم في ذلك. الامر الثاني: "قَبُول الدَّعْوَى مِنَ الْمُدَّعِي وهو: سَماعُها منه يُقَال: يقال: سمع القاضي دعوى فلان إذا قَبِلَها، ويقال: لم يسمعها إذا ردها، كما يقال: هذه دعوى مسموعة؛ أي مستجمعة لشروط القبول، وتلك دعوى غير مسموعة؛ أي: أنها لم تستكمل ما يطلب لسماعها.
وقد عرف الفقهاء الدعوى بتعريفات متقاربة يدعم بعضها البعض ويشرحه ومضى ذلك في التعريفات.
وهو أوضح في المعنى المراد، انظر: ج 2 ص 438 تحت عنوان "أثر في صفة القضاء" المحقق: إمام بن علي الناشر: دار الفلاح، الفيوم - مصر الطبعة: الأولى، 1430 هـ - 2009 م وسنن البيهقي الكبرى ج 10 ص 150 ح 20324 وقد سبق بحث هذا الموضوع في أدب القضاء للباحث، بما يغني عن الاطالة هنا، فارجع إليه إن رغبت المزيد وانظر: منهج الطالبين 8 ص 5؛ القول الثاني فيما
جاء من الاخبار في الحكام وسيرهم وأشباه ذلك. شرح النيل للقطب اطفيش 13 ص 62. انظر أيضا في هذا المعنى: الموسوعة الفقهية الكويتية ج 243/ 25 - 244، وإعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم الجوزية 85/ 1 - دار الجيل، بيروت. لاسيما كتب الأصحاب أهل الحق والاستقامة التي مرت بك والآتية بإذن الله. فهي بفضل الله جل مليئة بهذا.
-1 (1/49)
صفحة 50
50
والذي يتعين ذكره هنا أنَّ الدعوى مهما كان نوعها لا يتجه سماعها ولا يتحتم إلا في حالتين
الأولى: أن تكون صحيحة مستجمعة لشروطها.
والثانية: أن تكون مدعومةً ببينة شرعية تشهد بصدق دعوى المدعي، أو اعتراف
المدعى عليه.
فسماع الدعوى في الحالة الأولى يوجب للمدعي طلب الجواب من المدعى عليه مع حمله على اليمين إن أنكر.
وهل إن ادَّعَى ولم يقل سله جواب دعواي أو نحوه يجوز للقاضي سؤاله؟ فالجواب نعم على الأصح؛ لأنه من ضروريات الفصل في الخصومة، وكذا له أن يستفصله عن وصف أطلقه، لا شرط أهمله بل يلزم القاضي الإعراض عنه حتى يصحح دعواه.
وليس له سماع الدعوى الباطلة، كما مرَّ وما سيأتي بإذن الله تعالى. وكذا ما نشأت من الدعاوى بعقد أجمع على فساده، إلا لنحو رد الثَّمَن وله سماعها بمختلف فيه ليحكم فيه بما يراه.
وفي الحالة الثانية يوجب سماع الحاكم للمدعي بمقتضى الحجة الشرعية
التي أقامها. 1
1 - أنظر: الموسوعة الفقهية الكويتية - 25 ص 244 و 393. (1/50)
صفحة 51
شروط الدعوى الصحيحة
تقدم أن الصحيحة ما كانت معتبرة شرعا بأن استوفت شروطها. وشروطها ثمانية.
الشرط الأول: بيان المدعى فيه، وهو معنى قولنا: أن تكون معلومة. وذلك أن يكون المدعى فيه متصوّرا في ذهن المدعي والمدعى عليه والقاضي بأحد نوعين - النوع الأول: بيان عينه كدعوى أنَّ هذا الثوب أو الفرس اشتراه منه، أو أن هذه الدراهم غصبت منه، أو بيان صفته؛ كَلِي في ذمته ثوب أو فرس صفتهما كذا، أو نقود نوعها كذا وسببها كذا، أو سبَّني أو شتمني أو قذفني بلفظ كذا، إذ ليس كل سب وشتم يوجب الحد.
النوع الثاني: بيان سبب المدعى فيه المعيَّن؛ كدعوى المرأة الطلاق أو الردة لتحرر نفسها، وهذه دعوى معيَّنة، أو بيان سبب ما في ذمة المعيَّن كدعوى المرأة المسيس؛ ليترتب لها الصداق في ذمة الزوج أو دعوى القتل خطأ لتترتب الدية على المدعى عليه، أو على العاقلة المعينة بالنوع.
وهذا النوع بمثاليه راجع في المعنى للنوع الأول؛ لأنَّ المدعية تقول فيهما أحرزت نفسي؛ لأنك طلقتني ولي عليك صداق؛ لأنك مسستني، أو لي عليك دية لأنك قتلت وليي، وكذا لو قال بعتُ لك داري أو أجرتها لك، فادفع لي ثمنها أو
أجرتها.
ولذكر السبب في هذا النوع لا يحتاج المدعي فيه لبيان السبب لأنه مذكور
بخلاف النوع الأول فلا بد من بيانه كأن يقول من تعد أو بيع. (1/51)
صفحة 52
52
وكفى بعت وتزوجت وحمل على الصحيح، وإلا فليسأله الحاكم عن السبب، وللمدعى عليه السؤال عن السبب.
الشرط الثاني: تحقيق الدعوى بالمدعى فيه أي جزمها وقطعها، وهو معنى قولنا {محققة بأن يقول لي عليه كذا، احترازا من نحو أشك أو أظن أنَّ لي كذا فإنها لا تسمع غالبا.
واحترز بغالبا بعض الحالات التي لا يتمكن فيها المدعي من القطع كما إذا كان موضوع الادعاء غير مباشر فيه، وذلك كمن وجد وثيقة في تركة موروثه أو أخبره عدل بحق له، فلا يفيده ذلك إلا الظن، ومع ذلك يجوز له إقامة الدعوى به، وتسمع دعواه على المدعى عليه. وكما لو شهد بالاستفاضة أو السماع والفلس وحصر الورثة وهكذا في
أمثالها.
الشرط الثالث: تعيين المدعى عليه فلو قال في دعواه على حاضرين في دعوى قتل قتله أحدهم) أو قتله هذا أو هذا أو هذا لا تسمع الدعوى حتى يحققها على شخص معين.
أو يدعي على العموم فتكون قسامة، وذلك إذا وجد قتيل أو بعضه وتحقق موتُه في محلة منفصلة عن بلد كبير، أو في قرية صغيرة لمن لا يطرقها غيرهم، لا في سوق أو
1 - أنظر القرافي السابق. التسولي البهجة في شرح التحفة (511 تأليف أبي الحسن علي بن عبد السلام التسولي الناشر: دار الكتب العلمية، لبنان، بيروت س 1418 هـ -، - 1998 م الطبعة: الأولى.
ببعض تصرف. (1/52)
صفحة 53
53
مسجد جامع، أو بلد كبير لا يمكن حصر مرتاديه، أو على قارعة الطريق العام، فلا لوث ولا تسمع الدعوى حتى يحددها.
وإنما تثبت القسامة في القتل دون غيره وقوفا مع النص وشرطها ألَّا يُعلم القاتل ببينة أو إقرار أو علم قاض.
وقد بحثت هذه المسألة في جهد المقل بما يغني عن الاطالة هنا فراجعها من
هنالك.
وكذا في دعوى نحو غصب وسرقة وإتلاف وغيرها من كل ما يتصور فيه انفراد المدعى عليه بسبب الدعوى فلا تسمع فيه على مبهم.
الشرط الرابع: ألا يناقضها دعوى أخرى فحينئذ لو ادعى على شخص انفراده بالقتل ثم ادعى على آخر انفرادا أو شركة فتسقط دعواه على الأول ولا تسمع على الثاني للتردد على الصحيح.
الشرط الخامس كون المدعى فيه ذا غرض صحيح أي يترتب عليه نفع شرعي للمدعي احترازا من الدعوى بقمحة واحدة أو شعيرة واحدة أو عشر سمسمة،
ونحو ذلك.
الشرط السادس كون المدعى فيه مما لو أقر به المطلوب لقضي عليه به؛ قليلا كان أم كثيرا.
وذلك احترازا من الدعوى بأكثر مما أقر به المطلوب ولا بينة للطالب فالقول قول المطلوب مع يمينه أنه ليس في ذمته سواه حيث نازعه الطالب وادعى أكثر مما أقرّ به والا فلا يمين. (1/53)
صفحة 54
54
وبالعكس؛ إن أنكر المطلوب - المدعى عليه - للقدر والجنس وطلب من الطالب -المدعي- تعيينه والحلف عليه كلف أيضا، فإن أبى من التعيين والحلف فلا حق
له، للقاعدة المشهورة عند الفقهاء. "من لم يحلف على حقه فلا حق له .. " وما رواه عَلْقَمَةُ بْنُ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ الْحَضْرَمِي عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ وَرَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذَا غَلَبَنِي عَلَى أَرْضِ كَانَتْ لِأَبِي فَقَالَ الْكِنْدِيُّ هِيَ أَرْضِي فِي يَدِي أَزْرَعُهَا لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِلْحَضْرَمِي أَلَكَ بَيِّنَةٌ قَالَ: لَا. قَالَ: فَلَكَ يَمِينُهُ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ فَاجِرٌ لَيْسَ يُبَالِي مَا حَلَفَ لَيْسَ يَتَوَرَّعُ مِنْ شَيْءٍ. فَقَالَ: لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلَّا ذَلِكَ ... "
-1
هذه القاعدة كثيرا ما ترد في كتب الفقه ويذكرونها حديثا، والذي يظهر لذهني القاصر أنها: قاعدة قعدها الفقهاء لإنهاء الخصومات أخذا من حديث الحضرمي الآتي: " .. ليس لك إلا ذلك" وقد بحثت عنها حسب طاقتي في كتب الحديث فلم أجدها نصا مرفوعا إلى المعصوم ولعلني
لم أهتد إليها. 2 - أخرجه ابو داود ح 3623 والحميدي الجمع بين الصحيحين ح 3105, البيهقي باب الرجلين يتنازعان المال وما يتنازعان في يد أحدهما ج 10 ص 254 ح 21744 وباب المتداعيين يتداعيان شيئا في يد أحدهما ج 10 255 ح 21754، وأخرجه أحمد في مسنده من حديث وائل بن
حجر
ص
18384 والبيهقي باب من قال ليس للقاضي أن يقضي بعلمه 21008 والنسائي في الكبرى
باب الألد ج 3 ص 284 ح 5989، وباب كيف يمين الوارث، ج 3 ص 288 ح 6002، وأبو عوانة في مسنده بيان ذكر التشديد فيمن حلف بعد العصر كاذبا ح 5981 ج 4 ص 48 وباب الخبر الموجب الحكم بأصل الشيء. ج 4 ص 189 ح 6463 - 6464 والبزار في مسنده ح " 4477 مسند بريدة ج 2 ص 145 والطحاوي في المشكل، ومسلم في وعيد من اقتطع حق مسلم بيمينه، ج 1 ح 375 وغيرهم. وانظر تطبيقات القواعد للباحث ج 1 تفويض القضاء. (1/54)
صفحة 55
55
واحترازا من الدعوى عليه بالوصية للمساكين، ومما يؤمر فيه بالطلاق من غير قضاء كقوله: إن كنتِ تحبينني أو تبغضينني فأنت طالق، ومن الدعوى على المحجور عليه ببيع ونحوه من المعاملات فلا يلزمه، ولو ثبت بالنية بخلاف ما إذا ثبت عليه الاستهلاك أو الغصب، ونحوهما.
الشرط السابع: كون العادة لا تكذب الدعوى بالمدعى فيه. كما مر المقدمة وما سياتي إن شاء الله في تفصيل ذلك.
في أول
وذلك احترازا مما تنافيه العادة المعتبرة شرعا كمن يدعي رجلاً مشهور النسب من غيره أنه ابنه أو أنه مملوكه أو أكبر منه سنا أنه ولده أو له عليه دين منذ عشرين سنة مثلا وعمره أقل من ذلك وأمثال هذا.
واحترازا من الدعوى بالغصب والفساد وموجب الفسق على رجل صالح؛ مشہور بالعفة والصلاح.
قلت: الدعوى على الرجل الصالح المشهور بالصلاح والعفة لا تقبل في الأنواع المشعرة بالفساد والفسق؛ كالغصب والزنى والمجون، فلو ادعى رجل على رجل أنه سرق متاعه والمدعى عليه من لا يتهم، فإن المدعي لا تسمع دعواه لقيام شاهد الحال على كذبه وقصده الأذى، ويؤدب المدعي على خلاف في ذلك.
أما حقوق الآدميين المالية فالدعوى مقبولة إن توفرت شرائط صحتها وقد اجتمعت الأمة على أن الصالح التقي الكبير العظيم المنزلة والشأن في العلم والدين كأبي بكر الصديق أو عمر بن الخطاب أو ابن عباس لو ادعى على أفسق الناس وأدناهم درهما لا يصدق فيه بمجرد دعواه، وإنما هو مدع وعليه
1 - أنظر: القرافي السابق شرح ميارة الإتقان والإحكام في شرح تحفة الحكام 19/ 1، ابن فرحون تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام 1 ص 148. (1/55)
صفحة 56
،البينة، والمطلوب مدعى عليه.
والقول قول المطلوب مع يمينه مع عدم البينة، وعكسه لو ادعى الطالح على الصالح لكان الحكم كذلك؛ لقول النّبي: فيما رواه عنه ابن عباس "لو يُعطى الناسُ بدعواهم لادَّعى رجال أموال قوم ودماءهم، ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر
وفي رواية بلفظ: "لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال دماء رجال وأموالهم ولكن البينة على الطالب واليمين على المطلوب"
ويرى أبو يوسف صاحب أبي حنيفة أنَّ " أربعة أشياء يستحلف القاضي المدعي عليه قبل أن يسأل المدعى عليه عن ذلك.
أحدها: الشفيع إذا طلب من القاضي أن يقضي له بالشفعة يحلفه بالله لقد
طلبت الشفعة حين علمت بالشراء، وإن لم يطلب المشتري ذلك.
وعند أبي حنيفة ومحمد لا يستحلفه. الثاني: البكر إذا بلغت فاختارت الفُرقة وطلبت التفريق من القاضي يستحلفها بالله لقد اخترت الفرقة حين بلغت وإن لم يطلب الزوج.
1 - أخرجه البيهقي 252/ 10، رقم 20990. والامام الربيع كتاب الأحكام ح رقم 592، صحيح البخاري 43/ 6 ح 4552، وصحيح مسلم 128/ 5 ح 1711 وعبد الرزاق 15193، وابن ماجه ح 2321، والنسائي في الكبرى 5994، والطحاوي في شرح معاني الآثار 191/ 3، وابن حبان ح 5082 و 5083، والطبراني في الكبير ح 1124 - ، وفي الأوسط ح 7971 الشافعي في مسنده ح 1693 والبغوي ح 2501. وابن ابي عاصم في الديات بلفظ: "لو أعطي رجال بدعواهم، لأصبح رجال يدعون قبل رجال دما وأموالا، ولكن البينة على من ادعى واليمين على من أنكر" ح 140 ص 199. وانظر: الجامع لابن بركة 2/ 267 و 384 - 385، و 452 و 456 و 468.
2 - أخرجه البيهقي 252/ 10، ح 20989.
، 1125 - (1/56)
صفحة 57
57
الثالث: المشتري إذا أراد الرد بالعيب يحلفه القاضي إنك لم ترض بالعيب ولا عرضته على البيع منذ رأيته.
الرابع: المرأة إذا سألت القاضي أن يفرض لها النفقة في مال الزوج الغائب يحلفها بالله ما أعطاك نفقتك حين خرج.
ومن ذلك مسألة الحيازة المعتبرة فإن الدعوى لا تسمع فيها، بعد استكمال المدة التي حددها الشارع بشروطها.
وقيل تسمع، ويؤمر المطلوب بجوابها لعله يقر أو ينكر فيحلف .. " " وسيأتي بيان ذلك بإذن الله عل.
الشرط الثامن: تعيين عين المدعى فيه وإحضاره إن كان من العروض المنقولة ولا يتعذر إحضاره، أو حضور القاضي فيه مع الخصوم إن كان ثابتا غير منقول كالعقار الثابت.
ولو شك المدعي في بقاء العين في المنقول فيدعيها أم تلفت فيدعي القيمة فقال: غصب مني كذا، فإن بقي لزمه رده وإلا فقيمته في المتقوم ومثله في المثلي. سمعت دعواه وإن كانت مترددة؛ للحاجة.
ثم إن أقر المدعى عليه بشيء فذاك، وإلا حلف فإن رد اليمين حلف المدعي كما ادعى وإن نكل فلاحق له كما مر أنفا.
1 - الفتاوى الهندية 13/ 4 و 20، السابق. المحيط البرهاني للإمام برهان الدين ابن مازة 8/ 740 فما
بعدها. ببعض تصرف.
2 - أنظر: القرافي المرجع السابق. (1/57)
صفحة 58
??
دفع
وقيل: لا تسمع دعواه وذلك كمن دفع ثوبه لدلال ليبيعه فجحده الدلال وشك المالك هل باعه فيطلب الثمن أم أتلفه فيطلب قيمته أم هو باق فيطلب رده، فعلى الأول والأصح تسمع دعواه؛ مترددة بين هذه الثلاثة فيدعي أَنَّهُ إليه ثوبه ليبيعه له، ويطلب رده أو ثمنه إن باعه أو قيمته إن أتلفه، ويحلف الخصم يمينا واحدة أنه لم يعطه ثوبا يبيعه له، ولا يلزمه تسليم الثوب ولا ثمنه ولا قيمته، فإن رد حلف المدعي كما ادعى. وان ادعى الدلال التلف كُلّف البيان؛ لأن الأصل عدم التلف، ويحلف عند عدم البينة أنه تلف منه دون تقصير منه، فإن رد اليمين على المالك حلف المدعي - المالك- أنه لا يعلم التلف ثم يحبس له حتى يقر أو يدفع وهكذا.
وإنما اعتبر الدلال مدعيا لأنه أجير وليس بأمين، وقيل: هو أجير في السلعة أمين في الثمن، وعلى كل فالأصح أنه مدع في كلا الأمرين وعليه ما على المدعي وصاحب السلعة مدعى عليه فليتنبه.
قال النور السالمي
وإن يكن قد ادعى الدلال .... أن ذهبت سلعته والمال
فإنه يكون في ذا مدعي .... تلزمه بينة إذ يدعـ وإن يك ادعى ذهاب الثمن ... من يده من بعد بيع
المثمن
ـــــول
فقيل قوله هنا مقبول .... مع يمينه لما يقـ وقيل في الحالين مدع ولا .... يسمع إلا ببيان قبلا
1 - نور الدين السالمي جوهر النظام باب الإجارة. (1/58)
صفحة 59
09
وكذا لا تسمع شهادة الشهود بصفة لعين غائبة عن مجلس الحكم لعدم التحقق من المشهود فيه هل هو أم غيره فتنقلب شهادة في مجهول والشهادة في المجهول باطلة غير مقبولة، نعم إن شهدت بينة بإقرار المدعى عليه باستيلائه
على كذا ووصفه الشهود سمعت للضرورة على رأي والراجح عدم القبول قال العلامة أبو سعيد " ... فإذا ثبت في الموتى ألا تقبل فيهم شهادة في الحدث الموجب للبراءة لزوال الحجة عنه، وثبوت حجته على غير ذلك، فكذلك في الغائب عن سماع الحجة عليه من الشهادة والحجة عليه بعد الشهادة، فيما يوجب ذلك.
ومن هنالك ثبت في بعض ما قيل: إنه لا تجوز الشهادة في الحدث الموجب للبراءة إلا بحضرة المشهود عليه، ففي ثبوت هذا تعليل لجميع ما قيل من قبول الشهادة على أحد من الموتى.
وفي الإجماع على أن ذلك لا يقبل في العلماء والأئمة ما يوجب ذلك في غير الأئمة والعلماء، لئلا تختلف الأحكام في شيء من أحكام الإسلام، فيما كله خارج مخرج الدعوى والاختصام، ولا يختلف ذلك في شيء غيره. ولا يجوز الاختلاف في الأحكام في الدعاوى والخصومات، من أجل حق لمسلم، وسقوط ذلك عن ظالم، وهذا من الحيف.
وقد جاء في الأثر المجمع عليه، أنه ليس في ديننا حيف لمسلم من أجل حبنا وولايتنا إياه تتساوى فيها بين أهل الإسلام وغيرهم من الأنام ولا تختلف، فثبت في حكم الإجماع إلى أن قال: ومن هاهنا خرج في التأويل الصحيح أنه لا تجوز الشهادة في الأحداث على الموتى، كائنا من كان منهم، ولا على من لم يحضر منهم سماع الشهادة عليه، أو يحتج عليه من بعد سماع الشهادة، بما يجوز فيه ذلك. (1/59)
صفحة 60
7.
وبهذا يتضح أنه لا تقبل الشهادة في البراءة إلا بمثل ما تقبل عليه في الحدود، وبحضرته تكون الشهادة لا في غيبته، ولو كان غائبا من مصره لم تجز الشهادة عليه؛ كالشهادة عليه في الحدود، وإذا غاب عن سماع البينة حيث لا تناله الحجة فتستثنى له حجته، لأن ذلك إنما هو يخرج في حكم ماله لا في حكم نفسه من حد ولا براءة.
ولا تقطع حجته في سماع بينة يكون الحكم عليه بها في ذات نفسه، إلا
بسماعه البينة بنفسه، لأن الحكم في نفسه، فافهم ذلك إن شاء الله. 1
ويؤيد هذا الرأي وهو أنه لا تسمع البينة الا بحضرة المشهود عليه مطلقا في جميع الدعاوى ولو لم تكن حدية أو تعزيرية من السنة المشرفة: قول الرسول صلى الله عليه وسلم لعلي حين وجهه لليمن: "لا تقضين حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء" 2
-1
المعتبر ج 2 ص 166 - 169 باب منازل ما يستحق العبد في حكم الإسلام ط التراث الأولى. وفي المطبوع اختلاف في بعض الألفاظ وسقط في العبارة فليتنبه والتصحيح من مخطوطة التراث الرقم العام 1125 والخاص 594 فقه. ص 118 - 119. وانظر ص 145 فما بعدها في الدعوى بين الامام ورعيته. والجزء الثاني من تطبيقات القواعد للباحث الفرع الخامس تقادم الدعوى الحدية. فهنالك فوائد جمة منهج الطالبين وبلاغ الراغبين 10/ 45، القول الحادي عشر في الأجل في إحضار البينات. كتاب الإيضاح في الأحكام لأبي زكريا يحيى بن سعيد العماني 205/ 1) باب (في سماع البيِّنات) السير والجوابات لعلماء وأئمة عمان تحقيق سيدة إسماعيل كاشف 1/ 250؛ سيرة أبي المؤثر الصلت بن خميس إلى أبي جابر محمد بن جعفر. الجامع لابن جعفر 4/ 150 فما بعدها ط التراث.
2 - أخرجه أبو داود في الأقضية باب كيف القضاء، وأحمد في المسند 111/ 1. (1/60)
صفحة 61
61
وجه الدلالة: أنه ما لا نهاه عن القضاء لأحد الخصمين قبل سماع كلام الآخر؛ لأن الجهالة تمنعه من القضاء، ولأنها لا ترتفع - الجهالة - إلا بسماع كلامهما. والقضاء للمدعي حال غيبة المدعى عليه قضاء لأحد الخصمين قبل سماع كلام الآخر فكان منهياً عنه.
ومن المعقول إنَّ البينة اسم لما يحصل به البيان وليس المراد أنها بينة في حق المدعي فقط لأنه حاصل بقوله، ولا في حق القاضي لأنه حاصل بقول المدعي إذا لم يكن له منازع، وإنما الحاجة إلى البيان في حق الخصم الجاحد وذلك لا يكون إلا
بحضوره
وكمال البينة بحضور الخصم لأن البينة اسم للحجة، ولا تكون حجة عليه مالم يظهر عجزه عن الدفع والطعن، وظهور عجزه لا يكون إلا بحضوره. وبغيبة المدعى عليه فات شرط من شروط الحكم في الدعوى وهو الإنكار، وفوات شرط الشيء، كفوات ركنه في امتناع العمل به،
وإنكاره وإن كان ثابتاً بطريق الظاهر لا يثبت عندنا مالم يتيقن به". وقد يحضر المدعى عليه ويبطل الحكم، كأن يطعن بالبينة أو يُقر ويدعي الأداء، أو أن المدعي أبرأه من الحق أو وهبه إياه الخ ويبين ذلك، والقضاء عليه حال غيبته يبطل هذه الحقوق، وصونُ الحكم عن البطلان أولى.
1 - انظر: فتح القدير 494/ 5.
2 - انظر: بدائع الصنائع 222/ 6 - المبسوط 39/ 17. (6) المبسوط 39/ 17 - فتح القدير 494/ 5.
- انظر: المبسوط 39/ 17 - فتح القدير 494/ 5.
4 - بتصرف انظر: فتح القدير 493/ 5 (1/61)
صفحة 62
62
وأما إن كان القضاء عليه بإقراره لا بالبينة، فليس له حق الطعن، والقضاء عليه حال غيبته لا يبطل حقاً له؛ لإقراره بالحق وتوليه عن الأداء بعد الإقرار، والقضاء عليه هنا قضاء إعانة أي إعانة على تنفيذ الاحكام وإنهاء الخصام، وإذا أنفذ القاضي إقراره سلَّم إلى المدعي حقه.
وأمَّا وجه قول القائلين بالتفصيل وهو عدم جواز سماع البينة في الحدود والتعازير على الغائب هو أنَّ الحدود تدرأ بالشبهات والغيبة شبهة قوية والحاكم ليس له التفتيش والتجسس على الناس والتجسس حرام منهي عنه، ومن غاب عنه فلا يطلبه لذلك، وقد لام و الصحابة لعل الله لما تبعوا ماعزا حين هرب من الحد، أما كونه لم يضمنهم لأنهم فهموا أنَّ الشارع لما ابتدأ التنفيذ للحد وأمرهم بإكماله في قضية ما عز نفسها وجوب التنفيذ عليهم حتى الكمال ولو هرب عليهم أن يتبعوه فهموا ذلك من الأمر، ولذلك ما ضمنهم لا لا لا ديته لأنهم اجتهدوا في فهم النص، وقد كان هو نفسه الذي ابتدأ الحد وأمرهم الإتمام، وذهب عنهم، فهرب ماعز لما
أثخنته الحجارة بعد خروج الرسول الله عنهم، وقد تقدم بيان ذلك في الجهد. وجواز سماع البينة على الغائب في الحقوق والقضاء عليه بها هو لئلا يتخذ ذلك الخصوم ذريعة للهرب من القضاء والتولي بحقوق الناس، ولو لاه لضاعت الحقوق، واستمر أمد الخصام، ولم يتحصل أحدٌ إلى حقه؛ طالما كان خصمه
غائبا.
وليس في ذلك ظلم، طالما يمكن عند حضوره إعادة المحاكمة؛ إن وجد لإعادتها ما
يبررها. (1/62)
صفحة 63
63
والأولى من ذلك كله إحضار الغائب خروجا من الخلاف، وإلا حكم عليه فإن حضر بعد الحكم عليه وطلب إعادة المحاكمة أعيدت المحاكمة من جديد، إن ظهر من واقع الأمر ما يبرر إعادة المحاكمة.
وقد أجمعوا في الخصم أنه إذا شاء خاصم، وإن شاء ترك الخصومة واستعفى عنها، إذا كان له الحق، وإذا كان عليه الحق كان له أن يوكل وكيلا يسمع عليه البينة، ولا يصل إلى الحكم في القرية، ولو قدر على ذلك لسماع البينة، ولا نعلم في ذلك اختلافا، وأنَّ على الشهود في الأحكام الوصول إلى الحاكم في البلد إلى موضع حكمه، حتى يؤدوا ما لزمهم من الشهادة
"
وترجح البينة بتاريخ سابق؛ فلو شهدت البينة لأحد المتنازعين في عين بيدهما أو يد ثالث أو ليست بيد أحد؛ بملك من سنة إلى الآن وشهدت بينة أخرى للآخر بملك لها من أكثر من سنة إلى الآن كسنتين فترجح بينة ذي الأكثر لأنها أثبتت الملك في وقت لا تعارضها فيه الأخرى.
ولصاحب التاريخ السابق أجرة وزيادة حادثة من يوم ملكه بالشهادة لأنها فوائد ملكه. وإذا كان لصاحب متأخرة التاريخ يد لم يعلم أنها عادية قدمت على الأصح.
ولو ادعى في عين بيد غيره أنه اشتراها من زيد منذ سنتين فأقام الداخل بينة أنه اشتراها من زيد منذ سنة قدمت بينة الخارج لأنها أثبتت أن يد الداخل عادية
1 - أبو سعيد الكدمي؛ المعتبر السابق ص 171. فما بعدها.
2 - انظر: الإيضاح في الأحكام لأبي زكريا يحيى بن سعيد باب في الدعوى في شيء واحد من وجهين ج 3 ص 152 نقلا عن كتاب لأبي صفرة. الكندي المصنّف 14 ص 112 و 120. الكندي: بيان الشرع، 123/ 30. بدائع الصنائع 155/ 14 وانظر ما سيأتي بإذن الله في القضاء على الغائب. (1/63)
صفحة 64
64
بشرائه من زيد ما زال ملكه عنه ولو اتحد تاريخهما أو أطلقتا أو إحداهما قدم
ذو اليد.
ولو شهدت بينة بملك أمس ولم تتعرض للحال لم تسمع كما لا تسمع دعواه بذلك حتى تقول ولم يزل ملكه الى أن أدينا شهادتنا أولا نعلم له مزيلا أو تبين سبب تلقيه له كأن تقول اشتراه من خصمه أو أقر له به أمس ولا نعلم له مزيلا. لان دعوى الملك السابق لا تسمع فكذا البينة
ولو قال من بيده عين اشتريتها من فلان منذ شهر وأقام به بينة، فقالت زوجة الذي يدعي ذو اليد الابتياع منه: هي ملكي تعوضتها منه منذ شهرين، وأقامت بينة على ذلك، فإن ثبت أنها بيد الزوج حال التعويض حكم بها لها، وإلا بقيت بيد من هي بيده آن ذاك.
وإن كان من واقع الدعوى ما يبرهن إمكان انتقال الملك إلى من شهدت له البينة بالتاريخ الحادث ممن يدعي ذو البينة المتقدمة أيلولة الملك إليه منه، إلى ذي البينة
1 - انظر: فتح المعين بشرح قرة العين بمهمات الدين لزين الدين أحمد بن عبد العزيز بن زين الدين بن علي بن أحمد المعبري المليباري الهندي الشافعي (المتوفى: (987 هـ) الناشر: دار بن حزم الطبعة: ص: (640 وإعانة الطالبين على حل ألفاظ فتح المعين (حاشية على فتح المعين بشرح قرة العين بمهمات الدين المؤلف: أبو بكر المشهور (بالبكري) عثمان بن محمد شطا الدمياطي الشافعي (المتوفى: 1310 هـ) ج 4 ص 305 الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوريع الطبعة: الأولى، 1418
هـ - 1997 م بتصرف. (1/64)
صفحة 65
اللاحقة كالميراث مثلا فهنا تُقدم البينة ذات التاريخ اللاحق، لأنَّ الأموال تتبدل من شخص لآخر بأسباب كثيرة، وذلك كمن يدعي أن المال الذي بيد فلان ملكه ورثه من أبيه، فأتى ذو اليد بينة أن أبا المدعي باع له هذا المال في حياته، فهنا تقدم بينة الشراء التي أدلى بها ذو اليد؛ لأنها وقتت وفصلت في شهادتها أن ذلك المال كان ملكا لأب المدعي، فباعه إلي المدعى عليه ذي اليد في حياته وقبضه منه وهو في يده حتى
أدوا شهادتهم. قال في المنهج: "واختلفوا في البينات إذا وقتت إحداهما ولم توقت الأخرى فقيل: بينة الذي وقتت بينته هي أولى وقيل سواء، وأحب إلي قول من قال البينة التي وقتت
أولى.
واختلفوا في البينتين إذا وقتتا جميعاً واختلفتا في الوقت وأكثر قولهم: أنَّ بينة ذي الوقت الآخر أولى لأنه يمكن الانتقال من ذي البينة الأولى إلى ذي البينة الأخيرة، مثل ذلك في رجلين ادعيا عبداً فأقام أحدهما البينة أنَّ أباه مات وتركه ميراثاً له لا يعلمون له وارثاً غيره، وأقام الآخر البينة أن أباه باع هذا العبد لهذا المدعي في حياته فبينة المشتري أولى وشهادة الشراء تنقض شهادة الميراث. وكذلك لو شهدوا أنَّ الميت تصدق به على هذا أو أعطاه إياه أو وهبه له أو نحله
إياه.
-1
منهج الطالبين وبلاغ الراغبين لخميس الرستاقي القول الحادي والأربعون في الدعوى والحكم في الميراث واليمين في ذلك (4715) التاج المنظوم من درر المنهاج المعلوم لعبد العزيز الثميني الباب الحادي والأربعون في الدعوى والحكم في الميراث واليمين في ذلك (418/ 7) (1/65)
صفحة 66
وإذا كانت الدار أو غيرها في يد رجل فأقام آخر شاهدين أن أباه مات وتركها ميراثاً له لا يعلمون له وارثاً غيره، وأقام هذا شاهدين أنَّ أباه تزوج عليه أمَّه وأنَّ أمَّه فلانة ماتت وتركتها ميراثاً له لا يعلمون لها وارثاً، غيره فإنه يقضى بها لابن المرأة، لأن
1
الرجل قد خرج منها حين تزوج عليها كأنه قد باعها. 1 قال الباحث ولا تناقض ولا تنافي بين هذه المسائل كلها ففي مسألة الزوجة وإن أخذنا بالبينة السابقة تاريخا فلأنها بينت انتقال الملك من زوجها إليها قبل تلقي ذو اليد منه ذلك المال فهو وان كانت بينته أحدث تأريخا؛ إلا أنها نصت على بيعه إياه بعد أن صار ذلك الماك لزوجته منتقلا إليها بحق لها عليه، فلو ثبت مدعاه مثلا فيكون تلقيه له بالشِراء من غير مالكه وابتاع منه ما لا يملكه، فالبيع غير صحيح من أصله، ولم توضح بينته أن الزوجة كانت عالمة بالتصرف وتم ذلك برضا منها لم تذكر البينة أي شيء من ذلك، بل ولو بينت العلم ولم تصرح بالرضا المطلق منها، لم تقبل لأنَّ الزوجة ضعيفة في جانب الزوج فهي كالأسير تحت تصرف آسره وقد تسكت خشية على نفسها لأسباب كثيرة فتصرفه في مالها في غير مصالحها مردود على الصحيح.
وفي المسألتين الأخيرتين وإن أخذنا بالبينة الأحدث تأريخا لأن البينة أوضحت أن ذلك المال انتقل ممن يدعى الميراث منه إلى ذي البينة الأحدث تأريخا انتقل منه في حياته، فتبين من ذلك أن ذات المال لم يكن ملكا للمورث أثناء خروجه من الدنيا بل هو خارج منه قبل ذلك فتأمل جيدا.
1 - المنهج المرجع السابق ص 472 والتاج السابق ص 418 - 419. (1/66)
صفحة 67
67
تقسيم الدعاوى
الدعاوى في هذه الصفة ثلاثة أقسام قسم تصدقه العادة كدعوى القريب الوديعة أو العارية أو الأمانة.
(وقسم) تكذبه العادة كدعوى الحاضر الأجنبي ملك دار في يد غيره، وهو حاضر يراه يهدم ويبني، ويؤجر مع طول الزمان، من غير وازع يزعه عن الطلب من رهبة أو رغبة، فلا تسمع دعواه لظهور كذبها، والسماع إنما هو لتوقع الصدق فإذا تبين الكذب عادةً امتنع توقع الصدق والقسم الثالث ما لم تقض العادة بصدقها ولا بكذبها كدعوى المعاملة بين مدعيين في شيء جائز شرعا ما لا تكذبه العادة.
وبناء عليه تكون الدعوى نوعين: دعوى صحيحة مقبولة، ودعوى فاسدة مرفوضة. كما مر في أقسام الدعاوى والفرق بينها.
فالدعوى المقبولة هي التي استكملت شرائط الصحة المتقدمة، ويتعلق بها أحكامها المقصودة منها وهي إلزام الخصم الحضور إلى ساحة المحكمة بواسطة أعوان القاضي، وإجابته دعوى المدعي، واليمين إذا أنكر المدعى به
ويثبت فيها حق المدعي بطرق الإثبات المشروعة؛ كالبينة وهي: الشهادة: أي: الإخبار من مقبولي الشهادة في مجلس القضاء بحق شخصي لمدع على غيره، أو الكتابة بشروطها ونحوها من اليمين والقرينة عند معتبرها.
والدعوى المرفوضة أو الفاسدة الباطلة: هي التي لم يتوافر فيها شرط من شروط القبول المذكورة آنفاً ولا تترتب عليها الأحكام السابقة المقصودة من الادعاء، كأن يكون المدعى به مجهولاً؛ لأن المجهول يتعذر إثباته بالشهادة، فلا يمكن للشهود أن يشهدوا به، ولا يتمكن القاضي من القضاء بالمجهول. (1/67)
صفحة 68
68
وإن ادعى بدين من الأثمان ذكَرَ الجنس دنانير أو دراهم والنوع والبلد الصادرة باسمه مصرية أو عمانية أو مغربية أو ...... الخ والصفة صحاحا أو مكسرة والمقدار والسكة.
ويذكر في غير الأثمان الصفات المعتبرة في السلم وذكر القيمة مع الصفات أحوط، وما لا تضبطه الصفة كالجواهر فلا بد من ذكر القيمة من غالب نقد البلد، ويذكر في الأرض والدار اسم الصقع والبلد، وفي السيف المحلى بالذهب قيمته، فضة، وبالفضة قيمته ذهبا، أو بهما أو قومه بما شاء منهما؛ لأنه موضع ضرورة، ولا يلزم ذكر سبب ملك المال، بخلاف سبب القتل والجراح؛ لاختلاف الحكم هاهنا دون المال بالعمد والخطأ، وهل قتله وحده أو مع غيره؟ ولأنَّ إتلاف النفس لا يستدرك بخلاف المال ...
فالدعوى التي لم تكتمل فيها الشروط والصفات السابق ذكرها تسمى ناقصة. والناقصة إما لنقص صفة كقوله: لي عليه ألف ولا يبين صفتها، أو نقص شرط كدعوى النكاح من غير ذكر ولي ولا شهود.
وكلاهما لا تسمع، إلا دعوى الممر في ملك الغير أو حق إجراء الماء فلا يشترط تعيين ذلك بحد أو ذرع بل يكفي تحديد الأرض والدار.
والزائدة تارة لا تفسد نحو ابتعته في سوق كذا، أو على أن أرده بعيب إذا وجد، وتارة تفسد نحو ابتعته على أن يُقيلني إذا استقلتُه؛ إلا إن حدد زمنا معينا
للإقاله.
1 - انظر على سبيل المثال: أنوار البروق في أنواع الفروق 4 ص 154 والذخيرة ج 11 ص 6 شرح ميارة الإتقان والإحكام في شرح تحفة الحكام 1 19 بتصرف، والمحروقي: التبيان ج 2 ص 198 ط 2. (1/68)
صفحة 69
69
والكاذبة: وهي المستحيلة كمن ادعى بمكة أنه تزوج فلانة أمس بالبصرة. قال الباحث إلا أنَّ هذه الدعوى وإن كانت مستحيلة قبل زمن ففي هذا الزمان لا تستحيل؛ وذلك بسبب الوسائل التي أنعم الله بها على العباد فمن كان بمكة مثلا يستطيع أن يطير إلى أبعد من البصرة ويقضي ماربه ويبيع ويشتري ويتزوج النساء ويعرس، ويرجع إلى مكة في أقل من عشر ساعات من الزمن ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (70) النساء.
وإنما يمكن التمثيل بالدعاوى التي تكذبها العادة والواقع كما سبق فيمن يدعي على من هو أكبر منه سنا أنه ابنه أو العكس أو يدعي أنَّ له عليه حقا قبل أن يولد وهكذا كما تقدم في محله
وعليه فيتبين من هذا أنَّ للدعوى الصحيحة شروط وهي: أن تكون معلومة محققة، يتعلق بها غرض صحيح،، لا تكذبها العادة.
انظر: عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي الأشباه والنظائر ص: 499 بتصرف.
-1 (1/69)
صفحة 70
V.
الكلام على فتاوى
القلوب وتشريع الأحكام
فتاوى القلوب اطمئنانها وارتياحها إلى أمر ما من الأمور، ورضاها به على ما سيأتي بيانه إن شاء الله.
وعليه فإن قيل: إن فتاوى القلوب وما اطمأنت إليه النفوس معتبر في الأحكام الشرعية، وهو التشريع بعينه، وأن رسول الله الله قال الوابصة: "استفت نفسك يا وابصة وإن أفتوك وأفتوك البر ما اطمأنّت إليه النفس، والإثم ما حاك في الصدر
وتردّد في النفس"
"
ورد هذا الحديث بعدة ألفاظ مطولة ومختصرة ولعل هذا أتمها فقد أورد أبو الحسن نور الدين علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي المتوفى: 807 هـ في المقصد العلي في زوائد أبي يعلى الموصلي 73/ 1، باب: الإثم ما حاك في الصدر وإن أفتاك الناس ح 102؛ حدثنا علي بن حمزة المغولي، حدثنا حماد بن سلمة، عن الزبير أبي عبد السلام، عن أيوب بن عبد الله، عن وابصة بن معبد الأسدي، قال: أتيت رسول الله الله وأنا أريد ألا أدع شيئا من البر والإثم إلا سألته عنه، فأتيته وحوله عصابة من المسلمين يستفتونه، فجعلت أتخطاهم إليه، فقالوا: إليك يا وابصة. فقلت لہم: دعوني أدنو منه فإنه أحب الناس إليَّ أن أدنو منه، فقال: "دعوا وابصة، أدن يا وابصة، أدن يا وابصة" فدنوت فجلست بين يديه، فقال لي: يا وابصة أتسألني أو أخبرك» قلت: بل أخبرني يا رسول الله. قال: جئت تسألني عن البر والإثم قلت: نعم. فجمع أنامله ثم جعل ينكث بهن في صدري ويقول: «يا وابصة؛ استفت قلبك واستفت نفسك، استفت قلبك واستفت نفسك، البر ما اطمأنت إليه النفس والإثم ما حاك في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك» ثلاث مرات. رواه مسلم ح 2553، والترمذي،2389، وأحمد 4/ 182، والبخاري في الأدب المفرد 295 - 302، والدارمي 2789 - 22790/ 415، وابن حبان 397 123/ 2، والبيهقي في سننه 10/ 192، والبغوي 3494 وهو عند الطبراني في المعجم الكبير 22/ 81. ورواه أحمد 228/ 4، والدارمي 3 ص 1649 ح 2575، والبخاري في " التاريخ الكبير " 1/ 144 - 145، والحارث
6
-1 (1/70)
صفحة 71
71
وفي حديث النؤاس: "الإثم ما حاك في الصدر، وكرِهتَ أنْ يطّلع عليه الناس" وفيه إشارة إلى أنَّ الإثم ما أثر في الصدر حرجاً، وضيقاً، وقلقاً، واضطراباً، فلم ينشرح له الصَّدرُ، ومع هذا فهو عندَ النَّاسِ مستنكر، بحيث ينكرونه عند
بن أبي أسامة في بغية الباحث 55، و في إتحاف الخيرة المهرة 1/ 242 - 243 1/ 359، وأبو يعلى 3/ 160 - 162 ح 1586 - 1587، والطبراني في الكبير 22 ح 403، وأبو نعيم في الحلية 24/ 2، 255/ 6، والبيهقي في الدلائل 22/ 6 - 293 من حديث واثلة بن الأسقع ه قال: قلت: يا نبي الله نبئني قال: إن شئت أنبأتك بما جئت تسأل عنه وإن شئت فسل قال: قلت: بل نبئني يا رسول الله فإنه أطيب لنفسي. قال: جئت تسأل عن اليقين والشك قال: قلت هو ذاك يا رسول الله قال: فإن اليقين ما استقر في الصدر واطمأن إليه القلب وإن أفتاك المفتون دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الخير طمأنينة والشك ريبة، وإذا شككت فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك. قلت: يا نبي الله بأبي وأمي فما العصبية؟ قال: أن تعين قومك على الظلم، والوَرَعُ الذي يقف عن الشهات والحريص على الدنيا الذي يطلبها من غير حل والإثم ما حاك في الصدر" وروى أبو ثعلبة الخشني مرفوعا: " البر ما سكنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما لم تسكن إليه النفس، ويطمئن إليه القلب: رواه أحمد 4 ص 194، والطبراني في الكبير 219/ 22، 585 وفي الشاميين 782 - 444 وأبو نعيم في الحلية،2 30، قال في مجمع الزوائد 1/ 176: ورجاله ثقات. وروى وابصة بن معبد مرفوعا بلفظ "البر" ما انشرح له صدرك، والإثم ما حاك في صدرك وإن أفتاك عنه الناس: رواه أحمد 227/ 4، والطبراني في الكبير 4.2" 22/ 47 - 148، وفي الشاميين 20، وانظر مجمع الزوائد 1 175، وجامع العلم العلوم والحكم ص 129. وروى الحسن بن علي مرفوعا: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك": أخرجه الترمذي "2518"، والنسائي ص 327، والطيالسي ح 1178، والحاكم في المستدرك 2 ص 13 - و 4 99، والدارمي 2 ص 245، وعبد الرزاق ح 4984، والطبراني في الكبير 2711، وأبو نعيم في الحلية 8 ص 264، وله
شواهد من حديث ابن عمر وغيره.
رواه مسلم (2553) كتاب البر والصلة، باب: تفسير البر والإثم.
-1 (1/71)
صفحة 72
72
اطلاعهم عليه، وهذا أعلى مراتب معرفة الإثم عندَ الاشتباه، وهو ما استنكره النَّاس على فاعله وغير فاعله.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي سورة البقرة آية 260.
وَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: «اجْلِسْ بِنَا نُؤْمِنْ سَاعَةً وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: «اليَقِينُ الإِيمَانُ كُلُّهُ» وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «لَا يَبْلُغُ العَبْدُ حَقِيقَةَ التَّقْوَى حَتَّى يَدَعَ مَا حَاكَ فِي
الصَّدْرِ»
وعليه فإنَّ ما ناسب طمأنينة الناس اليوم وسكنت إليه نفوسهم أمكن أن
يُشرع لهم به.
فالجواب نعم؛ إن وافق قصد الشارع، ولم يخالف مقصوده، واطمأنت إليه النفس السالمةُ من الرَّين ذات العقل النظيف والرأي الحصيف، وسلم من الضرر؛ ولم يخالف الكتاب أو السنة أو الاجماع، أو سائر طرق الاستدلال، وكانت فيه مصلحة رائدة للأمة، إما من باب دفع المفاسد، أو جلب المصالح، أمَّا إن خالف شيئا من ذلك فلا اعتبار به البتة. لما جاء عنه "دع ما يريبك إلى ما
لا يريبك ""
فالقلب الذي دخله نور الإيمان وانشرح به يسكن للحق ويطمئن به ويقبله وينفر عن الباطل ويكرهه ولا يقبله، فما سكن إليه القلب، وانشرح إليه الصدر، وكملت فيه الصفات السالف ذكرها فهو البرّ، والحلال، وما كان خلاف ذلك، فهو الإثم،
والحرام.
-1
-2
ابن رحب جامع العلوم والحكم محقق 13/ 29.
صحيح البخاري 11/ 1. بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ»
سيأتي تخريجه بإذن الله وعمل. (1/72)
صفحة 73
73
وليس للإنسان أن يقدم على شيء من غير أن يكون على بينة من الأمر وهو في نفسه ريبة من ذلك الأمر، أما إن لم تكن في نفسه ريبة ولزمه العمل فأقدم على شيء وهو لا يعلم حكمه وعمل باطمئنانة نفسه ووافق الحق فيرجى له السلامة إن لزمه العمل، إذ لا يستطيع الإنسان أن يمتنع من أي عمل حتى يتعلم حكمه فإن ذلك أمر عسير، فما لم تكن هنالك ريبة وكانت النفس مطمئنة الى صحة العمل ترجى له السلامة إن وافق الحق والله تعالى أعلم.
الله
وهذا كله مما يدل على أنَّ الطمأنينة لها أثر بالغ في التصرفات العملية الصحيحة كما سبق تقييدها، وهذه الطمأنينة هي طمأنينة نفس من يتقي ويخشاه ويرعى حرماته ويقف عند حدوده، لا طمأنينة الذي ألف الشهوات ورغب فيها حتى اطمأنت نفسه إليها. 1
المستفتون
ومن حديث الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد قال: "ما برح يستفتون فيحل هذا ويحرم هذا فلا يرى المحرم أن المحلل هلك لتحليله ولا يرى المحلل أن المحرم هلك لتحريمه "
قال أبو عمر: " فهذا مذهب القاسم بن محمد ومن تابعه وقال به قوم، وأما مالك والشافعي رضي الله عنهما ومن سلك سبيلهما من أصحابهما وهو قول
رجب
،1423 هـ،
1 - انظر: في هذا الموضوع سؤال أهل الذكر من تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة 22 يوافق 2002/ 9/29 م وجمادى الأولى 1427 جون 2006 م المفتي: الشيخ أحمد بن حمد الخليلي. كتاب التعارف لابن بركة فقد ذكر فيه عدة مسائل ينبني حكمها على الطمأنينة مع
عدم النص. (1/73)
صفحة 74
VE
الليث بن سعد والأوزاعي، وأبي ثور وجماعة أهل النظر أنَّ الاختلاف إذا تدافع فهو خطأ وصواب.
والواجب عند اختلاف العلماء طلب الدليل من الكتاب والسنة والإجماع والقياس على الأصول على الصواب منها وذلك لا يعدم.
فإن استوت الأدلة وجب الميل مع الأشبه بما ذكرنا بالكتاب والسنة، فإذا لم
يبن ذلك وجب التوقف ولم يجز القطع إلا بيقين.
فإن اضطر أحد إلى استعمال شيء من ذلك في خاصة نفسه جاز له ما يجوز للعامة من التقليد واستعمل عند إفراط التشابه والتشاكل وقيام الأدلة على كل قول بما يعضده قوله صلى الله عليه وسلم: «البر ما اطمأنت إليه النفس والإثم ما حاك في الصدر فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك»
هذا حال من لا ينعم النظر ولا يحسنه وهو حال العامة التي يجوز لها التقليد فيما نزل بها وأفتاها بذلك علماؤها، وأمَّا المفتون فغير جائز عند أحد ممن ذكرنا قوله لأحد أن يفتي ولا يقضي إلا حتى يتبين له وجه ما يفتي به من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو ما كان في معنى هذه الأوجه
"
1 - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي المتوفى: 463 هـ جامع بيان العلم وفضله 2/ 903 - 904 الحديث 1691 - 1692. وقد تقدم تخريج حديث "البر
" قبل قليل. (1/74)
صفحة 75
Vo
ومن ذلك مسائل الاستدلال والطهارة من الادناس ودفع اللقطة لمدعيها إن جاء بأوصافها واطمأنت النفس إلى تصديقه دون الحاجة إلى بينة وأمثالها، من كل ما تعرف صحته بسكون القلب وطمأنينة النفس السالمة من الأدران، وهي كثيرة جدا كما سيأتي بعضها إن شاء الله وعل
قلت: فإذا تعارضت الطمأنينة مع الحكم الشرعي فيصار إلى الحكم وتترك الطمأنينة، كما إنْ حَكم عليه حاكم عدل بذلك، أما إن حَكَم له فليس له أن يأخذ ما حَكَم له به وهو يراه غير عدل، ولو كان الحاكم من أعدل الناس وأفضل في ظاهر الأمر.
وهو معنى قولهم: يجب الأخذ بالأعدل وترك الأهزل إلا في حكم الحاكم؛ وذلك في الأمور الاجتهادية التي ورد الخلاف فيها بين الأمة، إذا صدر فيها حكم من الحاكم العدل الذي يجوز له الحكم في المختلف فيه.
6
ومن أمثلة ذلك: إنسان أتلف سبعا لآخر بعد ما تملكه - بناءً على رأي من أجاز تملك السباع وأكل لحومها - فرفع أمره للقضاء فحكم الحاكم بوجوب الضمان على المتلف؛ بناء على ذلك الرأي، فعلى المحكوم عليه دفع القيمة لأجل حكم الحاكم، وإن كان المحكوم عليه لا يرى الحل ولا إثم عليه في ذلك، لأنَّ حكم الحاكم يرفع الخلاف، وعلى المحكوم عليه الانقياد والطاعة، بخلاف ما لو كان المحكوم له لا يرى ذلك بل يرى التحريم فإنه في هذه الصورة لا يحل له أخذ العوض؛ لأنه من باب أكل أموال الناس بالباطل وهو حرام، وحكم الحاكم لا يُحِلُّ ما حرم الله.
اشترى دارا لها جار فنزعها بالشفعة ولم يكن له سبب إلا الجوار فقط، فحكم الحاكم بها للشفيع، بناءً على أنَّ للجار الشفعة ولو لم يكن شريكا، فعلى المشتري تركها للشفيع وإن كان المحكوم عليه لا يرى هذا الرأي؛ وذلك لوجوب امتثال حكم (1/75)
صفحة 76
76
الحاكم، بخلاف ما إذا كان المحكوم له لا يرى الشفعة بذلك فإنه لا يحل له أخذها من مشتريها بذلك السبب؛ لأنه في هذه الحال يدين بعدم الجواز فيكون أخذه لها من باب أخذ أموال الناس بغير حق وذلك حرام.
استشفع عدة أناس مالا بيع صفقةً واحدةً منهم السابق ومنهم اللاحق، ومنهم بسبب واحد ومنهم بأكثر من سبب، فحكم الحاكم للمتأخر منهم لكونه ذا عدة أسباب؛ بناء على أنَّ الأكثر سببا هو الأولى ولو تأخر فى الطلب، فعلى الباقين الانقياد لحكم الحاكم ولو كانوا لا يرون هذا الرأي.
وكذا الحال في العكس أن لو حكم للمتقدم وكان ذا سبب واحد بناء على رأي
من يرى المتقدم من الشفعاء أولى من الباقين ولو كان ذا سبب واحد.
أما من حكم له إذا كان لا يرى صحة ذلك الحكم بل يرى العكس فليس له
أخذ المال بالشفعة لكونه من باب أخذ أموال الناس بغير حق كما تقدم. طلق إنسان امرأته ثلاثا بلفظ واحد قائلا لها أنت طالق ثلاثا فرافعته إلى الحاكم فحكم ببينونتها عليه، فعليه التخلي عنها وترك سبيلها ولو كان هو لا يرى
ذلك.
وعكس الأولى: طلقها ثلاثا بلفظ واحد قائلا لها أنت طالق ثلاثا فرافعته إلى الحاكم فحكم بعدم بينونتها عليه وألزمها الرجوع إلى زوجها بناء على الرأي الثاني وهو أن طلاق الثلاث بلفظ واحد طلاق واحد فقط، فعليها الانقياد لحكم الحاكم والقيام مع زوجها بالمعروف.
أهرق خمرا لكافر فحكم عليه بالضمان بناء على رأي من يوجب الضمان إذا أهريقت على الكافر فعلى المحكوم عليه دفع القيمة، وإن كان لا يرى هذا الرأي، وذلك لأجل حكم الحاكم. (1/76)
صفحة 77
77
وهذا إذا كان الحاكم ممن يجوز له الحكم في المختلف فيه كما سبق بيانه وكان على مقدرة لاستخراج الأحكام من طرقها الصحيحة لا متخبطا خبط عشواء .. "
أما تشريع الأحكام فلا يمكن إلا بالرجوع إلى ما يوافق شرع الله الثابت بالأصول الثلاثة الكتاب والسنة والاجماع وما يندرج تحتها من طرق الاستدلال كما سبق الكلام عليه فافهم ذلك.
يقول العلامة ابن بركة ... وما أجازه الفقهاء من لَقْطِ ما لا يرجع إليه صاحبه مما يعرف جوازه، بالقلب ألا ترى أنهم لم يجيزوا لمن لقط قيراط فضة، أن يأخذه له وأجازوا أخذ ما قيمته فوق ذلك من الأمتعة لما يعرفون من طيب
1 - ينظر: نور الدين السالمي المشارق ص 109 فما بعدها قول الناظم (ولم يجز خلافنا للأعدل .... مع الشرح. قلت: ويدل على عدم الضمان قوله لا وأن احْكُمْ بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَبِع أَهْوَاءَهُم 48 المائدة ويدل على أنَّ أهل الذمة محمولون في عقودهم وقضاياهم على موجب أحكام المسلمين كالمسلمين، ويدل أيضاً على أن الخمر ليست بمضمونة على متلفها، ولا أنها مال من أموالهم، لأن إيجاب الضمان على متلفها حكم على موجب أهواء اليهود، وقد أمرنا بخلاف ذلك." انظر تفاسير القرآن الكريم للآية المذكورة. فتاوى الشيخ جاعد ص 21 مخطوط والجزء الأول من تطبيقات القواعد للباحث تفويض" "القضاء" والفرع الرابع عشر الإقرار. ففيهما عدة أشباه مفيدة بإذن الله فارجع إليها ولا حاجة للتكرار.
- القيراط وزن قديم بسيط يساوى وزن ثلاث حبات من الشعير المتوسط، وبالحالي: خمس جرام؛ وقيراط الفضة يساوي الآن في هذه الأيام قيمة أربعين بيسة عمانية. أما قيراط الذهب فقيمته الحالية ثلاثة ريالات ومائة وخمسون بيسة ويستعمل معيارا وزنيا للذهب والفضة والأحجار الكريمة. (كوحدة قياس للكتلة هو مقياس يستخدم لقياس كتل الأحجار الكريمة والألماس واللؤلؤ. ويساوي القيراط الواحد 200 مليجرام، والجرام الواحد الف مليجرام، أو بعبارة أخرى فإن الجرام الواحد يساوي خمسة قراريط. والمعنى متفق كما ترى. (1/77)
صفحة 78
78
قلوب أربابها مما يسقط منهم اليسير في الطريق، ولا يرجعون إليه، فتسمح نفوسهم بذلك، ولا تسمح نفوسهم بالقليل من الفضة.
وكذلك لم يجيزوا للإنسان أن يكسر من مال غيره المسواك بغير رأيه، وأجازوا لقط التمر من ماله، وقيمته أضعاف ذلك حيث تكون الإباحة منهم بالقلوب دون اللفظ والإطلاق له.
وما أجازه الفقهاء من الاستطابة بالماء للاستنجاء من الغائط بسكون القلب، وطيب النفس دون البينة والشهادة لموضع النجاسة، وهذا أيضا يدل على جواز التعبد بسكون القلب، ويؤيد هذا خبر النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يا وابصة استفت نفسك" الحديث المتقدم.
وكذلك ما جوزه الفقهاء من استعمال عبيد الناس في الاستئذان على مواليهم، والسؤال عن أحوال مواليهم وفي الطريق إذا لقوهم، وفي المصافحة لهم إذا سلموا عليهم؛ لأنَّ هذا يعلم جوازه من طريق النفس أن أرباب هؤلاء العبيد لا تحرج نفوسهم بمثل هذا، وفي غير هذا لم يجيزوا استعمال عبيدهم. وفي التاج" والنّاس على تعارفهم في كلّ ما يبيحونه بينهم وتسخو به نفوسهم ويعرف ذلك بسكون القلب كما يعرف باليقين.
وأجمعوا على تمليك العبيد بالشراء من بائعهم من غير إقرارهم ولا صحة عبوديتهم، مع أنَّهم أجمعوا على أنّ الأصل في بني آدم الحرية؛ وكذا ما يشترى من صغار العبيد وأجازوا عليهم التمليك، وقد علمنا أنَّه لا يقين عندنا في ذلك، ولكن جرى العرفُ بين النّاس بمثل هذا ولا يكون في شيء مع أهل موضع حتّى يكون منهم اجتماع على إباحته عندهم، بأنَّه يسمّى سنّة البلد، وهي لا تكون إلا
-1
ابن بركة التعارف. دفع اللقطة بأمارة من يدعيها ص 84 فما بعدها وص 108 فما بعدها تحقيق
بدر الراجحي. (1/78)
صفحة 79
79
مجمعا عليها؛ فإن اختلف فيها فليست سنّة؛ وإذا ثبتت عندهم في مال الغائب والمسجد واليتيم فهو على ما أدركت عليه السنّة؛ وإن جرى عندهم أنّ التعارف لا يكون إلا في مال الحاضر العاقل البالغ فكذلك.
ومن أراد من أهل الأملاك منع ما أجمع أهل البلد على إباحته فله ذلك، لأنّها سنة تراض، فإذا لم يرض خرج من الإجماع وصار محظورا.
وقيل: لا يجري التعارف على مغصوب ويتيم وغائب، إلا أنّ الشيخ يقول: في
المباح إذا تعورف في البلد: جاز على اليتيم، لأنه ينتفع منه كغيره. والمغصوب أشدّ من مال الغائب لأنَّه ممنوع ونفسه لا تسمح بشيء منه وإن
قل.
وفي النيل وشرحه وغالب الأحكام الشرعية ظنية تجد امرأةً في فراشك بعد عقد النكاح فيجوز لك التقدم إليها؛ لأن نفسك اطمأنت أنها زوجتك، ولكن الجري عن التصديق شبيه بالتبرع والتزام ما لم يلزم فلا يجري إلا من صدق بنفسه ممن يجوز تصديقه كما قال.
1 - يقصد ابن بركة شيخة أبا مالك غسان بن محمد بن الخضر الصلاني الصحاري ه، نسبة إلى صلان إحدى قرى مدينة صُحار العمانية من أعلام الإباضية في نهاية القرن الثالث الهجري والنصف الأول من القرن الرابع الهجري أخذ أبو مالك العلم عن محمد بن محبوب وولديه الله بشير وعبد ابني محمد بن محبوب. له آثار فقهيّة مبثوثة في كتب الإباضية، بالإضافة إلى ما قيّده عنه تلميذه ابن بركة في كتابه التقييد والتعارف والجامع
2 - التاج المنظوم الثميني /4/ 86. الباب الثاني فيما جاء في العرف والدلالة. منهج الطالبين وبلاغ الراغبين لخميس الرستاقي ج 6 ص 640 فما بعدها؛ مكتبة مسقط القول الثاني فيما جاء في العرف والعادة والإدلال بين الناس وغير ذلك. وانظر التعارف السابق.
3 - شرح النيل للقطب اطفيش 573/ 12. وانظر التعارف السابق. (1/79)
صفحة 80
80
ما يحتاجه الحاكم
في المسائل المعروضة عليه
اعلم أن كل مسألة تفتقر إلى نظرين نظر في دليل الحكم ونظر في مناطه، فأما النظر في دليل الحكم لا يمكن أن يكون إلا من الكتاب والسنة أو ما يرجع إليهما من إجماع أو قياس أو غيرهما، ولا يعتبر فيه طمأنينة النفس ولا نفي ريب القلب إلا من جهة اعتقاد كون الدليل دليلا أو غير دليل.
ذلك أنَّ الحاكم في الأمور الشرعية هو الشرعُ لا العقل فما كان دليله من الشرع بيّنا واضحا فاتبعه، والمشكل متروك حتى يتضح لك أمره وينكشف حكمه. فما أشكل عليك أمره والتبس عليك حُكمُه وجب عليك تركه؛ حتى يتبين الحقُّ فيه، وإن أفتاك من أفتاك، كما سيأتي توضيحه إن شاء الله.
واعلم أن الأمور ثلاثة أمرٌ بان لك رشده فاتَّبعه، وأمر بان لك غيه فاجتنبه وأمر أشكل عليك فقف عنه، ولا يجوز لك القدوم عليه حتى يتضح لك فيه الحق من الباطل. 1
ولا يقول أحد بتحكيم العقل في الشرعيات إلا أهل البدع الذين يستحسنون الأمر بأشياء لا دليل عليها، أو يستقبحون كذلك من غير دليل إلا طمأنينة النفس
أنظر: الاستقامة ج 1 لأبي سعيد الكدمي ص: 285. المعتبر للكدمي ج 2 ص 165 باب: منازل ما يستحق العبد في حكم الإسلام منهج الطالبين وبلاغ الراغبين 323/ 1 ط التراث. الجامع لابن جعفر 1/ 111. بهجة الأنوار لنور الدين السالمي البيتين -7271 (وحرم ارتکاب مالم
يعلم ... ومن يكن موافقا لم يأثم وإن يرد في قصده خلاف ما ... قد أوجب الباري عليه أثما)
-1 (1/80)
صفحة 81
81
وليس الأمر كما زعموا وهو مخالف لإجماع المسلمين.
وأما النظر في مناط الحكم " فإن المناط لا يلزم منه أن يكون ثابتا بدليل شرعي فقط بل يثبت بدليل غير شرعي أو بغير دليل فلا يشترط فيه بلوغ درجة الاجتهاد بل لا يشترط فيه العلم فضلا عن درجة الاجتهاد.
-)
-2
انظر: في الكلام على التحسين والتقبيح العقليين: معارج الآمال لنور الدين السالمي المقدمات ص 228 فما بعدها؛ بيان ما تكون فيه الحجة من العقل وص 263 فما بعدها، [الحاكم في الشرعيات الشرع أم العقل؟] وانظر برهان الحق للعلامة المجتهد المطلق أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة ج 7 بدءا من صحيفة 270 فما بعدها في الكلام على تعليل أفعاله تعالى ثم قضية التحسين والتقبيح العقليين من ص 310 فما بعدها الى 393 من نفس الجزء. فقد بسط الكلام على ذلك بما لا يحتاج معه إلى مزيد بيان إنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37) سورة ق. وانظر: الجزء الرابع من أثر القواعد للباحث.
المناط لغة: موضع النوط، مصدر ميمي وهو التعلق، والإلصاق من ناط الشيء بالشيء ينوطه نوطا وإناطة ومناطا إذا ألصقه به وعلقه وبابه قال، وانْتاط به تَعَلَّقَ. وهو مِنِّي مَنَاطَ الثُرَيَّا، أي: بتلك المنزلة من الشرف، فَحذَفَ الجارّ وأَوْصَلَ،
كذَهَبْتُ الشَّامَ، وقصدت البيت؛ والجمع: أنواط ونياط، وأنوطة، ونياط كل شيء مُعَلَّقُه كنِياطِ القوس والقرية تقول نُطْتُ القرية بنِياطِها نَوْطاً ونياطُ القوس مُعَلَّقُها والنِّياط الفُؤَاد والنِّياطُ عِرْق علق به القلب من الوتين فإذا قطع مات صاحبه وهو النَّيْط أيضاً ومنه قولهم رماه الله بالنيط أي بالموت انظر: بن سيده المرسي المحكم والمحيط الأعظم (9 240) الجوهري: الصحاح (3/ 1165)، ولسان العرب (7/ 418). كتاب الكليات لابي البقاء (ص: 873)
وفي اصطلاح الأصوليين يطلق على العلة والسبب ومناط الحكم علته؛ وهي الوصف الذي يشترك فيه الأصل والفرع، ويغلب على الظن أنه مناط الحكم ومتعلقه ولما كانت العلة تتعلق بها الأحكام سميت مناط الحكم والحكم، هو حكم الشرع الذي ثبت في الأصل، سواء أكان تحريما (1/81)
صفحة 82
82
ألا ترى أنَّ العامّي إذا سأل عن الفعل الذي ليس من جنس الصلاة إذا فعله المصلي: هل تبطل به الصلاة أم لا؟ فقال له العالم إن كان يسيرا فمغتفر وإن كان كثيرا فمبطل، لم يفتقر في اليسير إلى أن يُحققه له العالم بل العاقل يُفَرِّق بين الفعل اليسير والكثير
أم وجوبا أم إباحة أم غير ذلك، والأصل، وهو المسألة المقيس عليها. والفرع، وهو الصورة المقيسة، أو المراد إثبات حكمها بالقياس.
هذا في الاصطلاح الأكثر استعمالا، ولكن قد يطلق الأصل على الدليل المثبت للحكم، وقد يطلق على الحكم نفسه. انظر: مختار الصحاح (685)، وقواعد الأصول 82، والكليات لأبي البقاء ص 873. إجابة السائل شرح بغية الأمل محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني ص: 197) أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله. أ. د. عياض بن نامي السلمي ص: 104.
أما تحقيق المناط فهو: النظرُ في معرفة وجود العلة في آحاد الصور بعد معرفتها في نفسها وسواء كانت معروفة بنص أو إجماع أو استنباط، أما ما كانت معروفة بالنص فكما في جهة القبلة فإنها مناط وجوب استقبالها، وهي معروفة بإيماء النص وهو قوله تعالى {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} (البقرة 144) وكون هذه الجهة هي: جهة القبلة في حالة الاشتباه فمظنون بالاجتهاد والنظر في الأمارات، وأما ما كانت معلومة بالإجماع فكالعدالة فإنها مناط وجوب قبول الشهادة وهي معلومة بالإجماع، وأما كون هذا الشخص عدلا فمظنون بالاجتهاد وأما ما كانت مظنونة بالاستنباط فكالشدة المطربة فإنها مناطُ تحريم الخمر. فالنظر في معرفتها في النبيذ هو تحقيق المناط، وأمَّا تنقيح المناط فهو النظر والاجتهاد في تعيين ما دل النص على كونه علة. وأما تخريج المناط فهو النظر والاجتهاد في إثبات علة الحكم الذي دل عليه النص أو الإجماعُ دون عِلَّيَّته. وذلك كالاجتهاد في إثبات كون الشدة المطربة علة لتحريم شرب الخمر وكون القتل العمد العدوان علة لوجوب القصاص؛ الإحكام للآمدي 3/ 335 وانظر: الزركشي البحر المحيط في أصول الفقه 165/ 4 مَسَالِك الْعِلَّة" مع بعض تصرف. (1/82)
صفحة 83
83
وقد انبنى ههنا الحكم وهو البطلان أو عدمه على ما يقع بنفس العامي، وليس واحدا من الكتاب أو السنة لأنه ليس ما وقع بقلبه دليلا على الحكم وإنما هو تحقيق مناط الحكم، فإذا تحقق له المناط - بأي وجه كان تحققه - فهو المطلوب فيقع عليه الحكم بدليله الشرعي
وكذلك إذا قلنا بوجوب الفور في الطهارة وفرقنا بين اليسير والكثير في التفريق الحاصل أثناء الطهارة فقد يكتفي العامي بذلك حسبما يشهد قلبه في اليسير أو الكثير فتبطل طهارته أو تصح بناء على ذلك الواقع في القلب لأنه نظر في مناط
الحكم.
فإذا ثبت هذا فمن ملك لحم شاة مذكاة حل له أكله لأن حليته ظاهرة عنده إذا حصل له شرط الحلية لتحقق مناطها بالنسبة إليه.
أو ملك لحم شاة ميتة لم يحل له أكله لأن تحريمه ظاهر من جهة فقده شرط الحلية فتحقَّقَ مناطها بالنسبة إليه.
وكل واحد من المناطين راجع إلى ما وقع بقلبه واطمأنت إليه نفسه لا بحسب الأمر
في نفسه.
ألا ترى أن اللحم قد يكون واحدا بعينه فيعتقد واحد حليته بناء على ما تحقق له من مناطه بحسبه، ويعتقد آخر تحريمه بناء على ما تحقق له من مناطه بحسبه، فيأكل أحدهما حلالا ويجب على الآخر الاجتناب لأنه حرام
ولو كان ما يقع بالقلب يشترط فيه أن يدل عليه دليل شرعي لم يصح هذا المثال وكان محالا لأن أدلة الشرع لا تتناقض أبدا فإذا فرضنا لحما أشكل على المالك تحقيق مناطه لم ينصرف إلى إحدى الجهتين كاختلاط الميتة بالمذكاة واختلاط الزوجة بالأجنبية، فها هنا قد وقع الريب والشك والإشكال والشبهة ووجب التوقف حتى ظهور الحق. (1/83)
صفحة 84
84
وهذا المناط محتاج إلى دليل شرعي يُبيّن حكمه والأدلة على ذلك كثيرة جدا كحديث إِذَا عَلِمْتَ مِثْلَ الشَّمْسِ فَاشْهَدْ وَإِلَّا فَدَعْ " وفي رواية" عَلَى مِثْلِ الشَّمْسِ
فَاشْهَدُ أَوْدَعْ
"
وفي الحديث عنه: دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ فَإِنَّ الصَّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ وَإِنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ."
-1
حَدِيث "إذا علمت مثل الشَّمْس فاشهد وَإِلَّا فدع" أخرجه الْحَاكِمِ وَالْبَهَقِيَ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاس وَفِيهِ مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن مشمول وَفِي تَرْجَمته ذكر ابن عدي والعقيلي كما في نصب الراية لأحاديث الهداية مع حاشيته بغية الألمعي في تخريج الزيلعي 4/ 82، قال: قُلْتُ: أَخْرَجَهُ الْبَهْقِيُّ فِي سُنَنِهِ، وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ مَشْمُولٍ ثَنَا أَبِي ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ وَهْرَامَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ طاؤوس عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنْ الشَّهَادَةِ، فَقَالَ: "هَلْ تَرَى الشَّمْسَ"؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "عَلَى مِثْلِهَا فَاشْهَدْ، أَوْ دَعْ"، انْتَهَى. قال الحاكم: حديث صحيح الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، وَتَعَقَّبَهُ الذَّهَبِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ فَقَالَ: بَلْ هُوَ حَدِيثٌ وَادٍ، فَإِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سُلَيْمَانَ ابْنِ مَشْمُولٍ ضَعَّفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، انْتَهَى قُلْت: رَوَاهُ كَذَلِكَ ابْنُ عَدِي فِي الْكَامِلِ، وَالْعُقَيْلِيُّ فِي كِتَابِهِ، وَأَعَلَّاهُ بِمُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ مَشْمُولٍ، وَأَسْنَدَ ابْنُ عَدِي تَضْعِيفَهُ عَنْ النَّسَائِي، وَوَافَقَهُ، وَقَالَ: عَامَّةُ مَا يَرْوِيهِ لَا يُتَابَعُ عَلَيْهِ، إِسْنَادًا وَلَا مَثْنًا، انْتَهَى والسخاوي، عبد الرحمن في المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة. وأورده الديلمي في الفردوس عنه بلفظ: "يا ابن عباس لا تشهد إلا على أمر يضيء لك كضياء الشمس" والعسقلاني في الدراية في تخريج أحاديث الهداية، ج 2 ص 172 بتحقيق السيد عبد الله هاشم اليماني المدني والعجلوني في كشف الخفاء، والسيوطي = في الجامع، حرف الياء" وقال: أخرجه الحاكم 4/ 110، رقم 7045، وقال: صحيح الإسناد والمتقي الهندي في الكنزح 17752، وهو عند الطبراني والديلمي عن ابن عمر.
1 - حديث "دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ" قد جاء بعدة ألفاظ منها اللفظ المذكور أخرجه الحاكم في المستدرك في الإيمان وفي البيوع وفي الأحكام، والبيهقي في سننه الكبرى والبوصيري في (1/84)
صفحة 85
85
وقوله: "البرُّ ما اطمأنت إليه النفس والإثمُ ما حاك في صدرك" والمعنى في ذلك: إننا إذا اعتبرنا باصطلاحنا ما تحقق مناطه في الحلّية أو الحرمة فالحكم فيه من الشرع ما كان بينا ودليله واضحا والمشكل متروك حتى يتضح أمره وينكشف حكمه.
فما أشكل عليك تحقيقه فاتركه وإياك والتلبس به وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم إن صح: "استفت قلبك" وإن أفتوك فإن تحقيقك لمناط مسألتك أخص بك من تحقيق غيرك له إذا كان مثلك.
ويظهر ذلك فيما إذا أشكل عليك المناط ولم يشكل على غيرك لأنه لم يعرض له ما
عرض لك.
الإتحاف والطبراني في الكبير من طريق واثلة بن الأسقع ومن طريق أنس بن مالك والأصبهاني في الأمثال والشيباني في الآحاد والمثاني والطبراني في الكبير من طريق الْحَسَنِ بْنِ عَلِي، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَريبُكَ، فَإِنَّ الشَّرَّ رِيبَةٌ وَالْخَيْرَ طُمَأْنِينَةٌ " حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِمْرَانَ، ثَنَا أَبُو دَاوُدَ، ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ بُرَيْدٍ، نَحْوَهُ، وَقَالَ: "فَإِنَّ الصِدْقَ طُمَأْنِينَةٌ وَالْكَذِبَ رِيبَةٌ والطبراني في معجمه الصغير من طريق نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: دعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكُ، فَإِنَّكَ لَنْ تَجِدَ فَقْدَ شَيْءٍ تَرَكْتَهُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ." وأخرجه الطبراني بعدة ألفاظ مختصرة ومطولة. أخرجه الترمذي في سننه باب "اعقلها وتوكل" وقال: حديث حسن صحيح، وأحمد في مسنده من حديث الحسن بن علي ومن حديث أنس والبيهقي في الكبرى باب كراهية مبايعة من أكثر ماله من الربا أو ثمن المحرم، وعبد الرزاق في مصنفه في القنوت وفي الجبن، ورواه النسائي في الحث على ترك الشبهات، وغيرهم. وهو أيضا جزء من حديث الحلال بيّن والحرام بيّن وانظر: ص 7 و 10 و 11 و 17 و 18 و 20 و
107 و 192 و 106 و 212 و 223 و 233. من الجزء الثاني من تطبيقات القواعد للباحث. (1/85)
صفحة 86
86
وليس المراد بقوله: "وإن أفتوك" أي إن نقلوا إليك الحكم الشرعي فاتركه وانظر ما يفتيك به قلبك، فإن هذا باطل وتقول على التشريع الحق وإنما المراد ما يرجع إلى تحقيق المناط.
نعم قد لا تكون لك دراية أو أنسا بتحقيقه فيحققه لك غيرك وتقلده فيه، وهذه الصورة خارجة عن الحديث، كما أنه قد يكون تحقيق المناط أيضا موقوفا على تعريف الشارع؛ كحد الغِنَى الموجب للزكاة فإنه يختلف باختلاف الأحوال فحققه الشارع بعشرين دينارا ومائتي درهم وأشباه ذلك وإنما النظر هنا فيما وكل تحقيقه إلى المكلف.
فقد ظهر معنى المسألة وأنَّ الأحاديث لم تتعرض لاقتناص الأحكام الشرعية من طمأنينة النفس أو ميل القلب ..
انظر: الاعتصام للشاطبي 2 ص 161. فما بعدها. الناشر دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية ط 1 لسنة 2008 م ت محمد رشيد رضا. وانظر مجلة المنار- محمد رشيد رضا 17 ص 913 تنوير العقول لابن أبي نبهان ص 179 فما بعدها مخطوط.
-1 (1/86)
صفحة 87
87
بعض صور من الدعاوى
سئل النور السالمي عن دابة لأهل القابل أصبحت في بلد الدريز مكسورةً رجلُها ولم يعرف كاسرها، أتلزم أهل البلد كافة أم صاحب الأرض الذي أصبحت الدابة مكسورة فيها؟ أم هذه الدعوى ليست مسموعة حتى يدعى على رجل معلوم؟
الجواب: هذه دعوى غير مسموعة حتى يدّعى على أحد بعينه والله أعلم. و "من ادعى على أهل قرية جميعاً بأنهم أكلوا عليه مالا أو سرقوا عليه دابة أتلزمهم اليمين إن كان لم يعين أحداً بعينه؟ وإذا وجدت دابة مقتولة أيلزم أهل القرية غرمها؟
الجواب: هذه دعوى غير مسموعة حتى يسمي المدعى عليه واحداً أو جماعة مخصوصين فحينئذ تكون البينة على المدعي واليمين على المنكر، وأما غير ذلك فلا يلزم أهل القرية غرم الدابة المقتولة في قريتهم وإنما يلزم قاتلها فقط إن علم وإلا فهو مال ضاع على صاحبه ولم يجعل الله في البهائم قسامة والله أعلم. ومن ادعى على آخر بحق من الحقوق أنه للمتوفى فلان .. وهو وارثه ... فلا تسمع دعواه إلا بتوفر أمرين الأول صحة موت من له الحق والثاني أنه وارثه أو أحد
وراثه وهكذا ... " 3
-1
نور الدين السالمي الفتاوى ج 2 ص 468 من شروط الدعوى تحديد المدعى عليه أو الجوابات
ج 5 ص 77 - 79.
2 - أنظر السابق الإمام السالمي 468/ 2 - 469 أو الجوابات ج 5 ص 77 - 7978.
لباب الآثار ج 7 ص 46 - 47. (1/87)
صفحة 88
88
وفي المنهج: "وإذا ادعت امرأة على زوجها أنه وطئها في الدبر ولم تسمّ عمداً ولا خطأ إنه لا تسمع دعواها حتى تقول متعمداً."
إذا ضمن الدرك المشتري الدار ثم ادعى الضامن شفعة فيها أو ملكاً لها فإنه لا يسمع منه لأن ضمان الدرك للمشتري يتضمن بلا شك تقرير سلامة المبيع له، فہو تسليم من الضامن بأن المبيع ملك للبائع فيكون مانعا لدعوى التملكِ بعد ذلك وكذا طلب الشفعة.
ودعواه الشفعة أو الملك فيها تنقضه فلا تسمع، لأن هذا الضمان لو كان مشروطا في البيع فتمامه بقبول الضامن، فكأنه هو الموجب له ثم بالدعوى يسعى في نقض ما تم من جهته وإن لم يكن مشروطا فالمراد به إحكام البيع وترغيب المشتري في الابتياع إذ لا يرغب فيه دون الضمان فنزل الترغيب منزلة الإقرار بملك البائع فلا تصح دعوى الضامن الملكية لنفسه بعد ذلك للتناقض للقاعدة المشهورة: من سعى في نقض ما تم من جهته فسعيه مردود عليه" كما سيأتي بيانه إن شاء الله.2
ذلك لأن التناقض في كلام المدعي أو فعله فيما يخص الدعوى يكون مانعا السماع دعوى الملك، ولأنه في هذه المسألة بالذات لما ضمن الدرك لمشتري الدار ثم ادعى الملك لنفسه صار متناقضا فلا تسمع دعواه وكذا الحال في طلب الشفعة كما تقدم شرحه فتأمل.
منہج
الطالبين وبلاغ الراغبين لخميس الرستاقي (9/ 186 ط التراث
أنظر في الموضوع: الموسوعة الفقهية الكويتية المرجع السابق 315/ 28 مجمع الأنهر 2/ 133،
والبحر الرائق 6 ص 258، 259، ودرر الحكام 1/ 665.
-1 (1/88)
صفحة 89
89
وذهب الحنابلة والشافعية إلى عدم سقوط حقه في الشفعة معللين ذلك أن الضمان سبب سبَقَ وجوب الشفعة كالإذنِ في البيع والعفو عن الشفعة قبل تمام البيع.
ومنه ما لو بادر إلى اقتسام التركة مع الورثة ثم ادعى بعد القسمة أنَّ المقسوم ماله، فإنه لا تسمع دعواه لأن إقدامه على القسمة فيه اعتراف منه بأن المقسوم مال التركة فهو مشترك.
والمراد بعدم التناقض في الدعوى هو ألا يسبق من المدعي ما يناقض دعواه؛ لاستحالة وجود الشيء مع ما يناقضه وينافيه كما لو أقر بعين في يده لآخر فأمر القاضي بدفعها إلى المقر له ثم ادعى المقر أنه كان اشتراها منه قبل ذلك فلا تسمع دعواه لأن إقراره بالملك لغيره للحال يمنع الشراء منه قبل ذلك لأن الشراء يوجب الملك للمشتري فكان مناقضا للإقرار والإقرار يناقضه فلا يصح.
وكذا لو لم يقر ولكنه نكل عن اليمين لما وجبت عليه فقضي عليه بنكوله ثم ادعى أنه كان اشتراه منه قبل ذلك لا تسمع دعواه ولو ادعى وجود بينة فلا تقبل بينته لأن النكول بمنزلة الإقرار ولا إنكار بعد إقرار.
وروي عن أبي يوسف أنه تسمع دعواه وتقبل بينته هذا إذا ادعى أنه اشتراه منه قبل الإقرار والنكول، فأما إذا ادعى أنه اشتراه منه بعد ذلك تسمع دعواه بلا خلاف وذلك إذا مضى من الوقت بين الإقرار ودعوى الشراء ما يمكنه من المبايعة- لأن الإقرار بالملك لفلان لا يمنع الشراء منه بعد ذلك لانعدام التناقض لاختلاف الزمان ولو قال هذا لفلان اشتريته منه تسمع منه.
1 - أنظر: الموسوعة المرجع السابق المغني لابن قدامة 5 ص 381. والجزء الرابع من
تطبيقات القواعد للباحث (ضمان الدرك) (1/89)
صفحة 90
90
فلت: وهذه المسائل تخرج ضمن قاعدة "من سعى في نقض ما تم من جهته فسعيه مردود عليه؛ لأنه والحالة هذه يكون متناقضاً في سعيه بذلك مع ما كان أتمه وأبرمه من قبل، والدعوى المتناقضة لا تسمع، كما إذا أقر بحق عليه ثم ادعى الخطأ في الإقرار فإنه لا يُسمع منه ما لم يكن مكرها.
وكما إذا باع أو اشترى ثم ادعى أنه كان فضولياً، وأنَّ المالك لم يُجز العقد، لم يسمع ذلك منه؛ ما لم يتقدم ذو الشأن بدعواه ويقم حجته، أو يدعي أنه كان هازلا، وأشباههما، ولا تصح شهادة البائع، لأنه يجر نفعا من جهة ويدفع ضرا من
أخرى عن نفسه. وانظر الجزء الرابع من تطبيقات القواعد للباحث "الصلح في المجهولات"
-1
انظر: شرح النيل للقطب ج 10 ص 591 إن ادعى وارث منهم بعد القسمة، و 538/ 13. فصل
في دعوى القسمة وسيأتي بإذن الله تفصيل ذلك. (1/90)
صفحة 91
توطئة
91
الكلام على عدم سماع الدعوى
والفرق بينها وسقوط الحق
الأصل في حقوق الآدميين أنها لا تسقط إلا بالوفاء أو البرآن ممن يملك البرآن من ملاكها، وهذا هو مذهب جمهور الأمة على اختلاف مداركها وأفهامها، ولم يخالف فيه أحد سواءً من جهة الشرع أو القانون، مستدلين بما يروي "لا تواء على مال امرئ مسلم." وفي رواية "لا ثواء .. "
والتَّواءُ بالثاء المثلثة والمد الإقامة، أي: لا إقامة لأحد على مال مسلم دون حق، بل يلزمه ردُّه والتخلص منه، أو بالتاء المثناة من فوق والقصر، بمعنى الهلاك، أي لا هلاك عليه ولا فوات.
ومتى
ومعنى هذا الأثر: لا يَهلك ماك المسلم بخروجه من يده، بل يبقى له، أمكنه استرداده استرده بأي وجه أمكنه، ويحكم له برده بعينه إن كان موجوداً بعينه، وبمثله إن فقدت عينه، وبقيمته إن عدم المثل. 1
قلت: وهذه الرواية لم تثبت عن صاحب الرسالة المعصوم بل هي رواية موقوفة على أمير المؤمنين عثمان.
1 - انظر: فتاوى المعاملات سماحة الشيخ أحمد الخليلي 306/ 3. والحديث لم أجده بهذين اللفظين مرفوعا إلى المعصوم مع كثرة البحث قدر الطاقة، بل هو أثر موقوف إلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان له في الحوالة وهو معلول أيضا ولا حجة فيه لمحتج كما سيأتي بعد إن شاء الله، وانظر: شرح النيل ج 17 ص 542 حاشية الترتيب على الجامع الصحيح لأبي ستة 126/ 5. (1/91)
صفحة 92
92
وهي بتمامها عند البيهقي " أخبرنا أبو نصر بن قتادة أنبأ أبو الحسين محمد بن الله عبد بن محمد القهستاني ثنا محمد بن أيوب أخبرني أبو الوليد ثنا شعبة أخبرني خليد بن جعفر قال: سمعت أبا إياس عن عثمان بن عفان قال: ليس على مال امرئ مسلم توى يعني حوالة"
ورواه غيره عن شعبة مطلقا ليس فيه "يعني حوالة" قال الشافعي في رواية المزني في الجامع الكبير احتج محمد بن الحسن بأنَّ عثمان بن عفان قال في الحوالة أو الكفالة يرجع صاحبها، "لا توى على مال مسلم."
فسألته عن هذا الحديث فزعم أنه عن رجل مجهول وعن رجل معروف منقطع عن عثمان، فهو في أصل قوله يبطل من وجهين، ولو كان ثابتا عن عثمان لم يكن فيه حجةٌ لأنه لا يدري أقال ذلك في الحوالة أو في الكفالة.
قال الشيخ (الرجل المجهول في هذه الحكاية خُلَيد بن جعفر وخليد بصري لم يحتج به محمد بن إسماعيل البخاري في كتاب الصحيح، وأخرج مسلم بن الحجاج حديثه الذي يرويه مع المستمر بن الرَّيان، عن أبي نضرة عن أبي سعيد في المشك " وغيره وكان شعبة بن الحجاج إذا روى عنه أثنى عليه والله أعلم.
1 - أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي نفسه.
2 - الحديث الذي يشير إليه البيهقي هو في السنن الكبرى للنسائي: "أنا محمود بن غيلان قال حدثنا أبو داود وشبابة قالا حدثنا شعبة عن خليد بن جعفر سمع أبا نضرة عن أبي سعيد [الخدري] قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أطيب الطيب المسك" النسائي ح 2033 أنبأ علي بن الحسين الدرهمي قال حدثنا أمية بن خالد عن المستمر بن الريان [الزهراني] عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من خير طيبكم المسك" ح (2034) وأبو داود باللفظ الأول ح 3158 وأحمد ح 11607 والحاكم في المستدرك على الصحيحين مع تعليقات الذهبي في التلخيص (514/ 1 ح 1336؛ أخبرناه عبد الصمد بن علي البزاز ببغداد ثنا حامد بن سهل ثنا أبو
معمر
ثنا عبد (1/92)
صفحة 93
93
والمراد بالرجل المعروف أبو إياس معاوية بن قُرَّة المزني، وهو منقطع كما قال، فأبو إياس من الطبقة الثالثة من تابعي أهل البصرة، فهو لم يدرك عثمان بن عفان ولا كان في زمانه. اهـ 1 قال الترمذي: وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: إِذَا تَوِيَ مَالُ هَذَا بِإِفْلاسِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْأَوَّلِ وَاحْتَجُوا بِقَوْلِ عُثْمَانَ، وَغَيْرِهِ، حِينَ قَالُوا: لَيْسَ عَلَى مَالِ مُسْلِمٍ تَوَى"
قال إسحق معنى هذا الحديث ليس" على مال مسلم توى" هذا، إذا أحيل الرجل على آخر وهو يرى أنه مَلِي فإذا هو معدم، فليس على مال مسلم توى. ورُدَّ هذا الاعتراض أوّلًا بما قدمتُ لك من عدم صحة رفع الحديث إلى المعصوم له وإنما هو أثر عن الخليفة عثمان في قضية عرضت عليه في الحوالة وهي خارجة عن محل النزاع فلا دليل فيها على المنع.
-1
الوارث عن المستمر بن الريان عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن المسك فقال: "هو أطيب طيبكم" قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد فإن خليد بن جعفر و المستمر بن ريان عدادهما في الثقات و لم يخرجا عنهما و له شاهد عن علي بن أبي طالب و إليه ذهب أحمد بن جنبل. وهو عند النسائي أيضا ح 5264 وابن الجارود في المنتقى من السنن المسندة ح 877 بلفظ " .. عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذکر امرأة حشت خاتمها بالمسك فقال وهو أطيب الطيب" وهو عند أحمد بلفظه ح 11664 وبأطول منه ح 11382. و 11444 والبيهقي في الشعب ح 9818 وغيرهم.
سنن البيهقي الكبرى /6/ 71 ح 11173 باب من قال يرجع على المحيل لا توى على مال مسلم. -2:أنظر الترمذي الجامع الكبير ج 2 ص 592 ح 1309 وابن ابي شيبة ح 21115 المباركفوري تحفة الأحوذي 446/ 4، وهو في الجوهر لابن التركماني ج 6 ص 71. وليس فيه وعن رجل معروف. بل نصه: "عن رجل مجهول غير معروف" (1/93)
صفحة 94
94
ثانيا: إننا لم نقل بسقوط الحق إنْ كان ثَمَّةَ حقٌّ على المدعى عليه في عالم الغيب، بل مردُّه إلى من يعلم الغيب وأخفى، وهو آثم بعدم أدائه لمستحقه، وإنما نقول بعدم اشتغال القضاء بدعوى أكَل الدهرُ عليها وشرب، ومضت عليها السنونُ والأعوام وأهملها ربُّها من غير مانع يمنعه ولا مكره يُكرهه، وبين المسألتين فرق عظيم.
1 - مثل من أمثال العرب إذا طال عمر الرجل أن يقولوا: " لقد أكل الدهرُ عليه وشرب" وإنما يريدون
أنه أكل هو وشرب دهراً طويلاً، قال امرؤ القيس من قصيدة بائية له:
لمن الديار تَعَفَّتْ مُنذ حِقَبْ ... فجنوب الفرد أقْوَت فالخرب
دَارُ حَيّ بدّلت مِنْ بعدهم ... ساكن الوحش وللدهر عقب
عقب الدهر بهم فانتجعوا ... أكل الدَّهرُ عَليهم وشرِبْ.
ومعنى تَعَفَّتْ: درست وزالت كما في العين للخليل الفراهيدي قال: والعفاء: الدروس، قال [زهير بن ابي سلمى]: (على آثار مَن ذَهَبَ العَفاءُ تقول: عَفَتِ الدِّيار تَعفُو عُفُوّاً، والرِّيحُ تَعفُو الدارَ عَفَاءً وعُفُواً وتَعَفَّتِ الدارُ والأَثَرُ تَعَفَّيّاً. انظر: مادة (عفو) وصدره: (تحمَّل أهلُها عنها فبانوا) والبيت في شرح ديوان
زهير ص 58
ونسب البيت للنابغة الجعدي والصحيح أنَّ النابغة أخذ نصف البيت الأخير، وعكسه في قصيدة لامية له فقال:
سألتني جارتي عن أُسرتي ... وإذا ما عَيَّ ذو اللبِ سَأَلْ سألتني عَن أُناس هَلكوا ... شَرِبَ الدّهرُ عليهم وَأَكل
الله
انظر: البطليوسي أبو محمد عبد بن محمد بن السيد البطليوسي 444ھ -521ھـ 1052 م - 1127 م الحلل في شرح أبيات الجمل ابن سعد الخير القرط على الكامل. المؤلف: أبو الحسن علي بن إبراهيم بن محمد بن عيسي بن سعد الخير الأنصاري (المتوفى: 571 هـ والمراد به: الطرر والحواشي على
الكامل للمبرد. (1/94)
صفحة 95
95
ولولي الأمر أنْ يُحدد لقضاتِه والقضاء بالمعنى العام ما يحكمون فيه، وما لا يحكمون فيه، وما يأتون وما يذرون، بل يجب عليه ذلك، وقد كانت الأئمة لا تجعل قاضيا ولا واليا إلا وكتبت له عهدا بذلك ولنا فيهم أسوة.
وله نظر المصالح العامة للأمَّة بما لا يخالف الكتاب والسنة والإجماع، وقد مضى على ذلك سلفُ الأمة منذ الخلافة الراشدة، وإلى وقتنا هذا بل، وإلى ما شاء الله من الزمان.
وفي رواية أخرى: "لا يبطل حق امرئ مسلم وإن قدم"
ورد بما تقدم في الذي قبله من جهة، ومن جهة ثانية بعدم ثبوت هذه الرواية أيضا الى المعصوم ل كما سيأتي إيضاحه في محله إن شاء الله.
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "القليل من أموال الناس يورث النار"
وقوله: "كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه "
1 - وهذه الرواية أيضا لم تثبت عن صاحب الرسالة وقد بحثت عنها قدر الطاقة فلم أجدها مسندة اسنادا مقبولا إلى المعصوم.
- أخرجه بهذا اللفظ الإمام الربيع بن حبيب في مسنده ح 690. وانظر شرح الجامع لنور الدين السالمي ج 3 ص 495. حاشية الترتيب ج 6 ص 115 ط التراث الباب السادس في الوعيد في
الأموال.
- أخرجه أحمد 277/ 2، رقم 7713، ومسلم 1986/ 4، رقم 2564. والبيهقي السنن الكبرى 92/ 6، رقم 11276. شعب الإيمان - البيهقي 5 280 ح 6660 سنن ابن ماجه ح 23 39، (1/95)
صفحة 96
وقوله: " لا يحل لا مرئ أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفسه '
2
وقوله: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه" 2
"
وقوله: " من اقتطع حق مسلم بيمينه حرَّم الله عليه الجنَّة وأوجب له النار"، قيل: يا رسول الله وإن كان شيئا يسيرا؟ فقال: رسول الله: "وإن كان قضيبا من
أراك" 3
والمدعي قد يكون صاحب حق في الواقع فإذا لم تسمع دعواه، ولو طال الزمان، لكان المدعى عليه أكلا لمال امرئ مسلم بغير طيب من نفسه مرتكبا
للحرام.
-1
رواه ابن حيان كتاب الرهن، باب الجنايات 5978، وأحمد 23094، البيهقي، كتاب الغصب، باب من غصب لوحاً ح 11737 وانظر باب التقية من الجامع لابن بركة ج 1 ففيه مسائل
مهمة.
2 - رواه الدار قطني في سننه عن أنس بن مالك بلفظه، كتاب البيوع، ر 91، 26/ 3. ورواه البيهقي في السنن الكبرى بلفظ قريب، باب من غصب لوحا فأدخله في سفينة، ر 11325، 100/ 6. وقد سبق الكلام على هذا في الفرع السادس "تضمين السارق من الجزء الثاني من هذا الكتاب. فراجعه من هنالك ص 297 فما بعدها ط.
الامام الربيع، الجامع الصحيح، الأيمان والنذور، رقم: 660، ورواه الإمام مسلم ح 137، ومالك ح 1409 والنسائي في الكبرى ح 5980 كما في تحفة الأطراف للمزي 8/ 3، والدارمي ح 2603 وابن ماجة 2324، والدولابي في الكنى والأسماء 12/ 1، وأحمد 260/ 5 ح 22293 وابن حبان 5087، والطحاوي في " مشكل الآثار " 186/ 1، والطبراني في المعجم الكبير 796 و 797 و 799 و 800 و 1 80، والحاكم ح 7804 والبيهقي 179/ 10 ح 21226 والبغوي في " شرح السنة " 2501 وفي معالم التنزيل 319/ 1. وانظر: السالمي، شرح الجامع، ج 3، ص 405. (1/96)
صفحة 97
97
ورد بأنه: لا دليل في هذه الروايات كلها على المنع من عدم سماع الدعوى وتحديد مدة لسماعها، بل غاية ما فيها: التشديد في أكل مال الغير بغير حق، وأن من أكل مالا حراما فهو آثم ظالم محاسب عند الله وعند الخلق.
وهذا ما لا يختلف فيه اثنان فأين الدليل على وجوب سماع الدعوى على بريء في ظاهر الأمر بموجب الأصل الظاهر وهو البراءة الأصلية، والسلامة من الظلم؟ في دعوى مضى على موضوعها الدهرُ فأكل عليها وشرب وذهبت السنون والأعوام وأهملها صاحبها من غير مانع يمنعه ولا رادع يردعه، فالحق أنه لا دليل فيها لا من قريب ولا من بعيد وهو واضح جلي كوضوح الشمس في رابعة النهار لا يجادل في ذلك الا مكابر. وقالوا: وأنه من الضعف أن نأخذ بقرينة ترجح جانب المدعى عليه ونترك الأخذ
بالبينة.
وأجيب بأن عدم سماع الدعوى هنا تبعا للبراءة الأصلية، وترجح جانب المدعى عليه بذلك تمسكا بالأصل الظاهر، فلو رجحنا جانب المدعي فقد أخذنا البريء بالظن مع قدم الزمان.
وما ادعيتموه من هذه الأدلة السابق ذكرها فهي حجة عليكم لا لكم، لأن إدانة البريء بما ليس عليه الا بمجرد الظن البين خطوه، ظلم وحرام كذلك، فأين الفارق بينهما حتى يُسمع المدعي مع خلاف الظاهر، ويدان المدعى عليه مع البراءة الأصلية في هذا .. ؟!!
وقد زاد ترجيحنا قوةً في جانب المدعى عليه وضعفا في جانب المدعي مضي المدة الطويلة دون سبب شرعي يمنع من إقامة الدعوى، أما مع تحقق السبب المانع من رفع الدعوى فالدعوى مسموعة إن تحقق ذلك. (1/97)
صفحة 98
98
وقالوا: وإذا كان أصحاب الرأي القائل بعدم سماع الدعوى بمضي سنين معينة، قد راعوا مصلحة المدعى عليه، فقد أغفلوا في الوقت نفسه مصلحة المدعي الذي قد يكون معه من وسائل الإثبات ما يستطيع بها أن يبين بجلاء حقه
المدعى به.
والجواب على ذلك كسابقه أضف اليه أنَّ الحقوق تُقضى والأوراق تبقى، وقد يحتفظ الواحد بوثيقة ليس لذات الحق المكتوب بها، وإنما للاستفادة منها بما تحمله في طياتها من معان وألفاظ؛ كما هو الحال الواقع الآن في البحث عن مكنونات التراث وتسابق البحاث فيه، فقد يجد الآن الباحث وثيقة فيها حقوق قد مضت عليها السنون والأعوام وتغيرت من واحد للآخر فهل ستقولون بإقامة الدعوى وسماعها ممن ورد ذكر اسمه أو مورثه فيها؟!! إِنَّ هَذَا لَشَيْءٍ عُجَابٌ (5) ص.
ومن البعد بمكان أن يسكت أحد عن حقه دون مطالبة سنين عديدة وأعواما مديدة، دون سبب شرعي، ودليل حديث الحيازة يدل على ما قلناه وليست سائر الأموال بأشد من الحيازة بل كان معظم مال الناس آنذاك العقار.
1 - أنظر ايضا المدونة الكبرى ج 3 ص 153 بتحقيق باجو قول ابي المؤرج في الحيازة ... ويهلك العلماء والشهداء والأسباب وتبقى الدور والأرض بعد أهلها وتفنى الناس وتفنى عمارتهم وتبقى الكتب ويدور الزمان ويذهب الزمان الذي كان فيه ذلك فلذلك لم ينظر المسلمون فيما تقادم من الحيازة والعمار .. " وهو ما يدلك أن حيازة الدور وغيرها من الأملاك أراد به الشارع ضرب مثل فقط وليس قيدا أو حصرا لهذا الحكم في هذا النوع، وتفكر فيه وفي كلام الامام الربيع وغيره قبله بإمعان وانظر الكلام الآتي: ص 113 فما بعدها. (1/98)
صفحة 99
99
وقالوا وأن أقصى ما يمكن نسبته إلى المدعي هو الإهمال والتفريط في طلب حقه طوال السنين الماضية ... الخ. مع استدلالات أخرى عند الفقهاء كلها اجتهادية.
وأجيب عنه: إن صح ما قلتموه فالتفريط والإهمال هما اللذان يجلبان المصائب للإنسان وقد يفقد نفسَه وماله وأهله وأحبَّاءَه بسبب ذلك، والأدلة على ذلك كثيرة واضحة لا تحتاج إلى إيضاح لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. وقالوا: وأن ما استثناه الشارع من ذلك، فهو المأخوذ به وما عداه فباق على الأصل وذلك في الحيازة الظاهرة في العقارات وأجيب بأن الحيازة التي نص عليها الشارع هي مثال للأموال عامة في عدم سماع الدعوى بمضي المدة وليست سائر الأموال بأشد منها، وأنى لكم بدليل على ذلك ولا دليل، والأصل في أحكام الشارع العموم فلو أراد بها الخصوص لبين ذلك ولا بيان وحاشاه أن يترك الأمة على عمى وقد لحق بربه والدين كامل والنعمة بالإسلام تامة.
وإليك ما جاء في الحيازة وأبدأ أولا بالتعريف: - (1/99)
صفحة 100
100
الكلام على الحيازة
الحيازة لغة: الضم والجمع، وكل من ضم شيئاً إلى نفسه من مال وغيره فقد
حازه.
واصطلاحاً: وضع اليد على الشيء والاستيلاء عليه والتصرف فيه تصرف المالك في ملكه. 2
أما التقادم فهو لغة: مصدر تقادم يتقادم تقادما يقال: تقادم الشيء أي: صار
قديما.
مأخوذ من القدم، والقِدَمُ مصدر القديم من كل شيء، تقول: قَدُمَ يَقدُمُ أَي صار
قديما.
و (قَدُمَ) الشيءُ قدما وقدامة مضى على وجوده زمن طويل فہو قديم (ج) قدماء وقدامي وهي قديمة (ج) قدائم و (تقادم) الشيءُ قدم وطال عليه الأمد. ه واصطلاحا مُضِيُّ زمن طويل، على حق أو عين في ذمة إنسان، لغيره دون مطالبة
بهما، مع قدرته عليها.
-1
انظر مادة " حوز " في: لسان العرب، المصباح المنير وسائر المعاجم.
- أنظر الشرح الصغير على أقرب المسالك 4/ 319.
- انظر المختار الصحاح.
4 - انظر: العين مادة (قَدُمَ)
ه - المعجم الوسيط مادة (قَدُمَ)
- أنظر الموسوعة الفقهية الكويتية 39 ص 266. (1/100)
صفحة 101
101
وهو: أن يكون الشيء ثابتا في يد من بيده ذلك الشيء منذ زمن قديم دون إنكار من أحد، مأخوذ من تقادم العهد بطول الزمن، أي: صار قديما، كما مر.
قال عنترة بن شداد:
فما أوهى مراسُ الحرب ركني ... ولكن ما تقادم من زماني
وأنشد أبو عثمان سعيد بن هارون الاشنانداني
لا تقبلن نميمة انبئتها ... وتحرزن من الذي أنباكها
إن القروض وإن تقادم عهدها ... عند الكريم إذا يكون قضاكها "
وفي القانون التقادم بشكل عام هو انقضاء مدة معينة على الحق يحددها القانون دون أن يطالب به الدائن أو دون أن يستعمله صاحبه من غير عذر مقبول مع إنكار
الخصم له.
وأثر ذلك عدم سماع الدعوى بمضي تلك المدة مع عدم المطالبة من غير عذر مانع لمستحقه من المطالبة ومع إنكار الخصم له.
1 - الكامل في اللغة والأدب للمبرد محمد بن يزيد المبرد، أبو العباس (المتوفى: 285 هـ) تحت عنوان: (مما قيل في الشباب والهرم ص 177 المحقق: محمد أبو الفضل إبراهيم الناشر: دار الفكر العربي - القاهرة الطبعة: الطبعة الثالثة 1417 هـ - 1997 م
2 - أمالي ابن دريد. ص 202 تعليق من أمالي ابن دريد المؤلف: أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي (المتوفى: 321 هـ) المحقق: السيد مصطفى السنوسي، مدرس اللغة العربية بجامعة الكويت الناشر: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت - قسم التراث العربي الطبعة الأولى،
1401 هـ - 1984 (1/101)
صفحة 102
102
لأن ترك الدعوى زمانا مع التمكن من إقامتها، وعدم العذر في عدم المطالبة بالمدعى به سنين عديدة يدل على عدم الحق ظاهرا، وهو الذي تؤيده براءة الذمة الأصلية كما مر بيانه آنفا.
وعدم سماع الدعوى بعد المدة المحددة ليس مبنيا على سقوط الحق في ذاته إن كان هنالك حق للمطالب به، وإنما هو مجرد منع رجال القضاء عن الاشتغال بسماع الدعوى من المدعي للأسباب التي تم ذكرها بالشروط السابقة، مع بقاء الحق لصاحبه فيما بينه وبين ربه، إن كان ثمة حق له، ولو أقر الخصم لزمه أداؤه، ولو كان التقادم مسقطا للحق لم يلزمه
6
لذا لا يعتبر التقادم سببا من أسباب انقضاء الدَّيْنِ شرعا؛ لأنَّ الحق ثابت
لاصق بذمة من عليه الدين لمن هو له، لا يُسقطه تقادم الزمن مهما طال. ولكن تقادم الزمن يؤثر في منع سماع الدعوى إذا كان المدعى عليه منكرا، والمدعي لا عذر له في ترك المطالبة.
والتقادم بهذا المعنى يشمل الحقوق الشخصية والحقوق العينية. والمراد بالشخصية: العلاقة بين شخصين فأكثر في حق بينهما، أو تقول: ما يمثل علاقةً أو رابطة بين دائن ومدين يُخوّل هذا الحقُّ مُطالبة الدائن للمدين بأداء ذلك الحق، أو القيام بعمل أو الامتناع عنه، وتشمل هذه الحقوق: الدين، والعرض والنفس، والمال، والنسل، والوطن الخ.
6
وتنقسم إلى شخصية محضة، وغير محضة، فالحقوق الشخصية المحضة هي التي تثبت للإنسان باعتبار شخصه وذاته، وما يتوفر فيه من صفات ومعان تميزه عن غيره، مثل حق الحضانة، وحق الولاية على النفس والمال، وحق المظاهر (1/102)
صفحة 103
103
في العود، وحق الفيء بعد الإيلاء، وحق أرباب الوظائف في وظائفهم فإنها تسقط بموت ذويها أو أصحابها ولا تورث عنهم .....
"
وهي إما قابلة للإسقاط، وإما غير قابلة للإسقاط، والأصل أن جميع الحقوق الشخصية تقبل الإسقاط بخلاف الأعيان، كحق القصاص وحق الشفعة وحق
الخيار.
وإسقاط الحقِّ إما أن يكون بعوض أو بغير عوض.
أمَّا التي لا تقبل الاسقاط فكالحقوق التي لم تثبت بعد: كإسقاط الزوجة حقها في المبيت والنفقة المستقبلة، وإسقاط المشتري حقه في خيار الرؤية قبل الرؤية، وإسقاط الوارث حقَّه في الاعتراض على وصية مورثه حال حياة الموصي، وإسقاط الشفيع - الشريك أو الجار- حقه في الشفعة قبل البيع.
كل هذا لا يسقط على الصحيح؛ لأن الحق نفسه لم يوجد بعد. وكالحقوق المعتبرة شرعاً من الأوصاف الذاتية الملازمة للشخص؛ كإسقاط الأب أو الجد حقهما في الولاية على الصغير، فإنَّ الولاية وصف ذاتي لهما لا تسقط بإسقاطهما لها.
وكالحقوق التي يترتب على إسقاطها تغيير للأحكام الشرعية كإسقاط المطلق حقه في إرجاع زوجته وإسقاط الواهب حقه في الرجوع عن الهبة، وإسقاط الموصي حقه في الرجوع عن الوصية.
ومنها إسقاط مالك العين حقَّه في ملكها، لا يقبل الإسقاط؛ لأنَّ معنى إسقاط حقه في ملكها إخراجها عن ملكه إلى غير مالك فتكون سائبة لا مالك لها، وقد
1 - أنظر: الموسوعة الفقهية الكويتية 39 ص 266. بتصرف. (1/103)
صفحة 104
104
نهى الشرع عن السائبة التي كانت في الجاهلية بقوله تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) (103) (المائدة)
وكالحقوق التي يتعلق بها حق الغير كإسقاط الأم حقها في الحضانة والمطلق حقه في عدة مطلقته، والمسروق منه حقه في حد السارق؛ لأن هذه الحقوق مشتركة إما أن تكون فيها حق للغير كحضانة الصغير، أو الله عز وجل كالعدة والحدود.
وإذا كان للإنسان ولاية على إسقاط حقه، فليس له ولاية على إسقاط حق
يتعلق بغيره."
211
وفي الحديث: "تعافوا الحدود فيما بينكم، وما بلغني من حةٍ فقد وجب "تعافوا الحدود فيما بينكم، فإذا بلغت السلطان فلعن الله الشافع
والمشفع".
1 - انظر: الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي (2848/ 4)
2 - الدارقطني في سننه ج 3 ص 113 ح 104 السنن الكبرى للبيهقي وفي ذيله الجوهر النقي (331/ 8) 18066 السنن الصغير للبيهقي (227/ 7، 2672 السنن الكبرى للنسائي (330/ 4) 7373
المستدرك على الصحيحين للحاكم مع تعليقات الذهبي في التلخيص (424/ 4) 8156 المعجم الأوسط (210/ 6) 6212 عبد الرزاق (229/ 10 - 18937)، وأبو داود (133/ 4، ح 4376)
وغيرهم.
- أخرجه مالك في الموطأ (3/ 835 رقم (29). قال ابن عبد البر في "الاستذكار" (176/ 34): "هذا خبر منقطع، ويتصل من وجه صحيح "، وأخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" (333/ 8) بسند صحيح (1/104)
صفحة 105
105
ولما سرق رجل رِدَاء صفوان بن أُميّة، وهو بالمسجد، فأمسكه صفوان، وذهب به إلى النبي فأمر النبي و بقطع يده فقال صفوان الرداء له يا رسول الله، أنا ما أردت هذا، قال: "هلاً قبل أن تأتيني به يعني هلا سمحت عنه قبل أن تأتني به؟. وعن عائشة أن قريشا أهمتهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكلمه أسامة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتشفع في حد من حدود الله؟ " ثم قام فاختطب، فقال: "إنما هلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فهم الضعيف، أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم سرقت لقطعت يدها " والمراد بالحقوق العينية: السلطة المباشرة للشخص على شيء مادّيّ بعينه يحقق له منفعة خاصة به أو قل هو المتعلق بعين الشيء وصاحبه يستطيع أن يباشره دون وساطة أحد.
والحق: إما عين أو منفعة، والمنافع تعد من الأموال المتقوّمة؛ لأنَّ الأشياء أو الأعيان تقصد لمنافعها لا لذواتها، والغرض من جميع الأموال هو منفعتها.
وهنالك تقسيمات أخرى ليس هذا محلها.
صل الله
1 - أخرجه أبو داود رقم (4394) والنسائي (698) وابن ماجه رقم (2595) وغيرهم. 2 - ابن حبان 10/ 248 ح 4402 وأبو داود 4373 في الحدود " عبد الرزاق المصنف ح 18830)، مسلم ح 1688. النسائي في " الكبريح 7340، أحمد ح 25297. (1/105)
صفحة 106
106
والمراد بالتقادم انقضاء قوة الإلزام من السلطة القضائية للمدعى عليه في الحق المدعى به إذا أهمل المدعي المطالبة به مدة معينة، متى تمسك بذلك المدين، وكان منكرا ولا يوجد عذر مقبول للمدعي يمنعه من المطالبة.
وهو كما مر عبارة عن مدة معينة يحددها القانون لسماع الدعوى، والجبر على استحقاق الحق، معتبرةً قانونا وبمضيها يفقد الالتزام عنصر الحماية القانونية ويبقى التزاما طبيعيا إذا تمسك بها المدين وكان منكرا ولا يوجد عذر مقبول للمدعي يمنعه من المطالبة بحقه.
والتقادم نوعان مسقط ومكسب. فالمسقط مرور المدة الزمنية على المطالبة في حق ما على مدعى عليه، ومعنى كونه مسقطا أي مسقطا للمطالبة بالحق في الخصومة أمام القضاء، بسبب ترك المطالبة به، المدة الطويلة التي يُحكم بعدم سماع الدعوى بسببها.
وأما المكسب فهو حيازة الشيء إلى النفس مأخوذ من قولهم: كَسَبَ 2 الحائزُ المال المحوزَ، إذا ضمَّه إلى نفسه، ومعنى كونه مُكْسِبًا أي في حق الحائز بسبب إقرار الشيء المحوز عنده، لعدم قبول الخصومة في جانبه.
1 - بتصرف انظر فيما يختص بهذا الموضوع سقوط الحق بالتقادم وعدم سماع دعواه بين الفقه الاسلامي والقانون الوضعي دراسة مقارنة الدكتور السيد عبد الصمد محمد يوسف ص 106 فما بعدها مجلة الأحكام العدلية الفقه الإسلامي وأدلته ج 6/ أ. د. وَهْبَة الزُّحَيْلِي، الموسوعة الفقهية الكويتية 13 ص 118 فما بعدها. و 140/ 21 فما بعدها مادة "تقادم" المدخل إلى نظرية الالتزام في الفقه للأستاذ مصطفى الزرقاء: ف 156 ص 230.
2 - كَسَبْتُ مَالًا كَسْبًا مِنْ بَابِ ضَرَبَ رَبِحْتُهُ وَاكْتَسَبْتُهُ كَذَلِكَ وَكَسَبَ لِأَهْلِهِ وَاكْتَسَبَ طَلَبَ الْمُعِيشَةَ وَكَسَبَ الْإِثْمَ وَاكْتَسَبَهُ تَحَمَّلَهُ وَيَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ إِلَى مَفْعُولٍ ثَانٍ فَيُقَالُ كَسَبْتُ زَيْدًا مَالًا وَعِلْمًا أَيْ أَنَلْتُهُ قَالَ ثَعْلَبٌ وَكُلُّهُمْ يَقُولُ كَسَبَكَ فُلَانٌ خَيْرًا إِلَّا ابْنَ الْأَعْرَابِي فَإِنَّهُ يَقُولُ أَكْسَبَكَ بِالْأَلِفِ (1/106)
صفحة 107
107
والإسلام لا يقر التقادم المُكسِب على أنه سبب للملكية، وإنما هو مجرد مانع من سماع الدعوى بالحق الذي مضى عليه زمن معين، توفيراً لوقت القضاة، وتجنباً لما يثار من مشكلات الإثبات، وللشك في أصل الحق.
أما الحقُّ ذاتُه فالمدين به مطالب به ويجب الاعتراف به لصاحبه وإيفاؤه له ديانةً ولا يُبرؤه منه إلا الأداء أو برآنُ من له الحق منه براءةً غير مشوبة بشيء مع كمال الأهلية.
فمن وضع يده على مال مملوك لغيره لا يملكه شرعاً بأي حال من الأحوال فهو
مطالب برده لمالكه إن لم يكن عاجلا فأجلا كما سيأتي بيانه إن شاء الله. كذلك لا يقر الإسلام مبدأ التقادم المسقط على أنَّه مسقط للحق بترك المطالبة به مدة طويلة، فاكتساب الحقوق وسقوطها بالتقادم حكم ينافي العدالة
والخلق.
وَاسْتَكْسَبْتُ الْعَبْدَ جَعَلْتُهُ يَكْتَسِبُ وَأَصْلُ السِّينِ لِلطَّلَبِ وَيَكُونُ بِمَعْنَى فَعَلْتُ مِثْلُ اسْتَخْرَجْتُهُ بِمَعْنَى أَخْرَجْتُهُ. المصباح المنير في غريب الشرح الكبير المؤلف: أحمد بن محمد بن علي الفيومي ثم الحموي، أبو العباس (المتوفى: نحو 770 هـ) مادة (كَسَبَ) وأساس البلاغة للزمخشري. وزاد" ولا يقال: أكسبته" وفي مشارق الأنوار على صحاح الآثار لعياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي، أبو الفضل (المتوفى: 544 هـ) (3471) يُقَال كسبت مالا وكسبت غَيْرِي مالا لازما ومتعد وأنكر ابن القزاز وَغَيره أكسبت فِي التَّعَدِّي وَصَوَّبَهُ ابْنِ الْأَعْرَابِي وَأَنْشَد: (فأكسبني مالا وأكسبته (حمدا دار النشر: المكتبة العتيقة ودار التراث
1 - انظر المراجع السابقة. وانظر أيضا الحيازة والتقادم في الفقه الإسلامي للدكتور محمد عبد الجواد: ص 18، 50 وما بعدها، 60، 108، 150 فما بعدها، ومراجعه مثل المدونة: 13/ 23، وتبصرة الحكام على هامش فتح العلي المالك ج 2 ص 314 و 362. فما بعدها. ط دار الفكر
بيروت. (1/107)
صفحة 108
108
والمراد بالحيازة هنا حيازة العقار الثابت والتصرف فيه ظاهرا أمام الناس دون خفية.
وذلك: كأن يحوز إنسان عقاراً ثابتا ويتصرف فيه تصرف المالك في ملكه تصرفا ظاهرا، ويدعي مع ذلك التصرف أنه ملكه، وخصمه وهو المالك الأول- حاضر لا يُغيّر ولا ينكر، وليس لديه مانع شرعي عن الإنكار، كعدم القدرة على الخصومة سواء أكانت من قبل نقص الأهلية أو تجبر الحائز بحيث كونه جباراً يخاف سطوته، أو عدم القائم بالحق الذي يوصله إليه، أو مراعاة لقرابة، أو صداقة حميمة أو مراعاة المعروف بينهما، أو خشية الاضرار به أو غيره ماديا كان هذا الاضرار أو معنويا، وأمثالها، وأن تمضي من المدة في ذلك عشر سنوات متواليات على الأقل فإذا توفرت كل الأسباب المذكورة وعُدِم المانع سقط حق المدعي في سماع دعواه، عند الحاكم، وفقد بذلك المدعي عنصر الحماية القضائية. وأَمْرُ الحائز إن كان ظالما إلى من يعلم السر وأخفى. مستدلين بما روي عن رسول الله الله أنه قال: " من حاز أرضاً وعمرها عشر سنين والخصم حاضر لا يغير ولا ينكر فهي للذي عمرها ولا حجة للخصم فيها.
1 - أخرجه الامام الربيع بن حبيب الله في المسند الصحيح بسنده العالي ح 601، أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ عَنِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: ... " الحديث. وروى سعيد بن المسيب مرفوعاً إلى النبي عن زيد بن أسلم: «من حاز شيئاً على خصمه عشر سنين، فهو أحق به منه» وهو مرسل من طريق زيد بن أسلم. وسيأتي بإذن الله الحديث مع تخريجه. وفي مدونة مالك "الحيازة كالبينة القاطعة لَا يَحْتَاجُ مَعَهَا لِيَمِينٍ: أَيْ مِنْ الْحَائِزِ" الشرح الكبير للدردير 4 ص 234، مالك المدونة 4/ 50، رواه أبو داود في المراسيل ح 394، وانظر: التاج والإكليل 210/ 6)، والفواكه الدواني 245/ 2، ومواهب الجليل (221/ 6، 223، (225)، والمدونة الكبرى السابقة 192/ 13. (1/108)
صفحة 109
109
يعني لا تسمع حجة المدعي المحوز عليه أنها كانت في يده قبل ذلك الرجل، أو أنه ورثها أو اشتراها أو نحو ذلك، باستثناء الغائب والشريك وناقص الأهلية والوقف وما للعامة والأجر.
قال العلامة أبو ستة" قوله (ولا حجة للخصم فيها يعني فلا تقبل له بينة ولا يدرك على الحائز والله أعلم.
والفرق بين الحيازة والقعود أنَّ الحائز لا يَخرج الشيءُ من يده بالبينة ولا يُدرك عليه إذا عدمت والله أعلم. قال أبو عبد الله من أكل مالا وادعاه على رجل قد هلك ثم طلبه ورثته إليه أو مات الأكل كيف القول فيها؟
فعلى ما رأيناه في الأثر قالوا إذا كان هذا الأكل يأكل هذا المال بعلم من المأكول عليه حتى مات الأكل، فقد مات وماتت حجته وورثته أولى بما أكل حتى يصح الباقي أو ورثته أنه إنما أكل بطعمة أو وكالة أو غير ذلك.
وأما إذا مات المأكول عليه والأكل حي فورثته أولى بذلك إذا صح أنه كان لصاحبهم حتى يصح هذا بما زال إليه.
وإذا كانا حيين وتنازعا في مثل هذا، فالذي هو بيده الأصل هو أولى به، فإن كان ذلك في يد الآخر وادعاه هذا أنه له وهذا لا ينكر ولا يغير فقد استوجبه الذي هو في يده ويدعيه على هذا، وإن غاب وأنكر من بعد لم يدرك.
1 - أنظر: حاشية الترتيب على الجامع الصحيح لأبي ستة 3/ 238. شرح الحديث المذكور. 2 - الضمير في ورثته عائد إلى المأكول عليه أي ورثة المأكول عليه أولى بذلك المال الخ. (1/109)
صفحة 110
110
والفرق بين موت الأكل والمأكول عليه؛ إذا كان الأكل قد مات وكان يأكل بعلمه وجب لورثته.
وإذا كانا حيين فحتى يأكل بعلمه ويدعيه عليه وهذا لا ينكر عليه. وقيل في رجل أشهد لرجل بمال، وكان يأكله المشهد وهو في يده إلى أن مات، وطلبه المشهود له أو طلبه ورثة المشهود له فعندي أنه للذي أشهد به له حتى يسلم إليه ويقبضه منه، ثم يرجع المشهود له يأكله بعلم هذا حتى يموت ثم تكون ورثته أولى به.
ومما لا يكون لصاحبه حجة ولا دعوى الرجل يدعي مالا في يد رجل قد أكله عليه وبادعاء منه أنه له وهو يسمعه فلا ينكره، ثم أنكره من بعد وطلب فلا حجة له وكذلك في العبد والدابة وغير ذلك.
وأما إذا مات الذي أكل المال فأقام ورثته بينة عدل أنه كان يأكل هذا المال بعلم من صاحبه وهو في يده حتى مات فورثته أولى به وفي هذا فرق بين الحي والميت. وكذلك الرجل يدعي مالاً أنه كان لجده فيدعي ميراث أبيه منه ولم يكن أبوه يدعيه من قبل فقيل: لا دعوى له ولا يدعى عليه بينة.
وكذلك إذا ادعى ميراث وارث قد مات ولم يكن ذلك الميت يطلب ذلك المطلب إلى أن مات إلا أن يكون موتهم متتابعاً.
وقيل في رجل هلك وخلف مالا على ورثته فلم يقسم وكان في يد أحدهم يحوزه ويمنعه ويأكله إلى أن مات شريكه ثم مات الأكل ولم يعلم أحد أنَّ هذا المال جرى فيه قَسْم ولم يعلم أحد أنه اشتراه من شريكه ولا وهب له ولا أزاله بوجه من
الوجوه.
فقيل: إنَّ الأكلة حجة لورثة الأكل في قول بعض المسلمين إذا مات الأكل حتى يصح أنه أكله باطلاً بغير حق. (1/110)
صفحة 111
111
وقال بعض إن أكلة الوارث الشريك ليست كغيرها، والمال بحاله حتى يصح أنه له بوجه حق من بيع أو هبة أو وجه من الوجوه.
وأما أكلة الأجنبي الذي لا حجة له في المال فثابته في أكثر القول من المسلمين وفي هذا ومثله يجري فيه الاختلاف.
والذي نحب من ذلك أنه إذا صح أن هذا المال مال الهالك الأول ولا تعلم البينة أنه جرى فيه قسم إلى هذه الحالة فإنه يقسم على الورثة على القسم الأول؛ لأن حوز الشريك معنا ليس كحوز غيره، إلا أن يصح أنه كان في يده يحوزه ويدعيه على شركائه وهم لا يغيرون ولا ينكرون ذلك، فالمال لورثته دون غيرهم في الحكم فافهم ذلك.
وقيل في رجل في يده مال ويدعيه ويأكله ثم أقام رجل آخر بينة أن المال ماله ورثه من أبيه وشهدت بذلك البينة العادلة، وأراد الذي أكل المال اليمين من الذي أقام البينة أنه له ورثه من أبيه فإن له عليه اليمين بالله أن هذا المال الذي شهدت له به البينة أنه له ورثه من أبيه ولا يعلم لهذا فيه
حقاً.
وإن قال الذي شهدت له البينة بهذا المال وما يعلم أنها شهدت له بما ليس له ولا يعلم أنها شهدت له بباطل وما يعلم أن لهذا في هذا المال حقاً أو يرد اليمين إلى خصمه فإذا رد اليمين إلى خصمه يحلف خصمه أن هذا المال له وما يعلم لهذا فيه حقاً بوجه من الوجوه
فإن حلف كان له وإن نكل عن اليمين وأبى أن يحلف لم يكن له شيء وقال محمد بن خالد سمعنا في رجل هلك وترك ولدين بالغين فأكل أحدهما المال على أخيه بعلمه حتى هلك الأكل والآخر حاضر لا يغير ولا ينكر أن حجة الميت قد ماتت وورثته أحق بما أكل أبوهم وليس للآخر فيما أكل أخوه بعلمه شيء بعد موته ولو أكل عليه بغير دعوى. (1/111)
صفحة 112
112
وعن أبي المؤثر وعن رجلين أقر كل واحد منهما لصاحبه بما ورث من أبيه ولم يسلم كل واحد منهما إلى صاحبه شيئاً، ولبث يأكله حتى مات وترك ورثة يتامى وبقي أحدهما كيف الرأي في ذلك؟
فورثة الأكل أولى بما أكل وليس للمقر له شيء إذا كان قد علم بإقرار المقر وعلم بما أقر له به ثم علم بأكله إياه حتى مات فلم ينكر ذلك عليه وصحت بهذا بينة عدل فالمال لورثة المقر وليس لورثة المقر له شيء.
وأما الحي منهما فإن إقراره ثابت عليه يسلم ما أقر به لورثة الميت الذي أقر به، إلا أن يكون المقر له الميت قد علم بإقرار هذا الحي وعلم ما أقر به فأكل هذا المقر بعلم من المقر له وادعاه عليه بعلم منه وهو لا ينكر ذلك عليه حتى مات فالمال للحي في الحكم، وقد انقضت أكلتُه ودعواه بعلم الميت بما أقر به إلى ورثته إذا أقر له بحق.
قال القطب الا الله: وأما حجة أنها كانت عند هذا الذي بيده الآن بعارية أو غصب أو نحو ذلك، فتقبل إن جاءت بينة بذلك، وكذا إن قام قبل تمام المدة فأخرجه أو حجر عليه أو أشهد عليه، أو قال هي عندك بالرهن أو الإمساك أو بالتعدي أو غير ذلك، أو أقر الداخل بشيء من ذلك فلا يثبت له بالحيازة، ولو مكث فيها ما مكث بعد ذلك كما ذكر بعض ذلك في الديوان.
إلى أن قال: "إنما أخذ أبو عبيدة وبعض بالعشرين للحوطة لا لكونه الصحيح، لأنَّ الصحيح عشر سنين كما مر في الحديث، وهو ثابت عندنا وعند قومنا، ومن
منهج الطالبين وبلاغ الراغبين لخميس الرستاقي 2539، القول الثاني والخمسون في الدعوى والحكم في اليد والأكل واليمين في ذلك ط التراث. وج 5 ص. 512 - 513. مكتبة مسقط والتاج للثميني ج 7 ص 442
-1 (1/112)
صفحة 113
113
رواته أبو عبيدة رحمه الله فأخذه بالعشرين استحسان لا جزم، وتبعوا في ذلك جابر
بن زيد
وزادوا في الديوان بعد ذكر بعض تلك الأقوال قول بعضهم: إنه لا حيازة، لأن الحق قديم لا تزيله الشكوك ولا الشبهات، كأنه لم يصح الحديث عند هذا القائل أو لم يبلغه، وذكروا فيه أنه قيل الحيازة تكون فيما عرف لأحد أو لم يعرف، وقيل: فيما لم يعرف لأحد، وقيل: فيما عرف لأحد، وهو المأخوذ به اهـ)
1
ويحتمل أنَّ أبا عبيدة اختار العشرين فيما لم يعرف أصله لأحد، فلا يقبل حجة فيه بعد العشرين وجزم بالعشرة فيما عرف لأحد، للحديث الذي رواه مفسرا له فيما عرف أصله لأحد.
ويدل لذلك قول الديوان " ما نصه: وذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من حاز أرضا وعمرها عشر سنين فهي له"
وإنما تكون الحيازة في الأرض وما اتصل بها من الأشجار والبنيان والغيران والأبيار والعيون والأنهار، وما جرى هذا المجرى 2
وإنما تكون فيما عرف أصله لأحد من الناس بمعنى من معاني دخول الملك، وأما ما لم يعرف أصله لأحد فلا تجوز فيه الحيازة، وإنما يكون فيه القعود إذا قعد فيه الرجل ثلاث سنين ولم يعارضه أحد صار أقعد فيه من غيره.
1 - شرح النيل للقطب اطفيش 511/ 13 فما بعدها. والمراد بقوله: "أو نحو ذلك" كالكراء والأمانة والوديعة والاباحة المشروطة بوقت وأمثالها.
2 - ويعرف ما اتصل بالأرض عند القانونين العقار بالتبعية. كما سيأتي بيانه بإذن الله أنظر: تعريف العقار من هذا الكتاب. ص 118.
- في الأصل المطبوع صار أقعد فيه لغيره" ولعل الصواب ما أثبته. (1/113)
صفحة 114
وأما إن مكث فيما لم يعرف أصله لأحد عشرين سنة ولم يعارضه أحد فإنما
يشهد له الشهود أنه مكث فيها عشرين سنة، ولا يذكروا الحيازة، ومنهم من يقول فيما لم يعرف أصله لأحد تجوز فيه الحيازة
1
قال العلامة أبو ستة والعجب لأبي عبيدة رحمه الله كيف عدل عن الحديث الذي رواه مع أنه لم يذكر له معارضا فالمناسب العمل بما ورد به الحديث والله
أعلم. قال النور السالمي قلت: لعل أبا عبيدة قال ذلك قبل أن يسمع الحديث، "، ويمكن أنَّه رأى أنَّ الحيازة تختلف باختلاف الأحوال والأزمان، وأنَّ ذِكْرَ العشر في الحديث ليس بحدّ محدود تلزم مراعاته، وأنَّه إنَّمَا ذكر مثلاً لبيان المدة الطويلة، كما ذكر في حديث أبي هريرة أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذرّ: «التيمم يكفيك إن لم تجد الماء عشر سنين»، ومن المعلوم أنَّه يكفيه ولو لم يجد الماء عشرين سنة.
ومنهم من قال: الحيازة خمس وعشرون سنة، ومنهم من قال: ثلاثون سنة، ومنهم من قال: خمس وثلاثون سنة، وقال بعضهم: أربعون سنة، وقال بعضهم: خمسون سنةً، ولا مستند لهذه الأقوال إلا النظر في مراعاة الأحوال، والأخذ بظاهر الحديث أولى من تحمل التأويل.
بل الذي يقتضيه ظاهر الحال أنَّ حيازة الملك وعمارته مع دعوى الملك في حضرة الخصم حجّة عليه إن سكت عليه ولم ينكره، حيث لا مانع من الإنكار. وأنَّ العشر السنين المعتبرة في الحديث إِنَّما هي في الحيازة والعمارة المجردتين من دعوى الملك، فإنَّه إذا حازها وعمرها تلك المدَّة ولم يسمع منه دعوى ولا إقرار ثمَّ
1 - شرح النيل السابق ج 13 ص 513. فما بعدها.
-2
حاشية الترتيب على الجامع الصحيح لأبي ستة 3/ 237. (1/114)
صفحة 115
115
نوزع فيه فهو بهِ أولى لظاهر الحديث، والله أعلم.
والفرق بين حيازة الثلاث السنين وحيازة عشر سنين ونحوها أن البينة تقبل بعد الأولى لا بعد الثانية.
وفي المدونة "ذكر ابن عباد عن عبد الجبار بن عمرو عن ربيعة عن ابن المسيب رفع الحديث إلى النبي لو أنه قال: من حاز شيئا عشر سنين، أو عشرين سنة فصاعدا فهو له"
- شرح الجامع ج 3 ص 276.
- المدونة الكبرى ج 3 ص 147 فما بعدها تحقيق باجو وقد بحثت عنها قدر الطاقة في بقية كتب الحديث عند غير الاصحاب فلم أجدها بهذا اللفظ في شيء من كتب الحديث المعتبرة عندهم؛ أعني بهذه الزيادة "أو عشرين سنة فصاعدا والظاهر أنها من زيادات الراوي فتكون أو هنا "للشك" أما بدونها فقد جاءت بعدة ألفاظ عند الامام الربيع الله وغيره وهي صحيحة، وعليها عمل هذه الأمة. لكن ذكرها بهذه الزيادة الألباني في السلسة الضعيفة ج 10 ص 356 ح 4853 وقال: (ضعيف) أخرجه عبد الله بن وهب في موطئه عن عبد الجبار بن عمر الأيلي عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن سعيد بن المسيب يرفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال عبد الجبار: وحدثني عبد العزيز بن المطلب عن زيد بن أسلم عن النبي مثله ذكره الشيخ أبو الفيض أحمد الغماري في كتابه "مسالك الدلالة في تخريج أحاديث الرسالة لابن أبي زيد القيرواني ص 331 مطبعة دار العهد الجديد؛ كما نقله إليَّ كتابةً - بتاريخ 1395/ 1/23 هـ - أحد الطلاب في كلية الشريعة - قسم الدراسات العليا الشرعية في مكة المكرمة؛ نقلاً عن الشيخ حماد الأنصاري المدرس، كَتَبَ يطلب إعطاءه حكمي على هذا الحديث؛ لأنه في صدد البحث في مسألة "وضع اليد المدة الطويلة وجواباً عليه أقول: إنه حديث ضعيف عندي؛ لأنه مرسل من الوجهين، وكل من المرسلين مدني؛ فلا يقوي أحدهما الآخر؛ لاحتمال أن يكون شيخهما تابعياً واحداً. على أن مدار الإسناد إليهما على عبد الجبار بن عمر الأيلي؛ وهو ضعيف؛ كما جزم به الحافظ، تبعاً لجمع من الأئمة؛ بل إن بعضهم ضعفه جداً، فقال محمد بن يحيى الذهلي:
- (1/115)
صفحة 116
116
قال ابن عباد قال عبد الجبار حدثني عبد العزيز بن عبد المطلب عن زيد بن أسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.
لكن بلفظ: "من حاز شيئا عشر سنين فهو له وعنى بالشيء الأصل كما في رواية غيره.
ولا يشترط الهدمُ والبناء في الدار ونحوها، وقال ابن القاسم صاحب مالك: لا حيازة إلا مع الهدم، والبناء، قلت: كأنه أراد الإشارة إلى أنه لا حيازة إلا بالعمل الكثير في الأصل المحوز. قال بعض المالكية: لا يحوز بهدم ما يخشى سقوطه، ولا بإصلاح اليسير، لأن رب الدار يأمر المكتري به. 2 قال ابن عباد: حدثني عبد الجبار عن ربيعة أنه قال: إذا كان الرجل حاضرا وماله في يد غيره ومضت عليه عشر سنين وهو على ذلك الحال كان المال للذي
-1
ضعيف جداً. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال الدار قطني متروك. على أن عبد الجبار هذا قد روى عن شيخه ربيعة ما يعود على الحديث بالنقض؛ فقال: قال ربيعة: إذا كان الرجل حاضراً، وماله في يد غيره، فمضت له عشر سنين وهو على ذلك كان المال للذي هو في يده بحيازته إياه عشر سنين؛ إلا أن يأتي الآخر ببينة على أنه أكرى أو أسكن أو أعار عارية، أو صنع شيئاً من هذا، وإلا فلا شيء له."
المدونة الكبرى المرجع السابق. شرح النيل للقطب اطفيش 13،515، وفيه بزيادة (وعمره) وانظر: الالباني السابق.
2 - شرح النيل للقطب اطفيش (13 (515) وفيه بزيادة (وعمَّره) وانظر: الالباني السابق وشرح الزرقاني على مختصر خليل وحاشية البناني 417/ 7، والشرح الكبير للشيخ الدردير، وحاشية الدسوقي 4/ 235. (1/116)
صفحة 117
117
هو بيده وهو له بحيازته عشر سنين إلا أن يأتي الآخر بالبينة أنه أكراه له أو أسكنه أو أعاره أو نحو ذلك.
قال ابن عباد: إن حضر عشر سنين فأقام حجته عند قاض من قضاة المسلمين أو عامل من عمالهم فعزل أو مات فأقامها عند الثاني، فلا يلتفت إليه، وهو بمنزلة من لم يحتج، والعمارة إذا كانت قد حيزت وعمرت بحضرة هذا المدعي عشر سنين فلم يدع فيها ولم يخاصم فلا حق له فيها.
قال ابن عباد وأهل المدينة على هذا متفقون لا اختلاف بينهم في هذا الحكم. قال وائل ومحبوب عن الربيع رفع الحديث إلى أبي عبيدة: إن كل ما حيز من الدور والرباعات والقرى وغير ذلك عشرين سنة يبنون ويهدمون وأهلها حاضرون لا يغيرون ولا ينكرون، ثم أدلوا بحجة فلا يلتفت إليها ولا حجة لهم بعد عمارة عشرين سنة وهم حضور لا ينكرون 2
قال القطب له ولا" حيازة بين شركاء حيازة القعود ولا حيازة عشر سنين وغيرها من الأقوال ولو طالت مدة، ولو مضت مائة سنة، إلا ما يأتي إن شاء الله تبارك وتعالى؛ من الحيازة عن الأخت بموتها أو موت الأخ بعد مضي ثلاث سنين بعد تزوجها، ونحو ذلك من المسائل الآتية، ولا في المشاع ولا فيما للعامة وهم أربعون وقيل خمسون، وقيل: ثمانون، وقيل: مائة.
-1
المدونة السابق شرح النيل السابق.
2 - شرح النيل 13 ص 515 - 516، وانظر المدونة الكبرى ج 3 ص 148 تحقيق باجوط التراث. (1/117)
صفحة 118
118
وفي الديوان يحوز الرجل عن بعض الشركاء إذا لم يشترك معهم أولا، ولا فيما للأجر أو للمسجد أو للمساكين، ولا فيما لا يتعين صاحبه كسائر ما يحبس لأهل صفة كذا أو موضع كذا.
1 - شرح النيل السابق ص 508 (1/118)
صفحة 119
119
اختلاف العلماء
في طول الزمان
اختلف العلماء في طول الزمان الذي تكذب به العادة دعوى الحاضر الأجنبي فلم يحده مالك بالعشر؛ بل قال: من أقامت بيده دار سنين يكري ويهدم ويبني فأقمتَ بينةً أنها لك أو لأبيك أو لجدك، وثبتت المواريث، وأنت حاضر تراه يفعل ذلك فلا حجة لك فإن كنت غائبا أفادك إقامة البينة.
والعروض والحيوان والرقيق كذلك، وكذلك قال الأصحاب (2) في كتاب الإجارات إذا ادعى بأجرة من سنين لا تسمع دعواه إن كان حاضرا ولا مانع له، وكذلك إذا ادعى بثمن سلعة من زمن قديم، ولا مانع من طلبه، وعادتها تباع بالنقد، وشهدت العادة أنَّ هذا الثمن لا يتأخر.
وقال ربيعة عشر سنين تقطع الدعوى للحاضر إلا أن يقيم ببينة أنه أكرى أو أسكن أو أعار، ولا حيازة على غائب، وعن رسول الله لو أنه قال: "من حاز شيئا عشر سنين فهو له" ولقوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأُمُرُ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (199) الأعراف.
فكل شيء يكذبه العرف وجب ألا يؤمر به بل يؤمر بالملك لحائزه لأن العرف
معتبر.
وقال ابن القاسم الحيازة من الثمانية إلى العشرة، وأما في الأقارب فقال مالك: الحيازة المكذبة للدعوى في العقار نحو الخمسين سنة؛ لأن الأقارب
-1
المراد بالأجنبي هنا كل من لم تربطه بالمدعي أي علاقة تمنعه من الدعوى وتؤدي إلى مراعاته والتوسعة عليه من قبل الدائن كالقريب من النسب والمصاهرة والصديق والشريك إلخ.
2 - يعني بالأصحاب المالكية؛ لكون النص منقولا عن القرافي كما سيأتي إن شاء الله. (1/119)
صفحة 120
120
يتسامحون لبر القرابة أكثر من الأجانب، أما لدون هذا القدر من الطول فلا تكون الدعوى كاذبة.
قال الربيع عن أبي عبيدة عن أبي الشعثاء في هذا: إن ما حِيزَ من الدور والرِّبَاعَات منذ خمس وعشرين سنة، وأهلها حضور لم يغيروا ولم ينكروا، ثم جاؤوا بعد ذلك يحتجون بالخصومة أنه لا يتلفت القاضي إلى شيء من دعواهم ولا يرفع شيئا من شأنهم، ولا يفتح هذا الباب على نفسه فيطول عناؤه ويشتد بلاؤه ... "
وقال عبد الله بن عبد العزيز عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد كما روى الربيع عنهما، وقال: ما أدري ما هذا وما وجهه، ولا أرى أن يبطل الْحَقَّ تقادمُهُ، غير أنَّ أهل الحجاز قد رووا عن النبي أنه قال: "من حاز شيئا وعمَّرَهُ عشر سنين فهو
وفسروا الحيازة والعمارة أنه إذا كان حاضرا وماله بيد غيره فصمت عليه عشر سنين وهو على ذلك من الحال كان المال له بحيازته إياه عشر سنين. وكذلك روى لي أهل العراق، إلا أنَّ أبا عبيدة يتحدث عن جابر بن زيد أنه احتاط فجعل بعد عشر سنين عشرا أخرى. 2
-1
انظر: القرافي الفروق مع الهوامش. ج 4 ص 152 فما بعدها. الفرق الحادي والثلاثون والمائتان بين قاعدتي الدعوى الصحيحة والدعوى الباطلة.
2 - الخراساني المدونة الكبرى ج 2 ص 253 - 254. ج 3 ص 147 فما بعدها بتحقيق باجو. المدونة الصغرى 2 ص 233 - 234. اطفيش: شرح النيل، ج 13، ص 513، و 517 - 518 مع بعض الاختلاف ونصه ... (517/ 13) غير أن أهل الحجاز قد رووا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من حاز شيئا وعمره عشر سنين وصاحبه حاضر لا ينكر فهو لمن حازه ..... "
موسوعة آثار الإمام جابر بن زيد لإبراهيم بولرواح 3222/ 1303/10372. (1/120)
صفحة 121
121
وكان أبو عبيدة أيضا يحتاط في الرضاع ويجعل الفصال أربع سنين ويحتاط بسنتين بعد السنتين الأوليين والله أعلم بوجه حديث النبي صلى الله عليه وسلم وتفسيره غير أن الفرقين جميعا من أهل المدينة وأهل العراق قد جاؤا بهذا الحديث جميعا يحملونه ويروونه عن النبي وما قاله النبي الله فهو حق والسنة أحق بأن تتبع إذا كانت سنة من النبي اللولو وأما القياس فلا ينبغي أن يبطل الْحَقَّ تقادمُهُ، والحق قديم لا
يبطله تقادمه.
قال أبو المؤرج القول عندنا قول أبي عبيدة الذي رواه عن جابر بن زيد وبذلك يفتي حتى خرج من الدنيا أنه لاحق لكل من ادعى شيئا في يد أهله منذ عشرين سنة
يحوزونه ويعمرونه.
قال فهذا نأخذ وعليه نعتمد وبه جرت أحكام المسلمين وورد جوابهم عن ابي عبيدة في جميع آفاق الأرض وأقطارها.
قال الربيع عن أبي عبيدة: رفع رجل من أهل البصرة إلى أبي الشعثاء رقعةً فيها مسألة فقال يا أبا الشعثاء ما تقول في رجل كانت له دار بالبصرة وأنها خربت فاشتغل عنها في بعض أسفاره، ثم رجع فوقع فيها رجل من هؤلاء القوم بناها وحازها وعمرها منذ خمس وعشرين سنة أو ثلاثين سنة، وهو ممن لا يقدر على خصومته ولا دفعه 2
قال: فأجابه أبو الشعثاء في ظاهر رقعته قد فهمت مسألتك التي سألتني عنها، وإني لا أخالك تقدر على أخذ دار عمرها صاحبها وبناها منذ خمس وعشرين سنة، أو ثلاثين سنة وأنت حاضر لحيازته وعمارته وبنيانه، ولم تغير ذلك عليه ولم تنكره،
1 - المدونة الكبرى المحققة المرجع السابق ج 3 ص 151 فما بعدها.
2 - في رواية بلفظ" وهو لا يقدر على خصومته ولا دفعه .. " وفي أخرى: "وهو لم يقدر على خصومته ولا دفعه " ولعل ما أثبته أصح. (1/121)
صفحة 122
122
فلا أخالك تدركها بقضاء ولا حجة، وقبيح لمثلك أن يطلب مالا ينال ويتعنى لطلب ما لا يدرك.
قيل للربيع إن أبا عبيدة روى عن جابر بن زيد أنه أجاب الرجل ثم احتج فيها بعد ذلك فقال: إني لا أخالك تدرك دارا قد عمرها أهلها وحازوها منذ خمس وعشرين سنة أو ثلاثين فكيف رويت أنت عن أبي عبيدة أنه كان يرى كل ما حيز من الدور والرباعات والقرى وغير ذلك عشرين سنة ولم يحتج فيها بحجة، ثم احتج فيها بعد ذلك وهو حاضر لحيازتها أنه لا حق له فيها، وهي لمن حازها وعمرها دونهم وقد قال أبو الشعثاء في الحيازة والعمارة خمس وعشرون سنة أو ثلاثون سنة؟ قال الربيع إنما روى أبو عبيدة عن جابر في الحديث الأول أنه إنما قال ذلك جوابا للرجل الذي زعم أن رجلا خالفه إلى منزله قد كان خرب فأحياه وعمره منذ خمس وعشرين سنة أو ثلاثين سنة، فأجابه أبو الشعثاء إني لا أخالك تدرك دارا عمرها أهلها وحازوها منذ خمس وعشرين سنة أو ثلاثين سنة.
فهذا جواب من أبي الشعثاء للرجل الذي وقَتَ لداره التي حازها الرجل الذي خالفه إليها وحازها منذ خمس وعشرين سنة أو ثلاثين سنة، وليس هذا من أبي الشعثاء وقتا وأنه لا يستوجب الرجل بالحيازة والعمارة شيئا دون خمس وعشرين سنة أو ثلاثين سنة.
قال الربيع عن أبي عبيدة عن أبي الشعثاء في هذا: إن ما حيز من الدور والرِّبَاعَات منذ خمس وعشرين سنة، وأهلها حضور لم يغيروا ولم ينكروا، ثم جاؤوا
1 - الخراساني: المدونة الكبرى، ج 2 ص 223 - 224. النسخة المصورة / وج 3 ص 147 - 151 المحققة. المدونة الصغرى، ج 2 ص 232. القطب اطفيش: شرح النيل، ج 13، ص 516.
موسوعة آثار الإمام جابر بن زيد لإبراهيم بولرواح / 1037/ 322/1303. (1/122)
صفحة 123
123
بعد ذلك يحتجون بالخصومة، إنه لا يتلفت القاضي إلى شيء من دعواهم، ولا يرفع لهم شيئا من شأنهم، ولا يفتح هذا الباب على نفسه فيطول عناؤه ويشتد
بلاؤه.
وقال الربيع وأصحابنا من أهل البصرة على هذا مجتمعون ... "
"
قال وائل ومحبوب عن الربيع رفع الحديث إلى أبي عبيدة: أن كل ما حيز من الدور والرباعات والقرى وغير ذلك، فحازه أهله وعمروه منذ عشرين سنة فصاعدا يبنون ويهدمون، ولم يدع فيها أحد ولم يحتج فيها بحجة وهم حضور يرون الحيازة تحاز وتعمر دورهم هذه العشرين سنة وهم حضور لا يغيرون ولا ينكرون، ثم أدلوا بالحجة بعد ذلك أنه لا حجة لهم، ولا حق، ولا يلتفت القاضي إلى شيء من دعواهم، ولا حجة لهم في شيء هو في يد أهله منذ عشرين سنة يحوزونه وهم حضور، ولا يغيرون ذلك عليهم ولم ينكروه. قال القطب معقبا على ذلك" والذي عندي أن من شرط الحيازة أن يكون صاحب الأصل قادرا أن يتكلم على حقه ويخاصم، وإلا فلا يحاز عنه أصله؛ إلا أنه إذا لم يقدر أشهد سرا أنه على حقه لم يتركه، وأنه إذا قدر تكلم به، ولعل جابرا
1 - أبو غانم الخراساني المدونة الصغرى 232/ 2 - 233، المدونة الكبرى 223/ 2 و 322. وانظر المحققة ج 3 ص 147 فما بعدها بتحقيق باجو، وانظر موسوعة آثار الإمام جابر بن زيد لإبراهيم بولرواح 2/ 1038 فقه الإمام الربيع بن حبيب من خلال كتب الآثار إلى القرن السادس الهجري لسلطان اليعربي بحث تخرج ص: 124 رواية الحديث عند الإباضية (دراسة مقارنة لصالح البوسعيدي ص: 103. وانظر: شرح النيل ج 17 ص 517
-2
المدونة الكبرى لأبي غانم الخراساني، 223/ 2 فما بعده السابق. فيمن حاز أرضا وعمرها وانظر المحققة ج 3 ص 147 فما بعدها بتحقيق باجو السابق. (1/123)
صفحة 124
124
دفع الرجل عن أصله مع قوله إنه لا يقدر على دفع خصمه ولا على خصومته، لأنه لم يشهد على ذلك، ثم رأيت في الديوان النصّ على اشتراط القدرة، إذ قالوا: وإنما تجوز الحيازة على الحر البالغ الصحيح العقل ذكرا كان أو أنثى، موحدا أو مشركا، إلا أرض الجزية فلا يحوزها المسلمون ويحوزها أهل الكتاب فيما بينهم.
وهذا كله إذا حضر صاحب الحق حتى تمت مدة الحيازة ولم يغير ولم ينكر من حاز أصله شيئا فسكت ولم يمنعه ولم يحتج عليه عند المسلمين في موضع يدرك حقه فيه حتى مكث فيه وحازه عشر سنين أو عشرين سنة، فيكون لا حجة له عليه .. " 1
وفي النور الوقاد للرقيشي: إن ترك رب المال الباغي ولم يتبعه لعذر من الأعراض كمرض أو خوف من عدو أو شدة حر أو برد أو عدم تحقق أنه أخذه فلان حتى تقادم الزمان ثم قام رب المال في طلبه فوجده قائما بعينه عند الباغي أو عند أمينه أو مشتريه منه أو واهبه له أو غير ذلك مما قدمناه لم يضره تأنيه وقعوده عنه ومكثه عن القيام فيه طويلا لأن الحق لا يبطله تقادمه إلا بنص من الشارع وهو مضى مدة الحيازة فبالحديث عشر سنين ولذلك شروط أحدها أن يكون رب المال حاضرا ليس بغائب الثاني: أن لا يُتَّقَى من بيده المال، الثالث أن يجد المنصف له من خصمه والله أعلم. قلت: - الباحث: وكلام الامام جابر واضح جلي فالرجل لم يمنعه من الدعوى عدم المقدرة على إقامة الدعوى، وإنما حسب الظاهر ترك ذلك بنفسه، فالرواية الصحيحة حسب الظاهر - أنه قال في سؤاله " ... وهو ممن لا يُقدر على خصومته ولا دفعه" فأجابه أبو الشعثاء في ظاهر رقعته قد فهمت مسألتك التي سألتني
1 - شرح النبيل السابق ص 516 فما بعدها.
2 - النور الوقاد على علم الرشاد لمحمد الرقيشي المسألة السابعة ص: 127) (1/124)
صفحة 125
125
عنها ..... فالإمام جابر فهم من الرجل التقاعس عن الطلب من غير مانع؛ لأنه لم يقل لم أقدر على المطالبة بسبب بغيه أو جبروته أو منعني كذا ... إلى آخره، لم يصرح بالمانع الشرعي وإنما عرَّض بقوله: "وهو ممن لا يُقدر على خصومته ولا دفعه" ليوهم أنَّ الرجل لا يُقدر على خصومته، فأراد أن يحتال على الإمام بفتوى جواز المطالبة فأجابه بعد فهم المسألة وما يُخفيه السائل من إرادة التمطى على الإفتاء: "قد فهمت مسألتك التي سألتني عنها ... "
وهكذا الواجب على المفتي ألا يفتي إلا بعد التأمل وفهم خبايا السؤال قبل ظواهره؛ فإن في الاستفتاء من الناس خبايا كثيرة لو ظهرت لما أُفتُوا بما أُفتُوا به، ولما ركبوا الحرام، ولم يدروا أنَّ المفتي لا يعلم الغيب فلا إثم ولا ضمان عليه؛ إن أفتى بعلم وعلى ظاهر السؤال إذ هو المتعبد به والباطن الذي يخفيه السائل أمره إلى الله، وإنما الاثم والضمان على العامل بالفتوى والأمر لله وحده، فلينظر فيه ولا يؤخذ منه الا الحق والباطل مردود بإذن الله عل.
6
قال أبو غانم قلت للربيع فالدار يسكنها الرجل وأبوه من قبله ثم يأتي الرجل يدعي أنها كانت لجده ويقيم البينة على ذلك، ويقول الذي هي في يده ما أدري ما تقول غير أنها كانت بيدي وبيد أبي من قبلي وهذا المدعي حاضر وأبوه من قبله؟ قال: فالدار للذي هي في يده، ويحلف بالله ما يعلم للطالب فيها حقا، قلت: ولا يذكر له القاضي من أين صارت له؟ قال: لا يذكر القاضي شيئا من ذلك ولا يعتني
فيه.
قلت: فإن قال محتج: إني قد أتيت حجتي عند قاض قد كان عزل أو مات. قال: فإن قضى له القاضي الذي ذكر فليثبت قضاءه، ثم لا يكلف هذا القاضي فيما
قضى له به ذلك القاضي، إلا أن يكون قضى له بخلاف الكتاب والسنة. وإن كان رأيا مما يختلف فيه الفقهاء فلا يفسخ ذلك القضاء إذا كان مخالفا لرأيه، وإن كان أدلى بحجته عند ذلك القاضي وخاصم إليه فها ثم لم يستحق (1/125)
صفحة 126
126
بحجته ولا بخصومته تلك عنده شيئا ولم يحكم له بها حاكم وهو بمنزلة من لم يدل ولم يخاصم فلا حجة له فيما احتج من ذلك ولا خصومة؛ لأن الحيازة والعمارة إذا ثبتت عند القاضي أنَّ أهلها قد حازوها وعمروها منذ عشرين سنة، فقد استحقوها بحيازتهم لها وعمارتهم إياها، ولا يجوز للقاضي أن يمكّن المدعي مما ليس له من الحق والخصومة فيما قد ثبت لغيره.
قال أبو المؤرج ليس ينبغي للقاضي أن يفتح على نفسه هذا الباب فيدخل عليه التعب، فيكون في شدة من التعب، لأنه ليس عندنا أمر أقوى في هذا مما قد حيز من الدور والأرضين ومكثها عند صاحبها عشرين سنة فيبيد أهلها ويفنون ويهلك العلماء والشهداء والأسباب وتبقى الدور والأرض بعد أهلها وتفنى الناس وتفنى عمارتهم وتبقى الكتب ويدور الزمان ويذهب الزمان الذي كان فيه ذلك فلذلك لم ينظر المسلمون فيما تقادم من الحيازة والعمارة ويحلف من كانت بيده أنه لا يعلم للمدعي فيها حقا، قال أبو المؤرج فهذا نأخذ وعليه نعتمد وهو قول أبي عبيدة وجابر بن زيد والعامة من فقهائنا ..
وفي شرح النيل بزيادة ..... فلا يمكن منها مدعيها الذي حضر ولم ينكر، ولا يفتح الشُّعَبَ بذلك لأن العلماء والشهود يموتون وتبقى الدار والأرض ويفنى الناس وتبقى عمارتهم، ويذهب الكتاب الذي كتب فيه ذلك ويدور الزمان، فلذلك لم ينظر المسلمون فيما تقادم من الحيازة والعمارة، ويحلف من كانت بيده أنه لا
1 - أبو غانم الخراساني المدونة الصغرى 234/ 2. وانظر الكبرى المحققة ج 3 ص 147 فما بعدها تحقيق باجو، السابق شرح النيل للقطب اطفيش (518/ 13) وفقه الإمام الربيع بن حبيب من خلال كتب الآثار إلى القرن السادس الهجري لسلطان اليعربي. بحث تخرج باب العمارة والحيازة. مع حذف في اللفظ.
- المدونة الكبرى المحققة ج 3 ص 153 - 154. (1/126)
صفحة 127
127
يعلم للمدعي فيها حقا، وهذا قول العامة من فقهائنا"
قال الباحث والذي عليه العمل ومضى على ذلك القضاء والأحكام من الحكام على مر العصور أنه بعد حيازة عشر سنين والمدعي حاضر لا يغير ولا ينكر وليس لديه مانع يمنعه ولا رادع يردعه عن إقامة الدعوى فلا تسمع دعواه من أصلها، وعدم سماع الدعوى ينتج عدم اليمين على المدعى عليه، فاليمين ثمرة قبول الدعوى، وبعدم سماع الدعوى تنعدم اليمين، إذ ليس لها أساس أو أصل تلحق به حتى يقال بها، وهو ما تنطبق عليه أدلت السنة المطهرة السالف ذكرها، للحديث الثابت الصحيح عنه " من حاز أرضاً وعمرها عشر سنين والخصم حاضر لا يغير ولا ينكر فهي للذي عمرها ولا حجة للخصم فيها " فليتنبه لذلك. وهذا جواب من الامام جابر بن زيد لراشد بن خثيم، ونصه: -
من جابر بن زيد إلى راشد بن خثيم.
وأما الذي ذكرت من رجل اشترى من رجل أرضا لا يرى إلا أنها له ثم عمرها، فجاء رب الأرض فقال: أرضي لم أبعها ولم أهها؛ فأُخبِرُكَ أنَّ هاشما قضى في مثل ذلك أن تُقَوّمَ الأرض فما زادت على ثمنها الأول أخذ من بائعها الأول الذي باعها وقضى للذي اشتراها على رب الأرض ما أنفق فيها وأجر عمالة ما عمل فيها، ولا أراه إلا نعم ما قضى. 2
1 - شرح النيل للقطب اطفيش (13/ 518)
2 - رسائل الامام جابر. الرسالة الأولى
ص
74 فما بعدها بتحقيق الشيخ العلامة الدكتور فرحات
الجعبيري ن مكتبة الضامري موسوعة آثار الإمام جابر بن زيد لإبراهيم بولرواح 2/ 1038
و 1304 م 3224. (1/127)
صفحة 128
128
هذا ملخص ما ورد في حيازة العقار من ثابت ومنقول فيما عدا النقدين.
والظاهر أن المراد بقوله: (هاشما): هاشم بن المهاجر الحضرمي اليمني أبو المهاجر فقيه كبير من حضرموت، كان من كبار الفقهاء والمفتين أخذ العلم من الإمام أبي عبيدة، ولعله فيما يبدو أدرك جابرا وأخذ عنه بدليل هذا الأثر إذ لم أجد في زمن جابر وأبي عبيدة سواه وانتقل بعد وفاة أبي عبيدة إلى الكوفة ونسب إليها. وهو ممن روى عنهم أبو غانم مدونته، له أقوال منثورة في كتب الاصحاب الإباضية. انظر الشماخي السير: 117/ 1، و من أعلامنا؛ ترجمة أبي غانم، للباحث ومبارك الراشدي أبو عبيدة وفقهه، ص 239 ويوسف المزاتي أجوبة ابن خلفون، ص 115. وبيان الشرع لمحمد الكندي /17 115 ومنهج الطالبين وبلاغ الراغبين لخميس الرستاقي 219/ 5، القول السابع والعشرون في زكاة طناء النخل وما يلزم فيه وما لا يلزم. ط التراث. والجامع لابن جعفر 95/ 3 التراث، وابن سلام لَوَّاب بن سَلام بن عمرو اللواتي المتوفى بعد عام 273 للهجرة؛ الإسلام وتاريخه من وجهة نظر إباضية، 135. روي عنه أنه لم ير بأساً أن تلبس المرأة من الثياب ما كانت تلبس قبل الإحرام إلا الحرير والخز. ورخص أبو المهاجر في الحلي وقال: إنما كرّه، ولا بأس بلبسه للمحرمة. جامع ابن جعفر 342/ 3.
أمَّا هاشم بن غيلان السيجاني أبو الوليد ... وهاشم بن عبد الله الخراساني أبو عبد الله فمن طلبة الامام الربيع وهما بعد هذا بعدة سنين فليتأمل.
العقار - بفتح العين عند العرب النخل، وهو المراد في الحديث في كتاب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن جاء فيه مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ إِلى شَرْحَبِيل بن عَبْدِ كلالٍ والحارِثِ بْنِ عَبْدِ كُلالٍ وَنُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ كُلالٍ قَيْلِ ذِي رُعَيْنٍ ومَعافِرَ وَهَمَدَانَ أمَّا بَعْدُ فَقَدْ رَجَعَ رَسُولُكُمْ وَأُعْطِيتُمْ مِنَ المَعَانِمِ خُمْسَ اللهِ، وما كَتَبَ اللهُ على المُؤمِنِينَ مِنَ العُشْرِ في العَقار .... وقد ذكرت الحديث بكامله في دية المرأة، وعلى هذا فهو إجمال وما بعده تفصيل له، ثم كثر استعمال العرب ذلك حتى ذهبوا به إلى خيار المال من الضياع والنخيل ومتاع البيت، وكل مال منقول غير ثابت، والأصل في متاع البيت الأثاث. قال الخليل: العَقَار: ضيعة الرَّجُل، والجمع العقارات. يقال: ليس له دار ولا عقار. وقال ابن الأعرابي: العقار هو المتاع المصون، ورجلٌ مُعْقِر: كثير المتاع. انظر المعاجم. مادة "عقر" وقيل ذي رُعَين في الحديث: القيل: الملك من ملوك حمير يتقيل من قبله من (1/128)
صفحة 129
129
وقد نص قانون المعاملات المدنية في الحيازة بعدما وضع لها أحكاما عامة وضوابط محكمة وذلك في المواد من 922 - 931 فقد نص في المادتين 932 و 933 على الآتي.
مادة (932) من حاز عقارا غير مسجل في جهة التسجيل المختصة باعتباره مالكا له أو حاز حقا عينيا غير مسجل على عقار واستمرت حيازته دون انقطاع خمس عشرة سنة فلا تسمع عليه عند الإنكار دعوى الملك أو دعوى الحق العيني من مدع ليس له عذر شرعي.
من حاز منقولاً أو حقاً عينياً عليه واستمرت حيازته دون انقطاع مدة عشر سنين فلا تسمع عليه عند الانكار دعوى الملك أو دعوى الحق العيني من مدع ليس له عذر شرعي.
مادة (933) إذا وقعت الحيازة على عقار أو على حق عيني عقاري وكان غير مسجل بالسجل العقاري واقترنت الحيازة بحسن النية واستندت في الوقت ذاته إلى سبب صحيح فإن المدة التي تمنع سماع الدعوى تكون عشر سنين. ويعتبر سببا صحيحا:
1 - الاستيلاء على الأرض الموات. -2 انتقال الملك بالإرث أو الوصية.
3 - الهبة.
4 - البيع والمقايضة.
ومن الأولى الرجوع للقانون فإن مواده مرتبطة وشارحة لذاتها. أما بقية الحقوق التي في الذمة فلا تسقط بحال إلا بالأداء أو البرآن ممن يملك البرآن على الراجح كما تقدم الاستدلال عليه.
ملوكهم؛ أي يشهه، وجمعه أقيال وقيول، وذُو رُعين من أذواء، اليمن، وهم ملوكها، ثم هي قبيلة منها، وكذلك معافر وهمدان. وقال ثعلب: الأقيال الملوك من غير أن يُخَصَّ بها ملوك حمير. أنظر اللسان مادة {قَيَلَ} (1/129)
صفحة 130
130
ولكن هل يمكن أن يقال بعدم سماع دعوى المدعي - أي لا يشتغل به القاضي وينصرف عنه إلى سائر الدعاوى المسموعة- إذا مضت على ذلك مدة طويلة كمدة الحيازة في العقار مثلا، بحيث يكون الحق باقيا في ذمة المدين، ولكن ليس له حماية من قبل الحكام، ويبقى المدين مع ضميره يفي أو يظلم، وهذا ما يسمى عند بعض الفقهاء ببقاء الحق ديانةً لا حكما، أي فيما بين المدين ورته فهو مطالب به
ولو لم يتوصل صاحبه إليه؛ ما لم يف المدين صاحبه أو يبرئه منه الدائن. ومذهب جمهور الفقهاء عدم فتح هذا الباب، ذلك لأنه وإن كان الحق باقيا في ذمة المدين لكن مع عدم الحماية له من قبل الحُكّام وعدم استطاعة الدائن المطالبة بحقه يصير هباء منثورا، على حد قولهم، وبعدم سماع الدعوى تكثر المظالم، وما شرعت الأحكام بين الناس إلا لرفعها أي لرفع المظالم، وقد يصبر الإنسان عن مَدِينِهِ توسعةً ومداراة، وتقع كثيراً بين الأقارب والأصدقاء وفي التجارة والقرض بل في القرض أكثر وإليك بعض المبررات لعدم سماع الدعوى فانظر فيها بإمعان وتجرد وإعمال الفكر (1/130)
صفحة 131
131
بعض مبررات
عدم السماع
جاءت فكرة عدم سماع الدعوى بمرور الزمان مبنية على الاستحسان من جهة أولى، والضرورات التي يقتضيها تنظيم قبول المرافعات من جهة ثانية، وهدرا لقضية التشفي بين الناس من جهة ثالثة.
فقد يبرئ الإنسان مدينه ثم يعود بالمطالبة بسبب حقد وضغن بينهما، أو حدوث خلاف أو سوء تفاهم في أمر ما فيحمله الشيطان إلى الانتقام بأي وسيلة يستطيعها ولو بنبش الأمور المدفونة بينهما من قديم الزمان والمطالبة بحق تم التقاضي فيه أو العفو عنه وما أكثر هذا النوع بين الناس إذا تباعدت القلوب وطغى عليها الران، وحتى لا يلجأ الناس إلى الإضرار ببعضهم بعضا بهذا السبب صير إلى ذلك.
ومنعا للتحايل والتزوير من جهة رابعة
ولاحتمال عدم بقاء الحق بمرور المدة الطويلة من جهة خامسة.
وفقد البينات في الأداء أو نسيان الشهود شهادتهم من جهة سادسة، إلى غير ذلك من الاحتمالات: وَكُلُّ ذلك مع انتفاء العذر الشرعي.
فكأنَّ الواقع يقولُ للشخص الدائن أيُّها الشخص لك مدة كذا من الزمن أنت في سعة من أمرك، وباب القضاء مفتوح أمامك؛ لأن تقدم دعواك، أما بعد ذلك فالقضاء مشغول عنك بغيرك فاترك وقت القاضي لمن هو أولى منك، إذ
بإهمالك جنيت على نفسك فلا تلومن غيرك. وعلى نفسها جنت براقش. ومَنْعُ القاضي من سماع الدعوى هو من باب تخصيص قضائه بالزمان والمكان والخصومة، أما نفس الحق فلا يبطله تقادمه، ويبقى المدين مطالباً به
إن لم يكن عاجلاً فأجلاً، وعليه أن يحاسب نفسه ويخلصها من التبعات. (1/131)
صفحة 132
132
ولأجل ذلك صيغت المواد في المشروع - مشروع القانون المدني- بالنص على عدم سماع الدعوى، لا على بطلان الحق، وذلك اهتداء بما روي - إن صح عن صاحب الرسالة المحمدية: "لا تواء على مال امرئ مسلم لا يبطل حق امرئ مسلم وإن قدم"
وقد سبق التعليق على هاتين الروايتين وأنهما لم تثبتا عن صاحب الرسالة المعصوم فارجع اليه تحت عنوان "توطئة"
إلا أن نصَّيْهما وان لم يثبت عن صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم كسنة ثابتة عنه لكنهما يبقيان قاعدتين من قواعد الفقه يُرجع إليهما عند انطباقهما على الوقائع التي تحدث بين الناس لفض النزاع وإنهاء الخصوم عملا بموجبهما، وقد أخذتهما الأمة بالقبول وعمل بهما المسلمون.
فالإنسان مطالب بما عليه حياً وميتا ولأجل ذلك امتنع الرسول صلى الله عليه وسلم عن الصلاة على المدين حتى تحمل دينه أحد الصحابة رضوان الله عليهم، ومع ذلك لما لقيه بعد ثلاث وأخبره أنه أوفى عن صاحبه يومها قال له: "اليوم بردت جلدة صاحبكم من النار."
وهذه الفكرة أي فكرة عدم سماع الدعوى بمرور الزمان فإنها وان كانت على حسب التسمية العصرية غير موجودة في الفقه الإسلاميّ إلا أنَّ مضمونها غير غريب عنه، بل ليست وليدة اليوم أو الأمس، يدل لذلك الحديث الصحيح الثابت عن المعصوم في الحيازة الذي مر آنفا، وما صح عن الأئمة العظماء كجابر بن زيد وأبي عبيدة والربيع وحملة العلم عنهم والامام مالك وغيرهم الذي مر بك أنفا وما سننقله لك إن شاء الله و عن فطاحلة العلماء، ورواد الفكر الإسلامي؛ من عدم سماع الدعوى في عدة صور، وذلك منذ قرون مضت؛ قبل هذا القرن بل بعضها في القرون الأولى. (1/132)
صفحة 133
133
قال النور السالمي: " .... وأقول: لا بد من تقييد بالمدة التي تهدر بمرورها الدعاوى على خلاف تعيينها، وذلك أنَّ دعواه الجهالة من جملة الدعاوى، وليست هي بأشدَّ من دعوى الحق في الأموال، وهذا إنما يكون عند إنكار المشتري جهالة البائع فإن أقرَّ بها فلا سبيل إلى إهدارها والله أعلم.
وقد سبق الكلام عن الامام مالك أما الحنفية ففي "المبسوط"
إذا ترك الدعوى ثلاثا وثلاثين سنة، ولم يكن هناك مانع يمنعه من الدعوى كالغيبة ونحوها، ثم ادعى بعد ذلك لا تسمع دعواه.
قال ابن نجيم إن الحق لا يسقط بتقادم الزمان ويوضح بعض علمائهم أن عدم سماع الدعوى بعد المدة المذكورة، إنما هو للنهي عنه من السلطان، فيكون القاضي معزولا عن سماعها إلا بأمر، فإذا أمر بسماعها بعد هذه المدة تسمع، وقال: إن سبب النهي إرادة قطع الحيل والتزوير
الرملي - أفتى أن الحق إذا مضى عليه خمس عشرة سنة، لا تسمع فيه الدعوى
لمنع ولي الأمر القضاة من ذلك، فلم يجد صاحبه قاضيا يدعيه عنده. 2
أمضا المالكية فبعضهم يرى أنَّ الديون الثابتة في الذمة يسقطها مضي عشرين عاما مع حضور رب الدين، وتمكنه من الطلب به، ولا يوجد مانع يمنعه
نور الدين السالمي جوابات الإمام السالمي 4792 ط 2010 م تحت عنوان "مدة رد دعوى الجهالة "وسيأتي النص بكامله في محله إن شاء الله. كما سيأتي إن شاء الله تحت عنوان "بعض صور من قضايا عدم سماع الدعوى" كلام العلماء الأعلام في عدم سماع الدعوى بمرور
الزمان.
حاشية الجمل على شرح المنهج، ص 339، مطبعة مصطفى محمد.
-1
-2 (1/133)
صفحة 134
134
منه، وبعضهم يرى أنَّ الديون تسقط بمضي ثلاثين عاما، إذا كان صاحب الدين أيضا حاضرا، ومتمكنا من الطلب بها.
وهذا ما يراه مالك، ويرى بعضهم عدم سقوطها أصلا، وهذا هو الذي اختاره ابن رشد في البيان فقد قال: "إذا تقرر الدين في الذمة، وثبت فيها لا يبطل وإن طال به الزمان، وكان ربه حاضرا ساكتا قادرا على الطلب به لعموم خبر "لا يبطل حق امرئ مسلم وإن قدم
"
قلت: وقد سبق الكلام على هذا الأثر أنه لم يثبت عن المعصوم فليتنبه
جيداً.
1 - الدسوقي على الشرح الكبير، ج 4، ص 236، والشرح الصغير، ج 5، ص 67، مطبعة صبيح. (1/134)
صفحة 135
135
سقوط الدعوى بتقادم الزمن
لا يكون إلا مع الانكار
اعلم أنَّ سقوط الدعوى بتقادم الزمن لا يكون إلا مع الانكار من المدعى عليه وعدم وجود مانع يمنع المدعي من دعواه ولو كان ذلك المانع أدبيا؛ كأن يكون قريبا أو صديقا حميما.
ومعنى قَوْل: لا تسمع دَعْوَاهُ وَلَا بَينته ... الخ .. أي لا تسمع سَمَاعا يُوجب قبُولَ بَيِّنَة المدعي والقضاء بها. بل لا بد للقاضي بادئ ذي بدء من أن يسمع كلام المدعي في دعواه ويكلف المطلوب بالجواب؛ لَعَلَّه يُقر بالحق المدعى به، فإن أقر فيها وإن أنكر فيلتفت عنه القاضي إلى الأهم من الدعاوى وهنا يقضي القاضي بعدم سماعها بمرور الزمن. وهو معنى قولهم "لا تسمع الدعوى مع الانكار وعدم العذر الشرعي ... " كما في المواد القانونية المعاصرة واليك بعض ما ورد في ذلك من أهل الشأن في هذا العصر الحاضر ومن قبلهم فتدبره تدبر المنصف المتجرد من التعصب والتقليد الملتمس للحق أينما وجد. "لا يسقط الحق بتقادم الزمن" وبناء عليه إذا أقر واعترف المدعى عليه صراحة في حضور القاضي بأن للمدعي عنده حقا في دعوى وجد فيها مرور الزمن لـ بالوجه الذي ادعاه المدعي فلا يعتبر مرور الزمن ويحكم بموجب إقرار المدعى
عليه.
وأما إذا لم يقر المدعى عليه في حضور القاضي وادعى المدعي بكونه أقر له بحقه في محل آخر، فكما لا تسمع دعواه الأصلية كذلك لا تسمع دعوى الإقرار ولكنَّ الإقرار بالحق الذي ادعي فيه المدعي إن كان قد ربط بسند حاو لخط المدعى عليه المعروف سابقا أو ختمه، ولم يوجد مرور الزمن من تاريخ السند إلى (1/135)
صفحة 136
136
وقت الدعوى فإنها تسمع دعوى الإقرار على هذه الصورة.
ولا يسقط الحق بتقادم الزمن ولو تقادم الزمن أحقابا كثيرة، وعدم استماع الدعوى بمرور الزمن المبين أنفا مبني على الأمر السلطاني بسبب امتناع الحكام عن سماع الدعوى خوف وقوع التزوير لقطع الحيل والتزوير والأطماع الفاسدة الفاشية بين الناس.
فلذلك لو أقام أحد الدعوى بمطلوبه الذي يدعيه على آخر بعد مرور خمس عشرة سنة ورد القاضي الدعوى بسبب مرور الزمن فيبقى المدين مدينا ديانة ولا يخلص من حق غرمائه ما لم يؤد دينه أو يرض دائنه.
وكذلك إذا أقر واعترف المدعى عليه صراحة في حضور القاضي بأن للمدعي عنده حقا في الحال في دعوى وجد فيها مرور الزمن بالوجه الذي ادعاه المدعي فلا يعتبر مرور الزمن ويحكم القاضي بموجب إقرار المدعى عليه لأن إقراره حجة
عليه.
والإقرار إما أن يكون شفاهيا وإما أن يكون بالكتابة كالإقرار بأنَّ إمضاء أو ختم السند المبرز هو إمضاؤه أو ختمه ويقال لهذا: الإقرار بالكتابة.
فمثلا إذا ادعى أحد دينا من آخر مر عليه خمس عشرة سنة استنادا على سند معنون ومرسوم فأقر المدعى عليه بالإمضاء والختم الذي في السند وادَّعى وجود مرور الزمن في الدعوى فهنا يلزمه أن يؤدي المبلغ الذي يحتويه السند. وبما أنه لا يسقط الحق بمرور الزمن فلا يكفي أن يكون جواب المدعى عليه على دعوى المدعي بقوله: إن في الدعوى مرور الزمن.
أَمَّا لو أجاب المدعى عليه على دعوى الدين بأنني لست مدينا له فيما ادعاه. وفي دعوى العين: إنَّ هذه العين لي ولاحق له فيها وأضاف إلى ذلك الادعاء بمرور الزمن فيصح دفعه. (1/136)
صفحة 137
137
وسقوط الدعوى بتقادم الزمن لا يكون إلا مع الانكار وعدم العذر الشرعي فلذلك لو أقر المدعى عليه بأنَّ المال المدعى به كان قبل ثلاثين سنة للمدعي أو لمورثه وادعى انه اشتراه منه، فيكون قد أقر بحق المدعي وصار مدعيا في الشراء فلذلك عليه البيان.
وإذا لم يثبت الشراء وحلف المدعي الأصلي اليمين عند تكليفه للحلف، وجب تسليم المدعى به للمدعي الأصلي؛ لأن من أقرَّ بشيء لغيره أخذ بإقراره ولو كان في يده أحقابا كثيرة تعد. والحكم في الدين هو على هذا المنوال فلو ادَّعى المدعي على المدعى عليه قائلا: أدّ لي العشرين دينارا التي أقرضتها لك قبل خمس عشرة سنة فإذا أقر المدعى عليه أنه اقترض منه هذا المبلغ قبل خمس عشرة سنة إلا أنه أردف قائلا: قد أدى ذلك للمدعي فعليه إثبات ذلك، فإذا عجز عن الإثبات وحلف المدعي على عدم استيفائه الدين قضي له بحقه، وله أخذ ذلك المبلغ من المدعى عليه. 1 ولذا لوثبت الحق بالبينة والإقرار فإنه يعتبر قضاء بالإقرار؛ لأنه أقوى وأسلم عن الإضرار بالشهود.
والإقرار متى تضمن حقا على الغير لم يقبل وكان دعوى.
ومعنى لم يقبل أي في حق الغير، أما في حق المقر فهو حجة على المقر للمُقَرّ له
به.
1 - درر الحكام في شرح مجلة الأحكام 4/ 318 - 319. المادة 1674 مع بعض تصرف. مجلة الأحكام العدلية المادة 1674. ج 1 ص: 337) مجلة البحوث الإسلامية ج 63/ 29)
2 - ينظر الفتح الجليل من أجوبة أبي خليل باب الاحكام.
3 - ابن بركة الجامع ج 2 ص 276 و 304. وانظر: الجزء الأول من هذا الكتاب فرع الإقرار الفرع الرابع
عشر الإقرار (1/137)
صفحة 138
138
وذلك بناء على قاعدة: "الإقرار حجة قاصرة" أي قاصرة على من أقر لا تتعداه إلى غيره ما لم يكن شاهدا.
فلو أقر بأنَّ المال الذي بيد فلان لا حق له فيه، أو أنه أبرأه من كل ما في يده، ثم ادعى عليه بشيء مما في يده أنه غصبه إياه وبَرْهَنَ على ذلك فلا تقبل بينته؛ حتى تصرّح بأن الغصب وقع بعد الإقرار منه؛ وذلك فيما يمكن تجزؤه من الأملاك، ويحتمل التعدي. لأن الإبراء والإقرار يعملان فيما قبلهما لا فيما بعدهما، وقد صح أنه قبل الإقرار كان بريئا مما في يده من التبعة للمدعي بيقين، ولا يُزيل اليقين إلا يقين
مثله.
وعليه فدعواه ضعيفة جداً وبحاجة إلى حجة قويَّة تثبت تعدي المدعى عليه على مال المقر بعد الإقرار، إلا في مسألة الرد بالعيب على رأي من أجاز الإبراء منه قبل العلم به، وهو رأي عليل ودليله كليل والحق بخلافه.
أمَّا إن كان المقرّ به أو المبرأ منه مما لا يمكن تجزؤه كالعين الواحدة التي لا يمكن تجزؤها فلا تسمع فيه الدعوى من المقرّ أو المبرئ على المقَرّ له أو المبرأ لتناقضها. "لا اعتبار لمرور الزمن في الدعاوى التي يعود نفعها للعموم كالطريق العام والنهر والمرعى مثلا لو ضبط أحد المرعى المخصوص بقرية وتصرف فيه خمسين
و
1 - انظر: الجزء الثاني من تطبيقات القواعد للباحث؛ الفرع الخامس الشك في موضوع الشهادة، وانظر الفرع الأول الشك في تحقق الدخول على الزوجة من الفصل الرابع في النكاح. من نفس
الجزء. (1/138)
صفحة 139
139
سنة بلا نزاع ثم ادعاه أهل القرية تسمع دعواهم.
ولأنه يوجد بين العامَّةِ قاصرون كالصغار والمجانين والمعتوهين ويوجد أيضا غائبون، وحيث لا يمكن إفراز حق هؤلاء من غيرهم، فلذلك لا يجري في الأشياء التي يعود نفعها للعموم مرور الزمن.
فمثلا: إن لأهالي القطر الفلاني حقا في الطريق العام الكائنة في البلد أو القطر الفلاني، الأنَّ الطريق العام مسلك عام لكل المخلوقين سواء أكانوا قريبين، أم بعيدين مواطنين أم وافدين بل حتى الحيوان لها الحق في المرور فيه ما لم يكن المرور فيه مخصصا من قبل الدولة لفئة معينة نظرا للمصلحة المرجوة من ذلك بشرط ألا تتنافى مع شرع الله. وليس لأيّ فردٍ من الأفراد التعدي عليه ويرد التعدي ولو مضت سنون عديدة وأحقاب مديدة.]
ولو ضبط أحد المرعى المخصوص بقرية وتصرف فيه خمسين سنة بلا نزاع ثم ادعاه أهل القرية فتسمع دعواهم.
أما إذا لم يكن المرعى عائدا للعموم أي عائدا لأهالي قرية أو قصبة أو عائدا لأهالي قرى أو قصبات متعددة بل كان عائدا لشخص مخصوص فإذا كان ملكا [خاصا] فلا تسمع الدعوى فيه بعد خمس عشرة سنة.
مجلة الأحكام العدلية ج 1 ص: 337، المادة (1675) وانظر ما سبق الكلام عليه نهاية الكلام على الحيازة وشرح النيل ج 13 ص 508 فما بعدها والمدونه الكبرى ج 3 ص 148 فما بعدها بتحقيق باجو والديوان في الكلام على الحيازة مخطوط.
-1 (1/139)
صفحة 140
12.
وإذا كان من الأراضي الأميرية فلا تسمع الدعوى فيه بعد مرور عشر سنوات. كذلك لو أخذ أحد مقدارا من الطريق العام وألحقه بداره فإذا ادعى أحد العامة بعد مرور خمسين سنة وأثبت دعواه فله تفريغ الطريق.
والمقصود من النهر الوارد في المجلة هو النهر العائد لأهالي قرية أو قرى متعددة أما النهر المملوك لشخص [خاص بعينه فمرور الزمن فيه قد مر ذكره في المادة
1 (1771)
والحاصل أن كل ما كان نفعه من الحقوق عائدا للعموم، أو كان مالكه غير كامل الأهلية أو غائبا عن البلد كل المدة المحددة لسماع الدعوى أو كان للمدعي عذر واضح في عدم المطالبة منعه ذلك العذر من المطالبة بحقه فلا تسري عليه أحكام عدم سماع الدعوى بمرور الزمان، فافهم ذلك جيدا فإنه مزلة أقدام، وقد مر عدة مرات ما يوضح ذلك، وإنما كررته لك للذكرى والتبين، والحق أحق أن يتبع. إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} ق. (37)
وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ الطور. (55)
إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) الرعد. (19) الزمر (9)
-1
درر الحكام في شرح مجلة الأحكام 3194 والبحوث العلمية (3017) هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية مع بعض تصرف. وما بين القوسين إضافة من الباحث لإكمال المعنى
وتوضيحه. (1/140)
صفحة 141
141
دعوى الخلف
في حق لم يدع فيه سلفه
المراد بالخلف الشخص الذي يخلف غيره في الحق، كالوارث والمشتري والمستوهب، والمعطى وامثالهم.
والسلف هو الشخص الذي تلقى الخلف منه الحق.
فإذا ترك صاحب الحق حقه في الدعوى دون عذر مقبول ومضى عليها الزمن المسقط لسماعها فكما لا تسمع الدعوى في حياته فكذلك لا تسمع مِن خَلَفِهِ الوارث بعد وفاته، وكذا في باقي المذكورين
" لا تسمع الدعوى إذا تركها السلف ثم الخلف من بعده وبلغ مجموع المدتين الحد المقرر لعدم سماعها
"إذا ترك أحد الدعوى بلا عذر على الوجه الأنف ووجد مرور الزمن فكما لا تسمع الدعوى في حياته لا تسمع من ورثته بعد مماته أيضا"
أي: إذا ادَّعى الورثةُ أنَّ المال المدعى به هو موروث عن المورّث -[ويطلبون حقهم ممن هو في يده؛ لأنَّ الوارث يقوم مقام المورّث بما له أو عليه، فحيث إنه ليس للمورث حق الدعوى - السقوطها بمرور الزمن فليس للوارث أيضا حق فيها. فلو ادَّعى أحدٌ على آخر قائلا: إنَّ لمورثي الذي توفي هذه المدة كذا درهم قد
-1
القانون المدني العماني المادة 344. وانظر: المادة: (1620) والمادة (1669) من مجلة الأحكام
العدلية. (1/141)
صفحة 142
142
أقرضها لك قبل خمس عشرة سنة فأطلبها منك - فلا تسمع دعواه. 1 "إذا ترك المورث الدعوى مدة وتركها الوارث أيضا مدة وبلغ مجموع المدتين حد مرور الزمن فلا تسمع "
تضم مدة ترك المورث والوارث والمنتقل منه والمنتقل إليه إلى بعضها فلذلك إذا ترك المورث الدعوى مدة وتركها الوارث أيضا مدة وبلغ مجموع المدتين حد مرور الزمن - فلا تسمع دعوى الوارث.
مثلا لو ترك أحد الدعوى بمطلوبه الذي في ذمة آخر مدة ثمان سنوات، وترك بعد وفاته وارثه الدعوى سبع سنوات فلا تسمع الدعوى بعد ذلك.
-1
مجلة البحوث الإسلامية 29/ 56 درر الحكام شرح مجلة الأحكام العدلية 4/ 276) المادة (1669): البحوث العلمية السابق 2957 أبحاث هيئة كبار العلماء 7/ 194. بتصرف. وما بين كل من المعكوفين زيادة من الباحث للتوضيح.
- المراجع السابقة والمادة (1670) من المجلة. (1/142)
صفحة 143
143
إقرار المدعى عليه بالحق
لا يسري عليه عدم سماع الدعوى
إذا أقر المدعى عليه بالحق صراحة أوضمنا فلا يسري عليه عدم سماع الدعوى، بل تعتبر مسموعةً، وعلى الحاكم أن ينصف منه ولا يلتفت إلى امتناعه ولو تمسك بمرور المدة.
" ... ولذلك لو أقر به للمدعي عليه تسمع الدعوى ولو تمسك بالمدة الطويلة ولا يلتفت إليه.
وينبغي لولي الأمر أن ينظر في مثل هذه القضايا بنفسه أو يعين من يختاره للفصل فيها كي لا تضيع الحقوق
نعم، لو كان بعض المدعين مشهورا بالحيل والتزوير لا يلتفت إلى قضيته أصلا؛ لأن شهرته بالتزوير تدل على أنه مبطل في دعواه، وإنما الواجب عليه النظر في قضايا من لم يشتهروا بالتزوير والاحتيال لاغتيال حقوق الناس بالباطل. وينبني على ذلك أنه إذا كان شخص واضعا يده على عين من الأعيان؛ عقارا كانت أو منقولا، والحال أنه يتصرف فيها تصرف الملاك بدون منازع ولا معارض، مدة خمس عشرة سنة، فلا تسمع عليه دعوى الملك بغير الإرث والوقف من أحد ليس عنده عذر شرعي؛ كسفر أو مرض أو جنون أو صغر كما سيبين قريبا إن شاء الله.
ومحل ذلك ما إذا أنكر المدعى عليه، فإن أقر للمدعي وجب على القاضي سماعها، ولذلك ينبغي للقاضي ألا يرفض القضية من أول الأمر، بل ينبغي له أن يوجه إلى المدعى عليه بعض أسئلة، لجواز أن يَقِرَّ وإذ ذاك يبتدئ في سماعها
ليفصل فيها. (1/143)
صفحة 144
144
فمما تقدم علمتَ أنَّ النهي السلطاني خاص بغير الإرث والوقف، فلا يسري حكم النهي إليهما، بل تسمع فيهما الدعوى ولو بعد مضي خمس عشرة سنة. ولكن نصَّ الفقهاء على أنَّ الخصم لو ترك الخصومة مدة ثلاث وثلاثين سنة في الإرث والوقف وهو يشاهد واضع اليد يتصرف في العين التي تحت يده تصرف الملاك؛ بدون منازع ولا معارض ولم يكن له عذر شرعي يمنعه من الخصومة فلا تسمع دعواه بعد ذلك.
لأن ترك الخصومة هذا الزمن الطويل يدلُّ على أنَّه غيرُ مالك لما يدعيه، وهذا الحكم ليس مبنيا على نهي سلطاني، بل على اجتهاد الفقهاء، ولذا لا تسمع الدعوى بعدها ولو أمر ولي الأمر بسماعها.
وصرح بعضُهم بأنَّ المدة في الإرث والوقف ثلاثون سنة، وصرح آخرون بأنها ست وثلاثون سنة، وقال بعضهم: المستثنى من النهي السلطاني إنما هو الوقف ومال اليتيم والغائب في الإرث والمشهور الأول.
وإليك بعض صور من قضايا عدم سماع الدعوى والحكم عليها منذ قرون مضت من كبار العلماء ورواد الفكر فتدبرها تدبر المنصف المتجرد من التعصب والتقليد الملتمس للحق أينما وجد فما وجدته من حق فاقبله وما كان سوى ذلك
البحوث العلمية وانظر المادة "151 و 152. مجلة الأحكام العدلية مع شرحها درر الحكام.
المراجع السابقة.
-1 (1/144)
صفحة 145
145
فهو مردود، واعمل الفكر وناقش وقارن ولا تعجل ليتبين الحق من الباطل والهدى من الضلال، وبالله التوفيق.
بعض صور من
قضايا عدم سماع الدعوى
سبق الكلام على عدم سماع الدعوى في العقار بالدليل الصحيح الثابت عن المعصوم له في الحيازة إذا مضت عشر سنين والخصم حاضر لا يغير ولا ينكر، مع ذكر جملة من الصور، لاسيما في مبحث اختلاف العلماء في طول الزمان وهنا بعض صور من الدعاوى والأحكام عن فقهاء الأمة قديما وحديثا فضمها معا، تكمل الفائدة بإذن الله وإليك ذلك باختصار.
1 - جاء في جامع ابن جعفر القطعة الثالثة المخطوطة في باب الجروح ما نصه: وقال بعض الفقهاء في رجل جرح رجلا جرحا عمدا أو خطأ ثم بقي الجارح مع المجروح زمانا لا يطلب إليه شيئا حتى توفي الجارح ثم طلب المجروح حقه إلى ورثته إنه لا شيء له، إلا أن يكون الجارح في حد لم يكن المجروح يقدر على طلب الإنصاف منه وكذلك ان مات المجروح ولم يطلب لم يكن لورثته في ذلك مطلب، إلا أن يصح أنه كان يطلب حتى مات الجارح أو المجروح."
قلت: وهذا الحكم مقيد بما إذا كان المجروح قادرا على المطالبة من غير مانع أو عذر يحول بينه وبين المطالبة بحقه، أما إن كان هنالك مانع كاستمرار المرض
1 - العلامة ابو جابر محمد بن جعفر من العلماء المشهورين في القرن الثالث الهجري من مؤلفاته الكتاب المشهور بجامع بن جعفر في ثلاثة مجلدات ضخمة طبعت منها وزارة التراث والثقافة سابقا مجلدين في ستة أجزاء. وفي هذه السنة تم إخراجها من جديد كاملة بفضل الله عز وجل انظرج 7 ص 91 فما بعدها ط 2018/ 1. 20 م ن / وزارة التراث. (1/145)
صفحة 146
146
أو الغيبوبة أو مانع يحول بينه وبين الجاني في المطالبة فالدعوى مسموعة وعلى العدالة الانصاف من الظالم للمظلوم.
وما حكاه ابن جعفر هنا فكذلك حكاه العلامة العوتبي في الضياء في الجزء العلامة هاشم بن غيلان 2 أو مسبح بن عبد الله 3
44
عن
الخامس عشر ص حيث جاء بلفظ أو، ولعله بالواو فيكون عنهما جميعا. وقال به الشيخ الشقصي
4
في المنهج استقلالا؛
وجاء في الفتح الجليل من أجوبة أبي خليل، ما نصه: وسئل عن الأوراق نجدها قد وجبت على من كانت عليه منذ سنين فهل يحكم ببقاء ما تضمنته احتمال الوفاء ... ؟
مع
الجواب: الأوراق المنقضية مدتها بعد زمان طويل أعني مدة تأجيلها فقد قال في هذه المسألة السيد مهنا بن خلفان فيما نرجو أنها منصوصة عنه في بعض أجوبة المتأخرين أنه ينظر في المطالب للحق إن كان مطالبته ممتدة على أكثر
-1
3
0 -
العلامة العوتبي سلمة بن مسلم الصحاري من علماء القرنين الرابع والخامس الهجريين له عدة مؤلفات أشهرها الضياء في نيف وعشرين مجلدا والإبانة في ثلاثة مجلدات والأنساب وغيرها. العلّامة هاشم بن غيلان ابو الوليد السيجاني من العلماء المشهورين في القرنين الثاني والثالث
الهجريين.
العلامة مسبح بن عبد الله من العلماء المشهورين في القرن الثالث الهجري من قرية هيل قريباً من سمائل قاضي الإمام غسان بن عبد الله.
منہج
الطالبين ج 6 ص 162 معرفة الأرش وما يجب في ذلك. م مسقط.
الله
بن
هو: إمام الظهور العادل العامل المجتهد إمام المسلمين وقدوة المحقين محمد بن عبد ا سعيد بن خلفان الخليلي الخروصي له نصبت له الإمامة بعد مقتل الإمام الشهيد سالم بن
راشد الخروصي عام 1338 هـ ولحق بربه والناس عنه راضون وله متولون عام 1373 هـ (1/146)
صفحة 147
147
الأحيان والأشهر والأيام فتلك مما يحكم ببقائها، وإن كان على طول ذلك الزمان صار صاحبها ساكتا لم تعلم منه مطالبة في يوم ما على طريق التكرار والترجيع فتلك بمضي ذلك الزمان الطويل والمدة قد انقضت مدة التأجيل فقد قالوا: إن الأوراق تبقى والحقوق توفى، ولغيره من العلماء في هذه المسألة ما يدل على تأييد مقالته هذه والله أعلم.
وقال: وسئل وفي الأثر إذا كان الحق حالاً ومات من عليه الحق ولم يكتب في الصك تصديق - أي لم يكتب المقر أن المقر له مصدق في دعواه الحق متى طلبه - فالصك غير ثابت الخ.
الجواب: ما قاله الأثر فذلك نظر من بعض العلماء رأوا أنه إذا مضت المدة فلا حجة؛ وقالوا الحقوق توفى والصكوك تبقى ورأى هذا القائل أنَّ الأمر كذلك إلا إن جعله مصدقا أو أوصى له به: وأقول: إن أوصى له به أو جعله مصدقا ارتفع النزاع وإلا فالحاكم يجتهد ويأخذ من أقوال العلماء ما يراه الأقرب إلى الحق ونرى البقاء أولى".
جاء في بيان الشرع ما نصه: قال أبو عبد الله: - - أي محمد بن محبوب) ه رأيت جوابا ينسب إلى سعيد بن المبشر أنه قال في رجل كان له على رجل حق إلى نجوم
1 - الفتح الجليل من أجوبة أبي خليل الفقرة ط الاولى ص 518 والثانية ص 680 وانظر: فتاوى المعاملات للمفتي العام ففيها صور كثيرة.
2 - سعيد بن المبشر من علماء عُمان من أهل إزكي هو وولداه مبشر وسليمان من رجال العلم المعدودين وهو من علماء القرن الثاني الهجري المعاصرين للإمام غسان بن عبد الله. معاصر لعدد من العلماء منهم هاشم بن غيلان وأبو مودود والقاسم بن شعيب له مواقف علمية. انظر إتحاف الأعيان 425/ 1. قال أبو مروان اجتمع سعيد بن المبشر وأبو مودود وهاشم بن غيلان والقاسم ابن شعيب عند الإمام غسان بن عبد الله رحمه الله فسألهم عمن يقدم من بلاد الهند (1/147)
صفحة 148
148
معلومة يحل كل نجم عليه منها كذا وكذا، ولم يطلب صاحب الحق إلى الآخر شيئا حتى طلب الجميع في النجم الآخر، وقال المطلوب إنه قد أوفاه ما حل عليه من النجوم الخالية، وقال صاحب الحق إنه لم يقبض منه شيئا فقال سعيد ليس له شيء لما خلا من النجوم والقول فيها قول المطلوب.
قال أبو عبد الله وهذا غلط، لا بل على المطلوب البينة أنه قد دفع إليه ما حلَّ عليه في تلك النجوم الخالية، وإلا فهو مأخوذ به.
قلت: - والقائل هنا هو السائل لأبي عبد الله - لعله على قول من يقول: إذا دخل الرجل بالمرأة ثم طلبت إليه نقدها من بعد كان القول قول الزوج أنه أوفاها نقدها، وإن لم يكن دخل بها فالقول قولها إنها لم تقبضه، إلا أن تقوم عليها بينة أنها قبضته.؟
قال: نعم هذا قول مسعدة وخالفه الفقهاء ولم نأخذ في ذلك بقوله.
بتجارة كيف أخذ منه الزكاة فقالوا إذا وصل إلى عمان وباع متاعه فخذ منه الزكاة من حينه, وإن لم يبع المتاع حتى حال عليه الحول يقوّم متاعه كما يباع ثم خذ منه الزكاة سنة واحدة؛ وأما من يقدم من البصرة وسيراف بمتاع فلا يؤخذ منه الزكاة حتى يحول عليه الحول, وإذا حال عليه الحول أخذت منه باع أو لم يبع. نور الدين السالمي تحفة الأعيان الجزء الأول (ص: 106) المعارج (492/ 8) الأمر الثاني: في زكاة البحر. توفي سنة: (207 هـ)، معجم أعلام الإباضية (قسم المشرق لمجموعة باحثين ترجمة (486)
1 - بيان الشرع للعلامة محمد بن إبراهيم الكندي من علماء القرنين الخامس والسادس الهجريين. ج 34 ص 30 - 31 والكوكب الدري ج 5 ص النهج الثلاثون في الديون و أحكامها، تحت عنوان [صور من حلول
الأجل] (1/148)
صفحة 149
149
قلت: - الباحث - ورأي هذين العالمين سعيد بن المبشر ومسعدة ابن تميم 1 في سقوط النجوم السابقة مع اعتراف المقر بأصل الحق وادعائه الوفاء يدل على عدم سماع دعوى المدعي بقاء الدين الذي مضت مدته وانتهى أجله وقد حكى هذه الفتوى التي رفعها أبو عبد الله عن سعيد بن المبشر الشيخ القاضي خالد بن مهنا البطاشي في تعقيبه على العقد الثمين في الدعاوي واليمين، ولم يذكر فيها أن: " القول قول المطلوب" بل وقف عند قوله: " من النجوم" وزاد بعدها: "حق لأنه سكت عن المطالبة حتى خلا الوقت الذي حل حقه فيه وله في النجم الباقي، قال أبو عبد الله: على المطلوب البينة انه دفع إليه حقه فيما خلا من النجوم. ص 162
مخطوط.
وفي المنهج واختلفوا أيضاً في الوفاء إذا كانت الحقوق إلى أجال مختلفة. وترافع الخصمان بعد أن انقضت الآجال المتقدمة. فطلب من له الحق في آخر الآجال جميع الحق الذي حل في الآجال الأولى وفي الحاضر. فقال الطالب: لم أستوف من جميع الحقوق شيئاً. وقال المطلوب: كلما حل عليَّ شيء من الحقوق سلمته لك. ولا بقي لك علي شيء إلا هذا الحق الحال الآن.
1 - العلامة الشهير مسعدة بن تميم النزوي من علماء النصف الثاني من القرن الثاني الهجري. وربما أدرك أوائل القرن الثالث، وعلى رأسه كانت بيعة الإمام غسان بن عبد الله الخروصي سنة
192 وكان من أبرز العلماء الحاضرين وأقواهم عزيمة. وله بعض الآراء الفقهية انظر إتحاف الأعيان 440/ 1. وكان من الطلبة المجدين في طلب العلم في عهد الإمام الوارث تتلمذ على يد زياد بن مثوبة وله موقف مشهور مع سليمان عثمان رحمهم الله. يوم وفاة الإمام الوارث ومبايعة الإمام
غسان (1/149)
صفحة 150
150
فقال سعيد بن المبشر ومسعدة بن تميم ليس له شيء لما خلا من النجوم الماضية. والقول فيها قول المطلوب أنه قد سلمها مع حلولها.
وقال أبو عبد الله: هذا غلط بل على المطلوب البينة أنه كان قد دفع إليه ما حل عليه في تلك النجوم الخالية وإلا فهو مأخوذ به وعلى هذا اختلافهم في صداق المرأة العاجل.
قيل: إن بعد الدخول القول قول الزوج: إنه قد برئ من الصداق العاجل مع
يمينه.
وقيل: القول قول المرأة: أنَّ حقها باق عليه قبل الدخول وبعده ولا يهدمه الدخول حتى يصح التسليم. ولكل قول أصل يذهب القائلون به إليه. والله أعلم وبه التوفيق.
"ومما لا يكون لصاحبه حجة ولا دعوى الرجل يدعي مالا في يد رجل قد أكله عليه وبادعاء منه أنه له وهو يسمعه فلا ينكره ثم أنكره من بعد وطلبه فلا حجة له وكذلك في العبد والدابة وغير ذلك. وأما إذا مات الذي أكل المال فأقام ورثته بينة عدل أنه كان يأكل هذا المال بعلم من صاحبه وهو في يده حتى مات فورثته أولى به وفي هذا فرق بين الحي والميت. وكذلك الرجل يدعي مالاً أنه كان لجده فيدعي ميراث أبيه منه ولم يكن أبوه يدعيه من قبل فقيل: لا دعوى له ولا يُدعى عليه بينة.
منهج الطالبين وبلاغ الراغبين لخميس الرستاقي 6 ص 90. ن/ مكتبة مسقط. القول الثامن في الدعاوى والأيمان والأحكام في الحقوق وكذا في التاج. ج 7 الباب الثامن في الدعاوي والأيمان والأحكام في الحقوق.
-1 (1/150)
صفحة 151
151
وكذلك إذا ادعى ميراث وارث قد مات ولم يكن ذلك الميت يطلب ذلك المطلب إلى أن مات إلا أن يكون موتهم متتابعاً ..
"
وعن أبي المؤثر وعن رجلين أقر كل واحد منهما لصاحبه بما ورث من أبيه ولم يسلم كل واحد منهما إلى صاحبه شيئاً ولبث يأكله حتى مات وترك ورثة يتامى وبقي أحدهما كيف الرأي في ذلك؟ فورثة الأكل أولى بما أكل وليس للمقر له شيء إذا كان قد علم بإقرار المقر وعلم بما أقر له به ثم علم بأكله إياه حتى مات فلم ينكر ذلك عليه وصحت بهذا بيئة عدل فالمال لورثة المقر وليس لورثة المقر له شيء. وأما الحي منهما فإن إقراره ثابت عليه يسلم ما أقر به لورثة الميت الذي أقر به إلا أن يكون المقر له الميت قد علم بإقراره هذا الحي وعلم ما أقر به فأكل هذا المقر بعلم من المقر له وادعاه عليه بعلم منه وهو لا ينكر ذلك عليه حتى مات فالمال للحي في الحكم وقد انقضت أكلته ودعواه بعلم الميت بما أقر به إلى ورثته إذا أقر له بحق. "وكذلك الرجل يدعي مالاً كان لجده ويدعى ميراث أبيه منه ولم يكن أبوه يدعيه من قبله فقيل: لا دعوى له ولا يدعى عليه ببينة. وكذلك إذا ادعى ميراث من قد مات ولم يكن ذلك الميت يطلب ذلك المطلب حتى مات إلا أن يكون موتهم متتابعاً.
وكذلك جاء في الأثر عن موسى بن أبي جابر وغيره من المسلمين وبه يقول أبو
المؤثر.
-1
-2
السابق: منهج الطالبين ج / 510/ 5/ القول الثاني والخمسون في الدعوى والحكم في اليد. ن/
مكتبة مسقط.
السابق. 512 - 513. (1/151)
صفحة 152
152
وأنا أحب أن تكون له حجته إلا أن يكون الميت قد قامت عليه بينة تبطل ميراثه من ذلك المال.
جاء في التبيان تأليف الشيخ درويش بن جمعة المحروقي ما نصه: وفي رجل كتب في ذمته ورقة كذا وكذا لاريَّة فضة حالة واجبة عليه وطالت المدة قدر عشر سنين أو أكثر ثم ظهرت الورقة وأراد من له الحق حقه مما في الورقة وقال له: أنا أوفيتك مما في الورقة ولم يبق عليَّ منها إلا عشر لاريات ... )
21
الجواب: والله الموفق أكثر القول الذي نراه أنه ثابت والقول قول الذي له الحق مع يمينه إن طلب المدعى عليه اليمين ..... قلت: (الباحث) وقوله: أكثر القول الخ، يدل بأن هنالك قولا آخر بعدم ثبوت الحق أصلا بسبب مضي المدة المذكورة، وهو قول البعض. مع أنَّ فيه تصريحا من المدين بأصل الحق بإقراره ومكتوب عليه ويعترف به ولكن يدعي الوفاء - وهو الذي أشار إليه الامام الخليلي الله في جوابه السابق قبل في قوله" ... الحقوق
تقضي والصكوك تبقى .. " وعدم ذلك يستتبع عدم سماع دعوى الدائن.
وفي جوابات العلامة سعيد بن بشير الصبحي " المسماة "الجامع الكبير" -في عدة مواضع منها - نص على الخلاف في المسألة ومن جملتها مسالة الولد إذا ظهرت
-1
منهج الطالبين وبلاغ الراغبين لخميس الرستاقي 9 210، القول الحادي والأربعون في الدعوى والحكم في الميراث والأيمان في ذلك. كتاب الإيضاح في الأحكام لأبي زكريا 2/ 54 و 62، وابن جعفر السابق. بيان الشرع ج 30، ص 130 و 219.
- التبيان تأليف الشيخ العلامة درويش بن جمعة المحروقي من علماء القرن الثاني عشر الهجري. ص 300 المخطوط ج 3 ص 304 ط 2 وانظر المطبوع. ج 2 ص 190 ط 2.
3 - العلامة. سعيد بن بشير الصبحي من علماء القرن الثاني عشر الهجري. (1/152)
صفحة 153
153
له ورقة بإقرار أبيه بمال له معروف والمال في يد الأب إلى أن مات وادعى الابن عدم علمه بالورقة حتى يحوز المال إن دعواه غير مسموعة ... )
وقد صرح في عدة مواضع أنه إذا مات من عليه الدين بعد حلول أجل الدين فأكثر القول بعدم الثبوت حتى يصح البقاء ويؤخذ من قوله حتى يصح البقاء أن الدعوى مسموعة ولكن الدائن مطالب بالحجة التي تثبت له بقاء حقه.
قلت: وهذه المسألة تشبهها عدة مسائل:
أحدها مسألة الزوجة إذا جاءت تطلب نفقتها للمدة الماضية قبل رفع دعواها فمذهب الجمهور لا شيء لها لأنها سكتت عن حقها فأضاعته بنفسها مع انه حق ثابت لها على الزوج بالكتاب والسنة والاجماع وسائر طرق الاستدلال أما الإمام الخليلي رضوان الله عليه فيرى لها ذلك إلى سنة ماضية.
ثانيها مسألة المطلقة إذا جاءت تطلبها لأولادها في المدة الماضية على رفع دعواها فالجمهور أن لا شيء لها إلا إن كانت ادانت لأجل النفقة وأشهدت على ذلك فيرفع عنها ضرر الدين وهي نفقة واجبة على الأب لأولاده ولما سكتت عن المطالبة في وقتها أسقطت حقها.
ثالثها: مسالة اليتيم إذا بلغ وصار قادرا على المطالبة بحقوقه فتمادى ولم ينكر على القائم بأمره ما تصرفه في أمواله من تفويت ببيع أو غيره ثم بعد مدة جاء ينكر عليه فدعواه غير مسموعة عند الجمهور كما في منتخب الآثار وغيره
-1
ينظر: الجامع الكبير من أجوبة الشيخ سعيد بن بشير الصبحي ج 2 ص 140 و 156 و 160 و 166 و 183 و 185/ط التراث (1/153)
صفحة 154
154
رابعها المطلقة الحبلى إذا جاءت تطلب نفقة الحمل للماضي من المدة قبل رفع دعواها فمثل ما قيل أنفا
خامسها: الصَّبِيَّة إذا زُوّجت ثم بلغت ولم تنكر فأكثر القول بعدم سماع دعواها فيما بعد.
سادسها الصبي إذا تزوج له وليه ثم بلغ ولم ينكر فكذلك.
سابعها: الشفيع إذا علم بالشفعة ولم يبادر إلى الطلب ثم طلبها بعد مدة فمذهب الجمهور عدم سماع دعواه، ما لم يكن له عذر مقبول. وقد اختلف الفقهاء في تحديد الوقت الذي يعفى للشفيع؛ فبعض الهادوية اعتبر المجلس، وقال: إنه إذا شفع بعد أن علم بالبيع وهو باق في مجلس الخبر فهو غير متراخ ولو طال المجلس. وبعضهم قال: لا يعتبر المجلس، بل إذا علم بالبيع والمشتري حاضر وتراخى عقيب العلم بطلت شفعته، ولا يكون متراخيا بتمام صلاة الفرض، ولا بتقديم السلام، ومثل هذا قول أبي حنيفة والشافعي فإنهما قالا في حق الحاضر: هي واجبة له على الفور، بشرط العلم وإمكان الطلب، فإن علم وأمكن الطلب ولم يطلب بطلت شفعته. إلا أن أبا حنيفة قال: إن أشهد بالأخذ لم تبطل شفعته وإن تراخي
وقال مالك: ليست على الفور، بل وقت وجوبها متسع واختلف قوله في هذا الوقت هل هو محدود أم لا؟ فمرة قال: هو غير محدود، وأنها لا تنقطع أبدا، إلا أن يحدث المبتاع بناء أو تغييرًا كبيرًا بمعرفته وهو حاضر عالم ساكت. ومرة حدد هذا الوقت، فروي عنه السنة، وهو الأشهر، وقيل: أكثر من سنة. وقيل عنه: إن الخمسة الأعوام لا تنقطع فيها الشفعة
وقد روي عن الشافعي ثلاثة أيام. هذا ما ذكره في "نهاية المجتهد" (1/154)
صفحة 155
155
ثم قال: وأما من لم يسقط الشفعة بالسكوت، فاعتمد على أن السكوت لا يبطل حق امرئ ما لم يظهر من قرائن أحواله ما يدل على إسقاطه، [كأن هذا] أشبه بأصول الشافعي؛ لأن عنده أنَّه ليس يجب أن ينسب إلى ساكت قول قائل وإن اقترنت به أحوال تدل على رضاه، ولكنه فيما أحسب اعتمد الأثر. انتهى. وأراد بالأثر هو قوله: "كَحَل العقال " " وأما الغائب فأجمع أهل العلم على أن الغائب على شفعته ما لم يعلم ببيع شريكه، واختلفوا إذا علم وهو غائب؛ فقال قوم: تسقط شفعته. وقال قوم: لا تسقط. وهو مذهب مالك؛ ودليله حديث جابر المتقدم، وأيضًا فإن الغائب في
479/ 1
1 - حديث "الشفعة كحل العقال " أخرجه البيهقي في السنن الصغرى ج 2 ص 316 ح 2145. وقال: ينفرد به محمد بن الحارث البصري، عن ابن البيلماني، عن أبيه، عن ابن عمر مرفوعا، وبألفاظ أخر كلها منكرة. ورواه ابن ماجه ح 2500 والحافظ ابن حجر في التلخيص 3/ 56 وقال: إسناده ضعيف جدا. وقال في بلوغ المرام من أدلة الأحكام إسناده ضعيف. وأورده ابن أبي حاتم في العلل ح 1434، وقال: قال أبو زرعة هذا حديث منكر والسيوطي في جمع الجوامع أو الجامع الكبير ص: 13627، وفي الزوائد في إسناده محمد بن عبد الرحمن البيلماني قال فيه ابن عدي: كل ما يرويه البيلماني فالبلاء فيه منه. وإذا روى عنه محمد بن الحارث فهما ضعيفان. وقال حدث عن أبيه نسخة كلها موضوعة، لا يجوز الإحتجاج به ولا أذكره إلا على وجه التعجب [تعليق محمد فؤاد عبد الباقي] على ابن ماجة. وابن عدي في الكامل 177/ 6؛ من طريق سويد بن سعيد، والبزار (5405) عن محمد بن المثنى، وابن حبان في المجروحين 266/ 2، وابن عدي 180/ 6؛ من طريق محمد بن أبي بكر المقدمي، وابن عدي أيضا 177/ 6، من طريق عمر بن شبَّة، والخطيب في تاريخ بغداد 57/ 6، من طريق عبيد الله بن عمر القواريري؛ جميعهم؛ ابن بشار، وسويد بن سعيد، ومحمد بن المثنى، والمقدمي، وعمر بن شبة وعبيد الله (القواريري عن محمد بن الحارث، به. وانظر: "كتاب العلل" لابن أبي حاتم (1434 و 1435) والمعجم الكبير للطبراني جـ 13، 14 ص: (335 14144. وانظر: تعليق الأرنؤط على ابن ماجة ج 5 ص 548 الطبعة الأولى، 1430 هـ - 2009 م الناشر: دار الرسالة العالمية. (1/155)
صفحة 156
??
الأغلب معوق عن الأخذ بالشفعة، فوجب عذره، وعمدة القائلين بسقوطها أنَّ سكوته مع العلم قرينة تدل على رضاه بإسقاطها.
وعند الاصحاب الاباضية الخلاف بين مرخص متوسع كما في الفقه المغربي وبين مضيق مشدد كما في الفقه المشرقي والقانون المدني توسط فأمهله شهرا. ثامنها: المحدث عليه حدث يضرُّ به في ماله فسكت ولم ينكر على المحدث ما أحدثه، ثم تصرف في المال المحدث عليه، تصرفا ناقلا للملك فليس للمشتري إنكار على المحدث عند الأكثر، كما هو موجود في أحكام صرف المضار من كتب الفقه، وفي المسألة خلاف فليراجع.
تاسعها: إذا أحدث محدث حدثا على الغير فعلم به ولم ينكر على المحدث حتى مات فليس للمالك إنكار على ورثة المحدث عند كثير من الفقهاء كما ليس لورثة المحدث عليه إنكار على المحدث بعد موت مورثهم إن لم ينكر على المحدث في حياته حتى مات عند الأكثر. وفي المسألة خلاف فليراجع من محله.
عاشرها: إذا اشترى معيبا بعيب خفي مما يرد به البيع فعلم بالعيب وتصرف في المبيع بعد العلم ثبت البيع وليس له رد المبيع بالعيب كما هو معلوم من أحكام البيوع المعيبة. وقد بحثت الموضوع في الجزء الرابع من تطبيقات القواعد. الحادية عشرة: إذا جرح شخص آخر ثم شفي المجروح من جرحه تماما وعاش
مدة ثم توفي فادعى ورثته بأنَّ والدهم مات بتأثير الجرح فلا تسمع دعواهم.
1 - البدر التمام شرح بلوغ المرام 3456. فما بعدها المؤلف: الحسين بن محمد بن سعيد اللاعي، المعروف بالمغربي (المتوفى: 1119 هـ) المحقق: علي بن عبد الله الزبن الناشر: دار هجر الطبعة:
الأولى. (1/156)
صفحة 157
157
كما مر عن ابن جعفر والشيخ الشقصي وغيرهما.
الثانية عشرة: مواقيت الطعن بالاستئناف والطعن بالعليا والطعن على قرار ... الخ فلو جاء المستأنف بعدما علم بالحكم مستأنفا له بعد الميعاد المحدد له لا يقبل استئنافه وسقط حقه في الاستئناف وهذا ما اتفقت عليه جميع الأنظمة ووافق عليه جمهور الفقهاء ومن ضمنهم سماحة العلامة المفتي العام للسلطنة وكذا الحال في الطعن بالعليا وامثالهما إن جاء بعد الميعاد، وقد يكون الحكم باطلا أو فيه خلل بين وفيه ملايين النقدية ولكن بسبب تباطئه وعدم مبادرته جنى على نفسه وتسبب في إسقاط حقه، ومثله الطعن على قرار وهو أخطر من سابقه إن كان في الأمور الجزائية وإن كان في الأمور المدنية والإدارية فليس بهين أيضا لأن فيه حقوقا؛ إما مادية أو معنوية هكذا.
الثالثة عشرة: مسألة الصبية إن زوجها وليها ورأت البلوغ ولم تغير ومكنت الزوج من نفسها، فقد سقط حقها في التغيير ولا تسمع دعواها بعد ما مكنت الزوج برضى منها واختيار وملك السيفُ رأيه.
الرابعة عشرة: مسائل الغائب والمفقود فقد حدد لهما الفقهاء حدا معلوما ثم الحكم بموتهما والأصل تيقن الحياة ولكن لما حدث الفقد أو الغيبة ودفعا لما قد يحدث من ضرر بسبب طول المدة على الزوجة والورثة وغيرهم من أهل الحقوق وإعمالا لقاعدة سد الذرائع" وعكسها " فتح الذرائع" حدد الفقهاء مدة وبانتهائها يحكم بموتهما وتتزوج نساؤهما ويقسم مالهما وهكذا ........
فهذه عدة صور وكلها إما حقوق مالية أو يترتب عليها حق مالي بين البشر. وهنالك صور كثيرة أخرى لا يتسع المقام ذكرها.
1 - وانظر مجلة الأحكام المادة 75 وشرحها درر الحكام 1 ص 65. والموسوعة الفقهية 14 ص 205 (1/157)
صفحة 158
158
روى مالك عن يحي بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب له قال: "أيما امرأة فقدت زوجها فلم تدر أين هو فإنها تنتظر أربع سنين ثم تعتد أربعة أشهر وعشرا ثم تحل"
قال مالك وان تزوجت بعد انقضاء عدتها فدخل بها زوجها أو لم يدخل بها فلا سبيل لزوجها الأول إليها قال مالك وذلك الأمر عندنا وان أدركها زوجها قبل أن تتزوج فهو أحق بها قال مالك وأدركت الناس ينكرون الذي قال بعض الناس على عمر بن الخطاب انه قال يخير زوجها الأول إذا جاء في صداقها أو في امرأته قال مالك وبلغني أن عمر بن الخطاب قال في المرأة يطلقها زوجها وهو غائب عنها ثم يراجعها فلا يبلغها رجعته وقد بلغها طلاقه إياها فتزوجت أنه إن دخل بها زوجها الآخر أو لم يدخل بها فلا سبيل لزوجها الأول الذي كان طلقها إليها قال مالك وهذا أحب ما سمعت الي في هذا وفي المفقود
وما رواه الأثرم والجوزجاني بإسنادهما عن عبيد بن عمير قال: فُقِدَ رجلٌ في عہد عمر فجاءت امرأته إلى عمر فذكرت ذلك له، فقال: انطلقي فتربصي أربع سنين، ففعلت، ثم أتته فقال: انطلقي فاعتدي أربعة أشهر وعشرا ففعلت، ثم أتته فقال: أين ولي هذا الرجل؟ فقال: طلقها، ففعل، فقال عمر لها: انطلقي فتزوجي من شئت، فتزوجت ثم جاء زوجها الأول فقال له عمر: أين كنت فقال استهوتني الشياطين فوالله ما أدري. 2
1 - الامام مالك بن أنس الموطأ - رواية يحيى الليثي 2/ 575 ح 1195
2 - أخرجه البيهقي 446445/ 7) إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل (151/ 6) من طريق قتادة عن أبى نضرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: " أنَّ رجلا من قومه من الأنصار خرج يصلي مع قومه العشاء، فسبته الجن، ففقد، فانطلقت امرأته إلى عمر بن الخطاب الله فقصت عليه القصة، (1/158)
صفحة 159
159
وفي الجامع لابن جعفر 172/ 6. وإذا دخل الرجل بالصَّبيَّة بعد بلوغها برأيها فلا كراهية لها بعد ذلك، فإن لم يدخل بها فمتى ما كرهته فذلك لها قبل الرضى وإذا كرهته بعد البلوغ قبل الدخول خرجت منه بلا طلاق ولا عدة ولا صداق، فإن تزوجها من بعد بنكاح جديد كانت معه على ثلاث تطليقات. 1
فسأل عنه عمر قومه، فقالوا: نعم، خرج يصلى العشاء ففقد، فأمرها أن تتربص أربع سنين، فلما مضت الأربع سنين، أتته فأخبرته، فسأل قومها؟ فقالوا: نعم. فأمرها أن تتزوج، فتزوجت، فجاء زوجها يخاصم في ذلك إلى عمر بن الخطاب له فقال عمر بن الخطاب له: يغيب أحدكم الزمان الطويل، لا يعلم أهله حياته، فقال له: إن لي عذرا يا أمير المؤمنين، فقال: وما عذرك؟ قال: خرجت أصلى العشاء، فسبتني، الجن، فلبثت فيهم زمانا طويلا، فغزاهم جن مؤمنون، أو قال: مسلمون، شك سعيد، فقاتلوهم، فظهروا عليهم فسبوا منه سبايا، فسبوني فيما سبوا منهم، فقالوا: نراك رجلا مسلما ولا يحل لنا سبيك، فخيروني بين المقام وبين القفول إلى أهلي، فاخترت القفول إلى أهلي، فأقبلوا معي، ب، أمَّا بالليل فليس يحدثوني وأما بالنهار فعصا أتبعها، فقال له عمر: فما كان طعامك فيهم؟ قال: الغول، وما لم يذكر اسم الله عليه قال: فما كان شرابك فيهم؟ قال: الجدف، قال قتادة: والجدف ما لا يخمر من الشراب قال: فخيره عمر بين الصداق وبين امرأته، قال سعيد وحدثني مطر عن أبى نضرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عمر الله مثل حديث قتادة، إلا أن مطرا زاد فيه: قال: فأمرها أن تعتد أربع سنين وأربعة أشهر وعشرا. قال: وأنبأنا عبد الوهاب أنبأنا أبو مسعود الجريري عن أبى نضرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عمر مثلما روى قتادة عن أبى نضرة " وقد سبق بحث هذه المسألة في الجزء الثاني من التطبيقات انظر: (الفرع الخامس عشر الشك في حياة الغائب
وموته)
1 - الجامع لابن جعفر 172/ 6. (1/159)
صفحة 160
وفي الضياء ومن طلق امرأته وعلمت ثم قال قد رددتك ولم يسمع الشاهدان ثم أمكنته من نفسها ثم قالت بعد ائتني بالبينة فقال قد ماتت البينة وقد كنت أعلمتك فصدقتني فإن كان ذلك في قرب فعليه أن يأتي بالبينة على المراجعة، وإن كان قد خلا لذلك سنون فلا أرى عليه بينة.
ومن طلق امرأته تطليقة ثم أشهد على ردها شاهدين فلم يُعْلِماها حتى جامعها، فلا ترجع تقربه إلى نفسها حتى يأتيها بشاهدين فإن جاءها بشاهدي عدل بعد انقضاء العدة فأرجو أن لا بأس عليه إن شاء الله 1
ومن خالع امرأته ثم أشهد على رجعتها بغير محضر منها وأعلمها ذلك فصدقته وأمكنته من نفسها وكان عليها ألا تمكنه من نفسها حتى يشهد على رجعتها بمحضر منها لأنه لا يجوز له أن يردها إلا برضاها فإذا جهل ذلك فلا نرى فساداً إن شاء الله.2
قلت: الأصل أنَّ الخلع بينونة صغرى للنكاح ولا يتم الرجوع بينهما ولو داخل العدة إلا بعقد جديد بشروطه، وهو المعمول به عند الجمهور.
وقيل: بجواز المراجعة بالإشهاد كالطلاق، الرجعي، وهذه المسألة هنا مفروضة على الراي الأخير، فإذا تمت المراجعة بالإشهاد داخل العدة على هذا الرأي وتم التمكين فقد ملك السيف رأيه، إذ بنيا ذلك على قول موجود عن أهل العلم وقواه الدخول، والقضاء ببطلان النكاح مع وجود القول بالثبوت فيه حرج ورفع
1 - الضياء لسلمة العوتبي ج 10/ 104. وانظر فتاوى الشيخ جاعد ص 25 مخطوط.
2 - الضياء لسلمة العوتبي ج 113/ 10 وانظر: الجزء من التطبيقات (الفرع الحادي والعشرون الرجعة) والجزء الثاني الشك في الرجعة. فقد تقدم بحث هذه المسألة هنالك. (1/160)
صفحة 161
161
الحرج من أنواع الضرورة والضرورة تقدر بقدرها. وقد تقدم بحث هذه المسألة في الجزء الأول من التطبيقات بما يغني عن إعادته هنا.
فإذا ادعى بعد التمكين الرضائي أحد الطرفين بطلان النكاح كونه لم يتم بعقد مستقل مع تمسك الطرف الثاني به مطالبا بحقوق الزوجية فلا تسمع دعوى البطلان لأنه مبني على قول من أقوال المسلمين وتم العمل به بينهما فالقضاء ببطلان النكاح بعد ذلك وهدم ما بنياه من أصعب الأمور، أما إن كان الاشهاد خارج العدة فلا قائل بصحة النكاح. فليتنبه.
سئل النور السالمي عن دعوى بطلان التزويج ممن علم به وسكت ونصه - السؤال: رجل قال لزوجته قولا ظنته، طلاقا، ثم إن الرجل سأله ناس عن زوجته فقال فارقتها، ثم إن الزوجة تزوجت وعلم الرجل فقال: اعنى بفراقها القول الذي قلته بحضرتها وهو القول الفلاني، أيصدق هذا الرجل في قوله بعد ما تزوجت؟ والناس الذين سمعوا قوله أخبروا بما سمعوا من قوله بعد أن تزوجت المرأة والمرأة في الحقيقة تزوجت على القول الذي لا يقع به الطلاق ألا يلزمهما جميعا؟
الجواب: لا يسمع قوله ولا قولها بعد التزويج بل كل منهما مدع لبطلان التزويج الصحيح في الظاهر، وللزوج الثاني التمسك بهذا التزويج والله أعلم. وعن مدة رد دعوى الجهالة أجاب: -
السؤال: البائع إذا ادعى الجهالة في المبيع إلى متى تسمع دعواه الجهالة؟ وهل لذلك غاية أم لا؟ أرأيت إذا مكث مدة خمس سنين ثم ادعى الجهالة هل تسمع
دعواه أم لا؟
1 - نور الدين السالمي الفتاوى 473/ 4 (1/161)
صفحة 162
162
الجواب: قد راجعت الأثر لأجد لهذا حدا فلم أجد بل وجدت ما يدل على إطلاق القول بالنقض وإن طال الزمان.
وأقول: لا بد من تقييد بالمدة التي تهدر بمرورها الدعاوى على خلاف تعينها، وذلك أن دعواه الجهالة من جملة الدعاوى وليست هي بأشد من دعوى الحق في الأموال وهذا إنما يكون عند إنكار المشتري جهالة البائع فإن أقر بها فلا سبيل إلى إهدارها والله أعلم.
وعن سماع الدعوى لعدم المبادرة للإنكار أجاب -
السؤال: رجل هلك وترك مالا وعلى حياله أرض ميتة ذات أثارة عمار، ثم أحياه بعض الورثة ولم تبن منه مضرة للمال، فادعى سائر الورثة أن تلك الأرض كسائر باقي المال كيف الحكم في ذلك؟
الجواب: إذا وقع التنازع حال العمارة سمعت دعواهم وكان ميراثا بينهم وإن وقع بعد ذلك بزمان وهم حاضرون بالغون لا ينكرون عليه ما عمر فلا تسمع فيه دعواهم على هذه الصفة وإن ادعوا أمراً آخر. والله أعلم ولكل نازلة حكم.
وفي هداية المبصرين في فتاوى المتأخرين لحمد بن عبيد السليمي ما نصه: "سُئل المؤلف: إذا قالت زوجة المفقود أو زوجة الغائب قد صح عندي موت زوجي فلان بن فلان الفلاني هل تكون في الحكم مصدّقة، وهل يقبل قولها في ذلك؟ فإن قلت نعم، فهل يجوز لأحد أن يتزوجها أو يزوّجها بمن شاءت، بيّن لنا ذلك؟
1 - السابق 479/ 2 جوابات الإمام السالمي ط 2010 م تحت عنوان "مدة رد دعوى الجهالة" - ج 2/ 475 2010 م السابق. تحت عنوان (منعُ سماع الدعوى لعدم المبادرة للإنكار) (1/162)
صفحة 163
163
1
الجواب من كتاب شفاء الألباب في ذلك قولان؛ قال أبو محمد عبد الله بن محمد بن بركة، وأبو الحسن علي بن محمد البسيوي: أن القول في ذلك قول الزوجة وأنها مؤتمنة على ذلك.
فعلى هذا يجوز الدخول فيما ذكرت وواسع لمن تزوّجها أو زوجها على ذلك.
وقال أبو سعيد محمد بن سعيد الكدمي: لا يقبل قول الزوجة في ذلك لأنها مدعية في ذلك، ولا يقبل قول مدَّع على مدَّعَى عليه؛ لظاهر الأحكام، إلا من خصه الله بشيء من ذلك، فيجعله حاكما من الحكام، ولا يقبل قول الزوجة في قولها: إنه قد صح عندها موت زوجها، ولا يحكم بذلك الحاكم معنا؛ لأن هذا
1 - لعله يريد كتاب شفاء القلوب من داء الكروب المؤلف الشيخ العلامة خميس بن راشد بن سعيد العبري الحمراوي الملقب بذي الغبراء او الغبيراء ت 1271 هـ ينظر ترجمته في نفس الكتاب. أما ابنه الشيخ ماجد فولد في رجب عام 1252 هـ / نوفمبر 1836 م، وقيل: عام 1254 هـ، ببلدة الحمراء من كدم. . توفي يوم الأحد 24 محرم سنة 1346 هـ انظر ترجمته في تبصرة المعتبرين في تاريخ العبريين
ص 180 فما بعدها ط 1 وانما قلت انه يريد كتاب شفاء القلوب لأنه ينقل عنه (ومن ذلك قوله:
من كتاب شفاء الألباب، قال عبد الله بن مداد عليه أرش الجرح بقياسه طولا وعرضا وهو دية مؤخر الرأس حسب ما يجب له، وقيل: له سوم عدل وهو ستمائة درهم، وأما صداقها ففي ذمته يجب لها بموته أو بطلاقها والله أعلم. انظر: شفاء القلوب من داء الكروب لذي الغبراء العلامة خميس بن راشد بن سعيد العبري ج 1 ص 274 فما بعدها الطبعة الثانية الناشر مكتب المستشار لجلالة السلطان للشؤن الدينية والتأريخية. السيد محمد بن أحمد البوسعيدي. (1/163)
صفحة 164
-1
قبول الدعوى، إلا أنه يخرج من قولهم ما يشبه من معنى التصديق فيجوز قبول قولها في الاطمئنانة وسكون النفس.
قلت له: في ورثة ميّت ادعوا على ورثة ميّت آخر أنَّ لهالكم فلان بن فلان حقاً كذا، كذا، على هالكهم فلان بن فلان، هل مثل هذه الدعوى مقبولة، وهل تنصب لها حكومة؟
قال: إنَّ مثل هذه الدعوى غير مسموعة، وإنما هي في الأحكام موضوعة؛ لأن الذي له والذي عليه قد ماتا وماتت حجتهما، إلا إن كان من له الحق مات يوم مات وهو يطالب من عليه الحق ويصح ورثته البيّنة بذلك فدعواهم تلك
مسموعة.
قلت له كيف يصح أن تذهب الحقوق وهي في الحقيقة باقية على من عليه؟ قال: أما الحقوق فلا تذهب في نفسها إلا بأداء أو برآن أو بوجه من وجوه الخلاص؛ يفعله من عليه الحق ويقبله من له الحق أو من يقوم مقامهما في ذلك،
ويجوز فعله شرعا إما في ظاهر الحكم، وإما فيما بينهما وبين الله عز وجل. وإنما يضيّع الحقوق أربابها كترك المطالبة لها مع عدم المانع لذلك، وكترك الإشهاد عليها عند عقد البيوع أو الديون أو الرّهان، وكترك الكتابات والصكوك بخط من يجوز خطه عند المسلمين، أو الإشهاد عليه، ولذلك أسباب أخرى تبطل الحقوق على أهلها وقيل إن الحقوق لا تذهب بطول المدة ولا بموت الغريمين
هداية المبصرين في فتاوى المتأخرين لحمد بن عبيد السليمي ص 60 وانظر: شرح الجامع الصحيح ج 3 لنور الدين السالمي 271/ 3 حديث هند زوج ابي سفيان في مسألة النفقة وفيه أنَّ القول قول الزوجة في قبض النفقة لأنَّه لو كان القول قول الزوج إنَّه منصف لكلّفت هي البينة على إثبات عدم الكفاية. شرح النيل للقطب اطفيش ج 9 (211) والكوكب الدري لعبد الله الحضرمي أنظر: ج 6 ص
209 مختصر البسيوي ص: (137) الجامع لابن جعفر ج 401/ 5 (1/164)
صفحة 165
أو موت أحدهما؛ لأن أصل الحق باق وزواله محتاج إلى صحة وسكوت الغريم عن المطالبة وطول المدّة ليس ذلك مما يبطل الحقوق الثابتة، والأول هو الأكثر، والله تعالى أعلم.
211
وقارن بين هذا وقول النور السالمي قبل قليل: "وأقول: لا بد من تقييد بالمدة التي تهدر بمرورها الدعاوى على خلاف تعينها، وذلك أنَّ دعواه الجهالة من جملة الدعاوى وليست هي بأشد من دعوى الحق في الأموال وهذا إنما يكون عند إنكار المشترى جهالة البائع فإن أقر بها فلا سبيل إلى إهدارها والله أعلم" وجواب من أبي الحواري رحمه الله إلى من كتب إليه. أما بعد: وفقك الله وإيانا للعدل والصواب. وبلغ بنا وبك إلى كريم الثواب سألت رحمك الله عن رجل ملك جارية يتيمة فلما بلغت غيرت التزويج ولم ترض به زوجا وهي ضعيفة وأرادت أن تتزوج والزوج غائب في عمان.
فعلى ما وصفت فإن هذه المرأة إن تزوجت لم يفرق بينها وبين زوجها الآخر. فإن قدم الغائب وكانت معه حجة بثبات التزويج هنالك يفرق بينهما، وهذا إذا تزوجت بغير رأي الحاكم.
وليس للحاكم أن يأمرها بالتزويج حتى يسمع حجة الغائب، وإن تزوجت هي برأيها فهي أعلم بنفسها ولا يحال بينها وبين التزويج.
من كتاب الضياء وسألته عن امرأة المفقود إذا ادعت أنه قد صح معها موت زوجها فتزوجت ولم يصح ذلك هل يفرق بينها وبين الذي تزوجت به؟
1 - هداية المبصرين في فتاوى المتأخرين لحمد بن عبيد السليمي ص
7.
2 - جوابات الإمام السالمي 479/ 2 ط 2010 م تحت عنوان "مدة رد دعوى الجهالة" (1/165)
صفحة 166
قال: هي مؤتمنة على ذلك ثم وقعت هذه المسألة في عصر سعيد بن المبشر وهو يومئذ قاض لبعض الأئمة وارتفعت وورثة زوجها المفقود إلى ابن المبشر فكلفهم البينة أن صاحبهم حي فقلت لأبي محمد لم ذلك أليس يعلم أن لها زوجا. قال: هي مؤتمنة على ذلك لأن الله عز وجل يقول: {وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر) سورة البقرة 228
وقلت له: وكذلك لو أنَّ زوجها غاب ثم ادعت أنه طلقها أو مات عنها؟ قال: القول في ذلك قولها. ثم قال: لو أن زوجها طلقها ثم غابت عنه مقدار ما لو تزوجت زوجا ثم طلقها أو مات عنها وفي مقدار انقضاء العدة من المطلقة والمميتة ثم جاء فقالت: إني قد تزوجت زوجا وأنه طلقني أو مات عني وقد انقضت عدتي أن قولها في ذلك مقبول ولزوجها الأول أن يراجعها.
قلت لأبي محمد: يقسم المال على الورثة ويسلم إليها ميراثها منه؟ فقال: حتى يصح أنه قد تلف. قلت: فما الفرق في ذلك؟ فقال: إنما يقبل قولها في نفسها، وأما الميراث فحتى يصح موت المفقود ثم يسلم إليها ....
قال القرافي عند الكلام على حيازة الأصول المنقول عنه سابقا .... وكذلك قال الأصحاب في كتاب الإجارات إذا ادعى بأجرة من سنين لا تسمع دعواه إن كان
1 - جامع أبى الحواري ج 3 ص 140 فما بعدها؛ الباب الحادي والأربعون في أحكام زوجة الغائب ومن له زوجة مفقودة وفي المواعدة في العدة للمرأة والتعريض للمرأة ولها زوج وأشباه ذلك.
وزارة التراث ط 1. الكوكب الدري لعبد الله الحضرمي 104/ 3) (1/166)
صفحة 167
167
حاضرا ولا مانع له، وكذلك إذا ادعى بثمن سلعة من زمن قديم، ولا مانع من طلبه، وعادتها تباع بالنقد، وشهدت البينة العادلة أن هذا الثمن لا يتأخر .. "
وللشيخ العلامة ناصر بن جاعد بن خميس الخروصي: -
" في رجل هلك وترك ابنا وابنتين وزوجة وقسم الورثة ماله، وكل منهم أحرز نصيبه من الميراث، فأحيي من أحيي، ومات من مات، ثم جاء أحد ورثة الوارث يدعي أن شيئا من الماء غير مقسوم، وأن لمورثي فيه حقا وأنا أريد حقي منه لمورثي، هل تكون دعواه مسموعة، بين لنا ذلك؟
الجواب: لا تقبل دعوى هذا الوارث؛ لأنه إذا لم تصح مطالعة من الوارث الأول وهو الهالك في ذلك في حياته والحائز لذلك والهالك الذي لم يطالع كلاهما يكونان أو أحدهما بالتخالف في تلك البلد الذي فيه ذلك الماء والمال، فسكوته حجة عليه ولو كان في الأصل له، حجة، فسكوته حتى مات تبطل حجّته وحجة ورثته، ولا حجة لورثته إذا قالوا لم يعلم هالكنا بذلك. وأما إذا كان الهالك في سفر منذ قسم المال أو الماء ولم يصل البلد، كان له ذلك، وذو اليد أولى بما في يده، وعلى الذين ليس في أيديهم ذلك البينة، واليمين على الذي في يده ذلك؛ إذا أنكرهم وطلبوا منه اليمين وكانوا بالغين والله أعلم. ومن ادعى ميراثاً من مال جده لأبيه ولم يدعه أبوه حتى مات فدعواه هدر إلا أن
6
-1
انظر: القرافي الفروق مع الهوامش. ج 4 ص 152 فما بعدها. الفرق الحادي والثلاثون والمائتان بين قاعدتي الدعوى الصحيحة والدعوى الباطلة. وسبق النص بكامله ص 44
2 - هداية المبصرين في فتاوى المتأخرين لحمد بن عبيد السليمي تحقيق خالد القنوبي. وانظر: الجامع الكبير للصبحي ج 2 ص 140 وص 156 فما بعدها ط التراث. (1/167)
صفحة 168
168
يكون موت أبيه وجده متتابعين.
" الشيخ أحمد بن محمد بن بكر: من غرس في أرضه ما يكون مضرة على جاره كم يكون مقدار ما تثبت عليه فيه، قال في ذلك أقاويل، منهم من يقول: حتى يستغل،،، ومنهم من يقول: حتى يستغني، ومنهم من يقول: حيثما نبت ذلك من غرس أو نبت من غير غرس مثل النوى أو غيره من الحب، والمأخوذ به في هذا حتى يستغل، وتلك الغلة حتى تلد فحيث ما ولدت فهي ثابتة أدركت أو لم تدرك، قل ذلك أو كثر، فلا يشتغل بغلة غرست معها سواء في ذلك استغلها صاحبها أو غيره ومنهم من يقول: في هذا ما رد ثلاث سنين إلى فوق ومنهم من يقول: سبع سنين ومنهم من يقول: لا يثبت حتى تثبت مقدار ما يجيزها فيه ويستغل، يعني: مدة الحيازة على الخلاف فيها، ولا يشتغل بغلة في أقل من هذه المدة ومنهم من يقول: لا تثبت عليه المضرة أصلا فحيث ما استمسك به فإنه يدرك نزعها إلا إن مات من حدثت عليه ومنهم من يقول: من مات منهما فقد ثبتت إلخ وكذا الخلاف في مضرة البناء إلا الاستغلال تثبت إن كان الراهن أو رب بيت الكراء أو العارية
6
1 - الكوكب الدري لعبد الله الحضرمي النهج الأربعون في الدعاوى في العروض و في إثبات اليد ج 6 ص 196 وانظر: ص 176 فما بعدها منه.
من
2 - الشيخ العلامة أبو العباس أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بن بكر بن أبي بكر بن يوسف الفرسطائي النفوسي علماء القرن الخامس الهجري وبداية السادس توفي في 10 القعدة سنة 504 هـ عالم فذ من علماء وارجلان أصله من فرسطاء بنفوسة وهو ابن الشيخ أبي عبد الله محمد بن بكر بن أبي بكر مؤسس نظام العزابة، له عدة تأليف منها: القسمة وأصول الأرضين، وجامع أبي مسالة، ينظر: معجم أعلام الإباضية بالمغرب " لعدة مؤلفين باستشارة ومراجعة د محمد صالح ناصر. ترجمة رقم 89. والجزء الأول من التطبيقات. (1/168)
صفحة 169
169
حاضرا بالغا عاقلا (لا إن كان غائبا خارج الفرسخين (أو طفلا أو مجنونا) فإن
كان غائبا لم تثبت عليه.
وفي شرح النيل ما نصه:
باب في إحياء المواريث وهو أن يَسْتَشْهِدَ الْوَارِثُ " بحضرة الحاكم أو دون حضرته إني على ميراثي لم أتركه أو نحو ذلك، كما أشاروا إليه في الديوان "إذ قالوا: وإحياء الأخت إذا كانت تأخذ نصيبها من الغلة أو طلبت القسمة إلى أخيها أو طلبت أن تأخذ نصيبها من الغلة أو قالت: لم أترك لإخوتي من مالي شيئا، أو كانت تعمل في ذلك وتصلحه أو تفسده أو جعلت فيه وصيتها، أي قالت: تنفذ منه، أو قالت: من سهمي فيه، أو تعطي الأجرة على إصلاحه أو تعطي منه الأجرة على إصلاحه، أو اسْتَشْهَدَ أخوها بسهمها، وكذا الأخ إذا طلبها للقسمة أو طلبها إلى الإصلاح في ذلك، أو على نزوع المضرة أو طلبها غير أخيها إلى صرف المضرة، أي فأجابت هذا الطالب الذي هو غير أخيها بما يشير إلى أن لها سهمها فيه، مثل أن تقول: ليس ذلك مضرة، أو تقول: تعال نتخاصم أو نرسل إليه العدول، قالوا: أو طلبت هي صرفها عن ذلك الأصل سواء طلبت إلى أخيها أو غيره، وكذلك إن كانت تعطي الحقوق من غلة ذلك الأصل، أو تعطي عليه النائبة، أو يطلبها أخوها أن تغرم عليه النائبة على هذا الحال، وإن أعطت الأخت نصيها من دين أبيها أو من وصيته فإن ذلك إحياء لنصيبها، وقيل: لا يكون إحياء لنصيبها: ويأتي للمصنف
1 - شرح النيل للقطب اطفيش 166/ 11.
- الاستشهاد على الشيء طلب تحمل الشهادة من الغير؛ لصالح المستشهد، بكسر الهاء، قال تعالى: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ) البقرة (282) أي واطلبوا أن يشهد لكم شہيدان علي الدين ... الخ. وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ} النساء
(17) (1/169)
صفحة 170
170
في أوائل الفصل في هذا الباب ما نصه والإحياء أن تحضر شهودا تخبرهم أنها أحيت ميراثها من أبيها فلان بن فلان عند أخيها فلان بن فلان، قال: وصح بعلم الشهود في حياة الأخ إلخ. ولا يقبل في الإحياء إلا شهادة الأمناء، فإن ادعت الأخت الإحياء عند ورثة أخيها أو ادعى وارثها الإحياء عند أخيها لم تقبل فيه إلا شهادة الأمناء، وإذا أحيت على بعض إخوتها دون بعض لم يقعد لها وقعد غيره في سہامهم من سهمها وكذا غير الأخت والأخت (صح) إحياء لكأخت عند إخوانها) كأنه أشار بالـ "كاف" إلى مطلق الإحياء الشامل لإحياء الميراث وغير الميراث من إحياء الدعوى كما مرت عليك مسائل، ولذلك عمم بالكاف، وأشار إلى قول في الديوان: "أن الأخت تقعد لأختها إذا خرجت أختها وماتت بلا إحياء، فلو أحيت لصدق عليها أنها أخت أحيت عند أختها فهي كأخت أحيت عند إخوانها، وإلى قول آخر هو أن كل وارث يقعد ذكرا كان أو أنثى يقعد الذكر للذكر والأنثى، وتقعد الأنثى لهما، وإلى ما يأتي أن الجد يقعد له أولاد ابنه، والعم يقعد له أولاد أخيه إن مات جدهم إلا بالإحياء، وإذا كان ذلك فيصح الإحياء للمقعود له، ولو كان غير
أخت.
ففي الديوان ": لا يقعد أحد الأولاد للآخر في مال الأب إذا مات خرج الآخر، أو لم يخرج، ولا وارث أحدهم للآخر، ولا وارث لوارث الأخت والأخ وغيرهم، إلا إن عرف لأحدهم شيء بوجه الملك كالشراء والهبة فإنه له اهـ.
قلت: [القطب] ولا يحتاج على هذا القول للإحياء لبطلان القعود فيثبت الحق لصاحبه بلا إحياء، وهو قول من قال: لا يبطل الحق تقادمه، وهو المناسب لقولهم: لا تثبت الحيازة على شريك، قالوا في الديوان ": وقيل: يقعد الأخ لورثة الأخت إذا تزوجت الأخت وجلبها زوجها إن لم تحي الأخت نصيبها حتى ماتت، وكذلك ورثة الأخ يقعدون لورثة الأخت إن لم تحي نصيبها حتى ماتت، وقيل: يقعد ورثة الأخ لأخته إن لم تحي نصيبها حتى مات، وكذا الأختان إن عمرت إحداهما الأصل تقعد لمن خرجت ولم تحي حتى ماتت هي أو التي عمرت وورثة كل بمقامه، (1/170)
صفحة 171
171
وإن بقيت الأخت تعمر وخرج الأخ ومات لم تقعد له، ومعنى قولنا: يقعد الأخ للأخت أنه يحوز عنها ويأخذ دونها، وكذا مثل تلك العبارة فاللام بمعنى عن، وإنما لم تقعد الأخت للأخ لأنه أقوى.
والأصل في العمارة الذَّكَر، ولا يقعد الأخ للأخ ولا ورثته للأخ ولا لورثة الأخ، وإنما
6
القعود بين الأخت للأب والأم أو الأب وأما غيرهن من الورثة كإخوة الكلالة والأم والزوج والزوجة وغيرهم من الأجداد والجدات والعصبة فلا يقعد لهم أحد ولا يقعدون لأحد، والقعود إنما هو في الأصل، وما اتصل به، وقيل: يقعد كل وارث لورثة غيره، وقيل: إن كانت أمهم في الحياة فإنها تحرز على بناتها وأولاد بناتها مالهم ولا يكون بينهم القعود على هذا الحال، وإنما يقعد الأخ الشقيق أو الأخ للأب أو ورثة أحدهما بثلاث سنين أو أكثر بعد خروج الأخت، وإن قسم الإخوة والأخوات بعض الأصل وبقي بعض، فما عرف في يد أحدهم فهو أولى به ويصح القعود فيما لم يقسم، وإذا أحيت نصيبها أو استشهد به أخوها فلا تحتاج هو أو وارثها إلى تجديد الإحياء ولو مضت عشرون سنة أو أكثر حتى يمكث في الأصل غير الماكث الأول احتاج لتجديد الإحياء، وإذا أحيت أدركت في الأصل، وفي العروض التي تبين أنها من أبيها، وإن لم تعرف أنها أخته فأتت ببينة أنها أخته فلا يضرها ما مكث أخوها قبل أن تأتي بالبينة إلا إن لم تحي ميراثها بعد ما أتت بها، وخرج ومكث أخوها حتى تمت مدة الحيازة فإنه يقعد لوارثها وأما ورثتها إن لم تعرف أمهم فأتوا على خالهم بالبينة أن أمهم هي أخته فلا يقعد لهم خالهم بعد ذلك ولا ورثته، وإذا عرفت ذلك.
6
(فمن ترك (أولادا ذكورا وإناثا (فتزوجت (إناثه فجلبن وتركن إخوانهن في الأصل، سواء عمروه أو لم يعمروه، كما في الديوان، أو خرجن عن الأصل ولم يتزوجن، وكذا مثل المسألة فمات إخوانهن) بعد ثلاث سنين وتركوا أولادا) ذكورا وإناثا أو ذكورا أو إناثا أو ورثة غير أولاد، فإن حكم الورثة غير الأولاد حكم الأولاد في مسائل الباب، ولو اقتصروا في كثير من المسائل على ذكر الأولاد فأردن أخذ (1/171)
صفحة 172
172
إرثهن من أبيهن أي ما ورثن منه (عندهم) أي أردن أخذه حال كونه عندهم (لم يدركن أن يحيين عند إخوانهن في حياتهم ميراثهن، وإن لم يحيين لم يدركن إلا ما تبين أنه من أبيهن.
وإن أحيين فالأصل في كل ما بأيديهن أنه من أبيهن فلهن فيه سهمهن، إلا ما بان أنه ليس منه، أما إن مات الإخوة قبل ثلاث سنين من يوم جلبن فلہن سہمہن بلا إحياء، وكذا إن تزوجن في حياة أبيهن، سواء خرج بهن أزواجهن الحوزة أم لا، أم كن في الأميال. وقيل: إن خرج بهن الأزواج الحوزة وبعدن أدركن هن أو ورثتهن نصيبهن، ولو لم يتبين إذا لم يمكن لهن الإحياء لبعدهن. (وكذا إن مِثنَ وتركن أولادا فأرادوا أخذ إرثهن أي ميراثهن من أبيهن حال كونه عند أخوالهن لم يجدوا إلا إن أحيين على المختار، وقيل: لا يقعد لامرأة أخوها ولا بنو أخيها في إرثها من أبيها ما حييت ولو عمروه وأبوهم قبلهم مدة طويلة، وهي خارجة بالتزوج بعد موت أبيها، كما لا يقعدون لها ولا إخوتها إن تزوجت في حياة أبيها وخرجت أو لم تمض المدة إذ لا إحياء عليها حينئذ كما ذكره المصنف بعد هذا، ولأنها إذا تزوجت في حياة أبيها وخرجت فيها أو خرجت فيها أو بعدها وقبل مضي المدة فليس بصادر عنها الخروج الذي يدل على تركها، لأنها لم يكن لها سهم إلا بعد خروجها إذا خرجت قبل موته، وإن خرجت الأخت بتزويج وخرج الإخوة من أرض أبيهم لكسب المال مثلا أو بعضهم أو لعدو أو لجماعة، قعدوا لها إن لم تحي نصيبها، وإن خرجت البالغة عن إخوتها وهم أطفال، أو بعضهم أطفال أو مجانين، أو بعضهم مجانين، أو سافر بعض وبقي بعض ولم تحي نصيبها حتى ماتت فطلب الأولاد نصيب أمهم إلى أخوالهن فإن أخوالهم قد قعدوا لهم، وإن خرجت الأخت عن إخوتها ثم رجعت إليهم وماتت عندهم ولم تحي نصيبها قعدوا لأولادها، وحاصل هذا القول أنه مات الإخوة وهن أحياء فصدق أنهن أحياء (1/172)
صفحة 173
173
وأخذن من إخوانهن ومتن، بعده ولا يزيحهن عن الأخذ قعود أولادهم في الأصل بعد صحة سهمهن، والمراد بالأولاد في هذه المسائل ما يشتمل اثنين فصاعدا، ولو قال: فتزوجت إناثه، وقال: فمات إخوانهن، وقال: فأردن ونحو ذلك لأنه يريد أن الحكم هو ما ذكره فيما إذا كانوا كذلك في صورة واحدة أو كان اثنان أو أكثر في صورة أخرى على حدة، وإن خرجت أخت فصاعدا وقعدت أخت فصاعدا مع أخيها قعدت الأخت مع الأخ لمن خرجت إن لم تحي حتى مضت المدة وكان الموت.
ففي: الديوان ": إذا مات رجل وترك أولاده ذكورا وإناثا فخرجت إحدى البنات ولم تحي نصيبها حتى ماتت فقعد إخوتها لأولادها قسموا ما ينوبها من الميراث على الرؤوس الذكر والأنثى سواء، وإن ترك ابنا وبنتا فخرجت الأخت ولم تحي نصيبها حتى ماتت وتركت ورثتها فمات أخوها بعدها، وترك أولاده ذكورا وإناثا وامرأته، قسموا ما ناب عمتهن من مال جدهم كميراث أبهم للذكر مثل حظ الأنثيين، وإن مات أبوهم وماتت عمتهم بعده ولم تحي نصيبها فإنهم يقسمون ما نابها من ميراث أبيها كما يقسمون ميراث أبيهم، وإذا خرجت الأخت عن إخوتها ولم تحي نصيبها من الميراث فماتت وتركت ابنتها وإخوتها فإنهم يقسمون ما نابها من ميراث أبيها على الرؤوس، ورثوا منها أو لم يرثوا وإن مات عن ذكور وإناث فخرجت اثنتان بتزويج فماتت إحداهما ولم تحي نصيبها فقامت الحية إلى إخوتها فقالت: أخذ معكم في نصيبها فلا تدخل إليهم في ذلك، وكذا إن ماتتا جميعا فقال ورثتها: ندخل معكم في
نصيبها ...
"
(ومن ترك ابنا وبنتا فتزوجت فخرجت لزوجها فباع الأخ المال أو بعضه، أدركت إرثها عند مشتريه إن لم يقبض الثمن، وإن قبضه أدركت عنده لا عند المشتري، وإن قبض بعضا أدركت سهمها مما قبض والباقي من المشتري، فعلى
1 - شرح النيل للقطب القطب ا ه ج 13/ 526 - 531. (1/173)
صفحة 174
174
6
القول بفسخ البيع ينفسخ البيع كله فتنزع المبيع كله من يد المشتري لأجل سهمها، وعلى القول بثبوته في نصيب الأخ تدرك نصيبها عند المشتري بالقسمة، أو تشترك معه بنصيبها، وعلى القول بثبوت البيع في الكل تدرك ثمن نصيبها عند المشتري إذا صح أنها وارثة عنده، وإن شاءت أدركت عند الأخ، وكلام المصنف شامل لذلك كله،
لأن حاصله أنها ترفع المشتري من سهمها، سواء أصح بيع سهم أخيها أم بطل. (وإن مات ولم تحيه)، أي لم تحي إرثها (فيه)، أي في المال، أي لم تحي ميراثها من جملة المال (عنده)، أي عند المشتري، لم يدركه أولادها عنده (كما لا تدركه عند أولاده، أي أولاد المشتري، إن مات المشتري إلا بإحياء في حياته)، أي حياة
المشتري.
وفي الديوان ": وإن باع إخوتها جميع ما ترك أبوهم من الأصل ولم تغير ذلك عليهم حتى ماتت فطلب أولادها إلى أخوالهم نصيب أمهم فلا يدركون عليهم شيئا، وكذا إن مات إخوتها بعدما ما باعوا تركة أبهم فطلبت إلى ورثتهم نصيبها الذي باع إخوتها، وإن استحق الإخوة مال أبيهم بعد ما خرجت أختهم فماتت أو أمر لهم به من كان عنده فلا يقعدون فيه لأولادها، فإن طلبوا إلى أخوالهم إرث أمهم فأقروا لہم بتسمية منه أو بشيء معين من مال أبيهم أدركوا عليهم نصيبها كله وقيل: ما
أقروا به لهم.
1 - شرح النيل للقطب 13 ص 536 - 537. (1/174)
صفحة 175
175
سئل الشيخ العلامة أحمد بن سعيد بن خلفان الخليلي في طبيب يداوي رجلا عليلا، فلما مات العليل قال الطبيب: اشتريت له أدوية، وقد كان أخذ منه دراهم، هل يكون مصدّقا في ذلك، بيّن لنا ذلك؟
الجواب: وعندي أن هذا الطبيب إذا كان أخذ تلك الدراهم يشتري بهنّ دواء لذلك المريض العليل، فإن لم يأتهم به في حياته فدعواه بعد مماته أو بعد معافاته غير مسموعة، ويحكم عليه بردها إلى من دفعها إليه.
وإذا لم يكن الدواء شيئا معلوما أمروه بشرائه من الأدوية والعقاقير مما لم يرجعوا عليه، ويؤخروه عن شرائه، فقوله مقبول في شرائه، إذا كان اشتراه؛ فالقول قوله إذا لم يكن الأمر من المريض نفسه.
-2
هو الشيخ العلامة الورع النزيه أحمد بن سعيد بن خلفان الخليلي بن العلامة الرباني سعيد بن خلفان الخليلي وعم الإمام العادل محمد بن عبد الله بن سعيد بن خلفان الخليلي من مشاهير العلماء والشعراء في زمانه في اوائل القرن الرابع عشر الهجري اشتهر رحمه الله بالزهد والورع والتصلب في الدين لا تأخذه في الله لومة لائم، كان أمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر ملتزما بأوامر الله، مراعيا له في سره وجهره، إن حدث صدق وإن وعد وفى، وإن قال فعل، لا يعرف المداهنة في الحق، ولا الميل إلى الباطل ولد سنة 1280 هـ ببلدة بوشر من قرى محافظة مسقط وتوفي يوم 11 الحج الأكبر سنة 1324 هـ وعمره 44 سنة، له فتاوى نثريه ونظمية طبع قسم منها ضمن إجابات ابن أخيه الإمام محمد بن عبد الله الخليلي، ينظر دليل أعلام عمان ص 28 والسيرة الذاتية والمنهج الفقهي للشيخ العلامة أحمد بن سعيد بن خلفان الخليلي بحث تخرج إعداد الطالب خليل بن أحمد بن حمد الخليلي ص 65 فما بعدها. وانظر ترجمته في: من أعلامنا،
للباحث.
2 - هداية المبصرين في فتاوى المتأخرين ج 4 لحمد بن عبيد السليمي تحقيق خالد القنوبي بحث تخرج ص: 42، باب الحكم في الدعاوى. (1/175)
صفحة 176
176
قلت: ويدل لقول من يقول بسقوط الدعوى بمرور المدة القاعدة المشهورة
"ترك النكير ممن له النكير - مع القدرة عليه - حجة" 1
و السكوت في معرض الحاجة الى البيان "بيان
فقد قال بهذا جهابذة العلماء قديما وحديثا منهم: العلامة أبو المنذر بشير بن محمد بن محبوب الرحيلي المخزومي القرشي، وكان هو وأخوه الشيخ عبد الله بن محمد والد الإمام سعيد بن عبد الله من كبار علماء عُمان، في القرن الثالث الهجري، والغاية في العلم والفضل في أهل زمانهم.
ومن قواعده المأثورة عنه والمشهورة قوله: ترك النكير" ممن له النكير حجة
وإظهار النكير حجة" وفي رواية ترك النكير ممن له النكير حجة عليه " "
قال العلامة عبد الله الحضرمي في الكوكب "الحجة لمن قال بترك النكير باليد واللقَن على من يستطيعه؛ أن الإنسان ممنوع من إلقاء نفسه إلى التهلكة وممنوع من تضييع ماله النهي عن إضاعة المال.
قال أبو سعيد الكدمي ه: وفي ترك النكير كله حجة ممن تركه، لمن لم تقم عليه به في السلامة له في الحكم الظاهر، والسلامة فيه لمن انتبه على حاله، ولو ظهرت منه دعاوى بما ليس له فيها حجة في الحكم إلا أن يُقر له خصمه، فلما
-1
-2
على سبيل المثال انظر: الاستقامة ج 3 لأبي سعيد الكدمي باب القول" في الصيد وغيره" ج 3/ 129. فما بعدها في عدة مسائل، كتاب التخصيص لأبي بكر الكندي باب: بيان استحالة هَذِهِ المعارضة لاستحالة إجماع الأُمَّة عَلَى خطأ ص: 247.
انظر: إتحاف الأعيان 194/ 1 - 195. والمراجع الآتية بعد إن شاء الله.
- الكوكب الدري ج 6 ص 350 النهج السابع والأربعون في إيضاح الحجج والبراهين. وانظر أبا سعيد الكدمي الاستقامة ج 3 ص 120 فما بعدها. (1/176)
صفحة 177
177
لم ينكر عليه خصمه احتمل عدله وجورَه، وكذلك من خصمه إذا لم يقر له بما يدعيه عليه، ولو لم تقم الحجة عليه بالنكير، فيما هو حجة عليه، احتمل أنه محجوج، وأنه كاذب وصادق من ادعى عليه واحتمل أنه محق ضعيف عن القيام بالحجة، واحتمل أنه محق مضيع ما يلزمه بجهل ما يلزمه .....
وإنما يكون النكير وترك النكير حجة في كل أصل يحتمل فيه الحق والباطل، من أحكام الدعاوى من جميع الأمور، وهو الأصل المشكوك.
وأما كل أصل لا يقع موقع الشكوك، وكان واضحا، فهو قائم بنفسه، والمخالف فيه مخالف للعدل، وذلك فيما يكون فيه الحق واحدا من دعوى الأصول، أو من حكم البدع في الدين، فإذا كان الأصل مجتمعا عليه في معنى حكمه، لم يضره النكير في تَخَطَّيه ولا في الخلاف عليه.
والحق فيه ما وافق الأصل الذي هو عليه، ولو اجتمع على نقضه جميع الخلق، فلن يكون ذلك، ولكن لو كان ذلك لما كانوا حجة، في نقض الأصل المجتمع عليه بالحق.
وكذلك الأصول المجتمع عليها، لا ينفعها تصويب من صوبها، وحكم من حكم بتصويبها، ولو اجتمع على تصويبها الخلق كلهم، ولن يجتمعوا أبدا.
وانما النكير حجة وتركه حجة في معاني ما يحتمل الحق والباطل، في حين أن ما يكون حجة إذا ثبت الحكم عند النكير ثبت الحكم، وكان إظهار النكير بعد ثبوت الحكم دعوى لا حجة، ولو ثبت الحكم على معنى الاحتمال.
-1
المعتبر للعلامة للكدمي ج 2 ص: 105.
2 - المعتبر للكدمي ج 2 ص 107 108. و ج 2 ص: 69. (1/177)
صفحة 178
[صفحة فارغة] (1/178)
صفحة 179
179
وفى بيان الشرع ما نصه:
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا ما فسره الشيخ أبو عبد الله محمد بن إبراهيم رحمه الله من مجمل الآثار، يوجد عن بشير ابن محمد بن محبوب رحمه الله أن ترك النكير حجة، وإظهار النكير حجة، قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن إبراهيم رحمه الله: وذلك خاص ممن له النكير في وقت وقوع الحدث لا غير ذلك، كان الذي له النكير إماما أو وليا أو عدوا كان من أهل الإقرار، أو من أهل الإنكار.
وذلك في الأحداث التي يجوز فيها الحق والباطل، والهدى والضلال، والطاعة والمعصية، من الأحداث في الدماء والفروج والأموال، والإمامة وما أشبه ذلك من الأحداث التي لله عز وجل فيها حكمان.
وذلك مثل رجل يطأ امرأة فإن أظهرت النكير أنه يأتي ذلك منها بلا تزويج ولا ملك يمين كان إنكارها عليه حجة في ذلك الحال في حكم الظاهر، ولو كانت زوجته أو أمته عند من لم يعلم أنها زوجته ولا أمته.
ولو أنها لم تنكر عليه لكان تركها للنكير عليه حجة له في حكم الظاهر، ولو كان مقتسرا، لها، وهذا خاص في أحكام الظاهر.
وكذلك لو رأى قاتلا يقتل آخر، ولم ينكر عليه ذلك لكان تركه للنكير حجة
له في أكثر ما عرفنا من قول المسلمين.
وكذلك لو رأى إنسانا يأخذ مال مسلم أو يهودي أو نصراني أو مجوسي، ولم ينكر عليه لكان تركه للنكير حجة للآخذ في حكم الظاهر، ولو كان الآخذ مبطلا في حكم السرائر، ولو أنه أظهر عليه النكير لكان إظهاره للنكير حجة عليه في حكم الظاهر، ولو كان محقا في حكم السرائر.
ولو أن جماعة من المسلمين عقدوا إماما في حياة إمام قد أجمع على إمامته (1/179)
صفحة 180
JA.
فلم ينكر ذلك عليهم العلماء الحاضرون، ولا الإمام المتقدم لكان فعلهم ذلك حجة لهم في ذلك في حكم الظاهر، ولو كانوا مبطلين في حكم السرائر ولو أنهم أنكروا عليهم ذلك لكانوا مبطلين في حكم الظاهر، ولو كانوا محقين في حكم السرائر، وذلك إذا كان إنكارهم في وقت الحدث لا قبله ولا بعده
قال بعض إنما ترك النكير حجة للأئمة دون الرعية، قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن إبراهيم رحمه الله: إن ترك النكير حجة ممن له الحجة في الأحداث التي يجوز فيها الحق والباطل لا غير ذلك، إذا كان الذي له النكير إماما أو وليا أو عدوا أو مجوسيا أو مشركا أو وثنيا أو غير وثني، أو ممن كان من الخليقة المتعبدين، وأما الأحداث التي لا يجوز فيها إلا الباطل والضلال والمعصية، فليس ترك النكير حجة لمحدثها كان محدثها إماما أو وليا أو عدوا، أو عالما أو جاهلا، أو مسلما أو مشركا كان التارك للنكير إماما أو وليا، أو عدوا أو عالما أو جاهلا أو مسلما أو مشركا، وذلك لو أنه تزوج أخته من الرضاع أو النسب أو غيرها من ذوات المحارم، أو أنها أمه أو أخته أو عمته، أو خالته أو ما أشبه ذلك.
" ... وأما لو عاينه يطأ هذه المرأة وهي لا تُغَيّر عليه ذلك، ولا تنكر، ومطاوعة له على ذلك، ثم ادعت بعد ذلك أنه غصبها نفسها كانت مدعية عليه في الحكم؛ لأنه رآها مطاوعة له في ذلك، فليس لها حجة في النكير بعد المطاوعة في حكم الظاهر، ولا تلحقه لها حجة من طريق الصداق مع من عاين ذلك منه.
فإن ادعت عليه بعد ذلك الوطء فجحد ذلك ووطئها بعد إنكارها عليه، فإنه يكون بهذا الوطء الآخر، هالكا، ولو كان عند الله صادقا، ولو كان على القول الأول
1 - بيان الشرع لمحمد بن إبراهيم الكندي 4 ص 63 وانظر: ص 332 فما بعدها.
2 - السابق ص 64. وانظر: ص 83 و 130 وجوابات النور السالمي ج 6 ص 225. (1/180)
صفحة 181
181
كاذبا لم ينكر عليه بذلك في حين ما يجوز عليه النكير، وإنما أنكرت بعد أن بطلت الحجة بترك النكير، كان بذلك سالما في حكم الظاهر، ولو كان عند الله كاذبا ظالما.
قال غيره؛ محمد بن إبراهيم يخرج عندي في معاني قوله هذا أنه إذا وطئها فطاوعته حتى فرغ، ثم أنكرت عليه بعد فراغه، لم يقبل منها ذلك الإنكار، وبطلت حجتها، ولو كانت صادقة عند الله فيما أظهرت عليه من النكير، لأنها تركت النكير في وقت ما كان لها النكير، ثم أنكرت بعد أن بطلت حجتها، وكان هو سالما في حكم دين الله في الظاهر، ولو كان مبطلا في السرائر بترك النكير منها عليه في وقت ما كان لها النكير عليه والحجة.
ولو أنه عاد وأراد وطأها بعد ذلك الوطء الأول، فأقامت عليه النكير لما أراد وطأها فغلبها ووطئها، وهي تقيم عليه الحجة والنكير فلم ينته، كان في الظاهر في حکم دين الله منافقا فاسقا، ولو كان في السرائر صادقا.
وكذلك انظر في هذا الفصل الذي مضى في هذه المرأة، وإظهار نكيرها في وقت ما يكون لها النكير، وإظهارها نكيرها في وقت ما لا يكون لها نكير، وترك النكير منها، فإن هذه الثلاثة الفصول من الإنكار داخلة في جميع الأحكام، وفي جميع من كان له الإنكار من العلماء، أو الضعفاء والأئمة والسفهاء والرعية والفساق، وأهل الشرك، وأهل الإقرار في جميع الأحكام من عقد إمام أو عزله، أو طلاق أو نكاح، أو مال أو هبة، أو غير ذلك من جميع الأحكام على ما يبين لي.
وكذلك لو تزوج رجل امرأة رجل في الظاهر، وهو حاضر فلم ينكر عليه تزويجها، ثم أنكر عليه بعد أن تزوجها لم يقبل منه النكير عليه، بعد أن ثبت تزويجه بها، وإن أنكر عليه في وقت تزويجه بها كان إظهار النكير منه حجة له.
1 - السابق 132 - 133 (1/181)
صفحة 182
182
وكذلك لو أن رجلا أو امرأة قتلت منافقا أو وليا أو يهوديا أو نصرانيا أو غير ذلك ممن حرم الله قتله، فإن أظهر النكير في وقت القتل كان إظهار النكير حجة فإن لم ينته القاتل وقتله بعد إظهار النكير لم تجز ولاية القاتل، كان القاتل وليا أو غير ولي وإن ترك النكير المقتول جازت ولاية القاتل والبراءة منه، والوقوف عنه على ما قد قيل من الاختلاف. وكذلك لو أراد إنسان أخذ حزمة بصل من بصال، أو عومة من سماك، فادعى
في ذلك عليه دعوى، وهي في يده ما ثبتت دعواه عليه عند تركه النكير عليه منه فأخذه منه بعد ذلك، ثم أظهر النكير عليه بعد ذلك، لم تكن له حجة، وإن أظهر النكير عليه في حين ما أراد أخذ ذلك، كان إظهار النكير عليه في ذلك حجة، فكذلك إن ترك النكير عليه فلم ينكر عليه وقت الفعل ولا بعده، كان أقوى بحجة الفاعل.
وكذلك لو أخذ منه ألف دينار أو ما فوق ذلك، فالقول في ذلك واحد. وكذلك في بيان الدعاوى في الأموال من الأصول وغيرها، ممن كانت له الحجة فتركها حتى بطلت، وحَصَتْ حُجَّتُهُ بها لم يقبل منه بعد ذلك، فانظر في جميع
حَصَتْ حجته بمعنى بطلت فلا فائدة فيها، مأخوذ من قولهم: حاص يحيص حَيْصاً وحَيَصاناً، إذا حاد عنه. ويقال: وقع فلان في حَيْصَ بَيْصَ وَحَيْصٍ بَيْصِ وَحَيْصٍ بَيْصٍ وحِيصَ بِيصَ وحيص بيص، إذا وقع في أمر ضيق. قال الشاعر:
قد كنتُ خَرَاجاً ولوجاً صَيْرَفا ... لم تلتحصني حَيْصَ بَيْصَ لَحَاصِ
ويقال: التحصتِ الإبرة، إذا استدَّ سَمُّها، أي ثَقْها. انظر الجمهرة لابن دريد مادة (ح - ص - و)
-1 (1/182)
صفحة 183
183
قولي هذا وتدبره، ولا تأخذ منه إلا ما وافق الحق والصواب.
سئل النور السالميه "إذا اشتهر في البلد أن هذا المال لفلان ثم رأينا هذا الرجل قد باع منه نخلات ولا ندرى ما السبب وصاحب المال حاضر لا ينكر ولا يغير وصح بينهم نزاع كل يدعيه ما الحكم بينهم؟
الجواب ترك النكير ممن له النكير، حجة، فالبيع نافذ في المبيع والثمن لصاحب المال لا للبائع وباقي المال لصاحبه لا للفضولي والله أعلم.
وهو
وإنما لم يتفق المسلمون على بغي موسى ولا راشد لشبهة حصلت في ذلك أن الإمام ترك النكير عليهما واعتزل بيت الإمامة ودفع إليهما الكمة والخاتم، وترك النكير ممن له النكير حجة عليه في حكم الظاهر، ودفع الكمة والخاتم من غير حرب مقةٍ لذلك، فلو أظهر الإمام النكير وطلب الدفع والمدافعة واستعان بمن أمكنه على دفعهم لانحسمت الدعوى وظهر المحق من المبطل وارتفع الاشكال وأبى الله إلا أن يكون ما كان، لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا .. ) (44) الأنفال. والله
أعلم.
-1
بيان الشرع السابق 134 والحاصل أن هذا الجزء مليء بأشباه هذه المسائل. والاستقامة ج 3 ص 213 فما بعدها باب ذكر الفروج والنكاح والقذف. وانظر بيان الشرع ج 14 في العبد إذا باعه من في يده ولم ينكر أثناء البيع العبودية ثم أنكر بعد ذلك ص 153
2 - جوابات الإمام السالمي 505/ 4
3?
نور الدين السالمي الجوابات ج 6 ص 225 الكندي بيان الشرع 4 ص 139 - 140 و 160/ السير والجوابات لعلماء وأئمة عمان تحقيق سيدة إسماعيل كاشف 391/ 2) وسئل النور السالمي عن الكمة والخاتم اللذين يذكران في الأثر أن الإمام يلبسهما منذ يعقد عليه الإمامة ما هما؟ الجواب: الله أعلم وهما الآن غير موجودين لانطماس تلك الآثار ولم نجد لهما وصفا (1/183)
صفحة 184
184
"وترك إنكار الصلت على موسى وراشد يسوغ لهم احتمال الصحة لما ادعوه عليه، لأن ترك النكير ممن له النكير حجة، فلو باع رجل مال رجل وهو في المجلس لا يغير ولا ينكر، وهو حر بالغ عاقل قادر على الإنكار غير خائف ولا متق ثبت البيع عليه، ولا يقال للبائع أنه تعدى على غيره، أو أنه ظلمه أو غصبه، فظهر من ذلك احتمال صحة ما ادعاه هؤلاء. 1
أبو سعيد: اختلف في تمامه ونقضه، فقيل: جائز، وقيل: لا؛ فعلى الإجازة يسلّم المشتري الثمن إلى ربّه؛ وإن باعه مدعيا أنه له ولم ينكر عليه الحاضر قال: جاز البيع ويسلمه، وقيل على الخلاف السابق. 2
-1
لانقطاع تلك الأخبار والذي نفهمه من كلامهم أنهما شيآن معدودان للإمام خاصة يمتاز بهما عن غيره من سائر الرعية فالكمة تاج الملك والخاتم آلة الطبع على الكتب التي تصدر فيها الأوامر والنواهي من الإمام فإن رسول الله قد أمر به حين أراد مكاتبة الملوك فعمل له ففي اتخاذه اقتداء برسول الله" وكذلك أبو بكر وعمر ففيه تفاؤل ببقاء الإمامة يقال أنَّ ملك النبي سليمان بن داود عليه السلام في خاتمه وقد انتقض الأمر على عثمان بن عفان حين سقط خاتم رسول الله له من يده في بير أريس" جوابات الإمام السالمي 1 ص 557. والظاهر أن هذا الجواب منه له قبل نصب الامامة للإمام سالم بن راشد الخروصي إذ توج الامام بهما والقائم بذلك نور الدين السالمي نفسه أنظر نهضة الأعيان لأبي بشير محمد بن الشيخ نور الدين السالمي ص: 1: 151 صفة البيعة.
عمان عبر التاريخ سالم بن حمود السيابي ج 1 ص 169 وج 118/ 2.
- التاج المنظوم من درر المنهاج المعلوم لعبد العزيز الثميني.4 470 الباب الثاني والستون في بائع
مال حاضر ولم يغيّر (1/184)
صفحة 185
185
ومن" ملك عليه ماله وهو حاضر ينظره ولا يغيّر فقيل يثبت ذلك عليه ولا حجة له إذا لم تكن تقيّه؛ وقيل: لا، ولا يملك عليه، وحجته ثابتة وكأنه ينظر ويتعجب من ظلم من ملك ماله تعدية عليه."
" سئل أبو سعيد رحمه الله عن رجل باع مال، رجل، وهو حاضر، لا يغير، ولا ينكر قال: اختلف في تمامه ونقضه، فقيل: إنه جائز، وقيل: لا يجوز؛ قيل له
فعلى قول من قال بالإجازة إلى من يسلم الثمن؟ قال: يسلمه إلى رب المال. قيل له: فإن باعه على وجه الدعوي أن المال له والآخر حاضر، لا يغير ولا
ينكر؟
قال: البيع جائز، والثمن يسلم إلى البائع، ولا يعدم من معنى الاختلاف في دفع الثمن أيضا.
6
وعن أبي معاوية. رحمة الله. في رجل باع مال، امراته من غير صحة وكالة، ولا أمر منها، وعلمت بالبيع، ولم تغير ولم تنكر، والمال في يد المشتري سنين، ثم غيرت المرأة، وطلبت مالها، فقال لعلها أن تكون مقهورة، أو خافت من الزوج شيئا، فلها أن ترجع في مالها، ويلزمها يمين أنها ما أمرته ببيع ماله ولا كان من رأيها، ولا رضيت ببيعه، بعد إذ علمت.
وقال غيره: إن ذلك يجوز على رب المال، إذا علم ببيع ماله، ولم يغير ولم ينكر فقد بطلت حجته، كان البائع زوجا أو غيره. وإذا ادعى التقية، كان مدعيا لذلك
1 - التاج المنظوم الثميني 311/ 7. الباب الثاني والخمسون في الدعاوي والحكم في اليد والأكل واليمين في ذلك.
-2
منهج الطالبين وبلاغ الراغبين لخميس الرستاقي /7 276 فما بعدها القول الثاني والستون فيمن باع مال غيره وهو حاضر ولم يغير ولم ينكر. (مكتبة مسقط) التاج المنظوم من درر المنهاج المعلوم لعبد العزيز الثميني 4/ 470. الباب الثاني والستون في بائع مال حاضر ولم يغيّر. (1/185)
صفحة 186
186
"والذي باع بلا مبالاة مال غيره وتمّ البيع وصاحب المال حاضر معه ولم يبد نكرانا لا بنطق ولا بإشارة يعتبر، فضوليا وبيع الفضولي مختلف فيه، بعض يحكم بفساده والبعض يثبته وعلى قول المثبت فالحق لصاحب الملك ولا شيء للفضولي ولا أرى إثبات بيع الفضولي لأنّه يشبه العبث ولأن صحة العقد مشترط فيها أن تكون من مالك المبيع ولا يعتبر سكوت صاحبه تمليكا ولا ينقل الملك بمقتضاه من واحد لآخر." أما إذا باع رجل دارًا أو متاعًا بحضور آخر، فبعث البائع هذا الحاضر إلى المشتري ليقتضي الثمن منه فذهب، واقتضاه، فلا تسمع بعد دعواه على المشتري ملك المبيع لنفسه؛ لأنَّه يصير مجيزًا للبيع بالسكوت مع تقاضيه الثمن.
6
" وروي عنه صحار بن العباس العبدي: من قوله: "لو بنى رجل على ظهر رجل
1 - الأسئلة والأجوبة النثرية للبكري ص: 81.
2 - صحار بن العباس العبدي الطاحي الأزدي أبو العباس ويقال بن العبد والصحيح الأول، من عبد القيس من عمان، وهو على الشهير صحابي، مرضي، علامة تقي بصري عماني، روى عن رسول الله ثلاثة أحاديث، وهو من شيوخ أبي عبيدة رحمهما الله ورضي عنهما، قال عنه الدرجيني رحمة الله تعالى عليه " ذو المآثر الأثيرة ومن كان يدعو الى الله على بصيرة حمل فقها جزيلا وكان باعه في العقائد طويلا وكان أحد الزهاد وأحد الزاهدين عن معتقد فاسدي الإعتقاد" وهو أول ألف في الأدب له عدة كتب منها كتاب الأمثال وكتاب القدر. انظر: العرى الوثيقة شرح كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة للعلامة القاضي الفقيه المؤرخ سالم بن حمود السيابي ص: 82. عمان عبر التاريخ له ج 1/ 151 الفهرست لابن النديم، 102. الإمامة والسياسة، 235/ 3. حياة الحيوان، 204/ 3. طبقات الدرجيني، ج 2 ص 223. سير الشماخي، 76/ 1. تاريخ الطبري، 182/ 4. ابن الأثير، الكامل، 45/ 3. نهاية الأرب، 280/ 16. الجهضمي، حياة عمان الفكرية، 122. الراشدي مبارك، أبو عبيدة، 24، 35 السير والجوابات، 192/ 1. فواكه العلوم،
من (1/186)
صفحة 187
187
جدارا ولم ينكر عليه لزمه
قلت: وإذا نظرنا إلى نصوص القرآن الكريم والسنة الثابتة الصحيحة نجد الكثير الكثير من أدلة الكتاب والسنة وكذا الاجماع الصحيح على أن الانسان قد يتسبب
241/ 1. فقه الإمام أبي عبيدة من خلال المدونة الكبرى لقاسم حميد أوجانة - ب تخرج ص: 14. البطاشي سيف بن حمود إتحاف الأعيان 34/ 1 السالمي الحجج المقنعة ص 167. أطفيش: الرسالة الشافية ص 177؛ الشماخي: السّير ص 81 سؤال أهل الذكر 86 حلقة غرة رمضان 1424 هـ، 27/ 2003/10 م وقيل صحار بن العبد، تابعي وأنه أخذ العلم عن إمام المذهب جابر بن زيد وغيره، وأنه غير صحار بن العبّاس العبدي الصحابي وإنما كان مساميا له. ويعكر على هذا الرأي أنَّ نفس المؤلفات - الأمثال، والقدر، والصفات، التي تنسب إلى الثاني ثابتة للأول من غير مجادل. فلينظر فيه بإمعان أما كونه توفي عام مائة من الهجرة فليس علةً في جعله غير الأول وغير صحابي فقد عاش غيره أكثر من ذلك بكثير. منهم أنس بن مالك توفي عام 95 هـ أجمعين، وأبو الطفيل عامر بن واثلة، بن عبد الله بن عمرو الليثي الكناني، ولد سنة (3) للهجرة وتوفي سنة (100) هجرية. وعن مبارك بن فضالة مات سنة سبع ومائة وقال وهب بن جرير بن حازم عن أبيه كنت بمكة سنة عشر ومائة فرأيت جنازة فسألت عنها فقيل لي أبو الطفيل .... ) وصحح ابن حجر في التقريب ج 1 ص 478 ترجمة رقم 3111، وتهذيب التهذيب 5/ 72، وفاته سنة عشر ومائة، وحكاه عن مسلم وغيره، وروي عنه أنه قال أدركت ثمان سنين من حياة النبي لو ولدت عام أحد " كما في الاستغناء 1 ص 197، والاستيعاب 4/ 115، والإصابة 113/ 4] والتاريخ الصغير للبخاري 1/ 285، والطبقات لابن سعد ج 6 ص 64 وتاريخ ابن معين - رواية الدوري 56/ 3، تاريخ بغداد 142/ 7. وغيرها. وانظر: معجم الإباضية 3/ 489. الحارثي، العقود الفضية: ص: 139.
وغيره
خميس بن سعيد الشقصي الرستاقي منهج الطالبين وبلاغ الراغبين 491/ 1 ط مكتبة مسقط. الخراسيني النزوي عبد الله بن محمد بن عامر. فواكه العلوم في طاعة الحي القيوم ص: 241
تحقيق د محمد ناصر ومني بن عمر. . ط 1416/ 1 هـ
-1 (1/187)
صفحة 188
188
بنفسه إلى تضييع ماله أو إتلاف نفسه أو عضو منها ويجلب لها الشر والهلاك إمَّا بسب إهماله أو مخالفته أوامر الشرع وبالتالي فلا يلوم الا نفسه بتضييع ما تسبب في تضييعه قال تعالى: وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا
وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30) سورة النساء. وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195) سورة البقرة.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا تُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (71) النساء. وَإِذَا كُنْتَ فيهم فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُبِينًا
(102) النساء
وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (188) سورة البقرة.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا
فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30) النساء
وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ... سورة هود الآية 101 (1/188)
صفحة 189
189
وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (118) النحل.
وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (76) الزخرف.
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38) المائدة.
"
وفي الحديث لا أنه نهى عن قيل وقال وعن إضاعة المال وكثرة السؤال .. وقال للمطعون في الركبة وقد اقتص قبل أن يبرأ وعرج لما راجعه في ذلك قائلا: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَرَجْتُ. فَقَالَ:" قَدْ نَهَيْتُكَ فَعَصَيْتَنِي فَأَبْعَدَكَ اللَّهُ وَبَطَلَ
عَرَجُكَ."
-1
صحيح البخاري، باب قول الله تعالى {لا يسألون الناس إلحافا رقم 1407، 537/ 2. وابن عدي: الكامل في الضعفاء، ترجمة السري بن إسماعيل، رقم 872، 458/ 3. مسند أحمد، رقم 8785، 367/ 3. الطبراني: المعجم الكبير، رقم 8307، 28/ 9 و 387/ 2. رقم 913، و 165/ 1. رقم 918، وفي رواية:" قال وكان ينهى عن قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال ومنع وهات" .... صحيح البخاري، باب ما يكره من قيل وقال رقم 6108، 2375/ 5.
10
6
2 - أخرجه بهذا اللفظ الدار قطني المرجع السابق ح 24 كتاب الحدود والديات، والبيهقي باب ما جاء في الاستثناء بالقصاص من الجرح والقطع، ج 8 ص 67 ح 15894، وابن أبي عاصم في الديات بلفظ فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "ليس لك لأنك أبيت" ح 129، وابن أبي شيبة في مصنفه "الرجل يجرح" ح 28360 - حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرٍ؛؛ أَنَّ رَجُلاً طَعَنَ رَجُلاً بِقَرْنٍ فِي رُكْبَتِهِ، فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَسْتَقِيدُ، فَقِيلَ لَهُ: حَتَّى تَبْرَأَ، فَأَبَى وَعَجَّلَ وَاسْتَقَادَ، قَالَ: فَعَنِتَتْ رِجْلُهُ وَبَرِئَتْ رِجُلُ الْمُسْتَقَادِ مِنْهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ، فَقَالَ: لَيْسَ لَكَ شَيْءٌ، أَبَيْتَ."، وأحمد في مسنده مسند المكثرين ح 6737. عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِهِ وفيه " قَالَ: ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدُ مَنْ كَانَ بهِ جُرْحٌ أَنْ لَا يَسْتَقِيدَ حَتَّى تَبْرَأَ جِرَاحَتُهُ، فَإِذَا بَرَأَ اسْتَقَادَ. وفي رواية من طريق مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وَجَأَ رَجُلٌ فَخِذَ رَجُلٍ فَجَاءَ إِلَى (1/189)
صفحة 190
190
وفي الحديث: "عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من تحسى سُمَّا فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا .. " فدل الكتاب والسنة على وجوب المحافظة على النفس وعدم جواز تعريضها لما يهلكها، والإجماع على ذلك أيضا. وليس المال بأشد حالا من النفس والعرض فمن عرض نفسه أو ماله للتلف فلا يلومن إلا نفسه ومع ذلك فيستحق عذاب الدنيا والآخرة بتسببه الفاسد، والأدلة على ذلك كثيرة جدا لا يسع المقام ذكرها، وفيما أوردناه كفاية بإذن الله. إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37) ق.
والشارع الذي نهاه عن تضييع النفس والمال وقال: "لا" تواء على مال امرئ مسلم ... " على فرض صحة هذه الرواية ولا أظنك تجد لها صحة عن المعصوم لما سبق أن هذه الرواية لم ترد مرفوعة إلى الرسول وإنما هي أثر عن عثمان في الحوالة - فلو صح جدلا وجودها عنه فهو الذي قال: "من حاز أرضاً وعمرها عشر سنين والخصم حاضر لا يغير ولا ينكر فهي للذي عمرها ولا حجة للخصم
النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقِدْنِي مِنْهُ. قَالَ: " حَتَّى تَبْرَأَ." قَالَ: أَقِدْنِي. قَالَ:" حَتَّى تَبْرَأَ " ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: أَقِدْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَأَقَادَهُ فَجَاءَ بَعْدُ إِلَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: شُلَّتْ رِجْلِي. قَالَ: "قَدْ أَخَذْتَ حَقَّكَ" وانظر نصب الراية ج 4 ص 377. الشجاج. وعبد الرزاق في مصنفه: ج 9/ص 455 ح 17993. وانظر جهد المقل للباحث التأني في القصاص فقد بحثت الموضوع هنالك بما يغني عن الاطالة هنا بإذن الله عل.
ابن حنبل في مسنده ج 2 ص 478 ح 10198 و الحميدي الجمع بين الصحيحين ج 1/ 207، والسنن الكبرى للبيهقي 23/ 8 ح 16300. وغيرهم
-1 (1/190)
صفحة 191
191
نه بسبب
فيها." فقد بين بيانا واضحا لا لبس فيه أنَّ المحوز عليه أسقط حقه إهماله وعدم إنكاره، حتى مضت عشر سنين. وهكذا.
فهو تخصيص لذلك العموم والعمل بالخاص متفق عليه تقدم أو تأخر. ولذا إن أراد المحالُ عليه بعد أن يؤدّي المحالَ به الرجوع على المحيل فادعى المحيك أنَّ أصل المال المحال به مال رشوة، أو مال قمار وأنَّ الحوالة باطلة، لا تسمع دعواه ولا، شهوده، بل يقال له
أدِ المحال به إلى المحال عليه.
ولا تسمع دعواه تلك لأنه ينسب الطرف الآخر المحيل إلى الظلم وهو الرشوة أو القمار ... على الصحيح. وعلى رأي آخر أنه يؤدّي المحالَ به إلى المحال عليه، ثم يترافع مع المحال له بهذا الخصوص، فإذا ترافع المحيل مع المحال له وأثبت بمواجهته أنَّ المحال به مال قمار، -مثلا- يقبل منه. وعلى هذا التقدير إذا كان المحال عليه أعطى المحال به فله الخيار إن شاء رجع على المحيل وإن شاء على المحال له. وعلى كل حال فهذه المسألة التي حكم فيه الخليفة عثمان بن عفان له وهي رجوع المحال له إلى المحيل إن وجد المحال عليه مفلسا خارجة عن محل النزاع فلا تتصل بمسألتنا ببنت شفة فلينظر المنصف في ذلك ولا يأخذ إلا الحق وهو واضح بإذن الله.
وعليه فكل ما سبق يمكن أن يستدل به على جواز تحديد المدة لسماع الدعوى، ولكن الواجب الاحتراز، ونظر ما هو أسلم للعواقب؛ كي لا تغيب حقوق الناس ويصير الأمر سببا في ظلم بعضهم بعضا، ولأجل هذا يُرى رفع المدة ليتمكن الإنسان من أخذ حقه وحتى لا يفاجته الوقت ويغيب حقه وما جعلت المحاكم (1/191)
صفحة 192
192
ولا نصبت الحكام إلا لرفع الظلم وأمن الأرض من براثن الفساد والله من وراء
القصد.
وينبغي الاحتراز في مسائل الوقف وما شابهه أكثر ممن يملك أمره إذ الأصل في حق الوقف عدم سقوطه، ولو طالت المدة كما لا حيازة عليه في الأملاك مطلقا هذا هو المعمول به علما بأن سماحة المفتي ومساعده حتى الآن لا يرون تحديد المدة في سماع الدعوى في غير العقار.
لذا فإن مواد القانون المدني صيغت بالقدر المناسب مع بقية القوانين المقارنة واستئناسا بما سبق ذكره من الأثر عن العلماء في ذلك، مع رفع بعض المدد في بعضها وملاءمتها للمدد في البعض الآخر وهي تعتبر أكثر مدة من حيث الزمن المانع من سماع الدعوى بالنظر إلى القوانين المقارنة، وحيازة العقار ليست ببعيدة عنه كما سيتضح ذلك بإذن الله.
ففي الوقف الخاص جعلت المدة في الحيازة ستا وثلاثين سنة كما في الفقرة الأولى من المادة 934 وهي أعلى مدة في المشروع كما في المادة 934 ف 1 من قانون المعاملات (المدنية وبقية القوانين، أما الوقف العام - أي الوقف الخيري الذي يعم جميع الناس والمال العام وهو الذي نص عليه بأنه مال الدولة وما في حكمه - فلا تشمله الحيازة مهما طالت المدة وكذلك كل مال يعود نفعه على العموم كما في الفقرة الثانية من المادة ذاتها وذلك حفاظا عليها من أن تمتد إليها أيدي الظالمين. وهذا نصها: مادة (934)
1 - لا تسمع دعوى أصل الوقف مع التمكن وعدم العذر الشرعي على من كان واضعا يده على عقار متصرفا فيه تصرف المالك بلا منازعة أو انقطاع مدة ست وثلاثين سنة. (1/192)
صفحة 193
193
2 - لا يجوز تملك الأموال والعقارات المملوكة للدولة أو الهيئات أو المؤسسات العامة التابعة لها وكذلك الأموال والعقارات الموقوفة أو كسب أي حق عيني عليها بالتقادم"
وكما أسلفت فرَّق القانون بين الربع والأصل فجعل المدة في دعوى أصل الوقف الخاص مدة ست وثلاثين سنة.
أما الوقف العام والمال العام وسماه القانون مال الدولة كما في الفقرة الثانية من المادة أعلاه (934) فلا يسقط فيه سماع الدعوى مهما مضى من المدة ولو
أحقابا طويلة.
والفرق بينهما أنَّ الوقف الخاص هو لناس محصورين مخصوصين وسكوتهم عن حقهم المدة الطويلة حجة عليهم في تغافلهم عن متابعة حقوقهم فيؤثر ذلك سلبا على رفع الدعوى بعد ست وثلاثين سنة إن لم يكن فهم غائب أو ناقص الأهلية ولم يكن ثمة عذر شرعي مانع من رفع الدعوى.
أما الوقف العام فلكونه لغير محصورين وللمصالح العامة فهو مستثنى من هذه القاعدة فلا يؤثر عليه مرور الزمان، وهذه المادة الآنفة الذكر تبين الفارق في ذلك.
نعم إن كان المال الذي يُدَّعَى للدولة أو للوقف العام في يد إنسان من أحقاب طويلة وسنين عديدة وهو بيده لا يعترف به أنه للدولة أو للوقف بل يجيب بأنه ملكه منذ سنين عديدة وقد ورثه من آبائه وهم يتوارثونه أبا عن جد إلى أن وصل إليه ولا يعلمون لأحد بحق فيه .. الخ.
فمن حيث الواسع يسع السكوت عنه وبالأخص إن مضى على ذلك جملة من الحكام وهو في أيدي من بيده يتصرفون فيه ويتوارثونه ولم يسألهم أولئك الحكام فيسع السكوت عنهم، كما حدث ذلك في أيام حكم الامام العادل الشهيد سالم (1/193)
صفحة 194
194
بن راشد الخروصي له في بادَّةِ ماءٍ يدعها أهل بهلا من فلج كيد لجامع بهلا ولا يدرون ما حوَّلها وغيَّرها ولديهم إثباتات في ذلك، فتقدموا بدعواهم إلى الامام سالم ه: وفي شهر شعبان سنة 1334 هـ حضر أهل سفالة بهلا عند الإمام فادعوا بادةَ ماءٍ من فلج كيد لمسجد الجامع وأظهروا ما بأيديهم من النسخ القديمة والحجج القوية فأحضر الإمام القضاة ليعرف رأيهم وجمع الحكام للفصل فلم ير الإمام ومن عنده من القضاة بعد إجالة النظر ردَّها للجامع؛ لطول العهد ولأن من قبلهم من أئمة المسلمين من لدن الإمام ناصر بن مرشد فمن بعده إلى الإمام الجليل عزان بن قيس ولم ينقل عن أحد منهم أنه تعرض لها ولا حكم بردها للجامع وكفى بهم حجة لمن جاء بعدهم وانه يسع من بعدهم ما وسعهم ولا تكون الأوراق القديمة التى خلالها أكثر من ثلاثمائة عام أقوى من
اليد وما كان فيه محتمل فلا يُحوّل وإن كانت هنالك ظلامة فعلى من ارتكبها. والأصل في هذه البادة ما ذكره بعض المتقدمين أن بادة ماء من فلج كيد كانت لجامع بهلا وأنهم لا يعلمون ما حولها من ذلك. وفي بعض الكتب أنَّ الإمام بركات بن محمد بن إسماعيل حكم بهذه البادة لهذا الفلج ثم لم تترك له بعد ذلك وقد جهل الأمر الذي منعها وحولها عن كونها وقفا وبقيت منذ ذلك الزمان لفلج الجزيين أحد أفلاج بهلا مع جملة ماء ذلك الفلج فترك المسلمون المكاتبة في ماء فلج كيد لهذه الشبهة.
1
1 - "نهضة الأعيان" لأبي بشير محمد بن نور الدين السالمي المتوفى 1405 هـ 1985 م (ص: 304 - 305 الطبعة الثانية 1340 هـ 2019 م الناشر دار الكتاب اللبناني ودار الكتاب المصري. والمؤلف ممن حضر الدعوى والفصل فيها. ولأجل الفائدة والاستفادة فهذا بعض ما كتب عن الامام بركات في أوقاف بهلا: " ... معرفة قسمة أموال السور من بهلا على ما سمعناه في الشهرة بستان حارة الجبل العليا نصفه لسور السفالة والنصف الآخر سور المحدث وهو سدس جملة المال بقي ثلث المال (1/194)
صفحة 195
195
يقسم من تسعة عشر سهماً منها خمسة عشر سهماً لسور الضبوب من الحد الذي في طوي العقبة إلى باب الشرع الذي على الأطوى ومنها أربعة أسهم لسور الحُرُص.
هذا ما سمعته من الإمام العدل بركات بن محمد مما سمعه من الفقيه ورد بن يمان في قسمة هذا المال المسمى الحصر، لسور المحدث خاصة المال المسمى حاجر الشريعي نصفه لسور المحدث ونصفه لفلج المحدث لصلاح الفلج الشيبانية نصفه لسور السفالة ونصفه لمساجد العباد المال المسمى جفار اللحمة والمسمى قطعة رويّة لسور، الحرص، حفرة حارة صالح لسور السفالة، جفرة الرحى نصفها لسور السفالة ونصفها لمسجد الجامع، بستان المر بالسور السفالة قويض به المال المسمى الحايط، حفرة المنتج لسور السفالة بستان الرعلة مع البيت الذي عنده نصفهما لسور السفالة ونصفهما للمسجدين المسجد الجامع ومسجد معد بينهما نصفان لكل مسجد ربع أجيل جلبة عبيدة لسور السفالة الجلاليب نصفه لسور السفالة ونصفه لمسجد معد، الفشقين لسور السفالة هبة لسور السفالة جيل مباركة لسور السفالة قطع الحبط كلها للسور وهن أربع قطعات هن لسور السفالة، قطعة جلبة أبي عمر التي من وصية مهرة بنت مغول بن مكرم لسور السفالة، جلبة الحارة لسور السفالة، السبخة السفلى نصفه لسور السفالة ونصفه لسور العقر، السبخة العليا التي من وصية محمد بن سعيد بن خليل العبري أوصى بها لسور بهلا المحيط بالدار والمدار بالعقر من العلاية والسفالة سوى الحصن فقد جعله لعمار ما سمينا أصلاً مؤبداً زيادة على مال السور ومن تبعات لزمته الله تعالى هذا اللفظ نقلته من وصية بخط الفقيه محمد بن أحمد بن أبي غسان المال المسمى جفرة باب المراغة لسور العقر خاصة، المال المسمى الحدقة لسور الحرص قويض به المال المسمى خندق طوي منبه الذي شرقي طوي الثورية، المال المسمى اللثيبات ثلثاه لسور المنيفة وهو سور الضبوب الشرقي وثلثه لسور، الحرص، حفرة الويوي لسور الحرص، رسة شرمة الخطوة لسور الحرص المال المسمى الحرص ثلثاه للفقراء وسدسه لسور السفالة وسدسه للمسجد الجامع، جفرة العبيد لسور الحرص ونصف طوي شعثم التي بمغيوة السهيلية الشرقية لسور السفالة وطوي جماح سهيلي خبة القرن صار بديلها بالقياض من المال المسمى السبخة لسور السفالة وهي المحدوث فيها البيران، جفرة الدردور لسور المحدث، وأرض العوينة عند الغرفة لسور الضبوب، معرفة النخل النثور التي لسور السفالة نغال عند بيت الصارخي على ساقية السفالة نعشي جبل فريحوه سهيلي القنطرة، نغال عاضد القدر عند مسجد السوقمة، سيدي عاضد (1/195)
صفحة 196
196
القدر، عاضد الهليليات على الساقية الكبيرة نعشي مسجد ورد المسمى، عاضد مصلى الهرموزي، عاضد الصارة طرف الداخلة من الجانب الغربي، ونخلة في العاضد الغربي مقابل لهذا العاضد في وجين الساقية الغربي شرقي لتيزبات، عاضد السبيخة، نغالتين عند الغزيلي وموضع نخلتين المغازي مخلف خلف بن عبد الله بن خلف الدباغ وهما، فرضان، وموضع مفسل نخلة، وبرشي في البحازج مخلف أحمد بن قاسم بن عمر الخفيري صدر المال شرقي الساقية الجايز الكبيرة نصفه لسور العقر ونصفه لسور السفالة وفرض في السهيلة في مال مخلف عمر بن راشد صدر المال على فلج ميثا، وفرض في السمدية من وصية كاملة بنت عمر بن راشد صدر مالها على فلج ميثا، وبرشي عند حاجر بن مادود الخارج خلف السور عند مطراح الماء لم نعرفه لأي موضع من السور لا نعلم أنه لسور السفالة ولا العلاية، والله أعلم، ونخلة في الضحياينة مخلف شعثم عن قول جمعة بن عمر بن ربيعة في هذه النخلة وجيل حارة الجبل مما أوصى به راشد بن رمضان الضوياني مما اشتراه من حرمل بن أبي راشد والوصية بخطي كتبه عمر بن سعيد بن عبد الله بن سعيد بن عمر بن أحمد بن أبي علي بن معد بن عمر بن أحمد بن معد بن أحمد بن زياد بن موسى.
قال ذو الغبرا: سألت صاحبي عن فلج الجزيين لم يذكر في هذه النسخة؟ فجوابه خدم بعد تأثيرهم، قال: سألت عن الأفلاج الميتة وفيها أثر العمارة كالظاهرة وودي القري والباطنة وليست لأحد، أيجوز لأحد أن يخرجها ويزرعها ويفسل فيها فسلاً من غني أو فقير أم يجوز للفقير من دون
الغني؟ فالجواب: إن الفقير جائز له أن يخرجها ويزرعها وجائز للغني أن يأخذ مما في يدي الفقير ويداينه ويستوفي دينه من زرعها، فهذا القول الذي عليه العمل. وقول آخر؛ إن الفلج لقطة هو لمن لقطه ولا يخرج من يده، وقد عمل الشيخ أحمد ابن مفرج وهو شيخ الإسلام في فلج الجزيين من بهلا أخرجه بنو راشد بن ورد وجعلوه زيادة على فلج ضبوب وخلطوه عليه، وهو قائم بعينه إلى الآن، ولم ينكره الشيخ رحمة الله عليه. ومن جواب الشيخ أحمد بن محمد بن علي بن عبد الباقي رحمه الله وكان من علماء زمانه والقدوة في أوانه وقد سأله محمد بن عبدالله بن أبي يمان عن فلج وجدوه بقرية بهلا من علو البلد وهو المسمى الآن فلج الجزيين وكان قد عارضهم من ينسب إلى الفقه وشككه عليهم فأجابهم بإجازته وبإخراجه وتمليكه لمن أخرجه دون غيره قال: وجدت مسألة إن لم تكف أمواله السور فبناؤه على الأفلاج كل (1/196)
صفحة 197
197
وفي حقوق الأطباء ومن في حكمهم خمس سنين وذلك كأن يعالج الطبيب شخصا ويدعي بعد مضي خمس سنين أنه لم يدفع له حق العلاج- وهي أعلى مدة من بقية القوانين وأدنى مدة في المشروع، كما في المادة 342 ذلك أنَّ الأصل والعادة في هذه الحقوق الدفع فورا وعدم تأجيل الدفع، ولكن قد تحدث حالة شاذة بعدم دفع الحق لتفاهم بين الطرفين أو عدم حضور الأجرة ويحدث التساهل بينهما في التأخير واحتياطا عن غياب الحقوق جعلت المدة المذكورة.
مادة (342) لا تسمع الدعوى عند الانكار وعدم قيام العذر الشرعي إذا انقضت خمس سنوات على الحقوق الآتية: -
1 - حقوق الأطباء والصيادلة والمحامين والمهندسين والخبراء والأساتذة والمعلمين والوسطاء المستحقة لهم عما أدوه من أعمال مهنتهم أو حرفتهم
وما أنفقوه من مصروفات.
فلج بناء ما يليه من السور على قدر الماء القليل بقلته والكثير بكثرته إلا الغربي من باب بادي إلى المفرش أن بناه على الأموال التي تليه كل عليه أن يبني مما يلي ماله. وعدد أبوابه الجوامع سبعة، والصغار ستة وعدد غرف أبوابه ومحارصه وبروجه، مائة برج واثنين وثلاثين برجاً." انظر: شفاء القلوب من داء الكروب لذي الغبراء العلامة خميس بن راشد بن سعيد العبري (112/ 2) والكلام طويل جدا فقد سبق هذا المكتوب أعلاه في وصف سور بهلا واملاکه کلام طويل فانظره إن شيت من ص 109 فما بعدها من نفس المصدر تحت عنوان "وصف سور بهلا"ط 2 الناشر مكتب المستشار لجلالة السلطان للشؤن الدينية والتأريخية السيد محمد بن أحمد
البوسعيدي. (1/197)
صفحة 198
198
2 - ما يستحق رده من الضرائب والرسوم إذا دفعت بغير حق.
- حقوق التجار والصنّاع عن الأشياء التي وردوها لأشخاص لا يتجرون في هذه الأشياء. وحقوق أصحاب الفنادق والمطاعم عن أجر الإقامة أو عن الطعام وكل ما أنفقوه لحساب عملائهم.
- حقوق العمال وخدم المنازل والأجراء من أجور يومية وغير يومية ومن ثمن
ما قاموا به من توريدات، وذلك ما لم يوجد نص يقضي بغير ذلك. مادة (345) لا تسمع الدعوى إذا تركها السلف ثم الخلف من بعده وبلغ مجموع المدتين الحد المقرر لعدم سماعها"
ومن المسائل المهمة التي لا تسقط فيها الدعوى بمرور الزمان دعوى إثبات
النسب من الاب لابنه فإذا تحقق أنَّ رجلا ما تزوج أُمَّ فلان المدعي وكانت تحت المدعى عليه بالنكاح الصحيح وجاء المدعي فلان ابن المرأة يطلب اثبات نسبه من أبيه سمعت دعواه ولو طالت المدة ولا ترفض دعواه بدعوى مرور الزمان ويترك دون أب شرعي، فالأصل أن الناس بنوا أبائهم ومن زواج صحيح وليسوا زنماء ولو جاء هذا المدعي بعد موت المدعى عليه وأقامها على ورثته سمعت الدعوى وطولب المدعي بالبينة ومن ضمنها تقبل شهادة الشهرة فبالشهرة يثبت النسب باتفاق العلماء وذلك إن لم يعترف المدعى عليهم بذلك، فليتنبه لذلك جيدا فإنه مزلة أقدام.
وسيأتي في الكلام على تناقض الدعوى أن من جملة ما تقبل فيه الدعوى ويستثنى من التناقض دعوى النسب، أو الحرية، أو الطلاق؛ لأن النسب مبني على أمر خفي وهو العلوق من المدعي، إذ هو مما يغلب خفاؤه على الناس، فالتناقض في مثله غير معتبر والطلاق ينفرد به الزوج، والحرية ينفرد بها السيد.
الخ. (1/198)
صفحة 199
199
ومن ذلك أيضاً الدعوى من المواطن ضِدَّ الدولة في جميع الحقوق والأموال من عقارات وغيرها فيجب الإحتياط فيها وسماع الدعوى فيها مهما طالت المدة؛ لأن الدولة سلطة قاهرة وقد يترك الشخص الدعوى ضدها خوفاً على نفسه أو مصالحه أو على غيره وعدم وجود المحايد التقي المراقب الله عز وجل الذي لا يخاف في الله لومة لائم، كما هو واقع ومشاهد في كثير من الوقائع.
وإذا كان الخوف من المدعى عليه ولو فردا من الأفراد وذلك كأن يكون ذا نعمة أو سلطة أو سطوة أو جهالة مفرطة يخشى منها الاضرار بالمدعي أو كان من مقبولي الكلمة في الدولة ويخشى منه التدخل للإضرار بالمدعي عذرا مقبولا تسمع معه الدعوى أو كان بين المدعي والمدعى عليه صلة تمنعه من إقامتها كالقرابة والصداقة والشّراكة والإفضال وسائر المنافع الدنيوية التي قد تقف حجر عثرة أمام المدعي فمن باب أولى أن تسمع الدعوى ضد السلطة الحاكمة القاهرة للجميع مهما كان نوعها ومهما مضى عليها من الزمن، وذلك لما تقدم من علل واضحة جلية، وهنالك عدة أسباب توجب سماع الدعوى وتمنع من تقادمها لا يمكن حصرها وقد تتجدد، ولذا لم أفرد لها حصرا لعدم إمكان ذلك، وكثير منها تقديرية ولكل دعوى ملابساتها وظروفها. وعلى الحاكم أن يحتاط لدينه وما قل وكفى خير مما كثر وألهى.
" عَلَيَّ صبُّ المعاني في قوالبها" والأمر لله وحده. (1/199)
صفحة 200
200
دعوى الفعل الضار
الفعل الضار "كل فعل يستوجب العقوبة أو الضمان" وهو: كل فعل يسبب ضررا في النفس أو المال أو الدين أو العرض ويدخل فيه الفعل بالقول كالقذف بكبيرة من كبائر الذنوب والفعل بالترك كأن يجب عليه فعل شيء معين لمصلحة ما ويمتنع عن ذلك حتى يُوَلّد ضررا على الغير. والدعوى الناشئة عن الفعل الضار هي الناشئة عن التعدي على النفس أو
المال ... الخ. وهو شامل لجميع الأضرار والمتلفات.
والأضرار متعددة الأنواع والأوصاف فمنها إتلاف مال الغير، ومنها الجناية على النفس أو الأطراف، ومنها التعدي بالغصب، أو بالسرقة، أو بالتجاوز في الاستعمال المأذون فيه، كتجاوز المستأجر والمستعير والحجام، والطبيب،
والمنتفع بالطريق، أو بعبارة أخرى التعدي في استعمال الحق.
وكالتفريط في الأمانات؛ كالودائع والرهون والاعارات وحراسة الأشياء وما في
حكمها.
ففي كل ذلك يصير المتسبب في الضرر ملزما بضمان ما تسبب فيه، وعليه العوض في المثلي بمثله، وفي القيمي بقيمته. وفي إتلاف النفس أو العضو حسب ما يستحقه من دية أو أرش أو حكومة عدل.
كما تشير إليه المادة من القانون المدني العماني: (176) ف 1. "كل إضرار بالغير يلزم فاعله ولو كان غير مميز بالتعويض"
مع العلم أنَّ لها شروطا واستثنات تعرض لها القانون، فلتراجع من محلها. إذ من الإتلافات ما لا ضمان فيه، كمن صال عليه إنسان أو بهيمة ولم يندفع إلا بالقتل فقتله، كما أنَّ من الأعمال المباحة للضرورة ما فيه الضمان، كالمضطر الذي يأكل مال غيره خوف هلاك النفس من الجوع، ففيه الضمان، بقيمة المثل (1/200)
صفحة 201
201
وقد بحثت هذا الموضوع في الجزء الرابع من تطبيقات القواعد بما يغني عن الاطالة هنا في: قاعدة لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" فراجعه من هنالك.
وقد حدد القانون المدة بخمس سنوات كما في المادة 185) من (الفصل الثالث الفعل الضار)
ونصها:- مادة (185) لا تسمع دعوى التعويض الناشئة عن الفعل الضار بعد انقضاء خمس سنوات من اليوم الذي علم فيه المضرور بحدوث الضرر وبالمسئول عنه.
إذا كانت دعوى التعويض ناشئة عن جريمة وكانت الدعوى الجزائية ما تزال قائمة بعد انقضاء الميعاد المذكور في الفقرة السابقة فإن دعوى التعويض لا يمتنع سماعها إلا بامتناع سماع الدعوى الجزائية
لا تسمع دعوى التعويض في جميع الأحوال بانقضاء خمس عشرة سنة من يوم وقوع الفعل الضار."
ومن ذلك إذا أحدث المالكُ في مُلكه ما يضرُّ جاره مثل رفع الصوت وسط الليل، أو هزّ، أو دق، أو رائحة كريهة ضارّة، أو دخان أو غبار إلخ. فإنه يُمنع. ومن ذلك. النهي عن إمساك" الزوجة" قصد الإضرار بها، والنهي عن الضرر في الوصيّة. وهي كثيرة جدا وقد تتجدد يصعب حصرها وكما قلت سابقا ولذا لم أفرد لها حصرا لعدم إمكان ذلك.
ويشمل كذلك جميع أنواع الضرر، بما فيها الضرر المالي الذي يصيب الإنسان بإتلافه أو بفوات غلته كلها أو بعضها، فالضرر بفوات غلة المال المادية يتحقق بمجرد تفويت أيّ فرصة للمدَّعي، كأن ينشر اختصاصي في مجال الزراعة تقريراً يفيد أنَّ هنالك آفات سوف تضر بالمحاصيل الزراعية في وقت الزراعة، وكان هذا (1/201)
صفحة 202
202
التقرير كاذباً ينطوي على مكر، والقصد منه الإضرار بالزراعيين بتفويت موسم الزراعة عليهم، لينفرد هو بتسويق الإنتاج الزراعي ليحصل على أرباح كثيرة.
وقد يتوفر في العمل الواحد شروط المسؤوليتين في وقت واحد، مسؤولية عقدية وأخرى تقصيرية، ولكن الجمع بينهما غير مستساغ إذ لا يجوز التعويض مرتين عن ضرر واحد من جهة واحدة.
وقد ذهب رأي إلى أنه عند وقوع الضرر الناتج عن الإخلال بالعقد في المعاملة موضوع النزاع فللمدعي الخيار في رفع الدعوى بسبب الإخلال بالعقد أو بموجب المسؤولية التقصيرية، وذهب آخر إلى أنه ليس له إلا دعوى المسؤولية العقدية.
ومن ذلك دعوى التعويض الناتج عن الإخلال بالعقد يمكن أن تؤسس على الإخلال بالعقد وبالمسؤولية التقصيرية معاً، أو بمعنى آخر عند وقوع الضرر الناتج عن الإخلال بالعقد في المعاملة موضوع النزاع فللمدعي الخيار في رفع الدعوى بسبب الإخلال بالعقد أو بموجب المسؤولية التقصيرية.
كذلك أيضا يشمل الحقوق العينية وحقوق المنافع والحقوق الفكرية كحق
التأليف والصناعة والاختراع، والحقوق الفطرية أيضا، كالحياة والحرية. ويشمل كذلك الامتناع عن الفعل إذا كان هذا الامتناع يسبب ضررا على الغير، ولا فرق بين أن يكون الثابت على وجه الاختصاص وهو المعروف بالملك أو على وجه الاشتراك كما في الإباحة العامة.
ومن ذلك التعسف في استعمال الحق فيندرج تحت الفعل الضار.
أما تقدير التعويض فقد حدده القانون كما في "المادتين" 181 و 182 الآتيتين.
1 - راجع في تفصيل ذلك الدكتور عبد الرزاق السنهوري الوجيز في النظرية العامة للالتزام، ص 307
وما بعدها. (1/202)
صفحة 203
203
مادة (181) يقدر التعويض في جميع الأحوال بقدر ما لحق المضرور من ضرر وما فاته من كسب بشرط أن يكون ذلك نتيجة طبيعية للفعل الضار.
مادة (182) يقدر" التعويض بالنقد على أنه يجوز للمحكمة تبعاً للظروف وبناءً على طلب المضرور أن تأمر بإعادة الحال إلى ما كان عليه أو أن تحكم بأداء أمر معين متصل بالفعل الضار على سبيل التعويض"
ومن الأمثلة الآن للفعل الضار: حوادث السير.
أما أركان المسؤلية فهي "ثلاثة الخطأ والضرر والعلاقة السببية.
وذلك: كأن يقود شخص سيارة ويسير بها بسرعة ينجم عنها الخطر، أو أن يسير في الليل دون أن يوقد مصباح السيارة، أو أن يسير على الجانب المعاكس من الطريق، أو أن يدخل من شارع جانبي إلى شارع رئيسي دون أن ينتظر مرور السيارات التي تسير في الشارع الرئيسي، أو أن يخالف لوائح المرور ونظمها أو أن يشغل نفسه بغير السياقة كالهاتف واللعب بالمذياع أو غيره والالتفات إلى غير جهة الطريق وكل ما يشغله عن المحافظة على السلامة.
وفي كل هذه الحالات يكون السائق مسؤولا عن الخطأ لانحرافه عن السلوك العادي في استعمال الحق؛ وهو حق المرور على الطريق، وقد أصبح الخطأ مفترضا على أساس حراسة الأشياء التي تتطلب حراستها عناية خاصة، ومن ثم فإن السائق باعتباره حارسا مسؤولا عما تحدثه وسيلة النقل التي يقودها من ضرر فهو ضامن لكل ما حدث بسببه من ضرر، أثم عند الله والخلق فليتق الله
في نفسه. (1/203)
صفحة 204
204
مع التنبه أنَّ هذا ليس خطأ محضا وإنما هو شبه عمد على الصحيح؛ لتسببه بالإهمال وعدم الاكتراث بالمسؤولية .. الخ. وعليه فلا يلزم العاقلة شيء من ذلك أن لو وقع ضرر بالأنفس. ما لم يثبت ثبوتا صحيحا لا لبس فيه؛ أنَّ وقوع الضرر كان بسبب أجنبي عنه لا يد له فيه؛ كأن يكون نتيجة قوة قاهرة أو فعل المضرور أو خطأ الغير. الى غير ذلك.
وهذا ما نصت عليه المادة (199) من قانون المعاملات المدنية
"على من كان تحت تصرفه أشياء تتطلب عناية خاصة للوقاية من ضررها أو آلات ميكانيكية التعويض عما تحدثه من ضرر ما لم يثبت أن وقوع الضرر كان بسبب أجنبي لا يد له فيه." (1/204)
صفحة 205
205
"الفعل النافع"
الفعل النافع هو: "كلُّ فعل يُوَلِّدُ نفعا لفاعله أو غيره لا يتنافى مع شرع الله عز
وجل"
فقد نصت المادة 218" لا" تسمع الدعوى الناشئة عن الفعل النافع بانقضاء خمس سنوات من اليوم الذي علم فيه الدائن بحقه في الرجوع وفي جميع الأحوال لا تسمع الدعوى بإنقضاء خمس عشرة سنة من اليوم الذي نشأ فيه حق
""
الرجوع" والفعل النافع كمن دفع مالم يجب عليه، وفعل الفضولي على رأي، ومن اتصل ماله بملك غيره خطأ، ومن أدى مالم يجب ظانا الوجوب، ومن أدى دين غيره وأمثالها، فقد يقوم الإنسانُ بفعل نافع لغيره، فيصير دائنا لذلك الغير بما قام به من فعل نافع عن ذلك الغير، أو بما أداه عنه. وهذا ما يُسمّيه المشتغلون بالفقه القانوني في العصر الحديث: "الثراء بلا سبب
"
1 - الثَّراء، ممدود: الغنى. قال حاتم:
وجمع
أماوِيَّ ما يُغْنِي التَّراءُ عن الفتى ... إذا حَشْرَجَتْ يوماً وضاق بها الصدر
الثراء أثرية، إن كانوا تكلموا به والإثراء مصدر، أثرى يُثري إثراء، إذا استغنى. جمهرة اللغة لابن دريد مادة (ث) - ر - و) وثَرى الرجلُ وأثرى، إذا استغنى، وأبى الأصمعي إلا أثرى. السابق "باب ما اتفق عليه أبو زيد وأبو عبيدة مما تكلّمتْ به العرب من فعلتُ وأفعلتُ وكان الأصمعي يشدّد فيه ولا يجيز أكثره" (1/205)
صفحة 206
206
وهم يعنون بذلك أن من أدى عن غيره دينا أو أحدث له منفعة أثرى المؤدّى المؤدى عنه بلا سبب، أي أدخل عليه الثراء، وهو المال، -مثلا- دون سبب موجب عليه له، وبذلك يصبح الثريُّ مُلزَما بأداء أو ضمان ما أداه عنه غيره أو قام به عنه، وإنما ألزموه الضمان لكون الدافع او الفاعل لم يفعل ذلك على سبيل التبرع وإنما فعله ظانا وجوبه عليه، فإذا هو غير ذلك، ومثله من كان ملزما بحق لغيره لدى الحاكم أو مقيدا للحرية أي محبوسا في غير قتل أوحد أي فيما يجوز للغير التدخل في أمره وإخراجه من الحبس بضمان ما عليه، وأراد هذا الدافع أو الفاعل عنه فكه من أسر السلطة الحاكمة على نية استرداد حقه منه.
ويدخل تحتها إنفاق المرتهن على الرهن والملتقط على اللقيط أو اللقطة، والنفقة على الرقيق والزوجات والأقارب والبهائم إذا امتنع من يجب عليه الإنفاق، وإنفاق أحد الشريكين على المال المشترك مع غيبة الآخر أو امتناعه. ومن ذلك: بناء صاحب العلو الدور الأسفَلَ منه لضرورة استعمال حقه دون إذن صاحبه عند الضرورة، أو تعنت الشريك أو غيبته، مع عدم من يقوم مقامه، وبدون إذن الحاكم إن تعذر عليه الأمر لاضطراره لذلك، وبناء الحائط المشترك الساتر لعورات البيوت وما في حكمها، ودفع الزكاة لغير المستحق لها، على رأي من يرى استردادها ممن دفعت له إن أخذها بغير استحقاق، وهكذا. ففي مثل هذه المسائل يكون المنتفع ملزما بما أُدِيَ عنه، ويكون لمن أنفق حق الرجوع بما أنفق في كثير من الأحوال كما هو معلوم في محله.
ومما لا يخفي على ذي بال أنَّ ثمة خلافا وتفصيلا في بيان ما يحق له الرجوع فيه، وما لا يحق له الرجوع، ولذلك قواعد وأسس وضوابط لابد من الرجوع إليها، عند الحاجة، ليس هذا محل تفصيلها، وما أتيت به هنا فهو نماذج وإشارات فقط لا تسمن ولا تغني من جوع فليتنبه (1/206)
صفحة 207
207
أما بقية الحقوق التي في الذمة فجعلت مدتها تتراوح ما بين عشر سنين إلى خمس عشرة سنة كما في المواد 340 و 341 و 343.
علما بأن المراد بالريع الواجب على متولي الوقف في المادة 341 الآتية هو ريع الوقف الخاص أمَّا الوقف العام فلا يسقط حقه في رفع الدعوى كما سبق الكلام عليه في الحيازة
وهذه المدد معتبرة في حال الانكار وعدم وجود العذر الشرعي، كما في المواد 340 فما بعدها. مادة (340) لا تسمع الدعوى بالتزام على المنكر بانقضاء خمس عشرة سنة بغير عذر شرعي مع مراعاة ما وردت فيه أحكام خاصة.
مادة (341) لا تسمع الدعوى بالتزام على المنكر بالمطالبة بأي حق دوري متجدد؛ بانقضاء عشر سنوات بغير عذر شرعي.
أما الربع المستحق في ذمة الحائز سيئ النية، والريع الواجب على متولي الوقف أداؤه لمستحقيه، فلا تسمع الدعوى بهما على المنكر بانقضاء خمس عشرة سنة بغير عذر شرعي ما لم يوجد نص يقضي بغير ذلك"
وقد فرق القانون بين الربع والأصل فجعل المدة في دعوى أصل الوقف الخاص مدة ست وثلاثين سنة أمَّا الوقف العام والذي سماه القانون مال الدولة ... فلا يسقط فيه رفع الدعوى بمرور المدة، ولا يؤثر عليه مرور الزمان.
والفرق بينهما أنَّ الوقف الخاص هو لناس محصورين مخصوصين وسكوتهم عن حقهم المدة الطويلة دون عذر مقبول حجة عليهم في تغافلهم عن متابعة حقوقهم، بشرط ألا يكون فيهم ناقص الأهلية، فيؤثر ذلك سلبا على رفع الدعوى بعد ست وثلاثين سنة بغير عذر شرعي. (1/207)
صفحة 208
208
أما الوقف العام فلكونه لغير محصورين وللمصالح العامة ويدل فيه الغائب وناقصوا الأهلية من صغر وعته وجنون وغير ذلك بل حتى البهائم لها الحق فيه، وهؤلاء كلهم غير مالكي، أمرهم، فهو مستثنى من هذه القاعدة ولا يؤثر عليه مرور الزمان، ولا تعمل فيه قواعد عدم سماع الدعوى، وهذه المادة تبين الفارق في
ذلك.
وهذا نصها: مادة (934) 1 - لا تسمع دعوى أصل الوقف مع التمكن وعدم العذر الشرعي على من كان واضعا يده على عقار متصرفا فيه تصرف المالك بلا منازعة أو انقطاع مدة ست وثلاثين سنة.
2 - لا يجوز تملك الأموال والعقارات المملوكة للدولة أو الهيئات أو المؤسسات العامة التابعة لها وكذلك الأموال والعقارات الموقوفة أو كسب أي حق عيني عليها
بالتقادم
اما النقض بالعيب فقد حدد له القانون مدة سنة كاملة وذلك اهتداء بما أفتى به كثير من جهابذة العلم في هذا الشأن كأبي سعيد الكدمي والرباني سعيد بن خلفان الخليلي والقطب في شرح النيل والنور السالمي والامام الخليلي والشيخ إبراهيم العبري وغيرهم من أهل العلم.
على أنه إن ثبت أن إخفاء العيب كان بسبب من البائع لتعمده الغش فلا تسري عليه هذه المدة.
وقد بحثت الموضوع في الجزء الرابع من تطبيقات القواعد. وهذه هي المواد
المنظمة لذلك.
المادة رقم: 410 أ لا تسمع دعوى ضمان العيب بعد انقضاء سنة على تسلم المبيع ما لم يلتزم البائع بالضمان لمدة أطول.
ب- ليس للبائع أن يتمسك بهذه المدة إذا ثبت أن إخفاء العيب كان بغش منه." (1/208)
صفحة 209
209
وفي قسمة المال الشائع جعل القانون مدة سنة كاملة إن ظهر للمقاسم موجب فسخ في القسمة، أما بعد السنة فلا تسمع منه الدعوى دون عذر مقبول، كما في
المادة الآتية.
المادة (831) لا تسمع دعوى الفسخ وإعادة القسمة إذا لم ترفع خلال سنة من تاريخ القسمة."
وفي ضمان المقاول في الانشاءات جعل القانون مدة ثلاث سنوات للمالك بعد اكتشاف العيوب أو التهدم وهذا أمد كثير، بل أكثر من تحوط الفقهاء في ذلك فلو جاء صاحب المنشأة قبل يوم واحد من تمام السنوات الثلاث على اكتشافه العيب أو تهدم البناء فدعواه مسموعة، أما إن تركها اختيارا منه أكثر من ذلك فلا تسمع دعواه وهذا نص المادة مادة (638)
"لا تسمع دعوى الضمان بعد انقضاء ثلاث سنوات على حصول التهدم أو اكتشاف العيب"
وإن كان الحق به سند صحيح معتبر شرعا أو قانونا فإن المدة المانعة من سماع الدعوى انقضاءُ خمس عشرة سنة بعد وجوب الأداء كما في المادة 343. ونصها. "إذا حرر إقرار أو سند بأي حق من الحقوق المنصوص عليها في المادتين السابقتين من هذا القانون فلا تسمع الدعوى به إذا انقضت على استحقاقه خمس عشرة سنة."
وذلك اهتداء بما سبق ذكره عن أهل العلم في أنَّ الحقوق تقضى والأوراق
تبقى .. الخ.
كما أن إقرار المدين بالحق صراحة أو دلالة يقطع المدة، ويوجب الجبر على الأداء، كما في المادة 349 ونصها: "إقرار المدين بالالتزام صراحةً أو دلالة، يقطع المدة المقررة لعدم سماع الدعوى" (1/209)
صفحة 210
210
وإذا وجد عذر مانع من إقامة الدعوى داخل المدة المقررة فيقف مرور المدة حتى يذهب العذر كما في المادة 346 ونصها: يقف" مرور المدة المانع من سماع الدعوى كلها كلما وجد عذر شرعي تتعذر معه المطالبة بسماع الدعوى، ولا تحسب مدة قيام العذر في المدة المقررة
وتنقطع المدة كلما وجد العذر الشرعي وبالمطالبة القضائية ولو رفعت الدعوى إلى محكمة غير مختصة، ما دام باقيا منها ولو يوما واحدا وبالإعذار وبالحجز، أو بأي إجراء قضائي يقوم به الدائن للتمسك بحقه.
أي: يزول المانع من عدم سماع الدعوى وتبقى الدعوى مسموعة بوجود العذر. وتبدأ مدة جديدة. وذلك كما في المادتين (350 و 351) ونصهما:-
المادة (350) تنقطع المدة المقررة لعدم سماع الدعوى بالمطالبة القضائية ولو رفعت الدعوى إلى محكمة غير مختصة، وبالإعذار، وبالحجز أو بأي إجراء قضائي يقوم به الدائن للتمسك بحقه.
المادة (351) إذا انقطعت المدة المقررة لعدم سماع الدعوى بدأت مدة جديدة كالمدة الأولى تسري من وقت انتهاء الأثر المترتب على سبب الانقطاع ولا يسقط
الحق مهما كان نوعه إذا حكمت به المحكمة بحكم لا يقبل "الطعن" والانقطاع والوقف كلاهما كقاعدة عامة لا يسري إلا من اليوم الذي يصبح فيه الحق مستحق الأداء كما مر بيانه موضحا.
والفرق بينهما: أنَّ الانقطاع يَجِبُّ المدَّةَ التي انقضت منذ بدء سريان التقادم من وقت نشوء أو قيام سبب الانقطاع؛ بحيث تبدأ مدة جديدة عند زوال السبب. أما الوقف فإنه إن تحق سببه قانونا فيوقف سريان التقادم منذ حدوث السبب وحتى زواله، ثم يبدأ في السريان استكمالا للمدة المتبقية بمعنى أنه لا يسقط من (1/210)
صفحة 211
211
المدة الكلية إلا مدة الوقف فقط وتضم المدتان أو المدد مع بعضها حتى تكتمل وهكذا.
إلا أنَّ المواد في تقدير الأعذار لم تفصل بين قريب وبعيد، وجعلت الأمر عاما من غير تفصيل، وأوكلت تفسير العذر على ذمة القاضي، وهو الذي يقدر الأعذار فما رأه عذرا أخذ به وما لم يره عذرا فلا
وسواء كان العذر ماديا كالغيبة ونقص الأهلية والحجر والخوف من سطوة المدين وبطشه، أو أدبيا كالقرابة والمداراة بسبب إسداء معروف أو حياء مفرط أو صحبة حميمة أو انتظار إلى ميسرة المدين الخ، وهذا ما يمكن للقاضي تقديره من عدمه ويصير الأمر موكولا على عنقه.
ويمكن إيراد شرح الموضوع في المذكرة الإيضاحية وذلك يقتضي ضرورة التعجيل فيها لكشف غوامض كثير من المواد إلا أنَّ الموضوع يحتاج لوقت كبير وقد أوردَتْ بعض القوانين تفسير بعض الإبهام في بعض المواد.
فعلى سبيل المثال نص القانون العراقي في نفس الموضوع في مادته رقم 435 مفسرا للعذر الشرعي بما نصه: (كأن يكون المدعي صغيرا أو محجورا عليه وليس له ولي، أو غائبا في بلاد أجنبية أو أن تكون الدعوى بين الزوجين أو بين الأصول والفروع أو أن يكون هنالك مانع آخر يستحيل معه على المدعي أن يطالب بحقه. أما القانون اليمني في مادته رقم 452 والمشروع المصري الإسلامي أي الذي اجتمع عليه جملة من فقهائهم، ولكن لم يؤخذ به رقم المادة 374 والمصري المعتمد المعمول به رقم المادة 372 فاكتفت هذه القوانين بتفسير المانع الشرعي: "بالمادي والأدبي" دون أن تتوسع في التفسير، علما بأن المدة المانعة من سماع الدعوى تبدأ من يوم أصبح الحق حالاً في ذمة المدين كما في المادة 344 ونصها: "تبدأ المدة التي يمتنع سماع الدعوى بانقضائها من اليوم الذي يصبح فيه الدين مستحق الأداء، (1/211)
صفحة 212
212
ومن وقت تحقق الشرط إذا كان معلّقاً على شرط، ومن وقت ثبوت الاستحقاق في دعوى ضمان الاستحقاق."
وبشرط الإنكار من المدين أي عدم الاعتراف بالحق كما في المواد 340 و 341 السابقتين و 349 السابق ذكرها.
وتلتغي المدة وتصير الدعوى مسموعة كلما وجد العذر كما سبق وبالمطالبة والإعذار والحجز على مال المدين أو بأي إجراء قضائي كما في المادة 350 السابق
ذكرها.
وأما دعاوى التأمين فبناء على رأي المرخصين فشركات التأمين فيما يتعلق بالحوادث الشخصية هي في الأصل غير مسؤولة ولا مباشرة للحق وإنما المسؤول المباشر هو المتسبب في الحادث، وشركات التأمين في هذا الجانب هي كفيلة فقط عن المتسبب في مدة محددة بينها والمتسبب المؤمن له ومن في حكمه، وشرط القانون قانون تأمين المركبات مدة سنتين وهذا الشرط موجود في جميع الوثائق التأمينية ويوقع عليها الطرفان المؤمن شركة التأمين والمؤمن له صاحب السيارة وهو عقد خاص بينها وبينه ومحدد بتلك المدة.
ومن المعلوم فقها وقضاء أنَّ تصرفات الوكيل والكفيل والضمين إن كانت محددة بزمن معين فانتهى ذلك الزمن المحدد للوكالة أو الكفالة أو الضمانة فجميع التصرفات بعد انتهائها باطلة لا يعتد بها بل وحتى لو كانت باقية ولكن الأصيل ألغى ذلك عنه فتصرفه بعد الإلغاء مع العلم به باطل.
وخرج بقيد العلم هنا ما إذا تصرف الوكيل أو الكفيل او الضمين قبل العلم بالإلغاء فهنا رفعا للضرر إن كان ثم ضرر يلحق أحد الطرفين المتصرف أو المتصرف إليه فيُمضَى ذلك التصرف في حدود رفع الضرر وهكذا.
وتلتغي هذه المدة كلما وجد عذر قبل انتهاء السنتين، أو قدم المضرور دعواه ولو إلى محكمة غير مختصة، وبالإعذار رسميا؛ إلى الشركة المؤمنة، وفقا لحكم البند (1/212)
صفحة 213
213
6
(ب) من المادة (16) كأن يرسل خطابا مسجلا أو المستندات المتعلقة بالمطالبة إلى الشركة المؤمنة، فتنقطع المدة وتبدأ مدة جديدة.
فلو جاء المضرور واختار أن يخاصم الكفيل ففي تلك المدة فقط، ولا تسمع دعواه على الكفيل بعد انتهاء كفالته، ما دامت هذه الكفالة محددةً بمدة معلومة، فسبيله سبيل الوكيل إن انتهت وكالته وهو يعلم بانتهائها.
فجميع أعماله بعد انتهاء وكالته باطلة، وكذا الضامن إن قيَّد ضمانته بمدة كما سبق بيانه، ويرجع الدائن صاحب الحق وهو المضرور -سواء أكان في الفعل الضار من حادث سيارة -مثلا- أو أي فعل ضار فيه كفيل وأصيل الخ- على المدين الأصيل، أي المتسبب في الضرر إن أراد مخاصمته، وهكذا.
وقد جعل القانون المدني للدعاوى الشبيهة بدعاوى التأمين عموما مدة خمس سنوات كما في المادة (342) السابق ذكرها ونصها:-
مادة (342) لا تسمع الدعوى عند الانكار وعدم قيام العذر الشرعي إذا انقضت خمس سنوات على الحقوق الآتية -
1 - حقوق الأطباء والصيادلة، والمحامين والمهندسين والخبراء، والأساتذة، والمعلمين، والوسطاء المستحقة لهم؛ عما أدوه من أعمال مهنتهم أو حرفتهم وما أنفقوه من مصروفات.
2 - ما يستحق رده من الضرائب والرسوم إذا دفعت بغير حق.
حقوق التجار والصنّاع عن الأشياء التي وردوها لأشخاص لا يتجرون في هذه الأشياء، وحقوق أصحاب الفنادق والمطاعم عن أجر الإقامة، أو عن الطعام وكل ما أنفقوه لحساب عملائهم.
4 - حقوق العمال وخدم المنازل والأجراء من أجور يومية وغير يومية ومن ثمن ما قاموا به من توريدات، وذلك ما لم يوجد نص يقضي بغير ذلك.
وقد سبق ذكر التعليل لذلك فلا حاجة للتكرار. (1/213)
صفحة 214
214
أما نزلاء الفنادق وما في حكمها في حالة فقدهم شيئا من أملاكهم فقد أو جب عليهم القانون ضرورة الإبلاغ مباشرةً عن ذلك وأمهلهم مدة ستة أشهر كاملة بعد المغادرة إن أرادوا تقديم دعوى ضدها.
مادة (722) الفنادق وما في حكمها
على نزلاء الفنادق أو ما يماثلها أن يخطروا أصحابها بما ضاع منهم أو سرق قبل مغادرتها.
2 - لا تسمع دعوى ضمان ما ضاع أو سرق بعد انقضاء ستة أشهر من تاريخ
المغادرة.
وعلى كل حال فقانون المعاملات قانون عام فإن وجد الخاص فالخاص يقيد العام تقدم أو تأخر، وفي دعاوى التأمين أحال الى القانون الخاص بها وهو الذي أشرنا إليه سابقا. (1/214)
صفحة 215
215
الدعاوى الحدية
هذا وأما الدعاوى الحدية فقد ورد الخلافُ بين الفقهاء في سقوط الحد وعدم سماع الدعوى بالتقادم هل تسمع الدعوى مهما طالت المدة أم لا؟
والذي تدل عليه الآثار عدم إقامة الحدّ على مرتكب الجريمة الحدية، إذا ورد البلاغ بعد مدة زمنية يمكن إقامة الحد فيها ولم تُقَمِ الدعوى في حينها، وذلك لوجود الشبهة والحدود تدرأ بالشبهات، وهذا الأثر عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب له يدل على ذلك ويوضحه، وهو كما ترى: -
" عَن عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: أَيُّمَا قَوْمٍ شَهِدُوا عَلَى حَدٍ وَلَمْ يَشْهَدُوا عِنْدَ حَضْرَتِهِ فَإِنَّمَا شَهِدُوا عَنْ ضِغْنِ، وَلَا شَهَادَةَ لَهُمْ)
يَعْنِي أَيُّ قَوْمٍ وَمَا صِلَةٌ كَمَا فِي قوله تعالى: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ} أَي: فبرحمة من الله. (159) آل عمران.
وَقَوْلُهُ: شَهِدُوا عَلَى حَدٍ وَلَمْ يَشْهَدُوا عِنْدَ حَضْرَتِهِ. أَيْ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ بِمَا يُوجِبُ الْحَدَّ وَلَمْ يَشْهَدُوا بِذَلِكَ حَالَ مَا وَقَعَ، بَلْ تَقَادَمَ العَهْدُ ثُمَّ شَهِدُوا فَإِنَّمَا شَهِدُوا عَنْ ضِعْنٍ، أَيْ: كَانُوا مُخَيَّرِينَ عِنْدَ الرُّؤْيَةِ بَيْنَ أَنْ يَسْتُرُوا عَلَيْهِ فَلَا يَشْهَدُوا، وَبَيْنَ أَنْ يَحْتَسِبُوا فَيَشْهَدُوا؛ لِيُقَامَ حَدُّ الشَّرْعِ، فَإِذَا لَمْ يَشْهَدُوا دَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ اخْتَارُوا جَانِبَ السّتْرِ فَلَمَّا شَهدُوا بَعْدَ زَمَانٍ فَإِنَّمَا هَاجَهُمْ عَلَى ذَلِكَ حِقْدٌ فَلَمْ يَكُنْ عَنْ حِسْبَةٍ فَلَا شَهَادَةَ لَهُمْ أَيْ لَا قَبُولَ لِشَهَادَتِهِمْ ..
211
1 - الضغن الحقد والعداوة والبغضاء وكذلك الضغينة وجمعها ضغائن النهاية في غريب الحديث " أيما قوم شهدوا على رجل بحد ولم يكن بحضرة صاحب الحد فإنما شهدوا عن ضغن" مادة "ضَغَنَ" وشرح السنة للإمام البغوي ج 10 ص 128 باب شرائط قبول الشهادة /ن/ المكتب الإسلامي بيروت. وانظر الجامع لابن بركة ج 2 ص 527 - 528.
2 - طلبة الطلبة للنسفي مادة (ض غ (ن مرجع سابق، وانظر الكاساني بدائع الصنائع ج 7 ص 46. (1/215)
صفحة 216
216
قلت: لأن الضعْنَ والعداوةً وُصمتان مؤثّرتان في العدالة، ومن كان بينه والمشهود عليه حقد أو عداوة فلا تقبل شهادته عليه؛ باتفاق أهل العلم، سواء أكانت في الحقوق وفي الحدود فقد أورث ذلك شبهة قوية، بل في الحدود أشد، والحدود تدرأ بالشهات، فعدم قبولها من باب أولى، فليتنبه لذلك جيدا فإنه مزلة أقدام.
ومعنى ذلك: ألا
الشاهد
تمضي مدة بين مشاهدة الجريمة وأداء الشهادة، منعاً من التهمة وإثارة الفتنة؛ إذ أنَّ أداء الشهادة بعد مضي مدة من الزمن يتمكن معها من أداء شهادته من غير عذر ظاهر يدل على أنَّ الضغينة هي الحاملة له على الشهادة، كما قال سيدنا عمر» «أيما قوم شهدوا على حد، ولم يشهدوا عند حضرته، فإنما شهدوا عن ضغن، ولا شهادة لهم."
وانظر: الجزء الثاني من أثر القواعد الفقهية فى التطبيق للباحث، تحت عنوان: "الفرع الخامس تقادم الدعوى الحدية" ص 335 (1/216)
صفحة 217
217
تطبيقات
إنسان قال لغيره: إنَّ الناس يشرون مالك هذا بألفي درهم فلم لا تبيعه؟ فقال له صاحب المال بعته لك بألف درهم فقال المشتري اشتريته بها صح البيع.
وإن اختلفا فقال البائع أردت الهزل وأنكر المشتري الهزل فالقول قول المشتري؛ لأن الأصل في المعاملات الجد لا الهزل وإن كان المشتري أعطاه شيئاً من الثمن وأخذه ثم ادعى الهزل فلا تسمع دعواه بعد ذلك؛ لأن قبض الثمن
علامة الجد.
أما إذا تواضعا على الهزل (كما لو باع أو اشترى وهو هازل، وكان كل واحد منهما يعلم نية الآخر وتقاررا على ذلك فالقول قول البائع بدليل التقارر بينهما.
1 الْهَزَلُ: أَنْ يُرَاد بِالشَّيْءٍ غَيْرُ مَا وُضِعَ لَهُ بِغَيْرِ مُنَاسَبَة بَيْنهمَا، وَالْجِدُّ مَا يُرَاد بِهِ مَا وُضِعَ لَهُ. عون المعبود وتحفة الأحوذي شرح الحديث. الهزل: نقيض الجد فلان يهزل في كلامه، إذا لم يكن جادا. العين مادة (هزل) والجد: نقيض الهزل. وجَدَّ فلانٌ في أمره وسيره أي: انكمس عنه بالحقيقة. العين المرجع السابق مادة (جد) وهو من العوارض الأهلية المكتسبة، انظر شمس الأصول للنور السالمي مع شرحها طلعة الشمس ج 2 ص 405 - 407 ن/مكتبة بدية.
وتواضعا على الشيء اتفقا عليه وجعلاه سمة وعلامة على ما اتفقا عليه، وتواضعا على الهزل: اتفقا عليه، قال: في تفسير المنار (1609) لقوله تعالى: (قَالَ يَنمُوسَى إِنِّي أَصْطَفَيْتُكَ عَلَى
النَّاسِ بِرِسَلَتِ وَبِكَلَمى فَخُذْ مَا ءَاتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّكِرِينَ) الأعراف.
"وأما أداء الكلام لمن نريد إعلامه ببعض ما نعلم فله طرق أعمها تعبير اللسان، ويليه تعبير القلم، والأول غريزة في النطق خاص بالبشر بمقتضاها تواضعوا على الألفاظ الدالة على معاني المعلومات، فاتسعت بقدر اتساع دائرة علومهم، والثاني صناعة هداهم الله - تعالى - إليهم بشعورهم بالحاجة إلى إيصال معلوماتهم إلى البعيد عنهم الذي لا يسمع كلامهم اللساني، (1/217)
صفحة 218
218
بيانه: لو قال إنسان لآخر: نُظهر عند الناس البيع - في كذا - ونحن لا نريد ذلك، وإنما نريد الهزل ليُظنّ أنه بيع، فإذا تواضعا على ذلك انهدم ذلك البيع، إلا إذا أعرضا عن الهزل وقصدا في البيع إلى الجدّ؛ فإنه يكون البيع صحيحًا، وكذا سائر المعاملات هذا فيما بينهم.
أما لو ترافعا إلى الحاكم، وطلب أحدهما ثبوت البيع، وطلب الآخر نقضه فإن تقاررا بالهزل وعدم الإعراض عنه حُكِمَ بفساد البيع، وإن لم يتقاررا بالهزل بل ادعاه بعضهم وأنكره الآخر؛ كان على من ادعى الهزل البينة؛ لأنه مدع فساد البيع الصحيح في الظاهر.
وإن تقاررا بالهزل لكن ادّعى أحدهما الإعراض عنه إلى الجد؛ كان على من ادعى الإعراض البيّنة؛ لأنه يدّعي صحة البيع الفاسد في الظاهر.
وإلى حفظها لمن يجيء بعدهم، وقد استحدثوا في هذا العصر آلة الخطاب البعيد باللسان سموها (التليفون) وسميناها (المسرَّة) بكسر الميم وتشديد الراء - توصل الكلام من دار إلى دار، ومن بلد أو قطر إلى آخر بأسلاك كهربائية تصل بين آلات المتخاطبين، وقد استغنوا أخيرا عن هذه الأسلاك في بعض المواضع، واستحدثوا آلة لحفظ الأصوات الكلامية وغيرها وإعادتها عند الحاجة، ولو بعد موت صاحبها سموها (الفونغراف) وكانوا استحدثوا قبل ذلك آلة لنقل الكلام من مكان إلى مكان في البلد الواحد، وفي البلاد والأقطار المختلفة بأسلاك كهربائية موصلة بين الآلات المؤدية للكلام والقابلة له بما هو من قبيل الخط لا الصوت، وهي الآلة المعروفة بالتلغراف ... الخ. محمد رشيد بن علي رضا المنار السابق. وسيأتي بعض الكلام على المواضعة وتصريفها في تناقض الدعوى انظرها من هنالك وضم الجميع معا. ص 216. (1/218)
صفحة 219
219
وكذا الكلام في تحديد بدل الأشياء من قيمة وعوض وصدقات نساء ونفقات وغيرها إن اختلفا سرا وعلانية أي حددا شيئا في السر وأعلنا بخلافه واختلفا بعد. فمثلا إذا اتفقا في السر على مهر وسميا في العلانية أكثر منه لأجل السمعة أو العكس كأن يعلنوا الأقل ويبطنوا الأكثر هل يؤخذ بالسر أو بالعلانية فالخلاف. قال في المبسوط: " البدل كالقسمة والإجارة والكتابة في ذلك قياس البيع. وكذلك هذا في الخلع والطلاق والعتاق بجعل لأن البدل في هذه العقود لا يجب بدون التسمية فلو أعملنا الهزل في المسمى لوقع الطلاق والعتاق بغير جعل ولم يوجد منهما الرضا بذلك فلهذا صححنا ذلك بالمسمى فيه بخلاف النكاح فهناك وإن جعلنا ما سميا في العقد هزلا انعقد النكاح بينهما مواضعة بمهر المثل فلہذا اعتبرنا المواضعة في المنع من وجوب المسمى في العقد يوضحه أن في الطلاق بجعل لا بد من وقوع أصل الطلاق لقصدهما الجد فيه فلو لم يجب ما سمينا من البدل فيه كان الطلاق رجعيا ولا وجه لذلك مع وجود تسمية البدل فلهذا أوجبنا المال عليها وجعلنا الطلاق ثابتا.
ولو كانوا عقدوا البيع، أو الطلاق أو العتاق أو النكاح، أو الإجارة على ما كانوا تواضعوا عليه في السر، ثم أظهروا شيئا غير ذلك، وادعى أحدهم السر، وأقام عليه البينة، وادعى الآخر العلانية وأقام عليها البينة أخذ بالعلانية، وأبطل السر؛ لأن بينة العلانية دافعة لدعوى مدعي السر، فإنها تثبت إقدامه في العلانية على ما شهدت به، وذلك يمنع منه دعوى شيء آخر بخلافه في السر، أو يجعل هذا الثاني ناسخا للأول عند المعارضة؛ لأن البينة لا توجب شيئا بدون القضاء إلا أن يشهد الشهود أنهم قالوا في السر إنا نشهد بذلك في العلانية بسمعه، فإن شهدوا بذلك على الولي الذي زوج أو على المرأة أو على الذي ولي ما ادعى من العلانية أخذت بينة أصحاب السر، وأبطلت العلانية؛ لأن الثابت (1/219)
صفحة 220
220
بالبينة كالثابت بالعلانية أو باتفاق الخصوم، وبهذه البينة ثبت أن الإشهاد في العلانية كان تحقيقا لما كان بينهما في السر لا فسخا لذلك بخلاف الأول.
وذكر عن الشعبي رحمه الله قال: إذا كان مهر سر ومهر علانية أخذنا بالعلانية إلا أن تقوم بينة أنه أعلم ذلك، وأن المهر هو الذي في السر، وبهذا
نأخذ .... "
وهنا وجه آخر وهو تحكيم العُرف إن كان ثمة عرفُ أو قرينة دالة على ذلك. فمثلا في توثيق البيوع اعتاد الناس كتابة أقل الأسعار هربا من الضرائب في التوثيق، وقد يعلنون الأكثر إن كان المشتري يريد منحة أو قرضا من جهات أخرى رغبة في أخذ الزيادة والكل ممقوت لاختلاف الظاهر مع الباطن، إلا أنه لو وقع ذلك ففي هذه الحالة القرينة تقوي جانب من يقول المبطن هو السعر الحقيقي فلينظر فيه بإمعان.
وقيل: القولُ قولُ الموجب منهما ففي البيع مثلا كالمسألة الأولى مسألة الهزل؛ القول قول البائع مطلقا معللا صاحب هذا القول بأنه أراد بقوله بعته لك بألف درهم، ردا لكلام البائع على جهة التهكم
السرخسي المبسوط 10724 فما بعدها باب التلجئة دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع دراسة وتحقيق: خليل محي الدين الميس. الطبعة الأولى، 1421 هـ 2000 م، بيروت، لبنان، وانظر: ابن القيم إعلام الموقعين مهر" السر ومهر العلانية ج 3 (89) وابن الرفعة كفاية النبيه في شرح التنبيه (13 (229) وشرح النيل للقطب اطفيش (6/ 159)
-1 (1/220)
صفحة 221
221
وهو ضعيف مخالف للقاعدة الأصلية لما قدمت لك من أنَّ الأصل الجِدُّ لا اللعب، والمؤمن لا ينسب إليه اللعب، ولا اختلاف الظاهر مع الباطن ولم يذكر الحق سبحانه وتعالى ذلك إلا في الذم (1/221)
صفحة 222
222
قال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (57) وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (58) المائدة. وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (32)
الأنعام.
وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ
(70) الأنعام
قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91) الأنعام. الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (51) الأعراف. أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (97) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) الأعراف.
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) التوبة.
مَا يَأْتِهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (2) الأنبياء. وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَبِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (64) العنكبوت. فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (83) الزخرف. (1/222)
صفحة 223
223
بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (9) الدخان.
إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلُكُمْ أَمْوَالَكُمْ (36) محمد.
فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (11) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (12) الطور. اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (20)
الحديد.
فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (42) المعارج وقد أمرنا بمجانبة اللعب والابتعاد عنه، كما أمرنا بالجد في الأمور كلها؛ قال الله ل وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا سورة البقرة.231
أي جدوا في الأخذ بها والعمل بما فيها، وارعوها حق رعايتها، وإلا فقد اتخذتموها هزواً ولعباً. يقال لمن لم يجد في الأمر: إنما أنت لا عب وهازئ. وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا بالرخص والتأويلات الباطلة، وهو تحذير للناس من
التوصل بأحكام الشريعة إلى ما يخالف مراد الله، ومقاصد شرعه.
ومن هذا الباب التوصل المنهي عنه إلى ما يسمى بالحيل الشرعية بمعنى أنها جارية على صور صحيحة في الظاهر، بمقتضى حكم الشرع، ومن أبعد الأوصاف عنها الوصف بالشرعية.
والآية عامة في جميع الأوامر والنواهي بين الخلائق أجمعين وإن كان سببها ما
يختص بأحكام النساء فسبب النزول لا يخصص عموما ولا يقيد مطلقا. (1/223)
صفحة 224
224
6
قال ابن عطية المراد آياته النازلة في الأوامر والنواهي، وقال الحسن: نزلت هذه الآية فيمن طلق لاعباً أو هازلاً، أو راجع كذلك.
والذي يظهر أنه تعالى لما أنزل آيات تضمنت الأمر والنهي؛ في النكاح، وأمرِ الحيض والإيلاء والطلاق والعدة، والرجعة والخلع، وترك المعاهدة، وكانت هذه أحكامها جارية بين الرجل وزوجته، وفيها إيجاب حقوق للزوجة على الزوج، وما له عليها من حقوق وواجبات وكان من عادة العرب عدم الاكتراث بأمر النساء والاغتفال بأمر شأنهن، وكنّ عندهم أقل من أن يكون لهنّ أمر أو حق على الزوج وأنزل الله فيهنّ ما أنزل من الاحكام، وحدّ حدوداً لا تتعدى، وأخبر جل شأنه أن من خالف فهو ظالم متعةٍ، أكد ذلك بالنهي عن اتخاذ آيات الله، التي منها هذه الآيات النازله في شأن النساء، هزؤاً، بل تؤخذ وتتقبل بجد واجتهاد، لأنها من أحكام الله فلا فرق بينها وبين الآيات التي نزلت في سائر التكاليف التي بين العبد وربه، وبين العبد والناس وانتصب هزؤاً، على أنه مفعول ثان لتتخذوا وتقول: هزأ به هزؤاً استخف. والله أعلم.
وإذا افترق المتفاوضان ثم ادعى أحدهما أنَّ شريكه كان شريكه بالنصف، وادعى الآخر الثلث، وقد اتفقا على المفاوضة فجميع المال بينهما نصفان؛ لأن
1 - أنظر طلعة الشمس ج 2 ص 405 - 407 ن / مكتبة، بدية المرجع السابق. والمحرر الوجيز 1/ 264، لأبي محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن تمام بن عطية الأندلسي المحاربي (المتوفى: 542 هـ)، والمحيط البرهاني للإمام برهان الدين ابن مازة 6 ص 212، والبحر المحيط 2 ص 427، تفسير الآية الكريمة 231 من سورة البقرة لأبي حيان محمد بن يوسف بن علي بن يوسف ابن حيان النحوي الأندلسي المتوفى: 745 هـ، وابن عاشور التحرير والتنوير 404/ 2. (1/224)
صفحة 225
225
الذي يدعي التفاوت متناقض أو راجع عن إقراره بالمناصفة فيقتضي إقراره
بالمفاوضة.
ذلك أن الشركة على ثلاثة وجوه شركة مضاربة وشركة عنان وشركة مفاوضة. فشركة المضاربة هي أن يدفع زيد لعمرو مالاً يتجر به والربح بينهما على ما يتفقان عليه.
وأما شركة -العنان وتسمى أيضا شركة -العيان وهي أن يشترك اثنان أو جماعة في شيء خاص بعينه دون غيره.
وشركة المفاوضة فهي أن يتساوى الشريكان في المال الذي يجوز انعقاد
الشركة فيه والتصرف وإن استفادا من تجارة أو هبة أو غيرها فهو بينهما. وهي: أن يبيح كل منهما لصاحبه التصرف في ماله في كل ما فيه صلاح لهما بالبيع والشراء والكراء والإكتراء والأكل والإنفاق في الغيبة والحضور، ويدخل في شركة المفاوضة كل ما كسبه كل منهما ببدنه كأجرة ونحوها ولا يدخل فيها صداق ولا دية ولا إرث ولا زكاة ولا هدية إلَّا هدية الثواب.
أو قل بعبارة أخرى موضوعها جميع رأس مال كل من المتعاقدين وما تولّد عنه من فائدة على الدوام.
ويدخل فيها ما لكلّ من المتفاوضين من مال وقت الاشتراك وبعده مباشرة أو ما كان قبل، ولو لم يعلم به المفاوض أو صاحبه إلا بعد العقد إذ من شرطها العموم وما حدث من هدية أو هبة ثواب ولو لمال سابق وما يصيبه أحدهما من كنوز الأقدمين والمعنى واحد (1/225)
صفحة 226
226
وقد أوصل بعضهم الشركة إلى ستة أنواع ومنهم من زاد على ذلك، ولها شروط وأحكام فلتراجع من مظانها. 1
اشترى عبداً فساومه شخص فيه فقال له المشتري اشتره مني، فإنه ليس به عيب فلم يتفق بينهما بيع، ثم إن المشتري وجد بالعبد عيباً يحدث مثله فخاصم فيه البائع وأقام بينة أنه كان عند البائع معيبا وأقام البائع بينة أنه قال عند المساومة: اشتر مني فإنه لا عيب به. فلا يلتفت إلى بينة البائع ويقضى بالرد على بائعه؛ لأنه نفى لكل العيوب والإنسان لا يخلو عن قليل العيب عادة، ومن العيوب بالآدمي ما لا يقف عليه غيره غالباً فيسقط اعتبار حقيقة هذا اللفظ فيحمل على المجاز وهو ترويج السلعة.
إذا جاء المسلم إليه بعد ما تفرقا عن المجلس ببعض رأس المال، وقال وجدته زيوفاً إن صدقه بذلك رب السلم كان له أن يرده على رب السلم، وإن كذبه في ذلك وأنكر أن يكون من دراهمه وادعى المسلم إليه أنه من دراهمه، فهذه المسألة على ستة أوجه: -
50، 79، 86
1 - أنظر الكوكب الدري لعبد الله الحضرمي /10/ 5 النهج السابع عشر في التجارة وما يجوز فيها وما لا يجوز النيل وشفاء العليل للثميني (5852) شرح النيل للقطب اطفيش 388/ 10 و 10/ 398 فما بعدها. أبو غانم الخراساني المدونة الصغرى 207/ 2، المدونة الكبرى 114/ 2 الإيضاح للشماخي، تأليف العلامة الشيخ عامر بن علي الشماخي/ مكتبة مسقط "سلّم الاستقامة" لأبي اليقظان إبراهيم اطفيش. كتاب مدرسي في الفقه، يقع في سبعة أجزاء. ثلاثة أجزاء، للأقسام الابتدائية في فقه العبادات، وأربعة أجزاء للأقسام الثانوية، الجزء الأول في فقه العبادات، والأخرى في فقه المعاملات (مطبوع).
ص (1/226)
صفحة 227
227
إما أن يكون المسلم إليه أقر قبل ذلك، فقال: قبضت الجياد، أو قال: قبضت حقي، أو قال: قبضت رأس المال، أو قال: استوفيت الدراهم، ففي هذه الوجوه، لا تسمع دعواه للزيافة؛ لأنه متناقض في دعوى الزيافة؛ لإقراره بقبض الجياد أولا ثم قال: وجدها زيوفا والتناقض يمنع صحة الدعوى، وكذا ليس له استحلاف خصمه إنها ليست من دراهمه لأن الإستحلاف فرع على صحة الدعوى فہو يسقط بسقوطها. فهذه ثلاثة وجوه.
وكذا في قوله استوفيت الدراهم؛ لأن الاستيفاء عبارة عن تمام الحق، فكأنه قال: استوفيت الدراهم التي هي تمام حقي وتمام حقه في الجياد. فهذه أربعة وجوه. وهو الوجه الرابع.
وأما الوجه الخامس فكما إذا قال قبضت الدراهم ثم قال هي زيوف فالقياس أن يكون القول قول رب السلم؛ لأن المسلم إليه يدعي على رب السلم فسخ القبض، ليرجع عليه بالجياد ورب السلم ينكر.
وفي الاستحسان: القول قول المسلم إليه؛ لأن المسلم إليه بدعوى الزيافة منكر قبض حقه، ولم يسبق منه إلا الإقرار بقبض مطلق الدراهم، واسم الدراهم مطلقاً كما يتناول الجياد يتناول الزيوف، ورب السلم يدعي إيفاء الحق فيكون القول قول المسلم إليه، وإذا قال قبضت فالقول قول المسلم إليه ههنا
أولى.
وأما إذا قال بعد ما أقر بقبض الدراهم وجدتها سَتُّوقة (1)
درهم " سَتُوق " بفتح السين مشددة كتَنُّورٍ وقُدُّوس رديء ومزيف، وتُسْتوقٌ بضم التاءَيْنِ: زَيْفٌ يَهْرَجُ مُلَبَّس بالفِضَّةِ أي ثلاثةُ أطباقٍ مُرَكَّبَة. يقال: بين كل سَتّوقِ وزائف، الستوق والزائف الرديان وفي الزائف وجهان يقال درهم زائف وزيف قال الشاعر:
-1 (1/227)
صفحة 228
228
6
أو رصاصاً، ففي الوجوه الأربعة لا يقبل قوله فلا تسمع دعواه، بعد ما أقر بقبض الدراهم لأن الستُّوقَ والرصاص ليسا من جنس الدراهم.
وكذلك في الوجه الخامس، وهو ما إذا قال: قبضت الدراهم ثم قال هي زيوف لا يقبل قوله، فلا تسمع دعواه؛ بعد ما أقر بقبض الدراهم.
الوجه السادس وهو ما إذا قال: قبضت ولم يزد على ذلك يقبل قوله؛ لأنه أقر بمطلق القبض لا بقبض الدراهم، فبدعواه أن ما قَبَضَ ستُّوقةً أو رصاصا لا يكون متناقضاً.
قلت: وقيل في الوجه الخامس بالتفصيل إن فَصَلَ اضطرارا يقبل وإن اختيارا لا يقبل أما إن وصل فيقبل كما سيأتي إن شاء الله.
ترى القوم أسواءً إذا جلسوا معاً ... وفي القومِ زَيْفٌ مثل زَيْفِ الدراهم
-1
وقال الآخر:
أتيتُ بني عمّي فكان عطاؤهم ... ثلاث من منها قسي وزائِفُ.
ويقال دراهم زائفات وزُيَّف وأزياف وزُيُوف وزياف ويقال درهم بهرج ونهرج ودراهم بهرجة ونَبَهْرَجة وبَهْرَجات ونَهرَجات وبهارج. الخ. انظر: المعاجم.
أنظر: المحيط البرهاني للإمام برهان الدين ابن مازة المحيط البرهاني السابق 112/ 7 - 113. و 182 ط 1 بيروت. ف/ حنفي. منهج الطالبين وبلاغ الراغبين لخميس الرستاقي 262/ 14. القول الخامس والخمسون في قبض المبيع والثمن 1069) والقول الثامن عشر في الدعوى في الدراهم والدنانير والحكم واليمين في ذلك، والتاج المنظوم الثميني /4/ 476) الباب الخامس والستون في النقود وما جاء فيها و 7 (245 الباب الثامن عشر في الدعوى والحكم في النقدين، وهداية المبصرين في فتاوى المتأخرين ج 4 للشيخ القاضي حمد بن عبيد السليمي ص: 58. وتحفة الفقهاء (232) لعلاء الدين السمرقندي المتوفى 539 هـ الناشر دار الكتب العلمية،
بيروت. ف/حنفي. (1/228)
صفحة 229
229
وكذا الحال في الصرف فإذا اشترى دينارا بعشرة دراهم وتقابضا ثم جاء بائع الدينار بدراهم زيوف وقال وجدتها في تلك الدراهم وأنكر مشتري الدينار أن تكون هذه الدراهم من دراهمه فالمسألة على الوجوه الستة السابقة 1
والفرق بين الوجه الخامس والسادس: أنَّ المسلم إليه أو بائع الدينار مثلا؛ في الوجه الخامس متناقض في دعوى الستُّوقة والرصاص، فقد أقر بأنه قبض الدراهم ثم قال: لم أقبض الدراهم؛ لأن الستُّوق والرصاص ليسا من جنس الدراهم كما مر بيانه.
أما في الوجه السادس: فهو ليس بمتناقض في دعوى الستُّوقة والرصاص؛ لأنه ذكر مطلق القبض، ولم يذكر شيئاً آخر، والقبض يرد على الستوق والرصاص الذي هو خلاف جنس الدراهم كما يرد على الجيّد، فهذا هو الفرق بين
الصورتين.
وإذا جاء المسلم إليه بدراهم ستُّوقة أو رصاص وجدها في رأس المال، وقال: هذا نصف رأس المال وقال رب السلم هو ثلث رأس المال، فالقول قول المسلم
إليه.
وان قال: أسلمت إلي عشرة دراهم في كر حنطة إلا أني لم أقبضها، فإن ذكر قوله إلا أني لم أقبضها موصولاً بكلامه صدق قياساً واستحساناً، وإن ذكر مفصولاً بأن سكت ساعة، ثم قال: إلا أني لم أقبضها، صدق قياساً، ولم يصدق
1 - أنظر المراجع السابقة لا سيما المحيط البرهاني السابق 1127 - 11. و 182 ط 1 بيروت. الفتاوى الهندية (3 (239 فتح القدير لكمال بن الهمام مَسَائِلُ شَتَّى مِنْ كِتَابِ الْقَصَاءِ) مع شروحه ج 7 ص 330 فما بعدها ن دار الفكر المرغياني الهداية شرح البداية 110/ 3، المرغياني بداية المبتدي ص: 151) علاء الدين السمرقندي تحفة الفقهاء 24/ 2)
6
أنظر: المراجع السابقة.
-2 (1/229)
صفحة 230
230
استحساناً؛ لأنَّ قوله إلا أني لم أقبضها بيانُ تغيير لا بيان تقرير؛ ولأن قوله: أسلمت إلي على جواب الاستحسان صار عبارةً عن قوله أسلمت إلي رأس المال، لا عن قوله باشرت معي عقد السلم. لأن قوله: أسلمت، إن صار للعقد حقيقة بسبب الشرع، والاستعمال نفي للقبض حقيقة بالشرع والاستعمال أيضاً وترجح حقيقة القبض بحكم الوضع، فإنه في الأصل موضوع للتسليم لا للعقد.
وإذا ترجح أحد الاحتمالين على الآخر صار الاسم للراجح حقيقة وللآخر مجازاً، وإذا صار هذا الاسم مجازاً للعقد صار قوله عنيت بالعقد إرادة للمجاز، وإرادة المجاز من الكلام يغير الكلام من حيث الحقيقة ولكنه بيان من حيث إن العرب تتكلم بالحقيقة وتريد المجاز، فهو معنى قولنا: إن هذا بيان تغيير فيصح
موصولاً
ولو قال: أسلمت إليَّ رأس المال، ثم قال بعد ذلك: لم أقبض، لا تصح دعواه؛ لأنه صار مناقضاً في الدعوى كذا.
وإنما لا يصدق في دعوى العقد على طريق الاستحسان؛ لأنه ادعى المجاز من كلامه لا لأنه متناقض؛ لأن المناقضة إنما تثبت بضد ما أقر له من كل وجه بأن قال: قبضت، ثم قال: لم أقبض، وههنا لم يقر بصريح القبض، وإنما أقر بالسلم، وإنه يحتمل العقد مجازاً، وإن كان حقيقة للتسليم لا للعقد، وإذا كان
محتملاً للمجاز لا يصير متناقضاً في قوله لم أقبض فتكون دعواه صحيحة.
أما إذا قال: دفعت إليَّ عشرة، أو قال: نقدتني لكني لم أقبضها، لا يصدق وصل أو فصل، كما لو قال: قبضت، ثم قال: لم أقبض وقيل: يصدق إن وصل، ولا يصدق إن فصل. (1/230)
صفحة 231
231
ادعى عيناً من أعيان التركة أنها له اشتراها من الميت أو وهبها له الميت وسلمها إليه، وكان ذلك بعد تمام القسمة لا تسمع دعواه لمكان التناقض؛ لأنه بالإقدام على القسمة أقرَّ بصحة القسمة في هذا العين ويكون هذا العين متروك الميت ميراثاً لهم، وبدعواه بعد ذلك لنفسه يدعي فساد القسمة في هذا العين، ويدعي أنه ليس بميراث لهم وهذا تناقض ظاهر.
ومن
ذلك دعوى الغبن بعد تمام القسمة قسمة القرعة، فإن ثبت قيل: بفساد القسمة، مالم يتلف السهم المغبون أو يموت أحد المقتسمين، أو تمضي مدة بعد العلم بالغبن دالة على الرضاء كما مر أنفا.
أما التلف بعد القسمة فمصيبة حلت بالمقاسِم ولا يدرك المقاسم على شركائه
ما تلف عليه.
ففي النيل وشرحه
(والخلف في السهم (المغبون) في قسمة القرعة (إن حصلت فيه زيادة بعمل صاحبه أو بغير عمله، مثل أن يعلم أنه غبن خمس أو ربع يشك بين الخمس والربع (كعمارة) كتسوية أرض عن انخفاض أو ارتفاع فيها وإزالة حجارة وشجر البراري وبناء حائط عليها وظهور (دفين تشمله الأرض بحكم الشرع كبئر مدفونة، قيل: وكنز، وأما ما لا يملكه صاحب القسمة فلا كلام فيه (حتى ساوى غابنه) أي السهم الذي غبنه أو كان بذلك أكثر من الغابن لكن بحيث لا يكون به الغابن مغبونا أو حصل نقص في غابنه بعمل صاحب هذا السهم الغابن أو بغير عمله (كذلك) أي حتى ساوى، أي ساوى المغبون أي حتى حصلت المساواة كما حصلت المساواة في المذكور قبل هذا كذهاب شجرة منه أو بعض شجرة (هل يتداركونه أي الغبن أي يدركه بعض على بعض، وصحت القسمة لأن
1 - المحيط البرهاني للإمام برهان الدين ابن مازة السابق 112/ 7 - 113. و 182 ط 1 بيروت. (1/231)
صفحة 232
232
أصلها على العدل، وإنما أدرك مع الدفين لأن ظهور الدفين كحدوث فائدة لم تكن، وكأنه ثمرة أثمرتها حصته، أو لا يتداركونه فمن رأى أنه أي الغبن يفسخ القرعة نفاه أي نفى التدارك المعلوم من قوله: هل يتداركونه، أو نفى الغبن، أي نفى تدارك الغبن
فمن قال: لا يتدارك لا إشكال فيه لأنه يفسخها الاشتراكهما في الزائد والناقص) لأن الزيادة قد أدخلت في القسمة ولم تتميز أنها هذا الشيء بعينه، فكأنهم لم يقسموا.
فالزائد والناقص كلاهما مشترك فيهما (ف) يعيدون القسمة بالقرعة، و (يرمونها) مرة ثانية حيث تساويا بإزالة الغبن أو يعيدون القسمة لكن بغير القرعة أو يبقون على الشركة إن لم يطلب أحدهم القسمة (ويدركه) أي الغبن، أو تدارك الغبن (المغبونُ) على الغابن (عند القائل بالتراد) تراد الغبن (ولو بعد تلف من سهم الغابن أو المغبون أو الكل، وهو قول من لم ير الغبن فاسخا لقسمة القرعة.
"وعد التلفُ مصيبةً نزلت بالغابن إن لم يكن منه بعد تمام القسمة، وأما الزيادة الحاصلة عند المغبون بنحو العمارة وظهور الدفين فهي فائدة بعده، أي بعد التمام تمام القسمة.
إلا إن ظهر الغَبْنُ قبل التلفِ - أو نقص [السَّهمُ الغابنُ حتى ساوى المغبون الغابن (والعمارة وظهور الدفين وعُلم قدره تداركوه، أي: الغَبْنَ اتفاقا؛ ممن يقول بعدم الفسخ وبالتدارك.
1 - ما بين المعكوفين زيادة للتوضيح من الباحث بعد المقارنة بالأصل وهو (النيل) والكلام الذي قبله ونص كلام النيل: "وَالْخُلْفُ فِي الْمَغْبُونِ إِنْ حَصَلَتْ فِيهِ زِيَادَةٌ كَعِمَارَةٍ وَظُهُورٍ دَفِينٍ حَتَّى سَاوَى (1/232)
صفحة 233
233
ولا يُدرك الغينُ بالبناء للمفعول بينهم أي بين المقتسمين بعد موتهم أو موت بعضهم؛ إلا بإحياء أي إحياء المغبون دعوة الغابن قبل موت الغابنِ، والمرضُ في تلك المسائل كالأصل.
وإن اتفقوا على قسمة الغَبْنِ لم تثبت وهي منفسخة ولو رضوا، وكذا إن قسموا وقد علم كل بالغبن ثم أقروا بالعلم بالغبن وقد علموا به حين شرعوا
وقال العاصمي
وقائم بالغبن فيما بعدا ... إن طال واستغل قد تعدى.
أي لا ينصت لمدعي الغبن بعد طول واستغلال، وجعلوا مقدار ذلك سنة، قال في شرحه وإنما يقام بالغبن في القرب وأما بعد الطول كالسنة أو بعد البناء والغرس فلا قيام والله أعلم.
غَابِنَهُ أَوْ حَصَلَ نَقْصٌ فِي غَابِنِهِ كَذَلِكَ، كَذَهَابِ شَجَرَةٍ مِنْهُ، هَلْ يَتَدَارَكُونَهُ أَوْ لَا؟ فَمَنْ رَأَى أَنَّهُ يَفْسَخُ الْقُرْعَةَ نَفَاهُ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الزَّائِدِ وَالنَّاقِصِ، فَيَرْمُونَهَا ثَانِيَةً حَيْثُ تَسَاوَيَا، وَيُدْرِكْهُ الْمَغْبُونُ عِنْدَ الْقَائِلِ بِالتَّرَادِ، وَلَوْ بَعْدَ تَلَفٍ، وَعُدَّ مُصِيبَةٌ نَزَلَتْ بِالْغَابِنِ بَعْدَ تَمَامِ الْقِسْمَةِ، وَالزِّيَادَةُ الْحَاصِلَةُ عِنْدَ الْمَغْبُونِ فَائِدَةٌ بَعْدَهُ، إِلَّا إِنْ ظَهَرَ قَبْلَ التَّلَفِ وَالْعِمَارَةِ وَعُلِمَ قَدْرُهُ تَدَارَكُوهُ اتِّفَاقًا، وَلَا يُدْرَكُ بَيْنَهُمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ أَوْ بَعْضِهِمْ إِلَّا بِإِحْيَاء " ولعله أوضح في العبارة." النيل وشفاء العليل للثميني ج 2/ 605)
1 - شرح النيل للقطب اطفيش 652/ 10 فما بعدها. (1/233)
صفحة 234
234
ومن كان في يده دار أو مزرعة أو أرض أو شيء من المنقولات الخ. فأقر بأنها في يده مستأجرا لها أي للدار، أو مزارعا في الأرض أو مستعيرا للمال الخ من فلان ...... ثم ادعى أن الدار أو الأرض ملكه لا تسمع دعواه.
ولكن لو قال بعد مرور مدة يمكن شراؤها من المقر له بعد الاستئجار أو المزارعة أو الإعارة مثلا، موفّقا بين كلاميه لقوله كنت مستأجرا أو مزارعا أو مستعيرا ثم اشتريتها من مالكها فتسمع دعواه، وتقبل بينته إذا أثبت شراءه بعد ذلك بوجه حق، وعلى هذا الوجه فيأخذ تلك الدار بالبيئة الصحيحة.
أما لو قال: إنني اشتريتها قبل الاستئجار فلا يرتفع التناقض ولا تسمع دعواه. ولو أقر بأن هذا المال هو لفلان ثم ادعى بعد إقراره هذا بعد مرور مدة يمكن
فيها الشراء بأن ذلك المال ماله وأنه اشتراه منه بعد إقراره فتسمع دعواه. ولو ادعى أحد الورثة بعد تمام قسمة التركة بينه وشركائه برضائه، أن الميت أوصى لابنه الصغير بثلث ما له لا تسمع دعواه؛ لأنه صار متناقضاً بدعوى فساد القسمة بعد ما أقر بصحتها، لكن لو كبر الابن، وادعى الوصية بالثلث لنفسه، وأقام البينة سمعت بينته؛ لأنه لا تناقض منه.
وإذا ادعى أحد الورثة بعد تمام القسمة على قدر ميراثهم عن أبيهم أن أخاً له من أبيه وأمه ورث أباهم معهم، وأنه مات بعد أبيهم فورثه هو، وأراد ميراثه لا تسمع دعواه لمكان التناقض؛ لأنه بالإقدام على القسمة على مقدار ميراثهم عن أبيهم صار مقراً بأن حقه في مقدار معين، وبدعواه الثاني بعد ذلك ادعى أن حقه أكثر من ذلك القدر فهذا تناقض ظاهر لا تسمع فيه الدعوى.
وإذا كانت الأرضين ميراثاً بين ثلاثة نفر أو أكثر، مات أحدهم وترك ابناً كبيراً، فاقتسم هو وعماه الأرضين على ميراث الجد، ثم إن ابن الابن المقاسم أقام بينة أن جده أوصى له بالثلث وأراد إبطال القسمة لم تسمع دعواه لمكان التناقض. (1/234)
صفحة 235
235
لكنه لو لم يدع وصية من الجد ولكن ادعى ديناً على أبيه صحت دعواه. والإبتدار إلى تقسيم التركة إقرار بكون المقسوم مشتركا وعليه فالادعاء بعد التقسيم بقوله إن المقسوم لي تناقض
مثلا لو ادعى أحد الورثة بعد تقسيم التركة بقوله إنني كنت اشتريت أحد هذه الأعيان المقسومة من المتوفى أو أن المتوفى وهبها وسلمها لي في حال صحته فلا تسمع دعواه، ولكن لو قال: إن المتوفى كان قد وهبه لي حال صغري ولم أكن أعلم بذلك حين القسمة يكون معذورا وتسمع دعواه. والمراد بالابتدار إلى تقسيم التركة المباشرة بتقسيمها بالرضاء. وكذا المبادرة.
وهي لغة: المسارعة تقول: بَدَرْتُ إلى الشي أَبْدُرُ بُدوراً أسرعت إليه، وكذلك بادَرْتُ إليه، وبادر إلى الشيء بدورا وبادر إليه مبادرة وبدارا أسرع وتبادر القوم أسرعوا. وابْتَدَروا السلاح: تسارعوا إلى أخذه. قال طرفة
إذا ابتدر القومُ السلاح وجدتُني ... ممنيعاً إذا بلّتْ بقائمه يدِي.
وفي التنزيل العزيز: "وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا " النساء الآية (6) أي مُسَابَقَةً لِكبَرِهم. وفي الأساس: وبادَرَ إلى الشَّيْء أسرع وبادَرَه الغاية وإلى الغاية بادره وابتدَرَه وبَدَر غَيْرَه إِليه يَبْدُرُه: عَاجَلَه وأسرع إليه. وبَدَرَهُ الأمْرُ وبَدَر إليه يَبْدُرُ بَدْراً: عَجِلَ وأسرع إليه واسْتَبَقَ قال الزجاج: وهو غير خارج عن معنى الأصلِ يَعْنِي الامتلاء لأن معناه اسْتَعْمَلَ غايةَ قُوَّتِه وقُدْرَتِه على السُّرْعَة أي
استعملَ مِلْءَ طَاقَتِهِ.
وابتَدَرُوا السّلاحَ تَبَادَرُوا إِلى أَخْذِه وبادَرَه إليه. كبَدَره ويُقَال: ابتدر القَوْمُ أَمْراً وتَبَادَرُوه أَي بادَرَ بعضهم بعضاً إليه أَيُّهُم يُسْبِقُ إليه فيَغْلِبُ عليه. انظر: تاج العروس المصباح المنير، ولسان العرب شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم 1 461). مادة (ب د ر)
-) (1/235)
صفحة 236
236
وهو أي الابتدار أو المبادرة إلى القسمة إقرار من المبادر إليها بكون المقسوم من تركة المورث حيث إن حق الورثة يتعلق بعين التركة فبالتقسيم ينقطع حق المقاسم من التركة فيما عدا ما أخذه من سهم.
أما إذا كانت القسمة جبرا على المدعي فتسمع دعواه ولا يكون ذلك تناقضا.
واختلف في الإقرار بعدم الحق للمقر جهة المقر له في مرض الموت، هل يثبت ولا تسمع فيه دعوى الوارث بعد أم لا؟ وذلك كما لو قال المقر: لم يكن لي على فلان .. شيء ثم مات المقر، فمن قال بثبوته أجاز إقراره في القضاء ولم يسمع الدعوى على المقر له من الوارث بشيء بعد.
ومن قال بعدمه قال بسماع الدعوى. سواء أكان المقر له واراثا أو أجنبيا ومنهم من أثبته للأجنبي دون الوارث والقول بالصحة في الأجنبي من باب أولى لعدم المحذور بخلاف الوارث فقد يدعي الوارث الآخر الالجاء فليتنبه.
وإن قالت ليس لي على زوجي مهر، أو قال فيه لم يكن لي على فلان شيء فإن المقر له يبرأ من التبعة قضاء لا ديانة.
وكذلك الوارث إن قال فيه لم يكن لي عليه شيء ليس لورثته أن يدعوا عليه شيئا في القضاء. أما في الديانة لا يجوز هذا الاقرار
الأشباه والنظائر لابن نجيم ص: 256. غمز عيون البصائر 79.5. فما بعدها. منهج الطالبين وبلاغ الراغبين لخميس الرستاقي 147،18، القول الحادي والعشرون في الإقرار بالبيوع والكتب والثياب 19 87، القول الحادي عشر فيما يكون من الوصايا من الثلث أو من رأس المال، وص 150 فما بعدها القول الرابع والعشرون في إقرار
1. (1/236)
صفحة 237
237
وقد سبق ذلك فتنبه وانظر ما بعده.
سئل أبو سعيد - رحمه الله - عن رجل، أقر في مرضه لزوجته، ببيت من بيوته.
وأقر لأخيه، ببيت آخر من بيوته. فقال: على معنى قوله إن الإقرار ثابت.
6
قيل له: فإن كان في البيت الذي أقر به لزوجته أمتعة وأداة ودراهم هل تكون داخلة في البيت في الإقرار مع البيت؟
قال: معي أنه لا يثبت إلا البيت وما فيه فهو لورثته، إلا أن يقر لها بالبيت وما كان فيه من شيء، فهو تبع للبيت، على هذا.
6
قيل له: فإن أقر لها بالبيت وما فيه مما سد؟ (1) لمن أقر له به على بعض القول ومع أن بعضاً يضعف ذلك. 2
وعن رجل أقر في مرضه أنه تزوج فلانة ودخل بها ولم يعلم إلا بإقراره وأنها امرأته فأقر لها بصداق معلوم
المريض وأحكام ذلك، الجامع لابن جعفر 1826 جوابات السالمي الإقرار في مرض الموت وتخيير الورثة، 110/ 5
1 - كذا في الأصل المطبوع والظاهر أن هنالك سقطا وتمامه (قال: معي هو .... ) فليتنبه.
-2
منہج الطالبين وبلاغ الراغبين لخميس الرستاقي 18 ص 120 فما بعدها القول السابع عشر في الإقرار بالأصول ما يدخل في ذلك و 134. القول التاسع عشر في الإقرار بالدار والمنازل وما أشبه ذلك والتاج ج 6 ص 36 ط 1 وانظر الجامع المفيد ج 5 ص 89 فما بعدها الهبه والاقرار ومختصر البسيوي ص 129، الباب السادس والخمسون في ذكر وصية الأقارب. جامع أبي الحواري ج 4 ص: 208. فما بعدها. (1/237)
صفحة 238
238
فلها مثل صداق مثلها من نسائها، إلا أن يكون الذي أقر لها به أقل من ذلك، ولا ميراث لها، وإن لم يكن دخل بها فلها النصف من ذلك.
وعن رجل تزوج امرأة في السريرة وكان معها إلى أن مرض فأقر في مرضه أنها زوجته وأقرت هي بأنه زوجها ثم مات أحدهما هل للحي منهما ميراث من الميت؟ فقد قالوا لا يجوز ذلك الاقرار بالزوج ولا بالزوجة إلا أن يكون التزويج شاهرا وتشهد بذلك البينة العادلة وسواء كان اقرارهما في المرض أو في الصحة إلا أن يقر الزوج للمرأة بصداق فإن اقراره على نفسه بالصداق جائز. وكذلك المرأة ما أقرت له به من الحق ولا يكون لها الميراث. وكذلك لو تقاررا جميعا لم يجز إقرارهما إلا بالشهرة أو البينة العادلة على التزويج ومن لم يكن له عصبة ولا رحم جاز اقراره لمن أقربه أنه وارث له من رحم أو زوج.
قلت: والتفرقة بين الأمرين صعب فالإنسان أصدق ما يكون عند الموت وقد اقر بأنها زوجته فكيف تمنع الميراث وتعطى الصداق فقط فإن قيل: الصداق حكمه حكم الدين والاقرار به ثابت أما الميراث فهو حق للورثة بعده.
فالجواب لا يكون المال حقا للورثة إلا بتحقق موت المورث أما قبل موته فهو أعلم بنفسه وما أثبته على نفسه فهو ثابت عليه وتكون من جملة الورثة ما لم يكن في حالة لم يصح فيها إقراره فإن كانت فالإقرار غير صحيح في كلا الأمرين فلينظر في ذلك ولا يؤخذ الا الحق.
إذا استأجر أحد عقار وقف من متولي الوقف وادعى بعد الاستئجار أن العقار المذكور ملكه لا تسمع دعواه للتناقض
1 - كتاب الإيضاح في الأحكام لأبي زكريا 4/ 198.
2 - جامع أبي الحواري ج 3 ص: 120. (1/238)
صفحة 239
239
يشترط في صحة الدعوى ألا يكون فيها تناقض، فلذلك لا تسمع الدعوى التي يقع فيها التناقض؛ لأن كذب المدعي يظهر في مثل هذه الدعوى.
ومن أمثلة وقوع التناقض في الدعوى: الادعاء من مشتري الشيء بالملكية بعد شرائه المدعى به أو استئجاره، ونحوه أنه ملكه قبل أن يشتريه أو يستأجره طالبا رد الثمن.
وكما يمنع التناقض أصل الدعوى يمنع دفع الدعوى أيضا فعليه إذا أقر الكفيل بأنه مدين بكذا درهما من جهة الكفالة، ثم ادعى بعد إقراره المذكور بأن الأصيل قد أوفى الدين، أو أن الدائن قد أبرأني قبل الإقرار فلا يقبل للتناقض. وإذا حصل تناقض بين دعويين فتكون الدعوى الثانية مردودة، ولكن للمدعي أن يعقب دعواه الأولى؛ لأن الدعوى الثانية لم تسمع بسبب ظهور كذبها، أما الدعوى الأولى فلم يظهر كذبها.
وكما يمنع التناقض الدعوى لنفس المدعي المناقض لنفسه يمنعها لغيره، فمن أقر بعين لغيره فكما لا يملك أن يدعيها لنفسه لا يملك
أن يدعيها لغيره بوكالة أو بوصاية.
ويشترط في صحة الدعوى عدم وقوع التناقض فيها، لذلك لا تسمع الدعوى التي يقع فيها التناقض، إلا أن التناقض يغتفر فيما كان مبنيا على الخفاء، ففي المادة (1655) من مجلة الأحكام العدلية
الموسوعة الفقهية الكويتية 14/ 44 درر الحكام 4/ 156، 228 - 237، والفتاوى الهندية 4/ 2. وانظر أيضا تبصرة الحكام لابن فرحون 1/ 109 ط دار الكتب العلمية. جامع الفصولين
9./1
-1 (1/239)
صفحة 240
240
" يعفى التناقض إذا ظهرت معذرة المدعى وكان محل خفاء "
لو ادعى أحد على آخر قائلا إن لي في ذمتك كذا درهما من جهة قرض حتى إنك قد أديتني سندا بذلك معنونا ومرسوما ومحتويا على خطك وختمك ومتضمنا إقرارك بذلك وأنكر المدعى عليه ذلك بالكلية بقوله: لم أتعامل معك مطلقا ولم أقر على الوجه المذكور ولم أحرر على نفسي سندا بذلك. فأثبت المدعي دعواه فادعى المدعى عليه بعد ذلك أن الإقرار والسند كانا مواضعة. لا تسمع
دعواه.
1 - الموسوعة الفقهية الكويتية 19/ 210)
-2
المواضعة: مصدر ميمي من الوضع من قولك: وضع يضع وضعا والمواضَعَةُ: أَن تُواضِعَ أخاك أمراً فتناظره فيه. والمواضعة المراهنة. والمواضعة: متاركة البيع. وواضعته في الأمر، إذا وافقته فيه على شيء. معان عدة انظر الخليل بن أحمد العين والمختار الصحاح للرازي والمواضعة في المسميات اللغوية أن يجتمع علماء متخصصون ذا خبرة ودراية على بيان في أشياء معينة فيضعوا لكل واحد منها سمةً ولفظاً فإذا ذكر عرف به ما مسماه ليمتاز به من غيره وليغني بذكره عن إحضاره وإظهاره إلى مرآة العين فيكون ذلك أسهل من إحضاره لبلوغ الغرض في إبانة حاله، فمثلا لفظ: إنسان موضوع لهذا الجنس البشري الآدمي، فأي وقت سمع هذا اللفظ علم أن المراد به هذا النوع من الجنس المخلوق. وإن أرادوا تسمية جزء منه أشاروا إلى ذلك الجزء فقالوا عين أنفٌ فم ونحو ذلك من أجزائه التي تتحلل جملته إليها وتتركب عنها فمتى سمعت اللفظة من هذه كلها علم معناها وصارت له كالسمة المميزة للموسوم والرسم المحتاز
لما تحته من المرسوم وكالحد المميز لما تحته من المحدود.
ومن ذلك المسميات الحديثة للآلات والصناعات والعلوم المستحدثة .. " وفائدة المواضعة تمييز الصيغة المتواضع عليها فصيغة الأمر التي متى أردنا مثلا أن نأمر قصدناها وفائدة القصد أن تتعلق تلك العبارة بالمأمور وصيغة النهي كذلك وهكذا. والوضيعةُ ما تَضَعُه من رأس مالكَ. والوضيعة في معنى الحطيطة والنقصان تسمية بالمصدر، وبيع المواضعة هو أن تضع من قيمة (1/240)
صفحة 241
241
ولو أن رجلاً في يده دار مبنية جاء رجل وأقام البينة أنها داره وذكرا البناء في شهادتهما أو لم يذكرا ثم ماتا أو غابا قبل أن يسألهما القاضي عن البناء، فإن القاضي يقضي بالدار ببنائها للمدعى
أما إذا ذكروا البناء فلا شك فيه، وأما إذا لم يذكروا البناء فلأن البناء مركب في الأرض تركيب قرار، فيدخل تحت ذكر الأرض خصوصاً في ذكر الدار؛ لأن في الغالب استعمال اسم الدار في المبنى أي في الدار المكتمل بناؤها أما الأرض الخالية فلا تسمى داراً وإنما هي أرض حتى تبنى فيها دار. فلينتبه.
ثم إذا أقر المدعي بعد ذلك وقال ليس البناء لي وإنما هو للمدعى عليه ولم يزل ملكاً له أو قال: كان البناء له يوم شهد الشهود أو قال ذلك بعد الشهادة قبل القضاء، فإن هذا إكذاب لدعواه وللشهود ونقض لدعواه وتبطل الشهادة والقضاء في البناء والدار جميعاً.
وإن قال: البناء للمدعى عليه من أول الدعوى وطالب بالأرض فهذا ليس بإكذاب لشهوده.
وفيها رأي آخر وهو إذا ذكر الشهود البناء في شهادتهم وقضى عليه بالدار والبناء، ثم أقر المدعي للبناء بعد ذلك للمدعى عليه بالبناء، كان ذلك إكذاباً لشهوده، وبطلت الشهادة والقضاء.
الشيء عن المشتري. أنظر: المخصص لابن سيدة المقدمة والمزهر للسيوطي. وسر الفصاحة للخفاجي. لكن لابد في جميع الأحوال التقيد باللغة الأم العربية الأصيلة وترك الدخيلة عليها. فثلا كلمة: "تكنولوجيا" كلمة دخيلة وعربيتها. (تِقْنِيَّة) على وزن (عِلْمِيَّة) وهي مصدر صناعي من (التَّقَنْ) بوزن (الْعَلَمْ). والتقن الرجل الذي يتقن عمله. وهكذا. وقد سبق الكلام في هذا النوع بما يغني عن الإعادة هنا أنظر: "تطبيقات" (1/241)
صفحة 242
242
وإذا لم يذكروا البناء في شهادتهم وقضى عليه بالدار والبناء، ثم أقر بالبناء للمدعى عليه لا يكون ذلك إكذاباً لشهوده.
وجه الأول: أن قوله: ليس البناء لي وإنما هو للمدعى عليه كلام محتمل يحتمل أنه للمقضي عليه؛ لأنه كان له يوم شهد الشهود فيكون إكذاباً للشهود ويحتمل أنه له؛ لأنه يملكه من جهة بعدما شهد الشهود فلا يكون إكذاباً بالاحتمال، ولا كذلك قوله: كان البناء لي يوم شهد الشهود لم يزل ملكاً له.
6
ووجه الثاني: أن البناء إذا لم يكن ملفوظاً في الشهادة، فالقضاء بالبناء لم يكن لكونه مشهوداً به، بل تبعاً للأرض؛ لأن حكم الأصل يثبت في البيع إلا إذا وجد دليل يوجب قطع التبعية فإذا أقر المدعي بالبناء بعد ذلك للمدعى عليه، فهذا الإقرار حجة تقطعه عن التبعية حجة أصالة في الملك ولا أن يكون إكذاباً لتلك
الشهادة.
أما إذا كان البناء ملفوظاً به في الشهادة، فالقضاء بالبناء لكونه مشهوداً به، فالإقرار بالبناء بعد ذلك للمدعى عليه يكون إكذاباً للشهود ضرورة، فيوجب بطلان الشهادة والدعوى.
هذا إذا أقر المقضي له بعد القضاء له أن البناء ليس له، وأنه للمقضي عليه، ولو أن المقضي له لم يقر بذلك لكن المقضى عليه ادعى البناء لنفسه بعد القضاء عليه بالبينة، فلا تسمع دعواه ولا تسمع بينته إن ذكر الشهود البناء في شهادتهم. وسمعت دعوى المقضي عليه إن لم يذكر الشهود البناء في شهادتهم. ادعى داراً في يد آخر وأنكر المدعى عليه الذي في يده الدار حق المدعي فشهد للمدعي شاهدان أن الدار داره ولم يزيدوا على ذلك فلما زكوا، قال المدعى عليه: البناء بنائي أنا بنيته، وأراد أن يقيم البينة على ذلك فإن كان شهود المدعي حضوراً (1/242)
صفحة 243
243
فالقاضي يسألهم عن البناء، فإن قالوا البناء للمدعي مع الدار فالقاضي لا يلتفت إلى قول المدعى عليه.
وإن قالوا: لا ندري لمن البناء إلا أنا نشهد أنَّ الأرض للمدعي، فليس ذلك بإكذاب منهم بشهادتهم ويقضى للمدعى عليه بالبناء؛ إن أقام البينة على البناء، ويؤمر بتسليم الأرض إلى المدعي خالية من الشواغل إن كان دخوله فيها بغير سبب مشروع، إلا إن رضي المدعي أخذها بعمارها، كما في أحكام الغصب إذ لا عرق ولا عرق لظالم.
أما إن كان دخوله بسبب مشروع فالبناء له والأرض للمدعي وهنا يخير المدعي بين أخذها ببنائها ودفع قيمة البناء لصاحبه يوم الاستحقاق، وبين أخذ قيمة أرضه و لا ضرر ولا ضرار في الإسلام"
وقد بحثت هذه المسألة في الجزء الرابع من تطبيقات القواعد عند الكلام على أحكام الغصب.
وإن لم يحضر المدعى عليه بينة على البناء قضى عليه القاضي بالأرض بشهادة شهود المدعي وأتبع الأرض البناء.
وإن جاء المدعى عليه بعد ذلك بالبينة أن البناء بناؤه أخذه؛ لأن القاضي لم يقض على المدعى عليه بالبناء بشهادة الشهود وانما قضى به تبعا للأصل، وهذه التبعية أسقطتها بينة المدعى عليه لما شهدت أنَّ البناء له، فليتنبه.
ولو أن شهود المدعي شهدوا أنَّ الدار للمدعي، ثم ماتوا أو غابوا، فلم يقدر علهم، فلما أراد القاضي أن يقضي بالدار ببنائها للمدعي قال المدعى عليه: أنا أقيم البينة أن البناء بنائي لم يقبل ذلك منه، ويُقْضَى بالدار للمدعي ببنائها؛ لأن الشهود حين شهدوا بالدار فقد شهدوا بالبناء إلا أن يصرحوا في شهادتهم أنهم لا (1/243)
صفحة 244
244
يدرون لمن البناء فيكون على ما وصفت لك في أول المسألة لما سبق قبل أن الدار لا تُطلق الا على البناء القائم وليس على الأرض وحدها.
ادعى على الوكيل قبض الثمن فجحد فأقام عليه بينة بالقبض، فادعى تلفا أو ردا قبل الجحود للقبض، لم يقبل قوله؛ لأنه خائن، ولا بينته لأنه لا تسمع دعواه، فسماع البيئة فرع على سماع الدعوى.
ولو ادعى التلف بعد الجحود وقبل الحكم عليه سمعت الدعوى بالبينة ولا
يصدق لأنه خائن؛ ولكن تسمع البينة فإذا أثبت التلف لزمه الضمان.
ادعى على رجل مقداراً معلوماً من مال الشَّرْكة فى يده، وأنكر المدعى عليه الشركة والمال، ثم إن المدعي ادعى ذلك المال المقدر بجهة الدين، تسمع دعواه ولا يصير متناقضاً؛ لأن مال الشركة يصير مضموناً على الشريك، ديناً في ذمته عند جحوده، فيمكن الجمع بين الدعويين إذ يمكنه أن يقول: كان لي في يده هذا المقدار بجهة الشركة، وصار ديناً عليه حين أنكر الشركة والدين، ولو كان ادعى ذلك المقدار بجهة الدين أولاً، ثم ادعاه بجهة الشركة؛ لا تسمع دعواه ثانياً، ويثبت التناقض لأن الدين لا يصير مال الشركة بحال.
ولو ادعى على آخر أن له فى يده كذا كذا من مال الشركة، فأنكر المدعى عليه الشركة وحكم عليه بالبينة ثم إن المدعى عليه ادعى دفع ذلك المال إلى المدعي، فإن كان أنكر الشركة أصلاً بأن قال: لم يكن بيننا شركة أصلاً، وما دفعت إلى شيئاً من المال، لا تسمع منه دعوى دفع المال لمكان التناقض.
وإن أنكر الشركة والمال في الحال بأن قال: لا شركة بيننا، وليس لك في يدي مال شركة تسمع منه (1/244)
صفحة 245
245
دعوى دفع المال ولا تناقض هاهنا.
ذلك أن مال الشركة وديعة في يد الشريك، والجواب في المودع إذا أنكـ الوديعة، ثم ادعى الرد على التفصيل الذي ذكرنا هاهنا.
6
ودعوى المدعي خبر يحتمل الصدق والكذب والسهو والغلط، وكذا إنكار المدعى عليه، فلا يزداد الاحتمال في خبره بمعارضة خبر المدعي، فلم يكن كل ذلك حقا، فكان الأصل أن لا يلزم به جواب إلا أنَّ الشرع ألزم الجواب لضرورة فصل الخصومات وقطع المنازعات المؤدية إلى الفساد، وصارت البينة حجة لضرورة فصل الخصومات والمنازعات ولا ثبوت مع احتمال العدم واحتمال العدم ثابت في البينة لاحتمال الكذب فلم يكن الحكم بالبينة حكما بالحق قطعا فكان ينبغي أن لا يجوز الحكم بها أصلا إلا أنها جعلت حجة لضرورة فصل الخصومات والمنازعات حسب الظاهر والباطن مرده لمن يعلم الظواهر والبواطن؛ بدليل قوله و إنما أنا بشر أقضي فيما لم ينزل علي فيه شيء برأيي فمن قضيت له شيئا من حق أخيه فإنما يقتطع إسطاما من نار ..
2
والإسطام حديدة تحرك بها النار وتسعر. قال فبكيا وقال كل واحد منهما حقي له يا رسول الله فقال: "لا، ولكن اذهبا فاقسما وتوخيا الحق ثم استهما ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه"
وهو عند الامام الربيع بسنده الذهبي: "أبو عُبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنما أنا بَشَرٌ مثلكم تختصمون إليَّ فأحكُم بينكم، ولعل
-1
انظر: التاج المنظوم من درر المنهاج المعلوم لعبد العزيز الثميني (313/ 6) الباب العشرون في الإقرار بالبيوع والكتب والشّباب والدواب المحيط البرهاني للإمام برهان الدين ابن مازة 9/
525
2 - انظر: تخريجه في الذي بعده. (1/245)
صفحة 246
246
بعضكم ألْحَنُ بحُجَّتِهِ من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيتُ
"
له بشيءٍ من حق أخيه فلا يأخُذ منه شيئاً، فإنما أقطعُ له قطعة من نار .... ومن طلب رجلا بخمسة أجرية حبًّا فاستقضاه بها مرة بعد مرة ولم
يعطه شيئا، ثمَّ قال له: قد وهبت لك أو تركت جريين واعطني ثلاثة، فقال له الذي عليه ذلك: قبلت هبتك.
قال أبو الحسن: إن قال تركت لك، ثمَّ قال وكرامة لك أرجع إليَّ إلى ثلاثة أيَّام أعطيك مالك، فعند ذلك جاء ذو الحق يقول: إنَّما تركت أو وهبت على أن تعطيني فلم تفعل فالآن لا أخذ إلا الخمسة قال: فإن
6
123
1 - الجامع الصحيح مسند الامام الربيع بن حبيب كتاب الأحكام ما جاء أن حكم الحاكم لا يحلل حراماً رقم 588، واخرجه البيهقي في السنن الكبرى 6/ 66 ح 11693 وفي ذيله الجوهر النقي؛ باب ما جاء في التحلل وباب ما يحتج به من أجاز الصلح على الإنكار 21779 باب المتداعيين يتداعيان ما لم يكن في يد واحد منهما ويقم كل واحد منهما بينة بدعواه وابن أبي شيبة 541/ 4 ح 22974. والدار قطني السنن 4/ 238 ح 123 والطحاوي شرح معاني الآثار - 154/ 4 ح 5684 أبو يعلى المسند 12/ 456 ح 7027 أحمد المسند ح 25492 و 26760، والبخاري باب موعظة الامام للخصوم وفي مواضع متعددة أنظر: ح 2680، 2458، 6967، 7181، 7185، 7169 بألفاظ متعددة، ومسلم ح 1713، وابو داود في قضاء القاضي إذا أخطأ 301/ 4 ح 3583، وابن ماجة ح 2371، وغيرهم. (1/246)
صفحة 247
247
وهب له على أن يعطيه فلم يفعل فله الرُّجوع، وإلا فلا، إذا قبل الموهوب
له.
قلت: ومعنى ذلك أنه بعد قبول الموهوب له الهبة ليس للواهب الرجوع؛ لأنَّ جميع المال في يد الموهوب له، وهنا لا يحتاج إلى قبض الموهوب له الهبة من الواهب، ولو بناء على قول من يقول بأن الهبة لا تتم إلا بالقبض؛ لأن المال الموهوب بيد الموهوب له فما ذا يقبض؟!!! ما هو إلا تحصيل حاصل، وعليه فليس للدائن هنا الا ثلاثة أجرية؛ إلا إن ثبت شرطه الذي يدعيه وهو أنَّ هبة الجريين معلقة بإحضار الباقي في
الحال.
ولو شهدت بينة بملك أمس ولم تتعرض للحال لم تسمع كما لا تسمع دعواه بذلك حتى تقول ولم يزل ملكه أولا نعلم له مزيلا، أو تُبين سببه كأن تقول: اشتراها من خصمه أو أقر له به أمس لان دعوى الملك السابق لا تسمع لإمكان تغيرها من المالك الأول بوجه جائز فكذا البينة.
ولو قال من بيده عين اشتريتها من فلان منذ شهر وأقام به بينة، فقالت زوجة البائع منه: هي ملكي تعوضتها منه منذ شهرين، وأقامت به بينة، فإن ثبت أنها بيد الزوج حال التعويض حكم بها، لها، وإلا بقيت بيد من هي بيده حال إقامة الدعوى.
1 - التاج المنظوم الثميني 372/ 6 - 373. الباب الرابع والعشرون في العطيَّة وإحرازها. منهج الطالبين وبلاغ الراغبين لخميس الرستاقي 6399 القول الخامس والعشرون في العطية وإحرازها. مكتبة مسقط. (1/247)
صفحة 248
248
ومن يدعي حقا لغيره وليس وكيلا ولا وليا لا تسمع دعواه ومحله إن كان يدعي حقا لغيره غير منتقل إليه بخلاف ما إذا كان منتقلا منه إليه أي: أو كان عينا لمدينه له بها تعلق.
امرأة سافر عنها زوجها فرارا من نفقتها فخافت الهلاك فانتقلت عند أهلها وتركت بنتا صغيرة فطيمة لها منه عند أهله وماتت فادعى على أنكم فرقتم بين زوجتي وبنتها وماتت بسبب ذلك فعليكم ديتها هل تسمع دعواه بذلك أم لا. الجواب لا تسمع دعواه والحال هذه والله أعلم.
أثبت دينا على امرأة ميتة وادعى على زوجها أنَّ لها عليه مهرا، ولم يدع ذلك وارثها فهل تسمع دعواه
فالجواب: لا تسمع دعواه - على رأي]- لأنه يدعي حقا لغيره غير منتقل منه إليه، وغايتُه أنه إذا ثبت ثَبَتَ له فيه حق تعلق من غير أن يثبت له في عينه فذلك لا يوجب صحة الدعوى، كما لو ادعت الزوجة دينا لزوجها فإنها لا تسمع وإن كان لو ثبت لتعلق لها به حق النفقة.
قلت: الظاهر سماع الدعوى لتعلق حق المدعي الأول على التركة، وتعلق حق الزوجة في وجوب الانفاق عليها على زوجها، فكان من حقها إثبات مال الزوج لتأخذ
1 - انظر: حاشية البجيرمي على الخطيب؛ تحفة الحبيب على شرح الخطيب 4/ 154)
2 - أدب المفتي والمستفتي (533/ 2 المسألة 538 وفتاوى ابن الصلاح المؤلف: عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان الشهرزوي أبو عمرو، الناشر: مكتبة العلوم والحكم، عالم الكتب - بيروت الطبعة الأولى، 1407 تحقيق د. موفق عبد الله عبد القادر وما بين المعكوفين زيادة مني احترازا عن الوهم بأنه القول الصحيح. وانظر الفتاوى الفقهية الكبرى لابن حجر الهيتمي أحمد بن محمد بن علي (4 375) الناشر دار الفكر. (1/248)
صفحة 249
249
نفقتها، كما للمدعي بالحق على الزوجة من حقه إثبات أموالها حيثما كانت إن أخفتها أو ورثتها ليأخذ دينه من ذلك الحق إن ثبت.
والقاعدة المتبعة أنَّ كل من له مصلحة في الدعوى فله إقامتها فإذا ثبت الحق دفع له منابه أمَّا عند عدم الثبوت فلا يكون خصامه حجة على الباقين إلا بتفويض منهم في الدعوى وكانوا كاملي الأهلية، فليتنبه
وقد تعلق من قال بعدم سماع الدعوى من فرق بين العين والدين فقال تسمع في العين ولا تسمع في الدين والفرق عند القائل به بين العين والدين هو أنه بالموت تعلق الحق بأعيان مال الميت لرهنها به شرعا بخلاف الدين الخ.
قال ابن حجر:" فإن قلت غاية ذلك التعلق أنه تصير الأعيان مرهونة كما تقرر فيكون الغريم كالمرتهن والمقرر فيه أنه لا يخاصم وإن امتنع الراهن من الخصام إلا لعذر قلت طلب المسارعة إلى براءة ذمة الميت اقتضت أن يوسع في طرقها بتمكين كل من الوارث والوصي والدائن من المطالبة بحقوقه ألا ترى أن وليه إذا تحمل دينه برئ بمجرد ذلك على خلاف القاعدة وسبب خروجه عنها الحاجة إلى تعجيل براءته فكذلك هنا ساغ طلب الدائن على خلاف القاعدة للحاجة إلى تعجيل ذلك بتوسيع طرقه فإن قلت هذه العلة تقتضي أن الدين كالعين في ذلك قلت الدين لما كان أمرا تقديريا ضعف عن أن يلحق بالعين فلم تتحقق الحاجة في الطلب به حتى يسوغ تجويزه على خلاف القاعدة على أن ابن الأستاذ - رحمه الله تعالى - نظر لذلك فألحقه بالعين فجوز للغريم الطلب أيضا إذا أعرض الوارث أو تكاسل ورد على ابن الصلاح - رحمه الله تعالى - ما مر عنه أولا في الدين فقال عقبه بل تسمع دعواه إذا أعرض الوارث أو تكاسل ولا يمنع ذلك كونه لا ينتقل إليه بعينه فإن جميع ما يخلفه الميت بهذه المثابة ولا يتعين وفاء دين الميت من عين معينة ولا دين حتى لو كان عنده رهن كان للراهن وورثته صرف دينه من غيره ولا يمنع ذلك المطالبة وقياسه على الزوجة الكلام فيه أيضا (1/249)
صفحة 250
250
كذلك إذا كان لها عليه حق ثابت لو صدق المدعى عليه والحالة هذه وجب الدفع
لإيفاء دينه .. "
"
وبهذا يتبين لك أن ما اختاره الباحث وهو سماع الدعوى مطلقا سواء كان المال عينا أم دينا هو الصحيح فاشدد به يدا.
وكذلك يصح
أن يكون أحد الورثة خصما في الدعوى التي تقام على الميت أو له ولو كان الخصم المدعى عليه في دعوى عين من التركة هو الوارث الذي في يده
تلك العين. والوارث الذي لم يكن ذا اليد ليس بخصم مثلا يصح لأحد الورثة أن يدعي مطلوب الميت الذي هو في ذمة آخر وبعد الثبوت يحكم بجميع المطلوب لجميع الورثة، وليس للوارث المدعي أن يطلب سوى حصته من ذلك وليس له قبض حصص باقي الورثة.
كذلك لو أراد أحد أن يدعي بدين على التركة فله أن يدعي في حضور واحد من الورثة فقط سواء كان موجودا في يد ذلك الوارث مال من التركة أو لم يوجد فإذا ادعى هكذا دينا في حضور واحد من الورثة وأقرَّ به ذلك الوارث يؤمر بإعطاء ما أصاب حصتَّه من ذلك الدين ولا يسري إقراره على باقي الورثة.
وإذا لم يقر وأثبت المدعي دعواه في حضور ذلك الوارث فقط فيحكم على جميع الورثة إن ثبتت دعواه بالحجة الشرعية لأن الدعوى لا زالت في مال التركة وليس للورثة إلا ما يبقى بعد الديون والتبعات.
1 - ابن حجر: " الفتاوى الفقهية الكبرى (375/ 4) مرجع سابق. (1/250)
صفحة 251
251
وعلى هذا إذا أراد المدعي أن يأخذ طلبه الذي حكم له به على الوجه المذكور من التركة فليس لباقي الورثة أن يقولوا للمدعي أثبت ذلك في حضورنا مرة ثانية ولكن لهم دفع دعوى المدعي
وإذا ارتفع إلى الحاكم مدَّع دارًا أو أرضًا بيد، وارثين، وادَّعى شراءها من موروثهما وأحدهما غائب، وبيَّن المدَّعي دعواه حسن للحاكم أن يقضي على الحاضر بكلّ ما بين، ولا يلتفت إلى غيبة الغائب، لأنَّ الحاضر خصمه فيها، لأنَّ الدعوى إذا كانت على ميّت فأيُّ الورثة حضر فهو خصم فيها ولو بعد القسمة وله أن يمضي القضاء فيه عند ابن عليّ، وقال ابن محبوب: لا يحكم على أحدهم حتّى يحضر هو أو وكيله، وبه قال أبو المؤثر وأبو الحواري.
واعلم أن للإقرار بوارث شروطا لا بد منها فمثلا إذا قال الرجل لآخر: هذا ابني أنه ابنه من النسب اعترافا منه له بالأبوة فإن كان المعترف به صغيرًا لم يلحقه إلا بثلاثة شروط:
يريد
أحدها: أن يكون المقَرُّ بِهِ مجهول النَسَبَ فإذا كان معروف النسب لم يصح
إقراره.
والثاني: أن يمكن أن يكون ابنه بأن يكون سنه يحتمل أن يكون المقر به ولدا له.
1 - انظر: درر الحكام في شرح مجلة الأحكام 10/ 471 المادة/ 1565.
2 - التاج المنظوم من درر المنهاج المعلوم لعبد العزيز الثميني /247/ 7 الباب التاسع عشر في الحكم إذا كانت الدعوى على اثنين أو أكثر أو منهما أو من الأكثر والأيمان في ذلك. (1/251)
صفحة 252
252
والثالث: ألا ينازعه فيه منازع. فإذا وجدت هذه الشروط ثبت نسبه. فإن بلغ الصغير بعد أن ألحقناه به وأنكر أن يكون ابنه لم يلتفت إلى إنكاره.
وجرى ذلك مجري ملك عبد صغير في يده وثبت بذلك ملكه فلما كبر جحد الملك لا تسمع دعواه، ولكن له طلب يمينه على ذلك على رأي.
قلت وقد سبق الكلام في الكلام على الدعوى الصحيحة المسموعة أنَّ الاصل في بني آدم الحرية والعبودية طارئة، وبناء عليه فالدعوى مسموعة ويطالب بالبينة فإن أثبتت البينة الحرية قضي بها، ولا عبرة بكونه عند من في يده منذ صغره، واشتهار عبوديته لاحتمالات كثيره كالاستيلاء قسرا، وبيع الأحرار وسرقتهم وتغريبهم من بلدانهم لبيعهم في كثير من البلدان في الزمان الغابر وقع ذلك كثيرا ولأسباب كثيرة ومتنوعة كانت أن ذاك، وقد أجار الله المسلمين من ذلك البلاء، وانتهت هذه الظاهرة والحمد لله رب العالمين.
والحكم في الابن المجنون الكبير كالحكم في الصبي سواء بسواء.
وإن كان المقر به بالغًا عاقلا فيزاد شرط رابع وهو: أن يقبل المقرُّ به ذلك من المقرّ؛ وإن أنكر لم يثبت نسبه.
وعلى هذا لو أقر الابنُ بأبوّة شخص يكون كإقراره بابن كبير ويعتبر فيه ما ذكرنا من الشروط.
وإن كان الأب المقَرُّ به مجنونا فلا يثبت النسب بإقرار الابن وَحْدَه إلا ببينةٍ حتى تسمع دعواه، ويحتاج إلى أن يكون الابن المدعي كامل الأهلية. إلا في الحقوق (1/252)
صفحة 253
253
الواجبة عليه كالرعاية والنفقة وما شابههما فيلزم بهما لإلزام نفسه بذلك "ومن
ألزم نفسه شيئاً ألزمناه به".
وكل موضع ألحقنا به فلا فرق بين أن يكون للمقر به وارث سوى المقر أو لم يكن، ولا فرق بين أن يقر مسلم بمشرك، أو مشرك بمسلم، أو حر بعبد، أو عبد بحر، فالباب واحد.
وإذا مات الرجل فيلحق النسب به بأحد أمرين إما ببينة صحيحة تقوم عليه أو إقرار لوارث عليه به.
وقال أبو حنيفة لا يثبت إلا بالبينة؛ رجلين أو رجل وامرأتين. وقال مالك: يثبت النسب بإقرار الوارث أصلًا.
واحتج الشافعي في هذا بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ابن وليدة زمعة وتمام الحديث ... عن عائشة رضي الله عنها قالت: "اختصم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة فقال سعد: يا رسول الله إن أخي عتبة أوصاني فقال: إذا قدمت مكة فانظر ابن أمة زمعة فاقبضه فإنه ابنى، وقال عبد بن زمعة يا رسول الله هو أخي وابن أمة أبي ولد على فراش أبي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هو لك يا عبد بن زمعة الولد للفراش وللعاهر الحجر". 1
اخرجه الامام الربيع كتاب الأحكام، باب في الرّجم والحدود، رقم 609، 157/ 2. وغيره مختصرا ومطولا من عدة طرق ونصه" ... عن عائشة رضي الله عنها انها قالت: كان عتبة بن أبي وقاص عهد إلى أخيه سعد بن أبي وقاص ان بن وليدة زمعة مني، فاقبضه إليك، قالت: فلما كان عام الفتح، أخذه سعد ابن أبي وقاص، فقال: ابن أخي قد كان عهد إلي فيه، فقام إليه عبد
-1 (1/253)
صفحة 254
254
شه
وروي أنه قال: هو لك هو أخوك يا عبد بن زمعة من أجل أنه ولد على فرا يعني فراش أبيه، فإن قال قائل: كانت سودة بنت زمعة أخت عبد بن زمعة وليس في الخبر أنها اعترفت بالنسب فكيف ثبت النسب؟ قلنا: يحتمل أنها اعترفت أيضًا ولم ينقل خلافه. وأيضًا روي أنَّ زمعة مات كافرًا وابنه عبد بن زمعة يومئذ كافر وسودة كانت مسلمة فكان الابن مستغرقًا
جميع
بن زمعة، فقال: أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه، فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال سعد: يا رسول الله أخي كان عهد إلي فيه، وقال عبد بن زمعة: أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هو لك يا عبد بن زمعة الولد للفراش وللعاهر الحجر" ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلملسودة بنت زمعة: "احتجبي منه؛ لما رأى من شبهه بعتبة" فما رأها حتى لقي الله " ومالك في الموطأ 739/ 2 في الأقضية باب القضاء بإلحاق الولد بابيه. وأخرجه أحمد 246/ 2 - 247 مختصراً، والبخاري 2053 في البيوع: باب تفسير المشبهات، و 2745 في الوصايا: باب قول الموصي لوصيته تعاهد ولدي و 4303 في المغازي: باب رقم 53 و 6749 في الفرائض: باب ميراث الملاعنة، و 7182 في الأحكام باب من قضي له بحق أخيه فلا يأخذه، والدار قطني 241/ 4 - 242، والبيهقي،412/ 7، والبغوي 2378 من طريق مالك، بهذا الإسناد والنص هنا للبخاري. وأخرجه الطيالسي،1444، والحميدي 238، والشافعي،30/ 2، وأحمد 37/ 6 و 129 و 237، والدارمي 152/ 2، والبخاري 2218 في البيوع: باب شراء المملوك من الحربي، و 2421 في الهبة: باب الخصومات، و 2533 في العتق باب أم الولد، و 6765 في الفرائض: باب ميراث العبد النصراني، و 6817 في الحدود باب للعاهر الحجر، ومسلم 1457 في الرضاع باب الولد للفراش، والنسائي 180/ 6 في الطلاق: باب إلحاق الولد بالفراش إذا لم ينفه صاحب الفراش، وابن ماجه 2004 في النكاح باب الولد للفراش وللعاهر الحجر والدار قطني 241/ 4، والبيهقي 86/ 6 و 412/ 7 و 150/ 10 و 266 من طرق عن الزهري، به وفي رواية للسيدة عائشة أيضا بلفظ" قَالَتْ عَائِشَةُ: فَوَاللَّهِ مَا رَآهَا حَتَّى مَاتَتْ احمد 25936 والبخاري 2105 ومسلم
1457
6
1 - صحيح البخاري 5/ 151 ح 4303 مسلم ح 1457 ابو داود ح 2273 احمد ح 25019 (1/254)
صفحة 255
255
ميراثه فثبت نسبه بإقراره وحده، فإن قيل: روي أنه قال لسودة: "احتجبي منه لا يراك".
وروي أنه قال: " احتجبي منه فإنه ليس لك بأخ 2 قلنا: إنما قال لها ذلك لأنه رأى على الغلام شيئًا بينًا بعتبة، فاحتاط لها فما رأها الغلام قط.
وأما قوله: (فإنه ليس لك بأخ) لم يثبت، فإن ثبت فمعناه ليس بأخ لك شبها، وإن كان أخًا لها بحكم الفراش.
فإذا تقرر هذا فإنما يثبت النسب بإقرار الوارث إذا كان يحوز جميع الميراث. فإن كان لا يحوز لم يثبت نسبه ولا فرق بين أن يكون الإنكار من الأكثرين أو من واحد من جملتهم فلو خلَّف ابنةً واحدةً وخمسين ابنًا فأقر به البنون دون البنت لم يثبت نسبه، ولكن الشافعي فرضها إذا خلف ابنين فأقر أحدهما بأخ ثالث فقال: هذا أخي ابن أبي أو قال هذا ولد على فراش أبي لن يثبت نسبه ولم يشاركه فيما في يده من الميراث في الحكم قولا واحدًا وبه قال ابن سيرين. وقال مالك وابن أبي ليلى وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد وعبيد الله العنبري: لا يثبت النسب ولكن يثبت الميراث. 3
1 - تقدم قبل.
-2 - زيادة فليس لك بأخ" أخرجها النسائي ح 3485.
3 - أبو المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل الروياني ت 502 هـ 6/ 169 بحر المذهب (في فروع المذهب الشافعي) بتصرف. لمحقق طارق فتحي السيد الناشر: دار الكتب العلمية الطبعة: الأولى، 2009 م وقد سبق بحث هذا المعنى في أدب القضاء للباحث عند الكلام على قضاء القاضي بعلمه فراجعه من هنالك. أما الله العنبري فهو: عبيد بن الحسن بن الحسين ويقال: بن الحصين؛ (أخو أبي الحر علي بن الحصين بن ابي الحر - مالك بن الخشخاش بن جناب، بالجيم والنون، بن الحارث
عبيد
الله (1/255)
صفحة 256
256
بن خلف بن الحارث بن مجفر بن كعب بن العنبر بن عمرو بن تميم التميمي العنبري (نسبة الى العنبر بن عمرو بن تميم الأنف الذكر القاضي من سادات أهل البصرة فقها وعلما كان قاضي البصرة بعد سوار بن عبد ا الله. يروي عن جماعة من التابعين مات في ولاية هارون الرشيد. الثقات لابن حبان /1439380/ 7 المزي الجرح والتعديل 3125، طبقات ابن سعد 285/ 7، وتاريخ البخاري الكبير 1201/ 5، والجرح والتعديل 1483/ 5، وميزان الاعتدال 5353/ 3، وتهذيب التهذيب 7/ 7. تقريب التهذيب 4283، وقال: "ثقة فقيه لكن عابوا عليه مسألة تكافؤ الأدلة، من السابعة ولد سنة مائة للهجرة مات سنة ثمان وستين بعد المائة، ليس له عند مسلم سوى موضع واحد في الجنائز، النووي تهذيب الأسماء 1 ص 441. وعزل عبيد الله العنبري عن القضاء سنة ست وستين ومائة. عزله هارون الرشيد عن قضاء البصرة، واستقضى عنه خالد بن طليق بن عمران بن الحصين، فاستعفى أهل البصرة منه. انظر الكامل في التاريخ حوادث سنة ست وستين ومائة هـ. وفي المحرم سنة تسع وستين ومائة توفي المهدي بن المنصور بمكان يقال له ماء سبذان بالحمى، وقيل مسموما وقيل عضه فرس فمات. ابن كثير البداية والنهاية 161/ 10، وقد تولى المهدي الخلافة في سنة ثمان وخمسين ومائة. وكان عبيد الله رجلا متواضعا ورعا ومما يروى في ذلك " ... عبد الرحمن بن مهدي يقول: كنا في جنازة فيها عبيد الله بن الحسن العنبري وهو يومئذ قاضي البصرة وموضعه في قومه وقدره عند الناس فتكلم في شيء فأخطأ فقلت: وأنا يومئذ حدث ليس هكذا يا أبي عليك بالأثر فتزايد علي الناسُ فقال عبيد الله: دعوه وكيف هو؟ فأخبرته فقال: صدقت يا غلام إذاً أرجع الى قولك وأنا صاغر. انظر: الأصبهاني حلية الأولياء 69. ويروى عنه أنه قال: "كانت عندي جارية أعجمية وضيئة وكنت بها معجبا فكانت ذات ليلة نائمة إلى جنبي فانتبهت فلم أجدها فالتمستها فإذا هي ساجدة تقول بحبك لي اغفر لي فقلت: يا جارية لا تقولي بحبك لي قولي بحبي لك اغفر لي فقالت: يا بطال حبُّه لي اخرجني من الشرك الى الإسلام فأيقظ عيني وأنام عينك. فقلت: اذهبي فأنت حرة لوجه الله. قالت: يا مولاي أسأت إلي كان لي أجران فصار لي أجر واحد. ابن الجوزي صفة الصفوة 4 ص 46 ترجمة جارية عبيد الله بن الحسن العنبري قاضي البصرة. رقم 617، وتكلم عبيد الله بن الحسن العنبري (1/256)
صفحة 257
257
أقر بعين الإنسان، ثم ادعاها، لا تسمع دعواه إلا أن يدعي حدوث تلقيها منه بعد الإقرار وله بينة وتذكرُ البينةُ حدوث تلقي الملك منه، بعد الإقرار.
قلت: وإنما لم تسمع دعواه بعد الإقرار لأمرين:
بحضرة المهدي كلاماً شهر فاستحسنه الناس، فقال الفيض، وهو إذ ذاك صاحب الديوان، والوزير
أبو عبيد الله، يصف عبيد الله بن الحسن:
مقارب في بعادٍ ليس صاحبه ... يدري على أي ما في نفسه يقع
فالصمت من غير عي من سجيته ... حتى يرى موضعاً للقول يستمع
لا يرسل القول إلا في مواضعه ... ولا يخف إذا حل الحبا الجزع
ومات الفيض سنة ثلاث وسبعين ومائة، وإليه ديوان الجند في أول دولة الرشيد. أنظر: الصفدي
-
الوافي بالوفيات. أو.
عبيد
الله
معاذ بن
بن
بن معاذ بن نصر بن حسان بن الحر بن مالك الخشخاش العنبري التميمي البصري أبو عمرو أخو المثنى بن معاذ العنبري البصري، يروى عن أبيه والبصريين أخرج له البخاري في تفسير سورة الانفال في موضعين وفي الاعتصام توفي سنة سبع وثلاثين ومائتين وله عدة أولاد كلهم معدودون في الرواة منهم احمد وسوار والحسن روى عنه خلق كثير. البخاري التاريخ الصغير 2 338 الثقات لابن حبان /8/ 406 ت 14117 سليمان بن خلف الباجي التعديل والتجريح 987/ 2 أو الجرح والتعديل 5 ص 335. المزي تهذيب الكمال 19/ 158، الذهبي الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة 1/ 686، ترجمة رقم 3589. ابن حجر تقريب التهذيب 1 ص 639. الصفدي الوافي بالوفيات 6/ 320، والظاهر أن الأول أقرب إلى الصواب والعلم عند الله. (1/257)
صفحة 258
258
أحدهما: أنه "لا إنكار بعد إقرار" وهذه قاعدة فقهية معتبرة، وقد أقر بنفس تلك العين للمدعى عليه، فلا يسمع إنكاره بعد الإقرار في حقوق غيره، وينسحب على ذلك عدم سماع دعواه. ثانيهما: ادعاؤه بالملكية لنفسه بعد الإقرار لغيره نقض لما أبرمه من قبل، و "من سعى في نقض ما تم من قبله فسعيه مردود عليه " وهذه قاعدة فقهية معتبرة أيضا. أما لو أخذت منه ببينة ثم ادعاها بعدما أخذت منه بالبينة، هل يحتاج إلى ذكر التلقي حتى تسمع دعواه أم لا؟ وجهان
أحدهما: لا بد من ذكر التلقي وسببه وأن تلقيه وقع بعد القضاء عليه بها للخصم، وبشرط مضي مدة من الزمن يمكن معها حدوث انتقال الملك ممن حكم له بها منه إليه؛ لأنه صار مؤاخذا ببينة المدعي، كما لو أقر، وكما مر في نظائرها. ثانيهما: لا يلزمه ذكر التلقي ولا سببه، كالأجنبي، ولا خلاف أنه لو ادعى عليه أجنبي وأطلق سمعت، ولعل الصحيح ما قدمته لك أوّلًا.
6
إنسان في يده، دار، فأقرَّ بها لرجل، ثم جاء آخر يدعيها؛ فإنه يدعي على المقرّ له، وهل تسمع دعواه على المقِرّ بالقيمة أم لا؟ فإن قلنا: لو أقر له بعدما أقر للأول: يغرم قيمتها، تسمع دعواه عليه، ويحلفه؛ رجاء أن يُقر فيغرم.
وإن قلنا: لا يغرم لا تسمع دعواه عليه؛ لأنه لا فائدة له فيه، ولو أقر للثاني بعد الأول فلا يسمع إقراره، ولا يكون حجة على من أقر له أولًا.
ولو باع من رجل شيئاً، ثم قال: كنت قد بعثه من فلان، أو غصبته منه: لا يقبل قوله في حق من باع منه، وهل يغرم قيمته لمن أقر أنه باع منه؟ الوجهان ومنهم من قال: يغرم قولاً واحداً، لأنه فوت عليه حقه بفعله وتصرفه؛ حيث
دفعه إلى الآخر. (1/258)
صفحة 259
259
وفي المسألة الأولى: لم يتصرف، بل أخبر عن سببه بقوله، ولا أثر لقوله في ملك
الغير.
ولو جاء أحد بعدما باعه، وادعى تلك العين، يدعي على المشتري، هل له أن يدعي القيمة على البائع؟
إن قلنا: لو أقر يغرم القيمة له أن يدعي عليه؛ وإن قلنا: لا يغرم فلا كما سبق قبل في نظيرتها.
هذا فإذا باع العين، ثم جاء آخر يدعيها: فلا تسمع دعواه على من انتزعت من يده إلا بالبينة العادلة بينه والمدعي والمشتري فإذا قضي بها للمدعي ببينته رجع المشتري بالقيمة على البائع، ولو أقر بها البائع للمدعي دون البينة فلا يؤثر إقراره إلا في وجوب غرم القيمة عليه لمدعيها.
وكذا لو أقرَّ بها المشتري للمدعي دون أن تثبت عليه بالبينة، فلا يؤثر إقراره
على البائع إلا إن صدقه، والا فمال أذهبه صاحبه على نفسه، فتنبه. وإن أخذت منه بنكوله ورد اليمين هل تسمع دعوى الثاني عليه بالقيمة؟ إن قلنا: النكول ورد اليمين كالبينة: لا تسمع.
وإن قلنا: كالإقرار: فهو كما لو أقر للأول، هل تسمع دعوى الثاني عليه؟ فعلى
قولين.
لو شہد شاهدان لرجل ثم قال المدعي بعده: صرفت شاهدي عن شهادتهما هذه. بطلت الشهادة ولا يصح الحكم بها، لأنَّ صحة الشهادة تفتقر إلى طلب المدعي لها فلا بد من المقام على الطلب.
1 - انظر في هذا التفصيل التهذيب في فقه الإمام الشافعي 256/ 4. وبحر المذهب للروياني السابق
111/ 14. بتصرف. (1/259)
صفحة 260
260
يؤكده أن الشاهد لو صرف نفسه عن الشهادة لم يجز القضاء بشهادته كذلك إذا صرفه عنها المشهود له بها، فإن عاد المدعي وأقام هذا الشاهد ثانيًا قبلت الشهادة لأنه لم يكذبها، وإنما صرف نفسه عن إقامتها فإذا أعيدت ثانيًا لزم قبولها.
قلت وهذا الكلام فيه نظر من وجوه أحدها: أنَّ قبول صرفه شاهديه ليس على إطلاقه فقد يرتضي الانسان شاهدين ويحضرهما لأداء شهادتهما له ضد خصمه وقد ارتضاهما للشهادة فيشهدان ضده أي بما يثبت الحق عليه فهنا لا يقبل صرفه لهما لتعلق شهادتهما بحق الغير وهنا يقضى عليه بشهوده، وجنت على نفسها براقش.
ثانيها: إن كان صرفه إياهما تجريحا لعد التهما فلا يقبل طلبه إشهادَهما ولا شهادتهما له بعدما جرحهما بنفسه إذ يورث ذلك شبهة قوية لرد شهادتهما خشية استمالته لهما بأمر ما للشهادة في صالحه
ثالثها: رفضه لشهادتهما أولا ثم تقديمه إياهما للشهادة ثانيا سعي منه لهدم ما
تم من جهته و "من سعى لهدم ما تم من قبله فسعيه مردود عليه"
رابعها إتيانه إياهما للشهادة ثم رفضه أداءها ثم تقديمه إياهما ثانيا للشهادة نوع لعب واستخفاف بأمر الشرع وينبغي للحاكم ألا ينصت إليه أبدا بل يزجره بما يناسبه عن هذا اللعب والاستخفاف بالعدالة، وفتح هذا الباب يورث ضعفا ووهنا للعدل والقيام بالقسط
6
لو باع شيئاً ثم قال: بعته وأنا لا أملكه ثم ملكته الآن بإرث من فلان المتوفى فإن قال حين باع: إنه ملكي لم تسمع دعواه، ولا بينته لأنه سبق من إقراره ما هو تكذيب لبينته، وإن لم يحصل منه ما هو صريح في أنه ملكه وإنما قال: بعتك هذا الشيء، بكذا ثم ادعى ذلك تسمع دعواه فإن كانت له بينة حكم له بها، وإن (1/260)
صفحة 261
261
لم تكن بينة حلف له المشتري لقد باعه وهو ملكه لأنه لم يحصل من إقراره ما يكون تكذيباً لدعواه وبينته.
وكذلك قالوا لو ادعى أن المبيع كان وقفاً عليه ولم يعلم هو لا تسمع دعواه
ولا بينته.
وقيل: تسمع دعواه وبينته؛ لأن الإنسان قد يبيع ملكه وغير ملكه، وقد يبيعه ولا يعلم الوقفية ثم يعلم.
إذا أقر أنه وهب وأقبض الهبة أو رهن وأقبض الرهن أو أنه قبض المبيع أو أجر المستأجر ثم أنكر ذلك وسأل إحلاف خصمه ففيه روايتان إحداهما لا يستحلف وهو قول أبي حنيفة ومحمد لأن دعواه تكذيب لإقراره فلا تسمع كما لو أقر المضارب أنه ربح ألفا ثم قال: غلطت ولأن الإقرار أقوى من البينة.
ولو شهدت البينة فقال: أحلفوه لي مع بينته لم يستحلف كذا ههنا. والثانية: يستحلف وهو قول الشافعي وأبي يوسف لأن العادة جارية بالإقرار قبل القبض فيحتمل صحة ما قاله، فينبغي أن يستحلف خصمه؛ لنفي الاحتمال.
ويفارق الإقرار البينة من وجهين أحدهما: إن العادة جارية بالإقرار بالقبض ولم تجر العادة بالشهادة على القبض قبله لأنها تكون شهادة زور.
قلت: [الباحث] معنى ذلك أنَّ المقر لو ادعى عدم القبض وقال لي بينة أني لم أقبضه المبيع أو الرهن أو الهبة مثلا أو لم يقبضه مني فالبينة هنا بعدم القبض
1 - انظر: بحر المذهب للروياني السابق 111/ 14. (1/261)
صفحة 262
262
بينة نافية للقبض وتسمى بينة تهاتر وحكمها حكم بينة الزور، ولذلك نظائر كثيرة فليتنبه.
ففي النيل وشرحه وترد من متهاتر، ويقال له النافي، وهو من شهادته نفي، وتسمى شهادة التهاتر، وفي الأثر: لا تجوز شهادة التهاتر مثل أن يقول: ليس لهذا الرجل على هذا الرجل كذا وكذا، أو ليس عليه شيء مما يدعيه، أو لم يبع له كذا، أو لم يهب له، أو لم يقضه دينه، أو لم يفعل كذا، وهي جزء من علم الغيب.
وفي السؤالات: 3 لا تجوز شهادة التهاتر إلا في أربعة أوجه؛ لم يكن لهذا الرجل من شيء إلا إن كان مما لم نعلم، وقسم هؤلاء الرجال هذا الجنان إلا هذه
-1
انظر: التاج المنظوم الثميني (5 (81) الباب الثامن والتسعون في ذهاب الرهن (482/ 6) الباب الرابع عشر في الدعاوي في العتق وغير ذلك من ضروبه، كتاب الإيضاح في الأحكام لأبي زكريا 165/ 1، شرح النيل للقطب اطفيش 20/ 7 و 9 ص 392 فما بعدها، و 10 ص 282 فما بعدها، وص 574 فما بعدها، و 11 ص 310
2 - شرح النيل للقطب اطفيش 126/ 13.
كتاب السؤالات لأبي عمرو عثمان بن خليفة المارغني السوفي أحد أعلام الإباضية البارزين ق 6 هـ/12 م / من وادي سوف ولد قبل 471 هـ /1078 م؛ لأنه حضر مجالس أبي الربيع سليمان بن يخلف المزاتي، وهو كثير الرواية عن أبي زكريا يحيى بن أبي بكر: ق 5 - 6ھ صاحب كتاب السيرة وأخبار الأئمة، وكذلك عن أبي العباس أحمد بن أبي بكر. رحل هذا العلامة إلى وارجلان وإلى بلاد الجريد وإلى طرابلس. والكتاب جامع لقضايا أصولية ولغوية وتاريخية؛ خاصة في سِيّر الإباضية، وقد نسب الكتاب لغيره أيضا، والحقيقة أنه كتاب تداولت عديد من الأيدي على وضعه وتوجد منه عدة نسخ في مكتبات الإباضية بجربة ووادي ميزاب ونفوسة. مخطوطة مكتبة بوشداخ فاتو عدد صفحاتها 277 بكل صفحة 24 سطرا نسخت سنة 1184 هـ وناسخها (1/262)
صفحة 263
263
الشجرة لم تدخل في القسمة وباع هذا الرجل لهذا الرجل هذا الجنان إلا هذه الشجرة لم تدخل في البيع، وباع هذا الرجل لهذا الرجل هذا الشيء وفيه هذا العيب ولم يخبره به.
الوجه الثاني: إنَّ إنكاره مع الشهادة طعن في البينة وتكذيب لها وفي الإقرار بخلافه، ولم يذكر القاضي في المجرد غير هذا الوجه، وكذلك لو أقر أنه اقترض منه ألفا وقبضها، أو قال له عليَّ ألف، ثم قال: ما كنت قبضتها وإنما أقررت لأقبضها، فالحكم كذلك ولأنه يمكن أن يكون قد أقر بقبض ذلك بناء على قول وكيله وظنه، والشهادة لا تجوز إلا على اليقين.
فأما إن أقر أنه وهبه طعاما ثم قال ما أقبضتكَه: وقال: المتهب بل أقبضتنيه فالقول قول الواهب لأنَّ الأصل عدم القبض، وإن كانت في يد المتهب فقال: أقبضتنيها فقال: بل أخذتها مني بغير إذني، فالقول قول الواهب أيضا لأن الأصل
عبد
الله النفوسي. وللإمام القطب الله حاشية على الكتاب المذكور. أجاب صاحبه فيه عن خمسة وتسعين سؤالا في جميع مسائل الأصول، وهو ثروة فكرية عملية تمكن الإباضية من الاستعداد للإجابة عن أية قضية من القضايا التي كانت تطرح في حلقات المناظرات في ذلكم المحيط الذي تتعايش فيه جميع الفرق دون أن تجد أية مضايقة. انظر: البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية للشيخ العلامة فرحات الجعبيري ص 96 و 99. معجم أعلام الإباضية
7.1/
1 - شرح النيل للقطب اطفيش 127/ 13 و 164. مع ملاحظة ان في صحيفة 164 سقطا فليتنبه. وانظر: الفتاوى لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة الكتاب الأول زكاة الحلي. ص 297.
2 - المجرد في مناقب الامام أحمد فقه حنبلي مؤلفه القاضي بن ابي يعلي محمد بن محمد - أبو يعلي - ابن الحسين ... ويقال له ابن الفراء. ولد في 451 وتوفي 526 مقتولا؛ قيل: انه اغتاله
بعض من كان يخدمه طمعاً في ماله. انظر: الذهبي سير اعلام النبلاء ترجمة رقم 242. (1/263)
صفحة 264
264
عدم الإذن، وإن كانت حين الهبة في يد المتهب لم يعتبر إذن الواهب وإنما يعتبر مضي مدة يتأتى القبضُ فيها وعلى من قلنا القول قوله منهما اليمين لما ذكرنا." قلت: والقول بأن القول قول الواهب بعدم القبض مع كون الهبة في يد الموهوب له فيه بعد كبير ومخالف للقاعدة العامة "القول قول من في يده الشيء" وكون الأصل عدم القبض، إن كانت الهبة في يد الواهب، أما كونها في يد الموهوب له فقد عارض الأصل الظاهر وهو كون الشيء الموهوب بعد الهبة في يد الموهوب له فلينظر فيه بإمعان.
وفي النيل وشرحه و إن ادعى وارث منهم أي من الورثة أو شريك الشركاء بعد القسمة أو بعد الإجابة إليها والإذعان إليها أنَّ له في الأصل أو العرض أو كليهما المقسوم أو الذي أريد قسمه عطيةً أو شراء أو دينا؛ بمعنى أنَّ بعضه أعطاه إياه الموروث أو الشركاء أو غيرهم ممن كان له قبل الشركة أو اشتراه ممن ذكر، أو كان له دينا على الميت، ومعلوم أنَّ الدين الذي على الميت متعلق بكل ماله، أو تباعة ما متعلقة بذلك المشترك، أو أن يعطيه مورثه شيئا من ذلك المشترك، أو يعطيه هو أو الشريك في دينه أو تباعته شيئا من المشترك، وبين ذلك الذي قاله لم يقبل بيانه عند الربيع - رحمه الله - بشرط انفصال الادعاء عن الإذعان، وإلا
اشتغل به.
6
المغني لابن قدامة أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي المتوفى سنة 620 هـ 341/ 5 فصل: إذا أقر أنه وهب وأقبض الهبة أو رهن الشرح الكبير على متن المقنع المؤلف: أبو الفرج، شمس الدين عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الحنبلي (المتوفى: 682 هـ) مع بعض تصرف. (1/264)
صفحة 265
265
ووجهه كما قال الشيخ: إن قسمته أو إصابته تكذيب لدعواه بعد في ذلك المال ولشهوده، سواء علم ببينته قبل القسمة أو الإجابة أو لم يعلم إلا بعد إذ قامت البينة؛ بأنه قد علم بعدها أو لم يتبين أنه علم ولا أنه لم يعلم، هذا ظاهر الإطلاق.
والأولى أنه إن قامت البينة أنه لم يعلم بها، مثل أن يعلم الناس أنه يبحث فلم يجد، فإنه تقبل بينته بعد، وإلا تقم له بينة أنه لم يعلم بها بل قامت بينة أنه عالم بها أو لم تقم له على العلم بها ولا على ما يدل على عدم العلم بها فلا تقبل. ويدل لذلك قول الشيخ تكذيب لدعواه، فإن التكذيب يكون مع العلم، لأن التكذيب نسبة إلى الكذب، والكذب الإخبار عمدا بخلاف الواقع. اللهم إلا أن يقال: التكذيب نسبة إلى عدم موافقة الواقع ولو بلا عمد كما هو قول في الكذب أنه الإخبار بخلاف الواقع ولو بلا عمد.
6
وجوز قبول بيانه أي وأجازه بعض مشايخنا أي لم يمنعه وعدم المنع صادق بالواجب وبمستوى الطرفين، والمراد هنا الواجب، وقول هذا الشيخ أحوط وجهة عقده أن قسمته أو إجابته إليها لا تكون تكذيبا لدعواه ولا لشهوده؛ لأن الشيء قد يكون فيما بينه وبين الله له ولا يكون له في الحكم الظاهر، لذهوله عن القيام ببيانه، أو نسيانه، أو لخطئه في الدعوى، أو لإجابته للقسمة ولم يقدم الدعوى، أو لعدم علمه بأنَّ له بيانا، وقد ثبت له في الواقع، فإذا قام بالبيان لم يزد ما في الواقع إلا ثبوتا، وأيضا قسمته أو إجابته إليها ليست تصريحا بأنه لا شيء له في ذلك، بل يفهم منه فهما أنه ليس له شيء، وذلك دليل الخطاب فيما قيل، ودليل الخطاب مختلف في كونه حجة، وكونه حجة ضعيف عند بعض، ولا سيما ما يلزم منه إبطال الحق مع إقامة البينة عليه.
وفي مختصر العدل منعُ دليل الخطاب كثير وكذا) لا شغل بدعوى طالب قسمة بعد أي بعد طلبه بأن طلبها ثم ادَّعَى أن له في الأصل أو العرض أو كليهما (1/265)
صفحة 266
266
عطية أو ما ذكر بعدها كالمسألة الأولى وهي ادعاؤه ذلك بعد القسمة أو الإجابة، فعلى قول أبي الربيع أنه لا تقبل بينته، وعلى قول بعض الشيوخ تقبل وهو
أحوط.
وكذلك لو ادعى قبل أن يُدْعَى للقسمة أو بعد ذلك في الأصل أو في العَرَض أو كليهما دعوة وبين عليها ولم تتم دعوته بوجه كتجريح في شهادة الشهود أو أحد الشاهدين وكونهما يجران نفعا لأنفسهما أو يدفعان ضرا أو أحدهما كذلك ثم أجاب لها وتجابروا أي أو لم يتجابروا لأنه لا يجد الرجوع بعد الإجابة، سواء رجع قبل التجابر أو بعد التجابر
وإن باع مرابحة غالط أراد غلط اللسان أو غلط اشتباه الشيء بالشيء أو النسيان، أي غالط غلطا ما بأقل مما اشترى به، مثل: أن يشتري بعشرة فيقول غلطا اشتريت بثمانية فباع مرابحة بتسعة أو باع مرابحة بمساو أو كان ذلك بلا مرابحة، ومثل أن يشتري بعشرة فيقول: اشتريت بتسعة فباع مرابحة بعشرة لم يدرك على المشتري رد المبيع، ولا أن يزيد له ما نقص عما اشترى به وربح ذلك، بل مضى البيع على غلطه.
وإن بين بيانا صحيحا مجزيا أنه غلط وأنه اشترى بكذا لأنه قد كذب بينته إذ باع مرابحة على خلاف ما اقتضته بينتُه، وإن قلت: إن علم أنَّ له بينة وتعمد البيع مرابحة على خلاف مقتضاها فلا يخفى أنه تركها وأبطلها، وذلك كالتكذيب، أو أنه كذبها ولا غلط في ذلك.
شرح النيل للقطب اطفيش 591/ 10. وانظر: النيل وشفاء العليل للثميني نص المتن 2/ 599
وشرح النيل للقطب 538/ 13.
-1 (1/266)
صفحة 267
267
وإن لم يعلم بها وباع غلطا فكيف يقال: إنه كذَّبها مع أنَّه لم يعلم حال البيع بمقتضاها، فضلا عن أن يكذبها، وكذا إن علم بها ونسيها وباع غلطا على خلاف مقتضاها، وتكذيب الشيء يقتضي القصد إليه.
قلت: -[القطب]- نعني بالتكذيب هنا ترك العمل بمقتضاها، ومخالفتها إذا باع على خلاف مقتضاها، وهي موجودةٌ حال البيع في نفس الأمر ولو لم يعلم بها، يقال: كذب الشيء إذا خالف الصواب أو ما أريد به، ولو كان غير عاقل أو عاقلا لا قصد له في تلك المخالفة، هذا ما ظهر لي في الجواب.
ثم رأيت للورّاني ما يقرب منه إذ قال: جوابه: أن المعنى لما أقر بشيء، وشهدت البينة بخلاف ذلك؛ كان في ذلك تكذيب لها في الظاهر، ولا يبطل التكذيب بدعوى الغلط حيث جاء بها بعد ذلك؛ لأنه لا يصدق فيها، هذا ما ظهر في توجيه القول
الأول، اهـ
ويؤخذ من عدم إدراكه ولو بين الغلط أنَّه لو ادعى إنسان على إنسان فكلفه الحاكم البينة فقال: لا بينة لي، ثم حلفه الخصم ثم أقام بينة بعد ذلك لا يلتفت إليها لأنه كذَّبها بقوله: لا بينة لي والله أعلم، كما قاله السدويكشي.
وإن قلت: الأولى أن يترك السدويكشي قوله: ثم حلف الخصم لأن اليمين عند بعض تقطع الحق ولا تقبل له بينة، وإن لم يقل: لا بينة لي، وقوله: لا بينة لي كاف أنَّه لا يُلتفت إليه ولو لم يُحلّف الخصم.
قلت: إنما ذكرتُ وذكر تحليف الخصم جريا في الكلام على قول من قال: إن اليمين لا تقطع الحق ولا تبطل البينة، فكان الموجب لعدم الالتفات إلى بينته هو قوله: لا بينة لي لا اليمين.
ويؤخذ من تعليق عدم الإدراك بتكذيبه بيّنَةَ نفسه؛ أنه لو بين وأجاز المشتري تلك البينة على نفسه أو أقر المشتري بمقتضاها أو بأنه شاهد البيع الأول ووجد (1/267)
صفحة 268
268
كما وقعت البينة بعد ذلك لكان له رد البيع.
وانظر إن شاهد المشتري الثاني البيعَ الأول فتحقق عنده أنَّ الذي اشترى أولا وباع له بالمرابحة قد غلط فذكر أقل مما اشترى به، فالظاهر أنه يدرك عليه لأنه ولو كان يكذب بينته، لكن كيف يكذب ما عاينه المشتري الثاني ووافق، بل التصديق كذلك، لكن التصديق لا يصدق لا يحكم عليه به إذا أقر به.
وقيل: يحكم وأما إذا أقر بالمشاهدة ووافقت دعوى المشتري الأول أو بينته فإنه يحكم عليه بحكمها، وقيل: إن بيَّن البائعُ على الغلط خُيّر البائع في إمضاء البيع على غلطه وفي الرد وهو الظاهر كتخيير المشتري فيما إذا باع له بالأكثر. والمرابحة بأن ذكر له أنه اشترى بكذا وقد اشترى بأقل فباع له بمرابحة على ذلك فإنه قد مر أنه يخير المشتري بين القبول على ما وقع عليه البيع وبين الرد للبيع كله.
وإن فات المبيع من يده بوجه ما من وجوه الفوت وقد اشتراه مرابحة بأقل مما اشتراه بائعه غلطا من البائع أدرك عليه البائع ما غلط به ومنابه من الربح؛ على القول الثاني الذي هو تخيير البائع إذا بيَّن على الغلط.
وأما على القول الأول فلا يدرك شيئا لأنه لم يدرك والشيء موجود فكيف يدرك وهو فائت، والمراد أنه يدرك عليه ما غلط به من الربح زيادة على ما ربحه أولا، مثل أن يشتري بعشرة دراهم فيقول: اشتريت بتسعة فيبيع مرابحة بأحد عشر فيزيد له العاشر فيكون اثني عشر له ويزيد له ما ناب العاشر من الربح على سوم درهمين للتسعة بأن يكون لكل درهم تسعا درهم فائدة فيعطيه أيضا تسعي
درهم ربحا للعاشر فله اثنا عشر درهما وتسعا، درهم، وإن باع بمساو مرابحة (1/268)
صفحة 269
269
غلطا أدرك المناب من الربح أيضا على القول الثاني إن فات بيد المشتري. 1 "ولا تدركها أي النفقة وكذا غيرها من الحقوق على من كذبته ولا عليهما إن كذبتهما ولا عليهم إن كذبتهم (أو) صدقتهما) أو صدقتهم.
(أو ادعت أي أو على من ادعت عليه (طلاقا ثلاثا أو بائنا (أو فداء) بأنواعه (أو تحريما) بشيء فعله أو فعلته كزنى أو بالمحرم أو تعمد نكاح الدبر (أو أنها محرمته أو فساد (نكاحها من أوله حين عقد، كعقده بلا ولي أو في عدة أو بلا شهود أو نحو ذلك (أو) موت الزوج الغائب عن المحل الذي هي فيه أو أمياله، ولا تدرك ما فات من النفقة في دعوى موت الغائب ولو كذب) الزوج (دعواها) في صورة عدم ادعائها موته أو كذبها غيره في هذه الصورة أو غيرها مع تمسكها بدعواها بعد التكذيب تقول: أكل من مال زوجي أو أنفقوني بعد قولها: إنه مات؛ إذ قالت: كذبت في قولي إنه مات أو كذبت نفسها، بعد أي بعد ادعائها ذلك حتى يصح أنها كذبت فتنفق.
وجوز الادراك عليه إن كذبت نفسها في المعاني أي في أي صورة من هذه الصور كلها، وجه القول الأول أنها قد أبطلت حقوقها بقولها فلا يردها رجوعها عنه، وإنما يرد ببيان ووجه الثاني أنها قالت قولا تفوت نفسها به عن زوجها أو زوجها عنها بلا بيان فلم يقبل عنها ولم يعمل به فأسقط ما يترتب عليه من عدم فكانت إذا كذبت نفسها وطلبت النفقة أدركتها، كما أنها معطلة لا تجد التزوج ولا أمر نفسها. 2
النفقة
1 - شرح النيل للقطب اطفيش 331/ 9.
2 - شرح النيل للقطب اطفيش 209/ 14. (1/269)
صفحة 270
270
فإن ادعى الزوج الثلاث أو البائن ونحو ذلك كخروجها بظهار أو إيلاء أو الفداء أو التحريم بفعل فعله أو فَعَلتْه وبان الفعل الذي ادعى التحريم به وأنكرت، فلا نفقة لها، أما الطلاق ثلاثا أو بائنا والخروج بالظهار أو الإيلاء؛ فلأن ذلك إن كان عليه بيان عمل به وإلا فإنه يؤخذ على لسانه إذا أخبر به؛ لأنه مما يستقل به ولا يقبل عنه تكذيبه نفسه إن كذبها، وقيل: يقبل؛ لأنه لم يتكلم بإنشاء بل أخبر إخبارا ولو إنشاء لجرى عليه إنشاؤه ولم يحتمل الصدق والكذب.
والفداء ولو كان لا يستقل به لكنه طلاق فكان كالطلاق مما يستقل به، وأما الفعل إن بان كزناه بمحرمها إن شهد عليه أربعة فلا إشكال، ويجوز عود قوله: وبان الفعل إلى ما يستقل به وما لا يستقل به فيكون بيان ما يستقل به هو عدم ما ينافيه، فلو وجد ما ينافيه لأدركت النفقة، مثل أن يقول: طلقتها ثلاثا بحضرة فلان وفلان وهما يسمعان مني فكذباه.
وقيل: ينفقها إن أقر بالفداء؛ لأنه لا يستقل به؛ لأنه فعل مشترك بينهما هو أن ترد إليه الصداق أو بعضه على الفرقة ويقبله على الفرقة، ولزمته إن ادعى فساد النكاح أو ادعى الحرمة هكذا ولم يبين بأي وجه حرمت، ولا ينصت له في
ادعائه.
وإن أقر رجل بقتل رجل آخر فبيّن أنه قتله غيره ببناء بيَّن للمفعول أي أتى المقر أو غيره ببيان أنه قتله غيره قتلا به معا أما المقر، فلإقراره، وأما غيره فللبيان عليه، وفي ذلك عمل بالجانبين معا وهو أولى في الجملة من إلغاء أحدهما، ولا سيما إن أمكن إجماعهما على قتله وقيل المقر فقط؛ لأن إقرار المرء على نفسه أقوى من الشهادة.
1 - شرح النيل للقطب اطفيش 210/ 14. (1/270)
صفحة 271
271
وقيل: المبين عليه إذ لو أقر الإنسان على نفسه بمالم يكن عليه لم يجز إنفاذه عليه، فلعله أقر بما لم يكن عليه خوف الغلط، أو لعل الشهادة نسخت إقراره.
ولا يقتل المبين عليه إن رجعت بينته بأن كذبوا أنفسهم، أو قالوا: غلطنا أو التبس علينا وفي المقر إن رجع قولان قيل: يقتل لثبوت الإقرار ولا يقبل عنه الرجوع إلا إن أتى بما ينقض إقراره ككونه في حين ضربه القتيل أو في محل لم
يفارق ذلك المحل حتى وقع ذلك، أو في محل لا يصل منه إلى محل القتيل. وقال هاشم من شهدت عليه بينة أنه قتل فلانا يوم كذا، وشهدت أخرى أنه معنا يومئذ في موضع كذا ولم يقتله إنه يقتل به، ولا يلتفت إليه أنه لم يقتله. وقيل: يقبل عنه الرجوع قبل الشروع في قتله؛ لأن ذلك تكذيب لنفسه كما يرجع الشهود عن شهادتهم فتبطل؛ لأنه شهد على نفسه، 1
أما إن كان الإقرار بحق محض في المال لا في النفس فلا يقبل الرجوع فيه إذ لا إنكار بعد إقرار.
ففي المنهج وسئل أبو المؤثر - رحمه الله- عن رجل، أقر أن لفلان غلة أرضي هذه، عشر سنين. أو قال بحق له علي هل هذا اقرار، ثابت عليه؟ قال: نعم.
1 - شرح النيل للقطب اطفيش 15 ص 199 فما بعدها. الاستقامة ج 1 لأبي سعيد الكدمي ص: 224 فما بعدها المعتبر لابي سعيد الكدمي ص: 136 ج 2 ص: 208، بيان الشرع لمحمد الكندي 293/ 4 فما بعدها منهج الطالبين وبلاغ الراغبين لخميس الرستاقي 222/ 6 فما بعدها. القول الثاني والعشرون في الإقرار بالقتل والجروح وما أشبه ذلك. و 231 فما بعدها. القول الخامس والعشرون في القتل بالشهادة. وقد بحثت هذه المسألة في جهد المقل فراجعها إن شئت من
هنالك. (1/271)
صفحة 272
272
وإن أقر هذا الإقرار وهو صحيح، ثم رجع عن اقراره فليس له رجعة والإقرار جائز، لأنه يمكن أن تكون هذه الأرض صارت اليه وهو يعلم أنها للمقر له بثمرتها عشر سنين، من قبل وصيَّةٍ أوصي له بها، ويثبت هذا الاقرار على ورثته بعد موته. وإن لبثت هذه القطعة في يد المقر له، أو بعد موته في حياة المقر، أو بعد موته، عشر سنين. فلم تثمر، ولم تكن فيها زراعة وطلب المقر له، أن تترك في يده، حتى يأتي ماء. ويكون للأرض غلة. فاذا سلمت اليه ولبثت عشر سنين، في يده فليس له غير ذلك، أغلت، أو لم تغل
6
ومن قال لآخر: قتلت وليك بتعدية أو لم يقل بتعدية فقال: كذبت لم تقتله فهل له قتله بعد تكذيب لنفسه إذ قال لم تقتله أم لا؛ لأنه قد أبطل إقرار المقر بالقتل ولم يقبله، وإن أعاد إقرارا بعد ولم يبطله فله القتل؟ قولان.
وكذا إن قال: أنا الذي فعلت بك كذا، كقطع وجرح، فقال: كذبت هل له القصاص أو الأرش أو لا؟ قولان ويحبس الإمام من اتهم بالقتل ما ظهر له، وإن بين عليه قتل، وإلا حلف ما قتله فيخليه.
ومن قتل وله ولدان فادعى كل منهما على رجل أنه قاتله عمدا أو بين ذلك وطلب كل القصاص ممن بين عليه.
فقيل: يبطل؛ لأنَّ كلا منهما يبطل دعوى صاحبه، قيل: لعل لكل منهما الدية على ما بين عليه، وهكذا الكلام في غير الولدين من الورثة وفي أكثر من اثنين، "ومن عفي عنه في العمد ضرب مائة وحبس عاما" هذا حديث من النبي صلى الله عليه وسلم فقيل: يبدؤون بالضرب كما في العتبية، وقال أشهب يبدؤون بالحبس، وذلك على
منهج الطالبين وبلاغ الراغبين لخميس الرستاقي (10/ 270 فما بعدها ط مكتبة مسقط.
-1 (1/272)
صفحة 273
273
العموم، وقيل: لا يسجن العبد والأمة؛ لأن في سجنه ضررا على السيد والله أعلم. وإذا ادعى أحد أنه وكيل مسجد أو نهر أو ذي يُثم وادعى حقاً لذلك المسجد أو النهر أو ذي اليتم أتسمع دعواه ويدعى خصمه لموافاته؟ فنعم دعواه مسموعة وجائز للحاكم أن يدعو المدعى عليه للموافاة للحق إذا كان مدعي الوكالة ثقة. وإذا كان النهر لا يكتب المسلمون فيه وأراد أحد الشركاء القيام من شركائه أو بياديره " في حصصهم أتسمع دعواه ويدخل الحاكم فيه؟ فنعم يقال له سلم ما عليك لفلان ولا يذكر من كذا ولا يذر الناس يضار بعضهم بعضا.
وإذا غير الوكيل من بيع مال من وكله وأتى بلفظ الغير وصح له وادعى البائع أن المشتري رضي بالمال واستغله وأنكر الوكيل ذلك فإذا أطلق الموكل للوكيل الوكالة فدعواه مسموعة وغيره ثابت ويبطله " ما يبطل الغير من البيع المنتقض كالموت والإتلاف وأما دعوى البائع أن المشتري راض بالبيع بغير حجة وعليه رد الثمن فإن كان المشتري حيث تبلغه الحجة أجل بقدر ما يعلم قول المشتري ورضاه بالمال وإلا أمضى الحاكم الحكم واستثنى للغائب حجته.
1 - شرح النيل للقطب اطفيش 15 205 فما بعدها ولم أجد هذا النص في شيء من كتب الحديث وقد بحث عنه قدر الطاقة ولكنه موجود في المنتقى شرح الموطأ للباجي 174/ 7. إلا أنه لم يسنده انظر: الباجي أبو الوليد سليمان ابن خلف بن سعد بن أيوب بن وارث التجيبي القرطبي الأندلسي المتوفى: 474 هـ ونصه: ويقتل بالحر المسلم إن شاء ذلك أولياء المقتول ويجوز عفوهم، وإذا سقط عنه القتل لعدم مكافأة أو لعفو ضرب مائة سوط ويسجن سنة.
2 - البيادير: جمع بيدار؛ وهم عملة الحقول بالحصة من الثمار.
- في المطبوع "ولم يبطله" ولعل الصحيح ما أثبته.
4 - الكوكب الدري لعبد الله الحضرمي 5/ 157. فما بعدها النهج الحادي والعشرون في الدعاوي
والأحكام ... (1/273)
صفحة 274
274
ومن أثبت أملاكه لزيد بحق سماه ثم بعد مدة باع أملاكه لخالد بيع قطع أو خيار ثم ضرب ومن داره هرب ولم يملك شيئاً سواها وصح أن المال ورثه من أبيه وكان موت أبيه في أول يوم من رمضان صح بالشهرة وتاريخ الإثبات في شهر شعبان من آخر تلك السنة فحق ذي الإثبات أولى على قول من يثبت الإثبات في حياة المثبت وقول لا يثبت والأول أصح.
وإذا أراد المدعي قطع بيّنَتِه التي بَيْنَه وخصمه حلفه الحاكم: كذا يا فلان قد قطعت دعواك وكل دعوى لك كانت لك على خصمك هذا فيما مضى إلى هذا الوقت في هذا اليوم فإذا أنعم وحلفه لم تسمع دعواه بعد ذلك في تلك
الخصومة.
قال أبو سعيد: معي أنه قيل: إنَّ الصبي إذا خاصم إلى الحاكم وكان يعقل ما يخاصم فيه تسمع دعواه.
وإن كان له والد أمر بحضور مخاصمته والاستماع له وعليه، وإن كان يتيماً أقام له الحاكم وكيلا فيما يجب أن يقام له فإن سمع له الحاكم بينته وكانت البينة له ثبتت بينته وجاز الحكم له وكذلك إن أقر له كان خصما وثبت الحكم
له.
وإن حلف له الحاكم خصمه ولم يُقم له وكيلاً يُحَلِفُ له لم يثبت له ذلك، وكان له اليمين على خصمه إذا بلغ لأن ذلك من الحكم عليه لا له وما حكم بمخاصمته بإقرار أو بينة من خصمه ثبت له ولا يجوز إقراره على نفسه.
1 - السابق ص 166
2 - السابق ص 85. (1/274)
صفحة 275
275
وإذا قامت عليه البينة أقام الحاكم وكيلا يسمع عليه البينة وحكم عليه بما يوجبه الحق مما يثبت عليه
فإن لم يقم له الحاكم وكيلاً وحكم عليه وسمع البينة عليه في حضرته كانت له حجته في البينة وفيما يحتج فيها.
وإن ماتت البينة قبل بلوغه ولم يكن الحاكم أقام له وكيلا يدفع عنه وله في أمر البينة في حين استماعه أو بعد ذلك وتنقطع حجته بالوكيل كانت له حجته في البينة فيما يدعي فيها ما يثبت شهادتهما وليس له إبطال البينة بموضع شهادتهما في صباه وشهادتهما له ثابتة وعليه إلا ما يكون من الحجة فيها ..... قلت له وعلى الحاكم أن يأمره بجمع مطالبه؟ قال: هكذا عندي، أنّ ذلك من مصالح الأحكام؛ لئلا يتعنّت الخصوم بعضهم بعضا.
قلت له: وإذا قال: إنّه لم تبق له دعوى، وطلب يمينه فحلفه، ثمّ ادّعى عليه شيئا آخر، هل تسمع دعواه؟ قال: هكذا عندي، ما لم يقطع دعاويه.
قلت له: فما اللفظ الذي يقطع دعاويه، ولا تسمع له دعوى بعد ذلك؟ قال: من ذلك أن يقول له الحاكم قد قطعت كل دعوى لك على خصمك هذا فيما يمضي إلى هذا الوقت في هذا اليوم فإذا قال: نعم، وحلفه على دعاويه، ثم ادعى
عليه، لم يسمع له بعد ذلك دعوى في ذلك الوقت، وقد انقطع عنه دعواه. قلت له: فإن غابا عنه في ذلك اليوم، بقدر ما يلزمه له حق، ثمّ نزلا إليه في ذلك اليوم بعد الغيبة، فادّعى عليه دعوى أخرى. فهل يسمع الحاكم منه ذلك؟
منهج الطالبين وبلاغ الراغبين لخميس الرستاقي 1619 القول التاسع والعشرون في الحكم على الصبيان ولهم الرفعان من آبائهم وما أشبه ذلك. التراث.
-1 (1/275)
صفحة 276
276
قال: هكذا إذا أمكن حدوث ذلك.
وحضر أبا المؤثر رجل وامرأتُه، فقال له الرجل: إنّي كان بيني وبين امرأتي كلام فقلت لها: سيري فليسك امرأتي. فقال لها أبو المؤثر اسمعي ما يقول. فقالت: هو كما يقول هكذا.
قال: فقال للرجل إن كنت عنيت بقولك طلاقا، فهو ما نويت وإن لم تنو طلاقا، فلا بأس عليك. فقال الرجل: لم أنو طلاقا، وإنّما أردت بذلك أغمها إذ غمتني. قال أبو المؤثر للمرأة إن صدقته، فلا بأس عليك، وإن لم تصدقيه، فاستحلفيه فطلبت المرأة يمينه فأمرتني أستحلفه بالله، ما عنى بقوله: سيرى فليسك امرأتي. طلاقا فحلف الرجل ما عنى بقوله: سيرى فليسك امرأتي طلاقا فقالت المرأة أرجع إليه. فقال لها: ارجعي إليه فهو زوجك.
6
ومن غيره: وعن المرأة إذا ادّعت على زوجها حرمة يسألها الحاكم. ما هذه الحرمة؟ قال: قد قيل ذلك؛ لأنّه لعلّها توهمتها حرمة، وليس بحرمة.
قلت: فهل يسع الحاكم ألا يفحصها عن ذلك، ويحلفه على دعواها؟ قال: لا يبين لي ذلك، ولا عليه مما قيل؛ لأنّه لو أقرّ هو أنه وقع بينهما حرمة، لم يقر على ذلك حتى يبيّن الحرمة؛ لأنّ الحرمة لا تُدرى ما هي.
قلت له: فإن ادّعت أنّه كان منه إليها شيء، لا تحلّ له بعده أبدا. فهل للحاكم أن يحلفه على ذلك، ولا يفحصها؟ قال: لا أعلم ذلك، وليس له ذلك؛ لأنّ ذلك يقع موقع الكذب، إذا كان على ذلك في الأصل.
قلت: فإن ادّعت أنّه وطئها في الدبر، وأقرّ بذلك، وادعى الخطأ. فهل يكون القول قوله، وعليها هي البيّنة أنّه عَمْدٌ؟ قال: إذا لم يقر بالعمد، وإنّما قالت هي:
1 - كتاب الإيضاح في الأحكام لأبي زكريا 2/ 184 (1/276)
صفحة 277
277
عمد، وقال هو خطأ، فهي المدّعية، الحرمة والمدعي الحرمة، هو المدعي؛ لأنّ الخطأ لا يفسد وإنّما يفسد العمد. 1
الباحث القول بالتحريم بناءً على رأي من يقول: النهي دال على فساد المنهي عنه قالوا: نهي عن إتيان الدبر فتعدى حدود الله بإتيان المنهي عنه ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه وبذلك أفسد عليه زوجه وعقوبةً له يقضى بالتحريم.
القول الثاني: النهي غير دال على فساد المنهي عنه ما لم يكن النهي عن ذات المنهي عنه كالشرك بالله وبيع الحر. أما إن كان النهي لصفة في المنهي عنه فلا يدل على فساد المنهي عنه كمسألتنا هذه ووطء الحائض وأمثالهما.
6
ولم ينص الشارع على تحريم الزوجة، والتحريم والتحليل مرده الى الشارع الحكيم، ولا قياس هنا إن قلنا بالعقوبة والعقوبات لا تفرض بالقياس، وكونه ارتكب محظورا فعليه التوبة الخالصة لله عز وجل وبعضهم ألزمه كفارة وهذا القول هو الذي عليه الفتوى الآن.
1 - كتاب الإيضاح في الأحكام لأبي زكريا 2/ 185.
2 - انظر: طلعة الشمس لنور الدين السالمي 1891، فما بعدها، بتحقيق عمر القيام ط 2008 م والنهي ليس يستدل منه ... على فساد ما نهينا عنه
وقيل يستدل والبعض يدل ... إن كان ذا النهي لذاته جعل
وإن يكن لصفة فيه فـ ــلا ... له بوطء حائض قد مثلا. مع الشرح. حاشية
الترتيب لأبي ستة (141/ 3، الباب الثلاثون في الحيض) و 154/ 3 حديث: «لا تتلقوا السوالع»، شرح الجامع الصحيح لنور الدين السالمي (138/ 3 - 139 و 166 وقواعد الإسلام للجيطالي ت الحاج موسى مع حاشية أبي ستة (2/ 260) الإيضاح لعامر الشماخي (1/ 244 فما بعدها مسالة في أحكام (1/277)
صفحة 278
278
وقيل في التي ادعت على زوجها الطلاق، وأنكر ونزل إلى يمينها. فإن ادعت طلاق ثلاث، أو خلعا حلفت، لقد طلقها ثلاثا، وأنها بائنة منه بهذا الطلاق، وما هي زوجته، وكذلك في الخلع وإن كان يملك فيه، رجعتها، وادعت أنّ عدّتها قد انقضت حلفت لقد طلّقها وانقضت عدّتها منه، وأنها لبائنة منه، وما هي له
بزوجة ولا له فيها ملك ولا مراجعة وإن لم تنقض عدّتها خير على ردّها.
وإذا تزوّج الرجل بالمرأة وأنكرت الرضا، فطلب يمينها، فاليمين عليها هي، ولا يمين عليه، إلا أن يدعى أنّ بيّنته بالرضا غابت أو ماتت، أو نحو هذا، يحلف بالله، لقد رضيت به زوجها، وأنها زوجته فأمّا الأب إذا نزل إلى يمين رجل عليه حق لولده الصبي، فإنّه يحلف المطلوب إليه ما عليه لهذا الصبي ابن هذا، ويسمّى باسمه كذا كذا.
6
إنسان جاء يطلب شفعة ولم يكن شفع عند البيع فلما قيل له: ما أخرك إلى الآن؟ أجاب أجهل أنّني شفيع فهل يعذر على هذا الجهل وتثبت له الشفعة؟ الجواب ومن طلب شفعة بعد أن مضت مدّة جهل أنّ له حق الشفعة فلتسمع دعواه وليعط مراده إذا ثبت حقه شرعا، ويعذر على هذا الجهل، لا سيّما وهناك قول أنها لا تفوت طالبها والحق لا يتقادم بتقادم العهد.
الحيض والاستحاضة و 433 باب في الأماكن، والصلاة فيها شرح النيل للقطب اطفيش (207/ 6)
و 464.
1 - كتاب الإيضاح في الأحكام لأبي زكريا 2/ 186.
-2
الأسئلة والأجوبة النثرية نثر فتاوي السيابي للبكري ص: 146. وانظر بهجة المجالس للسيابي الشيخ خلفان بن جميل. مطلع السؤال أوجه سؤلي نحو خلفان ذي الهدى" السؤال من الشيخ الله عبد بن الامام سالم بن راشد الخروصي (1/278)
صفحة 279
279
إنسان حاز ماءً مدّة عام فجاء آخر يخاصمه ولما قيل له مالك لم تطالبه وهو في حوزته عاما كاملا؟ أجاب: إنّني أتحين الظرف الملائم لمطالبته، على أنّه أقرب، مع ذلك إنّ الحائز شريك له فما هو الحكم في المسألة؟
الجواب ومن ادعى أنّ ماءه حازه زيد ظلما ولكن زيد شريك في الماء فهو خصم مدع عليه البيّنة، وإن عجز فليحلف الخصم أنّه ليس بظالم، ولا يبطل سكوته عاما دعواه.
س: شابة عيل صبرها من انتظار زوجها الغائب وطلبت تطليقها لا تبغي ماله ولا شيئا آخر فهل يسع تطليقها؟
الجواب: إنّ التي جاءت الحاكم تشكوا نفاد صبرها من غيبة زوجها لا تستطيع البقاء معه بعد غيبته تضرّرت منها فهي لذلك تطلب طلاقها ولا تبغي به بديلا قد اختلف العلماء في أمرها منهم من يمنع تطليقها ومنهم من يوجبه إذا لم يمكن رفع الضر، لكن بعض هؤلاء يوجب أن يكون الضرّ جوعا وعريا أو شيئا موجعا فاجعا ولم يكن للزوج مال حاضر وإلا فلا تطليق.
أما إذا اشتكت عدم جماعها فلا يراه هذا الفريق موجبا للطلاق، لأنه لا يؤدّي إلى الهلاك كالجوع وغيره، وقال بعضهم: ترك جماعها موجب للتطليق ولو وجدت مأكلا وملبسا ومسكنا فلابد لها من رابع وهو الجماع، فإنّ شهوة الوطء طاغية على النفس فلابد لها من قامع ورادع قوي، وذلك حقّ لها وواجب على الزوج بلا منازع، وليس بلازم أن يكون الضرّ متلفا بالنفس وبهذا القول أقول: لعدم وجود
نص يرده.
الأسئلة والأجوبة النثرية للبكري السؤال مائة وأربعة عشر ص: 91 فما بعدها.
-1 (1/279)
صفحة 280
280
تعليق الشيخ بكلي على هذه المسالة يشهد لهذا الرأي ما دار بين أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وابنته أمّ المؤمنين حفصة - رضي الله عنها وسؤاله لها عن المدة التي يمكن للمرأة أن تصبر عن زوجها وجوابها إنّها ستة أشهر وبناء عليه فقد أمر قواد الثغور أن لا يعطّل الجنود أكثر من ستة أشهر، لكن ليس الأمر على إطلاقه بل هناك قيود تجب مراعاتها والذي جرى عليه عمل المحاكم المصرية وهو مقتضى مذهب مالك أنّه إذا غاب الزوج سنة أو أكثر بلا عذر مقبول جاز للزوجة أن تطلب من القاضي تطليقها بائنا إذا تضرّرت من بعده منها، ولو كان له مال تستطيع الإنفاق منه وإنّما ينظر هل غيبته كان مكانها معلوما أو مجهولا. أو معلوما لكن مكاتبته متعدّرة أو ممكنة، أمّا إذا كانت غيبته مجهولة المكان أو كانت معلومة لكن مكاتبته متعذرة فإنّ القاضي يطلّق عليه زوجته في الحال طلقة بائنة، وأما إذا كان مكان غيبته معلوما وممكنا مكاتبته فإنّ القاضي لا يطلق عليه إلا بعد أن يطلب منه أن يفعل إحدى خصال ثلاثة
الأولى: أن يحضر ليقيم مع زوجته في بلدها.
الثانية: أن ينقل زوجته لتعيش معه في بلده.
الثالثة: أن يطلّق زوجته.
ويحدّد له القاضي أمدا يفعل فيه واحدة من هذه الصفات ويذكر له أنّه إذا انقضى هذا الأمد فإنّه يطلق عليه زوجته طلقة بائنة، فإذا انقضى الأمد الذي حدّده له القاضي ولم يفعل واحدة من الخلال التي ذكرناها ولم يبد عذرا مقبولا سواء أجاب على كتاب القاضي إليه أو لم يجب فإنّ القاضي يطلق عليه زوجته
طلقة بائنة.
والحكمة في ذلك أنّ مقام الزوجة وحدها وزوجها بعيد عنها الزمن الطويل أمر لا تحتمله الطبيعة في الأعم والأغلب حتى ولو ترك لها الزوج مالا تستطيع الإنفاق منه على نفسها. (1/280)
صفحة 281
281
ولو أنّ الزوجة اشترطت على زوجها في عقدة النكاح ألا يغيب عنها أكثر من سنتين؛ مثلا كما يجري به العمل إلى الآن في ميزاب لأغناها ذلك عن أية مخاصمة ومطالبة وضيق ولملكت أمر طلاقها بيدها.
و "إنّ أحق الشروط أنّ يوفى به ما استحللتم به الفروج
"
هل للمجنون إذا استفاق والصبي إذا بلغ والغائب إذا عاد أن يدركوا شفعتهم إذا لم يشفع نائبهم؟
الجواب: نواب: القاصرين المجنون والصبي والغائب إذا ضيعوا شفعتهم ولم يطلبوا المبيع من البائع فليس لأولئك القاصرين إذا ملكوا أمرهم أن يدركوها وقد فاتهم، وبعضهم يرى ألا تفوتهم، وأنا لا أرى تفويتهم في حقهم والحقُّ لا يبطله مضي مدة إلا إذا كان من بالغ مضيّع.
حديث نبوي رواه البخاري عن عقبة بن عامر الجهني باب الشروط في المهر، ر 2572 ومسلم مثله، باب الوفاء بالشروط في النكاح، ح 1418. والترمذي في كتاب النكاح باب الشرط في عقد النكاح ح 1127 السنن الكبرى للبيهقي وفي ذيله الجوهر النقي (2487 ح 14817 و 14818 السنن الكبرى للنسائي (322/ 3) 5531 و 5533 المعجم الكبير 17/ 275 ح 755 و 756 و أحمد ح 17400) وأبو داود (244/ 2 ح (2139) وابن ماجه 628/ 1 ح 1954، وابن حبان ح 4092) وغيرهم كلهم من حديث عقبة بن عامر، بلفظ أن يوفى به" "أن توفوا به" " أن توفوا بها" " ان يوفى بها " مع اتفاقهم في باقي اللفظ وانظر: الجمع بين الصحيحين البخاري ومسلم؛ للحميدي 3 349 ح 2983.
10./2
40
الأسئلة والأجوبة النثرية للبكري ص: 94.
-1 (1/281)
صفحة 282
282
مفقود مضت عليه مدّة الفقد واعتدت زوجته عدة الوفاة فأرادت أن تتزوّج ولم يكن طلقها ولي: فهل يحلّ هذا النكاح؟ أو يحرم؟ وهل هناك فرق بين أن يكون قد دخل عليها وبين مجرد العقد. أم لا؟
الجواب: من فقد فمضى عليه أربعة أعوام ثمّ تربّصت زوجته بعدها أربعة أشهر وعشرًا يطلقها وليّه وتعتد عدّة الطلاق لأنّ طلاق الولي هنا ماض، فلها أن تتزوّج، وإن تزوّجت بعد عدة الوفاة بدون طلاق الولي كان ذلك كافيا، وهو قول أهل العلم وإن روي عن آخرين غير ذلك. اشترى إنسان أمةً من البداة فلما أراد عتقها قالت له: أنا حرّة بنت أحرار فهل يتم هذا العتق؟ ويؤجر عليه؟
الجواب: متى اشترى إنسان أمةً وأراد عتقها وهي بالغة عاقلة فادعت أنها حرّة من نسل أحرار فله أن يعتقها عن نفل وفرض، فإنّ إنكارها لا يقبل بعد إقرارها أما إذا أنكرت قبل عقد بيعها أو كان العقد فاسدا أو كانت صبية لم تبلغ سنّ الرشد فإنّ إنكارها يقبل ولا يجزي عتقها عن الواجبات وجائز بل يجب تسريحها وعتقها تقربا الله.
قلت الباحث: قد سبق ذكر المسألة والخلاف فيها وأنَّ الصحيح قبول قولها وسكوتها وإقرارها أثناء بيعها لا يعتبر حجة عليها على الصحيح وقد يقر الانسان خوفا على نفسه كما هو مبسوط في محله فليحرر.
س - هل قول الصبية مُغَيّرة من زوجها فلان إقرار منها بالزوجية ولا غَيْرَ لها وإن اعترفت بالجهل وادعت انها لا تعلم أن هذه اللفظة تثبت عليها حكم الزوجية
1 - السابق (1/282)
صفحة 283
283
وقالت: "مغيرة من فلان الذي تزوجني في حال صبائي لم أرض به زوجا منذ زوجت إياه إلى أن بلغت الحلم " هل ينفعها هذا الاعتراف وهذه الدعوى؟
الجواب: قيل: أن ذلك إقرار منها بالزوجية وأنه مبطل لغيرها فإن ادعت الجهالة في معرفة ذلك فأرجو أن تسمع دعواها على هذا القول.
والذي عندي أن ذلك لا يكون منها إقرارا بالزوجية لاحتمال أنها أطلقت عليه هذا الاسم باعتبار الحال الذي كانت عليه قبل البلوغ أو باعتبار الحال الذي اشتهر عند الناس أنه زوج لها فلا يتعين الاقرار والاعتراف، على أن الظاهر ينافيه وقد علم مراد الصبية، فإلزامها الزوجية بعبارة تعلم أن مرادها غير ظاهرها لا يستقيم في نظر العدل على أن الاقرار عند القائل به مأخوذ من دلالة الالتزام، لا من دلالة العبارة، ودلالة العبارة أقوى ومن المعلوم بديهة أنَّ مراد الصبية نفي الزوجية فكيف يحكم عليها بثبوتها إني لا أرى هذا من الصواب في شيء والعلم
عند الله.
قول بعضهم إن المرأة تطلق بالنية إذا نوى طلاقها وقال أليس قد علم الله طلاقه؟ هل مراده بينه وبين الله لا في الحكم.
الجواب: نعم مراده ذلك إذ لولا ذلك لكان لكل امرأة أن تدعي على زوجها أنه نوي طلاقها فينصب لها خصومة، ومن المعلوم أن هذا الأمر يفضي إلى التلاشي فلا تسمع دعواها بذلك أبداً.
ثم إنا نقول إنَّ الطلاق من الأمور المختصة بالألفاظ فلا مدخل للنيات فيها إلا من حيث القصد لصرف اللسان إليه، فأما أن تكون النية بنفسها مطلقةً للمرأة
فلا.
1 - جوابات الإمام السالمي 20105452/ 4 م المفهرسة. (1/283)
صفحة 284
284
وليس تمسكه بعلم الله في هذا المقام نافعاً له فإن علم الله واسع وقد علم الله ما كان وما سيكون، وعلم أنه سيطلقها إن كان سيطلقها أتراها تطلق بعلم الله قبل وقوع الطلاق؟ لا والله لا تطلق إلا بالألفاظ الموضوعة لذلك، أو ما يقوم مقامها عند التوسع بالعبارة والله أعلم.
البائع إذا ادعى الجهالة في المبيع إلى متى تسمع دعواه الجهالة؟ وهل لذلك غاية أم لا؟ أرأيت إذا مكث مدة خمس سنين ثم ادعى الجهالة هل تسمع دعواه أم لا؟ الجواب قد راجعت الأثر لأجد لهذا حدا فلم أجد بل وجدت ما يدل على إطلاق القول بالنقض وإن طال الزمان، وأقول: لا بد من تقييد بالمدة التي تهدر بمرورها الدعاوى على خلاف تعينها، وذلك أنَّ دعواه الجهالة من جملة الدعاوى وليست هي بأشد من دعوى الحق في الأموال وهذا إنما يكون عند إنكار المشتري جهالة البائع فإن أقر بها فلا سبيل إلى إهدارها والله أعلم.2
ومن ذلك دعوى القسامة فمن شروطها ألا يوجد القتيل في المسجد الجامع ولا في السوق ولا في الطريق العام غير المحصور لمعينين وإلا فلا تسمع الدعوى؛ مالم يدع الولي على شخص بعينه.
ففي الكوكب إن وجد في المسجد الذي يصلى فيه الجماعة أو قتله الزحام فلا قسامة في هذا كله.
1 - جوابات الإمام السالمي 4 157، الطلاق بالنية. وانظر ص 145؛ الطلاق بالقلب. ط 2010 م
المفهرسة.
2 - جوابات الإمام السالمي 479/ 2 ط 2010 م تحت عنوان "مدة رد دعوى الجهالة" السابق.
2 - الكواكب الدري لعبد الله الحضرمي ج 5 ص 72. (1/284)
صفحة 285
285
وأما إن وجد في البلد فإن كان في البلد عدو للمقتول من غير أهل البلد فلا قسامة أيضاً وإن كان ليس فيها عدو من غير أهلها ولم تصح بينة على قاتله فعلى أهل البلد القسامة يحلف خمسون رجلا أنهم ما قتلوه ولا يعلمون قاتله ثم تقسم بينهم ديته وإن كانوا أقل من ذلك كررت عليهم الأيمان حتى تبلغ خمسين يمينا. وإن خرج في قبيلة فقتل فيهم فالقسامة على تلك القبيلة الذين قتل عندهم. وإن جرح ثم مات بعد ذلك بطلت القسامة ورجعت إلى الدعاوى. وإن اتهم أولياء المقتول أحداً بطلت القسامة أيضا وقيل: لا تبطل والله أعلم. ومن ادعى على آخر حقاً فأنكره وطلب يمينه فحلف وذلك في غير محضر الحاكم فالأصح إذا لم يحلفه حاكم أو رجل رضياه حكماً بينهما وإلا فهذه اليمين لا تبطل حجة المدعي ولو أقر أنه حلفه
وإذا ادعى زيد على عمرو حقاً فأنكره فرام أليته فادعى أنه قد حلفه له الحاكم أو رجل رضياه فأنكره الطالب أنه ما حلفه فإنه يحلف بالله أنه ما حلفه له حاكم ولا رجل رضياه حكماً بينهما.
وإذا ادعت الزوجة أنَّ زوجها باشرها في نفاسها عمداً فأنكر وحلف أني ما وطأتها عمداً في نفاسها بفتح الطاء فهذا يمين كافية على بعض الآراء لأن فيها لغة والأصح بكسر الطاء والتوثق أولى في الأحكام سيما في الفروج لأن أمرها عظيم وخطرها جسيم.
عن الشيخ الوالي عامر بن محمد بن مسعود ومن مات وعليه حقوق في أوراق فلما طلب أهل الحقوق حقوقهم ادعى الوارث أن ليس على الهالك من هذا الحق إلا بعضه وبعض أربى عليه فهذه دعوى غير مسموعة ولا يمين في مثل هذا على (1/285)
صفحة 286
286
الأصح لأن الهالك مات وماتت حجته وأما دعواه أن ليس على الهالك إلا بعض الحق فللورثة اليمين على طالب فيها بما يزيد عن إقرارهم.
ومن ذلك: دعوى الورثة بطلان وقفية الواقف لشيء من ملكه إذا لم يذكر المحل الذي يصير إليه الوقف غير مسموعة، ما دام الواقف نص على الوقفية. وعدم ذكره ما وقف عليه لا يخل بذلك الايقاف لأن معنى إيقاف الشيء هو إخراجه من حيز الملك إلى حال لا يصح التصرف به إلا فيما جعل له في وجه من وجوه البر وغاية ما في ذلك أنه لم يُعلَم المحل الذي أوقف عليه فهو مجهول الانفاذ فتُصرف منافعه للفقراء بعد تحقق التوقيف.
وقد أجاب بهذا العلامة النور السالمي وأيَّده فيه شيخه العلامة محمد بن مسعود البوسعيدي المنحي وهذا نصه:-
س- من أوقف بيتا أو ضيعة بما هذا نصه أقر" وأوصى فلان أنه قد أوقف بيته الفلاني وقفا مؤبدا إلى يوم القيامة" ولم يذكره أنه لأولاده أو للفقراء أو لشيء مخصوص أصلا أيثبت هذا الوقف على هذه الصفة؟ فإن قلت بثبوته فإلى أين مرجعه والورثة يدعون بطلانه؟
الجواب: الذي يظهر لي في هذا أن ذلك البيت وقف مؤيد على حسب ما أقر به
وأوصى.
وعدم ذكره ما أوقف عليه لا يخل بذلك الايقاف عندي لأن معنى إيقاف الشيء هو إخراجه من حيز الملك إلى حال لا يصح التصرف به إلا فيما جعل له وغاية ما في ترك ما أوقف عليه ذلك البيت أنه لم يُعلَم لِمَ أوقف عليه فهو مجهول
1 - الكوكب الدري لعبد الله الحضرمي 72/ 5) السابق (1/286)
صفحة 287
287
الانفاذ فتصرف منافعه للفقراء بعد تحقق التوقيف.
وجهل ما أوقف عليه ودعوى الورثة بطلان ذلك الايقاف غير مسموعة عندي على هذه الصفة اللهم إلا أن يلقوا بدعواهم هذه عند من يرى خلاف ما رأيت فإن المسألة اجتهادية والنزاع فيها سائغ ولكل ما رأى وكل مجتهد مصيب والله أعلم. قال غيره: نظرت هذا الجواب وأرجو أنه غير خارج من الصواب والموصي أخرجه عن ملكه بالوقف فلا سبيل إلى ادخاله في ملك الورثة بعد اخراج المالك له في حياته، والله أعلم فلينظر فيه ولا يؤخذ إلا بعدله كتبته وأنا العبد الفقير إلى الله محمد بن مسعود البوسعيدي بيده.
وإذا كانت الدار في يد إنسان، فادّعاها، آخر، أنّ أباه مات، وتركها ميراثا عليه؛ عند القاضي، وجحد ذلك الذي هو في يده. وقال المدّعي مات والدي منذ سنة، وتركها ميراثا، فسأله الحاكم شهودا، فأتاه شهودا أنّه اشتراها هو من الذي هي في يده، منذ سنتين، ولم يذكروا أباه. فإنّ هذا لا تقبل منه البيّنة، في قول بعضهم؛ لأنّ هذا نقض لدعواه الأولى ودعواه نقض للأخرى. وكذلك لو ادّعى هبة أو
صدقة.
وإذا كان الشيء في يدي، رجل، فادّعى رجل آخر، أنّ الذي في يده تصدّق به عليه من سنة، وقبضه وجحده الذي في يده فسأل القاضي المدعي البينة على ما يدعى، فجاء المدعى ببيّنة، أنّه اشترى منه مذ سنتين. فإنّ هذا لا يقبل منه؛ لأنّ
1 - جوابات نور الدين أحكام الوقف ج 3 ص 539 ط 2010 م تحت عنوان (الوقف مع عدم تحديد
مصرفه) (1/287)
صفحة 288
288
دعواه الأولى تنقض دعواه الأخرى.
وكذلك لو ادعى أوّل مرّة الشراء، ثمّ جاء بالشهود على الصدقة، فإنّ ذلك لا يقبل
منه.
وإن ادّعى الصدقة مذ سنة، وجحده الذي هو في يده وأقام البينة أنه اشتراها مذ شهر، وقال: جحدني الصدقة فاشتريته منه، فإنّه تقبل من هذ البيّنة، ويقضي له بالعبد.
وكذلك لو ادّعى الشراء مذ سنة، وقال: جحدني فسألته فتصدق به علي بعد ذلك، وأقام البيّنة على ذلك، فإنّه يقبل منه الشهود على ذلك، ويقضي له بالعبد. وكذلك لو ادّعى أنّ أباه مات، وتركه ميراثا لا وارث له غيره من سنة، وقال: جحدني ذلك، ولم تكن له بيّنة، فاشتريته مذ شهر وأقام على ذلك بيّنة. فإنّه يقبل منه ذلك، ويقضي له بالعبد.
ولو ادعى أنه ورثه مذ سنة من أبيه، على ما ذكرنا فقال له القاضي: هات بيّنة. فقام من عند القاضي على ذلك، فجاءه بالبيّنة على الشراء، أنه اشتراه منه، بعد ما قام من عند القاضي، وقال: جحدني الميراث، فاشتريته منه. فذلك يقبل منه. وإن ادّعى رجل أمة في يدي رجل وقال اشتريتها بعبدي هذا، مذ سنة، وجحد البائع ذلك فسأله القاضي البيّنة، فأتاه بشاهدين فشهدا أنه اشتراه منه، مذ قام عند القاضي بألف درهم وقال: جحدني البيع الأوّل، ولم تكن له بيّنة. فإنّه يقبل منه ذلك، ويقضى له به.
1 - الإيضاح في الأحكام لأبي زكريا يحيى بن سعيد باب في الدعوى في شيء واحد من وجهين ج 3 ص 152 فما بعدها نقلا من كتاب لأبي صفرة. الكندي: المصنّف، 14 ص 112 و 120. والمجلد (1/288)
صفحة 289
289
ولو ادعى على رجل دينا فقال المدعى عليه لم يكن لك علي شيء قط فأقام المدعي البينة وقضى القاضي بذلك ثم أقام المدعى عليه البينة أنه كان قد قضاه إياه تسمع دعواه وتقبل بينته لجواز أنه لم يكن عليه شيء وإنما قضاه إياه لدفع الدعوى الباطلة.
ولو قال لم يكن لك علي شيء ولا أعرفك، فأقام المدعي البينة وقضى القاضي له ببينته ثم أقام المدعى عليه البينة أنه كان قضاه فلا تسمع دعواه ولا تقبل
بينته.
لأن قوله لا أعرفك يناقض دعوى القضاء لأن الظاهر أنه لا يقضي إلا بعد معرفته إياه فكان في دعوى القضاء مناقضا فلا تسمع ولو ادعى على رجل أنه اشترى منه عبدا بعينه والعبد في يد البائع فأنكر البائع البيع فأقام المشتري البينة وقضى القاضي به ثم وجد به عيبا فأراد أن يرده على البائع فأقام البائع البينة على أن المشتري كان أبرأه عن كل عيب لم تسمع دعواه ولا تقبل بينته لأن إنكار البيع يناقض دعوى الإبراء عن العيب لأن الإبراء يقتضي وجود البيع فكان مناقضا في دعوى الإبراء فلا تسمع وعلى هذا مسائل.
والأصل في هذا الباب أنه إذا سبق من المدعي ما يناقض دعواه فالتناقض يمنع صحة الدعوى إلا في النسب والعتق فإن التناقض فيهما غير معتبر بأن قال لمجهول النسب هو ابني من الزنا ثم قال هو ابني من النكاح تسمع دعواه.
التاسع النسخة المحققة بنشر الأوقاف ص 318 فما بعدها في حكم البينة على التأريخ. الكندي: بيان الشرع. ج 123/ 30 فما بعدها بدائع الصنائع 155/ 14
1 - أنظر: بدائع الصنائع 157/ 14) (1/289)
صفحة 290
290
وكذا مجهول النسب إذا أقرّ بالرق لرجل ثم ادعى أنه حر الأصل تسمع دعواه حتى تقبل بينته لأن بيان النسب مبني على أمر خفي وهو العلوق منه إذ هو مما يغلب خفاؤه على الناس فالتناقض في مثله غير معتبر كما إذا اختلعت امرأة من زوجها على مال ثم ادعت أنه كان طلقها ثلاثا قبل الخلع وأقامت البينة على ذلك تسمع دعواها وتقبل بينتها لما قلنا كذا. هذا
وكذلك الرق والحرية ومنها أن يكون المدعى مما يحتمل للثبوت؛ لأن دعوى ما يستحيل وجوده حقيقة أو عادة تكون دعوى كاذبة حتى لو قال لمن لا يولد مثله لمثله هذا ابني لا تسمع دعواه لاستحالة أن يكون الأكبر سنا ابنا لمن هو أصغر سنا منه وكذا إذا قال لمعروف النسب من الغير هذا ابني والله تعالى أعلم.
ويشترط في صحة الدعوى عدم وقوع التناقض فيها، لذلك لا تسمع الدعوى التي يقع فيها التناقض، إلا أن التناقض يغتفر فيما كان مبنيا على الخفاء، ففي المادة 1655 من مجلة الأحكام العدلية يعفى التناقض إذا ظهرت معذرة المدعي وكان محل خفاء.
ومن
أمثلة ذلك إذا مات شخص عن ورثة بالغين وخلف حصة من دار وصدق الورثة أن بقية الدار لفلان وفلان، ثم ظهر وتبين أن مورثهم المذكور اشترى بقية الدار من ورثة فلان وفلان في حال صغر المصدقين وأنه خفي عليهم ذلك، تسمع دعواهم؛ لأن هذا تناقض في محل الخفاء فيكون عفوا
ومن ذلك دعوى النسب أو الحرية، أو الطلاق؛ لأن النسب مبني على أمر خفي وهو العلوق من المدعي إذ هو مما يغلب خفاؤه على الناس، فالتناقض في مثله غير معتبر، والطلاق ينفرد به الزوج والحرية ينفرد بها المولى.
-1:أنظر بدائع الصنائع (135/ 16) (1/290)
صفحة 291
291
ومن
ذلك: المدين بعد قضاء الدين لو برهن على إبراء الدائن له. والمختلعة بعد أداء بدل الخلع لو برهنت على طلاق الزوج قبل الخلع وغير ذلك. وهكذا كل ما كان مبنيا على الخفاء فإنه يعفى فيه عن التناقض
ابن محبوب من عليه لرجل ألف، فطالبه به فأقرّ له به وأعطاه، ثم عاد فرفع عليه بألف وأقام به بيّنة فاحتج الغريم أنَّه الذي أوفاه إياه، وقال هو إنَّه سواه، فلا يؤخذ له بهذا إلا إن شهدت البيّنة أنَّه غير الذي أقرّ له به، أو أرّخ كل منهما؛ وإن كان له عليه مائة وأقرّ له بها وقال قضيتك منها خمسين، فقال له الطالب إنّما قضيتنيها من غير هذه المائة، فالقول قول المطلوب إلا إن بَيَّن الطالب أنَّها من غيرها، وكذا ما يشبه هذا.
ومن قامت له بيّنة على زيد بخمسين، وأقرّ له عمر بأخرى، وقال: أنا الذي كانت عليه الخمسون ولكن اشتبه على الشهود، أخذت منه التي أقرّ بها، ومن زيد التي شهدوا عليه بها.
ومن يطلب زيدا بدراهم ويحدُّها وصفا وعددا فقال عمر: أنا الذي عليه الدراهم التي تطلبها إلى زيد، وإنّما هي علي لا عليه فله أن يستوفيها من أيهما شاء. ادعى على آخر أنه أخوه، وادعى عليه النفقة، فقال المدعى عليه ليس هو بأخي ثم مات المدعي، وخلف أموالا كثيرة، فجاء المدعى عليه يطلب ميراثه، وقال هو
الموسوعة الفقهية الكويتية 19 210 المادة 1655 من مجلة الأحكام وشرحها للأتاسي 5/ 144، 145، ودرر الحكام 4 228، وتنقيح الفتاوى الحامدية 2/ 29 - 30، 175 والزيلعي وهامشه 4/ 99 - 100، والبدائع 6 ص 224.
التاج المنظوم الثميني /7/ 469 الباب السابع في الأحكام في الحقوق والديون وقضائها والبراءة منها والحبس عليها، المنهج ج 6 ص 88 القول السابع ..... بعض تصرف. ط مكتبة مسقط.
-1
-2 (1/291)
صفحة 292
292
أخي، لا تقبل دعواه، ولا يقضى له بالميراث لأنه متناقض، ولو كان مكان دعوى الأخوة دعوى البنوة أو الأبوة، والمسألة بحالها يقبل ذلك منه، ويقضى له بالميراث.
وإن ادعى عينا في يد إنسان أنها لفلان وكلني بالخصومة فيها ثم ادعى أنها له، وأقام البينة على ذلك يصير متناقضا فلا تقبل بينته، ولو ادعى أنها له ثم ادعى بعد ذلك أنها لفلان وكله بالخصومة فيها، وأقام البينة على ذلك قبلت بينته، ولا يصير متناقضا.
ومن ذلك: الحاضر عند البيع لو بعثه البائع إلى المشتري وتقاضاه الثمن لا
تسمع دعواه الملك لنفسه بعده؛ لأنه يصير مجيزا للبيع بتقاضيه الثمن .. 2 رأى غيره يبيع عرضا من العروض أو أصلا من الأصول كالدار مثلا وتصرف فيه المشتري زمانا، وهو ساكت ثم جاء يدعي الملكية على المشتري سقطت دعواه. وكذا إن اشترى شيئا أو استامه للشراء ثم جاء يدعي الملك فلا تسمع دعواه لأنه يكون متناقضا والتناقض مانع لسماع دعوى الملك كما تقدم.
اشترى ثوبا في جراب فلما نشره قال هذا ثوبي لا تسمع دعواه، لأن الاستيام والشراء للشيء إقرار من المستام والمشتري بأنَّ المال الذي استامه واشتراه ليس ملكه، ولا يعقل أن يشتري الانسان وهو كامل الأهلية ملكه أو يستامه من غيره.
انظر: ابن نجيم البحر الرائق 6 ص 153. المحيط البرهاني للإمام برهان الدين ابن مازة السابق 113 - 112/ 7 و 182 ط 1 بيروت.
أنظر معين الحكام فيما يتردد بين الخصمين من الأحكام المؤلف علي بن خليل الطرابلسي، أبو الحسن، علاء الدين المتوفى س 844 هـ، 2 ص 274.
-1
-2 (1/292)
صفحة 293
293
مثلا: إذا استام أحد مالا أي أراد شراءه ثم ادعى أن ذلك المال كان ملكه قبل الاستيام لا تسمع دعواه، وهذا بناء على رأي من جعل الاستيام إقرارا بالملك
للمستام منه.
وكذا على رأي من جعل الاستيام إقرارا من المستام بأنه لا ملك له في المال الذي استامه؛ لأن إقرار ذي اليد بأن لا ملك له وثمة أحد يدعي الملك، سواء لنفسه أو لغيره -بالوكالة -مثلا- يبطل دعوى الملك من المستام، فلا تسمع دعواه، أما على
رأي من لم ير ذلك إقرارا بالملك للبائع فتسمع دعواه إن ادعاه لغيره بالوكالة. وكذلك لو قال ليس لي حق عند فلان مطلقا، ثم ادعى عليه شيئا لا تسمع دعواه، وكذلك لو ادعى أحد على آخر بقوله كنت أعطيتك كذا مقدارا من الدراهم على أن تعطيها إلى فلان فلم تعطها له وبقيت في يدك فأحضرها لي وأنكر المدعى عليه ذلك وبعد أن أقام المدعي البينة رجع المدعى عليه وأراد دفع الدعوى
بقوله نعم كنت أعطيتني تلك الدراهم إلا أنني أديتها لك فلا يسمع دفعه. وكذلك لو ادعى أحد الحانوت الذي هو في يد غيره بأنه ملكه، وأجاب ذو اليد بقوله: نعم كان ملكك ولكن بعتني إياه في التاريخ الفلاني وأنكر المدعي ذلك، بقوله لم يجر بيننا بيع ولا شراء قط، وبعد أن أثبت ذو اليد دعواه رجع المدعي فادعى قائلا: نعم كنت بعت لك ذلك الحانوت في ذلك التاريخ، لكن هذا البيع كان وفاء أو بشرط
مفسد
هو كذا فلا تسمع دعواه. 1 ادعى عليه شيئاً محدودا وأقام عليه، بينة، وقضى القاضي له، ثم مات فادعى المدعى عليه ذلك المحدود ملكا مطلقا، لا تسمع دعواه ولا بينته؛ لأنه صار مقضيا عليه بذلك الشيء والوارث قام مقام الموروث.
1 - انظر: مجلة الاحكام العدلية 1 ص 329 درر الأحكام في شرح مجلة الحكام (263/ 4) بتصرف. (1/293)
صفحة 294
294
ومن ذلك: سقوط الشفعة بالمساومة فلو علم بشراء ما فيه شفعته وذهب للمشتري يستامه منه للشراء ولم يطلبه بالشفعة فتسقط دعواه الشفعة بعد ذلك وكما تسقط بالمساومة تسقط بالبيع والإجارة والإعارة لأنه في هذه الأحوال اعتراف من طالب الشفعة للمشتري بحق الشراء وإقرار له بالتملك والنزول عن حق الشفعة. وقد اجيزت الشفعة رفعا للضرر عن الشفيع على خلاف القياس لأن القياس يقتضي أن كلا أحق بماله والمشتري اشترى محل الشفعة بماله وبموجب إجازة الشارع له فجعلت الشفعة رفعا للحرج على خلاف القياس وما ثبت على خلاف القياس فغيره لا يقاس عليه.
ومن
والحكم الذي يترتب بصورة مخالفة للقياس، لا يجوز قياس غيره عليه. أمثلة ذلك: بيع الاستصناع فقد جُوّز على خلاف القياس؛ رفعا للضرر عن البشرية لضرورة التعامل بذلك والأصل أنه من باب بيع المعدوم وبيع المعدوم باطل لحديث نهي الرسول الله عن بيع ما ليس معك. 1
1 - أبو غانم الخراساني: المدونة الصغرى، ج 2، ص 130 ونصه" قال أبو المؤرج: وأخبرني أبو عبيدة أيضا رفع الحديث إلى جابر بن زيد وإلى ابن عباس أن النبي - عليه السلام - «نہي عن بيع ما ليس معك» (أي ليس عند البائع أصله (موسوعة آثار الإمام جابر بن زيد لإبراهيم بولرواح (2/ 935) (2833/ 1122) و (2834/ 1122 - ومن جامع أبي صفرة عن داود عن ابن أبي هند، عن عمرو بن سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «نهى عن سلف وبيع ما ليس عندك نسيئة»، أبو الحسن وقلت: ... ، وقال جابر بن زيد لا تبع ما ليس عندك نسيئة. الربيع الجامع الصحيح، ج 2، ص 148، رقم 564 والحديث رواه: رواه أبو داود (3504)، والنسائي (7/ 288)، والترمذي (1234)، وابن ماجه (2188)، وأحمد (2/ 174 و 179 ه. و 20) والحاكم (2/ 17). ونصه" وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك" و معنى قوله: " سلف وبيع " قال ابن الأثير في " النهاية " (2/ 390): " هو مثل (1/294)
صفحة 295
295
أن يقول: بعتك هذا العبد بألف على أن تسلفني ألفا في متاع أو على أن تقرضني ألفا؛ لأنه إنما يقرضه ليحابيه في الثمن، فيدخل في حد الجهالة؛ ولأن كل قرض جر منفعة فهو ربا؛ ولأن في العقد شرطا لا يصح.". قوله: " ولا شرطان في بيع " قال ابن الأثير 459/ 2: " هو كقولك: بعتك هذا الثوب نقدا بدينار، ونسيئة، بدينارين، وهو كالبيعتين في بيعة ". قوله: " ولا ربح ما لم يضمن ": قال ابن الأثير (2/ 182): " هو أن يبيعه سلعة قد اشتراها ولم يكن قبضها بربح، فلا يصح البيع، ولا يحل الربح؛ لأنها في ضمان البائع الأول، وليست من ضمان الثاني، فربحها وخسارتها للأول ". قوله: " وبيع ما ليس عندك ": قال الخطابي في " المعالم ": " يريد بيع العين دون بيع الصفة، ألا ترى أنه أجاز السلم إلى الآجال،، وهو بيع ما ليس عند البائع في الحال؟، وإنما نهى عن بيع ما ليس عند البائع من قبل الغرر، وذلك مثل أن يبيع عبد الآبق، أو جمله الشارد" الخ. قال الخطابي: قوله: "لا تبع ما ليس عندك" يريد بيع العين دون بيع الصفة، ألا ترى أنه أجاز السلم إلى الآجال، وهو بيع ما ليس عند البائع في الحال، وإنما نهى عن بيع ما ليس عند البائع من قبل الغرر، وذلك مثل أن يبيعه عبده الأبق أو جمله الشارد ويدخل في ذلك كل شيء ليس بمضمون عليه مثل أن يشتري سلعة فيبيعها قبل أن يقبضها، ويدخل في ذلك بيع الرجل مال غيره موقوفاً على إجازة المالك، لأنه يبيع ما ليس عنده ولا في ملكه، وهو غرر، لأنه لا يدري هل يجيزه صاحبه أم لا؟ والله أعلم. سنن أبي داود ت الأرنؤوط (363/ 5) قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله: هذا الحديث أصل من أصول المعاملات، وهو نص في تحريم الحيل الربوية، وقد اشتمل على أربعة أحكام الحكم الأول: تحريم الشرطين في البيع، وقد أشكل على أكثر الفقهاء معناه، من حيث إن الشرطين إن كانا فاسدين، فالواحد حرام، فأي فائدة لذكر الشرطين؟ وإن كانا صحيحين لم يحرما. فقال ابن المنذر: قال أحمد وإسحاق فيمن اشترى ثوبا واشترط على البائع خياطته وقصارته، أو طعاما واشترط طحنه وحمله - إن شرط أحد هذه الأشياء فالبيع جائز، وإن شرط شرطين فالبيع باطل. وهذا فسره القاضي أبو يعلى وغيره عن أحمد في تفسيره رواية ثانية حكاها الأثرم، وهو أن يشتريها على ألا يبيعها من أحد ولا يطأها، ففسره بالشرطين الفاسدين. رَوَى جَابِرٌ أَنَّهُ عليه السلام "نَهَى عَنْ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ وَرَخَّصَ فِي الْعَرَايَا" وَرَوَى أَنَسٌ هِ أَنَّهُ علَيهِ السلام "نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ " وَمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ صَفْقَةً (1/295)
صفحة 296
296
وقياسا على ذلك كان يجب أن يكون بيع الاستصناع غير جائز، ولكن جوّز استثناءً على خلاف القياس للضرورة، فلا يجوز قياس عقد آخر عليه، كما أنَّ بيع السلم أيضا جوّز على خلاف القياس، فلا يجوز اعتبار أن بيع ثمر الشجر الذي لم يظهر ثمره جائزا استنادا على جواز بيع الاستصناع أو بيع السلم؛ لأنَّ النص بجواز الاستصناع والسلم على خلاف القياس.
لو باع شخص مالا لآخر بحضوره وسكت أو باعت الزوجة بحضور زوجها مالا على أنه لها، وسكت الزوج فالبيع يكون نافذا، فلو ادعى صاحب المال أو الزوج أن المال المبيع هو ماله لا تسمع دعواه.
وَاحِدَةً وَمَا رَوَى حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ أَوْ غَيْرُهُ أَنَّهُ عليه السلام نَهَى عَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْإِنْسَانِ وَرَخَّصَ في السَّلَمِ" نصب الراية لأحاديث الهداية مع حاشيته بغية الألمعي في تخريج الزيلعي (45/ 4) وإنما استثنى الشرع السلم من بيع ما ليس عندك، لأنه بيع تدعو الضرورة إليه لكل واحد من المتبايعين، فإن صاحب رأس المال محتاج إلى أن يشتري التمر، وصاحب التمر يحتاج إلى ثمنه لينفقه عليه، فظهر أن صفقة السلم من المصالح الحاجيَّة، وقد سماه الفقهاء: بيع المحاويج. وعن أبي المنهال عن ابن عباس قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم والناس يستلفون في الثمر السنتين والثلاث، فقال: "من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم انظر: جمال الدين أبو محمد عبد الله بن يوسف بن محمد الزيلعي (المتوفى: 762 هـ نصب الراية لأحاديث الهداية مع حاشيته بغية الألمعي في تخريج الزيلعي (46/ 4) (1/296)
صفحة 297
297
فعدم سماع الدعوى منه كان على خلاف القياس؛ لأن القاعدة "لا ينسب إلى ساکت "قول" فهذا الحكم لا يقاس غيره عليه.
أما لو كان العقد الذي جرى غير البيع وكان إجارة أو إعارة، فلو أقام الدعوى ذلك الشخص الذي حضر الإجارة أو الإعارة، وادعى بأن المال ماله فالدعوى تسمع منه.
ولو اختلف البائع والمشتري على ثمن المبيع قبل القبض وعجز الطرفان كلاهما عن إثبات مدعاهما، فبما أنَّ البائع والمشتري كلاهما منكر دعوى الآخر
والمبيع لا يزال بيد البائع فيجري التحالف بينهما، وهذا يكون موافقا للقياس. وإذا كان الاختلاف وقع بعد القبض فتكون دعوى المدعي هي طلبه الزيادة في الثمن، والواجب كان الاكتفاء بتحليف المشتري المنكر زيادة الثمن استنادا على الحديث الشريف القائل «إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة بينهما تحالفا وترادا» مع أن هذه المسألة تجرى خلافا للقاعدة
قلت والذي عليه العمل ان القول قول المشتري بعد قبض المبيع وتخلي البائع عنه وذلك أمرين اثنين: أحدهما أن البائع يدعي زيادة الثمن على ما يعترف به المشتري ومدعي الزيادة هو المدعي
ثانيهما: أنَّ المبيع لما كان بيد المشتري وتم تخلي البائع عنه فالقول قول المشتري مع يمينه لكونه ذايد، وذلك عند عدم البينة فليحرر.
والمرء مؤاخذ بإقراره إلا إذا كان إقراره مكذَّبا شرعا، أو كان فيه إبطال حق
لغيره.
انظر: درر الحكام في شرح مجلة الأحكام 1/ 34)
-1 (1/297)
صفحة 298
298
من
أمثلة ذلك إذا أقر إنسان بالزناء عند زوجه سواء أكان المقر رجلا أو امرأة فالمشہور إن صدقه في إقراره ولم يرجع عنه حرم على الآخر، وهنالك رأي آخر أنه بإقراره ذلك مدع لما يبطل حق الآخر عليه، ودعواه لا تقبل، فلا تسمع دعواه في ذلك، وكلامه مردود عليه جملة وتفصيلا. ولعل هذا أقرب إلى روح العدل، فإن النكاح ثبت بيقين وبثبوته وجبت حقوق وواجبات لكل منهما على الآخر، واليقين لا يزيله الا يقين مثله فلا تبطل تلك الحقوق بمجرد كلام مرسل لا دليل عليه والقضاء بتحريم كل منهما على الآخر وتحليل الزوجة لتنكح زوجا آخر ليس بالأمر الهين فلينظر فيه بإمعان.
أما إذا أقر بحق مالي لآخر ثم ادعى أنه كان إقراره عن خطأ منه ظانا وجوب ذلك عليه فهو مدع بما يبطل إقراره ويفسد بنيانه الذي بناه على نفسه، وقد تقدم أن من سعى في نقض ما تم من قبله فسعيه مردود عليه فلا تسمع دعواه. وإذا ادعى شخص على آخر بدين وبعد أنْ أقرَّ به المدعى عليه ادعى بأنه كان أوفى ذلك الدين، فينظر إذا كان الادعاء بالأداء في مجلس الإقرار فلا يقبل لأنه يكون رجوعا عن الإقرار وتناقضا في القول؛ إلا أن يكون متصلا بالإقرار غير منفصل عنه كأن يقول مثلا: نعم كان على ذلك لكني أوفيته إياه، فهنا يكون مقرا بالحق مدعيا للوفاء ويلزمه البيان.
انظر: العلامة الرباني سعيد بن خلفان الخليلي التمهيد ج 10 ص 0 - 10. ن مكتبة الشيخ محمد بن شامس البطاشي بتحقيق ابنه حارث بن محمد البطاشي. وقد بحثت موضوع الإقرار في الجزء الأول والثاني والثالث من تطبيقات القواعد فارجع اليه إن شئت.
-1 (1/298)
صفحة 299
299
وإذا كان في مجلس غير مجلس الإقرار بحيث يمكن حدوث الوفاء منه وادعى الوفاء بعد الإقرار فتقبل دعواه ويصير مدعيا أيضا وعليه البيان، وعلى البينة التفصيل في ذلك. 1
على أنه لا يجوز الرجوع عن الإقرار في حقوق العباد فإذا أقر شخص بأنه مدين لآخر بكذا ثم عاد فقال رجعت عن إقراري هذا فلا يعتبر رجوعه ويلزم
بإقراره إذ لا إنكار بعد إقرار إلا في الحدود فيقبل لدرء الحد بالشبهة. فمن ادعى على رجل مالاً بيده فصدَّقه ثمَّ رجع فيه وقال: ظننته له فصدقته فإذا أقر أنَّه له، وصدقه على معروف فلا رجعة له فيه
ومن مات ولم يوص وصيًّا فادَّعى رجل إلى ورثته عليه دينًا فصدقوه عليه، وكتبه عليهم، وأشهد، وطلبه إليهم فقالوا خدعتنا فقال: ضمنتم لي، ومزقت كتاب البيّنة، وأبرأته وصح حقّي فيكم فهو عليهم.
ورجح العلامة الرباني في التمهيد عدم الثبوت إن كان أصله غير ثابت عليهم. وإن ادعى وارث منهم بعد القسمة أو الإجابة إليها، أنَّ له في الأصل عطية أو شراء أو دينا وبيَّن ذلك لم يقبل، وجوز، وكذا لا شغل بدعوة طالب قسمة بعد كالأولى.
1 - أنظر في هذا المعنى: منهج الطالبين (9/ 67) القول السابع في الإقرار الذي ليس بصريح.
- التاج المنظوم الثميني 248/ 7 الباب العشرون في تصديق الخصم فيما يدعيه ويقر ببعضه. العلامة الرباني المحقق سعيد بن خلفان الخليلي تمهيد قواعد الإيمان ج 11 ص 418 تحقيق البطاشي ن مكتبة الشيخ محمد بن شامس البطاشي. (1/299)
صفحة 300
300
وكذلك لو ادعى في الأصل دعوى وبين ولم تتم بوجه ثم أجاب لها وتجابروا عليها لا يجد رجوعا لدعواه إلا إن شرط حين أجاب وتجابروا.
والإقرار يظهر الملكية، ويظهر بالإقرار أن المال المقر به كان قبل الإقرار ملكا للمقر له. فعلى ذلك لا يكون الإقرار سببا للملك على قول؛ لأن الإقرار من وجه إخبار والإخبار إنما يحتمل الصدق والكذب فلا يتخلف مدلوله الوضعي، حتى إن المقر إذا أقر كاذبا فلا يحل للمقر له أخذ المقر به ديانة ما لم يسلمه المقر برضائه للمقر له وفي تلك الحالة يكون هبة ابتداء.
أما الإنشاءات كالبيع والهبة فحيث إنها إيجاب فيمتنع تخلفها عن مدلولها
الوضعي ذلك أنَّ: حكم الإقرار هو ظهور المقرّ به لا حدوثه بداءة، يعني ظهور أن الملك المقرّ به كان قبل الإقرار ملكا للمقرّ له، وليس حدوثُ ملكية المقر له في المقرّ به ولا إنشاء ملكية.
ولهذا لا يكون الإقرار بناء عليه سببا للملك، فلو ادعى المدعي على المدعى عليه شيئا وجعل سببه إقراره فقط لا تسمع دعواه، مثلا لو ادعى المدعي بقوله: إن هذا المال ملكي وإن هذا الرجل - الذي هو ذو اليد قد أقر بأنه مالي فهنا تسمع دعواه وأما إذا ادعى بقوله: إن هذا المال لي لأن هذا الرجل الذي هو ذو اليد قد أقر بأنه مالي، فلا تسمع دعواه.
النيل وشفاء العليل للثميني 2 599 شرح النيل للقطب اطفيش 10 ص 591 و 13/ 538
وانظر: آخر البحث في تكذيب دعواه.
-1 (1/300)
صفحة 301
وكذلك لو ادعى بقوله: إن لي في ذمة هذا الرجل كذا درهما من جهة قرض
حتى إنه قد أقر بأنه مدين لي بهذا المبلغ من هذه الجهة فتسمع دعواه. أما لو ادعى قائلا إن هذا الرجل قد أقر بأنه مدين لي بكذا درهما من جهة قرض فلذلك إن لي في ذمته كذا درهما واطلبها منه فلا تسمع دعواه.
أمَّا على الرأي الآخر وهو أن الإقرار حجة على المقر مع كمال الأهلية فيكون سببا للملك والمال المقرّ به حلال للمقر له؛ مالم يعلم يقينا أنَّ المقرَّ كاذب في
إقراره.
والأمثلة الآتية يمكن تصورها في الوجهين معا.
مثلا لو ادعى المدعي قائلا إن هذا المال لي وإن هذا الرجل الذي هو ذو اليد عليه قد أقر بأنه لي فتسمع دعواه، وتسمع شهوده على إقراره هذا؛ لأن المدعي لم يتخذ في هذه الصورة الإقرار سببا للملك بل اتخذه دليلا على مدعاه.
أما إذا لم يوجد شاهد يشهد على الإقرار فلا يحلف المدعى عليه على كونه لم
يُقرّ بأن ذلك المال ملك للمدعي بل يحلف على أنه لم يكن ملكا للمدعي. لو ادعى المدعي قائلا بأن المدعى عليه قال لي عن المال الذي في يده إن هذا
المال لي وسلمه إلي تسمع دعواه؛ لأنها تكون دعوى هبة والهبة سبب ملك. أما لو ادعى المدعي قائلا: هذا المال لي لأن هذا الرجل الذي هو ذو اليد عليه قد أقر بأنه لي، لا تسمع دعواه؛ لأنه قد اتخذ الإقرار سببا للملك. كذلك لو ادعى أحد على الدار التي تحت يد شخص آخر قائلا في دعواه إن هذه الدار كانت لوالدي وقد تركها لي ولأختي فلانة إرثا وبعد وفاة والدي قد أقرت أختي المذكورة بأن جميع الدار لي وقد صدقتها في ذلك فلا تصح دعواه في ثلث تلك
الدار الذي لأخته. (1/301)
صفحة 302
إذا تخاصم الزوجان في الدعاوى مدة مديدة، فادعى الزوج بأنَّ الزوجة قد أقرت بأن المدعى به ملكه أثناء الخصومة وفي حضور القاضي فلا تسمع دعواه. 1 قلت: وقد سبق أنَّ الإقرار حجةٌ على المقر مع كمال الأهلية، وقد بحثت ذلك في تطبيقات القواعد بما يغني عن الإطالة هنا. لو أمكن توفيق الكلامين اللذين يريان متناقضين ووفقهما المدعي أيضا يرتفع
التناقض.
فمثلا لو أقر أحد بأنه كان مستأجرا للدار ثم ادعى أنها ملكه لا تسمع دعواه ولكن لو قال كنت مستأجرا ثم اشتريتها يكون قد وفق بين كلاميه وتسمع دعواه. كذلك لو ادعى أحد على آخر دراهم معلومة المقدار من جهة القرض وأنكر المدعى عليه ذلك بقوله: ما أخذت منك شيئا أو لم يجر بيني وبينك أي معاملة مطلقا، أو إنني لا أعرفك مطلقا، وأقام المدعي البينة على دعواه، فادعى المدعى عليه بعد ذلك قائلا: قد أوفيتك ذلك المبلغ، أو كنت أبرأتني منه. فلا تسمع دعواه
للتناقض.
ولكن لو قال المدعى عليه في رده على دعوى المدعي: ليس لك علي دين قط، وبعد أن أقام المدعي البينة ادعى المدعى عليه قائلا: نعم كنت مدينا لك ولكن أوفيتك إياه أو أبرأتني منه، وأثبت دعواه بدفع المدعى به فله أن يدفع المدعي بذلك ولا تناقض هنا؛ لأنه يمكن التوفيق بين كلاميه فليتنبه. وقد سبقت بعينها. وكذلك لو ادعى أحد وديعة على آخر وأنكر المدعى عليه بقوله: ما أودعت عندي شيئا وأثبت المدعي ذلك، وقال المدعى عليه بعد ذلك كنت رددتها وسلمتها
1 - انظر: درر الحكام في شرح مجلة الأحكام المجلد 283/ 4، ومجلة الاحكام العدلية 1 ص 332 (1/302)
صفحة 303
303
إليك فلا يسمع دفعه هذا ويأخذ المدعي الوديعة عينا إن كانت موجودة في يده ويضمن قيمتها إن كانت مستهلكة.
وأما لو أنكر المدعى عليه دعوى المدعي المشروحة بقوله ليس لك عندي وديعة ثم أقام المدعي البينة وقال المدعى عليه بعد ذلك كانت لك عندي تلك الوديعة ولكن رددتها وسلمتها لك فتسمع دعواه.
قلت: وفي هذا إشكال واضح إذ لا فرق بين المسألتين فكيف تسمع دعوى الرد للوديعة هنا وقد ناقض نفسه وأدخله فيما لا تقدر عليه؟! فلتأمل.
"وقيل في رجل ادعى عند الحاكم أنه استودع رجلاً ألف درهم وأنكر المستودع أن ليس عنده له شيء فأقام عليه المدعي شاهدي عدل أنه استودعه ألف درهم فلما حكم عليه بها الحاكم جاء بشاهدي عدل أن اللصوص سرقوا هذه الدراهم التي كان استودعه إياها.
فنقول إن على الحاكم أن يسأل الشاهدين فإن شهدا أنها سرقت من قبل الوقت الذي أنكرها فيه مع الحاكم فقد برأ ولم يكن له معه شيء كما قال.
وإن كان في تاريخها أنها سرقت من بعد الوقت الذي أنكرها فيه فهو لها ضامن لأنه كان غاصباً حين سرقت وإن لم تؤرخ البينة في ذلك وقد جحدها وقد صحت عليه
1 - الضمير في (دفعه) راجع إلى المدعى عليه أولا المنكر للحق لأنه بإنكاره للحق وإثبات المدعي دعواه بالبينة وادعاء المدعى عليه المطالب ابتداءً بعد ذلك الوفاء تناقض منه أيضا فلا
ويلزم بدفع الحق.
2 - درر الحكام شرح مجلة الأحكام المجلد 4/ 248) مجلة الأحكام العدلية ص: 332)
منه يسمع (1/303)
صفحة 304
304
بعد الجحود ولم يصح أنها تلفت قبل جحوده لها فهو لها ضامن حتى تصح براءته منها والله أعلم.
والحاصل إذا ساق المدعى عليه الكلام موصولا بعضه ببعض حتى كأنه كله غير أجنبي من بعضه فهو معتبر وإلا فلا.
العلامة الثميني في التاج: " ومن قال لرجل: لي عليك رهن، وقال هو له بل لك عندي وديعة، وقد دفعتها إليك، فعليه البينة لا على مدعي الرهن.
وإن قال أحدهما لآخر: أنت رهنت عندي درهما، وأخذت مني دينارًا، وعكس الآخرُ، فقد اتفقا على الدرهم، ويحلف على الآخر على الدينار.
وإن ادَّعى عليه، قرضًا، فقال هو بل مضاربة، ضمن لأنَّه مدَّع فيها، وإن قال بنسق واحد: بل قبضت منك مضاربة، قُبِل قوله، وعلى مدَّعي القرض بيانه. والفرق: أنَّ الإقرار الأوّل يُثبت عليه الحقَّ، ثمَّ قال: مضاربة، فهو مدع، والثاني لم يقر له بشيء يوجب ضمانًا؛ وإن أقرَّ بمضاربة بشيء قبضها، لم يلزمه ضمان؛ وكذا كل قول لا يقارنه الإقرار بها فهو مدع بعده.
ومن ادعى على رجل دراهم، قرضا، فقال له بل هي أمانة، فقيل: هي أمانة إلا إن بينه، وقيل: القول قول مدَّعيه مع يمينه، إلا إن بيَّن الآخر، وقيل: يدعي كل ببيان مدعاه؛ فإن بيَّنا أو أحدهما، وإلا حلف كلٌّ على مدَّعاه. وانظر ما إذا بينا معًا، أو حلفا معا فلعله على الخلاف المتقدّم. 2
1 - منهج الطالبين وبلاغ الراغبين لخميس الرستاقي (98/ 9) القول السادس عشر في الدعاوي والحكم واليمين في الأمانة والوديعة والعارية والهدية والعطية وما أشبه ذلك" ط التراث. 2 - التاج المنظوم من درر المنهاج المعلوم لعبد العزيز الثميني (2387) الباب الخامس عشر (1/304)
صفحة 305
305
ومثلها ادعى عليه أمانة فاعترف وادعى التلف ....
ومن ادعى إلى رجل وديعة، فقال له الحاكم: أعندك لهذا وديعة؟ قال: نعم؟، ليس قبلي له حق موصولاً بكلامه، قال: فهي إقرار بها، ولو موصولاً بنَعم.
وقال أبو عبد الله في رجل ادعى على رجل أنه معه له ألف درهم فقال الرجل كانت معي ثم دفعتها إليك فالقول قوله إلا أن يأتي الطالب ببينة فعليه بذلك البينة أنه دفعها إليه.
قيل لأبي سعيد: ما تقول أنت في هذا؟
قال: معي أنه كما قال أبو عبد الله لأنها تخرج مخرج الأمانة والأمين مصدق فيما قال من الدفع وعليه إن طلب المدعي اليمين ويخرج في بعض القول أنه لا يمين
على الأمين. وقيل في رجل ادعى على رجل أمانة ائتمنه عليها فقال له الأمين قد ائتمنتني عليها وأمرتني أن أدفعها إلا فلان وقد دفتها كلاماً متصلا بعضه ببعض فقال من قال إنه مصدق فيما قال ولا غرم عليه.
وقال آخرون: هو ضامن لها؛ لأنه قد صدق الرجل في الأمانة وادعى عليه الأمر في التسليم وذلك إذا أنكر المؤتمن الأمر بالدفع.
فيمن ادعى على أحد شيئًا فأقر أنَّه بيده أمانة أو رهن أو غيرهما أو صدقة ثم أنكره بعدما رفع
إليه.
1 - التاج المنظوم من درر المنهاج المعلوم لعبد العزيز الثميني (243/ 7) الباب السادس عشر في الدعوى والحكم واليمين في الأمانة ونحوها والهدية والعطية ونحوهما. منهج الطالبين وبلاغ الراغبين لخميس الرستاقي (959 القول السادس عشر في الدعاوي والحكم واليمين في الأمانة والوديعة والعارية والهدية والعطية وما أشبه ذلك .. بتصرف. الكوكب الدري للحضرمي ج 6 النهج الثاني والأربعون في الدعاوي المسموعة والمردودة ومعرفة المدعي والمدعي عليه. (1/305)
صفحة 306
306
ومثلها من قال لرجل: لي عندك، رهن، فقال له بل لك عندي وديعة فدفعتها إليك ... وعن رجل يطلب من رجل شيئا ويقول إنه أقر له به، فلما طلبه إليه قال: السلطان قهرني حتي قبلتُ له بالدراهم، وأقررتُ له بها.
فإذا أقر أنه ضمن له أو أقرله وادعي أن السلطان جبره على ذلك موصولا بكلامه،
فله حجته في ذلك حتي يصح أنه ضمن له، أو أقر له، على غير جبر.
وقول: إنه ثبت عليه الإقرار يكون مدعياً للجبر.
وأما إذا أقر وقطع الإقرار بسكوت أو بكلام بغيره ثم قال: إن ذلك كان إذ جبره السلطان عليه، ثبت عليه، إقراره، وكان مدعياً للجبر ولا أعلم في مثل هذا اختلافاً. إذا قال أحد أبرأت فلانا من جميع الدعاوى أو ليس لي عنده حق مطلقا يكون إبراء عاما فليس له أن يدعي بحق قبل الإبراء حتى لو ادعى حقا من جهة الكفالة لا تسمع فعليه لو ادعى بقوله: أنت كنت قبل الإبراء كفيلا فلا تسمع دعواه كذلك لا تسمع دعواه على آخر بقوله: أنت كنت كفيلا لمن أبرأته قبل الإبراء. إذا قال أحد أبرأت فلانا من جميع الدعاوى، أو ليس لي طرفه حق مطلقا أو ليس لي معه دعوى مطلقا، أو أبرأته من كل حق لي فيكون إبراء عاما فليس له أن يدعي لنفسه بحق قبل الإبراء مالي أو غير مالي؛ عين أو دين أو كفالة، أو إجارة، أو حدود، أو قصاص، أو سرقة، أو قذف قليلا كان أو كثيرا من الحقوق كما أنه تدخل الشفعة في الإبراء العام الحاصل بتلك الألفاظ، وتسقط الشفعة قضاء أما ديانة فلا تدخل الشفعة في الإبراء إذا لم تكن مقصودة فيه.
1 - منهج الطالبين وبلاغ الراغبين لخميس الرستاقي 255/ 10 القول الحادي عشر في الأيمان في
الإقرار. ط التراث. (1/306)
صفحة 307
307
لكن لا تدخل في الإبراء جميع دعاوى الأعيان القائمة فعليه لو تبارأ الزوجان من جميع الدعاوى بعد الافتراق فإذا وجدت على أرض الزوج مزروعات للزوجة، أو أعيان أخرى قائمة فلا تدخل في الإبراء المذكور
و لو ادعى حقا من جهة ثمن مبيع، أو بدل إجارة، أو قرض، أو غصب أو وديعة، أو عارية أو إرث، أو مضاربة أو تركة، أو مزارعة، أو كفالة لا تسمع للتناقض إلا إذا كانت حادثة بعد الإبراء فعليه لو ادعى بقوله: أنت كنت قبل الإبراء كفيلا بالمال، أو كفيلا بالنفس لفلان فسلمني المال المكفول به أو النفس المكفول عنها، أو قال له كفلتك بأمرك على الدين المطلوب منك لفلان، وقد أديته له حسب الكفالة فأده لي لا تسمع دعواه كما أنه لا تسمع دعواه فيما لو ادعى بقوله: أنت كنت كفيلا لمن برأته قبل الإبراء فأد لي المال المكفول به. كذلك لو ادعى أحد على آخر بعد أن أبرأه إبراء عاما على هذا الوجه بأن له ميراثا عن مورثه ينظر فإذا كان مورثه قد توفي قبل الإبراء فإبراؤه صحيح، ولا تسمع دعواه إلا إن كان يجهل وفاة مورثه.
كذلك لو قال أحد ليس لي قبل فلان دين أو أبرأت فلانا من ديني، أو تركت ديني الذي على فلان، أو جعلت ديني على فلان حلالا له فيكون إبراء عاما عن المطلوب فلا تسمع دعوى هذا الدائن حتى لو قال المبرئ إنني قصدت بهذا اللفظ الإبراء عن بعض الدين فلا يصدق، إلا أنه تسمع دعواه المتعلقة بغير الديون كالأمانات أو الغصب، أو الدار أو المزارعة أو الحيوان؛ لأن الدين من المثليات التي تتعلق بذمة المدين، وما ذكر ليس من هذا القبيل.
كذلك لو قال أحد ليس لي أمانة عند فلان كان ذلك إبراء عاما عن الأمانة فلا تسمع دعوى منه تتعلق بالأمانة إلا أنه تسمع دعواه في الجهات الأخرى كالدين (1/307)
صفحة 308
308
فلذلك لو ادعى المدعي مالا فدفع المدعى عليه دعواه بقوله: إنك أبرأتني من كافة الدعاوى، أو إنك قد أقررت بأن لا دعوى ونزاع لك معي وأثبت دفعه هذا
يكون قد دفع دعوى المدعي.
1 - انظر: در الحكام شرح مجلة الاحكام لعلي حيدر المجلد 4 ص 62 فما بعدها شرح المادة (1565)
ومجلة الاحكام العدلية ص 305. مرجع سابق. (1/308)
صفحة 309
309
القضاء على الغائب
الغائب هو المتواري عنك بحيث لا تراه ضد الحاضر، وغاب عنك كذا بعد واختفى، وغيبت الشيء فقدته، وغابت الشمس اختفت في المغيب، وكذا القمر، قال في المصباح: غَابَ الشيءُ يَغِيبُ غَيْبًا و غَيْبَةً و غِيَابًا بالكسر و غُيُوبًا و مَغِيبًا بعد، فهو غَائِبٌ، والجمع غُيَّبٌ وغُيَّابٌ وغَيْبٌ مثل ركع و کفار و صحب، و تَغَيَّبَ مثل غَابَ، و يتعدى بالتضعيف فيقال: غَيَّبْتُهُ، وغَابَ القمرُ و الشمس غِيَابًا و غَيْبُوبَةً، و تَغَيَّبَ مثل غَابَ أيضا، وهو التوّاري في المَغِيبِ، وَاغْتَابَهُ اغْتِيَابًا إذا ذكره بما يكره من العيوب وهو حق، والاسم الغيبة، فإن كان باطلا فهو
الغِيبَةُ في بهت.
والغَيْبُ كل ما غاب عنك، وجمعه غُيُوبٌ، وفي التنزيل: عَلَّامُ الغُيُوبِ و أَغَابَتِ المرأة بالألف غَابَ زوجها فهو مُغِيبٌ ومُغِيبَةٌ، وغَيَابَةُ الجبّ بالفتح قعره
1 - البهت الإيقاع في الحيرة والدهش، قال: " الغيبة ذكرك أخاك بما يكره" فقيل: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته" تيسير التفسير للقطب امحمد بن يوسف اطفيش 19875407/ 2 ط التراث) تفسير قوله تعالى. {وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) النساء (112) والحديث أخرجه مسلم ج 4/ 2001 ح (2589 وأبو داود (269/ 4 ح 4874) والترمذي (3294 1934) وأحمد (384/ 2 ح 8973). والنسائي في الكبرى ج 6/ 467 ح 11518 وروي الحسن قال: الغيبة ثلاثة أوجه كلها في كتاب الله تعالى: الغيبة والإفك والبهتان، فأما الغيبة فهو أن تقوم في أخيك ما هو فيه وأما الإفك فأن تقول فيه ما بلغك عنه وأما البهتان فأن تقول فيه ما ليس فيه النكت والعيون (154/ 4، أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي الشهير بالماوردي (المتوفى: 450 هـ) المحقق: السيد ابن عبد المقصود بن عبد الرحيم الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان وتفسير القرطبي (المتوفى: 671ھ) (16/ 335) (1/309)
صفحة 310
310
والجمع غَيَابَاتٌ.
واصطلاحا هو الغائب من الحوزة.
والقضاء على الغائب هو الحكم على الشخص في غيبته وعدم حضوره في أمر ما من الأمور المدعاة عليه، والحكم في الغائب الحكم في شيء غير حاضر أمام القاضي.
ومنه قول الرسول: فليبلغ الشاهد الغائب ... "" وقوله تعالى: {رَجْمًا بِالْغَيْبِ الكهف: (22) أي راجمين بالغيب قائلين بالظن والتخمين من غير علم؛ استعارة
1 - المصباح المنير في غريب الشرح الكبير - 2/ 457
-2
هذا الحديث جزء من خطبة الرسول في حجة الوداع أخرجه الامام الربيع" باب ما جاء في وقت الدفع من عرفة والمزدلفة" شرح الجامع الصحيح لنور الدين السالمي 232/ 2) أَبُو عُبَيْدَةَ قَالَ: لَمَّا أَذِنَ الله تَعَالَى لِنَبِيهِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةَ الْوَدَاعِ وَهِيَ حَجَّةُ التَّمَامِ، فَوَقَفَ بِعَرَفَةَ وَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَار ....... " الحديث رقم 422 في المسند. وهو بتمامه كما في المنتخب من مسند عبد بن حميد تحقيق صبحي السامرائي ج 1 ص: 270 ح رقم 858"حدثني ابن أبي شيبة، ثنا زيد بن حباب العكلي، ثنا موسى بن عبيدة قال: حدثني صدقة بن يسار، عن ابن عمر: أن هذه السورة أنزلت على رسول الله الله في أوسط أيام التشريق بمنى وهو في حجة الوداع إذا جاء الله والفتح حتى ختمها فعرف رسول الله له أنه الوداع، فأمر براحلته القصواء فرحلت له فركب فوقف للناس بالعقبة فاجتمع إليه الناس فحمد الله، وأثنى عليه بما ه هو أهله، فقال: " أيها الناس إن كل دم كان في الجاهلية فهو هدر وأول دمائكم دم إياس بن ربيعة بن الحارث كان مسترضعا في بني ليث فقتلته هذيل وإن أول ربا كان في الجاهلية ربا العباس بن عبد المطلب فهو أوضع لكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون أيها الناس، إن الزمان قد استدار فہو اليوم كهيئة يوم خلق الله السماوات والأرض وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله منها أربعة حرم رجب مضر بين جمادى وشعبان وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، وإن النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما
نصر (1/310)
صفحة 311
311
له من الرجم بالحجارة، والباء للتعدية، شبَّه الغائب المظنون بحجرٍ يرمى به، ولا
يصيب.
وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (75) النمل. اسم للأشياء الغائبة تغلبت عليه الاسمية من أول الوضع، فتاؤه ليست للتأنيث، بل للنقل من الوصفية إلى الاسمية، والفرق بين المنقول والمنقول عنه، أو للمبالغة ويجرى على المذكر والمؤنث؛ كالراوية للرجل الكثير الرواية، أو مأخوذ من الوصف والمتغلب الاسمية يجوز إجراؤه على موصوف مذكر والمنقول من الوصف لا يجري على موصوف
وقيل: الغائبة يوم القيامة وأحواله وقيل الحوادث والنوازل، وقيل: أعمال
ليواطئوا عدة ما
حرم
الله، وذلك أنهم كانوا يجعلون صفر عاما حراما وعاما حلالا، ويجعلون المحرم عاما حلالا وعاما حراما، وذلك النسيء من الشيطان يا أيها الناس إن الشيطان قد يئس أن يعبد في بلدكم هذا آخر الزمان وقد رضي منكم بمحقرات الأعمال فاحذروه في دينكم، أيها الناس، من كانت عنده وديعة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، أيها الناس، إن النساء عندكم عوان، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن حق، ولهن عليکم حق، ومن حقكم أن لا يوطئن فرشكم ولا يعصينكم في معروف فإذا فعلن ذلك فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف فإذا ضربتم فاضربوا ضربا غير مبرح، أيها الناس قد تركت فيكم ما إذا اعتصمتم به لن تضلوا كتاب الله، أيها الناس، أي يوم هذا؟ قالوا يوم حرام. قال: أي شهر هذا؟ قالوا: شهر حرام قال: أي بلد هذا؟ قالوا: بلد حرام. قال: فإن الله عز وجل قد حرم دماءكم وأموالكم وأعراضكم كحرمة هذا اليوم وهذا الشهر ألا لا نبي بعدي ولا أمة بعدكم ألا فليبلغ شاهدكم غائبكم ثم رفع يديه فقال: اللهم اشهد أني قد بلغت ثلاث مرار " وانظر: النووي المسند الجامع 23 ص 267، الهيثمي مجمع الزوائد 3/ 587 5623 مسند الروياني 4 ص 411 ح 1416.
1 - انظر: قطب الأئمة تيسير التفسير ج 8 ص 318 بتحقيق طلاي مع بعض تصرف. (1/311)
صفحة 312
312
العباد، وقيل: أنواع عذاب السماء والأرض.
وعِلمُ الله محيط بخلقه وبكل ذرّة من ذرات الوجود، وكل غائبة مما هو خاف عن الناس في أقطار السّماوات والأرض في عالم الغيب، فعلمه تعالى شامل
محيط بكل ذلك.
وشرط القضاء على الغائب أن يكون غائباً عن البلد لا يمكن حضوره بحال ما أو متعذراً حضوره لمجلس القضاء، أو مستتراً لا يقدر عليه.
ثم إنما لا يجوز القضاء على الغائب إذا لم يكن عنه شخص حاضر يخاصم عنه؛ والشخص الحاضر الوكيل أو الوصي أو الوارث ومن كان بينه وبين الغائب اتصال فيما وقعت فيه الدعوى لأن الوكيل والوصي نائبان عنه بصريح النيابة والوارث نائب عنه شرعا، وحضور النائب كحضور المنوب عنه فلا يكون قضاء على الغائب بهذا المعنى.
وكذا إذا كان بين الحاضر والغائب اتصال فيما وقعت فيه الدعوى، بأن كان ذلك الاتصال سببا لثبوت حق الغائب كالشريك - مثلا - لأن الحاضر بذات السبب يصير مدعى عليه فيما هو حقه، ومن ضرورة ثبوت حقه ثبوت حق الغائب، فكان الكل حق الحاضر؛ لأنَّ كل ما كان من ضرورات الشيء كان ملحقا به، فيكون قضاء على الحاضر.
1 - تيسير التفسير للقطب أمحمد اطفيش 10/ 372) تفسير قوله " وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (75) مرجع سابق.
2 - انظر: شرح النيل للقطب اطفيش (9 (20 حاشية الترتيب على الجامع الصحيح لأبي ستة القطعة الثالثة ج 5 ص 42 ط التراث شرح النووي على مسلم (12 (8) حديث هند زوجة ابي
سفيان. (1/312)
صفحة 313
313
ولذا فإنَّ من ادعى على آخر أنه أخوه ولم يدع ميراثا ولا نفقة لا تسمع دعواه، لأنه دعوى على الغائب لأنه يريد إثبات نسبه من أب المدعى عليه وأمه وهما غائبان وليس عنهما خصم حاضر لأنه لم توجد الإنابة ولا حقٌّ يُقضَى به على الوارث، ليكون ثبوت النسب من الغائب من ضروراته تبعا له فلا تسمع دعواه أصلا.
ولو ادعى عليه ميراثا أو نفقةً عند الحاجة، تسمع دعواه وتقبل بينته؛ لأنه دعوى حق مستحق على الحاضر؛ وهو المال، ولا يمكنه إثباته إلا بإثبات نسبه
من الغائب فيُنصب خصم عن الغائب ضرورةً لثبوت الحق المستحق تبعا له. ولهذا لو أقر بالنسب من غير دعوى المال لا يصح إقراره، بخلاف ما لو ادعى على رجل أنه أبوه أو ابنه فإنه يصح من غير دعوى المال الحاضر، لأنه ليس فيه حمل نسب الغير على الغير فكان دعوى على الحاضر ألا ترى أنه لو أقر به يصح إقراره بخلاف الإقرار بالأخوة 1
"وإذا حضر الحاكم خصمان فادّعى أحدهما على الآخر دعوى فدعاه بالبينة، فأمر المطلوب بالدفع، فخرج على أن يعطي فتولّى؛ أمر الحاكم ببيع ماله وأعطى الحق طالبه؛ وإن كان بيده مال أسلمه؛ وإن صح عليه دين فحبسه فتولّى من الحبس أنفذ عليه الحكم وباع ماله؛ وإن أجل له فتولّى وهرب بعد أن صح عليه الحق باع ماله لأهله، وكذا في جميع ما يلزمه من الحقوق.
انظر الكاساني: بدائع الصنائع ج 6 ص 223 فما بعدها. الناشر دار الكتاب العربي سنة النشر 1982 بيروت. محمد رأفت عثمان النظام القضائي في الفقه الإسلامي ص: 222) دار البيان الطبعة الثانية 1415 هـ 1994 م
-1 (1/313)
صفحة 314
314
فإن احتج عليه أن يوافي من يدّعي عليه مالا؛ وأن يوافي إلى الحاكم أو إلى الأجل فلم يواف سمع عليه البيّنة وأنفذ الحكم إن تولّى؛ وإن كان بيده ما صح عليه أنَّه لغيره واحتج عليه في دفعه له فتولّى حكم عليه.
وإن وَكَّل الخصم وكيلا فغاب فأبى وكيله أن يخاصم له سمع عليه البينة وأنفذ الحكم عليه، وكذا نحو هذا.
وجاء الأثر عن أصحابنا أنهم لا يرون سماعها إلا بحضرة الخصم أو وكيله إلاّ في الوكالات والنسب
وقيل فيه: إنَّه إذا كان يدعي ميراثا لم تقبل منه بيّنة إلا بحضرة من يدعها إليه بذاك النسب.
وقد سبق القول أنه لا تسمع البينة الا بحضرة المشهود عليه مطلقا في جميع الدعاوى. والاحتجاج له في الكلام على الدعوى الصحيحة من هذا البحث فأرجع
إليه.
وإن كان إنما يطلب بيان نسبه من فلان ثبت ولو لم يكن له فيه خصم، وتقبل على المدعي الوكالة بلا حضرة خصم الموكل.
وكل مطلوب بحق امتنع واختفى فعلى الحاكم أن يجتهد في الاحتجاج عليه بالثّقة؛ فإن لم يقدر عليه فلا يحكم عليه إلا بعد الاحتجاج
وقيل: إذا صحت عليه البينة مع الحاكم أنفذ عليه الحكم، واستثنى للمحكوم عليه حجته، فإن أتى بالحجة، وإلا ثبت عليه الحكم. ويروى ذلك عن
انظر الفرع الخامس تقادم الدعوى الحدية من الجزء الثاني من تطبيقات القواعد للباحث فهنالك أوردت بعض ما قيل عن الشهادة بحضرة الخصم ص 290
-1 (1/314)
صفحة 315
315
أبي علي أنه كان يفعله إذا عرف ذلك بالخصومات والتواري عن الأحكام، وإقامة
الحجة عليه.
-1
التاج المنظوم الثميني من /4717، الباب التاسع في التولي عن الحكم ومن يلزمه الوفاء بلا حضرته وتسمع عليه الدعوى في غيبته والمنهج للعلامة الشقصي القول التاسع ... . ج 6 ص 91 فما بعدها. (1/315)
صفحة 316
316
دعاوى الرهن
الرَّهْن بفتح الراء وسكون الهاء لغةً: مطلقُ الحبس، وفي الشرع: حبس الشيء بحقٍ يمكن أخذه منه كالدين، ويطلق على المرهون من باب تسمية المفعول باسم المصدر وفي الحديث " "ولا رهن إلا بقبض
"
والرهن لا يتم إلا بالقبض كما هو معلوم من أحكام الرهن الحيازي؛ وهو الأصل فيه والحديث يدل على اشتراط القبض في الرهن لأنه نفى حقيقة الرهن إلا بالقبض، وهو قول الجمهور حتى قالوا: إذا خرج الرهن من يد المرتهن إلى يد الراهن بطل؛ لأنه فارق ما جعل له، وأجازه مالك بالإيجاب والقبول بدون القبض، والحديث يرده، وكذلك ظاهر قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ .. البقرة 283.
واختلف القائلون بشرط القبض فقيل: إن وقع بلا قبض بطل، وهو الذي يقتضيه ظاهر الحديث، فمتى ادعى المرتهن الرهن مع القبض، يعني إذا ادعى قائلا: إني ارتهنت وقبضت فتسمع دعواه.
وأما إذا أقام الدعوى على الراهن ولم يذكر القبض لا تسمع دعواه.
وقيل: تسمع ويجبر الراهن على تقبيض المرتهن الرهن.
إذا رهن شخص داره لآخر وسلم المرتهن سند الدار وحجتها فقط فلا يكون الرهن تاما لأن تسليم سند الدار وحجتها للمرتهن لا يقوم مقام تسليم ذلك الملك.
وذلك بناء على القول بجواز الرهن في العقار الثابت.
1 - الامام الربيع بن حبيب الجامع الصحيح، ج 2 0، ص 152، رقم 587.
انظر: نور الدين السالمي شرح الجامع ج 3 ص 239 التاج المنظوم من درر المنهاج المعلوم لعبد العزيز الثميني 4/ 406) الباب الخامس والثمانون: في قبض الرهن. (1/316)
صفحة 317
317
واحترز بقوله: ما لم يوجد القبض. أنه حينما يقبض المرتهن المرهون بإذن الراهن يصير الرهن لازما وتاما يدخل في ضمان المرتهن بحيث إذا ذهب الرهن ذهب بما فيه وليس للمرتهن أن يرجع إلى الراهن بطلب الحق، وبناء على ذلك لا يمكن الراهن أن يرجع عن الرهن إلا بأداء الحق محل الرهن.
وسئل أبو سعيد. رحمه الله عمن أراد شراء سلعة من رجل فلم يبايعه، حتى رهن في يده شيئا من الأصول، قبل قبض السلعة بالشراء.
قال: إذا كان قبض الرهن قبل عقدة البيع. فالرهن باطل. ويثبت بعد عقدة البيع. ولو لم يقبض المشتري ما اشتري
وقيل في معنى قول النبي: لا يغلق الرهن بما فيه لصاحبه غُنمُه وعليه غُرمُه " هو تعريف لأمته، لأنَّ الذي كان عليه أمر الجاهلية، أن يرهن الرجل مع الرجل رهنا ويشترط عليه: إن لم تَفدِه إلى وقت، كذا، فهو لي بحقي، فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وقال: لا يبطل ملك صاحبه عنه بهذا الشرط، ولا يزول حقه عنه بهذا الشرط،
انظر: منہج الطالبين القول السابع والستون في الرهن والثقة وما أشبه ذلك. ج 14 ص 321 ط
التراث.
ورد هذا الحديث بعدة ألفاظ هذا أحدها وبلفظ "لا يغلق الرهن والرهن لمن رهنه له غنمه وعليه غرمه" وبلفظ" لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه": أخرجه الشافعي في مسنده 251/ 1 ح 1228، والحاكم 59/ 2 2318، والبيهقي في الكبرى 39/ 6 ح 11551 - 11549 ابن حبان 258/ 13 5934، والدار قطني 33/ 3 - 133 عن أبى هريرة مرفوعا متصلا، وأخرجه عبد الرزاق 237/ 8 ح 15034، والشافعي 148/ 1 ح 717 كتاب الرهن، والبيهقي 39/ 6 ح 10992 و 11000 سنن الدارقطني 3/ 33 132 عن ابن المسيب؛
مرسلا.
-1
-2 (1/317)
صفحة 318
318
ولا يزول حقه عنه في الفكاك، ومثل شرطين في بيع.
1
قال الباحث قوله: "وقال: لا يبطل ملك صاحبه عنه بهذا الشرط .... إلخ تفسير للحديث من المؤلف له وليس من نص الحديث فليتنبه.
وفي الحديث لا يغلق الرهن ممن رهنه» أي لا يستحقه المرتهن بالدين الذي هو مرهون به إذا فرط الراهن في فكه، ولكنه يكون وثيقة في يده إلى أن يفكه، وفي البارع: غلق الرهن هو أن يرهن الرجل متاعا ويقول: إن لم أوفك في وقت كذا فالرهن لك بالدين، فنهى عنه النبي بقوله: "لا يغلق الرهن" أي لا يملكه صاحب الدين بدينه بل هو لصاحبه.2
أما غلة الرهن فللراهن وليس للمرتهن منها شيء فعن أبي قحطان ": وليس للمرتهن في الرهن إلا حفظه، وإن مات المرتهن فلورثته ما لهالکهم من الحجة فيه، ومثله إن مات الراهن، وليس لأحد ورثته فك حصته من المرهون إلا بعد إجماعهم
على ذلك.
-1
منهج الطالبين وبلاغ الراغبين لخميس الرستاقي (14/ 327 التراث؛ وج 7 ص 330 مكتبة مسقط، القول السابع والستون في الرهن والثقة وما أشبه ذلك.
2 - انظر: نزيه حماد: معجم المصطلحات الاقتصادية في لغة الفقهاء، ص.
-2
260
- أبو قحطان هو العلامة الفقيه أبو قحطان خالد بن قحطان الهجاري الخروصي، لعله من علماء النصف الأول من القرن الرابع الهجري وكان أبو قحطان وأبو مالك غسان بن محمد بن
الله
بن
الخضر الصلاني قد أخذا العلم عن أشهر علماء زمانهم في عُمان وهما الشيخ عبد محمد محبوب وأخوه الشيخ بشير بن محمد بن محبوب من مؤلفاته كتاب الجامع (جامع أبي قحطان) انظر إتحاف الأعيان 205/ 1.
منهج الطالبين وبلاغ الراغبين لخميس الرستاقي (14 (327 القول الثامن والستون في رهن الأصول والزراعة والثمار والحيوان السابق. الكوكب الدري لعبد الله الحضرمي 11/ 4 شرح (1/318)
صفحة 319
319
وإذا رهن رجل لرجل شيئًا فمؤونة الرَّهن كله على الراهن إلا الموضع الذي يأوي إليه ذلك الرَّهن فإنَّما هو على المرتهن في جميع الرهان كلّها غلة الأصل، والمتاع، والحبوب، والحيوان.
من
يعني ما ينفقه المرتهن على المحافظة على الرهن يأخذه من غلة الرهن إن كان فيه غلة وما بقي منها فمردودة على صاحب الأصل ليس للمرتهن منها شيء. وإن ضاع الرهن في يد مرتهنه، فقيل: لا يرجع أحدهما على صاحبه بشيء مطلقا، وقيل: يتراددان الفضل
وقيل: يرجع المرتهن على الراهن بفضل قيمة الرهن ولا يرجع هو به وعليه الأكثر منا والعمل، وحجتهم ما روي من قوله صلى الله عليه وسلم: «الرهن بما فيه""
النيل 11/ 186/184. وانظر: تفسير كتاب الله العزيز لهود بن محكم الهواري 1/ 261) التاج المنظوم الثميني 4/ 416. الباب الحادي والثلاثون فيما يجوز بيعه من العبيد وما لا يجوز. و ج 5/ 236 الباب الثالث والتسعون في الرهن.
وهو رواية عن علي انظر: السنن الكبرى للبيهقي وفي ذيله الجوهر النقي 41/ 6) الأحاديث
من 11560 - 11563.
هذه الرواية اسنادها على المعصوم و ضعيف؛ حسبما يقول علماء الحديث، فقد جاءت من طريق حَسَّان بن إبراهيم عن يزيد بن إبراهيم التستري عن عمرو بن دينار قال: قال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الرهن بما فيه». قال أبو حازم تفرد به حسان بن إبراهيم الكرماني قال البيهقي وهو منقطع بين عمرو بن دينار وأبى هريرة. السنن الكبرى للبيهقي وفي ذيله الجوهر النقي 6 ص 40 ح 11554 وفي الحديث رقم 11555 من طريق إسماعيل بن أبى عباد الذارع يقول: حدثنا حماد بن سلمة عن قتادة عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الرهن بما فيه ". قال أبو أحمد وأبو عباد اسمه أمية بصرى قاله زكريا الساجي قال الشيخ: قد قيل: إسماعيل بن أبي أمية الذارع وقيل عنه عن سعيد بن راشد عن حميد عن أنس مرفوعا. قال أبو الحسن
-1
-2 (1/319)
صفحة 320
320
فإذا ضاع ذهب من الحق بقدره فإن زاد كان المرتهن أمينا في باقيه. وقال عزّان: إذا ضاع رجع على الراهن بجميع حقه لأنه أمين فيه. أبو سعيد: إذا صح أنَّه اجتاح فلا يبطل حق المرتهن، وإن وجد في رهنه عيبا فله ردّه على الراهن، ولزمه بدله إن لم يكن فيه وفاء بحقه.
-1
الدار قطني: إسماعيل هذا يضع الحديث وهذا لا يصح أخبرنا بذلك عنه أبو عبد الرحمن السلمي وأبو بكر بن الحارث وأطال الكلام عليه في الحديث رقم 11557 وقال في الصغرى تفرد به إسماعيل الذارع وكان الدار قطني ينسبه إلى الوضع، والله يعصمنا من كل سوء. وفي الدار قطني من طريق هشام بن زياد عن حميد عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "الرهن بما فيه" لا يثبت هذا عن حميد وكل من بينه وبين شيخنا ضعفاء. الدار قطني في سننه ج 3 ص 12332 أما كونها أثرا فنعم فقد رويت عن الامام الربيع والشعبي وشريح القاضي والحسن وابن سيرين وغيرهم. أخرج عبد الرزاق في المصنف / 238 ح 15037 أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن جابر عن الشعبي قال رهن رجل خاتما من حديد بقدر من صفر فهلكت فاختصما إلى شريح فقال الرهن بما فيه. قال الشعبي ذاك ألف بدرهم ودرهم بألف قال معمر وكان الحسن يقول: ذهب الرهن بما فيه وانظر: الجزء الرابع من تطبيقات القواعد للباحث الدرك في
الرهن.
وهو رواية عن عمر ه .. عن عبيد بن عمير أن عمر بن الخطاب له قال في الرجل يرتهن الرهن فيضيع قال: إن كان أقل مما فيه رد عليه تمام حقه وإن كان أكثر فهو أمين. هذا ليس بمشہور عن عمر. السنن الكبرى للبيهقي وفي ذيله الجوهر النقي (43/ 6 ح 11559
2 - التاج السابق ج 5 الباب الثالث والتسعون في الرهن. وانظر: شرح النيل للقطب اطفيش 11/ 104) و 169 و 189 الجامع لأبي سليمان داود الوارجلاني كتاب في الرَّهن. فتاوى نور الدين أثر
تلف الرهن على الدين، 454/ 4 تلف الرهن بعد اعارته، 455/ 4 (1/320)
صفحة 321
321
سئل الربيع بن حبيب عن الرهن هلك أو سرق؟ قال: ذهب الرهن بما فيه. وقال: إن كان الرهن أفضل مما رهن فيه لم يكن على المرتهن شيء، وإن كان أقل
مما رهن فيه فعلى رب الرهن أن يؤدي الذي نقص من الرهن إلى المرتهن. ذكروا عن جابر بن زيد وأبي عبيدة أنهما قالا إن كان بأقل مما فيه فهو بما فيه، وإن كان بأكثر مما فيه فإنه يرد الفضل.
وحيث إن بيع الوفاء هو في حكم الرهن عند من رأى ذلك ففيه أيضا وجوب قبض المبيع لازم كي يكون تاما فالبيع بالوفاء لا يتم بدون القبض وكذا عند من رأه موقوفا. أما عند من رآه بيعا صحيحا فلا يشترط ذلك.
وبناء على القولين الأول والثاني إذا لم يسلم المال الذي بيع وفاء للمشتري وبعده طلب المشتري تسليمه له وادعى بذلك لا تسمع دعواه ولا يجبر البائع على التسليم، ولذلك أيضا إذا مات البائع وفاء قبل التسليم لا يكون المشتري أحق من سائر الغرماء.
1 - أبو غانم الخراساني المدونة الصغرى 134/ 2 المدونة الكبرى، ج 2، ص 173.
2 - هود بن محكم الهواري التفسير، ج 01، ص 261. (1/321)
صفحة 322
322
قوة الأمر المقضي
الأصل أنَّ المقضي عليه في حادثة بحكمٍ لا يقبل الطعن لا تسمع دعواه ولا بينته بعد القضاء عليه في نفس الحادثة؛ إلا إذا ادعى تلقي الملك من المدعي بعد القضاء عليه من جديد أو ادعى النتاج أو برهن على إبطال القضاء أو كان هنالك عذر شرعي خفي على المحكوم عليه أثناء الخصومة السابقة كما سيأتي بيانه إن
شاء الله.
والدفع بعد القضاء بواحد مما ذكر صحيح ويحكم القاضي في القضية بما وضح له بموجب شرع الله وهذا ليس نقضا للقضاء السابق وإنما قضاء لاحق بسبب تلقي المحكوم عليه محل الحكم السابق من المحكوم له سابقا من جديد
بعد الحكم الأول، فكما يسمع الدفع قبله يسمع بعده ولكن بهذه الثلاثة. والعذر في ذلك كما إذا برهن المحكوم عليه على إبطال القضاء؛ بأن أقام البينة على إقرار المقضي له أن ما قضي له به لا حق له فيه، وإنما هو في الحقيقة للمقضي عليه، وأمر أحدا أن يشتري له ذلك الشيء من المقضي عليه، وقد خفيت عليه الحجة، فإذا برهن على رجوعه عن ذلك وأنه مما خفي عليه، سمعت دعواه، فقد يظهر بعد إقراره على خطأ الناقل أو ظهور غش أو تدليس في التقاضي تسبب فيه المدعي أو ظهرت حجة صحيحة خفيت عليه أوّلاً ما لم يهدم كل حجة له في الخصومة.
1 - أنظر السرخسي - المبسوط - دار المعرفة - بيروت سنة (1414 هـ / 1993 م) الجزء الحادي عشر، ص 35. عبد الرزاق أحمد السنهوري في الوسيط المرجع السابق 640/ 2) هامش الأشباه والنظائر ابن نجيم ص 245 البحر الرائق
وتكملة حاشية رد المحتار 2 ص 206 ابن عابدين حاشية رد المختار على الدر المختار شرح تنوير
الأبصار بتصرف. (1/322)
صفحة 323
وكذا فيما هو حق متجدد ويتغير بتغير الأزمان والأحوال؛ كحقوق الوقف
والنفقات والحضانة ومصلحة اليتيم والغائب والحقوق العامة المتجددة؛ التي لا يختص بها فرد معين، فيصار في هذا كله إلى ما فيه مصلحتهم ورفع الضرر عنهم. ومن الاعذار المعتبرة ما يطرأ على الورثة بعد تصديق الورثة الزوجة على الزوجية ودفع الميراث لها من التركة، ثم دعواهم استرجاع الميراث بحكم الطلاق المانع منه، وأنهم ما كانوا يعلمون بذلك، فتسمع دعواهم بقيام العذر لهم في ذلك، حيث
استصحبوا في إقرارهم الحال في الزوجية وخفيت عليهم بينونة الطلاق أو بينته. ومنها ما إذا أدى المكاتب بدل الكتابة ثم ادعى العتق قبل الكتابة، لأنه قد يخفى عليه العتق فيعلم به بعد الكتابة.
ومنها إذا أقر بالرق ثم ادعى العتق سمعت دعواه كما مر بيانه آنفا. ومنها ما إذا استأجر دارا ثم ادعى ملكها على المؤجر وأنها صارت إلى المستأجر ميراثا من مورثه فلان، إذ هو مما يخفى.
ومنها أخ الزوجة إذا مات ثم قاسم الزوج الميراث ثم ادعى على الزوج أنه كان طلقها وبانت منه وخفي عليه ذلك.
ومنها ما إذا اختلعت المرأة من زوجها بمال ثم ادعت أنه قد أبانها قبل ذلك فتسمع دعواها وترجع إليه ببدل الخلع
ومنها ما إذا استأجر ثوبا مطويا في جراب أو منديل أو غير ذلك فلما نشره قال هذا متاعي سمعت دعواه وقبلت بينته إن ادعى عدم العلم بأنه ثوبه وأن المؤجر غشه أو خدعه بذلك، على خلاف في ذلك وقد مر في مسألة البيع فارجع إليها.
فالدعوى مسموعة في جميع هذه الصور الموضع العذر على الراجح
واعلم أنَّ المراد بالقضاء هنا قضاء الإلزام لا قضاء الترك، فإن المقضي عليه قضاء ترك تسمع دعواه وبينته ويصير مقضيا له بعد ذلك في تلك الحادثة. (1/323)
صفحة 324
324
بيان ذلك أن من كان له نهر يمر في أرض غيره فليس له حريم لقناة النهر إن لم يوجد دليل ظاهر على الحريم بأن كان العمار متصلا بقناة النهر؛ لأن ظاهر الحال شاهد لصاحب الأرض بالملك، إلا إن بين صاحب النهر أنَّ النهر سابق على الملك بأن كانت الأرض مواتا غير مملوكة ولم يسبق لها إحياء وانما وضع هذا يده عليها وأحياها بعد ذلك ولم يترك حريما للنهر ....
ولو قال المدعى عليه في الشيء هو لي وفي يدي فأقام المدعي بينة وحكم له الحاكم بها، ثم بان كونه في غير يد المدعى عليه، فالأقرب عدم نفوذ الحكم إن كان ذو اليد حاضرا وينفذ إن كان غائبا، وتوفرت شروط القضاء على الغائب. وعلم مما مر أن من يدعي حقا لغيره ولم يكن وكيلا ولا وليا لا تسمع دعواه وذلك إن كان يدعي حقا لغيره غير منتقل إليه، بسبب صحيح، بخلاف ما إذا كان منتقلا منه إليه بوجه من وجوه الانتقال الصحيحة.
1 - أنظر في هذا المعنى ابن عابدين العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية 1/ 213. ابن نجيم الأشباه والنظائر ص: (245 السرخسي والسنهوري السابقين، مجلة مجمع الفقه الإسلامي (1/324)
صفحة 325
325
فائدة نختتم بها هذا البحث
هل يعد ترك الشك والرجوع لليقين تكذيبا للنفس، أم لا؟ فالجواب ليس من باب تكذيب النفس وإنما هو من باب طرد الشكوك ووساوس النفس، وإرغام
6
الشيطان اللعين الذي يتربص الدوائر ببني البشر، وإرغام الشيطان والبعد عن وساوسه والاعتصام بالله واجب على كل إنسان، وقد قال الحق سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: ... وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (101) و وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا آل عمران. .. وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) (142 الأنعام إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) (6) فاطر.
قال القطب له في شرح النيل
وقد اختلفوا أيضا فيمن ترك شيئا لأنه رابه هل يعود إليه ويترك الشك أو لا؟ روي عن شيخ أنه كان يغسل النجس للشك فأطار إليه الماء الريح فترك الشك ورجع إلى الحكم بطهارة ما أصابه، وذكر في بيوع "الإيضاح" أنَّ بعضا يجيز التكذيب بعد التصديق.
ولا يترك طعاما شكّ في نجسه، بل يوكل أو يعطى دابة، وإن باعه أخبر بأنه شك فيه وهو عيب، وكذا اللبن والزيت وغيرهما، قال: "الحلال بين والحرام
1 - وفي (153/ 9 ما نصه" ولا يرجع به الغريم، أي بالمال الذي غرمه على الوكيل حين) ثبت أنه (صدقه) بناء على أنه لا رجوع إلى حكم التكذيب بعد الدخول في حكم التصديق، (وجُوزَ)، أي جوز بعضهم الرجوع على الوكيل وإن بعده)، أي بعد التصديق بناء على أنه يرجع من حكم التصديق إلى التكذيب وهو قول ووجه ذلك هنا أنه أعطاه على نية البراءة من الدين، فإذا لم يحكم له بالبراءة منه فله أن يسترجع ما أعطاه وليس ذلك رجوعا عن علمه لأن ذلك تصديق لا علم ولشبهة أنه لم يحكم له بالإبراء مع أنه إنما أعطى على نية الإبراء." (1/325)
صفحة 326
326
بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى،، ألا وإن حمى الله محارمه
6
قال ابن حجر المشتبه ما ليس بواضح الحل أو الحرمة مما تنازعته الأدلة وتجاذبته المعاني والأسباب، فبعضها يعضده دليل الحرام، وبعضها يعضده
دليل الحلال.
6
ومن ثم فسر أحمد وإسحاق وغيرهما المشتبه بما اختلف في حل أكله كالخيل أو شربه كالنبيذ، أو لبسه كجلود السباع أو كسبه كبيع العينة، وفسره أحمد تارة باختلاط الحلال والحرام، وحكم هذا أنه يخرج قدر الحرام ويأكل الباقي عند كثير من العلماء، سواء قل الحرام أو كثر،
ومن المشتبه معاملة من في ماله حرام فالورعُ تركُها مطلقا، وإن جازت؛ وقيل: واعتمده الغزالي إن كان أكثر ماله الحرام حرمت معاملته، ثم الحصر في الثلاثة لأنه إن نص أو أجمع على الفعل فالحلال، أو على المنع جازما فالحرام،
صحيح
1 - حَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ أَخْرَجَهُ البخاري في الإيمان فضل من استبرأ لدينه، وفي البيوع: الْحَلَالُ بَيِّنُ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، ومُسْلِمٌ باب أخذ الحلال وترك الشبهات، وابن ماجة، والبيهقي في الكبرى والدارمي في سننه وابو نعيم في الحلية والطبراني في الأوسط وأبو داود ح 3329 في البيوع: باب في اجتناب الشبهات، والنسائي ج 241/ 7 في البيوع: باب اجتناب الشبهات، وأبو نعيم في الحلية 270/ 4 و 326، وابن المستوفى في تاريخ إربل 147/ 1 و 204. وأخرجه أحمد من حديث النعمان ح 18374 ج 30 ص 324 مؤسسة الرسالة، وابن حبان ج 2 ص 497 ح 721. وابن أبي شيبة في مصنفه باب اكل الربا وما جاء فيه. وانظر ص 10 - 11 و 17 - 18 و 20 و 107 و 192 و 106 و 212
و 223 و 233. من الجزء الثاني من هذ الكتاب. للباحث. (1/326)
صفحة 327
327
أو سكت عنه أو تعارض فيه نصان، ولم يعلم المتأخر منهما فالمشتبه، ولكونه أشكل الثلاثة مست الحاجة إلى مزيد بيانه وإيضاحه.
فالحلال المطلق ما انتفى عن ذاته الصفات المحرمة وعن أسبابه ما يجر إلى
خلل فيه.
ومنه صيد احتمل أنه صيد، وانفلت من صاحبه، ومعار احتمل موت المعير وانتقاله إلى ورثته، وليس هذا مشتبها ولا ورع في العمل بذلك الاحتمال لعدم اعتضاده بشيء مع أن الأصل عدمه وإنما المشتبه الذي يتجاذبه سببان متعارضان يؤديان إلى وقوع التردد في حله وحرمته كما مر.
وأن الحرام ما في ذاته صفة محرمة كالإسكار، أو في سببه ما يجر إليه خللا كالبيع الفاسد، ومنه ما تحققت حرمته واحتمل حله كمغصوب احتمل إباحة مالكه وهو حرام صرف وليس من المشتبه لما قررناه في نظير الذي فيه احتمال محض لا سبب له في الخارج إلا مجرد التجويز العقلي وهو لا عبرة به فليس من المشكوك فيه، وأما المشتبه بالمعنى الذي قررناه آنفا فهو أقسام أربعة:- الأول: الشك في المحلل والمحرم فإن تعادلا استصحب السابق، وإن كان أحدهما أقوى لصدوره عن دلالة معتبرة في العين فالحكم له.
فلو رمى صيدا فجرحه فوقع في ماء أو إناء أو على سطح أو جبل فسقط منه أو على شجرة فضره غصنها، أو أرسل كلبا وشاركه فيه كلب آخر وشك في قاتله منهما لأن الأصل في هذه المسائل التحريم، أي لأنه شاهد قاتلا محرما وهو الماء أو نحوه فلا يزول الأصل بالشك في المبيح، فلو جرح طير الماء وهو على الماء ومات أو جرحه وهو خارج الماء فوقع فيه حل.
الثاني: الشك في طروء محرم على الحل المتيقن فالأصل الحل، فلو قال: إن كان ذلك الطائر غرابا فامرأتي طالق وقال آخر: إن لم يكنه فامرأتي طالق (1/327)
صفحة 328
328
والتبس أمره لم يقض بالتحريم على واحد منهما على الأصح لأن كلا منهما على يقين الحل بالنظر إلى نفسه إذ لم يعارضه بالنظر إليه وحده شيء، وإنما عارضه يقين التحريم بالنظر إلى ضم غيره إليه، ولا مسوغ لهذا الضم لأن المكلف إنما يكلف بما يخصه على انفراده، ومن ثم لو قالهما واحد في زوجتيه كأن علق طلاق إحداهما بكونه غرابا والأخرى بكونه غيره لزمه اجتنابهما لأن إحداهما طلقت منه يقينا، وأصل الحل فيها عارضه يقين التحريم في إحداهما بالنظر إليه وحده فارتفع به ذلك الأصل.
الثالث: أن يكون الأصل التحريم ثم يطرأ ما يقضي الحل بظن غالب، فإن اعتبر سبب الظن شرعا وألغي النظر لذلك الأصل وإلا فلا، فلو أرسل كلبا على صيد ثم غاب عنه بعد جرحه حل إن كان الجرح قاتلا سواء كان فيه أثر غيره أم لا، وكذا إن كان الجرح غير قاتل ولم يكن فيه أثر غيره بخلاف ما لو غاب عنه قبل جرحه ثم وجده مجروحا ميتا فإنه يحرم؛ وإن نضح (الكلب بدمه.
ولو وجدت شاة مذبوحة ولم يدر من ذبحها فإن كان أهل البلد مسلمين فقط أو كانوا أغلب حلَّت، وإن كان المجوس أكثر أو استويا حرمت، لأن الأصل التحريم حينئذ، ولم يعارضه أقوى منه، وهذا مبني على أنَّ ذبيحة المجوس لا تحل، والصحيح الحل إن كانوا يعطون الجزية.
1 - في ابن حجر (وإن تضمَّخ) انظر: الفتح المبين بشرح الأربعين لابن حجر الهيتمي ص: 236) 2 - شرح النيل للقطب اطفيش (95/ 17 فما بعدها ط م. جدة. وانظر: الفتح المبين بشرح الأربعين لابن حجر الهيتمي أحمد بن محمد بن علي السعدي الأنصاري، شهاب الدين شيخ الإسلام، أبو العباس المتوفى: 974 هـ / ص 234. فما بعدها. الناشر: دار المنهاج جدة - المملكة العربية السعودية الطبعة: الأولى، 1428 هـ - 2008 م (1/328)
صفحة 329
329
قال الفضل بن سويد: وَفَدَ جاريةُ بن قدامة على معاوية بعد وفاة أمير المؤمنين، فقال له معاوية: أنت الساعي مع ابن أبي طالب، والموقِدُ النّار، تجوسُ البلاد، وتسفك الدماء، فقال: دع عنك هذا يا معاوية، فو الله ما أبغضنا أمير المؤمنين بعد ما أحببناه، ولا غَشَشْناه منذ نَصَحْناه.
فقال: ما كان أهْوَنك على أهلك حيث سَمَّوك جارية، فقال جارية: أنت أهون على قومك حيث سَمَّوك معاوية، وهل مُعاوية إلا كلبةٌ عوت تُعاوي الكلاب، وهل أُميَّة إلا تصغير، أمة، والله إن قوائم السيوف التي جاهدناك بها يوم صفّين لفي أيدينا، قال: إنك لتهدّدُني؟ قال: نعم، إنك لم تَملِكْنا قَسْرًا، ولم تفتحنا عَنْوة، ولكن أعطيتنا عهودًا ومواثيق، فإن وفيتَ لنا وَفَينا لك، وإن غدرت بنا فقد تركنا وراء نا رجالًا أمدادًا، وسواعد شِدادًا، وسيوفًا حِدادًا، ولئن مَدَدْت إلينا فِترًا من غَدْر بسطنا إليك باعا من خَثر. ثم فارق جاريةُ بن قدامة الشام، ولم يقبل صِلةَ معاوية.
1 - وهو: جارية بن قدامة بن مالك بن زهير بن حصن ويقال: حصين بن رزاح وقيل: رياح بن أسعد بن بجير بن ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم التميمي السعدي يكنى أبا أيوب وأبا يزيد يعد في البصريين روى عنه أهل المدينة وأهل البصرة مات في ولاية يزيد بن معاوية. انظر: أشد الغابة؛ ترجمة جارية. ج 1 ص 166. الثقات لابن حبان ترجمة جارية رقم 191. أما علي کرم الله وجهه فكانت وفاته لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان سنة أربعين من الهجرة وبلغ عمره ثلاثا وستين سنة وقيل ثمانيا وخمسين سنة وصلى عليه ابنه الحسن وكانت خلافته أربع سنين وثمانية أشهر.
-2
انظر: ابن قز مرآة الزمان في تواريخ الأعيان /6/ 370 ومختصر تاريخ دمشق 5/ 365 - 366، وتهذيب الكمال 482/ 4 .. وذكر البخاري وابن خياط خبرا آخر يناقض بقاء جارية إلى الوقت المشار إيه وهو: "بعث معاوية عبد الله بن عمرو بن الحضرمي إلى البصرة للدعاء إلى الإقرار (1/329)
صفحة 330
330
فتدبر أخي في الله كلام هذا البطل العملاق الذي لا يخاف في الله لومة لائم لم يثنه جبروت معاوية ولا أبهة ملكه ولا نثره العطايا بين الناس لإخضاع رقابهم عن مراقبة الحق فقال كلمة الحق لما وجبت عليه مدوية على آذان معاوية وجلسائه ولم يستطع معاوية البطش به؛ لأنه أخرجها خالصة لله وحل ومن كان مع الله كان الله معه ولن يضيع الله عبدا أخلص العمل له.
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (30) أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (31) سورة الكهف.
وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3) " ... وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (4) ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (5) سورة الطلاق.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا
أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (135) النساء
بحكم عمرو بن العاص فيه ابن خياط التاريخ ص 118، 119 / البخاري الفتن باب قول النبي "لا ترجعوا بعدي كفاراً ح 7078 والطبري التاريخ جـ 3 ص 135، 137. (1/330)
صفحة 331
331
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8) المائدة.
فكن مخلصا الله يكن الله معك وينجيك من سوء وء العاقبة.
وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (101) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (107) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (108) آل
عمران.
وإن أردت المقارنة فاسمع وتدبَّر: أرسل معاوية بن أبي سفيان بعد تحكيم الحكمين بسر بن أبي أرطأة في جيش من الشام فساروا حتى قدموا المدينة، وعامل عليّ عليها أبو أيوب الأنصاري ففر منهم ... فدخل بسر المدينة ... ثم قال: يا أهل المدينة لولا ما عهد إلي معاوية ما تركت بها محتلما إلا قتلته، ثم بايع أهل المدينة وأرسل إلى بني سلمة فقال: والله ما لكم عندي من أمان ولا مبايعة حتى تأتوني بجابر بن عبد الله - يعني حتى يبايعه - فانطلق جابر إلى أم سلمة فقال لها: ماذا ترين إني خشيت أن أقتل وهذه بيعة ضلالة؟ فقالت: أرى أن تبايع فإني قد (1/331)
صفحة 332
332
أمرت ابني عمر وختني عبد الله بن زمعة - وهو زوج ابنتها زينب - أن يبايعا فأتاه
جابر فبايعه.
وهدم بسر دورا بالمدينة، ثم مضى حتى أتي مكة. وكتب أبو موسى قبل ذلك إلى اليمن: "إن خيلا مبعوثة من عند معاوية تقتل الناس، تقتل من أبى أن يقر بالحكومة"، ثم مضى بسر إلى اليمن وكان عليها عبيد الله بن عباس عاملا لعلي ففر إلى الكوفة، واستخلف عليها عبد الله بن عبد المدان الحارثي على اليمن فأتاه بسر فقتله، وقتل ابنه ولقي بسر ثقل عبيد الله بن عباس وفيه إبنان له صغيران فذبحهما، وقيل إنه وجدهما عند رجل من بني كنانة من أهل البادية، فلما أراد قتلهما قال الكناني: "علام" تقتل هذين ولا ذنب لها، فإن كنت قاتلهما فاقتلني، قال: أفعل، فبدأ بالكناني فقتله ثم قتلهما وقد قيل: إن الكناني قاتل عن الطفلين حتى قتل.
وقتل بسرّ في مسيره ذلك جماعةً كثيرة من شيعة علي باليمن. وبلغ عليا خبر بسر فوجه جارية بن قدامة في ألفين، ووهب بن مسعود في ألفين، فسار جارية حتى أتى نجران فحرق بها، وأخذ ناسا من شيعة عثمان، وهرب بسر وأصحابه منه.
"
أما الكندي في السلوك في طبقات العلماء والملوك، فلم يذكر التحريق والشنائع التي ذكرها غيره من عامل علي الله وهو: جارية بن قدامة السعدي، قال: "فلما قدم ابن أرطاة صنعاء وقد خرج عنها ابن عباس لاحقا بعلي استدعى
1 - أنظر تاريخ الطبري جـ 3 ص 153. والكامل للمبرد جـ 3 ص 1385 والكامل لابن الأثير، ج 3، ص: 187 - 188. والبداية والنهاية لابن كثير 7 ص 321. وتاريخ دمشق لابن عساكر 10/ 153 وتهذيب الكمال للمزي 65/ 4 وتاريخ ابن يونس المصرى (1 (64 تاريخ الطبري - تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري (1395) ففيها العجب العجاب والتاريخ بهذا مضطرب. (1/332)
صفحة 333
بالولدين وكان الكبير ابن عشر سنين والصغير ابن ثمان وفي اسمهما خلاف فقيل الحسن والحسين وقيل عبد الرحمن وقُثَم بضم القاف وفتح الثاء المثلثة ثم ميم فلما حضرا إلى بسر أمر بقتلهما فقالا له يا عم وما ذنبنا؟ فقال الخبيث ذكوا ابني أخي فاخرجا إلى باب المصرع وذبحا، وقتل عمرو بن أراكة الثالث، وقتل اثنين وسبعين من الأبناء كانوا قد شفعوا إليه في الطفلين فحصل للأبناء في ذلك ما قال من سل سيف البغي ضرب به ومن أعان ظالما أغري به فإنهم أعانوا بسرا
على ظلمه.
وكان بشر يقال له بسر بن أرطأة العامري نسبة إلى عامر بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك؛ أول جبار دخل اليمن وعسف أهله، واستحل الحرام ولاقى من ذلك قتل الشهيدين كثيرا، وقد قتل من ذلك أمما لا تحصر، وعاث في اليمن حتى بلغ البحر بحر عدن، وقبر الطفلين مشهور بصنعاء، في مسجد يعرف بمسجد الشهيدين يزار ويستنجح من الله فيه الحاجات ولما بلغ عليا كرم الله وجهه دخول بسر اليمن جهز ألفي فارس من الكوفة ومثلها من البصرة وجعل على الجميع جارية بن قدامة السعدي، وأمره بدخول اليمن ومتابعة بسر حيث كان ومطالبته بما أحدث في اليمن من قتل أو فساد، فلما دخل جارية اليمن هرب بسر وتفرق أصحابه، ثم إن جماعة من اليمن وغيره كانوا قد وافقوا بشرا على رأيه فلزمهم ونكل بهم وقتل من استحق القتل منهم ثم عاد مكة فحين دخلها بلغه موت علي كرم الله .. "
وقد استمر أصحابنا أهل الحق والاستقامة على القيام بالعدل والصدع بكلمة الحق لا يخافون في الله لومة لائم حتى مضت قرون عديدة وسنون مديدة فظهر فيهم من يتسمون بالعلم والنزاهة ويظهرون الشعارات التي ترفرف بالنزاهة
1 - الكندي السلوك في طبقات العلماء والملوك ج 1 ص 173. (1/333)
صفحة 334
334
والعفة وهم مع ذلك يخلطون الحابل بالنابل والغث بالسمين فيتولون المجرمين ويدعون لهم ويمجدونهم حتى سرى في العامة ذلك وكأنهم لا يعرفون ما يسمى
بولاية المحق والبراءة من المبطل فإنا لله وإنا إليه راجعون اللهم لطفك بنا.
هذا وما كان العلماء العاملون ولا المؤمنون المخلصون يركعون لأهل الفسق والضلال ويدعون لهم في المحافل والمنابر ويتزلفون إليهم لأجل فتات الدنيا الفانية وبيع الآخرة الباقية، بل كانوا يردون عليهم بدعهم ولا يخافون لومة لائم فلما تعفنت القلوب ومرضت النفوس واختلط الحابل بالنابل والغث بالسمين انقلبت الموازين وبيع الدين بالدنيا، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
ومن سيرة أبي بلال مرداس بن حدير به
وكان أبو بلال ملازما للإمام جابر بن زيد حتى قيل: إنه ما كان يصبر على فراقه فقد كان من تشوقه إليه أنه يخرج من عند جابر بعد العشاء ويأتيه قبل صلاة الصبح فيقول له جابر لقد شَقَقْتَ على نفسك فيرد عليه أبو بلال والله لقد طال ما همت نفسي بلقاك شوقا إليك حتى أتيتك. وهذا يبين مدى الصلة الفكرية والروحية التي كانت تربط أبا بلال بالإمام جابر ويذكر مؤرخو الإباضية أن أبا بلال كان لا يبرم أمرا إلا بمشورة الإمام
جابر.
وعندما تولى عبيد الله بن زياد إمارة العراق سنة 55 للهجرة اتبع سياسة جديدة مختلفة عن سياسة والده تجاه القعدة فاشتد في طلب الخوارج واستعمل القسوة مع كل المعارضين سواء كانوا من القعدة أو من الخوارج ورفض الشفاعة في أي واحد منهم
ورغم كل هذا كان أبو بلال يقول كلمة الحق ولم يخش في الله لومة لائم. (1/334)
صفحة 335
335
يقول الدرجيني]: (ثبت عندنا من طريق صحيح أن أبا بلال رحمه الله كان في المسجد الجامع فسمع زيادا يقول على المنبر: (والله لأخذن المحسن منكم بالمسيء والحاضر بالغائب والصحيح بالسقيم) فقام إليه أبو بلال فقال له: (قد سمعنا ما قلت أيها الإنسان، وما هكذا ذكر الله عن نبيه إبراهيم - عليه السلام -، إذ يقول: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38) وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الْأَوْفَى} وإنك تزعم أنك تأخذ المطيع بالعاصي)
.... وذكر عبيد الله بن زياد بن ابيه: البلجاء الخزامية من بني حازم بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم وكانت مشهورة بالورع والزهد والنسك فلقي غيلان بن خرشة الضبي أبا، بلال فقال له سمعتُ الأمير يذكر البلجاء فمضى إليها أبو بلال فقال: إن الله جعل لأهل الإسلام سعة في التقية، فإن هذا الجبار المسرف ذكرك، قالت: أكره أن يصل إلى أحد مكروه بسببي، فإن أخذني فهو أشقى له، وأخذها عدو الله، فقال لها إنك حرورية محلوقة الرأس، فقالت ما أنا كذلك، قال لأرينكم منها عجبا أكشفوا رأسها فمنعتهم فقال: لأكشفنَّ أحسن بضعة منك. قالت: لقد سترته حيث لم تستره أمك قال: إيه ما تشهدين علي قالت: شهد الله عليك ثلاث شهادات بقوله: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (2)، والظَّالِمُونَ) و الْفَاسِقُونَ وشهدت على نفسك أنَّ أولك لزنية وآخرك لدعوى، فعضَّ لحيته فقتلوها، فخرج أبو بلال في جنازتها قال لو أعلم أني أبعث على ما تبعث عليه لعلمت أني سويا على صراط المستقيم. 1
1 - انظر: السير للشماخي 1/ 69. طبقات المشايخ بالمغرب للدرجيني (215/ 2) الكامل في اللغة والأدب
للمبرد ص: 244، (1/335)
صفحة 336
336
وهذا عبد الله بن إباض المري التميمي وكان عابداً زاهداً شجاعاً لا يهاب من الظلمة والجورة، ولا يخضع لهم، وهو الذي أرسل رسائله إلى عبد الملك بن مروان، يبين له فيها الحق ويحذره من الغرور بالدنيا، ويوضح له سبيل الهدي، وهو القائل في جوابه لعبد الملك عندما أغراه عبد الملك بن مروان بالمال فأجابه: (ولا تعرض لي الدنيا فليس لي بها حاجة).
قَدْ كَانَ فِي أَيَّامٍ عَبْدِ المَلِكِ مَعْ شِدَّةِ الأَمْرِ وضِيقِ المَسْلَكِ
نَاقِشَهُ و بَيَّنَ الصَّوْابَا وَلَمْ يَكُنْ لِبَأْسِهِ قَدْ هَابَا
وكَانَ لا يَدْعُوهُ إِلا بِاسمِهِ تَعَـ
زُزُاً بِحَقِهِ و عِلْمِهِ
فَصَارَ مَعْرُوفاً مَعْ الجَمِيعِ لِمَا حَوَى مِنْ شَرَفٍ رَفِيعِ
ونَسَبُوا مَنْ كَانَ فِي طَرِيقتِهُ إِليهِ لاشْتِهَارِ حُسْنِ سِيرَتِها
وكتب العقيدة والفقه والتأريخ والسّير مليئة بذلك.
وليس هذا محل بسط هذه المسألة والله يوفق عباده إلى الرجوع على طاعته اللهم آمين. وانظر: الجزء الرابع فقد سبق شيء من هذا القبيل وخذ الحق واترك الباطل فإنه مردود على قائله.
1 - نور الدين السالميه وكشف الحقيقة لمن جهل الطريقة ص.1. وانظر: العرى الوثيقة شرح كشف الحقيقة للعلامة الراحل؛ سالم بن حمود السيابي 69 - 70 ط الأولى. (1/336)
صفحة 337
337
هذا وأسأل الله أن يمن على الجميع بالتوفيق والسداد والرجوع إلى الحق والبعد عن الباطل وتطبيق شرع الله الخالد الذي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} (42) الكهف.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (135) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (136) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (137) بَشِرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (139) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا)) (140)
الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (141) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (143) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (144) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا (1/337)
صفحة 338
338
وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (146) مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (147) النساء.
والله حسبنا ونعم الوكيل منه المبدأ وإليه الرجعى وإليه المصير وله الحمد وحده في الآخرة والأولى لا شريك له.
حرره زهران بن ناصر بن سالم البراشدي بيده الموعودة بالفناء سائلا الله العظيم الرؤف الرحيم العفو الحليم التوفيق لما يرضيه وحسن الخاتمة والفوز بالجنة والنجاة من النار إنه القادر على كل شيء وصلى الله وسلم وباك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين. وكان تمام هذه المسودة يوم الثلاثا 1 من ذي القعدة سنة 1438 هـ الموافق 25 يونيو 2017 م في المملكة المتحدة مدينة ساوثهامبتون. وأنا في زيارة للولد أحمد بن زهران بن ناصر
البراشدي وكان مقيما فيها للدراسة لنيل شهادة الدكتوراه في الحاسب الآلي. (1/338)
صفحة 339
339
الملاحق
أصدرت الهيئة العامة لتوحيد المبادئ بالمحكمة العليا بسلطنة عمان ...
المشكلة برئاسة فضيلة القاضي الشيخ د. اسحاق بن أحمد بن ناصر البوسعيدي / رئيس المحكمة العليا
وعضوية كل من أصحاب الفضيلة القضاة.
الشيخ د. عبد الله بن راشد بن عزيز السيابي/ نائب رئيس المحكمة العليا. الشيخ د. صالح بن حمد بن سالم الراشدي / نائب رئيس المحكمة العليا. د. خليفة بن محمد بن عبد الله الحضرمي /نائب رئيس المحكمة العليا. السيد/ خليفة بن سعيد بن خليفة البوسعيدي / نائب رئيس المحكمة العليا. سليمان بن عبد الله بن خلفان اللويهي/قاضي بالمحكمة العليا. سالم بن محمد بن سالم البراشدي / قاضي بالمحكمة العليا سالم بن راشد بن سالم القلهاتي / قاضي بالمحكمة العليا. مسعود بن محمد بن علي الراشدي قاضي بالمحكمة العليا
د. محمد صالح علي سيد أحمد قاضي بالمحكمة العليا
الشيخ/د. يعقوب بن محمد بن عبيد السعيدي/قاضي بالمحكمة العليا.
وبحضور/ يوسف بن خلفان الرحبي / أميناً للسر.
في الجلسة العلنية المنعقدة يوم الاربعاء 12/رمضان/1438 هـ، الموافق 7 يونيو / 2017 م الحكم التالي في الطعن رقم 2015/ 1076 م الدائرة المدنية (ب) في الحكم رقم 2015/ 303 م استئناف مسقط المقام من الطاعنة:
ويمثلها المحامي للمحاماة والاستشارات القانونية (1/339)
صفحة 340
340
...................
ويمثلها المحامي ............. للمحاماة والاستشارات القانونية
الوقائع: تتلخص الوقائع كما أوردها الحكم المطعون فيه وسائر الأوراق في أنَّ الطاعنين (المدعين أقاموا الدعوى رقم 2015/ 26 م بتاريخ 2015/ 1/12 م لدى المحكمة الابتدائية بمسقط بواسطة محاميهم بموجب صحيفة طلبوا في ختامها الحكم بإلزام المطعون ضدها (المدعى عليها) بأن تؤدي لهم الدية الشرعية مع المصاريف وأتعاب المحاماة، وذلك على سند من القول أن مورثهم ...... ..... تعرض لحادث سير تسببت فيه المركبة رقم (1060 رس) المؤمنة لدى المطعون ضدها (المدعى عليها) وقد توفي من جراء الحادث مما حدا بالورثة لإقامة هذه الدعوى. وفي جلسة 2015/ 2/1 مثل وكيلا الطرفين أمام المحكمة وتقدم وكيل المطعون ضدها (المدعى عليها بمذكرة بالرد دفع في مستهلها بعدم سماع الدعوى لسقوطها بالتقادم لمرور أكثر من عامين على حدوث الواقعة وكذلك من تاريخ الحكم الجزائي الصادر في الجناية رقم 2011/ 83 جنايات مسقط بتاريخ 2011/ 7/16. وبتاريخ: 1436/ 5/3 هـ الموافق 2015/ 2/22 م حكمت المحكمة الابتدائية بعدم سماع الدعوى لسقوطها بالتقادم وألزمت الطاعنين (المدعين) بالمصاريف. وحيث لم يلق هذا الحكم قبولاً لدى الطاعنين (المدعين) فطعنوا فيه بالاستئناف رقم (2015/ 303 م) بموجب صحيفة موقعة من وكيلهم القانوني طلبوا في ختامها قبول الاستئناف شكلاً وفي الموضوع إلغاء الحكم المستأنف والقضاء مجدداً بدفع دية الهالك إلى ورثته الشرعيين وإلزام المستأنف ضدها المصاريف. وقد أقيم الاستئناف على أسباب حاصلها أن الحكم المستأنف أخطأ في تطبيق القانون وشابه القصور في التسبيب والفساد في الاستدلال عندما قضى بعدم سماع الدعوى لانقضائها بالتقادم لأن المادة 16/أ من قانون تأمين المركبات لا تنطبق على واقعات الدعوى. وفي ردها على أسباب الاستئناف بجلسة 2015/ 5/31 تمسكت المطعون ضدها المستأنف (ضدها بالتقادم. وبتاريخ (1/340)
صفحة 341
341
1436/ 8/19 هـ الموافق 2015/ 6/7 م أصدرت محكمة الاستئناف حكمها بقبول الاستئناف شكلاً وفي الموضوع برفضه وتأييد الحكم المستأنف وألزمت المستأنفة بالمصاريف، ذلك: "أنه طبقا للمادة 1/ 16 من قانون تأمين المركبات أن جميع الدعاوى الناشئة عن هذا القانون لا تسمع في حالة مرور سنتين من تاريخ حدوث الواقعة وأنها تشمل جميع الدعاوى الناشئة عن عقد التأمين وليس دعاوى بعينها"
وحيث لم يلق هذا الحكم قبولا من الطاعنين فطعنوا فيه بالنقض الماثل بموجب صحيفة وقعها محامهم المقبول للترافع أمام المحكمة العليا وأودعها المحكمة العليا بتاريخ 2015/ 7/9 م مشفوعة بصورة من سند وكالته عنهم وما يفيد سداد الرسم المقرر وإيداع الكفالة طبقاً لمقتضيات المادتين 246 و 247 ف 1، من قانون الإجراءات المدنية والتجارية.
أمانة
سر
وحيث إن الطعن أقيم على سبب واحد ينعى به الطاعنون على الحكم المطعون فيه مخالفته للقانون والخطأ في تطبيقه وتأويله والفساد في الاستدلال، ذلك لأنه أحال إلى أسباب الحكم الابتدائي الذي أسس قضاءه بعدم سماع الدعوى لسقوطها بالتقادم على أن الدعوى أقيمت بعد مرور عامين من تاريخ وقوع الحادث الذي وقع بتاريخ 2011/ 5/2 م، وأن الصحيفة أودعت بالمحكمة الابتدائية بتاريخ 2015/ 1/12 م، وهذا استدلال باطل ومردود عليه بأن المادة (16/أ) من قانون تأمين المركبات التي استند عليها الحكم المطعون فيه التي نصت على أنه لا تسمع الدعوى الناشئة عن تطبيق هذا القانون بعد انقضاء سنتين من تاريخ حدوث الواقعة التي رفعت بشأنها الدعوى. لا تنطبق على واقعات هذه الدعوى، لأن الدعاوى التي تنشأ عن عقد التأمين ويسري عليها التقادم الوارد في هذه المادة تشمل دعاوى المطالبة بالأقساط دعوى البطلان، دعوى الفسخ، وهناك دعاوى تتعلق بالتأمين ولكن لا يسري عليها التقادم المشار إليه في هذه المادة إلا إذا كانت صادرة من طرف في عقد التأمين ضد الآخر. ولما كان الثابت أن (1/341)
صفحة 342
342
الهالك من الغير وليس طرفاً من أطراف عقد التأمين فإن ورثته (الطاعنين) ليسوا طرفاً في عقد التأمين ومن ثم يتبين عدم انطباق هذه المادة على الدعوى. ولقد استقرت السوابق القضائية على الفهم السابق كحكم المحكمة العليا رقم (2014/ 1073 م) والحكم الاستئنافي رقم 2011/ 710 م 2015/ 322 م والحكم الابتدائي رقم 2012/ 834 م المرفقة بصحيفة الطعن، وبناءً عليه يلتمس الطاعنون قبول الطعن شكلاً وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه والتصدي للموضوع والقضاء مجدداً أصليا بإلزام المطعون ضدها بالدية الشرعية للهالك: جسوانت سينغ واحتياطيا نقض الحكم الطعين وإحالته إلى المحكمة التي أصدرته لتحكم فيه من جديد بهيئة مغايرة مع إلزام المطعون ضدها بالمصاريف ومبلغ ألف ريال عماني مقابل أتعاب محاماة.
وحيث تم إعلان المطعون ضدها بصحيفة الطعن بتاريخ 2015/ 8/10 فردت عليها بتاريخ 2015/ 8/12 بواسطة محاميها المقبول للترافع أمام المحكمة العليا في مذكرة جاء فيها: إن النص القانوني الخاص بالتقادم على الدعاوى الناشئة عن تطبيق قانون تأمين المركبات أولى بالتطبيق حيث نص على أنه: "لا تسمع الدعاوى الناشئة عن تطبيق هذا القانون بعد انقضاء سنتين من تاريخ حدوث الواقعة التي رفعت بشأنها الدعوى، على أنه في حالة إخفاء بيانات جوهرية متعلقة بالخطر المؤمن منه أو تقديم بيانات جوهرية غير صحيحة فإن مدة التقادم المذكورة تسري من تاريخ علم صاحب المصلحة في رفع الدعوى بالبيانات المخفاة أو البيانات الصحيحة وحيث إن التقادم هو المدة المسقطة لإقامة الدعوى أو سقوط الحق في المطالبة القضائية، فإن الأصل المتفق عليه هو أن سقوط الحق في رفع الدعوى لا يعدم الحق المطالب به ضد الأصيل والمسؤول الأول عن العمل غير المشروع، لأن التقادم المنصوص عليه في قانون تأمين المركبات ونصوص وثيقة التأمين الموحدة هو تقادم خاص لإدارة شركات التأمين (1/342)
صفحة 343
343
التي تحملت فترة ترقب الخطر فأفرد لها المشرع مدة معينة لمطالبتها بشأن التزامها بجبر الضرر.
والمطالبة القضائية شرعت لاستخدامها فور استحقاق أو حلول موعد الحق أو وقوع الحدث القانوني أو الواقعة المنشئة للحق، ومرور الزمن يحسب قرينة على أمرين: الأول أنه قرينة وفاء، والثاني أنه قرينة تنازل عن استعمال الحق لأنه ليس من العدل أن يظل المدين مهددا بانتظار دعوى قد ترفع عليه أم لا، فما إن يقع الخطر المؤمن منه تبدأ مسؤولية الشركة قبل المؤمن له والغير المستفيد من الوثيقة، ولا يصح أن تظل الشركة حبيسة انتظار المطالبة بالحق أكثر من المدة التي حددها المشرع.
وحيث إنه عن القول بأن الطرف الثالث لا دخل له بعقد التأمين وليس طرفاً فيه ومن ثم لا ينطبق عليه حكم التقادم الوارد بالقانون، فإنه غير صحيح ويجافي مقصود المشرع، ذلك أن التأمين الإجباري شرع لمصلحة الغير ولا يستفيد منه المؤمن له سوى من خلال نقل المسؤولية المدنية الناجمة عن عمل غير مشروع لشركة التأمين بموجب نصوص القانون والوثيقة التي يتم تحريرها لمالك
المركبة.
وبما أن القانون حدد المسؤولية وحدد أسباب التقاضي بالنسبة للدعاوى الناشئة عن القانون فلا يصح أن يتم التعامل مع الطرف الثالث أنه من الغير بالنسبة لتطبيق القانون، فالقواعد القانونية سِمتُها الأساسية العمومية والتجريد، والتأمين شرع لمصلحة المضرور من الجريمة حرصاً على أن ينال حقه من موسر وبطريقة أسرع فإذا خالف المستفيد هذه القواعد ولم يطلب حقه في الوقت الذي حدده المشرع فإن القضاء بعدم سماع الدعوى يعيب صحيح القانون، والقول بغير ذلك يعوزه عدم صدور مبادئ موحدة ملزمة للمحاكم بحيث تتقادم الدعوى الناشئة عن تطبيق قانون التأمين بمضي سنتين من تاريخ (1/343)
صفحة 344
344
حدوث الواقعة التي رفعت بشأنها الدعوى، ويبدأ حساب مدة التقادم في مطالبة دعوى التأمين من يوم وقوع الحادث وليس من تاريخ شفاء المتضرر (قرار رقم 30 في الطعن رقم 2004/ 122). الأمر المؤكد لصحة الدفع المبدأ من المطعون ضدها أمام محكمتي الموضوع، إذ إن تقادم الدعوى الناشئة عن تطبيق قانون التأمين بمضي سنتين من تاريخ حدوث الواقعة التي رفعت بشأنها الدعوى يبدأ حساب مدة التقادم في مطالبة دعوى التأمين من يوم وقوع الحادث وليس من تاريخ شفاء
المتضرر.
وطلب وكيل المطعون ضدها في ختام رده عدم قبول الطعن للتوقيع عليه من محامٍ لا يحمل توكيلا من الورثة أصحاب الحق في الطعن، واحتياطيا رفض الطعن وإلزام رافعته المصاريف وأتعاب المحاماة. وقد تم إعلان الطاعنين بمذكرة الدفاع فعقبوا عليها، كما أبدت المطعون ضدها بملاحظاتها على التعقيب. وحيث إنه لما كان اجتهاد الدائرة المدنية (ب) بالمحكمة العليا قد استقر على أن الدعاوى الناشئة عن تطبيق قانون تأمين المركبات تتقادم وفقا لحكم المادة (16/أ) من القانون المذكور بمضي سنتين لا من تاريخ حدوث الواقعة التي رفعت بشأنها الدعوى، بل من تاريخ صدور الحكم الجزائي المثبت لمسؤولية مرتكب الحادث، وكانت الدائرة المدنية (أ) بالمحكمة قد ذهبت إلى أن " التقادم المشار إليه في المادة (16) من قانون تأمين المركبات هو بين طرفي العقد ولا يمتد إلى الطرف الثالث الذي يعتبر من الغير "، فقد اقتضى هذا التعارض عرض
الحكمين على الهيئة تطبيقا لحكم المادة (9) من قانون السلطة القضائية. (1/344)
صفحة 345
345
الهيئة:
بعد الاطلاع على الحكم المطعون فيه وسائر الأوراق، وبعد الاستماع إلى تقرير القاضي المقرر، وبعد المداولة وحيث إن الطعن استوفى أوضاعه القانونية فهو مقبول شكلا.
وحيث إن المادة (9) من قانون السلطة القضائية التي تنص على: "إذا تبين لإحدى دوائر المحكمة العليا عند نظر أحد الطعون أنه صدرت منها، أو من إحدى دوائر المحكمة أحكام سابقة يخالف بعضها البعض، أو رأت العدول عن مبدأ قانوني قررته أحكام سابقة صادرة من المحكمة العليا، تعين عليها إحالة الطعن إلى هيئة تشكل برئاسة رئيس المحكمة أو الأقدم فالأقدم من نوابه
وعضوية عشرة من الأقدم فالأقدم من نواب الرئيس وقضاة المحكمة." وحيث إنه استبان للهيئة أنه قد صدرت بالفعل أحكام من دائرتين من دوائر المحكمة العليا يعارض بعضها بعضا، وكان هذا الطعن قد أحيل إلى الهيئة من الدائرة المدنية (ب) تطبيقا لحكم المادة (9) فقد انعقد الاختصاص للهيئة بنظر هذا الطعن.
وحيث إنه عن النعي على الحكم المطعون فيه بمخالفة القانون والخطأ في تطبيقه وتأويله والفساد في الاستدلال فإنه ليس في محله ذلك إنه لئن كانت القاعدة العامة وفقا لما نصت عليه المادة (185) من قانون المعاملات المدنية، أن دعوى التعويض الناشئة عن الفعل الضار تتقادم بمضي خمس سنوات من اليوم الذي علم فيه المضرور بحدوث الضرر وبالمسئول عنه، وتتقادم في جميع الأحوال بانقضاء خمس عشرة سنة من يوم وقوع الفعل الضار، وكانت المادة (735) من ذات القانون قد نصت على أن " التأمين تنظم أحكامه القوانين الخاصة "، ولما كان قانون تأمين المركبات الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 1994/ 34 هو أحد هذه القوانين حيث نظم أحكام التأمين الإجباري على (1/345)
صفحة 346
346
السيارات فإنه يكون المرجع في شأن القواعد ذات الصلة، بما في ذلك تقادم الدعاوى الناشئة عن تطبيق هذا القانون.
وحيث إن المادة (16/أ) من قانون تأمين المركبات تنص على أنه: " لا تسمع الدعاوى الناشئة عن تطبيق هذا القانون بعد انقضاء سنتين من تاريخ حدوث الواقعة التي رفعت بشأنها الدعوى على أنه في حالة إخفاء بيانات جوهرية متعلقة بالخطر المؤمن منه أو تقديم بيانات جوهرية غير صحيحة فإن مدة التقادم المذكورة تسري من تاريخ علم صاحب المصلحة في رفع الدعوى بالبيانات المخفاة أو البيانات الصحيحة."
وحيث إن المضرور؛ وهو الطرف الثالث أو الغير أي غير السائق ومن في حکمه - ليس له في الأصل علاقة مباشرة مع المؤمن لأن عقد التأمين لصالح الغير في معنى المادة (2) من قانون تأمين المركبات هو عقد ينقل بمقتضاه المؤمن له عبء الوفاء بما قد يحكم به عليه من تعويضات إلى المؤمن في حالة تحقق الخطر المؤمن منه بثبوت مسؤولية قائد المركبة المؤمنة أو من في حكمه، إلا أن القانون أنشأ لهذا المضرور حقا في الرجوع مباشرة على المؤمن بدعوى مباشرة بصريح حكم المادة (13) من قانون تأمين المركبات التي جرى نصها على أنه: "للمضرور من حادث السير دعوى مباشرة تجاه المؤمن ولا تسري بحق المضرور الدفوع التي يجوز للمؤمن أن يتمسك بها في مواجهة المؤمن له."
ولما كان سند هذه الدعوى التي يرفعها المضرور هو ما قررته المادة (13) المشار إليها دون غيرها فإنها تكون دعوى ناشئة عن تطبيق قانون تأمين المركبات، شأنها شأن الدعوى التي يقيمها المؤمن، ومن ثم تسري عليهما الأحكام المنصوص عليها في قانون تأمين المركبات
وحيث إن نص المادة (16) من قانون تأمين المركبات المشار إليه تضمن حكما خاصا، صريحا وجليا في معناه، قاطعا في الدلالة على المراد منه، وهو عدم سماع (1/346)
صفحة 347
347
الدعاوى الناشئة عن تطبيق قانون تأمين المركبات بعد انقضاء سنتين من تاريخ حدوث الواقعة التي رفعت بشأنها الدعوى، فلا يستقيم القول بعدم انطباق حكم المادة (16) المشار إليها على الدعوى المباشرة، هذا فضلا عن أن القانون ساوى في الحكم بين الدعويين المباشرة وتلك الناشئة عن عقد التأمين. ومفاد هذا ومقتضاه أن القاعدة العامة هي عدم سماع كافة الدعاوى المذكورة بالتقادم الثنائي، أي تلك التي ترفع من المضرور أو المؤمن على حد سواء، باستثناء الحالتين المنصوص عليهما في الفقرة الثانية من المادة (16) سالفة البيان حيث يتراخى بدء سريان التقادم عن وقت حدوث الواقعة التي رفعت بشأنها الدعوى في حالة إخفاء بيانات متعلقة بالخطر المؤمن منه أو تقديم بيانات غير صحيحة أو غير دقيقة إذ في كل من هاتين الحالتين لا يبدأ سريان التقادم إلا من اليوم الذي يعلم فيه صاحب المصلحة في رفع الدعوى بإخفاء أو عدم صحة البيانات المشار
إليها.
وحيث إنه لما كان الهدف من التأمين الإجباري على المركبات لصالح الغير عملا بمقتضى المادة الثانية من قانون تأمين المركبات هو ضمان حصول المضرور من الحوادث الناشئة عن استعمال المركبات من طرف مليء وهو المؤمن، فإن لازم ذلك هو إقامة دعوى التعويض فور وقوع الحادث دون تراخ، ومع ذلك وحماية للمضرور فقد مد القانون النطاق الزمني الذي يمكن أن ترفع فيه الدعوى المباشرة إلى عامين من تاريخ حدوث الواقعة أي تاريخ حدوث الضرر. وحيث إن الضرر ناجم عن فعل يعد جريمة وفقا لقانون المرور الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 1993/ 28 - الباب السابع - فإن رفع الدعوى الجزائية لمساءلة المتسبب فى الجريمة الناشئ عنها الضرر الموجب للتعويض، يقتضي عدالة أن يتراخى بدء سريان التقادم المنصوص عليه في المادة (16/أ) المشار إليها حتى الفصل في الدعوى الجزائية وصيرورة الحكم الصادر فيها باتا بحسبانها سندا للدعوى المباشرة. (1/347)
صفحة 348
348
وحيث إنه إذا كان الثابت من مطالعة الأوراق أن الحادث محل هذا الطعن قد وقع بتاريخ،2011/ 5/2، وكان حكم محكمة الجنايات بشأن الواقعة التي رفعت عنها الدعوى قد صدر بتاريخ 2011/ 7/16، وأصبح هذا الحكم باتا بتاريخ 2011/ 8/24 تاريخ انقضاء مدة الطعن في الحكم أمام المحكمة العليا، فإن بدء سريان التقادم يكون اعتبارا من هذا التاريخ وحيث إن الطاعنين أقاموا دعواهم للمطالبة بالتعويض بتاريخ 2015/ 1/12، فإنها تكون غير مسموعة بسبب التقادم الثنائي لمضي أكثر من سنتين من تاريخ صيرورة حكم محكمة الجنايات باتا، مما يتعين معه القضاء برفض الطعن وإلزام الطاعنين المصاريف ومصادرة الكفالة تطبيقا لحكم المادة (261) من قانون الإجراءات المدنية والتجارية.
لهذه الأسباب
حكمت الهيئة بقبول الطعن شكلا وفي الموضوع برفضه والزام الطاعنين المصاريف ومصادرة الكفالة.
أمين السر
رئيس الهيئة (1/348)
صفحة 349
الصفحة
المحتويات
الموضوع
المقدمة
تعريف الدعوى
الفرق بين المدعي والمدعى عليه
أقسام الدعاوى والفرق بينها
الدعوى الباطلة غير المقبولة
الدعوى الصحيحة المسموعة
شروط تقديم الدعوى
حكم الدعوى المسموعة
محل سماع الدعوى
شروط الدعوى الصحيحة
تقسيم الدعاوى (1/349)
صفحة 350
الكلام على فتاوى القلوب وتشريع الأحكام ...........
ما يحتاجه الحاكم في المسائل المعروضة
عليه.
بعض صور من الدعاوى.
الكلام على عدم سماع الدعوى والفرق بينها وعدم
سقوط الحق بالتقادم
توطئة ..
الكلام على الحيازة ..
اختلاف العلماء فى طول الزمان.
بعض مبررات عدم السماع
دعوى الخلف في حق لم يدع فيه سلفه.
بعض
صور من قضايا
عدم سماع
الدعوى.
السكوت في معرض الحاجة الى البيان بيان".
ترك النكير حجة ممن تركه.
معنى ترك النكير حجة من بيان الشرع
وغيره ...........
الكلام على تسبب الانسان في فساد ماله او
نفسه ......
بعض مواد القانون في الموضوع. (1/350)
صفحة 351
دعوى الفعل الضار.
"الفعل النافع"
الدعاوى الحدية.
تطبيقات.
القضاء على الغائب.
دعاوى الرهن
قوة الأمر المقضي ...
فائدة نختتم بها هذا البحث
الملاحق.
مبدأ صادر من الهيئة العامة لتوحيد المبادي
بالمحكمة العليا (1/351)